{"ً":{"ٌ":11727,"ٍ":"الإبهاج في شرح المنهاج - ط العلمية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/ibhaj_elmiya/","files":["00_16496.pdf","01_16496.pdf","02_16497.pdf","03_16498.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الإبهاج في شرح المنهاج (على منهاج الوصول إلي علم الأصول للقاضي البيضاوي المتوفي سنه ٦٨٥ هـ)\nالمؤلف: شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفي: ٧٥٦ هـ) وولده تاج عبد الوهاب بن علي السبكي (ت ٧٧١ هـ)\nتنبيه: شرح التقي السبكي قطعة يسيرة من أول المنهاج، ثم أعرض عنه فأكمله ابنه التاج، بداية من قول البيضاوي: «الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا».\nكتب هوامشه وصححه: جماعة من العلماء بإشراف الناشر\nالناشر: دار الكتب العلمية - بيروت\nالطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م\nعدد الأجزاء: ٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":723,"ٕ":11,"ٖ":1770155244,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":1},{"title":"فائدة علم الأصول","level":2,"page":4},{"title":"شروط المجتهد","level":2,"page":8},{"title":"شرح ديباجة الكتاب","level":2,"page":10},{"title":"تعريف أصول الفقه","level":2,"page":19},{"title":"تعريف الفقه","level":2,"page":29},{"title":"مقدمة","level":1,"page":44},{"title":"الباب الأول في الحكم","level":2,"page":44},{"title":"الفصل الأول: في تعريف الحكم","level":3,"page":44},{"title":"الفصل الثاني: في تقسيم الحكم","level":3,"page":52},{"title":"التقسيم الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود","level":4,"page":52},{"title":"التقسيم الثاني: باعتبار الحسن والقبيح","level":4,"page":62},{"title":"التقسيم الثالث: إلى السبب والمسبب","level":4,"page":65},{"title":"التقسيم الرابع: بعتبار الصحة والفساد","level":4,"page":68},{"title":"تعريف الاجزاء","level":4,"page":72},{"title":"التقسيم الخامس: إلى الأداء والإعادة والقضاء","level":4,"page":75},{"title":"التقسيمالسادس: إلى العزيمة والرخصة","level":4,"page":82},{"title":"الفصل الثالث: في أحكام الحكم","level":3,"page":84},{"title":"المسألة الأولى: الواجب المعين والمخير","level":4,"page":84},{"title":"تذنيب","level":4,"page":92},{"title":"المسألة الثانية: الوجب الموسع والمضيق","level":4,"page":94},{"title":"المسألة الثالثة: الوجب العيني والواجب الكفائي","level":4,"page":101},{"title":"المسألة الرابعة: مقدمة الواجب","level":4,"page":104},{"title":"السألة الخامسة: وجوب الشىء يستلزم حرمة نقيضه","level":4,"page":121},{"title":"المسألة السادسة: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز","level":4,"page":127},{"title":"المسألة السابعة: الواجب لا يجوز تركه","level":4,"page":131},{"title":"الباب الثاني فيما لا بد للحكم منه","level":2,"page":136},{"title":"الحاكم","level":3,"page":136},{"title":"الحسن والقبيح","level":4,"page":136},{"title":"فرعا الحسن والقبيح. الفرع الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلا","level":4,"page":140},{"title":"الفرع الثاني: الأفعال الختيارية قبل البحث","level":4,"page":144},{"title":"أدلة القائلين بالإباحة","level":4,"page":148},{"title":"أدلة القائلين بحرمتها","level":4,"page":151},{"title":"المحكوم عليه","level":3,"page":153},{"title":"المسألة الأولى: الاحكم على المعدوم","level":4,"page":153},{"title":"المسألة الثانية: تكليف الغافل","level":4,"page":158},{"title":"المسألة الثالثة: الإكراه الملجىء يمنع التكليف","level":4,"page":164},{"title":"المسألة الرابعة: وقت توجيه الخطاب إلى المكلف","level":4,"page":167},{"title":"أدلة القائلين بتوحه الخطاب","level":4,"page":170},{"title":"المحكوم به","level":3,"page":173},{"title":"المسألة الأولى: جواز التكليف بالمحال","level":4,"page":173},{"title":"أدلة القائلين بعدم الوقوع","level":4,"page":177},{"title":"دليل القائلين بالوقوع","level":4,"page":178},{"title":"المسألة الثانية: تكليف الكفار","level":4,"page":180},{"title":"أدلة القائلين بتكليف الكفار","level":4,"page":185},{"title":"المسألة الثالثة: امتثال الأمر يوجب الإجزاء","level":4,"page":190},{"title":"الكتاب الأول في الكتاب وهو القرآن الكريم","level":1,"page":193},{"title":"اللغات","level":2,"page":195},{"title":"الفصل الأول: الوضع","level":3,"page":195},{"title":"*","level":4,"page":195},{"title":"أسباب وضع اللغات","level":4,"page":197},{"title":"الواضع للغات وآراء العلماء فيها","level":4,"page":199},{"title":"الأدلة","level":4,"page":201},{"title":"طريق معرفة اللغات","level":4,"page":206},{"title":"الفصل الثاني: تقسيم الألفاظ","level":3,"page":207},{"title":"الفصل الثالث: الأشتقاق","level":3,"page":225},{"title":"تعريف الاشتقاق","level":4,"page":225},{"title":"أحكام الاشتقاق","level":4,"page":230},{"title":"الفصل الرابع: الترادف","level":3,"page":241},{"title":"تعريفه","level":4,"page":241},{"title":"أحكام المتردفات","level":4,"page":244},{"title":"الفصل الخامس: الاشتراك","level":3,"page":250},{"title":"الفصل الساس: الحقيقة والمجاز","level":3,"page":273},{"title":"تعريف الحقيقة والمجاز","level":4,"page":273},{"title":"المسألة الأولى: وجود الحقيقة اللغوية والعرفية","level":4,"page":277},{"title":"المسألة الثانية: أنواع المجاز","level":4,"page":298},{"title":"المسألة الثألثة: شرط المجاز وجود العلاقة","level":4,"page":304},{"title":"المسألة الرابعة: المجاز بالذات لايكون في الحروف","level":4,"page":318},{"title":"المسألة الخامسة: المجاز خلاف الأصل","level":4,"page":321},{"title":"المسألة السادسة: لأأسباب التي تدعو إلمجاز","level":4,"page":325},{"title":"المسألة السابعة: اللفظ قدلا يكون حقيقة","level":4,"page":327},{"title":"المسألة الثامنة: علامة الحقيقة والمجاز","level":4,"page":328},{"title":"الفصل السابع: تعارض ما يخل بالفهم","level":3,"page":331},{"title":"الفصل الثامن: تفسير حروف يحتاجه إليها","level":3,"page":347},{"title":"المسألة الأولى: الواو","level":4,"page":347},{"title":"المسألة الثانية: الفاء","level":4,"page":355},{"title":"المسألة الثالثة: في","level":4,"page":357},{"title":"المسألة الرابعة: من","level":4,"page":360},{"title":"المسألة الخامسة: الباء","level":4,"page":363},{"title":"المسألة السادسة: إنما","level":4,"page":369},{"title":"الفصل التاسع: كيفية الاستدلال بالألفاظ","level":3,"page":373},{"title":"المسألة الأولى: لا يخطبنا الله تعالى بالمهمل","level":4,"page":373},{"title":"المسألة الثانية: لا يعني خلاف الظاهر من غير بيان","level":4,"page":377},{"title":"المسألة الثالثة: دلالة المنطوق والمفهوم","level":4,"page":379},{"title":"المسألة الرابعة: تعليق الحكم بالأسم","level":4,"page":384},{"title":"المسألة الخامسة: التخصيص بالشرط","level":4,"page":395},{"title":"المسألة السادسة: التخصيص بالعدد","level":4,"page":399},{"title":"المسألة السابعة: استقلال النص بافادة الحكم وعدمه","level":4,"page":402},{"title":"الباب الثاني في الأوامر والنواهي","level":2,"page":404},{"title":"الفصل الأول في لفظ الأمر","level":3,"page":404},{"title":"المسألة الأولى في حقيقة الأمر","level":4,"page":404},{"title":"المسألة الثانية في تعريف الطلب","level":4,"page":411},{"title":"الفصل الثاني: في صيغة أفعل","level":3,"page":416},{"title":"المسألة الأولى في معاني صيغة أفعل","level":4,"page":416},{"title":"المسألة الثانية: صيغة أفعل حقيقة في الوجوب","level":4,"page":420},{"title":"المسألة الثالثة مدلول الأمر بعد التحريم","level":4,"page":446},{"title":"المسألة الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه","level":4,"page":452},{"title":"المسألة الخامسة الأمر المغلق بشرط أو صفة هل يفيد التكرار","level":4,"page":464},{"title":"المسألة السادسة: الأمر الطلق هل يفيد الفور؟","level":4,"page":465},{"title":"الفصل الثالث في النواهي","level":3,"page":474},{"title":"المسألة الأولى: النهي يقتضي التحريم","level":4,"page":474},{"title":"المسألة الثانية: النهي يدل على الفساد","level":4,"page":477},{"title":"المسألة الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد","level":4,"page":480},{"title":"المسألة الرابعة: أقسام النهي","level":4,"page":491},{"title":"الباب الثالث في العموم والخصوص","level":2,"page":493},{"title":"الفصل الأول: في العموم","level":3,"page":493},{"title":"تعريف العام","level":4,"page":493},{"title":"المسألة الأولى: الفرق بين العام وما يشاركه في الجنس","level":4,"page":503},{"title":"المسألة الثانية: في أقسام العام","level":4,"page":505},{"title":"المسألة الثالثة: في الجمع المنكر لا يقتضي العموم","level":4,"page":529},{"title":"المسألة الرابعة: نفي المساواة بين الشئين هل هو عام.","level":4,"page":530},{"title":"الفصل الثاني في الخصوص","level":3,"page":534},{"title":"المسألة الأولى: في تعريف التخصيص والفرق بينه وبين النسخ","level":4,"page":534},{"title":"المسألة الثانية: الذي يقبل التخصيص","level":4,"page":537},{"title":"المسألة الثالثة: في غاية التخصيص","level":4,"page":541},{"title":"المسألة الرابعة: العام بعد التخصيص هل هو حقيقة أم مجاز؟","level":4,"page":548},{"title":"المسألة الخامسة: المخصص بمعين حجة","level":4,"page":556},{"title":"المسألة السادسة: يستدل بالعام مالم يظهر المخصص","level":4,"page":561},{"title":"الفصل الثالث: في المخصص، وهو متصل ومنفصل","level":3,"page":564},{"title":"الأول: الإستثناء","level":4,"page":564},{"title":"المسألة الأولى: في شروطه","level":4,"page":566},{"title":"المسألة الثانية: الإستثناء من الإثبات نفي وبالعكس","level":4,"page":572},{"title":"المسألة الثالثة: في حكم الاستثناءات المتعددة","level":4,"page":575},{"title":"المسألة الرابعة: الاستثناء بعد الجمل","level":4,"page":577},{"title":"الثاني: الشرط","level":4,"page":582},{"title":"المسألة الأولى: متى يوجد المشروط","level":4,"page":585},{"title":"المسألة الثانية: العطف على الشرط أو على المشروط.","level":4,"page":586},{"title":"الثالث: الصفة","level":4,"page":587},{"title":"الرابع: الغاية","level":4,"page":588},{"title":"المخصص المنفصل وهو ثلاثة","level":4,"page":594},{"title":"الأول: اللعقل","level":4,"page":594},{"title":"الثاني: الحس","level":4,"page":596},{"title":"الثالث: الدليل السمعي","level":4,"page":598},{"title":"المسألة الأولى: تعارض العام والخاص","level":4,"page":598},{"title":"المسألة الثانية: ما يخصص القرآن الكريم","level":4,"page":600},{"title":"المسألة الثالثة: التخصيص بخبر الواحد","level":4,"page":612},{"title":"المسألة الرابعة: تخصيص المنطوق بالمفهوم","level":4,"page":615},{"title":"المسألة الخامسة: التخصيص بالعادة","level":4,"page":616},{"title":"المسألة السادسة: خصوص السبب لا يخص","level":4,"page":620},{"title":"المسألة السابعة: أفراد فرد لا يخصص","level":4,"page":632},{"title":"المسألة الثامنة: عطف الخاص لا يخصص","level":4,"page":635},{"title":"المسألة التاسعة: عود ضمير خاص لا يخصص","level":4,"page":636},{"title":"تذنيب حكم المطلق مع المقيد","level":4,"page":640},{"title":"الباب الرابع في المجمل والمبين","level":2,"page":647},{"title":"الفصل الأول: في المجمل","level":3,"page":647},{"title":"الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه","level":4,"page":647},{"title":"الثانية: قالت الحنفية (وامسحوا برؤوسكم) مجمل","level":4,"page":652},{"title":"الثالثة: قيل آية السرقة مجملة","level":4,"page":654},{"title":"الفصل الثاني: في المبين","level":3,"page":655},{"title":"تعريف المبين","level":4,"page":655},{"title":"المسألة الأولى: المبين يكون قولا وفعلا","level":4,"page":657},{"title":"المسألة الثانية: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب","level":4,"page":660},{"title":"تنبيه: يجوز تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة","level":4,"page":670},{"title":"الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخخ","level":2,"page":672},{"title":"الفصل الأول: في تعريف النسخ وفيه مسائل","level":3,"page":672},{"title":"المسألة الأولى في وقوع النسخ","level":4,"page":672},{"title":"المسألة الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن ببعض","level":4,"page":677},{"title":"المسألة الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل","level":4,"page":684},{"title":"المسألة الرابعة: يجوز النسخ بغير بدل أو ببدل أثقل منه","level":4,"page":687},{"title":"المسألة الخامسة: نسخ الحكم دون التلاوة وبالعكس","level":4,"page":691},{"title":"المسألة السادسة: نسخ الخبر المستسقبل","level":4,"page":694},{"title":"الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل","level":3,"page":697},{"title":"المسألة الأولى نسخ الكتاب بالسنة وبالعكس","level":4,"page":697},{"title":"المسألة الثانية: لاينسخ المتواتر بالآحاد","level":4,"page":702},{"title":"المسألة الثالثة: الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به","level":4,"page":705},{"title":"المسألة الرابعة: نسنخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى","level":4,"page":709},{"title":"الكتاب الثاني في السنة","level":1,"page":715},{"title":"الباب الأول في أفعاله ﷺ وفيه مسائل","level":2,"page":715},{"title":"المسألة الأولي في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":3,"page":715},{"title":"المسألة الثانية: فعله المجرد يدل على الإباحة","level":3,"page":717},{"title":"المسألة الثالثة: جهة فعله تعلم إما بتنصيصه أو تسويته بما علم من جهته","level":3,"page":725},{"title":"المسألة الرابعة: الفعلان لا يتعارضان","level":3,"page":727},{"title":"المسألة الخامسة: إنه ﵇ قبل النبوة تعبد بشرع وقيل لا","level":3,"page":731},{"title":"الباب الثاني في الأخبار","level":2,"page":737},{"title":"الفصل الأول فيما علم صدقه","level":3,"page":737},{"title":"الفصل الثاني فيما علم كذبه","level":3,"page":751},{"title":"الفصل الثالث فيما ظن صدقه","level":3,"page":755},{"title":"الباب الثالث في شرائظ العمل بالخبر","level":2,"page":767},{"title":"الكتاب الثالث في الإجماع","level":1,"page":805},{"title":"الباب الأول في بيان حجيته","level":2,"page":805},{"title":"المسألة الأولى: ذهب بعضهم إلى استحالته","level":3,"page":805},{"title":"المسألة الثانية: حجية الإجماع والدليل على ذلك","level":3,"page":807},{"title":"المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة والخلاف فيه","level":3,"page":820},{"title":"المسألة الرابعة: إجماع العترة","level":3,"page":822},{"title":"المسألة الخامسة: إجماع الخلفاء الأربعة","level":3,"page":825},{"title":"المسألة السادسة: مايثبت به الإجماع وما لا يثبت","level":3,"page":827},{"title":"*","level":3,"page":828},{"title":"تعريف الإجماع","level":4,"page":828},{"title":"الباب الثاني في أنواع الإجماع","level":2,"page":830},{"title":"المسألة الأولى إذا اختلفوا على قولين فهل لمن بعدهم إحداث ثالث","level":3,"page":830},{"title":"المسألة الثانية: إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم الفصل","level":3,"page":834},{"title":"المسألة الثالثة: يجوز الاتفاق على الحكم بعد الاختلاف","level":3,"page":837},{"title":"المسألة الرابعة: الاتفاق على قولين من اثنين إجمماع","level":3,"page":840},{"title":"المسألة الخامسة: إذا اختلفوا فماتت إحدى الطائفتين يصير قول الباقين حجة","level":3,"page":844},{"title":"الإجماع السكوتي والمذاهب فيه","level":3,"page":845},{"title":"الباب الثالث في شرائطه","level":2,"page":849},{"title":"المسألة الأولى: لابد فيه من قول كل عالمي ذلك الفن","level":3,"page":849},{"title":"المسألة الثانية: لابد للإجماع من سند","level":3,"page":856},{"title":"المسألة الثالثة: لا يشترط انقراض المجمعين","level":3,"page":861},{"title":"المسألة الرابعة: لايشترط التواتر في نقل الإجماع","level":3,"page":863},{"title":"المسألة الخامسة: إذا عارض الإجماع نص أول القابل له","level":3,"page":864},{"title":"الكتاب الرابع في القياس","level":1,"page":865},{"title":"تعريف القياس","level":2,"page":865},{"title":"الباب الأول في بيان أن القياس حجة","level":2,"page":870},{"title":"أقوال العلماء في حجتيه والدليل على ذلك","level":3,"page":870},{"title":"التنصيص على العلة هل هو أمر بالقياس أو لا؟","level":3,"page":884},{"title":"القياس إما قطعي أو ظني","level":3,"page":888},{"title":"ما يجري فيه القياس","level":3,"page":894},{"title":"الباب الثاني في أركان القياس","level":2,"page":903},{"title":"مدخل","level":3,"page":903},{"title":"أركان القياس","level":4,"page":903},{"title":"في العلة وتعريفها","level":3,"page":906},{"title":"الطرف الأول: الطرق الدالة على العليلة","level":4,"page":906},{"title":"الطرف الثاني: فيما يبطل العلية","level":4,"page":952},{"title":"الطرف الثالث: في أقسام العلة","level":4,"page":1006},{"title":"في الأصل والفرع","level":3,"page":1025},{"title":"شروط الأصل","level":4,"page":1025},{"title":"شروط الفرع","level":4,"page":1032},{"title":"قياس التلازم","level":4,"page":1034},{"title":"الكتاب الخامس في دلائل اختلف فيها وفيه بابان","level":1,"page":1036},{"title":"في المقبولة","level":2,"page":1036},{"title":"الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم","level":3,"page":1036},{"title":"الإستصحاب","level":3,"page":1040},{"title":"الاستقراء","level":3,"page":1046},{"title":"الأخذ بأقل ما قيل","level":3,"page":1048},{"title":"المناسب","level":3,"page":1051},{"title":"فقد الدليل بعد التفحص البليغ","level":3,"page":1062},{"title":"في الدلائل المردودة","level":2,"page":1063},{"title":"الاستحسان","level":3,"page":1063},{"title":"قول الصحابي","level":3,"page":1068},{"title":"الكتاب السادس في التعادل والتراجيح","level":1,"page":1076},{"title":"في تعادل الأمارتين في نفس الأمر","level":2,"page":1076},{"title":"في الأحكام الكلية للتراجيح","level":2,"page":1086},{"title":"تعريف الترجيح","level":3,"page":1086},{"title":"لا ترجيح في القطعيات","level":3,"page":1088},{"title":"تعارض الدليلين","level":3,"page":1089},{"title":"تعارض النصين","level":3,"page":1093},{"title":"الترجيح بكثرة الأدلة","level":3,"page":1097},{"title":"في ترجيح الأخبار","level":2,"page":1100},{"title":"طرق ترجيح الأخبار","level":3,"page":1100},{"title":"بحال الراوي","level":4,"page":1100},{"title":"بوقت الرواية","level":4,"page":1108},{"title":"بكيفية الرواية","level":4,"page":1109},{"title":"بوقت ورود الخبر","level":4,"page":1112},{"title":"باللفظ","level":4,"page":1115},{"title":"بالحكم","level":4,"page":1119},{"title":"بعمل أكثر السلف","level":4,"page":1124},{"title":"في تراجيح الأقيسة","level":2,"page":1125},{"title":"بحسب العلة","level":3,"page":1125},{"title":"بحسب دليل العلية","level":3,"page":1129},{"title":"بحسب دليل الحكم","level":3,"page":1134},{"title":"بحسب كيفية الحكم","level":3,"page":1136},{"title":"بموافقة الأصول في العلة","level":3,"page":1137},{"title":"الكتاب السابع في الاجتهاد والافتاء","level":1,"page":1139},{"title":"في الاجتهاد","level":2,"page":1139},{"title":"تعريفه","level":3,"page":1139},{"title":"في المجتهدين","level":3,"page":1140},{"title":"يجوز الاجتهاد للرسول صلى الله علية وسلم","level":4,"page":1140},{"title":"اجتهاد غير الرسول صلى الله علية وسلم","level":4,"page":1147},{"title":"شروط المجتهد","level":4,"page":1150},{"title":"في حكم الحتهاد","level":3,"page":1154},{"title":"القول بالتصويب والتخطئة","level":4,"page":1154},{"title":"في الإفتاء","level":2,"page":1166},{"title":"يجوز الإفتاء للمجتهد","level":3,"page":1166},{"title":"يجوز الستفتاء للعامة","level":3,"page":1168},{"title":"ما يجوز فيه التقليد وما لايجوز","level":3,"page":1173}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,46":47,"1,47":48,"1,48":49,"1,49":50,"1,50":51,"1,51":52,"1,52":53,"1,53":54,"1,54":55,"1,55":56,"1,56":57,"1,57":58,"1,58":59,"1,59":60,"1,60":61,"1,61":62,"1,62":63,"1,63":64,"1,64":65,"1,65":66,"1,66":67,"1,67":68,"1,68":69,"1,69":70,"1,70":71,"1,71":72,"1,72":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":145,"1,144":146,"1,145":147,"1,146":148,"1,147":149,"1,148":150,"1,149":151,"1,150":152,"1,151":153,"1,152":154,"1,153":155,"1,154":156,"1,155":157,"1,156":158,"1,157":159,"1,158":160,"1,159":161,"1,160":162,"1,161":163,"1,162":164,"1,163":165,"1,164":166,"1,165":167,"1,166":168,"1,167":169,"1,168":170,"1,169":171,"1,170":172,"1,171":173,"1,172":174,"1,173":175,"1,174":176,"1,175":178,"1,176":179,"1,177":180,"1,178":181,"1,179":182,"1,180":183,"1,181":184,"1,182":185,"1,183":186,"1,184":187,"1,185":188,"1,186":189,"1,187":190,"1,188":191,"1,189":192,"1,190":193,"1,191":194,"1,192":195,"1,193":196,"1,194":197,"1,195":198,"1,196":199,"1,197":200,"1,198":201,"1,199":202,"1,200":203,"1,201":204,"1,202":205,"1,203":206,"1,204":207,"1,205":208,"1,206":209,"1,207":210,"1,208":211,"1,209":212,"1,210":213,"1,211":214,"1,212":215,"1,213":216,"1,214":217,"1,215":218,"1,216":219,"1,217":220,"1,218":221,"1,219":222,"1,220":223,"1,221":224,"1,222":225,"1,223":226,"1,224":227,"1,225":228,"1,226":229,"1,227":230,"1,228":231,"1,229":232,"1,230":233,"1,231":234,"1,232":235,"1,233":236,"1,234":237,"1,235":238,"1,236":239,"1,237":240,"1,238":241,"1,239":242,"1,240":243,"1,241":244,"1,242":245,"1,243":246,"1,244":247,"1,246":248,"1,247":249,"1,248":250,"1,249":251,"1,250":252,"1,251":253,"1,252":254,"1,253":255,"1,254":256,"1,255":257,"1,256":258,"1,257":259,"1,258":260,"1,259":261,"1,260":262,"1,261":263,"1,262":264,"1,263":265,"1,264":266,"1,265":267,"1,266":268,"1,267":269,"1,268":270,"1,269":271,"1,270":272,"1,271":273,"1,272":274,"1,273":275,"1,274":276,"1,275":278,"1,276":279,"1,277":280,"1,278":281,"1,279":282,"1,280":283,"1,281":284,"1,282":285,"1,283":286,"1,284":287,"1,285":288,"1,286":289,"1,287":290,"1,288":291,"1,289":292,"1,290":293,"1,291":294,"1,292":295,"1,293":296,"1,294":297,"1,295":299,"1,296":300,"1,297":301,"1,298":302,"1,299":303,"1,300":305,"1,301":306,"1,302":307,"1,303":308,"1,304":309,"1,305":310,"1,306":311,"1,307":312,"1,308":313,"1,309":314,"1,310":315,"1,311":316,"1,312":317,"1,313":319,"1,314":320,"1,315":322,"1,316":323,"1,317":324,"1,318":326,"1,319":327,"1,320":329,"1,321":330,"1,322":331,"1,323":332,"1,324":333,"1,325":334,"1,326":335,"1,327":336,"1,328":337,"1,329":338,"1,330":339,"1,331":340,"1,332":341,"1,333":342,"1,334":343,"1,335":344,"1,336":345,"1,337":346,"1,338":347,"1,339":348,"1,340":349,"1,341":350,"1,342":351,"1,343":352,"1,344":353,"1,345":354,"1,346":355,"1,347":356,"1,348":358,"1,349":359,"1,350":361,"1,351":362,"1,352":364,"1,353":365,"1,354":366,"1,355":367,"1,356":368,"1,357":370,"1,358":371,"1,359":372,"1,360":373,"1,361":374,"1,362":375,"1,363":376,"1,364":378,"1,365":380,"1,366":381,"1,367":382,"1,368":383,"1,369":385,"1,370":386,"1,371":387,"1,372":388,"1,373":389,"1,374":390,"1,375":391,"1,376":392,"1,377":393,"1,378":394,"1,379":396,"1,380":397,"1,381":398,"1,382":400,"1,383":401,"1,384":402,"1,385":403,"2,3":404,"2,4":405,"2,5":406,"2,6":407,"2,7":408,"2,8":409,"2,9":410,"2,10":412,"2,11":413,"2,12":414,"2,13":415,"2,15":416,"2,16":417,"2,17":418,"2,18":419,"2,19":421,"2,20":422,"2,21":423,"2,22":424,"2,23":425,"2,24":426,"2,25":427,"2,26":428,"2,27":429,"2,28":430,"2,29":431,"2,30":432,"2,31":433,"2,32":434,"2,33":435,"2,34":436,"2,35":437,"2,36":438,"2,37":439,"2,38":440,"2,39":441,"2,40":442,"2,41":443,"2,42":444,"2,43":445,"2,44":447,"2,45":448,"2,46":449,"2,47":450,"2,48":451,"2,49":453,"2,50":454,"2,51":455,"2,52":456,"2,53":457,"2,54":458,"2,55":459,"2,56":461,"2,57":462,"2,58":463,"2,59":466,"2,60":467,"2,61":468,"2,62":469,"2,63":470,"2,64":471,"2,65":472,"2,66":473,"2,67":475,"2,68":476,"2,69":478,"2,70":479,"2,71":481,"2,72":482,"2,73":483,"2,74":484,"2,75":485,"2,76":486,"2,77":487,"2,78":488,"2,79":489,"2,80":490,"2,81":492,"2,82":493,"2,83":494,"2,84":495,"2,85":496,"2,86":497,"2,87":498,"2,88":499,"2,89":500,"2,90":501,"2,91":502,"2,92":504,"2,93":505,"2,94":506,"2,95":507,"2,96":508,"2,97":509,"2,98":510,"2,99":511,"2,100":512,"2,101":513,"2,102":514,"2,103":515,"2,104":516,"2,105":517,"2,106":518,"2,107":519,"2,108":520,"2,109":521,"2,110":522,"2,111":523,"2,112":524,"2,113":525,"2,114":526,"2,115":527,"2,116":531,"2,117":532,"2,118":533,"2,119":534,"2,120":535,"2,121":536,"2,122":538,"2,123":539,"2,124":540,"2,125":542,"2,126":543,"2,127":544,"2,128":545,"2,129":546,"2,130":547,"2,131":549,"2,132":550,"2,133":551,"2,134":552,"2,135":553,"2,136":554,"2,137":555,"2,138":557,"2,139":558,"2,140":559,"2,141":560,"2,142":562,"2,143":563,"2,144":564,"2,145":565,"2,146":567,"2,147":568,"2,148":569,"2,149":570,"2,150":571,"2,151":573,"2,152":574,"2,153":576,"2,154":578,"2,155":579,"2,156":580,"2,157":581,"2,158":583,"2,159":584,"2,160":586,"2,161":589,"2,162":590,"2,163":591,"2,164":592,"2,165":593,"2,166":594,"2,167":595,"2,168":597,"2,169":599,"2,170":601,"2,171":602,"2,172":603,"2,173":604,"2,174":605,"2,175":607,"2,176":608,"2,177":609,"2,178":610,"2,179":611,"2,180":615,"2,181":617,"2,182":618,"2,183":619,"2,184":621,"2,185":622,"2,186":623,"2,187":624,"2,188":625,"2,189":626,"2,190":627,"2,191":628,"2,192":629,"2,193":630,"2,194":631,"2,195":633,"2,196":634,"2,197":637,"2,198":638,"2,199":639,"2,200":641,"2,201":642,"2,202":643,"2,203":644,"2,204":645,"2,205":646,"2,206":647,"2,207":648,"2,208":649,"2,209":650,"2,210":651,"2,211":653,"2,212":655,"2,213":656,"2,214":658,"2,215":659,"2,216":661,"2,217":662,"2,218":663,"2,219":664,"2,220":665,"2,221":666,"2,222":667,"2,223":668,"2,224":669,"2,225":671,"2,226":672,"2,227":673,"2,228":674,"2,229":675,"2,230":676,"2,231":678,"2,232":679,"2,233":680,"2,234":681,"2,235":682,"2,236":683,"2,237":685,"2,238":686,"2,239":688,"2,240":689,"2,241":690,"2,242":692,"2,243":693,"2,244":695,"2,245":696,"2,247":697,"2,248":698,"2,249":699,"2,250":700,"2,251":701,"2,252":703,"2,253":704,"2,254":706,"2,255":707,"2,256":708,"2,257":709,"2,258":710,"2,259":711,"2,260":712,"2,261":713,"2,262":714,"2,263":715,"2,264":716,"2,265":718,"2,266":719,"2,267":720,"2,268":721,"2,269":722,"2,270":723,"2,271":724,"2,272":726,"2,273":728,"2,274":729,"2,275":730,"2,276":732,"2,277":733,"2,278":734,"2,279":735,"2,280":736,"2,281":737,"2,282":738,"2,283":739,"2,284":740,"2,285":741,"2,286":742,"2,287":743,"2,288":744,"2,289":745,"2,290":746,"2,291":747,"2,292":748,"2,293":749,"2,294":750,"2,295":751,"2,296":752,"2,297":753,"2,298":754,"2,299":755,"2,300":756,"2,301":757,"2,302":758,"2,303":759,"2,304":760,"2,305":761,"2,306":762,"2,307":763,"2,308":764,"2,309":765,"2,310":766,"2,311":767,"2,312":768,"2,313":769,"2,314":770,"2,315":771,"2,316":772,"2,317":773,"2,318":774,"2,319":775,"2,320":776,"2,321":777,"2,322":778,"2,323":779,"2,324":780,"2,325":781,"2,326":782,"2,327":783,"2,328":784,"2,329":785,"2,330":786,"2,331":787,"2,332":788,"2,333":789,"2,334":790,"2,335":791,"2,336":792,"2,337":793,"2,338":794,"2,339":795,"2,340":796,"2,341":797,"2,342":798,"2,343":799,"2,344":800,"2,345":801,"2,346":802,"2,347":803,"2,348":804,"2,351":805,"2,352":806,"2,353":808,"2,354":809,"2,355":810,"2,356":811,"2,357":812,"2,358":813,"2,359":814,"2,360":815,"2,361":816,"2,362":817,"2,363":818,"2,364":819,"2,365":821,"2,366":823,"2,367":824,"2,368":826,"2,349":828,"2,350":829,"2,369":830,"2,370":831,"2,371":832,"2,372":833,"2,373":835,"2,374":836,"2,375":838,"2,376":839,"2,377":841,"2,378":842,"2,379":843,"2,380":846,"2,381":847,"2,382":848,"2,383":849,"2,384":850,"2,385":851,"2,386":852,"2,387":853,"2,388":854,"2,389":855,"2,390":857,"2,391":858,"2,392":859,"2,393":860,"2,394":862,"3,3":865,"3,4":866,"3,5":867,"3,6":868,"3,7":869,"3,8":871,"3,9":872,"3,10":873,"3,11":874,"3,12":875,"3,13":876,"3,14":877,"3,15":878,"3,16":879,"3,17":880,"3,18":881,"3,19":882,"3,20":883,"3,21":884,"3,22":885,"3,23":886,"3,24":887,"3,25":889,"3,26":890,"3,27":891,"3,28":892,"3,29":893,"3,30":895,"3,31":896,"3,32":897,"3,33":898,"3,34":899,"3,35":900,"3,36":901,"3,37":902,"3,38":904,"3,39":905,"3,40":907,"3,41":908,"3,42":909,"3,43":910,"3,44":911,"3,45":912,"3,46":913,"3,47":914,"3,48":915,"3,49":916,"3,50":917,"3,51":918,"3,52":919,"3,53":920,"3,54":921,"3,55":922,"3,56":923,"3,57":924,"3,58":925,"3,59":926,"3,60":927,"3,61":928,"3,62":929,"3,63":930,"3,64":931,"3,65":932,"3,66":933,"3,67":934,"3,68":935,"3,69":936,"3,70":937,"3,71":938,"3,72":939,"3,73":940,"3,74":941,"3,75":942,"3,76":943,"3,77":944,"3,78":945,"3,79":946,"3,80":947,"3,81":948,"3,82":949,"3,83":950,"3,84":951,"3,85":953,"3,86":954,"3,87":955,"3,88":956,"3,89":957,"3,90":958,"3,91":959,"3,92":960,"3,93":961,"3,94":962,"3,95":963,"3,96":964,"3,97":965,"3,98":966,"3,99":967,"3,100":968,"3,101":969,"3,102":970,"3,103":971,"3,104":972,"3,105":973,"3,106":974,"3,107":975,"3,108":976,"3,109":977,"3,110":978,"3,111":979,"3,112":980,"3,113":981,"3,114":982,"3,115":983,"3,116":984,"3,117":985,"3,118":986,"3,119":987,"3,120":988,"3,121":989,"3,122":990,"3,123":991,"3,124":992,"3,125":993,"3,126":994,"3,127":995,"3,128":996,"3,129":997,"3,130":998,"3,131":999,"3,132":1000,"3,133":1001,"3,134":1002,"3,135":1003,"3,136":1004,"3,137":1005,"3,138":1006,"3,139":1007,"3,140":1008,"3,141":1009,"3,142":1010,"3,143":1011,"3,144":1012,"3,145":1013,"3,146":1014,"3,147":1015,"3,148":1016,"3,149":1017,"3,150":1018,"3,151":1019,"3,152":1020,"3,153":1021,"3,154":1022,"3,155":1023,"3,156":1024,"3,157":1026,"3,158":1027,"3,159":1028,"3,160":1029,"3,161":1030,"3,162":1031,"3,163":1032,"3,164":1033,"3,165":1035,"3,166":1037,"3,167":1038,"3,168":1039,"3,169":1041,"3,170":1042,"3,171":1043,"3,172":1044,"3,173":1045,"3,174":1047,"3,175":1048,"3,176":1049,"3,177":1050,"3,178":1052,"3,179":1053,"3,180":1054,"3,181":1055,"3,182":1056,"3,183":1057,"3,184":1058,"3,185":1059,"3,186":1060,"3,187":1061,"3,188":1062,"3,189":1064,"3,190":1065,"3,191":1066,"3,192":1067,"3,193":1069,"3,194":1070,"3,195":1071,"3,196":1072,"3,197":1073,"3,198":1074,"3,199":1075,"3,200":1077,"3,201":1078,"3,202":1079,"3,203":1080,"3,204":1081,"3,205":1082,"3,206":1083,"3,207":1084,"3,208":1085,"3,209":1087,"3,210":1088,"3,211":1090,"3,212":1091,"3,213":1092,"3,214":1094,"3,215":1095,"3,216":1096,"3,217":1098,"3,218":1099,"3,219":1101,"3,220":1102,"3,221":1103,"3,222":1104,"3,223":1105,"3,224":1106,"3,225":1107,"3,226":1110,"3,227":1111,"3,228":1113,"3,229":1114,"3,230":1116,"3,231":1117,"3,232":1118,"3,233":1119,"3,234":1120,"3,235":1121,"3,236":1122,"3,237":1123,"3,238":1126,"3,239":1127,"3,240":1128,"3,241":1130,"3,242":1131,"3,243":1132,"3,244":1133,"3,245":1135,"3,246":1138,"3,247":1141,"3,248":1142,"3,249":1143,"3,250":1144,"3,251":1145,"3,252":1146,"3,253":1148,"3,254":1149,"3,255":1151,"3,256":1152,"3,257":1153,"3,258":1155,"3,259":1156,"3,260":1157,"3,261":1158,"3,262":1159,"3,263":1160,"3,264":1161,"3,265":1162,"3,266":1163,"3,267":1164,"3,268":1165,"3,269":1167,"3,270":1169,"3,271":1170,"3,272":1171,"3,273":1172,"3,274":1174,"3,275":1175},"ٜ":{"1":[3,385],"2":[3,394],"3":[3,275]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,5","1,6","1,7","1,8","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,312","1,313","1,314","1,314","1,315","1,316","1,317","1,317","1,318","1,319","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,347","1,348","1,349","1,349","1,350","1,351","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,363","1,364","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,378","1,379","1,380","1,381","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,15","2,16","2,17","2,18","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,55","2,56","2,57","2,58","2,54","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,66","2,67","2,68","2,68","2,69","2,70","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,115","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,121","2,122","2,123","2,124","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,150","2,151","2,152","2,152","2,153","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,157","2,158","2,159","2,159","2,160","2,160","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,167","2,168","2,168","2,169","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,171","2,172","2,173","2,180","2,180","2,181","2,182","2,183","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,194","2,195","2,196","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,210","2,211","2,211","2,212","2,213","2,213","2,214","2,215","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,236","2,237","2,238","2,238","2,239","2,240","2,241","2,241","2,242","2,243","2,243","2,244","2,245","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,251","2,252","2,253","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,271","2,272","2,272","2,273","2,274","2,275","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,351","2,352","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,364","2,365","2,365","2,366","2,367","2,367","2,368","2,368","2,349","2,350","2,369","2,370","2,371","2,372","2,372","2,373","2,374","2,374","2,375","2,376","2,376","2,377","2,378","2,379","2,379","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,393","2,394","2,394","2,394","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,37","3,38","3,39","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,164","3,165","3,165","3,166","3,167","3,168","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,208","3,209","3,210","3,210","3,211","3,212","3,213","3,213","3,214","3,215","3,216","3,216","3,217","3,218","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,225","3,225","3,226","3,227","3,227","3,228","3,229","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,237","3,237","3,238","3,239","3,240","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,244","3,245","3,245","3,245","3,246","3,236","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,252","3,253","3,254","3,254","3,255","3,256","3,257","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,268","3,269","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,273","3,274","3,275"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"8":[3],"10":[4],"19":[5],"29":[6],"44":[7,8,9],"52":[10,11],"62":[12],"65":[13],"68":[14],"72":[15],"75":[16],"82":[17],"84":[18,19],"92":[20],"94":[21],"101":[22],"104":[23],"121":[24],"127":[25],"131":[26],"136":[27,28,29],"140":[30],"144":[31],"148":[32],"151":[33],"153":[34,35],"158":[36],"164":[37],"167":[38],"170":[39],"173":[40,41],"177":[42],"178":[43],"180":[44],"185":[45],"190":[46],"193":[47],"195":[48,49,50],"197":[51],"199":[52],"201":[53],"206":[54],"207":[55],"225":[56,57],"230":[58],"241":[59,60],"244":[61],"250":[62],"273":[63,64],"277":[65],"298":[66],"304":[67],"318":[68],"321":[69],"325":[70],"327":[71],"328":[72],"331":[73],"347":[74,75],"355":[76],"357":[77],"360":[78],"363":[79],"369":[80],"373":[81,82],"377":[83],"379":[84],"384":[85],"395":[86],"399":[87],"402":[88],"404":[89,90,91],"411":[92],"416":[93,94],"420":[95],"446":[96],"452":[97],"464":[98],"465":[99],"474":[100,101],"477":[102],"480":[103],"491":[104],"493":[105,106,107],"503":[108],"505":[109],"529":[110],"530":[111],"534":[112,113],"537":[114],"541":[115],"548":[116],"556":[117],"561":[118],"564":[119,120],"566":[121],"572":[122],"575":[123],"577":[124],"582":[125],"585":[126],"586":[127],"587":[128],"588":[129],"594":[130,131],"596":[132],"598":[133,134],"600":[135],"612":[136],"615":[137],"616":[138],"620":[139],"632":[140],"635":[141],"636":[142],"640":[143],"647":[144,145,146],"652":[147],"654":[148],"655":[149,150],"657":[151],"660":[152],"670":[153],"672":[154,155,156],"677":[157],"684":[158],"687":[159],"691":[160],"694":[161],"697":[162,163],"702":[164],"705":[165],"709":[166],"715":[167,168,169],"717":[170],"725":[171],"727":[172],"731":[173],"737":[174,175],"751":[176],"755":[177],"767":[178],"805":[179,180,181],"807":[182],"820":[183],"822":[184],"825":[185],"827":[186],"828":[187,188],"830":[189,190],"834":[191],"837":[192],"840":[193],"844":[194],"845":[195],"849":[196,197],"856":[198],"861":[199],"863":[200],"864":[201],"865":[202,203],"870":[204,205],"884":[206],"888":[207],"894":[208],"903":[209,210,211],"906":[212,213],"952":[214],"1006":[215],"1025":[216,217],"1032":[218],"1034":[219],"1036":[220,221,222],"1040":[223],"1046":[224],"1048":[225],"1051":[226],"1062":[227],"1063":[228,229],"1068":[230],"1076":[231,232],"1086":[233,234],"1088":[235],"1089":[236],"1093":[237],"1097":[238],"1100":[239,240,241],"1108":[242],"1109":[243],"1112":[244],"1115":[245],"1119":[246],"1124":[247],"1125":[248,249],"1129":[250],"1134":[251],"1136":[252],"1137":[253],"1139":[254,255,256],"1140":[257,258],"1147":[259],"1150":[260],"1154":[261,262],"1166":[263,264],"1168":[265],"1173":[266]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال الشيخ الإمام العالم العلامة القدوة المحقق الحافظ شيخ الإسلام بقية العلماء الأعلام قدوة الأئمة آخر المجتهدين حجة الله على العالمين سيدنا ومولانا قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن علي بن تمام بن سوار بن سوار بن مسوار الأنصاري الخزرجي الشافعي نضر الله وجهه قاضي القضاة بالشام المحروس.\nقال رحمه الله تعالى الحمد لله الذي أسس بنيان دينه على أثبت قواعد وأعلى أعلام ملته فخضعت لها أعناق كل جاحد وأحكم أصول شريعته فأعيا تفريعها كل معاند ورفع قدر علمائها فعد كل واحد منهم بألف كما عد ألف من غيرهم بواحد أحمده على نعمه التي عمت كل صادر ووارد واعترف بالعجز عن شكره ولا يبلغ معشار عشره حمد كل حامد وأستغفره استغفار عبد في بحر الذنوب راكد لا يجد ملجأ من الله إلا إليه قد أحاطت به الشدائد وقعد له عدوه بالمراصد وسولت له نفسه بالمكايد وغلب عليه هواه الفاسد ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وأنك أنت الإله الواحد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له توحيدا أنا له في صميم القلب واجد وعليه في الدنيا والآخرة شاهد وأصفه بما وصف به نفسه من صفات الكمال والمحامد وأنزهه عن كل ما لا يليق بحاله وأقدس له عن وضر التشبيه والتعطيل ما تكنه القلوب من العقائد وأستودعه ذلك ليوم لا يجزى فيه ولد ولا والد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قدره على جميع الخلائق صاعد وشرفه بين البرية ناهد المصطفى من خير القبائل الأماجد والمجتبى من خير البطون الأقارب والأباعد المبرأ في نسبه","vol":"1","page":3},{"text":"وذاته عن كل شين يتعلق به حاسد المقدم على الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين في جميع المشاهد والمبعوث إلى كل إنسي وجني والمنقذ لهم من ربقة الشيطان المارد الهادي إلى سبيل الرشاد ولولاه لم يكن أحد منا براشد.\nﷺ ما سجد لله ساجد ودام في الجنان خالد ورضي الله على أصحابه الذين كل منهم في الله جاهد مجاهد وحامي حوزة الدين من كل مارق في الدين مجالد الذين قاموا بجلالة نبيه في جميع المعاهد وشيدوا أركان دينه وحفظوا شرائعه في جميع المصادر والموارد وقاموا بأعباء الملة الحنيفية وذبوا عنها كل زائد وحموا حماها عن الشبهات ووقفوا عند حدودها تحصيلا للمصالح ودرأ للمفاسد ﵃ أجمعين وعن جميع علماء المسلمين الذين خلفوا الصحابة والتابعين في تمهيد القواعد واستخراج الفوائد وضبط الأصول الشوارد وتبيين الأدلة والمقاصد والتوسع في علوم القرآن التي يتيه في بحارها كل عالم ناقد ومعرفة السنة ولا يخطئ بعضها إلا من هو أسهد الليل مكايد.\nوقد تجرد لذلك في المائة الثانية جماعة من العلماء ما منهم إلا من جاهد وجاهد وكد ودأب ونصب واجتهد والله لسعيه شاهد وكان من أعظمهم منة على من بعده من طلاب الفوائد الإمام الشافعي ﵁ فإن له أجمل العوائد لجمعه بين الحديث والفقه وكان غيره يقتصر منهما على واحد ولبناية كلامه على أصول هو أول من صنفها لما سأله ابن مهدي فصنف له الرسالة وكم فيها من الفوائد فهو أول من صنف في أصول الفقه لا يمتري في ذلك إلا معاند ١.\n_________\n١ من المسلم به أن أصول الفقه باعتباره قواعد ونظريات وكيفية استنباط الأحكام من الأدلة بوجه عام، نشأ في عصر الصحابة -﵃- حيث كان مصاحبًا للفقه، فإن من الصحابة من كان يتصدر للفتيا والقضاء بين الناس، كعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب وغيرهم، وكانوا على دراية تامة بقواعد اللغة العربية، التي نزل بها القرآن الكريم، وبأسباب النزول، وبالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، وسائر المباحث التي تكفل ببيانها علم \"أصول الفقه\" فيما بعد. وهكذا كان لكل إمام من الأئمة المجتهدين قواعده وأصوله التي يسير عليها في اجتهاده، إلا أنه كان هناك خلاف حاد بين اتجاه أهل الحديث بالحجاز، وأهل الرأي=","vol":"1","page":4},{"text":".................................................................................\n_________\n=بالعراق، حتى أخذ كل فريق في الطعن على طريقة الفريق الآخر، فأهل الرأي يعيبون على أهل الحديث الإكثار من الرواية التي تدل على عدم الفهم والتدبر، كما أن أهل الحديث يعيبون على أهل الرأي بأنهم يأخذون في دينهم بالظن ويحكمون العقل في الدين.\nوظهر المتعصبون لكلا الفريقين، فاتسع الخلاف واحتدم النزاع، حتى قيض الله لهذا الأمة من أخذ بيدها إلى الطريق السوي، ويبين القواعد القوانين التي يحتكم إليها الجميع، وهو الإمام الشافعي ﵁ –بعد أن كتب له الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي المتوفى سنة ١٩٨هـ. وهو أحد أئمة الحديث في الحجاز، أرسل إلى الإمام الشافعي أن يضع له كتابًا يبين فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب \"الرسالة\".\n= قال علي بن المديني: قلت لمحمد بن إدريس: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك وهو متشوق إلى جوابك، قال: فأجابه الشافعي. وأرسل الكتاب إلى الإمام ابن مهدي مع الحارث بن سريج النقال الخوارزمي، ثم البغدادي وبسبب ذلك سمي النقال.\nوعلى ذلك يتبين عدم صحة ما ينقله بعض العلماء من أن هناك من سبق الإمام الشافعي في التأليف في علم الأصول، كالإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين، المتوفى سنة ١١٤هـ. وكالإمامين أبي يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم. فإن هذا من قبيل القواعد والمناهج التي كان يسير عليها الأئمة، والتي سبق أن أشرنا إليها، وأنها كانت موجودة حتى في عصر الصحابة ﵃.\nفالتحقيق أن أول من ألف في ذلك كتابًا مستقلا متكاملًا هو الإمام الشافعي ﵁، كما قال الإمام السبكي وكما هو المتفق عليه بين الأئمة.\nراجع: الخطيب البغدادي ٢/٦٤-٦٥، معجم الأدباء ٦/٧٨٨، ورسالة الإمام الشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر من ٩٠٧،٦٢٥،٥٧٣،٤١٨،٩٦، مناقب الإمام الشافعي للرازي ص٢١. الفهرست لابن النديم ص٢٨٦، الشيعة وفنون الإسلام ص٥٦٥، عقيدة أهل السنة في الإمام الصادق ص٢٩٢، الشافعي للشيخ أبي زهرة ص١٧٩، أصول الفقه –نشأته وتطوره- للدكتور شعبان محمد إسماعيل ص٢٣-٣٥.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>فائدة علم الأصول</span>\nوإن علم أصول الفقه وهو من أعظم العلوم ثلاثة أصناف عقلية محضة كالحساب والهندسة والنجوم والطب ولغوية كعلم اللغة والنحو والتصريف والعروض والقوافي والبيان وهي علوم القرآن والسنة وتوابعهما.\nولا ريب في أن الشريعة أشرف الأصناف الثلاثة في الوسائل والمقاصد وأشرف العلوم الشرعية بعد الاعتقاد الصحيح وأنفعها معرفة الأحكام التي","vol":"1","page":5},{"text":"تجب للمعبود على العابد ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة تستفرغ جمام الذهن ولا ينشرح الصدر له لعدم أخذه بالدليل وأين سامع الخبر من المشاهد وأين أجر من يأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو سنة من الذي يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله بأن ذلك دينه تالله إن أجر هذا لزائد وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد ولا يكمل فيه إلا الواحد بعد الواحد وكل العلماء في حضيض عنه إلا من نغلغل بأصل الفقه وكرع من مناهله الصافية بكل الموارد وسبح في بحره ودرى من الإله وبات يعل به وطرفه ساهد وإني لم أزل منذ نشأت محبا في هذا العلم مولعا بالبحث فيه مع كل زائد.\nوقد أكثر الناس من التصنيف فيه فكم من تصنيف فيه مبسوط ومختصر وناقص وزائد ومن أحسن مختصراته كتاب المنهاج في الوصول إلى العلم الأصول الذي صنفه القاضي الفاضل ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي ﵀ فلقد أحسن فيه المعاقد وقد قرئ على مرات كثيرة من جماعات حتى سمحت أقرأه من كثرة الموارد وانتشرت طلبته فلم أقتنع من واحد وفي هذا الوقت شرع في الاشتغال به ولدي أبو حامد١ أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة ما هو قاصد وزاده مما ليس في حسابه كل خير إنه الكريم الماجد فأحببت أن أضع له شرحا لينتفع هو وغيره به إن شاء الله.\nوعسى دعوة من أخ في الله تنفعني وأنا في القبر راقد وسميته الإبهاج في شرح المنهاج وأخذت هذا الاسم\nمن قول ذي الرمة:\nتزداد للعين إبهاجا إذا سفرت ... ومخرج العبن فيها يلتفت\nوذلك من قصيدته التي قرأتها على أبي محمد الحسن عبد الكريم سبط زيادة في سنة سبع وسبعمائة عن عيسى بن عبد العزيز بن عيسى قال أخبرنا السلفي قال أخبرنا جعفر السراج قال أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال\n_________\n١ هو: بهاء أبو حامد: أحمد بن علي السبكي، كان صاحب يد طولى في علوما للسان العربي، والمعاني. والبيان، وأسند إليه إفتاء دار العدل، وقضاء العسكر، وقضاء الشام، وخطابه جامع ابن طولونز توفي سنة ٧٧٣هـ.","vol":"1","page":6},{"text":"قرأت على أبي الحسن علي بن عيسى الرماني قال سمعت ديوان ذي الرمة على أبي بكر دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة واسمه غيلان ابن عقبة العدوي.\nفإن قلت: قد عظمت أصول الفقه وهل هو إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة نبذة من النحو وهي الكلام في معاني الحروف التي يحتاج إليها الفقيه والكلام في الاستفتاء وما أشبه ذلك ونبذة من علم الكلام وهي الكلام في الحسن والقبيح والكلام في الحكم الشرعي وأقسامه وبعض الكلام في النسخ وأفعاله ونحو ذلك ونبذة من اللغة وهي الكلام في معنى الأمر والنهي وصيغ العموم والمجمل والمبين والمطلق والمقيد وما أشبه ذلك ونبذة من علم الحديث وهي الكلا في الأخبار والعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في الإحاطة بها فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع وهو من أصول الدين أيضا وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه فصارت فائدة الأصول بالذات قليلة جدا بحيث لو جرد الذي ينفرد به ما كان إلا شيئا يسيرا.\nقلت: ليس كذلك فإن الإصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون فإن كلام العرب متسع جدا والنظر فيه متشعب فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصول واستقراء زائد على استقراء اللغوي مثاله ودلالة صيغة \"أفعل\" على الوجوب \"ولا تفعل\" على التحريم وكون \"كل وإخوتها للعموم\" يوما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة لو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاء في ذلك ولا تعرضا لما ذكره الأصوليون وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أبو بعد الحكم ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه ولا ينكر أن له استمداد من تلك العلوم ولكن تلك الأشياء التي استمدها","vol":"1","page":7},{"text":"منها لم تذكر فيه بالذات بل بالعرض والمذكور فيه بالذات ما أشرنا إليه مما لا يوجد إلا فيه ولا يصل إلى فهمها إلى من يلتف به.\nفإن قلت: قد كانت العلماء في الصحابة والتابعين وأتباع التابعين من أكابر المجتهدين ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي وصنف فيه فكيف تجعله شرطا في الاجتهاد؟\nقلت: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين به بطباعهم كما كانوا عارفين النحو بطباعهم قبل مجئ الخليل وسيبويه فكانت ألسنتهم قويمة وأذهانهم مستقيمة وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيد لأنهم أهله الذي يؤخذ عنهم وأما بعدهم فقد فسرت الألسن وتغيرت الفهوم فيحتاج إليه كما يحتاج إلى النحو.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>شروط المجتهد</span>\nواعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء:\nأحدها: التأليف في العلوم التي يتهذب بها الذهن كالعربية وأصول الفقه وما يحتاج إليه من العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ بحيث تصير هذه العلوم ملكة الشخص فإذ ذاك يثق بفهمه لدلالات الألفاظ من حيث هي هي وتحريره تصحيح الأدلة من فاسدها والذي نشير إليه من العربية وأصول الفقه كانت الصحابة أعلم به منا من غير تعلم وغاية المتعلم منا أن يصل إلى بعض فهمهم وقد يخطئ وقد يصيب.\nالثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.\nالثالث: أن يكون له منة الممارسة والتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك وما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل وإن لم يصرح به كما أن من عاشر ملكا ومارس أحواله وخبر أموره إذا سئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها وإن لم يصرح له به،","vol":"1","page":8},{"text":"لكن بمعرفته بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة وحصل على الأشياء الثلاثة فقد حاز رتبة الكاملين في الاجتهاد ولا يشترط العلم بأحوال الرواة من حيث هو فإن الصحابة كانوا مجتهدين ولم يحتاجوا إلى ذلك وإنما الذين بعدهم يحتاجون إلى ذلك في إيقاع الاجتهاد لا في حصول الصفة لهم وذاك العلم بمواقع الإجماع والاختلاف وكان محل الكلام على هذا في أواخر الكتاب ولكنا تعجلناه هنا١.\nومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة أما الأول فبطباعهم وأما الثاني والثالث فلمشاهدتهم الوحي ومعرفتهم بأحوال النبي ﷺ.\nولما كان الفقه مستندا إلى الكتاب والسنة ويحتاج الفقيه في أخذه منهما إلى قواعد جمعت تلك القواعد في علم وسميته \"أصول الفقه\" وهي تسمية صحيحة مطابقة لتوقف الفقه عليها وتلك القواعد منها ما لا يعرف إلا من الشرع ومنها ما يعرف من اللغة بزيادة على ما تصدى له النحاة واللغويون فالذي لا يعرف إلا من الشرع إثبات كون الخبر الواحد حجة وكون الإجماع حجة والقياس حجة وكثير من المسائل التي تذكر فيه والذي يعرف من اللغة ما يذكر فيه من دلالات الألفاظ اللغوية وما فيه من علم الكلام ونحوه فاقتضاه انجرار الكلام إليه وتوقف فهم بعض مسائل هذا العلم عليه.\nوهأنا أبتدئ في شرح هذا الكتاب مستعينا بالله تعالى وذلك في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وإلى الله أتضرع وأنا أسأل أن ينفع به بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.\n_________\n١ ما ذكره الشارح هنا هو نبذة سريعة ومجملة عن شروط المجتهد، ولكن البيضاوي عقد للاجتهاد بابًا خاصًا في الكتاب السابع من كتاب \"المنهاج\" ذكر فيه اجتهاد الرسول ﷺ –وموقف العلماء منه، وكذا الصحابة ﵃- في حضرته – ﷺ- أو في غيبته، وشروط الاجتهاد، وحكمه، والأمور التي يجري فيها الاجتهاد وغير ذلك. فليراجع تفصيل ما أجمله الشارح في أواخر الكتاب. وبالله التوفيق.\nاهـ. محققه.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شرح ديباجة الكتاب</span>\n\"تقدس من تمجد بالعظمة والجلال\" تقدس: أي تطهر ومن أسمائه تعالى التي نطق بها القرآن القدوس وفيه لغتان: ضم القاف وهي أشهر وكان \"س\"١ يقول بفتحها وأصل الكلمة من القدس بضم الدال وبسكونها وهو الطهارة سمي جبريل روح القدس لطهارته في تبليغ الوحي إلى الرسل ﵈ والأرض المقدسة المطهرة وبيت المقدس بيت الطهارة من الذنوب لتطهيره من الكفار بالمسلمين وقال تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ٢ أي نقدسك إن جعلت اللام زائدة أو نقدس أنفسنا لك إن لم ترض زيادتها ومعنى تقديس الله تنزيهه من كل ما لا يليق بكماله ﷾ فنزهه عن كل وصف يدركه حس أو يصوره خيال وهم أو يختلج به ضميره وننزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون من الشركاء والأنداد والصحابة والأولاد وعن كل محال نسبه إليه أهل الضلال مما يشير إلى نقص أو يومئ إلى عيب.\nولولا ما وقع فيه أهل الكفر والضلال من ذلك لكان الأدب بنا تنزيه عن أن ننطق بنفي ذلك عنه لأن نفي الوجود يكاد يوهم بإمكان الوجود وتطرق العيب والنقص إليه محال لا يخطر بالبال تصوره فضلا عن كونه ينفيه\n_________\n١ هكذا في جميع النسخ؛ ويقصد بذلك \"سيبويه\" وهو: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، الملقب \"سيبويه\" إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو- ولد في إحدى قرى \"شيراز\" وقدم البصرة فلزم الخليل بن أحمد ففاقه، وصنف كتابه المسمى \"كتاب سيبويه\" في النحو. لم يصنع قبله ولا بعده مثله. توفي بالأهواز سنة ١٨٠هـ راجع: القاموس المحيط- فصل القاف باب السين، وفيات الأعيان ١/٣٨٥، تاريخ بغداد ١٢/١٩٥، الأعلام للزركلي ٥/٢٥٢.\n٢ آية ٣٠ من سورة البقرة وتمامها: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ .","vol":"1","page":10},{"text":"ويقدره. وقولنا تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله عبارة محررة من قول من يقول: بأوصاف الكمال فإن أكثر ما يتصور الناس من أوصاف الكمال ما هو كمال لأنفسهم كعلمهم وسمعهم وبصرهم والله تعالى منزه عنها فإن صفاته تعالى لا تشبه صفات البشر وعلمه وسمعه وبصره مباين لسمعهم وبصرهم وعلمهم فتنزيه كثير من الجهال يحتاج إلى تنزيه ومجامع التقديس أن تقدسه عن الشركاء والأضداد والنظير والولد وإحاطة الأبصار والحاجة إلى غيره وغير ذلك مما يستحيل عليه وأكثر الناس يعتقدون أن معنى القدوس الطاهر ولا شك أنه يدل على ذلك ولكنه ليس كل معناه فإن بناء طاهر لازم وقدوس مأخوذ من فعل متعد فمعناه مطهر بكسر الهاء أي أنه تعالى مقدس لنفسه بإخباره عنها التوحيد والإجلال والإكرام واستحالة النقائض عليه وعجز الأوهام عنه وخالق الأدلة على ذلك ومقدس لخلقه عن اعتقادهم فيه ما لا يليق بذاته والأول صفة ذات والثاني والثالث صفتا فعل وعن ابن عباس وقتادة القدس الذي منه البركات.\nإذا عرفت ذلك فقوله تقدس لا يجوز أن يكون مطاوعا لقدس فإن المطاوع شرطه التأثر مثل كسرته فتكسر وذلك مفقود هنا والتقديس هنا مثل التصديق في أن المراد منه الإخبار عن الصدق فلا يأتي منه مضارع لكن يصح استعمال تقدس لموافقة المجرد وقال الراجز: \"الحمد لله العلي القادس\" ومن جملة معاني تفعل أن يوافق المجرد وإن لم ينطق بالمجرد ههنا في الفعل وقد قال القرافي في قوله ﵎ أن معناه تقدس وللمصنف في القرآن أسوة في استعماله تقدس وكذلك السهيلي وهو من المتقنين في العلم وقع في كلامه تقدس سبحانه عن مضاهاة الأجسام وقدوس مثل سبوح كان \"س\"١ يفتح أولهما والمشهور الضم فيها والتسبيح التنزيه ولم يرد السبوح في القرآن ولا في حديث أبي هريرة ولكن جاء التسبيح واختلف العلماء هل كونه سبوحا قدوسا يرجع إلى معنى خاص يسمى قدسا وسبحة أو وضعه بذلك يرجع إلى نفي محض وتنزيه عن النقائض ومعنى ذلك أنه هل هو صفة ثبوتية أو سلبية.\n_________\n١ هكذا بالأصل والمقصود به \"سيبويه\" كما تقدم. وانظر القاموس فصل السين باب الحاء.","vol":"1","page":11},{"text":"وقوله: \"تمجد\" الكلام فيه كالكلام في تقدس وهو مأخوذ من اسم المجيد وقد نطق به القرآن والسنة وأجمعت الأمة عليه والمجد معناه الشرف والعظمة والكثرة والارتفاع سمي تعالى بذلك لكثرة جلاله وشرفه وعلوه بما يخرج عن طوق البشر واختلف العلماء هل هو صفة خاصة كالعلم والقدرة أو هو عبارة عن استجماع صفات المعالي ووجوه نفي النقائص فلا كمال إلا له ولا نقص إلا وهو منزه عنه.\nوقوله: \"بالعظمة والجلال\" متعلق بتمجيد واسم العظيم نطق به القرآن والسنة وهو تعالى عظيم في ذاته وصفاته وقهره وسلطانه فكل عظيم بالنسبة إلى عظمته عدم محض واسم الجميل لم يرد في القرآن ولا في حديث أبي هريرة لكن في الحديث: \"إن الله جميل يحب الجمال\" ١ وورد أيضا في بعض طرق أبي هريرة.\nولما كان تعالى كاملا في ذاته وصفاته وأفعاله وصف بالجمال وهو تعالى مقدس عن الصورة وعن الصفات البشرية.\nومشاهدة صفة الجمال يثير المحبة ومشاهدة صفة الجلال يثير الهيبة والعظمة تثير الهيبة أيضا فلهذا قرن المصنف العظمة بالجلال لتفيده معنى زائدا على الجلال فالباء يحتمل أن تكون بمعنى في أي تمجد في عظمته وجلاله فارتفع بهما على كل عظيم وجليل ويحتمل أن تكون للسببية على معنى أنه ارتفع بعظمته وجلاله على كل شيء فلا شيء إلا وهو مجد تعالى وهو تعالى مجيد بذاته عظيم بذاته فليس المعنى أن بعض الصفات أثر في بعض وإنما لما كانت هذه الصفات تشير إلى مجموع معان وملاحظة كل منها يوجب العلم بالكمال بها حسن ذلك كله.\n\"وتنزه من تفرد بالقدم والكمال\" التنزيه بمعنى التسبيح وقد ورد مصرحا\n_________\n١ ولفظه أن رسول الله ﷺ- قال: \"لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال ذرة من كبر\". فقال رجل: إنا لرجل يجب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، فقال: \"إن الله تعالى جميل يحب الجمال\" رواه مسلم.","vol":"1","page":12},{"text":"به في الحديث أنه كان يصلي من الليل فلا يمر بآية فيها تنزيه لله إلا نزهه وأصل النزهة البعد وتنزيه الله تبعيده عن ما لا يليق به ولا يجوز عليه فمعنى تنزه بعد والتفرد الانفراد يقال تفرد به واستفرد به بمعنى واحد والقدم وجود لا أول له وكل شيء سوى الله وصفاته فهو حادث لوجوده أول وصفاته لا يقال فيها إنه غيره والكمال المطلق ليس إلا لله تعالى فهو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وكل ما سواه مفتقر إليه والافتقار ينافي الكمال فله حدوثه عن العدم وغير ذلك مما للمخلوق من صفات النقص.\n\"عن مشابهة الأشباه والأمثال ومصادمة الحدوث والزوال\" هذا متعلق بقوله: \"تنزه\" وأما تقدس فإما أن يجعل كلاما تاما وإما أن يجعل من باب التنازع ويضمر في تقدس كما ذكره هنا والمشابهة المشاكلة والشبه الشبه والشبيه بمعنى واحد وهو ما يشبه الشيء وبينهما شبه بالتحريك وكل منها يجمع على أشباه والمثل والمثل كالشبه والشبه وهو ما يساوي الشيء ويقوم كل منهما مقام الآخر في حقيقته وما هيته كالأجسام متساوية في الجسمية وإن اختلفت بالألوان والأشكال وغيرها من الأعراض واختلافها بذلك لا يخرجها عن التماثل في الحقيقة هذا حقيقة المثلين وبه تزول شبهات يوردها المجسمة وكثير ممن وقع في التشبيه ظانا أنه سالم منه والمصادمة المماسة والمراد بها ههنا الإلصاق واللحاق والحدوث وجود مسبوق بعدم فهو ضد الأزلية والزوال طريان العدم وهو ضد الأبدية والأولية والأبدية واجبان لله تعالى لأنه يقال واجب لذاته يستحيل عليه العدم لا أولا ولا آخرا.\n\"مقدر الأرزاق والآجال ومدبر الكائنات في أزل الآزال\" هذا مما لا يجحده مسلم ولا كافر تفرد الرب ﷾ به وما فيه من عظيم العلم والقدرة والمنة والأزل المقدم والأزل القديم وأصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار قالوا يزلي ثم أبدلت الياء ألفا لأنها أخف فقالوا أزلي كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أذني وقوله الآزال على سبيل المبالغة في اللفظ.\n\"عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال\" الغيب والشهادة قيل السر","vol":"1","page":13},{"text":"والعلانية وقيل الدنيا والآخرة وقيل ما غاب عن العباد وما شهدوا وقيل الغيب المعدوم والشهادة الموجود والمدرك كأنه مشاهد والكبير الكامل في ذاته وصفاته المتقدم في المنزلة والسبق في المرتبة من كبر بضم الباء والمتعال المستعلي على كل شيء بقدرته كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.\n\"نحمده على فضله المترادف المتوال على ما عمنا من الأنعام والأفضال\" الحمد: الثناء بجميل الصفات والأفعال ولا يكون إلا بالقول سواء كان ذلك الجميل في المحمود خاصة به أو كان واصلا منه إلى غيره والثاني شكر والشكر يكون بالقول والفعل والاعتقاد فبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه وبين الحمد والمدح فرق آخر أدعاه السهيلي وهو أن الحمد يشترط فيه أن يكون صادرا عن علم وأن تكون الصفات محمودة صفات كمال ولهذين الشرطين لا يوجد الحمد لغير الله والله هو المستحق الحمد على الإطلاق والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما والإتيان بالنون في هذا الفعل ينبغي أن يقصد به أن جميع الخلائق حامدون وليست للتعظيم والمترادف المتتابع والمتوالي كذلك فينبغي أن يكون مقصوده بالمترادف الذي يأتي بعده في أثر بعض ليسلم من التأكيد ويفيد كثرة الفضل في الزمان الواحد واستمرار ذلك في كل زمان وفضل الله هكذا هو وفي عمنا ضمير مرفوع عائد على الموصول أي عمنا هو ومن الأنعمام والأفضال بيان لذلك في محل رفع وقد قدمنا أن بين الحمد والشكر عموما من وجه وأنهما يتفقان فيما كان منه فيسمى حمدا وشكرا وقد استعمل المصنف هذا الحمد على ما هو منة واستعمل الشكر بالقول فتوافقا في هذا المحل وإن تغايرا في وصفهما والفضل من قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١ ومن قوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ٢ وكان فضل الله عليك عظيما والأفضال الإحسان والتفضل وقد استعمل الفضل على خلاف النقص فيكون الثناء عليه حمدا مباينا للشكر لكنه ليس المراد هنا لقوله المترادف المتوال فإنهما يقتضيان الوصول إلى الغير.\n_________\n١ سورة النساء ٣٢.\n٢ سورة النساء ١١٣.","vol":"1","page":14},{"text":"\"ونصلي على محمد الهادي إلى نور الإيمان في ظلمات الكفر والضلال\" معنى نصلي هنا نطلب الصلاة من الله تعالى لأن النبي ﷺ سئل كيف نصلي عليك قال: \"قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل م محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد\" ١ ومعنى نطلب إنشاء الطلب وكذلك نحمد معناه إنشاء الحمد وليس معناه الخبر فعطف إنشاء على إنشاء ووصفه ﷺ بالهداية لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢ وبين الهداية والضلال والنور والظلمات والإيمان والكفر ما لا يخفى من الطباق.\n\"وعلى آله وصحبه خير صحب وآل\" آله ﷺ: بنو هاشم وبنو المطلب هذا اختيار الشافعي وأصحابه وقيل عترته وأهل بيته وقيل جميع أمته وهو قول مالك والصحيح إضافة الآل إلى مضمر كما استعمله المصنف وقال جماعة من أهل العربية لا يصح إضافته إلا إلى مظهر والصحب جمع صاحب وهو كل من رأى النبي ﷺ مسلما وقيل من طالت مجالسته والصحيح الأول بخلاف التابعي لا يكفي فيه رؤية الصحابي والفرق شرف الصحبة وعظم رؤية النبي ﷺ وذلك أن رؤية الصالحين لها أثر عظيم فكيف روية سيد الصالحين فإذا رآه مسلم ولو لحظة انطبع قلبه على الاستقامة لأنه بإسلامه متهيء للقبول فإذا قابل ذلك النور العظيم أشرق عليه وظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه.\nوقوله: خير صحب وآل صحيح لأنه ليس في أصحاب الأنبياء مثل أصحاب نبينا ﷺ ولأجل السجع قدم الصحب على الآل في الثاني وجاء على أحد طريقي العرب وهو رد الأول على الثاني والثاني على الأول ولولا هذا لقال خير آل وصحب فرد الأول للأول والثاني للثاني وهما طريقان للعرب جائزان.\n_________\n١ رواه مسلم وأحمد من حديث أبي سعيد البدري.\n٢ سورة الشورى ٥٢.","vol":"1","page":15},{"text":"\"وبعد فأولى ما تهم به الهمم العوالي وتصرف فيه الأيام والليالي تعلم المعالم الدينية والكشف عن حقائق الملة الحنيفية والغوص في تيار بحار مشكلاته والفحص عن أستار أسرار معضلاته\"، بعد ضم الدال على الصحيح مقطوع عن الإضافة أي بعد ما سبق من التقديس والتنزيه والحمد والصلاة والعامل فيه فعل مقدر تقديره أقول وهو معطوف بالواو على نحمد ونصلي وبعده فعل آخر مقدر تقديره تنبه هو معمول القول لأجله دخلت الفاء على أولى وفي الفاء فائدة أخرى وهي رفع توهم اضافة بعد إلى أولى.\nوقوله: تهم بضم الهاء يقال هم بالأمر يهم هما أي أراده فأما بكسر الهاء فهو من الهميم وهو الدبيب والهمم جمع همة وهي الواحدة تقول همة مثل جلسة بالفتح للمرة وبالكسر للهيأة والجمع لها وإسناد الفعل للهمم وهو في الحقيقة لفاعلها من باب قولهم: \"شعر شاعر\" والمعالم جمع معلم وهو ما جعل علامة للطرق والحدود مثل أعلام الحرم ومعالمه المضروبة عليه ويقال المعلم الأثر وهو راجع إلى معنى العلامة ولا خلاف في المعنى والمعالم الدينية الأدلة الشرعية وكل ما يهدي إليها وتعلمها تعرفها والملة الحنيفية هذه الملة قال ﷺ: \"بعث بالحنيفية السهلة السمحة\" ١ وسميت حنيفية لأنها على ملة إبراهيم والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم ﵇ وسمي إبراهيم ﵇ حنيفا لميله عن دين الصابئة وهم عباد الكواكب وسمى أتباعه حنفاء لذلك ولميلهم عن اليهودية والنصرانية قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ ٢.\nوالملة الدين والدليل على أن هذه الملة ملة إبراهيم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣ وادعى بعض العلماء أنها موافقة لها في الأصول والفروع والمشهور أنها موافقة لها في الأصول فقط وعلى هذا لا اختصاص لملة إبراهيم بذلك لأن دين الأنبياء كلهم واحد في الأصول وإنما اختلفت\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة وعائشة﵃.\n٢ سورة آل عمران ٦٧.\n٣ سورة النحل ١٢٣.","vol":"1","page":16},{"text":"الشرائع في الفروع ويكون تسميته هذه الملة حنيفية لمخالفتها ما كان عليه أهل الشرك واليهود والنصارى كمخالفة إبراهيم من كان في زمانه من الكفار وهم الصابئة وإتباعه دين الأنبياء قبله وبعده وهو الإسلام وحقائقها على هذا أصول الدين ولا تشمل أصول الفقه الذي تصدى له والمعالم الدينية شاملة له وإن جعلنا اسم الملة شاملا للأصول والفروع وكلا الأمرين أعني المعالم الدينية وحقائق الملة شاملا للأصول والفروع فيندرج فيه أصول الفقه الذي تصدى له وهو أحسن ليكون مناسبته للتصنيف الذي تصدى له أكثر ويشهد له قوله: \"بعثت بالحنيفية السمحة\" فإنه يشير إلى الأصول والفروع جميعا ولا يلزم من ذلك موافقتها لشريعة إبراهيم في جميع الأشياء بل لموافقتها الأصول سميت بذلك وحقائقها على هذا جميع أحكامها ومعانيها وأسرارها والضمير في مشكلاته ومعضلاته عائد على الكشف لأن الأشكال والأعضال فيه لا فيها فإنها بينة جلية بيضاء نقية إذا ارتفع الحجاب عن الناظر رآها ولا خفاء بحسن استعاراته وترشيحها في الغوص في تيار البحار والفحص عن أستار الأسرار وكم من بحر لا يدرك له قرار وسر تتغيب في أستاره الأفكار.\n\"وإن كتابنا هذا منهاج الوصول إلى علم الأصول الجامع بين المعقول والمشروع والمتوسط بين الأصول والفروع\" المنهاج: الطريق جعل علما على هذا الكتاب والوصول إلى الشيء إنما يكون عند انتهاء طريقه فقوله منهاج الوصول معناه الطريق التي يتوصل فيها إلى الوصول إلى علم الأصول كما تقول طريق مكة أي المتوصل فيها إلى مكة فليس الوصول فيه ولكنه غايته.\nوقوله منهاج خبر إن ويجوز إطلاق ذلك على هذا الكتاب بمعناه الأصلي غير علم لأن الاشتغال به يوصل إلى ذلك وقوله الجامع مخفوض صفة لعلم الأصول ولا خفاء في جمعه بين المعقول والمشروع فإنه نتج من نكاح نور الشرع لصافي بنات الفكر فجاء عريق الاصالة شديد البسالة وتوسطه بين الأصول أي أصول الدين والفروع وهذا يستمد من الأول ويمد الثاني.\n\"وهو إن صغر حجمه وكبر علمه وكثرت فوائده وجلت عوائده\" قوله:","vol":"1","page":17},{"text":"وهو يعني هذا الكتاب وصغر بضم الغين وكذلك كبر الباء لأنه بمعنى عظم وأصل كبر بضم الباء لكبر الجثة ثم استعمل في كبر المعنى وأما كبر السن فلا يقال فيه إلا كبر بكسر الباء وراعى المطابقة بين صغر وكبر لتضادهما واجتمعا لرجوع الصغر إلى الجثة والكبر إلى المعنى والعوائد جمع عائدة وهي العطف والمنفعة يقال هذا أعود عليك من كذا أي أنفع وفلان ذو عائدة أي تعطف ونفع وإن هذا الكتاب لكما وصف.\n\"جمعته رجاء أن يكون سببا لرشاد المستفيدين ونجاتي يوم الدين والله تعالى حقيق بتحقيق رجاءه وقوله حقيق بتحقيق أي خليق له وخليق وجدير وحري وحر كل ذلك بمعنى واحد وقصد المصنف التجانس بين حقيق وتحقيق وإطلاق ذلك على الله ينبئ على أن الأسماء توقيفية أولا\".","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تعريف أصول الفقه</span>\n\"أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد\".\nهذه العبارة بعينها عبارة تارج الدين الأرموي في الحاصل ولنقدم مقدمة وهي أنه ينبغي أن يذكر في ابتداء كل علم حقيقة ذلك العلم ليتصورها الذي يريد الاشتغال به قبل الخوض فيه فمن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل فلا جرم احتاج إلى تعريف أصول الفقه في أوله وههنا خمسة أشياء:\nأحدها: لفظ أصول الفقه قبل أن يسمى به هذا العلم مركب من مضاف ومضاف إليه.\nوالثاني: هذا اللفظ بعد أن سمي به فإنه صار اسما للعلم وكل من المضاف والمضاف إليه بهذا الاعتبار صار كالزاي والدال من زيد لا معنى له وكل مركب سمي به معنى فقد يتطابق معناه حال التركيب وحال التسمية كعبد الله مسمى به رجل فهو صادق عليه بالاعتبارين وقد لا يتطابقان كأنف الناقة مسمى به رجل ولفظ أصول الفقه مما تطابق فيه معناه حال التركيب ومعناه حال التسمية من بعض الوجوه كما سنبينه.\nالثالث: معنى أصول الفقه قبل التسمية.\nالرابع: معنى أصول الفقه بعد التسمية مع قطع النظر عن أجزاء اللفظ المطلق عليه.\nالخامس: معناه بعد التسمية مع الالتفات إلى أجزاء اللفظ المطلق عليه لأن اللفظ يدل عليه باعتبارين كما قدمناه فإذا أخذ المعنى بأحد الاعتبارين","vol":"1","page":19},{"text":"كان مغايرا له بالاعتبار الآخر فيصدق على المعنى المذكور أنه إضافي لقبي باعتبارين لكن صدق اللفظ عليه بالإضافة إنما هو بطريق المجاز لأنه أخص من معناه الحقيقي والحد إنما هو للمعنى دون اللفظ فالمقصود بيان المعاني الثلاثة ويعبر عن المعنى الأول بالإضافي لأن المعنى مركب من مضاف ومضاف إليه في الذهن كما أن لفظه كذلك في النطق ويعبر عن المعنى الثاني باللقبي باعتبار أنه ملقب بهذا الاسم فإن اللفظ المركب جعل اسما عليه زلقبا له وعلما كسائر أعلام الأجناس أو أسماء الأجناس فإن علم الجنس هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره من غير نظر إلى أفراده واسم الجنس الذي يقصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده حتى إذا دخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى علم الجنس هذا هو الذي نختاره في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس ويستنتج منه أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع لأنه إنما يثنى ويجمع الأفراد وجعله اسم جنس أولى من جعله علم جنس لأنه لو كان علما لما دخلت عليه الألف واللام وكذلك سائر أسماء العلوم من فقه ونحو وغير ذلك ويعبر عن المعنى الثالث بالإضافي بالاعتبارين كما سبق.\nإذا عرفت هذه المقدمة فهمت ثلاثة مباحث:\nأحدهما: في تعريف معنى أصول الفقه التركيبي قبل التسمية ولا بد في ذلك من تعريف المضاف والمضاف إليه والإضافة لأن العلم بالمركب يتوقف على العلم بالمفرد ونبدأ ذلك بتعريف المضاف وليس كما توهم بعض الناس من أنه يعتني بالبداءة بالمضاف إليه محتجا بأن المضاف يتعرف بتعريف المضاف إليه لأنا نقول التعريف تعريف مقابل التنكير وهو الذي يكتسبه المضاف من المضاف إليه وتعريف مقابل الجهل وهو المقصود هنا وهذا لا يكتسبه المضاف من المضاف إليه فنقول الأصول جمع وتعرفه بتعريف مفرده والأصل ما يتفرع عنه غيره وهذه العبارة أحسن من قول أبي الحسين ما يبنى عليه غيره لأنه لا يقال إن الولد يبنى على الوالد ويقال إنه فرعه وأحسن من قول صاحب الحاصل ما منه الشيء لاشتراك من بين","vol":"1","page":20},{"text":"الابتداء والتبعيض وأحسن من قول الإمام١: \"المحتاج إليه\" لأنه إن أريد بالاحتياج ما يعرف في علم الكلام من احتياج الأثر إلى المؤثر والموجود إلى الموجد لزم إطلاق الأصل على الله تعالى وإن أريد ما يتوقف عليه الشيء لزم إطلاقه على الجزء والشرط وانتفاء المانع وإن أريد ما يفهمه أهل العرف من الاحتياج لزم إطلاقه على الأكل واللبس ونحوهما وكل هذه اللوازم مستنكرة وكل هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة وإن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم وهو مما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة.\nوأما في العرف فالأصل مستعمل في ذلك ولم يترك أهل العرف الاستعمال في ذلك لكن العلماء يطلقونه مع ذلك على شيئين أخص منه:\nأحدهما: الدليل والثاني المحقق الذي يشك في ارتفاعه لتفرع المدلول على الدليل والاستصحاب على اليقين السابق.\nوالفقه تعريفه سيأتي في كلام المصنف والإضافة تفيد الاختصاص فإن كان المضاف اسما جامدا أفادت مطلق الاختصاص كحجر زيد وإضافة الأعلام إذا وقعت من هذا القبيل كقول الشاعر:\nعلا زيدنا يوم النقا ... رأس زيدكم\nوإن كان المضاف اسما مشتقا أفادت الإضافة اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى المشتق منه كغلام زيد تفيد اختصاص الغلام بزيد في معنى الغلامية وكانت للملك وتفيد هنا اختصاص الأصول بالفقه في معنى لفظة الأصول وهو كون الفقه متفرعا عنه وظهر بهذا أن أصول الفقه بالمعنى التركيبي ما يتفرع عنه الفقه والفقه كما يتفرع عن دليله يتفرع عن العلم بدليله فيسمى كل منهما أصلا للفقه ولا فرق في الأدلة في هذا المقام بين الإجمالية\n_________\n١ هو: فخر الدين، محمد بن عمر الحسيني الرازي، المتوفى سنة: ٦٠٦هـ صاحب كتاب \"المحصول، في أصول الفقه، وهو الذي يعتبر كتاب \"منهاج الوصول\" للبيضاوي ملخصًا له. فكلمة \"الإمام\" إذا أطلقت في أصول الفقه، فالمراد: فخر الدين الرازي. اهـ. محققة.","vol":"1","page":21},{"text":"والتفصيلية فإن كلا منهما يتفرع الفقه عنه وعن العلم به فصار أصول الفقه بالمعنى التركيبي يشمل أربعة أشياء الأدلة الإجمالية وعلمها والأدلة التفصيلية وعلمها وهذا ليس هو المصطلح ولا يصح تعريف هذا العلم بمدلول أصول الفقه الإضافي لأنه أعم منه إلا إذا أخذ بعد التسمية كما سيأتي.\n\"البحث الثاني\": في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي وهو المصطلح عليه ولا شك أن كلا من الأدلة التفصيلية والعلم بها غير داخل فيه لأن ذلك من وظيفة الفقيه والخلافي فلم يوضع أصول الفقه في الاصطلاح لكل ما يحتاج إليه الفقه بل لبعض ما يحتاج كدأب أهل العرف في تخصيص الأسماء العرفية ببعض مدلولاتها في اللغة والأدلة التفصيلية مثل: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ودلالته على وجوب الصلاة ونحو ذلك ولما استفيد إخراج الأدلة التفصيلية وعلمها من الوضع تبقى الإجمالية وعلمها والمراد بالإجمالبة كليات الأدلة فإن قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ونهيه ﷺ: \"عن قتل النساء والصبيان\" وإطلاق الرقبة في موضع وتقييدها بالإيمان في موضع وصلاته ﷺ في الكعبة وإجمال الصلاة في الآية المذكورة وبيان جبريل لها ونسخ التوجه إلى بيت المقدس والإجماع على أن بنت الابن لها السدس مع الثلث عند عدم العاصب وخبر ابن مسعود في ذلك وقياس الأرز على البر ومرسل سعيد بن المسيب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان وقول عثمان في بيع الفراء والمصلحة المرسلة في التترس والأخذ بالأخف في دية اليهودي والاستحسان في التحليف على المصحف ونحو ذلك كلها أدلة معينة وجزئيات مشخصة والعلم بها ليس من أصول الفقه في شيء وإنما هي وظيفة الفقه ولهذه الأدلة وأمثالها كليات وهي مطلق الأمر والنهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والفعل والإجمال والتبيين والنسخ والإجماع وخبر الواحد والقياس والمرسل وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والأخذ بالأخف والاستحسان عند من يقول به وهذه الكليات داخلة في الجزئيات فإن الكلي الطبيعي موجود في الخارج وفي الذهن في ضمن مشخصاته ففي الأدلة اعتباران:\nأحدهما: من حيث كونها معينة وهذه وظيفة الفقيه وهي الموصلة القريبة","vol":"1","page":22},{"text":"إلى الفقه والفقيه قد يعرفها بأدلتها إذا كان أصوليا وقد يعرفها بالتقليد ويتسلمها من الأصول ثم هو يرتب الأحكام فمعرفتها حاصلة عنده.\nوالاعتبار الثاني: من حيث كونها كلية أعني يعرف ذلك الكلي المندرج فيها وإن لم يعرف شيئا من أعيانها وهذه وظيفة الأصولي فمعلوم الأصولي الكلي ولا معرفة له بالجزئي من حيث كونه أصوليا ومعلوم الفقيه الجزئي ولا معرفة له بالكلي من حيث كونه فقيها ولا معرفة له بالكلي إلا لكونه مندرجا في الجزئي المعلوم وأما من حيث كونه كليا فلا فالأدلة الإجمالية هي الكلية سميت بذلك لأنها تعلم من حيث الجملة لا من حيث التفصيل وهي توصله بالذات إلى حكم الإجمالي مثل كون كل ما يؤمر به واجبا وكل منهي عنه حراما ونحو ذلك وهذا لا يسمى فقها في الاصطلاح ولا توصل إلى الفقه بالتفصيلي وهو معرفة سنية الوتر أو وجوبه والنهي عن بطلان بيع الغائب أو صحته مثلا إلا بواسطة فقبدية الإجمال مأخوذة في الأدلة والمعرفة معا أيضا وليست مأخوذة في الفقه ولذلك لا يلزم من النظر في الأصول حصول الفقه والحكم الكلي متوقف على الأصول توقفا ذاتيا والحكم التفصيلي وهو الفقه موقوف عليه أيضا وعلى غيره كلية قد يكون بالتقيد للأصولي كما أشرنا إليه وبهذا يظهر أن الاجتهاد في الفقه على الإطلاق شرطه الأصول ومعرفتها بالاجتهاد وأما بدون ذلك فيكون مقلدا وإن اجتهد في تفريع المسائل.\nثم هذه الأدلة الكلية لها حقائق في أنفسها من حيث دلالتها وتعلق العلم بها فهل وضع أصول الفقه لتلك الحقائق في أنفسها أو للعلم بها كلام المصنف يقتضي الثاني وكلام الإمام وغيره يقتضي الأول ولكل منهما وجه فإن الفقه كما يتوقف على الأدلة يتوقف على العلم بها وقد يرجح ما فعله المصنف بأن العلم بالأدلة لا يوصل إلى المدلول إلا بواسطة العلم بها لأن الفقه علم لكن أهل العرف يسمون المعلوم أصولا وكذلك يسمون المعلوم فقها ونقول هذا كتاب أصول وكتاب فقه والأولى جعل الأصول للأدلة والفقه للعلم لأنه أقرب إلى الاستعمال اللغوي ثم الأدلة لها اعتباران أحدهما حقيقتها في نفسها والثاني من حيث دلالتها على الفقه والمأخوذ في حد أصول الفقه والمأخوذ في حد أصول الفقه إنما هو هذا الثاني وهو مستفاد من الإضافة","vol":"1","page":23},{"text":"في قولنا أدلة الفقه لما قدمناه أن الإضافة تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظة المضاف فالشرط في الأصولي معرفة أدلة الفقه من حيث دلالتها على الفقه خاصة وقد يكون لها عوارض أخرى لا يجب معرفته بها ثم معرفة الأدلة من حيث كونها أدلة لا بد معه من كيفية الاستدلال ومعظمها يذكر في باب التعارض والترجيح فجعلت جزءا آخر من أصول الفقه لتوقف الفقه عليها وليس كل أحد يتمكن من الاستدلال ولا يحصل له الفقه بمجرد علم تلك الأدلة وكيفية الاستدلال لأنها أدلة ظنية ليس بينها وبين مدلولاتها ربط عقلي فلا بد من اجتهاد يحصل به ظن الحكم فالفقه موقوف على الاجتهاد والاجتهاد له شروط يحتاج إلى بيانها فجعلت جزءا ثالثا من أصول الفقه لتوقف الفقه عليها.\nوهذا مجموع ما يذكر في أصول الفقه الأدلة وكيفية الاستدلال وكيفية حال المستدل والإمام ومن وافقه يجعلون أصول الفقه عبارة عن الثلاثة والمصنف وطائفة يجعلونه عبارة عن معرفة الثلاثة فالمعارف الثلاثة عندهم هي أصول الفقه وقد تقدم البحث في ذلك.\nفقول المصنف: \"وكيفية الاستفادة\" معطوف على دلائل الفقه أي ومعرفة كيفية الاستفادة وكذا قوله: وحال المستفيد أي ومعرفة حال المستفيد والمراد بالمستفيد المجتهد لأنه الذي يستفيد الأحكام من أدلتها ويقع في بعض النسخ حال المستدل وفي بعضها حال المستفيد فجمع بعض النساخ بينهما واقتضى هذا الغلط أن يحمل المستدل على المجتهد والمستفيد على المقلد لأنه يستفيد من المجتهد لكن يجوز أن يكون جزءا من أصول الفقه بخلاف الاجتهاد فإن الفقه موقوف عليه نعم إذا عرف المجتهد عرف أن من سواه مقلد وهذا جاء بالعرض لا بالقصد أعني معرفة المقلد نعم بعض الناس قد سمى علم المقلد فقها فمن هذا الوجه يحسن إدراجه في أصول الفقه لتوقف فقهه عليه وفيه فائدة لا تذكر إلا فيه وهي حكمه إذا اختلفت عليه المجتهدون ونحو ذلك.\nوقول المصنف: \"دلائل\" لو قال أدلة كان أحسن لأن فعيلا لا يجمع على","vol":"1","page":24},{"text":"فعائل إلا شاذا١. وقوله إجمالا مصدر في موضع الحال أو تمييز من معرفة أو دلائل وكل منهما يصح أن يراد به على ما بينا ويزداد وعلى جعله من معرفة وجه آخر وهو أن يكون نعتا لمصدر محذوف تقديره عرفانا إجمالا وإعرابه تمييز أقوى لأنه يبين جهة الإضافة كقولك هذا أخوك رضاعة أو نسبا وهذا القيد أعني قوله إجمالا لإخراج العلم بالأدلة على التفصيل فليس من أصول الفقه ولا هو الفقه كما وقع في عبارة بعض شارحي هذا الكتاب لأن الفقه غيره بل هو يذكر في الفقه ومن وظيفة الفقيه وأصول الفقه الأدلة الإجمالية وعلمها وهل أصول الفقه بحسب الاصطلاح يصدق على القليل من ذلك والكثير أو لا يصدق إلا على المجموع اختيار الإمام الثاني فلم يجعل أصول الفقه يطلق على بعضه وهذا إنما يظهر بأخذ مضافا ومضافا إليه أما إذا أخذ إسما على هذا العلم فينبغي أن يصدق على القليل والكثير كسائر العلوم ولهذا إذا رأيت مسألة واحدة منه تقول هذا أصول فقه والاعتذار عن الجمع في لفظة الأصول بأمرين:\nأحدهما: أن بعد التسمية لا يجب المحافظة على معنى الجمع.\nوالثاني: أنه جمع مضاف إلى معرفة فيعم والعموم صادق على كل فرد وكلام المصنف محتمل لما قاله الإمام ولما قلناه بالطريق المذكور.\nوعدول المصنف عن علم إلى معرفة نقدم عليه مقدمة وهي أن المعرفة تتعلق بالذوات وهي التصور والعلم يتعلق بالنسب وهو التصديق فإن أراد أن علم الأصول تصور محض فليس كذلك لأن العلم بكون الأمر للوجوب والنهي للتحريم من أصول الفقه وهو تصديق فالإتيان بلفظ العلم في هذا المقام\n_________\n١ قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: لم يأت فعائل جمعًا لاسم جنس على وزن فعيل فيما أعلم، لكنه بمقتضى القياس جائز في العلم المؤنث كعسائد، جمع عسيد اسم امرأة. نهاية السول ١/١٤-١٥.\nوالذي يترجح عندي أن \"دلائل\" ليس جمعًا لدليل، وإنما هو جمع \"دلالة\" وهي الإمارة وهي أعم منا دليل، فلو عبر بالأدلة لخرج كثير من أصول الفقه العمومات، وأخبار للآحاد، والقياس، والاستصحاب، وغير ذلك، فإنها أمارات على الدليل، ولذلك قال الإمام الرازي في المحصول. طرق الفقه يتناول الأدلة والأمارات. اهـ. محققة.","vol":"1","page":25},{"text":"أحسن لأنه أعم من المعرفة ولهذا ينقسم العلم إلى التصور والتصديق ويقول النحاة في العلم إذا لم يكن عرفانا ثم سواء قلنا علم أو معرفة أو أدلة أو طرق كما قال الإمام يرد على جميع ذلك سؤال قوي وهو أن الطريق ما يفضي النظر الصحيح فيه إلى علم المدلول أو ظنه والدليل ما يفضي النظر الصحيح فيه إلى المدلول وعلم الدليل أو الطريق كذلك والمدلول هنا هو الفقه لقوله أدلة الفقه أو طرق الفقه وقد قدمنا أن الفقه بحسب الاصطلاح لا يصدق إلا على معرفة الأحكام التفصيلية فيلزم من هذا أن يكون أصول الفقه معرفة أدلة الأحكام التفصيلية وأن من عرفها عرف ضرورة بما قررناه من أن النظر في الدليل يوجب العلم بالمدلول فيلزم أن يكون الأصول فقها وأن يكون كل أصولي فقيها وهذا ظاهر البطلان ولا ينجى عن هذا قيد الإجمال في المعرفة أو في الدلالة لأن الإجمالي إن كان دليلا للتفصيلي لزم من تحصيله حصوله وإن لم يكن دليلا للتفصيلي فسدت إضافته إلى الفقه لأن الفقه تفصيلي ودليل الفقه مجموع أمرين:\nأحدهما: الإجمالية، والثاني: التفصيلية، والأول مندرج في الثاني فكل من علم الثاني علم الأول تقليدا أو اجتهادا ولا يحصل الفقه إلا بعلمهما والأصول في الأول فقط وقد سلم من هذا السؤال ابن الحاجب حيث قال إن حده لقبا العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية ومع ذلك يرد عليه أن من القواعد النحوية وغيرها ما هو كذلك ولم تدخل في أصول الفقه فالحد غير مانع وغير جامع أيضا لأنه أخرج الأدلة عن الأصول جملة.\nفإن قلت: هل من اعتذار عن المصنف والإمام وغيرهما في السؤال الذي قدمته قلت نعم وهو أن الأدلة التفصيلية التي يحصل عنها الفقه لها جهتان: إحداهما أعيانها والثانية كلياتها وكل دليل هكذا فليست الأدلة منقسمة إلى ما هو إجمالي غير تفصيلي وتفصيلي غير إجمالي بل كلها شيء واحد له جهتان فالأصولي يعلمه من إحدى الجهتين والفقيه يعلمه من الأخرى ويصدق على ذي الجهتين أنه معلوم من وجه فالمراد بالأدلة التفصيلية التي هي موصلة إلى الفقه والأصولي يعرفها من جهة الإجمالي فلها اعتباران والنظر في","vol":"1","page":26},{"text":"الدليل إنما يفيد العلم بالمدلول إذا نظر فيه على سبيل التفصيل والأصولي لم ينظر فيه كذلك فلم يحصل له الفقه لانتفاء شرط نظره لا لانتفاء كون المنظور فيه دليلا في نفسه وهذا جواب حسن مصحح لمعرفة الأدلة وإن كان جعله للأدلة صحيحا أيضا باعتبار أن للأدلة نسبتين كما قدمنا فهي باعتبار إحدى النسبتين غيرها باعتبار الأخرى هذا كله في تعريف المعنى اللقبي إذا قطعنا النظر عن أجزاء اللفظ وكذلك إذا لاحظناها مع التخصيص الذي أشرنا إليه فيما سبق فإن التعريف يحصل بما ذكره أيضا وليس من شرط الحد أن يكون بأجزاء محمولة كما ظنه بعضهم بل بأجزاء داخلة في الحقيقة وأجزاء المحدود هنا وهي المعارف الثلاث كذلك والمعرفة جنس الأصول وما أضيف إليه من الأدلة والكيفيتين فصول تقديره معرفة متعلقة بالأدلة والكيفيتين فالمتعلقة فصل وإنما جعلناه فصلا لأن التعلق داخل في ذات العلم فإن جعلته خارجا كان خاصة وكان التعريف رسما تاما.\nالبحث الثالث\nفي الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها وما بينها من النسب.\nأما المعنى الأول وهو معنى أصول الفقه قبل التسمية فهو أعم مطلقا من الثاني والثالث اللذين هما بعد التسمية وتعريفه أعم من تعريفهما ولا يحصل به تعريف هذا العلم كما سبق وإطلاقه عليه إطلاق الأعم على الأخص ولم يذكر المصنف ولا غيره ممن أراد تحديد علم أصول الفقه ذلك إلا على سبيل التقدمة كما فعله الإمام فإنه ذكر المفردات ثم ذكر تعريف أصول الفقه بعد مسمى به ولذلك أخذ فيه قيد الإجمال ولو راعى مدلوله قبل التسمية لم يأخذ فيه قيد الإجمال وأما معناه اللقبي ومعناه الإضافي بعد التسمية إذا لوحظت أجزاء لفظه فهما سواء وتعريفهما سواء فسرنا الأصول بالأدلة أم بالمحتاج إليه فيصح على كل من التقديرين هذا أن نجعل أصول الفقه اسما للأدلة وهي محتاج إليها فيتحد المعنى اللقبي والإضافي أما الإضافي فظاهر وأما اللقبي فلتسمية الأدلة بذلك ويصح أن نجعله اسما للمعرفة فيتحدان أيضا أما اللقبي فظاهر وأما الإضافي فظاهر إن جعلنا الأصل المحتاج إليه وإن جعلناه الدليل فنكون قد سمينا به العلم بالدليل من باب تسمية العلم باسم المعلوم.","vol":"1","page":27},{"text":"فإن قلت: إذا جعلنا الأصول للأدلة والتسمية للمعرفة تغاير المعنى اللقبي والإضافي قطعا فيجب أن يكون لكل منهما حد قلت ليس المراد بالإضافي معناه قبل التسمية وإلا لورد المعنى الأول وقد قدمنا أنه خارج قطعا فإنما المراد تعريف المعنى اللقبي باعتبار ملاحظة أجزاء اللفظ فلا بد أن يوجد فيها تعبير إما بمجاز أو بتخصيص حتى يوافق اللقب وحينئذ يتحد التعريفان ويستحيل أن يكون لعلم أصول الفقه المصطلح عليه حدان أحدهما باعتبار الإضافة قبل التسمية والثاني باعتبار اللقب.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>تعريف الفقه</span>\n\"والفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية\".\nفي معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال:\nأحدها: مطلق الفهم.\nوالثاني: فهم الأشياء الدقيقة.\nوالثالث: فهم غرض المتكلم من كلامه وقولنا غرض المتكلم من كلامه إشارة إلى أنه زائد على مجرد دلالة اللفظ الوضعية فإنه يشترك في معرفتها الفقيه وغيره ممن عرف الوضع وبهذا الاعتبار يسلب عمن اقتصر على ذلك من الظاهرية اسم الفقيه وأما في الاصطلاح فقد ذكره المصنف والكلام عليه من وجوه:\nأحدها: قوله: العلم جنس يشمل التصور والتصديق القطعي وإنما قلنا ذلك لأن العلم صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض ويلزمها التعلق بمعلوم فإن كان المعلوم ذاتا أو معنى مفردا أو نسبة غير خبرية فهو التصور وإن كان نسبة خبرية فهو التصديق القطعي مثاله العالم حادث وههنا أربعة ذات العالم ومعنى الحدوث في نفسه والارتباط بينهما من غير حكم بثبوته أو بانتفائه والعلم بهذه الثلاثة تصور والرابع هو ثبوت ذلك الارتباط أو انتفاؤه وهو النسبة الخبرية وهو التصديق وهكذا في كل قضية موضوعها ومحمولها مفردا والارتباط بينهما نسبة تقييدية وهو من قبيل المفرد ووقوع تلك النسبة","vol":"1","page":28},{"text":"أو عدم وقوعها أمر رابع فتعلق العلم بتلك الثلاث تصور وتعلقه بالرابع تصديق والفرق بين الثالث والرابع دقيق فإنك تقول علمت حدوث العالم بمعنى تصورته وعلمت حدوث العالم بمعنى صدقت به فالنسبة واحدة ولكن التصور علمها في نفسها والتصديق علم حصولها فحقيقة المعلوم في التصديق كحقيقة المخبر به في الخبر بل هي حقيقة واحدة إن تعلق بها الكلام سمي خبرا وإن تعلق بها العلم سمي تصديقا والتصور أخص من العلم مطلقا والتصديق أخص منه من وجه لأن التصديق قد يكون بالخبر وليس بعلم لخروجه من حد العلم وتفسير التصديق بما قلناه وهو العلم بالنفي والإثبات يصحح انقسام العلم الذي هو الإدراك إلى التصور والتصديق بخلاف ما إذا فسرناه بالحكم أو بالحكم مع التصور فلا يصح انقسام العلم إليه إلا إذا قيل إن العلم بالنفي أو الإثبات حكم والمعروف أن الحكم إيقاع النسبة.\nوكشف اللبس في ذلك أن الحكم هو نسبة أمر إلى أمر بالإثيات أو النفي وهو قسم من أقسام الكلام قد يكون بالنفس وقد يكون باللسان فإذا قلنا حكم الذهن فإنما نريد الإخبار النفساني ثم إن هذا الإخبار محتمل للتصديق والتكذيب والتصديق والتكذيب إما بالإخبار بأن يقال لقائله صدقت أو كذبت وإما بالعلم والاعتقاد فإن من علم صدق المخبر يقال له مصدق له ومن علم كذبه يقال أنه مكذب له فسمى العلم المتعلق بذلك الخبر أو بمضمون الخبر تصديقا لما قلناه لأنه مصدق له فالعلم يتعلق بالحكم أو بمضمونه لا ينقسم إليه وقولنا بمضمونه لأن العلم قد يتعلق بالنسبة الخارجية وقد يتعلق بالخبر عنها فالثاني تصديق للخبر والأول تصديق لمضمونه والحكم منه ما هو تصديق وهو الأخبار بصدق الصادق ومنه ما ليس بتصديق وهو تقييد الأحكام وأنما شاع في العرف إطلاق التصديقات على القضايا مطلقا لأنها قابلة لأن تصدق فكأنهم قالوا الصادقة ومن هنا يتبين أن أحق القضايا باسم التصديق ما كان مقطوعا به لأنه الذي يصدقه العلم أما المظنونة والمشكوك فيها والموهومة فلا يوثق بأيها إذا عرضت على العلم بصدقها أو بكذبها فإن أطلق عليها اسم التصديق فإنما هو بطريق احتمالها له وإنما تسمى حكما وجميع الأشياء معروضة على العلم وهو الميزان لها فالمفردات بتصورها والأحكام الصحيحة بصدقها والباطلة بصدق نقيضها.","vol":"1","page":29},{"text":"ولما كان دائما في القضايا مصدقا لها ولنقيضها سمي تعلقه بها تصديقا وترك لفظ التكذيب للاستغناء عنه بنقيضه ولهجر لفظه وإنما سمى العلم بالصدق تصديقا لأن به يصدق فهو الأصل في الأصل في التصديق وإطلاق التصديق على الحكم بالصدق للزومه له وإطلاقه على الحكم بذلك بطريق الظن فيه بعيد وإطلاقه على الحكم مطلقا سواء كان تصديقا بخبر أم لا بعيد عن اسم التصديق.\nوقد أطلنا في هذا لأنا لم نجد من حققه هكذا.\nوفي العلم اصطلاح آخر خاص لا يندرج فيه التصور يقال فيه الاعتقاد الجازم المطابق لموجب وهذا هو أحد قسمي العلم العام وهو العلم التصديقي فإنا قدمنا أنه لا بد وأن يكون قطعيا فقولنا جازم مخرج الظن والشك والوهم وقولنا مطابق مخرج الجهل وقولنا لموجب مخرج التقليد.\nومنهم من يقول الثابت: بدل قولنا لموجب لأن اعتقاد المقلد غير ثابت لأنه يمكنه اعتقاد نقيضه واليقين لا يمكن اعتقاد نقيضه وهذا النوع من العلم لا يكون معلومه إلا حكما بإسناد أمر إلى أمر محتملا للتصديق والتكذيب أو مضمون ذلك الحكم وهو وقوع تلك النسبة في نفس الأمر كما بيناه.\nإذا عرفت الاصطلاحين في العلم فلك أن تجعله في كلام المصنف بالمعنى الأعم ويخرج التصور بما بعده وهو الذي سلكه الإمام وعليه سؤال سنورده ولك أن تجعله بالمعنى الأخص فلا يكون التصور داخلا فيه ولا يكون قوله بالأحكام مخرجا لشيء بل توطئة للشرعية وعلى كلا التقديرين لا يندرج الظن فيه ولذلك أورد عليه السؤال الذي سيأتي.\nوقد يطلق العلم باصطلاح ثالث على الصناعة كما تقول علم النحو أي صناعته فيندرج فيه الظن واليقين وكل ما يتعلق بنظر في المعقولات لتحصيل مطلوب يسمى علما ويسمى صناعة وعلى هذا الاصطلاح لا يرد سؤال الظن لكنهم كلهم أوردوه فكأنهم لم يريدوا هذا الاصطلاح أو أرادوه ولحظوا معه معنى العلم في الأصل ويطلق النحاة العلم أيضا على المعرفة وقد أصابوا","vol":"1","page":30},{"text":"ولكن ليس فيها اعتقاد ولا ظن بل تصور محض ولا يجوز أن تكون هي المراد ههنا لأن الفقه تصديق لا تصور.\n\"الوجه الثاني من الكلام على التعريف\" الباء في قوله بالأحكام ولنقدم مقدمة وهي أن علم فعل متعد بنفسه وأما الباء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ١ فاحتمل زيادتها واحتمل بأن يكون علم مضمنا معنى أحاط ومما يتنبه له إن علم المتعدية إلى مفعولين لم يدخلوا الباء على واحد من مفعوليها إذا ذكرا صريحين ودخلت على أن وصلتها السادة مسدهما لدلالتها على النسبة التي هي المعلومة وهذا يقوي التضمين ويقوي قول أكثر النحويين أنها سادة مسد المفعولين ويضعف قول من يقدر معها مفعولا ثانيا لأن المفعول الأول لا يدخل عليه الباء وليس هو المعلوم أعني المخبر بعلمه إنما المخبر بعلمه نسبة الثاني إليه وإذا علمت قيام زيد بمعنى أنه قام أو يقوم جاز دخول الباء في المفعول كما يدخل على إن لأن المعلوم فيهما ثبوت النسبة وإذا كانت علم بمعنى عرف جاز دخول الباء على مفعولها وتكون زائدة كقولك عرفته وعرفت به فإن أردت غيره صح أن يكون علم على حقيقتها.\nإذا علمت هذا فدخولها في قوله: العلم بالأحكام لا بد منه أما على طريقة التضمين في الفعل فظاهر وأما على طريقة الزيادة في الفعل فلأن المصدر المعرف بالألف واللام ضعيف العمل جدا وإذا ضعف تقوى بالحرف كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ٢ ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٣ وعلى كل تقدير هي متعلقة بالعلم وأما تقدير محذوف يتعلق به كقولنا العلم المتعلق بالأحكام فلا حاجة إليه إلا إذا فسرنا العلم بالصناعة فيظهر تقديره.\n\"الوجه الثالث قوله بالأحكام\" يخرج به العلم بالذوات والصفات الحقيقية والإضافية غير الحكم \"والأفعال\" وإنما قلنا غير الحكم لأن الحكم الشرعي كلام يتعلق به فهو صفة عرضت لها الإضافة.\n_________\n١ سورة العلق ١٤.\n٢ سورة يوسف ﵇ ٤٣.\n٣ سورة المائدة ٤٦.","vol":"1","page":31},{"text":"\"وهنا تنبيهات\" منها: أن الحكم يطلق على النسبة الخبرية وهي معلوم التصديق وبه يخرج التصور كله وعلى إنشاء الأمر والنهي والتخيير ومنه الحكم الشرعي والعلم قد يتعلق به على جهة التصور ألا ترى إلى قول المصنف ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها وعلى هذا لا تكون الأحكام مخرجة للتصورات وإنما تخرج بقوله بعد ذلك المكتسب من أدلتها فإن التصور يكتسب من التعريفات لا من الأدلة وعلى كل من تكلم على الحد جعل قوله الأحكام مخرجا للتصورات هذا سؤال قوي وجوابه أن الحكم لفظ مشترك والمراد به ههنا المعنى الأول.\nفإن قيل: الألفاظ المشتركة لا تستعمل في الحدود من غير بيان وأيضا قال الفقه العلم بالأحكام الشرعية ثم عرف الحكم الشرعي بالخطاب فاستحال أن يكون غيره وإلا لما انتظم قلت ينتظم من جهة أنه إذا عرفت أن الحكم الشرعي الخطاب الموصوف ترتب عليه حكما بثبوت ذلك الخطاب أو نفيه وهذا هو المراد بقولنا: \"الفقه العلم بالأحكام الشرعية\" وسمي شرعيا لكونه لم يعرف إلا من الشرع والمتعلق به تصديق لا تصور والمذكور في حد الحكم هو حكم الله القائم بذاته وهو طلب أو تخيير وسمي شرعيا لأنه ناشئ من الشارع والعلم المتعلق به تصور وإنما ذكر لنعرف به الحكم المذكور في حد الفقه لتعلقه به والقاضي أبو بكر١ يجعل حكم الله إخباره يجعله الحكم لفعل كذلك فيستغني عن هذا التكلف وأما سؤال الإشتراك فهنا قرينة تبين المراد وهي أن الفعل متعد إلى مفعولين ولا يجوز دخول الباء على مفعوله إلا إذا تضمن نسبة بنفي أو إثبات كما تقدمت الإشارة إليه في الوجه الثاني فلما دخلت الباء هنا مع لفظ العلم الذي ظاهره التعدي إلى مفعولين على لفظ الحكم الذي هو ظاهر في النسبة كان ذلك قرينة على أن المراد بالأحكام ثبوتها لا تصورها ومن هنا يتبين لك أن المطلوب من الفقه علمه هو كون الشيء واجبا أو حراما أو مباحا وهو المذكور في حد الفقه ويقرب دعوى القطع فيه،\n_________\n١ هو أب بكر: محمد بن الطيب بن جعفر بن القاسم، المعروف الباقلاني، شيخ أهل السنة، من مؤلفاته في الأصول: \"التقريب والإرشاد\" وقد اختصره في التقريب والإرشاد الأوسط والصغير. توفي سنة ٤٠٣هـ وفيات الأعيان ٣/٤٠٠، الأعلام المزركلي ٣/٩٠٩.","vol":"1","page":32},{"text":"لأن المراد العمل والمذكور في حد الحكم هو إيجاب الله أو تحريمه أو إباحته وهو صفة قائمة بذاته تعالى ويطلب تحقيقها من الأصولي لا من الفقيه والمطلوب تصورها ودعوى القطع في العلم بتعلقها بما علمه الفقيه غيره ولو قال قائل المراد بالأحكام هنا هو المذكور عند حد الحكم ونقدر بإثبات الأحكام ويستدل على هذا التقدير بما قلناه كان صحيحا والله أعلم.\n\"ومن التنبيهات\" أن الإمام ممن ادعى أن قوله بالأحكام يخرج العلم بالذوات والصفات ثم أورد السؤال كون الفقه مظنونا فيقال إن إراد بالعلم الاعتقاد الجازم فيرد سؤال الظن ولا يحسن وأن يقال خرج بالأحكام العلم والتصديق فيصح ما ادعاه من الإخراج ولا يرد سؤال الظن لأن الظن قسم من أقسام التصديق الذي هو قسم من العلم وجواب هذا بالتزام الثاني ومنع كون الظن من أقسام العلم بيناه في الوجه الأول.\n\"ومن التنبيهات\" أيضا أن بعض شرح من هذا الكتاب قال إن الأحكام تخرج العلم بالذوات والصفات كعلمنا بأن الأسود ذات والسواد صفة وهذه عبارة غير محررة فإن العلم بأن الأسود ذات والسواد صفة تصديق والعلم التصوري بنفس الذات ونفس الصفة متمثلة في الذهن.\n\"ومن التنبيهات\" أن الألف واللام في الأحكام للجنس هذا هو الذي نختاره والألف واللام الجنسية إذا دخلت على جمع قيل تدل على مسمى الجمع ويصلح للإستغراق ولا يقتصر به على الواحد والاثنين محافظة على الجمع والمختار أنه متى وقصد الجنس يجوز أن يراد به بعضه إلى الواحد ولا يتعين الجمع كما لو دخلت على المفرد نعم قد تقوم قرينة تدل على مراعاة الجمع مع الجنس فيقارب بذلك المفرد على ما قلناه ويصدق على العلم بحكم مسألة واحدة من الفقه أنها فقه ولا يلزم أن يسمى العالم به فقيها لأن فعيلا صفة مبالغة مأخوذة من فقه بضم القاف إذا صار له الفقه سجية وقال بعضهم إنها للعموم والمراد التمكن أي يكون له قوة قريبة من الفعل يصدق عليه بها للعلم بجميع الأحكام إذا نظر كما هي وظيفة المجتهد وهذا احسن في اسم فقيه اسم الفاعل المقصود","vol":"1","page":33},{"text":"به المبالغة لا في اسم الفقه المصدر وقال بعضهم إنها للعهد والمراد جملة غالبة بحكم أهل العرف عندها يصدق الاسم وهذا ليس بشيء.\n\"ومن التنبيهات\" أن قولنا العلم بالأحكام يصدق على ثلاثة أشياء:\nأحدها: تصور الأحكام وقد تحيلنا في إخراجه.\nوالثاني: إثباتها بمعنى اعتقاده أن الله أوجب وحرم وأباح من غير علم بأنه أوجب كذا أو حرم كذا أو أباح كذا وهذا أيضا ليس من الفقه في شيء بل هو من أصول الفقه.\nالثالث: وهو المقصود إثباتها معينة لموضوعات معينة وقد عبر بعضهم عن هذا بقوله الأحكام الجزئية وأشار إلى أن هذا لا بد من زيادته في الحد.\n\"الوجه الرابع قوله الشرعية\" يخرج الأحكام العقلية مثل كون فعل العبد عرضا أو حسنا وغير ذلك والمراد بالشرعية ما يتوقف معرفتها على الشرع والشرع هو الحكم والشارع هو الله تعالى ورسوله مبلغ عنه فلذلك يطلق الشارع على الله وعلى رسوله ﷺ وبما ذكرناه يندفع قول من قال إن الأحكام العقلية شرعية باعتبار أن الله خلقها وأنها تحت قضائه وقدره وقد وقفت على شرح لهذا الكتاب فيه أن قوله الشرعية احتراز عن الأحكام العقلية وتنبيه على أن المراد الأحكام بحسب الشرع لا بحسب العقل كما هو مذهب المعتزلة.\nوأعلم أن المعتزلة لا ينكرون أن الله تعالى هو الشارع للأحكام وإنما يقولون إن العقل يدرك أن الله شرع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها فهي طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي فليس قوله الشرعية تنبيها على خلاف قول المعتزلة وإن كان قول المعتزلة باطلا ولعله استند في هذا إلى قول الإمام فإنه قال قولنا الشرعية احتراز عن العلم بالأحكام العقلية كالتماثل والاختلاف والعلم بقبح الظلم وحسن الصدق عند من يقول بكونهما عقليين وكلام الإمام هذا صحيح وسعناه أن الحسن والقبح لا يدركان بالعقل عندنا فلا يحترز عنهما وأما عند المعتزلة فيدركان بالعقل وهما حكمان عقليان يحترز عنهما وليس العلم بهما فقها والحكم الشرعي تابع لهما على رأي المعتزلة لا عينهما فما كان حسنا جوزه الشرع وما كان قبيحا منعه","vol":"1","page":34},{"text":"فصار عند المعتزلة حكمان أحدهما عقلي والآخر شرعي تابع له والفقه هو العلم بالثاني فلذلك احترز عن الأول عندهم وكلام هذا الشارح يقتضي أنهم يطلقون على العلم بالأحكام العقلية فقها وليس كذلك فإذا تؤمل كلام الإمام كان ردا على ما قاله هذا الشارح وهذا المعتمد وغيره من كتب المعتزلة وفيها اعتبار الأحكام الشرعية في تعريف الفقه وقال هذا الشارح أيضا إن وجه نسبة الأحكام إلى الشرع أن تعلقاتها التنجيزية أو العلم بتعلقاتها التنجيزية مستفاد من الشرع لا أن نفس الأحكام أو تعلقاتها العلمية مستفاد من الشرع فإن الشرع حادث والأحكام وتعلقاتها العلمية قديمة والقديم لا يستفاد من الحادث انتهى ما قاله وكأنه لما رأى الأصحاب يقولون لا حكم قبل الشرع وأمثال هذه العبارة قاصدين لا حكم قبل البعثة توهم أن الشرع هو البعثة فقال إنه حادث وليس كما قاله ولا كما توهمه وإنما الشرع ما قدمناه.\nوأما قول الأصحاب فمرادهم به لا حكم قبل العلم بالشرع أو عبروا بالشرع عن البعثة على سبيل المجاز لأن بها يعرف ويظهر وهذا هو الأظهر من مرادهم وصاحب هذا الكلام لم يذكر كلام الأصحاب هذا ولكني أنا ذكرته جاحدا له ودفعته فإني استنكرت قول الشرع حادث أما سمع قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ١ فإن كان الشرع حادثا فالحكم حادث وهو لا يقول به وإن قال به رد عليه ثم مضمون كلام هذا القائل أن يكون الأحكام في الأزل ثابتة وهي غير شرعية وهذا شيء لم يقل به أحد أما أن ذلك مضمون كلامه فلأنه صرح بأن الأحكام قديمة وفسر نسبتها إلى الشرع بشيء حادث وأما أن ذلك لم يقل به أحد فلأن الناس منهم من قال الحكم الشرعي قديم ومنهم من قال الحكم حادث أما قدم الحكم وحدوث كونه شرعيا فلا قائل به فإن قال نسميه شرعيا لأنه بصدد أن يستفاد من الشرع الحادث قلنا نسميه شرعيا لأنه حكم من الشارع الحقيقي القديم.\n\"الوجه الخامس قوله العملية\" قيل يم يذكره ابن الباقلاني وذكره غيره وقال الإمام أنه احتراز عن العلم بكون الإجماع حجة والقياس حجة فإن كل ذلك أحكام\n_________\n١ سورة الشورى ١٣.","vol":"1","page":35},{"text":"شرعية مع أن العلم بها ليس علما بكيفية عمل وأشار الغزالي١ إلى ما أذكره وهو تبيين أن المراد بالأحكام الشرعية هنا ما استفيد من الشرع وهو أعم من تفسير الحكم الشرعي الذي سيأتي فإنه لو أريد ذلك لاستغنى عن قوله هنا العملية وأخص من مطلق الحكم ويصير لفظ الحكم الشرعي مشتركا بين ما ذكره هنا وهناك وكان شيخنا أبو الحسن الباجي٢ يختار أن قيد العملية احتراز عن أصول الدين لأن منه ما يثبت بالعقل وحده كوجود الباري تعالى ومنه ما يثبت بكل واحد من العقل والسمع كالوحدانية ومنه وجوب اعتقاد ذلك ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع لقصور العقل عن معرفته فأما الأول والثاني فخرجا بقولنا الشرعية وتفسيرنا إياها بما هو متوقف على الشرع وأما الرابع فقد يقال إنه داخل في الشرعية والأولى أن يجعل هو والأولان خارجة عنها بأن يراد بالحكم الإنشائي لا الخبري ولا شيء من الثلاثة بإنشاء وأما وجوب اعتقاد ذلك فهو حكم شرعي إنشائي فإن كان ذلك لا يسمى فقها فلا بد من إخراجه وما في الحد ما يخرجه إلا القيد المذكور ويرد على إخراجها وإخراج أصول الفقه بذلك إن أريد بالعمل عمل الجوارح والقلب فلا تخرج لدخولها في أعمال القلوب وإن أريد عمل الجوارح فقط خرجت النية وكثير من المسائل التي تكلم الفقهاء فيها كالردة وغيرها مما يتعلق بالقلب ولذلك ترى الآمدي وابن الحاجب لفظ العملية وقالا الفرعية لأن النية من مسائل الفروع وإن كانت عمل القلب ولعل الفقهاء إنما ذكروا ذلك لما يترتب عليه من الصحة والبطلان والمؤاخذة المتعلقات بالأعمال كما يذكر في بعض العلوم ما يتعلق به من علم آخر ثم إن كون الإجماع حجه مثل كون الزنا سببا لوجوب الحد وقد\n_________\n١ هو: محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي، صاحب إحياء علوم الدين والتصانيف العديدة في الأصول وغيره، مثل: المستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل وغيره ذلك.\nولد سنة ٤٥٠هـ وتوفي سنة ٥٠٥هـ.\nالبداية والنهاية ١٢/١٧٣، شذرات الذهب ١/١٠-١٣.\n٢ هو: علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب، علاء الدين الباجي، المولود في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، كان عالمًا بسائر العلوم النقلية والعقلية، الفقه والأصول، والمناظرة وغير ذلك. وكان أعلم أهل الأرض بمذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في علم الكلام. توفي بالقاهرة سادس ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبعمائة.\nطبقات الشافعية ١٠/٣٣٩، حسن المحاضرة ١/٥٤٤،الدرر الكامنة ٣/١٧٦.","vol":"1","page":36},{"text":"منع الإمام بعد ذلك أنه حكم شرعي فعلى طريقة لا حاجة له إلى إخراجه فطريق الجواب عنه أن مراده هناك أنه ليس بحكم زائد على أبحاث الحد وكذا كون الإجماع حجة معناه إيجاب العمل به وبمقتضاه فيجب الاحتراز عنه.\n\"الوجه السادس قوله المكتسب من أدلتها\" صفة للعلم وفي بعض النسخ المكتسبة صفة للأحكام والأول أحسن بل يتعين وإلا لاحتاج الحد إلى زيادة قوله: إذا حصل بالاستدلال وعلى كلا التقديرين فهو احتراز عن علم الله تعالى وما يلقيه في قلب الملائكة والأنبياء من الأحكام من غير اكتساب واحتراز أيضا عن العلم بوجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوه مما هو معلوم من الدين بالضرورة لأن لفظ الفقه يشعر بالعلم بما فيه دقة ولا دقة في ذلك ولأن العوام يعلمون ذلك ولا تسمى فقهاء وقال التبريزي١ في هذا القسم المعلوم بالضرورة إنه فقه وإن لم يسم المتصف به فقيها فذلك لأن العلماء في اسم الفقيه عرفا كما أن لهم في اسم الفقيه عرفا وكون تلك العلوم ضرورية لا يخرجها عن كونها فقها فإن معظم علوم الصحابة شرائع الأحكام كان كذلك وهذا الذي قاله التبريزي هو المختار وإن ذلك يسمى فقها ولذلك يذكر في كتب الفقه وإنما لا يطلق على العالم به وحده اسم فقيه لما فيه من المبالغة وفقيه اسم فاعل من فقه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية وهو وصف له في نفسه لا يتعدى إلى غيره والفقه هو مطلق الفهم وهو صفة يتعدى إلى المفهوم والضمير في أدلتها للأحكام ولو قال من أدلته لصح أيضا على ما في النسخ المشهورة من جعل المكتسب صفة للعلم.\n\"الوجه السابع قوله التفصيلية\" جعله الجمهور احترازا عن اعتقاد المقلد فإنه اعتبار وحكم شرعي عملي مكتسب من دليل إجمالي وهو أن هذا أفتاني به المفتي وكل ما أفتاني به المفتي فهو حكم الله في حقي وهو دليل عام لا\n_________\n١ هو: علي بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي بكر الأردبيلي، تاج الدين التبريزي، كان من العلماء المجيدين لفنون العلوم، من المنقول والمعقول، كالفقه، والأصول، والفرائض، والنحو والحساب، وعني في آخر حياته بدراسة علوم الحديث.\nتوفي بالقاهرة في شهر رمضان سنة ست وأربعين وسبعمائة.\nطبقات الشافعية لابن السبكي ١٠/١٣٧-١٣٨، الدرر الكامنة ٣/١٤٣، شذرات الذهب ٦/١٤٨ الأعلام للزركلي ٥/١٢١.","vol":"1","page":37},{"text":"يختص بمسألة بعينها ومقدمته الأولى حسية والثانية إجماعية ولذلك قال الإمام هنا إن هذا القيد يخرج ما للمقلد من العلوم فجعل الحاصل عند المقلد علما وأدرجه في جنس حد الفقه وأخرجه بهذا الفصل لكنه بعد ذلك جعله قسيم العلم فإنه لغير موجب والعلم لموجب وإذا لم يكن إعتقاد المقلد علما لم يدخل في الجنس وهو قوله العلم فلا يحتاج إلى إخراجه بالفصل إلا أن يريد بالعلم الإعتقاد الجازم المطابق أعم من أن يكون لموجب أولا وهنا تم الحد وعلى النسخة التي فيها المكتسبة بالهاء لا يتم الحد هنا لأن المسائل التي يعلمها المقلد هي مستدل عليها في نفس الأمر بأدلة تفصيلية مكتسبة لغيره فلا يخرج إلا بأن تقول إذا حصلت أو حصل علمها بالاستدلال.\n\"قيل الفقه من باب الظنون\" هذا سؤال على قوله العلم فاقتضى أنه لا شيء من الفقه بظني ونحن نبين لك أنه ظني لأنه موقوف على الظني والموقوف على الظني ظني أما كون الموقوف على الظني ظنيا فلأن الظني يحتمل العدم وعلى تقدير عدمه يعدم الموقوف عليه فلزم كونه ظنيا غير مقطوع به وأما كون الفقه موقوفا على الظني فلأنه موقوف على أدلته وأدلته نص أو إجماع أو قياس فالقياس كله ظني والإجماع اختلف فيه وعلى تسليم أنه قطعي فوصوله إلينا بالظن على أنه في غاية الندور والنص قسمان: أحاد لا يفيد إلا الظن ومتواتر وهو مقطوع المتن ظنون الدلالة وإن اقترن به قرائن حتى أفاد العلم التحق بالمعلوم من الدين ضرورة وأنتم قلتم أنه لا يكون فقها ومقتضى ذلك أن يكون كل الفقه مظنونا ولا شيء منه بمعلوم على عكس ما اقتضاه الحد وفي بعض النسخ قيل من باب الظنون أي الفقه وحذفه لدلالة الكلام عليه.\n\"قلنا المجتهد إذا ظن الحكم وجب عليه الفتوى والعمل به للديل القاطع على وجوب اتباع الظن فالحكم مقطوع والظن في طريقه\" مضمون هذا الجواب أن الفقه كله قطعي لا ظني وهذه المقالة تنسب إلى أكثر الأصوليين وحاصل كلامهم ومداره ما قاله المصنف وتقريره بالمثال أن نقول في الوتر مثلا الوتر يصلي على الراحلة فهو سنة فالوتر سنة والمقدمة الأولى ثابتة بخبر الواحد والثانية بالاستقراء وهما لا تفيدان إلا الظن فالنتيجة ظنية لتوقفها على الظن","vol":"1","page":38},{"text":"وهذا الظن الذي أراده المصنف بقوله والظن في طريقه وأكثر الناس إذا وصلوا إلى هذه النتيجة وقفوا عندها واعتقدوا أنها الفقه وهو الظاهر من اصطلاح الفقهاء وعليه بنى السائل سؤاله والأصوليون لم يقفوا عند ذلك لأن الظن لا يجوز اعتماده حتى يدل عليه دليل فنظروا وراء ذلك وقالوا لما حصلت هذه النتيجة وهي اعتقاد كون الوتر سنة ظنا ركبنا قياسا آخر من مقدمتين هكذا الوتر مظنون سنيته وكل ما هو مظنون سنيته فهو سنة في حق من ظنه.\nوالمقدمة الأولى قطعية لأنها وجدانية فإن الظان يجد من نفسه الظن كما يجد الجوع والشبع والمقدمة الثانية قطعية لقيام الإجماع على أن حكم الله في كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده وفي حق من قلده حتى لو اعتقد خلاف الإجماع لدليل كان حكم الله في حقه إلى أن يطلع على مخالفته وهذا الإجماع نقله الشافعي في الرسالة والغزالي في المستصفى وإذا تقررت المقدمتان كانت النتيجة الوتر سنة في حق من ظنه وهي قطعية لأنها تابعة لمقدمتين قطعيتين ولا يضرها وقوع الظن في مقدمتي القياس الأول ونتيجته وهي طريق القياس الثاني لأن الظن إنما يضر إذا كان في مقدمات الدليل وهنا مقدمتا القياس قطعيتان والمظنون خارج عنهما ووجود الظن الذي هو حاصل مقدمة القياس الثاني ليس مظنونا وهذا التقرير على حسنه إنما يفيدنا القطع بوجوب العمل فلذلك اختار جماعة أن الفقه هو العلم أو الظن والإنصاف أنهما مقامان اعتقاد كون الحكم عند الله كذا لا يمكن دعوى القطع فيه واعتقاد وجوب العمل بما ظنه من ذلك دعوى القطع فيه ممكنة والفقهاء نظروا للأول والأصوليون نظروا للثاني ولا مشاححة في الاصطلاح ولم يتوارد اختلافهما على شيء واحد على أني أقول قولهم حكم الله في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده سبيله أنه يجب عليه اتباعه ودعواهم الإجماع بهذا التفسير صحيح وبغير هذا التفسير ممنوع فإذا قلنا المصيب واحد والمخطيء معفو عنه لا يستمر هذا الإطلاق وإن كان بعضهم قال إنه يتعين التكليف ولكن يجب حمله على أنه يأثم بترك ما ظنه واجبا وبفعل ما ظنه حراما لجراءته على ربه بحسب اعتقاده وأما أن ذلك يصير في حقه كالواجب والحرام في نفس الأمر فلا يمكن وإذا ظن زوجه أجنبيه فوطئها يأثم ولكن أيميز إثمه أو يساوي إثم الزاني.","vol":"1","page":39},{"text":"وقول المصنف للدليل القاطع على وجوب اتباع الظن يقربه إلى الإجماع الذي جعلناه دليل المقدمة الثانية من القياس الثاني ومنع بعض الناس قطعيا قطعية هذا الدليل ليس يجمل لأنه لا بد لنا من دليل قاطع على اتباع الظن دفعا للتسلسل أو اثبات الظن بنفسه فلا بد من قاطع أما إجماع وحده وإما مع قرائن تحتف به تفيد القطع وهذا المعنى والتقرير يحصل في كل مسألة من مسائل الفقه سواء كان دليلها نصا أم قياسا أم غيرهما مما يفيد الظن وقوله مقطوع أي مقطوع به ولكنه حذف الجار وتوسع بتعدية الفعل إلى الضمير.\n\"ودليله المتفق عليه بين الأئمة الكتاب والسنة والإجماع والقياس\" قوله المتفق عليه إشارة إلى أن ثم أدلة مختلفا فيها وسنذكرها وقوله بين الأئمة أي المعتبرين وإلا فقد أنكر بعض الناس القياس وبعضهم الإجماع ولعله لا يسمى من أنكر ذلك إماما وهو حق لأن الإمام من يقتدى به وهؤلاء لا يقتدى بهم فلذلك طلق الأئمة ووقع في بعض النسخ الأمة والأول أصح لبعد التجوز في الثاني.\n\"ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها\" لا بد أمعناه لا فراق ولذلك قال ابن عبد السلام إنه إذا حلف لا بد أن يفعل كذا ولم يفعله على الفور حنث والمختار أنها لا تفيد الفور المعروف والأصولي نسبة إلى الجمع لأنه مسمى به كالأنصاري والأنماري ولو لم يسم به لم تجز النسبة إلا إلى المفرد فيقال أصلي والحكم على الشيء بالإثبات أو النفي مسبوق يتصوره والأصولي يريد أن يثبت الوجوب مثلا للأمر والتحريم المنهى أو ينفيهما وكذلك بقية الأحكام فلذلك لا بد أن يتصورها أولا وقصد وبهذا وجه الحاجة إلى تقدم هذه المقدمة.\n\"لا جرم رتبناه على مقدمة وسبعة كتب\".\nالذي يسبق إلى الذهن من لا جرم في هذا الموضع أن معناها لأجل ذلك أي لأجل ما سبق رتبناه على كتب وقد جاءت لا جرم في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن واسمها ولم يجئ بعدها فعل والذي ذكره المفسرون واللغويون في معناها أقوال:","vol":"1","page":40},{"text":"أحدها: أن لا نافية وجرم فعل معناه حق وأن ما في حيزه فاعلة وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش فقوله تعالى لا جرم أنهم معناه رد على الكفرة وتحقق بخسرانهم.\nوالثاني: أن لا زائدة وجرم معناه كسب أي كسب لهم عملهم الندامة فإن ما في حيزها على هذا القول في موضع نصب وعلى الأول في موضع رفع.\nالثالث: أن لا جرم كلمتان ركبتا وصار معناهما حقا وكثيرا ما يقتصر المفسرون على ذلك.\nالرابع: أن لا جرم معناه لا بد وإن الواقعة بعدها في موضع نصب بإسقاط حرف الجر قال الفراء لا جرم كلمة كانت في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا تقول لا جرم لآتينك قال الواحدي وضع موضع القسم في قولهم لا جرم لافعلن كما قالوا حقا لأفعلن وأنت إذا تأملت هذه الأقوال لم ينطبق شيء منها على معنى التعليل الذي قصده المصنف والذي يظهر أن التعليل مستفاد من ترتيب الحكم على الوصف وتصحيح كلام المصنف بأن يقدر فلا جرم أنا رتبناه فإضمار الفاء لإفادة التعليل وتقدير أن واسمها لتوافق موقعها من القرآن أو ينزل الفعل منزلة المصدر ويستغنى عن إضمار أن والتقدير فحقا رتبناه والمقدمة بكسر الدال وفتحها وهو أشهر فالكسر لأنها تقدم الناظر فيها إلى ما بعدها والفتح لأن الناظر يقدمها بين يديه إلى مقصوده هذا في مقدمة الكتاب ومقدمة الدليل أما مقدمة الجيش فلم يجعل الجوهري فيها إلا كسر الدال لأنها تقدم الجيش.\nووجه تقديم المقدمة في أول الكتاب كونه لا بد لكل أصولي من تصور الأحكام والكتب السبعة منها الأربعة التي قدمها الكتاب والسنة والإجماع والقياس كل منها كتاب.\nوالخامس: الأدلة المختلف فيها وهذه الخمسة هي الأدلة التي تضمنها المعرفة الأولى من أصول الفقه.\nوالسادس: في التعادل والتراجيح المقصود بالمعرفة الثانية.","vol":"1","page":41},{"text":"والسابع: في الاجتهاد المقصود بالمعرفة الثالثة.\nوهذا جملة أصول الفقه.\n\"أما المقدمة ففي الأحكام ومتعلقاتها وفيها بابان\".\nلما كانت متعلقات الأحكام يحتاج إليها ذكرها معها وإن لم يبين فيما سبق إلا وجه الحاجة إلى تصور الأحكام.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الباب الأول في الحكم </span>وفيه فصول\nالفصل الأول في تعريفه\n\"الحكم خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير\".\nلما كان الكلام في الحكم الشرعي لم يحتج إلى تقييده وقد تقدم الكلام في كونه إنشائيا أو خبريا وتفسيره بالخطاب وتقسيمه إلى الاقتضاء أو التخيير يدل على أن المراد الإنشائي والخطاب مصدر خاطب يخاطب خطابا مخاطبة وفي تسمية كلام الله تعالى في الأزل خطابا خلاف قال القاضي أبو بكر الكلام يوصف بأنه خطاب دون وجود مخاطب ولذلك أجزنا أن بكون كلام الله في أزله وكلام الرسول ﷺ في وقته مخاطبة على الحقيقة وأجزنا كونه أمرا أو نهيا وعلى هذا لا يقال للموصي إنه مخاطب بما يودعه وصيته ويقال أمر من تفضي إليه الوصية انتهى فعلى هذا لا يصح أن يؤخذ الخطاب في حد الحكم لأن الحكم عندنا قديم ويجب أن يقال الكلام والمصنف تبع الإمام في لفظ الخطاب وكأن الإمام رأى أنه يقال في القديم باعتبار ما يصير إليه وإذا قلنا لا يطلق الخطاب في الأزل فهو يطلق بعد ذلك عند وجود المأمور والمنهي ينبغي أن يقال إن حصل إسماعه لذلك كما في موسى ﵇ فيسمى خطابا بلا شك وإلا فلا على قياس قول القاضي وإذا سمينا ما يحصل إسماعه خطابا فلا يخرجه ذلك عن كونه قديما على أصلنا في جواز إسماع الكلام القديم وفي بعض نسخ الكتاب خطاب الله القديم كأنه رأى أن الخطاب يطلق على الكلام","vol":"1","page":43},{"text":"القديم على غير مذهب القاضي وعلى الأصوات والحروف الدالة على ذلك وهي حادثة فقال القديم ليخرجها وفي بعض النسخ لم يقل القديم نظرا إلى أن الخطاب هو الكلام والكلام حقيقة في النفساني فقط وهو المشهور عند المتكلمين فلا حاجة إلى قوله القديم فحصل في الخطاب قولان:\nأحدهما: أنه الكلام وهو ما تضمن نسبة إسنادية.\nوالثاني: أنه أخص منه وهو ما وجه من الكلام نحو الغير لإفادته وإضافته إلى الله بخرج خطاب غيره والمتعلق بأفعال المكلفين يخرج المتعلق بذاته تعالى والجمادات وذوات المكلفين وفعله كقوله الله لا إله إلا هو ويوم نسير الجبال ولقد خلقناكم والمراد بالمكلفين من كان بالغا عاقلا ولنا في الصبي خلاف هل هو مأمور بالصلاة والصوم بأمر الشارع أو بأمر الولي وعلى كل تقدير ليس تكليفا لأن أمر الندب لا كلفة فيه ومن رأى أنه مأمور بأمر الشرع قال في حد الحكم الخطاب المتعلق بأفعال العباد ولا يرد على المجنون لأنه لم يوجه له خطاب ومنهم من يقول بأفعال الإنسان لأن كلامنا فيما يتعلق بهم وإن كانت الملائكة والجن مكلفين لكنهم خارجون عن نظرنا.\nوقوله: \"بالاقتضاء أو التخيير\" يخرج قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١ فإنه خطاب متعلق بأعمالنا على وجه الإخبار عنها بكونها مخلوقة لكنه ليس اقتضاء ولا تخييرا فخرج عن الحد والمراد بالاقتضاء الطلب فيشمل طلب الفعل إيجابا أو ندبا وطلب الترك تحريما أو كراهة والمراد بالتخيير الإباحة.\n\"قالت المعتزلة خطاب الله قديم عندكم والحكم حادث لأنه يوصف به ويكون صفة لفعل العبد ومعللا به كقولنا حلت بالنكاح وحرمت بالطلاق\" هذا سؤال على الحد مركب وعلى مقدمتين الأولى مسلمة وإن كانت المعتزلة لا يقولون بها فإنا نقول بقدم الكلام والثانية لا نقول نحن بها فاستدلوا عليها بثلاثة:\n_________\n١ سورة الصافات ٩٦.","vol":"1","page":44},{"text":"أحدها: أن الحكم يوصف به أي بالحدوث فنقول حلت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالا وحرمت بعد أن لم تكن حراما والبعدية تصريح بالحدوث.\nوالثاني: أنه أي الحكم يكون صفة لفعل العبد فتقول هذا الفعل حلال وهذا فعل حلال أو حرام والعبد حادث ففعله أولى أن يكون حادثا فصفة فعله أولى بأن تكون حادثة.\nوالثالث: أنه أي الحكم يكون معللا به أي بالحادث كقولنا حلت بالنكاح فالنكاح علة في الحل وحرمت بالطلاق فالطلاق علة في التحريم.\n\"وأيضا فموجبية الدلوك ومانعية النجاسة وصحة البيع وفساده خارجة عنها\". هذا سؤال ثان وهو أن الحد غير جامع والحد يجب أن يكون جامعا لجميع أفراد المحدود مانعا من دخول غيره فيه فمتى خرج منه شيء أو دخل فيه غيره فيفسد والمراد بالدلوك زوال الشمس هذا هو الصحيح وقيل غروبها وكل منهما موجب لصلاة وغيره ذكر مع ذلك شرطية الطهارة والمراد أن هذه الخمسة أحكام شرعية غير الخمسة الأولى التي تضمنها الحد.\n\"وأيضا فيه الترديد وهو ينافي التحديد\" هذا سؤال ثالث على قوله بالاقتضاء أو التخيير أو للترديد والترديد ينافي التحديد لأن المقصود بالتحديد الإيضاح والبيان والمقصود بالترديد الشك والإبهام.\nواعلم أن مدلول \"أو\" إما شك كقولك جاء زيد أو عمرو وإما إبهام كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١ وإما تبيين قسمة كقولك العدد زوج أو فرد وإما إباحة كجالس الحسن أو ابن سيرين وإما تخيير كخذ درهما أو دينارا فالشك والإبهام منافيان للبيان بلا إشكال والتقسيم ليس فيه بيان المقسم والحد إنما يؤتى فيه بما يفيد البيان أو التخيير والإباحة لا محل لهما هنا وفيهما الترديد فلا يدخلان في الحدود.\n\"قلنا الحادث التعلق\" هذا جواب عن الوجه الأول من تقرير المقدمة\n_________\n١ سورة سبأ ٢٤.","vol":"1","page":45},{"text":"الثانية من السؤال الأول وهو أن الحكم يوصف بالحدوث فمنع ذلك وقال الحادث إنما هو التعلق فإذا قلنا حلت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالا فليس معناه أن إحلالها حدث وإنما معناه أنه تعلق بالعبد وهذا اختيار من المصنف أن التعلق حادث وهو المذكور في المحصول هنا وفي موضع آخر خلافه وهو المختار١ ولو كان التعلق حادثا لكان الخطاب المتعلق حادثا ضرورة أخذ التعلق قيدا فيه ويلزم على هذا أن يكون الحكم حادثا وهو قد فر منه وأن الكلام في الأزل لا يسمى حكما ومن ضرورته ألا يكون أمرا ولا نهيا ونحن لا نقول به ولا ينجى من هذا إلا أن يقال وصف الحكم في الأزل بالتعلق على سبيل الصلاحية ولكن هذا لا ضرورة إليه فالمختار أن الإحلال مثلا قديم وكذلك تعلقه وأن التعلق نسبة فهو يستدعي حصول متعلقه في العلم لا في الخارج وإنما الذي يحدث بعد ذلك الحل وهو غير الإحلال وإنما ينشأ عنه بشروط كلما وجدت وجد كما لو قلت أذنت لك أن تبيع عبدي هذا يوم الخميس فالإذن قبل الخميس موجود متعلق به وأثره يظهر يوم الخميس وعلى هذا يجب أن يحمل قولهم بحدوث التعلق فلا يكون بين الكلامين مخالفة في المعنى وكأن للتعلق طرفين من جهة المتكلم يتقدم ومن جهة المخاطب قد يتأخر.\n\"والحكم متعلق بفعل العبد لا صفته كالقول المتعلق بالمعدومات\".\nهذا جواب عن قوله ويكون صفة لفعل العبد فأجاب بأن الحكم قول متعلق بالفعل لا صفة للفعل لأن معنى الإحلال قول الله رفعت الحرج عن فاعله وهذا القول صفة لله تعالى قائم بذاته متعلق بغيره لا صفة كالقول\n_________\n١ في هامش النسخة المطبوعة: والمنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قديم، وعليه مدار كلام الأئمة، وفي ابن الحاجب التصريح به في مسألة أمر المعدوم، وهو الحق، ولو قيل: إن التعلق لا يوصف بقدم ولا حدوث، لكونه نسبة لم يبعد، إذ النسب والأمور الاعتبارية المختار فيها كذلك، لأنها عدمية، كما هو الحق، وقد فاه بذلك جميع متأخري علمائنا، لكن المشهور القول بالحدوث فليتأمل اهـ.","vol":"1","page":46},{"text":"المتعلق بالمعدومات إذا أخبرت عنها مثلا فليس القول صفة لها وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم وأما كون للقديم متعلقا بالحادث فلا يمتنع.\n\"والنكاح والطلاق ونحوهما معرفات له كالعالم للمصانع\".\nهذا جواب عن الدليل الثالث وهو قوله: \"ومعللا به\" أي بالحادث كقولنا حلت بالنكاح وحرمت بالطلاق فأجاب بأن هذه العلل شرعية والعلل الشرعية معرفات لا مؤثرات وكأن الله تعالى قال إذا تزوج فلان بفلانة بشروط كيت وكيت فاعلموا أني حللتها له فإذا وجد النكاح بتلك الشروط عرفنا الإحلال الأزلي ويجوز أن يكون الحادث معرفا للقديم كما أن العالم يعرفنا وجود الباري ﷾ ووحدانيته فليس علة له.\nواسم الصانع اشتهر على ألسنة المتكلمين في هذا المثال ولم يرد في الأسماء وقرئ في الشواذ: \"صنعه الله\"١ بالنون فمن اكتفى في الأسماء بورود الفعل يكتفي بمثل ذلك وما ذكره المصنف من الجواب يحسن إيراده على وجهين:\nأحدهما: على سبيل المنع ابتداء فيقال لا نسلم أن النكاح والطلاق ونحوهما علل وإنما هي معرفات.\nوالثاني: على سبيل الاستفسار فيقال إن أردت بالعلل المعرفات فمسلم ولا يفيدك وإن أردت المؤثرات فممنوع والعلة تطلق بمعنى المعرف والداعي والمؤثر والمتكلمون ينكرون المؤثر بناء على أن الأفعال كلها من الله تعالى وهو تعالى فاعل بالاختيار لا مؤثر بالذات ولا وجود للعلة المؤثرة هذا مذهب أهل السنة والحكماء٢ وكثير من المتكلمين غير أن أهل السنة تثبتها وإلا اختلف مدركهم وهذا تمام الأدلة الثلاثة التي قرر بها السؤال الأول.\n_________\n١ آية ١٣٨ من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ وهي القراءة الصحيحة المتواترة.\nأما قراءة صنعة الله بالنون فهي قراءة شاذة مروية عن الحجة في القراءات السبع لابن طالون ١/٢٢٨.\n٢ المقصود بالحكماء هنا: الفلاسفة.","vol":"1","page":47},{"text":"\"والموجبية والمانعية أعلام الحكم لا هو وإن سلم فالمعنى بهما اقتضاء الفعل والترك وبالصحة إباحة الانتفاع وبالبطلان حرمته\".\nهذا جواب عن السؤال الثاني بأحد طريقين: إما بأن تلك الأشياء التي ادعى خروجها عن الحد ليست أحكاما بل إعلاما بالحكم فلا معنى لكون الدلوك واجبا إلا أن الله تعالى أعلمنا به الوجوب ولا معنى لكون الوضوء شرطا إلا أن الله أعلمنا بعدمه بطلان الصلاة وإما بأن نسلم أنها حكم ونقول إنها ليست خارجة عن الحد بل راجعة إليه بتأويل وهو أن المعني بالموجبية اقتضاء الفعل وبالمانعية اقتضاء الترك ومعنى هذا أن موجبية الدلوك مثلا بمنزلة جعلت الدلوك معرفا لوجوب الصلاة والاقتضاء المذكور في الحد معناه وجبت الصلاة عند الدلوك وحاصل العبارتين سواء فبذلك يكون الحد جامعا وكلام المصنف ناطق بهاتين الطريقتين في الموجبية والمانعية وأما الصحة والبطلان فاقتصر فيهما على الجواب الثاني وهو رجوعهما إليه بتأويل وهو أن صحة البيع لا معنى لها إلا إباحة الانتفاع وفساده لا معنى له إلا حرمة الانتفاع وفيه نظر لأنا نعلل إباحة الانتفاع بالصحة وحرمته بالفساد والعلة غير المعلول ولأن بتمام الإيجاب والقبول تحصل الصحة ولا يباح الانتفاع حينئذ حتى يتم الخيار ويقبض ولم يذكر المصنف صحة العبادة وفسادها والسؤال وارد فيها أيضا وقد ذكر المصنف بعد هذا ما هو المعتمد في تفسير الصحة وهو أنها استتباع الغاية ومعناه أن العبادة أو العقد بحيث يترتب عليه أثره وهو الغاية المقصودة منه وغاية البيع مثلا إباحة الانتفاع فإن وقع البيع بحيث يكون كذلك كان صحيحا وإلا كان فاسدا وبهذا يصح تعليل إباحة الانتفاع بالصحة ويندفع توقف الإباحة على الخيار والقبض لأنه قد ينعقد السبب بحيث يترتب عليه مقصوده وإن توقف على شرط إذا وجد ذلك الشرط أضيف المشروط إلى السبب السابق إذا عرفت هذا فكون البيع بحيث يترتب عليه حل الانتفاع حكم ليس اقتضاء ولا تخيير فهو خارج عن الحد ورجوعه إليه بالطريق التي تقدمت في الدلوك وهو أن نقول الصحة نزلت منزلة قول الشارع جعلته مبيحا للانتفاع أي معرفا للإباحة والتخيير المذكور في الحد معناه إباحة الانتفاع عنده وحاصل العبارتين سواء.","vol":"1","page":48},{"text":"بقي هنا نظر آخر وهو كون البيع بحيث يترتب عليه حل الانتفاع هل هو معنى شرعي زائد على الإيجاب والقبول وسائر ما يعتبر معه أو هو تلك الأشياء فقط بغير زيادة أو مجموعهما يحصل به ذلك فإن كان الأول وهو المشهور عند الجمهور كان ذلك المعنى حكما شرعيا مفارقا لذات الدلوك مساويا لجعل الدلوك معرفا للوجوب فلذلك تعللت بطلب الطريق للثاني إذ لا يمكن إنكار كون ذلك شرعيا وإن كان الثاني وهو مقتضى كلام بعضهم ساوى الدلوك من كل وجه أمكن أن يقال حينئذ إن معنى الصحة الإعلام بإباحة الانتفاع عند اجتماع تلك الأمور وليست حكما بل إعلاما بالحكم وكذلك إن جعلنا الصحة وقوع البيع أو العبادة على وفق الوجه المشروع وقلنا إن هذا معنى عقلي لا شرعي فيأتي الطريقان أيضا في الجواب.\n\"والترديد في أقسام المحدود لا في الحد\".\nهذا جواب عن السؤال الثالث وبيانه أن الترديد المنافي للتحديد هو الترديد في الحد وهنا ليس كذلك لأن الترديد إنما يكون في الحد لو كانت أو داخلة بين الجنس والفصل أو بين الفصول وههنا إنما وقعت بين أقسام الفصل الآخر وذلك أنه لما كان الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين يشمل الاقتضاء والتخيير وغيرهما أتى بالفصل الآخر ليخرج غيرهما ويصير الفصل أحدهما من غير تعيين أعم من كونه اقتضاء أو تخييرا فهذا القدر المطلق هو الفصل ولا ترديد فيه ولكنه ينقسم إلى اقتضاء وتخيير فأتت أو بين قسميه فلا يحصل بها إخلال في الحد والفصل مساو للمحدود وكل ما كان أقساما لشيء كان أقساما لمساويه فلذلك قال المصنف إنها في أقسام المحدود ولم يكن الحد بدون أحدهما مانعا فلذلك لا بد من الفصل بأحدهما مطلقا وأو داخلة بين المعنيين وكل منهما معينا أخص من أحدهما مطلقا ولو وجد عبارة تشملهما أو تخرج غيرهما استراح من هذا السؤال وجوابه وقد خطر لي أن يكون الإنشاء فإنه يخرج الخبر ويشمل الاقتضاء والتخيير فيقال هذا الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الإنشاء،","vol":"1","page":49},{"text":"ويندرج فيه خطاب الوضع وكون الشيء سببا وشرطا ومانعا والحكم بالصحة والفساد سواء قلنا إن ذلك يرجع بتأويل إلى الاقتضاء والتخيير أم لا ويندرج فيه مثل قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فتزويج الله لنبيه \"زينب\" حكم شرعي.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الثاني: في تقسيم الحكم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>التقسيم الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود</span>\n...\nالفصل الثاني في تقسيماته الأول\n\"الخطاب إن اقتضى الوجود ومنع النقيض فوجوب وإن لم يمنع فندب وإن اقتضى الترك ومنع النقيض فحرمة وإلا فكراهة وإن خير فإباحة\".\nلما فرغ من تعريف الحكم الشرعي شرع في تقسيمه وحذف قوله وهو من وجوه لدلالة الكلام عليه والألف واللام في الخطاب للمعهود السابق في حد الحكم وهذا التقسيم بحسب ذات الحكم والاقتضاء هو الطلب وقابل المصنف الوجود بالترك ولو جعل موضع الوجود الفعل أو موضع الترك العدم لكان أحسن من حيث اللفظ وأما المعنى ففيه تسمح على التقديرين لأن الترك فعل وجودي فلا يكون تقسيما لا للفعل ولا للوجود ولذلك قال غيره المطلوب إما فعل غير كف وإما كف وهذا بحسب حقيقة الفعل عقلا وأهل العرف يقابلون بين الفعل والترك المطلقين والأولى اعتماده في هذا التقسيم١ وعدم التقييد بكونه كفا وغير كف وقوله فوجوب صوابه فإيجاب فإنه الحكم والوجوب أثره تقول أوجبه الله إيجابا فوجب وجوبا وكذلك قوله حرمه صوابه تحريم ووجه الحصر بين\n\"ويرسم الواجب بأنه الذي يذم شرعا تاركه قصدا مطلقا\".\nلما ذكر الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة في التقسيم المذكور بأن به ماهية كل واحد منها فالإيجاب طلب الفعل المانع من النقيض\n_________\n١ في هامش النسخة المطبوعة: \"عبارة غيره: فالأول أن يعتمد في هذا التقسيم، ولعله الأول كما لا يخفى\".","vol":"1","page":51},{"text":"والتحريم طلب الترك المانع من النقيض والإباحة هي التخيير بين الفعل والترك ولك أن تجعل مكان المانع من النقيض الجازم في جميع المواضع فهما مترادفان والأفعال التي هي متعلق هذه الأحكام هي الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح تظهر ماهيتها بذلك أيضا فيقال الواجب المطلوب الفعل طلبا جازما والمندوب المطلوب الفعل طلبا غير جازم والحرام المطلوب الترك طلبا جازما والمكروه المطلوب الترك طلبا غير جازم والمباح المخير فيه ولكنه ذكر لها رسوما أخرى تظهر بها حقائقها وبدأ بالواجب\nوترك ذكر الجنس وهو الفعل لدلالة الكلام عليه واكتفى بذكر الخواص فقوله الذي صفة لمحذوف أي الفعل الذي فالفعل جنس يشمل الخمسة والذي يذم تاركه أخرج المندوب والحرام والمكروه والمباح وعادة الأصوليين يقولون الذي يذم يخرج المندوب والمكروه والمباح وتاركه يخرج الحرام وكان الباجي يشرحه كذلك وأنا لا أختار هذا لأن الذي يذم وحده لا يصلح أن يكون فصلا ألا ترى أنك لو قلت الفعل الذي يذم لم بكن جنسا للمحدود ولا مفيدا للمقصود وقوله شرعا احترازا عن مذهب المعتزلة فإن عندهم الذم بالعقل فأشار بهذا إلى قاعدة الأشاعرة وهي أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع وقدم شرعا على تاركه حتى يتبين أن انتصابه عن يذم وقوله قصدا متعلق تاركه وهو قيد ليس في المحصول ولا في الحاصل وأراد به إدخال الواجب إذا ترك سهوا فإنه لا يذم ولا يخرجه ذلك عن الواجب ولو لم يقل ذلك لكان الرسم مطردا وغير منعكس لأن ما لا يذم تاركه قد يكون واجبا بأن يتركه سهوا وإطلاق تاركه مع ما فيه من العموم المستفاد من الإضافة يقتضي أن ما لا يذم كل تارك له ليس بواجب فقيد التارك بالقصد وكل قيد في الفصل يكثر به المحدود بخلاف زيادة الفصول فإنه ينقص بها الحدود وصار الرسم بهذا القيد مطردا منعكسا أما اطراده فلأن كل ما يذم تاركه قصدا ليس بواجب.\nفإن قلت الساهي غير مكلف فليس الفعل في حقه واجبا فلا يوصف بترك الواجب قلت إما أن يكون بني هذا على رأى الفقهاء فإنهم يقولون الصلاة واجبة على الساهي والنائم ولذلك يجب القضاء عليهما وإما أن يفرض","vol":"1","page":52},{"text":"فيهن سهى عن الصلاة بعد دخول وقتها ووجوبها عليه واستمر سهوه حتى خرج الوقت فالوجوب قد تحقق وتحقق الترك ولا معصية بسبب السهو كمن مات في أثناء الوقت لا يعصى على الصحيح فطريان السهو في أثناء الوقت كطريان الموت وكذا إذا طرأ النوم عن غلبة وإنما قيدت بقولي عن غلبة لأنه إذا قصد النوم حيث يحتمل عنده أن يستيقظ قبل خروج الوقت وألا يستيقظ والاحتمالان على السواء فإنه إذا نام يكون قد عرضها للفوات فيظهر عصيانه وهذا قلته تفقها ثم وجدته في فتاوى أبي عمرو بن الصلاح١ واستدل بما جاء في الحديث في العشاء أنه نهى عن النوم قبلها وإن غلب على ظنه أو يستيقظ قبل خروج الوقت٢ فالذي يظهر جواز النوم ولا يعصى إذا استغرق به النوم على ندور حتى خرج الوقت ويحمل الحديث على ما سوى هذه الصورة أو على أنه نهى تنزيه وإن ظن أنه لا يستيقظ حرم بلا إشكال مهما نام بعد الوقت أما إذا نام قبله فلا لأن التكليف لم يتعلق به ودع٣ من يعلم من عادته أنه لا يستيقظ إلا بعد الوقت لقول النبي ﷺ \"إذا استيقظت فصل\" فإن قلت هل هذا القيد الذي زاده المصنف لا بد منه حتى يكون الحد بدونه فاسدا قلت ينبني على شيء وهو أن عدم الفعل أعم من تركه فمن مات ونام غلبه أو أقبل الوقت حتى خرج يقال في حقه لم يصل ولا يقال ترك الصلاة ومن اشتغل بضدها وهو ذاكر لها فقد تركها قصدا ومن نام عن اختيار في أثناء الوقت مع علمه من عادته ألا يستيقظ داخل في ذلك وأما الساهي وهو الذي اشتغل بضدها قاصدا لذلك الضد ولم يخطر بباله الصلاة فيقال إنه لم يصل وهل يقال\n_________\n١ هو عثمان بن عبد الرحمن، أبو موسى الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح، أحد العلماء المبرزين في التفسير، والحديث، والفقه، أسماء الرجال وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية.\nمن مؤلفاته: \"معرفة أنوع علم الحديث\" والمعروف مقدمة ابن الصلاة، والفتاوى، وشرح الوسيط في فقه الشافعية، طبقات الفقهاء الشافعية.\nتوفي رحمه الله تعالى سنة ٦٤٣هـ وفيات الأعيان ١/٣١٢، الأعلام ٤/٣٦٩.\n٢ روى عن أبي برزة الأسلمي أن النبي ﷺ: \"كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها\" رواه الجماعة.\n٣ في هامش النسخة المطبوعة: في شرح ابن النحوي: ودع بصيغة الأمر والمعنى –والله أعلم- واترك من يعلم من عاداته إلخ فلا تقيد به\". اهـ.","vol":"1","page":53},{"text":"إنه تارك الصلاة لأجل تلبسه بضدها مختارا له أولا لا يقال ذلك لعدم قصده لها فأشبه من لا ينسب إليه فعل هذا محل نظر فإن أطلقنا عليه اسم التارك فلا بد من القيد المذكور وإلا فلا حاجة إليه وهو الأولى لأن قولنا الواجب ما يذم على تركه معناه على تركه حين كونه واجبا والناس حين نسيانه لم يكن الفعل واجبا عليه فتركه الذي لم يذم عليه والوجوب لم يجتمعا في زمن واحد ولذلك أن القاضي أبو بكر وغيره من الأئمة لم يذكروا هذا القيد.\n\"وقوله مطلقا\" متعلق أيضا بتاركه وهو قيد في الفصل زائد في المحدود كما أشرنا إليه من قبل وأن مقتضاه الإدخال لا الإخراج وقصد به إدخال الواجب الموسع والمخير وفرض الكفاية فإن كلا منها قد يتركه قصدا تركا مقيدا فلا يذم كما إذا ترك الموسع في أول الوقت وفعله في آخره وترك خصلة من خصال المخير وفعل الأخرى وترك فرض الكفاية وقام به غيره لا يأثم في الصور الثلاث وإنما يأثم في الموسع إذا ترك هو لا غيره فإنه يصح حينئذ إطلاق الترك عليه والنوع الرابع من أنواع الواجبات وهو الواجب المضيق إطلاق الترك صادق عليه حيث ترك فلا قيد فشمل كلامه الواجبات الأربعة وهذا القيد وهو قوله مطلقا قاله صاحب الحاصل١ وحذف قول الأصحاب على بعض الوجوه لأن به يستغنى عنه وهم يجعلون على بعض الوجوه متعلقا بذم وفائدة هذا الرسم أنه إذا لم يرد من الشارع طلب لفعل ولكن ورد ذمه أو ذم فاعله لأجله استدللنا بذلك على وجوبه والذم معروف لغة وعرفا فلا حاجة إلى تفسيره والمعتزلة فسروه بأنه قول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل ينبني على إيضاح حال الفاعل ولأصحابنا معهم مشاححات متكلفة وأورد في المحصول أنه يدخل في هذا التحديد السنة فإن الفقهاء قالوا إن أهل محلة إذا اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار فإنهم يحاربون بالسلاح وهذا الذي قاله في سنة الفجر لم أر من الفقهاء ولا من غيرهم من قاله غيره وإنما قالوه في الأذان والجماعة ونحوهما من الشعائر الظاهرة ومع ذلك الصحيح عندهم إذا قلنا بسنتيها إنهم لا يقاتلون\n_________\n١ هو تاج الدين محمد بن حسين الأرموي، المتوفى سنة ٦٥٦هـ اختصر كتاب \"المحصول\" للإمام الرازي في كتاب سماه \"الحاصل\" لا يزال مخطوطًا.","vol":"1","page":54},{"text":"على تركها خلافا لأبي إسحاق المروزي١ ويجاب على هذا القول بأن المقاتلة على ما يدل عليه ذلك من الاستهانة بالدين المحرمة لا على ترك السنة.\n\"ويرادفه الفرض وقالت الحنيفة الفرض ما ثبت بقطعي والواجب بظني\" قال أبو زيد الدبوسي٢ من الحنفية الفرض والتقدير والوجوب السقوط فخصصنا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع لأنه الذي يعلم من حاله أن الله قدره علينا والذي عرف وجوبه بدليل ظني نسميه بالواجب لأنه ساقط علينا ولا نسميه بالفرض لأنا لا نعلم أن الله قدره قلنا الفرض المقدر أعم من كونه علما أو ظنا والواجب هو الساقط أعم من كونه علما أو ظنا فتخصيص كل من اللفظين بأحد القسمين تحكم ولو قالوا إن هذا مجرد اصطلاح لم نشاححهم والنزاع في موافقته للأوضاع اللغوية ثم زادوا وادعوا أن الفرض والواجب مختلفان بالحقيقية وقصدهم من هذا أن الوتر واجب وليس بفرض وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة بالحديث٣ وأصل القراءة فرض بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٤ ولو سلم لهم الاختلاف في الطريق لم\n_________\n١ هو: إبراهيم بن أحمد المروزي، صاحب المزني، أحد أئمة الشافعية، من مصنفاته \"الفصول في معرفة الأصول\" توفي ٣٤٠هـ.\nالأعلام للزركلي ١٠/١٠، الفهرست لابن النديم ص٣١٣.\n٢ هو: عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد أول من وضع علم الخلاف، كان فقيها باحثا. ألف \"تأسيس النظر\" فيما اختلف فيه الفقهاء، أبو حنيفة وصاحباه، ومالك والشافعي. و\"الأسرار\" في الأصول والفروع عند الحنفية، و\"تقويم الأدلة\" في الأصول.\nتوفي رحمه الله تعالى سنة ٤٣٠هـ.\nوفيات الأعيان ١/٢٥٣، الأعلام ٤/٢٤٨.\n٣ صح في قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة أحاديث كثيرة منها:\nأعن عبادة بن الصامت ﵁ –أن النبي ﷺ- قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\". رواه الجماعة.\nب وعن أبي هريرة –﵁- قال، قال رسول الله –ﷺ: \"من صلى لم يقرأ فيها بأم القرآن\" - وفي رواية: \"بفاتحة الكتاب\" - فهي خداج، هي خداج غير تمام\". رواه الشيخان وأحمد.\nقال الخطابي: هي خداج: ناقصة نقص بطلان وفساد. فقه السنة ١/١٣٥.\n٤ سورة المزمل ٢٠.","vol":"1","page":55},{"text":"يلزم منه الاختلاف في الحقيقة ثم لم يستمروا على ذلك وجعلوا القعدة في الصلاة فرضا ومسح ربع الرأس فرضا ولم يثبتا بقاطع.\nوقد جاء في الحديث فريضة الصدقة يعني النصب والمقادير ويلزم الحنفية ألا يكون شيء من ذلك فرضا وألزمهم القاضي ألا يكون شيء مما ثبت وجوبه بالسنة كنية الصلاة ودية الأصابع والعاقلة فرضا وأن يكون الاشهاد عند السامع ونحوه من المندوبات الثابتة بالقرآن فرضا لما ادعوا أن الفرض ما ثبت بالقرآن والواجب ما ثبت بالسنة.\n\"والمندوب ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه\" لك أن تجعل ما بمعنى الذي كما قال في الواجب وأن تجعلها نكرة أي فعل وهو جنس للخمسة ويحمد فاعله خرج به المباح والحرام والمكروه ولا يذم تاركه خرج به الواجب والعموم المستفاد من النفي في قوله: ولا يذم تاركه أغنى عن التقييد بقوله قصدا مطلقا وفي بعض النسخ يمدح مكان يحمد وقد تقدم الكلام في الخطبة على الحمد والمدح ولا بد من قوله شرعا وكأنه لما ذكرها في حد الواجب اكتفى به عن ذكرها في الأربعة مع إرادتها١ وظن شيخنا الجزري٢ أن الناسخ أسقطها فلحقها بالأصل.\n_________\n١ وأقول: إن البضاوي ذكر كلمة \"شرعًا\" مرتين وليس مرة واحدة كما قال السبكي، وكان البيضاوي دقيقًا في تعبيره، حيث ذكرها مرة في أول الأقسام وهو الواجب، الذي هو أعلى مراتب الفعل المطلوب تحصيله.\nولما طال العهد ذكرها مرة أخرى عند تعريف الحرام، وهو أعلى مراتب الفعل المطلوب تركه، ليشمل كل منهما ما تحته، والملحوظ كالملفوظ تمامًا، وبهذا يندفع ما أورده الإسنوى على البيضاوي من اعتراض حيث قال: وأيضًا فقد تعرض المصنف لقوله شرعًا في رسمي الواجب والحرام، دون رسم المندوب والمكروه والمباح، مع أن المدح على الفعل في المندوب، وعلى الترك في المكروه لا يثبت عندنا إلا بالشرع، وكذلك نفي المدح، فالصواب ذكرها في الجميع، كما فعل صاحب الحاصل والتحصي.\nنهاية السول الشيخ بحيث ١/٨٢.\n٢ هو: محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمود الجزري، المتوفى سمة ٧١١هـ كان أحد علماء القرن السابع الهجري، ومن المبرزين في سائر العلوم النقلية والعقلية، وهو أحد شيوخ الإمام السبكي.\nمن مؤلفاته: شرح على \"منهاج الوصول للبيضاوي يسمى \"معراج المنهاج\" وهو من أقدم =","vol":"1","page":56},{"text":"\"ويسمى سنة ونافلة\" من أسمائه أيضا أنه مرغب فيه وتطوع ومستحب والترادف في هذه الأسماء عند أكثر الشافعية وجمهور الأصوليين.\nوقال القاضي حسين١ من الشافعية السنة ما واظب عليه النبي ﷺ والمستحب ما فعله مرة أو مرتين والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره ولم يردد فيه نقل وقالت المالكية السنة ما واظب النبي ﷺ على فعله مظهرا له والنافلة عندهم وله رتبة من الفضيلة التي هي أنزل رتبة من السنة وللحنفية اصطلاح آخر في الفرق بين السنة والمستحب والصحيح ما قدمناه أولا لقوله ﷺ: \"من سن سنة\" ٢ ولقوله: \"ولكن أنسى لأسن\" ٣ فانظر\n_________\n= الشروح التي وضعت على المنهاج. وقد وفقني الله تعالى لتحقيقه على نسختين مخطوطتين بدار الكتب المصري، ومكتبة الأزهر، لكنه لم يطبع حتى الآن اهـ. محققه.\nراجع في ترجمة الجزري: الوافي بالوفيات ٥/٢٦٣ طبقات الشافعية للاسنوي ١/٣٨٣ ولابن السبكي ٦/٣١ شذرات الذهب ٦/٤٢.\n١ هو: الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي القاضي، أحد أعلام المذهب الشافعي، كان جبل فقه منيعًا صاعدًا، تفقه على القفال المروزي.\nقال عنه الرافعي: \"وكان يقال له حبر الأمة\".\nتوفي – رحمه الله تعالى- في المحرم سنة ٤٦٢هـ.\nمن شعره.\nإذا ما رماك الدهر يومًا بكنية ... فأوسع لها صدرًا وأحسن لها صبرًا\nفإن إله العالمين بفضله ... سيعقب بعد العسر من فضله يسرًا\nطبقات الشافعية للسبكي ٤/٣٥٦-١٣٦٥، شذرات الذهب ٣/٣١٠، وفيات الأعيان ١/٤٠٠.\n٢ أخرجه الإمام مسلم في حديث طويل من رواية عمرو بن جرير بن عبد الله وفيه \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\".\n٣ رواه الإمام مالك في الموطأ – كتاب السهو حديث ٤ ص٨٣- ولفظه: \" إني لأنسى أو أنسي لأسن\" ورواه الغزالي بلفظ: \"إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن\" ثم قال: وظاهر هذا الحديث أنه –ﷺ- لا ينسى بباعث البشرية، وإنما ينسيه الله ليشرع، وعلى هذا فهو مخالف لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود مرفوعًا \"إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني\" سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ٢/٤.\nويبدو لي أنه لا تنافي بين الأحاديث الثلاثة، وأنها في جملتها تفيد أن الرسول – ﷺ- كان =","vol":"1","page":57},{"text":"كيف جعل السنة بما يحصل نسيانا وهو أندر شيء يكون وأما المندوب فلا شك في عمومه لجميع ما ذكر والأصل المندوب إليه ولكنه حذف إليه وتوسع فيه فقبل المندوب وفي السنة اصطلاح وهو ما علم وجوبه أو ندبيته بيته بأمر النبي ﷺ.\n\"والحرام ما يذم شرعا فاعله\" فبقوله يذم فاعله خرجت الأربعة وكان ينبغي للمصنف على طريقته أن يقول قصدا لأن وطء الشبهة يصفه بعض الفقهاء بالتحريم ولا يذم عليه الصواب حذفها من الموضعين وأما قوله في الواجب مطلقا فلإدخال الواجب المخير والموسع وفرض الكفاية وليس ذلك في الحرام إلا أن الآمدي١ نقل خلافا في الحرام المخير فأصحابنا أثبتوه في نكاح الأختين والمعتزلة نفوه وكان الباجي يقول الحق نفيه لأن المحرم الجمع بينهما كما نطق به القرآن لا إحداهما ولا كل واحدة منهما بخلاف الواجب المخير فإن الواجب إما أحدهما وإما كل منهما على التخيير فلذلك الذي قال على بعض الوجوه في الواجب لم يذكرها في الحرام ولم يحتج المصنف إلى زيادة قيد آخر وأنا أقول في الأختين كذلك إن الحرام الجمع فقط وأثبت الحرام المخير كما أثبته القاضي أبو بكر وغيره من الأشعرية وأمثله بما إذا أعتق إحدى أمتيه فإنه يجوز له وطء إحداهما ويكون الوطء تعيينا للعتق في الأخرى وكذا إذا طلق إحدى امرأتيه وقلنا الوطء تعيين على أحد القولين ففي هذين المثالين الحرام واحدة لا بعينها.\n_________\n= ينسيه الله ﷿ في بعض الأمور لحكم كثيرة لأجل تعليم الأمة وتشريع الأحكام المترتبة عليها، وأن الحديث الذي رواه الغزالي ليس المراد منه نفي حكم النسيان بالجملة، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه، كقوله ﷺ: \"بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا، ولكنه نسى\" أو نفي الغفلة وقلة الاهتمام ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ الأعلى: ٦-٧ هـ هـ. محققة.\n١ هو: أبو الحسن، علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي الأمدي، أحد العلماء المبرزين في العلوم النقلية والعقلية، من مؤلفاته في الأصول كتاب \"الإحكام في أصول الأحكام\" والذي لا يستغني عنه أي باحث.\nتوفي رحمه الله تعالى سنة ٦٣١هـ. الأعلام للزركلي ٢/٦٩٤.","vol":"1","page":58},{"text":"وقسم القاضي الأفعال إلى متماثلة ومختلفة فالمتماثلة لا يتعلق الأمر باثنين مبهما ولا جمعا بلا تخيير كاللونين في مكان واحد لعدم غيرهما والمختلفان كاللون والكلام يصح الأمر والنهي عنهما جمعا وتخييرا والضدان يجوز النهي تخييرا والنهي عنهما جميعا ولا يصح الأمر بهما جميعا وصورة التحريم المخير صريحا يقول حرمت هذا أو هذا وكذا لو قال لا تفعل كذا أو لا تفعل كذا فإن قال لا تفعل أو تفعل كذا بإسقاط أو كذا أو قال لا تفعل كذا أو كذا احتمل النهي المخير والنهي عن كل منهما وهو في الثاني أظهر وعلى ذلك قوله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ١ وقريب من هذا في المأخذ وإن اختلفا في الصورة قولك ما ضربت زيدا أو عمرا محتمل فإن قلت ولا عمرا كان نصا في أنه لم يضرب واحدا منهما وعند عدمها لا نص ولا ظهور في ذلك.\n\"والمكروه ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله\" فبقوله يمدح خرج الواجب والمندوب والمباح وبقوله ولا يذم فاعله خرج الحرام وليس معنى المكروه أن الله لم يرد فعله وإنما معناه ما ذكرناه وليس هو حسنا ولا قبيحا وفي المكروه ثلاثة اصطلاحات:\nأحدها: الحرام فيقول الشافعي أكره كذا وكذا ويريد التحريم وهو غالب إطلاق المتقدمين تحرزا عن قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ ٢ فكرهوا لفظ التحريم.\nالثاني: ما نهى عنه نعي تنزيه وهو المقصود هنا.\nالثالث: ترك الأولى كترك صلاة الضحى لكثرة الفضل في فعلها والفرق بين هذا والذي قبله ورود النهي المقصود والضابط ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه مكروه وما لم يرد فيه نهي مقصود يقال ترك الأولى ولا يقال مكروه وقولنا مقصود احتراز من النهي التزاما فإن الأمر بالشيء ليس إلا نهيا عن ضده التزاما فالأولى مأمور به وتركه منهي عنه التزاما لا مقصودا.\n_________\n١ سورة الإنسان ٢٤.\n٢ سورة النحل ١١٦.","vol":"1","page":59},{"text":"\"والمباح ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم\" لا بد من الإتيان بلا بين الفعل والترك وبين المدح والذم وبذلك تخرج الأحكام الأربعة فإن الواجب يتعلق بفعل مدح وبتركه ذم والحرام عكسه والمندوب يتعلق بفعله مدح ولا ذم في تركه والمكروه يتعلق بتركه مدح ولا ذم في فعله هذا تمام الرسوم وفيها زيادة على ما اقتضاه التقسيم من تعريف حقائقها وهي فائدة جليلة كما إذا رأينا فعلا لم يرد في الشرع في فعله مدح ولا ذم ولا في تركه أو ورد مدح أو ذم فيحكم بمقتضى ذلك وإن لم تأت صيغة طلب ولا تخيير وقد تقدم التنبيه على أنه لا بد من التقييد في الشرع في الكل وقد تعرض له الإمام في المندوب وصاحب الكتاب تعرض له في الواجب والحرام لأن الذم فيهما وكما أن الذم الذي ثبوته علامة الواجب والحرام هو الذم الشرعي وهو أخص من انتفاء الذم مطلقا فبدون هذا القيد يكون الرسم غير جامع لخروج المباحات التي انتفى الذم الشرعي فيها ووجد فيها ذم عقلي أو عرفي وأعني بالتقييد أن يكون كل من الوصفين المذكورين في طرفي الأحكام الثلاثة ثابتا بالشرع والتنبيه لذلك في قول المصنف المباح ما لا يتعلق بفعله وبتركه مدح ولا ذم إن أراد به عرف من الشرع انتفاء ذلك فصحيح وإن أراد أنه لم يوجد في الشرع مدح ولا ذم كذلك فلا يلزم كونه مباحا فقد يكون باقيا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع ولذلك قال الإمام المباح ما علم فاعله أنه لا حرج في فعله ولا في تركه ولا نفع في الآخرة وقول الإمام هذا احتراز عن فعل البهيمة وغير المكلف فلا يكفي في الإباحة عدم الحكم بذلك بل الحكم بعدمه ويحتاج في المندوب والمكروه أن يأتي بقوله شرعا في طرفي الفعل والترك جميعا وتصحيح كلام المصنف أن يحمل على أنه أراد ذلك فإنه محتمل له على أني أقول إن ما لم يوجد في الشرع دليل على مدح ولا ذم في فعله ولا في تركه مباح بأدلة شرعية وإنما أورد عليه فعل غير المكلف كالساهي والنائم والبهائم وطريق الاعتذار عنه ما ذكرته أو يقال إنه إنما يتكلم في فعل المكلف.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>التقسيم الثاني: باعتبار الحسن والقبيح</span>\n...\nالتقسيم الثاني للحكم باعتبار الحسن والقبيح\n\"الثاني ما نهى عنه شرعا فقبيح وإلا فحسن كالواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف\".\nالحكم ينقسم بذاته إلى التحسين والتقبيح وتنقسم صفة الفعل الذي هو متعلقه إلى الحسن والقبيح ويتبع ذلك انقسام اسمه إلى حسن وقبيح فلذلك قسم الفعل إلى ما نهى عنه شرعا وهو القبيح وما لم ينه عنه شرعا وهو الحسن ومنه يعرف الحسن والقبيح والتحسين والتقبيح وإطلاق الحسن على الواجب والمندوب لا شك فيه وعلى المباح فيه خلاف والأصح إطلاقه عليه للإذن فيه والجواز الثناء على فاعله وإن لم يؤمر بالثناء عليه وفعل الله تعالى حسن باتفاق من به يعتمد لوجوب الثناء عليه وفعل ما سواه من غير المكلف كالنائم والساهي والبهيمة فيه خلاف مرتب على الخلاف في المباح وأولى بالمنع وهو الذي اختاره إمام الحرمين١ ولا شك في عدم إطلاق القبح في المباح وفعل غير المكلف فإذا أخرجناهما عن قسم الحسن كانا واسطة بين الحسن والقبح وأما المكروه فقال إمام الحرمين إنه ليس بحسن ولا قبيح فإن القبيح ما يذم عليه وهو لا يذم عليه والحسن ما يسوغ الثناء عليه وهذا لا يسوغ الثناء عليه ولم أر أحدا يعتمد خالف إمام الحرمين فيما قال إلا ناسا أدركناهم قالوا إنه قبيح لأنه منهى عنه والنهي أعم من نهي تحريم وتنزيه وعبارة المصنف بإطلاقها\n_________\n١ هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، الفقيه، الشافعي، شيخ الإمام الغزالي، ولد سنة ٤١٩هـ وتوفي بنيسابور سنة ٤٧٨هـ.\nطبقات الشافعية للإسنوي ٤٠٩١- الأعلام للزركلي ٢/٥٩٨.","vol":"1","page":61},{"text":"تقتضي ذلك وليس أخذ الحكم المذكور من هذا الإطلاق بأولى من رد هذا الإطلاق بقول إمام الحرمين.\nفإن قلت: إدراج المصنف وغيره لفعل غير المكلف لا يتعلق به الحكم لأن الحكم هو المتعلق بأفعال المكلفين قلت: الفعل الذي هو متعلق الحكم والفعل الحسن بينهما عموم وخصوص من وجه فقسمنا الأول إلى حسن وغيره والحسن من هذه القسمة لا يشمل فعل غير المكلف ثم قسمنا مسمى الحسن مطلقا إلى فعل المكلف وغيره مما ليس متعلقا بالحكم فخرج من التقسيمين أن الواجب والمندوب والمباح من قسم الحسن المحكوم فيه وأن فعل غير المكلف من قسم الحسن غير المحكوم فيه وهذا شأن العام من وجه حيث وقع وإنما يلزم أن يكون المقسم إلى المقسم إلى الشيء صادقا على ذلك الشيء مطلقا إذا كان التقسيم في الأعم والأخص مطلقا.\n\"والمعتزلة قالوا ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله وما له أن يفعله وربما قالوا الواقع على صفة توجب الذم والمدح فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص\".\nيعني أن المعتزلة قالوا إن القبيح ما ليس للقادر عليه للعالم بحاله أن يفعله والحسن ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله هذا تفسيرهم الأول والإمام نقله عن أبي الحسين١ واعترض عليه بأن قولك ليس له أن تفعله تقال للعاجز عن الفعل للقادر عليه إذا منع منه وإذا كان شديد النفرة وإذا زجره الشرع عنه والأولان غير مرادين ولا الثالث لأن الفعل قد يكون حسنا مع النفرة الطبيعية عنه والرابع يصير القبيح مفسرا بالمنع الشرعي يعني وهو قولنا وأنتم لا تقولون به فصار الحد غير كاشف عن مرادكم وأصل هذا أن صفة الحسن والقبح عندهم بالعقل وعندنا بالشرع فلا بد لهم من بيانها وذكر الإمام تفسيرهم الأخير أيضا عن أبي الحسين واعترض عليه بأنه يجب تفسير الاستحقاق فقد\n_________\n١ هو: محمد بن علي الطيب، القاضي أبو الحسن البصري، شيخ المعتزلة، ولد بالبصرة وسكن بغداد، من مؤلفاته في علم الأصول \"المعتمد\" شرح \"العمد\" للقاضي عبد الجبار.\nتوفي سنة ٤٢٦هـ وفيات الأعيان ١/٦٠٩- شذرات الذهب ٣/٢٥٩.","vol":"1","page":62},{"text":"يقال: الأثر يستحق المؤثر أي يفتقر إليه لذاته والمالك يستحق الانتفاع بملكه أي يحسن منه والأول ظاهر الفساد والثاني يقتضي تفسير الاستحقاق بالحسن مع أنه فسر الحسن بالاستحقاق حيث قال الحسن هو الذي لا يستحق فاعله الذم فيلزم الدور فإن أراد معنى ثالثا فليبينه ثم نازعهم في تفسير الذم قال وهذه الإشكالات غير واردة على قولنا والمصنف أخذ معنى الحد الثاني دون لفظه ومراده أن القبيح هو الواقع على صفة توجب الذم والحسن هو الواقع على صفة توجب المدح وفي بعض نسخ المنهاج \"فالحسن بتفسيرهم أخص\" وفي بعضها \"فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص\" وكلاهما صحيح فإن الحسن بتفسيرهم الأخير أخص منه بتفسيرهم الأول لدخول المباح في الأول دون الأخير والحسن بتفسيرهم أخص منه بتفسيرنا لدخول فعل غير المكلف في تفسيرنا دون تفسيرهم ولم يتعرض للقبيح ما حاله على التفسيرين ولا شك أنه بالتفسير الأخير لا يقع على غير الحرام وبتفسيرهم الأول هل يختص به فيستوي على التفسيرين أو يقع عليه وعلى المكروه فيكون بتفسيرهم الأخير أخص كالحسن فيه احتمال والأقرب الأول وقد نقل إمام الحرمين عن بعض المعتزلة أنه ارتكب إطلاق القبيح على فعل البهيمة وهذا يخالف التفسيرين ولعله يرتكب ذلك في الحسن.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>التقسيم الثالث: إلى السبب والمسبب</span>\n...\nالتقسيم الثالث للحكم إلى السبب والمسبب\n\"الثالث: قيل الحكم إما سبب وإما مسبب كجعل الزنا سببا لإيجاب الجلد على الزاني فإن أريد بالسببية الإعلام فحق وتسميتها حكما بحث لفظي وإن أريد التأثير فباطل لأن الحادث لا يؤثر في القديم ولأنه مبني على أن للفعل توجب الحسن والقبح وهو باطل.\nهذا تقسيم آخر للحكم باعتبار أنه كما يكون بالاقتضاء أو التخيير يكون بالوضع كجعل الزنا سببا وقد تقدم الكلام في هذا في تعريف الحكم وهذا التقسيم منسوب إلى الأشعرية وهو مطرد في كل حكم عرفت علته فلله فيه حكمان.\nأحدهما: الحكم بالسببية واختلف الناس في جواز القياس:\nوالثاني: الحكم بالمسبب والقياس عليه جائز باتفاق القايسين واتفق الأشعرية على أنه ليس المراد من الأول كون السبب موجبا للحكم لذاته أو لصفة ذاتية بل المراد منه إما المعرف وعليه الأكثرون وإما الموجب لا لذاته أو لصفة ذاتية ولكن يجعل الشرع إياه موجبا وهو اختيار الغزالي والإمام وافق الأكثرين معنى وخالفهم لفظا وخالف العزالي معنى ولفظا وإلى موفقة الأكثرين في المعنى دون اللفظ أشار المصنف بقوله \"فإن أريد بالسببية الإعلام فحق وتسميتها حكما بحث لفظي\" وإلى مخالفة الغزالي لفظا ومعنى أشار ببقية كلامه فإن الإمام زيف كلام الغزالي من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الزنا حادث والإيجاب قديم والحادث لا يؤثر في القديم.","vol":"1","page":64},{"text":"الثاني: أن الزنا قبل الجعل لم يكن مؤثرا فإن بقي بعد الجعل كما كان وجب ألا يصير مؤثرا وإن لم يبق كان إعداما لتلك الحقيقة والشيء بعد عدمه لا يكون مؤثرا.\nالثالث: أنه لو جعل الزنا علة فالصادر بعد الجعل إما الحكم فالمؤثر في الحكم هو الشارع فلم يكن الزنا مؤثرا وإما شيء يوجب الحكم فيكون المؤثر في الحكم وصفا حقيقيا وهو قول المعتزلة في الحسن والقبح وهو باطل وإن لم يكن الحكم ولا ما يوجبه فهو محال لأن الشرع لما أثر في شيء غير الحكم وغير مستلزم للحكم لم يكن لذلك الشيء تعلق بالحكم أصلا والمصنف اقتصر على الأول وأخذ أقسام الثالث لأنها صفوة الكلام قال سراج الدين١ \"ولقائل أن يقول على الأول لعلهم أرادوا جعل الزنا سببا لتعلق الحكم به وعلى الثاني أنه يجوز بقاء الحقيقة مع طريان صفة المؤثرية به وعلى الثالث أن الصادر من الشارع وهي غيرهما ولهما تعلق بالحكم\" ولك أن تقول على الأول إن التعلق قديم فالسؤال بحاله وعلى الثاني إن المؤثرية نسبة والمؤثر لا بد أن يشتمل على صفة حقيقية لأجلها يصدر الأثر عنه والمؤثرية بدون ذلك محال وعلى الثالث أن المؤثرية بدون صفة حقيقية محال لما سبق ومعها يوافق قول المعتزلة وكلام الإمام يرشد إلى هذا فإنه قال إن كان الصادر ما يوجب الحكم كان المؤثر في الحكم وصفا حقيقيا فدخل في قوله ما يوجب الحكم المؤثر والمؤثرية ولذلك لم يقل كان وصفا حقيقيا بل قال كان المؤثر في الحكم فأخذ الإمام على التقديرين وقال إنه هل يعقل تأثير من غير أن يكون المؤثر مؤثرا بذاته أو بصفة قائمة أو لا يعقل ذلك وعلى هذا ينبني كون العبد موجدا لفعل نفسه باقدار الله تعالى له وخلقه له ما يقتضي تأثيره في الفعل من غير أن يكون العبد مؤثرا بذاته وبصفة ذاتية فأصحابنا ينكرون ذلك ويقولون\n_________\n١ هو محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفى سنة ٦٨٢هـ اختصر كتاب \"المحصول\" للإمام الرازي في كتاب سماه \"التحصيل\" وعلى هذا الكتاب شرح للإمام محمد بن يوسف الجزري المتوفى سنة ٧١١هـ لكنه مفقود لم أعثر عليه بعد البحث الطويل.\nمعجم المطبوعات ص٩١٩.","vol":"1","page":65},{"text":"الصادر عنه فعل الله والمعتزلة لا يتحاشون من القول بتأثيره بذاته أو بصفة وشذوذ منا توسطوا فقالوا بمثل ما قالوا به هنا في الحكم بالسببية ويلزمهم ما لزم هذا ما يتعلق بكلام الإمام وأما المصنف وقوله أنه ينبني على أن للفعل جهات توجب الحسن والقبح فيحتاج إلى مقدمة وهي أن المعتزلة مع إجماعهم على القول بالحسن والقبح العقليين افترقوا فطائفة منهم قالوا إن الفعل لذاته يكون حسنا أو قبيحا من غير صفة وطائفة قالوا بصفة وطائفة قالوا بوجوه واعتبارات وهو الذي أشار إليه المصنف ويلزم من بطلان قولهم في ذلك بطلان قولهم في الصفة وفي الذات من طريق الأولى فما سلكه أتم في الزام مذهب المعتزلة مما سلكه الإمام في الصفة لأنه قد لا يوافق قائل هذه المقالة المعتزلة في الذات والصفة الحقيقية ويوافقهم في الوجوه والاعتبارات فإذا بين بطلان قولهم فيه بطل قوله والمراد بالوجوه أن الوطء مثلا له جهة نكاح وجهة زنا فيحسن بالأولى ويقبح بالثانية.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>التقسيم الرابع: بعتبار الصحة والفساد</span>\n...\nالتقسيم الرابع للحكم باعتبار الصحة والفساد\n\"الرابع: الصحة استتباع الغاية وبإزائها البطلان والفساد وغاية العبادة موافقة الأمر عند المكلمين وسقوط القضاء عند الفقهاء فصلاة من ظن أنه متطهر صحيحة على الأول لا الثاني\".\nتفسير الصحة باستتباع الغاية جيد من جهة كونه شاملا للعبادات والمعاملات إلا أن الأولى في تحرير العبارة أن يقال كون ذلك الشيء يستتبع غايته فإن استتباع الغاية يقتضي حصول التبعية وقد يتوقف ذلك على شرط كالعقد في زمن الخيار وكونه يستتبع الغاية صحيح وإن توقفت التبعية على شرط لأن معناه أنه بهذه الحيثية وتفسير المتكلمين جيد لأن الصحة في اللغة مقابلة للمرض وعلى هذا النحو ينبغي أن يكون في الاصطلاح فما وافق الأمر لا خلل فيه فيسمى صحيحا وجب قضاؤه أم لم يجب وما لم يوافق الأمر فيه خلل فيسمى فاسدا والخلاف بين الفريقين في التسمية ولا خلاف في الحكم وهو وجوب القضاء على من صلى ظانا الطهارة فتبين حدثه إذا كانت الصلاة فريضة وتسمية الفقهاء إياها فاسدة ليس لاعتبارهم سقوط القضاء في حد الصحة كما ظنه الأصوليون بل لأن شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر والصلاة بدون شرطها فاسدة ولا مأمور بها بل هو ظن أنه متطهر فترتب عليه الحكم بمقتضى ظنه وأمره ظاهرا بها كأمر المجتهد المخطئ بما ظنه وغايته أنه سقط عنه الإثم وأما أنه أتى بالمأمور به فلا وقولهم إن المامور به صلاة على مقتضى ظنه فممنوع بل صلاة على شروطها في نفس الأمر ويسقط عنه الإثم بظنه وجودها وقد رأينا الفقهاء قيدوا فقالوا كل من صحت صلاته صحة مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به وهذا التقييد يقتضي انقسام الصحة إلى ما","vol":"1","page":67},{"text":"يغني عن القضاء وما لا يغني وقالوا فيمن لم يجد ماء ولا ترابا إنه يصلي على حسب حاله ويقضي وحكى إمام الحرمين في هذه الصلاة هل توصف بالصحة أو الفساد وجهين وهو غريب والمشهور وصفها بالصحة وكيف نأمره بالإقدام على صلاة يحكم بفسادها هذا لا عهد به وليس بمثابة الإمساك تشبها بالصائمين.\nوالفرق بين هذه الصلاة وصلاة من ظن الطهارة أن هذا عالم بحاله والظان جاهل فالعالم أتى بجميع ما كلف به الآن وبقي شرط أسقط عنه لعجزه ووجب استدراكه بعد ذلك بالقضاء والظان لم يأت بما هو الآن فريضة فالصواب أن يكون حد الصحة عند الفريقين موافقة الأمر غير أن الفقهاء يقولون ظان الطهارة مأمور بها مرفوع عنه الإثم بتركها والمتكلمون يقولون ليس مأمورا فلذلك يكون صلاته صحيحة عند المتكلمين لا الفقهاء ومن أمرناه بصلاة بلا طهارة ولا تيمم حيث يجب القضاء صحيحة على المذهبين وإن أوجب القضاء فليس كل صحيح يسقط.\nواقتصر المصنف على غاية العبادة لذكر الخلاف ولم يذكر غاية العقود والمراد من كون العقد صحيحا عند المتكلمين على ما اقتضاه كلام القاضي أبي بكر وقوعه على وجه يوافق حكم الشرع من الإطلاق له وعند الفقهاء كونه بحبث يترتب أثره عليه وهو معنى إطلاقهم ترتب أثره.\nوالباطل هو الذي لا يترتب أثره عليه والبطلان والفساد لفظان مترادفان والإزاء والحذاء والمقابل ألفاظ مترادفة وجعل المصنف هذا تقسيما رابعا للحكم يقتضي أن الصحة والبطلان حكمان شرعيان ويكون الحكم تارة بالصحة وتارة بالبطلان وقد تقدم الكلام في رده إلى الاقتضاء والتخيير أو في كونه زائدا عليه وخالف ابن الحاجب١ الجمهور فقال إن الصحة والبطلان\n_________\n١ هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، المشهور بابن الحاجب، نشر العلم بين ربوع مصر وإسنا والقاهرة والإسكندرية والشام حتى توفي سنة ٦٤٦هـ.\nوله العديد من المؤلفات، ومن أشهرها في الأصول \"منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل\" وقد اختصره في كتاب آخر سماه \"مختصر منتهى السول والأمل\" وقد طبع عدة طبعات ووضع عليه العلماء الشروح والحواشي.\nابن خلكان ١/٣١٤، الأعلام للزركلي ٢/٦٢٩.","vol":"1","page":68},{"text":"أو الحكم بهام أمر عقلي وقال في المنتهى \"القول بأن الحكم بالصحة والبطلان حكم شرعي بعيد\" وحجته أن الموافقة أمر عقلي وقد فسرنا الصحة بها وأورد عليه أن العقلي ما لا مدخل للشرع فيه وهذا للشرع فيه مدخل فتسميته شرعيا غير بعيد وفهم بعض من شرح كتابه أنه لا يطرد قوله في صحة العقود لأن ترتب الأثر شرعي ولا يبعد طرده لأن الصحة ليست ترتب الأثر بل كونه بحيث يترتب الأثر عليه ومعنى ذلك وقوعه على وجه مخصوص وذلك أمر عقلي لكن تسميته شرعيا باعتبار أن للشرع مدخلا كما قلنا في العبادات.\nوأعلم أن الإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنكروا كون الصحة حكما زائدا على الاقتضاء والتخيير وأنكروا الحكم بالسببية كما سبق في الموضعين فلم يبق للصحة معنى عندهم في العقود إلا إباحة الانتفاع وهو شرعي ومن يفسر الصحة بكونه مبيحا للانتفاع يلزمه أن يوافق الغزالي في الحكم بالسببية أو يقول إنها عقلية وحكم القاضي مثلا بصحة عقد إنما يصح إذا قصد المعنى الشرعي لأنه الذي يثبته القاضي بخلاف الأمر العقلي وليس للقاضي أن يحكم إلا بما يصح أن يكون حكما من الشارع من اقتضاء أو تخيير أو خطاب وضع إن قلنا به وإذا جعلت الصحة عقلية لم يكن للقاضي الحكم بها بل بأثر الصحيح.\n\"وأبو حنيفة ما لم يشرع بأصله ووصفه كبيع الملاقيح باطلا وما شرع بأصله دون وصفه كالزنا فاسدا\"\nعند الحنفية إن كان العوضان غير قابلين للبيع كبيع الملاقيح بالدم مثلا فهو باطل قطعا وكذا إن كان المبيع وحده كبيع الملاقيح بالدراهم على الصحيح عندهم وإن كانا قابلين للبيع ولكن جاء الخلل من أمر آخر كبيع درهم بدرهمين كل من العوضين قابل للبيع والخلل من الزيادة فهو فاسد قطعا وكذا إن كان الثمن فقط كبيع ثوب بدم على الصحيح عندهم والفاسد عندهم إذا اتصل بالقبض يفيد الملك الخبيث والباطل لا يفيد شيئا وعندنا الباطل والفاسد سواء في المعنى والحكم ولا يفيد شيء منهما الملك.","vol":"1","page":69},{"text":"والملاقيح ما في بطون الأمهات وقد علمت المراد بأصله وهو كون المبيع يصح بيعه ووصفه هو الصحيح\nوأما فرق أصحابنا بين الباطل والفاسد في الكتابة فلا يضرنا في نصب الخلاف في البيع ومحل الرد عليهم في ذلك كتب الفقه وكتب الخلاف.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>تعريف الأجزاء</span>\n\"والأجزاء هو الأداء الكافي التعبد به وقيل سقوط القضاء ورد بأن القضاء حينئذ لم يجب لعدم الموجب فكيف سقط فإنكم تعللون سقوط القضاء به والعلة غير المعلول\"\nلما كان الإجزاء معناه قريب من معنى الصحة ذكره معها ولم يفرده بتقسيم ولكن الصحة أعم فإنها تطلق على المعاملات ولا يطلق الإجزاء في المعاملات.\nوقوله الأداء يجب حمله على الأداء اللغوي لأن الإجزاء كما يكون في الأداء يكون في القضاء والإعادة فلو قال الفعل كان أحسن والضمير في به يعود على الأداء وما أورده من أن القضاء إذا لم يجب لا يقال سقط صحيح وهو وارد من حد الصحة بسقوط القضاء أيضا وما أورده من تعليل سقوط القضاء بالإجزاء تبع فيه الحاصل وعبارة المحصول لأنا نعلل وجوب القضاء بأن الفعل الأول لم يكن مجزئا والعلة مغايرة للمعلول فظن بعض الناس أنه انقلب على الإمام وكان الباجي يقول إنها إحدى عقد المحصول ويحتج بحلها زاعما أنه لو ادعى تعليل سقوط القضاء بالإجزاء منعه الخصم وقال هذا عين النزاع فأخذ مقابلها وأثبت التغاير بينهما وهو خارج عن محل النزاع ثم ينقل التغاير إلى محل النزاع لثبوت تغاير المقابلين ومن ضرورة ذلك تغاير مقابليهما ووأيا ما كان فقد أورد عليه أن العلة قد تكون لشيء وقد تكون لحكمنا كما إذا قلت هذا إنسان وسئلت لم حكمت عليه بذلك فتقول لأنه حيوان ناطق فالمغايرة هنا بين العلة وحكمك لا بينها وبين المحكوم به وهذا الإجزاء عن لحكمنا بسقوط القضاء لا لسقوط القضاء نفسه وليس هذا بالقوى.\nفي المحصول إيراد ثالث وهو أنه لو أتى بالفعل عند اختلال بعض","vol":"1","page":71},{"text":"شرائطه ثم مات لم يكن الفعل مجزئا مع سقوط القضاء ولك أن تمنع سقوط القضاء هنا بل يبقى في ذمته إن كان مفرطا.\nوقول المصنف لعدم الموجب يعني أن القضاء إنما يجب بأمر جديد بعد خروج الوقت إذا ترك ولم يوجد.\n\"وإنما يوصف به وبعدمه ما يحتمل وجهين كالصلاة لا المعرفة ورد الوديعة\".\nالصلاة تقع تارة على وجه يكفي في سقوط التعبد بها وتارة على وجه لا يكفي فوصفت بالأجزاء وبعدمه لاحتمالها للوجهين المذكورين وأما المعرفة فلا يقال فيها مجزئة وغير مجزئة لأنه إن تعلق العلم بالله تعالى فهو المعرفة وإلا فلا معرفة بل الجهل وكذلك رد الوديعة والمغصوب إن حصل إلى المالك أو وكيله برئ وإلا فلا رد وقال الأصفهاني١ في شرح المحصول إنه لا يقال في العبادة المندوب إليها إنها مجزئة أو غير مجزئة وهذا الذي قاله بعيد وكلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض وقد ورد في الحديث: \"أربع لا تجزئ في الأضاحي\" ٢ واستدل به من قال بوجوب الأضحية وأنكر عليه\n_________\n١ هو: محمد بن محمود بن محمد بن عياد السلماني، أبو عبد الله الأصفهاني من فقهاء الشافعية بأصفهان، ولد وتعلم بها، ثم رحل إلى بغداد والشام وتولى قضاء \"نبج\" وقوص بصعيد مصر، ثم استقر آخر الأمر بالقاهرة مدرسًا.\nمن مؤلفاته: شرح المحصول في أصول الفقه، والقواعد في أصول الفقه والدين والمنطق والجدل.\nتوفي سنة ٦٨٨هـ.\nالبداية والنهاية ١٣/٣١٥، الأعلام ٧/٣٠٨-٣٠٩.\n٢ وتمام الحديث كما رواه الترمذي وحسنه، أن رسول الله ﷺ قال: \"أربع لا تجزيء في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقى\" العجفاء التي ذهب مخها من شدة الهزال.\nويلحق بهذه الأربعة:\n١- الغضباء: التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها.\n٢- الهتماء: وهي التي ذهبت ثنايا من أصلها.\n٣- العصماء: وهي التي انكسر غلاف قرنها.\n٤- العمياء: التي لا ترى.\n٥- التولاء: وهي التي تدور في المرعى ولا ترعى.\nفقها لسنة ٣/٣٢٢ طبعة بيروت.","vol":"1","page":72},{"text":"وفي حديث أبي بردة \"يجزئ عنك\" ١ ضبطه ابن الأثير بالوجهين بضم الياء مع الهمزة وفتحها مع الياء يقال: أجزأ بمعنى كفى وجزا بمعنى قضى ولا توصف المعاملات بالأجزاء وإنما يوصف به ما كان مأمورا به فالصحة أعم محلا منه لأنها تكون في المعاملات والعبادات ولا يوصف بها أيضا إلا ما يحتمل وجهين أن يقع صحيحا وفاسدا كالصلاة والعقود فإنها إن وقعت مستجمعة الأركان والشروط كانت صحيحة وإن وقعت على غير ذلك الوجه كانت فاسدة بخلاف المعرفة ليس لها إلا وجه واحد وهو إذا جعلنا اسم الصلاة موضوعا للصحيح والفساد ظاهر وأما إذا قلنا هو موضوع للصحيح فقط ولا يطلق على الفاسد إلا مجازا فإنه لا يكون لها إلا وجه واحد فكأنهم نظروا إلى المعنى الأعم الموجب للإطلاق المجازي وجعلوه مورد التقسيم إلى الصحيح وغيره ولا يرد هذا السؤال في الإجزاء لإنقسام الصحيح إلى مجزئ وغير مجزئ كصلاة المتيمم في الحضر ونحوه.\nوعند أبي حنيفة كل صلاة وجب قضاؤها لا يجب أداؤها وكل صلاة يجب أداؤها لا يجب قضاؤها فيستوي عنده الصحة والإجزاء فيكون انقسام العبادة إليها بالإعتبار الآخر.\n_________\n١ ولفظ الحديث- كما رواه أبو داود- عن أبي بردة بن نيار أنه قال يا رسول الله: إن عندي عناقًا جذعًا هي خير من شاتي لحم، فقال ﷺ: \"تجزئك ولا تجزيء عن أحد بعدك\".\nفقد أفاد هذا الحديث أن العناق وهي: الأنثى من أولاد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام الحول، لا تجزيء في الأضحية، لأن الرسول ﷺ، بين في هذا الحديث أنها تجزيء عن أبي بردة وحده، لخصوصية قد لا توجد في غيره، ومن هنا نص علماء الأصول على أن هذا الحكم مقصور على من قيل في حقه الحديث المتقدم. اهـ. محققة.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>التقسيم الخامس: إلى الأداء والإعادة والقضاء</span>\n...\nالتقسيم الخامس للحكم إلى الأداء والإعادة والقضاء\n\"الخامس العبادة إن وقعت في وقتها المعين ولم تسبق بأداء مختل وإلا فإعادة وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء وجب أداؤه كالظهر المتروكة قصدا أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر والمريض أو امتنع عقلا كصلاة النائم أو شرعا كصوم الحائض\".\nهذا تقسيم آخر للعبادة التي هي متعلق الحكم ويصح جعله تقسيما للحكم من جهة أن الأمر قد يكون بالإعادة.\nوقوله: العبادة يشمل الفرض والنفل فكل منهما إذا كان مؤقتا يوصف بالثلاثة وزعم بعضهم أنه لم يوصف بشيء من الثلاثة إلا الواجب وزعم بعضهم أن القضاء لا يوصف به إلا الواجب وكل ذلك خطأ والصواب أن الواجب والمندوب كل منهما يوصف بالأداء والإعادة والقضاء.\nوقوله: إن وقعت لو قال إن أوقعت كان أحسن لأن الأداء والإعادة والقضاء أنواع للإيقاع لا للوقوع لكن لك أن تنتصر لتصحيح كلامه بأن العبادة فعل الفاعل ففعلها وإيقاعها وأداؤها ووقوعها سواء.\nوقوله: في وقتها المعين الأحسن عندي في تفسيره أنه الزمان المنصوص عليه لفعلها من جهة الشرع فإن المأمور به تارة يعين الأمر وقته كالصلوات الخمس وتوابعها وصيام رمضان وزكاة الفطر فإن جميع ذلك قصد فيه زمان معين وتارة يطلب الفعل من غير تعرض للزمان وإن كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام ومن ضرورة الفعل وقوعه في زمان ولكنه ليس مقصودا للشارع ولا مأمورا به قصدا فالقسم الأول يسمى مؤقتا والقسم الثاني يسمى غير مؤقت وسواء قلنا في القسم الثاني إن الأمر يقتضي الفور والتراخي أو كان قد","vol":"1","page":74},{"text":"دل على ذلك قرينة كإنقاذ الغريق ونحو ذلك وإلا فإن المقصود من هذا كله إنما هو الفعل من غير تعرض إلى الزمان والقسم الأول قصد فيه الفعل والزمان إما لمصلحة اقتضت تعيين ذلك الزمان وإما تعبدا محضا والقسم الثاني ليس فيه إلا قصد الفعل فالقسم الثاني لا يوصف فعله بأداء ولا قضاء لأنهما فرعا الوقت ولا وقت له وينبغي أن يوصف بالإعادة إذا تقدم فعل مثله على ما سأبينه.\nومن هذا القسم الإيمان فإنه لا وقت له والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان وقته وقت سببه ولكنه ليس وقتا معينا من حيث هو وإنما هو حضوره وكذا زكاة المال إذا حال الحول كل هذه واجبات فورية غير مؤقتة وكذا الواجبات على التراخي بلا حد وقد أطلق الفقهاء على الحج الأداء متى أوقع حجة الإسلام في عمره والقضاء في صورتين:\nأحداهما: إذا قضي عنه بعد موته.\nوالثانية: إذا حج العبد وأفسد حجه ثم عتق فحج عن حجة الإسلام ثم عن القضاء.\nوعندي أن إطلاقهم الأداء والقضاء في ذلك بطريق المجاز فإن الحج من القسم الثاني الذي لم يقصد فيه غير الفعل وإن وسع فيه مدة العمر عندنا أو ضيق وجب فيه الفور عند غيرنا فإن ذلك لا يصير الوقت مقصودا فيه وأما إذا أفسد حجة الإسلام وأمرناه بقضائها فقد صرحوا أن ذلك ليس بقضاء يعنون بل هو أداء معاد.\nوإذا عرفت هذا فلنتكلم في مقصودنا وهو القسم الأول مؤقت بوقت معين سواء كان مضيقا كصوم رمضان أو موسعا كالصلاة فإن فعل في وقته فهو أداء سواء فعله مرة أخرى قبل ذلك أم لا هذا هو الذي تختاره وهو مقتضى إطلاقات الفقهاء ومقتضى كلام الأصوليين القاضي أبي بكر في التقريب والإرشاد والغزالي في المستصفى والإمام في المحصول ولكن الإمام لما أطلق ذلك ثم قال إنه إن فعل ذلك ثانيا بعد ذلك سمي إعادة ظن صاحبا الحاصل والتحصيل أن هذا مخصص للإطلاق المتقدم فقيداه وتبعهما","vol":"1","page":75},{"text":"المصنف فإنه كثيرا ما يتبع الحاصل وليس لهم مساعد من اطلاقات الفقهاء ولامن كلام الأصوليين فالصواب أن الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقا مسبوقا كان أو سابقا أو منفردا وقد قال القاضي حسين من الشافعية إنه إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم صلاها في وقتها كانت قضاء وتبعه غيره على ذلك ومأخذه في ذلك أنه لما شرع فيها تعين ذلك الوقت لها حتى لا يجوز له الخروج منها ولم يبق لها وقت شروع وإنما بقي وقت استدامة فإذا أفسدها أو فسدت وقد فات وقت الشروع لم يكن فعلها بعد ذلك إلا قضاء لأن وقت الاستدامة وحده لا يكفي ولا يكون إلا مبنيا على وقت الشروع كما أن المغرب عند العراقيين من أصحابنا لها وقت ابتداء بقدر ما يشرع فيها ووقت استدامة فإذا أخرها مقدار الشروع صارت قضاء عندهم وإن بقي قدر ركعتين وشيء.\nهذا مأخذ القاضي حسين ومع ذلك هو مردود بوجهين:\nأحدهما: على رأي الإمام والغزالي أعني قولهما إنه يجوز الخروج من الفريضة إذا أمكن تداركها في الوقت فلا يصح ما احتج به له.\nوالثاني: أن تعين ذلك الوقت بالشروع بفعله لا بأمر الشرع له أن يفعله وبهذا فارقت المغرب وبما ذكرناه من مأخذ القاضي حسين يعلم أنه ليس مخالفا لما ذكرنا في حد الأداء فإنه إنما قال بالقضاء وعدم الأداء لظنه أن الوقت قد خرج فلا مخالفة في المصطلح وإذا قلنا بقول القاضي حسين فلو دخل في الجمعة ثم أفسدها وأراد إعادتها في الوقت فعلى مقتضى قول القاضي يكون قضاء فإن قال بأنه يعيدها جمعة وهو الذي يظهر فيدخل القضاء في جمعة ولم أر أحدا من الأصحاب تعرض له وإن قال أنه يعيدها ظهرا فبعيد لأن وقت الجمعة على الجملة باق.\nوقول المصنف: \"وإلا فإعادة\" أي وإن سبقت بأداء مختلف فإعادة ومراده بالمختل ما فقد ركنا أو شرطا هكذا صرح القاضي أبو بكر فمعنى المختل الفاسد فالإعادة على قول المصنف في الوقت فعل مثل ما مضى فاسدا وقد يورد على هذا بأن الثاني صحيح فليس مثلا للفاسد ويجاب بأنهما اشتركا في الحقيقة الموصوفة بالصحة والفساد وجعل اسم الصلاة شاملا للصحيح والفاسد","vol":"1","page":76},{"text":"\"حقيقة أو مجازا\" ولو صلى في أول الوقت صلاة صحيحة ثم صلاها في الوقت إما على وجه أكمل من الأول أو على خلافه فكلام الأصوليين يقتضي أنها لا تسمى إعادة بل أداء والأقرب إلى إطلاقات الفقهاء أنه تصدق الإعادة عليها واللغة تساعد على ذلك فليكن هذا هو المعتمد ولا يجئ مثل هذا في الصوم ولا في الحج فان من حج صحيحا ثم حج تائبا كانت حجته الأولى غير الثانية بخلاف الصلاة فان الثانية هي الأولى ولهذا ينوي فيه الفرض ولعل الأصوليين لا يوافقون على نية الفرض في الثانية ويقولون إن الثانية صلاة مبتدأة فلذلك عرفوا الإعادة بما ذكروه ولكن نفس الشريعة تخالفه ولو حج فاسدا ثم حج فقد قلنا إنه لا يسمى قضاء حقيقية وأما تسميته إعادة فلا يمتنع وهذا هو الذي وعدنا به من قبل فخرج من هذا أن الإعادة فعل مثل ما مضى فاسدا كان الماضي أو صحيحا أداه أو غيره فبين الأداء والإعادة عموم وخصوص من وجه ينفرد الأداء في الفعل الأول وتنفرد الإعادة فيما مضى إذا قضى صلاة وأفسدها ثم أعادها وفي الحج كما صورناه ويجتمعان في الصلاة الثانية في الوقت على ما أخترناه خلافا للمصنف ومن وافقه وكذا يكون بين الإعادة والقضاء عموم وخصوص من وجه.\nوقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة ولا أداء فيها إذ لا وقت يتعين ولا يسمى القضاء الأول إعادة لأن القضاء بأمر جديد فهو غير المأمور به في الوقت وإن سميناه قضاء للمشابهة كانت الاعادة تستدعي من المماثلة أكثر مما يستدعي القضاء وقول المصنف وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء موافق لقول المحصول إن الفعل لا يسمى قضاء إلا إذا وجد سبب وجوب الأداء مع أنه لم يوجد الأداء ومن هنا توهم بعضهم أن المندوب لا يسمى قضاء وأن قول الفقهاء بقضاء الرواتب مجاز والذي يقتضيه كلام الأكثرين والاصطلاح أنه لافرق بين الواجب والمندوب فينبغي أن يقال ووجد فيه سبب الأمر بها.\nواعلم أن الشرط المذكور أعني تقدم السبب يذكر في شيئين:\nأحدهما: في الأمر بالقضاء فلا يؤمر بقضاء عبادة إلا إذا تقدم سبب الأمر","vol":"1","page":77},{"text":"بأدائها ونعني بالسبب ما هو مقتضى لوجوبها أو الندب إليها سواء أقارنه مانع من ترتب الحكم عليه أم لا ومتى تقدم السبب ولم تفعل أمر بقضائها ومتى لم يتقدم السبب أصلا لم يؤمر بالقضاء فلذلك تارك الصلاة عمدا يقضي لوجود السبب والوجوب والنائم يقضي لوجود السبب الذي قارنه مانع الوجوب وهو النوم والطفل لم يوجد في حقه السبب أصلا فلا يؤمر بالقضاء بعد البلوغ لا إيجابا ولا ندبا ولو أن المميز ترك الصلاة ثم بلغ فالظاهر أنه يستحب له قضاؤها كما كان يستحب له أداؤها إن قلنا كان مأمورا بأمر الشرع والحائض لا يستحب لها بعد الطهر قضاء الصلاة لأن سقوطها في حقها عزيمة فليست من أهل الصلاة فلم يوجد سبب الوجوب والمجنون سقوط القضاء في حقه رخصة لأنه إنما سقط عنه تخفيفا.\nالثاني: مما يذكر فيه تقدم السبب تسمية القضاء اقتضى كلام الإمام أنه لا يسمى قضاء إلا إذا وجد السبب فيقتضي هذا أن الطفل لو أراد أن يقضي ما فاته في طفوليته لا يسمى ذلك قضاء ولا يصح قضاء بل إن صح صح فعلا مطلقا وهذا صحيح لأن القضاء يستدعي تقدم أمر وفوات أدائه فمتى لم يوجد استحالت هذه التسمية فقد تحرر أن الأداء فعل العبادة في وقتها والقضاء فعل العبادة خارج وقتها ولا حاجة إلى قيد آخر لأنه متى لم يتقدم سببها لا يكون المفعول بعد الوقت تلك العبادة بل غيرها والإعادة فعل العبادة من بعد أخرى إذا كانت أداء وقضاء أو غيرهما وقولنا فعل العبادة نعني به الواقعة فخرج به إنشاء التطوع التطوع بحج بعد حج الفرض أو بصلاة مطلقة بعد الفريضة والراتبة وظهر أن الإعادة تدخل في جميع العبادات والأداء والقضاء يدخلان في المؤقتة فقط وكل عبادة يصح وصفها بالأداء والقضاء إلا الجمعة فإنها توصف بالأداء ولا توصف بالقضاء لأنها لا تقضي وأورد على هذا أنه لا يوصف بالشيء إلا ما أمكن وصفه بضده كالأجزاء والصحة لا يوصف بهما إلا ما أمكن وقوعه غير مجزئ وغير صحيح فكيف توصف الجمعة بالأداء إذ لا تقع غير مؤداة والجواب من وجهين:\nأحدهما: منع تلك القاعدة على الإطلاق فقد يوصف بالشيء ما لا يوصف بضده وإنما خصوص الأجزاء والصحة اقتضى ذلك.","vol":"1","page":78},{"text":"والثاني: أن الجمعة تقضي ظهرا وبين الجمعة والظهر اشتراك في الحقيقة فقبلت الوصف بذلك في الجملة وأيضا لو أنها وقعت بعد الوقت جمعة بجهل من فاعلها فنسميها قضاء فاسدا فصح وصف الجمعة بالأداء كما صح وصف الصلاة بالفساد وبقي من الاقسام الممكنة أن تقع العبادة المؤقتة قبل وقتها تعجيلا كإخراج صدقة الفطر في رمضان فلا يوصف بأداء ولا قضاء مع صحتها ووقوع الظهر قبل وقتها لا يوصف بأداء ولا قضاء مع فسادها وقول المصنف وأمكن أي الفعل ومثل المسافر والمريض ليتيبن أنه لا فرق بين كون مانع الوجوب من جهة العبد كالسفر أو من جهة الله تعالى كالمرض وسيأتي إن شاء الله تعالى في المسألة السابعة من الفصل الثالث من هذا الباب الكلام في منع الفقهاء القائلين بأنه يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر.\nوقوله: \"أو امتنع أي الفعل\" فإن النائم يمتنع منه عقلا أن يصلي والفقهاء يطلقون أن الصلاة واجبة عليه ولا يجب لذلك إلا ثبوتها في ذمته كما تقول الدين واجب على المعسر وقد ذكر القاضي أبو بكر أن الفقهاء يطلقون التكليف على ثلاثة معان:\nأحدها: المطالبة بالفعل أو الترك.\nوالثاني: بمعنى أن عليه فيما سهى عنه أو نام فرضا وإنما يخاطب بذلك قبل زوال عقله وبعده فيقال له إذا نسيت أو نمت في وقت لو كنت فيه ذاكرا أو يقظان لزمتك فقد وجب عليك قضاؤها.\nوالثالث: على الفعل الذي ينوب مناب الواجب كصلاة الصبي وصوم المريض وجمعة العبد إذا حضرها وفعلها وحج غير المستطيع ويطلقون التكليف في ذلك وهذا الذي نقله القاضي من اصطلاحهم فائدة توجب رفع الخلاف بين الفريقين في المعنى وامتناع الصوم شرعا على الحائض بالإجماع فيحرم عليها ولا يصح وإمكانه من المسافر وصحته والاعتداد به لم يخالف فيه إلا","vol":"1","page":79},{"text":"الظاهرية فقالوا إنه لا يجزئه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١ وهو محجوبون بالأخبار التي تدل على الصوم في السفر في رمضان ومعنى الآية فأفطر فعدة من أيام أخر.\n\"ولو ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيق عليه فإن عاش وفعل في آخره فقضاء عند القاضي أداء عند الحجة إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه\".\nقوله: تضيق عليه معناه يقضي بالتأخير عنه والحجة هو الغزالي والحق معه في هذه المسألة وبدليله يعرف أن التضيق ليس في نفس الأمر والقاضي هو ابن الباقلاني ورأيته في كلامه في التقريب وهو إنما يعتبر الظاهر فيحكم بالتضييق فيكون الوقت قد خرج وهو ضعيف لأنا نعرف من نفس الشرع الفرق بين اسم الزاني والواطئ لامرأته يظنها أجنبية فالثاني إنما يأثم بجرأته بحسب ظنه والأول يأثم بجرأته وبحصول المفسدة التي نهى الشرع عنها.\n_________\n١ وتمام الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة البقرة ١٨٣/١٨٥.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>التقسيمالسادس: إلى العزيمة والرخصة</span>\n...\nالتقسيم السادس للحكم إلى العزيمة والرخصة\n\"السادس الحكم إن يثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة كحل الميتة للمضطر والقصر والفطر للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا وإلا فعزيمة\".\nالرخصة بإسكان الخاء وضمها مع ضم الراء التسهيل فرخصة الله تسهيله على عباده هكذا يقتضيه كلام أهل اللغة وهو يقتضي أن الرخصة من أقسام الحكم كما اقتضاه كلام المصنف لا من أقسام متعلقاته كما اقتضاه قول غيره الرخصة ما جاز الإقدام عليه مع قيام المانع ولم أر لهذا الثاني مستندا من اللغة إلا قولهم هذا رخصتي من الماء أي شربي منه ويناسبه قول بعض الأصوليين إنها اليسر والسهولة وأما بفتح الخاء فلم أرها في اللغة ولا حفظ هذا الوزن إلا في الثلاثي المجرد كلقطة وهزأة ولمزة وهمزة وحطمة وخدعة وهو يكون للفاعل وللمفعول فإن ثبت هنا فقياسه أن يكون للشخص الكبير الترخيص على غيره أو المرخص فيه وذكر الإمام أن الرخصة ما جاز فعله مع قيام المقتضي للمنع فأورد عليه الحدود والتقادير الجائزة مع تكريم الآدمي المقتضى للمنع منها فقيده بعضهم باشتهار المانع وبعضهم بكونه لضرورة أو حاجة وبعضهم بكونه لغرض التوسع وربما زيد فيه في حالة جريه احتراز من القصاص والعفو فإنه تخفيف من الله ورحمة ولا يسمى رخصة لأنه فاعله بدله وقولنا مع قيام المانع احتراز من أن يكون منسوخا كالآصار التي كانت على من قبلنا ونسخت في شريعتنا تيسيرا وتسهيلا ولا يسمى ناسخها رخصة.\nوقول المصنف على خلاف الدليل هو معنى قولنا مع قيام المانع وقوله لعذر يريد به التسهيل في بعض الأحوال فيخرج به التخصيص ونحوه ويستقيم به حد","vol":"1","page":81},{"text":"الرخصة وقوله كحل لو قال كإحلال كان أحسن لأن نوع الحكم الإحلال لا الحل وقد عهد له مثل هذا التسمح من تفسير الرخصة بالتيسير فيكون الحل مطابقا بغير تسمح وقوله والقصر والفطر لك أن تعطفهما على حل أي وكالقصر وعلى الميتة أي وكحل القصر وقوله واجبا ومندوبا ومباحا أحوال إما من قوله فرخصة وإما من حل إن لم يعطف عليه وتكون قد استعملته في القدر المشترك بين الثلاثة وإما أن يتعدد صاحب الحال لتعددها فتقدر كحل الميتة للمضطر واجبا والقصر مندوبا والفطر مباحا.\nواعلم أن الإيجاب والندب واستواء الطرفين أو رجحان أحدهما أمر زائد على معنى الرخصة لأن معناها التيسير وذلك بحصول الجواز للفعلى أو الترك يرخص في الحرام بالإذن في فعله وفي الواجب بالإذن في تركه وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى ولهذا اقتصر الكتاب العزيز على الجواب في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ٢ فاقتصر كما نراه على نفي الإثم والجناح ولم يصرح بالإذن فعلنا الجواز برفع الاثم والجناح وإنما يكون القصر مندوبا إذا بلغ سفره ثلاثة أيام وإباحة الفطر قد يكون مع رجحانه إذا كان المسافر يجهده الصوم وقد يكون مع مرجوحيته إذا كان يطيقه ويسهل عليه وقوله وإلا فعزيمة أي وإن ثبت لا على خلاف الدليل أو على خلاف الدليل لكن ليس لعذر على وجه التيسير فعزيمة سواء كان واجبا أو مندوبا أو مباحا أم مكروها أم حراما من جهة أنه يجزم أمره أي قطع وحتم سهل على المكلف أم شق مأخوذ من العزم وهو القصد المصمم والعزيمة مصدر عزم فهي أيضا قسم من أقسام الحكم لا من أقسام الفعل الذي هو متعلقه.\nوقول غيره العزيمة ما جاز الإقدام عليه لا مع قيام المانع فيه من التسمح قدمناه\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٧٣.\n٢ سورة النساء آية ١٠١.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الفصل الثالث: في أحكام الحكم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسألة الأولى: الواجب المعين والمخير</span>\n...\nالفصل الثالث في أحكام الحكم وفيه عدة مسائل\nالأولى الواجب المعين والمخير\n\"الفصل الثالث في أحكامه وفيه مسائل الأولى الوجوب قد يتعلق بمعين وقد يتعلق بمبهم من أمور معينة كخصال الكفارة ونصب أحد المستعدين للإمامة وقالت المعتزلة الكل واجب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بالجميع ولا يجب الإتيان به خلاف في المعنى وقيل الواجب معين عند الله تعالى دون الناس ورد بأن التعين يحيل ترك ذلك الواحد والتخيير يجوزه وثبت اتفاقا في الكفارة فانتفى الأول قيل يحتمل أن المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو سقط بفعل غيره وأجيب عن الأول بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه وهو خلاف النص والإجماع وعن الثاني بأن الوجوب محقق قبل اختياره وعن الثالث بأن الآتي بأيهما آت بالواجب إجماعا قيل إن أتى بالكل معا فالامتثال أما بالكل فالكل واجب أو بكل واحد فيجتمع مؤثرات على أثر واحد أو بواحد غير معين ولم يوجد أو بواحد معين وهو المطلوب وأيضا الوجوب معين فيستدعي محلا معينا وليس الكل ولا كل واحد وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك فإذا الواجب واحد معين وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك معرفات وعن الثاني بأنه يستدعي أحدها لا بعينه كالمعلول المعين المستدعي علة من غير تعيين وعن الآخرين بأنه يستحق ثواب وعقاب أمور لا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها\".\nقوله في أحكامه يعني في أحكام الحكم وذكر في هذا الفصل سبع مسائل","vol":"1","page":83},{"text":"والإمام ذكرها بعينها في باب الأوامر في القسم الثاني منه في المسائل المعنوية وجعل المسائل الثلاث الأولى في أقسام الوجوب لأنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين ومخير وبحسب وقت المأمور ينقسم إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور ينقسم إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية وجعل المسائل الأربع الأخيرة في أحكام الوجوب ولو فعل المصنف كذلك كان أحسن وكأن عذره في ذلك المخير والموسع وفرض الكفايةف مما وقع الكلام فيه وفي تحقيق عروض ذلك الواجب فحسن البحث في أن الوجوب هل له ذلك أو لا وهو حكم وبعد ثبوت هذا الحكم تصير الثلاثة المذكورة أقساما للوجوب الذي هو قسم من أقسام الحكم فصح كل من الاعتبارين وقوله بمعين يعني معين النوع وإلا فالتعيين بالشخص لا يتعلق الوجوب به لأن الشخص دخل في الوجود وما دخل في الوجود لا يصح التكليف به لمراده المعين المعلوم المتميز وقوله وقد يتعلق بمبهم إشارة إلى أن المختار أو الواجب لا بعينه ونقل القاضي إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه خلافا لكثير من المعتزلة وقوم من نوابذ الفقهاء المعينين لهم على بدعتهم في قوله أن الكل واجب وحرر بعض المتأخرين معنى الإبهام في ذلك فقال إن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها وعندي زيادة تحرير أخرى وهو أن القدر المشترك يقال على المتواطئ كالرجل فلا إبهام فيه فإن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء كأحد الرجلين والفرق بينهما أن الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية.\nوالثاني: قصد فيه أخص من ذلك وهو أحد الشخصين بعينه وإن لم يعين وولذلك سمي مبهما لأنه أبهم علينا أمره والأول لم يقل أحد بأن الوجوب يتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق فإن مسمى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل فلا يتعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا على التخيير ولا يقال فيه واجب مخير ولا يأتي فيه الخلاف وأكثر أوامر الشريعة من ذلك.","vol":"1","page":84},{"text":"والثالث: متعلق بالخصوصيات فلذلك وقع الخلاف فيه وأجمعت الأمة على إطلاق الواجب المخير عليه ولا منافاة بين ما قلناه وما حكيناه عن بعض المتأخرين من تعلق الوجوب بالقدر المشترك لكن ما قلناه زيادة وهي تبيين أن ذلك القدر المشترك أخص منظور فيه إلى الخصوصيات وقول المصنف من أمور معينة إنما قيد بقوله معينة لأنها إذا كانت غير معينة فإما أن يقع التكليف بالقدر المشترك بينها من غير نظر إلى الخصوصيات فذلك لا يسمى إيهاما بل هو كالإعتاق على ما سبق وليس كلامنا فيه وإما أن ينظر إلى الخصوصيات كما ذكرناه في غير الإبهام فيستحيل لعدم العلم بها ونحن مرادنا هنا بالمعينة المعلومة المتميزة فلذلك قيد بقوله المعينة ليبين صورة المسألة وخصال الكفارة يعني كفارة اليمين وهي الإعتاق والإطعام والكسوة فإنها يخير فيها وكذا ما هو على التخيير من كفارات الحج وقوله ونصب أحد المستعدين للامامة يعني إن خلا الوقت عن إمام وهناك جماعة يجب نصب واحد وكذا قال غيره وهو صحيح إلا أنه من القسم الأول الذي قلنا إن الوجوب فيه متعلق بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات كاعتاق رقبة فينبغي ألا يمثل به وجماعة من أصحابنا ومن المعتزلة ذكروا أمثلة من الواجب المخير بين القسمين جميعا والصواب ما قدمته نعم في أهل الشورى الذي جعل عمر ﵁ الأمر فيهم ونحوه يتعلق الأمر بأعيانهم فيحسن أن يكون مثالا للواجب المخير وقول المعتزلة إن الكل واجب على المعنى المذكور مأخذهم فيه أن الحكم يتبع الحسن والقبح فإيجاب شيء يتبع لحسنه الخاص به فلو كان واحد من الثلاثة واجبا والاثنان غير واجبين لخلا اثنان عن المقتضى للوجوب فلا بد أن يكون كل واحد لخصوصه مشتملا على صفة تقتضي وجوبه وكل منهما يقوم مقام الآخر فيوصف كل منهما بالوجوب والتخيير معا.\nوتحقيق هذا الكلام إنما ينتج أن المشتمل على الحسن المقتضي للوجوب هو أحدها لا خصوص كل منها فلذلك كان معنى كلامهم إيجاب أحدها على الإبهام وإنما قصدوا الفرار من لفظ يوهم أن بعضها واجب وبعضها ليس بواجب وأنه لا يخير بين الواجب وبين غيره وأصحابنا لا يراعوان الحسن والقبح ويجوزون التخيير","vol":"1","page":85},{"text":"بين ما يظن أن فيه مصلحة وبين ما لا مصلحة فيه ومع ذلك لم يقولوا بوجوب واحد معين وإنما قالوا بوجوب أحدها من غير تعيين لأنه مدلول لفظ الأمر ومدارهم في إثبات الأحكام فإذا نظرنا إلى مجرد ذلك لم يكن فرق في المعنى بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة وبذلك صرح طوائف منا ومنهم وتبعهم المصنف وإذا دققنا البحث وقررنا ما قدمناه من الفرق بين أن يراد مع القدر المشترك الخصوصيات أولا أمكن أن يقال في خصال الكفارة احتمالان:\nأحدهما: أن يكون الواجب القدر المشترك بين الخصال.\nوالثاني: أن يكون كل خصلة واجبة على تقدير ألا نفضل عنها وكل من الاحتمالين يمكن أن يقرر على مذهبنا ومذهبهم والأقرب إلى الكلام الفقهاء الثاني وبه يفترق الحال بينه وبين إعتاق رقبة فإن الثابت فيه الأول لا غير وقول المصنف فلا خلاف في المعنى قد علمت أنه يمكن تمشيته ويمكن التوقف فيه لظهور معنيين يمكن أن يذهب إلى كل منهما ذاهب والأوفق بقواعد المعتزلة الأول وهو تعلق الوجوب بالقدر المشترك لا غير حتى يكون هو الموصوف بالحسن وبقواعدنا يصح ذلك وغيره وهو الأقرب إلى كلام الفقهاء وهو المختار وإن يكن بين المعنيين تباعد لكن يظهر أثره في أمور منها أنه إذا فعل خصلة يقال على ما اخترناه إنها الواجب وأما على المعنى الآخر فينبغي أن يقال إن الواجب تأدى بها لا أنها هي الواجب.\nوقوله: قيل الواجب معين عند الله دون الناس هو قول ترويه المعتزلة عن أصحابنا ويرويه أصحابنا عن المعتزلة واتفق الفريقان على فساده وعندي أنه لم يقل به قائل وإنما المعتزلة تضمن ردهم علينا ومبالغتهم في تقرير تعلق الوجوب بالجميع ذلك فصار معنى يرد عليه وأما رواية أصحابنا عن المعتزلة فلا وجه له لمنافاته قواعدهم.\nوقوله: رد بأن التعيين يحيل ترك الواحد أي لأن الواجب لا يجوز تركه والتخيير يجوزه أي يجوز الترك ضرورة فلازم التعيين ولازم التخيير لا يجتمعان فالملزومان وهما التعيين والتخيير لا يجتمعان لأنهما لو اجتمعا لاجتمع لازمهما لأنه","vol":"1","page":86},{"text":"يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم والتخيير ثابت بالإتفاق في الكفارة فانتفى التعيين.\nوقوله: قيل يحتمل أن المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو يسقط بفعل غيره يعني وعلى كل من الاحتمالات الثلاثة لا يتنافى التعيين والتخيير أما في الأول فلأن التعيين في نفس الأمر والتخيير في الظاهر وأما الثاني فلأن التخيير قبل الاختيار والتعيين بعده وأما الثالث فلأنا نمنع أن الواجب لا يجوز تركه مطلقا بل هو الذي لا يجوز تركه بغير بدل.\nوقوله: وأجيب عن الأول بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه أي إذا اختار بعضهم الإطعام وبعضهم الكسوة وبعضهم الإعتاق يكون الواجب على كل منهم ما اختاره معينا عند الله وهو خلاف الإجماع لإجماع العلماء على أن حكم الله في كفارة اليمين واحد بالنسبة إلى الجميع وعن الثاني بأن الوجوب تحقق قبل اختياره وإلا لما أثم بتركه فإما أن يكون معينا أو مخيرا إن كان معينا عاد الكلام وإلا بطل قولهم وعلى الثالث أن الآتي بأيها آت بالواجب لأنه في ضمنه وعلى كل التقديرين لا يكون الواجب خارجا عنه فلا يسقط بفعل غيره وليس كالسنة المجزئة عن الفرض ولا كالبدل المجزئ عن المبدل.\nوقوله: قيل إن أتى بالكل معا يعني دفعة واحدة إما بنفسه إن أمكن ذلك أو بوكلاء فالامتثال إما بالكل أي المجموع فالمجموع واجب ومن ضرورته وجوب كل واحد وإن كان الامتثال بكل واحد فيجتمع مؤثرات على أثر واحد وهو محال لأن المؤثر التام يستغني به الأثر عن غيره مع احتياجه إليه فلو اجتمع مؤثران على أثر واحد لاحتاج إليهما واستغنى عنهما ويلزم أن يقع بهما وإن لا يقع بهما فيجتمع النقيضان وإن كان الامتثال بواحد غير معين فغير المعين لا وجود له لأن كل موجود معين كما أن ما ليس بمعين ليس بموجود لأنه عكس نقيضه ولما بطلت هذه الأقسام الثلاثة تعين الرابع وهو أن الامتثال بواحد معين وهو المطلوب لأن ما وقع به هو المأمور به وأيضا الوجوب صفة الواجب وهو صفة معينة فلا بد أن يكون موصوفها معينا وليس المجموع ولا","vol":"1","page":87},{"text":"كل واحد ولا واحدا غير معين لما سبق فثبت أنه معين وأيضا إذا أتى بالجميع فإن أثيب ثواب الواجب على المجموع أو على كل فرد أو على غير معين لزم ما سبق فلا يثاب إلا على واحد معين وأيضا إذا تركت الجميع إن عوقب على المجموع أو على كل واحد أو على واحد معين لزم ما سبق فلا يعاقب إلا على ترك واحد معين فهذه أربعة أدلة استدل بها القول المردود.\nوقوله: وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك الخصال معرفات لا مؤثرات فلا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد وأما المعرفات فيجوز اجتماعها على الشيء كافراد العالم للصانع وهذا الجواب يحتمل أمرين أن يكون المقصود منه الرد على الاستدلال فقط من غير بيان ما يعتقده من أن الامتثال بماذا وكأنه يقول دليلك لا ينتج أن الواجب واحد معين لاحتمال أن يكون الواجب كل واحد ويكون الامتثال بكل واحد ولا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد وهذا إذا فسرنا الامتثال بفعل الواجب يلزم عليه أن ما يقع به الامتثال واجب ويكون الجواب على هذا جدليا والجواب التحقيقي أن الامتثال بواحد لا بعينه وهو موجود في ضمن كل واحد.\nالثاني: أن يكون جوابا تحقيقيا فإن الامتثال معناه إما فعل يتضمن مثل المأمور به إذا جعلناه افتعالا من المثل الذي هو الشبه وإما الانتصاب والقيام لأداء المأمور به إذا جعلناه من مثل على وزن ضرب أي انتصب وعلى كلا التقديرين لا يستلزم أن يكون الممتثل به هو الواجب بل أن يكون الواجب يحصل به ولا شك أن الواجب حاصل في هذه الصورة بكل واحد لتضمنه له وقصده فيكون الامتثال بكل واحد وبالمجموع أيضا لتضمنه الواجب وهذا واحد لا بعينه أو يكون الإمتثال بكل واحد وكل واحد واجبا على معنى ما قدمناه عن الفقهاء فيصير جوابا تحقيقيا على المذهبين وفي الوجه الأول هو جواب جدلي على المذهبين.\nوقوله: بواحد غير معين ولم يوجد جوابه أن غير المعين له معنيان:\nأحدهما: المقيد بقيد عدم التعيين وهذا هو الذي لم يوجد.","vol":"1","page":88},{"text":"والثاني: أخذه لا بقيد عدم التعيين وهذا موجود في ضمن المعين وهو المقصود هنا فقولك ولم يوجد ممنوع وهذا جواب تحقيقي على المعنى المتفق عليه في المذهبين وقوله بواحد معين وهو المطلوب وعللناه بأن ما وقع الامتثال به هو الواجب يتوجه عليه منع لما قدمناه في تفسير الامتثال وقوله عن الثاني يعني الوجوب وصفه معين فيستدعي محلا معينا فإنه يستدعي أحدها لا بعينه كالحرارة وهي معلول معين يستدعي إما الشمس وإما النار فهي علة غير معينة.\nواعلم أن المعين يطلق على الشخص وليس هو المراد هنا في الطرفين ويطلق على المعلوم التمييز فإنه له تعين بوجه ما ويطلق على أحدها أيضا أنه يتعين بهذا الاعتبار ويطلق على ما ليس بينه وبين غيره إبهام فأحدها بهذا التفسير غير معين والوجوب معين فلذلك جرى البحث ولا يلزم أن يكون المحل مساويا للحال في ذلك وقوله عن الآخرين يعنى الثواب والعقاب بأنه مستحق ثواب أمور ولا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها يعني ثواب واجبات مخيرة وهو أزيد من ثواب بعضها سواء اقتصر عليه أو ضم إليه نفلا آخر أو نقص من ثواب الواجبات المعينة ولكل منها رتبة من الثواب عند الله تعالى وكذا العقاب إذا تركها يستحق فالعقاب على ترك مجموع أمور كان المكلف مخيرا بين ترك أي واحد شاء منها بشرط فعل الآخر.\nوقال بعضهم: في الثواب والعقاب إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابا ويستحق على الترك عقاب أدونها عقابا فأما ما قاله في العقاب فيظهر اتجاهه وما قاله في الثواب مراده به الثواب على الواجب وما عداه تطوع يثاب عليه ثواب التطوع وبهذا يعلم أن الخلاف في الثواب خلاف في أنه إذا فعل الجميع ما الذي يقع واجبا وحكي القاضي قولا ثالثا أن الذي يقع واجبا هو العتق لأنه أعظم ثوبا لأنه أنفع وأشق على النفس وأرد عليه بأنه قد لا يكون كذلك ويحتمل عندي قول رابع وهو أنه لا يثاب ويعاقب إلا على أحدها لأنه الواجب على قولهم وهذا الخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا طول الطمأنينة في الصلاة أو مسح جميع الرأس في الوضوء هل يقع الجميع واجبا أولا ويعلم أن","vol":"1","page":89},{"text":"محل الأقوال الأربعة إذا فعل الجميع أما قيد الفعل فليس إلا ما قدمناه من أحدها والجميع.\n\"فرع\": إذا باع قفيزا من صبرة فالمعقود عليه قفيز لا بعينه يعني القدر المشترك بين أقفزة الصبرة وقالوا إن معناه كل واحد منها على البدل كما قالوا في خصال الكفارة وعندي أنه كعتق الرقبة وقد تقدم تحريره وإذا اختار المشتري واحدا منها لا يقول إنه كان معينا بل يعين فيه إبهامه وكذا إذا دعت المرأة إلى تزويجها من كفؤين زوجت من أحدهما كالمستعدين للإمامة وإذا طلق إحدى امرأتيه أو أعتق إحدى عبديه فهو كخصال الكفارة سواء والاختصاص للطلاق والعتق بواحد معين فإذا اختار تعين ما يختاره.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>تذنيب</span>\n\"الحكم قد يتعين على الترتيب فيحرم الجمع كأكل المذكى والميتة أو يباح كالوضوء والتيمم أو يسن ككفارة الصوم\"\nالتذنيب: من قولهم الرجل عمامته إذا أفضل منها شيئا فأرخاه كالمذنب وذنبت البسرة بدأ فيها الإرطاب من قبل ذنبها فالتذنيب هنا معناه تتمة للمسألة وليس فرعا منها لأنها في المخير وهو في المرتب ولكن التخيير والترتيب اشتركا في أن كلا منهما حكم يتعلق بأمور فإباحة الميتة مرتبة على إباحة المضطر ويحرم الجمع بينهما الاضطرار المبيح الميتة ووجوب التميم وإباحته مرتب على الوضوء لاختصاصه بحالة العجز وقال المصنف إنه يباح الجمع بينهما وكذا في المحصول وغيره وكنت أصور هذا للطلبة بما إذا خاف من استعمال الماء لمرض ولم ينته خوفه إلى أن يظن المانع من جواز استعمال الماء فإنه يباح له التيمم لأجل الخوف ولا يمتنع الوضوء لعدم تحقق الضرر فإذا تيمم صح تيممه فإذا أراد أن يتوضأ بعد ذلك جاز كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وإذا جعلناه خطابا لمن يمكنه الصوم ولا يطيقه كالشيخ الكبير فيجوز له الفطر والفدية ولو حمل على نفسه وصام كان خيرا له ولا يقال فكان على قياس هذا أن يسن الجمع لأن الوضوء أفضل لأنا نقول صحيح إن الوضوء أفضل لكن كلامه في الجمع وهو يحصل بإضافة التيمم إليه وليس بأفضل بل هو مباح وهذا التصوير على حسنه يخدش فيه شيء واحد وهو أنه إذا توضأ بطل التيمم فإنها طهارة ضرورة ولا ضرورة هنا فلم يجمع الوضوء والتيمم وإذا لم يكن اجتماعهما لا يوصف بالإباحة ولا بغيرها.\nقوله: ككفارة الصوم يعني ككفارة الوقاع في صوم رمضان يجب به الإعتاق","vol":"1","page":91},{"text":"فإن لم يجد فالصيام فإن لم يجد فالإطعام وكذا كفارة الظهار ولو مثل بها المصنف كان أحسن للنص عليها في القرآن وكفارة والوقاع قال بالتخيير فيها يمكن حمل كلام المصنف على الصوم في كفارة اليمين فإنه مرتب على الخصال الثلاث المخير فيها وأيا ما كان فالحكم بأن الجمع سنة يحتاج إلى دليل ولا أعلمه ولم أر أحدا من الفقهاء صرح باستحباب الجمع وإنما الأصوليون ذكروه ويحتاجون إلى دليل عليه ولعال مرادهم الورع والإحتياط بتكثير أسباب براءة الذمة كما أعتقت عائشة ﵂ عن نذرها في كلام ابن الزبير رقابا كثيرة وكانت تبكي حتى تبل دموعها خمارها.\nوهذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها المصنف في المرتب ولعلهم أيضا لم يريدوا أن الجمع قبل فعله مطلوب بل إذا وقع كان بعضه فرضا وبعضه ندبا وعبارة القاضي تقتضي هذا ويكون هذا من باب النوافل المطلقة ومثل القاضي بالمسح والغسل أيضا فإن أراد مسح الخف فالقول بأنه إذا فعله بعد غسل الرجل يكون مندوبا في غاية البعد وإذا كفرنا بالعتق صار بنية الكفارة ينبغي أن يأتي فيه الخلاف المشهور في أنه إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم وهذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها المصنف في المرتب ذكر في المحصول مثلها في المخير أيضا ومثل المحرم بتزويج المرأة من كفؤين والمباح بستر العورة بثوب بعد ثوب المندوب بالجمع بين خصال كفارة الحنث وحكمه بندب الجمع في خصال كفارة اليمين يحتاج إلى دليل كما قدمناه وتمثيله المخير بالتزويج من كفؤين والستر بثوبين مبني على ما سبق منه ومن غيره.\nوعندي أن الواجب القدر المشترك كما سبق لكن التمثيل صحيح فيه أيضا.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المسألة الثانية: الوجب الموسع والمضيق</span>\n...\nالمسألة الثانية في الواجب الموسع والمضيق\n\"الثانية: الوجوب إن تعلق بوقت فإما إن يساوي الفعل كصوم رمضان وهو المضيق أو ينقص عنه فيمنعه من يمنع التكليف بالمحال إلا لغرض القضاء كوجوب الظهر على الزائل عذره وقد بقي قدر تكبيرة أو يزيد عليه فيقتضي إيقاع الفعل في جزء من أجزائه لعدم أولوية البعض وقال المتكلمون يجوز تركه في الأول بشرط العزم وإلا لجاز ترك الواجب بلا بدل ورد بأن العزم لو صح بدلا لتأدى الواجب به وبأنه لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمبدل واحد ومنا من قال يختص بالأول وفي الآخر قضاء وقالت الحنفية يختص بالآخر وفي الأول تعجيل وقال الكرخي١ الآتي في الأول إن بقي على صفة الوجوب يكون ما فعله واجبا احتجوا بأنه لو وجب في أول الوقت لم يجز تركه قلنا المكلف مخير بين أدائه في أي جزء من أجزائه\".\nكما أن الواجب ينقسم إلى معين ومخير كذلك ينقسم إلى مضيق وموسع والمضيق والموسع بالحقيقة هو الوقت ويوصف به الواجب والوجوب مجازا ومقصوده بالواجب الفعل الواجب إن زاد وقته على قدره فهو الموسع وإلا فهو المضيق وعلى هذا قسمان:\nأحدهما: أن يساويه فيجوز التكليف به وقد وقع كصوم نهار رمضان لا يزيد الزمان على الواجب ولا الواجب على الزمان.\n_________\n١ هو: أو الحسن، عبيد الله بن الحسين الكرخي، انتهت إليه رئاسة الحنفية بعد أبي حازم، وأبي سعيد البردعي. من مصنفاته: المختصر. والجامع الكبير والصغير.\nتوفي سنة ٣٤٠هـ تاج التراجم ص١١٤.","vol":"1","page":93},{"text":"والثاني: أن ينقص الوقت عن الفعل فإن كان الغرض من ذلك وقوع الفعل جميعه في الزمان الذي لا يسعه فلم يقع هذا في الشريعة وهو تكليف ما لا يطاق يجوزه من جوزه ويمنعه من منعه وإن كان الغرض أن يبتدئ في ذلك الوقت ويتمه بعد ذلك أو يثبت في ذمته ويفعله كله بعد ذلك فهذا جائز وواقع بينهما فيما لو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو بلغ الصبي أو طهرت الحائض وقد بقي من الوقت مقدار ركعة ووسع ما بعده بقيتها فإن تلك الصلاة تجب وكذا إذا بقي مقدار تكبيرة على أصح القولين كالركعة وهذا يطرد في الصلوات الخمس وإذا كان كذلك في آخر وقت صلاة يجمع ما قبلها معها كالعصر والعشاء فتجب الأولى أيضا فيها الظهر والمغرب وكذلك مثل المصنف بالظهر وأطلق القضاء حتى يشتمل وقت الضرورة وهو وقت العصر بالنسبة إليها.\nوالضمير في قول المصنف يساوي وينقص ويزيد للوقت وفي قوله وهو تصح إعادته للوقت والوجوب وللواجب وهو مقصوده على ما سبق.\nوقوله: لغرض كأنه بنى على قول من يقول إن الصلاة إذا وقع بعضها خارج الوقت يكون قضاء أما كلها وإما الخارج عنها والصحيح من مذهب الشافعي أنه متى وقع ركعة منها في الوقت فالكل أداء ولم يقل بأن وقت الصبح مثلا يخرج بطلوع الشمس مطلقا بل قال إن طلعت الشمس ولم يصل منها ركعة فقد خرج وقتها واستدل على ذلك بقوله ﷺ: \"من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح\" ١ وقليل من الفقهاء اليوم من يحرر هذا بل يعتقد أن الحكم بالأداء يجعل ما بعد الوقت تابعا للركعة الواقعة في الوقت مع\n_________\n١ رواه البخاري بمعناه. وروى الجماعة من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة\".\nوهذا يشمل جميع الصلوات.\nوللبخاري: \"إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته\".\nوالمراد بالسجدة الركعة، لأن السجود هو تمام الركعة.","vol":"1","page":94},{"text":"خروج الوقت ولو حمل كلام المصنف على القضاء اللغوي انتفى عنه هذا الاعتراض.\nوقوله: للظهر قد بينا أنه لا اختصاص لهذا الحكم بها وقوله الزائل عذره مستنده تسمية الفقهاء الأشياء المذكورة أعذارا وإن كان الفكر ليس بعذر وقوله تكبيرة بناء على الأصح.\nوقوله: فيقتضي من هنا إلى آخر الكلام في حكم الواجب الموسع.\nواعلم أن الناس اختلفوا فمنهم من اعترف به ومنهم من أنكره أما المعترفون به فجمهور الفقهاء وجمهور المتكلمين من الأشعرية ومن المعتزلة وهؤلاء المعترفون اختلفوا في جواز تركه أول الوقت بلا بدل مع اتفاقهم على أنه يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء كان فجمهور الفقهاء قالوا بجواز تركه في أوله بلا بدل ولا يعصى حتى يخلو الوقت كله عنده وهذا الذي قدمه المصنف وجمهور المتكلمين قالوا لا يجوز تركه إلا ببدل واتفقوا على أن ذلك البدل هو العزم فإذا تضيق الوقت تعين الفعل ونصر القاضي هذا القول ورده الإمام وغيره بأن العزم لو صلح بدلا لتأدى الواجب به وفي هذا الرد نظر لأن لهم أن يقولوا هو بدل عن فعله في أول الوقت لا عن فعله مطلقا إلا أن ذلك يعكر عليهم لأن فعله في أول الوقت لخصومه ليس بواجب فلا يحتاج تركه فيه إلى بدل فالجواب المحرر أن يقال إما أن يكون الفعل في الأول واجبا أولا إن لم يكن فلا حاجة إلى البدل وإن كان فإما أن يكون كل الواجب أولا إن كان فيتأدى ببدله وإلا فيلزم أن يكون واجبان ولا دليل عليه.\nوقوله: لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمبدل واحد ممنوع أن المبدل واحد لأن العزم في الجزء الأول بدل عن الفعل في الجزء الأول والعزم في الجزء الثاني بدل عن الفعل في الجزء الثاني فالبدل متعدد والمبدل متعدد وإنما الوجوب ما ذكرناه وهنا فرغ الكلام على الفرق المعترفين بالواجب الموسع وأما المنكرون له فقد تضمنهم قوله: ومنا إلى آخره وجميعهم ثلاث طوائف وزاد غيره رابعة وفرقة خامسة قالوا يختص بالأول فإن فعله فيه كان أداء وإن أخره وفعله في آخر الوقت كان قضاء وهذا القول نسب إلى","vol":"1","page":95},{"text":"بعض أصحابنا وقد كثر سؤال الناس من الشافعية عنه فلم يعرفوه ولا يوجد في شيء من كتب المذهب ولى حين من الدهر أظن أن الوهم سرى إلى ناقله من قول أصحابنا إن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا.\nوقول بعضهم تجب في أول الوقت وينصبون الخلاف في ذلك مع الحنفية وقولهم إنما يجب بآخره وقصد أصحابنا بقولهم تجب الصلاة في أول الوقت كون الوجوب في أول الوقت لا كون الصلاة في أول الوقت واجبة فحصل الالتباس في العبارة ومتعلق الجار والمجرور ثم وقفت في الأم في كتاب الحج في ذلك الجزء الخامس. قال الشافعي: ذهب بعض أهل الكلام أن فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقت يمكنه فتركه في أول ما يمكنه كان آثما١ كمن ترك الصلاة حتى ذهب الوقت ويجزئه حجة بعد أول سنة من مقدرته قضاء كالصلاة بعد ذهاب الوقت ثم أفادنا بعضهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتها الأول فتركها وإن صلاها في الوقت وفيما نذر من صوم أو وجب عليه بكفارة أو قضاء فقال فيه كله متى أمكنه فأخره فهو عاص بتأخيره ثم قال في المرأة يجبر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى وقاله معه غيره ممن يفتي انتهى.\nفقد ثبت بنقل الشافعي هذا المذهب عن غيره فلعل بعض الناس نقل ذلك عن نقل الشافعي فالتبس ذلك على بعده وظن أنه من مذهب الشافعي وعلى كل تقدير لايخرج نقله عن أصحابنا عن الوهم ثم ظاهر كلام الشافعي كما ترى أن القائل به يقول بالإثم والعصيان بالتأخير عن أول الوقت والقاضي أبو بكر نقل إجماع الأمة على أن المكلف لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت ولذلك قال بعضهم إنه في آخر الوقت يسد مسد الأداء وما نقله الشافعي أثبت وأولى وينبغي إسقاط هذه اللفظة والإقتصار على قوله قضاء كما فعل المصنف وعدم نسبة ذلك إلى بعض أصحابنا بل ينقله قولا مطلقا كما نقله القاضي قولا مطلقا.\nولم يرد المصنف على هذا القول ووجه الرد عليه عدم دلالة الأمر المطلق\n_________\n١ في هامش الطبعة الأولى \"ونقل المصنف عن شارح المنهاج للنووي عن القاضي أبي الطيب الطبري الإجماع على أن الحج يقع أداء، ونقل الشافعي رحمه الله تعالى – ينازع فيه\" راجع الجزء الأول ص٦٣ من الطبعة الأولى.","vol":"1","page":96},{"text":"على الفور مع ظهور الأدلة من الكتاب وسير السلف على جواز التأخير إلى أثناء وقت الصلاة.\nالفرقة الثانية الحنفية:\nقالوا يختص بالآخر وفي الأول تعجيل يسقط الفرض به أو نفل يمنع من الوجوب على اختلاف عنهم في المنقول.\nالثالثة: مقالة الكرخي:\nالمقالة الرابعة: حكيت عن الكرخي أن الواجب يعين بالفعل في أي وقت كان.\nالمقالة الخامسة: أن الوجوب يختص بالجزء الذي يتصل الأداء به وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفضل عنه وهذا هو المشهور عند الحنفية لأن سبب الوجوب عندهم كل جزء من الوقت على البدل إن اتصل به الأداء وإلا فآخره وإنما عدت هذه الفرقة من المنكرين للواجب الموسع مع قولهم إن الصلاة مهما أديت في الوقت كانت واجبة لأنهم لم يجوزوا أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل وقول المصنف احتجوا أي الحنفية ومن قال قريبا من قولهم كالكرخي وبقية المقالات التي حكيناها.\nوقولهم: وجب في أول الوقت فيه ما نبهنا عليه من الإلباس لأن فيه معنيين:\nأحدهما: لو وجب في أول الوقت فعله في أول الوقت وهذا هو الذي قصدوه وقولهم مع ذلك لم يجز تركه يمكن منعه على مذهب المتكلمين لأن الواجب لا يجوز تركه وترك بدله أما تركه وحده مع الإتيان ببدله فجائز ويمكن تسليمه ولا يضرنا.\nوالمعنى الثاني: لو وجد في أول الوقت فعله في أي جزء كان وهذا مقصودنا ومع هذا لا يصح قولهم لم يجز تركه في أول الوقت لأن الذي لا","vol":"1","page":97},{"text":"يجوز تركه هو الواجب وفعله أول الوقت ليس بواجب والواجب هو الفعل في أي جزء كان وهذا يجوز تركه وهذا معنى قول المصنف قلنا المكلف بخير.\nفائدة: قول المصنف إن تعلق بوقت يحتمل أن يريد به أن تعلق الوقت على سبيل القصد كما فسرنا العبارة المؤقتة به فيما سبق ويحترز به عما لا يكون لذلك فلا يقال فيه ينقسم إلى مضيق وموسع وإن كان يلزمه الوقت لأن الفعل لا بد له من وقت وعلى هذا الواجب على الفور الذي لم ينص على وقته لا يقال فيه موسع ويحتمل أن يريد أنه متى تعين وقته سواء كان تعيينه بالنص عليه أم بدلالة الأمر عند من يراه فينقسم إلى مضيق وموسع ويكون كل واجب مضيقا أو موسعا فما كان للتراخي فهو موسع بلا إشكال وما كان للفور ليس بموسع والحج من قال بفوريته إن أطلق يلزمه ذلك وإن أراد إيقاعه في السنة الأولى من سني الإمكان يصير أشهر الحج من تلك السنة بالسنة إلى ابتدائه كالوقت الموسع لكن ينبغي أن يعذر في التأخير إلى آخرها لأنه مغيا بيوم عرفة وأما التوسعة فيما بعد السنة الأولى فلا وجه لها مع القول بالفور.\nفرع: الموسع قد يسعه العمر كالحج وقضاء الفائت فله التأخير ما لم يتوقع فواته إن أخر لكبر أو مرض إذا أثبتنا الواجب الموسع فقد يكون وقته محدودا بغاية تعلق به كالصلاة وقد يكون مدة العمر كالحج وقضاء الفائت حيث قلنا بأنه على التراخي وهو إذا فات يعذر على الصحيح دون الفائت بغير عذر فإنه على الفور على الصحيح عندهم وهذكا فصلوا في الكفارات بين ما سببها معصية وغيرها وحيث جوزنا التأخير في ذلك وفي النذور مدة العمر فإن حكمنا بأنه لا يعصى إذا مات لم يتحقق معنى الوجوب وإن قلنا يضيق عليه عند الانتهاء إلى غاية معينة من غير دليل لزم تكليف ما لا يطاق كذا في المحصول قال فلم يبق إلا أن نقول يجوز له التأخير بشرط أن يغلب على ظنه أنه يبقى سواء بقي أم لا وإذا ظنه أنه لايبقى عصى بالتأخير سواء مات أم لا وهذا الذي قاله قول والصحيح أنه إذا مات عصى سواء غلب على ظنه قبل ذلك البقاء أم لا ولا يلزم التكليف بما لا يطاق لأنه كان يمكنه المبادرة فالتمكن موجود وجواز التأخير بشرط سلامة العاقبة وتبين خلافه فتبين عدم الجواز","vol":"1","page":98},{"text":"والوجوب تحقق مع التمكن فيقضى والفرق بينه وبين ما إذا مات في أثناء وقت الصلاة فإنه لا يعصى على الصحيح بأن الموت خرج وقت الحج وبالموت في أثناء وقت الصلاة لم يخرج وقتها ونظير الحج أن يفوت آخر وقت الصلاة فإنه يعصى بخروج الوقت وقول المصنف فله التأخير على رأي الإمام ظاهرا وباطنا وعلى رأينا ظاهرا فقط والباطن مجهول الحال ولا يلزم تكليف ما لا يطاق لما قلناه.\nوقوله ما لم يتوقع يعني فواته يعني فلا يجوز التأخير كما قدمناه عن الإمام وعبارة الإمام إذا غلب ظنه وهو صحيح وأما التوقع فلا يلزم منه الظن بل قد يحصل خوف فقط من غير غلبة ظن كما قدمناه في الكلام على الواجب المخير والمرتب فكان الصواب أن يقول المصنف ما لم يظن فواته وإن أخر وهي الحالة التي قدمها في الصلاة أنه إذا غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيق عليه فصار الموسع بالعمر يعصى فيه شيئين:\nأحدهما: الموت على الصحيح.\nوالثاني: التأخير عن وقت يظن فوته بعده والموسع بما دون العمر يعصى فيه لشيئين:\nأحدهما: خروج وقته.\nوالثاني: تأخيره عن وقت يظن فوته بعده كالموسع بالعمر ومن القضاء ما لا يجوز تأخيره مدة العمر كقضاء رمضان لا يجوز تأخيره حتى يجيء رمضان آخر فهو بالنسبة إلى المعصية بالتأخير كالصلاة وبالنسبة إلى عدم فواته كالحج.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المسألة الثالثة: الوجب العيني والواجب الكفائي</span>\n...\nالمسألة الثالثة في الواجب العيني والواجب الكفائي\n\"الثالثة: الوجوب إن تناول كل واحد كالصلوات الخمس أو أحدا معينا كالتهجد فيسمى فرض عين أو غير معين كالجهاد يسمى فرضا على الكفاية فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل سقط عن الكل وإن ظن أنه لم يفعل وجب\" قيل إن الوجوب على الكفاية مخالف بالحقيقة للوجوب على الأعيان وأن اسم الوجوب صادق عليهما بالاشتراك المعنوي وزعم بعضهم أن المخاطب بفرض الكفاية طائفة لا بعينها وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ والصحيح أن المخاطب به الجميع لتعذر خطاب المجهول بخلاف خطاب المعين بالشيء المجهول فإنه يمكن كالكفارة وإنما يفترق فرض الكفاية وفرض العين في أن فرض الكفاية المقصود منه تحصيل مصلحته من غير نظر إلى فاعله وفي تحقيقه ثلاثة معان:\nأحدها: أن كل مكلف يخاطب بالجهاد مثلا فإن قام به طائفة سقط عن الباقين رخصة وتخفيفا ولحصول المقصود.\nوالثاني: أن كل مكلف مخاطب به إن لم يقم غيره به وعلى هذا إذا قام غيره به تبين أنه لم يكن مخاطبا ليس أنه خوطب ثم سقط.\nوالثالث: أن كل مكلف غير مخاطب به ومجموعهم مخاطبون بأن يكون من بينهم طائفة تقوم بهذا الفعل ولا يقال يلزم أن يكون الشخص مكلفا بفعل غيره لأنا نقول كلفوا بما هو أعم من فعلهم وفعل غيرهم وذلك مقدور تحصيله منهم ولأنهم قادرون أن يخرجوا طائفة منهم لذلك وفرض العين المقصود منه","vol":"1","page":100},{"text":"امتحان كل واحد بما خوطب به لحصول ذلك الفعل منه بنفسه لا يقوم غيره مقامه وقد يكون من فرائض الأعيان على جماعة ما يشترط في فعل غيره كالجمعة لا تصح إلا من جماعة وصارت الواجبات ثلاثة:\nأحدها: ما يجب على الشخص ويسقط بفعل غيره وهو فرض الكفاية.\nوالثاني: ما لا يعتبر معه غيره أصلا.\nوالثالث: ما يعتبر في الأداء وكلاهما فرض العين ولا يسقط بفعل الغير.\nإذا عرفت هذا فنقول إن قوله: إن تناول كل واحد فيسمى فرض عين لك أن تعترض عليه فيه لما علمت أن فرض الكفاية كذلك على الصحيح وتعتذر عنه بأنه استغنى بالمثال بالصلوات الخمس.\nوقوله: أو واحدا معينا كالتهجد قاله جماعة غيره وهو تفريغ على أن التهجد كان واجبا على النبي ﷺ وحده وأن ذلك من خصائصه وهذا وإن كان مشهورا عند أكثر المتأخرين من الشافعية فالصحيح الذي نص عليه الشافعي خلافه وأن وجوب التهجد منسوخ عنه ﷺ وعن غيره وحين كان واجبا كان عليه وعلى غيره وقد اختص النبي ﷺ بوجوب أشياء لا خلاف فيها منها التخيير لنسائه وغيره وقوله أو غير معين إنما يتم عند من يرى أن فرض الكفاية ليس على الجميع وقد بينا أن الصحيح خلافه.\nثم إن كل ما يتناول المعين يتناول غير المعين لدخوله في المعين فالعبارة المحررة أن تقول ويراد بالقصد ما قدمناه من مقصود فرض الكفاية أما إذا أريد معنى خوطب فلا يصح أيضا لما بينا أن الخطاب فيهما للجميع وقوله فإن ظن إلى آخره قاله الإمام مستدلا بأن تحصيل العلم بأن الغير هل فعل أولا غير ممكن إنما الممكن تحصيل الظن ولك أن تقول الوجوب على الكل معلوم فلا يسقط إلا بالعلم وليس فيه تكلف بما لا يمكن لأن الفعل يمكن فيه حصول العلم ثم قولهم إنه يسقط بفعل البعض يوهم أن فعل غيرهم بعد ذلك يقع نفلا وليس كذلك فإن كل من جاهد أو طلب يقع فعله","vol":"1","page":101},{"text":"فرضا وإن كان فيمن سبقه كفاية وكذا إذا صلى على الجنازة ظائفة ثم طائفة وقع فعل الثانية فرضا كالأولى هذا تحقيق أن الخطاب للجميع وإنما يسقط الإثم بفعل من فيه كفاية رخصة وتخفيفا.\nوقول المصنف: فإن ظن كل طائفة أن غيره إما أن يكون ذكر على لفظ كل أو على معنى طائفة وأنها تطلق على الواحد فإن كان الأول فالذي أجمع عليه النحاة أن لفظ كل إذا أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المضاف إليه وإن كان الثاني فالحق أن معنى طائفة لا يكون للواحد لأنها مأخوذة من معنى الطواف والإحاطة وذلك لا يكون بالواحد ولو سلم صدقها على الواحد فلا اختصاص فيه بل يصدق على الجمع كما يصدق على الواحد فلا وجه للتذكير إلا إذا أريد الواحد وليس هو المراد هنا فكان التأنيث في هذا المكان أولى.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المسألة الرابعة: مقدمة الواجب</span>\n...\nالمسألة الرابعة في مقدمة الواجب\n\"الرابعة وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورا\" قوله مطلقا احتراز من الوجوب المقيد بشرط كالزكاة وجوبها متوقف على النصاب ولا يجب تحصيله وجوبها متوقف على الجماعة والإقامة ولا يجب تحصيلهما وهذا متفق عليه وقوله وكان مقدورا احتراز من قدرة العبد على الفعل وداعيته المخلوقتين لله تعالى لا تتم الواجبات المطلقة عليه وغيرها إلا بهما ولا يجب تحصيلهما ولا يتوقف الوجوب عليهما وجملة ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله أو فعل العبد وكل منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أو لا فالذي من فعل الله يتوقف عليه الوجوب كالعقل وسلامة الأعضاء التي بها الفعل والذي لا يتوقف عليه الوجوب كخلق قدرة العبد وداعيته والذي من فعل العبد ويتوقف عليه الوجوب كما سبق والذي لا يتوقف عليه الوجوب إما أن يكون مقدورا أو لا فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل إلا على القول بتكليف ما لا يطاق وحينئذ يصح وجوب غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب فلا يصح اشتراط كونه مقدورا لذلك لم أر مثالا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرة الداعية ورأيت جماعة خبطوا في ذلك وقولنا ما لا يتم الشيء إلا به يشمل بالوضع ثلاثة أشياء الجزء والسبب والشرط لكن الجزء ليس مرادا هنا لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا ولا تردد في ذلك وإنما المراد السبب والشرط وأن الأمر بالشيء هل يستلزم الأمر بسببه أو شرطه أو لا ولذلك عبر بعضهم بالمقدمة والمقدمة خارجة عن الشيء مقدمة عليه بخلاف الجزء فإنه داخل فيه والمختار وجوب السبب والشرط كما ذكر المصنف.\nوالجزء إذا لم يكن مقدورا سقط وجوبه إذا لم نقل بتكليف ما لا يطاق من","vol":"1","page":103},{"text":"ضرورة ذلك عدم وجوب الكل حينئذ لكن بقي وجوب ما سواه من الأجزاء لقوله ﷺ: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\".\nوهذا آخر ما كتبه الشيخ الإمام العلامة المجتهد شيخ الإسلام والمسلمين تقي الدين بقية المجتهدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الشافعي ﵀ ورحم أموات المسلمين وتممه ولده قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب فسح الله في مدته ونفع به آمين.","vol":"1","page":104},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nوبه نستعين رب يسر قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الأوحد البارع الحافظ شيخ الإسلام مفتي الأنام قدوة الأئمة حبر الأمة ناصر السنة قامع البدعة علامة العلماء وارث الأنبياء فريد دهره ووحيد عصره قاضي القضاة تاج الدين ابت سيدنا ومولانا قاضي القضاة أوحد العلماء العاملين آخر المجتهدين تقي الدين أبي الحسن السبكي الشافعي متع الله بحياته المسلمين وأيده وأمده بعونه وأدام النفع به آمين.\nالحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي جعل لنا من هذا الدين القيم شرعة ومنهاجا ووأطلع لنا في سماء العلم الشريف من الكتاب والسنة سراجا وهاجا وقدر للفقيه أن يكون على الإجماع محتالا وإلى القياس محتاجا نحمده على نعمه التي خصنا بعمومها ورجحنا على من سوانا بأدلة مفهومها واستوعب لنا ما وجد منها عند سبرها وتقسيمها ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ظاهرة غير مؤولة دائمة نستصحب أحكاما غير مبدلة نامية الثواب يوم المعاد فلا يحتاج إلى بيان أحكامها المجملة ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نسخ شرع من قبله بشرعه المؤيد وأمر ونهى فأوجب وندب وحرم وأباح وأطلق وقيد واجتهد في إبلاغ ما أمر به فذب العقل عن فعل ما قرره وشيد ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين فهموا خطاب وضعه وقاموا بشرائط دينه وعلموا أدلة شرعه واتبعوه فما منهم إلا من قال بموجب أصله وفرعه صلاة تصل أخبارها إليهم بكرة وعشيا وتفد أجناسها المتنوعة بفصولها المتميزة عليهم فتسلك صراطا سويا وتخلص فتخلص قائلها من الأهوال يوم يموت ويوم يبعث حيا دائمة ما افتقر فرع إلى الرجوع إلى أصله واحتاج المجادل إلى تجويد نصه كما يحتاج المجالد إلى تجريد نصله باقية لا ينعكس طردها ولا يشتبه محكمها","vol":"1","page":105},{"text":"بترهات الملحد وزخرف قوله: ورضي الله عن التابعين لهم بإحسان المقتفين آثارهم الحسان وخص بمزيد الرضوان العلماء الحامين حمى الشريعة أن يضام أو يضاع الوارثين بالدرجة الرفيعة هدى النبوة الذي لا يرام ولا يراع الوافدين على حياطته بالهمة الشريفة حتى لا ينفك أو يشان ويشاع لا سيما الإمام المطلبي مستخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين بما أصل وأنشأ وسار نبأ مجده والبرق وراءه يتحرق عجله وهو أمامه على مهل يتمشى وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غشاها من تقوى الله ما غشى وقدس أرواح أصحابه الذين زينوا أسماء العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب وهاموا باتباع مذهبه المذهب وللناس فيما يعشقون مذاهب.\nوذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله والعلوم عطايا من الله ومواهب رضا يتكفل بنجاة كل منهم ونجاحه ويمر بروض الإيمان فيتعطر بأنفاسه رياحه ويفخر عقد الجوزاء إذا كان درة في وشاحه.\nأما بعد فإن العلوم وإن كانت تتعالى شرفا وتطلع في افق الفخار من كواكبها شرفا فلا مرية في أن الفقه نتيجة مقدماتها وغاية نهاياتها وواسطة عقدها ورابطة حلها وعقدها به يعرف الحرام من الحلال وتستبين مصابيح الهدى من ظلام الضلال وهيهات أن يتوصل طالب وإن جد المسير إليه أو يتحصل بعد الإعيا والنصب عليه إلا بعد العلم بأصول الفقه والمعرفة والنهاية فيه فإنه صفته وكيف يفارق الموصوف الصفة وقد نظرنا فلم نر مختصرا أعذب لفظا وأسهل حفظا وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع الثناء من كتاب منهاج الوصول إلى علم الأصول للشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وروض تربته بغمام الغفران حتى يأتي يوم القيامة وما ثلم جانبه ولا فض فوه فإنه موضوع على أحسن منهاج محمول على الأعين وليس له منها من هاج بعبارة أعذب من ماء السحاب وألعب من ابنة الكرم بعقول أولي الألباب آل فضل البلاغة إليه وآلى فضل الخطاب ألا يتمثل إلا بين يديه وقد رأيت شراحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع فعد مقالهم","vol":"1","page":106},{"text":"في الألغاز قنع كل منهم بحاجة في نفسه من اسم التصنيف قضاها وجمع نفسه على ما شف به سجل الكتاب من تقارير إذ أنصف من نفسه لا يرضاها فشروحهم تحتاج إلى من يشرحها وكلماتهم تريد بسطة في العلم والجسم توضحها.\nوقد كان الشيخ الإمام والدي ﵀ شرع في وضع شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم وأسرى وأسرع إلى الهداية من طوالع النجوم عديد شهب لائحه ورسل سحب سائحه وسماه علم يهتدى بكوكبه وعلاء قدر أخذ بلمة الفخر ولم يزاحمه بمنكبه لا تنقشع عارضته ولا نتوقع معارضته خضعت رقاب المعاني لكلامه وخشعت الأصوات وقد رأته جاوز الجوزاء وما رضيها دار مقامه لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار بل أضرب عنه صفحا بعد لأي قريب وتركه طرحا وهو الدر اليتيم بين إخوانه كالغريب وقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة وأحاديث النفس كثيرة وأمرتني الأمارة بالتكميل عليها ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة وقلت للقلم أين تذهب وللفكر أين تجول أطنب لسانك أم أسهب ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت وجرت على تيارها منادية أئت بما أمرتك بما استطعت وتوارى اللسان وما توارت فلما تعارض المانع والمقتضى وعلمت أن الحال إذا حاولت مجهودها قام لها العذر الواضح فيما استقبلته ومضى أي مضى أعلمت الفكرة في الدجنة والوجه والليل كلاهما كالح وشرعت فيه وقلت لعل الغرض يتم ببركته وبقصده الصالح وجردت همة ما ورد رائدها إلا وقد سئم من النشاط ولا أغمد مهندها إلا وقد ترك ألف طريح على البساط ولا عاد نصلها إلا وقد قضى المأمول ولا فترت عزائمها إلا وقد حصلت على نهاية السول وأعلمنا هذه الهمة في مدلهم الديجور وصرفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكها يدور فلم تنشب ليالي أسبلت جلبابها وأرخت نقابها معدودة ساعاتها ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتها إلى أن انهزمت تلك الليالي ودارت الدائرة عليها وجاء من النسيم العليل بشير الصبح متقدما بين يديها فوافى الصباح بكل معنى مبتكر وجلا عرائس بدائعه فشنف السمع وشرف البصر وجاء كتابا ساطعا نور شمسه وشمس السماء في غروب طالعا","vol":"1","page":107},{"text":"في أفق الفخار على أحسن أسلوب جائزا لما يراد منه في كل طريقه جائزا حقا على مقالات المتقدمين والمتأخرين وحسبك بمن مجازه حقيقة فأسأل الله تعالى أن يعم النفع به وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم موجبا للفوز لديه وقد وصل والدي الشيخ الإمام جزاه الله الخير إلى مسألة مقدمة الواجب ونحن نتلوه والله الموفق المعين بخفي ألطافه والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه.","vol":"1","page":108},{"text":"قال المصنف ﵀\n\"الرابعة وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورا\".\nقال والدي تغمده الله برحمته قوله مطلقا احتراز من الوجوب المقيد كشرط الزكاة وجوبها متوقف على النصاب ولا يجب تحصيله والجمعة وجوبها متوقف على الجماعة والاقامة في بلد ولا يجب تحصيلهما وهذا متفق عليه وقوله: \"وكان مقدورا\" احتراز من قدرة العبد على الفعل وداعيته المخلوقتين لله تعالى لا تتم الواجبات المطلقة عليه كالصلاة وغيرها إلا بهما ولا يجب تحصيلهما ولا يتوقف الوجوب عليهما وجملة ما يتوقف عليه الفعل اما أن يكون من فعل الله تعالى أو فعل العبد وكل منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب اولا فالذي من فعل الله تعالى ويتوقف عليه الوجوب كالعقل وسلامة الأعضاء التي بها الفعل والذي لا يتوقف عليه الوجوب خلق قدرة العبد وداعيته والذي من فعل العبد ويتوقف عليه الوجوب أما أن يكون مقدورا أولا فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل إلا على القول بتكليف ما لا يطاق وحينئذ يصح وجوب غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب فلا يصح اشتراط كونه مقدورا فلذلك لم أر مثالا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرة والداعية ورأيت جماعة خطبوا في ذلك.\nوقولنا: ما لا يتم الشيء إلا به يشمل بالوضع ثلاثة أشياء الجزء والسبب والشرط لكن الجزء ليس مرادا هنا لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا ولا تردد في ذلك وإنما المراد السبب والشرط وأن الأمر بالشيء هل يستلزم الأمر بسببه أو شرطه أو لا ولذلك عبر بعضهم عنه بالمقدمة والمقدمة خارجة عن الشيء","vol":"1","page":109},{"text":"متقدمة عليه بخلاف الجزء فانه داخل فيه والمختار وجوب السبب والشرط كما ذكره المصنف والجزء إذا لم يكن مقدورا سقط وجوبه إذا لم نقل بتكليف ما لا يطاق ومن ضرورة ذلك عدم وجوب الكل حينئذ لكن يبقى وجوب ما سواه من الأجزاء لقوله ﷺ: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" ١.\nقلت: هذا ما وقف عنده والدي الشيخ الإمام تغمده الله برحمته ورضوانه ومن هنا أبتدئ وبالله التوفيق فأقول لا مزيد على حسن ما ذكره وأما قوله: إذا لم يجب الكل لعدم القدرة على الجزء يبقى وجوب ما سواه من الأجزاء فصحيح ومستنده الحديث الذي أورده وهو القاعدة التي يذكرها الفقهاء: \"الميسور لا يسقط بالمعسور\" وسنلتفت إن شاء الله في ذيل المسألة إليها\nقال: \"قيل يوجب السبب دون الشرط وقيل لا فيهما\".\nعرفت المذهب المختار وقال قوم يوجب السبب ولا يوجب الشرط سواء كان شرطا شرعيا كالوضوء للصلاة أو عقليا كترك ضد الواجب أو عاديا كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه وقيل لا يوجبه مطلقا هذه المذاهب التي حكاها المصنف وفي المسألة مذهب رابع ارتضاه إمام الحرمين واختار ابن الحاجب٢ أن وجوب الشيء مطلقا يوجب الشرط الشرعي دون العقلي أو العادي.\nقال: \"لنا أن التكليف بالمشروط دون محال قيل يختص بوقت وجود\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: \"دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" كما أخرجه ابن حبا، كما ذكره الحافظ ابن حجر الفتوحات الربانية للنووي ١/٨٠.\n٢ هو: عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، جمال الدين بن الحاجب، فقيه مالكي، من كبار العلماء بالعربية، كردي الأصل، ولد في إسنا بصعيد مصر، ونشأ في القاهرة ثم رحل إلى دمشق، وكان أبوه حاجبًا فعرف به.\nمن مؤلفاته: \"القافية، والشافية، مختصر الفقه، منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصر المنتهى\" توفي بالإسكندرية سنة:٦٤٦هـ وفيات الأعيان ١/٣١٤، الأعلام ٤/٣٧٤.","vol":"1","page":110},{"text":"الشرط قلنا خلاف الظاهر قيل إيجاب المقدمة أيضا كذلك قلنا لا فان اللفظ لم يدفعه\".\nلما اشترك المذهبان اللذان حكاهما آنفا في عدم إيجاب الشرط رد عليهما بالدليل المذكور وقوله التكليف بالمشروط دون الشرط هذه العبارة تحتمل ثلاثة معان:\nأحدهما: التكليف بالمشروط دون التكليف بالشرط ونقرر استحالته بأنه إذا لم يجب الشرط جاز تركه فنقدر هذا الجائز واقعا فيصير واقعا كالمعنى الثاني وسنقرر إن شاء الله استحالته ولكن هذا المعنى ليس مراده لأنه محل النزاع فلو أراده لكان مصادرا على المطلوب ولأنه يحوج إلى إضمار ولأن قوله بعد ذلك قيل يختص بوجود الشرط يرشد إلى خلافه ولأن الإمام صرح بالمقصود فقال حال عدم المقدمة.\nالمعنى الثاني: أن يكون التكليف حال عدم الشرط وهذا هو المقصود وهو على قسمين أيضا:\nأحدهما: وهو الثاني من المعاني يكلف وقت عدم الشرط بايقاع المشروط حينئذ ولا شك أن هذا تكليف بما لا يطاق والاستحالة جاءت من تضاد متعلق التكليف ووقته لا من خصوصه ولا من خصوص وقته وقريب من هذه العبارة أن يختص التكليف بوقت عدم الشرط.\nوالثاني: من القسمين وهو الثالث من المعاني أن يكلف وقت عدم الشرط بايقاع المشروط مطلقا ومقتضى ذلك ألا يختص التكليف بوقت بل يوجد حال وجود الشرط وعدمه والمكلف به في القسمين المشروط من حيث هو لا بقيد الشرط ولا بقيد عدمه والتقييد يقيد عدمه مستحيل في نفسه ويقيد وجوده يلزم منه طلب الشرط كما هو المدعى أعني إذا كان المطلوب المشروط ووقت طلبه غير مقيد.\nإذا عرفت ذلك فنقول لو لم يوجب إيجاب الشيء مطلقا ما يتوقف عليه ذلك الشيء لكنا قد كلفنا بالمشروط من غير التكليف بالشرط وهو تكليف","vol":"1","page":111},{"text":"بمحال لأنه إذا كان المشروط مكلفا به دون الشرط لم يحبب الإتيان بالشرط وإذا جاز ترك الشرط لزم منه جواز ترك المشروط لأن انتفاء الشرط مستلزم لانتفاء المشروط فيلزم كون المشروط جائز الترك واجب الفعل وهو تكليف بما يلزم من المحال فتعين أن يكون التكليف بالمشروط موجبا للتكليف بالشرط وإن أثبت ذلك في الشرط ففي السبب بطريق أولى فإن من قال بوجوب الشرط قال بوجوب السبب من غير عكس.\nهذا تقرير الدليل وقول المصنف التكليف بالمشروط دون الشرط محال فيه نظر لأنا نفرق بين التكليف بالمحال والتكليف المحال فالأول هو تكليف العاقل الذي يفهم الخطاب بما لا يطيقه وهو محل الخلاف في تكليف ما لا يطاق لأن المخاطب به يعلم أنه مكلف بذلك.\nوالثاني: مثل تكليف الميت والجماد ومن لا يعقل من الأحياء فهذا تكليف المحال واتفق أهل الحق قاطبة على أنه لا يصح نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر ﵀ فكان الأحسن للمصنف أن يقول تكليف محال كما قررناه وعذره في ذلك أنه فرع على تكليف ما لا يطاق فإن الأصحاب وإن أقروا بتكليف ما لا يطاق في موضعه لا يفرعون عليه ويحيلون ما لزم عنه لكونه غير واقع في الشريعة فحينئذ التكليف به محال عند المانعين منه فيصح كلامه.\nقوله: قيل يختص بوقت وجود الشرط اعترض الخصم على الدليل المذكور بأنه لم لا يجوز أن يختص التكليف بالمشروط بحال وجود الشرط ولا امتناع في ذلك فإن غايته أن يقيد الأمر ببعض الأحوال لمقتض قام وهو الفرار من تكليف المحال وأجاب المصنف بأن اللفظ مطلق لا اختصاص له بوقت وجود الشرط خلاف الظاهر واعترض الخصم أيضا بأن إيجابكم المقدمة أيضا خلاف الظاهر لأن ظاهر الأمر لا يدل عليه فإذا جاز مخالفة الظاهر من هذا الوجه فلم لا يجوز من الوجه الذي ذكرناه وأجاب المصنف بأن مخالفة الظاهر عبارة عن إثبات ما ينفيه اللفظ أو نفي ما يثبته اللفظ ظاهرا وأما إثبات ما لم يتعرض اللفظ له بنفي ولا إثبات فليس مخالفة للظاهر وحينئذ لا يكون إيجاب المقدمة مخالفة للظاهر إذ لم يدل اللفظ عليه بنفي ولا إثبات بخلاف تخصيص","vol":"1","page":112},{"text":"الأمر بوقت وجود الشرط فإن اللفظ يقتضي الوجوب مطلقا فتقييده بوقت وجود الشرط دون ما سواه مخالفة للظاهر فإن قلت كيف يكون حمل المطلق الصادق بصورة على أحد صوره خلاف الظاهر وليس فيه إثبات ما ينفيه اللفظ ولا نفي ما يثبته قلت لما اقتضى الإطلاق من كل صوره صار تقييده هـ بصورة منافر لكونه مطلقا قال:\nتنبيه\n\"مقدمة الواجب إما أن يتوقف عليها وجوده شرعا كالوضوء للصلاة أو عقلا كالمشي للحج أو العلم به كالإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ونسي وستر شيء من الركبة لستر الفخذ\".\nعبر الإمام عن هذا بالفرع ووجهه أنه مندرج تحت أصل كلي ووجه التعبير عنه بالتنبيه أن الكلام السابق نبه عليه على سبيل الإجمال حاصله أن مقدمة الواجب تنقسم إلى أمرين:\nأحدهما: أن يتوقف عليه وجوب الواجب وهو نوعان:\nأحدهما: أن يتوقف عليه شرعا كالوضوء مع الصلاة.\nالثاني: أن يتوقف عليه عقلا كالسير إلى الحج وعبارة المصنف المشي وقد يناقش فيها والأمر سهل.\nالقسم الثاني: أن يتوقف عليها العلم بوجود الواجب لا نفس وجود الواجب فلذلك إما لالتباس الواجب بغيره كالإتيان بالصلوات الخمس إذا ترك واحدة ونسي عينها فإن العلم بأنه أتى بالصلاة المنسية لا يحصل إلا بالإتيان بالخمس وإما أن يكون لتقارب ما بين الواجب وغيره بحيث لا يظهر حد مفرق بينهما وذلك كستر شيء من الركبة لستر الفخذ فإن الفخذ والركبة متقاربان فالعلم بستر جميع الفخذ الذي هو واجب إنما يحصل بستر شيء من الركبة للتقارب المذكور هذا ما ذكره وهو مبني على أن الفخذ نفسه عورة وذلك في المرأة بلا خلاف وفي الرجل على الصحيح وعلى أن الركبة نفسها ليست بعورة وهو الصحيح أيضا فإن قلت القول بإيجاب الخمس على من نسي","vol":"1","page":113},{"text":"أحدها وجهل عينها عند من يوجب المقدمة واضح وأما من لا يوجبها فماذا يفعل وما فائدة الخلاف قلت قد لا ينظر الفقيه إلى الخلاف الأصولي في كثير من الفروع ولا يجعل لها به تعلقا البتة وقد يقال بظهور فائدة الخلاف في أنه هل يصلي الخمس بتيمم واحد أو بخمس تيممات لكن الصحيح إيجاب تيمم واحد وقضية القول بوجوب المقدمة إيجاب خمس تيممات فإن قلت ما وجه القصور في الإيجاب على تيمم واحد والخمس فرائض ولا يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة واحدة قلت الأربعة من حيث إنها لم ترد لنفسها منحطة عن مراتب الفرائض ولذلك قيل صلاة ركعتين تطوعا أفضل من إحدى الصلوات الأربع التي هي غير واجبة في نفس الأمر وعد ذلك موضعا يفضل الندب فيه الواجب ونحن لنا في هذا نظر ليس هذا موضعه.\nفروع فقهية\nقال:\" فروع الأول لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا على معنى أنه يجب عليه الكف عنهما\".\nأما الأجنبية فواضح وأما المنكوحة فلاشتباهها بالأجنبية فالكف عنهما هو طريق حصول العلم بالكف عن الأجنبية وإنما قال على معنى أنه يجب عليه الكف عنهما لأن الحرام عليه في نفس الأمر هي الأجنبية فقط فمعنى تحريمهما عليه وجوب الكف عنهما فنبه عليه واعلم أن هذا النوع في الحرمة لما لا يتم الواجب إلا به شبيه في الوجوب للإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ونسي عينها.\nقال: \" الثاني إذا قال إحداكما طالق حرمتنا تغليبا للحرمة والله تعالى يعلم أن سيعين إحداهما لكن ما لم يعين لم تتعين\".\nإذا قال: إحداكما طالق ولم ينو إحداهما على التعيين حرمت الزوجتان عليه إلى حين التعيين لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المطلقة فتحرم أو غير المطلقة فلا تحرم وإذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام والفرق بين هذا والذي قبله أن إحدى المرأتين في الصورة الأولى ليست محرمة بطريق الأصالة","vol":"1","page":114},{"text":"بل للاشتباه بخلاف الفرع الثاني فإنهما في ذلك سواء وأيضا فالزوج غير قادر على إزالة التحريم في الأول دون الثاني وهذا الذي جزم به المصنف حكاه الإمام مذهبا لبعضهم وقال يحتمل أن يقال يحل وطؤها لأن الطلاق شيء معين فلا يحصل إلا في محل معين فقبل التعيين لا يكون الطلاق نازلا في واحدة منهن ويكون الموجود قبل التعيين ليس هو الطلاق بل أمر له صلاحية التأثير في الطلاق عند اتصال البيان به لا إنه طلاق وإذا لم يوجد الطلاق قبل التعيين وكان الحل موجودا أوجب القول لبقائه فيحل وطؤها معا معا هذا كلامه ونقل ابن رفعة١ عن كتاب الوزير ابن هبيرة الذي حكى فيه ما اجتمع عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه أن ابن هبيرة٢ من أصحابنا قال إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها أو بعينها ثم أنسيها طلاقا رجعيا أنه لا يحال بينه وبين وطئهن وله وطء أيتهن شاء وإذا وطيء واحدة انصرف الطلاق إلى صاحبتها وهذا يعضد ما حاوله الإمام وهو ضعيف لأنا نقول محل الطلاق القدر المشترك بينهما وهو إحداهما لا بعينه وهو متعين بالنوع وإن لم يكن متعينا بالشخص واستدعاء الطلاق من حيث كونه وصفا متعينا محلا معينا يكفي فيه التعيين بالنوع.\nسلمنا أنه يقتضي تعينا بالشخص ولكن نقول هو عند الله متعين\n_________\n١ هو: أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة، فقيه شافعي، من فضلاء مصر، كان محتسب القاهرة ونائبًا في الحكم.\nمن مؤلفاته: \"بدل النصائح الشرعية في ما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية\" و\"الكفاية في شرح التنبيه\".\nتوفي سنة ٧١٠هـ.\nالدار الكامنة ١/٢٨٤، الأعلام ١/٢١٣.\n٢ هو: يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة الذهلي، الشيباني، أبو المظفر، من كبار الوزراء في الدولة العباسية كان عالمًا بالفقه والأدب، استوزره المقتفي سنة ٥٤٤هـ فقام بشؤون الوزارة خير قيام، ولما توفي \"المقتفي\" وبويع \"المستنجد\" أقره في الوزارة. وكان يحضر مجلسه الفضلاء على اختلاف فنونهم. ألف العديد من الكتب، منها: الإيضاح والتبيين في اختلاف الأئمة المجتهدين\" و\"الإشراف على مذاهب الأشراف\" في الفقه.\nتوفي سنة ٥٦٠هـ وفيات الأعيان ٢/٢٤٦، شذرات الذهب ٤/١٩١، الأعلام ٩/٢٢٢.","vol":"1","page":115},{"text":"بالشخص ونحن في الخارج لا نعلمه حتى يعينه العبد بالطلاق النازل لوجوده من قادر على التصرف في محل قابل فينفذ ولا نفوذ له إلا بوقوعه في الخارج منجزا لأنه كذلك أوقعه فلو لم يقع كما أوقعه لما نفذ التصرف ولكن لا نحكم ببطلان الزوجية إلا من حين علمنا بذلك الشخص الذي كان مبهما علينا ولا ينعطف على ما مضى لجهلنا في الماضي بالحال.\nقوله: والله تعالى يعلم أنه سيعين جواب عن سؤال مقدر ويمكن أن يقرر على وجهين:\nأحدهما: إن الله تعالى يعلم المرأة التي سيعينها الزوج بعينها فتكون هي المطلقة في علم الله تعالى وإنما هو مشتبه علينا وهذا سؤال أورده الإمام على نفسه في قوله بالإباحة فإن الاشتباه يقتضي التحريم وهو خلاف ما مال إليه وجوابه أن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فلا يعلم غير المعين معينا لأن ذلك جهل وهو محال في حق الله تعالى بل علمه في الحال بأنه سيعين في المستقبل وهذا التقرير ماش على ما في المحصول إلا أنه يلزم منه أن يكون المصنف أورد سؤالا على دعوى لم يدعها ولم يذكرها البتة وهي القول بالإباحة.\nوالثاني: أن يقال لا فارق هذا الفرع والفرع الذي قبله إلا أن إحدى المرأتين في ذلك وهي الأجنبية محرمة في نفس الأمر وكل واحدة منهما هنا على حد سواء ونحن لا نسلم أن كل واحدة منهما محتملة الحل والحرمة حتى يحصل ما ذكرت بل الله يعلم المحرمة فهي معينة في علمه تعالى فلا فرق لتعيين المحرمة في نفس الأمر كونها يقع عليها الطلاق لا كونها مطلقة الآن لما عرفته وهذا التقرير لا معترض فيه على المصنف إلا أنه مع التعسف مخالف لما في المحصول.\nقال: \" الثالث: الزائد على ما ينطلق عليه الإسم من المسح غير واجب وإلا لم يجز تركه وجه تفريغ هذا على مقدمة الواجب أنه لما كان الواجب لا ينفك غالبا عن حصول زيادة فيه كانت هذه الزيادة مقدمة للعلم بحصول الواجب وقد أورد على المصنف أنه إذا كان الزائد عنده مقدمة الواجب فيلزم أن يحكم","vol":"1","page":116},{"text":"عليه بالوجوب كستر شيء من الركبة وأجيب عنه بأن مراده بالمقدمة هناك غير القسم الذي يكون التوقيف فيه من حيث الإعادة إذا عرفت هذا فنقول الواجب إما أن يتقدر بقدر كغسل الرجلين واليدين ولا كلام فيه أولا كمسح الرأس وكإخراج البعير عن الشاة الواجبة في الزكاة وكذبح المتمتع بدنه بدل الشاة وحلقه جميع الرأس وتطويل أركان الصلاة زيادة على ما يجوز الاختصار عليه والبدنة المضحى بها بدلا عن الشاة المنذورة فنقول اختلفوا في القدر الزائد على الذي يعاقب على تركه وهو في أمثلتنا ما يعد أقل ما ينطلق عليه الاسم من المسح وقدر قيمة الشاة من البعير والبدنة وفوق الشعرات الثلاث في الحلق وفوق قدر الوجوب في الطمأنينة هل يوصف بالوجوب فذهب الإمام وأتباعه ومنهم المصنف إلى أنه لا يوصف بذلك لأن الواجب لا يجوز تركه وهذه الزيادة جائزة الترك وقال آخرون يوصف بالوجوب لأنه إذا زاد على القدر الذي يسقط به الفرض لا يتميز جزء عن جزؤ لسقوط الفرض به لصلاحية كل جزء لذلك فتخصيص بعض الأجزاء بوصف الواجب ترجيح من غير مرجح.\nفإن قلت: ما محل الخلاف في مسح الرأس هل هو ما إذا وقع الجميع دفعة واحدة حتى إذا وقع مرتبا يكون الزائد نفلا جزما أم هو جار في الصورتين؟.\nقلت: للأصحاب في ذلك وجهان فإن قلت ما فائدة الخلاف في هذه الصورة.\nقلت:\nمنها: الثواب فإن ثواب الفريضة أكثر من ثواب النافلة بسبعين درجة كما حكى النووي١ عن إمام الحرمين.\n_________\n١ هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوارني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محي الدين، علامة بالفقه والحديث، وولد وتوفي في \"نوا\" قرية من قرى \"حوران بسوريا\".\nمن كتبه \"تهذيب الأسماء واللغات\" و\"منهاج الطالبين\" في فقه الشافعية. \"تصحيح التنبيه\" \"المنهاج في شرح صحيح مسلم\" \"رياض الصالحين\" وغير ذلك مما لا يخفى على أحد. توفي سنة ٦٧٦هـ.\nمفتاح السعادة ١/٣٩٨، النجوم الزاهرة ٧/٢٧٨، الأعلام /١٨٤-١٨٥.","vol":"1","page":117},{"text":"ومنها: إذا عجل البعير عن شاة واقتضى الحال الرجوع فهل يرجع بجميعه أم بسبعة وفيه وجهان في شرح المهذب.\nومنها: لو أخرج بعيرا عن عشر من الإبل أو خمسة عشر أو عشرين هل يجزيه فيه وجهان مبنيان على هذا الخلاف إن قلنا بوقوعه كله فرضا فيما إذا أخرجه عن الخمس فلا يكفي بعير واحد بل لا بد في العشرة من بعيرين أو بعير وشاة وهكذا وإن قلنا الفرض قدر خمسة فيجزئ ويكون متبرعا في العشرة بثلاثة أخماس على أن إمام الحرمين وغيره أنكروا هذا البناء وليس هذا محل القول فيه.\nواعلم أنه يضاهي قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب صور في الفقه منها مؤونة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع كمؤونة إحضار المبيع الغائب ومؤونة وزن الثمن على المشتري وفي أجرة نقد الثمن وجهان.\nومنها: إذا خفي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن غسله كله.\nومنها: إذا اكترى دابة للركوب فأطلق الاكتراء أن على المكري الإكاف والبرذعة والحزام وما ناسب ذلك لأنه لا يتمكن من الركوب دونها وهي صور عديدة من أراد الإحاطة فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى وقد كنا في أول المسألة وعدنا بالالتفات إلى قاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور والصور تحتها كثيرة ونحن نحيل طالبها بعد ذكر القليل منها على كتابنا المذكور١.\nفمنها: لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنعه الانحناء لزم القيام خلافا لأبي حنيفة.\nومنها: لو لم يقدر على الانتصاب بأن تقوس ظهره لكبر أو زمانة فصار في حد الراكعين فقد قال الغزالي تبعا لإمامه أن يقعد وقال غيرهما لا يجوز له\n_________\n١ راجع في هذه القاعدة وما يتفرع عليها من فروع فقيهة في: الأشباه والنظائر للسيوطي ٨ ص١٥٩، ١٦٠ مطبعة الحلبي ١٩٥٩م. وكذلك في الأشباه والنظائر لابن نجيم. والقواعد لابن رجب الحنبلي.","vol":"1","page":118},{"text":"القعود فإن الوقوف راكعا أقرب إلى القيام من القعود فلا ينزل عن الدرجة القربى إلى البعدى.\nومنها: لو وجد الجنب من الماء ما لا يكفيه لغسله أو المحدث ما لا يكفيه لوضوئه فأصح القولين أن يجب استعماله ثم يتيمم لأن القدرة على البعض لا تسقط بالعجز عن الباقي.\nومنها: لو اطلع على عيب البيع ولم يتيسر له المبادرة بالرد ولا الإشهاد ففي وجوب التلفظ بالفسخ وجهان جاريان هنا وفي الشفعة.\nومنها: لو لم يفضل معه في الفطرة عما لا يجب عليه إلا بعض صاع لزمه إخراجه على الأصح.\nومنها: إذا اشترى الشقص بثمن مؤجل فهل يأخذه الشفيع مؤجلا كما أشتراه المشتري وأصح الأقوال أن الشفيع بالخيار بين أن يعجل ويأخذ الشقص في الحال وبين الصبر إلى حيلولة الأجل وعلى هذا فهل يجب تنبيه المشتري على الطلب وجهان.\nومنها: إذا كان يحسن آية فلا خلاف أنه يقرؤها وهل يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدر الفاتحة أو يكررها سبعا فيه قولان.\nفإن قلت: لم لا جرى قول أنه لا يقرأ تلك الآية بل يأتي ببدل الفاتحة كلها كما إذا قدر على بعض وضوئه ونظائره؟\nقلت: كل آية من الفاتحة يجب قراءتها بنفسها فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها والله أعلم.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>السألة الخامسة: وجوب الشىء يستلزم حرمة نقيضه</span>\n...\nالمسألة الخامسة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه\nقال: \"الخامسة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لأنها جزؤه فالدال عليه يدل عليها بالتضمن قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا الموجب قد يغفل عن نقيضه قلنا لا فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال وإن سلم فمنقوض بوجوب المقدمة\".\nهذه هي المسألة المعروفة بأن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟\nأعلم أنه لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهي عن تركه بطريق التضمن وإنما احتلفوا في انه هل هو نهي عن ضده الوجودي على مذاهب:\nأحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده.\nوالثاني: أنه غيره ولكن يدل عليه بالالتزام وهو رأي الجمهور منهم الإمام وصاحب الكتاب وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده لانتفاء حصول المقصود إلا بانتفاء كل ضد والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده لحصول المقصود بفعل ضد واحد فالأولى التعبير بهذه العبارة وبها صرح إمام الحرمين.\nوالثالث: أنه لا يدل عليه أصلا ونقله في الكتاب عن المعتزلة وأكثر أصحابنا واختاره ابن الحاجب واستدل المصنف على اختياره بأن حرمة النقيض جزء من الوجوب لأن الواجب هو الذي يجوز فعله ويمتنع تركه وإذا كان كذلك فالدال على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن لأن المراد من دلالة التضمن أن اللفظ يدل على جزء ما وضع له والمراد بدلالة","vol":"1","page":120},{"text":"الالتزام هنا دلالة اللفظ على كل ما يفهم منه غير المسمى سواء كان داخلا فيه أو خارجا عنه فيصدق قوله يدل بالتضمن مع قوله بالالتزام.\nواحتجت المعتزلة بأن الموجب للشيء قد يكون غافلا عن نقيضه فلا يكون النقيض منهيا عنه لأن النهي عن الشيء مشروط بتصوره وأجاب عنه بأنا لا نسلم أن الموجب للشيء قد يغفل عن نقيضه لأن الموجب للشيء ما لم يتصور الوجوب لا يحكم به ويلزم من تصور الوجوب تصور المنع من النقيض لأنه جزؤه وتصور الكل مستلزم لتصور الجزء ولو سلمنا أنه يجوز أن يكون الموجب للشيء قد يغفل عن نقيضه فذلك لا يمنع حرمة النقيض بدليل وجوب المقدمة أعني ما لا يتم الواجب إلا به فإن الموجب للشيء قد يكون غافلا عن مقدمته مع استلزام وجوبه لوجوبها كما تقدم هذا شرح ما في الكتاب.\nواعلم أنه قد تردد كلام الأصوليين في المراد من الأمر المذكور في هذه المسألة هل هو النفساني فيكون الأمر النفساني نهيا عن الضد نهيا نفسانيا أو اللساني فيكون نهيا عن الأضداد بطريق الالتزام وهذا هو الذي ذكره الإمام حيث صرح بلفظ الصيغة.\nوإذا عرفت هذا فنقول: إن كان الكلام في النفساني تعين التفصيل بين من يعلم بالأضداد ومن لا يعلم فالله تعالى بكل شيء عليم وكلامه واحد وهو أمر ونهي وخبر فأمره عين نهيه وعين خبره غير أن التعلقات تختلف فالأمر عين النهي باعتبار الصفة المتعلقة نفسها التي هي الكلام وهو غيره باعتبار أن الكلام إنما يصير أمرا بإضافة تعلق خاص وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل وإنما يصير نهيا بتعلقه بطلب الترك والكلام يقيد التعلق الخاص غيره بالتعلق الآخر فهذه الأقسام والتفاصيل لا ينبغي الخلاف فيها لمن تصورها وأن أمر الله تعالى بالشيء نهى عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي وأما من لا شعور له بضد المأمور فلا يتصور منه النهي عن جميع الأضداد بكلامه النفسي تفصيلا لعدم الشعور بها ولكن يصدق أنه نهى عنها بطريق الإجمال لأنه طالب للمأمور على التفصيل ولتحصيله بكل طريق مفض إلى ذلك ومن جملتها اجتناب الأضداد وإن كان في اللساني فلا يتجه","vol":"1","page":121},{"text":"أن يقال الأمر تحرك ليست صيغة قولنا في الشيء نهي عن ضده فإن صيغته قولنا لا تسكن والمكابر في ذلك المنزل منزلة منكري المحسوسات وإنما يتجه الخلاف في أن صيغة الأمر هل دلت التزاما.\nوهذا الذي قررناه هو الذي اقتضاه كلام إمام الحرمين فإنه حكى اختلاف أصحابنا في أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به ثم قال وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة وهو قول القائل أفعل أصوات منظومة معلومة وليس هي على نظم الأصوات في قول القائل لا تفعل ولا يمكنهم أن يقولوا الأمر هو النهي وهذا هو مقتضى كلامه في التخليص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر فحصلنا من هذا على أن القائل بأن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده إنما كلامه في النفسي وأن المتكلمين في النفسي يقع اختلافهم على مذاهب:\nأحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده واتصافه بكونه أمرا نهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قريبا من شيء بعيدا من غيره.\nوالثاني: وهو الذي مال إليه اختيار القاضي في آخر مصنفاته أنه ليس هو ولكن يتضمنه.\nالثالث: أنه لا يدل عليه أصلا وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي ويتعين أن تكون هذه المذاهب في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق وأما الله تعالى فكلامه واحد كما عرفت لا يتطرق الغيرية إليه ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وهو مستحضر لجميع أضداده لعلمه بكل شيء بخلاف المخلوق فإنه يجوز أن يذهل ويغفل عن الضد وبهذا الذي قلناه صرح الغزالي وهو مقتضى كلام إمام الحرمين والجماهير.\nوأما المتكلمون في اللساني فيقع اختلافهم على قولين:\nأحدهما: أنه يدل عليه بطريق الالتزام وهو رأي المعتزلة.\nوالثاني: أنه لا يدل عليه أصلا ولبعض المعتزلة مذهب ثالث وهو أن أمر الإيجاب يكون نهيا عن أضداده ومقبحا لها بكونها مانعة من فعل الواجب","vol":"1","page":122},{"text":"بخلاف المندوب فإن أضداده مباحة غير منهي عنها لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه ولم يقل أحد هنا إن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده لكون مكابرة وعنادا كما قررناه واختار الآمدي أن يقال إن جوزنا تكليف ما لا يطاق فالأمر بالفعل ليس نهيا عن الضد ولا مستلزما للنهي عنه بل يجوز أن يؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة وإن منع فالأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده.\nهذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه ومنهم من أجرى الخلاف في جانب النهي هل هو أمر بضد المنهي عنه وقال إمام الحرمين من قال النهي عن الشيء أمر يأخذ أضداده فقد اقتحم أمرا عظيما وباح بالتزام مذهب الكعبي١ في نفي الإباحة فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال لا شيء يقدر مباحا إلا وهو ضد محظور فيقع من هذه الجهة واجبا ومن قال الأمر بالشيء نهي عن الأضداد ومتضمن لذلك من حيث تفطن لقائله الكعبي فقد ناقض كلامه فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور به دون الإنكفاف عن أضداده فيستحيل الانكفاف عن المنهي دون الإنصاف بأحد أضداده ونختم الكلام في المسألة بفوائد:\nأحدها: قال القاضي عبد الوهاب٢ في الملخص بعد أن حكى عن الشيخ أبي الحسن٣ أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان ذا ضد واحد\n_________\n١ هو: عبد الله بن أحمد بن محمود، المكنى بأبي القاسم الكعبي، من عيون المعتزلة، وإليه تنسب طائفة الكعبية، توفي ببلخ سنة ١٣١٩هـ.\nشذرات الذهب ٢/٢٨١، البغدادي ٩/٣٨٤.\n٢ هو: عبد الوهاب بن علي بن نضر الثعلبي البغدادي، قاض من فقهاء المالكية، له نظم ومعرفة بالأدب. من مؤلفاته: كتاب تلقين في فقه المالكية شرح المدونة للإمام مالك الإشراف على مسائل الخلاف شرح فصول الأحكام توفي سنة ٤٢٢هـ.\nفوات الوفيات ١/٢١، الأعلام ٤/٣٣٥.\n٣ هو الشيخ الإمام: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، شيخ طريقة أهل السنة، والجماعة، وإمام المكلمين، أخذ عن الحبائي حتى برع في علم الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم شرح الله صدره فانخلع عما كان يعتقده، وانتصب للدفاع عن عقيدة أهل السنة.\nتوفي ببغداد سنة ٣٢٤هـ.\nابن خلكان ١/٤١١، البغدادي ١١/٣٤٦.","vol":"1","page":123},{"text":"واضداده إن كان ذا أضداد أن الشيخ شرط في ذلك أن يكون واجبا لا ندبا قال القاضي عبد الوهاب: \"وقد حكى عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه إن الندب حسن وليس مأمورا به وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبا\" قال القاضي عبد الوهاب: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك أن يكون مع وجوبه مضيقا مستحق العين لأجل أن الواجب الموسع ليس ينهى عن ضده قال ولا بد أيضا من اشتراط كونه نهيا عن ضده وضد البدل الذي منه هو بدل لهما إذا كان أمرا على غير وجه التخيير انتهى.\nوما قاله من اشتراط كونه نهيا عن ضده وضد البدل منه لا يحتاج إليه بعد معرفة صورة المسألة فإن صورتها في الأمر الذي غير وجه التخيير كما صرح به القاضي في مختصر التقريب والإرشاد لإمام الحرمين فإنه قيد الكلام بالأمر على التنصيص لا على التخيير ثم قال وإنما قيدنا الكلام بانتفاء التخيير لأن الأمر المنطوي على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده ويكون الواجب أحدهما لا بعينه فلا سبيل لك إلى أن تقول فيما هذا وصفه إنه نهي عن ضده إذا خير المأمور بينه وبين ضده ولقائل أن يقول محل التخيير لا وجوب فيه فأين الأمر حتى يقال ليس نهيا عن ضده ومحل الوجوب لا تخيير فيه وهو نهي عن ضده وما قاله القاضي عبد الوهاب من اشتراط التضييق لم يتضح لي وجهه فإن الموسع إن لم يصدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى من قولهم الأمر بالشيء نهى عن ضده وإن صدق عليه أنه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه فضده الذي يلزم من فعله تقويته منهي عنه وحاصل هذا أنه إن صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيا عن ضده وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلنا في المخير.\nالثانية: قال النقشواني لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده للزم أن يكون","vol":"1","page":124},{"text":"الأمر للتكرار وللفور لأن النهي كذلك وأجاب القرافي١ بأن القاعدة أن أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية.\nالثالثة: سأل القرافي في مسألة مقدمة الواجب عن الفرق بينها وبين هذه المسألة فإن عدم الضد مما يتوقف عليه الواجب وأجيب بأن ما لا يتم الواجب إلا به وسيلة للواجب لازم التقدم عليه فيجب التوصل به إلى الواجب لئلا يعتقد أن حالة عدم المقدمة خال عن التكليف لزعمه بأن الأصل ممتنع الوقوع وهو غير مكلف بالمقدمة فقلنا هذا غلط بل أنت قادر على تحصيل الأصل بتقديم هذه المقدمة فعليك فعلها فكان إيجاب المقدمة تحقيقا لإيجاب الأصل مع تقدير عدم المقدمة وترك الضد أمور يتبع حصوله حصول المأمور به من غير قصد وهذا أصلح وجهين أجاب بهما في شرح المحصول.\nالرابعة: سأل القرافي عن الفرق بين هذه المسألة وقولهم متعلق النهي فعل الضد لا نفس لا تفعل فإن قولهم نهي عن ضد معناه أنه تعلق بالضد وقولهم متعلقة ضد المنهي عنه هو الأول بعينه وسنستقصي الجواب عن هذا في كتاب الأمر والنهي إن شاء الله تعالى فإن المصنف ذكر تلك المسألة ثمة.\nالخامسة: من فوائد الخلاف في هذه المسألة من الفروع ما إذا قال لزوجته إن خالفت نهي فأنت طالق ثم قال قومي فقعدت ففي وقع الطلاق خلاف مستند إلى هذا الأصل.\n_________\n١ هو: شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن إدريس القرافي، المتوفى سنة ٦٨٤هـ من مؤلفاته في الأصول: \"تنقيح الفصول في اختصار المحصول\" ووضع عليه شرحًا نفيسا سماه شرح تنقيح الفصول طبع أخيرًا بمكتبة للكليات الأزهرية بتحقيق طه سعد عبد الرؤوف.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المسألة السادسة إذا نسخ الوجوب بقي الجواز</span>\nقال: \"السادسة: الوجوب إذا نسخ بقي الجواز خلافا للغزالي لأن الدال على الوجوب يتضمن الجواز والناسخ لا ينافيه فإنه يرتفع الوجوب بارتفاع المنع من الترك\".\nذهب الأكثرون إلى أنه إذا نسخ وجوب الشيء بقي جوازه وخالف الغزالي وقال إنه إذا نسخ رجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من تحريم أو إباحة وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن وهذا الذي ذهب إليه الغزالي نقله القاضي في التقريب عن بعض الفقهاء وقال تشبث صاحبه بكلام ركيك تزدريه أعين ذوي التحقيق واحتج المصنف على اختياره بأن الجواز جزء من ماهية الوجوب إذ الوجوب مركب من جواز الفعل مع المنع من الترك فاللفظ الذي دل على الوجوب يدل التضمن على الجواز والناسخ وإنما ورد على الوجوب وهو لا ينافي الجواز لارتفاع الوجوب بارتفاع المنع من الترك ضرورة أن المركب يرتفع بارتفاع أحد جزئيه ونحن نقول إن أراد القوم بالجواز الذي يبقى التخيير بين الفعل والترك كما صرح به بعضهم وهو مقتضى كلام الغزالي في الرد عليهم حيث قال حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك والتساوي بينهما بتسوية الشرع فالحق مع الغزالي لأن التخيير بين الفعل والترك قسم للوجوب ولم يكن ثابتا به فما وجه قولهم يبقى بعده وهذا الدليل الذي ذكروه عليه لا يثبت به مدعاهم لأن التخيير بين الفعل والترك ليس في ضمن الوجوب وإنما الذي في ضمن الوجوب رفع الحرج وإن أرادوا رفع حرج الفعل فلا ينبغي أن يخالفوا في ذلك فإن الوجوب أخص منه ولما ثبت بالإيجاب الأول ثبت به الأعم","vol":"1","page":126},{"text":"الذي هو رفع الحرج ضرورة كونه ضمنه ثم ارتفاعه لا يوجب ارتفاع الأعم والظاهر أنه لم يريدوا غير هذا القسم حيث جعلوا شبهة الخصم فيه أن الجنس يتقوم بالفصل ولا يحسن ذكر هذه الشبهة إلا إذا كان النزاع في رفع الحرج الذي هو جنس غير مقيد بالتخيير وحينئذ قد يضعف قول الغزالي في الرد عليهم أن هذا بمنزلة قول القائل كل واجب فهو ندب وزيادة فإذا نسخ الوجوب بقي الندب ولا قائل به لأنا نقول المدعي بقاء الجواز الذي هو قدر مشترك بين الندب والإباحة والكراهة في ضمن واحد من الأنواع الثلاثة لا بقاء نوع منها على التعيين فإنه لا بد له من دليل خاص فكيف يكون هذا بمنزلة قول القائل إذا نسخ الوجوب بقي الندب فإن قلت تحرر من هذا أن القوم يقولون ببقاء مطلق الجواز مكتسبا من دلالة الواجب عليه والغزالي ينكر كونه مكتسبا من دلالة الواجب عليه ولا تنازع في بقاء رفع الحرج فالخلاف حينئذ لفظي قلت الغزالي كما سلفت الحكاية عنه يقول إن الحال يعود إلى ما كان عليه من تحريم وإباحة فهو منازع في أصل بقاء الجواز ويظهر فائدة الخلاف فيما إذا كان الحال قبل الوجوب تحريما فعند الغزالي الفعل الآن يعود محرما كما كان وعند القوم أن مطلق الجواز الذي كان داخلا في ضمن الوجوب باق يصادق ما دل على التحريم فوضع أن الخلاف معنوي.\nواعلم أن الغزالي قد يقول إذا اقتضى الأمر مجموع الشيئين أعني الأعم والأخص فالذي يزيل الواحد نازل منزلة المخصص بالقياس إلى اللفظ العام ولذلك يجوز اقترانه بالأمر بأن يراد صيغة افعل ويقترن بها ما يدل على أنه لا حرج في تركه فإنا نحملها على الندب أو الإباحة ولو كان ناسخا لما جاز اقترانه به لأن من شروط الناسخ التراخي فإن قلت نحن نسلم أن هذا القيد إذا اقترن لم يكن نسخا ولكن لم قلت إنه إذا تأخر وثبت لا يكون نسخا قلت بقي النزاع في هذا ولعل الغزالي لا يسمي بالنسخ إلا ما رفع حكم الخطاب السابق بالكلية ويعود النزاع لفظيا قال: \"قيل: الجنس يتقوم بالفصل فيرتفع بارتفاعه قلنا لا وإن سلم فيتقوم بفصل عدم الحرج\".","vol":"1","page":127},{"text":"احتج من قال بأن الجواز لا يبقى فيما إذا قال نسخت الوجوب أوحرمة الترك بأن كل فصل فهو علة لوجود الجنس لاستحالة وجود جنس مجرد عن الفصول كالحيوانية المطلقة وإليه أشار بقوله يتقوم بالفصل أي يوجد به وإذا علم هذا فالجواز جنس للواجب والمكروه والمندوب والمباح وعلة وجوده في كل منها فصله فالعلة في وجوده في الواجب فصل الحرج على الترك فإذا زال ذلك الفصل زال الجواز ضرورة زوال المعلول بزوال علته وأجاب أولا بأنا لانسلم أن الجنس يتقول بالفصل وتقرير ذلك محال على الكتب الحكمية ولئن سلمنا أنه علة له فلا نسلم أنه يلزم من ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس لجواز بقائه بفصل آخر يخلف ذلك الفصل وهو عدم الحرج على الترك فإنه إذا ارتفع قيد الوجوب بقي جنس الجواز ولا دليل على الحرج فيتقوم بفصل عدم الحرج ولا يكون جنسا مجردا.\nواعلم أن خلاف الأصوليين في هذه يناظر اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم وذلك فيمن صلى الظهر قبل الزوال فإنها لا تنعقد ظهرا وفي انعقادها نفلا هذا الخلاف ويضاهيه مسائل:\nمنها: إذا أحال المشتري البائع بالثمن على رجل ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فالأصح أن الحوالة تبطل وهل للمحتال قبضه للمالك بعموم الإذن الذي تضمنه خصوص الحوالة فيه هذا الخلاف.\nومنها: إذا عجل الزكاة بلفظ هذه زكاتي المعجلة فقط فهل له الرجوع إذا عرض مانع أصح الوجهين نعم.\nوالثاني: يقع نفلا وقربهما إمام الحرمين من القولين فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل ينعقد نفلا؟\nومنها: الصحيح أنه لا يصح تعليق الوكالة على شرط ولو علق وتصرف الوكيل بعد حصول الشرط فأصح الوجهين الصحة لأن الإذن حاصل وإن فسد العقد وخالف الشيخ أبو محمد وقال لا اعتبار بما يتضمن العقد الفاسد من الإذن.","vol":"1","page":128},{"text":"ومنها: لو قالت وكلتك بتزويجي قال الرافعي فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذنا لأن توكيل المرأة في النكاح باطل قال لكن الفرع غير مسطور ويجوز أن يعتد به إذنا لما ذكرناه في الوكالة.\nقلت: ويتجه بناء فروع على هذا الأصل لم أر من بناها.\nمنها قال الماوردي إذا فسدت الشركة بطل أصل الإذن في التصرف ولم يجز لواحد منهما التصرف في جميع المال وينقدح لك أن تحكم بجريان الخلاف في الوكالة.\nومنها: إذا باع بلفظ السلم فإنه ليس بسلم قطعا وفي انعقاده بيعا قولان أظهرهما لا وبناهما الأصحاب على أن الإعتبار باللفظ أو بالمعنى ويتجه بناؤهما على هذا الأصل أيضا.\nومنها إذا شرطا الخيار لثالث وأبطلناه فهل يكون الخيار لهما لكونهما شرطا مطلق الخيار يتجه فيه هذا البناء.\nومنها: إذا أحال بالدراهم على الدنانير أو بالعكس لم يصح سواء قلنا الحوالة استيفاء أم اعتياض.\nقال صاحب التتمة: ونعني بقولنا إنها غير صحيحة أن الحق لا يتحول بها من الدنانير إلى الدراهم وبالعكس ولكنها إذا جرت فهي حوالة على من لا دين عليه وفيها خلاف.\nقلت وإنما تكون حوالة على من لا دين عليه ببطلان خصوص الحوالة على الوجه الذي أورده إذا قلنا إن الخاص إذا ارتفع يبقى العام.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المسألة السابعة: الواجب لا يجوز تركه</span>\n...\nالمسألة السابعة الوجوب لا يجوز تركه\nقال: \"السابعة: الواجب لا يجوز تركه قال الكعبي فعل المباح ترك الحرام وهو واجب قلنا لا بل به يحصل\".\nالقصد بهذه المسألة أن ما يجوز تركه لايكون فعله واجبا والخلاف في هذا الفصل مع فرقتين.\nالأولى: الكعبية فنقول لاح من قول أبي القاسم الكعبي وهو البلخي وشيعته إنكار المباح وقد خالفوا في ذلك عصابة المسلمين حيث أجمعوا على انقسام الأحكام إلى الخمسة ولا بد من تخليص محل النزاع ليقع الحجاج على محز واحد.\nواعلم أن إنكارهم المباح يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنه ليس فعل من أفعال المكلفين بمباح وقد صرح بحكاية هذا عن الكعبي جماعة منهم إمام الحرمين في البرهان فإنه قال إن الكعبي أنكر المباح في الشريعة وكذلك نقل أبو الفتح بن برهان١ في الوجيز والآمدي وغيرهم وهذا ظاهر الفساد.\n_________\n١ هو: أحمد بن علي بن برهان، فقيه، أصولي، كان يضرب به المثل في حل الإشكال في علم الأصول.\nمن مؤلفاته: \"البسيط، والوسيط، والوجيز\" في الفقه والأصول.\nومن آرائه الأصولية: أن العامي لا يلزمه التقيد بمذهب معين.\nتوفي ببغداد سنة ٥١٨هـ.\nإرشاد الأريب ١:٢٦٠، الأعلام ١/١٦٧.","vol":"1","page":130},{"text":"والثاني: وهو الذي أشعر به دليله أن كل فعل يوصف بأنه مباح باعتبار ذاته فهو واجب باعتبار أنه يترك به الحرام ولا يكون الكعبي حينئذ مفاجئا بإنكار المباح وقد نقل القاضي في مختصر التقريب والغزالي في المستصفى أن المباح مأمور به دون الأمر بالندب والندب دون الأمر بالإيجاب وقد صرح في مختصر التقريب بأنه لا يسمى المباح واجبا ولا الإباحة إيجابا إذا عرفت ذلك فقد استدل الكعبي على هذا بأن فعل المباح ترك الحرام لأنه ما من مباح إلا وهو ترك لمحظور وترك الحرام واجب فيلزم أن يكون فعل المباح واجبا من جهة وقوعه تركا لمحظور.\nوأجاب عنه المصنف بأنا لا نسلم أن فعل المباح هونفس ترك الحرام يعني أنه يلزم من فعل المباح ترك الحرام ولا يلزم من ترك الحرام فعل المباح لجواز تركه بواجب أو مندوب فلا يكون المباح ترك الحرام بل شيئا يحصل به تركه لما عرفت من أن تركه قد يحصل به وقد يحصل بغيره فلم ينحصر تركه في المباح وقد ضعف الآمدي وغيره هذا الجواب وقالوا هو صادر ممن لم يعلم غور كلامه فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب وأنه لا يتم بدون التلبس بضد من أضداده وقد تقرر أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فالتلبس بضد من أضداده واجب غايته أن الواجب من الأضداد غير معين قبل تعيين المكلف له ولكن لا خلاف في وقوعه واجبا بعد التعيين وقال لا خلاص عنه إلا بمنع وجوب المقدمة قال وغاية ما ألزم أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكان المندوب بل المحرم إذا ترك به محرم آخر كالزنا إذا حصل به ترك القتل أن يكون واجبا وكان يجب أن تكون الصلاة حراما على هذه القاعدة عندما إذا ترك بها واجبا آخر وله أن يجيب بأنه لا مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم بالنظر إلى جهتين مختلفتين كما في الصلاة في الدار المغصوبة قال وبالجملة إن استعيد فهو في غاية الغوص والإشكال وعسى أن يكون عند غيري حله.\nقلت: وهو صحيح ولكنا نقول للكعبي نحن لا ننكر أن الإباحة تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظور كغيرها من الأفعال التي يلزم منها الانكفاف","vol":"1","page":131},{"text":"عن غيرها ووقوعها كذلك لا يخرجها عن أن تكون في نفسها مباحة فترك الحرام الذي لزم عن فعل المباح ليس هو نفس فعل المباح بل أمر وراءه وإن زعم أنها ذات جهتين فلا تنازعه في ذلك ولكن ننكر عليه تخصيصه المباح بذلك وقد بينا أنه لايختص به ويعظم النكير عليه تخصيصه المباح بذلك وقد بينا أن لا يختص به ويعظم النكير عليه في إنكاره أصل المباح في الشريعة إن صح عنه وما ذكره من الدليل لا يقتضي ذلك.\nقال: \"وقالت الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر لأنهم شهدوا الشهر وهو موجب وأيضا عليهم للقضاء بقدره قلنا العذر مانع والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب وإلا لما وجب قضاء الظهر على من نام جميع الوقت\".\nالفرقة الثانية: كثير من الفقهاء فإنهم خالفوا في ذلك وزعموا أن الصوم واجب على الحائض والمسافر والمريض مع أنهم يجوز لهم تركه وقد احتجوا على مذهبهم بأن هؤلاء شهدوا الشهر فيجب الصوم عليهم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١ القضاء يجب عليهم بقدر ما فاتهم وذلك دليل على أنه بدل عنه.\nوأجاب بأن شهود الشهر إنما يكون موجبا للصوم عند انتفاء الأعذار والعذر هنا قائم أما في الحائض فلأن الشرع منعها من الصوم وأما في المسافر فلأنه جعل السفر مانعا من تحتم الصوم فيه٢ وأما في المريض فلعدم القدرة إن كان عاجزا أو بمنع الشرع إن أفضى به إلى هلاك نفسه أو بمنع الشرع من الإيجاب كالمسافر إن لم يفض إلى ذلك وعن الثاني بأن القضاء إنما يتوقف على تحقيق سبب الوجوب في الوقت وسبب الوجوب وهو شهود الشهر متحقق فيما نحن فيه الوقت ولا يتوقف على وجوب الأداء وإلا لما وجب قضاء الظهر على من نام جميع الوقت لعدم تحقق الوجوب عليه لإفضائه إلى تكليف الغافل وذهب\n_________\n١ البقرة آية ١٨٥.\n٢ وذلك في قوله تعالى في آية الصوم من سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وعلى ذلك فلابد من وجود السبب، وهو شهود الشهر، وانتفاء الموانع، التي منها الحيض والنفاس، أو المرض، أو السفر وسائر الأمور التي تبيح الفطر.","vol":"1","page":132},{"text":"الإمام إلى أنه يجب على الحائض والمريض البتة ويجب على المسافر صوم أحد الشهرين إما الحاضر أو آخر غيره وأيهما أتى به فهو الواجب كما في الكفارات وهذا هو مذهب القاضي نص عليه في التقريب ونقل الشيخ أبو إسحاق١ في شرح اللمع هذا بعض الأشعرية٢ فإن قلت هذا مدخل لأن المريض يجوز له الصوم كالمسافر فليسو الإمام بينهما قلت المريض إن أفضى به الصوم إلى هلاك نفسه أو عضوه فإنه يحرم عليه الصوم ويساوي الحائض والحالة هذه وإن لم يفض به إلى ذلك بل خاف منه مجرد زيادة العلة أو طول البرء فالمسألة مختلف فيها وكذا لو خاف المرض المخوف فلعل الإمام يرى في كل هذه الصور أنه لا يجوز له لا إفطار فلا معترض عليه وقد قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع إن الخلاف في هذه المسألة مما يعود إلى العبارة ولا فائدة له لأن تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف قلت وقد نقل ابن الرفعة أن بعضهم قال بظهور فائدة الخلاف إذا قلنا أنه يجب التعرض للأداء أو القضاء في النية٣ وقد يقال بظهور فائدة الخلاف أيضا فيما إذا طافت المرأة ثم حاضت قبل ركعتي الطواف هل تقضيهما فقد حكى النووي في شرح المهذب عن ابن القاص٤\n_________\n١ هو: إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزبادي الشيرازي، العلامة المناظر كان مرجع الطلاب ومفتي الأمة في عصره، واشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة. من مؤلفاته: \"التبصرة\" واللمع\" في أصول الفقه و\"المهذب\" في فقه الشافعية.\nتوفي سنة ٤٧٦هز\nوفياتا لأعيان ١/٤، الأعلام ١/٤٥،٤٤.\n٢ راجع: المستصفى للغزالي ١/٦ المنتهى لابن الحاجب ص ٢٤، تيسير التحرير ٢/٣٨٠.\n٣ وأقول: إن الصحيح في المذهب أنه لا يجب التعرض في النية للأداء والقضاء، ولكن الفائدة تظهر في الأيمان والتعاليق، بأن يقول لزوجته: متى وجب عليك صوم فأنت طالق.\nراجع: الإقناع للخطيب الشربيني ١/٢١٩.\n٤ هو: أحمد بن أبي أحمد الطبري، أبو العباس بن القاص، إمام عصره، وصاحب التصانيف المشهورة، منها: \"التخيص\" و\"المفتاح\" و\"أدب القاضي\" وله مؤلفات كثيرة في الفقه والأصول.\nتوفي سنة: ٣٣٥هـ بطرسوس.\nالنجوم الزاهرة ٣/٢٩٤، طبقات الشافعية لابن السبكي ٣/٥٩.","vol":"1","page":133},{"text":"والجرجاني١ في المعاياة إن ركعتي الطواف تقضيهما الحائض لأنهما لا يتكرران قال وأنكر الشيخ أبو علي السنجي٢ هذا وقال الوجوب لم يكن في زمان الحيض فكيف يسمى قضاء قال النووي وما قاله الشيخ أبو علي هو الصواب لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتهما إلا بالفراغ من الطواف قال فإن قدر أنها طافت ثم حاضت عقب الفراغ من الطواف صح ما ذكرناه إن سلم لهما ثبوت ركعتي الطواف في هذه الصورة.\n_________\n١ هو أحمد بن محمد بن أحمد أبو العباس الجرجاني قاضي البصرة وشيخ الشافعية بها في عصر من مؤلفاته التحرير والبلغة والمعاياة كلها في الفقه توفي ٤٨٢ هـ. طبقات الشافعية لابن السبكي ٣/٣١ الأعلام ١/٢٠٧.\n٢ هو الحسين بن شعيب بن محمد السنجي أب علي فقيه شافعي نسبته إلى سنج من قرى مرو\nمن مؤلفاته شرح الفروع لابن الحداد وشرح التلخيص لابن القاص. توفي سنة ٤٢٧ هـ.\nوفيات الأعيان ١/١٤٥ – الأعلام ٢/٢٥٨.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الباب الثاني فيما لا بد للحكم منه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الحاكم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الحسن والقبيح</span>\n...\nالباب الثاني فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه\nالفصل الأول في الحاكم\nقال الباب الثاني فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه وفيه ثلاثة فصول الأول في الحاكم وهو الشرع دون العقل لما بينا من فساد الحسن والقبح العقليين في كتاب المصباح.\nهذا الباب معقود لأركان الحكم وهي ثلاثة الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به الأول في الحاكم وهو الشرع فلا تحسين ولا تقبيح بغيره وذهبت المعتزلة إلى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما وأنه لا يفتقر معرفة أحكام الله تعالى إلى ورود الشرائع وإنما الشرائع مؤكدة لما تقضي به العقول إما بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار أو بالنظر كحسن الكذب النافع أو باستعانة الشرع كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح أول يوم من شوال.\nواعلم أن الحسن والقبح قد يراد بهما كون الشيء ملائما للطبع ومنافرا أو كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص كقولنا العلم حسن والجهل قبيح وبهذا التفسير لا نزاع في كونهما عقليين إنما النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا ولذلك قال القاضي في مختصر التقريب إنما المقصد تحقيق ما يحسن في قضية التكليف ويقبح وتفاصيل هذه المسألة وحجج الأصحاب فيها","vol":"1","page":135},{"text":"مبسوطة في الكتب الكلامية والمصنف أحال القول في ذلك على كتابه مصباح الأرواح١.\nفإن قلت قد علم مذهب أهل السنة ﵃ في أن الأحكام إنما تثبت من جهة الشرع ولا شيء منها عقلي فما معنى ما يأتي في عبارة أهل السنة من الفقهاء من قولهم هذا حرام بالعقل وهذا جائز بالعقل وما شابه ذلك قلت هذا سؤال لنا غرض صحيح في الجواب عنه لوقوف جماعة من الشاكين في الفقه على أمثال هذه العبارة ووقوع الريب في قلوبهم من قائلها والكلام عليه وإن كان كالدخيل في هذا الشرح إلا أن غيرنا لا يقوم به فلنفده طالبه فنقول المراد من ذلك إما القياس وإما أن القاعدة الكلية لما ثبتت من الشرع ورأينا الفرع الجزئي من جملة أقسامها أدرك العقل دخوله في القاعدة فقيل ثبت بالعقل وهذا معناه كما نقول الوتر يصلى على الراحلة وكل ما يصلى على الراحلة فهو سنة فالوتر سنة بالعقل بمعنى أن العقل أدرك النتيجة لا أنه جعل الوتر سنة ومن هذا القبيل أن الشافعي ﵁ أطلق القول في المختصر بتعصية الناجش٢ وهو الذي يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو غير راغب فيها ليخدع الناس ويرغبهم فيها وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالما بالحديث الوارد فيه قال الشارحون السبب فيه أن النجش خديعة وتحريم الخديعة واضح لكل أحد معلوم من الألفاظ العامة وإن لم يعلم هذا الخبر بخصوصه والبيع على بيع الأخ إنما عرف تحريمه من الخبر الوارد فيه فلا يعرفه من لا يعرف الخبر وذكر بعضهم أن تحريم الخداع يعرف بالعقل وإن لم يرد الشرع واعترض الرافعي على هذا بأنه ليس معتقدنا ولك أن تجمع بين\n_________\n١ وهو كتاب في علم الكلام أوله: \"الحمد لله الأول قبل كل موجود......\" رتبه على مقدمة وثلاثة كتب وقد شرحه كثير من العلماء منهم القاضي عبيد الله بن محمد التبريزي المعروف بالعبري المتوفى سنة ٧٤٣ هـ.\nكشف الظنون ص ١٧٠٥.\n٢ في هامش النسخة المطبوعة ص ٨٦ ما نصه \"هذا الذي أطلقه في المختصر من تعصية الناجش قد صرح في الأم بخلافه فنص في اختلاف العراقيين على أن النجش لا يحرم إلا على من علم النهي فيحمل إطلاق المختصر على تقييد الأم.","vol":"1","page":136},{"text":"كلام الشارحين وهذا الكلام بأن الخديعة لما كانت محرمة من الألفاظ العامة أدرك العقل تحريم النجش لأن كل نجش خديعة وكل خديعة حرام ينتج النجش حرام ومراده بقوله وإن لم يرد شرع أي خبر خاص لا القول بأن العقل يحسن ويقبح كما فهمه الرافعي١ فإن قلت فالبيع على بيع الأخ إضرار وكما يعرف تحريم النجش من الألفاظ العامة في تحريم الخداع يعلم تحريم البيع على البيع من الألفاظ العامة في تحريم الإضرار قلت كذا اعترض به الرافعي ﵀ لكن لقائل أن يقول لا يوجد البيع على بيع الأخ من الألفاظ العامة في الإضرار بخلاف النجش والفرق أن النجش لا يجلب للناجش مصلحة لأنه لا غرض له إلا الزيادة في ثمن السلعة ليجلب نفعا لصاحبها يلزم منه الإضرار بالمشتري وجلب منفعة لشخص بإضرار آخر حرام واضح من القواعد المقررة.\nوأما البيع على البيع فهو يدعو أخاه إلى فسخ البيع ليبيعه خيرا منه بأرخص ففيه جلب منفعة له من حيث ترويج سلعته وللمشتري من جهة شراء الأجود بأرخص فهاتان مصلحتان لم يعارضهما إلا مفسدة وهي غير محققة لجواز أن البائع الأول يبيع سلعته إذا فسخ البيع فيها من مشتر آخر بذلك الثمن أو أزيد فلا يلزم من تحريم جلب منفعة واحد لازمها وقوع مفسدة في صورة النجش تحريم جلب منفعة اثنين بمجرد ظن ترتب مفسدة عليها فوضح أن العقل لم يكن قبل ورود الخبر الخاص في البيع على البيع ليدرك تحريمه لما ذكرناه بخلاف النجش.\nواعلم أيضا أنه يأتي في عبارات بعض الأصحاب ما يؤخذ منه قاعدة التحسين والتقبيح أو يستلزم قاعدة التحسين والتقبيح أو يستلزم قاعدة التحسين\n_________\n١ هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم أبو القاسم الرافعي القزويني كان فقيها من كبار الشافعية وكان له مجلس في قزوين للتفسير والحديث يتصلى نسبه برافع بن خديج الصحابي الجليل.\nمن مؤلفاته التدوين في ذكر أخبار قزوين والإيجاز في أخطاء الحجاز والمحرر في فقه الشافعية توفي سنة ٦٢٣ هـ.\nفوات الوفيات ٢/٣ الأعلام للزركلي ٤/١٧٩.","vol":"1","page":137},{"text":"والتقبيح كقول أبي العباس بن سريح١ وأبي علي بن أبي هريرة٢ والقاضي أبي حامد المروزي٣ إن شكر المنعم واجب عقلا وقول القفال٤ إن القياس يجب العمل به عقلا وقوله إن خبر الواحد يجب العمل به عقلا إلى غير ذلك من المسائل وسببه كما قال الأستاذ أبو إسحاق في كتابه في أصول الفقه في مسألة شكر المنعم هذه الطائفة من أصحابنا إنما ذهبت إلى هذه الآراء لأنهم كانوا يطالعون كتب المعتزلة لشغفهم بمسائل هذا العلم فربما عثروا على هذه العبارة وهي شكر المنعم على النعمة قبل ورود السمع فاسحسنوها فذهبوا إليها ولم يقفوا على القبائح والفضائح التي تحتها هذا كلام الأستاذ وكذلك ذكر القاضي أبو بكر في التخليص الذي اختصره إمام الحرمين من كتابه التقريب في مسألة حكم الأفعال قبل ورود الشرع فإنه قال مال بعض الفقهاء إلى الحظر وبعضهم إلى الإباحة وهذا لغفلتهم عن تشعب ذلك عن أصول المعتزلة مع علمنا بأنهم ما استحسنوا مسالكهم وما اتبعوا مقاصدهم انتهى وهذه فائدة عظيمة جليلة.\n_________\n١ هو العباس بن عمر بن سريج من فقهاء الشافعية ومتكلميهم كان شيخ الشافعية في عصره توفي ببغداد سنة ٣٦ هـ البغداد ٤/٢٨٧.\n٢ هو الحسن بن الحسين المكنى بأبي علي المعروف بابن أبي هريرة تتلمذ على يد أبي العباس ابن سريج انتهت إليه رئاسة الشافعية ببغداد. توفي سنة ٣٤٥ هـ.\nالبغداد ٧/٢٩٨ طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ٢١.\n٣ هو أحمد بن محمد بن أحمد الاسفراييني أبو حامد أعلام الشافعية ولد في اسفرانني بالقرب من نيسابور ورحل إلى بغداد فتفقه فيها وعظمت مكانته من مؤلفاته الرونق في الفقه والأصول.\nتوفي ببغداد سنة ٤٠١ هـ الأعلام ١/٢٠٣.\n٤ هو محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي أحد أئمة الدهر كان عالما بالتفسير والحديث والكلام والأصول وسائر العلوم العربية. توفي سنة ٣٦٥ هـ.\nطبقات الشافعية لابن السبكي ٣/٢٠٠ شذرات الذهب لابن العماد ٣/٥١.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>فرعا الحسن والقبيح. الفرع الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلا</span>\n...\nفرعان على الحسن والقبح\nقال فرعان على التنزل\nالأول شكر المنعم ليس بواجب عقلا\nإذ لا تعذيب قبل الشرع لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ولأنه لو وجب لوجب إما لفائدة المشكور وهو منزه أو للشاكر في الدنيا وأنه مشقة بلا حظ أو في الآخرة ولا استقلال للعقل لها.\nهذان فرعان على قاعدة الحسن والقبح جرت عوائد الأصحاب بذكرهما بعد إبطال مذهب المعتزلة فيها لشدة سخافة مذهب المعتزلة بالنسبة إليهما ولهذا يقال إنهما على التنزل أي الافتراض والتكليف في النزول عن المذهب الحق الذي هو الذروة إلى مذهبهم الباطل الذي هو في الحضيض الأول شكر المنعم غير واجب عقلا خلافا للمتزلة وبعض الحنفية وأما وجوبه شرعا فمتفق عليه والمراد بوجوب الشكر عقلا أنه يجب على المكلف تجنب المستقبحات العقلية وفعل المستحسنات العقلية كذا نقله بعض أصحابنا عنهم قال صفي الدين الهندي١ ولا يبعد أن يراد به ما نريد به نحن في الشرع وهو أن الشكر يكون باعتقاد أن ما به من نعمة فمن الله وأنه المتفضل بذلك عليه فإن نعمة الخلق والحياة والصحة غير مستحق عليه وفاقا ويكون بالفعل وهو بامتثال أوامره واجتناب مناهيه وبالقول وهو أن يتحدث بنعمة ربه واحتج في الكتاب على ما ذهب إليه بوجهين.\nالأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢.\nووجه الدلاله فيه ظاهر وتقريره أنا مفرعون على القول بالحسن والقبح والشرع على القول بأن العقل يحكم كاشف وقد أخبر أن التعذيب منتف قبل البعثة فدل على أن العقل اقتضى ذلك ولو وجب شكر المنعم لحصل التعذيب بتركه ولم يتوقف على بعثه الرسل فاضبط هذا التقرير ولا تعدل به.\n_________\n١ هو حمد بن عبد الرحيم بن محمد الشيخ صفي الدين الهندي الأموي كان أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وأدراهم بأسراره.\nمن مؤلفاته الزبدة في علم الكلام والنهاية في أصول الفقه.\nتوفي بدمشق سنة ٧١٥ هـ حسن المحضرة ١/٥٤٤ طبقات الشافعية لابن السبكي ٩/١٦٢، ١٦٣.\n٢ سورة الاسراء: الآية١٥.","vol":"1","page":139},{"text":"والثاني: أنه لو وجب لوجب لفائدة أن التفريع على القول بقاعدة الحسن والقبح والإيجاب على القول بها يستدعي فائدة وإن شئت قلت لو وجب لوجب إما بلا فائدة وهو عبث مستقبح عقلا ولكن يلزم على هذا أن يكون المصنف أخل بأحد الأقسام وأما لفائدة عائدة إلى المشكور وهوسبحانه وتعالى وهو محال لتنزهه عن الفوائد والأغراض أو عائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا وهو أيضا باطل لأنه مشقة وكلفة على النفس من غير حظ ونفع أو عائدة إليه في الآخرة وهو أيضا باطل إذ لا استقلال للعقل بمعرفة الفوائد الأخروية على وجه التفصيل وهذا مسلم لكن ليس من شرط الوجوب العلم بالفوائد التفصيلية وإن أريد الإجمالية فلا نسلم أن العقل لا يستقل بمعرفتها وذلك لأن القول في هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح وهي تقطع باتصال الثواب بفعل الواجبات العقلية والعقاب بتركها ولقائل أن يقول العقل لا يستقل بإدراك الآخرة وكيف يستقل بالحكم بوجود دار أخرى مخلوقة للجزاء والإحسان وإذ لم يستقل بإدراكها لم يحكم بما يترتب عليها.\nقال قيل يدفع ظن ضرر الآجل قلنا قد يتضمنه لأنه تصرف في ملك الغير وكاستهزاء لحقارة الدنيا بالنسبة إلى كبريائه ولأنه ربما لا يقع لائقا قيل ينتقض بالوجوب الشرعي قلنا إيجاب الشرع لا يستدعي فائدة.\nاعترض على الوجه الآخر بوجهين.\nأحدهما: أنا نقول بعود الفائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا.\nقوله مشقة وكلفة بلا حظ قلنا لا نسلم أنه لا حظ لها في الشكر وذلك لأن فائدة الشكر اندفاع ظن العقاب في الآخرة على تركه لأن العقاب على ترك الشكر احتمال راجح يوجب للنفس القلق وعدم الطمأنينة بل مجرد توهم العقاب قد يحصل فيه ذلك وأجاب المصنف بأن ترك الشكر كما أنه يستدعي ما ذكرتم كذلك الإقدام عليه وذلك لأن من أقدم على الشكر فقد استعمل الأعضاء والقوى المملوكة لربه ﷾ وتصرف فيها بغير إذنه والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يوجب ما ذكرتم وأيضا فالشكر لأنعمه تعالى منزل منزلة المستهزئ بالمنعم لأن نعم الدنيا وإن جل خطبها فهي بالنسبة إلى كبريائه تعالى أقل من لقمة بالنسبة إلى ملك عظيم لأن نسبة ما يتناهى إلى","vol":"1","page":140},{"text":"مثله أقل من نسبته إلى ما لا نهاية له ولا ريب في أن القائم في المحافل يشكر الملك بسبب ما أسداه إليه من لقمة خبز معدود من المستهزئين مستوجب للتأديب وأيضا فالشكر للملك العظيم إنما يكون على وجه لائق بجنابه وقد لا تهتدي العقول إلى ذلك الوجه اللائق بجلاله ﷾ فيستحق العقاب بسببه.\nفإن قلت لما فسر الشكر باجتناب القبيح وإتيان الحسن عقلا اندفع ما ذكرتم للعلم بالشكر اللائق حينئذ كما هو معلوم بعد ورود الشرع قلت هب أن الأمر كما ذكرت لكن الإتيان بما ذكرت من الشكر يتوقف على استقباح العقل وتحسينه فربما يستقبح الحسن ويستحسن القبيح لأن العقول غير معصومة عن الخطأ لا يقال قد تعارضت الاحتمالات والمواظبة على الخدمة أنجى من الإعراض والإهمال لأنا نقول ذلك في مشكور يسره الشكر ويسوؤه الكفران والله تعالى مبرأ عن ذلك.\nالوجه الثاني: أن ما ذكرتم منقوض بوجوب الشكر شرعا فلو كان ما ذكرتموه صحيحا لم يجب بعين ما قررتم بأن يقال لو وجب شكر المنعم شرعا لوجب لفائدة إلى آخر ما أوردتم وأجاب بأن الدليل المذكور لا يطرد في الوجوب الشرعي لأنه لا تعلل أحكام الله تعالى ولا أفعاله فإيجاب الشرع ليس لاستدعاء فائدة بل له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء وهذا جواب صحيح ماش على اللائق بأصول المتكلمين فإنهم لا يجوزون تعليل أفعال الله تعالى وهو الحق لأن من فعل فعلا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى سواء كان ذلك لغرض عائدا إليه أم إلى الغير وإذا كان كذلك يكون ناقصا في نفسه مستكملا في غيره تعالى الله عن ذلك.\nوأما قول المصنف في القياس تبعا للإمام دل الاستقراء على أن الله شرع الأحكام لمصالح العباد تفضلا وإحسانا فهو من كلام الفقهاء وإطلاقتهم والصواب ما ذكره هنا.\nفائدة قال الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بالكيال في تعليقه في","vol":"1","page":141},{"text":"الأصول وفي خط ابن الصلاح١ نقلت ذلك مسألة شكر النعم غير مسألة التحسين والتقبيح بيانه إنا نقول ليس الشكر اللفظ فما معناه قالوا المعرفة قلنا المعرفة تراد للشكر فكيف تكون نفس الشكر فلا بد أن تتقدم على الشكر فإنما شكر من عرف وإن قالوا نعني بالشكر ما تعنون أنتم قلنا الشكر عندنا امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه وإن قالوا فنحن نقول الشكر هو الإقدام على المستحسنات واجتناب المستقبحات قلنا فهذه هي مسألة التحسين والتقبيح بعينها قال لكنا أفردناها بالكلام على عادة المتقدمين.\n_________\n١ هو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الشهرزوري الكردي الشرخاني تقي الدين المعروف بان الصلاح أحد فضلاء المقدمين في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال.\nمن مؤلفاته أدب المفتي والمستفتي وشرح الوسيط في فقه الشافعية توفي سنة ٦٤٣ هـ.\nوفيات الأعيان ١/٣١٢ الأعلام ٤/٣٦٩.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفرع الثاني: الأفعال الختيارية قبل البحث</span>\n...\nالفرع الثاني\nقال الفرع الثاني: الأفعال الإختيارية قبل البعثة مباحة عند البصرية وبعض الفقهاء محرمة عند البغدادية وبعض الإمامية وابن أبي هريرة وتوقف الشيخ والصيرفي وفسره الإمام بعدم الحكم والأولى أن يفسر بعدم العلم لأن الحكم قديم عنده ولا يتوقف تعلقه عن البعثة لتجويزه التكليف بالمحال.\nهذا الفرع في حكم الأشياء قبل ورود الشرع وقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا حكم فيها لأن الحكم عندهم عبارة عن الخطاب على ما تقدم تفسيره فحيث لا خطاب لا حكم وأما المعتزلة فقسموا الأفعال إلى اضطرارية واختيارية.\nالأولى: الاضطرارية وهي التي تقع بغير اختيار المكلف ولا قدرة له على تركها كالتنفس في الهواء قال الإمام وذلك مما لا بد من القطع بأنه غير ممنوع إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق.\nالثانية: الاختيارية وهي الواقعة بإرادة المكلف مع قدرته على تركها","vol":"1","page":142},{"text":"ومثل لها بأكل الفاكهة وبهذا يعرف أن القدر الذي لا يعيش المكلف بدونه من الأكل والشرب وغيرهما من قسم الاضطراري ومنهم من جعل ما يحصل به الاغتذاء من قسم الاختياري المتنازع فيه وتبعهم المصنف كما سنراه في كلامه إن شاء الله ولعل مرادهم الاغتذاء ما يقع فوق الضرورة إذا عرفت ذلك فقد قسموا الاختيارية إلى ما يقضي فيها العقل بحسن أو قبح واتبعوا فيها حكم العقل وتقسيمه إياها إلى الأحكام الخمسة وإلى ما لا يقضي العقل فيها بواحد منهما وهذه صورة مسألة الكتاب فقوله الاختيارية احتراز عن الاضطرارية وفاته أن يقول التي لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح فنقول ذهبت معتزلة البصرة وبعض الفقهاء من الشافعية والحنفية إلى أنها على الإباحة قبل ورود الشرع وذهب معتزلة بغداد وبعض الإمامية والشيخ أبو علي ابن أبي هريرة من الشافعية إلى أنها محرمة وقد سلف اعتذار القاضي والأستاذ عمن قضى في هذه المسألة بإباحة أو حظر من الفقهاء وتوقف الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الصيرفي١ في ذلك والخلاف في هذه المسألة جار في خطاب التكليف وخطاب الوضع على حد سواء وفسر الإمام توقف الشيخ بعدم الحكم أي بانتفاء الأحكام وهذا ما قاله النووي في أوائل باب الربا في شرح المهذب أنه الصحيح عند أصحابنا أعني انتفاء الأحكام قال صاحب الكتاب والأولى أن نفسر التوقف بعدم العلم أي بأن لها حكما قبل ورود الشرع ولكنا لا نعلم ما هو وعلل ذلك بأن الحكم قديم عند الشيخ فتفسير التوقف بعدم الحكم يلزم عنه أن يكون الحكم حادثا وهو خلاف مذهبه ثم استشعر المصنف سؤالا فأجاب عنه وتقريره أن الحكم وإن كان قديما عند الشيخ لكن تعلقه حادث لأنه متوقف على بعثة الرسل والمراد بأنه لا حكم قبل ورود الشرع أنه لا تعلق فلا يكون تفسير التوقف بعدم الحكم مخالفا لمذهب الشيخ وتقرير جوابه أن التعلق عند الشيخ لا يتوقف على البعثة لتجويزه\n_________\n١ هو محمد بن عبد الله البغدادي المكنى بأبي بكر الملقب بالصيرفي الأصولي الفقيه من مؤلفاته شرح الرسالة للإمام الشافعي – ﵁ – توفي بمصر سنة ٣٣٠ هـ.\nتاريخ بغداد ٥/٤٤٩ شذرات الذهب ٢/٣٢٥.","vol":"1","page":143},{"text":"التكليف بالمحال فيجوز أن يتعلق الحكم بأفعال المكلفين قبل ورود الشرع مع عدم شعورهم بذلك.\nولقائل أن يقول هذا حينئذ تكليف الغافل لا تكليف بالمحال والشيخ إنما يجوز الثاني ثم إن الشيخ لا يقول بوقوع التكليف بالمحال بل الحل تفسير التوقف بعدم الحكم وبه صرح القاضي في مختصر التقريب فقال صار أهل الحق إلى أنه لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع وعبروا عن نفي الأحكام بالتوقف ولم يريدوا بذلك الوقف الذي يكون حكما في بعض مسائل الشرع وإنما عنوا به انتفاء الأحكام انتهى وهو مصرح ببطلان ما ذهب إليه المصنف من التفسير وكذا قال إمام الحرمين في البرهان لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع وليس مراده إلا الوقف لعدم الحكم وقال الغزالي إن أراد أصحاب الوقف أن الحكم موقوف على ورود السمع ولا حكم في الحال فصحيح وإن أرادوا عدم العلم فهو خطأ فإن قلت الوقف هو الإمساك عن الحكم بشيء فلا يناسب تفسيره بالجزم بأن لا حكم قلت معنى الوقف يرجع إلى أن فعل المكلف قبل البعث لا يوصف بإباحة ولا حرمة لعدم التعلق به فالتوقف إنما هو في وصف الفعل لا في وجود الحكم وعدمه لكن لما كان السبب في هذا الوقف بعدم الحكم بمعنى عدم التعلق فسرنا التوقف بعدم الحكم تجوزا فإن قلت هذا لا يجامع اختياركم إن التعلق قديم قلت المراد بالتعلق هنا هو التعلق الذي يظهر أثره في المحكوم عليه وهو منتف قبل البعثة فلذلك اخترنا انتفاء الحكم قبل البعثة وفسرنا توقف الشيخ به فإن قلت هل الحكم بنفي الحكم قبل البعثة عقلي أو شرعي قلت هو عقلي لا شرعي بقي مما ننبه عليه هنا أن ما نقله المصنف عن الإمام ليس بجيد فإنه حكى في المحصول قول الوقف ثم قال هذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم وهذا لا يكون وقفا بل قطعا بعدم الحكم وتارة بأنا لا ندري هل هنا حكم أم لا وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر انتهى فليس فيه اختيار ما نقله المصنف عنه.\nفإن قلت ما عذر المصنف في ذلك؟","vol":"1","page":144},{"text":"قلت الظاهر أنه تبع صاحب الحاصل١ حيث قال فيه التوقف مرة يفسر بأنا لا ندري الحكم ومرة بعدم الحكم وهو الحق وظن أن صاحب الحاصل اتبع الإمام على عادته فنسب اختيار هذا القول إلى الإمام ويحتمل أن المصنف وقف للإمام على اختيار ذلك في كلام له في غير هذا الموضع أو أنه أراد بالإمام إمام الحرمين فإنه اختار ذلك في البرهان حيث قال لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع وهما احتمالان بعيدان.\n_________\n١ صاحب الحاصل هو تاج الدين محمد بن حسين الأرموي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ اختصر كتاب المحصول للإمام الرازي في كتاب سماه الحاصل.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>أدلة القائلين بالإباحة</span>\nقال احتج الأولون بأنه انتفاع خال عن إمام المفسدة ومضرة المالك فيباح كالاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره وأيضا المآكل اللذيذة خلقت لغرضنا لامتناع العبث واستغنائه تعالى وليس للإضرار اتفاقا فهو للنفع وهو إما التلذذ أو الاغتذاء أو الاجتناب مع الميل أو الاستدلال ولا يحصل إلا بالتناول وأجيب عن الأول بمنع الأصل وعليه الأوصاف والدوران ضعيف وعن الثاني أن أفعاله لا تعلل بالغرض وإن سلم فالحصر ممنوع.\nاحتج الأول وهم القائلون بالإباحة بوجهين:\nأحدهما: أنها انتفاع خال عن إمارة المفسدة فإن الكلام مفروض في فعل لا يظهر له مفسدة وخال عن مضرة المالك لأن المالك هو الله المنزه عن المضار المبرأ عن المنافع فتكون مباحه قياسا على الاستظلال بجدار الغير والاستضاءة بناره بغير إذنه فإنه أبيح لخلوه عن أمارات المفسدة ومضرة المالك فلما وجدنا الإباحة دائرة مع هذه الأوصاف وجودا وعدما والدوران يدل على علية المدار للدائر دل على عليتها لإباحة الأفعال وهي صورة النزاع فيلزم الإباحة فيها وتمثيل المصنف بالاقتباس فيه نظر لأن الاقتباس أخذ جزء من النار وهو لا يجوز بغير الإذن فالأولى التمثيل بالاستضاءة كما ذكرنا.\nوقد ذكر الرافعي جواز الاستظلال بجدار الغير والاستضاءة بناره والاستناد وإسناد المتاع في أثناء كلام في القسم الثاني في الجدار المشترك من كتاب الصلح وذكر القفال المسألة في الفتاوى في واقعة جرت له مع السلطان محمود وأنه يجوز السعي في أرض الغير إن لم يخش أن تتخذ بذلك طريقا وإلا","vol":"1","page":146},{"text":"لزم منه الضرر قال وكذلك النظر في مرآة الغير والإيقاد من ناره والاستظلال بجداره والالتقاط من حبوب الزرع المتناثر ذكر القفال في الفتاوى أيضا أنه يجوز إسناد خشبة إلى جدار الغير.\nالوجه الثاني: أن المواكيل اللذيذة إن خلقت لا لغرض كان عبثا محالا وإن خلقت لغرض فلا جائز أن يعود إلى الباري لتنزهه عن الأغراض فتعين أن يكون لغرضنا وليس هو الإضرار باتفاق العقلاء فهو حينئذ النفع وذلك النفع إما أن يكون دنيويا كالتلذذ والاغتذاء أو أخرويا يتعلق بالعمل كالاجتناب لكون تناولها مفسدة مع الميل فيستحق الثواب باجتنابها أو أخرويا يتعلق بالعلم كالاستدلال بها على وجود الصانع كمال قدرته وكل ذلك لا يحصل إلا بالتناول فواضح.\nوأما توقف الاجتناب عليه فلأن المكلف إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت نفسه إليها وإنما يكون ذلك بعد التناول كذا قيل والحق أن تارك المعاصي امتثالا لأمر الله تعالى مع عدم ميلانه إليها يثاب على تركها بل هو عند قوم أعلى درجة من الذي فعلها ثم انزجر عنها وأما توقف الاستدلال فلأنه إنما يكون مع معرفتها هذا تقرير الوجهين.\nقال في الكتاب وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم ثبوت الحكم في المقيس عليه فإن الاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره من جملة الأفعال الاختيارية الداخلة تحت صور النزاع ولئن سلمنا ثبوت الحكم في الأصل فلا نسلم أنه معلل بهذه الأوصاف واستدلالكم على ذلك بالدوران لا يفيدكم لأن الدوران وإن كان حجة فالظن الحاصل منه ضعيف لا يستدل بمثله على هذه المسألة.\nواعلم أن هذا لا يخالف قوله في القياس بحجة الدوران لأن القائل بحجته معترف بأنه جار في مجاري الظنون الضعيفة التي يستدل بها على الفروع الفقهية الجزئية دون المسائل الأصولية وأما من قال بأنه مفيد للقطع فلا مبالاة بمعتقده الفاسد وأجيب عن الثاني بأن الدليل المذكور مبني على تعليل أفعال الله تعالى","vol":"1","page":147},{"text":"بالأغراض وقد بينا فيما سلف أنه لا يجوز تعليلها ولقائل أن يقول إذا كان الكلام في هذا الفرع مفرعا على القول بقاعدة التحسين والتقبيح وجب المشي فيه على قاعدة القوم وهم يعللون أفعال الله تعالى ويزعمون أنها تابعة للمصالح ثم قال المصنف ولئن سلمنا جواز تعليلها فلا نسلم انحصار الغرض فيما ذكرتم وجاز أن يكون الغرض في خلقها هو التنزه بمشاهدتها أو غير ذلك.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>أدلة القائلين بحرمتها</span>\nقال وقال الآخرون تصرف بغير إذن المالك فيحرم كما في الشاهد ورد بأن الشاهد يتضرر به دون الغائب.\nاحتج القائلون بأنها محرمة بأن الأفعال الاختيارية تصرف في ملك الغير بغير إذن فيحرم قياسا على التصرف في ملك الشاهد الذي هو الإنسان بغير إذنه والجامع بين ورد هذا بالفرق وهو أن حرمة التصرف في ملك الشاهد بغير إذنه إنما كانت لتضرره بذلك وهذا بخلاف الغائب وهو الله لتنزهه عن الإضرار وقد علم الواقف على هذا برد المصنف على الفريقين أنه يختار الوقف.\nواعلم أنه لا خلاف في الحقيقة بين الواقفية والقائلين بالإباحة كما قال إمام الحرمين قال فإنهم لم يعنوا بالإباحة ورود خبر عنها وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك والأمر على ما ذكروه نعم لو قالوا حق على المالك أن يبيح فهذا ينعكس الآن عليهم بالتحكم في تفاصيل النفع والضرر على من لاينتفع ولا يستضر.\nقال تنبيه عدم الحرمة لا يوجب الإباحة لأن عدم المنع أعم من الإذن.\nهذا إشارة إلى جواب عن سؤال مقدر ذكره الفريقان على الواقفية بمعنى لا حكم ولك أن تقول المصنف غني عن ذكر هذا إذ هو لا يفسر التوقف بمعنى عدم الحكم بل بمعنى عدم العلم وتقرير السؤال أن الأفعال إن كانت ممنوعا منها فهي محرمة وإلا فهي مباحة.\nوالجواب أنا لا نسلم أنها إذا لم تكن ممنوعا منها تكون مباحة لأن المباح","vol":"1","page":149},{"text":"هو ما أعلم فاعله أو دل على أنه لا حرج في فعله ولا تركه ولا يلزم من عدم المنع الإذن لأن عدم المنع أعم من الإذن والعام لا يستلزم الخاص.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المحكوم عليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المسألة الأولى: الاحكم على المعدوم</span>\n...\nالفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه عدة مسائل\nالأولى: في الحكم على المعدوم\nقال الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه مسائل:\nالأولى: يجوز الحكم على المعدوم كما أنا مأمورون بحكم الرسول ﷺ.\nقال أصحابنا المعدوم يجوز أن يحكم عليه لا بمعنى أن حال كونه معدوما يكون مأمورا فإنه معلوم الفساد بالضرورة بل بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الحال ثم إن الشخص الذي يوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك وأما سائر الفرق فقد أنكروه وعظموا النكير على شيخنا أبي الحسن١ حتى انتهى الأمر إلى انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب منهم أبو العباس القلانسي من قدماء الأصحاب وقال كلام الله في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما ثبتت هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود المخاطبين كما يتصف الباري بكونه خالقا رازقا فيما لا يزال وجعل ذلك من صفات الأفعال وهذا ضعيف لأنه إثبات لكلام خارج عن كونه أمرا ونهيا ووعدا وعيدا إلى استتمام أقسام الكلام وذلك مستحيل قطعا فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة الأزلية ليست كلاما أزليا ثم يستجد كونها كلاما فيما لا يزال وذهب بعض الفقهاء كما حكاه القاضي في مختصر التقريب إلى أن الأمر قبل وجود المأمور أمر إنذار وإعلام وليس بأمر إيجاب وهو\n_________\n١ يقصد بذلك الشيخ أبا الحسن الأشعري شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وتقدمت ترجمته.","vol":"1","page":151},{"text":"ضعيف لأن ما فروا منه في الإيجاب يلزمهم في الإعلام فإنه كما يستبعد إلزام المعدوم يستبعد إعلامه واحتج أصحابنا بأن الواحد منا يصير مأمورا بأمر النبي ﷺ مع أن ذلك الأمر ما كان موجودا إلا حال عدمنا.\nقال قيل الرسول أخبر بأن من سيولد فالله سيأمره قلنا أمر الله في الأزل معناه أن فلانا إذا وجد فهو مأمور بكذا قيل الأمر في الأزل ولا سامع ولا مأمورا عبث بخلاف أمر الرسول ﵇ قلنا مبني على القبح العقلي ومع هذا فلاسفة في أن يكون في النفس طلب التعلم من أين سيولد.\nاعترض الخصوم على الدليل المتقدم بأنه لا يصح قياس أمر الله على أمر الرسول ﷺ لأنه ﷺ مبلغ لأمر الله تعالى فيكون مخبرا عن الله بأن فلانا إذا وجد وانخرط في سلك من يفهم الخطاب فالله يأمره بكذا وإذا كان كذلك لم يكن أمرا للمعدوم بشيء وأجاب المصنف بأنا أيضا نقول أمر الله في الأزل معناه أنه أخبر بأن من سيوجد ويستعد لتعلق الأمر به يصير مأمورا بأمري كما قلتم في أمر الرسول ﷺ فإن قلت إذا كان أمر الله بمعنى الإخبار فلا يكون أمرا حقيقيا قلت كذلك ذهب إليه بعض الأشاعرة وضعفه الإمام بوجهين.\nأحدهما: أنه إن كان مخبرا لنفسه فهو سفه أو لغيره فمحال إذ ليس ثم غيره ولهذا ذهب من صار إلى أن كلام الله في الأزل لم يكن أمرا ولا نهيا ثم صار فيما لا يزال كذلك واعترض عليه القرافي بأنا نقول إنه مخبر لنفسه والقائل يشتغل في فكره طول ليله ونهاره ولا معنى لذلك إلا الإخبارات وأجمع العقلاء مع ذلك على حسنه فلا يكون في حق الله تعالى قبيحا بل الله تعالى عالم بجميع معلوماته ويخبر عن كل معلوم بخصائص صفاته وأحواله ولا استحالة في ذلك ولم يزل الله تعالى في الأزل وأبدا ولا يسمع ذلك إلا الله تعالى بسمعه القديم وإلى هذا الإخبار أشار ﵇ بقوله \"لا أحصى ثناء عليك أنت","vol":"1","page":152},{"text":"كما أثنيت على نفسك ١ فالله تعالى يثني على نفسه دائما أزلا وأبدا ولا معنى للثناء إلا الإخبار قال وهذا واجب حق لا ينكره إلا من لم يربض بالعلوم العقلية الكلامية.\nوالثاني: من اعتراض الإمام أنه لو كان بمعنى الإخبار لقبل الصدق والكذب ولكن يلزم ألا يجوز العفو لأن الخلف في خبر الله محال وهو ضعيف لأنا نقول الأمر عبارة عن الإخبار بنزول العقاب إذا لم يحصل عفو ذكره الأصفهاني٢ في شرح المحصول ثم اعترض الخصم على الجواب بأن الأمر بالمعنى الذي ذكرتموه أيضا محال في حق الله تعالى دون رسول الله ﷺ لأنه تعالى إذا أخبر في الأزل يكون قد أخبر ولا سامع ولا مأمور ومنهى وصار كمن خلا بنفسه يحدثها وذلك عبث بخلاف أمر الرسول فإن بين يديه من يسمع ويمتثل ويبلغ وأجاب بأن تقبيح هذا مبني على مسأله التحسين والتقبيح وهي منهدمة الأركان ولقائل أن يقول إن ثبت قبح هذا فهو صفة نقص ولا خلاف كما سلف في أن التحسين والتقبيح على معنى صفات الكمال والنقص عقلي وما تقدم من كلام القرافي يصلح جوابا هنا.\nثم أجاب المصنف ثانيا بأن أمر الله تعالى هو المطلب القائم بذاته على رأي\n_________\n١ هذا بعض حديث من دعاء رسول الله – ﷺ – رواه مسلم في صحيحه عن عائشة – ﵂ – قالت تفقدت النبي – ﷺ – ذات ليلة فتحسست فإذا هو راكع أو ساجد يقول: \"سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت\" وفي رواية في مسلم – أيضا – فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: \"اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" الفتوحات الربانية ٢/٢٦٩ – ٢٧٠.\n٢ هو شمس الدين محمد بن محمود بن عباد كان من العلماء الأجلاء المبرزين في سائر العلوم النقلية والعقلية تلقى العلم عن والده بأصفهان ثم رحل إلى بغداد وبلاد الروم وأخذ عن فلمائها كما رحل إلى القاهرة ونال من حكامها كل تقدير وإجلاء من مؤلفاته شرح المحصول للإمام الرازي وكتاب القواعد الأربعة علم أصول الفقه وأصول الدين والخلاف والمنطق.\nتوفي بالقاهرة سنة ٦٨٨ هـ كشف الظنون ص ١٣٥٩.","vol":"1","page":153},{"text":"أهل الحق ولا سفه في قيام طلب الفعل بذاته ممن سيوجد كما أنه لا سفه في أن يقوم بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد ولو قدر بقاء ذلك الطلب حتى وجد الولد صار مطالبا بذلك الطلب ومأمورا فكذلك المعنى القائم بذات الله الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد قديم تعلق بعباد على تقدير وجودهم فإذا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء وهذا الجواب الصحيح إلا أن قياس الغائب على الشاهد لا يصح فإنا نسلم أنه يقوم بذات الأب طلب للتعلم من ابن سيولد وإن كان الغزالي في طائفة قالوا إن ذلك ثبت للذاهبين إلى كلام النفس بل يقول إنما يقوم بذاته أنه لو وجد لطلب منه فإن قلت إنما كان ذلك لأن الشاهد غالبا لا يستيقن وجود ولد له إذ لا علم له بالغيب بخلاف من يعلم أن فلانا يوجد في الوقت الفلاني لا محالة بتقديري وإرادتي ونحن نفرض شخصا أخبره صادق بأنه يولد لك علم ولا بدع أن يقوم في نفسه والحالة هذه ما ذكرناه.\nقلت ولو فرضت ذلك لم نسلم صحة قيام ذلك في نفسه وكيف يطلب ولا مطلوبا منه.\nفإن قلت فما الفارق والحالة هذه بين الغائب والشاهد حيث أجزتم صحة قيام ذلك بذات الله بخلاف الشاهد؟\nقلت الله تعالى ليس كلامه إلا النفسي ولا يمكن أن يكون قيامه بذاته حادثا وإلا يلزم أن يكون محلا للحوادث تعالى الله عن ذلك فلذلك لزم من هاتين المقدمتين أعني امتناع كون كلامه غير نفسي وامتناع كونه محلا للحوادث أن يكون الأمر قائما بالذات في القدم وتعلقه بالمأمور حادث على حسب استعداده وأما الشاهد الذي لا يستحيل على ذاته قيام الحوادث بها وأمره يصدق طورا باللسان وطورا بالجنان فلا ضرورة بنا إلى تقدير قيام الطلب بذاته من معدوم ومالنا لا نؤخره إلى حين يوجد ذلك المعدوم فوضح السر في كون أمر الله تعالى من الأزل وثبوت الفارق بين الغائب والشاهد وأنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر وما ذكره الخصوم من الحسن والقبح والهذيان","vol":"1","page":154},{"text":"والسفه والانتظام والاتساق في أمر ولا مأمور وغيرها كلها من نعوت المحثات والقديم يتقدس عنه ويحقق هذا أن من أحب أن يحيط علما بقطر البحار وأوراق الأشجار عد سفيها واستقبح منه ما أتى به بخلاف الرب ﷾ فالمعدوم الذي وجد أنه متوقف على أمره وقد قدر وجوده في وقت معلوم لا يتخلف عنه على صفة معلومة لا انفكاك لها دون أمره نازل عنده منزلة الموجود فهو يأمره وينهاه ولا قبح هذا في جانب الباري ﷾ وهذا واضح لمن تدبره ومن أراد الزيادة فالكتب الكلامية التي وضعها أصحابنا بين أظهرنا.\nوإمام الحرمين قال إن هذا الموضع مما يستخير الله فيه ووعد بإملاء مجموع عليه وقال قول القائل إنه مأمور على تقدير الوجود تلبس فإنه إذا وجد لم يبق معدوما ولا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا وإذ لاح ذلك بقي النظر في أمر بلا مأمور وهذا معضل إذن فإن الأمر من الصفات المتعلقة وفرض متعلق ولا متعلق له محال انتهى وفيما أوردناه كفاية.\nفائدة قال إمام الحرمين في التخليص المختصر من التقريب والإرشاد ذهب بعض من لا تحقيق له إلى أن الأمر إنما يتعلق بالمعدوم بشرط أن يتعلق بموجود واحد فصاعد ثم يتبعه المعدومون على شرط الوجود وسقوط هذا واضح.\nتنبيه: قد يسأل عن الفرق بين هذه المسألة وبين قولنا لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع فإن الأزل قبل ورود الرسل بالضرورة وقد نفينا الأحكام قبل ورودهم ثم وأثبتناها هنا في الأزل والجواب ما تقدم في خلال الكلام من أن معنى قولنا لاحكم قبل ورود الشرع أن الخطاب إنما يتعلق بما بعد البعثة لا بما قبلها فالمنفي هناك تعلق الأحكام لا ذواتها فلا تناقض بين الكلامين.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المسألة الثانية: تكليف الغافل</span>\n...\nالمسألة الثانية في تكليف الغافل\nقال الثانية لا يجوز تكليف الغافل من أحال تكليف المحال فإن الإتيان بالفعل امتثالا يعتمد العلم ولا يكفي مجرد الفعل لقوله ﵇ \"إنما الأعمال بالنيات\" ونوقض بوجوب المعرفة وأجيب بأنه مستثنى\nاتفق الكل حتى القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق على أنه يشترط في المأمور أن بكون عاقلا بفهم الخطاب أو يتمكن من فهمه لأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور بأن الآمر طالب للمأمور به منه سواء أمكن حصوله منه أو لم يمكن كما في التكليف بما لا يطاق وإعلام من لا عقل له ولا فهم متناقض إذ يصير التقدير يا من لا فهم له افهم ويا من لا عقل له اعقل المأمور به فعلى هذا لا يجوز أمر الجماد والبهيمة لعدم العقل والفهم وعدم استعدادهما ولا أمر المجنون والصبي الذي لا يميز لعدم العقل والفهم التامين وإن كانا مستعدين لهما وقد نسب المصنف امتناع تكليف الغافل إلى من يحيل تكليف المحال وهو يفهم أن الذي لا يحيله لا يمنعه وليس الأمر كذلك بل المختار منعه وإن فرعنا على صحة التكليف بالمحال.\nوعلى المصنف في قوله تكليف المحال معترض آخر وهو أن تكليف المحال هو ما رجع إلى المأمور وهو تكليف الغافل فكان الأولى أن يقول التكليف بالمحال١\n_________\n١ فعلى هذا يفهم أن التكليف المحال: هو ما رجع إلى المكلف نفسه أما التكليف بالمحال بزيادة الباء فهو ما كان راجعا إلى المأمور به وهو الفعل اهـ محققه.","vol":"1","page":156},{"text":"واستدل المصنف على المختار بأن مقتضى التكليف الإتيان بالمأمور به على وجه الامتثال للآمر وذلك لا يتصور إلا إذا علم المكلف أن المكلف أمره به والغافل لا يعلم ذلك فلا يمكنه الإتيان بالمأمور به على جهة الامتثال.\nقوله ولا يكفي مجرد الفعل هذا جواب على سؤال مقدر تقديره أنا لا نسلم توقف الإتيان بالمأمور به على العلم لجواز أن يصدر عنه ما كلف من غير علم وتوجيه الجواب أن مجرد الإتيان بالمأمور به لا يكفي في حصول الامتثال بل لابد معه من النية لما ثبت من قوله ﷺ: \"إنما الإعمال بالنيات\" ١ وقد نقض الخصم هذا الدليل بوجود معرفة الله تعالى فإنها واجبة ولا يمكن أن يكون وجوبه بعد حصولها للزوم تحصيل الحاصل وإذا كان قبل حصولها استحال معرفة هذا الأمر لأن معرفة أوامر الله بدون معرفة الله محال فقد كلف بما هو غافل عنه وأجاب المصنف بأنه مستثنى من القاعدة لقيام دليل عليه يخصه وقد ضعف هذا الجواب بأن النقض ولو بصورة قادح في الدليل وقيل الحق في الجواب أن يقال نختار أن التكليف بها يرد حال حصول العلم ولا يلزم تحصيل الحاصل لجواز أن يكون المأمور به معلوما بوجه ما ويكون التكليف واردا بتحصيل المعرفة من غير ذلك الوجه وقد نجز شرح ما في الكتاب.\nوالذي نص عليه الشافعي ﵁ أن السكران مخاطب مكلف ولكن الأصوليين على طبقاتهم منهم القاضي في مختصر التقريب صرحوا بخروج السكران الخارج عن حد التمييز عن قضية التكليف والتسوية بينه وبين سائر من لا يفهم قال الغزالي بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه فإما أن يكون ما قاله الشافعي قولا ثالثا مفصلا بين السكران وغيره للتغليظ عليه أو يحمل كلامه على السكران الذي لا ينسل عن رتبة التمييز دون الطافح المغشي عليه.\n_________\n١ اخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب – ﵁ – وقد رواه البخاري في صحيحه سبع مرات إحداها في كيف كان بدء الوحي ١ – ٢.","vol":"1","page":157},{"text":"ولا ينبغي أن يظن ظان من ذلك أن الشافعي يجوز تكليف الغافل مطلقا فقدره ﵁ يجل عن ذلك وأظهر الرأيين عندنا أن الشافعي فصل بين السكران وغيره ثم إنا نقول لعل ذلك هو الحق دالين عليه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١ فإن قلت لعل المراد بالسكران في الآية النشوان الذي لا ينسل عن رتبة التمييز قلت هذا التأويل ينافي سياق الآية فإن الرب تعالى قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وليس عندي على من قال إن السكران مكلف إلا إشكال دقيق لولاه لجزمت القول بأنه مكلف وهو أنه يلزم من قال إنه مكلف أن يأمره بالوضوء ويطالبه بالصلاة ويرد عليه إذن قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فإن تحريم الصلاة عليه لا يجامع مطالبته بها فالآية تصلح معتصما للفريقين فمن يكلفه يقول الله خاطبه ومن يمنع يقول قد أمره بألا يقرب الصلاة فإن قلت كيف لا تكلفون النائم وهو يضمن ما يتلفه في نومه ويقضي الصلوات التي تمر عليه مواقيتها إلى غير ذلك من الأحكام؟\nقلت الذي قلناه إنه لا يخاطب في حال نومه ولكن يتوجه عليه الخطاب بعد ذلك لقوله ﷺ: \"من ترك صلاة أو نسيها فليصلها إذ ذكرها\".\nفإن قلت إنما يخاطب في اليقظة بسبب ما تقدم في النوم.\nقلت مقصدنا نفي الخطاب في حال النوم فأما ثبوت أسباب يستند إليها تثبت الأحكام في اليقظة فمما لا ننكره ويوضح هذا أن الصبي الذي لا يميز لو أتلف شيئا لطالبناه ببدله فوجوب الزكوات والغرم والنفقات ليس من التكليف بل الإتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمة الصبيان بمعنى مخاطبة الولي في الحال بالأداء ومخاطبة الصبي بعد البلوغ وذلك غير محال وليس كقولك لمن لا يفهم افهم فإن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة تستفاد من الإنسانية التي لها يستعد بقبول قوة العقل الذي به قوة فهم التكليف في ثاني الحال حتى أن البهيمة لما لم يكن لها قوة فهم الخطاب بالفعل ولا\n_________\n١ سورة النساء: ٤٣.","vol":"1","page":158},{"text":"بالقوة لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ذمتها بخلاف النطفة التي في الرحم إذا ثبت لها الملك بالإرث والوصية والحياة غير موجودة بالفعل ولكن بالقوة وكذا الصبي مصيره إلى العقل فصح إضافة الحكم إلى ذمته ومطالبته في ثاني الحال ولم يصلح للتكليف في الحال فإن قلت لو انتفخ ميت وتكسر بسبب انتفاخه قارورة فينبغي إيجاب ضمانها كالطفل يسقط على قارورة قلت يحتمل أن يقال بذلك وأن يطالب به الورثة كما يجب الضمان على العاقلة والفعل لم يصدر منهم ولكن قال الأصحاب لا يجب وفرقوا بينه وبين الطفل بأن للطفل فعلا بخلاف الميت وإيجاب الضمان على من لا فعل له غير معقول وهو متجه فإن قلت فالصبي المميز يفهم الخطاب فلم منعت تكليفه؟\nقلت العقل لا يمنع ولكن الشرع رفع ذلك عنه بقوله ﷺ: \"رفع القلم عن ثلاث\" الحديث١.\nوقد قال البيهقي إن الأحكام إنما نيطت بخمس عشرة سنة من عام الخندق وأنها كانت قبل ذلك تتعلق بالتمييز وبهذا يجاب عن سؤال من يقول الرفع يقتضي تقدم وضع ولم يتقدم على الصبي وضع فإن قلت ما الحكمة في تقدير الرفع بالبلوغ وهو إذا قارب البلوغ عقل قلت قال القاضي أبو بكر إن عدم بلوغه دليل على قلة عقله وهو تصريح منه بأن العقل يزيد ويكمل بلحظة وليس يتجه ذلك كما قاله الغزالي لأن انفصال النطفة لا يزيد عقلا لكن حط الخطاب عنه تخفيفا وزيادة العقل ونقصانه إلى حد يناط به التكليف أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه بغتة لكونه يزيد على التدريج وقد علم من عوائد الشرع أنه يعلق الحكم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها والبلوغ مظنة كمال العقل فعقل الشارع الأمر عليه وإن جاز وجود الحكمة قبله\n_________\n١ ولفظه عن علي – ﵁ – أن رسول الله – ﷺ – قال: \"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يشيب وعن المعتوه حتى يعقل\".\nوأخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم كما أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والطبراني بروايات مختلفة.\nصحيح الجامع الصغير للألباني ٣ – ١٧٩.","vol":"1","page":159},{"text":"بلحظة أو بعده بلحظة وفي الشريعة صور كثيرة تضاهي ذلك بل ربما شذت الصورة عن الحكمة بحيث بقي الوصف فيها كضرب من التعبد وفي ذلك فروع:\nمنها لو كمل وضوءه إلا إحدى الرجلين ثم غسلها وأدخلها الخف فإنه ينزع الأولى ثم يلبسها ليكون قد أدخلهما على طهارة كاملة.\nومنها لو اصطاد صيدا وهو محرم ولا امتناع لذلك الصيد فإنه يرسله ويأخذه إذا شاء.\nومنها إذا تيقن عدم الماء حواليه فإنه على وجه يلزمه الطلب وقد عددنا في الأشباه والنظائر كمله الله من ذلك كثيرا.\nفإن قلت كيف أمرت الصبي بالصلاة وهو ابن سبع سنين وضربته عليها وهو ابن عشر.\nقلت قد علمت أن العقل بعد بلوغه سن التمييز لا يمنع من ذلك ومن محاسن الشريعة النظر في مصلحته وتمرينه على مايخاطب به حتما فيما يؤل وليس المقصود من هذا الخطاب غير ذلك ولذلك لا نقول إنها واجبة عليه بل على الولي أن يأمره بها ولا تبعة على الصبي في آخرته بتركها والله أعلم.\nفإن قلت كيف منعتم تكليف الغافل الداخل في قالب الموجودات وجوزتم تكليف المعدوم؟\nقلت تكليف المعدوم بمعنى تعلق الخطاب به في الأزل على تقدير وجوده والمنع من تكليف الغافل إنما هو في زمن غفلته.\nفإن قلت الدهري مكلف بالإيمان وهو لا يعرف المكلف فكيف يفهم التكليف.\nقلت المعتبر التمكن من الفهم وهو متمكن بواسطة النظر١.\n_________\n١ وخلاصة ذلك: أن العلماء اتفقوا على شرط التكليف أن يكون المكلف عاقلا فاهما لأن التكليف خطاب وخطاب من لا يعقل له ولا فهم محال كالجماد والبهيمة كذلك من شرط التكليف فهم أصل الخطاب جملة لا تفصيلا وأن يكون مقتضيا للثواب والعقاب ومن كون..................................=","vol":"1","page":160},{"text":".............................................................................\n_________\n= الآمر هو الله تعالى وكون المأمور به على صفة معينة.\nفالصبي وإن كان يفهم ما لا يفهم غير المميز إلا أنه غير فاهم فهما كاملا لوجود الله تعالى وكونه متكلما مخاطبا مكلفا بالعبادة ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن ربه ﷿ – وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف.\nولما كان الفعل والفهم فيه خفيا لا يظهران جعل له الشارع ضابطا يعرف به وهو البلوغ وحط عنه التكليف قبله تخفيفا عليه كما في الحديث المتقدم.\nويستفاد من ذلك:\n\"أ\" أن العقل عماد التكليف فمن لا يعقل لا يمكن توجه الخطاب إليه.\n\"ب\" أن العقل ينمو ويتدرج وأنه لا يصل إلى حد التكليف إلا إذا تكامل نوه=\n= \"ج\" أن نمو العقل شيء خفي فلا بد له من ضابط ظاهر وهو البلوغ \"د\" أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في الحكم التكليفي أما الحكم الوضعي فلا خلاف بين العلماء في أنه ليس من شرطه العقل فإن المجنون والصبي غير المميز تتعلق بهما الأحكام الوضعية فإذا أتلف أحدهما شيئا وجب ضمانه على وليهما.\n\"هـ\" ما نسب إلى الإمام الشافعي من أنه يجوز تكليف الغافل – أخذا من كلامه في وقوع طلاق السكران.\nفإنا نجل الإمام الشافعي من أن يقول إن من لا يفهم الخطاب يكون مكلفا فلعل الإمام الشافعي يقصد التغليظ على السكران المتعدي بسكره عقوبة له وزجرا عن العودة إلى مثل ذلك لأن رفع التكليف رخصة والرخصة لا تناط بالمعاصي.\nويدل على ما قلناه ما قاله الإمام الشافعي نفسه في كتاب الأم:\n\"إن قال قائل: فهذا مغلوب على عقله والمريض والمجنون مغلوب على عقله\".\nقيل: المريض مأجور ومكفر عنه بالمرض.\nمرفوع عنه القلم إذا ذهب عقله وهذا آثم أي السكران مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم فكيف يقاس عن عليه العقاب بمن له الثواب\" الأم ٥/٢٥٣ ط بيروت.\nفعلى هذا يجب أن يفهم كلام الشافعي في هذا المسألة وبالله التوفيق اهـ محققه.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسألة الثالثة: الإكراه الملجىء يمنع التكليف</span>\n...\nالمسألة الثالثة الإكراه الملجئ يمنع التكليف\nقال الثالثة الإكراه الملجئ يمنع التكليف لزوال القدرة.\nالإكراه إن انتهى إلى حد الإلجاء بحيث صارت نسبة فاعله إلى الفعل المكره عليه كنسبة المرتعش إلى حركته منع التكليف في المكره عليه أو ضده والقول في جوازه مبني على التكليف بما لا يطاق واستدل المصنف على امتناعه بزوال القدرة فإن الفعل يصير واجب الوقوع ويصير عدمه ممتنعا والتكليف بالواجب والممتنع تكليف بما لا يطاق وقال القاضي في مختصر التقريب إن هذا القسم لا يسمى عند المحققين إكراها لأن الإكراه لا يتحقق إلا مع تصور اقتدار فلا يوصف ذو الرعشة الضرويرية بالإكراه وانما المكره من يخوف ويضطر إلى أن يحرك يده على اقتدار واختيار وقد ذهب أصحابنا إلى أن ذلك لا يمنع التكليف صرح به طوائف منهم القاضي وإمام الحرمين وأبو إسحق الشيرازي والغزالي وجماعة ومال إليه الإمام وذهبت المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف وهذا ما أفهمه كلام المصنف كذا نقله جماعة وحكاية إمام الحرمين عنهم أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفا بها قال وبنوا ذلك على أصولهم في وجوب إثابة المكلف والمحمول على الشيء لا يثاب عليه قال وقد ألزمهم القاضي المكره على القتل فإنه منهي عنه وآثم به لو أقدم عليه وهذه هفوة عظيمة فإنهم لا يمنعون النهي عن الشيء مع الحمل عليه فإن ذلك أشد في المحنة واقتضاء الثواب وإنما الذي منعوه الإضرار إلى فعل مع الأمر به انتهى وقد تابع القاضي جماعة من الأصحاب على إلزام المعتزلة بذلك وهو صحيح وما ذكره إمام الحرمين حق من هذا الوجه ولكن الملزمون لم يوردوه","vol":"1","page":162},{"text":"على هذا المأخذ بل هو من جهة أنهم منعوا أن المكره قادر على عين الفعل المكره عليه فبين الملزمون أنه قادر لأن المعتزلة كلفوه بالضد وعندهم أن الله تعالى لا يكلف العبد إلا بعد خلق القدرة على الفعل والقدرة عندهم على الشيء قدرة على ضده فإذا قدر على ترك القتل قدر على القتل.\nقال الغزالي وهذا ظاهر ولكن فيه غور وهو أن الامتثال إنما يكون طاعة إذا كان الانبعاث له بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه فالآتي بالفعل مع الإكراه إن أتى به لداعي الإكراه فلا يكون مجيبا داعي الشرع فصحيح قال بعض المتأخرين وهذا الذي ذكره إنما هو في العبادات المشروط فيها النية كرد المغصوب والودائع وتسليم المبيع وحبس المعتدة فالمقصود فيه واقع قصد أو لم يقصد فيخرج من عهده التكليف به مع الإكراه هذا كلام الأصوليين وأما الفقهاء فقالوا لا يباح بالإكراه الزنا والقتل ويباح شرب الخمر والإفطار إتلاف مال الغير والخروج من الصلاة والتلفظ بكلمة الردة وقد يجب بعض ذلك فإن قلت قد قال الفقهاء إن الإكراه يسقط أثر التصرف قلت لا يلزم من كونه مسقطا أثر التصرف ألا يجامع التكليف والضابط في خطاب المكره وتصرفاته والجمع بين كلام الأصوليين والفقهاء فيه يستدعي مزيد بسط لعلنا نستقصي القول فيه في كتابنا الأشباه والنظائر على أن الفقهاء قد استثنوا مسائل من هذه القاعدة منها الإكراه على القتل على أصح القولين ومنها الإكراه على الكلام في الصلاة على الأصح ومنها الرضاع.\nومنها على الحدث وقد حكى الرافعي عن الحناطي١ وجهين في انتقاض الوضوء بمس الذكر ناسيا فلا يبعد أن يقال بجريانهما في حالة الإكراه.\nومنها الإكراه على الزنا إن قلنا يتصور الإكراه عليه.\n_________\n١ هو الحسين بن محمد بن عبد الله الشيخ الإمام أبو عبد الله الحناطي الطبري كان إماما جليلا حافظا لكتب الإمام الشافعي – ﵁ -.\nتوفي بعد الأربعمائة هجرية.\nتاريخ بغداد ٨/١٠٣ طبقات الشافعية لابن السبكي ٤/٢٦٧ – ٣٧١.","vol":"1","page":163},{"text":"ومنها: قال في الاستقصاء نقلا عن الإيضاح إذا تبايعا في عقد الصرف وتفارقا قبل القبض يبطل سواء كان في حالة الاختيار أم الإكراه وقد يعترض على هذا بأن الإكراه لا يبطل خيار المجلس في البيع على الصحيح ويجاب بضيق باب الربا والمسألة في شرح المنهاج لوالدي بطلت مبسوطة.\nومنها: إذا أكره ففعل أفعالا كبيرة في الصلاة بطلت بلا خلاف.\nومنها: لو أكره على التحول عن القبلة أو على ترك القيام في الفريضة مع القدرة فصلى قاعدا لزمه الإعادة لأنه عذر وهذه كالتي قبلها.\nومنها: إذا أكره حتى أكل بنفسه وهو صائم أو أكرهت المرأة حتى مكنت من نفسها ففي الفطر قولان.\nومنها: إذا حلف بالله مكرها انعقدت يمينه على وجه حكاه ابن الرفعة.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسألة الرابعة: وقت توجيه الخطاب إلى المكلف</span>\n...\nالمسألة الرابعة في وقت توجه الخطاب إلى المكلف\nقال الرابعة التكليف يتوجه حال المباشرة وقالت المعتزلة بل قبلها.\nالمسألة من مشكلات المواضع وفيها اضطراب في المنقول وغور في المعقول ونحن نذكر مقالات الناس والتنبيه على جهة الاختلاف ثم نعمد إلى الرأي الأسد فنناضل عنه فنقول قال القاضي في مختصر التقريب باختصار إمام الحرمين الفعل مأمور به في حال حدوثه ثم قال المحققون من أصحابنا الأمر قبل حدوث الفعل المأمور به أمر إيجاب وإلزام ولكنه يتضمن الاقتضاء والترغيب والدلالة على امتثال المأمور به وإذا تحقق الامتثال فالأمر يتعلق به ولكن لايقتضي ترغيبا مع تحقيق المقصود ولا يقتضي دلالة بل يقتضي كونه طاعة الأمر المتعلق وذهب بعض من ينتمي إلى أهل الحق إلى أن الأمر إنما يقتض الإيجاب على التحقيق إذا قارن حدوث الفعل وإذا تقدم عليه فهو أمر إنذار وإعلام بحقيقة الوجوب عند الوقوع وهذا باطل والذي نختاره تحقق الوجوب قبل الحدوث وفي حال الحدوث وإنما يفترق الحالتان فيما قدمناه من الترغيب والاقتضاء والدلالة فإن ذلك يتحقق قبل الفعل ولا يتحقق معه وزعمت القدرية بأسرها أن الفعل في حال حدوثه يستحيل أن يكون مأمورا به ولا يتعلق به الأمر إلا قبل وجوده ثم طردوا مذهبهم في جملة الأحكام الشرعية فلم يصفوا كائنا بحظر ولا وجوب ولا ندب وإنما أثبتوا هذه الأحكام قبل تحقق الحدوث ثم افترقوا فيما بين أظهرهم فقال بعضهم:\nلا يصح تقدم الأمر على المأمور به بأكثر من وقت واحد وصار الأكثرون منهم إلى جواز تقدمه عليه بأوقات ثم الذين صاروا إلى هذا المذهب اختلفوا في","vol":"1","page":165},{"text":"أنه هل يشترط بقاء المكلف في الأوقات المتقدمة على حدوث المأمور به على أوصاف التكليف فمنهم من شرط كونه مستجمعا لشرائط التكليف في كل الأوقات المتقدمة.\nوزعم بعضهم أنا لا نشترط ذلك وإنما نشترط اجتماع الأوصاف عند حدوث الفعل ويشترط في الأوقات المتقدمة عليه كون المخاطب ممن يفهم الخطاب ثم افترقوا بعد ذلك في أصل آخر وذلك أنهم قالوا هل يجوز أن يتقدم الأمر على المأمور به بأوقات من غير أن يكون فيه لطف ومصلحة زائدة على التبليغ من المبلغ والقبول من المخاطب؟\nفمنهم من شرط أن يكون في ذلك لطف يعلمه الله ومنهم من لم يشترط ذلك انتهى وهو أثبت منقول في المسألة وصريح نقل إمام الحرمين في البرهان أن مذهب أصحاب الشيخ أن الفعل في حال حدوثه مأمور به ثم ذكر في تعليله ما يدل على أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه وهذا هو الذي يقتضيه أصلهم وهو أن الاستطاعة عندهم مع الفعل لا قبله.\nفإن قلت أصلهم الآخر وهو تحويز التكليف بما لا يطاق يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة فعلى هذا يكون المأمور مأمورا قبل التلبس بالفعل.\nقلت لعلهم فرعوا هذا على استحالته أو أنهم وإن جوزوه فلم يقولوا بوقوعه ويكون كلامهم هنا بناء على عدم الوقوع ثم اختار إمام الحرمين مذهب المعتزلة من الأمر بالحادث قبل الحدوث وعدم الأمر به مع الحدوث وقال إما أن يتجه القول في تعلق الأمر به طلبا واقتضاء مع حصوله مذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل وأما الغزالي فإنه قال بوجود الأمر قبل الفعل وسلم مقارنة القدرة للفعل ومن هنا خالف قول إمامه فإن إمامه رأى أن القدرة هي التمكن وحالة الوجود تنافي التمكن من الفعل والترك فيتعين الوقوع كذا قال القرافي وهذه عبارة الغزالي لا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه وهل يكون الحادث في أول حال حدوثه مأمورا كما كان قبل الحدوث أو يخرج عن كونه مأمورا كما في","vol":"1","page":166},{"text":"الحالة الثانية في الوجود اختلفوا فيه وفي بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذكره.\nوأما الإمام فقال ذهب بعض أصحابنا إلى أن المأمور إنما يصير مأمورا حالة زمان الفعل وأما قبل ذلك فلا يكون أمرا بل هو إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورا.\nوقالت المعتزلة إنما يكون مأمورا بالفعل قبل وقوعه ثم استدل على أنه على أنه لا يمتنع كونه مأمورا حال حدوث الفعل وإذا تؤمل دليله أرشد إلى أنه اختار ما حكاه عن بعض الأصحاب من أن التكليف يتوجه حال المباشرة ولا يتوجه قبلها وهذا هو المذهب الذي حكاه القاضي عن بعض ما ينتمي إلى أهل الحق وقال إمام الحرمين لا يرتضيه لنفسه عاقل ولم يتعرض الإمام إلى حكاية القول الذاهب إلى أنه مأمور قبل الحدوث ومع الحدوث وهو الذي ذهب إليه المحققون من أصحابنا كما قاله القاضي بل حاصل ما فعل أنه اختار أحد مذهبي الأصحاب واقتصر مع حكايته على حكاية مذهب المعتزلة.\nوقال الآمدي اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا انتهى وهذا الذي ادعى الاتفاق على خلافه إلا عن شذوذ هو أحد شقي ما اختاره الإمام ونصبه محل النزاع مع المعتزلة قال وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل واختلفوا في جواز تعلقه في أول زمان حدوثه فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة انتهى.\nوهو ما أشعر به كلام الغزالي المتقدم وهو نقل متقن محرر واتبعه عليه ابن الحاجب إلا أنه نسب القول بانقطاع التكليف حال حدوث الفعل إلى الشيخ وليس بجيد فليس للشيخ في المسألة صريح الكلام وإن كان ذلك يتلقى من قضايا مذهبه.\nوقال ابن برهان في أصوله الحادث في حال حدوثه مأمور به خلافا للمعتزلة انتهى ولم يتعرض له قبل الحدوث وأما صاحب الكتاب فمن شعار الإمام نبغ وقد أوردنا من النقول في المسألة ما فيه كفاية للمتبصر.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>أدلة القائلين بتوحه الخطاب</span>\n...\nأدلة القائلين بتوجه الخطاب عند المباشرة\nقال لنا أن القدرة حينئذ قبل التكليف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال قلنا الإيقاع إن كان نفس الفعل فمحال في الحال وإن كان غيره فيعود الكلام إليه ويتسلسل قالوا عند المباشرة واجب الصدور قلنا حال القدرة والداعية كذلك.\nقد علمت اتباعه للإمام في اختيار أن التكليف إنما يتوجه حال المباشرة ولا يتوجه قبلها واستدل عليه بأن التكليف مشروط بحصول قدرة المكلف وحينئذ فيكون التكليف متوجها حال المباشرة ولا يكون متوجها قبلها أما تحقق القدرة حال المباشرة فلأن المراد من القدرة التمكن من الفعل والتمكن حاصل حينئذ وأما انتفاؤها قبل المباشرة فلأن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع إذ لو كان ممكن الوقوع لأمكن أن يفرض وقوعه ويكون ما فرضته أنه قبل المباشرة هو حال المباشرة وهذا خلف فوضح أن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع والممتنع لا قدرة عليه.\nقوله قبل التكليف أجاب الخصم عن القول بأنه إذا كان ممتنعا قبل المباشرة فلا يكلف به بأن التكليف الذي ادعينا أنه ثابت قبل المباشرة ليس هو التكليف بنفس الفعل حتى يلزم ما ذكرتم بل التكليف في الحال يعني قبل المباشرة تكليف بالإيقاع في ثاني الحال يعني حال المباشرة.\nواعترض المصنف على هذا الجواب بأن الإيقاع المكلف به إذا كان نفس الفعل فالتكليف به في الحال أي حال قبل الفعل محال وذلك لأنه يلزم من","vol":"1","page":168},{"text":"امتناع التكليف بالفعل قبل مباشرته امتناع التكليف بالإيقاع إذ الفرض أن الإيقاع هو نفس الفعل وإن كان الإيقاع غير الفعل فيعود الكلام إليه أي إلى هذا الإيقاع الذي كلف به ويقال هذا الإيقاع الذي وقع التكليف به إن وقع التكليف به حال وقوع الإيقاع لزم المدعي وهو توجه التكليف حال المباشرة وإن وقع التكليف به قبله لزم أن يكون مكلفا بما لا قدرة له عليه لأنا قررنا أن القدرة مع الفعل.\nفإن قلت التكليف قبل الإيقاع بإيقاع الإيقاع في ثاني الحال.\nقلت يعود الكلام إليه أيضا ويقال إيقاع الإيقاع الذي كلف به إما أن يكون نفس الفعل أو غيره ويتسلسل فتعين أن يكون توجه التكليف حال المباشرة لا قبلها.\nقوله إشارة إلى حجة ذكرها المعتزلة وهي أن الفعل حال المباشرة واجب الصدور عن المكلف لامتناع الترك منه حينئذ وكل ما كان واجب الوقوع فليس بمقدور وما ليس بمقدور لا يتوجه التكليف نحوه فلا يتوجه التكليف نحو الفعل حال المباشرة وأجاب بأنه لما كانت القدرة هي التمكن من الفعل والداعية هي ميل الإنسان إلى الفعل أو الترك إذا علم أو ظن أن له في الفعل مصلحة أو مفسدة وإذا اجتمعت القدرة والداعية سميت علة تامة وإذا وجدت فقيل يجب وقوع الفعل وقيل لا يجب بل يكون الفعل أولى وإذا عرفت هذا فنقول الفعل يترتب وجوده على وجود القدرة مع الداعية فيكون مأمورا حال القدرة والداعية عند الخصم لكونه من جملة الأزمان التي قبل الفعل مع أن الفعل واجب الصدور في تلك الحالة فانتفى ما ذكرتموه ويمكن أن يقرر على وجه آخر فيقال القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل ولا امتناع في كون المؤثر مقارنا للأثر فتكون القدرة مقارنة للفعل مع كونه واجب الوقوع فبطل دعواكم أن ما كان واجب الصدور لا يكون مقدورا والتقرير الأول أقرب إلى كلام المصنف وهو يتمشى على تقدير التزام الخصم أن العلة مع المعلول والثاني يتمشى على تقدير قوله: العلة قبل المعلول وتوجيه كلام المصنف على","vol":"1","page":169},{"text":"التقرير الثاني أن يقال فإما يكون التكليف حال القدرة والداعية معه ويلزم من مجموعهما وجوب الوقوع وقد اعترض العبري بأنه إذا كان الفعل قبل المباشرة غير مقدور عليه وعند المباشرة واجب الوقوع فيلزم التكليف بالممتنع أو الواجب وهو محال هذا شيء ما في الكتاب على الاختصار والمسألة دخيلة في هذا العلم والكلام فيها مما لا يكثر جدواه والذي نقوله هو أن الحق في أحد جهتين مرجعهما.\nأحداهما: القول بأن التكليف متوجه قبل المباشرة وحال المباشرة أيضا وهو المنقول عن المحققين.\nوالثانية: أن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة وهو مختار الإمام وصاحب الكتاب وهو عندنا منقدح لا يمنعنا عن الجزم به إلا ما سنذكره بعد سؤال وجواب نوردهما إن شاء الله تعالى.\nفإن قلت هذا يؤدي إلى أن المكلف لا يعصى بترك مأمور به لأنه إن أتى به كان ممتثلا وإن لم يأت كان مغدورا لعدم التكليف.\nقلت هذا من الأسئلة التي قامت بها الشناعة على القائل بهذه المقالة وجوابه عندنا دقيق فنقول إذا كان التكليف متوجها حال المباشرة فهو في حال ترك المأمور به مباشر للترك والترك فعل وهو حرام فقد باشر الترك فتوجه عليه التكليف بالحرمة حال مباشرة الترك والعقاب ليس إلا على الترك وهذا في غاية الحسن وقد أشار إليه إمام الحرمين في مسألة تكليف ما لا يطاق وهو أجل ما يستفاد من شرحنا في هذه المسألة وليس عندي فيه إلا أنه يلزم منه أن يقال تارك الصلاة مثلا غير مكلف بالصلاة بترك ترك الصلاة الذي يلزم منه الصلاة وقد ادعى إمام الحرمين اتفاق أهل الإسلام على أن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام فإن صح الإجماع هكذا فهل يصد عن القول بأن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة.\nوإن أمكن رده إلى ترك الترك كما قررنا فهذا المذهب منقدح.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المحكوم به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المسألة الأولى: جواز التكليف بالمحال</span>\n...\nالفصل الثالث في المحكوم به وفيه عدة مسائل\nالأولى: في جواز التلكيف بالمحال\nقال الفصل الثالث في المحكوم به وفيه مسائل:\nالأولى: التكليف بالمحال جائز لأن حكمه لا يستدعي غرضا قيل لا يتصور وجوده فلا يطلب قلنا إن لم يتصور امتنع الحكم باستحالته.\nما لا يقدر العبد عليه قد يكون معجوزا عنه متعذرا عادة لا عقلا كالطيران في الهواء وقد يكون متعذرا عقلا ممكنا عادة كمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن فإن إيمانه مستحيل والحالة هذه عقلا لتعلق علم الله به وإذا سئل ذوو العوائد عنه حكموا بأن الإيمان في إمكانه وهكذا كل طاعة قدر في الأزل عدمها وقد يكون متعذرا عادة وعقلا كالجمع بين السواد والبياض.\nإذا عرفت هذا فمحمل النزاع في التكليف بالمستحيل إنما هو المتعذر عادة سواء كان معه التعذر العقلي أم لا أما المتعذر عقلا فقط لتعلق علم الله به فأطبق العقلاء عليه وقد كلف الله الثقلين أجمعين بالإيمان مع قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١ فنقول ذهب جماهير الأصحاب إلى أنه يجوز التكليف بالمحال وذهبت المعتزلة إلى امتناع التكليف بالمحال مطلقا وإليه ذهب بعض أصحابنا كالشيخ أبي حامد وإمام الحرمين والغزالي واختاره الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد٢ كما صرح به في شرح العنوان وذهب قوم\n_________\n١ سورة يوسف ﵇ آية ١٠٣.\n٢ هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع المنفلوطي المصري نشأ في قوص بصعيد مصر ولد في...........=","vol":"1","page":171},{"text":"إلى أنه إن كان ممتنعا لذاته لم يجز وإلا جاز واختاره الآمدي وادعى أن الغزالي مال إليه وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يجوز أن يرد التكليف بالمحال فإن ورد لا نسميه تكليفا بل يكون علامة نصبها الله على عذاب من كلف بذلك واستدل في الكتاب على الجواز مطلقا بأن امتناع التكليف عند القائل به إنما هو لكونه عبثا وذلك مبني على تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض وهو باطل وهذا يصلح ردا على من بنى الامتناع على ذلك وهم المعتزلة وأما من وافقهم مع أصحابنا فلهم مأخذ آخر.\nواحتج المعتزلة ومن وافقهم بأن المحال لا يتصور لأن كل ما يتصور بالعقل فهو معلوم إذ التصور من جملة أقسام العلم وكل معلوم متميز وكل متميز ثابت لأن التميز صفة وجودية ولا بد لها من موصوف موجود ضرورة عدم قيام الموجود بالمعدوم فلو كان متصورا لكان ثابتا ولكنه غير ثابت فلا يكون متصورا وإذا كان غير متصور فلا يكلف به لأنه والحالة هذه مجهول.\nقال الغزالي والمطلوب ينبغي أن يكون مفهوما للمكلف بالاتفاق وأجاب المصنف بأنه إن كان غير متصور كما ذكرتم فيمتنع منكم الحكم عليه لأن الحكم على الشيء فرع تصوره فلم حكمتم عليه بالاستحالة؟\nولقائل أن يقول الحكم بالاستحالة إنما يتوقف على تصوره في الذهن لا على تصور وجوده في الخارج ولا يمتنع تصوره في الذهن وليس المراد من قوله لا يتصور وجوده الوجود الذهني بل الخارجي وهذا حق وجوابه أن لا نسلم أن كل ما لا يتصور وجوده في الخارج لا يطلب وهل النزاع إلا فيه.\n_________\n= شعبان سنة ٦٢٥ هـ بينبع من أرض الحجاز وكان والده في رحلة الحج فطاف به حول الكعبة داعيا له فاستجاب الله دعاه فكان ولده من العلماء العالمين وذاع صيته واشتهر بالصلاح والتقى حتى لقب بـ تقي الدين.\nمن مؤلفاته شرح كتاب عمدة الأحكام الإمام والإلمام في أحاديث الأحكام مقدمة المطرزي في أصول الفقه.\nتوفي رحمه الله تعالى في صفر سنة ٧٠٢ بالقاهرة ودفن بالقرافة الصغرى شذرات الذهب ٥/٦ الدرة الكامنة ٤/٩٤ درة الحجال ٢/١٥.","vol":"1","page":172},{"text":"قال غير واقع بالممتنع لذاته كإعدام القديم وقلب الحقائق.\nاختلف القائلون بجواز التكليف بالمحال في وقوعه فذهب الجمهور إلى عدم وقوعه والمختار عند المصنف التفصيل الذي ذكره وهو عدم الوقوع بالممتنع لذاته كقلب الحقائق مع بقاء الحقيقة الأولى وإعدام القديم هذا ما ذكره وهو يفهم وقوع الممتنع لغيره والحق فيه التفصيل أيضا فإن كان مما قضت العادة بامتناعه كحمل الصخرة العظيمة للرجل النحيف فحكمه حكم الممتنع لذاته في الجواز وعدم الوقوع وأما ما امتنع لتعلق العلم به فذاك ليس محل النزاع بل هو واقع بالإجماع كما سلف.\nفائدة قد عرفت ما عليه جمهور الأصحاب من تجويز للتكليف بالمحال واختلافهم في الوقوع على الوجه الذي رأيت فأما التجويز فهو المنقول عن أبي الحسن وهو لازم على قضايا مذهبه وأما الوقوع فقد نقلوا اختلافا عنه فيه.\nقال إمام الحرمين وهذا لسوء معرفة مذهب الرجل فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة عنده على خلاف الاستطاعة.\nقال ويتقرر هذا من وجهين:\nأحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل والأمر بالفعل يتوجه على المكلف قبل وقوعه وهو إذ ذاك غير مستطع قال ولا يدفع ذلك قول القائل إن الأمر بالفعل نهي عن أضداده والمأمور بالفعل قبل الفعل إن لم يكن قادرا على الفعل فهو قادر على ضد من أضداده ملابس له فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن اضداده قال وأيضا فإن القدرة إذا قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل والفعل مقصود مأمور به وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه.\nوالثاني: أن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها بل مقدورها مخلوق الله تعالى والعبد مطالب بما هو من فعل ربه قال ولا معنى للتمويه بالكسب فإنا سنوضح سر ما نعتقده في خلق الأفعال انتهى.","vol":"1","page":173},{"text":"ولقائل أن يقول على الأول قولكم ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده قلنا الكلام على رأي الشيخ وهو يرى ذلك لا على رأيكم قال صفي الدين الهندي بل الجواب عنه أن ما هو متلبس به عند ورود الخطاب ليس ضدا له وهو الآن ضده الوجودي المنهي عنه وهو الذي يستلزم للتلبس به تركه في الزمان الذي أمر بإيقاع الفعل فيه وهو في زمان ورود الخطاب لم يتلبس به لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إن كان الأمر للفور سلمنا أن ذلك ضده المنهي عنه لكنه حاصل عند ورود الخطاب والأمر بترك الحاصل محال اللهم إلا أن يقال إنه مأمور بترك ما هو متلبس به في المستقبل وذلك إنما يكون بإقدامه على المأمور به وحينئذ يعود المحذور المذكور.\nواعلم أن الوجه الأول لا يلزم على الشيخ إلا إذا قال بتوجه الأمر قبل الفعل وفيه ما تقدم من النزاع في المسألة المتقدمة وأما الوجه الثاني فلا يلزم تجويز التكليف بالممتنع لذاته أو الممتنع عادة.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>أدلة القائلين بعدم الوقوع</span>\nقال للإستقراء ولقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .\nاستدل على أنه غير واقع بالممتنع لذاته بوجهين:\nأحدهما: الاستقراء فإنا استقرينا فلم نجد في التكاليف الشرعية ما هو متعلق بالممتنع لذاته.\nوالثاني: قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١ والممتنع لذاته غير وسع المكلف أي غير مقدور له فلا يكلف به ولك أن تقول هذه الآية تدل على عدم التكليف بالممتنع لذاته والممتنع لغيره لا الممتنع لذاته فقط فيلزم من استدل بها منع الوقوع فيهما ما لم يأت بدليل يخرج الممتنع لغيره.\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٨٦.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>دليل القائلين بالوقوع</span>\nقيل أمر أبا لهب بالإيمان بما أنزل ومنه أنه لا يؤمن فهو جمع بين النقيضين قلنا لا نسلم أنه أمر به بعد ما أنزل أنه لا يؤمن.\nهذا دليل القائلين بوقوع التكليف بالمحال لذاته ويصلح أن يكون اعتراضا على الدليل الأول وهو الاستقراء وتقريره أن أبا لهب مأمور بالجمع بين التقيضين لأنه مأمور بالإيمان والإيمان عبارة عن تصديق النبي ﷺ في ذلك ولا يتم تصديقه في ذلك إلا بعدم الإيمان فوجب أن يؤمن وأن لا يؤمن وهو جمع بين النقيضين.\nوأجاب بأن أمر أبي لهب بالإيمان لم يكن في حال الإخبار بعدم الإيمان بحسب الزمان فلم يقع التكليف بالجمع بين النقيضين وهو جواب باطل فإن أبا لهب مأمور بالإيمان قبل الإخبار وبعده الإجماع وإنما الجواب أن هذا ليس من باب الممتنع لذاته بل من الممتنع لغيره وذلك أنه تعالى أخبر أنه لا يؤمن فاستحال إيمانه ضررورة صدق خبر الله تعالى وعدم وقوع الخلف في خبره فإذا أمره بالإيمان والحالة هذه فقد أمره بما هو ممكن في نفسه وإن كان مستحيلا لغيره كما قلناه فيمن علم أنه لا يؤمن وها هنا تنبيهان:\nأحدهما: وذكره القرافي أن الجمع بين النقيضين على ما قرروه إنما يتم أن لو كان مكلفا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو ليس بجيد بل الصواب حذف الواو فيقال كلف بأن يؤمن بأن لا يؤمن وهو مدلول الأمر بالإيمان وإذا كان مكلفا بأن يصدق الخبر بأنه لا يؤمن لا يلزم أن يكون مكلفا بجعل الخبر صادقا ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك أن زيدا سيكفر بالله غذا فإنه يجب عليك تصديقه فيما أخبر به ولا يجب عليك أن تجعل زيدا كافرا بل يحرم عليك وأبو لهب والحالة هذه إنما كلف بأن يصدق بأنه لا يؤمن إلا بأن يجعل الخبر صادقا ويسعى في عدم إيمان نفسه.","vol":"1","page":175},{"text":"والثاني تعبير المصنف بالنقيضين غير مستقيم فإنه نظر إلى وقوع التكليف بالإيمان وعدمه وهما نقيضان ولكن العدم غير مقدور عليه فلا يكلف به بل المكلف به على التقدير الذي أشار إليه كف النفس عن الإيمان والكف فعل وجودي فالصواب التعبير بالضدين كما فعل الإمام.\nفائدة ناقش القرافي في التمثيل بأبي لهب وقال إنما يتوهم أن الله أخبر بعدم إيمانه من قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ١ ولا دليل فيه لأن التب هو الخسران وقد يخسر الإنسان ويدخل النار وهو مؤمن لمعاصيه وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢ فمخصوصة ولقائل أن يقول لا مشاحة في المثال ولا شك أنه تعالى أخبر عن أقوام أنهم لا يؤمنون من الآية التي ذكرها وإن كانت مخصوصة وذلك كاف في المثال فإن أولئك الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون مأمورون بالإيمان إجماعا بل لمن يشاحح القرافي أن يقول إخباره تعالى عن أبي لهب أنه سيصلى نارا أقل أحواله أن يكون صليه إياها بمعاص صدرت منه كما ذكرتم والآية نزلت وهو كافر فيكون العقاب على معاص تصدر منه في حال الكفر فنقول حينئذ إن قلنا إن الكافر غير مكلف بالفروع فهذا منتصف ولا بد أن تكون النار التي استوجبها بعدم الإيمان وإن قلنا أنه مكلف فلو قدر إسلامه بعد ذلك كما فرضتم لكان غير معاقب على تلك المعاصي التي صدرت منه في حال الكفر لأن الإسلام يجب ما قبله فتعين أن يكون العقاب على ترك الإيمان وهو المطلوب.\n_________\n١ سورة المسد آية ١.\n٢ سورة البقرة آية ٦.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المسألة الثانية: تكليف الكفار</span>\n...\nالمسألة الثانية في تكليف الكفار\nقال الثانية الكافر مكلف بالفروع خلافا للحنفية وفرق قوم بين الأمر والنهي.\nأطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطبون وباعتبارها مطالبون ولا اعتداد بخلاف مبتدع يشبب بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارا فلا يكلف به وأجمعت الأمة كما نقله القاضي أبو بكر على تكليفهم بتصديق الرسل وبترك تكذيبهم وقتلهم وقتالهم ولم يقل أحد إن التكليف بذلك متوقف على معرفة الله تعالى.\nوأما فروع الدين فقال الشافعي ومالك وأحمد إنهم مخاطبون بها وخالفت الحنفية وهو قول الشيخ أبي حامد الاسفرايني من أصحابنا وذهب قوم إلى أن النواهي متعلقة بهم دون الأوامر وربما ادعى بعضهم أنه لا خلاف في تعلق النواهي وإنما الخلاف في الأوامر قال والدي ﵀ وهي طريقة جيدة وفي المسألة مذهب رابع أن المرتد مكلف دون غيره لالتزام المرتد أحكام الإسلام ولا معنى لذلك لأن مأخذ المنع فيهما سواء وهو جهله بالله تعالى وزعم القرافي أنه مر به في بعض الكتب حكاية قوم وأنهم مكلفون بما عدا الجهاد دون الجهاد لامتناع قتالهم أنفسهم.\nواعلم أن هذه المسألة إنما ذكرت على صفة المثال لأصل وهو أنه هل حصول الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف أم لا وهي مسألة مشهورة وهنا مباحثتان:","vol":"1","page":177},{"text":"احدهما: أن تكليف الكافر بالصلاة والصوم والحج ونحوها لا إشكال فيه لتمكنه من إزالة المانع والفعل بعده كالمحدث وحصول الشرط الشرعي غير مشروط في صحة التكليف على الرأي الصحيح أما الزكاة فقد يقال في تكليفهم بها إشكال لأن شرطها بعد ملك النصاب مضي الحول وإنما يجب بتمامه فإذا تم الحول وهو كافر كيف يكلف بزكاته وهو لا يمكنه فعلها في حال الكفر ولا بعده لأنه لا أسلم اشترط مضي حول من وقت إسلامه وهذا بخلاف الصلاة حيث يمكن فعلها في الوقت وجواب هذا الإشكال بأنه إذا تم الحول كلف بإخراجها بأن يسلم ويخرجها بعده فالتكليف بإخراجها بعد الإسلام الآن متحقق ولكنه إذا أسلم تسقط ويكون بمثابة نسخ الشيء قبل إمكان فعله وذلك جائز فما كلفناه بمستحيل بل بممكن فإن استمر على كفره كان التكليف مستمرا وإن أسلم سقط ويظهر بهذا معنى قول الأصوليين كما ستعرفه إن شاء الله.\nالفائدة تضعيف العذاب في الآخرة ومضي الحول ليس من شرطه الإسلام والذي يستأنف حوله بعد الإسلام زكاة الحول الثاني.\nأما الأول فقد استقر وجوبه وهو متمكن من الإخراج.\nوفي الزكاة ثلاثة أشياء:\nالخطاب بأدائها وهو حاصل لما بيناه.\nوالثاني: ثبوتها في الذمة وهو حاصل أيضا لا يفترق الحال بين المسلم والكفار فيه.\nالثالث: تعلقها بالمال وهذا يظهر أنه في المسلم خاصة دون الكافر لما سنعرفه على الأثر إن شاء الله فنقول:\nوالمباحثة الثانية: أن إطلاق الخلاف بخطاب الكفار بالفروع ربما يتوهم منه أن من يقول بتكليفهم بالفروع يقول كل حكم ثبت في حق المسلمين ثبت في حقهم ومن لا يقول بذلك يقول لا يثبت في حقهم شيء من فروع الأحكام","vol":"1","page":178},{"text":"وليس الأمر على هذا التوهم وكشف الغطاء في ذلك أن الخطاب على قسمين:\nخطاب تكليف وخطاب وضع فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف وليس كل تكليف أيضا بل ما لم نعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين وإنما المراد العامة التي شملهم لفظا هل يكون الكفر مانعا من تعلقها بهم.\nأولا: وأما خطاب الوضع فمنه ما يكون سببا لأمر أو نهي مثل كون الطلاق سببا لتحريم الزوجة قال والدي ﵀ فهذا من محل الخلاف أيضا والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أيضا وربما يقول المانع من التكليف هو سبب ولكن قارنه مانع والعبارتان إن وقع فيهما تشاجر فهو لفظي.\nومن خطاب الوضع كون اختلافهم وجناياتهم سببا في الضمان وهذا ثابت في حقهم إجماعا بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي وكون وقوع العقد على الأوضاع الشرعية سببا فيه في البيع والنكاح وغيرهما فهذا لا نزاع فيه وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في حق المسلم وكذا كون الطلاق سببا للفرقة فإن الفرقة تثبت إذا قلنا بصحة أنكحتهم ومن هذا القبيل الإرث والملك به ولولا ذلك لما شاع بيعهم لمواريثهم وما يشترونه ولا معاملتهم وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية والخلاف في ذلك لا وجه له.\nقال والدي بل ما أظن أحدا يتحقق عنه القول بأن النكاح الصادر منهم على الأوضاع الشرعية يكون فاسدا والصحة حكم شرعي وهي ثابتة في حقهم ومن يقول بأن الصحة حكم عقلي مراده مطابقة الأمر فهي حاصلة في حقهم لمطابقة عقدهم الوجه المشروع وأوضح دليل على ثبوت الصحة في حقهم من غير نزاع أن أبا حنيفة قال بها في الأنكحة وهو صدر القائلين بعدم تكليفهم بالفروع وأما صحة البيع ونحوه إذا جرى على الوضع الشرعي فلا تعلم من يقول بفساده في حقهم.","vol":"1","page":179},{"text":"ومن خطاب الوضع ثبوت المال في ذمتهم في الديون وفي الكفارات عند حصول أسبابها ولا نزاع في ثبوت ذلك حقهم كما ثبتت في حق المسلمين وكذلك تعلق الحقوق التي يطالبون بأدائها فأموالهم مثل تعلق أروش الجنايات برقاب الجناة ونحوذلك وعكس هذا تعلق الزكاة بالمال تعلق رهن كما قاله بعض الفقهاء أو جناية كما قاله بعضهم أو شركة كما هو الأصح من مذهب الشافعي فظهر أنه لا يثبت في حقهم وإن قلنا إنهم مخاطبون بالزكاة لأمرين.\nأحدهما: أن المقصود أنهم يأثمون بتركها وليس المقصود أنهم تؤخذ منهم في كفرهم والتعلق المذكور إنما يقصد به تأكيد الوجوب لأجل الأخذ ليصان الواجب عن الضياع فلا معنى لإثباته في حق الكافر لأنه إن دام على الكفر لم يوجد منه وإن أسلم سقطت وما كان كذلك لا معنى للتعلق الذي هو توثقة فيه والموجود في حق الكفار إنما هو الأمر بأدائها وهذا مشترك بينهم وبين المسلمين وثبوتها في الذمة قدر زائد على ذلك قد يقال به في الكافر أيضا وإثبات تعلقها بالدين أمر ثالث يختص بالمسلم لا وجه للقول به في الكافر.\nالثاني: أن المعتمد في ثبوت الشركة قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١ ولا مرية في أن الكافر لا يدخل في ذلك وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر ﵁ وفيه هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين وفيه كل خمس شاة ولا يلزم من إثبات هذا التعلق في حق المسلمين إثباته في حق الكافرين لظهور الفرق على ما قدمناه ولا شك أن الأدلة الواردة في أحكام الشريعة.\nمنها ما يتناول لفظه الكفار مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ونحوه فيتعلق بهم حكمه على القول بتكليفهم بالفروع\nومنها ما لا يشملهم لفظه كما ذكرناه من الآية والحديث كالآيات التي فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونحوه فلا تتناولهم لفظا.\n_________\n١ سورة التوبة: آية ١٠٣.","vol":"1","page":180},{"text":"قال والدي ﵀ ولا يثبت حكمها لهم وإن قلنا إنهم مخاطبون بالفروع إلا بدليل منفصل أو تبين عدم الفرق بينهم وبين غيرهم والاكتفاء بعموم الشريعة لهم ولغيرهم وأما حيث يظهر الفرق أو يمكن معنى غير شامل لهم فلا يقال بثبوت ذلك الحكم لهم لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل والتعلق قدر زائد على الوجوب فلا نثبته في حقهم بغير دليل ولا معنى.\nومن خطاب الوضع كون الزنا سببا لوجوب الحد وذلك ثابت في حقهم ولذلك رجم النبي ﷺ اليهوديين١ ولا يحسن القول ببناء ذلك على تكليفهم بالفروع فإنه كيف يقال بإسقاط الإثم عنهم فيما يعتقدون تحريمه لكفرهم وهذا في الكتابي الذي يعتقد شرعا أما من لا يعتقد شيئا فيجري الخلاف في تعلق التحريم به في جميع المحرمات وقد قال الأستاذ أبو إسحق في أصوله لا خلاف أن خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه عليهم كما هو في المسلمين ونص الشافعي على أن حد الزنا لا يسقط بالإسلام.\nفانظر هذه المواضع وتأملها ونزل كلام العلماء عليها ولا يظنن الظان مخالفة ما ذكرناه لعبارات الأصوليين لأنهم إنما قالوا التكليف بالفروع فلا يرد خطاب الوضع عليهم.\n_________\n١ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله – ﷺ – \"ما تجدون في التوراة؟ \" قالوا نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم قالوا صدق فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما.\nفتح القدير للشوكاني ٢/٤٣، ٤٤.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>أدلة القائلين بتكليف الكفار</span>\nقال لنا أن الآيات الآمرة بالعبادة تتناولهم والكفر غير مانع لإمكان إزالته وأيضا الآيات الموعدة بترك الفروع كثيرة مثل فويل للمشركين وأيضا فإنهم كلفوا بالنواهي لوجوب حد الزنا عليهم فيكونون مكلفين بالأمر قياسا.\nاستدل على المختار بأوجه.\nالأول: أن المقتضى لتناول الكفار قائم مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ١ وغيرها والكفر لا يمنع من التناول للتمكن من إزالته فأشبه الحدث مانع من الصلاة إذ كل منهما مانع ممكن الزوال وما قال أحد من المسلمين إن المحدث لا يكلف بالصلاة حتى نبغ أبو هاشم٢ وقال منكرا من القول وزورا قلت والاستدلال بنحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مستقيم وأما ما حكى عن ابن عباس ﵄ أنه قال كل ما جاء في القرآن يا أيها الناس فالمراد المؤمنين فلم يصح عنه٣.\n_________\n١ سورة البقرة: آية ٢١.\n٢ هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجباني وإليه تنسب طائفة الهاشمية من المعتزلة ويقال لهم الذمية لقولهم باستحقاق الذم لا على فعل.\nتوفي ببغداد سنة ٣٢١ هـ.\nابن خلكان ١/٣٦٧ البغداد ١١/٥٥.\n٣ يؤيد ذلك ما رواه الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ قال: وقال مجمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين.\nتفسير ابن كثير ج ١ ص ٨٦ ط الشعب.","vol":"1","page":182},{"text":"الثاني: أن الآيات الموعدة بترك الفروع مثل قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ١ ومثل قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ٢ دلت على أنهم كلفوا ببعض الفروع فيكونون مكلفين بالباقي إذ لا قائل بالفرق أو بالقياس.\nالثالث: وهو دليل على من فصل وقال تتناولهم المناهي دون الأوامرولك أن تجعله دليلا على الفريقين وبه يشعر إيراد المصنف حيث استدل بتناول النهي ولو جعله دليلا على من وافق في النهي لم يحتج إلى الإستدلال وتقريره أن الدليل على أن النهي يتناولهم وجوب حد الزنا عليهم فيلحق به الأمر بجامع مطلق الطلب.\nفإن قلت لانسلم بأنه يتناول الكافر النهي ولا يرد وجوب حد الزنا لأنه التزم أحكامنا بعقد الجزية أو غيرها ولذلك لا نحد الحربي.\nقلت الالتزام بمجرده لا يوجب الحد.\nفإن قلت قال أبو عبد الله بن خويد ومنداذ المالكلي إنهم إنما يقطعون السرقة ويقتلون في الحرابة من باب الدفع فهو تعزيز لا حد لأن الحدود كفارات لأهلها وليست هذه كفارات ومقتضى ذلك ألآ يجب حد الزنا لما ذكره.\nقلت مقالته هذه فاسدة فإن الحدود إنما تكون كفارة لأهلها إذا كانوا مسلمين كما صرح به الشافعي والكافر ليس من أهل الأجر ولا الثواب ولا الطهرة وإنما هي في حقه كالديون اللازمة ولذلك نلزمه بكفارة الطهار ونحوها ولا يزول عنه بها إثم.\nقال قيل الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال وأجيب بأن مجرد الفعل\n_________\n١ سورة فصلت: آية ٦، ٧.\n٢ سورة المدثر آية ٤٢، ٤٣.","vol":"1","page":183},{"text":"والترك لا يكفي فاستويا وفيه نظر قيل لا يصح مع الكفر ولا قضاء بعده.\nقلنا الفائدة تضعيف العذاب.\nلما قاس الأمر على النهي بالجامع الذي بينه اعترض الخصم وزعم ثبوت الفرق من جهة أن النهي من باب التروك فلا يحتاج إلى النية بخلاف الأمر وإذن يمكن للكافر الانتهاء عن المنهيات مع كفره ولا يمكنه الإتيان بالمأمورات وأجيب عن هذا الاعتراض بأنك إن عنيت بقولك يمكنه الانتهاء عن المنهيات أنه يتمكن من تركها من غير اعتبار النية فكذلك المأمورات وإن عنيت أنه متمكن من الانتهاء عن المنهي لغرض امتثال قول الشرع فهذا حالة الكفر متعذر فاستوى المأمور والمنهي في أن الإتيان بهما من حيث الصورة غير متوقف على الإيمان والإتيان بهما لغرض الامتثال متوقف على الإيمان فبطل الفرق قال صاحب الكتاب وفي هذا الجواب نظر ووجهه أن المكلف إذا ترك المنهي عنه سقط عنه العقاب ولم ينو بخلاف المأمور به فإنه لا يحصل الأجر إذا لم ينو.\nواحتج من قال بعدم تكليف الكفار بالفروع بأنها لو وجبت عليهم لكانت إما في حال الكفر أو بعده والأول باطل لامتناع الإتيان بها في تلك الحالة وكذلك الثاني لإجماعنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمن بالقضاء لقوله ﵇: \"الإسلام يجب ما قبله\" ١ وأجاب المصنف بأن فائدة قولنا إنهم مكلفون بالفروع تضعيف العذاب عليهم يوم القيامة ولقائل أن يقول التعذيب في الآخرة متوقف على سبق التكليف لا محالة ويعود الكلام إلى أن التكليف بها إما في حالة الكفر أو بعده بل الجواب أنا نقول هو مكلف بإيقاع ذلك.\n_________\n١ حديث الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن العاص ٤/١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٥.\nويؤيده حديث ابن مسعود أن رسول الله – ﷺ – قال: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ لما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\" صحيح البخاري كتاب استتابة المرتدين ٩/١٧، ١٨ ومسلم كتاب الإيمان باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية ١/٧٧.\nكما يؤيد ذلك كله قول الله ﵎ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ لأنفال:٣٨","vol":"1","page":184},{"text":"بأن يسلم ويوقع وأما قوله ﷺ: \"الإسلام يجب ما قبله\" فحجة لنا لأن قوله يجب يقتضي سبق التكليف به ولكن يسقط ترغيبا في الإسلام ومن الدلائل الواضحة على أن الكافر مكلف بالفروع مطلقا ولم أر من ذكره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ١ إذ لا يمترى الفهم في أن زيادة هذا العذاب إنما هو بالافساد الذي هو قدر زائد على الكفر إما الصد أو غيره وأما قول الأصوليين الفائدة تضعيف العذاب في الآخرة فصحيح ولم يريدوا أنه لا يظهر فائدة الخلاف إلا في الآخرة وإن أفهمته عبارة طوائف منهم فينبغي أن يخصص كلامهم ويعلم أنه جواب عما ألزم به الخصوم في فروع خاصة لا يظهر فيها فائدة للخلاف فيها كالزكاة ونحوها وقد فرع الأصحاب على الخلاف الأصولي مسائل عديدة.\nواعلم أن الأقوال الثلاثة في خطاب الكفار بالفروع أوجه للأصحاب حكاها النووي في أوائل الصلاة من شرح المهذب وسبقه الشيخ أبو إسحق في شرح اللمع فوضح وجه اختلافهم في المسائل التي بنوها حسب اختلافهم في الأصول.\nمنها ذهب الأستاذ أبو إسحق إلى أنه يجب على الحربي ضمان النفس والمال تخريجا من أن الكفار مخاطبون بالفروع وعزى هذا إلى المزني٢ في المنثور.\nومنها إذا اغتسلت الذمية لتحل لمن يحل له وطؤها من المسلمين فهل يجب عليها إعادة الغسل إذا أسلمت فيه وجهان وفرق إمام الحرمين بين هذه وبين ما لو وجب على الذمي كفارة فأخرجها ثم أسلم لا يجب عليه الإعادة قطعا بأن الكفارة إنما تكون بالمال ولا تخلو الكفارة عن قصد شرعي من إطعام محتاج أو كسوة عار أو تخليص رقبة عن قيد رق وهذه المصلحة لا تختلف باختلاف\n_________\n١ سورة النحل آية ٨٨.\n٢ هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني صاحب الإمام الشافعي من أهل مصر كان عالما مجتهدا قوي الحجة له الجامع الكبير والصغير.\nتوفي سنة ٢٦٤ هـ الأعلام ١/١١٥، ١١٦ وفيات الأعيان ١/٢٢٣.","vol":"1","page":185},{"text":"أحوال فاعليها فإذا وجدت لا حاجة إلى إعادتها بخلاف ما تعبد به في حق الشخص نفسه كمسألتنا وكالصوم.\nومنها لو اغتسل الكافر عن جناية أو توضأ أو تيمم ثم أسلم فالمذهب الصحيح وجوب الإعادة.\nوالثالث: الفرق بين الوضوء والغسل.\nومنها هل يمكث الكافر الجنب في المسجد فيه وجهان.\nومنها هل يؤخذ في الجزية وفي ثمن الشقص المشفوع مما تيقنا أنه من ثمن الخمر المذهب أنا لا نأخذه وفيه وجه.\nومنها التصرف في الخمر حرام عليهم خلافا لأبي حنيفة وصرح في التتمة ببناء المسألة على الأصل المذكور فإن قلت لم لا جرى فيها خلاف مذهبي؟\nقلت شفاء الغليل في ذلك من وظائف كتابنا الأشباه والنظائر فعليك به.\nومنها إذا دخل الكافر الحرم وقتل صيدا لزمه الضمان وقال في المهذب يحتمل ألا يلزمه.\nخاتمة قول المصنف وغيره الفائدة تضعيف العذاب قد يفهم أن الخلاف في تكليفهم بالفروع يختص بما يترتب عليه حرج من مأمور ومنهي ويقتضي أن الإباحة لا تتعلق بهم لاسيما على قولنا إنها ليست من التكليف والظاهر تعلق الإباحة بهم فيما هو مباح قال والدي وقد يقال إن أقدامهم على المباح وهم غير مستندين فيه إلى الشرع الذي يجب عليهم اتباعه حرام لقيام الإجماع على أن المكلف لا يحل له الإقدام على فعل حتى يعلم حكم الله فيه فإن صح هذا فهم آثمون على جملة أفعالهم وهذا البحث عام في الكتابيين والمشركين قال والدي وهو مما لم أره لغيري وفيه عندي توقف ولا ينافي القول به الحكم بصحة أنكحتهم ومعاملاتهم لأن أثرها في الدنيا والمقصود عقابهم في الآخرة.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المسألة الثالثة امتثال الأمر يوجب الإجزاء</span>\nقال الثالثة امتثال الأمر يوجب الإجزاء لأنه إن بقي متعلقا به فيكون أمرا بتحصيل الحاصل أو بغيره فلم يمتثل بالكلية قال أبو هاشم لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد والجواب طلب الجامع ثم الفرق.\nإتيان المكلف بالمأمور بالمأمور به على الوجه المشروع موجب للإجزاء عند الجمهور وخالفهم أبو هاشم وعبد الجبار١ وحجة الجمهور أنه لو لم يكن الامتثال موجبا للإجزاء لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيا إما لذلك المأتي به ويلزم تحصيل ا. لحاصل أو لغيره ويلزم ألا يكون الإتيان به بتمام المأمور به بل ببعضه والفرض خلافه\nوأعلم أن الإجزاء له تفسيران:\nأحدهما: سقوط التعبد به وهو الذي اختاره المصنف في أوائل الكتاب.\nوالثاني: سقوط القضاء وقد ضعفه ثم والخلاف في هذه المسألة إنما هو مبنى على تفسيره بسقوط القضاء أما إذا فسر بما اختاره المصنف فامتثال الأمر يكون محصلا للإجزاء من غير خلاف وإنما خالف أبو هاشم وأتباعه إذا بنى على ذلك التفسير فقالوا لايمتنع الأمر بالقضاء أيضا مع فعله فحاصل ما يقوله أبو هاشم أنه لا يدل على الإجزاء وإنما الإجزاء مستفاد من عدم دليل\n_________\n١ هو أبو الحسين عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني شيخ المعتزلة في زمانه. طج\nمن مؤلفاته تنزيه القرآن عن المطاعن العمد في أصول الفقه.\nتوفي بالري سنة ٤١٥ هـ الأعلام ٢/٤٧٦.","vol":"1","page":187},{"text":"يدل على وجوب الإعادة ولا خلاف بين أبي هاشم وغيره في براءة الذمة عند الإتيان بالمأمرو به١ وقد شبه القرافي هذا الخلاف في مفهوم الشرط كما إذا قال إن دخلت الدار فأنت حر فمن قال لا مفهوم للشرط قال عدم عقته ما لم يأت بالمشروط مستفاد من الملك السابق ومن قال له مفهوم قال هو مستفاد من ذلك ومن مفهوم الشرط أيضا وكذلك الخلاف الذي هنا وإذا عرفت ذلك أن أبا هاشم لا يقول ببقاء شغل الذمة بعد الفعل لأن الأمر بمجرده لا يدل عليه وحينئذ فدليل المصنف عليه دليل في محل الوفاق لا معترض به عليه وهذا هو التحرير في نقل مذهب أبي هاشم وكذلك نطق به جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العبد في شرح العنوان واحتج أبو هاشم على مذهبه بأن النهي لا يدل على الفساد بدليل البيع وقت النداء فكذلك الأمر لا يدل على الإجزاء وإليه الإشارة بقوله لا يوجبه أي لا يوجب الأمر الإجزاء كما لا يوجب النهي الفساد.\nوالجواب أولا طلب الجامع بين المقيس والمقيس عليه وهو الأمر والنهي فإن أتى به بأن قال الجامع أن كلا منهم طلب لا إشعار له بذلك أو أنهما متضادان والشيء محمول على ضده كما هو محمول على مثله أجبنا ثانيا بالفرق وهو أن مقتضى الأمر الإتيان بالمأمور به فلو لم يكن موجبا للإجزاء لم يكن للأمر فائدة لأنه حينئذ يكون كأنه قال افعل هذا وإن فعلت فكأنك لم تفعل بخلاف النهي فإن مقتضاه الانكفاف عن المنهي وقد يكون الانكفاف بحكم آخر كالنهي عن البيع وقت النداء مع مجامعته للصحة ولهذا يصح أن يقال لا تفعل هذا وإن فعلته يكون فعلك صحيحا.\n_________\n١ اتفق الجميع على أن الإتيان بالمأمور به على وجه الصحيح يدل على الإجزاء بمعنى امتثال الأمر واتفقوا على عدم الإجزاء بمعنى عدم سقوط القضاء إذا اختل شرط في المأمور به وإنما الخلاف في الإجزاء بمعنى القضاء فيما إذا أتى المكلف بالمأمور به على صفة الكمال فهل الإتيان به على الوجه المأمور به يستلزم سقوط القضاء؟ فالجمهور من الأصوليين والفقهاء على أنه يستلزمه وعليه أكثر المعتزلة وقال بعض المعتزلة ومنهم أبو هاشم لا يوجبه.\nوانظر الإحكام للآمدي ٢/١٦٢.","vol":"1","page":188},{"text":"فإن قلت الحاج إذا فسد فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج وإذا مضى فيه كما أمر لزمه في مستقبل الزمان حج صحيح ولم يقع إذن مضيه مجزئا وإن كان مأمورا به.\nقلت قال إمام الحرمين هذا قول من يتلقى الحقائق في الأصول من خيالات في مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع فنقول إن كان ما خاض أولا حجا مفروضا فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم والإفساد مناف لحق الامتثال وليس المضي في الفاسد مقتضى الأمر بالحج الصحيح وإنما هو متلقى من أمر جديد يختص بالحج فيثبت الجريان في الفاسد بأمر جديد وبقي على المفسد حق القيام بالأمر الأول وإن كان الحج تطوعا فيجب القضاء على المفسد بأمر جديد وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي قال وهذا لا غموض فيه وقد يتعارض على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بعد الإحصار وحظ الأصولي من هذه المسائل تقرير أمر جديد في كل ما لا يتلقى من الأمر الأول وهذا ليس بالعسر بل هو مقطوع به والله أعلم وبه التوفيق.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الكتاب الأول في الكتاب وهو القرآن الكريم</span>\nقال الكتاب الأول في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة وأقسامهما وهو ينقسم إلى أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ومنسوخ وبيان ذلك في أبواب.\nالكتاب هو القرآن وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه وقد خرج بقولنا المنزل الكلام النفسي وكلام البشر وبالإعجاز الأخبار الربانية وسائر الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور إن لم يقل إنها معجزة وقولنا بسورة منه أي ببعض ولو ساوى أقصر سورة منه كالكوثر وخرج بذلك سائر الكتب المنزلة إن قيل بإعجازها فإنها حينئذ وإن أنزلت للإعجاز لكن لم يكن الإعجاز بسورة منها وهذا التعريف صادق على الآية وعلى بعضها أيضا لأنه يصدق عليها أن قدر سورة من نوعه معجزة ولما كان الكتاب منزلا على لغة العرب احتاج المستدل به إلى معرفتها والاستدلال به أيضا متوقف على معرفة أقسامه من جملة أقسام اللغة وهو ينقسم إلى خبر وإنشاء ولاحظ للأصولي في الخبر وإنما كلامه في الإنشاء وهو ينقسم باعتبارت ثلاث.\nالأول: بالنظر إلى ذاته إلى أمر ونهي فنقول هذا القول أمر أونهي فيجعل مورد القسمة ذات القول.\nوالثاني: بالنظر إلى عوارضه ونعني بها متعلقاته وبهذا ينقسم إلى العام والخاص فنقول المعني بهذا القول جميع متعلقاته وهو العام أو بعضها وهو الخاص.","vol":"1","page":190},{"text":"والثالث: بالنظر إلى النسبة بين الذات والمتعلق وبهذا ينقسم إلى المجمل والمبين فنقول دلالة القول على متعلقاته إما ظاهرة غنية عن المبين وذلك المبين أو غير غنية وذلك المجمل ثم إن أحكام الله تعالى لما كانت تارة في جانب النفي وطورا في قالب الإثبات إما لكونها تابعة للمصالح تفضلا وإحسانا عند من يعلل أحكامه ﷾ أو بحسب إرادته وقضاياه التي لا تعلل عندنا فيرد حكم يرفع حكما فالرافع ناسخ والمرفوع منسوخ.\nفهذا وجه انقسام الإنشاء في الكتاب إلى هذه الأمور وليس التقسيم مختصا بالكتاب بل السنة كذلك وقد بين المصنف ذلك في كتاب السنة بقوله سبق مباحث القول.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50></span><span data-type=\"title\" id=toc-48>اللغات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفصل الأول: الوضع</span>\n*\n...\nالباب الأول في اللغات وفيه فصول\nالفصل الأول في الوضع\nقال الباب الأول في اللغات وفيه فصول الفصل الأول في الوضع.\nوجه تقديم باب اللغات على غيره أن معرفة ماهية الشيء سابقة على معرفة أقسامه وأحكامه واللغات جمع لغة وإنما جمعها وإن كان الغرض الكلام في لغة العرب وهي واحدة لاشتراك مباحثه بين جميع اللغات وقد أودع هذا الباب تسعة فصول أولها في الوضع وهو عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأول فهم منه الثاني وهذا تعريف سديد فإنك إذا أطلقت قولك قام زيد فهم منه صدور القيام منه.\nفإن قلت مدلول قولنا قام زيد صدور قيامه سواء أطلقنا هذا اللفظ أم لم نطلقه فما وجه قولكم بحيث إذا أطلق.\nقلت الكلام قد يخرج عن كونه كلاما بالزيادة والنقصان وقد لا يخرج عن كونه كلاما ولكن يتغير معناه بالتقييد فإنك إذا قلت قام الناس اقتضى إطلاق هذا اللفظ إخبارك بقيام جميعهم فإذا قلت إن قيام الناس خرج عن كونه كلاما بالكلية فإن قلت قام الناس إلا زيدا لم يخرج عن كونه كلاما ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدا فعلمت بهذا أن لإفادة قام الناس للإخبار بقيام جميعهم شرطين:\nأحدهما: ألا يبتدئه بما يخالفه.","vol":"1","page":192},{"text":"والثاني: ألا يختمه بما يخالفه وله شرط ثالث أيضا وهو أن يكون صادرا عن قصد فلا اعتبار بكلام الساهي والنائم فهذه ثلاثة شروط لا بد منها وعلى السامع التنبه لها فوضح بهذا أنك لا تستفيد قيام الناس من قوله: قام الناس إلا بإطلاق هذا القول فلذلك اشترطنا ما ذكرناه.\nفإن قلت من أين لنا اشتراط ذلك واللفظ وحده كلف في ذلك لأن الواضع وضعه لذلك؟\nقلت وضع الواضع له معناه أنه جعله متهيئا لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص والمفيد في الحقيقة إنما هو المتكلم واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.\nفإن قلت لو سمعنا قام الناس ولم يعلم من قائله هل قصده أو لا أو ابتداه وختمه بما يغيره أو لا هل لنا أن نخبر عنه بأنه قال قام الناس أو لا قلت فيه نظر يحتمل أن يقال بجوازه لأن الأصل عدم الابتداء والختم بما يغيره ويحتمل أن يقال لا يجوز لأن العمدة ليس هو اللفظ ولكن الكلام النفساني القائم بذات المتكلم وهو حكمه واللفظ دليل عليه مشروط بشروط ولم تتحقق ويحتمل أن يقال إن العلم بالقصد لا بد منه لأنه شرط والشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط والعلم بعدم الإبتداء والختم بما يخالفه لا يشترط لأنهما مانعان والشك في المانع لا يقتضي الشك في الحكم لأن الأصل عدمه واختار والدي أيده الله أنه لا بد من أن يعلم الثلاثة ويؤيده ما حكاه الروياني عن صاحب الحاوي فيما إذا قال الرجل لزوجته طلقتك ثم قال سبق لساني وإنما أردت طلبتك أن المرأة إن ظنت صدقه بأمارة فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه وإن من عرف ذلك منه إذا عرف الحال يجوز أن يقبل قوله ولا يشهد عليه قال الروياني وهذا هو الاختيار وهذه الأسئلة من إيرادي في مجلس مباحثة على الشيخ الإمام والدي والأجوبة له.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>أسباب وضع اللغات</span>\nوالموضوع والموضوع له وفائدة الوضع\nقال لما مست الحاجة إلى التعاون والتعارف وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال لعمومه وأيسر لأن الحروف كيفيات تعرض للنفس الضروروي وضع بإزاء المعاني الذهنية لدورانه معها.\nيتعلق بالوضع أمور ستة:\nأحدها: سببه وقد خلق الله نوع الإنسان وصيره محتاجا إلى أمور لا يستقل بها بل يفتقر إلى المعاونة عليها ولا بد في المعاونة من الاطلاع على مضمرات النفوس وذلك إما باللفظ أو بالإشارة أو بالمثال قوله وكان اللفظ هذا هو الأمر الثاني في الموضوع ومن لطف الله تعالى إحداث الموضوعات لأنها أفيد هذه الثلاثة وأيسرها أما كونها أفيد فلأنها تعم كل شيء معلوم موجود ومعدوم إلى غير ذلك لإمكان وضع اللفظ بإزاء ما أريد من تلك المعاني بخلاف الإشارة فإنها مخصوصة بالموجودات المحسوسة وبخلاف المثال وهو أن نجعل لما في الضمير شكلا فإنه أيضا كذلك لا يعسر بل يتعذر أن يجعل لكل شيء مثال يطابقه وأما كونها أيسر موافقة للأمر الطبيعي لأن الجروف كيفيات تعرض للنفس الضروري ولا شك في أن الموافق للأمر الطبيعي أسهل من غيره.\nقوله وضع.\nهذا هو الأمر الثالث الموضوع له وإذا ثبت ما ذكرناه فنقول وضع اللفظ بإزاء المعاني الذهنية وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بل بإزاء الخارجية واستدل المصنف على الأول بدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية فإن من رأى","vol":"1","page":194},{"text":"شبحا من بعيد واعتقده مثلا حيوانا مخصوصا أطلق عليه اسم ذلك الحيوان فإذا تغير ذلك الاعتقاد باعتقاد آخر أطلق عليه بحسب ذلك الاعتقاد اسما آخر وهذا الدليل أيضا يدل على بطلان القول بأنها موضوعة بإزاء الخارجية لأنها لو كانت موضوعة بإزاء المعاني الخارجية لامتنع تسمية ذلك بحيوان مخصوص وقد عرف أن ذلك لا يمتنع مع عدم الشعور بكونه إنسانا ولكان يمتنع اختلاف الألفاظ عند عدم اختلاف الأمر الخارجي وقد أجيب عن هذا الدليل بأن هذا الاختلاف إنما هو لاعتقاد أنها في الخارج كذلك لا لمجرد اختلافها في الذهن.\nقال ليفيد النسب والمركبات دون المعاني المفردة وإلا فيدور.\nاللام في قوله ليفيد متعلقة بقوله قبل ذلك وضع وهذا هو الأمر الرابع في فائدة الوضع فنقول ليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة أن يفاد بها معانيها المفردة لأن إفادتها لها متوقفة على العلم بها ضرورة أن العلم بالنسبة يستدعي العلم بالمنتسبين فلو استفيد العلم بها منها لزم الدور بل الغرض منه التمكن من إفادة المعاني المركبة بتركيبها والدور غير لازم هنا إذ يكفي من تلك الإفادة العلم بوضع تلك الألفاظ المفردة وانتساب بعضها إلى بعض بالنسبة المخصوصة والحركات المختصة.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الواضع للغات وآراء العلماء فيها</span>\nقال ولم يثبت تعيين الواضع والشيخ زعم أنه تعالى وضعه ووقف عباده عليه لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ ولأنها لو كانت اصطلاحية لاحتيج في تعريفها إلى اصطلاح آخر ويتسلسل ولجاز التغيير فيرتفع الأمان عن الشرع وأجيب بأن الأسماء سمات الأشياء وخصائصها أو ما سبق وضعها والذم للاعتقاد والتوقيف يعارضه الإقدار والتعليم بالترديد والقرائن كما للأطفال والتغيير لو وقع لاشتهر وقال أبو هاشم الكل مصطلح وإلا فالتوقيف إما بالوحي فيتقدم البعثة وهي متأخرة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أو بخلق علم ضروري في عاقل فيعرفه تعالى ضرورة فلا يكون مكلفا أو في غيره وهو بعيد وأجيب بأنه يلهم العاقل بأن واضعا وضعها وإن سلم لم يكن بالمعرفة فقط وقال الأستاذ ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي والباقي مصطلح.\nهذا الفصل باحث عن الوضع وهو الأمر الخامس فنقول ذهب عباد بن سليمان الصيمري ومن وافقه إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية بينهما وهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: وهو الذي اقتضاه نقل الآمدي عنه أن تلك المناسبة الطبيعية حاملة للواضع على الوضع وهو أقل نكيرا ولا يمكن ادعاؤه في كل الألفاظ واللغات إذ لو كان كذلك لما وقع المشترك بين الضدين ولما اختلفت دلالات الألفاظ على معانيها باختلاف الأمم والأزمنة إذ المناسبة الطبيعية لا تختلف باختلافها.","vol":"1","page":196},{"text":"والثاني: وهو أعظم نكيرا أن تلك المناسبة الطبيعية وحدها كافية في كون تلك الألفاظ دالة على تلك المعاني من غير احتياج إلى الوضع وهو معلوم الفساد هو الذي اقتضاه نقل الإمام عنه واحتج عباد بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبة بوجه ما لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحا لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجح والجواب أن الواضع إن كان هو الله تعالى كان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين كتخصيص وجود العالم بوقت مقدر دون غيره وإن كان الناس فيحتمل أن يكون السبب حضور ذلك اللفظ بالبال في ذلك الوقت دون غيره إذا بطلت المناسبة الطبيعية وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري حان النظر في الكلام في الواضع وفيه كلام الكتاب فالواضع إن كان هو الله تعالى فهو مذهب الشيخ أبي الحسن ومن وافقه وهو المسمى بالتوقيف وإن كان هو العبد فهو مذهب الشيخ أبي هاشم وهو المسمى بالاصطلاح والتواطؤ وإن كان منهما فإما أن يكون ابتداء الوضع من الله والباقي من العبد وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق أو العكس وهو مذهب ضعيف لم يذكره في الكتاب وأما جمهور المحققين كالقاضي فمن بعده فقد توقفوا في الكل وقالوا بإمكان كل واحد من هذه الاحتمالات الأربعة وهو الذي اختاره في الكتاب حيث قال ولم يثبت تعيين الواضع وقال ابن الحاجب الظاهر قول الأشعري ومعنى هذا القول بالوقف لعدم القطع بواحد من هذه الاحتمالات ويرجح مذهب الأشعري بغلبة الظن وقد كان بعض الضعفاء يقول إن هذا الذي قاله ابن الحاجب مذهب لم يقل به أحد لأن العلماء في المسألة بين متوقف وقاطع بمقالته فالقول بالظهور لا قائل به وهذا ضعيف فإن المتوقف لعدم قاطع قد يرجح بالظن ثم إن كانت المسألة ظنية اكتفى في العمل بها لذلك الترجيح وإلا توقف عن العمل بها.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الأدلة</span>\nوقد احتج الشيخ رضوان الله عليه بأوجه\nالأول: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ الآية دلت على أن التعليم من الله تعالى وإذا ثبت هذا في الأسماء ثبت أيضا في الأفعال والحروف لأنه لا قائل بالفرق ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر فلا بد مع تعليم الأسماء من تعليم الأفعال والحروف ولأن الاسم إنما سمي إسما لكونه علامة على مسماه والأفعال والحروف كذلك فهي أسماء وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسام فهو اصطلاح محدث للنحاة واللغويين\nالثاني: قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٢ ذمهم على تسميتهم بعض الأسماء بما سموها به من تلقاء أنفسهم فلولا التوقيف في كلها لما استحقوا الذم بذلك ولقائل أن يقول في الاستدلال بهذا اعتراف بكون البعض اصطلاحا\nالثالث قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ٣ ولا يجوز أن يكون المراد اختلاف تأليفات الألسنة وتركيبها لأن ذلك في غيرالألسن أبلغ وأكمل فلا يفيد تخصيص الألسنة بالذكر فبقي أن يكون المراد اختلاف اللغات إما بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو إطلاق اسم العلة على المعلول أو اسم المحل على الحال وحينئذ فلولا أنها توقيفية لما امتن علينا بها.\n_________\n١ سورة البقرة: آية ٣١.\n٢ سورة النجم: آية ٢٣.\n٣ سورة الروم: آية ٢٢.","vol":"1","page":198},{"text":"الرابع: أنها لو كانت اصطلاحية لاحتاج الواضع في تعليمها إلى اصطلاح آخر بينه وبين من يعلمه ثم إن الفرض أن ذلك الطريق أيضا لا يفيد لذاته فلابد من اصطلاح آخر ويلزم التسلسل ولقائل أن يقول هذا الدليل يبطل مذهب أبي هاشم ولا يثبت مذهب الشيخ.\nالخامس: وهو كالرابع أنها لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير إذ لا حجر في الاصطلاح وحينئذ يرتفع الوثوق عن الشرع فإن كل لفظ شرعي يستعمله في معنى جاز والحالة هذه أن يكون مستعملا في عهد النبي ﷺ في غير ذلك المعنى.\nوأجاب في الكتاب عن الوجه الأول بأن المراد من الأسماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ علامات الأشياء وخصائصها فيعلمه مثلا أن الخيل تصلح للكر والفر والجمال للحمل والثيران للزرع وهذا لأن الاسم مشتق من السمة أو من السمو وعلى كل تقدير فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة اسما وتخصيص الاسم بهذه الألفاظ عرف حادث ولو سلمنا أن المراد بالأسماء ما ذكرتم فلا يلزم التوقيف إذ من الجائز أن يكون من الأسماء التي علمها الله لآدم قد وضعتها طائفة مخلوقة قبله وفي هذين الجوابين نظر.\nأما الأول: فإنه خلاف الظاهر إذا الظاهر من الأسماء الألفاظ.\nوأما الثاني: فالأصل عدم استعمال سابق ومنهم من أجاب بجواب آخر وهو أن المراد من التعليم أنه تعالى ألهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ وأعطاه من المعلوم ما لأجله قدر على الوضع قال الإمام وليس لأحد أن يقول التعليم إيجاد العلم بل التعليم فعل صالح لأن يترتب عليه حصول العلم ولذلك يقال علمته فلم يتعلم وهذا أيضا خلاف الظاهر إذ الظاهر من التعليم الإيجاد الأول للإلهام.\nقال بعضهم وأصل التعليل لإثبات أثر الثلاثي المشتق يقال سودته فتسود وقول الأمام يقال علمته فلم يتعلم ممنوع.\nقلت وهذا المنع غير منقدح وقد كان الإمام علاء الدين الباجي يقول أو لم يصح علمته فما تعلم لما صح علمته فتعلم لأنه إذا كان التعليم يقتضي","vol":"1","page":199},{"text":"إيجاد العلم وهو علة فيه فمعلوله وهو التعلم يوجد معه بناء على العلة مع المعلول والفاء في قولنا فتعلم تقتضي تعقيب التعلم وإن قلنا إن المعلول يتأخر فنقول لا فائدة في قولنا فتعلم لأن التعلم قد فهم من قولنا علمته فوضح أنه لو لم يصح علمته فما تعلم لكان أما ألا يصح علمته فتعلم بناء على أن العلة مع المعلول أو لا يكون في قولنا فتعلم فائدة بناء على تأخر المعلول.\nفإن قلت أليس أنه يقال كسرته فما انكسر فما وجه صحة قولنا مع ذلك علمته فما تعلم؟\nقلت فرق والدي أحسن الله إليه بينهما بأن العلم في القلب من الله يتوقف على أمور من المعلم ومن المتعلم وكان علمته موضوعا للجزء الذي من المعلم فقط لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم ولا بد بخلاف الكسر فإن أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار وهو جواب دقيق والإنصاف أن هذه ظاهرة فيما ادعاه الشيخ فالمتوقف إن توقف لعدم القطع فهو مصيب وإن ادعى عدم الظهور فغير مصيب هذا هو الحق الذي فاه به جماعة من المتأخرين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العنوان وأجاب عن الثاني وهو التمسك بقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ بأنا لا نسلم أنه ذمهم على تسميتهم بعض الأشياء إنما ذمهم على اعتقادهم كونها آلهة وإليه أشار بقوله والذم للاعتقاد وعن الثالث وهو التمسك بقوله: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ بأنه إذا انتفت الحقيقة وهي أن يكون المراد بها الجارحة وثبت العدول إلى المجاز فليس صرفك إياه إلى اللغات أولى من صرفنا إياه إلى الإقدار على اللغات أو مخارج اللغات وإليه أشار بقوله والتوقيف يعارضه الإقدار والقائل أن يقول مجاز المستدل أدنى لأنه أقل إضمارا وما ذكرتموه يلزم منه كثرة الإضمار والمجاز معا إذ يصير تقدير الآية واختلاف اقتدار ألسنتكم باللغات أو اختلاف اقتداركم باللغات على أنه أطلق اللسان وأراد الاقتدار كما في إطلاق اليد وإرادة القدرة فعلى الأول يلزم كثرة الإضماره وعلى الثاني يلزم المجاز والإضمار معا وأما على ما ذكره الشيخ فلا يلزم إلا الإضمار الذي هو أقل من إضماركم لأنه يصير تقدير الآية على ما ذكره واختلاف لغات ألسنتكم فكان أولى.","vol":"1","page":200},{"text":"فإن قلت لعله من إطلاق اسم العلة على المعلول أو المحل على المعلول أو المحل على الحال كما ذكرتم في تقرير الاستدلال.\nقلت حينئذ يقع التعارض بين الإضمار والمجاز والمجاز أولى.\nقال صفي الدين الهندي والأولى أن يجاب بأنا لا نسلم أن اختلاف اللغات إنما يكون آية أن لو كانت اللغات توقيفية وهذا لأن واضعها وإن كان هو العبد فهي مخلوقة لله تعالى على مذهب أهل الحق في أفعال العباد وأجاب المصنف عن الرابع بأنا لا نسلم أنه يحتاج في تعليمها إلى اصطلاح آخر بل يحصل العلم بترديد اللفظ وهو تكراره مرة أخرى مع القرائن كالإشارة إلى المسمى ونحوها وبهذا الطريق تعلمت الأطفال ولو سلمنا ذلك فما ذكرتم من الدلالة لا يقتضي أن جميعها بالتوقيف كما تدعون بل بعضها لأنه يمكن تعريف ما هو بالاصطلاح بذلك البعض كما هو قول الأستاذ وعن الخامس بأنا لا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع فإن التغيير لو وقع لاشتهر لكونه من مهمات الأمور وأما أبو هاشم فقد احتج على مذهبه بأنها لو لم تكن اصطلاحية لكانت توقيفية أو البعض والبعض لعدم الواسطة بينهما والقول بالتوقيف باطل مطلقا فثبت كونها اصطلاحية وإنما قلنا ببطلان التوقيف لأنه إما أن يكون بالوحي أو بخلق علم ضروري في عاقل أو في غير عاقل والكل باطل.\nأما الأول: فلاقتضائه تقدم البعثة على اللغة وهي متأخرة عنها لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ١.\nوأما الثاني: فلأنه اقتضى ألا يكون ذلك العاقل مكلفا لأنه إذا علم بالضرورة أنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى فلا بد وأن يعرف الله ضرورة وإذا عرفه ضرورة لم يكن مكلفا بالمعرفة لحصولها.\nوأما الثالث فبعيد جدا أن يصير غير العاقل عالما بهذه الكيفيات العجيبة والجواب أن يجوز أنه يكون الله تعالى ألهم العاقل بأن واضعا ما وضع هذه\n_________\n١ سورة إبراهيم ﵇ آية ٤.","vol":"1","page":201},{"text":"الألفاظ بإزاء هذه المعاني لا أن الله تعالى هو الواضع حتى يلزم عدم التكليف ولو سلمنا ما ذكرتم فإنما رفع التكليف بالمعرفة لا رفع التكليف مطلقا وهذا الجواب ضعيف لأن معرفة الله تعالى واجبة قطعا والتوقيف بخلق العلم الضروري مستبعد لكونه خلاف المعتاد فالأولى في الجواب أن يقال إنه حصل بطريق الوحي ولا يلزم ما ذكره لأن الآية وإن دلت على تقدم اللغة على بعثة الرسل بالرسالة فلا يدل على تقدمها على بعثة الأنبياء فيجوز تقدم نبوة آدم وإيحاء اللغات إليه ثم إن آدم ﵇ يعلمها لغيره ثم يرسل إليهم باللسان الذي تعلموه منه وأما الأستاذ فذكر في الكتاب مقالته مجردة عن الدليل لإمكان استخراج دليله من حجيج الفريقين بأن يقال إذا بطل التوقيف والاصطلاح في الكل تعين أن يكون البعض والبعض فحينئذ فنقول القدر الذي وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي وإلا يلزم التسلسل لاحتياج التعليم في كل اصطلاح إلى اصطلاح سابق عليه وأما الباقي فمصطلح وجوابه يعلم مما سبق وبتقرير الأجوبة عن أدلة الجازمين يتعين الوقف الذي اختاره صاحب الكتاب ويقال بظهور فائدة الخلاف في هذه المسألة في جواز قلب اللغة فعند الشيخ لا يجوز دون القائلين بالاصطلاح وبنى بعضهم على الخلاف فيها ما إذا اعتقد صداقا في السر وصداقا في العلانية المسألة المشهورة ويلتحق بذلك ما إذا استعملا لفظ المفاوضة وأراد شركة العنان حيث نص الشافعي على جوازه والحق أن بناء المسألتين على هذا الأصل غير صحيح فإن هذا الأصل في أن هذه اللغات الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على إطلاق لفظ الثوب على الفرس أو الألف على الألفين مثلا.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>طريق معرفة اللغات</span>\nقال وطريق معرفتها النقل المتواتر والآحاد واستنباط العقل من النقل كما إذا نقل أن الجمع المعرف باللام يدخله الاستثناء وأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ فيحكم بعمومه وأما العقل الصرف لا يجدي.\nهذا هو الأمر السادس في بيان كيفية الطريق إلى معرفة وضع الألفاظ لمعانيها وذلك بطريق الحصر إما النقل الصرف أو العقل الصرف أو المركب منهما.\nالأول: النقل وهو إما متواتر أو آحاد الأول المتواتر كالسماء والأرض والحر والبرد وهو مفيد للقطع.\nالثاني: الآحاد كالفرس ونحوه وهو مفيد للظن الثاني العقل الصرف قال في الكتاب وهو لا يجدي أي لا ينفع إذ لا مجال للعقل في معرفة الموضوعات اللغوية.\nالثالث: المركب منهما كما إذا نقل إلينا أن الجمع المعرف بالألف واللام يجوز أن يدخله الاستثناء ونقل إلينا أن الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ فإن العقل يدرك بذلك أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم وقد بلغنا أن الإمام العلامة زين الدين بن الكتنامي ﵀ اعترض على التمثيل بهذا وقال هاتان المقدمتان نقليتان وإذا تركب الدليل من مقدميتين نقليتين لم يصح أن يقال إنه مركب من العقل والنقل وهذا عجيب فإنه لولا العقل لما صح الاستنتاج من المقدمتين النقليتين وتركيبهما على الوجه المنتج وبيان صحة الإنتاج من فعل العقل والجزء الصوري القياس عقلي.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل الثاني: تقسيم الألفاظ</span>\n...\nالفصل الثاني في تقسيم الألفاظ\nقال الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة وعلى جزئه تضمن وعلى لازمه الذهني التزام.\nتقسيم دلالة اللفظ تقسيم للفظ فلذلك صح ذكر تقاسيم دلالة الألفاظ في فصل تقاسيم الألفاظ والدلالة معنى يعرض للشيء بالقياس إلى غيره ومعناه كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر وهي تنقسم إلى لفظية وغير اللفظية قد تكون وضعبة كدلالة وجود المشروط على وجود الشرط وقد تكون عقلية كدلالة الأثر على المؤثر والعكس مثل دلالة الدخان على النار وبالعكس وليس الكلام إلا في اللفظية وللإحتراز عن هذين القسمين أشار في الكتاب بقوله دلالة اللفظ ثم إن اللفظية تنقسم إلى أقسام ثلاثة عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه وطبيعية كدلالة أح أح على وجع الصدر ووضعية وهي المرادة هنا فلو أن المصنف قال دلالة اللفظ الوضعية لكان أحسن على أن الإمام قال الوضعية هي دلالة المطابقة وأما الباقيتان فعقليتان لأن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه ولازمه إن كان داخلا فيه فهو التضمن أو خارجا فهو الالتزام وهذا واضح لا إشكال فيه وقال بعضهم دلالة التضمن لفظية أيضا وهو ضعيف فإن الحكم عليها بذلك إن استند إلى أن الجزء مفهوم من اللفظ ومتلقى بواسطته فدلالة الالتزام كذلك وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فكذلك اللازم وإن كان لأجل دخول الجزء في المسمى وخروج اللازم عنه فهو تحكم محض ثم هذه الدلالة عبارة عن","vol":"1","page":204},{"text":"كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع وإنما قلنا إنها عبارة عن كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه ولم نقل إنها نفس الفهم كما قال ابن سينا١ لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى ومعناها صفة تجعل اللفظ يفهم المعنى ولهذا يصح تعليل فهم المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه والعلة غير المعلول وإذا كانت الدلالة غير فهم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به إذا عرفت ذلك فنقول الدلالات اللفظية منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أو لا والأول المطابقة كدلالة البيت على المجموع المركب من السقف والجدار والأس.\nوالثاني: إما أن يكون على جزء مسماه أولا والأول دلالة التضمن كدلالة البيت على الجدار فقط والثاني أن يكون خارجا عن مسماه وهي دلالة الالتزام كدلالة الأسد على الشجاعة.\nواعلم أن ذلك إنما يتصور في اللازم الذهني وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ سواء كان لازما في الخارج أيضا كالسرير والارتفاع من الأرض إذ السرير مهما وجد في الخارج فهو مرتفع أم لم يكن لازما في الخارج كالسواد إذا أخذ بقيد كونه ضدا للبياض فإن تصوره من هذه الحيثية يلزم تصور البياض فهما متلازمان في الذهن وليسا بمتلازمين في الخارج بل متنافيين ولا يتصور ذلك في اللازم الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة وقد يتصور السرير ويذهل عن إمكانه وإذا عرفت هذا علمت أن قوله: وعلى لازمه الذهني غير مستقيم لإيهامه وجود الدلالة مع اللزوم الخارجي وهو باطل وبهذا التقسيم تعرف حد كل واحد منها.\nتنبيهات الأول قال الإمام هذا اللزوم شرط لا سبب وقرر القرافي هذا بأن الشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته\n_________\n١ هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سينا صاحب التصانيف المشهورة في الطب والفلسفة توفي في همذان سنة ٤٢٨ هـ.\nالأعلام للزركلي ١/٢٥٠.","vol":"1","page":205},{"text":"فاحترز بالقيد الأول من المانع وبالثاني من السبب وبالثالث من مقارنة وجوده للسبب فإنه يحصل الوجود ولكن ليس لذات الشرط بل لوجود السبب والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته فالقيد الأول احتراز عن الشرط والثاني عن المانع والثالث عن مقارنة وجوده فقدان الشرط فلا يلزم الوجود أو مقارنة عدمه إخلاف سبب آخر فلا يلزم العدم وذلك ليس لذاته بل لأمر خارج والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته فالقيد الأول احتراز من السبب والثاني من الشرط والثالث من مقارنة عدمه عدم السبب فيلزم العدم لكن لا لذاته بل لعدم السبب وإذا اتضحت هذه الحقائق فالملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم لأن اللفظ إذا أفاد معنى غير مستلزم لآخر لا ينتقل الذهن لذلك الآخر إلا بسبب منفصل فيكون إفادته مضافة لذلك المنفصل لا للفظ فلا يكون فهمه دلالة للفظ بل أثرا للمنفصل فلا يلزم من وجود الملازمة وجود الدلالة عند عدم الإطلاق فإن الملازمة في نفس الأمر والفهم معدوم من اللفظ إذ اللفظ معدوم فهي حينئذ شرط والإطلاق هو السبب.\nفإن قلت هذا التقرير بعينه يتقرر في اللفظ فإنه يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود الدلالة إذا فقدت الملازمة فيمكن أن يقال الإطلاق شرط والملازمة سبب فلم لا عكستم أو سويتم؟\nقلت الإطلاق قد يستقل بالدلالة في المطايقة والتضمن فيثبت له السببية والملازمة لم تستقل في صورة فيترجح الإطلاق على الملازمة الذهنيه بوجوده في الصورتين.\nالثاني: في التقسيم الذي ذكره مناقشات من وجوه:\nمنها أن قوله تمام ليس بجيد لأنه إن لم يحترز به عن شيء فهو زيادة بلا معنى وإن احترز به عن جزء المسمى فليس جزء المسمى نفس المسمى وكذا فعل ابن الحاجب حيث قال كمال مسماه وكان ينبغي أن يقول على مسماه.","vol":"1","page":206},{"text":"ومنها أن اللفظ جنس بعيد لدخول المستعمل والمهمل فيه وهو مجتنب في الحدود فكان ينبغي أن يقول دلالة القول كما فعله شيخنا أبو حيان في مختصراته في تعريف الكلمة معترضا على من ذكر اللفظ بما قلناه.\nومنها كان ينبغي أن يقول في المطابقة من حيث هو تمامه وفي التضمن من حيث هو جزؤه وفي الالتزام من حيث هو لازمه ليحترز به عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه مثل وضع الممكن للعام والخاص فإنه يصير به للفظ المسمى علة جزئه دلالتان دلالة تضمن باعتبار الوضع الأول ومطابقة باعتبار الوضع الثاني فقد يدل على بعض المسمى دلالة مطابقة باعتبار الوضع الثاني فلا بد وأن يقول من حيث هو كذلك وليحترز به أيضا عن المشترك بين اللازم والملزوم كالشمس بين القرص والضوء المستفاد منه وهكذا فعل صاحب التحصيل وأما الإمام فلم يقيد دلالة المطابقة وقيد الباقيتين قال القرافي وهو قيد لم يذكره أحد ممن تقدمه وإنما اكتفى المتقدمون بقرينة التمامية والجزئية واللازمية قال فيقال له إن كانت هذه القرائن كافية فيلزم الاستغناء عن هذه القيود في الدلالات الثلاث وإلا فيلزم الاحتياج في الثلاث فما وجه تخصيص التضمن والالتزام فإنا نقول في المطابقة كما يمكن وضع العشرة للخمسة يمكن وضعها للخمسة عشر أيضا فيصير لها على العشرة دلالتان مطابقة باعتبار الوضع الأول وتضمن باعتبار الثاني الثالث جميع ما تقدم في دلالة اللفظ أما الدلالة باللفظ فهي استعمال اللفظ إما في موضوعه وهو الحقيقة أو غير موضوعه لعلاقة وهو المجاز والباء في قولنا الدلالة باللفظ للسببية والاستعانة لأن اللافظ يدلنا على ما في نفسه بإطلاقه اللفظ فإطلاق اللفظ آلة للدلالة كالقلم للكتابة والقدوم للنجارة والفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ من وجوه.\nأحدها: المحل فمحل دلالة اللفظ القلب ومحل الدلالة باللفظ اللسان.\nوثانيها: من جهة الوجود فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ ولا يوجد دلالة اللفظ في الألفاظ المجملة والأعجمية.","vol":"1","page":207},{"text":"وثالثها: من جهة الأنواع فدلالة اللفظ ثلاثة أنواع المطابقة والتضمن والالتزام وللدلالة باللفظ نوعان الحقيقة والمجاز.\nورابعها: من جهة السببية فالدلالة باللفظ سبب ودلالة اللفظ مسبب عنها.\nوخامسها: من جهة الموصوف فدلالة اللفظ صفة للسامع باللفظ صفة للمتكلم.\nقال واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى فمركب وإلا فمفرد.\nهذا تقسيم آخر للفظ باعتبار التركيب والإفراد وذلك لأنه إن دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه فهو المركب سواء كان التركيب إسناد مثل قام زيد وزيد قائم أو تركيب مزج مثل خمسة عشر أم تركيب إضافة مثل غلام زيد وقد أورد بعض الفضلاء على هذا حيوان ناطق إذا جعل علما لإنسان فإنه مفرد مع أن جزأه يدل على جزء معناه فمنهم من قبل هذا الإيراد وقال الصواب أن يزاد في الرسم المذكور حين هو جزء ومنهم من رده وقال دلالة اللفظ على المعنى متعلقة بإرادة اللافظ فيما يتلفظ به ويراد به معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى يقال إنه دال عليه وما سوى ذلك المعنى مما لا يتعلق به إرادة اللافظ لا يقال إنه دال عليه وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه موضوعا له بحسب تلك اللغة أو لغة أخرى وحينئذ لا يرد الحيوان الناطق نقضا لأن المتلفظ به حال كونه علما لا يقصد شيئا من جزأيه بقيد الوحدة وإنما يقصد بمجموع اللفظين الشخص المسمى به فلا فرق حينئذ بينه وبين عبد الله العلم في ذلك.\nقوله وإلا فمفرد أي وإن لم يكن جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد.\nفإن قلت الزاي مثلا من زيد لا تدل على جزء المعنى فوجب ألا يكون زيد قائما مركبا.\nقلت أجاب الجاربردي شارح الكتاب بأن جزأه لا يفيد العموم فلا","vol":"1","page":208},{"text":"يجب أن يدل كل جزء من أجزائه على جزء من أجزاء المعنى وهو ضعيف لأن جزأه مفرد مضاف والمختار في ذلك إفادة العموم بل الحق أن المراد بجزئه ما صار به اللفظ مركبا كزيد وحده وقائم وحده.\nفإن قلت الزاي مثلا جزء الجزء وجزء الجزء جزء.\nقلت صحيح ولكن المفهوم من إطلاق الجزء جزء الأصل الذي ليس هو جزء الجزء والأمر في مثل هذا قريب.\nقال والمفرد إما ألا يستقل بمعناه وهو الحرف أو يستقل وهو الفعل إن دل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة وإلا فاسم.\nبدأ بعد تقسيم اللفظ إلى المفرد والمركب بأقسام المفرد لتقدمه على المركب بالطبع وتقسيم المفرد يقع من وجوه:\nمنها ما هو باعتبار أنواعه وهو تقسيمه إلى الاسم والفعل والحرف ووجه انحصاره في هذه الثلاثة أن اللفظ المفرد إما ألا يستقل بالمفهومية فهو الحرف أو يستقل فإما أن يدل بهيئته أي بحالته التصريفية على أحد الأزمنة الثلاثة الماضي والحال والاستقبال فهو الفعل أو لا يدل فهو الاسم سواء لم يدل على زمان أصلا كالسماء والأرض وزيد أو دل لكن لا بهيئته بل بذاته كالصبوح والغبوق وأمس والآن والمستقبل.\nقال كلي إن اشترك معناه متواطيء إن استوى ومشكك إن تفاوت وجنس إن دل على ذات غير معينة كالفرس ومشتق إن دل على ذي صفة معينة كالفارس.\nهذا تقسيم الاسم فنقول هو إما كلي وإما جزئي وذلك لأنه إما ألا يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه أو يمنع والأول الكلي وهو تارة يقع فيه الشركة كالحيوان وتارة لا يقع إما مع الإمكان كالشمس أو مع الاستحالة كالآلة وبهذا يعلم أن قول المصنف إن اشترك معناه ليس بجيد وأنه كان الأحسن أن يقول إن قبل معناه الشركة ثم الكلي يمكن تقسيمه من وجهين:","vol":"1","page":209},{"text":"أحدهما: وإليه أشار بقوله ومتواطئ أو مشكك لأنه إن كان حصول معناه في أفراده الدهنية والخارجية على التسوية كالإنسان إذ كل فرد من الأفراد لا يزيد على الآخر في الإنسانية فهو المتواطئ وإن لم يكن على السوية بل كان في بعض أفراده أقدم أو أولى أو أشد فهو المشكك وسمى بذلك لكونه يشكك الناظر هل هو متواطؤ لوحدة الحقيقة فيه أو مشترك لما بينهما من الاختلاف وذلك كالبياض الذي هو الثلج أشد منه في العاج وكالوجود فإن معناه واحد في أشياء كثيرة مع اختلافه في تلك الأشياء فإن وجود الجوهر أقدم من وجود العرض والموجود بالذات أولى من الموجود بالغير والوجود القار أقوى وأشد من غير القار كالحركة مثلا وتجتمع هذه الأنواع من الاختلاف بالنسبة إلى الخالق والمخلوق.\nفإن قلت الأبيض مثلا إذا أطلق على الثلج فإما أن يكون استعماله فيه مع ضميمة تلك الزيادة أو لا فإن لم يكن فهو المتواطئ وإن كان فهو المشترك فإذن لا الحقيقة لهذا القسم المسمى بالمشكك.\nقلت كذا أورده ابن التلمساني ونحن نقول المتواطئ أن يضع الواضع للقدر المشترك بقيد عدم الاختلاف في المحال مع اختلاف المحال في أمور من غير جنس المسمى كامتياز أفراد الإنسان بالذكورة والأنوثة وهذا معنى قولهم المتواطئ ما استوى محاله والمشكك أن يضع للقدر المشترك بقيد الاختلاف في المحال بأمور من جنس المسمى كأجزاء النور في الشمس واستحالة التغير في الواجب فاشترك القسمان في أن الوضع في كل منهما للقدر المشترك وافترقا بقيديهما.\nالوجه الثاني الكلي إما جنس أي اسم جنس أو مشتق لأنه إما أن يدل على الماهية وهو اسم الجنس كالإنسان والفرس أو على موصوفية الماهية بصفة دون خصوصية الماهية وهو المشتق فإنه لا يدل على خصوصية الماهية بل على اتصافها بالمصدر كالأسود مثلا فإنه يدل على ذات متصفة بالسواد وأما على جسمية الذات فلا.","vol":"1","page":210},{"text":"هذا تقرير ما ذكر وقوله في اسم الجنس إنه ما يدل على ذات غير معينة كالفرس منتقض بعلم الجنس فإنه دال على ذات عين معينة فإنك تقول رأيت ثعالة أي ثعلبا مع أنه ليس باسم جنس بل علم جنس يعامل في اللفظ معاملة الأعلام.\nفإن قلت وما الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس مع أن كلا منهما يصدق على ما لا يتناهى ومسماه كلي؟\nقلت المختار في التفرقة بينهما أن علم الجنس هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره من غير نظر إلى أفراده واسم الجنس ما يقصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده حتى إذا أدخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى علم الجنس كذا ذكره والدي أحسن الله إليه في الفرق بينهما.\nقال ويستنتج منه أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع لأنه إنما يثنى ويجمع الأفراد.\nفائدة اعلم أنا إذا قلنا على الإنسان حيوان وأنه كلي فهنا اعتبارات ثلاثة:\nأحدها: أن يراد به الحصة من الحيوانية التي شارك باعتبارها الإنسان غيره وهذا يقال له الكلي الطبيعي وتارة يراد به أنه غير مانع من الشركة وهذا هو الكلي المنطقي وتارة يراد به الأمران أعني الحيوانية التي وقعت بها الشركة مع كونها غير مانعة وهذا هو الكلي العقلي فالأول موجود في الخارج لأنه جزء من الإنسان الموجود وجزء الموجود موجود.\nوالثاني: لا وجود له في الخارج لاشتماله على ما لا يتناهى ومنهم من زعم أنه موجود في الخارج.\nوالثالث: في وجوده في الخارج أيضا اختلاف والظاهر أنه لا وجود له أيضا لاشتماله على ما لا يتناهى وزعم أفلاطون أنه موجود في الأعيان وأن الإنسان الكلي موجود في الخارج.","vol":"1","page":211},{"text":"قال جزئي إن لم يشترك هذا مقابل لقوله كلي أي الذي لا يشترك في معناه كثيرون هو الجزيء.\nوإن شئت قلت الجزيء ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه كزيد العلم مثلا.\nقال علم إن استقل ومضمر إن لم يستقل الجزيء إما علم أو مضمر لأنه إما أن يستقل في دلالته على المعنى الجزئي فهو العلم كزيد وإما ألا يستقل في ذلك بل يحتاج إلى قرينة تكلم أو خطاب أو غيبة فهو المضمر كأنا وأنت وهو هذا شرح ما أورده وفيه مناقشات من وجوه.\nأحدها: أن هذا التقسيم كله في الاسم وقد قدم أن الاسم هو الذي يستقل فكيف يقسم ما يستقل إلى ما لا يستقل.\nالثاني: أن عجم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة والأسماء الموصولة وغيرها وليست مضمرات.\nالثالث: أن عدم الاستقلال قد جعله أولا رسما للحرف فإن أراد بالاستقلال ذاك فالاعتراض لائح وإن أراد غيره فليبينه.\nالرابع: أنه أهمل في تقسيم الكلي إلى اسم جنس ومشتق ذكر علم الجنس كما عرفت.\nالخامس: أنه جعل المضمر من أقسام الجزئي ولقائل أن يقول وحدة المضمر بالنوع لا بالشخص فإن أنت مثلا معناه المخاطب المذكر الفرد من غير تعين فيصح إطلاقه على من كان كذلك والناس مختلفون في أن المضمر جزئي أو كلي وحجة المصنف في جعله جزئيا أن الكلي نكرة والمضمرات أعرف المعارف.\nقال تقسم آخر اللفظ والمعنى إما أن يتحدا وهو المنفرد أو يتكثرا وهي المتباينة تفاصلت معانيها كالسواد والبياض أو تواصلت كالسيف والصارم والناطق والفصيح أو تكثر اللفظ واتحد المعني وهي المترادفة أو بالعكس فإن","vol":"1","page":212},{"text":"وضع للكل كالعين فمشترك وإلا فإن نقل لعلاقة واشتهر في الثاني سمي بالنسبة إلى الأول منقولا عنه وإلى الثاني منقولا إليه وإلا فحقيقة ومجاز.\nهذا تقسيم ثان للفظ وهو باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما وينقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام وذلك لأنك إذا نسبت اللفظ إلى المعنى فإما أن يتحدا أو يتكثرا أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى أو بالعكس فأما الأول وهو أن يتحدا ومثاله لفظة الله فإنها واحدة ومدلولها واحد ويسمى هذا بالمنفرد لانفراد لفظه بمعناه وهو ينقسم إلى كلي وجزئي على ما مر في التقسيم السابق.\nأو ما الثاني: وهو أن يتكثر اللفظ والمعنى فهي الألفاظ المتباينة كالإنسان والفرس وغير ذلك من الألفاظ المختلفة الموضوعة لمعان مختلفة وحينئذ إما أن يمتنع اجتماعها كالسواد والبياض أو لا يمتنع بأن يكون بعضها اسما للذات وبعضها اسما للذات إذا اتصفت بصفة خاصة كالسيف والصارم فإن السيف اسم للذات والصارم للسيف القاطع كما قاله الجوهري١ في الصحاح وغيره وقد يجتمعان في سيف واحد أو يكون بعضها اسما للصفة وبعضها اسما لصفة الصفة كالناطق بالفعل والفصيح فإن الناطق بالفعل صفة للإنسان وقد لا يكون فصيحا فالأولى التي لا يمكن اجتماعها هي المسماة بالمتباينة المتفاصلة لتفاصل معانيها بالذات.\nوالثانية: التي لا يمتنع اجتماعها هي المسماة بالمتابينة المتواصلة لتواصل معانيها وقد بينا أنها على نوعين.\nوأما القسم الثالث وهو أن يكون اللفظ كثيرا والمعنى واحدا فهي الألفاظ\n_________\n١ هو إسماعيل بن حماد الجوهري من أئمة اللغة أشهر كتبه الصحاح أصله من فاراب ودخل العراق صغيرا وسافر إلى الحجاز فطاف البادية وهو أول من حاول للطيران حيث صنع جناحين من خشب وربطهما بحبل وصعد سطح داره ونادى في الناس لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير الساعة فاجتمع الناس إليه فتأبط الجناحين ونهض بهما فخانه اختراعه فسقط إلى الأرض قتيلا.\nوكان ذلك في سنة ٣٩٣ هـ الأعلام ١/٣٠٩، ٣١٠.","vol":"1","page":213},{"text":"المترادفة كالإنسان والبشر الواحد سواء كانت من لغة واحدة أو من لغات مختلفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل الترادف.\nوأما الرابع: وهو أن يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا فلا يخلو إما أن يكون قد وضع للكل أي لكل واحد من تلك المعاني أو لا والأول المشترك كالمعين لمدلولاتها المتعددة.\nوالثاني: وهو ألا يوضع لكل واحد بل لمعنى ثم ينقل إلى غيره فإما أن ينقل لعلاقة أو لا فإن لم ينقل لعلاقة وقد أهمله المصنف فهو المرتجل كذا قال الإمام.\nقال القرافي وفيه نظر لأن المرتجل في الاصطلاح هو اللفظ المخترع الذي لم يتقدم له وضع وإن نقل لعلاقة فإما أن يشتهر في الثاني فإن اشتهر في الثاني كصلاة سمى بالنسبة إلى المعنى الأول منقولا عنه وبالنسبة إلى المعنى الثاني منقولا إليه إما شرعيا أو عرفيا عاما أو خاصا بحسب اختلاف الناقلين كما سيتبين لك إن شاء الله تعالى في حد المجاز وإن لم يشتهر في الثاني كالأسد فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول أعني الحيوان المفترس مجاز بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع هذا تقرير ما في الكتاب والنظر فيه من وجوه:\nمنها اشتراطه المناسبة في المنقول وهو غير شرط ألا ترى أن كثيرا من المنقولات لا مناسبة بينها وبين المنقول عنها كالجوهر إذ هو في اللغة الشيء النفيس وفي اصطلاح المتكلمين قسيم العرض.\nوأما قول الأصفهاني إن قيامه بنفسه نفاسة فهو إن صح ودفع صحة التمثيل بالجوهر لا يدفع أصل الدعوى.\nومنها أن كلامه يقتضي أن المجاز لا يشتهر وهو مردود بل رب مجاز أشهر من الحقيقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح.\nومنها أن كلامه ناطق بأن المجاز موضوع وسوف يأتي ما يخالفوه إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":214},{"text":"ومنها أنه يقتضي أن المجاز يوضع لا لعلاقة إذ قال وإلا فحقيقة ومجاز أي وإن لم يوضع لعلاقة فحقيقة ومجاز وليس كذلك إذ لا بد من العلاقة في المجاز ويمكن أن يجاب عن هذا بأن قوله لعلاقة إنما ذكر لتحقيق معنى النقل لا لتنويعه أي لا يتحقق النقل ولا يعتبر إلا بالعلاقة لكن يتعين على هذا أن يكون قوله وإلا فحقيقة ومجاز معطوفا على قوله: واشتهر أي وإن لم يشتهر فمجاز ويجيء الإيراد الثاني.\nقال والثلاثة الأول المتحدة المعنى نصوص وأما الباقية فالمتساوي الدلالة مجمل والراجح ظاهر والمرجوح مؤول.\nالثلاثة الأول المتحدة اللفظ والمعنى والمتكثرة اللفظ والمعنى والمتكثرة اللفظ دون المعنى نصوص لأن لكل لفظ منها فردا معينا لا يحتمل غيره وهذا هو المعنى بالنص سمى به لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة من قولهم نصت الظبية جيدها إذا رفعت ومنه منصة العروس وقد يطلق النص على ما يدل على معنى قطعا ويحتمل غيره كصيغ العموم في الجموع فإنه لا بد لها من ثلاثة ويحتمل الزيادة وقد جمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵁ في شرح العنوان الاصطلاحات في النص فقال هي ثلاث:\nأحدها: ألا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدا.\nالثاني: اصطلاح الفقهاء وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور.\nقلت وهو الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب القياس كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله تعالى.\nالثالث: اصطلاح الجدليين فإن كثيرا من متأخريهم يريدون بالنص مجرد لفظ الكتاب والسنة وقد احترز في الكتاب بقوله المتحدة المعنى عن العين والقرء فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص لأن كل لفظ منها مشترك بين معان وكذلك المترادفة الألفاظ قد تكون مشتركة كلفظة العين والناظر.\nقوله وأما الباقية أي متحدة اللفظ متكثرة المعنى وإنما قال الباقية وأراد.","vol":"1","page":215},{"text":"القسم الرابع: لأن تحته أقساما عدة كالمشترك والمنقول عنه وإليه والحقيقة والمجاز وحاصل هذا أن هذا القسم إما أن تكون دلالته على كل واحد من المعاني على السوية فهو المجمل أو لا فإن كانت دلالته على بعض المعاني أرجح فالطرف الراجح ظاهر والمرجوح مؤول لأنه يؤول إلى الظهور عند مساعدة الدليل له.\nقال والمشترك بين النص والظاهر المحكم وبين المجمل والمؤول المتشابه.\nلا شك في اشتراك النص والظاهر في رجحان الإفادة وإنما النص راجح لا يحتمل غيره والظاهر راجح يحتمل والقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم لإحكام عبارته وإتقانه فالمحكم جنس لنوعين النص والظاهر ومقابلهما المجمل والمؤول فإنهما اشتركا في أن كلا منهما يفيد معناه إفادة غير راجحة إلا أن المؤول مرجوح والمجمل ليس مرجوحا بل مساويا والقدر المشترك بينما من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه فالمتشابه جنس لنوعين المجمل والمؤول وأصل هذا الاصطلاح مأخوذ من قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١.\nقال تقسيم آخر مدلول اللفظ إما معنى أو لفظ أو مركب مستعمل أو مهمل نحو الفرس والكلمة وأسماء الحروف والخبر والهذيان.\nاللفظ المفرد باعتبار حقيقة مدلوله ينقسم إلى خمسة أقسام لأن مدلوله إما معنى أو لفظ والأول قد تقدم الكلام فيه من كونه كليا أو جزئيا.\nوالثاني: إما أن يكون اللفظ الذي هو مدلوله مفردا أو مركبا وكل منهما إما أن يكون مهملا أو مستعملا الأول كالفرس فإنه لفظ مدلوله معنى.\nوالثاني: نحو الكلمة فإنها مدلوله لفظ مفرد مستعمل وهو الاسم والفعل والحرف وقد عرفت في التقسيم السابق وجه انحصار انقسام الكلمة في الاسم والفعل والحرف وأجمعت النحاة على انحصارها في ذلك.\n_________\n١ سورة آل عمران: آية ٧.","vol":"1","page":216},{"text":"قال شيخنا أبو حيان ﵀ وحكى لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن صابر أنه كان يذهب إلى أن ثم رابعا وهو الذي نسميه نحن اسم فعل وكان يسميه خالفة إذ ليس هو عنده واحدا من هذه الثلاثة.\nوالثالث: كأسماء حروف التهجي فذلك مدلوله لفظ مفرد مهمل ألا ترى أن حروف جلس لم توضع لمعنى مع أن كلا منها قد وضع له اسم فللأول الجيم وللثاني اللام وللثالث السين.\nفإن قلت فيكون قول الأستاذ لتلميذه قل أب ت عبثا إذ لا معنى لهذه الألفاظ.\nقلت لما كانت آلة يتوصل باجتماعها على الترتيب المعتبر إلى الكلام المفيد لم يكن تعليمها عبثا.\nوالرابع: كلفظ الخبر فإن مدلوله لفظ مركب مستعمل نحو قام زيد.\nوالخامس: أن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا.\nقال الإمام والأشبه أنه غير موجود لأن التركيب إنما يصار إليه لغرض الإفادة فحيث لا إفادة لا تركيب قال صفي الدين الهندي وهذا حق إن عني بالمركب ما يكون جزؤه دالا على جزء المعنى حين هو جزؤه وإن عني به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه أو ما يكون مؤتلفا من لفظتين كيف كان التأليف وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة فهو باطل.\nأما الأول: فمثل عبد الله إذا كان علما فإن اسم العلم يدل عليه وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دال على المعنى المركب.\nوأما الثاني: فكلفظ الهذيان فإنه يدل على المركب من مهملتين أو من لفظة مهملة ومستعملة وهو غير دال على المعنى المركب أما إن أراد أنه لا يدل على معنى أصلا وأراد باللفظ المركب المعنى فينتقض بالثاني دون الأول انتهى والمصنف حاول ذلك فخالف الإمام ومثل الهذيان كما قررناه فإنه لفظ موضوع للمهمل المركب كما عرفت.","vol":"1","page":217},{"text":"قال والمركب صيغ للإفهام شرع في تقسيم المركب ولا ريب فيما ذكر من أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات ليفهم ما في ضميره.\nقال فإن أفاد بالذات طلبا فالطلب للماهية استفهام وللتحصيل مع الاستعلاء أمر ومع التساوي التماس ومع التسفل سؤال وإلا فمحتمل التصديق والتكذيب خبر وغيره تنبيه ويندرج فيه الترجي والتمني والقسم والنداء.\nالمركب تارة يفيد طلبا بالذات أي بالوضع وإن شئت قلت إفادة أولية وطورا يفيد غير ذلك فإن أفاد طلبا بذاته فإن كان الطلب لماهية في الذهن وأحسن من هذه العبارة أن يقول طلب ذكر ماهية الشيء فهو الاستفهام كقولك ما هذا ومن هذا وإن كان لتحصيل أمر ما من الأمور فإن كان مع الاستعلاء فأمر كقول المتعاظم المستعلي لآخر افعل كذا سواء كان مع الاستعلاء عاليا في نفس الأمر أم لم يكن وإن كان مع التساوي كقول القائل لمماثله افعل كذا فهو التماس وتسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص كما قال ابن دقيق العيد في شرح العنوان وإن كان من التسفل كقول من يجعل نفس دون المطلوب منه فهو سؤال سواء كان دونه في نفس الأمر كقول الداعي رب اغفر لي أو لم يكن وإن لم يفد بالذات طلبا فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب أو لا.\nالقسم الأول: أن يحتملها فهو الخبر وزعم قوم أن تعبير المصنف ومن وافقه بالتصديق والتكذيب أحسن من قول غيره الصدق والكذب لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق وما لا يحتمل إلا الكذب كقول من قال الواحد نصف العشرة مع احتمال تصديق ذي المكابرة وقولنا الواحد نصف الإثنين ويحتمل التكذيب من الكفار والمعاند وهذا عندي غير مرضي فإن الحكم على الخبر من حيث هو والخبر من حيث هو خبر محتمل لذلك وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الأفراد لخصوصية ومزية لا يخرج احتمال ماهية الخبر من حيث هي لمحتملاتها ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار بكون الكلام صدقا أو كذبا فتعريفه به دور.","vol":"1","page":218},{"text":"فإن قلت التصديق والتكذيب والصدق والكذب نوعان للخبر والنوع إنما يعرف بعد معرفة الجنس فلو عرف الجنس به لزم الدور.\nقلت أجاب القرافي بأن الحد هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال لأن من سمع لفظ إنسان وجهل مسماه يقال له هو الحيوان الناطق فإن كان جاهلا بالحيوان الناطق فسد الحد لأن الحد بالمجهول لا يصح فتعين أن يكونا معلومين له ومتى كانا معلومين فمن علم الحيوان والناطق فقد عرف الإنسان لأنه ليس شيئا غيرهما فعلمنا أن كان عارفا بحقيقة الإنسان وإنما كان جاهلا بمسمى اللفظ على التفصيل وكان يعلمها من حيث الإجمال جاز أن يكون السائل عالما بمدلول لفظ الصدق والكذب وجاهلا بمدلول لفظ الخبر فيبين له مدلول لفظ الخبر بمدلول لفظ الصدق والكذب.\nقال ولا يقال العلم بالنوع يستلزم العلم بالجنس لاستلزام العلم بالمركب العلم بالمفرد لأن الجهل هنا إنما وقع من وضع لفظ الخبر للخبر لا في نفس الخبر ولا تنافي بين العلم بالخبر والجهل بوضع لفظه له فإن المرء قد يعلم حقيقة ولا يعلم اسمها.\nفإن قلت الصدق والكذب ضدان يستحيل اجتماعهما فلا يقبل محلهما إلا أحدهما أم هما معا فلا وإذا كان المحل لا يقبل إلا أحدهما المتعين في الحد صيغة أو التي لأحد الشيئين دون الواو التي للشيئين معا هو الذي ارتضاه إمام الحرمين وقال من قال الصدق والكذب أوهم اتصالهما بخبر واحد فإذا ردد ونوع فقال ما يدخله الصدق أو الكذب فقد تحرز.\nقلت ما ذكرناه هو الصواب وذلك لأنه لا يلزم من تنافي المقبولين تنافي القبولين ألا ترى أن الممكن قابل للوجود والعدم ولو وجد أحد القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك المقبول فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود لزم كون الممكن مستحيلا وإن كان مستحيلا هو العدم","vol":"1","page":219},{"text":"لزم كون الممكن واجب الوجود فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن بتنافى القبولان فيتعين الواو وإنما الشبهة التي وقعت لإمام الحرمين التباس القبولين بالمقبولين وإنه يلزم من يقدر اجتماع المقبولين بقدر اجتماع القبولين وليس كذلك ولذلك نقول كل جسم قابل لجميع الأضداد وقبولاتها كلها مجتمعة له وإنما المتعاقبة على سبيل البدل هي المقبولات لا القبولات فتأمل ذلك.\nفإن قلت لم سمى الأصوليون ما نقل عن النبي ﷺ أخبارا معظمها أوامر ونواهي؟\nقلت أجاب القاضي بوجهين:\nأحدهما: أن حاصل جميعها آيل إلى الخبر فالمأمور به في حكم المخبر عن وجوبه وكذا القول في النواهي والسر فيه أنه ﷺ ليس آمرا على سبيل الاستقلال وإنما الآمر حقا الله تعالى وصيغ الأمر من المصطفى ﵇ في حكم الإخبار عن الله تعالى.\nوالثاني: أنها سميت أخبارا لنقل المتوسطين وهم يخبرون عمن يروي لهم ومن عاصر النبي ﷺ كان إذا بلغه أمر لا يقول أخبرنا رسول الله ﷺ بل أمرنا نقلول فالمنقول إذا استجد اسم الخبر في المرتبة الثانية إلى حيث انتهى.\nالقسم الثاني: ألا يحتمل التصديق والتكذيب فهو تنبيه ويندرج في التنبيه لا على وجه الحصر التمني مثل ليت الشباب يعود.\nوالترجي والقسم والنداء وأمثلتهن معروفة.\nفإن قلت ما الفرق بين الترجي والتمني؟\nقلت الترجي لا يكون في المستحيلات والتمني يكون في المستحيلات وفي الممكنات وأما لفظ الكتاب فقوله بالذات احتراز عما يفيد الطلب باللازم كقولك أنا طالب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان فإنه لا يسمى استفهاما أو أن تسقيني الماء إذ لا يسمى أمرا أو ألا تفعل كذا فإنه لا يسمى نهيا بل هذه إخبارات وكذلك الأقسام الباقية من التمني والترجي القسم والنداء كلها","vol":"1","page":220},{"text":"تفيد الطلب باللازم وعلى كلامه اعتراضات منها أنه اشترط في حقيقة الأمر الاستعلاء وذلك مذهب زيفه في باب الأوامر كذا أورده بعض الشراح وسنبين في كتاب الأوامر إن شاء الله وجه صحة كلامه وعدم اضطرابه ومنها أنه جعل التساوي قسيما للاستعلاء والتسفل وإنما هو قسيم للعول والنزول لأن الاستعلاء جعل الطالب نفسه عاليا ولا يلزم من ذلك كونه عاليا في نفس الأمر والتسفل عكسه.\nومنها أن قوله: وللتحصيل مع الاستعلاء أمر وإن أراد به تحصيل الفعل الذي ليس بكف فالتقسيم غير حاصل لخروج طالب الكف بالنهي عنه وإن أراد تحصيل الفعل مطلقا كفا كان أو غيره لزم دخول النهي في حد الأمر وهما حقيقتان مختلفتان وقد يقول من ينصره بدخول النهي في حقيقة الأمر وأن مغايرتها مغايرة العام والخاص لا مغايرة المتباينين بناء على أن الأمر هو ما يطلب به فعل سواء كان الفعل كفا أم غير كف والنهي ما يطلب به فعل خاص وهو الكف.\nخاتمة قال القرافي في الفروق اعتقد جماعة من الفقهاء من قولنا في حد الخبر إنه المحتمل للصدق والكذب أو هذين الاحتمالين مستفادان من الخبر بالوضع اللغوي وأن الوضع اللغوي اقتضى له ذلك قال وليس كذلك بل لا يحتمل الخبر من حيث الوضع إلا الصدق لإجماع ذوي اللسان على أن معنى قولنا قام زيد حصول القيام في الزمان الماضي ولم يقل أحد إن معناه صدور القيام أو عدمه ولقائل أن يقول لا نسلم أن مدلول قولنا قام زيد حصول القيام وإنما مدلوله الحكم بحصول القيام وذلك يحتمل الصدق والكذب والله أعلم.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الفصل الثالث: الأشتقاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>تعريف الاشتقاق</span>\n...\nالفصل الثالث في الاشتقاق\nقال الفصل الثالث في الاشتقاق له في حروفه الأصلية ومناسبته في المعنى.\nالاشتقاق في اللغة الاقتطاع وفي الاصطلاح ما ذكره فقوله رد لفظ جنس وقول لموافقته في حروفه الأصلية فصل احترز به عن الألفاظ المترادفة كالإنسان والبشر إذ لا اشتراك فيها في الحروف كذا ذكر الشراح ولقائل أن يقول الألفاظ المترادفة لم تدخل في الكلام قبل ذلك حتى تخرج بهذا القيد فإن أحد المترادفين ليس مردود اللفظ إلى الآخر وقوله الأصلية إشارة إلى أن الاعتبار في موافقة الحروف إنما هو بالحروف الأصلية فقط ولا عبرة بالحروف الزائدة وقوله ومناسبته في المعنى احتراز عن المعدول لأن المناسبة تقتضي المغايرة ولا مغايرة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى وهذا الحد الذي ذكره أسد من تعريف الميداني١ الذي ارتضاه الإمام وهو قوله أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر أن يعترض على هذا بأن الاشتقاق ليس هو نفس الوجدان بل الرد عند الوجدان.\nوأعلم أن الاشتقاق أربعة أركان ذكرها في الكتاب:\n_________\n١ هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري الأديب البحاث صاحب مجتمع الأمثال الذي لم يؤلف مثله في موضوعه.\nومن مؤلفاته نزهة الطرف في علم الصرف وشرح المفضليات والسامي في الأسامي وغير ذلك.\nتوفي سنة ٥١٨ هـ.\nوفيات الأعيان ١/٤٦ بغية الوعاة ص ١٥٥ الأعلام ١/٢٠٨.","vol":"1","page":222},{"text":"المشتق والمشتق منه والموافقة في الحروف الأصلية مع المناسبة في المعنى والرابع التغيير فقوله رد لفظ هو الركن الأول ودخل فيه الاسم والفعل وقوله إلى لفظ آخر هو الركن الثاني وهو المشتق منه ويوجد منه الركن الرابع وهو التغيير لأنه لو انتفى التغيير بينهما لم يصدق عليه أنه لفظ آخر بل هو هو ودخل فيه أيضا الاسم والفعل وقوله لموافقته في حروفه الأصلية هو الركن الثالث واحترز به عما عرفت أولا.\nقال ولا بد من تغيير بزيادة أو نقصان حرف أو حركة أو كليهما أو زيادة أحدهما ونقصانه أو نقصان الآخر أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه أو بزيادتهما ونقصانهما نحو كاذب ونصر وضارب وخف وضرب على مذهب الكوفيين وغلا ومسمات وحذر وعاد ونبت واضرب وخاف وعد وكال وارم.\nلا بد من تغيير بين اللفظين والتغيير المعنوي إنما يحصل بطريق التبع والإمام لم يذكر من أقسام التغيير غير تسع وليست الأقسام منحصرة في تلك وقد زاد المصنف عليه ستة أقسام فجعلها خمسة عشر وأورد لكل منها مثالا وفي أكثر أمثلته نظر وقد وضع والدي أطال الله بقاه في هذا الفصل أرجوزة حسنة.\nقوله بزيادة أو نقصان حرف أو حركة أو كليهما دخل فيه ستة أقسما.\nأربعة تغييرها فرادى واثنان ثنائيان فإن قوله بزيادة ليس منونا بل هو مضاف إلى حرف وحركة وكليهما وكذا نقصان مضاف إلى الثلاثة فكانت ستة أقسام زيادة الحرف وزيادة الحركة وزيادتهما معا وهكذا النقصان قوله أو بزيادة أحدهما ونقصانه أو نقصان الآخر يدخل فيه أربعة أقسام ثنائية أيضا زيادة أحدهما أو نقصانه يدخل فيه زيادة الحرف ونقصانه وزيادة الحركة ونقصانها ويدخل في زيادة أحدهما ونقصان الآخر قسمان:\nزيادة الحرف ونقصان الحركة وعكسه قوله: أو بزيادته أونقصانه أو نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه بزيادة الآخر ونقصانه تقديره أو بزيادة","vol":"1","page":223},{"text":"أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه فيدخل فيه أربعة أقسام ثلاثية التغيير لأن زيادة أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه يدخل فيه صورتان زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها والثانية زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه.\nويدخل في نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه صورتان أيضا:\nإحداهما: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها.\nوالثانية نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه.\nوقوله أو بزيادتهما ونقصانهما أي بزيادة الحرف والحركة معا ونقصانهما معا وهو قسم واحد رباعي التغيير وبه تكلمت الأقسام خمسة عشر.\nقوله نحو كاذب شرع في المثل للأقسام المذكورة.\nالأول: زيادة الحرف فقط نحو كاذب من الكذب زيدت الألف.\nالثاني: زيادة الحركة نحو نصر الماضي من النصر زيدت حركة الصاد.\nالثالث: زيادة الحرف والحركة معا مثل ضارب من الضرب زيد الألف وحركة الراء.\nالرابع: نقصان الحرف نحو خف فعل أمر من الخوف نقصت الواو.\nوقد اعترض على المصنف بأن الفاء صارت في هذا ساكنة بعد أن كانت متحركة فاجتمع في هذا المثال نقصان الحرف والحركة معا فإن اعتذر بأن مثل هذا لا يعتبر لكونه نقصانا لحركة الإعراب.\nقلنا سيأتي إن شاء الله تعالى في القسم العاشر ما يخالفه فالأولى تمثيله بذهب من الذهاب أو حسب من الحساب.\nالخامس: نقصان الحركة نحو ضرب المصدر من ضرب الماضي نقصت حركة الراء قال في الكتاب وهذا لا يتأتى إلا على مذهب الكوفيين يعني في اشتقاقهم المصدر من الفعل عكس مذهب البصريين وذهب أبو بكر بن أبي طلحة إلى مذهب ثالث وهو أن كلا من المصدر والفعل أصل بنفسه ليس أحدهما مشتقا من الآخر حكاه شيخنا أبو حيان في الارتشاف.","vol":"1","page":224},{"text":"السادس: نقصان الحركة والحرف معا نحو غلا ماضي غليان نقصت الألف والنون ونقصت فتحة الياء ومن أمثلته أيضا سر من السير نقصت الياء وحركة العين.\nالسابع: زيادة الحرف ونقصانه أي نقصان حرف آخر ومثل في الكتاب له بمسلمات زيدت الألف والتاء للجمع ونقصت منه تاء كانت في المفرد في قولك مسلمة ولك أن تقول الجمع غير مشتق من مفرده فلا يصح ما ذكره مثالا فالأولى التمثيل بقولك مدحرج من الدحرجة نقصت هاء التأنيث وزادت الميم وكذا مزخرف من الزخرفة نقصت التاء وزادت الميم.\nالثامن: زيادة الحركة ونقصانها أي نقصان حركة أخرى نحو حذر من الحذر زيدت فيه كسرة الذال المعجمة ونقصت منه فتحته وكذلك رمى من الرمي نقصت حركت الياء من الرمي وزيدت حركة الميم وسعى من السعي.\nالتاسع: زيادة الحرف ونقصان الحركة نحو عاد بالتشديد من العدد زيدت الألف بعد العين ونقصت حركة الدال الأولى.\nالعاشر: زيادة الحركة ونقصان الحرف نحو نبت من النبات زيدت فيه فتحة الباء ونقصت منه الألف كذا ذكره في الكتاب ولك أن تقول فتحة الباء جاءت عوض الكسرة فليس ثم غير نقصان الألف وليس له أن يقول لا يعتد بالحركة الإعرابية إذ سبق منه في القسم الرابع ما يخالف ذلك.\nالحادي عشر: زيادة الحرف الحركة جميعا مع نقصان حركة أخرى مثل أضرب من الضرب زيدت فيه ألف الوصل وكسرة الراء ونقصت منه حركة الضاد.\nالثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل خاب ماضي من الخوف زيدت الألف وحركة الفاء وحذفت الواو.\nالثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل عد فعل أمر من الوعد زيدت كسرة العين ونقصت الواو وحركت الدال.","vol":"1","page":225},{"text":"الرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه نحو كال بتشديد اللام وهو اسم فاعل من الكلال نقصت حركة اللام الأولى وكذا الألف التي بين اللامين وزيدت ألف قبل اللامين.\nالخامس عشر: زيادة الحرف والحركة معا نحو ارم من الرمي زيدت الهمزة وحركة الميم ونقصت الياء وحركة الراء والله أعلم.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>أحكام الاشتقاق</span>\nقال وأحكامه في مسائل\nالأولى شرط المشتق صدق أصله\nخلافا لأبي علي وابنه فإنهما قالا بعالمية الله تعالى دون علمه وعلاها فينابه لنا أن الأصل جزؤه فلا يوجد دونه.\nشرط صدق المشتق اسما كان أو فعلا صدق أصله المشتق منه فلا يصدق قائم على ذات إلا إذا صدق القيام على تلك الذات وسواء كان الصدق في الماضي أم في الحال أو في الاستقبال والكلام في أن صدق ذلك هل هو بطريق الحقيقة أو المجاز من وظائف المسألة التالية لهذه وهذا هو السر في قول المصنف صدق أصله دون وجود أصله كما قال غيره إذ لو قال وجود أصله لورد عليه إطلاقه باعتبار المستقبل إذ هو جائز مع عدم وجوده حالة الإطلاق والكلام في المسألة مع أبي علي الجبائي١ وابنه أبي هاشم وهما لم يصرحا بالمخالفة في ذلك ولكن وقع ذلك منهما ضمنا حيث ذهبا هما ومن تبعهما من المعتزلة إلى القول بعالمية الله تعالى دون علمه أي قالا إن الله تعالى عالم ولم يقولا بحصول العلم الذي اشتق منه العالم له والحاصل أن هذه الطائفة ينفون عن الله تعالى الصفات الحقيقية الزائدة على الذات كالعلم والقدرة والحياة وقد يجمعهما قول الشاطبي ﵀:\nحي عليم قدير والكلام له ... باق سميع بصير ما أراد جزاء\nفرارا من أن تكون الذات قابلا وفاعلا من أشياء زعموها لازمة ويقولون\n_________\n١ هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن عبد السلام بن خالد بن حمدان بن أبان الجبائي شيخ المعتزلة كان فقيها ورعا وإليه تنسب طائفة الجبائية من المعتزلة توفي سنة ٣٠٣ هـ.\nشذرات الذهب ٢/٢٤١ الفرق بين الفرق ص ١٨٣.","vol":"1","page":227},{"text":"بثبوت العاملية والقادرية والحيية له وبناء على أنها نسب وإضافات لا وجود لها في الخارج بخلاف العلم والقدرة والحياة فإنها صفات حقيقية ويقولون عالمية الله غير معللة بالعلم لأن العالمية له واجبة والواجب لا يعلل بالغير بخلاف عالميتنا فإنها معللة بالعلم إذ هي غير واجبة.\nوقال أهل السنة وقوم من المعتزلة إن لله ﷾ صفات مغايرة لذاته تعالى وهي العلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الثبوتية ثم قال الذين نفوا الحال العاملية والقادرية والحيية نفس العلم والقدرة والحياة وقال مثبتوها عالمية الله حالة معللة بمعنى قائم به وهو العلم وكذا القادرية بالقدرة والحيية بالحياة وإذا عرفت هذا ظهر أن الأشاعرة ومن وافقهم قالوا إن الله تعالى عالم بالعلم قادر بالقدرة حي بالحياة والجبائيان قالا إنه تعالى عالم بالذات لا بالعلم قادر بالذات لا بالقدرة هي بالذات بالحياة فقد جوزوا صدق المشتق الذي هو العالم بدون صدق المشتق منه الذي هو العلم واستدل في الكتاب على امتناع إطلاق المشتق بدون المشتق منه بأنه لو صح المشتق بدون صدق أصله للزم وجود الكل بدون الجزء لأن الأصل الذي هو المشتق منه جزء للمشتق لأن المشتق يدل على الأصل وعلى ذات متصفة به كالعالم مثلا فإن مدلوله ذات متصفة بالعلم فالعلم الذي هو أصل العالم جزء من مجموع معناه فلو صح العالم بدون العلم للزم ما ذكرناه ولا ينقض هذا بصحة إطلاق اسم الكل على الجزء لأن ذلك من باب المجاز والكلام في صحة الإطلاق الحقيقي.\nقال الثانية شرط كونه حقيقة دوام أصله\nخلافا لابن سينا وأبي هاشم لأنه يصدق نفيه عند زواله فلا يصدق إيجابه قيل مطلقتان فلا يتناقضان.\nقلنا مؤقتتان بالحال فإن أهل العرف ترفع أحدهما بالآخر.\nالمسألة السابقة في اشتراط صدق المشتق منه في كون المشتق حقيقة سواء دام معنى المشتق منه إلى حالة الإطلاق أم لم يدم وهذه في اشتراط دوام معنى","vol":"1","page":228},{"text":"المشتق منه إلى حالة إطلاق المشتق فهي أخص من تلك فنقول إطلاق الاسم المشتق باعتبار الحال حقيقة بالإجماع وباعتبار المستقبل مجاز بالإجماع وأما إطلاقه باعتبار الماضي كإطلاق الضارب على من صدر منه الضرب وانتهى فقال الجمهور إنه غير حقيقة قال الإمام وهو الأقرب واختاره في الكتاب وقال ابن سينا وأبو هاشم ووالده أبو على إنه حقيقة وفي المسألة مذهب ثالث أن معنى المشتق منه إن كان مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود اشترط بقاؤه في كون المشتق حقيقة وإلا فلا حكاه الآمدي والإمام ذكره بحثا من جهة الخصم ثم أجاب عنه بأن أحدا من الأمة لم يقل بهذا الفرق فيكون باطلا.\nوأعلم أن محل الخلاف في المسألة إنما هو في صدق الاسم فقط أعني هل يسمى من ضرب أمس الآن بضارب وهو أمر راجع إلى اللغة وليس النزاع في نسبة المعنى أعني في أن الضارب أمس هل هو الآن ضارب فإن ذلك لا يقوله عاقل وإذا تبين أن محل النزاع إنما هو في صدق الاسم فاعلم أيضا أن الذي يتجه أن الخلاف أيضا ليس في الصفات القارة المحسوسة كالبياض والسواد لأنا على قطع بأن اللغوي لا يطلق على الأبيض بعد اسوداده أنه أبيض وقد قال الإمام في آخر المسألة لا يصح أن يقال لليقظان إنه نائم اعتبارا بالنوم السابق وادعى الآمدي في ذلك الإجماع فقال لا يجوز تسمية النائم قاعدا والقاعد نائما بإجماع المسلمين وأهل اللسان وهذا واضح من اللغة وإنما الخلاف في الضرب ونحوه من الأفعال المقتضية فإطلاق المشتق على محلها من باب الأحكام فلا يبعد إطلاقه حال خلوه من مفهومه لأنه أمر حكمي وتبين من هنا وجه انفصال الماضي عن المستقبل حيث كان إطلاقه باعتبار الماضي أولى لأن من حصل منه الضرب في الماضي قد يستصحب حكمه وأما المستقبل فلم يثبت له حكم حتى يستصحب.\nإذا عرفت ذلك فنقول استدل المصنف على ما اختاره من أنه ليس بحقيقة بأنه يصدق نفي المشتق عند زوال المشتق منه فيقول زيد ليس بضارب فلو صدق في الإيجاب حقيقة وهو زيد ضارب للزم اجتماع","vol":"1","page":229},{"text":"النقيضين أهني صدق نفي الضرب وإثباته فتقرر أنه إنما يصدق مجازا لأن صحة النفي من أمارات المجاز واعترض على هذا بأن قولنا ضارب وليس بضارب قضيتان مطلقتان لم يتحد وقت الحكم فيهما فلا يتناقضان لجواز أن يكون وقت السلب غير وقت الإثبات وأجاب في الكتاب بأنهما مؤقتتان بحال التكلم.\nوأغنى عن هذا التقييد فهم أهل العرف أن لو لم يكن كذلك لما جاز استعمال كل واحد منهما في تكذيب الآخر ورفعه لكن أهل العرف يستعملون ذلك فيكونان متناقضين وهو المطلوب.\nفإن قلت سلمنا أنهما مؤقتتان بالحال وأنهما متناقضتان ولكن لا نسلم أنه حينئذ يصح إطلاقهما لأنه لا يصح ليس بضارب في الحال وهل قولكم إن ذلك يصح إلا مصادرة على المطلوب؟\nقلت صدق ليس بضارب في الحال لا يقبل المنازعة إلا ممن لم يفهم معنى هذا الكلام وذلك لأنا لم نعن بذلك إطلاق الاسم حتى يقال إنه مصادرة على المطلوب بل إن المعنى غير ثابت في الحال وقد قدمنا أنه لا ينازع في ذلك عاقل ويقرر عندك أن المعنى بقولنا يصدق ليس بضارب في الحال تحقق المعنى لا صدق الإطلاق إذا الخصوم سلموا هذه المقدمة لما ذكرها الإمام وغيره وما اعترض أحد بهذا السؤال.\nفإن قلت سلمنا أنه يصح ليس بضارب في الحال ولكن لا نسلم استلزامها صحة ليس بضارب.\nقلت لأن ليس بضارب مطلقة وليس بضارب في الحال مؤقتة والمطلقة جزء من المؤقتة ولو صح ذلك فنقول إذا قيدت في الإيجاب أو في السلب بزمان ولم تجعل الزمان جزءا من المحمول كانت القضية موجهة مؤقتة وإن لم يقيد كانت القضية مطلقة وهي جزء من المؤقتة والقيد المذكور في المؤقتة كقولنا زيد ضارب الآن أو ليس بضارب الآن إذا جعلناه جهة معناه تقييد نسبة المحمول الذي هو ضارب إلى الموضوع الذي هو زيد إيجابا أو سلبا.\nفإذا قلت زيد ضارب الآن فمعناه أن نسبة ضارب إلى زيد ثابتة الآن.","vol":"1","page":230},{"text":"وإذا قلت زيد ليس بضارب الآن فمعناه أن نسبة ضارب إلى زيد ممتنعة الآن والآن ظرف للنتفاء لا للتفي فإن النفي هو الحكم وهو حاصل الآن وانتفاء مدلوله وهو يحسبه قد يكون الآن كما في هذا المثال وقد يكون أمس أو غدا على حسب ما تأتي المؤقتة وقد يأتي الظرف جزءا من المحمول كقولك زيد ضارب الآن تريد أن ضربه الآن ثابت أو ليس بضارب الآن تريد ضربه الآن منتف فهذه ليست موجهة والمنفي فيها أخص من النفي في الموجهة والمثبت بأخص من المثبت ولنزد ذلك إيضاحا فنقول:\nإذا قلت ليس زيد ضاربا الآن أو يوم الجمعة فلا يجوز أن يكون الآن أو يوم الجمعة ظرفا لحكمك ألا ترى أنك تقول يوم الجمعة وأنت غير حاكم فيه وبقي بعد هذا أن يوم الجمعة إما أن يكون ظرفا لانتفاء الضرب المقيد بذلك الوقت أو المطلق والمعنى أن زيدا يصدق يوم الجمعة أنه ليس بضارب ومن ضرورة انتفائه انتفاء المقيد وإذ وضح أن المطلقة جزء من المؤقتة صح تعبير الإمام في المحصول بالكل والجزء ودعواه استلزام الكل الجزء ليس مراده الجزء من حيث اللفظ بل من حيث المعنى.\nفإن قلت المطلقة أعم من المؤقتة فكيف تستلزمها المؤقتة.\nقلت أصل المطلقة كذلك ولكن قد يعرض لها تقييدها لغة أو عرفا وقد ادعيناه هنا حيث قلنا إن العرف يؤقتهما بحال التكلم ودللنا عليه فالمطلقة وإن كانت مطلقة في اللفظ فهي مقيدة بحسب العرف وكان ذلك منطوقا به فسارت المؤقتة وإنما دلالة المؤقتة صريحة في الوقت ودلالة المطلقة ظاهرة ولهذا المعنى لم يأت الإمام في المحصول بلفظ الأعم والأخص لأنه يضره فإنه يدعى تساويهما عرفا ولغة فكيف يقول إن أحدهما أعم من الآخر بل ترك ذلك وعدل إلى الكل والجزء فإنه صحيح على التقديرين أعني من حيث القل والأصل ومن حيث الاستعمال والجزء قد يكون مساويا في الوجود كالناطق فإنه جزء الانسان ومساو له بخلاف الأعم فإنه قد يوجد بدون الأخص.\nفإن قلت قد فهم أصحاب الإمام أن مراده الأعم والأخص ومنهم","vol":"1","page":231},{"text":"صاحب التحصيل فقال يصدق ليس بضارب لصدق الأخص منه وهو ليس بضارب في الحال.\nقلت قال والدي ﵁ في كتابه الاتساق في مقاربة الاشتقاق وهو مختصر وضعه في هذه المسألة إنهم ما فهموا جيدا وأطال النفس في ذلك وأجاب عن سؤال لصاحب التحصيل ذكره على هذا وعظم خطبه ونحن لم نذكر السؤال لكونه مبنيا على ما فهمه صاحب التحصيل من أن الكل أعم والجزء أخص وقد بينا أن الإمام لم يرد بالكل والجزء الأعم والأخص وأن الجزء قد يكون مساويا.\nقال وعورض بوجوه\nالأول أن الضارب من له الضرب وهو أعم ورد بأنه أعم في المستقبل أيضا وهو مجاز اتفاقا.\nالثاني: أن النحاة منعوا عمل النعت للماضي ونوقض بأنهم أعملوا المستقبل.\nالثالث: أنه لو شرط لم يكن المتكلم ونحوه حقيقة وأجيب بأنه لما تعذر استعمال أجزائه اكتفى بآخر جزء.\nالرابع: أن المؤمن يطلق حالة الخلو عن مفهومه وأجيب بأنه مجاز وإلا لأطلق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة.\nعارض الخصم دليلنا بأوجه زعم أنها تدل على مطلوبه.\nالأول: أن الضارب عبارة عمن ثبت له الضرب وهو أعم من أن يكون دائما أو لا فيكون إطلاقه على أفراده على سبيل الحقيقة كإطلاق العام على أفراده وأجاب بأن ذلك منقوض بأنه أعم من المستقبل أيضا فيلزم أن يكون حقيقة فيه ولا قائل به ولقائل أن يقول إذا كان الضارب من ثبت له الضرب فهو غير صادق باعتبار المستقبل لأنه ما ثبت له فلا يتجه قولكم أنه أعم من المستقبل أيضا.\nالثاني: أن جمهور النحاة قالوا النعت أي المشتق كاسم الفاعل واسم","vol":"1","page":232},{"text":"المفعول إذا كان بمعنى الماضي وليس معه ال فهو لا ينصب مفعوله بل يتعين أن يجر بالإضافة إليه تقول مررت برجل ضارب زيد أمس وهذا يدل على جواز استعماله بمعنى الماضي والأصل في الاستعمال الحقيقة وأجاب بأن هذا منتقض بإجماعهم على إعماله إذا كان بمعنى الاستقبال ما قلتموه في الماضي يأتي بعينه في المستقبل مع أنه مجاز اتفاقا.\nالثالث: لو كان المشتق منه شرطا في صحة إطلاق المشتق حقيقة لاستحال إطلاق المتكلم والمخبر بطريق الحقيقة على شيء أصلا لأن المشتق وهو الكلام والخبر لا يمكن بقاؤهما لأنهما من الموجودات التي هي غير قارة الذات وأجاب بمنع الملازمة وذلك لأن الشرط أحد الأمرين أما بقاء المشتق منه وذلك فيما يمكن بقاؤه أو بقاء آخر جزء من أجزائه إن لم يكن بقاؤه بالكلية لأن وضع اللغة غير مبني على المضايقة في مثل هذه الأمور وهذا كإطلاقهم الحال على الزمان المعين مع أن الموجود منه ليس إلا جزءا واحدا.\nالرابع: أنه لو اشترط بقاء المشتق منه في صحة إطلاق المشتق حقيقة للزم ألا يصح إطلاق المؤمن بطريق الحقيقة على من خلا عن مفهومه بالنوم مثلا ولكن ذلك باطل لأنهم يطلقونه عليه والأصل في الإطلاق الحقيقة وأجاب بأن إطلاقه ليس على سبيل الحقيقة بل هو مجاز وإلا لصح إطلاق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة بسبب كفر تقدم إذ الإطلاق من لوازم الحقيقة ولقائل أن يقول إن الإيمان الطارئ بعد الكفر يضاده لذلك لم يصح إطلاق الكافر على من صدر منه في الماضي إذ هو وصف وجودي يصاد الأول فكان كإطلاقك على الأسود أنه أبيض باعتبار بياضه المتقدم وقد قدمنا أن ذلك ليس من محل النزاع.\nفوائد أحدها اعلم أنا لا نعني بالحال حال نطقنا بل حال اتصافه بالمشتق منه.\nفإذا قلت اقتلوا المشركين فمعناه الأمر بقتل من اتصف بالشرك وإن لم يكن وقت قولك اقتلوا المشركين متصفا به وقد خفى ذلك على بعض الفضلاء فظن أنه لا يشمل من يأتي بعد ذلك إلا مجازا.","vol":"1","page":233},{"text":"الثانية: الحقيقة والمجاز إنما هما باعتبار الاستعمال.\nفإذا قلت زيد ضارب فهنا أمران.\nأحدهما: استعمال ضارب في معناه أو غير معناه وهو محل الحقيقة والمجاز.\nوالثاني: حمل ضارب على زيد وهذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا دلالة له على حال ولا مضي ولا استقبال بل هو مطلق بالنسبة إليها والقضية إن أطلقت احتملت الثلاثة إلا أنا نحمله عند الإطلاق على زمان النطق لغة وعرفا ولأنه ليس غيره أولى منه وأما المحمول الذي هو ضارب فإن أريد به معناه ممن هو متصف بالضرب في الحال كان حقيقة إما صدقا إن طابق أو كذبا إن لم يطابق وإن أريد به غير معناه كان مجازا والأمر في السلب في جميع ذلك على اقررناه لا يختلف.\nالثالثة: إذا قلت زيد ضارب أمس أو غدا فقد يطلق المطلق أنه مجاز لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال والتصريح بأمس أو غدا إنما هو قرينة لإرادة المجاز كقولك رأيت أسدا يرمي بالنشاب وقد يطلق أنه حقيقة لأنه اتصل بمعموله والحق خلاف الإطلاقين لأن الحمل لا حقيقة فيه ولا مجاز كما عرفت فحكمك على زيد الآن بأنه ضارب غذا لا حقيقة ولا مجاز والمحكوم به هو ضارب غدا إن أريد معناه وهو أن يحصل منه الضرب غذا كان حقيقة مثل زيد سيضرب غدا وإن أريد به غير معناه كان مجازا وهكذا ضارب أمس ولا يمكنك أن تريد أن الضرب الثابت الذي يقع غدا هو ثابت الآن فذلك مستحيل لكن تريد أنه الآن محكوم عليه بالضرب في غذ والحكم غير موصوف بحقيقة ولا مجاز فإن أردت أن تصفه الآن بضربه في غد كان مجازا والله أعلم.\nفروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور.\nلو عزل القاضي فقال امرأة القاضي طالق هل يقع طلاقه فيه وجهان في فروع الطلاق من الرافعي.\nلو قال إن كانت امرأتي في المأتم فأمتي حرة وإن كانت أمتي في الحمام","vol":"1","page":234},{"text":"فامرأتي طالق وكانتا عند التعليق كما ذكرنا عتقت الأمة ولم تطلق المرأة عتقت عند تمام التعليق الأول وخرجت عن أن تكون أمته فلم يحصل شرط الطلاق وهو الآن أمته لا تكون حقيقة إلا لمن يملكها في الحال ولو قدم ذكر الأمة فقال إن كانت أمتي في المأتم فامرأتي طالق وإن كانت امرأتي في الحمام فأمتي حرة وكانتا كما ذكر طلقت المرأة ثم إن كانت رجعية عتقت الأمة أيضا وإلا فلا والفرع مسطور في فروع الطلاق أيضا وإنما يعتق الأمة في هذه الحالة لصدق لفظ الزوجة على الرجعية.\nلو حلف لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى القاضي فلان ولم ينو أنه يرفعه إليه وهو قاض وتمكن من الرفع إليه فلم يرفع حتى عزل ثم رفع إليه ففي الحنث وجهان إذا مات ولم يرفع إليه إلا وهو معزول.\nلو حلف لا يدخل مسكن فلان فدخل ملكا له لم يكن ساكنه فثلاثة أوجه ثالثها: إن كان سكنه في الماضي ساعة ما حنث وإلا فلا قال المتولي١ لو وقف على عبد فلان وقلنا العبد يملك صح وكان الاستحقاق متعلقا بكونه عبد فلان حتى لو باعه أو وهبه زال الاستحقاق.\nقال الثالثة لا يشتق اسم الفاعل لشيء والفعل قائم بغيره للاستقراء\nقالت المعتزلة الله متكلم بكلام يخلقه في جسم كما أنه الخالق والخلق المخلق قلنا الخلق هو التأثير.\nلا يجوز إطلاق اسم الفاعل الذي هو المشتق على شيء والفعل الذي هو المشتق منه قائم بغيره واستدل الأصحاب على ذلك بالاستقراء فإنا تتبعنا\n_________\n١ هو عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري المعروف بالمتولي فقيه مناظر عالم بالأصول تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد من مؤلفاته تتمة الإبانة للفوراتي في فقه الشافعية وله كتب أخرى في الفقه والأصول.\nتوفي ببغداد سنة ٤٧٨ هـ.\nوفيات الأعيان ١/٢٧٧ الأعلام ٤/٩٨.","vol":"1","page":235},{"text":"مواقع استعمال المشتقات فلم نجد موقعا اشتق له اسم الفاعل والفعل المشتق منه قائم بغيره فدل على أن ذلك خارج عن كلام العرب فيكون ممنوعا وقد لزم المعتزلة الخلاف في ذلك حيث قالوا إن الله تعالى متلكم بكلام قائم بغيره لا بذاته وإلا لكانت ذاته محلا للحوادث وذلك على أصلهم في أن الكلام حادث لأنهم لا يعترفون بالكلام النفسي واحتجوا على ما ذهبوا إليه من أنه يجوز إطلاق المتكلم على الله بسبب كلام يخلقه في جسم بأنه يطلق عليه الخالق بالحقيقة والخالق مشتق من الخلق والخلق لم يقم بذاته ﷾ لأن الخلق هو المخلوق وهو الأثر البائن عن ذات الله تعالى ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي مخلوق الله وأجاب بأن الخلق لم يقم بذاته ﷾ لأن الخلق هو المخلوق وهو الأثر البائن عن ذات الله تعالى ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي مخلوق الله وأجاب بأن الخلق ليس هو المخلوق بل هو التأثير الله تعالى وأما الإطلاق الواقع في الآية فإنه مجاز.\nقال قالوا قدم العالم وإلا لافتقر إلى خلق آخر وتسلسل قلنا هو نسبة فلم يحتج إلى تأثير آخر.\nقالت المعتزلة لو كان الخلق هو التأثير كما ذكرتم لزم أحد محالين إما قدم العالم أو التسلسل وذلك لأنه إما قديم أو حادث إذ كل مفهوم وجوديا كان أو عدميا لا يخلو عن أحدهما لأنه إن كان مسبوقا بالعدم سبقا زمانيا فهو الحادث وإلا فهو القديم فإن كان قديما لزم قدم العالم لأن المؤثر قديم والتأثير فرضناه قديما وإذا وجد المؤثر والتأثير استحال تخلف الأثر وهو العالم فيلزم من وجودهما في الأزل وجود العالم فيه ولأن التأثير نسبة بين الخالق والمخلوق وقدم النسبة يقتضي قدم المنتسبين ضرورة افتقارها إليهما ولأن العالم هو ما سوى الله تعالى والتأثير غير الله تعالى إذ التأثير غير المؤثر وإن كان حادثا افتقر في حدوثه إلى تاثير والكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وأجاب المصنف بأنه نسبة إلى آخره أي يختار أنه حادث ويمنع لزوم التسلسل وذلك لأن التأثير نسبة والنسبة لكونها من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج غير مفتقرة إلى تأثير مؤثر فيها ثم إن الأمور الاعتبارية لا يمتنع التسلسل فيها لذلك وهذا كما أن الواحد نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له من الأعداد","vol":"1","page":236},{"text":"واعلم أن الإمام لم يجب عن الشبهة المذكورة ثم قال ومما يدل على أنه ليس من شرط المشتق منه قيامه بمن له الاشقاق أن المفهوم من اسم المشتق ليس إلا أنه ذو ذلك المشتق منه ولفظة ذو لا يقتضي الحلول ولأن لفظ ملابن والتامر والمكي والمدني والحداد مشتق من الأمور التي يمتنع قيامها بمن له الاشقاق هذا كلامه وقد أوهم اختيار مذهب المعتزلة ومناقضته في ذلك لما اختاره في كتبه الكلامية حتى قال الشيخ شمس الدين الأصفهاني في شرح المحصول الحق مذهب الأشاعرة لا ما اختار المصنف تقريره ههنا من مذهب المعتزلة والذي نقوله إنه لا يلزم من عدم ذكر الجواب اختيار مذهبهم كيف وقد صرح بخلافه وأما ما قاله من أن المفهوم من الاسم المشتق ليس إلا ذو المشتق منه فهو مدخول لأنه اعترف بأن قولنا مكي ومدني مشتق من مكة والمدينة وليس المفهوم من المكي ذو مكة ولأنه يناقض ما التزمه سابقا من أن بقاء وجه الاشتقاق شرط لصدق الاسم المشتق فإن قولنا زيد قيسي أو تميمي يكون حينئذ مشتقا من قيس وتميم والمشتق منه غير باق والحق أن دعواه أن لفظة ذو لا تقتضي الحلول غير مسلمة له على الإطلاق لأن المفهوم من قولنا زيد ذو علم أو فهم قيامهما به وحلولهما فيه فلفظة ذو تقتضي الحلول في أسماء المعاني كما ذكرناه وكلامنا في المشتقات من المصادر التي هي أسماء المعاني ويخرج بهذا الجواب عن مثل مكي ومدني فإنها مشتقة من أسماء الذوات فليست في شيء مما نحن فيه.\nفروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور.\nلو حلف لا يبيع أو لا يضارب فوكل فيه غيره حتى فعل لم يحنث في أظهر القولين لأنه لم يباشر والثاني إن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه كالسلطان حنث.\nولو حلف لا يحلق رأسه فأمر غيره فحلق فقد قيل في حنثه القولان وقيل يحنث قولا واحدا وبه أجاب الماوردي وطرده في كل ما جرت العادة فيه بالأمر دون المباشرة من جميع الناس كقوله والله لا احتجمت أولا اقتصدت أو لا بنيت داري.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصل الرابع: الترادف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>تعريفه</span>\n...\nالفصل الرابع في الترادف\nقال الفصل الرابع في الترادف وهو توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد كالإنسان والبشر.\nتوالي الألفاظ هو تتابعها لأن اللفظ الثاني تبع الأول في مدلوله وقوله توالي الألفاظ جنس يشمل المترادف وقوله المفردة احتراز عن المركبة كالحد مع المحدود والرسم مع المرسوم فإن الحد والمحدود غير مترادفين على المذهب المختار إذ المحدود دال على الماهية من حيث هي والحد دال عليها باعتبار دلالته على أجزائها فالاعتباران مختلفان وقوله الدالة على شيء واحد احتراز عن توالي الألفاظ المتباينة المتفاصلة فإنها تدل على الأشياء المتعددة كالإنسان والفرس والحمار وقوله باعتبار واحد يمكن أن يحترز به عن الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد لا باعتبار واحد بل أحدهما بطريق الحقيقة والآخر بطريق المجاز كالأسد والشجاع لكن قال الإمام احترزنا به عن اللفظين المفردين إذا دلا على شيء واحد باعتبار صفتين كالصارم والمهند أو باعتبار الصفة وصفة الصفة كالفصيح والناطق فإنهما من المتباينة يعني أن كلا من المهند والصارم يدل على الشكل المعروف لكن المهند والسيف يدلان عليه سواء كان قاطعا أم لا والصارم لا يدل عليه إلا إذا كان قاطعا.\nهذا شرح التعريف وفيه نظر فإنه أتى المفردة ليحترز عما أشرنا إليه وهو غير مضرور إلى ذلك فإن ذلك خرج بقوله باعتبار واحد إذ الحد والمحدود يدلان على معنى واحد لكن باعتبارين كما عرفت ثم إن هذه اللفظة أعني","vol":"1","page":238},{"text":"المفردة تصير الحد غير جامع إذ يخرج بها بعض المترادفات مثل خمسة ونصف العشرة وأيضا قوله: الألفاظ جمع وأقله على رأيه ثلاثة وقد يكون الترادف من لفظين ثم إنها جنس بعيد فلو أتى بالقول وقال توالي كلمتين فصاعدا لسلم من هذين الإيرادين وإنما قال توالي الألفاظ ولم يقل الألفاظ المتوالية لأنه شرع في حد المعنى وهو الترادف لا في حد اللفظ وهو المترداف وعبر الألفاظ ليشمل ترادف الأسماء كالبر والقمح والأفعال كجلس وقعد والحروف مثل في والباء في بعض المواضع كما في قوله تعالى: ﴿مُصْبِحِينَ*وَبِاللَّيْلِ﴾ ١.\nواعلم أن المصنف إنما ذكر حد الترادف مع تقدمه في تقسيم الألفاظ ليفرق بينه وبين التأكيد قوله كالإنسان والبشر هذا مثال للترادف من جهة اللغة فإن الإنسان يطلق على الواحد رجلا كان أو امرأة وكذلك البشر وأهمل المصنف التمثيل للمترادفين بحسب الشرع كالفرض والواجب عندنا٢ وبحسب العرف.\nقال والتأكيد يقوي الأول والتابع لا يفيد.\nلما كان التأكيد والتابع فيهما شبه بالمترادف حتى ظن بعض الناس أن التابع من قبيل المترادف ذكر المصنف الفرق بينهما وحاصله أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت والمؤكد لا يفيد غير فائدة الأول بل تقويته وهو على نوعين لفظي وهو ما يكون لفظه لفظ المؤكد ومعنوي وهو ما يكون بغير ذلك اللفظ مثل كلهم وأما الفرق بين المترادف والتابع مثل قولنا شيطان ليطان ونظائره فهو أن التابع لا يفيد كذا أطلقه في الكتاب وزاد الإمام فقال بل شرط كونه مفيدا تقدم الأول عليه وأما الآمدي فإنه قال\n_________\n١ سورة الصافات: آية ١٣٧ ١٣٨.\n٢ أي عند الشافعية فإن الفرض والواجب لفظان مترادفان إلا في الحج فإن الفرض غير الواجب.\nوذهب الحنفية إلى أن الفرض ما ثبت بدليل كوجوب الصلاة الخمس والواجب ما ثبت بدليل ظني كوجوب الوتر فإنه واجب لأنه ثابت بالسنة.\nراجع أصول السرخسي ١/١١٠ تيسير التحرير ٢/١٣٥.","vol":"1","page":239},{"text":"التابع قد لا يفيد معنى أصلا بإثبات قد قال ولهذا قال ابن دريد١ سألت أبا حاتم عن معنى قولهم بسن أي من قولهم حسن بسن فقال لا أدري ما هو والتحقيق أن التابع يفيد التقوية فإن العرب لا تضعه سدى وجهل أبي حاتم بمعناه لا يضر بل مقتضى قوله: إنه لا يدري معناه أن له معنى وهو لا يعرفه.\nفإن قلت فصار كالتأكيد لأنه أيضا إنما يفيد قلت التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز فإنك إذا قلت قام القوم احتمل أن يريد البعض مجازا وينتفي هذا الاحتمال بقولك بعد ذلك كلهم وأيضا فالتابع من شرطه أن يكون على زنه المتبوع والتأكيد لا يكون كذلك وقول المصنف التأكيد يقوي ليس بجيد بل كان ينبغي أن يقول التأكيد تقوية أو المؤكد يقوي.\n_________\n١ هو محمد بن الحسن بن دريد الأزدي من أزد عمان من أئمة اللغة والأدب يقول: ابن دريد: أشعر العلماء وأعلم الشعراء وهو صاحب المقصورة الدريدية.\nومن كتبه الاشتقاق في الأنساب والمقصور والممدود وشرحه والجمهرة في اللغة وغير ذلك.\nوفيات الأعيان ١/٤٩٧ الأعلام ٦/٣١٠.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>أحكام المتردفات</span>\n...\nأحكام المترادف\nقال وأحكامه في مسائل:\nالأولى: في سببه المترادفان وإما من واضعين والتبسا أو واحد لتكثير الوسائل والتوسع في محل البديع.\nذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف في اللغة العربية وزعم أن كل ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات كما في الإنسان والبشر فإن الأول موضوع باعتبار النسيان أو باعتبار أنه يؤنس.\nوالثاني: باعتبار أنه بادي البشرة وكذا الخندريس والعقار فإن الأول باعتبار الفتق والثاني باعتبار عقر الدن لشدتها وتكلف لأكثر المترادفات بمثل هذا المقال العجيب وقد اختار هذا المذهب أعني إنكار المترادف أبو الحسين أحمد بن فارس١ في كتابه الذي ألفه في فقه اللغة والعربية وسنن العرب وكلامها ونقله عن شيخه أبي العباس ثعلب٢ وهذا الكتاب كتب منه ابن\n_________\n١ هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي من أئمة اللغة والأدب قرأ عليه البديع الهمذاني والصاحب بن عباد وغيرهما من أعيان البيان.\nمن تصانيفه مقاييس اللغة والصاحبي في علم العربية جامع التأويل في تفسير القرآن توفي سنة ٣٩٥ هـ.\n٢ هو أحمد بن يحيى بن زيد سيار الشيباني الولاء أبو العباس المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة كان راوية للشعر محدثا مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة ثقة حجة ولد ومات في بغداد.\nمن كتبه الفصيح وقواعد الشعر وشرح ديوان الأعشى ومعاني القرآن توفي سنة ٢٩١ هـ.\nتذكرة الحفاظ ٣/٢١٤ الأعلام ١/٢٥٢.","vol":"1","page":241},{"text":"الصلاح نكتا منها هذه وعلقت أنا ذلك من خط ابن الصلاح فيما علقته من خطه ونحن نقول أما الجواز فلا يظن بعاقل المنازعة فيه ضرورة أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال وأما الوقوع ففي مسميات تخرج عن حد الحصر.\nإذا عرفت ذلك فلوقوع المترادفة سببان:\nأحدهما: أن تكون من واضعين.\nقال الإمام ويشبه أن يكون هو السبب الأكثري مثل أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين والأخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى ثم يشتهر الوضعان ويخفي الواضعان أو يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر ولا يخفى عليك أن هذا السبب مبني على كون اللغات اصطلاحية.\nوالثاني: أن يكون من واضع واحد وهو السبب الأقلي كما ذكر الإمام وله فوائد:\nمنها أن تكثر الوسائل أي الطرق إلى الإخبار عما في النفس فإنه ربما نسي أحد اللفظين أو عسر عليه النطق به وقد كان بعض الأذكياء في الزمن السالف ألثغ فلم يحفظ عليه أنه نطق بحرف الراء ولولا المترادفات تعينه على ما قصده لما قدر على ذلك.\nومنها التوسع في مجال البديع أي في سلوك طرق الفصاحة وأساليب البلاغة في النظم والنثر وذلك لأن اللفظ الواحد قد يتأني باستعماله مع لفظ آخر للسجع والقافية أو التجنيس والترصيع وغير ذلك من أصناف البديع ولا يتأنى ذلك باستعمال مرادفه مع ذلك اللفظ.\nقال الثانية أنه خلاف الأصل لأنه تعريف المعرف ومحوج إلى حفظ الكل.\nنقل الإمام أن من الناس من قال الترادف وإن كان واقعا لكنه على خلاف الأصل وبه جزم في الكتاب وحينئذ إذا دار اللفظ بين كونه مترادفا","vol":"1","page":242},{"text":"للفظ آخر ومباينا له فحمله على المباين له أولى واستدل على كونه على خلاف الأصل بوجهين:\nأحدهما: أن المقصود لما حصل بأحد اللفظين فالأصل عدم الثاني لئلا يلزم تعريف المعرف.\nوالثاني: أنه موجب للمشقة لأنه يوجب حفظ جميع تلك الألفاظ إذ لو لم يحفظ جميعها احتمل أن يكون الذي اقتصر على حفظه خلاف ما اقتصر عليه الآخر فعند التخاطب يجهل كل واحد منها مراد صاحبه.\nقال الثالثة اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ.\nهل يجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مكان الآخر فيه ثلاث مذاهب:\nأحدها: أنه غير واجب قال الإمام وهو الحق.\nوالثاني: أنه واجب بمعنى أنه يصح مطلقا وهو اختيار ابن الحاجب وقال الإمام إنه الأظهر في أول النظر.\nوالثالث: وهو اختيار المصنف وصفي الدين الهندي إن كانا من لغة واحدة صح وإلا فلا أما صحته إذا كانا من لغة واحدة فلأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين وجب أن يصح مع الآخر لاتحاد معناهما وأما عدم صحته إذا كانا من لغتين فلأن اختلاط اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل فإن إحدى اللغتين بالنسبة إلى اللغة الأخرى بمثابة المهمل.\nفإن قلت التركيب كما يتعلق بالمعنى كذلك يتعلق باللفظ كما في أنواع البلاغة من الترصيع والتجنيس وغير ذلك فإن رعاية هذه الأمور غرض يقصده اللبيب.\nقلت رعاية هذه الأمور خارجة عن المقصود الأصلي من الكلام فإنها من","vol":"1","page":243},{"text":"محسنات الكلام لا من مصححاته وفي قول المصنف إذ التركيب إشارة إلى أن الخلاف إنما هو في حال التركيب وأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء فلا خلاف في جواز ذلك هذا كلام الأصوليين في المسألة وأما الفقهاء فلا خلاف عندهم في إقامة كل واحد من المترادفين المختلفي اللغة مقام الآخر فيما تشترط فيه الألفاظ كعقود البيوعات وغيرها وأما ما وقع النظر في أن التعبد هل وقع بلفظه فليس من هذا الباب لأن المانع إذ ذاك من إقامة أحد المترادفين مقام الآخر ليس أنه لا يصح إقامة مرادف مقام صاحبه بل لما وقع من القيد لسبيله لفظه كالخلاف في أن لفظ النكاح كلي ينعقد بالعجمية واللغات للقادر على العربية ونظائر ذلك.\nقال الرابعة التوكيد تقوية مدلول ما ذكر بلفظ ثان فإما أن يكون بنفسه مثل قوله ﵇: \"والله لأغزون قريشا ثلاثا\" أو بغيره للمفرد كالنفس والعين وكلا وكلتا وكل وأجمعين وإخواته والجملة كان.\nلك أن تقول الفصل معقود للترادف فلا مدخل لأحكام التوكيد فيه فكان ينبغي أن يقول الفصل الرابع في أحكام الترادف والتأكيد كما فعل الإمام والخطب في ذلك يسير.\nاعلم أن التوكيد عبارة عن تقوية مدلول اللفظ المذكور أولا بلفظ مذكور ثانيا هكذا قاله صاحب الحاصل وتبعه المصنف وقد أورد عليهما أن التابع يدخل في هذا لأنه يفيد تقوية الأول كما حررناه فكان من حقه أن يقول بلفظ ثان مستقل بالإفادة وأورد عليه أيضا القسم وإن واللام تؤكد الجملة وليس ذلك بلفظ ثان بل أول ولا يمكنه أن يقول بدل ثان بلفظ آخر لأنه يوهم أنه يشترط في المؤكد أن يكون بلفظ مغاير لذلك فيخرج التأكيد اللفظي ولك أن تجيب أولا بأن الثاني هنا بمعنى واحد كما في قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ١\n_________\n١ جاء في قوله تعالى في حق أبي بكر في هجر ته مع رسول الله – ﷺ – ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ التوبة: ٤٠.","vol":"1","page":244},{"text":"والأكثر أن يكون مع المؤكد فاعل الأول أو ضميره نحو قام زيد قام زيد أو قام زيد قام وقد يكون فاعل المؤكد والمؤكد ضميرين كقولك صل، صل الصديق وقد يستغنى بفاعل أحدهما وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر:\nفأين إلى أين النجاة ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس١\nأو حرفا كقول الشاعر:\nفلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواه٢\nالثاني: التأكيد المعنوي وهو بغير ذلك اللفظ الأول وذلك قسمان:\nأحدهما: أن يكون مؤكدا للمفرد فإما أن يكون مؤكدا للواحد مثل جاء زيد بنفسه ومحمد عينه أو للمثنى مثل جاء الزيدان كلاهما أو المرأتان كلتاهما أو المجمع مثل جاء القوم كلهم أو أجمعون قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٣ ومن ذلك أخوات أجمعين كأكتعين وأبصعين وأبتعين.\nوالثاني: أن يكون مؤكدا للجملة كأن نحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ٤ ولام الابتداء والجملة القسمية.\nقال وجوازه ضروري ووقوعه في اللغات معلوم.\nأنكر بعض الملاحدة التوكيد والخلاف معه إما في الجواز وهو ضروري أو في الوقوع لمن استقرأ لغة العرب وجدها مشحونة به وله فوائد تعرف من تتبع خواص تراكيب الكلام وأدناها بعد احتمال المجاز أو نفيه فإنك إن قلت إذا قلت قام زيد احتمل أن يريد غلامه مجازا فإذا قلت نفسه فإن لم يقتض ذلك انتفاء احتمال المجاز فلا أقل من اقتضائه ضرورة هذا الاحتمال مرجوحا ضعيفا ولذلك نقول زيد قائم لمن يكتفي بهذا الخبر فإن أردت أن تقرر عند ذلك لم تجد بدا من التأكيد بإن فتقول إن زيدا قائم فإذا توهمت منه نكيرا لم تلف\n_________\n١ يذكرها النحويون من شواهد التوكيد اللفظي. شرح ابن عقيل ص ١٣١.\n٢ ينسب هذا البيت لبعض بني أسد شرح الشواهد للعيني على الأشموني ٣/٨٣.\n٣ سورة الحجر آية:٣٠.\n٤ سورة الأحزاب آية: ٥٦.","vol":"1","page":246},{"text":"غنى عن الزيادة اللام فتقول إن زيدا لقائم ولذلك قال بعض أصحابنا إذا قال استأجرتك لكذا أو لتفعل كذا لم يكن الحاصل به إجارة عين بل ذمة وإن اقتضى ذلك الإضافة إلى المخاطب وأنه لا يحصل إجارة العين إلا إذا قال استأجرت عنك أو نفسك أو لتعمل بنفسك كذا.\nفائدتان إحداهما: عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام١ رحمة الله أنه قال اتفق الأدباء على أن التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات قال وأما قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في جميع السورة فذلك ليس تأكيدا بل كل آية قيل فيها: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في هذه السورة فالمراد المكذبون بما تقدم ذكره قيل هذا القول ثم يذكر الله تعالى معنى آخر ويقول: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي بهذا فلا يجتمعان على معنى واحد فلا تأكيد وكذلك: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن.\nالثانية: سأل بعض الفضلاء فيما إذا قال الزوج أنت طالق انت طالق وقصد بالثانية التأكيد فإنه لا يقع إلا واحدة والحالة هذه فقال الجملة الثانية لا جائز أن تكون خبرية لأن الجملة الخبرية غير الإنشائية وشرط التأكيد أن يكون من جنس الأول ولا أن تكون إنشائية وإلا وقع طلقتان ويمكن أن يجاب باختيار أنها إنشائية ولا يلزم ما ذكر فإنها إنشاء للتأكيد ولا يقع بإنشاء التأكيد شيء وليست بإنشاء الإيقاع فاشتركت مع الأولى في أصل الإنشاء وافترقنا فيما أنشأه\n_________\n١ هو عبد العزيز عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي عز الدين الملقب بسلطان العلماء فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد.\nألف الكثير من الكتب منها: الإمام في أدلة الأحكام مختصر صحيح مسلم قواعد الأحكام في مصالح الأنام.\nتوفي – رحمة الله عليه – في العاشر من جمادى الأولى سنة ٦٦٠ هـ بالقاهرة ودفن بالقرافة الكبرى في سفح جبل المقطم.\nفوات الوفيات ١/٢٨٧ التجوم الزاهرة ٧/٢٠٨.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الفصل الخامس: الاشتراك</span>\n...\nالفصل الخامس في الاشتراك\nقال الفصل الخامس في الاشتراك.\nالمشترك هو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول أو من كثرة الاستعمال أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول أو من كثرة الاستعمال أو كانت إحداهما مستفادة مع الوضع والأخرى من كثرة الاستعمال ومن قولنا الواحد احتراز عن الأسماء المتباينة والمترادفة فإنه يتناول الماهية وهي معنى واحد وإن اختلفت محالها وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره إشارة إلى أن المشترك قد يكون بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو عرفية ولغوية والمصنف قدم حد الاشتراك في تقسيم الألفاظ فلم يحتج إلى إعادته هنا.\nقال وفيه مسائل:\nالمسألة الأولى في إثباته أوجبه قوم لوجهين:\nأحدهما: أن المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية فإذا وزع لزم الاشتراك ورد بعد تسليم المقدمتين بأن المقصود بالوضع متناه.\nوالثاني: أن الوجود يطلق على الواجب والممكن وجود الشيء عينه ورد بأن الوجود زائد مشترك وإن سلم فوقوعه لا يقتضي وجوبه وأحاله آخرون لأنه لا يفهم الغرض فيكون مفسدة ونوقض بأسماء الأجناس.\nاختلف الناس في اللفظ المشترك هل هو واجب أم لا وبتقدير ألا يكون","vol":"1","page":248},{"text":"واجبا فهل هو ممتنع أم ممكن وبتقدير إمكانه فهل هو واقع فهذه احتمالات أربعة بحسب الانقسام العقلي وقد صار إلى كل منها صائر واحتج من قال بالوجوب بشيئين:\nأحدهما: أن المعاني غير متناهية وهذا واضح فإن الأعداد وهي لا تصل إلى نهاية والألفاظ لأنها مركبة من الحروف المتناهية والمركب من المتناهي متناه وحينئذ فإذا وزعنا الألفاظ على المعاني فلا بد وأن يستوعبها وإلا يلزم خلو بعض المعاني المقصودة عن الألفاظ ومتى كانت مستوعبة لها لزم الاشتراك لأنه لا بد حينئذ من لفظ واحد بإزاء معان كثيرة وهو الاشتراك وأجاب المصنف أولا بمنع المقدمتين أي لا نسلم أن المعاني غير متناهية ولا أن الألفاظ متناهية وسند المنع الأول أن حصول ما لانهاية له في الوجود محال وأما قوله: الأعداد غير متناهية فمسلم لكن بمعنى أنه لا مرتبة من مراتبه إلا ويمكن أن يوجد بعدها مرتبة أخرى مع أن المراتب الداخلة في الوجود منه أبدا قد تكون متناهية لا بمعنى أن الحاصل منه في الوجود غير متناه ولا يلزم من كون الأعداد غير متناهية بالمعنى الذي تقدم ذكره أن تكون المعاني الموجودة غير متناهية وأيضا فأصولها متناهية وهي الآحاد والعشرات والمئات والآلاف والوضع للمفردات لا للمركبات ولمسند المنع الثاني وهو قولهم الألفاظ متناهية والمركب من المتناهي متناه أن كونها مركبة من الحروف المتناهية لا يقتضي أن تكون متناهية كما أن أسماء الأعداد غير متناهية وأصولها متناهية وأجاب ثانيا بأن المقصود بالوضع متناه أي ولئن سلمنا صحة المقدمتين فلا يلزم ما ذكرتم لأن المعاني التي يقصدها الواضع بالتسمية متناهية إذ الوضع للمعاني فرع تصورها وتصور ما لا يتناهى محال ويمكن أن يقرر على وجه آخر فيقال إنما يلزم الاشتراك أن لو حصل استيعاب جميع المعاني بالوضع ونحن نقول الوضع إنما هو لما يشتد الحاجة إليه وهو متناه وليس الوضع لكل معنى بل جاز خلو بعض المعاني عن الوضع ألا ترى ألا نجد لكثير من المعاني كأنواع الروائح أسماء مستقلة لا مشتركة ولا مفردة بعد الاستقراء والبحث التام","vol":"1","page":249},{"text":"الثاني: أن الوجود يطلق على وجود الواجب ﷾ ووجود الممكن بطريق الحقيقة فيهما ووجود كل شيء عين ماهيته كما تقرر في علم الكلام وهو مذهب أبي الحسن ولا ريب في مخالفة حقيقة الواجب لحقيقة الممكن فيكون إطلاق الوجوب عليهما بطريق الاشتراك وأجاب أولا بأنا لا نسلم أن وجود كل شيء عين ماهيته بل هو زائد عليهما وذلك الزائد معنى واحد يشترك فيه الواجب والممكن فيكون متواطئا لا مشتركا وهذا المنع منه مبني على اختياره وقد نقله في كتابه الطوالع عن الجمهور والحق مذهب الشيخ وليس هذا موضع تقريره وأجاب ثانيا بأنا سلمنا أن وجود كل شيء عين ماهيته ولا يلزم مطلوبكم إذ لا يقتضي غير وقوع الاشتراك ووقوعه لا يقتضي وجوبه وأنتم ادعيتم وجوبه.\nقوله وأحاله آخرون إلى آخره.\nاحتج ما أحاله وهم فرقة قليلون ومنهم ثعلب وأبو زيد البلخي١ والأبهري٢ على ما حكاه ابن الفارض المعتزلي في كتابه النكت بأن وقوعه يقتضي المفسدة لأن المقصود من الألفاظ ووضعها إنما هو التفاهم حالة التخاطب والمشترك لو وقع وسمعه السامع لم يحصل له الفهم لأن المشترك متساوي الدلالة بالنسبة إلى معانيه فلو فهم منه المعنى الذي هو غرض المتكلم دون غيره لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجح ولو فهم غيره\n_________\n١ هو أحمد بن سهل أبو زيد البلخي أحد علماء الإسلام الذين جمعوا بين الشريعة والفلسفة والأدب والفنون.\nمؤلفاته أقام العلوم شرائع الأديان كتاب السياسة الكبير والصغير أدب السلطان والرعية. توفي سنة ٣٢٢ هـ.\nمعجم الأدباء ٣/٦٥ – ٨٦ الأعلام ١/١٣١.\n٢ هو محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح أبو بكر التميمي الأبهري شيخ المالكية في العراق له مؤلفات في مذهب الإمام مالك والرد على مخالفيه. توفي سنة ٣٧٥ هـ.\nتاريخ بغداد ٥/٤٦٢ الأعلام ٧/٩٧.","vol":"1","page":250},{"text":"لأدى إلى وقوع المفسدة ففعل ما لم يطلب منه وربما كان ممنوعا منه وأجاب بالنقض بأسماء الأجناس وتقريره أنه إن أردتم أنه لا يفهم الغرض على جهة التفصيل فمسلم لكن هذا لا يوجب عدم وضع المشترك فإن أسماء الأجناس أيضا لا تفهم الغرض على وجه التفصيل مع كونها موضوعة وإن أردتم أنه لا يفهم الغرض أصلا فممنوع فإن المشترك يفيد فهم الغرض على سبيل الإجمال وذلك مطلوب ليستعد السامع للامتثال قبل البيان.\nفإن قلت اسم الجنس موضوع للقدر المشترك وهو مفهوم من اللفظ بخلاف المشترك إذ المقصود منه فرد معين وهو غير معلوم من اللفظ.\nقلت اسم الجنس وإن دل على القدر المشترك إلا أنه لا دلالة على خصوصية الأفراد تساوي المشترك في عدم الدلالة التفصيلية.\nقال والمختار إمكانه لجواز أن يقع من واحد من واضعين أو واحد لغرض الإبهام حيث يجعل التصريح سببا لمفسدة.\nالمذهب الثالث: وهو ما اختاره الأكثرون منهم المصنف أنه ممكن الوقوع لجواز أن يقع إما من واضعين بأن وضع أحدهما لفظا لمعنى ثم وضعه الآخر لمعنى آخر ثم اشتهر ذلك اللفظ ما بين الطائفتين في إفادته المعنيين ولا يخفى عليك أن هذا إنما يجيء إذا قلنا اللغات غير توقيفية وإما من واضع لواحد لغرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببا للمفسدة كما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ وقد سأله رجل عن النبي ﷺ وقت ذهابهما إلى الغار من هذا قال هذا رجل يهديني السبيل.\nقال ووقعه للتردد في المراد من القرء ونحوه ووقع في القرآن مثل ثلاثة قروء والليل إذا عسعس.\nقوله ووقعه عطف على قوله والمختار إمكانه وهذا هو المذهب الرابع أنه واقع والخلاف فيه مع من سلم إمكان المشترك ومنع وقوعه لنا أنا نتردد في المراد من القرء ونحوه عند السماع بغير قرينة بين الطهر والحيض على السواء فلو كان حقيقة في أحدهما فقط أو في القدر المشترك لما كان ذلك وما يقال لعل","vol":"1","page":251},{"text":"التردد حصل بسبب عرف طارئ لكثرة الاستعمال في المجاز فهو وإن كان محتملا لكنه على خلاف الأصل إذ الأصل عدم التغيير ولأن التردد حاصل في مفهومات ألفاظ قل ما يستعملها أهل العرف كما في عسعس الليل فإنا لا نفهم منه الإقبال والإدبار على التعيين إلا بقرينه ولا يجوز إحالته إلى استعمال أهل العرف ثم إذا ثبت وقوعه فهل وقع في القرآن منهم من منع والمختار خلافه بدليل قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ عند من يجعل القرء مشتركا بينهما كما هو مقتضى اللغة وهو الصحيح وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ ٢ أي أقبل وأدبر وإنما أتى المصنف بهذين المثالين لأن الأول من الأسماء والثاني من الأفعال ولأن أحدهما مفرد والآخر جمع ليفهم بذلك وقوع النوعين في القرآن وأنه مشحون بالمشترك على اختلاف أنواعه واحتج من منع وقوعه في القرآن بأنه إن وقع مبينا بذكر قرينة كان تطويلا من غير فائدة إذ يمكن التعبير عن المراد بلفظ مفرد وضع له فقط وإن وقع غير مبين كان غير مفيد وذلك عيب والجواب أنا نقول لا يذكر معه قرينة ولا نسلم أن غير المبين غير مفيد مطلقا بل هو مفيد لفهم المعنى على سبيل الإجمال والفهم الإجمالي أيضا مقصود في فهم الألفاظ لاشتماله على فوائد.\nمنها استعداد المكلف للبيان وغير ذلك وأيضا فإنه كأسماء الأجناس.\nوأعلم أن المانع من وقوعه في كلام الله تعالى هو المانع من وقوعه في كلام الرسول ﷺ وعلته المذكورة شاملة لذلك وإنما لم يذكر المصنف أن الخصم مانع في المكانين بل اكتفى بذكر أحدهما لأن لا قائل بالتفصيل كما صرح به صفي الدين الهندي وغيره.\nقال الثانية أنه بخلاف الأصل وإلا لم يفهم ما لم يستفسر ولامتنع الاستدلال بالنصوص ولأنه أقل بالاستقراء ويتضمن مفسدة السامع لأنه ربما لم يفهم وهاب استفساره واستنكف أو فهم غير مراده وحكى لغيره\n_________\n١ سورة البقرة: آية: ٢٢٨.\n٢ سورة التكوير آية: ١٧.","vol":"1","page":252},{"text":"فيؤدي إلى جهل عظيم واللافظ لأنه قد يحوجه إلى الإفراد أيضا ويؤدي إلى الإضرار إذ يعتمد فهمه فيضيع غرضه فيكون مرجوحا.\nهذه المسألة في تبيين أن الاشتراك على خلاف الأصل والمعنى به أن اللفظ إذا دار بين أن يكون مشتركا أو لا يكون كذلك كأن ظن عدم الاشتراك أغلب ويدل عليه وجوده.\nأحدها: أنه لو كان احتمال الاشتراك مساويا لاحتمال الانفراد لما حصل التفاهم بين أرباب اللسان حال التخاطب في أغلب الأحوال من غير استفسار واستكشاف عما أراده المتكلم وقد علمناه حصول ذلك فإن الفهم يحصل بمجرد إطلاق اللفظ فكان الغالب على الظن حصول الانفراد.\nالثاني: لو تساوى الاحتمالان لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظن فضلا عن اليقين لاحتمال أن تكون الألفاظ مشتركة بين ما ظهر لنا وبين غيره وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد غير ما ظهر لنا فلا يبقى التمسك بالأخبار والآثار مفيدا ظنا فضلا عن يقين.\nالثالث: أن الاستقراء دل على أن الألفاظ في الأكثر مفردة لا مشتركة والكثرة تفيد ظن الرجحان.\nالرابع: أن المشترك يتضمن مفسدة السامع واللافظ ومتضمن المفسدة على خلاف الأصل لأن الأصل عدمها والدليل على أنه يتضمن مفسدة السامع أنه ربما لم يفهم المقصود وهاب استفسار اللافظ مهيبا أو استنكف أي تعاظم السامع عن استفساره وحينئذ فربما يفهم من اللفظ غير مراد اللافظ ويحكى لغيره ويحكى ذلك الغير لآخر وهكذا فيؤدي إلى وقوع جمع كثير في الغلط وذلك جهل عظيم والدليل على أنه يتضمن مفسدة اللافظ أنه قد يحتاج في تفسير اللفظ المشترك إلى اللفظ المنفرد فيكون المشترك ضائعا وأيضا فإنه يؤدي إلى إضراره إذ يصير دائما مفتقرا إلى التفسير وأيضا فربما ظن اللافظ أن السامع فهم المعنى الذي أراده فيعتمد على ذلك فيضيع غرضه أي غرض اللافظ","vol":"1","page":253},{"text":"قوله فيكون مرجوحا أي إذا ثبت هذا كله كان المشترك مرجوحا أي على خلاف الأصل.\nقال الثالثة مفهوما المشترك إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض أو يتواصلا فيكون أحدهما جزء الآخر كالإمكان للعام والخاص أو لازمه كالشمس للكوكب وضوئه.\nالمشترك لا بد له من مفهومين فصاعدا فمفهوماه إما أن يتباين أو يتواصلا.\nالقسم الأول: أن يتباينا أي لا يمكن اجتمعاعهما في الصدق على شيء واحد كالحيض والطهر فإنهما مدلولا القرء ولا يجوز اجتماعهما أبدا في زمن واحد.\nوالثاني: أن يتواصلا فإما أن يكون أحد المعنيين جزءا للآخر أو لازما له.\nالأول: كالإمكان العام مع الإمكان الخاص فإن لفظ الإمكان موضوع لهما والإمكان العام جزء للإمكان الخاص لأن الإمكان العام سلب الضرورة المطلقة عن الطرف المخالف للحكم والإمكان الخاص سلب الضرورة المطلقة عن الطرفين الموافق للحكم والمخالف له.\nفإذا قلنا كل ج ب بالإمكان العام يكون معناه أن سلب المحمول الذي هو كل ج عن الموضوع الذي هو ب غير ضروري.\nوإذا قلنا كل ج ب بالإمكان الخاص فمعناه أن ثبوت المحمول للموضوع وسلبه عنه غير ضروري وإذا عرفت ذلك علمت أن الإمكان العام جزء من الإمكان الخاص بالضرورة لأن سلب الضرورة عن أحد الطرفين جزء من سلب الضرورة عن الطرفين جميعا.\nوالثاني: أن يكون لازما له ومثل له في الكتاب بلفظ الشمس فإنه موضوع لجرم الكوكب ولضوئه وضوء الكوكب لازم لجرمه ومن أمثلته أيضا الكلام فإنه عند المحققين مشترك بين النفساني واللساني مع أن اللساني دليل على النفساني والدليل يستلزم المدلول فيصدق أنه مشترك بين الشيء ولازمه","vol":"1","page":254},{"text":"قال الرابعة جوز الشافعي ﵀ والقاضيان وأبو علي إعمال المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري والإمام.\nاختلف أهل العلم في صحة إطلاق اللفظة الواحدة من متكلم واحد في وقت واحد إذا كانت مشتركا بين معنيين على المعنيين معا فذهب الشافعي ﵁ والقاضيان أبو بكر الباقلاني وعبد الجبار بن أحمد وأبو علي الجبائي إلى صحة ذلك بطريق الحقيقة بشرط ألا يمتنع الجمع لأمر خارج كما في الضدين والنقيضين وإلى هذا أشار المصنف بقوله الغير المتضادة أي أنه ليس محل الخلاف في المتضادة وإدخال الألف واللام على غير ليس بشائع ولم يتعرض المصنف للنقيضين لأن الإمام زعم أنه لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركا بين الشيء ونقيضه وقد مثل لذلك بلفظة إلى على رأي من زعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه وما استدل به المانع من أن اللفظ المشترك لا يفيد إلا التردد بين مفهوميه والتردد حاصل قبل وضع اللفظ له وسماعه فيكون وضع اللفظ لهما عبثا ضعيف لأنا نمنع حصر الفائدة فيما ذكره من التردد بين هذا لأنه كما يفيد التردد [بين] ١ مفهوميه يفيد أيضا إخراج ما عداهما عن أن يكون مراد المتكلم ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٢ كما يفيد التردد بين دخول المرفق وعدمه على تقدير أن يكون مشتركا بينهما يفيد أيضا إخراج العضد عن الأمر بالغسل فدعوى أن الوضع لهما عبث عارية عن التحقيق ما لا يحصل قبله وهو تعين أحدهما بأدنى قرينة حالية أو مقالية بخلاف ما قبل الوضع فإنه لا يزول التردد بذلك سلمنا صحة الدليل لكن إن كان الواضع الله تعالى فلا تعلل ولعل فيه فائدة لم نطلع على غامض سرها وإن كان العباد فالدليل إنما ينفي ما يكون مشتركا بينهما بوضع قبيلة واحدة لا ما يحصل بوضع قبيلتين وأما المتضادة فمثل بعضهم لها بالقرء وهو\n_________\n١ ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.\n٢ سورة المائدة آية: ٦ وهي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ....﴾ الآية.","vol":"1","page":255},{"text":"فاسد لأن الشارع إذ قال اعتدى بقرء لم يمتنع أن تعتد بالطهر والحيضة وإن كان ضدين في نفسهما والمثال الصحيح لذلك صيغة أفعل عند من يجعلها حقيقة في الطلب وفي التهديد فإنها مشتركة إذن بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ولا الحمل عليهما وقد يمثل له بما إذا قال اعتدى بقرء في خمسة عشر يوما هذا أحد المذاهب في المسألة أعني أنه يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه بشرط ألا يكون الضدين ولا نقيضين وهو المختار عند المصنف.\nوذهب أبو هاشم والكرخي وأبو الحسين البصري والإمام فخر الدين وغيرهم إلى امتناع ذلك.\nثم اختلف المانعون في سبب المنع فمن قائل سبب المنع أمر يرجع إلى القصد أي لا يصح أن يقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازا ولكنه يمكن أن يقصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة ويكون قد خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد ولكل أحد أن يطلق لفظا ويريد به ما شاء.\nوهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري واختاره الإمام ومن قائل سببه الوضع الحقيقي أي أن الواضع لم يضع اللفظ المشترك على الجميع بل على البدل فلا يصح إطلاقه بطريق الحقيقة على الجميع ولكن يجوز أن يراد به جميع محامله على جهة مجاز إذا اتصل بقرينة مشيرة بذلك وهذا ما اختاره ابن الحاجب.\nوقال إمام الحرمين ما نصه الذي أراه في اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا لم يحمل في موجب الإطلاق على المحاصل فإنه صالح لإفادة آحاد المعاني على البدل ولم يوضع مشعرا بالاحتواء عليها وادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل وهذا القول يجري في الحقائق وجهات المجاز.\nفإن قيل أيجوز أن يراد به جميع محامله؟.\nقلنا لا يمتنع ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك مثل أن يذكر الذاكر محامل العين فيذكر بعض الحاضرين لفظ العين ويتبين من حاله أنه يريد","vol":"1","page":256},{"text":"تطبيقه على ما جرى انتهى وهو محتمل لكل من المقالتين المتقدمتين وسياقه إلى اختيار الغزالي وأبي الحسين أقرب ومنهم من منع من ذلك مطلقا وقال لا يجوز أن يراد باللفظ المشترك أكثر من معنى واحد في حالة واحدة لا لغة ولا وضعا جديدا ثم عند المجوزين لا فرق بين المفرد والمجموع والمثبت والمنفي ومنهم من فرق وسيأتي في كلام المصنف في آخر المسألة إن شاء الله تعالى وهنا كلامان نذكرهما قبل الخوض في الحجاج:\nأحدهما: أن هذا الخلاف في استعمال اللفظ المشترك في معنييه جار في استعماله في مجازيه مثل أن يقول والله لا أشتري ويريد الصوم وشراء الوكيل كما صرح به الإمام أبو المظفر السمعاني١ في القواطع وغيره وفي حقيقته ومجازه مثل أن يطلق النكاح ويريد به العقد والوطء جميعا وقد جرى الشافعي على منوال واحد فجوز استعمال اللفظ في حقيقته وفي حقيقته ومجازه وحمله عند الإطلاق عليهما وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك من الأم عند الكلام فيما إذا عقد لرجلين على امرأة ولم يعلم السابق منهما ذكر ذلك في باب الوصية من المطلب.\nوأما القاضي ﵀ فعظم نكيره على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعا وقال في تحقيق إنكاره اللفظ إنما يكون حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في أهل اللسان وإنما يصير مجازا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع ويحيل الجمع بين الحقيقة والمجاز محاولة الجمع بين النقيضين وهذا من القاضي تصريح بأنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا لما يلزم منه من الجمع بين النقيضين.\nالثاني: أن محل الخلاف في استعمال اللفظ في كل معانيه إنما هو في الكلي\n_________\n١ هو منصور بن محمد بن عبد الجبار بن حمد المروزي السمعاني الحنفي ثم الشافعي أبو المظفر من العلماء بالتفسير والحديث.\nمن مؤلفاته تفسير القرآن الكريم القواطع في أصول الفقه. توفي سنة ٣٨٩ هـ.\nمفتاح السعادة ٢/١٩١ الأعلام ٨/٢٤٢.","vol":"1","page":257},{"text":"العددي أي في كل فرد فرد وذلك بأن يجعله يدل على كل منهما على حدته بالمطابقة في الحالة التي يدل على المعنى الآخر بها وليس المراد الكلي المجموعي أي يجعل مجموع المعنيين مدلولا مطابقيا كدلالة الخمسة على آحادها ولا الكلي البدلي أي يجعل كل واحد مدلولا مطابقيا على البدل ذكره صاحب التحصيل١.\nوقال الأصفهاني في شرح المحصول أنه رأى في تصنيف آخر لصاحب التحصيل أن الأظهر من كلام الأئمة أن الخلاف في الكلي المجموعي فإن أكثرهم صرحوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nقال لنا الوقوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وهي من الله مغفرة ومن غيره استغفار قيل الضمير متعدد فيتعدد الفعل قلنا معنى لا لفظا وهو المدعي.\nاستدل على جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه في وقوعه في آيتين إحداهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ٢ فإن الصلاة من الله تعالى المغفرة بالاتفاق ومن الملائكة الاستغفار وهما مفهومان متغايران فيكون لفظ الصلاة مشتركا بينهما وقد أطلق عليهما دفعة واحدة فإنه أسندها إلى الله تعالى وإلى الملائكة.\nفإن قلت لو كان معنى الصلاة المغفرة والاستغفار لم يعد بعلي لأنهما لا\n_________\n١ صاحب التحصيل هو سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفي سنة ٥٨٢ هـ وكتابه التحصيل مختصر لكتاب المحصول في أصول الفقه للإمام فخر الدين بن عمر الرازي المتوفي سنة ٦٠٦ هـ.\nوعلى كتاب التحصيل شرح في ثلاثة مجلدات للإمام محمد بن يوسف الجزري المتوفى سنة ٧١١ هـ مخطوط ولكني لم أعثر عليه بعد البحث والتدقيق.\nبغية الوعاة ١/٢٧٨ الدرر الكامنة ٥/٦٧.\n٢ سورة الأحزاب آية: ٥٦.","vol":"1","page":258},{"text":"يعديان إلا باللام تقول غفرت لزيد واستغفرت له ولا تقول غفرت عليه واستغفرت عليه قلت لما وقعت موقع التعطف والتحنن حسن تعديتها بعلي.\nوأعلم أن وقع في بعض نسخ المنهاج والصلاة من الله مغفرة كما أوردناه وهو الذي أورده الغزالي وفي بعضها رحمة وكذلك ذكر الإمام والتعبير بمغفرة أحسن لأن الصلاة في اللغة الدعاء بخير وهو محال من الله تعالى فحمل على المغفرة وأما حمله على الرحمة فغير ممكن لأن حقيقة الرحمة رقة القلب وهي مستحيلة في حق الله تعالى ولا يطلب عليه إلا مجازا ومن فسر الصلاة بالرحمة فرارا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا الخطأ العظيم وصار كمن فسر قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ بمعنى جلس فإنه فسر شيئا ظاهره محال بالمحال ولقائل أن يقول إذا كانت حقيقة الصلاة الدعاء فاستعمالها في المغفرة والرحمة مجاز فيكون الموجود في الآية استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه لا في حقيقته والمحتجون بالآية إنما ساقوها لاستعمال المشترك في معنييه نعم يلزم من جوازه في حقيقته ومجازه جوازه في حقيقته.\nواعترض المانعون على هذا الاحتجاج بأن قوله يصلون فيه ضميران:\nأحدهما: عائد على الله تعالى.\nوالثاني: عائد إلى الملائكة وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال فكأنه قال إن الله يصلي والملائكة يصلون فلا يكون حينئذ استعمل اللفظ الواحد في معنييه بل استعمل لفظين في معنيين وليس النزاع فيه وأجاب في الكتاب بأن الفعل لم يتعدد في اللفظ قطعا وإنما تعدد في المعنى فاللفظ واحد والمعنى متعدد وذلك عين الدعوى واعترض الغزالي على هذا الاحتجاج بجواز أن يكون الصلاة استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار وهو الاعتناء وإظهار الشرف فقال الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين وهو العناية بأمر النبي ﷺ لشرفه وحرمته والعناية من الله تعالى مغفرة ومن الملائكة استغفار ودعاء قال وكذلك العذر عن\n_________\n١ سورة طه آية: ٥.","vol":"1","page":259},{"text":"السجود يعني في الآية الثانية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء مجاز لعدم تبادر الذهن إليه والأصل عدم المجاز.\nفإن قلت لو لم تحمله على الاعتناء لزم إما الاشتراك أو المجاز وإذا دار اللفظ بين التواطئ وبين الاشتراك والمجاز فحمله على التواطئ أولى.\nقلت إنما يكون التواطؤ أولى إذا دار اللفظ بين الثلاثة من غير دليل مقتض لأحدهما بخصوصه أما إذا دل دليل على الاشتراك أو المجاز بخصوصه فيتعين وقد دل الدليل هنا على أن الصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار لتبادر الذهن إليه عند الإطلاق.\nفإن قلت سلمنا أنه غير موضوع للاعتناء بإظهار الشرف وأن استعماله فيه إنما هو بطريق المجاز ولكن المجاز أولى من الاشتراك فليحمل عليه.\nقلت هذه مغالطة فإن الحمل على الاعتناء لم يدفع الاشتراك إذ الاشتراك ثابت فيه لما بيناه سواء حملناه على الاعتناء أم لم نحمله نعم لو حملناه عليه لزم حمل اللفظ المشترك على مفهومه المجازي واعترض على الاحتجاج بالآية أبضا بأنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر للقرينة كقوله نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف ويكون أصله أن الله يصلي وملائكته يصلون وأجيب بأن الإضمار خلاف الأصل وهذا الجواب لا يحسن ممن يقول الحمل على الجميع بطريق المجاز فإنه يعترض عليه بأن الحمل على المجموع مجاز وهذا مجاز فلم رجح أحد المجازين على الآخر.\nقال وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ الآية قيل حرف العطف بمثابة العامل قلنا إن سلم فبمثابته في العمل بعينه.\nالآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ١ وجه الاحتجاج أنه أسند السجود إلى هؤلاء المذكورين والسجود\n_________\n١ سورة الحج آية: ١٨.","vol":"1","page":260},{"text":"مشترك بين وضع الجبهة والخضوع فإما أن يراد به معنى غيرهما أو وضع الجبهة وحده أو الخضوع وحده أو يرادا معا والكل باطل سوى القسم الرابع.\nفالأول: لكونه خلاف الأصل إذ الأصل عدمه.\nوالثاني: كذلك لامتناع إسناده إلى كل واحد.\nوالثالث: كذلك لأنه حينئذ لا يبقى لتخصيص كثير من الناس بالذكر.\nفائدة إذ الخضوع شامل لجميع المخلوقات فإنها خاضعة بلسان الحال لما فيها من الدلالة على الصانع والوحدانية فتعين الرابع وحينئذ يكون اللفظ الواحد مستعملا في مدلوليه المختلفين دفعة واحدة وهو المدعي واعترض الاحتجاج بهذا بأنا لا نسلم أن هذا استعمال للفظ الواحد في معانيه إنما هو استعمال ألفاظ متعددة لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل فيكون التقدير أن الله يسجد له من في السموات ويسجد له من في الأرض إلى آخره ولا نزاع في جواز ذلك وأجاب عنه المصنف بأنا أولا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل ولئن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل فيلزم على هذا التقدير أن يكون بمثابة العامل الأزل بعينه وهو هنا باطل لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة لأنه مدلول الأول وفي بعض النسخ بمثابته في العمل أي يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى.\nقيل يحتمل وضعه للمجموع أيضا فالأعمال في البعض قلنا فيكون المجموع مستندا إلى كل واحد وهو باطل.\nهذا اعتراض على الاحتجاج بالآيتين المذكورتين ووجهه أنه لا حجة فيما استدللتم به لأنه يحتمل أن يكون استعمال الصلاة والسجود في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وضع له أيضا كما وضع للآخر أو بل نقول لا بد من هذا وإلا فيكون اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له وحينئذ فيكون السجود موضوعا لثلاثة معان للخضوع منفردا ولوضع الجهة منفردا ولمجموعها وعلى هذا التقدير يكون إعمال اللفظ في المجموع إعمالا له في بعض ما وضع له وهو","vol":"1","page":261},{"text":"خلاف المدعى وأجاب بأنه لو كان كذلك للزم أن يكون المغفرة والاستغفار مستندا إلى كل واحد من الله تعالى والملائكة وهو واضح البطلان ويلزم أيضا أن يكون معنى السجود الذي هو وضع الجهة على الأرض والخضوع مستندا إلى الداوب وهو باطب وفيه نظر فإن هذا الذي ذكره إنما يلزم أن لو أسند المجموع إلى واحد فقط أما إذا استعمل في بعض المعاني مع اتحاد المستند إليه مثل الطير يسجد بمعنى يخشع أو في المجموع مع تعدد المستند إليه ليرجع كل واحد إلى واحد فلا يلزم هذا المحذور والدليلان المذكوران من هذا القبيل.\nفالأولى: الجواب أن يمنع وضعه للمجموع وسند المنع أنه خلاف الأصل إذ يلزم منه الاشتراك لأنه يكون موضوعا لكل فرد وللمجموع والاشتراك على خلاف الأصل.\nقال احتج المانع بأن الواضع إن لم يضع للمجموع لم يجز استعماله فيه قلنا لم لا يكفي الوضع لكل واحد للاستعمال في الجميع.\nاحتج من منع استعمال اللفظ في حقيقتيه معا بأن اللفظ الموضوع لهما إما أن يكون موضوعا لمجموع المعنيين معا أيضا أولا.\nإن كان الأول فاستعمال اللفظ في المجموع يكون استعمالا له في جميع ما وضع له بل في البعض لأن مدلول اللفظ حينئذ هذا وهذا وحده ومجموعها من حيث هو مجموع بعض ما وضع له وإن كان الثاني لم يجز استعماله لأنه حينئذ يكون استعمالا للفظ في غير ما وضع له وأجاب في الكتاب بأنا لا نسلم أنه لو لم يكن موضوعا للمجموع لم يجز استعماله فيه بل يكون الوضع لكل واحد كافيا في الاستعمال في المجموع مجازا ولكن في هذا الجواب التزام أن استعمال المشترك في معنييه من باب المجاز فلا يحسن ممن يجعله حقيقة ويمكن تقدير الجواب على وجه آخر فيقال الوضع لكل واحد كاف لاستعماله في الجميع ويكون ذلك على الاستعمال استعمالا له فيما وضع له لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع وإنما يشترط ذلك أن لو كان المراد أنه يكون مستعملا في","vol":"1","page":262},{"text":"المجموع بحيث يكون المجموع مدلولا مطابقيا واحدا كدلالة الخمسة على آحادها ولكن ليس ذلك المدعى وهذا التقرير بناء على ما قاله صاحب التحصيل من حصر الخلاف في الكلي العددي.\nقال ومن المانعين من جوز في الجميع والسلب والفرق ضعيف.\nليس كل من منع استعمال المشترك في معنييه منع مطلقا بل منهم من أطلق منعه وقد تقدم البحث معه ومنهم من فرق وافترق هؤلاء إلى فرقتين:\nالفرقة الأولى: فرقت بين النفي والإثبات فقالت يجوز استعمال المشترك في معنييه في السلب دون الإثبات واحتجوا بأن النكرة في سياق النفي تعم فيجوز أن يراد به مدلولاته المختلفة وأجيب بأن هذا الفرق ضعيف لأن السلب لا يرفع إلا ما هو مقتضى الإثبات ومقتضى الإثبات عند هذا القائل أحد المدلولات المختلفة فقط فحينئذ لا يعم السلب والجمع فإن أردتم بعمومه أنه يعم مدلولات اللفظ ففاسد لما ذكرناه وإن أردتم أنه يعم في إفراد مدلول واحد لا في إفراده المدلولات المختلفة فمسلم ولا يجديكم شيئا.\nالفرقة الثانية: قالت بجوازه في الجمع دون المفرد واحتجوا بأن الجمع في حكم تعديد الأفراد فقولك ثلاثة عيون في قوة قولك عين وعين وعين فكلما يجوز أن تريد بالأول الجارية مثلا وبالثانية الباصرة وبالثالثة عين الشمس فكذا في الجمع وأجاب بأن هذا الفرق ضعيف لأنا لا نسلم أن الجمع في حكم تعديد الأفراد ولو سلمناه لكنه في حكم تعديد الأفراد نوع واحد كما علم من استقراء اللغة فكما لا يجوز استعمال تلك المفردات في المعاني المختلفة فكذلك استعمال الجمع.\nواعلم أن التثنية عند هذا المفصل ملحقة بالجمع والله أعلم.\nقال ونقل عن الشافعي والقاضي الوجوب حيث لا قرينة احتياطا.\nالفرق بين الوضع والاستعمال والحمل بين وذلك أن الوضع يقال بالاشتراك على جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسمية الولد زيدا وهذا هو","vol":"1","page":263},{"text":"الوضع اللغوي وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير فيه أشهر من غيره وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة الشرعية والعرفيين الخاص والعام والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكم وهو الحقيقة أو غير مسماة لعلاقة وهو المجاز والحمل اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه أو ما اشتمل على مراده فالمراد كاعتقاد الشافعي أن الله تعالى أراد بالقرء الطهر واعتقاد أبي حنيفة أنه تعالى أراد الحيض المشتمل نحو حمل من يحمل المشترك على معانيه إذا تجرد عن القرائن لاشتماله على مراد المتكلم احتياطا.\nإذا عرفت ذلك فالوضع أمر راجح إلى الواضع وقد سلفه الكلام في وضع المشترك والاستعمال من صفات المتكلم وهو الذي انتهينا من كلامه والحمل من صفات السامع وها نحن نتكلم فيه فنقول:\nاختلف مستعملو المشترك في معنييه أنه هل يجب حمله على ذلك إذا تجرد عن قرينة صارفة فنقل عن الشافعي والقاضي وجوب ذلك ونقله الإمام في مناقب الشافعي عن القاضي عبد الجبار أيضا والمصنف في باب العموم في الكلام على الجمع عن الجبائي فافهم ذلك وحجتهم أن لو لم يجب فإما ألا يحتمل على واحد منها ويلزم تعطيل النص أو يحمل على واحد وهو ترجيح بدون مرجح.\nوقال بعضهم: لا يجب الحمل ويكون مجملا وبه قال الإمام تفريعا على القول بجواز الاستعمال واحتج عليه بأنه إن لم يكن موضوعا للمجموع لم يجز استعماله فيه وإن كان موضوعا له فهو أيضا موضوعا لكل من الأفراد فاللفظ دائن بين كل واحد من الفردين وبين المجموع فيكون الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحا من غير مرجح.\nفإن قلت حمله على المجموع أحوط فيجب الأخذ به.\nقلت الأخذ بالاحتياط سنتكلم عليه هذا كلام الإمام واعترض عليه صاحب التحصيل بأن هذا ينفي جواز الاستعمال فالتمسك به على نفي الوجوب تفريعا على الجواز لا يستقيم بقي في المسألة أن وجوب الحمل عند القائل به هل","vol":"1","page":264},{"text":"هو للاحتياط أو لأنه عنده من باب العموم اضطرب النقل فيه فمن ناقل أنه من باب الاحتياط وعليه جرى في الكتاب ومن ناقل أنه عندهم من باب العموم وبه يشعر إيراد إمام الحرمين فإنه صدر كلامه بقوله ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمول على جميع معانيه وعليه جرى الغزالي فقال الإسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا خلافا للشافعي والقاضي وتبعه الآمدي وقد قدمنا أن القاضي فصل بين الحقيقة والمجاز فلم يقل بالجملة فيها وبين المشترك فقال بالحمل فيه ويحصل بهذا التفصيل في الحمل مذاهب.\nأحدها: حمل اللفظ على معنييه سواء كان أحدهما مجازا أم كانا حقيقتين وهو رأي الشافعي.\nوالثاني: عكسه.\nوالثالث: التفصيل وهو رأي القاضي وهل هو للاحتياطي أو للعموم فيه هذا الخلاف والمختار عندنا أنه للاحتياط وكيف يكون من باب العموم ومسمى العموم واحد والمشترك مسمياته متعددة وأيضا فالمشترك يجب أن يكون أفراده متناهية ولا كذلك العام وأما ما يقال كيف يحسن من القاضي جعل الحمل من باب العموم وهو من منكري صيغ العموم فجوابه أنه إنما ينكر وضعها للعموم ولا ينكر استعمالها والله أعلم ونختم المسألة بفوائد:\nأحداها: قد علمت نقل الناقلين عن الشافعي في استعمال اللفظ معنييه وحمله عند الإطلاق عليهما.\nوقد قال الرافعي في باب التدبير الأشبه أن اللفظ المشترك لا يراد به جميع معانيه ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها ذكره في مسألة إن رأيت عينا فأنت حر.\nوقال في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة من كتاب الوصايا في مسألة الوصايا بالعود في المسألة يعني هذه نظر للأصوليين فسياق","vol":"1","page":265},{"text":"كلامه لا يقتضي أن الشافعي رأى ذلك وكيف وقد جعل الأشبه خلاف ذلك.\nوأعلم أن الخلاف في المسألة بين أصحابنا وقد حكى الماوردي في الحاوي في أوائل كتاب الأشربة في المسألة أوجها ثالثها: التفرقة بين الجمع والسلب وقد قدمنا أن الفقيه في المطلب أخرج نص الشافعي على الحقيقة والمجاز فليكن المشترك كذلك بطريق أولى.\nالثانية: استدل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام لاستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فاهريق عليه وذلك بالرواية التي جاء فيها: \"صبوا عليه بذنوب من ماء\" ١ ووجه بأن صيغة الأمر توجهت إلى صب الذنوب والقدر الذي يغمر النجاسة واجب في إزالتها فتناول الصيغة له استعمال اللفظ في حقيقته الوجوب والزائد على ذلك مستحب فتناول الصيغة له استعمال لها في الندب وهو مجاز فيه على الصحيح فقد استعملت صيغة الأمر في حقيقتها ومجازها وهذا بناء على زيادة الذنوب على القدر الواجب.\nالثالثة: أطلق الأصوليون الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز من غير تبين لمحله.\nواعلم أن المتكلم إذا ذكر لفظا له حقيقة ومجاز فتارة يقصد الحقيقة فقط فيحمل على الحقيقة وحدها بلا نزاع وتارة يقصد بها المجاز فقط فيحمل عليه وحده بلا خلاف أيضا وكل هذا يظهر بدلائل تقوم عليه من قرائن وألفاظ وتارة يقصد المجاز ويسكت عن الحقيقة أو يقصدهما معا فهذا هو محل النزاع وقد أفهم كلام بعضهم أن الخلاف جار وإن لم يقصد المجاز ولم ينفه وهو في غاية البعد فإن اللفظ لا يحمل على المجاز إلا بقرينة\n_________\n١ أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه والنسائي وغيرهم.\nتيسير الوصول ٣/٥٠.","vol":"1","page":266},{"text":"الرابعة: يضاهي الخلاف الأصولي في حمل المشترك على معنييه في الفقه صور:\nمنها لو وقف على مواليه وله موال من أعلى وموال من أسفل فأوجه أرجحها عند الغزالي بطلانه وهو منقدح على رأي من يمنع استعمال المشترك في معنييه.\nوالثاني: يصح ويصرف إلى الموالي من أعلى.\nوالثالث: يصح ويقسم بينهم وهو الأصح عند الشيخ أبي إسحاق وشيخه القاضي أي الطيب وفقا لقاعدة الشافعي.\nوالرابع: يصرف إلى الموالي من أسفل لاطراد العادة بالإحسان إلى العتقاء.\nوالخامس: الوقف إلى حين يصطلحوا وهو متجه على رأي من يجوز الاستعمال ويمنع الحمل ووجه مضاهاة هذا الفرع للمسألة التي انتهينا منها أن لفظ الموالي مشترك بين الموالي من أعلى والموالي من أسفل فإن قيل بما قاله بعض الأصحاب بأن صدقه عليهما من قبيل التواطؤ وهو الموالاة والمناصرة زالت المضاهاة.\nومنها قال الإمام في باب التدبير من النهاية ونقله الرافعي عنه الرجل إذا قال لعبده إن رأيت عينا فأنت حر والعين اسم مشترك بين الناظرة وعين الماء والدينار وأحد الإخوة من الأب والأم ولم ينو المعلق شيئا فهل يعتق العبد إذا رأى شيئا منها فيه تردد قال والوجه الحكم بأنه يعتق به.\nفإن قلت هل لا قلنا لا يعتق إلا برؤية الجميع جزما لأن رأى صاحب المذهب حمل المشترك على معانيه.\nقلت كان السبب في عدم الحمل على جميع معانيه أن الصفة في التعليق تتحقق بأول الأفراد فيقع العتق كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر يعتق بأول الدخول في بعضها وإن لم يدخل الجميع.\nومنها إذا أوصى بعود من عيدانه والعود مشترك بين الخشب والذي","vol":"1","page":267},{"text":"يضرب به والذي يبخر به فهل يحمل على الجميع بناه الرافعي على الخلاف الأصولي والمسألة تحتاج مزيد بسط ومحل ذلك كتابنا الأشباه والنظائر.\nالخامسة: قال الأصحاب إذا قال لها أنت طالق في كل قرء طلقة طلقت في كل طهر طلقة وأصح الوجهين عندهم أن القرء حقيقة في الطهر والحيض.\nوالثاني: أنها مجاز في الحيض حقيقة في الطهر فقد يقال لم لا طلقت في الطهر واحدة وفي الحيض أخرى وفاء بالأصل المتقدم في حمل اللفظ المطلق على حقيقته أو على حقيقته ومجازه ويمكن أن يقال في جوابه إنه غلب استعماله في الطهر فلم يستعمل في الحيض إلا في قليل مثل قوله ﵇: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\"١ فلم يكن اللفظ مع هذا الاستعمال الغالب مطلقا والله أعلم.\nقال الخامسة المشترك إن تجرد عن القرينة فمجمل وإن قرن به ما يوجب اعتبار واحد تعين أو أكثر فكذا عند من يجوز الإعمال في معنيين وعند المانع مجمل أو إلغاء البعض فينحصر في الباقي أو الكل فيحمل على المجاز فإن تعارضت حمل على الراجح هو أصله فإن تساويا أو ترجح أحدهما واصل الآخر فمجمل.\nاللفظ المشترك على قسمين:\nالأول: إن تجرد عن القرينة فقال المصنف إنه مجمل وهذا واضح على رأي من يمنع حمل المشترك على معنييه وعليه نبه الإمام بقوله فهو مجمل لما بينا من امتناع حمله على الكل وأما من يرى الحمل فإن جعله من باب العموم لم يكن عنده مجملا بل محمولا على المعاني التي لا تتضاد وإن جعله من باب الاحتياط فقد يقال لا ينافي الحمل على معنيين لأجل الاحتياط كونه مجملا بالنسبة إلى الواحد المعين ويكون وجوب العمل به في الجميع لأجل الإتيان\n_________\n١ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ولفظه: عن عدي بن ثابت عن جده عن النبي – ﷺ – قال في المستحاضة: \"تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي\".","vol":"1","page":268},{"text":"بذلك المعين وهذا هو عين الاحتياط والغرض من هذا أنه لا يؤخذ من كلام المصنف هنا أنه لا يختار الحمل.\nالقسم الثاني: أن تقترن به قرينة فهو على أربعة أضرب:\nالأول: أن توجب تلك القرينة اعتبار واحد معين مثل إن رأيت عينا ناظرة فيتعين حمل ذلك اللفظ على ذلك الواحد قطعا وهذا يناظر ما قال الأصحاب فيما إذا قال أعطوه رقيقا فإنه لا يتعين العبد ولا الأمة ويجزي كل منهما فلو قال رقيقا يقاتل أو يخدم في السفر تعين العبد أو رقيقا يستمع به أو يحضن ولده تعينت الأمة.\nالثاني: أن توجب اعتبار أكثر من واحد فيتعين ذلك الأكثر عند من يجوز إعمال المشترك في معنييه وإن لم يوجب الحمل لأن القرينة هنا توجب الحمل قطعا عند من يجوزه والخلاف في أنه هل مجمل إنما هو إذا تجرد عن القرينة ويكون مجملا عند من لا يجوزه.\nومثاله إن رأيت عينا صافية فإن الصفاء مشترك بين الباصرة والجارية والشمس والنقد.\nالثالث: أن توجب تلك القرينة إلغاء البعض فينحصر المراد في الباقي أي يتعين ذلك الباقي إن كان واحدا مثل دعي الصلاة أيام أقرائك فإن الأمر بتركها قرينة تلغي الطهر وتوجب الحمل على الحيض وكذا إن كان أكثر عند من يجوز الإعمال في معنيين وأما عند المانع فمجمل.\nالرابع: وإليه الإشارة بقوله أو الكل فيحمل على مجازه فإن كان ذا مجازات كثيرة وتعارضت فهي إما متساوية أو بعضها راجح فإن كان بعضها راجحا فالحقائق إما متساوية أو بعضها أجلى فإن كانت متساوية حمل على المجاز الراجح وإليه أشار بقوله حمل على الراجح هو أو أصله ومثال هذا القرء فإنه حقيقة لغوية متساوية بالنسبة إلى مدلوليه اللذين هما الطهر والحيض والحيض لغة دم يسيل من رحم المرأة من غير ولادة والطهر ضده وفي الاصطلاح الحيض دم يسيل من الرحم بعد تسع سنين أقله يوم وليلة","vol":"1","page":269},{"text":"وأكثره خمسة عشر يوما وإطلاقه على ما عدا ذلك مجاز عن المعنى الاصطلاحي والطهر هو النقاء المحتوش بدمين وإطلاقه على الصغيرة والآيسة مجاز عن هذا فطهر أن إطلاق الحيض والطهر بالحقيقة اللغوية أعم منه بالاصطلاحية فلو قال لها أنت طالق في قرء وليس هو القرء الإصطلاحي انقدح أن يقال تطلق الآيسة والصغيرة دون المستحاضة ومن رأت دما دون يوم وليلة لغلبة إطلاق الطاهر عليهما وكثرته وقلة إطلاق الحيض على المستحاضة ومن رأت دما دون يوم وليلة والمجاز يرجح على نظيره بمثل هذا وإن لم تكن الحقائق متساوية بل كان بعضها أجلي فالأجلي إن كان حقيقة ذلك المجاز الراجح حمل عليه وهذا أيضا يفهم من قول المصنف حمل على الراجح هو أو من قوله: أو أصله ومثاله ما ذكرناه من القرء إذ قلنا بأنه أجلى بالنسبة إلى الطهر ولم نقل بأنهما متساويان فإنه إذا قال أنت طالق في قرء ليس بطهر ولا حيض بالحقيقة الإصطلاحية يقع التعارض بين مجازي الحقيقتين فيحمل على مجاز الطهر الاصطلاحي لرجحان أصله وإن لم يكن الأصلي حقيقة ذلك الراجح فهو مجمل لاختصاص كل واحد من المجازين بجهة ترجحه إذ أحدهما راجح وأصله غير جلي والآخر بالعكس وإلى هذا القسم أشار بقوله أو ترجح أحدهما وأصل الآخر فمجمل ومثاله لا يخفى مما تقدم وهذا على تقدير أن يكون بعض المجازات راجحا وأما إن تساوت المجازات فإن كان بعض الحقائق أجلى حمل عليه وإن لم يكن بعضها أجلى فمجمل وأشار إلى هذا بقوله فإن تساويا","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الفصل الساس: الحقيقة والمجاز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>تعريف الحقيقة والمجاز</span>\n...\nالفصل السادس في الحقيقة والمجاز\nقال الفصل السادس في الحقيقة والمجاز:\nالحقيقة فعلية من الحق بمعنى الثابت أو المثبت نقل إلى العقد المطابق ثم إلى القول المطابق ثم إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية.\nقدم على الكلام في مسائل الفصل مقدمة في الكلام على لفظي الحقيقة والمجاز ومعناهما لغة واصطلاحا.\nوالمقصد الأعظم أن إطلاق لفظ الحقيقة والمجاز على المعنى المصطلح بين الأصوليين إنما هو على سبيل المجاز فأما الحقيقة فوزنها فعلية اشتقت من الحق إما بمعنى الفاعل من حق الشيء يحق بالضم والكسر إذا أوجب وثبت فمعناه الثابت وإما بمعنى المعقول من حققت الشيء أحقه إذا أثبته فمعناه المثبت ثم إن الحقيقة نقلت من معنى الثابت أو المثبت إلى الاعتقاد المطابق للواقع والعلاقة ثبوته وتقرره ثم نقلت من الاعتقاد المطابق إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.\nقال الإمام لأن في استعماله فيما وضع له تحقيقا لذلك الوضع قال فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية بل مجازا واقعا في الرتبة الثالثة نعم هو حقيقة عرفية ولقائل أن يقول الحق في اللغة موضوع للقدر المشترك بين الجميع وهو الثبوت قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ","vol":"1","page":271},{"text":"كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١ أي ثبتت وهو من أسمائه تعالى بهذا الاعتبار لأن الثابت أزلا وأبدا لذاته بخلاف غيره من الموجودات ويقال الحق لما يقابل الباطل لأنه جدير بالثبوت كما أن الباطل جدير بالزهوق وإذا كان موضوعا للقدر المشترك فهو موجود في الجميع سلمنا أنه ليس موضوعا للقدر المشترك لكنا لا نسلم أن كل مجاز مأخوذ مما قبله حتى يكون مجازا واقعا في الرتبة الثالثة بل كان مأخوذا من الحقيقة بعلاقة معتبرة وقد علمت تعريف الحقيقة فقوله اللفظ جنس.\nوقد قلنا غير مرة إنه جنس بعيد وأن الأحسن أن يأتي بالقول.\nوقوله المستعمل يخرج به اللفظ الموضوع قبل الاستعمال فإنه ليس بحقيقة ولا مجاز كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.\nويخرج أيضا المهمل وقوله فيما وضع له يخرج به المجاز فإنه مستعمل في غير ما وضع له ولك أن تقول المجاز موضوع فلا يخرج بهذا الفصل وإنما يخرج لو قال وضعا أولا وهو لا يمكنه أن يزيد هذا القيد مخافة أن يورد عليه الحقيقة الشرعية والعرفية لأنهما من غير وضع أول.\nوقوله في اصطلاح التخاطب يدخل الحقيقتين الشرعية والعرفية ولقائل أن يقول إن الفصول لا تكون للإدخال وأن الحد غير مانع لصدقه على العلم مع أنه ليس بحقيقة ولا مجاز لدخول المجاز فيه كما عرفت.\nقوله والتاء إلى آخره هذا جواب عن سؤال مقدر وتقديره أن يقال إذا كانت الحقيقة بمعنى المثبت فينبغي أن تكون مجردة عن تاء التأنيث لأن فعيلا إذا كان بمعنى مفعول فقياسه أن يسوى فيه بين المذكر والمؤنث تقول رجل جريح وامرأة جريح ورجل قتيل وامرأة قتيل وجوابه أن الحقيقة وإن كانت صفة في الأصل إلا أن الاسمية غلبت عليها وتركت وصفيتها ألا ترى أنك تقول كلمة حقيقة ولفظة حقيقة فإنما جئ بالتاء لذلك وفعيل إنما\n_________\n١ سورة الزمر آية: ٧١.","vol":"1","page":272},{"text":"يسوي فيه بين المذكر والمؤنث إذا كان باقيا على وصفيته مستعملا مع موصوفه استغناء بتأنيث الموصوف على تأنيثه وأما إذا غلبت عليها الاسمية وقطعت عن الموصوف فقياسه أن يدخل التاء فيه إذا قصد به المؤنث كما يقال أكيلة ونطيحة ويجوز أن يقال دخول التاء فيه علامة لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية وهو أقرب إلى لفظ الكتاب إلا أنه مدخول فإنه لا دلالة للتاء على النقل.\nقال والمجاز مفعل من الجواز بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان نقل إلى الفاعل ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح.\nإطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح عليه بين إلا أنه مجاز لغوي حقيقة عرفية وذلك لأن المجاز مشتق من الجواز والجواز معناه التعدي والعبور تقول جزت الدار أي عبرتها ووزن المجاز مفعل لأن أصله مجوز فقلبت واوه ألفا بعد نقل حركتها إلى الجيم والمفعل يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر تقول قعدت مقعد زيد وتريد قعوده أو زمان قعوده أو مكان قعوده فيكون لفظة المجاز في الأصل حقيقة إما في المصدر الذي هو الجواز وإما في مكان التجوز أو زمانه ونقل لفظ المجاز من ذلك إلى الفاعل وهو الجائز أعني المنتقل لما بينهما من العلاقة والعلاقة إن نقل من المصدر هي الجزئية لأن المشتق منه جزء من المشتق كقولك هذا رجل عدل أي عادل وإن نقل من المجاز المستعمل في المكان فهي إطلاق اسم المحل وإرادة الحال مثل سال الوادي.\nوأما المجاز المستعمل في الزمان فقد ترك المصنف ذكره كأنه للجزم بأن الجازم غير مأخوذ منه إذ لا علاقة بينهما ثم الجائز حقيقة إنما يطلق على الأجسام إذ الجواز الانتقال من حين إلى حين وأما اللفظ فعرض يمتنع عليه الانتقال فنقل لفظ المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح.\nقال صاحب الكتاب وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح وإطلاقه على هذا المعنى على سبيل التشبيه فإن تعدية اللفظ من معنى","vol":"1","page":273},{"text":"إلى معنى كالجائز يتعدى من مكان إلى مكان فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى للمصطلح مجازا في المرتبة الثانية حقيقة عرفية.\nوقوله اللفظ المستعمل قد عرفت شرحهما فيما سبق.\nوقوله في معنى غير موضوع له يخرج الحقيقة ويقتضي أن المجاز غير موضوع وكان الأحسن أن يزيد بوضع أول.\nوقوله يناسب المصطلح أشار به إلى فوائد.\nإحداها: أن يشمل الحد كل مجاز من شرعي وعرفي عام وخاص ولغوي فإن الاصطلاح أعم من أن يكون بالشرع أو العرف أو اللغة.\nوالثانية: أن ينبه على اشتراط العلاقة في المجاز.\nوالثالثة: أن يحترز عن العلم المنقول مثل بكر وكلب فإنه ليس بمجاز لأنه لم ينقل لعلاقة والله أعلم.\nقال وفيه مسائل:","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المسألة الأولى: وجود الحقيقة اللغوية والعرفية</span>\n...\nالأولى: الحقيقة اللغوية موجودة وكذا العرفية العامة كالدابة ونحوها والخاصة كالقلب والنقض والفرق والجمع.\nالحقيقة متعددة بلا خلاف وإلى ما تتعدد فيه اختلاف فقال قائلون إلى ثلاثة اللغوية والعرفية بنوعيها والشرعية.\nواقل آخرون الأوليين فقط وقد علمت من هذا الاتفاق على إمكان اللغوية والعرفية وأما الوجود فلا نزاع في وجود اللغوية وكيف ولا شك في وجود ألفاظ مستعملة في معان وذلك إن كان بالوضع فقد حصل الغرض وإلا فيلزم أن يكون مجازا فيها وهو باطل لأن شرط المجاز حصول المناسبة الخاصة بين الموضوع الأصلي والمعنى المجازي وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الموضوع الأصلي.\nوأما العرفية فاعلم أولا أن اللفظة العرفية هي التي نقلت عن موضوعها","vol":"1","page":274},{"text":"الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال وهي منقسمة إلى خاصة وعامة بحسب الناقلين فإن كان الناقل طائفة مخصوصة سميت خاصة وإن كانت عامة الناس سميت عامة وقد ذهب الأكثرون إلى وقوع العرفية العامة وهي على قسمين.\nأحدهما: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام لم يخصص بالعرف العام ببعض أنواعه كلفظ الدابة فإنه موضوع لكل ما يدب على وجه الأرض وخصصها العرف العام بذات الحوافر.\nوثانيهما: أن يكون الاسم في أصل اللغة قد وضع لمعنى ثم كثر استعماله فيما له نوع مناسبة وملابسة بحيث لا يفهم المعنى الأول كالغائط فإنه موضوع في الأصل للمكان المطمئن من الأرض التي تقضى فيها الحاجة غالبا وأطلقه العرف على الخارج المستقذر من الإنسان كناية عنه باسم محله لنفرة الطباع عن التصريح به وأما الخاصة فلا نزاع في وقوعها إذ هو معلوم بالضرورة بعد استقراء كلام الطوائف من ذوي العلوم والصناعات التي لا يعرفها أهل اللغة كالقلب والنقض والجمع والفرق في اصطلاح النظار وستعرف معاني هذه الأمور في كتاب القياس إن شاء الله تعالى.\nقال واختلف في الشرعية فمنع القاضي وأثبت المعتزلة مطلقا والحق أنها مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة وإلا لم تكن عربية فلا يكون القرآن عربيا وهو باطل لقوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا﴾ ونحوه.\nالحقيقة الشرعية هي اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع وأقسامها الممكنة أربعة:\nالأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى.\nوالثاني: أن يكونا غير معلومين لهم.\nالثالث: أن يكون اللفظ معلوما لهم والمعنى غير معلوم.","vol":"1","page":275},{"text":"الرابع: عكسه والمنقولة الشرعية من هذه الأقسام إنما هي الأول والثالث فالمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان والإسلام والكفر والفسق ويخص بالدينية فهي إذن أخص من المنقولة الشرعية.\nفإن قلت فهذه الأقسام الممكنة هل هي واقعة كلها تفريعا على القول بالحقيقة الشرعية؟\nقلت قال صفي الدين الهندي الأشبه وقوعها أما الأول فهو كلفظ الرحمن لله فإن هذا اللفظ كان معلوما لهم وكذا صانع العالم كان معلوما لهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١ لكن لم يضعوه لله تعالى ولذلك قالوا ما نعرف الرحمن إلى رحمان اليمامة حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ ٢.\nوأما الثاني: فهو كأوائل السور عند من يجعلها اسما لهذا أو للقرآن فإنها ما كانت معلومة على هذا الترتيب ولا القرآن ولا السور.\nوأما الثالث فكلفظ الصلاة والصوم وأمثالها فإن هذه الألفاظ كانت معلومة لهم ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم.\nوأما الرابع: فهو كلفظ الأب فإنه قيل إن هذه الكلمة لم تعرفها العرب ولذلك قال عمر ﵁ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ٣ هذه الفاكهة فما الأب ومعناه كان معلوما لهم بدليل أن له اسما آخر عندهم نحو العشب هذا كلام صفي الدين الهندي إذا عرفت الحقيقة الشرعية فنقول أما إمكانها فقد نقل جماعة الاتفاق عليه وأبو الحسين البصري لما حكى في المعتمد عن قوم من المرجئة أنهم نفوا الحقائق الشرعية قال ونقض عللهم يدل\n_________\n١ سورة الزخرف آية: ٨٧.\n٢ سورة الاسراء آية: ١١٠.\n٣ سورة عبس آية: ٣١.","vol":"1","page":276},{"text":"على أنهم أحالوا ذلك وأما وقوعها فذهبت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء إليه مطلقا وقالوا نقل الشارع هذه الألفاظ من الصلاة والصيام وغيرهما من مسمياتها اللغوية وابتدأ وضعها لهذه المعاني فليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها وأنكره القاضي أبو بكر مطلقا وزعم أن لفظ الصلاة والصوم وغيرهما في الشرع مستعمل في المعنى اللغوي وهو الدعاء والإمساك لكن الشارع شرط في الاعتداد بهما أمورا أخر نحو الركوع والسجود والكف عن الجماع والنية فهو منصرف بوضع الشرط لا بتغير الوضع وشدد النكير على مخالفيه وقال قد تبعهم شرذمة من الفقهاء الحائدين عن التحقيق وما راموا مرامهم بيد أنهم زلوا عن سواء الطريق وذهب إمام الحرمين والغزالي والإمام وأتباعه منهم صاحب الكتاب إلى التفصيل فاثبتوا من المنقولات الشرعية ما كان مجازا لغويا كما في الحقائق العرفية دون ما ليس كذلك بل كان منقولا عنها بالكلية وهذا معنى قول المصنف مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة أي لم تستعمل في المعنى اللغوي ولم يقطع النظر عنه حالة الاستعمال بل استعملت في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة فالصلاة مثلا لما كانت في اللغة عبارة عن الدعاء بخير قال الشاعر:\nتقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا\nعليك مثل الذي صليت فاعتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا\nكانت بالمعنى اللغوي جزءا منها بالمعنى الشرعي لاشتمال ذات الأركان على الدعاء فكان إطلاقها على المعنى الشرعي من باب التسمية للشيء باسم بعضه وهو مجاز لغوي اشتهر وصار بالاشتهار حقيقة شرعية وكذلك الصوم فإنه في اللغة الإمساك قال الشاعر:\nخيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما\nوفي الشرع اسم للإمساك عن الطعام والشراب مع انضمام أمور أخر إليه وكذا الحج فإنه في اللغة القصد قال الشاعر:\nواشهد من عرف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا","vol":"1","page":277},{"text":"فإن ابن السكيت١ يقول يكثرون الاختلاف إليه وهو في الشرع اسم للمناسك المعروفة من جملتها القصد وكذلك سائر الأسماء الشرعية وذهب الآمدي إلى التوقف في المسألة.\nفائدة قال الشيخ أبو إسحاق هذه أول مسألة نشأت في الإعتزال وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين أي جعلوا الفسق منزلة متوسطة بين الكفران والإيمان لما علموا أن الإيمان في اللغة التصديق والفاسق موحد مصدق.\nفقالوا هذه حقيقة الإيمان في اللغة ونقل في الشرع إلى من لم يرتكب شيئا من المعاصي فمن ارتكب شيئا منها خرج عن الإيمان ولم يبلغ الكفر ثم اختار الشيخ أبو إسحاق أن الإيمان يبقى على موضوعه في اللغة وأن الألفاظ التي ذكرناه من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك منقولة قال وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ وإنما يكن على حسب ما يقوم عليه الدليل ورأيت في كتاب تعظيم قدر الصلاة للإمام الجليل محمد بن نصر عن أبي عبيد أنه استدل على أن الشارع نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى الشرعي بأنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى معان أخر.\nقال فما بال الإيمان وهذا يدل على تخصيص محل الخلاف بالإيمان وهو الذي وقع فيه النزاع في مبتدأ ظهور الاعتزال قوله: وإلا لم تكن عربية استدل على ما اختاره بأنه لو كانت تلك الألفاظ موضوعات مبتدأة لم تكن عربية والملازمة ظاهرة وإذا كانت غير عربية يلزم أن يكون القرآن غير عربي\n_________\n١ هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف ابن السكيت إمام في اللغة والأدب أصله من خوزستان بين البصرة وفارس.\nمن كتبه إصلاح المنطق الألفاظ والأضداد القلب والإبدال شرح المعلقات وغير ذلك كثير.\nوفيات الأعيان ٢/٣٠٩ الأعلام ٩/٢٥٥.","vol":"1","page":278},{"text":"لوقوعها فيه وذلك باطل لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١ ونحوه كقوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ٢ فدل على أنها عربية أعني الصلاة والصيام والحج ونظائرها وهذا فيه نظر لأنه لا يبطل إلا مذهب المعتزلة فقط وقد رد إمام الحرمين على القاضي بأن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة ومساق ما ذكره أن المسمى بالصلاة الدعاء فحسب وليس الأمر كذلك.\nقال قيل المراد بعضه فإن الحالف على ألا يقرأ القرآن يحنث بقراءة البعض قلنا معارض بما يقال أنه بعضه قيل تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية قلنا يخرجه وإلا لما صح الاستثناء قيل يكفي في عربيتها استعمالها في لغتهم قلنا تخصيص ألفاظ باللغات بحسب الدلالة قيل منقوض بالمشكاة والقسطاس والإستبراق والسجيل قلنا وضع العرب فيها وافق لغة أخرى.\nاعترضت المعتزلة على الدليل الذي أورده في الكتاب بأربعة وجه:\nالأول: أن الآية لا تدل على أن القرآن كله عربي بل على أن بعضه عربي لأن القرآن يطلق على مجموعه وعلى كل جزء من أجزائه ويصدق صدق المواطئ على جزئياته ويدل على هذا أن الحالف على ألا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه وأجاب بأن ما استدللتم به من صورة الحلف وإن دل على أن المراد بالقرآن البعض فهو معارض بقولنا إلا آية والسورة بعض القرآن فإنه لو أطلق القرآن على ذلك حقيقة لم يكن لإدخال البعض معنى وأيضا فبعض الشيء غير الشيء وإذا تعارضا تساقطا وسلم ما ذكرناه من الدليل.\nوأعلم أن ما ذكره المصنف من الحنث في هذه الصورة تبع فيه الإمام وليس كما ذكر فالذي نص عليه الشافعي ﵁ في الأم ونقله\n_________\n١ سورة يوسف ﵇ آية: ٢.\n٢ سورة فصلت آية: ٤٤.","vol":"1","page":279},{"text":"الرافعي عنه خلاف ذلك وقد رأيت نصه في الأم في الجزء السابع من باب جامع الترتيب.\nقال ﵁ ما نصه ولو قال رجل لعبد له متى مت وأنت بمكة فأنت حر ومتى مت وقد قرأت القرآن فأنت حر فمات السيد والعبد بمكة وقد قرأ القرآن كله كان حرا وإن مات وليس العبد بمكة أو مات ولم يقرأ القرآن كله لم يعتق هذا لفظه.\nوقال الشيخ أبو حامد في التعليقة إذا قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر لم يعتق إلا بقراءة الجميع وكذا قال المحاملي في التجريد هذا هو المذهب في المسألة ولا يعرف ما يخالفه.\nالوجه الثاني: إنا لا نسلم أنه يلزم من كون تلك الألفاظ غير عربية ألا يكون القرآن عربيا فإن تلك كلمات قلائل فلا يخرج القرآن عن كونه عربيا كما أن الألفاظ العربية القليلة إذا وقعت في قصيد فارسية لا تخرجها عن كونها فارسية وأجاب بأنها تخرجه عن كونه عربيا والكلمات القلائل تخرج القصيدة عن أن تكون فارسية والدليل على ذلك صحة الاستثناء ذلك أن تقول القصيدة فارسية إلا موضع كذا منها.\nالوجه الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجها عن ذلك وأجاب بأن المقدار غير كاف في كونها عربية لأن تخصيص الألفاظ باللغات بحسب دلالتها على معانيها فإن كانت دلالتها من جهة لغة العرب كانت عربية وإلا فلا وشك أن تلك الألفاظ لا تدل على معانيها من تلك الحيثية.\nواعلم أن المصنف لم يرتب هذه الاعتراضات الثلاث على الوجه اللائق فإن مقتضى النظم الطبيعي تقدم هذا الثالث ثم الإتيان بالثاني ثم بالأول فيقال لا نسلم أنها غير عربية بل يكفي استعمالها عندهم سلمنا لكن لا","vol":"1","page":280},{"text":"تخرج القرآن عن كونه عربيا لقلتها سلمنا ولكن ذلك غير ممتنع لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ هو البعض.\nالوجه الرابع: أنه لو صح ما ذكرتم لزم ألا يشتمل القرآن على لفظ غير عربي وليس كذلك فإن المشكاة فيه وهي عجمية وكذا القسطاس والإستبرق والسجيل والمشكاة الكوة التي لا تنفذ والقسطاس بالرومية الميزان والإستبرق بالفارسية الديباج الغليظ والسجيل الحجر من الطين وأجاب بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ غير عربية بل غايته أن وضع العرب فيها وافق لغة أخرى كالصابون والتنور وأن اللغات فيها متفقة.\nتنبيه: عرفت من هذا أن المصنف يختار أن المعرب لم يقع في القرآن وقد تبع الإمام في ذلك وهو الذي نصره القاضي في كتاب التقريب ونص عليه الشافعي في الرسالة في باب البيان الخامس فقال ما نصه وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب إلى السلامة فقال منهم قائل إن في القرآن عربيا وأعجميا والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب ووجدنا قائل هذا القول ومن قبل ذلك منه تقليدا له وتركا للمسألة له عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم هذا نصه ونقل عن ابن عباس وعكرمة وقوعه وهو الذي اختاره ابن الحاجب واستدل عليه بإجماع النحاة على أن إبراهيم لا ينصرف للعلمية والعجمية وذلك لا يجديه شيئا إذا كان محل الخلاف مقصورا على أسماء الأجناس غير شامل للأعلام.\nقال صفي الدين الهندي وهو الذي يجب أن يكون.\nقال وعورض بأن الشارع اخترع معاني فلا بد لها من ألفاظ قلنا كفى التجوز.\nقد عرفت ما طعنت به المعتزلة في مقدمات الدليل الذي احتج به المصنف وما أجيبوا به وقد انتقلوا الآن إلى المعارضة بوجهين:\nأحدهما: وهو إجمالي أن الشارع اخترع معاني لم تكن متعلقة قبل الشرع","vol":"1","page":281},{"text":"بل حدث تعلقها بعده فوجب أن يوضع لها اسم لأنها من جملة المعاني التي تمس الحاجة إلى التعبير عنها وهي الأسامي التي تطلق عليها كالصلاة والحج لا مدخل للعرب في إطلاقها عليها إذ وضع الألفاظ مسبوق بتعلق المعاني وهم لم يتعلقوها قبل الشرع ولا خطرت لهم ببال.\nوأجاب بأنه إن عنيتم بقولكم ما يعقلوها ولا خطرت لهم لا من حيث المجموع ولا من حيث الجزء فممنوع فإنهم تعقلوها من حيث الجزء كما في الصلاة وإن عنيتم أنه لم يخطر لهم من حيث المجموع فمسلم ولكن لا نسلم أنه لا مدخل للعرب حينئذ فيها فإنه يكون من باب إطلاق الجزء على الكل وهو أحد أنواع المجاز والتجوز كاف هنا لحصول المقصود الذي هو الإفهام به.\nقال وبأن الإيمان لغة هو التصديق وفي الشرع فعل الواجب لأنه الإسلام وإلا لم يقل من مبتغيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ولم يجز استثناء المسلم من المؤمن وقد قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١ والإسلام هو الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ٢ والدين فعل الواجبات لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.\nقلنا في الشرع تصديق خاص وهو غير الإسلام والدين فإنهما الانقياد والعمل الظاهر ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٤ وإنما جاز الاستثناء لصدق المؤمن على المسلم بسبب أن التصديق شرط صحة الإسلام.\nالوجه الثاني: من وجهي المعارضة وهو تفصيلي وتقريره أن الإيمان في اللغة هو التصديق وفي الشرع فعل الواجبات فتكون الحقيقة الشرعية بمعنى أنها حقائق مبتدأة واقعة وهو المدعى.\n_________\n١ سورة الذريات آية: ٣٥ ٣٦.\n٢ سورة آل عمران آية: ١٩.\n٣ سورة البينة آية: ٥.\n٤ سورة الحجرات آية: ١٤.","vol":"1","page":282},{"text":"أما المقدمة الأولى: فبالنقل عن أئمة اللغة ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمصدق لنا\nوأما الثانية فلأن الإيمان هو الإسلام والإسلام هو الدين والدين هو فعل الواجبات فالإيمان فعل الواجبات إنما قلنا إن الإيمان هو الإسلام لوجهين\nأحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن مقبولا من مبتغيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .\nوالثاني: أنه تعالى استثنى بعض المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ولولا الاتحاد لما صح الاستثناء لأن الاستثناء إخراج بعض الأول.\nفإن قلت أين الإستثناء وليس هنا إلا لفظة غير وهي ظاهر في الوصفية قلت هي هنا بمعنى إلا لأنه لو كانت على ظاهرها لكان التقدير فما وجدنا فيها المغاير لبيت المؤمنين أنه فيكون المنفي إذ ذاك بيوت الكفار وهو باطل لأنه وجد فيها بيوتهم فتقرر أنه استثناء مفرغ فيحتاج إلى تقدير شيء عام منفي يكون هو المسنثنى منه ولا بد من تقيد ذلك العام بكونه من المؤمنين وإلا يلزم انتفاء ثبوت الكفار وقد عرفت بطلانه فيكون تقدير الآية والله أعلم فما وجدنا فيها أحدا من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين أي منهم ويكون قد أوقع الظاهر موقع المضمر وإنما قلنا الدين إن الإسلام هو الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ وإنما قلنا الدين فعل الواجبات لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي دين الملة المستقيمة وقوله ذلك عائد إلى جميع ما تقدم ذكره فوجب أن يكون الكل مسمى بالدين.\nقوله قلنا في الشرع إلى آخره هذا هو الجواب عن هذا الوجه الثاني وتقريره أن يقال لا نسلم أن الإيمان في الشرع هو الإسلام وإنما الإيمان في الشرع عبارة عن تصديق خاص وهو تصديق الرسول ﷺ في جميع ما علم مجيئه بالضرورة وهو بهذا الاعتبار غير الإسلام وغير الدين فإنهما في اللغة الانقياد","vol":"1","page":283},{"text":"وفي الشرع العمل الظاهر وهذا هو التحقيق في انفصال الإسلام عن الإيمان وإن كان كل منهما شرطه الشارع في الاعتبار بالآخر فإن الإسلام عبارة عن التلفظ ولا يعتبر به ما لم يساعده القلب بالاعتقاد والإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ولا يكفي ما لم يتلفظ بالشهادتين إذا أمكنه ذلك ويدل على انفصال الإسلام عن الإيمان صريح قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١ أي والله أعلم إن الذي وقع منكم ليس بإيمان حتى تقولوا نحن مؤمنون وإنما هو إسلام لأنه فعل ظاهر من غير تصديق بالقلب فلا تقولوا آمنا بل قولوا أسلمنا لأنه هو الذي وقع منكم\nفإن قلت وقع من المنافقين إسلام\nقلت وقع منهم الإسلام باللسان الذي هو غير معتبر شرعا ويجوز أن يقال لم يقع منهم إسلام ويجعل تصديق القلب ركنا في الإسلام شرعا لا شرطا ولكن يعضد الأول قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قوله: وإنما جاز الاستثناء جواب عن قولهم لو غاير الإيمان الإسلام لم يجز الاستثناء المسلم من المؤمنين وتوجيهه أن يقال استثناؤه منه لا يدل على أنه هو وإنما بدل على أنه يصدق عليه كقول القائل ملكت الحيوان إلا الفرس فالحيوان غير الفرس لأنه أعم والأعم من حيث هو مغاير للأخص ومع ذلك فقد استثنى منه لصدق الحيوان إذا عرفت هذا فالصدق حاصل في المؤمن مع المسلم لأن شرط صحة الإسلام الذي هو التصديق وهذا مسوغ لاستثناء المسلم من المؤمن لأنه كلما صدق المسلم صدق المؤمن لكونه شرطه ولا ينعكس بدليل من كان مؤمنا تاركا للأفعال الظاهرة فصحة الاستثناء ثابتة لصدق المؤمن على المسلم ولا يلزم كون المسلم مؤمنا أن يكون الإسلام هو الإيمان فإن الكاتب ضاحك والكتابة غير الضحك والنزاع إنما هو الإسلام مع الإيمان لا في المسلم مع المؤمن ولقائل أن يقول الإيمان على هذا شرط صحة الإسلام والاعتداد به لا شرط وجود الإسلام فلا يلزم أن ينتفي الإسلام بانتفاء الإيمان إلا أن يجعلوا\n_________\n١ سورة الحجرات آية: ١٤.","vol":"1","page":284},{"text":"الإيمان شرطا في صدق الإسلام لا في صحته أو ركنا في الإسلام وما دللتم على شيء منهما وقد نجز القول في المسألة ولم يذكر المصنف متمسك القاضي أبي بكر ومن متمسكاته أن القرآن مشتمل على هذه الألفاظ فلو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية لفقدان وضع العرب إياها لهذه المعاني فيلزم خروج القرآن عن كونه عربيا بكليته وقد قررتم بطلانه وجواب هذا يعلم مما سبق ومنها لو كانت حقائق شرعية لفهمناها الشارع قبل تكليفنا بها وإلا يلزم أن يكون كلفنا بما لا نفهمه ولا آحاد تدل على وقوع ذلك فضلا عن التواتر.\nوأجيب عن هذا بأنه لا يلزم من تفهيم الشارع أن ينقل بتواتر ولا آحاد لجواز حصول التفهم بالقرائن والله أعلم.\nوقد علمت بما سبق أن الإيمان في الاصطلاح عبارة عن تصديق الرسول بكل ما جاء به وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن رضوان الله عليه وقال أكثر السلف وعليه بعض المعتزلة والخوارج إنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان وفيه مذاهب أخر كثيرة ليس هذا محلها ورام السهيلي التفرقة بين الإيمان والتصديق من وجهين قررهما:\nأحدهما: أن التصديق لا بد وأن يكون في مقابله خبر صادق وقد يكون عن نظر وفكر فإذا نظرت في الصنعة وعرفت بها الصانع آمنت به لم تكن به مصدقا بخبر إذ لا خبر هناك فإذا جاء الخبر كنت به مصدقا ونحن نقول في جواب هذا إن الصنعة لما عرفتنا الصانع كانت مخبرة بلسان الحال فلم يكن التصديق إلا في مقابلة خبر واقع بلسان الحال فإن قال التصديق لا يكون إلا في مقابلة خبر بلسان المقال قلنا من أين لك هذا التقييد.\nالثاني: أن التصديق قد يكون بالقلب وأنت ساكت تقول سمعت الحديث فصدقته والإيمان لا بد من اجتماع اللفظ مع العقد لغة وشرعا لتعديه بالباء ونحو ذلك ونحن نجيب عن هذا بأن اللفظ شرط في صحة الإيمان لا ركن منه كما علمت فيما تقدم ويدل عليه مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قولوا أسلمنا إجماع الأمة على أن من عرف الله بقلبه وعجز عن التلفظ بالشهادتين كان مؤمنا فائزا وبالله التوفيق.","vol":"1","page":285},{"text":"قال فروع الأول النقل خلاف الأصل إذ الأصل بقاء الأول ولأنه يتوقف على الأول ونسخه ووضع ثان فيكون مرجوحا.\nهذه مسائل مفرعة على جواز النقل.\nالأول: أنه على خلاف الأصل بمعنى أنه إذا دار اللفظ بين احتمال النقل واحتمال عدمه كان احتمال عدمه أرجح لوجهين:\nأحدهما: أن الأصل في الوضع الأول المنقول عنه البقاء إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان.\nوالثاني: أن النقل يتوقف على ثلاثة أشياء الوضع الأصلي ثم نسخه ثم وضع ثان وعدم النقل لا يتوقف إلا على واحد وما كان متوقفا على أمور كان مرجوحا بالنسبة إلى المتوقف على أمر واحد.\nقال الثاني: الأسماء الشرعية الموجودة المتواطئة كالحج والمشترك كالصلاة الصادقة على ذات الأركان وصلاة المصلوب والجنازة والمعتزلة سموا أسماء الذوات دينية كالمؤمن والفاسق.\nهذا الفرع في أن الشارع هل نقل الأسماء والأفعال والحروف أم نقل البعض دون البعض.\nفنقول أما الأسماء فقد وجد النقل فيها وقد قدمنا انقسامها إلى متباينة ومترادفة ومتواطئة ومشتركة ومشككة فلينظر في واحد واحد أما المتباينة ة فقد وجدت كالصوم والصلاة وأهمل في الكتاب ذكر هذا القسم لوضوحه.\nوأما المترادفة فقد أهمل ذكرها أيضا فقال الإمام الأظهر أنها لم توجد لأنها ثبتت على خلاف الأصل فتتقدر بقدر الحاجة وتابعه صاحب التحصيل.\nوقال صفي الدين الهندي الأظهر أنها وجدت وهذا هو الصحيح لوجد أن الواجب والفرض وهما مترادفان عند الشافعي ﵁ والإمام يوافق على ذلك والإنكاح والتزويج عند الشافعي أيضا وأما المتواطئة فموجودة أيضا ومثل لها المصنف بالحج فإنه يطلق على الإفراد والتمتع والقرآن وهذه الثلاثة","vol":"1","page":286},{"text":"مشتركة في الماهية وهي الإحرام والطواف والوقوف والسعي وأما المشترك فاختلفوا في وقوعها وجزم المصنف بوقوعها.\nقال الإمام وهو الحق لأن لفظ الصلاة مستعمل في معاني شرعية لا يجمعها جامع لأن لفظها يتناول ما لا قراءة فيها كصلاة الأخرس وما لا سجود فيه ولا ركوع كصلاة الجنازة وما لا قيام فيه كصلاة القاعد والصلاة بالإيماء على مذهب الشافعي ﵁ وهي التي عبر عنها في الكتاب بصلاة المصلوب فإنه لا شيء من ذلك فيها وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك هذا كلام الإمام.\nقال الهندي وهو ضعيف لأن كون الفعل واقعا بالتحرم والتحلل منه مشترك بين تلك الصلوات فلم لا يجوز أن يكون مدلولها قال والأقرب أنها متواطئة بالنسبة إلى الكل إذ التواطؤ خير من الاشتراك ثم ذكر الهندي أن الأشبه وقوع المشتركة ومثل لها بإطلاق الطهور على الماء والتراب وعلى ما يدبغ به كان ذلك ليس باشتراك معنوي إذ ليس بينها معنى مشترك يصلح أن يكون مدلول اللفظ ولقائل أن يقول لم اكتفيت بالتحلل والتحرم في الصلاة قدرا مشتركا ولم تكتف باشتراك الماء والتراب وآلة الدباغ في إزالة المانع قدرا مشتركا.\nوأما المشككة فالظاهر وقوعها أيضا وقد أهملها المصنف في الكتاب وهي كالفاسق بالنسبة إلى من فعل الكبيرة الواحدة ومن فعل الكبائر العديدة فإن تناوله للثاني بطريق أولى.\nقوله والمعتزلة أي أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قسموها إلى أسماء الأفعال وأسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال فالأول كالصوم والصلاة والثاني كاسم الفاعل مثل زيد مؤمن واسم المفعول مثل زيد مقروء عليه وأفعل التفضيل نحو أفضل من عمرو وسموا هذا القسم بالدينية تفرقة بينه وبين الأول وأن اشتراك الكل عندهم في كونه شرعيا هكذا نقل الإمام وتبعه صاحب الكتاب وفيه نظر فإن المنقول عن المعتزلة أن الدينية هي الأسماء المنقولة شرعا إلى أصل الدين كالإيمان والكفر.","vol":"1","page":287},{"text":"وأما الشرعية فكالصلاة والصوم كذا عزاه إليهم طائفة منهم القاضي وإمام الحرمين والغزالي فقال إمام الحرمين:\nقالت المعتزلة الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأحدها الألفاظ الدينية وهي الإيمان والكفر والفسق فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين فالإيمان في اللسان التصديق والكفر من الكفر وهو الستر والفسق الخروج وهذا الذي ذكروه في قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا دينا وليس كافرا أيضا وإنما هو فاسق.\nوالقسم الثاني: الألفاظ اللغوية وهي القارة على قوانين اللسان.\nوالقسم الثالث: الألفاظ الشرعية وهي الصلاة والصوم وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع هذا لفظه في البرهان وهو الذي ذكره في كتاب التلخيص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي وكذلك أورده الغزالي وهذا هو التحقيق في نقل مذهب القوم.\nقال والحروف لم توجد والفعل يوجد بالتبع تقدم الكلام في الاسم وأما الحرف فلم يوجد واستدل عليه الإمام بالاستقراء.\nوأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء ووجد بطريق التبعية لأن الفعل صغة تدل على صدور المصدر من الفاعل فالمصدر إن كان شرعيا كالصلاة كان الفعل أيضا كذلك كصلى وإن كان لغويا كان مثله فيكون الفعل شرعيا أمر حصل بالعرض لا بالأصالة وكلام المصنف مصرح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية والحق مساواته للفعل فإن نقل متعلق معاني الحروف من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزم لنقلها أيضا فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز.\nفائدة قد تقرر أن الألفاظ هي المستعملة من الشارع أما الأسماء وهي على قسمين منها ما وضعه بإزاء الماهيات الجعلية وذلك معروف كالصلاة وأمثالها ومنها الأسماء المتصلة بالأفعال وسنذكرها إن شاء الله مع الفعل.","vol":"1","page":288},{"text":"وأما الفعل والحرف فقد علمت أن التحقيق فيهما أنهما مستويان والفعل ينقسم إلى ماض وأمر ومضارع والأسماء المتصلة بالأفعال ثمانية المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل واسم الزمان واسم المكان واسم الآلة أما الفعل المضارع فلم يستعمل في الشرعية في شيء أصلا إلا لفظ أشهد في الشهادة فإنها تعينت ولم يقم غيرها مقامها وكذا في اللعان سواء قلنا إنه يمين أو شهادة أو فيه شائبتان ويجوز في اليمين في أقسم بالله وأشهد ولا يتعين ولا مدخل له في الإنشاءات.\nوأما الفعل الماضي فيعمل في الإنشاءات خلا الشهادة واللعان فمن الإنشاءات التي يعمل به فيها العقود كلها والطلاق وأما فعل الأمر فهو مسألة الإيجاب والاستحباب في العقود والطلاق وفي الوكالة لو أتى بصيغة أمر نحو بع واشتر.\nقال بعض الأصحاب هنا لا يشترط القبول بخلاف ما إذا أتى بصيغة عند نحو وكلتك والصحيح لا فرق وفعل الأمر يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح.\nوأما اسم الفاعل ففي الطلاق في قوله: أنت طالق ويعمل به في الضمان.\nوأما اسم المفعول فيستعمل الطلاق والعتق والوكالة ويقرب من هذا أنت حرام وأنت حر وأنت علي كظهر أمي.\nوأما المصدر فقد استعمل في الطلاق في قوله: أنت الطلاق وهل هو صريح أو كناية فيه خلاف ولا يبعد جريان مثل ذلك في العتق والنظر في هذا الفصل طويل ولعلنا نستوعبه في كتابنا الأشباه والنظائر فإن الشيخ صدر الدين ابن المرحل رحمه الله تعالى ذكر هذا في كتابه الأشباه والنظائر وكتابنا كالتهذيب لكتابه أتمه الله تعالى.\nقال الثالثة صيغ العقود كبعث إنشاء إذ لو كان إخبار وكان ماضيا أو حالا لم يقبل وإلا لم يقع وأيضا إن كذبت لم تعتبر وإن صدقت","vol":"1","page":289},{"text":"فصدقها أما بها فيدور أو بغيرها وهو باطل إجماعا وأيضا لو قال للرجعية طلقتك لم يقع كما لو نوى الإخبار.\nصيغ العقود والفسوخ مثل بعت واشتريت وتزوجت وطلقت وفسخت ونحو ذلك لامرأته في أنها إخبارات عن أمور واقعة في الزمن الماضي وقد تستعمل في الشرع أيضا للإخبار كما لو صدر البيع من إنسان ثم قال بعت مريدا إخبار عما صدر منه في الزمان الماضي أما إذا استعملت هذه الألفاظ لإحداث أحكام لم تكن قبلها فهل هي إخبارات باقية على وضعها اللغوي أم إنشاءات نقلها الشارع إلى إنشاءات المخصوصة ذهب الأكثرون إلى الثاني وهو ما قطع به المصنف.\nوقالت الحنفية إنها إخبارت عن ثبوت الأحكام فمعنى قولك بعت الإخبار عمار في قلبك فإن أصل البيع هو التراضي ووضعت لفظة بعت للدلالة على الرضا فكأنه أخبر بها عما في ضميره فيقدر وجودها قبيل اللفظ للضرورة وغاية ذلك أن يكون مجازا وهو أولى من النقل هذا تحرير مذهبهم فافهمه واستدل الأصحاب على كونه إنشاء بدلائل:\nأحدها: أن اللفظ لو كان إخبارا لكان إما عن ماض أو حال أو مستقبل والأولان باطلان وإلا يلزم ألا يقبل الطلاق التعليق لأن التعليق توقف وجود الشيء على شيء آخر والماضي والحال قد وجدا فلا يقبله لكن اللازم منتف لقبوله التعليق إجمالا وإن كان عن مستقبل لم يقع لأن قوله: طلقتك إذن بمنزلة قوله: ستصيرين طالقا والطلاق لا يقع بذلك.\nوثانيها: لو كانت هذه الصيغ إخبارات لكانت إما كاذبة أو صادقة فإن كانت كاذبة فلا اعتبار بها وإن كانت صادقة فصدقها إما أن يحصل بنفسها أي يتوقف حصوله على حصول الصيغة أو يحصل بغيرها إن كان الأول لزم الدور لأن كون الخبر صدقا وهو بعتك مثلا موقوف على الخبر عنه وهو وقوع البيع فلو توقف المخبر عنه وهو الوقوع وجود على المخبر وهو بعتك لزم الدور وإن كان الثاني وهو أن يحصل الصدق بغيرها فهو باطل بالإجماع منا ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة","vol":"1","page":290},{"text":"وثالثهما: ان الزوج لو قال لرجعيته في عدتها طلقتك ونوى الإخبار عما مضى لم يقع قطعا وإن لم ينو شيئا أو نوى الأشياء وقع بالاتفاق فلو كان إخبارا لم يقع كما نوى به الإخبار.\nفائدتان إحداهما: قال القرافي في الفروق الإنشاء ينقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه فالجمع عليه أربعة أقسام:\nالأول: نحو قولنا أقسم بالله لقد قدم زيد ونحوه فإن مقتضى هذه الصيغة أنه أخبر بالفعل المضارع سيكون منه قسم في المستقبل فكان ينبغي ألا يلزمه كفارة بهذا القول لأنه وعد بالقسم لا قسم كقول القائل سأعطيك درهما لكن لما وقع الاتفاق على أنه بهذا اللفظ أقسم وأن موجب القسم يلزمه دل ذلك على أنه أنشأ به القسم لا أنه أخبر عن وقوعه في المستقبل وهذا أمر اتفق عليه في الجاهلية والإسلام ولذلك لا يحتمل التصديق والتكذيب ولا يدخله شيء من لوازم الخبر.\nقال ولذلك نقول فيه من أحاط به من فضلاء النحاة الخبر القسم جملة إنشائية يؤيد بها جملة خبرية.\nالثاني: الأوامر والنواهي.\nالثالث: الترجي والتمني والعرض مثل ألا تنزل عندنا فتصيب خيرا.\nوالتحضيض وصيغته أربع هلا وألا ولوما ولولا.\nالرابع: النداء نحو يا زيد اختلف النحاة فيه هل فيه فعل مضمر تقديره أنادي زيدا أو الحرف وحده مفيدا للنداء؟\nقلت وقد خطأ الإمام في التفسير الكبير في أوائل البقرة من فسر قولنا يا زيد أنادي زيدا من وجوه:\nمنها أن أنادي زيدا خبر يحتمل التصديق والتكذيب ويا زيد لا يحتملها.","vol":"1","page":291},{"text":"ومنها أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا منادى في الحال بخلاف أنادي زيدا.\nومنها أن يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا بهذا الخطاب بخلاف أنادي زيدا فإنه لا يمتنع أن يخبر إنسانا آخر بأني أنادي زيدا.\nومنها أن أنادي زيدا إخبار عن النداء والإخبار عن النداء غير النداء والنداء هو قولنا يا زيد فإذا هو غيره.\nولقائل أن يقول حاصل هذه الأوجه ترجع إلى يا زيد إنشاء وقولنا أنادي زيدا خبر ونحن نمنع أن قولنا أنادي زيدا الذي هو بمعنى يا زيد خبر وإنما هو إنشاء.\nنعم الخبر أنادي زيدا الذي ليس هو بهذا المعنى.\nقال القرافي وأما المختلف فيه هل هو إنشاء أو خبر فهو صيغ العقود كما تقدم.\nالثانية ذكر القرافي في التفرقة بين الإنشاء والإخبار وجوها:\nأحدها: أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب ولا كذلك الإنشاء.\nوالثاني: أن الخبر تابع لثبوت مخبره في زمانه كيف ما كان ماضيا أو حالا أو مستقبلا والإنشاء متبوع لمتعلقه فيترتب بعده.\nوالثالث: أن الإنشاء سبب لثبوت متعلقه الذي هو مسببه عقيب آخر حرف أو مع آخر حرف إلا أن يمنع مانع وليس الخبر سببا متعلقا بمخبره وإنما هو مظهر فقط.\nخاتمة قال القرافي في الفروق مما يتوهم أنه إنشاء وليس كذلك الظهار في قول القائل لامرأته أنت علي كظهر أمي يعتق الفقهاء أنه إنشاء للظهار كقوله أنت طالق وأن البابين سواء في الإنشاء.\nقال وليس كذلك ثم أطال في الدلالة على أنه خبر واستند إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا","vol":"1","page":292},{"text":"اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ١\nفكذبهم الله تعالى في ثلاثة مواطن بقوله ما هن أمهاتهم وأن قولهم منكر وأنه زور والإنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب واعتضد أيضا بالإجماع على تحريم الظهار.\nقال ولا سبب لتحريمه إلا انه كذب وإنما يكون الكذب في الإخبار وأورد على نفسه الطلاق الثلاث حيث كان إنشاء مع كونه محرما وأجاب بأن المحرم إنما هو الجمع بين الطلقات الثلاث لا لفظ الطلاق وأمعن الكلام فيما حاوله والذي نقوله في ذلك إن القول القائل أنت علي كظهر أمي يحتمل أن يريد به الخبر المحض ويحتمل أن يريد به أن يجعلها كذلك والظاهر أن المراد الثاني وهو الإنشاء ولكن الشرع ألغي حكمه ولما ألغاه وكان مقصود الناطق به تحقيق معناه الخبري سماه الشرع زورا ويناظر هذا من بعض الوجوه.\nقوله أنت علي حرام قصد به إنشاء التحريم والشرع لم يرتب مقتضاه من الحرمة فهذان الإنشاءان لم يرتب الشرع عليهما مقتضاهما الذي قصده المتكلم بل جعل المرتب على الأول أنه إن عاد وجبت الكفارة وحرم الوطء حتى يكفر والمرتب على الثاني حكم اليمين من التكفير وغير هذين الإنشاءين من الطلاق والبيع والنكاح ونحو ذلك إذا أنشأه المكلف رتب الشرع عليه المقتضى الذي اقتضاه كلام المكلف فصارت الإنشاءات على قسمين:\nأحدهما: ما اعتبره الشرع وأذن فيه فيفيد كما أراده المنشيء ويترتب عليه حكمه.\nوالثاني: ما لم يأذن فيه الشرع ولم يعتبره ولكن رتب عليه حكما آخر وهو الظهار والتحريم.\nقال والذي أيده الله تعالى وينبغي أن يسمى هذا الإنشاء الثاني باطلا.\n_________\n١ سورة المجادلة آية: ٢.","vol":"1","page":293},{"text":"وأما الإنشاء الأول فإن وقع شروطه الشرعية فصحيح وإلا فهو باطل أو فاسد والباطل لا يترتب عليه أثر أصلا بخلاف الباطل في القسم الثاني وهو الظهار والتحريم حيث ترتب عليهما حكم شرعي لأن البطلان فيهما لإلغاء الشارع إياهما لا لفوات شروط ووجود مفسد والبطلان في البيع والنكاح وغيرهما إما لفوات شرط أو لوجود مفسد.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المسألة الثانية: أنواع المجاز</span>\n...\nقال الثانية المجاز إما في المفرد مثل الأسد للشجاع أو في المركب مثل:\nأشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى.\nأو فيما نحو أحياني اكتحالي بطلعتك.\nلما تناهى القول في الحقيقة شرع في المجاز.\nوالشرح أن المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط أو في تركيبها أو فيهما جميعا والأول كإطلاق الأسد على الشجاع والثاني كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ١ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ٢ ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ٣\nويسمى هذا النوع بالمجاز المركب والإسنادي والعقلي ومثل له في الكتاب بقول الشاعر:\nأشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى٤\nفإن مفردات هذا النوع من المجاز كلها مستعملة في موضوعاتها وإنما التجوز في إسناد بعضها إلى بعض وذلك حكم عقلي ألا ترى أن أشاب والصغير مستعملان في موضوعيهما وكذلك أفنى والكبير لكن إسناد أشاب وأفنى إلى\n_________\n١ سورة الأنفال آية: ٢.\n٢ سورة إبراهيم ﵇ آية: ٣٦.\n٣ سورة الزلزلة آية: ٢.\n٤ البيت لكعب بن زهير بن أبي سلمى المزني شرح لامية كعب بن زهير ص ١١.","vol":"1","page":294},{"text":"كر الغداة ومر العشي هو الذي وقع فيه التجوز لكونهما مسندين إلى الله تعالى في نفس الأمر ومثله أنبئت الربيع البقل.\nوالضابط فيه أنك متى نسبت إلى ما ليس بمنسوب إليه لذاته بضرب من الملاحظة بين الإسنادين كان ذلك مجازا في التركيب وخرج بهذا القيد الأخير قول الدهري أنبت الربيع البقل إذ ذلك ليس عنده لضرب من الكلابسة بل هو أصلي عنده منتسب إلى من ينتسب إليه حقيقة ولهذا اخترنا التمثيل لهذا النوع بآي الكتاب العزيز فإن الإثبات الذي يذكر والأمثلة التي تورد جاز أن يكون قائلهما دهريا على أن البيت المذكور في الكتاب للصلتان العبدي وهو مسلم في قصدته التي هذا البيت منها ما يدل على ذلك وبهذا القيد ينفصل عنه الكذب أيضا لأن الكاذب لم يسند الأثر إلى ما أسنده لمشابهة ذلك الإسناد إسنادا آخر الذي هو أصلي بل إما لأنه أصلي عنده أو وإن لم يكن كذلك إلا أنه لم يلاحظ الملاحظة والملاحظة قد تكون بأن يختص الشيء بأثر يوجد الأثر عند وجوده وينعدم عند عدمه وهو غير صادر عنه لكن الله تعالى أجرى العادة بأن يوجد الأثر عند وجوده ويعدمه عند عدمه كنبات البقل مع الربيع أو بأن يوجد وإن لم ينعدم عند عدمه كالهلاك مع أكل السم في قولهم أهلكه السم أو بأن يكون الشيء سبب التسبب كقولهم كسا الخليفة الكعبة وما أشبه ذلك.\nوذهب ابن الحاجب إلى إنكار المجاز في التركيب وهو شاذ.\nوالثالث: وهو أن يقع المجاز فيها جميعا كقول القائل لمن سرته رؤيته أحياني اكتحالي بطلعتك فإنه استعمل الإحيا في السرور والاكتحال في الرؤية وذلك مجاز ثم أسند الإحيا إلى الاكتحال مع أن المحيي هو الله تعالى.\nهذا شرح ما في الكتاب ولك هنا مناقشات:\nأحدها على التمثيل بالبيت الذي ذكره من جهة أنه إنما يصلح مثالا للقسم الثالث: لأن المراد بالصغير من تقدم له الصغير.","vol":"1","page":295},{"text":"وثانيهما: أن هذا التقسيم إنما يصح عند من يقول إن المركبات موضوعة وقد اضطرب رأى المصنف في ذلك في هذا الكتاب.\nوثالثهما: في تعبيره بالمركب فإن الصواب التعبير بالتركيب وذلك لأنك إذا قلت هلك الأسد تريد أن الشجاع مرض مرضا شديدا فهذا المجاز واقع في المركب لا في النسبة وليس هذا هو المراد بل كل مجاز في غير النسبة فهو مركب فإن الأسد مع قولك رأيت في قولك رأيت الأسد مركب لانضمام غيره إليه وهذا الإيراد إذا انقدح على التعبير بالمركب لدخوله فيه ورد على التعبير بالمفرد لخروجه منه.\nقال ومنعه ابن داود في القرآن والحديث لنا قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ١.\nقال فيه إلباس قلنا لا إلباس مع القرينة.\nقال لا يقال لله تعالى إنه متجوز.\nقلنا لعدم الإذن أو لإيهامه الاتساع فيما لا ينبغي.\nاختلف أهل العلم في وقوع المجاز في اللغة العربية على مذاهب:\nأحدها وهو المنسوب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني المنع مطلقا.\nقال إمام الحرمين في التخليص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه وفيما علقه من خط ابن الصلاح أن أبا القاسم ابن كج حكى عن أبي علي الفارسي إنكار المجاز كما هو المحكي عن الأستاذ.\nوالثاني: أنه غير واقع في القرآن وواقع في غيره وإليه ذهب بعض الحنابلة\n_________\n١ سورة الكهف آية: ٧٧.","vol":"1","page":296},{"text":"وطائفة من الرفضة وحكى عن بعض المالكية وأما أبو بكر بن داود١ الأصفهاني الظاهري فالمشهور عنه أنه منع وقوعه في القرآن خاصة كما هو رأى هؤلاء وحكى عنه الإمام وشيعته منهم المصنف اختيار المنع في القرآن والحديث.\nوعلى هذا في المسألة أقوال أربعة:\nالمنع مطلقا المنع في القرآن وحده المنع في القرآن والحديث دون ما عداهما والرابع أنه واقع مطلقا والحديث وغيرهما وعليه جماهير العلماء سلفا وخلفا.\nوالمصنف استدل على وقوعه في القرآن ليدل على ما عداه بطريق أولى وقد وقع المجاز في مواضع عديدة من الكتاب العزيز وصنف شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام في ذلك مصنفا حافلا اكتفى المصنف بذكر قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ووجه الحجة أن الإرادة هي الميل مع الشعور وهي ممتنعة في الجدار لكونه جمادا وقد أضافها إليه وأراد بذلك الإشراف على الوقوع وهو مجاز.\nفإن قلت لا نسلم امتناع قيام الإرادة بالجدار لقدرة الله تعالى على خلق العلم والقدرة فيه.\nقلت هذا من خرق العادات التي لا يكون إلا في زمن النبوة لقصد التحدي لا في عموم الأوقات وهذا لم يكن للتحدي.\nقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع واستدل أبو العباس بن سريج على أبي بكر بن داود بقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ فقال\n_________\n١ هو محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري أبو بكر أديب مناظر قال عنه الصفدي: الإمام ابن الإمام من أذكياء العالم.\nولما توفي أبوه جلس مكانه في مجلسه وأخذ يدرس على مذهب والده.\nمن مؤلفاته كتاب الوصول إلى معرفة الأصول الإنذار الإنتصار وغير ذلك.\nتوفي في رمضان سنة ٢٩٧ هـ.\nالنجوم الزاهرة ٣/١٧ الأعلام ٦/٣٥٥.","vol":"1","page":297},{"text":"الصلوات لا تهدم وإنما أراد به مواضع الصلوات وعبر بالصلوات عنها على سبيل المجاز فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.\nقال فلم يكن له عنه جواب ومن أنصف من نفسه ونفى العصبية عن كلامه أقر بأن القرآن مشحون بالمجاز وكيف لا وهو من توابع العصابة وبدائع كلمات العرب ولا يخلو القرآن من ذلك.\nوقد قال القاضي في مختصر التقريب يلزم من إثبات المجاز في اللغة إثباته في القرآن.\nواحتج ابن داود ﵀ على مذهبه بوجهين:\nأحدهما: أن المجاز لا يدل بمجرده لعدم وضعه له فلو ورد في القرآن لأدى إلى الإلباس وهو لا يقع من الله تعالى وأجاب في الكتاب بأن الإلباس ينتفي مع القرينة فإن قلت إذا كان مع القرينة ففيه تطويل قلت التطويل لا ينفي إلا كونه على خلاف الأصل ونحن مقرون بذلك نعم لقائل أن يقول هذا الجواب يقتضي أن المجاز لا يقع في القرآن إلا مع القرينة.\nوثانيهما: أنه لو جاز وقوع المجاز في القرآن لجاز أن يطلق على الله أنه متجوز لأن المتجوز من يتكلم بالمجاز وأجاب بوجهين:\nأحدهما: إن أسماء الله تعالى توقيفية عنه لا بد في إطلاقها من ورود الإذن وهذا لم يرد به إذن فلا نطلقه عليه.\nوالثاني: سلمنا أن أسماءه تعالى دائرة مع المعني لكن شرطه ألا يوهم نقصا وما نحن فيه يوهم النقص لأن التجوز يوهم تعاطي ما لا ينبغي لأنه مشتق من الجواز وهو التعدي وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع أنه أسد فإن ذلك مكابرة وعناد ولكن هو دائر بين أمرين.\nأحدهما: أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها وهذا مسلم ويرجع البحث لفظيا فإنه حينئذ يطلق","vol":"1","page":298},{"text":"الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن بأصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك وإن أراد بذلك استواء الكل في أصل الوضع.\nقال القاضي في مختصر التقريب فهذه مزاحمة للحقائق فإنا نعلم أن العرب ما وضعت اسم الحمار للبليد ولو قيل البليد حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة وإن تناول الاسم لهما متساو في الوضع فهذا دنو من جحد الضرورة.\nقال وكذلك من زعم أن الجدار له إرادة حقيقية تمسكا بقوله تعالى جدارا يريد أن ينقض عد ذلك من مستشنع الكلام.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المسألة الثألثة: شرط المجاز وجود العلاقة</span>\n...\nقال الثالثة شرط المجاز\nالعلاقة المعتبر نوعها السببية القابلية\nمثل سال الوادي والصورية كتسمية اليد قدرة والفاعلية مثل نزل السحاب والغائية كتسمية العنب خمرا.\nلا بد في التجوز من لفظ الحقيقة إلى المجاز من علاقة بينهما ولا يكتفي بمجرد الاشتراك في أمر ما من الأمور والجار إطلاق اسم كل شيء على ما عداه لأنه ما من شيء إلا ويشارك كل ما عداه في أمر من الأمور بل لا بد من المناسبة والمشاركة في أمر خاص ظاهر وهل يكفي وجود تلك العلاقة في التجوز أم لا بد من اعتبار العرب لها أي بأن تستعملها فيه واختلفوا فيه على مذهبين:\nاختار الإمام والمصنف أنه لا بد من ذلك وهذا ما أشار إليه بقوله المعتبر نوعها وصحح ابن الحاجب أنه لا يشترط ذلك والخلاف إنما هو في الأنواع لا في جزئيات النوع الواحد وإن أوهمه كلام بعضهم فالقائل بالاشتراط يقول لابد وأن تتجوز العرب بالتسبب عن المسبب مثلا وخصمه يقول يكفي وجود العلاقة وهذا معنى قول المصنف نوعها ومما ننبه عليه قبل الخوض في مقدارها أنا إذا أوردنا مثالا لجهة من الجهات للتجوز فلسنا قاضين عليه بأنه لا يشتمل على جهة أخرى من جهات التجوز بل يجوز اجتماع جهتين وثلاثة فلا نفهم من قولنا مثال الجهة الفلانية كذا الاختصاص بتلك الجهة بل شرطه أن يشتمل على تلك الجهة مع قطع النظر عن غيرها من الجهات وإن كان مشتملا على جهة أخرى فإنما لم ننبه عليها لأنا نذكر لها مثالا آخر","vol":"1","page":299},{"text":"الجهة الأولى السببية: وهي إطلاق اسم السبب على المسبب وإن شئت قلت العلة على المعلول وهي أربعة أقسام قابلية وقد يقال لهذا القسم مادة وعنصرا وصورية وفاعلية وغائية.\nأعلم أن كل متكون في الوجود لا بد له من هذه الأسباب الأربعة نحو السرير مادته الخشب والحديد وفاعله النجار وصورته الانسطاح وغايته الاضطجاع عليه فسميت الثلاثة أسبابا لتأثيرها في الإضطجاع فلولا الخشب والحديد ما تماسك ولولا الفاعل ما ترتب ولولا الانسطاح لما تأتي عليه الاضطجاع وسمى الرابع سببا لأنه الباعث على هذه الثلاثة فلولا استشعار النفس راحة الاضطجاع لما وقع في الوجود هذه الثلاثة وهو معنى قولهم أول الفكر آخر العمل ومعنى قولهم العلة الغائية علة العلل الثلاثة في الأذهان ومعلولة العلل الثلاثة في الأعيان.\nفإن قلت ما وجه انحصار الأسباب في هذه الأربعة؟\nقلت لما كان السبب هنا ما يتوقف عليه وجود الشيء انحصرت في هذه الأقسام لأنه لا يخلو إما أن يكون داخلا في ذلك الشيء أو خارجا.\nوالأول: إما أن يكون الشيء معه بالقوة وهو القابل أو بالفعل وهو الصورة العارضة له بعد التركيب.\nوالثاني: إما أن يكون مؤثرا في وجود ذلك الشيء وهو الفاعل كالنجار أو لا يكون وهو الغاية الحاملة للمؤثر على التأثير أي الجلوس على السرير.\nمثال الأول وهو تسميته الشيء باسم سببه القابلي قولهم سال الوادي أي ماء الوادي فعبروا عن الماء السائل بالوادي لأن الوادي سبب قابل له إطلاقا لاسم السبب على المسبب هكذا مثل به الإمام وأتباعه منهم المصنف وفيه نظر فإن الوادي ليس جزءا للماء فلا يكون سببا قابلا له والمادي في اصطلاحهم جنس ماهية الشيء كما عرفت في الخشب مع السرير.\nمثال الثاني: وهو تسمية الشيء باسم سببه الصوري إطلاق اليد على","vol":"1","page":300},{"text":"القدرة كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ أي قدرة الله فوق قدرتهم فإن اليد صورة خاصة يتأتى بها الاقتدار على الشيء فشكلها مع الاقتدار كشكل السرير مع الاضطجاع وهو سبب صوري فتكون اليد كذلك فإطلاقها على القدرة إطلاق لاسم السبب الصوري على المسبب.\nوإذا تأملت هذا فاعلم أن المثال انعكس على الإمام وأتباعه إلا الشيخ صفي الدين الهندي فقالوا ومنهم المصنف كتسميته اليد قدرة والصواب كتسمية القدرة يدا وكذا وقع في الآية الكريمة.\nمثال الثالث: وهو تسمية الشيء باسم سببه الفاعل قولهم نزل السحاب أي المطر فإن السحاب في العرف سبب فاعلي في المطر كما تقول النار تحرق الثوب.\nمثال الرابع وهو تسمية الشيء باسم سببه الغائي تسميتهم العنب بالخمر كما في قوله تعالى حكاية: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فأطلق العنب على الخمر لأن الخمر غاية مقصودة من زراعة العنب وعصره عند بعض الناس.\nقال والمسببية كتسمية المرض المهلك بالموت والأول أولى للالتزام على التعيين ومنها الغائية لأنها علة في الذهن ومعلولة في الخارج.\nالعلاقة الثانية المسببية وهي إطلاق اسم المسبب على السبب مثل تسميتهم المرض المهلك موتا لأن الله تعالى جعل المرض الشديد في العادة سببا للموت وهنا بحثان أشار إليهما في الكتاب:\nأحدهما: أن التجوز بلفظ السبب عن المسبب أولى من العكس لأن السبب المعين يستدعي مسببا معينا والمسبب المعين لا يستدعي سببا معينا بل سببا ما ألا ترى أن اللمس يدل على انتقاض الوضوء وانتقاض الوضوء لا يدل على اللمس لجواز أن يكون بمس أو بول أو غيرهما فلما كان فهم المسبب من السبب أسرع كان التجوز به في حالة الإطلاق أولى ولقائل أن يقول:\n_________\n١ سورة الفتح آية: ١٠.","vol":"1","page":301},{"text":"هذا واضح على رأي من يجوز تعليل المعلولين المتماثلين بعلتين مختلفتين لأن العلم بالمعلول حينئذ لا يستلزم العلم بالعلة وأما العلم بالعلة المعينة فإنه يستلزم العلم بالمعلول المعين وأما من لم يجوز ذلك فقد يمنع هذا البحث.\nالثاني: قد عرفت انقسام العلة الأولى إلى أربع علل وأولاها العلة الغائية وهذا معنى قول المصنف ومنها الغائية أي وأولى منها الغائية لأنها حال كونها ذهنية علة العلل وحال كونها خارجية معلول العلل فقد حصل لها علاتنا العلية والمعلولية وكل واحدة منهما على تحسن التجوز.\nقال والمشابهة كالأسد للشجاع والمنقوش ويسمى الاستعارة.\nالعلاقة الثانية المشابهة وهي تسمية الشيء باسم شبيهه إما في صفة ظاهرة خاصة بمحل الحقيقة كإطلاق اسم الأسد على الشجاع والحمار على البليد وإما في الصورة كإطلاق إسم الأسد أو الفرس مثلا على المنقوش المصور في الحائط بصورته قوله: وتسمى الاستعارة هذا يحتمل أن يعود إلى المنقوش وحده أي ويخص المنقوش الذي الذي هو أحد قسمي المشابهة بتسميته بالاستعارة وهذا لم نر أحدا ذكره ويحتمل أن يعود إلى المشابهة أي أن مجاز المشابهة مسمى بالمستعار.\nوأما الإمام فإنه قال إن المسمى بالإستعارة ليس إلا المشابه المعنوي كتسمية الشجاع أسدا وتبعه عليه صفي الدين الهندي وعلى كل حال فالاستعارة بهذا الاصطلاح أخص من المجاز لأنها مختصة ببعض أنواعه وقيل هما متساويان لأن اللفظ إذا وضع لمعنى يستحقه ذلك المعنى بسبب الوضع فيكون استعماله في غيره على وجه العارية.\nقال والمضادة وهي تسمية الشيء باسم ضده مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ أطلق على الجزاء سيئة مع أنه ليس بسيئة ومثل قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .\nقال الإمام ويمكن جعل هذا من مجاز المشابهة لأن جزاء السيئة يشبهها في كونها سيئة بالنسبة إلى من وصل إليه ذلك الجزاء ومن أمثلته الفصل تسميتهم","vol":"1","page":302},{"text":"البرية المهلكة بالمفازة تفاؤلا واستعمالهم صيغة الدعاء على الإنسان بمعنى الدعاء له مثل فولهم قاتله الله ما أحسن ما قال ومن هذا قوله ﷺ: \"عليك بذات الدين تربت يداك\" عند من يقول المقصود بها الدعاء له وبعضهم يقول إن لم تظفر بذات الدين سلبت البركة فافتقرت بذلك كذا حكاه الروياني في أوائل كتاب النكاح من البحر.\nوحكى عن ابن شهاب الزهري قولا ثالثا وهو جعل اللفظ على حقيقته وأنه إنما قال ذلك لأنه رأى الفقر خيرا له من الغنى.\nقال والكلية كالقرآن لبعضه.\nالعلاقة الخامسة الكلية وهي إطلاق اسم الكل على الجزء ومثل له الإمام باطلاق لفظ العام وإرادة الخاص وفيه نظر لأن دلالة العموم من باب الكلية لا من باب الكل والفرد منه من باب الجزئية لا من باب الجزء وتحقيق هذا يتلقى من فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح وسننتهي إليه إن شاء الله تعالى والمصنف مثل له بإطلاق لفظ القرآن على بعضه وليس بجيد أيضا لأن القرآن من الألفاظ المتواطئة يطلق بالحقيقة على كله وعلى بعضه عند التجرد من الألف واللام وعند الاقتران بها إذا أريد بها مطلق الماهية ويطلق على ما يراد منه إذا اقترن بالألف واللام وأريد بها معهود إما كله وإما بعضه فإن اقترن بالألف واللام ولم يكن معهودا ولا أريد مطلق الماهية كانت الألف واللام للعموم فيحمل على جميع القرآن لأنه جميع ما يصلح له اللفظ لأن لفظ القرآن لم يطلق على غير الكتاب العزيز بالحقيقة.\nفإن قلت لو كان لفظ القرآن من الألفاظ المتواطئة لحنث الحالف على ألا يقرأ القرآن بقراءة بعضه كالحالف على ألا يشرب الماء والعسل يحنث بقليله وكثيره وقد ذكرتم في الحقيقة الشرعية المنصوص يقتضي خلاف ذلك.\nقلت ليس هذا كالحالف على ألا يشرب الماء والعسل وغير ذلك من","vol":"1","page":303},{"text":"الألفاظ المتواطئة حيث يحنث فيها بالبعض لأن تلك الحقائق أفرادها كثيرة لا تتناهى فلا يمكن الحمل فيها على العموم بخلاف لفظ القرآن فإن أفراده سور القرآن وآياته والحمل على العموم فيها ممكن فوجب المصير إليه عند عدم العهد لما قدمنا من أنه لم يطلق على غير الكتاب العزيز وإذا تقرر هذا فنقول كان الأحسن أن يمثل لهذا النوع من المجاز بقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي أناملهم.\nقال والجزئية كالأسود للزنجي والأول أقوى للاستلزام.\nالعلاقة السادسة الجزئية وهي إطلاق الجزء وإرادة الكل كقولهم للزنجي أسود ليس كله أسود ألا ترى إلى بياض عينيه وأسنانه فيكون إطلاق الأسود على المجموع المركب من أعضائه ومن الجلد وغيره من باب إطلاق اسم الجزء على الكل هكذا مثل به في الكتاب تبعا للإمام ولقائل أن يقول إطلاق الأسود على الزنجي إنما يكون مجازا أن لو كان المراد به وصف جميع أعضائه بالسواد وليس كذلك بل مفهوم الأسود من قام السواد بظاهر جلده فقط لا جميع أعضائه حتى العينين والأسنان لأن ما ثبت له المشتق شيء له المشتق منه وذلك أعم من كونه ثابتا لكله أو بعضه كما يقول لمكسور إحدى الرجلين أعرج والأولى أن يمثل لهذا النوع بقولهم فلأن يملك كذا رأسا من الغنم أو ذبح كذا رأسا من البقر.\nقوله والأولى أي إذا تعارض القسم الخامس والسادس فالأول الذي هو الخامس أولى من السادس لأن الكل مستلزم للخبر والجزء لا يستلزم الكل فكانت دلالة الأول أقوى لذلك.\nقال والاستعداد كالمسكر للخمر في الدن.\nالعلاقة السابعة الاستعداد وهي تسمية الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر مثل تسميته الخمر حال كونه في الدن بالمسكر ولقائل أن يقول إذا كان الخمسة اسما لما خامر العقل فلا يصدق حقيقة إلا حال مخامرته المعقل وهي حالة الإسكار فيكون إطلاق الخمر على عصير العنب المودع في الدن مجاز","vol":"1","page":304},{"text":"استعداد ويكون التمثيل بإطلاق الخمر على هذا العصير لا بإطلاق المسكر على الخمر وقد يمثل أيضا بإطلاق الكاتب على العارف بالكتابة عند مباشرته لها وكذا استعمال كل مشتق باعتبار الاستقبال.\nقال والمجاورة كالرواية للقربة.\nالعلاقة الثامنة المجاوره وهي تسمية الشيء باسم ما يجاوره كإطلاق لفظ الرواية على القربة التي هي طرفا للماء فإن الرواية في اللغة اسم للجمل والبغل والحمار الذي يستقى عليه كما قاله الجوهري وأنشد لأبي النجم:\nتمشي من الردة مشي الحفل ... مشي الروايا بالمزاد الأثقل\nثم إنه أطلق على القربة لمجاورتها له.\nقال وتسمية الشيء باسم ما كان عليه كالعبد.\nهذه العلاقة وهي التاسعة ساقطة في كثير من النسخ لتقدمها في كلام المصنف في فصل الاشتقاق وحاصلها أن من المجازات تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه كتسمية العبد الذي عتق بالعبد وتسمية من ضرب بعد انقضاء الضرب بالضارب على ما تقدم البحث فيه.\nقال والزيادة والنقصان مثل ليس كمثله شيء وأسأل القرية.\nالعلاقة العاشرة الزيادة وهو أن يكون الكلام ينتظم بإسقاط شيء منه فيحكم بزيادة ذلك الشيء ومثاله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١.\nفإن الكاف زائدة والتقدير ليس كمثله شيء والدليل على أنها زائدة أنه لو لم تكن كذلك لكنا التقدير ليس مثل مثله أن الكاف بمعنى مثل فيكون له تعالى مثل وهو محال والغرض بالكلام نفيه وقد اعترض الناس على هذا التمثيل بأن الكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ غير زائدة وأجابوا عما ذكره بأجوبة عدة استحسن الأذكياء منها جواب من قال لا نسلم أن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾\n_________\n١ سورة الشورى آية: ١١.","vol":"1","page":305},{"text":"المراد منه نفي المثل بل هو محمول على حقيقته وهو نفي مثل مثله ويلزم من نفي مثل المثل نفي المثل ضرورة أن مثل المثل مثل إذ المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين فمتى كان زيد مثلا لعمرو كان عمرو مثلا له وقد نفى المثل وأورد على هذا الجواب وجهان:\nأحدهما: أن يلزم ألا يكون النص مقيدا لنفي المثل ما لم يضم إليه هذه المقدمة والأمة قد عقلت منه نفي المثل بدونها.\nوأجاب عنه صفي الدين الهندي بمنع أن الأمة بأسرها عقلت منه ذلك من غير اعتبار تلك المقدمة.\nقال وكيف يقال ذلك وفي الأمة من ينكر أن يكون في كلام الله مجاز ومنهم من ينكر أن يكون فيه زيادة لا معنى لها ولا يمكن حمل الآية على نفي المثل إلا بعد الاعتراف بهذين الأصلين جاز أن يفهموا نفي المثل على سبيل الاستقلال وجاز أن يفهموا ذلك منه بواسطة ما ذكرنا من المقدمة.\nوالثاني: أنه إن كان قد نفى مثل المثل والذات من جملة مثل المثل لزم أن يكون الذات منفية وهو أقوى الإيرادين.\nوأجاب بعضهم عن هذا بأن الذات لما كانت ثابتة قطعا بالبرهان القاطع الخارجي نفي ما عداهما منفيا وذكر القرافي في الجواب أنه إنما يلزم نفي الذات من جهة أنه مثل فإنها بقيد المثلية أخص منها من حيث هي ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فهذا النفي حق ولا يلزم نفي واجب الوجود ثم إن القرافي اعترض على هذا الجواب بما لانطيل بذكره والتحقيق أن الجوابين خارجان عن صواب التحقيق وإنما الجواب الدقيق الذي ليس بعده شيء ما قرره لنا غير مرة والدي أطال الله بقاه فقال تقدير الكلام ليس شيء كمثله فشيء اسم ليس وهو المبتدأ وكمثله الخبر فالشيء الذي هو موضوع نفى عنه المثل الذي هو محمول فهو منفي عنه لا منفى فيكون ثابتا فلا يلزم أن تكون الذات المقدسة منفية وإنما المنفي مثل مثلها ولازمه نفي مثلها وكلاهما منفي عنها والله أعلم.","vol":"1","page":306},{"text":"العلاقة الحادية عشر النقصان أي المجاز بالنقصان في اللفظ مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ تقديره واسأل أهل القرية إذ القرية عبارة عن الأبنية وهي لا تسأل ولقائل أن يقول يحتمل أن الله خلق في القرية قدرة الكلام ويكون ذلك معجزة لذلك النبي ويبقى اللفظ على حقيقته لا يقال الأصل عدم هذا الاحتمال لأنا نقول هذا معارض بأن الأصل عدم المجاز على أن هذا كله مفرع على أن القرية اسم للأبنية المجتمعة.\nأما إن قلنا إنها مشتركة بينها وبين الناس المجتمعين إما باشتراك لفظي أو معنوي فلاستدلال ساقط بالكلية ثم الذي يدل على أن القرية حقيقة في الناس المجتمعين أيضا قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ ١ ﴿وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ٢ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ٣ ولأن القرية مشتقة من القرء وهو الجمع ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته ومنه القراء وهو الضيافة لاجتماع الناس لها وهذا كله حركة البحث والنظر.\nوالأول: هو المرتضى أعني أن المراد سؤال أهل القرية كيف والشافعي ﵁ قد نص عليه في الرسالة ونقله عن أهل العلم باللسان وسمى هذه الآية وأمثالها بالصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره فقال ما نصه باب الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره.\nقال الشافعي قال الله جل ثناؤه وهو يحكي قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ*وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٤ فهذه الآية في معنى الآيات قبلها لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم انتهى وهنا مباحثتان.\nأحداهما: أن العادين لهذين النوعين العاشر والحادي عشر ذكروه في\n_________\n١ سورة الأنبياء آية: ١١.\n٢ سورة الحج آية: ٤٨.\n٣ سورة القصص آية: ٥٨.\n٤ سورة يوسف ﵇ آية: ٨١ ٨٢.","vol":"1","page":307},{"text":"المجاز الإفرادي وكيف يكون ذلك في مجاز النقصان والمجاز في المفرد هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأول والمحذوف لم يستعمل البتة والمجاز بالزيادة كذلك لأن الزائد لم يستعمل البتة في شيء وهذا السؤال قد شاع وذاع وأجاب عنه والدي ﵀ بأن هذا لفظ مستعمل في غير ما وضع له فصدق عليه تعريف المجاز الإفرادي.\nقال وذلك لأن قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ موضوع لسؤالها مستعمل في سؤال أهلها فكان مجازا وليس هو مجاز في التركيب فإن مجاز التركيب مثل قولك أنبت الربيع البقل لفظ مستعمل في مقتضاه إسناد الإنبات إلى البقل ولكنا علمنا بالعقل أنه ليس كذلك وإنما هو من الله تعالى فقلنا إنه مجاز عقلي ولم ترد بقولنا المجاز بالزيادة والنقصان أن اللفظة الزائدة وحدها أو الناقصة وحدها مجاز ومن تأمل قول الإسلام في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وفي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهم ذلك ولا يقال إنه حينئذ يصير مجازا في التركيب لأنا لا نعني بمجاز التركيب إلا إسناد الفعل إلى الفاعل وهو الذي يكون الإسناد فيه من جهة الموضوع اللغوي صحيحا وإنما جاء المجاز من جهة العقل حتى لو فرض هذا الكلام من كافر يعتقد حقيقته لم يكن مجازا وهذا جواب نفيس.\nالثانية: أن الأمام عد المجاز بالزيادة والمجاز بالنقصان مع تغايرهما وتقابلهما نوعا واحدا وبه أشعرت عبارة الكتاب وعليه جرى سائر أتباع الإمام إلا الشيخ صفي الدين الهندي فإنه عدهما نوعين كسائر المحققين وقد يعتذر عن الإمام بأنه لما كان مدار الأمر في هذين المجازين على شيء واحد وهو أن تستفيد الكلمة حركة لأجل إثبات مزيد مستغنى عنه أوحذف شيء لا بد منه جعلا نوعا واحدا لأن الكلمة نقلت عن حكم كان لها إلى حكم آخر لم يكن لها في الأصل وذلك كان في وضعها بالمجاز كما أنها توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي إلى معنى آخر وبيان انتقالها عما كان لها من الحكم إلى غيره أن المثل في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الجر بزيادة الكاف وكان حكمه في الأصل النصب فالجر فيه مجاز والقرية في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ اكتسبت النصب","vol":"1","page":308},{"text":"لأجل حذف المضاف وإقامتها مقامه وكان واجبها في الأصل الجر فالنصب فيه مجاز وقد يلوح من هذا التقرير وجه عد هذين النوعين من مجاز الأفراد ويقال المجاز إنما وقع في الجر والنصب بسبب الزيادة والنقصان ولكن هذا بعيد ومع الجواب المتقدم لا يحتاج إلى التشنيع بمثل هذه التخيلات.\nقال والتعلق كالخلق للمخلوق.\nالعلاقة الثانية عشر: التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول أو اسم الفاعل ويدخل منه أقسام.\nأحدها: إطلاق اسم المصدر على المفعول كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي مخلوق آخر: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي مخلوق الله: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ أي مكتوب وعلى ذكر هذا القسم اقتصر في الكتاب.\nوثانيها: عكسه ومنه قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ ١ أي الفتنة وهذا على رأي من يقدر المصدر وأما من يقول الباء زائدة والتقدير أيكم المفتون فلا يصح له التمثيل له.\nوثالثها: إطلاق إسم الفاعل على المفعول نحو: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق وعيشة راضية أي مرضية.\nورابعها: عكسه مثل قوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ أي ساترا وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أي آتيا.\nوخامسها: إطلاق المصدر على اسم الفاعل نحو قولهم رجل عدل أي عادل وصوم أي صائم ومنهم من يقول التقدير ذو عدل وذو صوم فعلى هذا يكون من مجاز الحذف لا مما نحن فيه.\nوسادسها: عكسه مثل قم قائما أي قياما واسكت ساكتا أي سكوتا وقد نجز شرح ما أورده المصنف من العلاقات وهي وإن كانت اثنتي عشر علاقة فهي أيضا في الحقيقة اثنان وعشرون قسما لأن العلاقة السببية\n_________\n١ سورة القلم آية: ٦.","vol":"1","page":309},{"text":"مشتملة على أربعة أقسام والمشابهة كما تقدم والاستعداد أيضا على قسمين لأن المستعد للشيء تارة يكون ذلك الشيء قريبا منه كالإسكار بالنسبة إلى العقار في الدن وتارة يكون بعيدا كتسمية الطفل بالكاتب والعالم ولا يخفى أن القريب أولى من البعيد عند التعارض والتعلق على ستة أقسام وأنت قريب العهد به ولتوصل الأقسام إلى ستة وثلاثين فنقول الثالث والعشرون اسم اللازم على الملزوم كالمس على الجماع الرابع والعشرين عكسه كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ١ أي يدل والدلالة لازم من لوازم الكلام الخامس والعشرون تسمية الحال باسم المحل كتسميته الخارج المستقذر بالغائط ومنه لا فض فوك أي أسنانك السادس والعشرين عكسه كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢ أي في الجنة لأنها محل رحمته السابع والعشرون تسمية البدل باسم المبدل مثل يأكلن كل ليلة إكافا أي ثمن إكاف الثامن والعشرين عكسه كتسمية الأداء بالقضاء في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أي أديتم التاسع والعشرين إطلاق المنكر وإرادة المعين مثل: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ عند من يقول كانت معينة الثلاثون عكسه مثل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ عند من زعم أن المأمور به دخول أي باب كان الحادي والثلاثون إطلاق النكرة وإرادة الجنس مثل قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ ٣ الثاني والثلاثون إطلاق الموت باللام وإرادة الجنس مثل الرجل خير من المرأة والدينار خير من الدرهم الثالث والثلاثون إطلاق اسم المقيد على المطلق كقول شريح القاضي أصبحت ونصف الناس على غضبان فإنه أراد بالنصف البعض المطلق لا المقيد بالتعديل والتسوية ومنه قول الشاعر:\nإذا مت كان الناس نصفين\n...\nشامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع٤\n_________\n١ سورة الروم آية: ٣٥.\n٢ سورة آل عمران آية: ١٠٧.\n٣ سورة الانفطار آية: ٥.\n٤ قائل هذا البيت هو العجير بن عبد الله السلولي شرح المقدمة النحوية لابن بابشاذ بتحقيق الدكتور محمد أبو الفتوح شريف ص ٣٠٦...............................==","vol":"1","page":310},{"text":"الرابع والثلاثون: عكسه كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ عند من يقول المراد بها رقبة مؤمنة وهذا غير إطلاق المنكر وإرادة المعرف لأن المطلق غير المنكر نعم قد يقال إن المطلق من حيث كونه جزءا للمقيد مذكور فيما تقدم من إطلاق الجزء على الكل\nالخامس والثلاثون: إطلاق آلة الشيء على الشيء كإطلاق اللسان على الكلام أو الذكر كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ٢ وكما يقال كتب العلم كيت وكيت وقد يقال برجوع ذلك إلى إطلاق اسم المحل على الحال والتحقيق أنه غيره لأن آلة الشيء قد تكون محلا له وقد لا تكون\nالسادس والثلاثون: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كتسمية المريض ميتا في قوله ﷺ: \"اقرءوا على موتاكم يس\" ٣ ومنه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وهذا غير القسم الذي تقدم في كلام المصنف أعني مجاز الاستعداد لأن المستمد للشيء قد لا يؤول إليه بل هو مستعد له ولغيره كما أن القصير قد لا يؤول إلى الحمزية وإن كان مستعدا لها ولغيرها وابن الحاجب عبر عن مجاز الاستعداد بتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه بدليل أنه مثل ب بالخمر وذلك يوهم اتحاد القسمين وكذلك الإمام فإنه عبر بتسمية إمكان الشيء باسم\n_________\n= ويروى:\nإذا مت كان الناس صنفان\n...\nشامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع.\n١ سورة الروم آية: ٢٢.\n٢ سورة الشعراء آية: ٨٤.\n٣ حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث معقل بن يسار – ﵁ – عن النبي – ﷺ – قال: \"اقرءوها على موتاكم\" يعني يس كما رواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة وليسهل عليه خروج الروح.\nتفسير ابن كثير ٣/٥٦٣.","vol":"1","page":311},{"text":"وجوده والحق افتراق القسمين والناظر إذا أمعن نظره في جزئيات هذه الأقسام ونظر إلى تفاوتها حصل على عدد كثير وفيما ذكرناه كفاية.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسألة الرابعة: المجاز بالذات لايكون في الحروف</span>\n...\nقال الرابعة المجاز بالذات لا يكون في الحرف لعدم الإفادة والفعل المشتق لأنهما يتبعان الأصول والعلم لأنه لم ينقل لعلاقة.\nالمجاز الواقع في الكلام قد يكون بالذات أي بالأصالة وقد يكون بالتبعية فالمجاز بالذات لا يدخل في أشياء.\nأحدها: الحرف وذلك لأن مفهومه غير مستقل بنفسه بل ولا بد وأن يضم إلى شيء آخر ليحصل الفائدة.\nقال الإمام فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة وإلا فهم مجاز في التركيب لا في المفرد وقد اعترض عليه النقشواني بأن الحرف له مسمى في الجملة إذ ما ليس له مسمى فهو مهمل والكلام في اللفظ الموضوع وإذا كان له مسمى واستعمل في موضوعه الأصلي كان حقيقة سواء كان الاستعمال عند ضمه إلى غيره أو عند عدم الضم فإن الاستعمال أعم منها وقد ذكر في حد الحقيقة هذا القدر فكان حقيقة وأما إذا استعمله في غير موضوعه لعلاقة كان مجازا من غير تفاوت.\nقال وأقرب مثال لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ﴾ فإن الصلب مستعمل في موضوعه الأصلي وكذلك جذوع النخل ولم يقع المجاز إلا في حرف في فإنها للظرفية في الأصل وقد استعملت هنا لغير الظرفية.\nقال وأيضا لو لم يدخل المجاز في الحرف بالذات لما دخلت فيه الحقيقة بالذات ولو كان كذلك لما صح ما ذكره في باب تفسير الحروف بيان الملازمة أنه لو تعذر دخول المجاز لكون الحرف غير مستقل فهو كما لا يفيد المعنى المجازي بالاستقلال لا يفيد المعنى الحقيقي بالاستقلال فإذا أوجب ذلك عدم دخول المجاز في الحرف وحده أوجب عدم دخول الحقيقة.\nقال ثم نقول ما الدليل على أنه إن ضم إلى ما لا ينبغي ضمه إليه يكون مجازا في التركيب لا في المفرد بل الحق أن هذا الضم قرينة على مجاز الأفراد","vol":"1","page":312},{"text":"وهذا كما تقول في لفظة الأسد إذا ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه بأن تقول رأيت أسدا يثب فهذا حقيقة وإن ضم إلى ما لا ينبغي بأن تقول رأيت أسدا يرمي بالنشاب صار ذلك قرينة دالة على أنه أراد بلفظ الأسد معناه المجازي وهذا مجاز في المفرد دون التركيب هذا آخر كلام النقشواني وكله منقدح حسن.\nالثاني: الأفعال والمشتقات لأنهما يتبعان أصولهما وأصل كل منهم المصدر فإن كان حقيقة كانا كذلك وإلا فلا.\nهذا كلام المصنف تبعا للإمام وقد اعترض عليه النقشواني بأن قولكم هذا لا يدخل المجاز في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر يناقض قولكم استعمال المشتق بعد زوال المشتق منه مجاز.\nفإذا قال القائل إن زيدا ضرب عمرا بعد انقضاء الضرب كان هذا مجازا وليس المجاز في الأسامي إذ كل واحد منهما مستعمل في موضوعه ولا في المصدر لأن المصدر لم يستعمل ههنا أيضا وما لم يستعمل أصلا يمتنع أن يقال استعمل مجازا أو حقيقة وليس أيضا مجازا في التركيب فتعين المجاز ههنا في الفعل فقد دخل في الفعل من غير دخوله في المصدر.\nقال وهكذا يرد هذا النقض على المشتقات هذا اعتراضه ولقائل أن يقول إنما صح أن زيدا ضرب عمرا مجاز والحالة هذه لأنه يصح أن يقال زيد ذو ضرب لعمرو مجازا فما يجوز في الفعل إلا وقد صح إطلاق المصدر مجازا.\nوقوله إن المصدر لم يستعمل ولا يوصف بحقيقة ولا مجاز.\nقلنا صحة استعماله كافية في دخول المجاز في الفعل وليس المدعي غير ذلك أعني أن المجاز لا يدخل في الفعل إلا بواسطة صحة دخوله في المصدر لا بواسطة وقوع دخوله.\nالثالث: العلم لأن الأعلام لم تنقل لعلاقة وشرط المجاز العلاقة وهذا فيما إذا كان العلم مرتجلا أو منقولا لغير علاقة وإن نقل لعلاقة كمن سمى ولده بالمبارك لما ظنه فيه من البركة فكذلك بدليل أنه لو كان مجازا لصح كذا في","vol":"1","page":313},{"text":"خط المصنف ولعله سبق قلم والصواب لما صح إطلاقه عند زوال العلاقة وبهذا التقرير يعلم أن قول المصنف لأنه لم ينقل لعلاقة غير كاف في الدليل على مطلوبه بل كان الأحسن أن يقول لأنه إن كان مرتجلا أو منقولا لغير علاقة فواضح وإلا فلصدقه عليه مع زوالها.\nوقال الغزالي إن المجاز يدخل في الأعلام الموضوعة للصفة كالأسود والحرث دون الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات واعترض النقشواني على قولهم إن المجاز لا يدخل في الأعلام بأن القائل يقول جاني تميم أو قيس وهو يريد طائفة بني تميم وهذا مجاز لا حقيقة وتميم اسم علم فقد يطرق المجاز إلى العلم لما بين هؤلاء وبين المسمى بذلك العلم من التعلق وفي هذا الاعتراض نظر.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة الخامسة: المجاز خلاف الأصل</span>\n...\nقال الخامسة المجاز خلاف الأصل لاحتياجه إلى الوضع الأول والمناسبة والنقل ولإخلاله بالفهم.\nالأصل تارة يطلق ويراد به الغالي وتارة يراد به الدليل وقد ادعى المصنف أن المجاز خلاف الأصل إما بمعنى خلاف الغالب والخلاف في ذلك مع ابن جني١ حيث ادعى أن المجاز غالب على اللغات أو بالمعنى الثاني والغرض أن الأصل الحقيقة والمجاز على خلاف الأصل فإذا أراد اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة فاحتمال الحقيقة أرجح لوجهين:\nأحدهما: أن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول وإلى العلاقة يعني المناسبة بين المعنيين وإلى النقل إلى المعنى الثاني والحقيقة محتاجة إلى الوضع الأول فقط وما يتوقف على أمر واحد كان راجحا بالنسبة إلى ما هو متوقف على أمور\n_________\n١ هو عثمان بن جني الموصلي من أئمة الأدب والنحو كان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي من مؤلفاته شرح ديوان المتنبي والمنهج في اشتقاق أسماء رجال الحماسة المحتسب في شواذ القراءات الخصائص في اللغة المقتضب من كلام العرب. توفي سنة ٣٩٢ هـ.\nوفيات الأعيان ١/٣١٣ الأعلام ٤/٣٦٤.","vol":"1","page":314},{"text":"متعددة وقد أهمل صاحب الكتاب ذكر الاستعمال لأن الحقيقة والمجاز مشتركان في افتقارهما إليه.\nوالثاني: أن الحقيقة لا تخل بالفهم وذلك ظاهر والمجاز يخل بالفهم فيكون مرجوحا والدليل على أنه يخل بالفهم وجهان:\nأحدهما: أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة فلا جائز أن يحمل على المجاز لعدم القرينة ولا على الحقيقة وإلا لزم الترجيح بدون مرجح إذ الحقيقة والمجاز متساويان على هذا التقدير.\nوالثاني: أن الحمل على المجاز يتوقف على قرينة تدل على أنه المراد وقد تخفى هذه القرينة على السامع فيحمل اللفظ على المعنى الحقيقي مع إرادة المجاز أو يختبط عليه الحال فيحمل على الذي ليس بمراد.\nقال فإن غلب كالاطلاق تساويا والأولى الحقيقة عند أبي حنيفة والمجاز عند أبي يوسف رحمه الله تعالى.\nما تقدم من رجحان الحقيقة على المجاز إنما هو فيما إذا لم يعارض أصالة الحقيقة غلبة المجاز أما إذا غلب المجاز في الاستعمال فقال أبو حنيفة الحقيقة أولى لأن الحقيقة بحسب الأصل راجحة وكونها مرجوحة أمر عارض لا عبرة به.\nوقال أبو يوسف المجاز أولى لكونه راجحا في الحال ومن الناس من قال يحصل التعارض لأن كل واحد على الآخر من وجه فيتعادلان ولا يحمل على أحدهما إلا بالنية وهذا ما اختاره المصنف.\nقال الهندي وعزى ذلك إلى الشافعي وقد مثل المصنف لذلك بالطلاق فإنه حقيقة في إزالة القيد سواء كان عن نكاح أم ملك يد أم غيرها وخصه العرف بإزالة قيد النكاح ولذلك كان كناية في باب العتق محتاجا إلى النية بخلاف الطلاق هذا كلام المصنف وهو فيما اختاره في هذه المسألة وفيما مثل به متابع للإمام في كتاب المعالم فإنه كذلك فعل ثم أورد على ما ذكر في الطلاق بأنه يلزم ألا يصر إلى المجاز الراجح إلا بالنية وليس كذلك بدليل","vol":"1","page":315},{"text":"أنه لو قال لزوجته أنت طالق طلقت من غير نية وأجاب بأن هذا غير لازم لأنه إذا قال لمنكوحته أنت طالق فإن عنى بهذا اللفظ الحقيقة المرجوحة وهو إزالة مطلق القيد وجب أن يزول مسمى القيد وإذا زال هذا المسمى فقد زال القيد المخصوص وإن عني به المجاز الراجح فقد زال قيد النكاح فلما كان يفيد الزوال على التقديرين استغنى عن النية هذا كلام الإمام في المعالم.\nوقد اعترض عليه ابن التلمساني بأن السؤال لازم إذ الكلام مفروض فيما إذا ذكره ولم ينو شيئا ولا خلاف أنه يحمل على الطلاق فقوله إن نوى وإن نوى حيد عن السؤال ولك أن تعترض على الإمام أيضا بأنا لا نسلم أنه إن عنى بذلك الحقيقة المرجوحة يجب زوال القيد المخصوص وإنما يجب ذلك أن لو كان المطلق في سياق الإثبات للعموم الشمولي وإنما هو عموم بدلي فإذا عنى الحقيقة المرجوحة فإنما أراد حصول مطلق الحقيقة وهي أعم من القيد المخصوص فلا تحمل عليه إلا بدليل.\nواعلم أن التمثيل بالطلاق من أصله فيه نظر متوقف على تحرير محل النزاع في المسألة وهو مهم وقد حرره المتأخرون من كتب الحنفية.\nالمجاز أقسام:\nالأول: أن يكون مرجوحا.\nوالثاني: أن يساوي الحقيقة في الاستعمال فلا ريب في تقديم الحقيقة في هذين القسمين ولا خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك وإن حصل وهم من بعض المصنفين في نقل الخلاف عنهما في القسم الثاني فلا يعبأ به.\nوالثالث: أن تهجر الحقيقة بالكلية بحيث لا تراد في العرف فقد اتفقا على تقديم المجاز مثل من حلف لا يأكل من هذه النخلة فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها وإن كان هو الحقيقة لأن المجاز حينئذ إما حقيقة شرعية كالصلاة أو عرفية كالدابة وإذا عرفت هذا فتقول لا يستقيم التمثيل بالطلاق لأنه صار حقيقة عرفية أو شرعية عامة في حل قيد النكاح وهاتان الحقيقتان مقدمتان على الحقيقة اللغوية.","vol":"1","page":316},{"text":"الرابع: أن يكون المجاز راجحا والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات نحو والله لأشربن من هذا النهر فإن شربه منه حقيقة في كرعه من النهر بفيه وإذا اغترف في الكوز وشرب فهو مجاز إذ شربه إنما هو من الكوز لا من النهر وإنما المجاز هنا راجح متبادر إلى الفهم وقد يراد الحقيقة فإن كثيرا من الناس يكرع بفيه فهذا هو محل النزاع.\nخاتمة قد علمت أن الأصل في الإطلاق الحقيقة وقد يصرف اللفظ من حقيقته إلى مجازه لقرينة في مثل ما لو قال رهنت الخريطة ولم يتعرض لما فيها والخريطة لا يقصد رهنها في مثل هذا الدين فهل يجعل رهنا لما في الخريطة وإن كان مجازا للقرينة الحالية فيه وجهان.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة السادسة: لأأسباب التي تدعو إلمجاز</span>\n...\nقال السادسة يعدل إلى المجاز لثقل لفظ الحقيقة\nكالخنفقيق أو حقارة معناه كقضاء الحاجة أو لبلاغة لفظ المجاز أو عظمه في معناه كالمجلس العالي أو زيارة بيان كالأسد.\nهذه المسألة في السبب الداعي إلى التكلم بالمجاز وهو وجوه:\nأحدها: ألا يكون للمعنى الذي عبر عنه بالمجاز لفظ حقيقي.\nوثانيها: ألا يعرف المتكلم أو المخاطب لفظه الحقيقي.\nوثالثها: أنه قد يكون معلوما لغير المتخاطبين كما هو معلوم لهما والمجاز قد لا يكون معلوما لغيرهما فيعبر عنه لئلا يطلع غيرهما على ذلك المعنى.\nورابعهما أن الإخفاء وإن كان غير مطلوب له لكن قد يثقل لفظه الحقيقة على اللسان سواء كان ذلك لمفردات حروفه أو لتنافر تركيب أو لثقل وزنه وقد ذكر في الكتاب من أمثلة هذا القسم الخنفقيق بفتح الخاء المعجمة وإسكان النون وفتح الفاء بعدها وكسر القاف بعدها ياء آخر الحروف ثم قاف وهو الداهية فلما كان هذا اللفظ أعني الخنفقيق ثقيلا على اللسان لاجتماع هذه الأمور الثلاثة فيه أعني ثقل الحروف والوزن وتنافر التركب حسن العدول عنه إلى المجاز بأن تقول وقع فلان في موت وما أشبهه.","vol":"1","page":317},{"text":"فإن قلت إذا كان موضع الخنفقيق في اللغة الداهية فلا يحسن العدول عنه إلى المجاز مع وجود هذه اللفظة التي ليس فيها شيء من الأشياء الثلاثة.\nقلت لعل المجاز هو العدول إلى الداهية.\nفإن قلت هذا ينفيه قول الجوهري وهو ما ذكرتموه أن الخنفقيق هو الداهية والداهية ما يصيب الإنسان من نوب الدهر فإن مقتضى هذا أن يكون كل واحد من لفظي الخنفقيق والداهية دالا على النائبة.\nقلت لمعنى الداهية لفظان:\nأحدهما: يدل عليها بالحقيقة وهو الخنفقيق.\nوالثاني: بالمجاز وهو الداهية ولعل قول الجوهري الخنفقيق الداهية معناه أن الخنفقيق هو المعنى الذي يطلق عليه الداهية بطريق المجاز.\nوخامسها: أن يستحقر لفظ الحقيقة عن أن يتلفظ به لحقارة معناه كما يعبر بالغائط عن الخراة.\nوسادسها: أنه قد لا يصلح لفظ الحقيقة للسجع والتجنيس وسائر أصناف البديع أو لإقامة الوزن والقافية بخلاف لفظ المجاز وهذا مراد التصنيف بقوله لبلاغة لفظ المجاز.\nوسابعها: أن التعبير بالمجاز قد يكون أدخل في التعظيم وأبلغ في المعنى كالمجلس العالي والجناب الشريف وما أشبه هذه الألفاظ فإنها أبلغ من قولك فلان.\nوثامنها: أن يكون لزيادة بيان حال المذكور مثل رأيت أسدا فإنه أبلغ في الدلالة على الشجاعة لمن حكمت عليه بها من قولك رأيت إنسانا كالأسد شجاعة.\nوتاسعها: أن المجاز قد يكون أدخل في التحقير.\nوعاشرها: أن يكون المجاز أعرف من الحقيقة ولم يذكر في الكتاب من هذه الوجوه غير الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المسألة السابعة: اللفظ قدلا يكون حقيقة</span>\n...\nقال السابعة اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا\nكما في الوضع الأول والأعلام قد لا يكون حقيقة ومجاز باصطلاحين كالدابة.\nاللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا لغويا وقد يكون حقيقة ومجازا.\nأما الأول: فمن اللفظ في أول الوضع قبل استعماله فيما وضع له أو في غيره ليس بحقيقة ولا مجاز لأن شرط تحقق كل واحد من الحقيقة والمجاز الاستعمال كما تقدم في تعريفهما فحيث انتفى الاستعمال انتفيا ومنه الأعلام المتجددة بالنسبة إلى مسمياتها فإنها أيضا ليست بحقيقة لأن مستعملها لم يستعملها فيما وضعت له أو لا بل إما أنه اخترعها من غير سبق وضع كما في الأعلام المرتجلة أو نقلها عما وضعت له كالمنقولة وليست بمجاز لأنها لم تنقل لعلاقة كما مر في المسألة الربعة وقد ظهر أن المراد بالأعلام هنا الأعلام المتجددة دون الموضوعة بوضع أهل اللغة فإنها حقائق لغوية لأسماء الأجناس وعلى هذا لا فرق في ذلك بين الأعلام المنقولة والمرتجلة على خلاف ما ظن الجاريردي شارح الكتاب حيث قال الذي يدور في خلدي أن المراد الأعلام المنقولة.\nوأما الثاني: وهو أن اللفظ قد يكون حقيقة ومجازا فذلك بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار اصطلاحين لأن اللفظ الموضوع للمعنى العام كالدابة الموضوعة لكل ما دب على الأرض إذا خصه العرف العام أو الشرع ببعض أنواعه كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى حقيقة العام لغوية ومجازا عرفيا أو شرعيا وبالنسبة إلى ذلك النوع بالعكس ومن هذا يعرف أن الحقيقة قد تصير مجازا وبالعكس.\nوأما بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار واحد فذلك ممتنع لاستحالة النفي والإثبات.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الثامنة: علامة الحقيقة والمجاز</span>\n...\nقال الثامنة علامة الحقيقة سبق الفهم والعراء عن القرينة.\nاعلم أن الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالتنصيص أو الاستدلال أما التنصيص فمن وجهين:","vol":"1","page":319},{"text":"أحدهما: أن يقول الواضع هذه حقيقة وذاك مجاز وتقول ذلك أئمة اللغة قال الهندي لأن الظاهر أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن فقه.\nوالثاني: أن يقول الواضع هذه حقيقة أو هذا مجاز فيثبت بهذا أحدهما وهو ما نص عليه وزاد الإمام ثالثا وهو أن يذكروا خواصهما وفيه نظر فإنه يندرج في قسم الاستدلال ولا يعد من التنصيص وأما الاستدلال فبالعلامات وهذا القسم هو الذي ذكره المصنف وذكر فيه لكل من الحقيقة والمجاز علامتين:\nالعلامة الأولى: من علامتي الحقيقة تبادر الذهن إلى فهم المعنى من غير قرينة.\nفإن قلت ماذكرتم منقوض طردا وعكسا أما الطرد فلأن المجاز المنقول والمجاز الراجح مما يتبادر معنى كل منهما المجازي من غير قرينة دون حقيقتيهما وأما العكس فلأن المشترك حقيقة في مدلولاته مع عدم تبادر شيء منها إلى فهم.\nقلت أما المنقول فغير وارد لأن المنقول إليه إنما يتبادر لأنه حقيقة فيه وكونه مجاز فيه أيضا لا ينافي كونه حقيقة فيه لما عرفت من أن اللفظ الواحد قد يكون حقيقة ومجازا وأما عدم تبادر الحقيقة الأصلية فلصيرورتها الآن مجازا عرفيا وأما المجاز الراجح فقال صفي الدين الهندي هو نادر والتبادر في الأغلب يختص بالحقيقة وتخلف المدلول على الدليل الظني لا يقدح فيه ألا ترى أن الغيم الرطب في الشتاء دليل وجود المطر وتخلفه في بعض الأوقات لا يقدح في كونه دليلا عليه لا سيما في المباحث اللغوية والأمارات الإعرابية وأما اللفظ المشترك فأحسن ما يجب به عنه أن التعريف بالعلامة لا يشترط فيه الانعكاس.\nوالعلامة الثانية: العراء عن القرينة يعني أنا إذا سمعنا أهل اللغة يعبرون عن معنى واحد بعبارتين ويستعملون إحداهما بقرينة دون الأخرى","vol":"1","page":320},{"text":"فتعرف أن اللفظة في المستعمل حقيقة دول القرينة لأنه لولا استقرار أنفسهم على تعين ذلك اللفظ لذلك المعنى بالوضع لم يقتصروا عليه عادة قال وعلامة المجاز الإطلاق على المستحيل مثل وأسأل القرية والأعمال في المنسى كالدابة للحمار.\nالعلامة الأولى: من علامتي المجاز إطلاق اللفظ على ما يستحيل تعلقه به إذ الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له فيكون مجازا ومثل في الكتاب له بقوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي لأنه لما علم امتناع سؤال الأبنية المجتمعة المسماة بالقرية علم أنه مجاز والتقدير وأسأل أهل القرية وفي هذا المثال من النظر ما قدمته.\nالعلامة الثانية: أن يستعمل اللفظ في المعنى المنسي بأن يكون موضوعا لمعنى له أفراد فيترك أهل العرف استعماله في بعض تلك الأفراد بحيث يصير ذلك البعض منسيا ثم يستعمل اللفظ في ذلك المعنى المنسي فيكون مجازا عرفيا مثال ذلك لفظ الدابة فإنه موضوع لكل ما يدب على الأرض فيترك أهل بعض البلدان استعمالها في الحمار بحيث نسي إطلاقها عليه عندهم.\nوأعلم أن إطلاقها على غير المنسي مجاز لغوي لا قصرها على الحمار ببلاد مصر وعلى الفرس بالعراق وضع غير الوضع الأول كذا ذكروه وقد يقال إن استعملها المتكلم ملاحظا للوضع الأول كان حقيقة وإلا مجازا فالوضع الثاني لا يخرج الأول عما وضع له","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل السابع: تعارض ما يخل بالفهم</span>\n...\nالفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم\nقال الفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم وهو الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص وذلك على عشرة أوجه.\nالأحوال اللفظية المخلة بالأفهام الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص.\nواعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه فقد اشتمل كلامنا هذا على دعاء.\nوالأولى: أن هذه الخمسة مخلة بالأفهام وبيان ذلك أنه على تقدير الاشتراك يحتمل أن يكون المراد غير ما يعنيه وعلى تقدير النقل يحتمل أن يكون المراد الحقيقة وكذلك على تقدير الإضمار والتخصيص.\nوالثانية: أنه لا يخل بالفهم من الألفاظ سواها وبيانها حصر المخلات في هذه الأقسام بالدوران وذلك بأن يقال كلما حصل أحد هذه الخمسة حصل الإخلال لما ذكرناه وكلما انتفت الخمسة انتفى الإخلال لأن مع زوال الاشتراك والنقل يكون اللفظ حقيقة واحدة ومع انتفاء المجاز والإضمار يكون المراد تلك الحقيقة ومع زوال التخصيص يكون المراد كلها هذه طريقة تدلك على الحصر ولك على ذلك طريقة أخرى وهي الترديد الدائر بين النفي والإثبات وذلك بأن تقول إذا لم يتعين المعنى من اللفظ فلا يخلو إما أن يكون لاحتمال معنى آخر داخل في مفهوم اللفظ أو خارج عنه إن كان","vol":"1","page":322},{"text":"الأول فهو احتمال التخصيص وإن كان الثاني فإما أن يكون لاحتمال حقيقة أخرى أو لا.\nوالأول: إن كان مسبوقا بوضع آخر فهو احتمال النقل وإلا فاحتمال الاشتراك.\nوالثاني: إن كان المصير إليه لضرورة لفظية فهو احتمال الإضمار وإلا فاحتمال المجاز.\nوالثالثة: أن التعارض بينها يقع على عشرة أوجه وبيانها أنه إنما يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية ثم بين المجاز وبين الوجهين الباقيين ثم بين الإضمار والتخصيص فكان المجموع عشرا.\nوأعلم أنه هذه الدعوى غير محررة والاعتراض عليها من وجوه:\nأحدها: أنه إن أريد أنه إذا انتفت الخمسة حصل الظن بالمدلول لا الجزم فليس بصحيح فإن الظن حاصل مع الاحتمالات وإن أريد أن الخمسة تخل بالجزم بالمدلول لا بظنه فنقول لا يلزم من انتفاء الخمسة انتفاء الاحتمال وحصول الجزم كيف وقد ذكر الإمام أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بنفي عشرة احتمالات فذكر هذه الخمسة مع التقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي وتغير الإعراب ومعلوم أنه هذه العشرة إنما تخل باليقين لا بالظن فكان حقه أن يذكر هاهنا العشرة بعينها فالحصر في الخمسة باطل.\nفإن قلت لعل المراد أن انتفاء الخمسة يحصل غلبة الظن وتلك رتبة متوسطة بين اليقين وأصل الظن.\nقلت هذه الغلبة لا ضابط لها وغلبة الظن لا تخرج عن باب الظن فإن الظنون تتفاوت وهي مشتركة في مشروع واحد.\nوالثاني: أن ما ذكر من أنه إذا انتفى المجاز والإضمار بقي اللفظ مستعملا فيما وضع له مفهومه أنه إذا وجد أحدهما لا يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له وليس كذلك لأن الإضمار على قسمين:","vol":"1","page":323},{"text":"أحدهما: ما يوجب مجازا في اللفظ مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فإن إضمار الأهل هو الذي صير إسناد السؤال في الظاهر إلى القرية مجازا.\nالثاني: هو ما لا يوجب مجازا في اللفظ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ الآية فإذا أضمرنا فيها محدثين لا يتجدد في اللفظ مجاز وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فإذا أضمرنا فأفطرتم لا يتجدد في اللفظ مجاز.\nالثالث: أن الكلام في هذه المحتملات إن كان في مطلقاتها وأجناسها دون أنواعها وأشخاصها فلا ينبغي أن يذكر الإضمار ولا التخصيص لأنهما نوعان للمجاز فيندرجان تحت مطلقه وعلى هذا يكون الاحتمالات المخلة ثلاثة فقط وإن كان الكلام في أنواعها دون مطلقاتها وأجناسها فلا ينحصر في خمسة لأن أنواع المجاز متعددة كما سبق وقد ذكر فيما تقدم اثني عشر نوعا وأنواع النقل ثلاثة فهذه خمسة عشر اثنين منها فعلم أن الحصر في الخمسة فاسد.\nالرابع: أن من جملة الاحتمالات المخلة بالفهم النسخ لأن السامع إذا جوز على حكم اللفظ أنه منسوخ لم يجزم ثبوته ولم يذكروه مع الخمسة والإمام ذكره بعد ذلك وزعم أنه مندرج في التخصيص فلذلك لم يقرره بالذكر وتبعه المصنف في ذلك وهذا لا يستقيم لا على أصله ولا على الحق في نفس الأمر فإن أصله أن صيغة الأمر للقدر المشترك بين المرة والتكرار فلا عموم في الأزمان فلا نسخ وأما على الحق في نفس الأمر فلأنا إذا سيرنا الأوامر لا نجدها تقتضي بصيغتها فعل المأمور أبدا فكان الأحسن أن يعد النسخ وقد نظم بعضهم بيتين في هذه الأقسام وذكر النسخ فقال:\nتجوز ثم إضمار وبعدهما\n...\nنقل تلاه اشتراك فهو يخلفه\nوأرجح الكل تخصيص وآخرهم\n...\nنسخ فما بعده قسم يخلفه\nقال الأول النقل أولى من الاشتراك لأفراده في الحالتين كالزكاة.\n_________\n١ سورة المائدة آية: ٦.","vol":"1","page":324},{"text":"شرع في ذكر الوجوه العشرة على الترتيب المذكور فنقول النقل أولى من الاشتراك لأن المنقول مدلوله مقرر في الحالتين أي قبل النقل وبعده أما قبل النقل فلأن مدلوله المنقول عنه وهو اللغوي وأما بعده فلأن مدلوله المنقول إليه وهو الشرعي أو العرفي وإذا كان مدلوله مفردا لم يمتنع العمل به.\nوأما المشترك فمدلوله متعدد في كل وقت فيكون المجمل لا يعمل به إلا بقرينة اللهم إلا أن يقال نحمله وما لا يمتنع العمل به أولى من عكسه مثال ذلك لفظ الزكاة فإنه يحتمل أن يكون مشتركا بين النماء والقدر المخرج من النصاب وأن يكون موضوعا للنماء فقط ثم نقله الشرع إلى القدر المخرج من النصاب فإذا تعارضا فالنقل أولى لما ذكرناه ومن أمثلته أن يقول الشافعي الفاتحة ركن في الصلاة لقوله ﷺ: \"كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج\" ١ ولفظ الصلاة في عرف الشرع منقول إلى العبارة المخصوصة فوجب أن تكون الفاتحة ركنا فيقول الحنفي مذهب القاضي أن الشرع لم ينقل شيئا من الألفاظ بل الصلاة مشتركة بين الدعاء وبين المتابعة ومنه سمي الثاني في جلية السياق مصليا لكونه تابعا لصلوي الذي قبله وسميت هذه العبارة صلاة لما فيها من المتابعة للأئمة غالبا وذا كانت مشتركة كانت مجملة فيسقط الاستدلال بها حتى يدين الخصم رجحان اللفظ في أحدهما.\nفنقول جعلها منقولة إلى العبارة المخصوصة أولى من الاشتراك لما تقرر.\nومنها أن يقول الشافعي الكلب نجس لقوله ﷺ: \"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا\" ٢ والطهارة في عرف الشرع منقولة إلى\n_________\n١ حديث صحيح رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله – ﷺ – قال: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن\" وفي رواية بفاتحة الكتاب – فهو خداج هي خداج غير تمام\".\n٢ ولفظه كما عند مسلم وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله – ﷺ – \"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب\".","vol":"1","page":325},{"text":"إزالة الحدث والخبث ولا حدث فيتعين الخبث فيقول المالكي لفظ الطهارة مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار وبين الغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعا والأصل عدم التغيير والتقرب إلى الله تعالى كان معلوما لهم لقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ والمشترك مجمل فيسقط الاستدلال د به حتى بين الخصم الرجحان.\nفنقول جعله منقولا إلى العبارة المخصوصة أولى من الاشتراك لما مر.\nقال الثاني: المجاز خير منه لكثرته وإعمال اللفظ مع القرينة ودونها كذلك.\nالمجاز أولى من الاشتراك لوجهين:\nأحدهما: أنه أكثر في اللغة والأكثرية دليل الرجحان.\nوالثاني: أنه على تقدير المجاز إن كان اللفظ مع القرينة وجب حمله على المجاز وإن كان مجردا عنها وجب حمله على الحقيقة فهو معمول به على التقديرين بخلاف الاشتراك فإن اللفظ المشترك إذا تجرد عن القرينة وجب التوقف على المختار عندهم وإن عمل به عند البعض احتياطا فليس العمل للاحتياط كالعمل مع التحقيق.\nومن أمثلة الفضل قولنا موطوءة الأب بالزنا يحل للإبن نكاحها لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٢ وهذه طابت للإبن.\nفإن قلت هذا معارض بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ٣ والنكاح حقيقة في الوطء\nقلت بل هو حقيقة في العقد لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ .\n_________\n١ سورة الزمر آية: ٣.\n٢ سورة النساء آية: ٣.\n٣ سورة النساء آية: ٢٢.","vol":"1","page":326},{"text":"وغيرها من الآيات وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء وإلا يلزم الاشتراك.\nفإن قلت لولا ذلك لزم المجاز.\nقلت المجاز خير من الاشتراك لما ذكرناه.\nومنها قولنا لا يجوز التوضؤ بالنبيذ لأن الله تعالى نص على سبيله الماء فوجب حصر السبب فيه عملا بالأصل الثاني لسببية غيره.\nوإنما قلنا إن الله تعالى نص على سببية الماء لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ١ والطهور هو الذي يتطهر به كالحنوط والسعوط الذي يتحنط به ويتسعط به فيقول الحنفي الأصل في فعول أن يكون تابعا لفاعل في القصر والتعدية وطاهر قاصر فطهور مثله فلو كان ههنا الذي يتطهر به للزم الاشتراك وعلى ما نقوله تكون صيغته هنا مجازا فإنه لا تكرار في طاهرية بماء السماء فالمجاز أولى من الاشتراك لما مر فتقول هو الترجيح مدفوع بقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ والباء للسببية فيدل على أن المراد الذي يفعل به التطهير.\nقال الثالث: الإضمار خير منه لأن احتياجه إلى القرينة في صورة احتياج الاشتراك إليها في صورتين.\nالإضمار أولى من الاشتراك لأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في صورة واحدة وهي صورة إرادة المعنى الإضماري بخلاف المشترك فإنه مفتقر إلى القرينة في جميع صوره إذ ليس البعض فيه أولى من البعض وفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله في صوريتن مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أن لفظ القرية يحتمل أن يكون منقولا بالاشتراك على الأهل والأبنية ويحتمل أن يكون حقيقة في الأبنية فقط والأهل مضمر فيقول المناظر الإضمار أولى لما قلناه ومن أمثلته قولنا لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ٢ وجارية الابن حليلة.\n_________\n١ سورة الفرقان آية: ٤٨.\n٢ سورة النساء آية: ٢٣.","vol":"1","page":327},{"text":"لأن الحليلة فعيلة من الحل وهي المرأة التي يحل وطؤها فحليلة الابن المرأة التي يحل وطؤها والجارية المملوكة للإبن كذلك فتكون حليلة له وإذا كانت حليلة للإبن اندرجت تحت الآية فتكون محرمة على الأب فيقول الحنفي حليلة الرجل هي المرأة التي تحل له بالنكاح وهي الزوجة ودليله النقل.\nقال الجوهري الحليلة الزوجة فنقول لا نسلم أن إطلاق الحليلة على الزوجة بطريق الحقيقة.\nفإن قلت الأصل في الإطلاق الحقيقة قلت نعم لكن لو جعلناه حقيقة فيما ذكرتم فإما أن يكون حقيقة فيما ذكرناه أيضا أو مجازا فيه والثاني باطل لأنه يلزم منه ترجيح الاستعمال في دلالته على الحقيقة على الإشتقاق في دلالته عليها وذلك لأن الظاهر أن الجوهري إنما أخذ أن الحليلة هي الزوجة من استعمال العرب والاستعمال أعم منه أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز ونحن دللنا باشتقاق لفظ الحليلة المقتضي لما هو أعم من الزوجة فليكن أرجح لبعد الخطأ فيه والأول أيضا باطل لأنه يلزم منه الاشتراك.\nفإن قلت لو لم يكن مشتركا بل كان حقيقة فيما ذكرتم مجازا فيما ذكرناه لزم الإضمار لأن جارية الإبن لا تحرم على الأب على التأييد بالإجماع بل ما دامت مملوكة والآية إنما سيقت لبيان المحرمات على التأييد فلا بد من إضمار ما يصح به تحريم جارية الإبن لا على التأييد لجواز أن يقال وحلائل أبنائكم بالنكاح وبملك اليمين مادامت حليلتهم والإضمار أيضا خلاف الأصل فوقع التعارض بين الاشتراك والإضمار.\nقلت الإضمار أولى.\nومنها قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة لقوله ﷺ \"كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج\" وهذه صلاة فوجبت الفاتحة فيها فإن قال الخصم لفظ الصلاة مفهوم مشترك في عرف الشرع لإطلاقه على ما لا ركوع فيه ولا سجود كالجنازة وعلى ما لا تكبير فيه ولا سلام كالطواف وعلى ما لا قيام فيه كصلاة المريض وليس بينهما قدر مشترك فحعل اللفظ حقيقة فيه فيكون","vol":"1","page":328},{"text":"مشتركا مجملا يسقط الاستدلال به قلنا المشترك عندنا يحمل على جميع مسمياته عند عدم القرينة فتندرج صلاة الجنازة تحت عمومه.\nفإن قلت وجب جعل اللفظ غير منقول حذرا من الاشتراك ويكون ههنا إضمار تقديره كل صلاة من الصلوات الخمس لم يقرأ فيها بأم القرآن ويكون إطلاق لفظ الصلاة على الصلوات الخمس مجازا لغويا والإضمار أولى من الاشتراك.\nفنقول هذا الترجيح مدفوعا بالقياس على الصلوات الخمس.\nقال الرابع التخصيص خير لأنه خير من المجاز كما سيأتي مثل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فإنه مشترك أو مختص بالعقد وخص عنه الفاسد.\nالتخصص خيرمن الاشتراك لأن التخصيص خير من المجاز والمجاز خير من الاشتراك ينتج ما ادعيناه.\nأما الصغرى فلما سيأتي إنشاء الله تعالى وأما الكبرى فلما مر مثاله أن يقول الحنفي موطوءة الأب بالزنا محرمة على الابن لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ وهو حقيقة في الوطء فنقول بل هو حقيقة في العقد لما قررناه كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ١ وإذا ثبت أنه موضوع للعقد فلم يبق إلا أن يكون مشتركا بين العقد والوطء أو أن يكون مختصا بالعقد وخص عنه الفاسد حتى إذا نكح الأب نكاحا فاسدا فللإبن أن ينكح تلك الموطوءة بالوطء الفاسد والتخصيص أولى من الاشتراك.\nقال الخامس: المجاز خير من النقل لعدم استلزامه نسخ الأول كالصلاة.\nالمجاز الأول خير من النقل لأن النقل ستلزم نسخ الأول مثاله الصلاة فإن المعتزلة ادعت أنها منقولة إلى الأفعال الخاصة وجمهور الأصحاب قالوا إنها مجازات لغوية اشتهرت فمذهبهم أولى لأن المجاز أولى من النقل.\n_________\n١ سورة النور آية: ٣٢.","vol":"1","page":329},{"text":"ومن أمثلته أن يقول المالكي يجزى رمضان كله نية واحدة من أوله لقوله ﷺ: \"لا صيام لم يبيت الصيام من الليل\" ١ ووجه الاحتجاج أن الصيام منقول عن أصل الإمساك إلى الإمساك المخصوص والمعرف بأل يفيد العموم واستغراق الصوم إلى الأبد ورمضان من جملة ذلك فيكون مفهوم ذلك أن من بيت كان له الصوم وهذا قد ثبت فيقول الشافعي لا نسلم أنه منقول بل مجاز في إمساك جزء من الليل قبل الفجر ويكون من مجاز التعبير بالأعم عن الأخص فإن الشرع لم يصرح بتبييت الصوم وما ذكرناه محمل صالح له والمجاز أولى من النقل.\nقال السادس: الإضمار خير منه لأنه مثل المجاز كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ فإن الأخذ مضمر والربا نقل إلى العقد.\nالإضمار أولى من النقل لأن الإضمار مساو للمجاز لما سيأتي إن شاء الله تعالى والمجاز أولى من النقل لما مر مثاله قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ فإن الربا هو زيادة والزيادة بعينها لا توصف بحل ولا حرمة فلا بد من تأويل فأضمرت طائفة الأخذ وقالت التقدير حرم أخذ الربا فإذا توافق البايع والمشتري على إسقاط الزيادة صح وقالت طائفة الربا نقل إلى العقد المشتمل على الزيادة وذلك لقرينة قوله: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٢ فإذن المنهي عنه نفس العقد سواء اتفقا على خط الزيادة أم لا فالأول أولى لأن الإضمار أولي من النقل.\nقال السابع: التخصيص أولى لما تقدم مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فإنه المبادلة مطلقا وخص الفاسد أو نقل إلى المستجمع لشرائط الصحة.\nالتخصيص أولى من النقل لأن التخصيص خير من المجاز لما سيأتي إن شاء الله والمجاز خير من النقل لما مر والخير من الخير خير مثاله قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فمن قائل البيع موضوع للمبادلة مطلقا وخص عنه\n_________\n١ أخرجه ابن ماجه من حديث حفصة – ﵂ – بلفظ \"لا صيام لمن لم يفرضه من الليل\".\n٢ سورة البقرة آية: ٢٧٥.","vol":"1","page":330},{"text":"الفاسد لكونه غير حلال ومن قائل بل نقل إلى المعارضة المشتمل على الأركان والشرائط فالأول أولى لأن التخصيص أولى من امثلته أن يقول المالكي يلزم الظهار من الأمة وأم الولد لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية وهما من جملة النساء فإذا قال الشافعي لفظ النساء صار منقولا في العرف للحرائر فوجب ألا يتناول محل النزاع ولو لم يكن منقولا للزم أن يكون مخصوصا بذوات المحارم فإنهن من نسائهم ولا يلزمهم فيهن ظهار كان للمالكي أن يقول إذا وتعارض النقل والتخصيص فالتخصيص أولى.\nقال الثامن: الإضمار مثل المجاز لاستوائهما في القرينة مثل هذا ابني.\nالإضمار مثل المجاز فلا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل من خارج وإنما قلنا إنهما سيان لاستوائهما في الاحتياج إلى القرينة واحتمال خفائها وهذا ما جزم به في الكتاب تبعا للإمام في المحصول.\nوقال الإمام في المعالم يترجح المجاز لكثرته وهذا ما اختاره صفي الدين الهندي وقيل بالعكس وقوله مثل هذا ابني.\nأعلم أن هذا المثال لم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل والذي عندي في تقريره أن القائل لعبده هذا ابني والعبد لا يمكن أن يكون ابنه إما لكونه مشهور النسب من غيره أو لكونه أكبر سنا منه فههنا قد انتفت الحقيقة وبقي اللفظ دائرا بين مجازي الإضمار والمجاز إذ يحتمل أن يكون المراد مثل ابني في الحنو أو أنه ابني مجازا لذلك وأما أنه هل يترتب على هذا عتق أو لا يترتب فليس من وظيفة الأصولي التعرض له ولا إرادة المصنف وقد حكى الأصحاب وجهين فيما إذا كان مشهور النسب من غيره واستلحقه هل يعتق لكونه أقر بالنبوة التي لازمها العتق فيؤاخذ باللازم وإن لم يثبت الملزوم ولكن ليس مأخذ الوجهين الإضمار والمجاز كيف وهو إنما أراد باللفظ حقيقته ولكن لم تسمع منه وكذا لو قال أحد الوارثين فلانة بنت أبينا هل يحكم بعتقها وجهان وليس مأخذهما مجاز الإضمار والتخصيص بل شيء غيره وقد","vol":"1","page":331},{"text":"نبهان على ذلك لئلا يغتر به مغتر.\nوأما ما ذكره الرافعي في الركن الأول من الباب الثاني في أركان الطلاق عن فتاوى القفال من أنه لو قال يا بنتي وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن كما لو قال لعبده أو أمته واختار النووي أنه لا يعتق بمجرد ذلك لأنه يذكر في العادة للاستيناس والتحنن فهذه المسألة غير المسألة التي نحن فيها وهي قوله: هذا ابني والفرق واضح بينهما وهو ما ذكره النووي من أن بنتي يذكر في العادة للاستيناس والتحنن وهذا ابني ليس كذلك فقد وضح أن مسألة هذا ابني على الوجه المذكور غير معروفة في المذهب فافهم ذلك ونظيرها ما لو قال أوصيت لزيد بنصيب ابني.\nوقد اختلف الأصحاب في أن الوصية هل تبطل أو تحمل على مثل نصب ابنه ومن أمثلة تعارض المجاز والإضمار أن يقول الشافعي يجوز قتل الرهبان في الحرب لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن قال المالكي يلزم على ما ذكرته أن يكون لفظ المشرك مجازا إذا المشترك من جعل الشريك وهذا يصدق على شركاء الزرع والعقار ويكون قد عبر بلفظ المشرك على الكافر بالشرك تعبيرا عن الأخص بلفظ الأعم بل ينبغي أن يكون في الآية إضمار تقديره اقتلوا محاربة المشركين صونا له عن المجاز ولا يندرج صورة النزاع حينئذ كان للشافعي أن يقول المجاز أولى ويتجاذبان أطراف الكلام\nومنها أن يقول الشافعي النية شرط في الوضوء للصلاة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية وجه التمسك أنه تعالى يأمر بغسل الأعضاء المذكورة لأجل الصلاة لأنه أمرنا بالغسل لأجل إرادة الصلاة لأن المراد من القيام إلى الصلاة إرادة الصلاة والأمر بالفعل بشرط إرادة فعل آخر يكون أمر بالفعل لأجل الفعل الآخر كما في قولهم إذا دخلت على الخليفة فتأدب أي لأجل الدخول عليه ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ١ أي لأجل نجواكم فعلم أنه بغسل الأعضاء لأجل الصلاة\n_________\n١ سورة المجادلة آية: ١٢.","vol":"1","page":332},{"text":"وجوبا ولا يعني باشتراط النية سوى وجوب غسل الأعضاء الأربعة لأجل الصلاة فإن قال الحنفي لم قلت إن المراد هنا الوجوب.\nقلنا ظاهر الأمر الوجوب فإن قال نعم ولكن لو حملناه على الوجوب لزم إضمار الحدث لأن الوضوء لا يجب إلا على المحدث ولو حملناه على الندب لم يلزم الإضمار وإنما يلزم المجاز في لفظ الأمر.\nقلنا الإضمار أولى وهو منقول هنا عن عكرمة وابن مسعود ويقع النظر بينهما.\nومنها إذا تحقق الرجل من امرأته النشوز ولكنه لم يتكرر ولم يظهر إصرارها عليه فله مع الوعظ أن يهجرها في المضطجع وفي ضربها وجهان رجح الشيخ أبو حامد والمحاملي أن لايجوز ومال ابن الصباغ والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى الجواز واختاره النووي والمأخذ قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ١ فمن قال بالأول قال مجازا كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ ٢ أي علم وفي الآية إضمار والمعنى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع فإن أصررن فاضربوهن ومن قال بالثاني قال الخوف بمعنى العلم مجازا كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ أي علم فتعارض المجاز والإضمار.\nقال التاسع التخصيص خير لأن الباقي متعين والمجاز بما لم يتعين مثل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فإن أراد التلفظ وخص النسيان أو الذبح.\nالتخصيص أولى من المجاز لأن الباقي من أفراد العام بعد التخصيص متعين بخلاف المجاز فإنه ربما لم يتعين لأن اللفظ وضع ليدل على المعنى\n_________\n١ سورة النساء آية: ٣٤.\n٢ سورة البقرة آية: ١٨٢.","vol":"1","page":333},{"text":"الحقيقي فإذا انتفى بقرينة افتقر صرف اللفظ إلى المجاز إلى تأمل لاحتمال تعدد المجازات ولا يقال اللفظ لا يصرف عن الحقيقة إلا بقرينة وتلك القرينة تهدي إلى المجاز فأين التأمل بعد القرينة لأنا نقول قد تجئ القرينة بصرف اللفظ عن ظاهره من غير تعرض إلى تبيين المقصود مثال تعارض التخصيص والمجاز قول الحنفي متروك التسمية عمدا لا يخل بقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ١ أي ولا تأكلوا مما لم يتلفظ عليه باسم الله.\nوقول الشافعي المراد بذكر الله تعالى هو الذبح مجاز لأن الذبح غالبا لا يخلو عن التسمية فيكون نهيا عن أكل غير المذبوح لأنه لولا ذلك وأولنا كما قلتم للزم تخصيص اللفظ إذا سلمتم أن ذبيحة الناس حلال فللحنفي أن يقول التخصيص خير من المجاز ومن أمثلته أيضا أن يقول الشافعي العمرة فرض لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ٢ وظاهر الأمر الوجوب فيقول المالكي تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز والتخصيص أولى من المجاز للشافعي بعد هذا أن يقول هذا الترجيح معارض بأنهما قد استويا في السياق فوجب أن يستويا في الحكم والحج واجب إجماعا فيجب الآخر عملا بالأصل المستوي بينهما.\nقال العاشر التخصيص خير من الإضمار لما مر مثل ولكم في القصاص حياة.\nالتخصيص خير من الإضمار لأن التخصيص خير من المجاز لما مر والمجاز مساو للإضمار والأولى من المساوي أولى مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٣ فإن الأئمة اختلفوا فيه فقال منهم قائل الخطاب عام اختص بالورثة لأنهم إذا اقتصوا حصلت لهم الحياة بدفع شر هذا القاتل الذي صار عدوا لهم\n_________\n١ سورة الأنعام آية: ١٢١.\n٢ سورة البقرة آية: ١٩٦.\n٣ سورة البقرة آية: ١٧٩.","vol":"1","page":334},{"text":"وقال قائل بل هو عام والمشروعية مضمرة أي ولكم في مشروعية القصاص حياة وذلك لأن الناس إذا سلموا أن القصاص مشروع كان أدعى لاندفاع القتل ما بينهم لأن من هم بالقتل واستحضر أنه يقتص منه انكف عن القتل غالبا.\nواعلم أن هذا التأويل الثاني هو الصحيح وإن كان الأول مترجحا من جهة أولوية التخصيص وكذلك كل ما أوردناه من هذا الفصل من الأمثلة فإنا غير حاكمين عليه بالترجيح إلا من جهة ما أوردناه له مثالا ولا يشترط أن يكون مرجوحا من وجه آخر هو أقوى أو مساو لذلك ذكرنا في بعض الأمثلة أن الترجيح يندفع بالأمر الفلاني تنبيها على ما أشرنا إليه الآن ومن أمثلة هذا الوجه العاشر أن يقول المالكي الكلب طاهر لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ١ والضمير في أمسكن عام في جملة الجوارح فيندرج فيه الكلب فيجوز أكل موضع فمه عملا بالظاهر فيكون طاهرا فيقول الشافعي يلزم على ما ذكرتموه جواز أكل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة وليس كذلك فيلزم التخصيص بل ههنا إضمار تقديره كلوا من حلال ما أمسكن عليكم وكون موضع فمه من الحلال محل النزاع فللمالكي أن يقول على ما ذكرناه يلزم التخصيص وعلى ما ذكرتموه يلزم الإضمار والتخصيص أولى.\nومنها قولنا لا يصح صوم رمضان إلا بنية الفرض خلافا لأبي حنيفة حيث قال يصح بمطلق النية أو بنية النقل ونية واجب آخر لنا \"إنما الأعمال بالنيات\" ويقتضي توقف ذات الأعمال على نياتها كما يقال إنما الكتابة بالقلم ويلزم من توقف ذوات الأعمال توقف صحتها لاستحالة وجود الصحة بدون الذات والمراد بالنيات نيات الأعمال فاقتضى توقف صحة كل عمل على نيته فيتوقف الفرض على نية الفرض.\nفإن قلت الكمال مضمر في الحديث إذ لو لم يضمر لزم التخصيص بالأعمال التي لا تتوقف على النية كرد الودائع والغصوب.\n_________\n١ سورة المائدة آية: ٤.","vol":"1","page":335},{"text":"قلت التخصيص أولى.\nقال تنبيه الاشتراك من النسخ لأنه لا يبطل.\nالتخصيص الذي سبق ترجيحه على الاشتراك وغيره هو التخصيص في الأعيان لا التخصيص في الأزمان الذي هو النسخ فإن الاشتراك خير منه وذلك لأن الاشتراك لا إبطال فيه بل غايته التوقف إلى القرينة عند من لا يحمله على معنييه بخلاف النسخ فإنه يبطل الحكم السابق بالكلية مثال التبييت شرط في صحة صوم رمضان خلافا لأبي حنيفة وساعدنا على القضاء والنذر فنقيس محل النزاع على محل الوفاق.\nفإن عارض بما روي أنه ﵇ قدم المدينة يوم عاشوراء فرأي اليهود صائمين فسأل ﵇ عن صومهم ويومهم فقيل هذا يوم أنجى الله تعالى فيه موسى ﵇ وأهلك عدوه فرعون وكان موسى ﵇ يصومه شكرا ونحن نصومه اتباعا له فقال ﵇: \"نحن أحق بموسى منهم\" ثم أمر مناديا ينادي: \"ألا من أكل فليمسك بقية النهار ومن لم يأكل فليصم\" ١ أمر بالصوم في أثناء النهار ومن المعلوم أن الصوم في أثناء النهار لا يكون إلا بنية من النهار.\nقلنا لا نسلم وجوب ذلك اليوم.\nفإن قال ظاهر الأمر الوجوب كان لمن يعتقد أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب أن يقول كما هو في حقيقة في الوجوب فكذلك في الندب وإذا كان حقيقة فيهما لا يحمل على الوجوب إلا بقرينة زائدة وعندنا صوم النقل يصح بنية من النهار.\nفإن قلت الاشتراك خلاف الأصل قلت لو لم يكن مشتركا لزم النسخ فإن صح يوم عاشوراء غير ثابت والاشتراك خير من النسخ.\n_________\n١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود.\nتيسير الوصول ٢/٣٠٤.","vol":"1","page":336},{"text":"قال والاشتراك بين علمين خير منه بين علم ومعنى وخير منه بين معنيين.\nهذان فرعان:\nالأول: أنه إذا تعارض المشترك بين علمين والمشترك بين علم ومعنى فالمشترك بين علمين أولى لأن الأعلام إنما بين علمين أولى لأن الأعلام إنما تطلق على الأشخاص المخصوصة كزيد وعمرو إذ المراد العلم الشخصي لا الجنسي وهذا بخلاف أسماء المعاني إذا تتناول المسمى في أي ذات كان فكان اختلال الفهم يجعله مشتركا بين علمين أقل الفرع.\nالثاني: وإليه أشار بقوله وهو أي المشترك بين علم ومعنى أولى من المشترك بين معنيين لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك من الأول أقل من الثاني هذا ما ذكره المصنف تبعا للإمام في هذين الفرعين وأنت إذا نظرت إلى قولهما المشترك بين علمين وبين علم ومعنى وعلمت أن المشترك لا بد وأن يكون حقيقة في أفراده وتذكرت ما قالاه قبل ذلك من أن العلم ليس بحقيقة ولا مجاز علمت أن الغفلة تطرقت إليهما في ذلك وبالله التوفيق.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفصل الثامن: تفسير حروف يحتاجه إليها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المسألة الأولى: الواو</span>\n...\nالفصل الثامن في تفسير حروف يحتاج إليها\nقال ﵀ الفصل الثامن في تفسير حروف يحتاج إليها وفيه مسائل:\nالأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة ولأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب مثل تقابل زيد وعمرو وجاء زيد وعمرو قبله ولأنها كالجمع والتثنية وهما لا يوجبان الترتيب.\nهذا الفصل معقود لتفسير حروف يشتد حاجة الفقيه إلى معرفتها لكثرة وقوعها في الدلائل وقد أودعه مسائل:\nالأولى: في حكم الواو العاطفة وبدأ بها لأنها أصل الباب وفيها مذاهب:\nأحدها: أنها للترتيب وهو الذي اشتهر من أصحاب الشافعي كما قال إمام الحرمين وهو قضية كلام الماوردي حيث استدل على الترتيب في الوضوء بآية الوضوء وقال قد عطف بحرف الواو ذلك موجب للترتيب لغة وشرعا.\nالثاني: أنها للمعية وعلية الحنفية كما قال إمام الحرمين ثم قال وقد ذل الفريقان يعني القائلين بالترتيب والمعية.\nوالثالث: وهو المختار أنها لمطلق الجمع لا تدل على ترتيب ولا معية فإذا قلت جاء زيد وعمرو فقد أشركت بينهما في الحكم من غير تعرض لمجيئهما معا أو لمجيء أحدهما بعد الآخر فهي للقدر المشترك بين الترتيب والمعية وهذا ما نقله القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية عن أكثر أصحابنا ونقل عن الفراء","vol":"1","page":338},{"text":"أنا للترتيب حيث يمتنع الجمع مثل اركعوا واسجدوا ويشبه ألا يكون هذا مذهبا رابعا مفصلا لأن الموضوع للقدر المشترك بين معنيين إذا تعذر حمله عليه للقرينة موضوعا له بل لتعذر الحمل على صاحبه وانحصار الأمر فيه ونقل بعضهم عن الفراء أنه للترتيب وقد استدل في الكتاب على المذهب المختار بثلاثة أوجه:\nأحدها: إجماع النحاة قال أبو علي الفارسي أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه أنها للجمع المطلق.\nالثاني: أنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب فإنك تقول تقاتل زيد وعمر والتفاعل يقتضي صدور الفعل من الجانبين معا وذلك ينافي الترتيب وتقول جاء زيد وعمرو هنا أن تكون الواو للترتيب وإلا لزم التناقض وإذا استعملت في غير الترتيب وجب ألا تكون حقيقة في الترتيب رفعا للاشتراك وهذا الدليل لا يثبت المدعى وإنما ينفي كونها للترتيب.\nوالثالث: أن النحاة قالوا واو العطف في المختلفات بمثابة واو الجمع وياء التثنية في المتغقات ولذلك أنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة وتثنيتها استعملوا واو العطف ثم إن واو الجمع والتثنية لا يوجبان الترتيب فكذلك واو العطف وهذا الدليل كالذي قبله لا ينفي القول بالمعية وهنا أمور:\nأحدها: أنه أطلق الواو والصواب تقييده لواو العطف لتخرج واو مع واو الحال مثل سرت والنيل فإنهما يدلان على المعية بلا شك.\nوثانيها: حكايته الإجماع قلد فيه الإمام والإمام حكاه عن الفارسي وكذلك نقله السيرافي والسهيلي وفيه نظر فإن الخلاف موجود عند النحويين في ذلك كما هو عندهم غيرهم.\nوقد سبق النقل عن الفراء وكذلك قال شيخنا أبو حيان في الارتشاف","vol":"1","page":339},{"text":"ونقله السهيلي١ والسيرافي٢ إجماع النحويين بصريهم وكوفيهم على ذلك غير صحيح.\nوثالثها: وهو المقصود الأعظم والمهم الأكبر ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام عن بعض الباحثين المتعلقين بعلم المعقول أنه فرق بين مطلق الماء والماء المطلق بما حاصله أن الحكم المعلق بمطلق الماء يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد والمرتب على الماء المطلق مرتب على الحقيقة بقيد الإطلاق ولا يلزم من توقف الحكم على مطلق الحقيقة توقفه على الحقيقة المقيد بقيد الإطلاق قلت وقد جرى البحث مع والدي ﵀ في قاعدة مطلق الشيء والشيء المطلق ولا شك أنه إذا أخذ المطلق قيدا في الشيء كان المراد بالأول حقيقة الماهية وبالثاني هي تقيد الإطلاق فالأول لا يقيد والثاني يقيد لا.\nوقولنا يقيد لا يقيد التجرد عن جميع القيود إلا قيد لا وقد لا يراد ذلك بل يراد التجرد عن قيود معروفة ولذلك أمثلة منها مطلق الماء والماء المطلق.\nفالأول: ينقسم إلى الطهور والطاهر غير الطهور والنجس وكل الطاهر غير الطهور والنجس ينقسم بحسب ما يتغير به ويخرجه ذلك عن أن يطلق عليه أسم الماء\n_________\n١ هو عبد الرحمن عبد الله أحمد الخثعمي السهيلي كان عالما باللغة والسير ضريرا.\nمن كتبه الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام والتعريف والإعلام في ما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام.\nتوفي سنة ٥٨١ هـ.\nتذكرة الحفاظ ٤/١٣٧ الأعلام ٤/٨٦.\n٢ هو الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي نحوي عالم بالأدب وكان معتزليا متعففا لا يأكل إلا من عمل يده.\nمن مؤلفاته الإقناع في النحو أكمله بعده ابنه يوسف وأخبار النحويين البصريين وصيغة الشعر وغير ذلك.\nتوفي سنة ٣٦٨ هـ.\nوفيات الأعيان ١/١٣٠ الأعلام ٢/١١٠، ١١١.","vol":"1","page":340},{"text":"والثاني: وهو الماء المطلق لا ينقسم إلى هذه الأقسام وإنما يصدق على أحدها وهو الطهور وذلك لأنه أخذ فيه قيد الإطلاق وهو التجرد عن القيود اللازمة التي يمتنع بها أن يقال له ماء إلا مقيدا كقولنا ماء متغير بزعفران أو أشنان أو نحوه وماء اللحم وماء الباقلا وما أشبه ذلك.\nومنها اسم الرقبة وحقيقتها يصدق على السليمة والمعيبة والمطلقة لا يصدق إلا على السليمة فلا يجزى في العتق عن الكفارة إلا رقبة سليمة لإطلاق الشارع إياها والرقبة المطلقة مقيدة بالإطلاق بخلاف مطلق الرقبة.\nومنها الدرهم المذكور في العقود قد يقيد بالناقص والكامل وحقيقية منقسمة إليهما وإذا أطلق يتقيد بالكامل المتعارف ونحوها في الرواج بين الناس.\nومنها الثمن والأجرة والصداق وغيرها من الأعراض المجعولة في الذمة ينقسم إلى الحال والمؤجل وإذا أطلقت إنما تحمل على الحال فالإطلاق قيد اقتضى ذلك.\nومنها حقيقة القرابة يدخل فيها الأب والإبن وغيرهما من القرابات وعند الإطلاق لا يدخل فيها الأب والإبن لأنهما أعلى من أن يطلق فيهما لفظ القرابة لما لهما من الخصوصية المقتضية لمزيد على بقية القرائب فيقال إنهما أقرب الأقارب وأفعل التفضيل يستدعي المشاركة فلولا ما قلناه من تحقق معنى القرابة فيهما لما صدق عليهما أنهما أقرب الأقارب وإنما امتنع إطلاق القرابة عليهما لما يقتضيه الإطلاق من التقييد بالقرابة العامة التي لا مزيد فيها على مجرد القرابة.\nهذا ما حرره والدي أيده الله تعالى حال البحث وكان أصل البحث في مسألة القرابة فلذلك أوردناه وقد أوردت عليه إذ ذاك سؤالات وألف مختصرا لطيفا في ذلك وأجاب عنها فلنذكرها على وجه السؤال والجواب.\nفإن قلت اللفظ إنما وضع لمطلق الحقيقة لا للحقيقة المطلقة فتقييدكم إياه","vol":"1","page":341},{"text":"عند الإطلاق بالحقيقة المطلقة من أين قلت من جهة إطلاق المتكلم فصار إطلاقه قيدا في اللفظ.\nفإن قلت من المعلوم أنه ليس في اللفظ فهل يقولون إن ذلك قرينة حالية أو لفظية وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ بها والقرائن الحالية وهي هيئة صادرة من المتكلم عند كلامه وذلك أن الكلام قد يخرج عن كونه كلاما بالزيادة والنقصان وقد لا يخرج عن كونه كلاما ولكن يتغير معناه بالتقييد.\nفإنك إذا قلت قام الناس كان كلاما يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس فإذا قلت إن قام الناس خرج عن كونه كلاما بالكلية فإذا قلت قام الناس إلا زيدا لم يخرج عن كونه كلاما ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدا وقد علمت أن لإفادة قام الناس الإخبار بقيام جميعهم شرطين:\nأحدهما: ألا يبتدئه بما يخالفه وله شرط ثالث أيضا وهو أن يكون صادرا عن قصد فلا عبرة بكلام الساهي والنائم فهذه ثلاثة شروط.\nفإن قلت من أين لنا اشتراط ذلك واللفظ وحده كاف في الإفادة لأن الواضع وضعه لذلك؟\nقلت وضع الواضع له معناه أنه جعله متهيأ لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص والمقيد في الحقيقة إنما هو المتكلم واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.\nفإن قلت لو سمعنا قام الناس ولم تعلم من قائله هل قصده وهل ابتدأه أو ختمه بما يغيره هل لنا أن نخبر عنه بأنه قال قام الناس؟\nقلت قد تقدم الجواب عن هذا في أول باب اللغات وكذلك ما قبله وبالله التوفيق.\nوإنما دعا إلى ذكر هذا البحث جميعه الاعتراض على قول المصنف الجمع المطلق وأنه كان الأسد أن يقول مطلق الجمع فساق النظر إلى ذكر هذه المباحث الجليلة.","vol":"1","page":342},{"text":"قال قيل أنكر ومن عصاهما ملقنا ومن عصى الله ورسوله.\nقلنا ذلك لأن الأفراد أشد تعظيما قيل لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة بخلاف أنت طالق طلقتين.\nقلنا الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ وقوله طلقتين تفسير لطالق.\nاحتج القائلون بأن الواو للترتيب بوجهين:\nالأول: ما روى مسلم في صحيحه أن رجلا خطب عند النبي ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له رسول الله ﷺ: \"بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله\" ١ وهذا يدل على أنها للترتيب إذ لو كانت للجمع لما حسن الذم.\nأجاب بأن ذلك ليس لأنها للترتيب بل لأن الإفراد بالذكر أشد في التعظيم ومما يدل على هذا أنه لا يترتب بين عصيان الله وعصيان نبيه ﷺ بل معصية الله معصية الرسول ﷺ لتلازمهما.\nفإن قلت ما الجمع بين إنكاره ﷺ على هذا الخطيب مع قوله ﷺ: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" ٢.\nوقال في حديث آخر: \" فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم\" فقد جمع بينهما في ضمير واحد وقد قلت أجيب بوجهين:\nأحدهما: النبي ﷺ أنكر ذلك على الخطيب لكونه عدل عن الأولى\n_________\n١ رواه مسلم كتاب الجمعة ٦/١٥٨ بشرح النووي من حديث عدي بن حاتم منفردا به وذكره الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين كما رواه أبو داود والنسائي ٦/٧١ شرح السيوطي.\n٢ حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار\" الفتح الكبير ٢/٤٩.","vol":"1","page":343},{"text":"والأفضل لا سيما وهو في مقام الخطابة المقتضى للتعليم وأما النبي ﷺ فلم لا يفعل إلا الأولى فإنه في مقام تشريع وتبيين ففعل الأولى له بتبيينه الأولى ليدل على الجواز.\nوالثاني: أن حسن الكلام إيجازا وإطنابا مما يختلف باختلاف المقام فرب مقام يقتضي الإطناب وبسط العبارة ورب آخر لا يقتضي ذلك والخطيب كان في مقام الترغيب والدعاء إلى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ فناسب بسط العبارة والمبالغة في الإيضاح.\nالوجه الثاني: للقائلين بأن الواو للترتيب أن الرجل إن قال لزوجته التي لم يدخل بها أنت طالق طالق طلقت واحدة على المذهب الصحيح ولو كانت الواو لمطلق الجمع لكان مثل قوله: أنت طالق طلقتين حتى يقعا.\nأجاب بأن قوله: وطالق معطوف على الإنشاء فكان إنشاء آخر أتى به بعد تمام الأول وعمله عمله لأن معاني الإنشاء مقاربة لألفاظها فيكون قول ثانيا وطالق إنشاء لإيقاع طلقة أخرى في غير وقت قابل للطلاق لأنها بالأولى بانت إذ هي غير مدخول بها بخلاف قوله: طلقتين أو ثلاثا فإنه تفسير للكلام الأول وبيان لما قصد به لا إنشاء ثان.\nخاتمة قد عرفت دعوى إمام الحرمين أن المشتهر في أصحاب الشافعي أن الواو للترتيب وما قاله الماوردي وهذا لعله أخذ من مسألة الترتيب في الوضوء وإن كان ذلك فهو لا يكفي في تسويغ النقل على هذه الصورة فإن للأصحاب مستندا آخر غير كون الواو للترتيب وقد قيل إن الناقلين لكون الواو للترتيب عن الشافعي إنما هم قوم من الحنفية من غير ثبت بل بمجرد ظن من مسألة الترتيب في الوضوء ولذلك قال الأستاذ أبو منصور البغدادي معاذ الله أن يصح هذا النقل عن الشافعي بل الواو عنده لمطلق الجمع.\nقلت وهو اللائق بقواعد مذهبه وعليه تدل الفروع وقد اتفق الأصحاب قاطبة على أن قول القائل وقفت على أولادي وأولاد أولادي مقتض للتسوية والتشريك بينهم دون الترتيب ولا نعلم أحدا قال بالترتيب وإن أتى في بعض","vol":"1","page":344},{"text":"الفروع خلاف فمنشأة اختيار من صاحب ذلك الوجه أن الواو للترتيب ومن ذلك قول الأصحاب فيما يقال إن دخلت الدار وكلمت زيدا فأنت طالق لا بد من وجودهما في وقوع الطلاق ولا يقع بهما إلا طلقة ولا فرق بين أن يتقدم الكلام أو يتأخر وفي التتمة ما يقتضي إثبات خلاف فيه لأنه قال من جعل الواو للترتيب فلا بد عنده من أن يتقدم الدخول على الكلام.\nقال االرافعي ومن الأصحاب من جعل الواو للترتيب وذكر الرافعي في آخر باب القسم والنشوز أنه لو قال لوكيله خذ مالي ثم طلقها لم يجز تقديم الطلاق ولو قال خذ مالي وطلق فهل يشترط تقديم أخذ المال أو لا يشترط ويجوز تقديم الطلاق كما لو قال طلقها وخذ مالي فيه وجهان:\nرجح صاحب التهذيب منهما الأول.\nقلت وليس الوجهان في المسألة ناظرين إلى ما نحن ناظرين فيه من اقتضاء الواو للترتيب وإنما القائل بوجوب تقديم المال ناظر إلى أن الموكل قدمه في كلامه والوكيل يراعي المصلحة فليقدم أخذ المال والمخالف ناظر إلى عدم اقتضاء الواو للترتيب ويدل على هذا أنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المال في عكسه وهو ما إذا قال طلقها وخذ مالي بل لو صرح بثم التي وضعت للتراخي لجاز له تقديم أخذ المال على الطلاق قال الرافعي لأنه زيادة خير.\nفإن قلت قد نقل الرافعي في التدبير عن صاحب التهذيب فيما إذا قال لعبده إن مت ودخلت الدار فأنت حر لا بد أن يقع دخوله الدار بعد موت السيد ولم يحك ما يخالفه فقد جعلوها هنا للترتيب.\nقلت هذا مشكل والظاهر أنه مبنى على أن الواو للترتيب وإلا فأي فرق بين هذه المسألة والمسألة التي قدمناها فيما إذا قال إذا دخلت الدار وكلمت زيدا ولم يقل أحد بالترتيب إلا ما أخرجه صاحب التتمة.\nوعلى الجملة إن وضح معنى في هذه المسألة فقد حصل الغرض من أن الفرع غير مبني على اقتضاء الواو للترتيب وإلا فما قاله الأصحاب في مسألة إن دخلت الدار وكلمت زيدا يناقضها وهو أصح.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المسألة الثانية: الفاء</span>\n...\nقال الثانية الفاء للتعقيب إجماعا ولهذا ربط به الجزاء إذا لم يكن فعلا.\nوقوله لا تفتروا على الله كذبا فيستحكم مجاز..\nالفاء للتعقيب أي يدل على وقوع الثاني عقيب الأول من غير مهلة ولكن في كل بحبسه كقولك دخلت بغداد فالبصرة وقولك قمت فمشيت فالأول أفاد التعقيب على ما يمكن والثاني أفاده على الأثر إذ هو ممكن واستدل في الكتاب على أنها للتعقيب بإجماع أهل اللغة على ذلك وقد قلد في نقل هذا الإجماع الإمام وليس بجيد فقد ذهب الجرمي إلى أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فلا ترتيب تقول.\nعفا مكان كذا فكان كذا وإن كانت عفاهما في وقت واحد ونزل المطر مكان كذا فمكان هكذا وإن كان نزولهما في وقت واحد وزعم الفراء أن ما بعد الفاء يكون سابقا إذا كان في الكلام ما يدل عليه وجعل من ذك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ١ ومعلوم أن مجيء البأس سابق للهلاك وزعم الفراء أيضا أن الفعلين إذا كان وقوعهما في وقت واحد ويؤولان إلى معنى واحد فإنك مخير في عطف أيهما شئت على الآخر بالفاء تقول أحسنت إلي فأعطيتني وأعطيتني فأحسنت إلي.\nقوله ولهذا أعلم أن الإمام نقل أن منهم من احتج على أن الفاء للتعقيب بأنها لو لم تكن للتعقيب لما دخلت على الجزاء إذا لم تكن بلفظ الماضي والمضارع لكنها تدخل فهي للتعقيب بيان الملازمة أن جزاء الشرط قد يكون بلفظ الماضي كقولك من دخل داري أكرمته أو بلفظ المضارع من دخل يكرم وقد يكون لا بهاتين اللفظتين وحينئذ لا بد من ذكر الفاء كقولك من دخل داري فله درهم.\nوأما قول الشاعر\n_________\n١ سورة الأعراف آية: ٤.","vol":"1","page":346},{"text":"من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله سيان١\nفقد أنكره المبرد وزعم أن الرواية الصحيحة من يفعل الخير فالرحمن يشكره وإذا أوجب دخول الفاء على الجزاء وثبت أن الجزاء لا بد وأن يحصل عقيب الشرط علمنا أن الفاء للتعقيب قوله وقوله: ﴿لا تَفْتَرُوا﴾ جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال قد جاءت الفاء بمعنى التعقيب في قوله: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ٢ والإسحات لا يقع عقيب الافتراء بل يتراخى إلى الآخره وجوابه أن الفاء قد ثبت بما قررناه من الدليلين أنها حقيقة في التعقيب فوجب حمل ما ذكرتموه على المجاز وذلك لأن الإسحات لما كان متحقق الوقوع جزاء للافتراء نزل منزلة الواقع عقيبه.\nفرع قضية اقتضاء الفاء التعقيب أنه إذا قال مثلا إن دخلت الدار فكلمت زيدا فأنت طالق فلا بد من وقوع الطلاق من وقوع كلامها لزيد عقيب دخولها.\nوحكى الأصحاب وجهين فيما إذا قال لعبده إذا مت فشئت فأنت حر أصحها عند الأكثرين اشتراط اتصال المشيئة بالموت لكون الفاء تقتضي التعقيب وهما جاريان في سائر التعليقات.\n_________\n١ قاله كعب بن مالك ويروى:\nمن يفعل الحسنات الله يشكرها\nوالشر بالشر عند الله مثلان\n٢ سورة طه آية: ٦١.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المسألة الثالثة: في</span>\n...\nقال الثالثة في الظرفية ولو تقديرا مثل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ولم يثبت مجيئها للسببية.\nلفظة في للظرفية تحقيقا نحو الماء في الكوز أو تقديرا مثل قوله تعالى حكاية: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ لتمكن المطلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان ومن النحاة من يقول في هنا بمعنى على واختاره الشيخ جمال","vol":"1","page":347},{"text":"الدين بن مالك١ لكن الذي عليه الجمهور وهو مذهب سيبويه الأول.\nوقول المصنف في للظرفية ولو تقديرا يحتمل أمورا:\nأحدها: أنها تكون حقيقة في للظرفية محققة مجازا في المقدرة وهذا مذهب سيبويه والمحققين.\nوالثاني: أن تكون مشتركة بينهما.\nوالثالث: وهو الأقرب إلى الصواب أن تكون حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز وحينئذ تكون من قبيل المشكك أن معنى الظرفية في المحققة أوضح.\nقوله ولم يثبت مجيئها للسببية.\nاعلم أن الإمام نقل عن بعض الفقهاء أنها للسببية لقوله ﵇ في النفس المؤمنة مائة من الإبل وضعفه بأن أحدا من أهل اللغة ما ذكر ذلك مع أن المرجح في هذه المباحث إليهم وهذا الذي ذكره الإمام ضعيف من وجهين:\nأحدهما: أنه شهادة نفي وقد رد هو على ابن جني في مسألة الباء بذلك فكيف يرد به هنا.\nوالثاني: أن ذلك شائع ذائع في لسان العرب في القرآن والسنة وشعر العرب أما القرآن ففي قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ ٢ و﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ ٣.\n_________\n١ هو محمد بن عبد الله بن مالك الطائي أبو عبد الله جمال الدين أحد الأئمة في علوم العربية وصاحب الألفية المشهورة.\nولد في جيان بالأندلس ونتقل إلى دمشق حتى توفي بها سنة ٦٧٢ هـ\nبغية الوعاة ص ٥٣ الأعيان ٧/١١١.\n٢ سورة النور آية: ١٤.\n٣ سورة الأنفال آية: ٦٨.","vol":"1","page":348},{"text":"وأما السنة فالحديث الذي أورده وما روي أيضا من قوله ﷺ: \"دخلت امرأة النار في هرة\" ١.\nوأما العرب فقال الشاعر:\nبكرت باللوم تلحانا ... في بعير ضل أو حانا\nومثله:\nلوى رأسه عني ومال بوده ... أغاينج خود كان فينابزورها\nأغاينج بالغين المعجمة والنون المكسورة والخود بفتح الخاء المعجمة المرأة الجميلة.\nوهذا هو الذي اختاره ابن مالك والإنصاف في لفظه في أنها حقيقة في الظرفية مجاز في السببية وقد ذكر بعضهم للفظة في موارد أخرى.\nقال الشيخ أبو حيان وتأول أصحابنا كل ذلك وردوه إلى معنى الوعاء.\nقال الرابعة من لابتداء الغاية والتبيين والتبعيض وهي حقيقة في التبيين دفعا للاشتراك.\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وابن وأحمد في مسنده من حديث أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله – ﷺ – قال: \"دخلت امرأة النار في هرة ربطها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت\" الفتح الكبير ٢/١١٠.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المسألة الرابعة: من</span>\n...\nلفظة من ترد لابتداء الغاية وللتبيين وللتعيض فأما ورودهما لابتداء الغاية فهو إما في المكان وهو مجمع عليه ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ١ وأما في الزمان مثل: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ ٢ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٣ وفي الحديث: \"فمنظرنا من الجمعة إلى الجمعة وفيه من نصف النهار إلى صلاة العصر\".\nوقال الثانية تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب وقال الراجز:\nتنتهض الرعدة في ظهري من لدن الظهر إلى العصر\nوهذا قد أثبته الكوفيون وصححه ابن مالك وشيخنا أبو حيان منعه\n_________\n١ مفتتح سورة الاسراء.\n٢ سورة التوبة آية: ١٠٨.\n٣ سورة الروم آية: ٤.","vol":"1","page":349},{"text":"البصريون قال شيخنا وتأولهم مجيئها لذلك مع كثرته في لسان العرب نثرها ونظمها كثرة تسوغ القياس ليس لشيء.\nواعلم أن من قد تدخل لابتداء الغاية في غير المكان والزما ن نحو قرأن من أول سورة البقرة إلى آخرها وفي الحديث \" من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم\" وأما ورودها للتبيين فكقوله ﷾: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ ٢.\nوبهذا قال ابن بابشاذ وابن النحاس وعبد الدايم القيرواني وابن ملك.\nقال شيخنا أبو حيان وقد أنكر ذلك أكثر أصحابنا وزعموا أنها لم ترد لهذا المعنى وقالوا هي في قوله: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ لابتداء الغاية وانتهائها لأن الأوثان نحاس مصوغ أو ذهب أو غير ذلك فليس الرجس ذاتها ولا النجس الذي صنعت منه وإنما وقع الاجتناب على عبادتها ووصف الرجس المعبود منها ومن في الآية كهي في قولك أخذته من التابوت ألا ترى أن اجتناب عبادة الوثن ابتداؤه وانتهاؤه وأما وعد الله الذين آمنوا فنقدر أن الخطاب عام للمؤمنين وأما ورودها للتبعيض فنحو أخذت من الدراهم ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ٣ وهو كثير وقد زعم الأخفش الصغير٤ والمبرد٥ وابن السراج٦ والسهيلي وطائفة أن\n_________\n١ سورة الحج آية: ٣٠.\n٢ سورة النور آية: ٥٥.\n٣ سورة البقرة آية: ٢٥٣.\n٤ هو علي بن سليمان بن الفضل أبو المحاسن المعروف بالأخفش الأصغر نحوي من العلماء من أهل بغداد أقام بمصر مدة ثم قدم حلب ثم رجع إلى بغداد حتى توفي بها سنة ٣١٥ هـ.\nوفيات الأعيان ١/٣٣٢ الأعلام ٥/١٠٣.\n٥ هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزجي أبو العباس المعروف بالمبرد إمام العربية ببغداد في زمنه وأحد أئمة الأدب والأخبار ولد بالبصرة سنة ٢١٠ هـ\nمن مؤلفاته الكامل في اللغة والأدب شرح لامية العرب طبقات النحاة البصريين توفي ببغداد سنة ٢٨٦ هـ\nوفيات الأعيان ١/٤٩٥ الأعلام ٨/١٥.\n٦ هو محمد بن السري بن سهل أبو بكر أحد أئمة الأدب والعربية من أهل بغداد ويقال ما................=","vol":"1","page":350},{"text":"من لا تكون إلا لابتداء الغاية وصححه ابن عصفور ويعرف كونها لابتداء الغاية بصحة وضع الذي مكانها وكونها للتبعيض بصحة وضع البعض.\nثم قال المصنف تبعا للإمام إنها حقيقة في التبيين لأنه مشترك بين المعاني المتقدمة كلها إذ يتبين في الأول ابتداء الخروج.\nوفي الثاني: في مثل: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ تبين المجتنب.\nوفي الثالث: مثل أخذت من الدراهم تبيين المأخوذ منه فيكون متواطئا حقيقة في القدر المشترك وإلا فإن كان حقيقة في كل واحد يلزم الاشتراك أو في البعض دون البعض يلزم المجاز فليكن حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك ودفعا للمجاز ولم يذكر المصنف المجاز ولا بد منه وقد ذكروا ل من موارد أخرى لا نطيل بتعدادها.\n_________\n= زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله من مؤلفاته الأصول في النحو والشعراء شرح كتاب سيبويه توفي سنة ٣٦١ هـ.\nالوافي بالوفيات ٣/٨٦ الأعلام ٧/٦.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المسألة الخامسة: الباء</span>\n...\nقال الخامسة الباء تعدي اللازم وتجزي المتعدي لما نعلم من الفرق بين مسحت المنديل بالمنديل ونقل إنكاره عن ابن جني ورد بأنه شهادة نفي.\nللباء حالتان إحداهما أن تدخل على فعل لا يتعدى بنفسه كقولك كتبت بالقلم ومرت بزيد فلا تقتضي إلا مجرد الإلصاق وهذه الحالة هي التي عبر عنها في الكتاب بقوله الباء تعدي اللازم والتعبير بالإلصاق أحسن ولم يذكر لها سيبويه١ معنى غيره وأما التعبير بتعدية اللازم فليس بجيد فإنها قد لاتكون كذلك كما في المثالين المذكورين وقد تكون كذلك كما قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٢.\n_________\n١ تقدمت ترجمته.\n٢ سورة البقرة آية: ١٧.","vol":"1","page":351},{"text":"وكذلك: ﴿بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فيصير الفاعل مفعولا به فتكون الباء بمعنى الهمزة في قولك أذهب.\nالثانية: أن تدخل على فعل يتعدى بنفسه وهو مراد المصنف بقوله تجزي المتعدي أن تقضي التبعيض كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وخالفت الحنفية في ذلك لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق بين أن يقال مسحت يدي بالمنديل ومسحت المنديل بيدي فإن الأول يفيد التبعيض والثاني يفيد الشمول وهذا الاستدلال ضعيف.\nأما أولا فلأنه مناقض لما ذكره في المجمل والمبين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأما ثانيا فلأن مسح يتعدى إلى المفعول بنفسه وإلى ما يمسح به بالباء فتقدير مسحت المنديل مسحت المنديل بيدي فالمنديل ممسوح فيه واليد آلة وتقدير مسحت بالمنديل مسحت وجهي المنديل فالوجه ممسوح والمنديل آلة فلا تكون الباء فيه للتبعيض وإنما هي للتعدية وفهم التبعيض منه إن سلم إنما هو لكون المنديل فيه آلة والعمل في جاري العوائد إنما يكون ببعض الآلة كما تقول أخذت بثوب زيد وإنما أخذت ببعض ثوبه ومنه: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ .\nوقد ذكرنا أن سيبويه لم يذكر لها معنى غير الإلصاق.\nقال البصريون لا يكون إلا بمعنى الإلصاق والاختلاط حقيقة أو مجازا إذا لم تكن زائدة وقد يتجرد الإلصاق وقد ينجر معها معان أخر فالإلصاق حقيقة وصلت هذا بهذا أو مجازا مررت بزيد والتصق المرور بمكان بقرب زيد وذكروا أن المعاني التي تنجر مع الإلصاق ستة أنواع النقل ويعبر عنه بالتعدية كما سبق في قول: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ويكون الفعل قبلها لازما ومتعديا نحو صككت الحجر بالحجر أصله صك الحجر الحجر والإلصاق في هذا واضح والسببية نحو مات زيد بالجوع والاستعانة نحو كتبت بالقلم.\nوأدرج ابن مالك هذا في السببية والمصاحبة ويصلح معها مع نحو جاءكم الرسول بالحق والحال نحو وهبتك الفرس بسرجه أي مسرجا","vol":"1","page":352},{"text":"والظرفية وهي التي يصلح مكانها في نحو زيد بالبصرة والقسمية نحو بالله لأقومن ألصقت فعل القسم المحذوف بالقسم به.\nهذا كلام شيخنا في الارتشاف وهذه الأقسام سبعة وقد ذكر أنها ستة فما أدرى ما أراد وذكر ابن مالك أنها تأتي للتعليل قال وهو يحسن غالبا في موضع اللام كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ ١.\nقال شيخنا أبو حيان ولم يذكر أصحابنا هذا وكأن السبب والتعليل عندهم واحد وذكر ابن مالك أيضا أنه تكون للبدل قال وهي التي يصلح مكانها بدل نحو قوله:\nفليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا٢\nأي بدلهم وللمقابلة وهي الداخلة على الأثمان والأعواض نحو اشتريت الفرس بألف وقد يسمى باء العوض وذهب الكوفيون إلى أن الباء قد تأتي بمعنى عن وذلك بعد السؤال نحو:\nوإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأحوال النساء طبيب٣\nأي عن النساء.\nوقال الأخفش ومثله فاسأل به خبيرا واستدل ابن مالك لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ ٤ أي عن الغمام وكان الأستاذ أبو علي يقول اسأل بسببه خبيرا وسبب النساء أي لتعلموا حالهن.\nوذهب الكوفيون أيضا إلى أن الباء تكون بمعنى على وهو الذي عزاه إمام الحرمين إلى الشافعي واستدل عليه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ\n_________\n١ سورة البقرة آية: ٥٤.\n٢ قائلة: قريظ بن أنف أحد بني العنبر.\nحماسة أبي تمام ص ٤.\n٣ قائل هذا البيت هو عبدة بن الطبيب في معلقته.\nالمعلقات العشر للتبريزي.\n٤ سورة الفرقان آية: ٢٥.","vol":"1","page":353},{"text":"إِلَيْكَ﴾ أي على دينار وزعم بعض النحاة أن الباء تدخل على الاسم حيث يراد الشبيه نحو لقيت بزيد الأسد ورأيت به القمر أي لقيت بلقائي إياه الأسد أي شبهه\nوالصحيح أنها للسبب أي بسبب لقائه وبسبب رؤيته وزعم أيضا أنها تدخل على ما ظاهره أن المراد به غير ذات الفاعل أو ما أضيف إلى ذات الفاعل نحو قول طفيل الغنوي:\nإذا ما غزا لم يسقط الروع رمحه\n...\nولم يشهد الهيجاء بالموت معصم\nالألوث الضعيف ويقال الرجل الذي يمسك بعرف فرسه خوف السقوط معصم بضم الميم بعدها عين مهملة ساكنة ثم صار مهملة مكسورة وقيل المعصم الذي يتحصن بالجبال فيمتنع فيها فظاهره أن فاعل يشهد غير الوث معصم والفاعل في الحقيقة هو ألوث معصم وتكون الباء زائدة كما في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ١ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ و﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ و﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ فهذا من أجمع ما ذكره النحاة من موارد الباء.\nوأما ورودها للتبعيض فقد ذكره ابن مالك ومن شواهده شرب التريف ببرد ماء الحشرج أي من برد وقال ذلك في التذكرة الفارسي وهو مذهب الكوفيين تبعهم فيه الأصمعي والقتبي في قوله: شربن بماء البحر وتأوله ابن مالك على التضمين أي روين بماء البحر.\nوقال إمام الحرمين ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا وزعموا أنه في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ يتضمن ذلك وهذا خلاف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جني في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن نقول مسحت رأسي ومسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب انتهى\n_________\n١ سورة مريم آية: ٢٥.","vol":"1","page":354},{"text":"قوله ونقل أي احتج من زعم أنها ليست للتبعيض بأن أبا الفتح بن جني من أئمة اللغة وقد اشتد نكيره على من قال إنها للتبعيض وقال إنه شيء لا يعرف في اللغة وأجاب المصنف تبعا للإمام بأن ما ذكره ابن جني شهادة على النفي فلا تقبل وهو حيد عن سبيله الإنصاف إذ الواصل في فن إلى نهايته والبالغ فيه إلى أقصى غاياته يقبل قوله: فيه نفيا وإثباتا وقد وافق ابن جني على ذلك صاحب البسيط فقال لم يذكر أحد من النحويين أن الباء للتبعيض.\nوقال بعضهم لو كانت للتبعيض لقلت زيد بالقوم تريد من القوم وقبضت بالدراهم أي منها ثم إن المصنف تبعا للإمام أيضا شهد على النفي في مسألة في حيث قال ولم يثبت مجيئها للسببية فليست شهادتهما في لغة العرب على النفي أولى بالقبول من شهادة أبي الفتح بن جني وصاحب البسيط معاذ الله أن يكون ذلك نعم كان الطريق في الرد على ابن جني أن يعرض عليه مواضع من كلامهم ورد ذلك فيها كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي منها.\nوقال عمر بن أبي ربيعة:\nفلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب التريف ببرد ماء الحشرج١\nوقال غيره:\nشربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم٢\nالدحرضان بضم الدال بعدها حاء مهملة ساكنة ثم راء مهملة مضمومة ثم ضاد معجمة مفتوحة وهما ماءان يقال لأحدهما وسيع وللآخر الدحرض وهما مما غلب فيه أحد القرينين على الآخر كالقمرين والعمرين وقال الآخر:\n_________\n١ قائله عمر بن أبي ربيعة وقيل لجميل بن معمر.\nلسان العرب مادة حشرج.\n٢ قائله عنترة بن شداد راجع لسان العرب مادة دحرض.","vol":"1","page":355},{"text":"شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لحج خضر لهن تثيج\nوقد ذكرنا أن الكوفيين والأصمعي والقتبي وابن مالك ذكروا ذلك.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المسألة السادسة: إنما</span>\n...\nقال السادسة إنما للحصر لأن إن للإثبات وما للفي فيجب الجمع على ما أمكن.\nوقد قال الأعشى وإنما العزة للكاثر وقال الفرزدق.\nوإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي.\nوعورض بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلنا المراد الكاملون.\nتقييد الحكم بإنما مثل إنما قام زيد هل يفيد حصر الأول في الثاني بمعنى أنه تفيد إثبات الحكم في المحكوم عليه ونفيه عن غيره فيه مذهبان:\nأحدهما: تفيد الحصر وبه قال القاضي وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وعليه الإمام وأتباعه منهم صاحب الكتاب.\nوالثاني: لا بل تفيد الإثبات واختاره الآمدي واحتج الأولون بوجهين:\nأحدهما: أن كلمة أن تقتضي الإثبات وما تقتضي النفي فعند تركيبهما يجب بقاء كل منهما على أصله لأن الأصل عدم التغيير وحينئذ يجب الجمع بينهما بقدر الإمكان فلا بد من إثبات شيء ونفي آخر لامتناع اجتماع النفي والإثبات على شيء واحد وحينئذ إما أن نقول كلمة إن تقتضي ثبوت غير المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهو باطل إجماعا أو نقول كلمة إن تقتضي ثبوت المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهذا هو الحصر وهو المراد وقد ضعف هذا الوجه بأن المعروف عند النحويين أن ما ليست نافية بل زائدة كافة موطئة لدخول الفعل وذكر في إفادتها الحصر وجه آخر","vol":"1","page":356},{"text":"أسند إلى علي بن عيسى الربعي١ وهو أن كلمة أن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم لما اتصلت بها ما المؤكدة لا النافية لما ذكرنا تضاعف تأكيدها فناسب أن تضمن معنى القصد لأن قصر الشيء على الشيء ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد ألا ترى إلى قولك جاء زيد لا عمرو وكيف يكون جاء زيد إثباتا للمجيء صريحا وقولك لا عمرو إثباتا ثانيا لمجيئه ضمنا وهذا الوجه أشد من الأول إلا أن للمعترض عليه أن يقول وجه مناسبة إضمار معنى القصر لائحة ولكن ذلك إنما يقال بعد ثبوت كونها للحصر والكلام فيه ومجرد هذه المناسبة لا يدل عليه.\nالوجه الثاني: من الوجهين المذكورين في الكتاب أن العرب استعملتها في الحصر كقول الأعشى عبد الله بن الأعور المازني الصحابي ﵁:\nولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر٢\nولست بفتح التاء ضبطه الجوهري وقال الفرزدق وهو همام بن غالب التابعي ﵀:\n_________\n١ هو علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أو الحسن الربعي عالم بالعربية أصله من شيراز له مؤلفات في النحو منها كتاب البديع وشرح مختصر الجرمي وشرح الإيضاح لأبي علي الفارسي. توفي ببغداد ٤٢٠ هـ.\nوفيات الأعيان ١/٣٤٣ الأعلام ٥/١٣٤.\n٢ ما قاله الشارح عن قائل هذا البيت ليس بصحيح فإن قائله هو الأعشى ميمون بن قيس بن جندل بن سراحيل من الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات أدرك الرسول – ﷺ – توفي سنة ٧ هـ.\nوهذا البيت من قصيدة له يهجو بها علقمة بن علامة ويمدح عامر بن الطفيل مطلعها:\nشاقك من قتلة أطلالها ... بالشط فالوتر إلى حاجر\nالصبح المنير في شعر أبي بصير الأعلام ٣/١٠٩٠.","vol":"1","page":357},{"text":"أنا الذائد الحامي الذمار\n...\nوإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي١\nقوله وعورض إشارة إلى حجة الخصم وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢ قالوا فلو أفادت الحصر لكان من لا يحصل له الوجل عند ذكر الله تعالى لا يكون مؤمنا وأجاب بأن المراد بالمؤمنين الكاملون في الإيمان جمعا بين الأدلة وعلى هذا يكون قد أفادت الحصر كما هو المدعي.\nواعلم أن الذي نقله شيخنا أبو حيان عن البصريين المذهب الثاني وكان مصمما عليه ويتغالى في الرد على من يقول بإفادتها الحصر الذي اختاره والدي أبقاه الله.\nالأول: وله كلام مبسوط في المسألة اشتد فيه نكيره على الشيخ أبي حيان وقال إنه استمر على لجاج وأن اللبيب لا يقدر أن يدفع عن نفسه فهم أن إنما للحصر ومن أحسن ما وقع له في الاستدلال على أنها للحصر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ٣ فقال هذه الآية تفيد أن إنما للحصر فإنها لو لم تكن للحصر لكانت بمنزلة قولك وإن تولوا فعليك البلاغ وهو عليه البلاغ تولوا أو لم يتولوا أو إنما الذي رتب على توليهم نفي غير البلاغ ليكون تسلية له ويعلم أن توليهم لا يضر.\nقال وهكذا أمثال هذه الآية مما يقطع الناظر بفهم الحصر منها كقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿إنما أنت منذر﴾ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ﴿إِنَّمَا\n_________\n١ قائله فرزدق همام بن غالب بن صعصعة التميمي من شعراء الطبقة الأولى الإسلاميين توفي بالبصرة سنة ١١٠ هـ.\nمعجم الشعراء للمرزباني ص ٤٦٥.\n٢ سورة الأنفال آية: ٢.\n٣ سورة آل عمران آية: ٢٠.","vol":"1","page":358},{"text":"السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .\nقال فيكاد فهم الحصر من جميع هذه الآيات يسبق إلى القلب قبل السمع لا يرتاب فيه ولا يتمارى.\nفائدة إذا قلنا إنما للحصر فهل ذلك للمنطوق أو بالمفهوم فيه مذهبان:\nوالأول: هو قضية كلام من استدل على ذلك بالوجه المركب من العقل والنقل الذي تقدم ذكره ومنهم صاحب الكتاب والله أعلم.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الفصل التاسع: كيفية الاستدلال بالألفاظ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المسألة الأولى: لا يخطبنا الله تعالى بالمهمل</span>\n...\nالباب التاسعفي كيفية الاستدلال بالألفاظ\nقال الفصل التاسع في كيفية الاستدلال بالألفاظ وفيه مسائل\nالأولى لايخاطبنا الله بالمهمل لأنه هذيان احتجت الحشوية بأوائل السور قلنا أسماء وبأن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ واجب وإلا يتخصص المعطوف بالحال قلنا يجوز حيث لا لبس مثل ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وبقوله تعالى كأنه رؤوس قلنا مثل في الاستقباح.\nهذا الفصل معقود لبيان كيفية الاستدلال بخطاب الله تعالى وخطاب رسوله ﷺ على الأحكام وفيه مسائل الأولى والثانية منها يجريان محرى المبادئ للمقصود أما الأولى فنقول لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل أي بما ليس له معنى لأنه نقص والنقص محال على الله تعالى هذا كلام المصنف.\nوأما الإمام ففي عبارته قلق وذلك أنه قال لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا والخلاف فيه مع الحشوية لنا وجهان:\nأحدهما: أن التكلم بما لا يفيد شيئا هذيان وهو نقص والنقص محال على الله تعالى.\nوالثاني: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل فيما لا يفهم معناه انتهى.\nووجه القلق أن أول كلامه يدل على أن الخلاف في جواز التكلم بشيء لا يعني به شيئا وإن كان ذلك الذي تكلم به له معنى يفهم منه وثانيه وثالثه وهما دليلاه يدلان على أن الخلاف في جواز التكلم بما لا يفيد شيئا","vol":"1","page":360},{"text":"وعبارة المصنف توافق ما أدته عبارة الإمام ثانيا وثالثا لا ما اقتضته أولا وبها صرح الآمدي إذ قال لا يتصور اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له أصلا وقد عرفت أن الخلاف في المسألة نع الحشوية وهم طائفة ضلوا عن سواء السبيل وعميت أبصارهم يجرون آيات الصفات على ظاهرها ويعتقدون أنه المراد سموا بذلك لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى فوجدهم يتكلمون كلاما ساقطا فقال ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة وقيل سموا بذلك لأن منهم المجسمة أو هم هم والجسم محشو فعلى هذا القياس فيه الحشوية بسكون الشين إذ النسبة إلى الحشو وقيل المراد بالحشوية الطائفة الذين لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعدد إجراؤها على ظاهرها بل يؤمنون بما أراده الله مع جزمهم المعتقد بأن الظاهر غير مراد ولكنهم يفوضون التأويل إلى الله ﷾ وعلى هذا فإطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن لعدم مناسبته لمعتقدهم١ ولأن ذلك مذهب طوائف السلف من أهل السنة ﵃.\nإذا عرفت ذلك فقد استدل المصنف على امتناع ذلك بأنه هذيان.\nقال الجاريردي شارح الكتاب وهو مصادرة على المطلوب لأن الهذيان هو اللفظ المركب المهمل وهو الذي ادعى امتناعه وهذا اعتراض منقدح ولكن المصنف أخذ هذا الدليل من الإمام والأمام إنما استدل به على ما صدر به المسألة من قوله: لا يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا وقد بينا أن هذه الدعوى في الحقيق غير دعوى المصنف فليس استدلال الإمام بكونه هذيانا مصادرة على المطلوب نعم هو ضعيف من جهة أنه قد يقال لا نسلم أن الكلام المفيد بالوضع الذي فاه به الناطق إذا لم يعن به شيئا هذيان وإنما يكون هذيانا إذا لم يكن له مدلول في نفسه وقد يقال إن قصد المتكلم بالكلام معناه شرط في كونه كلاما مفيدا وقد سبق البحث في هذا.\nواحتجت الحشوية على ما ذهبوا إليه بثلاثة وجه:\n_________\n١ راجع في ذلك الإرشاد ص ٣٩ – ١٢٨.","vol":"1","page":361},{"text":"الأول: زعموا أنه ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى \"آلم المص كهيعص طه حم\" وأمثالها فإنا لا نفهم لها معنى والجواب أن أقوال أئمة التفسير في ذلك كثيرة مشهورة قال الإمام والحق أنها السماء للسور وتبعه المصنف وهو ما عليه جماعة من المفسرين.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ١ وجه الاحتجاج أن الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ واجب وحينئذ فالراسخون مبتدأ ويقولون خبر عنه والدليل على أن يجب الوقف على ذلك أنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفا عليه وحينئذ يتعين أن يكون قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ جملة حالية والمعنى قائلين وإذا كانت حالية وفإما أن يكون حالا من المعطوف والمعطوف عليه أو من المعطوف فقط والأول باطل لامتناع أن يقول الله تعالى آمنا به والثاني خلاف الأصل لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات وإذا انتفى هذا تعين ما ادعيناه من وجوب الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وإذا وجب الوقف على ذلك لزم أنه تكلم بما لا يعلم تأويله إلا هو وهو المدعى.\nواعلم أن هذا الدليل لا يوافق دعوىالمصنف لأنه يقتضي أن الخلاف في الخطاب بلفظ له معنى لا نفهمه ودعواه فيما ليس له معنى مطلقا ثم إن هذا أعني كون القرآن يشتمل على ما لا يقدر على فهمه مما لا ينازع فيه فالناس في كتاب الله تعالى على مراتب ودرجات بحسب تفاوتهم في الأفهام والتضلع من العلوم فرب مكان يشترك في فهمه الخاص والعام وآخر لا يفهمه إلا الراسخون ويتفاوت العلماء إلى ما لا نهاية له على حسب استعدادهم وأقدارهم إلى أن يصل الأمر إلى ما لا يفهمه أحد غير النبي ﷺ الذي وقع معه الخطاب فهو يفهم ما خوطب به لا يخفى منه خافية.\nوقد أجاب المصنف عن هذا الوجه بأنه إنما يمتنع تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينة تدل عليه\n_________\n١ سورة آل عمران آية: ٧.","vol":"1","page":362},{"text":"وأما عند قيام القرينة الدافعة للبس فلا يمتنع حينئذ وذلك قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ ١ فإن نافلة حال من يعقوب فقط لأن النافلة ولد الولد وما نحن فيه كذلك إذ العقل قاض بأنه ﷾ لا يقول آمنا به.\nالثالث: قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٢ فإن العرب لا تعلم ما هي رؤوس الشياطين وأجاب بأنا لا نسلم أنه مهمل وإنما هو مثل كانت العرب العرباء تتمثل به في الاستقباح وهو مقيد بهذا الاعتبار.\n_________\n١ سورة الأنبياء آية: ٧٢.\n٢ سورة الصافات آية: ٦٥.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المسألة الثانية: لا يعني خلاف الظاهر من غير بيان</span>\n...\nقال الثانية لا يعني خلاف الظاهر من غير بيان\nلأن اللفظ بالنسبة إليه مهمل قالت المرجئة يفيد إحجاما.\nقلنا فيرتفع الوثوق عن قوله تعالى.\nقد يريد الله بكلامه خلاف ظاهره إذا كانت هناك قرينة يحصل بها البيان ولا يمكن أن يعني لكلامه خلاف ظاهره من غير بيان والخلاف في المسألة مع المرجئة قوم جوزوا ذلك وقالوا:\nالمراد بظواهر الآيات والأخبار الدالة على عقاب الفاسقين ووعيد العصاة والمذنبين الترهيب فقط كيلا يختل نظام العالم بناء على معتقدهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر وإنما سموا مرجئة لأنهم يرجئون العمل أي يؤخرونه ويسقطونه عن الاعتبار والإرجاء التأخير قال الله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ١.\nوقد احتج المصنف بأن اللفظ بالنسبة إلى المعنى الذي لا يفهم مهمل لعدم إفادته له من غير بيان وقد تبين أن الخطاب بالمهمل ممتنع.\nوقالت المرجئة لا نسلم أنه بالنسبة إليه مهمل إذ المهمل ما لا يفيد وهذا ليس كذلك لأنه يفيد الإحجام عن المعاصي والإقدام على الطاعة.\n_________\n١ سورة لأعراف آية: ١١١ والشعراء آية: ٣٦.","vol":"1","page":363},{"text":"وأجاب بأنا لو فتحنا هذا الباب لارتفع الوثوق من جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسوله ﷺ لأنه لا خبر إلا ويحتمل أن يكون منه أمرا وراء الأفهام ومعلوم أن ذلك ظاهر الفساد.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المسألة الثالثة: دلالة المنطوق والمفهوم</span>\n...\nقال الثالثة الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه فيحمل على الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي ثم المجازي.\nهذه المسألة في بيان كيفية دلالة الخطاب على الحكم الشرعي وأقسام دلالته عليه فالخطاب الدال على الحكم إما أن يدل عليه بمنطوقه أي بصيغته أو بمفهومه.\nالحالة الأولى أن يدل عليه بمنطوقه فإما أن يكون له مسمى شرعي أو لا.\nالأول: يحمل على المسمى الشرعي ما لم يصرف عنه صارف لأن عرف الشارع يعرف المعاني الشرعية لا اللغوية ولأنه مبعوث لبيان الشرعيات وقيل إذا دار بين الشرعي واللغوي فهو مجمل لصلاحيته لكل منهما.\nوقال الغزالي إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله ﷺ \"إني إذن أصوم\" فإنه إذا حمل على الشرعي يدل على صحة الصوم بنيته من النهار وإن ورد في النهي كان مجملا وذلك مثل لنهيه ﷺ عن صوم يوم النحس فإنه لا يمكن حمله على الشرعي وإلا كان دالا على صحته لأنه يستحيل النهي عما لا يتصور وقوعه.\nوقال الآمدي في الإثبات يحمل الشرعي وفي النهي على اللغوي والصحيح الذي عليه الجمهور ما ذهب إليه المصنف وقول الغزالي والآمدي إن النهي مستلزم للصحة غير صحيح.\nوالثاني: وهو الذي ليس له مسمى شرعي إما أن يكون له مسمى عرفي أو لا.\nوالأول: يحمل على العرفي إن علم اطراد ذلك العرف في زمن ورود","vol":"1","page":364},{"text":"الخطاب لأن الظاهر من حال الخطاب أن يكون مما يتبادر إلى أذهان المخاطبين.\nوالثاني: يحمل على اللغوي الحقيقي لتعينه حينئذ وكذا إذا كان له مسمى عرفي ولم يمكن حمله عليه لمانع وإن لم يمكن حمله على اللغوي لقرينة صارفة عنه فيتعين حينئذ حمله على المعني المجازي ويكون الترتيب المذكور في الحقائق جاريا في مجازاتها.\nواعلم أن من القواعد المشتهرة على ألسنة الفقهاء أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف قال والدي في شرح المهذب وليس مخالفا لما يقوله الأصوليون من أن لفظ الشارع يحمل على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي.\nقال والجمع بين الكلامين أن مراد الأصوليين إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف ومراد الفقهاء إذا لم يعرف حده في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف ولهذا قالوا كل ما ليس له حد في اللغة ولم يقولوا ليس له معنى فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصوا على حده بما يبينه فيستدل بالعرف عليه.\nفائدة تنزيل اللفظ على المعنى الشرعي قبل العرفي في مسائل:\nمنها لو حلف لا يبيع الخمر أو المستولدة فإن أراد أنه لا يتلفظ بلفظ العقد مضافا إليها فإذا باعه حنث وإن أطلق لم يحنث لأن البيع الشرعي لا يتصور فيها وفيه وجه أنه يحنث قال به المزني قال الرافعي هنا وسيأتي خلاف في أنه هل يتعين حمل لفظ العبادات كالصوم والصلاة على الصحيح منها وهذا الخلاف الذي وعد بذكره لم أره حكاه بعد ولا خلاف أنه لو حلف لا يحج يحنث بالفاسد لأنه منعقد يجب المضي فيه كالصحيح.\nومنها لو حلف لا يركب دابة عبد زيد لا يحنث بالدابة المجعولة باسمه إلا أن يريد فإن ملكه السيد دابة فالصحيح أنه يتخرج على أنه هل يملك وقال ابن كج لا يحنث وإن قلنا يملك لأن ملكه ناقص السيد متمكن من إزالته.","vol":"1","page":365},{"text":"وأما الرجوع إلى العرف ففي مسائل تخرج عن حد الحصر وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر منها بالعد الكثير.\nقال أو بمفهومه وهو إما أن يلزم عن مفرد لوقف عليه عقلا أو شرعا مثل ارم واعتق عبدك عني ويسمى اقتضاء أو مركب موافق وهو فحوى الخطاب كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب وجواز المباشرة إلى الصبح على جواز الصوم جنبا أو مخالف كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور ويسمى ذلك دليل الخطاب.\nالحالة الثانية أن يدل الخطاب على الحكم بمفهومه فإن أن يكون ما دل عليه بالمفهوم لازما عن مفرده أو عن مركب واللازم عن المفرد قد يكون المقتضي لكونه لازما هو العقل وقد يكون الشرع واللازم عن المركب قد يكون موافقا للمنطوق فيما اقتضاه من الحكم وقد يكون مخالفا فهذه أقسام.\nالأول: اللازم عن المفرد الذي اقتضى العقل كونه لازما عن المفرد بأن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة مثل قولك ارم فإنه يدل بمفهومه على لزوم تحصيل القوس والمرمى لتوقف الرمي الذي هو مفرد عليهما عقلا إذ يحيل العقل الرمي بدونهما:\nالثاني: اللازم عن المفرد باقتضاء الشرع كونه لازما كقولك لمالك العبد اعتق عبدك عني فإنه يدل على استدعاء تمليك العبد إياه لأن العتق شرعا لا يكون إلا في مملوك.\nوهذان القسمان اللازمان عن المفرد يسميان في اصطلاح الأصوليين بدلالة الاقتضاء وإليه أشار بقوله ويسمى اقتضاء.\nومن الأصوليين من جعل دلالة اللفظ على مقدر يتوقف عليه صدق الكلام داخلا في قسم الاقتضاء أيضا كدلالة قوله ﷺ: \"رفع عن أمتي الخطأ","vol":"1","page":366},{"text":"والنسان ١ \" على رفع الإثم وعبارة لا تنافي ذلك ولا تقتضيه لأنها لا تقتضي انحصار الافتضاء في المذكور فيه.\nنعم تقتضي أن يكون ذلك من قبيل ما دل عليه اللفظ بمنطوقه لأنه لم يعده في أقسام المفهوم بل في المنطوق الغزالي على الاقتضاء بجملة أقسامه من المفهوم.\nالثالث: اللازم عن اللفظ المركب وهو موافق لمدلول ذلك المركب في الحكم ويسمى فحوى الخطاب لأن فحوى الكلام ما يفهم منه قطعا وهذا كذلك ويسمى أيضا لحن الخطاب لأن لحن الكلام عبارة عن معناه ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ٢ أي معناه وربما سماه الشافعي ﵁ بالجلي واختلفوا في أن دلالة النص عليه هل هي لفظية أم قياسية والذي عليه الجمهور أنها قياسية قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وهو الصحيح لأن الشافعي سماه القياس الجلي.\nوهذا الثالث: أعني مفهوم الموافقة تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق كدلالة تحريم التأفيف من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على تحريم الضرب وسائر أنواع الأذى الذي هو أبلغ من التأفيف وتارة يكون مساويا له كدلالة جواز المباشرة من قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٣ على جواز أن يصبح الرجل صائما جنبا لأن لو لم يجز ذلك لما جاز للصائم مد المباشرة إلى طلوع الفجر بل كان يجب قطعها مقدار ما يسع فيه الغسل قبل طلوع الفجر وإنما ذكر المصنفين مثالين ليعلم أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم كالمثال الأول وقد يكون مساويا كالثاني وهذا هو المختار.\n_________\n١ رواه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي ١/٦٥٩ بلفظ \"إن الله تجوز عن أمتي الخطأ والنسيان\" وصححه ابن حبان والحاكم وقال: على شرط الشيخين.\nسبل السلام ٣/١٧٦، ١٧٧.\n٢ سورة محمد آية: ٣٠.\n٣ سورة البقرة آية: ١٨٧.","vol":"1","page":367},{"text":"ومنهم من اشترط الأولوية في مفهوم الموافقة وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن كلام الشافعي ﵁ في الرسالة حيث قال في البرهان نحن نسرد معاني ككلامه في الرسالة ثم قال أما مفهوم الموافقة فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق الحكم في المنطوق من جهة الأولى انتهى وهو مقتضى كلام الشيخ أبي إسحاق في شرح اللمع وغيره وعليه جرى ابن الحاجب لكنه قال بعد ذلك في مفهوم المخالفة شرطه ألا يظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت عنه فيكون موافقة فاضطرب كلامه.\nالرابع: اللازم عن المركب وهو مخالف لمدلول المركب في الحكم وهذا هو مفهوم المخالفة ويسمى دليل الخطاب وهو أصناف ذكر المصنف منها أربعة وذهب أبو حنيفة إلى نفس القول بمفهوم المخالفة مطلقا ووافقه جمع من الأصوليين.\nقال إمام الحرمين وأما منكروا الصيغ لما يتطرق إليها من تقابل الظنون فلا شك أنهم ينكرون المفهوم فإن تقابل الظنون فيه أوضح فهو بالتوفيق أولى وشيخنا أبو الحسن مقدم الموافقة وقد فعل النقلة عنه رد الصيغة والمفهوم وفي كلامه ما يدل على المفهوم والقول به فإن تعلق في مسألة الرؤية بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١ وقال لما ذكر الحجاب في إذلال الأشقياء أشعر ذلك بنقيضه في السعداء وقد تحققت على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصيغ على ما اعتقده معظم النقلة ولكنه قال في مفاوضاته مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ وآل سر مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي القطع فيه ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظوهر في مظان الظنون وقد باح القاضي ﵁ بجحد الصيغ وصرح بنفي المفهوم.\n_________\n١ سورة المطففين آية: ١٥.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الرابعة: تعليق الحكم بالأسم</span>\n...\nقال الرابعة تعليق الحكم بالاسم\nلا يدل على نفيه عن غيره وإلا لما جاز القياس خلافا لأبي بكر الدقاق.\nهذه المسألة في مفهوم الاسم ومفهوم الصفة اللذين هما من جملة أصناف","vol":"1","page":368},{"text":"دليل الخطاب أما مفهوم الاسم فنقول تقييد الحكم أو الخبر بالاسم علما كان أو اسم جنس مثل قولك قام زيد أو قام الناس لا يدل على نفي الحكم عما عداه خلافا لأبي بكر الدقاق والحنابلة وقد سفه علماء الأصول الدقاق ومن قال بمقالته وقالوا هذا خروج عن حكم اللسان والسلال عن مفاوضات الكلام فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك أنه لم ير غيره قطعا.\nقال إمام الحرمين وعندي أن المبالغة في الرد عليه صرف لأنه لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف كلامه عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقيا من غير غرض وحاصل ما اختاره إمام الحرمين أن التخصيص يتضمن غرضا مبهما ولا يتعين انتفاء غير المذكور ثم قال وأنا أقول وراء ذلك لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفي ما عدي المسمى بلقبه فإن الإنسان لا يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذلك قال إنما رأيت زيدا أو ما رأيت زيدا هذا كلامه وحكى ابن برهان في كتابه في أثناء المسألة مذهبا ثالثا عن بعض علمائنا وهو التفرقة بين أسماء الأنواع وأسماء الأشخاص فقال إن تخصيص اسم النوع بالذكر دل على نفي الحكم عن غيره ومثل له ابن برهان بما إذا قال في السود من الغنم زكاة وإن تخصيص اسم الشخص مثل قام زيد فلا يدل ثم قال ابن برهان وهذا ليس بصحيح لأن أسماء الأنواع نازلة في الدلالة منزلة أسماء الأشخاص إلا أن مدلول أسماء الأنواع أكثر وهما في الدلالة متساويان إذا عرفت هذا فقد استدل في الكتاب على مذهب الجمهور بأن تعليق الحكم على الاسم لو دل لكان الدليل على ثبوت الحكم في الأصل المقيس عليه كالنص الدال على أن البر ربوي مثالا وإلا على نفي الحكم عن الفرع المقيس كالأرز في مثالنا والفرض أن القياس قاض بإلحاقه فمتى عمل بالمفهوم بطل القياس وقد ضعف هذا الدليل بأن التعارض بين مفهوم اللقب والقياس غير متصور لأن من شرط القياس مساواة الفرع للأصل وشرط مفهوم المخالفة ألا يكون المسكوت عنه أولى ولا مساويا فلا مفهوم إذا مع المساواة ولا قياس مع عدم","vol":"1","page":369},{"text":"المساواة وأبدى والدي ﵀ في تضعيفه وجها أحسن من هذا لا مزيد على بلاغته فقال للدقاق أن يقول المفهوم يدل على الإباحة فيما عدا البر والقياس إنما يدل على التحريم فيما شارك البر في المعنى كالأرز والحمص دون ما لم يشاركه من الرصاص والنحاس وغيرهما فغاية ما يفعل القياس حينئذ أن يخصص المفهوم ولا بدع في تخصيص المفهوم بالقياس بل ولا في تخصيص المنطوق.\nفائدة في كتاب الأستاذ أبي إ سحاق في أصول الفقه أن شيخه ابن الدقاق هذا ادعى في بعض مجالس النظر ببغداد صحة ما قاله من مفهوم اللقب فألزم وجوب الصلاة فإن الباري تعالى أوجب الصلاة فهل له دليل يدل على نفي وجوب الزكاة والصوم وغيرهما قال فبان له غلطة وتوقف فيه.\nقال وبإحدى صفتي الذات مثل في سائمة الغنم زكاة يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى خلافا لأبي حنيفة وابن سريج والقاضي وإمام الحرمين والغزالي.\nهذا مفهوم الصفة وهو مقدم المفاهيم ورأسها وقد قال إمام الحرمين ولو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك منقدحا فإن المعدود والمحدود موصوفان بعددهما وحدهما وكذا سائر المفاهيم وقول المصنف وبإحدى هو معطوف على قوله تعليق الحكم بالاسم أي وتعليق الحكم بإحدى صفتي الذات أو أحد أوصافها يدل على نفي الحكم عن الصفة الأخرى مثال مفهوم الصفة قوله ﷺ: \"في سائمة الغنم زكاة\" ١ وهو حديث معناه ثابت في الصحيح فإن الغنم ذات والسوم والعلف وصفان يعتورانها وقد علق الحكم بأحدهما وهو السوم وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢ وقد\n_________\n١ رواه البخاري بمعناه في كتاب أبي بكر الصديق في كتاب الزكاة باب زكاة الغنم ٢/١٤٦. ولفظه \"في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة\"\nكما رواه أبو داود – كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة ١/٣٥٨.\n٢ سورة النساء آية: ٢٥.","vol":"1","page":370},{"text":"اختلفوا في هذا المفهوم فذهب الجمهور وكبيرهم الشافعي وأبو الحسن وأبو عبيدة معمر بن المثنى وجمع كثير من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يدل على النفي واختباره المصنف ثم اختلاف هؤلاء في أنه هل يدل على نفي الحكم عما عداه مطلقا سواء كان من جنس المثبت فيه أم لم يكن أو يختص بما إذا كان من جنسه مثاله إذا قلنا في الغنم السائمة زكاة هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقا سواء كانت معلوفة الغنم أم الإبل والبقر أو يختص بالنفي عن معلوفة الغنم وهذا الخلاف حكاه الشبخ أبو حامد في كتابه في أصول الفقه عن أصحابنا وقال الصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فحسب وذهب أبو حنيفة والقاضي وأبو بكر وأبو العباس بن سريج إمام أصحابنا والقفال الشاشي والغزالي وجماعة إلى أنه لا يدل واختاره الآمدي وفرق أبو عبد الله البصري فقال بالمفهوم في الخطاب الوارد لبيان المجمل كقوله ﵇ زكوا عن سائمة الغنم فإنه ورد بيانا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والوارد للتعليم كقوله ﵇: \"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة\" ١ الحديث والوارد فيما انتفى عنه الصفة إذا كان داخلا تحت المتصف بها نحو الحكم بالشاهدين والشاهد الواحد فإن الشاهد الواحد داخل تحت الشاهدين وفرق إمام الحرمين بين الوصف المناسب وغير المناسب فقال بمفهوم الأول دونه.\nالثاني: وقد اطلعه في الكتاب تبعا للإمام النقل عنه في إنكار مفهوم الصفة وليس بجيد.\nوقال الإمام أنه لا يدل على النفي بحسب وضع اللغة لكنه يدل عليه بحسب العرف العام هذا تحرير الخلاف في المسألة وأما محل النزاع فهو كما أشار إليه المصنف بقوله ما لم يظهر أي إنما يدل على القائلين به إذا لم يظهر لتعليق الحكم بالصفة المذكورة فائدة أخرى مغايرة لنفي الحكم عما عداها ككونه جوابا عن سؤال سائل عن حكم إحدى الصفتين أو خارج مخرج الغالب أو\n_________\n١ رواه أحمد وأبو داود والنسائي ولفظ ابن ماجه \"والمبيع قائم بعينه\" وفي رواية لأحمد \"والسلعة كما هي\".\nالمنتقى من أحاديث الأحكام لابن تيمية ص ٤٥٧، ٤٥٨.","vol":"1","page":371},{"text":"غير ذلك مثل قوله: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا مفهوم له لأن النهي عن موالاة الكافرين عام فيمن وإلى المؤمنين ومن لم يوالهم وإنما معنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم ففي هذه الأشياء لا يدل على نفي الحكم عما عدا الصفة المذكورة كما نقله المتأخرون من الأصوليين وقد نازع إمام الحرمين فيما إذا خرج مخرج الغالب بعد أن عن الشافعي ما قلناه من أنه لا مفهوم حينئذ وأطال الكلام فيه والشيخ عز الدين ابن عبد السلام قال القاعدة تقتضي العكس وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم بخلاف ما إذا لم يكن غالبا وذلك لأن الوصف الغالب على ثبوته لها عن ذكر اسمه فإذا أتى بها مع أن العادة كافية فيها دل على أنه إنما أتى لتدل على سلب الحكم عما عداه لانحصار غرضه فيه وأما إذا لم يكن عادة فقد يقال إن غرض المتكلم بتلك الصفة أن يفهم السامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة.\nوقد أجاب القرافي عن هذا بأن الوصف إذا كان غالبا لازما لتلك الحقيقة في الذهن بسبب الشهرة والغلبة فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لعله لحضوره في ذهنه لا لتخصيص الحكم به وأما إذا لم يكن غالبا فالظاهر أنه لا يذكر مع الحقيقة إلا لتقييد الحكم به لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ فاستحضاره معه واستجلابه لذكره عند الحقيقة عند الحكم إنما يكون لفائدة والغرض عدم ظهور فائدة أخرى فيتعين التخصيص وهذا الجواب الصحيح.\nفإن قلت هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى لعلمه بالغالب وغير الغالب على حد سواء.\nقلت هذا السؤال أورده الشيخ صدر الدين بن المرجل في كتابه الأشباه والنظائر وقد ذكر اختلاف الأصوليين في أن العام هل يشمل الصورة النادرة فقال هذا الخلاف لا يبين لي حرمانه في كلام الله تعالى لأنه لا يخفى عليه خافية فهو يعلم ذلك النادر وقال وإنما يتبين لي دخوله في كلام الآدميين وقد","vol":"1","page":372},{"text":"أجبت عنه في كتابي الأشباه والنظائر بما لو عرض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول.\nفقلت الخلاف جار في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحل بل لأن كلام الله تعالى منزل على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم فإذا جاء فيه لفظ عام تحته صورة نادرة وعادة العرب إذا أطلقت ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها يقول هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ وإن كان عالما بها لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرة يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى كالترجي والتمني وألفاظ التشكيك ولك ذلك منتف في جانبه تعالى وإنما تجيء ليكون القرآن على أسلوب كلام العرب.\nقال لنا أنه المتبادر من قوله ﵇: \"مطل الغنى ظلم\" ومن قولهم الميت اليهودي لا يبصر وإن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة وتخصيص الحكم فائدة وغيرها منتف بالأصل فيتعين وإن الترتيب يشعر بالعلية كما ستعرفه والأصل ينفي علة أخرى فينتفي بانتفائها قيل لو دل لدل إما مطابقة أو التزاما قلنا دل التزاما لما ثبت أن الترتيب يدل على العلية وانتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي قيل ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ليس كذلك قلنا غير المدعى.\nاستدل على أن مفهوم الصفة حجة بثلاثة أوجه:\nالأول: أن يتبادر إلى الفهم حيث كان كما أن من سمع ما رواه البخاري ومسلم من قوله ﷺ: \"مطل الغنى ظلم\" ١ فهم أن مطل من ليس بغنى ليس ظلما وقد فهم ذلك من الحديث أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة\n_________\n١ رواه البخاري في كتاب الحوالات باب في الحوالة ٣/١٢٣ ومسلم ٥/٣٤ باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة وأبو داود كتاب البيوع باب في المطل ٢/٢٢٢ كما رواه الترمذي تحفة الأحوذي ٤/٥٣٥ والنسائي ٧/٢٧٨ كتاب البيوع باب مطل الغني.","vol":"1","page":373},{"text":"وكذلك الشافعي وهو إمام اللغة وابن بجدتها والتسمك بقول الشافعي وأبي عبيدة أولى من التمسك بقول أعرابي جلف وكذلك أهل العرف يتبادر إلى فهمهم من قول القائل الميت اليهودي لا يبصر أن الميت الذي ليس هو بيهودي يبصر بدليل أنهم يسخرون من هذا الكلام ويضحكون منه وإنما ذكر المصنف هذين المثالين ليبين أن المتبادر إلى الفهم في الأول عند أهل اللغة وفي الثاني عند أهل العرف فيجتمع التبادر من الجهتين وهذا من محاسنه.\nوقد اعترض إمام الحرمين على التمسك بفهم الشافعي وأبي عبيدة فقال هذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي الجلف طبعه فيقع التمسك بمنظومه ومنثوره.\nالوجه الثاني: أن ظاهر تخصيص الحكم بالصفة يستدعي فائدة صونا للكلام عن اللغو وتلك الفائدة ليست لا نفي الحكم عما عداه لأن غيرها منتف بالأصل فتتعين هي ولأن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص فالذكر فائدة أخرى.\nفإن قلت هذا يلزمكم في مفهوم اللقب.\nقلت اللقب له فائدة تصحيح الكلام إذ الكلام بدونه غير مفيد بخلاف الصفة.\nالثالث: أن الحكم المرتب على الخطاب المقيد بالصفة معلول تلك الصفة كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس من أن تريتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى لأنا لز جوزنا التعليل بعليتين فلا شك أن الأصل عدمه وإذا لم يكن له علة غير الوصف لزم انتفاء الحكم فيما انتفى عنه الوصف لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول.\nقال قيل إن احتج الخصم بوجهين:\nأحدهما: أنه لو دل تخصيص الحكم بإحدى الصفتين على نفيه عما عداها","vol":"1","page":374},{"text":"لدل عليه إما بالمطابقة او بالالتزام ضرورة انحصار الدلالة فيهما فإن المراد بدلالة الالتزام هنا دلالة اللفظ على لازم مسماه واللازم أعم من الجزء والوصف فيشتمل دلالة التضمن لكنه لا يدل بالمطابقة لأن ثبوت الحكم في إحدى الصفتين ليس عين ثبوته في الأخرى لأن قوله: \" زكوا عن الغنم السائمة\" غير موضوع لنفي الزكاة عن المعلوفة فالدال على أحدهما بالمطابقة لا يدل على الآخر بها وإنما قلنا إنه لا يدل بالالتزام لأنه إن كان التضمن فواضح لأن نفي الحكم عما عدا المذكور ليس جزءا لثبوته في المذكور وإن كان الالتزام المعرف في تقسيم الألفاظ فلأن شرطه سبق الذهن من المسمى إليه والسامع قد يتصور وجوب الزكاة بنفي أو إثبات بل قد يغفل عن تصور المعلوفة.\nوأجاب في الكتاب بأنه يدل عليه بالالتزام لما ثبت من أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية وأن الأصل عدم علة أخرى فانتفاء الحكم عما عدا تلك الصفة من لوازم ثبوته لها لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي فالدال على ثبوت الحكم للصفة المخصوصة بالذكر مطابقة يدل على نفيه عما عداها التزاما.\nقوله المساوي أراد به ألا يكون له علة أخرى احترازا عما يكون له علة أخرى كالحرارة فإنها معلولة للنار وللشمس فلو كانت له علة أخرى لم يلزم من انتفاء هذه العلة انتفاء المعلول لجواز ثبوته بالعلة الأخرى هذا تقرير الجواب ولقائل أن يقول إنما يتأتى هذا عند من لا يشترط في دلالة الالتزام اللزوم البين ويكتفي باللازم الخارجي سواء كان لزومه بواسطة أو بغير واسطة.\nالوجه الثاني: أنه لو دل لما كان حكم المنطوق به ثابتا مع عدم الصفة لكنه ثابت كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ١ فإن قتل الأولاد محرم في الحالتين.\nوأجاب بأن هذا غير المدعى لأنا لم ندع أن مفهوم الصفة حجة إلا فيما إذا\n_________\n١ سورة الاسراء آية: ٣١.","vol":"1","page":375},{"text":"لم يظهر له فائدة أخرى كما تقدم وهنا قد ظهرت له فائدة وهي خروجه مخرج الغالب لأن غالب أحوالهم أنهم لا يقتلون أولادهم إلا عند خشية الفقر.\nهذا جواب المصنف والحق أن هذا ليس مما نحن فيه لأن دلالته على حرمة القتل عند انتفاء خشية الإملاق من باب الأولى فهو من فحوى الخطاب لا من دليله.\nفإن قلت هب أن هذه الآية لا تدل لما ذكرناه ولكن آية أخرى مؤيده ة له وهي قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ١ فلو كان مفهوم الصفة حجة للزمكم القول بأن لهم شفيعا لا يطاع.\nقلت هذا الصفة لها فائدة أخرى غير التخصيص فلا يكون من محل النزاع وقال والدي أيده الله في تفسيره هذه الآية ست فوائد لهذه الصفة\nاحداها: أنها الذي يتشوق إليه نفوس من يقصد أن يشفع فيه فكان التصريح بنفيها نفيا قاطعا لأطماع الظالمين ومظالمهم ليقطعوا إياسهم لأن من كان متشوقا إلى شيء فصرح له بأنه لا يبلغه كان أنكى له من أن يدل عليه بلفظ عام شامل له أو مستلزم إياه فلم يقصد بهذه الصفة التخصيص وإنما قصد ما ذكرناه.\nالثانية: أن من الشفعاء من لا يقبل شفاعته فلا غرض فيه أصلا ومنهم مقبول الشفاعة وهو المقصود فنص عليه تحقيقا لمن قصد نفيه وهي صفة مخصصة وقدم هذه الفرض على ما يقتضيه مفهوم الصفة من وجود غيره لقيام الدليل على عدمه وهذه الفائدة مغايرة للأولى لأن هذه في آحاد الشفعاء وتلك في صفة شفاعتهم.\nالثالثة: ما يدل عليه مادة يطاع والغالب في الشفاعة استعمال لفظ القبول والنفع وما أشبههما أما الطاعة فإنما تقال في الأمر فكان ذكرها ههنا لنكتة بديعة وهي أنه لما ذكر الظالمين وشأن الظالمين في الدنيا القوة والمتكلم\n_________\n١ سورة غافر آية: ١٨.","vol":"1","page":376},{"text":"لهم بمنلة من يأمر فيطاع نفى عنهم ذلك في الآخرة تبكيتا وحسرة فإن النفس إذا ذكرت ما كان عليه وزال عنها وخوطبت به كان أشد عليها.\nالرابعة: أنه أشارة إلى قول ذلك اليوم العصيب وأن شدته بلغت مبلغا لا ينفع إلا شفيع له قوة ورتبة أن يطاع لو وجد وهو لا يوجد وهذه قريبة من التي قبلها إلا أنها بحسب الحاضر وتلك بحسب الماضي.\nالخامسة: التنبيه على ما فضل الشفيع لأجله كقول المغلوب الذي ليس عنده أحد ما عندي أحد ينصرني تنبيها على أن مقصوده النصرة.\nالسادسة: فائدة ذكرها الزمخشري وفهمها يتوقف على تحرير كلامه وفيه نظر طويل وقد تكلم عليه الشيخ الإمام والدي أبلغ كلام وأحسنه ولولا خشية التطويل والخروج عن مقصد الشرح لاستوعبنا ذكره فإنه مما يشح به اللبيب ويثبط به ذو الذهن السليم.\nقاعدة أصل وضع الصفة أن تجيء إما للتخصيص أو للتوضيح ويكثر مجيئها للتخصيص في النكرات وللتوضيح في المعارف نحو مررت برجل عاقل وبزيد العالم وقد تجيء لمجرد الثناء كصفات الله تعالى أو لمجرد الذم نحو الشيطان الرجيم أو للتوكيد مثل نفخة واحدة أو للتحنن مثل زيد المسكين.\nوهذه الأقسام لا مفهوم لها وقد يعبر عن التخصيص بالشرط عن التوضيح بالتعريف والمعنى واحد ولما احتمل كون كل منهما مرادا وقع في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة أماكن اختلف فيها العلماء وفي الحكم المرتب عليها لأجل اختلافهم فيها فمن تلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١ فقوله: ﴿لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ متردد بين أن يكون للتوضيح أو للتخصيص فإن كان فيه دلالة لمذهب الشافعي ﵁ أن العبد لا يملك شيئا ويكون معنى الآية أن هذا شأن العبد كما في قوله\n_________\n١ سورة النحل آية: ٧٥.","vol":"1","page":377},{"text":"مملوكا قبل ذلك فإنه للتوضيح لا محالة وإن كان قوله: ﴿لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ للتخصيص كان فيه دلالة مذهب مالك.\nوالقديم عندنا أن العبد يملك بالتمليك لأن معنى الآية أن العبد قد يملك وقد لا يملك والوصف خصص المثال بمن لا يملك شيئا ولا يقدر عليه.\nومنها قوله ﷺ لصفوان بن أمية لما استعار منه: \"بل عارية مضمونة\" ن كان للتوضيح كان فيه دليل المذهب الشافعي أن العارية مضمونة وأن هذا شأنها وإن كان للتخصيص كان مستندا لأبي حنيفة في أنها غير مضمونة ما لم يشترط.\nومنها إذا قال لزوجته إذ تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي ثم تزوجها فظاهر منها فهل يصير مظاهرا من الزوجة الأولى فيه وجهان:\nأحدهما: أنه يصير مظاهرا ويكون لفظ الأجنبية للشرط وهو للتخصيص فكأنه علق ظهاره من الزوجة على ظهاره من تلك في حال كونها أجنبية وذلك تعليق على ما لا يكون ظهارا شرعيا فلا يصح من الأولى.\nومنها إذا حلف لا يأكل من لحم هذا الجمل فصار كبشا فأكله ففيه خلاف منهم من خرجه على هذه القاعدة ومنهم من خرجه على تغليب الإشارة والعبارة ومن هنا ينعرج القول إلى مسائل الإشارة والعبارة.\nوقد ذكرنا في كتبابنا الأشباه والنظائر عند ذكر هذه القاعدة من مسائلها ما تقر به عين ناظره والله أعلم.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة الخامسة: التخصيص بالشرط</span>\n...\nقال الخامسة التخصيص لاشرط مثل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فإنه ينتفي المشروط بانتفائه قيل تسيمة إن حرف شرط اصطلاح قلنا الأصل عدم النقل قيل يلزم ذلك لو لم يكن الشرط بدل قلنا حينئذ يكون أحدهما وهو غير المدعي قيل: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس كذلك قلنا لا نسلم بل انتفاء الحرمة لامتناع الإكراه.\nهذا مفهوم الشرط وهو أقوى من مفهوم الصفة ولذلك قال به بعض من","vol":"1","page":378},{"text":"لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج وبالغ إمام الحرمين في الرد على منكريه وأما الفزاني فإنه صمم على إنكاره فقال الصحيح عندنا ما ذهب إليه القاضي من إنكاره.\nواعلم أن محل الخلاف في مفهوم الشرط فيما إذا قال من جاءني أكرمته وأمثالها من صيغ الشرط نحو متى وإذا أن هذه الصيغة الدالة بمنطوقها على إلزام من يجيء هل هي دالة بمفهومها على عدم إكرام من لم يجيء هذا محل النزاع وكذلك في مفهوم الصفة وغيره فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم عند العدم لا على أصل العدم عند العدم فإن ذلك ثابت بالأصل قبل أن ينطق الناطق بكلامه وكذا في سائر المفاهيم مثال مفهوم الشرط قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ١ دل بالمنطوق على وجوب النفقة على أولات الأحمال فهل يدل بالمفهوم على العدم عند العدم حتى يستدل به على منع وجوب النفقة للمعتدة الحائل.\nوالذي اختاره المصنف تبعا للإمام والجماهير وهو مذهب الشافعي ﵁ أنه يدل ودليله أن النحويين قالوا إن كلمة إن حرف شرط ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط واعترض الخصم على هذا الدليل بثلاثة وجه\nأحدها: أن تسمية إن حرف شرط من الاصطلاحات المجازية كتسميتهم الحركات المخصوصة بالرفع والجر والنصب وإن لم يكن هذه الأسماء موجودة في أصل اللغة وأجاب بأن الأصل أن تكون تسميتهم له حرف شرط مطابقته للوضع اللغوي وألا يلزم النقل وهو خلاف الأصل وهذا الجواب ذكره الإمام وغيره وفي النفس منه شيء فإن المصنف لا يكابر في أن هذه الاصطلاحات حادثة بعد أصل الوضع ولكن سبيل الانفصال عن السؤال أن يقال نحن إنما كلامنا في المعلق على شيء بأداة يفهم منها العرب ما يطلق عليه المصطلحون الشرط وهذا الذي يفهم من الشرط ليس مكسبا من تسميته شرطا\n_________\n١ سورة الطلاق آية: ٦.","vol":"1","page":379},{"text":"والحاصل أن المصطلح إنما هو للتسمية للمعنى السابق المفهوم عند العرب والخلاف في مفهوم الشرط إنما هو في ذلك المعنى الذي كانت العرب إذا أطلقت أداة الشرط تفهمه هل هو الحصول عند الحصول والعدم عند العدم أو مجرد الحصول عند الحصول.\nالاعتراض الثاني: أنا لا نسلم أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط على الإطلاق وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن للشرط بدل يقوم مقامه أما إذا كان ذا بدل فلا يلزم ذلك كالوضوء فإنه شرط في الصلاة ولا يلزم من انتفائه انتفاؤها لجواز أن توجد بالتيمم وأجاب بأن المدعى أن الشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم وما ذكرتموه لا ينقض هذه الدعوى لأن الشرط في الحالة التي ذكرتموها وهي الصلاة أحد الأمرين وأحد الأمرين لا ينتفي إلا بانتفائهما جميعا وما لم ينتفيا لا ينتفي الشرط لأن مسمى أحدهما باق وهذا غير مدعانا إذ المدعي فيما هو شرط بعينه ويمكن أن يقال وهذا غير مدعانا أي أن الشرط يلزم من انتفائه انتفاء المشروط لأن الشرط والحالة هذه أحدهما ولم ينتف ولو انتفى لم تصح الصلاة وهذا حسن من تقريره على لفظه غير ونسخ الكتاب مختلفة لأن غيرا تصحف بعين.\nالاعتراض الثالث: أنه لم لو كان مفهوم الشرط حجة لكنا قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ١ دالا على أنهن إذا لم يردن التحصن يجوز إكراههن على البغاء وأجاب بأنا لا نسلم أنه ليس كذلك أي لا نسلم عدم انتفاء الحرمة عند عدم إرادة التحصن بل حرمة الإكراه عند عدم إرادة التحصن منتفية لامتناع تصور الإكراه حينئذ فإن الإكراه إنما يتصور على ما يريده الإنسان المكره لأنه حمل الشخص على مقابل مراده فإذا لم يتصور الإكراه جاز أن يقول ليس بحرام لأنه ليس بمتصور والحرمة فرع كونه متصورا.\nفإن قلت ما فائدة قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ حينئذ قلت لعل المراد\n_________\n١ سورة النور آية: ٣٣.","vol":"1","page":380},{"text":"التنصيص على قبح فعلهم والنداء بتشنيع أمرهم واعلم أن الشرط قد يأتي ولا مفهوم له وهو فيما إذا ظهرت له فائدة غير تخصيص الحكم كما قلنا في مفهوم الصفة وكما في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فإن له فائدة وهي ما أشرنا إليه وكما في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقول القائل لابنه: أطعني إن كنت ابني والمراد التنبيه على السبب الباعث للمأمور به لا تقييد الحكم فكل هذا ليس من محل النزاع.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة السادسة: التخصيص بالعدد</span>\n...\nقال السادسة التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص.\nاختلفوا في أن تعليق الحكم بعدد مخصوص هل يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدا كان أم ناقصا فذهب طوائف إلى أنه يدل وهو المنقول عن الشافعي مما نقله الماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يستوفي وإمام الحرمين والغزالي.\nوقال آخرون إنه لا يدل وهو رأي القاضي وإمام الحرمين وبه قطع المصنف وأما الإمام فاختار أن الحكم المقيد بعدد إن كان معلول ذلك العدد ثبت في الزائد لوجوده فيه كما لو حرم جلد مائة أو حكم بأن القلتين يدفعان حكم النجاسة وإلا لم يلزم كما لو أوجب جلد مائة والناقص عن ذلك العدد إن كان داخلا فيه وكان الحكم إيجابا أو إباحة ثبت فيه كما لو أوجب أو أباح جلد مائة وإن كان تحريما فلا يلزم وإن لم يكن داخلا فيه كالحكم بشهادة شاهدين واحد فإنه لا يدخل في الحكم بشهادة شاهدين فالتحريم قد ثبت فيه بطريق الأولى والإيجاب والإباحة لا يلزمان.\nقال فثبت أن قصر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا بدليل منفصل ومن حجج القائلين بهذا المفهوم أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ١ قال النبي ﷺ: \"والله لأزيدن على السبعين\" فقد فهم سيد العرب العرباء من الآية حكم ما زاد على السبعين بخلافه\n_________\n١ سورة التوبة آية: ٨٠.","vol":"1","page":381},{"text":"ومن الناس من أجاب عن هذا بأن العدد كما لا يدل على نفي الحكم عما عداه لا يدل على إثباته بل هو مسكوت عنه فلعل النبي ﷺ قال ذلك رجاء لحصول الغفران لهم بناء على حكم الأصل إذ كان جواز المغفرة ثابتا قبل نزول هذه الآية.\nقال الغزالي الأظهر أن الخبر غير صحيح لأنه ﷺ أعرف الخلق بمعاني الكلام ولفظ السبعين إنما جرى مبالغة في اليأس وقطعا للطمع في الغفران فإن العرب تستعمله في ذلك كقول القائل اشفع أو لا تشفع لو شفعت سبعين مرة لما أفاد.\nوقول الغزالي إن الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح متلقى من إمام الحرمين فإنه قال هذا لم يصححه أهل الحديث وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في مختصر التقريب هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح وهذا باطل فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم.\nوقل الغزالي السبعين للمبالغة في قطع اليأس متلقى من القاضي أيضا فإنه قال من شد طرفا من العربية لم يخف عليه أن المقصود منه قطع موارد الرجاء دون التعليق على السبعين وكيف يخفى مدرك هذا وهو مقطوع به عن أفصح من نطق بالضاد والحق أن الجواب الأول أسد من هذا وقد ذكره القاضي أيضا في مختصر التقريب وأما ما تعلق به القاضي في إنكار للحديث فغير معتصم لأن السبعين وإن نطقت العرب بها للمبالغة تارة فقد نطقت بها للتقيد بالعدد المخصوص تارة أخرى بل العدد المخصوص هو حقيقتها وقول القاضي المقصود قطع موارد الرجاء دون التعليق على السبعين لا يصح مع ثبوت الحديث.\nخاتمة قال والدي ﵀ التحقيق عندي أن مفهوم العدد إنما يكون حجة عند القائل به عند ذكر نفس العدد كاثنين وعشرة أما المعدود فلا يكون مفهومه حجة كقوله ﷺ أحلت لنا ميتتان ودمان فلا يكون عدم تحريم ميتة ثالثة مأخوذا من مفهوم العدد لكن الناس يمثلون لمفهوم العدد بقوله ﷺ: \"إذا","vol":"1","page":382},{"text":"بلغ الماء قلتين\" ١ والذي لا يتجه غيره هو ما ذكرناه وذلك لأن العدد شبه الصفة لأن قولك في خمس من الإبل في قوة قولك في إبل خمس تجعل الخمس صفة للإبل وهي إحدى صفتي الذات لأن الإبل قد تكون خمسا وقد تكون أقل أو أكثر فلما قيدت وجوب الشاة بالخمس فهم أن غيرها بخلاف فإذا قدمت لفظ العدد كان الحكم كذلك والمعدود لم يذكر معه أمر زائد يفهم منهم انتفاء الحكم عما عداه فصار كاللقب واللقب لم لا فرق فيه أن يكون واحدا أو مثنى ألا ترى أنك لو قلت رجال لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد فكذلك المثنى لأنه اسم موضوع لاثنين كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد فمن ثم لم يكن قوله: \"ميتتان\" يدل على نفي ميتة ثالثة كما أنه لو قال أحلت لنا ميتة لم يدل على عدم حل ميتة أخرى نعم هنا بحث ينشأ منه تفصيل وهو أن المثنى من جنس تارة يراد به ذلك الجنس ويكون جانب العدد مغمورا معه وتارة يراد العدد من ذلك الجنس ويظهر هذا بأنك إذا أردت الأول تقول جاءني رجلان لا امرأتان فلا ينافي أن يكون جاءه رجال ثلاثة وإذا أردت الثاني تقول جاءني رجلان لا ثلاثة فلا ينافي ذلك أنه جاءه نسوة وكذلك المفرد تقول جاءني رجل لا امرأة وجاءني رجل لا رجلان فإن كان في الكلام قرينة لفظية أو حالة تبين المراد اتبعت وعمل بحسبها وإلا فلا دليل فيه لواحد منها وقوله أحلت لنا ميتتان سبق لبيان حل هاتين الميتتين وليس فيه إشعار لحكم ما سوى ذلك وقوله: \"إذا بلغ الماء فلتين لم يحمل الخبث\" فيه شرط يستغنى به عن التمسك بمفهوم العدد لكن الإمام وغيره مثلوا به في العدد وكان لما ذكرته من البحث لأن قرينة الكلام بقوله إذا بلغ يقتضي أنه أراد التقييد بهذا القدر المخصوص فكانت صفة العدد فيه هي المقصودة فلذلك صح التمسك به\n_________\n١ حديث صحيح رواه أبو داود في كتاب الطهارة باب ما ينجس الماء ١/١٥ والنسائي في كتاب المياه باب التوقيت في الماء ١/١٤٢ وابن ماجه في كتاب الطهارة باب مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء ولفظه \"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث\"\nوفي بعض الروايات \"لم يحمل خبثا\".","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة السابعة: استقلال النص بافادة الحكم وعدمه</span>\n...\nقال السابعة النص إما أن يستقل بإفادة الحكم أو لا والمقارن له إما نص آخر\nمثل دلالة قوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ مع دلالة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ على أن تارك الأمر يستحق العقاب كدلالة قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر أو إجماع كلالة ما دل على أن الخال بمثابة الخالة في إرثها إذا دل نص عليه.\nالنص المستدل به على حكم قد يدل بمنطوقه وقد يدل بمفهومه وهذان القسمان تقدما وهما داخلان تحت قول المصنف يستقل فإفادة الحكم وذلك كقوله: \"زكوا عن الغنم السائمة\" فإن منطوقه مستقل بإيجاب زكاتها ومفهومه مستقل بعدم إيجاب زكاة المعلوفة وقد يدل لا بمنطوقه ولا بمفهومه بل بانضمامه إلى آخر وهذا هو الذي لا يستقل بل يحتاج إلى مقارن فتقول ذلك الآخر المقارن إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا أو قرينة حال التكلم واقتصر في الكتاب على ذكر القسمين الأولين أعني النص والإجماع الأول النص وهو على وجهين:\nأحدهما: أن يدل أحد النصين على مقدمة من مقدمتي الدليل والآخر على مقدمة أخرى منه فيتم بهما الدليل مثاله قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ١ فإنه يدل على أن تارك الأمر عاص فإذا ضمه المستدل إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ٢ فإن هذا يدل على أن العاصي يستحق العقاب وقد دلت الأولى على أن تارك المأمور به يستحق العقاب وثانيهما يدل أحدهما على ثبوت حكم لشيئين والآخر على ثبوت بعض ذلك لأحدهما على التعيين فيتعين الباقي للآخر مثاله قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ٣ مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ\n_________\n١ سورة طه آية: ٩٣.\n٢ سورة الجن آية: ٢٣.\n٣ سورة الأحقاف آية: ١٥.","vol":"1","page":384},{"text":"الرَّضَاعَةَ﴾ يدل على أن مدة الفصال حولان فيتعين أن يكون الباقي وهو ستة أشهر مدة الحمل فعلم من مجموع النصين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.\nالثاني: الإجماع كدلالة ما روى من قوله ﷺ: \"الخال وارث من لا وارث له\" على أن الخال يرث في بعض الأحوال وانعقد الإجماع على أن الخالة بمثابته في الإرث والحرمان فيدل هذا النص بواسطة انضمام الإجماع إليه على أن الخالة أيضا ترث في حالة يرث الخال\nالثالث: القياس كإثبات الربا في الأرز بواسطة ثبوته بالنص في البر\nالرابع: شهادة حال المتكلم كما إذا جاء في الشرع لفظ تردد بين الشرع وغيره فإنا نحمله على الشرعي لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات مثل ما روي من قوله ﷺ: \"الاثنان فما فوقهما جماعة\" فإنه يحمل على جماعة الصلاة لا على أقل الجمع لأن الأول أمر شرعي وهذا لغوي وقرائن حاله ﷺ يرجع الحمل على الشرعي لما ذكرناه من كونه مبعوثا لبيان الشرعيات والله أعلم وبه التوفيق.\nتم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الباب الثاني في الأوامر والنواهي.","vol":"1","page":385},{"text":"المجلد الثاني\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الباب الثاني: في الأوامر والنواهي </span>وفيه فصول:\nالأول: في لفظ الأمر وفيه مسئلتان:\nالأولى: أنه حقيقة في القول الطالب للفعل واعتبرت ١ المعتزلة العلو وأبو الحسين الاستعلاء ويفسدهما قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.\nالكلام عند أصحابنا يطلق على اللساني والنفساني واختلفوا هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما على مذاهب قيل في اللساني فقط وذهب المحققون منا كما نقله الإمام في أول اللغات إلى أنه مشترك بينهما وذهب آخرون إلى أنه حقيقة في النفساني فقط وكلا القولين منقول عن الشيخ ويدل على أنه حقيقة في النفساني قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٣ وقال عمر يوم السقيفة كنت زورت في نفسي كلاما.\n_________\n١ في بعض نسخ المتن واعتبر بدون تاء وكلاهما صحيح فإن الفعل إذا أسند إلى جمع التكثير جاز تأنيثه وتذكيره فإثبات التاء لتأوله بالجماعة وحذفها لتأوله بالجمع.\nشرح ابن عقيل ١/ ٤٠٩،٤٠٨.\n٢ سورة المجادلة آية: ٨.\n٣ سورة الملك آية:١٣.","vol":"2","page":3},{"text":"وقال الأخطل١:\nإن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا\nقال أصحابنا ولسنا نستدل بهذه الأدلة على إثبات الكلام النفسي فان هذه الأدلة قابلة للتأويل ولكنا لما دللنا بالبراهين القاطعة المودعة في الكتب الكلامية على إثبات معنى في النفس يزيد على العلوم والقدر والإرادات دللنا بهذه الألفاظ على أنه سمي كلاما فهي أدلة على إثبات التسمية لا على إثبات الحقيقة.\nوأما قول الإمام هنا المختار أنه حقيقة في اللساني فقط فغير مغاير لما نقله في اللغات عن المحققين لأنه قال هناك الكلام بالمعنى القائم في النفس مما لا حاجة في أصول الفقه إلى البحث عنه وإنما الذي يبحث عنه اللساني وقوله هنا فقط أي ولا يكون حقيقة في الشيء والقصة والشأن والطريق كما ذهب إليه أبو الحسين وحاصل الأمر أن الكلام هنا ليس إلا في اللساني قوله في لفظ الأمر أي لفظ أمر لا في مدلولها الذي هو افعل ولا في نفس الطلب وهذا اللفظ يطلق مجازا على الفعل وغيره مما سيأتي ان شاء الله تعالى فسمي الأمر لفظ وهو صيغة افعل ومسمى صيغة افعل هو الوجوب أو غيره على الاختلاف فيه فقوله القول جنس يدخل فيه الأمر وغيره نفسانيا كان أو غيره ويستفاد من هذه العبارة أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرا حقيقة وقوله الطالب فصل يخرج به الخبر وشبهه وقوله للفعل فصل ثان يخرج به النهي إذ هو طالب للترك وهذا مدخول من جهة أن النهي طلب فعل أيضا ولكن فعل هو كف فلو قال فعل غير كف كما فعل ابن\n_________\n١ هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو من بني تغلب شاعر مصقول الألفاظ حسن الديباجة في شعره إبداع اشتهر في عهد بني أمية وأكثر من مدح ملوكهم وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر اهل عصرهم:جرير والفرزدق والأ خطل.\nتوفي سنة ٩٠هـ.\nدائرة المعارف الإسلامية ١/٥١٥ الإعلام للزركلي ٥/٣١٨.","vol":"2","page":4},{"text":"الحاجب لسلم من هذا الاعتراض ويعترض عليه أيضا بقول القائل أوجبت عليك كذا وأنا طالب منك كذا فإنه يصدق عليه التعريف مع كونه خبرا فكان ينبغي أن يقول بالذات كما فعل في تقسيم الألفاظ.\nواعلم أن هذا التعريف يدخل فيه النفساني فكان ينبغي أن يأتي بفصل يخرجه وليس لقائل أن يقول النفسانى نفس الطلب لا الطالب فقد خرج بقوله الطالب لأنا نقول يصدق على النفساني أنه طالب.\nولئن قلت: إنه ليس بطالب حقيقة.\nقلت: وكذا اللساني إنما الطالب حقيقة المتكلم وقد زاد الإمام في الحد قيدا آخر عند قوله إن الحق أن الأمر اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب لا اللفظ العربي الدال على الطلب بدليل أن الفارسي إذا طلب من عبده شيئا يلقنه يسميه العربي أمرا وأنه لو حلف لا يأمر فأمر بالفارسية حنث فقال الحق أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض لا لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب.\nقال: وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب وهذا ماش على ما اقتضته طريقته من أن لفظ الأمر هو صيغة افعل والتحقيق أنهما مسألتان كما سبق ومما يدل عليه ذهاب الجمهور ومنهم القاضي إلى أن المندوب مأمور به مع قول الجمهور إن صيغة افعل حقيقة في الوجوب وقول القاضي إنها مترددة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد صرح به في مختصر التقريب بل صرح في مختصر التقريب بما قلناه.\nوهذه عبارته: الأمر الحقيقي معنى قائم بالنفس وحقيقة اقتضاء الطاعة ثم ذلك ينقسم إلى ندب ووجوب لتحقيق الاقتضاء فيهما.\nوأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس نحو قول القائل افعل فمترددة بين الدلالة على الوجوب والندب والإباحة والتهديد فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المقال أو قرائن الحال تخصصها ببعض المقتضيات هذا ما نرتضيه من المذهب انتهى قوله.","vol":"2","page":5},{"text":"واعتبرت شرطت المعتزلة في الأمر العلو وقالوا لا يصدق إلا به أي بأن يكون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه فآما إن كان مساويا له فهو إلتماس وإن كان دونه فهو سؤال.\nوقد تابعهم على ذلك من أصحابنا الشيخان أبو إسحاق الشيرازي١ وأبو نصر بن الصباغ٢ كما نص عليه في عدة العالم وشرط أبو الحسين من المعتزلة الاستعلاء دونه العلو والفرق بين الاستعلاء والعلو واضح فالعلو أن يكون الآمر في نفسه أعلى درجة والاستعلاء أن يجعل نفسه عاليا بكبرياء أو غيره وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك فالعلو من الصفات العارضة للناطق والاستعلاء من صفات كلامه\nوهذا الذي قاله أبو الحسين صححه الآمدي وابن الحاجب وكذلك الإمام إلا أنه في أوائل المسألة الخامسة قال وقال أصحابنا لا يشترط العلو ولا الاستعلاء لنا قوله حكاية عن فرعون وأخذ يستدل للأصحاب بهذه الصيغة فظن ظانون الاضطراب في كلامهم والظاهر أن صيغة لنا إنما أتى بها من أصحابه\nتنبيه ما نقله المصنف هنا عن أبي حيان لا يناقض ما اختاره في تقسيم الألفاظ لأن الكلام هنا في مدلوله اللغوي وأما هناك فالكلام في مدلوله الاصطلاحي ألا ترى إلى ذكره هناك المتواطىء والمشكك والاسم والفعل والحرف وكل هذه أسماء مصطلح عليها بين العلماء\nوقد رد المصنف على المذهبين أعني مذهب المعتزلة وأبى الحسين بأنه\n_________\n١ تقدمت ترجمته في الجزء الأول.\n٢ هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد: كنيته أبو نصر وعرف بابن الصباغ لأن أحد أجداده كان صباغا كان بارعا في الفقه والأصول ثقة حجة صالحا ورعا حتى فضله بعض العلماء على أبي اسحاق الشيرازي.\nمن مؤلفاته: الكامل في الخلاف بين الحنفية والشافعية والعمدة في أصول الفقه.\nتوفي ببغداد سنة ٤٧٧هـ.\nطبقات ابن السبكي ٣/٢٣ الفتح المبين ١/٣٧١.","vol":"2","page":6},{"text":"يفسرهما قوله تعالي حكاية عن قول فرعون لقومه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ١ فأطلق الأمر على ما يقولونه في مجلس المشاورة ومن المعلوم انتفاء العلو إذا كان فرعون في تلك الحالة أعلى رتبة منهم وقد جعلهم آمرين له وانتفاء الاستعلاء إذ لم يكونوا مستعلين عليه والأصل في الإطلاق الحقيقة فدل ذلك على عدم اعتبار كل واحد من العلو والاستعلاء ومما يدل على ذلك قول عمرو بن العاص لمعاوية ﵄:\nأمرتك أمرا جازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم\nوابن هاشم هذا رجل من بني هاشم خرج من العراق على معاوية ﵁ فامسكه فأشار عليه عمرو بقتله فخالفه معاوية لشدة حلمه وكثرة عفوه فأطلقه فخرج عليه مرة أخرى فأنشده عمرو البيت في ذلك لا في علي ﵁ وإنما نبهنا على ذلك مخافة أن يتوهمه متوهم.\nوقال دريد بن الصمة٢ لنظرائه ولمن هو فوقه:\nأمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... وهل يستبان الرشد إلا ضحى الغد\nوقال الآخر مخاطبا يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق:\nأمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما\nوقد قيل في إبطال مذهب أبي الحسين على الخصوص في الكتاب العزيز في غاية التلطف ونهاية الاستجلاب بتذكير النعم والوعيد بالنقم كما في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٣ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٤ إلى غير ذلك من الآيات\nالمنافية لاشتراط الاستعلاء وإلا يلزم أبا الحسين أن يخرجها عن كونها أوامر بل يلزمه أن\n_________\n١ سورة الأعراف ١١٠ والشعراء ٣٥.\n٢ هو: دريد بن الصمة الجشمي البكري من هوازن ومن الشعراء المعمرين في الجاهلية كان السيد بني جشم وقائدهم غزا نحو مائة غزوة لم يهزم في واحدة منها أدرك الإسلام ولم يسلم قتل على دين الجاهلية في غزوة حنين سنة ٨هـ. الأغاني ١٠/٣-٤٠ طبعة دار الكتب الأعلام للزركلي ٣/١٦، ١٧.\n٣ سورة البقرة آية ٢١.\n٤ سورة آل عمران آية ٣١.","vol":"2","page":7},{"text":"يخرج كل صيغة لا يدل معها دليل على وجود الاستعلاء الذي هو هيئة قائمة بالأمر وأكثر الأوامر لا يوجد فيها ذلك.\nقال: وليس حقيقة في غيره دفعا للإشتراك وقال بعض الفقهاء إنه مشترك بينه وبين الفعل أيضا لأنه يطلق عليه مثل وما أمرنا وما أمر فرعون\nالأصل في الإطلاق الحقيقة قلنا المراد الشأن مجازا.\nقال البصري: إذا قيل أمر فلان ترددنا بين القول والفعل والشيء والشأن والصفة وهو آية الاشتراك قلنا لا بل بتبادر القول.\nقد عرفت أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص وذلك باتفاق.\nقال المصنف: فلا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك وقال بعض الفقهاء إنه مشترك بين القول المخصوص والفعل ونقل الأصفهاني في شرح المحصول عن ابن برهان أنه قال كافة العلماء ذهبوا إلى أنه حقيقة في الفعل والشأن والقصة والمقصود والغرض ولم أر ذلك في كلام ابن برهان واستدل القائل بأنه حقيقة في الفعل بأنه يطلق عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ١ أي فعلنا وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ٢ أي فعله والأصل في الإطلاق الحقيقة وأجاب في الكتاب بأن المراد بالأمر هنا هو الشأن الشامل للقول والفعل ويكون مجازا من باب إطلاق الخاص وإرادة العام والمجاز خير من الاشتراك وهذا الجواب وان كان صحيحا فلا يحتاج إليه من يقول المراد بالأمر في هاتين الآيتين هو القول.\nأما الأولى فلأنه لو أريد الفعل للزم أن يكون فعله سحابة واحدة وهو في السرعة كلمح البصر وذلك باطل ضرورة ثبوت تعدد أفعاله وحدوث بعضها بالرفق والتدريج وإذا حمل على القول لا يلزم منه محذور.\nوأما الثانية فإرادة القول فيها ظاهرة يدل عليها قوله: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ وأبو الحسين وهو المشار إليه بقول البصري زعم ان لفظ الأمر مشترك بين\n_________\n١ سورة القمر آية ٥٠.\n٢ سورة هود آية ٩٧.","vol":"2","page":8},{"text":"القول المخصوص كما سبق وبين الشيء كقولنا تحرك هذا الجسم لأمر أي لشيء والصفة كقول الشاعر:\nلأمر ما يسود من يسود\nأي لصفة من صفات الكمال والشأن والطريق كذا نص عليه في المعتمد إذ قال ما نصه وأنا اذهب إلى أن قول القائل أمر مشترك بين الشيء والصفة والشأن والطريق وبين جملة الشأن والطريق وبين القول المخصوص انتهى ومقتضى ذلك أنه مشترك عنده بين خمسة أشياء لكنه في شرح المعتمد فسر الشأن والطريق بمعنى واحد فيكون الأقسام عنده أربعة فلذلك حذف المصنف الطريق وذلك من محاسنه.\nواستدل البصري على ما ذهب إليه بأن من سمع قول القائل هذا أمر فلان تردد ذهنه بين هذه المعاني ما لم يضف إلى قرينة معينة لواحد منها تعين المراد منه وذلك أنه الاشتراك أي علامته.\nوأجاب عنه المصنف بمنع تردد الذهن عن عدم القرينة بل يتبادر فهم القول المخصوص منه إلى الذهن وقوله في الكتاب إذا قيل أمر فلان أمر هنا بإسكان الميم لا غير وما نقله المصنف عن أبي الحسين من أن الأمر موضوع للفعل بخصوصه حتى يكون مشتركا غلط فالذي نص أبو الحسين عليه أنه غير موضوع له وانما يدخل في الشأن فقال مجيبا عن اعتراض لخصومه ما نصه اسم الأمر ليس يقع على الفعل من حيث هو فعل لا على سبيل المجاز ولا على سبيل الحقيقة وإنما يقع على جملة الشان حقيقة وهو المراد بقول الناس أمور فلان مستقيمة انتهى.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الثانية في تعريف الطلب</span>\n...\nقال: الثانية: الطلب بديهي التصور وهو غير العبارات المختلفة وغير الإرادة خلافا للمعتزلة.\nلنا: أن الإيمان من الكافر مطلوب وليس بمراد لما عرفت وأن الممهد لعذره في ضرب عبده يأمره ولا يريد.\nولما ذكر أن مدلول الأمر القول الطالب للفعل احتاج إلى بيان الطلب تتميما لإيضاح مدلول الأمر فقال الطلب بديهي التصور وهذا قد صار إليه","vol":"2","page":9},{"text":"الجمهور واستدلوا عليه بأن كل عاقل مارس الحدود والرسوم أو لم يمارس شيئا البتة يأمر وينهى ويفرق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر وهذا الدليل قد أكثر الإمام التعويل عليه وهو مدخول من وجوه:\nأحدها: أنه لا يلزم من الحكم بالتفرقة بين الشيئين بالبديهة معرفة كنه حقيقتهما بل قد لا يعرف الحكم بالتفرقة ماهية ذلك الشيء فضلا عن أن يعرفه بالبديهة ألا ترى أن كل أحد يعلم من نفسه أنه موجود بالبديهة ويفرق بين الإنسان والملك والطائر والفرس ولا يدري ماهية نفسه ولا ماهية الملك ولا الطائر والفرس معرفة خاصيته بالجنس والفصل.\nالثاني: أن قوله يفرق بين طلب الفعل وطلب الترك بالبديهة وكذا بينهما وبين الخبر يلزم منه أن تكون هذه الأشياء بديهة على ما قرر وإذا كان كذلك فلم حد ماهية الأمر قبل ذلك.\nالثالث: أن بحثه عن هذا المعنى هو بحث عن هذا الكلام وهذا متناقض ثم هو اعني الطلب مغاير للعبارات المختلفة باختلاف النواحي والأمم ومغاير للإرادة أما مغايرته للعبارات فواضح فإن ماهية الطلب معنى قائم بقلب المتكلم لا يختلف بذلك بخلاف العبارات المختلفة.\nهذا شرح قول المصنف.\nوقوله: المختلفة ليس لإخراج شيء صفة جاءت للتوضيح أي أن شأن العبارات أنها مختلفة ولو قال بدل ذلك لاختلافها لكان أصرح وأحسن وأما مغايرته للإرادة والخلاف فيه مع المعتزلة فلوجهين:\nأحدهما: أن الإيمان من الكفار مطلوب بالإجماع ومنهم من أخبر الله تعالى بأنه لا يؤمن فكان إيمانه ممتنعا لإخبار الله تعالى بعدمه كما عرفت في مسألة تكليف المحال والممتنع لا يكون مرادا لله تعالى لأن الإرادة صفة مخصصة لحدوث الفعل بوقت حدوثه والشيء إذا لم يوجد لكونه ممتنعا امتنعت إرادته لعدم تخصصه بوقت الحدوث ويلزم من هذا مغايرة الطلب الذي هو مدلول","vol":"2","page":10},{"text":"الأمر للإرادة لتحققه دونها هذا تقريره وهو ضعيف لأن حاصله الاستدلال على عدم الإرادة بعدم الوقوع وذلك مصادرة على المطلوب.\nوالوجه الثاني: أن الطلب قد يتحقق بدون الإرادة وذلك لأنه قد يجتمع مع كراهيته ويستحيل أن تجتمع إرادته مع كراهته فالأمر غير الإرادة وبيان ذلك أن السيد الذي لامه السلطان على ضرب عبده إذا اعتذر إلى السلطان عنه بتمرد العبد وعصيانه عن امتثال أوامره وكذبه السلطان فأراد إظهار صدقه بالتجربة فإنه إذا أمره بشيء عند السلطان لا يريد ذلك الفعل قطعا لاستحالة ألا يريد تمهيد عذره حالة كونه مريدا له فإنه ما أمره إلا لتمهيد عذره وفي إرادة فعله عدم إرادة تمهيد عذره فيستحيل إرادته ولأن العاقل لا يريد ما فيه مضرة من غير ضرورة ملجئة إليه.\nوهذا الدليل كما يدل على أن الأمر غير الإرادة كذلك يدل على أنه غير مشروط بها.\nوقد اعترض على هذا الدليل بوجهين:\nأحدهما: أنا لا نسلم أنه وجد الأمر في الصورة المذكورة وان كانت صورته صورة الأمر والصورة لا توجب أن يكون أمرا حقيقيا كما في التهديد.\nوأجيب عنه بأن تمهيد العذر إنما يحصل بالأمر لا بغيره فدل على أنه أمر وهذا جواب ضعيف فإن قوله التمهيد إنما يحصل بالأمر إن أراد النفسي فممنوع لأن مجرد سماع العبد اللساني يحصل التجربة وإن أراد اللساني فالفرق بينه وبين الإرادة مسلم.\nوثانيهما: ذكره الآمدي فقال هذا لازم على أصحابنا في تفسيرهم الأمر بأنه طلب الفعل من جهة أن السيد أيضا أمر في مثل هذه الصورة لعبده مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه.\nقال صفي الدين الهندي وهو اعتراض ضعيف لأنا لا نسلم أنه يستحيل من العاقل أن يطلب ما فيه مضرته إذا لم يكن مريدا له.","vol":"2","page":11},{"text":"قال: وهذا لأن طلب المضرة لا ينافي غرضه بل قد يوافقه كما هو واقع فيما ذكرنا من الصورة وإنما المنافي لغرضه وقوع المضرة والطلب لا يوجبه فالحاصل أن طلب المضرة من حيث إنه طلب لا ينافي غرض العاقل لا بالذات ولا بالغرض بخلاف الإرادة فإنها وان لم تنافه بالذات لكنها منافية له بالغرض لكونها توجب وقوع المضرة ضرورة أن الإرادة صفة تقتضي وقوع المراد نعم الطلب والإرادة في الأكثر يتلازمان فيظن أنه يستحيل أن تجتمع مع الكراهة كما يستحيل أن تجتمع الإرادة معها.\nفائدة استدل القاضي أبو الطيب الطبري في شرح الكفاية وتبعه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع على أن الأمر مغاير للإرادة بأن من حلف ليقضين زيدا دينه غدا وقال إن شاء الله ولم يقضه لا يحنث في يمينه مع كونه مأمورا بقضاء دينه فلو كان الله تعالى قد شاء ما أمره به وجب أن يحنث في يمينه وهذا ظاهر إذا كان الدين حالا وصاحبه مطالب به أما إن كان مؤجلا فإنا لا نسلم وجوب الوفاء في غد إذا لم يكن عند محل الأجل وأما إذا كان حالا وصاحبه غير مطالب له ففي وجوب الوفاء على الفور إختلاف معروف في المذهب مذكور في صدر كتاب التفليس من ابن الرفعة عن الروياني وإمام الحرمين فان لم نوجبه فقد يمنع الوجوب أيضا فينبغي أن يقتصر على الاستدلال بمن عليه دين حال وصاحبه مطالب به والمديون متمكن من الإيفاء ليخرج أيضا ما إذا لم يتمكن كالمعسر فإنه لا يجب عليه مع عدم التمكن.\nقال: واعترف أبو علي وابنه بالتغاير وشرطا الإرادة في الدلالة ليتميز عن التهديد. قلنا: كونه مجازا كاف.\nاعترف أبو على وابنه أبو هاشم وتابعهما القاضي عبد الجبار وأبو الحسين بأن الأمر مغاير لإرادة المأمور به ولكن شرطوا إرادة المأمور به في دلالة الأمر عليه وقالوا لا ينفك الأمر عن الإرادة محتجين بأن الصيغة كما ترد للطلب ترد للتهديد مع خلوه عن الطلب فلا بد من مميز بينهما ولا مميز سوى الإرادة","vol":"2","page":12},{"text":"والجواب أن المميز حاصل بدون الإرادة لأن صيغة الأمر حقيقة في القول المخصوص ومجاز في غيره وهذا كاف في التمييز لأنها إن وجدت بغير قرينة حملت على مدلولها الحقيقي أو بقرينة حملت على ما دلت القرينة عليه.\nواعلم أن محل الخلاف إنما هو في إرادة الامتثال واما إرادة الدلالة الصيغة على الأمر احتراز عن التهديد والتسخير وغيرهما من المحامل فالنزاع فيها ليس مع المعتزلة بل مع غيرهم من المتكلمين والفقهاء وأما إرادة إحداث الصيغة احترازا عن النائم ومن جرى لسانه إليه من غير قصد فتلك شرط من غير توقف وقد حكى قوم فيها الاتفاق ولكن حكى ابن المطهر هذا المتأخر المنسوب إلى الرفض في كتاب له مبسوط في أصول الفقه وقفت عليه من مدة ولم يحضرني حالة التصنيف عن بعضهم أنه لم يشترط إرادة إيجاد الصيغة وهذا شيء ضعيف لا يعتمد عليه وكيف يجعل ما يجري على لسان النائم والساهي أمرا يترتب عليه مقتضاه اللهم أن يلتزم أن مقتضاه لا يترتب عليه وحينئذ يجيء الخلاف النحوي في أنه هل من شرط الكلام القصد فابن مالك يشترطه وشيخنا أبو حيان لا يشترطه.","vol":"2","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الفصل الثاني: في صيغة أفعل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة الأولى في معاني صيغة أفعل</span>\n...\nالفصل الثاني: في صيغة أفعل\nقال: الفصل الثاني في صيغته وفيه مسائل:\nالأولى: أن صيغة أفعل ترد لستة عشر معنى\nالأول: الإيجاب أقيموا الصلاة.\nالثاني: الندب: فكاتبوهم ومنه: كل مما يليك.\nالثالث: الإرشاد: واستشهدوا.\nالرابع: الإباحة: كلوا.\nالخامس: التهديد: اعملوا ما شئتم ومنه: قل تمتعوا.\nالسادس: الامتنان: كلوا مما رزقكم الله.\nالسابع: الإكرام: ادخلوها.\nالثامن: التسخير: كونوا قردة.\nالتاسع: التعجيز: فأتوا بسورة.\nالعاشر: الإهانة: ذق.\nالحادي عشر: التسوية: اصبروا أو لا تصبروا.\nالثاني عشر: الدعاء: اللهم اغفر لي.\nالثالث عشر: التمني:\nألا أيها الليل الطويل ألا انجلى.","vol":"2","page":15},{"text":"الرابع عشر: الاحتقار: بل ألقوا\nالخامس عشر: التكوين: كن فيكون\nالسادس عشر: الخبر: فاصنع ما شئت وعكسه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ \"لا تنكح المرأة المرأة\".\nتقدم أن الأمر اسم للقول للطالب للفعل وهذا شروع في ذكر صيغته وهي أفعل ويقوم مقامها اسم الفعل كصه والمضارع المقرون باللام مثل ليقم زيد.\nوقد نقل عن الشيخ أبي الحسن أنه لا صيغة للأمر تخص به وأن قول القائل افعل متردد بين الأمر والنهي وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد بين جميع محتملاته ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها.\nوقال آخرون ليس المعنى بتوقف أبي الحسن في المسألة إلا أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل افعل في اللسان فهو مشكوك فيه على هذا الرأي ثم نقل عن أبى الحسن ناقلون انه يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن.\nقال إمام الحرمين وهو زلل بين في النقل ثم قال إمام الحرمين الذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت أو ألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل افعل من حيث ألقاه في وضع اللسان مترددا وإذا كان كذلك في الظن به إذا اقترن بقول القائل افعل لفظا وألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن يقول افعل حتما أو افعل واجبا نعم قد يتردد المتردد في الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ذكرناها فالمشعر بالأمر النفسي الألفاظ المقترنة بقول القائل أفعل أم هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على مافيه من الخبط فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد.","vol":"2","page":16},{"text":"وهذا هو التنبيه على سر مذهب أبى الحسين والقاضي وطبقة الواقفية١.\nهذا كلام إمام الحرمين ثم قال المصنف صيغة افعل ترد لستة عشر معنى:\nالأول: الإيجاب كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢.\nالثاني: الندب كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٣ فإن الكتابة مستحبة لهذه الآية وحكى صاحب التقريب قولا للشافعي أنها واجبة إذا طلبها قوله ومنه أي ومن المندوب التأديب كقوله ﷺ لعمر بي أبى سلمة: \"كل مما يليك\" رواه البخاري ومسلم فإن الأدب مندوب إليه وقد جعله بعضهم قسيما للمندوب والحق أن افتراقها افتراق العام والخاص لما ذكرناه.\nواعلم أن التمثيل بالأكل مما يليه ليس بجيد فان الذي نص عليه الشافعي ﵁ في غير موضع أن من أكل مما لا يليه عالما بنهي النبي ﷺ كان آثما عاصيا وذكره شارح الرسالة أبو بكر الصيرفي وأقره عليه والشافعي نص عليه على هذه المسألة في أخوات لها غريبات أخرجهن والدي ﵀ وأطال الله بقاه وصف فيهن كتابه المسمى بكشف اللبس عن المسائل الخمس ونص المنصوص وقد ذكرنا عيون ذلك المختصر في ترجمة البويطي من كتابنا طبقات الفقهاء.\nالثالث: الإرشاد: كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب البتة لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه\n_________\n١ الواقفة: فرقة من فرق الخوارج ينتمون إلى فرقة تسمى العجاردة.\nانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٤وما بعدها طبعة صبيح بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد.\n٢ سورة البقرة آية ٤٣.\n٣ سورة النور آية ٣٣.\n٤ سورة البقرة آية ٢٨٢.","vol":"2","page":17},{"text":"وقد يقال إنه يثاب عليه لكونه ممتثلا ولكن يكون ثوابه أنقص من ثواب الندب لأن امتثاله مشوب بحظ نفسه ويكون الفارق إذا بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أن أحدهما مطلوب لثواب الآخرة والآخر لمنافع الدنيا والتحقيق أن الذي فعل ما أمر به إرشادا إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته ولا قاصد سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب وإن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر ولكن ثوابا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال.","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الثانية: صيغة أفعل حقيقة في الوجوب</span>\n...\nواعلم أن صيغة افعل حقيقة في الوجوب مجاز في غيرها على الصحيح كما ستعرفه إن شاء الله تعالى والعلاقة التي بين الواجب والمندوب والإرشاد حتى أطلقت عليهما صيغة افعل هي المشابهة المعنوية.\nالرابع: الإباحة كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ١\nالخامس: التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٢. ومن التهديد الإنذار كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ٣ وقد جعله جماعة قسما آخر ولا شك في ثبوت الفرق بينهما إذ التهديد هو التخويف والإنذار هو الإبلاغ لكن لا يكون إلا في التخويف فقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر وقال صفي الدين الهندي وغيره الفرق بينهما أن الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد كما في الآية المذكورة والتهديد لا يجب فيه ذلك بل قد يكون مقرونا وقد لا يكون وقيل في الفرق بينهما إن التهديد في العرف أبلغ من الوعيد والغضب من الإنذار وكلها فروق صحيحة والعلاقة بين التهديد والوجوب المضادة لأن المهدد عليه إما حرام أو مكروه كذا قيل وعندي أن المهدد عليه لا يكون إلا حراما وكذلك الإنذار وكيف وهو مقترن بالوعيد بل قد ذهب قوم إلى أن الكبائر هي المتوعد عليها.\n_________\n١ سورة المؤمنون آية ٥١.\n٢ سورة فصلت آية ٤٠.\n٣ سورة إبراهيم آية ٣٠.","vol":"2","page":18},{"text":"السادس: الامتنان: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ١ والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه ونحو ذلك كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه والعلاقة بين الامتنان والوجوب المشابهة في الإذن أن الممنون لا يكون إلا مأذونا فيه.\nالسابع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ٢ فإن قرينة قوله بسلام آمنين يدل عليه والعلاقة أيضا الإذن.\nالثامن: التسخير: مثل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٣ والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيها انتقال إلى حالة ممتهنة بخلاف التسخير فإنه لغة الذلة والامتهان في العمل والعلاقة فيه وفي التكوين المشابهة المعنوية وهي تحتم الوقوع وقد سمى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين هذا القسم بالتكوين.\nالتاسع: التعجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ٤ والعلاقة المضادة إذ لا يكون التعجيز إلا في الممتنع\nالعاشر: الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٥\nالحادي عشر: التسوية: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ٦\nالثاني عشر: الدعاء: مثل القائل: اللهم اغفر لي وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ ٧\nالثالث عشر: التمني: مثل قول امرىء القيس:\nألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي٨\n_________\n١ سورة المائدة آية ٨٨.\n٢ سورة الحجر آية٤٦.\n٣ سورة البقرة آية ٦٥.\n٤ سورة البقرة آية ٢٣.\n٥ سورة الدخان آية ٤٩.\n٦ سورة الطور آية ١٦.\n٧ سورة الأعراف آية ٨٩.\n٨ البيت لامرئ القيس – حندج – بضم الحاء والدال بينهما نون سا كنة – بن حجر بن الحارث=","vol":"2","page":19},{"text":"وقد يقال لم جعل المصنف هذا الشاعر متمنيا ولم يجعله مترجيا مع أن التمني مختص بالمستحيل وانجلاء الليل غير مستحيل والجواب أن المحب ينزل ليله لطوله منزلة ما يستحيل انجلاؤه ولهذا قال الشاعر:\nليل المحب بلا آخر\nالرابع عشر: الإحتقار: كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ يخاطب السحرة: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ١ يعني أن السحر وإن عظم ففي مقابلة ما أتى به موسى ﵇ حقير والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة إنما تكون بالقول أو الفعل أو بتركهما دون مجرد الاعتقاد والاحتقار إما مختص بمجرد الاعتقاد أو لا بد من الاعتقاد بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه يقال إنه احتقره ولا يقال أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبي عن ذلك.\nالخامس عشر: التكوين: كن فيكون. وقد سما الغزالي إلى هذا القسم بكمال القدرة وتبعه الآمدي.\nالسادس عشر: الخبر مثل قوله ﷺ: \"إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" ٢\nأي صنعت ما شئت.\nوقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام هو هذا تهكم إذ معناه اعرضه على نفسك فإن استحيت منه لو اطلع عليه فلا تفعله وإن لم تستح فاصنع ما شئت من هذا الجنس وعلى هذا التفسير يحتاج هذا القسم إلى مثال وأمثلة كثيرة.\n_________\n= بن عمر المتوفى سنة ٨٠ ق. هـ وهو من معلقته المشهورة التي مطلعها:\nقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل\nبسقط اللوى بين الدخول فحومل\n١ سورة الأعراف ١١٦، ويونس ٨٠ والشعراء ٤٣ وفي الأصل بل ألقوا وهو زائد عن النص القرآني لذا حذفته من الأصل. ١هـ. محققة.\n٢ رواه البخاري كتاب الأدب باب: إذا لم تستح فاصنع ماشئت ٨/٣٥ وأبو داود في كتاب الأدب باب في الحياء ٢/٥٥٢.","vol":"2","page":20},{"text":"قوله وعكسه أي قد يستعمل الخبر ويراد به الأمر مثل قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ ١ المعنى والله أعلم ليرضع الوالدات أولادهن وهذا أبلغ من عكسه لأن الناطق بالخبر مريدا به الأمر كأنه نزل المأمور به منزلة الواقع قوله: \"لا تنكح المرأة المرأة\" ٢ يعني أن الخبر قد يأتي مرادا به النهي كما قد يقع مرادا به الأمر وذلك أعني مجيئه مرادا به النهي كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة بإسناد جيد أن رسول الله ﷺ قال:\n\"لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها\" فإن صيغته خبر لوروده مضموم الجيم ولو كان نهيا لكان مجزوما مكسورا لالتقاء الساكنين والمراد به النهي فهذا شرح الأقسام الستة عشر التي في الكتاب وهي في الحقيقة أكثر لاشتمال بعض أقسامها على نوعين كما عرفت وقد زاد إمام الحرمين في البرهان الأمر بمعنى الإنعام كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ٣ قال هذا وإن كان فيه معنى الإباحة فان الظاهر منه تذكير النعمة وزاد أيضا الأمر بمعنى التعويض كقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٤ وزاد صفي الدين الهندي تاسع عشر وهو التعجب ومثل له بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ٥ وهذا المثال جعله الآمدي وابن برهان من قسم التعجيز ورأيت في طبقات الفقهاء لأبى عاصم العبادي في ترجمة أبى إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي زيادات أخر منها التعجب كما قال الشيخ الهندي لكن مثل له بقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ ٦ ومنها الأمر بمعنى التكذيب مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٧ وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ ٨ ومنها الأمر بمعنى المشورة مثل:\n_________\n١ سورة البقرة ٢٣٣.\n٢ رواه ابن ماجة في كتاب النكاح باب: لانكاح إلا بولي ١/٦٠٥ من حديث أبي هريرة ﵁ – بلفظ لا تزوج بإسناد ضعيف كما رواه الدارقطني بإسناد على شرط مسلم انظر: سبل السلام ٣/١١٩-١٢١.\n٣ سورة البقرة آية ١٧٢.\n٤ سورة طه آية ٧٢.\n٥ سورة الإسراء آية ٥٠.\n٦ سورة الإسراء آية ٤٨.\n٧ سورة آل عمران آية ٩٣.\n٨ سورة الأنعام آية ١٥٠.","vol":"2","page":21},{"text":"﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ١ وزاد أبو عاصم أيضا في غير هذه الترجمة الأمر بمعنى الاعتبار مثل قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ ٢ والأمر بمعنى التسليم مثل:\n﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ وهذا قد تقدم عن إمام الحرمين وقد وصلت الأقسام بزيادات أبى عاصم وإمام الحرمين والقسم الذي ذكره الهندي إلى اثنين وعشرين.\nقال: الثانية: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي وقال أبو هاشم:\nإنه للندب وقيل للإباحة وقيل مشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بينهما وقيل لأحدهما ولا نعرفه وهو قول الحجة وقيل مشترك بين الثلاثة وقيل بين الخمسة.\nأجمعوا على أن صيغة أفعل ليست حقيقة في جميع المعاني التي أوردناها وإنما الخلاف في بعضها وقد اختلفوا فيه على مذاهب:\nأحدها: أنه حقيقة في الوجوب فقط مجاز في البواقي وهو المحكي عن الشافعي ﵁.\nوقال إمام الحرمين: في التلخيص المختصر من التقريب والإرشاد وأما الشافعي فقد أدعى كل من أهل المذاهب أنه على وفاقه وتمسكوا بعبارات متفرقة له في كتبه حتى اعتصم القاضي بألفاظ له من كتبه واستنبط منها مصيره إلى الوقف وهذا عدول عن سنن الإنصاف فان الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب انتهى ونقله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وابن برهان في الوجيز عن الفقهاء واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف.\nقال الشيخ أبو اسحاق وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبى إسحاق يعني المروزي ببغداد ثم اختلف القائلون بهذا المذهب في أن اقتضاها الوجوب هل هو بوضع اللغة أم بالشرع على مذهبين وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة ونقله إمام الحرمين عن الشافعي.\n_________\n١ سورة الصا فات آية ١٠٢.\n٢ سورة الأنعام آية ١٩٩.","vol":"2","page":22},{"text":"والثاني: أنها حقيقة في الندب. قال الغزالي ومنهم من نقله عن الشافعي وقد نقله في الكتاب عن أبي هاشم والغزالي نقله عن كثير من المتكلمين دهماؤهم المعتزلة أي دهماء الكثير من المتكلمين وجماعة من الفقهاء.\nقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع الذي تحكي الفقهاء عن المعتزلة أنها تقتضي الندب وليس هذا مذهبهم على الاطلاق بل ذلك بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة والحاكم لا يريد الا الحسن والحسن ينقسم إلى واجب ومندوب فيحمل على المحقق من الاسم وهو الندب فليست الصيغة عندهم مقتضية للندب الا على هذا التقدير.\nقلت: ويلزمهم أو أكثرهم على هذا التقدير القول بالإباحة لأن المباح عند أكثرهم حسن كما سبق في أوائل الكتاب.\nالثالث: أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب.\nالرابع: أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب وهو المحكي عن المرتضى من الشيعة وقال الغزالي صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين الوجوب الندب.\nالخامس: أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب فيكون متواطئا وهو رأي الإمام أبى منصور الماتريدي.\nالسادس: حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعا بالاشتراك اللفظي لكنا لا ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة:\nويعرفون ان لا رابع وهذا محكي عن طائفة من الواقعية كالشيخ والقاضي واختاره الغزالي والآمدي هذا هو تحرير هذا المذهب وقول المصنف في حكايته وقيل لأحدهما ولا نعرفه غير مرضي بوجهين:\nأحدهما: تصريحه يتردد هذا المذهب بين شيئين وليس كذلك بل بين ثلاثة كما سقناه.\nوثانيهما: أنه على تقدير صحة هذا بأن يكون بعض الناس ذهب إلى تردد بين","vol":"2","page":23},{"text":"شيئين فليس قول الغزالي إنما اختار الغزالي ما أوردناه وهذه عبارة المستصفي وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب وقال قوم بل للندب وقال قوم يتوقف فيه ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندري أيضا أنه مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا والمختار أنه يتوقف فيه انتهى.\nوقد حكى الشيخ الهندي عن الشيخ والقاضي وإمام الحرمين والغزالي التوقف في أنه حقيقة في الوجوب فقط أو الندب فقط أو فيهما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي وهذا مغاير لهذا الذي سقناه عن الغزالي لتردده بين أربعة لا ثلاثة والذي في المستصفي ما رأيته وأما الشيخ والقاضي فقد ذكرنا النقل عنهما في أول هذا الفصل من كلام إمام الحرمين وأما إمام الحرمين فالذي صرح باختياره ما نصه من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل فليس من التحقيق في شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل بين قول القائل فعل وبين قوله ما فعل ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا سقط هذا رددنا القول إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا حرج عليك فعلت أو تركت وبين قول افعل فان الصيغة الأخيرة مقتضاها طلب لا محالة وليس في الإباحة من الطلب شيء فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق الا الندب والندب من ضرورة معناه التخيير في الترك وليس في قول القائل افعل تخيير في الترك أصلا وقد تعين الآن أن نبوح بالغرض الحق ونقول افعل طلب محض لا مساغ له لتقدير الترك فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن فان قيل هذا مذهب الشافعي واتباعه وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فان الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعد على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيص الطلب فإذا الصيغة لتمحيص الطلب والوجوب مدرك من الوعيد هذا لفظه ثم قال وأنا أبني على منتهى الكلام شيئا يقرب ما اخترته من مذهب الشافعي فأقول ثبت في موضوع الشرع أن التمحص في الطلب موعد على تركه وكلما يكون كذلك فلا يكون إلا واجبا انتهى.","vol":"2","page":24},{"text":"وحاصل هذا الذي اختاره حمل الصيغة على الاقتضاء والطلب وقصار المستفاد منها من جهة اللسان الطلب الجازم وكون هذا الطلب موعدا عليه شيء آخر ثابت في أوامر الشرع بالدليل الخارجي فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من اللغة والشرع فقد وافق القائلين بالوجوب وإن كان قد خالفهم في هذا التركيب ونقل المازري في شرح البرهان هذا الذي اختاره إمام الحرمين عن الشيخ أبى حامد الإسفرايني وقال إنه صرح به وسبقه إلى اختياره فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل فاقتضاه منه اقتضاء جزما ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد وهذا هو الذي اختاره الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو المختار عندنا فان الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر خارجي عنه ولكننا نقول المنقول عن الشافعي أن الصيغة تقتضي الوجوب ومراده الصيغة الواردة فى الشرع إذ لا غرض له في الكلام في شيء غيرها ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاها للوجوب مستفاد منها فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به ويكون ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو الذي ذهب إليه إمامهما.\nواعلم أن هذا المذهب المختار مغاير للمذهبين اللذين حكياهما عند حكاية القول بالوجوب في ان ذلك هل هو بالشرع أو اللغة فتصير المذاهب أربعة:\nالوجوب بالشرع والوجوب باللغة والوجوب بضم الشرع إلى اللغة وعدم الوجوب.\nفان قلت: كيف يقال بأن الوجوب مستفاد من وضع اللغة؟\nقلت: هو بعيد كما أشرنا إليه ولكنه هو مذهب مصرح به كما عرفت وممن ذكره الشيخ أبو اسحاق والقاضي أبو بكر في مختصر التقريب لإمام الحرمين وقال إن الأكثرين من القائلين بأن الصيغة تقتضي الوجوب عليه وأنه كذلك بأصل الوضع لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصيا وتقريعه وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر ولا يستوجب التوبيخ لا بترك واجب فاقتضى ذلك دلالة الأمر المطلق على الوجوب وقال المازري:","vol":"2","page":25},{"text":"صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم فقد ثبت هذا المذهب إلا أنه عندنا ساقط.\nقال القاضي في مختصر التقريب: ولسنا نسلم أن في إطلاق اللغة ما يقتضي ان مخالف الصيغة المطلقة المعراة عن القرائن يسمى عاصيا ويستوجب التوبيخ ويقول لهم بم تنكرون على من يزعم أنهم وإن وبخوا تارك الامتثال بسمة العصيان فإنما وبخوه عند تركه امتثال أمر شاهد قرائن أحوال الأمر به دالة على اقتضاء الوجوب فليس يمكنكم أن تزعموا أنهم يوبخون بالعصيان في الأمر المجرد عن القرائن.\nقال واسم الأمر يصدق على المجرد والمقترن فمن أين لكم أن ما أطلقوه ينصرف إلى الصيغة المطلقة.\nقال ثم نقول على وجه التنزل لسنا نسلم أن يثبت سمة العصيان وصف ذم على الاطلاق إذ قد يرد ذلك في غير موضع استحقاق الذم فإنك تقول أشرت على فلان بكذا فعصاني وعصى مشورتي وإن لم يكن لمشورتك موجبا على من أشرت عليه المذهب.\nالسابع: أنها بين الثلاثة أعني الوجوب والندب والإباحة واختلف القائلون به فقالت طائفة بالاشتراك اللفظي وقال آخرون بالمعنوي وكلام المصنف محتمل للأمرين.\nالثامن أنها مشتركة من الخمسة أعني الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم وهو المشار إليه بقول المصنف وقيل بين الخمسة ومراده الأحكام الخمسة فإن الإمام في المحصول هكذا حكى هذه المذاهب المذكوره في الكتاب.\nالتاسع: أنه أمر مشترك بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد حكاه الغزالي.\nالعاشر: أن أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي ﷺ للندب إلا ما كان موافقا لنص أو مبينا لمجمل حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن شيخه","vol":"2","page":26},{"text":"أبى بكر الأبهري وكذلك حكاه عنه المازري في شرح البرهان وقال إن النقل اختلف عنه فروي عنه هذا وروي عنه موافقة من قال إنه للندب على الإطلاق هذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة.\nوقد ادعى الإمام إذ حكى الاتفاق على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة أن الخلاف إنما وقع في أمور خمسة الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم وأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمت أن حصر الخلاف في ذلك ليس بجيد.","vol":"2","page":27},{"text":"أدلة القائلين بأن صيغة \"افعل\" حقيقة في الوجوب\nقال: لنا وجوه: الأول قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ذم على ترك المأمور فيكون واجبا.\nاستدل على ما ذهب إليه من أن صيغة أفعل حقيقة في الوجوب لوجوه خمسة:\nالأول: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١ ووجه الحجة منه أن الصيغة وإن كانت صيغة استفهام لكن الاستفهام غير مراد منها لاستحالته على من يستحيل عليه الجهل بل المراد منها الذم والتوبيخ وأنه لا عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ ورد الآمدي هذا الدليل بأنه لا يلزم من كون هذا الأمر اقتضى الوجوب أن يكون كل أمر كذلك والجواب: أنه لا قائل بالفصل.\nواعلم أن الشيخ أبا إسحاق في شرح اللمع أورد من جهة المعتزلة أن ما ذكرتموه من الآيات يدل على أوامر الله ورسوله يدلان على الوجوب ونحن لا ننازع في ذلك إنما ننازع في مقتضى اللفظ لغة وأجاب بأنهم متى سلموا ذلك حصل المقصود إذ المطلوب معرفة مقتضى أوامر الله وأوامر الرسول ﷺ وغرضنا من ايراد هذا السؤال أنه قد يؤخذ منه أن المعتزلة أو ان الشيخ أبا إسحاق اعتقد انهم لا يخالفون في أن أوامر الله وأوامر رسوله ﵇ يقتضي الوجوب وذلك عجيب فإن النقل عنه بخلاف ذلك.\nقال: الثاني: ﴿ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ قيل: ذم على التكذيب\n_________\n١ سورة الأعراف آية ١٢.","vol":"2","page":28},{"text":"قلنا: الظاهر أنه للترك والويل للتكذيب. قيل: لعل قرينة أوجبت.\nقلنا: رتب الذم على ترك مجرد افعل.\nالدليل الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ١ ووجه التمسك انه تعالى ذم أقواما على ترك ما قيل لهم فيه افعلوا إذ الآية بسياقها تدل على الذم فلو لم تكن الصيغة للوجوب لما حسن ذلك وانما قلنا إن سياق الآية يدل على الذم لأنه ليس المراد من قوله لا يركعون الإعلام والإخبار لأن ترك الركوع من المكذبين معلوم لكل أحد فيكون ذما لهم واعترض عليه بوجهين.\nأحدهما: أنا لا نسلم أن الذم على ترك مقتضى الأمر بل على تكذيب الرسل ويؤيده قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أجاب عنه بأن الظاهر أن الذم على ترك مقتضى الأمر ان رتب الذم على الترك والترتيب يشعر بالغلبة والويل على التكذيب فحينئذ إما ان يكون المكذبون هم التاركين فلهم الويل بسبب التكذيب ولهم العقاب بترك المأمور به إذ الكفار مأمورون بالفروع وإما ان يكونوا غيرهم فيجوز ان يستحق قوم الويل بسبب التكذيب وآخرون العقاب بسبب ترك المأمور به.\nهذا تقرير الجواب واعترض النقشواني على الاستدلال بالآية من وجه آخر فقال لا نسلم انه ذمهم على ترك الركوع فقط بل ذمهم على كونهم بحيث لو قيل لهم اركعوا لا يركعون والمراد به انهم غير قابلين للإنذار ونصح الأنبياء وغير ملتفتين إلى دعوتهم قد انطوت جبلتهم على ما يمنعهم من ذلك والرجل قد يتصف بهذه السجية قبل ان يقال له اركع فلا يركع ونحن معترفون بأن هذه الملكة مما يوجب العذاب.\nهذا اعتراضه وهو ضعيف وجوابه ما ذكرناه من ان الظاهر ان الذم على ترك مدلول قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ وما ذكره خروج عن حقيقة اللفظ من غير دليل.\nوالوجه الثاني: وهو يتجه على الدليلين المذكورين هذا الذي نحن فيه والذي تقدم وتوجيهه سلمنا ان الذم على الترك لكن فعل الأمر اقترنت به\n_________\n١ سورة المرسلات آية ٤٨.","vol":"2","page":29},{"text":"قرينة تقتضي إيجابه فان الصيغة إذا اقترنت بها قرينة صرفتها إلى ما دلت عليه اجماعا أجاب عنه بأنه رتب الذم على مجرد ترك المأمور به وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالغلبة فيكون نفس الترك علة وما ادعيتم من القرينة الأصل عدمه.\nفإن قلت: هذا الاحتمال وان كان على خلاف الأصل فهو قادح في القطع والمسألة قطعية.\nقلت: أما من قال ان المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره فيجب بمنع كونها قطعية واما من قال بأنها قطعية فيجب بأن كل واحد مما يذكر من الأدلة وإن كان لا يفيد القطع لكن المجموع يفيده.\nقال: الثالث: تارك المأمور به مخالف له كما أن الآتي به موافق على صدد العذاب لقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قيل الموافقة اعتقاد حقيقة الأمر والمخالفة اعتقاد فساده.\nقلنا: ذلك دليل الأمر لأنه قبل الفاعل ضمير والذين مفعول.\nقلنا: الإضمار خلاف الأصل ومع هذا فلا بد من مرجع قيل الذين يتسللون.\nقلنا: هم المخالفون فكيف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم وإن سلم فيضيع قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ .\nقيل: فليحذر لا يوجب.\nقلنا: يحسن وهو دليل قيام المقتضى.\nقيل: عن أمره لا يعم.\nقلنا: عام لجواز الاستثناء.\nالدليل الثالث: أن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف ذلك الأمر على صدد العذاب فبارك المأمور به على صدد العذاب إنما قلنا تارك المأمور به مخالف للأمر لأن موافقة الأمر هي الإيمان بمقتضى الأمر والمخالفة ضد","vol":"2","page":30},{"text":"الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف وإنما قلنا مخالف الأمر على صدد العذاب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ أمر مخالف الأمر بالحذر عن العذاب والحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضى لوقوعه بدليل أنه يصح الأمر بالحذر عن الشيء بدون وجود المقتضى له ألا ترى أنه يقبح أن يقال لمن جلس تحت سقف قوي غير مائل إحذر أن يقع عليك ولا يقبح أن يقال ذلك لمن جلس تحت سقف مائل في معرض الوقوع وما ذلك إلا لأن المقتضي للوقوع قائم فيه فلولم يكن ترك المأمور به مقتضيا لوقوع العذاب لما حسن الأمر بالحذر عن العقاب ولا معنى لقولنا: إن الأمر يقتضي الوجوب إلا ذلك.\nوفي هذا التقدير نظر سيأتي إن شاء الله تعالى.\nواعترض الخصم بأربعة اوجه:\nأحدها: منع المقدمة الأولى أي لا نسلم ان موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وإنما هي اعتقاد حقيقته كونه حقا مستوجب القبول فالمخالفة هي إنكار حقيقته يعني اعتقاد أنه فاسد.\nقلنا: هذا ليس موافقة للأمر بل موافقة للدليل الدال على حقيقة ذلك الأمر وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول فاعتقاد حقية الأمر موافقة الدليل لا موافقة الأمر فإن موافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزما لتقرير مقتضى ذلك الدليل والأمر لما اقتضى دخول فعل المأمور به في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر دخوله وإدخاله في الوجود يقرر دخوله فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.\nوثانيها: منع المقدمة الثانية وتقريره لا نسلم أنه تعالى أمر المخالف بالحذر\n_________\n١ سورة النور آية ٦٣.","vol":"2","page":31},{"text":"بل أمر بالحذر عن المخالف فيكون فاعل فليحذر ضميرا والذين في محل النصب بأنه مفعوله أجاب عنه بوجهين:\nأحدهما: أن الإضمار خلاف الأصل.\nوالثاني: أن الضمير لا بد له من اسم ظاهر يعود إليه وهو مفقود هنا قال الخصم لما لا يعود على الذين يتسللون والتقدير فليحذر الذين يتسللون منكم لواذا عن الذين يخالفون عن أمره.\nأجاب المصنف عنه بوجهين:\nأحدهما: أن الذين يتسللون هم المخالفون وذلك أن المخالفين لما ثقل عليهم المقام في المسجد وسماع الخطبة لاذوا بمن يستأذن للخروج حتى إذا أذن له خرجوا معه من غير إذن فنزل قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ وإذا كان كذلك فلو أمر المتسللون بالحذر عن المخالفين لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم وذلك غير ممكن.\nالثاني: انا ولو سلمنا ان مرجع الضمير الذين يتسللون كما ادعوه لكان أمرا للمتسللين بالحذر عن المخالفين ويصير تقدير الآية حينئذ فليحذر الذين يتسلون منكم لواذا الذين يخالفون عن أمره فيضيع إذ ذاك قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأن فاعل ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ حينئذ الضمير والذين مفعوله والحذر لا يتعدى إلى مفعولين حتى يكون ان تصيبهم مفعولا له ثانيا له فيصير حينئذ ضائعا لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده.\nفإن قلت: لم لا يكون لأجله إذا الحذر لأجل إصابة الفتنة أو العذاب الأليم؟\nقلت: لو كان كذلك لكان مجامعا للحذر لأن الفعل يجب ان يجامع علته واجتماعهما محال كذا أجاب به الشيرازي شارح الكتاب وقد قال الجاريردي الشارح أيضا يمكن ان يجاب عن قولهم:\nأولا: ان الفاعل ضمير يعود على المتسللين بأنه لو كان كذلك لوجب اظهاره فيقال فليحذروا لأنه عائد على جمع.","vol":"2","page":32},{"text":"وثالثها: وهو اعتراض على المقدمة الثانية أيضا وتقريره سلمنا أن قوله فليحذر أمر المخالفين بالحذر وأنه لا ضمير في الآية لكن لم قلتم انه يوجب الحذر وهل غاية ذلك الا ورود الأمر به واقتضاء الأمر الوجوب هو محل النزاع والاستدلال بما ذكرتموه مصادرة على المطلوب.\nأجاب: انا لا ندعي وجوب الحذر من قوله فليحذر وإنما ندعي أنه يفيد حسن الحذر عن مخالفة الأمر وحسن الحذر دليل على قيام المقتضى للوقوع في المحذور وإلا لكان الحذر عبثا ولقائل أن نقول قد يحسن الحذر مع التردد في قيام المقتضى لمجرد ذلك التردد عملا بالأحوط كالدائر بين أمرين يتردد في قيام اقتضاء أحدهما وقوع الضرر ولا يتوقع ضررا من الآخر فانه يحسن أن يحذر من الأول والأمر ستردد بين الوجوب وعدمه فيحسن التحذير منه ولو لمجرد التنازع في مقتضاه.\nورابعها: أنا سلمنا صحة ما ذكرتم من المقدمتين إلا أن قوله تعالى: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ في الآية المذكورة لفظ مجرد فيفيد أن أمرا واحدا للوجوب لا إن كل أمر للوجوب أجاب بأنه عام لجواز الاستثناء إذ يصح أن يقال ليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا في الأمر الفلاني ومعيار العموم جواز الاستثناء كما ستعرفه إن شاء الله تعالى هذا شرح ما في الكتاب.\nوقد اعترض النقشواني على الاحتجاج بالآية فقال الأمر هنا بمعنى الشأن وهو الاجتماع على محاربة الكفار لأنه مذكور معرف بالإضافة إلى النبي ﷺ وقد ذكر قبل هذا منكرا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وذلك الأمر هو الشأن وهو الاجتماع على المحاربة وهو الذي دعاهم النبي ﷺ إليه وكان بعضهم يتسلل لواذا فأراد بالمخالفة ههنا الانحراف وهو التسلل لواذا في المعنى وإذا كان ذلك محمولا على الانحراف استقام دخول عن فيه فيقال انحراف عن كذا ولا يقال ترك عن كذا فإذا كان الأمر محمولا على الشأن والمخالفة على الانحراف لم يبق في الآية احتجاج على المقصود والإنصاف يوجب حمل الأمر والمخالفة على ما ذكرنا اتساقا للكلام ورعاية على أصول العربية.","vol":"2","page":33},{"text":"قال: الرابع: تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ - ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قيل: لو كان العصيان ترك الأمر لتكرر قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .\nقلنا: الأول: ماض أو حال.\nوالثاني: مستقبل قيل: المراد الكفار بقرينة الخلود.\nقلنا الخلود: المكث الطويل.\nالدليل الرابع: تارك المأمور به عاص وكل عاص يستحق العقاب فتارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك.\nبيان الأول: بقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ١ وقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ ٢ وكذا قوله: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ ٣ وما قدمناه من شعر العرب.\nوبيان الثاني بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٤ ومن من صيغ العموم.\nواعلم ان المصنف جعل الكبرى مهملة ان قال والعاصي يستحق النار فلم يسورها بكل وشرطها ان تكون كلية فالصواب في مصطلح القوم ان يقول وكل عاص كما أوردناه وبه عبر الإمام واعترض الخصم بوجهين:\nأحدهما: أنا لا نعلم الصغرى وهي ان تارك المأمور به عاص وبيانه قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان قوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ معناه انهم يفعلون ما يؤمرون وكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكريرا أجاب عنه بان التكرار إنما يلزم ان لو كان لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بالنسبة إلى زمان\n_________\n١ سورة طه آية ٩٤.\n٢ سورة الطلاق آية ٦.\n٣ سورة الكهف آية ٩٦.\n٤ سورة الجن آية ٢٣.","vol":"2","page":34},{"text":"واحد وليس كذلك بل لا يعصون للزمان الماضي والحال لقرينة قوله ما أمرهم ويفعلون للمستقبل لقرينة قوله ما يؤمرون فتقدير الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي والحال ويفعلون ما يأمرهم به في المستقبل هذا تقرير الاعتراض وجوابه وهنا مناقشتان:\nإحداهما: في قوله: لو كان العصيان ترك الأمر وذلك لان النزاع إنما هو في ان تارك الأمر عاص أم لا لا في ان العصيان هل هو ترك الأمر أم لا وكيف يقال ذلك والعصيان قد يقع بترك الفعل الذي يجب اتباعه فكان الصواب ان يقول قيل لو كان تارك الأمر عاصيا.\nوالثانية: قوله معنى الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي قال القرا في بعيد من جهة ان النحاة نصوا على ان لا لنفي المستقبل واستعمالهما بمعنى لم قليل مجاز فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي لا ايضا فكان الأحسن في الجواب ان يقال لا نسلم التكرار بل قال بعض العلماء: ان قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ إخبار عن الواقع منهم أي عدم المعصية دائما وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ إخبار عن سجياتهم التي طبعوا عليها يعني ان سجيتهم الطاعة فيكون أحدهما خبرا عن الواقع مهم والآخر خبر عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة كقولهم زيد يعطي ويمنع ويصل ويقطع وقول خديجة ﵂ للنبي ﷺ انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر أي ذلك شانك في كل وقت وهو مجاز واحد في المضارع مشهور فيكون أولى من مجازين في الفعل والحرف وأحدهما قليل جدا.\nالوجه الثاني: انا لا نسلم كلية المقدمة الثانية ونقول ليس المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ كل عاص بل للكفار فقط ويدل على ذلك قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ فان غير الكافر لا يخلد في النار أجاب عنه بأن الخلود في اللغة المكث الطويل الصادق على الدائم وغيره وليس هو الدائم فقط بل هو حقيقة في القدر المشترك حذرا من الاشتراك والمجاز.","vol":"2","page":35},{"text":"فان قلت فما تفعل في قوله أبدا.\nقلت: لا ينافي إذ قد يطلق ويراد به المدة الطويلة كما في قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ والكفار يتمنون الموت في جهنم الا ترى إلى قولهم فيها يا مالك ليقض علينا ربك ولقائل ان يقول أما تقسيم الخلود بالمكث الطويل بخلاف الغالب من استعمال الشرع وعلى اللفظ على الغالب أولا لا سيما وقد أردفه بقوله أبدا وقولكم أن أبدا قد يستعمل في الزمن الطويل قلنا صحيح ولكن قرينة اجتماعها مع الخلود ينفي ذلك هنا وإلا فكأنه قال قاطنين فيها مكثا طويلا زمنا طويلا فيكون قد قرر اللفظ لمجرد التأكيد الذي هو غير محتاج إليه هنا.\nفإن قلت التأكيد لا بد منه على التقديرين لأنه إن أراد بالخلود الدائم كما ذكرتم فما أتى بقوله أبدا إلا للتأكيد.\nقلت: التأكيد على تقدير إرادة الدائم مناسب مناسبة شديدة لأن المحكوم به أولا أعنى المكث الدائم شيء عظيم يليق بخطبة التأكيد فكان التأكيد دليلا على ما قلناه من أن المراد بالخلود الدائم للاحتجاج إلى التأكيد والحالة هذه ويدل ذلك أيضا من الآية قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ولم يقل فإنه يدخل نار جهنم بل أتى بلام الاختصاص والملك بالموضوع للدوام والبقاء وصدر الجزاء بأن المؤكدة للجزاء حيث قال فان له ولم يقل فله ثم أكد ثانيا عند ختام ذكر الجزاء بقوله أبدا ولم يبق علينا إلا أن الدائم لا يستحقه غير الكافر والآية في المعاصي وهو أعم ألا أن يكون هذا العام قد أريد به الخاص وأما النقشواني فقال ليس العصيان عبارة عن ترك الأمر فقط بل عن ذلك مع زعم بطلان مقتضاه وهو ترجيح جانب العقب على الترك أو عدم الإيمان بمقتضاه وهو معنى قوله تعالى في الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ أي يجزمون بمقتضاه ويمتثلون ويمتنع منهم عدم الإتيان بمقتضاه قال وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ معناه ما ذكرنا لأن موسى ﵇ يقول أزعمت أن ما أشرت به عليك وأمرتك به باطل غير سديد حتى تركته وأراد أن يعاقبه فكان جواب","vol":"2","page":36},{"text":"هارون ﵇ بان تركي لم يكن بناء على زعم البطلان بل بناء على مصلحة أخرى ثم ان موسى ﵇ لما سمع ذلك قبل معذرته وعلم انه ليس بعاص ما أمره مع انه كان تاركا لما أمره قال ولو كان العصيان باقيا لكان سبب العقارب باقيا ولما كان يمتنع عن عقابه بالقدر الذي ذكره قال وبهذا استحق العاصي الخلود في النار بهذه الآية وكان ضالا ضلالا مبينا بدليل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ وترك المأمور به مع زعم بصحة مقتضاه لا يوجب ذلك هذا كلامه وهو مدخول أما قوله العصيان ترك الأمر مع زعم بطلان مقتضاه قلنا هذا خلاف الشائع الذائع في اللغة العربية ويلزم على هذا ان لا يطلق على من خالف أوامر الله ورسوله انه عاص ما لم ينضم إلى ذلك هذا القيد وهو واضح البطلان واما قوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ﴾ فليس معناه الا انهم يمتثلون أوامره واما قضية هارون ﵇ فهو لم يعص أخاه موسى ﵇ وانما موسى استفهمه لما رآه لم يفعل ما أشار به كان يقول ما كان يمنعك من ذلك هل عصيت أمري فقال هارون لا ولكن المانع اني خشيت ان تقول فرقت بين بني إسرائيل فقبل موسى ﵇ عذره وعلم أنه لم يعصه لا باعتقاده بطلان مقتضى أمره ولا بالمخالفة لأن أمره لم يكن مطلقا بل مقيدا بعدم المانع وإن لم يكن التقييد موجودا في اللفظ كما تقول لوكيلك اشتري اللحم ثم تقول ما منعك من شرائه هل عصيت أمري فيقول لك لا بل كان السوق غير قائم أو اللحم غير موجود والله اعلم.\nقال: الخامس: أنه ﵇ احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك استجابته وهو يصلي بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ .\nالدليل الخامس: ما رواه البخاري من أن النبي ﷺ دعا أبا سعيد وهو في الصلاة فلم يجبه فقال: \"ما منعك ان تجيب وقد سمعت الله يقول\" ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ وهذا الاستفهام ليس على حقيقة لأنه ﵇ كان يعلم أنه في الصلاة فدل على أنه لمجرد الذم والتوبيخ ولولا اقتضاء الامر للوجوب لما كان ذلك وقد وقع في الكتاب ان أبي سعيد","vol":"2","page":37},{"text":"هذا هو الخدري وكذا وقع في المحصول وغيره من كتب الأصول ظنا من مصنفها أنه لا أبو سعيد في الصحابة إلا الخدري وهذا الظن نشأ لهم من شهرة الخدري وعدم ظروف ذكر غيره على أسماعهم وأبو سعيد هذا إنما هو أبن المعلي وليس هو بخدري١ والقرافي ﵀ نبه على ذلك ومن كتبه إستفدناه وهو صحيح وقد سألت شيخنا الحافظ الذهبي ﵀ هل روى هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء فقال لا ووقع الحديث في بعض الكتب منسوبا إلى أبي بن كعب وليس بجيد ايضا وقد نجزت الدلائل الخمس وهي إنما تفيد ثبوتها أن الأوامر الصادرة من الشارع للوجوب لأنها حقيقة الوجوب بأصل الوضع كما هو المدعي فلا بد من إقامة الدليل على أنها في اللغة كذلك لكن لما كان الغرض المهم معرفة مدلولان أوامر الشارع خص الاستدلال بها وقد قدمنا أن المختار عندنا ما ذهب إليه امام الحرمين وليس الشرح موضع تقريره والذب عنه.\n_________\n١ الخدري هو: سعد بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي صحابي جليل كان من الملازمين للنبي ﷺ – وشهد معه كثيرا من الغزوات. توفي سنة ٧٤هـ بالمدينة المنورة خلاصة تهذيب الكمال ١/٣٧١.\nأما أبو سعيد بن المعلى: فهو: رافع بن المعلى بن لوذان بن حبيب بن عدي الأنصاري. مات سنة ٧٣هـ\nخلاصة تهذيب الكمال ٣/٩٩.\nوهذا الحديث رواه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى في تفسير سورة الفاتحة والأنفال. فتح الباري ٩/٢٤٤- ٣٧٧ كما رواه الإمام أحمد في مسنده ٢/٤١٢ -٤١٣.والترمذي في فضائل القرآن والطبري في تفسير سورة الأنفال ١١/٤٦٦.","vol":"2","page":38},{"text":"أدلة القائلين بالندب\nقال: احتج المخالف بأن الفارق بين السؤال والندب هو الرتبة والسؤال للندب فكذا الأمر.\nقلنا: السؤال وان لم يتحقق.\nذكر المصنف لبعض المخالفين دلائل.\nأولها لأبى هاشم القائل بأن الأمر للندب لا جرم إن في بعض النسخ احتج أبو هشام لكن ذلك غير مستقيم لان الثالث والثاني عن أحد التقريرين كما سيأتي ان شاء الله تعالى لا تعلق لها لأبي هاشم وتقرير ما احتج به أبو هاشم أنه لا فرق بين السؤال والأمر إلا الرتبة فإن رتبة الأمر أعلى من رتبة السائل والسؤال للندب فكذلك الأمر لأن الأمر لو دل على شيء غير الندب من إيجاب أو غيره لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقوله.\nهذا تقرير الاحتجاج يعبر بعض الشارحين بأن الأمر لو دل على الإيجاب وهي عبارة صحيحة في الرد على القائلين بالوجوب إلا أن أبا هاشم لم يأت بهذا الوجه لإبطال مذهب الوجوب بل لتقرير مذهبه فكان الأحسن أن يقال بأن الأمر لو دل على شيء غير الندب كما أوردناه ولا يخص الوجوب بالذكر.\nوأجاب المصنف: أن السؤال من حيث الوضع يدل على الإيجاب أيضا لأن صيغة أفعل عند القائل لأنها للإيجاب موضوعة لوجوب الفعل مع المنع من الترك وقد استعملها السائل لكان لا يلزم من السؤال الوجوب أن الوجوب حكم شرعي يستدعي إيجاب الشبع ولذا لا يلزم المسؤول القبول.\nفان قلت: إذا دل السؤال على الإيجاب لزم افتراقهما من وجه آخر إذ إيجاب الأمر يدل على الوجوب بخلاف إيجاب السؤال.","vol":"2","page":39},{"text":"قلت: إيجاب الأمر أيضا غير مستلزم للوجوب لجواز أن يوجد بدون الوجوب كما إذا أمر السيد عبده بما لا يقدر عليه حسا وشرعا.\nوقد أجاب الأسفرايني أحد شراح هذا الكتاب عن السؤال بأن المعنى تكون الفارق بينهما الرتبة هو كون إيجاب الأمر يقتضي الوجوب بخلاف السؤال وهذا فيه نظر إذ هما مدلولان متغايران على ان هذه المباحث كلها إنما هي على تقدير ثبوت اعتبار الرتبة حتى يكون فارقه لكنها عند المصنف غير معتبرة أن العلو والاستعلال لا يعتبران كما تقدم فلدي أجاب به المصنف على تسليم ثبوت الفرق نعم الفرق بين السؤال والأمر عنده فرق ما بين العام والخاص فإن السؤال أمر صادر يتذلن والأمر أعم.\nوأما قول بعض الشارحين قد يترتب الوجوب على السؤال كسؤال المضطر وقد لا يترتب وقد يترتب على الأمر وهو ما إذا كان صادرا ممن هو له وكان مقدورا للمكلف وقد لا يترتب وفي تمثيله لترتيب الوجوب على السؤال بحالة الاضطرار نظر لان وجوب إطعام المضطر ليس لسؤاله بل لكونه مضطرا حتى لو لم يسأل وعرف انه مضطر وجب إطعامه من غير سؤال.","vol":"2","page":40},{"text":"أدلة القائلين بأنها للقدر المشترك\nقال: بأن الصيغة لما استعملت فيهما والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فيكون حقيقة في القدر المشترك.\nقلنا: يجب المصير إلى المجاز لما بيننا من الدليل.\nاحتج من ذهب إلى أن الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب بأنها وردت للوجوب تارة وللندب أخرى فوجب ان تكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو رجحان الفعل عن الترك وإلا فان كان حقيقة فيها لزم الاشتراك أو في أحدهما لزم المجاز فيهما على خلاف الأصل ويمكن ان يقرر هذا الدليل على وجه آخر يصير به دليلا لأبي هاشم على أنه حقيقة في الندب وذلك بان تزيد على ما ذكرنا أن هذه الصيغة دالة على أصل الرجحان وجواز الترك ثابت بمقتضى البراءة الأصلية التي لم يوجد ما يزيلها في رجحان وجود العقل مع جواز الترك ثابت حينئذ ولا نعني بالندب إلا ذلك.\nوالجواب إنا قد بينا أن الامر حقيقة في الوجوب كما سبق فالمصير إلى كونه مجازا في الندب وغيره من الوارد واجب لئلا يلزم الاشتراك والمجاز أولى به.\nواعلم أن التقرير الأول هو الأقرب إلى كلام صاحب الكتاب والثاني هو ما أورده الإمام وفيه نظر لأن كوننا لا نحكم عليه بالوجوب للبراءة الأصلية غير جعلنا إياه حقيقة في الندب وحكمنا عليه بعد الوجوب لا يقتضي أنه حقيقة في الندب.","vol":"2","page":41},{"text":"أدلة القائلين بالتوقف\nقال: بأن تعرف مفهوما لا يكون بالعقل ولا بالنقل لأنه لم يتواتر والآحاد لا تفيد القطع قلنا المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها الظن وأيضا يتعرف بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كما سبق.\nاحتج من ذهب إلي الوقف بأنه لو ثبت في إحداهما لثبت بدليل الامتناع إثبات اللغة بالتشهي وذلك الدليل إما عقلي أو نقلي والأول لا يمكن إذ لا محال للعقل في اللغة والثاني إما متواتر وهو منتف وإلا لكان ضروريا حاملا لكل أحد من هذه الطوائف وكان النزاع يرتفع من بينهم واما الآحاد وهي لا تفيد القطع إنما تفيد الظن وهو في المسائل العلمية غير كان والمسألة علمية إذ هي من قواعد أصول الفقه ولم يجر الشارع العمل بالظن في أصول الفقه كما نقله عن العلماء قاطبة الابياري شارح البرهان حكاه عنه القرافي وانما ذلك للاهتمام بالقواعد وإذا انتفت طرق المعرفة تعين أوقف وهذا الذي نقله الأبياري رأيته في كلام القاضي في مختصر التقريب والإرشاد في غير موضعين أجاب بوجهين.\nأحدهما: ان هذه المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها حصول الظن كما يكفي حصول الظن في مقاصدها في العمليات وحاصل هذا الجواب منع كون المسألة علمية وقد اختلف الأصوليون في أن هذه ظنية يقينية.\nالثاني: أن هذا الحصر ممنوع وسند المنع أنه يجوز ان يعرف بدليل مركب من العقلي والنقلي كما سبق في الدليل الرابع أن تارك المأمور به عاص وكل يستحق النار ينتج العقل من هاتين الثقليتين أن تارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك وكما سبق أيضا في الدليل الثالث وهو تارك المأمور","vol":"2","page":42},{"text":"به مخالف وكل مخالف معذب فتارك المأمور به معذب وكما سبق في باب اللغات الجمع المحلي بالألف واللام يدخله الاستثناء والاستثناء ما لولاه لدخل فيدل على أن الجمع المحلي للعموم فقول المصنف كما سبق يحتمل عوده إلى كل واحد من هذه الثلاث وقد أجيب عن هذا الدليل بجواب ثالث وهو التزام حصوله بالتواتر ولا يلزم منه رفع الخلاف لأنه إنما يلزم ذلك أن لو كان العقلي هنا ضروريا لكنه نظري فيحتمل أن يصل إلى بعضهم بكثرة المطالعة في كلامهم وتواريخهم ولا يصل إلى الآخر لعدم أو قلة اشتغاله بذلك وأجاب بعضهم بأن مات ذكره المتوقف من الدليل لازم عليه وذلك لأن العقل لا يقتضى الوقف والنقل القطعي غير متحقق والظني لا يفيد فما كان جوابه فهو جوابنا لكن في هذا نظر إذ المتوقف لم يحكم بشيء فلا دليل عليه واعلم أن المنع الثاني ذكره المصنف قدمه الإمام على الأول وهو أولى على قاعدة أهل النظر مما فعله المصنف فكان ينبغي أن يقول لا نسلم الحصر سلمنا نختار معرفته بالآحاد والجدليون يعللون مثل ذلك بأن الثاني هنا مثلا فيه تسليم للحصر فلا يحسن منعه بعد ذلك والله اعلم.","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المسألة الثالثة مدلول الأمر بعد التحريم</span>\n...\nقال: الثالثة: الأمر بعد التحريم للموجوب\nوقيل للإباحة لنا أن الأمر يفيده ووروده بعد الحرمة لا يدفعه قيل: إذا حللتم فاصطادوا قلنا: معارض بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ .\nهذه المسألة مفرعة على ثبوت أن صيغة افعل تقتضي الوجوب فاختلف القائلون بذلك فيما إذا أوردت بعد الخطر هل هي باقية على دلالتها أو ورودها بعد الخطر قرينة للإباحة أم كيف الحال على أربعة مذاهب.\nالأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب وهو اختيار الإمام وأتباعه منهم المصنف وبه قالت المعتزلة وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع والإمام أبو المظفر بن السمعاني في القواطع ونقله ابن الصباغ في عدة العالم عن اختيار القاضي أبي الطيب ونقله ابن برهان في الوجيز عن القاضي لكن لم يقل لذلك مطلقا وإنما الذي قاله كما حكاه عنه إمام الحرمين في البرهان لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بان الصيغة","vol":"2","page":43},{"text":"المطلقة بعد الخطر مجراه على الوجوب وكذا قال في مختصر التقريب الذي نختاره أن الأمر بعد سبق الخطر كالأمر من غير سبقه وإن فرضنا الكلام في العبارة فهي بعد الحظر كهي من غير خطر يسبق وقد فرط من أصلنا المصير إلى الوقف وها نحن عليه في صوره التنازع كما ارتضيناه في صورة الاطلاق من غير تقدم خطر انتهى.\nوالثاني: أنها تكون للإباحة ورجحه ابن الحاجب ونقله ابن برهان في وجيزه عن أكثر الفقهاء والمتكلمين واين التلمساني في شرح المعالم عن نص الشافعي وكذا نقل عن نصه عبد العزيز بن عبد الجبار الكوفي كما نقله الاصبهاني في شرح المحصول وقال القاضي في مختصر التقريب أنه أظهر أجوبة الشافعي وحكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني في باب الكتابة من تعليقته عن الشافعي وقال الشيخ أبو اسحاق للشافعي كلام بدل عليه وقال ابن السمعاني عليه دل ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن.\nوالثالث: اختاره الغزالي وهو إن كان الخطر الشائق عارضا بعلة وعلق صيغة افعل بزواله مثل فإذا حللتم فاصطادوا فعرف الاستعمال يدل على انه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله وان احتمل ان يكون رفع هذا الخطر بندب أو إيجاب لكن هذا هو الأغلب كقوله ﵇: \"كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا\" وأما إذا لم يكن الخطر عارضا بعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على اصل التردد بين الإيجاب والندب وتريد ههنا احتمال الإباحة وتكون هذه قرينة تروح هذا الاحتمال وإن لم تعينه وأما إذا لم ترد صيغة افعل ولكن قال إذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة قال وقوله أمرتكم بكذا يضاهي قوله افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما يقال بها وهذا المذهب أخذه الغزالي مما حكاه إمامه البرهان وفي التلخيص عن بعضهم أنه إن ورد الخطر مؤقتا وكان منتهاه صيغة في الاقتضاء فهي للإباحة قال والغرض من مساق الكلام رد الخطر إلى غاية وهي","vol":"2","page":44},{"text":"كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ثم زاد الغزالي ما ذكره وقد قال في التلخيص عن هذا المذهب أنه أسد مذهب لهؤلاء.\nوالرابع: الوقف وهو مذهب امام الحرمين واختاره جماعة واستدل المصنف على ما اختاره بأن الأمر يفيد الوجوب إذ التفريع على القول بذلك ووروده بعد الحرمة غير صالح لأن يكون معارضا فإنه كما لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة لا يمتنع الانتقال منه إلى الوجوب لمنافاة كل واحد منهما للتحريم فإذا جاز الانتقال إلى أحد المتنافين جاز الانتقال إلى الآخر واحتج القائل بالإباحة بأنها وردت لذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٣ وفي الحديث: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" ٤ \"كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا\" ٥ وأجاب في الكتاب بأن هذه الأدلة معارضة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٦ فإنه يفيد الوجوب لأن الجهاد وأجب وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ٧ وحلق الرأس نسك وليس بمباح محض كذا ذكره الإمام وكذلك قوله ﵇: \"فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي\" ٨ وإذا تعارضا من هذه الجهة بقي دليلنا على اصله ولمن يقول:\n_________\n١ سورة المائدة آية ٢.\n٢ سورة الجمعة آية ١٠.\n٣ سورة البقرة آية ٢٢٢.\n٤ رواه الحاكم عن أنس وابن ماجة عن ابن مسعود الفتح الكبير ٢/٣٣٤.\n٥ رواه الترمذي من حديث بريدة بلفظ \" كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذوو الطول على من لاطول له فكلوا مابدا لكم وأطعموا وادخروا\".\n٦ سورة التوبة آية ٥.\n٧ سورة البقرة آية ١٩٦.\n٨ حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود من حديث عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيس إلى رسول الله ﷺ – فقالت يارسول الله إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال النبي ﷺ \"إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي\" المغني لابن قدامة ١/٣١٢.","vol":"2","page":45},{"text":"بالإباحة أن يمنع استفادة الوجوب في هذه السور من الصيغة الواردة بعد الخطر ويقول أن الوجوب مستفاد من خارج فان قتال المشركين واجب وكذلك الصلاة بالنسبة إلى المرأة ثم لما منع منه حصل الإحجام عنه فكان ورود الأمر مفيدا أن نسبب الأحجام زائل وأن هذا الأمر صار مباحا ومتى صار مباحا لزم ان يعود إلى ما كان عليه من الوجوب.\nفائدة: قد عرفت الخلاف في الامر الوارد بعد الخطر هل يدل على الوجوب أو الإباحة ويضاهيه مسائل منها الكتابة فهي مستحبة وإن كانت واردة بعد خطر وعن صاحب التقريب حكاية قول أنها تجب بطلب العبد.\nومنها: النظر إلى المخطوبة بعد العزم على نكاحها مستحب وفي وجه هو مباح مجرد والأمر به في قوله ﷺ للمغيرة بن شعبة: \"لا أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\" ١ أي يجعل بينكما المودة وارد بعد الخطر وهو تحريم النظر إلى الأجنبيات عند خوف الفتنة.\nومنها: إذا قال لعبده اتجر صار مأذونا ويجب عليه امتثال أمر سيده وهو أمر وارد بعد خطر وهو الحجر على العبد في التصرف في مال سيده والله اعلم.\nتنبيه: صرح الأمام هنا بأن حكم الأمر بعد الاستئذان حكمه بعد التحريم حتى يقع فيه الخلاف في إفادة الوجوب ومثال ذلك ان يستأذن على فعل شيء فيقول افعله وهذا حسن متجه ينفع في الاستدلال على وجوب التشهد بقوله ﷺ إذ سألوه كيف نصلى عليك قال: \"قولوا\" الحديث.\nقال: واختلف القائلون: بالإباحة في النهي بعد الوجوب.\nالذين قالوا: بان الأمر الوارد بعد الخطر يفيد الوجوب جزموا القول: بأن النهي بعد الوجوب يفيد التحريم.\nوأما الذين قالوا: هناك بأنه يفيد الإباحة فاختلفوا في النهي الوارد بعد الوجوب فمنهم من طرد فيه الخلاف وحكم بالإباحة ومنهم من قال لا تأثير\n_________\n١ رواه الترمذي وحسنه والحاكم صححه. نيل الأوطار ٦/١٠.","vol":"2","page":46},{"text":"ههنا للوجوب المتقدم بل النهي يفيد التحريم وبه قال الأستاذ وقال لا ينتهض الوجوب السابق قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب وادعى الوفاق في ذلك وفي التلخيص مختصر التقريب والإرشاد للقاضي دعوى الوفاق كما ذكر الاستاد فانه قال في أثناء الحجاج لو صح ما قلتموه للزم ان تقولوا إذا فرط الإيجاب وسبق التحتم ثم تعقبته لفظا تقتضي تحريما بما لو قدرت مطلقة أنها لا تحمل على التحريم وقد قلتم جميعا أنها محمولة على التحريم انتهى ولكن الخلاف ثابت مصرح به وقال أمام الحرمين أما أنا فسأجب ذيل الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر بعد الخطر وقد فرق القائلون بأن النهي بعد الوجوب للتحريم مع قولهم: بأن الأمر بعد الخطر للإباحة بوجوه.\nأحدها: أن النهي لرفع المفاسد المتعلقة بالمنهي والأمر لتحصيل المصالح المتعلقة بالمأمور واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من اعتنائه بجلب المصالح.\nوالثاني: أن النهي عن الشيء موافق للأصل الذي هو عدم الفعل ولا كذلك الأمر لاقتضائه الفعل.\nالثالث: أن القائل بالإباحة ثم إنما دعاه إليها ورود الصيغة كثيرا في الآيات والأخبار بمعنى الإباحة كما سبق بخلاف النهي بعد الوجوب.\nوالرابع: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر على الوجوب لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام والله اعلم.\nفائدة: تقدم ما ذكره الإمام في الامر عقيب الاستئذان واما النهي عقيب الاستئذان مثل قوله ﷺ لسعد وقد قال له: أوصي بمالي كله قال: \"لا\" ومثل أيسلم بعضنا على بعض نعم أيصافح بعضنا البعض قال: \"نعم\" أينحني بعضنا لبعض؟ قال: \"لا\" ووقع في الستة كثير من ذلك فهذا الاستفهام الأصل فيه انه استفهام عن الخير كأنه يقول أيقع هذا أو لا وجوابه في الأصل خبر أيضا يقول يقع أو لا كقولك يقوم زيد فيجيب نعم أو لا ثم قد تأتي قرينة تدل على أن المراد بذلك الإستفهام عن الحكم الشرعي كما في هذين الحديثين وأشباههما فان القرينة تدل على ان المراد الاستفهام على الحكم الشرعي أما الوجوب أو","vol":"2","page":47},{"text":"الجواز أو الاستحباب وقد يكون استرشادا أيضا فيكون الجواب بلا أو نعم وارد على ما فهم من السؤال والظاهر في الحديث.\nالثاني: أن المراد الإستفهام عن الجواز ولذلك كان الانحناء حراما وقوله نعم: في السلام والمصافحه فيه جواز ذلك خاصة واستحبابه من دليل آخر ولا نقدره أمرا بل خبرا وكذا في حديث سعد الظاهر فيه أنه استفهام عن الجواز ولذلك في الثلث قال الثلث والثلث كثير فإن نعم مقدرة فيه ولا نقدره أمرا لأنه ليس مستحبا لقوله إنه كثير وليس بنا ضرورة إلى تقديره أمرا وصرفه عن ظاهره فهذا هو القاعدة في ذلك قررها والدي رحمه وينبني عليها مباحث في مواضع كثيرة فافهمها.","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه</span>\n...\nقال: الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه وقيل للتكرار وقيل للمرة وقيل بالتوقف للاشتراك أو للجهل بالحقيقة.\nالأمر: إما أن يرد مقيدا وهو نوعان:\nأحدهما: أن يرد مقيدا بالمرة أو بالتكرار فيحمل عليه قطعا.\nوالثاني: ان يرد مقيدا بصفة أو شرط وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما إن يرد مطلقا عاريا من القيود وهو مسألة الكتاب وفيه مذاهب.\nأحدهما: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة وانما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة نعم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا أن الأمر يدل عليها بذاته واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب ونص على اختيار القول به القاضي في التلخيص لإمام الحرمين.\nوقد عبر المصنف عن المرة بقوله ولا يدفعه فانه إذا لم يدفع التكرار لا يكون للمرة فإنه لو كان للمرة يدفع التكرار إذ هما متقاربان.\nوالثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمر ونقل الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع عن شيخه أبي حاتم القزويني وعن القاضي أبي بكر","vol":"2","page":48},{"text":"وهو مذهب الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وذكر الاصفهاني ان العالمي نقله عن اكثر أصحاب الشافعي لكن شرط هذا القول الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما صرح به اكثر الاصوليين منهم الشيخ أبو اسحاق وإمام الحرمين وابن الصباغ في عدة العالم والآمدي وغيرهم.\nقال صفي الدين الهندي ثم لا يخفي عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي وهو إعادة الفعل الأول فان ذلك غير ممكن من المكلف وإنما المراد مثله ولك أن تقول ما تريد بقولك ليس المراد إعادة ذلك الفعل الأول أتريد الماهية مع قيد التشخيص في الأول أم الماهية وحدها الأول مسلم والثاني ممنوع لان الماهية الموجودة في الأول موجودة في الثاني بعينها.\nوالثالث: انه يدل على المرة ولا يحتمل التكرار وإنما يحمل عليه بدليل ونقله الشيخ أبو اسحاق عن اكثر أصحابنا وأبي حنيفة واكثر الفقهاء وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب والشيخ أبى حامد ونقل بعض الشارحين تبعا للأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي أنه قال وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية ثم خطا هذا الشارح والآمدي بأن إمام الحرمين إنما يرى الوقف ولا يقضي في الزيادة بنفي ولا إثبات.\nواعلم أن الآمدي لم ينقل في الأحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف كما هو الواقع وهذه عبارة الآمدي ومنهم من نفى احتمال التكرار وهو اختيار أبى الحسين البصري وكثير من الاصوليين ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها نفي ولا إثبات وإليه ميل إمام الحرمين والوقفية انتهى والظاهر أن نسخة الاصفهاني وكذلك هذا الشارع من الأحكام سقيمة منها من قوله ومنهم إلى قوله وإليه وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه.\nواعلم أن صفي الدين الهندي نقل عن أبي الحسين وكثير من الاصوليين المذهب المختار وهو خلاف ما نقله عنه الآمدي كما رأيت والذي رأيته في","vol":"2","page":49},{"text":"المعتمد يقتضي موافقة ما نقله الهندي أو يصرح بل لم يحك هذا القول الذي نقله عن الآمدي بالأصالة.\nوالرابع: التوقف قالوا وهو محتمل لشيئين.\nأحدهما: أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة وهذا قد صرح بحكايته صاحب الكتاب في كتابه المرصاد الذي وضعه على مختصر ابن الحاجب.\nوالثاني: أنه لاحدهما ولا نعرفه فيتوقف لجهلنا بالواقع ولقائل أن يقول وضعه للمرة وللتكرار كل منهما على حدته وضع للنقيضين لأن التكرار وحده مع المرة وحدها مما لا يجتمعان إذ لا تجتمع الوحدة بقيد الوحدة مع الكثرة ولا يرتفعان إذا هو مأمور بشيء لا يخرج ذلك الشيء عن أحدهما ثم إن الوضع للنقيضين على رأي الإمام ومن نحا نحوه ممتنع فكيف يتجه ممن يعتقد اعتقاده أن يجعل التوقف محتملا وفي المسألة مذهب خامس حكاه صفي الدين الهندي عن عيسى بن إبان أنه إن كان فعلا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها وإلا فيلزمه الأقل.\nقال: لنا تقييده بالمرة والمرات من غير تكرير ولا نقض وأنه ورد مع التكرار وعدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز وأيضا لو كان للتكرار لعم الأوقات فيكون تكليفا بما لا يطاق وينسخه كل تكليف بعده لا يجامعه.\nاستدل على المختار بأوجه:\nأحدهما: أنه لو كان الأمر المطلق دالا على المرة لكان تقييده بها تكرارا وبالمرات نقضا ولو كان دالا على التكرار لكان تقييده بالمرات تكرارا بالمرة نقصا والمرازمة بينة والملازمة باطل الصحة قولنا افعل ذلك مرات وليس فيه تكرار ولا نقض ولا يخفى عليك أن هذا الوجه ليس حجة الا على من يدعي أنه نص بالمرة الواحدة ولا يحتمل التكرار ومن يدعي العكس أما من يدعي التوقف والظهور في أحدهما فلا يصلح حجة عليه.","vol":"2","page":50},{"text":"الثاني: أنه ورد للتكرار شرعا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وعرفا مثل قول القائل لغيره احفظ دابتي واحسن إلى الناس وورد للمرة شرعا كآية الحج والعمرة وعرفا مثل ادخل الدار وقول السيد لعبده اشتر اللحم فحينئذ إما أن يكون حقيقة فيهما فيلزم الاشتراك أو في أحدهما فيلزم المجاز والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل فيكون للقدر المشترك بينهما وهو طلب الإتيان بالمأمور وذلك أعم من أن يكون في المرة الواحدة أو المرات وحينئذ لا يدل على أحدهما بخصوصه إلا بقرينة.\nوهذا الدليل قد استعملوه في مواضع عديدة وبعض المتأخرين من الاصوليين كالنقشواني وغيره قد ضعفوه فقالوا إذا كان موضوعا للقدر المشترك الذي هو مطلق الطلب ثم استعمل في طلب خاص فقد استعمل في غير ما وضع له لأن الأعم مغاير للأخص لكنه مشتمل على ما وضع له فيجوز مجازا وأيضا فان الالفاظ موضوعة بازاء المعاني الذهنية على رأي الإمام واتباعه فإذا استعمل فيما تشخص منهما في الخارج يكون مجازا لأنه غير ما وضع له فتقرر أن استعمال الأمر في المقيد بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه وهذا بحث صحيح مطرد في كل أعم استعمل في أخص وبعضهم يفصل فيه فيقول إن استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم فهو حقيقة وإن استعمل فيه اعتبار خصوصه فهو مجاز وهذا التفصيل لا حاجة إليه لأنه إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم لا يخرج عن كونه استعمل العام في الخاص وقوله باعتبار سبب في الإستعمال فهو كاستعمال الأسد الشجاع باعتبار الشجاعة وإن أراد بقوله باعتبار أنه لم يستعمل إلا في الأعم فذلك إحالة لفرض المسألة لأن فرض المسألة أنه استعمل في الأخص.\nالثالث: وهو دليل على ضعف القول بالتكرار لأنه لو كان مقتضيا للتكرار نعم جميع الأوقات حتى يجب فعل المأمور به فيها وذلك لعدم أولوية وقت دون وقت لكنه لا يعم جميع الأوقات لوجهين.","vol":"2","page":51},{"text":"أحدهما: أنه لو عمها للزم وقوع التكليف بما لا يطاق.\nوالثاني: أنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن مجامعته له في الوجود وذلك لأن الأمر الأول قد استوعب جميع الأوقات بفعل المأمور به والثاني يقتضي الإتيان بالمأمور به والإتيان بالمأمور به أولا لا يمكن مع الإتيان به ثانيا فيرتفع وجوبه لعدم إمكان فعله فيلزم النسخ وهو يأكل قطعا لأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخا لغيرها والأمر بالحج ليس نسخا للصلاة فثبت ما قلناه من انه لا يعم كل الأوقات وحينئذ لا يكون مقتضيا وانما قيد المصنف بقوله لا يجامعه ليحترز عما يجتمع معه كالصوم مع الصلاة وفي هذين الوجهين نظر.\nأما الأول: فلأن القائل بالتكرار يشترط الإمكان كما تقدم.\nوأما الثاني: فلأن النسخ إنما يلزم إذا كان الأمر الثاني مطلقا غير مخصص ببعض الأوقات شرعا أو عقلا ومثل هذا غير واقع في الشرع ولو وقع لالتزم الخصم وقوع النسخ وأما إذا كان الامر الثاني مخصوصا ببعض الأوقات فلا يلزم منه نسخ الأول بل تخصيصه ولا امتناع في ذلك على أنه غير واقع على الوجه المفروض.\nقال: تمسك الصديق ﵁ على التكرار بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه قلنا لعله ﵊ بين تكراره قبل النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر قلنا الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال قيل لو لم يتكرر لم يرد النسخ. قلنا: وروده قرينة التكرار.\nاحتج من ذهب إلى أن الأمر يفيد التكرار بثلاثة اوجه.\nأحدها: أن أبا بكر الصديق ﵁ تمسك على أهل الردة من وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار والجواب بعد تسليم أن الإجماع السكوتي إجماع أنه لعل النبي ﷺ بين للصحابة ﵃ أن قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يفيد التكرار فتمسك الصديق رضوان الله عليه بها","vol":"2","page":52},{"text":"مستندا إلى ما بينه ﵇ وهذا وإن كان خلاف الأصل إذ الأصل أنه لم يبين لكن يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة وقد يجاب بأن أمر الصلاة والزكاة والصوم معلوم التكرار بالضرورة من دين محمد ﵇ أو بأن ههنا مع صيغة الأمر غيرها وهو أن القاعدة تكرر الحكم بتكرر سببه وسبب وجوب الزكاة نعمة من الملك فلما تكررت تكرر وجوب الزكاة وهذا مقتضى للتكرار غير الامر.\nوثانيها: أن النهي يقتضى التكرار فكذلك الأمر قياسا عليه والجامع كون كل منهما للطلب والجواب أنه يمكن الانتهاء عن الشيء دائما لأن فيه بقاء على العدم وأما امتثاله أبدا اعني استعماله دائما فغير ممكن وهذا الجواب من المصنف ربما يفهم اختياره أن النهي يقتضي التكرار بلا خلاف وقد صرح بعد ذلك بأن النهي كالأمر في التكرار وعدمه ثم لك أن تقول في هذا الجواب نظر لأن من قال الأمر يقتضي التكرار اشترط الإمكان كما سبق فامتثال الأمر أبدا حينئذ كالانتهاء أبدا من حيث الإمكان فالصواب في الجواب أن يقال هذا إثبات اللغة بالقياس وليس بصحيح سلمنا صحته لكن لا نسلم أن النهي يقتضي التكرار بل هو على وزان الأمر سلمنا أن يقتضي التكرار لكن مقتضى الأمر اتحاد المأمور به وذلك يصدق مرة واحدة بخلاف النهي فإنه لما كان مقتضاه الكف عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالإمتناع المستمر.\nوثالثها: أنه لو لم يدل على التكرار ودل على المرة لم يرد النسخ لأن وروده إما بعد فعلها وذلك محال إذ لا تكليف واما قبله وهو يدل على البداء أي ظهور المصلحة بعد خفائها وذلك محال على الله ﷾ وورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار والجواب أن النسخ لا يجوز وروده عليه فإن ورد صار بذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار وحمل الأمر على التكرار لقرينة جائز.\nقال: قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك.\nقلنا: فقد يستفسر عن إفراد المتواطئ.","vol":"2","page":53},{"text":"احتج من قال باشتراك الأمر بين التكرار والمرة بأنه يحسن الاستفهام فيه فيقال أردت بأمرك فعل مرة واحدة أو اكثر وحسن الاستفهام دليل الاشتراك والجواب ان مدعانا للتواطؤ ويجوز الإستفسار عن إفراد المتواطىء كما إذا قلت اضرب إنسانا فإنه يحسن أن يقال عمرا أم زيدا وأعتق رقبة فإنه يجوز أن يقال مؤمنة أم كافرة وقد تم شرح ما في الكتاب وليس فيه تعرض لشيء من شبه القائلين بالمرة ومنها أن من قال لغيره ادخل الدار فدخل مرة عد ممتثلا ومنها لو قال لوكليه طلق زوجتي لم يملك اكثر من واحدة ومنها لو قيل صار زيد صدق بمرة فليكن مثله في الأمر.\nوالجواب عن الأول: أن ذلك إنما يدل على أن الأمر غير ظاهر في التكرار لا على امتناع احتماله ولهذا لو قيل ادخل مرارا اصح ولو عدم الاحتمال لم يصح هذا التفسير وهو الجواب عن طلق زوجتي وذلك لعدم ظهور الأمر فيما عدا الواحدة لا لعدم الاحتمال لغة الجواب عن الثالث: أنه قياس في اللغة فلا يقبل.\nفائدة: استحباب إجابة المؤذن هل هو مختص بالمؤذن الأول حتى لو سمع ثانيا فلا يستحب إجابته يظهر تخريج المسالة على أن الأمر هل يقتضي التكرار.\nوقد حكى النووي في شرح مسلم عن حكاية القاضي عياض اختلاف العلماء في هذه المسألة وحكى بعضهم عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال يجيب كل واحد لتعدد السبب.","vol":"2","page":54},{"text":"الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:\nقال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.\nواعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.\nالترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:\nأحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.\nوالثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.\nوالثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.","vol":"2","page":55},{"text":"الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:\nقال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.\nواعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.\nالترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:\nأحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.\nوالثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.\nوالثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.","vol":"2","page":55},{"text":"قال إمام الحرمين في هذا الكتاب: وهو الذي يضح وارتضاه القاضي.\nفإن قلت: هذا مذهب لا يعرف في كتب المتأخرين فما ذلك من كتاب التلخيص على وجوده.\nقلت: دل على ذلك أن القاضي لما ذكر أن المعلق بشرط لا يقتضى التكرار وحكى خلاف الخصوم فيه قال ومما ذكروه في هذه المسالة إن قالوا الحكم يتعلق بالعلة والشرط ثم إذا علق بالعلة تكرر بتكررها فكذلك إذا علق بالشرط وهذا الذي ذكروه اجتراء منهم بدعوى مجردة فإننا نقول لهم خلافنا يؤول إلى صيغة غريبة وقضية مفهومة وقد أوضحنا منع إثبات اللغة بالمقاييس ومعظم كلامهم يتردد على القياس فلم قلتم ان الصيغة المبنية على التعليل يضاهيها الصيغة المبنية على الشرط فاكتفت بذلك وسنفرق بين العلة والشرط في أبواب القياس انتهي كلامه وهو صريح فيما ذكرناه وإلا ما كان يلتزم المخالفة في العلة كما فعل الغزالي فانه فرض المسالة في الشرط واختار عدم التكرار ثم أورد من جهة الخصم ان الحكم يتكرر بتكرر العلة والشرط مثلها فان علل الشرع إمارات وأجاب بان العلة إذا كانت شرعية فلا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إليها ما لم تعترف به قرينة التعبد بالقياس.\nوهذا المذهب الذي ارتضاه القاضي هو المختار لما سنذكره ان شاء الله تعالى.\nالمذهب الرابع: واختاره الإمام وبه جزم المصنف أنه لا يقتضيه من جهة اللفظ ويقتضيه من جهة القياس فهنا مقامان:\nالأول: أنه لا يفيد لفظا واستدل عليه بوجهين:\nأحدهما: أن ثبوت الحكم مع الصفة والشرط يحتمل التكرار ويحتمل عدمه فان اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء وذلك اعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة والدليل عليه صحة تقسيم ذلك المفهوم إلى هذين القسمين وموود التقسيم مشترك بين القسمين والمشترك بين الشيئين لا إشعار له بواحد منهما فإذا تعلق الشيء على شيء لا يدل على تكرار التعليق","vol":"2","page":56},{"text":"واعترض القرافي على هذا بان الخصم قد لا يسلم صحة التقسيم فدعواها مصادرة على المطلوب.\nوالثاني: أنه لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر الدخول ولو دل عليه لفظا لتكرر كما لو قال لها كلما دخلت ثم إذا لم يدل عليه في الإنشاء فلا يدل عليه في الأمر لأنه إنشاء معلق مثله واقرب من هذا المثال أن يمثل بقول الرجل لوكيله وكلتك في طلاق زوجتي ولا تطلقها إلا إذا دخلت الدار.\nالمقام الثاني: أنه يفيده من جهة القياس والدليل عليه أن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عليه ذلك الشرط وتلك الصفة لذلك الحكم كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس فيلزم أنه يتكرر الحكم بتكرر ذلك لتكرر المعلوم بتكرار علته هكذا قرره هذا المقام شراح الكتاب ولم أر من صرح في كتاب القياس بمساواة ترتيب الحكم على الشرط لترتيب الحكم على الوصف وإنما المذكور هناك ترتيب الحكم على الوصف فقط فإن كان ترتيب الحكم على الشرط مثله فهذا الدليل منقدح الا انا نمنع ذلك ولهذا كان المختار عندنا ما نقلناه عن القاضي من التفرقة بين المعلق بشرط فلا يدل على التكرار والمعلق بوصف فيدل بطريق القياس.\nفإن قلت: علل الشرع علامات والشروط علامات فما وجه التفرقة.\nقلت: لا نسلم أن الشروط علامات بالاعتبار الذي به العلل علامات فان المعنى من كون العلة علامة جعل الشارع إياها علامة وجود الحكم وان كان الحكم صادرا من الشارع ومعلوم ان الشرط ليس علامة بهذا الاعتبار فان وجوده لا يدل على وجود المشروط أصلا وانما الشرط علامة باعتبار الانتفاء فلا يلزم من كونهما علامتين باعتبارين مختلفين اتحاد الحكم سلمنا كونهما علامتين باعتبار واحد لكن بالاعتبار الذي في الشرط لا بالاعتبار الذي في العلة والعلة تتميز عنه حينئذ بالاعتبار الذي فيها فلا يلزم من اشتراكهما في وجهة واحدة من جهة العلامة اشتراكهما في اقتضاء الحكم وتكرره عند تكررهما لجواز أن يكون ذلك من لوازم ما به الامتياز قوله وإنما لم يتكرر","vol":"2","page":57},{"text":"جواب عن سؤال مقدر تقديره لو صح ما ذكرتم للزم تكرير وقوع الطلاق المعلق على دخول الدار بتكرر الدخول وليس كذلك والملازمة بينة أجاب قولكم رتب الطلاق على الدخول قلنا مسلم يكون علة قلنا مسلم قولكم فيتكرر قلنا إنما يتكرر التعليل المعتبر وهو تعليل الشارع لا تعليل آحاد الناس فإنما لم يتكرر الوقوع لعدم اعتبار تعليله حتى لو صرح بالتعليل بأن قال طلقتك لأجل دخولك الدار وكانت له امرأة أخرى لا تطلق وان وجدت منها هذه الصفة.","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة الخامسة الأمر المغلق بشرط أو صفة هل يفيد التكرار</span>\n...\nقال: الخامسة: المعلق بشرط أو صفة\nمثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ لا يقتضي التكرار لفظا ويقتضيه قياسا.\nأما الأول: فلأن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه ولأنه لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر.\nوأما الثاني: فلأن الترتيب يفيد العلية فيتكرر الحكم بتكرارها وإنما لم يتكرر الطلاق لعدم اعتبار تعليله.","vol":"2","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المسألة السادسة: الأمر الطلق هل يفيد الفور</span>؟\n...\nقال: السادسة الأمر لا يفيد الفور خلافا للحنفية ولا التراخي خلافا لقوم وقيل مشترك لنا ما تقدم.\nالأمر المطلق هل يفيد الفور بمعنى ان تجب المبادرة عقيبه إلى الإتيان بالمأمور به أما القائل بأنه يفيد التكرار فلا يحتاج إلى قوله أنه يفيد الفور لأنه من ضرورياته وإنما الكلام الآن بين القائلين بأنه لا يفيد التكرار وقد اختلف المسلمون لذلك على مذاهب.\nأحدها: أنه لا يفيد الفور ولا يدفعه وهو قول معظم الشافعية ينسب الى الشافعية نفسه قال إمام الحرمين وهو اللائق بتصريحاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول وعليه أبو علي وابنه وأبو الحسين واختاره الغزالي والامام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب وهو المنقول عن القاضي قال امام الحرمين في البرهان وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه وهذا الذي قال أنه بديع من مذهب القاضي قال في التلخيص أنه الأصح وقال قطع القاضي ﵀ بإبطال المصير إلى الوقف في هذا الباب وهو الأصح إذ المصير إلى الوقف في هذا الباب يعود إلى خرق الاجماع أو يلزم ضربا من التناقض.\nالمذهب الثاني: أنه يفيد الفور وبه قالت الحنفية وقد عزى كما ذكر في البرهان إلى أبي حنيفة نفسه وقال ابن برهان في الوجيز لم ينقل عن الشافعي ولا أبي حنيفة في نقل المسالة وانما فروعها تدل على ما نقل عنهما قال وهذا خطأ في نقل المذاهب إذ الفروع تبنى على الأصول لا العكس.","vol":"2","page":58},{"text":"قلت وفي هذا الكلام نظر فان المطلع على مذهب إمام إذا استقرأ من كلامه في فروع شيء المصير إلى ما ليس له مأخذ إلا القول بأصل من أصول جزم الاعتقاد بأن ذلك الأصل مختاره ونسبه إليه وهذا صنيع أصحابنا على طبقاتهم يقولون مذهب الشافعي كذا وإنما استنبطوا ذلك من قواعده من غير اطلاع على نصه.\nومنهم: من ينسب إليه القول المخرج مع كونه نص على خلافه وقد أختار هذا المذهب من أصحابنا القاضي أبو حامد المروزي وأبو بكر الصيرفي وهو مذهب داود ومعظم الحنابلة.\nوالمذهب الثالث: انه يفيد التراخي كذا أطلقه جماعة منهم المصنف وقال الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وإمام الحرمين في التلخيص والبرهان ان هذا الاطلاق مدخول إذ مقتضاه ان الصيغة المطلقة تقتضي التراخي حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتبر به وليس هذا معتقد أحد هذا كلامهما ورأيت ابن الصباغ في عدة العالم قال أن من الواقفية في هذه المسالة من قال لا يجوز فعله على الفور لكن قال إن القائل بهذا خالف الاجماع قبله وعلى الجملة هو مذهب ثابت منسوب إلى خرق الإجماع ونقل ابن السمعاني في القواطع القول بأنه على التراخي عن ابن أبي هريرة وأبي بكر القفال وابن خيران وأبي على الطبري صاحب الإفصاح وصححه ثم قال إن معنى قولنا أنه على التراخي أنه ليس على التعجيل قال والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض الوقت.\nقلت: وعلى هذا التفسير فهذا المذهب هو المذهب الأول بعينه.\nوالمذهب الرابع: الوقف إما لعدم العلم بمدلوله أو لأنه مشترك بينهما وهو الذي عبر عنه المصنف بقوله وقيل مشترك وكان الأحسن أن يقول وقيل بالوقف ليشمل هذين الاحتمالين على أن صفي الدين الهندي نقل أن منهم من توقف فيه توقف الاشتراك ثم افترقت الواقفية فمن قائل إذا أتى بالمأمور به في أول الوقت كان ممتثلا قطعا وإن أخر عن الوقت الأول لا يقطع بخروجه عن","vol":"2","page":59},{"text":"العهدة واختاره إمام الحرمين في البرهان ومن قائل إنه وإن بادر إلى فعله في أول الوقت لا يقطع بكونه ممتثلا وخروجه عن العهدة لجواز إرادة التراخي نقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.\nقوله لنا: أي الدليل على أن الأمر لا يقتضي الفور ما تقدم في الكلام على أنه لا يقتضي التكرار وأشار إلى دليلين.\nأحدهما: صحة تقييده بالفور والتراخي من غير تكرير ولا نقض كصحة تقييده بالمرة والمرات من غيرهما.\nوالثاني: وروده مع الفور وعدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهر طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز كما ورد بالتكرار والمرة وعدمهما وجعل حقيقة في القدر المشترك وقد تقدم الكلام في هذين الدليلين مبسوطا وتقدم دليل ثالث لا يأتي هنا.\nقال: قيل: أنه تعالى ذم إبليس على الترك ولولم يقتض الفور لما استحق الذم.\nقلنا: لعل هناك قرينة عينت الفورية قيل سارعوا يوجب الفورية.\nقلنا: فمنه لا من الأمر قيل لو جاز التأخير فإما مع بدل فيسقط أولا معه فلا يكون واجبا وأيضا إما أن يكون للتأخير أمد وهو إذا ظن فواته وهو غير شامل لأن كثيرا من الشباب يموتون فجأة أولا فلا يكون واجبا.\nقلنا: منقوض بما إذا صرح به قيل النهي يفيد الفور فكذا الأمر. قلنا: يفيد التكرار.\nاحتج القائلون بالفور بأوجه:\nأحدها: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ١ عابه على كونه لم يأت في الحال بالمأمور به وهو يدل على أنه واجب الإتيان بالفعل حين أمر به إذ لو لم يجب لكان لإبليس أن يقول ما أوجبت على في الحال فكيف استحق الذم بتركه في الحال أجاب تبعا للإمام بأنه يحتمل ان يكون ذلك الأمر مقرونا بما يدل على أنه على الفور.\n_________\n١ سورة الأعراف آية ١٢.","vol":"2","page":60},{"text":"قال الهندي وهو ضعيف لأن ظاهره يدل على ترتيب الذم بمجرد ترك المأمور به فتخصيصه بأمر آخر غير خلاف للظاهر.\nقال: وهذا وإن كان لازما على كل من يجب بهذا الجواب إلا أن الملام فيه على الإمام اشد لأنه أجاب عن هذا الجواب لما اعترض به على استدلاله بهذا النص على ان الآمر للوجوب والمصنف تبعه في الموضعين قال الهندي ثم.\nوالأولى: أن يقال في جوابه أن هذا الامر كان مقرونا بما يدل على أنه للفور بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ١ فانه جعل الامر بالسجود جزاء لشرط التسوية والنفخ والجزاء يحصل عقيب الشرط وإنما أفاد الأمر هنا الفور بهذه القرينة وهذا الجواب إن صح فلك أن تقول هذه القرينة هي التي أوجبت للإمام أن يقول هنا لعل قرينة أوجبت وأما في مسالة الأمر هل يقتضي الوجوب فلا قرينة فكان ما ادعاه الإمام من القرينة موجودا دون ما ادعاه الخصم ثم والحاصل أن كلا منهما ادعى قرينة والاصل عدمها وتأيدت دعوى الإمام والمصنف بهذه الآية فصح ما قالاه وفي صحة الجواب نظر من جهة أنه قد يمنع أن الجزاء يحصل عقيب الشرط وليس هنا ما يتخيل دلالته عليه إلا الفاء في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾ وهي لا تدل عليه إلا إن كانت للتعقيب وقد نص النجاة أو على أنها إذا وقعت جوابا للشرط لا تقتضي تعقيدا.\nوقال بعضهم: إن في الآية قرينة أخرى وهي فعل الأمر في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾ إذ هو العامل في إذا لأنها ظرف والعامل فيها جوابها فصار التقدير: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وقت تسويتي إياه وهذا صحيح على رأي الجمهور القائلين بأن العامل في إذا جوابهما ولكن قال بعض البصريين أن العامل فيها ما يليها حكاه شيخنا أبو حيان في البحر المحيط عند قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا﴾ وهو متجه في هذه الآية لأن ما بعد الفاء لا يجوز أن يعمل فيما قبلها\n_________\n١ سورة ص آية ٧٢.","vol":"2","page":61},{"text":"فكيف يتجه في مثل: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ أن يقال العامل في إذا جوابها بل هذا وأمثاله تصلح اعتراضا على الجمهور القائلين بهذه المقالة.\nالوجه الثاني قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١ فانه يوجب أن الأمر للفور لأنه بالمسارعة وهي التعجيل بالمأمور به والأمر للوجوب والمسارعة واجبة ولا معنى لان الأمر يقتضي الفور الا ذلك وحمل المغفرة على حقيقتها في الآية ممتنع لان المغفرة من فعل الله تعالى والعبد لا يسارع إلى فعله محمول على المجاز وهو المأمور به وفي معنى هذه الآية قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وأجاب بأن الفورية لم تستفد من الأمر بل من قوله سارعوا يعني من جوهر اللفظ لأن لفظ المسارعة دال عليه كيف ما تصرف بل لمباحث أن يقلب هذا الدليل ويستدل به على عدم الفور لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به في غيره ولقائل أن يقول لا نسلم تفسير المصارعة بما ذكرتم بل المسارعة عبارة عن التعجيل بالفعل المطلوب كما تقول سارعت إلى إنقاذ الغريق وإن كانت المبادرة إلي ذلك واجبة وذلك أعم من أن يجوز مع ذلك فعله في وقت آخر أم لا ثم قولكم الفورية لم تستفد من الأمر بل من مادة سارعوا فيه تسليم لوجوب فعل المأمورات الشرعية على الفور بما دل على ذلك من قوله سارعوا فحاصل ما أجبتم به أنكم سلمتم ثبوت الفور في المأمورات ولكن قلتم ان ذلك ليس من مدلول الامر بل من دليل منفصل وهذا يحصل به معظم مقصود الخصم أن الفرض الأعظم إنما هو الأوامر الشرعية.\nوقد يقال: دلالته على وجوب المسارعة إلى أسباب المغفرة بطريق الاقتضاء فلا يلزم منه وجوب المسارعة إلى جميع أسباب المغفرة بناء على المقتضى وهو ما اضمر ضرورة صدق المتكلم لا عموم له فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله ولا يعم كل مأمور.\nالثالث: لو لم يكن الأمر للفور لكان التأخير جائزا وجوازه إما مع بدل أو لا معه والضمان باطلان:\n_________\n١ سورة آل عمران آية ١٢٣.","vol":"2","page":62},{"text":"أما الأول فلأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل من كل الوجوه فإذا أتى بهذا البدل وجب أن يسقط عنه هذا التكليف ليس كذلك بالاتفاق.\nوأما الثاني فلأن ذلك يمنع من كونه واجبا لأنه لا يفهم من قولنا ليس بواجب إلا أنه يجوز تركه من غير بدل.\nالرابع: أنه لم يكن الفور وجاز التأخير لكان إما إلى أمد أي غاية معينة بحيث إذا وصل المكلف إليها لا يجوز له التأخر عنها أو لا يكون له أمد أي بأن يجوز له التأخير أبدا والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل.\nأما الأول: فلأن ذلك الأمد لا بد له من أمارة يعرفه المكلف بها لئلا يلزم وقوع التكليف بما لا يطاق ولذلك لم يكن للخصم أن يقول يجوز أن يكون الأمد غاية مجهولة عند المكلف لأنه يصير مكلفا بأن لا يؤخر الفعل عن وقت معين مع عدم معرفته به وهو تكليف بما لا يطاق وإذا كان لا بد له من أمارة يعرفها المكلف فتلك الأمارة هي بالاتفاق ظن الفوات على تقرير الترك إما لكبر السن أو الفرض الشديد وذلك الأمر غير شامل للمكلفين لأن كثيرا من الناس يموتون فجأة ويقتلون بغتة من غير حصول إمارات للموت فيلزم أن لا يشملهم الأمر وليس كذلك.\nوأما الثاني: فلأن التأخير أبدا يجوز الترك أبدا وتجويز أبدا ينافي الوجوب وأجاب عن هذين الوجهين بالنقض بما إذا صرح للمكلف بجواز التأخير مثل أن يقال له أوجبت عليك أن تفعل كذا في أي وقت شئت أو ولك التأخير فإن هذين الوجهين يطردان فيه مع جواز التأخير بالإتفاق.\nقال الإمام: فكل ما جعلوه عذرا في هذه الصورة فهو عندنا عما ذكروه وسنذكر ما تحصل به المناقشة في هذا الجواب إن شاء الله تعالى وأجيب عنه أيضا بالتزام أن الأمد غير معين ولا يلزم التكليف بما لا يطاق لأنه إنما يلزم إذ لو لم يجز الإتيان به على الفور أما إذا جاز فعله على الفور فلا يلزم تمكن المكلف من الامتثال في الحال والتكليف بالمحال هو التكليف بالمتعذر امتثاله من كل وجه.","vol":"2","page":63},{"text":"الخامس: أن النهي يفيد الفور فكذا الأمر بالقياس عليه بجامع الطلب فيهما وأجاب بأن النهي يفيد التكرار ويلزم من ذلك وقت الحال فأفاد النهي الفور بضرورة دخول وقت الحال في الأوقات لا لذاته وهذا الجواب قد تقدم مثله وقد ناقضه بعد هنا حيث يقول النهي كالأمر في التكرار والفور فكان الأولى ان يجيب أما بأن النهي لا يفيد الفور أو بأن هذا قياس في اللغة فلا تقبل وقد استدل القائلون بالفور أيضا بوجه سادس لم يذكره في الكتاب وهو طريقة الاحتياط فانا اجمعنا على أنه لو فعل عقيبه وقع الموقع ولا عبرة بالمذهب الضعيف المتقدم إن ثبت لمصادمته للإجماع.\nواختلفا في أنه فعل بعد ذلك هل يخرج عن العهدة فطريقة الإحتياط تقضي وجوب الإتيان به على الفور ليحصل الخروج عن العهدة بيقين.\nوأجاب الإمام: بأنه ينتقض بقوله افعل في أي وقت شئت واعترض صاحب التحصيل على هذا الجواب بأن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمة قال الشيخ شمس الدين بن الجزري في شرح أسئلة التحصيل١ إنما قال ذلك لوجهين:\nأحدهما: أن الكلام فيما إذا كان الأمر مطلقا واحتمل أن يكون المراد الفور.\nثانيهما: أن الفعل على تقدير قوله: افعل في أي وقت شئت لا خرق في قول على الفور ولا على التراخي حتى تنتقض طريقة الاحتياط قال واعلم أن الوجه الأول من وجهي الاعتراض على جواب الإمام في طريقة الاحتياط لم يذكره صاحب التحصيل فعلى هذا ينقدح مناقشة ترد كلامه فيقول إما أن\n_________\n١ الإمام الجزري تقدمت ترجمته في الجزء الأول ومن كتبه أجوبة على أسئلة التحصيل في أصول الفقه – مفقود- والتحصيل كتاب ملخص لكتاب المحصول للإمام فخر الدين الرازي – ألفه سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفى سنة ٦٨٢هـ. ووضع فيه أسئلة واعتراضات على الإمام الرازي وجاء شمس الدين الجزري المتوفى ٧١١هـ فشرح هذه الأسئلة وأجاب عنها.\nالبدر السافرص١٧٦.الدرر الكامنة ٥/٦٧،بغية الوعاء ١/٢٧٨، معجم المؤلفين ١٢/١٣٨.","vol":"2","page":64},{"text":"يريد أن طريقة الإحتياط غير منقوضة على تقدير اعتبار قوله في أي وقت شئت أو لا فإن أراد الأول لم يبق احتياط ضرورة استواء الفعل على الفور والتأخير فلا يقال طريقة الاحتياط باقية وإن أراد الثاني فليس الجواب أن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمنه ضرورة قيام الخوف على تقدير عدم اعتبار ذلك الفور بل الجواب أن ذلك بقوله افعل في أي وقت شئت والكلام في الأمر بمجرده قال والإشارة بقوله ثمة إلى الصورة التي أوردها الإمام وهي الصورة الأخيرة خارج عن وضع اللغة فالأولى به أن يقول: ألا خوف هنا.\nواعلم أن المنتصر لكلام الإمام أن يقول: مراد الإمام بقوله افعل في أي وقت شئت ان هذا القول لا يعد منافيا لقوله افعل بل يكون موافقا لمقتضاه فلا يتصور طريقة الإحتياط إلا إذا كان الفور راجحا أو مساويا أما إذا كان الراجح التوسعة فلا تأتي طريقة الاحتياط وإلا فالإمام ما يجهل أن قوله افعل في أي وقت شئت غير قوله افعل من غير ضميمة هذا كله كلام ابن الجزري وفيه نظر يحتاج إلى تطويل وقال الترمذي التمسك على الفور بطريقة الاحتياط ضعيف لأن الاحتياط ليس من أمارات الوضع ولا مقتضيات الوجوب بل هو من باب الأصلح ثم قوله افعل الآن يعد تأكيدا وفي أي وقت شئت يعد تخفيفا ومسامحة قال القرافي ويرد عليه أن ههنا قاعدة خفية عادة الفضلاء يوردون بسبب إهمالها سؤالا فيقولون في كلما يقول المستدل فيه هذا ارجح فيجب المصير إليه ان الرجحان يقتضي أنه أحسن أما أنه المتعين فلا الندب هو اللازم في هذه المواطن التي فيها الرجحان بالاحتياط ونحو ذلك أن فعل الأحسن مستحب ولا يصل إلى الوجوب قال وأهملت قاعدة وهي إن الرجحان إن كان في أفعال المكلفين فكما قالوه وإن كان في مدارك المجتهدين وأدلة المناظرين اقتضى ذلك الوجوب والتحتم والروم بل العقد الاجماع على أن المجتهد عليه اتباع الراجح من غير رخصة في تركه بخلاف الراجح في حق المكلف إنما هو مندوب وكذلك الراجح في الاجتهاد في طلب القبلة وطهورة الماء من باب الوجوب إجماعا ومنه قيد المتعلقات وأروش الجنايات قال فتأمل هذه القاعدة فهي ظاهرة وهي خفية وبها يظهر بطلان","vol":"2","page":65},{"text":"قوله: إن الإحتياط ليس من مقتضيات الوجوب لأن هذا رجحان في ذلك لا في فعل المكلف وأما قوله افعل الآن تأكيد وفي أي وقت مسامحة فهو مصادرة على مذهب الخصم بغير دليل هذا كلام القرافي والقاعدة التي ذكرها من وجوب اتباع الراجح على المجتهد صحيحة لكن الكلام في أن الأخذ بالاحتياط هل هو راجح ولو صح ما قاله لكنا نلزم المجتهدين بالأخذ بجميع المآخذ وإن لم يثبت عندهم صحتها ونقول للشافعي يجب عليك العمل بالاستحسان احتياطا فالمجتهد الناظر في أن الأمر هل يقتضي الفور ما لم يقم عنده دليل على ذلك ليس له أن يقول بذلك للاحتياط نعم المكلف الذي توجه الأمر نحوه يستحب له المبادرة احتياطا أو يجب عليه بحسب ما يؤدي إليه قواعد الاحتياط وهذا قد قاله هو حيث قال إن كان في أفعال المكلفين فكما ذكروه وما نحن فيه من أفعال المكلفين وأحسن من دليل الاحتياط في الدلالة على أن الأمر يقتضي الفور أن تقول من توجه الأمر المطلق نحوه فقد تحققنا وجوب الفعل عليه وشككنا هل يخرج من العهدة بالتراضي مع القطع بأنه يخرج عنها بالمبادرة لأنه مأمور بأمر فلا يخرج عن عهدته الا بيقين وهذا إنما تم إذا قطعنا بأن المبادرة خارج عن العهدة وفيه ما سلف ثم أنه أيضا يرد في التكرار فيقال للمستدل به يلزمك بهذه الطريقة أن تقول أن الأمر للتكرار إلا أن تبين دليلا قائما على نفي التكرار بخصوصه.\nفائدة: القبول في الوكالة بمعنى الرضا وعدم الرد معتبر بلا خلاف ولا يجب فيه التعجيل بحال قال الرافعي ولو خرج على أن الأمر هل يقتضي الفور لما بعد وأن شرطنا القبول باللفظ ففي اشتراط الفور خلاف مشهور يتجه تخريجه على هذه القاعدة فيما إذا كانت للصيغة صيغة أمر مثل بع واشتر وما أشبه ذلك.","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الفصل الثالث في النواهي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المسألة الأولى: النهي يقتضي التحريم</span>\n...\nقال: الفصل الثالث: في النواهي وفيه مسائل الأولى النهي يقتضي التحريم لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .\nلم يذكر المصنف حد النهي لكونه معلوما من حد الأمر فكل ما قيل في حد الأمر من تعريف ومختار فقد قيل مقابلة في النهي وصيغة النهي عند القائلين:","vol":"2","page":66},{"text":"بالصيغة ترد لسبعة محامل: التحريم مثل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ والتنزيه مثل قوله ﵇: \"ولا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول\" والدعاء: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ والإرشاد: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وبيان العاقبة: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ والتحقير: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ واليأس: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ .\nوالكلام أن صيغة النهي هل هي حقيقة التحريم أو الكراهة أن مشتركة بينهما أو موقوفة على ما سبق في الأمر فالخلاف في اكثر المسائل على وزان الخلاف في مقابلتها من مسائل النهي والمآخذ كالمآخذ وقد سبق أن الأمر المجرد عن القرينة يقتضي الوجوب فالمختار ان النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم.\nواعلم أنه إذا ثبت أن الامر للوجوب والنهي نقيضه فلا يثبت ان النهي للتحريم بل أنه ليس للوجوب لأن نقيض الوجوب لا وجوب ولما كان في الرأي المختار زيادة وهو ان النهي للتحريم استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ووجه الاحتجاج انه أمر بالانتهاء عن المنهى والأمر للوجوب فكان الانتهاء عن المنهى واجبا وذلك هو المراد من قولنا النهي للتحريم ولقائل أن يقول هذا أولا لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر للوجوب وثانيا أن التحريم حينئذ لا يكون مستفادا من صيغة النهي بل بما دل من خارج وهو قوله: ﴿فَانْتَهُوا﴾ بل قد يقال لو كان النهي للتحريم لما احتيج إلى الأمر باجتناب المنهي عنه فكان الأمر بذلك دليلا على أن التحريم غير مكتسب منه وبهذا يظهر لك أن التحريم مستفاد من الشرع لا من اللغة ولم ترد الصيغة المطلقة من حيث اللغة على تضمن جزم الاقتضاء في الإنكفاف عن المنهي عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به وهذا هو مذهب إمام الحرمين الذي اخترناه كما علمت ثم قال:\nوهو كالأمر في التكرار والفور.\nحكم النهي حكم الأمر في عدم دلالته على التكرار وعلى الفور وقد اختار","vol":"2","page":67},{"text":"الإمام أن النهي لا يقتضي التكرار مع قوله في مسألة الفور أن النهي يقتضه وإبهامه عدم الخلاف فيه ولذلك وقع للمصنف كما نبهنا عليه واستدل الإمام على أن النهي لا يقتضي التكرار بأنه يرد للمرة كقول الطبيب للمريض الذي يشرب الدواء لا تشرب الماء ولا تأكل اللحم أي في هذه الساعة ويرد للتكرار مثل: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك وأما الآمدي فإنه قال اتفق العقلاء على أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهى عنه وإنما خلافا لبعض الشاذين وزعم ابن برهان كما نقله عنه الاصفهاني انعقاد الاجماع عليه وهذا ما جزم به الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وهو المختار عند ابن الحاجب ونحن نوافق القائلين بأنه التكرار في المعنى دون العبارة فتقول إذا قلت مثلا لا تضرب فلا ريب أنك منعت المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود ولا يحصل ذلك إلا بالإمتناع عن إدخال كل الأفراد ولا يتحقق الإمتثال إلا بالإمتناع فكان التكرار من لوازم الإمتثال لا من مدلول اللفظ وينبغي أن يرد كلام القائل أنه يقتضي التكرار إلى ما قررناه وما استدل به الإمام مردود لأن قول الطبيب للمريض لا تأكل اللحم ولا تشرب الماء إنما جاء فيه التكرار لقرينة المرض والكلام في النهي المجرد وكان يمكننا أن نحمل كلام الإمام على ما قررناه لولا الإستدلال بهذا ثم إن المصنف اختار ان النهي لا يقتضي الفور جريا على قاعدته ونحن لا نختار ذلك إذ من ضرورات ما قررناه وجوب الترك على الفور.","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المسألة الثانية: النهي يدل على الفساد</span>\n...\nقال: الثانية النهي شرعا يدل على الفساد في العبارات\nلأن المنهي بعينه لا يكون مأمورا به وفي المعاملات إذا رجح إلى نفس العقد أو أمر داخل فيه أو لازم له كبيع الحصاة والملاقيح والربا لأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير وإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت النداء فلا.\nهذه المسألة في النهي عن الشيء هل يدل على فساده وقد اختلفوا فيه على مذاهب.\nأحدها: أنه يدل عليه مطلقا قال الأصفهاني ونقله أبو بكر بن فورك الأصبهاني عن أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة.","vol":"2","page":68},{"text":"قلت: ونقله القاضي في التخليص لإمام الحرمين عن الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأبى حنيفة وأهل الظاهر وطائفة من المتكلمين وقال ابن السمعاني أنه الظاهر من مذهب الشافعي وأن عليه اكثر الأصحاب.\nوالثاني: أنه لا يدل عليه ونقله في مختصر التقريب عن جمهور المتكلمين والامام عن اكثر الفقهاء قال الشيخ أبو اسحاق وللشافعي كلام يدل عليه.\nوالثالث: أنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات وهو مذهب أبي الحسين واختاره الإمام وبعض اتباعه.\nوالرابع: أن النهي إن كان يختص بالمنهي عنه كالصلاة في السترة النجسة دل على فساده وإن كان لا يختص بالمنهي عنه كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب الحرير والبيع وقت النداء فلا يدل على الفساد حكاه الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع عن بعض أصحابنا.\nوالخامس: وهو اختيار المصنف واليه يرجع س م جمع من المحققين أنه يدل على فساده في العبادات سواء نهى عنها لعينها أم لأمر قارئها لأن الشيء الواحد يمتنع أن يكون مأمورا به منهيا عنه كالصلاة المنهي عنها مثلا فإنها لو صحت لوقعت مأمورا بها أمر ندب لعموم الدلائل الطالبة للعبادات والآمر بها يقتضي طلب فعلها والنهي عنها يقتضي طلب تركها والجمع بينهما غير ممكن وأما المعاملات فالنهي أما أن يرجع إلى نفس العقد أو إلى أمر داخل فيه أو خارج عنه لازم له أو إلى أمر مقارن غير لازم له هذه أقسام.\nأولها: بأن يرجع إلى العقد فيبطل أيضا وذلك كبيع الحصاة وهو أن قول: بعتك من هذه الأثواب مما وقعت عليه الحصاة التي أرميها أو بعتك هذه الأرض من هنا ما انتهت إليه هذه الحصاة وقيل بيع الحصاة أن يقول بيعك على أنك بالخيار إلى أن ارمي الحصاة وقيل أن يجعلا نفس الرمي بيعا فتقول إذا رميت هذه الحصاة فهذا التوكل مبيع بنك بكذا وعلى الصور كلها البيع باطل.\nوثانيها: أن يرجع إلى أمر داخل فيه فيبطل أيضا وذلك كبيع الملاقيح وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة فإن النهي راجع إلى نفس المبيع الذي","vol":"2","page":69},{"text":"هو ركن من أركان العقد والركن داخل في الماهية فيكون راجعا إلى أمر داخل في الماهية.\nوثالثها: أن يرجع إلى أمر خارج عنه لازم له فيفسد أيضا وذلك كالربا فإن النهي فيه راجع إلى أمر خارج عن العقد أما في ربا النسيئة والتفوق قبل التقابض فكون النهي فيه لمعنى خارج ظاهر وأما في ربا الفضل فلأن النهي عن بيع درهم بدرهمين إنما هو للزيادة وهو معنى خارج عن نفس العقد لأن المعقود عليه من حيث هو قال للبيع وكونه زائدا أم ناقصا من جملة أوصافه واحتج المصنف على أنه يدل على الفساد بأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير تكبر عليهم من أحد فكان ذلك إجماعا ولك أن تقول هذا سكوتي وليس عند المصنف بإجماع ولا حجة فكيف يستقيم منه الإحتجاج به.\nورابعها: أن يرجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له في جميع الصور وذلك كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة فإنه راجع إلى أمر خارج عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة لا لخصوص البيع بدليل أن جميع الأعمال المفوتة للصلاة كذلك والتفويت أمر مقارن غير لازم فهذا القسم لا يدل على الفساد فقد عرفت أن جميع الاقسام سوى هذا عند المصنف تدل على الفساد اختلفوا فمن قائل يدل شرعا لا لغة وهو اختيار المصنف حيث قال يدل شرعا فافهم ذلك لكن دليله هذا الذي قررناه إنما يدل على الفساد من حيث هو وأما كونه من جهة الشرع فلا يدل وقال قوم يدل لغة وقال ابن السمعاني وأما القائلون بأنه لا يدل على الفساد فافترقوا فمن قائل يدل على الصحة ونقله أبو زيد عن أبي حنيفة ومحمد ومن قائل لا يدل وقوله في الكتاب بعينه هو بالباء الموحدة من تحت أي بنفسه وهو متعلق بيكون والله اعلم.","vol":"2","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المسألة الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد</span>\n...\nقال: الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد\nلأن العدم غير مقدور وقال: أبو هاشم: من دعي إلى زنا فلم يفعل مدح قلنا: المدح على الكف.\nهذه المسألة في بيان مقتضى النهي فالمطلوب عندنا بالنهي فعل ضد المنهى عنه فإذا قال لا يتحرك فمعناه ما يضاد الحركة وعند أبي هاشم هو نفس أن","vol":"2","page":70},{"text":"لا تفعل وهو عدم الحركة في هذا المثال وقد وافقه بعض المتكلمين وتقله التبريزي عن الغزالي وأما قول إمام الحرمين في الرد على الكعبي في مسألة المباح الفرض من النهي عن الزنا أن لا يكون ضد من أضداده فلا ينبغي أن يفهم منه موافقة أبي هاشم بل هو حق لا شك فيه والفرق بينه وبين رأي أبي هاشم أن قولها الفرض يعني به المقصود من التكليف ولم يقل انه المكلف به كما قال أبو هاشم والمكلف به هو المحصل لذلك الغرض فالغرض هو غاية الشيء الذي طلب لأجلها واحتج المصنف على ما ذهب إليه بأن النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما كان مقدورا للمكلف والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا للمكلف وذلك لأن المقدور ما للقدرة فيه تأثير ما والعدم الصرف يستحيل أن يكون أثرا للقدرة وبتقدير ان يكون العدم أثرا يمكن إسناده إلى القدرة لكن العدم الأصلي لا يمكن إسناده إلى القدرة لان الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا وإذا تقرر هذا فمتعلق النهي أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو المطلوب وهذا الدليل متوقف على قاعدة وهي ان اللغات لم يوضع الطلب فيها الا للمقدور دون المعجوز عنه ونحن وان قلنا بجواز تكليف ما لا يطاق فإنما نقول به في أحكام الربوبية لا في الموضوعات اللغوية لتحصيل المقاصد العادية والمحال لا يحصل عادة واعترض على هذا الدليل بأنكم ان عنيتم بالقدرة ماله اثر يستند ذلك إليه فلا نسلم ان التكليف يعتمد هذه القدرة بل ذلك من الفعل واما في الترك فلا وان عنيتم بالقدرة ما يجده من نفسه كل أحد وهو ان سليم الأعضاء القوي يدرك من نفسه انه متى أراد الفعل فعل ومتى أراد الترك ترك ويجد من نفسه التمكن فنحن نسلم ذلك ونمنع انه غير قادر بهذا الاعتبار واعترض أيضا بأن ترك الزنا مثلا ليس بعد محض وانما هو عدم مضاف فيكون مقدورا واحتج أبو هاشم بأن من دعي إلى الزنا فلم يفعله فان العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير ان يخطر ببالهم فعل ضد الزنا فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف وأجاب المصنف بأن المدح ليس على شيء لا يكون في وسعه والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه وطاقته كما عرفت وإنما يمدح على كفه عن ذلك الفعل وذلك الكف أمر","vol":"2","page":71},{"text":"وجودي وهو فعل ضد الزنا وإلى هذا أشار بقوله قلنا على الكف أي المدح على فعل الكف هذا شرح ما ذكره ونختم المسألة بفائدتين.\nأحدهما: فقد عرفت ان الكف فعل على المختار وفي فروع الطلاق عن الرافعي عن القفال لو قال ان فعلت ما ليس لله فيه رضى فأنت طالق فتركت صلاة أو صوما لا تطلق لأنه ينبغي أنه ترك وليس بفعل فلو سرقت أو زنت طلقت الثانية وهي المقصود الأهم قد يقال ما الفرق بين هذه المسألة التي انتهينا منها وبين المسألة المتقدمة في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بقصده وتقرير السؤال أنك قد علمت أن الجمهور قالوا المطلوب بالنهي فعل عند المنهى عنه أي الكف عنه وقال أبو هاشم إغفاء الفعل واختلفوا أيضا في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده كما سلف في مكانه فإذا قيل معنى قولنا النهي عن الشيء أمر بضده هو ان مطلوب النهي فعل الضد وهو أحد القولين في المسالة الأولى ومعنى انه ليس أمرا بضده هو ان المطلوب انتقاء المنهي عنه وهو القول الثاني فالمسألتان حينئذ واحدة وإلا فما الفرق قلنا قد كنا وعدنا في الكلام على تلك المسألة بالجواب عن هذا السؤال ضيق المحل هناك عما لورده هنا وقد أجيب بأوجه.\nأحدها: أن الكلام في تلك المسألة بحث لفظي وفي هذه معنوي ذكره الأصفهاني في شارح المحصول.\nوالثاني: أن قولنا: النهي عن الشيء أمر بضده بحث في المتعلقات بكسر اللام فإن النهي فنعلق بالمنهي عنه والأمر متعلق بأمور وقولنا المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه بحث في المتعلقات بفتح اللام.\nوالثالث: أن البحث في تلك المسألة في دلالة الالتزام على المنهى عنه فتقول متى نهى عن الشيء مطابقة دلت على طلب ضده التزاما والبحث في هذه في دلالة المطابقة ما مدلولها المطابق هل العدم أو هذه ذكرهما القرافي.\nوأعلم أنه قد وقع النظر في هذا السؤال وهذه الأجوبة عندي غير مرة","vol":"2","page":72},{"text":"وطال الحجاج والذي قلته انا في مفرق أنه إذا انهي عن شيء كالزنا مثلا فهناك ثلاثة أمور.\nأحدها: انتفاء الزنا.\nوالثاني: الكف.\nوالثالث: فعل عند من أضداده لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كالوطىء المباح أو غيره مما لا يجامع الزنا في آن واحد إذا تقرر ذلك فنقول كون المطلوب في النهي أو الانتفاء هو مسالة أبي هاشم والخلاف فيها قد ينبني على أن شرط المطلوب الإمكان أم لا وعلى ان الانتفاء مقدور أم لا وهما مسألتان مختلف فيهما فان قلنا ليس من شرط المطلوب الإمكان جاز أن يكون متعلق النهي الانتفاء كرأي أبى هاشم وان قلنا شرط التكليف الإمكان وان الانتفاء مقدور فكذلك ايضا وإلا يقين ان يكون المطلوب في النهي هو الكف.\nواما كون النهي يقتضي الامر بضده أو فمعناه ان طلب الكف عن المنهي عنه أو طلب انتفائه على اختلاف القولين:\nهل يستلزم الأمر بضده الذي لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كما لوطيء المباح مثلا أم لا وهذه هي المسالة الأخرى والخلاف فيها مبني على ان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لا على ما أثبتت عليه المسألة الأولى فالمسالتان مختلفتان ليست إحداهما عين الأخرى ولا مستلزمه لها ليس القولان القولين فإن القائلين بأن مطلوب أمر بالضد الذي هو لا يتم الكف الا به أمر وكذلك القائلون بان مطلوب النهي الذي انتفاء الفعل ويمكن ان يخلفوا في ان طلب الانتفاء هل هو أمر بالضد الذي لا يتم انتفاء الفعل الا به هذا فرعنا على ان النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده.\nأما إذا فرعنا على ان النهي نفس الأمر بالضد وأريد بالضد الكف أو الانتفاء فهي غيرها ايضا لان خلاف مسالة أبى هاشم هو في ان مطلوب النهي هل هو الكف أو الانتفاء وخلاف هذه في ان هذا النهي الذي هو طلب الانتفاء أو الكف أمر أم لا نعم الخلاف في هذه على هذا التفريع مرتب على الخلاف في مسالة أبى هاشم حتى إذا قلنا بمذهب أبى هاشم لم يكن النهي أمرا","vol":"2","page":73},{"text":"بلا خلاف لان الامر طلب فعل لا طلب انتفاء اتفاقا وإذا قلنا بمذهب غير أبى هاشم أمكن الخلاف في ان النهي الذي هو طلب الكف أمر بذلك الكف أم لا لأن الكف فعل لكن يلزم القائلين بأن النهي أمر بالكف ان يكون النهي نوعا من الامر وان فرعنا على ان النهي عن الشيء نفس الامر بضده لكن أريد بالضد ما لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كالوطء المباح مثلا صارت المسألتان واحدة الا ان المبحوث عنه في مسألة أبى هاشم هو ان مطلوب النهي الكف أو الانتفاء والمبحوث عنه في ان مطلوب النهي فعل الضد الذي لا يتم الكف أو الانتفاء الا به أم لا ويتلخص من البحثين ان في المسألة حينئذ ثلاثة مذاهب:\nأحدها: مذهب أبى هاشم:\nالثاني: أن مطلوب النهي هو الكف:\nالثالث: ان المقصود في النهي فعل ضد ليس بكف ولا انتفاء والله اعلم.\nويتضح به ما قررناه من الفرق بأن الكف فعل اعم من جميع الأضداد لأنه لا ضد الا وهو مشتمل على الكف فإذا قلنا في هذه المسألة المطلوب بالنهي الكف أوردنا الضد الأعم.\nوقولنا: في المسألة الأخرى النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده المراد به الضد الخاص الذي لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به ويكون من نهى عن شيء حينئذ عند القائل بان النهي عن الشيء أمر بضده مأمورا بشيئين اعم وأخص الكف وفعل يحصل في ضمنه الكف فالمنهي عن الزنا مأمور بالكف عنه وبفعل يشتمل على ذلك الكف ويلزم على ذلك الكف ويلزم على هذا ان يثاب على شيئين الأعم والأخص لتعلق الأمر بهما وان يصح نذره فلو قال لله على ان افعل فلا يضاد الزنا وهو الفعل الفعلاني وعين فعلا لم يطلبه الشرع بخصوصه كالنوم مثلا لزمه الوفاء لكونه مأمورا به في ضمن النهي عن الزنا هذا ما كنت اقرره في الفرق ثم حضر عندي في الحلقة بعض الفضلاء وحصل البحث في هذا الجواب وفي الأجوبة المتقدمة اعني جواب شارح وجواب","vol":"2","page":74},{"text":"القرافي وأنها على هي صحيحة فكتبت أسأل والدي ﵀ عن السؤال من اصله وذكرت الأجوبة وانه هل يحصل الجواب بشيء منها وهل يمكن ان يقال في الجواب هذا الوجه الرابع الذي قررته وانه هل يمكن الاعتراض على هذا الجواب الرابع بأن الكف على الزنا مثلا وإذا كان فعلا يغاير الزنا كان ضدا له ويكون حينئذ أخص من مطلق ضده فلا يحسن.\nأولا: هناك ثلاثة أمور الانتفاء والكف وفعل الضد لان الكف حينئذ فعل ضد والمغايرة بينهما مغايرة العام والخاص أو يقال الكف اعم لان كل فعل غاير الزنا فقد اشتمل على الكف عن الزنا أو يقال هما متباينان وإذا لم يثبت انهما متباينان وكانت مغايرتهما مغايرة العام والخاص انقدح الاعتراض على هذا الجواب.\nثانيا: بأنهم في تلك المسألة قالوا النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده والكف الذي جعل مطلوب النهي في هذه المسألة يصدق عليه انه أحد الأضداد فحصل الأمر انهم قالوا هناك المطلوب واحد بهم من أمور متعددة وهي الاضطهاد وهنا شخصوه في الكف المسؤول الجواب عن هذا كله والمسؤول ايضا النظر في وجه الصواب في مسألة أبى هاشم هل هو معه أو مع الجماهير فكتب احسن إليه ما نصه الخلاف بين الجمهور وأبى هاشم فالجمهور على المطلوب بالنهي فعل عند المنهي عنه وعند أبى هاشم نفس ان لا يفعل وما يضمنه آخر السؤال هل الصواب معه أو مع الجماهير فالجواب ان قول الجمهور المطلوب بالنهي فعل ضد النهى عنه ليس بجيد من حيث اللفظ وقد يكونه الخلل في ذلك من جهة من عبر عنهم فإن النهي قسيم الأمر طلب الفعل فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرا وكان النهي من الأمر وقسم الشيء لا يكون قسيما منه ولا شك ان كل متلبس بفعل هو تارك لضده وكل من الفعلين الفعل والترك يصح ان يؤمر به وان ينهي عنده مثاله السفر والإقامة ضدان والتارك للسفر متلبسين بالإقامة قبل الترك للسفر نفس الإقامة أو معنى آخر فيه بحيث يشبه البحث في الحركة هل هي الحصول في حيز مسبوق بالحصول في غيره أو هي نفس لانتقال من حين إلى حين وفيه قولان للمتكلمين","vol":"2","page":75},{"text":"وإن كان كل منهما يلزم الآخر فمتى انتقل من حيز فقد حصل في غيره ومتى حصل في غيره بعد حصوله فيه فقد انتقل بكل من المحصولين أمر ثبوتي يمكن ان يعقل وحده والانتقال أمر نسبي لا يعقل بينهما فكذلك المنهي عنه ارتكابه شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره وفعل ضده شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره والانتهاء شيء.\nثالثا: وهو عندي هو المطلوب بالنهي لا كما قاله الجمهور ولا كما قاله أبو هاشم وعندي ان الجمهور إنما أرادوا ما قلته ولكن العبارة عنهم لم نحرر فإذا قلت لا تسافر فقد نهيته عن السفر وانهي يقتضي الانتهاء لأنه مطاوعة نقول نهيته فانتهى والانتهاء هو الانصراف عن المنهى عنه وهو الترك وهو الإنزجار المطاوع لزجر والإنكفاف وما أشبه ذلك ولغة العرب تشهد لهذا والمعقول ايضا يشهد له ويفرق في العقل وفي اللغة بين قولنا لا تسافر وبين قولنا أقم وإن أقم أمر بالإقامة من حيث هي فقد لا يستحضر معها السفر وان لا تسافر نهي وزجر عن السفر فمن أقام قاصدا ترك السفر يقال فيه انتهى عن السفر ومن لم يخطر له السفر بالكلية الا يقال له انتهى عن السفر لا ويقال له مقيم والانتهاء أمر معقول وهو فعل ويصح التكليف به وكذلك في جميع المناهي الشرعية كالزنا والسرقة الشرب ونحوها المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الزوائل ولا يفهم في وضع اللسان وتصور العقل غير ذلك ومن لازم ذلك الانتهاء التلبس بفعل ضد أضداد المنهي عنه فالعبارة المحررة ان يقال ان المطلوب بالنهي الانتهاء ويلزم من الانتهاء فعل ضد المنهي عنه ولا يعكس فيقال المطلوب ضد المنهي عنه ويلزم به الانتهاء متقدم في الرتبة في العقل على فعل الضد فكان معه كالسبب مع المسبب فالكافر إذا اسلم فقد وجد منه ثلاثة أشياء كفره أولا المنهى عنه ثم انتهاؤه عنه والترتيب بينهما في الزمان تم تلبسه بالإيمان الترتيب بينه وبين الانتهاء عن الكفر ليس في الزمان وانما هو في الرتبة ترتب المعلولية على العلية وهما في زمان واحد كذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد والانتهاء متقدم بالرتبة نقسم العلية عن المعلولية على العلية وهما في زمان واحد كذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد والانتهاء متقدم","vol":"2","page":76},{"text":"بالرتبة تقدم العلية عن المعلولية حتى لو فرض ان الانتهاء يحصل دون فعل الضد حصل المطلوب به ولم يكن حاجة إلى فعل الضد لكن ذلك فرض غير ممكن وهذا المعنى حاصل في الأفعال وكل ما يتلبس به الإنسان والمقصود بالذات هو الانتهاء واما فعل الضد فلا يقصد الا بالالتزام بل قد لا يقصد أصلا ولا يستحضره المتكلم ومتى قصد فعل الضد وطلبه من حيث هو كان أمرا لا نهيا عن ضده ومتى أتى بصيغة أمر في مبنى الانتهاء كقوله اترك فهذا لفظه لفظ أمر ومعناه معنى النهي وبينهما فرق وهو انا قلنا ان الانتهاء له طرفان.\nأحدهما: من جانب المنهي عنه.\nوالثاني: من جانب ضده الذي به يحصل الانتهاء فقوله لا نفعل جانب المنهي عنه أقوى وقوله اترك الجانب الآخر فيه أقوى ولا مانع أن يترجح أحد الجانبين على الآخر وان كانا جميعا مقصودين أما إذا محض الأمر بهذا الضد أو بذلك فلا نهي البتة وقد لا يستحضر معه الطرفان الآخر فعلى ما قلناه ينبغي أن يجعل كلام الجمهور ومن عبر عنهم بتلك العبارة فإما غير مقابل لمعناها ولها قصده تقريب المعاني إلى الطالب المبتدي فان التعمق في المعاني يضر المبتدي ومن آداب المعلم أن يربي الناس بصغار العلم قبل كباره واما قول أبى هاشم أن المطلوب نفس أن نفعل فهو وان كان يبتدر إلى الذهن في الأول لأن حرف النهي ورد على الفعل فقد طلب منه عدمه لكن نفس أن لا يفعل عدم محض فلا يكلف به ولا يطلب وانما يطلب من المكلف ماله قدرة على تحصيله فلعل مراد أبي هاشم العدم الذي هو من الانتهاء والانتهاء فعل فان أراد ذلك تقارب المذهبان ويكون الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلف به وأبو هاشم نظر إلى المقصود به وهو إعدام دخول النهي عنه في الوجود وان لم يرد أبو هاشم ذلك أراد أن العدم المحض الذي لا صنع للمكلف في تحصيله فهو باطل إذا عرف هذا فقول خارج المحصول أن هذه المسالة لا يشتبه بأن النهي عن الشيء أمر بضده لان الكلام في ذلك لفظي وفي هذه معنوي ليس بجيد أما أولا فلأنه ليس الكلام في تلك لفظيا فقط بل لفظيا ومعنويا وحقيقة","vol":"2","page":77},{"text":"النهي والأثر أمران نفسانيان يعبر عنهما بلفظ الكلام في حقائقهما وأما ثانيا فلان الأمر بالشيء لفظا يقتضي أن المطلوب المعنوي مأمور به على ما قال فيحصل الاشتباه واما الذي قاله القرافي فالوجه الأول صحيح ولكنه لا يفيده بجواب ولا شك أن المتعلق بكسر اللام غير المتعلق بفتحها والفرق بينهما صوري ولا يلزم منه عدم تداخل إحدى المسالتين في الأخرى.\nوأما الوجه الثاني: فقوله أن النهي عن الشيء أمر بضده التزاما صحيح وقوله المطلوب بالنهي فعل الضد مطابقة ليس بصحيح لما قدمناه لكنه موافق لظاهر كلام الأصوليين فحينئذ هذا الجواب الثاني من كلام القرافي ينبغي أن يكون هو العمدة عل ظاهر كلام الأصوليين لكنا لا نوافق عليه لما قدمناه فالمختار عنده في المسألتين أن الكلام في الالتزام لا في المطابقة وحينئذ نقول وأقدم على زيادة في بيان ما كنا فيه أن النفي له في اللغة معنيان.\nأحدهما: فعل الفاعل النفي تقول نفيت الشيء فانتفى وهذا هو اظهر المعنيين.\nالثاني: نفس الإعفاء تقول: نفي الشيء هكذا سمع من اللغة وعلى هذا المعنى الثاني يكون النفي والإثبات نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ويكون المراد بالإثبات الثبوت كما أن المراد بالنفي الانتفاء واما إذا أردت بالنفي نفيك الشيء وبالإثبات إثباتك له فيكونان ضدين لا نقيضين لأن قد لا تنفى ولا تثبت وهذا البحث ليس مما نحن فيه ولكنه يحتاج إلى تصوره بحث آخر منه وهو العدم تارة يكون عنده الشيء في نفسه من حيث هو هو من غير نظر إلى معدم وتارة يكون عدما غير والعدمان في حقيقتهما سواء ولكن الأول بلا فاعل والثاني بفاعل وفعل ضده كذلك فأبو هاشم يرى ان المطلوب بالنهي الأول والجمهور يرون ان المطلوب بالنهي الثاني والحق معهم لأنه الذي يصح به التكليف فالعدم من حيث هو أمر وعدم الزنا من حيث هو أخص منه ولا فعل معه البته وهو الذي يقول أبو هاشم انه مطلوب وعدم الزنا بفعل فاعل وهو كف النفس عنه شيء ثالث أخص من الثاني أي هو أخص من الأول وفيه أمران","vol":"2","page":78},{"text":"أحدهما: طرف العدم.\nوالثاني: طرف الفعل المحصل له وهو من الطرف الأول ليس بشيء لانه عدم ولا يكلف به من الطرف الثاني ثبوت لذلك اطلقنا في كلامنا عليه اسم الشيء فيصح التكليف به وهو مراد الجمهور وفعل الفاعل من حيث هو مع قطع النظر عن العدم الحاصل به أمر رابع وهو أمر وجودي لا عدم معه وهو الذي يراد غالبا بالضد فهذا هو المراد بقولنا الامر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد اضداده وإذا علمت هذه الاربعة فاعتبرها تجدها في سائر الأمور فكل أمر لك إقبال عليه وانصراف عنه وتلبس بفعل غيره وفي الانصراف عنه نسبتان والامام فخر الدين لما كان يرى ان الحركة هي الحصول في الخبر الثاني لاجرام قال ان المطلوب بالنهي فعل ضده ونخن نرى ان الحركة هي الانتقال من الخبر الأول إلى الخبر الثاني لا جرام قلنا ان المطلوب بالنهي الانتهاء وهو الانصراف عن المنهي عنه إلى غيره لا يقصد غيره بل يقصد عدم الأول فإن فعل غيره قاصدا له الانتهاء كان متمثلا وان فعل غير قاصد الانتهاء لم يكن ممتثلا ولكنه لم يأثم لأنه لم يرتكب المنهى والمقصود هنا في الحقيقة إنما هو عدم المنهى عنه ولو كان المقصود ان يضم إلى العدم شيئا آخر لكان من لم يزن ولا قصد الامتثال ولا ونقول عدم الذم بكونه عاملا عن النهي فإنا نعرضه فمن استحضر النهي ولم يفعل المنهى عنه ولا قصد شيئا فإنه لا يذم ولا يحمد وهذا يبين لنا الفرق بين تحريم الشيء وإيجاب الكف عنه فإن إيجاب الكف عنه يقضي أنه لا يخرج عن العهدة إلا بتحصيل الكف الذي من شرطه إقبال النفس عليه ثم كفها عنه وليس كذلك وانما الفعل هو المحرم فلا يأثم الا به وقد أطلنا في ذلك فلنرجع إلى غرضنا ونقول قولهم المطلوب بالنهي فعل ضد المنهى عنه مرادهم به الضد العام وهو الانتهاء الحاصل بواحد من اضداده المنهى عنه وقولهم النهي عن الشيء أمر بضده قد بينوا انه بطريق الالتزام مرادهم به الضد الخاص وهو أحد الأضداد الذي يحصل الانتهاء به وبغيره فان أرادوا الضد العام لزم من كل من المسألتين الأخرى لكنه لا يكون تكرارا فلا يكون مسألة واحدة بل هما","vol":"2","page":79},{"text":"مسألتان وان لزم من معرفة حكم إحداهما معرفة حكم الأخرى فلا يضرنا ذلك وانما يحسن السؤال لو كانوا وضعوا مسألة ان النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أو لا وليس ذلك في المحصول وانما في المحصول ان الامر بالشيء هل هو نهي عن ضده وتكلم غيره في النهي عن الشيء وهل هو أمر بضده فلو جعلنا مسألتين مترجما عنهما ربما كان يرد السؤال ولكنا نعمل لذلك بل نبهنا على هذا في أثناء مسألة ولا مانع ان ننبه في أثناء مسالة على ما تضمنه مسألة أخرى ولا يقال انهما مسالة واحدة متكررة والحاصل انه ان أريد بالضد الضد العام فالكف والانتفاء ضد عام فيلزم مع إحدى المسألتين الأخرى ولكن الإمام لم يضعها مسألتين فلا سؤال عليه وهذا التقرير هو الحق وان أريد بالضد الخامس فيصح ما قاله السائل في قوله هل يمكن أن يقال إلى آخره والحق المراد بالضد الضد العام فر يمكن ان يقال وانما الجواب ما قاله القرافي في الوجه الثاني من كلامه مع ما فيه مما قدمناه وأما القول إن نفس النهي عن الشيء نفس الامر بضده فهو قول ضعيف وقول السائل إنه يتلخص قول الثالث ان مقصود النهي فعل ضد ليس بكف ولا انتفاء عجيب لان الكف أو الانتفاء أعم فكيف يوجد الأخص بدونه وتصحيح كلام السائل في ذلك ان يقول ليس بكف فقط وانتفاء فقط والله اعلم.\nهذا آخر ما ذكره والدي أيده الله ولا ينبغي ان يمل التطويل في هذه المسالة ففيه من الفوائد ما لا يوجد في سواه.","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المسألة الرابعة: أقسام النهي</span>\n...\nقال: الرابعة النهي عن أشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين أو عن الجميع كالزنا والسرقة.\nالنهي عن متعدد ولا أقول عن أشياء لأنها جمع قلة ثلاثة والمثال الذي أورده في اثنين إما أن يكون نهيا عن الجمع اعني الهيئة الاجتماعية دون المفرد ان على سبيل الانفراد كالنهي عن نكاح الأختين وكالحرام المخبر عند الأشاعرة فانه يجوز عندنا أن يحرم واحد لا يعنيه وخالفت المعتزلة وأما","vol":"2","page":80},{"text":"عكسه ولم يذكره في الكتاب ولا رأيت من ذكره ومثاله ما جاء في الحديث الصحيح من النهي أن يلبس نعلا واحدا بل أما ان يلبس نعلين أو ينزعهما فهذا نهي عن كل فرد يفيد عدم الاحتجاج واما ان يكون نهيا عن الجمع أي عن كل واحد سواء كان مع صاحبه ومنفردا وذلك كالزنا والسرقة والله اعلم.","vol":"2","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الباب الثالث في العموم والخصوص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الفصل الأول: في العموم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>تعريف العام</span>\n...\nالباب الثالث: في العموم الخصوص\nالفصل الأول في العموم. العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد وفيه فصول الفصل الأول في العموم العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد.\nنفتح الباب بعد حمد الله تعالى بمقدمات ثم نلتفت إلى ما ذكره.\nالمقدمة الأولى: العموم هو لغة الشمول وهو من عوارض الألفاظ حقيقة بلا خلاف وأما المعاني فأتوا وأبعدها انه لا يصدق عليها لا حقيقة ولا مجازا وثانيها أنه يصدق عليها مجازا وهو المختار ونقله الآمدي عن الأكثرين واختاره وثالثها وصححه ابن الحاجب ان يصدق عليها حقيقة أيضا واحتج الأكثرون بأنه لو كان حقيقة لاطرد لكنه غير مطرد بدليل المعاني الخاصة الواقعة في امتداد الإشارة إليها كزيد وعمر فإنها لا توصف بحقيقة ولا مجاز واحتج من قال يصدق عليه حقيقة بأن العموم هو شمول أمر واحد لمتعدد وذلك موجود بعينه في المعنى نقول نظر عام وحاجة عامة وعم المطر الأرض والأمير بالعطايا والاصل في الاطلاق الحقيقة وأجيب بأن من لوازم العام ان يكون متحدا.\nويكون مع اتحاده يتناول أمورا متعددة من جهة واحدة والعطاء الخاص لكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها وكذلك الكلام في النظر العام والحاجة العامة وغاية الأمر تعارض الاشتراك والمجاز أولى من الاشتراك لما مر.","vol":"2","page":82},{"text":"المقدمة الثانية: اصطلحوا على ان المعنى يقال له اعم وأخص واللفظ يقال له: عام وخاص ووجه المناسبة ان اعم صيغة افعل التفضيل والمعاني افضل من الألفاظ فخصت بصيغة افعل التفضيل قال القرافي ومنهم من يقول فيهما عام وخاص ايضا.\nالمقدمة الثالثة: مدلول العموم كلية لا كل ولا كلي وبيان يتوقف على معرفة الكل والكلي والكلية الجزء الجزئية أما الكل فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد والحكم فيه كالخمسة مع العشرة فالجزء بعض الكل.\nكقولنا: كل رجل يحمل الصخرة فهذا صادق.\nوأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون وان شئت قلت القدر المشترك بين جميع الأفراد كمفهوم الحيوان في أنواعه والإنسان في أنواعه فان الحيوان صادق على جميع أفراده ويقابله الجزئي كزيد وحاصله ان الكلي مع قيد زائد وهو تشخيصه فلك ان تقول: الكلي بعض الجزئي.\nوأما الكلية: فهي التي يكون الحكم فيها على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد مثل قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالبا فإنه يصدق باعتبار الكلية أي كل رجل على حدته يشبعه رغيفان غالبا ولا يصدق باعتبار الكل أي المجموع من حيث هو مجموع فانه لا يكفيه رغيفان ولا قناطير عديدة لأن الكل والكلية يتدرج فيهما الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة وجميع ما في مادة الإمكان وانما الفرق بينهما ان الكل يصدق من حيث المجموع والكلية يصدق من حيث الجميع وفرق بين المجموع والجميع فإن المجموع الحكم على الهيئة الاجتماعية لا على الأفراد والجميع الحكم على كل فرد فرد ويقابلها الجزئية وهي الحكم على أفراد حقيقة من غير تعيين كقولك بعض الحيوان إنسان فالجزئية بعض الكلية إذا عرفت ذلك فمسمى العموم كلية لا كل وإلا لتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده.","vol":"2","page":83},{"text":"كما عرفت فلا يصح الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي الا إذا كان معناه الكلية التي يحكم فيها على كل فرد بحيث لا يبقى فرد كما عرفت وحينئذ يستدل بها على أي فرد شئنا من الأفراد في النفي والنهي فإنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي والنهي لا في الامر وحين الثبوت فمدلول العموم كلية لا كل لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به اجماعا فإن قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ دال على تحريم قتل فرد من أفراد النفوس بالاجماع وليس معناه ولا تقتلوا مجموع النفوس وإلا لم يدل على كل فرد فرد فلا يكون عاصيا بقتل الواحد ألانه لم يقتل المجموع إذا تقرر هذا فهنا سؤال قوي شغف به الشيخ أبو العباس القرافي وهو ان دلالة العموم على كل فرد من أفراده نحو زيد المشترك مثلا من المشتركين.\nلا يمكن ان يكون بالمطابقة ولا بالتضمين ولا بالالتزام وإذا بطل ان يدل لفظ العموم على زيد مطابقة وتضمنا والتزاما بطل ان يدل لفظ العموم مطلقا لانحصار الدلالة في الاقسام الثلاثة إنما قلنا لا يدل عليه بطريق المطابقة لأنها دلالة اللفظ على مسماه بكماله ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون الدلالة عليه مطابقة.\nوإنما قلنا: لا يدل بالالتزام لان الدلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لا بد وان يكون خارجا عن المسمى وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم لأنه لو خرج لخرج عمرو وخالد وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء فدل على انه لا يدل بالمطابقة ولا الالتزام وانما قلنا لا يدل بالتضمي لان دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يصدق إذا كان المسمى كلا لأنه مقابلة ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما عرفت فلا يكون زيد جزءه فلا يدل عليه تضمنا.\nفتبين بطلان دلالة لفظ العموم على زيد بشيء من هذه الثلالة والدلالات القاصرة فيها تبطل ان يدل لفظ العموم مطلقا وقد سار هذا السؤال غورا ونجدا ولم أر من أجاب عنه الا الشيخ شمس الدين الاصفهاني في شرح المحصول","vol":"2","page":84},{"text":"فقال: أنا حيث قلنا إن اللفظ إما أن يكون دالا بالمطابقة والتضمن أو الالتزام فذلك في لفظ مفرد دال على معنى ليس ذلك المعنى هو نسبة بين مفردين.\nوذلك لإثباتي ههنا فلا ينبغي أن يطلب ذلك.\nوإذا عرفت هذا فاعلم أن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ في قوة جملة من القضايا وذلك لأن مدلوله اقتل هذا المشرك واقتل هذا المشرك إلى آخر الأفراد وهذه الصيغ إذا اعتبرت بجملتها فهي لا تدل على قتل زيد المشرك ولكنها تتضمن ما يدل على قتل زيد المشرك لا بخصوص كونه زيدا بل بعموم كونه فردا ضرورة تضمنه لقتل زيد المشرك فان من جملة هذه القضايا وهي جزء من مجموع تلك القضايا فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين قتل زيد المشرك لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال على ذلك مطابقة قال فافهم ذلك فانه من دقيق الكلام وليس ذلك من قبيل دلالة التضمن بل هو من قبيل دلالة المطابقة.\nفائدة: إذا ثبت ان مدلول صيغ العموم كلية لا كل فافهم ذلك في الضمائر بأسرها وصيغ المجموع النكرات فإذا قال السيد لعبيده لا تخرجوا ليس المراد لا يخرج كلكم من حيث هو كل بل المراد بهذه الواو التي هي ضمير في اخرجوا كل واحد على حالة وكذلك الخبر بالنفي مثل لا اغضب عليكم فالمراد ثبوت الحكم لكل فرد مما دلت عليه هذه الكاف وكذلك جموع النكرات فإذا قال لأكرمن رجالا اليوم فالمراد أكراما كل واحد واحد مما دل عليه رجال ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي على كل واحد واحد بنفسه وليس المراد المجموع وإذا تقرر ذلك فنقول إذا قال القائل اقتلوا زيدا فقد أمر كل فرد فرد بقتل زيد لأن في اقتلوا ضميرا يعود على كل فرد فرد كما قلناه وإذا عرفت هذا فهنا سؤال وتقريره في قوله مثلا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ عموما احدهما في المشركين.\nوالثاني: في المأمورين بقتلهم ودلالة العموم كلية كما عرفت فيكون أمر كل فرد من المؤمنين بقتل كل فرد من المشركين والفرد الواحد لا يقدر ان يقتل كل","vol":"2","page":85},{"text":"فرد من المشركين فيكون ذلك تكليفا بالمستحيل وهو غير واقع وقد قال الاصفهاني شارح المحصول في جوابه ان هذا وان كان ظاهر اللفظ الا ان العقل دل على خلافه فيحمل على الممكن دون المستحيل قال والدي أيده الله وعندي ان السؤال لا يستحق جوابا لان الفرد الواحد من المسلمين يقدر ان يقتل جميع المشركين.\nالمقدمة الرابعة: المتأخرون أو من قال منهم زعموا ان العام في الأشخاص مطلق باعتبار الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلقات وقالوا لا يدخلها العموم الا بصيغة وضعت لها فإذا قال اقتلو المشركين عم كل مشرك بحيث لا ينفي فرد ولا يعم الأحوال حتى يقتل في حال الهدنة والذمة ولا خصوص المكان حتى يدل على المشركين في ارض الهند مثلا ولا الزمان حتى يدل على يوم السبت أو الأحد مثلا وقد شغف الشيخ أبو العباس القرافي بهذا البحث وظن انه يلزم من هذه القاعدة انه لا يعمل بجميع العمومات في هذا الزمان لأنه قد عمل بها في زمان ما والمطلق يخرج عن عهدته بالعمل به في صورة وقد وافق على هذه القاعدة الآمدي فانه قال في الكلام على قول الصحابي هل هو حجة جوابا عن الاحتجاج بقوله ﵇: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ما نصه الخبر الأول يعني هذا وان كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاهتداء به في كل ما يقتدي فيه انتهى وردها جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العمدة واستدل بحديث أبي أيوب لما قدم الشام فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة على ان أبا أيوب وهو من أهل اللسان والشرح فهم المعموم في الأمكنة يعني فيكون العام في الأشخاص عاما في الأمكنة على خلاف ما قرره القرافي وهذا هو الذي اقتضاه كلام الإمام فانه قال في كتاب القياس جوابا عن سؤال سائل قلنا لما كان أمرا بجميع الاقيسة كان متناولا لا محالة لجميع الأوقات والأقدح ذلك في كونه متناولا لجميع الاقيسة وقد وقع لي مرة في التمسك لردها بحديث ابن المعلى حيث دعاه النبي ﷺ وهو في الصلاة فلم يجبه فقال ﵊: \"ألم يقل الله\" الحديث فقد جعله ﷺ عاما في الأحوال لأنه احتج عليه بالآخر هو في حالة","vol":"2","page":86},{"text":"الصلاة لكن ظهر لي الآن ان العموم في الأحوال إنما جاء في هذه الآية من صيغة إذا فإنها ظرف والأمر معلق بها وهي شرط ايضا والمعلق على شرط يقتضي التكرار والظرف يشمل جميع الأوقات ويلزمها الأحوال وقررت مرة أخرى ان هذه القاعدة إنما تنقدح في سياق الإثبات كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لا فيما إذا كان فعلا في سياق النفي كما لو قيل لا نقتل مسلما فإن الفعل يدل على الزمان إذ هو أحد جزئيه وقد دخل عليه حرف النفي فعمم كل زمان فصار العام في الأشخاص في سياق النفي عاما في الأزمان لأن حكم الفعل حكم النكرة وهي في سياق النفي للعموم والذي نقوله الآن في هذه القاعدة أنها حق لا سبيل إلى المصادمة بمنعها ولكن ما جعله القرافي لازما عليها غير مسلم له وذلك لان المقصود ان العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع بمعنى انه إذا عمل به في الأشخاص في حالة ما في زمان ما في مكان ما لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة أخرى أما في أشخاص أخر فيعمل به لأنه لو لم يعمل به لزم التخصيص في الأشخاص فالتوفية بعموم الأشخاص ان لا يبقى شخص ما في أي زمان ومكان وحال الا حكم عليه والتوفيه بإطلاق ان لا يتكرر ذلك الحكم فكل زان يجلد إذا جلدناه لا نجلده مرة ثانية في مكان آخر أو زمان آخر أو حالة أخرى الا إذا زنا مرة أخرى لان تكرر جلده لا دليل عليه والفصل مطلق هذا ما قرره الإمام الجليل علاء الدين الباجي ونقله عنه والدي أطال الله بقاءه في كتابه أحكام كل وهو من انفس مختصراته.\nقال وقال الباجي هذا معنى القاعدة وبه يظهر ان لا إشكال عليها ولم يلزم من الاطلاق في شيء منع التعميم في غيره قلت وغالب ظني أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام ذكر هذا التقرير بعينه ثم قال الشيخ الإمام والدي أيده الله وقد يعترض على هذا التقرير بان عدم تكرار الجلد مثلا معلوم من كون الامر لا يقتضي التكرار وبان المطلق هو الحكم والعام هو المحكوم عليه وهما غير ان فلا يصلح ان يكون ذلك تأويلا لقولهم العام مطلق قال فينبغي ان يهذب هذا الجواب ويجعل العموم والإطلاق في لفظ واحد بأن يقال المحكوم عليه هو الزاني مثلا أو المشرك فيه أمران.","vol":"2","page":87},{"text":"أحدهما: الشخص.\nوالثاني: الصفة كالزنا مثلا وأداة العموم لما دخلت عليه أفادت عموم الشخص لا عموم الصفة والصفة باقية على إطلاقها فهذا معنى قولهم العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع أي كل شخص حصل منه مطلق زنا حد وكل شخص حصل منه مطلق شرك قتل بشرطه ورجع العموم والاطلاق إلى لفظة واحدة باعتباره مدلوليها من الصفة والشخص المتصف بها فافهم ذلك ثم انه مع هذا لا نقول كون الصفة مطلقة يحمل على بعض مسماها لأنه يلزم منه إخراج بعض الأشخاص نعم لو حصل استغراق الأشخاص لم يحافظ مع ذلك على عموم الصفة لا طلاقها وهكذا الحديث الذي تمسك به الشيخ تقي الدين وهو قوله ﷺ: \"لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول\" الاستقبال مطلق وبدخول النهي عليه صار عاما فكل استقبال منهي عنه والاستقبال في الشام أو غيره لو أخرج لبطل العموم فأدرجه في النهي من جهة إرادة العموم لا من جهة عموم موضوعه.\nالمقدمة الخامسة: اتفقت النحاة على ان أربع صيغ من جموع التكسير وان جموع السلامة مذكرا كان أو مؤنثا للعلة وهي العشرة فما دونها وهي التي يجمعها قول الشاعر:\nبأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد\nوسالم الجمع أيضا داخل معها ... فهذه الخمس فاحفظها ولا تزد\nنحو أفلس وأحمال وأرغفة وصبية ومسلمين ومسلمات.\nواتفق الأصوليون القائلون بالعموم وهم اكثر حملة الشريعة على ان صيغة المشركين وما شابهها للعموم وكذلك الأحمال والأرغفة فقد يقال هذان فرقتان عظيمتان تنقل عن العرب وكل واحدة نقلت عكس ما نقلته الأخرى فأين العموم الذي هو غير متناهي الأفراد من العشرة فما دونها ولا سبيل إلى تكذيب كل واحدة من هاتين الفرقتين العظيمتين فما وجه الجمع بين كلاميهما والجواب ما ذكره امام الحرمين وقال انه الذي استقر عليه نظره في","vol":"2","page":88},{"text":"محاولة الجمع بين مسالك الأئمة في ذلك وهو ان قول النحاة إنها للعشرة فما دونها إنما هو فيما إذا كان الجمع منكرا نحو مشركين وأحمال ونقل الاصوليين إنما هو حال التعريف بالألف واللام فإنه حينئذ يعم كل جمع وذلك بمنزلة رجل المنكر فإنه للواحد من بني آدم وبالتعريف يعم كل فرد واما الجمع حال التنكير فلا يقول فيه بالتعميم الا من شذ كالجبائي أو ممن حمل المشترك على معنييه وجعل ذلك من باب العموم فالسؤال عليه منقدح يحتاج إلى جواب.\nولقائل ان يقول: الفقهاء على أن من أقر بدراهم قبل منه تفسيرها بثلاثة وهي جمع كثرة واقله باتفاق النحاة أحد عشر فما الجمع بين الكلامين اللهم الا ان يدعي الفقيه ان العرف شاع في إطلاق دراهم على ثلاثة واشتهر فصار حقيقة عرفية وهي مقدمة على اللغوية ولا يكفيه ان يقول إطلاق جمع الكثرة على القلة يصح مجازا والاصل برآة عما زاد فقبلناه تفسيره بثلاثة لذلك لانا نقول لا يقبل من اللافظ بحقائق الالفاظ في الأقارير التفسير بالمجاز الا ترى ان من أقر بأفلس لا يقبل منه التفسير بفلس واحد وإن صح إطلاق الجمع على الواحد مجازا.\nالمقدمة السادسة: دلالة العموم قطعية عند جماعة وظنية عند آخرين.\nواشتهر قول الشافعي: إنها ظنية.\nوقال إمام الحرمين: في أوائل العموم الذي صح عندي من مذهب الشافعي ان الصيغ العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق وانما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة وكذلك ذكر الكيال في تعليقه في الأصول وقد نجز ما قصدنا إيراده من المقدمات فلنلتفت إلى شرح الحد الذي اورده في الكتاب فنقول قوله لفظ جنس ويؤخذ من التعبير به ان العموم عنده من عوارض الالفاظ فقط.\nفإن قلت: فقد نص بعد ذلك على جواز تخصيص العلة والمفهوم والتخصيص فرع العموم.","vol":"2","page":89},{"text":"قلت: أجاب الإسفرايني شارح الكتاب بأنه أطلق العموم هناك على سبيل المجاز وكلامه هنا في مدلوله الحقيقي وقوله يستغرق فصل يخرج به النكرة في سياق الاثبات سواء كانت مفردة كرجل أو مثناة كرجلين أو مجموعة كرجال أو عددا لخمسة فإنها لا تستغرق جميع ما يصلح له وانما تتناوله على سبيل البدل قلنا عمومان عموم استغراق وهو الذي تتكلم في تعريفه وعموم بدل كما ذكرناه يصدق على كل واحد بطريق البدلية وخرج بهذا الفصل ايضا المطلق فإنه لا يدل على شيء من الأفراد فضلا عن ان يستغرقها وقوله جميع ما يصلح له احترازا عن ما لا يصلح فإن عدم استغراق ما لمن يعقل إنما هو لعدم صلاحيتها له اعني لعدم صدقها عليه وقوله بوضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك وماله حقيقة ومجاز وتقرير ذلك ان العين وضعت مرة للباصرة وأخرى للذهب فهي صالحة لهما فإذا قال رأيت العيون وأراد الباصرة دون الذهب أو عكسه فإنها لم تستغرق جميع ما يصلح لها مع كونها عامة لان الشرط هو استغراق الأفراد الخاصة من شخص واحد وقد وجدوا الذي لم يدخل فيها هو افراد وضع آخر فلا يضر وما له حقيقة ومجاز يعمل فيه هذا العمل فالمقصود بهذا القيد إدخال بعض الأفراد فالإخراج هكذا قرره الاسفرايني شارح هذا الكتاب وهو تقرير حسن اجتنب غيره هذا شرح الحد وقد أورد عليه أمورا:\nأحدها: انه اخذ فيه لفظه جميع وكذلك لفظة ما وهما من جملة المعرف واخذ المعرف قيدا في المعرف باطل أورده الاصفهاني وادعى ان جوابه متعذر.\nوالثاني: ان الاستغراق هو العموم والمستغرق والعام لفظان مترادفان فلا يحصل بما ذكره الا تعريف لفظي وهو تبديل لفظ بلفظ آخر وليس ذلك بتعريف حقيقي لا حدى ولا رسمي واجيب عنه بانا لا نسلم ترادف العموم والاستغراق فان العموم لغة هو الشمول والشمول والاستغراق غير مترادفين وان اشتركا في بعض اللوازم سلمنا لكن يجوز تعريف العام المصطلح عليه بالمستغرق اللغوي وحينئذ فهما غير مترادفين لان الكلام في معنى المستغرق","vol":"2","page":90},{"text":"لغة وفي معنى العام اصطلاحا.\nوالثالث: انه ينتقض بالفعل الذي ذكر معه مفعولا به كقولنا ضرب زيد عمرا فإنه لفظ يستغرق جميع ما يصلح له وليس بعام وهذا ضعيف جدا لأنه لم يستغرق جميع ما يصلح له إذ ليس شاملا لجميع أنواع الضرب الصادر من زيد الواقع على عمرو وانما دل على مطلق صدور ضرب من زيد ووقوعه على عمرو.\nوالرابع: انه ينتقض بأسماء الأعداد لان لفظ المئة لفظ مستغرق لجميع ما يصلح وهو أفراد العدد وليس بعام.\nواجيب عنه بأن قولنا ما يصلح له يدفعه فان لفظ المائة لا يتناول الا بعض ما صلح له وهو المئة الواحدة ليس متناولا لكل واحدا من أفراد المئتين على سبيل الاستغراق.\nوالخامس: ان مراده بقوله المستغرق لفظ العموم بلا شك وهو غير جائز لان لفظ العموم لا يصلح لواحد واحد من آحاده فانه لم يوضع لواحد ولا لاثنين وانما يصلح للجميع أورده النقشواني قال الاصفهاني وهو مندفع بتفسير الصلاحية فمن أورده لم يفهم معناها فانه ليس المراد بالصلاحية الا ان الرجال يصلح لأفراد هذا الصنف ولا يصلح لغيرهم والله اعلم.","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>المسألة الأولى: الفرق بين العام وما يشاركه في الجنس</span>\n...\nقال: وفيه مسائل: الأولى: أن لكل شيء حقيقة هو بها هو فالدال عليها المطلق وعليها بوحدة معينة المعرفة وغير معينة النكرة ومع وحدات معدودة العدد مع كل جزئيها العام.\nهذه المسالة في الفرق بين العام والمطلق والنكرة والمعرفة والعدد فنقول لكل شيء حقيقة بها هو وهو تلك الحقيقة مغايرة لكل ما عداها من الأمور اللازمة لها والمفارقة كالإنسانية فإنها من حيث هي حقيقة مغايرة للوحدة والكثرة وإن لم تنقل عن أحدهما إذا عرفت هذا فاللفظ الدال على تلك الحقيقة","vol":"2","page":91},{"text":"من حيث هي من غير اعتبار من عارض عوارضها هو المطلق كقولنا الرجل خير من المرأة والدال على تلك الحقيقة مع وحدة معينة شخصية أو نوعية أو جنسية المعرفة والدال عليها مع وحدة غير معينة النكرة مثل رأيت رجلا والدال عليها مع وحدات أي مع كثرة أما ان تكون تلك الكثرة معدودة أي محصورة أولا فان كانت محصورة فهي العدد كمائة وعشرة وان لم تكن معدودة بل استوعبت جميع جزئيات تلك الحقيقة فهو العام كالرجال والمسلمين وقد عرفت من هذا التقسيم الفرق بين المطلق والنكرة ومن الناس من زعم انه لا فرق بينهما وعليه جرى الآمدي وهذا التقسيم فيه مناقشات.\nأحدها: أنه غير حاصل وذلك لان الماهية على ثلاثة أقسام ماهية بلا شرط شيء وهي المطلقة وماهية الشرط لا شيء وهي المجردة عن جميع الأعراض واللواحق كالوحدة والكثرة وغيرهما والتقسيم المذكور لا يشمل إلا الماهية المطلقة وأهمل الآخرتين.\nوالثاني: أنه يقتضي وقوع التماثل بين العدد والمعرفة والعام أي لا يصدق احدهما على الآخر لأن هذا شأن التقسيم وليس كذلك فان العام قد يكون معرفة كالرجالة وقد يكون نكرة نحو كل رجل والعدد قد يكون معرفة نحو الخمسة أو نكرة كخمسة.\nالثالث: انه اعتبر الوحدة في مدلول المعرفة ومدلول النكرة وذلك يوجب خروج نحو الرجلين والرجال عن حد المعرفة لأنه اعتبر الأحدة فيها وهذا متعدد وهو باطل ويوجب خروج نحو رجلين ورجال عن حد النكرة وهو باطل.","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المسألة الثانية: في أقسام العام</span>\n...\nقال الثانية: العموم إما لغة بنفسه كأي للكل ومن للعالمين وما لغيرهم وأين للمكان ومتى للزمان.\nالذي يفيد العموم إما أن يفيده من جهة اللغة أو العرف أو العقل.\nالقسم الأول: المفيد لغة وهو على ضربين لأنه أما ان يدل عليه بنفسه لكونه موضوعا له أو بواسطة اقتران قرينة به الضرب الأول ما يدل عليه بنفسه وهو نوعان لأنه إما أن يكون شاملا للكل أي لجميع المفهومات أو لا يكون.","vol":"2","page":93},{"text":"معرفة نحو هات ما رأيت فيفيد العموم فيما عدا العالمين من الزمان والمكان والجماد والذات وقد تتناول أولى العلم ايضا.\nالثاني: ان يختص عمومه ببعضهم فأما ان يختص بالأمكنة نحو ان تجلس اجلس ومنه حيث وأني أو بالأزمنة متى تقول متى تقم أقم.\nفإن قلت قد جعلتم هذه الصيغ للعموم في الأصول وخالفتم ذلك في الفروع بدليل ان من قال لامرأته متى قمت أو حيث أراني قمت فأنت طالق لا يقع عليه الا واحدة ويقتضي ما قررتم تكرار الوقوع بتكرار القيام كما لو قال كلما قلت ليس من لازم العموم التكرار في كلما فلخصوصية كل لدلالتها على كل فرد فيتعلق به الحكم وليس ذلك في شيء من صيغ العموم غيرها وهنا مهمات نبه عليها والدي ﵀ في كتابه الموضوع في أحكام كل وهو كتاب جليل ونحن نورد هنا مما يتعلق به صيغة الأصول منها ما يتهذب به النظر فتقول أطلق الأصوليون هذه الصيغ وأن مدلولها كل فرد فأما كل فلا يدخل الا على ذي جزئيات وأجزاء ومدلولها في الموضعين الإحاطة بكل فرد من الجزئيات أو الأجزاء أو قد تضاف لفظا إلى نكره مثل: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ١ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ ٢ وقال لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل\nوقال كعب بن زهير:\nكل ابن أنثى وان طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول\nومعنى العموم في هذا القسم كل فرد لا المجموع وكل لا دلالة لها الا على كل فرد وهي نص في كل فرد مما دلت عليه تلك النكرة مفردا كان أو تثنية أو جمعا ويكون الاستغراق للجزئيات بمعنى ان الحكم لكل جزء من جزئيات النكرة وقد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازما كقولنا\n_________\n١ سورة الطور الآية ٥٢.\n٢ سورة الإسراء آية ١٣.","vol":"2","page":94},{"text":"كل مشرك مقتول وقد لا يلزم كقولنا كل رجل يشبعه رغيف وكلا الأمرين ليس من لفظ كل بل يظهر ذلك من معنى الكلام وقد يضاف كل لفظ إلى معرفة لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ١ وقوله ﷺ حكاية عن ربه: \"يا عبادي كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار الا من كسوته فاستكسوني اكسكم\" وكلام اكثر الأصوليين يقتضي ان كلا في هذه الحالة مثلها حالة الإضافة إلى نكرة في الدلالة على كل فرد واقتضى كلام بعض الاصوليين وابن مالك من النحاة ان مدلولها في هذه الحالة المجموع قال الشيخ الإمام والدي أطال الله بقاه والذي يظهر أنها إذا أضيفت إلى معرفة فإن كان مفردا كانت لاستغراق أجزائه ويلزم منه المجموع ولذلك يصدق قولنا كل رمان مأكول ولا يصدق كل الرمان مأكول لدخول قشره وبعبارة أخرى يصدق كل رجل مضروب إذا ضربت كلما واحد ضربا ما ولا يصدق كل الرجل مضروب الا إذا أضربت جميع أجزائه وان كانت المعرفة المضاف إليها جمعا احتمل ان يراد المجموع كما في قولنا كلكم بينكم درهم وان يراد كل فرد كقوله ﷺ: \"كلكم راع\" ولذلك فصله بعد ذلك فقال لسلطان راع والرجل راع والمرأة راعية والاحتمال الثاني: اكثر فيحمل عليه عند الإمكان ولا يعدل الأول الا بقرينة ومن أمثلة بعض الاصوليين كل أعضاء البدن حيوان والمراد المجموع كما في كلكم بينكم درهم وهذا يحتاج إلى سماع من العرب لكن كلام النحو بين منطبق عليه قال ابن السراج يقول ان خيرهم كلهم زيد وان لي قبلكم كلكم خمسين درهما والمراد الجمع لا كل فرد.\nواعلم انك إذا اثبت حكما لجزء أو أجزاء ثم أخذت جملة من تلك الأجزاء أو الجزئيات لا يلزم ان يثبت لها ذلك الحكم بل قد يثبت بحسب ما يدل عليه الدليل إذا أدخلت كلا على ما فيه الألف واللام وأريد الحكم على كل فرد فهل نقول ان الألف واللام هنا يفيد العموم وكل تأكيدها أو أنها هنا لبيان الحقيقة حتى يكون ناسيا كل من الأمرين محتمل قال الشيخ الإمام\n_________\n١ سورة مريم الآية ٩٥.","vol":"2","page":95},{"text":"والدي أعزه الله وقد يقال بأن الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه وكل تفيد العموم في أجزاء كل من المراتب.\nفإذا قلت كل الرجال أفادت الألف واللام استغراق كل مرتبة من مراتب الرجل وأفادت كل استغراق الا آحاد فيصير لكل منهما معنى وهو أولى من التأكيد ومن هنا يظهر أنها لا تدخل على المفرد المعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم.\nفإن قلت: فقوله ﷺ: \"كل ذلك لم يكن\" هل يفيد نفي كل واحد والمجموع.\nقلت قد ظهر لك بما أنه يفيد نفي كل واحد فإن ذلك إشارة إلى المذكور وهو قول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت فالمذكور القصر والنسيان وعاد اسم الإشارة المفرد عليه فيفيد نفي كل واحد لأن دلالة العموم إذا أضيفت كل إلى مفرد نكره أو معرفه نص في واحد لما سبق وههنا التقدير كل المذكور لم يكن وهو مفرد فلذلك لا يحتمل نفي المجموع فقط ولو كان موضعه جمع معرف لاحتمل نفي كل واحد ونفي المجموع وإن كان الأظهر نفي كل واحد لما سبق ونظير ذلك مما يفيد لفي كل واحد قول الشاعر:\nقد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع\nفمدلوله ايضا نفي كل واحد ويعبر عن هذا بعموم السلب عام لكل الأفراد من انه حكم بالسلب على كل فرد وهذا فيما إذا تقدمت كل على النفي واما إذا تقدم النفي على كل كقول المتنبي.\nما كل ما يتمنى المرء يدركه\nوقول الآخر:\nوقولنا: ما جاء كل القوم وما جاء القوم كلهم وليس كل بيع حلالا فإنه لا يفيد العموم وهو المسمى بسلب العموم أي يفيد سلب العموم لا عموم لسلب وذكروا في سببه طرقالم يرتضها والدي الشيخ الإمام واختار طريقا","vol":"2","page":96},{"text":"غيرها قررها في أحكام كل وهي ان قولنا مثلا ما كل ما يتمنى المرء يدركه سالبة محصلة نقيض الموجبة المحصلة والموجبة المحصلة تقتضي العموم فلا يقتضيه نقيضها وكذلك قولك لم يقم كل إنسان سالبة محصلة معناها نقيض لمعنى الموجبة المحصلة وهي قولك قام كل إنسان وقولك قام كل إنسان معناه الحكم على كل فرد بالقيام فيكون المحكوم به في السالبة المحصلة نقيض قيام كل فرد ونقيض الكلي جزئي فيكون مدلوله سلب القيام عن بعضهم لأنه النقيض وهذا بخلاف ما إذا تأخر السلب عن كل كما تقدم من قوله ﷺ: \"كل ذلك لم يكن\". وقول الشاعر: كله لم اصنع، فقد بان الفرق بين سلب العموم وعموم السلب.\nواعلم ان النهي والنفي من واد واحد ومقتضى ذلك ان يطرد حكم النفي في النهي.\nفإذا قلت لا تضرب كل رجل أو كل الرجال يكون النهي عن المجموع لا عن كل واحد ويتعدى هذا إلى سائر صيغ العموم كقولك لا تضرب الرجال الا ان يكون هناك قرينة تقتضي ثبوت النهي لكل فرد الأصوليون قالوا:\nدلالة العموم كلية ولذلك يستدل بها في النفي والنهي وما ذكرناه يرد عليهم.\nقلت: وهذا الذي أوردناه من التفرقة بين تقدم النفي على كل وتأخره عنها هو الذي ذكره البيانيون وارتضاه الشيخ الإمام والدي أيده الله وهو ان كان في غاية الظهور الا ان لقائل ان يقول ما برحت العلماء سلفا وخلفا تستدل بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ ١ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ ٢ ونظائر ذلك على إثبات الحكم لكل فرد ولم يقل أحد ان ذلك نهي عن المجموع وقال\n_________\n١ سورة الأنعام ١٥١، والإسراء آية ٣١.\n٢ سورة الأنعام ١٥١، والإسراء آية ٣٣.","vol":"2","page":97},{"text":"الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ١ والمراد كل واحد وكذلك فإن أصحابنا لو قال والله لأوطئت كل واحدة منكن يكون موليا من كل واحدة ويتعلق بوطء كل واحدة الحنث ولزوم الكفارة وهذا كله يشهد لعدم التفرقة بين النفي وتأخره.\nثم اعلم ان ما قدمناه من انه إذا تقدم النفي على كل لا يدل على الاستغراق شرطه ان لا ينتقض النفي بالا فلو انتقض قبل المحمول فالاستغراق باق كما لو لم يدخل النفي قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية فالمراد ان كل واحد آنيه عبد وان كان النفي متقدما لكن لأجل الاستثناء وسببه ان النفي إنما هو المحمول وتسلطه عليه وما بعد الا لا تسلط للمنفي عليه فما بعد الا مثبت وهو في الاستثناء المفرغ مسند إلى ما قبلها وهو كل فرد كما كان في الجملة.\nقيل: دخول النفي والاستثناء فهذا ما أوردنا إيراده من الكلام على صيغة كل.\nقال الشيخ الإمام ومن لطيف القول فيها أنها للاستغراق سواء كانت للتأكيد أم لا والاستغراق لأجزاء ما دخلت عليه ان كان معرفة ولجزيئاته ان كان نكرة فانك إذا قلت رأيت زيدا كله كانت لاستيعاب أجزائه وكذلك أخذت العشرة كلها.\nوقولك: رأيت كلهم وكلهم قائم وكل القوم ضارب ونحوه من سائر الصور دخولها على المعرفة من هذا القبيل لأنك لو حذفتها لكان الشمول حاصلا فكانت لاستغراق تلك الأفراد التي استغرقها المعرفة كما هي لاستغراق أجزاء العشرة وزيد.\nوإذا قلت: كل رجل قائم وما أشبهه من دخولها على النكرة كانت لاستغراق جزئيات تلك الحقيقة التي أضاف إليه واحد منهما.\n_________\n١ سورة الحديد آية ٢٣.","vol":"2","page":98},{"text":"قلت: وما ذكرناه من التفرقة بين إضافة كل إلى معرفة فيكون لاستغراق أجزاء ما دخلت عليه أضافتها إلى نكرة فيكون لجزيئاته هو ما ذكروه وقرره والدي ﵁ وارتضاه ولمعترض ان يقول: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ ١ والمراد الجزئيات لا الأجزاء وقال ﷺ: \"كل الطلاق واقع الا طلاق المعتوه\" ٢.\nالحديث هذا القول في كل وأما جميع فمثل كل إذا أضيفت إلى معرفة فتكون لإحاطة الأجزاء ومما يستفاد في جميع ان ابن الفارض في كتابه النكت قال جميع وان كانت مثل كل في إفادة الاستغراق الا أنها تفارقها فينا عدا ذلك فان الزجاج حكى عن المبرد ان قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ يفيد وقوع السجود منهم فقط.\nوقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ يفيد انهم سجدوا مجتمعين ويؤيده انه جعل الافتراق في مقابلة في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ٣.\nقلت: والقول بان لفظ جميع بدل على اتحاد الزمن غريب لم أره في غير هذا الكتاب وانما يعرف ذلك في لفظ مجموع واما الألف واللام والموصولات كلها فمثل كل وكذلك من وما الشرطيتان والاستفهاميتان مثل كل ايضا تعم كل فرد وتحيط به.\nهذا ما ذكره والدي في من ولقائل ان يقول من صالحة للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع هذا حظ منها وحظ النحوي منها وحظ الأصولي أنها للعموم فهل العموم في جميع هذه المراتب أو في الآحاد ويظهر فائدة إذا قال من دخل داري من هذين فاعطه درهما.\n_________\n١ سورة آل عمران آية ٩٣.\n٢ ولفظ الحديث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ- قال: \"كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله\".\nقال التلرمذي: لا تعرفه إلا من حديث عطاء بن عجلان وهو ذاهب الحديث وروي بإسناده عن علي مثل ذلك. المغني لابن قدامة ٧/١١٣ – ١١٤ طمكتبة الرياض.\n٣ سورة الحشر آية ١٤.","vol":"2","page":99},{"text":"فان قلنا: بالأول أعطينا كل واحد درهما.\nوان قلنا بالثاني: أعطينا كل واحد درهما بدخوله ونصف درهم بدخوله مع الآخر وان دخل ثلاثة فعلى الثاني نعطيهم ثلاثة بدخول الآحاد كل واحد درهما ودرهما بدخول الثلاثة لكل واحد منه الثلث وثلاثة لان صيغة الأثنينية فيهم ثلاثة فيستحقون بها ثلاثة لكل درهم فمجموع ما يستحقون تسعة وعلى هذا القياس وفيه احتمال آخر وهو انه لا يعطي المجموع الا درهما ومأخذه ان من لا تدل على الإفراد واحدا واحدا وانما تستغرق ما صلحت له.\nوهذا البحث سمعته من والدي ولم يذكره في أحكام كل ولم أره منقولا ولا ملخص عنه فيما يظهر الا ان يقال لا عموم لها الا في مراتب الأفراد لكن الأسبق إلى الفهم أنها عامة فيما يصلح وهو يصلح للأفراد ومجموع الأفراد وان كانوا لا يتناهون ولكل مرتبة من مراتب المثنى والمجموع دون النهاية فليبحث عن ذلك واما أي ومتى ومهما وأين فمدلولها كل فرد لا على سبيل الإحاطة فهي تخالف كلا في هذا المعنى والدليل على ذلك انك تقول أي الرجال عندك أزيد أم عمرو بأم لا بالواو ويقول أكل الرجال عندك زيد وعمر وخالد بالواو ولا بأم فدل على الفرق بين مدلوليها فكل تفيد شمول الحكم لكل ما دخلت عليه وأي لا تقتضيه ومن هنا جاء التكرار في كل وكلما ولم يجيء في أي ونحوها حتى لو قال أي وقت دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة بعد أخرى لم يتكرر الطلاق ولو قال كلما دخلت أو كل وقت دخلت فدخلت مرة بعد أخري تكرر.\nفإن قلت: فإذا كانت أي لا تدل على التكرار وانما تدل على أحد ما دخلت عليه لا بعينه فهي والمطلق سواء وكل منهما عمومه على البدل لا على الشمول والكلام إنما هو في عموم الشمول.\nقلت: المطلق والنكرة التي لا عموم فيها لا تعرض لها للأفراد وانما يدل المطلق على الماهية وان دلت النكرة مع ذلك على وحدة فلا عموم فيها فمطلق","vol":"2","page":100},{"text":"هذا في النفي إذا قلت لا تشتم من شتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه مخالف لمعنى لا تشتم كل من شتمك.\nوالثالث: أي وهي مثل كل في إقامة الأفراد لكن يفارقها في اقتضاء كل الاستغراق الشمولي وأي لا تقتضي الا الاستغراق البدلي والله أعلم.\nقال أو بقرينة في الاثبات كالجمع المحلى بالألف واللام والمضاف وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في سياق.\nهذا هو الضرب الثاني: هو ما يفيد العموم من جهة اللغة لا من جهة وضعه له بل بواسطة اقتران قرينة وهو على وجهين.\nأحدهما: أن يكون في الاثبات وذلك كالجمع المحلى بالألف واللام من غير عهد مثل أن الله بريء من المشركين والجمع المضاف نحو عبيدي أحرار وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ كما سبق ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر من ذكره قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ١ فان المراد موسى المرسل إلى فرعون ومعه هارون ولوط المرسل إلى المؤتفكات وهنا تنبيهان.\nأحدهما: ان العموم فيما ذكر مختلف فالداخل على اسم الجنس يعم الأفراد أعنى كل فرد فرد والداخل على الجمع يعم المجموع لان الألف واللام والإضافة يعمان افراد ما دخلا عليه وقد دخلا على جمع فانظر في هذا وفائدته انه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن افراد المجموع وليس الواحد جمعا وهذا معنى قولهم لا يلزم من النهي عن المجموع النهي عن كل فرد ولا من نفيه نفي كل فرد وهذا لا يعارض ما تقدم من ان العموم من باب الكلية وان معناه ثبوته لكل فرد سواء كان نفيا أو نهيا أم لا لانا في حالة الجمع أثبتناه ايضا في النفي والنهي لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهي الجموع وينبغي على مساق\n_________\n١ سورة الحلقة آية ٩.","vol":"2","page":101},{"text":"هذا في النفي إذا قلت لا تشتم من شتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه مخالف لمعنى لا تشتم كل من شتمك.\nوالثالث: أي وهي مثل كل في إقامة الأفراد لكن يفارقها في اقتضاء كل الاستغراق الشمولي وأي لا تقتضي الا الاستغراق البدلي والله أعلم.\nقال أو بقرينة في الاثبات كالجمع المحلى بالألف واللام والمضاف وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في سياق.\nهذا هو الضرب الثاني: هو ما يفيد العموم من جهة اللغة لا من جهة وضعه له بل بواسطة اقتران قرينة وهو على وجهين.\nأحدهما: أن يكون في الاثبات وذلك كالجمع المحلى بالألف واللام من غير عهد مثل أن الله بريء من المشركين والجمع المضاف نحو عبيدي أحرار وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ كما سبق ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر من ذكره قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ ١ فان المراد موسى المرسل إلى فرعون ومعه هارون ولوط المرسل إلى المؤتفكات وهنا تنبيهان.\nأحدهما: ان العموم فيما ذكر مختلف فالداخل على اسم الجنس يعم الأفراد أعنى كل فرد فرد والداخل على الجمع يعم المجموع لان الألف واللام والإضافة يعمان افراد ما دخلا عليه وقد دخلا على جمع فانظر في هذا وفائدته انه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن افراد المجموع وليس الواحد جمعا وهذا معنى قولهم لا يلزم من النهي عن المجموع النهي عن كل فرد ولا من نفيه نفي كل فرد وهذا لا يعارض ما تقدم من ان العموم من باب الكلية وان معناه ثبوته لكل فرد سواء كان نفيا أو نهيا أم لا لانا في حالة الجمع أثبتناه ايضا في النفي والنهي لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهي الجموع وينبغي على مساق\n_________\n١ سورة الحلقة آية ٩.","vol":"2","page":102},{"text":"هذا التقرير أن تختلف الجموع تشمل جموع القلة ثلاثة ثلاثة ولا يشمل جموع الكثرة وإلا أحد عشر أحد عشر.\nالثاني: علمت اختيار المصنف ان المفرد المعرف بأن يعم وهو قول أبى اسحاق الشيرازي وابن برهان والجبائي والمبرد وصححه ابن الحاجب وهو المنقول عن الشافعي واما الإمام واكثر اتباعه فقالوا لا يفيد العموم والمختار الأول.\nفان قلت لم لا قال الشافعي ﵁ بوقوع الثلاث على من حلف بالطلاق المعروف وحيث قلت:\nهذا سؤال سأله القرافي الشيخ عز الدين بن عبد السلام وأجابه كما ذكر في شرح المحصول بأن هذا يمين فيراعي فيهما العرف دون الأوضاع اللغوية قال الشيخ الإمام الوالد ﵀ في الأجوبة عن الأسئلة التي سألته عنها وقد يقال في الجواب ان الطلاق حقيقة واحدة وهي قطع عصمة النكاح وليس له أفراد حتى يقال أنها تندرج في العموم ولكن مراتبه مختلفة منها ما يحصل به تشعيب النكاح وهو الرجعي وجوز الشارع فيه ان يكون مرة بعد أخرى والتشعيب الحاصل من الثانية اكثر من الحاصل بالأولى وان اشتركا في جواز الرجعة ومنها ما يحصل به البينونة مع إمكان الرد بغير محلل وهو إذا كان بعوض ومنها ما يحصل به البينونة الكبرى وهو الثلاث فهذه مراتب وليست إفرادا ولكن إذا قال أنت طالق ثلاثا فقد استوعب جملة الطلاق فإذا لم يذكر الثلاث ولا نواها لم يحمل الا على اقل المراتب لان الألف واللام لا دلالة لها على قوة مرتبة أو ضعفها فلا يحمل الا على الماهية وليست آحاد المراتب بمنزلة أحاد العموم حتى نقول بالاستغراق وأيضا فلو قال القائل العنق يلزمني أو المشي ان مكة ونحو ذلك وقلنا:\nيجب عليه الوفاء لم يلزمه الا المسمى فكذلك هذا قال وهذا شيء يمكن ان يقال والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه.\nوالثاني: مما يدل بواسطة اقتران قرينة ان يكون في النفي وذلك كالنكرة","vol":"2","page":103},{"text":"في سياقه إما بما أو بلن أو ليس أو لم فإنها تعم سواء باشرها النفي نحو ما أحد قائم أم باشر عاملها نحو ما قام أحد ومما استدل به الإمام على النكرة في سياق النفي تعم انه لو لم يكن للنفي لما كان قولنا لا اله الا الله نفيا لدعوى من ادعى الها سوى الله تعالى.\nواعلم ان النكرة ان كانت صادقة على القليل والكثير أو واقعة بعد لا العاملة عملان أعني لا التي لنفي الجنس مثل لا رجل في الدار ببناء رجل على الفتح أو داخلا عليها من مثل ما جاءني من رجل فإن كونها العموم من الواضحات ولكن هل استفيد العموم في قولك ما جاءني من رجل من لفظه أو كان مستفادا من النفي قبل دخولها هي لتأكيده الحق الثاني وهو ما قرره والدي أيده الله غير مرة ولهذا قال الشيخ جمال الدين بن مالك وتزاد لتخصيص العموم بعد نفي أو شبهة وأراد بتنصيص العموم تقويته كما.\nذكرناه وان كان هو حاصلا قبلها وقد اعترض عليه شيخنا أبو حيان فقال تقسيم المصنف وغيره من هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس ولتأكيد الجنس ليس هو مذهب سيبويه ﵀ بل قولك ما جاءني من أحد وما جاءني من رجل من في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس وهذا هو الصحيح انتهى وانما حمل شيخنا أبا حيان على ذلك انه لم يفرق بين العموم وتنصيص العموم ففهم كلام ابن مالك على خلاف ما أراد ثم اعترض عليه والحق ما ذكرناه وان العموم قبل دخول من ظاهر لا نص واحتماله للخصوص احتمال كبير وان كان مرجوحا وبعد دخول من العموم نص واحتمال الخصوص ضعيف جدا بحيث لا يكاد يوجد في كلام العرب ولا ينبغي ان يكون في ذلك خلاف بل ينزل اختلاف كلام العلماء على هذا التنزيل الذي ذكرناه وانه متى قلت ما جاءني رجل أفاد الاستغراق مع جواز إرادة الوحدة جواز منكر.\nوإذا قلت ما جاءني من رجل كان الاستغراق فصار إرادة الخصوص مستنكرة.","vol":"2","page":104},{"text":"وإذا قلت ما جاءني أحد كان نصا في العموم لان أحد لا يدخل الا في النفي الا إذا كانت همزتها مبدلة من واو فإنها تدخل في الاثبات فلذلك يحتمل الخصوص ايضا فإذا دخلت عليه من كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١لم يبق الاحتمال الخصوص وجه وقد تمسك القرافي في ان ما جاءني رجل لا يفيد العموم بقوله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢ إنما استفيد العموم من لفظه من ولو قال مالكم اله غيره لم يعم مع ان لفظه اله نكرة وقد حكم بأنه لا يعم وكذلك قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ﴾ ٣ قال إنما استفيد العموم من لفظه من تكون لإرادة العموم نحو ما تقدم وتارة تؤكد العموم كقولك ما جاءني من أحد وهذا الذي قاله الزمخشري يمكن تأويله على أنها أربع مراتب كما أشرنا إليه أدناها في إفادة العموم ما جاءني رجل لعدم دخول من ولعدم اختصاص رجل بالنفي وأعلاها ما جاءني من ديار لانتفاء الأمرين والمرتبة المتوسطة ما جاءني من رجل وما جاءني أحد كما أشرنا إليه من قبل فان أراد الزمخشري ذلك صح كلامه وإلا فهو ممنوع لان قوله تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٤ وقوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ ونظائرهما مما لا شك في إفادته العموم وليس فيه من ولا لفظ مختص بالنفي وأيضا فان النكرة تدل على المساهمة ولا دلالة لها على قيد الوحدة وان كانت محتملة له والاصل عدمه فدخول النفي عليها بنفي معناها بطريق الأصالة وهو مطلق الماهية ويلزم منه العموم واما احتمال قيد الوحدة فهو سابع ولكنه خلاف الأصل والظاهر فلا يجعل هو الأصل في الدلالة ولا مساويا لما هو الأصل وإذا تؤمل كلام العرب حصل القطع بذلك ولم يثبت في هذه المسالة خلاف ومن ادعى فيها خلافا يحتاج إلى بيان ورد لما قلناه ومع كون من هذه تفيد نصية العموم أو تأكيده في محتملة لان يكون للتبعيض أولا ابتداء الغاية.\nوقال ابن مالك ان في كلام سيبويه إشارة إلى أنها للتبعيض وهو كما قال\n_________\n١ سورة الحاقة آية ٤٧.\n٢ سورة هود آية ٥٠.\n٣ سورة يس آية ٤٦.\n٤ سورة البقرة آية ٤٨.","vol":"2","page":105},{"text":"لأن سيبويه قال بعد تمثيله بما أتاني من رجل أدخلت من لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال وقال شيخنا أبو حيان ان هذا غير مرضي من ابن مالك لأنه يلزم منه ان تكون ألفاظ العموم للتبعيض وانما المقصود بزيادة من في نحو ما أتاني من رجل جعل المجرور بها نصا في العموم وانما تكون للتبعيض فيما إذا لم يقصد عموم وحسن في موضعها بعض نحو من الناس من يقول وهذا الذي قاله شيخنا غير مرضي والحق ما قاله ابن مالك وقد وافق شيخنا في آخر كلامه على جواز إرادة ذلك وعجب قوله انه يلزم ان يكون ألفاظ العموم للتبعيض وانما حمله على ذلك توهمه ان اصل العموم مستفاد من لفظة من وقد بينا خلافه فيما تقدم والله اعلم.\nفائدتان: الاولى صرح امام الحرمين بأن النكرة في سياق الشرط تعم في قول القائل من يأتني بمال أجازه فلا يختص هذا بمال هذا كلامه ومراد العموم البدلي لا الشمولي وهو صحيح.\nالثانية: اختلف في ان النكرة في سياق النفي هل عمت لذاتها والنفي المشترك منهما.\nوالثاني: هو قول الحنفية واختاره والدي أيده الله فلم يحصل العموم عندهم الا لأن حرف النفي اقتضى نفي الماهية الكلية ونفي الأعم يلزم منه نفي الأخص فحصلت السالبة الكلية بطريق اللزوم لا لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة الكلية وظاهر كلام غيرهم من الشافعية الأول وهو ان اللفظ وضع لسلب كل فرد من افراد الكلية وان سلب الكلي حصل بطريق اللزوم لنفي الكلية عكس تلك المقالة فإنه يلزم من نفي كل فرد نفي الكلي ومن نفي الكلي نفي كل فرد فهما متلازمات وهذا المذهب هو الظاهر عند القرافي وينبني على الخلاف التخصيص بالنية فإن قلنا يقول الحنفية من أنه نفي للكلي فلا يؤثر حتى لو قال لا أكلت ونوى معينا لا يسمع وإن قلنا بالقول الآخر من انه نفي للكلية فيؤثر تخصيص بعض الأفراد بالنية.\nقال أو عرفا مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فإنه يوجب حرمة جميع الاستمتاعات.","vol":"2","page":106},{"text":"هذا هو القسم الثاني: وهو تقيد العموم من جهة العرف مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فإن أهل العرف نقلوا تحريم العين إلى تحريم جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء فيفيد حرمة جمع الاستمتاعات من الوطء ومقدماته ومنهم من يقول.\nالمقصود في هذه الآية تحريم الوطء خاصة ومنهم من تدعي إجمالها كما ستعرفه في باب المجمل والمبين لأن المصنف ذكر قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فإنا حملناه على الأكل للعرف\nوالخلاف في هذه الآية هو الذي في تلك.\nقال أو عقلا كترتب الحكم على الوصف.\nهذا هو القسم الثالث: وهو ما يدل عليه بالعقل وهو ثلاثة.\nالأول: وعليه اقتصر في الكتاب ترتيب الحكم على الوصف فإن ترتيبه يشعر بكونه علة له وذلك يفيد بالعقل على معنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انتفت انتفي فهذا القسم إنما دل بالعقل ولم يدل باللغة ولا بالعرف أما العرف فواضح وأما اللغة فلأنه لو دل بها لكان أما المنطوق أو المفهوم وانتفاء المفهوم ظاهر ولا يدل بالمنطوق لان تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار لفظا.\nوالثاني: ما يذكر جوابا عن سؤال النبي ﷺ عمن افطر فقال عليه الكفارة فيعلم أنه يعم كل مفطر.\nوالثالث: مفهوم المخالفة عند القائلين به كقوله ﷺ: \"مطل الغني ظلم\" فانه بمفهومه يدل على أن مطل غير الغني لا يكون ظلما وأما مفهوم فداخل في القسم الأول إذا الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأولى لأجل أن العلة فيه أولى أو لكونه مساويا لأجل ان العلة اقتضت ذلك فكان من جملة أصناف القسم الأول.","vol":"2","page":107},{"text":"قال ومعيار العموم جواز الاستثناء فانه يخرج ما يجب اندراجه لولاه وإلا لجاز من الجمع المنكر قيل لو تناوله لامتنع الاستثناء لكونه نقضا قلنا: منقوض بالاستثناء من العدد.\nذهب قوم وهم الملقبون بأرباب الخصوم إلى انه ليس للعموم صيغة تخصه وان ما سبق ذكره من الصيغ موضوع في الخصوص وهو اقل الجمع أما إثنان أو ثلاثة على الخلاف فيه واستعمل في العموم مجازا وذهب الشافعي وسائر المحققين إلى أن له صيغا مخصوصة به بالوضع ويستعمل مجازا في الخصوص وذهب آخرون الى الوقف ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشيخ ومعظم المحققين وذهب إليه قال وحقيقة ذلك انهم قالوا سبرنا اللغة ووضعها فلم نجد في وضع اللغة صيغة دالة على العموم سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد واقفية مذهب آخر وهو دعوى الاشتراك.\nونقل عن الشيخ ايضا وعليه الاكثرون من الواقفية ومنهم من فصل بين الاخبار والوعيد والأمر والنهي.\nفقال: بالوقف في الاخبار والوعد والوعيد دون الامر والنهي هذه مذاهب خمسة وحكى القاضي في تختصر التقريب سادسا وهو تسليم العموم حالة التقييد بضروب من التقييد فلفظ الناس مثلا إذا قلنا انه لا يعم حالة الاطلاق فنسلم انه عام في مثل قوله القائل الناس أجمعون عن آخرهم صغيرهم وكبيرهم لا يشذ منهم أحد إلى غير ذلك.\nقال القاضي والمحققون من الواقفية يقولون:\nوان قيدت بهذه القيود فليست موضوعة للاستغراق في اللغة ولكن قد يعرف عمومها بقرائن الأحوال المقترنة بالمقال وهي مما لا تنحصر بالعبارة كما يعرف بالقرائن وجل الرجل وان كانت القرائن لا توجب معرفتها ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندها.","vol":"2","page":108},{"text":"وسابعا: عن بعض الواقفية ان الخير إذا انطوى على وعيد العصاة من أهل الملة لزم التوقف فيه ولا يتوقف في غيره.\nوثامنا: وهو التوقف في الوعيد دون الوعد قال وفرق بينهما بما يليق بالشطح والبرهان دون الحقائق.\nوتاسعا: عن بعض المنتمين إلى الواقفية وهو ان الاخبار إذا وردت ومخرجها مخرج العموم عند القائلين به وسمعها السامع وكانت وعدا أو وعيدا ولم يسمع من آي الكتاب وسنن الرسول ﷺ ومواقع أدلة السمع شيئا فيعلم ان المراد بها العموم وان كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة الشرع وعلم انقسامها للخصوص والعموم فلا يعلم حينئذ العموم في الاخبار اتصلت به.\nقال: واعلم ان هذه الفئة بالنسبة إلى القائلين بالعموم أولى منهم بالنسبة إلى الواقفية هذا ما حكاه القاضي في هذا الكتاب ثم أطنب في الاستدلال على مذهبه والرد على خصومه وهذه المذاهب التي حكاها ذكرها غيره وانما أردت سردها من كلام القاضي.\nواعلم ان هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه في هذا الشرح وهو كتاب التلخيص لامام الحرمين اختصر من كتاب التقريب والإرشاد للقاضي فلذلك أغزو النقل تارة إلى التلخيص لامام الحرمين وذلك حيث يظهر لي ان الكلام من أمام الحرمين فإنه زاد من قبل نفسه أشياء على طريقة المتقدمين في الاختصار وتارة أعزوه إلى مختصر التقريب وهو حيث لا يظهر لي ذلك والذي أقوله ليستفاد اني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين وتنقيبي عنها على ثقة بأني لم أر كتابا اجل من هذا التلخيص لا لمتقدم ولا لمتأخر ومن طالعة مع نظره الى ما عداه من المصنفات علم قدر هذا الكتاب وفي المسألة قوله.\nعاشرا: حكاه المازري في شرح البرهان فقال أشار بعض المتأخرين في بعض الفاظه إلى طريقة مستغربة لا يكاد يصغي إليها أحد من أهل هذه الصناعة فقال ان لفظة المؤمنين والكافرين حيث ما وقعت في الشرع أفادت","vol":"2","page":109},{"text":"العموم ويمكن ان يكون هذا من أحكام الشرع في بعض الالفاظ اللغوية كاحتكامه في لفظ الصلاة والحج والصوم وهنا تنبيهات.\nأحدها: أن الواقفية وإن قالت لم يوضع اللفظ لخصوص ولا عموم.\nقالت: بانا نعلم أن اقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه قال امام الحرمين ومما دل الناقلون فيه انهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعيه ان الصيغة وان تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالحج بل تبقى على التردد.\nقال: وهذا وان صح النقل فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائل رأيت القوم أجمعين اكثعين ابصعين فأما ألفاظ صريحة تعرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أنه يتوقف فيها.\nالثاني: قال امام الحرمين لا ينكر أحد من الواقفية أمكان وأيضا استدلال الصحابة بعموم ذلك مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ .\nالتعبير عن معنى الجميع بترديد ألفاظ مشعرة به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يغتن منهم أحدا وإنما كرر هذه الالفاظ قاطعا لوهم من يحسبه خصوصا الى غير ذلك.\nقال: وانما انكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجمع انتهى وقد علمت فيما تقدم من كلامه في التلخيص أن الذي ادعى فيه الوفاق محل خلاف ولا يتوهم ان مراده بالجمع القدر المخصوص الذي هو ثلاثة أو اثنان وانما مراده العموم يدل عليه.\nقوله: إنما كرر هذه الالفاظ قطعا لوهم من يحسبه خصوصا.\nوقوله: رأيت القوم واحدا واحدا لم يغتني منهم أحد وقد أطلنا في حكاية المذاهب فلنعد الى الشرح فنقول الذي ذهب إليه المصنف تبعا لامام مذهب الشافعي وهو المختار ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن الفقهاء بأسرهم والآمدي قال المختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الالفاظ في الخصوص لكونه مرارا من اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض والوقف","vol":"2","page":110},{"text":"فيما زاد على ذلك هذا كلامه وهو قريب من مذهب الواقفية الا انه لم يصرح بأنه متردد في ان العموم هل له صيغة أو هل الصيغة مشتركة وانما ذكر الاحتجاج فقط وابن الحاجب لم يتابعه على هذا بل اختار مذهب الشافعي ﵁ واستدل المصنف عليه بوجهين.\nأحدهما: انه لو لم تكن هذه الصيغ للعموم لما جاز دخول الاستثناء لكنه يجوز أن يستثني منها ما يشاء من الأفراد بالاتفاق فدل على أنها للعموم وبيان الملازمة ان الاستثناء وإخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه فلزم ان يكون كل الأفراد واجبة الإندراج ولا معنى للعموم الا ذلك وانما قلنا لولا الاستثناء لوجب اندراج المستثنى في المستثنى منه ولان الاندراج جائز بالاتفاق فلو لم يكن واجبا ايضا لكان يجوز الاستثناء من الجمع المنكر لاشتراكهما في إمكان اندراج كل فرد من أفرادهما تحته فتقول جاء رجال الا زيدا وقد نص النحاة على منعه وأجاب بأن ما ذكرتموه منقوض بالاستثناء من العدد فانه يجوز وهذا الجواب أولا ضعيف لان للخصم أن يمنع صحة الاستثناء من تعدد كما هو أحد المذاهب للنحاة وصححه إبن عصفور.\nوثانيا: لا يحتاج إليه لأنه لم يدع وجوب الاندراج مع كونه مستثنى وانما ادعاه عند عدمه ولهذا قال ما يجب اندراجه لولاه وعلى هذا الفرض فالمستثنى ليس داخلا في المستثنى منه نية وإنما هو داخل لغة لأن المختار أن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى فلا تناقض واعترض القرافي على الدليل بان الاستثناء أربعة أقسام ما لولاه لعلم دخوله نحو عشرة الا اثنين وما لولاه لظن دخوله وهو الاستثناء من العمومات نحو اقتلوا المشركين الا زيدا وما لولاه لجاز دخوله من غير علم ولا ظن وهو أربعة الاستثناء من المحال نحو اكرم رجلا الا زيدا فان كل أخص محل لأعمه والأزمنة نحو صل الا عند الاستواء والأمكنة نحو صل الا في الحمام والأحوال كقوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ١ أي في كل حالة من الأحوال الا في حالة الإحاطة بكم وما لولاه لامتنع دخوله نحو الاستثناء المنقطع في قولك قام القوم\n_________\n١ سورة يوسف آية ٦٦.","vol":"2","page":111},{"text":"الا حمارهم وإذا كان الاستثناء اعم من كل واحد من هذه الاقسام امتنع الاستدلال به على الوجوب فان الخصم لا يعتقد الا الجواز في هذه الصورة هذا اعتراضه والجواب ان لا ندعى ان امتنع الاستدلال به على فإن الخصم لا يعتقد الا الجواز في هذه الصورة هذا اعتراضه والجواب ان لا ندعي ان مطلق الاستثناء لإخراج ما لولاه لوجب دخوله وانما ندعي ذلك في صيغة من وما والمجموع المعرفة والدليل عليه اجماع أئمة العربية على ان الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ والاتفاق على انه يصح الاستثناء من هذه الصيغ وهاتان المقدمتان يفيدان كون هذه الصيغة للعموم والمقدمة الإجماعية لا تمنع ولا تعارض سواء قلنا تفيد العلم أم لا وأيضا فالاستثناء إخراج ما لولاه لدخل سواء كان معلوم الدخول أو مظنون الدخول وذلك هو القدر المشترك وإلا يلزم الاشتراك أو المجاز وهما على خلاف الأصل واما استثناء الجائز فممنوع وقوله المحال نحو أكرم رجلا الا زيدا.\nقلنا: قال النحاة لا يستثنى المعرفة من النكرة الا ان عمت نحو ما قام رجال كانوا في دارك الا زيد منهم وليس في قولكم اكرم رجلا الا زيدا واحدا الأمرين واما الأزمنة والأمكنة والأحوال فإنما ذلك لتقدير لأنك تقدر صل كل وقت وصل في كل مكان ولتاتنني به في كل حاله فالاستثناء بعد ذلك إنما ورد على داخل في اللفظ والله اعلم قال وأيضا استدلال الصحابة بعموم ذلك مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله الأئمة من قريش نحن معاشر الأنبياء لا نورث شائعا من غير نكير.\nالوجه الثاني: من الاستدلال أن الصحابة ﵃ استدلت بعموم بعض هذه الصيغ أو بعضهم وشاع ولم ينكر فكان اجماعا وبيان ذلك انهم استدلوا لعموم اسم الجنس المحلى بالألف واللام على العموم وذلك نحو قوله تعالى:\n﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ١وعملوا بمضمون ذلك واستدلوا بعموم الجمع المضاف نحو تعالى:\n_________\n١ سورة النور آية ٢.","vol":"2","page":112},{"text":"﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ١ واستدل أبو بكر ﵁ ايضا بعمومه فانه رد على فاطمة ﵂ لما طلبت منه ميراثها من النبي ﷺ بقوله ﷺ:\n\"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة\" ٢ وهذه الواقعة على هذا النسق لا اعرفها وانما اخرج البخاري من حديث عائشة ﵂ ان فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثها من الرسول ﷺ يطلبان سهمه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا نورث ما تركنا صدقة\".\nوروى الترمذي في غير الجامع: \"إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة\" قال شيخنا الذهبي٣ وفي صحته نظر واستدل عمر ﵁ بعموم اسم الجمع المحلى فانه قال لأبي بكر ﵁ حين عزم على قتال مانعي الزكاة كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم\" فقال له أبو بكر أليس قد قال: \"إلا بحقها\" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وتمسك به أيضا أبو بكر ﵁ بقوله ﷺ: \"الأئمة من قريش\" ٤ وحديث الائمة من قريش رواه العام احمد والنسائي\n_________\n١ سورة النساء آية ١١.\n٢ روى هذا الحديث البخاري في كتاب فضل الجهاد باب فرض الخمس ٤/٩٨وكتاب الفرائض باب: لانورث ماتركناه صدقة ٨/١٨٥ كما رواه مسلم في باب حكم الفيء٥/١٥٣- ١٥٤ كذا رواه النسائي في سننه الكبرى بلفظ إنا بدلا من نحن. ولا تعارض بين الحديث وبين قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ النمل آية ١٦فإن المقصود في الآية الكريمة هو وارثة العلم أو النبوة والملك. والله أعلم. اهـ محققة.\n٣ هو محمد بن أحمد بن عثمان قايماز الذهبي حافظ مؤرخ تركماني الأصل من أهل ميا فارقين.\nمولده ووفاته في دمشق رحل إلى القاهرة وطاف كثيرا من البلدان تصانيفه تفوق الحصر. منها: دول الإسلام: وتاريخ الإسلام الكبير: وسير النبلاء وتذكرة الحفاظ وغير ذلك.\nتوفي سنة ٧٤٨هـ. وفوات الوفيات ٢/٣/١٨٣، الإعلام ٦/٢٢٢- ٢٢٣.\n٤ رواه البخاري – فتح الباري ١٣/٩٣، والنسائي وأبو يعلى من طريق بكير الجزري عن أنس كما رواه أحمد في مسنده ١/٩٣، ٣/١٢٩، ١٨٣، ٤/٤٢١.","vol":"2","page":113},{"text":"قال الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم لأنه يحتمل كل أنواع العدد قال الجبائي انه حقيقة في كل أنواع العدد فيحمل على الجميع حقائقه قلنا لا بل في القدر المشترك.\nالجمع المنكر إذا لم يكن مضافا لا يقتضي العموم عند الجمهور بل يحمل على ثلاثة أو اثنين على الخلاف في اقل الجمع وذهب أبو على الجبائي إلى انه يقتضيه قال صفي الدين الهندي والذي أظنه ان الخلاف في غير جمع القلة وإلا فالخلاف فيه بعيدا جدا إذ هو مخالف لنصهم على انه للعشرة مما دونها انتهى لكن الحكايات في غالب المصنفات عن الجبائي ناطقة فانه يجمع الجمع المنكر بمنزلة الجمع المعرف والقاضي في مختصر التقريب صرح بحكاية ذلك عنه وقضية ذلك عدم التفرقة بين جموع القلة والكثرة لنا ان لفظ رجال يحتمل جميع أنواع العدد لأنه يصح لغة بأي جمع شئنا فنقول رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فصح نقسمه الى ذلك ومورد التقسيم اعم من كل واحد من تلك الاقسام الخاصة والأعم لا يدل على الأخص فاللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له أشعار بتلك الاقسام فلا يكون الا عليها وفي قول المصنف في كل أنواع العدد مناقشة إذ يقال الاثنان عدد باتفاق لحساب وليس ذلك بجمع على رأيك لأنه اقل الجمع ثلاثة واحتج الجبائي بأن جملة على الاستغراق حمل له على كل حقائقه لأنه يطلق على كل نوع منها والاصل في الإطلاق الحقيقه مشتركا بينهما فيحمل عليها.\nأجاب بأنا لا نسلم انه حقيقة في القدر المشترك بين الكل وهو مطلق الجمع الصادق على الثلاثة والأربعة فما فوقهما وقد بينا ان الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الاحتياز.\nواعلم ان هذا الدليل الذي أورده الجبائي يستفاد منه انه عنده من المشتركات وانه يحمل المشترك على معاينة وسبق التنبيه على ذلك في مسالة المشترك وللجبائي دليل آخر يغاير هذه الطريقة وهو صحة الاستثناء من الجمع المنكر حكاه عنه الأصوليون على طبقاتهم القاضي فمن بعده وهو مغايرته لهذه","vol":"2","page":114},{"text":"الطريقة ممنوع فقد أتفقت النحاة على ان ذلك لا يصح واما جعل الإمام هنا اقل رجال ثلاثة ففيه نظر لان جمع كثرة والأقل في مدلوله إنما هو أحد عشر باتفاق النحاة وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها الا ان ما ذكره ماش على ما قاله الفقهاء فإنهم قالوا له عندي دراهم قبل تفسيره ثلاثة مع أن دراهم جمع كثرة.","vol":"2","page":115},{"text":"الطريقة ممنوع فقد أتفقت النحاة على ان ذلك لا يصح واما جعل الإمام هنا اقل رجال ثلاثة ففيه نظر لان جمع كثرة والأقل في مدلوله إنما هو أحد عشر باتفاق النحاة وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها الا ان ما ذكره ماش على ما قاله الفقهاء فإنهم قالوا له عندي دراهم قبل تفسيره ثلاثة مع أن دراهم جمع كثرة.","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المسألة الثالثة: في الجمع المنكر لا يقتضي العموم</span>\n...\nقال الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم لأنه يحتمل كل أنواع العدد قال الجبائي انه حقيقة في كل أنواع العدد فيحمل على الجميع حقائقه قلنا لا بل في القدر المشترك.\nالجمع المنكر إذا لم يكن مضافا لا يقتضي العموم عند الجمهور بل يحمل على ثلاثة أو اثنين على الخلاف في اقل الجمع وذهب أبو على الجبائي إلى انه يقتضيه قال صفي الدين الهندي والذي أظنه ان الخلاف في غير جمع القلة وإلا فالخلاف فيه بعيدا جدا إذ هو مخالف لنصهم على انه للعشرة مما دونها انتهى لكن الحكايات في غالب المصنفات عن الجبائي ناطقة فانه يجمع الجمع المنكر بمنزلة الجمع المعرف والقاضي في مختصر التقريب صرح بحكاية ذلك عنه وقضية ذلك عدم التفرقة بين جموع القلة والكثرة لنا ان لفظ رجال يحتمل جميع أنواع العدد لأنه يصح لغة بأي جمع شئنا فنقول رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فصح نقسمه الى ذلك ومورد التقسيم اعم من كل واحد من تلك الاقسام الخاصة والأعم لا يدل على الأخص فاللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له أشعار بتلك الاقسام فلا يكون الا عليها وفي قول المصنف في كل أنواع العدد مناقشة إذ يقال الاثنان عدد باتفاق لحساب وليس ذلك بجمع على رأيك لأنه اقل الجمع ثلاثة واحتج الجبائي بأن جملة على الاستغراق حمل له على كل حقائقه لأنه يطلق على كل نوع منها والاصل في الإطلاق الحقيقه مشتركا بينهما فيحمل عليها.\nأجاب بأنا لا نسلم انه حقيقة في القدر المشترك بين الكل وهو مطلق الجمع الصادق على الثلاثة والأربعة فما فوقهما وقد بينا ان الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الاحتياز.\nواعلم ان هذا الدليل الذي أورده الجبائي يستفاد منه انه عنده من المشتركات وانه يحمل المشترك على معاينة وسبق التنبيه على ذلك في مسالة المشترك وللجبائي دليل آخر يغاير هذه الطريقة وهو صحة الاستثناء من الجمع المنكر حكاه عنه الأصوليون على طبقاتهم القاضي فمن بعده وهو مغايرته لهذه","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المسألة الرابعة: نفي المساواة بين الشئين هل هو عام</span>.\n...\nقال الرابعة قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ١ يحتمل نفي الاستواء من كل وجه ومن بعضه فلا ينبغي الاستواء من كل وجه لان الأعم لا يستلزم نفي الأخص بخلاف لا آكل فانه عام فيحتمل التخصيص كما لو قيل لآكل أكلا وفرق أبو حنيفة بان أكلا يدل على الوحدة وهو ضعيف.\nهذه المسالة مشتملة على بحثين:\nالأول: ان نفي المساواة بين الشيئين هل يقتضى العموم اعني نفي الاستواء من كل وجه أم لا وذهبت الشافعية ﵃ وجماعة آخرون إلى الأول وتمسك بها أصحابنا على ان المسلم لا يقتل بالكافر لان القصاص مبني على المساواة.\nوذهب الحنفية إلى الثاني واختاره المصنف تبعا للإمام والخلاف في المسالة دائر على حرف واحد وهو ان لفظ ساوى واستوى وما مثل زيدا عمرا أو زيد مثل عمرو والمماثلات كلها والاستواءات هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه حتى يكون مدلولها كلا شاملا ومجموعا محيطا أو مدلولها المساواة في شيء ما حتى يصدق بأي وصف كان واحتج المصنف بأن نفي الاستواء اعم من نفي الاستواء من كل الوجوه أو من بعضها والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار له فيه بهما وهذا معنى قولهم الأعم لا يستلزم نفي الأخص فحينئذ نفي الاستواء لمطلق لا يحتمل نفي الإستواء من كل وجه.\n_________\n١ سورة الحشر آية ٢٠.","vol":"2","page":115},{"text":"فإن قلت هذا ضعيف لأن الأعم إنما لا يدل على الأخص في ظرف الاثبات أما في ظرف النفي فيدل لأن نفي العام يدل عل نفي الخاص وهذا نفي للحقيقة التي هي أعم فينبغي جزئياتها الا ترى إلى تكذيبك من قال لم أر حيوانا وكان قد رأى إنسانا وهذا يصلح ابتداء دليل لنا فإن لا استوى نكرة دخل عليها حرف النفي فيكون العموم لموافقتكم إيانا على ان النكرة في سياق النفي للعموم.\nقلت: هذا بحث صحيح حقا من جهة قولنا ان الاستواء اعم وكل فرد من أفراده أخص ونحن إنما قلنا ذلك جريا على متن الكتاب والذي عندنا ان الاستواء شيء واحد مدلوله واحد وهو الاستواء من جميع الوجوه وما يحصل بين زيد وعمرو من المساواة في بعض الوجوه فليست المساواة المطلقة بل مساواة خاصة فإذا نفيت تلك المساواة التي موضوعها جميع الوجوه لم يلزم ان لا يثبت مساواة أخرى مقيدة ببعض الوجوه وانما يلزم ذلك ان لو كان ثم أعم وأخص.\nفإن قلت: هل هذا في حال النفي على الوجه الذي قررتم سلب للعموم فان مدلول المساواة على ما ذكرتم جميع الوجوه فلا يلزم من انتفائها أن لا يثبت من بعض الوجوه:\nقلت: لو كان مدلوله متعددا لكان كذلك ولكنا نجعله شيئا واحدا وهو المساواة المتعلقة بجميع الوجوه فإذا نفيته انتفت تلك المساواة إذ هي التي كانت مشتبهة ولا يلزم أن لا يثبت مساواة أخرى مقيدة لم يتعرض لها إثباتك ولا نفيك.\nالبحث الثاني: واليه أشار بقوله بخلاف لا آكل تقريره أنه إذا حلف لا يأكل وتلفظ بشيء معين مثل والله لا آكل التمر أو لم يتلفظ لكن أتى بمصدر ونوى شيئا معينا فلا خلاف بين الإمامين الشافعي وأبى حنيفة انه لا يحنث بغيره وأما إذا لم يتلفف بالمأكول ولا أتى بالمصدر ولكن خصصه بالنية كما إذا قال والله لا أكلت في النفي ونوى شيئا معينا ففي تخصيص الحنث بالمنوي مذهبان مأخذهما ان قولك لا آكل هل هو سلب الكلي وهو","vol":"2","page":116},{"text":"القدر المشترك في الأكل أو ان حرف النفي الداخل على النكرة عم لذاته وقد تقدم هذا فان قلنا:\nبالأول: كما هو قول الحنفية فلا يقبل التخصيص لأنه نفي الحقيقة وهو شيء واحد ليس بعام والتخصيص فرع العموم وان قلنا: بالثاني: عم لكونه نكرة في سياق النفي وإذا ثبت كونه عاما قبل التخصيص كسائر العمومات والمصنف في هذا البحث اختار مذهب الشافعي ﵁ واستدل بالقياس على ما لو قال لا آكل أكلا فان أبا حنيفة سلم قبوله للتخصيص بالنية قال المصنف فكذلك لا آكل فان المصدر موجود فيه لكونه مشتقا منه وقد فرق من اختيار مذهب أبي حنيفة بأن آكل يتضمن الصدر والمصدر إنما يدل على الماهية من حيث هي والماهية من حيث هي لا نعدد فيها فليست بعامة فلا يقبل التخصيص فيحنث بالجميع قال واما آكل فليس بمصدر لأنه يدل على المرة الواحدة وحينئذ يصح تفسير ذلك الواحد بالنية فلهذا لا يحنث بغيره قال صاحب الكتاب وهو ضعيف لان هذا مصدر مؤكد بلا نزاع والمصدر المؤكد يطلق على الواحد والجميع ولا يفيد فائدة سوى تقوية المؤكد فلا فرق حينئذ بين الأول والثاني.\nواعلم ان الأمام مال في هذه المسالة على أصحابنا وقال نظر أبى حنيفة فيها دقيق لان النية لصحت أما في الملفوظ أو غيره والأول باطل لان الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة لا يقبل التعدد فلا تقبل التخصيص فان أخذت مع قيود زائدة عليها تعددت وحينئذ تصير محتملة للتخصيص لكن تلك زوائد غير ملفوظة بها فالمجموع الحاصل من الماهية ومنها غير ملفوظ فيكون القابل لنية التخصيص غير ملفوظ وهذا هو وان جاز عقلا الا ان نبطله بالدليل الشرعي فنقول إضافة ماهية الأكل إلى الخير تارة والى اللحم أخرى إضافات تعرض لها بحسب اختلاف المفعول به وإضافتها إلى هذا اليوم وذاك وهذا الموضوع وذاك إضافات عارضة بحسب اختلاف المفعول فيه ثم اجمعنا على انه لو نوى التخصيص بالمكان والزمان لم يصح فكذا التخصيص بالمفعول به والجامع رعاية لاحتياط في تعظيم اليمين هذا","vol":"2","page":117},{"text":"كلامه والنظر الدقيق إنما هو نظر أصحابنا وما ذكره الإمام مدخول لا يتبين به دقة نظر الخصم وقوله الأكل ماهية واحدة لا يقبل التعدد قلنا صحيح ولكن مع قرينه دخول حرف النفي لا نسلم انه لا دلالة له على التعدد ولو سلمنا ان الملفوظ لا يقبل التخصيص فغير الملفوظ يقبله والجواب عما ذكره من القياس.\nأما أولا: فبالمنع فانا لا نعرف خلافا في المذهب انه يجوز تخصيص النية بالمكان والزمان كما يجوز بالمأكول المعين.\nواما الثانية: فقياس المفعول به على المفعول فيه واضح التعسف لأن المفعول به من مقدمات الفعل في الوجود لأن أكلا بلا مأكول محال وكذا في الذهن فهم ماهية الأكل دون المأكول مستحيل فالتزام الأكل للمأكول واضح واما الزمان والمكان فليسا من لوازم ماهية الفعل ولا من مقدماته بل هما من لوازم الفاعل المحدث ولهذا ينفك فعلى الله تعالى عن الزمان والمكان ولا ينفك أكل عن مأكول فالزمان اتفاقي ليس يلازم والحاصل ان دلالة الفعل على المفعول به أقوى من دلالته على المفعول فيه.\nثم إن الإمام قال: ان أكلا غير مصدر في الحقيقة وهذا مخالف لإجماع أهل اللسان على انه مصدر وان إعرابه النصب على المصدر ولكن عذر الإمام انه يدعي انه يشعر بالوحدة فليس المراد به الحقيقة من حيث هي والمصدر للحقيقة من حيث هي ونحن لا نسلم له الاشعار بالوحدة.\nخاتمة: صورة هذه المسألة ان يكون الفعل متعديا غير متقيد بشيء مثلناه وهو الذي ذكره إمام الحرمين والغزالي والآمدي وغيرهم وعلى هذا لا تتناول هذه المسألة الأفعال القاصرة والقاضي عبد الوهاب في كتاب الإفادة قال الفعل في سياق النفي هل يقتضي العموم كالنكرة في سياق النفي لأن نفي الفعل لمصدره فإذا قلنا لا يقوم كأنا قلنا لا قيام وعلى هذا التفسير تعم المسألة القاصرة والمتعدي.","vol":"2","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفصل الثاني في الخصوص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المسألة الأولى: في تعريف التخصيص والفرق بينه وبين النسخ</span>\n...\nالفصل الثاني: في الخصوص\nوفيه مسائل الاولى: التخصيص إخراج بعض ما يتناوله اللفظ والفرق بينه وبين النسخ انه يكون للبعض والنسخ قد يكون عن الكل والمخصص والمخرج عنه والمخصص المخرج وهو إرادة اللافظ ويقال للدال عليها مجازا.\nبدأ في هذا الفصل بتعريف التخصيص والمخصص أما التخصيص فقد قال أبو الحسن والامام انه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب وتبعهما المصنف لكنه أبدل الخطاب باللفظ فالإخراج جنس يشمل المحدد وغيره وباقي الحد فصل والمراد بالإخراج الإخراج عما يقتضيه ظاهر اللفظ من الإرادة والحكم لا عن الإرادة نفسها ولا عن الحكم نفسه فان ذلك الفرد لم يدخل فيهما حتى يخرج عنهما ولا عن الدلالة فإن الدلالة هي الإفهام عند التجرد وهذا الامر لا يبطل بالمخصص واللفظ يدخل فيه العام وغيره كالاستثناء من العدد فإنه ايضا من المخصصات كما سيأتي ان شاء الله تعالى وكذا بدل البعض كما صرح به ابن الحاجب مثل أكلت الرغيف ثلثه.\nواعترض القرافي على هذا الحد بوجهين:\nأحدهما: أنه يندرج فيه إخراج بعض العام بعد العمل به وهو النسخ لا تخصيص\nوالثاني: ان التخصيص قد يكون من مفهوم كما سيأتي ان شاء الله قوله والفرق التخصيص شديد الشبه بالنسخ وقد فرق بينهما المصنف بأن","vol":"2","page":119},{"text":"التخصيص دائما لبعض الأفراد والنسخ قد يكون لكل الأفراد وقضية هذه التفرقة ان يكون النسخ اعم من التخصيص وفي بعض نسخ الكتاب والنسخ عن الكل يحذف قد يكون ويرد على هذه النسخة ان إخراج البعض بعد العمل نسخ واما جعل النسخ اعم فهو مغاير لما اختاره الإمام فإنه قال النسخ لا معنى له الا تخصيص الحكم بزمان معين بطريق خاص فيكون الفرق بين التخصيص والنسخ فرق ما بين العام والخاص وما ذكره الإمام في النسخ قد ساعده عليه الأستاذ١ فإن إمام الحرمين قال في كتاب النسخ صرح لأستاذ بأن النسخ تخصيص في الزمان واعترض على هذا بأن صور النسخ عندنا النسخ قبل التمكن وقيل إتيان زمان الفعل وحينئذ يكون النسخ إبطالا للحكم بالكلية فلا يقال ان ذبح الذبيح اختص ببعض الأزمنة بل ما وقع واعترض على قوله التخصيص اعم بان التخصيص ايضا قد يقع في الأزمنة كما في قول القائل والله لا أكلمه الأيام وأراد أياما معدودة والنسخ قد يقع في غير الأزمنة كما في النسخ قبل العمل ويتطرق إلى كل الأحكام بأي طريق يثبت والتخصيص لا يتطرق الا إلى ما ثبت بالألفاظ والأصوليون ذكروا الفرق بينهما من وجوه.\nأحدها: أن التخصيص مخصوص بالأعيان والنسخ مخصوص بالأزمان بدليل انهما المتبادران إلى الإفهام عند إطلاقهما.\nوالثاني: أن التخصيص لا يكون الا فيما تناوله اللفظ والنسخ اعم من ذلك كما عرفت.\nالثالث: ان النسخ يتطرق إلى حكم سواء كان ثابتا في حق شخص واحد أم أشخاص كثيرة والتخصيص لا يتطرق إلا إلى النوع الأول.\nالرابع: أنهم يعدون النسخ إبطالا وكذلك يشترطون في التخصيص بخلاف التخصيص فانهم يعدونه بيانا.\nالخامس: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ.\n_________\n١ هو: أحمد بن محمد الإسفراييني من أعلام الشافعية. من مؤلفاته كتاب الرونق في الفقه والأصولتوفي ببغداد سنة ٤٠١هـ. الاعلام ١/٢٠٣.","vol":"2","page":120},{"text":"واما التخصيص فلا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالتخصيص وفاقا.\nالسادس: انه يجوز نسخ شريعه بشريعة أخرى ولا يجوز التخصيص قال القرافي وفي هذا الاطلاق وقع في كتب العلماء كثيرا والمراد ان الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة أما كلها فلا لان قواعد العقائد لم تنسخ وكذلك حفظ الكليات الخمسة فحينئذ النسخ إنما يقع في بعض الأحكام الفرعية وإن جاز نسخ شريعة بشريعة عقلا.\nالسابع: ان النسخ رفع الحكم بعد ثبوته والتخصيص ليس كذلك وهو على رأي القاضي واما غيره فينبغي ان يقول هو انتهاء حكم كان أما ثابتا والتخصيص ليس كذلك.\nالثامن: ان الناسخ يجب ان يكون متراخيا والمخصص لا يجب فيه ذلك بل يجوز كونه مقارنا ومتقدما.\nالعاشر: أن التخصيص للمقطوع بالمظنون دافع ونسخه لا يقع به.\nالحادي عشر: أنه يجوز تخصيص الخير والخلاف فيه ضعيف ولا يجوز نسخه وهذا على رأي طائفة وهذه الفروق يحتمل أكثرها المناقشة والتطويل في ذلك مما لا يتعلق به كبير غرض قوله والمخصص هو بكسر الصاد والمخرج بعده بكسر الراء قوله وهو إرادة اللافظ أي انه حقيقة إرادة المتكلم لأنه لما جاز ان يرد الخطاب خاصا وعاما لم يترجح أحدهما على الآخر لا بالإرادة ويطلق المخصص أيضا على الدال على الإرادة مجازا والدال على الإرادة يحتمل ان يكون من صفات المتكلم وهو المريد بنفسه تسمية للمحل باسم الحال أو المجتهد لأنه يدل على الإرادة دليل التخصيص لفظيا كان أو عقليا أو حسيا كل ذلك يحتمل ان يكون هو المراد بقوله ويقال الدال عليه مجازا.","vol":"2","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المسألة الثانية: الذي يقبل التخصيص</span>\n...\nقال الثانية: القابل للتخصيص حكم ثبت لمتعدد لفظا مثل اقتلوا المشركين أو معنى وهو ثلاثة.\nالأول: العلة وجواز تخصيصها كما في العرايا.\nوالثاني: مفهوم الموافقة فيخصص بشرط بقاء الملفوظ مثل جواز حبس الوالد بحق الولد.","vol":"2","page":121},{"text":"والثالث: مفهوم المخالفة فيخصص بدليل ارجح كتخصيص مفهوم إذا بلغ الماء بالراكد.\nهذه المسألة فيما يجوز تخصيصه فالقابل التخصيص حكم ثبت لمتعدد فالواحد لا يجوز تخصيصه لان التخصيص إخراج بعض من كل ولا يعقل ذلك في الواحد واعترض القرافي بأن الواحد بالشخص وهو يصح إخراج بعض أجزائه لصحة قولك رأيت زيدا وتريد بعضه وان تعذر إخراج الجزئيات فينبغي التفضيل والذي يقبل التخصيص إما أن يكون عمومه من جهة اللفظ أو من المعنى أي الاستنباط.\nفالأول: مثل اقتلوا المشركين فان الحكم يشمل كل مشرك وخص عنه الذمي والمستأمن والمعاهد والمهادن.\nوالثاني: ثلاثة أشياء:\nالأولى: العلة واختلف في تخصيصها كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في كتاب القياس فإن هذه المسألة المسماة هناك بالنقض مثل نهي الشارع عن بيع الرطب بالثمر وتعليله إياه بالنقصان عند الجفاف ووجدنا هذه العلة في العرايا أعني بيع الرطب على رؤوس النخل بالثمر على وجه الأرض مع أن الشارع جوزه فيها.\nوالثاني: مفهوم الموافقة كدلالة حرمة التأفيف على حرمة الضرب وغيره من أنواع الأذى فالتخصيص فيه جائز بشرط بقاء الملفوظ وهو التأفيف في مثالنا هذا ومنع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من جواز تخصيص مفهوم الموافقة محتجا بأن التخصيص من عوارض الألفاظ وعلى الأول يجوز تخصيص حبس الوالد في دين الولد فإنه مبق للملفوظ وقد صحح الغزالي جواز حبس الوالد في دين الولد سواء كان دين نفقة أو غيرها صغيرا كان أو كبيرا وتبعه عليه المنصف في الغاية قصوى ويصحح صاحب التهذيب وغيره خلافه.\nالثالث: مفهوم المخالفة وقد قال الشيخ ابو إسحاق يحتمل أن يجوز تخصيصه وان لا يجوز وجزم المتأخرون منهم المصنف بجواز فيجوز أن تقدم","vol":"2","page":122},{"text":"الدلالة على ثبوت مثل حكم المذكور لبعض المسكوت عنه الذي ثبت فيه بالمفهوم خلاف ما ثبت للمنطوق ويعمل بذلك جمعا بين الدليل وقد شرط المصنف تبعا لصاحب الحاصل في هذا القسم ان يكون المخصص راجحا وهو شرط لم يذكره الإمام والظاهر عدم إشتراطه أن لا يشترط في المخصص الرجحان مثاله:\nروي الشافعي واحمد وابن جزيمة وابن حيان في صحيحهما والحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: \"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث\" ١ ومفهوم هذا قاض انه إذا لم يبلغهما يحمل الخبث.\nوروى الدارقطني أنه ﷺ قال: \"إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو طعمه\" ٢ فيجتمع بينهما ويقصر مفهوم إذا بلغ الماء على الراكد وهذا على الجاري فنقول:\nإذا لم يبلغ الماء قلتين وكان جاريا لم ينجس إلا بالتغير وهذا هو القول القديم قال الرافعي واختاره طائفة من الأصحاب.\nقال: قيل: يوهم البداء والكذب قلنا يندفع بالمخصص.\nذهبت شرذمة قليلون إلى امتناع التخصيص معتلين بأنه إن كان في الأمر اوهم البداء أي ظهور المصلحة بعد خفائها وهو بالدال المهملة والمد وان كان في الاخبار وهم الكذب وهما ممتنعان على الله ﷿ أجاب بأنه يندفع بالمخصص أي بالإرادة أو بالدليل الدال لانا إذا علمنا أن الكلام في الأصل\n_________\n١ رواه ابن ماجة من حديث ابن عكر﵄-.\n٢ رواه أبو داود والترمذي والنسائي.\nولا تعارض بين الحيثين قال ابن قتيبة: وإنما قال رسول الله ﷺ- \"الماء لاينجسه شيء\" على الأغلب والأكثر لأن الأغلب على الآبار والغدران- الأنهار- أن يكثر ماؤها فأخرج الكلام مخرج الخصوص.\nثم قال: ثم بين لنا بعد هذا القلتين. مقدار ماتقوى عليه النجاسة من الماء الكثير لاينجسه شيء.\nأنظر: تأويل مختلف الحديث ص ٣٣٦-٣٣٧.","vol":"2","page":123},{"text":"محتمل للتخصيص فقيام الدلالة على وقوعه لا يوجب الكذب ولا البداء إنما يوجبهما ان لو كان المخرج مرارا ثنية كلام الإمام واتباعه كالمصنف وغيره يقتضي ان الخلاف في الامر والخبر ومقتض ايراد الشيخ أبي اسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ وابي الحسين البصري في المعتمد والآمدي ان الخلاف إنما هو في تخصيص الخبر وانه لا خلاف في جواز تخصيص الامر.","vol":"2","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسألة الثالثة: في غاية التخصيص</span>\n...\nقال الثالثة: يجوز التخصيص ما بقي غير محصور لسماحة أكلت كل رمان ولم يأكل غير واحدة وجوز القفال إلى أقل المراتب فيجوز في الجمع ما بقي ثلاثة فإنه الأقل عند الشافعي وابي حنيفة بدليل تفاوت الضمائر وتفضيل أهل اللغة واثنان عند القاضي والأستاذ بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ فقيل: أضاف إلى المعمولين وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فقيل المراد به الميول وقوله ﵇: \"الاثنان فما فوقهما جماعة\" فقيل أراد به جواز السفر وفي غيره إلى الواحد مطلقا.\nهذه المسألة في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص وقد اشتملت على مسألة أخرى وهي الكلام في أقل الجمع.\nالمسألة الأولى: في ضابط المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص وفيها مذاهب.\nالأول: وهو ما ذهب إليه أبو الحسين وصححه الإمام وقال به أكثر أصحابنا أنه لا بد من بقاء جمع كثير واختلف في تفسير هذا الكثير فقيل لا بد أن يقرب من مدلوله قبل التخصيص وقال المصنف لا بد أن يكون غير محصور وإليه أشار بقوله ما بقي غير محصور أي ما بقي المخرج عنه غير محصور وما هنا مصدرية التقدير مدة عدد غير محصور والدليل عليه انه لو قال أكلت كل رمان موجود ولم تأكل غير واحدة لكان ذلك سمجا أي رديئا من الكلام قبيحا ولك ان تقول هذا الدليل وانما ينفي الواحد فقط فلا يحصل به المدعي.\nوالثاني: أنه إن كان بلفظ من جاز التخصيص إلى أقل المراتب وهو الواحد أو في غيرها من ألفاظ الجموع كالمسلمين فيجوز إلى أقل الجمع وذلك إما","vol":"2","page":124},{"text":"ثلاثة أو أقل على ما سيأتي بقائه إن شاء الله تعالى وهذا هو السبب الذي دعا المصنف إلى ذكر مسألة أقل الجمع في هذه المسألة والى هذا القول ذهب القفال الشاشي ﵁ وما أظن القائل بهذا الرأي يقول به في كل تخصيص ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد بل الظاهر ان قوله مقصور على ما عدا الاستثناء من المخصصات بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل على عشرة الا تسعة ويحتمل ان يعم الخلاف الا ان الظاهر خلافه لان المنقول عنه المخالفة هنا لم ينقل عنه ثم.\nالثالث: انه يجوز في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد واليه أشار بقوله في ذيل المسالة وقوم إلى الواحد مطلقا وهو رأي الشيخ إبى اسحاق الشيرازي واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ١ قال بعض المفسرين وكثير من الأصوليين المراد نعيم بن مسعود الاشجعي٢ وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ ٣ قيل في التفسير المراد يحسدون نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم٤\n_________\n١ سورة آل عمران آية ١٧٣.\n٢ وهو قول مجاهد ومقاتل وعكرمة اللفظ عام ومعناه خاص وقال ابن اسحاق وجماعة: يريد بالناس ركب عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم.\nقال السدي: لما تجهز النبي – ﷺ وأصحابه للسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة فسألهم أصحاب رسول الله – ﷺ عن أبي سفيان فقالوا: قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم أي فخافوهم واحذروهم فإنه لاطاقة لكم بهم. فالناس على هذه الاقوال على بابه من الجمع. والله اعلم.\nالجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/٢٧٩- ٢٨٠.\n٣ سورة النساء آية ٥٤.\n٤ فالمراد بلفظ الناس هنا هو سيدنا محمد – ﷺ -.\nالجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/٢٧٩.","vol":"2","page":125},{"text":"والرابع: شيء اختاره ابن الحاجب ولا نعرفه بغيره وهو ان التخصيص ان كان بمتصل فان كان بالاستثناء أو بالبدل جاز الى الواحد نحو أكرم الناس الا الزنادقة وأكرم الناس الا تميما وان كان بالصيغة أو الشرط فيجوز الى اثنين نحو أكرم القوم الفضلاء أو إذا كانوا فضلاء وان كان التخصيص بمنفصل وكان في العلم المحصور القليل كقولك قتلت كل زنديق وكانوا ثلاثة ولم يقتل سوى اثنين جاز الى اثنين وإن كان غير محصور او محصورا كثيرا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول العام.\nالمسألة الثانية: اختلفوا في أقل الجمع على مذاهب وليس محل الخلاف فيما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة وهو ضم شيء الى شيء فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد بلا خلاف وقد افهم كلام ابن برهان في الوجيز خلاف ذلك وليس كما افهم وانما محل الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة مثل مسلمين وغيره من جموع القلة لا جموع الكثرة فان اقلها أحد عشر باجماع النحاة.\nالمذهب الأول: ان اقله اثنان وهو المنقول عن عمر وزيد بن ثابت ﵄ وبه قال مالك وداود القاضي والأستاذ والغزالي.\nوالثاني: ثلاثة ولا يطلق على ما دونها الا مجازا وهو المنقول عن ابن عباس والشافعي وأبى حنيفة واختاره الإمام واتباعه.\nوالثالث: الوقف وهذا لم أره مصرحا بحكايته في كتاب يعتمد عليه وانما اشعر به كلام الآمدي فانه قال في آخر المسألة وأن اعرف مأخذ الجمع من الجانبين فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجح وإلا فالوقف لازم كلامه ورأيت بعض المتأخرين بعده حكاه قولا ثالثا ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهبا.\nوالرابع: ان اقله واحد أخذه بعضهم من قول امام الحرمين في البرهان والذي أراه ان الرد الى واحد ليس بدعا ولكنه ابعد من الرد الى اثنين وعندي في هذا نظر الظاهر انه أراد ان الرد الى واحد ليس بدعا بطريق المجاز وعند هذا يقدح المعترض ان يقول ليس الكلام في إطلاق ذلك مجازا","vol":"2","page":126},{"text":"وان أراد إطلاقه حقيقة فبعيد ولقائل ان يقول أنت قد قلت لا يدع فيه ثم قلت وهو ابعد من الرد الى اثنين وما نرى الحقائق مختلفة المراتب في آحادها بل لو كان حقيقة لتساوى هو والاثنين والثلاثة.\nوالخامس: حكاه ابن عمر وابن الحاجب انه لا يطلق على اثنين لا حقيقة ولا مجازا وعندي في ثبوت هذا القول نظر فانه لا نزاع عند القائلين بالمجاز في صحة اطلاق الكل وارادة الجزء وقد يجاب بان الثلاثة ليست كلا فالكل ماهية يتجزأ منها أجزاء والثالثة لا يتجزأ منها اجزاء بدليل أنه لا يصح اطلاق لفظ واحد عليها ولو كانت كلا لصح لان اطلاق البعض وارادة الكل جائز كالعكس إذا عرفت هذا فقد استدل أصحابنا بوجوه منها ان الضمائر مختلفة فالضمير في الجمع الراجع الى التثنية فدل على تغايرهما فلا يكون حقيقة في اثنين إذ لو كان لصح اطلاقه عليه ومنها ان اهل اللغة يفصلون بينهما ويجعلون كل منهما قسما للآخر فقالوا الاسم قد يكون مفردا وقد يكون مثنى وقد يكون مجموعا فدل على التغاير.\nواحتج القاضي أبو بكر في إصحاحه بأوجه:\nأحدها: قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ١ وأراد داود وسليمان ﵉ فثبت صحة إطلاق الجمع وارادة الاثنين والاصل في الاطلاق الحقيقة واجيب كما ذكر في الكتاب بأن الحكم مصدر فيصح إضافته الى معمولية اعني الفاعل والمفعول وهما هنا الحكم والمحكوم عليه وهذا الجواب ضعيف لان المصدر إنما يضاف إليهما على البدل ولا يجوز ان يضاف إليهما جميعا واضعف منه قول الشيرازي شارح الكتاب في تصحيحه الرد عليه بأن العرب لا تضيف المصدر إليهما جميعا ضعيف لأنه شهادة نفي وقد علمت في فصل الحروف ان مثل هذا ساقط الكلام غير معدود من صنيع العلماء وإنما هو استرواح بما لا يعصم.\n_________\n١ سورة الأنبياء آية ٧٨.","vol":"2","page":127},{"text":"وثانيها: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ١ والمراد عائشة وحفصة ﵄ فاطلق القلوب وأراد قلبين والاصل في الاطلاق الحقيقة قال امام الحرمين في التلخيص وهذه الآية أقوى الآيات في الدلالة على الخصوم وقد أجيب عن الاحتجاج بها كما ذكره في الكتاب بأن حقيقة القلب الجرم الحال في الجانب الأيسر ومجازه ميوله ومنه قولهم لا قلب له الى فلان أي لا ميل والمجاز هو المراد هنا والتقدير فقد صفت ميولكما يدل على هذا ان الجرم لا يوصف بالصفو وهذا الجواب ايضا ساقط لأن القاعدة عند النحاة انه إذا أضيف شيئان الى ما تضمنها جاز فيه ثلاثة اوجه نحو قطعت رأسي الكبشين وراس الكبشين ورؤوس الكبشين.\nوثالثها: قوله ﷺ: \"الاثنان فما فوقهما جماعة\"٢ رواه الدارقطني من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مشهور وحاصل ما فيه بعد ان يعرف انه عمر بن شعيب محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ان قوله جده يحتمل ان يكون جده الأدنى الحقيقي وهو محمد فيكون حديثه مرسلا فان محمدا تابعي ويحتمل ان يكون جده الأعلى المجازي وهو عبد الله فيكون متصلا وقد اختلف العلماء في الاحتجاج به إذا كان هذا فاحتج به اكثر من لا يحتج المرسل حملا له على جده الأعلى ورواه ابن ماجة من حديث الربيع بن بدر المعروف بعليلة وهو ايضا ضعيف وأجاب الإمام بأنه إذا أمكن حمل كلام النبي ﷺ على حكم شرعي ولغوي فالشرعي أولى لكونه مبعوثا لبيان الشرعيات فيحمل هنا على إدراك فضيلة الجماعة وبأنه نهى عن السفر الا في جماعة فبين بهذا الحديث ان الاثنين فما فوقهما جماعة في جواز السفر وهذا ما اقتصر في الكتاب على ذكره ولقائل ان يقول سفر الواحد منفردا ليس بحرام إنما هو مكروه بل الجواب ان الخلاف ليس في لفظ الجمع ولا لفظ الجماعة كما تقدم.\n_________\n١ سورة التحريم آية ٤.\n٢ رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب الإثنان فما فوقهما جماعة، والنسائي في كتاب الإقامة، باب: الجماعة إذا كانوا اثنين..\nكما رواه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"2","page":128},{"text":"فائدة الخلاف في هذه المسالة فائدة أصولية وفوائد فروعية أما الأصولية فهي النظر في الغاية التي ينتهي التخصيص إليها وهي المسألة المتقدمة.\nوقال الأستاذ أبو اسحاق في أصوله بعد ان عزا ما ذكره الى بعض الأصحاب هذه فائدة مريعة فان ائمتنا يجمعون على جواز تخصيص الجمع والعموم بما هو دليل الى ان يبقى تحته واحد انتهى وهو فائدة وقد عرفت الخلاف المتقدم واما الفوائد الفروعية فمنها لو قال له على دراهم لزمه ثلاثة وحكى وجه انه يلزمه درهمان ومنها قليل يكتفي في الصلاة على الميت باثنين حكاه الرافعي عن التهذيب وقال انه بناء على أن اقل الجمع اثنان ومنها:\nلو أوصى لأقاربه وليس له الا قريب واحد فوجهان في انه هل يصرف إليه الكل أو الثلث وحكى الأستاذ أبو منصور وجها انه يكون له النصف حكاه الرافعي عنه ولم يعلله قال ابن الرفعة في المطلب ولم افهم له معنى وان تخيل انه بناء على ان اقل الجمع اثنان لزمه ان يقول فيما إذا أوصى للفقراء بجواز الاقتصار عليهما ايضا ولم نر من قال به ومنها في الرافعي في فروع الطلاق انه لو قال ان تزوجت النساء أو اشتريت العبيد فهي طالق لم يحنث الا إذا تزوج ثلاث نسوة واشترى ثلاثة عبيد وقياس الخلاف الأصولي جريان وجه تحنيثة باثنين.\nفإن قلت: ولم لا يقال في هذه الصورة انه لا يحنث بشيء لأنه علق على جميع نساء العالمين وعبيدهم بدليل إدخاله الألف واللام المقتضية للعموم وهو تعليق على مستحيل والصحيح في التعليق على المستحيل انه لا يقع.\nقلت: لما كان أعمال الكلام أولى من اهماله حمل على جنس الجمع في ذلك وقال الرافعي في كتاب الإيمان فيما إذا حلف لا يكلم الناس ذكر ابن الصباغ وغيره انه يحنث إذا كلم واحد كما إذا قال لا آكل الخبز ولو حلف لا يكلم ناسا حمل على ثلاثة انتهى.\nفإن قلت: هذا عجيب ناس للمنكر يحمل على الجمع فإذا دخلت الألف واللام المعممة تخرجه عن ذلك.\nقلت: كان الألف واللام والحالة هذه المراد بها الجنس من حيث هو","vol":"2","page":129},{"text":"بخلاف ما إذا كان منكرا واما قياس لا يكلم الناس على لا آكل الخبز ففيه نظر لصدق الخبز على القليل والكثير صدقا واحدا كالماء والعسل.","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المسألة الرابعة: العام بعد التخصيص هل هو حقيقة أم مجاز</span>؟\n...\nقال: الرابعة العام المخصوص مجاز وإلا لاشتراك وقال بعض الفقهاء انه حقيقة وفرق الإمام بين المخصص بالمتصل والمنفصل لان المقيد بالصفة لم يتناول غيرا قلنا المركب لم يوضع والمفرد متناول.\nواختلفوا في العام انه إذا خص هل يكون في الباقي حقيقة على مذاهب.\nأحدها: انه مجاز وذهب إليه أصحابنا والمعتزلة كأبي على وابنه واختاره المصنف وصفي الدين وابن الحاجب لأنه حقيقة في الاستغراق فلو كان حقيقة في البعض لزم الاشتراك والمجاز خير من الاشتراك.\nوالثاني: أنه حقيقة وهو مذهب كثير من أصحابنا وجمهور الحنفية والحنابلة.\nوالثالث: أن المخصص ان كان مستقلا سواء كان عقليا كالدليل الدال على ان غير القادر غير مراد من الخطاب في العبادات أو لفظيا كما إذا قال المتكلم بالعام أردت به الفلاني فهو مجاز وان لم يكن مستقلا فهو حقيقة وذلك كالاستثناء مثل قول القائل من دخل داري يكرم الا زيدا والشرط من دخل أكرمته ان كان عالما والتقيد بالصفة من دخل داري من الطوال قال صفي الدين الهندي والتقيد بالعام لعلة الغاية وان لم يذكروه في هذا المقام حكمه حكم إخوانه من المتصلات ظاهرا إذ لا يظهر فرق بينهما على هذا الرأي وهذا ما اختاره الكرخي وأبو الحسين البصري والامام وعلى حكاية هذه الثلاثة اقتصر المصنف.\nوالرابع: ان خص بمتصل من شرط او استثناء فهو حقيقة وإلا فهو مجاز وهو المنقول عن القاضي وقد رايته في مختصر التقريب الا انه لم يصرح بذكر الشرط وهذه عبارته ولو قررنا القول بالعموم فالصحيح عندنا من هذه المذاهب ان نقول إذا تقدر التخصيص باستثناء متصل فاللفظ حقيقة في بقية المسميات وان تقدر التخصيص بدلالة منفصلة فاللفظ مجاز لكن يستدل به في بقية المسميات انتهى.","vol":"2","page":130},{"text":"والخامس: ان خص بالشرط والتقييد بالصفة فهو حقيقة وإلا فهو مجاز حتى في الاستثناء.\nوالسادس: ان خص بدليل لفظي سواء كان متصلا أم منفصلا فهو حقيقة وإلا فهو مجاز\nوالسابع: ان بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز.\nوصرح الغزالي بأنه لا خلاف في انه مجاز إذا لم يبق بعد التخصيص جمع وهذا فيه نظر فقد صرح امام الحرمين في التلخيص بحكاية الخلاف في ذلك فقال ذكر القاضي عن بعض أصحابنا ان اللفظ حقيقة فيما يبقى وان كان اقل من الجمع هذا بعيد جدا انتهى.\nوالثامن: انه حقيقة في تناول ما بقي مجاز في الاقتصار عليه وهو اختيار امام الحرمين قوله لان المقيد هذا دليل الإمام وتقريره ان العام المقيد بالصفة لم يتناول غير الموصوف لأنه لو تناوله لضاعت فائدة الصفة وإذا انحصر تناوله فيه وقد استعمل فيه فيكون حقيقة وهذا بخلاف المخصوص بمنفصل فان لفظه متناول للخارج بحسب اللغة مع كونه لم يستعمل فيه فيكون مجازا او مشتركا والمجاز أولى فيكون مجازا.\nوأجاب المصنف بأن المركب من الموصوف والصفة مثلا غير موضوع فلا يكون حقيقة فيه فلم يبق الا المفرد والمفرد الذي هو العام متناول لكل فرد لغة وقد استعمل في البعض فيكون مجازا وهذا الجواب مبني على ان المركبات غير موضوعة وفيه نزاع فالأولى الجواب بأنه لو لم يكن الموصوف ونحوه متناولا لم يكن المتصل من المخصصات لان التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ هذا شرح ما في الكتاب ونختم المسالة بشيئين.\nاحدهما: قال الإمام إذا قال الله اقتلوا المشركين فقال رسول الله ﷺ في الحال الا زيدا فهل هو تخصيص بمنفصل أو متصل فيه احتمال.\nقال صفي الدين الهندي والأظهر انه منفصل.","vol":"2","page":131},{"text":"قلت: وقد ذكر القاضي المسالة في مختصر التقريب وقال ان من الاصوليين من نزله منزلة الاستثناء المصرح به كلام الله تعالى قال القاضي والذي نرتضيه انه ﷺ ان ابتدأ من تلقاء نفسه كلام ولم يصفه الى كلام الله تعالى فيلتحق ذلك في المنفصل ولا يجعل كلامه ﷺ استثناء حقيقيا بل هو تخصيص سواء قدر متصلا أو منفصلا.\nوالثاني: اعلم ان الاصوليين لم يذكروا التفرقة بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص وهو تحرير منهم والشافعي ﵁ له أقوال في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ منها انه عام مخصوص ومنها انه عام مراد به الخصوص وقد كثر الكلام في ذلك وتشعب النظر ولوالدي أيده الله تعالى في ذلك كلام نفيس ونحن نذكر جميع ما ذكره فانه مما ينبغي ان يغتبط به الفطن قال احسن الله إليه كثر الكلام في العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص في الفرق بينهما وفي ان العام المخصوص مجاز أولا وظن جماعة ان هذا الخلاف في ان العام المخصوص مجاز أو لا يجري في العام المراد به الخصوص والذي أراه في ذلك وبالله العون والتوفيق أما العام الذي أريد به الخصوص فهو العام إذا أطلق وأريد به بعض ما يتناوله فهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله وبعض الشيء غيره فالذي يظهر أنه مجاز قطعا إلا أن قيل ان العام دلالته على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة.\nفقد يقال حينئذ على هذا بأنه حقيقة في كل فرد فان جاء خلاف فيه فإنما يجيء من هذه الجهة وشرط الإرادة في هذا النوع على ما ظهر لنا أن تكون مقارنة لأول اللفظ ولا يكتفي بطريانها في أثنائه لأن المقصود فيها نقل اللفظ عن معناه الى غيره واستعماله في غير موضوعه وليس إرادة إخراج لبعض المدلول إرادة استعماله اللفظ في شيء آخر غير موضوعه كما يراد باللفظ مجازه الخارج عنه لا فرق بينهما الا ان ذاك خارج هذا داخل لأن البعض داخل في الكل ومن يجعل الدلالة على كل فرد دلالة مطابقة لا يناسبه ان يقول انه استعمال اللفظ في غير موضوعه بل يصير كاستعمال المشترك في أحد معنييه وهو استعمال حقيقي وارادة أحد معنيي المشترك عند مانع استعمال المشترك","vol":"2","page":132},{"text":"في معنييه لا شك أنها لا تخرجه عن موضوعه ولا تجعله مجازا بل هي مصححه لاستعماله.\nوأما عند من يجوز استعماله في معنييه فهم مختلفون إذا استعمل في معنييه هل هو مجاز أم لا فمن جعله مجازا فكذلك لأن الاستعمال الحقيقي عنده هو استعماله في أحد المعنيين ومن جعله حقيقة كالعام كما هي طريقة الشيخ الآمدي في النقل عن الشافعي ﵁ فيصير البحث فيه كالبحث في العام المراد به الخصوصي وفيه نظر لأنا نعلم ان المشترك وضعه الواضع لكل من المعنيين وحده بخلاف العام ولكن أدى مساق البحث على طريقة الآمدي الى ما قلناه ويؤنسك الى اشتراط مقارنة الإرادة في هذا النوع لأول اللفظ ما ذكره الفقهاء في تكبيرة الاحرام وفي كنايات الطلاق وإذا حققت هذا المعنى اضبطه وأما العام المخصوص فهو العام إذا أريد به معناه مخرجا منه بعض أفراده فالإرادة فيه إرادة الإخراج لإرادة الاستعمال في تشبه الاستثناء فلا يشترط مقارنتها لأول اللفظ ولا يجوز تأخرها عن آخرها عن آخره بل يشترط ان لم توحد في أوله ان تكون في أثنائه ويؤنسك في هذا ما قاله الفقهاء في مشيئة الطلاق فإنه يشترط اقتران النية ببعض اللفظ قبل فراغه فالتخصيص إخراج كما ان الاستثناء إخراج ولهذا نقول المخصصات المتصلة أربعة الاستثناء والغاية والشرط والصفة والمخصص في الحقيقة هو الإرادة المخرجة وهذه الأربعة والمخصص المنفصل خمستها داله على تلك الإرادة وتلك الإرادة ليست إرادة استعمال اللفظ في غير موضوعه فلذلك لم يقطع بكونه مجازا بل حصل التردد ومنشأ التردد أن إرادة إخراج بعض المدلول هل يصير اللفظ مرادا به الباقي به أو لا والحق لا وهو يشبه الخلاف في الاستثناء وهذا يقوي العام المخصوص حقيقة لكن الأكثرين على انه مجاز ووجهه انه يجعل موضوعا استعمل في معناه بتمامه غير مخرج منه شيء فمتى استعمله مخرجا منه شيء كان مجازا لاستعماله على غير الوجه الذي وضعه الواضع عند الاطلاق.\nوهذا فيما يحتمل المجاز وهو ما كان ظاهرا كالعام.\nأما ما كان نصا كالعدم فالمجاز فيه وليس الا الإخراج المحض ويظهر أثر هذا في","vol":"2","page":133},{"text":"أن المخصص المنفصل يأتي في العام ولا يأتي في العدد والاستثناء في العام كاشف عن الإرادة المخصصة والاستثناء في العدد هو المخرج بنفسه لا بدلالته على إرادة متقدمة ولهذا لو أراد فقط ولم يوجد لفظ الاستثناء لم يصح في العدد.\nويصح في العام ولو قال: أنت طالق ثلاثا ونوي بقلبه إلا واحدة وماتت قبل نطقه بقوله الا واحدة يقع الثلاث نعم يشترط نية الاستثناء قبل فراغ اللفظ لأجل الربط فالنية فيه شرط لاعتبار الاستثناء بعده وليست مؤثرة والنية في التخصيص مؤثرة في الإخراج وحدها ويدل عليها تارة بمخصص منفصل وتارة بمتصل والنية في العام المراد به الخصوص مؤثرة في نقل اللفظ عن معناه الى غيره ومن هنا يعرف ان عد ابن الحاجب البدل في المخصصات ليست بجيد لان الأول في قولنا أكلت الرغيف ثلثه يشبه العام المراد به المخصوص لا العام المخصوص فانظر هذه المعاني وتفهمها ثم تذكر ما قدمته في العام المراد به الخصوص تعرف الفرق بينهما وحكمها هذا ما ذكره والدي ﵀ وهو في غاية النفاسة والذي تحصلت عليه ان العام أنواع.\nأحدها: العام الذي أريد به العام حقيقة.\nوالثاني: العام الذي أريد به غالب الأفراد ونزل الأكثر فيه منزلة الكل فهو مراد به العموم أيضا.\nوالثالث: ما لم ينزل الأكثر فيه منزلة الكل ولكن الكثرة فيه موجودة.\nوالرابع: ما المراد به القليل كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وهذا أخذته من كلام الشافعي ﵁ في الرسالة فإنه قال باب ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام أي الكثرة الغالبة فلا يناقضه قوله ويدخله الخصوص ومثاله القرية الظالم أهلها وقد ذكره الشافعي في أثناء الباب فكأنه جعلهم كل أهل القرية وقال الشافعي ﵁ في أول الباب قال الله تعالى: جل ثناؤه ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١ وقال:\n_________\n١ سورة الأنعام آية ١١.","vol":"2","page":134},{"text":"﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ١وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٢فهذا عام لا خاص فيه انتهى.\nوهو كما صرح به الشافعي وإنما ذكره توطئة لما بعده وليس مما بوب له الا في كونه أريد به العموم فالمراد به العموم قسمان:\nأحدهما: حقيقة لا خصوص فيه وهو خالق كل شيء.\nوالثاني: مجاز فيه خصوص وهو ما ذكره الشافعي بعد مثل القرية الظالم أهلها ولم يلتفت الشافعي الى ما يقوله الأصوليون من ان خالق كل شيء مخصوص بالعقل وكأنه لأن العقل لما دل على المراد به جعله هو المقصود به في كلام العرب لأنها إنما تضع لما يعقل ثم قال الشافعي وقال الله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ ٣ الآية قال الشافعي وهكذا قول الله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ ٤ ففي هذه الآية دلالة على انه لم يستطعما كل أهل قرية فهي في معناها وفيها وفي القرية الظالم أهلها خصوص لأن كل أهل القرية لم يكن ظالما قد كان فيهم المسلم ولكنهم كانوا فيها مكثورين فكانوا فيها اقل انتهى.\nفهذا عام أريد به العام ودخله الخصوص وليس المعنى هنا من إرادة العام جميع الأفراد بل الكثرة المنزلة منزلة الكل ويظهر انه مجاز وليس من مجاز استعمال لفظ الكل في البعض لأن ذلك لا يفترق الحال فيه بين بعض وبعض وهذا في بعض كثير غالب على الباقي فهو أقوى لأنه اجتمع فيه مجاز البعض ومجاز المشابهة إذا الأكثر يشبه الكل في الكثرة وهو مع ذلك قد دخله التخصيص فمن جعل العام المخصوص مجازا يكون قد اجتمع فيه نوع آخر من المجاز ايضا وهذا غريب ينبغي ان يتفطن له ومن لم يجعل العام المخصوص مجازا يقتصر على المجاز من الجهة الأولى وهذا من نفائس البحث وبه يظهر أن العام المراد به العموم قسمان:\n_________\n١ سورة النحل آية ٣.\n٢ سورة هود آية ٦.\n٣ سورة النساء آية ٧٥.\n٤ سورة الكهف آية ٧٧.","vol":"2","page":135},{"text":"أحدهما: الحقيقي كقوله وهو بكل شيء عليم خالق كل شيء على ما قاله الشافعي.\nوالثاني: المجازي كقوله استطعما أهلها والظالم أهلها وهذا القسم لا يكون في الأمر والنهي وإنما يكون في الخبر لأن الأمر والنهي لا يتجوز فيهما بل يقصد بيان حكم التكليف والعام المخصوص قسمان.\nأحدهما: ما يراد به العموم كما تقدم وفيه مجاز كما بيناه.\nوالثاني: ما ليس كذلك كقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ١وتخصيصه بالقاتل والكافر.\nفهذا عام مخصوص وقد أطلق الشافعي عليه بعد ذلك انه عام يراد به الخصوص كما سنذكره وقد عرفت ان الجمهور على انه مجاز وقد قرر والدي انه حقيقة كما سبق والشافعي لم يتعرض للفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص وبما ذكرناه يكون العام المخصوص أنواعا:\nأحدها: ما نزل الأكثر فيه منزلة الجميع فهو مراد به العموم.\nوالثاني ما ليس كذلك ولكن الكثرة فيه موجودة وهو مراد به الخصوص ومخصوص كقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ .\nوالثالث: لا المراد يه القليل كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وهذا مراد به الخصوص ومخصوص والفرق بينه وبين الثاني ان هذا تقول فيه إنه مجاز والثاني محتمل لأن يكون مجازا وهو محل خلاف الأصوليين السابق في ان العام المخصوص هل هو حقيقة أو مجاز.\nواعلم أن في كلام الشافعي في الرسالة ايضا ما يمكن ان يتمسك به منه على ان كل عام مخصوص مراد به الخصوص وذلك لأنه قال باب ما نزل عاما دلت السنة على انه يراد به الخاص قال الشافعي قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ الى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الى قوله: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ٣ فأبان ان الوالدين والأزواج ما سمي في الحالات وكل عام\n_________\n١ سورة النساء آية ١١.\n٢، ٢ سورة النساء آية ١٢.","vol":"2","page":136},{"text":"المخرج فدل بنسبة رسول الله ﷺ انه إنما أريد بعض الوالدين والأزواج دون بعض وذلك ان يكون دين الوالدين والمولودين والزوجين واحدا ولا يكون الوارث منهما قاتلا ولا مملوكا انتهى فيمكن التمسك بهذا على ما ذكرناه لأن السنة إنما دلت على عدم وريث القاتل والكافر وهو تخصيص مقتض لأن يكون هذا العام مخصصا وقد قال الشافعي ان السنة دلت انه إنما أريد به الخصوص فدل على ان كل عام مخصوص مراد به الخصوص إذا كان المراد غير منزل منزلة الكل الذي تقدم إطلاق الشافعي عليه انه اريد به العموم وبهذا يتبين ان البحث الذي قرره والدي رحمة الله عليه في ان العام المخصوص حقيقة لأنه الذي قصد عمومه مخرجا منه بعض الأفراد كاستثناء ليس ذلك وإن كان البحث فيه محال فإنه نوع يصح إرادته.\nوقد وقف الله والدي أيده الله تعالى على ما أوردته من كلام الشافعي وقال ان لم يصح ذلك البحث الذي قررناه فالأمر كما قال الشافعي وان صح احتمل في التخصيص بالقاتل والكافر ان يكون عاما مخصوصا وان يكون مراد به الخصوص ولا يمكن الوصول الى العلم بحقيقته أو يعلمه الا الله تعالى والمتكلم به وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة وأنا من عادتي في هذا الشرح الاطناب فيما لا يوجد في غيره ولا يتلقي إلا منه بحث مخترع او نقل غريب أو غير ذلك والاختصار في المشهور في الكتب إذ لا فائدة في التطويل فيما سبقنا من هم سادتنا وكبراؤنا الى جمعه وهل ذلك الا مجرد جمع من كتب متفرقة لا يصدق اسم المصنف على فاعله.","vol":"2","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المسألة الخامسة: المخصص بمعين حجة</span>\n...\nقال الخامسة: المخصص بمعين حجة ومنعها عيسى بن أبان وأبو ثور وفصل الكرخي.\nيشبه ان تكون هذه المسألة مفرعة على قول من يقول العام المخصوص مجاز فإن من قال غير ذلك احتج به هنا لا محالة وحاصل هذه المسالة ان العام إن خص بمبهم كما لو قيل واقتلوا المشركين الا بعضهم فلا يحتج به على شيء من الأفراد إذ ما من فرد الا ويجوز ان يكون هو المخرج وهذا قد ادعى جماعة فيه الانفاق وهي دعوى غير مسموعة فقد صرح ابن برهان في الوجيز بان محل","vol":"2","page":137},{"text":"الخلاف فيم إذا خص بمبهم فان عبارته العام إذا دخله التخصيص لم يصر مجملا.\nوقال عيسى بن أبان إذا كان التخصيص بدليل مجهول صار مجملا انتهى وهو مصرح بخلاف الدعوى مع زيادة ان المختار عنده خلافها وهو قضية ايراد المحصول والقاضي في مختصر التقريب ذكر الخلاف في العموم إذا خص هل يصير مجملا ولم يقيد بمبهم ولا معين ونقل مذهب ابن أبان عن كثير من الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وطائفة من المتكلمين منهم الجبائي وابنه انتهى ووجه هذه الطريقة التي ذكرها ابن برهان كما ذكرنا إذا نظرنا الى فرد من الأفراد شككنا فيه هل هو المخرج والاصل عدمه فيبقى على الأصل ويعمل به الى ان لا يبقى فرد لكن الهندي رد هذا البحث بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج بالعام المخصوص فيما عدا المخصوص وهذا البحث يقتضي صحة الاحتجاج في الجميع المخصص وغيره ولا قائل به انتهى ويتجه عندي ان يقال يحتج به الى ان يبقى فرد واحد فلا يحتج هذا إذا خص بمبهم أما إذا خص بمعين وهي مسألة الكتاب كما لو قيل اقتلوا المشركين الا المستأمن أو أهل الذمة ففيه مذاهب.\nأصحها عند الإمام واتباعه منهم بمصنف انه حجة في الباطن مطلقا وهو قول معظم الفقهاء واختاره الآمدي وابن الحاجب.\nالثاني: أنه ليس بحجة وهو قول عيسى ابن أبان١وأبي ثور٢وهو مراد كالمصنف بقوله منعها أي منع حجته.\n_________\n١ هو: أبو موسى عيسى بن أبان بن صدفة من فقهاء الحنفية وعلمائهم المبرزين تولى القضاء بقم والبصرة وله مؤلفات كثيرة منها: إثبات القياس توفي بالبصرة سنة ٢٢١هـ.\nالفوئد البهية ص ١٥١، الإعلام ٢/٧٤٩.\n٢ هو: ابراهيم بن خالد الكلبي البغدادي صاحب المذهب الفقهي المعروف صاحب الإمام الشافعي توفي سنة ٢٤٠هـ.\nتذكرة الحفاظ ٢/٨٧، الإعلام ١/ ١٢.","vol":"2","page":138},{"text":"الثالث: وبه قال الكرخي١ والبلخي٢ ان خص بمتصل كالشرط والإسناد والصفة فهو حجة وان خص بمنفصل فلا وهذا التفصيل يفهم من مسألة السابقة فلذلك أهمل المصنف بتبيينه واقتصر على حكاية هذه الثلاثة.\nوالرابع: ان التخصيص ان كان قد منع تعلق الحكم بالاسم العام وأوجب تعلقه بشرط لا ينبىء عنه الظاهر لم يجز التعلق به كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣ لأن قيام الدلالة على اعتبار النصاب والحرز وكون المسروق لا شبهة فيه للسارق يمنع من تعلق الحكم وهو القطع بعموم اسم السارق وموجب لتعلقه بشرط لا ينبىء عن ظاهر اللفظ وان كان التخصيص لا يمنع من تعلق الحكم به جاز التعلق به كما في قوله تعالى اقتلوا المشركين لأن قيام الدلالة على المنع من قتل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل باسم المشركين وهو قول أبي عبد الله البصري٤.\nوالخامس: أن العام المخصوص إن كان بحيث لو تركناه وظاهره من غيرة بيان التخصيص لكنا نتمثل ما أريد هنا ونضم إليه شيئا آخر لم يرد هنا كقوله تعالى اقتلوا المشركين فإنا لو خلينا وظاهره لكنا نقتل كل من صدق عليه الاسم من الحربي والذمي والمستأمن فكنا قد امتثلنا في ذلك ما أريد منا وما لم يرد جاز التمسك به وإن كان العام بحيث لو تركناه وظاهره من غير بيان التخصيص لم يمكنا ان نمتثل ما أريد منا لم يجز التمسك به وهو كقوله تعالى أقيموا الصلاة لأنه لو لم يبين مراده لم يمكنا فعل ما أراده من الصلاة الشرعية\n_________\n١ تقدمت ترجمته في الجزء الأول من هذا الكتاب.\n٢ هو أحمد بن سهل أبو زيد البلخي أحد الكبار الأفذاذ الذين جمعوا بين علوم الشريعة والفلسفة والأدب والفنون،\nمن مؤلفاته: صور الأقاليم الإسلامية، وأقسام العلوم، وشرائع الأديان، وأدب السلطان والرعية، توفي ببلخ سنة ٣٢٢.\nمعجم الأدباء ٣/٦٥- ٨٦، لسان الميزان ١/١٨٣، الأعلام ٧/١٣١.\n٣ سورة المائدة آية ٣٨.\n٤ هو: الحسين بن علي أبو عبد الله البصري أخذ عن أبي هاشم الجبائي برع في شتى العلوم من الفقه والأصول وعلم الكلام توفي سنة ٣٦٨هـ.\nفرق وطبقات المعتزلة ص١١١- ١١٣.","vol":"2","page":139},{"text":"أصلا بخلاف آية السرقة فإنا لو خلينا وظاهرها لكنا فطعنا كل سارق وفي ذلك امتثال ما أريد منا ولم يرد وهذا قول القاضي عبد الجبار.\nوالسادس: انه يجوز التمسك به في اقل الجمع ولا يجوز فيما زاد عليه قال الهندي وهذا يشبه أو يكون قول من لا يجوز التخصيص الى اقل من اقل الجمع.\nقلت: وإذا تقرر ان الخلاف جار في العام المخصوص مطلقا سواء كان مبهما أو معينا جاء مذهب سابع وهو التفصيل بين المعين والمبهم كما أورده الإمام:\nقال: لنا ان دلالته على فرد لا تتوقف دلالته على الآخر لاستحالة الدور فلا يلزم من زوالها زوالها.\nاستدل على ما اختاره بأن دلالة العام على فرد من أفراده لا تتوقف على دلالته على الآخر لأن دلالته مثلا على الباقي لو توقفت دلالته على البعض المخرج فإن لم تتوقف دلالته على المخرج على الباقي كان ذلك تحكما إذ دلالته العام على كل أفراده متساوية وإن توقف عليه لزم الدور لتوقف كل منهما على الآخر والدور مستحيل فدلالته على كل فرد لا تتوقف على دلالة على غيره من الأفراد وإذن لا يلزم من زوال الدلالة عن بعض الأفراد زوالها عن البعض الآخر فلا يكون حجة وهذا الدليل ضعيف من وجهين.\nأحدهما ان هذا دور معية لا سبق فلا استحالة فيه ويظهر هذا بمعرفة دور السبق والمعية فنقول كل واحد من الشيئين على الآخر ان كان توقف قبله وبعده فهو الدور السبقي الذي يستحيل وقوعه ومثاله إذا قال زيد لا اخرج من الدار حتى يخرج عمرو قبلي وقال عمرو لا اخرج منها حتى يخرج زيد قبلي وإن لم يكن سبقا كان إذا قال كل منهما لا ادخل حتى يدخل الآخر فلا استحالة فيه لجواز دخولهما معا وهذا هو المعنى وهو الموجود في دلالة العام.\nوالثاني ان دلالة العام على كل فرد مشروطة باستعماله في الموضوع وهو الاستغراق فإذا لم يستعمل فيه جاز في كل واحد ان يكون حجة في شيء منه","vol":"2","page":140},{"text":"والأولى التمسك بما درج عليه السالفون من الصحابة والتابعين فانهم استدلوا بأكثر العمومات المخصوصة من غير نكير بل لو صح ما ذكروه باب التمسك باللفظ العام إذ ما من عام في حكم شرعي الا وهو مخصوص وعلى ما قالوه يمتنع الاستدلال به.","vol":"2","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المسألة السادسة: يستدل بالعام مالم يظهر المخصص</span>\n...\nقال السادسة يستدل بالعام ما لم يظهر مخصص وابن سريج أوجب طلبه أولا هل يجوز ان يستدل بالعام قبل البحث عن المخصص فيه مذهبان.\nأحدهما: الجواز وهو قول الصيرفي واليه مال الإمام.\nوالثاني: المنع وهو قول أبي العباس بن سريج.\nواعلم ان إثبات الخلاف في هذه المسألة على هذا الوجه هو ايراد الإمام وجمهور اتباعه وادعى جمع من المتأخرين ان ذلك غير معروف بل باطل محتجين بأن الذي قاله الغزالي فمن بعده كالآمدي وغيره أنه لا يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص اجماعا ثم اختلفوا فمن قائل يبحث ومن قائل لا يكفي الظن ولا يشترط القطع بل لا بد من اعتقاد جازم تسكن النفس إليه ومن قائل لا بد من القطع وعليه القاضي قال ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث واشتهار كلام الأئمة قالوا وليس خلاف الصيرفي إلا في اعتقاد عمومه قبل دخول وقت العمل به وإذا ظهر مخصص تغير الاعتقاد هكذا نقله إمام الحرمين ثم الآمدي وغيره واشتهرت هذه المقالة حتى تولعت الألسن بأن هذا كان من غلطات الإمام وأنا أقول قد سبق الإمام بهذا النقل الثقة أثبت الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقال في شرح اللمع ما نصه إذ أوردت هذه الألفاظ الموضوعة للعموم هل يجب اعتقاد عمومها في الحال عند سماعها العمل بموجبها انتهى وكذلك الأستاذ أبو إسحاق في أصوله الذي انتخبه والده أيده الله ولفظه قيل يلزم وقيل لا يلزم ويعرض على الأصول الممهدة لجواز ان يكون فيها ما يخصصه وأفاد الأستاذ في هذه المسألة فائدة جليلة وهي ان الخلاف ليس إلا فيما إذا ورد الخطاب العام بعد وفاة النبي ﷺ أما إذا ورد في عهده وجبت المبادرة الى الفعل على عمومه لأن أصول الشريعة لم تكن متقرره قد بان لك بهذين النقلين ان ما نقله الإمام","vol":"2","page":141},{"text":"غير مستنكر وهو أولى واوجه من القول بإيجاب اعتقاد العموم على جزم حين ظهور المخصص يتغير الاعتقاد فإن مذهبه في غاية السقوط لا وجه له ولا حاصل تحته وقال امام الحرمين انه عنده غير معدود من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء قال وإنما هو قول صدر عن عبادة واستمرار في عناد انتهى وهذا بخلاف القول بالعمل بالعام ابتداء فإنه ذو وجه ظاهر وجيه.\nقال: لنا لو وجب لوجب طلب المجاز للتحرز عن الخطأ واللازم منتف قال عارض دلالته احتمال المخصص قلنا: الأصل يدفعه.\nهذا دليل على ما اختاره من وجوب العمل بالعام ابتداء وتقريره لو وجب طلب المخصص والبحث عنه قبل التمسك بالعام لوجب طلب المجاز عند استعمال اللفظ في حقيقته واللازم منتف فالملزوم مثله أما وجه الملازمة فلأن الطلب في الصورة الأولى إنما هو الاحتراز على المفسدة واحتمال ضرر الخطأ وهذا المعنى موجود في الحقيقة وأما انتفاء اللازم فظاهر إذ لم يزل العلماء خلفا عن سلف على ممر الدهور وتعاقب الأزمنة يحملون اللفظ على حقيقته من غير بحث عن المجاز ومنهم من ادعى الاجماع على انه لا يجب طلب المجاز ولكن فيه نظر فقد نقل الثقات ابن سريج الى وجوبه وصرح القرافي بأن المسألتين على السواء على تقدير صحة الإجماع فالفرق واضح وذلك لأن احتمال وجود المخصص أقوى إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص كما قال امام الحرمين قال والدي ﵀ ويوضح هذا التفريق ان في العام دلالتين.\nإحداهما: على اصل المعنى هي نص والأخرى على استغراق الأفراد وهي ظاهرة واحتمال المجاز حاصل في الأولى وفي كل حقيقة يدل اللفظ فيها على معنى والدلالة الإفرادية عليه قطعية فلذلك لم يطلب المجاز واحتمال التخصيص إنما هو في الثانية قال ومن تأمل هذا الكلام على ان إيراد الحقيقة على العام ساقط لأن في العام حقيقة ومجازا شارك فيهما وفيه تخصيص ينفرد به لا يوجد مثله في الحقيقة قال وهذا نفيس جدا.\nقلت: ونظيره على العكس قلنا لا رجل بالفتح نص في الاستغراق وان كان محتمل المجاز لإراده لا غلام رجل لا رجل بالرفع ظاهر في الاستغراق لا","vol":"2","page":142},{"text":"نص فهذا نظير العام والأول نظير الحقيقة وانما قلنا على العكس لأن قضية الاستغراق في الأول لا في الثاني فلا رجل بالفتح عمومه نص مقطوع به وحقيقة ظاهرة عكس العام ولا رجل بالرفع عمومه ظاهر وحقيقته محتملة للمجاز كغيرها من الحقائق قوله قال عارض أي احتج ابن سريج على مذهبه بأن العام وان دل على ثبوت الحكم في جميع الأفراد فاحتمال المخصص يعارضه لأن العام قبل طلب المخصص يحتمل التخصيص ويحتمل عدمه احتمالا على السواء وأجاب بأن الأصل عدم المخصص والإحتمال بمجرده لا يصلح معارضا لهذا الأصل فيكون مرجوحا.\nفائدة: إذا اقتضى اللفظ العام عملا مؤقتا وضاق الوقت عن طلب الخصوص فهل يعمل بالعموم أو يتوقف فيه اختلف أصحابنا في ذلك كما حكاه ابن الصباغ في كتابه عده العالم في آخر مسألة إسماع الله المكلف اللفظ العام دون مخصصه وللخلاف نظائر كثيرة في المذهب منها هل للمجتهد التقليد عند ضيق الوقت ليعمل به أم لا فيه وجهان:\nالأول: منهما وهو الجواز قول ابن سريج قال ولا يجوز له ان يفتى قال الرافعي وقياسه ان لا يجوز القضاء وأولى ومنهم من طرد قول ابن سريج في القضاء قال الرافعي ومن قال به فقياسه طرده في الفتوى ومنها لا يجوز للقادر عل الاجتهاد في القبلة ان يقلد غيره فإن ضاق عليه الوقت وظن ان وقت الصلاة ينتهي قبل اجتهاده فهل يقلد ويصلى في الوقت أو يتمادى في نظره الى تمام الاجتهاد فيه وجهان ومنها واستيقظ قبيل الوقت وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء لخرج الوقت فهل يباح له التيمم أو يتوضأ أو يصلي خارج الوقت فيه وجهان.","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الفصل الثالث: في المخصص، وهو متصل ومنفصل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>الأول: الإستثناء</span>\n...\nالفصل الثالث في المخصص\nقال: الفصل الثالث في المخصص وهو متصل ومنفصل فالمتصل أربعة الأول الإستثناء وهو الإخراج بإلا غير الصفة ونحوها والمنقطع مجاز.\nالمخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم كما سبق ويطلق على الدال على الإرادة مجازا وهو المراد هنا ثم هو إما متصل أو منفصل لأنه إما أن يستقل بنفسه فالمنفصل أولا بل يتعلق معناه باللفظ الذي قبله فالمتصل وقسمه تبعا للأكثر الى أربعة والإستثناء والشرط والصفة والغاية وزاد ابن الحاجب خامسا وهو بدل البعض من الكل مثل قولك اكرم الناس عالمهم ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ .\nالأول: الاستثناء وعرفه بما ذكر فقوله إخراج جنس يندرج تحته كل المخصصات وقوله بالإخراج به ما عدا الاستثناء قوله ونحوها يعنى مثل خلا وعدا وحاشا وسوى ثم أنه شرط في إلا ان تكون غير صفة يعنى بمعنى غيركما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١ أي غير الله فإنها ليست للإستثناء ومثله جاءني رجال الا زيد فإنه ليس باستثناء ايضا إذا لا يمكن ان يكون متصلا لأن شرط المتصل ان يكون لولا الاستثناء لوجب دخوله وليس كذلك ها هنا لأن بتقدير عدم الاستثناء لا يجب دخول زيد في رجال لأنه لا يعم كما سبق ولا أن يكون منفصلا لأن شرط المنفصل ان لا يكون المستثنى داخلا وهنا يجوز ان يكون داخلا وقد أورد على هذا التعريف أنه\n_________\n١ سورة الأنبياء آية ٢٢.","vol":"2","page":144},{"text":"غير جامع لخروج الاستثناء المنقطع عنه وذلك لأن المستثنى في الاستثناء المنقطع مثل قال القوم إلا حمارا غير داخل في المستثنى منه ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ ١ قال القاضي في مختصر التقريب والأصح أنه ليس من الملائكة وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ ٢ ومالهم به والحد للإستثناء الحقيقي والى الاعتراض وجوابه أشار بقوله والمنقطع مجاز على ان منهم من يقول المنقطع حقيقة ووارد على التعريف ايضا ان لفظه الا أخذت في لفظه وهي من أدوات الاستثناء فيكون تعريفا للشيء بنفسه وبأن أتى في التعريف بالواو في قوله ونحوها وهو غير سديد والصواب الآتيان بأو.\n_________\n١ سورة الحجر ٣٠-٣١.\n٢ سورة النساء آية ٩٢.","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المسألة الأولى: في شروطه</span>\n...\nقال: وفيه مسائل الأولى: شرطه الاتصال عادة بإجماع الأدباء وعن ابن عباس خلافه قياسا على التخصيص بغيره والجواب النقض بالصفة والغاية.\nيشترط في الاستثناء شيئان:\nأحدهما: ان يكون متصلا بالمستثنى منه عادة واحترز بقوله عادة عما إذا طال الكلام فإن ذلك لا يمنح صحة الإستثناء كما قاله الإمام وكذلك قطع الكلام بالتنفس والسعال لا يمنع الاتصال والدليل على ما قلناه من اشتراط الاتصال إجماع أهل اللغة وهم الأدباء عل ذلك وهذا الدليل ليس بجيد فإن ابن عباس من أخبر الناس بلغة العرب فلا يتجه هذا ان صح المنقول عنه ويمكن على بعد ان يجعل قوله بإجماع الأدباء متعلقا بقوله عاده أي لا يضر ما يمنع الاتصال في العادة كالسعال والتنفس باجماعهم ونقل عن ابن عباس ﵁ جوز الاستثناء المنفصل ولم يصح عنه ثم اختلف النقلة عنه فنقل عنه انه يجوز الاستثناء الى شهر ونقل الشيخ أبو اسحاق عنه الجواز إلى سنة ونقل الجواز ابدا فهذه ثلاث روايات فلما لم يصح النقل عنه عبر المصنف بقوله ونقل ولما لم يعرف أقيده أم أطلقه وعلى تقدير التقييد بماذا هو عبر المصنف بقوله:","vol":"2","page":145},{"text":"خلافه وقال القاضي في مختصر التقريب فمن بعده لعل مراده ان صح النقل ما إذا نوى الاستثناء متصلا بالكلام ثم اظهر نيته بعده فإنه يدين١ واحتج للمنقول عن ابن عباس بالقياس على التخصيص بغير الاستثناء بجامع ان كلا منهما مخصص واجيب بالنقض بالصفة والغاية وكذا الشرط فإن هذا يقتضي انفصالها وهو باطل اتفاقا وقد نقل الشيخ ابو اسحاق عن الحسن وعطاء أنهما جوازا الاستثناء ما دام في المجلس وقال: قوم بصحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله دون غيره.\nفوائد: إحداها ذكر ابن النجار في تاريخ بغداد في أثناء حرف الثين المعجمة ان أبا إسحاق المروزي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطرق وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو بمصل على ثيابه وهو يقول لآخر معه مذهب ابن عباس في الإستثناء غير صحيح إذ لو كان صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ ٢ بل كان يقول له استثن ولا حاجة الى هذا التحيل في البر قال فقال الشيخ ابو اسحاق بلدة فيها رجل يحمل البقل وهو يرد على ابن عباس لا تستحق ان يخرج منها.\nالثانية: قال القرافي في المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خالصة كمن حلف وقال ان شاء الله وليس هو في الإخراج\n_________\n١ قال الإمام الغزالي: والوجه تكذيب الناقل فلا يظن به ذلك أو يقال: أراد به إذا اضمره في وقت الإثبات وأبداه بعد ذلك فقد نقول: إنه يدين ومذهبه أن مايدين الرجل فيه يقبل منه إبداؤه أبدا. وقيل: وقيل إنه أراد به استثناءات القرآن.\nأنظر: المتحول ص١٥٧، والمستصقى ٢/٣٧.\nوفي حصول المأمول ص٩٩: ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس لعله لم يعلم أنها ثابتة في مستدرك الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين بلفظ: إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثنى إلى سنة ومثله عند أبي موسى المدني وسعيد بن منصور وغيرها من طرق انتهى.\nوأقول إن الذي نستطيع أن نستخلصه من هذه الروايات أن هذا الرأي منقول عن ابن عباس﵄- ولكن الجمهورمن العلماء يخالفونه في ذلك والله أعلم.١هـ محققة.\n٢ سورة ص آية ٤٤.","vol":"2","page":146},{"text":"بإلا وأخواتها قال ونقل العلماء ان مدركه في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ١ قالوا المعنى إذا نسيت قول إن شاء الله فقل بعد ذلك ولم يخصص وقتا.\nالثالثة: قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ التقدير ولا تقولن لشيء قولا جازما إلا أن تعلم مشيئة الله تعالى وهي لا تعلم فلا تقل هذا القول الجازم فالنهي حالة عدم العلم إنما هو جزم القول باني فاعل ذلك غدا ولا يلزم منه ان لا يقول ذلك غير جازم به بل يعلقه على مشيئة الله فافهم فمن قال افعل غدا ان شاء الله غير آت بالمنهي عنه فافهم هذا فهو حسن.\nفإن قلت من قال: إني فاعل مع قوله إن شاء الله هو قائل إني فاعل فيكون آتيا بالمنهي عنه وإن أتى بلفظ إن شاء الله قلت لا نسلم أن من قال ذلك مع قول إن شاء الله يكون بالمنهي عنه وذلك لأن الكلام المركب من أجزاء لا يصدق أنه ذلك الكلام إلا من جميع أجزائه وكذلك من اقر لرجل بخمسة وعشرين لا يصدق أنه أقر بخمسة لأن الضمير العائد على الخمسة غير العائد على الخمسة والعشرين.\nقال: وعدم الاستغراق الشرط الثاني عدم الاستغراق فان المستغرق مثل عشرة إلا عشرة باطل اتفاقا كما نقله الأئمة لكن قال القرافي نقل ابن طلحة في مختصره المعروف بالمدخل فما إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلثا قولين.\nأحدهما: انه استثناء وينفعه وهذا غريب قال وشرط الحنابلة ان لا يزيد على النصف والقاضي ان ينقص منه لنا لو قيل له على عشرة الا تسعة لزم واحد اجماعا وعلى القاضي استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس قال: الأقل ينسى فيستدرك ونوقص بما ذكرناه.\nذهب الأكثرون الى صحة استثناء الأكثر حتى لو قال له على عشرة الا تسعة لم يلزمه سوى درهم واحد وقالت الحنابلة يشترط ان لا يزيد على\n_________\n١ سورة الكهف آية ٢٤.","vol":"2","page":147},{"text":"النصف وقال القاضي يشترط ان ينقص عنه هذا المنقول في الكتاب ونقل الشيخ أبو اس الشيرازي والآمدي عن الحنابلة امتناع المساوي ايضا كالمنقول عن القاضي ولم تختلف النقلة فيما اسندوه الى القاضي من امتناع المساوي والذي في مختصر التقريب كنا على تجويز الاستثناء الأكثر دهرا والذي صح عندنا آنفا منع ذلك ولم بتعرض لاشتراط الأقلية وقال قوم ان كان العدد صريحا لم يجز الاستثناء الأكثر مثل عشرة الا تسعة والإجاز مثل خذ هذه الدراهم الا ما في الكيس الفلاني اكثر من الباقي وقال آخرون بمنع استثناء اكثر الجملة منها إذا كان المستثنى جملة نحو جاء أخوتك العشره الا سبعة وتجويزا استثنائهم تفصيلا وتعديدا نحو الا زيدا منهم وبكرا وخالدا الى ان يأتي السبعة حكاه الأستاذ أبو محمد الحسن بن عيسى العارص المعتزلي في كتابه النكت في أصول الفقه عن بعض شيوخ النحو من أهل عصره.\nواعلم ان الكلام في الاستثناء من العدد مبنى على صحته وللنحاة فيه مذاهب.\nأحدها: أنه لا يجوز وصححه ابن عصفور.\nالثاني: وهو المشهور الجواز.\nالثالث: ان كان المستثنى عقدا من العقود لم يجز نحو عشرين الا عشرة وان لم يكن عقدا جاز نحو مائة الا ثلاث واستدل المصنف على المختار بوجهين.\nأحدهما: وهو احتجاج على الفريقين أعني من اشترط ان لا يزيد عن النصف ومن اشترط ان ينقص عنه ان الفقهاء اجمعوا على ان من قال لفلان على عشرة إلا تسعة يلزمه واحد فقط ولولا صحة هذا الاستثناء لما كان كذلك ونقل الإجماع مردود فقد حكاه احمد بن حنبل وبعض المالكية.\nوالثاني: وهو مختص بمن اشترط الأقل على ان القاضي أورده في مختصر التقريب ولم يذكر اشتراط الأقلية وإنما أورده من جهة الرادين على من اشترط ان لا يكون اكثر وقال هذا امثل ما يستدلون به مع ان للقول فيه مجالا ولم يذكر عنه جوابا والشيخ أبو اسحاق قال انه دليل قاطع لا جواب","vol":"2","page":148},{"text":"للخصم عنه وتقريره ان الله تعالى استثنى الغاوين من المخلصين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ١ وبالعكس أي استثنى جل وعز المخلصين من الغاوين في قوله حكاية عن إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢ فلو كان المستثنى منه لزم أن يكون كل واحد من الغاوين والمخلصين أقل من الآخر وهو محال واحتج القائل باشتراط الأقل وهو القاضي على ما ذكر في الكتاب بأن الاستثناء خلاف الأصل لكونه بمنزلة الإنكار بعد الإقرار وخالفنا هذا اصل في الأقل لكونه قليل الخطور بالبال فربما نسيه المقر فيستدركه في الاستثناء وهذا بخلاف الأكثر فلذلك جوزنا في الأقل دون الأكثر وأجاب بأنه منقوص بما ذكرناه وهذا يحتمل وجهين.\nأحدهما: أنه منقوص بما ذكرنا من الإجماع فيما إذا قال له على عشرة إلا تسعة وقد ذكرنا أنه غير ثابت.\nوالثاني: أنه منقوص بما ذكرناه من استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس فإن النسيان محال في جانب الباري وهذا الدليل أجيب عنه بأنا لا نسلم إلا أن في قوله إلا من اتبعك من الغاوين للاستثناء لكنا إنما نمتنع من استثناء إلا كثر إذا كان عدد المستثنى والمستثني منه مصرحا به مثل عشرة إلا تسعة أما إذا لم يكن مصرحا به مثل خذ ما في الكيس من الدراهم سوى الزيوف فإنه يصح وإن كانت الزيوف أكثر سلمنا ولكنا نقول المستثنى إلا في الإثنين أقل أما قوله إلا عبادك منهم المخلصين فيشمل كل العباد المخلصين من بني آدم لقوله منهم إشارة لبني آدم اقل واما قوله الا من اتبعك من الغاوين فالمستثنى اقل ايضا لأن قوله عبادي يشمل الملائكة لكونه إسم جنس أضيف ومعلوم ان كل الغاوين أقل من الملائكة وحدهم فكيف إذن أضيف إليهم صالحة بني آدم فيجوز ان استثناء الغاوين من كل عباده وهم اقل من مخلصين بدخول الملائكة في المخلصين ومعلوم انهم اكثر من غيرهم\n_________\n١ سورة الحجر آية ٤٢.\n٢ سورة الحجر ٣٩-٤٠.","vol":"2","page":149},{"text":"قال: ﵇: \"أطت السماء وحق لها ان تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك يسبح الله\" ولقائل أن يقول الجواب عن الأول ان جعل إلا بمعنى لكن فيه خروج من حقيقته بلا دليل وعن الثاني إن الدعوى فيما إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا به وفيما إذا لم يكن وعن الثالث بأنه تعالى قال في سورة الحجر حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١ فاستثناء الأول لأنه استثنى المخلصين من بني آدم وهم أقل ثم قال: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٢ والمراد بعباده هنا المعهودون الذين تقدم ذكرهم وفيهم وقع الكلام وهم المخلصون من بني آدم وليس المراد العموم حتى تدخل الملائكة لأن العهد على العموم والآية وقعت في الحجر مبينة والقصة واحدة والله أعلم.\nومنهم من استدل مع التمسك بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ ولم يتعرض للآية الأخرى وفيه نظر فإن قوله وما أكثر الناس إنما يدل على الأكثرين من الذين بعث إليهم النبي ﷺ والألف واللام في الناس للعهد ولا يلزم من كون الغاوين أكثر في هذه الطائفة أن يكونوا أكثر بالنسبة إلي كل الطوائف من لدن آدم ﵇ إلى يوم القيامة والله اعلم.\n_________\n١ سورة الحجر ٣٩-٤٠.\n٢ سورة الحجر ٤١- ٤٢.\n٣ سورة يوسف ١٠٣.","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المسألة الثانية: الإستثناء من الإثبات نفي وبالعكس</span>\n...\nقال: الثانية: الإستثناء من الإثبات نفي وبالعكس خلافا لأبي حنيفة لنا لو لم يكن كذلك لم يكف لا إله إلا الله احتج بقوله ﵊: \"لا صلاة إلا بطهور\" قلنا للمبالغة.\nالاستثناء من الإثبات نحو قام القوم إلا زيدا نفي للقيام عن زيد بالاتفاق وزعم بعضهم ان الخلاف جار فيه أيضا.","vol":"2","page":150},{"text":"قال الهندي وهو الحق وبه صرح بعضهم وأما الإستثناء من النفي هل هو إثبات فقال أصحابنا نعم وخالفت الحنفية فقالت لا يدل إلا على الحكم المستثنى مسكوت عنه واحتج أصحابنا بأنه لم يكن إثباتا لم يكف قول القائل لا إله إلا الله في توحيده لأن اللفظ حينئذ ليس إلا نفي الإلهية عما عدا الله وهو ساكت عن إثباتها لله فيفوت أحد شرطي التوحيد فلا يكفي ذلك ولا قائل بهذا كيف والنبي ﷺ يقول أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله واحتج أبو حنيفة بقوله ﵇: \"لا صلاة إلا بطهور\" فإن تقديره لا صحة للصلاة إلا بطهور فلو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان حيث وجد الطهور وجدت صحة الصلاة وليس كذلك لجواز فواتها لفقدان شرط آخر وأجاب المصنف بأن الحصر قد يؤتي به للمبالغة لا للنفي عن الغير مثل: \"الحج عرفه\" ١ والطهارة لما كانت أعظم الشروط صيرت كأن لا شرط إلا هي وأحسن من هذا الجواب ما ذكره صاحب التحصيل من ان قولنا الاستثناء من النفي إثبات يصدق بإثبات صورة في كل استثناء لأن دعوى الإثبات لا عموم ما فيها بل هي مطلقة فيقتضي صحة الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق لا بصفة العموم وان شئت قلت لا صلاة نفي كلي وقوله: \"إلا بطهور\" ٢ إثبات جزئي لأن نقيض الكلي جزئي ونحن نقول به إذ قد يوجد الطهور ومعه بقية الشروط والصلاة\nواعلم ان هذا الحديث لا يعرف بهذا اللفظ والأولى أن يغير بحديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\nقلت وقد وقع في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة\n_________\n١رواه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة كما رواه الحاكم في مستدركه الكبير الفتح الكبير ٧٨٢.\n٢ رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لاتقبل صلاة بغير طهور ولفظه: \"لاتقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ\" كما رواه الترمذي وابن ماجة في كتاب الطهارة باب: \"لايقبل الله صلاة بغير طهور\".","vol":"2","page":151},{"text":"بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١ إلا وسعها وجه الحجة انه لو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان المرء مكلفا بكل ما تسعه نفسه لأن الوسع مستثنى في قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ وقد أضيف بقوله وسعها فيقتضي العموم بناء على ان المفرد المضاف يعم والتقدير لا يكلف الله نفسا بشيء إلا بكل ما تسعه فتكون كل ما تسعه مكلفة به وليس كذلك وكان البحث بين يدي والدي أيده الله فاستحسن ذلك٢.\nفرع: لو قال: لا أجامعك سنة إلا مرة فمضت سنة ولم يطأ فهل يلزمه كفارة لاقتضاء اللفظ الوطىء أم لا لأن المقصود منع الزيادة وجهان يتجه تخريجهما على هذا الأصل قال النواوي أصحهما إلا كفارة.","vol":"2","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المسألة الثالثة: في حكم الاستثناءات المتعددة</span>\n...\nقال: الثالثة: المتعددة إن تعارضت أو استغرق الأخير الأول عادت إلى المتقدم عليها وألا يعود الثاني إلى الأول لأنه أقرب.\nالاستثناء من الاستثناء جائز وحكي عن بعضهم خلافه وهو ضعيف قال الله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ ٣ وإذا ثبت جواز الاستثناء من الاستثناء فنقول إلا الاستثناءات المتعددة إما أن يكون بعضها معطوفا على بعض أولا إن كان الأول المستثنى منه نحوله على عشره إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين فإن الكل يرجع إلى الأولي فلا يلزم المقر إلا واحدا وإن كان الثاني مستغرقا للأول أو لا فإن كان مستغرقا قال الإمام أو مساويا له\n_________\n١ سورة البفرة آية ٢٨٦.\n٢ ونقل عن الإمام أبي حنيفة أنه يخالف في المسألتين: أي يقول: إن الإستثناء من الإثبات ليس بنفي ومن النفي ليس بإثبات لكن الصحيح هو الأول الذي حكاه الشارح قال الإمام الرازي: اتفق العلماء: وأبو حنيفة وغيره على أن إلا للإخراج وأن المستثنى مخرج، وأن كل شيء خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر فهذه ثلاثة أمور متفق عليها وبقي أمر رابع مختلف فيه أنا إذا قلنا. قلنا القوم فهناك أمران: القيام والحكم فاختلفوا هل المستثنى مخرج من القيام أو من الحكم به؟ فنحن نقول: من القيام فيدخل في نقيضه وهو عدم القيام والحنفية يقولون: هو مخرج من الحكم فيدخل في نقيضه وهو عدم الحكم فيكون غير محكوم عليه فأمكن أن يكون قائما والا يكون. حاشية البناني على جمع الجوامع ١٥١٢.\n٣ سورة الحجر آية ٥٩.","vol":"2","page":152},{"text":"عاد الكل إلى المتقدم أيضا مثل على عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة فلا يلزم غير واحد وإلي هذين القسمين أشار بقوله عادت إلى المتقدم عليها وإن لم يكن مستغرقا عاد الاستثناء الثاني إلى الأول مثل عشرة إلا ثمانية إلا سبعة حتى يلزم تسعة وإلى هذا أشار بقوله وألا يعود الثاني إلى الأول أي دون المستثنى منه وعلله بان الأول لقربه إليه من المستثنى منه والقرب يدل على الرجحان عند البصريين فإنهم في تنازع العاملين في العمل اختاروا الأقرب ولذلك أن نقول الأقربية لا تدل على اللزوم وانما تدل على الرجحان كما في تنازع العاملين فإنه لا نزاع بين البصريين والكوفيين في جواز أعمال كل منهما وإنما الخلاف في الأولوية فينبغي أن يقرر بوجه آخر فيقال إما أن يعود إلى الثاني أو إلى الأول منتف للزوم الترجيح من غير مرجح في اللزوم لأنهما فيه سواء فيعود إلى الأولوية ونقول لا يعود إلى الأول لأنه مرجوع فرع لو كان الاستثناء الأول مستغرقا للمستثنى منه دون الثاني.\nالثاني: كقوله. عشرة إلا عشرة إلا أربعة ففيه أوجه للأصحاب.\nأحدهما: يلزمه عشرة ويبطل الأول لاستغراقه.\nوالثاني: لأنه باطل.\nوالثاني: يلزمه أربعة ويصح الإستثناءان لأن الكلام إنما يتم بآخره قال ابن الصباغ وهو أقيس.\nوالثالث: يلزم ستة لأن الأول باطل والثاني يرجع إلي أول الكلام.","vol":"2","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المسألة الرابعة: الاستثناء بعد الجمل</span>\n...\nقال: الرابعة: قال الشافعي ﵁ المتعقب للجمل كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يعود إليها وخص أبو حنيفة بالأخيرة وتوقف القاضي والمرتضي وقيل ان كان بينهما تعلق فللجميع مثل اكرم الفقهاء والزهاد وأنفق عليهم إلا المبتدعة فالأخيرة.\nهذه المسألة في حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ","vol":"2","page":153},{"text":"جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ١فإن هذا استثناء وقع بعد ثلاث جمل الأولى أمرهم بجلدهم والثانية ناهية عن قبول شهادتهم والثالثة مخبرة بفسقهم وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب.\nالأول: وهو مذهبنا أنه يعود إلى الجميع لكن بشروط.\nأحدها: أن تكون الجمل معطوفة.\nوالثاني: أن يكون العطف بالواو الجامعة فأما إن كان بثم اختص بالأخيرة ذكره الآمدي قال الأصفهاني ولم أر من تقدمه به.\nقلت وقد نقدمه إمام الحرمين كما نص عليه في النهاية وفي مختصر له في أصول الفقه ونقل الرافعي في كتاب الوقف عنه.\nوالثالث: نقله الرافعي عن رأى إمام الحرمين أيضا ان لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل فإن تخلل اختص بالآخرة قال الرافعي كما لو قال وقفت على أولادي على ان من مات منهم وأعقبت فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الاثنين وإن لم يعقب فنصيبه للذين في درجته فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى اخوتي إلا أن يفسق واحد منهم فيختص الاستثناء بالأخوة.\nالمذهب الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة أنه يعود إلى الأخيرة خاصة حتى لا يقبل شهادة القاذف وإن تاب وصار من الأبرار والثلث التوقف وإليه ذهب القاضي والغزالي منا والمرتضى٢ من الشيعة إلا أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله لغة وقال الإمام أنه الذي نختاره في المناظرة والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخيرة فقط.\nواعلم ان القول بالإشتراك إنما يكون من باب الاشتراك في المركبات لا في\n_________\n١ سورة النور ٤-٥.\n٢ هو الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الطاهر بن موسى من أحفاد سيدنا الحسين بن علي ﵄ وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر.\nتوفي سنة ٤٣٦هـ ببغداد.\nالأعلام للزركلي ٦٦٧١٢.","vol":"2","page":154},{"text":"المفردات ويكون مبنيا على وضع المركبات ولا يمكن أن يقال العود من المفردات ذكره القرافي ولما تغاير توقف القاضي والمرتضى حصلنا من الموقف على مذهبين فنقول والمذهب الخامس واليه ذهب الحسين وقال الإمام انه داخل في التحقيق وانه حق انه ان كان بين تعلق الجمل تعلق عاد الاستثناء إليها والتعلق ان يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرا في الثانية في الحكم نحو اكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة تقديره وأكرم الزهاد وفي الإسم نحو أكرم الفقهاء وانفق عليهم إلا المبتدعة أي على الفقهاء وقد أشار المصنف إلى المثالين فقط لذلك ان لم يكن بين الجمل تعلق اختص بالأخيرة لأن الظاهر أنه ما انتقل عن جملة مستقلة بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من الأولى فلو رجع الإستثناء إلى الجميع لم يكن مقصود من الأولى قد تم.\nقال: لنا ما تقدم الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما فلذلك الاستثناء قيل خلاف الدليل خولف في الأخيرة للضرورة فبقيت الأولى على عمومها قلنا منقوض بالصفة والشرط.\nاحتج الشافعي رضوان الله عليه بأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالحال والشرط وكالصفة وكالجار والمجرور والظرف فيجب أن يكون الاستثناء كذلك والجامع أن كلا غير مستقل بنفسه ومثال اشتراط المعطوف والمعطوف عليه في الحال أكرم ربيعة وأعط مضر نازلين بك وفي الصفة الطوال وفي الشرط أن نزلوا بك في الجار والمجرور اضرب زيدا واهن عمرا في الدار وفي الظرف صم وصل يوم الخميس وقد نقل الإمام عن الحنفية موافقتنا على عود الشرط إلى الكل وأما الحال والظرف والمجرور فقال ان نخصهما بالأخيرة وعلى قول أبى حنيفة وحينئذ لا يحسن استدلال المصنف بها على الحنفية في الدليل نظر آخر وهو أنه لا يلزم من اشتراك لشيئين من بعض الوجوه اشتراكهما في جميع الأحكام واللغة لا تثبت قياسا مع أن الفرق ثابت فإن الشرط متقدم على المشروط من جهة المعنى وإن تأخر من جهة اللفظ بخلاف الإستثناء فإنه مؤخر من الجهتين واحتج أبو حنيفة بأن الاستثناء خلاف الأصل لتنزله منزلة الإنكار بعد الإقرار كما سبق وإذا كان على","vol":"2","page":155},{"text":"خلاف الدليل كان مرجوحا لكن خالفنا مقتضى الدليل في الجملة الأخيرة للضرورة لأن الاستثناء غير مستقل ولا يمكن إلغاؤه وإنما جعلناه للجملة الأخيرة لأنها اقرب فبقى ما عداها على الأصل أجاب بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط فإنهما عائدان إلى الكل مع وجود المعنى الذي قلتموه بعينه فيهما وفي النقض بالصفة نظر فان أبا حنيفة ﵀ لا يقول بالشرط.\nفإن قلت لأبى حنيفة أن يعتذر على الشرط بأن له صدر الكلام كما تقدم.\nقلت: سلمنا أن رتبته التقدم ولكن على الجملة الأخيرة التي هي مشروطة لا على جميع الجمل.\nفإن قلت: لما حصل في ان الشرط هل هو شرط للجميع أو للأخيرة فقط بمقتضى اختلاف الأئمة والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط لم يرتب الحكم في المشروط إلا بعد وجوده فالمشروط مشكوك فيه.\nقلت قد يمنع هذا ويقال في الأصل عدم كونه شرطا فترتب الحكم ما لم يثبت شرطيته للجميع.\nفائدة: الخلاف المتقدم في ان الاستثناء هل يختص بالأخيرة أو يعود إلى الجميع أو غير ذلك إنما هو فيما إذا لم يقم دليل على واحد بعينه وقد وقع استثناء بعد جملتين وهو عائد إلى الجملة الأولى وحدها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ ١ فإن هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى أعني قوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ولا يجوز أن يكون عائدا إلى الأخيرة أعني إلى قوله ومن لم يطعمه فانه مني إذ التقدير حينئذ إلا من اغترف غرفة بيده فليس مني والمعنى على خلاف ذلك لأن المقصود ان لم يطعمه مطلقا من اغترف منه وغرفة بيده على حد سواء ولا يمكن ان يكون التقدير إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني على هذا التقدير لأنه لا يعقل استثناء حينئذ إذ المستثنى لا بد ان يغاير حكمه حكم المستثنى منه وكذلك في قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٤٩.","vol":"2","page":156},{"text":"أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ١ فان هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى أي والله إعلم لا يحل لك النساء والنساء اعم من الزوجات والإماء واستثنى ما يملكه اليمين وجزم أيضا أن يتبدل بالأزواج ولا يمكن عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة إذ تصير الإماء قد استثنين من الأزواج وهن لا يمكن كونهن أزواجا له ﷺ ووقع استثناء وهو عائد إلى الجميع بلا اختلاف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٢ وهذا يصلح نقضا على أبى حنيفة ومعتصما لأصحابنا ووقع استثناء وهو راجع إلى الجملة الأخيرة بلا خلاف غير راجع إلى الأولى الصحيح وفي المتوسطة اختلاف وذلك في آية القاذف المتقدمة فان الجلد ثابت اتاب القاذف أم لم يتب وإنما الخلاف في قبول الشهادة فإن قلت فهذه الآية والآية الأولى ينقضان مذهبكم كما نقضت آية قطاع الطريق رأي أبى حنيفة قلت قد قلنا ان الأصل عندنا ان الاستثناء يعود على الجميع وقد يختلف ذلك لدليل في الآية الأولى تخلف لعدم الإمكان وفي آية القاذف لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة وأما الحنفية فلا عذر لهم في مخالفة أصلهم.\n_________\n١ سورة الأحزاب آية ٥٢.\n٢ سورة المائدة آية ٣٣.","vol":"2","page":157},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-125> الثاني: الشرط </span>هو ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجود له كالإحصان.\nالقسم الثاني من أقسام المخصصات المتصلة بالشرط وهو في اللغة العلامة ومنه أشراط الساعة أي علاماتها وفي الاصطلاح هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجود المؤثر كالإحصان لوجوب الرجم فإن تأثير المؤثر وجوب الرجم هو الزنا متوقف عليه دون وجوده لأنه قد يوجد الزنا ولا يوجد الإحصان وإنما قال لا وجوده ولم يقل لا ذاته كما فعل الإمام لئلا يرد على طرده العلة التامة وهي المركبة من المقتضى والشرط وانتفاء المانع فان تأثيرها متوقف على ذاتها","vol":"2","page":157},{"text":"بالضرورة فالشرط جزاؤها وذاتها لا يتوقف عليها لأن الشيء لا يتوقف على نفسه وهذا بخلاف الوجود فإنه على رأي المصنف وصف عارض للماهية كما تقدم في الاشتراك فلا يدخل تحت الحد فافهم ذلك فهو في محاسن المصنف وهنا فائدتان:\nإحداهما: ان الشرط قد يكون شرعيا كما مثلنا في الإحصان وقد يكون عقليا الحياة شرط للعلم وقد يكون لغويا نحو ان كلمت زيدا فأنت طالق وقد يكون عاديا كالسلم مع صعود السطح والكلام ليس إلا في الشرعي ويدل على ذلك تمثيل المصنف بالإحصان.\nالثانية: أن الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط وقاعدتها مباينة لقاعدة الشروط الأخرى ونظير الفرق بين القاعدتين يتبين حقيقة السبب والشرط المانع والسبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته والشرط هو الذي يلزم العدم ولا يلزم من وجوده لا علم لذاته والمانع هو الذي يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدم وجوده والعدم لذاته وقد أوضحنا ذلك في أوائل تقسيم الألفاظ فعاوده فإذا راجعته وتقرر ذلك فلنعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه ولك ان تمثل ذلك بالزكاة فالسبب النصاب والحول شرط والدين مانع عند من يراه مانعا فإذا ظهرت حقيقة كل واحد من السبب والشرط والمانع وضح ان الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط الفعلية كالحياة مع العلم والشرعية كالإحصان مع الرجم والعادية كالسلم مع الصعود فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في المشروط ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم فقد يوجد المشروط عند وجودها كوجوب الزكاة عند الحول الذي هو شرط وقد يقارن الدين فيمتنع الوجوب وأما الشروط اللغوية التي هي التعليق كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق يلزم من الدخول الطلاق ومن عدمه عدمه إلا أن يخلفه سبب آخر كالإنشاء أو تعليق آخر بعد التعليق وهذا هو شأن السبب أن يلزم من عدمه العدم إلا أن يخلفه سبب آخر فإذا ظهر ان الشروط اللغوية أسباب دون غيرها فإطلاق لفظ الشرط عليها وعلى ما عداها أما بالاشتراك أو بالحقيقة في واحد والمجاز في البواقي","vol":"2","page":158},{"text":"أو بالتواطؤ إذ بينهما قدر مشترك وهو مجرد توقف الوجود على الوجود فان الشرط العقلي وغيره يتوقف دخول شروطه في الوجود على وجوده وإن وجوده لا يقتضيه والمشروط اللغوي يتوقف وجوده على وجود شرطه ووجود شرطه يقتضيه ثم الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه ولا خلاف والبدل كما قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم يقول لها أنت طالق ثلاثا فيقع الثلاث بالإنشاء بدلا من المعلقة وكقولك ان رددت عبدي فلك هذا الدرهم ولك ان تعطيه إياه قبل ان يأتيك بالعبد هبة فتختلف الهبة إستحقاقه إياه بالإتيان بالعبد ويمكن إبطال شرطيته كما إذا أنجز الطلاق او اتفقتما على فسخ العجالة والشروط الشرعية لا يقتضي وجودها وجود او لا تقبل البدل ولا الإخلاف ولا تقبل الإبطال إلا الشرعية خاصة فإن المشرع قد يبطل شرطية الطهارة الستارة عند معارضة التعذر أو غيره فهذه ثلاث فروق إقتضاء الوجود والبدل والإبطال والله اعلم.\nقال: وفيه مسألتان الأولى الشرط إن وجد دفعه فذاك وإلا فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه وارتفاع جزء منه ان شرط عدمه الثانية ان كان زانيا ومحصنا فارجم يحتاج إليهما وإن كان سارقا او نباشا فاقطع يكفي احدهما وإن شفيت فسالم وغانم حر فشفي عتقا وإن قال او فيعتق أحدهما او بعين.","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسألة الأولى: متى يوجد المشروط</span>\n...\nذكر في هذا القسم مسألتين:\nإحداهما: في وقت وجود المشروط اعلم ان الشرط إما ان يوجد أو على التدريج ان وجد دفعة كالتعليق على وقوع طلاق وغير ذلك مما يستحيل ان يدخل في الوجود الا دفعة واحدة فانه يوجد المشروط عند أول أزمنة الوجود ان علق عليه او العدم ان علق عليه مثل ان لم أطلقك فأنت طالق والى هذين القسمين أشار بقوله فذاك وان وجد على التدريج كالتعليق على قراءة سورة مثلا فإن كان على الوجود كقوله ان قرأت الفاتحة فأنت طالق فيوجد المشروط وهو الطلاق عند تكامل أجزاء الفاتحة وان كان على العدم كقوله ان لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق فيوجد المشروط وهو الطلاق عند ارتفاع جزء من الفاتحة حتى لو قرأت الجميع الا حرفا واحدا تطلق لأن المركب ينفى بانتفاء أجزائه وانتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل","vol":"2","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المسألة الثانية: العطف على الشرط أو على المشروط</span>.\n...\nالمسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط أما الشرط فاعلم ان الشرطين إن دخلا على جزء واحد فإما ان يكونا على الجميع او على البدل فإن كانا على الجمع مثل إن كان زانيا ومحصنا فارجم فلا يوجد المشروط الذي هو الرجم الا عند وجودهما معا وإن كان على البدل كفى أيهما وجد في ترتب الحكم نحو إن كان سارقا او نباشا فاقطع وأما المشروط فاعلم أن الجزائين ان دخلا على شرط واحد فإن كانا على الجميع وجد عند وجوده مثل ان شفيت فسالم وغانم حر فأيهما يعتقان عند شفائه أحدهما والخيرة في التعيين إليه هذا ما ذكره في هذه المسألة ولم يذكر اتحاد الشرط والمشروط مثل ان دخلت الدار فأنت طالق بل وضع المسألة في التعدد فقط.\nفائدة: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام لا نعلم في ذلك نزاعا وعلى أنه يجوز تقييد الكلام بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي قال الشيخ صفي الدين الهندي وهذا ما يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك وأما ما يجهل الحال فيه فإنه يجوز ان يقيد ولو بشرط لا يبقى من مدلولاته شيئا كقولك اكرم من يدخل الدار إن أكرمك وان اتفق أن أحدا منهم لم يكرمه.","vol":"2","page":160},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-128> الثالث الصفة </span>مثل فتحرير رقبة مؤمنة وهي الاستثناء.\nالقسم الثاني من المخصصات المتصلة للصفة نحو أكرم بني تميم الطوال ومثل له المصنف تبعا للإمام بقوله فتحرير رقبة لأن رقبة عام والتقييد بالمؤمنة يخرج الكافرة وفيه تجوز لأن رقبة مطلق وعمومه يدل والكلام في العموم الشمولي قوله وهي الاستثناء أي الصفة كالاستثناء في وجوب الإيصال وعودها إلى الجمل فقط لا في جميع أحكام الاستثناء حتى يجيء فيها الخلاف في جواز إخراج الأكثر والمساوي ويحتمل أن يجري الخلاف في هذا أيضا وإطلاق الكتاب يقتضيه وقال الإمام إذا تعقبت الصفة شيئين فإما أن يتعلق أحدهما بالأخرى مثل اكرم العرب والعجم المؤمنين فتكون عائدة إليهما وإما ان لا يكون كذلك مثل اكرم العلماء وجالس الفقهاء الزهاد فهاهنا الصفة عائدة الى الجملة الأخيرة قال وللبحث فيه مجال كما في الاستثناء.","vol":"2","page":160},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-129> الرابع الغاية </span>وهي طرفه وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها مثل: ﴿ثُمَّ","vol":"2","page":160},{"text":"أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ .\nغاية الشيء طرفه ومنتهاه وإنما أعاد المصنف الضمير في طرفه على الشيء وهو غير مذكور للعلم به وألفاظ الغاية حتى وإلى كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وحكم ما بعد الغاية مخالف ما قبلها وإلا لم تكن الغاية غاية بل وسطا هذا خلف وأما الغاية نفسها هل تدخل كقولك أكلت حتى قمت هل يكون القيام محلا للأكل فيه مذاهب.\nأحدها: أن حكمه يخالف حكم ما قبله.\nوالثاني: أنه لا يدل على شيء واختاره الآمدي.\nوالثالث: إن كان من جنسه دخل وإلا فلو نحو بعتك التفاح إلي هذه الشجرة أهي من التفاح فتدخل أم لا فلا تدخل.\nوالرابع: إن كان معه لفظ من دخل نحو من هذه النخلة أو هذه وإلا لم يدخل.\nوالخامس: قال الإمام وهو الأول أن يميز عما قبله بالحسن مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ كان حكم ما بعدها خلاف ما قبلها وان لم يتميز حسا استمر ذلك الحكم على ما بعده مثل: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فإن المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس قال العراقي وقول الإمام يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها من مدخول من جهة أنا لا نعلم خلافا فيما بعد الغاية وهذا يقتضي أنه محل خلاف والخلاف ليس هو في الغاية نفسها.\nوالسادس: إن اقترن بمن دخل وإلا فاحتمل ان يدخل وألا يدخل ويكون بمعنى مع كقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم وهذا كله في غاية الانتهاء أما غاية الابتداء ففيها مذهبان وهنا فوائد.\nأحدها: قول الاصوليين ان الغاية من جملة المخصصات قال والدي أيده الله إنما هو فيما تقدمها عموم يشملها لولم يؤت بها وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ١ ولم يقله لقاتلنا المشركين أعطوا الجزية أولم يعطوها ولا يأتي ذلك\n_________\n١ سورة التوبة آية ٢٩.","vol":"2","page":161},{"text":"في مثل قوله ﷺ: \"رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق\" ١ لأن حالة النائم خارجة عن الصبي وحالة الإفاقة خارجة عن الجنون والاستيقاظ خارج عن منوم فلو قال عن الصبي والمجنون والنائم ولم يذكر الغايات المذكورة لم يشملها فإن قلت فما يقصد بالغاية في مثل هذا قلت تارة يقصد بها تأكيد العموم فيما قبلها وهذا المعنى هو المقصود في الحديث فان عدم التكليف في جميع أزمنة الصبي تعمها بحيث لا يستثني منها شيء وهكذا أزمنه الجنون والنوم فالمقصود بهذه الغاية من هذا الوجه تحقيق التعميم لا التخصيص ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٢ وطلوعه وزمن طلوعه ليسا من الليل حتى يشملها قوله سلام وتارة يقصد بها ارتفاع ذلك الحكم عند الغاية فإن اللفظ لو اقتصر على قوله رفع القلم عن الصبي شمل حالة الصبي ولم يتعرض لحالة البلوغ إثبات التكليف فيها ولا نفيه عنها بل كان ساكتا عن حكمها فلما قال حتى يبلغ وقد علم مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها فهم إثبات التكليف في حالة البلوغ فقصد بالغاية المذكورة هذا الحكم أيضا وهذا يقوله من يقول بالمفهوم وقال والدي أعزه الله تعالى وهو إن قيل به في نحو قوله حتى يعطوا الجزية فهو أقوى من القول به هنا لأن هناك لو لم يقل به لم يكن للغاية فائدة وهنا فائدتها المقصد الأول كما بيناه فلم يكن دليل على الثاني الثانية قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٣ يحتمل ان يكون مثل قوله حتى يعطوا الجزية فإن الصيام لغة تشمل الليل والنهار فخص هذا العموم بقوله إلى الليل ويصح تمثيل المصنف حينئذ بهذه الآية للتخصيص بالغاية ويحتمل ان يكون مثل قوله حتى مطلع الفجر وهو الظاهر فإن الصيام شرعا لا يكون إلا نهارا وأيضا عموم قوله وأتموا الصيام إنما هو في أفراد الصيام أي أتموا كل صيام ولا\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه ابن ماجه والترمذي والحاكم من حديث علي ﵁ بلفظ: رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يشب وعن المعتوه حتى يعقل، الفتح الكبير ٢٥١٢. كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث علي وعمر وعائشة ﵁.\n٢ سورة القدر آية ٤.\n٣ سورة البقرة آية ١٨٧.","vol":"2","page":162},{"text":"تعرض فيه للوقت نعم لو قال قائل أتموا الصوم في الزمان الى الليل كان تخصيصا راجعا إلى العموم في الأوقات المستفاد من قوله الزمان.\nالثالثة: قد عرفت الخلاف في انتهاء الغاية هل يدخل قال والدي أحسن الله إليه ولا بد ان يستثنى من هذا الطلاق شيئان:\nأحدهما: ما تقدم وهي الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ كالغايات المذكورة في الحديث وكطلوع الفجر وكقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ . وإن حالة الطهر لا يشملها اسم المحيض.\nالثاني: ما يكون اللفظ الأول شاملا لها مثل قولنا قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام لأنه لو اقتصر على قوله قطعت أصابعه كلها لأفاد الاستغراق فكان قوله من الخنصر إلى الإبهام تأكيدا وكذلك قوله قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته وهو في الحقيقة راجع إلى الأول لأن المقصود فيهما تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه وان افترقا في ان الذي جعل غاية في الثاني طرف المغيا وفي الأول ما بعده ففي هذين الموضعين الغاية لا خلا ف فيها بل هي في الأول خارجة قطعا وفي الثاني داخلة قطعا وكذا بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه وانما اختلف الأصحاب فيما إذا قال بعتك من هذه النخلة إلى هذه النخلة هل يدخل الابتداء أو الإنتهاء ولا يدخل واحد منهما ومحل القطع بدخول الغاية في قولنا قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام فإن اللفظ الأول صريح في الدخول فلو كان ظاهرا غير صريح كقولنا ضربت القوم حتى زيدا فالحكم كذلك ظاهر مع احتمال أن يكون انتهاء الضرب إليه ولم يضر به.\nالرابعة: من شرط المغيا أن يثبت قبل الغاية ويتكرر حتى يصل إليها كقولك سرت من البصرة إلى الكوفة فإن السير الذي هو المغيا ثابت قبل الكوفة ومتكرر في طريقها وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله إلى المرافق غاية لغسل اليد لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط فليس ثابتا قبل المرفق الذي هو الغاية فلا ينتظم غاية له نعم لو قيل اغسلوا إلى المرافق ولم يقل أيديكم انتظم لأن مطلق الغسل ثابت إلى المرافق ومتكرر قال بعض الحنفية فيتعين","vol":"2","page":163},{"text":"أن يكون المغيا غير الغسل ويكون التقدير اتركوا من اباطكم إلى المرفق فيكون مطلق الترك ثابتا قبل المرفق ومتكررا إليه ويكون الغسل نفسه لم يغيا وفي هذا المقام يتعارض المجاز واضمر فإن لنا ان نتجوز بلفظ اليد إلى جزئها حتى يثبت المغيا قبل الغاية ولا يضمر لنا ان المضمر كم قال هذا الحنفي ومن هذا قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقتضي ثبوت الصيام بوصف التمام قبل غروب الشمس ويتحرر إلى غروبها وليس كذلك فيشكل كون الليل غاية للصوم التام نعم لو قيل صوموا إلى الليل انتظم لأن الصوم الشرعي ثابت قبل الليل ومتكرر إليه بخلاف الصوم بوصف التمام قال القرافي وهذا السؤال أورده الشيخ عز الدين بن عبد السلام وأجاب عنه بأن المراد أتموا كل جزء من أجزاء الصوم سنته وفضائله وكرروا ذلك إلى الليل والكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء الليل دون جزء من جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة وغير ذلك مما يأباه الصوم وكذلك آدابه الخاصة كترك السواك والتفكر في أمور النساء وغير ذلك فامرنا بتكرير هذا إلى غروب الشمس.\nالخامسة: إذا قال له من درهم إلى عشرة وقال ضمنت مالك على فلان من درهم إلى عشرة صححناه كما هو الصحيح لزمه تسعة على الأصح عند العراقيين والغزالي والنووي وقضيته القول بأن غاية الانتهاء لا تدخل دون غاية الابتداء وقيل عشرة وصححه.\nالثاني: كتخصيص قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فإنا نخصص الطفل والمجنون لعدم فهمهما الخطاب واعلم أن منهم من خالف في التخصيص بالعقل ونقله إمام الحرمين عن بعض الناشئة أي الذين نشأوا أبوا أن يسموا هذا الفيء تخصيصا ونحن نقول أولا هذا هو ظاهر نص الشافعي ﵁ فإنه قال في الرسالة باب ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام ويدخله الخصوص توطئة لما ذكره بعدها مما يدخله الخصوص وكذلك كانت ترجمة الباب في بعض نسخ الرسالة كما ذكر شرحها أبو بكر الصيرفي ما ترك عاما يراد به العام وعاما يدخله الخصوص قال الشافعي ﵁ قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي","vol":"2","page":164},{"text":"الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ١ ثم قال وهذا عام لا خاص فيه كل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه وكل دابة فعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها انتهى.\nثانيا: كما قال إمام الحرمين في هذه المسألة قليلة الفائدة نزرة الخدوي والفائدة فإن تلقى الخصوص من مأخذ العقل غير منكر لو كون اللفظ موضوعا للعموم على اصل اللسان لا خلاف فيه مع من يعترف ببطلان مذهب الواقفية وإن امتنع ممتنع من تسمية ذلك تخصيصا فليس في إطلاقه مخالفة عقل أو شرع والخلاف في المسألة عند التحقيق لفظي فان مقتضى اللفظ العام غير ثابت فيما دل العقل على امتناعه فيه ثم نقول يمكن ان يقال ان الآيتين اللتين أوردهما الشافعي ﵁ على عمومها ودعوى تخصيص العقل فيها باطلة أما قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو ﷿ غير داخل وهذا الخطاب لوجهين:\nأحدهما: أن المخاطب لا يدخل في عموم خطابه عند جماعة الأصوليين ولعله البغوي والرافعي في المحرر في الضمان ووالدي وقيل ثمانية ولو قال بيتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار لم يدخل الجداران في البيع ولو قال له من هذه النخلة إلى هذه النخلة قال للشيخ أبو حامد تدخل الأولى في الإقرار دون الأخيرة وقال الرافعي ينبغي أن لا تدخل الأولى أيضا كقوله بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار ولو شرط في البيع الخيار إلى الليل انقطع الخيار بغروب الشمس خلافا لأبي حنيفة حيث قال يثبت والخيار إلى طلوع الفجر وكذا إذا باعه بثمن إلى شهر لم يدخله الشهر الثاني في الأجل.\nقال ووجوب غسل المرافق للاحتياط.\nوهذا جواب عن سؤال مقدر تقديره لو صح ما ذكرتم من مخالفة حكم ما بعد الغاية لما قبلها لم يجب غسل المرافق وجوابه إنما وجب للاحتياط فان النبي ﷺ توضأ فأدار الماء على مرفقه فاحتمل أن يكون غسله واجبا فاخذ بالاحتياط وقد تم القول في المخصصات المتصلة.\n_________\n١ سورة هود آية ٦.","vol":"2","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المخصص المنفصل وهو ثلاثة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>الأول: اللعقل</span>\n...\nقال والمنفصل ثلاثة الأول العقل مثل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .\nالمنفصل هو الذي يستقل بنفسه ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه بخلاف المتصل قال المصنف وهو ثلاثة العقل والحس والدليل السمعي قال القرافي والحصر غير ثابت فقد نفي التخصيص بالعوائد كقولك رأيت الناس فما رأيت افضل من زيد والعادة تقتضي أنك لم تركل الناس وكذا التخصيص بقرائن الأحوال كقولك لغلامك أتيتني بمن يحدثني فإن ذلك لمن يصلح لحديثه في مثل حاله والتخصيص بدليل العقل ضروريا كان أو نظريا.\nفالأول: كتخصيص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فأنا نعلم بالضرورة انه ليس خالقا لنفسه.\nأحدهما: عدم الإذن ويتجه على هذا ما ذكرت.\nوثانيهما: وهو الذي عول عليه ان لفظة شيء مأخوذه من مشاء والمشاء المحدث الذي ليس بقديم والله تعالى قديم فلا يصدق عليه ذلك لما ذكرناه فان قلت فما تصنع في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ ١ قلت لعله لا يرى الوقف على قول قل الله فإن قلت لا يخلو المانع من التخصيص بالعقل في هذه الآية من ان يقول أن الله علما أو لا علم فإن كان ممن ينفيه فكتاب الله شاهد عليه إذ يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وإن كان يثبته وجب عليه أن يقول علم الله مخلوق ويلزمه أيضا ان يقول القرآن مخلوق قلت قد أورد ابن داود هذا على الشافعي ﵁ وسفه الأئمة مقاله وقالوا هو اعتراض غير سديد لأن صفات الله ﷿ من العلم والقدرة والكمال ليست بأعيان له لأن الصفة ليست هي الموصوف ولا هي غيره وأما قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ فهي أيضا على عمومها فكل دابة تدب على وجه الأرض أو في قعر البحار أو تحت أطباق الثرى فالله رازقها دون غيره ويعلم مستقرها ومستودعها واعترض ابن داود بقوله من الدواب من أفناه الله تعالى قبل أن\n_________\n١ سورة الأنعام آية ١٩.","vol":"2","page":166},{"text":"يرزقه خطأ كما قال أبو بكر الصيرفي بل لا بد أن يرزقه إلى أن يغنيه بما يقيم حياته وله نفس ثابتة وقد جعل الله غذاء طائفة من الطير التنفس إلى مدة يصلح فيها للمأكل وليس في قوله ﷿: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ما يوجب انه لا يرزق بعض الدواب قال الصيرفي لأن هذا رزق التفضيل بقوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ ١ والتفضيل وقع كما رأينا الموسر والمعسر واما الرزق الذي يقيم الأبدان للعبادة أو الحياة فلا بد منه كما قال الله ﷿ وقال النبي ﷺ: \"إن الروح الأمين قد ألقى في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\" ٢ قال الصيرفي فهذا نص من السنة إن كل نفس لا بد من استيفائها رزقها واعلم أن الشافعي إنما قال كل شيء من سماء وأرض إلى آخره ليذكر أفرادا مما دخل تحت اللفظ العام يتبين بها أن الداخل تحته من جنسها ولم يتعرض للأشياء التي ذكرت من العلم والقدرة والكلام لكراهية الكلام وتجنبه ترك الخوض فيه.\nفرع: قال الإمام النسخ بالنسخ بالعقل واحتج بأن من سقط رجلاه نسخ عنه غسلهما وهو مدخول فإن ساقط الرجلين لم ينسخ عنه غسلهما بل زال الوجوب لعدم القدرة لا غير ثم أن ما ذكره مخالف لما قاله في النسخ من أنه لا بد وأن يكون بطريق شرعي.\n_________\n١ سورة النحل آية ٧١.\n٢ حديث صحيح، رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة بلفظ \"أن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لاينال ماعنده إلا بطاعته.\nالفتح الكبير ١/٣٩٣.","vol":"2","page":167},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-132> الثاني الحس </span>مثل: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .\nالمخصص الثاني: من المخصصات المنفصلة الحس مثل قوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ فإن مقتضاه أنها أوتيت من كل شيء بعضه ونحن نعلم أنها لم تؤت شيئا مما كنا نشاهده في يد سليمان ﷺ وكذلك\n_________\n(١) سورة النمل آية ٢٣","vol":"2","page":167},{"text":"قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١ ونحن نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها كالسماء ونحوها وقوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ٢ ونحن نرى الجبال أتت عليها وما جعلتها كالرميم وقوله: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ وما كان مختصا من الثمار بأقصى المشرق والمغرب لم تر أنه يجيء إليه.\n_________\n١ سورة الأحقاف آية ٢٥.\n٢ سورة الذاريات آية ٤٢.\n٣ سورة القصص آية ٥٧.","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الثالث: الدليل السمعي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>المسألة الأولى: تعارض العام والخاص</span>\n...\nقال الثالث الدليل السمعي وفيه مسائل الأول الخاص إذا عارض العام خصصه علم تأخيره أم لا وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخا وتوقف حيث جهل لنا أعمال الدليلين أولى.\nالثالث من المخصصات المنفصلة الدليل السمعي وفيه مسائل\nالأولى في بناء العام على الخاص اعلم انه إذا ورد عام وخاص يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر فرأى الشافعي ﵁ أن الخاص يخصص العام سواء علم أن الخاص متأخر عن العام أم لم يعلم أم علم تأخره عن الخاص وبه قال أبو الحسين واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف واختاره ابن الحاجب وذهب أبو حنيفة إلى الأخذ المتأخر سواء كان هو الخاص أم العام فعلى هذا ان تأخر الخاص نسخ من العام بقدر ما يدل عليه وان تأخر العام نسخ الخاص وان جهل وجب التوقف إلا أن يترجح أحدهما على الآخر بمرجح وذهب ابن العارض إلى التوقف في المسألة وابن العارض هذا بالعين المهملة بعدها ألف ثم راء ثم ضاد معجمة واسمه الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه انكت ورأيت عبارته تعابه عبارة المحصول فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له وقد انتخب ابن الصلاح هذا الكتاب ووقفت عليه بخط ابن الصلاح وكتبت منه فوائد وقد وهم القرافي فظن أن ابن العارض قد وقع في المحصول مصحفا قال وانما هو ابن القاص بالقاف والصاد المهملة المشددة وهو الشيخ أبو العباس أحد أئمة أصحاب الشافعي٤ هذا كلام القرافي","vol":"2","page":168},{"text":"وهو وهم وحجتنا ان العام والخاص قد اجتمعنا فأما أن يعمل بهما أو لا يعمل بواحد منهما أو يعمل بالعام دون الخاص أو بالعكس والأقسام الثلاثة الأولى باطلة فتعين الرابع أما الأول والثاني فلاستحالة الجمع بين النقيضين ولاستحالة الخلو عنهما ويراد الثاني انه يستلزم ترك الدليلين من غير ضرورة وهو باطل وأما الثالث فلأنه يستلزم إبطال أحدهما بالكلية بخلاف عكسه فإنه لا يستلزم إبطال العام بالكلية بل من وجه فكان العمل به متعينا لأن أعمال الدليلين أولى من إبطال أحدهما بالكلية واحتج أصحابنا بأن الخاص أقوى دلالة على ما يتناوله من العام واحتج أبو حنيفة بما روى أن ابن عباس ﵁ قال كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمور رسول الله وأجيب بأنه يجب حمل الأحدث على غير صورة النزاع جمعا بين الدليلين والله اعلم ولا يخفى عليك أن الخاص المتأخر إنما يكون مخصصا للعام المتقدم إذا ورد وقت العمل بالعام أو قبله أما إذا ورد بعده فكذلك عند من يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وعند المانعين يكون الخاص ناسخا للعام إن كان مما يصلح لنسخه وإلا فلا يعبأ به.","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المسألة الثانية: ما يخصص القرآن الكريم</span>\n...\nقال الثانية يجوز تخصيص الكتاب به وبالسنة المتواترة والإجماع كتخصيص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ بقوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ بقوله القاتل لا يرث: و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ برجمه ﵇ المحصن وتنصيف حد القذف على العبد.\nهذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمقطوع وذكر فيها ثلاثة مباحث:\nالأول: أنه يجوز تخصيص الكتاب به أن بالكتاب خلافا لبعض أهل الظاهر لنا أنه وقع لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١ وهذا عام في أولات الأحمال بقوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ووقوعه دليل جوازه وزيادة لا يقال لعل التخصيص وقع بغير هذه الآية لأنا نقول الأصل عدم غيرها واحتج الخصم بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ ٢ فوض البيان إلى الرسول ﷺ فوجب أن لا يحصل البيان إلا بقوله\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٢٨.\n٢سورة النحل آية ٤٤.","vol":"2","page":169},{"text":"والجواب أن قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١ يدل على أن الكتاب هو المبين والجمع بين الآيتين أن البيان يحصل من رسول الله ﷺ وذلك أعم من أن يكون منه أو على لسانه واعلم أنه يجوز تخصيص السنة المتواترة بها كالكتاب به\nالبحث الثاني: يجوز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة قال الآمدي لا أعرف فيه خلافا وصرح الهندي بقيام الإجماع عليه ومنهم من حكى خلافا في السنة الفعلية وقد مثل المصنف للقولية بأنهم خصصوا عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٢ بما روى الترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة وهو رجل متروك عند بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال: \"القاتل لا يرث\" قال الترمذي لا يصح هذا الحديث ولا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال البيهقي شواهده تقويه٣ فإن قلت هذا الحديث على تقدير صحته من أخبار الآحاد والكلام في المتواترة قلت قال القرافي هذا السؤال إنما يرد لو كان زماننا زمان النسخ والتخصيص وإنما ذلك زمن الصحابة ﵃ وهذا الحديث وأمثاله كان متواترا في ذلك الزمان والمتواتر قد يصير آحادا وكم من قضية كانت متواترة في الزمن الماضي ثم صارت آحادا بل ربما نسيت بالكلية ومثل للسنة الفعلية بأنهم حكموا بأن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٤ مخصوص بما تواتر عندهم عن النبي ﷺ من رجمه المحصن والحديث في الصحيحين٥ ولك أن تقول لعل\n_________\n١ سورة النحل آية ٨٩.\n٢ سورة النساء آية ١١.\n٣ قال يحيى بن معين. رجاله كلهم ثقات إلا اسحاق هذا وجود ابن عبد البر عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رسول الله ﷺ: \"ليس للقاتل من الميراث شيء\" رواه النسائي.\nوانظر: نيل الأوطار ٩٥١٦-٨٦، سبل السلام ٣/١٠١.\n٤ سورة النور آية ٢.\n٥ روى البخاري هذا الحديث في صحيحه كتاب الحدود باب: رجم المحصن. فتح الباري ٢/٩٨. كما رواه الإمام مسلم باب حد الزنا، وأحمد في مسنده وأبو داود باب: رجم ماعز.","vol":"2","page":170},{"text":"التخصيص إنما هو بالآية التي نسخت تلاوتها ويبقى حكمها وهي الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما كما سيأتي في النسخ ان شاء الله تعالى والمراد بالشيخ والشيخة الشيب والشيبة ثم أن رجمه ﷺ المحصن ليس فعلا وإنما هو قول فإن ﵇ قال اذهبوا به فارجموه فلا يصح مثالا للفعلية.\nفرع: يجوز تخصيص السنة المتواترة بالكتاب وعن بعض فقهاء أصحابنا أنه لا يجوز البحث.\nالثالث: يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع وكذا السنة المتواترة يجوز تخصيصها بالإجماع قال الآمدي لا اعرف فيها خلافا واستدل في الكتاب او مثل بأن الإجماع خصص العبد من آية الجلد يعني قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ لأنه قام على ان ينصف على العبد وإما عكس ذلك وهو تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة فلم يذكره كم الكتاب وهو غير جائز بالإجماع ولأن إجماعهم على الحكم العام مع سبق المخصص خطأ ولا يجوز الإجماع على الخطأ.\nتنبيه: معنى قولنا تخصيص الكتاب بالإجماع أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر فالمخصص سند الاجماع ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وان جهلوا المخصص وليس معناه انهم خصوا العام بالاجماع لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده ﵇ وانعقاد الاجماع بعد ذلك على خلافه خطأ فالذي جوزناه اجماع على التخصيص لا تخصيص بالإجماع والله اعلم.\n_________\n١ سورة النور آية ٤.","vol":"2","page":171},{"text":"وأتباعه منهم المصنف وبه قال امام الحرمين وطوائف وتبعهم الآمدي قال إمام الحرمين ومن شك ان الصديق لو روى خبرا عن المصطفى ﷺ في تخصيص عموم الكتاب لا بتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على دراية من قاعدة الاخبار.\nوالثاني: المنع مطلقا ونقله ابن برهان في الوجيز عن طائفة من المتكلمين وشرذمة من الفقهاء.\nوالثالث: قال عيسى بن أبان إنه لا يجوز في العام الذي لم يخصص ويجوز فيما خصص لأن دلالته تضعف وشرط ان يكون الذي خصص به دليلا قطعيا.\nوالرابع: إن كان التخصيص بدليل منفصل جاز وإن يخص أو كان بمتصل فلا يجوز قاله أبو الحسن الكرخي وشبهته أن تخصيصه بمنفصل يصيره مجازا كما هو رأيه وإذا كان مجازا ضعف فيتسلط عليه التخصيص فمدار ابن ابان والكرخي على والضعف غير ان مدرك الكرخي في القوة الحقيقية والمجاز ومدرك الأخر القطع بالمجاز وعدم القطع وقوله والكرخي بمنفصل أي ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل وقد اقتصر في الكتاب على الأربعة.\nوفي المسألة مذهب خامس وهو الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب وأجرى اللفظ العام من الكتاب في بقية مسمياته.\nوذهب إليه القاضي كما نقله عن إمام الحرمين والغزالي والامام والآمدي نقل عنه ابن برهان في الوجهين أنهما يتعارضان ويتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر وهو عند التحقيق غير القول بالوقف وكلامه في مختصر التقريب محتمل لكل من النقلين إلا أنه لما نقله ابن برهان أقرب فانه قال إذا تقابلا يتعارضان القدر الذي يختلفان فيه ولا يتمسك بواحد منهما ويتمسك بالصفة العامة في بقية المسميات التي لم يتناولها الخبر الخاص فينزل الخبر مع العموم فيما يختلف فيه ظاهرهما منزلة خبرين مختلفي الظاهر نقلا مطلقين انتهى وحكى في مختصر التقريب مذهب سادسا وهو أنه يجوز التعبد بتخصيص العموم بخبر الواحد وعدمه عقلا لكن لم يدل على أحد القسمين وهذا أيضا قول بالوقف وهنا فوائد.","vol":"2","page":172},{"text":"أحدها: ان هذا الخلاف الذي في تجوير تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد هل هو جار في تخصيص السنة المتواترة به الظاهر وهو الذي صرح به في الكتاب نعم والمصنف وإن كان منسوبا في ذلك الى التقرير عن الإمام وأصحابه وغيرهم من المتأخرين فهو آت بحق فقد سبقه بذلك القاضي ﵁ فقال في مختصر التقريب القول في تخصيص الكتاب والسنة المقطوع بها بأخبار الآحاد اعلم وفقك الله ان هذا باب عظيم.\nخلاف العلماء فيه ثم ساق المذاهب المذكورة.\nالثانية: لعلك تقول قد سبق أن ابن أبان يرى أن العام المخصوص ليس بحجة فكيف الجمع بينه وبين ما ذكره هنا والجواب أن الجمع بينهما أنه لا يحتج بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض فيصير مجملا عنده فإذا جاء مخصص بعد ذلك جزمنا بإخراج ما دل عليه بعد أن كنا لا نحكم عليه بشيء ويبقى الباقي على ما كان عليه لا يحتج به ولا يجزم لعدم إرادته فالمخصص مبني لكون ذلك الفرد غير مراد وساكت عن الباقي فلا منافاة بين الكلامين وهذا الجمع قرره والدي أحسن الله إليه ورأيت أنا بعد ذلك القاضي في مختصر التقريب قال بعد حكاية مذهب ابن أبان هذا مبني على أصل له قدمناه وهو أن العموم إذا خص بعضه صار مجملا في بقية المسميات لا يسوغ الاستدلال باللفظ المجمل في عموم ولا خصوص قبل ورود الخبر وبعده انتهى وهذا حسن نفيس.\nالثالثة: قال القرافي المحدثون والنحاة على عدم صرف أبان قال ونقله ابن يعيش في شرح المفصل عن الجمهور وقال إنه بناء على أن وزنه أفعل واصله أبين صيغه مبالغة في الظهور الذي هو البيان والابانه فيقول هذا أبين من هذا أي أظهر منه وأوضح فلوحظ أصله مع العلمية التي فيها فلم يصرف.\nقال: لنا أعمال الدليلين ولو من وجه أولى قيل قال ﵊: \"إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه\" قلنا منقوض بالمتواتر قيل الظن لا يعارض القطع قلنا العام مقطوع المتن مظنون الدلالة والخاص بالعكس فتعادلا قيل لو خصص لنسخ قلنا التخصيص أهون","vol":"2","page":173},{"text":"احتج على الجواز مطلقا بأن فيه إعمالا للدليلين أما الخاص ففي جميع ما دل عليه وأما العام فمن وجه وهو الإفراد التي لم تخصص دون وجه وهو ما خصص ومنع التخصيص يفضي إلى إلغاء أحد الدليلين وهو الخاص وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما وقد سبق مثل هذا واحتج المانع مطلقا بثلاثة أوجه.\nأحدها: ما روي أنه ﷺ قال: \"إذا روى عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه\" ١ وهذا الحديث مخصوص بالكتاب فلا يدل على السنة المتواترة كما هي طريقة المصنف وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده موصولا من حديث أبي هريرة واللفظ أنه ستأتيكم عني أحاديث مختلفة فما أتاكم عني موافقا لكتاب الله وسنتي فليس مني وفي سنده مقال ورواه البيهقي في المدخل من طريق الشافعي ﵁ عن طريق منقطعة وأجاب المصنف بأن هذا منقوض بالسنة المتواترة فإنها مخالفة ويجوز التخصيص بها اتفاقا كما سبق وقال الشافعي رضوان الله عليه ما هو أحسن من هذا الجواب وهو ما نصه وليس يخالف الحديث القرآن ولكنه مبين معنى ما أراد خاصا وعاما وناسخا ومنسوخا ثم يلزم الناس ما بين يفرضه الله ﷿ فمن قيل عن رسول الله ﷺ فعن الله قيل قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٢ انتهى.\nالثاني: إن الكتاب مقطوع به وكذا السنة المتواترة والآحاد مظنونة والمقطوع أولى من المظنون.\n_________\n١ قال الإمام الشافعي﵁: هذا الحديث رواه رجل مجهول وهو منقطع ولم يروه أحد يثبت حديثه الرسالة ص ٢٢٤-٢٢٥ بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وفي عون المعبود ٤/٣٢٩: فأما مارواه بعضهم أنه قال: \"إذا جاءكم الحديث فأعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه ... فإنه حديث باطل لأصل له. وينقل العلامة الفتني في تذكرة الموضوعات ص٢٨ عن الخطابي أنه قال: ضعفه الزنادقة. وقد عقد الإمام أبو محمد بن حزم لهذا المعنى فصلا نفيسا في كتابه الإحكام ٢/٨٦- ٨٢ فراجعه هناك والله أعلم.\n٢ سورة الحشر آية ٧.","vol":"2","page":174},{"text":"احتج على الجواز مطلقا بأن فيه أعمالا للدليلين أما الخاص ففي جميع ما دل عليه وأما العام فمن وجه وهو الإفراد التي لم تخصص دون وجه وهو ما خصص ومنع التخصيص يفضي إلى إلغاء أحد الدليلين وهو الخاص وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما وقد سبق مثل هذا واحتج المانع مطلقا بثلاثة أوجه.\nأحدها: ما روي أنه ﷺ قال: \"إذا روى عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه\" ١ وهذا الحديث مخصوص بالكتاب فلا يدل على السنة المتواترة كما هي طريقة المصنف وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده موصولا من حديث أبي هريرة واللفظ أنه ستأتيكم عني أحاديث مختلفة فما أتاكم عني موافقا لكتاب الله وسنتي فليس مني وفي سنده مقال ورواه البيهقي في المدخل من طريق الشافعي ﵁ عن طريق منقطعة وأجاب المصنف بأن هذا منقوض بالسنة المتواترة فإنها مخالفة ويجوز التخصيص بها اتفاقا كما سبق وقال الشافعي رضوان الله عليه ما هو أحسن من هذا الجواب وهو ما نصه وليس يخالف الحديث القرآن ولكنه مبين معنى ما أراد خاصا وعاما وناسخا ومنسوخا ثم يلزم الناس ما بين يفرضه الله ﷿ فمن قيل عن رسول الله ﷺ فعن الله قيل قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٢ انتهى.\nالثاني: إن الكتاب مقطوع به وكذا السنة المتواترة والآحاد مظنونة والمقطوع أولى من المظنون.\n_________\n١ قال الإمام الشافعي﵁: هذا الحديث رواه رجل مجهول وهو منقطع ولم يروه أحد يثبت حديثه الرسالة ص ٢٢٤-٢٢٥ بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وفي عون المعبود ٤/٣٢٩: فأما مارواه بعضهم أنه قال: \"إذا جاءكم الحديث فأعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه ... فإنه حديث باطل لأصل له. وينقل العلامة الفتني في تذكرة الموضوعات ص٢٨ عن الخطابي أنه قال: ضعفه الزنادقة. وقد عقد الإمام أبو محمد بن حزم لهذا المعنى فصلا نفيسا في كتابه الإحكام ٢/٨٦- ٨٢ فراجعه هناك والله أعلم.\n٢ سورة الحشر آية ٧.","vol":"2","page":174},{"text":"وأجاب بأن العام الذي فيه الكلام وهو الكتاب والسنة المتواترة مقطوع في متنه إذ لا شك في كونه من القرآن إن كان من الكتاب ولا ان رسول الله ﷺ قاله ان كان من السنة المتواترة وأما الخاص فبالعكس متنه مظنون لأنه من رواية الآحاد فلا يقطع بأن رسول الله ﷺ قاله ودلالته مقطوع بها لأنه لا يحتمل إلا ما يعرض له فكل منهما مقطوع به من وجه مظنون من آخر فتساويا فان قلت إذا تعادلا فلا ينبغي ان يرجح احدهما على الآخر إذ هو حينئذ ترجيح من غير مرجح قلت يرجح الخاص بأن فيه أعمالا للدليلين وقد ضعف الأصفهاني شارح المحصول هذا الدليل بأن خبر الواحد يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع غاية ما في الباب أنه لا يحتمل التخصيص وذلك لا ينفع نعم يمكن ان يدعي قوة دلالة الخاص على مدلوله فإنها أقوى من دلالة العام عليه.\nالثالث: انه لو جاز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد لجاز نسخهما به واللازم منتف بالاتفاق على أنه لا يجوز نسخ المتواترة بخبر الواحد وبيان الملازمة ان كل واحد منهما تخصيص لكن أحدهما وهو النسخ تخصيص في الأزمان والآخر تخصيص في الأعيان وأجاب بأن التخصيص أهون من النسخ لأن النسخ يرفع الحكم بالكلية بخلاف التخصيص ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف ان يكون مؤثرا في الأقوى قلت وهذا الدليل وجوابه يمشيان على طريق المصنف فإنه قال لا ينسخ المتواترة بالآحاد وهي طريقة فيها كلام لأن جماعة ينفلوا الاتفاق على الجواز وجعلوا محل الخلاف في الوقوع وجماعة جزموا بالجواز من غير حكاية خلاف كالإمام وغيره كما ستعرف ذلك إن شاء الله في النسخ فالعجب ليس من المصنف لأنه مشى على طريقته وهي صحيحة سنبين ذلك في كتاب النسخ بل من الإمام حيث لم ينبه على ذلك إذ ذكر الدليل والجواب.\nقال: وبالقياس ومنع أبو على وشرط ابن ابان التخصيص والكرخي بمنفصل وابن سريج الجلاء في القياس واعتبر حجة الإسلام ارجح الظنين وتوقف القاضي وإمام الحرمين.","vol":"2","page":175},{"text":"المبحث الثاني في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقياس أي بقياس نص خاص كذا صرح الغزالي وقوله بالقياس معطوف على قوله بخبر الواحد أي يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس والخلاف في هذه المسألة على مذاهب.\nأحدها: الجواز مطلقا وبه قال الأئمة الأربعة والشيخ أبو الحسن وأبو هاشم بعد أن كان يوافق وهو المختار في الكتاب.\nوالثاني: المنع مطلقا قال أبو علي الجبائي ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين منهم ابن مجاهد من أصحابنا.\nوالثالث: أن تطرق إليهما التخصيص بغير القياس جاز تخصيصهما به وإلا فلا قاله ابن أبان ونقله ابن برهان في الوجيز عن أصحاب أبي حنيفة.\nوالرابع: أن تطرق إليهما التخصيص بمنفصل جاز وإلا فلا قاله الكرخي.\nوالخامس: يجوز تخصيصهما بالقياس الجلي دون الخفي وهو رأي ابن سريع وجماعة من أصحابنا واختلف هؤلاء في تفسير الجلي والخفي فقيل الجلي قياس العلة والخفي قياس الشبه وقيل الجلي ما تتبادر علته إلى الفهم عن سماع الحكم نحو تعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ونحو اندهاش العقل عقل عند تمام الفكر عند سماع قوله ﵇: \"لا يقضي القاضي وهو غضبان\" ١ والخفي ما ليس كذلك وقيل الجلي ما ينقض قضاء القاضي بخلافه والخفي ما ليس كذلك.\nوالسادس: ان تفاوت العام والقياس في إفادة غلبية الظن رجحنا الأقوى وأن تساويا فالتوفيق وهو مذهب حجة الاسلام الغزالي واعترف الإمام في بناء المسألة بأنه حق واستحسنه القرافي وقال الأصفهاني انه حق واضح وكذلك قال الهندي في أثناء المسألة.\n_________\n١ حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري وأبو داود وابن ماجة من حديث أبي بكر أن رسول الله - ﷺ- قال: \"لايقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان\". كما رواه النسائي بلفظ: \"لايقضين أحد في قضاء بقضاءين ولا يقضين أحد بين خصمين وهو غضبان\".\nالفتح الكبير ٣/٣٦٨.","vol":"2","page":176},{"text":"والسابع: الوقف ذهب إليه القاضي وإمام الحرمين واقتصر المصنف على حكاية هذه المذاهب السبعة.\nوالثامن: قال الآمدي ان كانت العلة منصوصة او مجمعا عليها جاز التخصيص به وإلا فلا.\nوالتاسع: ان كان الأصل المقيس عليه مخرجا من عام جاز التخصيصي وإلا فلا وهنا الخلاف كله في القياس المستنبط من الكتاب او عمومها او عموم خبر الواحد بالنسبة الى خبر الواحد فعلى الخلاف ايضا واما بالنسبة الى عموم الكتاب فيرتب على جواز تخصيصه بخبر الواحد فمن لا يجوز ذلك لا يجوز تخصيصه بالقياس المستنبط منه بطريق الأولى واما من يجوز قال الهندي فيحتمل ان لا يجيز ذلك لزيادة الضعف ويحتمل أن يجوز ذلك كما في القياس المستنبط من الكتاب إذ قد يكون قياسه أكثر قوة من ذلك العموم بأن يكون قد قياسة أكثر قوة من ذلك العموم بأن يكون قد تطرق إليه تخصيصيات كثيرة ويحتمل ان يتوقف فيه لتعادلهما إذ قد يظهر له ذلك.\nقال: لنا ما تقدم قيل القياس فرع فلا يقدم قلنا على اصله قيل مقدماته أكثر قلنا قد يكون بالعكس ومع هذا فاعمال الكل أحرى.\nاستدل على ما اختاره بأن فيه اعمالا للدليلين وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى وهذا هو الذي تقدم وقد مضى تقريره قال الغزالي وهو فاسد لأن القدر وقع فيه التقاتل ليس فيه جمع بين الدليلين بل هو رفع للعموم وتجريد للعمل بالقياس وهذا حسن وهو مأخوذ من القاضي فإنه أجاب به عن هذه الشبه في مختصر التقريب قال والمقصود من ذلك ان القدر الذي تحقق اجتماع القياس واللفظ فيه توهم فيه قضية اللفظ والقدر الذي بقي من اللفظ لم يمانعه القياس فينزل اللفظ باقي المسميات في منزلة اللفظة الأخرى فبطل ادعائه استعمال الدليلين في محل الاجتماع في الدليلين واحتج الجبائي على المنع مطلقا بوجهين.\nأحدهما: أن القياس فرع النص فلو خصصنا العموم به لقدمنا الفرع على","vol":"2","page":177},{"text":"أصله لا على أصل آخر وإذا خصصنا العموم به لم نقدمه على أصله وإنما قدمناه على أصل آخر وهو بالنسبة الى الأصل الآخر ليس فرعا بل هو دليل مثله.\nوالثاني: ان مقدمات القياس اكثر من مقدمات النص لأنه فرعه وكل مقدمة توقف النص عليها من غير عكس لاختصاص القياس بتوقفه على مقدمات آخر وبيان ذلك ان جهة الضعف في العام المقطوع المتن منحصرة في أمرين:\nأحدهما: احتمال التخصيص.\nوثانيهما: احتمال التجوز وفي غيره الاحتمالان المذكوران مع احتمال كذب الناقل وأما في القياس فهذه الثلاثه أو الاثنان لأن الأصل في القياس لا بد وأن يكون نصا ورابع وهو احتمال ان لا يكون الحكم معللا بعلة أصلا وخامس وهو احتمال ان تكون العلة غير ما ظنه القائس عله لأنه ربما لم يستكمل أوصاف الاجتهاد وربما قصر في الاجتهاد عامدا او مخطأ وسادس وقد ذكره القاضي في مختصر التقريب انه وان كان ما ظنه علة فيحتمل ان يكون قد زل في طريقة قرب مخطىء في الطرق التي ثبتت بها العلل وسابع وهو انه وان لم يزل في الطريق فيحتمل ان لا تكون موجودة في الفرع مع انه ظن وجودها فيه وثامن وهو أنها وإن وجدت في الفرع لكن ربما لم توجد فيه شرط الحكم أو فقد صانع وإذا كان كذلك كان القياس اضعف من العام لا سيما من المقطوع متنه فلم يجز تقديمه عليه لامتناع العمل بالمرجوح مع معارضة الراجح وقال القاضي في مختصر التقريب فإن قالوا إن كلامنا في قياس يصح قلنا فلا يتصور في المجتهدات قياس يقطع بصحته ثم ان صورتم قياسا قاطعا فصوروا صيغة تقطع بعمومها هذا تقرير الوجه الثاني من الوجهين اللذين اعتصم بهما الجبائي وأجاب في الكتاب عن هذا الثاني بوجهين.\nأحدهما: لا نسلم أن مقدمات القياس أكثر مطلقا بل يكون بالعكس أي يكون مقدمات العام اكثر من مقدمات القياس فإن فيه احتمال التجوز والنسخ وخطأ الراوي وغير ذلك والقياس لا يحتمل شيء من ذلك.","vol":"2","page":178},{"text":"وثانيهما: إنا سلمنا ان مقدمات القياس اكثر مطلقا لكن في العمل فيهما عمل بالدليلين وهو أحرى أي أحوط وأولى كما سبق وقد عرفت ما فيه من النظر والحق ان الوجهين ضعيفان أما هذا فلما عرفت واما الذي قبله فلأن القياس لا بد وأن يستند إلى أصل وذلك الأصل ان لم يكن مقطوع المتن تطرقت إليه هذه الإحتمالات وينضم إليها ما يختص به القياس من المحتملات فيكون الاحتمال فيه اكثر وان كان مقطوع المتن فدلالته ظنية وهي تقبل القوة والضعف كالقياس وعند ذلك نقول الحق في الجواب ان يقال كميات المقدمات قد تعارض كيفياتها بمقدمات القياس وإن كانت كثيرة لكنها قد تكون أقوى من مقدمات العام القليلة التي للعام او أرجح ومن أمثلة ذلك أنه لا يخفى على ذي لب أن إلحاق النبيذ بالخمر بالقياس بعلة الإسكار اغلب على الظن من بقائه تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ١ وكذلك دلالة قياس الأرز على البر في الربا أقوى بالنسبة الى الدلالة المأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٢ على جواز بيعه متفاضلا وإذا فهم هذا لاح وجه الحق مع الغزالي ووضح ان مذهبه هو المرتضى الذي نختاره فإذا قلت ما ذكره الغزالي من الأخذ بأرجح الظنين يلزمه في خبر الواحد مع العموم فإن المرجحات المتجهة هنا متجهة ثم من جهة غلبة المجاز على أحدهما وقلته في الآخر وكثرة الأفراد وقلتها ونحو ذلك قلت أجاب الأصفهاني شارح المحصول بأن ذلك لا يلزمه فإنه يرى ان خبر الواحد في دلالته على مورده الخاص كالنص او هو نص فيه ودلالة العموم على مورده الخاص ضعيفة لاحتمال الإجمال في صيغة العموم بسبب الاشتراك على رأي قدم ولا كذلك القياس مع العمومات فإن قلت الخلاف في اصل هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات او المجتهدات قلت قال الغزالي يدل سياق كلام القاضي على ان القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف ما به من مسائل الأصول قال وعندي إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة غير بالغة مبلغ القطع.\n_________\n١ سورة الأنعام آية ١٤٥.\n٢ سورة البقرة آية ٢٧٥.","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المسألة الثالثة: التخصيص بخبر الواحد</span>\n...\nقال الثالثة يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد ومنع قوم وابن أبان فيما لم يخصص بمقطوع والكرخي بمنفصل.\nهذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمظنون وفيها بحثان:\nالأول: في جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وفيه مذاهب.\nأحدها: الجواز مطلقا وهو المنقول عن الأئمة الأربعة واختاره الإمام","vol":"2","page":171},{"text":"وأتباعه منهم المصنف وبه قال امام الحرمين وطوائف وتبعهم الآمدي قال إمام الحرمين ومن شك ان الصديق لو روى خبرا عن المصطفى ﷺ في تخصيص عموم الكتاب لا بتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على دراية من قاعدة الاخبار.\nوالثاني: المنع مطلقا ونقله ابن برهان في الوجيز عن طائفة من المتكلمين وشرذمة من الفقهاء.\nوالثالث: قال عيسى بن أبان إنه لا يجوز في العام الذي لم يخصص ويجوز فيما خصص لأن دلالته تضعف وشرط ان يكون الذي خصص به دليلا قطعيا.\nوالرابع: إن كان التخصيص بدليل منفصل جاز وإن يخص أو كان بمتصل فلا يجوز قاله أبو الحسن الكرخي وشبهته أن تخصيصه بمنفصل يصيره مجازا كما هو رأيه وإذا كان مجازا ضعف فيتسلط عليه التخصيص فمدار ابن ابان والكرخي على والضعف غير ان مدرك الكرخي في القوة الحقيقية والمجاز ومدرك الأخر القطع بالمجاز وعدم القطع وقوله والكرخي بمنفصل أي ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل وقد اقتصر في الكتاب على الأربعة.\nوفي المسألة مذهب خامس وهو الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب وأجرى اللفظ العام من الكتاب في بقية مسمياته.\nوذهب إليه القاضي كما نقله عن إمام الحرمين والغزالي والامام والآمدي نقل عنه ابن برهان في الوجهين أنهما يتعارضان ويتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر وهو عند التحقيق غير القول بالوقف وكلامه في مختصر التقريب محتمل لكل من النقلين إلا أنه لما نقله ابن برهان أقرب فانه قال إذا تقابلا يتعارضان القدر الذي يختلفان فيه ولا يتمسك بواحد منهما ويتمسك بالصفة العامة في بقية المسميات التي لم يتناولها الخبر الخاص فينزل الخبر مع العموم فيما يختلف فيه ظاهرهما منزلة خبرين مختلفي الظاهر نقلا مطلقين انتهى وحكى في مختصر التقريب مذهب سادسا وهو أنه يجوز التعبد بتخصيص العموم بخبر الواحد وعدمه عقلا لكن لم يدل على أحد القسمين وهذا أيضا قول بالوقف وهنا فوائد.","vol":"2","page":172},{"text":"أحدها: ان هذا الخلاف الذي في تجوير تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد هل هو جار في تخصيص السنة المتواترة به الظاهر وهو الذي صرح به في الكتاب نعم والمصنف وإن كان منسوبا في ذلك الى التقرير عن الإمام وأصحابه وغيرهم من المتأخرين فهو آت بحق فقد سبقه بذلك القاضي ﵁ فقال في مختصر التقريب القول في تخصيص الكتاب والسنة المقطوع بها بأخبار الآحاد اعلم وفقك الله ان هذا باب عظيم.\nخلاف العلماء فيه ثم ساق المذاهب المذكورة.\nالثانية: لعلك تقول قد سبق أن ابن أبان يرى أن العام المخصوص ليس بحجة فكيف الجمع بينه وبين ما ذكره هنا والجواب أن الجمع بينهما أنه لا يحتج بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض فيصير مجملا عنده فإذا جاء مخصص بعد ذلك جزمنا بإخراج ما دل عليه بعد أن كنا لا نحكم عليه بشيء ويبقى الباقي على ما كان عليه لا يحتج به ولا يجزم لعدم إرادته فالمخصص مبني لكون ذلك الفرد غير مراد وساكت عن الباقي فلا منافاة بين الكلامين وهذا الجمع قرره والدي أحسن الله إليه ورأيت أنا بعد ذلك القاضي في مختصر التقريب قال بعد حكاية مذهب ابن أبان هذا مبني على أصل له قدمناه وهو أن العموم إذا خص بعضه صار مجملا في بقية المسميات لا يسوغ الاستدلال باللفظ المجمل في عموم ولا خصوص قبل ورود الخبر وبعده انتهى وهذا حسن نفيس.\nالثالثة: قال القرافي المحدثون والنحاة على عدم صرف أبان قال ونقله ابن يعيش في شرح المفصل عن الجمهور وقال إنه بناء على أن وزنه أفعل واصله أبين صيغه مبالغة في الظهور الذي هو البيان والابانه فيقول هذا أبين من هذا أي أظهر منه وأوضح فلوحظ أصله مع العلمية التي فيها فلم يصرف.\nقال: لنا أعمال الدليلين ولو من وجه أولى قيل قال ﵊: \"إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه\" قلنا منقوض بالمتواتر قيل الظن لا يعارض القطع قلنا العام مقطوع المتن مظنون الدلالة والخاص بالعكس فتعادلا قيل لو خصص لنسخ قلنا التخصيص أهون","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المسألة الرابعة: تخصيص المنطوق بالمفهوم</span>\n...\nقال الرابعة: يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم لأنه دليل كتخصيص خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه بمفهوم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا.\nقال الآمدي لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم والمفهوم أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة أم المخالفة أما الإمام فتوقف في ذلك ولم يختر شيئا وقال سراج الدين في جوازه نظر وجزم في المنتخب بأنه لا يجوز ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن بعضهم كما ذكر الاصفهاني.\nوقال ابن دقيق العيد في الكلام على الحديث الثاني في شرح الإمام أنه رأى في كلام بعض المتأخرين ما يقتضي أنه لا تخصيص بالمفهوم وقد حصلنا من هذا القول على أن الخلاف في تخصيص العموم بالمفهوم موجود وقال صفي الدين لا يستراب في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة وهذا حسن وينبغي ان يجعل محل الخلاف في مفهوم المخالفة ويؤيده ان الإمام صرح في آخر الناسخ والمنسوخ قبل القسم الثالث فيما يظن أنه ناسخ بأن الفحوى يكون ناسخا بالاتفاق وكذلك الآمدي فأدعى الإتفاق ايضا واحتج المصنف على الجواز مطلقا بأنه دليل شرعي إذ القول بجواز التخصيص بأنه حجة وإذا كان كذلك فيخصص به جمعا بين الدليلين ومثل له المصنف بقوله ﵇: \"خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه او ريحه\" ١ مع قوله ﵇: \"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث\" فإن الأول دل بمنطوقه على ان الماء لا ينجس عند عدم التغيير وإن لم يكن قلتين والثاني دل بمفهومه الذي هو مفهوم شرط وهو حجة على ان القليل ينجس وإن لم يتغير فيكون هذا المفهوم تخصيصا لمنطوق الأول وقد سبق الكلام على الحدثين ولم يمثل لمفهوم الموافقة لظهوره ومثاله ان يقول من أساء إليك فعاقبه ثم يقول ان أساء إليك زيد فلا تقل له أف.\n_________\n١ تقدم تخريجه قريبا.","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المسألة الخامسة: التخصيص بالعادة</span>\n...\nقال الخامسة: العادة التي قررها رسول الله ﷺ تخصيص وتقريره ﵊ على مخالفة العام تخصيص له فان ثبت حكمي على الواحد حكمي على الجماعة يرفع عن الباقين.","vol":"2","page":180},{"text":"هذه المسألة مشتملة على بحثين الأول أن العادة هل تخصص العموم وأعلم أن كلام من أطلق القول في أن العادة هل تخصص يحتمل نصين:\nأحدهما: ان يكون الرسول ﷺ أوجب أو حرم أشياء بلفظ عام يشملها ثم رأينا العادة جارية بترك بعضها او بفعل بعضها فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص ذلك العام حتى يقال المراد من ذلك العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت به العادة او هو باق على عمومه وهذا القسم هو الذي تكلم فيه الإمام وأتباعه كالمصنف قال الإمام والحق ان نقول العادة إما أن تعلم من حالها أنها كانت حاصلة في زمانه ﵇ مع عدم منعه ﵇ إياهم منها أو يعلم أنها ما كانت حاصلة او لا يعلم واحد من الأمرين فإن كان الأول صح التخصيص وهو في الحقيقة تقريره ﵊ وإن كان الثاني لم يجز التخصيص بها لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع اللهم الا ان يجمعوا عليه فيصح حينئذ والمخصص هو الإجماع لا العادة وإن كان الثالث واحتمل وتابعه المصنف على ذلك.\nفرع: إذا باع شجرة وأطلق دخل في بيعها أغصانها الا اليابس لأن العادة فيه القطع وقال صاحب التهذيب يحتمل ألا يدخل كالصفوف على ظهر الغنم يعنى إذا بيع وقد استحق الجز لاحتمال الثاني ان تكون العادة جارية بفعل معين كأكل طعام معين مثلا ثم انه ﵇ ينهاهم عنه بلفظ يتناوله كما لو قال نهيتكم عن أكل الطعام ومنه نهيه ﵇ عن بيع الطعام بجنسه فهل يكون النهي مقتصرا على ذلك الطعام فقط أم يجري على عمومه ولا تأثير للعادة في ذلك؟\nوهذا الاحتمال هو الذي تكلم فيه الآمدي وتابعه ابن الحاجب وهما مسألتان لا تعلق لأحدهما على الأخرى ولم يتعرض الآمدي لتلك وقد عرفت حكمها أولا والإمام لهذه ومن قال إن العادة تخصيص حمل النهي فنها على ذلك المعتاد لا غير ومن قال لا تخصيص وهو المختار أجراه على عمومه هذا تمام القول في التخصيص بالعادة وقد أورده الهندي كما ذكرناه فلا يعدل به فإن","vol":"2","page":181},{"text":"بعض الضعفاء حاول الجمع بين كلام الإمام والآمدي ظنا منه لأنهما تواردا على محل واحد فوقع في خبط كبير البحث.\nالثاني: في تقرير النبي ﷺ واحد من المكلفين على خلاف مقتضى العام قد يكون مخصصا وأما في حق ذلك الشخص الذي أقر فلا شأن فيه ضرورة أنه ﵇ يقر على باطل وأما في حق غيره فإن يثبت المروي من قولهﷺ- \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" فيرتفع حكم العام عن الباقين ايضا وعلى هذا يكون نسخا لا تخصيصا ان خالف ذلك الواحد جميع ما دل عليه العام ويكون تخصيصا ان خالف في فرد كما لو قال لا تقتلوا المسلمين وقدرنا أن شخصا قتل مسلما وأقره ﵇ على ذلك فيعلم ان ذلك المقتول كان يجوز قتله لكل أحد وهذا الحديث وهو حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا اعرف له أصلا وسألت عنه شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه وأعلم أنه يشترط في تقريره ﵇ أن لا يعلم من الفاعل اعتقاده ذلك الفعل كتردد اليهود كنائسهم فإن سكوته عن ذلك لا يقتضي إباحته للعلم بتقدير أهل الذمة على ذلك.\nونختم البحث في التقرير بسؤال وهو ان الاستدلال بالتقرير على الإباحة كيف يتم مع انه يحتمل ان يكون التقرير قبل نزول الوحي؟\nينبغي ان يقال يستدل به على عدم التحريم أما إن شاء الإباحة فلا وهذا السؤال أورده والدي احسن الله إليه قديما على الشيخ صدر الدين بن المرحل ولم يحصل عنه جواب إذ ذاك قال والدي أيده الله تعالى وقد ظهر لي بعد ذلك جوابه وهو ان التقرير إنما يكون على فعل قد وقع او هو واقع ولنا قاعدة قد نقلوها وهي انه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعرف حكمه فلذلك الفعل الذي اقر عليه لو لم يكن مباحا لكان حراما عليه فلا علم يحكمه.\nفمن هنا دل التقرير على الإباحة بخلاف السكوت عند السؤال فإنه يحمل على عدم نزول الحكم لأن السؤال عما لم يقع او عما وقع والسائل ينتظر حكمه فيفهم من السكوت عدم الحكم فيبقى واقفا بخلاف المقيم على الفعل قد يعتقد","vol":"2","page":182},{"text":"إباحته فهذا فرق بين المقامين فان قلت يكفي في تسويغ الفعل البرآة الأصلية قلت هذا كاف في الإباحة لأن إبقاء الشارع بحكم البرآة الأصلية حكم وهو دليل شرعي وإنما يقول بالتحريم إذا قدم بلا سبب فهذا ينكر عليه سواء كان هناك حكم أم لا فإذا لم ينكر دل على الإباحة ويحمل على ان فاعله اقدم عن علم بخلاف السائل فإن ظاهر حاله انه واقف عن الاعتقاد منتظر الجواب فلا يحصل مفسدة والله اعلم.","vol":"2","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المسألة السادسة: خصوص السبب لا يخص</span>\n...\nقال: السادسة خصوص السبب لا يخص لأنه لا يعارضه.\nهذه المسألة مشتملة على بحثين:\nالأولى: في أن خصوص السبب لا يخصص عموم اللفظ ومن الناس من أطلق الكلام في هذه المسألة كالمصنف والتحبيق تفصيل وهو ان الخطاب إما ان يكون لسؤال سائل او لا فان كان جوابا فاما أن يستقل بنفسه أولا فإن لم يستقل فلا خلاف انه على حسب الجواب ان كان عاما فعام وان كان خاصا فخاص وان استقل فهو أقسام لأنه وإما ان يكون أمضى أو مساويا أو اعم والأخص مثل قول القائل من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر في جواب من سأله عمن افطر في نهار رمضان وهذا جائز بشرائط:\nأحدها: ان يكون فيما خرج من الجواب ينبه على ما لم يخرج منه.\nوالثاني: ان يكون السائل مجتهدا او لا لم يفد التنبيه.\nوالثالث: ان لا تفوت المصلحة بأشغال السائل بالاجتهاد وأما المساوي فلا إشكال فيه وأما الأعم فهو منقسم إلى قسمين لأنه إما ان يكون اعم منه فيما سئل عنه كقوله ﵇: لما سئل عن ماء بئر بضاعة: \"أن الماء طهور لا ينجسه شيء\" ١ رواه أبو داود والترمذي وقال حسن.\n_________\n١ رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب: ماجاء في بئر بضاعة.\nوالترمذي، باب: ماجاء في الماء لاينجسه شيء.\nكما رواه النسائي وابن ماجة.","vol":"2","page":183},{"text":"وإما أن يكون عاما في غير ما سئل عنه كقوله ﵇ حين سئل عن التوضؤ بماء البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" ١ وحكم هذا القسم التعميم بالنسبة الى ما سئل عنه والى غيره من غير خلاف.\nوأما القسم الأول فقد جعلوه من محل الخلاف الذي يستقصي القول فيه إن شاء الله تعالى وقال والدي أيده الله تعالى الذي يتجه القطع بأن العبرة بعموم اللفظ لأن عدول المجيب عن الخاص المسئول عنه الى العام دليل على إرادة العموم.\nوإما الخطاب الذي لا يرد جوابا لسؤال بل واقعة فإما ان يرد في اللفظ قرينه تشعر بالتعميم كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ٢ والسبب رجل سرق رداء صفوان فالإتيان معه قرينة تدل على الاقتصار على المعهود وكذلك العدول عن الإفراد الى الجمع كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٣ نزلت في عثمان بن طلحة اخذ مفتاح الكعبة وتغيب به وأبى ان يدفعه إلى النبي ﷺ وقيل ان عليا ﵁ أخذه منه وأبى ان يدفعه إليه ونزلت فأعطاه النبي ﷺ اياه وقال \"خذوها يا بني طلحة خالده مخلدة فيكم أبدا لا ينزعها منكم إلا ظالم\" وإن لم يكن ثم قرينة وكان معرفا بالألف واللام فمقتضى كلامهم الحمل على المعهود إلا ان يفهم من نفس الشرع تأسيس قاعدة فيكون دليلا على العموم وإن كان العموم لفظ آخر غير\n_________\n١ رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة – ﵁ – الفتح الكبير٢/١٨.\n٢ سورة المائدة ٣٨.\n٣ سورة النساء آية ٥٨.\nنزلت هذه الآية – كما قال المفسرون -: في شأن مفتاح الكعبة لما أخذه علي﵁ – من عثمان بن طلحة قهرا بأمر النبي – ﷺ – يوم الفتح ليصلي فيها فصلى فيها ركعتين ثم خرج فسأله العباس المفتاح ليضم السدانة إلى السقاية فنزلت الآية فرده علي لعثمان بلطف بأمر- النبي ﷺ – فتعجب عثمان في ذلك فقرأ له علي الآية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها....﴾ فجاء إلى النبي ﷺ فأسلم.\nشرح جلال الدين المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٩.","vol":"2","page":184},{"text":"الألف واللام فيحسن ان يكون ذلك هو محل الخلاف إذا عرفت ذلك فالصحيح الذي عليه الجمهور وبه جزم في الكتاب ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوخالف في ذلك مالك والمزني وأبو ثور فقالوا ان خصوص السبب يكون مخصصا لعموم اللفظ قال إمام الحرمين وهو الذي صح عندنا من مذهب الشافعي وكذلك قال الغزالي في المنخول.\nوقال في مختصر التقريب والإرشاد نقل المذهبان جميعا عنه واعلم ان الذي صح من مذهب الشافعي ﵁ موافقة الجمهور خلاف ما ذكره امام الحرمين.\nقال الإمام في كتابه الموضوع في مناقب الشافعي ﵀ ومعاذ الله ان يصح هذا النقل وكيف وكثير من الآيات نزلت في أسباب خاصة ثم لم يقل الشافعي ﵀ أنها مقصورة على تلك الأسباب قال والسبب في وقوع هذا النقل الفاسد عنه انه يقول ان دلالته على سبب أقوى لأنه لما وقع السؤال عن تلك الصورة لم يجز ان لا يكون اللفظ جوابا عنه وإلا تأخر البيان عن وقت الحاجة وأبو حنيفة عكس ذلك وقال دلالته على سبب النزول اضعف وحكم بأن الرجل لا يلحقه ولد أمته وان وطئها ما لم يقم بالولد مع أن قوله ﷺ: \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\" ١ إنما ورد في أمة والقصة مشهورة في قضية عبد بن زمعه فبالغ الشافعي في الرد على من يجوز إخراج السبب وأطنب في ان الدلالة عليه قطعية كدلالة للعام عليه بطريقين.\nأحدهما: العموم.\nوثانيهما: كونه واردا لبيان حكمه فتوهم المتوهم انه يقول ان العبرة بخصوص السبب هذا حاصل ما ذكره الإمام وهو بليغ واما ما ذكره إمام الحرمين فلعله\n_________\n١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي من حديث عائشة – ﵂-.\nكما رواه الإمام أحمد في مسنده. والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة – ﵁ -. الفتح الكبير٣/٣٠٨.","vol":"2","page":185},{"text":"اطلع على نص مرجوح عنه او غير ذلك فإن الخلاف فيه غير بعيد عن المذهب ولذلك اختلف الأصحاب في ان العرايا هل يختص بالفقر أم يشترك فيها الأغنياء والفقراء والصحيح والتعميم مع أنها وردت على سبب خاص وهو الحاجة والفرص أن الصحيح من مذهبه موافقة الجمهور وفروعه تدل على ذلك.\nقال الأصحاب في من دخل عليه صديقه فقال تغد معي فقال أن لم تتغد معي فامرأتي طالق لا يقع الطلاق ولو تغدا بعد ذلك معه ان طال الزمان انحلت اليمين فإن نوى الحال فلم يفعل وقع الطلاق وهو يخالف قول الأصوليين ان الجواب الذي يستقل بنفسه الا ان الفرق يقتضي عدم استقلاله مثل هذه الصورة في حكم الذي لا يستقل بوضعه فيكون على حسب السؤال.\nورأى البغوي حمل المطلق على إكمال العادة وهو يوفق قول الأصوليين هذا وأفتى القاضي الحسن في امرأة صعدت بالمفتاح الى السطح فقال: زوجها ان لم تلق بالمفتاح فأنت طالق فلم تلقه ونزلت انه لا يقع ويحمل قوله ان لم تلقه على التأييد واخذ ذلك مما قاله الأصحاب في المسألة المذكورة وفي الرافعي عن المبتدأ في الفقه للقاضي الروباني انه لو قيل له وكلم زيدا فقال والله لا كلمته انعقدت اليمين على الأبد الا ان ينوي اليوم فإن كان ذلك في طلاق وقال أردت اليوم لم يقبل في الحكم وهذه الصور كلها شاهدة لأن العبرة بعموم اللفظ ومخالفة لما قال الأصوليون في الجواب الذي يقتضي العرف عدم استقلاله دون الوضع.\nوالحق مع الفقهاء لأن اللفظ عام والعادة لا تخصص وأما ما وقع في كتابي طبقات الفقهاء في ترجمة الإمام الشافعي في الأم في الجزء الرابع من أجزاء تسعة في كتاب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة وقبل الحجة في النية وما أشبهها نص على ما ذكره الإمام عنه من ان العبرة بعموم اللفظ فذلك خطا مني في الفهم وأردت ان انبه على ذلك هنا لئلا يغتر به فإن حذفه من ذلك الكتاب تعذر لانتشار النسخ به وبيان ذلك انه قال ما نصه ما يقع به الطلاق من الكلام ومالا يقع.","vol":"2","page":186},{"text":"قال الشافعي ﵁ ذكر الله تعالى في كتابه الطلاق والفراق والسراح فقال ﷿: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف﴾ ٢ وقال ﷿ لنبيه ﷺ في أزواجه: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية.\nقال الشافعي فمن خاطب امرأته فأفرد لها اسما من هذه الأسماء فقال أنت طالق أو أطلقتك أو فارقتك أو سرحتك لزمه الطلاق وان لم ينوه في الحكم ونويناه فيما بينه وبين الله ﷿ ويسعه إن لم يرد شيئا منه طلاقا ان يمسكها ولا يسعها ان يقيم لأنها لا تعرف من صدقه ما يعرف من صدق نفسه وسواء فيما يلزم من الطلاق ولا يلزم تكلم به الزوج عند غضب او مسألة طلاقا او رضا وغير مسألة طلاق ولا تصنع الأسباب شيئا إنما تصنعه الألفاظ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب ولا يكون مبتدأ الكلام الذي له حكم فيقع فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئا لم يصنعه ما بعده ولم يمتنع ما بعده ان يصنع ما له حكم إذا قيل انتهى فتوهمت انا ما توهمت من قوله ولا تصنع الأسباب شيئا الى آخر وهو وهم وانما مراده ان الغضب وغيره من الأسباب التي يرد عليها الطلاق لا تدفع وقوع الطلاق ولا تعلق لذلك بالمسألة الأصولية وقد احتج المصنف على ان العبره بعموم اللفظ بأن اللفظ صالح لتناول الأفراد إذ هو عام وكونه ورد على سبب لا يعارضه لأنه لا منافاة بينهما بدليل ان المجيب لو قال احمل اللفظ على عمومه ولا تخصيصه بخصوص سببه كان ذلك جائزا.\nواعترض على هذا بأنه لا ينافي كون السبب يدل بطريق الظهور على تخصيص العام لأن الذي ذكر احتمال والإحتمال لا ينافي الظهور كما أنه لو صرح بإرادة الخصوص في العمومات من غير سبب جاز ذلك مع كون هذا الاحتمال لا ينافي ظهور صيغة العموم في الاستغراق وذكر الإمام دليلا آخر وهو اجماع الأمة على ان آية اللعان والظهار وغيرهما إنما نزلت في أقوام معينين مع\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٣١.\n٢ سورة البقرة آية ٢٣١.","vol":"2","page":187},{"text":"تعميم الأمة حكمها وما قال أحد ان ذلك التعميم خلاف الأصل واحتج الخصم بأن الجواب لو عم لم يكن مطابقا للسؤال والمطابقة بين السؤال والجواب شرط ولهذا لم يجز ان يكون الجواب خاصا وبأن السبب لو لم يكن مخصصا لما نقله الراوي لعدم فائدته.\nواجيب عن الأول بأنك ان أردت بمطابقة الجواب ان تستوعب السؤال ولا تغادر منه شيئا فمسلم وإلا علم يحصل فيه المطابقة بهذا المعنى بخلاف الأخص وإن أردت بالمطابقة اختصاص الجواب بالسؤال فلا نسلم اشتراطها بهذا المعنى.\nوعن الثاني: بأن فائدته معرفة السبب وقد صنف بعض المتأخرين في معرفة أسباب الحديث كما صنفت العلماء في معرفة أسباب النزول ومن فوائد ذلك امتناع إخراج صورة السبب عن العموم بالإجتهاد فمنه لا يجوز إخراج تلك الصورة التي ورد عليه السبب بالاجماع نص عليه القاضي في مختصر التقريب والآمدي في الأحكام وطائفة.\nوحكى عن أبي حنيفة انه يجوز إخراجها وقد عرفت ذلك من قبل وقد قال العلماء ان دخول السبب قطعي لأن العام يدل عليه بطريقتين كما مر ومن ذلك استثناء كونه لا يخرج بالإجتهاد.\nوقال والدي ﵀ وهذا عندي ينبغي ان يكون إذا دلت قرائن حالية ومقالية على ذلك او على ان اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة وإلا فقد تنازع الخصم في دخوله وضعا تحت اللفظ العام ويدعي انه قد يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب وبيانه انه ليس داخلا في الحكم فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة أن قوله ﷺ: \"الولد للفراش\" وإن كان واردا في أمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد وبيان حكمه إما بالثبوت أو بالانتفاء فإذا ثبت ان الفراش هي الزوجة لأنها الذي يتخذ لها الفراش غالبا.\nوقال الولد للفراش كان فيه حصرا كالولد للحرة وبمقتضى ذلك لا يكون للأمة فكان فيه بيان للحكمين جميعا نفي السبب عن مسبب وإثباته لغيره ولا يليق دعوى القطع هنا وذلك من جهة اللفظ وهذا في الحقيقة نزاع في ان اسم","vol":"2","page":188},{"text":"الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة الموطؤة أو للحرة فقط والحنفية يدعون الثاني فلا عموم عندهم في الآية فتخرج المسالة من باب ان العبرة بعموم اللفظ وبخصوص السبب تعم قوله ﷺ في حديث عبد بن زمعة هو لك يا عبد وللعاهر الحجر فهذا التركيب يقتضي انه ألحقه به على حكم السبب فيلزم ان يكون مرادا من قوله للفراش فلينتبه لهذا البحث فإنه نفيس جدا ولا يقال ان الكلام إنما هو حيث تحقق دخوله في اللفظ العام وضعا لأنا نقول قد يتوهم ان كون اللفظ جوابا للسؤال يقتضي دخوله فأردنا أن ننبه على أن الأمر ليس كذلك والجواب إنما يقتضي بيان الحكم وانما أردنا ان دعوى من ادعى انه دلالة العموم على سببه قطعية يمكن المنازعة فيها النزاع في دخوله تحت اللفظ العام وضعا لا مطلقا والمقطوع به انه لا بد فيه من بيان حكم السبب إما كونه يقطع بدخوله فى ذلك أو بخروجه عنه فلا يدل على تعيين واحد من الأمرين وتختم المسألة بعد ذكر هذا البحث النفيس بمثلين.\nفأحدهما: أن جميع ما تقدم في السبب وبقية الأفراد التي دل اللفظ العام بلا وضع عليها وبين ذينك الشيئين رتبة متوسطة فنقول قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبها من الأي رعاية لنظم القرآن وحسن اتساقه فلذلك الذي وضعت معه الآية النازلة على سبب خاص للمناسبة إذا كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام او كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه يحتمل ان يقال انه كالسبب فلا يخرج ويكون من الآية قطعا ويحتمل ان يقال انه لا ينتهي في القوة الى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة لشبهيته به والحق ان ذلك رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ١ فإن مناسبتها للآية التي قبلها وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢ إن\n_________\n١ سورة النساء آية ٥٨.\n٢ سورة النساء آية ٥١.","vol":"2","page":189},{"text":"ذلك إشارة الى كعب بن الأشرف كان قدم الى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبي ﷺ فسألوه من أهدى سبيلا النبي ﷺ أم هم فقال انتم كذبا منه وضلالة لعنه الله فتلك الآية في حقه وحق من يشاركه في تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم نعت النبي ﷺ وصفته وقد أخذت عليهم المواثيق ان لا يكتموا ذلك وإن ينصروه كان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك مناسب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .\nولا يرد على هذا ان قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر ونزول ان الله يأمركم في الفتح او قريبا منه وبينهما نحو ست سنين لأن اتحاد الزمن إنما يشترط في سبب النزول ولا يشترط في المناسبة لأن المقصود منها وضع الآية موضع يناسبها.\nوالآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي ﷺ بوضعها في المواضع التي يعلم من الله مواضعها وثانيها سؤال عظيم أورده والدي احسن الله إليه في تفسيره في آية الظهار وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ .\nالآية وتقريره يتوقف على اعراب الآية فنقول الذين مبتدأ وخبره فتحرير أو فكفارتهم تحرير وجاز حذف ذلك لدلالة الكلام عليه وجاز دخول الفاء في الخبر لتضمين المبتدأ معنى الشرط وتضمين الخبر معنى الجزاء.\nفإذا أريد التنصيص على ان الخبر مستحق بالصلة دخلت الفاء حتما للدلالة على ذلك فإذا لم تدخل احتمل ان يكون مستحقا به او بغيره كما لو قيل الذين يظاهرون عليهم تحرير رقبة وان كنا نقول ان ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ولكن ليس بنص ودخول الفاء نص وهذا المواضع المتفق عليه جواز دخول الفاء لعموم الموصول فلو أريد بالموصول خاص بحيث لا يكون فيه عموم.\nفالصحيح عدم جواز دخول الفاء وكذلك لو وصل بماض لم يجز دخول الفاء على الصحيح إذا عرفت هذا فالآية على ذلك لا تشمل الا من وجد من الظهار بعد نزولها لأن معنى الشرط متقبل فلا يدخل فيه الماضي والنبي صلى","vol":"2","page":190},{"text":"الله عليه وسلم قد أوجب الكفارة على أوس بن الصامت وذلك لا يشك فيه من جهة ما عرفت من كونه هو السبب الا ان هذا الإشكال يعتوره من جهة عدم شمول اللفظ على ما تقرره من قاعدة دخول الفاء ومن جهة أخرى وهي ان الحكم إنما يثبت من حين نزول الآية وأوس ظاهر قبل نزولها فكيف يعطف حكمها على ما سبق لا سيما إذا كان الحكم قبل نزولها انه طلاق كما ورد أنه ﷺ قال:\"ما أراك الا قد حرمت عليه\" فكيف يرتفع التحريم أو الطلاق بعد وقوعه.\nوهذا الإشكال وارد في أية اللعان من الجهتين كما هو وارد هنا ووارد في آية السرقة وآية حد الزنا ونحوهما من الجهة الثانية لإثبات أحكامها لمن صدر منه السبب المتقدم على نزولها وان لم نجعل الفاء فيها داخلة في خبر المبتدأ هذا تقرير السؤال وهو قوي وأجاب عنه بما لا يقاومه فقال أما إثبات أحكام هذه الآية لمن وجد منه السبب قبل نزولها فنقول ان السرقة والزنا ونحوهما من الأفعال التي كانت معلومة التحريم عندهم وجوب الحد فيها لا يتوقف على العلم والفاعل لها قبل نزول الآية إذا كان هو السبب في نزولها في حكم المقارن لها لأنها نزلت مبنية لحكمه فلذلك يثبت حكمها فيه دون غيره ممن تقدمه واما دخول الفاء في الخبر فيستدعي العموم في كل من يتظاهر من امرأته مثلا وذلك ويشمل الحاضر والمستقبل وسبب النزول حاضرا وفي حكم الحاضر واما دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبل فقد يمنع واما كون الظهار كان طلاقا فلم يكن ذلك شرع واما قول النبي ﷺ ما أراك الا قد حرمت عليه فلم يثبت وقال بعض الناس انه منسوخ بالآية فإن ثبت ان النبي ﷺ قاله فالأمر كذلك ويكون من نسخ السنة بالكتاب١.\nقال: وكذلك مذهب الراوي كحديث أبي هريرة في الولوغ وعمله لأنه ليس بدليل قيل خالف الدليل وإلا انقدحت روايته قلنا ربما ظنه دليلا ولم يكن.\n_________\n١ راجع أسباب النزولللسيوطي ص ١٦٤ط التحرير تفسير ابن كثير ٨/٦٠وما بعدها طبعة الشعب.","vol":"2","page":191},{"text":"البحث الثاني: فيما أن أعمل الراوي بخلاف العموم هل يكون ذلك تخصيصا للعموم وقد اختلفوا فيه الاكثرون منهم الإمام والآمدي الا انه لا يخصص وعزاه الإمام الى الشافعي قال لأنه قال ان حمل الراوي الخبر على أحد محمليه صرت إلى قوله وإلا فلا أصير إليه.\nهذا كلام الإمام وهو صريح في ان صورة اختياره في المسألة التفصيل الذي ذكره ومنهم من يطلق القول في المسألة ويجعل هذا قولا مفصلا.\nوذهبت الحنفية والحنابلة الى ان يكون مخصصا وفصل بعضهم فقال ان وجد ما يقتضي تخصيصه به لم يخصص بمذهب الراوي بل به ان اقتضى نظر الناظر فيه ذلك والأخص بمذهب الراوي وهو مذهب القاضي عبد الجبار وقال امام الحرمين إن علم من حاله أنه فعل ما يخالف الحديث نسيانا فلا ينبغي ان يكون فيه خلاف إذ لا يظن بعاقل انه يرجح فعله إذ ذاك ولو احتمل ان يكون فعله احتياطا كما لو روى ما يقتضي رفع الحرج عن الفعل فيما يظن به التحريم رأيناه متحرجا عنه غير ملابس له فالتعويل على الحديث ويحمل فعله على الورع والتعليق بالأفضل وإن لم يحتمل شيئا من ذلك لم يجز التعليق بالحديث قلت وعندي ان محل الخلاف مخصوص بالقسم الثالث إذ لا يتجه في القسمين الأولين.\nوقد مثل المصنف تبعا للإمام هذه المسألة بما روى عن مسلم عن أبي هريرة ان رسول الله ﷺ قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب رواه البخاري ولفظه إذا شرب مع ان أبا هريرة كما روى قال يغسل ثلاثا فلا نأخذ بمذهبه لأن قول الصحابي ليس بدليل إذ نحن مفرعون على ان قوله غير حجة وهذا المثال على هذا الوجه غير مطابق لأن التخصيص فرع العموم وسبع مرات من أسماء الأعداد التي هي نصوص في مسمياتها لا عامة نعم قد يحسن ايراد ذلك مثالا إذا صدرت المسألة هكذا الراوي الصحابي إذا خالف الحديث وفعل ما يضاده فهل يعول على الحديث او على فعله نحو خبر أبي هريرة واما لما نحن فيه فلا يحسن إيراده مثلا ومثل له صفي الدين الهندي وكذا ابن برهان كما نقل القرافي عنه بمثال اقرب من هذا وهو ابن عباس ﵁ روى من بدل دينه فاقتلوه وهذا عام في","vol":"2","page":192},{"text":"الرجال والنساء وذهب هو الى ان المرتدة لا تقتل قلت وفي هذا المثال ايضا نظر وهو ان من الشرطية على رأي لا تدخل فيها النساء فلعل ابن عباس يختار ذلك الرأي.\nعلى ان كل هذا عدول عن التحقيق والتمثيل بحديث أبي هريرة وعمله صحيح وانما جاء الفساد فيه من جهة تقريره على الوجه المتقدم وكان الإمام الناظر علاء الدين البابجي١ يقرره على الوجه الصحيح وهو ان الكلب من حيث انه مفرد معروف للعموم يشمل كلب الزرع وغيره وأبو هريرة يرى ان كلب الزرع لا يغسل منه الا ثلاثا وغيره يغسل فقد أخرج بعض أفراد الكلب.\nهذا هو معنى التخصيص في الحديث وهذه فائدة حسنة لكن ما ادري من أين كان له ان أبا هريرة كان يغسل من كلب الزرع ثلاثا فإن المعروف اختلاف الرواية عن أبي هريرة في انه هل كان يرى ان الغسل من ولوغ الكلب سبع او ثلاث فروى الدارقطني بسنده الى عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة قال إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات ثم قال الدارقطني يرويه غير عبد الملك عن عطاء عنه سبع مرات قلت فإن صح ان أبا هريرة كان يفصل بين كلب الزرع وغيره يكون في ذلك جمعا بين اختلاف الروايات فمن روى عنه السبع يكون كلامه في غير كلب الزرع ومن روى الثلاث يكون مراده كلب الزرع.\nواحتج من جعل مذهب الراوي مخصصا بأنه إنما خالف لدليل لأنه لو خالف لا لدليل لفسق فلا تقبل روايته وإذا كانت مخالفته مشاره الى دليل تحتم اتباعه والجواب انه ربما خالف لشيء ظن في نفسه بما اداه اليه نظره كونه دليلا ولم يكن كذلك في نفس الامر فلا يلزم القدح في روايته لأنه لم يقدح الا على حسب تأدية اجتهاده ولا الاتباع لعدم صحة المظنون بل ولو احتمل ان ما ظنه حق في نفسه فليس لنا الانقياد له بمجرد التقليد ما لم يتضح لنا وجه الحق في ذلك والفرض ان الذي يتضح لنا خلاف ما عمله لقيام الدليل الذي رواه معارضا بحق لما رآه.\n_________\n١ تقدمت ترجمته في الجزء الأول من هذا الكتاب.","vol":"2","page":193},{"text":"خاتمة اضطرب النظر في انه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيا أم الأمر اعم من ذلك الذي صح عندي ويجوز ان الأمر اعم من ذلك ولكن الخلاف في من ليس بصحابي اضعف فليكن القول في المسألة هكذا ان كان الراوي صحابيا وقلنا قول الصحابي حجة خص على المختار.\nقال القاضي في مختصر التقريب وقد ينسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلد الصحابي فيه ونقل عنه انه لا يخصص به الا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكره وجعل ذلك نازلا منزلة الإجماع وان قلنا قوله غير حجة ففيه الخلاف المتقدم وان كان غير صحابي ترتب الخلاف على الصحابي فإن قلنا لا يخص بقول الصحابي الراوي لم يخصص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جزما وان قلنا يخصص ففي هذا خلاف.\nوأما قول القرافي صورة المسألة ان يكون صحابيا واما غير الصحابي فلا يخصص قطعا فليس بجيد والمعتمد ما قلناه ويشهد له الدليل الذي ذكر من أنه إنما يخالف الدليل وإلا انقدحت روايته فان هذا يشمل الصحابي وغيره وبما ذكرناه صرح امام الحرمين في البرهان فقال وما ذكرناه يعني من هذه المسألة غير المختص بالصحابي فلو روى بعض الأئمة حديثا وعمل بخلافه فالأمر على ما فصلناه انتهى.","vol":"2","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المسألة السابعة: أفراد فرد لا يخصص</span>\n...\nقال السابعة: أفراد فرد لا يخصص مثل قوله ﵇: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" مع قوله في شاة ميمونة: \"دباغها طهورها\" لأنه غير مناف قيل المفهوم قلنا مفهوم اللقب مردود.\nإذا افرد الشارع فردا من افراد العام بالذكر وحكم عليه بما حكم على العام لا يكون مخصصا للعموم خلافا لأبي ثور مثاله ما روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" ١ وقال ﵇ وقد مر بشاة ميتة لمولاة ميمونة كما رواه مسلم: \"ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به\".\n_________\n١ حديث صحيح رواه الترمذي باب: جلود الميتة إذا دبغت وابن ماجة في كتاب اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت كما رواه الإمام الشافعي ومسلم في صحيحه بلفظ \"إذا دبغ الإهاب فقد طهر\".","vol":"2","page":194},{"text":"والدليل على ان العام لا يختص ببعضه إذا افرد بالذكر ان المخصص لا بد وان يكون بينه وبين العام منافاة ولا منافاة بين كل الشيء وبعضه واحتج أبو ثور بأن تخصيص الشيء بالذكر يفهم منه نفي الحكم عما عداه وإلا فلا تظهر فائدة التخصيص ذلك الفرد بالذكر.\nوأجاب المصنف بأن المفهوم هنا مفهوم اسم وهو غير حجة كما سبق وعندي في ترتيب المسألة على هذا الوجه نظر وما أظن أبا ثور يستند في ذلك الى مفهوم اللقب فإن الظاهر انه لا يقوم به فإنا لم نر أحدا حكاه عنه مع انه اجل واقدم من الدقاق وأولى ان تودع الاؤه بطون الأوراق ولعله يقول بهذا المفهوم إذ أورد خاصا بعد عام تقدمه ونقول ان ذلك قرينة في المراد بذلك العام هذا الخاص ويجعل العام كالمطلق والخاص كالمقيد ولا يكون ذلك قولا منه بمفهوم اللقب الذي قال به الدقاق وحينئذ ترتيب المسألة على انه استند فيها الى مفهوم اللقب غير سديد والرد عليه كذلك.","vol":"2","page":195},{"text":"بين المعطوف والمعطوف عليه أجاب المصنف بأن التسوية بين المعطوف والمعطوف غير واجبة في جميع الأحكام وهو جواب ضعيف لأن الحنفية لا يقولون باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام بل باشتراكهما في المتعلقات كالحال والشرط والمصنف يوافق على ذلك.\nكما نص عليه في الاستثناء المتعقب للجمل بل الجواب الصحيح ان قوله ولا ذو عهد في عهده كلام تام لأنه لو قال ولا يقتل ذو عهد لكان من الجائز ان يتوهم منه متوهم ان من وجد منه العهد ثم خرج عن عهده لا يجوز قتله فلما قال في عهده علمنا ان هذا النهي مختص بكونه في حال العهد وإذا ثبت كونه كلاما تاما فلا يجوز إضمار تلك الزيادة اعني لفظة بكافر لأن الإضمار على خلاف الأصل.\nفإن قلت: ما وجه الارتباط بين هاتين الجملتين حينئذ أعنى قوله لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده إذ لا يظهر لأحداهما تعلق بالأخرى.\nقلت: ظني ان أبا اسحق المروزي أحد أئمة أصحابنا أجاب عنه في التعليقة بأن عداوة الصحابة ﵃ للكفار في ذلك الوقت كانت شديدة جدا فنبه ﷺ على ان صاحب العهد إذا كان في عهده لا يقتل لئلا يتجرد اللفظ الدال على ان المسلم لا يقتل بالكافر اعني قوله لا يقتل مسلم بكافر فتحمل العداوة الشديدة على الإقدام على قتل كل كافر من معاهد وغيره وهذا الجواب جدير بأن يغتبط ولا يقال حرمة وان انتفى القصاص باقية وهي تحمل الصحابة الذين هم أهل الورع الشديد على الإحجام لأنا نقول كان ذلك في صدر الاسلام فلا يلزم من كون المسلم لا يقتل بالكافر ان يكون قتل المعاهد حراما بل حكم ولا بنفي القصاص بين المسلم والكافر مطلقا والدليل على جواز قتل الكافر في الجملة قائم فبين تخصيص ذلك الدليل عن نهيه قتل المعاهد في عهده.","vol":"2","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المسألة الثامنة: عطف الخاص لا يخصص</span>\n...\nقال: الثامنة عطف الخاص لا يخصص مثل لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده وقال بعض الحنفية بالتخصيص تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه قلنا التسوية في جميع الأحكام غير واجبة.\nعطف الخاص على العام لا يوجب تخصيص العام خلافا لأبي حنيفة وأصحابه وتوقف فيه بعض المتكلمين مثاله ان أصحابنا لما احتجوا على ان المسلم لا يقتل بالذمي بما روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله ﷺ قال \" لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده\" ١.\nالحنفية او بعضهم انه ﵇ عطف عليه قوله ولا ذو عهد في عهده فيكون معناه ولا ذو عهد في عهده بكافر ثم ان الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي فيجب ان يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم ايضا هو الحربي تسوية\n_________\n١ كما رواه البخاري في كتاب الديات باب: لايقتل مسلم بكافر وابن ماجة والترمذي تحفة الأحوذي ٤/٦٦٨- ٦٧٠.","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المسألة التاسعة: عود ضمير خاص لا يخصص</span>\n...\nقال: التاسعة عود ضمير خاص لا يخصص مثل والمطلقات مع وبعولتهن لأنه لا يزيد على إعادته.","vol":"2","page":196},{"text":"عود الضمير الى بعض العام المتقدم هل يوجب تخصيص العام وإن شئت قلت إذا عقب اللفظ العام باستثناء او تقييد بصيغة او حكم خاص لا يتأتى في كل مدلوله بل في بعضه فهل يوجه ذلك تخصيصه اختلفوا فيه فذهب الأكثر من أصحابنا إلى أن ذلك لا يوجب تخصيصه وبه جزء في الكتاب واختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب وصفي الدين الهندي.\nوذهب أكثر الحنفية الى انه يخصصه ولذلك قالوا في قوله ﵇: \"لا تبيعوا البر بالبر الا كيلا بكيل\" ١ ان المراد منه ما يكال من البر فيجوز بيع الحفنة بالحفنتين لأن ذلك القدر مما لا يكال.\nوذهب جماعة منهم إمام الحرمين وأبو الحسين والإمام إلى التوقف ومثل في الكتاب لذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢ ثم أنه تعالى قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وهذا اختص بالمطلقة بالطلاق الرجعي دون البائن فيقول الأولون ان ذلك لا يقتضي إن المراد من المطلقات الرجعيات وتقول الحنفية يقتضيه ومثال الإستثناء قوله تعالى: ﴿لَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ٣ الى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ فإستثناء العفو عنه الكناية راجعة الى النساء ومعلوم أن العفو لا يصح الا من البالغات العاقلات دون الصبية والمجنونة فهل يوجب ذلك ان يقال ان المراد من النساء أو أول الكلام البالغات العاقلات فقط ومثال التقييد بالصفة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ثم قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يعنى الرغبة في مراجعتهن ولا ريب في ان ذلك لا يتأتى في الطلاق البائن فهل يقتضي بعد ذلك تخصيص المذكور في أول الكلام بالرجعي.\n_________\n١ روي هذا الحديث بروايات متعددة منها مارواه مسلم عن أبي الأشعث أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات الناس فقال: سمعن رسول الله ﷺ ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر والشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى المغني لابن قدامة ٤/١١ط مكتبة الجمهورة والرياضة الحديثة.\n٢ سورة البقرة آية ٢٢٨.\n٣ سورة البقرة آية ٢٣٦.","vol":"2","page":197},{"text":"ومثال ذلك التقييد بحكم آخر ما أورده المصنف وقد شرحناه واحتج المصنف بأن عود الضمير لا يزيد على إعادة ذلك البعض أو صرح بالإعادة فقيل وبعولة المطلقات أحق بردهن في المثال الأول وإلا أن يعفو العاقلات والبالغات في المثال الثاني او يحدث أمرا في الرجعيات في المثال الثالث لم يكن ذلك مخصصا اتفاقا فكذلك هنا.\nواحتج المتوقف بأن ظاهر العموم يقتضي الاستغراق وظاهر الكناية تقتضي مطابقتها للمكني في العموم والخصوص وليست مراعاة ظاهر العموم بأولى من مراعاة ظاهر الكناية فوجب التوقف.\nواجيب عنه بأنا لا نسلم انه ليست مراعاة احدهما بأولى من مراعاة الآخر بل مراعاة إجراء العام على عمومه أولى من مراعاة مطابقة الكناية للمكنى لأن المكنى اصل والكناية تابعة لأنها تفتقر في دلالتها على مسماها إليه من غير عكس ومراعاة دلالة المتبوع أولى من مراعاة دلالة التابع ومنه اكثر فائدة وأظهر دلالة فكان بالرعاية اجدر.\nفائدة سألت والدي ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١ وقول الشافعي ﵁ ان ذلك في الأحرار بدليل ان العبد لا يملك فقلت هذا من عطف الضمير الخاص على العام فلا يقتضي التخصيص على الصحيح فقال ليس هذا من ذلك القبيل لأن ذلك في لفظ عام يتقدم ويأتي بعده ضمير لا يستقل بنفسه بل يعود على ذلك اللفظ المتقدم العام.\nوهنا خطاب والمخاطب لم يتحقق فيه عموم ولا خصوص والمرجع فيه الى قصد المتكلم وما يدل عليه فقوله فأنكحوا خطاب لمخاطبين لم يتحقق دخول العبيد فى موضوعه بل بحسب ما يريد المتكلم من مخاطبه.\nفإذا دل في آخر الكلام او في أوله على المراد حمل عليه وهنا قد دل دليل في آخره وهو قوله او ما ملكت أيمانكم وفي أوله وهو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا\n_________\n١ سورة النساء آية ٣.","vol":"2","page":198},{"text":"تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فإنه إنما يخاطب به من يلي أمر اليتيم والعبد لا يلي أمر اليتيم فقلت الخطاب الأول لجميع الناس الأحرار والعبيد بدليل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ ١فقال لنا في الجواب طريقان.\nأحدهما: ما قررناه غير مرة من أن أيا نكرة وهي المنادى وصف بالناس فالألف واللام في الناس للعهد والمعهود هي النكرة المقصودة وهو الذي ناداه المتكلم والعهد مقدم على العموم.\nوالثاني: أن يسلم أنها للعموم ويقوم دليل على ان الخطاب بعدها لبعضهم مثاله ان يقول لعشرة افعلوا كذا ثم يقول لبعضهم افعلوا كذا فليس تخصيصا للأول وإنما هو خطاب لغير من خوطب أولا وهو بعض منه وهو يشبه الإلتفات فليس من باب عود الضمير المقتضي للتخصيص على خلاف فيه بل هذا لا يقتضي التخصيص قولا واحدا لأن كل الكلامين مستقل بنفسه وان كان بينهما التئام والله اعلم.\n_________\n١ مفتتح سورة النساء والحج.","vol":"2","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>تذنيب حكم المطلق مع المقيد</span>\n...\nقال تذنيب. المطلق والمقيد ان اتحد سببهما حمل المطلق عليه عملا بالدليلين وإلا فإن اقتضى القياس تقييده قيد وإلا فلا.\nالمطلق والمقيد كالعام والخاص وكل ما يجوز فيه تخصيص العام من الأدلة أما على الوفاق الخلاف فإنه يجوز به تقييد المطلق من غير تفاوت.\nولذلك جعل المصنف الكلام فيه ذنابة وتتمة للعام والخاص والأخذ في شرح ما أورده يستدعي تقديم مقدمة فنقول المطلق منقسم الى حقيقي وإضافي أما الحقيقي فهو طلق من كل وجه وقد يقال المطلق على الإطلاق وهو المجرد عن جميع القيود الدالة على ماهية الشيء من غير ان يدل على شيء من أحوالها وعوارضها على ما ذكرنا في باب العام والخاص.\nأما الإضافي مثل قولك اعتق رقبه واضرب رجلا فليس هو مطلقا من كل وجه بل هو دال على واحد شائع في الجنس وهما قيدان زائدان على الماهية.","vol":"2","page":199},{"text":"وهذا مطلق بالنسبة الى قولنا رقبة مؤمنة ومقيد بالنسبة الى اللفظ الدال على ماهية الرقبة من غير ان يكون فيها دلالة على كونها واحدة أو كثيرة شائعا في الجنس او معينا وإذا عرفت انقسام المطلق الى قسمين فاعلم ان المقيد ينقسم ايضا الى قسمين مقابليهما فالمقيد من كل وجه او على الإطلاق هو اللفظ الذي لا اشتراك فيه أصلا كأماء الاعلام.\nوأما المقيد من وجه دون وجه فنحو رقبة مؤمنة ورجل عالم وإذا عرفت ذلك فلنعد الى الشرح والمقصود الكلام في حمل المطلق على المقيد اعلم ان متعلق حكم المطلق أما أن يكون غير متعلق حكم المقيد او لا يكون.\nفإن كان الثاني فلا يحمل المطلق على المقيد وفاقا لأنه لا مناسبة بينهما ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلا ومثلوا هذا بتقييد الشهادة بالعدالة وجريان ذكر الرقبة فى الكفارة مطلقا مجرى العدالة.\nوإن كان الأول فأما أن يتحد السبب او يختلف وعلى التقديرين إما ان يكون كل واحد من المطلق والمقيد أمرا أو نهيا أو أحدهما أمرا والآخر نهيا فهذه أقسام ستة.\nأحدهما: ان يكون السبب واحدا وكل واحد منهما أمرا نحو ان نقول اعتقوا رقبة مؤمنة إذا أحسنتم ثم نقول مرة أخرى اعتقوا رقبة إذا أحسنتم فها هنا لا خلاف ان المطلق محمول على المقيد وكذا لو قال أولا اعتقوا رقبة ثم قال اعتقوا رقبة مؤمنة وكذا لو لم يعلم التاريخ بينهما لأن من عمل بالمقيد فقد عمل بالمطلق ضرورة ان المطلق جزء من المقيد والآتي بالكل آت بالجزء فيكون العمل بالمقيد عملا بالدليلين.\nوأما العمل بالمطلق فليس عملا بالمقيد لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيا بالكل بل تاركا له فيكون العمل بالمطلق يستلزم الترك لأحد الدليلين بالكلية فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبا مع إستلزامه الترك لشيء من مدلولات.\nأحدها: فليجب حيث لا يستلزم ذلك بطريق أولى ولا يخرج ذلك على الخلاف في تقابل المتأخر والخاص المتقدم بهذا الذي ذكرناه.\nفإن قلت فمقتضى الإطلاق التمكن من أي فرد شاء المكلف والتقييد يزيل","vol":"2","page":200},{"text":"التمكن من ذلك فلم كان هذا أولى من حمل الأمر بالمقيد على الندب قلت هذا الحكم الذي هو التمكن حالة الإطلاق غير مدلول عليه باللفظ وهو اعتق رقبة مثلا إنما دل على اتحاد عتق رقبه وكون الكافرة في حالة الاطلاق مجزئة.\nإنما جاء من تركيب العقل مع النقل لأنك تقول هذه الكافرة تجزىء لأنها رقبة والرقبة تجزي لقوله اعتق رقبة فكون الكافرة تجزي غير مدلول عليه باللفظ فكان أولى بالرعاية المطلق عاما والمقيد غير المدلول عليه لفظا والمقيد وهو اعتق رقبة مؤمنة مدلول عليه باللفظ فكان أولى بالرعاية.\nالثاني: ان يكون كل واحد من المطلق والمقيد نهيا نحو ان تقول لا تعتق رقبة ثم تقول مرة أخرى لا تعتق رقبة كافرة فمن يقول بمفهوم الخطاب يلزمه ان يخصص النهي العام بالكافرة لأن النهي الثاني عنده يدل على أجزاء من ليست كافرة.\nولقائل ان يقول وجود المطلق والمقيد في جانب النهي والنفي يصير المطلق عاما والمقيد خاصا لأن ذلك نكرة في سياق النفي فلا يتصوران في هذين الجانبين.\nالثالث: أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا وهو قسمان لأنه إما ان يكون المطلق أمرا والمقيد نهيا نحو ان تقول اعتق رقبة كافرة ثم تقول لا تعتق رقبة او بالعكس نحو لا تعتق رقبة ثم تقول اعتق رقبة مؤمنة ففي هاتين الصورتين يوجب المقيد تقييد المطلق بضده بلا خلاف.\nالرابع: ان يكون كل واحد منهما أمرا ولكن السبب مختلف نحو قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فها هنا اختلفوا على ثلاثة مذاهب.\nأحدها: ان يحمل عليه من غير حاجة الى دليل آخر فان تقييد أحدها يوجب تقييد الآخر لفظا وبه قال بعض أصحابنا قال امام الحرمين واقرب طريق لهؤلاء ان كلام الله تعالى في حكم الخطاب وحق الخطاب الواحد ان يترتب المطلق فيه على المقيد قال وهذا من فنون الهذيان فان قضايا الألفاظ في","vol":"2","page":201},{"text":"كتاب الله تعالى مختلفة متباينة لبعضها حكم التعليق والإختصاص ولبعضها حكم الإستفلال والإنقطاع.\nفمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بأن في كتاب الله النفي والإثبات والأمر والزجر والأحكام المتغايرة فقد أدعى أمرا عظيما ولا يعني في مثل ذلك الإشارة الا اتحاد الكلام الأزلي ومضطرب المتكلمين في الألفاظ وقضايا الصيغ وهي مختلفة لامراء في اختلافها فسقط هذا الكلام.\nوالمذهب الثاني: وعليه الحنفية انه لا يجوز الحمل عليه بحال لأن ذلك الدليل ان كان دون المطلق في القوة لم يصلح لنسخه وان كان مثله فمن علم شرط النسخ كان نسخا له وإلا كان تعارضا فهو غير محمول على المقيد بحال.\nوالثالث: وهو قول الشافعي وجمهور الأصحاب أنه إن وجد قياس وكان دليل يقتضي تقييده قيد وإلا فلا وهذا ما جزم به في الكتاب.\nالرابع: ان يكون كل واحد منهما نهيا والسبب مختلف نحو لا تعتق رقبة في كفارة الظهار مثلا ثم نقول لا تعتق رقبة مؤمنة في كفارة القتل فالقائل بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد ان وجد دليل تخصيص النهي العام بالكافرة ان وجد دليل.\nالخامس: ان يكون احدهما أمرا والآخر نهيا والسبب مختلف وهو قسمان لأنه إما ان يكون المطلق أمرا نحو اعتق رقبة في كفارة الظهار والمفيد نهيا نحو لا تعتق رقبة كافرة في كفارة القتل او بالعكس نحو لا تعتق رقبة في كفارة الظهار ثم يقول اعتق رقبة مسلمة في كفارة القتل وحكمهما واحد ولا يخفي عليك مما سبق وقد ذكر المصنف ما إذا اتحد السبب وما إذا اختلف.\nولا يعسر عليك فهم كلامه بعد الصفو الى ما ألقيته لك من الشرع ومما أهمله المصنف ما إذا أطلق الحكم في موضع ثم قيد في موضعين بقيدين متضادين فمن زعم إن التقييد باللفظ قال ببقاء المطلق على إطلاقه إذ ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر ومن حمل المطلق على المقيد بالقياس حمله على ما كان حمله","vol":"2","page":202},{"text":"عليه أولا وقد مثل لذلك بقوله ﷺ في الغسلات من ولوغ الكلب إحداهن بالتراب وفي رواية أولاهن وفي رواية فعفروه الثامنة فلا يحمل على إحدى الروايتين دون الأخرى للترجيح من غير مرجح ان القياس هنا متعذر بل يرجح الى أصل الإطلاق ونقول يجوز التغفير في كل واحدة من المرات عملا برواية إحداهن المطلقة هكذا ذكروه وبه أجاب الشيخ أبو العباس القرافي عن الاعتراض وأورده بعض قضاة الحنفية على الشافعية بان قاعدتهم حمل المطلق على المقيد فكان ينبغي او يوجبوا أولاهن لورود إحداهن وأولاهن فأجابه القرافي بأنه قد عارض رواية أولاهن رواية أخراهن يريد بذلك فعفروه الثامنة فيرجع الى اصل الإطلاق.\nقال بعض المتأخرين وعلى هذا ينبغي الوجوب في الأولى والثامنة يخير فيها واعلم ان هذا هو الذي نص عليه الشافعي في الأم فقال ما نصه وإذا غسلهن سبع مرات جعل أولاهن ترابا لا يطهر الا بذلك انتهى.\nوفي مختصر البويطي فقال في أثناء باب غسل الجمعة وهو بعد باب التيمم كيف هو وقبل كتاب الصلاة ما نصه وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعا أولاهن أو أخراهن بالتراب لا يطهر غير ذلك.\nوكذلك روي عن رسول الله ﷺ والخنزير قياسا عليه يغسل سبعا انتهى وهو في غاية الغرابة وعليه جرى المرعشي من أصحابنا في كتابه ترتيب الأقسام وعبارته ما أصاب الكلب أو بعضو من أعضاءه من الماء القليل نجسه ولم يطهر الإناء إلا ان يغسل سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب لكن في هذا البحث نظر ذكره والدي وهو انه إنما ينبغي حينئذ ان يوجب كليهما الاولى والأخيرة لورود الحديث فيهما ولا تنافي في الجمع بينهما اللهم إلا ان يراد بالثامنة ثامنة العدد لا الأخيرة فإنه حينئذ يكون مطلقا كإحداهن ويكون رواية إحداهن والثامنة واحدة ومعنى رواية أولاهن فيعود اصل السؤال ويناظر هذا السؤال سؤالان آخران.\nأحدهما: أن أبا حنيفة قال لا يجري التخالف بين المتبايعين الا إذا كانت السلعة قائمة أما إذا كانت تالفة فالقول قول المشتري والشافعي رضي","vol":"2","page":203},{"text":"الله عنه قال إذا اختلف المتبايعان تحالفا سواء كانت السلعة قائمة او تالفة مع أنه روى أنه ﷺ قال: \"إذا اختلف المتبايعان تحالفا\" ١ وروي أنه ﷺ قال: \"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا\" فلم لا حمل مطلق على المقيد مع إعادة القاعدة.\nوالثاني إن في كتاب فريضة الصدقة في فريضة الإبل فان زادت على عشرين ومائة وهو المطلق في الزيادة وجاء مقيدا في حديث ابن عمر فإن زادت واحدة فلا ينبغي ان يجب في مائة وعشرين وبعض واحدة الى ما يجب في مائة وعشرين فقط والجواب عن الأول من وجوه.\nأحدها: أنه روى من حديث أبي وائل عن عبد الله ان النبي صلى عليه وسلم قال: \"إذا اختلف المتبايعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع\" رواه الدارقطني والخصوم رووا أن النبي ﷺ قال: \"إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع فإن استهلك فالقول قول المشتري\".\nوهذا يوافق الحديث المفيد بكون السلعة قائمة وهما قيدان متضادان فرجعنا الى اصل الإطلاق ثم ان هذا الحديث يقتضي عدم جريان التحالف مطلقا وهم لا يقولون به ثم انه يرويه الحسن بن عمارة وهو متروك رديء الحفظ.\nوالثاني: أن الحديث المشتمل على التقييد بكون السلعة قائمة يرويه القاسم ابن عبد الرحمن عن ابن مسعود ولم يلقه فيكون مرسلا ونحن لا نقول بالمراسيل والحق ان الحديث الذي رواه من التقييد بقيام السلعة ضعيف والذي رويناه من التقييد بهلاكها ضعيف ايضا ولا حاجة الى التطويل في بيان ذلك٢.\nوضعف التقييدين يكفي في الرجوع الى اصل الإطلاق وقول الغزالي في المآخذ فيما يرويه أصحابنا من التقييد بالهلاك أجمع أهل الحديث على صحته باطل نبهنا عليه لئلا يقع الاغترار به.\n_________\n١ روي هذا الحديث بعدة طرق كلها صحيحة. منها مارواه ابن مسعود أن النبي – ﷺ- قال: \"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا\".\nالمغني لابن قدامة ٤/٢١٢.\n٢ راجع أقوال العلماء في هذه المسألة في كتاب المغني لابن قدامة المقدس ٤/٢١٠ بعدها طبعة مكتبة الجمهورية والرياض الحديثة.","vol":"2","page":204},{"text":"والثالث أن التنصيص على قيام السلعة إنما كان تنبيها على حالة تلفها لأنه إذا كان التحالف ثابتا عند حالة قيام السلعة مع انه يمكن الاستظهار بالرجوع الى القيمة وتعرف صفاتها فلأن يتحالفا مع تلفها ولا يمكن الرجوع الى صفاتها أولى وعن الثاني انه إنما يرد على الاصطخري من أصحابنا القائل بأنه يجب ثلاث بنات لبون فيما إذا زادت بعض واحدة والصحيح انه إنما تجب حقتان وفاء بحمل المطلق على المقيد فاندفع السؤال.","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الباب الرابع في المجمل والمبين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>الفصل الأول: في المجمل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه</span>\n...\nالباب الرابع في المجمل والمبين\nوفيه فصول الأول في المجمل وفيه مسائل المجمل مأخوذ من الجمل بفتح الجيم واسكان الميم وهو الخلط ومنه قوله ﵇: \"لعن الله اليهود حرم الله عليهم شحوم الميتة فجملوها أي خلطوها وباعوها فأكلوا ثمنها\"١ فسمي اللفظ مجملا لاختلاط المراد بغيره والمبين بفتح الياء أخر الحروف في البيان يقال لفظ مبين وإذا كان نصا في معناه بمعنى ان واضعه ومستعمله وصلابه الى نهاية البيان فهو مبين وإذا كان اللفظ مجملا ثم بين يقال له مبين وبينت الشيء بيانا أي أوضحته ايضاحا وأما تعريفه اصطلاحا فقد سبق في تقسيم الألفاظ.\nقال الأول: اللفظ أما ان يكون مجملا بين حقائقه كقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ او افراد حقيقة مثل ان تذبحوا بقرة او مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت فإن ترجح واحد لأنه اقرب الى الحقيقة كنفي الصحة من قوله لا صلاة لا صيام او لأنه اظهر عرفا وأعظم مقصودا كرفع الحرج وتحريم الأكل من رفع عن امتي الخطأ والنسيان: و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ حمل عليه.\nاللفظ المجمل إما ان يكون مجملا بالنسبة الى خصائصه ان كان ذا حقائق أولا والأول هو المشترك كقوله تعالى ثلاثة قروء فإنه مجمل بالنسبة الى حقيقته اعني الطهر والحيض عند من يقول ان القرء موضوع لهما وضعا أوليا وهو الصحيح.\n_________\n١ حديث صحيح رواه مسلم كتاب البيوع باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والبخاري، كتاب البيوع باب بيع الميتة والأصنام، كما رواه أبو داود والقرنوي وانظر تفسير ابن كثير ٣/٣٥٠،ط الشعب.","vol":"2","page":206},{"text":"والثاني: إما ان يكون بالنسبة الى افراد حقيقة واحدة أولا والأول مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ١ فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها افراد والمراد واحد منها معين على كلام فيه سيأتي ان شاء الله في الفصل الثاني هذا.\nوالثاني ان يكون الإجمال في الخارج عما وضع له اللفظ وإنما يكون ذلك بأن تنتفي الحقيقة أي يظهر إرادة عدمها وتتكافأ مجازاتها أي تتساوى وأما إذا ترجح أحد المجازاة فيتعين العمل به ولا يكون اللفظ مجملا وللترجيح أسباب ذكرها في الكتاب.\nأحدها: ان يكون اقرب الى الحقيقة من المجاز الآخر كقوله ﷺ: \"لا صلاة الا بطهور\".\nوقد تقدم الكلام على هذا الحديث وقوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام قبل الفجر وهذا الحديث لفظه هكذا غير معروف ولكن رواه عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن حفصة عن رسول الله ﷺ قال: \"من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" ٢.\nوهذا إسناد صحيح قال الحاكم أبو عبد الله على شرط البخاري فحقيقة هذين الخبرين نفي الصلاة عند عدم الطهارة وذات الصوم عند عدم النية المبيتة.\nوهذه الحقيقة غير مرادة لأنا نشاهد الذات قد يقع بدون هذين الشرطين فتعين الحمل على المجاز وهو إضمار الصحة والكمال وإضمار الصحة ارجح لكونه اقرب الى الحقيقة لأن نفي الذات يستلزم كل الصفات ونفي الصحة اقرب بهذا المعنى إذ لا يبقى البتة بخلاف نفي الكمال فان الصحة تبقى معه وهي وصف\n_________\n١ سورة البقرة آية ٦٧.\n٢ حديث صحيح رواه البخاري كتاب الصيام باب إذا نوى الصيام بالنهار والنسائي باب النية في الصيام وابن ماجة باب ماجاء في الصوم من الليل والترمذي باب لا صيام لمن لم يعزم من الليل. تحفة الأحوذي ٤٣٦١٣.","vol":"2","page":207},{"text":"ولك ان تقول ما ذكرتموه في هذين الحديثين منقدح إذا قلنا ان الصحة والفساد مما يعتوران الماهية الجعلية أما إذا قلنا الفساد يزيل اسمها فنفي الحقيقة موجود.\nالثاني: ان يكون أحد المجازيين أظهر عرفا أشهر كقوله ﷺ: \"رفع عن امتي الخطأ والنسيان\" فإن ظاهره رفع نفس الحرج ونفس النسيان وليس بمراد فتعيين حمله على المجاز بإضمار الحكم أي حكم الخطأ والنسيان والحرج يعني الإثم أي اثمهما والحمل على الإثم اظهر من جهة العرف لتبادره الى الذهن من قول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ والنسيان ولأنه لو قال ذلك ثم اخذ يعاقبه على ما اخطأ فيه أو نسيه عد مناقضا.\nواعلم ان الحديث الذي أورده المصنف رواه الحافظ أبو القاسم التيمي من حديث ابن عباس وروى ابن ماجه معناه وصححه ابن حبان وقال احمد لا يثبت.\nوالثالث: ان يكون اعظم مقصودا من غيره كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وقوله ﵇ في البحر: \"الحل ميتته\" فان حقيقة اللفظ إضافة الحرمة والحل الى نفس العين كما ذهب إليه الكرخي وهو عندنا باطل لأن الأحكام عندنا إنما تتعلق بالأفعال المقدورة للمكلف وليست العين كذلك فلا تتعلق بها حل ولا حرمة فيتعين المجاز بالإضمار فيضمر أما الأكل أو البيع أو نحوهما والأكل أولى لأنه اعظم المقصود من تلك الأشياء عرفا فيحمل اللفظ عليه.\nوقد ذهب جماعة من الأصوليين الى دعوى الإجمال في الأمثلة المذكورة متمسكين بأن الحقيقة غير مرادة والمجازات متعددة فلا يضمر الجميع لأن الضرورة تندفع بالبعض وليس بعضها من بعض فيترجح الإجمال والجواب لنا نضمر البعض ولا نسلم عدد الأولوية فإن بعضها أرجح وأولى لما تقدم.\nواعلم ان المجمل ليس منحصرا فيما ذكره بل بقيت أشياء أهملها:\nأحدها: الإجمال العارض للفظ بواسطة الإعلال كالمختار فإنه صالح لاسم الفاعل واسم المفعول.","vol":"2","page":208},{"text":"والثاني: بواسطة جمع الصفات واردافها بما يصلح ان يرجع الى كلها او الى بعضها نحو قولك زيد طبيب أديب ماهر فقولك ماهر يصلح ان يكون راجعا الى الكل او الى البعض فقط وذلك البعض يصح أن يكون هو الأخير أو غيره.\nالثالث: المجمل بواسطة الاستثناء المجهول كما تقدم في العام إذا خص بمجهول كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ .\nوالرابع: المجمل بواسطة التركيب كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ١ فإن من بيده العقدة يحتمل أن يكون هو الزوج او الولي.\nولذلك اختلف العلماء فيه فأخذ بالأول الشافعي وبالثاني مالك رحمهما الله.\nوالخامس: المجمل بسبب التردد في عود الضمير الى ما تقدمه كقولك كلمة علمه الفقيه فهو كما علمه فإن الضمير في هو متردد بين العود الى الفقيه والى معلوم الفقيه والمعنى يكون مختلفا حتى انه قيل بعوده الى الفقيه كان معناه فالفقيه كمعلومه وان عاد الى معلومه كان المعنى فمعلومه على الوجه الذي علم.\nوالسادس: المجمل بسبب تردد اللفظ بين جمع الأجزاء وبين جمع الصفات نظرا إلى اللفظ وان كان احدهما يتعين بدليل من خارج وذلك نحو قولك الثلاثة زوج وفرد فإنه بالنظر الى دلالة اللفظ لا يتعين احدهما وبالنظر الى صدق القائل يتعين ان يكون المراد منه جمع الأجزاء فإن حمله على جميع الصفات أو على جمعها يوجب كذبه.\nوالسابع: الإجمال بسبب الوقف والإبتداء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ فالواو في قوله والراسخون مترددة بين العطف والإبتداء ويختلف المعنى بذلك.\nالثامن: الإجمال بصلاحية اللفظ المتشابهين بوجه كالنور للعول ونور الشمس.\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٣٧.","vol":"2","page":209},{"text":"التاسع: بصلاحية للمتماثلين كالجسم للسماء والأرض والرجل لزيد وعمرو قال الغزالي وقد يكون موضوعا لهما من غير تقدم وتأخر وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر كقولك الأرض أم البشر والأم إنما وضعت للوالدة وهذا كله في الإجمال في اللفظ والمصنف جعل اللفظ مورد التقسيم فأفهم بذلك أن الإجمال لا يكون في الفعل وليس بجيد بل قد يكون فيه فوائد:\nالأولى: لتصحيح جواز المجمل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والدليل عليه ما تكونا من الآيات وفي مسألة ورود المشترك في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nالثانية: اختلفوا في جواز إبقاء الإجمال بعد وفاة رسول الله ﷺ واختار امام الحرمين في البرهان في أثناء بحث ان كل ما يثبت التكليف في العلم به فيسجل استمرار الإجمال وما لا يتعلق به تكليف لا يستحيل ذلك فيه ولا يبعد.\nوالثالثة: لقائل ان يقول يجوز التمسك بعموم: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ إذا الاستثناء وقع بقوله الا ما يتلى عليكم والتقدير فإنه ليس بحلال وعدم الحل لا يوجب الحرمة فيبقى على البراءة الأصلية ولا يقال هذا استثناء مجهول فيصير الباقي من العام مجملا لأنه يكون كذلك ان لو حرم ما يتلى علينا والله أعلم.","vol":"2","page":210},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-147> الثانية: قالت الحنفية وامسحوا برؤوسكم مجمل </span>وقالت المالكية يقتضي الكل والحق انه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم دفعا للاشتراك والمجاز.\nذهبت الحنفية او بعضهم كما في المحصول جميع الرأس لأن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ١ مجمل لأنه يحتمل مسح جميع الرأس ومسح بعضه وإذا قام الاحتمال ثبت الإجمال في الآية ثم افترقوا فرقتين فقالت المالكية يقتضي مسح لأن الرأس حقيقة في جميعها والباء دخلت للالصاق وقالت طائفة إنها\n_________\n١ سورة المائدة آية ٦.","vol":"2","page":210},{"text":"حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم وهو القدر المشترك بين الرأس وبعضها لأنها تأتي تارة لمسح الكل وتارة للبعض كما تقول مسحت برأس اليتيم ولم يمسح منها الا البعض قد جعلناه حقيقة فيهما لزم الاشتراك او في احدهما لزم المجاز في الآخر فنجعله حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز الذين هما على خلاف الأصل.\nونقل الإمام هذا المذهب عن الشافعي قال المصنف هنا وهو الحق والذي جزم به في تغيير الحروف تبعا للإمام أنها للتبعيض تفيد مسح بعض الرأس وهو المحكي عن بعض الشافعية.","vol":"2","page":211},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-148> الثالثة: قيل آية السرقة مجملة </span>لأن اليد تحتمل الكل والبعض والقطع الشق والإبانة والحق ان اليد للكل وتذكر للبعض مجازا والقطع والإبانة والشق إبانة.\nقال بعضهم آية السرقة يعنى قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ مجملة في اليد والقطع أما اليد فلأنها تطلق على العضو من اصل المنكب وعليه من الكوع وعليه من أصول الأناملة وإذا أطلقت على الكل والبعض ولم يعلم المراد فتكون مجملة واما القطع فلأنه قد يراد به الشق أي الجرح فقط كما يقال برى فلان قلمه فقطع يده وقد يراد به الإبانة.\nوقال الجمهور لا إجمال فيها بل حقيقة اليد للكل وهو العضو من المنكب وانما يذكر للبعض مجازا ولهذا يصح ما قطعت يده بل بعضها وحقيقة القطع الإبانة والشق إبانة ايضا لأن فيه إبانة لأجزاء اللحم بعضها عن بعض فيكون موضوعا للقدر المشترك بينهما وهو مطلق الإبانة واما لفظ السارق والسارقة للإجمال فيه وذلك متفق عليه.\n_________\n١ سورة المائدة آية ٣٨.","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>الفصل الثاني: في المبين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>تعريف المبين</span>\n...\nالباب الرابع في المبين\nوهو الواضح بنفسه أو بعين مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وذلك الغير يسمى مبينا.\nالمبين بفتح الباء هو ما اتضحت دلالته بالنسبة الى معناه وهو على قسمين:\nأحدهما: الواضح بنفسه وهو الكافي في إفادة معناه وذلك إما لأمر راجع الى اللغة مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أو بالعقل مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فإن حقيقة هذا اللفظ طلب السؤال من الجدران لكن العقل صرفنا عن ذلك وقضى بان المراد به الأهل وهذا على كلام في القرية تقدم في المجاز بالنقصان هذا ما ذكره المصنف في الواضح بنفسه وأهمل ما يكون بسبب القليل وهو ضربان.\nأحدهما: ان يكون الحكم في المسكوت عنه أولى.\nوثانيهما: كما في قوله ﵇: \"إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" ١ وأهمل مما لا يكون تعليلا ان الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به.\n_________\n١ حديث صحيح رواه الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي: كتاب الطهارة باب: سؤال الهجرة. لفظه:\nعن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة أن قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يابنة أخي؟ قالت: قلت نعم. فقال: إن رسول الله – ﷺقال: \"إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات\".\nشرح السنة للإمام البغوي ٢/٦٩.","vol":"2","page":212},{"text":"الثاني: الواضح بغيره وهو ما يتوقف فهم المعنى منه على انضمام غيره إليه وذلك الغير أي الدليل الذي حصل به البيان يسمى مبينا بكسر الياء وله أقسام تأتي ان شاء الله تعالى على الأثر بأمثلتها.\nتنبيهات: أحدها: اطلاق المبين بفتح الباء على الواضح بنفسه صحيح لأن المتكلم أوضحه حيث لم يأت بحمل نبه عليه الجار بردى.\nالثاني: جعل العبري والجار بردى والاسفرايني وغيرهم من الشارحين قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ مثالا للواضح بغيره وهو وهم لأنه قسم ذلك الغير في المسألة الآتية الى القول والفعل وظاهر كلامه حصره فيهما فلو كان هذا من أقسامه لم ينحصر في ذينك القسمين إذا المبين فيه ليس الى العقل وهو غير القول والفعل والذي حملهم على ذلك أنهم لما رأوه قد مر قوله وبغيره فوهموا أنه من باب اللف والنشر كذلك.","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المسألة الأولى: المبين يكون قولا وفعلا</span>\n...\nقال: وفيه مسائل الأولى انه يكون قولا من الله والرسول وفعلا منه كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾ وقوله ﵇: \"فيما سقت السماء العشر\" وصلاته وحجه فإنه دل فإن اجتمعا وتوافقا فالسابق وان اختلفا فالقول لأنه يدل بنفسه.\nالمبين بكسر الياء قد يكون بالقول وذلك بالإتفاق وقد يكون بالفعل وخالف في ذلك: شرذمة قليلون والقول إما ان يكون من الله تعالى كقوله: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فإنه مبين لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وهذا المثال جار على المشهور من ان البقرة المأمور بذبحها كانت معينة في نفس الأمر وقد حكى ابن عباس خلاف ذلك وانه قال لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأهم ذلك ولكنهم شددوا فسألوا فشدد الله عليهم.\nوأما ان يكون من الرسول ﷺ كقوله: \"فيما سقت السماء وكان عشريا العشر وما سقى بالنضج نصف العشر\" رواه البخاري من حديث ابن عمر ﵁ ولمسلم عن جابر نحوه وهو مبين لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ واستفدنا من هذا المثال ان السنة تبين مجمل الكتاب وهو الصحيح والفعل لا يكون إلا من الرسول ﷺ وذلك كصلاته فإنها مبينة لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا","vol":"2","page":213},{"text":"الصَّلاةَ﴾ بواسطة قوله ﵇: \"صلوا كما رأيتموني اصلي \" وكحجه فإنه مبين لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بواسطة قوله ﵇ \"خذوا عني مناسككم\" قوله فإنه أدل أي علة جواز البيان بالفعل أنه أدل من القول على المقصود لأن فيه مشاهدة ومن الأمثال ليس الخبر كالمعاينة وهو مروي رواه احمد ابن محمد الملجمي وهو ضعيف عن علي بن الجعد عن شعبه عن قتادة عن انس ان النبي ﷺ قاله ورواه احمد بن حنبل من حديث ابن عباس بإسناد صحيح والطبراني من حديث ابن عباس بإسناد صحيح والطبراني من حديث انس والخطيب في التاريخ من وجه آخره موضوع.\nتنبيه: الترك منه ﵇ كالفعل وذلك كتركه التشهد الأول بعد فعله إياه يبين انه غير واجب وإنما لم يذكر المصنف الترك لدخوله في قسم الفعل على الرأي المرتضى قوله فإن ثبت انه يجوز البيان بكل واحد من القول والفعل فورد بعد المجمل قول وفعل وكل منهما صالح لبيانه فبماذا يكون البيان الحق التفصيل وهو انهما ان اتفقا في غرض البيان وعلم ان احدهما سابق فهو المبين قولا كان أم فعلا ويكون الثاني تأكيدا له وان لم يعلم فلا يقضي على واحد منهما بأنه المبين بعينه بل يقتضي بحصول البيان بواحد لم يطلع عليه وهو الأول في نفس الأمر والتأكيد بالثاني وهذا القسم أهمله في الكتاب لوضوحه وحكم القسمين في الحقيقة واحد بالنسبة الى نفس الأمر وإن اختلفا كما روي انه ﷺ أمر بعد نزول آية الحج في القرآن بطواف واحد وروي انه طاف قارنا طوافين فالمختار عند الجمهور منهم الإمام وأتباعه وابن الحاجب ان المبين هو القول سواء كان متقدما على الفعل أو متأخرا أو يحمل الفعل على الندب أو على الواجب المختص به ﷺ وذلك لأن القول يدل على البيان بنفسه بخلاف الفعل فإنه لا يدل الا بواسطة انضمام القول إليه والدال بنفسه أدل وقال أبو الحسين المتقدم هو البيان.\nفائدة: قد ذكر المصنف هنا ان الفعل أدل من القول وان القول يدل بنفسه يعني فيكون أدل وظاهر هذا التنافي بين الكلمتين والتحقيق ان الفعل أدل على الكيفية والقول أدل على الحكم ففعل الصلاة أدل من وصفها بالقول","vol":"2","page":214},{"text":"لأن فيه المشاهدة واستفادة وقوعها على جهة معينة من واجب أو ندب وغيرهما بالقول أقوى وأوضح من الفعل لصراحته.","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المسألة الثانية: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب</span>\n...\nقال الثانية لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه تكليف بما لا يطاق ويجوز عن وقت الخطاب ومنعت المعتزلة وجوز البصري ومنا القفال والدقاق وأبو اسحاق بالبيان الإجمالي فيما عدا المشترك.\nهذه المسألة تشتمل على بحثين الأول في تأخير البيان عن وقت الحاجة والثاني في تأخير وقت الخطاب.\nأما الأول فاعلم لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة عن وقت الحاجة أي الوقت الذي قام الدليل على إيقاع العمل بالمجمل فيه على التضييق من غير فسحة في التأخير لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع والتكليف بذلك تكليف بما لا يطاق وقد نقل القاضي في مختصر التقريب إجماع أرباب الشرائع على ذلك ولقائل ان يقول التكليف بالمحال جائز عند المصنف فكان ينبغي ان يفعل الإمام فيقول إنا منعنا التكليف بما لا يطاق فلا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة والإيجاد لكن لا يقع لأن التكليف بالمحال غير واقع واخصر من هذا أن يقول لا يقع تأخير للبيان عن وقت الحاجة.\nوأما الثاني: وهو تأخيره عن وقت الخطاب الى وقت الحاجة فيقدم عليه أن الخطاب المحتاج الى البيان ضربان.\nأحدهما: ما له ظاهر وقد استعمل في خلافه كتأخير بيان التخصيص وتأخير بيان النسخ وتأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في المسميات الشرعية كالصلاة إذا أريد بها الدعاء ونحو ذلك بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين.\nوالثاني: ما لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة إذا عرفت هذا فنقول في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب.\nأحدهما: يجوز في جميع هذه الأقسام واليه ذهب اكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشافعي نفسه واختاره الإمام وأتباعه وابن الحاجب.","vol":"2","page":215},{"text":"والثاني: وإليه ذهب اكثر متقدمي المعتزلة انه لا يجوز الا في النسخ فإنهم جوزوا تأخير بيانه كذا استثناه الإمام وهو مأخوذ من الغزالي فإنه ادعى الاتفاق على انه يجوز تأخير بيان النسخ قال بل يجب تأخيره لا سيما عند المعتزلة فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة ويجوز ان يرد لفظ يدل على تكرر الأفعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على الدوام لكن بشرط ان لا يرد نسخ وما ادعاه الغزالي ادعاه ابن برهان في الوجيز أيضا.\nوهذا الكلام من الغزالي مأخوذ من امام الحرمين فإنه قال ناقضت المعتزلة أصولهم إذ النسخ عندهم بيان مدة التكليف ولم يكن هذا البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول قال وليس لهم عن هذا جواب والقاضي في مختصر التقريب ذكر ذلك ايضا فقال ومما إستدل به أصحابنا ان قالوا النسخ تخصيص في الزمان والتخصيص في الأعيان ثم يجوز ان ترد اللفظة مغلقة في الأزمان والمراد بعضها فإن لم يبعد ذلك في الأزمان لم يبعد في الأعيان قال القاضي ولا يستقيم هنا الاستدلال بذلك فإن النسخ ليس بتخصيص في الأزمان عند معظم المحققين من أصحابي وإنما هو رفع والمصنف أهمل إستثناء النسخ وكذا الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وابن برهان في الوجيز والغزالي الا انه نقل الاتفاق على النسخ بعد ذلك.\nكما عرفت ولعل من أطلق القول ترك الاستثناء اكتفاء بالعلم بالاتفاق على النسخ وانه خارج عن صور النزاع الا ان كلام جماعة يقتضي ان النزاع في النسخ موجود والذي يظهر من جهة النقل ان النزاع فيه موجود ولكن ليس من القائلين بامتناع تأخير البيان كلهم من بعضهم:\nوالثالث: أن المجمل ان لم يكن له ظاهر كالمشترك قال الإمام والأسماء المتواطئة جاز تأخير بيانه لأنه لا يلزم محذور من تأخيره وان كان له ظاهر جاز تأخير البيان التفصيلي دون الإجمالي فانه يشترط وجوده عند الخطاب حتى يكون مانعا من الوقوع في الخطأ فنقول مثلا المراد من هذا العام هو الخاص أو بالمطلق المقيد أو بالنكرة المعين.\nقال الإمام والآمدي ان هذا الحكم ينسخ وهذا يدل على ان النسخ من","vol":"2","page":216},{"text":"محل الخلاف وأما البيان التفصيلي وهو تشخيص بكذا مثلا فليس بشرط وقد نقل المصنف تبعا للإمام هذا المذهب عن أبي الحسين البصري من المعتزلة والدقاق والقفال وأبي اسحاق فأما أبو الحسين فالنقل عنه صحيح وأما الدقاق فقد نقل عنه الأستاذ أبو اسحاق في أصوله موافقة المعتزلة وأما القفال فالظاهر أن المراد الشاشي وفي النقل عنه نظر فقد نقل عنه القاضي في مختصر التقريب والشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وغيرهما موافقة سائر الأصحاب على المذاهب المختار وأما أبو اسحاق فإن كان هو المروزي كما صرح به الإمام ففي النقل نظر إذ نقل عنه القاضي في مختصر التقريب والشيخ أبو اسحاق والغزالي والآمدي القول بمذهب المعتزلة وان كان مراد المصنف الشرازي فالنقل أيضا ليس بجيد لأنه قد صرح في شرح اللمع الجواز مطلقا وكذلك الأستاذ لا يصح ان يكون هو المراد لتصريحه في كتابه بموافقة الأصحاب وقد اقتصر في الكتاب تبعا للإمام على حكاية هذه المذاهب.\nوالرابع: أنه يجوز تأخير بيان المجمل دون غيره كتخصيص العموم.\nوالخامس: يجوز التأخير في الأمر وكذا النهي كما قاله القاضي في مختصر التقريب والشيخ أبو اسحاق والإمام أو الظفر بن السمعاني وغيرهم ولا يجوز في الخبر قال ابن السمعاني قال الماوردي ولم يقل بهذا القول أحد من أصحاب الشافعي.\nوالسادس: عكسه يجوز في الخبر ولا يجوز في الامر والنهي حكاه الشيخ أبو اسحاق.\nوالسابع: واليه ذهب الجبائي ونقله الآمدي عن عبد الجبار يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره وبحكاية هذا المذهب يعلم ان النسخ من محل الخلاف وابن برهان حكى عن عبد الجبار تجويز تأخير التخصيص دون المجمل والقرافي قال قد يجمع بين هذا وبين من نقل الاتفاق ان لا نفاق إنما هو على جواز تأخير البيان التفصيلي والخلاف في الإجمال قال وكذلك حكاه صاحب العمد في المعتمد.\nفائدتان: إحداهما: قال الأستاذ في كتابه هذه العبارة مزيفة يعنى تأخير البيان","vol":"2","page":217},{"text":"إلى وقت الحاجة قيل وهي لائقة بمذهب المعتزلة دون مذهبنا لأن عندهم المؤمنون بهم حاجة الى التكليف نحو العبادات لينالوا بها الدرجات الرفيعة ويستحقونها على طريق المعارضة وعندنا للباري تعالى ينزل المؤمنين الجنة فضلا ويدخل الكافرين النار.\nعدلا فالعبادة الصحيحة على مذهبنا ان نقول تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب والى وقت وجوب الفعل.\nالثانية: نقل الجماهير عن أبي بكر الصيرفي موافقة المعتزلة على المنع من تأخير البيان مطلقا قال الأستاذ في كتابه وهذا مذهب كان يذهب إليه الصيرفي قديما فنزل به أبو الحسن الأشعري ضيفا فناظره في هذا واستنزله عن هذه المقالة ورجع الى مذهب الشافعي وسائر المتسننة.\nقلنا لنا مطلقا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قيل البيان التفصيلي قلنا تقييد بلا دليل وخصوصا ان المراد من قوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ معينة بدليل: ﴿مَا هِيَ﴾ ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ والبيان تأخير قيل يوجب التأخير عن وقت الحاجة قلنا الأمر لا يوجب الفور قيل لو كانت معينة لما عنفهم قلنا للتواني بعد البيان وأنه تعالى انزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ فنقض ابن الزبعري بالملائكة والمسيح فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ الآية قبل ما لا تتناولهم وان سلم لكن خصوا بالفعل واجيب بقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وأن عدم رضاهم لا يعرف الا بالنقل.\nاحتج على المذهب المختار بأدلة ثلاثة أولها مطلق أي يدل على جواز التأخير مطلقا والآخران مقيدان احدهما يدل على جواز التأخير في صورة النكرة والآخر في صورة العام الدليل الأول الدال على جواز التأخير مطلقا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١ وثم في اللغة للتراخي أي والله أعلم علينا بيانه بعد القراءة وقوله مطلقا عبارة ركيكة وليس المراد حقيقة المطلق بل انه عام يتطلق على الصور ولو قال يدل مطلقا عموما لكان احسن لا سيما وقد قال بعد ذلك خصوصا.\n_________\n١ سورة القيامة ١٨- ١٩.","vol":"2","page":218},{"text":"واعترض أبو الحسين ومن وافقه بأن المراد البيان التفصيلي دون الإجمالي وأجاب المصنف بأن هذا تقييد بلا دليل ولقائل ان يقول قوله بيانه مفرد مضاف فيعم البيانين الإجمالي والتفصيلي وحينئذ فليس القول بان المراد البيان التفصيلي تقييدا بلا دليل بل تقييدا على خلاف الدليل وفرق بين كون الشيء على خلافه وبين كونه بلا دليل أي لم يدل عليه دليل وهذا الجواب احسن من جواب المصنف وبه يظهر ضعف قوله الآمدي البيان يراد به الإظهار لغة تقول تبين الحق وتبين الكوكب معنى الآية ان علينا بيانه للخلق وإظهاره فيهم واشتهاره في الآفاق فلا يكون فيها حجة على صورة النزاع لأنا نقول البيان من حيث تعميمه بالإضافة كل ما يصدق عليه انه بيان قوله وخصوصا هذا معطوف على قوله مطلقا.\nوقد قلنا انه يظهر به ان مراده بالمطلق العام لأن الخصوص إنما يقابله العموم ولو أراد الاطلاق لقال وتقييدا وهذا الدليل هو الثاني المختص بالنكرة اعني الدال على جواز تأخير البيان في النكرة وتقريره ان شاء الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وأراد معينة بدليل سؤالهم عن صفتها ولونها في قوله: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الى آخر الآيات ثم لم يبينها لهم حتى سألوا هذه السؤالات فدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.\nواعترض الخصم على هذا الاستدلال بوجهين.\nأحدهما: أن بني إسرائيل أمروا بالذبح وقت الخطاب فكانوا محتاجين الى البيان في ذلك الوقت فتأخيره عن ذلك الوقت تأخير عن وقت الحاجة وهو ممتنع.\nقال الخصم فحاصل الأمر انك لم تفعل بما تقتضيه الآية بل بما لا تقتضيه أجاب بأن الأمر لا يوجب الفور كما سبق فإن قلت هذا الجواب مبني على ان الأمر لا يقتضي الفور فلا يعم المذاهب بل يختص بمن يرى رأي المصنف ثم ان الامر بذلك إنما وقع للفصل بين الخصمين اللذين تنازعا في القتل والفصل واجب على الفور.","vol":"2","page":219},{"text":"قلت أجاب القرافي بأن الآية إذا دلت على جواز التأخير عن وقت الخطاب دلت على جواز التأخير عن وقت الخطاب لأن كل من قال بجواز الأول قال بجواز الثاني من غير عكس.\nولأنه إذا ثبت في الأول ثبت في الثاني بطريق أولى وأما قول القرافي هنا انا لم نقل بما تقتضيه الآية بل قلنا به وهذا الصحيح من مذهبنا بناء على تجويز بما لا يطاق فضعيف لأنه عندنا غير واقع الكلام إنما هو في هذا الواقع.\nوالثاني: إنما ذكرتم وان دل على ان البقرة كانت معينة لكن عندنا ما يدل على أنها لم تكن معينة وبسببه يمنع كونها معينة وهو أنها لو كانت معينة لما عنفهم على السؤال عنها لكنه عنفهم بقوله فذبحوها وما كادوا يفعلون ومما يدل على أنها لم تكن معينة ما سلف من كلام ابن عباس وهو قوله شددوا فشدد الله عليهم.\nوأجاب المصنف بأنا لا نسلم انه عنفهم على السؤال وإنما عنفهم على التواني أي التقصير بعد البيان هذا هو الأقرب.\nواحتمال كون التعنيف على السؤال بعيد لأنه لو وجب المعينة بعد إيجاب خلافه لكان نسخا قبل الفعل وهو لا يجوز عند الخصم.\nقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ هو معطوف على قوله وخصوصا ان المراد تقديره ولنا خصوصا في النكرة كذا وفي جواز تأخير بيان التخصيص انه تعالى انزل وتقريره إن الله تعالى لما أنزل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال عبد الله الزبعري١ قد عبدت الملائكة وعبد عيسى وليس هؤلاء من حصب جهنم فتأخر بيان ذلك حتى نزل.\nقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢فإن\n_________\n١ هو أبو سعيد عبد الله بن الزبعري بن قيس السهمي القرشي شاعر قريش في الجاهلية. كان شديدا على المسلمين إلى أن فتحت مكة فهرب إلى نجران. فقال فيه حسان بن ثابت أبياتا. فلما بلغته عاد إلى مكة وأسلم توفي نحو سنة ١٥هـ الأغاني ١/١٤، الأعلام ٢/٥٥٦.\n٢ سورة الانبياء آية ١٠١.","vol":"2","page":220},{"text":"قيل لا نسلم ان قوله وما تعبدون مندرج فيها الملائكة والمسيح وبيانه من وجهين.\nأحدهما: ان لفظة ما تتناولهم لكونها مخصصة بمن لا يعقل فلا يتوجه نقض ابن الزبعري ولا يحتاج الى تخصيص قل كيف يمكن والتخصيص فرع الشمول ويدل على ذلك ما رواه الأصوليون في كتبهم من قوله ﷺ لابن الزبعري حين قال ما قال: \"ما أجهلك بلغة قومك\" أما علمت أن ما لمن لا يعقل ومن لمن يعقل.\nوالثاني: وهو المشار إليه بقوله في الكتاب ولو سلم انا سلمنا ان لفظة من تتناولهم لكن خص الملائكة والمسيح من هذه الآية بالعقل لا بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ وذلك التعذيب إنما يقع على جريمة وأي جريمة لهؤلاء بعبادة غيرهم إياهم وهذا الدليل العقلي كان حاضرا في عقولهم قبل نزول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ .\nقلنا الجواب عن الأول انا لا نسلم ان صفة ما مختصة بغير العقلاء بل هي شاملة للجميع ويدل على ذلك إطلاقها على الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ .\nوكذلك قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ .\nوقوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وأنها تأتي بمعنى الذي لا اتفاقا وكلمة الذي تتناول العقلاء فكذلك صيغة ما والحديث المذكور من قوله ﷺ: \"إن ما مختصة بمن لا يعقل\" غير معروف لو ثبت لسمعنا واطعنا.\nوعن الثاني إن العقل إنما يجعل ترك تعذيبهم إذا علم بالعقل ايضا أنهم غير راضين بالعبادة لأنهم ان رضوا بالعبادة لكان ذلك الرضا موجبا للسخط وعدم رضاهم إنما علم بالنقل وهذان الجوابان ضعيفان أما الأول فما وجهين.\nأحدهما: ان المصنف قدم في باب العموم إن ما مختصة بما لا يعقل.\nوثانيهما: ان ما في هذه الآيات مصدرية تقديره وخلق الذكر والأنثى والسماء وما بناها ولا أنتم عابدون عبادتي ذكره القرافي وأما قوله ترد بمعنى الذي فتتناول العقلاء كما يتناول الذي فساقط لأن الذي وضعت للقدر المشترك بين","vol":"2","page":221},{"text":"العقلاء وغيرهم ولا نسلم أنها تقوم مقامها ان استعملت في غير العقلاء وما ذلك إلا أول النزاع.\nواما الثاني فإنه غير مستقيم على مذهب من يقول عصمة ذوي العصمة ثابتة بالعقل وهم المعتزلة ولا على من يقول إنها ثابتة بالسمع لأنها قد اشتهرت وصار العقل يحيل عدمها وان كان الأصل في إحالة هذا العقل لذلك إنما هو السمع لأنا بالضرورة من العقول ندرك ان الملائكة وعيسى ﵈ غير راضين بعبادة هؤلاء إياهم.\nفائدة ابن الزبعري بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة من تحت بعدها وقد تكسر ايضا بعدها عين مهملة ساكنة ثم راء مهملة مفتوحة كان من اشد الناس على الإسلام وأكثرهم أذى بلسانه فحشا وهجاء وبنفسه مكايدة وعنادا ثم اسلم عام الفتح وحسن إسلامه وهذا المذكور عنه مشهور في كتب التفسير والسير وروى الحاكم أبو عبد الله في المستدرك عن الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .\nقال المشركون فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله.\nقوله: ﴿لوكان هؤلاء آلهة ما وردوها﴾ ١.\nقال فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ وهذا مسند صحيح لكن ليس فيه ذكر ابن الزبعري بخصوصه.\nقال قيل تأخير البيان أعز قلنا كذلك ما يوجب الظنون الكاذبة قيل كالخطاب بلغة لا تفهم قلنا هذا غرضا إجماليا بخلاف الأول.\nاحتج أبو الحسن على اشتراط البيان الإجمالي فيما له ظاهر بأن العموم خطاب لنا في الحال اجماعا فالمخاطب إما أن لا يقصد إفهامنا في الحال وهو باطل لأنه إذا لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه خطابا لنا\n_________\n١ سورة الأنبياء آية ٩٩.","vol":"2","page":222},{"text":"في الحال يكون قد أغوانا بأن نعتقد انه قصد إفهامنا في الحال فيكون قصد ان نجهل لأن من خاطب قوما بلغتهم فقد أغواهم بأن يعتقدوا فيه انه يعني ما يفهمونه منه فثبت بطلانه.\nوإما ان يقصد وحينئذ فإما ان يريد ان نفهم ان المراد ظاهره فقد أراد منا الجهل وهو باطل أو غير مظاهره فقد أراد ما لا سبيل إليه وهو تكليف بالمحال وهذا التقرير على هذا الوجه هو الذي أورده الإمام وهو الصواب فاعتمده.\nوأجاب المصنف بأنا لا نسلم ان ذلك ممتنع وقد ورد ما أوجب ظاهره الظنون الكاذبة فدل على الجواز أما وروده فكثير قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ فلو صح ما ذكرتم لزم ان يكون هذه الخطابات للإغواء لأنه أطلق وأراد خلاف الظاهر ومن ها هنا عميت بصائر الحشوية وصمموا على فساد عقد لو نشر الواحد منهم بالمباشر لم يكن ولم يرجع وهو معتقد لا يعود وباله الا عليه ولا يرجع نكاله الا إليه ولقائل ان يقول هذه الأشياء يحتويها براهين عقلية ترشد الى الصواب بخلاف تأخير البيان.\nوأعلم أن ظاهر ايراد المصنف يفهم ان هذا الدليل الذي أجاب عنه دليل للمانع مطلقا وعلى ذلك قرره العبري والجار بردي وليس كذلك بل هو حجة أبي الحسين كما قلناه وبه صرح الإمام وكيف يتجه أن يكون حجة للمانع مطلقا والمشترك ليس فيه إيقاع في الجهل فإن نسبته عند عدم القرينة الى كل معانيه على السوية وقد تنبه الاسفرايني لهذا وذكر ما أوردناه واحتج من منع تأخير البيان عن وقت الخطاب مطلقا بأنه كالخطاب بلغة لا نفهم مثل خطابك العربي باللغة الزنجية والخطاب بلغة لا تفهم ممنوع.\nوالجامع بينهما كون كل واحد منهما لا يفيد المقصود حالة الخطاب.\nوأجاب في الكتاب بالفرق وهو ان الخطاب بما لا يفهمه المخاطب لا يفيد\n_________\n١ سورة الفتح آية ١٠.\n٢ سورة طه آية ٥.","vol":"2","page":223},{"text":"شيئا بخلاف الخطاب بالمشترك ونحوه فإنه يفهم غرضا إجماليا يستعد المكلف من اجله لما يراد منه فان قيل مثلا اعتدى بثلاثة أقراء أفاد ان المراد إما الإظهار أو الحيض وان العدة وجبت بأحدها.\nوأما الخطاب بما لا يفهم فلا يفيد لا غرضا جماليا ولا تفصيليا وقد أجاب القاضي في مختصر التقريب ان النبي ﷺ مبعوث الى العرب والعجم وكان ما يندر منه من الألفاظ العربية إلزاما للفريقين وفاقا وإذا شاع مخاطبة العجم بلغة العرب لم يبعد عكسه قلت وهذا حسن والتحقيق أن خطاب الغير اضراب.\nالأول: أن يخاطب بما يفهمه هو لغيره وهو جائز اجماعا.\nوالثاني: عكسه وفيه الخلاف المتقدم في مسألة ان الله لا يخاطبنا بالمهمل.\nوالثالث: ان يفهمه المخاطب بفتح الطاء دون غيره فيجوز اتفاقا سواء تعلق بخاصة نفسه أم بغيره ويصير فيما إذا تعلق بغيره كالترجمان والمبلغ.\nوالرابع: ان يفهمه غيره ولا يفهمه هو وهذا هو الذي تكلم فيه القاضي ويظهر انه جائز اتفاقا لاطلاع المخاطب على مدلول الخطاب من غيره.\nوالخامس: ان يخاطب جميعا بلغة يفهمها بعضهم دون بعض وهذا أيضا لا نزاع في جوازه كيف والقرآن للعرب والعجم.","vol":"2","page":224},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-153> تنبيه يجوز تأخير التبليغ الى وقت الحاجة </span>وقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾ لا يوجب الفور.\nالذين منعوا تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما أوحي به الى النبي ﷺ من الأحكام والجمهور على جوازه لأن امتناعه لا جائز ان يكون لذاته إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال ولا لأمر خارج إذ الأصل عدمه كيف ويحتمل ان يكون في التأخير مصلحة لا نعلمها نحن واحتج الممانع بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١ والجواب ان الامر لا يقتضي الفور كما سبق قال الإمام والآمدي ولو سلمناه لكن المراد هو القرآن إذ\n_________\n١ سورة المائدة آية ٦٧.","vol":"2","page":224},{"text":"هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل قلت وفي الفرق بين تبليغ القرآن وغيره نظر وقد يقال قال المصنف في أول الفصل وفيه مسائل ولم يورد سوى اثنتين وهذا التنبيه هو الثالثة وليس بشرط ان تصدر المسألة بلفظ الثالثة أو انه ذكر في الثانية مسألتين تأخير البيان عن وقت الحاجة وعن وقت الخطاب والاشتغال بمثل هذا مما يضيع الوقت ولا تحصل فائدة.\nقال الفصل الثالث في المبين له إنما يجب البيان لمن أريد فهمه للعمل كالصلاة أو الفتوى كأحكام الحيض.\nيجب البيان لمن أريد فهمه لأن تكليفه بالفهم بدون البيان تكليف بالمحال ولا يجب بيانه لغيره إذا لا تعلق له به ثم إرادة الفهم قد تكون للعمل بما يضمه المجمل كآية الصلاة وقد تكون للإفتاء كآية الحيض فإن تفهيم المجتهدين ذلك إنما هو لإفتاء النساء به هذا ما ذكره المصنف تبعا للإمام والإمام تبعا فيه لأبي الحسين وفيه نظر من وجهين.\nأحدهما: اطلاق قوله يجب البيان لمن أريد فهمه يشعر بأنه يجب على الله تعالى وهذا إنما يقوله المعتزلة فهي عبارة ردية والأولى التعبير بأن البيان لمن أريد فهمه لا بد من وقوعه.\nوالثاني: ان فيه إشعارا بأنه لا يجب على النساء تحصيل العلم بما كلفن به وليس كذلك بل النساء والرجال سواء في ذلك.","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفصل الأول: في تعريف النسخ وفيه مسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>المسألة الأولى في وقوع النسخ</span>\n...\nالباب الخامس في الناسخ والمنسوخ\nالفصل الأول في تعريف النسخ\nقال الباب الخامس في الناسخ والمنسوخ وفيه فصلان الأول في النسخ وهو بيان حكم شرعي بطريق شرعي متراخ وقال القاضي برفع الحكم ورد بأن الحادث ضد السابق فليس رفعه بأولى من رفعه.\nالنسخ في اللغة يطلق على الإزالة نسخت الريح اثر القدم أي أزالته وعلى النقل والتحويل ومنه نسخت الكتاب أي نقلته وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومنه المناسخات وهي انتقال المال من وارث الى وارث ثم قال القاضي والغزالي انه مشترك بينهما وقال أبو الحسين حقيقة في الإزالة وقال القفال حقيقة في النقل.\nوأما في الإصطلاح فقال صاحب الكتاب هو بيان انتهاء حكم شرعي متراخ فقوله بيان جنس يدخل فيه المحدود وغيره وبإضافته الى الانتهاء حكم عقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند القائل به فإنه لو حرم فرد من تلك الأفراد لم يسم نسخا وقوله بطريق شرعي يحترز به عن الطريق العقلي كالموت فإنه إذا وقع تبين به انتهاء الحكم الشرعي ولا يسمى نسخا في الإصطلاح ولمن سقط رجلاه لا يقال نسخ عند غسل الرجلين.\nوما قاله الإمام في المخصصات من انه نسخ واه بلا ريب وقوله متراخ يخرج البيان المتصل بالحكم كالاستثناء والشرط والصفة وغير ذلك وقال","vol":"2","page":226},{"text":"الأولى: وانه واقع واحالته اليهود لنا ان تبع المصالح فيتغير بتغيرها وإلا فله ان يفعل ما يشاء وان نبوة محمد ﷺ ثبتت بالدليل القاطع وقد نقل قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ وأن آدم ﵇ زوج بناته من بنيه والآن محرم اتفاقا.\nأجمع المسلمون على جواز النسخ وذهبت فئة من المنتمين الى الإسلام منهم","vol":"2","page":227},{"text":"أبو مسلم الأصفهاني الى منع النسخ هربا من البدء واعتقادا منهم ان النسخ يؤدي إليه واما لليهود لعنهم الله فمنهم من انكر جوازه عقلا ووقوعه شرعا ومنهم من انكر وقوعه فقط وذهبت العسوية منهم وهم أصحاب أبي عيسى الاصفهاني المعترفون بصحة نبوة نبينا عليه افضل الصلاة والسلام لكن الى بني إسماعيل ﵇ وهم العرب خاصة الى جوازه عقلا ووقوعه سمعا واعلم انه لا يحسن ذكر هؤلاء المبدعين في وفاق ولا خلاق ولكن السبب في تحمل المشقة بذكرهم التنبيه على انهم لم يخالفوا جميعا فى ذلك وإما من أنكره من المسلمين فهو معترف بمخالفة شرع من قبلنا لشرعنا في كثير من الأحكام ولكنه يقول ان الشرع من قبلنا كان مغيا الى غاية ظهوره ﵇ وعند ظهوره ﷺ زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية وليس ذلك من النسخ في شيء بل هو جار مجرى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وحينئذ لا يلزم من انكار نبوة ﷺ وقد ذكر في الكتاب من أدلتنا على النسخ أوجها ثلاثة:\nالأول: وهو دليل على الجواز فقط ان حكم الله تعالى أما أن يتبع المصالح كما هو رأي المعتزلة فيلزم ان يتغير بتغير المصالح فانا على قطع بأن المصلحة قد تتغير بحسب الأشخاص والأوقات والأحوال واما ان لا يتبع المصالح فله ﷾ ان يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.\nوالثاني: أن نبوة سيدنا محمد ﷺ ثبتت بالبراهين القاطعة التي لا يقبلها شك ولا يدخلها ريب وقد نقل لنا عن الله تعالى أنه قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ١وصحة التمسك بالقرآن ان توقفت على صحة النسخ عاد الأمر الى نبوة محمد ﷺ إنما تصح مع القول بالنسخ ونبوته صحيحة قطعا فدل على صحة النسخ وان لم يتوقف عليها صح الاستدلال بهذه الآية على جواز النسخ وفي هذا الاستدلال نظر ذكره الإمام في التفسير وتقريره ان ما ننسخ جملة شرطية معناها ان ننسخ وصدق الملازمة بين الشيئين لا يقتضي وقوع أحدهما ولا صحة وقوعه ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْكَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ .\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٠٦.","vol":"2","page":228},{"text":"وذكر القاضي في مختصر التقريب مع قوله تعالى ما ننسخ وان أبدلنا آية مكان آية وهذه الآية سالمة عن النظر الذي ذكره الإمام لأن إذا تدخل الإعلى المحقق وقوعه وذكر أيضا قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ١ وقال لهم على هذه الآيات أسئلة وتمويهات يسهل مدركها قلت ومن التمويهات في ذلك قول قائلهم اليهود لا تعتقد بنبوة محمد ﷺ فالاستدلال عليهم بذلك الاستدلال على الخصم بدليل لا يسلم مقدماته وهذا ساقط فان الخصم إنما لا يعترض عليه بما لا يعتقده إذا كان شبهة فيه واما ما لبس فيه كمشكك بل هو ثبات بثبوت المحسوسات بل يلتفت إلى عدم اعتقاده فيه.\nوالثالث: مما يدل على وقوع النسخ انه ورد في التوراة ان آدم ﵇ كان مأمورا بتزويج بناته من بنيه وهو الآن محرم بالنسخ الا ذلك فإن قلت يجوز ان يكون هذا شرع لبني آدم أي غاية معلومة وهي ظهور شريعة أخرى ومثل هذا لا يكون نسخا قلت أمر آدم كان مطلقا وتقييده في علم الله لا ينافي النسخ فانه تعالى ان أمر بالفعل مطلقا فهو عالم بأنه سينسخه والوقت الذي فيه بنسخه فتقييده في علم الله تعالى لا يخرجه عن حقيقة النسخ ولقائل ان يقول تحريم ذلك في حقنا إنما يكون نسخا ان لو ثبتت الإباحة قبل ذلك وهي لم تثبت الا في حق بني آدم لصلبه وثبوتها في حق أولئك لا يوجب ثبوتها في حقنا وهي لم ترفع في حق أولئك فأين النسخ.\nقال قيل الفعل الواحد لا يحسن ويقبح قلنا مبنى فاسد ومع هذا فيحتمل ان يحسن لواحد أو في وقت ويقبح لآخر أو في آخر احتج مانعو النسخ بأن الأمر بالشيء يقتضي حسنه والنهي عنه يقتضى قبحه فيلزم من وقوع النسخ اجتماع الضدين اعني الحسن والقبح وهو محال.\nأجاب أن هذا مبني على فاسد وهو قاعدة التحسن والتقبيح ومع هذا أي ولو سلمنا صحة تلك القاعدة فيحتمل ان يحسن لواحد ويقبح لآخر أو يحسن له\n_________\n١ سورة النساء آية ١٦٠.","vol":"2","page":229},{"text":"في وقت ويقبح عنده في وقت آخر وذلك لأن المصلحة كما تقدم تتغير بتغير الأوقات والأشخاص.","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المسألة الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن ببعض</span>\n...\nقال الثانية يجوز نسخ بعض القرآن ومنع أبو مسلم الأصبهاني لنا أن قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ نسخت بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ قال قد تعتد الحامل بسنة قلنا لا بل تعتد بالحمل وخصوص السنة لاغ وأيضا تقديم الصدقة على نجوى الرسول واجب بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول الآية ثم نسخ قال زال الزوال بسببه وهو التمييز بين المنافقين وغيرهم قلنا زال كيف كان احتج بقوله تعالى لا يأتيه الباطل قلنا الضمير للمجموع.\nاللائق بهذه المسألة ان تذكر في الفصل التالي لهذا الفصل الذي أودعه ما ينسخ وما نسخ أو حاصلها ان نسخ جميع القرآن اجماعا كما صرح به بعضهم وأشار إليه المصنف في آخر المسألة وكذا الإمام في أثنائها واما بعضه فجائز ومنع منه أبو مسلم الأصفهاني كما نقله عنه الإمام وأتباعه منهم المصنف وقد تقدم النقل عنه انه منع وقوعه مطلقا واحتج في الكتاب بوجهين.\nأحدهما: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ١ ثم نسخ ذلك: ب ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٢ وقال أبو مسلم٣ الاعتداد بالحول لم يزل بالكلية لأنها لو كانت حاملا ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان تخصيصا لا نسخا وأجاب في الكتاب انا نمنع ان الحامل قد تعتد بسنة بل إنما تعتد بوضع الحمل سواء حصل لسنة أم اقل أم أكثر وخصوص السنة إن وقع لاغ لا عبرة به وهو جواب صحيح.\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٤٠.\n٢ وذلك في قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشر﴾ البقرة ٢٣٤.\n٣ هو: محمد بن بحر الأصفهاني كان نحويا كاتبا بليغا متكلما معتزليا عالما بالتفسير وغيره، ولد سنة ٢٥٤هـ وتوفي سنة ٣٢٢هـ.\nمعجم الأدباء ١٨/٣٥، الفهرست لإبن النديم ص٢٠٢.","vol":"2","page":230},{"text":"إلا أن أبا مسلم لم يدع عدم النسخ في الآية بهذا التقرير المذكور بل بتقرير غيره فنقول اختلف العلماء في هذه الآية فذهب جمهور المفسرين إلى أنها منسوخة بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ كما ادعاه الأصوليون وهو الذي رواه البخاري بسنده إليه الى أنها غير منسوخة وإنها ان لم تختر السكنى كانت عدتها: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ كما في إحدى الآيتين وإن اختارت اعتدت بحول كما في الآية الأخرى فحمل الآيتين على حالتين وذهب أبو مسلم الاصبهاني الى قول ثالث وهو ان معنى الآية ان الذين يتوفون ان كانوا قد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فالعدة بالحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة قال والسبب في ذلك انهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا كاملا وكان يجب على المرأة الإعتداد بالحول فبين الله تعالى في هذه الآية ان ذلك غير واجب وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل عند أبي مسلم ولكن ليس بالطريقة المتقدمة من ان الحامل قد تعتد بسنة وحينئذ لا يصلح الاستدلال بالآية عليه.\nوقوله هذا هو الذي اختاره الإمام في التفسير وقال انه في غاية الصحة وقد وافق والدي احسن الله إليه مجاهدا وأبا مسلم على ان الآية غير منسوخة وذهب الى رأي رابع ارتضاه وهو ان الله تعالى انزل في المتوفى عنها زوجها آيتين:\nإحداهما: آية العدة بأربعة أشهر وعشرا.\nوالثانية: آية الوصية ومعناها انه تعالى جعل للأزواج وصية منه ﷾ سكنى حول كامل بعد وفاة أزواجهن سواء أوصى الزوج بذلك أم لم يوص وهذا هو ظاهر الآية فلا يخرج عنه بلا دليل.\nالوجه الثاني: انه تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ١ ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ\n_________\n١ سورة المجادلة آية ١٢.","vol":"2","page":231},{"text":"صَدَقَاتٍ﴾ ١ الآية قال الواحدي اجمعوا على أنها منسوخة الحكم واعترض أبو مسلم بأن ذلك إنما زال لزوال سببه وهو التمييز بين المنافق وغيره لأن المؤمن يمتثل والمنافق يخالف فلما حصل بعد ذلك التمييز سقط الوجوب وأجاب بأن المدعي إنما هو زوال الحكم بعد ثبوته سواء لزوال سببه أم لم يكن لأن ذلك معنى النسخ وهو جواب ضعيف من وجهين:\nأحدهما: انه سيأتي في كلامه ان شاء الله تعلى ان زوال الشيء لزوال سببه أو شرطه ليس بناسخ.\nالثاني: انه ان أراد التمييز للنبي ﷺ فهو ﵇ كان عالما بأعيانهم وسماهم لحذيفة بن اليمان صاحب سره وإن أراد التمييز للصحابة فلا نسلم حصول التمييز لهم وكيف وقد قيل ما كانت الا ساعة من نهار حتى نسخت ومن البعيد حصول التمييز في ساعة واحدة بل الجواب ان الإجماع قد قام على أنها منسوخة كما حكيناه عن الواحدي وان التمييز لا يحصل في ساعة من نهار كما ذكرناه.\nواما قول الإمام في الجواب لو كان ذلك لكان من لم يتصدق منافقا وهو باطل لأنه روي انه لم يتصدق غير على ﵁ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فهو ضعيف لأن عدم الصدقة إنما يدل على النفاق لو وجدت النجوى معه وذلك لم يوجد لأنه لم يناج أحد من الصحابة بدون التصدق بل لم يصح أن أحدا ناجاه غير علي ﵁.\nوأما علي فقيل لم يصح انه ناجاه واحتج بذلك على جواز نسخ الحكم قبل العمل به وهذا يشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إذا جعلت إذ على بابها والمعنى أنكم تركتم ذلك فيما مضى ولكن روى ليث عن مجاهد قال قال علي ابن أبي طالب ﵁ أن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلى ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى.\n_________\n١ سورة المجادلة آية ١٣.","vol":"2","page":232},{"text":"كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فناجيت النبي ﷺ قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد وعلى هذا يجب إخراج إذ عن بابها وإما ان تكون بمعنى إذا كما قيل في إذا الإعتلال وإما ان تكون بمعنى ان الشرطية وسواء صح المنقول عن علي أم لم يصح فعدم الصدقة إنما كان لعدم النجوى فلا يصح الجواب بما ذكره الإمام فإن قلت كيف لم يعمل غير علي من أكابر الصحابة بالآية قبل نسخها كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.\nقلت إن صح أنهم لم يعملوا بها فإما لسرعة نسخها وإما لأنهم فهموا ان المقصود الكف عن المناجاة تعظيما للرسول ﷺ لأن سبب نزول الآية ان المسلمين اكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه وأراد الله ان يخفف عن نبيه كذا ذكره حبر الامة ابن عباس ﵄ فيكون كفهم عن المناجاة مبالغة في التعظيم فإن قلت لم لافعل علي ﵁ ما فعلوه مبالغة في التعظيم.\nقلت لعل الضرورة ألجأته الى المناجاة وذلك غير مستبعد لأنه كان قريب الأقرب وزوج ابنته والعادة تقضي بأن يكون أحوج الى مناجاته ﷺ واحتج أبو مسلم بأنه تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلو نسخ لأتاه الباطل وأجاب المصنف بان الضمير يأتيه عائد على مجموع القرآن أعني الهيئة الاجتماعية لا الجمعية اعني كل فرد سواء كان مجتمعا مع غيره أم لم يكن وإذا كان عائدا الى المجموع لم يكن دليلا على محل النزاع لأن مجموع القرآن لا ينسخ اتفاقا كما سلف وإنما الكلام في بعضه وفي هذا الجواب نظر من وجهين.\nأحدهما: أنك لم قلت بعوده لمجموعه دون جميعه ولم لا كان العكس.\nوالثاني: ان الضمير في يأتيه عائد الى القرآن والقرآن من الالفاظ المتواطئة يطلق على كله وعلى بعضه كما تقدم في الحقيقة والمجاز فليس حمله على الكل بأولى من حمله على البعض.\nفإن قلت: ولا حمله على البعض ايضا بأولى من العكس وحينئذ يبطل","vol":"2","page":233},{"text":"استدلال أبي مسلم بالآية لما ذكر من ان الحمل على واحد يقتضي الترجيح من غير مرجح.\nقلت: الحمل على البعض أولى لوقوع الاتفاق عليه اذ من حمل على الكل حمل البعض من غير عكس وقد أجاب الإمام بأن المراد ان هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله تعالى ما يبطله ولا يأتيه من بعده وأجاب غيره بأن النسخ ليس باطلا إذ هو حق والباطل يضاد الحق فوجب حمل الباطل على غير النسخ وكلا الجوابين صحيح حسن قال الثالثة يجوز نسخ الوجوب قبل العمل خلافا للمعتزلة.\nكل نسخ على التحقيق فهو واقع قبل الفعل فإنه إنما يرد على مستقبل الزمان دون ماضيه وهذا واضح وإنما الخلاف في انه هل يجوز ان يقال صل غدا ركعتين ثم انه ينسخه قبل مجيء الغد فجوز ذلك الجماهير من أصحابنا وخالفت المعتزلة وكثير من الحنفية والحنابلة وهذه هي المسألة الملقبة بنسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به والمصنف عبر عنها بنسخ الوجوب قبل العمل وهذا يوهم اختصاص المسألة بالوجوب وليس كذلك.\nوالتعبير الأول غير واف بالمقصود ايضا لأنه قد يقال انه لا يتناول ما إذا حضر وقت العمل به لكنه لم يمض مقدار ما يسعه وهذه الصورة من صور النزاع وقد يعتذر المعبر بهذه العبارة بأنه لا يتصور حضور وقت العمل به الا إذا مضى ما يسعه ولو عبر عنها بنسخ الشيء قبل مضي مقدار ما يسعه من وقته لتناول جميع صور النزاع من غير شك وعلى هذا يجوز النسخ بعد مضي مقدار ما يسعه وان لم يكن قد فعل المأمور به قال الهندي وفي بعض المؤلفات القديمة أن بعضهم كالكرخي خالف فيه أيضا وقال لا يجوز النسخ قبل الفعل سواء مضى من الوقت مقدار ما يسعه أم لم يمض والمصنف أطلق قوله قبل العمل وهو يقتضي ان الخلاف جار من غير فرق بين الوقت وما قبله وما بعده فأما قبله وفي معناه ما إذا دخل ولكن لم يمض زمن يسع الفعل فقد عرفت انه محل النزاع وأما بعد","vol":"2","page":234},{"text":"خروج الوقت قال الآمدي فقد انفق القائلون بجواز النسخ على تجويزه وأما وقوع النسخ في الوقت ولكن بعد التمكن من فعله فقد عرفت انه داخل تحت صور النزاع بما حكاه الهندي عن الكرخي ولكن صرح ابن برهان في الوجيز في آخر المسألة بأن النزاع لم يقع في جواز النسخ بعد التمكن من الفعل وإنما وقع في النسخ قبل التمكن من الفعل وكذلك الآمدي في أثناء الإستدلال فإنه قال والخلاف إنما هو قبل التمكن لا بعده.\nتنبيه: ذكره الهندي اعلم ان كل من قال ان المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال يلزمه ان يقول بعدم جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال إذ النسخ قبله على هذا التقدير تبين ان الامر في نفس الأمر وإن كنا نتوهم وجوده والنسخ يستدعي تحقق الامر السابق فيستحيل النسخ عند عدمه.\nوأما من لم يقل بذلك فجاز ان يقول بجوازه وان لا يقول بذلك لما يظهر له من دليل يخصه ويتضح عند هذا ان هذه المسألة ليست فرع تلك المسألة على الإطلاق اعني في الجواز وعدم الجواز كما وقعت إليه الإشارة في كلام الغزالي بل في عدم الجواز فقط.\nقال لنا ان ابراهيم ﵇ أمر بذبح ولده بدليل افعل ما تؤمر ان هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم فنسخ قبله قيله تلك بناء على ظنه قلنا لا يخطىء ظنه قيل امتثل فإنه قطع فوصل قلنا لو كان كذلك لم يحتج الى الفدا قيل الواحد بالواحد في الواحد لا يؤمر وينهي قلنا يجوز للابتلاء.\nاستدل أصحابنا على الجواز بالوقوع في قصة الذبيح ﵇ قالوا وذلك ان الله تعالى أمر ابراهيم ﵇ بذبح ولده ثم نسخ ذلك قبل الفعل أما انه أمره بالذبح فلثلاثة اوجه.\nأحدها: قول ولده: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ جوابا لقوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ فإن قوله ما تؤمر لا بد وان تعود الى شيء وليس ثم غير اني أذبحك فوجب صرفه إليه.\nوالثاني: قوله تعالى حكاية عن ابراهيم ﵇: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ يدل على أن المأمور به هو الذبح لأن مقدمات الذبح لا توصف بذلك.","vol":"2","page":235},{"text":"فإن قلت متى لا توصف بذلك مع العلم بعدم وجوب الذبح أو مطلقا والأول مسلم والثاني ممنوع وهذا لأن الامر باضجاع الولد واخذ المدية المستفاد من الامر بالذبح مع غلبة الظن بأن الذبح سيؤمر به بلاء مبين قلت متى غلب على ظنه بشيء فهو الواقع في نفس الامر إذ هو نبي فلا يخطىء ظنه.","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المسٍألة الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل</span>\n...\nوالثالث: قوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ ١ ولولم يؤمر بالذبح لما احتاج الى الفداء.\nوأما كونه نسخ قبل الفعل فلأنه لو لم ينسخ لذبح ضرورة انه ﵇ لا يخل بأمر ربه لكنه لم يذبح فدل على انه نسخ ولم يستدل المصنف على هذا لظهوره واعترض الخصم أولا بأنا لا نسلم انه كان مأمورا بالذبح وإنما كان مأمورا بالمقدمات فظن انه أمر به والدلائل التي تمسكتم بها إنما هي بناء على ظنه.\nوأجاب في الكتاب بأن ظنون الأنبياء مطابقة يستحيل فيها الخطأ واعترض ثانيا بأنا سلمنا انه أمر بذبح لكن لا نسلم انه نسخ قبل العمل وبيانه ان ابراهيم ﵇ كان كلما قطع موضعا من الخلق وتعداه الى غيره أوصل الله تعالى ما تقدم قطعه.\nوأجاب بأنه لو كان كذلك لم يحتج الى الفداء لأن الفداء بدل والبدل لا يحتاج إليه مع وجود المبدل ولقائل ان يقول لعل الفداء إنما كان للحياة التي من الله تعالى عليه بها مع حصول الذبح لا لنفس الذبح واستدل الخصم بأن قوله صل غدا ركعتين ليس موضوعا إلا للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لغة وشرعا.\nوقوله لا تصل غدا ركعتين ليس موضوعا إلا للنهي عنها في ذلك الوقت لغة وشرعا فلو جاز ان يرد الامر بشيء ثم النهي عن فعله في ذلك الوقت الواحد مأمورا ومنهيا أجاب بان ذلك لا يستحيل الا إذا كان المقصود حصول الفعل وأما إذا كان الغرض ابتلاء المأمور أي اختياره وامتحانه فيجوز\n_________\n١ سورة الصافات آية ١٠٧.","vol":"2","page":236},{"text":"فإن السيد قد يقول للعبد اذهب غدا الى موضع كذا ولا يريد الفعل بل امتحان العبد ليتبين رياضته ثم يقول لا تذهب قلت ولا يخفى ان هذه الشبهة إنما ترد إذا كان الوجوب قد نسخ بالتحريم أما إذا نسخ بالجواز فليس الشيء مأمورا به ومنهيا عنه فان قلت الله تعالى يعلم من يمتثل ممن لا يمتثل والاختيار إنما يكون مما يستدعي خبرا يستفيد منه ما لم يكن عالما به قلت المراد إظهار ذلك للخلق والتنبيه بذكر العبد الممتثل بين العالم.\nألا ترى ان ابراهيم ﵇ صار له بذلك لسان صدق في الآخرين وربما ان بعض من كان لا يؤمن به رآه قد بادر الى امتثال هذا الامر المدبر فصدق به وآمن وعرف انه على الحق المبين ومنهم من أجاب عن هذه الشبهة بأنه لم يجتمع الامر النهي في وقت واحد بل بورود النهي انقطع تعلق الامر وذكر القاضي في مختصر التقريب.\nهذا وطريقة أخرى وهي ان نقول كان الرب تعالى قال افعل الفعل الفلاني تقربا منك الى ما دام الامر متصلا بك فإذا نهيتك عنه فلا تفعله تقربا الى ولا تقربا الى غيري ليتبين للعبد انه عند النهي منهي عن قصد التقرب بما أمر به أولا الى الله تعالى وهو منهي عن اصل فعله ايضا من غير قصد التقرب.\nفائدة الصحيح عن جمهور العلماء ان الذبيح هو إسماعيل ﵇ واحتجوا له بأمور كلها ظاهرة غير قطعية واستنبط والدي ﵁ من القرآن دليلا على ذلك يقارب القطع أو يقتضي القطع بذلك لم يسبقه إليه أحد وهو ان البشارة التي وقعت لإبراهيم ﵇ بالولد من الله تعالى كانت مرتين مرة في قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ١.\n_________\n١ سورة هود آية ٧١.","vol":"2","page":237},{"text":"فقد صرح في هذه الآية ان المبشر به فيها اسحاق ولم يكن سؤال من ابراهيم ﵇ بل قالت امرأته أنها عجوز وانه شيخ وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في أواخر أمره واما للبشارة الاولى لما انتقل من العراق الى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد ولذلك سأله فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين احدهما بغير سؤال وهو اسحاق صريحا والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح ولا يرد على هذا قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ ١ ووجه الإيراد ذكر هبة اسحاق بعد الإنجاء لأنا نقول لما ذكر لوطا واسحاق هو المباشر به في قضية لوط ناسب ذكره ولم يذكره ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب والبشارة الأولى ولم يكن للوط فيها ذكر والله أعلم.\nواعلم ان هذه الفائدة ليس لها كبير تعلق بما نحن فيه من الشرح ولكن لما عظم موقعها حسن إيرادها.\n_________\n١ سورة الأنبياء آية ٧١- ٧٢.","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المسألة الرابعة: يجوز النسخ بغير بدل أو ببدل أثقل منه</span>\n...\nقال الرابعة يجوز النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل كنسخ وجوب تقديم النجوى والكف عن الكفار بالقتال استدل بقوله تعالى نأت بخير منها قلنا ربما يكون عدم الحكم أو الأثقل خيرا.\nالمسألة مشتملة على بحثين:\nأحدهما: في جواز نسخ الشيء لا إلى بدل ذهب إليه الجمهور.\nوخالف فيه قوم من أهل الظاهر. وكذلك المعتزلة كما قال القاضي في مختصر التقريب واستدل الجمهور بأن وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاته ﵇ نسخ بلا بدل واعلم ان الأصوليين صدروا المسالة بالخلاف في الجواز وهذا الدليل يدل على انهم يختارون الوقوع وهو صحيح إذ الظاهر ان نسخ الصدقة قبل النجوى لا إلى بدل وقول من قال وجوب الزكاة هو الناسخ وهو البدل ضعيف من وجهين.\nأحدهما: أنه تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا","vol":"2","page":238},{"text":"الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلو كانت الزكاة ناسخة لزم مساواة الصلاة والطاعة لها وأقام الصلاة وطاعة الله ورسوله واجبان قبل ذلك.\nوثانيها: أنه يحتاج الى نقل التاريخ في ذلك وهو يعيد بل الظاهر انه لما نسخ عنهم وجوب الصدقة أمروا بلزوم الواجبات التي هي عليهم باقية تنبيها على أنها هي ذروة الامر وسنامه واستدل القاضي في مختصر التقريب على تجويز نسخ الشيء لا الى بدل بانا يجوز ارتفاع التكليف عن المخاطبين جملة فلأن يجوز ارتفاع عبادة بعينها لا الى بدل أولى قال والمخالفون في ذلك وهم المعتزلة لا يجوزون ارتفاع التكليف فلهذا خالفونا في هذه المسألة فهذا هو مثار الخلاف في هذه المسألة.\nفائدة: قال الشافعي في الرسالة في ابتداء الناسخ والمنسوخ وليس بنسخ فرض أبدا الا اثبت مكانه فرض كما نسخت قبله بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة انتهى وظاهر هذه العبارة انه لا يقع النسخ الا ببدل وليس ذلك مراده بل هو موافق للجماهير على ان النسخ قد يقع بلا بدل وانما أراد الشافعي بهذه كما نبه عليه أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة انه ينقل من حظر الى إباحة أو إباحة الى حظر وتخيير على حسب أحوال الفروض قال ومثل ذلك مثل المناجاة كان يناجي النبي ﷺ بلا تقديم صدقه ثم فرض الله تقديم الصدقة ثم أزال ذلك فردهم الى ما كانوا عليه فان شاءوا وتقربوا بالصدقة الى الله وان شاءوا ناجوه من غير صدقة قال فهذا معنى قول الشافعي فرض مكان فتفهمه انتهى وهذا لا يخالفه فيه الأصوليون فانهم يقولون إذا نسخ الامر بقوله رفعت الوجوب أو التحريم مثلا عاد الامر الى ما كان عليه وهو حكم أيضا.\nالبحث الثاني: يجوز عند الجمهور نسخ الشيء والإتيان ببدل اثقل منه وخالف بعض أهل الظاهر قال ابن برهان في الوجيز ونقل ناقلون ذلك عن الشافعي وليس بصحيح وانتهى وليس بصحيح عنه.\nومنهم من أجاز ذلك عقلا ومنع منه سمعا لنا ان الكف عن الكفار كان واجبا بقوله تعالى ﴿ودع أذاهم﴾ ونحوه ثم نسخ بإيجاب القتال وهو أثقل أي","vol":"2","page":239},{"text":"أكبر مشقة واستدل الخصم على منعها أعني النسخ بلا بدل والنسخ ببدل أثقل بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فدل على أنه لا بد أن يأتي بالبدل وهو المدعي أولا وعلى ان البدل منحصر في الأول والمساوي وهو المدعي ثانيا وأجاب بأن عدم الحكم قد يكون خير للمكلف منه في ذلك الوقت واعترض الهندي على هذا بان العدم الصرف لا يوصف بقوله نأت لأن ما أتى به فهو شيء وهو صحيح الا ان نقول النسخ يزيل الحكم ويعيد الامر الى ما كان عليه فكان مشتملا على الإتيان بالحكم الذي كان من قبل ومن هذا يظهر انه أتى بشيء.\nوهذا إنما استفاد من كلام الصيرفي والأصل فيه كلام الشافعي ﵁ وهذا تقرير الجواب عنهم قولهم لا يكون النسخ الا ببدل والقاضي في مختصر التقريب قال الجواب عن هذه الآية هذا إخبار عن أن النسخ يقع على هذا الوجه وليس فيه ما يدل على انه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه.\nقال هذا واضح عند التأمل.\nقلت: وهذا من القاضي يفهم ان محل الخلاف في الجواز وانه يسلم ان النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه وهذا ما اقتضاه كلام الآمدي في آخر المسالة إذ قال ان سلم امتناع وقوع ذلك شرعا لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي وقد قدمنا ان الاستدلال بآية النجوى يدل على ان الخلاف في الوقوع ايضا وبذلك صرح الهندي إذ قال الآية وان لم تدل الا على عدم الوقوع فذلك كاف لأنه إذا ثبت عدم الوقوع ثبت عدم الجواز لأن كل من يقول بالجواز قال بالوقوع فالقول بعدم الوقوع من الجواز قول لم يقل به أحد والأظهر ان ما قال بالجواز قال بالوقوع كما ذكره الهندي وكلام الآمدي إنما هو على سبيل النزل إذ صدر المسالة بالجواز وقد صرح الآمدي بدليلين وقال احدهما يدل على الجواز العقلي والثاني على الجواز الشرعي وكلام القاضي ليس بالصريح في ذلك ان قال بعد ذلك أو يقول يعني في الجواز.\nقوله ما ننسخ من آية يحمل على بعض الأحكام دون بعض قال ويقوى ذلك على منع صيغ العموم قلت ومن هنا يؤخذ من كلام القاضي أن النكرة في","vol":"2","page":240},{"text":"سياق الشرط تعم كما قدمناه في باب العموم عن امام الحرمين لقوله ويقوى ذلك على منع صيغة العموم ومفهوم هذا انه لا يقوى عند تسليمها واما الجواب عند استدلالهم بقوله بخير منها أو مثلها على ان البدل منحصر في الأخف والمساوي.\nفقد أجاب في الكتاب عنه بقوله أو الأثقل خيرا يعني ان الخير يصدق على ما هو اجزل ثوابا وأصلح لنا في المعاد وإن كان أثقل في الحال ومن الخصوم من استدل بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١ واقتصر المتأخرون في الجواب عن الاستدلال بهذه الآية على قولهم ان ذلك محمول على اليسر في الآخرة ومناسب هذا الجواب والحق في الجواب عن ذلك ما ذكره القاضي في مختصر التقريب من ان ذلك إنما ورد في مخاطبة المرضى من المسلمين لما خفف الصيام عنهم ولا تعلق له بمسألتنا.\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٨٥.","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المسألة الخامسة: نسخ الحكم دون التلاوة وبالعكس</span>\n...\nقال الخامسة ينسخ الحكم دون التلاوة مثل قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ آية وبالعكس مثل ما نقل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وينسخان معا كما روي عن عائشة قالت كان فيما انزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس\nيجوز نسخ الحكم دون التلاوة وبالعكس ونسخهما معا وخالف في ذلك كله بعض الشاذين واستدل في الكتاب لكل من الصور بالوقوع أما نسخ الحكم دون التلاوة فكنسخ الاعتداد بالحول من قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقد سبق الكلام في آية الحول فكان الأولى التمثيل بغير هذه الآية المختلف في أنها هل هي منسوخة والآيات في هذا القسم كثيرة وأما عكسه اعني نسخ التلاوة دون الحكم فكما روى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حديثا في كتاب الله فلقد رجم رسول الله ﷺ فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنا قد قرأناها رواه الشافعي وهذا لفظه","vol":"2","page":241},{"text":"وروى الترمذي نحوه والبخاري ومسلم ما يقرب منه وروى النسائي عن أبي أمامة اسعد بن سهل بن حنيف عن خالته قالت لقد أقرأناها رسول الله ﷺ آية الرجم والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته بما قضينا من لديهما وإسناده جيد والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة قلت وأنا لا يبين لي معنى قول عمر ﵁ لولا ان يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها إذ ظاهر هذا ان كتابتها جائزة وإنما منعه من ذلك قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه.\nوإذا كانت كتابتها جائزة لزم ان تكون التلاوة باقية لأن هذا شأن المكتوب وقد يقول القائل في مقابلة هذا لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ﵁ الى كتابتها ولم يعرج على مقال الناس لأن مقال الناس لا يصلح مانعا من فعل هذا الواجب وبالجملة لا يبين لي هذه الملازمة اعني لولا قول الناس لكتبت ولعل الله ان ييسر علينا حل هذا الأثر بمنه وكرمه فانا لا نشك في ان عمر رضوان الله عليه إنما نطق بالصواب ولكنا نتهم فهمنا واما نسخهما معا فكما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت كان فيما انزل عشر رضعات معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن رواه مسلم ونحن نعلم انه ليس في القرآن اليوم وان حكمه غير ثابت وقد تكلم العلماء في قولها وهي فيما يقرا من القرآن فإن ظاهره يقتضي ان التلاوة باقية وليس كذلك فمنهم من أجاب بان المراد قارب الوفاة والأظهر في الجواب ان التلاوة نسخت ايضا ولم يبلغ ذلك كل الناس الا بعد وفاة رسول الله ﷺ فتوفي وبعض الناس يقرأها فيصدق انه توفي وهي فيما يقرأ.\nواعترض الهندي بأن ثبوت نسخ تلاوة ما هو من القرآن وحكمه يتوقف على كونه من القرآن وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد فلا يثبت به تلاوة ما هو من القرآن وحكمه معا قلت والاعتراض وارد ايضا في منسوخ التلاوة دون الحكم فلا ينبغي ان يقصره على هذا القسم ثم قال الهندي ممكن ان يجاب بان القرآن المثبت بين الدفتين هو الذي لا بد في نقله من التواتر وأما المنسوخ فلا نسلم أنه لا يثبت بخبر الواحد سلمنا لكن الشيء قد يثبت ضمنا بما لا يثبت به استقلالا كما قال بعض الأصوليين","vol":"2","page":242},{"text":"إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين إنه كان قبل الآخر قبل ولزم منه نسخ المتأخر وان لم يقبل قوله في نسخ المعلوم ولقائل ان يقول لا يندفع السؤال بواحد من الجوابين أما الأول فأنا لا نعقل كونه منسوخا حتى نعقل كونه قبل ذلك من القرآن وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد قلنا وقوله لا نسلم ان القرآن المنسوخ لا يثبت بخبر الواحد لأن نسخه لا يكون الا بعد ثبوت كونه من القرآن ثم يرد النسخ بعد ذلك متأخرا في الزمان فيصدق إثبات قرآن غير منسوخ بخبر الواحد ثم إثبات نسخه بخبر الواحد ويوضح هذا ان قول الراوي كانت الكلمة الفلانية من القرآن ثم نسخت تلاوة وحكما في قوة خبرين احدهما أنها من القرآن ثم نسخت تلاوة وحكما في قوة خبرين احدهما أنها من القرآن والثاني أنها منسوخة وكلا الخبرين لا يكفي فيه خبر الواحد واما الثاني ففيما نحن فيه لم يتعارض وليلان وفيما استشهد به تعارض دليلان فلذلك رجحنا في موضع التعارض بمرجح ما وهو قول الصحابي هذا متقدم وإنما الذي يظهر في الجواب عن هذا السؤال أن زماننا هذا ليس زمان النسخ وفي زمان النسخ لم يقع النسخ بخبر الواحد.\nفرع: قال الآمدي هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية ان يمسها المحدث ويتلوها الجنب تردد فيه الأصوليون والأشبه المنع من ذلك قلت الخلاف وجهان لأصحابنا والصحيح جواز المس والحمل وقول الآمدي ان المنع أشبه ممنوع وذكر الرافعي في أول باب خلافه حد الزنا ان القاضي ابن كج حكى عن بعض الأصحاب وجها انه قرأ قارىء آية الرجم في الصلاة لم تفسد والصحيح خلافه.","vol":"2","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المسألة السادسة: نسخ الخبر المستسقبل</span>\n...\nقال السادسة يجوز نسخ الخبر المستقبل خلافا لأبي هاشم لنا انه يحمل ان يقال لأعاقبن الزاني أبدا ثم يقول أردت سنة قيل يوهم الكذب قلنا ونسخ الامر يوهم البداية.\nهذه المسالة في نسخ الأخبار والنسخ أما ان يكون لنفس الخبر أو لمدلوله وثمرته فإن كان الأول فأما ان تنسخ تلاوته أو تكليفنا بالأخبار به إذا كنا قد كلفنا بأن نخبر بشيء فهذان جائزان من غير نزاع سواء كان ما نسخت","vol":"2","page":243},{"text":"تلاوته ماضيا أو مستقبلا وسواء كان مما لا يتغير كالأخبار بوجود الله تعالى وحدوث العالم أو كالأخبار بكفر زيد وإيمانه لأن جميع ذلك حكم من الأحكام الشرعية فجاز كونه مصلحة في وقت ومفسدة في آخر لكن هل يجوز ان ينسخ تكليفنا بالاخبار عما لا يتغير تكليفنا بالاخبار بنقيضه قال الآمدي قالت المعتزلة لا يجوز لأنه كذب والتكليف به قبيح وهذا مبني على قاعدة الحسن والقبيح الباطلة عندنا وعلى هذا فلا مانع من التكليف بالخبر بنقيض الحق هذا كلام الآمدي ولا يقال عليه ان الكذب نقض ونحن نوافق على ان قبحه عقلي لأنا نقول هو في هذه الصورة نقص في المكلف بفتح اللام وهو المخير لا المكلف بكسرها وهو الله تعالى الآمر بالأخبار ويجوز التكليف بما هو نقص في حق العبد لأن له تعالى ان يفعل ما يشاء واما ان كان النسخ لمدلول الخبر فإن كان لا يتغير فلا خلاف في امتناع نسخه وان كان مما يتغير فهي مسإلة الكتاب ومذهب اكثر المتقدمين منهم أبو هاشم فيها المنع سواء كان الخبر ماضيا أو مستقبلا أو وعيدا أو خبرا عن حكم كالخبر عن وجوب الحج واختاره ابن الحاجب وقال عبد الجبار وأبو عبد الله وأبو الحسين والإمام والآمدي يجوز مطلقا وفصل بعضهم.\nفقال ان كان مدلوله مستقبلا جاز وإلا فلا وهذا هو الذي اختاره المنصف وليعلم ان محل الخلاف فيما إذا لم يكن بمعنى الامر أو النهي كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ وقوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فإن هذا يجوز نسخه ولا نعرف فيه خلافا ولا يتجه لأنه بمعنى الأمر والنهي قال الهندي وما نقل الإمام وغيره من الخلاف في الخبر عن حكم شرعي ليس هو هذا لأن ذلك محمول على ما هو خبر في هذا اللفظ والمعنى مدلوله حكم شرعي وما نحن فيه ليس الا صيغة الخبر استعملت في الامر على وجه التجوز فهو في معنى الامر ونحن على جزم بأن الصيغة لا مدخل لها في تجويز النسخ وعدمه فهو في معنى الامر وقد استدل المصنف على ما اختاره بأنه يصح ان يقال لأعاقبن الزاني أبدا ان لا يلزم من وقوعه محال ثم يقال أردت سنة واحدة ولا نعنى بالنسخ الا هذا فإن النسخ إخراج بعض الزمان وهو موجود هنا واستدل المانع بأن نسخه يوهم","vol":"2","page":244},{"text":"الكذب إذ المتبادر منه الى الفهم ليس الا استيعاب المدة المخبر بها وإيهام الكذب قبيح أجاب بأن نسخ الأمر ايضا يقتضي ان يظن الظان ظهور الشيء بعد خفائه أي فلو امتنع نسخ الخبر للإيهام لامتنع نسخ الأمر ولا قائل به من المنازعين في هذه المسألة هذا ما في الكتاب والحق في المسألة ما ذكره القاضي في مختصر التقريب من بناء المسألة على ان النصح بيان أو رفع فمن قال بالأول جوز ذلك فقال إذا اخبر الله سبحانه عن ثبوت شريعة فيجوز ان يخبر بعدها فيقول أردت ثبوتها بأخباري الأول الى هذا الوقت ولم أرد أولا الا ذلك وهذا لا يقضي الا تجويز خلف ولاوقوع خبر بخلاف مخبر وأما من قال بالثاني كالقاضي فلا يجوز ذلك كيف ونسخ الخبر حينئذ يستلزم الكذب قطعا لأن الخبر ان كان صادقا كان الناسخ المقتضي رفع بعض مدلوله كاذبا ضرورة أنه صدق وإلا فهو كاذب وبهذا يظهر لك ان من وافق القاضي على ان النسخ رفع لا يحسن منه الذهاب إلى تجويز نسخ الأخبار.","vol":"2","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>المسألة الأولى نسخ الكتاب بالسنة وبالعكس</span>\n...\nالفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ\nقال الفصل الثاني في الناسخ والمنسوخ:\nوفيه مسائل الأولى الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالنسبة كنسخ الجلد في حق المحصن وبالعكس كنسخ القبلة وللشافعي ﵁ قول بخلافها دليله في الأول قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ بأن السنة وحي ايضا وفيهما بقوله لتبين للناس وأجيب الأول بان النسخ بيان وعورض الثاني بقوله تبيانا.\nالمراد هنا بالناسخ والمنسوخ ما ينسخ وما ينسخ به من الأدلة اعلم انه يجوز نسخ الكتاب به والسنة المتواترة بها والآحاد بمثله وبالمتواتر وأما نسخ الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب فالجمهور على جوازه ووقوعه وذهب ابن سريح كما نقل القاضي عنه في مختصر التقريب الى جائز ولكن لم يرد وذهب قوم الى امتناعها ونقل عن الشافعي ﵁ وقد استنكر جماعة من العلماء ذلك من الشافعي حتى قال الكيا الهراسي هفوات الكبار على أقدارهم ومن عن خطأوه عظم قدره وقد كان عبد الجبار بن احمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع فلما وصل الى هذا الموضع قال هذا الرجل كبير لكن الحق اكبر منه قال والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره كيف وهو الذي مهد هذا الفن ورتبه وأول من أخرجه قالوا لا بد وان يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل فتعمقوا في محامل ذكروها وأورد الكيان بعضها واعلم انهم صعبوا أمرا سهلا وبالغوا في غير عظيم وهذا ان صح عن الشافعي","vol":"2","page":247},{"text":"فهو غير منكر وان جبن جماعة من الأصحاب عن نصرة هذا المذهب فذلك لا يوجب ضعفه.\nولقد صنف شيخ الدنيا الشيخ الجليل أبو الطيب سهل بن الإمام الكبير المتفق على جلالته وعظمته وبلوغه في العلم المبلغ الذي يتضاءل عنده جماعة من المجتهدين أبي سهل الصعلوكي كتابا في نصرة هذا القول وكذلك الأستاذان الكبيران أبو اسحق الاسفرايني وتلميذه أبو منصور البغدادي وهما من أئمة الأصول والفقه وكانا من الناصرين لهذا الرأي قال القاضي في مختصر التقريب.\nواختلف الذين منعوا نسخ القرآن بالسنة فمنهم من منعه عقلا ومنهم من قال يجوز سمعا وانما امتنع بأدلة السمع.\nقال القاضي وهذا هو الظن بالشافعي مع علو مرتبته في هذا الفن ومنهم من نقل للشافعي في كل من نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قولين وهو ما أورده في الكتاب والرافعي حكى في باب الهدية وجهين في نسخ السنة بالقرآن أو قولين التردد منه.\nقال وينسب المنع الى اكثر الأصحاب فإن جرى الخلاف في نسخ السنة بالقرآن فليكن من العكس بطريق أولى.\nوقال امام الحرمين قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسنة وتردد في قوله في نسخ السنة بالكتاب قلت وهنا هو الذي قاله في الرسالة فانه قال في باب ابتدأ سمي الناسخ والمنسوخ ما نصه ولا ينسخ كتاب الله الا كتابه كما كان المبتدي بفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه انتهى.\nثم قال ما نصه وهكذا سنة رسول الله ﷺ لا ينسخها إلا سنة رسول الله ﷺ ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن فيه رسول الله ﷺ لسن فيما حدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها انتهى ومن صدر هذا الكلام أخذ من نقل عن الشافعي ﵀ أن","vol":"2","page":248},{"text":"النبي ﷺ إذا سن سنة ثم انزل الله في كتابه ما ينسخ ذلك الحكم فلا بد ان يسن النبي ﷺ سنة أخرى موافقة للكتاب تنسخ سنته الاولى لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة جميعا ولا تكون سنة منفردة تخالف الكتاب.\nوقوله ولو احدث الله الى آخره صريح في ذلك قوله بعد ذلك ما نصه فان قال هل تنسخ السنة بالقرآن قيل له لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ سنة تبين ان سنته الاولى منسوخة لسنة الأخيره حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله انتهى.\nوكذلك ما ذكره بعد ذلك في باب جمل الفرائض التي احكم الله فرضها بكتابه وبين كيف فرضها على لسان نبيه ﷺ فإنه قال لما تكلم على صلاة ذات الرقاع ما نصه.\nوفي هذا دلالة على ما وصفت قبل في هذا الكتاب من ان رسول الله ﷺ إذا سن سنة فأحدث الله في تلك السنة نسخا أو مخرجا الى سنة منها سن رسول الله ﷺ بسنة تقوم الحجة على الناس بها حتى يكونوا إنما صاروا من سنته الى سنته التي بعدها انتهى.\nفهذا هو معنى القول المنسوب الى الشافعي أعني انه لا بد ان يسن النبي ﷺ سنة أخرى واكثر الأصوليين الذين تكلموا في ذلك لم يفهموا مراد الشافعي وليس مراده الا ما ذكرناه.\nواستدل المصنف على كون السنة المتواترة تنسخ الكتاب بان النبي ﷺ رجم المحصن مع شمول آية الجلد له وفيه نظر فإن هذا تخصيص والمصنف قد ذكره بعينه مثالا لتخصيص الكتاب بالسنة ثم إنه ثابت بالقرآن الذي نسخت تلاوته وهو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.\nواستدل على أن الكتاب ينسخ السنة بأن التوجيه الى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ١ قوله\n_________\n١ سورة البقرة آية ١٤٤.","vol":"2","page":249},{"text":"دليله في الاول أي دليل الشافعي في امتناع نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وقد استدل بها الشافعي ﵀ في الرسالة ويمكن تقرير وجه الدلالة منها بطريقين.\nأحدهما: أنه تعالى اسند للأنبياء بالخبر أو المثل الى نفسه وانما يكون ذلك إذا كان الناسخ القرآن.\nوالثاني: أنه تعالى قال نأت بالخبر أو المثل والسنة ليست خيرا من الكتاب ولا مثله فدل على ان الإتيان إنما هو بالقرآن.\nوالجواب ان السنة منزلة إذ هي حاصلة بالوحي كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ فالآتي بها هو الله واما الخبر أو المثل فالمراد بهما الأكثر ثوابا والمساوي ودليل الشافعي فيهما اي في نسخ الكتاب بالسنة وفي عكسه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ ١ فإما نسخ الكتاب بالسنة فلأن الآية دلت على ان السنة تبين جميع القرآن بدليل قوله: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلو كانت ناسخة كانت رافعة لا مبينة.\nوأما نسخ السنة بالكتاب فلأنها تدل على ان السنة تبين القرآن فلو كان القرآن ناسخا بالسنة لكان القرآن بيانا للسنة فيلزم كون كل واحد منهما بيانا للآخر أجيب عن الأول بأن النسخ لا ينافي البيان بل هو عينه بناء على بيان انتهاء الحكم وعن الثاني بقوله تعالى في صفة القرآن تبيانا لكل شيء فإنه يقتضي ان يكون الكتاب تبيانا للسنة كما في قوله لتبين يقتضي أن تكون السنة مبينة للكتاب فلما تعارض مقتضاهما لم يكن الاستدلال بواحد منهما ارجح من عكسه وفي الاستدلال بقوله لتبين على المقامين معا نظر آخر لأن البيان ان لم يكن مغايرا للنسخ لم يتجه الاستدلال به على امتناع نسخ الكتاب بالسنة وإن كان مغايرا لم يتجه ان يستدل به على العكس وأورد القرافي عل الشافعي بأن قوله تعالى: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ عام في الكتاب وفي السنة لأن السنة منزلة ايضا فقد يفهم ان الآية انه ﵇ يبين القرآن والسنة بغيرهما وهو خلاف الإجماع.\n_________\n١ سةرة النحل آية ٤٤.","vol":"2","page":250},{"text":"فما تدل عليه الآية وقد يجاب عن هذا بأن الآية إنما تدل على أنه بينهما لا تعارض لها للمبين به ولعل المبين به منهما أو من احدهما على ان هذا كله خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية وسياقها فان المفهوم منها ان التبيين هو التفهيم لا النسخ.","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المسألة الثانية: لاينسخ المتواتر بالآحاد</span>\n...\nنسخ المتواتر بالآحاد\nقال لا ينسخ المتواتر بالآحاد لأن القاطع لا يدفع بالظن قيل لا أجد منسوخا بما روي انه ﵇ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع قلت لا أجد للحال فلا نسخ.\nنسخ المتواتر بالآحاد جائز في النقل ونقل قوم الاتفاق على ذلك وليس بجيد فقد حكى القاضي في مختصر التقريب عن بعضهم انه ذهب الى منع ذلك عقلا وعبارة المصنف وهكذا ابن الحاجب توهم ان الخلاف فيه وعلى ذلك جرى الجار بردي في شرحه وهو صحيح لما حكاه القاضي الا انه ليس مقصود المصنف غير الجواز السمعي بدليل انه اختار انه لا ينسخ ولو نصب المسألة في الجواز العقلي لكان الظن به ان لا يختار ذلك وإذا عرفت وقوع الاختلاف في الجواز فاعلم ان الجماهير وان قالوا بالجواز الا انهم اختلفوا في الوقوع فذهب الأكثرون الى انه غير واقع وذهب جماعة من أهل الظاهر الى وقوعه وفصل القاضي في مختصر التقريب والغزالي بين زمان الرسول وما بعده فقالا بوقوعه في زمانه ﵇ دون ما بعده.\nونقل القاضي اجماع الامة على منعه بعد الرسول ﷺ قال وإنما اختلفوا في زمانه وكذا امام الحرمين قال اجمع العلماء على ان الثابت قطعا لا ينسخه مظنون ولم ينقرض لزمان الرسول ﷺ.\nواعلم ان المراد المتواتر في هذه المسألة القرآن والسنة المتواترة واستدل المصنف على المنع بأن المتواتر قطعي وخبر الواحد ظني والظني لا يعارض القطعي لأن ترجيح الأضعف على الأقوى غير جائز وهذا الدليل إنما يتمشى إذا كان","vol":"2","page":251},{"text":"محل النزاع في الجواز العقلي كذا اعترض به الهندي ظنا منه وقوع الاتفاق على انه يجوز عقلا فإنه ممن نقل الاتفاق عليه.\nوقد عرفت انه محل خلاف الا انا نقول قد قررنا ان المصنف إنما تكلم في الوقوع ودليله هذا يقتضي عدم الجواز وهو لا يقول به فيكون منقوضا ثم أنه ضعيف من اوجه أخر:\nأحدها: ما ذكره القاضي في مختصر التقريب من انا نقول وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به فما يضرنا التردد في اصل الحديث مع انا نعلم قطعا وجوب العمل به فكان صاحب الشريعة قال إذا نقل من ظاهره العدالة فاقطعوا بأن حكم الله تعالى عليكم العمل بظاهره وصدق الناقل.\nوالثاني: انا لا نسلم ان المقطوع لا يدفع بالمظنون الا ترى ان انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع مقطوع به عندنا وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوع به عند آخرين ثم إذا نقل خبر عن الرسول ﷺ أحادا يثبت العمل به ويرتفع ما نقرر قبل ورود الشرائع ذكره القاضي أيضا.\nوالثالث: أنا مهما جوزنا نسخ النص بخبر الواحد فلا نسلم مع ورود خبر الواحد كون النص مقطوعا به فإنا لو قلنا ذلك لزمنا ان نقطع بكذب الراوي وهذا ما لا سبيل إليه ذكره القاضي ايضا ومراده ان المقطوع به إنما هو اصل الحكم لا دوامه والنسخ لم يرد على اصل الحكم وانما قطع دوامه ومنهم من ضعف هذا الدليل بوجهين آخرين.\nأحدهما: منع لزوم ترجيح الأضعف على الأقوى وسنده ان الكتاب والسنة المتواترة وان كان مقطوعي المتن لكنهما مظنونا الدلالة وخبر الواحد بالعكس لكونه خاصا فتعادلا بل خبر الواحد الخاص أقوى دلالة على مدلوله لأن تطرق الضعف إلى مدلول الخبر الواحد الخاص إنما هو احتمال الكذب والغلط وتطرق الضعف الى مدلول الكتاب العام إنما هو من جهة تخصيصه وارادة بعض مدلولاته دون بعض ومعلوم ان تطرق التخصيص الى العام اكثر من تطرق الكذب والغلط الى العدل المتحفظ وضعفه الشيخ صفي الدين الهندي بأنه ليس","vol":"2","page":252},{"text":"من شرط المنسوخ من الكتاب والسنة المتواترة ان يكون عاما وناسخه من خبر الواحد خاصا حتى يتأتى ما ذكر بل قد يكون عامين أو خاصين والمنسوخ خاصا والناسخ عاما على رأي من يرى ان العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم.\nوإذالم يتأت ما ذكر من المنع لزم ترجيح الأضعف على الأقوى فلم يجز النسخ في هذه الصور وإذا لم يجز في هذه الصور ولم يجز في تلك الصورة لعدم القائل بالفصل في ولا تعارض بمثله بان يقال إذا جاز النسخ في تلك الصورة لتساويهما جاز في هذه الصورة لعدم القائل بالفصل لأن إلحاق الفرد بالأكثر أولى ولأن تحقق المفسدة فى صور عديده اشد محذورا من تحققها في صوره واحدة.\nوثانيهما: النقض يجوزان تخصيصهما به ولقائل ان يقول التخصيص أهون فلا يلزم من جوازه جواز النسخ وأيضا فالتخصيص لا يلزم منه ترجيح الأضعف على الأقوى لما ذكر من المعنى فلا يلزم النقض واستدل الخضم بقوله تعالى:\n﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ ١ الآية فإنه يقتضي حصر التحريم فيما ذكر في الآية وقد نسخ ذلك بما روت الأئمة الستة من نهيه ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع فقد نسخ الكتاب بعد هذا الخبر الظني وأجاب في الكتاب بأن الآية إنما دلت على الرسول ﷺ لم يجد في ذلك الوقت من المحرم الا الأربعة المذكورة في الآية ولذا قال أوحى بلفظ الماضي وبقي ما عداها على الأصل الحل ونهيه ﷺ عن أكل كل ذي ناب وجد بعد ذلك فلا نسخ لأن الآية دلت الحال ولم تتعرض للاستقبال والحديث إنما دل على الاستقبال ولو قدر تناول الآية للاستقبال فالحديث مخصص لعموم ليس غير هذه الاربعة بمجرد وهو عموم المفهوم من حصر التحريم في الاربعة بناء على ان للمفهوم عموما وحينئذ فهو مخصص لا ناسخ.\n_________\n١ سورة الأنعام آية ١٤٥.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المسألة الثالثة: الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به</span>\n...\nقال الثالثة الاجماع لا ينسخ لأن النص يتقدمه ولا ينعقد الاجماع ولا ينسخ به أما النص والإجماع فظاهران وأما القياس فلزواله بزوال شرطه.","vol":"2","page":253},{"text":"هذه المسألة تشتمل على بحثين:\nالأول: في ان الحكم الثابت بالاجماع لا ينسخ وان الحكم الثابت باجماع هذا هو رأي الجماهير اعني ان الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به وبه جزم في الكتاب ودليله انه لو انتسخ لكان انتساخه إما بالكتاب والسنة أو الاجماع أو القياس والكل باطل أما بطلانه بالأوليين فلأن نص الكتاب والسنة متقدم على الاجماع لأن جميع النصوص متلقاة من النبي ﷺ ولا ينعقد الاجماع في زمنه لأنهم ان اجمعوا دونه لم يصح وان كان معهم أو علم بهم وسكت فالعبرة بقوله أو تقريره واما بالاجماع فلاستحالة انعقاده على خلاف الاجماع للزوم خطا أحد الاجماعين والى هذا أشار بقوله ولا ينعقد الاجماع بخلافه واما القياس فلأن شرط صحته ان لا يخالف الاجماع فإذا قام القياس على خلاف الاجماع لم يكن معتبرا لزوال شرطه واما ان الاجماع لا ينسخ به فلأن المنسوخ به إما النص أو الاجماع او القياس والأولان باطلان لما عرفت وكذا القياس لزواله بزوال شرطه كما عرفت أيضا وأعلم أن ما ذكرناه من أن الإجماع لا ينعقد في زمن النبي ﷺ هو ما ذكره الأصوليون على طبقاتهم القاضي في مختصر التقريب لمن بعده ولقائل ان يقول إذا كانت الأمة لا تجتمع على خطا انعقد الإجماع بقولها ولا سيما إذا جوزنا الاجتهاد في زمانه وهو الصحيح فلعلهم اجتهدوا في مسألة واجمعوا عليها ولم يعلم هو ﷺ بهم والامام وان جرى هنا على ما ذكره الأصوليون من ان الاجماع لا ينعقد في زمانه ﷺ فقد ذكر ما يناقضه بعد ذلك.\nقال والقياس إنما ينسخ مقياس أجلي منه.\nالبحث الثاني: في نسخ القياس والنسخ به وقد اختلفوا في ذلك والذي ذهب إليه المصنفون ان القياس إنما ينسخ بقياس اجلي من القياس الأول وأظهر ويعرف قوة أحد القياسين بما سيأتي ان شاء الله في ترجيح الأقيسة وإنما حصر الذي ينسخ في القياس الأجلي دون غيره لأن غيره أما نص أو إجماع ويمتنع النسخ بهما لزوال شرطه حينئذ كما تقدم واما قياس مساو للأول ويمتنع الترجيح من غير مرجح واما قياس أخفى ويمتنع لتقديم المرجوح على الراجح فقد تحرر من كلام المصنف هذا ان القياس قد يكون منسوخا وقد يكون ناسخا لأن","vol":"2","page":254},{"text":"في نسخ القياس بالقياس ذلك ومنهم من منع نسخه والنسخ به مطلقا ومنهم من جوز نسخه بسائر الأدلة ونسخ جميع الأدلة وقال الإمام نسخ القياس إما ان يكون في زمان حياة الرسول ﷺ وبعد وفاته فإن كان حال حياته فلا يمتنع رفعه بالنص والإجماع والقياس أما بالنص فبأن ينص الرسول ﷺ في الفرع على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس بعد استقرار التعبد بالقياس.\nواما بالاجماع فلأنه ان اختلفت الامة على قولين قياسا ثم اجمعوا على أحد القولين رافعا لحكم القياس الذي اقتضى القول واما بالقياس فبأن ينص في صورة بخلاف ذلك الحكم ويجعله معللا بعلة موجودة في ذلك الفرع ويكون إمارة عليتها أقوى من امارة علية الوصف للحكم الأول في الأصل الأول ويكون كل ذلك بعد التعبد بالقياس الأول.\nوأما بعد وفاة الرسول ﷺ فإنه يجوز نسخه في المعنى وان كان ذلك لا يسمى نسخا في اللفظ أما بالنص إذا اجتهد إنسان في طلب النصوص ثم لم نظفر بشيء أصلا ثم اجتهد فخرج شيئا بالقياس ثم ظفر بعد ذلك بنص أو اجماع أو قياس أقوى من القياس الأول على خلافه فان قلنا كل مجتهد مصيب كان هذا الوجدان ناسخا لحكم الأول من القياس لكنه لا يسمى ناسخا لأن القياس إنما يكون معمولا به بشرط ان لا يعارضه شيء من ذلك وان قلنا المصيب واحد لم يكن القياس الأول معتدا به فلم يكن النص الذي وجده آخر ناسخا لذلك القياس واما ان يكون القياس ناسخا فهو أما ان ينسخ كتابا أو سنة أو اجماعا أو قياسا والأقسام الثلاثة الأول باطلة بالإجماع.\nواما الرابع وهو كونه ناسخا لقياس آخر فقد تقدم الكلام فيه هذا كلام الإمام قال صاحب التحصيل ولقائل ان يقول في هذه الاقسام نظر فليتأمله الناظر وما ذكره صاحب التحصيل صحيح فان النظر من أوجه.\nأحدها: قوله يجوز نسخ القياس حال حياة النبي ﷺ بالاجماع يناقض قوله قبل ذلك أن الاجماع لا ينعقد في زمنه وأنه يمتنع نسخ القياس به أيضا.\nوالثاني: بناء ذلك على ان كل مجتهد مصيب غير سديد فان ذلك النص","vol":"2","page":255},{"text":"الذي يطلع عليه المجتهد بعد ذلك لا بدوران يكون كان موجودا في زمن النبي ﷺ ضرورة ان النصوص لا تنشا بعده ولكنه كان قد خفى عليه فإذا بان له تبين إذ ذاك ان حكم القياس مرتفع من اصله وليس هو من النسخ في شيء لا في اللفظ ولا في المعنى سواء قيل كل مجتهد مصيب أم لم يقل بذلك.\nوالثالث: ان بناء ذلك على ان كل مجتهد مصيب ان صح لم يختص بما بعد وفاة الرسول ﷺ.\nوالرابع: أنه نقل الاجماع على بطلان الاقسام الثلاثة الأول وليس يجيد لما نقله جماعة من تجويز نسخ الكتاب بالسنة وبالقياس عن طائفة.\nوالخامس: في قوله ان قلنا المصيب واحد لم يكن القياس الأول متعبدا به قلنا لا نسلم فإن المصيب وان اتحد فقد انعقد الاجماع على انه يجب على كل مجتهد ان يعمل به ومن قلده بما اداه إليه اجتهاده من قياس أو غيره وإن كان قد اخطأ الحكم المقرر في نفس الأمل كما يقول فيمن اجتهد ثم اخطأ الكعبة يجب ان يصلي الى الجهة التي استقبلها وان كانت خطأ في نفس الأمر واعلم ان الإمام لم يخترع هذا التفصيل بل سبقه إليه أبو الحسين في المعتمد.\nوقال الآمدي العلة الجامعة في القياس ان كانت منصوصة فهي في معنى النص ويمكن نسخه بنص أو قياس في معناه لو ذهب إليه ذاهب بعد النبي ﷺ لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث فانه وان وجب عليه اتباع ما ظنه فوقع حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متجددا بل يتبين انه كان منسوخا وان كانت مستنبطة فحكمها في حقه غير ثابت بالخطاب فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه ويترجح عليه لا يكون نسخا لكونه ليس بخطاب لأن النسخ هو الخطاب.\nأما النسخ بالقياس فاختار فيه انه يصح ان كانت العلة منصوصة وإلا فإن كان القياس قطعيا كقياس الامة على العبد في السراية فانه وان كان مقدما لكن ليس نسخا لكونه ليس بخطاب والنسخ عنده هو الخطاب وان كان ظنيا بان تكون العلة مستنبطة فلا يكون نسخا.","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المسألة الرابعة: نسنخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى</span>\n...\nقال الرابعة نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم والفحوى يكون ناسخا.\nفحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة كما سبق واختلف في ان نسخ الأصل كتحريم التأفيف مثلا هل يستلزم نسخ الفحوى كتحريم الضرب وفي عكسه وهو ان نسخ الفحوى وهو تحريم تضرب هل يستلزم نسخ الأصل وهو تحريم التأفيف على مذاهب.\nأحدها: ان نسخ كل منهما يستلزم نسخ الآخر واختاره صاحب الكتاب واستدل على ان نسخ الفحوى يستلزم بان الفحوى لازم للأصل ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم ولم يستدل على عكسه وسيأتي ان شاء الله تعالى.\nوالثاني: أنه لا يلزم من نسخ الآخر.\nوالثالث: ان نسخ الأصل يستلزم لأن الفحوى تابع له ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع ونسخ الفحوى لا يستلزم وجزم الإمام بنسخ الأصل يستلزم واما نسخ الفحوى هل يستلزم فنقله عن اختيار أبي الحسين وسكت عليه وقال الآمدي المختام ان تحريم الضرب فى محل السكوت ان جعلناه من باب القياس فنسخ الاصل يوجب نسخ الفرع لاستحالة بقاء الفرع دون اصله وان جعلناه ثابتا بدلالة اللفظ فلا شك ان دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ وعلى الضرب بجهة الفحوى وهما دلالتان مختلفتان غير ان دلالة الفحوى تابعة فيمكن حينئذ ان يقال لا يلزم من رفع إحدى الدلالتين رفع الأخرى.\nفإن قلت الفحوى تابع فكيف يحتمل بقاؤه مع ارتفاع المتبوع قلت نسخ حكم المنطق ليس نسخا لدلالته بل نسخا لحكمه ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه لا تابعة لحكمه ودلالته باقية بعد نسخ حكمه كما كانت قبل ذلك فما هو اصل لدلالة الفحوى غير مرتفع وما هو مرتفع ليس أصلا للفحوى قوله والفحوى تكون ناسخا قد ادعى الإمام والآمدي في ذلك الاتفاق وفيه نظر حجاجا ونقلا أما الحجاج فوقوع الاختلاف في أنه هل هو من باب القياس","vol":"2","page":257},{"text":"وإذا كان من باب القياس وفي النسخ بالقياس ما تقدم من الخلاف فلا ينفك عن خلاف وأما النقل.\nقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في شرح اللمع ما ذكرناه إذ قال من أصحابنا من جعله بالقياس فعلى هذا لا يجوز النسخ به انتهى أي بناء على أنه لا يجوز النسخ بالقياس وذلك هو المختار عند الشيخ أبي اسحاق وكذلك القاضي كما نص عليه في مختصر التقريب وفاتنا ان نحكي ذلك فيما تقدم ولكن العهد به قريب.\nواستدل الإمام على ان الفحوى ينسخ بأن دلالته ان كانت لفظية فظاهر وان كانت عقلية قال القرافي يعنى قياسية أي أدرك العقل الحكمة التي لأجلها ورد الحكم فالحق المسكوت بالمنطوق قياسا.\nقال الإمام فهي يقينية فيقتضي النسخ لا محالة ولقائل ان يقول القياس ليس يقينيا لاحتمال غلطنا في ان ذلك الحكم في الأصل معلل وان العلة هي ما ذكرنا فلعل العلة غيرها ولعلها تقضي نفي ما يريد ثباته والمسالة خلافية بين العلماء ولا قاطع مع الخلاف والله أعلم.\nوهذا تمام القول في مفهوم الموافقة واما مفهوم المخالفة فيجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه وذلك واضح كقوله ﵇: \"الماء من الماء\" فإنه نسخ مفهومه بقوله ﵇: \"إذا التقى الختانان\" وبقي أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال ذكره صفي الدين الهندي قال واما نسخ الأصل بدونه فأظهر الاحتمالين انه لا يجوز لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القدر المذكور فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى عليه فعلى هذا نسخ الاصل نسخ للمفهوم وليس المعنى منه ان يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي بل المعنى منه ان يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع الى ما كان عليه من قبل.\nقال الخامسة زيادة صلاة ليس بنسخ قبل تغير الوسط قلنا وكذا زيادة العبادة.\nاتفق العلماء على أن زيادة عبادة من غير جنس ما سبق وجوبه كزيادة","vol":"2","page":258},{"text":"وجوب الزكاة مثلا على الصلاة ليس بنسخ واختلفوا في ان زيادة صلاة على الصلوات الخمس هل يكون نسخا فذهب الجماهير الى أنه ليس بنسخ.\nوقال بعض أهل العراق انه نسخ لأن زيادة هذه السادسة بغير الوسط أي أنها تجعل ما كان وسطا غير وسط فيكون ذلك نسخا للأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى.\nوأجاب بان هذا غير سديد إذ يلزم عليه ان تكون زيادة عبادة على آخر العبادات نسخا لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير الآخرة فلو كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقى ذلك فيكون نسخا واعلم ان هذا الجواب غير سديد لأن غير الصلاة من العبادات لم يرد فيه الامر فالمحافظة على الوسطى ليقال مثله فيها بل الحق عندي أنهم ان أرادوا بكونها تغير الوسط أنها تجعل المتوسط بين الشيئين غير وسط فذلك غير سديد لأن كون العبادة وسط أمر حقيقي ليس بشرعي والنسخ إنما يتطرق الى الحكم الشرعي وان أرادوا به ما ذكر من نسخ الامر بالمحافظة على الوسطى فنقول ان كانت الوسطى علما على صلاة بعينها أما الصبح أو العصر وليست فعلى من المتوسط بين الشيئين فما ذكرتموه ساقط إذ لا يلزم من زيادة صلاة ان يرتفع الامر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة لعدم منافاته له وان كانت الوسطى المتوسطة بين الصلوات فالقول حينئذ الذي يظهر ان الامر يختلف بما يزيد والحالة هذه فان زيدت واحدة فهي ترفع الوسط بالكلية ويتجه ما ذكروه اتجاها واضحا لأن الوسط حينئذ وان كان أمرا حقيقيا الا ان الشرع ورد عليه وقرره فيكون نسخا للحكم الشرعي وان زيدت ثنتين ونحوهما مما لا يرفع الوسط فلا نسخ إذ لم يرفع للوسط وانما خرجت الظهر مثلا عن ان يكون وسطا وكونها كانت الوسط إنما هو امر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه والأمر بالمحافظة على الوسط شيء وراء ذلك وهو لم يزل بل هو باق.\nقال: أما زيادة ركعة ونحوها فذلك عند الشافعي ﵁ ونسخ عند ابي حنيفة ﵀ وفرق قوم بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الاصل وبين ما لم ينفه وقال البصري إن نفي ما","vol":"2","page":259},{"text":"ثبت شرعا كان نسخا وإلا فلا زيادة ركعة على ركعتين نسخ لاستعقابهما التشهد وزيادة التغريب على الحد ليس بنسخ.\nمضى الكلام في زيادة العبادة المستقلة كزيادة ركعة أوركوع ففيه مذاهب:\nأحدها: أنها ليست نسخا وهو مذهب الإمام الشافعي ﵁ وقول ابي علي وأبي هاشم.\nالثاني: أنها نسخ وهو قول الحنفية.\nالثالث: التفصيل فقال قوم ان كانت الزيادة قد نفاها المفهوم فيكون نسخا وإلا فلا كما قال في سائمة الغنم زكاة ثم قال في المعلومة زكاة وقال القاضي عبد الجبار بن احمد إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شديدا حتى صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على ما كان يفعل قبلها لم يعتد به بل وجوده كعدمه ويجب استئنافه فانه يكون نسخا كزيادة ركعة على ركعتين وإن كان المزيد عليه لو فعل على نحو ما كان يفعل قبل الزيادة لصح لم تكن نسخا كزيادة التغريب على حد القاذف.\nوقال أبو الحسين البصري ان كان الزائد رافعا لحكم ثابت ٢بدليل شرعي كان نسخا سواء ثبت بالمنطوق أم بالمفهوم وان كان ثابتا بدليل عقلي كالبرآة الأصلية فلا وهذا هو الأحسن عند الإمام والمختار عند الآمدي وابن الحاجب قوله فزيادة أي فعل ما ذكره أبو الحسين زيادة ركعة على ركعتين يكون حينئذ نسخا لأنها رفعت حكما شرعيا وهو وجوب التشهد عقيب الركعتين وزيادة التغريب على الحد في حق الزاني لا يكون نسخا لأن عدم التقريب كان ثابتا بالبرآة الأصلية وكلام المصنف يوهم ان هذين المثالين من تتمة كلام أبو الحسين وليس كذلك فقد نقل عنه الآمدي في الفرع الثاني من فروع المسالة أن المثالين جميعا ليسا بنسخ.\nأما الثاني فظاهر واما الأول فلأن التشهد ليس محله بعد الركعتين بخصوصهما بل آخر الصلاة وذلك غير مرتفع وقال بعضهم واختاره الغزالي إن","vol":"2","page":260},{"text":"كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح فهو نسخ وان لم يكن كذلك كزيادة عشرين على حد القاذف فلا ولم يذكر في الكتاب هذا المذهب والله اعلم.\nقال: خاتمة النسخ يعرف بالتاريخ فلو قال الراوي هذا سابق قبل بخلاف ما لو قال هذا منسوخ لجواز ان يقوله عن اجتهاد ولا يراه.\nالمقصود من هذه الخاتمة بيان الطرق التي بها يعرف الناسخ من المنسوخ وإنما ذكر ذلك آخر الباب وجعله خاتمة لنقله بجميع أنواع النسخ وجملة القول فيه ان النسخ يعرف إما بأن ينص عليه الشارع ولم يتعرض المصنف لهذا القسم لوضوحه وإما بالتاريخ بأن يعلم بطريق صحيح ان أحد الدليلين المتنافيين متأخر عن الآخر فيحكم بأنه ناسخ له فلو قال الراوي هذه الآية نزلت قبل تلك الآية أو في سنة كذا والأخرى في السنة التي بعدها وهذا الحديث سابق على ذلك الحديث أو كان في سنة كذا وكذا وهذا في السنة التي بعده قبل قوله في ذلك وان كان قبوله يقتضي نسخ المتواتر وذلك لأن النسخ حصل بطريق للتبع والشيء يغتفر إذا كان تابعا ولا يغتفر أصلا في مسائل كثيرة أصولية وفقهية كما ان الشفعة لا تثبت في الأشجار والأبنية بطريق الأصالة وتثبت تبعا للأرض إذا بيعت معها وكما إذا قطعت يد المحرم فانه لا فدية عليه للشعر الذي عليها والظفر لأنهما هنا تابعان غير مقصودين بالإبانة وعلى قياس هذا لو كشط جلدة الرأس فلا فدية ويشبه هذا بما لو كان تحته امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة فإنه يبطل النكاح ويجب المهر ولو قتلتها لا يجب المهر لأن البضع تابع عند القتل غير مقصود ويلتحق به ايضا ما في الرافعي عن التتمة من انه لا يجوز توكيل المرأة في الاختيار في النكاح ان اسلم الكافر على اكثر من أربع نسوة لأن الفروج لا تستباح بقول النساء.\nوفي الاختيار للفراق وجهان لأنه وان تضمن اختيار الأربع للنكاح فليس أصلا فيه بل تابعا فاغتفر وكذلك إذا أذن السيد للعبد في النكاح وأطلق فزاد على مهر المثل فإن الزيادة تجب في ذمته يتبع بها إذا عتق بلا خلاف ولا يقال هل الأخرى في ثبوت هذه الزيادة في ذمة العبد بغير إذن السيد خلاف كما","vol":"2","page":261},{"text":"جرى في ضمان العبد بغير إذن السيد لأن الالتزام ها هنا جرى في ضمن عقد مأذون فيه.\nوقد يمتنع الشيء مقصودا وان حصل في ضمن عقد لم يمتنع ونظيره يصح خلع العبد قولا واحدا ويمتنع من تمليك السيد بعقد الهبة على اصح الوجهين ومسائل هذا الفصل تخرج عن حد العد.\nأما لو قال الراوي هذا منسوخ لم يقبل لجواز ان يقوله عن اجتهاد منه ولا يلزمنا ذلك الاجتهاد أو لا يقتضيه رأينا وقال الكرخي ان عين الراوي الناسخ كقوله هذا نسخ هذا فالأمر كذلك لجواز ان يقوله عن اجتهاد وان لم يعينه بل اقتصر على قوله هذا منسوخ قبل لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ إطلاقا.\nقال الإمام هذا ضعيف فلعله قاله لقوة ظنه في أول الامر كذلك وليس كذلك وبالله التوفيق والعون تم الجزء الأول ومن تجزئة المصنف فسح الله في مدته.","vol":"2","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>الكتاب الثاني في السنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>الباب الأول في أفعاله ﷺ وفيه مسائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسألة الأولي في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام</span>\n...\nالكتاب الثاني في السنة\nقال ﵀ الكتاب الثاني في السنة وهي قول الرسول ﷺ أو فعله قد سبق مباحث القول والكلام في الأفعال وطريق ثبوتها وذلك في بابين الباب الأول في أفعاله وفيه مسائل الاولى أن الأنبياء ﵈ معصومون لا يصدر عنهم ذنب الا الصغائر سهوا والتقرير مذكور في كتاب المصباح.\nالسنة في اللغة الطريقة والسيرة وفي الاصطلاح ما ترجح جانب وجوده على عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض وتطلق السنة على ما صدر عن النبي ﷺ من الأقوال والأفعال التي ليست للإعجاز وهذا هو المراد هنا ويدخل في الأفعال التقرير لأنه كف عن الإنكار والكف فعل على المختار كما سبق فإذا أردنا تعريف السنة التي عقد لها هذا الكتاب قلنا هي الشيء الصادر عن محمد المصطفى ﷺ لا على وجه الإعجاز وقد سبقت مباحث القول بأقسامها والأمر والنهي والعام والخاص والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ وكلامنا الآن في الأفعال والباب الأول معقود لها وفي الطريق التي يتوصل بها الى ثبوت الأفعال والباب الثاني معقود لذلك وفي الباب الأول مسائل.\nالأولى: في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واعلم ان الكلام في هذه المسألة محلة علم الكلام واختيار المصنف قد عرفته وهو رأي جماعات ويشترط عند من يقول بوقوع ذلك بطريق السهو ان يحصل الذكر والذي نختاره نحن وندين الله تعالى عليه انه لا يصدر عنهم ذنب لا صغير ولا كبير لا عمدا ولا سهوا وان الله تعالى نزه ذواتهم الشريفة عن صدور النقائص وهذا هو","vol":"2","page":263},{"text":"اعتقاد الشيخ الإمام الوالد أيده الله وعليه جماعة منهم القاضي عياض بن محمد اليحصبي ونص على القول به الأستاذ أبو اسحاق في كتابه في أصول الفقه وزاد انه يمتنع عليهم النسيان ايضا واما دعوى الإمام في الكلام على الطرق الدالة على القطع بصحة الخبر مما عدا المتواتر في الكلام على خبر الرسول ﷺ انه وقع الاتفاق على جواز السهو والنسيان فهي دعوى غير سديدة لما حكاه الأستاذ وذهب إليه والمصنف أحال الكلام في هذه المسالة على كتابه مصباح الأرواح.","vol":"2","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسألة الثانية: فعله المجرد يدل على الإباحة</span>\n...\nقال الثانية: فعله المجرد على الإباحة عند مالك والندب عند الشافعي والوجوب عند ابن سريج وأبي سعيد الاصطخري وتوقف الصيرفي وهو المختار لاحتمالها واحتمال ان تكون من خصائصه.\nفعل النبي ﷺ على أقسام.\nالأول: ان يدل آخر أو قرينة معه على انه لوجوب كقوله ﷺ: \"صلوا كما رأيتموني اصلي\" وقوله ﵇: \"خذوا عني مناسككم\" فان هذين الحديثين يدلان على وجوب اتباعه في أفعال الصلاة وأفعال الحج إلا ما خصه الدليل والقول في هذا القسم متضح فانه على حسب ما يقوم الدليل والقرينة عليه وفاقا.\nالثاني: ما علم انه ﷺ فعله بيانا لشيء نحو قطعه يد السارق من الكوع إذ فعله بيانا لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ .\nالثالث: ما عرف بالقرينة انه للإباحة كالأفعال الجلية نحو القيام والقعود والأكل والشرب وغير ذلك وأمره واضح الا أن التأسي مستحب وقد كان ابن عمر ﵁ لما حج يجر خطام ناقته حتى يبركها في موضع بركت فيه ناقة النبي ﷺ تبركا بآثاره الظاهرة ومواطن نعاله الشريفة.\nوالرابع: ما عرف أنه مخصوص به كالضحى والأضحى.\nالخامس: ما عرف انه غير مخصوص به كأكثر التكاليف فهذه الاقسام","vol":"2","page":264},{"text":"كلها ليس فيها شيء من الخلاف وأمرها واضح وكل هذه الاقسام خرجت بقول المصنف فعله المجرد فافهم ذلك.\nالسادس: ما تجري عن جميع ما ذكرناه الا ان قصد القربة ظاهر فيه فهذا ليس أيضا مجردا من كل وجه ولك ان تقول انه يخرج ايضا بقول المصنف المجرد وفي هذا القسم اختلاف لنا غرض في تأخير حكايته الى سابع الأحكام.\nالسابع: ما لم يظهر فيه قصد القربة بل كان مجردا مطلقا فهذا أمر دائر بين الوجوب والندب والإباحة لأن المحرم يمتنع صدوره عنه لما تقرر في مسألة عصمة الأنبياء والمكروه يندر وقوعه من أحاد عدول المسلمين فكيف من سيد المتقين وإمام المرسلين والذي نراه انه لا يصدر منه وانه من جملة ما عصم عنه وإذا دار الامر بين هذه الأمور فهل يدل على واحد منها مسألة الكتاب وفيها مذاهب.\nأحدها: انه يدل على الإباحة وهو مذهب مالك وتابعه في ذلك جماعة من الأئمة وجزم به الآمدي.\nوالثاني: انه يدل على الندب وهو المنسوب الى الشافعي واختاره امام الحرمين وبه قالت طوائف من الأئمة ونقله القاضي أبو الطيب عن ابي بكر القفال وعن الصيرفي وسيأتي النقل عن الصيرفي بالوقف.\nالثالث: أنه يدل على الوجوب وبه قال ابن سريج وأبو سعيد الاصطخري وابن خيران وابن أبي هريرة والحنابلة وكثير من المعتزلة ونقله القاضي في مختصر التقريب عن مالك قال القرافي وهو الذي نقله أئمة المالكية في كتبهم الأصولية والفروعية وفروع المذهب مبنية عليه ثم قال القاضي واختلف القائلون بالوجوب على طريقين فذهب بعضهم الى انا ندرك الوجوب بالعقل وذهب بعضهم إلى أنا ندركه بأدلة السمع.\nالرابع: التوقف وعليه جمهور المحققين منا كالصيرفي والواقفية واختاره الغزالي والامام واتباعه منهم المصنف وصححه القاضي أبو الطيب في الكفاية عن اكثر الأصحاب وأبي بكر الدقاق وأبي القاسم بن كج وقالوا لا ندري أنه","vol":"2","page":265},{"text":"للوجوب أو الندب أو للإباحة لاحتمال هذه الأمور كلها واحتمال ان يكون ايضا من خصائصه.\nوالخامس: انه على الخطر في حقنا حكاه الغزالي قال الآمدي وهو قول بعض من جوز على الأنبياء المعاصي قلت وليس مستندا لقائل بهذه المقالة تجويز المعاصي بل ما ذكره القاضي في مختصر التقريب فقال ذهب قوم الى انه يحرم اتباعه وهذا من هؤلاء الانباء على أصلهم في الأحكام قبل ورود الشرائع فانهم زعموا أنها على الخطر ولم يجعل فعل رسول الله ﷺ علما في تثبت حكم فبقي الحكم على ما كان عليه في قضية العقل قبل ورود الشرائع انتهى وكذلك ذكر الغزالي وقال لقد صدق هذا القائل في قوله بقي على ما كان وأخطأ في قوله.\nإن الأحكام قبل الشرع على الخطر لما قررناه في موضعه فان قلت فهل قصد القربة في الفعل قرينة الوجوب أو الندب حتى لا يتأتى فيه الخلاف المذكور قلت لا لتصريح بعضهم بجريان الخلاف في القسمين جميعا اعني ما ظهر فيه قصد القربة وما لم يظهر غير ان القول بالوجوب والندب يقوي في القسم الأول بالإباحة والتوقف يضعف فيه.\nواما القسم الثاني فبالعكس منه فإن قلت فكيف يتجه جريان قول بالإباحة فيما يظهر فيه قصد القربة فإن القربة لا بجامع استواء الطرفين قلت النبي ﷺ قد يقدم على ما هو مستوى الطرفين ليبين للامة جواز الاقدام عليه ويثاب ﷺ بهذا القصد وهذا الفعل وان كان مستوى الطرفين فيظهر في المباح قصد القربة هذا الاعتبار ولا يتجه جريان القول بالإباحة الا بهذا التقريب على انا لم نر من المتقدمين من صرح بحكايته في هذا القسم أعني السادس وهو ما ظهر فيه قصد القربة نعم حكاه الآمدي ومن تلقاه منه ولا مساعد للآمدي على حكايته وأنا قد وقفت على كلام القاضي فمن بعده.\nالثامن: ما دار الأمر فيه بين ان يكون جبليا ان يكون شرعيا وهذا القسم لم يذكره الأصوليون فهل يحمل على الجبلي لأن الاصل عدم التشريع أو على الشرعي لأنه ﷺ تعث لبيان الشرعيات.","vol":"2","page":266},{"text":"وهذا القسم قاعدة جليلة وهي مفتتح كتابنا الأشباه والنظائر وقد ذكرت في كتاب الأشباه والنظائر انه قد يخرج فيها قولان من القولين في تعارض الاصل والظاهر ان الاصل عدم التشريع والظاهر أنه شرعي لكونه مبعوثا لبيان الشرعيات.\nومن صور هذا القسم أنه ﷺ دخل من ثنية كداء وخرج من ثنية كداء فهل كان ذلك لأنه صادف طريقة أو لأنه سنة فيه وجهان ومنها جلسة الاستراحة عندما حمل اللحم فقيل ذلك جبلي فلا يستحب وقيل شرعي ومنها انه ﷺ طاف راكبا فهل يحمل على الجبلي فلا يستجيب أو على الشرعي ومنها حجه راكبا ومنها ذهابه في العيد في طريق وإيابه في آخر القاعدة مستوفاة في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله.\nقال احتج القائل بالإباحة بأن فعله لا يكره ولا يحرم والأصل عدم الوجوب والندب فبقي الإباحة ورد بأن الغالب من فعله الوجوب أو الندب.\nاحتج القائل بالإباحة بأن فعله ﷺ لا يكون حراما لما تقرر في مسألة العصمة ولا مكروها لما قدمناه من انه نادر بالنسبة الى آحاد العدول فكيف الى اشرف المرسلين وهذا عند من يجوز وقوع المكروه وقد قدمناه في ذلك في المكروه الذي لا يقصد بفعله بيان جوازه.\nأما ما فعله ليبين انه جائز فقد يقال لم لا يقع الاقدام ويكون مستحبا أو واجبا بالنسبة إليه لما في أقدامه عليه من تبيين الجواز كما قدمناه والذي يظهر انه لا يقدم على فعله إذ في القول مندوحة عن الفعل وإذا انتفى المحرم والمكروه انحصر الامر في الواجب والمندوب والمباح والاصل عدم الوجوب والندب فلم يبق إلا الإباحة.\nوأجاب بأن الغالب على فعله الوجوب والندب فيكون الحمل على احدهما أولى لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب ارجح وأولى من إلحاقه بخلاف ذلك ولقائل ان يقول الوجوب والندب وان كانا غالبا الا انا لا نسلم انه يقاوم الاصل الذي اشرنا إليه بل الاصل أولى قال وبالندب بأن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ","vol":"2","page":267},{"text":"كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١ يدل على الرجحان والاصل عدم الوجوب.\nواحتج القائل بالندب بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والاستدلال بهذه الآية يقرر على أربعة اوجه ثلاثة منها تدل على الندبية والرابع يدل على الوجوب.\nالأول: التمسك بقوله لكم ووجهه انه قال عليكم وذلك يفيد انه مندوب إليه إذ المباح لا نفع فيه واللام للاختصاص بجهة النفع والظاهر من جهة الشرع اعتبار النفع الأخروي لا الدنيوي.\nوالثاني: هو ما أورده الإمام التمسك بقوله أسوة وتقريره ان التأسي لو كان واجبا لقال عليكم كما عرفت فلما قال لكم دل على عدم الوجوب ولما اثبت الأسوة دل على رجحان جانب الفعل على الترك فلم يكن مباحا.\nالثالث: وهو ما أورده في الكتاب التمسك بقوله حسنة ووجهه ان قوله حسنة تدل على الرجحان والوجوب منتف بالأصل فتعين الندب ولم يجب عن هذا بل جمع بينه وبين دليل الإيجاب.\nوأجاب عنهما بأن الأسوة والمتابعة من شرطهما العلم بصفة الفعل.\nوالرابع: الدال على الوجوب وتقريره أنه تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وهذا جار مجرى التهديد على ترك التأسي به لأن معنى الآية ان يرجو الله واليوم الآخر فله فيه الأسوة الحسنة ومن لا يرجو الله واليوم الآخر فليس له فيه الأسوة الحسنة فيكون وعيدا على ترك التأسي به أو نقول بعبارة أخرى انه جعل التأسي به لازما لرجاء الله واليوم الآخر فيلزم من عدم التأسي به عدم رجاء الله واليوم الآخر وهو محرم فكذلك ما يستلزمه والتأسي به في الفعل إنما هو بإتيان مثل فعله فيكون الإتيان بمثل فعله واجبا هذا تقرير الأوجه.\n_________\n١ سورة الأحزاب آية ٢١.","vol":"2","page":268},{"text":"واعلم أن الذي يظهر في الآية أن الله تعالى جعل للمؤمنين في النبي ﷺ أسوة حسنة وتلك الأسوة هي الاقتداء به وليست عامة في كل شيء إذ هي نكرة في سياق الاثبات فلا تقتضي العموم فلا يلزم دخول الفعل المجرد تحتها هذا من حيث اللفظ وسواء قرر على الوجه المقتضي للوجوب أم للندب والحق من الدلائل الخارجية والبراهين القاطعة ان الاقتداء به في كل شيء مشروع محبوب لأن الله تعالى جعله قدوة الخليقة ولكن الاقتداء به يستدعي العلم بصفة الفعل والفعل المجرد لم تعلم صفته فلا يدل وجوب الاقتداء ولا استحبابه عليه.\nوأما تمسك الإمام بلفظ الأسوة ففيه نظر إذ المعنى ان لكم فيه قدوة وانه شرع الاقتداء به وذلك اعم من ان يكون على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة كما تقول زيد قدمه وليس المعنى انه يجب الاقتداء به ولا يستحب بل ما هو أعم من ذلك.\nواما تمسك المصنف بقوله حسنة فقد أورد عليه ان الحسنة لا تدل على الرجحان لما تقرر في أوائل الكتاب من ان المباح حسن وهذا ايراد لائح في مباديء النظر الا ان الذهن يسابق في هذه الآية الى فهم الرجحان من قوله حسنة لا يكاد يتمارى فيه.\nولعل سبب ذلك انه قال لكم أسوة فأفاد ذلك مشروعية الاقتداء فلما قال حسنة بعد ذلك اقتضى زيادة على المشروعية وليست تلك الزيادة الا الرجحان كما تقول زيد إنسان فان هذا كلام مفيد يفهم اللبيب منه بقولك إنسان فوق ما يفهم من مدلول إنسان من حيث هو وهو انه حلو الخصال الإنسانية الشريفة ولو لم يفهم زيادة على مدلول الإنسان لم يعد الكلام مفيدا إذ كل زيد إنسان.\nقال والوجوب بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وإجماع الصحابة على وجوب الغسل بالتقاء الختانين لقول عائشة ﵂ فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا وأجيب بأن المتابعة هي الإتيان بمثل ما فعل على وجهه وما آتاكم معناه وما أمركم بدليل: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ واستدلال الصحابة بقوله: \"خذوا عنى مناسككم\".","vol":"2","page":269},{"text":"واحتج القائل بالوجوب بالنص والإجماع أما النصف ففي مواضع.\nأحدها: قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ ١ وظاهر الأمر الوجوب.\nوثانيها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ دلت على أن محبة الله تعالى التي هي واجبة إجماعا مستلزما لمتابعة الرسول ﷺ ولازم الواجب واجب فمتابعته واجبة.\nوثالثها: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٢ فإذا فعل فقد أتانا بفعل فوجب علينا أن نأخذه وأما الإجماع فإن الصحابة ﵃ اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين فقالت عائشة ﵂: \"إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فعلته انا ورسول الله ﷺ: فاغتسلنا\" رواه الإمام احمد والترمذي وقال حسن صحيح٣ فرجعوا لقول عائشة واتفقوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين.\nوالجواب عن الدليلين الأولين بان المتابعة هي الإتيان بمثل فعله عل الوجه الذي اتى به من الندب أو غيره حتى لو فعله على جهة الوجوب ففعلناه على جهة الندب لم تحصل المتابعة.\nوحينئذ فيلزم توقف الامر بالمتابعة على معرفة الجهة وإذا لم نعلم بها لم نؤمر بالمتابعة واعلم ان المتابعة والتأسي بمعنى واحد فلذلك جعل المصنف جواب المتابعة جوابا على التأسي الذي احتج به الذاهب إلى الندب كما عرفت.\nوللمتابعة والتأسي شرط آخر مع ما ذكر وهو أن يقع الفعل لكونه فعل ومن هنا يغايران الموافقة فانه لا يشترط فيها ان تكون علة إياه كونه فعله وعن\n_________\n١ سورة الأعراف ١٥٨.\n٢ سورة الحشر آية ٧.\n٣ كما رواه البخاري، كتاب الغسل باب التقاء الختانان وابن ماجة، كتاب الطهارة، باب ماجاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان ورواية أحمد ومسلم \" إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل\".\nوانظر نيل الأوطار ١/١٦٠- ١٦١.","vol":"2","page":270},{"text":"الآية الثالثة: أن معنى قوله: آتاكم أمركم يدل على ذلك أنه قال في مقابلة: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ وأما الإجماع على وجوب الغسل فليس لمجرد الفعل بل لأنه فعل في باب المناسك وقد كانوا مأمورين بأخذ المناسك عنه بقوله: \"خذوا عنى مناسككم\"\nواللفظ وان ورد في الحج فهو عام في كل نسك أي كل عبادة قلت وفي الجواب نظر فان في الحديث بعد قوله خذوا عني مناسككم فإني لا ادري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه كذا رواه مسلم واحمد والنسائي وعامة من رواه ويتعين بهذا اللفظ حمله على أعمال الحج دون غيرها.\nويمكن ان يقال في الجواب عن الاجماع انهم لم يجمعوا بمجرد فعله ﵇ بل لفعل عائشة ﵂ معه فان بفعلها يتبين ان الحكم فيها فينا واحد بخلافه لاحتمال الخصوصية فيه ثم لقائل ان يقول هذا القسم مما ظهر فيه قصد القربة والمصنف إنما تكلم في المتجرد.","vol":"2","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المسألة الثالثة: جهة فعله تعلم إما بتنصيصه أو تسويته بما علم من جهته</span>\n...\nقال الثالثة جهة فعله أما بتنصيصه أو تسويته بما علم جهته وبما علم انه امتثال آية دلت على أحدها أو بيانها وخصوصا الوجوب بإمارته كالصلاة بأذان وإقامة وكونه موافقة نذر أو ممنوعا لو لم يجب كالركوعين في الخسوف والندب بقصد القربة مجردا وكونه قضاء لمندوب.\nتقدم أن المتابعة مأمور بها وأن من شرطها العلم بجهة الفعل وهذه المسألة في بيان الطرق التي يعرف بها الجهة وقد عرفت ان فعله ﷺ منحصر في الواجب والمندوب والمباح فالطريق حينئذ قد يعم هذه الأمور وقد يخص البعض منها فالعام أربعة.\nأحدها: أن ينص على كونه من القسم الفلاني.\nالثانية: أن يسويه بفعل علمت جهته كما إذا قال هذا الفعل مساو للفعل الفلاني وكان ذلك الفعل المساوي إليه معلوم الجهة.\nوالثالث: أن يقع امتثالا لآية دلت على أحد هذه الثلاثة.\nوالرابع: أن يقع بيانا لآية مجملة دلت على أحدها والى هذا القسم أشار بقول أو بيانها وهو مرفوع عطفا على قوله امتثال أي ويعلم جهة فعله بسبب أن","vol":"2","page":271},{"text":"علم ذلك الفعل امتثال آية أو بيان قوله وخصوصا أي ويعلم خصوصا الوجوب بالعلامات الدالة عليه وذلك في أشياء.\nأحدها: ان يقع صفة تقرر في الشريعة أنها امارة الوجوب كالصلاة بأذان وإقامة.\nوالثاني: أن يكون جزاء شرط كفعل ما وجب بالنذر بأن يقول مثلا لله على إن جرى الأمر الفلاني صوم غد ثم نرى جريان ذلك الامر وصومه في غد واعلم ان وقوع النذر من النبي ﷺ غير متصور ان قلنا بكراهته وهو الذي حكاه الشيخ أبو علي السبخي عن نص الشافعي كما نقل ابن أبي الدم.\nالثالث: أن يكون ممنوعا لو لم يجب كالإتيان بالركوعين في صلاة الخسوف والكسوف وكالختان ولقائل ان يقول هذا لا ينتقض بسجود السهو وسجود التلاوة فإنهما شيئان وممنوع منهما لولا المقتضى لهما ويعرف الوجوب ايضا بكون قضاء الواجب هذا قد ذكره المصنف في المندوب ومن العجب إخلاله به هنا ويعرف ايضا بالمداومة على الفعل مع عدم ما يدل على عدم الوجوب وهذا دليل ظاهر على الوجوب كأنه لو كان غير واجب لنص عليه دليلا أو لأدخل بتركه لئلا يوهم إيجاب ما ليس بواجب.\nوقوله والندب أي ويختص معرفته الندب بشيئين.\nأحدهما: قصد القربة مجردا عن امارة دالة على الوجوب فانه يدل على انه مندوب لأن الرجحان ثبت بقصد القربة والاصل عدم الوجوب وفي هذا ما تقدم من الخلاف.\nوالثاني: كون الفعل قضاء لمندوب وبعرف الوجوب والندب كلاهما بالدلالة على انه كان مخيرا بينه وبين فعل آخر نبت وجوبه لأن التخيير لا يقع بين الواجب وما ليس بواجب هذا أهمله المصنف.","vol":"2","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة الرابعة: الفعلان لا يتعارضان</span>\n...\nقال الرابعة: الفعلان لا يتعارضان فإن عارض فعله الواجب اتباعه قولا متقدما نسخه وان عارض متأخرا عاما فبالعكس وان اختص بنا خصنا قبل الفعل ونسخ عنا بعده وان جعل التاريخ فالأخذ بالقول في حقنا لاستبداده.","vol":"2","page":272},{"text":"التعارض بين الشيئين هو تقابلهما على وجه يمنع منهما مقتضى صاحبه والتعارض بين الفعلين غير متصور لأنهما وان تناقض حكمهما فيجوز ان يكون الفعل في ذلك واجبا وفي مثل ذلك الوقت بخلافه لأن الأفعال لا عموم لها ولو فرض مع الفعل الأول قول مقتض الوجوب تكراره فالفعل الثاني قد يكون ناسخا أو مخصصا لكن ذلك القول لا للفعل فالمتعارض بين الفعلين ممتنع بل أما ان يقع بين قولين أو قول وفعل ومحل الكلام في الأول كتاب التعادل والتراجيح.\nوأما الثاني: فذكره هنا وله أحوال لأنه إما ان يكون القول متقدما أو متأخرا أو يجهل الحال.\nقوله قولا متقدما هذا هو الحال الأول وجملة القول فيه انه ﵇ إذا فعل فعلا وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه فإنه يكون ناسخا للقول المتقدم عليه سواء كان ذلك القول عاما كقوله مثلا صوم يوم عاشوراء واجب علينا ثم انا نراه افطر فيه وأقام الدليل على اتباعه فيه أم كان خاصا به أم خاصا بنا.\nقوله فإن عارض متأخرا هذا هو الحال الثاني فإذا كان القول متأخرا عن الفعل الذي دل الدليل على وجوب اتباعه فيه فإن لم يدل دليل على وجوب تكرر الفعل فلا تعارض وتركه المصنف لوضوحه وان دل على وجوب تكرره عليه وعلى أمته فالقول المتأخر إما ان يكون عاما يشمله يشمل أمته فيكون ناسخا للفعل المتقدم كما إذا صام عاشوراء وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه وجوب تكرره ثم قال لا يجب علينا صومه هذا شرح قوله فإن عارض متأخرا عاما فبالعكس أي يكون الفعل منسوخا عكس حالته الأولى التي كان فيها ناسخا للقول.\nوإما أن يكون خاصا به ﵇ كقوله في المثال المذكور: \"لا يجب علي صيامه\" فلا تعارض بالنسبة إلى الأمة لعدم تعلق القول بهم فيستمر حكم الفعل الأول عليهم وينسخ في حقه صلوات الله وسلامه عليه وإما أن يكون خاصا بنا كقوله: \"لا يجب عليكم صومه\" فلا تعارض أيضا وحكمه ﷺ مستمر.","vol":"2","page":273},{"text":"وأما نحن فيرتفع عنا التكليف به ثم ان ورد ذلك قبل صدور الفعل منا كان مخصصا مبينا لعدم الوجوب وهذا يتجه ان يكون بناء على انه يجوز التخصيص في اللفظ العام الى ان يبقى واحد وان ورد بعد صدور الفعل كان ناسخا لفعلنا المتقدم ولا يكون تخصيصا لإستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nواعلم ان هذا التفصيل إنما يأتي إذا كانت دلالة الدليل الدال على وجوب اتباع الفعل ظاهرة كالإتيان بلفظ عام مثل هذا الفعل واجب على المكلفين ان قلنا المخاطب داخل في عموم خطابه أو علينا معاشر الناس واما إذا كانت قطعية فلا يمكن حمل القول المتأخر على التخصيص أصلا بل يتعين حمله على النسخ مطلقا ثم هذا كله فيما إذا كان الفعل المتقدم بما يجب علينا اتباعه كما عرفت واما ان لم يكن كذلك فلا تعارض بالنسبة إلينا لعدم تعلق الحكم بنا.\nوأما بالنسبة إليه ﷺ فإن الدليل على وجوب تكرر الفعل وكان القول المتأخر خاصا به أو متناولا له بطريق النص فيكون القول ناسخا للفعل وان كان بطريق الظهور فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم لأن المخصص عندنا لا يشترط تأخره عن العام.\nولم يذكر المصنف ذلك لظهور قوله فإن جهل هذا هو الحال الثالث وهو ان يكون المتأخر منهما اعني من القول والفعل مجهولا فان أمكن الجمع بينهما بالتخصيص أو غيره جمع لأن الجمع ما بين الدليلين ولو من وجه أولى من خلافه وان لم يكن الجمع بوجه ما وفيه تكلم المصنف ففيه مذاهب.\nأحدها: ان الأخذ بالقول لأنه مستقل بالدلالة موضوع لها بخلاف الفعل فإنه لم يوضع لها وإن دل فإنما يدل بواسطة القول فيقلد القول لاستلزامه وهذا ما جزم به الإمام وأتباعه واختاره الآمدي.\nوالثاني: أنه يقدم الفعل لأنه أوضح الدلالة ألا ترى أنه يبين به القول كالصلاة والحج.\nوالثالث: الوقوف الى ظهور التاريخ لتساويهما في الدلالة واختار ابن الحاجب قولا رابعا من هذه الثلاثة وهو الوقف بالنسبة إليه ﷺ والقول بالنسبة","vol":"2","page":274},{"text":"ترجح القول فيعمل به في حقنا لا في حقه بشيء وهذا هو الذي اشعر به اختيار صاحب الكتاب لأنه قال فالأخذ بالقول في حقنا وسكت عن حقه ﷺ.","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة الخامسة: إنه ﵇ قبل النبوة تعبد بشرع وقيل لا</span>\n...\nقال الخامسة: إنه ﵇ قبل النبوة تعبد بشرع وقيل لا.\nالمسالة مشتملة على بحثين.\nالأول: فيما كان ﷺ عليه قبل ان يبعثه الله تعالى برسالته قال امام الحرمين وهذا ترجع فائدته الى ما يجري مجرى التواريخ وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب.\nالأول: انه كان قبل النبوة متعبدا بشرع واختاره ابن الحاجب والمصنف وعلى هذا فقيل كان على شريعة آدم وقيل ابراهيم وقيل نوح وقيل موسى وقيل عيسى عليهم وعليه صلوات الله وسلامه وقال بعضهم ما ثبت انه تشرع من غير تخصيص.\nوالمذهب الثاني: أنه ﵇ لم يكن قبل المبعث متعبدا بشيء قطعا.\nقال القاضي في مختصر التقريب وهذا هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين ثم اختلف القائلون بهذا المذهب فقالت المعتزلة بإحالة ذلك عقلا وذهب عصيبة أهل الحق الى انه لم يقع ولكنه غير ممتنع عقلا قال القاضي وهذا ما نرتضيه وننصره.\nوالمذهب الثالث: التوقف وبه قال امام الحرمين والغزالي والآمدي وهو المختار وقد اعتمد القاضي على ما ذهب إليه بأنه لو كان على ملة لاقتضى العرف ذكره لها لما بعثه نبيا ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده وعارض امام الحرمين ذلك بأنه لو لم يكن على دين أصلا لنقل فإن ذلك أبدع وابعد عن المعتاد مما ذكره القاضي.\nقال فقد تعارض الأمران والوجهان يقال كانت العادة انخرقت للرسول ﷺ في أمور منها انصراف همم الناس عن أمر دينه والبحث عنه قال وبعدها الأكثر على المنع وقيل أمر بالاقتباس ويكذبه انتظار الوحي وعدم مراجعته ومراجعتنا.","vol":"2","page":275},{"text":"قيل راجع في الرجم قلنا للإلزام واستدل بآيات أمر فيها فاقتفاء الأنبياء السالفة ﵈ قلنا في أصول الشريعة وكلياتها.\nالبحث الثاني في أنه ﷺ هل تعبد بشرع بعد النبوة من قبله والكلام في ذلك مع من لم ينف التعبد قبل النبوة.\nواما من نفاة قبل النبوة فقد نفاه بعده بطريق أولى.\nوقد ذهب الاكثرون من المعتزلة وأصحابنا الى انه لم يكن متعبدا بشرع أصلا ثم افترقوا فقالت معتزلتهم ان التعبد بشرع من قبلنا غير جائز عقلا زاعمين ان ذلك لو قدر لأشعر بحطيطة ونقيصة في شرعنا ولتضمن ذلك ايضا إثبات الحاجة الى مراجعة من قبلنا وهذا حط من رتبة الشريعة.\nوقال الآخرون إن العقل لا يحيل ذلك ولكنه ممنوع شرعا واختاره الإمام والآمدي.\nوقال قوم من الفقهاء انه كان متعبدا أي مأمورا بالاقتباس من كتبهم كما أشار إليه المصنف.\nوهذا هو اختيار ابن الحاجب وهو معنى قولهم إذا وجدنا حكما في شرع من قبلنا ولم يرد في شرعنا ناسخ له لزمنا التعلق به.\nقال امام الحرمين وللشافعي ميل الى هذا وبنا عليه أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة وتابعه معظم أصحابه.\nقال في الكتاب ويكذب هذا المذهب أي يبطل ما ذهب إليه بعض الفقهاء انه ﷺ كان ينتظر الوحي ولا يقتبس من كتبهم ولا يراجعها إذ لو فعل ذلك لاشتهر ويكذبه ايضا عدم مراجعتنا إذ لو كان متعبدا لوجب على علمائنا الرجوع الى كتبهم بأسبابه وهذا الوجه هو الذي اعتمد عليه القاضي ﵁ وكذلك إمام الحرمين.\nوقال هو المسلك القاطع فان الصحابة كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذ لم يجدوا متعلقا فيهما وكانوا لا يبحثون على أحكام","vol":"2","page":276},{"text":"الكتب المنزلة على من قبل نبينا ﷺ وكذلك من بعدهم من التابعين وتابع التابعين لم يفتقروا قط في جزئية ولا كلية الى النصارى واليهود ولا التفتوا نحو التوراة والإنجيل بشفة ولا إيماء مع تقابل الإمارات وتزاحم المشكلات ولقد كانوا يجتزون بقياس الشبه وطرق التلويح والترجيع فكان ذلك اجماعا قاطعا وبرهانا واضحا على عدم الرجوع إلى ذلك.\nإذ لو كانوا مخاطبين بشرائع من قبلنا لبحث علماؤنا عنها كما بحثوا عن مصادر الشريعة ومواردها.\nقال القاضي فإن قال الخصوم بأن ذلك امتنع عليهم من جهة ان أهل الأديان السالفة حرفوا وبدلوا ولم يبق من نقلة كتبهم من يوثق به حتى قال أهل التواريخ لم يبق من يقوم بالتوراة بعد عزير ولا الإنجيل بعد برخيا قيل لهم الجمع بين هذا السؤال والمصير الى الأخذ بشرع من قبلنا تصريح بالتناقض لأن سياقه بحر الى انه لا يجب تتبع الشرائع المتقدمة لمكان التباسها واندراسها وصيرورة التكليف بها تكليفا بالمستحيل لعدم التمكن من الوصول إليه فكأنكم وافقتم المذهب وخالفتم العلة وإيضا فلو كان لنا تعلق في شرع من قبلنا لنبهنا الشرع على مواقع اللبس حتى لا يتعطل علينا مراجعة الأحكام.\nوأيضا فأنا نقول من أحكام الأوائل ما نقل إلينا نقلا يقع به العلم فهل اخذ أهل الاعصار به وإيضا فان من أهل الكتاب من اسلم وحسن إسلامه وبلغ من الأمانة والثقة أعلى الرتبة كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار فهلا رجع للصحابة الى قولهما في الاخبار عما لم يبدل من التوارة واعتذر القرافي عن هذا الجواب الأخير بأن الذين اسلموا من الاخبار وان كانوا عدولا عظماء في الدين غير أنهم ليس لهم رواية بالتوراة ولا سند متصل وليس الا انهم وجدوا آباءهم يقرؤون هذا الكتاب والجميع في ذلك الوقت كفار فلا رواية.\nولو وقعت كانت عن الكفار والرواية عن الكفار لا تصح ومن اطلع على أهل الكتاب في شرائعهم ومطالعة أحوالهم حصل على جزم بذلك.\nواعترض الخصم بأنه ﷺ رجع الى التوراة في قصة الرجم ففي الصحيحين","vol":"2","page":277},{"text":"من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال ان اليهود جاؤوا الى رسول الله ﷺ فذكروا له ان إمرأه منهم ورجلا زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ \"اتجدون في التوارة في شأن الرجم\" قالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام كذبتم فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرا ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام إرفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقال صدق يا محمد فأمر بهما النبي ﷺ فرجما الحديث وهذا اعتراض ضعيف لأن الرجوع إليها إنما كان لإلزام اليهود حيث أنكروا ان وجد وجوب الرجم في التوراة فأقيمت الحجة عليهم بوجود ذلك فيما بين أيديهم وان الحكم فيه موافق لشريعتنا ووضح بهتهم وعنادهم ولم يكن ذلك رجوعا من النبي ﷺ الى التوراة بل يتعين اعتقاد ان ذلك كان بوحي إليه لتعذر الوصول الى ما في التوراة لعدم اتصال السند عن الثقاة كما ذكره القرافي.\nواحتج الخصم بآيات من الكتاب العزيز يدل على انه ﷺ كان مأمورا باقتفاء الأنبياء السالفة ﵈ كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ١ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٣ وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ ٥ وهو ﵇ سيد النبيين والجواب ان المراد بذلك إنما هو وجوب المتابعة في الأشياء التي لم تختلف باختلاف الشرائع وتلك أصول الديانات وكلياتها كقواعد العقائد المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته والقواعد العملية المشتركة بين جميع الشرائع لحفظ العقول والنفوس والأموال والأنساب والأغراض فان قلت ألستم تقولون ان هذه الكليات لا تجب عقلا وانما تجب سمعا وإذا ثبت وجوب الاتباع فهو المقصد قلت أجاب القاضي في مختصر التقريب بانا نقول انه تعالى ما أوجب إن نبيه التوحيد الا ابتداء ثم نبه على انه كلفه بمثل ما كلف من قبله قال القاضي ﵁ وأقوى ما يتمسك به في إبطال استدلالهم\n_________\n١ سورة الشورى آية ١٣.\n٢ سورة الأنعام آية ٩٠.\n٣ سورة البقرة آية ١٣٠.\n٤ سورة النحل آية ١٢٤.\n٥ سورة المائدة آية ٤٤.","vol":"2","page":278},{"text":"أنه ﷺ ما بحث عن دين واحد من الأنبياء المغيبين قط لا نوح ولا ابراهيم ولا غيرهما ولو كان مأمورا باتباع شريعة لبحث عنها فوضح انه ليس المعنى بأنه شرع لنا من الدين ما وصى به نوحا وأمثال ذلك الا النهي عن الإشراك وما تابعه من الكليات.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فالمراد به افعل مثل فعلهم واعتقد في التوحيد مثل ما اعتقدوه.\nقال القاضي ويدل عليه انه جمع الأنبياء ﵈ في هذه الجملة ونحن نعلم انهم لا يجتمعون قضية الشريعة والذي اجتمعوا عليه هو التوحيد ومعرفة الله تعالى وأمثال ذلك فان قلت لئن استقام لكم ذلك في الآية المنطوية عل تخصيص ابراهيم ﵇ بالاتباع قلت أجاب القاضي بأنه كما خص إبراهيم خصص نوحا.\nونحن نعلم اختلاف ملتيهما واستحالة الجمع بينهما جملة فدل ذلك على أنه لم يرد اتباع الشريعة وانما خصص من خصص بالذكر تكريما له وتعظيما قال وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ ١ مع اندراجهما في اسم النبيين ونظائر ذلك يكثر في الكتاب العزيز فروع.\nالأول: ان قلنا ان شرع من قبلنا شرع لنا فالاختلاف السابق في البحث الأول انه هل هو شرع آدم أو نوح أو ابراهيم أو موسى أو عيسى ﵈ جل ههنا بعينا.\nوالثاني: إذا وجدنا حيوانا لا يمكن معرفة حكمه من كتاب ولا سنة ولا استطابة ولا استحباب ولا غير ذلك مما قرره علماء شريعتنا من المأخذ وثبت تحريمه في شرع من قبلنا فهل يستجب تحريمه فيه قولان الأظهر انا لا نستصحب وهو قضية كلام عامة الأصحاب فان استصحبناه فشرطه ان يثبت تحريمه في\n_________\n١ سورة الأحزاب آية ٧.","vol":"2","page":279},{"text":"شرعهم بالكتاب أو السنة ويشهد به عدلان اسلما منهم يعرفان المبدل من غيره كذا ذكره أصحابنا ويخدشه ما سلف عن القرافي.\nوالثالث: ختلف الفقهاء في ان الاسلام هل هو شرط في الإحصان أم لا ومذهبنا انه ليس بشرط فإذا حكم الحاكم على الذمي المحصن رجمه ومذهب أبي حنيفة ان الاسلام شرط في الإحصان واستدل أصحابنا بحديث رجم اليهوديين المتقدم واعتذر الحنفية عنه رجمهما بحكم التوراة وهذا ضعيف يظهر بما تقدم.\nفائدة الشرائع المتقدمة ثلاثة أقسام:\nالأول: تعلمه لا من كتبهم ونقل أخبارهم الكفار ولا خلاف أن التكليف به علينا.\nوالثاني: ما انعقد الاجماع على التكليف به وهو ما علمناه بشرعنا انه كان شرعا لهم وامرنا في شرعنا بمثاله كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقد قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وقام دليل الشرع على القصاص.\nالثالث: ما ثبت انه من شرعهم بطريق صحيح نقبله ولم نؤمن به في شريعتنا فهذا هو موضوع الخلاف فاضبط ذلك وبالله التوفيق.","vol":"2","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الباب الثاني في الأخبار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الفصل الأول فيما علم صدقه</span>\n...\nالباب الثاني في الأخبار\nقال الباب الثاني في الاخبار وفيه فصول:\nالأول: فيما علم صدقه وهو سبعة.\nالأول: ما علم وجود مخبره بالضرورة أو الاستدلال.\nوالثاني: خبر الله تعالى وإلا لكنا في بعض الأوقات اكمل منه تعالى ونزه.\nالثالث: خبر الرسول ﷺ والمعتمد دعواه الصدق وظهور المعجزة على وفقه.\nالرابع: خبر كل الامة لان الاجماع حجة.\nالخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم.\nالسادس: الخبر المحفوف بالقرائن.\nالخبر قسم من أقسام الكلام والقول في انه حقيقة في اللساني أو النفساني أو مشترك على الخلاف السابق وقد يستعمل الخبر في غير القول كقوله:\nتخبرني العينات ما القلب كاتم لكنه مجاز لعدم تبادره الى الذهن.\nوقد سبق الكلام على حد الخبر في باب تقسيم الالفاظ واعلم ان الخبر وان كان من حيث هو يحتمل الصدق والكذب لكنه قد يقطع بصدقه أو بكذبه لأمور خارجة أو لا يقطع بواحد منهما لفقدان ما يوجب القطع وحينئذ فقد يظن الصدق وقد يظن الكذب وقد يستوي الأمران والمصنف تكلم في فصول فيما","vol":"2","page":281},{"text":"يقطع بصدقه والثاني فيما يقطع بكذبه والثالث فيما يظن بصدقه واقتصر على هذه الفصول وقد علمت مما ذكرناه ان الخبر منحصر في الصدق والكذب لأنه إما مطابق للواقع وهو الصدق أو لا وهو الكذب وجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال الصادق وهو المطابق للواقع مع اعتقاد كونه مطابقا والكاذب غير المطابق مع اعتقاد كونه غير مطابق قال وأما الذي لا اعتقاد يصحبه فليس بصدق ولا كذب سواء طابق الواقع أم لا يطابق وهذا قول مزيف عند الجماهير.\nالفصل الأول: فيما يقطع بصدقه وهو سبعة أقسام:\nالأول: الخبر الذي علم وجود مخبره أي المخبر به وهو بفتح الباء وحصول العلم به قد يكون بالضرورة كقولنا الواحد نصف الاثنين وقد يكون بالاستدلال كقولنا العالم حادث.\nالثاني: خبر الله تعالى لأنه لو جاز الكذب عليه لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه اكمل منه من جهة الصدق والكذب ان الصدق صفة كمال والكذب صفة نقص وتنزه الله تعالى وتبارك عن ذلك علوا كبيرا.\nوالثالث: خبر الرسول في الدليل على إفادته العلم انه ادعى الصدق وظهرت المعجزات على في فقه وذلك داليل صدقه لامتناع ظهور المعجزة على يد الكافر وإذا ثبتت نبوته فكل ما يخبر به صحيح قطعا لامتناع الكذب على الأنبياء أما إن فيما كان يتعلق بالتبليغ والتشريع فبإجماع الأمة واما إذا لم يكن متعلقا بالتبليغ فلأنه معصية عندنا وكل معصية من صغيرة أو كبيرة فهي ممتنعة على الأنبياء ﵈.\nوالرابع: خبر كل الأمة لأن الاجماع حجة كما سيأتي ان شاء الله تعالى وهذا إنما يتم عند من يقول ان الاجماع قطعي واما من يقول انه ظني فهو ينازع في إفادته العلم.\nالخامس: خبر العدد والجم الغفير عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة والجوع والعطش كقول زيد انا جائع وعمرو انا ظاميء وخالد أنا","vol":"2","page":282},{"text":"شاكر وبكر انا داع وهلم جرا فانا نقطع بأنه لا بد فيه من الصدق وانه ليس كذبا ولكنا نجهل الصحيح منه كما انا لا نشك في ان بعض المروي عنه ﷺ صدق وان جهل عينه ولا يتوهمن المتوهم ان هذا هو التواتر الآتي ان شاء الله تعالى في آخر الفصل.\nوذلك لأن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إذا اخبروا فتارة يتفقون في اللفظ وهو المتواتر وتارة يختلفون في اللفظ والمعنى مع وجود معنى كان فيما اخبروا به وقع عليه اتفاق كما إذا اخبر واحد عن حاتم انه اعطى دينارا وآخر انه اعطى جملا وآخر فرسا وهلم جرا فان المخبرين وان اختلفوا في اللفظ والمعنى فقد اتفقوا على معنى كلي وهو الاعطاء.\nوهذا هو التواتر المعنوي وتارة تتغاير الالفاظ والمعاني ولا يقع الاتفاق على معنى كلي ولا جزئي بل كل أحد يخبر عن شان نفسه بخبر يغاير ما اخبر به الآخر وهم جمع عظيم تقتضي العادة بأنه لا بد فيهم من صادق في مقاله وهذا هو القسم الذي يتكلم فيه.\nفالثابت في المتواتر ذلك الشيء اخبر به أهل المتواتر وفي المعنوي القدر المشترك وهو كل أمر وقع الاتفاق عليه ضمنا وفي هذا القسم أمر جزئي لم يتفقوا عليه.\nالسادس: الخبر المحفوف بالقرائن ذهب النظام وإمام الحرمين والغزالي والامام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب انه يفيد العلم وهو المختار وذهب الباقون الى انه لا يفيد.\nواحتج الأولون بان الإنسان إذا سمع ان السلطان غضب على وزيره وأهانه ثم رأى الوزير خارجا من باب داره على وجهه الذلة والانكسار والخوف باد على أعطافه والوجل يلوح من حركاته وسكناته وحواليه الأعوان كالمرسمين عليه وكلامهم له كلام النظير بعد ان كانوا خدما بين يديه وهم ذاهبون به نحو حبس السلطان وعدوه يتصرف فيما كان يتصرف فيه فإنه يقطع بصدق ما سمعه لا يداخله في ذلك شك ولا ريب.","vol":"2","page":283},{"text":"بل لو ظهر مع هذه القرائن شكا لعد أحمق ورشقته سهام الملام وكذلك إذا وجدنا رجلا مرموقا عظيم الشان معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات خاسرا رأسه شاقا جيبه حافيا وهو يصيح بالويل والثبور ويذكر أنه أصيب بولد أو والده وشهدت الجنازة ورؤى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فهذه القرائن وأمثالها تفيد العلم بصدق المخبر وإن كان واحدا.\nواعلم ان هذه العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مترتبة على قرائن الأحوال وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها.\nوقد قلنا انه لا سبيل إلى جحدها إذا وقعت وهذا كالعلم يخجل الخجل ووجل الوجل وبسط الثمل وغضب الغضبان ونحوها مما لا يعد ولا يحصى.\nواذا ثبتت هذه القرائن ترتبت عليها بديهية لا يأباها لا جاحد ولو رام امرؤ العلم بضبط القرائن ووضعها بما يميزها عن غيرها لم يجد الى ذلك سبيلا وكأنها تدق عن العبارات وتأبى عن من يحاول ضبطها بها.\nوقد قال الشافعي ﵁ من شاهد رضيعا قد ألقم ثديا من موضع وراى فيه آثار الامتصاص وحركات الغلصمة وجرجرة المتجرع لم يسترب في وصول اللبن الى جوف الصبي وحل له ان يشهد له شهادة بأنه بالرضاع ولو انه لم يثبت شهادته في بيان الرضاع ولكنه شهد على ما رأى من القرائن في وصفها واستعان بالواصفين معرفين فبلغ ذكر القرائن مجلس القضاء لم يثبت الرضاع بذلك.\nوذلك ان ما سمعه القاضي وصفا لا يبلغ مبلغ العيان والذي يقضي بالمعاين الى درك اليقين يدق مدركه عن عبارة الواصفين.\nقال امام الحرمين ولو قيل لا زكى خلق الله قريحة وأحدهم ذهنا أفضل بين حمرة وجه الغضبان وبين حمرة المرعوب لم تساعده عبارة في محاولة الفصل فان القرائن لا تبلغها غايات العبارات.\nوبهذا يتمهد ما قلناه من أن حصول العلم بصدق المخبر لن يتوقف على حد محدود ولا عدد معدود والله اعلم.","vol":"2","page":284},{"text":"قال السابع المتواتر وهو خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب وفيه مسائل الاولى انه يفيد العلم مطلقا خلافا للسمنية وقيل يفيد عن الموجود لا عن الماضي لنا انا نعلم بالضرورة وجود البلاد النائية.\nوالأشخاص الماضية وقيل نجد التفاوت بينه وبين قولنا الواحد نصف الاثنين قلنا للاستئناس.\nالتواتر لغة هو التتابع وتواتر مجيء القوم أي جاؤوا واحدا بعد واحد بفترة بينهما ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ ١ أي واحدا بعد واحد بفترة بينهما وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف وفي الفصل مسائل أحدها أكثر العقلاء على انه إذا تواتر الخبر أفاد العلم اليقين سواء كان خبرا عن أمور موجودة في زماننا كالإخبار عن البلدان البعيدة أو عن أمور ماضية كالأخبار عن وجود الأنبياء ﵈ وغيرهم في القرون الماضية.\nوقال السمنية بضم السين المهملة وفتح الميم المشددة بعدها نون ثم باء آخر الحروف وهم قوم من عبدة الأوثان أنه لا يفيد العلم.\nقال القاضي في مختصر التقريب وهؤلاء قوم من الأوائل ولا فرق عندهم بين المتواتر والمستفيض والآحاد.\nوفصل قوم فقالوا ان كان خبرا عن موجود أفاد العلم وان كان عن ماض فلا يفيده لنا أنا بالضرورة نعالم وجود البلاد النائية كنيسابور وخوارزم والأشخاص الماضية كالشافعي وأبي حنيفة ونجزم بذلك جزما يجري مجرى جزمنا بالمشاهدات فيكون المنكر لها كالمنكر للمشاهدات ومن انكر ذلك فقط سقطت مكالمته ووضحت مجاحدته.\nقال القاضي فان قالوا المحسوسات لما كانت معلومة ضرورية لم نجحدها وانما جحدنا ما تواترت عنه الاخبار قلنا وقد جحد المحسوسات السفسطائية وزعموا ان كل ما يسمى محسوسا فلا حقيقة له وانما رؤيتنا له تخييل كحكم النائم.\nفان قيل هذا المذهب يؤثر عنهم ولم تر طائفة منهم تقوم بهم حجة.\n_________\n١ سورة المؤمنون آية ١٤٤.","vol":"2","page":285},{"text":"قال القاضي فيقول كذلك لانزال ننقل مذهب السمنية ولم نر حزبا وفئة يكثر بهم.\nواعترض الخصم بأنا نجد التفاوت بين خبر التواتر وغيره من المحسوسات والبديهات كقولنا الواحد نصف الاثنين وقيام التفاوت دليل احتمال يخرج عن كونه يقينيا.\nوالجواب ان سبب التفاوت الحاصل كثرة استعمال بعض القضايا وتصور طرفها بخلاف غيرها فلهذا يستأنس العقل ببعضها دون بعض وهذا الجواب مبنى على ان العلوم لا تتفاوت والذي اختاره كثيرون خلافه.\nقال الثانية إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة الى نظر خلافا لامام الحرمين والحجة والكعبي والبصري وتوقف المرتضى أما لو كان نظريا لم يحصل لمن لا يتأتى له كالبله والصبيان قيل يتوقف على العلم بامتناع تواطئهم على الكذب وان لا داعي لهم الى الكذب قلنا حاصل بقوة قريبة من الفعل فلا حاجة الى نظر.\nالجمهور على انه إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة معه الى كسب وهو رأي الإمام واتباعه منهم المصنف واختاره ابن الحاجب وذهب أبو القاسم الكعبي من المعتزلة.\nوقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي هنا أنه البلخي وكناه أبا مسلم الى انه كسبي ووافقه ابو بكر الدقاق وأبو الحسين ونقله المصنف تبعا للإمام عن حجة الاسلام الغزالي وفيه نظر فالذي نص عليه في المستصفى ان تحقيق القول فيه انه ضروري بمعنى انه لا يحتاج في حصوله الى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع ان الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريا بمعنى انه حاصل من غير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فانه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس عدم اجتماع هذا الجمع على الكذب واتفاقهم على الاخبار عن هذه الواقعة وهذا الذي ذكره الغزالي هو الحق وهو الذي اختاره الإمام واتباعه.","vol":"2","page":286},{"text":"أما امام الحرمين فقد نقل المصنف عنه ايضا انه نظري وهو صرح في البرهان بموافقة الكعبي كما نقل المصنف لكنه نزل مذهب الكعبي على محمل يقارب ما ذكره الغزالي وهذه عبارته.\nذهب الكعبي الى ان العلم بصدق المخبرين تواترا نظري وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عصبة الحق والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت اياه جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظرا عقليا وفكر اسبريا على مقدمات ونتائج فليس ما ذكره الا الحق انتهى.\nوإذا اتحد رأي امام الحرمين والغزالي وكان هوى رأي الإمام والجمهور ونزل مذهب الكعبي عليه كما صنع امام الحرمين لم يكن بينهم اختلاف وهذا التنزيل هو الذي ينبغي ان يكون ولا يجعل المسائلة نزاع وتوقف الشريف المرتضى والآمدي واحتج الجمهور بأنه لو كان نظريا لما حصل لمن ليس هو من أهل النظر كالبله والصبيان قال الإمام ولما حصل علمنا انه ليس بنظري وفي الدليلين نظر.\nأما الأول فقال النقشواني نمنع حصول العلم بالمتواتر للصبيان حال طفوليتهم وعدم حصول النظر والتمييز لهم حال كونهم مراهقين قال وكذلك نقول في البلة باعتبار الحالتين.\nواما الثاني فلأنه يلزم من كونه ضروري العلم بإنه ضروري ضرورة إذ العلم بالشيء لا يستلزم العلم بصفته واحتج القائل بأنه نظري بان العام بمقتضاه متوقف على العلم بامتناع تواطؤ المخبرين عن الكذب عادة وانه لا داعي لهم إليه من غرض ديني أو دنيوي واما إذا كان متوقفا على حصول الغير كان نظريا والمتوقف على النظري الى ان يكون نظريا والجواب ان هذه المقدمات حاصلة بقوة قريبه من الفعل أعني أنه إذا حصل طرفا المطلوب في الذهن فمن غير نظر يحصل لضرورة عقيبة.\nقال الثالثة ضابطة إفادة العلم وشرطه ان لا يعلمه السامع ضرورة وان لا يعتقد خلافه لشبهة دليل أو تقليد وأن يكون سند الخبرين إحساسا به.","vol":"2","page":287},{"text":"ضابط الخبر المتواتر إفادة العلم فمتى اخبر هذا الجمع وأفاد خبرهم العلم علمنا انه متواتر ومتى لم يفد تبين لنا انه غير متواتر أما لفقدان شرط من شروط المتواتر أو لوجود مانع وعند هذا يظهر انه يتعذر الاستدلال بالتواتر على من لم يعترف بحصول العلم له ضرورة أنه لا مرجع في حصول شرائطه الا حصول العلم به فمن لم يحصل له العلم لا يمكن الاستدلال به عليه ومن قال لم يحصل لي العلم لا يقال له بل حصل لك العلم وشروط المتواتر أربعة.\nأحدها: ان يكون السامع له غير عالم بمدلوله ضرورة لأن تحصيل الحاصل منزل في الاستحالة منزلة تحصيل الممتنع ونحن نضرب لذلك مثالا قائلين ذو العلم بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان لو اخبر بذلك لم يزدد علما ولم يستفد الثاني.\nالثاني: ان لا يكون السامع معتقدا خلافه إما لشبهة دليل أو تقليد امام ان كان عاميا وهذا الشرط اعتبره الشريف المرتضى واختاره المصنف واحتج الشريف على اشتراطه بأن حصول العلم عقيب التواتر إنما هو بالعادة لا بطريق التقليد فإنه ربما يتوهم حينئذ انه لا مدخل لما ذكر من الشرط حتى يختلف فعله بحسب اختلافه فجاز ان يختلف ذلك باختلاف أحوال المسلمين فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك ولا يحصل له إذا اعتقد نقيضه ثم أورد على نفسه بإنه يلزمكم على هذا أن يجوزوا.\nواصدق من أخبركم بأنه لم يعلم وجود البلدان الكبيرة والحوادث العظام بالأخبار المتواترة لأجل تقليد أو شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء وأجاب عنه بأنه لا داعي يدعو العقلاء الى سبق اعتقاد نفي هذه الأمور ولا شبهة في نفي تلك الأشياء والتقليد لابد وأن ينتهي إلى ما ليس بتقليد دفعا للتسلسل والدور فلا يتصور فيه اعتقاد نفي موجب الخبر فلا جرم انه لا يجوز صدقه وهذا باطل بانا قد نجد أنفسنا جازمة بما اخبر به أهل التواتر وإن سبق لنا اعتقاد نفي موجبه.\nواعلم ان الشريف رام بهذا الاشتراط مراما بعيدا فانه اتخذ ذلك ذريعة الى معتقده فقال وهذا كما انه النص الدال على إمامة علي ﵁ متواترا ثم","vol":"2","page":288},{"text":"لم يحصل العلم به لبعض السامعين لاعتقادهم نفي النص لشبهة أو تقليد ولقد رمى الغرض من أمد بعيد وأوقع اللبيب في أمر عجاب ما ادري أيتعجب المرء من ذي علم يميل الى معتقد فيدخل في الدين أمورا شامخة وقواعد كلية يتوصل الى إثبات المعتقد الحري بها ولا داعي له الى ذلك سوى غرضه الحري أو يدعي التواتر في أمر إذا عرضه على اهل الخبرة بالحديث في الأثر وذوي المعرفة بفنون السبر لم يلب منهم قائلا ان ذلك خبر يعد في الآحاد فضلا عن الحاقه بالمتوترات وهذا من بهت الروافض فانه لو كان لما خفي على أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به امراة على مغزلها ولأبداه مخالف أو مواقف ولخرجه من رواة الحديث ولو حافظ واحد.\nالثالث: ان يكون مستند المخبرين في الاخبار وهو الإحساس بالمخبر عنه الحواس الخمس لأن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلط والالتباس فيه فلا جرمه انه يحصل العلم به وقال امام الحرمين لا معنى لاشتراط الحس فإن المطلوب صدور الخبر عن العلم الضروري ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا اثر للحس فيها على الاختصار فان الحس لا يميز احمرار الخجل والغضبان عن اصفرار المخوف والمرعوب وانما العقل يدرك تميز هذه الأحوال قال فالوجه اشتراط صدور الاخبار عن البديهة والاضطرار هذا كلام امام وفيه نظر لأن ما ذكره راجع الى الحس ايضا لأن القرائن التي تفيد العلم الضروري مستندة الى الحس ضرورة أنها لا تخلو عن ان تكون حالية أو مقالية وهما محسوسان وأما القرائن العقلية فهي نظرية لا محالة فلا يتصور التواتر فيها ولا تفيد الا علما نظريا فلو اخبر الزائدون على عدد أهل التواتر بما لا يحصى عدمها عما علموه نظرا لم يفد خبرهم علما وكانت طلبات العقل قائمة الى قيام البرهان قال امام الحرمين والسبب في ذلك ان النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا وإثباتا فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقل والعقلاء ينقسمون الى راكن في الدعة والهوينا من برجاء كذا النظر والى ناظر ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابا لا ينضبط على أقدام القرائح في ذكائها وأنقاذها وبلادتها واقتصادها ومن اعظم أسباب اختلافهم اعتراض","vol":"2","page":289},{"text":"القواطع والموانع قبل استكمال النظر فلا يتضمن أخبار المخبرين في صحارى النظر صدقا ولا كذبا.\nقال وعددهم مبلغا يمتنع تواطؤهم على الكذب وقال القاضي لا يكفي الاربعة وإلا لأفاد قول كل أربعة فلا يجب تزكية شهود الزنا لحصول العلم بالصدق او الكذب وتوقف في الخمسة ورد بان حصول العلم بفعل الله تعالى فلا يجب الاطراد وبالفرق بين الرواية والشهادة وشرط اثنا عشر كنقباء موسى وعشرون لقوله تعالى ان يكن منكم عشرون صابرون وأربعون لقوله تعالى ومن اتبعك من المؤمنين وكانوا أربعين وسبعون لقوله واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا وثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر والكل ضعيف.\nالشرط الرابع: ان يبلغ عدد المخبرين الى مبلغ يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب وذلك يختلف باختلاف الوقائع والقرائن والمخبرين ولا يتقيد ذلك بعدد معين بل هذا القدر كاف عند الجماهير لأنه لا عدد يفرض ألف وألفين الا والكذب منهم غير مستعبد لذي العقل بل المرجع في حصول هذا الشرط وغيره إلى الوجدان فإن وجد السامع نفسه عالما بما اخبره به على التواتر علم وجود هذا الشرط وغيره وإلا علم اختلال غيره من الشرائط.\nوهذا قد تقدم ذكره لكن من هؤلاء الجماهير من قطع في جانب النفي ولم يقطع في جانب الاثبات فقال بعدم إفادة عدد معين له وتوقف في بعضه وهو القاضي ﵁ حيث قال اقطع بأن قول الاربعة لا يفيد العلم وأتوقف في الخمسة واحتج على ذلك بأنه لو حصل العلم بخبر أربعة صادقين لحصل بخبر كل أربعة صادقين لأنه لو لم يكن كذلك مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط لزم الترجيح من غير مرجح ولأنه لو جاز ذلك لجاز ان يحصل العلم بأحد الخبرين الصادرين عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر ولو حصل العلم بخبر كل أربعة صادقين لوجب ان يستغني الحاكم فيما إذا شهد عنده أربعة ان فلانا زنا بفلانة عن تزكيتهم لأنهم ان كانوا صادقين وجب حصول العلم بقولهم فاستغنى عن التزكية وان لم يحصل القطع بصدقهم وجب ان يحصل العلم بكونهم كاذبين لأن الغرض ان حصول العلم بالصدق من لوازم قول كل أربعة صادقين.","vol":"2","page":290},{"text":"فمتى لم يحصل العلم بالصدق فقد انتفى اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم ولا يمكن انتفاء حصول العلم لانتفاء كونهم شهدوا ولا كونهم أربعة إذ هو خلاف الفرض فتعين ان يكون لانتفاء الصدق ومتى انتفى الصدق تعين الكذب إذ لا واسطة بينهما وحينئذ لا يجب تزكيتهم ايضا للعلم بكذبهم فيخلو عن الفائدة فوضح انه لو أفادت الاربعة تزكية شهود الزنا وطلب تزكيتهم واجب باجماع الامة فبطل الأول.\nقال واما الخمسة فأتوقف فيها إذ لا يخفي عدم تأتي هذه الدلالة فيها لأنه ان لم يضطر الى العلم بصدقهم قطع بعدم صدقهم ولا يلزم من القطع بعدم صدقهم عدم صدق الاربعة منهم لجواز ان يكون الاربعة منهم شاهد دون الخامس فجاز ان تطلب تزكيتهم لبقاء النصاب وهذا بخلاف الاربعة لأن كذب أحدهم مسقط للحجة هذا تقرير حجة القاضي ونحن نقول له ان عنيت بقولك أتوقف في الخمسة في حصول العلم بقولهم وعدم حصوله فهو صحيح.\nلكن لاختصاص الوقفة بالخمسة بل يتأتى ذلك في الألف والألفين إذ لا نقطع بحصول العلم بصدقهم ولا بعدمه فكان يجب ان نتوقف في الكل بهذا المعنى وان عنيت به التوقف في جواز العلم بقولهم كما في سائر الأعداد وعدم جوازه كما في الأربعة فهو غير صحيح.\nلأنه إذا لم يثبت فيهم الدليل الدال على عدم جواز حصول العلم بقولهم يجب إلحاقهم بسائر الأعداد التي يجوز ان يحصل العلم بقولهم قوله وزاد أي رد قول القاضي بوجهين:\nأحدهما: منع الملازمة وأما قوله يلزم الترجيح من غير مرجح فممنوع لأنه منسوب الى الفاعل المختار على مذهبنا ومذهبه فالعلم الحاصل بخبر المتواتر إنما هو بخلق الله تعالى لا بطريق التوليد حتى يكون الترجيح من غير ومرجح ممتنعا واما قوله الجاز في أحد الخبرين عن الجمع الكثير دون الآخر فممنوع لأنه يجوز ان يختلف في ذلك عادة الله تعالى فاطرد عادته بخلق العلم الضروري عقيب أخبار الجمع الكثير ولم يطرد ذلك عقيب أخبار الجمع القليل بل تختلف فيه عادته فتارة يخلق وتارة لا يخلق.","vol":"2","page":291},{"text":"كما ان عادته مطردة بخلق الحفظ عقيب التكرار على البيت الواحد من الشعر ألف مرة ولم تطرد عادته بخلقه عقيب التكرار عليه مرة أو مرتين.\nوثانيهما: الفرق بين الرواية والشهادة وذلك ان الشهادة تقتضي شرعا خاصا فتواطؤ الشهود على الكذب في المشهود عليه غير مستبعد بخلاف الرواية.\nوكذلك يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية.\nقوله وشرط علمت مذهب الجماهير وقد ذهب من سواهم من الخائضين فيه هذا الغزالي اشتراط العدد ثم تضايقت مذاهبهم فيه فلم يغادروا فيه على اختلاف الآراء عددا من الشرع هو مربط حكمه أو جار وفقا في حكاية حال الا مال إليه منهم مائل منهم مائل فذهب ذاهبون الى اشتراط اثني عشر كعدد نقباء موسى ﵇ لأن موسى ﵇ نصبهم ليعرفوه أحوال بني إسرائيل قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ١ وانما خصهم بذلك المدد لحصول العلم بقولهم وبعضهم شرط عشرين لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٢ وعلى هذا المذهب العلاف وأبو هشام بن عمر والغوطي لكنهما كما ذكر القاضي في مختصر التقريب شرطا مع ذلك ان يكونوا من المؤمنين الذين هم أولياء الله ونقل الإمام اشتراط العشرين عن أبي الهذيل وبعضهم شرط أربعين مصيرا الى عدد الجمعة ذهابا الى ان العدد هو الذي نزل فيه قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ فنزلت هذه الآية لما آمن أربعون من الرجال.\nوشرط آخرون من سبعين تمسكا بقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ﴾ وشرط آخرون من سبعين تمسكا بقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ ٤ وقال قوم ثلثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر والبضع بكسر الباء هو ما بين الثلاث الى التسع والذي مختصر التقريب القاضي والبرهان لامام الحرمين والوجيز لابن برهان والأحكام للآمدي تقييدا هذا العدد بثلاثمائة\n_________\n١ سورة المائدة آية ١٢.\n٢ سورة الأنفال آية ٦٥.\n٣ سورة الأنفال آية٦٤.\n٤ سورة الاعراف آية ١٥٤.","vol":"2","page":292},{"text":"وثلاثة عشر وهو لا يبان ما نقل المصنف ولعل الناظر في كتب المحدثين يجد انهم كانوا ثلاثمائة رجل وخمسة رجال.\nوهو ايضا غير مباين وذلك لأن الذين خرجوا مع النبي ﷺ في غزوة بدر للمقاتلة ثلثمائة رجل وخمسة رجال ولم يحضر الغزوة ثمانية من المؤمنين أدخلهم النبي ﷺ في حكم عداد الحاضرين وأجرى عليهم حكمهم فكانت الجملة ثلاثمائة وثلاثة عشر فاستفد هذا فان جماعة من المحدثين ذهلوا عنه حتى حكاه بعضهم خلافا فقال قيل ثلثمائة وقيل ثلثمائة وخمس رجال كالحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره والجمع بين القولين ما أشرنا إليه.\nقال المصنف تبعا للجماهير والكل ضعيف وهو كذلك لأنا نعارض بعض هذه المذاهب ببعض ولا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض.\nقال امام الحرمين وإن عن ترجيح فليس من مدلول الحق المقطوع به فان الترجيحات ثمراتها غلبان الظنون في مطرد العادة وأيضا فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالأخبار.\nوانما هي في قضايا غايات جرت في حكاية أحوال وليس في العقل ما يقتضي بمناسبة شيء منها لاقتضاء العلم فلا وجه لاعتبار شيء منها وأيضا فما من عدد مما ذكروه الا ويمكن فرض تواطؤهم على الكذب وبالجملة فالأعداد التي تمسكوا بها منقسمة الى واقع في أقاصيص وحكايات أحوال جرت وفاقا فكان لا يمتنع ان يقع اقل من تلك المبالغ واكثر وهي واردة في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب فلا معنى للتمسك بها ويلتحق بهذه المذاهب قول بعضهم باشتراط عدد بيعة الرضوان قال إمام الحرمين وهم ألف وتسعمائة.\nوقال ضرار بن عمرو لا بد من خبر كل الامة وهو الاجماع حكاه القاضي في مختصر التقريب وحكي عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن انه اشترط خمسة من المؤمنين الذين هم أولياء الله شرط عصمتهم عن الكذب قال ولا بد معهم من السادس ليس من الأولياء لتلتبس أعيانهم فلا يشر الى واحد منهم أو لا يجوز ان يكون هو السادس قال القاضي وهو مذهب خالف فيه","vol":"2","page":293},{"text":"سائر المذاهب ومنهم من شرط خمسة وأطلق حكاه الآمدي وابن برهان في وجيزه وقال طوائف من الفقهاء ينبغي أن يبلغوا مبلغا لا تحويهم بلد ولا يحصرهم عدد قال إمام الحرمين وهو سرف ومجاورة حد وذهول عن مدرك الحق.\nقال ثم إن اخبروا عن عيان فذاك وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات.\nعدد التواتر أن اخبروا عن معاينه فذاك وان لم يخبروا عن معاينه اشترط وجود هذا العدد اعني الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل الطبقات وهو معنى قول الاصوليين لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة وبهذا يتبين أن المتواتر قد ينقلب آحادا وربما اندرس دهرا فالمتواتر من أخبار الرسول ﷺ ما اطردت الشرائع فيه عصرا بعد عصر حتى انتهى إلينا وهذا الإخفاء فيه قال إمام الحرمين ولكنه ليس من شرط التواتر قال بل حاصل ذلك أن المتواتر قد ينقلب آحادا وليس من شرائط وقوع التواتر فلا يصح تعبيرهم باشتراط استواء الطرفين والواسطة.\nقال: الرابعة مثلا لو اخبر واحدا بأن حاتما أعطى دينارا وآخر انه أعطى فرسا وآخر انه اعطى جملا وهلم جرا تواتر القدر المشترك لوجوده في الكل.\nالتواتر قد يكون لفظيا وهو ما سبق وقد يكون معنويا وهو أن يجتمع من يمتنع تواطؤهم على الكذب على الأخبار عن شيء وتتباين أقوالهم فيما يخبرون به ولكن يكون بينها قدر مشترك فيحصل له التواتر لوجوده في خبر كل واحد ووقوع الاتفاق عليه ضمنا إذ الكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخباراتهم عن جزئياته.\nومثال ذلك ما إذا قال زيد أعطى حاتم دينارا وقال عمر وأعطى فرسا وقال خالد أعطي جملا وهلم جرا حتى يبلغ حد التواتر فإن يثبت بهذه الأخبارات القدر المشترك وهو صدور الاعطاء منه ولو ان زيدا ذكر انه اعطى وتصدق ووهب مرارا وعمرو قال أضاف ووقف وانعم بالمال مرارا وهلم جرا لتواتر في نحو هذه الصورة شأن مجرد الاعطاء والكرم.","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>الفصل الثاني فيما علم كذبه</span>\nقال الفصل الثاني فيما علم كذبه وهو قسمان الأول ما علم خلافه ضرورة أو استدلالا.\nالخبر المقطوع بكذبه ذكر المصنف انه قسمان الأول ما علم بالضرورة خلافه كالأخبار باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أو بالاستدلال بأخبار الفيلسوف بقدم العالم.\nقال: الثاني ما لو صح لتوفير الدواعي على نقله كما نعلم انه لا بلدة بين مكة والمدينة اكبر منهما إذ لو كان لنقل وادعت الشيعة ان النص دل على إمامة على ولم تتواتر كما لم تتواتر الإقامة والتسمية ومعجزات الرسول ﷺ قلنا الاولان من الفروع ولا كفر ولا بدعة في مخالفتهما بخلاف الإمامة واما تلك المعجزات فلقلة المشاهدين.\nالقسم الثاني الخبر الذي لو كان صحيحا لكانت الدواعي متوفرة على نقله أما لكونه أمرا غريبا كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة أو لتعلق اصل الدين به كالنص الذي تزعم الروافض انه دل على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ فعدم تواتره دليل على عدم صحته ولهذا انا نقطع بأنه لا بلدة بين مكة والمدينة اكبر منهما وليس مستند هذا القطع الا انه لو كان لتواتر وقالت الشيعة ما ندعيه من النص الدال على إمامة على ﵁ لم يتواتر كما لو يتواتر كلمات الإقامة من أنها مثنى أو فرادى والتسمية في الصلاة ومعجزات رسول الله ﷺ التي لم تتوافر كحنين الجذع إليه وتسليم الحجر عليه ووقوف","vol":"2","page":295},{"text":"الشجر بين يديه وتسبيح الحصى في يمينه مع توافر الدواعي على نقلها فدل ذلك على عدم تواتر ما توافر الدواعي على نقله ليس دليلا على عدم صحته وأجاب عن الأولين اعني الإقامة والتسمية بأنهما من مسائل الفروع ولا كفر ولا بدعة في مخالفتهما فلم تتوافر الدواعي على نقلها لذلك بخلاف الإمامة فإنها من الأصول ومخالفتها بدعة ومؤثرة في الفتن فتتوافر الدواعي على نقلها فلما لم تتواف-ر دل على عدم صحته.\nوعن الثالث ان تلك المعجزات التي لم تتواتر لم تكن بحضرة جمع عظيم فعدم تواترها إنما هو لقلة المشاهدين فان قلت يعارض هذا بمثله فنقول إنما لم يتواتر النص الدال على إمامة على ﵁ لقلة السامعين قلت ما تدعون من النص لا نعرفه بنقل في الآحاد الصحاح فضلا عن المتواترات ولو كان له وجود لما خفي على أهل بيعة السقيفة وتحدثت به امرأة في خدرها ولا ابدات معاضد أو معاند وقد كان الأمر إذ ذاك معضلا إذنا يحتاج إلى التلويح فضلا عن النص الصريح ولم يكن عن ابدائه غنى بخلاف سائر معجزات النبي ﷺ فانه ربما اكتفى بنقل القرآن الذي هو اشهرها وأعظمها عن نقلها وخلافه إبي بكر رضوان الله عليه لم يكن مؤيدة شوكة قاهرة وانما كان الامر فوضى.\nومن المعلوم ان أمر الولايات من اخطر الأشياء في العادات ولا نتسق النفوس إلى شيء تشوقها إلى نقل ما يتعلق بالولايات ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم وتهلك النفوس ويلوح من هذا فرق آخر واضح بين ما سألوه من أمر الإقامة وبين الإمامة.\nقال إمام الحرمين وهو من اغمض الأسئلة فان بلال كان يقيم بعد الهجرة الى انقلاب رسول الله ﷺ إلى رضوانه في اليوم والليلة خمس مرات ثم لم يقع التواتر واختلفت النقلة فنقول الإقامة شعار مسنون ليس بالعظيم الموقع في العرب والشرع قال إمام الحرمين والمعتمد عندي ان الصحابة هونت أمر الإفراد والتثنية فلم يعتنوا بالأشاعة وأشاعوا أفضى إلى الدروس وليس ذلك بدعا فيما ليس من العزائم وهذا ينضم اليه بدع ثارت مع تواتر وأصحاب سلطنة واستيلاء وقهر فانه جرى في آخر أيام علي ﵁ قريب من مائة سنة","vol":"2","page":296},{"text":"دواهي تشيب النواصي واستقر على تغيير ما كان منوطا بالأمر اذ كانت الجماعة واقامة شعارها من أهم ما يهتم به الأمر ثم الهي الناس عنه ما حدث فقد تقرر واضحا من المقطوع بكذبه خبر لو صح لتوفرت الدواعي على نقله ويتبين به بطلان ما ادعاه الروافض من النص وفساد قول العيسوية ان في التوراة ان موسى بن عمران ﵇ آخر مبعوث فان هذا لو كان لذكره أخبار اليهود في زمن رسول الله ﷺ ولما آثروا عنه معدلا إلى تحريف نعت رسول الله ﷺ وتبديلهم الذي خانوا به وخسروا واعلم ان المصنف لم يذكر من المقطوع بكذبه غير قسمين.\nوذكر الإمام ثالثا وهو ما نقل عن النبي ﷺ بعد استقرار الاخبار ثم فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرواة ولقائل ان يقول غاية منتهى المنقب الجلد والمتفحص الألد عدم الوجدان فكيف ينتهض ذلك قاطعا في عدم الوجود وانما قصاراه ظن غالب يوجب ان لا يلتفت إلى ذلك الخبر وان فرض دليل عقلي او شرعي او توفر الدواعي على نقله عاد إلى القسمين المذكورين في الكتاب.\nوذكر إمام الحرمين قسما رابعا فقال مما يذكر من أقسام الكذب ان يتنبأ متنبىء من غير معجزة فيقطع بكذبه قال وهذا معضل عندي فأقول ان تنبأ وزعم ان الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهذا كذب فان مساقه يفضي إلى تكليف ما لا يطلق وهو العلم بصدقه من غير سبيل مؤد إلى العلم فأما إذا قال ما أكلف الخلق اتباعي ولكن أوحى إلى فلا يقطع بكذبه قلت وهذا كله يجب أن أكون فيما إذا كان من ادعى النبوة محمد ﷺ.\nوأما بعده فيقطع بكذبه لقيام القاطع على ان لا نبي بعده وهذا راجع إلى القسم الأول وهو ما علم خلافه استدلالا.\nقال مسالة بعض ما نسب إلى الرسول ﷺ كذب لقوله سيكذب على ولأن منها ما لا يقبل التأويل فيمتنع صدوره عنه.\nبعض الأخبار المروية عن النبي ﷺ بطريق الآحاد مقطوع بكذبه لوجهين.","vol":"2","page":297},{"text":"أحدهما: أنه روي عنه ﷺ انه قال سيكذب علي فان صح هذا الحديث لزم وقوع الكذب عليه ضرورة صدقه فيما يقوله به وان لم يصح مع كونه روي عنه فقد حصل الكذب فيما روي عنه ضرورة ان هذا الخبر من جملة ما روي عنه لكن على هذا التقدير يتعين الموضوع عليه وهو هذا الخبر والدعوى كانت مبهمة في بعض غير معين فان قلت تلزم صحته ولا يلزم وقوع الكذب في الماضي الذي هو المدعي لأنه قال سيكذب بصيغة المضارع فيجوز ان يقع في المستقبل قلت السين الداخلة على يكذب وان دلت على الاستقبال فإنما تدل على استقبال قليل بخلاف سوف كما نصوا عليه وقد حصل هذا الاستقبال القليل بزيادة واعلم ان هذا الحديث لا يعرف ويشبه ان يكون موضوعا.\nالثاني: ان من جملة ما روي عنه ﷺ ما لا يقبل التأويل إما لمعارضة الدليل العقلي أو غير ذلك مما يوجب عدم قبوله للتأويل فيمتنع صدوره عنه ﵇ قطعا.\nقال وسببه نسيان الراوي أو غلطة أو افتراء الملاحدة لننفير العلل سبب وقوع الكذب عليه ﷺ اما نسيان الراوي لطول عهد بالخبر المسموع أو غير ذلك فربما لحمل النسيان على نقص ما يخل بالمعنى أو رفع ما هو موقوف أو غير ذلك من آفات النسيان واما غلطة بأن أراد النطق بلفظ فسبق لسانه إلى سواه أو وضع لفظا مكان آخر ظانا انه يؤدي معناه واما افتراء الزنادقة وغيرهم من أعداء الدين الذين وضعوا أحاديث تخالف العقول ونسبوها إلى النبي ﷺ تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة وقد يقع الوضع من متهالك على حب الجاه كما وضعوا في دولة بني العباس ﵁ نصوصا دالة على إمامة العباس وذريته ومن الغواة المتعصبين من وضع أحاديث لتقرير مذهبه ودفع خصومه ومنهم من جوز وضع الأحاديث للترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية فوقع منه الوضع في ذلك وأسباب الوضع كثيرة لأنها تختلف باختلاف أغراض الفسقة المتمردين والزنادقة المبتدعين والله اعلم.","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>الفصل الثالث فيما ظن صدقه</span>\nفيما ظن صدقه وهو خبر للعدل الواحد والنظر في طرفين الأول في وجوب العمل به دل عليه السمع وقال ابن سريج والقفال والبصري دل الفعل ايضا أنكره قوم لعدم الدليل او للدليل على عدمه شرعا أو عقلا وأحاله آخرون واتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة والأمور الدنياوية.\nالقسم الثالث من أقسام الخير ما لا يقطع بصدقه ولا يصدقه ولا يكذبه وله احوال لأنه اما ان يترجح احتمال صدقه او كذبه كخبر العدل والفاسق او يتساوى كخبر المجهول وانما يجب العمل بالقسم الأول فلذلك اقتصر على ذكره هنا فقوله العدل احترازا عن القسمين الآخرين وقوله الواحد احتراز عن المتواتر فان المراد بخبر الواحد عند الاصوليين ما لم يبلغ حد التوتر مما لا سبيل الى القطع بصدقه او كذبه سواء نقله واحد ام جمع منحصرون وقد يخبر واحد فيعلم صدقه كالنبي ولا يعد ذلك من أخبار الاحد ويدخل في خبر الواحد المستفيض قال الآمدي وهو ما نقله جماعة يزيد على الثلاثة والأربعة وقيل المستفيض وما تلقته الامة بالقبول وقال الاستاذ ابو بكر بن فورك الخبر الذي تلقته الامة بالقبول محكوم بصدقه قال إمام الحرمين وفصل ذلك في مصنفاته فقال ان اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الامر على اعتقاد وجوب العمل بخبر الواحد وان تلقوه بالقبول قولا ونطقا فان تصحيح الائمة للخبر يجري على حكم الظاهر فإذا اجتمع شروط الصحة اطلق عليه المحدثون الصحة فلا وجه للقطع والحالة هذه قال إمام الحرمين ثم لو قيل للقاضي لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق فماذا تقول لقال مجيبا لا يتصور هذا فانهم لا يصلون الى العلم بصدقه ولو قطعوا","vol":"2","page":299},{"text":"لكانوا مجازفين واهل الاجماع لا يجتمعون على باطل وقال الاستاذ ابو اسحاق المستفيض ما تتفق عليه ائمة الحديث وزعم انه يقتضي العلم نظرا والمتواتر يقتضيه ضرورة وضعف إمام الحرمين ما قاله الاستاذ بأن العرف واطراد الاعتبار لايقتضي الصدق قطعا بل قصاراه غلبه الظن والمختار ان المستفيض ما يعده الناس شائعا وقد صدر عن اصل ليخرج الشائع لا عن اصل واقل والمستفيض اثنان وقد حصر المصنف مقصود هذا الفصل في طرفين.\nأحدهما: في وجوب العمل بخبر الواحد قال الجمهور يجب العمل به سمعا.\nوقال احمد بن حنبل والقفال وابو العباس بن سريج منا وابو الحسين دل عليه العقل مع السمع وقد عرفت في اوائل الشرح اعتذار القاضي والاستاذ عمن قضى بدلالة العقل على ذلك من اصحابنا اهل السنة كأحمد وابن سريج والقفال ومن الناس من انكر التعبد به وقد انقسموا ما بينهم إلى مذاهب.\nالأول: أنه لم يوجد ما يدل على انه حجة فوجب القطع بانه ليس بحجة وهذا معنى قول المصنف لعدم الدليل عليه.\nوالثاني: أن الدليل السمعي قام على أنه غير حجة وهو رأي القاساني وابن داود والرافضة.\nوالثالث: أن الدليل العقلي قام على امتناع العمل به وعليه جماعة من المتكلمين منهم الجبائي فإن قلت ما وجه الجمع بين منع الجبائي هنا التعبد به عقلا واشتراطه العدد كما سيأتي ان شاء الله تعالى النقل عنه فان قضية اشتراطه العدد القول به قلت قد يجاب بوجهين اقربهما انه اراد بخبر الواحد الذي انكره هنا ما نقله العدل منفردا به دون خبر الواحد المصطلح اعني الشامل لكل خبر لم يبلغ حد التواتر ولهذا كانت عبارة إمام الحرمين ذهب الجبائي الى ان خبر الواحد لا يقبل بل لا بد من العدد واقله اثنان والثاني انه يجعله من باب الشهادة واعلم ان القائلين بهذا المذهب احالوا وقد صرح المصنف بالمغايرة بين مذهب من منعه عقلا ومن احاله حيث قال بعد قوله عقلا وأحاله","vol":"2","page":300},{"text":"آخرون وهو وهم ثم أن المصنف أشار الى تحرير محل النزاع بأنه ليس من الفتوى والشهادة والامور الدنياوية كلها بل اطبق علماء الامة على العمل بخبر الواحد في تلك الامور.\nقال لنا وجوه الاول انه تعالى اوجب الحذر بانذار طائفة من الفرقة والانذار الخبر المخوف والفرقة ثلاثة والطائفة واحدا واثنان قيل لعل للترجي قلنا تعذر فيحمل على الايجاب بمشاركته للتوقع قبل الانذار للفتوى قلنا يلزم تخصيص الانذار والقوم بغير المجتهدين والرواية ينتفع بها المجتهد وغيره قيل فيلزم ان يخرج من كل ثلاثة واحد قلنا خص النص فيه اقامة البرهان على وجوب العمل بخبر الواحد صريحة في الرد على من قاله انه لم يقم دليل على ذلك واستنه الى ما لا يعصم فقال ليس في العقل ما يوجب ذلك وليس في كتاب الله نص عليه ولا سنة متواترة ترشد اليه ولا مطمع في الاجماع مع قيام النزاع ويستحيل ان يثبت خبر الواحد واذا انحسم المسلك العقلي والسمعي فقد حصل الغرض وقدمنا هذا القائل كلامه على امور هو فيها منازع بحق واضح وهي قوله ان العمل به غير مستند الى نص كتاب ومانورده من الآي رادا عليه ولا إلى سنة متوترة ولا إجماع.\nوهو ايضا باطل فانهما قائمان وهما المسلك الذي يختار الاعتماد عليه في اثبات العمل بخبر الواحد والراي الكلام على تقرير ما في الكتاب ثم ايضاحهما فنقول استدل على وجوب العمل بخبر الواحد باوجه.\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ١ وجه الاحتجاج انه تعالى اوجب الحذر باخبار طائفة لأنه اوجبه بانذار الطائفة في قوله:\n﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ وكلمة لعل للترجي وهو محال في حقه تعالى فوجب حمله على المجاز وهو طلب الحذر لأن من لازم\n_________\n١ سورة التوبة آية ١٢٢.","vol":"2","page":301},{"text":"الترجي الطلب وطلب الله هو الامر فثبت الامر بالحذر عنه انذار الطائفة والانذار هو الاخبار لأنه عبارة عن الخبر المخوف والخبر داخل في الخبر المخوف والطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم لأن كل ثلاثة فرقة.\nوقد أوجب الله تعالى ان يخرج من كل فرقة طائفة والطائفة من الثلاثة واحدا واثنان.\nوقول الواحد او الاثنين لا يفيد العلم وقد اوجب به الحذر فاثبت وجوب العمل بالخبر الذي لا يقطع بصدقه ولكن يظن صدقه وذلك هو خبر الواحد واعلم ان هذا التقرير مبني على ان المتفقهة هم الطائفة النافرة وأن الضمير في قوله ليتفقهوا ولينذروا راجع إليها وهذا قول لبعض المفسرين والصحيح ان المتفقهة الفرق المقيمة والمراد ان الفرق التي عند رسول الله ﷺ ينفر من كل فرقة منهم طائفة الى الجهاد وتبقى بقيتهم عند رسول الله ﷺ ليتفقهوا في الدين عند رسول الله ﷺ: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ من الجهاد فالطائفة النافرة ليست المتفقهة بل هي التي تنذر.\nومما يوضح هذا المتفقهة هو المقيم بين يدي رسول الله ﷺ يسمع منه ويتلقى عنه والآية نزلت لأن المؤمنين لما نزلت الآيات في المختلفين بعد تبوك صار المؤمنون كلما جهز النبي ﷺ فرقة للغزو بادروا الى الخروج واستبقوا اليه فانزل الله هذه الآية والمعنى والله اعلم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ فلا نفرت طائفة من كل فرقة منهم لتحصيل التفقه للباقين عند النبي ﷺ.\nواعترض الخصم على الاحتجاج بهذه الآية على التقرير المذكور في الكتاب بثلاثة أوجه.\nأحدهما: ان مدلول لعل الترجي لا الايجاب والجواب ما سبق من انه لما تعذر الحمل على الترجي حمل على الايجاب لمشاركته للترجي في الطلب.\nوقال في الكتاب بمشاركته له في التوقع وليس ذلك بمستقيم اذ يلزم من حمل لعل على حقيقتها بعينه لأن التوقع في حقه تعالى محال.","vol":"2","page":302},{"text":"والثاني: لا نسلم أن المراد بالانذار في الآية الخبر المخوف مطلقا بل المراد به التخويف الحاصل من الفتوى وقول الواحد فيها مقبول اتفاقا كما عرف ويؤيد ذلك انه اوجب التفقه من اجل الفتوى والتفقه انما يفتقر اليه في الفتوى لا الرواية.\nوالجواب انه يلزم من حمله على الفتوى تخصيص الانذار المذكور في الآية وهو عام فيه وفي الرواية وتخصيص القوم المنذرين بغير المجتهدين اذ المجتهد لا يقلد مجتهدا فيما افتى به بخلاف ما اذا حمل على ماهو اعم من الفتوى فانه لا يلزمه التخصيص أما الانذار فلأنه الخبر المخوف وهو اعم من ان يكون بالفتوى او بغيرها فانتفاء التخصيص منه اذا حمل على ما هو اعم واضح واما القوم فلأن الرواية ينتفع بها المقلد والمجتهد.\nاما المجتهد ففي الاستدلال على الاحكام واما المقلد ففي الانزجار وحصول الثواب لو نقلها لغيره بل يلزم من انتفاع المجتهد بها انتفاع العامي بها لأنها اصله الثالث لو كان المراد من الفرقة ثلاثة للزم منه ان يجب على كل ثلاثة ان يخرج منهم واحد للتفقه وذلك باطل بالإجماع.\nوأجاب بان ذلك هو ظاهر الآية الا ان النص في ذلك خص بالإجماع لانعقاده على ان لا يجب على كل ثلاثة ان يخرج منهم واحد بل يكفي فقيه واحد في خلق كثير لإرشادهم الى ما تعبدوا به وإذا خص من هذا الوجه بقي على عمومه فيما عداه.\nقال: الثاني: انه لو لم يقبل لما علل بالفسق لأن ما بالذات لا يكون بالغير والثاني باطل لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الثالث القياس على الفتوى والشهادة قيل يقتضيان شرعا خاصا والرواية عاما ورد باصل الفتوى.\nالدليل الثاني: على وجوب العمل بخبر الواحد انه لو لم يجز قبول خبر الواحد في الجملة لما كان عدم قبول خبر الواحد الفاسق معللا بكونه فاسقا والتالي باطل فالمقدم مثله اما بيان الملازمة فإن كون الراوي الواحد واحدا او","vol":"2","page":303},{"text":"لازم لشخصه المعين يمتنع انفكاكه عنه عقلا واما كونه فاسقا فهو وصف عرضي يطرأ ويزول وان اجتمع في المحل وصفان احدهما لازم والآخر عرضي مفارق وكان كل واحد منهما مستقلا باقتضاء الحكم كان الحكم مضافا الى اللازم لا محالة لأنه كان حاصلا قبل حصول المفارق وموجبا لذلك.\nوحين حال العرض المفارق كان ذلك الحكم حاصلا بسبب ذلك اللازم وتحصيل الحاصل مرة اخرى محال فيستحيل اسناد ذلك الحكم الى ذلك المفارق مثاله الميت يستحيل ويستهجن ان يقال لا يكتب لعدم الدواة والقلم عنده لأن الموت لما كان وصفا لازما له الى حين يبعث وكان مستقلا بامتناع صدور الكناية عنه لم يجز تعليل امتناع الكتابة بالوصف العرضي وهو عدم الدواة والقلم.\nوإذا أردت اعتبار ذلك مثالا بالجزئيات الفقهية قلت خيار المجلس ثابت لقوله ﷺ: \"المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا\" ١ وهو اسم مشتق من معنى الحكم مهما نيط باسم مشتق من معنى كان معللا به فكأنه قيل المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا لكونهما متبايعين.\nفإن قال الخصم نحمل الخيار على خيار القبول فإنه اذا صدر الايجاب من البائع ولم يتصل به القبول من المشتري فإن المشتري بالخيار بين ان يقبل وان لا يقبل فكذلك البائع بالخيار بين ان يثبت على الايجاب وان يرجع قلنا له هذا فاسد لأن قبول البيع حق ثابت له بكونه آدميا لا بمقتضى البيع فهو مستفاد بالذات اعني كونه آدميا فلا يجوز ان يستند الى الوصف العرضي وهو البيع.\nوأما بيان بطلان التالي فإن الله تعالى علل عدم قبول خبر الفاسق بكونه فاسقا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٢ امر\n_________\n١ حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو، وابن عمر ﵄ ولفظه: \"المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا \" إلا أن يكون البيع كان عن خيار فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع، الفتح الكبير ٣/٢٥٣.\n٢ سورة الحجرات آية ٦.","vol":"2","page":304},{"text":"بالتبين اذا كان خبر المخبر فاسقا والحكم المعلق على الوصف المشتق المناسب يقتضي كونه معللا بما منه الاشتقاق ولا مراء في أن الفسق وصف يناسب عدم القبول فثبت بما ذكرناه ان خبر الواحد لو وجب ان لا يقبل لامتنع تعليل عدم القبول فثبت بما ذكرناه ان خبر الواحد لو وجب ان لا يقبل لامتنع تعليل عدم قبول نبأ الواحد بكونه فاسقا.\nولكنه قد علل به فوضح ان خبر الواحد لا يجب ان لا يقبل فهو اذا غير مردود فيكون مقبولا في الجملة وهو الغرض ومن الناس من تمسك بالآية على وجه آخر وهو ان الامر بالتبين مشروط بمجيء الفاسق والمفهوم حجة وهو قاض بانه اذا لم يكن فاسقا يعمل به واعترض الآمدي بان المفهوم وان كان حجة لكنه ظني فلا يكفي في باب الاصول ومن المتمسكين بهذا الوجه الشيخ ابو الحسن ﵁ كما نقله القاضي في مختصر التقريب في الكلام على مفهوم الصفة وذلك يقتضي ان يقول بالمفهوم وقد تقدم الكلام فيه في مكانه.\nوالمفهوم هنا شرط وصفه فالشرط مستفاد من صيغة ان الصفة مكتسبة من لفظة فاسق.\nواعترض على هذا الاستدلال بان ما ذكرتم وان دل على ان عدم القبول معلل بكون الراوي فاسقا لكن قوله تعالى ان تصيبوا قوما بجهالة يدل على انه معلل بعدم افادته العلم اذ الجهالة هنا عبارة عن عدم القطع بالشيء لا القطع بالشيء مع كونه ليس كذلك فإن خبر الفاسق لا يفيد ذلك حتى يحسن ان يقال ان تصيبوا قوما بجهالة بل انما يفيد النوع الاول وخبر الواحد العدل يشاركه في ذلك فوجب أن لا يقبل.\nوأجيب بأن الظن كثيرا ما يطلق على العلم والعلم على الظن فالجهالة والجهل يستعمل فيما يقابل هذين المعنيين فالمعنى من الجهالة هنا ضد العلم الذي بمعنى الظن فتكون عبارة عن عدم الظن فالعمل بخبر الفاسق تحمل بجهاله لأنه ليس فيه علم أي ظن واما العمل بخبر الواحد العدل ليس كذلك.\nالدليل الثالث: قياس خبر الواحد على الفتوى والشهادة بجامع تحصيل المصلحة المظنونة او دفع المفسدة المظنونة واعترض الخصم فقال الفرق أن","vol":"2","page":305},{"text":"الفتوى والشهادة يقتضيان شرعا خاصا ببعض الناس وهو المستفتي والمشهود له او عليه بخلاف الرواية فانها تقتضي شرعا عاما لكل الناس فلا يلزم من تجويز العمل بالظن الذي هو معرض الخطأ والصواب في حق الواحد تجويز العمل به في حق كافة الناس.\nوأجيب بان هذا مردود شرعية اصل الفتوى فإنه امر لكل الخلق باتباع الظن وفيه نظر فإن عموم شرع الفتوى ليس كعموم شرع الرواية لأن الرواية تشمل المكلفين أجمعين والفتوى ليست حجة على المجتهدين فكان العموم فيها دون العموم في الرواية وايضا فالمسألة علمية والقياس غير كاف فيها وقد ذكر القاضي في مختصر التقريب هذا الوجه اعني القياس على الفتوى والشهادة.\nوقال لست اختار لك التمسك به فانك تكون في ذلك طاردا ولا تستمر ولا تلك على سير الاصوليين وقصاراه ان يقول لك الخصم قد ثبت الفتوى والشهادة بدلالة قاطعة لم يثبت الخبر فتلجئك الضرورة الى ذكر الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد هنا تقرير الاوجه المذكورة في هذا الكتاب.\nوالمختار عندي في ذلك طريقة القاضي وعصبته كإمام الحرمين والغزالي وغيرهما وهي الاستدلال على وجوب العمل بخبر الواحد بمسلكين قاطعين لا يماري فيهما منصف.\nأحدهما: إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد وذلك في وقائع شتى لا تنحصر واحادها ان لم تتواتر فالمجموع منها متواتر ولو اردنا استيعابها لطالت الانفاس وانتهى القرطاس فلا وجه لتعدادها اذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها وهو رجوع الصحابة الى خبر الواحد اذا نزلت بهم المعضلات واستكشافهم عن أخبار النبي ﷺ عند وقوع الحادثات واذا روى لهم تشرعوا الى العمل به فهذا ما لا سبيل إلى جحده ولا إلى حصر الأمر فيه.\nفإن قيل لئن ثبت عنهم العمل بأخبار الآحاد فقد ثبت عنهم ردها فأول من ردها رسول الله ﷺ فإنه لما سلم من اثنين فقال له ذو اليدين اقصرت الصلاة","vol":"2","page":306},{"text":"أم نسيت فلم يعول رسول الله ﷺ على قوله وسأل ابا بكر وعمر ورد ابو بكر الصديق رضوان الله عليه خبر المغيرة بن شعبة فيما رواه من ميراث الجد الى غير ذلك من وقائع كثيرة.\nقلنا قال القاضي ليس في شيء معتصم فأما قصة ذي اليدين فدليل على الخصم فانه ﷺ قبل فيها خبر ابي بكر وعمر.\nوالخصم اذا انكر خبر الآحاد ينكر خبر الثلاثة كما ينكر خبر الواحد هذا جواب القاضي في مختصر التقريب.\nوبمثله يجاب عن قضية المغيرة لأن ابا بكر قبله لما وافقه عليها محمد بن مسلمة ولقائل ان يقول خبر هؤلاء الثلاثة وان لم يفد العلم فقد افاد الظن واذا ظن النبي ﷺ صدقهم حصل القطع بكونهم صادقين ضرورة اذ ظنه ﵇ لا يخطيء فيجب العمل بهذا الظن ولا يقاس عليه ظن من عداه وهذا بحث حسن يختص بقضية ذي اليدين واشبهها ويستفاد منه التفرقة بين ظان وظان ولا يقال على هذا ليس ان خبر ذي اليدين بقيد الظن بمجرده لأنا نقول من اين لكم الظن حصل للنبي ﷺ بخبره بل نقول لو حصل له الظن لا نبعه لما ذكرناه ثم قال القاضي ان ما استروح اليه الخصم لا يبلغ ان يكون استفاضة بخلاف ما اعتمدنا نحن عليه فلا يكون مقاوما له وهذا صحيح والانصاف عدم الاعتراض بشيء من هذه الوقائع فما من واحدة الا وفيها جواب يخصها بل لو لم يعلم الجواب الخاص بها لقلنا قضية الجمع بين ما رويناه ورويتموه ان تم لكم انه يعارضه ان نقول ردوا خبر الواحد حيث فقد شرطا من شروطه او حصل الشك فيه بطريق من الطرق وقبلوه حيث سلم عن ذلك ونحن انما ندعي قبوله حالة السلامة عن معارض او قادح.\nالمسلك الثاني: السنة وذلك انا نعلم باضطرار من رسول الله ﷺ كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الاحكام وتفصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم اوامر رسول الله ﷺ على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم بل كان خبرهم في مظنة الظنون.","vol":"2","page":307},{"text":"قال إمام الحرمين وجرى هذا مقطوعا به متواتر الإندفاع له إلا بدفع التواتر إلا مباهت.\nقال وهذا مسلك لا يتمادى فيه الأجاحد ولا يدفعه إلا معاند واعترض على هذا المسلك بأنا سلمنا انه ﷺ كان ينفذ الآحاد ولكن لم قلتم ذلك لتبليغ الأخبار التي هي مدارك الأحكام الشرعية بل إنما كان ذلك بطريق الرسالة والقضاء واخذ الزكاة والفتوى وتعليم الأحكام.\nسلمنا صحة التنفيذ بالأخبار التي هي مدارك للأحكام ولكن لا نسلم دلالة ذلك على ان خبر الواحد حجة بل جاز أن يكون ذلك لفائدة حصول العلم المبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر ذلك غير الواحد إليه فان بعث عدد التواتر دفعة واحدة متعذر ومتعسر ومع هذه الاحتمالات لا يثبت كون خبر الواحد حجة والجواب ان المصنف المطلع على الأخبار والسير لا يمتري في أن الآحاد الذين كان النبي ﷺ يرسلهم كان منهم الذاهب للقضاء والخارج لتبليغ الأحكام والسائر لغير ذلك كإرساله معاذ إلى اليمن وعتاب بن أسيد إلى أهل مكة وعثمان بن العاص إلى الطائف ودحية إلى قصر ملك الروم وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى وعمرو بن أمية الضميري إلى الحبشة وبعث إلى المقوقس صاحب الإسكندرية والي هوزه بن علي الحنفية وغيرهم وانما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه وليقيموا الحجة وعلى هذا جرت عادته ﷺ وليس يخفى ذلك على العلماء المبرزين بل على الجهال الذين لا خبرة لهم بأحوال النبي ﷺ ولا يمتري في انهم بلغوا أخبارا تلقنها سامعها بالقبول غير ناظر إلى خبر آخر يعضدها ويصيرها تواترا ولا ملتفت إلى قرينة تساعدها وتصير للظن الحاصل بها علما بل لا يمتري المحدث في ان أهل بقاع كثيرة وقرى متفرقة لم تبلغهم الأحكام إلا مع الآحاد وعملوا بها ممتلئين مكلفين بما بلغهم على يد الآحاد منها هذا ما عندنا في جواب هذين السؤالين وهو جواب يقبله المصنف ولا يرده إلا متعسف وقال صفي الدين الهندي يمكن أن يجيب عن الأول بان الإفتاء في الزمان الأول في الأغلب إنما هو برواية الأخبار لاشتراكهم في العلم بما يتوقف عليه استنباط الأحكام من النصوص كالعلم باللغات والنحو والتصريف ولهذا كانوا يسألون","vol":"2","page":308},{"text":"عن وقوع الواقعة من النبي ﷺ شيئا ويبادرون إلى امتثال الخبر عند سماعه ولو كان ذلك بطريق الإفتاء لما كان ذلك:\nوعن الثاني أنه لو كان كما ذكرتم لكان ينبغي أن لا ينكر عليهم عدم الإمتثال ما لم يتواتر لكن ذلك خلاف المعلوم منه ﵇ ومن المبعوث.\nقال قيل لو جاز اتباع المتبني والاعتقاد بالظن قلنا ما لجامع قيل الشرع يتبع المصلحة والشرع لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة قلنا منقوض بالفتوى والأمور الدنيوية.\nقد علمت أن المنكرين لخبر الواحد فريقان.\nقال فريق لا ننكره لدليل قائم على منعه بل لعدم دليل على وجوب العمل به وقد ذكرنا ان هؤلاء تقوم الحجة عليهم بما قررناه من الوجوه الدالة على وجوب العمل به.\nوقال فريق أن الدليل قام على منعه واحتجوا بأنه لو جاز العمل بخبر الواحد لمجرد إفادة الظن لجاز اتباع من ادعى نبوة أو رسالة بمجرد ظن صدقه من دون ابداء معجزة ولجاز إثبات الاعتقاد كمعرفة الله تعالى وصفاته بمجرد الظن وليس كذلك بالاتفاق والملازمة ثابتة بالقياس.\nوالجواب ان القياس لا بد فيه من ابداء الجامع بين المقيس والمقيس عليه وما الجامع هنا بين خبر الواحد والاعتقاد واتباع المتنبيء فإن ابدوا جامعا بان قالوا الجامع دفع ضرر المظنون وتقريره أنكم أيها القائلون بالآحاد قلتم إذا اخبر الواحد عن النبي ﷺ انه أمر بهذا الفعل مثلا حصل ظن وجدان الأمر وعندنا مقدمة يقينية وهي ان المخالفة سبب العقاب فيحصل الظن بأنا لو تركنا لصرنا مستحقين للعقاب فوجب العمل به لأنه إذا حصل الظن الراجح والتجويز المرجوح قدم الأول.\nوهذا بعينه موجود في الصورتين اللتين ذكرناهما فنقول الفارق قائم وهو أن الاعتقاد والنبوة من أصول الدين والخطأ فيهما يوجب الكفر والضلال.","vol":"2","page":309},{"text":"فلذلك اشترطنا القطع فيهما بخلاف الروايات المتعلقة بالفروع.\nواحتجوا أيضا بأن الشرع على وفق مصالح العباد بالإجماع منا ومنكم وإن اختلفنا في أنه بطريق الوجوب أو بطريق الاختيار.\nوالظن الحاصل من خبر الواحد لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة فإن الظن عرضة للخطأ والصواب فلا يعول عليه:\nوالجواب أن هذا موجود في الفتوى والأمور الدنيوية مع قيام الإجماع على قبول الواحد فيهما.","vol":"2","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الباب الثالث في شرائظ العمل بالخبر</span>\n...\nالباب الثالث في شرائط العمل بالخبر\nقال الباب الثاني في شرائط العمل به وهي إما في المخبر أو المخبر عنه أو الخبر أما الأول فصفات تغلب.\nظن الصدق وهي خمس:\nالأول: التكليف فإن غير المكلف لا يمنعه خشية الله تعالى قيل يصح الاقتداء بالصبي اعتمادا على خبره بطهره.\nقلنا: لعدم توقف صحة صلاة المأموم على طهره.\nللعمل بخبر الواحد شرائط منها ما هو في المخبر بكسر الباء وهو الراوي ومنها ما هو في المخبر عنه وهو مدلول الخبر ومنها ما هو في الخبر نفسه وهو اللفظ.\nفأما الأول: وهو شروط الراوي فالضابط فيه كونه بحيث يكون ظن صدقه راجحا على ظن كذبه وشرائطه عند التفصيل.\nذكر المصنف أنها خمس وهو تساهل في العبارة فإن الخامس ليس شرطا على المختار عنده وعند الجماهير.\nالأول: التكليف فلا تقبل رواية المجنون والصبي مراهقا كان أو لم يكن مميزا كان أو لم يكن أما المجنون والصبي الذي لا يميز فلعدم الضبط وعدم التمكن من الاحتراز عن الخلل وأما المميز فلأن الفاسق إذا لم تقبل روايته مع كونه يخاف الله ويخشى عقابه فالصبي الذي لا يمنعه خشية الله ولا يردعه رادع ديني لعدم تعلق التكليف به أولى بأن لا تقبل وقد اعتمد القاضي في رد رواية","vol":"2","page":311},{"text":"الصبي على الإجماع وفاء بادعاء قيامه على ذلك في كتاب التلخيص.\nوقال المعلق في التلخيص بعد هذه الدعوى وقد كان الإمام يحكي وجها في صحة رواية الصبي فلعله أسقطه.\nقلت: والوجه المشار إليه موجود والخلاف معروف مشهور وقد ظهر اختلاف الفقهاء في قبول روايته في هلال رمضان فلم يجعلوه مسلوب العبارة بالكلية وستزيد فروعا من المذهب دالة على ذلك ان شاء الله تعالى.\nفإن قيل أليس يقبل قول المميز في اخباره عن كونه متطهرا حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة.\nقلنا: ذلك لأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام فإن صلاة المأموم ما لم يظن حدث الإمام صحيحة وان تبين بعد ذلك حدثه ففي الحقيقة لم يقبل قول الصبي.\nفإن قلت: أتجعلون الصبي مسلوب العبارة بالكلية لا فرق ما بينه وبين المجنون والبهيمة قلت هذا هو القاعدة في أمره.\nوفي البذهب فروع ترد نقضا على ذلك وكلها مختلف فيها ومنها ما هو على وجه ضعيف فمنها قبول قوله في روايه هلال رمضان ومنها إذا اخبر الصبي المميز بنجاسة أحد الأناءين فأصح الوجهين لا يقبل خبره ومنها إذا شهد صبيان بان فلان قتل فلانا فهل يكون ذلك لوثا فيه وجهان ومأخذ القبول أنهم جماعة كثيرة والغالب أن اتفاقهم يورث الظن ومنها صحة بيع الاختبار على وجه ومنها وصيته وفيها قولك ومنها تدبيره وفيه قولان ومنها أمانه وفيه طريقان ومنها إسلامه وأظهر الأقوال المنع ولو سلم على قوم ففي وجوب إجابته وجهان مبنيان على صحة إسلامه ومنها إذا قلنا يؤذن له في الأذن في دخول الدار وحمل الهدية.\nقال الرافعي: فقد جعل وكيلا وقضية جعله وكيلا أن يكون له أن يوكل على خلاف فيه لغيره ومنها قال الروياني في البحر.\nقال الزبيدي يجوز توكيل الصبي في طلاق زوجته وغلطه فيه ومنها إذا أعتق في مرض موته منجزا على نفوذه وجهان في الكفاية لابن الرفعة قال فإن","vol":"2","page":312},{"text":"تحمل ثم بلغ وأدى قبل قياسا على الشهادة والإجماع على إحضار الصبيان مجالس الحديث ما تقدم فيما إذا أدى في حالة صباه أما إذا تحمل في صباه وأدى بعد بلوغه ففيه مذهبان محكيان في شرح اللمع للشيخ أبى إسحاق ومختصر التقريب للقاضي أصحهما وعليه الجمهور أن يقبل والدليل على ذلك الإجماع على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير ﵃ من غير تفرقة بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده.\nقال القاضي في مختصر التقريب ثم أن عباس كان ابن سبع لما توفي رسول الله ﷺ وما بلغ ابن الزبير أيضا حلمه في حياته ﷺ قلت هذا وهم كان ابن عباس لما توفي رسول الله ﷺ ابن ثلاث عشر سنة وقيل ابن عشر وهو ضعيف وقيل ابن خمس عشرة ورجحه أحمد بن حنبل وأما ابن الزبير فإنه ولد بعد عشرين شهرا من الهجرة فيصح ما ذكره القاضي من أنه لم يبلغ الحلم في حياة النبي ﷺ والمصنف استدل على مذهب الجمهور بوجهين:\nأحدهما: القياس على الشهادة إذا تحملها وهو صغير فإنها تقبل بإجماعنا والجامع أنه حال الأداء مسلم بالغ عاقل يحترز عن الكذب واعترض عليه بان الرواية تقتضي شرعا عاما فأحتيط فيها بخلاف الشهادة وقد يجاب بان باب الشهادة أضيق فكانت بالاحتياط أجدر.\nوالثاني: إجماع الكل على إحضار الصبيان مجالس الحديث وفيه نظر فإن الإحضار لعله لقصد البركة.\nفائدة: الكافر إذا تحمل في حال كفره ثم أدى في الإسلام قبل على الصحيح وممن ذكر المسألة من الاصوليين القاضي في مختصر التقريب والإرشاد.\nقال الثاني كونه من أهل القبلة فنقبل رواية الكافر الموافق كالمجسمة إن اعتقدوا حرمة الكذب فإنه يمنعه عنه وقاسه القاضيان بالفاسق والمخالف ورد بالفريق.\nالكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الإسلامية كاليهودي والنصراني فلا تقبل روايته بالإجماع وإما أن يكون منتميا إليها وهو معنى قولنا من أهل القبلة وذلك كالمجسمة إذا قلنا بتكفيرهم.","vol":"2","page":313},{"text":"فإن علمنا من مذهبهم جواز الكذب أما لنصرة رأيهم أو غير ذلك لم تقبل روايتهم وقد ادعى الاتفاق على ذلك مدعون وهذا عندي فيه تفصيل فإن اعتقدوا جواز الكذب مطلقا فالأمر كذلك وإن اعتقدوا جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة العقيدة أو الترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية لم يتجه الاتفاق إلا على رد رواياتهم فيما هو متعلق بذلك الأمر الخاص فقط وإن اعتقدوا حرمة الكذب ففيه مذهبان:\nأحدهما: أنه لا يقبل وهو مذهب القاضي أبي بكر والقاضي عبد الجبار والغزالي والآمدي والأكثرين.\nوالثاني: يقبل وهو رأي الإمام وأتباعه وأبي الحسين البصري واستدلوا عليه بأن اعتقادهم حرمة الكذب بزجرهم عن الإقدام عليه فيحصل ظن صدقه فيجب العمل به.\nقال القرافي وفيه نظر فإن من أهل الكتاب من يستقبح الكذب غاية الاستقباح ومع ذلك لا تقبل روايته بالإجماع واحتج القاضيان أبو بكر وعبد الجبار بقياسه على الفاسق قالا فإنه أعظم من الفاسق نكرا والفاسق مردود الرواية فليكن هذا هكذا بطريق الأولى وبالقياس على الكافر والمخالف في الملة بجامع الكفر والجواب أن الفرق بينه وبين الفاسق جهله بفسق نفسه فيحترز عن الكذب لذلك بخلاف الفاسق وأن الفرق بينه وبين المخالف أن كفر المخالف اغلظ.\nوقد فرق الشرع بينهما في أمور كثيرة ولك أن تقيم هذا جوابا عن اعتراض القرافي الذي أوردنا فنقول إنما لم تقبل رواية أهل الكتاب وأن استقبحوا الكذب غاية لأن كفرهم اغلظ فكانوا بزيادة الإهانة أجدر والله أعلم.\nقال الثالث: العدالة وهي ملكة في النفس تمنعها عن اقتراف الكبائر والرذائل المباحة.\nومن شروطه أن يكون عدلا ومعرفة كون الراوي عدلا يتوقف على معرفة العدالة عندنا عبارة عن استقامة السيرة والدين وحاصلها يرجع إلى أنها ملكة في","vol":"2","page":314},{"text":"النفس تمنعها عن إقتراف الكبائر واقتراف الرذائل المباحة كالأكل في الطريق والبول في الشارع.\nوالضابط أن كل ما لا يؤمن معه الجراء على الكذب ويرد به الرواية ومالا فلا فإن قلت تعاطي الكبيرة الواحدة والرذيلة الواحدة تقدح وتعبيره بالكبائر والرذائل ينفي ذلك والإصرار على الصغيرة قادح ولا ذكر له في التعريف قلت أما الأول فالمراد جنس الكبائر والرذائل الصادق بواحدة.\nوأما الثاني فقد قيل هذا من محاسن الكلام لأن الصغيرة بالإصرار تصير كبيرة فلو ذكر الإصرار على الصغيرة لأطال وكرر من غير فائدة فإن قلت التوقي عن الرذائل المباحة من المروءة التي هي شرط في قبول الشهادة وليست شرطا في العدالة وكلامكم أنها هو في العدالة ولرواية نفسها قلت صحيح ولكن لما كان الغرض الكلام في مقبول الرواية أخذ في وصف العدالة شرط القبول وهو تساهل ولو كانت العبارة مقبول الرواية! ذلو الملكة النفسية التي يحمل على ملازمة التقوى والمروءة لكانت أشد وأوضح.\nثم أعلم أن المروءة التي هي شرط في قبول الشهادة هي الترقي عن الأدناس ومنها ما هو مشترط في اصل العدالة.\nومن مجامع القول في ذلك ما ذكره القاضي الماوردي إذ قال المروءة على ثلاثة أضرب ضرب شرط في العدالة قال وهو مجانبة ما سخف من الكلام المؤدي إلى الضحك وترك ما قبح من الفعل الذي يلهو به أو يستقبح فمجانبة ذلك من المروءة المشترطة في العدالة وارتكابها مفسق وضرب لا يكون شرطا فيها وهو الإفضال بالمال والطعام والمساعدة بالنفس والجاه وضرب مختلف فيه وهو على ضربين عادات وصنائع فأما العادات فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة دون أهل البذلة في أكله وملبسه وتصرفه فلا يتعرى من بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم ولا يتزع سراويله في بلد يلبس فيه أهله السراويلات ولا يأكل على قوارع الطرق ولا يخرج عن العرف في مضغه ولا يغالي بكسرة أكله ولا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه وحمله بنفسه في بلد تتحاماه أهل الصيانة.","vol":"2","page":315},{"text":"وفي إعتبار هذا الضرب من المروءة في شرط العدالة أربعة أوجه.\nأحدها: أنه خير معتبر فيها.\nوالثاني: أنه معتبر فيها وإن لم يفسق.\nوالثالث: إن كان قد نشأ عليها من صغره لم يقدح في عدالته وأن استحدثها في كبره قدحت.\nوالرابع: إن اختصت بالدين قدحت كالبول قائما وفي الماء الراكد وكشف عورته إذا خلا وأن يتحدث بمساوئ الناس وأن اختصت بالدنيا لم يقدح كالأكل في الطريق وكشف الرأس بين الناس هذا كلام الماوردي وتحصلنا منه على أن المروءة شرط في أصل العدالة في الضرب الأول وفي الضرب الثاني عند بعضهم فيصبح قول المصنف أن المروءة ركن في أصل العدالة فإن قلت في حد الكبيرة أوجه:\nأحدها: أنها المعصية الموجبة الحد.\nوالثاني: ما لحق صاحبها وعد شديد بنص كتاب أو سنة.\nوالثالث: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة.\nوالرابع: كل فعل نص الكتاب على تحريمه أوجب في جنسه حد هذا ما ذكروه في الضبط والتفصيل مستوعب في الفقهيات.\nفإن قلت وما المراد بالصغائر وبالاصرار عليها قلت أما الصغيرة فالمعصية التي ليست كبيرة.\nوأما الاصرار فقال ابن الرفعة لم أظفر فيه بما يثلج الصدر وقد عبر عند بعضهم بالمداومة وحينئذ هل المعتبر المداومة على نوع واحد من الصغائر أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع قال الرافعي منهم من يميل كلامه إلى الأول ومنهم من يفهم كلامه الثاني ويوافقه قول الجمهور من تغلب معاصيه طاعته كان مردود طاعته كان مردود الشهادة قال وإذا قلنا به تضر المداومة على نوع","vol":"2","page":316},{"text":"واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات وعلى الأول تضر قال ابن الرفعة وقضية كلامه أن مداومة النفوع تضر على الوجهين.\nأما على الأول فظاهر.\nوأما على الثاني فلأنه في ضمن حكايته قال إن الإكثار من النوع الواحد كالإكثار من الأنواع وحينئذ لا يحسن معه التفصيل نعم يظهر أثرهما فيم إذا أتى بأنواع من الصغائر إن قلنا بالأول لم تضر وإن قلنا بالثاني ضر.\nواعلم أن الصغائر كما تصير بالإصرار كبيرة كذلك بعض المباحات تصير بالإصرار صغيرة.\nقال الغزالي في أثناء كتاب التوبة من إحياء علوم الدين وهو الكتاب الأول من ربع المنجيات الصغيرة تكبر بالمواظبة كما أن المباح يصير صغيرة بالمواظبة كاللعب بالشطرنج والترنم بالغناء على الدوام وغيره.\nفإن قلت: هذا التعريف الذي قدمتموه في العدالة قضيته أن من لم يقدم على كبيرة ولا رذيلة ولم يكن في نفسه ملكة تمنعه عن اقتراف هذين وانما كف عنهما كفا من غير أن يكون في نفسه ملكة تدعوه إلى ذلك لا يكون عدلا فهل في هذا مخالفه لكلام الفقهاء فانهم يقولون إن العدل من لا يقدم على كبيرة ولا يصر على صغيرة فلا يقدم على ما يحرم المروءة وذلك اعم من أن يكون بداعية الملكة النفسية أولا قلت ظاهره المخالفة ولكنا نقول متى حصلت تلك الملكة لم يحصل الاقدام على ما يخل بالعدالة ومتى أقدم علمنا أن الملكة حاصلة فإن الملكة مستقلة بالمنع فمتى حصلت لا بد وأن يحصل الامتناع.\nفإن قلت: هل يحرم تعاطي المباحات التي ترد بها الشهادة لاخلالها بالمروءة.\nقلت: قد حكى ابن الرفعة أن سمع قاضي القضاة تقي الدين أبي عبد الله محمد بن الحسن بن رزين يقول بعض من لقيه بالشام من المشايخ كان يحكي في ذلك ثلاثة أوجه:","vol":"2","page":317},{"text":"ثالثها: إن تعلقت به شهادة حرمت وإلا فلا لكن في البسيط والنهاية الجزم وبعدم التحريم وهو الظاهر.\nقال: ولا تقبل رواية من أقدم على الفسق عالما وإن جهل قبل.\nقال القاضي ضم جهل إلى فسق.\nقلنا الفرق عدم الجراءة.\nلما كانت العدالة شرطالم يجز قبول رواية من أقدم على الفسق عالما بكونه فسقا.\nوقد حكى الإجماع على هذا وهذا واضح إن كان ما أقدم عليه مقطوعا بكونه فسقا واما إن كان مظنونا فيتجه تخريج خلاف فيه ان حكى وجه فيمن شرب النبيذ وهو يعتقد تحريمه أن شهادته لا ترد.\nقال صاحب البحر وهو الذي مال إلى ترجيحه المتأخرون من الأصحاب ولا فرق بين الرواية والشهادة فيما يتعلق بالعدالة وان افترقا في أمور أخر وأما الجاهل بكونه فسقا فقد يجهل الحال بالكلية ويكون ساذجا والأمر من المظنونات كما لو شرب النبيذ ساذج لا يعتقد الحل ولا التحريم ففي فسقه ورد شهادته بعد إقامة الحد عليه وجهان حكاهما الماوردي في الحاوي لا بد من جريان مثلهما في رد روايته على أن الوجهين المذكورين لا بد من فرضهما في رجل جاهل بالقاعدة المشهورة وهي أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعرف حكم الله فيه.\nوقد حكى الشافعي في الرسالة الإجماع على هذه القاعدة وكذلك حكاه الغزالي ثم أنهما أعني الوجهين لا يتجهان إلا تخريجا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع والمارودي كثيرا ما يخرج على ذلك وقد يكون ظانا الحل فتقبل روايته إما ان كان ما اقدم عليه من المظنونات فقد حكى الإمام فيه الاتفاق.\nقال الهندي وإلا ظهر أن فيه خلافا كما في الشهادة اذ نقل وجه في الشهادة أنها ترد به ولكن الصحيح أنها لا ترد.","vol":"2","page":318},{"text":"قال الشافعي ﵁ اقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ وإن كان من القطعيات فكذلك على المختار خلافا للقاضي أبي بكر والجبائي وأبي هاشم وتبعهم الآمدي.\nقال الشافعي أقبل شهادة أهل الاهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم لنا إن ظن صدقه راجح والعمل بالظن واجب واحتج القاضي ومن نحا نحوه بأن الاقدام على الفسق من العالم قبيح موجب للرد والجاهل إذا قدم عليه كان أولى بالرد إذ زاد قبيحا آخر على الفسق وهو الجهل فإذا منع الفسق بمجرده من القبول فلأن يمنع والجهل مضاف إليه أولى.\nوأجاب المصنف بأن الفرق بين من أقدم عالما ومن أقدم جاهلا أن إقدام الأول يدل على الجراءة وقلة المبالاة بالمعصية فيغلب على الظن كذبه بخلاف الجاهل قلت ولعل القاضي ﵀ يقول ترك استرشاده في التشبهات تهاون بالدين فصار فاسقا وبهذه الكلمة اعتل من ذهب إلى تفسيق الساذج الذي لا يعتقد الحل ولا التحريم كما تقدمت حكايته آنفا وهو هنا ابلغ بخلاف الأمر الظني المجتهد فيه.\nقال ومن لا تعرف عدالته لا تقبل روايته لأن الفسق مانع ولا بد من تحقق عدمه كالصبا والكفر والعدالة تعرف بالتزكية وفيها مسائل:\nمجهول العدالة لا تقبل روايته عند الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم بل لابد من البحث عن سيرته باطنا وعليه الإمام وأتباعه منهم المصنف.\nوقال أبو حنيفة يكتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهر أمثاله ما روى المخالف عن أم سلمة أنها قالت كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما وهذا ما رواه أبو سهل عن مسة الأذرية عن أم سلمة وأبو سهل ومسة مجهولان ذكره القاضي أبو الطيب ومثل ذلك كثير.\nفإن قيل: قد قبلتم المجهول وذلك أن عبد الرحمن بن وعلة المصري رجل","vol":"2","page":319},{"text":"مجهول وقد روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"أيما أهاب دبغ فقد طهر\" ١.\nونقل عن أحمد بن حنبل أنه ذكر له حديثه هذا فقال ومن أبن وعلة قلنا ليس ابن وعلة مجهولا بل هو ثقة روى عنه زيد بن اسلم ويحيى بن سعيد وغيرهما ووثقه ابن معين والعجلي والنسائي وروى له مسلم والأربعة.\nفإن قيل روى خالد بن أبى الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة أنها قالت بلغ رسول الله ﷺ أن ناسخا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال أو قد فعلوها تحولوا بمقدتي إلى القبلة وخالد مجهول.\nوحكى أبو بكر بن المنذر في كتابه هذا عن أبي ثور قلنا خالد معروف روى له ابن ماجة وروى عنه سفيان بن حسين ومبارك بن فضالة وغيرهما ذكره ابن حبان في الثقات.\nقال شيخنا الذهبي وما علمت أحدا تعرض إلى لينه.\nوقال القاضي أبو الطيب ان أبا بكر بن المنذر أجاب عن هذا بأن أحمد بن حنبل قال مخرج هذا الحديث حسن قال.\nوقال غيره روى عنه خالد الحذاء ومبارك بن فضالة وواصل مولى بن عيينة وهؤلاء ثقات فوجب أن يكون خالد معروفا وقد استدل المصنف على المختار بأن الفسق مانع من القبول باتفاق فلا بد من تحقق ظن عدمه قياسا على الصبي والكفر بجامع رفع احتمال المفسدة وهذا الدليل فيه نظر لأنا إذا شككنا في المنافع فالأصل عدمه فقد حصل ظن عدمه بدليل الأصل لأن عدم المانع ليس شرطا حتى يشترط تحقق عدمه وكثير من الفقهاء يتخيل انه شرط وليس كذلك بل عدم المانع ليس بشرط وعدم الشرط ليس بمانع ودليله أن الشك في عدم الشرط يمنع ترتب الحكم لأن القاعدة أن المشكوكات كالمعدومات فكل شيء\n_________\n١ حديث صحيح رواه الترمذي باب جلود الميتة إذا دبغت وابن ماجة كتاب اللباس باب جلود الميتة إذا دبغت كما رواه الإمام الشافعي ومسلم في صحبحه بلفظ إذا د بغ الإهاب فقد طهر.","vol":"2","page":320},{"text":"شككنا في وجوده أو عدمه جعلنا معدوما فلو كان عدم الشرط مانعا أو عدم المانع شرطا لزم من الشك فيه أن ترتب الحكم لأنه مانع وأن لا نرتبه لأنه شرط فنرتبه ولا نرتبه وهذا يوضع بين النقيضين واعلم ان أبا حنيفة إنما يقبل رواية المجهول إذا كان في صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة أما في هذا الزمان فلا صرح به بعض المتأخرين من أصحابه ثم ذكر صاحب الكتاب من الطريق التي تعرف بها العدالة التزكية واخل بذكر الاختبار وإن كان هو الأصل إذ ليس مستند التزكية إلا هو إما بمرتبة أو مراتب دفعا للتسلسل لأن مقصود الفصل الكلام في أحكام التزكية وقد ذكر المصنف فيه أربع مسائل:\nقال: الأولى: في شرط العدالة في الرواية والشهادة ومنع القاضي فيهما والحق الفرق كالأصل.\nفي اشتراط العدد وفي الرواية والشهادة مذاهب:\nأحدها: يشترط فيهما وهو رأي بعض المحدثين.\nوالثاني: لا يشترط بل يكفي فيهما واحد وهو قول القاضي.\nوالثالث: وبه قال الأكثرون أن العدد يشترط في التزكية في الشهادة دون التزكية في الرواية وحجته أن الشهادة نفسها لا بد فيها من العدد فكذلك ما هو شرط فيها والرواية لا يشترط فيها العدد فكذا شرطها واليه أشار بقوله كالأصل ويؤخذ منه قبول تزكية المرأة والعبد في الرواية وهو كذلك.\nقال: الثانية: قال الشافعي ﵁ يذكر سبب الجرح وقيل سبب التعديل وقيل سببهما قال القاضي لا فيهما.\nقال الشافعي ﵁ يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل إذ قد يجرح بما لا يكون جارحا لا اختلاف المذاهب فيه بخلاف العدالة إذ ليس لها إلا سبب واحد ولأن الجرح يحصل بخصلة واحدة بخلاف التعديل وقيل عكسه لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة لتسارع الناس إلى الثناء اعتمادا على الظاهر فلا بد من سببه وقيل لا بد من تبيين السبب فيهما جميعا أخذا بمجامع كلام الفريقين وقال القاضي لا يجب ذكر السبب","vol":"2","page":321},{"text":"فيهما لأنه ان لم يكن بصيرا بهذا الشأن لم يصلح للتزكية وإن كان بصيرا به فلا معنى للسؤال كذا نص عليه في مختصر التقريب ونقله عنه الآمدي والغزالي والإمام واتباعه منهم المصنف ونقل إمام الحرمين في البرهان عنه المذهب الثاني وهو اشتراط بيان السبب في التعديل دون الجرح وقال انه أوقع في مأخذ الأصول وقال إمام الحرمين والإمام وغيرهما أن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه فيهما وإن لم يعرف اطلاعه على شرائطهما إستخبرناه عن أسبابهما ويشبه أن لا يكون هذا مذهبا خامسا لأنه إذا لم يكن عارفا بشروط العدالة لم يصلح للتزكية.\nقال الثالثة: الجرح مقدم على التعديل لأن فيه زيادة.\nالجرح يقدم عند التعارض على التعديل أن كان فيه اطلاع على زيادة لم يطل عليها المعدل اللهم إلا إذا جرحه بقتل إنسان وقت كذا فقال المزكي رأيته حيا بعد ذلك فهنا يتعارضان وهذا إذا كان المعدل والجارح في العدد سواء وقد حكى ابن الحاجب مذهبا أنهما يتعارضان ولا يترجح أحدهما بمرجح واعلم أن الاستدلال بالإجماع إذا كان قد قام كما حكاه القاضي أقوى الحجج على المدعي لأن الزيادة التي ذكرها الجارح قد ينفيها المعدل.\nفإن قلت لو نفاها كان شاهدا على النفي فلا تقبل شهادته قلت إنما كلامنا في الرواية فهو مخبر عن النفي والأخبار نفيا وإثباتا مقبولا بخلاف الشهادة فلا يقاس أحدهما بالآخر نعم قال القاضي الاخبار عن النفي يضعف وأما إن كثر عدد المعدلين وقل عدد الجارحين فقد صار بعض العلماء إلى أن العدالة في مثل هذه الصورة أولى والحق التسوية فإن كل واحد من الجرح والتعديل يستقل بنفسه لو قدر مفرد فالزيادة لا تقضي بغير ذلك.\nقال القاضي ونوضحه أن عشرة من الشهود لو شهدوا على ثبوت دين وشهد علان على ابراء مستحقه عنه فيقضي بالابراء فإنهما أخبرا عما أخبر الشهود عنه وانفراد بزيادة علم وهذا شأن الجارح مع المعدلين.\nقال الرابعة: التزكية أن يحكم بشهادته أو يثني عليه أن يروي عن غير العدل أو يعمل بخبره.","vol":"2","page":322},{"text":"للتزكية أربع مراتب أعلاها أن يحكم بشهادته وثانيها أن يثني عليه بأن يقول هو عدل وما أشبهه وقال بعض الشافعية لا بد وأن يقول هو عدل على ولي وثالثها إذا روى عنه من لا يروي عن غير العدل فإنه يكون تعديلا على المختار عند الإمام والآمدي كالبخاري ومسلم في صحيحهما وقيل الرواية تعديل مطلقا وقيل عكسه كما أن تركها ليس بجرح ورابعها إذا عمل بمدلول ما أخبر به ولم يمكن حمله على العمل بدليل آخر فهو تعديل وقد نقل الآمدي الاتفاق على ذلك وليس بجيد فإن الخلاف محكي في مختصر التقريب للقاضي وأما ترك العمل بما رواه هل يكون جرحا.\nفقال القاضي في مختصر التقريب ان تحقق تركه للعمل بالخبر مع ارتفاع الروافع والموانع وتقرر عندنا تركه موجب الخبر مع أنه لو كان ثابتا للزم العمل به فيكون ذلك جرحا وإن كان مضمون الخبر مما يسوغ تركه ولم يتبين قصده إلى مخالفة الخبر فلا يكون جرحا.\nفائدة: أطلق الإمام أن الحكم بالشهادة تزكية كما في الكتاب.\nوقيده الآمدي إذا لم يكن الحاكم ممن يرى قبول الفاسق الذي لا يكذب وهو قيد صحيح إلا أنه لا يختص بهذا القسم.\nفإن القسم الرابع كذلك.\nقال: الرابع: الضبط وعدم المساهلة في الحديث وشرط أبو على العدد ورد بقبول الصحابة خبر الواحد قال طلبوا العدد قلنا عند التهمة.\nالشرط الرابع: من شروط الراوي أن يكون بحيث يؤمن من الكذب والخطأ فيما رواه وذلك يستدعي حصول أمرين.\nأحدهما: الضبط فمن يكون مختل الطبع لا يقدر على الحفظ أصلا لا يقبل خبره البتة وكذا يعتريه السهو غالبا ورب من يضبط قصار الأحاديث دون طوالها لقدرته على ضبط تلك دون هذه فتقبل روايته فيما علم ضبطه إياه.\nالثاني: ولعله يدخل في الأول عدم التساهل فلو روى الحديث وهو غير","vol":"2","page":323},{"text":"واثق به لم يقبله وإن كان التساهل في غير الحديث ويحتاط في الحديث قبلت روايته على الأظهر وإلى ذلك أشار المصنف بقوله في الحديث.\nوشرط أبو علي الجبائي العدد في كل خبر.\nوقال كما حكى عنه القاضي عبد الجبار لا يقبل في الزنا إلا خبر أربعة كالشهادة عليه.\nونقل القرافي عن كتاب المحصول في الأصول لابن العربي أن الجبائي اشترط في قبول الخبر اثنين وشرط على الإثنين إثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التاسع وهذا الذي قاله مردود بقبول الصحابة خبر العدل الواحد كعمل علي بخبر المقداد وتعويلهم على خبر عائشة في التقاء الختانين وغير ذلك.\nواحتج بانهم طلبوا العدد في أماكن فإن ابا بكر ﵁ لم يقبل المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مسلمة ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى في الاستئذان١ حتى رواه أبو سعيد الخدري وغير ذلك.\nوالجواب أنهم لم يطلبوا العدد إلا عند الريبة في صحة الرواية أما لاحتمال نسيان من رواه أو غير ذلك.\nوبهذا يحصل الجمع بين قبولهم تارة وردهم أخرى وحكى ابن الأثير في جامع الأصول أن بعضهم اشترط أربعة عن أربعة إلى أن ينتهي الإسناد.\nقال: الخامس: شرط أبو حنيفة فقه الراوي ان خالف القياس ورد بأن العدالة تغلب ظن الصدق فيكفي.\nالراوي لا يشترط أن يكون فقيها عند الأكثرين سواء كانت روايته مخالفة للقياس أم لم تكن.\n_________\n١ هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار من بني الأشعر ويكنى بأبي موسى صحابي جليل ولد سنة ٢١ ق هـ وتوفي سنة ٤٤هـ أسد الغابة ٣/٣٦٧.وخبره في الاستئذان هو قوله ﷺ: \"أأستأذن أحدكم على صاحبه فلم يؤذن له فلينصرف\" أخرجهالبخاري ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد كما في الفتح الكبير ١/٧٧ فلم يقبله عمر حتى شهد معه أبو سعيد الخدري ﵁ تقدمت ترجمته.","vol":"2","page":324},{"text":"وقال أبو حنيفة ﵁ يشترط فقهه ان خالفه القياس لأن الدليل نحو قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ينفي جواز العمل بخبر الواحد خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيها لأن الاعتماد على روايته أوثق فوجب بقاء ما عداه على الأصل رد بأن عدالة الراوي تغلب ظن صدقه والعمل بالظن واجب كما تقرر وبقوله ﷺ: \"نضر الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها\" إلى قوله: \"فرب حامل فقه ليس بفقيه\" ١ فهذا صريح في الباب.\nواما الثاني: فلا يخالفه قاطع ولا يقبل التأويل ولا يضره مخالفة القياس ما لم يكن قطعي المقدمات بل يقدم لقلة مقدماته وعمل الأكثر والراوي.\nانقضت شروط المخبر بكسر الباء والكلام الآن في شرط المخبر عنه وشرطه أن لا يخالفه دليل قاطع لقيام الإجماع على تقديم المقطوع على المظنون فإن خالفه دليل قاطع فذلك القاطع إما عقلي أو سمعي فإن كان عقليا نظر فإن كان ذلك الخبر قابلا للتأويل القريب الذي طرق أذن من هو أهل اللسان سمعه ولم ينب عنه طبعه وجب تأويله جمعا بين الدليلين.\nوإلا قطعنا بأنه لم يصدر من الشارع لأن الدليل القطعي لا يحتمل الصرف عما دل عليه بوجه من الوجوه لا بالتخصيص ولا بالتأويل إلا بغيرهما فيجب القطع بأنه مكذوب على الشارع ضرورة أن الشارع لا يصدر عنه الكذب ولو صدر عنه هذا للزم صدور الكذب وهو محال وإن كان سمعيا فإن لم يكن الجمع بينهما فالحكم كما سبق.\nهذا إذا علم تأخير المظنون عن المقطوع أو جهل التاريخ إذ لا يجوز الحمل على النسخ فان نسخ المقطوع بالمظنون غير جائز شرعا فإن علم تأخير المقطوع عنه حمل على أنه منسوخ ولا يقطع بكذبه وإن كان الجمع غير ممكن لتحقق شرط النسخ.\n_________\n١ حديث صحيح رواه الترمذي من حديث زيد بن ثابت كما رواه أحمد والترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود بلفظ \" نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها. ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\" وللحديث روايات أخر.\nأنظر الفتح الكبير ٣/٢٦٢.","vol":"2","page":325},{"text":"وبهذا يفارق ما نحن فيه الصورة التي تجهل التاريخ فيها فإنه وإن أمكن في تلك الصورة أن يحمل على أن المظنون منسوخ بالمقطوع لكن لم يتحقق شرط النسخ فلا يقطع به بمجرد الاحتمال فإن الآفات العارضة للراوي من كذب ونسيان وغيرهما محتملة بل ربما يكون الحمل عليها أهون من الحمل على النسخ مع عدم تحقيق شرطه هذا شرط خبر الواحد.\nوأما ما ظن أنه شرط له وليس كذلك فمنه إذا عارض خبر الواحد القياس فأما أن يقتضي أحدهما تخصيص الآخر لأن فيخصيص العلة وخبر الواحد بالقياس جائز وأن تباينا من كل وجه وفيه كلام المصنف فينظر في مقدمات القياس فان ثبت بدليل قطعي قدمنا القياس على خبر الواحد وذلك واضح.\nوإن لم تكن مقدمات القياس قطعية فإن كانت كلها ظنية قدم الخبر لقلة مقدماته ولا يتجه أن يكون هذا محل خلاف وإن كان كلام بعضهم وهو طريقة الآمدي يقتضي أنه من صور الخلاف لكنه بعيد وإن كان البعض قطعيا والبعض ظنيا فمفهوم كلام المصنف أن خبر الواحد مقدم أيضا وهو قول الشافعي ﵁ واختيار الإمام وجماعة وقال مالك القياس راجح.\nوقال عيسى بن ابان إن كان الراوي ضابطا عالما قدم خبره وإلا كان في محل الاجتهاد وتوقف قوم المختار عندنا ما ذهب إليه أبو الحسين وهو أنه يجتهد فإن كانت إمارة القياس أقوى وجب المصير إليها وإلا فبالعكس وإن استويا في إفادة الظن فالوجه ما ذهب إليه الشافعي ومنه عمل أكثر الأمة بعض الأمة بخلاف خبر الواحد أي لا يوجب رده لأن أكثر الأمة بعض الأمة.\nوقول بعض ليس بحجة ومن يقول اتفاق الأكثر إجماع ولا عبرة بالمخالف إذا ندر فاللائق بمذهبه أن يرد به الخبر واما عندنا فلا لكن قول الأكثر من المرجحات فيقدم عند التعارض بمعنى أنه إذا عارض خبر الواحد خبر آخر مثله متعضد بعمل الأكثر قدم على الآخر الذي ليس معه عمل الأكثر ومنه عمل راوي الخبر بخلافه أي بخلاف ظاهر الخبر لا يوجب رده.","vol":"2","page":326},{"text":"كما أشار إليه بقوله والراوي عطفا على عمل الأكثر أي ولا يضره مخالفة الراوي وهل المراد بالراوي الصحابي أو أعم من ذلك فيه الكلام المتقدم في أثناء الخصوص وذهب أكثر الحنفية إلى أن عمل الراوي بخلاف الخبر يقدح في الخبر ولا يجوز الأخذ إلا بعمل الراوي وقال عبد الجبار وأبو الحسين إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه إلا أنه علم بالضرورة أنه ﵇ أراد ذلك الذي ذهب إليه من ذلك الخبر وجب المصير إليه إن لم يعلم ذلك بل جوزنا أن يكون قد صار إليه لنص أو قياس وجب النظر في ذلك.\nفإن اقتضى ما ذهب إليه وجب المصير إليه وان لم يقتض ذلك لم يطلع على مأخذه وجب المصير إلى ظاهر الخبر.\nوذلك لأن الحجة إنما هي في كلام رسول الله ﷺ لا مذهب الراوي وظاهر كلامه ﷺ يدل على معنى غير ما ذهب إليه الراوي فوجب المصير إليه وعدم الالتفات إلى مذهب الراوي.\nقال: وأما الثالث: ففيه مسائل الأولى لألفاظ الصحابي سبع درجات:\nالأولى: حدثني ونحوه.\nالثانية: قال الاحتمال التوسط.\nالثالثة: أمر لاحتمال اعتقاده ما ليس بأمر أمرا والعموم والخصوص والدوام واللادوام.\nالرابعة: أمرنا وهو حجة عند الشافعي لأن من طاوع أمرا إذا قاله فهم منه أمره ولأن غرضه بيان الشرع.\nالخامسة: من السنة وعن النبي ﵇.\nالسادسة: قيل للتوسط.\nالسابعة: كنا نفعل في عهده.\nهذا هو الثالث من شرائط العمل بخبر الواحد وهو الكلام في الخبر وفيه مسائل.","vol":"2","page":327},{"text":"الأولى: في بيان ألفاظ الصحابي ومراتبها وقد أتى المصنف ﵀ بلفظ جامع لها وهو قوله درجات الدرجة الأولى أن يقول حدثني رسول الله ﷺ ونحوه مثل سمعت وأخبرني أو شافهني فهذا خبر عن الرسول ﷺ واجب القبول انفاقا.\nالثانية: أن يقول رسول الله ﷺ كذا فهذا ظاهرة النقل فيكون حجة لكنه ليس نصا صريحا لاحتمال أن يكون قد وصل إليه بواسطة فتكون مرتبته دون الأولى.\nالثالثة: أن يقول أمر النبي ﷺ بكذا ونهى عن كذا فهذا يتطرق إليه هذا الاحتمال مع احتمال آخر وهو احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا وأيضا فليس فيه أنه أمر الكل أو البعض ولأن الأمر به يدوم أولا فربما اعتقد شيئا لا يوافق اجتهادنا وقول المصنف لاحتمال تعليل لكونه دون الدرجة الثانية لكن الظاهر من حال الصحابي أنه إنما يطلق هذه اللفظة إذا تيقن المراد لذلك ذهب الأكثرون إلى أنه حجة وخالف داود الظاهري وبعض المتكلمين والقاضي في مختصر التقريب حكى عن داود أنه صار إلى التوقف في ذلك وإلى التوقف مال الإمام.\nالرابعة: ان يبني الصيغة للمفعول فيقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو وجب علينا كذا وما أشبه ذلك والذي عليه الشافعي رضوان الله عليه وأكثر الأئمة وهو اختيار الإمام والآمدي أن ذلك يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول ﷺ فيكون حجة وذهب الصيرفي والكرخي وغيرهما إلى أن ذلك متردد بين أمر الله الذي اشتمل عليه كتابه المنزل وأمر الرسول ﷺ.\nوأمر كل الأمة أو بعض الولاة وبين أن يكون قال ذلك استنباطا لقياس أو غيره بحسب تأدية اجتهاده فلا يكون حجة وأصبح الأولون بوجهين.\nأحدهما: أن من لزم طاعة رئيس فإنه إذا قال أمرنا بكذا فهم منه أمر ذلك الرئيس لا يفهم ممن يقول في دار السلطان أمرنا بكذا إلا أن الأمر السلطان.","vol":"2","page":328},{"text":"والثاني: أن غرض الصحابي تعليمنا الشرع فيجب حمله على من صدر الشرع عنه دون الائحة والولاة وأما حمله على أمر الله فمنتف لأن أمر الله تعالى ظاهر للكل لا يستفاد من قول الصحابي وحمله على الإجماع متعذر لأن ذلك الصحابي من الأمة وهو لا يأمر نفسه وانما قلنا إن هذه المرتبة دون الثالثة لاحتمالها ما تحتمل تلك مع زيادة ما ذكرناه.\nالخامس: أن يقرر من السنة كذا وهو حجة عند جماعة يجب حمله على سنة الرسول ﷺ.\nوهذا ما عليه الإمام والآمدي والمتأخرون وخالف الكرخي والصيرفي والمحققون كما ذكر إمام الحرمين في البرهان:\nوقال المازري أحد قولي الشافعي أنه ليس بحجة وحكى القاضي في مختصر التقريب اختلاف أصحابنا في ذلك وقد قال الشافعي في القديم إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية أي تساوي في العقل.\nفإن زاد الواجب على الثلث صارت على النصف وذكر أن هذا القول القديم مرجوع عنه وأن الشافعي ﵁ قال كان مالك يذكر أنه السنة وكنت أتابعه عليه وفي نفس منه شبهة حتى علمت انه يريد سنة أهل المدينة فرجعت عنه وهذا من الشافعي يدل على أن قوله من السنة ظاهر في أن المراد به سنة الرسول ﷺ ما لم يقم دليل على أن المراد سنة البلد أو غير ذلك.\nويدل أيضا على أن هذا لا يختص بالصحابي بل يعم كل متكلم على لسان الشرع كمالك وغيره وحجة الأولين ما تقدم في أمرنا ونهينا وهذه الدرجة دون الرابعة لاحتمالها ما نحتمل تلك مع زيادة احتمال سنة البلد أي طريقتها أو غير ذلك.\nوإمام الحرمين قال إنها بمثابة تلك وكأنه رأى هذا الأحتمال مرجوحا لبعده من المتكلم على لسان الشريعة ومالك ﵁ وإن كان قد وقع منه قوله من السنة مع إرادته سنة البلد فما ذلك إلا لأن إجماع المدينة عنده حجة فكانت","vol":"2","page":329},{"text":"طريقها عنده من السنة فلذلك أطلق قوله من السنة وأراد سنة المدينة ولا يقع منه ذلك في بلد غيرها.\nالسادسة: أن يقول عن النبي ﷺ واختلفوا فيه فقال قوم بظهوره في إنه سمعه من النبي ﷺ فيكون حجة وهو رأي المصنف وصفي الدين الهندي وأما الإمام وغيرهما من اتباعه فلم يرجح أحد منهم شيئا.\nالسابعة: أن يقول كنا نفعل في عهده ﷺ كذا وكانوا يفعلون كذا ومنه قول عائشة ﵂ كانوا لا يقطعون في الشيء التافه والأكثرون على أنه حجة وهو اختيار الآمدي.\nومقتضى اختيار الإمام هنا إلا أنه جعله مرتبة سابعة كما فعل المصنف ولم يصرح في السادسة بترجيح وقضية تقديمها ترجيحها وحجة الاكثرين أن قوله كنا نفعل وكانوا يفعلون ظاهر في فعل الجماعة وتقرير النبي ﷺ لأن قصد الصحابي بيان الشريعة وهذه الدرجة دون التي قبلها لاختصاصها باحتمال أن يكون فعل بعضهم ولم يطلع عليه النبي ﷺ لأن قصد الصحابي واعلم أن كلام المصنف ربما يوهم توقف الاحتجاج بقول الصحابي كنا نفعل على تقييده بعهد النبي ﷺ وفيه مخالفة لكلام غيره والذي عندي في ذلك أن لهذه الدرجة ألفاظا.\nأعلاها: أن يقول كنا معاشر الناس أو كانت الناس تفعل ذلك في عهده ﷺ.\nوهذا ما لا يتجه في القول بكونه حجة خلافا لتصريحه بنقل الاجماع المتعضد بتقرير النبي.\nوالثانية: كنا نفعل في عهده ﷺ ولا يصرح بجميع الناس فهذه دون ذلك لأن الضمير في قوله كنا يحتمل أن يعود على طائفة مخصوصة.\nوالثالثة أن يقول كان الناس يفعلون كذا ولا يصرح بعهد النبي ﷺ فهذه دون الثانية من جهة عدم التصريح بعده ﷺ وفوقها من جهة تصريحه بجميع الناس فيحتمل أن يقال لتساويها وإلا ظهر رجحان تلك لأن التقييد بعهد النبي ﷺ ظاهر في أنه قرر عليه وتقريره تشريع سواء كان لواحد أو لجماعة.","vol":"2","page":330},{"text":"وأما هذه فغايتها أنها ظاهرة في نقل الاجماع بخبر الواحد فيه من الخلاف ما هو معروف.\nوالرابعة: أن يقول كنا نفعل كذا وكانوا يفعلون كذا وهي دون الكلام لعدم التصريح بالنبي ﷺ ومما يعود عليه ضمير قوله كنا وكانوا فهذه طرق الصحابي في نقل الحديث النبوي والصحابي عند الأكثرين هو من رأي النبي ﷺ وصحبه ولحظة سواء روي عنه أو لم يرو وقيل من طالت صحبته وإن لم يرو وقيل من طالت صحبته وأخذ عنه العلم وروي وتثبت الصحة بالنقل أو بالتواتر أو الآحاد وبقول المعاصر العدل أنا صحابي أو رأيت النبي ﷺ وصحبته ومن الناس من توقف في ثبوتها بقوله لما في ذلك من دعواه رتبة لنفسه وهو توقف ظاهر فإن المرء لو قال أنا عدل لم يلتفت إلى مقاله لدعواه لنفسه خصلة شريفة فكيف إذا ادعى الصحبة التي هي فوق منصب العدالة بأضعاف مضاعفة فهذا ما يجب التوقف فيه.\nقال: الثانية لغير الصحابي أن يروي إذا سمع الشيخ أو قرأ عليه ويقول له هل سمعت فيقول نعم أو أشار أو سكت وظن إجابته عند المحدثين أو كتب الشيخ أو قال سمعت ما في هذا الكتاب أو يجيز له.\nهذه المسألة في رواية غير الصحابي وذلك أيضا على سبع مراتب.\nالأولى: أن يسمع من لفظ الشيخ فيلزمه العمل بالخبر ثم هو ينقسم إلى أملا وتحديث من غير أملا وسواء كان من حفظه أو من كتابه وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير.\nوللسامع في هذا القسم أن يقول أخبرني وحدثني او سمعت أو أخبرنا أو حدثنا وهذا إن قصد الراوي إسماعه إما خاصة أو كان في جمع قصد الراوي إسماعهم وإن لم يقصد الشيخ إسماعه لا في وحدة فليس له أن يقول ألا سمعته يحدث عن فلان سأل الخطيب أبو بكر الحافظ شيخه الحافظ أبي بكر اليرقاني عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الابتذوبي سمت سمعت ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا فذكر له أبا","vol":"2","page":331},{"text":"القاسم كان مع علو قدره عسرا في الرواية وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل عليه وحده.\nالثانية: أن يقرأ عليه وأكثر المحدثين يسمعون القراءة على الشيخ عرضا من حيث أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه ويقول له بعد الفراغ من القراءة أو قبلها هل سمعت.\nفيقول الشيخ نعم أو يقول بعد الفراغ الأمر كما قرىء علي ولا خلاف أنها رواية صحيحة إلا ما كحى عن بعض من لا يعتد بخلافه واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ والحكم بأن القراءة علته مرتبة ثانية.\nوهو مذهب جمهور أهل المشرق وللقارئ هنا أن يقول قرأت على فلان وللسامع أن يقول قريء عليه وأنا أسمع فأقر به وله أن يقول حديثا قراءة عليه أو أخبرنا قراءة عليه وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا ففيه مذاهب.\nأحدهما: المنع منهما جميعا وبه قال ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والنسائي.\nوالثاني: التجويز وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا.\nوبه قال الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان والبخاري ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضا أن يقول سمعت فلانا حكاه ابن الصلاح.\nوالثالث: المنع من إطلاق حدثنا ويجوز أخبرنا وهو قول الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق والاحتجاج له ليس بأمر لغوي وإنما هو اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث وقد قرأ ابو حاتم محمد بن يعقوب الهروي صحيح البخاري على بعض الشيوخ عن الفريري وكان يقول له في كل حديث حدثكم الفريري فلما فرغ","vol":"2","page":332},{"text":"من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه سمع الكتاب من الفريري قراءة عليه فأعاد أبو حاتم قراءة جميع الكتاب عليه وقال له في جيعه أخبركم الفريري.\nالثالثة: أن يقرأ على الشيخ ويقول له هل سمعته فيشير الشيخ بإصبعه أو رأسه فالإشارة ههنا كالعبارة في وجوب العمل بذلك الخبر وكذا في جواز الرواية عنه على الصحيح.\nالرابعة: أن يقرأ على الشيخ ويقول بقوله هل سمعته فيسكت الشيخ ويغلب على ظن القارئ بقرينة الحال إجابته له فيجب العمل به بلا خلاف وأما جواز الرواية فالجمهور من المحدثين وغيرهم عليها لأن سكوته نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ وشرط قوم إقرار الشيخ نطقا وبه قطع الشيخ أبو اسحاق الشيرازي وسليم الرازي وأبو نصر الصباغ.\nالخامسة: يكتب الشيخ الى شخص سمعت كذا من فلان فللمكتوب إليه إذا علم خط الشيخ أو ظنه أنه يعمل به وله أن يروي عنه إذا اقترنت المكاتبة بلفظ الأجازة بأن يقول أجزت لك ما كتبته إليك أو نحو ذلك وأما إن تجردت المكاتبة فقد أجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم أيوب السختياني١ ومنصور والليث بن سعد وجماعة من أصحابنا وغلا أبو المظفر السمعاني من أصحابنا فقال إنها أقوى من الإجازة إليه مصير جمع من الأصوليين وهو قضية ترتيب المصنف حيث أخر ذكر الإجازة في التعداد ومنع قوم من الرواية بها منهم الماوردي في الحاوي وجوز الليث بن سعد ومنصور واطلاق حديثا وأخبرنا في الرواية بالمكاتبة والمختار خلافه وأنه إنما يقول كتب إلى فلان.\nالسادسة: أن يشير الشيخ إلى كتاب فيقول سمعت ما في هذا الكتاب من فلان وهو مسموعي من فلان فيعمل السامع به وإما أنه هل يرويه عنه فله أحوال.\n_________\n١ هو: أيوب بن أبي تيمية كيسان السختياني البصري سيد فقهاء عصره تابعي من النساك الزهاد من حفاظ الحديث روي عنه نحو ثمانمائة حديث. توفي سنة ١٣١هـ.\nحلية الأولياء ٣/٣، الأعلام ١/٣٨٢.","vol":"2","page":333},{"text":"إحداها: أن يقرن ذلك بالمناولة والإجازة وهذه الحالة أعلى من الأحوال ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا له ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان فأروه عني أو أجزت لك روايته عني ثم يهبه إياه أو يقول خذه وانسخه وقابل به ونحو هذا ومنها أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ ثم يعيده إليه ويقول وقفت على ما فيه وهو حدثني عن فلان فاروه عني وهذا يسمى عرض المتأولة كما أن القراءة على الشيخ تسمى عرض القراءة وهذه المناولة المقرونة بالإجازة حاله محل السماع عند الزهري وربيعة الراوي ويحيى بن سعيد ومالك بن أنس ومجاهد وابن عيينة وقتادة وأبي العالية وابن وهب وآخرين والصحيح أن ذلك غير محال محل السماع وأنه منحط عن درجة التحديث لفظا والأخبار قراءة.\nقال الحاكم أما فقهاء الاسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يروه سماعا ويه قال الشافعي والأوزاعي والبوطي والمزني وأبو حنيفة وسفيان الثوري واحمد بن حنبل وابن المبارك يحيى واسحاق بن راهويه قال عليه عهدنا أئمتنا وإليه ذهبوا وإليه نذهب.\nوثانيها: ان يناوله الكتاب مناولة مجردة عن الإجازة فيقتصر على قوله هذا من حديثي أو من سماعي ولا يقول أروه عني فهذه مناولة مختلة لا يجوز الرواية بها وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على شر ذمة من المحدثين سوغوا الرواية بها.\nوثالثها: أن لا يناوله ولا يجيزه بل يقتصر على أعلامه بأن هذا من سماعي من فلان فهذه أولى بالمنع من الثانية ونقل ابن جريج أن ذلك طريق مجوز لرواية ذلك عنه وبه قطع ابن الصباغ من أصحابنا والصحيح خلافه لأنه قد يكون ذلك مسموعه ثم لا يأذن في روايته عنه لكونه لا يجوز روايته لخلل يعرفه فيه.\nوبهذا يفارق هذه الصورة ما إذا قرأ عليه وهو يستمع ويقر به حيث يجوز لكل سامع أن يرويه عنه بالطريق المقدمة فإن هناك من وجد منه تحديث واقرار فدل على أنه لا خلل عنده فيه من التحديث به وانما هذا كالشاهد","vol":"2","page":334},{"text":"إذا ذكر في غير مجلس الحكم شهادته بشيء فليس لمن سمعه إن يشهد على شهادته إذا لم يأذن له ولم يشهده على شهادته وذلك أمر تساوت فيه الشهادة والرواية لأن المعنى يجمع بينهما في ذلك وإن افترقنا في غيره.\nالسابعة: الاجازة وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العمل بالمروي بها وخالف بعض أهل الظاهر وهو خلاف ضعيف لأنه ليس في الاجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به.\nوأما الرواية بالاجازة فقد اختلف العلماء فيها والذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من المحدثين وغيرهم القول بتجويز الاجازة وإباحة الرواية بها وخالفهم جماعة منهم إبراهيم بن اسحاق الحربي وأبو محمد عبد الله الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ وهو رواية عن الشافعي واختار القاضي الحسين والماوردي من أصحابنا وقال لو جازت الاجازة لبطلت المرحلة.\nواعلم أن في الاحتجاج لصحة الاجازة غموض قال أبو طاهر الدباس من أئمة الحنفية من قال لغيره أجزت لك أن تروي عنى فكأنه يقول أجزت لك أن تكذب علي.\nوكذا قال غيره تقدير أجزت لك ابحت لك ما لا يجوز في الشرع لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع واحتج ابن الصلاح للاجازة بأنه إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته فقد اخبره بها جملة فهو كما لو أخبره تفصيلا وأخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراة على الشيخ على ما سبق.\nقلت: وتقدير قوله أجزت لك أنى أجزتك اني أروي هذا الكتاب وأذنت لك أن تنقله عنى.\nوقول الراوي اخبرنا فلان إجازة ليس معناه إلا هذا كأنه يقول اخبرني انه يروي الكتاب الفلاني واذن لي في نقله عنه بهذا الطريق.\nهذا هو الذي يتجه في الاجازة ولا يتضح غيره وقد يشبه هذا بما إذا كتب وصيته وقال لشخص اشهد علي بما في هذا المكتوب.","vol":"2","page":335},{"text":"قال محمد بن نصر من أئمة صحابنا له أن يشهد عليه بما فيه والرواية أولى من الشهادة وإذا تقرر جواز الاجازة من حيث الجملة فتقول هي عند التفصيل أنواع.\nالأول: أن يجيز لمعين في معين مثل أن يقول أجزت لك الكتاب الفلاني أو ما اشتملت عليه فهرستي هذه فهذا أعلى أنواع الاجازة وزعم بعضهم أنه لا خلاف في جوازها وأن الخلاف إنما هو في غير هذا النوع من الاجازة والصحيح ان الخلاف بطرقها أيضا.\nالثاني: أن يجيز لمعين في غير معين مثل أجزت لك أو لكم جميع مسموعاتي فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر والجمهور على تجويزه.\nالثالث: أن يجيز لغير معين بوصف العموم مثل أجزت المسلمين أو لمن أدرك حياتي فقد منعه جماعة وجوزه الخطيب وغيره وجوز القاضي أبو الطيب الاجازة لجميع المسلمين من كان منهم موجودا عند الاجازة والاجازة لغير معين بمعين مثل أجزت جميع المسلمين أن يرووا عنى الكتاب الفلاني أقوى من الاجازة لغير معين بغير معين مثل أجزت جميع المسلمين أن يرووا عنى جميع مروياتي.\nالرابع: الاجازة المجهول أو بالمجهول مثل أجزت لمحمد بن خالد الدمشق وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب ثم لا يعين المجاز له منهم أو يقول أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن وهو يروي عن جماعة من كتب السنن المعروفة بذلك وليس ثم قرينة عهد ولا غيرها ترشد إلى المراد من ذلك فهذه إجازة فاسدة لا فائدة لها وليس ومن هذا القبيل ما إذا أجاز جماعة مسمين معينين بانسابهم والمجيز جاهل بأعيانهم فإن هذا غير قادح كما لا يقدح عدم معرفته به إذا حضر شخصه في السماع منه وإن أجاز للمسلمين المنتسبين في الاجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم ولم يعرف عددهم ولا تصفح أسماءهم واحدا فواحدا.\nقال ابن الصلاح فينبغي أن يصح ذلك أيضا كما يصح سماع من حضر","vol":"2","page":336},{"text":"مجلسه للسماع منه وإن لم يعرفهم أصلا ولا عددهم ولا تصفح أشخاصهم.\nالخامس: الاجازة المعلقة بشرط مثل أجزت لمن شاء فلان أو نحو ذلك وهو كالنوع الرابع ففيه جهالة وتعليق شرط.\nوقد أفتى القاضي ابو الطيب بأنه لا يصح وعلل بأنه اجازة لمجهول فصار كقوله أجزت بعض الناس.\nوقال أبو يعلي ابن الفرار وأبو الفضل بن عمروس المالكي يجوز ذلك وإذا قال أجزت لمن شاء فهو مثل أجزت لمن شاء فلان بل هذه أكثر جهالة وانتشارا من جهة تعليقها بمشيئة من لا يحصر عددهم ثم هذا فيما إذا جاز لمن شاء الاجازة منه له فإن أجاز لمن شاء الرواية عنه فهذا أولى بالجواز من حيث أن قضية كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة الجواز له فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحا بما يقتضيه الاطلاق وحكاية المحال لا تعليقا في الحقيقة.\nولهذا أجاز بعض أصحابنا في البيع أن يقول بعتك بكذا ان شئت فيقول قبلت.\nالسادس: الإجازة للطفل الصغير.\nقال الخطيب سألت القاضي أبا الطيب هل يعتبر في صحة الاجازة للطفل الصغير سنه أو تمييزه كما يعتبر ذلك في صحة سماعه فقال لا يعتبر ذلك.\nقال: فقلت له إن بعض أصحابنا قال لا تصح الاجازة لمن لا يصح سماعه فقال قد يصح أن يجيز للغائب عنه ولا يصح السماع له واحتج الخطيب للصحة بأن الاجازة إنما هي إباحة المجيز للمجاز له أن يروي عنه والإباحة تصح للعاقل وغير العاقل.\nالسابع: الاجازة للمعلوم ابتداء مثل أن يقول أجزت لمن يولد لفلان وقد أجازها أبو يعلي بن الفرا من الحنابلة وأبو الفضل بن عمروس من المالكية والخطيب من أصحابنا.\nقال ابن الصباغ ومأخذ من أجازها اعتقاده أن الإجازة إذن في الرواية لا","vol":"2","page":337},{"text":"محادثة والصحيح وهو الذي استقر عليه رأي القاضي أبي الطيب أنها لا تصح لأن الاجازة في حكم الاخبار جملة بالمجاز كما تقدم فكما لا يصح الاخبار للمعدوم لا يصح إجازته.\nالثامن: الاجازة للمعدوم عطفا على الموجود مثل أجزت لك ولولدك وعقبك ما تناسلوا وهو أقرب إلى الجواز من الأول ولهذا أجازه الأصحاب في الوقف ولم يجيزوا الأول وقد فعل هذا أبو بكر بن أبي داود السجستاني فانه سئل عن الاجازة فقال قد أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة يعنى من يولد بعد.\nالتاسع: الاجازة بما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله فيما مضى ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك.\nقال ابن الصلاح ينبغي أن يبنى ذلك على أن الاجازة في حكم الاخبار بالمجاز جملة أو هي إذن فلا يصح إن جعلت في حكم الاخبار إذ كيف يخبر بما لا خبر عنده منه وإن جعلت إذنا بني علي الخلاف في تصحيح الاذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الأذن الموكل بعد مثل أن يوكل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا والصحيح بطلان هذه الإجازة.\nالعاشر: اجازة المجاز مثل أجزت لك مجازاتي أو رواية ما أجيز لي روايته وقد منع من ذلك بعض المتأخرين والصحيح جوازه.\nوقد كان الفقيه الزاهد نصر المقدسي يروي بالاجازة عن الاجازة حتى ربما والى بين اجازات ثلاث في روايته.\nالحادي عشر: الاذن في الاجازة مثل أن يقول له أذنت لك أن تخبر عني من شئت وهذا نوع لم أر من ذكره ولكنه وقع في عصرنا هذا وسألني بعض المحدثين عنه والذي يتجه أنه يصح كما لو قال وكل عني ويكون مجازا من جهة الاذن وينعزل المأذون له في أن يخبر بموت الآذن كما ينعزل الوكيل بموت الموكل.\nوإذا قال أذنت لك أن تجيز عني فلانا كان أولى بالجواز من أذنت أن تجيز عني من شئت.","vol":"2","page":338},{"text":"قال: الثالثة: لا يقبل المرسل خلافا لأبي حنيفة ومالك.\nالمرسل عند جمهور المحدثين هو أن يترك الراوي ذكر الواسطة بينه وبين المروى عنه مثل أن يترك التابعي ذكر الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ كقول سعيد بن المسيب.\nقال رسول الله ﷺ: \"أما إذا سقط واحد قبل التابعي كقول من يروي\" قال رسول الله ﷺ: \"فيسمي منقطعا وإن سقط أكثر سمي معضلا\" وعند الاصوليين المرسل قول من لم يلحق النبي ﷺ سواء كان تابعيا أم من تابع التابعين.\nوإلى يومنا هذا فتفسير الأصوليين أعم من تفسير المحدثين إذا عرفت ذلك فقد اختلف في المرسل والذي استقر عليه آراء جماهير الحفاظ الجهابذة الحكم بضعفه وسقوط الاحتجاج به ونقله مسلم ﵁ في صدر الصحيح عن قول أهل العلم بالاخبار وقال بقوله مالك وأبو حنيفة وكذا أحمد في أشهر الروايتين عنه وجمهور المعتزلة واختاره الآمدي ثم غلا بعض القائلين بكونه حجة فزعم أنه أقوى من المستند.\nوالشافعي ﵁ صدر القائلين برد المراسيل إلا أنه نقل عنه أنه قبل بعضها في أماكن قال القاضي ﵀ ونحن لا نقبل المراسلين مطلقا ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي حسم للباب والقول بمذهب الشافعي هو اختيار الإمام وصاحب الكتاب.\nقال الآمدي وفصل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن هو من أئمة النقل مطلقا وهذا هو اختيار ابن الحاجب حيث قال:\nإن كان من أئمة النقل قبل وإلا فلا وأئمة النقل يدخل فيهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وهو اختصار حسن وليس مذهبنا لرأي ابن أبان كما توهمه بعض الشارحين.\nومن أمثلة المرسل احتجاج المخالفين بحديث أبي العالية ان ضريرا دخل المسجد فوقع في حفرة في المسجد فضحك بعض من كان خلف النبي ﷺ فقال","vol":"2","page":339},{"text":"من ضحك منكم فليعد الوضوء والصلاة فنقول أبو العالية تابعي والمرسل عندنا لا حجة فيه فإن قلت روى الشافعي عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة أن النبي ﷺ قال: \"الشفعة فيما لم ينقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة\" ١ وهذا قد احتج به الشافعي وهو سيد المنكرين للمراسيل.\nقلت ستعرف أن مراسيل سعيد عندنا مقبولة لكونها مسانيد وكذا مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن وهذا الحديث قد روى بهذا الإسناد مسندا فروى أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وابن أبي قتيلة وعبد الملك الماجشون عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن النبي ﷺ أنه قال:\nقال لنا: إن عدالة الأصل لم تعلم فلا تقبل الرواية تعديل قلنا قد يروى عن غير العدل قيل إسناده إلى الرسول ﷺ يقتضي الصدق قلنا بل السماع قيل الصحابة أرسلوا وقبلت قلنا الظن السماع.\nالدليل على رد المرسل أن عدالة الأصل غير معلومة فلا تكون روايته مقبولة لأن رواية المجهول مردودة فإن قيل روايته عنه مع إخفاء اسمه تعديل وإلا يكون ملبسا غاشا قلنا لا نسلم وسند هذا المنع ان العدل قد يروى عن غير العدل كذا أجاب في الكتاب.\nولقائل أن يقول إنما يروي عن غير العدل إذا صرح به ليعرف أما إذا أبهمه فذلك تلبيس لا يجوز الأولى الجواب باحتمال ظنه عدالته وليس في نفس الأمر كذلك ويجوز أنه لو أظهره لاقتضى نظرنا أنه غير عدل بخلاف ما اقتضاه الأمر تظره فإن قيل قول هذا العدل قال رسول الله ﷺ يقتضي أنه علم أو ظن أنه قال وإلا لم يسنده إليه وإذا صح أنه قال تعين قبوله قلنا قول الفرع قال رسول الله ﷺ: يقتضي الجزم بأن الرسول ﵇ قال ولا شك في ثبوت احتمال أنه لم يقله والجزم بالشيء مع تجويز نقيضه كذب فادح في عدالة الراوي.\n_________\n١ رواه الطبراني من حديث ابن عمر﵄- الفتح الكبير ٢/١٨٢.","vol":"2","page":340},{"text":"قال وإلا لم يسنده إليه وإذا صح تعين قبوله قول الفرع قال رسول الله ﷺ: الجزم بأن الرسول ﵇ قال\" ولا شك في ثبوت احتمال أنه لم يقله والجزم بالشيء مع تجويزه نقيضه كذب فادح في عدالة الراوي.\nفإذن لا بد من صرف هذا اللفظ عن ظاهره وليس قولهم المراد أني أظن أن رسول الله ﷺ قاله بأولى من قولنا نحن المراد أنى سمعت أن رسول الله ﷺ قاله.\nومعلوم أنه لو صرح بهذا القدر لم يكن تعديلا هذا جواب المصنف ولقائل أن يقول لا نسلم أن قوله قال يقتضي الجزم ولم قلتم أنه لا يكفي الظن مسوغا لإطلاق هذه اللفظة ثم لا نسلم أنه ليس أحدهما أولى لأن قوله قال تقتضي إسناد القول لرسول الله ﷺ وفي حمله على أنه يظن ذلك تبقية لذلك الإسناد بخلاف حمله على السماع إذ قد يسمع ويقطع بكذب من سمع منه ولا يجوز له والحالة هذه أن يقول قال فحمله على ظن القول أقرب وأولى من حمله على السماع والحاصل أن مجرد السماع لا يسوغ له أن يقول.\nقال فلا بد من ضم الظن إليه قوله قيل الصحابة احتج القائلون بالمراسيل بأن الصحابة ﵃ أرسلوا عدة أحاديث لم يصرحوا فيها بالسماع من النبي ﷺ بل قالوا قال وقبلها كل واحد منهم والجواب أنها إنما قبلت الظن الغالب القاضي بأن الصحابي سمعها من النبي ﷺ والعمل بالظن واجب وهذا في الحقيقة ليس بمرسل لأن المرسل كما عرفت قول من لم يلق زيدا قال زيد والصحابي لقي النبي ﷺ.\nقال: فرعان الأول المرسل يقبل إذا تأكد بقول الصحابي أو فتوى أكثر أهل العلم.\nقال إمام الحرمين في البرهان أن الشافعي لا يقول بشيء من المراسيل وقال القاضي في مختصر التقريب أنه قبل المرسل في بعض الأماكن والحاصل ان قاعدة الشافعي رد المراسيل والمواضع المستثناة لم يقبلها لكونها مراسيل بل لظن عضدها وقضى بكونها مسندة فكلام إمام الحرمين صحيح وما ذكره القاضي أيضا صحيح والمواضع المستثناة منها.","vol":"2","page":341},{"text":"وقد ذكره في الكتاب أن يعضده قول صحابي قال القاضي في مختصر التقريب وفيه نظر فإن الصحابي لا يحتج بقوله لغيره ومنها أن يعضده مذهب العامة وهو المشار إليه في الكتاب فتوى أكثر أهل العلم قال القاضي فأقول له إن عنيت بالعامة الأمة فكأنك شرطت الإجماع في قبول المرسل وإذا ثبت الإجماع استغنى عن المرسل.\nوإن أردت مذهب العوام فأنت أجل قدرا من ذلك إذ لا عبرة بخلافهم ولا وفاقهم وإن أردت معظم العلماء فمصير المعظم مع وجود الخلاف لا يصير ما ليس بحجة حجة قلت والشافعي لم يرد الإجماع ولا قول العوام وإنما أراد أكثر أهل العلم ولا شك أن الظن يقوى عنده وكذلك قول الصحابي وإذا قوى الظن وجب العمل به.\nفالمرسل بمجرده ضعيف وكذا قول أكثر أهل العلم وحالة الإجتماع قد يقوم ظن غالب وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا ومنها أن يرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول وضعفه القاضي بأن كثرة المرسلين لا يدل على الصحة كما إذا روى عن كثير من الضعفاء قلت وهو كالأول فإن ما أتفق جماعة من الضعفاء على روايته أقوى مما انفرد بروايته ضعيف واحد وكذلك الظن الحاصل بصدق المرسل الذي عضده مرسل آخر أقوى منه حالة التجرد فلا يلزم من عدم الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما ومنها أن يسنده غير مرسله وكلام القاضي يقتضي أن الشافعي يقول ذلك.\nوإن كان المسند في تلك الرواية الموافقة للمرسل حجة لأنه رد على الشافعي بأن العمل حينئذ بالمسند دون المرسل والإمام في المحصول قال ان هذا فيما إذا لم تقم حجة بإسناده لكن في كلامه بعد ذلك ما يخالف هذا فإنه ذكر عن الحنفية ما اعترض به القاضي وعلى التقديرين فيه نظر.\nأما الأول: فلما ذكره القاضي.\nوأما الثاني: فلأن الضعيف إذا إنضم إلى الضعيف لا يوجب العمل به كذا ذكروه ولك أن تقول قد يحصل الظن بالضعيفين حالة إجتماعهما كما عرفت.","vol":"2","page":342},{"text":"ومنها أن يعلم من المرسل أنه لو نص لنص على من يسوغ قبول خبره قال واقبل مراسيل سعيد بن السيب لأني اعتبرتها فوجدتها كذلك قال ومن هذا حاله احسب مراسيله ولا أستطيع أن أقول إن الحجة ثبتت بها في ثبوتها بالمتصل قلت أنظر ما أحسن كلام الشافعي حيث صرح بأن المرسل لا يبلغ درجة المتصل وإنما هذه الأمور المستثناة توجب ظنا فوق الظن المستفاد من المرسل المجرد قد تقوم به الحجة ولكن تكون حجة دون حجة المسند.\nوقال الماوردي في باب الشفعة من الحاوي أن مرسل أبى سلمة عبد الرحمن عند الشافعي حسن.\nقال الثاني إن أرسل ثم أسند قبل وقيل لا لأن إهماله يدل على الضعف من أسند حديثا أرسله غيره فلا شبهة في قبوله.\nوهذا مما تكاد الفطر الزكية أن تدعي فيه القطع.\nلكن القاضي في مختصر التقريب حكى عن بعض الغلاة في رد المراسيل أنه قال لا يجب العمل به وهذا مما ذكره القاضي ساقط من القول واما أن أرسله هو مرة وأسنده أخرى فعبارة المصنف كالصريحة في أن الكلام فيه وأن فيه خلافا وعليه الشارحون والخلاف فيه ثابت عن بعض المحدثين ولكن الذي جزم به الإمام وأتباعه أنه يقبل.\nوما نرى المصنف يخرج عن طريقهم ولا نعلم أنه وقف على هذا الخلاف والذين عندنا أن مراده من شأنه إرسال الاخبار إذا أسند خبرا هل يعتل أو يرد وهي مسألة ذات خلاف مشهور.\nواحتج من قال لا يقبل بان اهماله ذكر الرواة في الغالب يدل على ضعف الراوي فيكون ستره له خيانة وتدليسا فلا تقبل روايته ولك أن تمنع دلالة الاهمال على الضعف ونقول لعله آثر الإختصار أو طرقه النسيان.\nوإذا قلنا بالقبول وهو الراجح فقال الشافعي إنما يقبل من حديثه ما قال فيه حدثني أو سمعت ولا يقبل ما يأتي فيه بلفظ موهم.\nوقال بعض المحدثين لا يقبل إلا إذا قال سمعت فلانا.","vol":"2","page":343},{"text":"قال الرابعة يجوز نقل الحديث بالمعنى خلافا لابن سيرين لنا أن الترجمة بالفارسية جائزة بالعربية أولى قيد يؤدي إلى طمس الحديث قلنا لما تطابقا لم يكن ذلك.\nاتفق الأئمة الأربعة والحسن البصري وعدة من العلماء على جواز نقل الحديث بالمعنى إذا لم يزد في المعنى ولا ينقص وساوى الأصل في الجلاء والخفاء لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم وأخرى بالمتشابه وغير ذلك مما لله تعالى فيه حكمة فلا يجوز تغيرها عن وصفها.\nقال الأئمة والأولى خلافه وهذا ما نقله الآمدي وغيره ونقل الماذري أن مالكا قال لا ينقل حديث النبي ﷺ بالمعنى بخلاف حديث الناس وذهب محمد بن سيرين١ وجماعة من السلف إلى وجوب نقل اللفظ على صورته وهو اختيار ابي بكر الرازي ونقله إمام الحرمين في البرهان عن معظم المحدثين وشرذمة من الاصوليين ووهم صاحب التحصيل فعزاه إلى الشافعي ﵁.\nونقله ابن السمعاني عن عبد الله بن عمر وجماعة من التابعين وعن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.\nوفصل قوم فقالوا يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره والأول هو المختار وعليه الإمام والآمدي والمتأخرون جميعا واحتج الجمهور بأوجه.\nأحدها: أنه يجوز شرح الشريعة للعجم بلسانها فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فإبدالها بعربية أخرى أولى بالجواز ولا شك أن التعاون بالعربية وترجمتها بالعربية أقل مما بينها وبين العجمية.\nقلت وفيه نظر لأن الترجمة بالفارسية جوزت للحاجة وذلك مما لا يتعلق به استنباط واجتهاد بل هو من قبيل بيان المشروع بخلاف تبديل لفظ الحديث إذ هو مناط اجتهاد واختلاف الالفاظ فيه مظنة اختلاف المعاني.\n_________\n١ هو محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر البصري إمام وقته روى عن أنس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة – ﵃- وروى عنه الشعبي وقتادة والأوزاعي. توفي سنة ١١٠هـ\nخلاصة تهذيب الكمال ٢/٤١٢- ٤١٣.","vol":"2","page":344},{"text":"والوجه الثاني: قال الإمام وهو الأقوى أنا نعلم بالضرورة ان الصحابة الذين رووا هذه الاخبار عن النبي ﷺ ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس ولا يكررون عليها فيه بل كما سمعوها تركوها وما رووها إلا بعد الاعصار والسنين وذلك يوجب القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ.\nوالثالث: أن الصحابة ﵃ ربما نقلوا القصة الواحدة بألفاظ مختلفة وكتب الحديث تشهد بذلك ومن الظاهر أن النبي ﷺ لم يذكر تلك القصة بجميع تلك الألفاظ بل نحن في بعضها قاطعون بذلك وكان هذا شائعا بينهم ذائعا غير منكر من أحد فكان إجماعا على نقل الحديث بالمعنى.\nقال أبو المظفر بن السمعاني ومما يدل على ذلك رواية الصحابي المناهي عن النبي ﷺ مثل نهيه عن بيعتين في بيعة ونهيه عن المحاقلة والمزانية وحبل الحبلة والنجش وبيع حاضر لباد وغير ذلك وقوله قضى بالشاهد واليمين والشفعة فيما لم ينقسم فمعلوم أن الرواة لم يقصدوا الفاظه في هذه الاخبار وإنما حكوا المعنى.\nوالرابع: أنا نعلم أن الالفاظ خدم للمعاني وليست مقصودة بالذات إلا في القرآن العزيز لكونه معجزا والمعنى هو المقصود فإذا حصل تاما لم يضر اختلاف الالفاظ وليس للفقيه أن يعترض على هذا بكلمات الأذان والتشهد والتكبير ولفظي النكاح والتزويج وغير ذلك مما تعبدنا فيه بالألفاظ لأن الألفاظ مقصودة فيه مع المعاني وكلامنا حيث لا يكون اللفظ مقصود أو احتج من منع نقل الحديث بالمعنى بأن ذلك مؤد إلى طمسه واندراسه لأن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى كان غايته الاجتهاد في طلب ألفاظ توافق ألفاظ الحديث وتؤدي معناه.\nوأهل العلم على أشد اختلاف في معاني الألفاظ وفهم دقائقها والوقوع على أشد اختلاف في معاني الألفاظ وفهم دقائقها والوقوع على مواقعها فيجوز أن يغفل عن بعض تلك الدقائق وينقله إلى لفظ آخر غير دال على تلك الدقيقة ثم يتصل الخبر بالطبقة الثانية وهو خال من تلك الدقيقة فينقلوه أيضا بالمعنى ويدعون منه نحو ما ترك الأول منه وهلم جرا حتى يقع التفاوت الكثير.","vol":"2","page":345},{"text":"والجواب أنه متى أخل بأدنى شيء لم يجر وتخرج المسألة عن صورتها لأن الغرض أنه لم يخل بشيء بل أتى بالمطابق من كل وجه.\nفائدة: سأل بعضهم عن الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة في فصل الترادف في جوازه إقامة أحد المترادفين مقام الآخر وزعم أن لا فرق وغره أن الآمدي لم يذكر تلك المسألة فظن اكتفاء بهذه عن تلك وهذا عندي سؤال من لم يترو من الأصول وما الجامع بين المسألتين وأن يحيل أن الراوي بالمعنى إذا أقام أحد المترادفين مقام الآخر تتحد المسألة من هذه الجهة.\nفنقول تلك المسألة في أمر لغوي وهي أعم من أن يقع في كلام راو للحديث أو غيره فالمانع في تلك نقول اللغة تمنع منه مطلقا ولا يتعرض إلى أن الشرع هل يمنع منه أولا وهذه في أمر شرعي خاص وهو رواية حديث النبي ﷺ والمانع منه يقول لا يجوز للاحتياط فيه وهذا سواء جوزته اللغة أم منعته.\nقال الخامسة إذ زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت وكذا من اتحد وجاز الذهول عن الباقين ولم يغير اعراب الباقي وإن لم يجر الذهول لم يقبل وان غير الاعراب مثل في أربعين شاة شاة أو نصف شاة طلب الترجيح فان زاد مرة وحذف أخرى فالإعتبار بكثرة المرات.\nوالروايتان فصاعدا إذا اتفقا على رواية خبر وانفرد أحدهما بزيادة فأما أن يكون المجلس متعددا أو متحدا.\nفإن كان متغايرا قيلت الزيادة إذ لامتناع في ذكره ﷺ الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الآخر بها والراوي مقبول القول وإن كان المجلس متحدا فالذين لم يرووا الزيادة.\nأما أن يكونوا عددا لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد أو ليسوا كذلك فإن كان الأول لم يقبل الزيادة وشرط ابن السمعاني في عدم القبول أن يقول الجماعة أنهم لم يسمعوه.\nقال: فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أن يكونوا رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم قلت وهذا هو المختار إلا أن تكون الزيادة مما توفر الدواعي على نقلها.","vol":"2","page":346},{"text":"وإن كان الثاني فتلك الزيادة إما أن لا تغير إعراب الباقي أو تغير فإن لم تغير قبلت عند المصنف والآمدي وقال الإمام تقبل إلا أن يكون الممسك عن الزيادة اضبط من الراوي لها وأن لا يصرح بنفيها فإن صرح وقع التعارض وقال بعضهم لا يقبل مطلقا وإن غيرت الاعراب كما لو روى راو في أربعين شاة شاة.\nوروى الآخر نصف شاة فالحق عند الجمهور منهم الإمام واتباعه أنها لا تقبل ويتعارضان وخالف أبو عبد الله البصري لنا أنه حصل التعارض لأن أحدهما إذا روي شاة فقد رواه بالرفع والآخر إذا روى نصف شاة فقد رواه بالجر والرفع والجر ضدان فوجب المصير إلى الترجيح.\nونقل إمام الحرمين في البرهان من غير تعرض لهذه الشروط عن الشافعي وسائر المحققين قبول الزيادة من الراوي الموثوق به.\nوقال بعضهم إن تساوي الساكت وراوي الزيادة في العدد قبلت وإن كان الساكت أكثر فلا وقد سكت المصنف عما إذا لم يعلم هل تعدد المجلس أو اتحد.\nقال الآمدي وحكمه حكم المتحدد وأولى بالقبول نظرا إلى احتمال التعدد ومن أمثلة ذلك حديث ابن عمر في صدقة الفطر رواه جماعة من الثقاة أمرنا رسول الله ﷺ أن تخرج صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر.\nوروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وزاد أو صاعا من قمح.\nوحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم\" ١ ثم روى يحيى بن محمد الحارثي حدثنا زكريا\n_________\n١ رواه ابن ماجة من حديث عائشة – ﵂- كما رواه مسلم من حديث أم سلمة – ﵂.\nالفتح الكبير ٣/٢٠٢.","vol":"2","page":347},{"text":"ابن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا الخبر وزاد فيه أو فيه شيء من ذلك.\nوهذا كله فيما إذا كان راوي الزيادة ثقة أما إذا كان ضعيفا فذاك مردود الرواية إن صاحب الكتاب ذكر فرعا في ذيل المسألة وهو ما إذا زاد الراوي الواحد مرة ولم يرو تلك الزيادة غير تلك المرة أي وكان المجلس الذي أسند إليه الزيادة والنقصان متحدا.\nفالاعتبار بكثرة المرات لأن حمل الأقل على السهو أولى من حمل الأكثر عليه قال الإمام وان تساويا قبلت الزيادة ومثال الأول أن سفيان بن عيينة روى عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂:\nقالت دخل علي رسول الله ﷺ فقلت أنا خبأنا لك حيسا فقال أما أني كنت أريد الصوم ولكن قريبه أسنده عنه هكذا الشافعي ﵁ ورواه شيخ يقال له محمد بن عمر وابن العباس الباهلي عن سفيان وزاد فيه وأصوم يوما مكانه قال أحمد هذه لفظة كان ابن عيينة زادها في الحديث آخر عمره لا يدري أهي محفوظة أو شيء وقع في لفظه.\nوقال الشافعي سمعت سفيان عامة مجالسة لا يذكر فيه سأصوم يوما مكانه ثم عرضته عليه قبل موته بسنة فأجاب فيه سأصوم يوما مكانه آخر كتاب السنة والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"2","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>الكتاب الثالث في الإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>الباب الأول في بيان حجيته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة الأولى: ذهب بعضهم إلى استحالته</span>\n...\nالباب الأول في حجية الإجماع\nقال وفيه ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: في بيان كونه حجة وفيه مسائل.\nالأولى: قيل محال كاجماع الناس في وقت واحد على مأكول واحد وأجيب بأن الدواعي مختلفة ثم وقيل يتعذر الوقوف عليه لانتشارهم وجواز خفاء واحد وخموله وكذبه خوفا ورجوعه قبل فتوى الآخر وأجيب بأنه لا يتعذر في أيام الصحابة فانهم كانوا محصورين قليلين.\nإنما بدا الكلام على إمكانه وإمكان الاطلاع عليه لتوقف الاحتجاج به على ذلك.\nوقد ذهب بعضهم إلى أن الاجماع محال لأن اجتماع الخلق على شيء واحد يمتنع عادة كما يمتنع عادة اجتماعهم على مأكول واحد في وقت واحد وربما قال بعضهم كما أن اختلاف العلماء في الضروريات محال كذلك اتفاقهم في النظريات محال.\nوالجواب أن الدواعي مختلفة ثم أي في المواكيل بخلاف الأحكام لامكان اجتماعهم على معرفة برهان أو إمارة.\nوذهبت طائفة من المعترفين بامكان الإجماع إلى تعذر الاطلاع عليه وهو رواية عن الإمام أحمد حكاها الآمدي وغيره وقيل إنما استعبد وقوعه ولم يقل بتعذر الاطلاع عليه واحتجوا بانتشار العلماء شرقا ومغربا قالوا فكيف يعرف موافقة من في أقاصي المشرق من في أطراف المغرب قالوا وأيضا يجوز خفاء واحد","vol":"2","page":351},{"text":"وخمول ذكره حيث لا يعرف أنه مجتهد قالوا ويحتمل أيضا كذبه أيضا مخالفة من سلطان جائر أو مجتهد ذي منصب وبطش أفتى بخلاف معتقده قالوا ويحتمل أيضا أن يرجع قبل فتوى الآخر فلا يبرحان مختلفين فلا يقع الإتفاق.\nقالوا فاحتمال الخفاء والخمول بنفي معرفة أعيانهم ولا بد منها واحتمال الكذب ينفي معرفة ما غلب على ظنه ولا بد منه والاحتمال الأخير ينفي معرفة اجتماعهم في وقت واحد ولا بد منه ايضا.\nوأجاب في الكتاب بأن ذلك لا يتعذر في أيام الصحابة فإنهم كانوا محصورين قليلين وقضية هذا الجواب أنه لا طريق إلى معرفته في زمن غيرهم.\nقال الإمام وهو الإنصاف ومنهم من أجاب بأنهم وإن كانوا كثيرين بحيث لا يمكن الواحد أن يعرفهم بأعيانهم فإنه يعرف بمشافهة بعضهم والنقل المتواتر عن الباقين بأن ينقل من أهل كل قطر من يحصل التواتر بقولهم عمن فيه من المجتهدين مذاهبهم وخمول المجتهدين بحيث لا يعرفه أهل بلدته مستحيل عادة فوضح إمكان الاطلاع على إجماع من عدا الصحابة وحكم اجماع من عدا الصحابة حكم اجماع الصحابة في كونه حجة.\nهذا قول الجمهور وقالت الظاهرية أن الإجماع مختص بالصحابة وهو رواية عن أحمد.","vol":"2","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المسألة الثانية: حجية الإجماع والدليل على ذلك</span>\n...\nقال الثانية: أنه حجة خلافا للنظام والشيعة والخوارج لنا وجوه.\nالأول: أنه تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال ومن يشاقق الرسول الآية فتكون محرمة فيجب اتباع سبيلهم اذ لا مخرج عنها قيل رتب الوعيد على الكل.\nقلنا: لا بل على كل واحد وإلا لغي ذكر المخالفة قيل الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف قلنا لا وإن سلم لم يضر لأن الهدى دليل التوحيد والنبوة.\nقيل: لا يوجب تحريم كل ما غير قلنا يقتضي لجواز الاستثناء.","vol":"2","page":352},{"text":"قيل السبيل دليل الإجماع قلنا حمله على الإجماع أولى لعمومه.\nقيل يجب اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين قلنا حينئذ تكون المخالفة المشاقة قيل بترك الاتباع رأسا قلنا الترك غير سبيلهم قيل لا يجب اتباعهم في فعل المباح قلنا: كاتباع الرسول ﷺ.\nقيل المجمعون اثبتوا الحكم بالدليل قلنا خص النص فيه كل المؤمنين الموجودون إلى يوم القيامة بل في كل عصر لأن المقصود العمل ولا عمل في القيامة.\nاتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم وخالف في ذلك الشيعة والخوارج والنظام ونقل ابن الحاجب أن النظام يحيل الاجماع وهو خلاف نقل الجمهور عنه.\nوقد صرح الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع بأنه لا يحيله وهو أصح النقلين واعلم ان النظام المذكور هو أبو اسحاق ابراهيم بن سيار النظام كان ينظم الخرز بسوق البصرة وكان يظهر الاعتزال وهو الذي ينسب إليه الفرقة النظامية من المعتزلة لكنه كان زنديقا وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع خروج رواته عن حد الحصر هذا مع قوله بأن خبر الواحد قد يفيد العلم فاعجب لهذا الخذلان وأنكر القياس كما سيأتي وكل ذلك زندقة لعنه الله وله كتاب نصر التثليث على التوحيد.\nوإنما أظهر الاعتزال خوفا من سيف الشرع وله فضائح عديدة واكثرها طعن في الشريعة المطهرة وليس هذا موضوع بسطها.\nواستدل المصنف على حجية الإجماع من ثلاثة أوجه:\nالأول: الآية وأول من تمسك بها إمامنا الشافعي ﵁ قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع روي أن الشافعي قرا القرآن ثلاث مرات حتى وجد هذه الآية وهي قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١ وجه الحجة أنه\n_________\n١ سورة النساء آية ١١٥.","vol":"2","page":353},{"text":"تعالى جمع بين مشاقة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد في قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ فيلزم تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين لأنه لو لم يكن محرما لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو مشاقة الرسول ﷺ ان الجمع بين حرام ونقيضه لا يحسن في وعيد ولأجله يستقبح إن زنيت وشربت الماء عاقبتك فدل على حرمة اتباع غير سبيلهم وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم لأنه لا يخرج عنهما أي لا واسطة بينهما وإن لزم اتباع سبيلهم ثبت حجية الإجماع لأن سبيل الشخص ما يختار من قول أو فعل واعتقاد.\nوقد اعترض الخصم على هذا الدليل بوجوه:\nالأول: أنه رتب الوعيد على الكل أي على المجموع فليست متابعة سبيل غير المؤمنين محرمة على الاطلاق بل كونها محرمة مشروطة بمشاقة الرسول ﷺ وخرج عن هذا مثل ان زنيت وشربت الماء عاقبتك لأن شربت الماء غير محظور لا مطلقا ولا شرط الزنا.\nوجوابه أن الوعيد إنما رتب على كل واحد منهما كما ادعيناه وإلا يلزم أن يكون ذكر المخالفة وهو قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لغو لأمرين.\nأحدهما: المشاقة مستلزمة لمخالفة سبيل المؤمنين وحينئذ فلا يحتاج إلى المخالفة.\nوالثاني: أن المشاقة وحدها مستقلة في ترتيب الوعيد واللغو محال في كلام الله ﷿.\nالوجه الثاني: سلمنا ان الآية تقتضي أن المنع من اتباع غير سبيل المؤمنين لا يشترط المشاقة لكن لا بد فيها من شرط آخر وهو تبين الهدى لأنه تعالى شرط في مشاقة الرسول تبين الهدى ثم عطف عليها متابعة غير سبيل المؤمنين فيجب أن يكون تبين الهدى شرطا فيها أيضا لأن ما كان شرطا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطا في المعطوف والألف واللام في الهدى للعموم فيلزم أن لا يحصل التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى ومن جملة أنواع الهدى دليل الاجماع.","vol":"2","page":354},{"text":"وعلى هذا التقدير لا ينفي في التمسك بالاجماع فائدة إذ يستغنى بحصول دليل الإجماع عن الإجماع وجوابه منع كون جميع ما كان شرطا في المعطوف عليه شرطا في المعطوف والعطف إنما يقتضي التشريك في بعض الأحكام دون بعض.\nولو سلمنا أن الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف لم يضر لأن الهدى المشروط في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول هو الدليل الدال على التوحيد والنبوة لأدلة الأحكام الفرعية وإن لم يشترط تبين دلائل المسائل الفرعية في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول لم يشترط في لحوقه على اتباع غير سبيل المؤمنين وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطة بما شرط في الأولى بل بشرط لم يدل عليه الدليل أصلا.\nالوجه الثالث: سلمنا حرمة المخالفة في الجملة لكن لا نسلم أن قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين يوجب تحريم جمع ما غاير سبيلهم بل يوجب حرمة البعض ودليل ذلك أن كلا من لفظ غير ولفظ سبيل مفرد لا عموم له ولا يلزم حرمة بعض ما يغاير سبيلهم حجية الإجماع لجواز أن يكون ذلك البعض هو الإيمان وشبهه مما لا خلاف في حرمة المخالفة فيه.\nالجواب: إنهما يقتضيان العموم لما فيهما من الإضافة وقد تقرر أن المفرد المضاف يعم ويدل عليه هنا صحة الاستثناء فتقول الا سبيل كذا وجواز الاستثناء من لوازم العام كذا قرروه ولكن أن تنازع في عموم غير وأمثالها كبعض وجزء إذا أضفن مع تسليم أن المفرد المضاف يعم وذلك لأن إضافة غير ليست للتعريف وقد يقال إن العموم تابع للتعريف ويبعد كل البعد أن يفهم من قول القائل أخذت جزء المال أو بعضه انه أخذ جميعه بل يقال أو أخذه المال جميعه يكون مناقضا لهذا اللفظ لأن الجزء أو البعض صريحان في خلافه وللبحث فيما نبهنا عليه محال.\nوقد أجاب الإمام بجوابين آخرين:\nأحدهما: أنه لوحملنا الآية على سبيل واحد وهو غير مذكور في الآية صارت","vol":"2","page":355},{"text":"مجملة بخلاف ما إذا حملناه على العموم وحمل كلام الله تعالى على ما هو أكثر فائدة أولى.\nوالثاني: أن ترتب الحكم على الاسم مشعر بكون المسمى علة له فكانت علة التوعد كونه اتباعا لغير سبيل المؤمنين فيلزم عموم الحكم لعموم هذا المقتضى.\nالوجه الرابع: إن السبيل حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي ولا شك أنه غير مراد هنا فتعين حمله على المجاز وهو إما الدليل الذي أجمعوا على الحكم لأجله وبقي الاجماع والأول أولى فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة قوية فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق المسلوك توصل البدن إلى المطلوب فكذا الحركة الذهنية في مقدمات ذلك الدليل توصل الذهن إلى المطلوب والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز وإذا كان كذلك فإنما يجب الأخذ بالدليل الذي لأجله أجمعوا لا بإجماعهم.\nوجوابه أن السبيل يطلق على الإجماع أيضا إذ لا نزاع في أن أهل اللغة يطلقون لفظ السبيل على ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو عمل وقد قال تعالى:\n﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ .\nوإذا كان مجازا ظاهرا في الإجماع حمل عليه دون غيره من مجازاته لظهوره فيه ولعموم فائدة الإجماع يعمل به المجتهد والمقلد والدليل إنما يعمل به المجتهد.\nالوجه الخامس: سلمنا دلالة الآية على وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن لا في كل شيء لأن المؤمنين إذا اتفقوا على فعل شيء من المباحات فلو وجب اتباع سبيلهم في كل الأمور لزم التناقض لأنه يجب عليهم فعله من حيث أنهم فعلوه ولا يجب لحكمهم بعدم وجوبه وإذا لم يكن إتباعهم واجبا في كل شيء فإنما يجب في السبيل الذي صاروا به مؤمنين يدل عليه أن القائل إذا قال اتبع سبيل الصالحين فهم منه الأمر باتباعهم فيما صاروا به صالحين.","vol":"2","page":356},{"text":"وجوابه أنها تدل على اتباعهم في كل شيء لجواز الاستثناء كما عرفت وقولك يلزم اتباعهم في فعل المباحثات قلنا هب أن هذه صورة خصت لما ذكرت من الضرورة فتبقى حجة فيما عداها ويلزم من قولك إنما يجب إتباعهم فيما صاروا به مؤمنين أن يكون مخالفة سبيل المؤمنين هي المشاقة فانه لا معنى لمشاقة الرسول ﵇ إلا أن يترك الإيمان فلو حمل على ما ذكرت لزم التكرار.\nالوجه السادس: سلمنا خطر إتباع غير سبيلهم لكن لا نسلم وجوب إتباع سبيلهم وقولكم لا واسطة بينهما غير مسلم فبينهما واسطة وهي ترك الاتباع أصلا فلا يتبع لا سبيل غيرهم ولا سبيلهم.\nوالجواب: إن ترك الاتباع أيضا مطلقا إتباع لغير سبيلهم لأن سبيلهم الأخذ بمقالتهم وترك الأخذ غير سبيلهم فثبت حرمة متابعة غير سبيل المؤمنين ويلزم منه وجوب المتابعة وهو المدعي.\nالوجه السابع: سلمنا أنه يجب اتباعهم لكن لا في كل شيء بدليل أنه لا يجب في فعل المباح كالأكل والشرب وقد تقدم هذا لكن في كلام صاحب الكتاب.\nوالجواب: أنه كقيام الدليل على وجوب متابعة الرسول ﷺ فإنه كما أخرج منه المباح يخرج من متابعة سبيل المؤمنين أيضا.\nالوجه الثامن: الدليل على أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور أن إجماعهم إنما يكون عن دليل فسبيلهم ليس إثباته باجماعهم بل بذلك الدليل وهذا واضح فالآخذ بإجماعهم مخالفة لسبيلهم فوجب أن لا يجوز وظهر أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور.\nوالجواب: أنهم لما اثبتوا الحكم بدليل غير الإجماع فقد فعلوا أمرين إثباته بالدليل وتمسكهم بالإجماع والآية لما دلت على وجوب المتابعة في كل الأمور تناولت الصورتين لكن ترك العمل بمقتضاها في إحدى الصورتين لإنعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الإستدلال بما استدل به أهل الإجماع فبقي العمل بها في الباقي.","vol":"2","page":357},{"text":"الوجه التاسع: سلمنا وجوب إتباعهم في جميع الأمور ولا يلزم حجية إجماع أهل العصر لأن المؤمنين كل الموجودين إلى يوم القيامة بدليل أنه جمع محلى بالألف واللام وحينئذ الحجة في إجماع كل المؤمنين لا مؤمني العصر الواحد.\nوالجواب: أنه إنما المراد مؤمنو العصر لأن المقصود من الإجماع إنما هو العمل به وإذا كان المراد كل المؤمنين إلى يوم القيامة تعذر العمل به لأنه لا عمل يوم القيامة لانتفاء التكليف إذ ذاك.\nقال الثاني قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ عدلهم فيجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا كبيرة وصغيرة بخلاف تعديلنا قيل العدالة فعل العبد والوسط فعل الله تعالى قلنا الكل فعل الله تعالى على مذهبنا قيل عدول وقت الشهادة قلنا حينئذ لا مزية لهم فإن الكل يكونون كذلك.\nالوجه الثاني: من الأوجه الدالة على حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أخبر تعالى بأن هذه الأمة وسط والوسط من كل شيء خياره وأعدله فيكون الله تعالى قد عدل هذه الأمة وأخبر عن خيرتها فلو أقدموا على شيء من المحظورات لا تنفي عنهم هذا الوصف فيجب عصمتهم عن الخطأ كبيرة وصغيرة.\nفي قول وفعل لأن تعديلهم من الله تعالى وهو عليم بالسر والعلانية فلو كان فيهم عاص لما عدله بخلاف تعديلنا فإنه مبني على ظننا وما أدى إليه نظرنا مع احتمال خلافه في نفس الأمر.\nفإن قلت الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي إتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة فلا بد من حملها على البعض ونحن نحملها على الإمام المعصوم قلت لا نسلم أنها متروكة الظاهر قوله لأنها تقتضي كون كل واحد منهم عدلا قلنا لما ثبت أنه لا يجوز إجراؤه على ظاهره وجب أن يكون المراد إمتناع خلو الأمة عن العدول.\nوقوله: يحمله على الإمام المعصوم قلنا قوله جعلناكم أمة وسطا صيغة جمع فحمله على الواحد خلاف الظاهر هذا كلام الإمام سؤالا وجوابا وقد يقال لا يجمع قول الإمام لا نسلم أنها متروكة الظاهر.","vol":"2","page":358},{"text":"قوله: لما ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره إلى آخره وهو سؤال قوي.\nويمكن أن يقال في جوابه أن الخصم المدعي أن ظاهر الآية موضوع اللفظ وهو تعديل كل واحد وهو غير مراد.\nوالإمام أجاب بمنع كونها متروكة الظاهر ومراد الإمام بظاهرها غير مراد الخصم فقوله لا نسلم أنها متروكة الظاهر يعنى بالمعنى الذي نعنيه نحن بالظاهر وقوله لما ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره يعني ظاهره الذي عينتموه أنتم وظاهرها عند الإمام أن الأمة لا تخلو عن العدول وهو غير موضوع اللفظ وظاهرها عند الخصم موضوع اللفظ وهذا أقصى ما يقال في الجواب.\nوقد قيل مثله في آيات الصافات فادعى بعض الباحثين المتأولين أهل السنة أن ظاهرها هو المعنى الذي أولت عليه لأنه لما ثبت ان إجراء اللفظ على موضوعه ممتنع وجب حمله على ذلك المعنى.\nوكان هو الظاهر ومثل هذا يقول الملك المتغلب في حال قهره وسطوته على عدوه الخسيس أنا فوقك ويدي عليك قال فإن ظاهر هذا اللفظ المتبادر إلى الفهم غير ما هو موضوعه فليس كل ما هو موضوع اللفظ يكون ظاهره وكذلك قولك رأيت أسدا يرمي بالنشاب ليس ظاهره إلا المجاوز وهو غير الموضوع الحقيقي فقد تقرر كلام الإمام.\nفإن قلت سلمنا أن الآية ليست متروكة الظاهر لكن لا نسلم ان الوسط من كل شيء خياره ويدل عليه وجهان.\nالأول: أن العدالة من فعل العبد إذ هي عبارة عن أداء الواجبات واجتناب الموبقات وقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم أمة وسطا فاقتضى أن كونهم وسطا من فعل الله تعالى فظهر أن العدالة غير الوسط.\nالثاني: سلمنا أنه تعالى عدلهم لكن تعديلهم ليشهدوا على الناس يوم القيامة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم يومئذ لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الآداء","vol":"2","page":359},{"text":"لا حالة التحمل وذلك مما لا نزاع فيه فإن الأمة تصير معصومة في الآخرة وأما في الدنيا فلم قلتم إنها كذلك.\nقلت: أما أن الوسط من كل شيء خياره فقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أي أعدلهم.\nوقال ﵇: \"خير الأمور أوسطها\" أي أعدلها.\nوقال أهل اللغة الوسط العدل قال الجوهري: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا﴾ أي عدولا.\nوأما ما ذكرتموه فالجواب عن الأول انه باطل على مذهبنا بل الكل من فعل الله تعالى.\nقلت: إن العدالة كما مر في تعريفها ليست عبارة عما ذكر بل هي ملكة في النفس وما ذكر تحقق تلك الملكة به والملكة من فعل الله تعالى.\nوعن الثاني وإليه أشار في الكتاب بقوله قلنا حينئذ لا مزية لهم أن جميع الامم عدول في الآخرة فلو كان المراد صيرورتهم عدولا في الآخرة لم يبق في هذه الآية تخصيص لأمة محمد ﷺ بهذه المزية والفضيلة وأيضا فكان يقول سنجعلكم لا جعلناكم وقد عرض للإعتراض كلامان.\nإحداهما: لا نسلم أنه يلزم من عدم صدور المحظور عنهم كون قولهم حجة فرب صالح لا يرتكب معصية جاهل لا يمنع بقول في الشريعة ولا يعطى.\nوالثاني: أن العدالة لأننا في صدور الخطأ غلطا وقد يرد هذا بان العدالة التي لا تنافي صدور الخطأ هي تعديلنا أما العدالة من الله تعالى فتنافي ذلك والله أعلم.\nقال الثالث: قال ﵇: \"لا تجتمع أمتي على خطأ\" ونظائره فإنها إن لم تتواتر لكن القدر المشترك بينهما متواتر.\nهذا الدليل ساقط في كثير من النسخ ولذلك لا تجده مشروحا في بعض الشروح وهو اعتماد على السنة وقد قال الآمدي السنة أقرب الطرق في إثبات","vol":"2","page":360},{"text":"كون الاجماع قاطعا وتقريره أنه روى أن النبي ﷺ قال: \"لا تجتمع أمتي على خطأ\" وأنه قال: \"لا تجتمع على ضلالة\" وهذان اللفظان لا تجدهما عند المحدثين نعم روى أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري قال.\nقال رسول الله ﷺ: \"إن الله أجاركم من ثلاث أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق وأن لا تجتمعوا على ضلالة\" وسنده جيد وروى معاذ بن رفاعة عن أبي خلف الأعمى عن أنس سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أن أمتي لا تجتمع على ضلالة\" الحديث أخرجه ابن ماجه ومعاذ ضعفه ابن معين وغيره قال السعدي وابو حاتم الرازي ليس بحجة وقال ابن حبان استحق الترك وقال الأزدي لا يحتج بحديثه ولا يكتب وأما أبو خلف فكذبه ابن معين وقال أبو حاتم منكر الحديث ليس بالقوي وروي عن عبد الله بن عمر قال:\nقال رسول الله ﷺ: \"لا يجمع الله هذه الأمة عل ضلالة أبدا\" رواه الترمذي وقال غريب ممن هذا الوجه.\nقلت: وفي إسناده سليمان بن سفيان وهو ضعيف عند المحدثين وقد اختلف أصحابنا في كيفية التمسك بالسنة على الإجماع فقالت طائفة هذه الأخبار وإن لم يتواتر واحد منها لكن القدر المشترك منها متواتر وهو عصمة الأمة عن الخطأ وهذه طريقة المصنف.\nوالامام استبعد إدعاء التواتر المعنوي من هذا الخبر وقال لا نسلم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حد التواتر ولو سلم فالتواتر إنما وقع في مطلق تعظيم الأمة ينافي الإقدام على الخطأ وما ذكره الإمام أولا صحيح وهو الذي ارتضاه القاضي في مختصر التقريب.\nفقال أدعاء الإضطرار في هذه المسألة يقربك من الحيد عن الإنصاف ويوسع دعوى الضرورة في كثير من المعاني وأما قوله التواتر إنما وقع في مطلق التعظيم لأني التعظيم الخاص فلقائل أن يقول من تأمل الأحاديث واحدا واحدا عرف أن كلامنا يدل على هذا التعظيم الخاص وأنها كلها مشتركة في المتن مختلفة الأسانيد وسلكت طائفة أخرى.","vol":"2","page":361},{"text":"قال القاضي وهي الأولى وهي أنا قد علمنا قطعا وانتشار أحتجاج السلف في الحث على موافقة الأمة واتباعها والزجر عن مخالفاتها بهذه الأخبار التي ذكرناها قال القاضي وما أبدع مبدع في العصر الخالية بدعة إلا وبخه علماء عصره على ترك الأتباع وإثار الإبتداع.\nواحتجوا عليه بالألفاظ التي قدمناها وهذا مالا سبيل إلى جحده وقد تحقق ذلك في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم ولم يظهر أحد قبل النظام مطعنا في الأحاديث فلولا أنهم علموا قطعا صدق الرواة لوجب في مستقر العادة أن يبدوا ضربا من المطاعن في الأخبار.\nهذا كلام القاضي ولقائل ان يقول أما أن السلف كانوا يوبخون على ترك الاتباع وإيثار الابتداع فمسلم وإما أنهم كانوا يحتجون على ذلك بالألفاظ المتقدمة فغير مسلم ولم تكن هذه الطريقة سالمة عن الإعتراض.\nوقال الإمام لم يقل أحد أن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني بل منهم من نفى كونه دليلا بالأصالة ومنهم من جعله قاطعا وأما إمام الحرمين فقد أعترف بأنه ليس في السمعيات قاطع على أن الإجماع الاتباع وسلك طريقا آخر عقليا فقال القاطع على أنه حجة قاطعة أنا نقول للإجماع فيه صورتان نذكرهما ونذكر السبيل المرضي في اثبات الإجماع في كل واحدة منهما.\nإحداهما: أن يصادف علماء العصر على توافرهم في أطراف الخطة وأوساطها مجمعون على حكم مظنون والرأي فيه مضطر فيعلم والحالة هذه أن اتفاقهم إن وقع فلا يحمل على وفاق اعتقادهم وجريانها على منهاج واحد فإن ذلك مع تطرق وجوه الإمكان واطراد الاعتياد مستحيل بل يستحيل اجتماع العقلاء على مقطوع به في أساليب العقول إذا كان لا يتطرق إليه إلا بانضمام نظر وسبر فكر وذلك لاختلاف الناظرين في نظرهم.\nفإذا كان حكم العادة هذا في النظري القطعي في الظن بالنظري الظني الذي لا يفرض فيه قطع فإذا تقرر أن اطراد الاعتياد يحيل اجتماعهم على قول الظن فإذا الفيناهم قاطعين بالحكم لا يرجعون فيه رأيا ولا يرددون قولا فيعلم","vol":"2","page":362},{"text":"قطعا أنهم أسندوا الحكم إلى شيء سمعي قطعي عندهم ثم لا يبعد سقوط النقل فيه.\nوالصورة الثانية: إذا أجمعوا على حكم واسندوه إلى الظن وصرحوا به فهذا أيضا حجة قاطعة والدليل عليه أنا وجدنا العصبة الماضين والأئمة المنقرضين متفقين على تبكيت من يخالف إجماع علماء الدهر فلم يزالوا ينسبون المخالف إلى الممروق والمحاداة والعقوق ولا يعدون ذلك أمرا هينا بل يرون الاستجواء على مخالفة العلماء ضلالا بينا.\nوإجماعم هذا مع الإنصاف كالقطع في محل الظن عند نظر العقل فإذا التحق هذا بإجماعهم قطعا في حكم مظنون قطع به المجتمعون من غير ترديد ظن فليكن الإجماع على تبكيت المخالف وتعنيفه مستند قاطع ولا يبعد أن يكون ذلك بعض الأخبار التي ذكرناها من تلقاها من رسول الله ﷺ بقرائن الأحوال قصد النبي ﷺ في انتصاب الإجماع حجة ثم عملوا ذلك وعملوا به واستجروا على القطع بموجبه ولم يهتموا بنقل سبب قطعهم فقد تقرر انتصاب الإجماع دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا هذا كلام إمام الحرمين.\nوحاصله أن يقول انفاق الجمع العظيم على الحكم الواحد يستحيل ان لا يكون لدلالة وأمارة فإن كان لدلالة كان الإجماع كاشفا عن ذلك الدليل وحينئذ يجب اتباع الاجماع لأن مخالفته تكون مخالفة لذلك الدليل وإن كان لأمارة فقد رأينا الأولين قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع فلولا اطلاعهم على قاطع يمنع من مخالفة هذا الإجماع لاستحال اتفاقهم على المنع من مخالفته.\nقال الإمام وهذه الدلالة ضعيفة جدا لاحتمال أن يقال أنهم اتفقوا على الحكم لا لدلالة ولا امارة بل الشبهة وكم من المبطلين مع كثرتهم وتفرقهم شرقا وغربا قد اتفقت كلمتهم لأجل الشبهة سلمنا الحصر فلم يجوز أن يكون لإمارة تفيد الظن قوله رأينا السلف مجمعين على المنع من مخالفة هذا الإجماع.\nقلنا لا نسلم اتفاق السلف على ذلك سلمناه لكنك لما جاوزت حصول الإجماع لأجل الامارة فلعلهم أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع للصادر عن","vol":"2","page":363},{"text":"الامارة لامارة أخرى فإن قلت إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الإمارة وقد تعصبوا في هذا الإجماع فدل على أن هذا الإجماع لم يكن عن إمارة.\nقلت: إذا سلمت أنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن إمارة فقد بطل قولك إنهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع هذا اعتراض الإمام وهو واضح والنظر فيه يطول والذي يظهر لي وهو معتمدي فيما بينى وبين الله أن الظنون الناشئة عن الإمارات المزدحمة إذا تعاضدت مع كثرتها تؤدي إلى القطع وأن على الإجماع آيات كثيرة من الكتاب وأحاديث عديدة من السنة وإمارات قوية من المعقول انتج المجموع من ذلك ان الأمة لا تجمع على خطأ وحصل القطع به من المجموع لا واحد بعينه.\nقال: والشيعة عولوا عليه لاشتماله على قول الإمام المعصوم.\nتقدم أن الشيعة أنكروا كون الإجماع الذي هو اتفاق المجتهدين من الأمة حجة واعلم أنهم مع ذلك عولوا عليه واحتجوا به ولكن لا لكونه قول المجتهدين من الأمة وإلا لتناقض قولهم بل لكونه مشتملا على قول الإمام المعصوم إذ عندهم أن كل زمان لا يخلو عن إمام معصوم يجب نصبه وعلى التقدير فمتى اتفق المجتهدون فلا بد من موافقة الإمام لهم وإلا لم يوجد اتفاق أهل الحل والعقد.\nوإذا وجد اتفاق قول الإمام معهم كان حجة لا من حيث هو بل بواسطة قول الإمام المعصوم ولما كان مذهبهم في أن كل زمان لا يخلو عن إمام معصوم يجب نصبه ظاهر السخافة واضح الفساد والإشتغال يتبين بطلانه من وظائف علم الكلام لم يشتغل صاحب الكتاب برده.","vol":"2","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة والخلاف فيه</span>\n...\nقال: الثالثة: قال مالك: إجماع أهل المدينة حجة لقوله ﵊: \"إن المدينة لتنفي خبثها\" وهو ضعيف.\nذهب الأكثرون إلى أن البقاع لا تؤثر في كون الأقوال حجة وذهب مالك ابن أنس ﵀ إلى أن إجماع أهل المدينة حجة فمنهم من قال إنما أراد بذلك أصحاب رسول الله ﷺ وقال ابن الحاجب والصحابة والتابعين وقيل محمول على المنقولات المشتهرة كالأذان والإقامة دون غيرها وذهب إلى الحمل على هذا","vol":"2","page":364},{"text":"القرافي في شرح المنتخب وقرر الإمام مذهب مالك وقال ليس يستبعد كما أعتقده جمهور الأصول ولا ينبغي أن يخالف مالك في ذلك إن أراد به ترجيح روايتهم على رواية غيرهم وكانوا من الصحابة لأنهم شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل ولا ريب في أنهم أخبر بأحوال النبي ﷺ وهذا ضرب من الترجيح لا يدفع ولا ينبغي أن يظن ظان أن مالكا ﵁ يقول باجماع أهل المدينة لذاتها في كل زمان وإنما هي من زمان رسول الله ﷺ إلى زمان مالك لم تبرح دار العلم وأثار النبي ﷺ بها أكثر وأهلها بها أعرف إذا عرف هذا فقد استدل على حجية إجماع أهل المدينة بما صح وثبت من قوله ﷺ: \"إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها\" ١ والإستدلال بهذا كما ذكره المصنف ضعيف لأهل الحمل على الخطأ متعذر لأنا نشاهد صدور الخطأ من بعض سكانها وكونها من أشرف البقاع لا يوجب عصمة ساكنيها وإذا تقرر أنه لا أثر للبقاع علم أن إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين البصرة والكوفة غير حجة خلافا لمن زعم ذلك من الأصوليين قال القاضي في مختصر التقريب وإنما صاروا إلى ذلك لاعتقادهم تخصيص الاجماع بالصحابة وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج منها إلا الشذوذ منهم انتهى فلا يظن الظان أن القائل بذلك قال به في كل عصر.\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الحج باب \"إن المدينة تنفي خبثها \" ومسلم شرح النووي ٣/٥٣٠.كما رواه الترمذي عن جابر ﵁ تحفة الاحوذي ١٠/٤١٩.","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المسألة الرابعة: إجماع العترة</span>\n...\nقال: الرابعة: قالت: الشيعة إجماع العترة حجة لقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وهم على وفاطمة وابناءهما ﵃ لأنها لما نزلت لف ﵇ كساء وقال هؤلاء أهل بيتي ولقوله ﵇: \"إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به أن تضلوا كتاب الله وعترتي\".\nقالت الشيعة إجماع أهل البيت حجة وقالوا أيضا كما نقله الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع قول على وحده حجة واستدلوا على الأول بالكتاب والسنة والمعنى أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ","vol":"2","page":365},{"text":"أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١ فقد نفا عنهم الرجس والخطأ رجس فيكون منفيا عنهم وأهل البيت هم علي وفاطمة وابناؤهما الحسن والحسين ﵃ كأنهم كما روى الترمذي لما نزلت هذه الآية لف النبي ﷺ كساء وقال: \"هؤلاء أهل بيتي وخاصتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا\".\nوأما السنة فما روى الترمذي وأخرج مسلم في صحيحه معناه من قوله ﷺ: \"إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي\" ٢ وأما المعنى ولم يذكره المصنف فإن أهل البيت مهبط الوحي والنبي منهم وفيهم فالخطأ عليهم أبعد ولم يذكر المصنف الجواب عما استدلوا به والجواب عن الآية أنا وإن سلمنا انتفاء الرجس في الدنيا فلا نسلم أن الخطأ رجس ومنهم من أجاب بأن ظاهر الآية في أزواجه ﵈ لأن ما قبلها وما بعدها خطاب معهن لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ .\nقال الإمام ويجري هذا مجرى قول الواحد لابنه تعلم واطعني إنما أريد لك الخير ومعلوم أن هذا القول إنما يتناوله ابنه فكذلك ها منا.\nوهذا الجواب وإن اتضح المعنى واعتضد بما في المحصول والأحكام وغيرهما من كتب الأصول من أم سلمة قالت للنبي ﷺ الست من أهل البيت؟ فقال: \"بلى إن شاء الله\" فيبعده من جهة الخير ما في صحيح مسلم من أن أم سلمة قالت وقد لف ﷺ عليهم الكساء فانا معهم يا رسول الله قال: \"إنك إلى خير\" وفي الترمذي قال: \"أنت على مكانك وأنت إلى خير\" ومن المعنى أن الكاف والميم لا يكون إلا للمذكر.\nوالجواب: عن الحديث أنه من باب الأحاد ولا يجوز عندهم العمل بها في الفروع فضلا عن الأصول ولو كان قطعيا فإنما تقتضي وجوب التمسك بمجموع الكتاب والعترة لا بقول العترة وحدهم.\n_________\n١ سورة الأحزاب آية ٣٣.\n٢ رواه الإمام أحمد في مسنده عن بريدة بن حبان التميمي، كما رواه مسلم والترمذي، الفتح الكبير ١/٤٥.","vol":"2","page":366},{"text":"والجواب عن المعنى إنه باطل بزوجاته ﷺ فانهن شاهدن أكثر أحواله مع أن قولهن وحده غير حجة والله أعلم وقد يقال قدم المصنف ان الشيعة من منكري الإجماع ثم نقل عنهم أن اجماع العترة حجة ومن اعترف بشيء من الإجماع لا يقال أنكر أصل الإجماع.\nوالجواب: أن الإجماع المصطلح انكروه من أصله وما اعترفوا به ليس منه وان حصل وفاق بقية الأمة بل لأجل العترة فما قلناه لم يعترفوا بشيء منه وما قالوه لم نوافقهم عليه وقد سبقت الإشارة إلى هذا في قوله والشيعة عولوا عليه.","vol":"2","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسألة الخامسة: إجماع الخلفاء الأربعة</span>\n...\nقال الخامسة: قال القاضي أبو حازم اجماع الخلفاء الأربعة حجة لقوله ﵇ \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" وقيل اجماع الشيخين لقوله \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\"\nذهب القاضي أبو حازم في الحنفية بالحاء المعجمة وكذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين إلى أن اجماع الخلفاء الأربعة أبي بكر وعثمان وعلي حجة المسترك بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الترمذي والحاكم في المستدرك وقال على شرطهما من قوله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ\" ١ الحديث فإن قيل هذا عام في كل الخلفاء الراشدين قيل المراد الأربعة لقوله ﵊: \"الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا\" وكانت مده الأربعة هذه قيل والصحيح إن المكمل لهذه المدة الحسن بن علي وكانت مدة خلافته ستة أشهر بها تكملت الثلاثون ولكن الحسن ﵁ لم تتسع مهلته ولم تبرز أوامره ولا عرفت طريقته لقلة المدة.\nوذهب إلى بعضهم أن اجماع الشيخين وحدهما حجة لقوله ﵇: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\" ٢ رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والترمذي وقال حسن وذكره ابن حبان في صحيحه.\n_________\n١رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، كما رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n٢ رواه ابن ماجة والترمذي من رواية حذيفة كما صححه ابن حبان الفتح الكبير ١/٢١٥.","vol":"2","page":367},{"text":"وأجاب الإمام وغيره عن الخبرين بالمعارضة بقوله أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم وهو حديث ضعيف.\nوأجاب الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع بأن ابن عباس خالف جميع الصحابة في خمس مسائل انفرد بها وابن مسعود انفرد باربع مسائل ولم يحتج عليهم أحد بإجماع الاربعة.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المسألة السادسة: مايثبت به الإجماع وما لا يثبت</span>\n...\nقال السادسة: يستدل بالإجماع لما لا يتوقف عليه كوحدة الصانع وحدوث العالم لا كإثباته.\nالإجماع وإن كان حجة لكن لا يستدل به على جميع الأحكام بل على بعضها وهو ما لا يتوقف ثبوت حجية الإجماع على ثبوته سواء كان من الفروع أو الأصول أما يتوقف ثبوت الإجماع على ثبوته فلا يستدل بالإجماع عليه وإلا فيلزم الدور وقد مثل صاحب الكتاب الأول بحدوث العالم ووحدة الصانع أي ثبوت الإجماع لا يتوقف على هذين لجواز معرفة الإجماع قبل معرفة حدوث العالم ووحده الصانع.\nوقد قال الاسفرايني وغيره من الشراح ان المثال غير صحيح لأن كون الإجماع المصطلح حجة متوقف على وجود المجمعين الذين هم المجتهدون من الأمة المحمدية ولا يصير الشخص من هذه الأمة إلا بعد معرفة وحدة الصانع وحدوث العالم فوضح أن الإجماع متوقف على معرفة هذين ولك أن تمنع توقف حجية الإجماع على وجود المجمعين إذ هو حجة وإن لم يجمعوا.\nومثال الثاني وإليه الإشارة بقوله لا كاثباته اثبات الصانع واثبات كونه متكلما والنبوة فإن الإجماع يتوقف على ذلك إذ ثبوته بالكتاب والسنة صحة الاستدلال بها موقوفة على وجود الصانع وعلى كونه متكلما وعلى النبوة فلو اثبتنا وجود الصانع والنبوة بالإجماع لزم الدور لتوقف ثبوت المدلول على ثبوت الدليل.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187></span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>تعريف الإجماع</span>\n...\nالكتاب الثالث في الإجماع\nقال ﵀ في الكتاب الثالث في الاجماع وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور.\nالإجماع لغة العزم قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ وقال ﷺ: \"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل\" والاتفاق أيضا يقال أجمعوا على كذا أي صاروا ذا جمع كما يقال البن والتمر إذا صار ذا لبن وتمر وفي الاصلاح ما ذكره المصنف فقوله اتفاق حسن والمراد به الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل أو في الكل.\nوقوله أهل الحل والعقد والمراد به المجتهدين فصل يخرج منه من ليس كذلك كالعوام إذ لا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم ويخرج أيضا اتفاق بعض أهل الحل والعقد وقوله من أمة محمد ﷺ اختراز عن اتفاق المجتهدين من الأمم السالفة فإنه وان قيل بأن إجماعهم حجة كما هو أحد المذهبين للاصوليين واختيار الاسناد أبي اسحق كما حكاه عنه أبو اسحاق في شرح اللمع فليس الكلام إلا في الإجماع الذي هو دليل شرعي يجب العمل به الآن وذلك وان وجب العمل به فيما مضى لكن انتسخ حكمه منذ مبعث النبي ﷺ.\nوقوله على أمر من الأمور يشمل الأحكام الشرعية كحل النكاح وحرمة قتل النفس بغير حق واللغوية ككون إلقاء للتعقيب ولا نزاع في هذين ويشمل أيضا العقليات كحدث العالم وهو كذلك خلافا لامام الحرمين وخلافا للشيخ أبي اسحاق الشيرازي في كليات أصول الدين كحدث العالم واثبات النبوة لا","vol":"2","page":349},{"text":"جزئياته كجواز الرؤية فإنه وافق على أن الإجماع في مثلها حجة ويشمل الدنياويات أيضا كالآراء والحروب وتدبير أمور الرعية وفيه مذهبان المختار منها وجوب العمل فيه بالإجماع.\nوفي التعريف نظر من جهة اشعاره بعدم انعقاد الاجماع إلى يوم القيامة فإن أمة محمد ﷺ جملة من اتبعه إلا يوم القيامة ولم يقل بذلك أحد من المعترفين بالإجماع فكان ينبغي تقييده بعصر من الأعصار.\nومن جهة أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد فقوله اجماع وتعبير المصنف بالاتفاق ينبغي ذلك إذ حقيقة الاتفاق أن يكون من اثنين فصاعدا ولعل المصنف يختار أن ذلك ليس باجماع وهو مذهب مشهور منقدح لأن الأدلة إنما دلت على عصمة الامة فيما أجمعوا عليه فلا بد من صدق.","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الباب الثاني في أنواع الإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>المسألة الأولى إذا اختلفوا على قولين فهل لمن بعدهم إحداث ثالث</span>\n...\nالباب الثاني في أنواع الإجماع\nقال الباب الثاني في أنواع الإجماع وفيه مسائل\nالأولى إذا اختلفوا على قولين فهل لمن بعدهم احداث الثالث والحق أن الثالث ان لم يرفع مجمعا عليه جاز وإلا فلا مثاله قيل في الجد مع الأخ الميراث للجد وقيل لهما فلا سبيل إلى حرمانه.\nلك هنا مناقشتان.\nإحداهما: كان من جنس الوضع تأخير هذا الباب عن الذي بعده وهو الثالث في شرائط الإجماع.\nوالثانية: أن الإجماع شيء واحد ليس تحته أنواع لكنه أراد الأنواع ما لا يكون إجماعا عند طائفة دون الآخرين وهو إجماع بالإتفاق ثم عرض الفصل أنه اختلف أهل العصر في المسألة على قولين هل يجوز لمن بعدهم احداث قول ثالث وفيه ثلاثة مذاهب.\nالأول: المنع مطلقا وعليه الجمهور.\nوالثاني: الجواز مطلقا وعليه طائفة من الحنفية والشيعة وأهل الظاهر.\nوالثالث: وهو الحق عند المتأخرين وعليه الإمام وأتباعه الآمدي أن الثالث ان لزم رفع ما أجمعوا عليه لم يجز أحداثه والإجاز مثال الأمل إذا مات رجل وخلف جدا وأخوة ذهب بعض العلماء إلى الاشتراك وذهب الباقون إلى سقوط الأخوة بالجد فلو قال باسقاط الجد بالأخوة لم يجز لأنه رافع لأمر مجمع عليه مستفاد من القولين المتقدمين وهو أن الجد إما منفردا أو مشاركا للأخوة فإذا أسقطنا","vol":"2","page":369},{"text":"الجد فقد رفعنا أمرا مجمعا عليه وهذا المثال سبق المصنف بذكره الإمام والآمدي وغيرهما وهو صحيح.\nوإن صح ما نقله ابن حزم الظاهري من ذهاب بعضهم إلى انفراد الأخ بالمال لأن الإجماع وقع بعد ذلك على خلافة ومن أمثلته أيضا الجارية الثيب إذا وطئها المشتري ثم وجد عيبا قديما.\nقال بعضهم تمنع الرد وقال آخرون بالرد مع العقد فالقول بالرد مجانا ثالث كذا صوره الآمدي في الثيب وابن الحاجب في البكر فإن قلت كيف.\nقال الشافعي ﵁ ومالك والليث بالرد مجانا قلت لم يثبت تكلم جميع الصحابة في المسألة بل كان القولان ممن يتكلم فيها فقط ولو فرض كلام جميعهم فلا نسلم استقرار رأيهم على قولين\nوهذا الفرض على تقرير صحة اختلاف الصحابة بل قد روي عن زيد بن ثابت مثل قولنا ثم أن المنقول عن علي وعمر لم يصح.\nقال والدي ﵀ أيده الله وقد وقعت على أسانيد وردت في ذلك عنهما فرأيتها كلها ضعيفة وأمثلها الرواية عن علي وهي منقطعة لأنها من رواية علي بن الحسين وهو لم يدرك جده.\nومثال الثاني: وهو ما لم يرفع مجمعا عليه ولم يمثل له في الكتاب قيل يجوز فسخ النكاح بأحد العيوب الخمسة وقيل لا يجوز بشيء منها فالقول بالفسخ بالبعض دون بعض ليس رافعا لما أجمعوا عليه بل هو موافق لكل من القولين في بعض مقالته ومثاله أيضا قيل يحل أكل متروك التسمية سهوا وعمدا وقيل لا يحل لا سهوا ولا عمدا فالقول بالحل في السهو دون العمد جائز.\nقال قيل: اتفقوا على عدم الثالث قلنا كان مشروطا بعدمه فزال بزواله قيل وارد على الوحداني قلنا لم يعتبر فيه إجماعا.\nاحتج الجمهور وهم المانعون مطلقا بوجهين.\nأحدهما: أن اختلافهم على قولين إجماعا على أنه يجب الأخذ بأحدهما ولا يجوز العدول عنهما وتجويز القول الثالث مبطل فكان مبطلا للإجماع وذلك باطل.","vol":"2","page":370},{"text":"والجواب الأخذ بأحد القولين وعدم جواز غيرهما مشروط بعدم حدوث ثالث فإذا حدث ثالث انتفى شرط الإتفاق على وجوب هذا الأخذ بأحد القولين وامتناع الثالث.\nوأعترض الخصم على هذا الجواب بأنه وارد على الوحداني إذا الشبهة قائمة بعينها فيقال إنما اوجبوا التمسك بالإجماع على القول الواحد بشرط أن لا يظهر الثاني فإذا ظهر فقد زال شرطه فيجوز القول بخلافه.\nواجيب عنه بأن الإحتمال وإن كان قائما في الإجماع على القول الواحد لكنهم منعوا فيه من إحداث ما يخالفه وجزموا بوجوب الأخذ به دائما بخلاف ما إذا إختلفوا على قولين فلم يعطلوا بنفي الإحتمال المذكور فليس لنا أن نحكم عليه بالتسوية وهنا كلامان.\nأحدهما: أن في صحة وقوع اشتراط عدم إحداث الثالث في الإجماع على أحد القولين نظرا ومن نقل ذلك.\nوالثاني: أنه مبني على أنه لا يجوز حدوث إجماع بعد اجماع سبق على خلافه وقد ذهب أبو عبد الله إلى أنه يجوز لكن لا يقع وقال الإمام أنه الاولى كما سيأتي.\nقال قيل اظهاره يستلزم تخطئة الأولين وأجيب بأن المحظور هو التخطئة في واحد وفيه نظر.\nوالوجه الثاني: أن الذهاب إلى الثالث إنما يجوز لو أمكن كونه حقا ولم يكن ذلك إلا أن يكون القولان باطلين ضرورة أن الحق واحد.\nوحينئذ يلزم إجماع الأمة على الخطأ.\nوأجيب بأن المحظور وهو تخطئة الأمة في حكم واحد أجمعوا عليه كثبوت حظ الجد مثلا في الميراث.\nأما تخطئة كل فريق في حكم فلا محذور فيه.\nقال صاحب الكتاب وفيه نظر ووجهه أنه إذا أخطأت كل الأمة في","vol":"2","page":371},{"text":"شيئين كل شطر في شيء دخل تحت عموم قوله لا تجتمع امتي على خطأ ومن خطأ كل فريق في قوله فقد خطأ كل الأمة وهذا النظر له أصل مختلف فيه وهو أنه هل يجوز إنقسام الأمة إلى شطرين كل شطر مخطيء في مسألة.\nوالأكثر على أنه يجوز.\nواختار الآمدي خلافه وأعلم أن الجواب من أصله لم يذكره الإمام بل قال هذا الإشكال غير الوارد على القول بأن كل مجتهد مصيب فإنه لا يلزم من حقية أحد الأقسام فساد الباقي سلمنا لكن لا يلزم الذهاب إلى القول الثالث كونه حقا لأن المجتهد يعمل بما أداه إليه اجتهاده وإن كان خطأ في نفس الأمر ولك أن تقول على هذا إذا كان الذهاب إلى الثالث يستلزم الخطيئة وإنها ممتنعة فقد علم أن الذهاب إلى الثالث خطأ فلا يذهب إليه.","vol":"2","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المسألة الثانية: إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم الفصل</span>\n...\nقال الثانية: إذ لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم التفصيل والحق والحق أن نصوا بعدم الفرق أو اتحاد الجامع كتوريث العمة والخالة لم يجز لأنه رفع مجمع عليه وإلا جاز ولا يجب على من ساعد مجتهدا في حكم مساعدته في جميع الأحكام.\nلعلك تقول ما الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها مع أن القول بالتفصيل إحداث لقول ثالث ويعتضد بأن الآمدي لم يفرد هذه المسألة بالذكر بل ذكرها في ضمن تلك.\nوحاصل ما ذكره القرافي في الفرق أن هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان محل الحكم متعددا والأولى مخصوصة بما إذا كان محمله متحدا ان أهل العصر لم يفصلوا بين مسألتين بأن ذهب بعضهم إلى الحل فيهما والآخرون إلى التحريم فيهما وأراد من بعدهم الفصل فهذا يقع على أوجه.\nأحدهما: أن ينصوا على عدم الفرق بأن يقولوا لا فصل بين هاتين المسألتين في كل الأحكام أو في الحكم الفلاني فإنه يجوز الفصل بينهما وكلام الكتاب يوهم أن الخلاف جار فيه وصرح فيه الجار بردي وهو صحيح وإن أنكره طوائف من شارحي الكتاب.","vol":"2","page":372},{"text":"فقد حكاه القاضي أبو بكر في مختصر التقريب والإرشاد.\nقال واحتج قائله بإن الاجماع على منع التفرقة ليس باجماع على حكم من الأحكام فلا معول عليه لكنه كما قال القاضي غلط ومراغمة لما قاله الأمة صريحا.\nوقوله ليس من الأحكام باطل لأنهم إذا أجمعوا على منع الفصل فقد أجمعوا على منع التحريم في إحداهما مع التحليل في الأخرى أو بالعكس.\nوهذا تعرض لحكم نفيا وإثباتا.\nوالثاني: أن لا ينصوا على ما ذكرنا بل يعلم اتحاد الجامع بين المسألتين لذلك جار مجرى النص على عدم الفرق مثاله من ورث العمة ورث الخالة ومن منع إحداهما منع الأخرى.\nوإنما جمعوا بينهما من حيث أنه انتظمهما حكم ذي الارحام قال الإمام فهذا ومما لا يسوغ خلافهم فيه بتفريق ما جمعوا بينهما إلا أن هذا الإجماع متأخر عن سائر الإجماعات في القوة وذهب بعض الناس إلى خلاف فيه.\nوالثالث: وإليه الإشارة بقوله وإلا جاز ان لا يكون كذلك فقيل لا يجوز الفرق والحق جوازه وقوله وألا يجب إشارة إلى الدليل عليه أي لو لم يجز لكان الدليل هو أنه وافقه في مسألة ويلزم على ذلك أن من وافق مجتهدا في مسألة لدليل أن يوافقه في كل المسائل وهو باطل ويلزم منه سد باب الإجتهاد.\nفائدة: ظاهر كلام الإمام والمصنف أن نحو قول بعضهم لا يقتل المسلم بالذمي ولا يصح بيع الغائب وقول بعضهم يقتل ويصح جريان خلاف في أنه هل يجوز الفصل فيقال يقتل المسلم بالذمي ولا يصح بيع الغائب أو العكس وبه يشعر إيراد القاضي في مختصر التقريب.\nوصرح الآمدي بنفي الخلاف في ذلك وما اقتضاه كلام الإمام غير بعيد لأن التفصيل فيه يؤدي إلى تخطئة كل الأمة إذ يلزم خطأ شطرهم في جواز قتل المسلم بالذمي وخطأ الشطر الآخر في منع الغائب.","vol":"2","page":373},{"text":"وقد تقدم أن الأكثرين منعوا إنقسام الأمة إلى فرقتين كل فرقة خاطئة في مسألة وقد يقال لا يلزم من الذهاب إلى التفصيل كونه حقا في نفس الأمر بل يكفي أن يكون في ظن المجتهد كذلك وقد سبق هذا.\nقال: قيل أجمعوا على الاتحاد قلنا عين الدعوى قيل قال الثوري الجماع ناسيا يفطر الصائم والأكل لا قلنا ليس بدليل.\nاحتج من منع الفصل مطلقا بأن الأمة إذا قال نصفها بالحرمة في المسألتين وقال النصف الآخر بالحل فيهما فقد اتفقوا على اتحاد الحكم في المسألتين وأنه لا فصل بينهما فيكون الفصل ردا للإجماع.\nوجوابه أنه إن عنى بقوله اتفقوا على أنه لا فصل بينهما أنهم نصوا على استوائهما في الحكم وهما مستويان في علة الحكم فليس كذلك لأن النزاع ليس في هذا وان أراد أن ذلك لازمه فليس كذلك لأنه لا يلزم من عدم التعرض لتحريم التفصيل الحكم بتحريمه واتحاد الحكم وهذا عين الدعوى وأول المسألة واحتج من أجاز الفصل مطلقا بأنه وقع الا ترى إلى ذهاب بعض العلماء إلى أن الجماع ناسيا يفطر والأكل ناسيا لا يفطر.\nوقال بعضهم لا يفطر واحد منهما ثم فرق سفيان الثوري ﵁ فقال الجماع ناسيا يفطر والأكل لا لبعد النسيان في الجماع دون الأكل وأضرب الإمام عن الجواب عن هذا لوضوحه وأجاب المصنف بأن قول الثوري ليس حجة علينا وقد يجاب أيضا بانهم ينصون في هذه الصورة على عدم الفرق أو اتحاد الجامع وبأن فتيا الثوري بتلك لعلها قبل إستقرار المجمعين على القولين المطلقين.","vol":"2","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المسألة الثالثة: يجوز الاتفاق على الحكم بعد الاختلاف</span>\n...\nقال: الثالثة يجوز الاتفاق بعد الاختلاف خلافا للصيرفي لنا الإجماع على الخلافة بعد الاختلاف وله ما سبق.\nللمسألة تشعب في النظر وشفا الغليل فيها أن يقال هل يجوز أن يجمع على شيء سبق خلافه وذلك على حالتين.\nالأولى: ولا تعرض لها في الكتاب أنه هل يجوز انعقاد الإجماع بعد إجماع على خلافه ذهب الأكثرون إلى المنع وذهب أبو عبد الله البصري إلى الجواز قال الإمام","vol":"2","page":374},{"text":"وهو الأولى لأنه لا إمتناع في إجماع الأمة على قول بشر أن لا يطرأ عليه إجماع آخر ولكن إتفق أهل الإجماع على أن كل أجمعوا عليه فإنه يجب العمل به في كل الأعصار أمنا من وقوع هذا الجائز.\nالثانية: ان يختلف أهل العصر على قولين في مسألة ثم يقع الإجماع على أحدهما فللخلاف حالتان.\nإحداهما: أن يستقروا ولم يتعرض لها الآمدي في الأحكام فالجمهور على جواز وقوع الإجماع بعده وخالف أبو بكر الصيرفي كما اقتضاه إطلاق الإمام وشيعته.\nوالثانية: ان يستقر ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة وفيه مسألتان.\nإحداهما: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف الإتفاق على أحد القولين والمنع من المصير إلى القول الآخر فيه خلاف ينبني على اشتراط إنقراض العصر في الإجماع فإن إشترطنا جاز بلا نظر وإلا ففيه مذاهب.\nأحدهما: وهو إختيار الإمام أنه لا يجوز مطلقا.\nوالثاني: وهو اختيار الآمدي عكسه.\nوالثالث: يجوز إن كان مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والإجتهاد لا دليل قاطع.\nالمسألة الثانية: إذا اختلفوا على قولين ومضوا على ذلك فهل يتصور انعقاد إجماع العصر الثاني بعدم على أحدهما حتى يمتنع المصير إلى القول الآخر ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري وأحمد بن حنبل والصيرفي وإمام الحرمين والغزالي إلى امتناعه واختاره الآمدي.\nوذهب الجمهور إلى الجواز وتبعهم ابن الحاجب إذا عرفت فاستدلال المصنف على جواز وقوع الإجماع بعد الاختلاف باتفاق الصحابة على إمامة أبي بكر بعد اختلافهم فيها وهو دليل على المسألة الأولى ومثله الاستدلال بأجمعهم","vol":"2","page":375},{"text":"على دفنه ﷺ في بيت عائشة بعد خلافهم ولك أن تمنع أن كلا منهما كان جازما بمقالته ونقول إنما كان إختلافهم على سبيل المشورة ولم يستقر لأحد منهم الجزم بشيء.\nواستدل للمسألة الثانية باتفاق التابعين على المنع من بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة.\nقوله وله ما سبق أي وللصيرفي ما سبق في منع أحداث قول ثالث وتقريره أن إختلافهم إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان.\nفلو انعقد الإجماع لامتنع الأخذ بما أجمعوا على جواز الأخذ به فلزم رفع الإجماع بالإجماع.\nوجوابه ما سبق أنهم إنما جوزوا بشرط أن لا يحصل إجماع والله أعلم.\nوأنت إذا إنتهى بك التفهم فيما أوردناه إلى هنا علمت أن المسألة في كلام صاحب الكتاب غير مختصة بما إذا أجمع أهل ذلك العصر الذي اجمعوا بعينهم بل هي أعم من المسألتين ولم تغتر بتخصيص بعض الشارحين لها بالمسألة الأولى مغترا باقتصار المصنف من الدليل على مثال وقع الإجماع في صورته بعد الاختلاف ممن حصل منهم الاختلاف.","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>المسألة الرابعة: الاتفاق على قولين من اثنين إجمماع</span>\n...\nقال: الرابعة الاتفاق على أحد قولي الأولين كالاتفاق على حرمة بيع أم الولد والمتعة إجماع خلافا لبعض المتكلمين والفقهاء لنا سبيل المؤمنين قيل فإن تنازعتم أوجب الرد إلى الله قلنا زال الشرط قيل أصحابي كالنجوم قلنا الخطاب مع العوام الذين عصرهم قيل اختلافهم إجماع على التخبير قلنا زال لزوال شرطه.\nمضى الكلام في تصور وقوع الإجماع بعد الإختلاف والنظر الآن في أنه إذا هل يكون حجة ولوقوعه حالتان:\nإحداهما: أن يقع من أهل العصر الثاني الإجماع على إحدى مقالتي أهل العصر الأول كوقوع الإجماع عل منع بيع أم الولد من البائعين بعد اختلاف","vol":"2","page":376},{"text":"الصحابة فيها وعلى أن نكاح المتعة باطل مع أن ابن عباس ﵁ كان يفتي بالجواز قال بعض الشارحين وفي المثالين نظرا أما الأول فلمخالفة بعض الشيعة وكونه قولا للشافعي ولك أن تقول أما مخالفة بعض الشيعة فلا اعتداد بها وأما كونه قولا للشافعي فليس كذلك إذ لم ينص على ذلك لا في القديم ولا في الجديد وإنما قيل إن في كلامه ميلا إليه.\nوذهب معظم الأصحاب إلى أن هذا إختلاق قول قال وأما الثاني فلبقاء المخالفة فيه من ذفر ولك أن تقول إن صح عنه فلا اعتداد بخلافه بعد قيام الإجماع قبله وبعد أن قاس على خلافه وفي شرح الجاربردي أن مراد المصنف بالمتعة التمتع شرحه بأن عثمان كان ينهى عنه ثم صار إجماعا أنه جائز إذا عرفت ذلك فهذه الحالة هي مسألة الكتاب والذي عليه المصنف تبعا للإمام والجمهور أنه إجماع تقوم به الحجة وتحرم مخالفته.\nوذهب كثير من الشافعية ومن المتكلمين والحنفية إلى خلافه لنا إذ ما أجمع عليه أهل العصر الثاني سبيل المؤمنين فيجب أتباعه لقوله تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين احتجوا بثلاثة أوجه.\nأحدها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١أوجب الرد إلى كتاب الله والرسول عند التنازع فيجب أن يرد إليهما دون الإجماع وأجيب بوجهين.\nأحدهما: وهو المذكور في الكتاب أن وجوب الرد مشروط بالتنازع والتنازع قد زال بخصوص الإجماع فزال وجوب الرد لزوال شرطه وهو النزاع ولك أن تقول لاخفاء في وجود النزاع قبل حصول الإجماع فكان يجب رده ولا يجوز الإجماع.\nالثاني: وهو حسن الرد أن الإجماع رد إلى الله والرسول ﷺ.\nوثانيها: ما روي من قوله ﷺ: \"أصحابي كالنجوم بأيهم إقتديتم إهتديتم\" جوز\n_________\n١ سورة النساء آية ٥٩.","vol":"2","page":377},{"text":"الأخذ بقول كل منهم ولم يفصل بين ما يكون بعده إجماع أو لا فلو وجب الأخذ بقول أهل الإجماع للزم التخصيص وأعلم أن هذا الحديث رواه ابن منده أن أبا الإمام أبا عبد الله محمد بن إسحاق بن منده أن أبا الحسين عمر بن الحسن بن علي حدثنا عبد الله بن روح المدايني حدثنا سلام بن سليمان حدثنا الحارث بن عصين عن الأعمش عن ابن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:\nقال رسول الله ﷺ: \"مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" وروى نعيم بن حماد الخزاعي عن عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن سعيد ابن المسيب عن عمر مرفوعا سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فاوحى إلي يا محمد أن أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض فمن أخذ بشيء مما هم عليه على اختلافهم عندي على هدى.\nوهذا حديث قال فيه أحمد لا يصح ثم أنه منقطع قال ابن المسيب لم يسمع من عمر شيئا.\nوأجاب بأن الخطأ ليس لجميع الصحابة ولا للمجتهدين منهم إذ ليس إتباع واحد منهم للآخر أولى من العكس فتعين أن يكون الخطاب مشافهة للعوام الذين في عصر الصحابة وإذا كان كذلك وقد انفرضوا فعوام العصر الثاني وخواصهم غير مخاطبين بهذا الحديث ولم يذكر الإمام هذا الجواب بل أجاب بتخصيص الحديث بتوقف الصحابة في الحكم حال الاستغلال مع عدم جواز الاقتداء في ذلك بعد انعقاد الاجماع فوجب تخصيص الإجماع عنه والجامع بينهما تصحيح الاجماع المنعقد أخيرا ولك أن تقول على جواب المصنف خطاب المشافهة يعم كل العوام وإلا لزم أن يكونوا كذا يكون مخاطبين وليس كذلك على جواب الإمام أنه إذا خص من العموم صورة لا يلزم تخصيص غيرها وهذا ذكره القرافي.\nوقد يقول من ينصر الإمام إذا خصت صورة لمعنى وجد في صورة أخرى قيست على المخصوصة وأخرجت من العموم ويفرق من يعضد القرافي لأن","vol":"2","page":378},{"text":"الاقتداء بهم في التوقف مخل بمقصود التكليف فلذلك امتنع بخلاف الاقتداء بهم في القول الآخر.\nوثالثها: وإليه الإشارة بقوله إجماع على التخيير أن في ضمن اختلاف أهل العصر الأول الاتفاق على جواز الأخذ بايهما أريد فلو انعقد الإجماع الثاني لتدافع الاجماعان وأجاب بأن إجماعهم على التخيير بين القولين مشروط بأن لا يحدث إجماع فلما زال الشرط بحصول الإجماع زال المشروط وهو التخيير.\nالحالة الثانية: وليست في الكتاب أن يختلف أهل العصر ثم يقع الرجوع منهم بأعيانهم فقيل ليس بحجة وقيل حجة يحرم مخالفته وهو مختار الإمام ولقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وعليك باعتبار الأجوبة المتقدمة وأجوبتها هنا.","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>المسألة الخامسة: إذا اختلفوا فماتت إحدى الطائفتين يصير قول الباقين حجة</span>\n...\nوقال الخامسة: إن اختلفت الأمة على قولين فماتت إحدى الطائفتين يصير قول الباقين حجة لأنهم محل الأمة.\nإذا اختلفت الأمة على قولين ثم ماتت إحدى الطائفتين أو كفرت قال الإمام وأتباعه يصير القول الآخر مجمعا عليه لأنه عند الموت أو الكفر بتبين باندراج قول تلك الطائفة الأخرى تحت أدلة الإجماع لصيرورتهم حينئذ كل الأمة وإنما قلت عند الموت ولم أقل بالموت لسؤال يرد فيقال يلزم أن يكون قول الباقين حجة لأجل موت أولئك وليس موتهم مناسبا لكون قول الباقين حجة وجوابه أن قولهم صار حجة عند الموت لأنه إذ ذاك قول كل المؤمنين لا بالموت.\nوقال الآمدي: إنه لا يكون إجماعا ذكره في آخر المسألة الثانية والعشرين.","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>الإجماع السكوتي والمذاهب فيه</span>\n...\nقال السادسة: إذا قال البعض وسكت الباقون فليس بإجماع ولا حجة وقال أبو علي إجماع بعدهم وقال إنه هو حجة لنا ربما سكت لتوقف او خوف أو تصويب كل مجتهد قيل يتمسك بالقول المنتشر ما لم يعرف له مخالفا وجوابه المنع وأنه إثبات الشيء بنفسه.\nإذا قال بعض المجتهدين قولا في المسائل التكليفية الاجتهادية وعرفه الباقون وسكتوا عن الإنكار فإن ظهرت عليهم أمارات الرضا بما ذهبوا إليه فهو إجماع بلا خلاف.","vol":"2","page":379},{"text":"قال القاضي عبد الوهاب من المالكية والقاضي الروياني من أصحابنا وقضية ذلك أنه إن ظهرت عليهم أمارات السخط لا يكون إجماعا بلا نزاع وكلام الإمام كالصريح في أن الخلاف جار وإن ظهرت أمارات السخط فإنه قال السكوت يحتمل وجوها سوى الرضا وعد منها أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول قال وقد يظهر عليه قرائن السخط وإلا شبه أن هذا ليس من محل الخلاف وإن لم يظهر عليهم شيء سوى السكوت ففيه مذاهب.\nأحدها: أنه ليس باجماع ولا حجة وبه قال الغزالي والامام وأتباعه ونقله هو والآمدي عن الشافعي لكن قال الرافعي المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتي حجة لأنهم لو لم يساعدوه لاعترضوا عليه وهل هو إجماع أو لا فيه وجهان وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع أنه إجماع على المذهب.\nوالثاني: أنه إجماع بعد انقراض العصر وبه قال أبو علي الجبائي والإمام أحمد وهو أحد الوجهين عندما نقله الرافعي.\nالثالث: أنه حجة وليس إجماعا وذهب إليه أبو هاشم بن أبي علي وهو المشهور عند أصحابنا كما نقله الرافعي وهل المراد بذلك أنه دليل آخر من أدلة الشرع غير الإجماع أو أنه ليس إجماع قطعي بل ظني النظر مضطرب في ذلك ويؤيد الأول قول الماوردي والقول والثاني أنه لا يكون إجماعا قال الشافعي من نسب إلى ساكت قولا فقد كذب عليه فاقتضى أن الساكت لا ينسب إليه قول لا ظنا ولا قطعا ويعضد الثاني قول أبي عمرو بن الحاجب في المختصر الكبير هو حجة وليس بإجماع قطعي.\nوالرابع: ذهب إليه أبو علي بن أبي هريرة إن كان هذا القول من حاكم لم يكن إجماعا ولا حجة وإلا فإجماع لأن الاعتراض على الحاكم ليس من الأدب فلعل السكوت ﷺ لذلك وأيضا فالحكم في المختلف فيه لا ينكر ويصير مجمعا عليه بخلاف الفتيا.\nوالخامس: عكس ذلك لأن الحكم إنما يصدر بعد بحث واتقان بعد الكلام مع العلماء وتصويبهم لذلك فإذا سكتوا عن الحكم جعل ذلك إجماعا وأما الفتيا","vol":"2","page":380},{"text":"فلا يحتاط فيها كالحكم وذهب إلى هذا أبو إسحاق المروزي ثم استدل صاحب الكتاب على ما ذهب إليه هو وإمامه من أنه ليس بإجماع ولا حجة بأن السكوت يحتمل وجودها سوى الرضا وهي كثيرة.\nأحدها: أنه كان في مهلة النظر.\nالثاني: أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول وهو الخوف.\nوالثالث: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب فلا يرى الإنكار فرضا وقد ذكر هذه الأوجه في الكتاب.\nوالرابع: ربما رآه قولا شائعا لمن أداه إليه اجتهاده وإن لم يكن موافقا عليه\nالخامس: ربما أراد الإنكار ولكنه ينتهز فرصة التمكن منه ولا يرى المبادرة اليه مصلحة.\nوالسادس: أنه لو أنكر لم يلتفت إليه.\nوالسابع: ربما سكت لظنه أن غيره قام مقامه في ذلك وإن كان قد غلط فيه.\nوالثامن: ربما رأى ذلك الخطأ من الصغائر فلم ينكر وإن احتمل السكوت هذه الجهات كما احتمل الرضا علمنا أنه لا يدل على الرضا لا قطعا ولا ظنا هذا وهذا معنى قول الشافعي لا ينسب إلى ساكت قول ولقائل أن يقول ما انها لا تدل على الرضا قطعا فمسلم وأما ظاهر فممنوع أن هذه الاحتمالات مرجوحة بالنسبة إلى احتمال الرضا وذلك ما هو ظاهر الفساد كالثامن فإن الصغيرة يجب إنكارها كما يجب انكار الكبيرة قال القرافي وقد اختلف الناس في المندوبات والمكروهات هل يدخلها الأمر والإنكار أم لا وأما الواجبات والمحرمات صغائر كانت أم كبائر فيدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إجماعا واحتج أبو هاشم بما ذكره في الكتاب من أن الناس في كل عصر يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يعرف له مخالف وجوابه أن ذلك ممنوع ولو سلم فالاستدلال به إنما يتم أن لو كان الإجماع السكوتي حجة إذ هو عينه فلو شئتم الإجماع به لأثبتم الشيء بنفسه.","vol":"2","page":381},{"text":"وفي عبارة المصنف كما قال الجاربردي تساهل لأنه إثبات للشيء بفرد من أفراده لا بنفسه ولم يذكر المصنف حجة أبي علي والرد عليها لأنه إذا بطل كونه حجة بطل كونه إجماعا وهذا من حسن الاختصار ﵀.\nقال: فرع قول البعض فيما تعم به البلوني كقول البعض وسكوت الباقين.\nهذه المسألة فيما إذا قال بعض أهل العصر قولا ولم يعلم له مخالف ولا أنه بلغ جميع أهل العصر وليست مختصة بعصر الصحابة على خلاف ما صوره الإمام وتلك المسألة فيما إذا نقل أنه بلغ جميعهم وسكتوا عليه.\nوفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب.\nأحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة لأن الإجماع السكوتي إنما كان حجة إجماعا لأن بعضهم قال الحكم وسكت الباقون مع العلم به فلو كان ذلك الحكم خطأ لحرم عليهم السكوت عن الإبتكار فالسكوت دليل الرضا وهذا لا يمكن حمل السكوت على الرضا لاحتمال أن يكون ذلك لعدم العلم به.\nوثانيها: أنه كالسكوتي حتى يجري فيه الخلاف المتقدم لأنه الظاهر مع الاشتهار وصوله إليهم.\nوثالثها: وهو الحق عند الإمام وأتباعه وبه جزم منهم المصنف أن هذا القول إن كان فيما يعم البلوى كنقض الوضوء بمس الذكر كان كالسكوت إذ لا بد لمن انتشر فيهم من قول لكنه لم يظهر وإلا لم يكن إجماعا ولا حجة لاحتمال ذهول البعض عنه.\nواعلم أن الآمدي صور المسألة بما إذا ذهب واحد من أهل العصر إلى حكم ولم ينتشر بين أهل العصر لكنه لم يعرف له مخالف وتبعه ابن الحاجب في شرطه عدم الانتشار وظاهر كلام الإمام وصرح به صفي الدين الهندي وتصوبه المسألة بما إذا انتشر.\nواعلم أنه لا مخالفة بين الكلامين فإن الانتشار في كلام الآمدي محمول على الشهرة وإن لم يعلم أنه بلغ الجميع والانتشار المنفي في كلام الآمدي هو الانتشار بحيث يبلغ الجميع وسكتوا عنه.","vol":"2","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>الباب الثالث في شرائطه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المسألة الأولى: لابد فيه من قول كل عالمي ذلك الفن</span>\n...\nالباب الثالث في شرائطه\nقال: الباب الثالث في شرائطه وفيه مسائل:\nالأولى: أن يكون فيه قول كل عالمي ذلك الفن فإن قول غيرهم بلا دليل فيكون خطأ فلو خالف واحد لم يكن سبيل الكل.\nقال الخياط وابن جرير وأبو بكر الرازي المؤمنون يصدق على الأكثر قلنا مجاز قالوا عليكم بالسواد الأعظم.\nقلنا: يجب عدم الالتفات إلى مخالفة الثالث.\nيشترط في الإجماع في كل فن من الفنون أن يكون فيه قول كل العارفين بذلك الفن في ذلك العصر فإن قول غيرهم فيه يكون بلا دليل لجهلهم به فيكون خطأ فيشترط في الإجماع على المسألة الفقهية قول جميع الفقهاء والأصولية قول الأصوليين وهكذا ولا عبرة بقول العوام وفاقا ولا خلافا عند الأكثرين.\nوقال الأقلون يعتبر قولهم لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة وحينئذ لا يلزم من ثبوت العصمة للكل ثبوتها للبعض الآخر.\nوهذا ما اختاره الآمدي وهو مشهور عن القاضي نقله الإمام وغيره وينبغي أن يتمهل في هذه المسألة فإن الذي قاله القاضي في مختصر التقريب ما نصه الاعتبار في الاجماع بعلماء الأمة حتى لو خالف واحد من العوام ما عليه العلماء لم يكترث بخلافه وهذا ثابت اتفاقا وأطباقا إذ لو قلنا أن خلاف العوام يقدح","vol":"2","page":383},{"text":"في الإجماع مع أن قولهم ليس إلا عن جهل أفضى هذا إلى اعتبار خلاف من يعلم أنه قال عن غير أصل على أن الأمة اجتمعت علماؤها وعوامها أن خلاف العوام لا يعتبر به وقد مر على هذا الإجماع عصر فثبت بما قلناه أن لا يعتبر بخلاف العوام.\nفقد صرح القاضي بقيام الإجماع على عدم الاعتبار بخلاف العوام وقال في هذا الكتاب في الكلام على الخبر المرسل لا عبرة بقول العوام وفاقا ولا خلافا انتهى.\nفإن قلت فما هذا الخلاف المحكى من أن قول العام هل يعتبر في الإجماع.\nقلت: هو اختلاف في أن المجتهدين إذا أجمعوا هل يصدق اجمعت الأمة ويحكم بدخول العوام معهم تبعا وهو خلاف لفظي في الحقيقة وليس خلافا في أن مخالفتهم تقدح في قيام الإجماع وكلام القاضي في مختصر التقريب ناطق بذلك فإنه حكى هذا الخلاف بعد كلامه المتقدم فقال ما نصه فإن قال قائل فإذا أجمع علماء الأمة على حكم من الأحكام فهل يطلقون القول بأن الأمة مجمعة عليه.\nقلنا: من الأحكام ما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام نحو وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم وغيرها من أصول الشريعة فما هذا سبيله فيطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه.\nوأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تشذ عن العوام فقد اختلف أصحابنا في ذلك فقال بعضهم العوام يدخلون في حكم الإجماع وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام فقد عرفوا على الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة في تفاصيل الأحكام فهو حق مقطوع فهذا مساهمة منهم في الإجماع وإن لم يعلموا مواقعه على التفصيل ومن أصحابنا من زعم أنهم لا يكونون مساهمين في الإجماع فإنه إنما يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يستحق كونهم أهل الإجماع.\nواعلم أن هذا اختلاف يهون أمره ويؤول إلى عبارة مخصوصة والجملة فيه انا إذا أدرجنا للعوام في حكم الإجماع فيطلق القول بإجماع الأمة وإن لم","vol":"2","page":384},{"text":"ندرجهم بإجماع الأمة أو بدر من بعض طوائف العوام خلاف فلا يطلق القول بإجماع الأمة فإن العوام معظم الأمة وكثيرها بل اجمع علماء الأمة انتهى كلام القاضي.\nوكلام الغزالي في المستصغى لا ينافيه فليتأمل وليضبط ذلك فهو مكان حسن ولا ينبغي أن يعتقد أن مخالفة العوام تقادح وموافقهم تفتقر الحجة إليها وكيف ذلك وهم يقولون لا عن دليل فيكون قولهم خطأ.\nوالخطأ لا يفتقر قيام الحجة إليه وان سبب مسبب بما سلف من أن العصمة إنما تثبت لجموع الأمة قلت فماذا تقول في البله والأطفال أليس هم من الأمة وهذا إلزام لا محيص له عنه هذا في العوام وقد قلنا إن الخلاف فيهم لفظي ويمكن أن يقال ينبني عليه إذا لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد.\nفإن قلنا: إن العوام داخلون تبعا فهم داخلون معه فيكون إجماعا وإلا فلا يكون قوله اجماعا لما قدمناه في أول كتاب الإجماع من أن الإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعدا.\nوأما الأصولي الماهر المتصرف في الفقه فذهب القاضي إلى أن خلافه معتبر.\nقال الإمام وهو الحق وذهب معظم الأصوليين إلى خلافه لأنه ليس من المفتين ولو وقعت له واقعة للزمه أن يستفتي المفتي فيها واحتج القاضي بأنه من أهل التصرف في الشريعة يستضاء برأيه ويستهدي بنصحه ويحضر مجلس الأشوار وإذا كان كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر وإذا ظهر اعتبار في الخلاف انبنى عليه اعتباره في الوفاق واستبعد امام الحرمين مذهب القاضي وقال إذا أجمع المفتون وسكت المتصرفون فبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعتهم فإن الذين لا يستقلون بأنفسهم في جواب مسألة ويتعين عليهم تقليد غيرهم من المحال وجوب مراجعتهم وان فرض أنهم أبدوا وجها في التصرف فإن كان سالما فهو محمول على إرشادهم وتهديتهم إلى سواء السبيل.\nوإن أبدوا قولهم أبدى من يراع الإجماع فالإنكار يشتد عليهم.\nقال والقول المغني في ذلك إنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين من يقلد ومن يقلد مرتبة ثالثة.","vol":"2","page":385},{"text":"ثم قال والنظر السديد يتخطى كلام القاضي وعصره ويترقى المتقدم ويفضي إلى مدرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف ولتحقيق خالف القاضي إذا وافق أن المجتهدين إذا أطبقوا لم لخلاف يعد المتصرفين مذهبا محتفلا به فإن المذهب لأهل الفتوى فإن ثبت بأن المتصرف الذي ذكره من أهل الفتوى فالقول فيه يشرح في كتاب الفتوى.\nوالكلام الكافي في ذلك أنه إن كان مقتبسا اعتبر خلافه وأما المبتدع فإن كفرناه ببدعته فلا خلاف في أنه غير داخل في الإجماع لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه وعلى هذا فلو خالف هو في مسألة وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن بدعته فلا اثر لمخالفته لانعقاد إجماع جميع الأمة الإسلامية قبل إسلامه كما لو أسلم ثم خالف الأعلى رأي من يشترط في الإجماع انقراض المجمعين وإن لم نكفره فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه لكونه من أهل الحل والعقد ومن الداخلين في مفهوم لفظ الأمة.\nوقيل ينعقد دونه وقيل لا ينعقد عليه بل على غيره فيجوز له مخالفة إجماع من عداه ولا يجوز ذلك لغيره وفيه نظر فإنه إذا تعذر إنعقاد الإجماع من وجه لم ينعقد من وجه وسيأتي إن شاء الله كلام إمام الحرمين فيه وأما أهل الفسقة من أهل القبلة البالغون في العلم مبلغ المجتهدين فذهب معظم الأصوليين كما ذكر امام الحرمين إلى أنه لا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم والمختار خلاف ذلك لأن المعصية لا تزيل اسم الإيمان فيكون قول من عداهم قول بعض المؤمنين لا كلهم فلا يكون حجة.\nوهذا ما مال إليه امام الحرمين فقال الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره بل يلزم أن يتتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلد غيره فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده يخالف اجتهاد من سواه.\nقال وإن بعد انعقاد الإجماع من وجه لم ينعقد من وجه قال فإن قيل هو عالم في حق نفسه باجتهاده فيصدق عليه بينه وبين ربه وهو يكذب في حق غيره فلا يمتنع لانقسام أمره على هذا الوجه أن ينقسم حكم الإجماع قلنا هذا","vol":"2","page":386},{"text":"محال فإن الفاسق غير مقطوع بصدقه ولا بكذبه فهو كالعالم في غيبته فإن تاب فهو كما لو أتى الغائب.\nوأعلم أن الأولين اختلفوا في تعليل عدم اعتبار قول الفاسق على وجهين:\nأحدهما: وعليه يقوم هذا السؤال إن اخباره عن نفسه لا يوثق به لفسقه فربما أخبر بالوفاق وهو مخالف أو بالخلاف وهو موافق فلما تعذر الوصول إلى معرفة قوله سقط أثره.\nوشبه بعض المتأخرين ذلك بسقوط أثر قول الخضر ﵇ على القول بأنه حي لتعذر الوصول إليه.\nوالثاني: أن العدالة ركن في الاجتهاد كالعلم فإذا فاتت العدالة فأتت أهلية الاجتهاد وهذا فيه نظر إذ أهلية الاجتهاد الذي هو استنباط الأحكام وتصحيح المقاييس وترتيب المقدمات إلى غير ذلك مما لا تعلق لها بالديانة أصلا فإن قلت فهذا يرد عليكم في الكافر فإنه قد يجري على علوم الشرع والاجتهاد لا تعلق له بالديانة قلت الكافر لا يرد فإن الحجة في إجماع المسلمين والفاسق منهم دون الكافر ويتفرع على هذين التعليلين أن الفاسق إذا اداه اجتهاده في مسألة إلى حكم هل يأخذ بقوله من علم صدقه في فتواه بقرائن.\nوإذا ثبت اشتراط قول جميع المجتهدين في الاجماع قال صاحب الكتاب فلو خالف واحد لم يكن قول غيره اجماعا لأن قوله سبيل المؤمنين يتناول الكل وليسوا دون الواحد كل المؤمنين هذا مذهب الجمهور.\nوقال الإمام الجليل محمد بن جرير وأبو الحسين بن أبي عمر والخياط المعتزلي وأبو بكر الرازي وكذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه ينعقد اجماع الأكثر مع مخالفة الأقل كذا أطلق النقل عنهم الآمدي وهو قضية إيراد المصنف وخصص الإمام النقل عنهم بالواحد والاثنين قال الآمدي وذهب قوم إلى أن عدد الأقل إن بلغ عدد التواتر لم يعتد بالإجماع دونه وإلا اعتد به قلت وهذا ما ذكر القاضي في مختصر التقريب أنه الذي يصح عن ابن جرير.\nوقال أبو عبد الله الجرجاني أن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف","vol":"2","page":387},{"text":"كان خلافه معتدا به وإلا فلا ومنهم من قال اتباع الأكثر أولى ويجوز خلافه وهو مذهب لا تحرير فيه لانا نسلم أنه إذا تعادل الرأيان وكان القائلون بأحدهما أكثر رجح جانب الكثرة وانما الكلام في التحتم ومنهم من قال هو حجة وليس باجماع ورجحه ابن الحاجب فإنه قال لو نذر المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن اجماعا قطعا قال والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف.\nقال صفي الدين الهندي والظاهر أن من قال إنه إجماع فإنما نجعله إجماعا ظنيا لا قطعيا وبه يشعر إيراد بعضهم لنا أن الصحابة اجمعوا على ترك قتال مانعي الزكاة إلا أبو بكر ﵁ ولم يقل أحد أن خلافه غير معتد به بل رجعوا إليه حين المناظر واحتج ابن جرير ورفقته بوجهين ذكرهما في الكتاب.\nأحدهما: أن لفظي المؤمنين والأمة يصدق على الأكثر كما يقال على البقرة أنها سوداء وإن كان فيها شعرات بيض وللزنجي أنه أسود مع بياض حدقته وأسنانه.\nوالجواب: أن صدق إطلاق ألفاظ العموم على الأكثر إنما هو على سبيل المجاز وليس حقيقة لأنه يجوز أن يقال لمن عدا الواحد من الأمة ليسوا كل الأمة ويصح استثناؤه منهم وهذا واضح.\nالثاني قوله ﷺ: \"عليكم بالسواد الأعظم أو باتباع السواد الأعظم\" ويعم الاكثرين فيكون قولهم حجة.\nوالجواب أن السواد الأعظم يعم كل الأمة لأن من عدا الكل فالكل الأعظم منه ولو لم يقصد هذا بل ما صدق أنه أعظم من غيره لدخل تحته النصف الزائد بفرد واحد على النصف الآخر وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب مخالفة الثلث وهو بضم الثاء واللام أي حمله على ما صدق عليه أنه أعظم يوجب عدم الالتفات إلى ثلث الأمة إذا خالفوا الثلثين وقد قرره الجار بردي والاسفرايني على أن الثاء مفتوحة وأن المراد الثلاث اسم العدد الخاص وان ابن جرير ورفقته يسلمون أن مخالفة الثلاثة قادحة.\nوهذا ماش على ما اقتضاه ايراد الإمام كما سبق وما ذكرناه من التقرير أحسن وأسلم.","vol":"2","page":388},{"text":"واعلم أن السواد الأعظم وقع مفسرا في الحديث على خلاف ما استدل به الخصم فروى ابن ماجة من حديث معاذ بن رفاعة عن أبي خلف الأعمى عن أنس ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم للحق وأهله\" ١ هذا لفظه وأهل الحق هم جميع الأمة ولا أعلم لهذا الحديث طريقا غير الذي ذكرت ومعاذ وأبو خلف ضعيفان.\n_________\n١ روي هذا الحديث من عدة طرق في كلها نظر كما قال الحافظ العراقي، أحدهما: عن أنس بن مالك، رواه عنه ابن ماجة بإسناد ضعيف، كتاب الفتن، باب: السواد الأعظم.\nكمارواه الإمام في مسنده ٤/٢٧٨ واطبراني في الكبير.\nوانظر: تخريج أحاديث المنهاج للحافظ العراقي ورقة ٤٣ مخطوط بمكتبة الأزهر ٨٦٨ أصول الفقه.","vol":"2","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المسألة الثانية: لابد للإجماع من سند</span>\n...\nقال الثانية لا بد له من سند لأن الفتوى بدونه خطأ قيل لو كان فهو الحجة قلنا قد يكونان دليلان قيل صححوا بيع المراضاة بلا دليل قلنا لا بل ترك اكتفاء بالاجماع.\nرب متراشق في اللفظ يعبر عن المسألة بأن الإجماع لا بد فيه من توقيف وقيل قد يقع عن توقيف واشتراط السند في الإجماع هو الذي عليه الجماهير.\nوقال قوم يجوز أن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقف على مستند لكن سلموا إن ذلك غير واقع كما ذكر الآمدي لنا أن الفتوى في الدين بغير دلالة أو إمارة خطأ فلو اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطأ.\nوذلك يقدح في الإجماع واعترض الآمدي على هذا الدليل بأنه إنما يكون خطأ إذا لم تتفق الأمة عليه.\nأما إن اتفقت عليه فلا نسلم أنه خطأ وذلك لأن من يجوز ذلك مع القول بعصمة الأمة عن الخطأ يمنع أن يكون ذلك خطأ عند الاتفاق.\nوحاول الشيخ صفي الدين الهندي رد هذا الاعتراض فقال القول في الدين بغير دليل وأمارة باطل في الأصل وكذلك لو لم يحصل الإجماع عليه كان ذلك باطلا وفاقا.","vol":"2","page":389},{"text":"والإجماع لا يصير الباطل حقا بل غاية تأثيره أن يصير المظنون حقا قلت وفيه نظر فقد يقال يتبين بحصول الإجماع بعد ذلك أن القول في الأصل كان حقا هذا إذا وقع قولهم مترتبا لو إن وقع دفعة واحدة فلم يقع إلا حقا.\nثم إن القائل بغير اجتهاد قبل حصول الإجماع على قوله لا يقول إنه مخطئ فيما قاله ولا مصيب بل مخطيء في كونه قال بدون اجتهاد وهذا الخطأ لا يزول بإجماعهم بعد ذلك على قوله.\nوأما المقول فيحتمل أنه خطأ فيه ويحتمل أنه أصاب وهذا التردد يزول بالإجماع بعد ذلك على قوله ويعلم أنه كان مصيبا.\nفإن قلت: إذا كان كل فرد منهم أخطأ في كونه قال فيلزم خطأ المجموع في كونهم قالوا وهو محظور قلت القائل الأخير منهم الذي بقوله يحصل الاتفاق ويتكل الإجماع ليس مخطئا في كونه قال وهذا إذا وقع مترتبا فإن وقع دفعة واحدة فلا نسلم خطأهم في كونهم قالوا بل نقول إنما يخطئ من أقدم على القول وحده بغير مستند.\nأما إذا حصل اتفاق من الأمة على القول فلا واحتج من قال يجوز أن يوفقوا الاختيار الصواب بأمرين:\nأحدهما: أنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن مستند لكان ذلك المستند هو الحجة وحينئذ فلا يبقى في الإجماع فائدة وأجاب المصنف بأن الإجماع وأصله يكونان دليلين واجتماع دليلين على مدلول واحد جائز حسن.\nوالثاني: أنه وقع بدليل إجماعهم على بيع المراضاة بلا دليل وأجاب بأن له دليلا لكن ترك ذكره لما وقع الإجماع عليه اكتفاء بالإجماع.\nقلت: وقد الآمدي في أثناء المسألة أن الخلاف ليس في وقوعه وتقدم نقل هذا عنه فاحتجاج الخصم ضعيف لذلك أيضا وأيضا فإن أريد ببيع المراضاة المعاطاة التي يذكرها الفقهاء فالمذهب الصحيح أنها باطلة فأين الإجماع وإن كان كما ذكره الشراح أنه إذا تحقق التراضي من الجانبين فالإجماع منعقد على صحة هذا البيع لكن اختلفوا في الدليل على التراضي.","vol":"2","page":390},{"text":"فقال الشافعي ومن وافقه لا بد من صيغة تدل عليه وقال مالك وبعض أصحاب الشافعي يكفي المعاطاة فهذا فيه نظر إذ سند الإجماع أشهر من أن يذكر وأكثر من أن يحصر.\nقال فرعان الأول يجوز الإجماع عن الإمارة لأنها مبدأ الحكم قيل الإجماع على جواز مخالفتها قلنا قبل الإجماع قيل اختلف فيها قلنا منقوض بالعموم وخبر الواحد.\nعلمت أن الإجماع لا بد له من مستند ويجوز أن يكون ذلك المستند نصا بالاتفاق وكذلك دليلا ظاهرا وهل يجوز أن يكون امارة أي قياسا فيه مذاهب.\nأحدها: أنه جائز واقع وعليه الجمهور.\nوالثاني: جائز غير واقع.\nوالثالث: أنه غير ممكن وذهب إليه إبن جرير الطبري كذلك داود الظاهري لكنه بناه على أصله في منع القياس.\nوالرابع: إن كانت الإمارة خلية جاز وإلا فلا ثم اختلف القائلون بالوقوع في أنه هل يحرم مخالفته إذا وقع مع أطباقهم على أنه حجة والحق أنه تحرم مخالفته.\nواستدل المصنف على جوازه بأن الإمارة مبدأ الحكم أي تصلح أن يكون طريقا للحكم فيجوز الإجماع عليها قياسا على الدليل ولم يتكلم في الوقوع وقد إستدل عليه الإمام بأن الصحابة أجمعت في زمان عمر ﵁ على أن حد الشارب ثمانون وهو بطريق الإجتهاد لما روى أن عمر ﵁ شاور الصحابة في ذلك فقال علي ﵁ أراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون.\nوقال عبد الرحمن بن عوف ﵁ هذا حد وأقل الحد ثمانون وهذا تصريح منهم بأنهم إنما أثبتوا الحكم بالإجتهاد وضرب من القياس لأنه مع وجدان النص لا يتعلق بمثله.","vol":"2","page":391},{"text":"ومن هذا يعرف اندفاع ما يورد من أنه لعلهم أجمعوا عليه لنص لكنه لم ينقل إستغناء الإجماع\nوإستدل عليه قوم أيضا بإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وعلى اراقة الشيرج والدبس السيال إذا وقعت فيه فارة ماتت قياسا على السمن واستدل المانعون بوجهين.\nأحدهما: أن الإجماع قائم على جواز مخالفة الإمارة والحكم الصادر عن الإجتهاد فلو صدر إجماع عنها لكان يجوز مخالفته وذلك ممتنع.\nوالجواب أن مخالفتها إنما يجوز إذا لم يجمع على الحكم المثبت بها أما بعد الإجماع فلا يجوز مخالفتها.\nوالثاني: أن الإمارة مختلف فيها إذ من الأمة من يعتقد بطلان الحكم بها والجواب وذلك يصرفه عن الحكم بها والجواب أن ذلك منقوض بالعموم وخبر الواحد إذ وقع الخلاف فيهما كما مر ويجوز صدور الإجماع عنها اتفاقا.\nقال: الثاني: الموافق لحديث لا يجب أن يكون منه خلافا لأبي حنيفة وأبي عبد الله لجواز اجتماع دليلين.\nالإجماع الموافق لمقتضى دليل إذا لم يعلم له دليل آخر لا يجب أن يكون مستندا إلى ذلك الدليل لاحتمال أن يكون له دليل آخر وهو مستنده ولم ينقل إلينا استغناء بالإجماع.\nوقال أبو عبد الله البصري أن يكون مستندا إليه والأصناف أن أبا عبد الله إن أراد أنه كذلك على سبيل غلبات للظنون فهو حق إذ الأصل عدم دليل غيره والاستصحاب حجة وينبغي أن يحمل على ذلك ما نقله ابن برهان عن الشافعي من موافقة مذهبه لرأي أبي عبد الله البصري.\nوقد فصل أبو الحسين في المعتمد فقال إن كان الخبر نصا متواترا لا يحتاج معه إلى استدلال طويل واجتهاد.\nفيعلم أنهم أجمعوا لأجله وإن أحتاج في الإستدلال به إلى استدلال طويل","vol":"2","page":392},{"text":"وبحث لم يجب أن يكون هو المستند وكذلك إن كان من أخبار الآحاد ولم يرو لنا أنه ظهر فيهم أو روى أنه ظهر فيهم لكن يخبر واحد أيضا وإن روي بالتواتر وجب أن يكون عنه.","vol":"2","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المسألة الثالثة: لا يشترط انقراض المجمعين</span>\n...\nقال الثالثة: لا يشترط انقراض المجمعين لأن الدليل قام بدونه قيل وافق الصحابة على منع بيع المستولدة ثم رجع ورد بالمنع.\nإختلفوا في إنقراض العصر هل هو شرط في اعتباره الإجماع على مذاهب.\nأحدها: وعليه أكثر الشافعية والحنفية انه لا يشترط واختاره الإمام واتباعه وابن الحاجب.\nوالثاني: يشترط وهو رأي أحمد وإبن فورك.\nوالثالث: أنه يشترط في السكوتي دون القول وهو مذهب الأستاذ واختاره الآمدي.\nوالرابع: نقل إبن الحاجب عن إمام الحرمين إن كان عن قياس اشترط وإلا فلا والذي قاله في البرهان ما ملخصه أن المرضى عنده ان الإجماع ينقسم إلى مقطوع به وإن كان في مظنة الظن فلا يشترط فيه الانقراض ولا طول المكث بعد قوله وإلى حكم مطلق يسنده المجمعون إلى الظن بزعمهم فلا بد فيه من أن يطول عليه الزمان فإذا طال ولم ينقدح على طوله لواحد منهم خلاف فهذا يلتحق بقاعدة الإجماع فإن امتداد الأيام تبين التحاقهم بالمجمعين وترفعهم عن رتبة المترددين فالمعتبر ظهور الإصرار بتطاول الزمان.\nحتى لو قالوا عن ظن ثم ماتوا على الفور قال فلست أرى ذلك إجماعا من جهة أنهم أبدوا وجها من الظن ثم لم يتضح اصرارهم عليه انتهى وعرفت من كلامه أن الانقراض في نفسه عنده غير مشروط ولا معتبر في حالة من الأحوال وهو خلاف مقتضى نقل ابن الحاجب عنه.\nوالخامس: أنه إذا لم يبق من المجتمعين إلا عدد ينقص عن أقل عدد التواتر فلا تكترث ببقائهم وتحكم بانعقاد الإجماع حكاه القاضي في مختصر التقريب.","vol":"2","page":393},{"text":"وأشار إليه ابن برهان في الوجيز واستدل المصنف على ما اختاره بأن دليل الإجماع ليس مقيدا بالإنقراض فلا يكون شرطا فيه واحتج الخصم بأن عليا ﵁ سأل عن بيع أمهات الأولاد فقال كان رأي ورأى عمر أن لا يبعن وقد رأيت الآن بيعهن فقال له عبيدة السلماني رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك فدل قول عبيدة على أن الإجماع كان حاصلا مع أن عليا خالفه والجواب أن منع ثبوت الإجماع قبل الرجوع فإن قول عبيدة رأيك في الجماعة يدل على منع بيعهن كان رأي الجماعة ولا يدل على أنه كان رأي كل الأمة وأنما أراد أن ينضم قول علي إلى قول عمر لأنه رجح قول الأكثر على الأقل.\nهذا تقرير قوله ورد بليغ وقد يقال المراد الرد بمنع رجوع علي والتقرير الأول هو الذي في المحصول.","vol":"2","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المسألة الرابعة: لايشترط التواتر في نقل الإجماع</span>\n...\nقال الرابعة لا يشترط التواتر في نقله كالسنة.\nالإجماع المروي بطريق الآحاد حجة عند الإمام والآمدي واتباعهما لأن الإجماع دليل من الأدلة فلا يشترط التواتر في نقله قياسا على السنة وخالف أكثر الناس فاشترطوا التواتر في نقله قال الآمدي والمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به وعلى عدم اشتراطه فمن اشترط القطع منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع ومن لم يشترط لم يمنع وكلام الآمدي يشعر بأن الخلاف ليس مبنيا على هذا الأصل بل هو جار مع القول بأن أصل الإجماع قاعدة ظنية قال فكيف القول في تفاصيله.","vol":"2","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>المسألة الخامسة: إذا عارض الإجماع نص أول القابل له</span>\n...\nقال الخامسة إذا عارضه نص أول القابل له وإلا تساقط.\nإذا عارض الإجماع نص من كتاب أو سنة فإن قبل أحدهما التأويل أول سواء كان القابل الإجماع أم النص توفيقا بين الدليلين ولا يختص التأويل بالنص على خلاف ما فهم الجار بردي وإن لم يقبل أحدهما التأويل تساقطا لأن العمل بهما غير ممكن والعمل بواحد دون الآخر ترجيح من غير مرجح وبتمام هذه المسألة نجز كتاب الإجماع والله الموفق.","vol":"2","page":394},{"text":"المجلد الثالث\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>الكتاب الرابع في القياس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>تعريف القياس</span>\n...\nالكتاب الرابع في القياس\nوهو إثبات حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت أقول القياس في اللغة التقدير ومنه قست الأرض بالخشبة أي قدرتها بها والتسوية ومنه قاس النعل بالنعل أي حاذاه وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه قال الشاعر١\nخف يا كريم على عرض يدنسه ... مقال كل سفيه لا يقاس بكا\nوبهذا المعنى يطلق على القياس المسطلح لأن الفرع يساوي الأصلي في الحكم وأما تعريفه في الاصطلاح بين العلماء فقد ذكروا فيه أمور أقربها ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في العالم وهو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت٢ قال الإمام ونعني بالإثبات القدر المشترك بين العلم والإعتقاد والظن سواء أتعلقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم أم بعدمه وأما المثال فبديهي التصور لأن كل عاقل يعرف بالضرورة كون الحار مثلا للحار في كونه حارا ومخالفا للبارد في ذلك وإنما قلنا إثبات مثل حكم ولم نقل إثبات حكم لأن عين الحكم الثابت في الأصل ليس هو عين الثابت في الفرع بل مثله وأما الحكم فسبق تفسيره في أول الأصول وأما المعلوم فلسنا نعني به مطلق متعلق العلم فقط بل ومتعلق الإعتقاد والظن والفقهاء يطلقون لفظ العلم على هذه الأمور وإنما قلنا معلوم ولم نقل موجود ولا\n_________\n١ لم أقف له علي قائل\n٢ وقد عرفه بعضهم بأنه:\"حمل معلوم في إثبات حكم أو نفيه بالإشتراك في صفة أو انتفاء صفة أو حكم أو انتفاء حكم\" وهو إختيار الإمام الغزالي أنظر المستصفي\"٣/٦٢٨\" الإحكام للآمدي \"٣/٢٦١\"فواتح الرحوت \"٢/٢٤٦\"","vol":"3","page":3},{"text":"شيء لجريان القياس في المعدوم والموجود والشيء عند الأشاعرة لا يطلق على المعدوم وإنما لم يذكره بدل المعلومين الأصل والفرع لرفع إيهام كون الفرع والأصل وجوديين وذلك لأن الأصل ما يتولد منه شيء والفرع ما تولد عن شيء وإنما قلنا في معلوم آخر لأن القياس كما عرفت هو التسوية بين الأمرين فيستدعي وجود المنتسبين وإنما قلنا لاشتراكهما في علة الحكم لأن القياس لا يوجد بدون العلة وإنما قلنا عند المثبت ليشمل الصحيح والفاسد في نفس الأمر وإنما لم يقل بدل المثبت المجتهد ليعم كل مثبت من مجتهد وغيره وقوله مثل حكم كلاهما مضاف بغير تنوين أعني مثل وحكم ومعلوم مضاف إليه منون ولهذا قال في المعالم إثبات مثل حكم صورة لصورة أخرى وهو أوضح\nقال \"قيل الحكمان غير متماثلين في قولنا لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لما وجب بالنذر كالصلاة قلنا تلازم والقياس لبيان الملازمة والتماثل حاصل على التقدير والتلازم والاقتران لا نسميها قياسا\"\nاعترض على حد القياس هذا بأنه غير جامع لأنه ينتقض بقياس العكس وهو تحصيل نقيض حكم معلوم في غيره لافتراقهما في علة الحكم وقياس التلازم والمقدمتين والنتيجة أما قياس العكس فكقول الحنفي لو لم يكن الصوم شرطا لصحة الاعتكاف مطلقا لم يصر شرطا بالنذر قياسا على الصلاة فإنها لما لم تكن شرطا لحصة الاعتكاف في الأصل لم تكن شرطا له بالنذر إذ لو نذر أن يعتكف مصليا لم يلزمه الجمع بخلاف ما لو نذر أن يعكتف صائما والثابت في الأصل نفي كون الصلاة شرطا لها وفي الفرع إثبات كون الصوم شرطا فحكم الفرع ليس حكم الأصل بل يقتضيه ونظير هذا المثال أيضا من مذهبنا قولنا أن المفوضة يجب لها المهر بالوطئ وعلى أصح القولين والقول الآخر أنه يجب بالقصد واتفق القولان على أن الوطئ في هذا النكاح لا بد له من مهر إنما الخلاف في أنه بماذا يجب وخرج القاضي الحسين وجها أنه لا يجب مهر أصلا فيما إذا وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن ظانا أنها تباح بالإذن حيث لا يجب المهر في أحد القولين بجامع حصول الملك من مالك","vol":"3","page":4},{"text":"البضع فنقول في الدليل على أنه لا بد من مهر ردا على هذا التخريج الزنا لو شرط فيه مال لم يثبت لأن المال لا يتعلق به شرعا أصلا فلم يتعلق به شرعا فكذلك الوطئ المحترم إذا نفى عنه وجب أن لا ينتفي لأنه يتعلق به المال أصلا شرعا فلم ينتف عنه بالشرط فالثابت في الأصل كون المال لا يجب أصلا وفي الفرع الوجوب والجواب أن هذا في الحقيقة تمسك بنظم التلازم بالقياس وإثبات لإحدى مقدمتي التلازم بالقياس فإنك تقول في المثال الأول لو لم يكن الصوم شرطا للاعتكاف لم يصر شرطا له بالنذر فهو شرط له مطلقا فهذا تمسك بنظم التلازم واستثناء لنقيض اللازم لإثبات نقيض الملزوم ثم أنك تثبت المقدمة الشرطية بالقياس وهو أن ما لا يكون شرطا للشيء في نفسه لا يصير شرطا له بالنذر كما في الصلاة وقيس عدم شرطية الصوم بالنذر على عدم شرطية الصلاة بالنذر بجامع كونهما غير شرطين أحدهما في الوقائع بالإتفاق والثاني على تقدير أن يكون الصوم ليس شرطا في الواقع فوضح أن هذا قياس الطرد لا قياس العكس وظهر دخوله في الحد وهذا الجواب هو المعنى بقوله قلنا تلازم إلى آخره وأما قوله والتلازم والإقتراني لا نسميهما قياسا فهو جواب عن سؤال مقدر وهو ما أشرنا إليه من أنه ينتقض بقياس التلازم والمتقدمين والنتيجة وتقريره أما قياس التلازم وهو القياس الإستثنائي فهو كقولنا إن كان هذا إنسانا فهو حيوان لكنه إنسان فهو حيوان لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان وأما المقدمتان والنتيجة وهو القياس الإقتراني فكقولنا وكل جسم مؤلف وكل مؤلف محدث وكل جسم محدث فحكم النتيجة ليس حكم المقدمتين وأجاب بأن ما ذكرتموه من الاستثنائي والاقتراني لا نسميهما قياسا في اصطلاحنا وإن كان المنطقيون يسمونها قياسا وإنما لا نسميهما قياسا لأن القياس هو التسوية وهي لا تحصل إلا عند تشبيه صورة بصورة وليس الأمر كذلك في التلازم وفي المقدمتين والنتيجة فإن قلت بل هي حاصلة في هذين الموضوعين لأن الحكم في كل واحدة من المقدمتين معلوم وفي النتيجة مجهول فاستلزام المطلوب من هاتين المقدمتين يوجب صيرورة الحكم المطلوب مساويا للحكم في المقدمتين في الصفة المعلومة قلت لو كفى هذا الوجه في إطلاق اسم القياس لوجب أن يسمى كل","vol":"3","page":5},{"text":"دليل قياسا لأن التمسك بالنص جعل مطلوبه مساويا لذلك النص في المعلومية فلو صح ذلك لامتنع أن يقال ثبت الحكم في محل النص بالنص لا بالقياس والله أعلم قال الإمام فإن أردنا أن نذكر عبارة في تعريف القياس شاملة لجميع هذه الصورة نقول القياس قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر وقد تم شرح التعريف المذكور في الكتاب للقياس المصطلح وما أورد عليه مما أشار إليه صاحب الكتاب\nولقائل أن يقول يرد عليه أمران أحدهما قياس الشبه فإنه خارج عنه إذ لا علة فيه معينة لا سيما الشبه الصوري عند من اعتبره وثانيهما قياس لا فارق فإنه ليس فيه علة عند المجتهد وأورد الآمدي اعتراضا وقال إنه مشكل لا محيص عنه وهو أن الحكم في الفرع متفرع على القياس وليس ركنا في القياس لأن نتيجة الدليل لا تكون ركنا في الدليل لما فيه من الدور وعند ذلك فيلزم منه أخذ إثبات الحكم في الفرع في حد القياس وهو دور قال الهندي وهذا الإشكال ضعيف جدا لأن المأخوذ في حد القياس إنما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه ونتيجة القياس هو الثبوت لا الإثبات قلت وهذا حق والعجب من الآمدي أنه لما ذكر حد القاضي وهو قول القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيهما عنهما قال حمل الفرع على الأصل معناه التشريك في الحكم ثم اعترض بهذا الإشكال الذي فخم أمره وقال المختار في حده أن يقال أنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في حكم الأصل بناء على جامع بينهما في نظر المجتهد قال وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض عارية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها ونحن نقول إن كان الاستواء هو التسوية والتسوية هي الحمل فهي موافقة لحد القاضي سواء من غير فرق وقد تم قوله فإن قوله في إثبات حكم لهما إلى آخره شرح لمعنى الحمل وكذا هو شرح لمعنى الاستواء إذ هو مستلزم لثبوت الحكم في الفرع فلم يخرج بذلك عن كونه جعل حكم الفرع ركنا في القياس فيرد عليه ما أورده وإن كان الاستواء غير التسوية فيرد عليه ما ذكرناه مع اختلاف التسوية والاستواء في","vol":"3","page":6},{"text":"المعنى فالعجب من اختياره لهذا الحد بعد اعتراضه على الأول بما زعم أنه لا محيص عنه وهو لازم له إن كان ما أورده صحيحا وينفرد ما قاله هو بأنه وضع الاستواء موضع التسوية وهما غيران","vol":"3","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الباب الأول في بيان أن القياس حجة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>أقوال العلماء في حجتيه والدليل على ذلك</span>\n...\nقال \"وفيه بابان الباب الأول في بيان أنه حجة\nوفيه مسائل الأولى في الدليل عليه يجب العمل به شرعا وقال القفال والبصري عقلا والقاساني١ والنهرواني٢ حيث العلة منصوصة أو الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف وداود أنكر التعبد به وإحالة الشيعة والنظام\"\nيجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا ويجب العمل به شرعا وبه قال السلف وجمهور الخلف وزاد القفال من أصحابنا وأبو الحسين البصري فزعما أن العقل موجب لورود التقييد بالقياس ووافقهما أبو بكر الدقاق من أصحابنا كما نقله الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع ومن الناس من أنكر التعبد به وقد نقله في الكتاب عن داود وهو قضية نقل غيره ونقل الإمام عن داود أنه أحاله عقلا وفي كل من النقلين نظر فقد قال أبو محمد ابن حزم والآمدي أن داود يقول بالقياس إذا كانت العلة منصوصة كمذهب القاساني والنهرواني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى قال ابن حزم وأما نحن فلا نقول بشيء من القياس وأما النظام والشيعة فأحالوه عقلا كذا نقل المصنف والنقل عن النظام ليس بجيد لأنه خصص المنع من التعبد بشرعنا خاصة قال لأن مبناها على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات وذلك يمنع من التعبد بالقياس وأما ما ذكره المصنف بعد من أن القياس\n_________\n١ هو أبوبكر محمد بن إسحاق القاساني – بالسين المهملة – نسبة إلي \"قاسان\" \"قم\" بلدة عند إيران كما حرره ابن حجر وإن كان في بعض النسخ بالشين المعجمة كان داوديا ثم ضار شافعيا له كتاب \"الرد علي داود في إبطال القياس\" \"الفهرست ص ٣٢٤ تبصير المنتبه ص١١٤٦\"\n٢ هو أبو الفرج المعافي بن زكريا النهرواني كان أعلم الناس في زمانه ويعرف كل أنواع العلوم العقلية والنقلية توفي سنة ٣٩٠هـ \"اللباب٣/٢٤٩\"","vol":"3","page":7},{"text":"الجلي لم ينكره أحد فمدخول ولو صح لكان وجها يرد عليه هنا وأما القاشاني والنهرواني فقالا يجب العمل بالقياس في صورتين\nإحداهما أن تكون العلة منصوصة قالا وذلك أما بصريح اللفظ أو بما يماثله كذا نقله عنهما القاضي في مختصر التقريب وإمام الحرمين والغزالي والإمام والآمدي وغيرهم\nوالثانية أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل ومثل له في الكتاب بقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف وقد سبق منه أن هذا من باب المفهوم وسيأتي النظر في أن ذلك هل هو متناف إن شاء الله تعالى وهذا إيضاح ما في الكتاب مما يتعلق بمذهب القاشاني والنهرواني وهو في النقل عنهما تابع لأصحابه وقد نقل عنهما الآمدي أنهما لم يقضيا بوقوع القياس إلا فيما كانت عليه منصوصة أو مومأ إليها فقط والذي نقله الغزالي أنهما خصصاه بموضعين\nأحدهما النص والإيماء كما عرفت\nوالثاني الأحكام المعلقة بالأسباب كرجم ماعز لزناه والمعلق باسم مشتق كالسارق والسارقة قال الغزالي وكليهما يعنيان بهذا القسم تنقيح المناط ويعترفان به وكلام إمام الحرمين في البرهان قريب من ذلك فإنه قال المقبول عندهما من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان أحدهما ما دل من كلام الشارع على التعليل به ولهذا صيغ منها ربطه الحكم بالأسماء المشتقة كالزانية والزاني ومن هذا القبيل سها فسجد زنى ماعز فرجم فالفاء تقتضي ربطا وتسبيبا وذلك مشعر بالتعليل قال وربما يلحقون به الفحوى في مثل قوله تعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ١﴾ والأمر الثاني ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه كقوله ﵇:\"لا يبولن أحدكم في الماء الراكد٢\" قالا لو جمع جامع بولا في وعاء وصبه في الماء الراكد كان في معنى البول في الماء انتهى وكذلك كلامه في مختصر التقريب والإرشاد للقاضي\n_________\n١ سورة الإسراء آية \"٢٣\"\n٢ أخرجه البخاري ومسلم بلفظ:\"لايبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه","vol":"3","page":8},{"text":"أبي بكر وقال إن القياسين اختلفوا فذهب قوم إلى أن ما صاروا إليه ليس قولا بالقياس وإنما هو تتبع منهما للنص وقال آخرون وهو الحق هو قول ببعض القياس وقال إمام الحرمين في البرهان إن أبا هاشم قال بهذين الوجهين وزاد ثالثا وهو ما إذا طولب المكلف بشيء واعتاص١ عليه الوصول إليه يقينا فيتمسك بالإمارات المفضية إلى الظن ومثل أبو هاشم هذا بوجوب استقبال القبلة عند أشكال جهاتها انتهى وهذا من أبي هاشم يحتمل أن يكون منعا من القياس إلا في الأماكن الثلاثة ويكون حينئذ مذهبا آخر في القياس لم يتقدم له ذكر ويحتمل أن يكون منعا من العمل بالظن مطلقا إلا فيها وفي الباب مذهب آخر ذهب إليه أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا أن من شرط صحة القياس حدوث حادثة تؤدي الضرورة إلى معرفة حكمها\n\"تنبيه\" ذهب الأكثرون إلى أن دلالة الدليل السمعي عليه قطعية وقال بعضهم بل ظنية\nقال \"استدل أصحابنا بوجوه الأول أنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع والمجاوزة اعتبار وهو مأمور به في قوله تعالى فاعتبروا قيل المراد الألفاظ فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية قلنا المراد قدر مشترك قيل الدال على الكلي لا يدل على الجزئي قلنا بلى ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم قيل الدلالة ظنية قلنا المقصود العمل فيكفي الظن\"\nاستدل أصحابنا على حجية القياس بوجوه أربعة:\nأحداها أن القياس مجاوزة اعتبار والاعتبار مأمور به فالقياس مأمور به أما المقدمة الأولى فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع\nوأما الثانية فلأن الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة والعبور تقول عبرت عليه وعبرت النهر\n_________\n١ في لسان العرب:فصل العين وخرف الصاد \":اعتاض علي هذا الأمر يعتاص فهو معتاص:إذا التأث عليه أمره فلم يهتد لجهة الصواب فيه","vol":"3","page":9},{"text":"وأما الثالثة فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أمر بماهية الاعتبار وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار ومن جملة أفراده القياس فوجب أن يكون الاعتبار مأمورا به واعترض الخصم أولا بأنا لا نسلم أن الاعتبار المجاوزة بل المراد من المأمور به الاتعاظ ودليل ذلك أن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ١﴾ فإنه لا يقال بعد ذلك فقيسوا الذرة على البر إذ هو حينئذ ركيك من الكلام ولا يليق بالشرع وأجاب عنه بأن المراد بالاعتبار القدر المشترك بين الاتعاظ والقياس وهو المجاوزة إذ في كل منهما معناها بخلاف ما لو جعلناه مختصا بالاتعاظ فإنه يلزم إما الاشتراك أو المجاز على خلاف الأصل وإذا حملنا الاعتبار على مطلق المجاوزة لا تلزم الركاكة لأنها إنما تلزم أن لو خصصنا الاعتبار بالقياس الشرعي وليس كذلك ثم اعترض الخصم ثانيا بأنا سلمنا أن الاعتبار المجاوزة لكن لا يلزم منه الأمر بالقياس لأن الآية دالة على وجوب مطلق الاعتبار والدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز وغير ملتزم له وهو معنى قوله الدال على الكلي لا يدل على الجزئي ولا يلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي للكلي الذي هو مطلق الاعتبار وأجيب بأن ما ذكر صحيح ولكن هنا يقتضي العموم لوجهين\nأحدهما وهو المذكور في الكتاب أنه يحسن أن يقول اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني وقد بينا في العموم أن الاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوضح أن كل اعتبار داخل تحت هذه اللفظ:\nالثاني أن ترتيب الحكم على المسمى يقتضي أن يكون علة ذلك الحكم هو ذلك المسمى وذلك يقتضي أن علة الأمر بالاعتبار كونه اعتبار فيلزم أن يكون كل الاعتبار مأمورا به\nولقائل أن يقول على الأول لا نسلم جواز الاستثناء إذا فسر بالتفسير المذكور وهو ما لولاه لوجب دخوله إذ النكرة في سياق الإثبات لا تعم ثم ولو فسر الاستثناء بأنه ما لولاه لصح دخوله لم يأت ما ذكر أيضا لأنه ينتقض\n_________\n١ سورة الحشر آبة \"٢\"","vol":"3","page":10},{"text":"بالأمر بكل ماهية كلية إذ يجوز فيه هذا النوع من الاستثناء نحو صل الصلاة الفلانية مع أن الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بجزئياتها كذا قاله صفي الدين الهندي وهو صحيح وعلى الثاني أن هذا إثبات للقياس بالقياس أو أن كون ترتيب الحكم على الوصف مشعرا بالعلية قياس فيتوقف ثبوته على ثبوت أصل القياس فلا يثبت به أصل القياس وإلا يلزم الدور فإن قلت قد قال بحجية هذا النوع من القياس بعض من أنكر أصل القياس\" لكون العلة فيه معلومة بالإيماء فيصح إثباته به بالنسبة إليه قلت صحيح \"لكن لا يصح إثباته بالنسبة إلى منكر أصل القياس والكلام في هذا المقام ليس إلا معه قال صفي الدين الهندي ويمكن أن يجاب عن اعتراض الخصم بوجه ثالث وهو أن الأمر بالماهية والكلية وإن لم يقتض الأمر بجزئياتها لكن يقتضي تخيير المكلف بالإتيان بكل واحد من تلك الجزئيات بدلا عن الآخر عند عدم القرينة المعينة لواحد منها أو لجميعها ثم التخيير بينها يقتضي جواز فعلى كل واحد منهما ويلزم من جواز فعلى القياس وجوبه لأن القول بجوازه مع عدم وجوبه خارق للإجماع ثم اعترض الخصم ثالثا بأنا ولو سلمنا أن الآية الدالة على الأمر بالقياس لكن التمسك بها ممتنع لأن الاستدلال بالعموم إنما يفيد الظن والتمسك بالظن في المسائل العلمية التي هي الأصول لا يجوز وأجاب المصنف بأن المقصود من حجية القياس العمل به لا مجرد اعتقاده لأصول الدين والعمليات يكفى فيها الظن فكذلك وسائلها والله أعلم ولم يجب الإمام عن هذا السؤال بل قال إنه عام في كل السمعيات فلا تعلق له بخاصية هذه المسألة وأجاب الهندي بمنع أن تكون المسألة علمية وجعلها ظنية وهذا واضح على أحد الرأيين الذي حكيناهما في أول الباب\nقال \"الثاني خبر معاذ وأبي موسى قيل كان ذلك قبل نزول أكملت قلنا المراد الأصول لعدم النص على جميع الفروع\"\nالوجه الثاني من الوجوه الدالة على حجية القياس من السنة وتلك في قصتين قصة أبي موسى وقصة معاذ أما قصة معاذ فروى عنه أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال له:\"كيف تقضي إذا عرض لك قضاء\" قال أقضي بكتاب الله قال","vol":"3","page":11},{"text":"\"فإن لم تجد في كتاب الله\" قال فبسنة رسول الله ﷺ قال:\"فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ\" قال أجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي١ رسول الله\" والمراد بالرأي القياس قال إمام الحرمين ولا يجوز أن يقال أراد بالرأي الاستنباط من الكتاب والسنة فإن ذلك لو كان على هذه الوجه لكان تمسكا بالكتاب والسنة وقد قال في البرهان أيضا أن الشافعي ﵁ احتج ابتداء على إثبات القياس بحديث معاذ يعني هذه قال والحديث مدون في الصحاح متفق على صحته لا يتطرق إليه تأويل قلت وهذا عجيب من إمام الحرمين فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري لا يصح هذا الحديث وقال الترمذي ليس إسناده عندي بمتصل وأما قصة أبي موسى وقد جمع في المحصول وغيره بين القصتين وجعلهما واحدة ولا أعرف ذلك بل روى البيهقي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه كتابا بليغا وفيه ثم قايس الأمور وأعرف الأمثال والأشباه رواه البيهقي وقال هو كتاب معروف مشهور لا بد للقضاة من معرفته والعدل به وقد اعترض الخصم على هذا الدليل الثاني فإنه وإن دل على حجية القياس وقت تقريره ﵇ فلا يدل على حجيته دائما في جميع الأزمنة بل ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ٢﴾ فإن إكمال الدين إنما يكون بالتنصيص على الأحكام فما نزلت هذه الآية استغنى عن القياس والجواب أن الأصل عدم التخصيص بوقت دون وقت وأيضا فلم يقل أحد أن القياس كان حجة إلى حين نزول هذه الآية ثم زال والمراد بقوله أكملت\n_________\n١ رواه أبو داود وانرمذي \"تحفة الأحوذي باب القاضي كيف يقضي ٤/٥٥٦- ٥٥٧\"وضعفه الترمذي والبخاري وابن حزم لكن الإمام الشافعي ﵁ صححه واحتجة به علي صحة القياس\nأنظر:\"تخريج أحاديث المنهاج للعراقي ورقة ٤٣- ب وابن الملقن ورقة ٤٣ – وقد روي البخاري عن أبي بردة ﵁ قال: يعث رسول الله صلي الله عليه وسلم – أبا موسي ومعاذ بن جبل إلي اليمن وبعث كل واحد منهما علي مخلاف ثم قال: \"يسرا ولا تعسرا ويسرا ولا تنفرا\" الحديث التاج \"٤/٤٤١\"\n٢ سورة المائدة ٣","vol":"3","page":12},{"text":"لكم دينكم الأصول أما التفاريع فالآية مخصوصة بالنسبة إليها لعدم شمول النص الصريح لجميع الجزئيات هذا تقرير ما في الكتاب ولك أن تجيب عن هذا الاعتراض بما هو أحسن من هذا الجواب فتقول المراد من قوله أكملت لكم دينكم بيان جميع ما يحتاج إليه في الدين والآية عامة على هذا التقدير ثم للبيان قد يكون بلا واسطة كما في التخصيص وقد يكون بواسطة كما إذا بين المدارك للأحكام فلم قلتم أنه لا يحصل ذلك إلا إذا كان البيان بلا واسطة وحينئذ لا ينافي إكمال الدين العمل بالقياس بل يكون من إكمال شرعه ولا يحتاج على هذا التقرير إلى تخصيص الآية بل تكون باقية على عمومها\nقال الثالث أن أبا بكر ﵁ قال في الكلالة أقول برأي أبي الكلالة ما عدا الوالد والولد والرأي هو القياس إجماعا وأمر عمر أبا موسى في عهده بالقياس وقال في الجد أقضي برأيي وقال له عثمان إن اتبعت رأيك في الإجماع فسديد وقال علي اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد وقاس ابن عباس الجد على ابن الابن في الحجب ولم ينكر عليهم وإلا لاشتهر قيل ذموا أيضا قلنا حيث فقد شرطه توفيقا\nالوجه الثالث مما يدل على أن القياس حجة وهو معتمد الجمهور الإجماع وتقريره أن العمل بالقياس مجتمع عليه بين الصحابة لصدوره من طوائف منهم من غير إنكار وكلما كان كذلك كان إجماعا لما تقدم في كتاب الإجماع وأما صدوره عن طوائف منهم فلما روى أن أفضل الصحابة الصديق ﵁ قال حين سئل عن الكلالة أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والرأي هو القياس لأنه يقال أقلت هذا برأيك أم بالنص فدلت مقابلته للنص على أنه للاستدلال وادعى المنصف في ذلك الإجماع وكذا ادعى صفي الدين الهندي في النهاية واستدل عليه بأن أصحابنا رووا عن السلف كلاما كثيرا أنهم عملوا بالرأي وقالوا الرأي هو القياس وساعدناهم على ذلك فدل على أن الرأي هو القياس وفاقا فإن قلت هل ذلك باعتبار أصل وضعه أو باعتبار النقلي قلت ألا ظهر أنه بطريق النقل مع أن ذلك مما لا حاجة لنا إليه مع ثبوت ما ذكرناه وأمر عمر رضي","vol":"3","page":13},{"text":"الله عنه أبا موسى في عهده بالقياس حيث قال أعرف الأشباه والنظائر ثم قايس بين الأمور وقد تقدم هذا وقال عمر أيضا في الحد أقضي برأيي وقال عثمان لعمر إن اتبعت رأيك فسديد وإن تتبع رأي من قبلك يعني أبا بكر فنعم الرأي وقال علي اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد على أن لا يبعن وقد رأيت الآن بيعهن وقال ابن عباس الجد على ابن الابن في حجب الأخوة وقال ألا يتقي الله زيد بن ثابت أن يجعلوا ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا فثبت صدور القياس بما قلنا وبعيره من الآثار الكثيرة التي ينكرها إلا معاند وقد تواتر القدر المشترك منها قال القاضي في كتاب التقريب والإرشاد وقد صار تمسكهم بالرأي وتسويغهم التعلق بطريق الاجتهاد مدرك اختلافهم على الجملة ضرورة وإن كانت صورة الاختلاف نقلت آحادا واعترض الخصم على هذا الدليل بأنه معارض بمثله فإنه نقل عن الصحابة ﵃ أنهم ذموه أيضا وأنكروه كما روي عن أبي بكر رضوان الله عليه أنه قال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقوله تضلني وأي أرض تقلني معناه تحملني وعن عمر ﵁ إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين وعن علي ﵁ لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظهره إلى غير ذلك من آثار كثيرة والجواب أن معارضة هذا الذم لما ذكرناه أيضا عنهم من العمل به إن ثبتت فالجمع بين الدليلين أولى فيحمل هذا على ما إذا كان القياس غير مستجمع لشرائط وذلك على القياس المستجمع لشرائطه توفيقا بين الدليلين وهذا ما ذكره في الكتاب وهو جواب إجمالي وقد قيل إن المعارضة غير ثابتة وأجيب بوجه تفصيلي أما نقل عن أبي بكر فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن ونحن نسلم أنه لا مجال للرأي في ذلك لكونه مستندا إلى محض السمع عن النبي ﷺ وأهل اللغة بخلاف الفروع الشرعية وأما قول عمر ﵁ فإنما قصد به ذم من ترك الموجود من الأحاديث وعدل إلى الرأي مع أن العمل به مشروطا بعدم النصوص ولذلك سماهم بأصحاب الرأي وإلا فمن قال بالكتاب والسنة والرأي ويقال له صاحب الرأي لأنه لم يتمحض قوله بالرأي وأما قول علي ﵁ لو كان الدين بالقياس إلى آخره فيجب","vol":"3","page":14},{"text":"حمله على أنه لو كان جميع الدين بالقياس ويكون المقصود منه أنه ليس كلما أتت به السنن على ما تقتضيه القياس\nقال الرابع إن ظن تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع يوجب ظن الحكم في الفرع والنقيضان لا يمكن العمل بهما ولا الترك لهما والعمل بالرجوع ممنوع فيبقى الراجح\nهذا وجه عقلي وتقريره أن المجتهد إذا ظن أن الحكم في الأصل معلل بعلة موجودة في الفرع حصل له ظن الثبوت الحكم في الفرع والظن بوجود الشيء يستلزم الوهم بعدمه لعدم انفكاك كل من الظن أو الوهم عن الآخر والعمل بهم أو الترك لهم يستلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما والعمل بالوهم المرجوح خلاف المعقول والمشروع فتعين العمل بالراجح لأنا استقرينا أمور الشرع كلها جزئية وكلية فوجدنا الراجح يجب العمل به لقوله ﷺ:\"نحن نحكم بالظاهر\" وما أشبه ذلك وهذا معنى قولنا يتعين العمل بالراجح وليس المراد منه أن كونه راجحا صفة يقتضي الثواب على فعله والعقاب على تركه حتى يقال عليه الأحكام عندنا إنما هي من جهة الشرع دون العقل وإنما المراد بتعينه أن الشرع تقرر منه ذلك فالعقل أدرك كونه راجحا والشرع حكم بالعمل بالراجح وللعقل أهلية الإدراك بلا نزاع بين العقلاء وقد قيل إن في هذا الدليل نظرا لجواز ارتفاعها بارتفاع محل الحكم وذلك بأن لا يكون في الواقعة حكم شرعي البتة ويكون الأمر فيها محالا على البراءة الأصلية بناء على أنه لا يجب أن يكون في كل حادثة حكم شرعي\nقال \"احتجوا بوجوه الأولى قوله تعالى لا تقدموا وإن تقولوا ولا نقف ولا رطب إن الظن قلنا الحكم مقطوع والظن في طريقه\"\nذكر من شبه الخصوم ستة أولها ما تعلقوا به من الكتاب وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ١﴾ والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله إذ هو قول بغير الكتاب والسنة وأيضا\n_________\n١ وفتتح سورة الحجرات","vol":"3","page":15},{"text":"فالقياس إنما يفيد الظن والظن منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ١﴾ وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ٢﴾ أي ولا تتبع ما لا تعلم فهي نهي عما ليس بعلم ومن جملته الظن وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ٣﴾ يقتضي الاستغناء عن القياس وأيضا قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا٤﴾ وأجاب في الكتاب بأن الحكم مقطوع به لا مظنون والظن وقع في طريقه كما تقرر في أول الكتاب فإن قلت هذا يشعر بأنه سلم أن الظن مذموما لكنه وقع في طريق الحكم لا فيه وعلى هذا يكون الطريق مذموما ويكون الحكم كذلك لأنه مستفاد من الطريق المذموم قلت حاصل جوابه أنه منع كون الحكم مظنونا حتى لا يستدل الخصم عليه بما استدل ولا يلزم من هذا المنع تسليم أن الظن مذموم ولا إشعار له به ولو سلمنا أنه يشعر بذلك فقال الشيرازي شارح هذا الكتاب لا نسلم أن المستفاد عن المذموم مذموم ألا ترى إلى جواز كذب المقدمتين مع صدق النتيجة مثل قولك كل إنسان حجر وكل حجر حيوان ينتج كل إنسان حيوان وهو صحيح من كذب مقدمتيه ولقائل أن يقول كل انسان حيوان في هذا المثال صورة نتيجة لا نتيجة في نفسه وصدقه لنفسه لا لكون نتيجة فلا نسلم أن هاتين المقدمتين ينتجان هذا القول الصادق واعلم أن هذا الذي أجاب به المضيف ليس شاملا للآية الأولى ولا للآية الرابعة والجواب عن الآية الأولى أنا لا نسلم أن العمل بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله لأنه ثبت بالكتاب والسنة كما تقدم وعن الرابعة بأنه عام مخصوص لعدم اشتمال الكتاب على جميع الجزئيات وقد أجيب عما استدل به الخصم على المنع من الظن بوجهين آخرين لم يذكرهما في الكتاب أحدهما أنه حجة عليه فإن القول ببطلان القياس ليس معلوما عندك بل مظنون ضرورة أنه لا قاطع على فساده والذاتي أنه يجب تخصيصه بالأصول دون الفروع لوجوب العمل بشهادة الشهود وحكم القاضي وفتوى المفتي واجتهاد المجتهد في الماء\n_________\n١ سورة الأعراف \"٣٣\"\n٢ سورة الإسراء \"٣٦\"\n٣ سورة الأنعام \"٥٩\"\n٤ سورة النجم \"٢٨\"","vol":"3","page":16},{"text":"والتراب والقبلة وقت الصلاة وهلال رمضان وقيم المتلفات وغلبة السلامة في ركوب البحر وخبر الواحد أو العموم وقول القدر في أرش الجنايات والنفقات وجزاء الصيد وصدق الحالف في مجلس الحكم كل ذلك مظنون ويرفع به النص في الأصل\nقال الثاني وقوله ﷺ:\"تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا\" الثالث ذم بعض الصحابة له من غير نكير قلنا معارضان بمثليهما فيجب التوفيق الرابع نقل الإمامية إنكاره عن العترة قلنا معارض بنقل الزيدية الخامس أنه يؤدي إلى الخلاف والمنازعة وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ قلنا الآية في الآراء والحروب لقوله ﵇:\"اختلاف أمتي رحمة\"\nالشبهة الثانية للخصوم ما روى من قوله ﷺ:\"تعمل هذه الأمة برهة أي قطعة من الزمان بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله ثم تعمل برهة بالرأي فإذا قالوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا\" الثالثة الإجماع فإنه قد نقل عن بعض الصحابة ذم الرأي من غير نكير فكان إجماعا والجواب عن هذين الدليلين بأنهما معارضان بمثليهما سنة وإجماعا كما سلف فيجب الجمع بين الدليلين بأن يحمل الذم على القياس الفاسد دون الصحيح كما سبق هذا ما في الكتاب والحديث المشار إليه لا تقوم به الحجة ولا يصلح معارضا لأن رواية جبارة بن المفلس وهو ضعيف حماد بن يحيى الأبح وقد قال فيه البخاري يهم في الشيء بعض الشيء قال ابن عدي وسمعت ابن حماد يقول قال السعد بن الأبح روي عن الزهري حديثا معضلا يعني هذا الحديث ورواه حماد عن الزهري كما ذكر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا فإن قلت سلمنا ضعف الحديث ومعارضته لما تقدم ومعارضة الإجماع أيضا وأنه يجب التوفيق بينهما ولكن لا نسلم أن التوفيق متعين بما ذكرت من الطرق بل جاز أن بعضهم كان قائلا بالقياس حين كان البعض الآخر منكرا ثم لما انقلب المنكر مقرا انقلب المقر منكرا وحينئذ يكون كل واحد منهم قائلا بالقياس ومنكرا باعتبار حالتين فلا تناقض وتكون الروايتان صحيحتين مع أنه لا","vol":"3","page":17},{"text":"يحصل الإجماع على صحته ولا على بطلانه فلا يصح لك ولا لنا الاستدلال بالإجماع قلت ما ذكرناه من التوفيق أولى لأنه يقتضي بقاء ما كان على ما كان من استمرار كل ذي قول على قوله وتوفيقكم يقتضي التعبير وأيضا فلو وقع ما ذكرتموه لاشتهر لغرابته أو كان في لفظ أحد منهم إشعار بالرجوع الرابعة نقل الإمامية من الشيعة إجماع العترة على أنه لا يجوز العمل بالقياس والجواب أن ذلك معارض بنقل الزيدية منهم حيث نقلوا إجماع العترة على أنه لا يجوز العمل بالقياس والجواب أن ذلك معارض بنقل الزيدية منهم حيث نقلوا إجماع العترة على وجوب العمل به مع أن إجماع العترة غير حجة كما سبق الخامس أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة وكل ما كان كذلك فهو منهي عنه أما الصغرى فلأن القياس مبني على الظن وهو مختلف باختلاف القياسيين وأما بيان الكبرى فلقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا١﴾ نهى عن النزاع فاستلزم ذلك النهي عما يفضي إليه والجواب أن الآية إنما وردت في مصالح الحروب لقرينة قوله فتفشلوا وتذهب ريحكم أو أنها محمولة على النزاع فيما يتعين فيه الحق كمسائل الأصول وأما التنازع فيما عدا ذلك فجائز لما روي من قوله ﷺ: \"اختلاف أمتي رحمة\" ٢ فيحمل الحديث على ما عدا ذلك واعلم أن الحديث المشار إليه غير معروف ولم أقف له على سند ولا رأيت أحدا من الحفاظ ذكره إلى البيهقي في رسالته إلى الشيخ العميد عميد الملك بسبب الأشعري وقد ساقها الحافظ ابن عساكر في التبيين إلا أن البيهقي لم يذكر له إسنادا بل قال روى النبي ﷺ كذا ولو لم يكن له أصل لما ذكره البيهقي ثم قال البيهقي سمعت الإمام ناصر العمري يقول سمعت القفال المروزي يقول معناه اختلاف هممهم فبهمة واحد في الفقه وآخر في الكلام كاختلاف همم أصحاب الحروف في حرفهم بما فيه مصالح العباد قلت وهذا\n_________\n١ سورة الأنفال ىية \"٤٦\"\n٢ قال السيوطي كط أخرجه نصر المقدسي في الحجة والبيهقي في الرسالة الأشعرية بغير سند واورده الىحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم ولعله خرج في بعض الكتب الحفاظ التي لم تصل غلينا \"الجامع الصغير ١/١٣ وأري أن الحديث محمول علي الإختلاف في الفروع وهذا شيء فيه وإنما يدل علي اتساع الشريعة الإسلامية وشمولها لكل ما يجد من حوادث ونوازل والله أعلم","vol":"3","page":18},{"text":"تأويل حسن وهو أحسن مما نقله إمام الحرمين في النهاية عن الحليمي من أن معناه اختلافهم في الدرجات والمراتب والمناصب وكلا التأويلين على أنه ليس المراد اختلافهم في الحلال والحرام قال والدي أيده الله القرآن دال على أن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ١﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ٢﴾ وكذا السنة قال ﵇:\"إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم٣\" والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة والاختلاف على ثلاثة أقسام\nأحدها في الأصول وهو المشار إليه في القرآن ولا شك أنه بدعة وضلالة\nوالثاني في الآراء والحروب هو حرام أيضا لما فيه من تضييع المصالح\nوالثالث في الفروع كالاختلاف في الحل والحرمة ونحوهما قال والدي أيده الله والذي يظهر لنا ويكاد أن يقطع به أن الاتفاق فيه خير من الاختلاف لكن هل نقلوا الاختلاف ضلال كالقسمين المذكورين ولا كلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن منع التقليد يقتضي أنه مثلهما وأما نحن فإنه يجوز التقليد للجاهل والأخذ بالرخصة من أقوال العلماء بعض الأوقات عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص ومن هذا الوجه يصح أن يقال الاختلاف رحمة إذ الرخص رحمة\nقال السادس الشارع فصل بين الأزمنة والأمكنة في الشرف والصلوات في القصر وجمع بين الماء والتراب في التطهير وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء دون الأمة الحسناء وقطع السارق القليل دون غاصب الكثير وجلد في الزنا وشرط فيه شهادة أربعة دون الكفر وذلك ينافي القياس قلنا القياس حيث عرف المعنى\n_________\n١ سورة هود \"١١٨- ١١٩\"\n٢ سورة ابقرة \"٢٥٣\"\n٣ حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والنسائي وابن ماجة \"صحيح الجامع الصغير للالباني \"٣/١٥٦\"","vol":"3","page":19},{"text":"الوجه السادس وعليه اعتمد النظام أن مدار شرعنا على الجمع بين المختلفات الإسراء وليلة الجمعة ويومها وشهر رمضان والأشهر الحرم ويومي العيدين ويوم عرفة وكذلك بين الأمكنة كمكة والمدينة والمسجد الأقصى مع الاستواء في الحقيقة وفرق بين الصلوات في القصر فرخص في قصر الرباعيات دون الثنائية والثلاثية وجمع بين الماء والتراب في استباحة الصلاة بهما مع أن الماء ينظف والتراب بضده وجعل الحرة الشوهاء تحصن ويحرم النظر إليها دون الجارية الحسناء وعبارة المصنف أوجب التعفف على الحرة الشوهاء فيحتمل أن يريد ما ذكرناه وأن يريد أنه أوجب عليها الستر دون الأمة الحسناء التي يميل الطبع إليها وقطع السارق القليل ما لم ينقص عن ربع دينار دون غاصب الكثير مع أن غاصب الكثير أبلغ في الفحش لأنه يأخذ المال جهرا على تغلب والسارق يأخذه سرا على تخوف وأعظم في الأذى لكثرته وجلد في القذف بالزنا بخلاف القذف بالكفر مع كونه أبلغ وشرط فيه شهادة أربعة وأكتفي في الشهادة على القتيل والكفر باثنين وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصح القياس لأن مبناه على أن الصورتين لما اشتركا في الحكمة وجب اشتراكهما في الحكم وهو باطل والجواب أن القياس إنما يجوز حيث عرف أن الحكم في الأصل معلل بعلة معلومة موجودة في الفرع وامتناع القياس في صور معدودة لا يقتضي امتناعه من أصله وأعلم أن ما ذكره النظام من أن الشريعة مبنية على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات كذب وافتراء وإنما حمله على ذلك زندقته وقصده الطعن في الشريعة المطهرة وقد كان زندقيا يبطن الكفر ويظهر الاعتزال صنف كتابا في ترجيح التثليث على التوحيد لعنه الله وقد نبهنا على ذلك في أول كتاب الإجماع وما ذكره من الصور وكذلك ما يناسبها لها معان والفرق بين المتماثلات فإنه فرق بين الأزمنة في الشرف كليلة القدر وليلة يعلمها الشارع لا إطلاع لنا عليها وحكم خفية لا ندركها على أن الصور المذكورة قد ذكرت معانيها","vol":"3","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>التنصيص على العلة هل هو أمر بالقياس أو لا</span>؟\n...\nقال الثانية قال النظام والبصري وبعض الفقهاء التنصيص على العلة أمر بالقياس\nوفرق أبو عبيد الله بين الفعل والترك.\nالنص على علة الحكم هل يفيد الأمر بالقياس فيه مذاهب.\nإحداها وإليه ذهب المحققون كالأستاذ والغزالي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف وجماعة من أهل الظاهر وجماعة من المعتزلة واختاره الآمدي ومن تبعه أنه لا يفيد الأمر بالقياس سواء كان في الفعل مثل أكرم زيدا لعلمه أم الترك مثل الخمر حرام لإسكارها\nوالثاني أنه يفيده وبه قال أحمد بن حنبل والرازي أي أبو بكر والكرخي والقاشاني والنهرواني وأبو إسحاق الشيرازي وأبو الحسين البصري ونقله الأكثرون عن النظام\nوالثالث قاله أبو عبد الله البصري إن كانت العلة علة للتحريم وترك الفعل كان التنصيص عليها كافيا في ترك الفعل بها أين وجدت وإن كان علة لوجوب الفعل أو ندبيته لم يكن ذلك كافيا في إيجابه ولا ندبيته ما لم يرد التعبد بالقياس من خارج\n\"تنبيه\" قد عرفت نقل الأكثرين عن النظام ومنهم صاحب الكتاب وكلام الغزالي في النقل عنه صريح في أنه يرى تعميم الحكم في جميع موارد العلة بطريق اللفظ والعموم وبه صرح الآمدي في أثناء المسألة وهو مناف لنقل الأكثر فإن التعميم بالقياس لا يجامع التعميم باللفظ فحينئذ لا يكون أمرا بالقياس عنده وإن ثبت الحكم عنده في غير الصورة المنصوص عليها فإن قلت الجامع بين إنكار النظام التعبد بالقياس وبين مقالته التي نقلتموها عنه هنا قلت أما على ما نقله الغزالي فواضح لأنه جعله من باب العموم وقال الغزالي قد ظن النظام أنه منكر للقياس وقد زاد علينا إذ قاس حيث لا نقيس لكنه أنكر اسم القياس وأما على ما نقله الأكثرون فإنه هنا يقول إذا وقع التنصيص على العلة كان مدلول اللفظ الأمر بالقياس ولم يتعرض لوقوعه من الشارع أو غيره بل لمدلوله لغة وهناك أحال وروده من الشارع فعنده حينئذ أن الشارع لا يقع منه التنصيص على العلة من حيث هو مدلوله ما ذكرناه فأفهم هذا فإن بعض الشراح ظن مناقضته في مقالته وذلك سوء فهم فإن الكلام في مدلول اللفظ إن ورد غير الكلام في أنه هل يرد","vol":"3","page":21},{"text":"قال \"لنا أنه لو قال حرمت الخمر لإسكارها يحتمل علة الإسكار مطلقا وعلة إسكارها قيل الأغلب عدم التقيد قلنا فالتنصيص وحده لا يفيد قيل لو قال علة الحرمة الإسكار لا يدفع الاحتمال قلنا أثبت الحكم في كل الصور بالنص\"\nاستدل صاحب الكتاب على المذهب المختار بأن قوله حرمت الخمر لكونها مسكرة محتمل لأن تكون العلة مطلق الإسكار ولأن تكون العلة إسكارها وهذا لأن الله تعالى أن يجعل إسكار الخمر بخصوصه هو العلة لما يعلم فيه من المفسدة الخاصة التي لا وجود لها في غيره وإذا احتمل واحتمل لم يجز التعبد به إلا بأمر مستأنف بالقياس وإذا وضح هذا في جانب الترك ثبت في الفعل بطريق أولى فإن قلت يقتضي ما قررتم بعينه امتناع القياس عند النص على العلة مع ورود الأمر به أيضا قلت لعل ورود الأمر بالقياس عند النص على علة حكم قرينة تقضي بترجيح أحد الاحتمالين وهو مطلق الإسكار في المثال الذي ذكرناه واعترض الخصم من وجهين\nأحدهما أن الأغلب على الظن عدم كون خصوص المحل قيدا في العلة وإلا لما صح قياس أصلا ويحتمل أن الأغلب في العلل التعدية والجواب أنه حينئذ لا يكون النص على العلة وحده هو المفيد الأمر بالقياس بل التنصيص مع كون الأغلب عدم التقييد والنزاع إنما هو في أن التنصيص وحده هل هو كاف\nوثانيهما أنه لو قال الشارع علة الحكم الإسكار لاندفع الاحتمال وثبت الحكم في كل الصور التي يوجد فيها الإسكار وأجاب بأن الحرمة حينئذ تثبت في كل الصور لا بالقياس بل بالنص أي بطريق الاستدلال من النص حيث أنه جعل مطلق الإسكار علة تحريم الخمر وهو حاصل في كل مسكر فيلزم ثبوت الحرمة في كل مسكر وعبارة التحصيل لو قال ذلك لم يكن قياسا إذا العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول أي من غير أن يتأخر العلم ببعض الأفراد عن العلم بالآخر فلم يتميز الأصل عن الفرع حتى يقاس أحدهما على الآخر وهذه العبارة نحو عبارة الإمام وعبارة صاحب الكتاب قريبة منهما إلا","vol":"3","page":22},{"text":"أنه لم يقل علة حرمة الخمر بل علة الحرمة وهو واحد فإن المقصود حرمة الخمر إذ ليس الإسكار علة لكل حرمة وهذا واضح ولم يصرح الإمام وسراج الدين بأن ذلك بالنص ولكن بطريق العلم بالعلة وهو الاستدلال بالنص وإياه أراد المصنف ﵀ وعبارة الآمدي نحو عبارة المصنف فإنه قال يكون التحريم ثابتا في كل الصور بجهة العموم ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك ليس بقياس وقولكم لم يتميز الأصل عن الفرع مندفع فإنه إذا قال علة حرمة الخمر الإسكار فالحرمة في الخمر أصل وحصل العلم بها حال ورود النص ثم بعد ذلك يحصل العلم بحرمة كل مسكر وكل ما كان غير الخمر يكون فرعا والعلم بحرمته متأخر عن العلم بحرمة الخمر وربما لا يعلم كون الشيء مسكرا إلا بعد حين فلا يعلم حرمته فإذا جرت ووجد مسكرا علم تحريمه فكيف لا يكون العلم به متأخرا فإن قلت نحن ندعي عدم تأخر العلم بحرمة كل مسكر حكما كليا لا العلم بواحد واحد من الجزئيات المندرجة فإنها داخلة في الحكم المعلوم فالعلم بحرمة الجزئيات المخصوصة لا يستفاد من الأصل الذي هو الخمر بل من المقدمة الكلية التي هي العلم بتحريم كل مسكر والعلم بهذه المقدمة لا يتأخر قلت لا نسلم أن العلم بها غير متأخر لأنا نعلم أولا حرمة الخمر ثم كون الإسكار علة بتنصيص الشارع ثم نحكم بتحريم كل مسكر حكما مترتبا على هذا العلم بالعلية والحكم في كل قياس كذلك فإن المجتهد يعلم حكم الأصل ثم يستنبط العلة ثم يحكم بمقدمة كلية شاملة لجميع صور تلك العلة هذا شرح ما في الكتاب وأما الدليل على أن التنصيص على العلة لا يفيد الحكم في جميع الصور باللفظ خلاف ما نقله الغزالي والآمدي عن النظام فإنا نعلم بالضرورة من اللغة أن قوله حرمت الخمر لإسكارها لا يدل على تحريم كل مسكر لدلالة قوله حرمت كل مسكر وأنه غير موضوع لذلك بل هو موضوع لتحريم الخمر لعلة إسكاره وحرمة ما عدا الخمر من المسكرات ليس جزءا من المفهوم ضرورة فيجب أن لا يكون دلالته على تحريم كل مسكر لفظية لأن الدلالة منحصرة في هذين النوعين عند قوم وفي دلالة المطابقة عند آخرين ولهذا لو قال الرجل أعتقت غانما لسواده لم يعتق من عداه من عبيده السود ولو قام ذلك مقام عتقت عبيدي السود لعتقوا عليه من","vol":"3","page":23},{"text":"غير اعتبار نية ولا علم بمقصد وكذا لو قال لوكيله بع سالما لسوء خلقه واحتج أبو عبد الله على مذهبه بأن من ترك أكل رمانة حامضة لحموضتها وجب عليه أن يترك أكل كل رمانة حامضة بخلاف من أكلها لحموضتها وأجيب بأنا لا نسلم أنه يجب عليه ترك الكل وذلك لاحتمال أن يكون الداعي لا مطلق حموضة الرمانة بل حموضة هذه الرمانة الخاصة سلمناه ولكن لا فرق في ذلك بين الفعل والترك وإنما لم يجب أكل رمانة حامضة على من أكل رمانة حامضة لأنه لم يأكلها لمجرد حموضتها بل لحموضتها مع قيام الاشتهاء الصادق بها وخلاء المعدة عن الرمان وعلمه أو ظنه بعدم تضرره بها وهذه القيود غير موجودة في أكل الرمانة الثانية وهذا ما ذكره الإمام ولقائل أن يقول التفرقة بين الفعل والترك ثابتة فإن جانب النهي يدل على كون المشترك مفسدة مطلوبة العدم ولا يحصل هذا الغرض إلا بالامتناع عن كل الأفراد وأما في طرف الفعل فالغرض متعلق بالمصلحة المشتركة بين الأفراد وذلك يحصل بأي فرد كان كذا ذكره النقشواني وهو حسن وهو وجه التفرقة بين اقتضاء النهي التكرار دون الأمر كما قررناه في موضعه قال وقول الإمام مع الاشتهاء الصادق وخلا المعدة عين الفرق","vol":"3","page":24},{"text":"قال \"الثالثة<span data-type=\"title\" id=toc-207> القياس أما قطعي أو ظني</span>\"\nهذه المسألة تشتمل على بحثين الأول أن القياس ينقسم إلى قطعي وظني الأول القطعي وهو الذي يتوقف على العلم بعلة الحكم في الأصل ثم العلم بحصول مثل تلك العلة في الفرع فإذا علمها المجتهد تيقن إلحاق ذلك الفرع بالأصل في حكمه ومساواته له وهذا القياس قطعي كما قال المصنف وإليه أشار الإمام في المحصول بقوله قد يكون ظاهرا جليا ثم صرح من بعد في أثناء المسألة بأنه يقيني وأما حكمه فقد يكون قطعيا وقد يكون ظنيا ومثال ذلك من لظى قياس التأفيف على الضرب لأنا نعلم أن العلة الأذى ويعلم وجودها في الضرب مع أن ثبوت الحكم في التأفيف ظني لأنه مستعاد من دلالة اللفظ وقد قرر الإمام أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين منها لتوقفها على الاحتمالات العشرة وهيهات أن توجد ذلك والثاني ظني كما","vol":"3","page":24},{"text":"إذا كانت إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة كقياس التفاح على البر في الربا فإن الحكم بأن الطعم هو العلة ليس قطعيا لاحتمال أن يكون الكيل أو القوت\nقال \"فيكون الفرع بالحكم أولى التحريم الضرب على تحريم التأفيف أو مساويا كقياس الأمة على العبد في السراية أو أدون كقياس البطيخ على البر في الربا\"\nالبحث الثاني في حكم الأصل فثبوت حكم الأصل أما أن يكون يقينا قال الإمام فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أقوى منه لأنه ليس فوق اليقين درجة واعترض عليه النقشواني بأن اليقين قابل للاستبداد والضعف وهذا الاعتراض بناء على أن العلوم تتفاوت وإن لم يكن يقينيا فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى من ثبوته في الأصل وذلك في النفي كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف الذي هو الأصل وفي الإثبات كقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ١﴾ فهذا يفيد تأدية ما دون القنطار بطريق أولى وقد يكون مساويا كقياس الأمة على العبد في السراية في قوله ﷺ: \"من أعتق شركا له في عبد قوم عليه نصيب شريكه٢\" إذ لا تفاوت بين الأصل والفرع في هذا الحكم وهذا هو المسمى بالقياس في معنى الأصل وقد يكون أدون قال الإمام وذلك كجميع الأقيسة التي يتمسك بها الفقهاء في مباحثهم قال وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون فلا ينحصر ومثل المصنف لهذا القسم بإلحاق البطيخ بالبر في الربا بجامع الطعم مع احتمال كون العلة الكيل أو القوت هذا تقرير ما ذكره الإمام وهو الذي\n_________\n١ سورة ىل عمران آية \"٥٧\"\n٢ رواه الجماعة والدارقطني بلفظ: \"من أعتق شركا في عبد وكان له مال يبلغ ثمن قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطي شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عليه\" وفي رواية للبخاري: \"من أعتق شركا له في مملوك وجب عليه أن يعتق كله إن كان له مال قدر ثمنه يقام قيمة عدل ويعطي شركاءه حصصهم ويخلي سبيل المعتق\" \"نيل الأوطار٦/٢٠٧\" ط بيروت","vol":"3","page":25},{"text":"أورده المصنف وسائر أتباع الإمام وقد علمت به سداد كلام الإمام وأتباعه وخطأ من اعتقد تناقض كلامه حيث جعل في البحث الأول قياس الضرب على التأفيف مقدماته قطعية وجعله هنا ظنيا كالنقشواني وغيره وسبب الخطأ أن القياس إنما يكون قطعيا إذا كان الحكم في الأصل كذلك وهذا ليس بشيء فقد تقطع بمساواة الشيء للشيء في حكمه المظنون كما عرفت في البحث الأول ولك أن تنظر ذلك بإجماعهم على إلحاق الخالة بالخال في الإرث مع اختلافهم فيه وإذا وضح هذا فإن قلت تقسيم القياس إلى أدون أن أردتم به أن يكون ما في العلة الموجودة في الفرع من المصلحة دون ما في الأصل فلا نسلم حينئذ جواز القياس لأن شرطه وجود العلة بكمالها في الفرع وإن أردتم شيئا آخر فعليكم بيانه قلت أردنا شيئا آخر وهو عدم القطع بأن ما ظن عليته علة كالطعم فإن القائل بعليته في الربويات ليس قاطعا بمقالته لاحتمال أن تكون العلة الكيل أو القوت فإذ جئنا إلى قياس التفاح على البر قلنا هو مساواته في الطعم وثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر لأن البر مكيل مقتات مطعوم فهو ربوي على كل الاحتمالات والتفاح ربوي على احتمال واحد وهو كون العلة الطعم والثابت على كل الاحتمالات أقوى من الثابت على احتمال واحد\nقال \"قيل تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا ويكذبه قول الملك للجلاد اقتله ولا تستخف به قيل لو ثبت قياسا لما قال به منكره قلنا القطعي لم ينكر قبل نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى كقولهم فلان لا يملك الحبة ولا النقير ولا القطمير قلنا أما الأول فلأن نفي الجزء يستلزم نفي الكل وأما الثاني فلأن النقل فيه ضرورة ولا ضرورة ههنا\"\nتقدم على الشرح ما ينبغي تقديمه ثم نلتفت إليه فنقول اتفق الأصوليون على أنه لا مستند لثبوت الحكم في القسم الثالث وهو القياس الأدون إلا القياس وأما القسم الثاني وهو قياس المساواة فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت بالقياس أيضا وذهب الحنفية إلى أنه غير ثابت به بل الاستدلال أي هو استدلال على تحرير مناط للحكم وحذف الحشو منه على درجة الإعداد ولهذا","vol":"3","page":26},{"text":"أوجبوه على من أفطر في رمضان في الأكل والشرب والكفارة اعتبار بالمجامع فيه لكن لا لطريق القياس عليه إذا القياس لا يجري عندهم في الكفارات ولكن لطريق الاستدلال\n\"وأما القسم الثالث\" وهو قياس الأولى وفيه كلام المنصف وفيه مذهبان أحدهما\nأنه ثابت فيه بالدلالات اللفظية ثم اختلف القائلون بذلك على مذهبين أحدهما أنه من باب المنطوق وهو المشار إليه يقول صاحب الكتاب قيل تحريم التأفيف إلى آخره والثاني أنه من باب المفهوم الموافقة واختاره المصنف في الفصل التاسع من الكتاب الأول وكذلك الإمام\nوثانيهما أنه ثابت فيه بالقياس القطعي واختاره المصنف هنا تبعا للإمام وقد نقل إمام الحرمين في البرهان القول بأنه من باب المفهوم عند معظم الأصوليين وعبارته صار معظم الأصوليين أن هذا ليس معدودا من أقسام الأقيسة بلى هو متلقى من مضمون اللفظ المستفاد من تنبيه اللفظ وفحواه كالمستفاد من صيغته ومعناه ومن يسمي ذلك قياسيا فمتعلقه أنه ليس مصرحا به والأمر في ذلك قريب انتهى وإنما نقلنا هذه العبارة بنصها لوقوع غلط بعض الشارحين في النقل عين البرهان وكلام الغزالي نحو من كلام البرهان لكن استبعد تسمية قياسا قال لأنه لا يحتاج إلى فكر واستنباط علة وصرح بأنه مقطوع عند من سماه قياسا ومن لم يسمه وقد حكى بعض الشراح قولا رابعا أنه ثابت بالقياس الظني وهذا وهم سببه ما تقدم فإن قلت هل من تناف بين ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف ثابتا بهما جميعا قلت قد يظن ظان عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتا عنه والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق وهذا ما زعم صفي الدين الهندي أنه حق وقال الدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة ولا التضمن وينافي القياس وقد يقول قائل هما متنافيان معتضدا بأن المفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ البتة وما قاله الهندي ممنوع غير أن هذا إن كان قياسا فهو من الأقيسة الظاهرة التي تحتاج إلى فكر واستنباط ولكونه كذلك ظن الخصم خروجه عن أبواب والقياس ألحقه بالمفاهيم وهو لعمري","vol":"3","page":27},{"text":"مصيب ولكن مستند المصنف وأمامه من جعله قياسا ما فيه من الأصل والفرع والعلة الجامعة١ جئنا إلى كلام المصنف فنقول احتج القائل بأن تحريم لا لذ التأفيف يدل لفظا على تحريم أنواع الأذى بثلاثة أوجه أحدها أن ولا تقل لها أف وأن كان موضوعا في اللغة للمنع من التكلم بلفظ أف ولكن نقل عرف إلى المنع من أنواع الأذى لتبادر الفهم إليه فيدل بالعرف على تحريم أنواع الأذى ويكذب ذلك قوله الملك للجلاد حيث أمره بقتل عدوه اقتله ولا تستخف به ولو دل نفي الأدنى على نفي الأعلى عرفا للزم من قوله ولا تستخف به النهي عن قتله وذلك مناقض لصريح قوله ولقائل أن يقول إن كان بقتله من ذي الأنفة والأنفس الأبية فالاستخفاف عنده أشد وقعا من القتل وكذلك قتل كثير من الملوك أنفسهم حيث أيقنوا بالأسر في يد العدو مخافة الاستخفاف فهو حينئذ ناه عن الأعلى آمر بالأدنى سلمنا ذلك النهي عن الاستخفاف إنما يدل على النهي عن القتل عرفا إذا لم يتقدم ما يناقضه كما في محل النزاع وهو صورة التأفيف وجاز أن يتقدم التصريح بخلاف الظاهر فقد وضح بطلان هذا الجواب وأجيب أيضا بأن النقل خلاف الأصل وضعفه النقشواني معتلا بأنه إذا ثبت كثرة الاستعمال والتبادر إلى الفهم فلا يفيد التمسك بهذا الأصل الوجه الثاني أن لو كان مستفادا من القياس لما وافق عليه منكر القياس وأجاب بأن هذا قياس جلي ومن أنكر القياس إنما أنكر الخفي وهو جواب ضعيف فإن بعضهم أنكر القياس مطلقا جليا كان أم خفيا كما تقدم أول الباب بل الجواب الصحيح أن يقال إنما قال به منكر القياس لكونه عنده مفهوم موافقة لا لكونه قياسا الثالث أن نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى كقولهم فلان لا يملك الحبة فإنه يدل على أنه لا يملك أكثر منها وكذا قولهم لا يملك\n_________\n١ إطلاق القياس علي مفهوم الموافقة يبطل اشتراطهم عدم كون دليل حكم الأصلي شاملا لحكم الفرع في القياس لأن دليل حكم المنصوص عليه شامل لحكم مفهوم الموافقة فيكون هذا الشرط مخرجا له وقد فرض أنه منه بيطل إطباقهم علي تقسيم دلالة اللفظ إلي منطوق ومفهوم لأن القياس ليس من دلالة اللفظ والتحقيق أن الخلاف لفظي لأن مراد الشافعية تعدية الحكم إلي الفرع باعتبار وصف مناسب وإن كان ذالك الوصف المناسب في المفهوم شرطة لتناوله لغة لا أن يثبت به الحكم حتي يكون قياسا شرعيا هامش الطبعة الأولي ص ٢٠","vol":"3","page":28},{"text":"النقير والقطمير يدل على أنه لا يملك شيئا البتة من غير نظر إلى القياس فكذا نفي التأفيف وأجاب بأن دلالة ذلك في كل المثالين إنما هو لأمر خارجي أما الأول فلأن الحبة جزء للأعلى ونفي الجزء يستلزم نفي الكل ولك أن تقول إن كانت الحبة إسما للواحد مما يزرع فليست جزءا لكل ما هو أعلى منها وأما الثاني فإنا نعلم ضرورة أن ليس المراد نفي النقير والقطمير بل نفي ما له قيمته فدعوى النقل فيهما ضرورية وأما فيما نحن فيه فلا ضرورة بنا إلى ذلك لجواز الحمل على المعنى اللغوي ولك أن تقول ما بك ضرورة إلى النقل مع جواز أن يكون نفي ما عدا النقير والقطمير من فحوى الخطاب\n\"تنبيه \" النقير النقرة التي على ظهر النواة القطمير ما في النواة كذا قاله في المحصول والمعروف وهو الذي في الصحاح أن القشرة الرقيقة هي القطمير وما في شق النواة الفتيل اهـ","vol":"3","page":29},{"text":"قال \"الرابعة القياس يجري في الشرعيات حتى الحدود والكفارات\"\nهذه المسألة معقود لبيان<span data-type=\"title\" id=toc-208> ما يجري فيه القياس </span>وما لا يجري وفيها أبحاث\n\"الأول\" أنه يجري في الشرعيات بمعنى أنه موجود فيها ويصح ذلك بوجوده في بعضها وتكون الألف واللام في قول المصنف الشرعيات للجنس دون العموم قال الغزالي فكل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه وليس المراد أنه يجوز إثبات جميع الشرعيات به فإن ذلك ممتنع خلافا لبعض الشاذين لنا أن القياس لا يتحقق إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل فحكم الأصل إن كان بغير القياس صح المدعى وهو أنها لم تثبت كلها بالقياس وإن كان بالقياس فالكلام فيه كالأول ويلزم إما الدور أو التسلسل وإن ثبت من الأحكام ما لا يعقل معناه كضرب الدية على العاقلة والقياس فرع تعقل المعنى قالوا الأحكام متماثلة لدخولها تحت الحكم الشرعي فيجب تساويها فيما جاز على بعضها من القياس قلنا قد يمتنع أو يجوز في بعض أفراد النوع أمر لأجل أمر اختص بذلك البعض ويكون المشترك بين جميع الأفراد بخلاف ذلك البعض في امتناع ذلك الأمر وجوازه","vol":"3","page":29},{"text":"\"فرع\" قال الجبائي والكرخي ومن تبعهما لا يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس وبنوا عليه أنه لا يجوز الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس والحق خلافه\n\"البحث الثاني\" أنه يجري في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات خلافا لأبي حنيفة لنا أن أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقا من غير فصل بين باب وباب ويخص المسألة ما روى الصحابة اجتهدوا في حد شارب الخمر فقال علي أراه ثمانين لأنه إذا شرب سكر وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون وهذا قياس في الحدود ثم لم ينكر عليه فكان إجماعا فإن قلت إن أردتم أن أدلة القياس تدل على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقا سواء أوجدت الأركان والشرائط أم لم توجد فهو ممنوع ظاهر الفساد وإن قلتم إن دلالتها عليه إنما هي عند حصول الشرائط فسلم لكن لا نسلم إمكان حصولها فيما نحن فيه سلمناه لكن لا نسلم حصولها فيما نحن فيه لأن الحدود والكفارات والتقدير أمور مقدرة لا يهتدي العقل إلى تعقل المعنى الموجب لتقديرها فلا نعقل فيها العلة والقياس فرع تعقل العلة وأما الرخص فهي منح من الله تعالى فلا يتعدى بها عن مواردها والجواب أنا نريد جريان القياس فيها عند حصول الأركان والشرائط قوله لا نسلم إمكان حصولها فيما نحن فيه قلنا الدليل عليه أن صريح العقل حاكم بأنه لا امتناع في أن شرع الشارع الحد أو الكفارة في صورة لأمر مناسب ثم إنه يوجد ذلك المناسب في صورة أخرى فليس وضع الحد والكفارة منافيا لهذا المعنى حتى يمتنع لأجله قوله سلمنا الإمكان لكن لا نسلم حصوله قلنا حينئذ ارتفع النزاع الأصولي ويكون الامتناع إنما هو بعدم حصول الشرائط والأركان ونحن لا نجوز القياس في شيء بدون حصول شرائطه وأركانه فأما ادعاؤكم بعد ذلك عدم حصوله فيها فذلك إنما يثبت بعد البحث والاستقراء عن كل واحدة من مسائلها فإن وجدت العلة صح القياس فيها وإلا فلا كغيرها من المسائل فلا فرق حينئذ بين مسائل هذا الباب وغيره من هذا الوجه فيجب التسوية في جريان القياس قوله الرخص منح من الله تعالى قلنا قال إمام الحرمين هذا هذيان فإن كلما تتقلب فيه العباد من المنافع فهي","vol":"3","page":30},{"text":"منح من الله تعالى ﷿ ولا يختص هذا بالرخص بل يعمم الشرائع بأسرها فكان ينبغي أن لا يجري القياس في شيء من أحكامها وأعلم أن الشافعي ﵁ ذكر مناقضتهم في هذا الباب فقال أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى عدوها إلى الاستحسان فأوجبوا الرجم بشهود الزوايا بالاستحسان مع مخالفته للعقل وأما الكفارات فقاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع\nوقتل الصيد ناسيا على قتله عامدا فإن قالوا إنما أثبتنا بالاستدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق قلنا فالاستدلال قياس إذ يجب فيه أن يقال حكم الأصل إما غير معلل أو معلل بالفارق أو المشترك والأولان باطلان وهذا هو القياس واستخراج العلة بالتقسيم وأما المقدرات فهو كتقدير النصب والزكاة والمواقيت في الصلاة فقد قاسوا فيها أيضا كما في تقديراتهم في الدلو والبئر حيث قالوا إذا ماتت الدجاجة في البئر تنزح كذا وفي الفأرة كذا وليس هذا التقدير عن نص ولا إجماع ولا أثر فيكون عن قياس ولو صح في البعض منها أثر كما يزعمه القوم فلا شك في أن ذلك لم يصح في جميع مسائلها فيكون القول بذلك في البعض الآخر قياسا وأما الرخص فبالغوا في القياس بأن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص ثم حكموا بذلك في كل النجاسات وانتهوا فيها إلى إيجاب استعمال الأحجار وقاسوا العاصي بسفره على المطيع مع أن القياس ينفي ترخصه إذ الرخصة إعانة والمعصية غير مناسبة لها\nقال \"وفي العقليات عند أكثر المتكلمين\"\nالبحث الثالث القياس في العقليات وقد ذهب إلى صحته أكثر المتكلمين وأنكره طائفة ومنه نوع يسمى إلحاق الغائب بالشاهد وبناء الغائب على الشاهد وما يجري مجراهما واتفق القائلون به على أنه لا بد فيه جامع عقلي وإلا لكان الجمع تحكما محضا ثم حصروا الجامع في العلة والحقيقة والشرط والدليل","vol":"3","page":31},{"text":"فالأول كقول أصحابنا كون الشيء يصح أن يكون مرئيا في الشاهد معللا بالوجود فكذا في الغائب ومثل إمام الحرمين والإمام له بقول أصحابنا إذا كانت العالمية شاهدا فيمن له العلم معللة بالعلم كانت في الغائب كذلك وهو غير مطابق لأن هذا جمع بالمعلول لا بالعلة فإنه جمع فيه بين الشاهد والغائب بالكون عالما وهو معلول العلم لا علته\nوالثاني كقولهم حقيقة العالم في الشاهد من له العلم فكذا في الغائب\nوالثالث كقول المعتزلة شرط صحة كون الشيء مرئيا في الشاهد أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل فكذا في الغائب وفيه نظر لأن هذا جمع بالمشروط لا بالشرط فإن كونه عالما وهو الذي وقع به الجمع مشروط لا شرط والرابع مثل الإتقان والتخصيص يدلان على العلم والإرادة في الشاهد فكذا في الغائب وادعى إمام الحرمين أنه باطل لأن الجمع بالعلة والحقيقة أقوى من الآخرين وهما باطلان لأن الجمع بهما مبني على القول بالحال فإن القائل به يقول كل صفة قامت بمحل فإنها توجب له حالا والحال صفة لموجود لا توصف بوجود ولا عدم فيجعلون الصفة القائمة بالمحل علة للحال والقول بالحال باطل عند جماهير أصحابنا والمعتزلة ووافقنا على بطلانه إمام الحرمين أخيرا وبسط ذلك في كتاب الكلام ثم المحققون على أن هذا القياس ظني قال الإمام الجمع بالعلة أقوى وهو غير مفيد للقطع لأن إفادته للقطع تتوقف على حصول القطع بأن علة الحكم في الأصل موجودة بتمامها في الفرع وهو صعب فإن الموجود في الفرع مع الموجود في الأصل لا بد وأن تغايرا بالتعين والهوية وإلا فهذا عين ذاك وذاك عين هذا فيكون كل واحد منهما عين الآخر فالاثنان واحد هذا خلف وإذا حصل التغاير بالتعين والهوية فلعل ذلك التعين في أحد الجانبين جزء العلة أو شرط العلة وفي الجانب الآخر يكون مانعا من العلية ومع هذا الاحتمال لا يحصل القطع نعم لو دل على أن ما به الامتياز لا مدخل له في اقتضاء العلة للحكم حصل القطع بثبوت الحكم لكن لا يكاد يوجد ذلك إلا في العقليات الحقيقية التي لا","vol":"3","page":32},{"text":"نختلف باختلاف تفسير اللفظ مثل العالم شاهدا من له العلم فكذا غائبا لأنا لا نعني بالعالم وهذا لا يختلف موجبه بحسب الواجب والممكن\nقال \"واللغات عند أكثر\"\nالبحث الرابع القياس في اللغات وقد أثبته القاضي أبو بكر وابن سريج وابن أبي هريرة وأبو إسحاق الشيرازي والإمام وكثير في فقهائنا وأهل العربية كالمازني والفارسي وابن جنى وذهب إمام الحرمين والغزالي ومعظم أصحابنا والحنفية إلى امتناعه وتبعهم الآمدي وابن الحاجب واتفق الكل على امتناع جريان القياس في أسماء الأعلام لأنها غير معقولة المعاني ولا هي دائرة بدوران وصف في محالها والقياس فروعهما فهي كالحكم تعبدي لا يعقل معناه فإن قلت قد شاع قولهم في العرف هذا سيبويه وهذا جالينوس وليس إلا بطريق القياس وإلا لم يحصل المدح بذلك\nقلت جاز أن يكون ذلك بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والتقدير حافظ الكتاب سيبويه وعلم جالينوس واتفقوا على امتناعه أيضا في أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الصفات كالعالم والقادر لأنها واجبة الاطراد نظرا إلى تحقق معنى الاسم فإن العالم من قام به العلم فإطلاقه على كل من قام به العلم بالوضع لا بالقياس إذ ليس قياس أحد المسلمين المتمثلين في المسمى على الآخر بأولى من العكس وإنما النزاع في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودا وعدما كالخمر فإنه اسم للمسكر المعتصر من العنب وهذا الاسم دائر مع الإسكار وجودا وعدما فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار وكإطلاق اسم السارق النباش بواسطة مشاركته للسارق من الإخفاء في أخذا المال على سبيل الخفية\nواسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج واحتج المجوزون بدوران تسمية المعتصر من العنب بالخمر مع الشدة المطربة فإنه يفيد ظن عليتها له فالعلم بوجودها في النبيذ يفيد كون ظنه مسمى بالخمر وحينئذ يلزم","vol":"3","page":33},{"text":"أن يثبت للنبيذ من الأحكام ما ثبت للخمر والجواب أن إفادة الدوران العلة إنما هو بمعنى الإمارة والعلامة لا بمعنى الداعي إذ لا مناسبة بين الاسم والمسمى وحينئذ لا يخلو الدوران عن المزاحم لأنه كما دار مع ما ذكرتم من الوصف فكذا مع خصوصية إسكار المعتصر من العنب والدوران لا يفيد الظن مع معارضة المزاحم فإن قلت لو كان لا يقعد معارضة مثل هذا الواجب أن لا يفيد في الشرعيات أيضا لعدم خلوه عنه قلت القاطع دل على جواز القياس في الشرعيات فعلمنا بذلك أن تلك الخصوصيات لا مدخل لها في إثبات تلك الأحكام ولا قاطع في اللغات يدل على جريان القياس فيها ولأن سلمنا أنه يظن العلية فما يجعله العبد علة لا يفيد الحكم أينما وجد كقول القائل أعتقت غانما لسواده لا يطرد في عبيده السود فلعل الواضع هو العبد وقول الإمام هنا بينا أن اللغات توقيفية مدخول باختياره التوقف واحتجوا أيضا بعموم قوله فاعتبروا وأجاب صفي الدين الهندي بأنه يقتضي وجوب القياس في اللغات ولا قائل به إنما الاختلاف في الجواز وفيه نظر لأنه إذا ثبت الجواز وجاء تحريم الخمر مثلا لزم من يقول بالقياس في اللغة أن النبيذ داخل تحت هذا المسمى فيجب عليه أن يعممها بالحكم الواحد الوارد على لفظ الخمر وبذلك صرح الإمام بقوله يلزم أن يثبت للنبيذ من الأحكام ما يثبت للخمر\nقال \"دون الأسباب والعادات كأقل الحيض وأكثره\"\nالبحث الخامس القياس في الأسباب وفيه مذهبان أحدهما وهو الذي زعم الإمام أنه المشهور وجزم به صاحب الكتاب واختاره الآمدي وابن الحاجب أنه لا يجري القياس فيها والثاني وبه قال أكثر الشافعية جريانه فيها مثاله قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد بجامع كونه إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا فجعل اللواط سببا وإن كان لا يسمى زنا واحتج الأولون بأن قياس الشيء على الشيء يقتضي أن يكون بينهما وصف مشترك وهو العلة فلو قسنا اللوط مثلا على الزنا فلا بد بينهما من وصف مشترك هو علة الموجبية والسببية وحينئذ يكون السبب ذلك المشترك لا ذلك الزنا على سبيل الخصوصية فلا يكون كل واحد من الزنا واللوط موجبا وسببا لأن الحكم","vol":"3","page":34},{"text":"باستناده إلى المشترك بينهما استحال أن يكون معه مستندا إلى خصوصية كل واحد منهما\nومن شرط القياس بقاء حكم الأصل وهو زائل لأن المقيس عليه حينئذ يخرج أن يكون مقيسا عليه فإذن جريان القياس في الأسباب يقتضي أن لا يكون السبب الذي هو أصل سببا هذا خلف ولا ينتقض هذا بالقياس في الأحكام لأن الأصل فيه غير موجب للحكم فإضافة الموجب إلى القدر المشترك بينه وبين الفرع لا ينافي كونه أصلا بخلاف السبب فإنه موجب للحكم فإضافة الموجب إلى القدر المشترك لا يجامع الإضافة إلى السبب الذي هو الأصل على سبيل الخصوصية فإن قلت الجامع بين الموضعين لا يكون له تأثير في الحكم بل في علية الوصف وأما الحكم فإنما يحصل من الوصف قلت ما صلح لعلية العلة كان صالحا لعلة الحكم فلا حاجة حينئذ إلى الواسطة وقد أجاب النقشواني عن هذا الاحتجاج بما تقريره أن يقال العلة الحقيقية هي الحكمة والحاجة كما هو مقرر في مكانه لكنها لما كانت غير مضبوطة وغير مقدرة في ذاتها جعل الوصف علة بمعنى أنه يعرف العلة المؤثرة فصلاحية الوصف للضبط وتعريف العلة المؤثرة بهذا المعنى هي العلة في جعله علة وبهذا لا تصلح الحكمة لعلية الحكم من غير واسطة الحكم والوصف معا\nويظهر حينئذ قوة السؤال الذي أورده وضعف الجواب فيقال نقيس اللواط على الزنا ونقول إن الزنا إنما أوجب الحد للوصف المشترك بينهما فعندي الموجبة من الزنا إلى اللواط وذلك لأن الزنا إنما صار موجبا وعلة لكونه معرفا للحكمة الموجبة للحد وهي الحاجة المناسبة إلى شرعيته واللواط يشارك الزنى في هذا المعنى فيلزم من كون الزنا علة معرفة كون اللواط كذلك وقوله على هذا التقدير يكون الموجب للحد إنما هو المشترك قلنا ممنوع فإن هذا المشترك الذي ذكرنا يصلح أن يكون علة لعلية الوصف لكن لا يصلح أن يكون علة للحكم على ما وضح ولأن سلمنا أن ذلك المشترك يكون علة للحكم لكن لم لا يجوز أن يكون علة لعلية الوصف أيضا فإنها تكون علة مؤثرة للحكم وعلة مؤثرة لصيرورة الوصف علة معرفة ويكون الحكم مستندا","vol":"3","page":35},{"text":"إلى ذلك المشترك استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استناد الشيء إلى المعرف له ولا يمتنع ذلك بل هو الواقع في سائر الأحكام فإن الحكم مستند إلى الحاجة استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استثناء الشيء إلى المعرف واعلم أن الحجاج في هذه المسألة طويل لا يحتمله هذا الشرح لا سيما وصاحب الكتاب أومى إلى الاختصار حيث اقتصر فيها على مجرد الدعوى والحق عندي جريان القياس فيها إن قلنا برجوع التشبيه إلى الأحكام الشرعية على ما تقدم ذلك في أوائل الكتاب فإنه حينئذ يشملها دلائل العمل بالقياس في الأحكام ثم إن اعترف الخصوم بمكان معرفة العلة وتعديتها ثم توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم كمين يقول نجري القياس في حكم الضمان لا في القصاص وفي البيع لا في النكاح وإن ادعوا الإحالة فمن أين عرفوا ذلك فإن قلت الأحكام مسلم في العقل لكنه غير واقع لأنه لا يتيقن الأسباب علة مستقيمة تتعدى قلت الآن قد ارتفع النزاع الأصولي إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا تفعل العلة أو لا تتعدى وهم قد ساعدونا على تجويز القياس حيث أمكن معرفة العلة وتعديتها فارتفع الخلاف وهذا ذكره الغزالي فذكرناه هنا وأما إن لم نقل برجوع السببية إلى الأحكام فعندي توقف\nالبحث السادس القياس في الأمور العادية والخلقية كأقل الحيض وأكثر وكذا الحمل والنفاس فقال المصنف لا يجري فيه القياس ونقله الإمام عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي والذي قاله الشيخ في شرح اللمع أن ما طريقة العادة إن كانت علته إمارة جاز إثباته بالقياس قال وذلك كالشعر هل يحل فيه الروح والحامل هل تحيض فإنا نستدل في مسألة الشعر والعظم بالنماء والاتصال ونقيس على سائر الأعضاء والخصم يقيس على أغصان الشجرة من حيث أنه لا يحس ولا يتألم وفي مسألة الحامل بأن الحمل لو منع دم الحيض لمنع دم الاستحاضة ألا ترى أن الصغر لما منع أحدهما منع الآخر فكذا الكبر والخصم يقول لو كان دم الحيض لانقضت به العدة وحرم الطلاق وإن لم يكن عليه أمارة كأقل الحيض وأكثره فلا يجوز إثباته بالقياس كما نقله","vol":"3","page":36},{"text":"الإمام لأن أشباهها غير معلومة لا قطعا ولا ظاهرا فوجب الرجوع فيها إلى قول الصادق قال الشيخ أبو إسحاق ومن استدل في هذا بالقياس عالما به فقد كذب على دين الله وفسق بذلك","vol":"3","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الباب الثاني في<span data-type=\"title\" id=toc-211> أركان القياس</span></span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>مدخل</span>\nأركان القياس\n...\n\"الباب الثاني في أركانه إذا ثبت الحكم في صورة لمشترك بينها وبين غيرها تسمى الأولى أصلا والثانية فرعا والمشترك علة وجامعا وجعل المتكلمون دليل الحكم في الأصل أصلا والإمام الحكم في الأول أصلا والعلة فرعا وفي الثانية بالعكس وبيان ذلك في فصلين\"\nأركان القياس أربعة الأصل والفرع والجامع بينهما وحكم الأصل وأما حكم الفرع فهو حكم الأصل بالحقيقة وإن كان غيره باعتبار المحل فلذلك لم تكن الأركان خمسة وقول الآمدي حكم الفرع ثمرة القياس وليس ركنا منه لأن الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس فلو كان ركنا منه لتوقف على نفسه مدخول فإن التوقف على صحة القياس هو العلم بثبوت الحكم في الفرع الذي هو ثمرة القياس لا نفس حكم الفرع ثم إن المصنف اكتفى بتعريف الحكم في أول الكتاب عن إعادته هنا وقد اختلف اصطلاح الأئمة في الأركان الثلاثة فذهب الفقهاء والنظار إلى ما صدر المصنف به كلامه فقالوا إذا ثبت الحكم في صورة كالذرة مثلا لأمر مشترك بينها وبين البر وهو الطعم سميت الأولى وهي البر أصلا والثانية وهي الذرة فرعا والمشترك وهو الطعم علة وجامعا وزعم الآمدي أن هذه المقالة هي لأشبه قال المتكلمون الأصل هو دليل الحكم أي النص الدال على ثبوت أن البر ربوي مثلا وضعف الإمام هاتين المقالتين\nأما الأولى فلأن أصل الشيء ما تفرع عليه غيره والحكم المطلوب إثباته في الذرة لا يتفرع على البر لأن البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم وهو تحريم الربا لم يمكن تفريع حرمة الربا في الذرة عليه ولوجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر أمكن تفريع الذرة عليه فإن الحكم المطلوب إثباته غير متفرع على البر بل على الحكم الحاصل فيه فلا يكون البر أصلا للحكم المطلوب\nوأما الثانية فمن هذا الوجه لأنا لو قدرنا كوننا عالمين حرمة الربا في البر","vol":"3","page":37},{"text":"بالضرورة أو بالدليل العقلي لأمكن تفريع الذرة عليه ولو قدرنا أن النص لم يدل على حرمة الربا في صورة خاصة لم يكن تفريع الذرة عليه تفريعا قياسا وإن أمكن تفريعا نصيبا ثم ذهب الإمام إلى رأي ثالث فقال الحكم أصل في محل الوفاق فرع في محل الخلاف والعلة فرع في محل الوفاق أصل في محل الخلاف فتحريم الربا في البر أصل وعلته وهي الطعم فيه فرع وفي الصورة الثانية وهي الذرة بالعكس فصار القياس عنده مشتملا على أصلين وفرعين باعتبار الصورتين المحل المقيس والمقاس عليه قال الإمام ولقول المتكلمين وجه لأن الحكم الحاصل في محل الوفاق أصل كما وضح والنص أصل لذلك الحكم فكان أصلا للأصل فحسنت لذلك تسميته بالأصل ولك أن تقول الكلام فيما هو أصل بالذات من غير وساطة شيء لا فيما هو أصل بالعرض ولقول الفقهاء وجه لأن النص والحكم يتوقفان على حصول المحل ضرورة وحصول المحل لا يتوقف عليهما قال النقشواني وقول الإمام في الرد عليهم البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم لم يمكن تفريع الذرة عليه ممنوع لأن المجتهد إذا تأمل حال البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم لم يمكن تفريغ الذرة عليه ممنوع لأن المجتهد إذا تأمل حال البر والذرة قبل ورود النص بتحريم الربا في شيء منهما ووجدهما مشتركين في الطعم وأنهما مما يتوقف البقاء عليهما وأن بيع بعضه ببعض متفاضلا فيه مفسدة فتلك المفسدة إن كانت موجبة لربا الفضل وجب حرمة ربا الفضل فيهما وإلا لعدم الفرق بينهما في هذا المعنى فقياسه قبل العلم بالنص وثبوت الحكم في أحدهما وقيل أن النص وجد كل واحدة من الصورتين صالحة لأن تكون أصلا وبعده تسمى المنصوصة أصلا لأن علمه بشمول هذا الحكم المعين إنما نشأ من حكم هذه الصورة بعينها فسميت أصلا بهذا الاعتبار وقوله لو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر أمكن تفريع الذرة عليه ممنوع لأنه لو ورد الشرع بروبية الحديد لم يفرع الذرة عليه لبعد الاشتراك في مناط الحكم قلت والمنع الأول حسن وأما الثاني ففيه نظر لأن الصورة الأخرى التي فرض الإمام وجود الحكم فيها لا بد وأن تشارك الذرة في العلة فإن فرضنا أن العلة وصف يشمل الحديد والذرة فلا نسلم بعد الاشتراك في مناط الحكم واعلم أن هذه أمور اصطلاحية لا طائل تحت المنازعة فيها والذي","vol":"3","page":38},{"text":"نقوله أن هناك أربعة أشياء أحدها البر والثاني النص الوارد بتحريم الربا فيه والثالث الحكم المستفاد من ذلك النص والرابع العلم به والحكم في الذرة ليس متفرعا عن البر من حيث هو بر وهذا هو واضح ولا عن الحكم من حيث هو حكم لأن تحريم الربا من حيث هو شيء واحد لا يختلف بالمحل وإنما إذا أخذ مضافا إلى محله فيمكن أن يقال إن الحكم في الذرة متفرع عن الحكم في البر ويمكن أن يقال إن الذرة مع ثبوت الحكم فيها يتفرع عن البر مع ثبوت الحكم فيه فالفقهاء نظروا إلى هذا والإمام نظر إلى الأول وهما متقاربان ونظر الفقهاء أقرب إلى الاصطلاح وأوفق لمجاري الاستعمال بين الجدلين ولقولنا القياس حمل معلوم على معلوم والمحمول المحل لا الحكم ولقول من قال القياس رد فرع إلى أصل لعلة جامعة والفرع والأصل هما المعلومان المذكوران في الحد ولو قال قائل إن المتفرع هو العلم بالحكم في الذرة عن العلم بالحكم في البر لكان أولى من قول الإمام وليس مخالفا لقول الفقهاء\nوبيان الأولوية أن الحكم قديم في الأصل والفرع والنص الوارد دال عليه والعلم به هو الذي اقتضى تعديته من محل ورود النص إلى الفرع وينبغي أن يحقق أنه هل يتعقل تفرع حكم الذرة على حكم البر وهما قديمان أولا يعقل بل هما سواء والتفرع في عملنا والأدلة الدالة على ذلك هذا موضع نظر يحتاج إلى زيادة فكر ثم قال الإمام وبعد التنبيه على هذه الاصطلاحات نساعد الفقهاء على مصطلحهم لئلا يفتقر إلى تغييره ثم أن المصنف لما بين الأركان الثلاثة على سبيل الإجمال تصدى لتبينها مفصلة فعقد لذلك فصلين","vol":"3","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>في العلة وتعريفها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>الطرف الأول: الطرق الدالة على العليلة</span>\n...\nقال \"الفصل الأول في العلة وهي المعرف للحكم قيل المستنبطة عرفت به فيدور قلنا تعريفه في الأصل وتعريفها في الفرع فلا دور \"\nإنما أفرد بيان العلة بفصل مقدم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما لكثرة تشعب الآراء عندها وعظم موقعها وتشتت المباحث فيها وقد اختلفت مقالات الناس في تفسيرها على مذاهب الأول وبه جزم المصنف واختاره الإمام.","vol":"3","page":39},{"text":"وأكثر الأشاعرة أنها المعرف للحكم وقد يقال العلامة والإمارة واعترض على هذا بأن المستنبطة لم تعرف إلا من الحكم لأن معرفة كونها علة للحكم تتوقف على معرفة الحكم ضرورة فلو عرف الحكم لها لتوقف العالم بالحكم عليها وهو دور وإنما قيدنا السؤال بالمستنبطة لعدم توقف معرفة العلة المنصوصة على معرفة الحكم لكونها معروفة من النص وأجاب بأن تعريف الحكم للعلة بالنسبة إلى الأصل وتعريف العلة للحكم بالنسبة إلى الفرع فلا دور لاختلاف المحل وقضية هذا القول أن تكون العلة عبارة عن معرف حكم الفرع فقط ولا فدخل لها في تعريف حكم الأصل لكونه حينئذ معلوما بالنص أو دليل آخر وبهذا اعترض عليه صفي الدين الهندي\nوقال يخدشه ما هو المشهور من قول أصحابنا من أن حكم الأصل معلل بالعلة المشتركة بينها وبين الفرع مع كونه على هذا القول غير معرف بها والمذهب الثاني أنها الموجب لا لذاته بل يجعل الشارع إياه موجبا للأحكام وهو رأي الغزالي\nوقال صفي الدين الهندي هو قريب لا بأس به والثالث وهو قول المعتزلة أنها المؤثر في الحكم بذاته وهو باطل لأنه مبني على التحسين والتقبيح ولأن الحكم قديم والوصف حادث فيستحيل تعليله به والرابع واختاره الآمدي وابن الحاجب أنها الباعث أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم وهو ضعيف لاستحالته في حق الله تعالى لأن من فعل فعلا لغرض فلا بد وأن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله وإلا لم يكن غرضا وإذ كان حصول الغرض أولى وكان حصول تلك الأولوية متوقفا على فعل ذلك الفعل كان حصول تلك الأولوية لله تعالى متوقفة على الغير فتكون ممكنة غير واجبة لذاته ضرورة توقفها على الغير فيكون كماله تعالى ممكنا غير واجب لذاته وهو باطل لا يقال حصول ذلك الغرض ولا حصوله وإن كان مستويا بالنسبة إليه فمتفاوت بالنسبة إلى غيره لأن حصوله لهم أولى فيفعله تعالى لا لغرضه بل لغرضهم وحينئذ لا يلزم منه استكمال ذاته تعالى","vol":"3","page":40},{"text":"بصفة ممكنة لأنا نقول فعله لذلك الفعل لتحصيل غرضهم إن كان أولى من لا فعله جاء حديث الاستكمال وإن لم يكن فتحصيل الغرض إن كان لتحصيل غرض آخر لهم كان الكلام فيه كالأول وتسلسل وإن لم يكن لغرض آخر لهم مع أنه ليس فيه أولوية استحال أن يكون غرضا\nوقد نجز من القول في هذه المسألة ما لا يحتمل هذا الشرح أطول منه وبقي سؤال يورد الشيوخ وهو أن المشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل واشتهر عن الفقهاء التعليل وأن العلة بمعنى الباعث وتوهم كثير منهم منها أنها باعثة للشرع على الحكم كما هو مذهب قد بينا بطلانه فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين وما زال الشيخ الإمام الوالد والدي ﵀ أطال الله عمره يستشكل الجمع بين كلاميهما إلى أن جاء ببديع من القول فقال في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه ورد العلل في فهم العلل لا تناقض بين الكلامين لأن المراد أن العلة باعثة على فعل المكلف مثاله حفظ النفوس فإنه علة باعثة على القصاص الذي هو المكلف المحكوم به من جهة الشرع فحكم الشرع لا علة له ولا باعث عليه لأنه قادر أن يحفظ النفوس بدون ذلك وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس وهو مقصود في نفسه وبالقصاص لكونه وسيلة إليه فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشارع وأجرى الله تعالى العادة أن القصاص سبب للحفظ فإذا فعل المكلف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص وانقاد إليه القاتل امتثالا لأمر الله به ووسيلة إلى حفظ النفوس كان لهم أجران أجر على القصاص وأجر على حفظ النفوس وكلاهما مأمور به من جهة الله تعالى\nأحدهما بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ١﴾\nوالثاني إما بالاستنباط وأما بالإيماء في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ٢﴾ وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة ومن هنا يتبين أن كل\n_________\n١ سورة البقرة \"١٧٨\"\n٢ سورة البقرة \"\"\"١٧٩\"","vol":"3","page":41},{"text":"حكم معقول المعنى فللشارع فيه مقصودان أحدهما ذلك المعنى والثاني الفعل الذي هو طريق إليه وأمر المكلف أن يفعل ذلك الفعل قاصدا به ذلك المعنى فالمعنى باعث له لا للشارع ومن هنا يعلم أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجرا من الحكم التعبدي فيه معنى آخر وهو أن النفس لاحظ لها فيه فقد يكون أجر الواحد يعدل الأجرين اللذين في الحكم غير التعبدي ويعرف أيضا أن العلة القاصرة سواء كانت منصوصة أم مستنبطة فيها فائدة وقد ذكر الناس لها فوائد وما ذكرناه فائدة زائدة وهي قصد المكلف فعله لأجلها فيزداد أجره فانظر هذه الفائدة الجليلة واستعمل في كل مسألة ترد عليك هذا الطريق وميز بين المراتب الثلاث وهي حكم الله بالقصاص ونفس القصاص حفظ النفوس وهو باعث على الثاني لا على الأول وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة وحفظ العقل باجتناب المسكر فشد يديك بهذا الجواب\nقال \"والنظر في أطراف الأول في الطرق الدالة على العلية الأول النص القاطع كقوله تعالى كيلا يكون دولة وقوله ﵇ \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\" وقوله إنما \"نهيتكم عن لحم الأضاحي لأجل الدافة\"\nالمراد بالنص كما قال الإمام وغيره ما كانت دلالته ظاهرة سواء كانت قاطعة أم محتملة وتقسيم المصنف النص إلى قاطع وظاهر يخالف ما تقدم منه في تقسيم الألفاظ من جعل الظاهر قسيما للنص لا قسما منه وحاصله ما ذكره هنا أن النص على قسمين الأول القاطع وعبر عنه الآمدي والهندي وغيرهما بالصريح وله ألفاظ منها كي كقوله تعالى في الفيء ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً١﴾ أي إنما وجب تخميسه كيلا يتداوله الأغنياء منكم فلا يحصل للفقراء شيء ومنها لأجل كذا أو من أجل كذا كقوله ﵇ \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر٢\" رواه البخاري ومسلم وقوله: \" إنما نهيتكم من\n_________\n١ سورة الحشر آية \"٧\"\n٢ حديث صحيح أخرجه البخاري كتاب الإستئذان من أجل البصر \"٨/٦٦\" من حديث سهل ابن سعد الساعدي كما أخرجه الترمذي \"تحفة الأحوذي\" ٧/٤٨٨-٤٩٠\" كما رواه مسلم في صحيحه","vol":"3","page":42},{"text":"أجل الدافة التي وفت فكلوا وادخروا١\" رواه مسلم وأبو داود والنسائي أي لأجل التوسعة على الطائفة التي قامت المدينة أيام التشريق والدافة القافلة السائلة ومنها لعلة كذا أو لسبب أو لمؤثر أو لموجب وإهمال المصنف ذلك لكونه في معنى لأجل\nقال والظاهر اللام كقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فإن أئمة اللغة قالوا اللام للتعليل وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ وقول الشاعر\nلدوا للموت وابنوا للخراب\nللعاقبة مجازا وأن مثل ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة مبليا والباء مثل فبما رحمة من الله لنت لهم\nالثاني من قسمي النص الظاهر وهو اللام وأن الباء أما اللام فكما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ٢﴾ فإن أهل اللغة نصوا على أنه للتعليل وإنما لم يكن صريحا لاحتمال الاختصاص أو الملك وغير ذلك قوله وفي قوله هذا جواب عن سؤال مقدار تقريره اللام ليست للتعليل كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ٣﴾ فإن ذلك ليس عرضا بالإجماع فإن الناس على قولين منهم من لم يعلل أفعال الله لشيء أصلا ومنهم من يعللها بالمصالح فأما تعليلها بالمضار والعقوبات فلم يقل به عاقل ولقول الشاعر ٤\nله ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب\n_________\n١ أخرجه البخاري كتاب الأضاحي باب:ما يؤكل من لحوم الأضاحي \"٧/١٣٣-١٣٤\" ومالك في الموطأ \"١/٣٢١\"ومسلم \"٦/٨٠\" باب:بيان ماكان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي والترمذي \"تحفة الأحوذي٥/٩٩\" باب:في الرخصة في أكل الضاحي والنسائي كتاب الأضاحي باب:النهي عن أكلها \"٧/٢٠٥\"\n٢ سورة الإسراء آية \"٧٨\"\n٣ سورة الأعراف آية \"١٧٩\"\n٤ البيت لأبي العتاهية: إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان المتوفي سنة ٢١٠هـ وهو مطلع قصيدة له في الزهد \"ديوان أبي العتاهية ص ٢٣\" ط بيروت سنة ١٩٠٩م","vol":"3","page":43},{"text":"وذلك ليس للعلية إذا الولادة والبناء ليس لغرض الموت والخراب وجوابه أن اللام في هذه الأماكن مستعملة على جهة التجوز للعاقبة فإن عاقبة كثير من المخلوقات جهنم وعاقبة الولادة الموت والبناء للخراب والعلاقة بين العلة والعاقبة أن عاقبة الشيء مترتبة عليه في الحصول كترتب العلة الغائبة على معلولها واستعمالها على جهة المجاز لا ينفي كونها ظاهرة في التعليل الذي هو حقيقتها فإن قلت استعمالها في غير التعليل لا ينفي كونها ظاهرة فيه لو ثبت كونها حقيقة له لكن لم يثبت بعد فإنكم إنما استدللتم عليه بالاستعمال وعارضناه بمثله فليس الاستدلال بذلك الاستعمال على حقيتها في التعليل أولى من العكس\nقلت الاستدلال بما ذكرناه من الاستعمال أولى لموافقته قول أهل اللغة أنها للتعليل ولكونه أسبق إلى الفهم وأما إن فكقوله ﵊ في المحرم الذي وقصته ناقته \"ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا\" أخرجاه في الصحيحين وفي هذا الحديث جهتان يدلان على التعليل أن كما تقرر وترتيب الحكم على الوصف كما سيأتي في كلام المصنف إن شاء الله تعالى وأما الباء ففي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ١﴾\nفإن قلت أصل الباء للإلصاق فلم قلتم بأنها ظاهرة في التعليل قلت قال الإمام ذات العلة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الإلصاق هنا فحسن استعماله فيه مجازا لكن قال صفي الدين الهندي هذا مخالف لما ذكره غيره ولما أشعر به كلامه أيضا إذ صرح بأن دلالة اللام وأن والباء على التعليل ظاهرة من غير تفرقة بينها ثم إنه صرح بأن دلالة اللام حقيقة فأشعر بالتسوية في الدلالة ولأن دلالة المجاز لا تكون ظاهرة إلا بطريق علية الاستعمال أو القرينة فكان يجب عليه أن يقيد ظهور دلالته بغلبة الاستعمال لا في أصل الوضع\nقال \"الثاني الإيماء وهو خمسة أنواع\"\n_________\n١ سورة آل عمران آية \"١٥٩\"","vol":"3","page":44},{"text":"الأول ترتيب الحكم على الوصف بالفاء ويكون في الوصف أو الحكم وفي لفظ الشارع أو الراوي مثاله السارق والسارقة لا تقربوه طيبا زنا ماعز فرجم\nالثاني من الطرق الدالة على العلية الإيماء والتنبيه قال الآمدي وصفي الدين الهندي دلالته على العلية بالالتزام لأنه يفهم التعليل فيه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ قال الهندي إذ اللفظ لو كان موضوعا لها لم يكن دلالته من قبيل الإيماء بل كان صريحا وهذا الذي قالاه فيه نظر سنذكره وهو أنواع\nالأول أن يذكر حكما ووصفا وتدخل الفاء على أحدهما وهو أقسام أولها دخول الفاء على الوصف في كلام الشارع كقوله ﷺ:\"فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا١\"\nالثاني دخولها في كلام الراوي ولم يمثل له المصنف\nالثالث دخول الفاء على الحكم في كلام الشارع مثل ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا٢﴾\nالرابع دخولها عليه في كلام الراوي مثل زنا ماعز فرجم وقد تقدم الكلام على حديث زنا ماعز من التخصيص وليس فيه وقوع هذا اللفظ في كلام الراوي ومثاله أيضا سها رسول الله ﷺ فسجد\nقال الإمام يشبه أن يكون تقدم العلة على الحكم أقوى في الإشعار بالعلية من الثاني لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلة لأن الطرد واجب في العلل دون العكس وعكس النقشواني الأمر معترضا على الإمام بأنه إذا تقدم الحكم تطلب نفس السامع العلة فإذا سمع وصفا معقبا بالفاء سكنت\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس في المحرم الذي وقصته ناقته فمات فقال صلي الله عليه وسلم \"أغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا\" \"التاج ٢/١١٤-١١٥\"\n٢ المائدة آية \"٣٨\"","vol":"3","page":45},{"text":"نفسه عن الطلب وركنت إلى أن ذلك هو العلة وأما إذا تقدم معنى لم يعلم بعد حكمه مثل والسارق والسارقة فالنفس تطلب الحكم فإذا صار الحكم مذكورا فبعد ذلك قد يكتفي في العلة بما سبق إن كان شديد المناسبة مثل السارق والسارقة وقد لا يكتفي بل يطلب العلة بطريق آخر بأن يقول إذا أقمتم الصلاة فاغسلوا وجوهكم تعظما للمعبود وأما فيما إذ تأخر ذكر العلة فلا يجوز ذكر علة أخرى قال ولو ذكر علة عد مناقضا فكان الإشعار بالعلية على عكس ما قاله الإمام كيف وترتيب الحكم على الوصف عند الإمام يقتضي العلة وإن لم يكن مناسبا ويلزمه أن يقول إشعار قول القائل أما الطوال فأكرموهم بالعلة أقوى من أكرموا هؤلاء فإنهم طوال وليس كذلك لإمكان قول القائل في الأول لم أجعل الإكرام علة دون الثاني وأما قول الإمام إشعار العلة بالمعلول أقوى فهذا لا يتأتى إلا في شيء عرف كونه علة قبل الكلام أو قبل الحكم أما ما كانت العلة فيه مستنبطة من ذلك الكلام فلا يتأتى فيه ما ذكر الثانية ما ورد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ فهو أقوى دلالة على العلية من كلام الراوي لتطرق احتمال الخطأ إليه دون الله ورسوله وجعل الآمدي الوارد في كلام الله أقوى من الوارد في كلام رسوله والحق مساواتهما لعدم احتمال تطرق الخطأ قاله الهندي وهو صحيح وما كان من كلام الراوي الفقيه أقوى مما هو من كلام من ليس بفقيه.\nالثالثة استدل الآمدي على إفادة هذا النوع من الإيماء العلية بأن الفاء للتعقيب ودخولها على الحكم بعد الوصف يقتضي ثبوت الحكم عقب الوصف ويلزم كون الوصف سببا إذ لا معنى لسببيته إلا ثبوت الحكم عقيبه\nوقد ذكر الهندي هذا التعليل واعترض عليه بأنا نسلم أن كل سبب يعقبه الحكم لكن لا نسلم أن كل ما يعقبه الحكم سبب فإن القضية الكلية لا تنعكس كنفسها وهو اعتراض صحيح ثم هذا الدليل على ضعفه يختص بدخولها على الحكم بعد الوصف دون عكسه\nوقد جعل ابن الحاجب دلالة الأقسام التي ذكرناها في هذا القسم من باب","vol":"3","page":46},{"text":"الصريح دون الإيماء والحق عندي في هذا أن يقال ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية بوضع اللغة ولم تضع العرب ذلك دالا على مدلوله بالقطع والصراحة بل بالإيماء والتنبيه ولا بدع في مثل هذا الوضع وإنما لم نجعله من باب الصريح لتخلفه في بعض محاله عن أن يكون إيماء وهو حيث تكون الفاء بمعنى الواو فكانت دلالته أضعف وإذا وضح هذا علمت أن دلالته ليست إلتزامية كما زعم الآمدي والهندي وهذا هو النظر الذي أشرنا إليه أول الفصل وإنها ليست صريحة على خلاف ما ظن ابن الحاجب الرابعة قد يقال كيف يعتمد قول الراوي هنا مع جواز أن يكون ترتيبه للحكم على الوصف لفهمه أو ظنه ما ليس بعلة علة وقد قال الجمهور لا يعتمد قوله هذا منسوخ ولا عمله بخلاف ما رواه لاحتمال ذلك ولا قوله أمر رسول الله ﷺ عند بعض الأصوليين وقد يقال يعتمد قوله في فهم مدلولات الألفاظ كالرواية بالمعنى ويجاب بأن العمل بقوله هذا منسوخ يلزم منه رفع دليل ثابت بقول جاز أن يقوله عن اجتماد لا نراه بخلاف مثل قوله سها فسجد فإنه لا يلزم من إثبات هذا الحكم الذي جاءه به رفع دليل ثابت وكذا الآخذ بما رآه دون ما رواه وأما قوله أمر رسول الله ﷺ بكذا فالأكثرون على اعتماده والعمل به ومن لم يعتمده مستنده احتمال أن الحكم كان غير دائم وظنه دائما أو مختصا بواحد وظن عدم اختصاصه لا من جهة ظنه ما ليس بأمر أمرا فإن ذلك بعيد من العربي وحاصل هذا كله أن الراوي يرجع إليه في مدلولات الألفاظ لا في الاجتهاد والحق عندي في هذا أن يقال إن كان الراوي صحابيا اعتمد فهمه لأن الصحابة ﵃ كلهم فقهاء ومن صميم العرب وإن كان غير صحابي فالظاهر أيضا اعتماده إذا كان كذلك وإن كان ممن قد يخفى عليه أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية فلا يعتمد\n\"فرع ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية وقيل إذا كان مناسبا لنا لو قيل أكرم الجاهل وأهن العالم قبح وليس لمجرد الأمر فإنه قد يحسن فهو لسبق التعليل قيل الدلالة في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في الكل قلنا يجب دفعا للاشتراك\"","vol":"3","page":47},{"text":"اختلفوا في اشتراط المناسبة في الوصف المومى إليه فذهب الأكثرون إلى عدم اشتراطه١\nوقيل يشترط وتوجيه تفريع هذا الفرع على ما قبله أن يقال إذا ثبت أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية فهو يشترط مناسبة الوصف واستدل المصنف على أنه لا يشترط بأن القائل لو قال أكرم الجاهل وأهن العالم استقبح هذا الكلام منه عرفا وليس الاستقباح لمجرد الأمر بذلك فإن الجاهل قد يحسن إكرامه في الجملة لسبب أو دين أو غير ذلك\nوالعالم قد يحسن إهانته لفسق أو بخل أو غيره فثبت أن استقباح ذلك إنما هو لسبق الفهم إلى تعليل إكرام الجاهل بالجهل وإهانة العالم بالعلم لأن الأصل عدم غيره فيكون حقيقة في أن ترتيب الحكم على الوصف يقتضي العلية مطلقا واعلم أن عبارة الإمام أكرم الجهال وأهن العلماء وفهم علية الوصفين في هذه الصورة أسبق إلى الذهن من فهمه في قولنا أكرم الجاهل وأهن العالم لأنه قد يقال أنه في حالة الجمع يكون ناظرا إلى جهة الجهل والعلم دون الأفراد إذ يكون الشخص فيه مقصودا فإتيان المصنف بصيغة الإفراد أحسن إذ يلزم من ثبوته فيه ثبوته لك الصورة بطريق أولى\nوهكذا فعل الآمدي وقد اعترض الخصم على هذا الدليل بأن دلالته الترتيب على العلية في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في جميع الصور لأن المثال الجزئي لا يدل على الكلية فيحتمل أن يكون ذلك لخصوصية هذه الصورة\n_________\n١ في هامش النسخة المطبوعة ص \"٣٤\" \"بناء علي أن العلة بمعني المعرف وعلي هذا فلا امتناع في جعل الجهل علامة علي الإكرام والعلم علامة علي الإهانة إذ لم يكن هو الباعث بل الباعث شيء آخر وأعترض بان هذا معارض لم علم في شروط العلة من أنه يشترط في الإلحاق بها اشتمالها علي حكمه تبعث المكلف علي الإمتثال وتصح لإناطة الحكم وأيضا فإن العلة تستلزم الحكم وكيف يتأتي هذا مع عدل المناسبة والجواب:أن المراد أنه لا يشترط مناسبة ظاهرة وإن كان لابد منها في نفس الأمر وقيل: يشترط في الإيماء مناسبة الوصف المومأ إليه للحكم بناء علي أن العلة بمعني الباعث يعني أنها الباعث للشارع علي شرع الخكم وليس المقصود مجرد التعريف بل مع بيان وجه مشروعية الحكم إذ له دخل في العلية فلابد من معرفته حتي يكونالإيماء صحيحا\"أهـ مصححه","vol":"3","page":48},{"text":"وأجاب بأنه إذا ثبت في هذه الصورة لزم في جميع الصور وألا يلزم الاشتراك في هذا النوع من التركيب ولقائل أن يقول الترتيب تركيب والمركب غير موضوع عنده فأين لزوم الاشتراك سلمنا أنه موضوع ولكن إنما يلزم الاشتراك أن لو قلنا إنه يدل في غير هذه الصورة على شيء وفرق بين الدلالة على العدم وعدم الدلالة والاشتراك لازم على الأول الممنوع دون الثاني المسلم ولا يقال الترتيب الدال في هذه الصورة لا بد أن يدل على شيء في غيرها لأن ذلك مجرد دعوى\nقال \"الثاني أن يحكم عقيب علمه بصفة المحكوم عليه كقول الأعرابي واقعت يا رسول الله فقال اعتق رقبة لأن صلاحية جوابه تغلب ظن كونه جوابا والسؤال معاد فيه تقديرا فالتحق بالأول\"\nالثاني من أنواع الإيماء أن يحكم الرسول ﷺ بحكم في محل عند علمه بصفة فيه فيغلب على الظن أن تلك الصفة علة لذلك الحكم مثاله ما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا فقال أعتق رقبة وأصل الحديث في الكتب الستة كلها لكن بغير صيغة أعتق رقبة وبهذا الصيغة في سنن ابن ماجة فيظن أن الوقاع في نهار رمضان سبب لوجوب عتق الرقبة لأن ما ذكره الرسول ﵇ من الكلام يصلح أن يكون جوبا لهذا السؤال وصلاحيته لذلك تغلب على الظن كونه جوابا لأن الاستقراء يدل على أن الغالب فيما صلح للجواب أن يكون جوابا فإن قلت يحتمل أن يكون جوابا عن سؤال آخر أو ابتداء كلام أو زجرا له عن الكلام كقول السيد لعبده إذا سأله عن شيء اشتغل بشأنك قلت غلبة الظن توجب لحاق هذا الفرد بالأعم والأغلب ولأنه لو لم يكن جوابا لخلا السؤال١ عن الجواب ولزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وما يقال عليه لعله ﵇ عرف أنه لا حاجة للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلا يلزم تأخير البيان عن وقت\n_________\n١ جعله سؤالا باعتبار المقصود منه وإن لم يكن سؤالا بحسب الصورة أهـ مصححة","vol":"3","page":49},{"text":"الحاجة فهو احتمال مرجوح لكونه نادرا إذا الغالب في السؤال كونه وقت الحاجة وإذا كان ما ذكره الرسول ﵇ جوابا عن السؤال معاد في الجواب تقديرا١ فيصير تقدير الكلام واقعت فاعتق فيرجع إلى نوع ترتيب الحكم على الوصف بالفاء لكنه أضعف منه لأن الفاء وإعادة السؤال مقدر فيه والمقدر وإن ساوى المحقق في أصل الثبوت فلا يساويه في القوة وما وقع من هذا النوع في كلام الراوي فهو حجة أيضا لأن معرفة كون الكلام المذكور جوابا عنه أو ليس جوابا لا يحتاج إلى دقيق نظر وظاهر حال الراوي العدل لا سيما العارف أنه لا يجزم بكونه جوابا إلا وقد تيقن ذلك\nقال \"الثالث أن يذكر وصفا لو لم يؤثر لم يفد مثل إنها من الطوافين عليكم والطوافات ثمرة طيبة وماء طهور وقوله أينقض الرطب إذا جف قيل نعم فقال فلان إذن وقوله لعمر وقد سأل عن قبلة الصائم أرأيت لو تمضمضت بما ثم مججته\"\nإذا ذكر الشارع وصفا لو لم يؤثر في الحكم أي لم يكن علة فيه لم يكن لذكره فائدة دل على عليته إيماء وإلا كان ذكره عبثا ولغوا ينزه هذا المنصب الشريف عنه وهو على أربعة أقسام\nالأول أن يدفع السؤال في صورة الإشكال بذكر الوصف كما روي أن ﵇ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب فقيل إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرة فقال ﵇: \"إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات٢\" رواه الأربعة أصحاب السنن فلو لم يكن لكونها من\n_________\n١ الداعي إلي هذا التقرير تحقق الإقتران بين الوصف والحكم في كلام واحد اذا لإقتران بينها في كلامين غير معقول \"أهـ\" مصححة\n٢ رواه أبو داود: كتاب الطهارة باب: سؤر الهرة \"١/١٨\".والترمذي باب: سؤر الهرة \"تحفة الأحوذي ١/٣٠٧\"والنسائي كتاب الطهارة باب سؤر الهرة \"١/٤٨\". وفي بعض الروايات: \"أو الطوافات\" قال صاحب مطالع الأنوار يحتمل أن تكون للشك ويحتمل أن تكون للتقسيم ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث\" \"المجموع للنووي١/٢٢٦\"","vol":"3","page":50},{"text":"لطوافات أثر في طهارتها لم يكن لذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة\nالثاني أن يذكر وصفا في محل حكم لا حاجة إلى ذكره ابتداء فتعلم أنه إنما ذكره لكونه مؤثرا في الحكم كما روي أن النبي ﷺ قال ليلة الجن لابن مسعود: \"ما في أداوتك\" قال نبيذ قال: \"تمرة طيبة وماء طهور\" وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وابن ماجة قال القرافي في تعليقه على المنتخب وهذا المثال غير مطابق لأن ذكره ﵇ طيب التمرة ليس إشارة إلى العلة في بقاء الطهورية بل إلى عدم المانع والمعنى لو كانت التمرة مستقذرة أمكن أن تكون نجسة كمنع من بقاء الطهورية لكن ليست كذلك\nالثالث أن يسأل الرسول ﷺ عن شيء فيسأل ﵇ عن وصف له فإذا أخبر عنه حكم فيه بحكم كما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ وقد سأل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: \"أينقص الرطب إذا يبس\" قالوا نعم قال ﷺ: \"فلا إذن\" رواه الأربعة وقال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن خزيمة والحاكم فلو لم يكن نقصانه علة في المنع لم يكن للتقديم عليه فائدة وهو يدل على العلية بوجهين آخرين من حيث الفاء ومن قوله إذن فهي من صيغ التعليل وقد عدها ابن الحاجب مما يدل بالنص على العلية مثل من أجل كذا وشبه\nالرابع أن يسأل عن حكم فيتعرض لنظيره وينبه على وجه الشبه بينه وبين المسؤول عنه فيفيد أن وجه الشبه هو العلة كما روى أبو داود والنسائي أن عمر ﵁ قال هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم قال: \"أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم\" قلت لا بأس قال: \"فمه\" قال النسائي هذا الحديث منكر وقال أحمد بن حنبل ضعيف١ فنبه ﵇ بهذا على أنه لا يفسد الصوم بالمضمضة لمشابهتها للقبلة في أن كلا منهما وإن كان مقدمة للشرب والوقاع المفسدين فلم يحصل منه المطلوب من الشرب والوقاع وفيه إشارة إلى أركان القياس الأربعة لأنه عليه\n_________\n١ أصله صحيح أخرجه البخاري كتاب الصيام باب القبلة في الصوم كما أخرجه مسلم \"٣/١٣٤\" فقول النسائي \"هذا الحديث منكر\" غير مسلم","vol":"3","page":51},{"text":"السلام جعل المضمضة أصلا والقبلة فرعا وكون كل منهما مقدمة المفسد جامعا وعدم الإفساد حكما واعترض الآمدي على التمثيل بهذا الحديث بأنه ليس من قبيل ما نحن فيه إذ ليس فيه ما تتخيل أن يكون مانعا من الإفطار بل غايته أن لا يفطر قال بل هو نقض لما توهمه عمر ﵁ من إفساد مقدمة الإفساد قال الهندي وهو ضعيف لأن في قوله ﵇ أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه تنبيها على الوصف المشترك بين المضمضة والقبلة وهو عدم حصول المقصود منهما وهو يصلح للعلية لعدم اشتراط المناسبة في الوصف المومى إليه\nقال \"الرابع أن يفرق الحكم بين شيئين بذكر وصف مثل القاتل لا يرث وقوله \"إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد\"\nإذا فرق الشارع بين شيئين في الحكم بذكر صفة كان إيماء إلى علية الصفة وإلا لم يكن لذكرها معنى وهو ضربان\nأحدهما أن لا يكون حكم أحدهما مذكورا في الخطاب بل في خطاب آخر مثل قوله ﵇ \"القاتل لا يرث\" وقد تقدم الكلام على الحديث في الخصوص مع تقديم بيان إرث الورثة ففرق بقوله القاتل لا يرث بينه وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز جعله في نفي الإرث\nوثانيهما أن يذكر حكمهما في الخطاب وهو على خمسة أوجه اقتصر في الكتاب على الأول منها وهو أن يقع التفرقة بلفظ يجري مجرى الشرط كقوله ﵇ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ وهو في صحيح مسلم \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد١\" نهيه عن بيع البر بالبر متفاضلا والثاني أن يقع التفرقة بالغاية مثل ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ٢﴾ والثالث بالاستثناء ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ٣﴾ والرابع بلفظ يجري\n_________\n١ صحيح مسلم كتاب الربا:الصرف وبيع الذهب بالورق \"٤/٦٦-١٠٠بشرح النووي\"كما أخرجه ابن ماجة \"٢/١٥\" والإمام أحمد في مسنده \"٤/١٣١،٥/٢\".\n٢ سورة البقرة آية \"٢٢٢\"\n٣ سورة البقرة آآآية \"٢٣٧\"","vol":"3","page":52},{"text":"مجرى الاستدراك مثل ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ١﴾ يدل على علية التعقيد للمؤاخذة والخامس استئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر صالحة للعلية كقوله ﵇: \"للراجل سهم وللفارس سهمان٢\" وأعلم أن اعتماد هذين النوعين على أنه لا بد لتلك التفرقة من سبب ولذكر الوصف من فائدة وجعل الوصف سبب التفرقة فائدة\nقال \"الخامس النهي عن مفوت الواجب مثل وذروا البيع\"\nإذا نهى عن فعل يمنع الإتيان به حصول ما تقدم وجوبه علينا كان إيماء إلى أن علة ذلك النهي كونه مانعا من الواجب كقوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ٣﴾ فإنه لما أوجب السعي ونهى عن البيع مع علمنا بأنه لو لم يكن النهي عنه لمنعه من السعي الواجب لما جاز ذكره في هذه الموضع لكونه يخل بجزالة الكلام وفصاحته دل على إشعاره بالعلية وقد نجز القول في أقسام الإيماء الذي هو الثاني من الطرق الدالة على العلية ونعقبه إن شاء الله بالثالث وبالله التوفيق\nقال \"الثالث الإجماع كتعليل تقديم الأخ من الأبوين في الإرث بامتزاج النسبين\"\nإذا أجمعت الأمة على علية وصف الحكم ثبتت عليته له كإجماعهم على أن العلة في تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الإرث وهو امتزاج النسبين فيلحق به تقديمه في ولاية النكاح وصلاة الجنازة والحضانة والوصية لأقرب الأقارب والوقف عليه وتحمل الدية قياسا بجامع امتزاج النسبين فإن قلت قد وقع خلاف في المذهب في أكثر هذه الصور هل يستويان أو يقدم\n_________\n١ سورة المائدة آية \"٨٩\"\n٢ رواه أبو داود كتاب الجهاد باب فيمن أسهم له سهما واترمذي باب سهم الخيل \"تحفة الأحوذي ٦/١٦٣\"\n٣ سورة الجمعة آية \"٩\"","vol":"3","page":53},{"text":"الأخ من الأبوين كولاية النكاح وصلاة الجنازة وتحمل العقل والوصية والوقف وإنما لم يقع في الحضانة لأن الأنوثة في بابها أقوى من الذكورة ولذلك قال بعض الأصحاب بتساوي الأخ للأم والأخ للأب فكيف ذلك مع الإجماع قلت لا يلزم من إجماعهم على علية وصف أن لا يقع خلاف معها لجواز أن يكون وجودها في الأصل أو الفرع متنازعا فيه أو يكون في حصول شرطها أو منعها نزاع وهذا على رأي من يجوز تخصيص العلة وإنما لا يتصور الخلاف إذا وقع الاتفاق على ذلك كله\nقال \"الرابع المناسبة المناسب ما يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضررا\"\nعرف المناسب بأنه الذي يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضررا وغيره قال إنه الوصف المفضي إلى ما يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضرا وهما متغايران لأن المصنف جعل المقاصد أنفسها أوصافا وهذا التعريف هو قوله من يعلل أفعال الله تعالى بالمصالح١ والنفع عبارة عن اللذة وما كان طريقا إليها والضرر الألم وطريقه وقيل في حد اللذة إدراك الملايم والألم إدراك المنافي قال الهندي وهو لا يخلو عن شائبة الدور يعني لأن إدراك أحدهما يتوقف معرفته على إدراك الآخر وهذا فيه نظر إذ قد يدرك المنافي من لم يدرك الملايم ويعرفه وكذا العكس قال الإمام والصواب عندي أنهما لا يحدان لكونهما من الأمور الوجدانية أما من لم يعلل أفعال الله تعالى فقال المناسب الملايم لأفعال العقلاء في العادات\nقال \"وهو حقيقي دنيوي ضروري كحفظ النفس بالقصاص والدين\n_________\n١ قال في التوضيح وما أبعد عن الحق قول من قال: إنها غير معللة بها فإن بعث الأنبياء لإهتداء الخلق وإظهار المعجزات لتصديقهم فمن أنكر التعليل فقد أنكر النبوة وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ وأيضا لو لم يفعل لغرض أصلا يلزم العبث ودليلهم أنه فعل لغرض فإن لم يكن حصول ذالك لغرض أولي به من عدمه امتنع منه فغله وأن كان أولي كان مستكملا به فيكون ناقصا والجواب أنه إنما يكون مستكملا به لو كان الغرض راجعا إليه وهنا راجع إلي العبد بإختصار مصححه","vol":"3","page":54},{"text":"بالقتال والعقل بالزجر عن المكسرات والمال بالضمان والنسب بالحد على الزنا ومصلحي كنصب الولي للصغير وتحسيني كتحريم القاذورات واحروي كتزكية النفس وإقناعي بظن مناسبا فيزول بالتأمل فيه\"\nهذا تقسيم أول للمناسب المناسب إما حقيقي أو إقناعي الأول الحقيقي وهو إما لمصلحة تتعلق بالدنيا أو بالآخرة والمتعلق بالدنيا إما أن يكون في محل الضرورة وهو الضروري أو في محل الحاجة وهو المصلحي أولا في محل الضرورة ولا الحاجة بل كان مستحسنا في العادات فهو التحسيني فالضروري ما تضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس التي اتفقت الملل على حفظها وهي النفس والدين والعقل والمال والنسب فحفظ النفس بمشروعية القصاص قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ١﴾ وأما الدين فبقتال الكفار وعليه نبه قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ٢﴾ وأما العقل فبتحريم المسكرات\nوعليه نبه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ٣﴾ وأما حفظ المال فبالضمان على الغاصب والاختلاس والسرقة وأما النسب فبوجوب الحد على الزاني فهذه الخمسة هي الضرورية ويلتحق بها ما كان مكملا لها كتحريم البدعة والمبالغة في عقوبة المبتدع إليها وفي تحريم شرب القليل من المسكر ووجوب الحد فيه وفي حفظ النسب بتحريم النظر والمس وترتيب التعزير على ذلك وأما المصلحي فكنصب الولي للصغير فيمكن من تزويج الصغيرة لأن مصالح النكاح غير ضرورية ولكن واقعة في محل الحاجة فإنها داعية إلى الكفء الموافق وهو لا يوجد في كل وقت فلو لم يقيد بالنكاح لأوشك فواته لا إلى بدل ومثله تجويز الإجاره فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنة مالكها ببذلها عارية\nقال إمام الحرمين فمن قال الإجارة خارجة عن مقتضى القياس فليس على\n_________\n١ سورة البقرة آية \"١٧٩\"\n٢ سورة التةبة آية \"٢٩\"\n٣ سورة المائدة آية \"٩١\"","vol":"3","page":55},{"text":"بصيرة من قوله فإنها إن خرجت فخروجها عن الاستصلاح فهي خارجة على مقتضى الحاجة والحاجة أصل والاستصلاح بالإضافة إليه فرع انتهى ومراده بالاستصلاح كما نبه هو عليه الحمل على الأصلح والأرشد كاشتراط مقابلة الموجود بالموجود فليست الإجارة من الأقيسة الجزئية التي هي الاستصلاح لأنها مقابلة موجود بمعدوم\nقال إمام الحرمين وليس المراد بكونه قياسا جزئيا جريانه في شخص أو جزء ولكن الأصل الذي لا بد من رعايته الضرورة ثم الحاجة والاستصلاح في الوجوه الخاصة في حكم الجزء عند النظر في المصالح والضوابط الكلية انتهى وكالإجارة المساقاة لاشتغال بعض الملاك عن تعهد أشجاره والقراض وذكر بعضهم البيع في ذلك هذا القسم\nوقال إمام الحرمين تصحيح البيع آيل إلى الضرورة فإن الناس لم يبذلوا ما بأيديهم لجر ذلك إلا لضرورة ظاهرة فيلتحق بمشروعية القصاص واعلم أنه قد يتناهى بعض جزئيات هذا القسم فيخرج عنه إلى حد الضرورة كتمكين الولي من شراء الطعام والملبوس للصغير الذي في معرض التلف من الجوع والبر واستئجار المرضعة له ويلتحق بقسم المصلحي ما كان مكملا له كرعاية الكفاءة ومهر المثل في التزويج فإنه أفضى إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده وإن حصلت أصل الحاجة بدون ذلك وأما التحسيني فقسمان أحدهما وعلى ذكره اقتصر المصنف ما يقع على غير معارضة قاعدة معتبرة كتحريم القاذورات فإن نفرة الطباع عنها لقذارتها معنى يناسب حرمة تناولها حثا على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ومن هذا إزالة النجاسات فإنها مستقذرة في الجبلات واجتنابها أهم في المكارم والمرآت ولهذا يحرم على الصحيح أن يتضمخ المرء بالنجاسة من غير حاجة\nقال إمام الحرمين في البرهان والشافعي نص على هذا في الكبير ثم إنه في النهاية عند الكلام في وطئ المرأة في دبرها قال لا يحرم ويحرم أيضا على الصحيح لبس جلد الميتة ولا يجوز أن يلبس دابته جلد الكلب أو الخنزير وقال بعض الأصحاب بمنع الاستصباح بالدهن النجس وأما إيجاب الوضوء","vol":"3","page":56},{"text":"فليس ينكر العاقل ما فيه من إفادة النظافة والأمر بالنظافة على استغراق الأوقات يعسر الوفاء به فوظف الشرع الوضوء في أوقات وبنى الأمر على إفادته المقصود وعلم الشارع أن أرباب العمل لا يعتمدون نقل الأوساخ والادران إلى أعضائهم البادية منهم فكان ذلك النهاية في الاستصلاح ومحاولة الجمع بين تحصيل أقصى الإمكان في هذه المكرمة ورفع التضييق في التدنس والتوسخ إذا حاول المرء ذلك\nقال إمام الحرمين ولكن إزالة النجاسة أظهر في هذا من النظافة الكلية المترتبة على الوضوء من حيث أن الجبلة تستقذرها والمروءة تقتضي اجتنابها فهي أظهر من اجتناب الشث والغبرات قال ولهذا خص الشافعي ﵁ الوضوء بالنية من حيث التحق بالتعبدات العرية عن الأغراض وضاهى العبادات الدينية ومن هذا القسم التحسيني أيضا سلب أهلية الشهادة عن الرقيق لأجل أنها منصب شريف والعبد نازل القدر والجمع بينهما غير ملائم\nوأما سلب ولايته فهو محل الحاجة إذ ولاية الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا والعبد مستغرق بخدمة سيده فتفويض أمر طفله إليه إضرار بالطفل أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى قال الغزال وقول القائل سلب منصب الشهادة لخسة قدره ليس كقولنا سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه فان ذلك لا يشم منه رائحة مناسبة أصلا وهذا لا ينفك عن الانظام لو صرح به الشارع وليس تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى بل ذلك نقض على المناسب إلى أن يعتذر عنه\nوالمناسب قد يكون منقوضا فيترك أو يحترز عنه بعذر أو تعبد وكذلك تقييد النكاح بالولي فلو علل بقصور رأيها في انتفاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان مصلحيا في محل الحاجة ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها وفي نكاح الكفوء فهو رتبة التحسيني لأن الأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال وذلك غير لائق بالمروءة ففوضه الشرع إلى الولي حملا للخلق على أحسن المناهج وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو علل بالإثبات عند النزاع لكان واقعا في محل","vol":"3","page":57},{"text":"الحاجة ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر النكاح وتمييزه عن السفاح بإعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة على الجملة والثاني من قسمي التحسيني ما يقع على معارضة قاعدة معتبرة وذلك كالكتابة فإنها من حيث كونها مكرمة في العوائد مستحسنة احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة وهي امتناع معاملة السيد عبده وامتناع مقابلة الملك بالملك على صيغة المعارضة ولم يجز ذلك في الصرف المتقدم ولكن اختص ذلك الضرب بإيجاب الطهارة ولا تجب الكتابة على السيد على رأي معظم العلماء وحكى صاحب التقريب قولا أنها تجب إذا طلبها العبد ووجد السيد فيه خيرا وهذا تمام القول في المتعلق بالدنيا وأما المتعلق بالآخرة فكتزكية النفس ورياضتها وتهذيب الأخلاق المؤدي إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي الموصل إلى رضا الرحمن ﷾\nوبقي قسم ثالث لم يورده المصنف تبعا للإمام وهو ما يتعلق بمصالح الدارين معا وذلك ما يحصل برعياته بعض ما تقدم من مصالح الدنيا والآخرة كإيجاب الكفارات إذ يحصل بها الزجر عن تعاطي تلك الأفعال التي وجبت الكفارة بسببها ويحصل تلاقي التقصير وتكفير الذنب الكبير الذي حصل من فعلها واعلم أنه قد يقع في كل قسم من هذه الأقسام ما يظهر كونه منه وما يظهر كونه ليس منه وما يستوي الأمران فيه\nأما الأول فوجوب القصاص بالمثقل إذ يظهر أنه من المصالح الضرورية في حفظ النفوس لأنه لو لم يجب به القصاص لفات المقصود من حفظ النفوس لأن من يريد قتل إنسان والحالة هذه يعدل عن المحدد إلى المثقل درءا للقصاص عن نفسه والمثقل ليست فيه زيادة مؤنة على المحدد حتى يقال لا يكثر به القتل بسبب تلك المؤنة كما يكثر في المحدد فعدم وجوب القصاص فيه لا يفضي إلى الهرج والمرج بل المثقل أسهل من المحدد لوجوده غالبا من غير عوض\nوأما الثاني فكإيجاب القصاص على أحد الوجهين عندنا بالثقل بغرز الإبرة في غير مقتل بحيث لا يعقب ألما وورما ظاهرا وكذا إبانه فلقة خفيفة من","vol":"3","page":58},{"text":"اللحم على ما ذكره إمام الحرمين ونظائر ذلك فإنه يظهر منه أنه ليس من قبيل رعاية المصالح الضرورية إذ لا يفضي ذلك إلى الهلاك إلا نادرا فاشبه السوط الخفيف\nوأما الثالث فكإيجاب القصاص على الجماعة بقتل الواحد لاحتمال الحاقة بالمصالح الضرورية إذ لو لم نوجب ذلك لاستعان كل من أراد قتل إنسان بصديق يشاركه فتبطل فائدة شرعية القصاص واحتمال خروجه عنه لاحتياجه إلى مشاركة غيره والظاهر أن ذلك الغير لا يشاركه فلم تساو المصلحة هنا المصلحة في وجوب القصاص في المنفرد ولنزول هذا القسم عن الأول كان في المذهب قول استنبطه أبو حفص بن الوكيل من كلام الشافعي أن الجماعة لا يقتلون الواحد\nوقول آخر عن القديم أن ولي الدم يقتل واحدا يختاره من الجماعة ويأخذ حصة الآخرين ولا يقتل الجميع ولا خلاف عندنا في وجوب القصاص بالمثقل ولتعاليه عن الثاني كان الخلاف فيه أضعف منه في الثاني وقد نجز القول في تقسم الحقيقي وأما الاقناعي فهو الذي يظن مناسبته في بادئ الرأي وإذا بحث عنه حق البحث وضح أنه غير مناسب مثل تعليل بعض أصحابنا تحريم بيع الخمر والميتة والعذرة بنجاستها وقياس الكلب والسرقين عليها قال لأن كونه نجسا يناسب إذلاله ومقابلته بالمال في البيع يناسب إعزازه والجمع بينهما متناقض فهذا وإن تخيلت مناسبته أولا فليس الأمر كذلك لأن المعنى بكونه نجسا منع الصلاة معه ولا مناسبة بين بيعه واستصحابه في الصلاة كذا ذكره ولقائل أن يقول لا نسلم أن المعنى بكونه نجسا منع الصلاة معه بل ذلك من جملة أحكام النجس وحينئذ فالتعليل بكون النجاسة تناسب الإذلال ليس بإقناعي نعم مثال هذا استدلال الحنفية على قولهم إذا باع عبدا من عبدين أو ثلاثة يصح غرر قليل تدعو الحاجة إليه فأشبه خيار الثلاث فان الرؤساء لا يحضرون السوق لاختيار المبيع فيشتري الوكيل واحدا من ثلاثة ويختار الموكل ما يريد فهذا وإن تخيلت مناسبته أولا فعند","vol":"3","page":59},{"text":"التأمل يظهر أنه غير مناسب لأنا نقول لا حاجة إلى ذلك لأنه يمكنه أن يشتري ثلاثة في ثلاثة عقود بشرط الخيار فيختار منها ما يريد\nقال \"والمناسبة تفيد العلمية إذا اعتبرها الشارع فيه كالسكر في الحرمة أو في جنسه كامتزاج النسبين في التقديم أو بالعكس كالمشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط الصلاة أو جنسه في جنسه كإيجاب حد القذف على الشارب لكون الشرب مظنة للقذف والمظنة قد أقيمت مقام الظنون\nهذا تقسيم ثان للمناسب من جهة شهاب الشرع لاعتباره وعدم اعتباره فنقول المناسب إما أن يعتبره الشارع أو لا الضرب الأول ما علم اعتبار الشارع له والمراد بالعلم هنا ما هو أعم من الظن وبالاعتبار إيراد الحكم على وفقه لا التنصيص عليه ولا الإيماء إليه وإلا لم تكن العلية مستفادة من المناسبة وهو أربعة أحوال لأنه إما أن يعتبر نوعه أو في جنسه أو جنسه في نوعه أو جنسه\nالحالة الأولى أن يعتبر نوعه في نوعه ومثل له المصنف بالسكر في الحرمة أي أن حقيقة السكر إذا اقتضت حقيقة التحريم فإن النبيذ يلحق بها لأنه لا فارق بين العلتين وبين الحكمين إلا اختلاف المحلين واختلاف المحل لا يقتضي ظاهرا اختلاف الحاليين ومثاله أيضا قياس المثقل على الجارح في وجوب القصاص بجامع كونه قتلا عمدا محضا عدوانا وأنه عرف تأثير نوع كونه قتلا عمدا عدوانا في نوع الحكم الذي هو وجوب القصاص في النفس في المحدد\nالحالة الثانية أن يعتبر نوعه في جنسه وإليه الإشارة بقوله أو في جنسه الإخوة من الأب والأم لما اقتضت التقدم في الميراث قيس عليها التقدم في النكاح وما أشبهه والأخوة من الأب والأم نوع واحد في الموضعين إلا أن ولاية النكاح ليست مثل ولاية الإرث ولكن بينهما مجانسة في الحقيقة وهذا القسم دون الأول لأن المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقل من المقارن بين نوعين مختلفين\nالحالة الثالثة أن يعتبر جنسه في نوعه وإليه الإشارة بقوله أو بالعكس","vol":"3","page":60},{"text":"إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض إذا قيس على إسقاط الركعتين الساقطتين عن المسافر في الرباعية تعليلا بالمشقة فالمشقة جنس وإسقاط قضاء الصلاة نوع واحد يشتمل على صنفين إسقاط قضاء الكل وإسقاط قضاء البعض وقد ظهر تأثيرها في هذا النوع ضرورة تأثيرها في إسقاط قضاء الركعتين ولو فرض ورود النص بسقوط قضاء الصلاة على الحرائر الحيض وقسنا عليهن الإماء لكن ذلك من الحالة الأولى لظهور تأثير نوعه في نوع الحكم ومثال هذا القسم أيضا قولنا قليل النبيذ حرام وإن لم يسكر قياسا على قليل الخمر وتعليلنا قليل الخمر بأن ذلك يدعو إلى كثيره فهذا مناسب لم يظهر تأثير نوعه لكن ظهر تأثير جنسه إذ الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمها الشرع بتحريم الزنا وهذا القسم والذي قبله متقاربان لكن ذلك أولى لأن الإبهام في العلة أكثر محذورا من الإبهام في المعلول\nالحالة الرابعة وإليها الإشارة بقوله أو جنسته في جنسه اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم\nمثل ما روي أن عليا ﵁ أقام الشرب مقام القذف فقال أرأى أنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترض وأوجب عليه حد القذف إقامة لمظنة الشيء مقامه قياسا على الخلوة فإنها لما كانت مظنة الوطئ أقيمت مقامه في الحرمة ولقائل أن يقول كان الوفا بإقامة المظنة مقام المظنون أن يوجب الحد بالخلوة ولا قائل به وبتفريغ مظنة القذف على مظنه الوطئ أن يقال بتحريم ما هو مظنة القذف\nكما هو الواقع وكما هو في الأصل ولا يوجب الحد فإن فيه زيادة في الفرع على الأصل الذي هو إلحاق الخلوة بالوطئ إذ لم يلحق به في غير الحرمة ثم اعلم أن للجنسية مراتب فأعم الأوصاف كونها حكما ثم ينقسم الحكم إلى أقسامه من تحريم ومن إيجاب وغيره والواجب إلى عبادة وغيرها والعبادة إلى صلاة وغيرها وتنقسم الصلاة إلى فرض ونفل فما ظهر تأثيره في الفرائض أخص مما ظهر في الصلاة وهكذا وكذا في جانب الأوصاف أعم أوصافه كونه وصفا يناط به الأحكام حتى تدخل فيه الأوصاف المناسبة وغيرها","vol":"3","page":61},{"text":"وأخص منه المناسب الضروري وأخص منه ما هو كذلك في حفظ النفوس وبالجملة فإنما يلتفت إلى الأوصاف بعد ظن التفات الشرع إليها وكل ما كان التفات الشرع إليه أكثر كان ظن كونه معتبرا أقوى وكل ما كان الوصف والحكم أخص كان ظن كون ذلك الوصف معتبرا في حق ذلك الحكم آكد فيكون مقدما على ما هو أعم منه\nقال \"لأن الاستقراء دل على أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح لعباده تفضيلا وإحسانا فحيث ثبت حكم وهناك وصف ولم يعلم غيره ظن كونه علة\"\nهذا دليل على أن ما تقدم من المناسب يفيد العلية وتقريره أنا استقرينا أحكام الشرع فوجدناها على وفق مصالح العباد وذلك من فضل الله تعالى وإحسانه لا بطريق الوجوب عليه خلافا للمعتزلة فحيث ثبت حكم وهناك وصف صالح لعلية ذلك الحكم ولم يوجد غيره يحصل ظن أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم والعمل بالظن واجب وقد ادعى بعضهم الإجماع على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد قال وذلك إما بطريق الوجوب عند المعتزلة أو الإحسان عند الفقهاء من أهل السنة وهذه الدعوى باطلة لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام بالمصالح لا بطريق الوجوب ولا الجواز وهو اللائق بأصولهم وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة جماهير المتكلمين والمسألة من مسائل علمهم وقد قالوا لا يجوز أن تعلل أفعال الله تعالى لأن من فعل فعلا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى سواء كان ذلك الغرض يعود إليه أم إلى الغير وإذا كان كذلك يكون ناقصا في نفسه مستكملا في غيره ويتعالى الله سبحانه عن ذلك\nقال \"وإن لم يعتبر فهو المناسب المرسل اعتبر مالك\"\nتقدم الكلام في المناسب إذا اعتبره الشارع وإن لم يعتبره فوراء ذلك حالتان\nإحداهما أن لا يعلم أن الشارع اعتبره ولا الفاه وفيها كلام المصنف","vol":"3","page":62},{"text":"وذلك هو المناسب المرسل وقد قال به مالك بن أنس وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى مبسوطا في الكتاب الخامس فإن صاحب الكتاب هناك ذكره\nوالثانية ولم يذكرها المصنف أن يلغيه الشارع فهذا لا يجوز التعليل به باتفاق القياسيين ومثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان عليك صوم شهرين متتابعين فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بالاعتاق مع اتساع ماله قال لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر عتق رقبة في قضاء شهوته فكانت المصلحة عندي في إيجاب الصوم لينزجر فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بما اعتقده مصلحة وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصه بسبب تغير الأحوال ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم يحصل الثقة بقولهم للمستفتين ويظن الظان أن فتياهم بتحريف من جهتهم بالرأي فإن قلت قولكم آنفا هذه الحالة لم يذكرها المصنف مدخول لأنها داخلة في عموم قوله وإن لم يعتبر ولا يقال هي وإن دخلت في كلامه فلم يردها لعدم الاختلاف في بطلانها لأن ابن الحاجب قد جعل المرسل هو ما لم يعتبر سواء علم إلغاؤه أم لا ونقل بعضهم القول بالمرسل عن مالك فيعلم من ذلك إن كان مالكا يخالف فيما علم إلغاؤه أيضا قلت هذا التركيب غير صحيح لأن الذي نقل عن مالك أنه اعتبر المرسل لم يقل أن المرسل ما لم يعتبر سواء أعلم إلغاؤه كابن الحاجب صرح بوقوع الاتفاق على ما علم إلغاؤه\nوقد قال إمام الحرمين في باب ترجيح الأقيسة من كتاب الترجيح ولا نرى التعليق عندنا بكل مصلحة ولم ير ذلك أحد من العلماء قال ومن ظن ذلك بمالك فقد أخطأ انتهى فإذا كان مالك لا يرى التعليق بكل مصلحة مع أن من جملة ذلك ما لم يعلم إلغاؤه فكيف يقول بما علم إلغاؤه\nقال \"والغريب ما أثره هو فيه ولم يؤثر جنسه كالطعم في الربا والملائم ما أثر جنسه في جنسه أيضا والمؤثر ما أثر جنسه فيه\"\nهذا تقسيم للضرب الأول من المناسب وهو ما علم أن الشارع اعتبره وقد قسمه المصنف إلى غريب وملائم ومؤثر وعبارات المصنفين في التعبير عن","vol":"3","page":63},{"text":"هذه الأقسام مضطربة والأمر فيه قريب لكونه أمرا اصطلاحيا ونحن نأتي بما ذكره المصنف ونشير إلى قليل من كلام غيره فنقول الوصف إما أن يؤثر نوعه في نوع الحكم ولا يؤثر جنسه في جنسه أو يكون كذلك\nوالأول هو الغريب وهو معدول عند جماهير القياسيين وسمي بذلك لأنه لم يشهد غير أصله المعين باعتباره وذلك كالطعم في الربا فإن كل واحد من نوع الطعم يؤثر في نوع من الأحكام وهو حرمة الربا إذا بيع ذلك النوع بمثله كالبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر ولا يؤثر جنس هذه الأنواع وهو الطعم في جنس الربا وهو زيادة أحد العوضين على الآخر بدليل جواز بيع بعض الأنواع كالشعير مثلا ببعض آخر كالبر مثلا متفاضلا مع وجود الطعم فيهما\nوالثاني أن لا يكون كذلك فإما أن يكون أثر نوعه في نوع الحكم وجنسه أيضا في جنس الحكم أولا والأول الملائم وقد اتفق القياسيون على قبوله كالقتل العمد لعدوان في وجوب القصاص إذا أثر نوعه في وجوب القصاص الذي هو نوع من الحكم وكذلك جنسه وهي الجناية التي هي أعم من القتل حيث أثرت في جنس المؤاخذة وجوبا أو جوازا وذلك أعم من وجوب القصاص\nوالثاني أن يكون جنسه مؤثرا في نوع الحكم لا غير كالمشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط قضاء الصلاة على ما تقدم بيانه وكقياس الجمع بين الصلاتين في الحضر بعذر المطر على الجمع في السفر بجامع الحرج فإن جنس الحرج مؤثر في نوع الحكم وهو إباحة الجمع وكقياس من شذ من أصحابنا وجوز الجمع للمرض فهو المؤثر عند صاحب الكتاب وسماه غيره بالملائم وقال قوم المؤثر هو ما دل نص أو إجماع على عليته سواء كان مناسبا كما تقدم من الأمثلة أو غير مناسب كالمني لايجاب الغسل واللمس لنقض الوضوء وقالوا إنما يسمى بذلك لأنه ظهر تأثيره فلم يحتج مع ذلك إلى المناسبة وأما الإمام فإنه قال في تعريف الغريب والملائم ما قاله المصنف وقال في المؤثر عكس مقالته فجعله ما يكون الوصف فيه مؤثرا في جنس الحكم دون غيره كامتزاج النسبين مع تقديم الأخ من الأبوين وكالبلوغ","vol":"3","page":64},{"text":"فإنه يؤثر في رفع الحجر عن المال فيؤثر في رفعه عن النكاح دون الثيابة فإنها لا تؤثر في جنس هذا الحكم وهو رفع الحكم ثم قال الإمام إن ذلك إنما يتم بالمناسب أو السير\nقال \"مسألة المناسبة لا تبطل المعارضة لأن الفعل وإن تضمن ضررا أزيد من نفعة لا يصير نفعه غير نفع لكن يندفع مقتضاه\"\nإذا تضمن الوصف المشتمل على مصلحة مقتضية لمناسبته مفسدة هل يكون تضمنه لها موجبا لبطلان مناسبته فيه مذهبان\nأحدهما واختاره صفي الدين الهندي وابن الحاجب نعم\nوالثاني وبه جزم في الكتاب تبعا للإمام أنها لا تبطل واحتج عليه بأن الفعل إذا تضمن مصلحة ومفسدة فإما أن تترجح مصلحته على مفسدته فالراجح لا يبطل بالمرجوح أو تكون مساوية لها فيلزم الترجيح من غير مرجح أو انقص منها فالفعل وإن تضمن ضررا أزيد من نفعه لا يصير نفعه بذلك التضمن غير نفع ولا يخرج عن حقيقته غاية الأمر أن مقتضاه لا يترتب عليه وذلك غير قادح في المناسبة لأن انتفاء المانع شرط في ترتب المقتضى والمانع هنا موجود وقد اقتصر المصنف على هذا القسم الثالث لأن المناسبة إذا لم تبطل فيه بمعارضة المفسدة الراجحة لم تبطل في غيره بطريق أولى\nواعترض على هذا الدليل بأنا على تقدير كونها مساوية لها لا نسلم لزوم الترجيح من غير مرجح وهذا لأن إبطال مناسبة المصلحة بأعمال مناسبة المفسدة أولى لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح ولقائل أن يقول تقديم درء المفاسد على جلب المصالح عند التعارض إنما هو فيما إذا تساويا من حيث المصلحة والمفسدة أما لو ترجح جانب المصلحة مثل إن عظم وقعها وجل خطبها على جانب المفسدة فإن حقر أمرها وقل فلا نسلم هنا أن درء هذه المفسدة أولى من جلب تلك المصلحة ولعل هذه الحالة هي المرادة بالمساواة في الدليل وإلا فعلى تقدير مطلق كونها مصلحة مع كونها مفسدة أين المساواة مع ترجح درء المفاسد واعترض عليه أيضا بأن العقلاء يعدون فعل ما فيه مفسدة","vol":"3","page":65},{"text":"مساوية للمصلحة عبثا وسفها فإن من سلك مسلكا يفوت درهما ويحصل آخر مثله وأقل منه عد عابثا وسفيها وأعلم أن كل من قال بتخصيص العلة يقول ببقاء المناسبتين للمصلحة والمفسدة لأن القول بإحالة انتفاء الحكم على تحقق المانع مع موجود المقتضي إما أن يكون مناسبته راجحة أو مساوية أو مرجوحة فإن كان الأول أو الثاني فقد لزم منه تحقيق مناسبة المقتضى المرجوحة أو المساوية وإلا فقد كان الحكم منتفيا لانتفاء المقتضى لا لوجود المانع فإن المقتضى إذا لم يكن مناسبا لم يكن مقتضيا فكان الانتفاء مضافا إليه لأن إضافة انتفاء الحكم إلى عدم المقتضى أولى من إضافة انتفائه إلى وجود المانع ولكنه خلف إذ التقديران انتفاء الحكم إنما هو لوجود المانع وإن كان الثالث فلأنه لا بد أن يكون المانع مناسبا لانتفاء الحكم إذ لو جاز انتفاء الحكم بما ليس بمناسب للانتفاء لجاز ثبوته بما ليس مناسب للثبوت مع عدم جهة أخرى للعلية ويلزم من ذلك القول ببقاء المناسبة المرجوحة مع المعارضة إذ الغرض أن مفسدة المانع مرجوحة وأما من لم يقل بتخصيص العلة فهم المختلفون في المسألة\nقال الخامس الشبه القاضي المقارن للحكم إن ناسبه بالذات كالسكر للحرمة فهو المناسب أو بالتبع كالطهارة لاشتراط النية فهو الشبه وإن لم يناسب فهو الطرد كبناء القطرة للتطهير وقيل ما لم يناسب إن علم اعتبار جنسه فهو المناسب وإلا فالطرد\nاسم الشبيه ينطلق على كل قياس فإن الفرع يلحق بالأصل بجامع يشبهه فيه فهو إذن تشبيه ولكن اصطلح على تسمية بعض الأقيسة به وقد اختلف في تعريف الشبه المصطلح على مقالات ذكر منها المصنف مقالتين\nالأولى مقالة القاضي أبي بكر وهو مقتضى إيراد إمام الحرمين في البرهان أن الوصف المقارن للحكم إما أن يناسبه بالذات فهو المناسب كالسكر للتحريم إذ السكر مناسب بالذات لتحريم المسكر أولا فإما أن يناسبه بالتبع أي بالالتزام فهو الشبه كالطهارة لاشتراط النية فإن الطهارة من حيث هي لا يناسب اشتراط النية لكن يناسبها من حيث أنها عبادة والعبادة مناسبة","vol":"3","page":66},{"text":"لاشتراط النية أو لا يناسبه مطلقا فهو الطرد وهو حكم لا يعضده معنى ولا شبه كقول بعضهم الخل مايع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تزال النجاسة به كالدهن فكأنه علل إزالة النجاسة بالماء بأنه تبني القنطرة على جنسه واحترز عن الماء القليل وإن كان لا تبنى القنطرة عليه لأنه يبنى على جنسه فهذه علة مطردة لا نقض عليها وليس فيها خصلة سوى الاطراد ويعلم أنها لا تناسب الحكم ولا تستلزم ما يناسبه فإنا نعلم أن الماء جعل مزيلا للنجاسة بخاصة وعلل وأسباب يعلمها الله تعالى وإن لم نعلمها ويعلم أن بناء القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها وقد علم من هذا التقسيم أن الشبه هو الوصف المقارن للحكم المناسب له بالتبغ دون الذات وإن شئت قلت المستلزم لما يناسبه وهو الذي نقلوه عن القاضي كما عرفت والذي رأيته في مختصر التقريب والإرشاد من كلامه أن قياس الشبه إلحاق فرع بأصل لكثرة أشباهه للأصل في الأوصاف من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه الفرع فيها الأصل علة حكم الأصل\n\"المقالة الثانية\" أن الوصف الذي لا يناسب الحكم إن علم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو الشبه لأنه من حيث كونه غير مناسب يظن عدم اعتباره ومن حيث أنه عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم مع أن غيره من الأوصاف ليس كذلك لظن أنه أولى بالاعتبار وتردد بين أن يكن معتبرا أو لا يكون وإن لم يعلم اعتبار جنسه القريب في الجنس للحكم فهو الطرد وعلم من هذا التقسيم أن الشبه هو الوصف الذي لا يكون مناسبا للحكم المعلوم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب للحكم\nومثال هذا إيجاب المهر بالخلوة على القديم فإن الخلوة لا تناسب وجوب المهر لأن وجوبه في مقابلة الوطىء إلا أن جنس هذا الوصف وهو كون الخلوة مظنة للوطىء معتبر في جنس الوجوب وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية واعلم أن تعبير المصنف عن ما ليس بمناسب ولا مستلزم للمناسب بالطرد موافق لعبارة الإمام وأتباعه ومن قبلهم إمام الحرمين والغزالي وغيرهما","vol":"3","page":67},{"text":"وعبر عنه الآمدي بالطردي بزيادة الياء وهو أحسن فإن الطرد عند المصنف من جملة طرق العلة كما سيأتي إن شاء الله تعالى\nقال \"واعتبر الشافعي ﵁ المشابهة في الحكم وابن علية في الصورة والإمام ما يظن استلزامه ولم يعتبر القاضي مطلقا\"\nالمختار أن قياس الشبه حجة والخلاف فيه مع القاضي أبي بكر والصرفي وأبي إسحاق المروزي وأبي إسحاق الشيرازي فإنهم لم يعتبروه وأنكروا حجيته ولكن النقل عن الصيرفي وأبي إسحاق المروزي في مختصر التقريب والإرشاد أه هو عند القاضي صالح لأن يرجح به كما ذكر في باب ترجيح العلل من التقريب ثم القائلون بأنه حجة اختلفوا في أنه فيماذا يعتبر فاعتبر الشافعي ﵁ المشابهة في الحكم ولهذا الحق العبد المقتول بسائر المملوكات في لزوم قيمته على القائل بجامع إن كل واحد منهما يباع ويشتري ومن أمثلته أن نقول في الترتيب في الوضوء عبادة يبطلها الحدث فكان الترتيب فيها مستحقا أصله الصلاة فالمشابه في الحكم الذي هو البطلان بالحدث ولا تعلق له بالترتيب وإنما هو مجرد شبه ومنها الأخ لا يستحق النفقة على أخيه لأنه لا يحرم منكوحة\nأحدهما على الآخر فلا يستحق النفقة كقرابة بني العم واعتبر ابن علية المشابهة في الصور دون الحكم ومقتضى ذلك قتل الحر بالعبد وهذا ما نقله إمام الحرمين في البرهان عن أبي حنيفة في الحاقة التشهد الثاني بالأول في عدم الوجوب حيث قال تشهد فلا يجب كالتشهد الأول فكذلك قوله يقتل الحر بعبد الغير وعن أحمد أيضا في الحاقة الجلوس الأول بالثاني في الوجوب حيث قال أحد الجلوسين في الصلاة فيجب كالجلوس الأخير\nوقال الإمام المعتبر حصول المشابهة فيما يظن أنه مستلزم لعلة الحكم أو علة للحكم فمتى كان كذلك صح القياس سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى واعلم أن صاحب الكتاب لم يصرح بذكر قياس علية الأشباه وهو أن يكون الفرع مترددا بين أصلين لمشابهته لهما فيلحق بأحدهما لمشابهته في أكبر","vol":"3","page":68},{"text":"صفات مناط الحكم ولعله ظنه قسما من قياس الشبه أو هو هو وهو ظن صحيح فالناس فيه على هذين الاصطلاحين ولم يقل أحد أنه قسم للشبه بل أما قسم منه أو هو هو وحينئذ يكون قضية كلام المصنف بقوله ولم يعتبر القاضي مطلقا أن الخلاف جار فيه\nوهذا الذي اقتضاه كلام المؤلف صحيح واقتضاه كلام غيره وقد صرح به القاضي في مختصر التقريب والإرشاد لإمام الحرمين والذي تحصل لي من كلامه في هذا الكتاب أن في قياس الشبه مذاهب أحدها بطلانه والثاني اعتباره ثم قال إن ذلك يؤثر عن الشافعي ﵁ ولا يكاد يصح عنه مع علو رتبته في الأصول وهذا الذي قاله القاضي قاله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وقال كلام الشافعي متأول محمول على قياس العلة فإنه ترجح بكثرة الأشباه ويجوز ترجيح العلل بكثرة الأشباه ثم قال القاضي وأجمع القائلون بقياس الشبه على أنه لا يصار إليه مع إمكان المصير إلى قياس العلة والثالث أنه لا يعمل بالشبه إلا بشرطين\nأحدهما ما ذكرناه من عدم إمكان المصير إلى قياس العلة والثاني أن يجتذب الفرع أصلان فيلحق بأحدهما بعلية الأشباه قال ومما اختلفوا فيه أن قال بعضهم الأشباه الحكيمة أولى ثم الأشباه الراجعة إلى الصفة وذهب آخرون إلى أنه لا فرق بينهما وهذا مذهبان لم يتقدم لهما حكاية لأن الذي تقدم أن الشافعي يعتبر الحكم وغيره الصورة والإمام ما يظن استلزامه وهذان القولان متفقان على اعتبار الحكم والصفة وإنما الخلاف عند القائلين بهما في أن الحكم أولى وأنهما مستويان ولهما يحصل في قياس الشبه سبعة مذاهب\nأحدهما بطلانه والثاني اعتباره في الحكم ثم الصورة والثالث اعتباره فيها على حد سواء والرابع اعتباره في الحكم فقط والخامس اعتباره في الصورة فقط والسادس فيما يظن استلزامه للعلة والسابع اعتبار قياس عليه الأشباه دون غيره ورأيت نص الشافعي ﵁ عليه في الأم في باب اجتهاد الحاكم وهو باب الأفضية وقيل باب التثبيت في الحكم وغيره قال رضي","vol":"3","page":69},{"text":"الله عنه ما نصه والقياس قياسان أحدهما يكون في معنى فذاك الذي لا يحل لأحد خلافه ثم قياس أن يشبه الشيء بالشيء من الأصل والشيء من الأصل غيره فيشبهه هذا بهذا الأصل ويشبه غيره قال الشافعي وموضع الصواب فيه عندنا والله أعلم أن ينظر فأيهما كان أولى بشبهة صيره إليه أن أشتبه أحدهما في خصلتين والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين انتهى هذا لفظه بحروفه وهذا الباب في مجلد ثامن من الأم من أجزاء تسعة واعلم أن القاضي بين قياس الشبه على أن المصيب واحد من المجتهدين أو كل مجتهد مصيب وقال إن كنت تذب عن القول بأن المصيب واحد من المجتهدين\nفالأولى بك أبطال قياس الشبه وإن قلنا بتصويبهم فلو غلب على ظن المجتهد حكم من قضية اعتبار الأشباه فهو مأمور به قطعا عند الله تعالى قال إمام الحرمين وأول ما يعني القاضي إلى أن رد قياس الشبه والقول به لا يبلغ إلى القطع وهو من مسائل الاحتمال قال وهذا فيه نظر عندنا فإن الأليق بما مهده من الأصول إن يقال كلما آل إلى إثبات دليل من الأدلة فيطلب فيه القطع قال على إن ما قاله من أن المجتهد مأمور بما غلب على ظنه سديد فيما رامه فأنار بما نقول أن المجتهد المتمسك بضرب من القياس إذا غلب على ظنه شيء وفي الحادثة نص لم يبلغه فهو مأمور قطعا بما أدى إليه اجتهاده وإن كان القياس في مخالفة النص مردود انتهى قلت وحاصل هذا أن إمام الحرمين لم يوافق القاضي على أن المسألة ظنية ووافقه على البناء على مسألة تصويب المجتهدين على تقدير ثبوت كونها ظنية وفي هذا البناء على هذا التقدير أيضا نظر فإن قياس الشبه إن كان باطلا فكيف يغلب على ظن المجتهد حكم مستند إليه مع كونه عنده باطلا وكيف يجوز له العمل بما هو مبني على باطل وإن فرض حصول ظن مستند إليه فلا عبرة به لبنائه على فاسد وإن كان قياس الشبه صحيحا فهو معمول به كسائر الأدلة من غير تعلق بتصويب المجتهدين وقول إمام الحرمين إذا غلب على ظنه شيء وفي الحادثة نص لم يبلغه فهو مأمور به وإن كان القياس في مقابلة النص مردودا من غير ما نحن فيه لأن الذي غلب على ظنه حكم مستند إلى اجتهاده ولم يبلغه النص فغلب على","vol":"3","page":70},{"text":"ظنه أن الاجتهاد الذي جاء به دليل يجب عليه العمل به بخلاف قياس الشبه فإنه يظن بطلانه فكيف يستند إليه أو يبني اجتهاده عليه\nقال \"لنا أنه يفيد ظن وجود العلية فيثبت الحكم قالوا ما ليس بمناسب فهو مردود بالإجماع قلنا ممنوع\"\nواحتج على أن قياس الشبه حجة بأنه يفيد ظن وجود العلية إما على تفسير المنقول عن القاضي فلأنه مستلزم للمناسب وإما على الثاني فلأنه لما أثر جنس الوصف في جنس الحكم دون غيره من الأوصاف أفاد ظن إسناد الحكم إليه وإذا ثبت كونه مفيدا لظن وجب العمل به واحتج القاضي بأن الشبه ليس مناسبا وغير المناسب مردود بالإجماع فلا يعتبر وأجاب بالمنع فإن ما ليس بمناسب ينقسم إلى الشبه وغيره والشبه غير مردود بالإجماع وهو محل النزاع وذكر القاضي من وجوه الاحتجاج للقائلين ببطلان الشبه إن الأشباه التي الحق الفرع بها إن كانت علة في الأصل فذاك إذا كان قياس علة لا شبه وإن لم يكن فما وجه إلحاق الفرع بأشباه لم يجب لها في الأصل ولو ساغ ذلك لساغ أن يجمع بينهما من غير وصف أصلا\n\"فروع\" الأول الظهار لفظ محرم وهو كلمة زور فيدور بين القذف والطلاق ويبنى على هذا مسائل منها لو قال عينك طالق طلقت كيدك وجسمك وجميع الأجزاء ولو قال لرجل زنت عينك وما أشبه ذلك من الأعضاء دون الفرج فإنه في هذا الباب صريح فالمذهب أنه كناية وقيل صريح أيضا ولو قال لامرأته أنت علي كعين أمي فإن أراد الكرامة فليس بظهار وأن أراد الظهار فظهار على المذهب وإن أطلق فعلى أيهما يحمل وجهان أرجحهما أنه يحمل على الإكرام ويتجه أن يقال إنما جرى الوجهان هنا في حالة الإطلاق لتردد الظهار بين مشابهة الطلاق والقذف فقضية مشابهته للطلاق أن يحمل الإطلاق هنا على الظهار ومقتضى مشابهته للقذف أن يحمل على الإكرام ولا يجعل صريحا في الظهار\nوالثاني زكاة الفطر تتردد بين المؤنة والقربة","vol":"3","page":71},{"text":"الثالث الكفارة تردد بين العبادة والعقوبة\nالرابع الحوالة تردد بين الاستيفاء والاعتياض فإذا تناقض حكم الشائبتين ولم يمكن إجلاء الواقعة عن أحد الحكمين وظهر دليل ترجيح إحدى الشائبتين ولم يظهر معنى مناسب في أحد الطرفين ينبغي أن يحكم بالأغلب الأشبه وأما ما يتفرع على تردد هذه الأبواب بين معانيها فكثير لا نطيل بذكره وفي كتابنا الأشباه والنظائر تممه الله تعالى منه ما لا مزيد على حسنه ولا مطمع للطالب في الإحاطة بأكثر منه\nالخامس اللعان يشبه اليمين والشهادة ولفظهما فيه وهو مركب منهما فليس يمينا محضا فإن يمين المدعي لا يقبل والملاعن مدع وليس بشهادة محضة فإن الشاهد يشهد لغيره وهو إنما شهد لغيره وهو إنما يشهد لنفسه وينبني على ذلك لعان الذمي والرقيق فإنهما ليسا من أهل الشهادة وأن صحت منهما اليمين وقال الأصحاب بصحة لعانهما لأن المعروف عندهم أن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة وقيل هو يمين فيها شوب الشهادة\nالسادس الجنين يشبه بعض أعضاء الأم في الحكم لأنه يتبعها في البيع المطلق والهبة ونحوها ويشبه إنسانا منفردا في الصورة لأنه مستقل بالحياة والموت فإذا قال بعتك هذه الجارية إلا حملها فعلى الأول يبطل البيع كاستثناء عضو من الأعضاء وعلى الثاني يصح كما لو قال بعتك هذه الصيعان إلا هذا الصاع والمذهب فيما إذا استثنى حملها أنه لا يصح البيع وقيل وجهان\nقال السادس الدوران وهو أن يحدث الحكم بحدوث وصف وينعدم بعدمه وهو يفيد ظنا وقيل \"قطعا وقيل لا ظنا ولا قطعا\"\nعرف الدوران بحدوث الحكم بحدوث الوصف وانعدامه بعدمه فذلك الوصف يسمى مدارا والحكم دائرا والمراد بالحكم تعلقه عند من يجعل التعلق حادثا ومنهم المصنف ثم قول المصنف يحدث بحدوثه وينعدم بعدمه عبارة فيها نظر لأن ثبوت الحكم بثبوته هو كونه علة فكيف تستدل به على علية الوصف لثبوت الحكم وقد سبق الغزالي إلى هذه العبارة","vol":"3","page":72},{"text":"وقال هذا هو الدوران الصحيح وأما ثبوته عند ثبوته وعدمه عند عدمه ففاسد واعترض عليه لما ذكرناه والعبارة المحررة ما زعم الغزالي فسادها ثم الدوران يقع على وجهين\nأحدهما أن يقع في صورة واحد كالتحريم مع السكر في العصير فإنه لما لم يكن مسكرا لم يكن حراما فلما حدث السكر فيه وجدت الحرمة ثم لما زال السكر بصيرورته خلا صار حلالا فيدل على أن العلة في تحريمه السكر ومثل الحب يجري فيه الربا وهو مأكول فإذا زرع صار قصيلا غير مطعوم لا ربا فيه فإذا عقد الحب فيه صار مطعوما وعاد الربا فيه فيدل على أن علية الربا فيه الطعم\nوالثاني أن يوجد في صورتين وهو كوجوب الزكاة مع ملك النصاب تام في صورة أحد النقدين وعدمه مع عدم شيء منها كما في ثياب البذلة والمهنة حيث لا يجب فيها الزكاة لفقد شيء مما ذكرناه واختلف الأصوليون في إفادة الدوران العلية فذهب الجمهور كإمام الحرمين وغيره ونقله عن القاضي أبي بكر بعضهم وليس بصحيح عنه إلى إفادته ظن العلية بشرط عدم المزاحم وهو اختيار الجدليين والإمام وأتباعه ومنهم المصنف فذهب بعض المعتزلة إلى أنه يفيد يقين العلة وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد ظن العلية ولا يقينها وهو اختيار الآمدي\nقال إمام الحرمين وذهب القاضي أبو الطيب الطبري إلى أنه أعلى المسالك المظنونة وكاد يدعي افضاه إلى القطع\nقال لنا أن الحادث له علة وغير المدار ليس بعلة لأنه إن وجد قبله فليس بعلة للتخلف وإلا فالأصل عدمه وأيضا علية بعض المدارات مع التخلف في شيء من الصور لا تجتمع مع عدم علية بعضها لأن ماهية الدوران إما أن يدل على علية المدار فيلزم عليه هذه المدارات أو يدل فيلزم عدم علية تلك للتخلف السالم عن المعارض\nوالأول ثابت فانتفى الثاني وعورض في مثله وأجيب بأن المدلول قد لا يثبت لمعارض","vol":"3","page":73},{"text":"استدل على علية الدوران بوجهين\nأحدهما أن الحكم لا بد له من علة على ما تقرر فتلك العلة إما المدار أو غيره\nالثاني باطل لأن ذلك الغير إن كان موجودا قبل الحكم لزم تخلف الحكم عن العلة وهو خلاف الأصل وإن لم يكن موجودا قبله لم يكن علة لذلك الحكم إذ ذاك والأصل بقاؤه على ما كان عليه عدم من عليته فيحصل ظن عدم عليته باستصحاب هذا الأصل وبحصول هذا الظن يحصل ظن علية المدار إذ ليس غيره فإن قلت كما دار الحكم مع ذلك الوصف وجودا وعدما كذلك دار مع تعينه وحصوله في ذلك المحل فيحصل المزاحم حينئذ وتمتنع الإضافة إلى الوصف أو يقال مجموع الوصف مع التعين والحصول في المحل عملا بالدورانين وحينئذ لا يجوز تعديته عن ذلك المحل قلت التعين والحصول في المحل أمران عدميان إذ لو كانا وجوديين لزم أن يكون للتعين تعين آخر وللحصول في المحل حصول آخر فيتسلل ضرورة مشاركة التعيين حينئذ لسائر التعيينات في كونه تعينا وامتيازه عنها بخصوصية وكذا الحصول في المحل فإنه حينئذ يكون له حصول في المحل إذ ليس هو بجوهر قائم بنفسه وهو معلوم بالضرورة فيكون له حصول في المحل فثبت أنهما أمران عدميان حينئذ لا يجوز أن يكونا جزئي علة ولا مزاحما لها كذا ذكر السؤال والجواب ولك أن تقول المختار عند صاحب الكتاب كما صرح به في الطوالع أن التعين أمر وجودي فالسؤال وارد عليه وقد استدل على كونه وجوديا أنه جزء من المعين الموجود إذ الموجود ليس هو الماهية الكلية بل المعينة وكلما هو جزء الموجود فهو موجود ولقائل أن يقول إن أريد بالمعين معروض التعين فيمنع أن التعين جزؤه وإن كان المراد به المركب من العارض والمعروض فيمنع أنه موجود في الخارج على أن هذا العلم ليس موضع البسط في مسألة التعين واعترض النقشواني على هذا الدليل بأوجه أخر منه أنه لا يختص بصورة الدوران بل قيل ابتداء هذا الحكم لا بد له من علة حادثة وما كان موجودا قبل هذا الحكم لا يصلح علة له للتخلف المذكور فوضح أن العلة التي هي غير هذا الوصف لم تكن موجودة قبل هذا الحكم فوجب بقاؤها على العدم بالاستصحاب فتعين كون هذا الوصف","vol":"3","page":74},{"text":"علة فهذه طريقة مستقلة لا يحتاج إلى الدوران ومنها أنه يمكن معارضته بأن يقال ليس هذا الوصف علة لأنه إن وجد قبل هذا الحكم لا يكون علة للتخلف وإن لم يوجد قبله لا يكون علة أيضا لأن الأصل استمراره على العدم\nوهما اعتراضان صحيحان وأجاب عنهما بعض الشراح المحصول بما لا أرتضيه\nالوجه الثاني مما يدل على علية الدوران أن علية بعض المدارات للحكم الدائر عنه في شيء من صور الدوران لا يجتمع مع عدم علية بعض المدارات للدائر ويلزم من انتفاء ثبوت علية جميع المدارات للدائر وذلك لأن ماهية الدوران من حيث هي إما أن تدل على علية المدار للدائر\nأولا فإن دلت لزم علية المدارات التي فرضنا عدم عليتها الوجود ماهية الدوران فيها فيكون جميع المدارات علة لاشتراكها في وجود ماهية الدوران وإن لم تدل لزم علية البعض الذي فرضنا عليته وتخلف الدائر عنه في صورة من صور الوجود المقتضى لعدم العلية وهو تخلف الدائر عن المدار مع سلامته عن المعارض الذي هو دلالة ماهية الدوران على العلية إذ الغرض ماهية الدوران لا يدل على العلية فلا يعارض وهذا بخلاف ما لو دلت ماهية الدوران على العلية إذا كانت تعارض التخلف لاقتضائه عدم العلية فوضح أن علية بعض المدارات مع التخلف لا يجتمع مع عدم علية بعضها\nلكن الأول وهو علية بعض المدارات مع التخلف في صورة من صوره ثابت فإن تناول السقمونيا علة للإسهال مع تخلفه عنه بالنسبة إلى بعض الأشخاص في بعض الأوقات فينتفي الثاني وهو عدم علية بعض المدارات للدائر وهو المطلوب وإنما قيد المصنف علية بعض المدارات بالتخلف المذكور ليحتج به على عدم علية تلك على التقدير الثاني وهو عدم دلالة ماهية الدوران على العلية قوله وعورض أي عورض هذا الدليل الثاني بمثله وتقرير المعارضة أن يقال علية بعض المدارات مع التخلف في شيء من صوره مع عدم علية البعض مما لا يجتمعان","vol":"3","page":75},{"text":"لأن ماهية الدوران إن دلت على العلية لزم علية ذلك البعض المفروض عدم عليته كما تقدم وإن لم يدل لزم علية البعض المفروض كونه علة كما عرفت\nلكن الثاني ثابت وهو عدم علية البعض لأن الأبوة مع النبوة والعلم مع المعلوم والجزء الأخير من العلة المركبة مع المعلول ونظائرها من الأشياء المتلازمة تدور وجودا أو عدما ولا علة ولا معلوم وإذا ثبت الثاني انتفى الأول وهو علية البعض ويلزم منه عدم علية جميع المدارات للتنافي بين علية البعض وعدم علية البعض الآخر وذلك هو المطلوب\nوأجاب عن هذه المعارضة بأن غاية ما يلزم مما ادعيناه من علية جميع المدارات للدائر مع التخلف في بعض الصور أن يوجد الدليل بدون المدلول وهذا أمر لا بدع فيه فإن المدلول قد يتخلف لمانع وأما ما قلتموه من عدم علية المدارات فيلزم منه أن يوجد المدلول بدون الدليل وهو محال\nقال \"قيل الطرد لا يؤثر والعكس لم يعتبر قلنا يكون للمجموع ما ليس لأجزائه\"\nهذه شبهة لمن منع الدوران وتقريرها أنه مركب من الطرد وهو ترتب وجود الشيء على وجود غيره والعكس وهو ترتب عدمه على عدم غيره وكل منهما لا يدل على العلية أما الطرد فلأن حاصله يرجع إلى سلامة الوصف عن النقص وسلامته عن مفسد واحد لا يوجب سلامته عن كل مفسد ولو سلم عن كل مفسد لم يلزم من ذلك صحته فإنه كما يعتبر عدم المفسد يعتبر وجود المقتضى للعلية والطرد من حيث هو طرد لا يشعر بالعلية بل بعدم النقص فلا يفيد العلية والعكس غير معتبر في العلل الشرعية فمجموعها أيضا كذلك\nوأجاب بأنه لا يلزم من عدم دلالة كل واحد منهما على الانفراد عدم دلالة المجموع فإنه يجوز أن يكون للهيئة الاجتماعية ما ليس لكل واحد من الأجزاء ألا ترى أن كل واحد من أجزاء العلة ليس بعلة مع أن المجموع علة\nوهذا ما أجاب به إمام الحرمين في البرهان بعد أن ذكر أن الشبهة المذكورة","vol":"3","page":76},{"text":"من فن التشدق والتفيهق الذي يستدل به من لا يعد من الراسخين وقال من زعم أن مجموعها لا يغلب على الظن انتصاب ما اطرد وانعكس علما فقد انتسب إلى العناد\nقال \"السابع التقسيم الحاصر كقولنا ولاية الاجبار إما أن لا تعلل بالبكارة أو الصغر أو غيرهما والكل باطل سوى الثاني والأول والرابع للإجماع والثالث لقوله ﷺ:\"الثيب أحق بنفسها١\" والبر غير الحاصر مثل أن يقول علة حرمة الربى إما الطعم أو الكيل أو القوت فإن قيل لا علة لها أو العلة غيرها قلنا قد بينا أن الغالب على الأحكام تعليلها والأصل عدم غيرها\" من طرق العلة التقسيم الحاصر والتقسيم الذي ليس بحاصر ويعبر عنهما بالسبر والتقسيم لأن الناظر في العلة يقسم الصفات ويختبر صلاحية كل واحد منها للعلية والسبر في اللغة الاختبار ثم التقسيم إما أن يكون دائرا بين النفي والإثبات وهو التقسيم المنحصر أو لا يكون كذلك وهو التقسيم المنتشر وإليه أشار المصنف بقوله والسبر غير الحاصر أما الأول فهو لإفادته العلم حجة في العمليات والعمليات من غير اختلاف إن كان الدليل الدال على نفي علته ما عدا الوصف المعين فيه قطعيا أيضا وإلا فهو والقسم الثاني حجة في العمليات لإفادته الظن دون العلميات وطريق إيراد النوع الأول أن يقال الحكم إما أن يكون معللا بعلة أولا والثاني باطل فتعين الأول وتلك العلة أما الوصف الفلاني أو غيره والثاني باطل ونذكر على ذلك دليلا قاطعا وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا ومثل المصنف للتقسيم الحاضر في الشرعيات بقولنا ولاية الإجبار على النكاح إما أن تعلل أو لا تعلل وحينئذ فإما أن تكون العلة البكارة أو الصغر أو غيرهما وما عدا القسم الثاني من الأقسام باطل أما الأول وهو عدم تعليلها مطلقا والرابع وهو تعليلها بغير البكارة والصغر فبالإجماع\nوأما الثالث فلأنها لو عللت بالصغر لثبت على الثيب الصغيرة لوجود الصغر\n_________\n١ رواه مسلم كتاب النكاح باب إستئذان الثيب ‘كتاب النكاح باب الإستثمار‘والترمذي ‘باب خطبة النكاح \"تحفة الأحوذي٤/٢٤٤\" والنسائي كتاب النكاح ‘باب إستئذان البكر في نفسها \"٦/٩٦\".","vol":"3","page":77},{"text":"فيها وهو باطل لقوله ﷺ:\"الثيب أحق بنفسها\" أخرجه مسلم ولفظه الأيم ومثل للتقسيم المنتشر وهو الذي ليس بحاصر بقولنا علة حرمة الربا فيما عدا النقدين من الربويات إما الطعم أو الكيل أو القوت والثاني والثالث باطلان فتعين أن تكون العلة الطعم والدليل على بطلان الثاني والثالث أنه علية السلم علق الحكم باسم الطعام في قوله الطعام بالطعام وهو مشتق من الطعم والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق وهذا دليل على أن غير الطعم ليس بعلة وهو صالح لأن يكون دليلا أصليا على علية الطعم من غير نظر إلى طريقة البر والتقسيم فإن قيل في الابراد على الاستدلال بالتقسيم المنتشر لا نسلم أن تحريم الربا معلل ولئن سلمنا أنه معلل فلا نسلم انحصار العلة فيما ذكرتم لجواز أن تكون العلة غير هذه الثلاثة\nوأجاب المصنف عن الأول بأنا بينا فيما سبق أن الغالب أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد تفضلا منه وإحسانا فيلحق هذا الحكم بالغالب وعن الثاني بأن الأصل عدم علة آخرى غير الأمور المذكورة واستصحاب هذا الأصل كاف في حصول الظن بعلية أحدها وقد صرح إمام الحرمين في كتاب الأساليب بأن البر والتقسيم لا يحتج به إلا أن قام الدليل على أن الحكم معلل وأن العلة منحصرة في أحد أوصاف معينة ومتحدة ثم يبطل ما عدا الوصف المدعى علة فيثبت حينئذ علية ذلك الوصف وهذا هو المختار\nقال \"الثامن الطرد وهو أن يثبت معه الحكم فيما عدا التنازع فيه فيثبت فيه إلحاقا للفرد بالأعم الأغلب وقد قيل يكفي مقارنته في صوره وهو ضعيف\"\nالطرد هو الحكم الذي لم يعلم كونه مناسبا ولا مستلزما للمناسب وإذا كان الحكم حاصلا مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع في حصوله فيه هذا هو المراد من الإطراد على قول الأكثر واختلف من قال بحجية الدوران في حجية الطرد فذهب المعتبرون من النظار إلى أن التمسك به باطل\nقال إمام الحرمين وتناهى القاضي في التغليظ على من يعتقد ربط أحكام الله تعالى به وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه حجة وإليه مال","vol":"3","page":78},{"text":"الإمام وجزم به المصنف وقال الكرخي هو مقبول جدلا ولا يسوغ التعويل عليه عملا ولا الفتوى به وبالغ قوم وقالوا يكفي في علية الوصف الطردي أن يكون الحكم مقارنا له ولو في صورة واحدة قال صاحب الكتاب وهو ضعيف وسنبين وجه ذلك إن شاء الله تعالى\nواحتج المصنف على أنه حجة بأن الحكم إذا ثبت فيما عدا صورة النزاع مع الوصف ووجه الوصف في صورة النزاع لزم ثبوت الحكم معه فيه إلحاقا للمفرد بالأعم الأغلب فإن الاستقراء يدل على إلحاق لنادر بالغالب وهذا معتصم ضعيف فإنه إن أريد بالاستقراء إلحاق كل نادر بالغالب في جميع الأشياء فهو ممنوع لما يرد عليه من النقوض الكثيرة ولأن من جملة تلك الصور محل النزاع ولو ثبت هذا الحكم في محل النزاع لاستغنى عن هذه المقدمة وإن أريد به أنه في بعض الصور كذلك فلا يلزم من تسليمه شيء وإن أريد به أنه كذلك فيما عدا محل النزاع فيصعب إثباته لما ذكرناه من النقوض ولو سلم فلقائل أن يقول لم يلزم فيما نحن فيه إلحاق النادر بالغالب وهل هذا إلا إثبات الطرد بالطرد ولو سلمنا أنا إذا رأينا حكما في أغلب صور وصف يغلب على ظننا أنه في جميع صور الوصف كذلك\nفلقائل أن يقول المعلوم فيما نحن فيه في أغلب الوصف إنما هو مقارنة الحكم مع الوصف لا كون الحكم معللا بذلك الوصف فإن هذا غير معلوم لي ولا في صورة واحدة ولا يلزم من علية الاقتران كونه علة للحكم ولو لزم ذلك لما كان الوصف بكونه علة للحكم أولى من الحكم بأن يكون الوصف\nواحتج من أبطله بوجوه أوجهها أن أقيسة المعاني لم تقتض الأحكام لأنفسها وإنما تعلق بها الصحابة إذا عدموا متعلقا من الكتاب والسنة فإجماعهم على ذلك ومستند العمل بالأقيسة الصحيحة كما سبق والذي تحقق لنا من مسالكهم النظر إلى المصالح والمراشد والاستحثاث على اعتناق محاسن الشرع فأما الأحكام بطرد لا يناسب الحكم ولا يثير شبها فلم يثبت عنهم الاعتماد عليه بل نظرهم إلى ما ذكرناه دليل على أنهم كانوا يأبونه ولا يرونه ولو كان الطرد","vol":"3","page":79},{"text":"مناطا لأحكام الله تعالى لما أهملوه ولا عطلوه ولسنا نطيل بالرد على القائل بالطرد ففي هذا الدليل مقنع\nوقد قال القاضي والأستاذ من طرد عن غيره فهو جاهل غبي ومن مارس قواعد الشرع واستجاز الطرد فهي هازئ بالشريعة مستهين بضبطها مشير إلى أن الأمر إلى القائل كيف أراد وإذا وضح بطلان القول بالطرد بأن فساد قول من يكفي ولو في صورة واحدة بطريق الأول\nوقد قال المصنف إنه ضعيف مع قوله بالطرد وهذا صحيح لأن القائل بالطرد يستند إلى ضرب من الظن وهو حصول التكرار والصورة الواحدة لا تكرار فيها فمن أين الظن وأما الكرخي فقد ناقض لقوله كما قال إمام الحرمين فإن المناظرة مباحثة عن مأخذ أحكام الشريعة والجدال استياقها على أحسن ترتيب وأقربه إلى المقصود وليس في أبواب الجدل ما يسوغ استعماله في النظر مع الاعتراف بأنه لا يصح أن يكون مناطا لحكم وغاية المعترض أن يثبت ذلك فيما تمسك به خصمه فإن اعترف به فقد كفى المؤونة وعاد الكلام ونكدا وعنادا وأضحى لجاجا وخرج عن كونه حجاجا\nقال \"التاسع تنقيح المناط بأن يبين إلغاء الفارق وقد يقال العلة أما المشترك أو المميز والثاني باطل فثبت الأول ولا يكفي أن يقال محل الحكم أما المشترك أو المميز الأصل لأنه لا يلزم من ثبوت المحل ثبوت الحكم\"\nإلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق يسمى تنقيح المناط وهو أن يقال لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا وذلك لا مدخل له في الحكم البتة فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له ومثاله قياس الأمة على العبد في السراية في قوله ﷺ: \"من اعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي\" بأنه لا فارق بين الأمة والعبد إلا الذكورة وهو ملغى بالإجماع إذ لا مدخل له في العلية وهذا هو الذي تسميه الحنفية بالاستدلال ويفرقون بينه وبين القياس بأن يخصوا اسم القياس بما يكون الإلحاق فيه بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا الظن والاستدلال بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد","vol":"3","page":80},{"text":"القطع حتى اجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخه فيجوز والزيادة عن النص به ولم يجوزوا نسخه بخبر الواحد والحق أن تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس وكل من القياسين أعني ما يلحق فيه بذكر الجامع وبالغاء الفارق قد يكون ظنيا وهو الغالب إذ قلنا يقوم القاطع على أن الجامع علة أو أن ما به الامتياز لا مدخل له في العلية وقد يكون قطعيا بأن يوجد ذلك نعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من القسم الآخر لكن ليس ذلك فرقا في المعنى بل في الوقوع\nوأعلم أنه قد يقال في إيراد تنقيح المناط هذا الحكم لا بد له من علة كما تقدم وهي إما المشترك بين الأصل والفرع كالرق في المثال الذي ذكرناه أو المختص بالأصل كالذكورة والثاني باطل لأن الفارق ملغى فتعين الأول فيلزم ثبوت الحكم في الفرع لثبوت عليته فيه فإن قلت هذه الطريقة بعينها هي طريقة السبر والتقسيم قلت كذا قال الإمام ولكن يمكن أن يفرق بينهما بأن السبر والتقسيم لا بد فيه من تعيين الجامع والاستدلال على العلية وأما هذا فلا يجب فيه تعيين العلة ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير مثل من أعتق شركا له في عبد كما أوضحناه كقوله ﷺ: \"أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه١\" فالمرأة في معناه وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ٢﴾ فالعبد في معناها وقوله ﷺ: \"من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشرطه المبتاع٣\" فالجارية في معناه وقوله ﷺ في موت الحيوان في السمن أنه يراق المائع ويقور ما حوالي الجامد فإن العسل وكل جامد في معناه ولا يكفي أن يقال في إيراده هذا الحكم لا بد له من محل وهو إما المشترك أو مميز الأصل عن الفرع\n_________\n١ رواه مالك وأبو داود \"الجامع الصغير للالباني ٢/٣٩٥\"\n٢ سورة النساء آية \"٢٥\"\n٣ رواه الإمام أحمد بلفظ: \"من باع عبدا وله مال فله ماله وعليه دينه وإلا أن يشترط المبتاع ومن أبرنحلا وباعه بعد تأبيره فله ثمرته إلا أن يشترط المبتاع\" \"مجمع الزوائدللهيثمي ٤/١٠٦-١٠٧ط بيروت\"","vol":"3","page":81},{"text":"والثاني باطل لأن الفرق ملغى فوجب أن يكون محله المشترك ويلزم ثبوت الحكم في الفرع ضرورة حصوله في الأصل وذلك لأنه لا يلزم من وجود المحل وجود الحال فيه ومثاله قول الحنفي وجوب كفارة الإفطار له محل وهو إما المفطر بالوقائع بخصوص الوقاع أو المفطر لا بخصوص الوقاع\nوالأول باطل لأن خصوص الوقاع ملغى كخصوص القتل بالسيف في وجوب القصاص فتعين الثاني فتجب الكفارة على من أفطر بالأكل فنقول سلمنا أن المفطر بالأكل يصدق عليه أنه مفطر لكن لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كل مفطر وهذا كما أنه إذا صدق هذا الرجل طويل يصدق الرجل الطويل ضرورة كون الرجل جزء من هذا الرجل واستلزام حصول المركب حصول المفرد ولا يلزم منه صدق كل رجل طويل\nفائدة قد اقتصر المصنف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط ونحن لا نطيب قلبا بإخلاء هذا الشرح عن الكلام فيهما ليحصل التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط فنقول أما تنقيح المناط فقد عرفت أنه الاجتهاد في تعيين السبب الذي ناط التنازع الحكم به وأضافه إليه ونصبه علامة عليه بحذف غيره من الأوصاف عن درجة الاعتبار وأما تحقيق المناط فهو أن يتفق على علية وصف بعض إجماع ويجتهد في وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام بعد ما علم من إيجاب نصب الإمام وكذا تعيين القضاة والولاة وكذا في تقدير التعزيزات وتقدير الكفاية في نفقة القريب\nوإيجاب المثل في قيم المتلفات وأروش الجنايات وطلب المثل في جزاء الصيد فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية وذلك معلوم بالنص إما أن الرطل كفاية لهذا الشخص أم لا فيدرك بقول المقومين وهو مبنى على الظن والتخمين وينتظم هذا الاجتهاد بأصلين\nأحدهما أنه لا بد من الكفاية\nوالثاني أن الرطل قدر الكفاية فيلزم منه أنه الواجب أما الأصل الأول فمعلوم بالنص والإجماع","vol":"3","page":82},{"text":"وأما الثاني فبالظن وكذا نقول يجب في حمار الوحش بقرة لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ١﴾ فنقول المثل واجب والبقرة مثل فإذن هي الواجب فالأول معلوم بالنص وهي المثلية التي هي مناط الحكم أما تحقيق المثلية في البقرة فمعلوم بنوع من المقايسة والاجتهاد وكذلك من أتلف على إنسان فرسا فعلية ضمانه والضمان هو المثل في القيمة أما كون مائة درهم مثلا له في القيمة فيعرف بالاجتهاد ومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة فإنه يجب استقبال جهتها بالنص أما أن هذه هي جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد عند تعذر اليقين وكذا العدالة فإن كونها مناط قبول الشهادة معلوم بالإجماع وتحققها في كل واحد من الشهود مظنون وكلما علم وجوبه أو جوازه من حيث الجملة وإنما النظر في تعيينه وتقديره\nقال الغزالي وهذا لا خلاف فيه بين الأمة وهو نوع اجتهاد قال والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسا وكيف يكون مختلفا فيه وهي ضرورة كل شريعة لأن التنصيص على عدالة الأشخاص وقدر كفاية كل شخص محال فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم\nوأما تخريج المناط فهو الاجتهاد في استنباطه علة الحكم الذي دل النص والإجماع عليه من غير تعرض لبيان علته لا بالصراحة ولا بالإيماء نحو قوله: \"لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلا بمثل٢\" فإنه ليس فيه ما يدل على أن علة تحريم الربا الطعم لكن المجتهد نظر واستنبط العلة بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها فكأن المجتهد أخرج العلة من خفاء فلذلك سمى تخريج المناط بخلاف تنقيح المناط فإنه لم يستخرجه لكونه مذكورا في النص بل نقح المنصوص وأخذ منه ما يصلح للعلية وترك ما لا يصلح قال الغزالي وهذا هو الاجتهاد والقياس الذي عظم فيه الخلاف\n_________\n١ سورة المائدة \"٩٥\"\n٢ أخرجه مسلم \"٣/١٢١١\" بلفظ: \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والمسلح بالمسلج مثلا بمثل سواء بسواء يد بيدفإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد\".","vol":"3","page":83},{"text":"قال \"تنبيه قيل لا دليل على عدم عليته فهو علة قلنا لا دليل على عليته فليس بعلة قيل لو كان علة لتأتى القياس المأمور به قلنا هو دور\"\nهذان طريقان ظن بعض الأصوليين أنهما مقيدان للعلية فعقد المصنف هذه الجملة منبهة على فساد هذا الظن أحدهما أن يقال لم يقم الدليل على أن هذا الوصف غير علة فيكون علة لأنه إذا انتفى الدليل على عدم عليته ثبت كونه علة للزوم انتفاء المدلول بانتفاء الدليل وقد اختار الأستاذ أبو إسحاق هذه الطريقة كما هو محكى في مختصر التقريب والجواب أن يعارض هذا بمثله ويقال لم يقم الدليل على عليته فليس بعلة كما ذكرتم وقد بالغ القاضي في مختصر التقريب في الرد على من استدل بهذا الطريق وهذا الجواب هو حاصل ما ذكره\nوالثاني أن يقال هذا الوصف على تقدير عليته يتأتى معه العمل بالقياس المأمور به وعلى تقدير عدم عليته لا يتأتى معه ذلك فوجب أن يكون علة لتمكن الإتيان معه بالمأمور به وهذا إيضاح هذا الطريق على الوجه الذي ساقه المصنف ولو قال إذا كان علة بدل قوله لو كان لأحسن فإن عبارة هذه توهم أن هذا طريق في نفي العلية لا في إثباتها وقد فهم الشيرازي شارح الكتاب هذا ومشى عليه وليس بجيد وأجاب المصنف بأن هذا دور لأن تأتي القياس يتوقف على ثبوت العلة فلو أثبتنا العلة به لتوقف ثبوت العلة ولزم الدور والله أعلم","vol":"3","page":84},{"text":"قال<span data-type=\"title\" id=toc-214> الطرف الثاني فيما يبطل العلية </span>وهو ستة:\nالنقض وهو إبداء الوصف بدون الحكم مثل أن يقول لمن لم يبيت يعري أول صومه عن النية فلا يصح فينتقض بالتطوع.\nهذا مبدأ القول في الأمور المبطلة للعلية وهي ستة النقض وعدم التأثير والكسر والقلب والقول بالموجب والفرق الأول النقض وهو عبارة عن إبداء الوصف الذي ادعى المستدل حجة عليته في بعض الصور مع تخلف الحكم عنه فيها وربما يعبر عنه معبرون بتخصيص العلة ومثاله قولنا من لم","vol":"3","page":84},{"text":"يبيت النية تعرى أول صومه عنها فلا يصح لأن الصوم عبارة عن إمساك النهار جميعه مع النية فيجعل العراء عن النية في أول الصوم علة بطلانه فيقول الخصم ما ذكرت منقوض بصوم التطوع فإنه يصح من غير تثبيت وأمثلة هذا الفصل يخرج على حد الحصر فلا نطيل باستقصائها\nقال \"قيل يقدح وقيل لا مطلقا في المنصوصة وقيل حيث مانع وهو المختار قياسا على التخصيص والجامع جمع الدليلين ولأن الظن باق بخلاف ما لم يكن مانع\"\nالكلام في النقض من عظائم المشكلات أصولا وجدلا ونحن نتوسط في تهذيبه فلا نسهب ولا نوجز بل نأتي بالمقنع فنقول أعلم أولا أن الصور في النقض تسع لأن العلة إما منصوصة قطعا أو ظنا أو مستنبطة وتخلف الحكم إما بمانع أو فوات شرط أو دونهما فصارت تسعا من ضرب ثلاثة في ثلاثة فالقائل بأن النقض قادح مطلقا قائل به في التسع ومقابلة مانع في جميع ذلك ولنذكر صورها الأولى القطعية المتخلف الحكم عنها لوجود مانع الثانية القطعية المتخلف الحكم عنها لفوات الشرط الثالثة القطعية المتخلف الحكم عنها لا لمانع ولا لفوات شرط وإنما يكون ذلك بعض تعبدي أو إجماع مع عدم ظهور مانع أو شرط الرابعة والخامسة والسادسة الظنية كذلك السابعة والثامنة والتاسعة المستنبطة كذلك وعلى الفقيه طلب أمثلتها وسنذكر في أثناء الفصل من أمثلتها الكثير إن شاء الله تعالى\nوقد اختلف الناس في النقد هل يكون قادحا في العلية\nأحدها أنه يقدح مطلقا وهو اختيار أبي الحسين البصري والإمام وإليه ذهب أكثر أصحابنا\nوالثاني لا يقدح مطلقا وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد\nوالثالث لا يقدح في المنصوصة مطلقا في صورها الست ويقدح المستنبطة مطلقا في صورها الثلاث\nوالربع واختاره المصنف لا يقدح حيث وجد مانع مطلقا سواء كانت","vol":"3","page":85},{"text":"العلة منصوصة أم مستنبطة فإن لم يكن مانع قدح مطلقا وإلى المذهبين الأخيرين أشار بقوله وقيل في المنصوصة وقيل حيث مانع وتقديره وقيل لا يقدح في المنصوصة وقيل لا يقدح حيث مانع ولم يصرح بالنفي لأنه معطوف على منفي وحكى القاضي أبو بكر في التلخيص الذي اختصره إمام الحرمين من كتابه التقريب والإرشاد مذهبا خامسا عن بعض المعتزلة أنه يجوز تخصيص علة الحل والوجوب ونحوهما مما لا يكون خطرا قال وحملهم على ذلك قولهم لا تصح التوبة عن قبيح مع الإصرار على قبيح ويصح الإقدام على عبادة مع ترك أخرى وحكى ابن الحاجب مذهبا سادسا أنه لا يقدح في المستنبطة ويقدح في المنصوصة عكس الثالث واختار مذهبا سابعا وهو أنه يجوز في المستنبطة في صورتين فلا يقدح فيهما وهما ما إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرط ولا يجوز في صورة واحدة ويقدح فيها وهي ما إذا كان التخلف دونهما وأما المنصوصة فإذا كان النص ظنيا وقدر مانع أو فوات شرط جاز ولا يجوز في القطعي في صوره الثلاث أي لا يمكن وقوعه لأن الحكم لو تخلف لتخلف الدليل وهو لا يمكن أن يكون قطعيا لاستحالة تعارض القطعيين إلا أن يكون أحدهما ناسخا ولا ظنيا لأن الظني لا يعارض القطعي وهذا الذي اختاره ابن الحاجب نحو ما اختاره الآمدي والمنع في النص القطعي إذا لم يكن مانع ولا فوات شرط ظاهر\nوأما إذا كان مانع أو فات شرط فلا وجه للمنع إذا كان ذلك المانع أو الشرط عليه دليل لأنه حينئذ يكون ذلك الدليل مخصصا للنص القطعي اللهم إلا أن تقدر دلالة النص على جميع الأفراد قطعية فيصح ما قاله لأنه حينئذ لا يمكن التخلف وحاصله أنه في النص القطعي لا يمكن ورود النقض وفي الظني يمكن وقال إنه يقدر مانع ولا حاجة إلى ذلك فقد يكون تعبديا بالدليل الدال على التخصيص من غير ظهور معني فيمكن النقض ولا يكون قادحا وفي المستنبطة يجوز حيث مانع أو فقدان شرط ولا يجوز فيما سواهما ففيما سواهما يكون قادحا ولا يكون النقض قادحا في شيء من المواضع إلا في هذا المكان وهو إذا استنبطت علة وتخلف الحكم عنها إلا لمانع أو لفوات شرط فيستدل حينئذ بالتخلف على فسادها فينبغي أن يختصر الكلام","vol":"3","page":86},{"text":"ويقال النقض يقدح في العلية إذا كانت مستنبطة ولم يكن مانع ولا فوات شرط ولا يقدح فيما سواه\nوإما إمام الحرمين فذهب إلى رأي ثامن فقال في المستنبطة أن انقدح من جهة المعنى فرق بين ما ورد نقضا وبين ما نصبه المستنبطة علة بطلت علته لأنه يتبين بهذا أنه ذكر في الابتداء بعض العلة وأظهر أنه علة مستقلة وإن لم ينقدح فرق فإن لم يكن الحكم فيها مجمعا عليه أو ثابتا بمسلك قاطع سمعي بطلت علته أيضا فإنه مناقض بها وتارك للوفاء بحكم العلة فإذا لم يف بحق طردها فكيف يلزم الخصم حق طردها في موضع قصده وإن طرد مسألة اجماعية لا فرق بينها وبين محل العلة فهذه موضع الآباء والامناء فإن كان الحكم الثابت فيها على مناقصة علة التعلل معللا بعلة معنوية جارية فوردها ينقض العلة من جهة أنها منعت العلة من الجريان وعارضتها بفقه وإن كانت المسألة قاطعة للطرد ولا فرق وكان لا يتأتى تعليل الحكم فيها على المناقضة بعلة فقيهة فهذا موضع التوقف هذا رأيه في المستنبطة وحاصله أن النقض قادح فيما إذا انقدح فرق أو لم يكن الحكم في الصورة مجمعا عليه أو لم يكن ثابتا بقطعي أو كان ثابتا بإجماع وفي محل النقض معنى يعارض العلة التي ذكرها المستدل ويمنعها من الجريان وإن لم يكن كذلك فالتوقف\nوأما المنصوصة فإن كان بنص ظاهر فيظهر أورده المعترض أن الشارع لم يرد التعليل وإن ظهر ذلك من مقتضى لفظه وتخصيص الظواهر ليس بدعا وإن كان بنص لا يقبل التأويل فإن عمم بصيغة لا يتطرق إليها تخصيص ببعض الصور التي تطرق العلة فيها فلا مطمع في تخصيصها لقيام القطع على العلية وجريانها على اطراد ونص الشارع لا يصادم وإن نص الشارع على شيء وعلى تخصيصه في كونه علة لمسائل معدودة فلا يمتنع ذلك ولا معترض عليه تنصيصه وتخصيصه ولو نص على نصب علة على وجه لا يقبل أصل النصب تأويلا ولم يجز في لفظ الشارع تنصيص على التعميم على وجه لا يأول ولا على التخصيص بمواقع مخصوصة فهذا عام ولا يمتنع فيه تخصيص العلة\nوأما حجة الإسلام الغزالي فذهب إلى مقالة تاسعة فقال تخلف الحكم عن","vol":"3","page":87},{"text":"العلة بفرض على ثلاثة أوجه الأول أن يفرض في صوب جريان العلة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمى نقصا وهو قسمان\nأحدهما ما يظهر أنه ورد مستثنى عن القياس مع استثناء القياس فلا يفسد العلة بل يخصصها بما وراء المستثنى ويكون علة في غير محل الاستثناء ولا فرق بين أن يرد ذلك على علة مقطوعة أو مظنونة مثال الأول إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة فإن علة إيجاب المثل في المثليات تماثل الأجزاء والشرع لما أوجب ذلك لم ينقص هذه العلة إذ عليها تعويلنا في الضمانات لكن استثنى هذه الصور فهذا الاستثناء لا يبين المجتهد فساد هذه العلة ولا ينبغي أن يكلف الناظر الاحتراز عنه حتى نقول في علته تماثل الأجزاء في غير المصراة فيقتضي إيجاب المثل لأن هذا تكليف قبيح\nومثال الثاني مسألة العرايا كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المصنف\nوثانيهما ما لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو إما أن يرد على المنصوصة أو المظنونة فإن ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلا بأن ينعطف منه قيد على العلة ويتبين أن ما ذكر لم يكن تمام العلة مثاله قولنا خارج فينقض الطهر أخذا من قوله الوضوء مما خرج ثم بان إنه لم يتوضأ من الحجامة فيعلم أن العلة ليس مطلق كونه خارجا بل خارج عن المخرج المعتاد فكان ما ذكر بعض العلة فإن لم يكن كذلك فيجب تأويل التعليل إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد به التعليل أو يراد به التعليل لكن لا لذلك الحكم المذكور قال الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ١﴾ ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ٢﴾ وليس كل من شاقق الله ورسوله يخرب بيته فتكون العلة منقوضة ولا يمكن أن يقول إنه علة في حقهم خاصة لأن هذا يعد تهافتا في الكلام فإذن الحكم المعلول بذلك ليس هو التخريب المذكور بل هو لازمه أو جزؤه الأعم وهو كونه عذابا ولا شك أن كل من يشاقق الله ورسوله فإنه معذب أما بخراب البيت أو غيره\n_________\n١ سورة الحشر آية \"٢\"\n٢ سورة الحشر آية \"٣\"","vol":"3","page":88},{"text":"وهذا وإن كان خلاف الظاهر وتأويلا للنص لكي يتعين المصير إليه رعاية لعدم انتقاض الكلام وإن ورد على العلة المظنونة وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإحالة إن كانت العلة محيلة أو من طريق الشبه إن كان تشبيها فهذا يبين أن ما ذكر لم يكن تمام العلة وانعطف قيد على العلة من مسألة النقض به يندفع النقض أما إذا كانت العلة محيلة ولم ينقدح جواب مناسب وأمكن كون النقض دليلا على فساد العلة وكونه معرفا اختصاص العلة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبيهة بفصلها عن غير مجراها فهذا الاحتراز عنه مهم في الجدل للمناظر لكن المجتهد الناظر ماذا عليه أن يعتقده في هذه العلة الانتقاض والفساد أو التخصص هذا عندي في محل الاجتهاد ويتبع كل مجتهد وغلب على ظنه\nومثاله قولنا إن صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النية لأن النية لا تنعطف على ما مضى وصوم جميع النهار واجب وأنه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع فإنه لا يصح إلا بنية ولا يتجزأ على المذهب الصحيح ولا مبالاة بمذهب من يقول إنه صائم بعض النهار فيحتمل أن ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلة يسبب التطوع ويحتمل أن ينقدح له أن التطوع ورد مستثنى رخصة لتكثير النوافل فإن الشرع قد يسامح في النقل بما لا يسامح به في الفرض فالمحيل الذي ذكرناه يستعمل في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلا بين مجرى العلة موقعها ويكون ذلك وصفا شبهيا اعتبر في استعمال المحيل وتمييز مجراه عن موقفه ومن أنكر قياس الشبه جوز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي فأكثر العلل المحيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل معنى مناسب على مذاق أصل العلة وهذا التردد وإنما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل فإن مقدمات هذا القياس مؤثرة بالاتفاق من قولنا إن كل الصوم واجب وأن النية عزم لا ينعطف على الماضي وأن الصوم لا يصح إلا بنية فإن كانت العلة مناسبة بحيث يفتقر إلى أصل يستشهد به فإنما يشهد لصحتها ثبوت الحكم في موضع واحد على وفقها فتنقض هذه الشهادة","vol":"3","page":89},{"text":"بتخلف الحكم على وفق المعنى إن دل على التفات الشرع إليه فقطع الحكم أيضا يدل على إعراض الشرع عنه\nوقول القائل أني اتبعته إلا في أعراض الشرع بالنص ليس بأولى من قول خصمه أعرض عنه إلا في اعتبار الشرع إياه بالتنصيص على الحكم وعلى الجملة يجوز أن يصرح الشرع بتخصيص العلة أن يكون بفساد العلة وأن يكون يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلة أن يكون بفساد العلة وأن يكون لتخصيصها فإن كانت العلة قطعية كان تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلة وإن كانت مظنونة ولا مستند للظن إلا إثبات الحكم على وفقها في موضع فينقطع هذا الظن بأعراض الشرع عن إثباتها في موضع وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة التبييت كان ذلك في محل الاجتهاد\nالوجه الثاني لانتفاء حكم العلة أن ينتفي لا لخلل في نفس العلة لكن يندفع الحكم عنه بمعارضته علة أخرى وافقة كما سيأتي تمثيله في كلام المصنف في أن علة رق الولد ملك الأم وتخلف في ولد المغرور فهذا لا يرد نقضا لأن الحكم هنا كأنه حاصل تقديرا\nالوجه الثالث أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلة ويكون تخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها أو شرطها أو أهلها كقولنا السرقة علة القطع وقد وجد في حق النباش فقيل تبطل بسرقة الصبي وسرقة ما دون النصاب والسرقة من غير حرز أو نقول والتبع علة الملك وقد جرى فلبثت الملك في زمن الخيار فيقال باطل ببيع المستولدة والموقوف والمرهون وأمثال ذلك فهذا جنس لا يلتفت المجتهد إليه لأن نظره في تحقيق العلة دون شرطها ومحلها فهو مائل عن صوب نظره أما المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أم يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن مقصد النظر وليس البحث عن المحل والشرط فيه اختلاف بين الجدليين والخطب فيه يسير والجدل شريعة وضعها أهلها فإليهم وضعها كيف شاءوا أو تكليف الاحتراز الجميع لنشر الكلام وذلك بأن يقول بيع صدر من أهله وصادف محله وجمع شرطه","vol":"3","page":90},{"text":"فيفيد الملك أو سرق نصابا كاملا من حرز لا شبهة له فيه هذا إتمام كلام الغزالي ﵁\nوهو عندنا كلام جيد مرضي فلذلك احتملنا طوله وأوردناه وفيما ذكرناه من تفاصيل المذاهب شفاء للعليل فلنلتفت إلى كلام صاحب الكتاب وقد علمت اختياره أن التخلف إن كان لمانع لا يقدح والاقداح سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة فإن قلت كيف يتصور تخلف الحكم لا لوجود مانع أو لفوات شرط في محل فيه وصف نص الشارع قطعا أو ظاهرا على عليته أو استنبط ذلك استنباطا صحيحا\nقلت هو لعمر الله بعيد الوجود والمجوز لذلك إنما مستنده جواز تخصيص العلة منصوصة كانت أو مستنبطة والتخصيص لا يكون بغير مخصص ذلك المخصص إن كان حيث يوجد مانع أو يفوت شرط لم يكن صورة المسألة وإن كان بدونها أمكن وهو محتمل على بعد بأن يحصل نص على عدم الحكم في محل الوصف فيه موجود وليس فيه معنى يدعى أنه مانع أو عدمه شرط وهيهات أن يوجد ذلك\nوإذا عرفت هذا فقد استدل المصنف على ما اختاره بوجهين\nأحدهما قياس النقض على التخصيص حيث لا يقدح في حجية العام في الباقي على ما سبق في مكانه والجامع الجمع بين الدليلين المتعارضين فترتب الحكم على العلة فيما عدا صورة وجود المانع إذ الوصف بالنسبة إلى موارده كالعام بالنسبة إلى أفراده والمانع المعارض للوصف كالمخصص المعارض للعام وهذا الوجه يختص بإحدى شقي المدعي وهو أن التخلف إذا كان لمانع لا يقدح\nوالثاني أن التخلف إذا كان لمانع فظن عليه الوصف باق والعمل بالظن واجب بخلاف ما إذا لم يكن التخلف لمانع فإن ظن العلية ينتفي وذلك لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن لمانع يتعين أن يكون لعدم المقتضى فيكون التخلف لا لمانع قادحا في العلية","vol":"3","page":91},{"text":"قال \"﵀ قيل العلة ما يستلزم الحكم وقبل انتفاء المانع لم يستلزم قلنا بل ما يغلب على ظنه وإن لم يخطر المانع وجودا وعدما\"\nهذه حجة من حجج القائلين بأن النقض يقدح مطلقا وتقريرها أن العلة ما تستلزم الحكم وقبل أن ينتفي المانع أي مع وجوده لا يستلزم الحكم فلا تكون علة وحينئذ يكون تخلف الحكم مع وجود المانع قادحا في العلية وإذا كان كذلك كان التخلف لا لمانع قادحا بطريق أولى والجواب أنا لا نسلم كون العلة ما تستلزم الحكم بل هي ما يغلب على الظن وجود الحكم بمجرد النظر إليه وإن لم يخطر وجود المانع أو عدمه بالبال وهذا الجواب يستدعي تحديد العهد بالكلام في العلة وقد بنى المصنف كلامه على المختار من العلة المعرف\nولقائل أن يقول إن قلنا العلة مؤثرة أو باعثة فلا ريب في أنها تستلزم وإن قلنا معرفة نصبت أمارة فتعريفها للحكم يوجب ظن حصوله فصار مستلزما لحصول الظن والعمل بالظن واجب فهي مستلزمة على الأقوال جميعا وإن اختلفت جهة الاستلزام وحكمها\nوقال أبو الحسين في المعتمد إن أقوى ما يحتج به هؤلاء أن يقال تخصيص العلة مما يمنع كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع سواء ظن كونها جهة المصلحة أو لا يظن ذلك لكن ذلك باطل لأن العلة فائدتها كونها توجب العلم أو الظن بثبوت الحكم في الفرع والأفقي الأصل لا حاجة إليها لثبوت الحكم فيه بالنص وإذا لم يحصل هذا بطل كونه علة وبيان أنه يمنع كونها أمارة على الحكم أنا إذا علمنا أن علة حرمة التفاضل في بيع الذهب بالذهب هي كونه موزونا ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا مثلا مع أنه موزون فلا يخلو إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى يقتضي إباحته أو بنص فإن علمنا إباحته بعلة أخرى بقياس بها الرصاص على أصل ثبت فيه ذلك الحكم لكونه أبيض مثلا فأنا إذا علمنا في شيء أنه موزون وشككنا في كونه أبيض مثلا لم يعلم قبح بيعه متفاضلا ما لم يعلم أنه ليس بأبيض كما لو شككنا في كونه موزونا فظهر أنه لا يعلم بعد التخصيص تحريم بيع شيء متفاضلا لكونه","vol":"3","page":92},{"text":"موزونا فقط فبطل أن يكون كونه موزونا وحده علة بل كونه موزونا مع كونه غير أبيض وإن علمنا إباحته بالنص فالكلام فيه كما في القسم الأول\nوأجيب عن هذا الوجه بأنا نسلم أنه مهما انتفى الحكم عن العلة في بعض الصور لمعارض فما لم يعلم أو يظن انتفاء ذلك المعارض في غيره من الصور لا يمكننا إثبات ذلك الحكم فيه لكن لم قلتم أنه يلزم منه أن يكون إثبات ذلك الحكم فيه داخلا في ذات العلة بل جاز أن يكون شرطا\nواحتج القائلون بأن النقض لا يقدح مطلقا بأوجه منها ما روى عن ابن مسعود أنه كان يقول هذا حكم معدول به عن سنن القياس وعن ابن عباس ﵁ مثله واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير نكير فصار إجماعا وأجيب عنه بوجهين\nأحدهما أنه لا دلالة لقول ابن مسعود وابن عباس على أن القياس الذي ثبت الحكم على خلافه حجة فالإجماع على ذلك لا يكون مفيدا\nوالثاني سلمنا أن حجة لكن يمكن حمل ذلك على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق الاستثناء ويجب الحمل عليه جمعا بين الأدلة واعترض صفي الدين الهندي على الأول بعد أن ذكر أنه إشكال قوي بأن إطلاق القياس عليه يشعر إشعارا ظاهرا بكونه حجة وتسميته ذلك اعتبارا بما كان قبل ذلك الحكم المعدول به مجازا على خلاف الأصل والقياس الذي لا يعمل به من المنسوخ والفاسد لا نسلم أنه يسمى قياسا إذ ذاك على الإطلاق في الفرق وإن سمي به مفيدا ومنها أن العلة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع فوجودها في موضع من غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة إذ ليس من شرط الإمارة أن يصحبها الحكم ولا يتخلف عنها أصلا وإلا لكان دليلا قاطعا لأمارة ولهذا أن جميع الإمارات الشرعية موجودة قبل ورود الشرع وإن لم تكن الأحكام ملازمة لها والغيم الرطب أمارة على وجود المطر وأن تخلف عنه المطر آونة\nوخبر الواحد العدل علامة على وجود وإن تخلف عنه وجود القاطع","vol":"3","page":93},{"text":"وجوابه أنا لا نسلم أن تخلف الحكم عن الإمارة لا يقدح في كونها أمارة قوله لو صحبها الحكم في كل الصور لم تكن أمارة بل قاطعا قلنا ممنوع وهذا لأن القاطع هو الذي لا يجوز أن ينفك الحكم عنه ولو لمانع لا أنه الذي لا ينفك الحكم عنه فإن الدليل الظني قد لا ينفك الحكم عنه وإن كان يجوز انفكاكه لمانع وما ذكره من الأمثلة فنحن نمنع كونه لا يقدح في غلبة الظن في كونه إمارة وإنما لا يقدح ذلك إذا غلبت على ظنه حصول ما يلازم انتفاء الحكم في صور التخلف فإما إذا لم يحصل ذلك فلا نسلم أنه لا يقدح ذلك فيه ثم الذي يؤيد ما ذكرناه من الاحتمال أن الدليل الدال على كون الإمارة للحكم الفلاني أن اعتبر في كونها إمارة صورا مخصوصة وصفة مخصوصة وهيئة مخصوصة فلا يكون تخلف الحكم في غير تلك الصور وفي غير تلك الصفة والهيئة تخلف الحكم عن الإمارة بل عن بعضها لأن تلك الخصوصيات معتبرة في ماهية الإمارة حينئذ وإن لم تعتبر ذلك بل دل على كونها إمارة في سائر الصور كيف حصلت فيمتنع التخلف وإلا يلزم الترك لمقتضى دليل الإمارة وهو باطل\nواحتج القائلون بأن النقض يقدح المستنبطة دون المنصوصة بأن دليل العلة المستنبطة اقتران الحكم بها في بعض الصور فكما أن اقتران الحكم بالوصف في بعض الصور يدل على العلية فقدم الاقتران به في بعض الصور يدل على عدم العلية فتعارضا وتساقطا بخلاف العلة المنصوصة فإن دليل عليتها النص فكما أن تخلف حكم النص عنه في بعض الصور لمعارض لا يوجب إبطال العمل به فيما عداها فكذلك العلة المنصوصة التي في معناها\nوأجيب عنه بأنه ليس دليل علية المستنبطة مجرد الاقتران بل شهادة المناسبة وغيرها من الطرف المذكورة والتخلف لمانع أو فوات شرط لا يدل على عدم العلية لما سبق فلا يعارض دليل العلية كما في المنصوصة\nقال \"والوارد استثناء لا يقدح كمسألة العرايا لأن الإجماع أول من النقض\"\nما تقدم في كلام المصنف هو فيما إذا لم تكن صورة النقض واردة على سبيل الاستثناء أما إذا كانت واردة على سبيل الاستثناء","vol":"3","page":94},{"text":"أما إذا كانت واردة على سبيل الاستثناء فإنه لا يقدح على المختار خلافا لبعض المانعين من جواز تخصيص العلة سواء كانت العلة معلومة كمسألة الصاع في المصراة أو مظنونة كمسألة العرايا وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر والعنب في الكرم بالزبيب فإنها واردة نقضا على تحريم الربا لأن العلة في تحريمه إما الطعم أو الكيل أو الفوت أو المال وكل منها موجود في العرايا وإنما لا يقدح ذلك في العلة لأنه إنما يعلم كونه ورد على سبيل الاستثناء إذا كان النقص لازما على جميع المذاهب كما ذكرناه في مسألة العرايا\nوحينئذ يكون معارضا للإجماع فإنه منعقد على أن علة الربا أحد الأمور الأربعة والإجماع أقوى في الدلالة منه فيقدم عليه ويعمل بمقتضاه واعلم أن الإمام مثل الوارد على سبيل الاستثناء في المظنونة بمسألة العرايا وفي المعلومة بضرب الدية على العاقلة فإنها لا تنقض علمنا بأن من لم ينقدح على الجنابة لم يؤاخذ بضمانها\nوقد سبق الإمام بهذا المثال إمام الحرمين وغيره واعترض على التمثيل به بأنه عكس النقص لأنه أبدا الحكم بدون القلة وذلك أن الجنابة سبب لوجوب الضمان وهنا وجب بدون الجناية وهو اعتراض غير منقدح لأن تقرير التمثيل ذلك أن يقال الجناية سبب الضمان\nوقد تخلف الحكم في القاتل عمدا أو عمد خطأ مع وجود العلة وإن قرر على الوجه المذكور كان بمعنى أن يقول عدم الجناية سبب لعدم الضمان\nوقد وجب هذا السبب في العاقلة مع تخلف عدم الضمان والمصنف اقتصر على التمثيل بمسألة العرايا لأنها واردة نقضا على علة مظنونة فإذا لم يقدح فيها لم يقدح في المعلومة بطريق الأولى وفي التمثيل بمسألة العرايا دقيقة أخرى وهي الإشارة إلى أن ما ورد مستثنى جاز أن يكون معقول المعنى كمسألة العرايا فإنها استثنيت رخصة وتسهيلا على المعسرين ولذلك يختص بها الفقراء على أحد قولين وهذا ما عليه الجمهور وأعني أن المستثنى يجوز أن يعقل له معنى وأن لا يعقل","vol":"3","page":95},{"text":"وادعى إمام الحرمين أن الصورة المستثناة لا تكون معقولة المعنى وأن ما يعقل معناه لا يستثنى ثم أورد تحمل العاقلة ومسألة المصراة فقال إذا أردنا إجراء علة في تخصيص الغرامة بمختص بسببها ومقتضاها طردناها غير مكثرين بتحمل العاقلة على قطع وتحملهم لا يعترض على ما يمهد من المعنى ولو ظن ظان أنه ينقدح في تحمل العاقلة معنى تصح على السير مأخوذا من المعاونة فهذا غير سديد فإن ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال وهو أعم وجودا وأغلب وقوعا من العقل الواقع خطأ أو على شبه العمد ثم الإعانة إنما تجري في الشريعة وإذا كان المعان معسرا وعلى هذا انتظمت أبواب النفقات والكفارات والقاتل خطأ يتحمل عنه وإن كان من أيسر أهل زمانه فليس بمثل هذه التخيلات اعتبار\nوكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل في المثليات التي تنشأ به أجزاؤها فيلزمنا عليه من إيجاب رسول الله ﷺ صاعا من التمر في مقابلة لبن المصراة لم يحتمل بمثل هذا الإلزام ولا تعويل على قول المتكلفين إذ زعموا أن اللبن المحتلب في أيام اختيار الفرارة والبكارة يقع مجهول القدر فرأي الشارع فيما يقع ويكثر إثبات مقدر من جنس درا للنزاع\nفإن هذا لا جريان له أصلا ويلزم طرد مثله في كل مثلي جهل مقداره وليس لبن المصراة مما يعم ويغلب الابتلاء بالحكم به\nفإن أمثال هذه المعاني البعيدة إنما يثبت بعض الثبوت إذا تقيدت وتأيدت بعموم البلوى على أنها لو كانت أيضا كانت من المعاني الكلية التي لا تتخلص في مسالك الفرض على السبر ثم تعيين جنس التمر كيف يهتدي إلى تعلية\nوإنما المطلوب فيما فرضناه الكلام في الجنس المعدول إليه لا في المقدار فإن ما ذكروه من دوام النزاع بعد انقطاعه بذكر مقدار من النقدين وهما أثمان الأشياء إذا عسر تقدير الثمن انتهى وإمام الحرمين أجل من أن يصادم كلامه بكلمات أمثالنا ولكنا نقول على جهة الاستشكال دون المناظرة مسألة العاقلة معقولة المعنى واتفاق الجاهلية على ذلك قبل ورود الشرع يرشد إلى ذلك لأن التعبدي لا تهتدي إليه العقول وإنما يتلقى من الشرع\"","vol":"3","page":96},{"text":"فإن قلت وما ذلك المعنى قلت المعاونة على حمل الجناية قولكم ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال\nقلنا أولا هذا نقض والكلام في أن النقض يقدح\nوثانيا أن الأموال غالبا لا تتلف ما سيق مؤثة وإنما يكون ذلك في أموره يسيرة وأما إتلاف النفوس فالأمر فيها مشق وإذا ثبت الحمل في موضع يعظم العزم فيه لم يلزم إثباته في موضع لا يعظم فيه ولا يشق وأيضا فوقوع إتلاف النفوس لا يكثر بخلاف الأموال فلم يلزم من تحمل ما يقع نادرا تحمل ما يغلب وقوعه أيضا كانت العرب تتناضل أبطالها وتتجاول فرسانها وبهم إلى ذلك حاجة ويقع القتل الخطأ عند الطراد فرجعت الفائدة إلى العاقلة فناسب توزيع الغرم الذي لا يشق عليهم قولكم وهو أعم وجودا وأغلب وقوعا من قتل الخطأ وشبه العمد قلنا لعل ذلك هو السبب في عدم التحمل فيه كما بيناه فإن الشيء إذا كان وقوعه نادرا تناسب فيه المعاونة قوله الإعانة إنما تكون إذا كان المعان معسرا قلنا الإعانة من حيث هي مطلوبة محبوبة والصدقة على الأغنياء جائزة ولكن الإعانة حالة الإعسار آكدور بما شبه أعانته الأقارب بتحمل الدية عنهم بإعانة الأجانب الذين غرموا لإصلاح ذات البين\nوأما مسألة المصراة فمعقولة المعنى أيضا من جهة ما ذكره إمام الحرمين وقوله يلزم طرد مثله في كل مثلي جهل مقداره إلى قوله كيف يهتدي إلى تعيين جنس التمر قلنا قد رجع الشرع إلى البدل من غير مثل ولا يقوم في أماكن منها الحر يضمن بمائة من الإبل ومنها الجنين يضمن بالقوة ويستوي في الذكر والأنثى\nومنها المقدرات الشرعية في الشجاج كالموضحة مع اختلافها في الصغر والكبر\nومنها جزاء الصيد فليس من شرط الضمان أن يكون بالمثل أو القيمة من النقدين ولا من شرط المثل أن يضمن بالمثل والعدول في الأمور التي لا تنضبط إلى شيء مقدر لا يختلف من محاسن الشريعة قطعا للتشاجر والتخاصم","vol":"3","page":97},{"text":"والتمر كان أغلب أقواتهم كما أن الإبل غالب أموالهم وقد انتهى ما تخيلناه وأوردناه ولكنا نطرق سبيلا للبحث يسلكه الفطن يغر ناظرين إلى الجزم بصحته\nوقد تعرض ابن الابياري شارح البرهان لما أوردناه في مسألة العاقلة والذي نقول أخيرا أن الظاهر أن الحق في جانب إمام الحرمين ولو عقل في العاقلة معنى المعاونة لعدى إلى الجيران ولكان أبعاض الجاني من آبائه وبنيه أولى من بقية العصيات في تحملها مع كونهم لا يتحملونها\nوأما تشبيه تحمل الأقارب الدية بإعانة الأجانب الغارمين فأين أحدهما من الآخر والغارمون قد ثبت في ذمتهم وناسب قضاء دينهم في ذلك أما القاتل خطأ أو عمد خطأ فلم يشغل الشارع ذمته بشيء فلا ريب في أن هذا حكم تعبدي نتلقاه على الرأس والعين وكذلك القول في مسألة المصراة\nثم ألحق إمام الحرمين بتحمل العاقلة الكتابة الفاسدة حيث نزلناها منزلة الكتابة الصحيحة\nوإذا قلنا في البيع الفاسد الملك لا ينتقل بدون سبب شرعي والفاسد حائد عن سبيل الصحة غير واقع والموقع المطلوب في الشريعة فلا وقع له في مقصود العقد الصحيح لم يكن للخصم نقض ذلك بالكتابة الفاسدة لكونها مستثناة شاذة عن القاعدة كتحمل العاقلة ورأي ذو البصائر أن لا يحكموا بالشاذ عن الكل ولكن يتركون الشاذ على شذوذه يعتقدونه كالخارج على المنهاج ولقائل أن يقول\nإذا كانت الكتابة مستثناة والمستثنى عندك تعبد خارج عن القياس فلم قست الفاسد منها على الصحيح ولا محيص عن هذا إلا أن يحصل نص أو ينعقد إجماع على إلحاق الكتابة الفاسدة بالصحيحة فكذلك فاسد البيع يلحق بالصحيحة فتصير مستثناة بذلك وإلا فللمنفي أن يقول وقع الاتفاق على إلحاق الكتابة الفاسدة بالصحيحة فكذلك فاسد البيع يلحق بالصحيحة فتصير الكتابة الفاسدة بالصحيحة فكذلك فاسد البيع يلحق بصحيحه\nفإن قلت هذا مستثنى قلت أين دليله الذي خرج به ثم نحرر عبارة فنقول","vol":"3","page":98},{"text":"ما اتسعت طرقه كان الفاسد أحد طرقه الدليل عليه العتق وبيان هذا في الفرع أن الملك يحصل بأسباب البيع والهبة والإرث والاغتنام والاحتطاب والاحتشاش والإلتقاط والمعدن وفي الأصل العتق يحل بأسباب مباشرة وتسببا وفي الثمن بالإستيلاد والتدبير والكتابة فلما استويا في اتساع الطرق جاز أن يكون الفاسد أحد الطرق وتأثير هذا الكلام أن الطرق إذا اتسعت في تحصيله فقد دخله نوع من المسامحة والمساهلة فجاز أن يكون الفاسد من طرقه ولا يقال الكتابة حصل العتق فيها بالتعليق دون المعارضة لأنا نقول لو كان كذلك وجب اشتراط التنصيص على التعليق ولا يجب التنصيص عليه\nوتقول فإن أديت إلى فأنت حر وأيضا فإنه مستحق فسخ هذه الكتابة ولو كان التعليق هو الذي تحصل به العتق لما قبل الفسخ كسائر التعليق وأيضا فإكسابه وأولاده تتبعه في العتق ولو عتق بالتعليق لم يكن ذلك وأيضا فلو كاتبه على خمر وأداه وجب عليه قيمة نفسه ولو عتق بالتعليق لما وجب عليه قيمة نفسه فما هذا الرجوع بالقيمة إلا حكم المعاوضة\nوقد تناهينا في الاحتجاج للخصم ولسنا ممن يغادر هذه الكلمات سالمة عن الإبطال وإن طال بها الفصل وخرج عن المقصود من الشرح\nفنقول قد أجاب أصحابنا عن قياسهم البيع الفاسد على الكتابة الفاسدة بطريق ونحن نزيف منها ما لا نرتضيه حتى لا نتجاوز حد الإنصاف\nأحدهما قولهم البدل في الكتابة غير مقصود لتمكن السيد من أخذ اكتساب العبد دون الكتابة ولما كان كذلك لم ينظر إلى فساده وصحته وهذا غير مرضي فإن العبد قد يكون كسوبا ويكاتبه السيد طمعا فيما لعله يصل إليه من سهم الرقاب وأيضا كان ينبغي أن لا يفسد العقد كما إذا تزوجها على صداق فاسد فإنه لما كان البدل غير مقصود في النكاح لم يؤثر في فساده فتأثيره في الكتابة يدل على أنه مقصود","vol":"3","page":99},{"text":"وثانيها قولهم العتق في الكتابة مضاف إلى التعليق فإن الكتابة الصحيحة اشتملت على تعليق ومعاوضة ولا بد فيها من ذكر التعليق فنقول كاتبتك على ألف فإن أديت فأنت حر وفي الفاسدة لا بد من التعليق والتعليق لا فساد فيه وعلى هذا تمتنع المسائل التي لزمت من أحكام المعاوضات كقبول الفسخ ولزوم القيمة له واستتباع الاكساب والأولاد\nوهذا الجواب أمثل من الأول إلا أن لقائل أن يقول العتق مضاف إلى المعاوضة لا إلى التعليق قولكم يشترط أن ينص على التعليق قلنا لا نسلم بل لو نواه بقوله كاتبتك على كذا صحت الكتابة أيضا وهذا واضح وأبلغ منه قول مخرج من التدبير أن لفظ الكتابة صريح مغن عن التصريح بالتعليق ونيته ونظيره قول إلى اسحاق إن كان الرجل فقيها صحت الكتابة والأفد به من التعليق أو نيته ثم كيف يشترط التنصيص على التعليق والعتق عند الأداء يحصل لا محالة بعقد المعاوضة وتسليم العوض يقتضي تسليم ما يقابله فلا يحتاج أن يشترطه في العقد ويصير بمثابة البيع لما اقتضى بنفسه الملك لم يحتج إلى أن يقول بعتك على أن تتسلم أو تتملك\nوأما المسائل فلا منع فيها وإنما منع أصحابنا استتباع الكسب والولد فحسب وأما الفسخ فغير ممتنع وقيمة نفسه واجبة وذلك من أحكام العوض دون التعليق\nوثالثهما قول بعضهم الكتابة في الأصل خارجة عن القياس فألحقنا فاسدها بصحيحها لأن ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه بخلاف البيع وهذا كلام رديء فإن إلحاق فاسدها بصحيحها عين القياس ثم إنها وإن عدل بها عن القياس إلا أنه بعد ورود الشرع بها وصفت بالصحة فينبغي وصف فاسدها بالفساد وإذا ثبت فسادها والفاسد عند الشافعي مرادف للباطل وجب إلغاؤها وأن يكون لها حكم ألا ترى أن السلم والإجارة ثبتا على خلاف القياس لورودهما على معدوم ثم لما ثبت الصحيح منهما ونعت بالصحة يؤدي على الفاسد بالفساد حتى لا يثبت لفاسد كل منهما ما لصحيحه\nوالحق عندنا في الجواب رأي رابع فنقول الكتابة عقد إرفاق لا يقصد بها غير العتق وأن يخلص العبد من الرق فألفينا مضى الفساد ولم ننظر إليه","vol":"3","page":100},{"text":"وعمدنا إلى العتق الذي هو المقصود ورأينا الشارع متشوف إلى تحصيله ما أمكن ولهذا يكمل بعضه بعضا ويجعل بعض الملك كجميعه وبعض اللفظ كجميعه ويعتق القريب على قريبه وننزله في أبواب الكفارات في أول الدرجات ونضرب صفحا عن إيجاب الصوم على ذي الميسرة العظمى وإن كان الصوم أشق عليه وما ذلك إلا تشوف إلى تحصيل العتق كيف قدر الأمر ولهذا إذا أدى الأمر إلى العتق بعد هذا لا ينقض ولا يرفض وفي البيع الفاسد إذا تأدى الأمر إلى الملك بالقبض يجب نقضه عندهم ورفضه واسترجاعه كل ذلك تغليبا لتحصيل العتق\nفإن قلت فما دعاك إلى آنه تتبعه ولده قلت في ثبوت الكتابة لولد المكاتبة من زنا أو نكاح أجنبي قولان فإن قلنا لا يثبت اندفع السؤال وإن قلنا بالصحيح وهو أنه يثبت فنقول نحن إذا الفينا معنى المعاوضة الفاسدة ولم ننظر إليها طلبا لتحصيل العتق صححنا ما هو تابع طلبا لتكثير العتق ولهذا كان هذا القول الصحيح وهو الأحب للشافعي ﵁ وإنما أحبه للزومه تكثير العتق وقطع به إسحاق ﵀ وقال إذا اختاره الشافعي كان الآخر ساقطا\nفرعان أحدهما في وجوب الاحتراز عن النقض مذاهب ثالثها يجب في المستثنى دون غيره\nالثاني ذهب بعض الفقهاء إلى أن مسألة النقض من القطعيات قال القاضي وليس الأمر كذلك عندي بل هي من المجتهدات وكل مأمور بما غلب على ظنه\nقال \"وجوابه منع العلة لعدم قيد\"\nهذه الجملة معقودة لبيان النقض وجوابه قال صاحب الكتاب وهو يتأتى بأحد أمور ثلاثة الأول منع وجود العلة في محل النقض وفيه بحثان\nأحدهما أن ذلك لا يكون معاندة وصدا بالمكابرة بل يكون بناء على وجود فيه مناسب أو مؤثر في العلة وهو غير حاصل في صفة النقض ولم يتعرض","vol":"3","page":101},{"text":"المصنف للكلام في تقسيم القيد فنقول لا يخلو ذلك القيد أما أن يكون جليا أو خفيا الأول الجلي وله أمثلة منها أن في نصرة القول الصحيح هذا الحلي مال معد لاستعمال مباح فلا يجب فيه زكاة كثياب البذلة وعبيد الخدمة فإن نقض بالمعد لاستعمال محرم أو مكروه فدفعه واضح لأنه غير معد لاستعمال مباح\nومنها قولنا طهارة عن حديث فيشترط فيها النية كالتيمم فإن نقض بالطهارة عن النجاسة قلنا ليس الحدث من النجاسة\nومنها قولنا من لم ينو في رمضان ليلا يعرا أول صومه عن النية فلا يصح فإن نقض بالتطوع قلنا العلة عرا أول الصوم الواجب لا مطلق الصوم\nومنها قولنا في المستولد بين الظباء والغنم حيوان متولد بين ما لا يجب فيه الزكاة بحال وما يجب فيه فلا يجب كما إذا كانت أمهات ظباء فإن نقض بالمتولد بين السائمة والمعلولة يجب فيها الزكاة في بعض الأحوال\nومنها أن نقول في نصرة المذهب الصحيح التباس أخذ لنصاب تام خفيفة من حرز مثله عدوانا فيكون سارقا يجب قطعه فإن نقض بما إذا سرق الكفن في قبر في مغارة حيث لا يجب القطع على أصح الوجهين قلنا ليس ذلك في حرز مثله والثاني الخفي فإما أن يكون معناه واحدا أو متعددا إما بطريق التواطئ أو المشكك أو الإشتراك فهذه أقسام أربعة أن يكون معناه واحدا\nوذكر من أمثلته قولنا السلم عقد معاوضة فلا يشترط فيه الأجل كالبيع فإن نقض بالكتابة قلنا ليست عقد معاوضة إذ هي بيع مال الإنسان بمال نفسه وذلك لا يجوز بل هي عقد إرفاق ولذلك لا يحيل مقصودها لفساد العوض\nوفي هذا المثال نظر والحق أن الكتابة معاوضة تضمنت تعليق عتق وقيل تعليق عتق بصفة ضمنت معاوضة معدولة عن القياس بل الجواب عن هذا النقض أن نقول الكتابة وردت مستثناه فلا ترد نقضا لم تقدم\nومنها قولنا في قصر الصلاة رخصة شرعت للتخفيف فلا يتحتم الأخذ بها","vol":"3","page":102},{"text":"كالإفطار في الصوم فإن نقض بأكل الميتة حال من الإضطرار حيث يجب على أصح الوجهين قلنا حينئذ أنه شرع للتخفيف بل للضرورة وقيام البينة\nوثانيها أن يتعدد بطريق التواطؤ\nومن أمثلته قولنا الصوم عبادة متكررة فتفتقر إلى تعيين النية كالصلاة فإن نقض بالحج لأنه يتكرر على الأشخاص قلنا المراد من التكرار التكرار بحسب الأزمان والأشخاص أو بحسب الأزمان وما ذكرتم من النقض ليس كذلك بل هو متكرر بحسب الأشخاص فقط ومنها قولنا يحج عن الميت المستطيع وإن لم يوص لأنه حق لازم عليه فيقضي عنه سواء أوصى به أو لم يوص كالدين فإن نقض بالصلاة والصوم قلنا بعد تسليم الحكم وعدم الفرق الإجمالي الحق اللازم مقول على الحق المالي وعلى غيره بالتواطئ والأول هو المقصود هنا دون الثاني الذي هو المراد من النقض\nوثالثها أن يتعدد معناه بطريق التشكيك كقولنا في المتولد بين الظباء والغنم حيوان متولد بين ما لا زكاة فيه وما فيه زكاة فلا تجب فيها الزكاة قياسا على ما إذا كانت الأمهات ظباء فإن الخصم وافق في هذه الحالة فإن نقض بالمتولد بين السائمة والمعلوفة من البقر والغنم قلنا ما لا يجب فيه الزكاة مقول بالتشكيك على ما يجب فيه بحال كالظباء وعلى ما يجب له من حيث الجملة كالمعلوفة فإنه يجب فيها الزكاة إذا صارت سائمة وكذا إذا علفت قدرا تعيش الماشية بدونه كاليومين مثلا فإنها معلوفة ولا زكاة فيها والحالة هذه على أصح الأوجه وكذا لم يقصد العلف على أحد الوجهين وقد تقدم ذكره هذه المسألة مثالا للقيد الجلي ولكن على غير هذا الوجه فإنها ثم مقيدة بقولنا لا يجب فيها الزكاة بحال\nوقد قال بعض الأصوليين أن النقض يندفع أيضا بتفسير اللفظ وذكر هذا المثال وقال إذا صارت من سائمة وجبت زكاتها ويكون اللفظ غير متناول لها عرفا أو شرعا وذكر إمام الحرمين في التخليص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر هذا المثال ثم قال وهذا الضرب مقبول ولا نظن أن النقض يندفع بالتفسير ولكنه يندفع بقضية اللفظ لاقتضاء عموم اللفظ النفس والتفسير إيضاح له وكل تفسير لا ينبني عليه قضية اللفظ في إطلاقه فلا معول عليه في دفع النقض مثل أن يقول القائل مطعوم فلا يباع بعضه ببعض متفاضلا فإذا","vol":"3","page":103},{"text":"نقض عليه اعتلاله بالبر مع الشعير فلا يجديه في دفع النقض أن يقول اسم المطعوم ينطلق على ما يتحد جنسه وعلى ما يختلف جنسه فإذا خصصه وفسره بجهة من جهات احتماله وهي ما إذا اتحد الجنس فلا يقبل ذلك منه إذ ظاهر لفظه لا ينبني على هذا التفسير وأطال القاضي في هذا الفصل وما ذكره حق متقبل\nوحاصله أن التفسير إذا كان لا ينبئ عنه اللفظ لم يقبل وإلا قبل ويكون حينئذ راجعا إلى هذه الأقسام التي نحن في ذكرها\nورابعها أن يتعدد بطريق الإاشتراك كقولنا جمع الطلاق في القرء الواحد فلا يكون مبتدعا كما لو طلقها ثلاثا في قرء واحد مع الرجعة بين الطلقتين فإن نقض بما لو طلقها ثلاثا في الحيض فإنه جمع الطلاق في الطهر الواحد مع أن الطلاق يدعى وفاقا قبنا المراد من القرء هنا الطهر\nقال \"وليس للمعترض الدليل على وجوده لأنه نقل ولو قال فادللت على وجوده هنا دل عليه ثمنه فهو نقل إلى نقض الدليل\"\n\"البحث الثاني في أن المستدل إذا منع حصول وجود العلة في صورة النقض فهل للمعترض إقامة الدلالة عليه فيه مذاهب\"\nأحدها قال الأكثرون وجزم به الإمام والمصنف أنه لا يمكن من ذلك لأنه انتقال من مسألة قبل تمامها إلى أخرى لأن وجود العلة في صورة النقض مسألة تغاير المسألة التي أقام المستدل عليها الدليل وأيضا فإن فيه قلب القاعدة فإن المعترض يصير مستدلا والمستدل معترضا\nوالثاني أنه يمكن من ذلك لأن فيه تحقيق النقض فكان من متمماته\nوالثالث قاله الآمدي أنه إن تعين ذلك طريقا للمعترض في هدم كلام المستدل وجب قبوله منه تخفيفا لفائدة المناظرة وإن أمكن القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا وهذا التفصيل عندي داخل في مجاري التحقيق\nوالرابع يمكن المعترض ما لم يكن حكما شرعيا كذا حكاه ابن الحاجب","vol":"3","page":104},{"text":"وقال قطب الدين السيرازي ما وجدته في شيء من الكتب ولعل تقريره أن يقال يمكن المعترض في الحكم العقلي لأنه يقدح فيه فيحصل فيه فائدة لا أن يمكن في الحكم الشرعي إذا التمكين فيه انتقال من الاعتراض إلى الاستدلال ولا ينفعه لأنه بعد بيان المعترض وجود العلة في صورة النقض يقول المستدل يجوز أن يكون تخلف الحكم لوجود مانع أو فوات شرط فيجب الحمل عليه جمعا بين الدليلين دليل العلة ودليل التخلف فلا تبطل العلة بخلاف الحكم العقلي فإنه لا يتمشى فيه قال قطب الدين ويحتمل أن يكون المراد ما لم يكن الوصف المدعي علة حكما شرعيا فإنه إن مكن من إثباته لزم قلب القاعدة لصيرورة المعترض مستدلا لإثباته الحكم الشرعي بخلاف ما لم يكن الوصف حكما شرعيا فإنه لا يلزمه ذلك قال وهذا الاحتمال أظهر\nقلت وقد حكى صفي الدين الهندي هذا المذهب وفرق بين الحكم الشرعي وغيره بأن الحكم ينتشر الكلام فيه جدا بخلاف غيره فإن الأمر فيه قريب قوله فلو قال المعترض ما ذكرت من الدلالة على وجود العلة في محل النقض فهو نقل أي انتقال من نقض العلة إلى نقض الدليل أي دليل وجود العلة في الفرع ولم يتعرض المصنف بعد قوله إن هذا نقل إلى أنه هل يكونه مسموعا أولا ولك أن تقول قوله أنه نقل الإشارة إلى أنه لا يكون مسموعا لأنه قدم أولا أنه ليس للمعترض الدليل على وجوده لكونه نقلا فأومأ بذلك إلى أن النقل لا يجوز ويحتمل أن يريد أن مثل هذا النقل يسمع وعلى هذا مشى الشيرازي شارح الكتاب وكلام الإمام أيضا محتمل للأمرين وظاهره الإشارة إلى أنه لا يكون مسموعا فإنه قال لا يمكن المعترض من إقامة الدليل على وجود العلة في صورة النقض لكونه انتقالا إلى مسألة أخرى بل لو قال المعترض ما دللت به إلى آخره قال فيكون انتقالا من السؤال الذي ابتدأ به إلى غيره هذا كلامه وكأنه قال في تلك الصورة إنها انتقال من مسألة إلى مسألة أخرى أراد التنبيه على أن ما يقوله المعترض في هذا الفرع انتقال من السؤال الأول إلى غيره لا من مسألة إلى أخرى فأتى بلفظه بلى لذلك ولم يرد أن هذا انتقال مسموع","vol":"3","page":105},{"text":"وعلى هذا مشى الشيخ صفي الدين الهندي وقال يعد منقطعا وبه جزم الآمدي أعني بأنه لا يكون مسموعا نعم لو قال ذلك ابتداء أو قال يلزمك إما نقض العلة أو نقض الدليل الدال على وجودها في الفرع كان مسموعا يحتاج المستدل إلى الجواب عنه\nقال \"أو دعوى الحكم مثل أن يقول السلم عقد معاوضة فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع فينتقض بالإجارة قلنا هناك لاستقرار المعقود لا لصحة العقد ولو تقديرا كقولنا رق الأم علة رق الولد وثبت في ولد المغرور تقديرا وإلا لما تجب قيمته\"\nالأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي يتأتى بها دفع النقض أن يمنع المطل عدم الحكم في صورة النقض ويدعي ثبوته فيها وذلك قد يكون ظاهرا بأن يكون الحكم ثابتا فيها جزما على رأس المستدل إن كان مجتهدا أو رأي إمامه إن كان مقلدا ناصرا لمذهبه أو على أحد قوليه غير المرجوع عنه أو غير ذلك ولم يتعرض المصنف لهذا القسم لكونه كما قال الإمام معلوما وقد يكون خفيا وفيه كلام المصنف وذلك قد يكون تحقيقا وقد يكون تقديرا الأول التحقيقي مثل السلم عقد معاوضة فلا يتشرط فيه التأجيل كالبيع فإن نقض بالإجارة قلنا الأجل ليس شرطا لصحة عقد الإجارة وإنما جاء فيها التقرير المعقود عليه وهو الانتفاع بالعين\nومن أمثلته أيضا الإجارة عقد معاوضة فلا تنفسخ بالموت كالبيع فإن نقض بالنكاح قلنا بعد تسليم كونه عقد معاوضة هناك لا ينفسخ بالموت لكن انتهى\nمنها الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز إجبارها كالبالغ فإن نقض بالثيب المجنونة بحيث يجوز تزويجها على الوجه الصحيح قلنا لا نسلم صحة إجبارها كما لو كانت عاقلة وهو وجه في المذهب\nومنها أن يقول في تخالف المتبايعين بعد هلاك السلعة أنه فسخ بيع يصح مع رد العين فصح مع رد القيمة كما لو اشترى ثوبا بعبد وتقابضا ثم هلك العبد ثم","vol":"3","page":106},{"text":"علم مشتري الثوب بالثوب عيبا فيقول الحنفي هذا ينتقض بالإقالة فإنها بيع يصح مع رد العين ولا يصح مع رد القيمة فنقول لا نسلم ذلك فإن الإقالة عندنا تصح بعد هلاك السلعة ويرجع فيها بالقيمة\nوالثاني التقديري وإليه أشار بقوله ولو تقديرا وهو دافع للنقض على الرأي الأظهر لأن المقدر كالمحقق\nمثاله قولنا رق الأم علة رق الولد فيكون هذا الولد رقيقا فإن نقض بولد المغرور بحرية الجارية حيث كان رق الأم موجودا مع انعقاد الولد حرا قلنا رق الولد موجود تقديرا أو مقدر وجوده إذ لو لم يقدر رقه لم نوجب قيمته إذ لا قيمة في الحر ولذلك حكي وجه أنه ينعقد رقيقا ثم يعتق على المغرور حكاه الرافعي في كتاب العتق وجزم في النكاح بخلافه\nوأعلم أن الأول أعني التحقيق دافع للنقض إذا كان الحكم مشفقا عليه بين المستدل وخصمه وكذا إن كان مذهبا للمستدل فقط لأنه إذا لم يف بمقتضى علته في الاطراد فالآن لا يجب على غيره كان أولى وإن كان مذهبا لخصمه فقط كما يقول هذا الوصف مما لا يطرد على أصل فإنه ثابت في الصورة الفلانية والحكم غير ثابت فيها عندي ولست بالمنقاد إليه لم يتوجه النقض لأن خلاف الخصم في تلك المسألة كخلافه في المسألة المتنازع فيها وهو محجوب بذلك الدليل في المسألتين معا وأما تمكين المعترض في إقامة الدلالة على عدم الحكم ففيه الخلاف السابق في منع وجود العلة في صورة النقض ومن فروع هذا القسم أعني منع الحكم ما إذا ذكر المعترض صورة فقال المستدل المنتصر لمذهب إمامه لا أعرف في هذه نصا فلا يلزمني النقض فهل يندفع النقض بذلك ذكر الشيخ أبو إسحاق هذا في كتابه الملخص في الجدل\nومثل له بأن يستدل الحنفي في القارن إذا قتل صيدا أنه يلزمه جزآن لأنه أدخل النقض على إحرام الحج والعمرة فلزمه جزآن كما لو أحرم بالحج فقتل صيدا ثم أحرم بالعمرة فقتل صيدا فيقال له هذا ينتقض به إذا أحرم المتمتع بالعمرة فجرح صيدا ثم أحرم بالحج فجرحه ثم مات فإنه أدخل النقض على إحرام الحج والعمرة ثم لا يلزمه جزاء أن فيقول المخالف لا أعرف نصا في هذه","vol":"3","page":107},{"text":"المسألة ثم قال رأيت القاضي أبا الطبيب يقول في مثل هذا إذا جوزت أن يكون مذهبك على ما ألزمته وجب أن لا يحتج بهذا القياس قال وعندي أنه لا يلزمه النقض لأنه وإن احتمل ما قال إلا أن القياس يقتضي أنه يلزمه كفارتان فيعمل به ما لم يمنع كالعموم قبل ظهور المخصص\nقلت وحاصل هذا أن المعلل له أن يلتزم بصورة النقض عند الشيخ وعند القاضي ليس له الالتزام بها مع احتمال أن لا يكون مذهب إمامه وهذا أمر راجع إليه في نفسه ولا خلاف بينهما في أنه لا يكتفي منه بأن يقول لا أعرف نصا في هذه المسألة وهذا هو الحق وكيف يكون خلافه والمعترض بنادي يلزمك إما انتقاض علتك أو دعوى ثبوت الحكم\nقال أو \"إظهار المانع\" الأمر الثالث مما يجاب به عن النقض أن يظهر المعلل مانعا من ثبوت الحكم في صورة النقض فيندفع النقض بذلك عند من يجعل تخلف الحكم لمانع لا يقدح ومنهم المصنف كما علمت مثاله يجب القصاص القتل بالمثقل قياسا على المحدد بجامع القتل العمد من العدوان فإن نقص بقتل الوالد ولده بأن الوصف فيه مع تخلف الحكم قلنا تخلف لمانع وهو أن الوالد سبب لوجود الولد فلا يحسن أن يكون الوالد سببا لعدمه وإذا تخلف لمانع فلا يقدح في العلية\nولم يذكر المصنف مما يدفع به النقض غير هذه الثلاثة وكان ينبغي أن يذكر دفعه يورد صورة النقض مستثاة فإنه دافع أيضا\nقال \"تنبيه دعوى ثبوت الحكم أو نفيه عن صورة معينة أو مهمة ينتقض بالإثبات أو النفي العامين وبالعكس\"\nهذه الكلمات منبهة على ما يتجه من النقوض ويستحق الجواب وما ليس كذلك أعلم أن المقصود من ثبوت الحكم إما إثباته ونفيه معا أو أحدهما\nفإن كان الأول ولم يتعرض له المصنف وجب أن يكون الحكم مطردا ومنعكسا مع علته كالحد مع المحدود فمتى ثبت عند عدمه أو عدم وجوده توجه عليه النقض","vol":"3","page":108},{"text":"وإن كان الثاني فالمدعي إما ثبوت الحكم أو نفيه وكل منهما إما أن يكون في بعض الصور أو جميعها وإذا كان في بعض الصور فإما أن يكون في صورة معينة أو مبهمة فهذه ثلاثة أقسام داخلة في كل من القسمين أعني ثبوت الحكم أو نفيه في صورة وثبوته أو نفيه مطلقا\nالأول دعوى ثبوت الحكم في صورة معينة فينتقضه النفي عن جميع الصور لأن السالبة الكلية تناقض الموجبة الجزئية ولا ينقضها النفي عن صورة لأن الجزئين لا يتناقضان فالثبوت في صورة لا تناقض النفي في صورة\nمثاله قول الحنفي في جريان القصاص بين المسلم والذمي في حالة العمد محقونا الدم فجرى بينهما القصاص كالمسلمين وينقضه الأب والابن فإنهما لا يجري بينهما القصاص بحال ولا ينقضه إذا بين عدم جريان القصاص بينهما حالة الخطأ\nوالثاني دعوى نبوته في صورة مبهمة وهو كالأول\nومثاله قولنا الصبي حر مسلم مالك للنصاب فيجب الزكاة في ماله كالبالغ فإن نقض بالحلي وثياب البذلة لم نجبه لما عرفت ومثال المعين المنفي أن يقال هذا النبيذ ليس بنجس قياسا على خل الزبيب فينتقض بأن كل نبيذ مسكر وكل مسكر نجس\nومثال المبهم المنفي أن يقال إذا اشتبه عليه نهر غيره بأنهار نفسه لا يحل له الشرب من نهر واحد لا بعينه كما لو اشتبه عليه ظرف ماء غيره بظروف مائه بجامع الاشتباه فينقبض بأنه يحل الشرب من النهر الجاري وإن كان لغيره فإنه لا يجوز المنع من الشرب على أظهر الوجهين وادعى الشيرازي صاحب الكتاب في هذا الإجماع وليس بسديد وإذا علمت هذه الأقسام الأربعة فهي المشار إليها بقوله دعوى ثبوت الحكم إلى قوله العامين وتقدير الكلام دعوم ثبوت الحكم في صورة معينة أو مهمة ينتقض بالنفي العام ودعوى نفيه عن صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالإثبات العام ففيه لف ونشر على جعل الأول للثاني والثاني للأول","vol":"3","page":109},{"text":"قوله وبالعكس إشارة إلى القسم الآخر وهو أن يدعي ثبوت الحكم أو نفيه عاما وقد قلنا إنه يدخل فيه أقسام ثلاثة أيضا الأول نقض دعوى ثبوت الحكم عاما بالصورة المعينة مثاله قولنا كل شريك فدعواه رد المال على شريكه مقبولة قياسا على الوكيل إذا ادعى الرد من وكله وكذا المودع والجامع أن كلا من الشريك والوكيل والمودع أمين فينتقض هذا بالمرتهن حيث لا يقبل دعواه الرد عند العراقيين وهو الأصح وكذلك ينتقض بالمستأجر ومن أمثلته أيضا قولنا يقتل كل رقيق بمثله والمدبر بالمدبر وأم الولد بأم الولد قياسا على الحر بالحر بجامع الكفاءة فينتقض بما إذا قيل المبعض مثله مع التساوي في قدري الرق والحرية حيث لا يجب القصاص على أحد الوجهين ولا ينتقض بما إذا قتل الأب الرقيق عبد ابنه لأن المستدل يقول تخلف الحكم لمانع وهو أن قصاص العبد لابن القاتل فلو ثبت لأدى إلى ثبوت القصاص للوالد على الولد\nالثاني نقض هذه الدعوى المذكورة بالصورة المبهمة ولا استحضر له مثالا\nالثالث نقض دعوى نفي الحكم عاما بالصورة المعينة\nكما إذا قال قائل فيما إذا قطع مملوك طرف مملوك آخر فملوكان فلا يجري بينهما القصاص كالصغيرين فينقض بجريان القصاص بينهما في النفس ومن أمثلته أيضا أن يقال بيع النحل في الكوارة والحمام في البرج إذا لم يشاهد غير صحيح قياسا على بيع الغائب بجامع عدم الرؤية للمشتري فينتقض بأن العبد الأعمى يصح أن يشتري نفسه من سيده مع أن المبيع غير مرئي للمشتري وبأنه لو كان مرئيا قبل العقد ولم يحتمل التغير صح بيعه وإن لم يشاهد في الحال ولئن قال المعلل لا يصح بيع السمك في الماء والطير في الهواء قياسا على بيع الغائب بجامع الغرر كان تعليلا صحيحا وليس للمعترض نقضه ببيع النحل وهو طائر حيث يصح على أصح الوجهين وبيع الحمام وهي طائرة اعتمادا على عودها ليلا على أحد الوجهين لأن المعلل يمنع الغرر والحالة هذه\nالرابع نقض هذه الدعوى بالصورة المبهمة ولا يحضرني مثاله والله تعالى أعلم","vol":"3","page":110},{"text":"قال \" الثاني عدم التأثير\nبأن ينفي الحكم بعده وعدم العكس بأن يثبت الحكم في صورة بعلة أخرى فالأول كما لو قيل مبيع لم ير فلا يصح كالطير في الهواء والثاني الصبح لا يقصر فلا يقدم أذانها كالمغرب ومنع التقديم ثابت فيما قصر\"\nعدم التأثير وعدم العكس من واد واحد فلذلك جمع بينهما والذي عليه الجدليون أن عدم التأثير أعم من عدم العكس فإنهم قالوا كما نقله أمام الحرمين وغيره عدم التأثير ينقسم إلى ما يقع في وصف العلة وإلى ما يقع في أصلها وجعلوا الواقع في الوصف وهو عدم الانعكاس وسيتضح إن شاء الله ذلك بالمثل\nوقال إمام الحرمين الذي نراه أن القسمين ينشآن من الأصل وإذا عرفت هذا فقد عرف المصنف تبعا للإمام عدم التأثير بأن ينفي الحكم بدون ما فرض علة له وعدم العكس بحصول الحكم في صورة بعلة أخرى واعتراض على هذا لأن قوله ينفي الحكم بدون ما فرض علة له إن أريد به أنه كذلك في المحل الذي ادعى أنه علة فيه وهو ظاهر مراده فهو غير لازم لأن عدم التأثير قد يكون بأن يبين ثبوت الحكم في غير ذلك المحل بدون ما جعل علة له وإن أراد أنه كذلك في غير ذلك المحل فقط ففاسد لأنه إذا بين بناء الحكم في ذلك المحل بعينه بدون ما جعل علة له كان ذلك عدم التأثير بطريق أولى وإن عنى به ما هو الأعم من هذين فباطل لأن العكس أيضا كذلك إذا ليس من شرط العكس حصول الحكم في صورة أخرى بل لو حصل في تلك الصورة بعينها بعلة أخرى كان ذلك عكسا أيضا وهو اعتراض منقدح إذا كان الإمام قد مشى على مراسم الجدليين وعلمك محيط بأن القوم ذوو اصطلاح فليساعدوا عليه ما لم يخرج عن قانون معتبر وإن لم يف الإمام باصطلاحهم كان له أن يقول المراد من عدم التأثير\nالقسم الأول وقولكم قد يكون بغير ذلك قلنا في مصطلحي لا يكون كذلك بل له أن يقول المراد\nالقسم الثالث قولكم ليس من شرط العكس حصول الحكم في صورة","vol":"3","page":111},{"text":"أخرى قلنا بل هو من شرطه في مصطلحنا وإذا علمت هذا فقد مثل المصنف لعدم التأثير بقولنا في الغائب يبيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء والسمك في الماء بجامع عدم الرؤية فينقدح للمعترض أن يقول عدم الرؤية لا تأثير له في الحكم لبقاء الحكم المذكور بعد زواله فيما إذا صار البيع مرئيا ولكن غير مقدور على تسليمه وهذا المثال واقع لعدم التأثير في أصل العلة دون وصفها كما وضح ومثل لعدم العكس باستدلال الحنفي على منع تقديم آذان الصبح بقوله الصبح صلاة لا تقصر فلا يجوز تقديم آذانها على وقتها كالمغرب بجامع عدم جواز القصر فيقول هذا الوصف لا ينعكس لأن الحكم الذي هو منع تقديم الآذان على الوقت موجود فيما قصر من الصلوات بعلة أخرى وهذا المثال واقع لعدم التأثير في الوصف كما ظهر\nومن أمثلة الأول أيضا أن يقال على لسان الشافعي في منع نكاح الأمة الكتابية أمة كافرة فلا يحل للمسلم نكاحها كالأمة المجوسية فيقال لا أثر للرق في الأصل فإن الحرة المجوسية محرمة والتمجس مستقل بإثارة منع النكاح والرق مستغن عنه فذكره عديم التأثير في الأصل وقد تم ما في الكتاب\nوقد قسم الباب النظر عدم التأثير أقساما عديدة\nأولها وثانيها عدم التأثير في الأصل والوصف وهما المتقدمان في كلام المصنف والثالث عدم التأثير في الأصل والفرع جميعها فإذا قلنا بأن عدم التأثير في الأصل فقط يقدح كما ستعرفه إن شاء الله كان قادحا بطريق أولى ومثال هذا قوله من اعتبر العدد الاستجمار بالأحجار عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية فينبغي أن يعتبر فيها العدد قياسا على رمي الجمار وإذا اعتبر العدد وجب أن يكون ثلاثة ضرورة أنه لا قائل بالوصف\nوقوله لم يتقدمها معصية عديم التأثير في الأصل والوصف معا بخلاف قولنا أمة كافرة فلا تحل للمسلم كالأمة المجوسية فإن كونها أمة لا أثر له في الأصل لكن تأثير في الفرع فلئن قال مثلا إذا سقط قوله لم يتقدمها معصية انتقض بالرجم فإنه عبادة تتعلق بالأحجار ثم لا يعتبر فيه العدد فنقول قال الشيخ أبو","vol":"3","page":112},{"text":"إسحاق الشيرازي هذا أصعب ما يجيء في هذا الباب قال وعندي أن مثل هذا لا يجوز تعليق الحكم عليه ذكره في الملخص\nوالرابع عدم التأثير في الفرع دون الأصل وهو قسمان\nأحدهما أن يذكر وصف في الفرع يتحقق الخلاف فيه بدونه كقولهم نوى صوم رمضان قبل الزوال فصح كما لو نوى من الليل فقيل كونه من رمضان لا مدخل له في تحقيق الخلاف إذ يتحقق بدونه ولو نوى مطلق الصوم فيه لخلاف أيضا وقد اختلف في قبول هذا القسم أيضا\nوثانيهما أن يلحق الفرع بالأصل بوصف تأثير له على إطلاقه في الفرع وفاقا كقولنا في إثبات فسخ النكاح بالعيوب الخمسة عيب ينقض الرغبة في المعقود عليه فوجد ثبوت الفسخ به كما في البيع فالوصف المذكور في الإلحاق لا تأثير له في الفرع على إطلاقه وفاقا ولهذا لا يثبت الخيار في النكاح بكل عيب شأنه ما ذكر وفاقا وقول القاضي الحسين ومن شذ عن الأصحاب بدعواه ثبوت الخيار بكل عيب منفر يكسر ثورة التوقان لا يرد على دعوانا الوفاق هنا فمن العيوب ما ينقص الرغبة ولا يكن منفرا يكسر ثورة التوقان ولا عبرة به على العموم إجماعا وإن اختلف في أفراد خاصة\nوالخامس عدم التأثير في الحكم وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم المعلل به كما إذا قيل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا أموالنا في دار الحرب طائفة مشركة فلا يجب عليهم الضمان يتلف أموالنا في دار الحرب كأهل الحرب فالإتلاف في دار الحرب لا تأثير له في نفي الضمان وإثباته فإن من أوجب الضمان أوجبه مطلقا سواء كان في دار الحرب أم غيرها ومن نفاه نفاه مطلقا\nوالفرق بين هذا والثالث فرق ما بين العام والخاص لأنه يلزم من أن يكون له تأثير في الحكم أن لا يكون له تأثير في الأصل والفرع من غير عكس\nوقال الآمدي حاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم المذكور وإذا بطل عدم التأثير في الفرع كما هو أحد الرأيين ورجع","vol":"3","page":113},{"text":"حاصل هذا القسم إلى عدم التأثير في الوصف فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وفي الأصل\nوالآمدي لم يذكر القسم الثالث الذي أوردناه ولعله أهمله لكون الخامس أعم منه وإذا تفهمت ما ألقيته لك من الشرح وعلمت عود الأقسام كلها إلى عدم التأثير في الأصل وفي الوصف عرفت أن اقتضاء صاحب الكتاب على ذكرهما نوع حسن من الاختصار والله أعلم\nقال الأول يقدح أن منعنا تعليل الواحد بالشخص بعلتين\nوالثاني تمتنع تعليل الواحد بالنوع بعلتين وذلك جائز في المنصوصة كالايلاء واللعان والقتل والردة لافي المستنبطة لأن ظن ثبوت الحكم لأحدهما يصرفه عن الآخر عند المجموع\nتقدم تصويرها عدم التأثير وعدم العكس والكلام هنا في أنهما هل يقدحان في العلية وقد تشاجر القوم في ذلك وبنى المصنف الأول على أنه هل يجوز تعليل الحكم الذي هو واحد بالشخص بعلتين فيقدح عند مانعه لأنه إذا لم يوجد الوصف المفروض علة مع بقاء الحكم والفرض أنه ليس ثابتا بعلة أخرى يحصل العلم بأن ذلك الوصف ليس علة\nوبنى الثاني على أنه يمتنع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين بناؤه ظاهر مما تقدم لأن النوع باق فيه ويعلم من هذا أن الحكم الواحد إن بقي شخصه بعد زوال العلة فهو عدم التأثير وإن بقي بنوعه فهو عدم العكس فامتناع بيع الطير في الهواء بقي شخصه بعد زوال الرؤية كما كان قبلها وامتناع نكاح الأمة المجوسية باق بالشخص بعد زوال العلة وهي كون الصلاة لا تقصر إنما هو في الرباعية وما كان ثابتا مع العلة إنما هو مع غيرها لكنهما اشتركا في النوعية وهو منع تقديم الآذان\nوأعلم أن المبني عليه من أعظم ما خاض فيه الأصوليون والمصنف اختصر القول فيه جدا نحن نأخذ ما في شرح الكتاب على الاختصار ثم نعود إلى الكلام في ذلك على حسب التوسط فنقول يجوز تعليل الحكم الواحد نوعا","vol":"3","page":114},{"text":"المختلف شخصا بعلل مختلفة وفاقا كتعليل إباحة قتل زيد بردته وعمرو بالقصاص وخالد بالزنا بعد الإحصان وربما أومأ بعضهم إلى جريان الخلاف فيه وعلى ذلك مشى صاحب الكتاب حيث جعل عدم العكس مبنيا عليه والأشبه ما ذكرناه وبه صرح الآمدي وصفي الدين الهندي وهذا في العلل الشرعية\nأما العقلية فظاهر نقل بعضهم أن الخلاف في تعليل المعلول الواحد بعلل عقلية يختص بالواحد بالنوع دون الواحد بالشخص فإنه يمتنع تعدد علته بلا خلاف وأما تعليل الحكم الواحد في شخص واحد بعلل مختلفة نحو تحريم وطء المعتدة المحرمة الحائض وزاد إمام الحرمين الصائمة وهو سهو لأن الصوم يستحيل أن يجامع الحيض شرعا وكذا أباحه قتل الشخص الواحد بردته وقتله الموجب للقصاص هل يجوز بهذه الإمارات المزدحمة اختلفوا فيه على مذاهب\nأحدهما المنع من ذلك مطلقا\nوالثاني الجواز مطلقا وإليه ذهب الجماهير\nوالثالث أنه يجوز في المنصوصة دون المستنبطة وهو اختيار الأستاذ أبي بكر بن فورك الغزالي والإمام والمصنف قال إمام الحرمين وللقاضي إليه صفو ظاهر في كتاب التقريب\nقلت وظاهر ما في التخليص مختصر التقريب تجويزه مطلقا وأما ما ذهب إليه الغزالي منا من التفصيل فيخالف ما ذكره في الفقه فإن قال في كتاب البيع من الوسيط عند الكلام في زوائد المبيع والحكم الواحد قد يعلل بعلتين\nوالرابع عكسه وذهب إمام الحرمين إلى رأي خامس وهو أنه جائز غير واقع قوله وذلك هذا دليل على التفصيل الذي اختاره\nوتقريره أنه قد وقع تعليل الواحد بالشخص بعلتين منصوصتين فدل على جوازه ودليل وقوعه اللعان والإيلاء فإنهما علتان مستقلتان في تحريم وطء المرأة ولك أن تقول الإيلاء لا تحرم به الزوجة فلا يصح التمثيل به ولا يمكن أن يبدل الإيلاء بالظهار لأن الظهار وإن كان محرما إلا أنه لا يمكن اجتماعه مع اللعان","vol":"3","page":115},{"text":"إذا اللعان يقطع الزوجية فلا تجتمع علتان على معلول واحد فينبغي التمسك بالطلاق الرجعي مع الظهار فإنهما علتان في تحريم الوطء وقد يجتمعان في المرأة فتكون رجعية مظاهرة أمنها ودليل وقوعه أيضا المرتد الجاني فإن كلا من الارتداد والجناية علة مستقلة في إراقة دمه وكذلك الصوم والعدة والإحرام في تحريم الوطء الزوجية ومثل الغزالي بأن من لمس ومس وبال في وقت واحد انتقض طهره ولا يخال على واحد من هذه الأسباب ومن أرضعتها زوجة أخيك وأختك أيضا وجمع لبنهما وانتهيا إلى حلق المرتضعة في لحظة واحدة حرمت عليك لأنك خالها وعمها والنكاح فعل واحد وتحريمه حكم واحد ولا يمكن أن يحال على الخؤلة دون العمومة أو بعكسه ولا يمكن أن يقال هما تحريمان وحكمان بل التحريم له حد واحد وحقيقة واحدة يستحيل اجتماع المثلين انتهى\nوإذا ثبت هذا في الواحد بالشخص وضح ثبوته في الواحد بالنوع بطريق أولى\nوأما المنع في المستنبطة فاستدل عليه بأن ظن ثبوت الحكم لأجل أحد الأمرين مانع من ظن ثبوته لأجل الأمر الآخر بمفرده أو لأجل المجموع وما لا يحصل الظن لثبوت الحكم لأجله لا يحكم بعلتيه بالاستنباط والاجتهاد فلا نحكم بعلية أمور متعددة لشيء واحد بالاستنباط والاجتهاد وهذا كما إذا تصدق على فقيه فقير قريب فإنه يحتمل أن يكون الداعي إلى الصدقة مجموع الأوصاف أو بعضها أو فرد منها والاحتمالات متنافية لما ذكرناه هذا تقرير ما في الكتاب وفي الدليل المذكور نظر نذكره من بعد إن شاء الله تعالى\nعدنا إلى الكلام في أصل المسألة فنقول اختلفوا في أن العكس هل يجب في العلة فقالت المعتزلة وبعض أصحابنا كالإمام لا يجب سواء كانت عقلية أم شرعية وادعى القاضي في مختصر التقريب والإرشاد الاتفاق في العلل العقلية على خلاف ذلك فإنه قال يشترط في العلة العقلية الإطراد والانعكاس باتفاق العقلاء القائلين بالعلل أو قال قوم أنه واجب مطلقا وأوجبه قوم في العقلية دون الشرعية وعليه أكثر أصحابنا وقال آخرون يجب في المستنبطة دون المنصوصة","vol":"3","page":116},{"text":"وقال الغزالي إن لم يكن للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم لأن انتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم لأن الحكم لا بد له من علة فإذا اتحدت العلة وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتا بغير سبب أما حيث تعددت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها قال والذي يدل على لزوم العكس عند اتحاد العلة أنا إذا قلنا لا نثبت الشفعة للجار لأن ثبوتها للشريك معلل بعلة الضرر اللاحق من التزاحم على المرافق المتحدة من المطبخ والخلاء ومطرح التراب ومصعد السطح وغيره\nفلأبي حنيفة أن يقول لا مدخل لهذا في التأثير فإن الشفعة ثابتة في العرصة أيضا وما لا مرافق له فهذا إلزام عكس وهو لازم لأنه يقول لو كان هذا مناطا للحكم لا ينفي الحكم عند انتفائه فنقول السبب فيه ضرر مزاحمة الشريك فيما يتأبد ويبقى فنقول فليجر في الحمام وما لا ينقسم كما هو عندكم قول قديم أو وجه فلا يزال يؤاخذنا بالطرد والعكس وهي مؤاخذة صحيحة إلى أن يعلل بضرر مؤنة القسمة ونأتي بتمام قيود العلة بحيث يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها وهذا المكان أنا أثبتنا هذه العلة بالمناسبة وشهادة الحكم لها بوروده على وفقها وشرط مثل هذه العلة الاتحاد وشرط الاتحاد العكس\nقال صفي الدين الهندي وينبغي أن لا يكون فيما ذكر الغزالي خلاف ونزاع لأحد ويظهر عند هذا أن هذه المسألة فرع مسألة الحكم الواحد بعلل مختلفة فلذلك لم يشتغل صاحب الكتاب بالكلام فيها بل تكلم في تعليل الواحد بعلل فليكن كلامنا أيضا في ذلك\nوقد علمت المذاهب فيها وما احتج به صاحب الكتاب على اختياره وهو مدخول عندنا لأن نقول على الاستدلال له المنصوصة لا دلالة لما ذكرت إلا على اجتماع سببين أو أكثر على حكم واحد وليس فيه دلالة على أن ذلك الحكم معلل بكل منها أو واحد منها فلئن قال أعود وأقرره على وجه آخر فأقول العلل إذا اجتمعت في الشخص الواحد كالقتل والردة والزنا فإما أن يقال لا يثبت الحكم فيه أصلا وهو باطل أو يثبت بواحدة معينة وهو أيضا باطل للزوم الترجيح من غير مرجح أو بواحدة لا بعينها وهو كذلك لأن ما لا","vol":"3","page":117},{"text":"تعين له لا وجود له في نفسه ما لا وجود له لا يصلح أن يكون علة أو بمجموعها وهو كذلك لأنه حينئذ تكون كل واحدة منها جزءا لعلة وليس كلامنا فيه فيتعين أن يعلل الحكم بكل واحدة منها لا يقال نمنع وجود العلل دفعة واحدة ونقول فيما إذا ترتيب الحكم معلل بالسابق منها وشيء من تلك المفاسد المذكورة غير لازم حينئذ لأنا نقول منع وجودها مكابر ة إذ نحن على قطع أنه لا منافاة بين تلك الأمور فيصح اجتماعها ووجودها دفعة واحدة إذ يمكن صدور الزنا والردة من واحد من واحد والعياذ بالله في ساعة واحدة\nفنقول قاربت الإصابة بالتقرير على هذا الوجه ولكنا لا نسلم بعد ذلك أن الحكم هناك حكم واحد بل أحكام كثيرة فإن الإباحة الحاصلة بالقتل غير الحاصلة بالردة والدليل عليه وجهان\nالأول أن الرجل إذا عاد إلى الإسلام زالت الإباحة الحاصلة بسبب الردة وبقيت الإباحة الحاصلة بالقتل والزنا\nوالثاني أن القتل المستحق بالقتل يجوز لولي الدم العفو عنه والمستحق الردة لا يتمكن الولي من إسقاطه فدل على تغاير الحكمين وهذا لمنع الذي ذكرناه هو الذي اعتمد عليه إمام الحرمين في رد هذه الحجة وهو عندنا منع صحيح\nوإن كان القاضي في مختصر التقريب والإشاد قال إنه هذيان يدني قائله من جحد الحقائق ونحن نذكر ما رد به ونزيفه بعد ذلك وأجمع كلام في الرد عليه كلام الإمام فقال الدليل على أن الحكم واحد أن إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد فهو إما أن يكون ممنوعا منه من جهة الشرع بوجه فهو الحرمة أو لا فهو الحد\nوإن كانت الحياة واحدة كانت إزالتها واحدة فكان الإذن في تلك الإزالة واحدا فإن قلت الفعل الواحد كونه حلالا من وجه حراما من آخر وحينئذ يجوز أن يتعدد حكم الحد لتعدد جهاته فيكون الشخص الواحد مباح الدم من حيث أنه مرتد وأنه زان وأنه قاتل","vol":"3","page":118},{"text":"قلت حرمة الشيء من وجه وحله من آخر معقول لأن الحل هو تمكين الشرع من الفعل ولا يتحقق هذا المعنى إذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلا بل ليس من شرط الحرمة أن يكون حراما من جميع جهاته لأن الظلم حرام مع أن كونه حادثا وعرضا وحركة لا يقتضي الحرمة وحينئذ نقول حل الدم على هذا الوجه يستحيل أن يتعدد والعلم بذلك ضروري هذا ما ذكره الإمام\nوقد اعترض النقشواني على قوله إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد بالمنع\nوفيه نظر ثم بعد التسليم بأنك لم قلت أن ما يكون طريقا إلى الشيء يجب أن يكون واحدا لأن الحكم الذي كلامنا فيه ليس نفي إبطال حياة الشخص بل الطريق إليه ألا ترى أن حياة الشخص الواحد يمكن إبطالها بضرب عنقه وقده نصفين وأمور لا تعد فيما نحن فيه لم ادعيت أنه ليس كذلك فإن إباحة القتل بالردة هو طريق واحد إلى إبطال الحياة وحكمه أن يقتله الإمام ما لم يتب وليس له إسقاطه وإباحته بالقصاص أن يتمكن الولي من قتله بمثل الطريق التي صدرت عنه أو بالسيف وله العفو وإباحته بالزنا أن يرجم ولا يتبع إذا هرب ولا يسقط فهذه طرق مختلفة غير أنها اشتركت في أمر واحد وذلك لا يوجد اجتماع العلل على حكم واحد وأيضا عصمة دم المرء حكم شرعي وهو مشروط بأمور منها الإسلام ويضاده الكفر ومنها العفة ويضادها الزنا ومنها العدل ويضاده القتل ظلما ويختل كل واحد منها بواحد من هذه الأفعال\nوكما قال إمام الحرمين لن يقدم الانس بالفقه استمكانا من تقدير التعدد في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف ونظير هذا في الأمور العقلية إن حياة الشخص الواحد مشروطة بشروط منها بقاء الأعضاء الرئيسية على أمزجتها المعينة ومنها اتصال بعضها ببعض وغير ذلك وكل ما يحصل في البدن مبطلا لواحد من هذه الشروط تصير سببا لإبطال الحياة ولا جرم إن تعددت أسباب إبطال الحياة فإذا فرضنا اجتماع عدة منها لا نقول إن العلل الكثيرة تواردت على معلول واحد وإذا فرضنا دفعة واحدة حز رقبة شخص وقده بنصفين من شخصين معا لا يقال اجتمع هاتان العلتان على معلول واحد إذ","vol":"3","page":119},{"text":"لا يتصور ذلك في العلل العقلية التامة المؤثرة فكلما ذكر عذرا في الصورة كان عذرا لنا في دفع ما ذكر من الدليل ولسنا بالمعتذرين عن العلل العقلية فإن العلة العقلية لا حقيقة لها عندنا ومن طلب الإحاطة بذلك فهو محال على دقيق الكلام في العلة والمعلول ولكنا نحيل الأمر إلى الإمام\nثم قال الإمام قولكم الدليل على التغاير أنه لو أسلم زال أحد الحلين وبقي الآخر قلنا لا نسلم أنه يزول أحد الحلين بل يزول كون ذلك الحكم معللا بالردة فالزائل ليس هو نفس الحل بل وصف كونه معللا بالردة\nولقائل أن يقول لو لم يزل ذلك الحل لكان مستمرا بدون علته فإنه لا أثر للزائل في المستمر بل التحقيق أن الحل المضاف إلى الردة زال وبقي حل آخر ثم قال قولكم ولي الدم مستقل بإسقاط أحد الحلين قلنا ممنوع بل هو متمكن من إزالة أحد الأسباب فإذا زال السبب زال انتساب ذلك الحكم إليه لا الحكم نفسه واعترض عليه النقشواني أيضا بأنا نعلم أن الولي كان متمكنا من إزالة الحل الثابت له وهذا الزوال يستدعي سببا غير عفوه وبأنا نقول إن كان الزائل بالعفو شيء آخر غير حل القتل فموجب قتل القاتل ظلما هو ذلك الشيء لأن العفو يسقط موجب الجناية فإذا كان موجب الجناية غير الحل فلا يلزم اجتماع العلل على حكم واحد وهكذا نقول في سائر الصور المذكورة من اجتماع العدة والحيض في الزوجة وصورة الرضاع في زوجة الأخ والأخت وغيرها وإن كل هذه الأحكام مشروطة بشروط على ما تقرر\nثم إنا نقول ما ذكرتم من الصور التي فرضتم الكلام فيها أمر عجاب فإن بعضها مستنبطة مومئ إليها فإن عليه ما أردتم إنما جاء من الاستنباط وإيماء النصوص لا من النص وأنتم لا تجوزون اجتماعها على المعلول الواحد إذ فرقتم بين المستنبطة والمنصوصة فكيف يحصل الفرض من هذا وعليهم في هذا الدليل اعتراضات أخر أضربنا عنها إذ قد أطلنا بعض الإطالة\nولإمام الحرمين هنا كلمات لا نرى إخلاء هذا الشرح منها فلا يطولن الفصل عليك ففيه كبير فائدة","vol":"3","page":120},{"text":"قال قد يظن الظان الفطن في هذا المقام أن المسؤول إذا فرض الكلام في طرف من المسألة لفرض إيضاح كلام ولصورة الفرد تعلق بالعلة من حيث العموم وليست مقصود الفارضي\nمن حيث الخصوص وهي مقصود والفارض وإذا كان كذلك فقد تعلق الحكم في هذا الطرف بعلتين قال وهذا على حسنه غير صاف عن القذى والكدر وأنا أضرب في ذلك أمثلة توضح الفرض فنقول إذا قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى ضيف فأكله الضيف ظانا أن الطعام ملك المقدم المضيف فقرار الضمان في قول الشافعي على المضيف ومعتمد هذا الظن التغرير وكون الغرور مناطا للضمان\nوقد قال أبو حنيفة لو أكره الغاصب إنسانا على تناول ذلك الطعام فالقرار على الطاعم وإن كان مجبرا أو مؤجرا كما إذا مختارا في التناول فإذا فرض الفارض في صورة الإكراه فليس يجبر لأنه إنما يصح أن لو كان في الصورة عموم وخصوص والغرور ليس أعم من الإجبار إذ الإجبار ينافي الاغترار ومن ضرورة الاغترار فرض إجبار في المغرور مع استناد اختياره إلى الاغترار فأما المجبر المكره فلا يتصور بصورة مغتر وإن فرض منه ظن فليس ذلك الاغترار المعنى\nقال فهذا النوع ليس بمرضي من جهة أنه مجانب لمحل السؤال أو لا إذ لا عموم وخصوص فيه والفرض المستحسن هو ما اشتمل على ذلك ثم قال وليس للفرض في هذه المسألة وجه أيضا فإنه إذا ثبت الضمان لا يستغرق على المكره فكيف يبني عليه عدم القرار على المختار الطاعم في مسألة التقرير ولا معتمد في التقرير على المختار إلا الاغترار\nوحاصل هذا أنه لا عموم وخصوص في هذه الصورة وليس للشافعي إلزام الحنفي بها لأن الضمان إذا ثبت لا يستقر على المكره وهو كلام صحيح إلا أن المذهب الصحيح المشهور في الجديد أن قرار الضمان في مسألة التغرير على الآكل دون المضيف والصحيح في مسألة الإكراه استقرار الضمان على المكره بكسر الراء على خلاف ما قاله فيهما ثم ذكر إمام الحرمين صورة من الفرض","vol":"3","page":121},{"text":"المستحسن فقال إذا سأل عن نفوذ عتق الراهن فسؤاله يعم المعتق الموسر والمعسر فإذا فرض المسؤول كلامه في المعسر كان مندرجا تحت سؤال السائل ويستفيد الفارض بالفرض في المعسر أمرين أحدهما دفع أسئلة قد لا يحضر عنده الجواب عنها كسريان العتق إلى ملك الشريك فلا يلزمه إذا فرض كلامه في هذه الصورة لأن عتق المعسر غير سار عند الشافعي\nوأحسنهما أن الخصم قد يتمسك في كلامه على أن قيمة العبد في غرض المالية منزل منزلة العبد فليس الراهن المعتق مقوتا على المرتهن غرضه من الاستيثاق فإنه إذا قام قيمة العبد مقامه هنا لم يكن معترضا على محل الحق المرتهن قال وهذا لا حقيقة له إذا ليس هو مبني على مذهب من ينفذ عتق الراهن فإن عتقه لا ينفذ عند من ينفذه لإمكان إتمامة القيمة مقام المقوم بل سبب نفوذه الملك وصحة العبارة فاستفاد الفارض بفرضه المسألة في المعسر قطع هذا الكلام الواقع فضله لا أثر لها\nقال فليكن قصد المحقق إذا فرض مثل ذلك ويتجه للفارض في المعسر أن يقول يستأصل المعسر المعتق لو نفذ عتقه حتى المرتهن بكماله ويشير إلى أنه لا يجد ما يقيمه مقام المرهون فيظهر كلامه من جهة الاستئصال والتسبب إلى قطع حق المرتهن من الاستيثاق بالكلية\nقال وهذه وقفة محتومة على طالب الغايات فنقول من منع نفوذ العتق يكتفي فيما يقرره بأنه لو نفذ أدى إلى قطع حق لازم للمرتهن في غير الرهن وإذا كفى هذا فأي حاجة للتعرض لقطع المالية وحسم الطلب في القيمة قال ويوشك لو لم يفطن الفارض أنه يقع في المحذور الذي ذكرناه وهو التعلق بما لا اعتبار به ولا وقع له\nفإن قال قائل ما المانع من ازدحام علتين في هذه الصورة قطع المالية بالكلية وقطع حق المرتهن من العين المخصوصة فيعلل امتناع النفوذ بعلة خاصة وهي قطع المالية وأخرى عامة وهي قطع الحق من عين العبد فإن هذا الشيء يعم المعسر والموسر","vol":"3","page":122},{"text":"فنقول هذا هو الغرض من سياق هذا الكلام وليس بشيء فإن المالية ليست مرعية في حق المرتهن وإنما المعتبر اختصاص استحقاق واستيثاقه بعين يستمسك بها إذا عرضت له توقفات العسر في الدين الذي يقع في الذمة وهو تأثر مسبوق بالعين التي استمسك بها فهذا غرض الراهن مطالبا بالدين فقد خرج عن مقصود الراهن\nقال ولهذا السر لا يجوز رهن الدين نعم لو فرض من الرهن إتلاف المرهون فالشرع يتقاضاه أن يقيم قيمته مقامه إذ مسلك الشرع ثبات الضمان جبرانا لكل بدل فائت فلا ينبغي أن يعد قضايا الشرع في مظن الضرورات من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول اه وهو بليغ معترض عليه ومراده أن هذه الصورة إن أوردها عليه من يقول باجتماع العلتين خلص عن إيراده بأن يقول العلة عندي واحدة وهي ما ذكرت وإن اعتقد الخصم أن المالية مرعية فلا مبالاة بمعتقده ثم قال وهذا يناظر عندي مسلكي في توزيع العوض على مختلفين في أحد شقي العقد عند مسيس الحاجة في شفعة لو فرض تلف في أحد عوضين\nوقد زل جماهير الفقهاء فاعتقدوا أن التوزيع مقصود العقد كما نبهت عليه في مسألة العجوة وهذا زلل وسوء مدرك فإن العقد ما أنشىء على التوزيع\nوإنما هو أمر ضروري أحوج الشفعة إليه أه ومناظرة ما ذكر لأن قضايا الشرع في محل الضرورة لا يعد من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول ظاهرة على مسلكه كما ذكر ولكن هو مسلك جاد به عن سبيل الأصحاب ومع ذلك هو مدخول\nومن وجوه الاعتراض عليه ما ذكره الرافعي فقال أليس قد ثبت التوزيع المفصل في مسألة الشفعة وهي ما إذا باع شخصا من عقار وسيفا بألف ولولا أنه قضية العقد لكان ضم السيف إلى الشخص من الأسباب الدافعة للشفعة فإنها قد تندفع بأسباب وعوارض\nواعترض عليه أيضا حيث قال المعتمد عندي في التعليل أنا تعبدنا بالمماثلة تحقيقا وإذا باع مدا ودرهما بمدين لم تتحقق المماثلة فيفسد العقد فإن للخصم","vol":"3","page":123},{"text":"أن يقول تعبدنا بتحقيق المماثلة فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أم على الإطلاق وإن قلنا بالثاني فممنوع وإن قلنا بالأول فمسلم ولكنه ليس صورة المسألة إلا أن هذا اعتراض ضعيف ولا سيما في الغرض الذي فرضه وهو إذا باع مدا ودرهما بمدين فإنه يصح في هذه الصورة إنه باع تمرا بتمر لأن التمر مع الدرهم مبيع قطعا ولا مقابل له إلا تمر ومتى صدق أنه باع تمرا بتمر وجبت المماثلة بالنص وتمحض المفاضلة قيد زائد لم يدل عليه دليل فالكلام في هذا دخيل في الكتاب\nولعلنا نأتي إن شاء الله تعالى في كتابنا الأشباه والنظائر بالعجب العجاب ثم قال وإن اعتقد الفارض في الراهن المعسر الفصل بينه وبين الموسر صائرا إلى أن الراهن إذا كان موسرا ينفذ اعتاقه ويلزمه إحلال القيمة موضع العبد وإن كان معسرا لا ينفذ اعتاقه لتعذر تغريمه وافضاء الإعتاق فيه بتقدير نفوذه إلى إبطال اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكلية وشبه ذلك بتفصيل مذهب في ترسه عتق الشريك إذا كان موسرا دون ما إذا كان معسرا فاتحاد العلة على هذا المذهب أوضح فإن صاحبه متشوق إلى اعتبار انقطاع علقة الرهن من عرض الوثيقة بالكلية وليس لبطلان حق المرتهن من عتق الرهن عنده وقع أصلا فلذلك ينفذ عتق الراهن الموسر فلم ينتظم على المسلكين علتان عامة وخاصة في صورة الفرض\nثم قال إذا فرض الشافعي الكلام في مسألة ضمان منافع المغصوب في طرف الإتلاف طرد ما يرتضيه في الباب فقد يعتقد الفطن أنه يجتمع في هذا الطرف معنيان\nأحدهما الإقدام على الإتلاف وهو من أقوى أسباب الضمان ولذلك اختار الفارض تعيين هذا الطرف وتخصيصه بالكلام المختص به\nوقد اجتمع فيه الإتلاف والتلف تحت يد العارية وهذا أقرب مسلك في تخييل اجتماع معنيين بحكم واحد\nونحن نقول فيه العلة في الضمان الإتلاف في هذه الصورة فحسب فإن","vol":"3","page":124},{"text":"المتلف الحاصل تحت يد العارية إنما يضمن من جهة اعتداء ذي اليد بمنع الحق مستحقة فصار الضياع الذي يقع سماويا في إطراد منع المتعدي مشبها بإتلافه وإذا تحقق الإتلاف لم يبق لتخيل التلف على دوام المنع المشبه بالإتلاف معنى والإتلاف هو المشبه به واعتقاد اجتماع المشبه والمشبه به في صورة واحدة محال أهو بليغ لا يخدشه شيء وهذا ما أردنا إيراده من كلام إمام الحرمين\nولنعد إلى الكلام على ما استدل به صاحب الكتاب على اختياره فنقول وأما ما استدل به على المنع في المستنبطة فلولا مراعاة الاتفاق لما رددناه لأنه ماس على معتقدنا ولكنا نقول للخصم أن يقول لا نسلم أن ظن ثبوت الحكم لأجل أحد الأمرين يمنع ظن ثبوته لأجل الأمر الآخر أو المجموع وإنما يكون ذلك أن لو تأتت عليه\nأحدهما للحكم علية الآخر وهو أول النزاع\nفإن قلت قد تحصل لنا من اختيارك موافقة إمام الحرمين على عدم وقوع اجتماع العلل على المعلول الواحد وما دللت عليه بل زدت على هذا أن أبطلت الدليل على المنع في المستنبطة وهو بعض مطلوبك\nقلت طال الفصل وما بقي الشرح يحتمل أكثر من هذا التطويل ولذلك لم يشتغل بالكلام في حجج بقية المذاهب ولعلنا نقرر اختيارنا في مجموع آخر وبالله التوفيق\nقال ﵀ \" الثالث الكسر وهو عدم تأخير أحد الجزئين ونقض الآخر كقولهم صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها قيل خصوصية الصلاة ملغى لأن الحج كذلك فبقي كونه عبادة وهو منقوض بصوم الحائض\"\nاتفق أكثر أهل العلم كما ذكره الشيخ أبو إسحاق في الملخص وغيره على صحة الكسر وإفساد العلة به وهذا ما اختاره الإمام والمصنف والآمدي وهو نقض من طريق المعنى وإلزام من سبيل الفقه وعبر عنه الآمدي وابن الحاجب بالنقض والمكسور وجعلا الكسر قسما آخر وغيره وهو تعبير حسن","vol":"3","page":125},{"text":"وعبر عنه المصنف بأنه عدم تأثير أحد جزأي المركب الذي ادعى المستدل عليته ونقض الآخر ومثل له تبعا للإمام بما إذا قيل على لسان الشافعية في إثبات صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن فيقول المعترض خصوصية كونها صلاة ملغاة لا أثر لها لأن الحج أيضا كذلك فلم يبق غير كونها عبادة وهو منقوض بصوم الحائض حيث كان عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم فيكون ذلك قدحا في تمام العلة بعدم التأثير وفي جزئها بالنقض\nواعترض بأن العلة إذا كانت مركبة فكل جزء من أجزاءها يكون ملغى بالنسبة إلى ذلك الحكم وحينئذ فالكسر غير صحيح لأن العلة المجموع ولم يرد النقض عليه وهو ضعيف لأن المعترض أزال الوصف الخاص بالنقض والزم بالوصف العام وصار المستدل عنده معللا بالوصف العام مع الوصف الآخر فوجه النقض عليه بعد ذلك فلم يرد إلا على المجموع هذا شرح ما في الكتاب وتعبيره عن الكسر بأنه عدم تأثير أحد الجزئين ونقض الآخر تعبير لم يصرح به الإمام وإن دل عليه قوله فيكون ذلك قدحا في تمام العلة بعدم التأثير وفي جزئها بالنقض والأمر فيه قريب\nومن أمثلته أيضا أن يقال على لسان الشافعية في بيع ما لم يره المشتري مبيع مجهول الصفة عند العاقد فلم يصح كما لو قال بعتك ثوبا\nفيقول المعترض ينكسر هذا بما إذا نكح امرأة لم يرها فإنه يصح نكاحها كونها مجهولة الصفة عند العاقد فهذا كسر لأنه نقض من طريق المعنى بدليل أن النكاح في الجهالة كالبيع بدليل أن الجهل بالعين في كل منهما يوجب الفساد وإن أردت تنزيل هذا المثال على عبارة المصنف\nقلت خصوص كونه مبيعا ملغى لأن المرهون كذلك فبقي كونه عقدا وهو منقوض بالنكاح وليس للمعترض إيراد الوصية بدل النكاح لأنها ليست في معنى البيع في باب الجهالة ألا ترى أن شيئا من الجهالات لا ينافيها بخلاف النكاح","vol":"3","page":126},{"text":"ومنها أم يقال على لسان الشافعية في إيجاب الكفارة في قتل العمد قتل من يضمن بدية أو قصاص بغير أذن شرعي فيجب كفارته كالخطأ فيقول المعترض خصوص كونه يضمن بالدية أو القصاص ملغى لأنها تجب على السيد في قتل عبده فبقي كونه آدميا وهو منقوض بالحربي والمرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن ولو أن المستدل قال قتل معصوم الدم لما توجه عليه كسر\nومنها أن يقال على لسان الشافعية صلاة الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر إقامتها إلى إذن السلطات كالظهر فيقول المعترض خصوص كونها مفروضة ملغى لأن التطوع كذلك فبقي كونها صلاة مطلوبة وهو منقوض بصلاة الاستسقاء وإنما قلنا مطلوبة ولم نقتصر على قولنا صلاة لتكون العلة مركبة كما أتى بها المستدل\nقال \" الرابع القلب وهو أن يربط خلاف قول المستدل على علته إلحاقا بأصله\"\nعرف القلب بأن يربط المعترض خلاف قول المستدل على علته التي ذكرها إلحاقا بالأصل الذي جعله مقيسا عليه وإنما قال خلاف قوله ولم يقل نقيض قوله كما فعل الإمام لأن الحكم الذي يثبته القالب جاز أن يكون مغيرا لا نقيضا ولكن للعبارة التي ذكرها الإمام فائدة ستعرفها إن شاء الله تعالى\nولقائل أن يقول هذا ليس بجامع لأنه يخرج بقوله على علته قلب في غير القياس\nوالمصنف تبع الإمام حيث قال في قياس ولعلهما أرادا تعريف قلب خاص وهو الواقع في القياس لأن الكلام في مبطلات العلة وليس بمانع لجواز أن يربط المعترض مسألة أخرى غير التي ذكرها المستدل على علته ويصدق ربط خلاف قوله على علته وليس ذلك بقلب فكان ينبغي أن يزيد في التعريف ويقول أن يربط خلاف قول المستدل في مسألة على علته ويزيد أيضا على ذلك الوجه وإلا لم يكن مانعا أيضا لجواز أن يثبته في تلك المسألة لكن على غير ذلك الوجه مثل أن يستدل بنص بطريق الحقيقة والمعترض يستدل","vol":"3","page":127},{"text":"عليه في تلك المسألة بطريق التجوز وإن أريد تعريف القلب مطلقا فيقال هو بيان أن ما ذكره المستدل عليه في تلك المسألة على ذلك الوجه\nقال \"وهو إما نفي مذهبه صريحا كقولهم المسح ركن من الوضوء فلا يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم كالوجه فنقول ركن منه فلا يتقدر بالربع كالوجه أو ضمنا كقولهم بيع الغائب عقد معاوضة فيصح كالنكاح فنقول فلا يثبت فيه خيار الرؤية ومنه قلب المساواة كقولهم المكره مالك مكلف فيقع طلاقه كالمختار فنقول فيسوي بين إقراره وإيقاعه أو إثبات مذهب المعترض كقولهم الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون بمجرد قربة كالوقوف بعرفة\"\nفيقول فلا يشترط الصوم فيه كالوقوف بعرفة\nقسم القلب إلى ثلاثة أقسام\nالأول أن يكون لنفي مذهب المستدل صريحا وهو قسمان\nأحدهما وعلى ذكره اقتصر المصنف أن لا يدل مع النفي على صحة مذهب المعترض صريحا كقولهم مسح الرأس ركن من أركان الوضوء فلا يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم كالوجه فنقول ركن من أركان الوضوء فلا يتقدر بالربع كالوجه فهذا نفي لمذهب المستدل بالصراحة ولا إثبات فيه لمذهب المعترض بالصراحة لجواز أن يكون الحق في جانب ثالث وهو الاستيعاب كما هو قول المالكي نعم يدل عليه بواسطة اتفاق الإمامين على أحد الحكمين ونفي ما عداهما\nوثانيهما أن يدل على الأمرين معا كما إذا قيل على لسان الشافعية في البيع الموقوف عقد عقده في حق الغير من غير ولاية ولا استنابة فلا يصح كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فيقول الخصم عقد عقده في حق الغير من غير ولاية ولا استنابة فكان صحيحا كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير أذنه\nالقسم الثاني أن يكون لنفي مذهب المستدل ضمنا أي لنفي لازم من لوازم مذهب المستدل لانتفاء الحكم بانتفاء لازمه كقولهم بيع الغائب صحيح","vol":"3","page":128},{"text":"كنكاح الغائبة بجامع أن كل واحد منهما عقد معاوضة فيقول فلا تثبت الرؤية في بيع الغائب قياسا على النكاح بالي مع المذكور ويلزم من نفي خيار الرؤية نفي صحة بيع الغائب إذ خيار الرؤية لازم لصحة بيع الغائب بدليل أن من قال بصحته قال بثبوت خيار الرؤية فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فالحكمان أعني الصحة ونفي الخيار لا تنافي بينهما في الأصل وهو النكاح لاجتماعهما فيه وهما متنافيان في الفرع وهو بيع الغائب قوله ومنه أي ومن هذا\nالقسم الثاني قلب المساواة وهو أن يكون في الأصل حكمان\nأحدهما منتف في الفرع بالاتفاق من الخصمين والآخر متنازع فيه بينهما فإذا أراد أن يثبت في الفرع بالقياس على الأصل فيقول المعترض تجب التسوية بينهما في الفرع بالقياس على الأصل أو يلزم من وجوه التسوية بينهما في الفرع عدم ثبوته فيه\nكقولهم في طلاق المكره مكلف مالك للطلاق فيقع طلاقه كالمختار فنقول مكلف مالك فيسوي بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه كالمختار ويلزم من هذا أن لا يقع طلاقه ضمنا لأنه إذا ثبتت المساواة بين إقراره وإيقاعه وإقراره غير معتبر بالاتفاق فيكون إيقاعه أيضا غير معتبر\nفإن قلت الحاصل في الأصل اعتبارهما معا وفي الفرع عند المعترف عدم اعتبارهما معا بمقتضى القلب فأين التسوية بينهما في الحكم وكيف يسمى هذا بطلب المساواة\nقلت القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف وهو ثابت فيه لكن عدم اختلاف الأصل في ثبوت الصحة فيهما وفي الفرع في عدم ثبوت الصحة فيهما وهو غير متناف للاشتراك في أصل الاستواء فظهرت التسوية وصحة التسمية\nالقسم الثالث أن يكون لإثبات مذهب المعترض صريحا كقولهم الاعتكاف مكث في محل مخصوص فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف بعرفة","vol":"3","page":129},{"text":"حيث لم يكن قربة بغير الإحرام وغرضهم التعرض لاشتراط الصوم ولكنهم لم يستمكنوا من التصريح باشتراطه لأنه لو صرح بذلك لم يجد أصلا فيقول مكث في محل مخصوص فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفه فهذا القسم يعترض١ للعلة تعرضا كليا ويثبت مذهب المعترض صريحا لصحة الاعتكاف\nقال \"المتنافيان لا يجتمعان قلنا الثاني حصل في الفرع بغرض الإجماع\"\nأنكر بعض الناس إمكان القلب على الوجه الذي تقدم تعريفه محتجا بأن الحكمين أعني ما يثبته المستدل وما يثبته الغالب إن لم يتنافيا فلا قلب إذ لامتناع في أن تكون العلة الواحدة مقتضية لحكمين غير متنافيين فلا تفسد به العلة وهذا يعرفك فائدة قول الإمام في التعريف نقيض الحكم كما سبقت الإشارة إليه وإن تنافيا استحال اجتماعهما في صورة واحدة فلم يمكن الرد إلى ذلك الأصل بعينه فلا يكون قلبا إذ لا بد فيه من الرد إلى ذلك الأصل\nوالجواب أن الحكمين غير متنافيين لذاتيهما فلا جرم يصح اجتماعهما في الفرع وهو إجماع الخصمين على أن الثابت فيه إنما هو أحد الحكمين\nفالثاني حصل في الفرع بعرض الإجماع والعرض بالعين المهملة أي الأمر العارض للفرع وهو إجماع الخصمين وإنما نبهنا عليه لوقوع الغلط فيه وهذا الكلام كما إنه الجواب فهو ابتداء دليل على القلب والمختار عند جمهور الأصوليين أن القلب حجة قادح في العلة إن اختلفوا في بعض أنواعه وذكر الشيخ أبو علي الطبري من أئمة أصحابنا أنه من ألطف ما يستعمله المناظر\nقال الشيخ أبو إسحاق وسمعت القاضي أبا الطيب يقول إن القلب إنما ذكره المتأخرون من أصحابنا حيث استدل أبو حنيفة بقوله ﷺ: \"لا ضرر ولا\n_________\n١ الأصل المطبوع \"يتعرف\" تحريف","vol":"3","page":130},{"text":"إضرار١\" في مسألة الساحة وفي هدم البناء ضرر بالغاصب فقال له أصحابنا وفي منع صاحب الساحة من ساحته إضرار به فقال يجب أن يذكر مثل هذا في القياس ثم أعلا مراتبه ما يدل على بطلان مذهب الخصم وإثبات مذهب المعترض وهو الذي عليه المعظم ولا يخفى عليك الترتيب مما تقدم وأما قلب التسوية فذهب القاضي في مختصر التقريب والإرشاد وغيره إلى بطلانه مع القول بأصل القلب\nقال\" تنبيه القلب معارضة إلا أن علة المعارضة وأصلها قد يكون مغايرا لعلة المستدل\"\nوأصل القلب في الحقيقة معارضة وذلك أن المعارضة تسليم دليل الخصم وإقامة دليل آخر على خلافه وهذا صادق على القلب إلا أن الفرق بينهما فرق ما بين العموم والخصوص وذلك أن العلة المذكورة في المعارضة والأصل المذكور فيها قد تغاير العلة والأصل اللذين أتى بهما المستدل بخلاف القالب فإن علته وأصله هما علتا المستدل وأصله ومن الناس من لم يجعل القلب معارضة بل مناقضة لبعض مقدمات الدليل فيقال لو كان الوصف المذكور علة لما ذكرت لم يكن علة لما ينافيه معنى ما ذكرت والشيء الواحد لا يعلل به المتنافيان وإلا لاجتمعا\nوقال الشيخ أبو إسحاق أن هذا يكثر في إيراد القلب قلت وهذا القول لازم لهؤلاء الذين عدوا القلب من مفسدات العلة ولا يغتر بهم وإلا فالقالب كيف يفسدها مع احتجاجه بها ومنهم من يقول القلب شاهد زور كما يشهد لك يشهد عليك\nقال الخامس القول بالموجب وهو تسليم قول المستدل مع بقاء الخلاف مثاله في النفي أن يقول التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص فيقول مسلم ولكن لم يمنعه غيره ثم لو بينا أن الموجب قائم ولا مانع غيره لم يكن ما ذكرنا تمام\n_________\n١ أخرجه ابن ماجة – كتاب الأحكام \"٧٨٤٢\" من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت كما رواه الحاكم من حديث بن سعيد وقال:صحيح الإسناد علي شرط مسلم","vol":"3","page":131},{"text":"الدليل وفي الثبوت قولهم الخيل يسابق عليها فيجب فيها الزكاة كالإبل فيقول مسلم في زكاة التجارة\nالقول بالموجب هو تسليم مقتضى ما نصه المستدل دليلا لحكم مع بقاء الخلاف بينهما فيه وذلك بأن نظر المعلل أن ما تأتي به مستلزم لمطلوبه من حكم المسألة المتنازع فيها مع كونه غير مستلزم فلا ينقطع النزاع بتسليمه وهذا التعريف أولى من قول الإمام تسليم ما جعله المستدل موجب العلة لكونه لا يتناول غير القياس\nوالقول بالموجب لا يختص بالقياس وليت المصنف عمل كذلك في القلب إلا أنا اعتذرنا عنه ثم بما هو عذرا للإمام هذا والقول بالموجب من أحسن ما يجيء به المناظر\nوقد وقع في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ١﴾ فأنتم المخرجون بفتح الواو وهو قادم في الدليل لأنه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف علمنا أن ما ذكره ليس بدليل الحكم الذي رام إثباته أو نفيه كذا ذكره صفي الدين الهندي وغيره وهو مقتضى كلام الآمدي والمراد بهذا التقرير جعله من مفسدات العلة\nولقائل أن يقول هذا التقرير يخرج لفظ القول بالموجب عن إجرائه على قضيته بل الحق أن القول بموجب الدليل تسليم له وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين وإليهم المرجع في ذلك وحينئذ لا يتجه عده من مبطلات العلة ثم القول بالموجب له حالتان\nأحدهما أن يكون في جانب النفي كقولنا في القتل بالمثقل التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص كالتفاوت في المتوسل إليه فإن الوضيع والشريف وغير ذلك على السواء في القصاص فيقول الخصم أقول بموجبه لكن لم لا يجوز أن يمنعه مانع آخر غير التفاوت في الوسيلة بأن يكون في المثقل وصف مانع من القصاص غير ذلك أو فقدان شرط فإنه لا يلزم من عدم مانعية ذلك\n_________\n١ سورة المنافقون آية\"٨\"","vol":"3","page":132},{"text":"عدم مانعية ما عداه ثم أنا لو ادعينا بعد ذلك أنه يلزم من تسليم ذلك الحكم تسليم محل النزاع وبيناه بأن المقتضي للقصاص قائم في محل النزاع وأنه لا مانع فيه غير التفاوت في الوسيلة بالأصل أو بغيره من الأدلة لم يكن ما ذكرناه أولا تمام الدليل بل جزءا منه فيكون ذلك انقطاعا والثانية أن يكون في جانب الثبوت نحو قولهم الخيل يسابق عليها فيجب فيها الزكاة كالإبل فنقول بالموجب إذ يجب فيها زكاة التجارة والنزاع ليس الا في زكاة العين ودليلكم إنما يقتضي وجوب الزكاة في الجملة فلئن قال المعلل أن هذا ليس قولا بالموجب لأن كلامنا في زكاة العين والألف واللام التي في الزكاة المذكورة للعهد فيصرف إليه\nوحينئذ ليس ما إلتزموه قولا بالموجب قلنا العبرة بدلالة اللفظ لا بالقرينة وشيء من ألفاظ القياس في العلة وغيرها لا يأتي ذلك بل يصدق عليه فكان قولا بالموجب كذا أجاب الهندي\nولك أن تقول الحمل على العهد مقدم على الجنس والعموم على ما هو مقرر في موضعه ومدلوله غير مدلولها وإنما يصح ما ذكرتم أن لو أمكن حمله على غير العهد\nثم أن العلة في المثال المذكور كون الخيل يسابق عليها وليس هذا الوصف المقتضى لزكاة التجارة إنما الوصف المقتضي لذلك النماء الحاصل فيها هذا شرح ما في الكتاب\nوقد علمت به أن المستدل إما أن ينصب دليله على إبطال مذهب خصمه فيقول الخصم بموجبه وهو الأغلب ورودا في المناظرات كالمثال الأول وإما أن ينصبه على تحقيق مذهبه كالثاني\nومن أمثلته الفصل ما لو قيل على لساننا الجاني الملتجئ إلى الحرم وجد فيه سبب جواز استيفاء القصاص فكان استيفاؤه جائزا فيقول الخصم أقول بموجب هذا الدليل فإن الاستيفاء عندي جائز بعد الخروج من الحرم والنزاع ليس إلا في الاستيفاء في الحرم فإني أدعي أن الاستيفاء فيه هتك لحرمته","vol":"3","page":133},{"text":"ومنها لو قيل في نصره أحد الوجهين الملتجئ إلى المسجد الحرام وجد في سبب استيفاء القصاص فتبسط الانطاع ويستوفي منه فيقول ناصر الوجه الأصح يستوفي منه بعد الإخراج\nوهذا تأخير يسير وفيه صيانة للمسجد ومنها لو قال من نصر القول القديم من ضل ماله أو غضب أو سرق وتعذر انتزاعه أو أودعه فجحد أو وقع في بحر فلا زكاة فيه وإلا لوجب أداؤه لأنه مال يجب زكاته فيجب أداؤها قياسيا على سائر الأموال الزكوية فيقول ناصر الجديد أقول بموجبه فإنه يجب أداؤها إذا وجده والكلام فما قبله وقائل به\nقال \" السادس الفرق وهو جعل تعيين الأصل علة والفرع مانعا والأول يؤثر حيث لم يجز التعليل بعلتين والثاني عند من جعل البعض مع المانع قادحا\"\nذهب جماهير الفقهاء إلى أن الفرق أقوى الاعتراضات وأجدرها بالاعتناء به وقال ابن السمعاني جعل كثير من فقهاء الفريقين الفرق أقوى سؤال وظنوه فقه المسألة قال وبه يتمسك الناظرون من فقهاء غزنة وكثير من بلدان خراسان قال وهو عند المحققين أضعف سؤال يذكر وهو ضربان\nالأول أن يجعل المعترض تعين أصل القياس علة لحكمه كما لو قال الزائد عن الشافعية النية في الوضوء واجبة لأنها عن طهارة عن حدث فوجبت كالتيمم والجامع أنهما طهارتان قال الشافعي ﵁ طهارتان فأنى يفترقان فيقول الخصم الفرق ثابت بين الأصل والفرع فإن العلة في وجوب النية في التيمم خصوصيته التي لا تعدوه وهي كونه ترابا وقع في كلام بعض الشارحين أن الخصوصية كونه طهارة ضعيفة وهذا عرى عن التحقيق\nفإن ضعف الطهارة لا تختص بالتيمم فإن وضوء المستحاضة ومن به سلس البول وسلس المذي كذلك ثم إن ضعف الطهارة لا يمنع من وجوب النية إذ تجب النية على من ذكرناه في وضوئه عند من يوجبها في مطلق الوضوء\nوقد بنى المصنف القول في أن هذا الضرب هل يقدح على تعليل الحكم","vol":"3","page":134},{"text":"الواحد بعلتين فصاعدا وقد سلف القول البليغ فيه وهو في هذا البناء تابع للجماهير من المتقدمين والمتأخرين ووجه البناء واضح\nفإن السائل إذا عارض علة الأصل التي جعلها المسؤول رابطة القياس بعلة أخرى فمن منع التعليل بعلتين رآه اعتراضا واقعا يجب الجواب عنه وإلا يلزمه تعدد العلة ومن لم يمنع لم ير ذلك قادحا إذا لامتناع في إبداء معنى آخر واجتماع علتيه القدر المشترك والتعيين الخاص وبهذا ضعف ابن السمعاني الفرق وفي تضعيفه بذلك نظر لأنا إذا بنينا الأمر على مسألة التعليل بعلتين نقول له إنما يضعف الفرق لو جعلنا التعليل بالعلتين جائزا أما أن معناه فلا وينقدح عندي قبل هذا البناء بناء آخر لم أر من ذكره وهو تفريغ المسألة أولا على التعليل بالعلة القاصرة\nفإن قلنا بمنعها فالفرق مردود لأن التعين يتخص بالمحل الذي هو فيه وهذا هو القصور ولعل من لم يذكر ذلك لم ير التفريغ على معنى القاصرة لضعف وإلا فيبين على التعليل بعلتين فإن معناه امتنع وإلا فيحتمل أن يقال وإن وقع التعليل بعلتين لكن لا بد وأن يكون من واد واحد فلا يكون أحديهما متعدية والأخرى قاصرة لأن المتعدية تقتضي إلحاق فرغ بالأصل والقاصرة تقتضي الجمود فيتنافيان فيما يقتضيان\nويحتمل أن يقال يجوز اجتماع القاصرة والمعتدية ولا تنافي ويكون مقتضى القاصرة عدم التعدية بها لا بغيرها فيجوز التعدية بغيرها من دون تناف وهذا هو الحق وهو مقتضى كلام ابن السمعاني وغيره من أصحابنا في العلة القاصرة\nالضرب الثاني أن يجعل تعيين الفرع مانعا من ثبوت الحكم الأصل فيه كقولهم يقاد المسلم بالزمن قياسا على غير المسلم بجامع القتل العمد العدوان فنقول الفرق أن تعين الفرع وهو الإسلام مانع من وجوب القصاص عليه ولك أن تقول هذا أيضا إنما يأت على القول بالقاصرة\nوقد وقع في بعض الشروح أن تعين المسلم مانع لشرفه وهو محمول على شرفه","vol":"3","page":135},{"text":"الخاص وهو الإسلام لا مطلق شرفه وإلا لم يكن تعينا ثم إن صاحب الكتاب بنى القول في هذا الضرب على أن النقض مع المانع هل يقدح فإن قلنا بقدحه كان هذا قادحا لأن الوصف الذي علق المستدل الحكم به إذ وجد في الفرع وتخلف الحكم عنه لمانع وهو التعين فقد وجد النقض مع المانع والغرض أنه قادح وإلا لم يقدح\nوقد أنهينا الكلام في المبني عليه غاية الفصل القول عنها هذا شرح ما في الكتاب وإذا جردت العهد بما تقدم من كلامه في المسألتين اللتين بني عليهما القول هنا علمت أن الفرق بتعين الأصل إنما يقدح عنده في المستنبطة دون المنصوصة وأن الفرق بتعين الفرع لا يقدح مطلقا\nواعلم أن الفرق عند بعض المتقدمين عبارة إن عن مجموع الضربين المذكورين حتى أنه لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقا واختلفوا في أنه سؤال واحد أو سؤالان لاشتماله على معارضة علة الأصل بعلة ثم على معاوضة الفرع بعلة مستقلة في جانب الفرع\nوالحق الذي قال إمام الحرمين أنه اختار عنده وارتضاه كل منتم إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين أن الفرق صحيح ومقبول وهو إن اشتمل على معنى معاوضة الأصل وعلى معارضة الفرع وعلى معارضة علته بعلة مستقلة فليس المقصود منه المعارضة وإنما الغرض منه المناقضة للجمع فالكلام في الفرق وراء المعارضة وخاصية وسره فقه تناقض قصدا الجمع ومن رد الفرق لا يرد المعارضة بل خاصية الفرق\nوذكر إمام الحرمين أن من الفروق ما يلحق جمع الجامع بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع ففيها قال وما كان كذلك فهو مقبول مجمع عليه لا محالة غير معدود من الفروق التي يختلف فيها قال ومن أنه هذا القسم أن يعيد الفارق جمع الجامع ويزيد فيه ما يوضح بطلان أثره قيل قول الحنفي في البيع الفاسد معاوضة جرت على تراض فيفيد ملكا كالصحيحة\nفيقول الفارق المعنى في الأصل أنها معاوضة جرت على وفق الشرع فنقلت","vol":"3","page":136},{"text":"الملك بالشرع بخلاف المعاوضة الفاسدة فينتهض الكلام إذا وفيه صاحبه بتحقيقه مبطلا إخاله كلام المعلل وما ادعاه مشعرا بالحكم قال ومن خصائصه إمكان البوح به بالعوض لا على سبيل المفاقهة بأن يقول السائل لا تعويل على التراضي بل المتبع الشرع والطرق النافلة على ما يعرفه الفقيه\nثم ذكر مثالا لا ينحط عن هذا وثالثا يضادهما فلا يكون الفرق فيه مبطلا الكلية والأمثلة الجزئية يختلف الحكم فيها باختلاف الاخالة فلا وجه للتطويل بتعداد الأمثلة والإخالة لا ينضبط\nوقد أتى إمام الحرمين بعد ذلك بكلام جامع فقال الفرق والجمع إذا ازدحما على فرع واصل في محل النزاع فالمختار عندنا فيه إتباع الإحالة فإن كان الفرق أخيل أبطل الجمع وعكسه وإن استويا أمكن أن يقال هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتنا على صيغة التساوي وأمكن أن يقدم الجمع من جهة وقوع الفرق بعده غير مناقض له وكل هذا فيما إذا كان الفرق لا يحيط فقه الجمع بالكلية فإن ذلك ليس من الفرق المختلف فيه على ما عرفت وقد نجز تمام هذا القول فيما يفسد العلة\nواعلم أن صاحب الكتاب لم يذكر كيفية دفع الفرق وما قبله من القلب والكسر وعدم التأثير وخص النقض من بين المفسدات بذلك لتشعب الآراء وكثرة النظر فيه ونحن تابعناه على ما فعل فإن ذلك نظر متمحض جدلا لا تعلق له بصوم نظر المجتهد وإنما هو تابع لشريعة الجدل والتي وصفها أهلها باصطلاحاتهم فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أن نشح على الأوقات أن نضيعها بها وبتفصيلها وأن تعلق بها فائدة من ضم نشر الكلام ورد مباحث المناظرين إلى مجز الخصام لئلا يذهب كل واحد في كلامه طولا وعرضا وينحرف عن مقصود نظره بما لا يرضي فتلك فائدة ليست من أصول الفقه فينبغي أن يفرد بعلم النظر وهو عندنا من أكيس العلوم وأعظمها كفالة بتدقيق المنطوق والمفهوم ولكن لا ينبغي أن المزج بالأصول التي مقصدها تذليل سبل الاجتهاد للمجتهدين لا تعليم طرق الخصام للمتناظرين ولهذا حذف الغزالي هذه الاعتراضات بالأصالة وبالله التوفيق","vol":"3","page":137},{"text":"قال ﵀<span data-type=\"title\" id=toc-215> الطرف الثالث في أقسام العلة </span>الحكم إما محله أو جزؤه عنه عقلي حقيقي أو إضافي أو سلبي أو شرعي أو لغوي متعدية أو قاصرة وعلى التقديرات إما بسيطة أو مركبة\nهذا الطرف معقود لبيان ما يظن أنه من مفسدات العلة مع أنه ليس كذلك وذكر قبل الخوض فيه تقسيمات للعلة\nاعلم أن كل حكم ثبت في محل فعلة ذلك الحكم إما نفي ذلك المحل أو ما يكون جزءا من ماهيته إما العام أو الخاص أو ما يكون خارجا عنه والخارج إما أن يكون أمرا عقليا أو شرعيا أو لغويا أو عرفيا ولم يذكره المصنف والعقلي إما أن يكون حقيقيا وهو الذي يعقل باعتبار نفسه أو إضافيا وهو الذي يعقل باعتبار غيره والحقيقي والإضافي ثبوتيان فيقابلهما السلب فحصل في العقلي ثلاثة أقسام مع الأربعة المذكورة فالأقسام سبعة\nالتعليل بالمحل مثل الذهب ربوي لكونه ذهبا\nالثاني بجزء المحل الخاص وهو مع الأول لا يكون في العلة القاصرة لاستحالة وجود خصوصية المحل أو جزئه الخاص في غيره أو بجزئه العام كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة فعقد المعاوضة من حيث أنها جنسه جزء له لا يختص به\nالثالث بأمر خارج عقلي حقيقي كتعليل الربوي بالطعم\nالرابع بأمر خارج عقلي إضافي كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة\nالخامس بأمر خارج على سلبي كتعليل بطلان بيع الآبق والضال بعدم القدرة على التسليم وقد يجتمع التعليل بهذه الأقسام الثلاثة مثل القتل العمد بغير حق فإن القتل حقيقي والعمد إضافي وقولنا بغير حق سلبي\nالسادس بأمر شرعي كتعليل حرمة بيع الكلب بنجاسته\nالسابع بأمر لغوي كقولنا في النبيذ أنه يسمى بالخمر فيحرم كالمعتصر من العنب هذه الأقسام التي في كلام المصنف","vol":"3","page":138},{"text":"والثامن ما أشرنا إليه وأهمله التعليل بأمر عرفي كقولنا هذا عيب عرفا فيثبت به الرد ثم العلة تنقسم باعتبار آخر إلى متعدية وهي التي توجد في غير المحل المنصوص أو قاصرة وهي التي تختص بذلك المحل وعلى التقديرات كلها إما أن تكون بسيطة وهي التي لا جزء لها كالإسكار والطعم أو مركبة وهي التي لها جزء كالقتل العمد العدوان\nقال \"قيل لا يعلل بالمحل لأن القابل لا يفعل قلنا لا نسلم ومع هذا فالعلة المعرف\"\nشرع في مسائل الفصل وهي ست\nالأولى اختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم أو جزئه الخاص والمختار عند المصنف والأكثرين جوازه وقول الآمدي المختار التفصيل وهو امتناع ذلك المحل دون الجزء ليس مذهبا ثالثا لأن مراده الجزء العام بدليل قوله بعد ذلك وأما الجزء فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه للأصل والفرع\nقال صفي الدين الهندي الحق أن الخلاف في المسألة مبني على جواز التعليل بالقاصرة فإن جوز ذلك جوز هذا سواء عرفت عليته بنص أو غيره إذ لا يبتعد أن يقول الشارع حرمت الربا في البر لكونه برا أو تعرف مناسبة محل الحكم له لاشتماله على حكمة داعية إلي إثبات ذلك الحكم فيه وهذا صحيح وهو مقتضى كلام الإمام وغيره\nواجتمع من منع التعليل بالمحل بأن المحل قابل للحكم فلو كان علة له لكان فاعلا له أيضا لتأثير العلة في المعلول والمؤثر لا بد أن يفعل فيه ويمتنع كون الشيء قابلا وفاعلا معا لشيء واحد لأن نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان ونسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب فبينهما تناف\nوأجاب بأنا لا نسلم أن الشيء الواحد لا يكون قابلا وفاعلا ألا ترى أن الجسم المتحرك قابل للحركة وفاعل لها ولو سلم امتناع كون الشيء الواحد قابلا وفاعلا ولكن ذلك إذا كان الفاعل بمعنى المؤثر أما إذا كان معنى المعرف فلا يمتنع قطعا وإلى هذا أشار بقوله ومع هذا فالعلة المعرف","vol":"3","page":139},{"text":"قال قيل لا يعلل بالحكم الغير المضبوطة كالمصالح والمفاسد لأنه لا يعلم وجود القدر الحاصل في الأصل والفرع قلنا لو لم يجز لما جاز بالوصف المشتمل عليها فإذا حصل ظن أن الحكم لمصلحة وجدت في الفرع يحصل ظن الحكم فيه\nالمسألة الثانية جوز قيام التعليل بالحكمة واختاره المصنف تبعا للإمام ومنع منه آخرون وفصل قوم فقالوا إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها وإلا فلا\nواختاره الآمدي وصفي الدين الهندي وأطبق الكل على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها ما حاد عن ذلك قياس كالقتل والزنا والسرقة وغير ذلك\nواحتج المفصل بما أشار إليه في الكتاب من أن الحكم التي لا تنضبط كالمصالح والمفاسد لا يعلم لعدم انضباطها أن القدر الحاصل منهما في الأصل حاصل في الفرع أم لا فلا يمكن التعليل بها لأن القياس فرع ثبوت ما في الأصل من المعنى في الفرع\nوأجاب بأنه لو لم يجز التعليل بالحكم التي لا تنضبط لم يجز بالوصف المشتمل عليها أيضا واللازم باطل بالاتفاق فبطل الملزوم\nوبيان الملازمة أن الوصف بذاته ليس بعلة للحكم بل بواسطة اشتماله على الحكمة فعلية الوصف بمعنى أنه علامة على الحكمة التي هي علة غائبة باعثة للفاعل والوصف هو المعرف فإذا لم تكن تلك الحكمة علة للحكم لم يكن الوصف بواسطته علة له وإذا بطل الملزوم فيجوز التعليل بالحكم التي لا تنضبط لأننا إذا ظننا استناد الحكم المخصوص في مورد النص إلى الحكم المخصوصة ثم ظننا حصول تلك الحكمة في صورة تولد لا محالة من ذينك الظن ظن حصول الحكم في تلك الصورة والعمل بالظن واجب\nوإذا أقام الدليل على جواز التعليل بالحكم التي لا تنضبط فليكن جائزا فيما تنضبط بطريق أولى وهذا هو السر في إعراض المصنف عن الكلام مع مانع","vol":"3","page":140},{"text":"التعليل بالحكم مطلقا والذي نختاره نحن في هذه المسألة التفصيل وقولهم إذا ظننا استناد الحكم المخصوصة إلى الحكمة ثم حصول تلك الحكمة في صورة ظننا حصول الحكم فيها قلنا هذا لا يتأتى إلا إذا كانت الحكمة مضبوطة يمكن معرفة مقاديرها فإنها إذا لم تنضبط لا يمكن معرفة مقاديرها فيتعذر حصول الظن بالمقدمتين\nوقولهم لو لم يجز بالحكمة لم يجز بالوصف المشتمل عليها\nقلنا العلة في الحقيقة هي الحكمة والحاجة فإنها غائبة الباعثة للفاعل كما ذكرتم ولكنها لما كانت في الغالب لا تنضبط ولا تتقدر في ذاتها جعل الوصف علة بمعنى أنه يعرف العلة بصالحية الوصف للضبط وتعريف العلة التي هي الحكمة هي العلة في جعله علة وهذا قررناه مرة من قبل وإذا وضح هذا فالحكمة لا تصلح لأن يعامل بها ما لا ينضبط إلا بواسطة الوصف لأن الشارع أقامه حينئذ ضابطا لها ولا مبالاة بوجدانها والحالة هذه دون الوصف فأنا تعلم بالاستقراء من محاسن الشريعة رد الناس فيما يضطرب ويختلف باختلاف الصورة والأشخاص والأزمان والأحوال إلى المظان الواضحة التي يكشف غيهبها ردا لما تدع العامة تخبط عشواء ونفيا للجرح والضراء ألا ترى إلى حصر القصر والفطر في مظنته الغالبة وهي السفر وإن كانت الحكمة المشقة التي قد توجد في حق الحاضر وتنعدم في حق المسافر\nقال قيل العدم لا يعلل به لأن الإعدام لا تتميز وأيضا ليس على المجتهد سبرها قلنا لا نسلم فإن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم وإنما سقطت عن المجتهد لعلة تناهيها\nالمسألة الثالثة ذهب قوم إلى أنه يجوز التعليل بالعدم ثبوتيا كان الحكم أو عدميا لأنه قد يحصل دور أن الحكم مع بعض العدميات والدوران يفيد الظن ولأن العدة المعرف وهو غير مناف للعدم فإن العدم قد يعرف وجود الحكم الثبوتي فإن عدم امتثال العبد لأمر سيده يعرفنا سخطه عليه والحكم العدمي فإن عدم العلة يعرف عدم المعلول وكذا عدم اللازم وكذا عدم اللازم وعدم الشرط فيصح","vol":"3","page":141},{"text":"قيام العلية بالعدم كما بالموجود واختاره الإمام وأتباعه ومنهم المصنف ومنع منه قوم إذا كان الحكم ثبوتا واختاره الآمدي وابن الحاجب واحتج هؤلاء بوجهين أشار إليهما في الكتاب\nأحدهما أن العلة لا بد أن تتميز عما ليس بعلة سواء أريد بها المؤثر أو المعرف أو الداهي والتمييز عبارة عن كون كل واحد من المتميزين مخصوصا في نفسه بحيث لا يكون تعيين هذا حاصلا لذاك ولا تعيين ذلك لهذا وهذا غير معقول في العدم الصرف لأنه نفي محض\nوالثاني أن المجتهد إذا بحث عن علة الحكم لم يجب عليه سبر الأوصاف العدمية فإنها غير متناهية مع أنه يجب عليه سبر كل وصف يصلح للعلية وهذا يدل على أن الوصف العدمي لا يصلح للعلية\nوأجاب عن الأول بأنا لا نسلم أن الإعدام لا تتميز لأن كلامنا في الإعدام المضافة وبعضها يتميز عن بعض بدليل أن عدم اللازم متميز عن بعض الملزوم\nلأن الأول يستلزم الثاني من دون عكس وكذا عدم أخذ الضدين عن المحل يصح حلول الآخر فيه نعم العدم المطلق لا يتميز وليس فيه كلامنا\nوعن الثاني بأنه إنما أسقط عن المجتهد سبرها لتعذره لأن العدميات لما كانت غير متناهية تعذر سبرها\nوقد يجاب بأنا لا نسلم أنه لا يجب عليه سبر ما تتخيل المناسبة فيه أو الدوران أو ما يقرب من العلية\nقال \"قيل إنما يجوز التعليل بالحكم المقارن وهو أحد التقادير الثلاثة فيكون مرجوحا قلنا ويجوز بالمتأخر لأنه معرف\"\nالمسألة الرابعة ذهب الأكثرون إلى أنه يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي وهو اختيار الإمام وأتباعه ومنهم المصنف لأن الحكم قد يدور مع الآخر وجودا وعدما لأن العلة هي المعرف فلا بدع في جعل حكمه معرفا لآخر","vol":"3","page":142},{"text":"كأن يقول الشارع مهما رأيتموني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعملوا إني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضا وذهب الأقلون إلى امتناع ذلك واحتجوا بأن الحكم إذا كان علة لحكم آخر فلا بد وأن يكون مقارنا له لأنه إن لم يقارنه فإما أن يكون متقدما عليه فيلزم وجود العلة مع تخلف المعلول عنها وهو غير جائز ولو سلم جوازه فلا ريب في أنه مخالف للأصل فلا يجوز إثبات العلة بهذه الصفة إلا عند قيام الدليل عليه أو يكون متأخرا عنه والمتأخر لا يكون علة للمتقدم فثبت أنه لا بد في كونه علة من المقارنة وعلى هذا فلا يكون الحكم علة إلا على تقدير واحد من ثلاثة وهو احتمال المقارنة والاحتمالان أغلب واحد والتعليل به لا يصح على تقديرهما فكان عدم التعليل به راجحا على التعليل به لأنه ثابت على احتمالين من ثلاثة والعبرة بالراجح دون المرجوح\nوأجاب بأنا لا نسلم أن يمتنع كونه علة على تقدير تأخره فإن العلة هي المعرف ويجوز أن يكون المتأخر معرفا للمتقدم كالعام للصانع وحينئذ يندفع ما ذكرتم ويكون التعليل به ثابتا على احتمالين من ثلاثة فيكون راجحا وقد ذهب الآمدي في المسألة إلى تفصيل مبني على ما لا نوافقه عليه فلذلك لم نورده\nقال \"قالت الحنفية لا يعلل بالقاصرة لعدم الفائدة قلنا معرفة كونه على وجه المصلحة فائدة ولنا أن التعدية توقفت على العلة فلو توقفت هي عليها لزم الدور\"\nالمسألة الخامسة أطبق الناس كافة على صحة العلة القاصرة وهي المقصورة على محل النص المنحصرة فيه التي لا تعداه إذا كانت منصوصة أو مجمعا عليها كما نقله جماعة ومنهم القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد فيما إذا كانت منصوصة وجعلوا محل الخلاف في المستنبطة والذي ذهب إليه الأكثرون منهم الشافعي والأصحاب ومالك وأحمد والقاضيان أبو بكر وعبد الجبار وأبو الحسين وعليه المتأخرون كالإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنها صحيحة معول عليها\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبد البصري والكرخي إلى امتناعها وحكاه الشيخ محي الدين النووي في شرح المذهب وجها لأصحابنا وكذلك","vol":"3","page":143},{"text":"الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وأغرب القاضي عبد الوهاب في المخلص فحكى مذهبا ثالثا أنها لا تصح على الإطلاق فيه سواء كانت منصوصه أم مستنبطة وقال هو قول أكثر فقهاء العراق وهذا يصادم ما نقلناه من وقوع الاتفاق في المنصوصة ولم أر هذا القول في شيء مما وقف عليه من كتب الأصول سوى هذا\nواحتجت الحنفية على امتناع التعليل بها بما أشار إليه المصنف من أنه لا فائدة فيها لأن الفائدة من العلة التوسل بها إلى معرفة الحكم وهذه الفائدة مفقودة هنا لأن الحكم في الأصل معلوم بالنص ولا يمكن التوسل بها إلى معرفة الحكم في غيره لأن ذلك إنما يمكن إذا وجد ذلك الوصف في غير الأصل والفرض خلافه لأنها قاصرة\nوأجاب بأن لها فائدة وهي معرفة أن الحكم الشرعي مطابق لوجه الحكمة والمصلحة وهذه فائدة معتبرة لأن النفوس إلى قبول الأحكام المطابقة للحكم والمصالح أميل وعن قبول الحكم المحض والتعبد الصرف أبعد وقد ذكر لها فوائد أخرى منه أنه إذا ثبت كون القاصرة علة للحكم في محل فلو وجد فيه وصف آخر مناسب متعد يمتنع تعدية الحكم به لمعارضة القاصرة ما لم يدل دليل على استقلاله بالعلية بخلاف ما لو لم يثبت كون القاصرة علة له فإنه حينئذ كان تعدى الحكم بالوصف المناسب المتعدي من غير افتقار إلى دلالة دليل على استقلاله وحاصله أنها تفيد منع حمل الفرع على الأصل كما أن تعديها يفيد وجوب الحمل ومنها أنا بإطلاعنا على علة الحكم نزداد علما بما كنا غافلين عنه والعلم بالشيء أعظم فائدة كما أن الجهل أخس خسران وأقبحه ومنها أن العلة إذا طابقت النص زادته قوة ويتعاضدان وكذلك سبيل كل دليلين اجتمعا في مسألة واحدة ففائدتها فائدة اجتماع دليلين ذكره القاضي في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين ومنها ما نبه عليه والدي أيده الله تعالى من أن المكلف يقصد الفصل لأجلها خير زاد أجره كما قررناه في الكلام على العلة فجدد العهدية\nوذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من فوائدها أنه إذا حدث هناك فرع","vol":"3","page":144},{"text":"فيعلق على العلة ويلحق المنصوص عليه وهذا فيه نظر إذا المسألة مفروضة في القاصرة ومتى حدث فرع يشاركها في المعنى خرت عن أن تكون قاصرة\nوقد ذكر إمام الحرمين ذلك فقال قال من يصحح القاصرة فائدة تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس إذا ضربت نقودا وضعفه بأن المذهب أن الوبا لا يجري في الفلوس وإن استعملت نقودا فإن التعدية الشرعية مختصة بالمطبوعات من التبرين والفلوس في حكم العروض وإن غلب استعمالها ثم إن صح هذا المذهب قيل لصاحبه إن كانت الفلوس داخلة تحت اسم الدراهم والنص متناول لها فالطلبة بالفائدة قائمة وأن لم يتناولها النص فالعلة إذن متعدية لا قاصرة\nقوله ولنا أي دليلنا على صحة القاصرة أن صحة تعدية العلة إلى الفرع فرع صحتها في نفسها فلو توقفت صحتها في نفسها على صحة تعديتها إلى الفرع لزم الدور وإذا لم تتوقف صحتها في نفسها على صحة التعدية صحت وإن لم تتعد وهو المطلوب\nواعترض الآمدي على هذا الدليل بوجهين\nأحدهما أنه أن أريد بالتعدية الموقوفة على صحة العلة ثبوت الحكم بها في الفرع وهو مسلم ولكن لا نسلم أن التعدية بهذا الاعتبار شرط في صحة العلة وإن أريد بهذه التعدية وجودها في الفرع لا غير فهو غير مفض إلى الدور فإن صحة العلة وإن كان مشروطا بوجودها في غير حمل النص فوجودها فيه غير متوقف على صحتها في نفسها فلا دور سلمنا لزوم الدور لكن دور معية أو غيره\nوالثاني ممنوع والأول مسلم وهو صحيح كما في المتلازمين والمتضايفين\nفإن قلت ليس دور معية بدليل أن صحة تعديتها إلى الفرع فرع صحتها في نفسها لأنه يصح دخول ما يقتضي التراخي عليه إذ يصح أن يقال صحت العلة في نفسها ثم عدمت أو عدمت بعد أن صحت أو فعديت ولو كانا معا لما صح بهذا القول إذ لا يجوز إدخال كلمة تقتضي التأخير ما بين المتضافين","vol":"3","page":145},{"text":"والمتلازمين فلا يجوز أن يقال حصلت الأبوة ثم النبوة أو حصل العلو ثم السفل وبالعكس\nقلت دخول \"ثم\" ههنا إنما هو لحصول الترتيب في التعدية التي هي فعل المعدي ولا نسلم جواز دخول ما يقتضي التأخير في التعدية التي أريد بها وجود الوصف في صورة فلا يقال صحت العلة في كذا فعديت أو ثم عدينا بمعنى وجدت وإنما يصح بمعنى الإثبات\nفائدتان أحدهما\nقال إمام الحرمين إن كلام الشارع نصا لا يقبل التأويل فلا يرى للقاصرة وقعا ولكن يمتنع عن الحكم بفسادها لما سبق وإنما يفيد إذا كان قول الشارع ظاهرا يتأتى تأويله ويمكن حمله على الكثير مثلا دون التعليل فإذا سنحت علة توافق الظاهر فهي تعصمه من التخصيص بعلة أخرى لا تترقى مرتبتها إلى المستنبطة القاصرة ثم في ذلك سر وهو أن الظاهر إن كان متعرضا للتأويل ولو أول لخرج بعض المسميات ولارتد الظاهر إلى ما هو نص فيه فالعلة في محل الظاهر فإنها ثابتة في مقتضى النص منه متعدية إلى ما اللفظ ظاهر فيه عاصم له عن التخصيص والتأويل فكان ذلك إفادة وإن لم يكن تعديا حقيقيا ولا يتجه غير ذلك في العلة القاصرة\nثم قال فإن قيل قول رسول الله ﷺ:\"لا تبيعوا الورق بالورق١\" الحديث نص أم ظاهر فإن زعمتم أنه نص بطل التعليل بالنقدية وإن كان ظاهرا فالأمة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فقد صار بقرينة الإجماع نصا فأي حاجة إلى التعليل٢ فنقول أما الخط الأصولي فقد وفينا به والأصول لا تصح على الفروع فإن تخلفت مسألة فليمتحن بحقيقة الأصول فإن لم يصح فليطرح هذا كلام إمام الحرمين\n_________\n١ رواه مسلم بلفظ \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعو كيف شئتم إذا كان يدا بيد\"\n٢ في الأصل المطبوع:\"التعليل\" تحريف","vol":"3","page":146},{"text":"ولقائل أن يقول القاصرة مفيدة مطلقا سواء كانت مستنبطة من ظاهر أم نص لما عرفت ولكن هذا الذي ذكره في منعها من التخصيص في الظاهر فائدة أخرى جلية ولا تنحصر الفائدة فيها\nوأما قوله إن الأمة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فصار كالنص\nفنقول إذا انتهى القليل إلى حد لا يورث فلا نسلم حصول الإجماع بل أبو حنيفة يخالف فيه كمخالفته في بيع ثمرة بتمرتين فيجوز عنده بيع ذرة بذرة من الذهب والفضة كذا حكاه والدي في تكعلة شرح المهذب عن شرح الهداية للسقناقي من كتب أصحابه فيمكن استعمال العلة وهي جنس الأثمان في ذلك ومنع تخصيص العموم فيه وتحصل الفائدة التي حاولها إمام الحرمين وإلا فآخر كلامه يشير إلى الامتناع من الحكم بصحة العلة المذكورة فإنه قال فإن قيل هذا تصريح بإبطال التعليل النقدية\nقلنا الصحيح عندنا أن مسائل الربا بأشهية والشبه على وجوه منها التعليق بالمقصود والمقصود من الأشياء الأربعة الطعم ومن النقدين النقدية هي مقتصرة وليست هي علة إذ لا شبه فيها ولا إحالة ولكن لما انتظم منها اتباع المقصود عد من مسالك الأشياء الأربعة انتهى\nفقد امتنع من الحكم بصحة العلة المذكورة لعدم الجريان على القانون الذي مهده وهو مع ذلك لا يراد التعليل بالوزن كقول أبي حنيفة لبطلان التعليل من أوجه تخصه\nالثانية رجع الجمهور التعدية على القاصرة امتنع قوم من الترجيع ورجح الأستاذ أبو إسحاق القاصرة بشادة النص بحكمها ويتضح بذلك مذهب الشافعي فيما إذا أفسد صوم رمضان بجماع وترجيح كون العلة الجماع وهي قاصرة على الإفساد وفي تعليل النقدين بالنقدية على الوزن وفي نفقة الوالد على الولد وبالعكس وعلق الأصول على الفروع وبالعكس بالبعضية على القرابة وأما على المذهب الأولين فللشافعي في هذه المسائل أدلة تخصها كالشمس وضوحا","vol":"3","page":147},{"text":"قال \"قيل لو علل بالمركب فإذا انتفى جزء تنتفي العلية ثم إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف أو تحصيل الحاصل قلنا العلة عدمية فلا يلزم ذلك\"\nمثل المسألة السادسة التعليل بالوصف المركب جائز عند المعظم وبه قال المتأخرون ومنهم الإمام وأتباعه ومنهم صاحب الكتاب لأن ما يدل على علية الوصف من الدوران والسبر والتقسيم والمناسبة مع الاقتران لا تختص بمفرد بل دلالته عليه وعلى المركب على حد سواء فعمل به في المركب كما عمل به في المفرد\nوقال قوم لا يجوز به معللين بأن جوازه يؤدي إما إلى تخلف المعلول عن العلة العقلية أو تحصيل الحاصل وهما محالان فكذا ملزومهما والدليل على أنه مؤد إلى ذلك أن الوصف المركب إذا كان علة كالقتل العمد العدوان في إيجاب القصاص مثلا كان عدم كل جزء من أجزائه علة مستقلة لعدم عليته لانعدام كل واحد من أجزائه ضرورة إذ عليته من جملة صفات ماهية المنعدمة بانعدام كل واحد من أجزائه وانعدام الوصف يستلزم انعدام الصفة\nفإذا انتفى جزء من أجزاء المركب يترتب عليه عدم عليته فيلزم تحصيل الحاصل أو لا يلزم تخلف المعلول عن العلة\nوأجاب بأن العلية صفة عدمية لأنا من النسب والإضافات تعتبرها العقول ولا وجود لها في الخارج\nويلزم من كونها عدمية أن يكون انتفاؤها وجوديا فإن العدم والوجود نقيضان ولا بد وأن يكون أحد النقيضين وجوديا وإذا كان انتقاؤها وجوديا فلا يجوز أن يكون عدم كل جزء علة له لأن الأمور العدمية لا تكون علة للأمر الوجودي هكذا أقرره العبري وغيره من شارحي الكتاب وهو أولا ضعيف لأنه ليس بأولى من قول المعترض العلية أمر وجودي لأن نقيضها وهو عدم العلية عدمي واحد من النقيضين واقع لا محالة\nوثانيا مخالف لما في المحصول فإنه جعله جوابا لشبهة أخرى لهم غير هذه","vol":"3","page":148},{"text":"ولكن صاحب الحاصل ترك ذكر تلك الشبهة ونقل جوابها إلى هذه الشبهة التي أوردها صاحب الكتاب فتبعه المصنف على ذلك\nوقد أجيب عن هذه الشبهة بأمور منها أن عدم الجزء ليس علة لعدم العلية بل كل جزء فوجوده شرط لها وعدمه يكون عدما لشرطها ومنها أنه يقتضي أن لا يوجد ماهية مركبة لما ذكر من التقرير بعينه فإن عدم كل واحد من أجزائه علة لعدم تلك الماهية المركبة فإذا انعدم جزء انعدمت تلك الماهية وإذا انعدم جزء آخر لزم إما انعدامها وهو تحصيل الحاصل ونقص العلة العقلية وكلاهما محال\n\"فرع\" قال الإمام نقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن بعضهم إنه قال لا يجوز أن تزيد الأوصاف على سبعة وهذا الحصر لا أعرف له حجة قلت والذي نقله الشيخ شرح اللمع عن بعض الفقهاء أنه لا يجوز أن تزيد على خمسة وغلط قائله ورأيته في عدة نسخ من الشرح وكان الخمسة تصحفت بسبعة في نسخة الإمام\nقال \"وهنا مسائل الأولى يستدل بوجود العلة على الحكم لا بعليتها لأنها نسبة يتوقف عليه\"\nش الاستدلال قد يكون بذات العلة على الحكم كما يقال في القتل بالمثقل قتل عمد عدوان فيجب به القصاص وهو طريق صحيح بخلاف الاستدلال بعلية العلة للحكم على الحكم فإنه فاسد\nومثاله أن يقال عليه القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص وقد وجد في المثقل فيجب\nواحتج علية للمصنف تبعا للإمام بأمر العلية أمر نسبي بين العلة والحكم فيتوقف ثبوتها على ثبوت المنتسبين اللذين هما العلة والحكم فتتوقف على ثبوت الحكم فيكون إثبات الحكم دورا واعترض عليه صاحب التحصيل بأن صدق قول القتل سبب لوجوب القصاص لا يتوقف لا على وجود القصاص وهو","vol":"3","page":149},{"text":"اعتراض منقدح لأن النسبة لا تتوقف على وجود المنتسبين في الخارج بل في الذهن\nوحينئذ لا يلزم الدور قال ولو سلمناه لكن لما فسرت العلة بالمعروف انقطع الدور وهو أيضا متجه ومراده انقطع الدور الممتنع وإلا فلزوم الدور على تفسير العلة بالمعروف أيضا واضح\nوللاعتراف بصحة هذين الاعتراضين فر صفي الدين الهندي من تعليل فساد هذه الطريق بهذا الوجه إلى وجه تكلفة وهو أن علية العلة للحكم تتوقف على اقتضاء العلة للحكم وكونه مرتبا عليها لولا المانع بحيث يجب أن يكون فلو استفيد اقتضاؤها بها وترتبه عليها من العلية لزم الدور\nفإن قلت كيف علية العلة على اقتضاء العلة للحكم وكونه بحيث يجب أن يترتب عليها لولا المانع ولا معنى للعلية إلا هذا والشيء لا يتوقف على نفسه\nقلت هو مغاير له لأن اقتضاء الشيء للحكم وكونه مرتبا عليها لولا المعارض أعم من أن يكون بطريق العلة أو غيرها نعم إذا أضيف الاقتضاء إلى العلة تخصص لكن ذلك لا تقتضي أن يكون عينه فإن هذا التخصيص خارج عن ماهية الاقتضاء وداخل في ماهية العلية فهما متغايران\nسلمنا أنه عينه لكن تقول إن كون الحكم مترتبا على العلة وكونها مقتضية له إما أن يكون عين فعلية فيلزم الاستدلال بالشيء على نفسه أو غيرها فيلزم الدور على ما سبق فثبت المقصود على التقديرين وهو امتناع الاستدلال بالعلية على ثبوت الحكم وترتبه على العلة\nقال \"الثانية التعليل بالمانع لا يتوقف على المقتضى لأنه إذا أثر معه فدونه أولى قلنا لا يستند العدم المستمر قلنا الحادث يعرف الإلى كالعالم للصانع\"\nتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع واختلفوا في أنه هل يشترط في صحة هذا التعليل بيان وجود المقتضى\nفذهب جمع إلى اشتراطه وهو اختيار الآمدي وأباه الآخرون وعليه الإمام","vol":"3","page":150},{"text":"وشيعته كالمصنف واختاره الحاجب ولا يخفى عليك أن هذا الخلاف إنما يتأتى إذا جوزنا تخصيص العلة فأما إذا لم يجوز ذلك فلا يتصور هذا الخلاف لأن التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور فضلا من أن يختلف في أنه مشروط ببيان وجود المقتضى\nكذا قال صفي الدين الهندي وهو متلقى من قول الإمام إن هذه المسألة من تفاريع تخصيص العلة فإما إن أنكرناه امتنع الجمع بين المقتضى والمانع\nولقائل أن يقول هذا غير لازم فإن العلة من تخصيص العلة جاز أن يقول شرط تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي وجود المقتضى في تلك الصورة ويكون مراده أن هذا الشرط ممتنع ويمتنع بامتناعه تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي\nواحتج المصنف بأن بين المقتضى والمانع معاندة ومضادة والشيء لا يتقوى بضده بل يضعف به فإذا كان المانع مؤثرا حال ضعفه وهو وجود المقتضى فلأن يكون ذلك حال قوته وهو عدم المقتضى أولى\nواحتج المشترطون بأن المعلول الذي هو عدم الحكم إما أن يكون هو العدم المستمر وذلك باطل لأن المانع حادث والعدم المستمر أزلي ويمتنع استناد الأزلي الحادث وإن كان هو العدم المتجدد فهو المطلوب لأن العدم المتجدد إنما يتصور بعد قيام المقتضى\nوأجاب بأنا لا نسلم امتناع تعليل المتقدم بالمتأخر بمعنى المعرف وحينئذ المعلل هو العدم المستمر وهو جائز بهذا المعنى كما أن العالم معرف للصانع\nوأجيب أيضا بأنا نقول المعلل هو العدم المتجدد قلنا ممنوع لأنا لا نعني العدم المتجدد إلا أنه حصل لنا العلم بعدم الحكم من قبل الشرع ومعلوم أن هذا لا يقتضي تحقق المقتضى\nولقائل أن يقول ما حكم ما فيه بالعدم بناء على البراءة الأصلية لا يكون معرفا من قبل الشرع لأن الشرع لم يرد فيه بشيء وقولهم إن العلة المعرف والمتأخر يعرف المتقدم قلنا لا يصح أن تكون العلة بمعنى المعرف في هذا المقام","vol":"3","page":151},{"text":"لأنكم اعترفتم من قبل بأن الوصف ليس معرفا للحكم في الأصل بل هو معرف بالحكم في الأصل معرف للحكم في الفرع فالوصف معرف إما بالنص إن ورد فيه نص كما قلتم أو بالبراءة الأصلية وعلى التقديرين لا يكون الوصف معرفا له\nوالكلام لم يقع إلا فيه فامتنع استناد العدم في الأصل إلى هذا العدم المتحدد سواء جعلناه معرفا أو مؤثرا وإذا عرفت ضعف ما أجاب به فنقول وما استدل به أيضا ضعيف لأن للخصم أن يقول لا يلزم من جواز تعليل عدم الحكم بالمانع حال وجود المقتضى الذي هو شرط التعليل به جواز تعليله به حال عدم المقتضى الذي هو مناف لتعليله به\nوأما قولكم إنه قوي حال عدمه ضعيف حال وجوده فلسنا نسلم ذلك وسند هذا المنع أن وجود المقتضى لما كان شرط تأثيره في عدم الحكم استحال أن يقال إنه يضعف إذ ذاك وكيف يضعف الشيء حال وجود شرط تأثيره\nولئن سلمناه فلا يلزم منه أيضا عدم الجواز لأن المأخذ في هذا ليس هو القوة والضعف حتى يلزم ما ذكرتم بل غيرها من أدلة نقيمها ومن جملتها الدليل الذي أشرتم إليه وبينا ضعف ما أجبتم به عنه\nقال \"الثالثة لا يشترط الاتفاق على وجود العلة في الأصل بل يكفي انتهاض الدليل عليه\"\nش شذ بعض الأصوليين فقال وجود الوصف الذي جعل علة في الأصل لا بد وأن يكون متفقا عليه وهذا ضعيف لأنه لما أمكن إثباته بالدليل حصل الغرض وكان اشتراط الاتفاق تعيثا بل الحق أنه قد يكون ضروريا ومعلوما بالبرهان اليقيني ومظنونا\nواستدل الشيخ أبو إسحاق على بطلان هذا المذهب بأن قائله إن أراد بالاتفاق الذي اشترط إجماع الأمة كلها أدى إلى إبطال القياس لأن نفاة القياس من جملة الأمة وأكثرهم يقولون إن الأصول غير معللة وإن أراد إجماع القياسيين فهم بعض الأمة وليس قولهم بدليل","vol":"3","page":152},{"text":"قال \"الرابعة الشيء يدفع الحكم كالعدة أو يرفعه كالطلاق أو يدفع ويرفع كالرضاع\"\nش الوصف المجعول علة على ثلاثة أقسام\nالأول أن يكون دافعا للحكم فقط ومثل له المصنف بالعدة فإنها دافعة لحل النكاح إذا وجدت في ابتداء النكاح وليست رافعة له إذا وجدت في أثنائه فإن الموطؤة بشبهة تعتد وهي باقية على الزوجية\nوكذا الإحرام يمنع ابتداء النكاح ولا يقطعه وهذا يلتفت على أن يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وكذلك الأصح صحة رجعة المحرم لتنزيلها منزلة الدوام وتوقيت النكاح مانع في ابتدائه ولا يمنع في دوامه\nفإذا قال أنت طالق غدا أو بعد شهر صح وعقد الذمة لا يجوز مع تهمة الخيانة ولو اتهمهم بعد العقد لم ينبذ إليهم عهدهم بخلاف الهدنة فإنه ينبذ العقد فيها بالتهمة ولو نكح حرة لا تفسخ نكاح الأمة خلافا للمزني ولو رأى المتيمم الماء في أثناء صلاته أتمها إن كانت مما يسقط فرضها بالتيمم وهو مانع في ابتداء الصلاة ولو ملك عبدا له عليه دين ففي سقوط الدين وجهان أصحهما لا وإن كان لا يثبت له على عبده ابتداء لأن الدوام من القوة ما ليس للابتداء وهذه قاعدة في الفقه عظيمة كثرت مسائلها ومن أراد الإحاطة بفروعها فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله\nالثاني أن يكون رافعا للحكم فقط كالطلاق فإنه يرفع حل الاستمتاع ولكن لا يدفعه إذ الطلاق لا يمنع وقوع نكاح جديد ولك أن تقول الرفع أشد من الدفع فإذا صلح الوصف لأن يكون دافعا بطريق أولى والطلاق كما رفع حل الاستمتاع دفعه ولكن ليس هذا الدفع والرفع مؤبدا بل قد يزولان بنكاح جديد والمصنف أراد بكونه لا يدفعه أنه لا يمنع من طريانه فإنه في القسم الأول منع من الابتداء دون الدوام وفي هذا المنع من الدوام دون الابتداء\nويتعرج هذا إلى أنه قد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس هذه","vol":"3","page":153},{"text":"القاعدة الأولى وهو في مسائل معدودة غير عديدة استقضيناها في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله تعالى\nمنها في الملك مضمنى لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه صح وعتق عليه فالقرابة منافية لدوام الملك دون ابتدائه\nومنها لو قتل عتيق زوجته وله منها ولد ثم ماتت قبل الاستيفاء وبعد البينونة فهل نقول وجب لولدها هذا القصاص ثم سقط أو لم يجب أصلا ظاهر قول الأصحاب ورث القصاص ولده أنه وجب ثم سقط فقد قارن المسقط وهو البنوة سبب الملك ولم يمنع ابتداء دخول الملك ومنع الدوران وحكى إمام الحرمين عن شيخه أن القصاص لا يجب وقس على هذا لو زوج عبده بأمته هل نقول المهر ثم سقط أو لم يجب\nومنها المفلس يصح أن يستدين مؤجلا على المذهب ولو حجر عليه بالفلس حل ما عليه من الدين على قول\nومنها أن الجنون فإنه يحل به الديون على وجه ولو أن ولي المجنون استدان له مؤجلا حيث لا تجوز له الاستقراض له لجاز ذلك\nومنها لو تكفل ببدن حي فمات انقطعت الكفالة على وجه ومنها إذا أذن لجاريته ثم استولدها ففي بطلان الإذن اختلف بين الأصحاب قال الرافعي واتفقوا على أنه يجوز ابتداء أن يأذن للمستولدة\nالثالث أن يكون دافعا ورافعا كالرضاع فإنه يمتنع من ابتداء النكاح ومن دوامه إذا طرأ وكذا اللعان إذا طراء قطع ومنع الابتداء وحرم على التأييد والحق بهذا أم زوجتك فإن نكاحك بنتها إذا وجد مانع من أن يبتدئ عليها عقدا ولو كنت قد عقدت على أمها ولم تدخل بها لجاز لك نكاح بنتها وانقطع به نكاح الأم وأقسام هذا الأنواع كثيرة أعني كون الشيء يمنع من الدوام والابتداء\nقال الخامسة العلة قد يعلل بها ضدان ولكن بشرطين متضادين\nش هذه المسألة مبنية على جواز تعدد الحكم لعلة واحدة فلنذكر المبني عليه","vol":"3","page":154},{"text":"ثم نعود إلى المبنى عليه ثم نعود إلى المبنى فنقول ذهبت الجماهير إلى أن العلة الواحدة الشرعية يجوز أن يترتب عليها حكمان شرعيان مختلفا\nوخالف شرذمة قليلون وحجة الجمهور أن العلة إن فسرت بالمعرف فجوازه ظاهر إذ لا يمتنع لا عقلا ولا شرعا نصب إمارة واحدة على حكمين مختلفين\nقال الآمدي وذلك مما لا نعرف فيه خلافا كما لو قال الشارع جعلت طلوع الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة وإن فسرت بالباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون الوصف الواحد باعثا على حكمين مختلفين أي مناسبا لهما بأمر مشترك بينهما كمناسبة الربا وللشرب للتحريم ووجوب الحد والقتل للقصاص والكفارة وحرمان الميراث وإن فسرت بالموجب وكانت العلة مركبة لم يمتنع ذلك أيضا لجواز أن يكون الموجب المركب مصدرا لأثرين مختلفين كما في العلل الفعلية المركبة وإن كانت بسيطة فكذلك إذ لا يتمنع أن تكون العلة البسيطة موجبة لأثرين مختلفين لأن القول بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد مقطوع ببطلانه على أن القول يكون العلة الشرعية موجبة باطل\nوأيضا دليل الجواز الوقوع وقد وقع كما عرفت واعتل المانع بما لا يعصم ولا يرتضى ذكره\nإذا عرفت ذلك فإن قلنا بمذهب الجماهير فقد يعلل بالعلة متماثلان كالقتل الصادر من زيد ومن عمرو فإنه يوجب القصاص على كل واحد منهما ولا يتأتى ذلك في الذات الواحد لاستحالة اجتماع المثلين\nوقد يعلل بها مختلفان غير متضادين كالحيض لحرمة الوطء ومس المصحف\nوقد يعلل بها ملولان متضادان وعلى ذكر هذا القسم اقتصر في الكتاب وذلك لا يكون إلا بشرطين متضادين كالجسم يكون علة للسكون بشرط البقاء في الحيز وعلة للحركة بشرط الانتقال عنه وإنما قلنا يشترط فيهما شرطان لأنه لا يمكن اقتضاؤهما لها بلا شرط أصلا أو لبعضهما بشرط دون الآخر وإلا يلزم اجتماع الضدين وهو محال وإنما قلنا يشترط التضاد في الشرطين لأنه لو أمكن","vol":"3","page":155},{"text":"اجتماعهما كالبقاء في الحيز مع الانتقال مثلا فعند حصول ذلك الشرطين إن حصل الحكمان أعني السكون والحركة لزم اجتماع الضدين\nوإن حصل أحدهما دون الآخر لزم الترجيح دون مرجح وإن لم يحصل واحد منهما خرجت العلة عن أن تكون علة فتعين التضاد في الشرطين فاعتمد على هذا التقرير","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>في الأصل والفرع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>شروط الأصل</span>\n...\nقال \"الفصل الثاني في الأصل والفرع أما الأصل فشرطه ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس لأنه إن اتحدت العلة فالقياس على الأصل الأول وإن اختلفت لم ينعقد الثاني\"\nش للأصل شرائط الأول ثبوت الحكم فيه لأن القياس عبارة عن إثبات مثل حكم الأصل في الفرع كما عرفت ولا يتأتى ذلك إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل\nوالثاني أن يكون ذلك الثبوت بدليل لأن الحكم لا بد له من دليل وأن يكون شرعيا وهذا في الحقيقة شرط ثالث ولكن لما كان الحكم عندنا لا يكون إلا شرعيا لعدم القول بالحسن والقبح اكتفى المصنف بقول بدليل وأن يكون الدليل على معرفته سمعيا\nوهذا وإن صلح لأن يكون شرطا رابعا فاكتفى المصنف عن ذكره بقوله بدليل أيضا لأن رأينا أن ما لا يكون طريق معرفته سمعيا لا يكون حكما شرعيا وهذا ظاهر على مذهبنا\nوقال صفي الدين الهندي يحترز بالحكم الشرعي عن اللغوي والعقلي فأنا بتقدير أن يجري القياس التمثيلي فيهما فإنه ليس قياسا شرعيا بل لغويا وعقليا وكلامنا في اللغوي\nولقائل أن يقول إذا قلت بجريان القياس فيهما ترتب على ذلك أمر شرعي وهو تحريم النبيذ مثلا لصدق الخمر عليها قياسا\nوالثالث هو المشار إليه بقوله غير القياس وأنت إذا تأملت كلامنا قضيت","vol":"3","page":156},{"text":"عليه بأنه خامس أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل قياسا وهذا الشرط معتبر عند الجماهير من أصحابنا والحنفية\nوخالف فيه بعض المعتزلة والحنابلة وأبو عبد الله البصري لنا أن العلة الجامعة بين القياسين إما أن تكون متحدة أو مختلفة فإن كان ذكر الأصل الثاني تطويلا بلا فائدة لأنه يستثنى عنه بقياس الفرع الثاني على الأصل الأول\nمثاله كما لو قيل من جانبنا الوضوء عبادة فيشترط فيها النية قياسا على الغسل ثم نقيس الغسل في أنه يشترط فيه النية على الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة فرض الوضوء إلى الصلاة والصوم بهذا الجامع أولى\nوإن كان الثاني لم ينعقد القياس الثاني لعدم اشتراك الأصل والفرع فيه في علة الحكم كما يقال من جانبنا الجذام عيب يفسخ به البيع فيفسخ به النكاح قياسا على القرن والرتق ثم يقاس القرن على الجب في الحكم المذكور بجامع فوات الاستمتاع وهو غير موجود في الجذام فلا يصح قياسه عليه\nفرع قد علمت أن حكم الأصل لا بد وأن يكون ثابتا بدليل سوى القياس ولا ينحصر الدليل المشار إليه في الكتاب والسنة بل جاز أن يكون إجماعا لأنه أصل في إثبات الأحكام فجاز القياس على ما ثبت به ولأنه إذا جاز القياس على ما ثبت بخبر الواحد فلأن يجوز على ما ثبت بالإجماع بطريق أولى ومن أصحابنا من قال لا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع بل يشترط أن يكون كتابا أو سنة حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع\nقال وأن لا يتناول دليل الأصل الفرع وإلا لضاع القياس\nش الشرط الرابع أن لا يكون دليل الأصل بعينه دليل الفرع أي متناولا له وإلا لضاع القياس لخلوه عن الفائدة حينئذ بالاستثناء بدليل الأصل عنه ولأنه حينئذ لا يكون جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا أولى من العكس\nمثاله ما لو قيل من جانبنا فضل لقاتل القتيل بالإسلام فلا يقتل به كما لو قتل المسلم الحربي","vol":"3","page":157},{"text":"ثم استدل على علية الكفر لذلك بقوله ﷺ: \"لا يقتل مؤمن بكافر١\" وكذا لو قسنا السفرجل على البر بجامع الطعم دالين عليه بقوله ﵊: \"لا تبيعوا الطعام بالطعام٢\" الحديث\nقال \"وأن يكون حكم الأصل معللا بوصف معين\" الخامس لا بد وأن يظهر كون ذلك الأصل معللا بوصف معين لأن رد الفرع إليه لا يصح إلا بهذه الواسطة فلو ادعى عليه شيء مشترك بين الأصل والفرع منهم لم يقبل منه إلا عند بعض المتحذلقين من متأخري الجدليين حيث قلبوه في مجلس المناظرة قال \"غير متأخر عن حكم الفرع دليل سواه\"\nش السادس أن يكون حكم الأصل متأخر عن حكم الفرع وهو كقياس الوضوء على التيمم في اشتراط النية لأن التبعد بالتيمم إنما ورد بعد الهجرة والتبعد بالوضوء كان قبله\nقال المصنف تبعا للإمام وهذا يستقيم إذا لم يكن للفرع دليل سوى القياس علة ذلك الأصل المتأخر لأن قبل ذلك المتأخر إن كان الحكم ثابتا في الفرع من أنه لا دليل عليه سوى القياس عليه لزم تكليف ما لا يطاق وأما إذا كان عليه دليل آخر سوى القياس عليه فيجوز كونه متأخرا لزوال المحذور المذكور\nوترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز مليح وكتب الأصوليين إلا من نحا نحو الإمام ساكتة عن هذا التفصيل\n_________\n١ رواه أبو داود \"٤/٢٥٢\" والنسائي\" والبخاري: كتاب العلم من حديث أبي جحيفة قال قلت لعلي هل عندكم كتاب؟ قال إلا كتاب الله أو فهم أعطية رجل مسلم وما في هذه الصحيفة قال: العقل وفكاك الأسير ألا يقتل مسلم بكافر\n٢ لم أجد الحديث بهذا اللفظ والذي رواه أحمد ومسلم عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع النبي صلي اله عليه وسلم يقول: \"الط عام بالطعام مثلا بمثل\" وكان طعامنا يومئذ الشعير \"نيل الأوطار ٥/٢١٨\"","vol":"3","page":158},{"text":"ولقائل أن يقول إذا كان للفرع دليل آخر سواه فكيف يكون هذا الذي سميتموه بالأصل أصلا له وهو لم يتفرع عنه ولم ينبن عليه نعم هو صالح لأن يكون أصلا بمعنى أنه لو يوجد حكمة المستند إلى غير هذا الأصل لوجد مستندا إليه\nقال \"وشرط الكرخي عدم مخالفة الأصول أو أحد أمور ثلاثة التنصيص على العلة والإجماع على التعليل مطلقا وموافقة أمور أخر والحق أنه يطلب الترجيح بينه وبين غيره\"\nجعل الكرخي من شروط الأصل كونه غير مخالف في الحكم للأصول الثابتة في الشرع أو وجدان أحد أمور ثلاثة على تقدير مخالفته لها\nأولها تنصيص الشارع على علة ذلك الحكم قال فإن التنصيص على علتيه كالتصريح بوجوب القياس عليه\nوثانيها إجماع الأمة على تعليل ذلك ولا يضر مع هذا الإجماع إن يختلفوا في علته وإلى هذا أشار المصنف بقوله مطلقا\nوثالثها أن يكون القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخر كالتخالف عن اختلاف المتبايعين في قدر الثمن إذا لم يكن لأحد منهما بينة فإنه وإن كان مخالفا لقياس الأصول لأن قياس الأصول يقتضي قول المنكر إذ الأصل عدم شغل ذمته بما يدعيه البائع من القدر الزائد لكن ثم أصل آخر يوافقه وهو أن المشتري ملك المبيع علية فالقول قول من ملك عليه أصله الشفيع من المشتري إذا اختلفا في قدر ثمن الشقص فإن القول قول المشتري لأن الشفيع يملك عليه الشقص ولذلك قسنا في التحالف على الاختلاف ثمن المبيع ما عدا المبايعات من عقود المعاوضات كالسلم والإجازة والمساقاة والقراض والجعالة والصلح عن الدم والخلع والصداق والكتابة\nوذهب أكثر أصحابنا وبعض الحنفية إلى جواز القياس على ما خالف قياس الأصول مطلقا والمختار عند المصنف تبعا للإمام أنه بطلب الترجيح بين ذلك الأصل وبين غيره من الأصول المخالفة له ويلحق الفرع بالراجح منهما هذا شرح ما في الكتاب والموضع يزيد بسطه في الكلام","vol":"3","page":159},{"text":"وقد أحسن الغزالي في هذا الفصل ونحن لا نعد بكلامه فنقول من شروط حكم الأصل أن لا يكون خارجا عن قاعدة القياس وهذا مما أطلق وهو محتاج إلى تفصيل فاعلم أن وصف الحكم بهذه الصفة باعتبارات\nالأول القاعدة المشروعية ابتداء من غير أن تقطع عن أصل آخر التي لا يعقل معناها فلا يقاس عليها لتعذر العلة\nقال الغزالي فيسمى هذا خارجا عن القياس تجوز إذ معناه أنه ليس منقاسا لأنه لم يدخل في القياس حتى يخرج عنه ومثاله المقدرات في إعداد الركعات ونصب الزكوات ومقادير الحدود والكفارات وجميع التحكمات المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى\nالثاني ما استثني عن قاعدة عامة ولا يعقل معناه من غير أن تنسخ تلك القاعدة قلا يقاس عليه أيضا لأنه فهم ثبوت الحكم في المستثنى على الخصوص وفي القياس إبطال الخصوص مثل تخصيصه ﵊ خزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيص أبي بردة في الأضحية بالعناق\nالثالث ما استثني عن قاعدة لمعنى يعقل فهذا بقياس عليه مثاله استثناء العرايا فإنه لم يرد ناسخا لعلة الربا وإنما استثني فنقيس عليه العنب على الرطب وهذا القسم هو وقع فيه كلام المصنف واختلاف العلماء على الأقوال الثلاثة التي قد عرفها ولا يتجه جريان الخلاف في غيره\nوالرابع ما شرع مبتدأ غير متقطع عن أصول أخر وهو معقول المعنى لكنه عديم النظر فلا يقاس عليه لأنه لا يوجد له نظير خارج مما يتناوله النص والإجماع فالمانع من القياس فقد العلة في غير المنصوص معلل بعلة قاصرة ومثاله رخص السفر والمسح على الخفين رخصة المضطر في أكل الميتة وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين والشفعة في العقار وخاصية الإجارة والنكاح وحكم اللعان والقسامة ونظائرها\nوعد الغزالي من جملتها ضرب الدية على العاقلة وذلك قول منه بأنها معقولة المعنى مخالف إمامه ويساعد ما أوردناه بحثا فيما تقدم فإن هذه القواعد","vol":"3","page":160},{"text":"متباينة المأخذ فلا يقال بعضها خارج عن قياس البعض بلى لكل واحد معنى ينفرد به لا يوجد له نظير فليس البعض بأن يوضع أصلا ويجعل الآخر خارجا عن قياسه بأولى عن عكسه ولا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته\nوتحقيقه أنا نعلم أنه إنما جوز المسح على الخف لعسر النزع ومسيس الحاجة إلى استصحابه فلا نقيس عليه والقفازين وما لا يستر جميع القدم لا لأنه خارج عن القياس لكن لأنه لا يوجد ما يساويه في الحاجة وكذا رخصة السفر ثابتة للمشقة ولا يقاس عليها مشقة أخرى لأنه لا يشاركها غيرها في جملة معانيها ومصالحها لأن المرض لا يحوج إلى الجمع بل إلى القصر\nوقد قصر في حقه بالرد من القيام إلى القعود ولما سواه في حاجة الفطر سوى الشرع بينهما وكذلك قولهم تناول الميتة للمضطر رخصة خارجة عن القياس غلط لأنه إن أريد به أنه لا يقاس عليه غير المضطر فلأنه ليس في معناه وإلا فنقيس الخمر على الميتة والمكره على المضطر فهو منقاس وكذلك بداية الشرع بأيمان المدعي في القسامة لشرف أمر الدم ولخاصية لا يوجد مثلها في غيره ولأنه عديم النظير وأقرب شيء إليه البضع\nوقد ورد تصديق المدعي باللعان على ما يليق به وكذلك ضرب الدية على العاقلة كان ذلك رسم الجاهلية قرره الشرع لكثرة وقوع الخطأ وشدة الحاجة إلى ممارسة السلاح ونظير له في غير الدية وهذا مما يكثر وهو يعرف أن قول الفقهاء تأقت الإجارة خارج عن قياس البيع والنكاح خطأ كقولهم تأبد البيع والنكاح خارج عن قياس الإجارة فتأقت المساقات خارج عن قياس تأبد القراض خارج عن قياس تأقت المساقاة فإذن هذه الأقسام الأربعة لا بد من فهم تباينها بحصول الوقوف على سر هذا الأصل\nالخامس ما شرع مبتدأ من غير اقتطاع عن أصول أخر وهو معقول المعنى وله نظائر وفروع فهذا هو الذي يجري فيه القياس وفي جزئياته تنافر القياسيين واضطراب آراء الجدليين\nقال \"وزعم عثمان البتي قيام ما يدل على جواز القياس عليه وبشر","vol":"3","page":161},{"text":"المريسي١ الإجماع عليه أو التنصيص على العلة وضعفهما ظاهر\"\n\"ش\" هذان بحثان\nالأول لا يشترط في الأصل أن يقوم دليل على جواز القياس عليه بحسب الخصوصية نوعية كانت أو شخصية بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن إتباعه فإنه يجوز أن يقاس عليه\nوالثاني لا يشترط في الأصل انعقاد الإجماع على أن حكمه معللا وإن ثبتت عليته بالنص\nوخالف عثمان٢ البتي في الأول فزعم اشتراط قيام ما يدل على جواز القياس علية بحسب الخصوصية النوعية فإن كانت المسألة من مسائل البيع مثلا فلا بد من دليل على جواز القياس في أحكام البياعات أو في النكاح فكذلك\nوخالف بشر بن غياث المريسي في الثاني فزعم اشتراط قيام الإجماع عليه أو التنصيص على العلة\nقال صاحب الكتاب وضعفهما ظاهر يعني مذهب عثمان وبشر وهو كما قال فقد استعملت الصحابة ﵃ القياس من غير بحث عن ذلك وأيضا أدلة القياس مطلقة من غير تقييد باشتراط شيء مما ذكراه\n_________\n١ هو أبو عبد الرحمن: بشر بن غياث المريسي فقيه متكلم، كان مرجئا، وإليه تنسب الطائفة المريسية من المرجئة توفي ببغداد سنة ٣١٨هـ\nالأعلام للزرطلي ١/١٤٧\n٢ هو أبو عمرو: عثمان بن مسلم البتي، البصري، روي عن عن أنس والشعبي، وصالح بن أبي مريم وروي عنه سغبة والثوري وغيرهما توفي سنة ١٤٣\nخلاصة تذهيب الكلام ٢/٢٢١","vol":"3","page":162},{"text":"قال \"وأما الفرع فشرطه ثبوت العلة فيه بلا تفاوت وشرط العلم به والدليل على حكمه إجمالا ورد بأن الظن يحصل بدونهما\"\n\"ش\" ذكر المصنف مما اشترط في الفرع واحدا يوافق عليه وآخرين لا يوافق عليهما\nأما الأول فأن تكون العلة الموجودة فيه مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت البتة لا في الماهية ولا في القدر أي في النصفان فأما في الزيادة فلا يشترط إذ قد يكون في الفرع أولى كقياس الضرب على التأفيف\nوالدليل على هذا الشرط أن القياس إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم فإذا لم توجد علة حكم الأصل في الفرع لا يحصل إثبات حكمه فيه\nوأما الثاني فشرط أن يكون وجود العلة في الفرع معلوما لا مظنونا\nوأما الثالث فشرط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم في الفرع بطريق التفصيل وهذا ذكره أبو هاشم وقال لولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة لما نظر الصحابة ﵃ في توريث الجد مع الأخوة ورد المصنف هذين القولين بأن ظن ثبوت الحكم في الفرع يحصل بدون حصول هذين الأمرين والعمل بالظن واجب فلا يشترطان\nورد الغزالي إلى قول أبي هاشم بأن الصحابة ﵃ قاسوا قوله أنت علي حرام الطلاق والظهار واليمين ولم يكن ورد فيه حكم لا على العموم ولا على الخصوص\nوقد أهمل المصنف من<span data-type=\"title\" id=toc-218> شروط الفرع </span>كون حكمه مماثلا لحكم الأصل إما نوعا كقياس وجوب القصاص في النفس في صورة القتل بالمثقل على وجوبه فيها في القتل بالمحدد أو جنسا كإثبات ولاية النكاح على البنت الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها فإن المماثلة إنما هي في جنس الولاية لا في نوعها وهذا شرط معتبر بلا شك ويدل عليه قولنا القياس إثبات مثل حكم معلوم في معلوم\nفإن قلت كلامكم هنا ناطق بأن كون حكم الفرع مماثلا لحكم الأصل شرط","vol":"3","page":163},{"text":"وكذا وجود العلة فيه بلا تفاوت وظاهر ما ذكرتم في تعريف القياس يقتضي أنهما ركنان إذ قلتم إنه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم وإنما يذكر في الحد الأركان دون الشرائط\nقلت الذي ذكرناه هنا أنه شرط للفرع وما ذكرناه في التحديد يقتضي أن يكون ركنا في القياس ولا امتناع في أن يكون الشيء ركنا لمجموع ويكون شرطا لبعض أجزائه كقراءة الفاتحة ركن في الصلاة وشرط لصحة القيام وكذلك التشهد بالنسبة إلى القعود بل أركان الصلاة كلها بهذه المثابة فإن بعضها شرط لصحة البعض الآخر","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>قياس التلازم</span>\n...\nقال \"تنبيه يستعمل القياس على وجه التلازم ففي الثبوت يجعل حكم الأصل ملزوما وفي النفي نقيضه لازما مثل لما وجبت الزكاة في مال البالغ للمشترك بينه وبين مال الصبي وجبت في ماله ولو وجبت في الحلي لوجبت في اللآلئ قياسا عليه واللازم منتف فالملزوم مثله\"\n\"ش\" القياس أكثر ما يستعمل لا على وجه التلازم ولما اشتمل الباب على الكثير منه نبه المصنف بهذه الجملة على أنه لا ينحصر في ذلك بل قد يستعمل أيضا على وجه التلازم وذلك بأنه يصرح فيه بصيغة الشرطية وذلك قد يكون في الإثبات وقد يكون في النفي فإذا استعمل في الثبوت يجعل حكم الأصل ملزوما لحكم الفرع وحكم الفرع لازما والعلة المشتركة بيانا للملازمة حتى يلزم من ثبوت حكم الأصل حكم الفرع وإذا استعمل في النفي جعل حكم الفرع ملزوما من ثبوت حكم الأصل حكم الفرع وإذا استعمل في النفي جعل حكم الفرع ملزوما ونقيض حكم الأصل لازما والعلة مشتركة دليلا على الملازمة حتى يلزم في الأول من وجود اللازم وفي الثاني من نفي اللازم نفي الملزوم\nمثال الأول لما وجبت الزكاة في مال البالغ للعلة المشتركة بينه وبين مال الصبي وهي دفع حاجة الفقراء لزم أن تجب في مال الصبي ولو لم يستعمله على وجه التلازم لقلت تجب الزكاة في مال الصبي قياسا على البالغ بجامع دفع","vol":"3","page":164},{"text":"حاجة الفقراء فجعلت في التلازم ما كان أصلا وهو مال البالغ ملزوما لما كان فرعا وهو مال الصبي والعلة المشتركة دليل الملازمة\nومثال الثاني لو وجبت الزكاة في الحلي لوجبت في اللآلئ واللازم منتف لأنها بإجماع الخصمين لا تجب في اللآلئ فالملزوم الذي هو الوجوب في الحلي مثله وبيان الملازمة اشتراكهما في المشترك وهو الزينة ولو لم تستعمله على وجه التلازم لقلت لا زكاة في الحلي قياسا على اللآلئ يجامع الزينة واعلم أن المقدمة المنتجة في جانب الثبوت قد استعمل المصنف فيها لما لإفادتها ذلك واستعمل في المنتجة في جانب النفي لفظه لو لدلالتها على امتناع الشيء لامتناع غيره وهذا منتهى القول في كتاب القياس والحمد لله وحده وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الكتاب الخامس في دلائل اختلف فيها وفيه بابان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>في المقبولة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم</span>\n...\nقال الكتاب الخامس في دلائل اختلف فيها وفيه بابان\nالأول في المقبولة منها وهي ستة\nالأول الأصل في المنافع الإباحة\nلقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وفي المضار التحريم لقوله ﷺ: \"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام\" ش هذا الكتاب معقود للمدارك التي وقع الاختلاف بين المجتهدين المعتبرين في أنها هل هي مدارك للأحكام أم لا أولها الأصل في المنافع الأذن وفي المضار المنع خلافا لبعضهم وهذا بعد ورود الشرع وأما قبله فقد تقدم تقريره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع واستدل المصنف على أن الأصل في المنافع الإباحة بآيات الأولى الشرع قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا١﴾ واللازم يقتضي التخصيص بجهة الانتفاع فيكون الانتفاع بجميع ما في الأرض جائزا إلا الخارج بدليل والثانية قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ٢﴾ أنكر على من حرم زينته فوجب أن يثبت حرمتها ولا\n_________\n١ سورة البقرة آية ٢٩\n٢ سورة الأعراف آية ٣٣٣٢","vol":"3","page":165},{"text":"حرمة شيء منها وإذا انتفت الحرمة ثبتت الإباحة والثالثة قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ١﴾ واللام في لكم للاختصاص على جهة الانتفاع كما عرفت وليس المراد بالطيبات الحلال وإلا يلزم التكرار بل المراد ما تستطيعه النفوس واستدل على أن الأصل في المضار التحريم بما روى الدارقطني من قوله ﷺ: \"لا ضرر ولا ضرار٢\" قال النووي في الأذكار حديث حسن وجه الاحتجاج أن الحديث دال على نفي الضرر وليس المراد نفي وقوعه ولا إمكانه فدل على أنه لنفي الجواز ويدل عليه قوله ﷺ في لفظ آخر للحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه: \"من ضار أضر الله به\" وإن انتفى الجواز ثبت التحريم وهو المدعى\n\"تنبيه\" الضرر ألم القلب كذا قاله الأصوليون واستدلوا عليه بأن الضرب يسمى ضرارا وكذا تفويت المنفعة والشتم والاستخفاف فجعل اللفظ اسما للمشترك بين هذه الأمور وهو ألم القلب دفعا للاشتراك والذي قاله أهل اللغة أن الضرر خلاف النفع وهو أعم من هذه المقالة\nقال \"قيل على الأول اللام تجيء لغير النفع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قلنا مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع بدليل قولهم الجل للفرس قيل المراد الاستدلال قلنا هو حاصل من نفسه فيحتمل على غيره\" ش اعترض على دليل إباحة المنافع بوجهين أحدهما أنا لا نسلم أن اللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا٣﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ٤﴾ إذ يمتنع في هاتين الآيتين أن تكون لاختصاص المنافع أما الأولى فلاستحالة حصول النفع في الإساءة وأما الثانية فلتنزهه تعالى عودة النفع إليه وأجاب بأن استعمال اللام فيما ذكرتم من الآيتين مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أن اللام موضوعة لملك ومعنى الملك\nالاختصاص النافع لأنه يصح إطلاقها عليه كما تقول الجل للفرس فيكون حقيقة في الاختصاص النافع ويحمل في غيره على المجاز دفعا للاشتراك واعترض القرافي على هذا الجواب\n_________\n١ سورة المائدةآية ٣\n٢ تقدم تخريجه قريبا\n٣ سورة الإسراء آية ٧\n٤ سورة آل عمران آية ١٢٩","vol":"3","page":166},{"text":"بأن جعلها حقيقة في مطلق الاختصاص أولى من الاختصاص النافع حذرا من الاشتراك والمجاز وموافقة لقول النحاة اللام للاختصاص بالمنافع خلاف الأصل وهو منقدح ولهم الجل للفرس لا دلالة فيه إلا على صحة استعمالها في الاختصاص النافع ولا يدل على نفي استعمالها في الاختصاص الذي لا ينفع ثم ادعى أن اللام للملك وفسره بالاختصاص النافع والملك أخص من الاختصاص النافع ألا ترى أن من لا يملك كالعبد يقدر الاختصاصات من الاصطياد والاحتطاب وغيرها وأيضا فهذه الدعوى تخالف قوله في القياس اللام للتعليل الثاني سلمنا أن اللام للاختصاص النافع ولكن لا يلزم منه إباحة جميع الانتفاعات بل المراد مطلق الانتفاع ويحمل على الاستدلال بالمخلوقات على وجود الخالق وأجاب بأن الاستدلال على الخالق يحصل لكل عاقل من نفسه إذ يصح أن يستدل بنفسه على خالقه فليحمل على الانتفاع في الآيات على غيره ولا يحمل عليه لامتناع تحصيل الحاصل فإن قلت لا نسلم أنه يلزم تحصيل الحاصل وهذا لأن الانتفاع بالاستدلال الثاني غير الانتفاع بالاستدلال بنفسه ضرورة أنه يحصل تأكيد العلم الأول قلت الدليل على كونه تحصيلا للحاصل أن الحاصل بالاستدلال الأول هو العلم بوجود الصانع وما هو من لوازمه والحاصل بالثاني هو هذا وقولك يحصل تأكيد العلم ممنوع بناء على أن العلم لا يقبل التأكيد سلمناه لكن الحمل على غير هذه الفائدة فائدة تأسيسية وهي أولى من التأكيدية سلمنا أن المراد مطلق الانتفاع ولكنه كما ذكرتم يصدق بصورة وإذا كان الانتفاع بفرد من أفراد الانتفاعات مأذون فيه لزم الإذن في الكل لأنه لا قائل بالفصل هذا شرح ما في الكتاب\nواعتراض القرافي بعد تسليم أن الأخبار عن اختصاص الخلق بالمنافع بأن الانتفاع لا يدل على أنه لا حجر فيها لأنه صادق بأن الانتفاع لا يصدر إلا منا سواء كان مباحا أو محرما فجاز أن يصدق الاختصاص بالانتفاع مع الثواب على تركه أو ترك بعضه أو فعل بعضه كما تقول وطء النساء حلال لبني آدم لم يجعل لغيرهم في الوجود وإن عوقب على البعض\nولقائل أن يقول لا يصدق اختصاصهم بها مع صدق المعاقبة ولا تحصل المنة","vol":"3","page":167},{"text":"مع ذلك أيضا واعترض صفي الدين الهندي على الاستدلال بقوله أحل لكم الطيبات بأنه لا يفيد العموم لأنه يجوز أن يكون للعهد وهو ما أحل في الشرع مما يستطاب طبعا وحينئذ لا يحمل على العموم لتقدم العهد عليه ولك أن تقول يلزم مما قررت أن يكون قوله أحل خبر إلا إنشاء والحمل على الإنشاء أولى لكونه أكثر فائدة على أنا لا نسلم أن ما أحل في الشرع يجوز أن يكون معهودا هنا لأنه لم يتقدم له ذكر في الكلام ولا تعلق بحال الخطاب والمعهود ليس إلا ما كان كذلك وأما الاستدلال بقوله قل من حرم زينة الله فهو مبني على أن المفرد المضاف يفيد العموم فإن قلت لا نسلمه ولو سلمناه فالدليل خاص بالزينة والدعوة عامة\nقلت أما الأول فمبين في موضعه وأما الثاني فإذا دل على الزينة دل على ما لا زينة فيه من المنافع ضرورة أنه لا قائل بالفصل كما علمت نعم لقائل أن يقول الآية دالة على عدم الحرمة ولا يلزم من ذلك الإباحه إلا أن يستدل مع ذلك باللام في قوله أخرج لعباده من حيث أنها للإختصاص النافع على ما سلف\n\"فائدة\" قد علمت قول الجماهير أن الأصل في المنافع الإباحة ولك أن تقول الأموال من جملة المنافع والظاهر أن الأصل فيها التحريم لقوله ﷺ: \"إن دماؤكم وأموالكم\" الحديث وهو أخص من الدلائل المتقدمة التي استدلوا بها على الإباحة فيكون فاضيا عليها إلا أنه أصل طارئ على أصل سابق فإن المال من حيث كونه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالدلائل السابقة ومن خصوصية الأصل فيه التحريم بهذا الحديث","vol":"3","page":168},{"text":"قال \"الثاني<span data-type=\"title\" id=toc-223> الاستصحاب </span>حجة خلافا للحنفية والمتكلمين\"\n\"ش\" الاستصحاب يطلق على أوجه أحدهما استصحاب العدم الأصلي وهو الذي عرف العقل نفيه بالبقاء على العدم الأصلي كنفي وجوب الصلاة سادسة وصوم شوال فالعقل يدل على انتفاء وجوب ذلك لا لتصريح الشارع لكن لأنه لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي لعدم ورود السمع به والجمهور على العمل بهذا وادعى بعضهم فيه الاتفاق فإن قلت قصارى دلالة الاستصحاب الظن وعدم وجوب","vol":"3","page":168},{"text":"الصلاة السادسة وصوم شوال قطعي فكيف يستفاد من الاستصحاب قلت عدم السمعي الناقل قد يكون معلوما كما في هذين المثالين ويدل الاستصحاب فيه على القطع وقد يكون مظنونا كعدم وجوب الوتر والأضحية وزكاة الخيل والحلي\nوالثاني استصحاب العموم إلى أن يرد مخصص وهو دليل عند القائلين به واستصحاب النص إلى أن يرد ناسخ وهو دليل على دوام الحكم ما لم يرد النسخ كما دل العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع متغير\nالثالث استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان فعل الملك وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو إلزام فإن هذا وإن لم يكن حكما أصليا فهو شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا ولولا دلالات الشرع على دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز استصحابه فالاستصحاب ليس بحجة إلا مما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير كما دل على البراءة العقلية وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي\nومن هذا القبيل الحكم بتكرر الأحكام عند تكرار أسبابها كشهور رمضان ونفقات الأقارب عند مسيس الحاجات وأوقات الصلوات لأنه لما عرف حملة الشريعة قصد الشارع صلوات الله عليه إلى نصبها أسبابا وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي وليس راجعا إلى عدم العلم بالدليل بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في الطلب\nوالرابع استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف مثاله من قال إن المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة لأن الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها وطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع الفجر وسائر الحوادث فنحن نستصحب دوام الصلاة حتى يدل الدليل على أن رؤية الماء قاطعة فهذا ليس بحجة عند كافة المحققين وذهب الصيرفي والمزني وأبو ثور إلى صحته وهو مذهب داود قال الشيخ أبو إسحاق وكان القاضي يعني أبا الطيب","vol":"3","page":169},{"text":"يقول داود لا يقول بالقياس الصحيح وهنا يقول بقياس فاسد لأنه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علة جامعة وللخصم في هذا أن يقول أجمعنا على أن رؤية الماء قبل الدخول في الصلاة مبطلة فكذا بعد الدخول استصحابا لحال وكذا إذا كان الكلام في زوال ملك المرتد بالردة ويؤدي ذلك إلى تكافؤ الأدلة وهذه الأقسام الأربعة وردها الغزالي كما ذكرناها\nوالخامس الاستصحاب المقلوب وهو استصحاب الحال في الماضي كما إذا وقع البحث في أن هذا المكيال مثلا هل كان على عهد رسول الله ﷺ فيقول القائل نعم إذ الأصل موافقة الماضي للحال وكما رأيت زيدا جالسا في مكان وشككت هل كان جالسا فيه أمس فيقضي بأنه كان جالسا فيه أمس استصحابا مقلوبا وأعلم أن الطريق في إثبات الحكم به يعود إلى الاستصحاب المعروف وذلك لأنه لا طريق له إلا قولك لو لم يكن جالسا أمس لكان الاستصحاب يفضي بأنه غير جالس الآن فدل على أنه كان جالسا أمس\nوقد قال به الأصحاب في صورة واحدة وهي ما إذا اشترى شيئا وادعاه مدع وأخذه منه بحجة مطلقة فإن أطبق عليه الأصحاب ثبوت الرجوع له على البائع بل لو باع المشتري أو وهب وانتزع المال من المتهب أو المشتري منه كان للمشتري الأول الرجوع أيضا وهذا استصحاب للحال في الماضي فإن قيل السنة لا توجب الملك ولكنها تظهره فيجب أن يكون الملك سابقا على إقامتها ويقدر له لحظة لطيفة ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي ولكنهم استصحبوا مقلوبا وهو عدم الانتقال منه فيما مضى استصحابا للحال وقال الأصحاب فيما إذا وجدنا ركازا مدفونا في الأرض ولم يعرف هل هو من دفين الجاهلية أو الإسلام فالمنقول عن نصه أنه ليس بركاز وفيه وجه أنه ركاز لأن الموضع يشهد له وعلى هذا الوجه استصبحنا مقلوبا لأنه استدللنا بوجه أنه في الإسلام على أنه كان موجودا قبل ذلك\nوإذا عرفت هذه الأقسام فنقول اختلف الناس في استصحاب الحال المشار إليه في القسم الثاني والثالث وكذا الأول إن لم نجعله محل وفاق على مذاهب بعد اتفاقهم على أنه لا بد من استفراغ الجهد في طلب الدليل وعدم وجدانه","vol":"3","page":170},{"text":"أحدها أنه حجة وبه قال الأكثرون وهو مختار الإمام وأتباعه منهم المصنف\nوالثاني أن ليس بحجة وبه قال الحنفية كما نقله في الكتاب تعبا لغيره وكثير من المتكلمين والثالث ما اختاره القاضي أبو بكر في كتابه التقريب والإرشاد أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله تعالى فإن لم يكلف إلا أقصى الطلب الداخل في مقدوره على العادة فإذا فعل ذلك ولم يجد دليلا أخذ بنفي الوجوب ولا يسمع منه إذا انتصب مسؤولا في مجالس المناظرة فإن المجتهدين إذا تناظرا وتذاكرا طرق الاجتهاد فما يفي المجيب قوله لم أجد دليلا على الوجوب وهل هو في ذلك إلا مدع فلا يسقط عنه عهدة الطلبة بالدلالة وهذا التفصيل عندنا حق متقبل والرابع وهو المعمول به عند الحنفية كما صرح به أصحابهم في كتبهم أنه لا يصلح حجة على الغير ولكن يصلح لإبداء العذر والدفع ولذلك قالوا حياة المفقود باستصحاب الحال تصلح حجة لإبقاء ملكه لا في إثبات الملك له في مال مورثه والخامس أنه يصلح للترجيح فقط\nقال \"لنا أن ما ثبت ولم يظهر زواله ظن بقاؤه ولولا ذلك لما تقررت المعجزة لتوقفها على استمرار العادة ولم تثبت الأحكام الثابتة في عهده ﵇ لجواز النسخ ولكان الشك في الطلاق كالشك في النكاح ولأن الباقي يستقي عن سبب أو شرط جديد بل يكفيه دوامها دون الحادث ويقل عدمه لصدق عدم الحادث على ما لا نهاية له فيكون دوامها راجحا\" ش استدل على حجية الاستصحاب بأوجه\nأحدها أن ما علم حصوله في الزمان الأول ولم يظهر زواله ظن بقاؤه في الزمن الثاني ضرورة وحينئذ فيجب العمل به على علم من وجوب العمل بالظن\nالثاني أنه لو لم يكن حجة لما تقررت المعجزة لأنها فعل خارق للعوائد ولا يحصل هذا الفعل إلا عند تقرير العادة ولا معنى للعادة إلا العلم بوقعه على وجه مخصوص في الحال يقتضي اعتقاد أنه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه وهذا عين الاستصحاب","vol":"3","page":171},{"text":"الثالث أنه لو لم يكن حجة لم تكن الأحكام الثابتة في عهد النبي ثابتة في زماننا وتلازم باطل فكذا الملزوم وجه الملزمة أن دليل ثبوت الأحكام في زماننا هو اعتقاد استمرارها على ما كانت عليه وهذا هو الاستصحاب فإذا لم تكن حجة لم يمكن الحكم بثبوتها لجواز تطرق النسخ\nالرابع لو لم تكن حجة لتساوي الشك في الطلاق والشاك في النكاح لاشتراكهما في عدم حصول الظن بما مضى وهو باطل اتفاقا إذ يباح للشاك في الطلاق دون الشاك في النكاح ولك أن تجعل هذه الأوجه الأربعة وجها واحدا في الدليل فنقول ما ثبت ولم يظهر زواله ظن بقاؤه لما تقررت المعجزة ولم تثبت الأحكام الثابتة في عهده ﵇ ولتساوي الشك في الطلاق والنكاح وعلى ذلك جرى العبري في شرحه وكلام المصنف محتمل للأمرين فارن قوله ولولا ذلك يحتمل أن يريد ولولا حجة الاستصحاب وأن يريد ولولا ظن البقاء\nالخامس أن الباقي لا يفتقر إلى سبب جديد وشرط جديد بل يكفيه دوام السبت والشرط أي لا يحتاج إلى مؤثر والحادث مفتقر إلى هذين فيكون الباقي راجحا في الوجود على الحادث والعمل بالراجح واجب فيجب العمل بالاستصحاب لا استلزامه العمل بالباقي وإنما قلنا إن الباقي مستغن عن المؤثر لأنه لو افتقر إليه فإما أن يصدر منه والحالة هذه أثر أو لا وهذا الثاني محال لأن فرض مؤثر مفتقر إليه مع أنه لم يصدر منه أثر البتة جمع بين النقضين الأول إن كان أثره عين ما كان حاصلا قبله فيلزم تحصيل الحاصل وإن كان غيره فيقتضي أن يكون الأثر الصادر عنه حادثا لا باقيا والفرض خلافه ولما كان افتقار الباقي إلى المؤثر يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة كان باطلا وأما كون الحادث مفتقرا إليه فمتفق عليه بين العقلاء هذا تقرير الدليل المذكور وعليه من الاعتراضات والأجوبة عنها ما لا يحتمل هذا الشرح ذكره قوله ويقل عدمه هذا يصلح أن يكون دليلا سادسا وأن يكون دليلا على أن الباقي راجح في الوجود على الحادث وتقريره أن عدم الباقي أقل من عدم الحادث","vol":"3","page":172},{"text":"لأن عدم الحادث صادق على ما ليس له نهاية بخلاف عدم الباقي فإنه مشروط بوجود الباقي وهو متناه فلا يصدق على ما لا نهاية له وإذا وضح أن عدم الباقي أقل من عدم الحادث كان وجوده أكثر من وجوده والكثرة مرجحة والله أعلم\n\"خاتمة\" قد علمت أن الاستصحاب هو ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول لعدم وجدان ما يصلح أن يكون مغيرا بعد البحث التام وينشأ من هذا البحث في أن مجرد الظهور هل يصلح أن يكون معارضا له وهذه هي قاعدة الأصل والظاهر المشهور في الفقه وللشافعي فيما إذا تعارض أصل وظاهر غالبا قولان وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى في هذه القاعدة بعد تحقيقها من سرد فروعها ما تقر الأعين فعليك به وعلمت أيضا أن الأصل لا يدفع بمجرد الشك والاحتمال أخذا بالاستصحاب وهذا معنى القاعدة المشهورة في الفقه أن اليقين لا يرفع بالشك فإنه مع وجدان الشك لا يقين ولكن استصحاب لما تيقن في الماضي وهو الأصل وأطلق عليه اليقين مجازا وقد قال أبو العباس بن القاص لا يستثنى من هذه القاعدة إلا إحدى عشرة مسألة فيها بمجرد الشك وقد سردناها في الأشباه والنظائر وزدنا ما أمكن مع التحري في كل ذلك فلا نطل بذكره هنا","vol":"3","page":173},{"text":"قال \"الثالث<span data-type=\"title\" id=toc-224> الاستقراء</span>\"\nمثاله الوتر يؤدي على الراحلة فلا يكون واجبا لاستقراء الواجبات وهو يفيد الظن والعمل به لازم لقوله ﷺ \"نحن نحكم بالظاهر\"\n\"ش\" الاستقراء ينقسم إلى تام وناقص فأما التام فهو إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكلي وهو هو القياس المنطقي وهو يفيد القطع مثاله كل جسم متحيز فإنا استقرينا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان وكل منها متحيز فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينا في كلي وهو قولنا كل جسم متحيز بوجود التحيز في جميع جزئياته وأما الناقص وفيه كلام المصنف فهو إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته وهذا هو المشهور بإلحاق الفرد بالأعم والأغلب ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات فكلما كانت أكثر كان الظن أغلب وقد اختلف في هذا النوع واختار المصنف أنه","vol":"3","page":173},{"text":"حجة تبعا لتاج الدين صاحب الحاصل وهو ما اختاره صفي الدين الهندي وبه نقول وقال الإمام الأظهر أنه لا يفيد الظن إلا بدليل منفصل ثم بتقرير الحصول يكون حجة وهذا يعرفك أن الخلاف الواقع في أنه هل يفيد الظن لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة\nولقائل أن يقول الدليل المنفصل لا يصير ما لا يفيد الظن مقيدا للظن فإن أراد بالدليل المنفصل ما يعضد الاستقراء فالمفيد للظن حينئذ هو مجموع المنفصل والاستقراء لا الاستقراء بالدليل المنفصل فالمنفصل وإن أراد بالدليل المنفصل ما يدل على أنه مفيد للظن أو أنه حجة فسوف يأتي به إن شاء الله تعالى\nوقد مثل المصنف له بقولنا الوتر يصلي على الراحلة بالإجماع منا ومن الخصم أو بالدليل الذي عليه ولا شيء من الواجبات يؤدي على الراحلة لأنا استقرأنا القضاء والأداء من الظهر والعصر وغيرهما من الواجبات فلم نر شيئا منها يؤدي على الراحلة والدليل على أنه يفيد الظن أنا إذا وجدنا صورا كثيرة داخلة تحت نوع واحد وقد اشتركت في حكم ولم نر شيئا مما نعلم أنه منها خرج عند ذلك الحكم إفادتنا هذه الكثرة بلا ريب ظن أن ذلك الحكم وهو عدم الأداء على الراحلة في مثالنا هذا من صفات ذلك النوع وهو الصلاة الواجبة ومنهم من استدل عليه بأن القياس التمثيلي حجة عند القائلين بالقياس في الحكم الشرعي وهو أقل مرتبة من الاستقراء لأنه حكم على جزئي لثبوته في جزئي آخر والاستقراء حكم على جزئي كلي لثبوته في أكثر الجزئيات فيكون أولى من القياس التمثيلي وهذا مدخولا لأنه يشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخر أن يكون بالجامع الذي هو عليه الحكم وليس الأمر في الاستقراء بل حكم على الكل بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته ولا يمنع عقلا أن يكون بعض الأنواع مخالفا للنوع الآخر في الحكم وإن اندرجا تحت جنس واحد وإذا كان مفيدا للظن كان العمل به لازما واستدل المصنف على ذلك مما روى من قوله ﷺ: \"نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر١\" وهو حديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه ولو استدل بأن العمل بالظن واجب لما تقدم من الأدلة لكفاه ذلك والله أعلم\n_________\n١ قال الحافظ العراقي: لا أصل له، وسئل عنه المزي فأنكره والذي في البخاري – كتاب ترك الحيل، ومسلم – كتاب: الأحكام عن أم سلمة عن النبي صلي الله عليه وسلم – قال: \" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحق بحجته من بعض فأقضي له علي نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق اخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار\"","vol":"3","page":174},{"text":"قال الرابع أخذ الشافعي بأقل ما قيل إذا لم يجد دليلا\nكما قيل دية الكتابي الثلث وقد قيل النصف وقيل الكل بناء على الإجماع والبراءة الأصلية قيل يجب الأكثر ليتقن الخلاص قلنا حيث يتيقن الشغل والزائد لم يتيقن\n\"ش\" ذهب إمامنا الشافعي رضوان الله تعالى عليه إلى أنه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على<span data-type=\"title\" id=toc-225> الأخذ بأقل ما قيل </span>ووافقه القاضي أبو بكر والجمهور وخالفه قوم مثاله اختلاف العلماء في دية اليهود قال بعضهم كدية المسلم وقال آخرون نصف ديته وقال آخرون بل الثلث فقط وأخذ به الشافعي ﵁ ونحوه أيضا زكاة الفطر قال بعضهم خمسة أرطال وثلث وقال آخرون ثمانية أرطال فأخذ بالأول ونحوه أيضا النفاس واعلم أن هذه كما أشار المصنف بقوله بناء إلى آخره مبنية على قاعدتين أحدهما الإجماع والثانية البراءة الأصلية فإن الأمة لما أجمعت على ذلك الأول كالثلث في المثال الأول فإن من أوجب الكل أو النصف فقد أوجب الثلث ضرورة كونه بعضه فلكل مطبقون على وجوب الثلث وأما البراءة الأصلية فإنها تدل على عدم الوجوب في الكل ترك العمل بها في الثلث لحصول الإجماع عليه فيبقى الباقي على أصله ويصار إليه وإنما يتم هذا إذا لم يكن في الأمة من يقول بعدم وجوب شيء منها أو بوجوب أقل من الثلث فإن بتقدير ذلك لا يكون القول بوجوب الثلث قول كل الأمة وأن لا يكون هناك دليل دال على الأكثر فإن بتقدير ذلك لا يصح أن يتمسك بالبراءة الأصلية فإنها ليست بحجة مع الناقل السمعي فإن قلت هل الأخذ بأقل ما قيل تمسك بالإجماع قلت قال بعض الفقهاء ذلك وعزاه إلى الشافعي وهو خطأ عليه ﵁ قال القاضي أبو","vol":"3","page":175},{"text":"بكر ولعل الناقل عنه زل في كلامه وقال الغزالي هو سوء ظن به فإن الجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه والمختلف فيه سقوط الزيادة والإجماع فيه وقد علمت مما قررناه أنه ليس تمسكا بالإجماع وحده فإن قلت حاصل ما قررته أنه مركب من الإجماع وهو دليل بلا ريب ومن البراءة الأصلية وهي كذلك فما وجه جعله دليلا مستقلا برأسه وكيف يتجه ممن يوافق على الدليل المذكورين مخالفة الشافعي ﵀ فيه فما هو إلا تمسك بمجموع هذين الدليلين الدال\nأحدهما على إثبات الأقل والآخر على نفي الزيادة قلت هذا السؤال لم نزل نورده ولم يتحصل لها عنه جواب فإن قلت ما بال الشافعي اشترط أربعين في الجمعة وقد اكتفى بعض العلماء بثلاث واشترط سبعا في عدد الغسل من ولوغ الملك وقد اكتفى فيه بثلاث مرات قلت هذا سؤال لم يحط بالحقائق فالشافعي لم يخالف أصله لأن أصله الأخذ بالمتيقن وطرح المشكوك واتفق العلماء في صورة الجمعة والغسل من ولوغ الكلب بالخروج عن العهد بالأربعين وبالسبع واختلفوا في الخروج عنها بما دون ذلك فالأربعون السبع بمنزلة الأقل إذا أخذ الشافعي فيهما بالمتيقن فلا يتوهمن متوهم أنه أخذ بالأكثر فيما ذكر وإنما أخذ بالمتيقن ولا يقال قد اشترط بعض العلماء الخمسين في الجمعة وكان قياس هذا الأصل القول بالخمسين لأنا نقول وصح له دليل ينفي اشتراط الخمسين هذا ما انقدح لنا في وجوب هذا السؤال وهو ما اقتضاه إيراد الإمام أبي المظفر بن السمعان في القواطع حيث قال الأخذ بأقل ما قيل على ضربين\nأحدهما أن يكون فيما أصله براءة الذمة فيختلف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية اليهودي وحكى وجهين للأصحاب فيه\nوالثاني أن يكون فيما هو ثابت في الذمة كالجمعة الثابت فرفضها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها ولا تبرأ الذمة بالشك وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا فيه وجهان انتهى فجعل الأكثر هنا بمنزلة الأقل ثم ومن الناس من أجاب عنه بأن الشافعي لم يخالف أصله لأن شرطه عدم ورود دليل سمعي على الأكثر كما عرفت ولم يوجد هذا الشرط عنده فيما ذكرتم بل دل","vol":"3","page":176},{"text":"الدليل على الأكثر فلم يمكن التمسك فيه بالبراءة الأصلية ويوضح ذلك أن بعض العلماء اشترط في الجمعة خمسين فلو أن الشافعي أخذ بالأكثر لاشتراط الخمسين فإن قلت فهل يقضون فيما إذا أحدث مجتهد أداه اجتهاده إلى إيجاب قدر أقل من الثلث بأن ذلك يصير مذهبا للشافعي ﵀ لأنه أقل ما قيل حينئذ قلت هذا غير متصور لأن الاجتهاد مع قيام الإجماع خطأ ولو صدر من واحد لسفهنا كلامه وقضينا عليه بما نقضي على خارق الإجماع فإذا قلت هب أنه لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع لكن لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول قلت إنما لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول في الأمور الحقيقة لا في الشرعية التكليفية فإن تجويز ذلك يستلزم تكليف ما لا يطاق فإن قلت لا يلزم من عدم وجدانه عدم وجوده قلت هذا ساقط إن قلنا كل مجتهد مصيب وإلا فيصير حكم الله في حقه إذ ذاك ذلك الذي غلب على ظنه فيخرج عن العهدة وألا يلزم التكليف بما لا يطاق\nقوله قيل يجب الأكثر تقرير هذا الاعتراض أنه ينبغي أن يجب الأكثر ليستيقن المكلف الخاص حينئذ وجوابه أن ذلك إنما يجب حيث تيقنا شغل الذمة لا حيث الشك والزائد على الأقل لم يتيقن فيه ذلك لعدم ثبوت الدليل عليه واعلم أن هذا الاعتراض يناسب من يقول بقاعدة الاحتياط والاحتياط أن يجعل المعدوم كالموجود والموهوم كالمحقق وما يبرئ على بعض التقديرات يلزم به وما لا يبرئ على كل التقديرات لا يلزم به ونأخذ بأقل القولين وأكثرهما ولعلنا نتعرض لهذه القاعدة في الأشباه والنظائر كملها الله تعالى وقد عضدت القول بها مرة بقوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم وهو استئناس حسن ذكرته لأبي أيده الله فأعجبه","vol":"3","page":177},{"text":"قال الخامس<span data-type=\"title\" id=toc-226> المناسب </span>المرسل إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية كتترس الكفار المقاتلين بأسارى المسلمين اعتبر وإلا فلا وأما مالك فقد اعتبرها مطلقا لأن اعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتبارها ولأن الصحابة ﵃ قنعوا بمعرفة المصالح\n\"ش\" تقدم في كتاب القياس أن المناسب إما يعلم أن الشارع اعتبره أو الفاه","vol":"3","page":177},{"text":"أو يجهل حاله وانفصل القول البليغ في القسمين الأولين والنظر هنا في الثالث وقد يعبر عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصحاب وفيه مذاهب\nأحدها المنع منه مطلقا وهو الذي عليه الأكثرون والثاني أنه معتبر مطلقا وهو المنقول عن مالك بن أنس ﵀ والثالث ما اختاره المصنف أنه إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية اعتبرت وإن فات أحد هذه القيود الثلاثة لم تعتبر والضرورية ما تكون في الضروريات الخمس أعني الدين والعقل والنفس والمال والنسب والقطعية التي تجزم بحصول المصلحة فيها والكلية هي التي تكون موجبة لفائدة تعم جميع المسلمين ومثل ذلك بما إذا تترس الكفار حال التحام الحرب بأسارى المسلمين وقطعنا بأنا لو امتنعنا عن التترس لعدمونا واستولوا على ديارنا وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما من دون جريمة صدرت منه فيجوز والحالة هذه رمية وهذا التفصيل مأخوذ من الغزالي ﵀ ونحن نشبع القول فيه ثم نلتفت إلى الكلام مع مالك ﵁ فنقول ما ذكرناه من المثال لا عهد به في الشريعة قال الغزالي فلا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد فنقول هذا الأسير مقتول بكل حال لأنا لو كففنا عن الترس لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا فحفظ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا على قطع نعلم أن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان فإن لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة بالشرع لا بدليل واحد بل أدلة خارجة عن الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد أصل معين فينقدح اعتبار هذه المصلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية قطعية كلية فليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم أنه لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة فيعدل عنها وليس في معناها إذا لم يقطع بظفرهم بنا فإنها ليست قطعية بل ظنية كذا قال الغزالي وهو إشارة إلى اعتبار القطع بحصول المصلحة وفي اشتراط القطع به وعدم الاكتفاء بالظن الغالب نظر\nوقد حكى الأصحاب في مسألة الترس وجهين من غير تصريح منهم","vol":"3","page":178},{"text":"باشتراط القطع وعللوا وجه المنع بأن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا ودم المسلم لا يباح بالخوف وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع فيه وقد يقال إن المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها والخلاف إنما هو في حالة الخوف وقد صرح الغزالي بذلك في المستصفي وقال إنه إنما يجور ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا لنجوا وإلا غرقوا بحملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور ولعل مصلحة الذين في بقاء من طرح أعظم منها في بقاء من بقي ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يعين بالقرعة ولا أصل لها في الشرع وكذلك جماعة في مخصمة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظا للروح فإنه ينقدح الرخصة فيه لأنه إضرار به لمصلحة وقد شهد الشرع بالإضرار لشخص في قصد صلاحه كالقصد والحجامة وغيرهما وكذلك قطع المضطر فلقة من فخذه إلى أن يجد الطعام هو كقطع اليد لكن بما يكون القطع سببا ظاهرا في الهلاك ويكون الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد فيمنع منه وليس كذلك ما إن كان الخوف منه دون الخوف من ترك الأكل فإنه يجوز على الأصح بشرط أن لا يجد شيئا غيره فإن قلت فهل يجوزون أن يقطع لنفسه من معصوم غيره أو أن يقطع الغير للمضطر من نفسه قلت لا نجوزه لأنه ليس رعاية مصلحة أحدهما بالقطع له أولى من رعاية الآخر بترك القطع فإن قلت فالضرب بالتهتمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون به قلت قد قال به مالك ﵀ ولكنا لا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس المصلحة لكن لما علمت من معارضة هذه المصلحة لمصلحة أخرى وهي مصلحة المضروب فربما يكون بريئا من الذهب فترك الضرب في مذنب أهون من ضرب برئ وإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح أبواب إلى تعذيب البرآء فإن قلت فالزنديق إذا تاب فالمصلحة في قتله وأن لا تقبل توبته وقد قال رسول الله ﷺ:\"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله١\" فماذا ترون\n_________\n١ أخرجه البخاري – كتاب الإيمان – من حديث ابن عمر كما أخرجه مسلم – كتاب الإيمان عن ابن عمر وأبي هريرة وجابر بن عبد الله","vol":"3","page":179},{"text":"\"قلت\" المسألة في محل الاجتهاد والذي نراه قبول توبته جريا على تعميم كلام رسول الله ﷺ فإن غاية ظننا فيه أنه أسر الكفار ولسنا على قطع بذلك وقد صادم هذا الظهور بلفظه بكلمة الشهادة العاصمة عن القتل فلا يرجع إليه وهذا الذي رأيناه هو الذي نص عليه الشافعي ﵁ في المختصر وقطع به العراقيون وصححه المتأخرون وخالف فيه بعض الأصحاب واستعجل هذه المصلحة في تخصيص عموم الحديث وزعم الروياني أن العمل على ذلك وفي المسألة أوجه أخر ناظرة إلى ما يقوي الظن\nفقال القفال الشاشي لا تقبل توبة المشاهير في الخبث كدعاة الباطنية وتقبل من عوامهم وقال الأستاذ أبو إسحاق إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل وإن جاء تائبا وظهرت إمارات الصدق قبلت وهو حسن وقال أبو إسحاق المروزي لا يقبل إسلام من تكررت ردته فإن قلت رب ساع في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة أو بإغراء الظلمة بأموال الناس وحرجهم وسفك دمائهم بإثارة الفتنة والمصلحة قتله لكف شره فما تقولون\nقلت إذا لم يقتحم جريمة موجبة لسفك الدم فلا سبيل إلى قتله إذ في تجليد الحبس عليه كفاية شره فليست هذه المصلحة ضرورية فإن قلت فلو كان زمان فترة لم يقدر على تخليد الحبس فيه مع تبديل الولايات على قرب فليس في حبسه إلا إيغار صدره وتحريك داعيته\nقلت هذا رجم وحكم بالوهم فربما لا يفلت وتتبدل الولاية والتنقل بتوهم المصلحة لا سبيل إليه فإن قلت إذا توقعنا من الساعي في الأرض بالفساد بتعريض أموال المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظن بما عرف من طبيعته وعادته المجربة طول عمره\nقلت قال الغزالي لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إليه قال بل هو أولى من التترس فإن هذا ظهرت جرائمه الموجبة للعقوبة فكأنه التحق بالحيوانات الضارية لما عرف من طبعه وسجيته ونحن نقول فيما ذكره الغزالي نظر بل الفرق بين هذا ومسألة التترس دعت الضرورة إلى المبادرة بحيث أنا لو لم نبادر","vol":"3","page":180},{"text":"في الوقت الحاضر لاستأصلونا وأما هذا فجاز أن يهلكه الله تعالى قبل أن يصدر منه ما يتوقع في المستقبل ولا يتصور قطع في ذلك فإن قلت كيف يجوز هذا في مسألة الترس وها هنا على ما ذكر الغزالي وقد قدمتم في كتاب القياس أن المصلحة إذا علم إلغاؤها بمخالفة النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملك المجامع في نهار رمضان وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا١﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ٢﴾ فإن زعمتم أن نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فليخص العتق بصورة يحصل بها الانزجار على الجناية\nقلت جعل الغزالي المسألة في محل الاجتهاد قال ولا يبعد المنع من ذلك ويتأيد بمسألة السفينة فإنه يلزم منه قتل ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها ترجيحا بالكثرة إذ لا خلاف في أن كافرا لو قصد قتل عدد مخصوص كعشرة مثلا وتترس بمسلم فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع بل حكمهم حكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا إلى أكل أحدهم\nوإنما نشأ هذا من الكثرة ومن كونه كليا لكن الكلي الذي لا يحصره حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد ولهذا لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حل له النكاح ولا يحل له إذا اشتبهت بعشرة أو عشرين ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم أو ذراريهم قتلناهم وأن التحريم عاما لكن تخصيصه بغير هذه الصورة بل أبلغ من هذه الصورة أنه لو لم تكن المصلحة ضرورية\nوإنما كانوا يدفعون بهم عن أنفسهم واحتمل الحال تركهم لجاز رميهم على أحد قولي الشافعي ﵀ لئلا يتخذ ذلك ذريعة للجهاد فإذا خصص العموم بما ذكرناه كذلك ها هنا التخصيص ممكن وقول القائل هذا سفك دم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها ونحن نعلم أن الشرع يؤثر حفظ الكلي على الجزئي وأن حفظ أصل الإسلام عن اصطدام\n_________\n١ سورة النساء آية ٩٣\n٢ سورة الإسراء آية ٣٣","vol":"3","page":181},{"text":"الكفار أهم في مقصود الشرع من دم مسلم واحد فهذا مقطوع به من جهة الشرع والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل فإن قلت فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا قلت لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود\nأما إذا خلت الأيدي ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر أو اشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلاد الإسلام فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج لأنا نعلم أنه إذا تعارض ضرران دفع أشدهما وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة بحفظ نظام الأمور وبقطع مادة الشرور وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول معينة بأن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية وكل ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه وهذا أيضا يؤيد مسلك الترجيح في مسألة التترس لكن هذا تصرف في الأموال والأموال بذلة محور ابتذالها في الأغراض التي هي أهم منها\nوإنما الخطر سفك دم المعصوم من غير ذنب فإن قلت أجرة الجلاد في الحدود والقاطع في السرقة إذا قلنا حدا لوجهين وهو أنها تجب من بيت المال لا على المجلود والسارق المقطوع ولم يكن في بيت المال ما يمكن صرفه إليه فهل للإمام أخذها من الأغنياء\nقلت يأخذ من الأغنياء إذا لم تكن مندوحة عن ذلك وهنا مندوحة فليستقرض على بيت المال إلى أن يجد سعة فإن لم يجد من يفرضه فعل ذلك على أن القاضي الروياني جوز أن تستأجر بأجرة مؤجلة أو من يستخير من يقوم به على ما يراه قال الرافعي والاستئجار قريب والتخيير بعيد وبتقدير أن يجوز ذلك فيجوز أن يأخذ الأجرة من يراه من الأغنياء ويستأجر به فإن قلت فما قولكم في المصالح الجزئية المتعلقة بالأشخاص مثل المفقود زوجها وكذلك إذا عقد وليان أو وكيلان نكاحين وأحدهما سابق وأستبهم الأمر ووقع اليأس على البيان هل ينفسخ النكاح بالمصلحة أم تبقى المرأة محبوسة طول العمر عن","vol":"3","page":182},{"text":"الأزواج ومحرومة في الصورة الثانية عن زوجها المالك في علم الله وكذلك المرأة إذا تباعد حيضها ما شاء الله وتعوقت عدتها وبقيت ممنوعة من النكاح هل يجوز لها الاعتداد بالأشهر أو يكفي بتربصها أربع سنين فكل ذلك مصلحة ودفع ضررها ونحن نعلم أن دفع الضرر مقصود شرعا\nقلت المسألتان الأوليان مختلف فيهما فهما في محل الاجتهاد فقد قال في القديم تنكح زوجته المفقودة بعد أربع سنين ولكن الجديد هو الصحيح فإنه يبعد الحكم بموته من غير بينه إذ لا ندارس الأخبار أسباب سواء الموت لا سيما في حق الحامل الذكر النازل القدر وإن فسخنا فالفسخ إنما يثبت بنص أو قياس والمنصوص أعذار وعيوب من جهة الزوج من إعسار وجب وعنة وإذا كانت النفقة دائمة فغايته الامتناع من الوطء وذلك في الحضر لا يؤثر فكذا في الغيبة لإيقاع سبب الفسخ رفع الضرار عنها ورعاية جانبها لأنه معارض برعاية جانبه وفي تسليم زوجته إلى غيره بفتنة ولعله محبوس أو غير ذلك إضرار به فقد تقابل الضرران وما من ساعة إلا وقدوم الزوج فيها ممكن\nوأما مسألة الأولين فإن علم سبق أحدهما ولم يعلم عينه فباطلان على المذهب المنصوص وأن سبق معين ثم خفي فالمذهب الوقف حتى يتبين وقيل فيه قولان فلو قبل بالفسخ من حيث تعذر إمضاء العقد لم يكن حكما بمجرد مصلحة بل معتضدا بأصل معين وأما تباعد الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي\nوقد أوجب الله تعالى التربص بالإقراء إلا على اللائي يئسن وليس هذه منهن وما من لحظة إلا ويتوقع هجوم الحيض فهذا عذر نادر لا يسلطنا على تخصيص النص قال الغزالي وكان لا يبعد عندي لو اكتفى بأقصى مدة الحمل وهو أربع سنين لكن لما وجبت العدة مع تعليق الطلاق على يقين البراءة غلب العبد قلت وقد قال في القديم فيما إذا انقطع دمها لا لعلة تعرف أنها تترابص بسبعة أشهر وفي قول أربع سنين وفي قول مخرج ستة أشهر ثم تنتقل إلى الأشهر فإن قلت فقد ملتم في أكثر هذه المسألة إلى القول بالمصالح فلم لم","vol":"3","page":183},{"text":"تلحقوا هذا الأصل بالكتاب والسنة والإجماع والقياس وتجعلوه أصلا خامسا قلت من ظن أنه أصل خامس خطأ لانا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع وهي معروفة بالكتاب والسنة والإجماع فكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بهذه الأدلة فليس هذا خارجا عن هذه الأصول لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة إذ القياس له أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت بلا دليل واحد بل بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات فسمى لذلك مصلحة مرسلة\nقال الغزالي وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها بل نقطع بكونها حجة وحيث جاء خلاف فهو عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يرجح الأقوى\nولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحا لكلمة الكفر والشرب لأن الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور ولا يباح به الزنا لأنه في مثل محذور الإكراه فإذن منشأ الخلاف في مسألة الترس الترجيح إذ الشرع ما رجح الكثير على القليل في مسألة السفينة ولا رجح الجزئي على الكلي في قطع اليد المتآكلة وهل يرجح الكلي على الجزئي في مسألة الترس فيه خلاف فإن قلت لا ننكر أن مخالفة مقصود الشرع حرام ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة قلت قهر الكفار واستعلاء الإسلام مقصود وفي هذا استئصال الإسلام واستعلاء الكفر فإن قلت فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود قلت اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين ولا بد من الترجيح والجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي فإن قلت لا نسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي فإن ذلك لا يعرف إلا بنص أو قياس قلت عرف ذلك لا بنص واحد بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها الشك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود إليه الكفار بالقتل\nوهذا كما أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا بحقارة المال في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدماء وكما قلنا في مسألة السفينة أنه لو كان فيها مال","vol":"3","page":184},{"text":"لوجب الفاه لأن المفسدة في فواته أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس فإن قلت لو علمنا أنهم لا يقتلون الترس بعد استئصال الإسلام فما ترون\nقلت الذي لاح من كلام الغزالي أولا وآخرا أن الجواز إنما هو حالة العلم باستئصال الأسارى أيضا ولكن كلام الأصحاب في حكاية الخلاف مطلق والذي يظهر لي إطلاق الجواز فإن حفظ الجمع العظيم الخارج عن حد الحصر مع خطة الدين وإعلاء كلمة الإسلام أهم في مقاصد الشرع من حفظ عشرة أنفس مثلا يصيرون مستأسرين تحت ذل الكفر فإن قلت فهلا فهمتم أن حفظ الكثير أهم من حفظ القليل في مسألة السفينة والإكراه والمخصمة\nقلت إن الإجماع قام وهو لا يصادم على أنه لو أكره شخصان على قتل شخص لا يحل لهما قتله وأنه لا يحل لمسلم أكل مسلم في المخصمة فمنع الإجماع من ترجيح الكثرة بمجردها أما ترجيح الكلي فمعلوم إما على القطع أو بظن قريب منه لم يقم دليل على خلافه فقد علمت بما أوردناه وغالبه من كلام الغزالي أنه يجوز أتباع المصالح بالشروط التي سردناها وبأن لك أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع فلنلتفت إلى الكلام مع إمام دار الهجرة مالك ﵁ حيث اعتبر جنس المصالح مطلقا وقد نقل ناقلون هذا عن الشافعي ﵀ ولم يصح عنه والذي نقله عنه إمام الحرمين أنه لا يستجيز التنائي والإفراط في البعد وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة\nواختار إمام الحرمين ذلك أو نحوا منه وإذا حقق التفصيل الذي ذكرناه عن الغزالي لم يكن بعيدا من هذا إذا عرفت هذا فنقول قال إمام الحرمين الذي ننكره من مذهب مالك ترك رعاية ذلك وجريانه على استرساله في الاستصواب من غير اقتصاد ونحن نعرض على مالك واقعة وقعت نادرة لا يعهد مثلها ونقول له لو رأى ذو نظر فيها جذع أنف أو اصطلاح شفة وأبدى رأيا لا تنكره العقول صائرا إلى أن العقوبات مشروعة لحسم الفواحش وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة للزمك التزام هذا لأنك تجوز لأصحاب الإيالات القتل","vol":"3","page":185},{"text":"في التهم العظيمة حتى نقل عنك الثقات أنك قلت أقتل ثلث الأمة في استيفاء ثلثيها ثم إنا نقول ثانيا أيجوز التعلق بكل رأي فإن أبى ذلك لم نجد مرجعا يفر عنه إلا ما ارتضاه الشافعي من اعتبار المصالح المشبه بما علم اعتباره وإن لم يذكر ضابطا وصرح بأن ما لا نص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي واستصواب ذوي العقول فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط كما ذكر القاضي أبو بكر حيث قال المعاني إذا حضرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع فإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط ويتسع الأمر ويرجع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء حكمة الحكماء ويصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء حاش الله ثم لا ينسب ما يرونه إلى ربقة الشريعة وهذه ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أن كلا يفعل ما يرى ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون والزم إمام الحرمين مالكا ﵁ إن قال بالتمسك بكل رأي من غير فرق ومداناة بأن العاقل ذا الرأي العالم بوجوه الآيات إذا أرجع المفتتن في واقعة فاعلموه أنها ليست بمنصوصة ولا أصل يصاهيها بأن يسوغ له والحالة هذه أن يعمل بالصواب عنده والأليق بطرق الاستصلاح قال وهذا مركب صعب مساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء واحتكام الحكماء ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك ثم وجوه الرأي تختلف بالبقاع والأصقاع والأوقات وعقول العقلاء تتباين فيلزم اختلاف الأحكام باختلاف كل ذلك\nوهذا لا يلزم فيما له أصل وتقريب قال ولو شاع هذا لا اتخذ العقلاء أيام كسرى أنوشروان في العدل والإيالات معتبرهم وهذا يخرجنا الاستقلال به\nوهذه الجملة التي أوردناها مجموعة من كلام إمام الحرمين في البرهان وهذا الإلزام الذي ذكره أخيرا لا يلزم مالكا لأنه يشترط في اتباع المصلحة أن لا يناقض أمرا مفهوما من الشريعة والعامي من أين يعلم هذا والمانع من مناقضة ما يراه من الرأي لقواعد الشريعة وقد احتج مالك بوجيهن أشار إليهما في الكتاب\nأحدهما أن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام واعتبار جنس","vol":"3","page":186},{"text":"المصالح يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة لكونها من جملة أفرادها والعمل بالظن واجب\nوالثاني أن المتتبع لأحوال الصحابة ﵃ يقطع بأنهم كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصالح في الواقع ولا يبحثون عن وجود أمر آخر وراءها فكان ذلك منهم إجماعا على وجوب اعتبار المصالح كيف كانت ولم يتعرض المصنف للجواب عن هاتين الشبهتين ونحن نقول في الجواب عن الأولى ليس اعتبار المصالح المرسلة بمجرد مشاركتها للمصالح التي اعتبرها الشارع في كونها مصالح بأولى من إلغائها لمشاركتها للمصالح التي ألقاها الشارع في ذلك فيلزم اعتبارها وإلقاؤها وعن الثانية لا نسلم أن الصحابة ﵃ قنعوا بمجرد معرفة المصالح وسند المنع أنه لو كان كذلك لم ينعقد الإجماع بعدهم على إلغاء بعض المصالح فدل على أنهم لم يعتبروا من المصالح إلا ما اطلعوا على اعتبار الشرع نوعه أو جنسه القريب فإن الشارع لم يعتبر المصالح مطلقا بل بقيود وشرائط لا تهتدي العقول إليها إذ غاية العقل أن يحكم بأن جلب المصلحة مطلوب لكن لا ينتقل بإدراك الطريق الخاص لكيفيته فلا بد من الإطلاع على ذلك الطريق بدليل شرعي مرشد إلى المقصد فقبله لا يمكن اعتبار المصالح فإن قيل فبأي طريق أبلغ الصحابة ﵃ حد الشرب إلى ثمانين فإن كان مقدرا فقد زادوا بالمصلحة وإن كان تعذيرا غير مقدر فلم افتقر إلى التشبيه بحد القذف وكيف بلغ الحد\nقلنا الصحيح أنه لم يكن مقدرا لكن ضرب الشارب في زمن رسول الله ﷺ بالنعال وأطراف الثياب مقدار ذلك على سبيل التعديل والتقويم بأربعين فرأوا المصلحة في الزيادة فزادوا والتقديرات مفوضة إلى رأي الأئمة فكأنه يثبت بالإجماع أنهم أمروا بمراعاة المصلحة وقيل اعملوا بما رأيتموه أصوب بعد صدور الجناية الموجبة للعقوبة ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على تقرير فعل رسول الله ﷺ إلا بتقريب من منصوصات الشرع فرأوا الشرب مظنة القذف لأن من سكر هذا ومن هذا افترا ومظنة الشيء تقام مقام الشيء كما يقام النوم مقام الحدث والوطء مقام شغل الرحم والبلوغ مقام نفس العقل والله أعلم","vol":"3","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>فقد الدليل بعد التفحص البليغ</span>\n...\nقال السادس فقد الدليل بعد التفحيص البليغ يغلب عدم ظن عدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل\n\"ش\" الأستدلال على عدم الحكم بعدم الدليل حق مستقبل عند المصنف وتقريره أن فقدان الدليل بعد بذل الوسع في التفحص يغلب ظن عدم الدليل وظن عدمه يوجب ظن عدم الحكم لأن عدم الحكم الدليل يستلزم عدم الحكم لأنه لو ثبت حكم شرعي ولا دليل عليه للزم منه تكليف الغالب وهو ممتنع","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>في الدلائل المردودة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الاستحسان</span>\n...\nقال \"الباب الثاني في المردودة في الاستحسان\nقال به أبو حنيفة وفسر بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته ورد بأنه لا بد من ظهوره ليتميز صحيحه من فاسدة وفسره الكرخي بأنه قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى كتخصيص أبي حنيفة قول القائل مالي صدقة بالزكاة لقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وعلى هذا فالاستحسان تخصيص وأبو الحسين بأنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لأقوى يكون كالطارئ فخرج التخصيص ويكون حاصله تخصيص العلة\"\n\"ش\" ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى القول بالاستحسان وأنكر الباقون حتى قال الشافعي من استحسن فقد شرع ورد الشيء قبل فهمه محال فلا بد أولا من فهم الاستحسان وقد ذكر المصنف ثلاث مقالات لهم\nالأولى أنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته فلا يقدر أن يفوه به وردها صاحب الكتاب بأنه لا بد من ظهور ليتبين ليتبين صحيحه من فاسدة فإن ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وهما لا عبره به وهذا الرد يتضح به أنه لا يجدي شيئا في مجلس المناظرة وأما أن المجتهد لا يعمل به فللقوم منع ذلك وأن يقولوا إذا انقدح له دليل على حادثة وهو جازم بها أفتى بها المقلد ولكن سبيل الرد عليهم أن يقولوا هذا الدليل المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة لكونه لا يمكن التعبير عنه وذلك أمر لا يؤل إلى القدح في كونه دليلا فجاز التمسك به وفاقا فأين الاستحسان المختلف فيه","vol":"3","page":188},{"text":"المقالة الثانية قال الكرخي الاستحسان قطع المسألة عن نظائرها أي أن المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما حكم به في نظائرها إلى الحكم بخلافه لوجه أقوى من الأول يقتضي العدول عنه ومثاله تخصيص أبي حنيفة ﵁ قول القائل مالي صدقة بمال الزكاة فإن هذا القول منه عام في التصدق بجميع أمواله وقال أبو حنيفة يختص بمال الزكاة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً١﴾ والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة فعدل عن أن يحكم في مسألة المال الذي ليس هو بزكوى بما حكم به في نظائرها من الأموال الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم لدليل أقوى اقتضى العدول وهو الآية ورد المصنف هذا بأنه يلزم من أن يكون التخصيص استحسانا لأنه عدول بالخاص عن بقية أفراد العام بدليل ونحن موافقون على التخصيص فأين الاستحسان المختلف فيه ويلزم منه أيضا أن يكون الناسخ استحسانا لكونه كذلك إذا كان نسخا في بعض الصور\nوالثالثة قال أبو الحسين هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه وهو حكم الطارئ على الأول واحترز بقوله وهو في حكم الطارئ على الأول عن ترك أضعف القياسين للأقوى فإن أقوى القياسين ليس في حكم الطارئ على الأضعف فإن فرض أنه طارئ فذاك الاستحسان\nومثال ذلك العنب حيث يحرم بيعه بالزبيب سواء كان على رؤوس الشجر أم لا قياسا على الرطب ثم إن الشارع أرخص في بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر فقيس عليه العنب وترك القياس الأول لكن الثاني أقوى فلما اجتمع في الثاني القوة والطريان كان استحسانا ورده صاحب الكتاب بأن حاصله راجع إلى أن الاستحسان هو تخصيص العلة ونحن موافقون على ذلك ولك أن تقول هو بهذا التفسير أعم من تخصيص العلة فإنه رجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلة بدليل طارئ عليه أقوى منه وذلك أعم ورده الإمام بأنه\n_________\n١ سورة التوبة آية ١٠٣","vol":"3","page":189},{"text":"يقتضي أن تكون الشريعة كأنها استحسان لأن البراءة الأصلية مقتضى العقل وإنما يترك ذلك لدليل أقوى منه وهذا الأقوى في حكم الطارئ على الأول ثم قال ينبغي أن يزاد في حكم الحد قيد آخر فيقال ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية واللفظية بوجه أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأولى\nقال صفي الدين الهندي وفي قوله ترك وجه من وجوه الاجتهاد ما ينبئ عن أن ذلك الوجه مغاير للبراءة الأصلية فإنها ليست وجها من وجوه الاجتهاد إذ هي معلومة أو مظنونة من غير اجتهاد فلا حاجة إلى ما ذكره الإمام من القيد ومن وجود الرد على هذا التفسير أنه يقتضي أن يكون العدول من حكم القياس إلى النص الطارئ عليه استحسانا والخصم لا يقول به ذكره الهندي قال ثم إنه لا نزاع في هذا أيضا فإن حاصله يرجع إلى تغيير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلة بدليل أقوى منه وهو طارئ عليه من نص أو إجماع أو غيرهما\nوقد ذكر للاستحسان تفاسير أخر مزيفة لا نرى التطويل بذكرها وحاصلها يرجع إلى أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه ثم إنا نقول لهم بعد ذلك إن عنيتم ما يستحسنه المجتهد يعقله ورأى نفسه من غير دليل وذلك هو ظاهر لفظة الاستحسان والذي حكاه بشر المريسي والشافعي عن أبي حنيفة ﵀ وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هو الصحيح عنه فهذا لعمر الله اقتحام عظيم وقول في الشريعة بمجرد التشهي وتفويض الأحكام إلى عقول ذوي الآراء ومخالفة لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ١﴾ ولكن أصحابه ينكرون هذا التفسير وإن عنيتم جواز استعمال لفظ الاستحسان فأنى ينكر ذلك والله تعالى يقول ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ٢﴾ والكتاب والسنة مشحونان بذلك والقوم لا يعنون بالاستحسان ذلك فلا نسهب في الإمعان فيه\n_________\n١ سورة الشوري آية ١٠\n٢ سورة الزمر آية ١٨","vol":"3","page":190},{"text":"فإن قلت قد وقع في كلام الشافعي ﵁ استحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما واستحسن أن تثبت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام واستحسن أن يترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة واستحسن أن يضع أصبعيه في صفاحي أذنيه إذا أذن\nوقال الغزالي استحسن الشافعي ﵁ التحليف على المصحف وقال في السارق إن أخرج يده اليسرى بدل اليمين القياس أن تقطع يمناه والاستحسان أن لا يقطع وقال الأوزاعي في أخلاق الأصحاب في مسألة الجارية المعنية وهي التي اشتريت بألفين ولولا الغنى لساوت الفآكل هذا استحسان والقياس الصحة وقال الرافعي في التغليظ على المعطل في اللعان استحسن أن يحلف ويقال قال بالله الذي خلقك ورزقك فقد قيل أن المعطل وإن غلا في إنكاره فإذا رجع إلى نفسه وجدها مذعنه لخالق وقال القاضي الروياني فيما إذا امتنع المدعي من اليمين المردودة وقال أمهلوني لأسأل الفقهاء استحسن قضاء بلدنا إمهاله يوما قال أبو الفرج السرخسي في تقدير نفقة الخادم على الزوج المتوسط استحسن الأصحاب أن يكون عليه مد وسدس لتفاوت المراتب في حق الخادمة فإن الموسر عليه مد وثلث والمعسر مد فليكن المتوسط كذلك كما تفاوتت المراتب في حق المخدومة\nوقال الأصحاب ليس لولي المجنونة والصبية المراهقة إذا آلى عنهما الزوج وضربن المدة وانقضت أن لا يطالب بالغيبة لأن ذلك لا يدخل تحت الولاية واستحسن أن يقول الحاكم للزوج على سبيل النصيحة اتق الله يفئ إليها أو طلقها\nوقال أبو العباس بن القاص في التخليص لم يقل الشافعي بالاستحسان إلا في ثلاثة مواضع وذكر ثلاثا من هذه الصور المعدودة ونحن أيضا نقول ما الاستحسان الذي قال به الشافعي قلت قد عرفت أنه لا نزاع في ورود هذه اللفظة على الألسنة استعمالا وقول ابن القاص لم يقل به إلا في ثلاثة مسائل يجب أن يكون المراد منه لم يزد على لفظة فيما اطلعت عليه لما هو المعروف المشهور من قاعدته في الرد على الاستحسان ثم نقول في هذه الصورة الدليل","vol":"3","page":191},{"text":"على أنه ليس فيها إلا استعمال اللفظ أن أحدا من الأصحاب لم يقدر المتعة بثلاثين درهما بل منهم من استحسن هذا القدر لأجل ذهاب ابن عمر وابن عباس ﵄ إليه وقال في التنمية المستحب أن يمتعها بخادم فإن لم يكن فثلثين أو مقنعة ولم يقل الشافعي ولا أحد من الأصحاب أن دليل ذلك الاستحسان ولم يوجب أحد منهم على السيد أن يترك للمكاتب شيئا من نجوم الكتابة بل أوجبوا الإيتاء ماحطا من نجوم الكتابة وإيتاء من غيرها واستحبوا أن يكون خطا من النجوم وكل مستحب مستحسن قال الشافعي استحسن أن يترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة ولم يقل أن مستنده الاستحسان وأما مسألة السارق فلم يقل أيضا لا تقطع يمناه للاستحسان أن لا يقطع فيلزم من يقول به أن لا يقطعها وكذلك القول في سائر الصور المذكورة فإن قلت ولم جرى الخلاف المذهبي في مسألتي الشفعة والسارق قلت لا أجل الاستحسان معاذ الله لا نجد في عبارة أحد من الأصحاب ذلك بل لمعان أخر نجدها مسطورة في الفقهيات","vol":"3","page":192},{"text":"قال \"الثاني قيل<span data-type=\"title\" id=toc-230> قول الصحابي </span>حجة وقيل إن خالف القياس\nوقال الشافعي في القديم إن انتشر ولم يخالف لنا قول فاعتبروا بمنع التقليد وإجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم بعضا وقياس الفرع على الأصول قيل أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم قلنا المراد عوام الصحابة قيل إذا خالف القياس اتبع الخير قلنا ربما خالف لما ظنه دليلا ولم يكن\"\n\"ش\" اتفق أهل العلم على أن قول الصحابي ليس حجة على صحابي آخر مجتهد كما صرح به القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين والمتأخرون منهم الآمدي وغيره واختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن عداهم من المجتهدين\nفذهب الشافعي ﵁ في الجديد والأشاعرة والمعتزلة وأحمد ابن حنبل في إحدى الروايتين والكرخي إلى أنه ليس بحجة مطلقا وهو باختيار الإمام والآمدي وعليه جرى صاحب الكتاب وقال آخرون هو حجة مطلقا وعليه الشافعي ﵀ في القديم كما نقل المصنف أنه حجة بشرط أن ينتشر","vol":"3","page":192},{"text":"ولا يخالف كذا حكى المصنف هذا المذهب وهو وهم وإنما هذا قول من مسألة أخرى وهي أنه هل يجوز للعالم تقليده وفيها مذاهب\nأحدها هذا وقد ذكر الإمام هذه المسألة فرعا بعد ذكر المسألة التي نحن فيها فنقل المصنف هذا القول منها إلى هنا وليس بجيد وفي المسألة التي نحن فيها قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهما وهذا القول ليس هو الذي تقدم في الإجماع وإن توهم ذلك بعض الشارحين فإن ذلك في أن قول مجموعها إجماع لا كل واحد منهما على حدته وهذا في إن قول كل واحد منهما وحده حجة ولا يشترط اتفاقهما\nوذهب قوم إلى أن قول الخلفاء الأربعة حجة إذا اتفقوا وهذا هو القول الذي تقدم في الإجماع فإن قلت ما دلك على أن القائل بأن قول الشيخين حجة لا يشترط اتفاقهما هنا بخلاف القائل ثم وأن القائل بأن قول الأربعة حجة هنا يشترط اتفاقهم كما فعل ثم وعبارة الإمام وغيره لا تعطي ذلك قلت أما الثاني فصرح به الغزالي في المستصفى والإمام وغيرهما\nوأما الأول فهو مقتضى عدم تقييد من حكاه ولا سيما الغزالي والإمام حيث قيد أحد القولين دون الآخر والآمدي لم يحك هنا القول باتفاق الأربعة وكأنه اكتفى بحكايته في كتاب الإجماع وحكى القول بحجية قول الشيخين مع حكايته في كتاب الإجماع القول بأن اجتماعهما حجة وذلك دليل على ما قلناه وإلا فكان حكاية قول الشيخين تكريرا وهو قد فر منه في قول الأربعة ثم إن الخلاف هنا في أن قول الشيخين حجة لا في أنه إجماع والخلاف هناك في كونه إجماعا وقد يكون الشيء حجة ولا يكون إجماعا كما قيل في الإجماع السكوتي وغيره إذا عرفت ذلك فقد احتج المصنف على أن قول الصحابي ليس بحجة مطلقا بثلاثة أوجه\nأولها قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا١﴾ أمر بالاعتبار وذلك ينافي التقليد كذا قرره الإمام واعترض عليه صفي الدين الهندي بأن الأخذ بقول الصحابي عند\n_________\n١ سورة الحشر آية ٢","vol":"3","page":193},{"text":"القائلين به ليس على سبيل التقليد بل هو أخذ بمدرك من المدارك الشرعية فلا ينافي وجوب النظر والقياس كالأخذ بالنص وغيره ولك أن تقول في تقريره قوله فاعتبروا أمر بالاعتبار وذلك ينافي جواز التقليد كذا قرره الإمام واعترض عليه صفي الدين الهندي بأن الأخذ بقول الصحابي عند القائلين به ليس على سبيل التقليد بل هو أخذ بمدرك من المدارك الشرعية فلا ينافي وجوب النظر والقياس كالأخذ بالنص وغيره ولك أن تقول في تقريره قوله فاعتبروا يقتضي وجوب الاجتهاد خالفناه فيما إذا وجد نص أو إجماع فبقي ما عداهما على الأصل\nوالثاني أن الصحابة أجمعوا على مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة فإن قلت هذا دليل على غير محل النزاع قلت لا لأنه إذا كان حجة ومن مذهبهم جواز مخالفة بعضهم بعضا جاز لغيرهم ذلك أيضا أعين مخالفة كل منهم لأن مذهبهم جواز المخالفة والفرض أن مذهبهم حجة كذا أجاب به العبري وفيه نظر لأن الإقتداء بهم عند القائل به إنما هو فيما لم يختصوا به وهم مخصوصون بعدم حجية قول بعضهم على بعض ولك أن تضايق في تصوير وقوع إجماعهم على مخالفة بعضهم بعضا لأن الإجماع لا بد وأن يكون من الكل والمجمع على مخالفته غير داخل في المجمعين على فلا يتصور الإجماع دونه وإذا فهمت هذا فنقول يمكن أن يقرر الإجماع على وجه آخر يغاير لفظ الكتاب وهو أنهم سكتوا على مخالفة التابعين لبعضهم وذلك باتفاق منهم على تجويزه\nوالثالث قياس الفروع التي هي محل الخلاف على الأصول لامتناع كون قولهم حجة فيها على غيرهم من المجتهدين اتفاقا والجامع كون المجتهد متمكنا من إدراك الحكم بطريقة وقد اعترض على هذا بالفرق بين الفروع والأصول إذ الظن الذي هو مطلوب في الفروع يحصل بقول صحابي دون القطع الذي هو مقصود في الأصول وبأن الخصم لا يسلم أن قول الصحابي في الأصول ليس هو حجة بل هو دليل من الأدلة يعم الأصول والفروع واحتج من قال بأن قول","vol":"3","page":194},{"text":"الصحابي حجة مطلقا بما روى من قوله ﷺ:\"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم١\" فدل على أن الإقتداء بهم هدى وطلب الهدى واجب\nوقد سلف في الإجماع الكلام على هذا الحديث وأجاب المصنف بأن الخطاب خطاب مشافهة لا يدخل فيه غيرهم ولا يجوز أن يكون مجتهديهم لأنه ليس محل الخلاف فتعين أن يكون لعوامهم ونحن نسلم أن العامي منهم يهتدي بالإقتداء بأي مجتهد كان منهم فإن قلت على هذا لا يختص هذا الحكم بهم قلت نعم من هذا الوجه ولكن فيه فائدة تميزهم عن غيرهم بتقليد أصحاب رسول الله ﷺ الذين شاركوهم في الصحبة التي هي من أعظم مناقبهم وهذا الوصف لم يحصل لغيرهم فإنه لولا الدليل الدال على أن عامي الصحابة يقلد العالم منهم كهذا الحديث وغيره لكان ينقدح للباحث أن يقول لا يقلد الصحابي صحابيا آخر وإن قلد العامي مجتهدا والفرق أن المجتهد يتميز عن العامي برتبة العلم ولا وصف في العامي يقاومه به وأما عامي الصحابة فقد قاوم مجتهدهم بمشاركته في وصفه الأعظم\nوأجاب الآمدي عن الحديث بأنه وإن عم في الأشخاص فلا دلالة على عموم الاهتداء في كل ما يقتدي فيه فيحمل على الإقتداء بهم فما يروونه عن النبي ﷺ واعتراض الهندي على هذا بأن ترتيب الحكم على الوصف وهو كونهم صحابة يشعر بالعلية ومن وجوه الاعتراض عليه أيضا أنا نقول العام في الأشخاص عام في الأحوال وقد سبق في أول كتاب العموم من البحث في هذا ما تقربه عين المسترشد واحتج من قال قول الصحابي حجه إذا خالف القياس بأنه ثقة فلا يحمل مخالفته للقياس إلا على إطلاعه على خبر مخافة القدح في عدالته لو لم يكن ذلك فيعتمد حينئذ على قوله وأجاب بأنه ربما خالف لشيء ظنه دليلا وليس في الأمر كذلك ثم إنا لو سلمنا أنه نفس الأمر كذلك\n_________\n١ رواه الدارقطني في لافضائل وابن عبد البر في العلم – جامع بيان فضل العلم ٢/١٠٤ وقال هذا إسناد لا تقوم به حجة لأن الحارث بن عقبة مجهول ورواه البيهقي في المدخل من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس بنحوه من وجه آخر مرسلا ةقال متنه مشهور وسانيده ضعيفة ولم يثبت في إسناد","vol":"3","page":195},{"text":"فالحجة حينئذ ليست في قول الصحابي بل في الخبر ولم يتعرض المصنف للقول المفصل بين أن ينتشر أم لا لكونه سبق في كتاب الإجماع\nقال \"مسألة منعت المعتزلة تفويض الحكم إلى رأي النبي ﷺ أو العالم لأن الحكم يتبع المصلحة وما ليست بمصلحة لا يصير مصلحة قلنا الأصل ممنوع وإن سلم فلم لا يجوز أن يكون اختياره أمارة المصلحة وجزم بوقوعه موسى بن عمران لقوله بعد ما أنشدت ابنة النضر ابن الحارث لو سمعت لما قلت وسؤال الأقرع في الحج أكل عام فقال لو قلت ذلك لوجبت ونحوه قلنا لعلها ثبتت بنصوص محتملة للاستثناء وتوقف الشافعي\"\n\"ش\" أول ما نقدمه تحرير محل الخلاف في المسألة فنقول الحكم المستفاد من العباد على أمور\nأحدها ما جاء على طريق التبليغ عن الله تعالى وهذا مختص بالرسل علهم السلام وهم فيه مبلغون فقط\nوالثاني المستفاد من اجتهادهم وبذلهم الوسع في المسألة وهذا من وظائف المجتهدين من علماء الأمة وفي جوازه للنبي ﷺ خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الاجتهاد\nوالثالث ما يستفاد بطريق تفويض الله إلى نبي أو عالم بمعنى أن يجعل له أن يحكم بما شاء في مثله ويكون ما يجيء به هو حكم الله الأزلي في نفس الأمر لا بمعنى أن يجعل له أن ينشئ الحكم فهذا ليس صورة المسألة وليس هو لأحد غير رب العالمين قال الله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ١﴾ أي لا ينشئ الحكم غيره إذا عرفت هذا فقد اختلف العلماء في أن هل يجوز أن يفوض الله تعالى حكم حادثة إلى رأي نبي من الأنبياء أو عالم من العلماء فيقول له احكم بما شئت فما صدر عنك فيها من الحكم فهو حكمي في عبادي ويكون إذ ذاك قوله من جملة المدارك الشرعية فذهب جماهير المعتزلة إلى امتناعه وجوزه الباقون منهم ومن غيرهم وهو الحق\n_________\n١ سورة يوسف آية ٤٠","vol":"3","page":196},{"text":"وقال أبو علي الجبائي في أحد قوليه يجوز ذلك للنبي دون العالم وهذا هو الذي اختاره ابن السمعاني وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل عليه وجزم بوقوعه موسى بن عمران من المعتزلة وتوقف الشافعي ﵁ كما نقله المصنف وهذا التوقف يحتمل أن يكون في الجواز وأن يكون في الوقوع مع الجزم بالجواز وبالأول صرح الإمام وكذلك الآمدي فقال ونقل عن الشافعي في كتابة الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع ولكن الثاني أثبت نقلا وعليه جرى الأصوليون من أصحابنا الشافعية واحتجت المعتزلة على المنع بأن الأحكام تابعة لمصالح العباد فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد لم يكن الحكم تابعا للمصلحة بل إلى اختياره الذي جاز أن يكون مصلحة فإن ما ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير مصلحة بتفويض إلى المجتهد وأجاب بمنع الأصل وهو كون الحكم يتبع المصلحة وبأنا لو سلمناه لا يلزم ما ذكرتم لأنه لما قال له إنك لا تحكم إلا بالصواب أمنا من اختياره المفسدة وكان الله تعالى جعل اختياره أمارة على المصلحة وقدر له أن لا يختار سواها واحتج موسى بن عمران على الجزم بوقوعه بأمرين أحدهما قضية النضر بن الحارث التي رواها أهل المغازي والسير فرويناها بإسنادنا إلى عبد الملك بن هشام\nقال ثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال بعد أن ذكر غزوة بدر الكبرى وعدد القتلى بها وكان من شياطين قريش قتله علي بن أبي طالب في خمسة نفر من بني عبد الدار بن قصى النضر بن الحارث بن كلدة ابن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار قتله علي بن أبي طالب صبرا عند رسول الله ﷺ بالصفراء فيما يذكرون قال ابن هشام بالأثيل قال ابن هشام ويقال النضر بن الحارث ابن كلدة بن عبد مناف ثم ذكر ابن هشام بعد ذلك أبياتا قالتها قتيلة بنت الحارث أخت النضر تبكيه أولها\nيا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح حامسة وأنت موفق\nومنها تخاطب النبي ﷺ\nما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق","vol":"3","page":197},{"text":"قال ابن هشام فقال والله أعلم أن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: \"لو بلغني هذا من قبل قتله لمننت عليه١\" انتهى وقال الزبير بن بكار في النسب سمعت بعض أهل العلم يقولون إنها مصنوعة انتهى فقوله ﷺ لمننت عليه يدل على أن الحكم كان مفوضا إلى رأيه فإنه لو كان قتله بأمر الله لقتله ولو سمع شعرها ألف مرة وقد قال المصنف تبعا للإمام إن هذه المرأة ابنة النضر وهو مخالف لما ذكره ابن هشام في رواية أخرى لا تقوم لها الحجة أنه ابنته كما ذكر\nوثانيهما ما روى مسلم من حديث أبي بردة قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: \"يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا\" قال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ: \"لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم٢\" وهذا الرجل هو الأقرع كما ذكر المصنف وهو ابن حابس والأقرع في الصحابة أربعة هذا أشهرهم وهذا الحديث أيضا يدل على أن الأمر كان مفوضا إلى اختياره قوله ونحوه أو نحو هذين الأمرين كقوله ﷺ: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة٣\" وكما قال ﷺ: \"في مكة لا يختلى خلاها ولا يعضدها شجرها\" فقال العباس إلا الأزخر فقال: \"إلا الازخر٤\" وغير ذلك وأجاب المصنف عن الكل بأنه يجوز أن تكون هذه\n_________\n١ السير ابن هشام ٣/٤٥\n٢ أخرجه أبو داود: الحج ٢/١٩٠ والنسائي: مناسك الحج ٥/١١٠ وابن ماجة: المناسك ٢/٩٦٣ ولمسلم نحوه من حديث أبي هريرة ولم يسم الأقرع\n٣ حديث صحيح أخلرجه الحاكم في مستدركه كما أخرجه سعيد بن منصور في سننه بلفظ \"لولا أن أشق علي أمتي لأمرتكم بالسواك والطيب عند كل صلاة\" الجامع الصغير ٢١٢٢\n٤ حديث صحيح اخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكه ولايختلي خلاه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقتطه إلا لمعرف\" فقال العباس: إلا الإذخر \"فإنه لابد لهم للقيون والبيوت فقال إلا الإذخر\"","vol":"3","page":198},{"text":"الأحكام ثابتة بنصوص محتملة للاستثناء على وفق سؤال بعض الناس أو حاجتهم فلا يدل على التفويض ولك أن تجيب عما وقع في قضية النضر بأنه لم يصح وابن هشام لم يجزم القول به وقد قال الزبير بن بكار ما قدمته وسمعت والذي أيده الله تعالى يجيب عنه على تقدير صحته بأن النضر كان أسيرا والإمام مخير في الأسارى بين الفعل والاسترقاق والمن والفداء وعندي في هذا نظر فإن الإمام إن خير بين هذه الأشياء فلا خوف بين الأصحاب أنه يجيب عليه رعاية للمصلحة والنبي ﷺ لا يخفى عليه وجه المصلحة وما قتل النضر وإلا قد كان قتله مصلحة ولا تزول هذه المصلحة بإنشاد أخته أبياتها هذه ولا يقال لعل الحال كان مستويا لأنا نقول لا سبيل إلى ذلك إذ لو فرض استواء لكان الواجب عدم القتل فإنه متى لم يظهر بوجه الصواب في الحال حبسهم الى حين يظهر نص عليه أصحابنا وأجيب عن قوله لو قلت نعم لوجب بأنها قضية شرطية لا تقتضي وقوع مشروطها وهو منقدح وعن قوله إلا الإدخر بأنه يحتمل نزول الوحي سريعا عليه والله أعلم","vol":"3","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الكتاب السادس في التعادل والتراجيح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>في تعادل الأمارتين في نفس الأمر</span>\n...\nقال الكتاب السادس في التعادل والترجيح\nوفيه أبواب الباب\nالأول في تعادل الإمارتين في نفس الأمر منعه الكرخي وجوزه قوم وحينئذ فالتخيير عند القاضي وأبي علي وابنه والتساقط عند بعض الفقهاء فلو حكم القاضي بأحديهما مرة لم يحكم بالأخرى أخرى لقوله ﵇ لأبي بكر:\"لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين١\"\n\"ش\" التعادل بين القاطعين المتنافيين ممتنع كما ستعرفه إن شاء الله تعالى عقليين كانا أو نقليين وكذلك بين القطعي والظني لتقدم القطعي وأما التعادل بين الإمارتين في الأذهان فصحيح وأما في نفس الأمر فمنعه الكرخي والإمام أحمد وجمع من فقهائنا وجوزه الباقون هذا هو النقل المشهور وكلام الغزالي يدل على أن من قال المصيب واحد لم يجوز تعادل الإمارتين وأن الخلاف بين المصوبة حيث قال إذا تعارض دليلان عند المجتهد فالمصوبة يقولون هذا لعجزه وإلا فليس في أدلة الشرع تعارض انتهى واختار الإمام أن تعادل\n_________\n١ أخرجه النسائي: أدب القضاء ٨/٢٤٧ ولفظه: \"لا يقضين أحد في قضاء بقضاءين ولا يقضي أحد بين خصمين وهو غضبان\"","vol":"3","page":199},{"text":"الإمارتين في حكمين متنافيين والفعل واحد لكون الفعل الواحد واجبا وحراما جائز في الجملة غير واقع شرعا أي غير جائز الوقوع شرعا يظهر ذلك بتأمل كلامه وأن تعادلهما في فعلين متنافيين والحكم واحد جائز كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظن أنهما جهة القبلة\nوقد احتج من منع من تعادل الأمارتين مطلقا بأنه لو وقع فإما أن يعمل بهما وهو جمع بين المتنافيين أو لا يعمل بواحد منهما فيكون وضعهما عبثا أو يعمل بأحدهما على التعيين وهو ترجيح من غير مرجح أولا على التعيين بل على التخيير والتخيير بين المباح وغيره يقتضي ترجيح أمارة الإباحة بعينها لأنه لما جاز له الفعل والترك مع أنه لا معنى للإباحة إلا ذلك لزم أن يكون ذلك الفعل مباحا له فيكون ترجيحا لأحد الإمارتين بعينها وقد وضح فساده وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يعمل بأحدهما على التعيين قوله ذلك ترجيح لإمارة الإباحة بعينها قلنا ممنوع وهذا لأن الإباحة في التخيير بين الفعل والترك مطلقا لا التخيير بينهما بناء على الدليلين الذي يدل أحدهما على الإباحة والآخر على الحظر إذ يجوز أن يقول الشارع للمكلف أنت مخير في الأخذ بأمارة الإباحة أو بأمارة الحظر إلا أنك متى أخذت بأمارة الإباحة فقد أبحت لك الفعل أو بالحظر فقد حرمته وتصرح له بأن الفعل على أحد التقديرين إباحة وعلى الآخر حرام ولو كان ذلك للفعل لما جاوز ويؤكده أنه يجب عليه اعتقاد كل منهما على تقدير الأخذ بإمارته فلو كان ترجيحا لأمارة الإباحة لما اختلف وجوب الاعتقاد ومثاله في الشرع أن المسافر مخير بين أن يصلي أربعا فرضا وبين أن يترك ركعتين ولا يقال لما بين فعل الركعتين وتركهما كانتا مباحتين وكذلك الصلاة المعادة على الوجه الذاهب إلى أنها فرض وفي الدليل وجوابه مواقف أخر نطول بذكرها واحتج من جوز تعادل الإمارتين في نفس الأمر بالقياس على التعادل في الذهن وبأنه لو امتنع لم يكن امتناعه لذاته فلا يلزم من فرض وقوعه محال أو الدليل والأصل عدمه وأجيب عن الأول بأن التعادل الذهني لا يمنع إمكان التوصل فيه إلى رجحان إحدى الإمارتين فلا يكون نصبهما عبثا\nوعن الثاني بأنه إثبات للجواز بعدم ما يدل على الفساد وليس أولى من","vol":"3","page":200},{"text":"عكسه وهو إثبات الفساد بعدم ما يدل على الجواز وأما اختيار الإمام فعليه كلام طويل ولا نرى الاشتغال بذكره لأن صاحب الكتاب يعمل بحكايته واقتصر في المسألة كلها عن مجرد حكاية المذاهب فلنتبعه في الاختصار وقوله وحينئذ أي إذا قلنا بتجويز تعادل الأمارتين في نفس الأمر وتعادلهما فذهب القاضي أبو بكر وأبو علي وابنه أبو هاشم إلى التخيير فيعمل المجتهد في شأنه بما شاء ويخير العامي في الاستفتاء ويختار أحد الأمرين في الحكم للمتخاصمين ولا يخبرهما درأه للتخاصم وذهب قوم إلى أن حكمه التساقط كالبينتين إذا تعارضتا ويرجع إلى البراءة الأصلية\nوقال قوم إن وقع هذا التعادل بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير إذ لا يمنع التخيير في الشرع بين الواجبات كما أن ملك مائتين من الإبل يجب عليه أن يخرج ما يشاء من الحقا وبنات اللبون عندما يجعل الخيرة للمالك من أصحابنا ومن دخل الكعبة استقبل ما شاء من جدرانها وإن وقع وقع بالنسبة إلى حكمين متنافيين كالإباحة والتحريم فحكمه التساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية قوله فلو حكم أي إذا اختار القاضي إحدى الأمارتين وحكم بها لم يكن له أن يحكم بالأخرى وقد استدل على ذلك بما روى أنه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: \"لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين١\" وهذا الحديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الذهبى فلم يعرفه ولا يكاد المجتهد يحيط علما بتعادل الإمارتين في نفس الأمر ويخير المسافر في الركعتين وكونهما مع جواز تركهما يقعان على وجه الوجوب إنما هو في ظن المجتهد ومن أين لنا أن الحال في نفس الأمر كذلك فمن يوجب القصر من العلماء لا يجوز فعلهما لا يوجبه لا يقطع بوقوعه على وجه الوجوب إذ القطع بوقوعه على وجه الوجوب فرع كونه جائز الوقوع وكذا القول في الصلاة المعادة وقد يعلل ما ادعاه المصنف في الحاكم بأنه لو حكم بخلافه مرة أخرى لا تهم والحاكم يتوقى مظان التهم ويجري مثل هذا في المفتي وفيما أن أعمل بأحد الأمرين في شأن نفسه واطلع عليه الناس كيلا يتناقض فعله فيتهمه العامي ولا يرجع إلى فتواه\n_________\n١ تقدم تخريج الحديث وصوابه \"لأبي بكر\" بزيادة تاء التأنيث \"سنن النسائي٨/٣٤٧\"","vol":"3","page":201},{"text":"قال \"مسألة إذا نقل عن مجتهد قولان في موضع واحد يدل على توقفه ويحتمل أن يكونا احتمالين أو مذهبين وإن نقل في مجلسين وعلم المتأخر فهو مذهبه وإلا حكي القولان\"\n\"ش\" هذه المسألة في حكم تعارض قولين لمجتهد واحد وهو بالنسبة إلى المقلدين كتعارض الأمارتين عند المجتهدين فلذلك أعقبه بتعادله الأمارتين ومضمون المسألة أنه إذا نقل عن مجتهد واحد في مسألة واحدة قولان متنافيان فإما أن يكون ذلك في موضع واحد أولا\nالحالة الأولى إذا كان في موضع واحد بأن يقول في هذه المسألة قولان مثلا وهو قسمان أحدهما ولم يذكره في الكتاب أن يعقب ذلك بما يشعر بترجيح أحدهما ولو بالتقريع عليه فيكون ذلك قولان له لأن قول المجتهد ليس غير ما يترجح عنده\nوالثاني أن لا يفعل ذلك فيدل على توقفه في المسألة لعدم ترجيح دليل أحد الحكمين في نظره وقوله فيها قولان محتمل لأن يريد بالقولين احتمالين على سبيل التجوز أي فيها احتمال قولين لوجود دليلين متساويين ولأن يريد بهما مذهبين لمجتهدين وعلى التقديرين لا ينسب إليه قول في المسألة لتوقفه فيها وإلى هذا القسم أشار المصنف بقوله يدل على توقفه ويحتمل أي وهذا التوقف محتمل لأن يكونا احتمالين ولأن يكونا مذهبين\nوذهب قوم إلى أن إطلاق القولين يقتضي التخيير وهو ضعيف واعلم أن وقوع ذلك في مجلس واحد من دون ترجيح قليل نقل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع عن القاضي أبي حامد المروذي لأنه ليس للشافعي مثل ذلك إلا في بضعة عشر موضعا ستة عشر أو سبعة عشر وقد وقع في المحصول بدل القاضي أبي حامد المروذي الشيخ أبو حامد الإسفرايني وكأنه اشتبه أبو حامد بأبي حامد ووقع فيه الجزم بأن المواضع سبعة عشر وهو وهم والذي نقله الشيخ أبو إسحاق ما ذكرناه وقال القاضي أبو بكر في مختصر التقريب قال المحققون إن ذلك لا يبلغ عشرا","vol":"3","page":202},{"text":"الحالة الثانية أن يكون نقل القولين عن المجتهد في موضعين بأن ينص في كتاب أو في وقت على إباحة شيء وفي آخر على تحريمه فهو قسمان أحدهما أن يعلم المتأخر منهما فهو مذهبه ويكون الأول مرجوعا عنه وذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا بد وأن ينص على الرجوع فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعا حكاه الشيخ أبو إسحاق والثاني أن يجهل الحال فيحكي عنه القولان من غير الحكم على أحدهما بالترجيح\nقال \"وأقوال الشافعي ﵁ كذلك وهي دليل على علو شأنه في العلم والدين\"\nش وقد وقع الحالان المتقدمان للإمام المطلبي قدوتنا أبي عبد الله الشافعي ابن عم المصطفى ﷺ وذلك من الأدلة الواضحة على علو شأنه في العلم والدين في الحالتين أما الدليل على العلم في الأولى فإنه كلما زاد المجتهد علما وتدقيقا وكان نظره أتم تنقيحا وتحقيقا ووقوفا على الأدلة المزدحمة مستقيما وإدراك وجه الازدحام فيها وكيفية الانفصال عنها عظيما تكاثرت الإشكالات الموجبة للتوقف لديه وتزاحمت المعضلات بين يديه\nوأما في الدين فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان صمم على مقالته الأولى ولا قام بنصرتها وشال بضبعها حتى ينادي أولى لك فأولى بل صرح ببطلان تلك واعترف بالخطأ فيها وقصور النظر\nوأما الحالة الثانية وهي تنصيصه على القولين في موضعين فدليل على علمه أيضا لأنه مبني على اشتغاله طول عمره القصير بالنظر والمباحث واشتماله على التدقيق في الوقائع والحوادث وعلى دينه لإظهاره الشيء إذا لاح له غير مبال بما صدر منه أولا ولا واقف عند كلام غبي ينسبه إلى التناقض في المقال ولا مرجوح لمذهبه وإن كان ذا القدرة العظمى على ما يرومه واليد الطولى فيما يحاوله وقد عاب القولين على الشافعي من لا خلاق له وأتى بخرف من القول زكاة ونمقة والله لا سواه ولا عدله وذلك لنقصان وقصور وحسد كامن في الصدور","vol":"3","page":203},{"text":"وقال في العلماء قولا كبيرا وفاه بألسنة حداد سيصلى سعيرا وأضمر في نفسه من الزابين عن مسألة سيد المرسلين عقيدة لا يغسل السيف عارها ولا يواري الليل غوارها ونحن لا نحفل بكلمة ولا نقول بكلامه ولا نرى أن يشتمل مثل هذا الشرح على مثل هذا الهذيان الذي هو خيال طرق ذا الخيال في منامه ويكتفي بما صنفه أصحابنا قديما وحديثا في نصرة القولين ويخيل العطن على ذهنه والبليد على الوقوف عليها ولكنا نورد أسئلة قد تختلج في الصدور وتعتور بني الزمان فيجد بها الغبي نفثة مصدور فيقول قد علمت صنعة القولين وكيفية وقوعهما فإن قلت التردد في القولين ينبئ عن نقصان النظر عن إدراك الأرجح قلت معاذ الله بل يخبر عن حال ذلك لأن قوة النظر كلما زادت توالت عليها التشكيكات كما عرفت فإن قلت من سبق الشافعي إلى ذلك من المجتهدين وقد كان قبله أبو بكر الصديق وهو أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين\nقلت الفاروق الذي أعز الله به الإسلام بدعوة النبي ﵇ حيث نص في الشورى على ستة وحصر الخلافة فيهم تنبيها على أن الاستحقاق منحصر فيهم وأن غيرهم ليس أهلا لذلك ولم يعترض أحد عليه بل اتبعوا رأيه واقتفوا أثره فإن قلت فما فائدة ذكر القولين قلت التنبيه على أن الحق لا يعدوهما وقصر نظر المتمذهب له على التدقيق فيها وعدم الالتفات إلى غيرهما\nفإن قلت من جملة أقواله أن يذكر قولين مع الإشارة إلى ترجيح أحدهما وأي فائدة مع التنبيه على الراجح في ذكر المرجوح قلت ليعلم طرق الاجتهاد والاستنباط والتمييز بين الصحيح والفاسد ومخافة أن يؤدي اجتهاد غيره من متابعته إليه ولا يتنبه لفاسده فيتخذه مذهبا وقد عد الأصحاب لأبي حنيفة ﵁ أمثال ذلك فلطالما قال القياس كذا لكني تركته استحسانا وليس لأحد أن يعيب عليه ذلك ولا أن يقول ما فائدة ذكرك القياس مع عدم اعتمادك إياه فإن قلت أي معنى في إطلاق القولين في وقت واحد من غير ترجيح قلت هذا هو الذي لم يوجد معه سوى النذر اليسير\nوقد قلنا إنه فيه متوقف وأنه دليل على غزارة العلم والمنتهى في الديانة وفيه","vol":"3","page":204},{"text":"من الفوائد التنبيه على المآخذ وفحص جهتها في ذينك القولين ولذلك جعل عمر ﵁ الأمر شورى في ستة ولم ينص على واحد بعينه وكان قصده أن الخلافة لا تعدوهم ولو لم يفاجئه هادم اللذات لميز الأصح عن غيره فإن قلت فلا معنى لقولكم في هذا القسم للشافعي في هذا المسألة قولان إذ ليس له ما على ما زعمتم في مثل هذه المسائل قول واحد ولا قولان بل هو متوقف غير حاكم بشيء قلت قال إمام الحرمين في التلخيص هكذا القول ولا نتحاشى منه وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما وقد كان الشافعي رضوان الله عليه حديث السن لم تتسع مهلته كثيرا لآلام لم تطل راحته ولا يشغله ذلك عما هو فيه من حياطة الدين والنظر المتين والانجماع على طريق المتقين\nوقد سئل بعضهم ما السبب في قصر عمر الشافعي فقال حتى لا يزالون مختلفين ولو طال عمره لرفع الخلاف ولأمعن القول فيما لا يحصره مختصرا ولا معزل من مناقب هذا الخبر ولكن العالم استطرد ووجد للمقال مجالا\nفقال ونختم الفصل بما هو من توابع أبواب الترجيح وأمور المقلدين فنقول إن قصر نظر بعض المصنفين عن فهم مراتب المجتهدين فلا عليه لو اقتدى بقوله ﷺ:\"الأئمة من قريش١\" وقوله ﷺ: \"قدموا قريشا ولا تذموها٢\" ولم يكن أحد من أصحاب المذاهب معزيا إلى صليبة قريش بالمسلك الواضح إلى الشافعي ولا خلاف في اختصاصه بذلك وأنه المقصود بقوله ﷺ عالم قريش يملأ طباق الأرض علما لأنه الذي طبق طباق الأرض وتخلق بالطيب ورد ليلها المسود وجبين نهارها المبيض وصار اسمه في مشارقها ومغاربها وعلا على أنجم السماء طوالعها وغواربها\n_________\n١ رواه النسائي في السنن الكبري \"تحفة الأشراف للمزي ١/١٠٢\"كما رواه الإمام أحمد في المسند ٣/١٢٩،٤/٤٣١ ط الحلبي\n٢ رواه الشافعي والبيهقي في المعرفة عن ابن شهاب بلاغا بلفظ: \"قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا ولا تعلموها\" كما رواه ابن عدي والطبراني، والبزار بطرق مختلفة، قريبة من هذا المعني أنظر الجامع اصغير ٢/٨٦","vol":"3","page":205},{"text":"وقد قام إمام الحرمين مناديا بما لوح به جماعة من الأصحاب من وجوب تقليد الشافعي فقال في كتابه الترجيح بين المذهبين أنه يدعى أنه يجب على كافة المسلمين وعامة المؤمنين شرقا وغربا بعدا وقربا انتحال مذهب الشافعي بحيث لا يبغون عنه حولا ولا يريدون به بدلا والذي نقوله نحن إن كتابنا هذا شارح لمختصر أصول لا نرى أن نخرج عنه إلى ما لا يتعلق به من الترجيح بين المذاهب ولكن الذي نفوه به هو أنه يتعين على المقلد النظر بعين التعظيم إلى قدوته والإيماء بطرف التقديم نحو إمامه ونحن نراعي ذلك في حق إمامنا رضوان الله عليه ونقول بجمع الكلام فيما نحاوله أمور ثلاثة أولها أن السابق وإن كان له حق الوضع والتأسيس فللمتأخر الناقد حق التهذيب والتكميل وكل موضوع على الافتتاح فقد يتطرق إلى مبادئه بعد التسبيح ثم يتدرج الناقد حق التهذيب والتكميل فيكون المتأخر أحق أن يتبع وهذا واضح في الحرف والصناعات فضلا عن العلوم ومسالك الظنون\nفإن قلت فيلزمكم على هذا أن توجبوا الإقتداء بمن بعد الشافعي من الأئمة قلت إن ثبت لأحد بعده رتبة الاجتهاد والتنحل وترتيب ما لم ينظم والإطلاع على مقاصد الشريعة والخوض في بحارها فيلزم ذلك ولكنا لسنا نرى أحدا من الأئمة بعده بلغ هذا المحل كذا أجاب إمام الحرمين وتعالى غيره وقال لم يبلغ أحد بعد الشافعي منصب الاجتهاد المطلق فضلا عن الوصول إلى ما وصل إليه الشافعي وثانيهما أن المذاهب يمتحن بأصولها لأن الفروع تستند إليها وتستقيم بتقومها وتعوج باعوجاجها ولا يخفى على الساري في الظلم رجحان نظر الشافعي في الأصول التي هي أهم ما ينبغي للمجتهد وأنه أول من أبدع ترتيبها ومهد قوانينها وألف فيها رسالته ولم لا يكون ذلك وأعظم ما يستمد منه أصول الفقه اللغة والشافعي كان من صميم العرب العربا ممن تفقأت عنه بيضة بني مضر وأصول الشريعة الكتاب والسنة والإجماع ثم الاقيسة بالإمارات المنصوبة علامات على الإجماع\nولهذه الأصول مراتب ودرجات فأما الكتاب فهو عربي مبين والشافعي إذا أنصف الناظر عرف أنه المميز عن غيره فيما يحاوله منه لأنه القرشي البليغ ذو","vol":"3","page":206},{"text":"اللغة التي يحتج بها الواصل إلى الذروة في معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومعرفة الراويات وأما الحديث فلا ينكر منصف مقامه في الأخبار وإلقاءه الأحاديث من حفظه ولذلك ربما قال أخبرني الثقة ومن لا يحضرني اسمه الآن أن ذلك من آيات من آيات حفظه وشدة ضبطه وتحريه حتى قال أبو زرعة ما عند الشافعي حديث غلط فيه وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ وهو في معرفة الرجال وغير ذلك من فنون الحديث الواصل الليل بالنهار ينزل الأحاديث منازلها ويقبل كلما صح منها ويجعله مذهبه لا يفرق بين كوفي ومدني\nولذلك قال لأحمد أنتم أعلم بالحديث منا فقل لي كوفية وبصرية يعني أنكم يا أهل العراق أعلم منا معشر الحجازيين بأحاديث الكوفة والبصرة فقل لي حتى أنظر فإن كان صحيحا عملت به ولا يظن في ظان الاقتصار على أحاديث المدينة والحجاز من حيث أني من أصحاب مالك وأتى بصيغة الجمع في المخاطب والمخاطب بقوله أنتم ومنا ولم يرد الشافعي أن ابن حنبل أعلم منه بالحديث كما ظن بعض الأغبياء حاش الله وإنما أراد ما ذكرناه والملك العظيم أن أتاه رسول من أخيه الملك من بلدة أخرى يقول له أنتم أعلم بأخبار أخي مني يعني لكونكم في بلدته ولا يلزم من ذلك زيادتهم في القرب منه على أخيه ولا مساواته ولو أراد الشافعي ما زعمه بعض الأغبياء جبرا لأحمد وتأدبا معه وتعظيما لجانب تلميذه لجاز ذلك ولا لوم عليه أما فقه الحديث فهو سيد الناس في ذلك\nوأما الإجماع فسيلقي من معرفة الآثار وما يصح نقله من الوفاق والخلاف وهو المنهي في ذلك هذا بيان الأصول وأما تنزيلها منازلها فهو سوق الشافعي فإن قدم كتاب الله ثم سنة نبيه ﷺ مع نهاية التأدب والوقوف عندما ينبغي السوق عنه للناظر في الشريعة فإذا لم يجدها تأسا بأصحاب رسول الله ﷺ في التعليق بالرأي الناشئ من قواعد الشريعة المنضبطة بأصولها ولم نر التعليق بكل وجه في الاستصواب ولا الاستحسان بما نهواه ثم رأى قواعد الشريعة منقسمة إلى ما يعلل وما لا يعلل فانسحب على الإتباع فيما لا يعقل معناه","vol":"3","page":207},{"text":"وقد يقيس إذ لاحت الأشباه وأما ما يعقل معناه فمغزاه فيه المعنى المختل المناسب وهو في كل ذلك يلتفت إلى قواعد الشرع ثم لا يبغي بها بدلا ويقول إذا صح الحديث فهو مذهبي وثالثهما أن المذاهب كما يمتحن بأصولها يستخير بفروعها ولننظر المصنف في كتب الخلافيات المنتشرة في الآفاق فإن كان مع اتصافه أهلا للنظر فليعرضها على الشريعة من كتاب وسنة وإجماع وقياس وليحكم بما أراه الله وإن لم يكن أهلا للنظر فلا كلام له معنا وبالله التوفيق\nوآخر ما نذكره دليلا لم ير من سبقنا باستنباطه يدل على ما نحاوله وهو حديث يبعث الله على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها واتفق الناس على أن المبعوث على رأس الأولى عمر بن عبد العزيز وعلى الثانية الشافعي ويأبى الله أن يبعث مخطئا في اجتهاده أو يختص ناقص المرتبة بهذه المزية بل هذا صريح في أن ما يأتي به المبعوث فهو دين الله الذي شرعه لعباده ومن الغرائب الواقعة في هذا الأمر المؤيدة لما ذكرناه وما حاولناه تأييدا ينثلج به الصدر أن الله تعالى خص أصحاب الشافعي بهذه الفضيلة فكان على رأس الثلثمائة ابن سريج وهو أكبر أصحابه وعلى رأس الأربعمائه الشيخ أبو حامد إمام العراقيين من أصحابه وعلى رأس الخمسمائة الغزالي القائم بالذب عن مذهبه والداعي إليه بكل طريق وعلى السادسة الإمام فخر الدين الرازي أحد المقلدين له والمنتحلين مذهبه والذابين عنه وعلى السابعة الشيخ تقي الدين بن دقيق العبد الذي رجع إلى مذهبه وانتحله وتولى القضاء له وحكم به بعد أن كان في أول نشأته مالكيا","vol":"3","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>في الأحكام الكلية للتراجيح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>تعريف الترجيح</span>\n...\nقال \"الباب الثاني في الأحكام الكلية للتراجيح الترجيح تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها كما رجحت الصحابة خبر عائشة على قوله ﵇ إنما الماء من الماء\"\n\"ش\" الأحكام الكلية للتراجيح هي الأمور العامة لأنواعها التي لا تخص فردا منها والباب مشتمل على مقدمة معرفة لماهية الترجيح وأربع مسائل وقد عرف الترجيح بأنه تقوية إحدى الإمارتين على الأخرى ليعمل بها أي بالإمارة التي قويت وهو مأخوذ من الإمام إلا أن الإمام أبدل الإمارتين بالطريقين","vol":"3","page":208},{"text":"وما فعله المصنف أصرح بالمقصود إذ يمتنع الترجيح في غير الإمارتين والإمام قال ليعلم الأقوى فيعمل به وحذف المصنف لفظة العلم وهو حسن إذ يكتفي في الظن بالترجيح ولقائل أن يقول جعلتم الترجيح عبارة عن التقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة أو إلى ما به الترجيح مجازا وهو غير ملائم بحسب الاصطلاح وهو في الاصطلاح عبارة عن نفس ما به الترجيح فلا يجوز أن يجعل عبارة عن التقوية ذكره الهندي\nوقد اتفق الأكثرون على جواز التمسك بالترجيح وأنكره بعضهم وقال عند التعارض يلزم التخيير أو الوقف ولا يرجح أحد الظنين وإن تفاوتا وهو قول مردود قال إمام الحرمين في البرهان وقد حكاه القاضي عن البصري وهو الملقب ببعل قال ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها واستدل المصنف على وجوب تقديم الراجح بإجماع الصحابة ﵃ وذلك في وقائع كثيرة منها أنهم قدموا خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين حيث قالت:\"فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا١\" على خبر أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنما الماء من الماء٢\" أخرجه مسلم وتقدم في كتاب السنة حديث عائشة\nوأن الترمذي قال حسن صحيح والوقائع في هذا كثيرة وعليه درج السابقون قبل اختلاف الآراء وقد تعلق الخصم على نفي الترجيح بالبينات في الحكومات فإنه لا ترجح بينة على بينة بعد استقلال كل واحدة لو انفردت وهو مردود فإن مالكا ﵀ يرى ترجيح البينة على البينة ومن لا يرى ذلك يقول البينة مستندة إلى توقيعات تعبدية ولذلك لا تقبل بغير لفظ الشهادة حتى لو أتى العدد الكثير بلفظ الأخيار لم يقل ولو شهد ألف امرأة وعبد على إباقه بقل لردوا\n_________\n١ رواه الترمذي كتاب الطهارة باب: وجوب الغسل وابن ماجة كما رواه بلفظ: \"إذغ جلس بين شعبها الأربع وجاوز الختل الختان فقد وجب الغسل\"\n٢ رواه مسلم – كتاب الطهارة ١/٢٦٩","vol":"3","page":209},{"text":"قال \"مسألة<span data-type=\"title\" id=toc-235> لا ترجيح في القطعيات </span>إذ لا تعارض بينهما وإلا ارتفع النقيضان أو اجتمعا\"\n\"ش\" قدمنا أن الترجيح مختص بالدلائل الظنية ولا جريان له في الدلائل اليقينية عقلية كانت أو نقلية والحجة على ذلك أن الترجيح فرع وقوع التعارض وهو غير متصور فيها لأنه لو وقع لزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما وذلك لأن الدليل القطعي ما يفيد العلم اليقيني فلو تعارض قطعيا لم يكن إثبات مقتضى أحدهما دون الآخر للزوم التحكم فإن الرأي السديد والقول الذي عليه المحققون أن العلم لا يتفاوت وليس بعضها أقوى وأغلب من بعض وإن كان بعضها كان بعضها أجلى وأقرب حصولا وأشد استغناء عن التأمل بل بعضها لا يحتاج فيه إلى تأمل كالبديهيات لكنه بعد الحصول تحقق يعني لا تفاوت في كونه محققا فلا ترجيح لعلم على علم فتعين إما رفع مقتضاهما أو إثباته وهو جمع بين النقيضين أو رفع لهما\nولقائل أن يقول هذا دليل على منع التعارض بين القاطعين في نفس الأمر أو على منع التعارض بين القاطعين في الأذهان إن كان على الأول فهو منقوض ولكن لا كلام فيه وأنى يتصور جريان الترجيح في المتعادلين في نفس الأمر ولو جرى لم يكن المتعادلان متعادلين هذا خلف وإن كان على الثاني فممنوع لأنه قد يتعارض عند المجتهد شيئان يعتقد أنهما دليلان يقينيان ويعجز عن القدح في أحدهما وإن كان بطلان أحدهما في نفس الأمر وإن كان كذلك فنحن نقول يجوز تطرق الترجيح إليها بناء على هذا التعارض بالنظر في أحوال المقدمات وأحوال التركيب ويرجح بقلة المقامات والتراكيب وهذا طريق يقبله العقل ولا يدفعه ما ذكرتم","vol":"3","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>تعارض الدليلين</span>\n...\nقال مسألة إذا تعارض دليلان\nفالعمل بهما من وجه أولى بأن يتبعض الحكم فيثبت البعض أو يتعدد فيثبت بعضها أو يعم فيوزع كقوله ﵇ ألا أخبركم بخبر الشهود فقيل نعم فقال أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد وقوله ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد فيحمل الأول على حق الله تعالى والثاني على حقنا ش إنما يرجح أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن","vol":"3","page":210},{"text":"العمل بكل واحد منهما فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح بل يصار إلى ذلك لأنه أولى من العمل باحدهما دون الآخر إذ فيه أعمال الدليلين والأعمال أولى من الإهمال ثم العمل بكل واحد منهما يكون على ثلاثة أنواع\nأحدها أن يتبعض حكم كل واحد من الدليلين بأن يكون قابلا للتبعيض فيبعض بأن يثبت بعضه دون بعض وعبر الإمام عن هذا النوع بالاشتراك والتوزيع ومن أمثلته دار بين اثنين تداعياها وهي في يدهما فإنها تقسم بينهما نصفين لأن ثبوت المالك قابل للتبعيض فيتبعض ومنها إذ تعارضت البينتان في الملك على قول القسمة\nالثاني أن يتعدد حكم كل واحد من الدليلين أي يقتضي كل واحد من الدليلين أحكاما متعددة فيحمل واحد منهما على بعض تلك الأحكام ومثاله ما روي أن إعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال١ فقال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله\" قال نعم قال: \"أتشهد أن محمدا رسول الله\" قال نعم قال: \"فأذن في الناس يا بلال فليصوموا غدا\" فهذا الخبر يقتضي ثبوت رمضان بشهادة الواحد ويترتب عليه وجوب الصوم وحلول الدين المؤجل ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به وهو معارض للقياس فإنه يقتضي عدم ثبوته بقول الواحد كما في سائر الشهور ويترتب على عدم ثبوته عدم ترتب شيء مما ذكرناه فيحمل الأول على وجوب الصوم والقياس على عدم حلول الأجل والطلاق والعتاق وهذا قد صرح به القاضي الحسين والبغوي لكن قال الرافعي لو قال قائل هلا يثبت ذلك ضمنا كما سبق نظيره لا حرج إلى الفرق والذي سبق أنا إذا قلنا بالقول الصحيح وضمنا بقول الواحد لم ير الهلال بعد ثلاثين أفطرنا على أحد الوجهين وإن كنا لا نفطر بقول واحد ابتداء ولا يثبت به هلال شوال على المذهب الصحيح وذلك لأنه يجوز أن يثبت الشيء ضمنا بما لا يثبت به أصلا ومقصودا ألا ترى أن النسب والميراث لا يثبتان بشهادة النساء ويثبتان ضمنا\n_________\n١ أخرجه البخاري والترمذي من حديث ابن عباس – ﵄ \"تحفة الأحوذي ٣/٣٧٢","vol":"3","page":211},{"text":"للولادة إذا شهدن عليها وفرق ابن الرافعة١ بأن النسب والميراث وكذا الإفطار عقيب الثلاثين لازم للمشهود فلا يعقل ولادة منفكة عن النسب والميراث ولا صوم ثلاثين يوما بوصف كونها منفكة عن الفطر بعدها والدين والطلاق والعتاق ليس يلزم استهلاك الشهر ويعقل انفكاكه عنه قال وقد أشار إلى مثله ابن الصباغ\nالثالث أن يكون كل واحد من الدليلين عاما أي مثبت الحكم في موارد متعددة فتوزع ويحمل كل واحد منهما على بعض أفراده ومثاله ما روي عن زيد ابن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أخبركم بخبر الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها٢\" رواه مسلم وهذا لفظه وهو معنى اللفظ الذي أورده المصنف وروى المصنف من قوله ﷺ: \"ثم يفشوا الكذب فيشهد الرجل قبل أن يستشهد٣\" وهذا اللفظ لا أعرفه ولكن في الصحيحين عن عمران ابن حصين ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم إن من بعدهم قوما ما يشهدون ولا يستشهدون٤\" الحديث فيحمل الأول على حقوق الله تعالى والثاني على حقوق العباد ومن أمثلته أيضا قوله ﷺ: \"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له٥\" مع ما روي\n_________\n١ هو أحمد بن علي الأنصاري فقيه شافعي من فضلاء مصر سئل الإمام ابن تيمية فقال \"رأيت شيخا يتقاطر فقه الشافعية من لحيته\" من مؤلفاته \"الكفاية في شرح التنبيه\" \"بذل النصائح الشرعية في ما علي السلطان وولادة الأمور وسائر الرعية توفي سنة ٧١٠هـ\n٢ أخرجه مسلم:كتاب الأقضية ٣/١٣٤٤ من حديث زيد بن خالد الجهني\n٣ أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر\n٤ صحيح البخاري – كتاب الشهادات ٣/٢٢٤ عن ابن مسعود وعمران بن الحصين – ومسلم ٤/١٩٦٤عن أبي هريرة وعمران بن حصين رواه الترمذي – كتاب الفتن ٤/٤٦٥ عن ابن عمر وفي الشهادات ٤/٥٤٩\n٥ رواه الترمذي ٣/١٠٨ وأبو داود ٢/٤٢٢ والنسائي ٤/١٩٦ وابن ماجة ١/٥٤٢ والدارقطني ٢/١٧٣ والبيهقي في السنن الكبري ٤/٢١٣","vol":"3","page":212},{"text":"أنه ﷺ كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: \"هل من غداء\" فإن قالوا لا قال: \"إني صائم\" ويروى: \"أني إذن اصوم١\" فيقتصر على الأول وإن كان عاما في كل صوم على صوم الفرض ويحمل الثاني على صوم النفل ومنها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ٢﴾ مع قوله في آية أخرى\n﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ٣﴾ فظاهر الأولى وضع السيف فيهم حتى ينفقوا وظاهر الآية الثانية يقتضي جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير فصل وقال ﵇: \"خذوا من كل حالم دينارا\" وقال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" الحديث وظاهر هذا أن الجزية لا تؤخذ وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو الإسلام فيجمع بين الظاهرين ويأخذ الجزية من أهل الكتاب بآية الجزية ويضع السيف فيمن ليس متمسكا بكتاب ولا يشبه كتاب الظاهر الآية الواردة في القتل وأعلم أن بعض الفقهاء زعم أن هذا يتضمن استعمال مقتضى كل واحد من الدليلين ورأى هذا الجمع مستقلا بنفسه غير محتاج إلى إقامة دليل قال إمام الحرمين وهذا مردود عند الأصوليين بل لا بد من دليل خارج على ذلك وأما أن يجعل أحدهما دليلا في تخصيص الثاني والثاني في تخصيص الأول فهذا ما لا سبيل إليه\n_________\n١ رواه البخاري فضائل أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم ومسلم ٣/١٣٧٩ والنسائي ٧/١٣٢ من حديث أبي هريرة وابن عمر﵄\n٢ سورة التوبة آية ٥\n٣ سورة التوبة آية ٢٩","vol":"3","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>تعارض النصين</span>\n...\nقال \"مسألة إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم وعلم المتأخر فهو ناسخ وإن جهل فالتساقط أو الترجيح\"\n\"ش\" النصان المتعارضان على ضربين\nالأول أن يكونا متساويين في القوة باشتراكهما في العلم أو الظن وفي العموم بأن يصدق كل منهما على ما يصدق عليه الآخر وله ثلاثة أحوال\nأولها أن يتأخر ورود أحدهما عن الآخر ويكون معروفا بعينه فينسخ","vol":"3","page":213},{"text":"المتأخر المتقدم سواء كانا معلومين أو مظنونين آيتين أم خبرين أم أحدهما آية والآخر خبرا عند من يجوز النسخ عند اختلاف الجنس وأما من يمنعه فيمتنع عنده النسخ في هذا القسم الآخير وهذا إذا كان حكم المتقدم قابلا للنسخ أما إذا لم يقبل النسخ ولم يذكره في الكتاب كصفات الله تعالى فإن كانا معلومين قال الإمام فيتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر واعترض عليها النقشواني بأن المدلول إن لم يقبل النسخ يمتنع العمل بالمتأخر فلا يعارض المتقدم بل يجب أعمال المتقدم كما كان قبل ورود المتأخر وإن كانا مظنونين طلب الترجيح ولو كان الدليلين خاصين فحكمهما حكم المتساويين في القوة والعموم من غير فرق ولم يذكر المصنف ذلك\nوثانيها: أن يجهل المتأخر منهما فإن كانا معلومين فيتساقطان ويرجع إلى غيرهما لأنه يجوز في كل واحد منهما أن يكون هو المتأخر وإن كانا مظنونين بعين الترجيح وإلى هذا أشار المصنف بقوله وإن جهل فالتساقط أي فيما إذا كانا معلومين أو الترجيح أي فيما إذا كانا مظنونين\nوثالثها: أن يعلم مقارنتهما ولم يذكره في الكتاب فإن كانا معلومين فقد قال الإمام أن أمكن التخيير بينهما تعين القول به فإنه إذا تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير ولا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد لما عرفت أن العلوم لا تقبل الترجيح قال قال ولا يجوز الترجيح بما يرجع إلى الحكم نحو كون أحدهما حاضرا أو مثبتا حكما شرعيا لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية هو غير جائز انتهى ولم يذكر حكم القسم الآخر وهو عدم إمكان التخيير بينهما وإن كانا مظنونين تعين الترجيح فيعمل بالأقوى فإن تساويا في القوة قال الإمام فالتخيير\nقال \"وإن كان أحدهما قطعيا أو أخص مطلقا عمل به وإن تخصص بوجه طلب الترجيح\"\n\"ش\" الضرب الثاني أن لا يتساويا في القوة والعموم جميعا فأما","vol":"3","page":214},{"text":"يتساويا في العموم ولم يتساويا في القوة أو عكسه أو لم يحصل بينهما تساو لا في العموم ولا في القوة فهذه أحوال ثلاثة\nأولها: التساوي في العموم والخصوص مع عدم التساوي في القوة بأن يكون أحدهما قطعيا والآخر فيعمل بالقطعي سواء أعلم تقدم أحدهما على الآخر أم لم يعلم وسواء تقدم القطعي أم الظني وهذا الإطلاق يشمل ما إذا كان المقطوع عاما والمظنون خاصا والصحيح أن المظنون يخصص المقطوع كما سبق في التخصيص\nوثانيهما: أن يتساويا في القوة مع التساوي في العموم والخصوص بأن يكونا قطعيين أو ظنيين أو يكونا عامين لكن أحدهما أعم من الآخر إما مطلقا أو من وجه أو يكون خاصين فإن كانا عامين أو كان أحدهما أعم من الآخر مطلقا عمل بالأخص سوء كانا قطعين من وجه السند أم ظنيين علم تقدم أحدهما عملي الآخر أم لم يعلم المهم إلا أن يعلم تقدم الأعم وورود الأخص بعد العمل به فإن الأخص حينئذ يكون تاركا له فيما تناوله الأخص لا تخصصا لامتناع تأخير البيان عن وقت العمل وإن كان أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ١﴾ مع قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ٢﴾ فيصار إلى الترجيح بينهما سواء كانا قطعيين أم ظنيين لكن لا يمكن الترجيح في القطعيين بقوة الإسناد بل يرجح بكون حكم أحدهما حظرا والآخر إباحة وأن يكون أحدهما شرعيا والآخر عقليا أو مثبتا والآخر نافيا ونحو ذلك وفي الظنيين يرجح بقوة الإسناد\nوثالثهما: أن لا يحصل بينهما تساو لا في العموم والخصوص ولا في القوة فإن اختلفا في كل واحد من هذين بأن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا وهما عامان ولكن أحدهما أعم من الآخر مطلقا أو من وجه أو خاصان فإن كانا عامين أو أحدهما أعم من الآخر مطلقا عمل بالقطعي إلا إذا كان القطعي هو\n_________\n١ سورة النساء آية ٢٣\n٢ سورة المؤمنون آية ٦","vol":"3","page":215},{"text":"الأعم فإنه يخص بالظني عند الأكثرين وإن كان أحدهما أعم من الآخر من وجه صير إلى الترجيح فإنه قد يترجح الظني بما يتضمنه الحكم من كونه حظرا أو نفيا أو غير ذلك سواء علم تأخر القطعي عن الظني أم تقدمه أم جهل الحال وأما إن كانا خاصين فالعمل بالقطعي مطلقا","vol":"3","page":216},{"text":"قال \"مسألة قد يرجح بكثرة الأدلة لأن الظنيين أقوى قيل يقدم الخبر على الأقيسة قلنا إن اتحد أصلها فمتحدة وإلا فممنوع \"\n\"ش\" ذهب الشافعي ومالك إلى أنه يجوز<span data-type=\"title\" id=toc-238> الترجيح بكثرة الأدلة </span>والخلاف مع الحنفية واستدل المصنف بأن كل واحد من الدليلين يفيد ظنا مغاير الظن المستفاد من صاحبه والظنان أقوى من الظن الواحد فيعمل بالأقوى لكونه أقرب إلى القطع كما رجحنا الكتاب على السنة والسنة على الإجماع والإجماع على القياس فإن قلت الفرق بين الترجيح بكثرة الأدلة والترجيح بالقوة والوصف الذي يعود إليه أن الزيادة حصلت مع المزيد عليه في محل واحد بخلاف الترجيح بقوة الأدلة قلت هذا ضعيف لأنه لا أثر لذلك\nواحتج الخصم بأن كثرة الأدلة لو كانت سببا للرجحان لكانت الأقيسة المتعددة مقدمة على خبر الواحد إذا عارضها وليس الأمر كذلك وأجاب بأن أصل تلك الأقيسة إن كان متحدا وهذا كما قيل في معارضة ما روى من قوله ﵇: \"أحلت لنا ميتتان السمك والجراد١\" السمك الميت حرام قياسا على الغنم الميتة وعلى الطائر الميت والبقر والإبل والخيل بجامع الموت في كل ذلك فتلك الأقيسة حينئذ تكون أيضا متحدة واحدا وتكون قياسا واحدا لا أقيسة متعددة لوحدة الجامع فإنها لا تتغاير إلا أن يعلل حكم الأصل في قياس منها بعلة أخرى وتعليل الحكم بعلتين مختلفتين ممنوع على ما سلف فيكون الحق من تلك الأقيسة واحدا وإذا قدمنا عليها الخبر لم يكن قد قدمناه إلا على دليل واحد وإن لم يكن أصلها متحدا بل متعددا فلا نسلم تقديم خبر الواحد عليها\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه ابن ماجه والحاكم والبيهقي في السنن من حديث ابن عمر \"الجامع الصغير ١/١٣\"","vol":"3","page":216},{"text":"كذا أجاب المصنف تبعا للإمام والحق ان خبر الواحد مقدم على الأقيسة وإن تعددت أصولها ما لم تصل إلى القطع ولا يفرض اللبيب صورة تحصل فيها من الأقيسة ظن يفوق الظن الحاصل فيها من خبر الواحد ونقول هلا رجحت أرجح الظنين لأنه لا تجد ذلك إلا والقياس جلي مقدم دون ريب ولا خصوصية إذ ذاك لتعدد الأقيسة بل لقوة الظن\nوقد ذكر الإمام أن من صور المسألة ترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة ولكن وافق في هذا الفرع بين المخالفين في المسألة ولا شك أن الخلاف فيه أضعف وقد نقله إمام الحرمين عن بعض المعتزلة وقال الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد ثم نقل أن القاضي قال ما أرى تقديم الخبر بكثرة الرواة قطعيا والوجه فيه أن المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكا إلا الخبرين واستوى رواتهما في العدالة والثقة وزاد أحدهما بعدد الرواة فالعمل به قال وهذا قطعي لأنا نعلم أن الصحابة لما تعارض لهم خبر معين بهذه الصفة لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدمون هذه قال وأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرة رواة أحدهما فالمسألة الآن ظنية وهذا الذي ذكره القاضي حق ويشبه أن لا يكون محل الخلاف إلا في الصورة التي جعلها ظنية فإنه كما ذكر قد يقال فيها بالنزول عنها والتمسك بالقياس وقد يظن أن الصحابة كانوا يقدمون الخبر الكثير الرواة ويضربون عن القياس فالخلاف في هذه الصورة منتجه وأما في الأولى فلا مساغ له نعم إذا اجتمع مزية الثقة وقوة العدد بأن روى أحد الخبرين ثقة وروى الآخر جمع لا يبلغ أحدهم مبلغ راوي الخبر إلا في الثقة والعدالة فهذه صورة أخرى\nوقد اعتبر بعض أهل الحديث مزيد العدد وبعضهم مزيد الثقة قال إمام الحرمين والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة فإن الذي يغلب على الظن أن الصديق رضوان الله عليه لو روى خبرا وروى جمع على خلافه لكان أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين يؤثرون رواية الصديق انتهى وأبلغ قول في ذلك ما ذكره الغزالي من أن الاعتماد في ذلك ما غلب على ظن المجتهد فإن الكثرة وإن قوة الظن فرب عدل أقوى في النفس من عدلين ويختلف","vol":"3","page":217},{"text":"ذلك باختلاف الأحوال والرواة وأما تقديم خبر الصديق رضوان الله عليه فلأن الظن الحاصل بخبره أقوى من الحاصل بخبر الجمع الكثير وقد لا يتأتى ذلك في غيره ومن صور مسألة الكتاب أيضا إذا انضم إلى أحد الخبرين قياس والذي ارتضاه الشافعي ﵁ تقديم الحديث الذي وافقه القياس لأن الترجيح يجوز بما يوجب تغليب الظن تلويحا مع أن مجرد التلويح لا يستقل دليلا كان اعتضد أحد الخبرين بما يستقل دليلا فلأن يكون مرجحا أولى وقال القاضي يتساقط الخبران ويرجع إلى القياس والمسلكان مفيضان إلى موافقة حكم القياس ولكن الشافعي ﵁ يرى متعلق الحكم بالخبر المرجح بموافقة القياس والقاضي يعمل بالقياس ويسقط الخبرين مستدلا بأن الخبر مقدم على القياس ويستحيل تقديم خبر على خبر بما يسقط الخبر وما يقدم على القياس إذا خالفه فهو مقدم عليه إذا وافقه وقال إمام الحرمين القول عندي في ذلك لا يبلغ مبلغ الإفادة ولمن نصر الشافعي أن يقول إنما يقدم الخبر إذا لم يعارضه خبر فإذا تعارضا افتقر أحدهما إلى التأكيد بما يغلب على الظن قلت ويناظر هذا لخلاف الذي ذكره الأصحاب في البيتين إذا تعارضا ومع أحدهما يد فإن الحكم لذات اليد ولكن هل القضاء للداخل باليد أم بالبينة المرجحة باليد اختلفوا فيه وينبني على الخلاف أنه هل يشترط أن يخلف الداخل مع بينته ليقضي له فيه وجهان أو قولان أصحهما لا كما لا يخلف الخارج مع بينته","vol":"3","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>في ترجيح الأخبار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>طرق ترجيح الأخبار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>بحال الراوي</span>\n...\nقال \"الباب الثالث في ترجيح الأخبار وهو على وجوه\nالأول: بحال الراوي\nفيرجح بكثرة الرواة وقلة الوسائط وفقه الراوي علمه بالعربية وأفضليته وحسن اعتقاده وكونه صاحب الواقعة وجليس المحدثين ومختبرا ثم معدلا بالعمل على روايته وبكثرة المزكين وبحثهم وعلمهم وحفظه وزيادة ضبطه ولو لألفاظه ﵇ ودوام عقله وشهرة نسبه وعدم التباس اسمه وتآخو إسلامه\"\n\"ش\" أعلم أن تعارض الأخبار إنما يقع بالنسبة إلى ظن المجتهد أو بما يحصل من خلل بسبب الرواة وأما التعارض في نفس الأمر بين حديثين صح صدورهما عن النبي ﷺ فهو أمر معاذ الله أن يقع ولأجل ذلك قال الإمام أبو","vol":"3","page":218},{"text":"بكر بن خزيمة ﵁ لا أعرف أنه روي عن رسول الله ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين فمن كان عنده فليأت به حتى أولف بينهما إذا عرفت هذا فنقول ترجيح الأخبار على سبعة أوجه\nالأول بحسب حال الرواة وذلك باعتبارات أولها بكثرة الرواة وقد مر هذا آنفا مثاله لو قال الحنفي لا يجوز رفع اليدين في الركوع وعند الرفع منه لما روى إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح ثم لا يعود فيقول راوي ابن عمر أنه ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وروى رفع اليدين كما روى ابن عمر وآيل بن حجر وأبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة وأبو سعد وسهل بن سعد ومحمد ابن مسلمة ورواه أيضا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن الزبير وأبو هريرة وجمع بلغ عددهم ثلاثا وأربعين صحابيا وأعلم أنا قد نذكر المثال الواحد للحكم وهو يصلح مثالا لأحكام كثيرة وأنا قد مثلنا لما اشتمل عليه من ضرب من الترجيح وأن عارضه أقوى منه أو ساعده فلا يضرنا ذلك وهنا ليس مستندنا مجرد لكثرة بل والعلل المذكورة فيما رواه القوم مما ليس من غرض الشرح التطويل بذكره\nالثاني: بقلة الوسائط وعلو الإسناد لاحتمال الغلط والخطأ فيما قلت وسائطه أقل وما برحت الحفاظ الجهابذة تطلب علو الإسناد وتفتخر به وتركب القفار وتنادي عند الديار في تحصيله ومن أمثلته أن يقول الحنفي الإقامة مثنى كالأذان لما روى عامر الأحول عن مكحول أن أبا محيريز حدثه أن أبا محذورة حدثه أن رسول الله ﷺ علمه الأذان وعلمه الإقامة الحديث وذكر فيه الإقامة مثنى مثنى فيقول الشافعي بل هو فرادى لما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال مر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة\nوهذا الحديث من حديث خالد كما رأيت وبينه وبين النبي ﷺ فيه ثلاثة وخالد وعامر متعاصران روى عنهما شعبة","vol":"3","page":219},{"text":"الثالث: بفقه الراوي سواء كانت الرواية بالمعنى أم باللفظ ومنهم من قال إن روي باللفظ فلا يرجح بذلك والحق ما ذكرناه لأن للفقيه مرتبة التميز بين ما يجوز وما لا يجوز فإذا سمع ما لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه والطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف الجاهل\nوحكى علي بن خشرم قال قال لنا وكيع أي الإسنادين أحب إليكم الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله فقلنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله فقال يا سبحان الله الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ وسفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه وحديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ\nالرابع: بعلم الراوي بالعربية لأن العالم بها يمكنه التحفظ عن مواقع الزلل فكان الوثوق بروايته أكبر قال الإمام ويمكن أن يقال هو مرجوح لأن العالم بها يعتمد على معرفته فلا يبالغ في الحفظ والجاهل بها يكون خائفا فيبالغ في الحفظ\nالخامس: الأفضلية لأن الوثوق بقول الأعلم أتم فيقدم رواية الخلفاء الأربعة في رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه على رواية ابن مسعود\nالسادس: حسن اعتقاد الراوي رواية غير المبتدع أولى من رواية المبتدع ولقائل أن يقول إذا كانت بدعته بذهابه إلى أن الكذب كفر أو كبيرة لأن ظن صدقه أغلب ولكن الذي جزم به الأكثرون ما قلناه ومثاله إذا قيل صوم الدهر سنة كما اختاره الغزالي لما روى إبراهيم بن أبي يحيى بسنده أن رسول الله ﷺ قال: \"من صام الدهر كله فقد وهب نفسه لله\" فيجب من يقول بأنه مكروه كصاحب التهذيب وغيره بأنه روي أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: \"لا صام من صام الدهر صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر١\" وبأنه روي أنه ﵇:\"نهى عن صيام الدهر٢\" والحديث الذي أورده الخصم\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه البخاري ٣/٨٧\n٢ عن عبد الله بن عمرو قال:قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: \"لاصام من صام الأبد\" رواه البخاري ومسلم =","vol":"3","page":220},{"text":"لا يعارض هذين الحديثين لأن إبراهيم بن يحيى وإن سلمنا أنه ثقة كما قاله الشافعي وابن الأصبهاني وابن عقده وابن عدي إلا أنه كان مبتدعا قال البخاري كان يرى القدر وكان جهميا\nالسابع: كون الراوي صاحب الواقعة لأنه أعرف بالقصة وبهذا رجح الشافعي ﵁ خبر أبي رافع على خبر ابن عباس في تزويج ميمونة أنه ﷺ نكحها وهو محرم لأن أبا رافع كان السفير في ذلك فكان أعرف بالقصة كذا قيل والحق ان هذا من باب الترجيح بكون أحد الروايتين مباشر لما رواه وهو قسم آخر فصله الآمدي وغيره عن هذا بل مثال هذا قول ميمونة تزوجت رسول الله ﷺ ونحن حلالان فتقدم على رواية ابن عباس وقد خالف في هذا الجرجاني من أصحاب أبي حنيفة\nالثامن: بكون الراوي جليس المحدثين أو أكثر مجالسته من الراوي الآخر لأنه أقرب إلى معرفة ما يعتور الرواية ويداخلها من الخلل ويمكن أن يمثل هذا برواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدا وهكذا رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وروى الأسود بن زيد عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا فحديث عروة القاسم عن خالتهما أولى لمجالستهما لها وسماعهما منها الحديث شفاها داخل الستر\nالتاسع: بكون الراوي مختبرا فيرجح المعدل بالممارسة والاختبار على من عرفت عدالته بالتزكية أو برواية من لا يروي من غير العدل لأن الخبر أضعف من المعاينة\nالعاشر: بكون الراوي معدلا بالعمل على روايته أي يكون ثبوت عدالته بعمل من روى عنه فيرجح على الذي يكون رواية معدلا بغير ذلك وقد أتى صاحب الكتاب بقوله ثم معدلا ليفهم أن التعديل بالاختيار مقدم على هذا الضرب\n_________\n- = وفي رواية للجماعة إلا البخاري وابن ماجة:\"قيل يا رسول الله كيف بمن صام الأبد؟ قال: \"لا صام ولا أفطر\" أو \"لم يصم ولم يفطر\" \"نيل الأوطار ٤/٢٤٢-٣٤٣\"","vol":"3","page":221},{"text":"فالمراتب ثلاثة التعديل بالاختيار ثم بالعمل ثم بغير ذلك ولقائل أن يقول إن أردتم بغير ذلك صريح القول في التزكية فلا نسلم أن التعديل بالعمل أرجح منها كيف وقد اختل في كونها تعديلا وجزم بهذا الآمدي وغيره وقالوا يرجح صريح المقال في التزكية على العمل بروايته والحكم بشهادته\nالحادي عشر: كثرة المزكين للراوي وقد سبق ما يناظره ومن أمثلته حديث بسرة بنت صفوان في مس الذكر مع ما يعارضه من حديث طلق فحديث بسرة رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة ابن الزبير وليس فيهم إلا من هو متفق على عدالته وأما رواة الحديث طلق فقد قل مزكوهم بل اختلف في عدالتهم فالمصبر إلى حديث بسرة أولى\nالثاني عشر: كثرة بحث المزكين عن أحوال الناس لزيادة الثقة بقولهم حينئذ\nالثالث عشر: كثرة علمهم لأن كثرة العلم تؤدي إلى الصواب\nالرابع عشر: حفظ الراوي وقد أطلقه في الكتاب وهو يحمل أمرين كلاهما حق معتبر أحدهما أن يكون قد لفظ الحديث واعتمد الآخر على المكتوب فالحافظ أولى لما لعله يعتور الخط من نقص وتغيير قال الإمام وفيه احتمال قلت وهو احتمال بعيد وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يحتج برواية من يعول على كتابته قال أشهب سئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح الأحاديث فقال لا يؤخذ عنه أخاف أن يزاد في كتبه بالليل وعن هشيم من لم يحفظ الحديث فليس هو أولى من أصحاب الحديث يجيء أحدهم بكتاب كأنه سجل مكاتب وثانيهما أن يكون أحدهما أكثر حفظا فإن روايته راجحة على من كان نسيانه أكثر وسيأتي على الأثر مثال هذا في حديثي شعبة وإسماعيل بن عياش قال شبعة أحفظ منه بلا ريب ومن أمثلته أيضا احتجاجا على أن المسح يتأقت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام وليالهن للمسافر بحديث عاصم عن ذر بن حبيش قال أتيت صفوان بن عسال فسألته عن المسح على الخفين فقال كنا نكون مع رسول الله ﷺ فيأمرنا أن لا ننزع اخفافنا ثلاثة أيام إلا من","vol":"3","page":222},{"text":"جنابة لا من غائط وبول ونوم فإن للخصم في المسألة وهو مالك ﵀ أن يقول قد تكلم في حفظ عاصم بن أبي النجود قال العقيلي لم يكن فيه إلا سوء الحفظ وقال الدارقطني في حفظه شيء فليرجح عليه حديث أنس أن النبي ﷺ قال: \"إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة١\"\nالخامس عشر: زيادة ضبط الراوي وشدة اعتنائه فليرجح من كان أشد اعتناء به وأكثر اهتماما ولو كان ذلك الضبط لألفاظ الرسول بأن يكون أكثر حرصا على مراعاة كلامه وحروفه لأنه حينئذ يكون أقرب إلى الرواية باللفظ وقد تقدم أنها راجحة على الرواية بالمعنى ومن أمثلته احتجاجا على أن الدم الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء بما رواه شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"لا وضوء إلا من صوت أو ريح٢\" فإن عارضه الخصم بما روى إسماعيل ابن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة مرفوعا من قاء أو رعن فأحدث في صلاته فليذهب فليتوضأ ثم ليبن على صلاته قلنا ليس إسماعيل كشعبة في الضبط كيف لا وشعبة أمير المؤمنين في الحديث وابن عياش خلط على المدنيين\nالسادس عشر: بدوام عقل الراوي فيرجح رواية دائم العقل على من اختلط آونة من عمره ولم يعرف أنه روى الخبر حالة سلامة العقل أو حال اختلاطه\nالسابع عشر: شهرة الراوي بالعدالة والثقة فيرجح رواية المشهور على الخامل لأن الدين كما يمنع من الكذب كذلك الشهرة والمنصب ومن أمثلته في\n_________\n١عن صفوان بن عسال قال: أمرنا – يعني النبي صلي الله عليه وسلم:\"أن نمسح علي الخفين إذا نحن أدخلناهما علي طهر – ثلاثا إذا سافرنا – ويوما وليلة إذا أقمنا ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولانوم ولانخلعهما إلا من جنابة\" رواه الالإمام أحمد وابن خزيمة وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد\nنيل الأوطار ١/٢٣٩\n٢ حديث ضعيف أخرجه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة – ﵁\nالجامع الصصغير ٢/٢٠٤","vol":"3","page":223},{"text":"مسألة القهقة من أحاديثنا رواية شعبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"لا وضوء إلا من صوت أو ريح\" فلا يعارضه الخصم برواية بقية عن محمد الخزاعي عن الحسن بن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لرجل ضحك: \"أعد وضؤك١\" فإن محمد الخزاعي ليس مشهورا بل هو من مجهولي مشايخ بقية والخصم وإن احتج به على قاعدته في العمل بخبر المجهول لكنه غير مشهور وابن شعبة من الأئمة المشهورين العظماء\nالثامن عشر: بشهرة نسبه فإن من ليس بمشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم\nالتاسع عشر: بعد التباس اسمه فيرجح رواية من لا يلتبس اسمه باسم غيره على رواية من يلتبس اسمه باسم غيره من الضعفاء ومن أمثلته أنه لو وقع إسنادان متعارضان في أحدهما محمد بن جرير الطبري أبو جعفر الإمام المشهور وفي الآخر ثقة مثله في العلم والعدالة وصفات الترجيح لقلنا الإسناد الذي فيه محمد بن جرير مرجوع لالتباس اسمه بمحمد بن جرير بن رستم بن جعفر الطبري وكذلك وقع الغلط لبعض الأئمة فنقل على ابن حجر الإمام أنه قال بوجوب المسح على الرجلين بدل غسلهما وإنما القائل بذلك ابن جرير هذا وهو رافضي وكذلك الليث بن سعد الإمام المشهور مع الليث بن سعد النصيبي أحد الضعفاء\nالعشرون: بتأخر إسلامه فيرجح رواية من تأخر إسلامه على رواية من تقدم إسلامه لأن تأخر الإسلام دليل على روايته أخيرا هكذا نطق به المصنف وصرح به الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وهو حق مستقبل وجزم الآمدي بعكسه معتلا بعراقة المتقدم في الإسلام ومعرفته وليس بشيء وقال الإمام الأولى أن يفصل ويقال المتقدم إذا كان موجودا مع المتأخر لم يمنع أن تكون روايته متأخرة عن رواية المتأخر فأما إذا مات المتقدم قبل إسلام المتأخر\n_________\n١ أخرجه الطبراني وفيه محمد بن عبد الملك الدقيقي – طرحه ابن معين كما أخرجه الدارقطني وفيه متروك\nأنظر نصب الراية للزيلعي ج ١ص ٤٨","vol":"3","page":224},{"text":"وعلمنا أن أكثر رواه المتقدم على رواة المتأخر منها هنا نحكم بالرجحان لأن النادر يلحق بالغالب ولقائل أن يقول قولكم لا يمنع أن تكون روايته متأخرة فيما إذا لم يمت قبله مسلما ولكن هي مشكوكة ورواية متأخر الإسلام مظنونة التأخر فليرجح على المشكوكة فيها ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمور رسول الله ﷺ ومن أمثلة الفصل قال الشافعي في مسألة المس قيس بن طلق راوي حديث الخصم وهو ممن تقدم إسلامه وأبو هريرة من رواة أحاديثنا وكان إسلامه بعد الهجرة بست سنين فرأينا إمكان النسخ متطرقا إلى ما رواه قيس","vol":"3","page":225},{"text":"قال الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-242> بوقت الرواية</span>\nفيرجح الراوي في البلوغ على الراوي في الصبا وفي البلوغ والمتحمل وقت البلوغ على المتحمل في الصبا وفيه أيضا\n\"ش\" الخبر الذي لم يرو به شيئا من الأحاديث إلا بلوغه راجح على خير من لم يروها إلا في صباه لأن البالغ أقرب إلى الضبط ويرجح أيضا على خبر من روى البعض في صباه والبعض في بلوغه لاحتمال أن يكون من مروياته في الصغر قوله والمحتمل أن يرجح الخبر الذي لم يتحمل رواية الأحاديث إلا في زمن بلوغه على من لم يتحمل إلا في زمن صباه قوله أو فيه أيضا أي ويرجح هذا أيضا على من يتحمل البعض في صباه والبعض في بلوغه لاحتمال أن يكون هذا الخبر من الأحاديث المحتملة في الصغر ولهذا قدم ابن عمر روايته في الإفراد في الحج على رواية أنس وقال إنه كان صغيرا وكنت أدخل على النساء وهن مكتشفات وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ يسيل علي لعابها هكذا ينبغي تقرير ما في الكتاب فلا يعدل عنه وبه يتبين لك أن الكلام هنا في بحثين أحدهما بوقت الرواية في زمن الصبي والثاني بوقت التحمل","vol":"3","page":225},{"text":"قال الثالث:<span data-type=\"title\" id=toc-243> بكيفية الرواية</span>\nفيرجح المتفق على رفعه والمحكي بسبب نزوله وبلفظه وما لم ينكره راوي الأصل ش الترجيح بكيفية الرواية أقسام أولها ترجيح الحديث المتفق على كونه مرفوعا إلى النبي ﷺ على المختلف في كونه موقوفا ومن أمثلته أن عبادة ابن الصامت روى أنه ﷺ قال: \"لا صلاة لمن لم","vol":"3","page":225},{"text":"يقرأ بفاتحة١\" الكتاب وهو مدون في الصحاح متفق على رفعه دال على المأموم يقرأ خلف الإمام فإن احتج الخصم بما روى يحيى بن سلام قال ثنا مالك ابن أنس ثنا وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا أن تكون وراء الإمام٢\" قلنا لم يرفعه عن مالك غير يحيى بن سلام وهو في الموطأ موقوف وقد قيل وهم يحيى بن سلام عن مالك في رفعه ولم يتابع عليه ويحيى كثير الوهم وثانيها يرجح الخبر الذي حكاه الراوي بسبب نزوله لزيادة الاهتمام من حاكى سبب النزول بمعرفة ذلك الحكم وثالثا الخبر المؤدى بلفظ مرجح على المروى بمعناه أو المشكوك في كونه مرويا باللفظ أو المعنى وينبغي أن يرجح المشكوك منه على ما علم أنه مروي بالمعنى ولم أظفر بحديثين متعارضين أحدهما مروي باللفظ والآخر بالمعنى فأمثل به ورابعها إذا أنكر الأصل رواية الفرع عنه وجزم بالإنكار فرواية الفرع غير مقبولة وإن تردد قبلت على المختار فإن قلنا بها فالخبر الذي لم ينكره الأصل راجح على ما أنكره وقد اتبع المصنف الإمام في تعبيره براوي الأصل والصواب زيادة ال في الراوي أو حذفه بالكلية ومن أمثلة هذا الفصل أن سفيان بن عيينة روى عن عمر وعن أبي معبد عن ابن عباس قال كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير قال عمرو بن دينار ثم ذكرته لأبي معبد بعد فقال لم أحدثه قال عمرو وقد حدثه قال وكان من أصدق موالي ابن عباس قال الشافعي ﵁ فإنه نسيه بعد ما حدثه إياه وهذا مثال لما أنكره راوي الأصل ومنها ما روى محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن صدقة قال سمعت بن عمر وسأله رجل فقال إني أهللت بهما جميعا قال لو كنت اعتمرت كان أحب إلي ثم أمره فطاف بالبيت وبالصفا والمروة قال ولا تحل منها بشيء دون يوم النحر ثم شعبة نسي هذا الحديث فقلت إنك\n_________\n١ رواه البخاري:كتاب الصلاة ١/١٩٢ ومسلم:كتاب الصلاة ١/٢٩٥ حديث رقم ٣٩٤\n٢ رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة من حديث عائشةوابن عمر كما رواه البيهقي من حديث علي – ﵁ والخطيب عن أبي أمامة بدون ذكر \"إلا أن تكون وراء الإمام\" الجامع الصغير ٢/٩٣","vol":"3","page":226},{"text":"حدثتني به قال إن كنت حدثتك فهو كما حدثتك وهذا مثال لما لم ينكر ومنهم من كان يقول بعد ذلك حدثني فلان عني كما روى عبد العزيز بن محمد بن ربيعة بن عبد الرحمن بن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد قال عبد العزيز فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبد العزيز وقد كان أصاب سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه وكان سهيل يحدثه عن ربيعة عن أبيه وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال حدثني ابني عني أن النبي ﷺ:\"نهى أن يجعل فص الخاتم من غيره\" وقال سعيد بن أبي عروبة حدثني بعض أصحابي عن ابن أبي معشر عن إبراهيم في الرجل يقر بالولد ثم ينفيه قال يلاعن بكتاب الله ﷿ ويلزم الولد بقضاء رسول الله ﷺ وقال جرير حدثنيه عن ابن مجاهد عني وهو عندي ثقة عن ثعلبة عن الزهري قال إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن\nوقد جمع الحافظ أبو بكر الخطيب جزءا ضخما فمن حدث ونسي","vol":"3","page":227},{"text":"قال الرابع: بوقت وروده\nفيرجح المدنيات والمشعر بعلو شأن الرسول ﵇ والمتضمن للتخفيف والمطلق على متقدم التاريخ والمؤرخ بتاريخ مضيق والمتحمل في الإسلام\n\"ش\" ذكر في الترجيح<span data-type=\"title\" id=toc-244> بوقت ورود الخبر </span>أقساما ستة والإمام قد ذكرها أيضا وقال هذه الوجوه في الترجيح ضعيفة أي إفادتها للرجحان إفادة غير قوية لا بمعنى أن القول بإفادتها الرجحان ضعيف يدل عليه قوله بعد ذلك وهي لا تفيد إلا خيالا ضعيفا في الرجحان\nأحدهما: الخبر المدني مرجح على المكي لأن المدنيات متأخرة عن الهجرة والمكيات متقدمة عليها إلا قليلا والقليل ملحق بالكثير\nوثانيهما: يرجح الخبر الدال على علو شأن الرسول ﷺ على ما ليس كذلك لأنه يدل على تأخره فإن الزيادة العظمى في علو شأنه وظهور أمره كانت في آخر عمره وقال الإمام إن دل الأول على علو الشأن والثاني على الضعف ظهر تقديم","vol":"3","page":227},{"text":"الأول على الثاني أما إذا لم يدل الثاني لا على القوة ولا على الضعف فمن أين يجب تقديم الأول عليه واعترض عليه بأن المشعر بعلو شأن الرسول معلوم التأخر أو مظنونة وما لم يشعر بذلك مشكوك فيه فليرجح الأول\nوثالثها: يرجح المتضمن للتخفيف على المتضمن للتغليظ لأنه أظهر تأخرا فإن النبي ﷺ كان يغلظ في ابتداء أمره زجرا لهم عن عوائد الجاهلية ثم مال إلى التخفيف هكذا ذكره صاحب الحاصل واتبعه المصنف والحق خلافه فإن النبي ﷺ يرأف بالناس ويأخذهم شيئا فشيئا ولا يبدر بالتغليظ وهذا دأب الشرع يلوح ثم يعرض ثم يصرح والقرآن أكثره هكذا وانظر إلى آيات تحريم الخمر وغيرها وقد صرح الآمدي بما ذكرناه وقال احتمال تأخر التشديد أظهر وتبعه ابن الحاجب والإمام ذكره على سبيل الاحتمال بعد أن ضعف الأول ونحن لا ريب عندنا فيه كيف وسيأتي إن شاء الله تعالى أن المحرم مرجح على المبيح\nورابعها: يرجح الخبر المروي مطلقا على الخبر المروي بتاريخ متقدم لأن المطلق أشبه بالمتأخر\nوخامسها: يرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق أي من آخر عمره ﷺ على المطلق لأنه أظهر تأخرا ومن أمثلته صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا١\" ولكن الشافعي تعلق بجلوس النبي ﷺ في مرض موته والمقتدون به قيام ورآه وهذا من أواخر أفعاله والحديث الذي رويناه مطلق يغلب على الظن أنه كان قاله في صحته قال إمام الحرمين ومن هذا القبيل أخبار الدباغ مع ما رواه عبد الله بن عكيم الجهني قال ورد علينا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر: \"أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب\" وأحاديث الدباغ كانت مطلقة غير مقيدة بتاريخ والغالب على الظن جريانها قبل هذا التاريخ ولكن الشافعي رد حديث\n_________\n١ رواه الخمسة إلا الترمذي قال الإمام مسلم: هو صحيح نيل الأوطار ٢/٢٣٦ ط بيروت","vol":"3","page":228},{"text":"عبد الله لأنه كان محالا على الكتاب وناقل الكتاب ليس بمذكور فالتحق الحديث بالمرسلات ومن وجوه العلل فيه أنه روي عن عبد الله بن عكيم من طريق أخرى قال حدثنا مشيخة لنا من جهينة أن النبي ﷺ كتب إليهم الحديث رواه البخاري في تاريخه وأبو حاتم في صحيحه\nوسادسها: إذا حصل إسلام راويين معا كإسلام خالد وعمرو بن العاص ﵄ وعلم أن أحدهما تحمل الحديث بعد إسلامه فيرجح بخبره على الخبر الذي لا يعلم هل تحمله الآخر قبل الإسلام أو بعده لأنه أظهر تأخرا","vol":"3","page":229},{"text":"قال الخامس<span data-type=\"title\" id=toc-245> باللفظ</span>\nفيرجع الفصيح لا الأفصح والخاص وغير المخصص والحقيقة\nوالأشبه بها والشرعية ثم العرفية والمستغني عن الإضمار والدال على المراد من وجهين بغير واسطة والموفي إلى علة الحكم والمذكور معه معارضة والمقرون بالتهديد\n\"ش\" الترجيح بحسب اللفظ يقع بأمور الأول فصاحة أحد اللفظين مع ركاكة الآخر ومن الناس من لم يقبل الركيك والحق قبوله وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه فإنه لا يشترط على الراوي بالمعنى أن يأتي بالمساوئ في الفصاحة\nالثاني قال قوم يرجح الأفصح على الفصيح لأن النبي ﷺ كان أفصح العرب فلا ينطق بغير الأفصح والحق الذي جزم به في الكتاب أنه لا يرجح به لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح وقد يتكلم بالفصيح لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة فإنه يقصد إفهامهم وقد روى عبد الرزاق عن عمر عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان عن أم الدرداء عن كعب بن عاصم الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليس من أم بر أم صيام في أم سفر\" واراد \"ليس من البر الصيام في سفر١\" فأتى\n_________\n١ حديث مسلم صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله كما أخرجه من حديث ابن عمر الجامع الصغير ٢/١٣٧","vol":"3","page":229},{"text":"بهذه اللغة إذ خاطب بها أهلها وهي لغة الأشعريين يقبلون اللام ميما\nالثالث: يرجح الخاص على العام لما تقدم في بابه ومن أمثلة الفصل رواية أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن رسول الله ﷺ علم رجلا الصلاة فقال: \"كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن\" وقد احتج به الخصم على أن الفاتحة لا تتعين ولنا ما ثبت في الصحيحين قوله ﷺ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" ورواه الدارقطني ولفظه: \"لا تجزى صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" وهو أظهر في الدلالة لأنه صريح في نفي الصحة\nالرابع: يقدم العام الذي لم يخصص على العام الذي نص واستدل عليه الإمام بأن الذي دخله التخصيص قد أزيل عن تمام مسماه والحقيقة مقدمة على المجاز ولقائل أن يعقل إذا كان الغالب أن كل مخصص وأنه ما من عام إلا وقد خص فالعمل لمخصص أولى لأنه التحق بالغالب فاطمأنت إليه النفس ولم ينتظر بعده تطرق التخصيص إليه بخلاف الباقي على عمومه فإن النفس لا تستيقن ذلك واعترض الهندي أيضا بأن المخصوص راجع من حيث كونه خاصا بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التخصيص والخاص أولى من العام\nالخامس: تترجح الحقيقية على المجاز لتبادرها إلى الذهن فتكون أظهر دلالة من المجاز وهذا إذا لم يكن المجاز غالبا فإن غلب فقد سبق في موضعه فإن قلت المجاز المستعار أظهر دلالة من الحقيقة فإن قولك فلان بحر أقوى من قولك فلان سخي قلت ليس المعنى قولنا أظهر دلالة وأبلغ بل إن المتبادر فيها إلى الفهم أكثر كما عرفت ولا نسلم أن الاستعارة كذلك فضلا عن أن تكون أظهر ولك أن تقول إذا ذكر المجاز بدون قرينة معينة مقيدة بأن قيل ابتداء فلان بحر فهذا الجواب صحيح لأنه ليست دلالة هذا على الكرم أظهر من قولنا سخي أو كريم كما ذكرتم لأن سميته بالبحر متردد بين علمه الغزير وكرمه الكثير فلا يتعين الواحد منهما إلا بقرينة وأما إذا وجدت أمه قرينة مخصصة معينة لذلك المعنى المجازي فالاستعارة كذلك أظهر دلالة وذلك كقول","vol":"3","page":230},{"text":"القائل رأيت أسدا يرمي بالنشاب أو سهم يقوه بالخطاب فإن لهذا دلالة ظاهرة أظهر وأقوى من قولك رأيت شجاعا\nالسادس: إذا تعارض خبران أو لم يمكن العمل بأحدهما إلا بعد ارتكاب المجاز ومجاز أحدهما أشبه بالحقيقة من مجاز الآخر فيرجح على ما ليس كذلك وقد مر تمثيله في المجمل والمبين\nالسابع: برجح المشتمل على الحقيقة الشرعية على المشتمل على العرفية أو اللغوية ثم العرفية مقدمة على اللغوية كما عرفت في مكانه\nالثامن: يرجح الخبر المستغني عن الإضمار في الدلالة على المفتقر إليه لكون الإضمار على خلاف الأصل\nالتاسع: يقدم الخبر الدال على المراد من وجهين على الدال عليه من وجه واحد لقوة الظن الحاصل من الأول بتعذر جهة الدلالة\nالعاشر: يرجح الخبر الدال على الحكم بغير وسط على ما يدل عليه بوسط لزيادة غلبة الظن بقلة الوسائط مثاله قوله ﷺ: \"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل١\" فإنه لا يدل على بطلان نكاحها إذا نكحت نفسها بإذن وليها إلا بواسطة الإجماع إذ يقال إذا بطل عدم الإذن بطل بالإذن لعدم القائم بالفصل وقوله ﷺ: \"الأيم أحق بنفسها من وليها٢\" يدل على صحة نكاحها إذا نكحت نفسها مطلقا من غير واسطة فالحديث الثاني أرجح من هذا الوجه\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث عائشة ﵂ – وتمام الحديث: \"أيما إمراة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن كان دخل بها فلها صداقها بما استحل من فرجها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له\" الجامع الصغير ١/١١٩\n٢ حدجيث صحيح أخرجه الإمام مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث ابن عباس – ﵄ الجامع الصغير ١/١٢٤","vol":"3","page":231},{"text":"الحادي عشر الخبر المذكور مع لفظ موم إلى علته يرجح على ما ليس كذلك لأن الانقياد إليه أكثر من الانقياد إلى المذكور بغير علة مثاله تقديم قوله ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه١\" على ما روى نهيه ﷺ عن قتل النساء والصبيان من جهة أن قوله من بدل إيماء إلى أن العلة التبديل\nالثاني عشر: المذكور مع معارضة أولى مما ليس كذلك مثاله قوله ﵇: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها٢\" فيرجح عليه الخبر الدال على تحريم زيارة القبور أو على كراهيتها من غير ذكر معارض معه مثل: \"لعن الله زوارات القبور٣\" وذلك لأن الترجيح الأول يقتضي النسخ مرة واحدة وترجيح الثاني يقتضي النسخ الثاني حينئذ الأمر المذكور في الأول ونسخ الأمر المذكور فيه النهي المخبر عنه فيكون مرجوحا ومن أمثلته أيضا رواية جميلة بنت محيم قالت كان ابن الزبير يرزقنا الثمر في الجهد فيمر علينا ابن عمر فيقول لا تقاربوا فإن رسول الله ﷺ نهى عن الأقران مع رواية عطاء الخراساني عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ: \"كنت نهيتكم عن الإقران وإن الله قد أوسع عليكم الخير فاقرنوا \" فهذا يدل على جواز إقران التمرتين فما فوقهما وهو صريح في نسخ النهي عنه ولكن الشافعي ﵁ نص على تحريم الإقران بين التمرتين في غير موضع وكأنه لم ير صحة هذا الإسناد\nالثالث عشر:المعروف بنوع من التهديد يرجح لأن اقترانه به يدل على تأكد الحكم الذي تضمنه كقوله ﷺ: \"من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم٤\" وكذلك لو كان أحدهما زيادة تمهيد\n_________\n١ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد في مسنده من حديث ابن عباس – ﵄ الجامع الصغير ٣/١٦٨\n٢ أخرجه الحاكم من حديث أنس – ﵁ بلفظ \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكرة الآخرة ولا تقولوا هجرا\" الجامع الصغير ٢/٩٧\n٣ حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة والحاكم من حديث حسان بن ثابت كما رواه أحمد والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة الجامع الصغير ٢/١٢٤\n٤ رواه الترمذي من حديث عمار بن ياسر وأخرجه البزار عن أبي هريرة بلفظ \"نهي رسول الله صلي الله عليه وسلم – عن صيام ستة أيام: أحده اليوم الذي يشك فيه\" تحفة الأحوذي ٣/٣٦٥-٣٦٦","vol":"3","page":232},{"text":"قال السادس<span data-type=\"title\" id=toc-246> بالحكم</span>\nفيرجح المبقى لحكم الأصل لأنه لو لم يتأخر عن الناقل لم يفدو المحرم عن المبيح لقوله ﷺ: \"ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال\" والاحتياط ويعادل الموجب ومثبت الطلاق والعتاق لأن الأصل عدم القيد ونافي الحد لأنه ضرر لقوله ﷺ: \"أدرؤا الحدود بالشبهات\"\n\"ش\" الترجيح بحسب الحكم على وجوه الأول إذا كان أحد الخبرين مقرر الحكم الأصل والثاني ناقل فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل وذهب بعضهم واختاره الإمام وبه جزم المصنف أنه يجب ترجيح المقرر مثاله خبر من روي عنه ﷺ: \"إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ١\" وخبر من روى قوله ﷺ: \"هل هو إلا بضعة منك٢\" فإن الأول ناقل عن حكم الأصل والثاني مقرر وكذلك خبر من روى أفطر الحاجم والمحجوم مع من روى أنه ﷺ احتجم وهو صائم\nواحتج المصنف على ما ذهب إليه بأنه حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى من حمله على ما يستفاد بمعرفته فلو جعلنا المبقى مقدما على الناقل لكان واردا حيث لا يحتاج إليه لأنا في ذلك الوقت نعرف ذلك بالعقل ولو قلنا أن المبقى ورد بعد الناقل لكان واردا حيث يحتاج إليه فكان الحكم بتأخره أولى من الحكم بتقدمه عليه هذا تقريره وحاصله أنه يختار تقدم الناقل وتأخر المقرر لكونه متضمنا للعمل بالخبرين بالناقل في زمان وبالمقرر بعد ذلك فإن كانت الصورة هكذا وهي أنه يقرر حكم الناقل مدة في الشرع عند المجتهد وعمل بموجبه ثم نقل له المقرر في الشرع ولم يعلم التاريخ فيما ذكره من الاحتجاج والترجيح ظاهر\nقال النقشواني لكن ليست هذه الصورة بالتي فرض الخلاف وفيها لا يظن بهم المخالفة في ذلك وأما إن كانت الصورة على خلاف ذلك وهو أن الثابت\n_________\n١ أخرجه مالك في الموطأ وصححه يحي بن معين وأحمد بن حنبل\n٢ أخرجه أبو داود والترمذي وصححه كثير من أهل العلم","vol":"3","page":233},{"text":"عند الجمهور مقتضى البراءة الأصلية ونقل الخبران المقرر والناقل فلا يتأتى هذا الاحتجاج إذ يلزم تعطيل الناقل بالكلية لعدم وقوع العمل به في شيء من المدة بخلاف المقرر فإن الحكم العقلي يصير مستندا إليه ويصير شرعيا كذا ذكره النقشواني ولقائل أن يقول يتساقط الخبران بالتعارض ونرجح بالبراءة الأصلية ولا نقول إن الحكم العقلي صار شرعيا ولا نرجح أحد الخبرين لموافقته الأصل كما هو قضية تقرير الإمام والمصنف ونحمل قولهم أن المقرر راجح على أن العمل بمضمونه ثابت بالدليل العقلي الثاني ذهب الأكثرون وبه جزم المصنف إلى ترجيح المقتضى للتحريم وقال آخرون بترجيح المقتضى الإباحة لأن الإباحة تستلزم نفي الحرج الذي هو الأصل وحكاهم الشيخ أبو إسحاق وجهين وذهب الغزالي إلى أنهما يستويان لأنهما حكمان شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة واحتج الأولون بوجهين ذكرهما في الكتاب أحدهما ما روي من قوله ﷺ: \"ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال١\" وهو حديث رواه لا أعرفه والثاني أن الأخذ بالتحريم احتاط لأن الفعل إن كان حراما ففي ارتكابه ضرر وإن كان مباحا فلا ضرر في تركه وهذا ما اعتمد عليه الشيخ أبو إسحاق ولهذا إذا طلق إحدى زوجتيه حرمتا إلى البيان ومن أمثلة الفصل روى أحمد بن حنبل بطريقين متصلين أن رسول الله ﷺ قال: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" وروي الدارقطني بسنده سئل النبي ﷺ عن النبيذ حلال وحرام قال: \"حلال\" فيرجح الأول الثالث إذا ورد خبران مقتضى أحدهما التحريم والآخر الإيجاب فذهب المصنف إلى التسوية بينهما وإليه أشار بقوله ويعادل الموجب أي يعادل الخبر المحرم يقتضي استحقاق العقاب على الفعل كتضمن الموجب العقاب على الترك ورجح آخرون المقتضى للتحريم لأن المحرم يستدعي دفع المفسدة وهي أهم من جلب المصلحة وبه جزم الآمدي\n_________\n١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب البيوع باب الحلال بين والحرام بين ومسلم: كتاب المساقاة والمزارعة باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٤/١١٠بشرح النووي كما رواه أبو داود كتاب البيوع باب:احتناب الشبهات ٢/٢٢٨","vol":"3","page":234},{"text":"ومن أمثلة الفصل ما روى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: \"إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له١\" قال نافع فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم يروا لم يحل دون منظره سحاب ولا اقتران صبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو اقتران صبح صائما\nوهذا يستدل به من يقول بوجوب صوم يوم الشك ويعارضه خصمه بما روي عن عمار بن ياسر: \"من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ\" قال الترمذي حديث صحيح ومنها ما روي من قوله ﷺ: \"في مالي اليتيم زكاة٢\" إذا يدل على أنه يجب على الوالي إخراجهما مع قوله ﷺ: \"رفع القلم عن ثلاث٣\" إذا يدل على عدم الوجوب وإذا لم تجب حرم على الولي إخراجهما لأنه لا يتصرف إلا بالمصلحة والغبطة وذكر للقاضي أبو بكر في مختصر التقريب باختصار إمام الحرمين في تعارض العلة المقتضية للإيجاب مع العلة المقتضية للندب أن بعضهم قدم الإيجاب قال وفي هذا نظر فإن الوجوب فيه قدر زائد على الندب والأصل عدمه\nالرابع:إذا كان أحد الخبرين مثبتا للطلاق أو العتاق وإلا حزنا فيا له فمنهم من قدم المثبت على النافي لأن الأصل عدم القيد أي قيد النكاح وقيد الرقبة فما دل على ثبوت الطلاق أو العتاق فقد دل على زوال قيد النكاح أو ملك اليمين فكان موافقا للأصل فليرجح وهذا ما جزم به المصنف ومنهم من قدم النافي\n_________\n١ أخرجه الترمذي من حديث عمر وأبي هريرة وعائشة وسعد بن أبي وقاص وأنس وجابر وأم سلمة كما أخرجه الشيخان من حديث عمر وأبي هريرة وأحمد من حديث عاشة ومسلم من حديث سعد تحفة الأحوذي ٣/٣٧١\n٢ رواه الشافعي بلفظ: \"ابتغوا في مال اليتيم لا تأكله الزكاة\" والحديث ضعيف لكن عمل الصحابة عليه كما قال بن حزم أنظر المحلي ٥/٣٠٧ ط مصر\n٣ رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم من حديث علي وعمر – رضي اللهما لجامع الصغير ١/٢٤","vol":"3","page":235},{"text":"لكونه على وفق الدليل المقتضى لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين وهذا هو الصحيح عندي وقولهم الأصل عدم القيد لا يصح مع ثبوت وجوده فإن الأصل بعد ثبوت وجوده إنما هو بقاؤه ومنهم من سوى بينهما وتجري هذه الأقوال في تعارض الخبر المثبت والنافي في خبر الطلاق والعتاق أيضا كخبر بلال دخل النبي ﷺ البيت وصلى فيه وخبر أسامة لم يصل فيه\nونقل إمام الحرمين هنا عن جمهور الفقهاء ترجيح الإثبات ثم قال وهو يحتاج إلى من يدل تفصيل عندنا فإن كان الذي ينقله الناقل إثبات لفظ عن رسول الله ﷺ مقتضاه النفي فلا يرجح عن ذلك اللفظ المتضمن للإثبات لأن كل واحد من الراويين مثبت فيما ينقله ومثاله أن ينقل أحد الراويين أنه أباح شيئا وينقل الآخر أنه قال لا يحل وأما إذا نقل أحدهما قولا أو فعلا ونقل الآخر أنه لم يقله ولم يفعله فلإثبات مقدم لأن الغفلة تتطرق إلى المصغي المستمع وإن كان محدثا والذهول عن بعض ما يجري أقرب من تخيل شيء لم يجر له ذكر وهذا التفصيل حق ولا يتجه معه خلاف في الحالتين بل ينبغي حمل كلام القائل بالاستواء على الحالة الأولى\nوالقائل بتقديم الإثبات على الثانية ولا يجعل في المسألة خلاف نعم قد يقال في الحالة الثانية بعدم ترجيح الإثبات إذا كان النفي محصورا كخبر أسامة فإن قوله لم يصل نفي محصور في وقت يمكن نفي الفعل فيه فهذا له احتمال الخامس ترجيح الخبر النافي للحد على الموجب له خلافا لقوم واستدل عليه المصنف بأن الحد مدرء بقوله ﷺ: \"ادرؤا الحدود بالشبهات\" وهذا الحديث لا يعرف بهذا اللفظ إلا في مسند أبي حنيفة لأبي محمد البخاري وروى الترمذي: \"ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم١\" ثم صحح أنه موقوف ووجه\n_________\n١ روي هذا الحديث من عدة طرق باللفظ الأول ابن عدي من حديث ابن عباس – ﵄ كما رواه الترمذي والحاكم من حديث عائشة ﵂ – دون قوله \"الشبهات\" ولفظه كما في جامع الترمذي ٤/٣٣: \"أدرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له فخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة\" ورواية السيوطي في الجامع الصغي ١/١٤ \"ادرؤا الحدود بالشبهات وأقيلو الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالي\" رواه ابن عدي في جزء له من حديث ابن عباس وروي صدره أبو مسلم الكجي وابن السمعان في الذيل عن عمر بن عبد العزيز مرسلا ومسدد في سنده عن ابن مسعود موقوفا","vol":"3","page":236},{"text":"الحجة أن الخبر المعارض لوجوب الحد أقل درجاته أنه يكون شبهة والشبهة تدرأ الحد للحديث \"فائدة\" الخلاف في أنه هل يرجح النافي للحد جر في أنه هل يرجح النافي للحد جر في أنه هل يرجح العلة المثبتة للعتق على النافية له لتشوق الشارع إلى العتق ذكره ابن السمعاني","vol":"3","page":237},{"text":"قال \"السابع<span data-type=\"title\" id=toc-247> بعمل أكثر السلف</span>\"\n\"ش\" الترجيح بالأمر الخارجي على وجوه اقتصر منها في الكتاب على عمل أكثر السلف فالمختار ترجيح أحد الخبرين بعمل أكثر السلف به لأن الأكثر يوفق له الأقل وهذا ما جزم به المصنف ومنع قوم من حصول للترجيح به لأنه لا حجة في قول الأكثر ومن فروع المسألة التقديم بعمل الشيخين ولذلك قدمنا رواية من روى في تكبيرات العيدين سبعا وخمسا على رواية من روى أربعا كأربع الجنائز لأن الأول قد عمل به أبو بكر وعمر وقد بقيت مرجحات أخر في كل قسم من الأقسام السبعة أهملهما المصنف فتابعناه في ذلك لأن الخطب فيها يسير وهل المدار إلا على زيادة ظن بطريق من الطرق وقد انتحت أبوابها بما ذكرناه فلا يحتاج الفطن من بعده إلى مزيد تطويل ففيما ذكرناه إرشاد عظيم لما نذكره","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>في تراجيح الأقيسة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>بحسب العلة</span>\n...\nقال \"الباب الرابع في تراجيح الأقيسة\nوهي بوجوه الأول بحسب العلة\nفترجح المظنة ثم الحكمة ثم الوصف الإضافي ثم العدمي ثم الحكم الشرعي والبسيط والوجودي للوجودي والعدمي للعدمي\"\n\"ش\" قال إمام الحرمين ﵀ هذا الباب هو الغرض الأعظم من الكتاب وفيه تنافس القياسيين وفيه اتساع الاجتهاد واعلم أن ترجيح الأقيسة بوجوه\nالأول:بحسب العلة وهو مفرع على جواز التعليل بكل واحد من الأوصاف التي نذكرها وذلك خمسة أمور أولها يرجح القياس المعلل بالوصف","vol":"3","page":237},{"text":"الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة على القياس المعلل بنفس الحكمة للإجماع بين القياسين على صحة التعليل بالمظنة ومن أمثلته ترجيح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة\nوثانيها: يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي لأن العدم لا يكون علة إلا إذا علم اشتماله على الحكمة فإذا كانت العلة الحكمة لا ذلك العدم كان التعليل بها أولى فإن قلت قضية هذا أن يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف الحقيقي قلت نعم ولكن التعليل الحقيقي راجح من جهة كونه منضبطا ولذلك الاتفاق عليه قوله ثم الوصف الإضافي اعلم أن هذا ساقط في بعض النسخ ولإسقاطه وجه وجيه لدخوله تحت العدمي إذ الإضافات من الأمور العدمية وقد قررنا أن التعليل بها مرجوح ولإثباته وجه من جهة أنه مختلف في كونه وجوديا ومثال تعارض التعليل بالحكمة والوصف الإضافي أن يقول القائل في النكاح بلا ولي ناقضة بالأنوثة فلا ينفذ منها عقد النكاح كالصغيرة فيكون أولى منه أن يقول قلة العقل والدين مع فرط الشهوة حكمة تقتضي أن تسلب الولاية فإن هذا التعليل بالحكمة وذاك بالنقصان وهو أمر إضافي\nوثالثها: وإن شئت قلت رابعها على صحة إحدى النسختين يرجع القياس المعلل حكما بالوصف العدمي على المعلل حكمه بالحكم الشرعي لأن التعليل بالعدمي يستدعي كونه مناسبا للحكم والحكم الشرعي لا يكون علة إلا بمعنى الأمارة والتعليل بالمناسب أولى من التعليل بالأمارة وهذا ما اختاره المصنف وصاحب التحصيل وصفي الدين الهندي والإمام ذكر في المسألة احتمالين ولم يرجح شيئا أحدهما هذا والثاني عكسه قال لأن الحكم الشرعي أشبه بالموجود فإن قلت لا نسلم ذلك وهذا لأن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية بدليل أنه يجوز لها ولغيرها بحسب الأشخاص والأزمان والأمان والأمور الاعتبارية أمور عدمية قلت لما كان الحكم هو الخطاب المتعلق ولا شك أن الكلام أمر وجودي سقط هذا\nورابعها: يرجح المعلل بالحكم الشرعي على المعلل حكمه بغيره ما عدا","vol":"3","page":238},{"text":"الأقسام المذكورة كالوصف التقديري مثلا لكون التقديري على خلاف الأصل\nوخامسها: المعلل بالبسيطة مرجح على المعلل بالمركبة وهذا هو الذي جزم به المصنف وهو رأي المتأخرين وعليه الجدليون وعلل بأمر أحدهما أن البسيطة تكثر فروعها فوائدها والآخر أن الاجتهاد يقل فيها وإذا قل الاجتهاد قل الحظر له وقال بعضهم بترجيح المركبة وقيل هما سواء قال القاضي في التلخيص لإمام الحرمين ولعله الصحيح وقد اعترض إمام الحرمين على ما اعتل به الأولون بأنه لا ترجيح بكثرة الفروع ثم إنه رب علة ذات وصف لا يلزم فروعها وربما كانت قاصرة وأما ترجيح البسيطة بقلة الاجتهاد فقول ركيك إذ النظر في الأدلة وترجيح بعضها على بعض لا يتلقى من جهة الحظر قال والذي يحقق هذا أن صاحب العلة ذات الوصف الواحد إذا لم يناظر في ذات الوصفين فاجتهاده قاصر وهو على رتبة المقلدين أو المقتصرين على طرف من الاجتهاد وإن نظر في ذات الوصفين ولم ير التعلق بهما فقد كثر اجتهاده وتعرض للغرور ولكن أدى اجتهاده إلى النفي وإن رأى ذات الوصف صحيحة فذات الوصفين عنده عديمة التأثير في أحد وصفيها وكل ذلك بعد نهاية الاجتهاد فسقط الركون إلى قلة الاجتهاد وتبين أن اقتحام النظر حتم على من يجتهد ومن أمن أمثلة الفصل قول الشافعي في الجديد العلة الطعم في الأشياء الأربعة مع ضمه في القديم التقدير إلى الطعم\nوسادسها: يرجح القياس الذي يكون فيه الوصف وجوديا والحكم وجوديا على ما إذا كان أحدهما عديما أو كانا عدميين ويرجح تعليل العدمي بالعدمي على ما إذا كان أحدهما وجوديا هذا حاصل ما في الكتاب فقوله والوجودي للوجودي أي ويرجح الوصف الوجودي لتعليل الحكم الوجودي على الأقسام الثلاثة وقوله ثم العدمي للعدمي أي يرجح على القسمين الباقيين ومما ينبه عليه المعتني بلفظ الكتاب أن المصنف إنما أتى بالواو في قوله والبسيط لكونه شروعا في ترجيح الأقيسة باعتبار آخر ونختم الفصل بقوله ما اقتضاه كلام المصنف من ترجيح التعليل بالعدمي للعدمي على التعليل بالوجودي للعدمي وعكسه هو ما صرح به الإمام معتلا بالمشابهة بين التعليل بالعدمي للعدمي","vol":"3","page":239},{"text":"وعندنا في هذه وقفة فإن مخالفة الأصل فيه أكثر من القسمين الباقيين فكان يجب أن يقضي عليه بالمرجوحية بالنسبة إليهما وإنما قلنا إن مخالفة الأصل فيه أكثر لأن العلية والمعلولية وصفان وجوديان ولا يمكن حملهما على المعدوم إلا إذا قدر موجودا وهو خلاف الأصل وزيادة المناسبة والمشابهة لا تصلح مقاومة لمخالفة الأصل بل لقائل أن يقول إذا كانت العلية والمعلولية صفتين وجوديتين كما صرح به الإمام هنا فيستحيل قيامهما بالمعدومين فإن لم يقتض ذلك منع هذا القسم فلا أقل من اقتضائه المرجوحية\nومما يلتحق بأذيال ما قررناه الترجيح بين العدمي بالوجودي وعكسه وقد سكت عنه المصنف لتوقف الإمام فيه ونحن نقول هو أولى من عكسه لأن المحذور في عكسه أشد لحصوله في أشرف الجهتين وهو العلية\nمثال الوجوديين مع العدميين قولنا الخلع طلاق لأنه فرقة ينحصر ملكها في الزوج فيكون طلاقا كما لو قال أنت طالق على ألف مع قول القديم هو فسخ لأنه لا رجعة فيه فلا يكون طلاقا كالرضاع ومثال العدميين مع الوصف في العدمي والحكم الوجودي قولنا المرأة لا تلي القضاء فلا تلي النكاح قياسا على المجنون مع قولهم لا تمنع من التصرف في المال فتتصرف في النكاح قياسا على العاقل ومثال العدميين مع الوصف الوجودي والحكم العدمي أن يقال في عتق الراهن تصرف صادف الملك فلا يلغى كما لو كان غير راهن فيقال لم يتصرف فيه وهو مطلق التصرف فيه فلا يعتبر كما لو أعتقه غير المالك ومثال الوصف العدمي والحكم الوجودي مع عكسه أن يقال في عتق الراهن ليس تصرفا من غير مالك فيكون معتبرا فيقال تصرف يبطل حق الغير وهو المرتهن فلا يعتبر","vol":"3","page":240},{"text":"قال \"الثاني<span data-type=\"title\" id=toc-250> بحسب دليل العلية</span>\nفيرجح الثابت بالنص القاطع ثم الظاهر اللام ثم إن والباء ثم بالمناسبة الضرورية الدينية ثم الدنيوية ثم التي في حيز الحاجة الأقرب اعتبارا فالأقرب ثم الدوران في محل ثم في محلين ثم السير ثم الشبه ثم الإيماء ثم الطرد\"\n\"ش\" الترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم على أقسام","vol":"3","page":240},{"text":"الأول: يرجح القياس الذي يثبت عليه الوصف لحكم أصله بالنص القاطع على ما لم يثبت بالقاطع لأنه لا يحتمل فيه عدم العلية بخلاف ما ليس بقاطع\nالثاني: يرجح ما ثبتت علية الوصف فيه بالظاهر على ما لم يثبت بالظاهر من سائر الأدلة سوى النص القاطع والألفاظ الظاهرة في إفادة العلية ثلاثة اللام وإن والباء وأقواها اللام لأنها أظهر في العلية من أن والباء وقد اقتضت عبارة الكتاب مساواة أن للباء والإمام تردد في أيهما يقدم واختار صفي الدين الهندي تقديم الباء لكونها أظهر في التعليل بالاستقراء\nالثالث: يرجح ما ثبت علية الوصف فيه بالمناسبة على ما عداها من الدوران وأشباهه لقوة دلالة المناسبة واستقلالها في إفادة العلية ويرجح من المناسبة من هو واقع في محل الضرورة على ما وقع في محل الحاجة وهو المصلحي أو التتمة وهو التحسيني كما تقدم شرح ذلك في كتاب القياس وترجح الضرورية الدينية على الضرورة الدنيوية لأن ثمرتها السعادة الأخروية التي هي انجح المطالب وأروح المكاسب فإن قلت بل ينبغي العكس لأن حق الآدمي مبنى على الشح والمضايقة وحق الله تعالى مبنى على المسامحة والمساهلة\nولهذا كان حق الآدمي مقدما على حق الله تعالى لما ازدحم الحقان في محل واحد وتعذر استيفاؤهما منه كما يقدم القصاص على القتل في الردة والقطع في السرقة كذا الدين على زكاتي المال والفطر في أحد الأقوال قلت الذي نختاره تقديم حق الله تعالى لقوله ﷺ في حديث الخثعمية: \"فدين الله أحق بالقضاء١\" وفي المسائل التي ازدحم فيها الحقان كثرة والرأي الأصح تقديم الحج والعمرة والزكاة فسقط السؤال بالنسبة إلى الصور الثلاث وأما القتل والقطع فإن المقصود من الشرع إزالة مفسدة الردة ولا غرض له في القتل بل لما كان وسيلة إلى إزالة تلك المفسدة شرع فلما اجتمع مع حقي الآدمي ولم\n_________\n١ رواه البخاري أنظر سبل السلام ٢/١٨٢","vol":"3","page":241},{"text":"يتعارض القصدان إذ ليس غرض الآمدي سوى التشفي بالاقتصاص سلمناه إلى ولي الدم ليستوفي منه فيحصل القصدان في ضمن ذلك فلم يتقدم حق الآدمي وكذلك القول في القطع فتأمل هذا\nومن المسائل اجتماع الكفارات مع حق الآدمي وقد أجرى الأصحاب فيها أقوال الزكاة والأصح تقديم حق الله تعالى قوله الأقرب اعتبارا فالأقرب أي يرجح من ذلك ما هو أقرب اعتبارا في الشرع من صاحبه فيرجح ما ثبت اعتبار نوع وصفه في نوع الحكم على المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم أو المعتبر جنس وصفه في نوع الحكم وهما مرجحان على المعتبر جنس وصفه في جنس الحكم وما المرجح منهما قال الإمام هما كالمتعارضين وقال صفي الدين الهندي الأظهر تقديم المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم على عكسه وهو كما ذكر لحصول الخصوصية وقلة الإيهام في أشرف الجهتين وهي العلية\nالرابع: يرجح القياس الذي تثبت علية وصفه بالدوران على الثابت بالسير وما بعده لاجتماع الإطراد والانعكاس في العلية المستفادة من الدوران دون غيره بل قد قدمه بعضهم على المناسبة محتجا بأن المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية وهذا ضعيف فإن سبيل العلل الشرعية سبيل الإمارات والعقلية عند القائل بها موجبة فلا يمكن اعتبار تلك بهذه قال القاضي أبو بكر في التلخيص وباختصار إمام الحرمين في الكلام على البسيطة والمركبة مضاهاة العلل العقلية لا أصل له فإن السمعية لا تضاهي العقلية أبدا فتدبر ذلك ثم القياس الثابت عليته بالدوران الحاصل في محل واحد مرجح على الثابت عليته بالدوران الحاصل في محلين لقلة احتمال الخطأ في الأول لأنه يفيد القطع بعدم علية ما عدا الدوران بخلاف الدوران في محلين فإنه لا يفيد ذلك فإنا لما رأينا أن العصير لما لم يكن مسكرا لم يكن محرما ثم صار محرما بالإسكار وانعدم بعدمه حصلنا على قطع بأن ما عدا المسكرية من الصفات الثابتة في الأحوال الثلاثة ليس بعلة للحرمة وإلا لزم وجود العلة بدون الحكم أما الدوران في محلين فليس كذلك ألا ترى أن الحنفي إذا قال في مسألة الحلى كونه ذهبا موجب للزكاة لأن التبر لما كان ذهبا وجب فيه الزكاة","vol":"3","page":242},{"text":"وثياب البذلة لما لم يكن ذهبا لم يجب فيها الزكاة لم يكن القطع بأن ما عدا كونه ذهبا ليس علة لوجوب الزكاة لاحتمال أن يكون المجموع المركب من كونه ذهبا وكونه غير معد للاستعمال هو العلة هكذا قرروه ولك أن تقول لا نسلم أن الدوران الحاصل في محل واحد يقبل القطع بعدم علية ما عد الدوران كما تقرر في موضعه وإنما قصراه على الرأي المختار إفادة الظن نعم الظن الحاصل فيه أقوى من الحاصل في محلين وقوة الظن كافية في الترجيح\nالخامس: يرجح القياس الذي يثبت علية وصفه بالسير على الثابت بالشبه وما بعده واستدلوا عليه بأنه أقوى في إفادة الظن ومنهم من قدمه على المناسبة لإعادة ظن العلية ونفي المعارض بخلاف المناسبة فإنها لا تدل على نفي المعارض واختاره الامدي وابن الحاجب ويلزم منه تقديمه على الدوران أيضا عند من يقدم الدوران على المناسبة ثم محل الخلاف في غير المقطوع به متعين وليس من قبيل الترجيح لما علم أن تقديم المقطوع على المظنون ليس من الترجيح في شيء وإنما النزاع في السير المظنون في كل مقدماته\nوأما ما اشتملت مقدماته على القطعي والظني فذلك مختلف باختلاف القطع والظن فإن كان الظن الحاصل من السير الذي بعض مقدماته قطعي أكثر من الظن الحاصل بالمناسبة فهو أولى وإلا فهما متساويان والمناسبة أولى ومن أمثلة السبر مع الشبه قول الحنفي في الدليل على أنه إذا أفلس المحال عليه فللمحتال الرجوع على المحيل عجز عن الرجوع مع بقاء عينه فليرجع لمشابهة البائع من المفلس فنقول الحوالة وصف فإما أن لا تقتضي شيئا أو تقتضي شيئا وبطلان الأول ظاهر فيثبت الثاني وحينئذ فذلك الشيء إما أن يكون هو تحول الحق عن المحيل أولا والثاني باطل وإلا لزم أن يدوم له المطالبة كما في الضمان فثبت الأول ووجب أن تبرأ ذمته ولا يعود إليه كما لو أبرأه\nالسادس: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالإيماء والطرد كذا ذكره المصنف فإما تقديمه على الطرد فظاهر أن لا يمتري الطاردون في ضعف الظن الحاصل منه وأما على الثابت بالإيماء فهو بحث ذكره الإمام بعد أن حكى اتفاق الجمهور على أن ما ظهرت عليته بالإيماء راجع على ما ظهرت عليته","vol":"3","page":243},{"text":"بالوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر ووجهه بأن الإيماء لما لم يوجد فيه لفظ يدل على العقلية فلا بد وأن يكون الدال على عليته أمر آخر سوى اللفظ ولما بحثنا لم نجد شيئا يدل على عليته إلا أحد أمور ثلاثة المناسبة والدوران والسبر على ما تقدم في الإيماء وإذا ثبت أن الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق كانت هي الأصل والأصل أقوى من الفرع فكان كل واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات\nوهذه لا يقتضي ترجيح دلالة الشبه على الإيماء إلا إذا ساوى الشبه الأمور الثلاثة أو كان أقوى منها وهو خلاف ما رتبه في الكتاب ثم أنه مدخول من وجهين أحدهما أن ما ذكره هو من الدليل وهو استقباح أكرم الجاهل وأهن العالم على أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية دليل غير هذه الثلاثة فلم يلزم افتقار دلالة الإيماء إلى أحد الطرق الثلاثة فلا يلزم كون الطرق العقلية أصلا لها فلا يلزم رجحان الطرق العقلية عليها وثانيهما أنه اختار عدم اشتراط المناسبة في الوصف المومى إليه ولم يشترط فيه الدوران والسير وفاقا فجاز وجدان عليته بدون هذه الأمور الثلاثة ومما نذنبه على هذا الموضع أن القاضي أبا بكر مع قوله ببطلان قياس الأشباه قال هنا الأظهر أنه يجوز الترجيح به وإن لم يجز التمسك به ابتداء وقد حكينا هذا في الكلام على قياس الشبه\nالسابع: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالإيماء على الثابت بالطرد لأن الطرد لا يناسب الحكم أصلا والإيماء قد يناسب ولقصور الطرد عند الطاردين عن مراتب إخوانه من الأدلة وأما نحن فلا نقيم للطرد وزنا هذا شرح ما في الكتاب وقد يؤخذ منه أن تنقيح المناط متأخر الرتبة عن الطرد لأنه رتب الأدلة ترتيبا ختم به الطرد ومقتضاه تقديم الطرد على ما لم يذكره وهذا لا ينقسم بل الصواب تقديم تنقيح المناط ولا احتفال بما اقتضاه سياق الكتاب فإنه على هذا الترتيب يقتضي أيضا تأخر رتبة ما ثبت عليته بالإجماع حيث لم يذكره ولأمريه في أنه ليس كذلك","vol":"3","page":244},{"text":"قال \"الثالث<span data-type=\"title\" id=toc-251> بحسب دليل الحكم</span>\nفيرجح النص ثم الإجماع لأنه فرعه\" ش يرجح من القياسيين المتعارضين ما يكون دليل حكم أصله أقوى من دليل","vol":"3","page":244},{"text":"حكم أصل الآخر ومن فروع المسألة أنه يرجح القياس الثابت حكم أصله بالنص سواء كان كتابا أم سنة على القياس الثابت حكم أصله بالإجماع وذلك لأن الإجماع على النص لتوقف ثبوته على الأدلة اللفظية والأصل يقدم على الفرع وهذا الذي ذكره اختاره صاحب الحاصل فتبعه فيه والإمام إنما ذكره بحثا بعد أن نقل أنهم قالوا بتقديم الإجماع معتلين بأن الذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية يقبل التخصيص والتأويل والإجماع لا يقبلهما وهذا هو المختار وما ذكره الإمام مدخول وقوله الأصل يقدم على الفرع قلنا على فرعه أما على فرع آخر فلم لا يقدم وكيف لا يقدم الإجماع مع أنه إن كان صادرا عن نص فالمتعارض إذ ذاك ليس الإنصاف يرجح جانب أحدهما بالإجماع وإن كان عن قياس فدليلان عارضهما دليل واحد وأيضا فالإجماع متفق عليه والنص والحالة هذه غير متفق عليه والمجمع عليه مقدم على المختلف فيه وإن فرضت أن النص غير مختلف فيه فذلك حينئذ إجماع عن نص عارض مثله وليس صورة المسألة","vol":"3","page":245},{"text":"قال \"الرابع<span data-type=\"title\" id=toc-252> بحسب كيفية الحكم</span>\nوقد سبق لأن الترجيح بحسب كيفية الحكم قد ذكرنا فيه قولا بليغا في باب ترجيح الأخبار فاعتبر مثله هنا","vol":"3","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>بموافقة الأصول في العلة</span>\n...\nقال الخامس موافقة الأصول في العلة أو الحكم والاطراد في الفروع\"\n\"ش\" هذا الوجه في الترجيح بحسب الأمور الخارجية وهو على ثلاثة أضرب\nأولها: أن يكون أحد القياسين موافقا للأصول في العلة بأن يكون علة أصله على وفق الأصول الممهدة في الشريعة دون الآخر فيرجح الأول لشهادة كل واحد من تلك الأصول لاعتبار تلك العلة وكلما كان العدول عن القياس فيه أكثر كان أضعف\nوثانيها: ترجح الموفق للأصول في الحكم بأن يكون حكم أصله على وفق الأصول المقررة على ما ليس كذلك للاتفاق على الأول\nالثالث: يرجح الذي يكون مطرد الفروع بأن يلزم الحكم عليته في جميع الصور على ما لا يكون كذلك وبنجاز هذا تم كتاب التعادل والترجيح واعلم أن طرق الترجيح لا تنحصر فإنها تلويحات تجول فيها الاجتهادات ويتوسع فيها","vol":"3","page":245},{"text":"من توسع في فن الفقه فلذلك اقتصرنا على شرح ما في الكتاب وأما الأمثلة في بابي تراجيح الأخبار والأقيسة فإذا ضرب الضارب بعضها في بعض وأراد الإتيان لكل قسم بمثال كان طالبا لتطويل عظيم فإن ذلك يحتمل مع الاستيعاب وقد يعبر فلذلك أضربنا عن هذا الغرض وجئنا بالنزر اليسير في البابين والله الموفق والمعين بمنه وكرمه","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>الكتاب السابع<span data-type=\"title\" id=toc-255> في الاجتهاد </span>والافتاء</span>\nفي الاجتهاد\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>تعريفه</span>\n\nقال ﵀ الكتاب السابع في الاجتهاد والإفتاء\nوفيه بابان الأول في الاجتهاد وهو استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية ش الاجتهاد لغة هو استفراغ الوسع في تحصيل الشيء وقد علمت من ضرورة كونه استفراغ الوسع أنه لا يكون إلا فيما فيه مشقة وكلفة وفي الاصطلاح ما ذكره في الكتاب بقوله استفراغ الوسع جنس وقوله في درك الأحكام فصل خرج به استفراغ الوسع أنه لا يكون إلا فيما فيه مشقة وكلفة وفي الاصطلاح ما ذكره في الكتاب بقوله استفراغ الوسع جنس وقوله في درك الأحكام فصل خرج به استفراغ الوسع في فعل من الأفعال العلاجية مثلا وقوله الشرعية فصل ثان تخرج اللغوية والعقلية والحسية والأحكام الشرعية تتناول الأصول والفروع ودركها أعم من كونه على سبيل القطع أو الظن هذا مدلول لفظه ويجوز أن يريد بالأحكام الشرعية خطاب الله تعالى المتعلق فيخرج الاجتهاد في الأصولية وهذا التعريف الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل وهو من أجود التعاريف فلا نطول بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعاريف كبير فائدة","vol":"3","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>في المجتهدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>يجوز الاجتهاد للرسول صلى الله علية وسلم</span>\n...\nقال \"وفيه فصلان الأول في المجتهد وفيه مسائل الأولى يجوز له ﵇ أن يجتهد\nلعموم فاعتبروا ووجوب العمل بالراجح ولأنه أشق وأدل على الفطانة فلا يتركه ومنع أبو علي وابنه لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى قلنا مأمورية فليس بهوى ولأنه ينتظر الوحي قلنا ليحصل اليأس عن النص أو لأنه لم يجد أصلا يقيس عليه\"\n\"ش\" اختلفوا في أن الرسول ﷺ هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نص فيه فذهب الشافعي وأكثر الأصحاب وأحمد والقاضيان أبو يوسف وعبد الجبار وأبو الحسين إلى جوازه ثم منهم من قال بوقوعه وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب ومنهم من أنكر وقوعه وتوقف فيه جمهور المحققين وذهب أبو علي وابنه أبو هاشم إلى أنه لم يكن متعبدا به وشذ قوم فقالوا بامتناعه عقلا بما","vol":"3","page":246},{"text":"حكاه القاضي في التلخيص لإمام الحرمين ومنهم من جوزه في أمور الحرب دون الأحكام الشرعية وقد احتج في الكتاب على الجواز بأوجه أربعة وهي دالة على الوقوع أيضا\nأحدها:عموم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار١ِ﴾ وكان عليه هو أفضل الصلاة والسلام أعلى الناس بصيرة وأكثرهم إطلاعا على شرائط القياس وذلك إن لم يرجح دخوله في هذا الأمر فلا أقل من المساواة فيكون مندرجا في الأمر ومتى كان مأمورا به كان فاعلا له ضرورة امتثاله أوامر ربه ووقوفه عندها ﷺ\nوثانيها:إذا غلب على ظنه ﵇ كون الحكم في الأصل معللا بوصف ثم ظن أو ظن حصول ذلك الوصف في صورة أخرى فلا بد وأن نظن أن الحكم في الفرع مثله في الأصل وترجيح الراجح على المرجوح من مقتضيات بداية العقول ولقائل أن يقول إذا وجب ترجيح الراجح فليمتنع عن العمل بهذا الراجح لقدرته على أرجح منه وهو النص\nوثالثها:أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص فيكون أكثر ثوابا فلا تختص الأمة بفضيلة لا توجد فيه\nورابعها:أن العمل بالاجتهاد أدل على الفطانة والزكاة من النص لتوقفه على النظر الدقيق والقريحة المستجادة فلا يتركه ﷺ لكونه نوعا من الفضيلة واحتج الجبائيان بوجهين أحدهما قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى٢﴾ فإنه دليل على انحصار الأحكام الصادرة منه ﷺ عن الوحي وأجاب عنه الإمام بأنه متى قال له متى ظننت كذا فاعلم أنه حكمي فالعمل حينئذ بالظن عمل بالوحي لا بالهوى وهذا قد ذكره الغزالي ولقائل أن يقول ليس هذا أمر بالاجتهاد فإنه تعالى لو قال كلما ملكت النصاب وحال عليه الحول أوجبت عليك الزكاة لا يكون هذا أمر بملكية النصاب ثم إن ملكه\n_________\n١ سورة الحشر آية ٢\n٢ سورة النجم آية ٣-٤","vol":"3","page":247},{"text":"كذلك وجبت عليه الزكاة بالنص لا بالاجتهاد وإنما الكلام في الحكم الثابت بالاجتهاد وهو لا يوجد فيه مثل هذا القول فلا يكون النطق بذلك نطقا بالوحي وأجاب عنه المصنف بأن الاجتهاد إذا كان مأمورا به لم يكن النطق به هوى وهو مدخول لإشعاره بأن الخصم احتج بصدر الآية وليس كذلك إذ هو لا يقول بأن القول بالاجتهاد قول بالهوى والثاني لأنه لو جاز له ﵇ الاجتهاد لامتنع عليه انتظار الوحي لفصل الحكومات وغيرها لأن الفصل يجب على الفور وقد تمكن منه الاجتهاد ولكنه قد أخره وانتظر الوحي كثيرا\nوأجاب بوجهين أحدهما أن العمل بالقياس لما كان مشروطا بعدم وجدان النص فكان انتظاره للوحي لكي يحصل اليأس عن النص فإن قلت إنما شرط فقدان النص إذا احتمل أن يكون ثم نص فأنه يؤمر المجتهد إذ ذاك بالفحص الشديد أما إذا تحقق عدمه فلا يتجه انتظار تشريعه ولو كان كذلك لا يقدح للمعترض أن يقول لينتظر المجتهد إجماع الأمة ولطوينا بساط الاجتهاد قلت كان احتمال نزول النص في حقه ﷺ بمنزلة احتمال كونه موجودا في حق سائر المجتهدين لقرب وجدانه في الجهتين والثاني أنه يحتمل أن يكون انتظاره الوحي إنما كان فيما لا مساغ للاجتهاد فيه ولا أصل يقيس عليه\nفائدتان أحدهما:قال الغزالي يجوز القياس على الفرع الذي قاسه النبي ﷺ وعلى كل فرع اجتمعت الأمة على إلحاقه بأصل قال لأنه صار أصلا بالإجماع والنص فلا ينظر إلى مأخذهم\nالثانية:النبي ﷺ يتصرف في الفتاوى وأن الأقضية يجوز فيها من غير نزاع وستعرف الفرق بينهما بسؤال نذكره من كلام القرافي ومما يدل على جوازه في الأقضية مما روى أبو داود من حديث أبي سلمة ﵁ قال أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست فقال: \"إني إنما أقضي بينكم برأي فيما لم ينزل علي فيه\" فإن قلت ما الفرق بين هذه الأمور وبين الرسالة والنبوة قلت تصرفه ﷺ بالفتيا هو إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تعالى كما نقول في سائر المفتيين وتصرفه بالتبليغ هو مقتضى الرسالة وهي أمر الله تعالى في ذلك التبليغ فهو ﵇ ينقل عن الحق","vol":"3","page":248},{"text":"للخلق في مقام الرسالة ما وصل إليه عن الله تعالى فهو في هذا المقام مبلغ وناقل عن رب العالمين كما ينقل الرواة لنا أحاديثه فالمحدثون ورثوا عنه هذا المقام كما ورث عنه المفتي الفتيا وإذا اتضح بهذا الفرق بين الراوي والمفتي لاح الفرق بين تبليغه ﵇ عن ربه وبين فتياه في الدين بهذا الفرق بعينه\nوأما تصرفه ﷺ بالحكم فهو مغاير للرسالة والفتيا لأن الرسالة تبليغ محض واتباع صرف وحكم إنشاء وإلزام من قبله ﵇ بحسب ما ينسخ من الأسباب والحاجة ولذلك قال ﵇: \"إنكم تختصمون ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له فشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما اقتطع له من النار١\" دل على أن القضاء يتبع الحاجة وقوة اللحن به فهو ﵇ في هذا المقام منشئ وفي الفتيا والرسالة مبلغ متبع وهو في الحكم أيضا متبع لأمر الله تعالى له بأن ينشئ الأحكام على وفق الحاجة والأسباب لأنه متبع في نقل ذلك الحكم عن الله تعالى لأن ما فوض إليه من أمر الله تعالى لا يكون منقولا عن الله تعالى وقد يفرق بين الحكم والفتيا بوجه آخر وهو أن الفتيا تقبل النسخ دون الحكم فإنه لا يقبل إلا النقض عند ظهور ما يترتب عليه الحكم وهذا في زمن النبي ﷺ وأما بعده فالفتيا لا تقبل النسخ لتقرر الشريعة\nوأما الرسالة من حيث هي فلا تقبل النسخ ولا النقض وأما النبوة فهي الإيحاء لبعض الخلق بحكم الشيء له يختص به كما أوحى الله لمحمد ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ٢﴾ فهذا تكليف يختص به قال العلماء فهذه نبوة وليست برسالة فلما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ٣﴾ كان هذا رسالة لأنه تكليف يتعلق بغير الموحى إليه فوضح لك بهذا أن كل رسول ونبي من غير عكس وأما تصرفه عليه السلامة بالإمامة فهو\n_________\n١ رواه البخاري كتاب ترك الجيل ٩/٣٢ والأحكام ٩/٨٦٠ ومسلم كتاب الأحكام ٣/١٣٣ من حديث أم سلمة – ﵂\n٢ سورة العلق آية١-٢\n٣ سورة المدثر آية ١-٢","vol":"3","page":249},{"text":"وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء معاقد المصالح ودرء مواقع المفاسد إلى غير ذلك\nوهذا ليس داخلا في مفهوم شيء مما تقدم لتحقيق الفتيا بمجرد الإخبار عن الله تعالى والحكم بالتصدي لفصل الخصومات دون السياسة العامة لا سيما الحاكم الضعيف الذي لا قدرة له على التنفيذ إذا أنشأ الحكم على الملوك الجبابرة فهو إنما ينشئ الإلزام على ذلك الملك ولا يخطر بباله السعي في تنفيذه لتعذر ذلك عليه فظهر أن الحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما فصارت السلطة العامة التي هي حقيقة الإمامة مباينة للحكم من حيث كونه حكما وأما الرسالة فليس يدخل فيها إلا التبليغ عن الله تعالى ولا يستلزم هذا تفويض السياسة العامة إليه فكم بعث الله من رسول لم يطلب منه غير التبليغ لإقامة الحجة من غير أن يأمره بالنظر في المصالح العامة وبوضوح الفرق بين الرسالة والإمامة يظهر بينهما وبين النبوة إذ النبوة خاصة بالموحى إليه لا تعلق لها بالغير\nفإن قلت فهل لهذه الحقائق المفترقة آثار في الشريعة قلت نعم فإن كل ما فعله ﵇ بطريق الإمامة من إقامة الحدود وترتيب الجيوش وغير ذلك لم يجز لأحد أن يفعله إلا بإذن إمام الوقت الحاضر لأنه ﵇ إنما فعله بطريق الإمامة ولا استبيح إلا بإذنه وكلما فعله بطريق الحكم كفسوخ الأنكحة والعقود وغير ذلك لم يقدم عليه أحد إلا بالحكم الحاكم في الوقت الحاضر إقتداء رسول الله ﷺ فإنه لم يقرن تلك الأمور إلا وأما تصرفه ﵇ بالرسالة والتبليغ أو الفتيا فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدين من غير اعتبار حكم ولا إذن أمام وإنما هو ﵇ بلغ الخليقة ارتباط ذلك الحكم بذلك السبب وخلى بينهم وبين ربهم كأنواع العبادات وغيرها فإذا تصرف ﷺ تصرفا فقد يتضح كونه تصرفا بالإمامة أو بالقضاء أو بالفتيا\nوقد علمت حكم كل قسم وقد يتردد بين هذه الأقسام ويتشاجر العلماء على أيها نحمل وفي المسائل الداخلة في هذا كثرة ولكنا نورد منها ما شهد به","vol":"3","page":250},{"text":"النظر فمنها قوله ﷺ: \"من أحيا أرضا ميتة فهي له١\" قال أبو حنيفة هذا تصرف منه ﵇ بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يحي بدون إذن الإمام وقال الشافعي ﵁ بل بالفتيا لأنه الغالب من تصرفاته ﵇ فلا يتوقف الإحياء على إذن الإمام ومنها قوله ﷺ لهند بنت عتبة لما شكت إليه الشيخ أبا سفيان: \"خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف٢\" فذهب الشافعي إلى أن هذا تصرف بالفتيا فعلى هذا من ظفر بجنس حقه أو بغير جنسه إذ لم يظفر بالجنس مع تعذر أخذ الحق ممن هو عليه جاز له أخذه حتى يستوي حقه وحكى في التهذيب وجها أنه يجوز أخذ غير الجنس مع الظفر بالجنس وقد يوجه بعدم التنفيذ في الحديث وذهب مالك ﵀ إلى خلاف ذلك وقال إنه ﵇ تصرف في قضية هند بالقضاء وجعل بعضهم هذه القضية أصلا في القضايا على الغائب وهو ضعيف لأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد ظاهرا لا يمتنع عن الحضور إذا طلبه النبي ﷺ والقضاء لا يتأتى على من هو بهذه المثابة على الصحيح من المذهب واستنبط القاضي الحسين من كونه تصرفا بالقضاء أنه يجوز أن يسمع إلى أحد الخصمين دون الآخر واستنبط الرافعي من كونه تصرفا بالفتيا أنه يجوز للمرأة أن تخرج لتستفتي وفيه نظر فإن هند أخرجت عام الفتح متقدمة على سائر النساء لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ٣﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"أبايعنكن على أن لا تشركن بالله شيئا\" فقالت هند لو أشركنا بالله شيئا ما دخلنا في دين الإسلام فقال: \"أبايعكن على أن لا تقتلن أولادكن\" فقالت هند فهل تركتم لنا من ولد ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا فقال: \"أبايعكن على أن لا تزنين\" فقالت هند أو تزني الحرة فقال: \"أبايعكن على أن لا تسرقن\" فقالت هند إن أبا سفيان\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي من حديث سعيد بن زيد ولفظه: \"من أحبا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق\"\nالجامع الصغير ٢/١٦١\n٢ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عائشة ﵂ الجامع الصغير ٢/٤\n٣ سورة الممتحنة آية ١٠","vol":"3","page":251},{"text":"رجل شيخ١ الحديث فهند لم تخرج لأجل الاستفتاء فلا يحسن الاستدلال بها عليه ومنها قوله ﷺ: \"من قتل قتيلا فله سلبه٢\" قال بعض العلماء هذا تصرف منه ﵇ بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يختص بسلب إلا بإذن الإمام وقال الشافعي هو تصرف بالفتيا فلا يتوقف على إذن الإمام\nقال فرع لا يخطىء اجتهاده وإلا لما وجب اتباعه\nش عبر عن هذا بالفرع بكونه مبنيا على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ والذي جزم به من كونه لا يخطىء اجتهاده هو الحق وأنا أظهر كتابي أن أحكي فيه قولا سوى هذا القول بل نحفل ولا نعبأ واستدل في الكتاب بأنه لو جاز الخطأ عليه لوجب علينا اتباعه في الخطأ وذلك ينافي كونه خطأ ونحن نقول لمن زخرف قوله وقال يجوز بشرط أن لا يقر عليه أليس يصدق صدور الخطأ المضاد لمنصب النبوة ولقد يلزمك على هذا محال من الهذيان وهو أن يكون بعض المجتهدين في حالة إصابته أكمل من المصطفى ﷺ في تلك الحالة معاذ الله أن يكون رسول الله ﷺ كذلك وأنا قد اقتصرت على ما ذكرت تطهيرا لكتابي من البحث مع هذا القائل ووفاء بحق الشرح وإلا يعجز علينا أن نفوه فيه أو نثني نحوه عطفا\n_________\n١ أخرجه الطبري من حديث ابن عباس – ﵄ – تفسير الطبري ٨/٥١٢\n٢ حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث أنس كذالك أخرجه أحمد وابن ماجة من حديث سمرة ولفظه \"من قتل كافرا فله سلبه\" الجامع الصغير ٢/١٧٧","vol":"3","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>اجتهاد غير الرسول صلى الله علية وسلم</span>\n...\nقال الثانية يجوز للغائبين عن الرسول ﷺ وفاقا وللحاضرين أيضا إن لا يمتنع أمرهم به\nقيل عرضة للخطأ قلنا لا نسلم بعد الإذن\n\"ش\" اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد وفاة الرسول ﷺ فإما في عصره ﷺ فقد اختلفوا فيه فمنهم من جوزه مطلقا وهو المختار عند الأكثرين منهم الإمام وصاحب الكتاب ومنهم من منع منه مطلقا وقالت طائفة يجوز للغائبين عن الرسول ﷺ من القضاة والولاة دون الحاضرين وجوزه آخرون للغائبين مطلقا دون الحاضرين ومنهم من قال يجوز إن لم يوجد مع ذلك منع قال صفي الدين الهندي وهذا ليس بمرضى لأن ما بعده أيضا كذلك فلم يكن","vol":"3","page":252},{"text":"خصوصية بزمانه ﷺ ومنهم من قال إن ورد الإذن بذلك جاز وإلا فلا ثم من هؤلاء من نزل السكوت عن المنع منه مع العلم بوقوعه منزلته الإذن ومنهم من اشترط صريح الإذن هذه جملة المذاهب في المسألة وبه يعلم أن دعوى المصنف الاتفاق على جوازه للغائبين ليس يجيد واحتج المصنف على الجواز بأنه لا يمتنع أن يقول الرسول ﷺ لقد أوحى إلي أنك مأمور بأن تجتهد أو بأن تعمل على وفق ظنك واحتج المانعون بأن الاجتهاد في معرض الخطأ والنص آمن منه وسلوك السبيل المخوف مع القدرة عل سلوك السبيل الآمن قبيح عقلا وأجاب عنه تبعا للإمام بأن الشرع لما قال له أنت مأمور بأن تجتهد وتعمل على وفق ظنك كان آمنا من الغلط لأنه بعد الاجتهاد يكون آتيا بما أمر به وهو ضعيف فإن الإذن في الاجتهاد ولا يمنع وقوع الخطأ فيه وقد يقال في تقرير الجواب أنه بالأمر صار آمنا من الخطأ بفعل الاجتهاد أي يكون مفعله الاجتهاد صوابا لا أنه يأمن من تأدية الاجتهاد الخطأ وإذا كان الإقدام على الاجتهاد صوابا فلا عليه أن يخطئ بعد إتيانه بما أمر به وأجيب عنه أيضا بأنا لا نسلم أنه قادر على التوصل إلى النص وذلك لأن ورود النص ليس باختياره ومسألته بل جاز أن يسأل عن القضية ولا يرد فيها نص بل يؤمر بالعمل فيها بالظن ولا يمكنكم نفي هذا الاحتمال إلا إذا أبيتم نفي جواز الاجتهاد فبيان نفي جواز الاجتهاد بناء على نفي هذا الاحتمال دور واعلم أن الأمام قال الخوض في هذه المسألة قليل الفائدة لأنه لا ثمرة له في الفقه وهذا فيه نظر إذ ينبني على الأصل مسائل منها إذا شك في نجاسة أحد الإناءين ومعه ماء طهر بيقين أو ماء يغسل به أحدهما ففي جواز الاجتهاد له بين الإناءين والثوبين وجهان أصحهما أنه يجتهد وكذلك إذا غاب عن القبلة فإنه لا يعتمد على خبر من أخبره من علم ولا على الاجتهاد إلا إذا لم يقدر على معرفة القبلة يقينا وكذلك حكى الأصحاب وجهين في المصلي إذا استقبل حجر الكعبة وحده وقالوا الأصح المنع لأن كونه من البيت غير مقطوع به وإنما هو مجتهد فيه فلا يجوز العدول عن اليقين إليه\nقال \"ولم يثبت وقوعه\" ش هذا عائد إلى الاجتهاد الحاضر الذي جعله","vol":"3","page":253},{"text":"المصنف محل الخلاف وقد ذهب الأكثرون إلى ما قاله المصنف من التوقف ومنهم من قال بوقوعه ومنهم من نفاه وهذا في خف الحاضرين وأما الغائبون فمنهم من ذهب إلى وقوع التعبد به في حقهم ومنهم من منعه وتوقفت فرقة ثالثة واحتج من قال بالوقوع في الحاضر والغائب بقول الصديق ﵁ لأبي قتادة حيث قتلا رجلا من المشركين فأخذ غير سلبه لا ما الله إذن لا تعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه فقال النبي ﷺ: \"صدق\" فإن الصديق ﵁ قال ذلك اجتهادا وإلا لأسنده إلى النص لكونه ادعى إلى الانقياد وأقره النبي ﷺ على ذلك فإذا جاز في حق الحاضر جاز بطريق أولى في حق الغائب ويخص الغائب حديث معاذ المذكور في كتاب القياس وأجيب عنهما بأنهما أخبار أحاد والمسألة علمية وقول الغزالي هذا حديث معاذ مشهور قبلته الأمة أخذه من إمام الحرمين وإمام الحرمين تلقاه من القاضي فإنه القاضي فإنه قال في التقرب إن الأمة تلقته بالقبول وليس يجيد لما عرفت في كتاب القياس واحتج من أنكر الوقوع مطلقا بأنهم لو اجتهدوا في عصره ﷺ لنقل واشتهر كاجتهداهم بعده والمختار عندنا التوقف في حق الحاضرين وأما الغائبون فالظاهر وقوع يعبدهم به ولا قطع","vol":"3","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>شروط المجتهد</span>\n...\nقال \"الثالثة لا بد له أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام والإجماع وشرائط القياس وكيفية النظر وعلم العربية والناسخ والمنسوخ وحال الرواة ولا حاجة إلى الكلام والفقه ولأنه نتيجته\"\nشرط المجتهد أن يكون محيطا بمدارك الأحكام ومتمكنا من استشارة الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يتعين وإنما يكون كذلك بأمور\nأحدهما:كتاب الله فإنه الأصل ولا بد من معرفته ولكن لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما يتعلق منه بالأحكام قال الغزالي وهو مقدار خمسمائة آية ولا يشترط حفظهما عن ظهر قلب بل أن يكون عالما بمواقعها حين تطلب الآية إذا احتيج إليها\nوثانيها:سنة رسول الله ﷺ ولا يشترط فيها أيضا الحفظ ولا معرفة ما لا يتعلق بالأحكام كما في معرفة الكتاب قال الغزالي ويكفيه أن يكون عنده","vol":"3","page":254},{"text":"أصل مصحح لجميع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود ومعرفة السنن لأحمد والبيهقي أو أصل وقعه العناية فيه لجميع أحاديث الأحكام ويكفي منه معرفة مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة قال الشيخ محي الدين النووي قدس الله روحه والتمثيل بسنن أبي داود لا يصح فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا ما معظمه وكم في صحيحي البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود\nوثالثها:الإجماع فليعرف مواقعه حتى لا يفتى بخلافه ولكنه لا يلزمه حفظ جميع مواقعه بل كل مسألة يفتى فيها فينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع إما بموافقة مذهب عالم أو تكون الواقعة متولدة في العصر ليست لأهل الإجماع فيها خوض\nورابعها:القياس فلتعرفه وتعرف شرائطه فإنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة\nوخامسها:كيفية النظر فلتعرف شرائط البراهين والحدود وكيف تركب المقدمات وتستنتج المطلوب لتكون على بصيرة من نظرة\nوسادسها:علم العربية لغة ونحوا وتصريفا فلتعرف القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال إلى حد يميز به من صريح الكلام وظاهره ومجمله ومبينه وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه إلى غير ذلك وليس عليه أن يبلغ مبلغ الخليل بن أحمد\nوسابعها:معرفة الناسخ من المنسوخ مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ المتروك ولا يشترط حفظ ذلك جميعه كما تقدم ومنها حال الرواة في القوة والضعف وتمييز الصحيح عن الفاسد والمقبول عن المردود قال الغزالي وليكتف بتعديل الإمام العدل بعد أن يعرف صحة مذهبه في التعديل\nوكذا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي يقول على قول أئمة المحدثين كأحمد والبخاري ومسلم والدارقطني وأبي داود لأنهم أهل المعرفة بذلك فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم قال الغزالي فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب الاجتهاد وعظم ذلك يشتمل على ثلاثة فنون الحديث","vol":"3","page":255},{"text":"واللغة وأصول الفقه وقال الإمام أهم العلوم للمجتهد أصول الفقه وشرط الإمام أن يكون عارفا بالدليل العقلي وعارفا بأننا مكلفون به وقد اتبع في ذلك فإنه ذلك ولم يذكر القياس وكأنهما تركاه لكونه متفرعا عن الكتاب والسنة ولكن لقائل أن يقول الإجماع والعقل أيضا كذلك فلم ذكرا قوله ولا حاجة أي لا يحتاج المجتهد إلى علم الكلام لأنا لو فرضنا إنسانا جازما بالإسلام تقليدا لأمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام ولكن الأصحاب عدوا معرفة أصول الاعتقاد من الشروط ولا حاجة أيضا إلى تفاريع الفقه وكيف يحتاج إليها والمجتهد هو الذي يولدها ويحكم فيها\nفإذا كان الاجتهاد نتيجته فلو شرط فيه لزم الدور ونقل اشتراط الفقه عن الأستاذ أبي إسحاق\nولعله أراد ممارسة الفقه وهذا قد ذكره الغزالي فقال إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسة فهو طريق يحصل الدرية في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمن الصحابة ﵃ ذلك ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا قال ابن الصلاح واشتراط ذلك في صفة المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في صفة المجتهد المستقل على تجرده لأن حال المفتي يقتضي اشتراط كونه على صفة يسهل عليه معها إدراك أحكام الوقائع على القرب من غير تعب كثير ولا يحصل ذلك لأحد الخلق إلا بحفظ أبواب الفقه ومسائله ولا يشترط حفظ الجميع بل قدر يتمكن به من إدراك الباقي على القرب واعلم أن ما ذكرناه من اشتراط هذه العلوم إنما هو في حق المجتهد المطلق أما المجتهد في بعض الأحكام دون بعض فمن عرف طرق النظر القياسي له أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يعرف غيره وقس على هذا وزعم بعض الناس أن الاجتهاد لا يتجزأ وهو ضعيف وأما المجتهد المقيد الذي لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع قال ابن الصلاح والذي رأيته من كلام الأئمة يشعر بأنه لا يتأدى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد قال والذي يظهر أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى","vol":"3","page":256},{"text":"\"خاتمة\" شرط الغزالي في المجتهد العدالة ثم قال وهذا يشترط لجواز الاعتماد على قوله إما هو في نفسه وإن كان عالما فله أن يجتهد لنفسه ويأخذ باجتهاد نفسه فالعدالة شرط لقبول الفتوى لا لصحة الاجتهاد هكذا ذكره واقتضى كلام غيره أن العدالة ركن في الاجتهاد ويتفرع على هذا أن الفاسق إذا أداه اجتهاده في مسألة إلى حكم هل يأخذ بقوله من علم صدقه في فتواه بقرائن بل قد يقال إن كانت العدالة ركنا في الاجتهاد فلا يجوز له أن يأخذ في حق نفسه باجتهاده بل يقلد لكونه والحالة هذه غير مجتهد وهذا بعيد","vol":"3","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>في حكم الحتهاد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>القول بالتصويب والتخطئة</span>\n...\nقال \"الفصل الثاني في حكم الاجتهاد\nاختلف في تصويب المجتهدين في مسائل الفروع بناء على الخلاف في أن لكل صورة حكما معينا وعليه قطعي أو ظني والمختار ما صح عن الشافعي ﵁ أن في الحادثة حكما معينا وعليه أمارة من وجدها أصاب ومن فقدها أخطأ ولم يأثم\"\n\"ش\" المسألة عظيمة الخطب قد اختصر المصنف القول فيها فلنتوسط فيما نورده ثم تلتفت إلى ما ذكره فنقول في المسألة أبحاث أولها ذهب طوائف المسلمين على طبقاتهم إلى أنه ليس كل مجتهد في الأصول مصيبا وأن الإثم غير مخطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليا كحدث العالم وخلق الأعمال أو شرعيا لا يعلم إلا بالشرع كعذاب القبر والحشر ولا يعلم خلاف بين المسلمين في ذلك إلا ما نقل عن الجاحظ وعبيد الله بن الحسين العنبري أنهما قالا ابن السمعاني وكان العنبري يقول في مثبتي القدر هؤلاء عظموا الله وفي نافي القدر هؤلاء نزهوا الله ومنهم من لم ينقل عن الجاحظ التصويب بل نفي الإثم والحرج فقط\nوالقاضي في مختصر التقريب اقتصر على النقل عن العنبري ثم قال واختلفت الرواية عنه فقال في أشهر الروايتين إنما أصوب كل مجتهد في الدين لجمعهم الملة فأما الكفرة فلا يصوبون وغلا بعض الولاة عنه فصوب للكافة من المجتهدين دون الراكنين إلا الدعة ونحن نتكلم معهما على سبيل الاختصار فنقول أنتما محجوجان بالإجماع قبلكما وبعدكما وثانيا إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد فقد خرجتما عن حيز العقلاء وانخرطتما في سلك الأنعام وإن","vol":"3","page":257},{"text":"أريد الخروج عن عهدة التكليف ونفي الخروج كما نقل عن الجاحظ فالبراهين النقلية من الكتاب والسنة والإجماع خارجة عن حد الحصر ترد هذه المقالة\nوأما تخصيص التصويف بالمجتمعين على الملة الإسلامية فنقول مما خاض فيه المسلمون القول بالتشبيه تعالى الله عنه علوا كبيرا والقول بخلق القرآن وغير ذلك مما يعظم خطره وأجمعوا قبل العنبري على أنه يجب على المرء إدراك بطلان القول بالتشبيه قال القاضي ونقول له أيضا ما الذي حجزك عن القول بأن المصيب واحد فإن احتج بغموض الأدلة قلنا له فالكلام في النبوات والإحاطة بصفات المعجزات وتمييزها من المخاريق والكرمات أغمض عند العارفين بأصول الديانات من الكلام في القدر وغيره مما يختلف فيه أهل الملة فهلا غدرت الكفرة بما ذكرت قال وهذا لا محيص له عنه\nالبحث الثاني:في تصويب المجتهدين في المسائل الفروعية وقد ضبط صفي الدين الهندي المذاهب فيه جيدا فقال الواقعة التي وقعت إما أن يكون عليها نص أولا فإن كان الأول فأما إن وجده المجتهد أو لا والثاني على قسمين لأنه إما قصر في طلبه أو لم يقصر فإن وجده وحكم بمقتضاه فلا كلام وإن لم يحكم بمقتضاه فإن كان مع العلم بوجه دلالته على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقا وإن لم يكن مع العلم به ولكنه قصر في البحث عنه فكذلك وإن لم يقصر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم يعصر على وجه دلالته على المطلوب فحكمه حكم ما إذا لم يجده مع الطلب الشديد وسيأتي إن شاء الله تعالى وإن لم يجده فإن كان لتقصيره في الطلب فهو أيضا مخطئ وآثم وإن لم يقصر بل بالغ في التنقيب عنه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده بأن خفي عليه الراوي الذي عنده النص أو عرفه لكنه مات قبل وصوله إليه فهو غير آثم قطعا وهل هو مخطئ أو مصيب على الخلاف الذي يأتي إن شاء الله تعالى فيما لا نص فيه وأولى بأن يكون مخطئا وأما التي لا نص عليها فإما أن يقال لله تعالى فيها قبل اجتهاد المجتهد حكم معين أولا بل حكمه فيها تابع لاجتهاد المجتهد فهذا الثاني قول من قال كل مجتهد مصيب وهو مذهب جمهور المتكلمين منا كالشيخ أبي الحسن والقاضي أبي بكر والغزالي","vol":"3","page":258},{"text":"ومن المعتزلة كأبي الهزيل وأبي علي وأبي هاشم وأتباعهم ونقل عن الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والمشهور عنهم خلافه وهؤلاء اختلفوا في أنه وإن لم يوجد في الواقعة حكم معين فهل وجد فيها ما لو حكم الله تعالى فيها بحكم لما حكم إلا به ولم يوجد ذلك\nوالأول:هو القول بالأشبه وهو قول كثير من المصوبين وإليه صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج في إحدى الروايتين عنه قال القاضي في مختصر التقريب وذهب بعضهم في الأشبه إلى أنه ليس هذا بل هو أولى طرق الشبه في المقاس والعبر ومثلوا ذلك بإلحاق الأرز بالبر بوصف الطعم أو القوت أو الكيل فأحد هذه الأوصاف أشبه عند الله تعالى وأقرب في التمثيل وأما الثاني فقول الخلص من المصوبة\nوأما الأول وهو أن الله تعالى في الواقعة حكما معينا فإما أن يقال عليه دلالة وأمارة فقط أو ليس عليه دلالة ولا أمارة فأما القول الأول وهو أن على الحكم دليلا يفيد العلم والقطع فهو قول بشر المريسي والأصم وابن علية وهؤلاء اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه وأنه إذا وجده فهو مصيب وإذا أخطأه فهو مخطئ ولكنهم اختلفوا في المخطئ هل يأثم ويستحق العقاب فذهب بشر إلى التأثم وأنكره الباقون لخفاء الدليل وغموضه واختلفوا أيضا في أنه هل ينقض قضاء القاضي فيه فذهب الأصم إلى أنه ينقض وخالفه الباقون\nوأما القول الثاني:وهو أن على الحكم أمارة فقط فهو قول أكثر الفقهاء كالأئمة الأربعة وكثير من المتكلمين وهؤلاء اختلفوا فمن قائل أن المجتهد غير مكلف بإصابته لخفائه وغموضه وإنما هو مكلف بما غلب على ظنه فهو وإن أخطأ على تقدير عدم إصابته لكنه معذور مأجور وهو منسوب إلى الشافعي ﵁ وعلى هذا فعلام يؤجر المخطئ فيه وجهان لأصحابنا أحدهما وهو اختيار المزني وظاهر النص أنه يؤجر على القصد إلى الصواب ولا يؤجر على الاجتهاد لأنه أفضى به إلى الخطأ فكأنه لم يسلك الطريق المأمور به وشبهه القفال في الفتاوى برجلين رميا إلى كافر فأخطأ أحدهما يؤجر على قصد الإصابة","vol":"3","page":259},{"text":"بخلاف صاحبه والساعي إلى الجمعة إذا فاتته يؤجر على القصد وإن لم ينل ثواب العمل\nوالثاني:أنه يؤجر على القصد وعلى الاجتهاد جميعا لكونه بذل ما في وسعه ومن قائل إنه مأمور بطلبه ومكلف بإصابته أولا فإن أخطأه وغلب على ظنه شيء آخر فهناك تغير التكليف ويصير مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه ولا يأثم وأما القول الثالث وهو أنه لا دلالة عليه ولا أمارة فذهب إليه جمع من المتكلمين\nوقد زعم هؤلاء أن ذلك الحكم كدفين يتفق عثور الطالب عليه ويتفق تعديه قال القاضي في مختصر التقريب واختلف هؤلاء فذهب بعضهم إلى أن العثور عليه ليس بواجب وإنما الواجب الاجتهاد وذهب بعضهم إلى أن العثور عليه مما يجب على المكلف وإن لم يكن عليه دليل هذا شرح المذاهب في المسألة فلنعد إلى لفظ الكتاب\nقوله اختلف في تصويب المجتهدين في مسائل الفروع إشارة إلى أن خلاف العنبري في الأصول لا احتفال به وقد أصاب فإنه لا ينبغي أن يعد ما ذهب إليه هذه الرجل قولا في الشريعة المحمدية مع أنه مصادم بالإجماع قبله والذي نراه شاكين فيه أن المجمعين لو عاصروا العنبري لم يلتفتوا إلى ما قاله ولعدوا الإجماع قائما دونه قوله بناء على الخلاف إلى آخره مقتضاه أن كل من قال بأن لكل صورة حكما معينا وعليه دليل قطعي أو ظني قال بأن المصيب واحد ومن لم يقل بذلك صوب الكل\nقوله والمختار إلى آخره مباح باختيار المذهب الذي حكيناه من اشتمال الحادثة على حكم معين وعليه دليل قطعي أو ظني لا يكلف المجتهد به وإنما يكلف بما غلب على ظنه\nقال \"لأن الاجتهاد مسبوق بالدلالة لأنه طلبها والدلالة متأخرة عن الحكم فلو تحقق الاجتهادان لاجتمع النقيضان ولأنه قال ﵇ \"من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجران ومن أخطأ فله أجر\"\n\"ش\" هذان وجهان استدل بهما على اختياره أحدهما أن الاجتهاد مسبوق","vol":"3","page":260},{"text":"بدلالة الدليل على الحكم لأنه عبارة عن طلب دلالة الدليل على الحكم والطلب مسبوق على المطلوب فيكون الاجتهاد متأخرا عن الدلالة والدلالة متأخرة عن الحكم بها لأنها نسبة بين الدليل الذي هو المطلوب والمدلول الذي هو الحكم والنسبة متأخرة عن كل واحد من الأمرين لتوقف تحققها على تحققهما فيلزم منه أن يكون الاجتهاد متأخرا عن الحكم بمرتبتين لتأخره عن الدلالة المتأخرة عن الحكم فلو تحقق الاجتهاد أي كان كل مجتهد مصيبا لاجتمع النقيضان لاستلزامه ثبوت حكمين متناقضين في نفس الأمر بالنسبة إلى مسألة واحدة وهذا الدليل فيه نظر فإنا وإن سلمنا أن الاجتهاد طلب الدلالة فلا نسلم أن طلب الشيء يتوقف على ثبوته في الخارج بل على تصوره فقط ثم إنه لا يثبت به إلا أحد شطري ما ادعاه فإنه لا يدل على سقوط الإثم عن المخطئ وحصول الأجر له\nالوجه الثاني:الحديث الذي ذكره في الكتاب واللفظ في الصحيحين:\"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فله أجر١\" دل الحديث على أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب وهو المدعي\nفإن قلت لا ينافي ذلك كون كل مجتهد مصيبا إذ يتصور الخطأ عند القائلين بهذه المقالة وذلك فيمن لم يستفرغ الوسع في الطلب مع كونه غير عالم بالتقصير فإنه مخطئ غير آثم للجهل بالتقصير فلعل هذه الصورة هي المرادة من الحديث قلت هذا تخصيص بصورة نادرة من غير دليل وأيضا أن تحقق الاجتهاد المعتبر فيما ذكرته فقد ثبت المدعي وهو خطأ بعض المجتهدين في الجملة وإلا فلا يجوز حمل الحديث عليه من غير صادف عن حمله على الاجتهاد المعتبر لأن الشرعي مقدم على العرفي واللغوي واعلم أن الاستدلال بالحديث قوي كانت المسألة ظنية ولكن المسألة قطعية كما صرح بها الأصوليون على اختلاف طبقاتهم\nوبذلك تحل شبهة من قال ليس كل مجتهد مصيبا لقول من قال من\n_________\n١ البخاري: باب أجر الحاكم إذا اجتهد ومسلم: كتاب الأقضية كما رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة","vol":"3","page":261},{"text":"المجتهدين ليس كل مجتهد مصيبا لأنه إن أصاب فما قاله حق وإن أخطأ فقد أخطأ بعض المجتهدين فلم يكن كل مجتهد مصيبا فنقول الخلاف في أن المصيب واحد إنما هو في مسائل الفروع الظنية كما عرفت أما مسائل الأصول القطعية فالمصيب فيها واحد بلا خلاف ولك في حل هذه النكتة طريقة أخرى فنقول فتلزم أنه مصيب في قوله ليس كل مجتهد مصيبا ولكن لم قلت أنه يلزم من ذلك أن يكون الواقع في نفس الأمر ليس إلا أنه ليس كل مجتهد مصيبا وقولك لأنه مصيب قلنا وكذا خصمه أيضا مصيب بناء على القول بالتصويب فحكم الله في حق هذا أنه ليس كل مجتهد مصيبا أنه في حق خصمه أن كل مجتهد مصيب فهاتان طريقتان في حل هذه الشبهة الأولى على تقدير كونها من مسائل الأصول والثانية على التزام كونها من مسائل الفروع ومن جيد ما استدل به القائلون بأن المصيب واحد اجتماع الصحابة فمن بعدهم للمناظرة وطلب كل واحد من المتناظرين خصمه إلى ما ينصره فلو أن كل مجتهد مصيب لم يكن إلى الحجاج والنظر فائدة وأجاب عنه القاضي بأن التناظر ثابت وأما ما ادعيتموه من غرض المتناظرين فأنتم منازعون فيه ولسنا نسلم أن العلماء إنما تنازعوا ليدعي كل واحد منهما خصمه بل المندوب في طرق الاجتهاد والاحتمال وضوح نص يقطع البحث وغير ذلك قال قيل لو تعين فالمخالف له لم يحكم بما أنزل الله فيفسق ويكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قلنا لما أمر بالحكم بما ظنه وإن أخطأ حكم بما أنزل الله قيل لو لم يصوب الجميع لما جاز نصب المخالف وقد نصب أبو بكر زيدا ﵄ قلنا لم يجز تولية المبطل والمخطئ ليس بمبطل\n\"ش\" احتج المصوبون بوجهين أحدهما أنه لو لم يكن كل مجتهد مصيبا لتعين الحكم في الواقعة قبل الاجتهاد وحينئذ فيكون المجتهد المخالف باجتهاده لذلك الحكم حاكما بخلاف ما أنزل الله فيفسق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ١﴾\n_________\n١ سورة المائدة آية ٤٧","vol":"3","page":262},{"text":"ويكفر في آية أخرى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ١﴾ وأجاب بأنا لا نسلم أنه والحالة هذه يكون حاكما بخلاف ما أنزل الله فإنه لما كان مأمورا الحكم بموجب ظنه بعد الاجتهاد فحكمه به حكم بما أنزل الله وإن أخطأ في اجتهاده بعدم إصابة ذلك الحكم المتعين ولقائل أن يقول إذا كان الحق واحد متعينا فهو الذي أنزله الله والحكم بخلاف ما أنزل الله نعم هو حكم بشيء أنزل الله أن الحاكم به يؤجر ولا يأثم لبذله الوسع في اجتهاده فكان ينبغي تقريره هكذا إنما يفسق أن يكفر الحاكم بخلاف ما أنزل الله من كل وجه لأنه الذي عليه أخلاق قول القائل حكم بخلاف ما أنزل الله أما الحاكم بما أنزل الله أن له أن يحكم به وإن لم يحكم به وإن لم ينزل المحكوم به ولم يجعله الحق عنده فليس حاكما بخلاف المنزل أو نقول هو حاكم بخلافه ولكن هو معذور لما ذكرناه والفسق والكفر يختصان بغير المعذور والثاني أنه لو لم يكن كل مجتهد مصيبا لما جاز للمجتهد أن ينصب حاكما مخالفا له في الاجتهاد لأنه في ظنه قد مكنه من الحكم بغير الحق وليس كذلك لأنه جائز بدليل أن أبا بكر ﵁ نصب زيدا ﵁ مع أنه كان يخالفه في الجد وفي غيره وشاع ذلك بين الصحابة من غيره وشاع ذلك بين الصحابة من غير نكير وأجاب بأن الممتنع إنما هو تولية المبطل أي الذي يقتضي بالباطل ومن كان مجتهدا مخطئا فهو غير مبطل لإتيانه بالمأمورية وهذا أيضا فيه عندنا نظر فإن المجتهد في مسألة القاتل بأن المصيب واحد يظن خطأ صاحبه ولا معنى لذلك إلا أنه مبطل فيما أتى به وإنما بذل الوسع أقام عذره نعم قد يجاب بأنه ليس يعلم حال التولية أنه يحكم بخلاف ما يعتقده وذلك لأن على الحاكم أن يجتهد في الحكم عند كل حادثة وربما تغير اجتهاده وأيضا فلعل أبا بكر ﵁ زايد عن الحكم فيما يخالفه فيه وقصر توليته على الحوادث التي يوافقه فيها وقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال ولو ولى الإمام وجلا وقال لا نحكم في قتل المسلم الكافر والحر العبد جاز وقد قصر عمله على باقي الحوادث ووافقه زيد واقعة عين لا يمكن فيها نفي هذا الاحتمال وأيضا فلعل أبا\n_________\n١ سورة المائدة آية ٤٤","vol":"3","page":263},{"text":"بكر ﵁ كان يرى أن كل مجتهد مصيب فالمسألة مشهورة باضطراب الآراء فيها قديما وحديثا\nقال فرعان الأول لو رأى الزوج لفظ كناية ورأته المرأة صريحا فله الطالب ولها الامتناع فيراجعان غيرهما\n\"ش\" هذا فرعان من فروع حكمة الاجتهاد الأول لو كان الزوجان مجتهدين فخاطبها الزوج بلفظه يرى أنها كناية في الطلاق ولا نية وترى المرأة أنها صريحة فيه فللزوج طلب الاستمتاع منها ولها الامتناع عملا مع كل منهما بمقتضى اجتهاده وطريق قطع المنازعة بينهما أن يراجعا مجتهدا آخر غيرهما حاكما أو حكما من جهتهما ليحكم بينهما بما أرى إليه اجتهاده وهذا الطريق متعين لدفع المشاجرة في نحو الصورة المفروضة سواء قلنا المجتهد واحد أم كل مصيب وهذا إذا لم تكن المنازعة فيما يجري فيه الصلح فإن جرى فيه الصلح كالحقوق المالية فينقطع بطريق الصلح أيضا هذا ما في الكتاب وقد ذكر القاضي في مختصر التقريب هذا الفرع وجعله من أدر خصومه القائلين بأن المصيب واحد وأنهم قالوا هذا يقتضي الجمع بين التسليط على الاستمتاع والامتناع منه ثم أجاب عنه بأنا نسألكم عن هذه الحادثة إذا عنت وكلما قدرتموه جوابا ظاهرا في حقهما فهو حكم الله قطعا قال فإن زعموا أن المرأة مأمورة بالامتناع جهدها والرجل مباح له الطلب للاستمتاع وإن أدى إلى قهرها ولم يعدوا ذلك تناقضا في ظاهر الجواب فهو حكم الله تعالى عندنا ظاهرا وباطنا قال ومما تمسكوا به أن المنكوحة بغير ولي إذا زوجها وليها ثانيا من شافعي والذي تزوج بها أولا حنفي والمرأة مترددة بين دعوتهما وهما مجتهدان في أوجه القول في جمع الحل والتحريم وأجاب بجوابه الأول وأن كل ما أجبتم به في ظاهر الأمر ولم يعدوه تناقضا فهو حكم الله عندنا ثم قال وإن اجتزيت بهذا القدر كفاك وإن أردت التفصيل في الجواب قلنا من القائلين بأن المصيب واحد من صار في هذه الصورة إلى الوقت حتى يرفع الأمر إلى القاضي كما قدمناه في الصورة المعلومة","vol":"3","page":264},{"text":"الأولى فعلى هذا نقول حكم الله فيهما الوقف ظاهرا وباطنا حتى نرفع الأمر إلى القاضي كما قدمناه في الصورة المغلومة الأولى فعلى هذا نقول حكم الله فيهما الوقف ظاهرا وباطنا حتى نرفع أمرها إلى القاضي فينزلهما على اعتقاد نفسه وهذا حكم الله حينئذ ومنهم من قال نسلم المراد إلى الزوج الأول فإن نكحها نكاحا يعتقد صحته وهو السابق فلا يبعد أن يكون هذا هو الحكم قال وهذه الصورة وأمثالها من المجتهدات وفيها تقابل الاحتمالات فيجتهد فيها عندنا وما أرى إليه اجتهاده فهو حق من وقف أو تقدم أو غيرهما من وجوه الجواب\nقال \"الثاني إذا تغير الاجتهاد كما لو ظن أن الخلع فسخ ثم ظن أنه طلاق فلا ينتقض الأول بعد اقتران الحكم وينتقض قبله\"\n\"ش\" إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثا بمقتضى هذا الاعتقاد ثم تغير اجتهاده وأداه إلى أنه طلاق فإما أن يتغير بعد قضاء القاضي بمقتضى الاجتهاد الأول المقتضي لصحة النكاح فلا ينقض بالاجتهاد الثاني بل يقي على النكاح وإما أن يتغير قبل القضاء بالصحة فيجب عليه مفارقتها لأن الظن المصاحب له الآن قاض بأن اجتهاده الأول خطأ فليعمل به وهذا ما أراده المصنف بقوله وينتقض قبله ومراده بالنقض ترك العمل بالاجتهاد الأول وإلا فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وهذا فيما تغير اجتهاده في حق نفسه فلو تغير في حق غيره كما إذا أفتى مقلده بصحة نكاح المختلعة ثلاثا ونكحها المقلد عملا بفتواه ثم تغير اجتهاده ولم يكن الحكم قد حكم بصحة النكاح قبل تغير اجتهاده فالمختار أنه يجب عليه تسريحها كما في حق نفس المجتهد ولو قال مجتهد للمقلد والصورة هذه أخطأ بك من قلدته فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني أو استويا فلا أثر له لقوله وإن كان الثاني أعلم قال الرافعي فالقياس إما أن أوجبنا تقلدا لأعلم فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده وإلا فلا أثر له قال النووي وهذا ليس بشيء بل بوجه الجزم بأنه لا يلزمه بشيء ولا أثر لقول الثاني\nخاتمة:القاضي إذا حكم في هذه الواقعة ثم تغير اجتهاده لم يكن له النقض","vol":"3","page":265},{"text":"لكون المسألة اجتهادية ولنا فيما إذا حكم الحاكم بحكم ثم انقدح له ما لو كان مقارب لمنع الحكم قول بليغ فلنورده فنقول ذلك على أقسام\nأحدها:أن يكون أمرا متجددا لم يكن حالة الحكم مثاله أن يباع مال يتيم بقيمته لحاجته ويحكم بصحة البيع ثم نقلوا الأسعار بعد ذلك فتصير قيمته أكثر فهذا لاعتبار به لأن الشرط البيع بالقيمة ذلك الوقت لا بعده\nالثاني:أن يحكم باجتهاده لدليل أو إمارة ثم يظهر له دليل أو أمارة أرجح من الأول ولا ينتهي إلى ظهور النص بهذا أيضا لاعتبار به وإن كان لو قارن لوجب الحكم به لأن الحكم بالراجح وإن كان واجبا لكن الرجحان حاصل الآن في ظنه ولا يدري لو حصل ذلك الاحتمال عنده حالة الحكم هل يكون عنده راجحا أو مرجوحا والاعتبار إنما هو بالرجحان حال الحكم ولا يلزم من الرجحان في وقت الرجحان في وقت غيره لتفاوت الظنون بحسب الأوقات وما يكون فيها من أمور لا تنحصر يتغير بها الظن ولا يتمكن الظان من الحزم بأن الظن الذي عنده في وقت آخر لكان مستمرا ورجحان الاعتقاد إنما يحصل حالا فحالا وأما اعتقاد الرجحان فقد يكون يعتقد في وقت قطعا رجحان أمر عنده في الماضي وهو من الأمور الوجدانيات ليس مما نحن فيه سيأتي قسم منه هنا فاضبط هذا هنا لتنتفع به إذا قلناه\nالثالث:أن يظهر دليل أو أمارة تساوي الأول فبطريق الأولى لا اعتبارية وإن كان لو قارن لمنع من الحكم وبهذا تعلم أن إطلاق من أطلق أنه إذا ظهر بعد الحكم ما لو قارن لمنع من الحكم بنقض الحكم ليس بجيد\nالرابع:أن يظهر نص أو إجماع أو قياس جلي بخلافه فينتقض الحكم لأن ذلك أمر مقطوع به فلم ينقضه بظن وإنما ينقضه بالدليل القاطع على تقديم النص والإجماع والقياس الجلي على الاجتهاد فهو أمر لو قارن العلم به لوجب تقديمه قطعا فلذلك نقض به\nالخامس:أن يظهر أمر لو قارن لمنع ظنا لا قطعا كبينة الداخل فإن في تقديمهما على بينة الخارج خلافا فهو أمر مظنون مجتهد فيه ولكن الحاكم الذي","vol":"3","page":266},{"text":"يراه اجتهادا أو تقليدا قاطع بظنه ووجوب العمل به فلو قارن لوجب الحكم به وهو يعلم من نفسه أنه إنما يحكم به فإذا حكم الخارج معتقدا أنه لا بينة للداخل ثم جاءت البينة فقد ظهر أمر لو قارن لمنع ظنا والظن سابق معلوم الآن وهذا هو اعتقاد الرجحان الذي أشرنا إليه من قبل وقد اختلف الأصحاب ها هنا في النقض فمن ذهب إلى أنه لا ينقض فوجهه أنه أمر مجتهد فيه ومن قال بالنقض فوجهه أنه عالم بظنه وبأنه إنما حكم معتقدا عدم بينة الخارج فهو قاطع بما كان يمنعه من الحكم لو قارن فانظر هذا التفاوت بين المراتب وأن هذه المرتبة بين ظهور النص وبين الظهور الدليل الراجح والمساوي فلذلك نقض في النص قطعا ولم ينقض في الدليل أن الإمارة قطعا وحصل التردد في هذا على وجهين\nالسادس:أن يظهر معارض محض من غير مرجح كما إذا حكم للخارج ببينة ثم جاءت بينة لمخارج آخر فهذه البينة لو قارنت فلمنعت الحكم للتعاوض فإذا ظهرت بعد الحكم فلو أيده الله تعالى في المسألة احتمالان أحدهما أن يقال إنه كظهور الإمارة المساوية فلا ينقض به قطعا أو رجحهما عندي أنها ليست كالإمارة المساوية لأن مساواة الإمارة المساوية مظنونة وجاز أن يضعف في وقت آخر ويستمر رجحان الإمارة المحكوم بها لعدم الوثوق بالظنون وجاز أنها لاحت له في وقت الحكم لكانت مرجوحة غير مساوية وأما البينة إذا عارضت أخرى فمساواتها معلومة ما يؤس فيها من الترجيح فلا يبقى لاحتمال استمرار ذلك الحكم أو غيره فيرد الأمر إلى ما كان عليه قبل الحكم ويقف لقطعنا باستواء الجانبين بخلاف الإمارات التي لا يورث بحال الظنون فيها فإنه لو لم يمض الحكم فيها أدى إلى عدم استمرار الأحكام وأن لا يحكم بشيء\nوقد مال والدي أيده الله إلى ترجيح الأول وقال لم أجد في كلام الأصحاب إلى الآن ما اعتضد به في الجزم بأحدهما غير أني أميل إلى عدم النقض وأن الحاكم لا يحكم ولا ينقض إلا بمستند ولك أن تقول ظهور ما يقع بمساواته مستند وقد تخلص من هذا أن العلم بمقارنة ما يقطع بتقديمه على مستند الحكم موجب لنقضه قطعا والعلم بمقارنة ما يظن تقديمه فيه وجهان كبينة","vol":"3","page":267},{"text":"الداخل والعلم بمقارنة ما يمنع الحكم ويوجب التوقف فيه الاحتمالان المذكوران وهذا هو القسم السادس والذي قبله الخامس والذي قبله الرابع والثلاثة الأول لا نقض فيها قطعا أما الأول فللعلم بعدم المقارنة وأما الثاني والثالث فللشك فيها وعدم استقرار الإحكام","vol":"3","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>في الإفتاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>يجوز الإفتاء للمجتهد</span>\n...\nقال الباب الثاني في الإفتاء وفيه مسائل الأولى يجوز الإفتاء للمجتهد\nومقلد الحي واختلف في تقليد الميت لأن لا قول له لانعقاد الإجماع على خلافه والمختار جوازه عليه في زماننا\n\"ش\" يشتمل هذا الباب على ثلاثة مسائل الأولى النظر فيما يتعلق بالمفتي أعلم أنه يجوز للمجتهد الإفتاء\nوأما المقلد فقال أبو الحسين البصري وجماعة لا يجوز له الإفتاء مطلقا وذهب قوم إلى الجواز مطلقا إذا عرف المسألة بدليلهما وذهب الأكثرون إلى أنه إن تبحر في مذهب ذلك المجتهد واطلع على ما أخذه وكان أهلا للنظر والتفريع على قواعده جاز له الفتوى وإلا فلا وقال آخرون إن عدم المجتهد جاز وإلا فلا وقالت طائفة يجوز لمقلد الحي أن يفتى بما شافهه به أو نقله إليه موثوق بقوله أو وجده مكتوبا في كتاب معتمد عليه ولا يجوز لمقلد الميت هذا شرح ما في الكتاب وعبارته قد توهم اختصاص الخلاف بمقلد الميت وهو جاز مطلقا وقد توهم أن اختياره جواز إفتاء المقلد العامي والظن به إن لم يختر هذا المذهب وإن كان وجها في المذهب فقد قال القاضي في مختصر التقريب أجمعوا على أنه لا يحل لمن شذ أشياء من العلم أن يفتي وإنما قال المصنف في تقليد الميت ولم يقل في مقلد الميت مع أن الغرض حكم إفتاء مقلد الميت لا بيان حكم تقليده ليشير إلى أن جواز إفتائه مشروط بصحة تقليده فيلزم من الخلاف فيها الخلاف في إفتائه قوله لأنه لا قول له أي احتج من منع تقليد الميت بأن الميت لا قول له بدليل انعقاد الإجماع على خلافه ولو كان ذا قول لم ينعقد مع مخالفته كالحي وإذا لم يكن له لم يجز تقليده\nواستدل المصنف على اختياره بالإجماع عليه في زماننا وهذا قد ذكره الإمام فقال انعقد الإجماع في زماننا على جواز العمل بهذا النوع لأنه ليس","vol":"3","page":268},{"text":"في هذا الزمان مجتهد والإجماع حجة ولقائل أن يقول لا يجامع قولك ليس في هذا الزمان مجتهد قولك إجماع أهل الزمان حجة لأن الإجماع المعتبر هو إجماع المجتهدين","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>يجوز الستفتاء للعامة</span>\n...\nقال الثانية يجوز الإفتاء للعامي\nلعدم تكليفهم في شيء من الإعصار بالاجتهاد وتفويت معائشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه دون المجتهد لأنه مأمور باعتبار قيل معارض بعموم فاسألوا ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقول عبد الرحمن لعثمان أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة الشيخين قلنا الأول مخصوص وإلا لوجب بعد الاجتهاد والثاني في الأقضية والمراد من السيرة لزوم العدل\n\"ش\" هذه المسألة ناظرة فيما يتعلق كالمفتى باحثة عمن يجوز له الاستفتاء ومن لا يجوز فنقول للمكلف حالات الأولى أن يكون عاميا صرفا لم يحصل شيئا من العلوم التي يترقى بها إلى منازل المجتهدين فالجماهير على أنه يجوز له الاستفتاء ويجب عليه التقليد في فروع الشريعة جميعها ولا ينفعه ما عنده من علوم لا تؤدي إلى الاجتهاد وإن كانت عدد الحصى ومنع منه معتزلة بغداد مطلقا وقالوا يجب عليه الوقوف على طريق الحكم ولا يرجع إلى العالم إلا لينبهه على أصولها وطريقة النظر فيها قال القاضي عبد الوهاب وعلى هذا جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب منهم وفصل الجبائي فقال يجوز في المسائل الاجتهادية دون ما عداها كالعبادات الخمس الحالة الثانية العالم الذي تعالى عن رتبة العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة ولم يحط بمنصب الاجتهاد فالمختار في أن حكمه حكم العامي الصرف لعجزه عن الاجتهاد\nوقال قوم لا يجوز له ذلك ويجب عليه معرفة الحكم بطريقة لأن له صلاحية معرفة طرق الأحكام بخلاف العامي\nواستدل المصنف على جواز الاستفتاء للعامي سواء كان عاميا وهو المذكور في الحالة الأولى أو عالما وهو المذكور في الثانية بوجهين\nأحدهما إجماع السلف عليه إذ لم يكلفوا العوام في عصر من الأعصار","vol":"3","page":269},{"text":"بالاجتهاد بل قنعوا منهم بمجرد أخذ الأحكام من أقوالهم من غير بيان ما أخذها فإن قلت دعوى قيام الإجماع على إفتاء المستفتين صحيحة ولكن من أين لكم أن المستفتين لم يسألوا عن بيان المأخذ قلت لم ينقل ذلك ولا لأم أحد العوام على تركهم السؤال عن وجه دلالة الدليل ويعلم قطعا أنهم كانوا لا يذكرون الدليل عند الإفتاء مع علمهم بجهل المستفتي به والثاني أن وجود ذلك عليهم يؤدي إلى تفويت معائشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه وذلك مؤذن باختلال نظام العالم وفساد الأحوال فإن قلت هذا يقتضي أن لا يجب النظر في أصول الدين وأن يجوز فيه التقليد لأنا نعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يلومون من لم يتعلم علم الكلام بل ربما لاموا المشتغل به مع أنه يلوم منه تعطيل أمور المعايش لأن غرض أدلة الكلام أكثر قلت إن سلمنا عدم جواز التقليد فيه فالفرق أن مطالبة معدودة محصورة لا تتكرر وأكثر أدلتها قواطع تحمل الطبع السليم على الإذعان لها بخلاف الأحكام الفرعية فإنها غير متناهية وأكثر أدلتها ظنون تضطرب بحسب الأذهان فكان تحصيل رتبة الاستدلال فيها محتاجا إلى الانقطاع عن الاشتغال بغيرها فأرى إلى ما ذكرناه واحتج الجبائي بأن الحق في المسائل الاجتهادية متعدد بخلاف غيرها فإنه واحد فالتقليد فيه لا يؤمن من الوقوع في غير الحق والجواب بعد تسليم أن كل قول في المجتهدات حق أنه لا يؤمن فيها أيضا من الوقوع في الخطأ لاحتمال تقصير المجتهد في الاجتهاد أو أن لا يجتهد أو يفتي بخلاف الاجتهاد\n\"تنبيه\" ذهب معظم الأصوليون إلى أن القول بأن العامي مقلد للمفتي فيما يأخذ منه لأن التقليد إن عرف بأن قبول قول القائل بلا حجة فقد تحقق ذلك إذ ليس قوله في نفسه بحجة وإن عرف بأنه قبول قول القائل مع الجهل بأخذه تحقق في قول المفتي أيضا\nقال القاضي في مختصر التقريب والذي نختاره أن ذلك بتقليد أصلا فإن قول العالم حجة في قول المستفتى نصبه الرب تعالى علما في حق العامي وأوجب عليه العمل به كما أوجب على المجتهد العمل باجتهاده واجتهاده علم علمه وقوله علم على المستفتى ويخرج لك من هذا من لا يتصور تقليد مباح في الشرعية لا في","vol":"3","page":270},{"text":"الأصول ولا في الفروع إذ التقليد على ما عرفه القاضي هو اتباع على من لم يقم باتباعه حجه ولم يستند إلى علم قال ولو شاع تسمية العام مقلدا مع أن قول العالم في حقه واجب الإتباع جاز أن يسمي التمسك بالنصوص وغيرها من الدلائل مقلد قوله دون المجتهد هذا هو الحال الثاني وهو أن يبلغ المكلف رتبة الاجتهاد فإن كان قد اجتهد في المسألة ووضح في ظنه وجه الصواب لم يقلد غيره بلا ريب وإن لم يكن قد اجتهد فيها فهي مسألة الكتاب وقد اختلفوا فيها على مذاهب\nالأول المنع من التقليد وإليه ذهب أكثر الفقهاء وجمع من الأصوليين منهم القاضي واختاره المصنف تبعا للإمام وهو المختار عند الآمدي وابن الحاجب والثاني التجويز مطلقا وعليه سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والثالث يجوز تقليد الصحابة فقط والرابع يجوز تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم والخامس يجوز تقليد العالم لأعلم منه ولا يجوز لمساويه ودونه وإليه ذهب محمد بن الحسن والسادس يجوز التقليد فيما يخصه دون ما يفتى به والسابع أنه يجوز فيما يخصه إذا خشي فوات الوقت باشتغاله بالحادثة وهو رأي أبي العباس ابن سريج\nوالثامن أنه يجوز للقاضي دون غيره واستدل المصنف على أن المجتهد لا يجوز له التقليد مطلقا بأنه مأمور بالاعتبار في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ فإذا تركه يكون تاركا للمأمور به فيعصى ولا يرد العامي لأنه خرج من عموم الأمر بدليل عجزه عن الاجتهاد هذا إن جعلناه مقلدا وإن لم نجعله مقلدا كما قال القاضي فلا سؤال وجعل الآمدي المعتمد في المسألة أن يقال جواز تقليد المجتهد للمجتهد حكم شرعي فلا بد عليه من دليل والأصل عدم ذلك الدليل فعلى مدعيه بيانه والقياس على العامي لا يصلح أن يكون دليلا لما عرفت من الفرق ولمعارض أن يقول القول بوجوب الاجتهاد على المجتهد فيما نزل به من الوقائع مطلقا وحرمة التقليد عليه حكم شرعي فلا بد عليه من دليل وعلى مدعيه بيانه\nقوله قيل معارض أي عارض الخصم الاستدلال على منع التقليد للمجتهد بأوجه","vol":"3","page":271},{"text":"الأول قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون١﴾ والعالم قبل أن يجتهد لا يعلم فوجب تجويز الاجتهاد له\nوالثاني قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ٢﴾ والعلماء هم أولوا الأمر لأن أمورهم تنفذ على الأمراء والولاة\nوالثالث:إجماع الصحابة روى أحمد عن سفيان بن وكيع بن الجراح قال حدثنا قبيصة قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن وائل قال قلت لعبد الرحمن بن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا فقال ما ذنبي قد بدأت هكذا لعلي فقلت أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وسيرة أبي بكر وعمر فقال فيما استطعت ثم عرضت ذلك على عثمان فقال نعم فقد التزم عثمان ذلك بمحضر من عظام الصحابة من غير نكير عليه فكان إجماعا على جواز أخذ المجتهد بقول المجتهد الميت وإذا ثبت في الميت ثبت في الحي بطريق الأولى\nوأجاب المصنف عن الأول بأنه عام مخصوص بالمقلدين وإلا لوجب الاجتهاد على المجتهد بعد اجتهاده لأنه بعد الاجتهاد أيضا ليس بعالم بل هو ظان وذلك باطل بالإجماع ولقائل أن يقول المراد بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ إن كنتم غير ذوي علم وذوي العلم صادق على من يتوصل إلى الأحكام بمسالك الظنون وهذا واضح بل الجواب أن السؤال مشروط بعدم العلم ولم يوجد في المجتهد لأنه عالم وقولكم قبل الاجتهاد لا يعلم قلنا لا يخرج عن كونه عالما بغيبوبة المسألة عن ذهنه مع تمكنه من معرفتها من غير احتياج إلى غيره\nوأجاب الإمام أيضا بأن ظاهر الآية يقتضي وجوب السؤال على المجتهد وهو غير واجب بالاتفاق قلت وفي دعوى الاتفاق نظر فإن القائل بتجويزه إذا ضاق الوقت لا بد وأن يوجبه عليه والحالة هذه ولعله مراده بالاتفاق اتفاق الخصمين المانع مطلقا ومقابلة لأن البحث في هذا الدليل بينهما\n_________\n١ سورة الأنبياء آية ٧\n٢ سورة النساء آية ٥٩","vol":"3","page":272},{"text":"وأجاب المصنف عن الثاني بأن الآية الأولى دلت على وجوب الطاعة في الأقضية والأحكام جمعا بين الأدلة وأيضا المتبادر إلى الفهم من إطلاق أولي الأمر والأمراء والحكام\nوأجاب عن الثالث بأن المراد من سيرة أبي بكر وعمر ﵄ لزوم العدل والإنصاف والسنن المرضي في جميع الحالات لأنه من المتبادر إلى الذهن من السيرة وأيضا في سند الحديث سفيان ابن وكيع وقد قال فيه أبو زرعة متهم بالكذب","vol":"3","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>ما يجوز فيه التقليد وما لايجوز</span>\n...\nقال \"الثالثة إنما يجوز في الفروع وقد اختلف في الأصول ولنا فيه نظر وليكن آخر كلامنا وبالله التوفيق\"\n\"ش\" هذه المسألة فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز فنقول أما الاستفتاء في الفروع فهو جائز على ما سلف فيه من الكلام وهو عمل العامي بقول المجتهد تقليدا فيه ما أوردناه عن القاضي والأصوليين\nوأما الاستفتاء في الأصول فذهب كثير من الفقهاء وبعض المتكلمين كعبيد الله بن الحسين العنبري والحشوية والتعليمية إلى جوازه وربما بالغ بعضهم فقال التقليد واجب والنظر في ذلك حرام وذهب الباقون إلى عدم جوازه وأنه يجب على كل أحد معرفة الله وما يجب له من الأوصاف ويجوز عليه ويتقدس عنه وكذلك جملة العقائد بالنظر والاستدلال ولما كان محل المسألة علم الكلام لم يطل المصنف فيها ولتقاوم الأدلة عنده لم يجزم بشيء بل قال إن له فيه نظرا ونحن نورد نزرا يسيرا من معتصمات الفريقين أما مجوزو التقليد فاحتجوا بوجوه منها أن النظر في أصول الدين منهي عنه لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا١﴾ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ٢﴾ والنظر يفضي إلى فتح باب الجدال وروى أنه ﷺ نهى\n_________\n١ سورة غافر آية ٤\n٢ سورة الزخرف آية النحل ٥٨","vol":"3","page":273},{"text":"الصحابة لما رآهم يتكلمون في مسألة القدر وإذا كان منهيا عنه فلا يكون واجبا فيكون التقليد جائزا\nوأجيب عنه بمنع كون النظر منهيا عنه والآيات محمولة على النهي عن الجدال بالباطل جمعا بين الأدلة فإن قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ١﴾ ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٢﴾ وأثنى الله تعالى على الناظرين بقول: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ٣﴾ وأما الحديث فلعل النبي ﷺ لما علم صحة اعتقادهم وحقيقة يقينهم بما تلقوه عنه وشاهدوا من المعجزات الخوارق علم أن الجدال بعد ذلك لا يفيد شيئا وربما ورث شكا فنهاهم لذلك أما الشارح الذي لم يثبت عنده شيء فكيف لا يجب عليه السعي في إثبات يقينه والذب عن تأكيد دينه\nومنها أن النظر فيه مظنة الوقوع في الشكوك والشبهات والخروج إلى البدع وأجيب بأن التقليد لا بد أنه ينتهي إلى النظر والاستدلال لامتناع التسلسل وحينئذ ما ذكرتم من المحذور لازم التقليد مع زيادة محذور احتمال كذب المقلد فيما أخبر به المقلد عن اعتقاده وأما المانعون فاعتصموا بوجوه منها أن تحصيل العلم في أصول الدين كان واجبا على النبي المصطفى ﷺ بقوله: \"فأعلم أنه لا إله إلا الله\" فيكون واجبا على أمته بقوله فاتبعوه ومنها أن التقليد مذموم شرعا في قوله تعالى حكاية عن قوم في معرض الذم لهم ﴿إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ٤﴾ ووجوه الحجج في المسألة عديدة وقد ذكرنا أن محلها علم الكلام فمن أراد الإحاطة به فهو محال على كتبه وبنجاز هذه المسألة تم هذا الشرح المبارك أسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم موجبا للفوز لديه وأن يعم النفع به بمحمد وآله وصحبه\nوقد راعينا فيه جانب التوسط لأن الكتاب مختصر فالأليق بشارحه أن يحذو حذوه ولا يتعدى ممشاه فوق خطوة وقد كنا نروح ونغدو على المسألة وربما لم\n_________\n١ سورة النحل آية ١٢٥\n٢ سورة العنكبوت آية ٤٦\n٣ سورة آل عمران آية ١٩١\n٤ سورة الزخرف آية ٢٣","vol":"3","page":274},{"text":"نخرج عن حد الشرح قدر أنملة وفي النفس حزازات من مباحث نترك ذكرها خشية التطويل ونسلك في الإضراب عنها سبيل غيرنا\nوإن كنا لا نرتضي تلك السبيل على أنا لم نأل جهدا فيما وضعناه ولم نرض إلا أن نحله محل النجم وفي الظن أنا ما أنصفناه فإنا لم نغادر صغيرة ولا كبيرة مما يطالب الشارح بها إلا وقد جمعناها فيه مع زيادات من نقول وفوائد يهيم الفهم إذا سمعها طربا وينطق شاكرها ملء فيه ومباحث ما للبدر الكوامل إلا ما تطلع ولا العرب الأفراب إلا ما تفوه به بنات فكرها وتسمع لكن الكتاب مع أن الروض المبدعة ازهاره والواضح الجلي الذي ينضال لديه النهار وأنواره لم يعن على نفسه لقلة ما أودع فيه من المسائل ولم يبن عن جمع كبير فلم نهتم له ولا به وكيف لا وقد كنا نكتب فيه بأطراف الأنامل ونجيء إليه وقد سلمنا الطيب وقد وقالت النفس حطة وتعد عليه فنقول من رأى القلم يكتب والمهمة تملى عليه أما القلم قد أبل وليس في تلك شطة وفي عزمي والله الميسر أن أضع شرحا على مختصر ابن الحاجب بسيطا لا عذر لي إذا لم آت فيه بالعجب العجاب محيط بهذا العلم على أتم وجه لا أميط عنه إلا القشر عن اللباب والله المسؤول أن يوفقنا لصالح الأعمال ويجمعنا على العلم ونشره في كل حال بمنه وكرمه إنه المرجو خيره المأمول بسره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين\nقال المصنف أيده الله فرغت منه صبيحة يوم الجمعة السادس عشر من صفر المبارك سنة اثنين وخمسين وسبعمائة أحسن الله تقضيها بالمدرسة العادلية منزل سيدي ووالدي أحسن الله إليه من دمشق المحروسة وكتب مؤلفه عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي الشافعي أصلحه الله تعالى وكان له والحمد لله وحده وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.","vol":"3","page":275}]}