{"ً":{"ٌ":11743,"ٍ":"معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات_التميمي_ط أضواء السلف","files":["163050.pdf"]},"ّ":"الكتاب: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات\nالمؤلف: محمد بن خليفة بن علي التميمي\nالناشر: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى ١٤١٩هـ/١٩٩٩م\nعدد الصفحات: ١٢٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1083,"ٕ":1,"ٖ":1770155452,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":4},{"title":"الفصل الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات وعلاقته بباقي أنواع التوحيد","level":1,"page":19},{"title":"المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":19},{"title":"المبحث الثاني: العلاقة بين أنواع التوحيد","level":2,"page":27},{"title":"الفصل الثاني: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته","level":1,"page":34},{"title":"المبحث الأول: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة.","level":2,"page":34},{"title":"المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته","level":2,"page":43},{"title":"المبحث الثالث: الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته","level":2,"page":58},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":97}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,14":7,"1,15":8,"1,16":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,29":19,"1,30":20,"1,31":21,"1,32":22,"1,33":23,"1,34":24,"1,35":25,"1,36":26,"1,37":27,"1,38":28,"1,39":29,"1,40":30,"1,41":31,"1,42":32,"1,43":33,"1,47":34,"1,48":35,"1,49":36,"1,50":37,"1,51":38,"1,52":39,"1,53":40,"1,54":41,"1,55":42,"1,56":43,"1,57":44,"1,58":45,"1,59":46,"1,60":47,"1,61":48,"1,62":49,"1,63":50,"1,64":51,"1,65":52,"1,66":53,"1,67":54,"1,68":55,"1,69":56,"1,70":57,"1,71":58,"1,72":59,"1,73":60,"1,74":61,"1,75":62,"1,76":63,"1,77":64,"1,78":65,"1,79":66,"1,80":67,"1,81":68,"1,82":69,"1,83":70,"1,84":71,"1,85":72,"1,86":73,"1,87":74,"1,88":75,"1,89":76,"1,90":77,"1,91":78,"1,92":79,"1,93":80,"1,94":81,"1,95":82,"1,96":83,"1,97":84,"1,98":85,"1,99":86,"1,100":87,"1,101":88,"1,102":89,"1,103":90,"1,104":91,"1,105":92,"1,106":93,"1,107":94,"1,108":95,"1,109":96,"1,121":97,"1,122":98,"1,123":99,"1,124":100,"1,125":101},"ٜ":{"1":[5,125]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"19":[3,4],"27":[5],"34":[6,7],"43":[8],"58":[9],"97":[10]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات\nتأليف: د. محمد بن خليفة التميمي\nال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nإن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى.\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينة على وحيه، أرسله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.\nأما بعد: فهذه الدراسة الأولى من سلسلة \" دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات \" وهي بعنوان: \" معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات \".\nوسيتبعها -بإذن الله- الدراسات التالية:\nالدراسة الثانية: \"معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى\".\nالدراسة الثالثة: \"معتقد أهل السنة والجماعة في صفات الله العلى\".\nالدراسة الرابعة: \"قواعد أهل السنة والجماعة في نصوص الأسماء والصفات\".\nالدراسة الخامسة: \"مقالة التعطيل وموقف أهل السنة والجماعة منها\".","vol":"1","page":5},{"text":"الدراسة السادسة: \"مقالة التشبيه وموقف أهل السنة والجماعة منها \".\nومقصودي من إصدار هذه السلسلة خدمة الجوانب التالية:\nا- بيان معتقد أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته بشكل يجمع بين الشمولية والتعمق، وذلك من خلال توضيح المسائل الكلية العامة أولًا، ثم بحث القضايا التفصيلية والمباحث الجزئية للمسائل الكبرى المتعلقة بهذا الباب، فقد خصصت الدراسة الأولى لعرض المسائل العامة التي تبرز وتوضح معتقد أهل السنة والجماعة بشكل عام، ثم خصصت لكل مسألة بعد ذلك دراسة مستقلة تستوفي المواضيع والقضايا التي تتصل بها.\n٢- جمع شتات المسائل المتعلقة بهذا الباب، وهي مسائل متناثرة ومتفرقة في ثنايا كتب أهل السنة، وقد بذلت جهدي وطاقتي في جمعها وترتيبها وتبويبها وإخراجها في نسق تنتظم معه تلك المسائل، ليسهل بعد ذلك معرفتها والاطلاع. عليها.\n٣- بيان فساد مقالات أهل الزيغ والضلال الذين خرجوا عن الحق في هذا الباب، وذلك ليعلم وجه بطلان معتقداتهم ومدى انحرافهم وضلالهم، حتى يحذر المسلم من الوقوع في ذلك.\nهذا وقد ضمنت الدراسة الأولى الفصول التالية:\nالفصل الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات وعلاقته بباقي أنواع التوحيد.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات.\nالمبحث الثاني: العلاقة بين أنواع التوحيد.","vol":"1","page":6},{"text":"الفصل الثاني: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته.\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة.\nالمبحث الثاني: معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته.\nالمبحث الثالث: الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته.\nوختمت ذلك بخاتمة وذيلتها بفهارس.\nوإني لا أدعي أني وصلت بهذه الدراسة إلى درجة الكمال، ولكن حسبي أني اجتهدت، فإن وفقت فذلك بفضل من الله وحده، وإن حصل تقصير أو خطأ فهذا من طبيعة جهد البشر، فأرجو ممن وقف على شيء في هذه الدراسة أن يبادرني النصيحة، وأسأل الله ﷿ أن يتقبل مني هذا الجهد وأن يجعله عملًا صالحًا ولوجهه خالصًا، وأن لا يجعل لأحد فيه شيئا.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nمحمد بن خليفة التميمي","vol":"1","page":7},{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد: </span>أهمية توحيد الأسماء والصفات\nالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الموصوف بصفات الجلال، المنعوت بنعوت الكمال.\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه وحجته على عباده، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرًا.\nوبعد:\nفإن من المفيد والمهم لطالب الحق قبل أن يشرع في دراسة تفاصيل جوانب توحيد الأسماء والصفات أن يكون لديه معرفة بأهمية هذا التوحيد وما له من قيمة ومنزلة ودور في جانب الاعتقاد على وجه الخصوص، وفي سائر جوانب الدين على وجه العموم، فإيجاد هذا التصور المفيد في فكر المسلم عما لهذا التوحيد من مكانة عالية ودرجة رفيعة سيعود-بإذن الله تعالى- عليه بالنفع في إيمانه بالله ﷿، فيولي هذا الجانب القدر الواجب له من الأهمية، كما يزيده ذلك رغبة في التفقه في مسائله ومباحثه وتفريعاته، والتي لا يستغني عنها طالب العلم الراغب في التزود من العلم النافع المفيد.\nوإن مما يؤسف له أن البعض ينظر إلى هذا التوحيد نظرة المقل من أهميته وشأنه، فيظن أن مباحث هذا الباب لا تتجاوز ذكر الأقوال المختلفة والمتباينة في القدر الذي يثبت أو لا يثبت من أسماء الله وصفاته، وأن الأمر لا يعدو ذلك","vol":"1","page":8},{"text":"ولا يخرج عنه، ومثل هذه النظرة وهذا القول لا يصدر إلا عن أحد شخصين، إما جاهل لا يدري ما في هذا الباب من مسائل مفيدة، وعلى درجة من الأهمية لا غنى للمسلم عنها وعن معرفتها.\nوإما عن شخص منحرف في عقيدته يظن أن حال هذا الباب لا يخرج عن الحال الذي عليه عند أهل الباطل الذين لم يستضيئوا في هذا الباب ولا في غيره بنور الكتاب والسنة، وبالتالي لم يتجاوز حديثهم في هذا الباب حدود الطعن في أسماء الله وصفاته والتشكيك فيها أو في أكثرها، فصدوا بذلك عن معرفتها فضلًا عن بيان مالها من دور ومكانة في عقيدة المسلم وإيمانه بربه ﵎.\nفإرشادًا لطالب الحق، وتعليمًا للجاهل الغافل، ودعوة للمخالف المنحرف، ومذاكرة للعالم أسطر هذه الكلمات التي تشير إلى بعض ما في هذا التوحيد من فوائد ومزايا، عسى الله أن ينفع بها من يطلع عليها ويستذكرها.\nفأقول وبالته التوفيق ومنه أستمد العون والتسديد ملخصا ما أود بيانه في النقاط التالية:\nأولًا: هذا التوحيد شطر باب الإيمان، بالله تعالى:\nلا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تبع له وفرع عنه، وهو أهم ما خلق لها الخلق وأرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وأسست عليه الملة، فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأن الإنسان لما كان مخلوقًا مربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وباريه فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه","vol":"1","page":9},{"text":"وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض، فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن.\nوملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله ﷾ رسوله ﷺ، وإليه دعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ممن أولهم إلى آخرهم.\nوأحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.\nوالتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربا وإلها ووليا، وأن لا يجعل له عدلًا في شيء من الأشياء.\nوقد جمع ﷾ هذين النوعين في سورتي الإخلاص وهما سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ١ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.\nوسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.\nفسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات\n_________\n١ الآية ١ من سورة الكافرون.\n٢ الآية ١ من سورة الإخلاص.","vol":"1","page":10},{"text":"الكمال وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.\nوسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.\nولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والمغرب والوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته توحيدًا١.\nفالتوحيد المطلوب من العبد شطره هو توحيد الأسماء والصفات.\nثانيا: توحيد الأسماء والصفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق:\nإن شرف العلم تابع لشرف معلومه، لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلى معرفته وعظم النفع بها.\nولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.\nفلا ريب أن العلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات٢.\nفإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أن الغاية أشرف من الوسيلة، فكيف تفضل الوسائل على غاياتها؟\nقيل: كل من العلم والعمل ينقسم إلى قسمين، منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإن العلم بالله وأسمائه\n_________\n١ اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية ص٣٥-٣٦.\n٢ مفتاح دار السعادة ١/٨٦.","vol":"1","page":14},{"text":"وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ١ فقد أخبر سبحانه أنه خلق السموات والأرض ونزل الأمر بينهن ليعلم عباده أنه بكل شي عليم، وعلى كل شي قدير فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢ فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.\nالأمر الأول: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه، وصفاته وأفعاله وأحكامه.\nوالأمر الثاني: أن يعبد بموجبها ومقتضاها.\nفكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضا، فإن العلم من أفضل العبادات٣.\nثالثا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل، العلوم الدينية:\nكما أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها فهو أصلها كلها، فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ٤ فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو: أن من نسي ربه أنساه ذاته\n_________\n١ الآية ١٢ من سورة الطلاق.\n٢ الآية ١٩ من سورة محمد.\n٣ مفتاح دار السعادة ١/١٧٨.\n٤ الآية ١٩ من سورة الحشر.","vol":"1","page":15},{"text":"ونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، لأنه خرج عن فطرته التي خلق عليها فنسي ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ١ فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه، وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلًا.\nفالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته٢.\nرابعًا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف:\nمعرفة أسماء الله وصفاته هي الأساس الذي ينبني عليه عمل العبد، ومن خلالها تتحدد العلاقة التي تربط العبد بربه، وعلى ضوئها يعبد المسلم ربه ويتقرب إليه.\nولذلك كان أصل علم السلف وعملهم هو:\nا- العلم بالله.\n٢- والعمل لله.\nفجمعوا بذلك بين التصديق العلمي والعمل الحبي.\nثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا بذلك من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.\n_________\n١ الآية ٢٨ من سورة الكهف.\n٢ مفتاح دار السعادة ١/٨٦.","vol":"1","page":16},{"text":"فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر.\nوالصوفيون: غالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.\nفإن كلًا من المنحرفين له مفسدتان:\nإحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا.\nوالعمل بلا علم إن كان متصوفًا.\nوهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.\nوالمفسدة الثانية: فوَّت المتكلم العمل.\nوفوَّت المتصوف القول والكلام.\nأما السلف وأتباعهم فقد حققوا كلا الأمرين.\nمن القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة.\nوالعمل الإرادي وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقًّا١.\nفالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٢/٤١ بتصرف.","vol":"1","page":17},{"text":"هذا الشأن.\nخامسًا: العلم بأسماء الله وصفاته يفتح للعبد باب معرفة الله:\nإن محبة الشيء فرع عن الشعور به، وأعرف الخلق بالله أشدهم حبا له، وكل من عرف الله أحبه، ولا سبيل للحصول على هذه المعرفة إلا من باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلا تستقر للعبد قدم في معرفة الله إلا بالتعرف على أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة، فالعلم بأسماء الله وصفاته يفتح للعبد هذا الباب العظيم، فالله ﷿ لم يجعل السبيل إلى معرفته من طريق الاطلاع على ذاته، فهذا الباب موصود إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال: \"تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربة ﷿ حتى يموت\" ١.\nوكذلك فإن من المحال أن تستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه التفصيل، فهي عاجزة عن ذلك لكونه من المغيبات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الوحي، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢ فهذه الآية تبين محدودية علم الإنسان.\nوقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:\n_________\n١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد ٨/١٩٣.\n٢ الآية ٨٥ من سورة الإسراء.","vol":"1","page":18},{"text":"ا- تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: \"شريعته المتضمنة لأمره ونهيه\".\n٢- تعريفهم مآلهم في الآخرة.\nوهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.\nسادسًا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته:\nعلى أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها، فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدا للمؤمن لشدة حاجته إليها لسلامة قلبه وصلاح معتقده واستقامة عمله، فهذه المعرفة لأسماء الله وصفاته وأفعاله توجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يليق به ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.\nوذلك يتم بتدبر كلام الله تعالى وما تعرف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه.\nوالجدير ذكره أن معرفة الله نوعان:\nالنوع الأول: المعرفة الإجمالية.\nوهي التي تلزم العبد المؤمن لينعقد بها أصل الإيمان، وهي تتحقق بالقدر الذي يميز العبد به بين ربه وبين سائر الآلهة الباطلة، ويتحقق بها الإيمان","vol":"1","page":19},{"text":"المجمل، وتجعله في سلامة من الكفر والشرك المخرجين من الإيمان، وتخرجه من حد الجهل بربه وما يجب له.\nوهذه المعرفة يتحصل عليها من قراءة سورة الإخلاص، وآية الكرسي وغيرها من الآيات ومعرفة معانيها.\nولكن هذه المعرفة لا توجب قوة الإيمان والرسوخ فيه.\nالنوع الثاني: المعرفة التفصيلية.\nوهذه تكون بمعرفة الأدلة التفصيلية الواردة في هذا الباب وتعلمها واعتقاد اتصاف الله بها ومعرفة معانيها والعمل بمقتضياتها وأحكامها.\nوهذه المعرفة هي التي يحصل بها زيادة الإيمان ورسوخه، فكلما ازداد العبد علمًا بالله زاد إيمانه وخشيته ومحبته لربه وتعلقه به، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١كما تجلب للعبد النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.\n\"والعلم بالله يراد به في الأصل نوعان:\nأحدهما: العلم به نفسه، أي بما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى.\nوهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يعلم أن الله يثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته.\nوالنوع الثاني: يراد بالعلم بالله العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي، والحلال والحرام.\nولهذا قال بعض السلف: العلماء ثلاثة:\n_________\n١ الآية ٢٨ من سورة فاطر.","vol":"1","page":20},{"text":"ا- عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله.\n٢- عالم بأمر الله ليس عالمًا بالله.\n٣- عالم بالله وبأمر الله.\nفالعالم بالله: الذي يخشى الله، والعالم بأمر الله: الذي يعرف الحلال والحرام\"١.\nسابعًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب:\nفلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ويكون أحب إليها مما سواه، والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذبا كما هو حال الكافرين.\nفالله تبارك خلق هذا الإنسان وركبه من الجسد والروح وشاء أن يكون خلق الجسد من التراب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب﴾ ٢ وجعل قوام الجسد وحياته من التراب، فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها، وجعل في هذا الجسد الروح، قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ٣ وشاء أن يكون قوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته، فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته، لذلك فإن من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه، وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٣/٣٣٣ بتصرف بسير.\n٢ الآية ٥ من سورة الحج.\n٣ الآية ٢٩ من سورة الحجر.","vol":"1","page":21},{"text":"الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل وقامت السموات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع، وأسست الملة، ونصبت القبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.\nوهو بحق أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه١.\nثامنًا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته:\nمما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تثمره معرفة أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة في الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة، والشهوات المحرمة.\nفهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فلكل اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.\nولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، فالأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، فمثلًا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له\n_________\n١ انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٢٨-٢٩.","vol":"1","page":22},{"text":"عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.\nوعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.\nومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه، تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.\nوكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية.\nفرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها١.\nوبهذا يتبين أن معرفة العبد لأسماء الله وصفاته على الوجه الذي أخبر الله ﷿ به في كتابه وسنة رسوله ﷺ توجب على العبد القيام بعبودية الله على الوجه الأكمل، فكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص والتعبد أقوى، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، إذ كل اسم من أسمائه ﷿ له تعبد مختص به، علما ومعرفة وحالًا.\n_________\n١ مفتاح دار السعادة ٢/٩٠","vol":"1","page":23},{"text":"علمًا ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك فهذه عبادة.\nو\"حالًا\" أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على، تفكيره وسلوكه.\nوهذه الطريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١.\nوالدعاء بها يتناول: دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد. وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها٢.\nتاسعًا: ضرورة تجنب الباطل وعدم مخالفة طر يق الحق في هذا الباب:\nيعتبر باب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومزلة من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمشبهة من جهة أخرى.\nفمن واجب طالب العلم أن يتعمق في فهم الحق المبني على الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿َإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ ٤، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر\n_________\n١ الآية ١٨٠ من سورة الأعراف\n٢ مدارج السالكين ١/٤٢٠\n٣ الآية ٥٩ من سورة النساء\n٤ الآية ١٤٠ من سورة البقرة","vol":"1","page":24},{"text":"بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١.\nفمن الواجب على المسلم أن يدرس هذا الباب ويتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضرت أصحابها وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قوى حبهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.\nومعلوم أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة، بل ولا في الإيمان، حتى يؤمن بأسماء وصفات الرب ﷻ، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتعرفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فمن جحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.\nفينبغي للمؤمن أن يبذل مقدوره ومستطاعه، في معرفة الأسماء والصفات، وأن تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ، فالمعرفة الصحيحة هي المتلقاة من الكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.\n_________\n١ الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات وعلاقته بباقي أنواع التوحيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات</span>\n...\nالمبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات\nحدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها، تتقدم أحكامها، فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها، فمن حكم على أمر من الأمور- قبل أن يحيط علمه بتفسيره، وبتصوره تصورًا يميزه عن غيره- أخطأ خطأً فاحشًا١.\nتوحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها.\nشرح مفردات التعريف:\nأولًا: \"إفراد الله\":\nهذا معنى كلمة \"التوحيد\"، فأصل هذه الكلمة من \"وحد\" فيقال: وحد يوحد توحيدًا: أي جعله واحدًا.\nومادة \"وحد\" في اللغة مدارها على انفراد الشيء.\nفإذا قلت: توحيد الله بأسمائه: فالمعنى إفراد الله بأسمائه.\nثانيًا: بأسمائه الحسنى\nبأسمائه: الاسم في اللغة: هو اللفظ الموضوع لمعنًى تعيينًا أو تمييزًا.\nأو الاسم: ما دل على الذات وما قام بها من الصفات.\nومن أسماء الله تعالى: الله- الرحمن- الرحيم- الغفور- العزيز- القدير- السميع- البصير- الباري\n_________\n١ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ص ٧","vol":"1","page":29},{"text":"الحسنى\": هذا وصف لأسماء الله، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم.\nا- المواضع التي ورد فيها:\nورد هذا الوصف لأسماء الله ﷿ في أربعة مواضع من كتاب الله ﷿، وهذه المواضع هي:\nأ- قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف ١٨٠.\nب- قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الإسراء ١١٠.\nج- قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ طه ٨.\nد- قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الحشر ٢٤.\n٢- تصريفها: حُسنَى على وزن \"فُعلَى\" تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطيء من يقول إنها تأنيث حسن، لأن تأنيث \"حسن\" \"حسنة\"، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: إن أسماء الله حسنة، والصَّواب هو أن نقول: إن أسماء الله حسنى كما وصفها الله بذلك.\n٣- معناها: معنى حسنى: المفضلة على الحسنة، أي البالغة في الحسن غايته.\nالمعنى العام للآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: لله أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.\n٥- الحكم المستفاد: يجب الإيمان بهذا الوصف الذي أخبر الله به عن أسمائه وذلك بالاعتقاد الجازم أن أسماء الله هي أحسن الأسماء وأتمها وأكملها معنى، وفي هذا الوصف أحكام أخرى مستفاد سيأتي الكلام عنها","vol":"1","page":30},{"text":"بإذن الله في المسائل التفصيلية المتعقلة بأسماء الله الحسنى.\nثالثًا: \"وصفاته العلى\":\nوصفاته \": الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية أو معنوية أو فعلية.\nومن صفات الله ﷿:\nالذاتية: اليدان- الوجه- العينان- الأصابع.\nالمعنوية: العلم- القدرة- الحياة- الإرادة.\nالفعلية: النزول- الاستواء- الخلق- الرزق.\nالعلى\": هذا الوصف جاء ذكره في نص القرآن العظيم.\nا- المواضع: قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ النحل ٦٠.\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم ٢٧.\nوفي القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على كمال صفات الله، سيأتي الكلام عنها بإذن الله في المسائل التفصيلية المتعلقة بصفات الله.\n٢- تصريفها: \"الأعلى\" صيغة أفعل التَّفضيل، أي أعلى من غيره١.\n٣- معنى الآية: قال القرطبي: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: أي الوصف الأعلى٢.\nوقال ابن كثير: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: أي الكمال المطلق من كل وجه٣.\nوقال ابن سعدي: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال\n_________\n١ الصواعق المرسلة ٣/١٠٣٠\n٢ تفسير القرطبي ١٠/١١٩\n٣ تفسير ابن كثير ٢/٥٧٣","vol":"1","page":31},{"text":"في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه١.\n٤- الحكم المستفاد: يجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وذلك بالاعتقاد الجازم بأن كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات هي صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو سبحانه المستحق للكمال المطلق من جميع الوجوه.\nقال الإمام ابن القيم: \"المثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها ... \"٢.\nرابعًا: \" الواردة في القرآن والسنة \":\nأي يجب الوقوف في أسماء الله وصفاته على ما جاءت به نصوص القرآن والسنة لا نزيد على ذلك ولا ننقص منه.\nفلا نسمي أو نصف الله بما لم يسم أو يصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\nوذلك لأنه لا طريق إلى معرفة أسماء الله وصفاته إلا من طريق واحد هو طريق الخبر- أي الكتاب والسنة-.\nفلو قال شخص: لله سمع بلا أذنين.\nوقال آخر: لله سمع بأذنين.\nلحكمنا بخطأ الاثنين، لأنه لم يأت ذكر الأذنين في النصوص لا نفيًا ولا إثباتًا، والحق هو أن يقال: لله سمع يليق بجلاله كما جاءت بذلك النصوص،\n_________\n١ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٤/١٠٤\n٢ الصواعق المرسلة ٣/١٠٣٤ بتصرف","vol":"1","page":32},{"text":"وقد نهانا الله أن نتكلم بغير علم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١ وبالتالي لا يجوز الإثبات أو النفي إلا بالنص.\nقال الإمام أحمد (ت ٢٤١) ﵀: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة \"٢.\nوقال ابن عبد البر (ت ٤٦٣) ﵀: \"ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه \"٣.\nخامسًا: \"والإيمان بمعانيها وأحكامها\":\nأي الإيمان بما تضمنته من المعاني وبما ترتب عليها من مقتضيات وأحكام. وهذا ما جاء الأمر به والحث عليه في القرآن والسنة.\nفمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٤، والشاهد\nمن الآية قوله: \"فادعوه بها\".\nووجه الاستشهاد: أن الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالدعاء بها يتناول:\nدعاء المسألة٥: كقولك: ربي ارزقني.\n_________\n١ الآية ٣٦ من سورة الإسراء\n٢ الفتوى الحموية ص٦١، دار فجر التراث\n٣ جامع بيان العلم وفضله ص٩٦\n٤ الآية ١٨٠ من سورة الأعراف\n٥ دعاء المسألة: ما كان فيه طلب جلب نفع أو دفع مضرة","vol":"1","page":33},{"text":"ودعاء الثناء١: كقولك: سبحان الله.\nودعاء التعبد٢: كالركوع والسجود٣.\nومن السنة: قوله ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة\" متفق عليه٤.\nالشاهد من الحديث: قوله ﷺ: \"من أحصاها\".\nووجه الاستشهاد: أن معنى أحصاها: أي حفظها ألفاظًا، وفهم معانيها ومدلولاتها، وعمل بمقتضياتها وأحكامها.\nفالعلم بأسماء الله وصفاته واعتقاد تسمي الله واتصافه بها هو من العبادة وإدراك القلب لمعانيها، وما تضمنته من الأحكام والمقتضيات، واستشعاره وتجاوبه لذلك بالقدر الذي يؤدي إلى سلامة تفكيره واستقامة سلوكه، هو عبادة أيضًا.\nفأهل السنة يؤمنون بما دلت عليه أسماء الله وصفاته من المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه.\nفأهل السنة يؤمنون بأن كل اسم من أسماء الله يدل على معنى الذي نسميه \"الصفة\" فلذلك كان لزامًا على من يؤمن بأسماء الله تعالى أن يراعي الأمور التالية:\n_________\n١ دعاء الثناء: ما كان فيه التمجيد والثناء على الله، وخلا من السؤال\n٢ دعاء التعبد: الحركات التعبدية كالصلاة فهي الدعاء\n٣ مدارج السالكين ١/٤٢٠\n٤ أخرجه البخاري في صحيحه. انظر: فتح الباري ١٣/٣٧٧، ح ٧٣٩٢، وأخرجه مسلم في صحيحه (٨/٦٣)","vol":"1","page":34},{"text":"أولًا: الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله ﷿.\nثانيًا: الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي \"الصفة\".\nثالثًا: الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى.\nمثال ذلك: \"السميع\".\nاسم من أسماء الله الحسنى، فلابد من الإيمان به من:\nا- إثبات اسم \"السميع\" باعتباره اسمًا من أسماء الله الحسنى.\n٢- إثبات \"السمع\" صفة له.\n٣- إثبات الحكم \"أي الفعل\" وهو أن الله يسمع السر والنجوى.\nوإثبات المقتضى والأثر: وهو وجوب خشية الله ومراقبته وخوفه والحياء\nمنه ﷿.\nقال ابن القيم ﵀: \"كل اسم من أسمائه ﷿ له تعبد مختص به علمًا ومعرفةً وحالًا:\nعلمًا ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك فهذه عبادة.\nوحالًا: أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه\"١.\nوكذلك الشأن في صفات الله ﷿، فلابد من الإيمان بمعانيها وأحكامها، فهذه عقيدة أهل السنة، بخلاف عقيدة المعطلة الذين نفوا ما دلت عليه تلك الصفات من المعاني، وتلاعبوا بتلك المعاني فحرفوها وبدلوها.\n_________\n١ مدارج السالكين ١/٤٢٠","vol":"1","page":35},{"text":"فأهل السنة يرون أنه لزامًا على من أراد إثبات الصفات والإيمان بأنها صفات كمال تثبت لله حقيقة- أن يراعي الأمور التالية:\nأ- إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار.\n٢- أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسمًا آخر، كما تسمي المعطلة سمعه وبصره وكلامه \"أعراضا\".\nويسمون وجهه ويديه وقدمه \" جوارح وأبعاضا \".\nويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه \"تحيزًا\".\n٣- عدم تشبيهها بما للمخلوق، فإن الله سبحانه (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\n٤- اليأس من إدراك كنهها وكيفياتها، فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول أهل السنة: \"بلا كيف \": أي بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك١.\n٥- تحقيق المقتضى والأثر لتلك الصفات، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها- أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها- فعلم العبد بتفرد الرب بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، يثمر له عبودية \" التوكل\".\nوعلم العبد بجلاله الله وعظمته وعزه، يثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة.\n_________\n١ مدارج السالكين ٣/٣٥٨-٣٥٨ بتصرف يسير","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: العلاقة بين أنواع التوحيد</span>\nبعد شرح تعريف توحيد الأسماء والصفات، لعل من المناسب هنا ذكر العلاقة بين هذا النوع من أنواع التوحيد وبقية أنواع التوحيد.\nونمهد لذلك بذكر تقسيمات أهل العلم للتوحيد فنقول:\nأقسام التوحيد:\nتنوعت عبارات علماء أهل السنة في التعبير عن أنواع التوحيد، ولكنها مع ذلك التنوع متفقة في المضمون، ولعل السبب في ذلك هو أن تلك التقسيمات مأخوذ من استقراء النصوص ولم يُنص عليها باللفظ مباشرة، ولذلك فمن العلماء١ من قدم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي:\nا- توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بأفعاله كالخلق والرزق.\n٢- توحيد الأسماء والصفات: وقد تقدم ذكر تعريفه.\n٣- توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؟ كالصلاة والصوم والدعاء.\nومن المتأخرين من زاد قسمًا رابعًا على الأقسام الثلاثة السابقة وسماه:\n٤- توحيد الاتباع أو توحيد الحاكمية (أي التحاكم إلى الكتاب والسنة)، ولكن يلاحظ على من ذكر هذا القسم أن هذا القسم في الحقيقة داخل ضمن\n_________\n١ انظر: طريق الهجرتين ص.٣، وشرح الطحاوية ص ٧٦، ولوامع الأنوار للسفاريني ١/١٢٨، وتيسير العزيز الحميد ص ١٧- ١٩","vol":"1","page":37},{"text":"توحيد الألوهية، لأن العبادة لا تقبل شرعًا إلا بشرطين هما:\nا- الإخلاص.\n٢- الاتباع.\nكما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١.\nومن العلماء من قسم التوحيد إلى قسمين، وهذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين لأنهم يجمعون بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنهما يشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿، فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يشكل جانب العمل لله.\nوتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار متعلق التوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على الموحد.\nفمن العلماء من يقول: التوحيد قسمان٢:\nالقسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات:\nويريد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسمي بتوحيد المعرفة، لأن معرفة الله ﷿ إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.\nوالإثبات: أي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال.\nالقسم الثاني: توحيد القصد والطلب:\nويراد به الألوهية، وسمي بتوحيد القصد والطلب لأن العبد يتوجه بقلبه\n_________\n١ الآية ١١٠ من سورة الكهف\n٢ ممن ذكر ابن القيم في كتابه مدارج السالكين ٣/٤٤٩","vol":"1","page":38},{"text":"ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة، ويقصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته.\nومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين هما١:\nالقسم الأول: التوحيد العلمي الخبري:\nوالمقصود به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.\nوسمي بالتوحيد العلمي: لأنه يعتني بجانب معرفة الله، فالعلمي أي \"العلم بالله\".\nوالخبري: لأنه يتوقف على الخبر أي: \"الكتاب والسنة\".\nالقسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي:\nوالمقصود به توحيد الألوهية، وسمي بالتوحيد الإرادي لأن العبد له في العبادات إرادة، فهو إما أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها، وسمي بالطلبي، لأن العبد يطلب بتلك العبادات وجه الله ويقصده ﷿ بذلك.\nومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول٢:\nالقسم الأول: التوحيد القولي:\nوالمراد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بالقولي لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يشكل الجانب العلمي من التوحيد، وأما هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العلمي.\nالقسم الثاني: التوحيد العملي:\nوالمراد به توحيد الألوهية، وسمي بالعملي، لأنه يشمل كلًاّ من عمل\n_________\n١ ممن ذكر ذلك ابن القيم في كتابه مدارج السالكين ٣/٤٥٠، وابن تيمية في الصفدية ٢/٢٢٨\n٢ ممن ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: مجموع الفتاوى ١/٣٦٧","vol":"1","page":39},{"text":"القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح التي تشكل بمجموعها جانب العمل من التوحيد، فالتوحيد له جانبان: جانب تصديقي علمي، وجانب انقيادي عملي.\nومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول:\nالقسم الأول: توحيد السيادة:\nويعنى بذلك توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بذلك لأن تفرد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يوجب له القيادة المطلقة والتصرف التام في هذا الكون خلقا ورزقا وإحياء وإماتة وتصرفا وتدبيرًا، ﷾. فمن واجب الموحد أن يفرد الله بذلك.\nوالقسم الثاني: توحيد العبادة:\nالمراد به توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل.\nوهذا ما وقفت عليه من تقسيمات العلماء للتوحيد وهي واحدة من حيث مضمونها كما سبق إيضاح ذلك من خلال ربطها بالتقسيم الأول، ولذا فإن الاختلاف بينها منحصر في الألفاظ فقط. والله أعلم.\nوأما عن \"العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد\" فأقول:\nهذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد\" فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله","vol":"1","page":40},{"text":"في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله. (فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفة الله، فهما متلازمان) ١.\nوقد أوضح بعضا أهل العلم هذه العلاقة بقوله: (هي علاقة تلازم وتضمن وشمول) .\nفتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.\nوتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.\nوتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.\nبيان ذلك: أن من أقر بتوحيد الربوبية وعلم أن الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته لزمه٢ من ذلك الإقرار أن يفرد الله بالعبادة وحده ﷾، لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده.\nولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات الربوبية مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك:\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.\n_________\n١ تحذير أهل الإيمان ١/١٤٠ (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)\n٢ اللازم هنا قد يتخلف كما هو الحال في كفار قريش، فهم يقرون بتوحيد الربوبية كما دلت على ذلك النصوص، ولكنهم لم يحققوا اللازم من إقرارهم بتوحيد الربوبية\n٣ الآيتان ٢١، ٢٢ من سورة البقرة","vol":"1","page":41},{"text":"وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية، لأن من عبد الله ولم يشرك به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.\nوهذا أمر يشاهده الموحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية وأنه لا رب ولا مالك ولا متصرف إلا الله وحده.\nوأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها: الرب- الخالق- الرازق- الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.\nومن جملتها: الله- الغفور- الرحيم- التواب، وهذا هو توحيد الألوهية١.\nفائدة: القرآن كله دعوة للتوحيد.\nقال ابن القيم ﵀: \"كل سورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.\nفإن القرآن: ا- إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري\n_________\n١ انظر: الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبد العزيز السلمان ص ٤٢١-٤٢٢","vol":"1","page":42},{"text":"٢- وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.\n٣- وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.\n٤- وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.\n٥- وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.\nفالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم\"١.\n_________\n١ مدارج السالكين ٣/٤٤٩-٤٥٠","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثاني: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة</span>.\n...\nالمبحث الأول التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة\nأولًا: التعريف بالسلف:\nأ- معنى السلف لغة:\n(السلف: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادم وخدم، والسالف المتقدم، والسلف ... الجماعة المتقدمون) ١.\nقال ابن فارس: (السين، واللام، والفاء) أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون) ٢.\nب- المقصود بالسلف الصالح:\n(تعددت أقوال العلماء في تحديد ذلك من حيث المدى الزمني:\nا- فمن العلماء من قصر ذلك على، الصحابة -رضوان الله عليهم- فقط.\n٢- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون.\n٣- ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين٣.\nوالقول الصحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي ﷺ\n_________\n١ لسان العرب ٩/١٥٨\n٢ معجم مقاييس اللغة ٣/٩٥ مادة \"سلف\"\n٣ وسطية أهل السنة بين الفرق د. محمد باكريم ص٩٢-٩٤، وكتاب لزوم الجماعة ص ٢٧٦-٢٧٧ تأليف جمال بادي.","vol":"1","page":47},{"text":"بالخيرية، حيث قال: \"خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"، متفق عليه١، فالسلف الصالح هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.\nوكل من سلك سبيلهم وسار على نهجهم فهو سلفي نسبة إليهم.\nوالسلفية: هي المنهج الذي سار عليه النبي ﷺ والقرون المفضلة من بعده والذي أخبر النبي ﷺ بأنه باق إلى أن يأتي أمر الله، لحديث: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\" ٢.\nفيصح الانتساب إلى هذا المنهج متى التزم الإنسان بشروطه وقواعده، فكل من حافظ على سلامة العقيدة طبقًا لفهم القرون الثلاثة المفضلة فهو ذو نهج سلفي.\nج- قواعد المنهج السلفي:\nيمكن حصر ركائز وقواعد المنهج السلفي على سبيل الاختصار في النقاط التالية:\nأولًا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.\nثانيًا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وذلك يتم بـ:\nأ- الاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه.\nب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري ٥/١٩٩، ١١/٤٦٠، ومسلم ٧/١٨٤، ١٨٥\n٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٥٢٣\n٣ بيان فضل السلف على الخلف لابن رجب ص ١٥٠-١٥٢، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/٩-١٠","vol":"1","page":48},{"text":"ثالثًا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادًا وتفكيرًا وسلوكا وقولًا والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.\nرابعًا: الدعوة إلى ذلك باللسان والبنان.\nفمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد والعمل فهو على النهج السلفي بإذن الله.\nد- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم:\nأولًا: من القرآن الكريم:\nقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.\nفرضي ﷿ عن السابقين الأولين رضاءً مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢.\nفتوعد الله من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد في الآية السابقة متبعهم بالرضوان.\nثانيًا: الأدلة من السنة:\nا- قوله ﷺ: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" ٣.\nفهذه \"الخيرية\" التي شهد النبي ﷺ بها لهذه القرون الثلاثة تدل على تفضيلهم وسبقهم وجلالة قدرهم وسعة علمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم\n_________\n١ الآية ١٠٠ من سورة التوبة\n٢ الآية ١١٥ من سورة النساء\n٣ أخرجه البخاري ٥/١٩٩، ٧/٦، ١١/٤٦٠، وأخرجه مسلم ٧/١٨٤، ١٨٥","vol":"1","page":49},{"text":"بسنة رسوله ﷺ، وهذا ما تؤكده الأحاديث التالية.\n٢- قوله ﷺ: \"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة\" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: \"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\" ١ حديث صحيح مشهور.\n٣- قوله ﷺ: \" ... فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" ٢.\nفحث ﷺ بأن يتبعوا سنته وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، عند وقوع التفرق والاختلاف.\nثالثًا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم:\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا\" ٣.\nوعنه ﵁ قال: \"من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، أبر هذه الأمة قلوبًا،\n_________\n١ أخرجه أبو داود ٤٥٩٦، ٤٥٩٧، والترمذي ٢٦٤٠، ٢٦٤١، والإمام أحمد ٢/٣٣٢، ٣/١٢٠، ١٤٥، ٤/١٢٠، وابن ماجه ٣٩٩١-٣٩٩٣\n٢ أخرجه الإمام أحمد ٤/١٢٦، ١٢٧، وأبو داود ٤٦٠٧، والترمذي ٢٦٧٦، والدارمي ١/٤٤، وغيرهم\n٣ الزهد لابن المبارك ص ٢٨١ ح ٨١٥","vol":"1","page":50},{"text":"وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم\"١.\nوعنه ﵁ قال: \"إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر\"٢.\nوعنه ﵁ قال: \" اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم\"٣.\nوقال حذيفة بن اليمان ﵁: \"يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا\"٤.\nوقال مجاهد: \"العلماء أصحاب محمد ﷺ\"٥.\nوقال الأوزاعي: \"العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ، فما كان غير ذلك فليس بعلم\"، وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله٦.\nوقال أيضًا: \"اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم\"٧.\nوكان الحسن البصري في مجلس فذكر أصحاب محمد ﷺ فقال: \"إنهم\n_________\n١ جامع بيان العلم وفضله ٢/٨٧\n٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ح١١٥)\n٣ البدع والنهي عنها لابن وضاح ص١٣\n٤جامع بيان العلم ٢/٢٩\n٥ جامع بيان العلم ٢/٢٩\n٦ جامع بيان العلم ٢/٢٩\n٧ الشريعة للآجري ص ٥٨","vol":"1","page":51},{"text":"كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهم ورب الكعبة على الهدى المستقيم١.\nوقيل لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟\nقال: \"مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة٢.\nوقال الأوزاعي: \"عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم٣.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحدة لا شريك له وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقًا عامًّا إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا للصحابة ﵃ أجمعين. فإن الهدي يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل ما قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليست مسلما إلى عالم واحد\n_________\n١ جامع بيان العلم ٢/٩٧\n٢ صون المنطق للسيوطي ٣٢٢\n٣ المدخل إلى السنن للبيهقي رقم ٢٣٣","vol":"1","page":52},{"text":"وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.\nولابد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله- إن كان حقا- مأخوذًا عما جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قيل في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل\"١.\nثانيا: التعريف بأهل السنة:\nيستعمل العلماء تارة مسمى \"أهل السنة والجماعة\" بدلًا من عبارة \"السلف\".\nوهذه العبارة وردت في استعمال العلماء لمعنيين هما:\nأ- المعنى الأخص:\nوهو بعينه مدلول لفظة السلف، فأهل السنة والجماعة هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سلك سبيلهم وسار على نهجهم من أئمة الهدى ومن اقتدى بهم من سائر الأمة أجمعين.\nفيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء.\nفالسنة هنا في مقابل البدعة.\n_________\n١ منهاج السنة ٥/٢٦٢-٢٦٣","vol":"1","page":53},{"text":"والجماعة هنا في مقابل الفرقة.\nفعن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ١ قالت: \"تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة\"٢.\nوهذا المعنى هو المقصود في الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة. والنهي عن التفرق.\nوهذا المعنى وإن كان أخص من جهة معناه لكنه هو الأكثر ورودًا واستعمالًا في كلام العلماء.\n٢- المعنى الأعم:\nوالذي يدخل فيه بعض طوائف المبتدعة في حالة موافقة قولهم لقول السلف في مسألة بعينها في مقابلة طائفة بعينها.\nوهذا المعنى أقل استعمالًا لتقيده بشروط معينة هي:\nا- كونه في مسائل اعتقادية معينة.\n٢- كونه في مقابل طوائف معينة.\nمثاله: استعمال هذا المسمى في مقابل الرافضة في مسألتي \"الخلافة\" و\"الصحابة\".\nفيقال هنا: المنتسبون للإسلام قسمان:\nا- أهل السنة.\n٢- الرافضة.\n_________\n١ الآية ١٠٦ من سورة آل عمران\n٢ تفسير ابن كثير ١/٣٩٠","vol":"1","page":54},{"text":"فيدخل هنا مع أهل السنة بعض طوائف المبتدعة كالأشاعرة وغيرهم، وقد أدخلوا هنا لموافقة قولهم لقول السلف في مسألتي \" الخلافة\" و\" الصحابة\" لما حصل فيهما النزاع مع الرافضة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فلفظ (أهل السنة) يراد به:\nا- من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة.\n٢- وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: (إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة) \"١.\nوقد عبر شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذين القسمين بتسمية:\nأهل القسم الأول: بأهل \"السنة العامة\" وهو كل ما ليس برافضي٢.\nوأهل القسم الثاني: بأهل \" السنة الخاصة\" أي أهل الحديث.\n_________\n١ منهاج السنة ٢/٢٢١، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود\n٢ قال شيخ الإسلام: \"ولا ريب أنهم (أي الروافض) أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناه: لست رافضيا..\" مجموع الفتاوى ٣/٣٥٦","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته</span>\n...\nالمبحث الثاني: بيان معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته\nمعتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك:\nا- يسمون الله بما سقى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.\n٢- ويثبتون لله ﷿ ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\n٣- وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.\nفأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات فيجب بذلك إثباتها.\nوأما النفي فهو أن ينفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.\nقال الإمام أحمد ﵀: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وطريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون","vol":"1","page":56},{"text":"الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ رد على المعطلة.\nفقولهم في الصفات مبني على أصلين:\nأحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات\"٢.\nومن النصوص التي توضح ذلك ما يلي:\nأ- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.\nففي مقام النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nوفي مقام الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nب- قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ٤.\nففي مقام الإثبات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾ .\nوفي مقام النفي: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ .\n_________\n١ الآية ١١ من سورة الشورى\n٢ منهاج السنة ٢/٥٢٣\n٣الآية ١١ من سورة الشورى\n٤ الآية ٥٨ من سورة الفرقان","vol":"1","page":57},{"text":"ج- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ١.\nففي مقام الإثبات: ﴿اللَّهُ﴾، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .\nوفي مقام النفي: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ .\nوأما من السنة، ففي مقام الإثبات قوله ﷺ: \"ينزل ربنا ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا\" ٢، متفق عليه.\nوقوله ﷺ: \"لما قضى الله ﷿ الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي\" ٣، متفق عليه.\nوفي مقام النفي قوله ﷺ: \"أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا\" ٤.\nوقوله ﷺ: \"إن الله تعالى ليس بأعور\" ٥.\nوقوله ﷺ: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام\" ٦.\nأولًا: شرح قول أهل السنة: \"من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل\".\nتوحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:\nا- التعطيل.\n٢- التشبيه والتمثيل.\n_________\n١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n٢ البخاري ٣/٢٢٩، ومسلم ١/٥٢١ ح١٦٨\n٣ البخاري ٦/٢٨٧، ح١٩٤، ومسلم ٤/٢١٠٧ ح١٤\n٤ البخاري ١٣/٣٧٢ ح ٧٣٨٦\n٥ متفق عليه، البخار ١٣/٩٠، ومسلم ١٨/٥٩\n٦ مسلم في صحيحه ١/١١١","vol":"1","page":58},{"text":"فمن نفى صفات الرب ﷿ وعطلها، فقد كذب تعطيله توحيده.\nومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده١.\nأولًا: معنى قولهم: \"من غير تحريف ولا تعطيل\":\nهذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة أهل التعطيل:\nأ- معنى التحريف وبيان أنواعه:\nا- معنى التحريف:\nالتحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة.\nفهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه إذا أملته وغيرتة.\nوالتحريف شرعًا: الميل بالنصوص عما هي عليه، إما بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.\nأو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره٢.\nوالتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.\n٢- أنواع التحريف:\nالتحريف نوعان:\nالنوع الأول: تحريف اللفظ:\nوتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:\nا- الزيادة في اللفظ.\n_________\n١ اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٣٦\n٢ الصواعق المرسلة ١/٢١٥","vol":"1","page":59},{"text":"٢- النقصان في اللفظ.\n٣- تغيير حركة إعرابية.\n٤- تغيير حركة غير إعرابية.\nومن أمثلة تحريف اللفظ:\nالمثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١ من الرفع إلى النصب، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٢ فبهت المحرف.\nمثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ وقصد بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق٤.\nالنوع الثاني: تحريف المعنى:\nوتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ٥. أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.\nوهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا وتوسعوا\n_________\n١ الآية ١٦٤ من سورة النساء\n٢ الآية ١٤٣ من سورة الأعراف\n٣الآية ٥ من سورة طه\n٤ الصواعق المرسلة ١/٢١٨\n٥ الصواعق المنزلة ١/٢٠١","vol":"1","page":60},{"text":"وسموه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة١.\nومن أمثلة تحريف المعنى:\nكقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢.\nوفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ ٣ النعمة والقدرة.\nوفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٤ وجاء أمر ربك.\nوقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه، ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.\nوقد درج على آثارهم الرافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود٥.\nوأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.\nوأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.\nفأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.\n_________\n١ مختصر الصواعق ٢/١٤٧\n٢ الآية ٥ من سورة طه\n٣ الآية ٦٤ من سورة المائدة\n٤ الآية ٢٢ من سورة الفجر\n٥ الصواعق المرسلة ١/٢١٥-٢١٦","vol":"1","page":61},{"text":"فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا١.\nوأما كون أصحاب تحريف المعنى شرا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رواجا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.\nب- معنى التعطيل:\nالتعطيل لغة: مأخوذ من \"العطل\": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ ٢ أي أهملها أهلها وتركوا وردها٣.\nوالتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة.\nالقسم الثاني: تعطيل عبادته ﷿، أي ما يجب له ﷿ على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله ﷿.\nالقسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه\n_________\n١ مختصر الصواعق ٢/١٤٧، ١٤٨\n٢ الآية ٤٥ من سورة الحج\n٣ شرح الواسطية ص ٢٠","vol":"1","page":62},{"text":"وأوصافه وأفعاله١.\nوهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا.\nفالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.\nأو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى٢.\nوقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى\"المعطلة\".\nوينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما:\nالقسم الأول: الفلاسفة.\nوهم صنفان:\nالصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة.\nالصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:\nأ- رافضية. ب- صوفية.\nوالقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.\nوهم خمسة أصناف:\nا- الجهمية.\n٢- المعتزلة.\n٣- الكلابية.\n٤- الأشاعرة.\n_________\n١ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص١٥٣\n٢شرح الواسطية ص٢٠","vol":"1","page":63},{"text":"٥- الماتريدية.\nوسأفصل الحديث عنهم بإذن الله في دراسة مستقلة.\nثانيا: معنى قولهم: \"من غير تكييف ولاتمثيل\":\nهذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.\n\"فالتكييف\"هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل١.\nمثال ذلك: قول الهشامية عن الله: \"طوله كعرضه \"٢.\nأو قولهم: \" طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه\".\nوعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.\nفالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.\nوأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.\nولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.\nفكل تمثيل تكييف، لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.\nوليس كل تكييف تمثيلًا، لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.\nومعنى قول أهل السنة: \"من غير تكييف\" أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: \"من غير تكييف\" أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ\n_________\n١ القواعد المثلى ص٢٧\n٢ مقالات الإسلاميين ص ٣١","vol":"1","page":64},{"text":"لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه١.\nفمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.\nوقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.\n\"ولا تمثيل\":\nالمثيل لغة: هو الند والنظير.\nوالتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق، أنها مثل صفات المخلوقين.\nوهو قول الممثل: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nوالتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة٢.\nفالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.\nوالمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.\nولكن التعبير هنا بنفي \"التمثيل\" أولى لموافقة لفظ القرآن.\nفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣.\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ ٤.\n_________\n١ شرح العقيدة الواسطية ص ٢١\n٢ القواعد المثلى ص ٢٧\n٣ الآية ١١ من سورة الشورى\n٤ الآية ٧٤ من سورة النحل","vol":"1","page":65},{"text":"وقد وقع في التمثيل والتكييف \"المشبهة\" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.\nوقد وقع في التمثيل كل من:\nا- الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني.\nوهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة هي:\nا- العابدية ٢٠- النونية ٣٠- الزرينية.\n٤- الإسحاقية ٥٠- الواحدية ٦٠- الهيصمية.\n٢- الهشامية الرافضية الإمامية.\nوهم أصحاب: هشام بن الحكم الرافضي.\nوأحيانًا تنسب إلى: هشام بن سالم الجواليقي، وكلاهما من الإمامية المشبهة، والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم١.\nوأما الرافضة الإمامية في الوقت الراهن، فعلى عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات، وكذلك \"الزيدية\" من الشيعة.\nثالثا: \"كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل\"\nفكل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.\nا- بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nأما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.\nفهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء\n_________\n١ شرح الأصفهانية ص ٦٥","vol":"1","page":66},{"text":"خلقه وصفاتهم.\nوتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.\nوبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.\nوامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.\nمثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nنصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١.\nفإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.\nوكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.\nفأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:\nالأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.\nالثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.\n_________\n١الآية ٥ من سورة طه","vol":"1","page":67},{"text":"الرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات١.\n٢- بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل ٢:\nأما تعطيل الممثل فمن وجوه ثلاثة:\nأحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.\nالثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل بالمخلوق الناقص.\nالثالث: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٤.\nأما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.\nوالقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل\n_________\n١ الرسالة التدمرية ٧٩- ٨٠\n٢ انظر: الفتوى الحموية ص٦٢- ٦٣ ط: دار فجر للتراث\n٣ الآية ١١ من سورة الشورى\n٤ الآية ٤ من سورة الإخلاص","vol":"1","page":68},{"text":"شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.\n(فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.\nفقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.\nبل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.\nولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.\nولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.\nبل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.\nوله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.\nوكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.\nولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن","vol":"1","page":69},{"text":"من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا) ١.\n_________\n١ الصواعق المرسلة ٢/٤٢٥- ٤٢٧","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثالث: الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته</span>\n...\nالمبحث الثالث: الأسس التي قام عليها معتقد أهل السنة في باب الأسماء والصفات\nارتكز معتقد أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته على ثلاثة أسس رئيسية، هي١:\nالأساس الأول: الإيمان بما ورددت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.\nالأساس الثاني: تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.\nالأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بتلك الصفات.\nوهذه الأسس الثلاثة هي التي تفضل وتميز عقيدة أهل السنة في هذا الباب عن عقيدة أهل التعطيل (من الفلاسفة وأهل الكلام) من جهة.\nوعن عقيدة أهل التمثيل (من الكرامية والهشامية وغيرهم) من جهة أخرى.\nفالأساس الأول: فيه تمييز لعقيدة أهل، السنة عن عقيدة المعطلة، فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو\n_________\n١ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢٥","vol":"1","page":71},{"text":"كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.\n(وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب رده) ١.\nومجمل القول إن في الأمر ثلاثة أبواب:\nا- باب الأسماء: وهذا يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.\n٢- باب الصفات: وهذا كذلك يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.\n٣- باب الأخبار: وهذا لا يشترط فيه ورود النص الشرعي، ولكن يشترط أن يكون معنى اللفظ المستعمل ليس بسيء.\nأما أهل التعطيل: فقد جعلوا \"العقل\" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به..\nوأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.\n_________\n١ رسالة في العقل والروح ٢/٤٦- ٤٧ لابن تيمية (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)","vol":"1","page":72},{"text":"وظواهر أحاديث التشبيه- يعني بها أحاديث الصفات- أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) ١.\nفهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروضا عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة مثلًا يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!\nوأما باب السمعيات- أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد- فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.\n_________\n١ الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي ص ١٣٢- ١٣٣. وقال في كتابه المستصفى ٢/١٣٧- ١٣٨: \"كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا\"\n٢ الآية ٨٥ من سورة البقرة","vol":"1","page":73},{"text":"وأما الأساس الثاني: وهو تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، ففيه تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المعطلة من جهة، وعن عقيدة المشبهة من جهة أخرى.\nفأهل السنة: يعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يماثله فيها أحد من خلقه، فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنص كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجبب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه، لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه أخذا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢\nأما أهل التعطيل: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة، فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم\n_________\n١ الآية ١١ من سورة لشورى\n٢ انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢١- ٢٢","vol":"1","page":74},{"text":"القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق، فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه لم يقدر الله حق قدره ولم يعظم الله حق عظمته حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجس القلب بأقذار التشبيه ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًاّ ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق١.\nوأما عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوأمَّا العارفون به، المصدقون لرسله، المقرون بكماله فهم يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهدًى بين ضلالتين.\nوأما الأساس الثالث: ففيه تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة، فأهل السنة يفوضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إلى الله ﷿، فلا علم للبشر بكيفية ذات الله﵎ (ولا تفسير كنه شيء من صفات ربنا تعالى كأن يقال استوى على هيئة كذا، وكل من تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم\n_________\n١ انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ١٩- ٢٠","vol":"1","page":75},{"text":"يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبينه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يدع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بينه ووضحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما علمهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ١ فليؤمن العبد بما علمه الله تعالى وليقف معه، وليمسك عما جهله وليكل معناه إلى عالمه) ٢.\nوأما المشبهة فقد تعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتقولوا على الله بغير علم، فقالوا: له بصر كبصري، ويد كيدي،، وقدم كقدمي، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا.\n_________\n١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n٢ انظر: معارج القبول ١/٣٢٦- ٣٢٧","vol":"1","page":76},{"text":"توضيح الأسس الثلاثة\nا- الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتا ونفيا.\nوهذا الأساس لابد فيه من مراعاة ما يلي:\nأولًا: إن طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.\nفالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره) ١، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٤، وقال تعالى:\n_________\n١ معارج القبول ١/٣٣٠- ٣٣١\n٢ الآية ١٤٠ من سورة البقرة\n٣ الآية ١٢٢ من سورة النساء\n٤ الآية ١٤ من سورة فاطر","vol":"1","page":77},{"text":"﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ١، فالله ﷿، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن.\nولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.\nثانيًا: تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع. فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام أن العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.\nفالعقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف في ذلك على النص، لأن العقل يقصر عن إدراك حقيقة المغيبات حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يحيط علمًا بحقيقة روحه التي بين جنبيه لما أخفى الله أمرها عنه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٣، فإذا كان الإنسان يجهل أمر روحه فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يصلح وما لا يصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفية ذاته؟!.\n_________\n١ الآية ٥٩ من سورة الفرقان\n٢ الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم\n٣ الآية ٨٥ من سورة الإسراء","vol":"1","page":78},{"text":"(ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الذين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك، والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنَّا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه، ومشيئته، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾ ٢١.\n(واعلم أن فصل ما بيننا وبين المعطلة هو \"مسألة العقل\"، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول) .\nوأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء) ٣.\nفالتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكتهم توسطوا في شأن \"العقل\" بين طائفتين ضلتا في هذا الباب، هما:\nأهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه،\n_________\n١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n٢ الحجة في بيان المحجة ١/٣٢١ بتصرف\n٣ المصدر السابق ١/٣٢٠","vol":"1","page":79},{"text":"ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.\nفهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قيل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رُدَّ وطُرِحَ، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.\nوأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.\nويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها.\nوكلا الطرفين مذموم.\nوأما أهل السنة: فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًاّ بذلك.\nفالعقل غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين.\nفإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.\nوإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها.\nوإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.\nفالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل","vol":"1","page":80},{"text":"امتناعه١.\nفائدة: \"مسكن العقل\":\nسُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية: أين مسكن العقل في الإنسان؟\nفأجاب بقوله: \"العقل قائمٌ بنفس الإنسان التي تعقل، وأمَّا البدن فهو متعلق بقلبه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٢.\nوقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم؟\nقال: \"بلسانٍ سؤولٍ وقلبٍ عقولٍ\"، لكن لفظ القلب قد يُرَادُ به:\nا- المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" متفق عليه٣.\n٢- وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ) .\nوالتحقيق \"أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من\n_________\n١ مجموع الفتاوى ٣/٣٣٨- ٣٣٩ بتصرف\n٢ الآية ٤٦ من سورة الحج\n٣ أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/١٢٦ ح٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/٥٠- ٥١","vol":"1","page":81},{"text":"العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:\nمبدأ الفكر والنظر في الدماغ.\nومبدأ الإرادة في القلب.\nوالعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتديء ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.\nوكلا القولين له وجه صحيح\"١.\nثالثًا: الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام.\nفالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.\nوهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.\nوهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب\n_________\n١ رسائل في العقل والروح ٢/٤٨- ٤٩ (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)","vol":"1","page":82},{"text":"التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.\nومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ١.\nومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.\nرابعًا: رفض التحريف والتعطيل لنصوص الأسماء والصفات.\nفالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهتم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة٢.\n_________\n١ الآية ١٧٦ من سورة البقرة\n٢ درء تعارض العقل والنقل ٢/٣٠١","vol":"1","page":83},{"text":"فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.\nفمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني١.\nوبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.\nفالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.\nولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.\n_________\n١ مجموع الفتاوى ١٢/١١٣- ١١٤ بتصرف","vol":"1","page":84},{"text":"وأما الأساس الثاني وهو: تنزيه الله جل وعلا أن يماثل شيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين.\nفتوضيحه يكون وفق ما يلي:\nأولًا: الأدلة الشرعية الواردة في تنزيه، الله عن مشابهة المخلوقين:\nا- قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١\n٢- وقال تعالى.: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ٢.\n٣- وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٣.\n٤- وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٤.\n٥- وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٥.\n٦- وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٦.\n٧- وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٧.\nوجه دلالة الآيات:\nا- قوله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: دليل على أن الله منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله٨.\n_________\n١ الآية ١١ من سورة الشورى\n٢ الآية ٧٤ من سورة النحل\n٣ لآية ٦٠ من سورة النحل\n٤ الآية ٢٧ من سورة الروم\n٥ الآية ٦٥ من سورة مريم\n٦ الآية ١ من سورة الإخلاص\n٧ الآية ٤ من سورة الإخلاص\n٨ مجموع الفتاوى ١٦/٩٨","vol":"1","page":85},{"text":"والآية في تفسيرها وجهان:\nالأول: أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل \"المثل \"في الكلام توكيدًا للكلام.\nوالثاني: أن يكون معناها: ليس مثله شيء، فتكون \"الكاف\" هي المدخلة في الكلام توكيدًا١ وهذا وجه قوي حسن وهو الأظهر٢.\nوقد اتفق أهل السنة على أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٣.\n٢- وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾:\nقال ابن جرير الطبري في تفسيرها: \"فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل ولا شبه\"٤.\nوقال ابن كثير: \"أي لا تجعلوا له أندادًا وأشباهًا وأمثالًا\"٥.\n٣- وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ .\n٤- وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .\n(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\n_________\n١ تفسير الطبري ٢٥/١٢- ١٣\n٢ شرح الطحاوية ص ١٤٦\n٣ شرح الطحاوية ص ٩٩\n٤ تفسير الطبري ١٤/١٤٨\n٥ تفسير ابن كثير ٢/٥٧٨","vol":"1","page":86},{"text":"ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) ١.\n٥- وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: روي عن ابن عباس في تفسيرها قوله: هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا٢.\nوكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم٣.\n٦- وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: فالأحد يقتضي أنه لا مثل له ولا نظير.\n٧- وكذا قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فالوحدانية تقتضي الكمال، والشركة تقتضي النقص٤.\nثانيًا: دلالة العقل على بطلان. شبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين:\nا- القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شي لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات،\n_________\n١ الصواعق المنزلة ٣/١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤\n٢ تفسير الطبري ١٦/١٠٦\n٣تفسير الطبري ١٦/ ١٠٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٣١\n٤ مجموع الفتاوى ١٦/٩٩","vol":"1","page":87},{"text":"فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات١.\nفقد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات، لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر من صفات المخلوقين المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكهما في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينهما وبين الخالق أجلى وأقوى٢.\nوبهذا نعلم أن الله لا مثل له، ولا تضرب له الأمثال، التي فيها مماثلة لخلقه، بل له المثل الأعلى.\n٢- أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا٣.\n٣- (إذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق، مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم) ٤.\n(فإن الله ﷾ أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا وفاكهةً وحريرًا وذهبًا وفضةً وحورًا وقصورًا.\nوقد قال ابن عباس ﵄: \"ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء\".\n_________\n١ لرسالة التدمرية ص ٤٣\n٢ القواعد المثلى ص ٢٦\n٣ القواعد المثلى ص ٢٦\n٤ الرسالة التدمرية ص ٥٠","vol":"1","page":88},{"text":"فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح١.\nثالثًا: الاتفاق في الاسم لا يلزم منه تماثل المسمى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الله ﷾ سمى نفسه وصفاته بأسماء وسمى بها بعض المخلوقات.\nفسمى نفسه حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا عزيزًا جبارًا متكبرًا ملكًا رؤوفًا رحيمًا.\nوسمَّى بعض عباده عليمًا، وبعضهم حليمًا، وبعضهم رؤوفًا رحيمًا، وبعضهم سميعًا بصيرًا، وبعضهم ملكًا، وبعضهم عزيزًا، وبعضهم جبارًا متكبرًا.\nومعلوم أنه ليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، وهكذا في سائر أسماء الله.\nقال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٢.\nوقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ٣.\n_________\n١ المصدر السابق ص ٤٧\n٢ الآية ٣٠ من سورة الإنسان\n٣ الآية ٢٨ من سورة الذاريات","vol":"1","page":89},{"text":"وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ١، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.\nوقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.\nوقال. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٥.\nوقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٦.\nوكذلك سائر ما ذكر، لكن الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة، فإن الإنسان يعلم أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لولا تصوره لهذه المعاني من نفسه ونظره إليها لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس ﵄: \"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء\"، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع ما يمتنع عليها، ويكون مادتها مادتها ويستحيل استحالتها، فإنا نعلم\n_________\n١ الآية ٤٤ من سورة الإسراء\n٢ الآية ١٠١ من سورة الصافات\n٣ الآية ١٤٣ من سورة البقرة\n٤ الآية ١٢٨ من سورة التوبة\n٥ الآية ٥٨ من سورة النساء\n٦ الآية ٢ من سورة الإنسان","vol":"1","page":90},{"text":"أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلًا من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك.\nفإذا كان المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه فعلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة.\nفالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلًا لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان له حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين\"١.\nرابعًا: توضيح المسألة من جهة اللغة ثم الشرع:\nيشكل على البعض كون الله سمى نفسه بصفات وسمى عباده بنظير ذلك، فيتردد عند ذلك هل يثبت تلك الصفات لله حقيقة أم لا؟.\nفمن أجل توضيح هذه المسألة أقول: اعلم وفقك الله أن الألفاظ منها:\nا- ما هو مترادف: هو ما اختلف لفظه واتحد معناه.\nمثال ذلك: الليث- الأسد- أسامة- الغضنفر.\nهذه ألفاظ مختلفة والمسمى بها واحد، فتسمى الألفاظ المترادفة.\n٢- ما هو مشترك: وهو ما اتحد لفظه واختلف معناه.\nمثال ذلك: لفظ: \" العين \":\n_________\n١ رسالة في العقل والروح لابن تيمية ٢/٤٢- ٤٣ (مطبوعة ضمن المجموعة المنيرية) بتصرف","vol":"1","page":91},{"text":"فهي تطلق على العين الباصرة- والعين الجارية- والجاسوس- والحسد.\nفاللفظ واحد والمعاني مختلفة، وهذه تسمى الألفاظ المشتركة.\n٣- ما هو متباين: وهو ما اختلف لفظه ومعناه:\nمثال ذلك: السماء والأرض- والجنة والنار.\nفلكل لفظ من هذه الألفاظ معنى يختلف عن الآخر، فهذه تسمى الألفاظ المتباينة.\n٤- ما هو متواطيء: وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان:\nالأول: التواطؤ المطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع.\nمثاله: لفظ \"الرجل\" يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع.\nالثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتا متفاضلًا، وسمي بالمشكك لتشكك السامع هل هذا اللفظ من قبيل المتواطيء أم من المشترك؟.\nمثاله: لفظ \" النور\" فيقال: نور الشمس ونور السراج، فالمعنى في الاثنين واحد، ولكن هناك تفاوت وتفاضل، فشتان بين نور الشمس ونور السراج١.\nفالأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشكك، فالحق فيها هو أن يقال إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.\n_________\n١ التحفة المهدية ٢٠٩ بتصرف","vol":"1","page":92},{"text":"ولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.\nوللعبد منها ما يليق به.\nوذلك لأن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:\nالاعتبار الأول: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.\nالاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به.\nالاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد كل مقيدًا به.\nفما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.\nوهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات.\nوالبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات.\nوالعليم والقدير وسائر الأسماء.\nفإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل يثبت له على وجه لايماثله فيه خلقه ولا يشابههم.\nفمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله، ومن أثبته على وجه لا يماثل فيه خلقه به، كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة.\nوما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم علوَّه من","vol":"1","page":93},{"text":"احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولًا به، مفتقرًا إليه، محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎.\nوما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق.\nفإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:\nا-آفة التعطيل ٢٠- وآفة التشبيه.\nفإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب) ١.\nومن كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع قوله: \"سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره\".\nوسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت من الإضافة والتخصيص.\n_________\n١ بدائع الفوائد ١/١٦٤، ١٦٦","vol":"1","page":94},{"text":"ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده -عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص- اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.\nفقد سمى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١.\nوسمى بعض عباده حيًّا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ ٢.\nوليس هذا الحي مثل هذا الحي.\nلأن قوله: \"الحي\" اسم لله مختص به.\nوقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به.\nوإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين.\nوعند الاختصاص: يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.\nولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته.\nيفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق.\nوما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.\nوكذلك سمى الله نفسه: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وسمى بعض عباده حليمًا ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، يعني إسماعيل، وسمى آخر عليمًا، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحاق، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.\n_________\n١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n٢ الآية ١٩ من سورة الروم","vol":"1","page":95},{"text":"وسمى نفسه سميعًا بصيرًا ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإَنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ... \".\n(وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ١، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٣، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ ٤، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٥، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٦، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٧، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة﴾ ٨، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ٩، وليس العليم كالعلم ولا القوة كالقوة.\nووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش.\nووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى\n_________\n١ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n٢ الآية ١٦٦ من سورة النساء\n٣ الآية ٥٨ من سورة الذاريات\n٤ الآية ١٥ من سورة فصلت\n٥ الآية ٨٥ ن سورة الإسراء\n٦ الآية ٧٦ من سورة يوسف\n٧ الآية ٨٣ من سورة غافر\n٨ الآية ٥٤ من سورة الروم\n٩ الآية ٥٢ من سورة هود","vol":"1","page":96},{"text":"ظُهُورِه﴾ ١، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ ٢.\nوقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٣، وليس الاستواء كالاستواء.\nووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ٤.\nووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٥، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، ونظائر هذا كثيرة.\nفلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه.\nفمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى- كان معطلًا جاحدًا ممثلًا له بالمعدومات والجمادات.\nومن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي- كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل)\nخامسًا: فصل ما بين معتقد أهل السنة في هذا الأساس ومعتقد أهل التعطيل وأهل التمثيل:\nقال شارح الطحاوية: \" اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء لا في\n_________\n١ الآية ١٣ من سورة الزخرف\n٢ الآية ٢٨ من سورة المؤمنون\n٣ الآية ٤٤ من سورة هود\n٤ الآية ٦٤ من سورة المائدة\n٥ الآية ٢٩ من سورة الإسراء\n٦ الرسالة التدمرية ص ٨- ١٢ بتصرف","vol":"1","page":97},{"text":"ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nولكن لفظ \"التشبيه\" قد صار في كلام الناس لفظًا مجملًا يراد به:\nا- المعنى الصحيح: من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته، وهذا ما دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة المشبهة.\nفمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوقين فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم.\n٢- المعنى المردود: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات ولازم هذا القول إنه لا يقال له: حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك١.\nوأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًّا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًّا.\nوهذه الأسماء إذا سُمي الله بها كان مسمَّاها معينا مختصا به.\nفإذا سُمي بها العبد كان مسماها مختصًّا به.\nفوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟\nوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق\n_________\n١ شرح الطحاوية ص ٩٩ بتصرف","vol":"1","page":98},{"text":"فضلوا.\nوأن المعطلة أخذوا نفى المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا.\nوأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه١.\nالأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بصفاته:\nوتوضيح هذا الأساس يتم بما يلي:\nأولًا: إن الله لم يطلع الخلق على ذاته ولم يكلفهم معرفة ذاته.\nلم يشأ الله ﷿ أن يجعل للعباد من سبيل إلى معرفة كيفية وكنه صفاته، فقد سد سبحانه الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو من جهة لم يطلع الخلق على ذاته، فهذا باب موصود إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث: \"تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا\".\nومن جهة ثانية لم يخبرنا الله ﷿ بكيفية وكنه صفاته في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فما وردت به النصوص إنما هو إثبات وجود لتلك الصفات لا إثبات كيفية.\nومن جهة ثالثة فإن الله لم يكلف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك ولا أراده منهم، بل قصرهم على الإيمان بما أخبرهم به، فالواجب عليهم أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وأن لا يتجاوزوا حدود ذلك.\nوقد ورد النص في وجوب قطع الطمع عن إدراك حقيقة كيفية صفات الله، فإدراك ذلك مستحيل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ\n_________\n١ شرح الطحاوية ص ١٠٤ بتصرف","vol":"1","page":99},{"text":"بِهِ عِلْمًا﴾ ١\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: \"إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا ما نص عليه في هذه الآية من سورة طه، فقوله: ﴿يُحِيطُونَ بِهِ﴾ فعل مضارع منفي، والفعل الصناعي الذي يسمى (بالفعل المضارع، وفعل الأمر، والفعل الماضي) ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيحيطون في مفهومها (الإحاطة) فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة منفية (للخلق) عن رب العالمين\"٢.\nثانيًا: قصور العقل عن معرفة كيفية صفات الله.\nإن على العقل أن ييأس من تعرف كنه الصفات وكيفياتها لعجزه عن معرفة ذلك، لأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله، فوجب بطلان تكييفها.\nوعلم الإنسان محدود كما أخبر الله بذلك، حيث قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ٤.\n_________\n١ الآية ١١٠ من سورة طه\n٢ منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢٤\n٣ الآية ٨٥ من سورة الإسراء\n٤ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة","vol":"1","page":100},{"text":"وإذا كانت نفس الإنسان التي هي أقرب الأشياء إليه بل هي هويته، لا يعرف الإنسان كيفيتها ولا يحيط علمًا بحقيقتها، فالخالق ﷻ أولى أن لا يعلم العبد كيفيته ولا يحيط علمًا بحقيقته١.\nوقد أدب الله عباده المؤمنين ووجههم بأن لا يخوضوا في أمور لا علم لهم بها، فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٢.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.\nومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عنها، ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا، في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به، ومخالفة لما نهانا الله وحذرنا منه، وحرمه علينا.\nفيجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان، لأن أية كيفية تقدرها الأذهان فالله أعظم وأجل من ذلك، ثم هي في الوقت ذاته ستكون كذبًا، لأنه لا علم لقائلها بذلك٤. ولهذا نقل أصحاب المقالات عن بعض المشبهة -الذين خاضوا في كيفية صفات الله- أنه قال في\n_________\n١ رسالة في الحقل والروح لابن تيمية ٢/٤٤ \"مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية\"\n٢ الآية ٣٦ من سورة الإسراء\n٣ الآية ٣٣ من سورة الأعراف\n٤ القواعد المثلى ص ٢٧- ٢٨","vol":"1","page":101},{"text":"ربه في عام واحد خمسة أقاويل١، وصدق الله إذ قال في كتابه العزيز: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢.\nفعلى المسلم أن يحذر من التكييف أو محاولته، فإن من فعل ذلك فقد وقع في مفاوز لا يستطيع الخلاص منها، فالخوض في ذلك هو مما يلقيه الشيطان في القلوب، وهو نزغة من نزغاته، فلذلك يجب على المؤمن أن يلجأ إلى ربه ويستعيذ به من نزغات الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.\nثالثًا: معنى قول السلف: \"بلا كيف\".\nإن معنى قول السلف \"بلا كيف\" أي بلا كيف يعقله البشر، فليس المراد من قولهم \"بلا كيف\" هو نفي الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد هو نفي العلم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه٤، فهذا مما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى الوصول إليه، فكما أن ذات الله لا يمكن للبشر معرفة كيفيتها، فكذلك صفاته سبحانه لا نعلم كيفيتها. ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ فقيل له: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥ كيف استوى؟\nقال ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم قال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه من مجلسه.\n_________\n١ مقالات الإسلاميين ص ٣٣\n٢ الآية ٨٢ من سورة النساء\n٣ الآية ٢٠٠ من سورة الأعراف\n٤ شرح العقيدة الواسطية للهراس\n٥ الآية ٥ من سورة طه","vol":"1","page":102},{"text":"وقد روى عن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن قوله: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\" أي لا تعقله العقول ولا تحيط به.\nوهذا يقال في سائر الصفات، وقد مشى أهل العلم على هذا الميزان واعتبروا ذلك قاعدة من قواعد الصفات.\nفقول الإمام مالك (الاستواء معلوم): أي معلوم المعنى في لغة العرب، فاستوى هنا عديت بعلى فهي هنا بمعنى علا وارتفع، وهكذا الأمر في سائر نصوص الصفات، فإن معانيها معروفة في لغة العرب، وليست مجهولة.\n(والكيف مجهول): أي مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستوٍ على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿، لأنه مما استأثر الله بعلمه.\n(والإيمان به واجب): أي الإيمان باستواء الله على عرشه حقيقة واجب لوروده في النصوص الشرعية.\n(والسؤال عنه بدعة): أي السؤال عن كيفية الاستواء، لأن السائل قال: كيف استوى؟\nرابعًا: عدم معرفة الكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها.\nإن عدم العلم بكيفية صفات الله لا يقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها، لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات، ويفسرونها، فإذا أثبتوا لله السمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله","vol":"1","page":103},{"text":"سبحانه لم يكلف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلًا.\nوكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلًا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته كما قال ابن عباس: \"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء\".\nفكذا الأسماء والصفات لا يمنع انتفاء نظيرها في الدنيا من فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها١.\nفإيماننا صحيح بحق ما كلفنا به، وإن لم نعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم.\nوهذه الأسس الثلاثة يجب الأخذ بها جميعًا، ولا يجوز الإخلال بشيء منها، فهذا ما كان عليه معتقد السلف من هذه الأمة ومن سار على نهجهم.\nوهم بهذا توسطوا في هذا الباب بين طائفتين ضلتا في هذا الباب هما:\nا- المعطلة ٢٠- المشبهة.\nفمعتقد السلف هو الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل، فهم لا ينفون عن الله ما سمى أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسمائه وآياته كما فعل المعطلة.\nكما أنهم لا يشبهون صفات الله بصفات خلقه كما فعل المشبهة.\n_________\n١ مدارج السالكين ٣/٣٥٨","vol":"1","page":104},{"text":"الخاتمة\nدين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين.\nفدين الإسلام وسط بين الأطراف المتجاذبة، فالمسلمون وسط بين أهل الملل.\nفهم وسط في التوحيد بين اليهود والنصارى:\nفاليهود تصف الرب تعالى بصفات النقص التي يختص بها المخلوق ويشبهون الخالق بالمخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولعنوا بما قالوا.\nوهو سبحانه الجواد الذي لا يبخل، والغني الذي لا يحتاج إلى غيره، والقادر الذي لا يمسه لغوب.\nوالنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة.\nوقالوا: المسيح ابن الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عمَّا يشركون.\nفالمسلمون وحدوا الله ووصفوه بصفات الكمال، ونزهوه عن جميع","vol":"1","page":105},{"text":"صفات النقص، ونزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات، فهو موصوف بصفات الكمال لا بصفات النقص، وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\nوكذلك هم وسط في النبوَّات.\nفاليهود تقتل بعض الأنبياء، وتستكبر عن اتِّباعهم، وتكذبهم وتتهمهم بالكبائر.\nوالنصارى يجعلون من ليس بنبي ولا رسول نبيًّا ورسولًا، كما يقولون في الحواريين: إنهم رسل، بل يطيعون أحبارهم ورهبانهم كما تطاع الأنبياء.\nفالنصارى تصدق بالباطل واليهود تكذب بالحق.\nفاليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون.\nوأما الشرائع:\nفاليهود منعوا الخالق أن يبعث رسولًا بغير شريعة الرسول الأول، وقالوا: لا يجوز أن ينسخ ما شرعه.\nوالنصارى: جوزوا لأحبارهم أن يغيروا من الشرائع ما أرسل الله به رسوله.\nفاليهود عجَّزوا الخالق، ومنعوه ما تقتضيه قدرته في النبوَّات والشرائع.\nوالنصارى جوَّزوا للمخلوق أن يغير ما شرعه الخالق، فضاهوا المخلوق بالخالق.\nوكذلك في العبادات:\nفاليهود معرضون عن العبادات حتى في يوم السبت الذي أمرهم الله أن يتفرغوا فيه لعبادته، إنما يشتغلون فيه بالشهوات.","vol":"1","page":106},{"text":"والنصارى يعبدونه ببدع ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان.\nفاليهود مستكبرون عن عبادته، والنصارى مشركون به.\nوالمسلمون عبدوا الله وحده بما شرع، ونم يعبدوه بالبدع.\nوهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به جميع النبيين، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، وهو الحنيفية دين إبراهيم، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر.\nوكذلك في أمر الحلال والحرام: في الطعام واللباس وما يدخل في ذلك من النجاسات.\nفاليهود حرمت عليهم طيبات ما أحل لهم، فهم يحرِّمون من الطيبات ما هو منفعة للعباد، ويجتنبون الأمور الطاهرات مع النجاسات، فالمرأة الحائض لا يأكلون معها ولا يجالسونها فهم في آصار وأغلال عذبوا بها.\nوالنصارى لا تحرِّم ما حرَّمه الله ورسوله، ويستحلُّون الخبائث المحرمة كالميتة والدم ولحم الخنزير، حتى إنهم يتعبدون بالنجاسات كالبول والغائط ولا يغتسلون من جنابة، ولا يتطهرون للصلاة، وكلَّما كان الرَّاهب عندهم أبعد عن الطهارة، وأكثر ملابسة للنجاسة، كان معظمًا عندهم١.\nكذلك أهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع الأمور، فإن أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل.\nوقد توسط أهل السنة في كثير من مسائل الاعتقاد، منها ما يلي:\n_________\nا- في أسماء الله وصفاته: فإن مذهب السلف هو إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها، فتوسطوا بذلك بين المعطلة الذين نفوها\n١ منهاج السنة ٥/١٦٨، ١٧٢","vol":"1","page":107},{"text":"فأبطلوا ما أثبته الله ورسوله.\nوالمشبهة الذين خرجوا بها إلى ضرب من التشبيه والتكييف.\n٢- في أفعال الله \"القدر\": فإن مذهب السلف هو أنهم أثبتوا لله فعلًا ومشيئة وأثبتوا للعبد فعلًا ومشيئة داخلة تحت مشيئة الله وقدرته، فتوسطوا بذلك بين الجبرية الذين أنكروا قدرة العبد ومشيئته والقدرية الذين أنكروا قدرة الله في أفعال العباد.\n٣- في الإيمان: فإن مذهب السلف هو أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه.\n٤- في وعيد الله \"أي مرتكب الكبيرة\": فإن مذهب السلف هو أن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، وهو مستحق للوعيد ولكنه تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه على قدر ذنبه ثم يخرجه من النار، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة.\nفهم بذلك توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)، فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين منزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.\n٥- في أصحاب رسول الله ﷺ: فإن مذهب السلف هو الاعتراف بفضل الصحابة جميعًا ﵃ وأرضاهم، وأنهم أكمل هذه الأمة إيمانًا وإسلامًا وعلمًا وحكمة، وأنهم عدول بتعديل الله لهم، ولكنهم لم يغلوا فيهم ولم يعتقدوا عصمتهم، بل قاموا بحقوقهم وأحبوهم لعظيم سابقتهم وحسن","vol":"1","page":108},{"text":"بلائهم في نصرة الإسلام وجهادهم مع رسول الله ﷺ، فهم بذلك توسطوا بين الرافضة والخوارج.\nفالرافضة -قبحهم الله- يسبون الصحابة ويلعنوهم وربَّما كفروهم أو كفروا بعضهم، والغالية منهم مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء يغلون في علي ﵁ وأولاده ويعتقدون فيهم الإلهية.\nوالخوارج قابلوا هؤلاء الروافض فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة وقاتلوهم واستحلُّوا دماءهم وأموالهم.\nوالمقصود أن أهل الستة هم أعرف الناس بالحق، ولذلك فإن كل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين آثار رسول الله ﷺ، لا ينفردون عن طائفة أهل السنة إلا بقول فاسد، ولا ينفردون بقول صحيح، وكل من كان عن السنة أبعد، كان انفراده بالأقوال والأفعال الباطلة أكثر.\nفالسعيد من لزم السنة، والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مصادر ومراجع</span>\n...\nثبت المراجع\nا- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن قيم الجوزية، الناشر مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.\n٢- الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣- بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٤- البدع والنهي عنها، محمد بن وضاح القرطبي، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٥- بيان فضل علم السلف على الخلف، لابن رجب الحنبلي، بتحقيق محمد ابن ناصر العجمي، الناشر الدار السلفية.\n٦- تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن، إسماعيل بن إبراهيم الخطيب (ضمن الرسائل المنيرية) الناشر المكتبة المنيرية.\n٧- التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية، فالح بن مهدي آل مهدي، ط: الجامعة الإسلامية.\n٨- تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، محمد بن جرير الطبري، الناشر مكتبة الحلبي. ط الثالثة.\n٩- تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم)، الناشر دار المعرفة.\n١٠- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، الناشر دار إحياء التراث.","vol":"1","page":121},{"text":"١١- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، ط الجامعة الإسلامية.\n١٢- التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، الناشر مكتبة دار الأقصى.\n١٣- جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، الناشر دار الكتب العلمية.\n١٤- الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن قيم الجوزية، الناشر: دار الكتب العلمية.\n١٥- الحجة في بيان المحجة، محمد بن إسماعيل الأصبهاني، بتحقيق د. محمد ابن ربيع مدخلي، الناشر دار الراية.\n١٦- درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيق محمد رشاد سالم، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n١٧- الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيق محمد السعوي، ط: شركة العبيكان.\n١٨- رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية (ضمن الرسائل المنيرية) ط: المطبعة المنيرية.\n١٩- سنن أبي داود، الناشر دار الحديث.\n٢٠- سنن الترمذي، الناشر دار إحياء التراث.\n٢١- سنن الدارمي، الناشر دار الكتب العلمية.\n٢٢- سنن ابن ماجه، بتحقيق محمد مصطفى الأعظمي، ط: شركة الطباعة العربية بالرياض.\n٢٣- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي، بتحقيق د. أحمد ابن سعد الغامدي، الناشر دار طيبة.","vol":"1","page":122},{"text":"٢٤- شرح العقيدة الطحاوية، الناشر المكتب الإسلامي.\n٢٥- شرح العقيدة الواسطية، لمحمد خليل هراس، ط: مؤسسة مكة للطباعة.\n٢٦- شرح العقيدة الواسطية، د. صالح الفوزان، الناشر مكتبة المعارف بالرياض.\n٢٧- الشريعة، محمد بن الحسين الآجري، الناشر حديث أكاديمي، بباكستان.\n٢٨- صحيح البخاري مع فتح الباري لابن حجر، الناشر دار الفكر.\n٢٩- صحيح مسلم، ط: دار المعرفة.\n٣٠- الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية، بتحقيق د. علي محمد الدخيل الله، الناشر دار العاصمة.\n٣١- الصواعق المنزلة، لابن قيم الجوزية، بتحقيق د. علي ناصر فقيهي، د. أحمد بن عطية الغامدي، ط: الجامعة الإسلامية.\n٣٢- صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٣- الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: المطبعة السلفية، ط: دار فجر للتراث.\n٣٤- القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين، الناشر مكتبة الكوثر.\n٣٥- الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، الشيخ عبد العزيز محمد السلمان، ط: مطابع المجد.","vol":"1","page":123},{"text":"٣٦- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد.\n٣٧- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، الناشر دار الفكر.\n٣٨- مدارج السالكين لابن قيم الجوزية، الناشر دار الفكر.\n٣٩- المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، بتحقيق د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، الناشر دار الخلفاء.\n٤٠- المستصفى لأبي حامد الغزالي، الناشر دار المعرفة.\n٤١- مسند الإمام أحمد بن حنبل، الناشر دار صادر.\n٤٢- معارج القبول، حافظ بن حمد حكمي، الناشر المطبعة السلفية.\n٤٣- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، بتحقيق عبد السلام هارون، الناشر مكتبة مصطفى الحلبي.\n٤٤- مفتاح دار السعادة لابن قيم الجوزية، الناشر دار الكتب العلمية.\n٤٥- مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، الناشر دار إحياء التراث العربي.\n٤٦- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود.\n٤٧- منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ط: الجامعة الإسلامية.\n٤٨- وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق، جمال أحمد بادي، الناشر دار الوطن للنشر.","vol":"1","page":124},{"text":"٤٩-وسطية أهل السنة بين الفرق، د. محمد باكريم، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (مطبوعة على الآلة الكاتبة) .","vol":"1","page":125}]}