{"ً":{"ٌ":1193,"ٍ":"نهج الوصول الي حقيقة محبة الرسول ﷺ","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/ftrsk/nahg.pdf"]},"ّ":"الكتاب: نهج الوصول الي حقيقة محبة الرسول ﷺ\n(وهو مبحث من كتاب «حقوق النبي - ﷺ - على أمته في ضوء الكتاب والسنة»)\nالمؤلف: محمد بن خليفة التميمي\nانتقاه واعتنى به: عبد الجبار بن عبد العظيم بن محمد آل ماجد\nالناشر: (دار الأماجد - دار الناشر المتميز)، الرياض - السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٣٥٥","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1083,"ٕ":1,"ٖ":1770155451,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المعتني بالكتاب","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)","level":1,"page":8},{"title":"كيف كان الغلو أول سبب لوقوع الشرك في العالم؟","level":2,"page":19},{"title":"الباب الأول: وجوب محبته ﷺ","level":1,"page":26},{"title":"الفصل الأول: بيان المعنى الصحيح لمحبته ﷺ والأدلة على وجوبها","level":2,"page":27},{"title":"المبحث الأول: المعنى الصحيح لمحبته ﷺ","level":3,"page":28},{"title":"المطلب الأول: تعريف المحبة","level":4,"page":28},{"title":"أ - أصل اشتقاق المحبة","level":5,"page":28},{"title":"ب - الحد الاصطلاحي للمحبة","level":5,"page":30},{"title":"المطلب الثاني: أقسام المحبة","level":4,"page":32},{"title":"أ - أقسام المحبة من حيث العموم","level":5,"page":32},{"title":"القسم الأول: المحبة المشتركة.","level":6,"page":32},{"title":"القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله.","level":6,"page":32},{"title":"ب - أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها","level":5,"page":33},{"title":"القسم الأول: المحبة النافعة","level":6,"page":33},{"title":"القسم الثاني: المحبة الضارة","level":6,"page":34},{"title":"المطلب الثالث: حقيقة المحبة الشرعية","level":4,"page":36},{"title":"المطلب الرابع: المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ وانقسام الناس فيها","level":4,"page":46},{"title":"المبحث الثاني: الأدلة على وجوب محبته ﷺ","level":3,"page":56},{"title":"المطلب الأول: الأدلة من القرآن على وجوب محبته ﷺ.","level":4,"page":56},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة من السنة على وجوب محبته ﷺ.","level":4,"page":62},{"title":"المطلب الثالث: ما جاء عن الصحابة في شأن محبته ﷺ.","level":4,"page":69},{"title":"الفصل الثاني: علامات محبته ﷺ والثواب المترتب عليها","level":2,"page":74},{"title":"المبحث الأول: علامات محبته ﷺ","level":3,"page":75},{"title":"تمهيد","level":4,"page":75},{"title":"المطلب الأول: من علامات محبته اتباعه والأخذ بسنته ﷺ.","level":4,"page":76},{"title":"المطلب الثاني: من علامات محبته الإكثار من ذكره ﷺ.","level":4,"page":79},{"title":"المطلب الثالث: من علامات محبته ﷺ تمني رؤيته والشوق إلى لقائه.","level":4,"page":83},{"title":"المطلب الرابع: من علامات محبته ﷺ محبة من أحبهم النبي ﷺ","level":4,"page":85},{"title":"المطلب الخامس: من علامات محبته ﷺ بغض من أبغض الله ورسوله","level":4,"page":99},{"title":"الصنف الأول: من يحب جملة","level":5,"page":100},{"title":"الصنف الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه.","level":5,"page":100},{"title":"الصنف الثالث: من يبغض جملة.","level":5,"page":101},{"title":"المطلب السادس: التحذير من علامات المحبة البدعية","level":4,"page":102},{"title":"المبحث الثاني: ثواب محبته ﷺ","level":3,"page":105},{"title":"تمهيد","level":4,"page":105},{"title":"المطلب الأول: ثمار المحبة في الحياة الدنيا","level":4,"page":108},{"title":"المطلب الثاني: ثواب المحبة في الآخرة","level":4,"page":112},{"title":"الباب الثاني: وجوب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ﷺ","level":1,"page":116},{"title":"الفصل الأول بيان عظيم قدره ﷺ ورفعة مكانته عند ربه ﷿","level":2,"page":117},{"title":"تمهيد","level":3,"page":118},{"title":"المبحث الأول: بيان بعض الخصائص التي خص الله، بها نبيه ﷺ في الحياة الدنيا","level":3,"page":120},{"title":"١ - أخذ العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.","level":4,"page":120},{"title":"٢ - أنه ﷺ أكثر الأنبياء تبعا.","level":4,"page":121},{"title":"٣ - أن قرنه ﷺ خير قرون بني آدم كما أنه خير قرون أمته والقرون التي تلي قرنه ﷺ.","level":4,"page":124},{"title":"٤ - أن الله تعالى أخبره بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو حي صحيح يمشي على الأرض.","level":4,"page":125},{"title":"٥ - أن الله رفع له ذكره، قال تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح]","level":4,"page":126},{"title":"٦ - أن الله أقسم بحياته ﷺ فقال تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر]","level":4,"page":126},{"title":"٧ - أن الله وقره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه وأسنى أوصافه","level":4,"page":126},{"title":"٨ - أن الله أمر الأمة بأن لا ينادونه باسمه بل ينادونه: يا رسول الله يا نبي الله","level":4,"page":127},{"title":"٩ - أن الله نهي الأمة أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ﷺ ولا يجهروا له بالقول - كما هو الحال بين الناس - حتى لا تحبط أعمالهم","level":4,"page":127},{"title":"١٠ - أن الله أمر الأمة بأنهم إذا أرادوا أن يناجوه ﷺ بأن يقدموا بين يدى نجواهم صدقة، ثم نسخ ذلك، وأمرهم بالطاعة","level":4,"page":128},{"title":"١١ - ما وهبه الله له من المعجزات التي تميزت، على معجزات من قبله من الأنبياء","level":4,"page":129},{"title":"المبحث الثاني: بيان بعض الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ في الآخرة","level":3,"page":132},{"title":"١ - أنه سيد ولد آدم يوم القيامة","level":4,"page":132},{"title":"٢ - واشتمل الحديث كذلك على خصيصة أخرى","level":4,"page":133},{"title":"٣ - أن الله جعل لواء الحمد بيد النبي ﷺ يوم القيامة","level":4,"page":134},{"title":"٤ - أنه أول من يجيز على الصراط وأول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها","level":4,"page":135},{"title":"المبحث الثالث: بيان بعض الخصائص التي خص الله بها أمة محمد ﷺ","level":3,"page":136},{"title":"الفصل الثاني: وجوب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ﷺ على أمته في حياته وبعد مماته","level":2,"page":141},{"title":"المبحث الأول: معنى التعزير والتوقير والتعظيم.","level":3,"page":142},{"title":"أ - أما التعزير في اللغة","level":4,"page":142},{"title":"ب - وأما عن التوقير في اللغة","level":4,"page":143},{"title":"ج - وأما التعظيم في اللغة","level":4,"page":144},{"title":"المبحث الثاني: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ والأدلة على ذلك.","level":3,"page":146},{"title":"المبحث الثالث: تعظيم الصحابة للنبي ﷺ في حياته","level":3,"page":166},{"title":"المبحث الرابع: تعظيم الأمة للنبي ﷺ بعد مماته","level":3,"page":180},{"title":"تمهيد","level":4,"page":180},{"title":"المطلب الأول: تعظيم النبي ﷺ محله القلب واللسان والجوارح","level":4,"page":183},{"title":"المطلب الثاني: توقير النبي ﷺ في آله وأزواجه أمهات المؤمنين","level":4,"page":195},{"title":"المطلب الثالث: توقيره ﷺ في أصحابه رضوان الله عليهم","level":4,"page":201},{"title":"المطلب الرابع: حفظ حرمة المدينة النبوية","level":4,"page":205},{"title":"الباب الثالث: النهي عن الغلو في حقه ﷺ","level":1,"page":209},{"title":"الفصل الأول تعريف الغلو وسد الشارع لطرق الغلو في حقه ﷺ","level":2,"page":210},{"title":"المبحث الأول تعريف الغلو وموقف الشرع منه","level":3,"page":211},{"title":"المطلب الأول المعنى اللغوي","level":4,"page":211},{"title":"المطلب الثاني التعريف الشرعي للغلو وموقف الشرع منه","level":4,"page":213},{"title":"المبحث الثاني: الفرق بين ما هو حق لله وحده لا يشركه فيه غيره وبين ما هو حق للرسول","level":3,"page":229},{"title":"المبحث الثالث: بيان توسط السلف في حق النبي ﷺ","level":3,"page":252},{"title":"١ - التأكيد على بشرية الرسول وعبوديته لله تعالى","level":4,"page":253},{"title":"٢ - التأكيد على أن الرسل لا يملكون شيئا من خصائص الإلهية والربوبية","level":4,"page":254},{"title":"٣ - التنبيه على ما كان من حال النصارى مع عيسى ﵇ وبيان كفرهم في ذلك","level":4,"page":255},{"title":"٤ - بيان كفر من رفعهم إلى درجة الربوبية","level":4,"page":255},{"title":"الفصل الثاني بيان الأمور التي حصل فيها غلو في حقه ﷺ وحكم الشرع فيها","level":2,"page":267},{"title":"تمهيد","level":3,"page":268},{"title":"المبحث الأول نماذج من الغلو الحاصل في شأن النبي ﷺ","level":3,"page":270},{"title":"أ - ما يسمى بـ (الحقيقة المحمدية)","level":4,"page":270},{"title":"ب - دعوى أن الدنيا خلقت من أجل النبي ﷺ","level":4,"page":273},{"title":"ج - دعوى الغلاة: جواز صرف بعض جوانب العبادة له ﷺ","level":4,"page":275},{"title":"المبحث الثاني حكم التوسل والاستغاثة والاستشفاع بالنبي ﷺ","level":3,"page":280},{"title":"تمهيد","level":4,"page":280},{"title":"المطلب الأول الكلام على مسألة التوسل","level":4,"page":283},{"title":"١ - التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله ﷺ وبكل ما أمر به","level":5,"page":288},{"title":"٢ - التوسل إلى الله بعبادته وطاعته","level":5,"page":290},{"title":"٣ - التوسل بالاستغفار والتسبيح والدعاء","level":5,"page":292},{"title":"١ - التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة وعلى رأسها","level":6,"page":295},{"title":"٢ - التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.","level":6,"page":295},{"title":"المطلب الثاني: الكلام على مسألة الشفاعة","level":4,"page":296},{"title":"أ - أما الشفاعة فمعناها في اللغة","level":5,"page":296},{"title":"ب - معنى الشفاعة في خطاب الشارع","level":5,"page":298},{"title":"أما النوع الأول: أي الشفاعة المنفية.","level":6,"page":298},{"title":"النوع الثاني: الشفاعة المثبتة.","level":6,"page":302},{"title":"المطلب الثالث: الكلام على مسألة الاستغاثة","level":4,"page":307},{"title":"المبحث الثالث حكم ما يفعل عند حجرته التي دفن فيها من الأمور المبتدعة","level":3,"page":317},{"title":"المبحث الرابع حكم الحلف بالنبي ﷺ","level":3,"page":321},{"title":"المبحث الخامس حكم الاحتفال بمولده","level":3,"page":323},{"title":"المطلب الأول حكم فعل المولد","level":4,"page":323},{"title":"المطلب الثاني بيان ما يفعل في الموالد من الغلو والمنكرات","level":4,"page":327},{"title":"المبحث السادس حكم القول بحضوره في مجالس المحتفلين ورؤيته بالعين الباصرة","level":3,"page":331}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,33":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,125":116,"1,127":117,"1,129":118,"1,130":119,"1,131":120,"1,132":121,"1,133":122,"1,134":123,"1,135":124,"1,136":125,"1,137":126,"1,138":127,"1,139":128,"1,140":129,"1,141":130,"1,142":131,"1,143":132,"1,144":133,"1,145":134,"1,146":135,"1,147":136,"1,148":137,"1,149":138,"1,150":139,"1,151":140,"1,153":141,"1,155":142,"1,156":143,"1,157":144,"1,158":145,"1,159":146,"1,160":147,"1,161":148,"1,162":149,"1,163":150,"1,164":151,"1,165":152,"1,166":153,"1,167":154,"1,168":155,"1,169":156,"1,170":157,"1,171":158,"1,172":159,"1,173":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,182":169,"1,183":170,"1,184":171,"1,185":172,"1,186":173,"1,187":174,"1,188":175,"1,189":176,"1,190":177,"1,191":178,"1,192":179,"1,193":180,"1,194":181,"1,195":182,"1,196":183,"1,197":184,"1,198":185,"1,199":186,"1,200":187,"1,201":188,"1,202":189,"1,203":190,"1,204":191,"1,205":192,"1,206":193,"1,207":194,"1,208":195,"1,209":196,"1,210":197,"1,211":198,"1,212":199,"1,213":200,"1,214":201,"1,215":202,"1,216":203,"1,217":204,"1,218":205,"1,219":206,"1,220":207,"1,221":208,"1,223":209,"1,225":210,"1,227":211,"1,228":212,"1,229":213,"1,230":214,"1,231":215,"1,232":216,"1,233":217,"1,234":218,"1,235":219,"1,236":220,"1,237":221,"1,238":222,"1,239":223,"1,240":224,"1,241":225,"1,242":226,"1,243":227,"1,244":228,"1,245":229,"1,246":230,"1,247":231,"1,248":232,"1,249":233,"1,250":234,"1,251":235,"1,252":236,"1,253":237,"1,254":238,"1,255":239,"1,256":240,"1,257":241,"1,258":242,"1,259":243,"1,260":244,"1,261":245,"1,262":246,"1,263":247,"1,264":248,"1,265":249,"1,266":250,"1,267":251,"1,269":252,"1,270":253,"1,271":254,"1,272":255,"1,273":256,"1,274":257,"1,275":258,"1,276":259,"1,277":260,"1,278":261,"1,279":262,"1,280":263,"1,281":264,"1,282":265,"1,283":266,"1,285":267,"1,287":268,"1,288":269,"1,289":270,"1,290":271,"1,291":272,"1,292":273,"1,293":274,"1,294":275,"1,295":276,"1,296":277,"1,297":278,"1,298":279,"1,299":280,"1,300":281,"1,301":282,"1,302":283,"1,303":284,"1,304":285,"1,305":286,"1,306":287,"1,307":288,"1,308":289,"1,309":290,"1,310":291,"1,311":292,"1,312":293,"1,313":294,"1,314":295,"1,315":296,"1,316":297,"1,317":298,"1,318":299,"1,319":300,"1,320":301,"1,321":302,"1,322":303,"1,323":304,"1,324":305,"1,325":306,"1,326":307,"1,327":308,"1,328":309,"1,329":310,"1,330":311,"1,331":312,"1,332":313,"1,333":314,"1,334":315,"1,335":316,"1,337":317,"1,338":318,"1,339":319,"1,340":320,"1,341":321,"1,342":322,"1,343":323,"1,344":324,"1,345":325,"1,346":326,"1,347":327,"1,348":328,"1,349":329,"1,350":330,"1,351":331,"1,352":332,"1,353":333,"1,354":334,"1,355":335},"ٜ":{"1":[5,355]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,33","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,125","1,127","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,153","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,223","1,225","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,285","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355"],"ٞ":{"1":[1],"8":[2],"19":[3],"26":[4],"27":[5],"28":[6,7,8],"30":[9],"32":[10,11,12,13],"33":[14,15],"34":[16],"36":[17],"46":[18],"56":[19,20],"62":[21],"69":[22],"74":[23],"75":[24,25],"76":[26],"79":[27],"83":[28],"85":[29],"99":[30],"100":[31,32],"101":[33],"102":[34],"105":[35,36],"108":[37],"112":[38],"116":[39],"117":[40],"118":[41],"120":[42,43],"121":[44],"124":[45],"125":[46],"126":[47,48,49],"127":[50,51],"128":[52],"129":[53],"132":[54,55],"133":[56],"134":[57],"135":[58],"136":[59],"141":[60],"142":[61,62],"143":[63],"144":[64],"146":[65],"166":[66],"180":[67,68],"183":[69],"195":[70],"201":[71],"205":[72],"209":[73],"210":[74],"211":[75,76],"213":[77],"229":[78],"252":[79],"253":[80],"254":[81],"255":[82,83],"267":[84],"268":[85],"270":[86,87],"273":[88],"275":[89],"280":[90,91],"283":[92],"288":[93],"290":[94],"292":[95],"295":[96,97],"296":[98,99],"298":[100,101],"302":[102],"307":[103],"317":[104],"321":[105],"323":[106,107],"327":[108],"331":[109]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة المعتني بالكتاب</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد:\n[فقد كان الناس قبل مبعث محمد ﷺ في جاهلية جهلاء يعيشون في ظلمات من الشرك والجهل، وتسيطر عليهم الخرافات، ويتطاحنون في نزاعات وصراعات قبلية، يسبي بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، يعيشون في تخلف وهمجية وفرقة، شعارهم:","vol":"1","page":5},{"text":"ومَن لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بسلاحِهِ … يُهدَّمْ ومَنْ لا يَظلمِ النَّاسَ يُظْلَمِ\nحتى إذا أذن الله لشمس الإسلام أن تشرق، بعث محمدا ﷺ ليعلن للبشرية أنه: \"لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه\".\nلقد جاء بالتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، والغاية العظمى من الخلق، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات]، به بُعث الرسل وأنزلت الكتب، ورفع من أجله علم الجهاد.\nثلاث عشرة سنةً في مكة والنبي ﷺ يدعو إليه، ويغرس جذوره في أعماق النفوس، ويبني أسسه ودعائمه في سويداء القلوب، ويثبت أركانه في الوجدان؛ حتى اتضحت سبيله للسالكين، وبانت معالمه للراغبين، فأظهر الله الحق وأزهق الباطل، وأضاءت القلوب أنوار التوحيد الخالص، فجلته من أوضار الشرك، وصقلته من أدران التنديد.\nلقد جاء النبي ﷺ والقلوب أرض جرداء، فسقاها من نمير التوحيد، وأرواها من سلسبيل الإخلاص، وساقها إلى الله دليل المتابعة، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فعزت الأمة بعد ذلتها، واجتمعت بعد فرقتها، وصارت غالبة بعد أن كانت مغلوبة.\nبقيت العقيدة على صفائها ونقائها وطهرها؛ حتى إذا قضى الله أمرًا كان مفعولا، ودخل في دين الله من لم يتشرب قلبه التوحيد الخالص، حدث في الناس الخلل، وتفرقت بهم السبل، وراجت المذاهب المنحرفة، والأفكار الهدامة، وأطلت الفتن برأسها، وفشت البدع ببؤسها، حتى إذا زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا؛ قيض الله من أئمة الهدى، وأعلام الدجى من يعيد الناس إلى مشكاة النبوة وقلعة الإيمان، ويكشف لهم زيوف الباطل، ويدحض شبه المبطلين، ويردهم إلى منهج السلف الصَّالح.","vol":"1","page":6},{"text":"إن المتبصر في تاريخ الأمة الإسلامية؛ ليرى أن عزتها وعلوها وغلبتها ودينونة الأمم لها مرتبطة بصفاء عقيدتها، وصدق توجهها إلى الله، واتباعها لأثر النبي ﷺ، وسيرها على منهج السلف الصالح، واجتماعها على أئمتها، وعدم منازعتهم في ذلك، وأن ذلها وضعفها وانخذالها، وتسلط الأمم عليها مرتبط بانتشار البدع والمحدثات في الدين، واتخاذ الأنداد والشركاء مع الله، وظهور الفرق الضالة، ونزع يد الطاعة، والخروج على الأئمة.\nإن الانحرافات العقدية، والحيدة عن منهج السلف الصالح، والانخداع بزخرف قول أرباب المذاهب المنحرفة هو الذي فرق الأمة، وأضعف قوتها، وكسر شوكتها، والواقع شاهد على ذلك، ولا مخرج لها من ذلك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وأئمة الهدى، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وإن النكوص عن جادة التوحيد، والرغبة عن منهج السلف الصالح، منافاة للعدل، ومجافاة للعقل. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٠].\nوإن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وبه قوامه، وإن أظلم الظلم الشرك، قال تعالى حكاية عن لقمان في وصيته لابنه:\n﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وإن أعظم الفرية أن تشرك بالله وقد خلقك.\nوإذا كان الله ﷾ قد أمر بالإصلاح، ونهى عن الفساد والإفساد، كما قال جلت عظمته: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف].","vol":"1","page":7},{"text":"فإن أعظم الإفساد أن تفسد عقائد الناس، وتصوراتهم، وأفكارهم، ويقطع عليهم الطريق في مسيرهم إلى الله، ويحاد بهم عن الفطرة التي فطرهم الله عليها.\nقال الرسول ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\" (^١).\nويعضده قول النبي ﷺ: \"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، ما علمني يومي هذا: كل ما نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا .... \" (^٢).\nولا شك أن هذا أعظم الظلم وأشنعه، كيف لا، وقد صار عاقبة ذلك خسران الدنيا والآخرة.\nوفي هذه الأزمنة المتأخرة التي حدثت فيها الغير، وتزينت الدنيا لخُطَّابها، كشف أهل الأهواء عن أقنعتهم، وانتشرت بدعهم، وأحييت مذاهب أسلافهم بعد أن كانت بائدة، ونبشت كتب لهم كانت منسية، وظهرت أفكار جديدة، وبرزت جماعات معاصرة متباينة في مقاصدها، مختلفة في توجهاتها، متناقضة في غاياتها ووسائلها، كلما خرجت جماعة أو فرقة لعنت أختها، وتطاول أناس على قامة التوحيد والسنة، ولوثوا أفكار الناس، وأفسدوا عليهم عقائدهم، وهونوا عليهم أمر الشرك، ورفعوا أعلام الفتن، ونازعوا ذوي السلطان في سلطانهم، وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، واتبعوا غير سبيل المؤمنين. مما يوجب على الغيورين من علماء الأمة ودعاة السنة المقتفين للأثر؛ القيام بواجب الإبانة عن أصول الدِّيانة، وتبيين معالم منهج\n_________\n(^١) رواه مسلم.\n(^٢) رواه مسلم.","vol":"1","page":8},{"text":"السَّلف، وإيضاح سبيله، وتقريب كتب أئمة الهدى، وإبرازها بالتحقيق وشرح عبارات الأئمة، وبيان مقاصدهم والعناية بأمر التوحيد والمنهج في دروسهم وخطبهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم، وإرشاد العباد إلى اتباع خطى النبي ﷺ ولزوم سنته، والسير على أثر أصحابه امتثالا لقوله تعالى:\n﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران].\nوقول النبي: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرة؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (^١)، فهذا هو الصراط المستقيم، الموصل إلى رضا رب العالمين.\nقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْوَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام]. وهو السبيل الذي دعا إليه رسوله محمد ﷺ، قال تعالى:\n﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف].\nوهو عقيدة الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله:\n\"لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك\" (^٢).\nوهي التي بقيت على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؛ ففي\n_________\n(^١) رواه أبو داود.\n(^٢) رواه البخاري، باب (٢٨) حديث (٣٩٩١).","vol":"1","page":9},{"text":"الحديث أنه ﷺ قال: \" … وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة قال - أي: عبد الله بن عمرو راوي الحديث: من هي يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (^١).\nومن هنا تأتي أهمية العناية بهذا الأمر، وتربية الناشئة عليه، وتصحيح مسيرة الصحوة إليه؛ حتى لا تتشعب بها السبل، فتضل في متاهات الأهواء والفتن] (^٢).\nوقد وفَّق الله تعالى عددا من مشايخنا وعلمائنا ونفرًا من طلبة العلم المخلصين إلى الاهتمام بهذا الموضوع العظيم تدريسًا وتحقيقا وتأليفا، وكان منهم:\nصاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد بن خليفة بن علي التميمي حفظه الله في كتابه الكبير الماتع: \"حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة\".\nوقد انتقيت من هذا الكتاب النفيس البحث الذي يتعلق بمحبة النبي الكريم ﷺ، رغبة إفراده بالنشر لما حواه من فوائد عظيمة وتحقيق بديع، وسميته: \"نهج الوصول إلى حقيقة محبة الرسول ﷺ\" رجاء أن ينفع الله به عموم المسلمين؛ لأن من حقه على أمته أن تكون الألسنة رطبة بالثناء على كل ما يتعلق به مع الحذر من الغلو الذي لا يرضاه الله ولا رسوله، وبيان ضرورة الثناء على سنته وإيضاح محاسنها والتمسك بها، لأن التعظيم الحقيقي للنبي ﷺ لا يكون إلا وفق ما أمر به الشارع الحكيم.\n_________\n(^١) رواه الترمذي.\n(^٢) إستفدته من مقدمة معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ حفظه الله لكتاب الوجيز في عقيدة السلف الصالح.","vol":"1","page":10},{"text":"وأسأل الله ﷾ أن يجزي صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد بن خليفة التميمي حفظه الله خير الجزاء. وأن يمتعه بالصحة والعافية ويبارك له في عمره وعلمه وعمله.\nكما أسأله جل ثناؤه أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم مقربًا إليه مباركًا نافعًا لعباده، إنه سبحانه سميع مجيب.\nكتبه\nالفقير إلى عفو ربه\nعبد الجبار بن عبد العظيم بن محمد آل ماجد\nغفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين\na.J.majid.hotmail.com","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>تمهيد (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)</span>\n[ينبغي الحذر والتحرُّز من الاشتباه الذي قد يحصل ما بين حق الله تعالى وما للرسول من حق؛ إذ قد يقع التداخل بين الحقين على وجه لا يشعر العبد فيه بالفرق، وقد يتعمد الخلط بين المفهومين ظانًا أنه بذلك يؤدي واجب تجاه النبي ﷺ، أو قد يكون مدفوعا بفرط محبة النبي ﷺ والمبالغة في تعظيمه؛ فيتجاوز بذلك حدود حق الله تعالى الخالص فيجعله - ظلمًا - من حق الرسول ﷺ، فيصرف - بذلك - العبادة إليه، فيقع في الشرك المنهي عنه بهذه الأسباب أو بغيرها، فلا يحقق - بالتالي - ركن الشهادة ولا شرطها.\nوالمعلوم أن لله حقًّا خالصًا لا يشرك فيه معه غيره، وهو ما يختص به من الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات؛ فإن كل ما دعا إليه الشرع الحكيم من أنواع الطاعات وأعمال الخير والإحسان ما أمر به وحثَّ على فعله ورغَّب فيه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة داخل في مفهوم العبادة وعمومها، لا يجوز صرفه - بحال - لغير الله تعالى، بل حق الله المؤكد على العبيد وجوب صرف كل العبادات له دون غيره؛ لأنه هو المعبود المطاع، ولا معبود بحق سواه، وهي الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات]، والمعلوم أن لا نصيب لأحد في الجنة بدون القيام بحق الله تعالى، كما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"يا معاذ، أتدري","vol":"1","page":13},{"text":"ما حق الله على العباد؟ \" قال: \"الله ورسوله أعلم\"، قال: \"أن يُعْبَدَ اللهُ ولا يشرك به شيئا\"، قال: \"أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ \" فقال: الله ورسوله أعلم\"، قال: \"أن لا يعذبهم (^١).\nقال السعدي ﵀: \"وهذا النوع - يعني: توحيد الألوهية والعبادة - زبدة رسالة الله لرسله؛ فكل نبي يبعثه الله يدعو قومه يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهو الذي خلق الله الخلق لأجله، وشرع الجهاد لإقامته، وجعل الثواب الدنيوي والأخروي لمن قام به وحققه، والعقاب لمن تركه، وبه يحصل الفرق بين أهل السعادة القائمين به، وأهل الشقاوة التاركين له\" (^٢)، وقال ﵀ في موضع آخر: \"فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل دعوا إلى هذا التوحيد، ونهوا عن ضده من الشرك والتنديد، وخصوصا محمد ﷺ وهذا القرآن الكريم؛ فإنه أمر به وفرضه وقرره أعظم تقرير، وبينه أعظم بيان، وأخبر أنه لا نجاة ولا فلاح ولا سعادة إلا بهذا التوحيد، وأن جميع الأدلة العقلية والنقلية والأفقية والنفسية أدلة وبراهين على هذا الأمر بهذا التوحيد ووجوبه؛ فالتوحيد هو حق الله الواجب على العبيد، وهو أعظم أوامر الدين وأصل الأصول كلها وأساس الأعمال\" (^٣).\nوأن للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم - من جهة أخرى -\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ برقم (٧٣٧٣)، ومسلم في كتاب الإيمان برقم (٣٠)، من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(^٢) \"الحق الواضح المبين\" للسعدي (ص ١١١).\n(^٣) \"القول السديد\" للسعدي (ص ١٣).","vol":"1","page":14},{"text":"حقا خاصا: هو توقيرهم وتبجيلهم وإعانتهم ونصرتهم وتقديرهم بما يستحقون؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، وهذا الحق الخاص للرسل والأنبياء ﵈ يندرج في النصيحة لرسول ﷺ في الحديث المشهور: \"الدين النصيحة\" قلنا: لمن؟ \" قال: \"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^١)، قال الخطابي ﵀: \"وأما النصيحة لرسوله ﷺ فإنما هي في تصديقه على الرسالة، وقبول ما جاء به ودعا إليه، وطاعته فيما سن وشرع وبين من أمر الدين وشرح، والانقياد له فيما أمر ونهى وحكم وأمضى، وترك التقديم بين يديه، وإعظام حقه وتعزيره وتوقيره ومؤازرته ونصرته، وإحياء طريقته في بث الدعوة وإشاعة السنة، ونفي التهمة في جميع ما قاله ونطق به؛ فإنه لكما وصفه ربه وباعثه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء] \" (^٢).\nوأما قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فإن التسبيح من حقوق الله الخاصة به؛ فلا يجوز تسبيح الرسول ﷺ كما يسبح الله تعالى فإن ذلك يعد - بلا شك - شركًا بخلاف الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما؛ فإنهما من الحقوق المشتركة بين الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾\n[الفتح: ٩]؛ ولقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢؛ التغابن: ١٢]، والإيمان بالله والرسول وطاعته هو - في حقيقة الأمر - إيمان بالله وطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، \"فذكر الله - في هذه الآية - الحق\n_________\n(^١). أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أن الدين النصيحة برقم (٥٥) من حديث تميم بن أوسٍ الداريِّ ﵁.\n(^٢) \"أعلام الحديث\" للخطابي (١/ ١٩٢)","vol":"1","page":15},{"text":"المشترك بين الله وبين رسوله وهو: الإيمان بهما، والمختص بالرسول وهو: التعزير والتوقير، والمختص بالله وهو: التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها\" (^١).\nلذلك يحرم مجاوزة الحد المشروع في الأنبياء والرسل ﵈ والغلو فيهم؛ خشية رفعهم من درجة النبوة إلى حيز صفات الربوبية والألوهية: كنسبة علم اللوح والقلم للرسول ﷺ، أو اعتقاد القدرة فيه على كشف الضر أو جلب النفع والخير، وما ينجر عنه من دعائه والاستغاثة به فيما لا يقدر على تحصيله إلا الله تعالى، والتوكل عليه، ونحو ذلك مما ينافي التوحيد؛ لكونها من الحقوق الخاصة بالله ﷿، سواء وقع التداخل والخلط بين هذه الحقوق من غير تميز بينها - جهلًا - أو بدعوى مزيد محبة النبي ﷺ المفرطة، علما أن محبة الرسول الحقيقية إنما هي متابعته والمسارعة في طاعته فيما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه من الكفر والفسوق والعصيان؛ فالمحبة لها علامتان: فهي لا تتم إلا بتجريد المتابعة لشرع الله الذي جاء به النبي ﷺ عن ربه.\nأولا: لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران]، ومما جاء به عن ربه: إفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها ومراتبها وصورها من غير صرف أي شيء منها لأحد كائنا من كان، وهذا معنى كلمة التوحيد.\nثانيا: ولا تتم محبة الله - إلا بموالاته تعالى وموافقته فيما يحب ويكره؛ فيحب العبد ما يحبه ربه ويبغض ما يبغضه؛ عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وبقوله ﷺ:\n_________\n(^١) \"تفسير السعدي\" (ص ٩٣٤)","vol":"1","page":16},{"text":"\" [فوالذي نفسي بيده]، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده [والناس أجمعين] \" (^١).\nولتثبيت هذه الحقائق والمعاني في نفوس المسلمين وترسيخها أفصح القرآن الكريم أن النبي ﷺ بشر يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى إقامة دينه مقيدا بما جاء به من سنته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْإِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف]، وقد بين ابن القيم ﵀ هذا المعنى - بجلاء - بقوله: \"والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان الله خالصا وللسنة موافقة، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو - سبحانه - إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها\" (^٢).\nوفصَّل ابن رجب ﵀ مسألة العمل - من حيث ظاهره وباطنه - بما نصه: \" .. وإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل - في ظاهره - على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة ﵂: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" (^٣)، والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ﷿، كما تضمنه حديث عمر: \"الأعمال بالنيات\" (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان (١٤) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه البخاري (١٥)، ومسلم في \"الإيمان\" (٤٤)، من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(^٢) \"إعلام الموقعين\" لابن القيم (٢/ ١٨١)\n(^٣) أخرجه البخاري في \"الصلح\" باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٢٦٩٧)، ومسلم في \"الأقضية\" (١٧١٨)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٤). أخرجه البخاري في \"بدء الوحي\" باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ (١)، ومسلم في (الإمارة) (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":17},{"text":"وقال الفضيل ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: \"أخلصه وأصوبه\"، وقال: \"إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصًا وصوابًا\"، قال: \"والخالص إذا كان لله ﷿، والصواب إذا كان على السنة\" (^١)\nولهذا كان الدعاء لجلب الخير والنفع أو لكشف الضر أو دفع السوء والأذى إنما هو موجه للمعبود الحق دون غيره لقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، وقد فسر ابن باديس ﵀ هذه الآية بقوله: \"فمن دعا غير الله فقد عبده، ومن دعا مخلوقا مع الخالق فقد أشرك، فإذا دعوت فادع ربك ولا تدع معه أحدًا، وكيف تدعو من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟! وإذا توسلت فتوسل بأعمالك: بإيمانك وتوحيدك، وباتباعك لمحمد، ومحبتك له، واعتقادك ما له عند الله من عظيم المنزلة وسمو المقام عليه وعلى آله الصلاة والسلام\" (^٢)، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ [يونس: ٤٩].\nقال الشيخ محمد صديق حسن خان ﵀ في حكم التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة به ما نصه: \"وفي هذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ، والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه؛ فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين: رزقهم وأحياهم ويميتهم؛ فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من\n_________\n(^١) جامع العلوم والحِكَم\" لابن رجب (ص ١٠).\n(^٢) \"مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير\" لابن باديس (ص ٤٦٨).","vol":"1","page":18},{"text":"الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك - في هذه الآية - موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [يونس: ٤٩]؛ فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره - ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته - لنفسه فضلا عن أن يملكه لغيره؟ فيا عجبا القوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، كيف لا يتيقظون لما وقعوا به من الشرك، ولا ينتبهون إما حل بهم من المخالفة لمعنى: (لا إله إلا الله)، ومدلول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟! وأعجب من هذا اطلاع بعض أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها؛ فإن أولئك يعترفون بأن الله - سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقربين إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم - تارة - على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد تول الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، إنا لله وإنا إليه راجعون\" (^١).\nهذا، والقرآن الكريم تضمن العديد من الآيات الناهية عن الدعاء بجلب الخير، والسؤال لكشف الضر أو تحويله، إلا من الله تعالى الذي دعانا إلى طلبه منه والتوجه إليه مباشرة دون واسطة، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي\n_________\n(^١) (فتح البيان) للقنوجي (٤/ ٢٢٥).","vol":"1","page":19},{"text":"أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nوعليه، فلا وساطة للرسل والأنبياء ﵈ في شيء بين الله تعالى وعباده من طلب الحوائج من الله تعالى، وإنما وساطتهم تتجلى في تبليغ شرع الله ودينه لعباده.\nوفي بيان هذه الوساطة وإثباتها قال الشيخ عبد العزيز المحمد السلمان ﵀ ما يلي: \"إنها على قسمين:\n- واسطةٌ من تمام الدين والإيمان إثباتها: وهي أن الرسول ﷺ وغيره من الرسل وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ دينه وشرعه.\n* وواسطةٌ شركيةٌ: وهي التقرب إلى أحد من الخلق ليقربه إلى الله، وليجلب له المنافع التي لا يقدر عليها إلا الله، أو يدفع عنه المضار؛ فهذا النوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.\nفالخلق مضطرون إلى وساطة الرسل في تبليغ الدين، وليس بهم حاجة إلى وساطة أحد في طلب الحوائج من الله؛ فليس بين العبد وبين الله حجاب ولا واسطة\" (^١).\nومنه يعلم أن الله تعالى لم يجعل وساطة الرسل والأنبياء ﵈ ولا مكانتهم وجاههم - فضلا عن الصالحين - طريقة للتقرب منه أو وسيلة موصلة إليه ولا سبأ للزلفى لديه، وإنما جعل القرب منه والوسيلة إليه في تصديقهم فيما أخبروا به، واتباع النور الذي جاءوا به من عبادته وطاعته وامتثال أوامره ونواهيه، والتزام محابه واجتناب مكارهه، والعمل على تقرير شرعه ونشره وتثبيته وإقامته بين الخلق.\nولا يخفى أن الأنبياء والرسل ﵈ التي لم يدعوا أن بأيديهم مفاتيح\n_________\n(^١) \"الكواشف الجلية\" للسلمان (ص ٧٣).","vol":"1","page":20},{"text":"رزق الله ورحمته، ولا أنهم يملكون التصرف في خزائن الله، ولا أنهم يعلمون الغيب، ولا أنهم ملائكة، وإنما هم بشر ممن خلق، يوحى إليهم منن الله تعالى، شرفهم الله بالوحي الذي يتبعونه ولا يخرجون عنه، وأنعم عليهم بالمكارم والفضائل والكمالات، وعصمهم من الرذائل والنقائص والمعايب، وأكرمهم بالرسالة أو النبوة لهداية الخلق إلى الحق وإقامة الحجة عليهم، وأيدهم بالآيات البينات والمعجزات الباهرات وخوارق العادات الدالة على صدقهم؛ حتى لا يبقى عذر لأحد في تكذيبهم والخروج عن طاعتهم؛ وليس للرسل والأنبياء ﵈ أي تصرف مع الله في الكون؛ لذلك كانوا إذا سئلوا الآيات المعجزات الخارقة للعادة؛ ردوا الأمر إلى الله، ونفوا أن تكون لهم قدرة على الإتيان بها إلا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١]؛ فيظهر الله - على أيديهم - الآيات تأييد لهم وتخويفا لأقوامهم وقطعة لمشاغبتهم؛ فيخضع لها بعضهم ويستمر الأكثرون على العناد، فما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما يمثله - في وضوحه وظهوره والعجز عن معارضته - ما يؤمن عليه العباد ويتفقون عليه لولا ما يصدهم عنه من العناد، وهو معنى قوله: \"ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر\" (^١) (^٢)؛ ولهذا أمر الله تعالى نبيه أن يبرأ من دعوى هذه المحاور الثلاثة من العلم والقدرة والغني، التي ترجع إليها المعجزان بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب \"فضائل القرآن\" باب: كيف نزل الوحي، وأول ما نزل برقم (٤٩٨١)، ومسلم في \"الإيمان\" باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم (١٥٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) \"مجالس التذكير من حديث البشير النذير\" لابن باديس (٣٣ - ٣٤).","vol":"1","page":21},{"text":"يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. قال ابن تيمية ﵀ وما نصه: \"فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الله، ولا هو ملك غني عن الأكل والمال، إن هو إلا متبع لما أوحي إليه، واتباع ما أوحي إليه هو الدين، وهو طاعة الله وعباده علما وعملا بالباطن والظاهر، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى: فيعلم منه ما علمه إياه، ويقدر منه على ما أقدره الله عليه، ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس\" (^١).\nومن هنا يظهر - جليا - أن حياة أنبياء الله ورسله - صلوات الله وسلامه عليهم - لم تكن مبنية على تغييب حقيقتهم البشرية، أو رفع أنفسهم إلى مقام الربوبية، أو ادعاء خصائص الألوهية، أو إرادة تلبيس بين حق الله الخالص وحق أنبيائه الكرام ﵈، كلا، إنما كانت حياتهم مليئة بالصلة بالله، وعامرة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والقوة في العبادة، والمسارعة في الخيرات، والبصيرة النافذة في الدين؛ حتى بلغوا الغاية في العبودية والسمو الروحي، يهدون الناس إلى الله، ويبلغون دينه وشرعه، ويدعون إلى الهدى ودين الحق، ويتنافسون في القرب من ربهم، ويبذلون ما في وسعهم من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله بجد واجتهاد، يرجون - بأعمالهم الصالحة ومحبتهم الصادقة - رحمته، ويخافون - بمخالفتهم لأمره - عذابه، ويخشون - بقصورهم عن أداء حقه - عقوبته وانتقامه؛ لعلمهم بقوة الله وعظيم سلطانه، وأن عذابه أليم شديد، شأنه أن يتقى ويُحذر، قال الله تعالى عن أهل اصطفائه واجتبائه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء]، وقال تعالى:\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (١١/ ٣١٣)، وانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز (٥٥٨).","vol":"1","page":22},{"text":"﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء].\nفتلك هي العبودية الحقه التي كان الرسل والأنبياء ﵈، والمعلوم أن العبد كلما ازداد في تحقيق العبودية الخالصة ازداد كماله وسمت روحه وعلت درجته، وكلما نقصت عبوديته ازداد بعدا وهبوطا وانحدارًا، والرسل والأنبياء ﵈ وإن تفاوتوا في الفضل والدرجة - إلا أنهم كانوا يتنافسون في القرب من ربهم، ويتسابقون في تحقيق العبودية، ويسارعون في الخيرات كما تقدمت به الآيات؛ ولهذا وصفهم الله تعالى في كتابه بوصف العبودية التي أساسها المحبة والخوف والرجاء فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١]، وذكر نبينا محمد ﷺ بوصف العبودية في أسمى أحواله وأشرف مقاماته: كالإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام الإيحاء والتحدي بالذي أنزل عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَاإِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي مقام القيام بالدعوة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وغيرها من الآيات المخبرة عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين، المجتهدين في تحقيق العبودية الخالصة لله رب العالمين.\nوعلينا - أخيرًا - أن نقتدي بهم في تحقيق هذه العبودية الخالصة لله تعالى ونهتدي بهديهم، مع احترام حقهم ومنزلتهم في التوقير والتبجيل","vol":"1","page":23},{"text":"والمحبة والنصرة، من غير غُلُوٍّ في تعظيمهم ولا إطراءٍ مُفْضٍ بمحبتهم إلى امتزاج حقهم بما لله تعالى من حق خالص في العبودية] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-3>كيف كان الغلو أول سبب لوقوع الشرك في العالم؟</span>\n[.. كان الناس أمة واحدة على الإسلام، موحدين متفقين على الحق والتوحيد في زمن أبينا آدم ﵇، إلى قبيل زمن نوح ﵈.\nثم اختلفوا بسبب مكر الشيطان وحيله الخفية، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].\nوقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: \"إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (^٢) عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا\" (^٣).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: \"كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين\" (^٤).\n_________\n(^١) من الكلمات الشهرية لسماحة الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله برقم (١٠٦)\n(^٢) من الجلاء؛ أي: ترك الإنسان موطنه ومكانه، وهنا بمعنى: ترك الدين والابتعاد عنه. انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٣٣٧)، مادة: (جلل).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (١١/ ٣١٣)، وانظر: \"شرح العقيدة الطحاوية\" لابن أبي العز (٥٥٨) جزء من حديث رواه مسلم، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار برقم (٢٨٦٥).\n(^٤) \"جامع البيان\" للطبري (٢٩/ ٩٩)، و\"المستدرك\" للحاكم (٢/ ٥٤٦) وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في \"تحذير الساجد\" (ص ١٤٧).","vol":"1","page":24},{"text":"وبهذا يتضح لنا أن الأمة كانت على شريعة واحدة؛ التي هي التوحيد الخالص، ثم طرأ الشرك عليها (^١).\nوإليك التدرج الذي فعله الشيطان مع بني الإنسان لإخراج الناس من عبادة الله وحده إلى الشرك به وعبادة غيره، وهو مأخوذ من تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح]، حيث إن هؤلاء الخمسة كانوا عبادًا صالحين، فلما ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم؛ أن انجبوا لهم أنصابًا، وسموها بأسمائهم، واعكفوا عليها لتتذكروهم، وتقتدوا بأعمالهم الصالحة، فلما ذهب هذا الجيل، وأتي من بعدهم، أوحي إليهم الشيطان: إن أسلافكم كانوا يعبدونهم، فافعلوا كما كانوا يفعلون، ففعلوا؛ فوقع الشرك في بني آدم من طريق الغلو في الصالحين، ومن ثم أرسل الله جل وعلا نوح ﵇ ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، فلم يستجيبوا له إلا قليل منهم.\nويتضح هذا المعنى بذكر الآثار الواردة في تفسير الآية المتقدم ذكرها من سورة نوح ﵇، وإليك بعضا منها:\nعن ابن عباس ﵄، قال: \"هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم، عُبدت\" (^٢).\nوما روى ابن جرير بإسناده عن محمد بن قيس، قال: كانوا قوم صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرون بهم، فلما ماتوا\n_________\n(^١) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٢/ ٤٣٧، ٨/ ٢٨٥، ٢٠/ ١٠٦، ١٠٧) بتصرف.\n(^٢) \"صحيح البخاري\"، كتاب التفسير، تفسير سورة نوح، باب ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق. \"الفتح\" (٨/ ٥٣٥)، حديث رقم (٤٩٢٠).","vol":"1","page":25},{"text":"قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم؛ كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كان يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم\" (^١).\nفهنا قولان:\nالأول: أنها كانت في قوم نوح.\nالثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين.\nولا فرق بين القولين، فإن كونها أسماء أصنام لا ينافي كون تلك الأصنام لرجال صالحين في الأصل.\nقال ابن حجر ﵀ بعد حكايته للقولين -: \"بل مرجع ذلك إلى قول واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك\" (^٢).\nإذا علم ذلك كله، ظهر أن أعظم أسباب الشرك وعبادة الأصنام الغلو في المخلوقين، ورفعهم فوق منازلهم (^٣)، فلذلك نهى الله عن الغلو ومشابهة أهل الكتاب الذين غلوا في أنبيائهم وصالحيهم حتى عبدوهم من دون الله؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود].\n_________\n(^١) \"جامع البيان\" للطبري (٢٩/ ٩٨، ٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٣٧).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (١٤/ ٣٦٢)، وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق لابن تيمية (ص ٤٢، ٤٣) بتصرف.","vol":"1","page":26},{"text":"وكذلك اهتم النبي ﷺ بهذا الباب، فحذر أشد التحذير من الغلو، وسد ذرائعه وأبوابه، وحاربه في جميع ميادين ونواحي العبادة (^١).\nومما ورد عنه في ذلك قوله ﷺ: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله\" (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث ما نصه: \"أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي، كما غالت النصارى في عيسى؛ فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله، فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله\" (^٣).\n* منها ما جاء عن عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأينها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم؛ إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥) بتصرف\n(^٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾. [الفتح] (٦/ ٥٥١)، حديث رقم (٣٤٤٥).\n(^٣) (تيسير العزيز الحميد) (ص ٣١٤).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر برقم (١٣٤١)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد برقم (٥٢٨).","vol":"1","page":27},{"text":"الصالحين … فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي ﷺ مادتها؛ حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا … (^١) (^٢).\n* منها ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته -: \"هات القط لي\" فلقط له حصيات هن حصى الخذف (^٣)، فلما وضعتهن في يده قال: \"بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث -: \"إن هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال\" (^٥).\n_________\n(^١) يشير إلى قوله ﷺ: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\"، رواه ابن ماجه في كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (١/ ٢٤٦)، حديث رقم (٧٤٥) واللفظ له؛ وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (١/ ٣٣٠)، حديث رقم (٤٩٢)؛ والترمذي، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (١/ ١٣١)، حديث رقم (٣١٧)، وقال: فيه اضطراب. وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (١/ ٢٣١) حديث رقم (٦١٢).\n(^٢) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (٢/ ٦٧٤)\n(^٣) هو: الحصى الصغير الذي يمكن حمله بأطراف الأصابع لصغره. انظر: \"لسان العرب\" (٤/ ٤٤)، مادة: (خذف).\n(^٤) رواه النسائي في \"سننه\"، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى (٥/ ٢٩٦)، حديث رقم (٣٠٥٧)؛ وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي (٢/ ١٠٠٨)، حديث رقم (٣٠٢٩). وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (٣/ ٤٩)، حديث رقم (٢٤٧٣).\n(^٥) \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (١/ ٢٨٩).","vol":"1","page":28},{"text":"* ومنها: أنه ﷺ نهى أن يجصَّص القبرُ، وأن يُقعَد عليه، وأن يبنى عليه (^١).\n* ومنها: أمره ﷺ بتسوية القبور وطمس التماثيل؛ فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: \"ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته\" (^٢)\n* ومنها: ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: \"ما هذا الحبل؟ \"، قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ﷺ: \"لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر، فليقعد\" (^٣).\nقال ابن حجر ﵀ تحت هذا الحديث: \"وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها\" (^٤).\nوغيرها كثير من أقواله ﷺ في النهي عن التشدد، والأخذ بالأيسر، والرفق في الأمر كله (^٥)؛ كما قال ﷺ: \"إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (٢/ ٦٦٧)، حديث رقم (٩٧٠).\n(^٢) رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر (٢/ ٦٦٦)، حديث رقم (٩٦٩)\n(^٣) رواه البخاري في كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة. \"الفتح\" (٣/ ٤٣)، حديث رقم (١١٥٠)؛ ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (١/ ٥٤١، ٥٤٢)، حديث رقم (٧٨٤).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٥).\n(^٥) \"قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق\" (ص ٤٢ - ٤٥).","vol":"1","page":29},{"text":"أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوَةِ (^١) والرَّوْحَةِ (^٢) وشيءٍ من الدُّلْجَةِ (^٣) (^٤)، والله تعالى أعلم] (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) الغَدْوة: السير في أول النهار.\n(^٢) الرَّوحة: السير بعد الزوال.\n(^٣) الدُّلْجة: السير آخر الليل، والمراد هنا، قال ابن حجر: \"أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة\". انظر في هذا كله: فتح الباري لابن حجر (١/ ١١٨).\n(^٤) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر. \"الفتح\" (١/ ١١٦) حديث رقم (٣٩).\n(^٥) انظر: \"الجواب الباهر في زوار المقابر\" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، دراسة وتحقيق د. إبراهيم بن خالد المخيف حفظه الله (ص ٨٥ - ٩١).","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الباب الأول: وجوب محبته ﷺ </span>-\nوفيه فصلان","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>الفصل الأول: بيان المعنى الصحيح لمحبته ﷺ والأدلة على وجوبها</span>\nوفيه مبحثان","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>المبحث الأول: المعنى الصحيح لمحبته ﷺ </span>-\n<span data-type='title' id=toc-7>المطلب الأول: تعريف المحبة:</span>\nأحببت قبل الشروع في بيان المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ أن أتطرق للمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المحبة، وذلك بهدف التعريف بهذه الكلمة وبيان مدلولها:\n\n<span data-type='title' id=toc-8>أ - أصل اشتقاق المحبة:</span>\nقال صاحب لسان العرب: \"المحبة: اسم للحب\" (^١).\nويرى ابن القيم أن مادة كلمة \"حب\" تدور في اللغة على خمسة أشياء:\nأحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها \"حبب الأسنان\".\nالثاني: العلو والظهور، ومنه \"حبب الماء وحبابه\" وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وحبب الكأس منه.\nالثالث: اللزوم والثبات، ومنه: \"حبَّ البعير وأحب، إذا برك ولم يقم.\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":35},{"text":"قال الشاعر:\nحلت عليه بالفلاة ضربًا … ضرب بعير السوء إذ أحبَّا\nالرابع: اللب، ومنه: حبة القلب، للبُّه وداخله.\nومنه: الحبة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه.\nالخامس: الحفظ والإمساك، ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضًا.\nثم قال ﵀: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة:\n١ - فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب.\n٢ - وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد.\n٣ - وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه.\n٤ - ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده، وهو قلبه.\n٥ - ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه.\nفاجتمعت فيها المعاني الخمسة (^١).\nووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: \"الحاء\" التي هي من أقصى الحلق.\nو\"الباء\" الشفوية التي هي نهايته.\n_________\n(^١) زاد ابن القيم في كتابه روضة المحبين (ص ١٧، ١٨) على هذه المعاني الخمسة ما يلي: \"وقيل: بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سمي القرط حبا لقلقه في الأذن واضطرابه. وقيل بل هي مأخوذة من الحب الذي هو إناء واسع فيمتلئ به بحيث لا يسع لغيره، وكذلك قلب المحب ليس فيه سعة لغير محبوبه، وقيل: مأخوذة من الحب وهو الخشبات الأربع التي يستقر عليها ما يوضع من جرة أو غيرها فسمي الحب بذلك لأن المحب يتحمل لأجل محبوبه الأثقال، كما تتحمل الخشبات ثقل ما يوضع عليها.","vol":"1","page":36},{"text":"فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.\nوقالوا في فعلها: حَبْهُ وأحَبَّهُ.\nثم اقتصروا على اسم الفاعل من \"أحب\" فقالوا: \"مُحِبٌّ\" ولم يقولوا \"حاب\". واقتصروا على اسم المفعول من \"حب\" فقالوا: \"محبوب\" ولم يقولوا \"مُحَب\" إلا قليلا كما قال الشاعر:\nولقد نزلت فلا تظني غيره … مني بمنزلة المُحَب المكرم (^١)\nوأعطوا \"الحب\" حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها.\nوأعطوا \"الحِب\" وهو المحبوب: حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم …\nفتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-9>ب - الحد الاصطلاحي للمحبة:</span>\nقال ابن حجر (^٣): \"وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانا ولا يمكن التعبير عنها\" (^٤).\n_________\n(^١) البيت لعنترة بن شداد.\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٩ - ١١).\n(^٣) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - صاحب كتاب فتح الباري - من أئمة العلم والتاريخ، ولد بالقاهرة سنة (٧٧٣ هـ)، وتوفي بها سنة (٨٥٢ هـ)، وله مؤلفات كثيرة. الأعلام (١/ ١٧٨).\n(^٤) فتح الباري (١٠/ ٤٦٣).","vol":"1","page":37},{"text":"وقال ابن القيم: \"لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها. ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة\" (^١)\nقلت: وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفس فالمحبة أمر شعوري وجداني يتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن القيم، وذلك لكون هذه الأمور هي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من طريقها.\nولذلك فلا داعي لذكر تعريفات العلماء لها فحدها وجودها، والحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٩).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المطلب الثاني: أقسام المحبة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-11>أ - أقسام المحبة من حيث العموم:</span>\nتنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين:\n١ - مشتركة، ٢ - خاصة.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>القسم الأول: المحبة المشتركة.</span>\nوهي ثلاثة أنواع:\nأحدها: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم.\nالثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم.\nالثالث: محبة أنس وألف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر، لبعضهم بعضا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. فهذه الأنواع الثلاثة، التي تصلح للخلق، بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله.</span>\nومتى أحب العبد بها غيره، كان شركًا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.","vol":"1","page":39},{"text":"فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا (^١) بل يجب إفراد الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب، إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي وهي سر التأله، وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله، وليس كما يزعم المنكرون، أن الإله هو الرب الخالق، فإن المشركين كانوا مقرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة.\nوإله بمعنى مألوه؛ أي: محبوب معبود، وأصله من التأله وهو التعبد الذي هو آخر مراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية (^٢) وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>ب - أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها:</span>\nتنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين:\n١ - نافعة محمودة، ٢ - مذمومة ضارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>القسم الأول: المحبة النافعة:</span>\nوهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع:\nأ - محبة الله.\nب - محبة في الله.\nج - محبة ما يعين على طاعة الله واجتناب معصيته.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤١١).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٢).","vol":"1","page":40},{"text":"فيحب الله تعالى حبًّا لا يشاركه فيه أحد، ويكون الله ﷿ هو المحبوب المراد الذي لا يحب لذاته ولا يراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه ﷿.\nوالمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله ويكون هواه تبعا لحب الله تعالى ورضاه، فلا يحب إلا ما يحب الله تعالى.\nومحبة ما يعين على طاعة الله أنواع كثيرة تندرج فيها جميع العبادات.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>القسم الثاني: المحبة الضارة:</span>\nوهي المحبة المذمومة التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء. وهي ثلاثة أنواع أيضا:\n١ - المحبة مع الله.\n٢ - محبة ما يبغضه الله.\n٣ - محبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها.\nفمن النوع الأول: محبة المشركين آلهتهم كحب الله.\nومن النوع الثاني: محبة الفواحش والمنكرات التي يبغضها الله.\nومن النوع الثالث: عشق النساء الذي يزيد عن حده حتى يضيع الأوامر ويدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عشق الفاسقات والعاهرات والولدان.\nفهذه ستة أنواع عليها مدار كتاب الخلق.\nفأصل المحاب المحمودة محبة الله تعالى؛ وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تبع لها.","vol":"1","page":41},{"text":"كما أن المحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها (^١).\nفأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها وقالوا: هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم، قال تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾.\nففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (^٢).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٠، ١٤١)، وجامع الرسائل (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) روضة المحبين (٢٩٣).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>المطلب الثالث: حقيقة المحبة الشرعية:</span>\nالمقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ﷾ ومحبة رسوله ﷺ وكل ما يدخل في فلكها ويدور مع محورها.\nفهذه المحبة من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العبادات المناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ إليه مما سواهما.\nفهي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة: إما محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة.\nفجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله ﷾، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملا صالحا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه. كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (^١).\nفإخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كناب الزهد: باب من أشرك في عمله غير الله (٨/ ٢٢٣).","vol":"1","page":43},{"text":"بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أهل الإيمان.\nوهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه (^١). فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.\nوالله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (^٢).\nفإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذرايات]، وقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\nفبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم، لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨، ٤٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٢٣، ٥٢٤).","vol":"1","page":44},{"text":"جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر].\nواسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانا المحبة التي لله لا يستحقها غيره. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾.\nوكما أن محبته هي أصل الدين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (^١) وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾ فالحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الجنة والنار (^٢).\nقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾\nوقال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].\nفأخبر سبحانه في هذه الآيات أن خلق العالم والموت والحياة وتزين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا، فيكون عمله موافقًا لمحاب الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خلق\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٥٩).","vol":"1","page":45},{"text":"هو لها وخُلق لأجلها العالم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا.\nفانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين:\nفريقًا داروا مع أوامره ومحابه، ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر، واستعملوا الأمر في القدر، وركبوا سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر، ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته فهؤلاء هم الناجون.\nوالفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقدر، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، فهؤلاء هم المفرطون (^١).\nوحقيقة المحبة: حركة نفس المحب إلى محبوبه، فالمحبة حركة بلا سكون (^٢) فالحب يوجب حركة النفس وشدة طلبها، والنفس خلقت متحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكل من أجل شيئا من الأشياء وجد في حبه لذة وروحا، فإذا خلا عن الحب مطلقا تعطلت النفس عن حركتها وثقلت وكسلت وفارقها خفة النشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا، ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النشاط والجد في العمل أي عمل كان، فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى.\nوإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به، والأنس بقربه،\n_________\n(^١) روضة المحبين (٦٠، ٦١).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٥٩).","vol":"1","page":46},{"text":"والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلِّص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها (^١).\nولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبه كلها لله تعالى وحده بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه فليس لقلب العبد صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله، فلا يحب إلا لله.\nكما في الحديث الصحيح: \"ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار\" (^٢)، فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه، ومحبة الرسول هي من محبته، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبة الله، وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه - وهو الكفر - بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد.\nولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان الله\n_________\n(^١) روضة المحبين (ص ١٦٥، ١٦٦، ١٦٨) بتصرف.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان برقم (٢١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب خال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان برقم (٤٣).","vol":"1","page":47},{"text":"أحب إليه من نفسه فالحديث دل على أن حلاوة الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله، وهذه الحلاوة لا تحصل إلا بثلاثة أمور:\nأ - تكميل هذه المحبة، ٢ - تفريعها، ٣ - دفع ضدها.\n١ - \"فتكميلها\": أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.\n٢ - و\"تفريعها\": أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.\n٣ - و\"دفع ضدها\" أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار (^١) وهذه المحبة هي فوق ما يجده سائر العشاق والمحبين من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثيل لمن تعلقت به.\nوهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا وهذا لا نظير له في محبة المخلوق كائنا من كان.\nولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركا شركا لا يغفره الله كما قال الله تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. والصحيح أن معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا، كما لا يماثل محبوبهم غيره. وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته (^٢).\nوكثير من الناس يدعي محبة الله تعالى من غير تحقيق لموجباتها قال بعض السلف: ادعى قوم على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٠٦).\n(^٢) روضة المحبين (١٩٩، ٢٠٠).","vol":"1","page":48},{"text":"فأنزل الله هذه الآية (^١) ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله، وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه، وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه، فصار محبوب الرب ومدعو الرسول متلازمين بل هذا هو هذا في ذاته، وإن تنوعت الصفات.\nفكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب، وليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين.\nوهكذا أهل البدع فمن قال إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به، وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدع، فإن البدع ليست مما دعا إليه الرسول ولا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله، فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر (^٢).\nفمحبة الله ورسوله وعباده المتقين تقتضي فعل محبوباته وترك مكروهاته والناس يتفاضلون في هذا تفاضلا عظيما، فمن كان أعظم نصيبا من ذلك كان أعظم درجة عند الله.\nومن كان أقل نصيبا كان ذلك سببا في نزول درجته ومنزلته، وأما من كان غير متبع لسبيل النبي ﷺ فكيف يكون محبا لله ﷾ (^٣)؟، ومعلوم أنه لا يتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٦٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٦٦).","vol":"1","page":49},{"text":"فلابد لمحب الله من متابعة الرسول والمجاهدة في سبيل الله بل هذا لازم لكل مؤمن قال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات] فهذا حب المؤمن لله.\nوفد قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة] فأخبر أن من كانت محبوباته أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو من أهل الوعيد.\nوقال في الذين يحبهم ويحبونه ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة: ٥٤]\nفمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله، والجهاد في سبيله لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمانَ وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].\nوقال تعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْأنْفُسُهُمْ أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذابِ هُمْ خالِدُونَ، ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهُمْ أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾.\nفأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة","vol":"1","page":50},{"text":"والبغضاء لمن أشرك حتى يؤمنوا بالله وحده (^١).\nوثبات المحبة إنما يكون بمتابعة الرسول ﷺ في أعماله وأقواله وأخلاقه، فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها، وبحسب نقصانه يكون نقصانها.\nوهذا الاتباع يوجب المحبة والمحبوبية معا، ولا يتم الأمر إلا بهما فليس الشأن في أن تحب الله، بل الشأن في أن يحبك الله، ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا، وصدقته خبرا، وأطعته أمرا، وأجبته دعوة، وآثرته طوعا وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق بمحبته، وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم يكن ذلك فلا تتعن، وارجع من حيث شئت فالتمس نورا فلست على شيء (^٢).\nومحبة الله ورسوله على درجتين:\nواجبة، وهي درجة المقتصدين. ومستحبة، وهي درجة السابقين.\nفالأولى: تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، بحيث لا يحب شيئا يبغضه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى، وبغض ما حرمه الله تعالى، وذلك واجب، فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه الله، كما تقتضي عدم الأشياء التي نهى الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام.\nفيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٦١).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٧).","vol":"1","page":51},{"text":"مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَه﴾ [الرعد: ٣٦].\nوأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة، وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه. فإذا كانت محبة الله ورسوله الواجبة تقتضي بغض ما أبغضه الله ورسوله، كما في سائر أنواع المحبة، فإنها توجب بغض الضد … \" (^١)\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٩١، ٩٢).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المطلب الرابع: المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ وانقسام الناس فيها:</span>\nاعلم أن الله ﷾ قد أوجب لنبيِّنا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقًا زائدة على مجرد التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أمورا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه. وحرم سبحانه لحرمة رسوله - مما يباح أن يفعل مع غيره - أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.\nفمن تلك الحقوق حقه ﷺ بأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دلت على ذلك الأدلة من القرآن والسنة (^١) والتي سيأتي ذكرها. \"فحب النبي ﷺ من أعظم واجبات الدين\" (^٢).\nفهذه المحبة الواجبة له ﷺ هي من محبة الله، فهي حب لله وفي الله، ذلك لأن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ، فوجب بذلك محبته حقا، فهي متفرعة عن محبة الله وتابعة لها واقتران ذكرها مع محبة الله في القرآن والسنة إنما هو للتنبيه على أهميتها وعظم منزلتها.\nوبمقتضى هذه المحبة يجب موافقة الرسول ﷺ في حب ما يحبه وكره ما يكرهه، أي بتحقيق المتابعة له فيحب بقلبه ما أحب الرسول، ويكره ما كرهه الرسول، ويرضى بما يرضى الرسول، ويسخط ما يسخط الرسول، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض\n_________\n(^١) الصارم المسلول (ص ٤٢٠، ٤٢١) بتصرف يسير.\n(^٢) الرد على الأخنائي (ص ٢٣١).","vol":"1","page":53},{"text":"وقد انقسم الناس في فهمهم لهذه المحبة إلى ثلاثة أقسام هي:\nالقسم الأول: أهل الإفراط.\nالقسم الثاني: أهل التفريط.\nالقسم الثالث: الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط.\nأما أصحاب القسم الأول: فهم الذين بالغوا في محبته بابتداعهم أمورًا لم يشرعها الله ورسوله ﷺ، ظنا منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها.\nومن تلك الأمور احتفالهم بمولده، ومبالغتهم في مدحه وإيصاله إلى أمور لا تنبغي إلا لله تعالى ومن ذلك قول قائلهم:\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم\nإن لم تكن في معادي آخذًا بيدي … فضلا وإلا فقل يا زلَّة القدم (^١)\nوقوله:\nفإن من جودك الدنيا وضرَّتها … ومن علومك علم اللوح والقلم\nفإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ، ومن بعض علومه علم اللوح والقلم لأن \"من\" للتبعيض، فماذا للخالق جل وعلا؟\nإضافة إلى صرف بعض أنواع العبادة له كالدعاء والتوسل والاستشفاع والحلف به والطواف والتمسح بالحجرة التي فيها قبره ﷺ إلى غير ذلك من البدعيّات والشركيّات التي تفعل بدعوى المحبة للرسول ﷺ، وهي أمور لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ولم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم الذين عُرفوا بإجلالهم وتقديرهم ومحبتهم لرسول الله ﷺ، وإضافة إلى ذلك فإن ما يقوم به هؤلاء هي أمور مخالفة\n_________\n(^١) ديوان البوصيري (ص ٢٣٨).","vol":"1","page":54},{"text":"لما جاء به الشارع، بل هي أمور قد حذر الشارع من فعلها، ولقد صار حظ أكثر أصحاب هذا القسم منه ﷺ مدحه بالأشعار والقصائد المقترنة بالغلو والإطراء الزائد الذي حذر منه الشارع الكريم، مع عصيانهم له في كثير من أمره ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه (^١).\nفيا ترى أي محبة هذه التي يخالف أصحابها شرع نبيهم، فيحلُّوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، فكرهوا ما أحب الله ورسوله، وأحبوا ما كرهه الله ورسوله. فكيف تكون لهؤلاء محبة وهم قد ابتدعوا ما ابتدعوه من أمور لم تشرع في الدين، ونعلم أن رسول الله ﷺ قد تبرأ ممن ابتدع في هذا الدين فقال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\".\nوالذي يجب على أمثال هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول وتعظيمه إنما تكون بتصديقه فيما أخبر به عن الله، وطاعته فيما أمر به، ومتابعته، ومحبته وموالاته، لا بالتكذيب بما أرسل به، والإشراك به والغلو فيه، فهذا لا يعدو كونه كفرا به، وطعنا فيما جاء به ومعاداة له (^٢).\nكما يجب عليهم أن يفرقوا بين الحقوق التي يختص بها الله وحده ويبين الحقوق التي له ولرسله، والحقوق التي يختص بها الرسول، فقد ميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح]، فالتعزير والتوقير للرسولوالتسبيح بكرة وأصيلا لله، وكما قال: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور]، فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح].\nفعلى هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول ﷺ لا تنال بدعائه\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٦).\n(^٢) الرد على الأخنائي (ص ٢٤، ٢٥) بتصرف.","vol":"1","page":55},{"text":"والاستغاثة به، فتلك أمور صَرْفُها لغير الله يعد شركا مع الله فالله وحده هو الذي يدعى ويستغاث به فهو رب العالمين، وخالق كل شيء، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القريب الذي يجيب الداع إذا دعاه وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وسيأتي بإذن الله مزيد تفصيل لما وقع فيه أصحاب هذا القسم من الغلو في حقه، وذلك في الباب الثالث الذي عقدته للكلام عن الغلو في حقه ﷺ.\nأما أصحاب القسم الثاني: فهم أهل التفريط الذين قصروا في تحقيق هذا المقام فلم يراعوا حقه ﷺ في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال. كما لم يراعوا ماله من حقوق أخرى كتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته واتباع سنته والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك من الحقوق العظيمة الواجبة له. والسبب في ذلك يعود إلى إحدى الأمور التالية أو إليها جميعا وهي:\nأولا: إعراض هؤلاء عن سنة نبيهم ﷺ وعن اتباع شرعه بسبب ما هم عليه من المعاصي، وإسرافهم في تقديم شهوات أنفسهم وأهوائهم على ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي.\nثانيا: اعتقاد الكثير أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، وأن هذا هو القدر الواجب عليهم، ولذا تراهم يكتفون بالتصديق بنبوة محمد ﷺ، دون تحقيق المتابعة له، وهذا هو حال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان وما أكثرهم في زماننا هذا.\nثالثا: جهل الكثير منهم بأمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له ﷺ، والتي من ضمنها محبته ﷺ فكثير من الناس - ولا حول ولا قوة إلا بالله - ليس لهم من الإسلام إلا اسمه وليس لهم من الدين إلا رسمه.\nفالواجب على هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم وأن يقلعوا عن غيهم،","vol":"1","page":56},{"text":"وما هم عليه من المعاصي والذنوب التي هي سبب نقصان إيمانهم وضعف محبتهم وبعدهم عما يقربهم إلى الله تعالى.\nكما يجب عليهم أن يعلموا أن مجرد التصديق لا يسمى إيمانا بل الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان، فليس لأحد أن يخرج العمل عن مسمى الإيمان فلذلك يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يطيع الله ورسوله ويتبع ما أنزل الله من الشرع على رسوله ﷺ، فبذلك يحصل الإيمان، فإن الاتباع هو ميزان الإيمان فبحسب اتباع المرء يكون إيمانه، فمتى ما قوي اتباعه قوي إيمانه والعكس بالعكس.\nكما يجب عليهم معرفة أمور دينهم وبخاصة الواجب منها والتي من ضمنها معرفة ما للمصطفى ﷺ من الحقوق الواجبة فلقد ذم الله ﵎ أولئك النفر الذين لم يعرفوا ما للنبي ﷺ من حق في عدم رفع الصوت عند مخاطبته أو مناداته ووصفهم الله بأنهم لا يعقلون قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات]، وفي السورة نفسها أثنى على الذينعرفوا حق المصطفى ﷺ فقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات]، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر]. وليعلم هؤلاء أنه لا يتحقق لهم إيمان ولا محبة إلا باتباعهم للمصطفى ﷺ واقتدائهم بسنته والسير على نهجه وهداه.\nأما القسم الثالث: فهم الذين توسطوا بين الطرفين السابقين أهل الإفراط وأهل التفريط. فأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكما وقاموا بمقتضاها اعتقادا وقولا وعملا. فأحبوا النبي ﷺ فوق محبة النفس والولد والأهل وجميع الخلق امتثالا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ","vol":"1","page":57},{"text":"فجعلوه أولى بهم من أنفسهم تصديقًا لقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب]، وأيقنوا بوجوب أن يوقى بالأنفس والأموال طاعة لقوله تعالى ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. وقاموا بمقتضى هذه المحبة اعتقادا وقولا وعملا بحسب ما أو جب الله لنبيه ﷺ من حقوق على القلب واللسان والجوارح من غير إفراط ولا تفريط. فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به من ربه ﷿. وقاموا - بحسب استطاعتهم - بما يلزم من طاعته والانقياد لأمره والتأسي بفعله والاقتداء بسنته إلى غير ذلك مما يعد من لوازم الإيمان برسالته.\nقال تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وامتثلوا لما أمر به ﷾ من حقوق زائدة على مجرد التصديق بنبوَّته وما يدخل في لوازم رسالته.\nفمن ذلك امتثالهم لأمره سبحانه بالصلاة عليه والتسليم قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب]. وما أمر به سبحانه من تعزيره وتوقيره قال تعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩].\nفتعزيره يكون بنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه ﷺ.\nوتوقيره: يكون بإجلاله وإكرامه وأن يعامل بالتشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار (^١).\nويدخل في ذلك مخاطبته بما يليق قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].\nوحرمة التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرمة رفع الصوت\n_________\n(^١) الصارم المسلول (ص ٤٢٢).","vol":"1","page":58},{"text":"فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِبَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات].\nفقاموا بهذه الأمور امتثالًا وطاعة لأمر الله ﵎ وأدوا ما فرض عليهم من الحقوق الأخرى التي يطول ذكرها والتي هي مذكورة في ثنايا هذا البحث. وهم مع قيامهم بهذه الأمور لم يتجاوزوا ما أمروا به فلم يغالوا ولم يبالغوا كما فعل أهل الإفراط الذين وصفوا النبي ﷺ بأمور لا تنبغي لغير الله كعلم الغيب، وصرفوا له أمورا لا يجوز صرفها لغير الله كدعائه والسجود له والاستغاثة به والطواف بقبره.\nبل هم مؤمنون بأن ما أكرم الله به نبيه ﷺ من النبوة والرسالة والرفعة وعظم القدر وشرف المنزلة، كل ذلك لا يوجب خروجه عن بشريته وعبوديته لله قال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.\nواعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة ومناقضة لما أمر به ﷾ نبيه ﷺ أن يقوله لأمته: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلَّا اللَّهُ ومايَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل].\nفكل غلو في حقه ﷺ ليس من محبته في شيء بل يعد مخالفة لما","vol":"1","page":59},{"text":"أمر به فيجب الابتعاد عن ذلك والحذر من عقوبته قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور] كما يعد مشاقة للرسول ﷺ. قال تعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء]، ولذا فإنه يجب الحذر من حال الغلاة الذين غلوا في حق النبي ﷺ بما ابتدعوه من الأمور التي لم يشرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله، بل حذر الله ورسوله منها.\nوقد يظن البعض بأن السير على منهج أهل التوسط فيه انتقاص من قدر النبي ﷺ وغمط لحقه، والأمر على عكس ما يظنون فالذي يعتقده السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أن الحق الواجب أن يثنى على النبي ﷺ بما هو أهل له من الخصائص الثابتة له التي خصه الله بها والفضائل العظيمة التي شرفه بها والصفات الحقيقية والخلقية التي كان عليها وذلك للتعرف وتعريف الناس بفضله ومكانته وعظيم قدره عند الله وعند خلقه حتى يتأسى ويقتدى به في أقواله وأفعاله فهو الأسوة والقدوة عليه أفضل الصلاة والتسليم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب].\nفمن صميم المحبة له ﷺ الاشتغال بمعرفة سيرته بقصد التأسي والاقتداء بما كان عليه من كريم الخصال ومحاسن الأفعال والأقوال. وكذا معرفة شمائله ودلائل نبوته التي تعمق إيمان المسلم بصدق نبوته وتزيد في محبته وتعظيمه ﷺ. ولقد اهتم السلف بهذه الجوانب وأولوها رعايتهم واهتمامهم فاعتنوا بتأليف المؤلفات التي أوضحت هذه الجوانب وأبرزتها.\nفقد ألِّفت لهذا الغرض كتب الشمائل التي اعتنت بذكر صفاته وأحواله في عباداته وخلقه وهديه ومعاملاته (^١)، كما ألفت كتب الدلائل\n_________\n(^١) من تلك الكتب: كتاب الشمائل للترمذي، كتاب الشمائل لابن كثير.","vol":"1","page":60},{"text":"التي اعتنت بدلائل وعلامات نبوته ﷺ (^١).\nهذا بالإضافة إلى ما كتب في الفضائل والخصائص التي كانت للنبي ﷺ. كما اعتنوا بأصل هذه الجوانب جميعها ألا وهو سيرته الشريفة ﷺ فقد ألفت لهذا الغرض المؤلفات التي اعتنت بحياته منذ ولادته إلى وفاته وضمت في جوانب ذلك الحديث عن نشأته وبعثته وما حدث له من الأمور قبل الهجرة وبعدها وما كان من أمر دعوته وغزواته وسراياه وما يتعلق بهذه الجوانب وغيرها مما هو داخل في سيرته (^٢).\nفقد دوِّنت هذه الجوانب جميعها وخدمت بقصد أن يتأسى الناس به ﷺ وأن يتعرفوا على كمال ذاته ﷺ وما تميز به من صفات، وتفرد به من أخلاق لتزيد تلك المعرفة من محبتهم له وتنميتها في قلوبهم ولتبعث في نفوسهم تعظيمه وإجلاله.\nوبهذا يعلم أن أهل التوسط لم ينتقصوا من قدره ﷺ بل حفظوا وحافظوا على كل ما من شأنه أن يضمن استمرارية محبة الأمة وتعظيمها له.\nفهذه حال أهل التوسط وهذا هو منهجهم فمن أراد أن يسير على النهج القويم ويسلك الصراط المستقيم فعليه بسبيل أهل الإيمان وطريقهم ألا وهو الكتاب والسنة فذاك طريق الحق، والحق أحق أن يتبع.\nوهذا منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فقد كانت محبتهم للنبي ﷺ تحكمها قواعد الكتاب والسنة، فما أمر به الشارع ائتمروا به وما نهى عنه الشارع انتهوا عنه، ولم يحكموا في هذه المحبة عواطفهم وأهواءهم كما\n_________\n(^١) منها: كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، وكتاب دلائل النبوة للبيهقي.\n(^٢) ومن أشمل الكتب التي تحدثت عن سيرته ﷺ كتاب السيرة لابن كثير.","vol":"1","page":61},{"text":"فعل أهل الإفراط الذين زلت بهم أقدامهم بسبب غلوهم في حقه ذاك الغلو الذي دفعهم إليه تحكيم أهوائهم، وهو غلو ما أنزل الله به من سلطان بل إن نصوص الشرع تنص على تحريمه، وإنه ليصدق وصف أهل الإفراط بقوله تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.\nفخلاصة القول في هذا الجانب أن المفهوم الصحيح لمحبته ﷺ يتمثل في ذلك المفهوم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم. ذلك المفهوم المستمد من آيات القرآن ونصوص السنة والذي لم يخرج عنهما قيد أنملة.\nوما ذكرته ههنا عن هذا المفهوم الصحيح على سبيل الإجمال، وتفصيل ذلك مستوفى بين دفتي هذا البحث فمنه ما سبق بيانه ومنه ما سيأتي تفصيله ونسأل الله الإعانة على ذلك.\n* * *","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المبحث الثاني: الأدلة على وجوب محبته ﷺ </span>-\nوفيه ثلاثة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-20>المطلب الأول: الأدلة من القرآن على وجوب محبته ﷺ </span>-.\nلما كانت محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين كما أن التصديق أصل كل قول من أقوال الإيمان (^١).\nولما كانت هذه المحبة من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. ولما كانت هذه المحبة هي إحدى الحقوق الواجبة للنبي ﷺ على أمته، فقد جعل الله هذه المحبة فوق محبة الإنسان لنفسه وأهله وماله والناس أجمعين. كما نص على ذلك في كتابه الله العزيز:\nأولا: قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة].\nفالآية نصَّت على وجوب محبة الله ورسوله وأن تلك المحبة يجب أن تكون مقدمة على كل محبوب، ولا خلاف في ذلك بين الأمة (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨، ٤٩).\n(^٢) تفسير القرطبي (٨/ ٩٥) بتصرف.","vol":"1","page":63},{"text":"قال القاضي عياض: \"كفى بهذه الآية حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على لزوم محبته، ووجوب فرضها، واستحقاقه لها ﷺ إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله\" (^١).\nوالمتأمل لهذه الآية يجد أن الأمر فيها لم يقتصر على وجود أصل المحبة لله ورسوله، بل لابد مع ذلك أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وهذه المحبة لله تقتضي تحقيق العبودية له لأن العبادة هي الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة أمره ومحبته ورضاه كما قال تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات] وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب، وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته وكمال الذل لله ونهايته فالحب الخالي عن الذل والذل الخالي عن الحب لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله، وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني عنها فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها (^٢).\nوأما محبة الرسول فتقتضي تحقيق المتابعة له ﷺ وموافقته في حب المحبوبات وبغض المكروهات. ومحبته ﷺ متفرعة عن محبة الله تعالى وتابعة لها. فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا\n_________\n(^١) الشفا (٢/ ٥٦٣).\n(^٢) التحفة العراقية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ١٢، ١٣) مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية (بتصرف يسير).","vol":"1","page":64},{"text":"يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.\nفجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها \"أهل الأهواء\" (^١).\nوالذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، ولكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب، ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث حمار (^٢) الذي كان يشرب الخمر، وكان النبي ﷺ يقيم عليه الحد فلما كثر ذلك منه لعنه رجل، فقال النبي ﷺ: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" (^٣) وفيه دلالة على أنا منهيون عن لعنة أحد بعينه، وإن كان مذنبا، إذا كان يحب الله ورسوله (^٤).\nثانيا: ومن الآيات التي يستدل بها على وجوب محبة النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فالآية دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين، وهذه الأولوية تتضمن أمورًا:\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٣٦٦) بتصرف يسير.\n(^٢) هذا لقبه، واسمه: النعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري، وقيل إن القصة وقعت لابنه عبد الله. فتح الباري (١٢/ ٧٧)، والإصابة (٣/ ٥٤٠، ٥٤١).\n(^٣) أخرجه في كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة. انظر: فتح الباري (١٢/ ٧٥).\n(^٤) كتاب قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢، ٧٣) بتحقيق محمد رشاد سالم.","vol":"1","page":65},{"text":"منها: أن يكون النبي ﷺ إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول أولى به منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.\nويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره، وإيثاره على ما سواه.\nومنها: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها.\nومن العجب أن يدعي حصول هذه الأولوية والمحبة التامة من كان سعيه واجتهاده ونصيبه في الاشتغال بأقوال غيره وتقريرها والغضب والمحبة لها والرضا بها والتحاكم إليها، وعرض ما قاله الرسول عليها، فإن وافقها قبله، وإن خالفها التمس وجوه الحيل وبالغ في رده ليًّا وإعراضًا (^١).\nولذلك فإنه ينبغي على كل مسلم أن يعلم أن محبة النبي ﷺ ليست مجرد دعوى تتحقق بتلفظ اللسان فقط - كما يظن كثير من الناس - بل لابد لهذه الدعوى من البرهان الذي يثبت صدقها، وبرهان المحبة تحقيق الأولوية في شتى صورها وأشكالها فبحسب ذلك التحقيق تتحدد درجة المحبة وتتعين. وليعلم أنه لا يتم للعبد مقام الإيمان حتى يكون الرسول ﷺ أجل إليه من نفسه فضلا عن ابنه وأبيه. فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله فكيف بمحبته سبحانه؟\n_________\n(^١) الرسالة التبوكية (ص ٢٩، ٣٠) بتصرف يسير.","vol":"1","page":66},{"text":"ثالثا: ومما يستدل به كذلك على وجوب محبة النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الآية قد تضمنت وجوب محبة النبي ﷺ لأنه مما يدخل في محبة الله محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ فمن أجل ذلك وجبت علينا محبته. ومن المعلوم أن أصل حب أهل الإيمان هو حب الله، ومن أحب الله أحب من يحبه الله، وكل ما يحب سواه فمحبته تكون تبعا لمحبة الله، إذ ليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى.\nفالرسول ﷺ إنما يُحَب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويُتبع لأجل الله، وكذا الأنبياء والصالحون وسائر الأعمال الصالحة تحب جميعا لأنها مما يحب الله.\nوبهذا يعلم تعين محبة النبي ﷺ ووجوبها ولزومها.\nهذا وقد جاء ذكر محبة الرسول مقترنًا بمحبة الله في قوله تعالى: ﴿أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وكذلك في قوله ﷺ: \"ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما .. \".\nوفي مواطن أخرى متعددة من السُّنَّة كما سيأتي.\nوهذا الاقتران يدلل على مدى الصلة الوثيقة بين محبة الله ومحبة رسوله ﷺ، وإن كانت محبة الرسول داخلة ضمن محبة الله تعالى أصلا، لكن إفرادها بالذكر مع أنها ضمن محبة الله فيه إشارة إلى عظم قدرها وإشعار بأهميتها ومكانتها.\nرابعًا: ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران].\nففي هذه الآية إشارة ضمنية إلى وجوب محبة النبي ﷺ، لأن الله","vol":"1","page":67},{"text":"﵎ قد جعل برهان محبته تعالى ودليل صدقها هو اتباع النبي ﷺ، وهذا الاتباع لا يتحقق ولا يكون إلا بعد الإيمان بالنبي ﷺ، والإيمان به لابد فيه من تحقق شروطه التي منها محبة النبي ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده\" (^١).\nفمحبته ﷺ شرط في الإيمان الذي لا يتحقق الاتباع إلا بوجوده. ومن جهة أخرى فإن محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات، واتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه. وهو سبحانه أعظم شيء بغضًا لمن لم يتبع رسوله. فمن كان صادقا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.\nفتأمل هذا التلازم بين محبة الله تعالى ومحبة نبيه ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب حب الرسول ﷺ من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ٥٨) ح ١٤.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على وجوب محبته ﷺ </span>-.\nتضافرت الأدلة من السنة على تأكيد وجوب محبة النبي ﷺ باعتبار هذه المحبة من صميم الدين فلا يتم لأحد إيمان إلا بتحقيقها. بل إنه لا يكتفي بوجود أصلها فقط، إذ لابد مع ذلك من تقديم محبته بعد محبة الله على محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين.\nومما يدل على وجوب تقديم محبته ﷺ على محبة النفس.\nأولا: ما جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: \"يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.\nفقال النبي ﷺ: \" لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك\". فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي\". فقال النبي ﷺ: \"الآن يا عمر\" (^١).\nفالحديث نص على وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على محبة النفس.\nوأما الدليل على وجوب تقديم محبته على محبة الوالد والولد والناس أجمعين:\nثانيا: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده\".\nثالثا: وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور: باب كيف كانت يمين النبي ﷺ. انظر: فتح الباري (١١/ ٥٢٣) ح ٦٦٣٢.","vol":"1","page":69},{"text":"أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين\" (^١)\n\"فالمراد من قوله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم\" أي: لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه أيضا، كما تقدم في حديث عمر ﵁. فمن لم يكن كذلك، فهو من أصحاب الكبائر إذا لم يكن كافرا، فإنه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج وحب الله ورسوله، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي ﷺ، بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل.\nوعلى هذا فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ.\nوأكثر الناس يدعي أن الرسول أحب إليه مما ذكر، فلا بد حينئذ من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له، وإلا فالمدعي كاذب.\nفإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، واللفظ له. انظر: فتح الباري (١/ ٥٨) ح ١٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب بيان خصال من اتصف بها وجد حلاوة الإيمان (١/ ٤٨).","vol":"1","page":70},{"text":"بحبها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور]، فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله سمعوا وأطاعوا.\nفتبين أن هذا من لوازم الإيمان والمحبة، ولكن كل مسلم لابد أن يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، كما أن كل مؤمن لابد أن يكون مسلما وكل مسلم لابد أن يكون مؤمنا، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق، لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، فإن الاستسلام لله ومحبته لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص.\nوهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا في الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، وهم مسلمون ومعهم مطلق الإيمان، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد ولو شككوا لشكوا ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحق لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال.\nوهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق\" (^١).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (٤١٥، ٤١٧).","vol":"1","page":71},{"text":"رابعًا: وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار\". وفي هذا الحديث أخبر ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان. والمتأمل في هذه الأمور الثلاثة يرى أنها تتبع كمال محبة العبد لله (^١) لأن محبة الله تكمل بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ذلك لأن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.\nوتفريعها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله.\nودفع ضدها: بأن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهة الإلقاء في النار (^٢). والشاهد من الحديث معنا قوله: \"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\".\nفمن المعلوم أن كل من آمن بالنبي ﷺ إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة، غير أن الناس يتفاوتون فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى وهم الذين جعلوا محبة الله ورسوله مقدمة على ما سواهما. ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات. ومنهم من هو بين هذين الأمرين.\nفالحظ الأوفى هو بتحقيق هذه المرتبة من المحبة وهي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\". وذلك بأن يتوجه بكليته نحو هذه الغاية\n_________\n(^١) المقصود كمال المحبة الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة وليس المراد الكمال المستحب.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٠٦).","vol":"1","page":72},{"text":"فيحب ما أحب الله ورسوله ويكره ما كرهه الله ورسوله، فيمتثل للأوامر ويجتنب النواهي ولا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاة النبي ﷺ، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجًا مما قضاه، ويتخلَّق بأخلاقه، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان.\nوأما قوله: \"وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله\" ففيه دلالة واضحة على أن حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ، فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عمومًا.\nوفي الحديث \"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان\" (^١).\nومتى كان حبُّ المرء وبغضُه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها (^٢).\nخامسًا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: \"جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟، قال: \" وما أعددت للساعة؟ \"، قال: حب الله ورسوله. قال: \" فإنك مع من أحببت\".\nقال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي ﷺ: \" فإنك مع من أحببت \". قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٥/ ٦٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٥/ ٢٢٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (ص ٣٦٦، ٣٦٧) بتصرف.","vol":"1","page":73},{"text":"وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم\" (^١).\nسادسا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من أشد أمتي لي حبًّا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله\" (^٢).\nسابعا: وعن ابن عباس ﵄ قال. قال رسول الله ﷺ: \"أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي\" (^٣).\nثامنًا: وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: \"لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه\".\nقال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها (^٤) رجاء أن أُدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها … \" الحديث (^٥).\nوعن سهل بن سعد (^٦) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب: باب المرء مع من أحب، انظر: فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) ح ٦١٧١، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصله: باب المرء مع من أحب (٨/ ٤٢) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله. انظر: (٨/ ١٤٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب: باب مناقب أهل بيت النبي ﷺ (٥/ ٦٦٤) ح ٣٧٨٩، وقال الترمذي حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه. وأخرجه الحاكم في مستدركه (٣/ ١٤٩، ١٥٠) وصححه، ووافقه الذهبي. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١١). والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٦٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٤١) ح ١٠٦٦٤.\n(^٤) \"تساورت لها\": أي رفعت لها شخصي. النهاية (٢/ ٤٢٠).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٧/ ١٢١).\n(^٦) سهل بن سعد الساعدي الأنصاري من مشاهير الصحابة، مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة. وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين وقيل قبل ذلك. الإصابة (٢/ ٨٧).","vol":"1","page":74},{"text":"\"لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله\". قال: فبات الناس يدوكون (^١) ليلتهم: أيهم يُعطاها؟، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: \"أين علي بن أبي طالب؟ \" فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: \"فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية .... \" الحديث (^٢).\n_________\n(^١) أي يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه. النهاية (٢/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي: باب غزوة خيبر انظر: فتح الباري (٧/ ٤٧٦) ح ٤٢١٠، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٧/ ١٢١).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>المطلب الثالث: ما جاء عن الصحابة في شأن محبته ﷺ </span>-.\nإن مما لا ريب فيه أن حظ الصحابة من حبه ﷺ كان أتم وأوفر، ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره ﷺ ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم فبالتالي كان حبهم له ﷺ أشد وأكبر.\nوإن المتأمل لما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من كلام في هذا الخصوص يلمس صدق تلك المحبة وعظمها في نفوسهم.\nفعن عمرو بن العاص (^١) ﵁ قال: \"وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه\" (^٢).\nوقد سئل علي بن أبي طالب ﵁: كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ؟، قال: \"كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ\" (^٣).\n_________\n(^١) هو عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي أسلم قبل الفتح، أحد دهاة العرب في الإسلام، وأحد القادة الفاتحين، فتح مصر وكان أميرا عليها، توفي سنة ٤٣ هـ. الإصابة (٣/ ٢ - ٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجره (١/ ٨).\n(^٣) الشفا (٢/ ٥٦٨).","vol":"1","page":76},{"text":"وقد سأل أبو سفيان بن حرب - وهو على الشرك حينذاك - زيد بن الدثنة (^١) ﵁ حينما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقلتوه - وكان قد أسر يوم الرجيع - (^٢) أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟، قال: \"والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي\".\nفقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا (^٣).\nوعن الشعبي قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ، فقال: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت وبكى الأنصاري. فقال له رسول الله ﷺ: \"ما أبكاك؟ \"، قال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك.\nفلم يخبره النبي ﷺ بشيء فأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء]، فقال له النبي ﷺ: \"أبشر\" (^٤)\n_________\n(^١) زيد بن الدثنة - بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون - ابن معاوية الأنصاري البياضي، شهد بدرا وأُحدًا، وكان في غزوة بئر معونة فأسره المشركون وقتلته قريش بالتنعيم. الإصابة (١/ ٥٤٨).\n(^٢) الرجيع: - بفتح الراء وكسر الجيم - هو في الأصل اسم للروث، وسمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا: اسم موضع من بلاد هذيل كانت الوقعة بالقرب منه. فتح الباري (٧/ ٣٧٩).\n(^٣) البداية لابن كثير (٤/ ٦٥)، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٢٦) في أمر خبيب.\n(^٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (ص ١٣) بتحقيق محمد بن عبد الوهاب العقيل، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية. وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر. انظر (٢/ ١٨٢). والحديث له شاهد آخر من حديث عائشة مرفوعا بنحوه، أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٢٦). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧): \"رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة، وله شاهد آخر من حديث ابن عباس مرفوعا بنحوه، أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٨٦) ح رقم (١٢٥٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧) وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. وله شاهد من طريق آخر عن سعيد بن جبير مرسلا. أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ١٦٣). وطرق هذا الحديث يقوي بعضها بعضا. والله أعلم.","vol":"1","page":77},{"text":"وقال سعد بن معاذ (^١) ﵁ للنبي ﷺ يوم بدر: \"يا نبي الله ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كان الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك\"، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير (^٢).\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد جاض (^٣) أهل المدينة جيضة وقالوا: قتل محمد، حتى كثرت الصوارخ (^٤) في ناحية\n_________\n(^١) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، سيد الأوس، صحابي جليل، شهد بدرا، ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرا ثم مات، وذلك سنة خمس من الهجرة. الإصابة (٢/ ٣٥).\n(^٢) أورده ابن هشام في السيرة (٢/ ١٩٢) وعزاه لابن إسحاق، وأورده ابن كثير في البداية (٣/ ٢٦٨).\n(^٣) يقال: جاض في القتال: إذا فر. وجاض عن الحق: عدل.\nوأصل الجيض: الميل عن الشيء، ويروى بالحاء والصاد المهملتين النهاية (١/ ٣٢٤).\n(^٤) جمع صارخ: وهو المصوت يعلمه بأمر حادث يستعين به عليه أو ينعي له ميتا. النهاية (٣/ ٢١).","vol":"1","page":78},{"text":"المدينة. فخرجت امرأة من الأنصار محرمة فاستقبلت (^١) بأبيها وابنها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم استقبلت به أولا فلما مرت على أحدهم قالت: من هذا؟، قالوا: أبوك أخوك زوجك ابنك. تقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟، يقولون: أمامك حتى دفعت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب (^٢).\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نُعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. قال: فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك (^٣) جلل\" (^٤).\nولقد حكَّم الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم فقالوا: \"هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه، نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك\" (^٥).\nوما هذا الإيثار الذي تضمنته هذه الكلمات إلا تعبيرا عما تكنه نفوسهم من المحبة له ﷺ واسمع إلى قول قيس بن صرمة\n_________\n(^١) أي أخبرت بمقتل أبيها، وابنها، وزوجها، وأخيها.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) جلل؛ أي: هينة ويسيره، والكلمة من الأضداد تكون للحقير والعظيم النهاية (١/ ٢٨٩).\n(^٤) رواه ابن هشام في السيرة (٣/ ٤٣). وعنه أورده ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٧) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٠٢) بنحوه.\n(^٥) روضة المحبين (ص ٢٧٧).","vol":"1","page":79},{"text":"الأنصاري (^١) إذ يقول:\nثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا\nويعرض في أهل المواسم نفسه … فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا\nفلما أتانا واستقرت به النوى … وأصبح مسرورا بطيبة راضيا\nبذلنا له الأموال من حِلِّ مالنا … وأنفسنا عند الوغى والتأسيا\nنعادي الذي عادى من الناس كلهم … جميعا وإن كان الحبيب المصافيا\nونعلم أن الله لا رب غيره … وأن رسول الله أصبح هاديا (^٢)\n_________\n(^١) قيس بن صرمة، وقيل صرمة بن قيس، وقيل قيس بن مالك بن صرمة وقيل غير ذلك، الأوسي الأنصاري، أدرك الإسلام شيخا كبيرا فأسلم، وقد قال هذه الأبيات حين قدم النبي ﷺ المدينة. الإصابة (٢/ ١٧٦ - ١٧٧)\n(^٢) روضة المحبين (ص ٢٧٧).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>الفصل الثاني: علامات محبته ﷺ والثواب المترتب عليها</span>\nوفيه مبحثان","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>المبحث الأول: علامات محبته ﷺ </span>-\nويشتمل على تمهيد وستة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-25>تمهيد:</span>\nسَنَّ الشارع الكريم علامات ودلائل لمحبة النبي ﷺ، شرعت ليتسنى من خلالها معرفة من يصدق في دعوى محبته للمصطفى ﷺ، فكل دعوى لابد لها من برهان، يدل على صدقها قال تعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة].\nومن أجل ذلك فإن على كل مسلم أن يكون على علم بتلك الدلائل والعلامات، وأن يعمل بها ويحققها، وأن لا يرغب عنها أو يستبدل بها أمورا أخرى مبتدعة لم يرد فيها دليل من الشرع.\nفبتلك العلامات والدلائل تظهر حقيقة المحبة، فمتى ما كان التحقيق لتلك العلامات أكبر كانت درجة المحبة أرفع وأعظم والعكس بالعكس.\nولذلك تجد أن الصادق في محبته للنبي ﷺ هو الذي تظهر عليه تلك العلامات والدلائل وتراه يسعى جاهدا إلى تحقيقها حتى ينال بذلك منزلة عظيمة من منازل الإيمان.\nومن أهم تلك العلامات ما يلي:","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>المطلب الأول: من علامات محبته اتباعه والأخذ بسنته ﷺ </span>-.\nفاتباع النبي ﷺ والاقتداء به والسير على نهجه والتمسك بسنته واقتفاء آثاره واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في العسر واليسر والمنشط والمكره، هو أول علامات محبته ﷺ، فالصادق في حب النبي ﷺ هو من تظهر عليه هذه العلامة فيكون متبعا للرسول ﷺ ظاهرا وباطنا ومؤثرا لموافقته في مراده بحيث يكون فعله وقوله تبعا لما جاء به النبي ﷺ.\nفعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غِشٌّ لأحد فافعل\"، ثم قال لي: \"يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة\" (^١).\nفالمحب للرسول ﷺ هو من حرص على التمسك بسنته وإحيائها وذلك باستعمال السنة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي في الأقوال والأفعال، وتقديم ذلك على هوى النفس وملذاتها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾.\nفإحياء السنة واتباع المصطفى دليل محبته كما هو دليل محبة الله ﷿، قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٥/ ٤٦) ح ٢٦٧٨ وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"1","page":84},{"text":"فهذه الآية نزلت عندما ادعى قوم على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية.\nوعلى هذا فإن محبة الله ورسوله تقتضي فعل المحبوبات وترك المكروهات، ولا يتصور أن يكون الشخص محبا لله ورسوله وهو معرض عن اتباع سنة المصطفى ﷺ.\nومن أجل ذلك فإن الناس يتفاضلون في درجات محبتهم تفاضلا عظيما، فمن كان منهم أعظم نصيبا في اتباع الرسول ﷺ والاقتداء بسنته فهو أعظم درجة عند الله، ومن نقصت درجة اتباعه فلا شك أن ذلك سيؤثر على المحبة ويضعف درجتها.\nوهذا لا يعني أن المخالفة لشيء من السنة ينافي المحبة منافاة كلية، فالمخالفة إذا لم تصل إلى درجة الكفر فهي تنقص من المحبة ولكن لا تخرج صاحبها عن دائرتها والدليل على ذلك قوله ﷺ للرجل الذي لعن شارب الخمر وقال ما أكثر ما يؤتى به، فقال ﷺ: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" (^١). فدل الحديث على أن وقوع المخالفة حتى وإن كانت كبيرة من الكبائر لا يعني ذلك انتفاء وجود محبة الله ورسوله في ذلك الشخص المخالف. والواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ورسوله ﷺ محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه.\nفإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا.\nوالواجب عليه كذلك أن يكره ما كرهه الله ورسوله كراهة توجب الكف عما حرم عليه منه.\nفإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كره تنزيها كان ذلك فضلا (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (٦٥).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (ص ٣٦٥).","vol":"1","page":85},{"text":"\"فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.\nفإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة\" (^١).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٣٦٦).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المطلب الثاني: من علامات محبته الإكثار من ذكره ﷺ </span>-.\nومن علامات محبته ﷺ الإكثار من ذكره ﷺ، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره، ودوام الذكر سبب لدوام المحبة وزيادتها ونمائها.\nوفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في ضمن تعداده للفوائد والثمرات الحاصلة من الصلاة على النبي ﷺ: \"أنها سبب لدوام محبته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه واستولى على جميع قلبه. وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره وإحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه ولا شيء أقر لعين العبد المحب من رؤية محبوبه ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه\" (^١).\nوالمقصود بالذكر هنا الذكر المشروع وعلى رأسه الصلاة والسلام عليه ﷺ امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في قوله ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nوامتثالا لقوله ﷺ: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا\" الحديث (^٢).\n_________\n(^١) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (ص ٢٤٨).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يسأل له الوسيلة (٢/ ٤).","vol":"1","page":87},{"text":"وعن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟، قال: \"ما شئت\". قلت: الربع؟، قال: \"ما شئت، وإن زدت فهو خير\". قلت: النصف؟، قال: \"ما شئت، وإن زدت فهو خير\". قلت: الثلثين؟، قال: \"ما شئت، وإن زدت فهو خير\". قال: أجعل لك صلاتي كلها. قال: \"إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك\" (^١).\nقال ابن القيم: \"سئل شيخنا أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه فسأل النبي ﷺ: \" هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه فقال: إن زدت فهو خير لك، فقال له: النصف، فقال إن زدت فهو خير لك، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها: أي أجعل دعائي كله صلاة عليك، قال: إذا تكفى همك ويغفر ذنبك، لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة صلى الله بها عشرا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وكفر له ذنبه هذا معنى كلامه\" (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ١٣٦). وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة يوم القيامة، باب (٢٣)، (٤/ ٦٣٦، ٦٣٧) ح (٢٤٥٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢١) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨) (ح ١٤)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦). والحديث في إسناده\" عبد الله بن محمد بن عقيل \"قال ابن القيم: عبد الله بن محمد بن عقيل احتج به الأئمة الكبار كالحميدي وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، والترمذي وغيرهم، والترمذي يصحح هذه الترجمة تارة ويحسنها تارة. جلاء الأفهام (ص ٦٦) وقال الألباني في الصحيحة (٩٥٤): \"إسناده حسن من أجل الخلاف المعروف في ابن عقيل\".\n(^٢) جلاء الأفهام (ص ٣٢).","vol":"1","page":88},{"text":"والشاهد من الحديث أن من محبته ﷺ مداومة الصلاة والسلام عليه والثناء عليه بما هو أهل له من الأوصاف والخصال الحميدة التي وصف بها ﷺ. وفي الحديث الآخر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي\" (^١).\nفذكره شُرع لإظهار محبته واحترامه وتوقيره وتعظيمه ﷺ وهذا من علامات محبته، ولقد ورد أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا بعد وفاته ﷺ لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا، وكذلك كان كثير من التابعين من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه (^٢).\nويدخل ضمن الذكر المشروع تعداد فضائله وخصائصه وما وهبه الله من الصفات والأخلاق والخلال الفاضلة، وما أكرمه به من المعجزات والدلائل، وذلك من أجل التعرف على مكانته ومنزلته والتأسي بصفاته وأخلاقه، وتعريف الناس وتذكيرهم بذلك، ليزدادوا إيمانا ومحبة له ﷺ ولكي يتأسوا به. ولا محظور في التمدح بذلك نثرًا وشعرًا ما دام أن ذلك في حدود المشروع الذي أمر به الشارع الكريم.\nولا يتجاوز نصوص القرآن والسنة، كأن يتجاوز به حدود بشريته فيصرف له شيء من الأمور الخاصة بالله ﷿ كما فعل بعض الغلاة في أشعارهم ومدائحهم للنبي ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١). وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: \"رغم أنف رجل\" وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (٥/ ٥٥١) (ح ٣٥٤٦)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٣). وأخرجه ابن حبان في صحيحه انظر موارد الظمآن رقم (٣٨٨) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٣٩/ ٢) وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧٧) حديث صحيح.\n(^٢) الشفا (٢/ ٥٧٣).","vol":"1","page":89},{"text":"وكذلك فإن من الأمور المنهي عنها الذكر المقترن بالغناء وأدوات اللهو والطرب والرقص، وهذا الذكر البدعي هو الذي عليه حال أرباب الطرق والتصوف، وقد وافقهم على ذلك كثير من عوام الناس ظنا منهم أن فعل مثل هذه الأمور هو الطريق إلى تحقيق محبة النبي ﷺ وهو في حقيقة فعله يعد محادة لله ورسوله فقد تبرأ ﷺ ممن أحدث في الدين حيث قال: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nوسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الباب الثالث بإذن الله.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>المطلب الثالث: من علامات محبته ﷺ تمني رؤيته والشوق إلى لقائه.</span>\nومن علامات محبته ﷺ محبة رؤيته والشوق إلى لقائه وتمني ذلك ولو كان ذلك مقابل بذل المال والأهل. وهذه العلامة نص عليها قوله ﷺ: \"من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله\" (^١). فهو ﷺ وصف أهل هذه العلامة من أمته التي ستأتي من بعده بأنهم من أشد الناس محبة له ﷺ، وهذه الأمنية قدرها حق قدرها أهل الإيمان الذين ترسخت في قلوبهم محبة النبي ﷺ حتى إنهم من شدة محبتهم له ﷺ أن جالت في خواطرهم وأحاسيسهم هذه الأمنية العظيمة حتى إن الواحد منهم لا يبالي أن يدفع ثمنا لهذه الأمنية العزيزة على نفسه ما عنده من الأهل والمال ليرى النبي ﷺ، ولسان حالهم ومقالهم يقول مع ذلك كله ما أعظم الأمنية وما أرخص الثمن.\nفهذه علامة من علامات محبته يتصف بها أهل الإيمان الصادق الراسخ الذين آمنوا بوجوب تقديم محبة رسول الله ﷺ على محبة الولد والوالد والناس أجمعين بل على كل أمر من أمور الدنيا ومظاهرها فيا لها من نفوس سمت وسما بها إيمانها لمثل هذا المطلب وهذه الأمنية العزيزة على قلب كل مؤمن عرف قدر النبي ﷺ وحقه وعظيم منزلته.\nفجدير بهذه النفوس أن تنال شهادة النبي ﷺ لها بأنها أشد القلوب محبة له.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله (٨/ ١٤٥).","vol":"1","page":91},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس محمد في يده ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله\" (^١).\nولقد كانت هذه السمة وهي الشوق إلى لقاء النبي ﷺ ورؤيته موجودة في الصحابة رضوان الله عليهم ويشهد لذلك ما جاء في حديث الأشعريين أنهم عند قدومهم إلى المدينة كانوا يرتجزون فيقولون:\nغدا نلقى الأحبة محمد وحزبه (^٢)\nوروي أن بلالا ﵁ لما حضرته الوفاة، نادت امرأته واحزناه. فقال: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمد وحزبه (^٣).\nوقد روي مثل ذلك عن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ﵃ أجمعين (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب فضل النظر إلى النبي ﷺ وتمنيه (٧/ ٩٦).\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ١٠٥، ١٥٥) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٥١).\n(^٣) الشفا (٢/ ٥٦٩).\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٥٦٩، ٥٧٣).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>المطلب الرابع: من علامات محبته ﷺ محبة من أحبهم النبي ﷺ </span>-\nإن من علامات محبته ﷺ والتي يجب على المؤمن الأخذ بها، محبته لمن أحب النبي ﷺ، ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين فمن أحب شيئًا أحب من يحبه (^١).\nفإن من محبة الله وطاعته: محبة رسوله وطاعته.\nومن محبة رسوله وطاعته: محبة من حب الرسول، وطاعة من أمر الرسول بطاعته (^٢).\nأ - قال البيهقي: \"ودخل في جملة محبته ﷺ حب آله (^٣).\nوإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول ﷺ (^٤).\nفعن زيد بن أرقم (^٥) ﵁ قال: \"قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى \"خما\" بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: \"أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين:\n_________\n(^١) الشفا (٢/ ٥٧٣).\n(^٢) حقوق آل البيت (ص ١٩).\n(^٣) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).\n(^٥) زيد بن أرقم بن زيد، صحابي جليل، لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغر سنه، وأول مشاهده الخندق وقيل المريسيع، مات بالكوفة سنة ست وستين، وقيل ثمان وستين. الإصابة (١/ ٥٤٢).","vol":"1","page":93},{"text":"أوليهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\" فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: \"وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\".\nفقيل لزيد: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قيل: ومن هم؟ قال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قيل: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم (^١).\nوقد ثبت عن النبي ﷺ أن الله لما أنزل عليه ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، سأل الصحابة النبي ﷺ كيف يصلون عليه فقال: \"قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (^٢). فالصلاة على النبي ﷺ حق له ولآله دون سائر الأمة (^٣).\nوقال أبو بكر الصديق ﵁: \"أرقبوا (^٤) محمدا ﷺ في أهل بيته\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (/ ١٢٢، ١٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ. فتح الباري (١/ ١٥٢) (ح ٦٣٥٧). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٦).\n(^٣) جلاء الأفهام (ص ١٧٤).\n(^٤) أرقبوا: المراقبة للشيء المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم فلا تسيئوا إليهم. فتح الباري (٧/ ٧٩).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول كله ﷺ.\nفتح الباري (٧/ ٧٨) (ح ٣٧١٣).","vol":"1","page":94},{"text":"وعنه أيضا أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁: \"والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي\" (^١).\n\"فآل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ \" (^٢).\n\"فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقر به عينه، ويزيده الله به شرفا وعلوًا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا\" (^٣).\n\"وكذلك علينا احترامهم وإكرامهم والإحسان إليهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا.\nولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعليّ وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥) \"وآل محمد ﷺ هم الذين حرمت عليهم الصدقة (^٦) هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول ﷺ. فتح الباري (٧/ ٧٧، ٧٨) (ح ٣٧١٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي ﷺ \"لا نورث وما تركناه صدقة\" (٥/ ١٥٥، ١٥٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).\n(^٣) جلاء الأفهام (ص ١٧٥).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٤/ ١١٣).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٧).\n(^٦) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال:\nالقول الأول: هم الذين حرمت عليهم الصدقة. وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:\nأحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه.\nوالثاني: أنهم بنو هاشم خاصة وهذا مذهب أبى حنيفة، والرواية عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك.\nوالثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى بني غالب، ويدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك حكاه صاحب \"الجواهر\" عنه، وحكاه اللخمي في \"التبصرة\" عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب.\nوهذا القول في الآل أعني - أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي.\nالقول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبد البر في التمهيد.\nالقول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روى عنه هذا القول جابر بن عبد الله، ذكره البيهقي عنه، ورواه عن سفيان الثوري وغيره، واختاره بعض أصحاب الشافعي. حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ محي الدين النووي في شرح مسلم واختاره الأزهري.\nالقول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته حكاه حسين والراغب وجماعة\". ثم ذكر ﵀ حجج هذه الأقوال وبين ما فيها من الصحيح والضعيف إلى أن قال: \"والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني. أما القول الثالث والرابع فضعيفان\". جلاء الأفهام (ص ١٦٤ - ١٧٧).","vol":"1","page":95},{"text":"والأحاديث في فضائلهم ومناقبهم كثيرة جدًّا، وهي مبسوطة في الصحيحين والمسند والسنن وغيرها من كتب الحديث.\nب - وكذلك فإن من أصول أهل السنة أنهم يتولون أزواج رسول الله ﷺ. ويحفظون لهن فضلهن، وحقوقهن.\nفقد أبانهن الله من نساء العالمين في الفضيلة فقال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وجعلهن أمهات المؤمنين فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤) وتفسير القرطبي (١/ ١٢٣، ١٧٧).","vol":"1","page":96},{"text":"وجعل حرمة الزوجية بعد وفاة النبي ﷺ باقية ما بقين فقال تعالى: ﴿وما كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَدًا﴾ فعلينا من حفظ حقوقهن بعد ذهابهن الصلاة عليهن مع الصلاة على النبي ﷺ.\nفعن أبي حميد الساعدي (^١) ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلى عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (^٢).\nفالصلاة على أزواجه تابعة لاحترامهن (^٣). وكذلك الاستغفار لهن، وذكر مدائحهن، وفضائلهن وحسن الثناء عليهن، وما على الأولاد في أمهاتهم اللاتي ولدنهم وأكثر، وذلك لمكانتهن من رسول الله ﷺ، وزيادة فضلهن على غيرهن من نساء هذه الأمة (^٤).\nوأزواج النبي ﷺ هن من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة:\n١ - خديجة بنت خويلد ﵂ (^٥).\n_________\n(^١) أبو حميد الساعدي، اختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن بن سعد وقيل غير ذلك، صحابي مشهور، شهد أُحدًا وما بعدها، وتوفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد. الإصابة (٤١/ ٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب هل يصلى على غير النبي ﷺ. فتح الباري (١/ ١٦٩) (ح ٦٣٦٠) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٧).\n(^٣) جلاء الأفهام (ص ٢٠٠)\n(^٤) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٢ - ٢٨٤).\n(^٥) وهي أولهن، وقد تزوجها ﷺ بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته فكانت له وزير صدق وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح ومن خصائصها ﵂:\n١ - أنه لم يتزوج عليها غيرها.\n٢ - أن أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من سريته مارية.\n٣ - أنها خير نساء الأمة. جلاء الأفهام (ص ١٨٠).","vol":"1","page":97},{"text":"٢ - عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها (^١).\n٣ - سودة بنت زمعة ﵂ (^٢).\n٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ وعن أبيها (^٣).\n٥ - أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ (^٤).\n_________\n(^١) تزوجها وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل لثلاث وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة.\nومن خصائصها ﵂:\n١ - أنها كانت أحب أزواج رسول الله ﷺ إليه فقد سئل النبي ﷺ أي الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة\" قيل ومن الرجال؟ قال: \"أبوها\" متفق عليه (خ/ ٤٣٥٨) (م/ ٢٣٨٤).\n٢ - أنه لم يتزوج بكرا غيرها. جلاء الأفهام (ص ١٨٢ - ١٨٥).\n(^٢) سودة بنت زمعة بن قيس. تزوجها بعد خديجة، وكبرت عنده وأراد أن يطلقها فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها: أنها آثرت حرمها لعائشة تقربًا إلى النبي ﷺ وحبًا له. جلاء الأفهام (ص ١٨٢).\n(^٣) حفصة بنت عمر بن الحطاب، تزوجها النبي ﷺ بعد عائشة، وقيل إنها ولدت قبل المبعث بخمسة سنين، وكانت قبل أن يتزوجها النبي ﷺ عند حصن بن حذافة وكان ممن شهد بدرًا ومات بالمدينة. وكانت ﵂ صوامة قوامة.\nالإصابة (٤/ ٣٦٢، ٣٦٠) وجلاء الأفهام (ص ١٨٥).\n(^٤) واسمها رملة بنت صخر بن حرب، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي. وهي التي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة، وقالت: إنك مشرك، ومنعته من الجلوس عليه. الإصابة (٤/ ٢٩٨ - ٣٠٠).","vol":"1","page":98},{"text":"٦ - أم سلمة ﵂ (^١).\n٧ - زينب بنت جحش ﵂ (^٢).\n٨ - زينب بنت خزيمة الهلالية ﵂ (^٣).\n٩ - جويرية بنت الحارث ﵂ (^٤).\n١٠ - صفية بنت حيي ﵂ (^٥).\n_________\n(^١) واسمها هند بنت أبي أمية، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وتوفيت سنة اثنتين وستين ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتا، وقيل: بل ميمونة.\nالإصابة (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٥ - ١٩٧).\n(^٢) زينب بنت جحش: وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها فزوجها الله إياه من فوق سبع سموات وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله ﷺ. وتقول: \"زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماواته\" توفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع. الإصابة (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).\n(^٣) زينب بنت خزيمة الهلالية، تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند عبد الله بن جحش فاستشهد بأحد، وكانت تسمى أم المساكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة ثم توفيت ﵂. الإصابة (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨).\n(^٤) جويرية بنت الحارث المصطلقية، وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوجها سنة ست من الهجرة وتوفيت سنة ست وخمسين، وهي التي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ وكان ذلك من بركتها على قومها. الإصابة (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨).\n(^٥) صفية بنت حيي: من ذرية هارون بن عمران، أخي موسى، تزوجها النبي ﷺ سنة سبع، فإنها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق، فقتله رسول الله ﷺ، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل سنة خمسين.\nمن خصائصها أن الرسول ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها، وقال لها النبي ﷺ: \"إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك تحت نبي\". الإصابة (٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨) وجلاء الأفهام (ص ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"1","page":99},{"text":"١١ - ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵂ (^١).\nفهؤلاء جملة من دخل لهن من النساء وهن إحدى عشرة.\nج - ومن محبته ﷺ محبة أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين:\nقال البيهقي: \"ويدخل في جملة حب النبي ﷺ حب أصحابه؟ لأن الله ﷿ أثنى عليهم ومدحهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهُمْ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح].\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح].\nوقال تعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة].\nوقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال].\nفإذا أنزلوا هذه المنزلة استحقوا من جماعة المسلمين أن يحبوهم ويتقربوا إلى الله ﷿ بمحبتهم لأن الله تعالى إذا رضي عن أحد أحبه\n_________\n(^١) ميمونة بنت الحارث الهلالية: تزوجها بسرف، وبنى بها بسرف، وماتت بسرف، وهي علي سبعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، وتوفيت سنة ثلاث وستين، وهي خالة عبد الله بن عباس ﵄، وهي خالة خالد بن الوليد أيضا. الإصابة (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٩) وجلاء الأفهام (ص ١٩٩).","vol":"1","page":100},{"text":"وواجب على العبد أن يحب من يحب مولاه (^١).\nفمن واجب الأمة نحو أصحاب رسول الله ﷺ محبتهم والترضي عنهم والدعاء لهم كما أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالأِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر].\nفهم قوم اختارهم الله وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ وخصهم في الحياة الدنيا بالنظر إليه وسماع حديثه من فمه الشريف ونصرته والذب عنه والجهاد معه في سبيل الله ونشر دين الإسلام.\nوبعد وفاته كانوا هم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين الأمة، فقد بلغوا عن رسول الله ما بعثه الله به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها ونشروا هذا الدين في شتى بقاع الأرض: وجاهدوا في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وذبوا عن هذا الدين بسنانهم ولسانهم فكان لهم بذلك الأجر العظيم والمنزلة العالية عند ربهم وعند نبيهم وعند المسلمين الموحدين جميعًا.\nوكيف لا يكونون كذلك وهم خير قرون هذه الأمة كشهادة النبي ﷺ.\nفعن عمران بن حصين (^٢) ﵄ قال: قال النبي ﷺ \"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" قآل عمران: لا أدري أذكر النبي ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة … الحديث (^٣) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن\n_________\n(^١) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٢٨٧).\n(^٢) عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، صحابي جليل، أسلم عام خيبر وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح مات سنة اثنتين وخمسين وقيل سنة ثلاث وخمسين من الهجرة. الإصابة (/ ٢٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كناب الشهادات، باب لا يشهد على جور إذا أشهد.\nفتح الباري (/ ٢٥٨ - ٢٥٩) (ح ٢٦٥١)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين بلونهم (٧/ ١٨٣ - ١٨٤).","vol":"1","page":101},{"text":"النبي ﷺ قال: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … \" الحديث (^١).\nومما يدل على عظم فضل الصحبة وجلالة شأنها ما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\" (^٢) فهذا الحديث يدل على أن شأن الصحبة لا يعدله شيء.\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول ﷺ: \"آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم\" (^٣)\nولقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ فيما يدل على فضل الصحابة رضوان الله عليهم ووجوب تعظيمهم وإكرامهم وكونهم خير قرون هذه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على جور إذا أشهد.\nفتح الباري (٥/ ٢٥٩) (ح ٢٦٥٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ \"لو كنت متخذا خليلًا\". فتح الباري (٧/ ٢١) (ح ٣٦٧٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه من حدث أبي هريرة ﵁، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃ (٧/ ١٨٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان. انظر: فتح الباري (٧/ ١١٣) ح ٣٧٨٤ واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان وعلاماته … (١/ ٦٥).","vol":"1","page":102},{"text":"الأمة بعد النبي ﷺ. ولقد عقد البخاري ومسلم في صحيحيهما وكذا أهل السنن وغيرهم، كل منهم كتابًا لفضائل الصحابة أوردوا فيه الكثير من الأحاديث الواردة في فضل الصحابة رضوان الله عليهم.\nوعن معتقد السلف نحو أصحاب رسول الله ﷺ يقول أبو زرعة الرازي (^١): \"إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الرسول حق والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة. وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة\" (^٢).\nوقال الخطيب البغدادي (^٣): \"عدالة الصحابة ثابتة ومعلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن، فمن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nوقوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوهذا اللفظ وإن كان عامًا فالمراد به الخاص وقيل: هو وارد في الصحابة دون غيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح].\n_________\n(^١) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي، أبو زرعة من أئمة حفاظ الحديث، ذكر أنه يحفظ مائة ألف حديث، توفي سنة (٦٤ هـ). تهذيب التهذيب (٧/ ٣٠ - ٣٤).\n(^٢) الكفاية في علم الرواية (ص ٩٧).\n(^٣) أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين وصاحب مصنفات من أشهرها تاريخ بغداد، توفي سنة (٤٦٣ هـ). الأعلام (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":103},{"text":"وقوله تعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\nوقوله تعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة].\nوقوله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال].\nوقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ والَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدّارَ والأِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر].\nفي آيات يكثر إيرادها، ويطول تعدادها.\nووصف رسول الله ﷺ الصحابة مثل ذلك،، وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم ....\nوجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له …\nعلى أنه لو لم يرد من الله ﷿ ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين.\nوهذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء (^١).\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية (ص ٩٣ - ٩٦).","vol":"1","page":104},{"text":"وقال ابن حجر: \"اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة\" (^١).\nوقال صاحب \"العقيدة الطحاوية\": \"ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من بغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإحسان، وبغضهم كفر وطغيان\" (^٢)\nوقال البيهقي: \"وإذا ظهر أن حب الصحابة من الإيمان فحبهم أن يعتقد فضائلهم ويعترف لهم بها ويعرف لكل ذي حق منهم حقه، ولكل ذي عنا في الإسلام عناه ولكل ذي منزلة عند الرسول ﷺ مزلته، وينشر محاسنهم ويدعو بالخير لهم ويقتدي بما جاء في أبواب الدين عنهم ولا يتتبع زلاتهم وهفواتهم ولا يتعمد تهجين أحد منهم ببث ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع ضرورة إلى الخوض فيه فيما كان بينهم وبالله التوفيق\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالأِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر].\nوطاعة النبي ﷺ في قوله: \"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\".\nويقبلون ما جاء به الكتاب والسُّنَّة والإجماع: من فضائلهم ومراتبهم فيفضلون من أنفق من قبل الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل،\n_________\n(^١) الإصابة (١/ ١٧).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٨).\n(^٣) شعب الإيمان للبيهقي (ص ٢٩٧).","vol":"1","page":105},{"text":"على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: \"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" (^١) وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة (^٢) كما أخبر به ﷺ، بل قد ﵁ ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.\nويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة كالعشرة وغيرهم من الصحابة.\nويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي ﵃، كما دلت، عليه الآثار وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة … ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم\" (^٣).\nوبعد: فهذه نماذج من أقوال السلف ومعتقدهم تجاه الصحابة رضوان الله عليهم تبين مدى اعترافهم بفضلهم ومراتبهم ومنازلهم التي وردت بها نصوص القرآن والسنة، فهم أصحاب رسول الله ﷺ فبحبهم لرسول الله ﷺ وحب رسول الله ﷺ لهم، نحبهم ونحفظ لهم فضلهم ونحترم لهم تلك المنزلة التي أنزلوا إياها، ونرجوا أن يحشرنا الله معهم وأن يجمعنا بهم في الجنة على سرر متقابلين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا. فتح الباري (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥) (ح ٣٩٨٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر (.. / ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان (٧/ ١٦٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٢ - ١٥٣).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>المطلب الخامس: من علامات محبته ﷺ بغض من أبغض الله ورسوله</span>\nومعاداة من عاداه، ومجانبة من خالف سنته، وابتدع في دينه واستثقاله كل أمر يخالف شريعته (^١).\nقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمانَ وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"على المؤمن أن يعادي في الله، ويوالي في الله. فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه - وإن ظلمه - فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية.\nقال تعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات].\nفجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم.\nفالمؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك.\nوالكافر تحب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك.\n_________\n(^١) الشفا (٢/ ٥٧٥).","vol":"1","page":107},{"text":"فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب والإكرام والثواب لأوليائه. ويكون البغي والإهانة والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة. استحق الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير. واستحق المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر. فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والخيانة، فيجتمع له من هذا وهذا: كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة (^١).\nفالناس باعتبار الحب والبغض والولاء والبراء ينقسمون إلى ثلاثة أصناف:\n\n<span data-type='title' id=toc-31>الصنف الأول: من يحب جملة:</span>\nوهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علما وعملا واعتقادا، وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهي عما نهي الله عنه ورسوله، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله وقدم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد كائنا من كان.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>الصنف الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه.</span>\nوهو المسلم الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا.\nفيحب ويوالي على قدر ما معه من الخير، ولا يبغض أكثر مما يصلح وإذا أردت الدليل على ذلك: فهو في قصة ذلك الرجل من الصحابة والذي كان يشرب الخمر، فأتى به إلى رسول الله ﷺ فلعنه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"1","page":108},{"text":"رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>الصنف الثالث: من يبغض جملة.</span>\nوهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره وأنه كله بقضاء الله وقدره، وأنكر البعث بعد الموت، أو أنكر أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك الله في عبادته أحدا من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعا من أنواع العبادة: كالحب والدعاء والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر والإنابة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق.\nأو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها\" (^٢).\nفعلى هذا التقسيم تتضح صورة الحب والبغض، والولاء والبراء.\nفيوالي ويحب المؤمن المستقيم على دينه ولاء وحبا كاملين.\nويتبرأ ويعادي الكفرة والملحدين والمشركين، والمرتدين ويعادون عداوة وبغضًا كاملين.\nوأما من خلط عملا صالحا وآخر سيئا فيوالي بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادى بحسب ما هو عليه من الشر.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٦٥).\n(^٢) إرشاد الطالب لابن سحمان (ص ١٩).","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>المطلب السادس: التحذير من علامات المحبة البدعية</span>\nيظن البعض من الناس أن له الحق في التعبير عن محبته للنبي ﷺ بما يراه ويستحسنه من الأمور، من غير أن يراعي في ذلك قواعد الشرع وأصوله وهذا الصنف من الناس تراه منساقا مع عواطفه جاعلا لها حق التشريع في هذا الدين. فتراه يغلو في حق النبي ﷺ حتى كمل به إلى بعض مراتب الألوهية. وتراه يبتدع في دين الله أمورا تصل إلى حد العظائم. وتراه يقدم على الشركيات والكفريات. وكل ذلك بدعوى، محبة النبي ﷺ ولقد حكم الله ﷿ بالضلال على هذا الصنف فقال تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].\nفالمتبعون لعواطفهم وأهوائهم المحكمون لها، لابد وأن يكونوا نابذين لهدي الله المتمثل في الكتاب والسنة، واللذين يشتملان على قواعد هذا الدين وأصوله والتي من ضمنها تحريم الابتداع في الدين والإحداث فيه، وتحريم الغلو بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم الشرك بمختلف صوره وألوانه.\nولذلك حكم الله بضلالهم وغوايتهم وبعداهم عن الصراط المستقيم. فحري بأمثال هؤلاء أن يقلعوا عن غيهم، وأن يتحكموا في عواطفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.\nفمحبة النبي ﷺ من الدين، وتحقيقها يكون عن طريق ما شرع في هذا الدين، لا عن طريق البدع وما تهواه النفوس فالبدع قد حذرنا نبينا ﷺ منها\nبقوله: \"إياكم ومحدثات الأمور\" وهذا الحديث يعني في هذا المقام أن ليس لأحد الحق في التعبير عن محبة النبي ﷺ إلا بما","vol":"1","page":110},{"text":"جاء به النبي ﷺ، فعلى المسلم أن يدرك هذا الأمر وليحذر من سبل أهل الضلال والانحراف.\nقال تعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nوإن الناظر في أحوال أولئك المفتونين بالبدع تحت دعوى محبة النبي ﷺ يجد أنهم قد رغبوا في تلك الأمور المبتدعة لأنها أمور لا مشقة فيها على النفس فجعلوها بدلا مما يجب عليهم من الأعمال والطاعات التي تشق على نفوسهم الضعيفة المريضة، فالمحبة عند هؤلاء تنحصر في مظاهر التعظيم اللساني المليء بالغلو والشرك والمقترن بالاجتماع على موائد الطعام والذي لا يخلو في بعض الأحيان من المنكرات والمحرمات.\nويحق للمرء أن يتساءل أي محبة هذه التي تجيز لهؤلاء أن يبتدعوا في دين الله بزيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل؟ لا شك أن فعل هذه الأمور يناقض المحبة ويضادها جملة وتفصيلا، ولا عذر لفاعلها فيما أقدم عليه وإن كان فعل ذلك بحسن نية، فحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فلقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، فمازالوا على حالهم تلك حتى صارت أديانهم على غير ما جاءت به رسلهم.\nومما يؤسف له أن كثيرا من الناس يتمسك بتلك البدع تقليدا لمشائخه أو عشيرته أو أهل بلده. إلى غير ذلك من العصبيات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي أعمت بصائر الكثير منهم وأضلتهم عن سبيل الله.\nولقد كان من الحري بهؤلاء أن يقتدوا بصحابة رسول الله ﷺ، الذين كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ، وأشدهم تعظيما له وكانوا","vol":"1","page":111},{"text":"أحرص الناس على الخير ممن جاء بعدهم، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في هذا السبيل. فلقد كان من سنن الصحابة رضوان الله عليهم حرصهم على اتباع النبي ﷺ لأنهم يؤمنون بأن منشأ محبته وثباتها قوتها إنما يكون بمتابعته ﷺ في أقواله وأفعاله وسلوكه وتصرفاته.\nكما أنهم يؤمنون بأن الابتداع في الدين يضاد تلك المحبة وينافيها ولذلك لم يعهد عنهم أنهم ابتدعوا أشياء من عند أنفسهم لإظهار محبتهم للنبي ﷺ كما ابتدع المتأخرون ما ابتدعوه من البدع تحت ستار المحبة والتعظيم له ﷺ. فإذا كان هذا هو شأن الصحابة فيما أثر عنهم من الآثار وهم المشهود لهم بأنهم أشد الأمة وأفضلها محبة وتعظيما للنبي ﷺ، أفلا يسع من جاء بعدهم ما وسعهم، فيتركوا تلك الأمور المبتدعة التي أحدثت من بعدهم، والتي لم يأذن بها الله ولم تكن من هدي رسول الله ﷺ، من ولا من عمل أصحابه ﵃ وأرضاهم، ومن لم يتسع له ما اتسع للصحابة ﵃، فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة.\nفعن قتادة قال: قال ابن مسعود ﵁: \"من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٩).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>المبحث الثاني: ثواب محبته ﷺ </span>-\nويشتمل على تمهيد ومطلبين:\n\n<span data-type='title' id=toc-36>تمهيد</span>\nيؤمن المسلم أنه بفعله للطاعات وسائر العبادات يفعل ذلك كله ابتغاء مرضاة الله ورجاء ما عنده من الثواب العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة.\nذلك لأن كل عمل صالح مشروع له ثمرة، فالله سبحانه كريم يجود على أهل طاعته وعبادته، ويمن عليهم بفضله في فيضاعف لهم درجات أعمالهم. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور].\nوقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠].\nوقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [القصص: ٨٤].\nوالمحبة من أفضل أعمال العباد وأحبها إلى الله ﷿، فبها يذوق العبد حلاوة الإيمان كما في الحديث \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار\" (^١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٤٧).","vol":"1","page":113},{"text":"وبها يستكمل الإيمان كما في الحديث: \"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان\" (^١).\nوهي من أفضل الإيمان كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ أنه سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الإيمان؟ قال: \"أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله في الله وتعمل لسانك في ذكر الله … \" (^٢).\nفهذه الأحاديث تبين اكتساب المحبة لهذه الدرجة الرفيعة من الدين فمن أعظم الواجبات على المؤمن محبة الله ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وما يحبه من الأشخاص كالأنبياء والملائكة وصالحي بني آدم وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. مع وجوب تقديم محبة الله تعالى على جميع المحاب وإيثار مرضاته على حظوظ النفس.\nولقد دلت النصوص على عظم ثواب المحبة ومدى نفع ثمرتها.\nوالحديث هنا عن ثمرة المحبة يتناول محبة الله ومحبة رسوله ﷺ وذلك لما بين الأمرين من التلازم.\nفمحبة الله لا تتم إلا بمحبة ما يحبه الله وكراهة ما يكرهه.\nولا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا بإتباع ما أمر به واجتناب ما نهي عنه، فصار من لوازم محبته ﷾ محبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن الله محبته ومحبة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة].\nوورد مثل ذلك في كلام النبي ﷺ كما في حديث: \"ثلاث من كن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٤٦٨١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥/ ٢٢٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٧).","vol":"1","page":114},{"text":"فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … \" الحديث (^١). ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن كلا من الحب، والإيمان والتصديق هي حقوق مشتركة بين الله ورسوله. فالله ﷾ كما أوجب الإيمان به على خلقه أوجب كذلك عليهم الإيمان برسوله ﷺ قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢].\nقال تعالى: ﴿… أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].\nوكذا الحال بالنسبة للتصديق قال تعالى: ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢].\nوقد نظم ابن القيم رحمه الله تعالى هذا في نونيته حيث قال:\nوالحب والإيمان والتصديق … لا يختص بل حقان مشتركان (^٢)\nوثمار محبة الله ورسوله منها ما هو دنيوي، ومنها ما هو أخروي. وسنعرض لكلا النوعين ليعلم المسلم عظم فضل الله على عباده المحبين له ولرسوله.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٤٧).\n(^٢) شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٧) وتكميلا للفائدة: فإن الحق الذي يختص الله به على عباده دون سواه هو: عبادته بأمره لا بهوى النفس، وذلك كالحج والصلاة والذبح والنذر واليمين والتوبة والتوكل والإنابة والرجاء ونحوها من العبادات فهي حق لله لا يشاركه فيه غيره.\nوأما الحق الذي يختص بالرسول ﷺ فهو التعزير والتوقير كما في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].\nانظر: شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٨).","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الأول: ثمار المحبة في الحياة الدنيا</span>\nمن أعظم ثمار المحبة في هذه الحياة الدنيا هو ما تورثه في الجوارح من فعل للطاعات والقربات مما يرضي الله ﷿ ويكسب محبته.\nفمتى ما تمكَّنت المحبة من القلب واستغرق بها واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى رضا الرب وطاعته، وصارت النفس مطمئنة حينئذ بإيرادة مولاها عن مرادها وهواها، فمن أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه.\nوهذا هو معنى الحديث الإلهي \"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها\" الحديث (^١).\nفالمحبة الصادقة شجرة في القلب عروقها الذل للمحبوب، وساقها معرفته، وأغصانها خشيته، وورقها الحياء منه، وثمرتها طاعته، ومادتها التي تسقيها ذكره (^٢).\nفالمحبة تملأ القلب ذلًّا لله وتكسبه معرفة وخشية وخوفا وحياء من الله ﵎، لتثمر بذلك طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وخشيته في السر والعلانية، وثمار الطاعة لا تعد ولا تحصى وأعظمها: محبة الله للعبد وهذا أشرف مقصود وأرفع درجة وأعظم مقام يناله العبد. ثوابا وثمرة لمحبته لله ﷿\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع. فتح الباري (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١) (ح ٦٥٠٢).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٤٠٩).","vol":"1","page":116},{"text":"وقد يظن البعض أن الغاية هي أن تحب لله، ولكن الأمر خلاف ذلك، فالغاية أن يحبك الله ﷿ وليست الغاية أن تحب الله ﷿، فالمؤمن يسعى لهذه الغاية ويتمنى تحققها والفوز بها قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].\nفالآية هنا إشارة إلى ثمرة المحبة ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قال ابن القيم عند هذه الآية \"فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله\" (^١).\nوقد وصف الله سبحانه نفسه في كتابه العزيز بأنه يحب عباده المؤمنين، ويحبونه، وأخبر أنهم أشد حبا لله ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ووصف نفسه بأنه الودود ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج]، والودود هو الحبيب، والود خالص الحب، فهو يود عباده المؤمنين ويودونه (^٢).\nوقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم] قال بعض السلف في تفسيرها يحبهم ويحببهم إلى عباده (^٣).\nفالفوز بمحبة الله فيه الخير كله فعن أنس بين مالك ﵁ قال: قالرسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: \"من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترقا عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشى، ولئن سألني لأعطنه\n_________\n(^١) روضة المحبين ص (٢٦٦).\n(^٢) روضة المحبين (٤٠٩).\n(^٣) روضة المحبين ص (٤١٢).","vol":"1","page":117},{"text":"ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه\" (^١).\nفتأمل كمال الموافقة في الكراهة كيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه، وكمال الموافقة كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه وإجابة طلباته وإعاذته مما استعاذ به، كما قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ: \"ما أرى ربك إلا يسارع في هواك\" (^٢).\nوتأمل \"الباء\" في قوله \"فبي يسمع وبي، يبصر وبي يبطش وبي يمشي\" كيف تجدها مبينة لمعنى قوله \"كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به … الخ\" فإن سمع سمع بالله، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل] وقوله تعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت] وقوله تعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال].\nوتأمل كذلك كيف جعل محبته لعبده متعلقة بأداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل بعدها لا غير، وفي هذا تعزية لمدعي محبته بدون ذلك أنه ليس من أهلها، وإنما معه الأماني الباطلة والدعاوي الكاذبة (^٣).\nومما يناله العبد كذلك من محبة الله له محبة من في السماء له ووضع القبول له في أهل الأرض.\nفعن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: \"إذا أحب الله العبد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع برقم (٦٥٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب باب (٧). فتح الباري (٨/ ٥٢٤ - ٥٢٥) (ح ٤٧٨٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب القسم بين الزوجات (٤/ ١٧٤).\n(^٣) روضة المحبين (ص ٤١١).","vol":"1","page":118},{"text":"نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض\" (^١).\nوفي لفظ لمسلم: \"إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه\" قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له القبول في الأرض … \" الحديث (^٢).\nوفي لفظ آخر لمسلم عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم فقام الناس ينظرون إليه. فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز.\nقال: وما ذاك؟\nقلت: لما له من الحب في قلوب الناس.\nفقال: إني سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب المحبة من الله تعالى.\nانظر: فتح الباري (١٠/ ٤٦١) (ح ٦٠٤٠).\n(^٢) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده (٨/ ٤٠، ٤١).\n(^٣) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده (٨/ ٤١).","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>المطلب الثاني: ثواب المحبة في الآخرة</span>\nأما على صعيد الثواب الأخروي فمن أعظم ما ورد في ذلك تلك البشارة التي وردت على لسان النبي كلها والتي استبشر لها الصحابة رضوان الله عليهم ولم يفرحوا بشيء بعد الإسلام أشد من فرحهم بها.\nفعن أنس بن مالك؟ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: \"وما أعددت للساعة؟ \"\nقال: حب الله ورسوله. قال: \"فإنك مع من أحببت\".\nقال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ \"فإنك مع من أحببت\".\nقال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم (^١).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قوما ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله ﷺ \" المرء مع من أحب\" (^٢).\nولا شك أن هذه البشرى عامة للأمة جميعها بمعنى أن من تحققت فيه محبة الله ورسوله فهو مستحق لتلك البشرى، ولكن مما يجدر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب المرء مع من أحب، برقم (٦١٧١)، ومسلم في كتاب البر والصلة: باب المرء مع من أحب برقم (٢٦٣٩) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله.\nانظر: فتح الباري (١٠/ ٥٥٧) (ح ٦١٦٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب المرء مع من أحب (٨/ ٤٣) واللفظ له.","vol":"1","page":120},{"text":"التنبيه عليه ههنا مرة أخرى أنه لا يكفي مجرد دعوى محبة الله ومحبة النبي ﷺ باللسان فقط بل لابد من تحقيق المتابعة له، وكل ما يوصل إلى تحقيق المحبة، فمرافقة النبي ﷺ في الجنة لابد أن يصاحبها اجتهاد ممن يطلبها، وإن كان ليس من شرط ذلك الاجتهاد في الطاعة أن يصل إلى درجة اجتهاد النبي ﷺ ومما يشهد لهذا ويؤكده ما ورد في حديث ربيعة بن كعب الأسلمي (^١) أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: \"سل\".\nفقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: \"أو غير ذلك؟ \". قلت: هو ذاك. قال: \"فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود\" (^٢).\nفطلب النبي ﷺ من الصحابي الذي سأل مرافقته في الجنة أن يكثر من صلاة النافلة، وفي هذا دليل على أن العمل مطلوب ممن أراد أن يصل إلى هذه الأمنية العظيمة وأن مجرد تمني القلب وقول اللسان لا يكفي لتحقيق ذلك.\nومما يؤكد أن نوال شرف مرافقة النبي ﷺ في الجنة متعلق باتباع شريعته وطاعته، قوله تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء]. ومن الثواب الأخروي الذي يناله المحب لله ولرسوله هو غفران الذنوب وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].\nفأخبر سبحانه في هذه الآية عن مغفرته لذنوب الذين حققوا محبته ومحبة نبيه على الوجه المطلوب منهم، وهذه منة امتن الله بها على أهل\n_________\n(^١) رببعة بن كعب بن مالك الأسلمي، صحابي، كان من أهل الصفة مات سنة ثلاث وستين من الهجرة. الإصابة (١/ ٤٩٨)\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":121},{"text":"محبته، إذ وعدهم إن هم اتبعوا رسوله ﷺ وأطاعوه أنه يجزيهم على فعلهم ذلك، ويكرمهم بشرف محبته لهم ويتوج ذلك الشرف العظيم والمنزلة العالية بأن يمحو عنهم خطاياهم ويكفر عنهم سيئاتهم التي اكتسبوها.\nولا شك أن حصول هذين الأمرين أي \"المحبة\" و\"المغفرة\" هما غاية ما يتمنى المؤمن الفوز به، فأي فوز أعظم وأكبر من الفوز برضى الله وغفرانه.\nفرضى الله هو سبيل كل نعيم دائم مقيم، وغفرانه هو الأمان من كل عذاب أليم. ومن ثمرات محبته ﷺ ما ورد في ثواب ذكره الذي هو أحد علامات ودلائل محبته فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا\" (^١) والصلاة معناها هنا الثناء، فهي ثناء على الرسول ﷺ وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول الله ﷺ جزاه الله من جنس عمله بأن يثني عليه ويزيد تشريفه وتكريمه (^٢). فهذه ثمرة من ثمرات الذكر الذي هو علامة من علامات المحبة.\nومما ورد كذلك حديث أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟\nقال: \"ما شئت\". قلت: الربع؟\nقال: \"ما شئت، وإن زدت فهو خير\". قلت: النصف؟\nقال: \"ما شئت، وإن زدت فهو خير\". قلت: الثلثين؟\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٢/ ١٧).\n(^٢) جلاء الأفهام (ص ٧٩).","vol":"1","page":122},{"text":"قال: \"ما شئت وإن زدت فهو خير\".\nقال: أجعل لك صلاتي كلها.\nقال: \"إذا تُكفى همَّك، ويغفر لك ذنبك\" (^١).\nوالعبارة الأخيرة هي موطن الشاهد ههنا، فهذا من الثواب الحاصل من المحبة لأن من أحب شيئا أكثر من ذكره، \"وكما أن الذكر من نتائج الحب، فالحب أيضا من نتائج الذكر، فكل منهما وشمر الآخر، وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر، وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة (^٢).\nوقد سبق بيان معنى الحديث (^٣).\nوعلى العموم فإن ثواب كل طاعة من الطاعات إنما هو في الحقيقة ثمرة للمحبة وذلك لأن المحبة أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة يوم القيامة برقم (٢٤٥٧)، والإمام أحمد في مسند (٥/ ١٣٦) والحاكم (٢/ ٤٢١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦) وحسنه الألباني في الصحيح برقم (٩٥٤).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٢٦٥).\n(^٣) انظر (ص ٣٢٧).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>الباب الثاني: وجوب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ﷺ </span>-\nوفيه: ثلاثة فصول","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>الفصل الأول بيان عظيم قدره ﷺ ورفعة مكانته عند ربه ﷿</span>\nويشتمل على: تمهيد، وثلاث مباحث","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>تمهيد:</span>\nإن من الأهمية بمكان - قبل الشروع في توضيح الحق الواجب للنبي ﷺ في شأن تعظيمه وتوقيره - عقد هذا الفصل في بيان عظيم قدره ﷺ ورفعة مكانته عند ربه ﷿ وذلك لاستعراض - جملة طيبة من المكارم والخصائص التي امتن الله بها على عبده ورسوله محمد ﷺ، والتي تدلل على تشريف الله ﷿ وتكريمه لنبيه ﷺ، وتظهر تفضيل الله له على العالمين من الجن والناس أجمعين، بل والملائكة المقربين.\nفلابد لكل مسلم صادق في إسلامه من أن يتعرف على تلك الخصائص والفضائل، إذ إن هذه المعرفه تنير القلوب وتبصرها وتزيدها إيمانا وحبا وتعظيما للنبي المصطفي ﷺ.\nولهذه الزيادة - بلا شك - ثمرتها في شحذ الهمم ودفعها لاتباعه والإقتداء به والسير على نهجه والتمسك بسنته واقتفاء أثره، ولزوم هديه.\nوالمتأمل في آيات الكتاب العزيز ونصوص السنة النبوية الصحيحة يجد الكثير من الأدلة التي تبين مكانة النبي الكريم ﷺ وعظم قدره عند ربه ﷿، فقد حباه الله وامتن عليه وأكرمه بخصائص في الدنيا والآخرة دلت على علو قدره، ورفعة مكانته، وسمو منزلته عند الخالق ﵎.\nفقد قال تعالى في محكم التنزيل ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء].","vol":"1","page":129},{"text":"ففي هذه الآية يمتن الله على نبيه ﷺ بما أسبغ عليه من الفضائل التي هي المناقب والمراتب التي أعطاه الله إياها وميزه بها عن بقية أنبيائه ورسله وسائر خلقه.\nفالله سبحانه فضَّل بعض الرسل على بعض فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nفكان لنبينا محمد ﷺ النصيب الأوفر من هذا الفضل فقد خصه الله وميزه بخصائص ومناقب دنيوية وأخروية فضل بها على سائر الأنبياء ومن سواهم من البشر.\nوسأتعرض لبعض هذه الخصائص على وجه الاختصار وذلك حتى يتبين للقارئ عظم قدره ﷺ عند ربه ﷿.\n* * *","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>المبحث الأول: بيان بعض الخصائص التي خص الله، بها نبيه ﷺ في الحياة الدنيا</span>\n<span data-type='title' id=toc-43>١ - أخذ العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.</span>\nمن الأمور التي تدل على عظيم قدره ﷺ عند ربه ما أخذه الله من العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على أنه لو بعث ﷺ وهم أحياء أو أحد منهم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال تعالى ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران].\nوقد روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ في تفسير هذه الآية قولهما: \"ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه\" (^١).\nفهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء\n_________\n(^١) أخرجهما ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣٣٢) وأوردهما ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":131},{"text":"لما اجتمعوا ببيت المقدس (^١).\nولهذا فقد كان عند أهل الكتاب علم تام به ﷺ وبمبعثه ومكان بعثته ومهاجره، كما ورد وصفه في كتبهم حتى إنهم ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة].\nوقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nوفي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ حينما سئل عن وصف النبي ﷺ قال: \"أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، فأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح، به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا … \" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-44>٢ - أنه ﷺ أكثر الأنبياء تبعا.</span>\nفعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. انظر: فتح الباري (٤/ ٣٤٢) (ح ٢١٢٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: بعثت بجوامع الكلم برقم (٧٢٧٤) واللفظ له، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس … برقم (١٥٢).","vol":"1","page":132},{"text":"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة\" (^١).\nوعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد\" (^٢).\nوعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"عرضت علي الأم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فطنت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى ﷺ وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب … \" الحديث (^٣).\nوفي هذا الأمر فضل عظيم وخصيصة كبيرة لنبينا محمد ﷺ فالله تعالى يكتب لكل نبي من الأنبياء من الأجر بقدر أعمال أمته وأحوالها وأقوالها فقد قال ﷺ: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا\" الحديث (^٤).\nفما من معرفة ولا حالة ولا عبادة ولا مقالة ولا شيء مما يتقرب به إلى الله ﷿ مما دل عليه رسول الله ﷺ ودعا إليه إلا وله أجر من عمل به إلى يوم القيامة، ولا يبلغ أحد من الأنبياء إلى هذه المرتبة ذلك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة\" (١/ ١٣٠).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا\" (/ ١٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره فتح الباري (١٠/ ١٥٥) (ح ٥٧٠٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (١/ ١٣٨).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة. انظر (٨/ ٦٢).","vol":"1","page":133},{"text":"لأن النبي ﷺ قد نفع شطر أهل الجنة فقد ثبت في الحديث أن أمته شطر أهل الجنة قال ﷺ: \"أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة\" الحديث (^١).\nفإذا كان ﷺ قد نفع شطر أهل الجنة، وغيره من الأنبياء إنما نفع جزءا من أجزاء الشطر، كانت منزلته في القرب على قدر منزلته في النفع، فما من عارف من أمته إلا وله مثل أجر معرفته مضافا إلى معارفه ﷺ، وما من ذي حال من أمته إلا وله ﷺ مثل أجره على حاله مضموما إلى أحواله ﷺ، وما من ذى مقال يتقرب به إلى الله ﷿ إلا وله ﷺ مثل أجر ذلك القول مضموما إلى مقالته وتبليغ رسالته، وما من عمل من الأعمال المقربة إلى الله ﷿ من صلاة وزكاة وعتق وجهاد وبر ومعروف وذكر وصبر وعفو وصفح إلا وله ﷺ مثل أجر عامله مضموما إلى أجره على أعماله، وما من درجة علية، ومرتبة سنية، نالها أحد من أمته بإرشاده ودلالته إلا وله مثل أجرها مضموما إلى درجته ﷺ مرتبته، ويتضاعف ذلك بأن من دعا من أمته إلى هدى أو سن سنة حسنة كان له أجر من عمل بذلك على عدد العاملين، ثم يكون هذا المضاعف لنبينا ﷺ لأنه دل عليه، وأرشد إليه. ولأجل هذا بكى موسى ﵇ ليلة الإسراء بكاء غبطة غبط بها النبي ﷺ إذ يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمة موسى ﵇، ولم يبك حسدا كما يتوهمه بعض الجهال، وإنما بكا أسفا على ما فاته من مثل مرتبته (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الحشر. فتح الباري (١١/ ٣٧٨) (ح ٦٥٢٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة (١/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٢) بداية السول في تفضيل الرسول ﷺ (ص ٤٤، ٤٦).","vol":"1","page":134},{"text":"ففي قصة المعراج من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا وفيه: \" … ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة … فلما خلصت فإذا موسى، قال (جبريل) هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال أبكى لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي … \" الحديث (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>٣ - أن قرنه ﷺ خير قرون بني آدم كما أنه خير قرون أمته والقرون التي تلي قرنه ﷺ </span>-.\nفعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه\" (^٢).\nوعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … \" الحديث (^٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير قال: \"القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث\" (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، انظر: فنح الباري (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات (١١/ ١٠٤)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٦٦) ح (٣٥٥٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد. انظر: فتح الباري (٦/ ٢٥٩) (ح ٢٦٥٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كثاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٤).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٦).","vol":"1","page":135},{"text":"والأحاديث في هذا الأمر كثيرة:\n\n<span data-type='title' id=toc-46>٤ - أن الله تعالى أخبره بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو حي صحيح يمشي على الأرض.</span>\nقال الله تعالى ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح].\nوفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الشفاعة - وفيه قوله ﷺ: \" … فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك … \" (^١).\nوفي حديث أنس ﵁ الذي في الشفاعة أيضا وفيه قوله ﷺ: \"ولكن ائتوا محمدا عبدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر … \" (^٢).\nقال العز بن عبد السلام (^٣): \"ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك بل الظاهر أنه لم يخبرهم، لأن كل واحد. منهم إذا طلبت منهم الشفاعة في الموقف ذكر خطيئته التي أصابها وقال: \"نفسي نفسي\" ولو علم كل واحد منهم بغفران خطيئته لم يَوْجل منها في ذلك المقام وإذا استشفعت الخلائق بالنبي ﷺ في ذلك المقام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قول الله ﷿: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء]. انظر: فتح الباري (٨/ ٣٩٥) (ح ٤٧١٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/ ١٢٧، ١٢٨).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٣) عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الملقب بسلطان العلماء فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد وله مؤلفات توفي سنة (٦٦٠) هـ. الأعلام (٤/ ٢١).","vol":"1","page":136},{"text":"قال: \"أنا لها\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>٥ - أن الله رفع له ذكره، قال تعالى: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح]:</span>\nفلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>٦ - أن الله أقسم بحياته ﷺ فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر]:</span>\nوالإقسام بحياة المُقْسِم بحياته يدل على شرف حياته وعزتها عند المقسم بها، وأن حياته ﷺ لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة العامة والخاصة ولم يثبت هذا لغيره ﷺ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>٧ - أن الله وقَّره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه وأسنى أوصافه:</span>\nفقال: ﴿يا أيُّها النَّبِيّ …﴾ [الأنفال: ٦٤، ٦٥، ٧٠] و﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١، ٦٧] وهذه الخصيصة لم تثبت لغيره، بل ثبت أن كلا منهم نودي باسمه فقال تعالى: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٤٠] ﴿يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [القصص: ٢٦]، ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ [هود: ٤٨] ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] ﴿يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات] ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨١] ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ [مريم: ١٢].\n_________\n(^١) بداية السول (ص ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) بداية السول (ص ٣٧).","vol":"1","page":137},{"text":"ولا يخفي على أحد أن السيد إذا دعي أحد عبيده بأفضل ما وجد فيه من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق، دل ذلك على أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه\" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-50>٨ - أن الله أمر الأمة بأن لا ينادونه باسمه بل ينادونه: يا رسول الله يا نبي الله:</span>\nفقال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْتُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور]:\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير (^٢) عند تفسيرها، كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم؟ فنهاهم الله ﷿ عن ذلك إعظاما لنبيه ﷺ، وأمرهم أن يقولوا يا نبي الله يا رسول الله\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>٩ - أن الله نهي الأمة أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ﷺ ولا يجهروا له بالقول - كما هو الحال بين الناس - حتى لا تحبط أعمالهم:</span>\nفقال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ\n_________\n(^١) بداية السول (ص ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي، تابعي، أخذ العلم من ابن عباس وابن عمر، ثقة، ثبت، فقيه، إمام حجة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين. تهذيب التهذيب (٤/ ١١ - ١٤).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٦).","vol":"1","page":138},{"text":"ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ الآيات [الحجرات].\nفعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس (^١) فقال رجل يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته منكسا رأسه فقال له ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل، النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا فقال موسى (^٢): فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه فقل له: إنك ليست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة\" (^٣).\nوقال ابن الزبير (^٤): \"ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه\" (^٥)\n\n<span data-type='title' id=toc-52>١٠ - أن الله أمر الأمة بأنهم إذا أرادوا أن يناجوه ﷺ بأن يقدموا بين يدى نجواهم صدقة، ثم نسخ ذلك، وأمرهم بالطاعة:</span>\nفقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ\n_________\n(^١) هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي: خطيب الأنصار شهد له النبي ﷺ بالجنة، شهد أحدا وما بعدها، قتل يوم اليمامة. الإصابة (١/ ١٩٧).\n(^٢) موسى بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة، تابعي، ثقة قليل الحديث.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب \"لا ترفعوا أصواتهم فوق صوت النبي\". انظر فتح الباري (٨/ ٥٩٠) ٤٨٤٦.\n(^٤) هو: عبد الله بن الزبير بن العوام، ولد عام الهجرة، وحنكه النبي ﷺ ودعا له، وكان أول مولود في الإسلام بالمدينة وكان شهمًا فصيحًا، وقد بويع له بالخلافة بعد موت - يزيد بن معاوية فبقى ثمان سنوات حتى قتل في أيام عبد الملك سنة ثلاث وسبعين للهجرة. الإصابة (٢/ ٣٠١ - - ٣٠٣).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب \"لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي\". فتح الباري (٨/ ٥٩٠) (ح ٤٨٤٥)","vol":"1","page":139},{"text":"صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة].\n\n<span data-type='title' id=toc-53>١١ - ما وهبه الله له من المعجزات التي تميزت، على معجزات من قبله من الأنبياء:</span>\nفمعجزة سيد الأولين والآخرين وهي القرآن العظيم الباقي إلى يوم الدين، الذي لا تنضب معانيه، ولا تفنى عجائبه، ولا تنقطع فوائده، وهو المحفوظ بحفظ الله له - من التغيير والتبديل والتحريف - فيه دواء وشفاء، ومواعظ وأحكام، فيه خبر من سبقنا، وأحوال من بعدنا، وهو حبل الله المتين، من آمن به واتبعه رشد ومن تركه وضل عنه غوى وهلك، وخاب وخسر. فهو المعجزة الخالده الباقية ما بقى الإنسان في هذه الدنيا، بينما تصرمت وانقرضت معجزات من قبله من الأنبياء.\nفعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة\" (^١).\nوكذلك فقد وجد في معجزاته ما هو أظهر في الإعجاز من معجزات غيره كتفجير الماء بين أصابعه (^٢) فهو أبلغ في خرق العادة من تفجيره من الحجر، لأن جنس الأحجار مما يتفجر منه الماء، وكانت معجزته بانفجار الماء من بين أصابعه أبلغ من انفجار الحجر لموسى ﵇ (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ١٣٢)\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامة النبوة برقم (٣٥٧٢).\n(^٣) بداية السول في تفضيل الرسول (ص ٤١).","vol":"1","page":140},{"text":"وعيسى ﵇ أبرأ الأكمه مع بقاء عينه في مقرها ورسول الله ﷺ رد العين بعد أن سالت على الخد ففيه معجزة من وجهين:\nإحداهما: التئامها بعد سيلانها والأخرى: رد البصر إليها بعد فقده منها (^١). فعن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه (^٢) عن جده قتادة (^٣) أنه أصيبت عينه يوم أحد فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: \"لا\" فدعا به فغمز عينه براحته فكان لا يدرى أي عينيه أصيبت\" (^٤).\nوالأمثلة في هذا الباب كثيرة وقد تطرق إليها من كتب في الدلائل والخصائص (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ٤١ - ٤٢).\n(^٢) عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري: روى عن أبيه وله صحبة. تهذيب التهذيب (٧/ ٤٨٩).\n(^٣) قتادة بن النعمان بن زيد الأوسي ثم الظفري الأنصاري: صحابي جليل شهد بدرًا وما بعدها، ومات في خلافة عمر، فصلى عليه ونزل في قبره، وعاش خمسًا وستين سنة. الإصابة (٣١/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ٤١٨) وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة أيضا (٣/ ٢٥١ - ٢٥٢). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨) وعزاه لأبى يعلى وقال في إسناده يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف وقال الألباني في حاشية كتاب بداية السول (ص ٤٢) ولكنه عند أبي نعيم من طريقين آخرين فهو يتقوى بهما\". والحديث أورده ابن كثير في البداية (٤/ ٣٣، ٣٤). والسيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٣٥٩) وعزاه لابن سعد والبيهقي وأبي نعيم.\n(^٥) انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص ٥١٢ - ٥٥٠) ودلائل النبوة للبيهقي الجزء السادس، والخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٣٠٤ - ٣١٤).","vol":"1","page":141},{"text":"قال الشافعي ﵀ تعال اتعالى: \"ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ \" (^١)\nوقال السيوطي: \"قال العلماء ما أوتى نبي معجزة ولا فضيلة إلا ولنبينا ﷺ نظيرها أو أعظم منها\" (^٢).\n_________\n(^١) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص ٨٣).\n(^٢) الخصائص الكبرى (٢/ ٣٠٤).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>المبحث الثاني: بيان بعض الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ في الآخرة</span>\n<span data-type='title' id=toc-55>١ - أنه سيد ولد آدم يوم القيامة:</span>\nفعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع\" (^١).\nقال العز بن عبد السلام: \"السيد من اتصف بالصفات العلية والأخلاق السنية، وهذا مشعر بأنه أفضل منهم في الدارين، أما في الدنيا فلما اتصف به من الأخلاق العظيمة.\nوأما في الآخرة فلأن الجزاء مرتب على الأخلاق والأوصاف، فإذا فضلهم في الدنيا في المناقب والصفات، فضلهم في الآخرة في المراتب والدرجات. وإنما قال ﷺ \" أنا سيد ولد آدم \"لتعرف أمته منزلته من ربه ﷿\" (^٢)\nوسيادة النبي ﷺ للناس يوم القيامة تظهر واضحة جلية بما سيناله من الشرف العظيم يوم القيامة وعلى رأس ذلك الشرف شفاعته في أهل الموقف واختصاصه بذلك من بين الأنبياء والرسل.\nفعن أبي هريرة ﵁ قال: \"كنا مع النبي ﷺ في دعوة، فرفعت إليه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق (٧/ ٥٩)\n(^٢) بداية السول في تفضيل الرسول (ص ٣٤).","vol":"1","page":143},{"text":"الذراع وكانت تعجبه - فنهس منا نهسة وقال: \" أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون بمن يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس: أبوكم آدم. فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، أما ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضبه بعده مثله، نفسي نفسي، ائتوا النبي ﷺ فيأتوني، فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع، وسل تعطه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>٢ - واشتمل الحديث كذلك على خصيصة أخرى:</span>\nتدل على تخصيصه وتفضيله ﷺ وهي كونه أول شافع وأول مشفع فهذا أمر خص الله تعالى به رسوله ﷺ إذ جعله الشفيع يوم المحشر في إتيان الرب ﷻ لفصل القضاء بين عباده وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب، قول الله ﷿: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ انظر فتح الباري (٦/ ٣٧١) (ح ٣٣٤٠) واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧، ١٢٨).","vol":"1","page":144},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: \"وقد اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاها عند الله، ولا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته\" (^١).\nكما أنه أول من يشفع في دخول الجنة فعن، أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>٣ - أن الله جعل لواء الحمد بيد النبي ﷺ يوم القيامة:</span>\nفعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، ما من أحد إلا هو تحت لوائي يوم القيامة ينتظر الفرج، وإن معي لواء الحمد، أنا أمشى ويمشى الناس معي، حتى آتي باب الجنة، فأستفتح فيقال من هذا فأقول محمد، فيقال مرحبا بمحمد فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا أنظر إليه\" (^٣)\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر\" (^٤).\nفهذه الخصيصة وغيرها من الخصائص تدل على علوِّ مرتبته خاص وعلوِّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب في أول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الحنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا\" (١/ ١٣٠).\n(^٣) أخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٣٠) وصححه وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٢). وأخرجه الترمذى في سننه، كتاب المناقب، باب فضل النبي ﷺ (٥/ ٥٨٧) (ح ٣٦١٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب في الشفاعة (٢/ ١٤٤٠) (ح ٤٣٠٨).","vol":"1","page":145},{"text":"منزلته إذ لا معنى للتفضيل إلا التخصيص بالمناقب والمراتب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>٤ - أنه أول من يجيز على الصراط وأول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها:</span>\nوهذه الأمور مما خص به النبي ﷺ عن باقي الأنبياء السابقين. ففي حديث أبي هريرة ﵁ الطويل قال: \"أن ناسا قالوا يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ … \" الحديث.\nوفيه \"ويُضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته؟ \" (^٢) الحديث.\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة\" (^٣).\nوعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمد، فيقول بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك\" (^٤).\n_________\n(^١) غاية السول (ص ٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له، كتاب الآذان، باب فضل السجود، انظر فتح الباري (٢/ ٢٩٢، ٢٩٣) (ح ٨٠٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١١٣).\n(^٣) أخرجهما مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة\" (١/ ١٣٠)\n(^٤) أخرجهما مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: \"أنا أول الناس يشفع في الجنة\" (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>المبحث الثالث: بيان بعض الخصائص التي خص الله بها أمة محمد ﷺ </span>-\nاختصت هذه الأمة بخصائص وفضائل، فلقد أكرم الله هذه الأمة بنعم جليلة ومنح عظيمة، هي في أصلها إكرام من الله تعالى لنبيه ﷺ، ولو لم تتبعه لما أُعطيت هذه الكرامات وتلك الميزات.\nفلقد جعل الله تعالى هذه الأمة خير الأمم، واصطفاها من جميع الخلق لتكون أمة لنبيه محمد ﷺ، واجتباها لتكون الأمة الوسط الشاهدة على جميع الأمم السابقة.\nقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nوقال تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة].\nوقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nوعن معاوية بن حيدة القشيري (^١) ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ قال: \"إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\" وفي لفظ \"أنتم أفخرها وأكرمها\n_________\n(^١) معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري، له وفادة وصحبة، وقال البخاري: سمع النبي ﷺ، وتوفي بخرسان. الإصابة (٣/ ٤١٢).","vol":"1","page":147},{"text":"على الله ﷿\" (^١).\nوروى الإمام أحمد نحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ (^٢).\nومن فضل الله على هذه الأمة أنهم مع كونهم أقل عملا ممن قبلهم، فهم أكثر أجرا كما جاء في الحديث الصحيح.\nفعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور\" (^٣).\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى: \"والمراد من هذا التشبيه بالعمال\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧، ٤٤٨) (٥/ ٣ - ٥) والترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران (٥/ ٢٢٦) (ح ٣٥٠١) وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجة في السنن كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ انظر (٢/ ١٤٣٣) والحاكم في المستدرك (٤/ ٨٤) وصححه ووافقه الذهبي. والدارمي في السنن (٢/ ٢٢١) (ح ٢٧٦٣)، وحسنه الألباني في المشكاة (٦٢٨٥).\n(^٢) المسند (٣/ ٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإجارة باب الإجارة من العصر إلى الليل. انظر فتح الباري (٤/ ٤٤٧، ٤٤٨) (ح ٢٢٧١).","vol":"1","page":148},{"text":"تفاوت أجورهم، وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته، بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى.\nوكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها، وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه من تمر، وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين.\nفهذه الأمة إنما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد].\nومما أكرمت به هذه الأمة كذلك أنهم مع كونهم آخر الأم زمانا فهم الأولون يوم القيامة.\nفعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أتوا الكتاب من قبلنا\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإجارة باب الإجارة من العصر إلى الليل. انظر: فتح الباري (٤/ ٤٤٧، ٤٤٨) (ح ٢٢٧١).","vol":"1","page":149},{"text":"فهذه الأمة هم أول من يقضى لهم يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح \" … نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق\" (^١).\nومما خص الله تعالى به هذه الأمة يوم القيامة أنها تكون مع نبيها ﷺ أول من يجتاز الصراط من الأم، كما في الحديث الطويل عن أبي هريرة؟ عن النبي ﷺ وفيه \" … ويُضرب الصراط بين ظَهْرَي جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز\" (^٢).\nوكذلك فإن هذه الأمة هم أول من يدخل الجنة من الأمم فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة\" (^٣).\nومما خص الله به هذه الأمة أن جعل الزمرة الأولى منها - وهي التي تدخل الجنة من غير حساب ولا عذاب - تدخل الجنة من الباب الأيمن من أبواب الجنة.\nفقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ حديث الشفاعة الطويل وفيه \"فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لاحساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب … \" (^٤) الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة واللفظ له. انظر: فتح الباري (٢/ ٣٥٤) (ح ٨٧٦) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٦).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٧).\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية. انظر (١/ ١١٣)\n(^٤) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٦).","vol":"1","page":150},{"text":"فهذه الخصائص والفضائل وغيرها كثير إنما هي شواهد وبراهين على تفضيل الله تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ، وعلى ما له من منزلة عظيمة ودرجة رفيعة عنده ﵎.\nومن هذه الخصائص يعلم المسلم عظيم قد نبينا ﷺ ورفعة مكانته عند الله ﷿، ومما لا شك فيه أن هذا العلم وهذه المعرفة ستثمر بإذن الله في القلب المؤمن بالله ورسوله، فيزداد تعظيما وتوقيرا للنبي ﷺ، وحرصا على اتباعه واقتفاء أثره والسير على سنته.\nفحري بالمسلم الذي تتوق نفسه وتتطلع لأن يكون في عداد أمة المصطفى الذين يقودهم ﷺ إلى الجنة بعد أن يجتاز بهم الصراط، أن يحقق الأمور التي يستحق بها هذا الفضل العظيم والمرتبة العالية.\nفبالإيمان والاتباع والمحبة والتعظيم والبعد عما يضاد هذه الأمور يستحق الإنسان أن يكون من أمة محمد ﷺ.\nأما من لم يتبع ويسلك سبيل النبي ﷺ بل غير بدل فهو محروم من هذا الفضل وذاك الشرف الذي تحدثت عنه تلك النصوص.\nفقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم غيروا وبدلوا فيقول النبي ﷺ سحقا سحقا لمن غير وبدل\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧ - ١٢٩).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>الفصل الثاني: وجوب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ﷺ على أمته في حياته وبعد مماته</span>","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>المبحث الأول: معنى التعزير والتوقير والتعظيم.</span>\nقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].\nوقال تعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف].\n\n<span data-type='title' id=toc-62>أ - أما التعزير في اللغة:</span>\nفيقول صاحب معجم مقاييس اللغة عن أصل هذه الكلمة: \"عزر\" العين والزاء. والراء: كلمتان:\nأحدهما: التعظيم والنصر. والكلمة الأخرى: جنس من الضرب. فالأولى: النصر والتوقير كقوله تعالى: ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾.\nوالأصل الآخر: التعزير وهو الضرب دون الحد\" (^١).\nوفي النهاية في غريب الحديث \"أصل التعزير: المنع والرد. فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه. ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، يقال عزرته، وعزرته. فهو من الأضداد\" (^٢).\nوجاء في تهذيب اللغة: \"عزر\" قال الله ﷿: ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾.\nجاء في التفسير في قوله تعالى ﴿وتُعَزِّرُوهُ﴾؛ أي لتنصروه بالسيف ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ عظمتموهم. وقيل: نصرتموهم.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٤/ ٣١١).\n(^٢) النهاية (٣/ ٢٢٨).","vol":"1","page":155},{"text":"واللفظة تستعمل لعدة معان هي:\n١ - التعزير: النصر باللسان والسيف.\n٢ - التعزير: التوقير.\n٣ - التعزير: التأديب دون الحد.\n٤ - التعزير: التوقيف على الفرائض والأحكام\" (^١).\nوأما عن المعنى الشرعي المراد هنا:\nفعن ابن عباس ﵄: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ يقول: \"حموه ووقَّروه\" (^٢).\nوعن مجاهد قال: \"عزروه: سددوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه\" (^٣).\nوعن قتادة في قوله: ﴿وتُعَزِّرُوهُ﴾ قال: \"ينصروه\" (^٤).\nوقال ابن جرير الطبري: ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ \"وقَّروه وعظَّموه وحموه من الناس\" (^٥).\nوقال أيضا بعد أن نقل قول ابن عباس ومجاهد وقتادة \"وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصر والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال\" (^٦).\nوقال شيخ الإسلام: \"التعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه\" (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-63>ب - وأما عن التوقير في اللغة:</span>\nففي \"معجم مقاييس اللغة\": \"وقر\" الواو. والقاف والراء: أصل\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (٢/ ١٢٩ - ١٣٠) بتصرف.\n(^٢) تفسير الطبري (٩/ ٨٥).\n(^٣) تفسير الطبري (٩/ ٨٥).\n(^٤) تفسير الطبري (٢٦/ ٧٥).\n(^٥) تفسير الطبري (٩/ ٨٥).\n(^٦) تفسير الطبري (٢٦/ ٧٥)\n(^٧) الصارم المسلول (ص ٤٢٢).","vol":"1","page":156},{"text":"يدل على ثقل في الشيء … ومنه الوقار: الحلم والرزانة\" (^١).\nوجاء في \"تهذيب اللغة\" وقر الرجل من الوقار، يقر، فهو وقور. ووقَّرت الرجل: إذا عظمته ومنه قوله ﷿ ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ (^٢).\nوفي لسان العرب: \"وقر الرجل: بجله، والتوقير: التعظيم والترزين\" (^٣).\nوأما المعنى الشرعي المراد هنا:\nفقال ابن عباس: ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ يعني التعظيم\" (^٤).\nوقال قتادة: \" ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ أمر الله بتسويده وتفخيمه\" (^٥).\nوقال أيضا: \" ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ أي ليعظموه\" (^٦).\nوقال ابن جرير الطبري: \"فأما التوقير فهو التعظيم والإجلال والتفخيم\" (^٧).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار\" (^٨).\nقال ابن كثير: \"التوقير: هو الإحترام والإجلال والإعظام\" (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>ج - وأما التعظيم في اللغة:</span>\nففي \"لسان العرب\": التعظيم: التبجيل: يقال لفلان عظمة عند الناس: أي حرمة يعظم لها\" (^١٠).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٦/ ١٣٢)\n(^٢) تهذيب اللغة (٩/ ٢٨٠)\n(^٣) لسان العرب (٥/ ٢٩١).\n(^٤) تفسير الطبري (٢٦/ ٧٤).\n(^٥) تفسير الطبري (٢٦/ ٧٤).\n(^٦) تفسير الطبري (٢٦/ ٧٥).\n(^٧) تفسير الطبري (٢٦/ ٧٥).\n(^٨) الصارم المسلول (ص ٤٢٢)\n(^٩) تفسير ابن كثير (٤/ ١٨٥)\n(^١٠) لسان العرب (١٢/ ٤١٠ - ٤١١).","vol":"1","page":157},{"text":"ولفظ \"التعظيم\" لا يرد في خطاب الشارع كما ورد لفظ \"التعزير\" و\"التوقير\" لكن العلماء استعملوه في كلامهم عند هذه المسألة وذلك لقربه في المعنى إلى ذهن السامع، ولتأديته للمعنى المراد من لفظتي \"التعزير\" و\"التوقير\".\n* * *","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>المبحث الثاني: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ والأدلة على ذلك.</span>\nإن تعظيم النبي ﷺ، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة (^١) بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة. ذلك لأنه ليس كل محب معظمًا، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه.\nوالولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم.\nفعلمنا بذلك أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة (^٢).\nفمن حق النبي ﷺ على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة (^٣) وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].\nوقال تعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف].\nفأبان أن حق الرسول ﷺ في أمته أن يكون معزرا موقرا مهيبا.\n_________\n(^١) انظر المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١٢٤) الشعبة الخامسة عشرة. وكذلك الجامع في شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٠٠) الشعبة الخامسة عشرة.\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١٢٤).\n(^٣) المعنى المقصود هنا: أنه يجوز أن يبعث الله رسولا ولا يوجب له هذا الحق بخلاف الإيمان والاتباع فإنهما من لوازم الرسالة.","vol":"1","page":159},{"text":"وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره ولا خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم (^١).\nوفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقه ﷺ يعد من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. قال الحليمي (^٢): \"فمعلوم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وأكرم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. فأية نعمة توازي هذه النعم وأية معنة تداني هذه المنن؟.\nثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار. ووعدنا باتباعه الجنة. فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة؟. فحق علينا أن نحبه ونجله ونعظمه ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده وكل ولد والده. وبمثل هذا نطق القرآن ووردت أوامر الله جل ثناؤه\" (^٣).\nففي القرآن الكريم آيات كثيرة جاء فيها التأكيد على هذا الحق من حقوقه ﷺ وبخاصة في جوانب معينة من جوانب تعظيمه ومن تلك الآيات ما يلي:\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٥) \"بتصرف\".\n(^٢) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني، فقيه شافعي، قاضي، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، توفي في بخارى سنة ٤٠٣ هـ وله كتاب المنهاج في شعب الإيمان.\nالأعلام (٢/ ٢٣٥).\n(^٣) المنهاج في شعب الإيمان (١٢٤ - ١٢٥) والجامع لشعب الإيمان (٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"1","page":160},{"text":"١ - قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] \"ففي هذه الآية نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع\" (^١).\nوروى الطبري بسنده عن مجاهد في تفسيرها فقال: \"أمرهم أن يدعوه: يا رسول الله، في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد، في تجهم\" (^٢). وعن قتادة قال: \"أمرهم أن يفخموه ويشرفوه\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسيرها: \"خص الله نبيه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهى أن يقولوا: يا محمد أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ [الأحزاب: ٢٨] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ماأحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤].\nمع أنه سبحانه قال: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ﴾ [هود\" ٤٦] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ [هود: ٧٦] ﴿يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦]\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٨/ ١٧٧).\n(^٢) تفسير الطبري (١٨/ ١٧٧).\n(^٣) تفسير الطبري (١٨/ ١٧٧).","vol":"1","page":161},{"text":"﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ [المائدة: ١١٠] (^١).\nوقال ﵀: \"وإذا كنا في باب العبارة عن النبي ﷺ علينا أن نفرق بين مخاطبته والإخبار عنه. فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى حيث قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] فلا تقول يا محمد يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضا بل نقول: يا رسول الله، يانبي الله. والله ﷾ خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] ﴿يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] ﴿يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\nولما خاطبه ﷺ قال ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ١]، ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر] فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.\nوأما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا: \"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله\" وقلنا محمد رسول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه ﷺ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] وقال ﴿وما مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وقال ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢].\nفالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل\" (^٢).\n_________\n(^١) الصارم المسلول (ص ٤٢٢ - ٤٢٣)\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٩٧، ٢٩٨).","vol":"1","page":162},{"text":"٢ - وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ولَوْ أنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات].\nفهذه الآيات اشتملت على جملة من الآداب التي أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يجب أن يعاملوا به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام وهذه الآداب هي:\nأولا: أنه حرَّم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، فقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾.\nقال ابن كثير في معناها: \"أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي قبله بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن \"بم تحكم؟ \" قال: بكتاب الله تعالى. قال ﷺ \" فإن لم تجد؟ \" قال بسنة رسول الله ﷺ. قال ﷺ: \" فإن لم تجد؟ \" قال؟: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: \" الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ \" (^١).\nفالغرض منه أنه أخَّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢). وأبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء (٤/ ١٨) (ح ٣٥٩٢)؛ والترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب القاضي كيف يقضي (٣/ ٦١٦) (ح ١٣٢٧). وابن ماجة في سننه، المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس بنحوه (١/ ٢١).","vol":"1","page":163},{"text":"والسنة ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقدم بين يدي الله ورسوله\" (^١).\nوقال الحليمي عند تعليقه على هذه الآية: \"والمعنى لا تقدموا قولا أو فعلا بين يدي قول رسول الله ﷺ وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلى أن يأمر رسول الله ﷺ في ذلك بما يراه فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله؟ إذ كان رسوله لا يقضي إلا عنه، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠]! أي احذروا عقابه بتقديمكم بين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به ومخالفة شيء مما يأمركم به عنالله بوحي متلو أو بوحي غير متلو ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٠] أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله ﷺ، أو تأتونه اقتداء به واتباعا له، عليم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك فهو يجزيكم بما سمعه ويعلمه منكم\" (^٢).\nولقد تأدب الصحابة مع ربهم ومع رسولهم، فما عاد بعد نزول هذه الآية مقترح منهم يقترح على الله ورسوله، وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله ﷺ أن يدلي به، وما عاد أحد يقضي برأيه في أمر أو حكم إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول النبي ﷺ.\nحتى كان الرسول ﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله. ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ سأل في حجة الوداع \"أي شهر هذا؟ \" .. قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أن سيسمِّيه بغير اسمه، قال: \"أليس ذو\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٥).\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٧)","vol":"1","page":164},{"text":"الحجة؟ \" قلنا: بلى. قال: \"فأي بلد هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير أسمه، قال: \"أليس البلدة؟ \" قلنا بلى. قال \"فأي يوم هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: \"أليس يوم النحر؟ \" قلنا بلى … \" الحديث (^١).\nفهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى التي انتهى إليها الصحابة بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى تقوى الله السميع العليم.\nثانيا: أنه حرم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وهذا من باب الأدب مع النبي ﷺ في الحديث والخطاب ومن التوقير الذي يجب له، ذلك التوقير الذي ينعكس على نبرات أصوات الصحابة ليتميز بذلك شخص الرسول ﷺ بينهم ويميز مجلسه فيهم فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات].\nقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: \"هذا أدب ثان أدَّب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄\".\nفعن ابن أبي مليكة (^٢) قال: \" كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حجة الوداع واللفظ له. انظر فتح الباري (٨/ ١٠٨) (ح ٤٤٠٦).\n(^٢) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، تابعي ثقة، كان قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا له. مات سنة (١٧ هـ) وقيل (١٨ هـ) تهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"1","page":165},{"text":"وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس (^١) ﵁ أخي بن مجاشع وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع (^٢) لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر ﵄: ما أردت إلا خلافي، قال: مما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ الآية.\nقال ابن الزبير (^٣) ﵁: \"فما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر\" (^٤).\nفقد نهي الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا (^٥).\nوقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في\n_________\n(^١) الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدارمي: وفد على النبي ﷺ وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وكان شريفا في الجاهلية والإسلام وشارك في الفتوحات، وقيل إنه قتل في اليرموك في عشرة من بنيه. الإصابة (١/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٢) نافع بن عمر بن عبد الله الجمحي الحافظ المكي، كان من أثبت الناس، روى عن ابن أبي مليكة وغيره، مات سنة تسع وستين ومائة. تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٠١).\n(^٣) هو: عبد الله بن الزبير ﵁ وقد تقدم ترجمته\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الحجرات.\nانظر: فتح الباري (٨/ ٥٩٠) (ح ٤٨٤٥).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد.\nانظر: فتح الباري (١/ ٥٦٠) (ح ٤٧٠).","vol":"1","page":166},{"text":"حياته ﵊ لأنه محترم حيًّا وفي قبره ﷺ دائما.\nثم نهي عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبة ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال ﵎: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] كما قال ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٢].\nوقوله تعالى ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]؛ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض\" (^١).\nثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك وأرشد إليه ورغب فيه فقال ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣]؛ أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩] (^٢).\nوجاء في \"الكشاف\" عند تفسير هذه الآيات قوله: \"أعاد النداء عليهم - أي في قوله ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك هممهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان. فتح الباري (١١/ ٣٠٨) (ح ٦٤٧٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"1","page":167},{"text":"الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم.\nوذلك لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملا بما يحدوه عليه، وارتداعًا بما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير.\nوالمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون ميزته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.\nوبقوله ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ أنكم إذا كلَّمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليهم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول البين المقرب من الهمس الذي لا يضاهي الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز شأنه ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ وليس الغرض من رفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.\nولم يتناول النهي أيضًا رفع الصوت الذي لا يتأتى به رسول الله ﷺ وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدو أو ما أشبهه، فلم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مقيد بصفة أعلى الجهر المنعوت","vol":"1","page":168},{"text":"بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم، وهو الخلو عن مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها\" (^١).\n\"ومن البداهة أن هذه الآيات وأمثالها في تأديب الأمة وتعليمها إنما جاءت بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي ﷺ وإظهار رفعة قدره المنيف، وسمو منزلته ﷺ فوق كل منزلة أحد من الخلق، وهي مسوقة في مواضعها من القرآن الكريم لتعليم الأمة أفرادا وجماعات الأدب الأكمل مع النبي ﷺ في كل ما يتصل بمخاطبته والتحدث إليه، والإصغاء إلى حديثه، ومجالسته حتى يستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره ما أوجبه الله تعالى من توقيره ﷺ توقيرا يجلي رفيع قدره، وعظيم مقامه، ويظهر تشريف الله تعالى له بما ميزه به على سائر الخلق، وقد اتفق أهل العلم من أئمة أعلام الأمة على أن حرمته ﷺ بعد وفاته كحرمته في حياته\".\nثالثا: أن الله ﵎ ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه فقال ﴿أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال ﴿ولَوْ أنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]؛ أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة (^٢) فكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي ﷺ، ولكن لهم ما يجب عليهم وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغبهم في المغفرة والرحمة (^٣).\n_________\n(^١) الكشاف (٣/ ٥٥٤، ٥٥٥)\n(^٢) كتاب محمد رسول الله ﷺ منهج ورسالة تأليف محمد الصادق إبراهيم عرجون (٤/ ٣٣٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٨).","vol":"1","page":169},{"text":"قال الحليمي: \"في هذه الآية يسلى الله نبيه ﷺ بما أخبره من أن الذين يصيحون خارج منزله ولا يصبرون حتى يخرج إليهم إنما حملهم على ذاك جهلهم وقلة عقلهم وأكثرهم لا يهتدون إلى ما يلزمهم من تعظيمك في حال مخاطبتك\" (^١).\n٣ - وقال تعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].\nقال الحليمي: \"فأعلمهم أن نفس الرسول ﷺ أكرم وأشرف وأزكى وأجمل من أنفسهم، فلا يسعهم من ذلك أن يصرفوا أنفسهم عما لا يصرف نفسه عنه فيتخلفوا عنه إذا خرج لجهاد أعداء الله معتذرين من شدة حر، أو طول طريق، أو عوز ماء، أو قلة زاد، بل يلزمهم متابعته ومشايعته على أي حال رضيها لنفسه، وفي هذا أعظم البيان لمن عقل، وأبين الدلالة على وجوب تعظيمه وإجلاله وتوقيره (^٢).\n٤ - وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألوهُنَّ مِنْ وراءِ حِجابٍ﴾ [الحجرات: ٥٣].\nفنهاهم ﷾ عن أن يعاملوا رسول الله ﷺ بالتوسع في الانبساط والاسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقى، فيدخل بيته بغير إذنه إذا دعاهم إلى طعام لم ينضج، وأحاطوا به منتظرين إدراكه وإذا حضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي ﷺ قد تأذى منه ويستحى أن يكلمهم،\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٨)\n(^٢) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٦)","vol":"1","page":170},{"text":"كما أدبهم فيما ينبغي عليهم تجاه معاملتهم مع أزواجه ﷺ وهذا كله مما يدل على ماله ﷺ من التعظيم والاحترام.\n٥ - وقد جاء بعد هذه الآيات الأمر بالصلاة والسلام عليه ﷺ حيث قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الحجرات] (^١).\nووجه إيصال هذه الآية بما قبلها هو أنه لما كان من الواجب على المكلفين تعظيم النبي ﷺ برفع الأذى عنه وإظهار شرفه وكرامته فذكر الله تعالى القسم الأول - أي رفع الأذى - في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٣٥] إلى آخرها وذكر القسم الثاني - أي إظهار شرفه وكرامته - في هذه الآية الثانية، وبدأ بالأول لأن دفع المفاسد أهم.\nوأيضا لما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى تعظيمه ﷺ بتعلم سلوك طريق الأدب معه في أشياء كثيرة تتعلق بحياته وموته إظهارا لشرفه وتعظيما له، عقبه بما يدل على أنه تعالى أيضا معظم لشأنه أيضا، وكذلك ملائكته المقربون حملة العرش وحفظته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.\nوفيه بيان لمنقبة عظيمة له ﷺ فإن الملك قد يأمر بإكرام شخص ولا يكون عنده بمكان فأزيل هذا التوهم وبيَّن أنه أكرم الخلق على ربه تعالى.\nوأيضا لما أرشد الله المؤمنين إلى الحال التي يجب أن يكونوا عليها مع نبيه ﷺ من التعظيم والتوقير - ولهم معه حالتان:\n١ - حالة الخلوة: والواجب هناك عدم إزعاجه - بين ذلك بقوله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيّ﴾ [الحجرات: ٥٣].\n٢ - وحالة الملأ: والواجب هناك إظهار التعظيم، بين ذلك بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الحجرات].\n_________\n(^١) الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر (ص ١٩ - ٢٠)","vol":"1","page":171},{"text":"وأيضا لما أمر الله ﷾ بالاستئذان في بيوته، وعدم النظر إلى وجوه زوجاته، وغير ذلك من الآداب إكراما وتبجيلا، كمَّل سبحانه بيان حرمته بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾.\nوأيضا لما بين الأدب معه في حال الخلوة، وكان حاله في الملأ نوعين، لأنه يكون أعلى وأسفل، فبين أنه في الأعلى محترم في غاية الاحترام ثم بين ما يجب على الملأ الأسفل من ذلك التعظيم بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\n٦ - وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الحجرات].\nفالله تعالى من تعظيمه لنبيه ﷺ حفظ له كرامته وصان له حقه ففرق بين\nأذاه وأذى المؤمنين، فأوجب على من آذى النبي ﷺ اللعن والطرد من رحمته وهذا حكم على من آذاه بالكفر وفي الآخرة له العذاب المهين ومصيره إلى جهنم وبئس المصير. بينما حكم على من آذى المؤمنين بالبهتان والإثم والفرق بين الحكمين ناتج عن الفرق بين حق النبي ﷺ وحق غيره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في استدلاله بهذه الآية على وجوب قتل من أذى النبي ﷺ \"ودلالتها من وجوه:\nأحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم. بين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله، وإرضاء الله ورسوله وطاعة الله ورسوله شيئا واحدا فقال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ","vol":"1","page":172},{"text":"وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] في مواضع متعددة، وقال تعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فوحد الضمير، وفي ذلك إشارة إلى أن إرضاء الله إرضاء للرسول وإرضاء الرسول فيه إرضاء لله، وقال أيضا ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وقال أيضا: ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُول﴾ [الأنفال: ١].\nوجعل شقاق الله ورسوله ومحادة الله ورسوله وأذى الله ورسوله ومعصية الله ورسوله شيئا واحدا، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٠] وقال تعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣] وقال: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء].\nوفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقَّين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة الرسول، ليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور.\nوثانيها: أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتانا وإثما مبينا وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين، ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل.\nالثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا","vol":"1","page":173},{"text":"مهينًا، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرا فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم، لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله، فلا تثبت في حقه … \" (^١)\nومما يوضح ذلك أن سبَّ النبي ﷺ قد تعلق به عدة حقوق:\nأ - حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسِل، وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته.\nب - وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ومن غيرها من الأم، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بوساطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس أجمعين.\nج - وتعلق به حق رسول الله كلها من حيث خصوص نفسه فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة (^٢).\n٧ - وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة].\n_________\n(^١) الصارم المسلول (ص ٤٠ - ٤١)\n(^٢) الصارم المسلول (ص ٣٩٣ - ٣٩٤)","vol":"1","page":174},{"text":"قال بعض المفسرين: هي لغة كانت في الأنصار، نهوا عن قولها تعظيمًا للنبي ﷺ وتبجيلا له، لأن معناها ارعنا نرعك، فنهوا عن قولها، إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، بل حقه أن يرعى على كل حال.\nوقيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي ﷺ بالرعونة (^١) فنهي المسلمون عن قولها قطعًا للذريعة، ومنعا للتشبه بهم في قولها لمشاركة اللفظة وقيل غير هذا (^٢).\n٨ - وقال تعالى: ﴿وما كانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب].\nففي هذه الآية حرَّم الله على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه وجعله عظيما عند الله تعظيما لحرمته ﷺ، فحرم تعالى على الأمة ما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا، وذلك تمييزا لنبيه ﷺ وتعظيما لشأنه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة (^٣).\nولو أن أحدا أقدم على هذا الأمر فنكح أزواجه أو سراريه لكانت عقوبته في الشرع هي القتل جزاء له بما انتهك من حرمته والدليل على ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أنسى بن مالك ﵁ \"أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركي (^٤) يتبرَّد فيها، فقال له علي أخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى\n_________\n(^١) الخفة والحماقة.\n(^٢) الشفا (٢/ ٥٩١).\n(^٣) الصارم المسلول (ص ٥٩).\n(^٤) الركي: جنس للركية، وهي البئر، وجمعها ركايا. النهاية (٢/ ٢٦١)","vol":"1","page":175},{"text":"النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر\" (^١).\nقال ابن تيمية ﵀: \"فهذا الرجل أمر النبي ﷺ بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته، ولم يأمر بإقامة حد الزنا، لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان محصنًا رجم، وإن كان غير محصن جلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي ﷺ بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته … فلما تبين أنه كان مجبوبا علم أن المفسدة مأمونة منه … \" (^٢) وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد أوجب الله على الأمة احترام أزواج النبي ﷺ وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام (^٣).\nفقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الحجرات: ٦] ففي هذه الآية رفع الله مقام أزواج النبي ﷺ وبوأهن منزلة عالية، وهي منزلة الأمومة لجميع المؤمنين، وفي ذلك من الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام ما يوجب على كل مسلم أن يحفظ لهن هذا الحق ويؤديه على الوجه المطلوب منه شرعا.\nوهذه المنزلة لأمهات المؤمنين هي من التشريف والتعظيم الذي أعطاه الله للنبي ﷺ.\n٩ - وقال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنهُمْ واسْتَغْفِرْلَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور].\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب براءة حرم النبي ﷺ من الريبة (٨/ ١١٩)\n(^٢) الصارم المسلول (ص ٥٩ - ٦٠)\n(^٣) المصدر السابق (ص ٤٣٣)","vol":"1","page":176},{"text":"ففي هاتين الآيتين الكريمتين منهج تعظيم قدر النبي ﷺ، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين في جميع أمورهم التي تربطهم به ﷺ نبيا ورسولا، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، وخلع عليه جلابيب حرصه عليهم، وعزة عنتهم عليه، وخصه باسمين من أسمائه الحسنى، فجعله رؤوفا رحيما بالمؤمنين، وهذا تعظيم لم يكن قط لغيره ﷺ لأنه تعظيم يرتبط بأصل الإيمان برسالته وهدايته.\nوجاء في الكشاف عند تفسير هذه الآيات: \"أراد الله ﷿ أن يريهم عظيم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] وضمنه شيئا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصدق بصحة الإيمان وعرض بالمنافقين وتسلُّلهم لواذا\" (^١).\nوبهذه النصوص يتبين للمسلم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وأكرم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لأمر إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعم وأية منَّة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة؟\n_________\n(^١) الكشاف (٣/ ٧٨) (بتصرف يسير).","vol":"1","page":177},{"text":"فحق علينا إذًا أن نحبه ونجلَّه ونعظِّمه ونهابه، فبهذا نكون من المفلحين: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف] فالآية بينت أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره ولا خلاف أن التعزير هنا التعظيم (^١) فلقد سجل الله في هذه الآية الفلاح بأسلوب الحصر للذين تأدبوا بهذا الأدب القرآني الرفيع.\nوكما قال تعالى في الإنافة بمقامه الأشرف، وبيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح].\nوقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ راجع إلى رسول الله ﷺ ومعناه: تعظموا رسول الله ﷺ وتفخموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه ومجالسته.\nقال ابن تيمية: \"فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان بالله ورسوله\" (^٢).\nفهذه الآيات وغيرها نزلت لتبين مقام شرف رسول الله ﷺ وعظيم منزلته عند ربه، مما يوجب على المؤمنين برسالته أن يكونوا في مخاطباتهم معه على سنن الإجلال والتعظيم.\n_________\n(^١) شعب الإيمان للبيهقي، شعبة التعظيم (١/ ٣٠٢، ٣٠٣)\n(^٢) بغية المرتاد (ص ٥٠٤)","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>المبحث الثالث: تعظيم الصحابة للنبي ﷺ في حياته</span>\nمن المعلوم المتقرر أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أعرف الأمة بالنبي ﷺ ولذلك فقد كانوا بقدره ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم.\nوبناء على هذا العلم وهذه المعرفة، فقد كان تعظيمهم وتوقيرهم للنبي ﷺ أشد وأكبر من غيرهم.\nوقد أوردت كتب السنة والتفسير وغيرها صورا متعددة من ذلك التعظيم والتوقير الذي كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي ﷺ.\nومن أبلغ ما قيل في وصف هذا التعظيم ما قاله عروة بن مسعود (^١) حين وجهته قريش إلى رسول الله ﷺ، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، وكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقا، ولا ينتخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له.\nفلما رجع إلى قريش قال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكا قط\n_________\n(^١) عروة بن مسعود الثقفي، كان أحد الأكابر في قومه، وكانت له اليد البيضاء في تقرير صلح الحديبية، اتبع أثر النبي ﷺ لما انصرف من الطائف فأسلم، واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فأذن له فرجع فدعاهم، فرماه أحدهم بسهم وهو يؤذن في السحر فقتله. الإصابة (٢/ ٤٧٠ - ٤٧١).","vol":"1","page":179},{"text":"يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا، والله إن انتخم نخامة إلا وقعت فيكف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له … \" (^١)\nفهذه صورة لما كان عليه حال الصحابة وما كان من شأنهم في تعظيم النبي ﷺ وتوقيره ومراعاة أموره والتبرك بآثاره.\nولما نزل قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات].\nما كان عمر بن الخطاب ﵁ يسمع رسول الله ﷺ حتى يستفهمه (^٢) وقال البيهقي: إن هذه الآية \"نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري كان إذا جالس النبي ﷺ يرفع صوته إذا تكلم، فلما نزلت هذه الآية انطلق مهموما حزينا فمكث في بيته أياما مخافة أن يكون قد حبط عمله.\nوكان سعد بن عبادة (^٣) جاره، فانطلق حتى أتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال له النبي ﷺ \"اذهب فأخبر ثابت بن قيس أنك لم تُعْنَ بهذه الآية ولست من أهل النار بل أنت من أهل الجنة فاخرج إلينا فتعاهدنا\" ففرح ثابت بذلك ثم أتى النبي ﷺ فلما أبصره النبي ﷺ قال: \"مرحبا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط. انظر: فتح الباري (٥/ ٣٢٩، ٣٣١)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب \"لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي برقم (٤٨٤٥).\n(^٣) سعد بن عبادة الأنصاري، شهد الخزرج، شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وكان مشهورا بالجود وكان معه راية الأنصار، توفي سنة خمسة عشرة وقيل سنة ست عشرة من الهجرة بالشام. الإصابة (٢/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"1","page":180},{"text":"برجل يزعم أنه من أهل النار بل غيرك من أهل النار وأنت من أهل الجنة\". فكان بعد ذلك إذا جلس إلى النبي ﷺ يخفض صوته حتى ما يكاد أن يسمع الذي يليه فنزلت: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات] فقتل يوم اليمامة\" (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ قال أبو بكر ﵁ لا أكلت إلا كأخي السرار حتى ألقي الله؟\" (^٢).\nوعن أسامة بن شريك (^٣) ﵁ قال: \"أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير\" الحديث (^٤).\nوعن البراء بن عازب (^٥) ﵄ قال: \"خرجنا مع رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير … \"الحديث (^٦).\n_________\n(^١) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣١٣)\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦٢) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي على شرط مسلم، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣١٧). وأخرجه كذلك في المدخل إلى السنن الكبرى، باب توقير العالم والعلم ص (٣٧٩) (ح ٦٥٣). وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٤٨) وعزاه لعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في الشعب.\n(^٣) أسامة بن شريك الثعلبي من بني ثعلبة، له صحبة، وروى حديثه أصحاب السنن وأحمد وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم. الإصابة (١/ ٤٦ - ٤٧)\n(^٤) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في سننه كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى (٤/ ١٩٢ - ١٩٣) (ح ٣٨٥٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٨).\n(^٥) البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي، له ولأبيه محبة استصغره النبي ﷺ يوم بدر وشهد أحدا وما بعدها توفي سنة اثنتين وسبعين. الإصابة (١/ ١٤٦ - ١٤٧)\n(^٦) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧). وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجلوس في المقابر (١/ ٤٩٤) (ح ١٥٤٩).","vol":"1","page":181},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ \"أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: \" إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض \"ثم ذكر زهرة الدنيا فبدأ إحداهما وثنى بالأخرى، فقام رجل فقال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه النبي ﷺ، قلنا يوحى إليه، وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير\" الحديث (^١).\nفالشاهد من الآثار الثلاثة المتقدمة قولهم \"كأن على رؤوسهم الطير\" فهذه العبارة هي كناية عن التعظيم الذي كانوا يظهرونه في مجلس الرسول ﷺ توقيرا وإجلالا له صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن من عادة الصحابة رضوان الله عليهم أن يتجادلوا في مجلس النبي ﷺ أو يعلوا أصواتهم بنقاش أو حوار بل يعطون لهذا المجلس حقه من التشريف والاحترام وعن بريدة بن الحصيب (^٢)؟ قال: \"كنا إذا قعدنا عند رسول الله ﷺ لم نرفع رؤوسنا إليه إعظاما له\" (^٣).\nوعن عمرو بن العاص ﵁ قال: \"وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجلَّ في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منة إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله. انظر فتح الباري (٦/ ٤٨، ٤٩) (ح ٢٨٤٢).\n(^٢) بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، قيل إنه أسلم حين مر به النبي ﷺ مهاجرا، وقيل: أسلم بعد منصرف النبي ﷺ من بدر، وفي الصحيحين عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، وأخباره كثيرة ومناقبه مشهورة، مات سنة ثلاث وستين. الإصابة (١/ ١٥٠)\n(^٣) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى، باب توقير العالم والعلم (ص ٣٨١) (ح ٦٥٨)","vol":"1","page":182},{"text":"عيني منه\" (^١).\nوعن أنس ﵁: \"أن رسول الله كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما (^٢)\nوعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، قال: فقمت وتوضأت أصلي خلفه فأخذ بيده فجعلني حذاءه فخنست (^٣) فقمت خلفه فأخذ بيدي فجعلني حذاءه فخنست فقمت خلفه، فانصرف رسول الله ﷺ فقال: \"ما لي كلما جعلتك حذائي خنست؟ \".\nقال: فقلت له: لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله.\nقال: فدعا الله أن يزيدني فهما وعلما\" (^٤).\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: \"إن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير\" (^٥).\nوعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: \"كان أصحاب رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (١/ ٧٨)\n(^٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما (٥/ ٦١٢) (ح ٣٦٦٨)، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الحكم بن عطية، وقد تكلم بعضهم في الحكم بن عطية.\n(^٣) خنست: أي انقبضت وتأخرت. النهاية (٢/ ٨٣)\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٣٠). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٣٤) وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣٢٠، ٣٢١) (ح ١٢٩).\n(^٥) رواه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٤٢١). والبيهقي في شعب الإيمان، باب شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣٣٨) (ح ١٣٤)","vol":"1","page":183},{"text":"ليقرعون بابه بالأظافير\" (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ يجلس معنا في المسجد يحدثنا فإذا قام، قمنا حتى نراه، وقد دخل بعض بيوت أزواجه … \" الحديث (^٢).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"لما كان يوم بدر فذكر الحديث في الأسارى وذكر قول عمر في قتلهم فقال ابن مسعود قلت: يا رسول الله إلا سهل بن بيضاء (^٣) فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله ﷺ فما رأيتني في يوم بدر أخوف أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) أخرب الحاكم في معرفة علوم الحديث النوع الخامس (ص ١٩). وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٣٨١).\nوقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ١١٧) الحديث أخرجه الحاكم في علومه وكذا في الأمالي كما عزاه إليهما البيهقي في المدخل حيث أخرجه عن راو.\nورواه أبو نعيم في المستخرج على علوم الحديث له (أي الحاكم) عن راو آخر كلاهما عن أحمد ابن عمرو (كذا) الزيبقي عن زكريا بن يحبس المنقري، عن الأصمعي، عن كيسان مولى هشام بن حسان، وفي رواية أبي نعيم عن هشام بن حسان.\nوفي رواية الآخرين عن محمد بن حسان زاد البيهقي: \"وهو أخو هشام بن حسان وهو حسن الحديث\" انتهي قول السخاوي.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الحلم وأخلاق النبي ﷺ (٥/ ١٣٣، ١٣٤) (ح ٤٧٧٣)، وأخرجه النسائي في سننه، في القسامة، باب القود، من الجندة (٨/ ٣٣، ٣٤). وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٤٠١) (ح ٧١٧)\n(^٣) سهل بن بيضاء القرشي، وبيضاء أمه واسمها دعد واسم أبيه وهب بن ربيعة بن هلال القرشي، كان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، أسلم بمكة فكتم إسلامه فأخرجته قريشا إلى بدر فأسر يومئذ فشهد له ابن مسعود أنه رآه يصلى بمكة فأطلق ومات بالمدينة. الإصابة (٢/ ٨٤)","vol":"1","page":184},{"text":"إلا سهل بن بيضاء \" (^١).\nوعن أبي رمثة (^٢) قال: قدمت المدينة ولم أكن رأيت رسول الله ﷺ فخرج وعليه ثوبان أخضران فقلت لابني هذا والله رسول الله ﷺ فجعل ابني يرتعد هيبة لرسول الله ﷺ \" (^٣).\nوعن أبي جري جابر بن سليم (^٤) قال: \"رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ\" الحديث (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٨٣). وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال (٤/ ٣٣٥) (ح ٥٠٨٠) وقال: حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٧) (ح ١٠٢٥٨) بنحوه. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١ - ٢٢) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٢٥) (ح ١٣٠)\n(^٢) أبو رمثة -بكسر أوله وسكون الميم ثم مثلثة- التيمي اختلف في اسمه فقيل: رفاعة بن يثربي، ويقال عكسه، ويقال عمارة بن يثربي، وقيل غير ذلك، له صحبة، ومات بأفريقية. الإصابة: (٤/ ٧١) وتقريب التهذيب (٤٠٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧ - ٢٢٨) بعدة طرق عن لقيط بن إياد عن أبي رمثة به. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في الخضرة (٤/ ٣٣٤) (ح ٤٠٦٥)، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء عن الثوب الأخضر (٥/ ١١٩) (ح ٢٨١٢). وأخرجه النسائي في سننه، كتاب الزينة، باب لبس الخضر من الثياب (٨/ ٢٠٤)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٤٢) وفي دلائل النبوة (١/ ٢٣٧)\n(^٤) أبو جري -بالتصغير- الهجيمي واسمه جابر بن سليم وقيل سليم بن جابر، وقال البخاري الأول أصح، له صحبة، وهو من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم. تهذيب التهذيب (١٢/ ٥٤)\n(^٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (٤/ ٣٤٤) (ح ٤٠٨٤) واللفظ له. وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الاستئذان، باب كراهية أن يقول عليك السلام مبتدئا وقال حسن صحيح (٥/ ٧١، ٧٢) (ح ٢٧٢١)","vol":"1","page":185},{"text":"وعن أنس بن مالك ﵁ قال: \" لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل\" (^١).\nوعن أنسى ﵁ أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة (^٢) أول من أخذ من شعره\" (^٣).\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: \"كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى إناء إلا غمس يده فيها فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها\" (^٤).\nولما بعثت قريش أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ليشد في عقد صلح الحديبية ويزيد في المدة، فلما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت لي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ فقالت: هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشة … \" (^٥) فأكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجل عليه رجل مشرك.\nولما قدم أبو سفيان مكة بعد ذلك قالت له قريش ما وراءك هل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب قرب النبي ﵇ من الناس وتبركهم به (٧/ ٧٩)\n(^٢) اسمه زيد بن سهل وقد تقدم ترجمته\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. انظر: فتح الباري (٣/ ٢٣٧) (ح ١٧١).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب قرب النبي ﷺ من الناس وتبركهم به (٧/ ٧٩).\n(^٥) أورده ابن كثير في البداية (٤/ ٢٨٠) من طريق ابن إسحاق، وابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٩٩، ٣٠٠).","vol":"1","page":186},{"text":"جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال\": لا والله قد أبي علي، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له … \" (^١) \".\nولما قال رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول (^٢) لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال رسول الله لا: \"ادعوا لي عبد الله بن أبي (^٣) فدعاه، فقال: ألا ترى ما يقول أبوك؟ قال: وما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.\nفقال: فقد صدق والله يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل أما والله قد قدمت المدينة يا رسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتينهما به.\nفقال رسول الله ﷺ: \"لا\". فلما قدموا المدينة، قام عبد الله بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله، والله لا يأويك ظله، ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله.\nفقال: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي، يا للخزرج ابني يمنعني بيتى\n_________\n(^١) البداية لابن كثير (٤/ ٢٨٢).\n(^٢) عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجى، أبو الحباب المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه رأس المنافقين في الإسلام أظهر الإسلام بعد وقعة بدر، تقية، مات بالمدينة سنة تسع من الهجرة، طبقات ابن سعد (٢/ ٣/ ٩٠).\n(^٣) عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك: وهو ابن عبد الله بن أبي رأس المنافقين الذي تقدمت ترجمته. وكان اسم عبد الله بن عبد الله\" الحباب\" فسماه النبي ﷺ عبد الله وهو صحابي جليل، شهد بدرا وما بعدها، واستشهد باليمامة في قتال الردة سنة اثنتي عشرة. الإصابة (٢/ ٣٢٧، ٣٢٨).","vol":"1","page":187},{"text":"فقال: والله لا تأويه أبدا إلا بإذن منه.\nفاجتمع إليه رجال فكلموه، فقال: والله لا يدخله إلا يإذن من الله ورسوله فأتوا النبي ﷺ فأخبروه. فقال: \"اذهبوا إليه، فقولوا له خله ومسكنه، فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي ﷺ فنعم\" (^١).\nوفي رواية عند الترمذي: \"فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز، ففعل\" (^٢).\nوبعد، فهذا غيض من فيض مما ورد في تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ في حياته، وفي الحقيقة فإن كل مواقفهم تشهد لهم بتعظيمه واحترامه وتوقيره.\nفلقد كانوا يعظمونه في ذاته فيتبركون بآثاره كفضل وضوئه، والأخذ من شعره، ودلك أجسامهم بنخامته، وغير ذلك مما أقرهم النبي ﷺ (^٣)، وهذا خاص في حقه ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١١٤، ١١٥) تفسير سورة المنافقون الآية (٨)\n(^٢) سنن الترمذي (٥/ ٤١٨) (ح ٣٣١٥) كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المنافقين. وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٧٢) وعزاه للحميدي في مسنده وأورده ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٦٥٢).\n(^٣) قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه تيسير العزيز الحميد (ص ١٥٣، ١٥٤): ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم، والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحر ذلك، وقد أكثر في ذلك أبو زكريا النوري في\n\"شرح مسلم\" في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئا مع النبي ﷺ وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﷺ وهذا خطأ صريح لوجوه منها:\n١ - عدم المقاربة فضلا عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة.\n٢ - ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.\n٣ - ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره.\n٤ - ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وكذلك التابعون هل فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص للنبي ﷺ.\n٥ - ومنها أن فعل هذا مع غيره شيء لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم\" انتهي.","vol":"1","page":188},{"text":"كما كانوا يعظمونه في سلوكهم وتصرفاتهم معه ﷺ فما كانوا ينادونه إلا بـ \"يانبي الله، يا رسول الله\" كما كانوا يسارعون في إجابته ويعاجلون في طاعته، تحقيقا لقوله تعالى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].\nوكان ﷺ عندهم معزَّزا موقرا مهابا، ولم يكونوا يعاملونه بالاسترسال والمباسطة كما يعامل الأكفاء بعضهم بعضا. وكانوا يخفضون أصواتهم عنده ﷺ حتى ما يكاد أحدهم يسمع الذي يليه امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ …﴾ الآية.\nفقد أدبهم الله مع نبيهم في الحدي والخطاب حتى يميز شخص رسول الله بينهم، ويميز مجلسه فيهم.\nوبذلك امتدحهم ﷾ بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nكما أنهم لم يكونوا ليتقدموا بين يديه بالكلام حتى يأذن لهم","vol":"1","page":189},{"text":"وذلك طاعة لقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ - حتى كان النبي ﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم الله ورسوله أعلم خشية أن يكون قولهم تقدما بين يدي الله ورسوله.\nوإذا جلسوا بين يديه ﷺ أعطوا هذا المجلس الشريف حقه من التعظيم والإجلال والتكريم حتى لكأنما على رؤوسهم الطير وذلك لماهم عليه من السكينة والأدب الشرعي الذي أدبهم الله به ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. وكانوا لا يحدون إليه النظر تعظيما ومهابة له ﷺ وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره فلا يقول شيئا إلا صدروا عنه وأطاعوه فيه وبادروا إلى امتثاله وتنفيذه والعمل به.\nوكيف لا يكون الأمر كذلك؟ فالنبي ﷺ كان كل شيء في حياتهم، فقدكان معلمهم ومربيهم وقائدهم وقدوتهم، ومصلحهم في الدنيا والشهيد عليهم في الآخرة، وكان يعنى بهم أكثر من عنايتهم بأنفسهم، يهتم بما يصلحهم أكثر من اهتمامهم بمصالحهم، ويرى أنه بما حمله الله من أمانة تكوينهم ورعاية شؤونهم والسهر على مصالحهم، أولى بهم من أنفسهم، وهذا ما أكده القرآن الكريم بقوله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦].\nولذلك فقد كان من البداهة بمكان أن يكون للنبي ﷺ هذه المنزلة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وأن يكون هو الآمر الناهي، والسيد المطاع الذي لا رد له أمر ولا يخالف له رأي ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nولقد توالت الآيات الكريمة التي تعلم الصحابة رضوان الله عليهم آداب السلوك معه، وتبين مكانة النبي الكريم ﷺ الذي اختاره لحمل الرسالة، وما ينبغي أن يعطى من الإجلال والتكريم.","vol":"1","page":190},{"text":"وكلما حدث إخلال وتقصير في جانب توقيره وتعظيمه ﷺ فإن آيات القرآن تنزل مبينة لذلك الخلل والتقصير الذي وقع ومنبهة على خطورته ومحذرة من عواقب التمادي فيه كما في قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ …﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات].\nوغير ذلك من الآيات التي نزلت في هذا الشأن، وإن شئت فاقرأ أسباب نزول تلك الآيات في كتب التفسير والحديث.\nومن ثَمَّ، فإن المخاطبين بهذه الآيات من الصحابة انتهوا إلى العمل بها وذلك طاعة لأمر الله وتعظيما لحق رسوله ﷺ الذي قررته تلك الآيات وأرشدت إليه. وكما كان هذا هو الحال في جانب الطاعة، فكذلك الحال في جانب الحذر من مخالفته ومعصيته.\nفالصحابة الذين عرفوا واشتهر عنهم طاعته ﷺ هم الذين اشتهر عنهم بعدهم عن معصيته ومخالفته وذلك لعلمهم بما في ذلك من المحادة والمحاربة له ولشرعه ﷺ وما يترتب على ذلك من العقوبة الشديدة قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ [التوبة: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥].\nولقد كانت منزلة النبي ﷺ في قلوب أصحابه أغلى وأعز عليهم من كل شيء حتى من نفوسهم وأهليهم وما سوى ذلك، فقد كانوا يفتدونه بأرواحهم ويبذلون في سبيل نصرته كل ما يملكون من غالي ورخيص،","vol":"1","page":191},{"text":"فقد حثَّهم الله على ذلك بقوله ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].\nكما أنهم يعادون من يحارب الله ورسوله مهما كانت صلتهم وثيقة به حتى وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم، ومواقفهم في ذلك كثيرة ومشتهرة.\nوقد تقدم ذكر موقف أم حبيبة ﵄ مع أبيها أبو سفيان وموقف عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول مع أبيه عبد الله بن أبي.\nوبالجملة فإن مجتمع الصحابة كان مجتمع الأمة المثالية التي تمثلت حقيقة واقعة في فترة من فترات التاريخ، ولقد كان الصحابة قبل الإسلام يعيشون في مجتمع اشتهر بغلظته وقساوة طبعه وبعده عن كثير من الآداب والسلوكيات فمن الله عليهم بالإسلام وهداهم له، واختارهم لصحبة نبيه ﷺ، فتوالت توجيهات القرآن الكريم والتربية النبوية الحكيمة عليهم، فهذبت وشذبت ووجهت ودفعت حتى ظهر ذلك المجتمع الذي له أدبه مع الله وأدبه مع رسوله ﷺ، وأدبه مع نفسه، وأدبه مع غيره أدبه، في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه، وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه، وله نظمه التي تكفل صيانته، وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب، وتنبثق منه، وتتسق معه.\nفما ظنك في مجتمع اختاره الله لصحبة نبيه وتولاه بعنايته ورعايته، وتعاهدهم رسوله بتوجيهاته ونصائحه وإرشاداته حتى سما وعلا وبلغ تلك الدرجة الرفيعة عند الله ﷾ وعند رسوله ﷺ.\n* * *","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>المبحث الرابع: تعظيم الأمة للنبي ﷺ بعد مماته</span>\nويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-68>تمهيد:</span>\nسبق وأن تقرر - بما تقدم من أدلة وبراهين - وجوب تعظيم النبي ﷺ وتعزيره وتوقيره.\nوعلمنا كذلك ما كان من حال الصحابة رضوان الله عليهم تجاه هذا الواجب الذي فرضه الله على الأمة في حق نبيه ﷺ، وما كان منهم من تعظيم للنبي ﷺ في حياته، حينما كان بين ظهرانيهم يعايشمهم ويعايشونه.\nوالسؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذا المقام هو: كيف يتحقق لهذه الأمة تعظيم نبيها ﷺ بعد وفاته، وما هي الأمور التي يشرع فعلها والقيام بها لتحقيق ما أمر الله به في هذا الجانب من جوانب الإيمان والدين؟\nوقبل أن أشرع في تفاصيل جواب هذا السؤال وإيضاح جوانبه أود أن أذكر بأن هذا التعظيم والتوقير الواجب للنبي ﷺ هو من أمور الدين المشروعة بأدلة القرآن والسنة، وبذلك فلا يحق لكائن من كان أن يعظم النبي ﷺ بأمر من عنده لم يشرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، أو ليس له أول فيهما.\nفالقاعدة الشرعية المبنية على قول النبي ﷺ: \"من أحدث في أمرنا","vol":"1","page":193},{"text":"هذا ما ليس منه فهو رد\" تقول إن أي أمر محدث في هذا الدين مما لم يشرعه النبي ﷺ هو أمر مردود على فاعله كائنا من كان، وهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. وهذه القاعدة الشرعية هي الميزان الذي يعرض عليه ما يقوم به الناس من أقوال وأفعال في هذا الجانب - أي جانب تعظيم الرسول ﷺ بل وفي كل جانب من جوانب الدين.\nوإذا كانت العبادة هي الاسم الجامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فمما لا شك فيه أن تعظيم النبي ﷺ من الأمور التي يحبها الله، وقد ارتضاها لعباده حين أمرهم بذلك.\nفإذا كان تعظيم النبي ﷺ من الأمور التعبدية التي تعبَّد الله بها عباده، فالعبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالعبادة مبنية على أصلين هما:\nالأصل الأول: إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥].\nالأصل الثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ، فلا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية] وقال تعالى ﴿أمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب أو مستحب، وليس لنا أن نعبده بالأمور المبتدعة (^١).\nوهذان الأصلان هما حقيقة قولنا \"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله\".\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٨٠) بتصرف.","vol":"1","page":194},{"text":"وعلى هذا فإن الرسول ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله،\nوتحريمه، بالحلال مما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، فليس لأحد كائنا من كان أن يشرع في هذا الدين بعد رسول الله ﷺ.\nوقد قدمت لكلامي بهذه العبارات نظرا لما أحدثه الناس في هذا الجانب من بدع تحت دعوى تعظيم قدر النبي ﷺ، مما ليس له أصل في الدين وما أنزل الله به من سلطان.\nومن العجيب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته ﷺ وتعظيمه ومتابعته، وهذا شأن اللعين لابد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.\nولقد كان حري بهؤلاء الذين ابتدعوا تلك البدع، وكذلك الذين أخذوا بها من بعدهم، أن يلتزموا بما ورد به أمر الشارع من أمور في جانب تعظيم قدر النبي ﷺ وتوقيره، ففيها الغنية والنجاة، وبالتمسك بها والسير عليها يحصل الأجر العظيم بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>المطلب الأول: تعظيم النبي ﷺ محله القلب واللسان والجوارح</span>\nلقد أرسل الله ﷾ نبيه ورسوله محمدا ﷺ إلى الثقلين الإنس والجن، على حين فترة من الرسل، فهدى به لأقوم طريق وأوضح سبيل، وبعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين عباد أوثان، وعباد صلبان، وعباد نيران، وعباد كواكب، ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحيران لا يعرف ربا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يهل بعضهم بعضا من استحسن شيئا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضح قدم مشرق بنور الرسالة، \"وقد نظر الله سبحانه إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على آثار دين صحيح\" (^١) فأغاث الله به البلاد والعباد وكشف به تلك الظلم وأحيا به الخليقة بعد الموت.\nفبلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين.\nففرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي،\n_________\n(^١) هذه العبارة جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٨/ ١٥٩) ولفظها في مسلم \"وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب … \" الحديث.","vol":"1","page":196},{"text":"وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله.\nفعرف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت].\nوعرَّف الأمة الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنا إلا أمرهم به، ولا قبيحا إلا نهى عنه كما قال ﷺ: \"إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم\" (^١).\nوقال أبو ذر ﵁: \"لقد تركنا محمدا وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما\" (^٢).\nوعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه ولم يدع بابا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه ولا مشكلا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فهو الرحمة المهداة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٦/ ١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب الاستطابة برقم (٢٦٢).","vol":"1","page":197},{"text":"للعالمين قال تعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء] فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء.\nولقد جبله الله على مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنها خير أخلاق، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثا وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالا، وأعظمهم عفوا ومغفرة، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة \"محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، حتى يقولوا لا إله إلا الله\" (^١).\nوأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لهم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعا، وأعظمهم إيثارا على نفسه، وأشد الخلق ذبا عن أصحابه وحماية لهم ودفاعا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهي عنه، وأوصل الخلق لرحمه.\nوكان أجود الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم ير قبله ولا بعده مثله ﷺ.\nوقد خصه الله بصفتين خص بهما أهل الصدق والإخلاص وهما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. برقم (٢١٢٥).","vol":"1","page":198},{"text":"الإجلال والمحبة، فقد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل من يراه يهابه ويجله ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا، وإن كان عدوا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المجل المعظم المحبوب المكرم، وهذا غاية كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة - كما يكون الظالم القادر - نقص أيضا، والكمال أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها (^١).\nولقد جمع الله تعالى لنبينا ﷺ من الصفات والخصائص ما لم يجمعه لبشر وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ورعايته والقيام بحقوقه، وامتثال ما قرره في مفهومه ومنطوقه، والصلاة عليه والتسليم ونشر شريعته بالعلم والتعليم، وجعل الطرق مسدودة عن جنته، إلا من سلك طريقه واعترف بمحبته، وشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فيا سعد من وفق لذلك ويا ويح من قصر عن هذه المسالك (^٢).\nوما هذه المحبة والمهابة التي جعلها الله لنبيه ﷺ إلا تبع لمحبته سبحانه وإجلاله.\nذلك لأن كل محبة وتعظيم للبشر إنما هي تبع لمحبة الله وتعظيمه فمحبة الرسول وتعظيمه إنما هي من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فأمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويبجلونه لإجلال الله له فهي من موجبات محبة الله وتعظيمه، ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب ولا أجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدر أصحابه ﵃.\n_________\n(^١) جلاء الأفهام (ص ٨٩، ٩٤) بتصرف.\n(^٢) القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع للسخاوي (ص ١١) (بتصرف).","vol":"1","page":199},{"text":"فإذا كان هذا شأن النبي ﷺ، وهذه مكانته التي بوأه الله إياها، فحرى بهذه الأمة أن تعرف له قدره وتعظم من شأنه وذلك بموجب ما شرعه الله وأمر به، فذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به.\nوهذا التعظيم والتوقير الواجب له ﷺ على كل فرد من أفراد هذه الأمة محله القلب واللسان والجوارح.\nأما تعظيم القلب: فهو ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، والتي من لوازمها الإكثار من ذكره الذي هو سبب لدوام محبته ﷺ وزيادتها وتضاعفها.\nوكذلك فإن من تعظيم القلب استشعاره لهيبة النبي ﷺ وجلالة قدره وعظيم شأنه، واستحضاره لمحاسنه ومكانته ومنزلته، والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكرا لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفا به ومذعنا له.\nفالقلب ملك الأعضاء وهي له جند وتبع، فمتى ما كان تعظيم النبي ﷺ مستقرا في القلب مسطورا فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك ستظهر على الجوارح حتما لا محالة، وحينئذ سترى اللسان يجري بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وترى باقي الجوارح ممتثلة لما جاء به ومتبعة لشرعه وأوامره، ومؤدية لما له من الحق والتكريم.\nأما تعظيم اللسان: فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير. ومن أعظم ذلك الصلاة والسلام عليه ﷺ، فقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يصلوا على النبي ﷺ فقال تعال: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وهذا من تعظيمه ﷺ وتوقيره.\nقال الحليمي: \"معنى الصلاة على النبي علمًا تعظيمه، فمعنى قولنا: \"اللهم صل على محمد\" عظم محمدا، والمراد تعظيمه في الدنيا","vol":"1","page":200},{"text":"بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أدعوا ربكم بالصلاة عليه\" (^١).\nفالصلاة منا عليه ﷺ تتضمن ثناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله (^٢) وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا (^٣) وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الفصل الثالث من هذا الباب بإذن الله تعالى.\nومن تعظيم اللسان كذلك أن نتأدب عند ذكره بألسنتنا وذلك بأن نقرن ذكر اسمه بلفظ النبوة أو الرسالة مع الرسالة والسلام عليه ﷺ.\nقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فأمر سبحانه أن لا يدعى رسوله بما يدعو الناس بعضهم بعضا بل يقال: يا رسول الله يا نبي الله ولا يقال يا محمد وقد كان الصحابة لا يخاطبونه إلا بـ \"يا رسول الله، يا نبي الله\".\nوإذا كان هذا في حياته فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ذكره من جنس ما يذكر به غيره، بل يجب أن يقرن ذكره بالنبوة أو الرسالة وأن يدعى له بأشرف دعاء وهو الصلاة عليه ﷺ (^٤). فهذا من التعظيم الواجب له ﷺ وفي الحديث: \"رغم أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصل عليّ\" (^٥).\n_________\n(^١) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٣٤) (بتصرف يسير).\n(^٢) جلاء الأفهام (ص ٧٨).\n(^٣) جلاء الأفهام (ص ٧٩).\n(^٤) جلاء الأفهام (ص ٨٠) (بتصرف).\n(^٥) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله ﷺ: \"رغم أنف رجل\" (٥/ ٥٥٠) (ح ٣٥٤٥) وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٧). وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨ - ٩ - ١٠) (ح ١٥ - ١٦ - ١٧ - ١٨ - ١٩)، وقال الألباني في تعليقه عليه: \"حديث صحيح بشواهده\". وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩).","vol":"1","page":201},{"text":"وفي الحديث الآخر \"البخيل من ذُكرت عنده فلم يصل عليّ\" (^١).\nومن تعظيم اللسان تعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه، وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله، وما كان من أمر دعوته وسيرته وغزواته والتمدح بذلك شعرًا ونثرًا، بشرط أن يكون ذلك في حدود ما أمر به الشارع الكريم، مع الابتعاد عن مظاهر الغلو والإطراء المحظور.\nوأما وتعظيم الجوارح له ﷺ: فهو العمل بشريعته، والتأسي بسنته، والأخذ بأوامره ظاهرا وباطنا، والتمسك بها والحرص عليها، وتحكيم ما جاء به في الأمور كلها، والرضا بحكمه والتسليم له، والسعي في إظهار دينه، ونصر ما جاء به، وتبليغ رسالته للناس ودعوتهم للإيمان به والذب عن سنته والدفاع عنها وتعلمها وتعليمها وخدمتها، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وجهاد من خالفه.\nوالاجتناب عما نهي عنه وزجر، والبعد عن معصيته ومخالفته والحذر من ذلك، والتوبة والاستغفار عما وقع فيه الزلل والتقصير.\nفالله ﷾ هو الذي جعل لنبيه ﷺ هذه المنزلة في حياة المسلمين، فقد أوجب علينا طاعته وحرم علينا معصيته وجعله الآمر الناهي والسيد المطاع الذي لا يرد له أمر، ولا يخالف له رأي فمن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة الرسول، فليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه. قال تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: \"رغم أنف رجل\" (٣٥٤٦)، والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٠١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ١٧٧).","vol":"1","page":202},{"text":"وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].\nوقال تعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران].\nوقال تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء].\nوقال تعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور].\nفهذه الآيات وغيرها تبيِّن عظم أمر اتباع النبي ﷺ في حياة المؤمنين، وأنه هو البرهان العملي على صدق الإيمان والمحبة والتعظيم لله تعالى ولنبيه ﷺ فالطاعة والاتباع هما سمة المؤمنين الصادقين وسبيلهم الدائم، ذلك لأن الإيمان هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علما، والتصديق به عقدا والإقرار به نطقا، والإنقياد له محبة وخضوعا، والعمل به ظاهرا وباطنا وتنفيذه والدعوة إليه حسب الإمكان.\nوكماله الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده معبوده.\nوالطريق إليه تجريد متابعة رسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى غير الله\" (^١).\nوبالجملة فإن التعظيم النافع هو تصديق النبي ﷺ فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهي عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.\n_________\n(^١) منزلة السُّنَّة في التشريع الإسلامي (ص ٤ - ٥) وعزاه لابن القيم ولم أقف عليه في كتبه.","vol":"1","page":203},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا به عن الله وطاعتهم فيما أمروا به ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم\" (^١) فالاتباع هو المحك الذي يميز من خلاله مدى صدق مدعي التعظيم في دعواه تلك. إذ كيف يعقل أو يتخيل أن يدعي شخص تعظيم النبي وتوقيره وهو لا يلتزم بما جاء به من أمر أو نهي، ولا يقيم وزنا ولا اعتبارا لما جاء به.\nولقد جعل الله الإتباع هو برهان محبته سبحانه حيث قال: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران].\nوجعله كذلك شرطا للإيمان الذي يعد تعظيم النبي ﷺ جزءا منه، قال تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء].\nفالاتباع صفة من صفات أهل الإيمان كما قال تعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النور]، وقال تعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ﴾ [الحجرات: ٣٦].\nفهل الموقر لرسول الله ﷺ إلا من تمسَّك بسُنَّته واعتصم بها وسار على نهجه واقتفى أثره.\nفأتباع كل نبي ومحبُّوه ومعظِّموه هم الذين أخذوا بسنته واقتدوا بأمره كما جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: \"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما\n_________\n(^١) كتاب الرد على الأخنائي (ص ٢٤، ٢٥).","vol":"1","page":204},{"text":"لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل\" (^١).\nفالنبي ﷺ بيَّن لنا صفة أتباع الأنبياء بأنهم هم الذين عظموا أمرهم وأخذوا بسنتهم وعملوا بأوامرهم.\nوأما من عداهم فهم ليسوا بأتباع لهم وإنما هم أناس يستحقون المجاهدة ويستفاد من قوله ﷺ: \"يقولون ما لا يفعلون\"؟ أن مجرد الدعوى القولية المجردة عن الفعل الذي أمر به الشارع لا تغني صاحبها شيئا.\nويستفاد من قوله \"ويفعلون ما لا يؤمرون\" أن الأفعال المبتدعة التي لم يأمر بها الشارع هي كذلك لا تنفع صاحبها ولا تغني عنه من الله شيئا.\nوهذا الوصف ينطق تماما على أصحاب البدع المقيمين للموالد وغيرها من البدع، زاعمين أنهم ما فعلوا تلك الأمور إلا محبة للرسول ﷺ وتعظيما لشأنه، فهم فعلوا ما لم يؤمروا به، وأفعالهم وأحوالهم لا تطابق أقوالهم، ولو بحثنا عن وصف نصف به هؤلاء لم نجد أبلغ من هذا الوصف \"يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون\".\nوليتهم قاموا بما أوجب الله عليهم وشرعه لهم على لسان رسوله ﷺ لكان خيرا لهم وأجدى. ولكنهم أناس أوقعوا أنفسهم في محاذير متعددة منها:\n١ - أنهم فعلوا ما لم يؤمروا به وهم معترفون بأن تلك الموالد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان برقم (٤٩).","vol":"1","page":205},{"text":"والأمور التي تفعل فيها لم يشرعها الله في كتابه ولم يشرعها رسوله ﷺ ولم يفعلها أحد من أصحابه رضوان الله عليهم.\n٢ - أنهم خالفوا أمر الرسول ﷺ حيث أمرهم بالاتباع وترك الابتداع فقد\nقال ﷺ \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^١) والله تعالى يقول: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\n٣ - أنهم رغبوا عن سنن المصطفى ورضوا بما أملته عليهم أهواؤهم ورسول الله ﷺ يقول: \"فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (^٢).\nفالإحداث في شريعته ﷺ يعد رغبة عن سنته وهذا ما دلت عليه القصة الواردة في الحديث السابق.\n٤ - أنهم بفعلهم للمولد وغيره من البدع لم يعظموا الرسول ﷺ إنما اتهموه بأنه لم يدلهم على هذا الخير الذي جاؤوا به، وفي هذا يقول الإمام مالك: \"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا\".\nوالأمر الذي ينبغي معرفته أن النصوص قد دلت على أنه بقدر ما يكون المرء متبعا لسنة المصطفى ﷺ ومتمسكا بها بقدر ما يكون معظما وموقرا له والعكس بالعكس.\n\"هذا وإن كثيرا من الناس يعظمون الرسول ويعتقدون أنه من أفضل الناس، ولكن يقولون إنه لا يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اطلحوا على جور برقم (٢٦٩٧)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة برقم (١٧١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح برقم (٥٦٣) واللفظ له، ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه … برقم (١٤٠٠).","vol":"1","page":206},{"text":"إلى الله تغنيهم عنه. وقد يقولون إن طريقهم أفضل من طريقه كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه كان مبعوثا إلى الأميين لا إليهم فهم يعظمونه ظاهرا وباطنا لكن يقولون لا يجب علينا اتباعه وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.\nوكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان صاحب قوة قدسية، وقد يفضلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتباعه ظاهرا وباطنا، ويقولون هو رسول إلى العامة أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام\" (^١).\nفمثل هذا الصنف لا ينفعه هذا التعظيم لافتقاره للاتباع الذي هو لب التعظيم وجوهره.\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ٣٧).","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>المطلب الثاني: توقير النبي ﷺ في آله وأزواجه أمهات المؤمنين</span>\nإن من توقير النبي ﷺ ورعاية جنابه وتبجيله وتعظيمه توقير آله وذريته وأزواجه، كما حض عليه ﷺ وسلكه السلف الصالح رضوان الله عليهم.\n١ - فآل بيت النبي ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء قال تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال].\nوقال تعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].\nوأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ\nففي الحديث عن كعب بن عجرة (^١) ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: \"قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (^٢).\n_________\n(^١) كعب بن عجرة بن أمية البلوي: ويقال القضاعي، حليف الأنصار، صحابي مشهور، مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون سنة. الإصابة (٣/ ٢٨١، ٢٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الحجرات: ٥٦]. انظر: فتح الباري (٨/ ٥٣٢). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد. انظر: (٢/ ١٦).","vol":"1","page":208},{"text":"فالصلاة على آل محمد حق لهم عند المسلمين، وذلك سبب لرحمة الله تعالى لهم بهذا النسب.\nكما تجب محبتهم لحب رسول الله ﷺ لهم، ولأن محبتهم من محبة رسول الله، كما. وأن نتولاهم ونحفظ فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال في يوم غدير خم: \"وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي … \" الحديث (^١).\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى: \"ولا تنكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على ظهر الأرض فخرا وحسبا ونسبا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين\" (^٢).\nوقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"ولا ريب أن لآل محمد ﷺ حقا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشا يستحقون من المحبة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل، كما أن جنس العرب يستحق من المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم، وهذا على مذهب الجمهور الذين يرون فضل العرب على غيرهم، وفضل قريش على سائر العرب وفضل بني هاشم على سائر قريش، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ برقم (٢٤٠٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١١٣).\n(^٣) هذا من تفضيل الجملة على الجملة وهو لا يقتضى تفضيل كل فرد على كل فرد فالعرب في الأجناس، وقريش فيها ثم هاشم في قريش، مظنة أن يكون فيهم من الخير أعظم مما يوجد في، غيرهم، ولهذا كان في بنى هاشم النبي صلى الله عليهم وسلم الذي لا يماثله أحد في قريش فضلا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان في قريش الخلفاء الراشدون وسائر العشرة وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب من السابقين الأولين من لا يوجد له نظير في سائر الأجناس. فلابد أن يوجد في الصنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول. وقد يوجد في المفضول ما يكون أفضل من كثير مما يوجد في الفاضل كما أن الأنبياء الذين ليسوا من العرب أفضل من العرب الذين ليسوا بأنبياء، والمؤمنون المتقون من غير قريش أفضل من القرشيين الذين ليسوا مثلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك المؤمنون المتقون من قريش وغيرهم أفضل ممن ليس مثلهم في الإيمان والتقوى من بني هاشم. فهذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا ودون من ظن أن الله تعالى يفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في الإيمان والتقوى، فضلا عمن هو أعظم إيمانا وتقوى، فكلا القولين خطأ وهما متقابلان، بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة وفضيلة لأجل المظنة والسبب.\nوالفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية.\nفالأول: يفضل به لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد.\nوالثاني: يفضل به لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت، فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات.\nفالاعتبار العام هو التقوى كما قال تعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] الآية (١٣) من سورة الحجرات. فكل من كان أتقى كان أفضل مطلقا، وإذا تساوى اثنان في التقوى استويا في الفضل سواء كانا أو أحدهما عربيين أو أعجميين، أو قرشيين أو هاشميين أو كان أحدهما من صنف والآخر من صنف، وإن قدر أن أحدهما له من سبب الفضيلة ومظنتها ما ليس للآخر، فإذا كان ذلك قد أتى بحقيقة الفضيلة كان أفضل ممن لم يأت بحقيقتها، وإن كان أقدر على الإتيان بها، فالعالم خير من الجاهل، وإن كان الجاهل أقدر على تحصيل العلم.\nانظر: منهاج السنة (٤/ ٦٠٢ - ٦٠٣ - ٦٠٤ - ٦٠٨) بتصرف.","vol":"1","page":209},{"text":"والنصوص دلت على هذا القول، كقوله ﷺ: \"إن الله اصطفى كنانة","vol":"1","page":210},{"text":"من ولد إسماعيل، واصطفى قريش من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم\" (^١).\nوكقوله في الحديث الصحيح: \"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا\" (^٢) وأمثال ذلك (^٣). وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: \"أرقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته\" (^٤) فأهل البيت يتولاهم جميع المؤمنين ويحبونهم لا كما يزعم الروافض أنهم المخصوصون بحب أهل البيت وحدهم أن غيرهم هم الذين ظلموهم، فالحقيقة أن الروافض هم الذين ظلموا أهل البيت ظلما لا نظير له فهم الذين خذلوهم وغروهم، وتسببوا في رد كثير من روايات أهل البيت بسبب ما اشتهر عن أولئك الروافض من الكذب على آل البيت.\nوإضافة إلى ذلك فإن الروافض يحصرون محبتهم في نفر قليل من أهل البيت مع أن الصالحين من أهل البيت الذين تبغضهم الروافض وتذمهم أكثر عددا من الذين يتظاهرون بحبهم.\n٢ - أما زوجات النبي ﷺ رضوان الله عليهن أجمعين فيجب علينا أن نحفظ لهن حقهن في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام، والإعظام، والمكانة التي جعل الله لهن. فلقد رفع الله مقامهن وبوأهن أعلى منزلة عند جميع المؤمنين وهي منزلة الأمومة، فجعلهن أمهات في التحريم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ (٧/ ٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ فتح الباري (٦/ ٣٨٧) ح ٣٣٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب باب الأرواح جنود مجندة (٨/ ٤١، ٤٢) واللفظ له.\n(^٣) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٩٩).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الصحابة، باب مناقب قرابة الرسول ﷺ برقم (٣٧١٣).","vol":"1","page":211},{"text":"والاحترام فقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الحجرات: ٦].\nقال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: \"شرَّف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين، أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن، بخلاف الأمهات\" (^١).\nوكيف لا تكون لهن هذه المنزلة وتلك المكانة وهن اللآتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عندما نزلت آيتا التخيير قال تعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الحجرات].\nوبعد اختيارهن رضي الله تعالى عنهن الله ورسوله والدار الآخرة كرمهن الله ﵎ وكافأهن على اختيارهن أحسن تكريم وأعظم مكافأة. فكان لهن ما أعد الله لهن من الأجر العظيم، ثم ميزهن عن نساء العالمين في العذاب والأجر، ثم أبانهن منهن فقال: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الحجرات: ٣٢] يعني في الفضل والشرف، وذلك لما منحهن الله من صحبة نبيه ﷺ وعظيم المحل منه ونزول القرآن في حقهن (^٢).\nولقد تضمنت سورة الأحزاب كثيرا من الأمور التي أكرم الله بها أزواج النبي ﷺ مجازاة لهن على حسن صنيعهن في اختيارهن لله ورسوله والدار الآخرة والمقام هنا لا يسمح بالتوسع في ذكر هذه الأمور، وإنما المقصود تبيين مالهن من مكانة عند الله وعند رسوله ﷺ. فمن حقهن\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٤/ ١٢٣).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٤/ ١٧٧) بتصرف.","vol":"1","page":212},{"text":"علينا أن نحفظ لهن هذه المكانة، وذلك بأن نتولاهن، وأن نثني عليهن بما ورد من فضائلهن وما كان لهن من دور في مؤازرة النبي ﷺ ونصرته، وما كان لهن من دور بعد وفاته في حفظ مسائل الدين ونشرها بين الأمة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان له منها المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق ﵂، التي قال فيها النبي ﷺ: \"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (^١) \" (^٢).\nفمن الواجب أن ننشر هذه الفضائل ونعلِّمها، وبخاصة لنسائنا حتى يكون لهن في ذلك الأسوة والقدوة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضل عائشة ﵂. فتح الباري (٧/ ١٠٦) ح ٣٧٧٠، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها (٧/ ١٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤).","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>المطلب الثالث: توقيره ﷺ في أصحابه رضوان الله عليهم</span>\nومن توقيره وبرِّه ﷺ توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم والاقتداء بهم، وحسن الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم، ومعاداة من عاداهم، والإضراب عن أخبار المؤرخين، وجهلة الرواة، وضلال الشيعة والمبتدعين، القادحة في أحد منهم، وأن نلتمس لهم فيما نقل عنهم من مثل ذلك فيما كان دينهم من الفتن أحسن التأويلات ويخرج لهم أصوب الخارج، إذ هم أهل لذلك، ولا يذكر أحد منهم بسوء ولا يغمص (^١) عليه أمر، بل تذكر حسناتهم وفضائلهم، وحميد سيرتهم، ويسكت عما وراء ذلك (^٢).\nفهم أناس قد اختارهم الله وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ وخصهم في الحياة الدنيا بالنظر إلى النبي ﷺ وسماع حديثه من فمه الشريف وتلقي الشريعة وأمور الدين عنه وتبليغ ما بعث الله به رسوله من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها. فكان لهم الأجر العظيم لصحبتهم رسول الله ﷺ والجهاد معه في سبيل الله وأعمالهم الجليلة في نشر الإسلام والدعوة إليه، ولهم من الأجر مثل أجور من بعدهم لأنهم الواسطة بينهم وبين رسول الله ﷺ ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.\nولقد أوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة\n_________\n(^١) لا يغمص: لا يعاب ولا ينقص في أمر من أموره. النهاية (٣/ ٣٨٦).\n(^٢) الشفا (٢/ ٦١١، ٦١٢).","vol":"1","page":214},{"text":"وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤون بعدهم أبد الآبدين.\nولقد أثنى ربهم عليهم أحسن الثناء ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن ووعدههم المغفرة والأجر العظيم فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهُمْ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح] وأخبر في آية أخرى برضاه عنهم، ورضاهم عنه فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ثم بشرهم بما أعدلهم فقال: ﴿وأعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة].\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وأمر النبي ﷺ بالعفو عنهم والاستغفار لهم فقال: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وأمره بمشاورتهم تطيبا لقلوبهم، وتنبيها لمن بعدهم من الحكام على المشاورة في الأحكام فقال: ﴿وشاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩].\nوندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم، وأن لا يجعلوا في قلوبهم غل للذين آمنوا فقال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالأِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر].\nوأثنى رسول الله ﷺ عليهم ونهى عن النيل منهم فقد قال ﷺ:","vol":"1","page":215},{"text":"\"لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\" (^١) كما شهدها بكونهم خير أمته التي هي خير الأمم فقال ﷺ: \"خير الناس قرني\" (^٢).\nوقال ﷺ: \"خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم\" (^٣) فهذه بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على فضل أولئك الأخيار الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وشرَّفهم بحمل رسالته من بعده والدعوة إلى سبيله ونصرة دينه. فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم وثنائه عليهم وثناء رسوله ﷺ قال النووي: \"الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به\" (^٤).\nوقال ابن حجر: \"اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة\" (^٥).\nوعن أبي زرعة قال: \"إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة والجرح بهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد. برقم (٢٦٥٢). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم … برقم (٢٥٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٥٩) (ح ٢٦٥٢)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم. انظر (٧/ ١٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ. انظر: فتح الباري (٧/ ٣) ح ٣٦٥٠، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٥).\n(^٤) تدريب الراوي (٢/ ٢١٤)\n(^٥) الإصابة (١/ ١٧).","vol":"1","page":216},{"text":"أولى وهم زنادقة\" (^١).\nومذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة وسط بين الإفراط والتفريط فليسوا من المفرطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى ما لا يليق إلا بالله أو برسله. وليسوا من المفرطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبونهم فهم وسط بين الغلاة والجفاة.\nويحبونهم جميعًا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف فلا يرفعونهم إلى ما لا يستحقون، ولا يقصرون بهم عما يليق بهم، فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم، وقلوبهم عامرة بحبهم، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا معصومين، بل هم بشر يصيبون ويخطون، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم ولهم من الله المغفرة والرضوان.\nوكتب أهل السنة مليئة ببيان هذه العقيدة الصافية النقية في حق هؤلاء الصفوة المختارة من البشر لصحبة خير البشر ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين (^٢).\n_________\n(^١) كتاب الكفاية (ص ٩٧) للخطب البغدادي.\n(^٢) عقيدة أهل السنة والأثر في الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم (ص ٢٤ - ٢٥) تأليف الشيخ عبد المحسن العباد، مقالة طبعت في مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الثاني، السنة الرابعة.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>المطلب الرابع: حفظ حرمة المدينة النبوية</span>\nإن من تعظيم النبي ﷺ تعظيم المدينة النبوية (^١) التي هي دار المصطفى ومهاجره، فقد اختارها الله لنبيه ﷺ قرارا، وجعل أهلها شيعة له وأنصارا. وهي التي، انتشر منها دين الله وسنة رسوله ﷺ حتى وصل مشارق الأرض ومغاربها.\nوهي التي ورد في فضلها وتعظيم شأنها وتحريمها وفضل بعض البقاع فيها الكثير من الأحاديث الثابتة الصحيحة والتي أورد بعضا منها ههنا على سبيل المثال لا الحصر.\nفعن سفيان بن أبي زهير (^٢) ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تفتح اليمن فيأتي قوم يبسُّون (^٣) فيتحملون بأملهم ومن أطاعهم والمدينة\nخير لهم لو كانوا يعلمون.\nوتفتح الشام، فيأتي قوم يبسُّون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.\nوتفتح العراق، فيأتي قوم يبسُّون، فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون\" (^٤).\n_________\n(^١) ذكر ذلك: البيهقي في الجامع لشعب الإيمان (٢/ ١٣٠)، والقاضي عياض في الشفا (٢/ ٦١٩).\n(^٢) سفيان بن أبي زهير الأزدي: من أزد شنوءة -بفتح المعجمة وبضم النون وبعد الواو همزة- من أصحاب النبي ﷺ. يعد في أهل المدينة. الإصابة (٢/ ٥٢).\n(^٣) يقال: بسست الناقة وأبسستها: إذا سقتها وزجرتها وقلت لها بس بس -بكسر الباء وفتحها- النهاية (١/ ١٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة\" واللفظ له \". انظر: فتح الباري (٤/ ٩٠) (ح ١٨٧٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار (٤/ ١٢٢).","vol":"1","page":218},{"text":"وعن عبد الله بن زيد بن عاصم (^١) أن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة\" (^٢).\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها\" وقال: \"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كانت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة\" (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى النبي ﷺ فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: \"اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه قال ثم يدعو أصغر وليد له فيعطه ذلك الثمر\" (^٤).\n_________\n(^١) عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، صحابي شهير اختلف في شهوده بدرا، وشهد أحدا وغيرها، وشارك مع وحشي في قتل مسيلمة، يقال قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين. الإصابة (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي ﷺ ومده. فتح الباري (٤/ ٣٤٦) (ح ٢١٢٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة\" واللفظ له\" (٤/ ١١٢).\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٣).\n(^٤) أخرجه بهذا اللفظ، مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٦، ١١٧).","vol":"1","page":219},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ أيضا عن النبي ﷺ قال: \"المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف\" (^١).\nوعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال \"إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها\" (^٢).\nوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء\" (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام\" (^٤). وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب الإيمان يأرز إلى المدينة. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٣) (ح ١٨٧٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا (١/ ٩٠ - ٩١).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب إثم من كاد أهل المدينة، انظر: فتح الباري (٤/ ٩٤) (ح ١٨٧٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله (٤/ ١٢٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. انظر: فتح الباري (٣/ ٦٣) (ح ١١٩٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٤/ ١٢٤).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب ١٢. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٩) (ح ١٨٨٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة (٤/ ١٢٣).","vol":"1","page":220},{"text":"والأحاديث في فضل المدينة كثيرة ومتنوعة، ولقد أفرد البخاري في صحيحه كتابًا لفضائل المدينة، وكذا مسلم في صحيحه قد أورد في آخر كتاب الحج العديد من الأحاديث الواردة في شأن المدينة، وكذا الحال عند أصحاب السنن والمسانيد.\nوالمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها وهذا أمر واجب في حق من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة وحسن التأدب فيها وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله ﷺ. فإنها من المواطن التي عمرت بالوحي والتنزيل، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر وانتشر عنها من دين الله وسنن رسول الله ﷺ ما انتشر، فهي مشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات.\nفحريٌّ بمن أكرمه الله بالإقامة فيها أن يتزود فيها من الأعمال الصالحة التي تنفعه بعد الموت، وأن يحذر من الوقوع فيها بما يسخط الله ﷿. وفيما سبق ذكره من الأحاديث خير شاهد على فضل سكناها والترغيب في الإكثار من العمل الصالح فيها، والتحذير من الإساءة والمعصية والإفساد فيها.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>الباب الثالث: النهي عن الغلو في حقه ﷺ </span>-\nوفيه فصلان","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>الفصل الأول تعريف الغُلو وسدِّ الشارع لِطرق الغُلوِّ في حقِّهِ ﷺ </span>-","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>المبحث الأول تعريف الغلو وموقف الشرع منه</span>\nوفيه مطلبان\n\n<span data-type='title' id=toc-76>المطلب الأول المعنى اللغوي</span>\nأما المعنى اللغوي للغلو: فجاء في مقاييس اللغة: الغين - واللام - والحرف المعتل - أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر. يقال: غلا السعر يغلو غلاء، وذلك ارتفاعه. وغلا الرجل في الأمر غلوا، إذا جاوز حده. وغلا بسهمه غلوا، إذا رمى به سهما أقصى غايته. وتغالى النبت ارتفع وطال. وتغالى لحم الدابة: إذا انحسر عنه وبره، وذلك لا يكون إلا عن قوة وسمن وعلو … الخ (^١).\nوفي \"التهذيب\" … غلا السعر غلاء ممدود. وغلا في الدين يغلو غلوا: إذا جاوز الحد … \" (^٢).\nوفي \"اللسان\": \" … أصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء. وغلا في الدين والأمر يغلو غلوًّا: جاوز حده.\nوفي التنزيل: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (^٣).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٤/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٢) تهذيب اللغة (٨/ ١٩٥، ١٩٢).\n(^٣) لسان العرب (١٥/ ١٣١، ١٣٢) مادة (غلا).","vol":"1","page":227},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" الغلو: هو مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦).","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>المطلب الثاني التعريف الشرعي للغلو وموقف الشرع منه</span>\nالغلو في الشرع: هو مجاوزة حدود ما شرع الله سواء كان ذلك التجاوز في جانب الاعتقاد أو القول أو العمل.\nوقد جاء ذكر لفظ الغلو في القرآن الكريم في موضعين وكان الخطاب فيهما للنصارى باعتبارهم أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وأما الموضعان:\nفأحدهما: في قوله تعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلَّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء].\nوللوضع الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة].\nقال ابن جرير الطري:\n\"يعني جل ثناؤه بقوله ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾: يا أهل الإنجيل من النصارى ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ يقول: \"لا تتجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، ولا تقولوا في عيسى غير الحق فإن قيلكم في عيسى إنه ابن الله قول منكم على الله غير الحق، لأن الله لم يتخذ ولدًا، فيكون عيسى أو غيره من خلقه ابنا ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلَّا الحَقَّ﴾.","vol":"1","page":229},{"text":"وأصل الغلو في كل شيء: مجاوزة حدِّه الذي حده، ويقال منه في الدين قد غلا فهو يغلو غلوا\" (^١).\nوقال في تفسير آية المائدة: وهذا خطاب من الله تعالى ذكره، لنبيِّه محمد ﷺ، يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ يعني بالكتاب الإنجيل ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ يقول لا تفرطوا في القول فيما تدينون به في أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل فتقولوا فيه: هو الله أو هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يقول لا تتبعوا أيضا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه كما قالوا وتبهتوا أمه كما يبهتونها بالفرية … \" (^٢).\nوقال ابن كثير في تفسيره للآية الواردة في سورة النساء:\n\"ينهي تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا ولهذا قال الله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] (^٣).\nوقال عند تفسير آية سورة المائدة: أي لا تتجاوزوا الحد في إتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ٣٤).\n(^٢) تفسير الطبري (٦/ ٣١٦).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٩).","vol":"1","page":230},{"text":"الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما … \" (^١).\nوالمتأمل للنصوص القرآنية يجد أن النصارى لم يكتفوا بالغلو في المسيح ورفعه إلى درجة الألوهية بل غلوا أيضا في حق أحبارهم ورهبانهم فأعطوهم حق التشريع والطاعة المطلقة والإتباع حتى فيما يخالف شرع الله وأحكامه. فكان الأحبار والرهبان يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله ويقررون شرائع وأحكامًا ما أنزل الله بها من سلطان فتلقى النصارى ذلك كله بالقبول والطاعة.\nقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة] فهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، ولهذا قال تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ أي الذي إذا حرم شيئا فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ ﴿لا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة] أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأنداد والأولاد لا إله إلا هو ولا رب سواه\" (^٢).\nولم يقتصر غلو النصارى عند الحد، بل قدسوهم أمواتًا كما قدسوهم أحياءً فأقاموا على قبورهم الأضرحة وقدموا لهم القرابين فكان ذلك سببا في لعنهم قال ﷺ \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٨٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٩).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور برقم (١٣٣٠)، ومسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … برقم (٥٢٩).","vol":"1","page":231},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والنصارى أشد غلوا في ذلك من اليهود كما في الصحيحين: \" أن النبي ﷺ ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة ﵄ كنيسة بأرض الحبشة، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها. فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنو على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\" (^١).\nوالنصارى كثيرا ما يعظمون آثار القديسين منهم، فلا يستبعد أنهم ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه.\nفالذين يعظمون القبور والمشاهد لهم شبه شديد بالنصارى (^٢).\nفالنصارى أمة ضلت وهلكت وكان سبب ضلالها وهلاكها غلوها وقد تجلى غلوها في عدة أمور منها:\n١ - غلوهم في نبي الله عيسى ورفعه إلى مكانة الألوهية.\n٢ - غلوهم في رهبانهم وصالحيهم وذلك بإعطائهم حق التشريع في التحليل والتحريم، والعكوف على قبورهم وتقديسها بعد موتهم.\n٣ - ابتداعهم الرهبانية.\nوالله ﷾ بذكره لأحوالهم في كتابه العزيز يحذرنا من الوقوع فيما وقعوا فيه، وفي هذا دعوة للاعتبار بالأم السابقة ومعرفة سبب هلاكها وضرورة اجتنابه قال تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْباب﴾ والغلو عند النصارى هدم أصلَي الدين: ١ - التوحيد، ٢ - الإتباع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور برقم (١٣٤١)، ومسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … برقم (٥٢٨) واللفظ للبخاري.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٠، ٤٦١).","vol":"1","page":232},{"text":"فهم هدموا الأصل الأول بجعلهم عيسى في مقام الألوهية. وهدموا الأصل الثاني بأن جعلوا لرهبانهم حق التشريع والتحليل والتحريم.\nفانظر كيف كان الغلو سببًا لهدم الدين.\nفإن المسيح قال لهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُم﴾ [المائدة: ٧٢] وقال ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فلو امتثلوا أمره كانوا مطعين لرسول الله موحدين لله، ونالوا بذلك السعادة من الله في الدنيا والآخرة، ولكنهم غلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله، يستغيثون به وبغيره من الأنبياء والصالحين ويطلبون منهم ويشركون بهم، وكذبوا بالرسول الذي بشر به، وحرفوا التوراة التي صدق بها وظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح وكان هذا من جهلهم وضلالهم، فإنهم لو أطاعوه فيما دعاهم إليه لكان له مثل أجورهم، وكانت طاعتهم له والإقرار بعبوديته وبما بشر به فيه له ولهم من الأجر ما لا يحصيه إلا الله،\nففوتوا هذا الأجر والثواب عليهم وعليه وله ولهم فيه الخير المستطاب واعتاضوا عن ذلك بما ضرهم في الدنيا والآخرة.\nوإذا بين لهم قدر المسيح فقيل لهم: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥].\nقالوا: إن هذا تنقُّص بالمسيح، وسبٌّ له واستخفاف بدرجته وسوء أدب معه، بل قالوا هذا كفر وجحد لحقه، وسلب لصفات الكمال الثابتة له.\nوهذا في الحقيقة إنما هو نقص لما في نفوسهم من الغلو فيه لا نقص لنفس المسيح الموجود في نفس الأمر.","vol":"1","page":233},{"text":"وفي ذلك من الحمد له والمدح وإعظامه والإيمان به وإعطائه الدرجة العلية ما ليس في الغلو فيه.\nلأن في تقرير كمال عبوديته التي هي كمال الخلوق، وهذا هو الكمال فأما الغلو فيه إلى حد الربوبية فذاك خيال باطل لا كمال حاصل وفي إثبات العبودية له، إيمان به وموافقة لخبره وأمره، فيحصل له بذلك من الخير والرحمة ما لا يحصل له بالغلو فيه، الذي هو كذب فيه مكذوب عليه ومعصية له وإشراك بالله، وليس في ذلك ما ينفعه ولا ما يرفعه بل في ذلك ضرر على المشركين المفترين\" (^١).\nولم يقتصر الغلو على النصارى وحدهم بل كان واقعًا في الأمم قبلهم فالغلو كان أول خطوات الإنحراف عن الدين القويم والوقوع في الشرك.\nفقد روى الطبري بسنده عن عكرمة قال: \"كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام\" (^٢).\nفكان مبدأ الشرك في قوم نوح، وكان سببه غلوهم في الصالحين فقد روى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه باب قوله تعالى ﴿ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ عن ابن عباس أنه قال: \"أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت\" (^٣).\nفالغلو في الصالحين هو الطامة الكبرى والبلية العظمى التي جنحت بالبشرية عن جادة الحق والصواب إلى ظلمات الشرك والضلال باتخاذ أنداد لله من خلقه واعتقاد أنها تملك شيئا من خصائص الإلهية.\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٩/ ٩٩).\n(^٣) انظر فتح الباري (٨/ ٦٦٧).","vol":"1","page":234},{"text":"قال الإمام ابن القيم: \"ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في الخلوق وإعطائه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه.\nوهذا التشبيه الواقع في الأمم هو الذي أبطله الله سبحانه وبحث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله\" (^١).\nولهذا نهي الشارع الحكيم عن الغلو بشتى صوره وأشكاله وحذر منه وذلك لما له من آثار سيئة على الدين ولما فيه من منافاة لعقيدة التوحيد وهدم لأصليّ الدين: التوحيد، والإتباع.\nولقد حذر النبي ﷺ أمته من الغلو في الدين وأخبر أنه سببا لهلاك من قبلنا\nمن الأمم.\nفعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقوله \"إياكم والغلو في الدين عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال\" (^٣).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٦).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢١٥، ٣٤٧). والنسائي في السنن (٥/ ٨١٠٢) كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى. وابن ماجه في سننه، أبواب المناسك، باب قدر حصى الرمي (٢/ ١٨٣) ح ٣٠٦٤.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث عوف بن أبي جميلة عن زيادة بن حصين عن أبي العالية عنه وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦). وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٢٧٨) ح ١٢٨٣ وقال في تخريج السنة لابن أبي عاصم (١/ ٤٦) إسناده صحيح. وقد صححه ابن خزيمة والحاكم (١/ ٤٦٦) والذهبي والنووي وابن تيمية.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٥٦).","vol":"1","page":235},{"text":"وسبب قول النبي ﷺ لهذه العبارة أن النبي ﷺ قال لابن عباس غداة العقبة وهو على ناقته \"القط لي حصى\"، فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين … \" الحديث.\nفسبب ورود الحديث ينبهنا إلى أمر هام جدا وهو أن الغلو قد يبدأ بشيء صغير ثم تتسع دائرته فتهلك بذلك أمم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه فالغلو فيه: مثل رمي الحجارة ونحو ذلك، بناء على أنه بالغ في الحصى الصغار، ثم علل ذلك بأن ما أهلك من كان قبلنا إلا الغلو في الدين كما تراه في النصارى (^١).\nولو لم يرد في السنة إلا هذا الحديث لكفى به زاجرا ورادعا للأمة عن الوقوع في الغلو، كيف والسنة مليئة بالأحاديث التي تحذر من الغلو وتبين خطره وهلاكه.\nفعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"هلك المتنطعون\": قالها ثلاثًا (^٢).\nقال النووي: [\"هلك المتنطعون\": أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم] (^٣).\nوقال أيضا: \"المتنطعون: المتعمِّقون المشدِّدون في غير موضع التشديد\" (^٤)، فهذا الحديث موافق لما جاء في الحديث السابق من الإخبار بهلاك أصحاب الغلو. وهناك أحاديث كثيرة نهي فيها النبي ﷺ\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون (٨/ ٥٨).\n(^٣) شرح النووي (١٦/ ٢٢٠).\n(^٤) رياض الصالحين باب الاقتصاد في الطاعة (ص ٨٨).","vol":"1","page":236},{"text":"أصحابه رضوان الله عليهم عن الغلو في جوانب معينة من الدين نذكر اثنين منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.\nفعن أنس بن مالك ﵁ قال: \"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها. فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: \"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (^١).\nفسمَّى النبي ﷺ الغلو في جانب العبادات والسنن التي سنها لهم رغبة عن الشرع الذي جاء به، وتبرأ ممن هذه حاله، حتى وإن كان الدافع لذلك التقرب إلى الله تعالى ذلك لأن هذا الغلو فيه هدم للأصل الثاني من أصول هذا الدين ألا وهو الإتباع فنحن مأمورون بالاقتداء به ﷺ والأخذ بسنته. والغلو في هذا الجانب مناقض تماما لهذا الأصل، ولذلك فلا غرابة أن يتبرأ النبي ﷺ ممن غلا في جانب ما سنه وشرعه للأمة.\nلأنه لو فتح هذا الباب وولجته الأمة لأصبحت عبادة الله مجالا لأهواء الناس وعقولهم وبذلك يتلاشى دينها وتنطمس معالمه فتستحق بذلك غضب الله ومقته فتهلك كما هلكت الأم السابقة.\nوعن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح برقم (٥٠٦٣)، واللفظ له، ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب لمن تاقت له نفسه إليه برقم (١٤٠١).","vol":"1","page":237},{"text":"بين الساريتين فقال \"ما هذا الحبل؟ \" قالوا: هذا حبل زينب فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي ﷺ: \"حلُّوه ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد\" (^١) وعند مسلم \"حبل لزينب تصلي\".\nقال ابن حجر: \"وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها … \" (^٢).\nوقد حذَّر النبي ﷺ أمته كذلك من الغلو في حقه ﷺ.\nوذلك لما ينطوي عليه الغلو من الشر العظيم، ولما يعلمه ﷺ من منزلته في قلوب المؤمنين.\nفقد خشي ﷺ أن يدفعهم حبهم وتعظيمهم له إلى رفعه فوق منزلته التي جعلها الله له وتشريكه مع الله في بعض ما هو حق لله.\nفحذرهم من الغلو في شخصه بأساليب مختلفة وذلك حماية منه لجناب التوحيد وقطعا لذريعة الشرك.\nوقد جاء تحذره تارة بأسلوب النهي الصريح.\nوتارة بالتجائه إلى ربه ودعائه بأن لا يتحول قبره إلى وثن يعبد.\nوتارة بلعنة الغلاة الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.\nفمما ورد عنه قوله ﷺ: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله\" (^٣).\nقال ابن حجر: \"الإطراء: المدح بالباطل تقول أطريت فلانًا: مدحته فأفرطت في مدحه\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة. انظر: فتح الباري (٣٦١٣) ح ١١٥٠. وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أمر من نعس في صلاته … (٢/ ١٨٩).\n(^٢) فتح الباري (٣/ ٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء برقم (٣٤٤٥).\n(^٤) فتح الباري (٦/ ٤٩٠).","vol":"1","page":238},{"text":"فمعنى الحديث: \"أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا عبد الله ورسوله.\nفأبى عباد القبور إلا مخالفة لأمره، وارتكابا لنهيه، وناقضوه أعظم المناقضة وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعى ولا يستغاث به، ولا ينذر له، ولا يطاف بحجرته، وأنه ليس له من الأمر شيء، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، أن في ذلك هضما لجنابه وغضا من قدره، فرفعوه فوق منزلته، وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبا منه، فسألوه مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب وغير ذلك من الأمور (^١).\nوقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب تلخيص الاستغاثة (^٢) عن بعض أهل زمانه أنه جوز الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه مصنفا. وكان يقول أن النبي ﷺ يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. وحكي عن آخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا أنه كان يقول إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر الله عليه.\nومن هؤلاء من يقول في قول الله تعالى ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب]: إن الرسول ﷺ هو الذي يسبح بكرة وأصيلا.\nومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله فيجعلون الرسول معبودًا ويقول قائلهم:\nفإن من جودك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٢) الرد على البكري (ص ٢١٨).","vol":"1","page":239},{"text":"فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ (^١).\nفانظر إلى ما أدى إليه هذا الإطراء من صرف أمور قد اختص بها الرب ﷿ فصرفت للنبي ﷺ.\nولكن ما على الرسول إلا البلاغ فقد سد النبي ﷺ كل ذريعة مؤدية إلى الغلو والشرك حتى يبقى هذا الدين وسطًا صافيًا لا كدر فيه، وتبقى عقيدة التوحيد نقية قوية خالدة.\nفلقد نهي الرسول الكريم عن المبالغة في مدحه لعلمه بأن هذه المبالغة بريد إلى الغلو ومدعاة للشرك والانحراف عن الطريق السوي.\nوهذا من الحرص الكامل للرسول ﷺ على حماية التوحيد، فبهذا النهي الشديد سد الرسول ﷺ طريق الغلو.\nوالنهي عن المبالغة في الإطراء لا يعني التقليل من قدره وتوقيره فإن للتوقير والتعظيم وسائله المشروعة والتي سبق ذكرها.\nولكن هناك أناس شق عليهم التوقير المشروع فلجأوا إلى التوقير الممنوع فنسجوا قصائد مطولة أغرقوا فيها بالمديح المجاوز للحد والمنافي لقواعد التوحيد والذي لا يرضى به الله ورسوله بل جاء التحذير منه بنص القرآن والسنة المطهرة.\nولقد كان النبي ﷺ أحرص الخلق على تجريد التوحيد حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: \" أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده\" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (٢٧٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٥٤٥ (ح ٩٨٧).","vol":"1","page":240},{"text":"ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك.\nونهي أن يصلى إلى القبر أو يتخذ مسجدا أو عيدا أو يوقد عليه سراج، بل مدار دينه على هذا الأصل - أي تجريد التوحيد - الذي هو قطب رحا النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا مناقضته فيه (^١).\nوالغلو بشتى صوره وأشكاله مناف لأصلي التوحيد ويكفيك أن تعلم أن سبب عبادة الأصنام هو الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه، وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله. فهو سبحانه ينفي، وينهي، أن يجعل غيره مثلا له، وندا له وشبها له. لا أن يشبه هو بغيره إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم.\nوإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك، غلوا فيمن يعظمونه، ويحبونه، حتى شبهوه بالخالق وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الآلهة إلها واحدا وقالوا: ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى، ويخاف، ويعظم، ويسجد له ويحلف باسمه، وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى. فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبه من كل وجه (^٢).\nفحقيقة الشرك هو التشبه بالخالق أو التشبيه للمخلوق به فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٧٤.\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٦).","vol":"1","page":241},{"text":"فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده.\nفمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا - فضلًا عن غيره - شبيها لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.\nفمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.\nوذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.\nولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.\nومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.\nفمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه وهذا من المحال أن تجئ به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل","vol":"1","page":242},{"text":"فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوفق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورًا على نور ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [النور: ٣٥].\nإذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.\nومنها المتوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.\nومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.\nومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه.\nوأما في جانب التشبه به: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.\nوفي الصحيح عنه ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته\" (^١).\nوإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: \"قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الكبر برقم (٢٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ برقم ٧٥٥٩. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (٢١١١).","vol":"1","page":243},{"text":"فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر وقال ﷺ: \"أشد الناس عذابا يوم القيامة المصوِّرون يقال لهم أحيوا ما خلقتم\" (^١) (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب عذاب المصوِّرين يوم القيامة برقم (٤٩٥٠ - ٤٩٥١)؛ وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة برقم (٢١٠٨).\n(^٢) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦١).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>المبحث الثاني: الفرق بين ما هو حق لله وحده لا يشركه فيه غيره وبين ما هو حق للرسول</span>\nبعث الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن دعاء ما سواه - لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة -. قال تعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلَّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء].\nوقال تعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿واسْألْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف].\nوقال تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].\nفدين الحق دين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسله كما يدل عليه قولنا: \"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\nفهذان الأصلان:\n١ - توحيد الرب بالعبادة، ٢ - الإيمان برسله.","vol":"1","page":245},{"text":"لابد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\nذلك لأن دين الإسلام مبني على هذين الأصلين ومن خرج عن واحد منهما فلا عمل له ولا دين.\nفلا إله إلا الله معناها أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا.\nفإن الإله: هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وإكرامًا.\nوهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله.\nوأما شهادة أن محمدًا رسول الله فهي تعني ألا نعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسول الله ﷺ فهو المبلِّغ عن الله طاعته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده.\nوليس للرسول واسطة في إجابة الدعاء، وكشف البلاء، والهداية، والإغناء ونحو ذلك.\nفالله تعالى هو المتفرد بذلك فهو سبحانه الذي يسمع ويرى ويعلم السر والنجوى وهو القادر على إنزال النعم وإزالة الضر من غير احتياج منه إلى أن يعرِّفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم.\nوالأسباب التي بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها، فهو مسبب الأسباب التي يحصل بها ذلك ولهذا فرض سبحانه على المصلى أن يقول في صلاته ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة].\nفالله سبحانه أجل وأعظم وأغني وأعلى من أن يفتقر إلى شيء، بل هو الأحد الصمد وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما","vol":"1","page":246},{"text":"سواه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: \"قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول وعظم أمره قال: \"لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له ركاء، يقول يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك\" الحديث (^١).\nفهؤلاء الذين بلغهم أخبر أنهم إذا استغاثوا به يوم القيامة وسألوه الشفاعة يقول لهم لا أملك لكم من الله شيئا قد أبلغتكم (^٢).\nفعلى المسلم أن يفرق لأن ما هو حق لله وحده وبين ما هو حق لرسله.\nفالله أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاؤا به وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه.\nوأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده لا نشرك به شيئا ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا.\nوفرق بين حقه الذي يختص به الذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي.\nوبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عمومًا ولمحمد ﷺ خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفي من الملائكة جبريل لرسالته واصطفي من البشر محمدا ﷺ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقال تعالى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الغلول برقم (٣٠٧٣).\nوأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول (١٨٣١).\n(^٢) انظر: الرد على البكري (ص ٥٢ - ٥٤) بتصرف.","vol":"1","page":247},{"text":"﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء].\nفالله أوجب علينا الإيمان بمحمد ﷺ خصوصا وبالملك الذي جاءه بالقرآن. وأمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم وبجميع ما أوتوا كما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة].\nوقال تعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة].\nوقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء].\nفالأنبياء وسائط بين الله ﷿ وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان وسيكون. وسائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم، مجملا وذلك بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حق وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم.\nأما محمد ﷺ فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق وقد ختم الله به الأنبياء وآتاه من الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم وخصائصه وفضائله كثيرة وعظيمة لا يسعها هذا الموضع.\nوقد أوجب الله علينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به وأن نصدقه في كل ما أخبر به، كما سبق ذكر ذلك في الباب الأول من هذه الرسالة.","vol":"1","page":248},{"text":"وهو سبحانه مع هذا كله نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميز بين حقه تعالى وحقهم.\nفقال تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].\nفهذا بيانٌ أن اتخاذ الملائكة والنبيِّين أربابا كفر مع وجوب الإيمان بهم ما لم يحصل بعبادة الأوثان، فإن الأوثان تستحق الإهانة وأن تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام وكما حرق موسى العجل ونسفه وكما كان نبينا ﷺ يكسر الأصنام ويهدم صوتها وقد قال تعالى: ﴿إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء] فإهانتها من تمام التوحيد والإيمان.\nوالملائكة والأنبياء بل الصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء. مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقونه فيصير شركا، وبعضهم يقصر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر.\nوالصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا.\nوالله تعالى يميز حقه من حق غيره ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: \"يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"أن يعبدوه ولا شركوا به شيئا، أتدرى يا معاذ ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"أن لا يعذبهم\" (^١). وقد قال تعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه في طاعة الله برقم (٦٥٠٠)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب في لقي الله بالإيمان … برقم (٣٠).","vol":"1","page":249},{"text":"كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ونَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أن الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص].\nفالرسل كلهم نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم يبينون أن العبادة والتقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم.\nقال نوح ﵇ ﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح].\nوكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥، ٧٣، ٨٥].\nوقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهُمْ أخُوهُمْ نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أمِينٌ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء].\nوكذلك قال سائر الرسل هود وصالح وشعيب كل يقول ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦، ١٣١، ١٤٤، ١٦٣، ١٧٩].\nوكذلك في رسالة محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور].\nفجعل الطاعة لله والرسول. وجعل الخشية والتقوى لله وحده.\nوقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح].\nفالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره، نصره ومنعه.\nوالتسبيح بكرة وأصيلا لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله وحده والعبادة هي لله وحده.","vol":"1","page":250},{"text":"وقال تعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هُوَ إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ولَهُ ما فِي السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ فأنكر سبحانه أن يتقى غيره كما أمر أن لا يرهب إلا إياه.\nوقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠].\nوقال تعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة]. فقد أمر الله تعالى في غير موضع بأن يخشى ويخاف ولا يخشى ويخاف غيره.\nوقال تعالى ﴿ولَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾.\nففي الإيتاء قال ﴿ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ كما قال: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.\nفما أعطاه الرسول للناس فهو حقهم بالقول والعمل كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو حقه، وما أباحه له فهو مباح، وما نهاه عنه فهو حرام عليه فلهذا قال تعالى ﴿ولَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ ولم يقل هنا ورسوله لأن الله تعالى وحده حسب عبده أي كافيه. لا يحتاج الرب في كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجئ هذه الكلمة إلا الله وحده كقوله: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران].","vol":"1","page":251},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التوبة].\nوقال تعالى ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال] إلى قوله ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال]؛ أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين كما قاله جمهور أهل العلم. ومن قال إن الله ومن اتبعك حسبك فقد غلط، ولم يجعل الله وحده حسبه بل جعله وبعض المخلوقين حسبه، وهذا مخالف لسائر آيات القرآن.\nوقال تعالى ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] فهو وحده كاف عبده، وقال تعالى ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].\nفلهذا قال تعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ ولم يقل ورسوله ثم قال ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ ولم يقل ورسوله بل جعل الرغبة إلى الله وحده كما قال ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾.\nفالرغبة تتضمن التوكل وقد أمر أن لا نتوكل إلا عليه كقوله ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] وقوله ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل].\nفالتوكل على الله وحده، والرغبة إليه وحده، والرهبة منه وحده.\nليس لمخلوق لا الملائكة ولا الأنبياء في هذا حق كما ليس لهم حق في العبادة ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده ولا نخشى ولا نتقى إلا الله وحده كما قال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\nفإذا قال القائل لا يجوز التوكل إلا على الله وحده، ولا العبادة","vol":"1","page":252},{"text":"إلا لله وحده ولا يتقى ولا يخشى إلا الله وحده لا الملائك ولا الأنبياء ولا غيرهم كان هذا تحقيقا للتوحيد.\nولم يكن هذا سبًا لهم ولا تنقصًا بهم ولا عيبًا لهم وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق. ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق.\nوالملائكة والأنبياء كلهم عباد الله يعبدونه كما قال تعالى ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء].\nوقال تعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ولا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضى وهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾.\nفإذا نفي عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهما ما كان من خصائص الربوبية وبين أنه عبد الله كان هذا حقا واجب القبول، وكان إثباته إطراء للمخلوق فإن دفعه عن ذلك كان عاصيا بل مشركا.\nولهذا قال النبي ﷺ \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله\" (^١).\nفالله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله، وحين تحدى، وحين أسرى به فقال تعالى ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩].\nوقال تعالى ﴿وإنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣].\nوقال تعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء].\nوأهل الباطل يقولون لمن وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٨).","vol":"1","page":253},{"text":"ولهذا لما سأل النجاشي (^١) جعفر بن أبي طالب (^٢) رضي لله عنه ما تقول في المسيح عيسى؟ فقال: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه رفع النجاشي عودًا وقال: ما زاد المسيح على ما قلت هذا العود فنخرت بطارقته (^٣). فقال: وإن نخرتم\" (^٤).\nفهم يجعلون قول الحق في المخلوق سبًا له، وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذبه إياي أن يقول: إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول: اتخذ الله ولدًا، وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن له كفوًا أحد\" (^٥).\n_________\n(^١) أصحمة بن أبحر النجاشي - ملك الحبشة - واسمه بالعربية عطية والنجاشى لقب، أسلم على عهد النبي ﷺ ولم يهاجر إليه، وكان ردءا للمسلمين نافعا، وقصته مشهورة في المغازى في إحسانه للمسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، توفي في عهد النبي ﷺ وصلى عليه صلاة الغائب. الإصابة (١/ ١١٧).\n(^٢) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ وأحد السابقين للإسلام، هاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشى ومن تبعه على يديه، ثم قدم المدينة والنبي ﷺ بخيبر، واستشهد في مؤتة سنة ثمان من الهجرة. الإصابة (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٣) أي تكلمت، وكأنه كلام مع غضب ونفور. النهاية (٥/ ٣٢).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١ - ٢٠٣) (٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤ - ٢٧) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥).\nوهو في سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٩ - ٢٩١).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ …﴾ (٣١٩٣) وكذلك في كتاب التفسير، تفسير سورة الإخلاص برقم (٤٩٧٤، ٤٩٧٥).","vol":"1","page":254},{"text":"فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبونه، وقد كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى: لا ترحموهم فقد سبوا الله سبة ما سبه إياها أحد من البشر. وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين بقوله ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلَّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كافِرُونَ﴾ [الأنبياء].\nفكانوا ينكرون على محمد ﵇ أن يذكر آلهتهم بما تستحقه وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك كما قال تعالى ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام].\nوهكذا من فيه شبهه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض المخلوقين من المشايخ والأئمة والأنبياء وغيرهم وإذا ذكروا بما يستحقونه أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك وهو وأصحابه يستخفون بعبادة الله وحده وبحقه وبحرماته وشعائره ولا ينكر ذلك. ويحلف أحدهم بالله ويكذب ويحلف بمن يعظمه ويصدق ولا يستجيز الكذب إذا حلف به. وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين وكذلك قد يعيبون من نهي عن شركهم كالحج إلى القبور التي يحجون إليها عادة وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت الله ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه. وقد ينهون عن الحج اعتياضًا إلى القبور ويقولون هذا الحج الأكبر.\nويرون النهي عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين إخلالا بحقهم ومعاداة لهم ونحو ذلك.\nوهم لا يرون الشرك بالله ودعاء غيره واتخاذ عباده من دونه أولياء إخلالا بحقه ومعاداة له.\nومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ","vol":"1","page":255},{"text":"جِهادًا فِي سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ وألْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أرْحامُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة] فأمر بالتأسي بإبراهيم ومن معه لما تبرءوا من المشركين وما يعبده المشركون، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده. فالمشرك والآمر بالشرك والراضي به معاد لله، ومن عادى الله فقد عادى أنبياءه وأولياءه.\nوأما من أمر بما جاءت به الرسل فلم يعادهم ولم يعاندهم قال تعالى ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون].\nوهنا موضع يشكل على بعض الناس وذلك أنه قال ﷺ في الحديث الصحيح: \"أصدق كلمة قد قالها شاعر كلمة لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل (^١).\nوذلك مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِل﴾ [الحج: ٦٢].\nفالمراد بالباطل: ما لا ينفع، وكل ما سوى الله لا تنفع عبادته، وهذا يدخل فيه كل ما عبد من دون الله من الملائكة والأنبياء وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسني فكيف يدخلون في الباطل؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية برقم (٣٨٤١). وأخرجه في كتاب الشعر (٢٢٥٦).","vol":"1","page":256},{"text":"وكذلك قوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلَّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس].\nفيقال: إن المراد عبادتهم والعمل لهم باطل، وقد يقال عن الشيء أنه لا شيء لانتفاء المقصود منه ليس بشيء وكما قال ﷺ عن الكهان لما سئل عنهم فقال: \"ليسوا بشيء\" فقالوا إنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقا، فقال رسول الله ﷺ: \"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرُّها في أذن وليه قرَّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة\" (^١). فهم ليسوا بشيء: أي لا ينتفع بهم فيما يقصد منهم، وهو الاستخبار عن الأمور الغائبة لأنهم يكذبون كثيرًا فلا يدرى ما قالوه أهو صدق أم كذب. وهم مع ذلك موجودون يضلون ويضلون.\nفقوله: \"ليس بشيء\" مثل قوله: \"ألا كل شيء ما خلا الله باطل\" وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِل﴾ فهو من جهة كونه معبودًا باطل لا ينتفع به ولا يحصل لعابده مقصود العبادة وإن كان من جهة أخرى هو شمس وقمر ينتفع بضيائه ونوره وهو يسجد لله ويسبحه. وكذلك الملائكة والأنبياء إذا نفي عنهم كونهم آلهة معبودين وتبين أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به، لم ينف ذلك ما يستحقونه من الإجلال والإكرام وعلو قدرهم عند الله تعالى.\nوالتبري من عبادتهم وكونهم معبودين، لا من موالاتهم والإيمان بهم وقولهم ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين كما قال الخليل ﵇: ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام] فهو بريء من كل شريك لله من جهة كونه جعل شريكا وندًا لله ولم يبرأ منه من جهات أخرى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كناب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان برقم (٢٢٢٨).","vol":"1","page":257},{"text":"فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخرة لمنافع العباد وكونها تسجد لله وتسبحه وكونها من آياته العظيمة بل من جهة كونهاشركاء لله. أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقا. والشمس والقمر والملائكة والكواكب تعادى عبادتها وكونها آلهة معبودة فتبغض من هذه الجهات وتعادى، مع وجوب الإيمان بالملائكة وإذا قيل للنصارى نحن براء من شرككم ومما تعبدون من دون الله. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [المائدة] هذا بعد قوله: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾.\nفالبراءة من كل معبود سوى الله كالبراءة من كل إله سوى الله، وذلك براءة من الشرك ومن كل ما سوى الله معبودا، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولًا كريما وجيها عند الله، بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق. والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرؤن ممن عبدوهم ويعادونهم ولا يوالونهم قال الله تعالى ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ].\nوقال تعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان].\nوقال تعالى ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ١٠٢] وقال تعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ وهُوَ يُحْيِي المَوْتى وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى].","vol":"1","page":258},{"text":"وقال تعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤].\nوهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم فمن أحبهم ووالاهم فهو موحد ومن جعلهم أندادًا أحبهم كما يحب الله ورسوله.\nفالحب لله توحيد وإيمان. والحب للأنداد مع الله شرك وكفر.\nوكذلك الشفاعة قال تعالى: ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]. وقال تعالى ﴿مَنْ ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nفتبين أنه لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له حتى \"إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعازا لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان\" (^١) وصعقوا فلا يعلمون ما قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ].\nفحينئذ يعلمون ما قضى به، فكيف يشفعون بدون إذنه؟\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء] وقال تعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر].\nوأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد ﷺ وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أحاديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح ونوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى إلى المسيح والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين فيقول اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ﷺ: \"فيأتوني فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربي خررت ساجدا وأحمد ربي بمحامد يفتحها عليَّ لا أحسنها الآن وحينئذ فيقول الله تعالى \"أي محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه واشفع تشفع\" قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة سبأ، باب (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير) برقم (٤٨٠٠).","vol":"1","page":259},{"text":"\"فأقول: أي رب أمتى فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة\"، وكذلك ذكر في الثانية والثالثة (^١).\nوفي \"صحيح البخاري\" عن أبي هريرة ﵁ قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ \" الحديث إلى أن قال ﷺ: \"أسعد الناس بشفاعتى من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه\" (^٢).\nفقد بين أوجه الشفعاء أنه إذا أتى يبدأ بالسجود لله والحمد لله لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له فإن أذن له فحينئذ يشفع، فإذا شفع حد له حدًا فيدخلهم الجنة، وبين أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصا وتوحيدًا لا من كان سائلا وطالبا منه أو من غيره. فالأمر كله لله وحده لا شريك له هو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار قال تعالى ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص].\nفالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك، فالأنبياء يتبرأون منهم، ومحمد ﷺ بريء من عمل يخالف أمره وسنته قال الله تعالى ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء].\nولا ينفع من عصى الرسول أن يقول قصدي تعظيمهم فإنه إنما أمر بطاعتهم ولم يأمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس، قال الله تعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب، قول الله ﷿ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ برقم (٣٣٤٠). ومسلم في كتاب الأيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار برقم (٦٥٧٠).","vol":"1","page":260},{"text":"ما قُلْتُ لَهُمْ إلَّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة].\nفقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به أن يعبدوا الله وحده وكذلك سائر الانبياء قال الله تعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلَّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء].\nوهو سبحانه إنما يعبد بما شرع من الدين، لا يعبد بما شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك قال الله تعالى ﴿أمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nوقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] والدين الذي شرعه إما واجب أو مستحب فكل من عبد عبادة ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة كانت من الشرك والبدع، وكلما تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الرب وإخلاص العبادة له.\nوبيَّن كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ومتابعتهم فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنا وظاهرًا ﷺ تسليما (^١).\nفهذا هو صراط الله المستقيم قال تعالى ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام].\nولما أمرنا الله أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين. كان ذلك مما لحين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين (^٢). والمغضوب عليهم هم\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (٣٣٣ - ٣٨٨) بتصرف.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٦٥).","vol":"1","page":261},{"text":"اليهود والضالون هم النصارى (^١).\nوقد افترق اليهود والنصارى في شأن الأنبياء، فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم كما أخبر الله عنهم بقوله ﴿أفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة]، والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله تعالى قال تعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلَّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء].\nفبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله لا يجوز اتخاذهم أربابا إلا اك ك بهم والغلو فيهم يخرج عن مشابهة النصارى.\nفإن اتخاذهم أربابا كفر قال الله تعالى ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران] والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فمن غلا فيهم واتخذهم أربابا فهو كافر.\nومن كذب شيئا مما جاؤوا به أو سبهم أو عابهم أو عاداهم فهو كافر.\n_________\n(^١) كتاب الله يدل على ذلك فقد قال الله في حق اليهود ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠].\nوقال في النصارى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾. [المائدة].","vol":"1","page":262},{"text":"فلابد من رعاية هذا الأصل (^١).\nوكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود كما ترى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم وغير ذلك.\nومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى كما ترى في منحرفة أهل العبادة من الغلو في الأنبياء والصالحين وغير ذلك (^٢).\nوالغلو في هذه الأمة وقع في طائفتين:\nالطائفة الأولى: طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية.\nالطائفة الثانية: طائفة من جهال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين (^٣).\nفمن توهَّم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئا من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى.\nوإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم قال تعالى في خطابه لبني إسرائيل ﴿وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُمْ وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ولأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [١٢]. والتعزير: النصر والتوقير والتأييد.\nوقال تعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح] فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى ﴿وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح].\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٦٥) بتصرف.\n(^٣) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ٩٢) والرد على البكري (ص ١٠٥، ١٠٦)","vol":"1","page":263},{"text":"وقال تعالى ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف].\nوقال تعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\nوقال تعالى ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا.\nوقال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب].\nوقال تعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَاللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: ٢٤] فقد بين الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضى بحكمه، والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق.\nوأخبر أن طاعته طاعته فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ ومبايعته مبايعته فقال ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].\nوقرن بين اسمه واسمه في المحبة فقال ﴿أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وفي الأذى فقال ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وفي الطاعة والمعصية فقال ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]. وفي الرضا فقال ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].\nفهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي.","vol":"1","page":264},{"text":"فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له كما قال ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ﴿وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥].\nوقد جمع منهما في مواضع كقوله ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وقوله ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥].\nوالدعاء لله وحده سواء كان دعاء عبادة أو دعاء المسألة والاستعانة كما قال تعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أحَدًا وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن].\nوتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا، بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره.\nكما قال النبي ﷺ \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله\" (^١).\nوقال ﷺ \"من كان آخر كلامه لا إلى إلا الله دخل الجنة\" (^٢).\nوهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له.\nفالعبادة والإستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة …) برقم ٢٥، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله برقم (٢١).\n(^٢) وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الجنائز، باب في التلقين (٣١١٦) والإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٣٣) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥١) وحسنه الحافظ ابن حجر رحمه لله في تخريج الأذكار - كما في الفتوحات الربانية (٤/ ١٠٩ - ١١٠) وذكر له شواهد.","vol":"1","page":265},{"text":"والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل، هذا لله وحده لا شريك له. فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن تجعل له ندا وهو خلقك، والشرك أن تجعل لغيره شركا نصيبًا في عبادتك، وتوكلك، واستعانتك كما قال من قال ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣].\nوأصناف العبادات: الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده.\nولا يجوز أن يتنفل عن طريق العبادة إلا لله وحده، لا الشمس ولا القمر ولا الملك ولا لنبي ولا صالح ولا قبر نبي ولا صالح، وهذا في جميع ملل الأنبياء وقد ذكر في شريعتنا حتى نهي أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات، ولهذا نهي النبي ﷺ معاذًا أن يسجد له وقال: \"لو كنت آمرًا أن يُسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٨١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨) من حديث معاذ (٦/ ٧٦) من حديث عائشة؛ وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥) ح ٢١٤٠ من حديث قيس بن سعد وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة (٤٦٥١٣) ح ١١٥٩ من حديث أبى هريرة وقال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأم سلمة وأنس وابن عمر. انتهي كلامه. وأخرجه ابن ماجه في السنن كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) ح ١٨٥٧ من حديث عائشة، و١٨٥٨ من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (ح ١٢٩٠) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.","vol":"1","page":266},{"text":"وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله كما قال تعالى ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إلَّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل].\nفلا يجوز فعل ذلك عن طريق الدين لا لملك ولا لشمس ولا لقمر ولا لنبي ولا لصالح، كما يفعل بعض السوال والمعظمين كرامة لفلان وفلان، يقسمون بأشياء إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من الصالحين.\nوكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به، ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، ولا يفعل ذلك بنبي ولا صالح ولا بقبر نبي ولا صالح، ولا بوثن.\nوكذلك الصيام لا يصام إلا عبادة لله، فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر، ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك.\nوهذا كله تفصيل الشهادتين: اللتين هما أصل الدين \"شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله\".\nوالإله: من يستحق أن يألهه العباد ويدخل فيه حبه وخوفه.\nفما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله.\nوما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول (^١).\nونصوص القرآن والسنة مليئة بتقرير هذا الأمر ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٦٦، ٧٦) بتصرف يسير.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>المبحث الثالث: بيان توسط السلف في حق النبي ﷺ </span>-\nإن مما امتاز به اتباع هذا الدين: الوسطية في كل شيء فلا إفراط ولا تفريط قال تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ قال ابن كثير: \"والوسط هنا المراد به الخيار والأجود كما يقال قريش أوسط العرب نسبًا؛ أي: خيرها.\nولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب\" (^١).\nومن الأمور التي توسطت بها هذه الأمة توسطها في شأن الأنبياء بين اليهود والنصارى.\nفقد افترق اليهود والنصارى في الأنبياء: فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم. والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله.\nأما هذه الأمة فقد توسطت بين الطائفتين فأمنت وصدقت بأنبياء الله ولم يتخذهم أربابا من دون الله.\nفالسلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ساروا في هذا الشأن وفق نصوص القرآن والسنة الصحيحة شأنهم في ذلك شأنهم في سائر أمور هذا الدين الاتباع وترك الابتداع.\nفما نصَّ عليه القرآن يجب الأخذ به والعمل به والحال نفسه ينطق على ما نصت عليه السنة.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":269},{"text":"فقد نصت النصوص على أمور متعددة فيما يتعلق بشأن نبينا ﷺ وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nفمن أخذ بهذه الأمور جميعها وأمن بها فقط توسط ومن أخلَّ بشيء منها فهو لا محالة واقع في أحد حالين إما الغلو أو التنقص.\nولما كان حال الغلو هو الأكثر خطرا على اتباع الرسل، فقد جاء التنبيه والتأكيد على بشريتهم في مواطن متعددة في كتاب الله العزيز منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-80>١ - التأكيد على بشرية الرسول وعبوديته لله تعالى:</span>\nقال تعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nوقال تعالى ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠].\nوقال تعالى ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء].\nوقال تعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].\nوقال تعالى ﴿وإنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣].\nوقال تعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [الأنفال: ٤١].\nوقال تعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف].\nوقال تعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان].\nوقال تعالى ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم].\nوقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحديد: ٩].\nوقال تعالى ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلَّا إنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ فِي الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>٢ - التأكيد على أن الرسل لا يملكون شيئا من خصائص الإلهية والربوبية</span>\nقال تعالى ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلَّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠].\nوقال تعالى ﴿قُلْ لَوْ أن عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلَّا هُوَ﴾ [الأنعام].\nوقال تعالى ﴿يَسْألونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إلَّا بَغْتَةً يَسْألونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلَّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُمِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلَّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف].\nوقال تعالى ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس].\nوقال تعالى: ﴿ولا أقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١].\nوقال تعالى ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن].\nوقال تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\nوقال تعالى ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩].\nوقال تعالى ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩٠].","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>٣ - التنبيه على ما كان من حال النصارى مع عيسى ﵇ وبيان كفرهم في ذلك:</span>\nقال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧].\nوقال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة].\n\n<span data-type='title' id=toc-83>٤ - بيان كفر من رفعهم إلى درجة الربوبية:</span>\nقال تعالى: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].\nوبجانب هذا التأكيد على بشرية الرسل والتحذر من رفعهم فوق مكانتهم التي أعطاهم الله إياها ووصفهم بما ليس لهم حق فيه.\nأكد الإسلام وجوب الإيمان بهم وإكرامهم ورفع درجتهم وجعلهم في مكانة ومنزلة سامية. فأوجب الإيمان بهم.","vol":"1","page":272},{"text":"قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة].\nقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: \"فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه.\nويصدِّقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين\" (^١).\nوفي مقابل ذلك فقد عدَّ تكذيب واحد منهم كفرًا ولو ادعى الإيمان بالله ورسله جميعا إلا ذلك، فإيمان من هذا حاله إيمان زائف لا وزن له ولا خير فيه وصاحبه موسوم بالكفر.\nقال تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾.\nقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: \"والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":273},{"text":"إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا إنما هو عن غرض وهوى وعصبية\" (^١).\nوبهذه الوسطية تمسك السلف الصالح ومن سار على نهجهم فالأنبياء وعلى رأسهم نبينا صلوات الله عليهم أجمعين بشر مثلنا فضلهم الله واصطفاهم واختارهم وشرفهم بحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس، وأوجب علينا لهم من الحقوق ما سبق ذكره، وكذلك جعل لنا عليهم من الأمور والحقوق التي تطلب منهم، \"فالأمور نوعان:\nالنوع الأول: نوع يطلب لنبينا منا ويجب له علينا.\nوالنوع الثاني: نوع يطلب لنا منه سواء أوجب عليه أو لم يجب.\nفالواجب له علينا من الحقوق بعد الموت الإيمان به ومحبته ونصره وتعزيره وتوقيره وطاعة أمره واتباع سنته وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه.\nهذا بالنسبه لما يتعلق بالنوع الأول.\nأما ما يتعلق بالنوع الثاني: فتحقيق ذلك أن الله أمره بأشياء منها ما هو حق لله. ومنها ما هو حق للناس.\nوالأمر تارة يكون أمر إيجاب، وتارة أمر استحباب.\nوكل ما أمر به مما فيه نفع للخلق ففيه حق لهم عليه كتبليغهم وتعليمهم والبيان لهم وأمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، وحضهم على كل ما يقربهم إلى الجنة ونهيهم عن كل ما يبعدهم عنها وتبيين كل ما يحتاجون إليه وأمثال ذلك.\nوقد فعل ذلك وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لهم منه علمًا بأخباره وأوامره ونواهيه.\nوكذلك كان يقوم بأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٢).","vol":"1","page":274},{"text":"وإنصاف مظلومهم من ظالمهم، وإطعام جائعهم، وعيادة مريضهم، والصلاة على ميتهم، وأمثال ذلك من أنواع إحسانه إليهم في جميع مصالح الدنيا والآخرة.\nفاجتمعت له صفات الكمال المتفرقة في غيره من الرسل والأنبياء وولاة الأمر وغيرهم.\nوكان له من خصائص النبوة والرسالة ما لم يشركه فيه أحد بعده، وكان يقوم بالإمامة في الصلاة والإمارة في الغزو وإرسال البعوث وعقد الألوية والشعائر في الحروب وإقامة الحدود وايصال الحقوق وقسم المواريث والمغانم والفيء والصدقات، وتعليمهم ما يؤمرون به مما في القلوب من المعارف والأحوال، أو ما يقوم بالأبدان من الأقوال والأعمال، وأفتاهم فيما ينوبهم من المسائل، والحكم بينهم فيما يتنازعون فيه من القضايا، وتعبير الرؤيا وما كان وما يكون من أمر الدنيا والآخرة، وصفات الرب، وملائكته، وأمر الآخرة والجنة والنار إلى غير ذلك. فهذه الأمور التي كان مأمورًا بها أمر إيجاب أو أمر استحباب وكانت حقا عليه للخلق انتهت بموته فلم يبق عليه منها شيء.\nكما أدّى حق الله الذي أمره به، فلم يبق عليه منه شيء، فجاهد في الله ونصح الأمة، وعبد ربه حتى أتاه اليقين.\nوأما ما كان حقا له على الأمة ومنفعته في الحقيقة تعود عليهم، والله تعالى يثيبه بما يعملون به من طاعته مثل ثوابهم، يستجيب فيه صالح دعواهم فهو في الحقيقة حق الله وإن كان فيه حق للرسول فإن الله هو الذي أمرهم به الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.\nفكل ما أمرهم به الرسول من واجب ومستحب، فالله أمرهم به.\nوإذا أطاعوا الله ورسوله فأجرهم على الله.\nوإذا عصوا الله ورسوله فحسابهم على الله.","vol":"1","page":275},{"text":"قال تعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد].\nوقال تعالى ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إلَّا مَنْ تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَر إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية]، وقال تعالى ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ثم قال ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن] فأمر بطاعته وطاعة رسوله لأن طاعته طاعة لله.\nوأمرهم بالتوكل عليه وحده، وطاعة الرسول هي عبادة لله وحده والأمر والمعنى المتقدم من أن الرسول ليس عليه إلا ما أمر به من البلاغ والبيان والجهاد وليس عليه جزاء العباد ولا حسابهم ولا هدايتهم قد كرر في القرآن في مواضع. والحق الذي لله وللرسول باق بعد موت الرسول، وكذلك ما كان من حقوقه التي يمكن بقاؤها كالصلاة عليه والتسليم والتعزر والتوقير والمحبة وغيرها فهي لم تنقص بعد موته بل توكدت وقويت، بل حقوقه عليها بعد موته أكمل منها في حياته.\nفمن ذلك أن من تنقَّصه في حياته أو سبَّه فإنه كان له ﷺ يعفو عن حقه.\nفأما بعد موته فليس لأحد أن يعفو عن حقه ولا يسقط وكذلك في مغيبه. فعلينا أن نقوم بحقوقه الواجبة علينا في حال مماته ومغيبه أكثر مما علينا أن نقوم بها في محياه وحضوره.\nوتلك الحقوق علينا له، وإذا فعلناها كانت عبادة منا لله، أجرنا فيها على الله وهي مما يزيده الله بها من فضله من جهة امتثالنا لما أمرنا به، وهو داعينا، وكلما أطعنا كان له مثل أجورنا، ومن جهة ما يصل إليه من الرحمة باستجابة الله دعاء الأمة، مع ما يزيده الله إياه من فضله. وهذه الحقوق الثابتة بعد موته هي تبع لرسالته فإنه هو السفير والواسطة","vol":"1","page":276},{"text":"بيننا ولون الله تعالى في تعليمنا وانتفاعنا بما علمنا من علم الله وخبره، وفي أمرنا وإرشادنا إلى ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبذلك حصل لمن آمن به واتبعه سعادة الدنيا والآخرة.\nبل أعظم نعمة أنعم الله بها على المؤمنين أن أرسله إليهم وأنزل عليه الكتاب، ومنَّ عليهم باتباعه. فليس في الدنيا خير أعظم من هذا (^١).\nوبعد فهذا أنموذج من فهم السلفي لنوع العلاقة التي تربط الأمة بنبيها وهو فهم أوجبته النصوص الشرعية وأكدته وأوا فمحته ورسمته، فليس لنا أن نحيد عنه أو نبدل فيه.\nوهو فهم أعطى لكل ذى حق حقه كما أوجب ربنا وشرع في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فحق الله هو توحيده، تجريد العبادة له ﵎.\nوحق الرسول الإيمان به وطاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك مما سبق ذكره.\nوعن هذا التوازن في وضع الأمور في نصابها الذي أوجبه الله تعالى علينا يقول ابن القيم: \"والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب أن تجريد التوحيد أن لا يعطى الخلوق شيئا من حق الخالق وخصائصه، فلا يعبد، ولا يصلى له، ولا يسجد ولا يحلف باسمه، ولا ينذر له، ولا يتوكل عليه، ولا يؤله ولا يقسم به على الله، ولا يعبد ليقرب إلى الله زلفى، ولا يساوى برب العالمين في قول قائل: ما شاء الله وشئت، وهذا منك ومن الله، وأنا بالله وبك، وأنا متوكل على الله وعليك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، وهذا من صدقاتك وصدقات الله، وأنا تائب إلى الله وإليك، وأنا في حسب الله\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ١٠٨ - ١١٢) بتصرف يسير.","vol":"1","page":277},{"text":"وحسبك، فيسجد للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم يحلق رأسه له، ويحلف باسمه، وينذر له، ويسجد لقبره بعد موته، ويستغيث به في حوائجه ومهماته، ويرضيه بسخط الله، ولا يسخطه في رضا الله، ويتقرب إليه أعظم مما يتقرب إلى الله ويحبه ويخافه ويرجوه أكثر مما يحب الله ويخافه ويرجوه أو يساويه.\nفإذا هضم الخلوق خصائص الربوبية، وأنزله منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقصًا له ولا حطًا من مرتبته ولو رغم المشركون.\nوقد صح عن سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله\" (^١).\nوقال ﷺ: \"لا تتخذوا قبرى عيدا\" (^٢).\nوقال ﷺ: \"اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد\" (^٣).\nوقال ﷺ: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان\" (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٧٦٢٦)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي برقم (٣٠)، وصححه الألباني في تحذير الساجد (ص ١٤١).\n(^٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ برقم (٤١٤) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٥٨٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨). وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفس (١٥/ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفس (٥/ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن لا يقال خبثت نفس (٥/ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشاء فلان (ص ٥٤٤) ح ٩٨٥. وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. رياض الصالحين (ص ٦١١).","vol":"1","page":278},{"text":"وعن عدى بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ: \"بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله\" (^١).\nوقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: \"أجعلتني لله ندا؟ \" (^٢).\nوقال له رجل قد أذنب: الله إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال: \"عرف الحق لأهله\" (^٣).\nوقد قال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\nوقال: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nوقال: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩].\nوقال: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَدًا واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن] أي لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه. وقال لابنته فاطمة وعمه العباس وعمته صفية (^٤): \"لا أملك لكم من الله شيئا\" (^٥) وفي لفظ:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٣/ ١٢ - ١٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٥٤٥ (ح ٩٨٧).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤٣٥).\n(^٤) صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية عمة رسول الله ﷺ، والدة الزبير بن العوام، وهي شقيقة حمزة، أسلمت وهاجرت مع ولدها الزبير وروت وعاشت إلى خلافة عمر. الإصابة (٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب من انتسب لآبائه في الإسلام والجاهلية. برقم (٣٥٢٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ برقم (٢٠٤).","vol":"1","page":279},{"text":"\"لا أغني عنكم من الله شيئا\" (^١).\nفعظم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم، وأبوا ذلك كله، وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا كله، وزعموا أن من سلبهم ذلك فقد هضمهم مراتبهم وتنقصهم، وقد هضموا جانب الإلهية غاية الهضم وتنقصوه فلهم نصيب وافر من قوله تعالى ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر] (^٢).\nوقال أيضا ﵀ في قصيدته النونية المسمَّاة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:\nيا من له عقل ونور قد غدا … يمشي به في الناس كل زمان\nلكننا قلنا مقالة صارخٍ … في كل وقت بينكم بأذان\nالرب رب والرسول فعبده … حقا وليس لنا إله ثان\nفلذاك لم نعبده مثل عبادة الرحـ … ـمن فعل المشرك النصراني\nكلا ولم نغلُ الغلو كما نهى … عنه الرسول مخافة الكفران\nلله حق لا يكون لغيره … ولعبده حق هما حقان\nلا تجعلوا الحقين حقا واحدا … من غير تمييز ولا فرقان\nفالحج للرحمن دون رسوله … وكذا الصلاة وذبح ذي القربان\nوكذا السجود ونذرنا ويمينُنا … وكذا متَابُ العبد من عصيانِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب. برقم (٢٧٥٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (٢٠٤).\n(^٢) الروح لابن القيم (٢/ ٧٦٦، ٧٦٧).","vol":"1","page":280},{"text":"وكذا التوكل والإنابة والتقى … وكذا الرجاء وخشية الرحمن\nوكذا العبادة واستعانتنا به … إياك نعبد ذاك توحيدان\nوعليهما قام الوجود بأسره … دنيا وأخرى حبذا الركنان\nوكذلك التسبيح والتكبير والتهليل … حق آلهنا الديان\nلكنما التعزير والتوقير … حق للرسول بمقتضى القرآن\nوالحب والإيمان والتصديق لا … يختص بل حقان مشتركان\nهذى تفاصيل الحقوق ثلاثة … لا تجهلوها يا أولى العدوان\nحق الإله عبادة بالأمر لا … بهوى النفوس فذاك للشيطان\nمن غير إشراك به شيئا هما … سببا النجاة فحبذا السببان\nورسوله فهو المطاع وقوله المقبول … إذ هو صاحب البرهان\nوالأمر منه الحتم لا تخيير فيه … عند ذي عقل وذي إيمان\nمن قال قولا غيره قمنا على … أقواله بالسَّبْرِ والميزان\nإن وافَقَتْ قول الرسول وحُكمه … فعلى الرؤوس تشال كالتيجان\nأو خالفت هذا رددناها على … من قالها من كان من إنسان\nأو أشكلت عنا توقفنا ولم … نجزم بلا علم ولا برهان\nهذا الذي أدى إليه علمنا … وبه ندين الله كل أوان\nفهو المطاع وأمره العالى على … أمر الورى وأمر ذى السلطان\nوهم المقدم في محبتنا على … الأهلين والأزواج والولدان\nوعلى العباد جميعهم حتى على … النفس التي قد ضمها الجنبان\nونظير هذا قول أعداء المسيح … من النصارى عابدى الصلبان\nإنا تنقَّصنا المسيح بقولنا … عبدٌ وذلك غاية النقصان\nلو قلتم ولد إله خالق … وفَّيتموه حقه بوزان","vol":"1","page":281},{"text":"وكذاك أشباه النصارى مُذْ غَلَوْا … في دينهم بالجهل والطغيان\nصاروا معادين الرسول ودينه … في صورة الأحباب والإخوان\nفانظر إلى تبديلهم توحيده … بالشرك والإيمان بالكفران\nوانظر إلى تجريده التوحيد من … أسباب كل الشرك بالرحمن\nواجمع مقالتهم وما قد قاله … واستدع بالنَّقَّاد والوزَّان\nعقلٍ وفطرتك السليمة ثم زن … هذا وذا لا تطغ في الميزان\nفهناك تعلم أي حزبينا هو … المتنقص المنقوص ذو العدوان\nرامي البريء بدائه ومصابه … فعل المباهت أوقح الحيوان\nكمعير للناس بالزغل الذي … هو ضربه فاعجب لذا البهتان\nيا فرقة التنقيص بل يا أمة الدعوى … بلا علم ولا عرفان\nوالله ما قدمتم يوما مقالته … على التقليد للإنسان\nوالله ما قال الشيخ وقال … إلا كنتم معهم بلا كتمان\nوالله أغلاط الشيوخ لديكم … عين الصواب ومقتضى البرهان\nولذا قضيتم بالذي حكمت به … جهلا على الأخبار والقرآن\nوالله إنهم لديكم مثل معصوم … وهذا غاية الطغيان\nتبا لكم ماذا التنقص بعد ذا … لو تعرفون العدل من نقصان\nوالله ما يرضيه جعلكم له … تُرْسًا لشرككم وللعدوان\nوكذاك جعلكم المشايخ جنة … لخلافه يشهده أولو الايمان\nوالله ما عظمتموه طاعة … ومحبة يا فرقة العصيان\nأنَّى وجهلكم به وبدينه … وخلافكم للوحي معلومان\nأوصاكم أشياخكم بخلافهم … لوفاقه في سالف الأزمان\nخالفتم قول الشيوخ وقوله … فغدا لكم خلفان متفقان","vol":"1","page":282},{"text":"والله أمركم عجيب مُعْجِبٌ … ضدان فيكم ليس يتفقان\nتقديم آراء الرجال عليه مع … هذا الغلو فكيف يجتمعان؟\nكفرتم من جرد التوحيد جهلا … منكم بحقائق الإيمان\nلكن تجردتم لنصر الشرك والبدع … المضلة في رضى الشيطان\nوالله لم نقصد سوى التجريد للتوحـ … ـيد ذاك وصية الرحمن\nورضى رسول الله منا لا غلـ … ـو الشرك أصل عبادة الأوثان\nوالله لو يرضى الرسول دعاءنا … إياه بادرنا إلى الإذعان\nوالله لو يرضى الرسول سجودنا … كنا نَخِرُّ له على الأذقان\nوالله ما يرضيه منا غير إخـ … ـلاص وتحكيم لذا القرآن\nولقد نهي ذا الخلق عن إطرائه … فعل النصارى عابدي الصلبان\nولقد نهانا أن نصيِّر قبره … عيدا حذار الشرك بالرحمن\nودعا بأن لا يجعل القبر الذي … قد ضمه وثنا من الأوثان\nفأجاب رب العالمين دعاءه … وأحاطه بثلاثة الجدران\nحتى اغتدت أرجاؤه بدعائه … في عزة وحماية وصيان\nولقد غدا عند الوفاة مصرحا … باللعن يصرخ فيهم بأذان\nوعنى الأُلى جعلوا القبور مساجدا … وهم اليهود وعابدوا للصلبان\nوالله لولا ذاك أبرز قبره … لكنهم حجبوه بالحيطان\nقصدوا إلى تسنيم حجرته ليمتنـ … ـع السجود له على الأذقان\nقصدوا موافقة الرسول وقصده … التجريد للتوحيد للرحمن (^١).\n_________\n(^١) انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم (٢/ ٣٤٦ - ٣٥٤).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>الفصل الثاني بيان الأمور التي حصل فيها غلوٌّ في حقه ﷺ وحكم الشرع فيها</span>\nوفيه: تمهيد، وستة مباحث","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>تمهيد:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف].\nوقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\nوقال تعالى: ﴿ولا أقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١].\nوقال تعالى: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلَّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن].\nبرغم هذه الآيات البينات والبراهين الواضحات التي تبين وتفصل بين ما هو حق للرسول وما ليس له بحق، وما يملكه الرسول وما لا يملكه وأمثالها في القرآن الكريم كثير جدا.\nيأبى أناس إلا معصية الله ورسوله ومخالفة ما جاءت به النصوص؛ إتباعا لأهوائهم وسلوكا لسبيل الشيطان، فقد غلوا في حق النبي ﷺ","vol":"1","page":287},{"text":"وتنوع غلوهم وتفاوت حتى وصل في كثير من أنواعه إلى درجة الإشراك بالله تعالى.\nوسأذكر في هذا الفصل نماذج من هذا الغلو الحاصل مع الإشارة إلى وجه مخالفتها للنصوص الشرعية والرد عليها.\n* * *","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>المبحث الأول نماذج من الغلو الحاصل في شأن النبي ﷺ </span>-\n<span data-type='title' id=toc-87>أ - ما يسمَّى بـ (الحقيقة المحمدية):</span>\nوهي أسطورة من أساطير الصوفية، نسجها خيالهم المريض، وأوهامهم الفاسدة، فهي كذبة ليس لها رصيد من الواقع، بل هي مناقضة تمامًا لما أخبر به الله تعالى وقرره في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nأما عن فحوى هذه الأسطورة فيقول قائلهم: \"اعلم أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها … ثم انبخست منه ﷺ عيون الأرواح فهو الجنس العالي على جميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات\" (^١).\nويقول آخر: \"اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسماوات وأراضين وجنات وحجبا وما فوقها وما تحتها إذا اجتمعت كلها وجدت بعضا من نور النبي، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت وتساقطت\" (^٢).\nوفي هذا يقول شاعرهم:\nأنشاك نورًا ساطعًا قبل الورى … فردًا لفرد، والبرية في عدم\n_________\n(^١) الأنوار المحمدية (ص ٩).\n(^٢) هذه هي الصوفية (ص ٨٧).","vol":"1","page":289},{"text":"ثم استمد جميع مخلوقاته … من نورك السامي، فيا عظم الكرم\nفلذا إليك الخلق تفزع كلهم … في هذه الدنيا، وفي اليوم الأهم\nوإذا دعتهم كربة فرجتها … حتى سوى العقلاء في ذاك انتظم (^١)\nوهذا الزعم الباطل تضمن ثلاث دعاوى كلها كذب وافتراء.\nالدعوى الأولى: دعوى أن النبي ﷺ خلق من نور رب العالمين.\nالدعوى الثانية: أنه وجد قبل خلق آدم.\nالدعوى الثالثة: أن الأشياء خلقت منه.\nوكل دعوى من هذه الدعاوى هي أكذب من أختها، وقد قال بها جميعًا بعض الغلاة المنتسبين إلى الإسلام مضاهاة لقول النصارى في عيسى، ويروون في ذلك أحاديث، وكلها كذب، فمن هؤلاء الغلاة من يروى عن النبي ﷺ أنه قال: \"من قال إني كلي بشر فقد كفر، ومن قال لست ببشر فقد كفر\" وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم بالحديث (^٢).\nومنهم من يروى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول حملة\n_________\n(^١) الأبيات لأحمد بن عبد المنعم الحلواني من قصيدته المستجيرة (نقلا عن كتاب هذه الصوفية) (ص ٨٧).\n(^٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١) (بتصرف).","vol":"1","page":290},{"text":"العرش، ومن الثاني: الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأراضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربع أجزاء فخلق من الأول أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله\" (^١).\nوهذا الحديث باطل قال عنه السيوطي: \"ليس له إسناد يعتمد عليه\" (^٢).\nولا يخفي على من له أدني معرفة بنصوص القرآن والسنة ما في هذا الخبر المكذوب من المخالفات والمغالطات، ولا يشك طالب علم في وضعه واختلاقه. وكذلك مما يرونه \"كنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذا مما لا أصل له لا من نقل ولا من عقل فإن أحدًا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.\nثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﷺ كان حينئذ موجودًا وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة مثل حديث فيه\" أنه كان نورًا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور\" (^٣).\nومن العجيب أن كثيرا من الناس صاروا يتناقلون مثل هذه الأخبار المفتراة حتى أصبحت عندهم عقيدة راسخة في قلوبهم.\nومما يبين كذب هذه الدعاوى ويظهر زيفها مخالفتها لنصوص الكتاب والسنة.\n_________\n(^١) الأنوار المحمدية (ص ١٣).\n(^٢) الحاوي للفتاوى (١/ ٣٢٥).\n(^٣) الرد على البكري (ص ٨ - ٩).","vol":"1","page":291},{"text":"فقد أخبرنا ﷿ عن أصل ما خلق منه الإنس والجن فقال تعالى ﴿خَلَقَ الأِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كالفَخّارِ وخَلَقَ الجانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ [الرحمن].\nوالنبي ﷺ بشر خلق مما خلق منه باقي البشر فلا ميزة له في هذا الشأن عن باقي البشر قال تعالى ﴿سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء] وقال تعالى ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف].\nوالآيات في هذا الشأن، وفي شأن خلق السموات والأرض وكذا الأحاديث الثابتة كثيرة وكلها تخالف هذا الخبر المذكور وتبين زيفه وبطلانه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-88>ب - دعوى أن الدنيا خُلقت من أجل النبي ﷺ </span>-:\nوفي هذا يقول قائلهم:\nوكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من … لولاه لم تخرج الدنيا من العدم (^٢)\nوقول الآخر ممن هو من نقطة وشكله:\nلولاه ما خلقت شمس ولا قمر … ولا نجوم ولا لوح ولا قلم (^٣)\nويستند هؤلاء على أحاديث موضوعة وأخبار مكذوبة منها حديث: \"لولاك ما خلقت الأفلاك \"وهو موضوع (^٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله إلى عيسى يا عيسى آمن\n_________\n(^١) انظر في هذا الشأن رسالة تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق.\n(^٢) ديوان البوصيري (ص ٢٤٠)، تنبيه الحذاق (ص ٢٧).\n(^٣) تنبيه الحذاق (ص ٢٧).\n(^٤) قاله الصغاني في الأحاديث الموضوعة (ص ٧)، وانظر الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني (ص ٣٢٦) وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رقم ٢٨٢.","vol":"1","page":292},{"text":"بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت جنة ولا نار … \" (^١).\nوهذه الأحاديث الموضوعة وأمثالها لا يمكن أن يعول عليها في إثبات أمر شرعي كهذا.\nأضف إلى ذلك مخالفتها للشرع فالذي تدل عليه النصوص الشرعية أن الله ﷿ إنما خلق الجن والإنس لغاية ذكرها في القرآن الكريم حيث قال ﷿ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات].\nقال ابن كثير: \"ومعني الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ومن عصاه عذبه أشد العذاب\" (^٢). وقال تعالى ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].\nوقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].\nوقال تعالى ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف].\nفصرح جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق\n_________\n(^١) لا أصل له مرفوعًا إنما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٤، ٦١٥) من طريق عمرو بن أوس الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: فذكره موقوفا وقال: \"صحيح الإسناد\" وتعقبه الذهبي بقوله \"أظنه موضوعًا على سعيد\".\nوقد قال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٦) عند ترجمته لعمرو بن أوس الذي روى هذا الحديث عن سعيد ما نصه: \"عمرو بن أوس يجهل حاله أتى بخبر منكر، أخرجه الحاكم في مستدركه، وأظنه موضوعًا من طريق جندل بن والق\" ثم ذكر نص هذا الحديث. ووافقه ابن حجر في اللسان (٤/ ٣٥٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٨).","vol":"1","page":293},{"text":"هي اختبارهم وابتلاؤهم ليجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.\nفهذه هي الحكمة من خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا (^١).\nوالنصوص من آيات وأحاديث كلها تؤكد هذا الأمر وتدل عليه، وفي الوقت نفسه تبطل ما زعمه الغلاة من أن الغاية من خلق الخلق هي من أجل محمد ﷺ.\nفهذه الدعاوى يعرف بطلانها من له أدني بصيرة في نصوص الشرع والنبي ﷺ قد أعطاه الله خصائص وفضائل كثيرة تدل على فضله ومكانته، فليس هو بحاجة إلى أن ترفع مكانته ويبين شرفة بمثل هذه الأخبار الباطلة الموضوعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>ج - دعوى الغلاة: جواز صرف بعض جوانب العبادة له ﷺ </span>-:\nوقد تفنن الغلاة في هذا.\n\"فمن قائل يقول إنه يستغاث به في كل يستغاث فيه بالخالق بمعنى أنه يطلب منه كما يطلب من الخالق.\nفهؤلاء جعلوا الرسول ﷺ يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله تعالى.\nفآذوا الرسول وأساؤا في حقه إذ سألوه ما لا يقدر عليه مخلوق، وسوَّوه برب العالمين وسلطوا عليه العامة، فهذا يطلب منه إنزال المطر، وهذا يطلب منه غفران الذنوب، وهذا يطب منه النصر على الأعداء، وهذا يطلب منه أن يتزوج، وهذا يطلب منه الولد.\nوهذا يطلب منه المعيشة وهذا يطلب منه الملك، وهذا يطلب منه الولاية، وهذا يطلب منه قضاء دينه، وهذا يطلب منه شفاء مريضه إلى غير ذلك من الأمور فنزلوا المخلوق منزلة الإله وطلبوا منه من جلب\n_________\n(^١) انظر أضواء البيان (٧/ ٦٧٣ - ٦٧٧).","vol":"1","page":294},{"text":"المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله\" (^١).\nومن نظم بعضهم في هذا قوله:\nيا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم\nولن يضيق رسول الله جاهك بي … إذا الكريم تجلى باسم منتقم\nفإن لي ذمة منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذم\nإن لم يكن في معادى آخذا بيدي … فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم (^٢)\nفنفى أن يكون له ملاذ إذا حلَّت به الحوادث، إلا النبي ﷺ وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا إياه ﷾.\nودعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك الشرك في الإلهية (^٣).\nومن شعر بعضهم قوله:\nماذا تعامل يا شمس النبوة من … أضحى إليك من الأشواق في كبدي\nفامنع جناب صريع لا صريخ له … نائي المزار غريب الدار مبتعدي\nحليف ودك واه الصبر منتظر … لغارة منك يا ركني ويا عضدي\nأسير ذنبي وزلَّاتي ولا عمل … أرجو النجاة به إن أما لم تجد\nوجرى في شركه وإلى أن قال:\nوحل عقدة كربي يا محمد من … هم على خطرات القلب مطرد\nأرجوك في سكرات الموت تشهدني … كيما يهون إذ الأنفاس في صعد\nوإن نزلت ضريحًا لا أنيس به … فكن أنيس وحيد فيه منفرد\nوارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن … يليه من أجله وانعشه وافتقد\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٣٣٥، ٣٣٦) بتصرف.\n(^٢) ديوان البوصيري (ص ٢٤٨).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٧).","vol":"1","page":295},{"text":"وإن دعا فأجبه واحم جانبه … من حاسد شامتٍ أو ظالم نكد\nوقوله من أخرى:\nيا رسول الله يا ذا الفضل يا … بهجة الحشر جاهًا ومقاما\nعد على عبد الرحيم الملتجى … بحمى عزك يا غوث اليتامى\nوأقِلني عثرتي يا سيدي … في اكتساب الذنب في خمسين عاما\nوقوله:\nيا سيدي يا رسول الله يا أملي … ويا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني\nهبني بجاهك ما قدت من زلل … جودا أو رجح بفضل منك ميزاني\nواسمع دعائي واكشف ما يساورني … من الخطوب ونفسه كل أحزاني\nفأنت أقرب من ترجى عواطفه … عندي وإن بُعدت داري وأوطاني\nإني دعوتك من نيابتي برع … وأنت اسمع من يدعوه ذو شأن\nفامنع جنابي وأكرمني وصل نسبى … برحمة وكرامات وغفران\nلقد أنسانا هذا ما قبله، وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى ﵇، إلا أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطلقه ولكن أتى بلباب دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم، إذ في الاسم نوع تمييز، فرأى الشيطان أن الإتيان بالمعني دون الاسم أقرب إلى ترويج الباطل، وقبوله عند ذوى العقول السخيفة، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية أن دعوى النصارى في عيسى ﵇ كفر، فلو أتاهم بدعوى النصارى اسما ومعنى لردوه وأنكروه، فأخذ المعنى وأعطاه البرعى وإضرابه، وترك الاسم للنصارى وإلا فما ندرى ماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث للخالق تعالى وتقدس من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب، فالله المستعان (^١).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (١٨٩، ١٩٠).","vol":"1","page":296},{"text":"ويقول صاحب المواهب اللدنية: وينبغي للزائر - لقبره - أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل والتوجه به لا فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه فإن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه للنبي ﷺ واقع في كل حال كل خلقه وبعده في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة (^١).\nومن هؤلاء من يرى أن زيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الحج إلى الكعبة وأن دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به أفضل من الاستغاثة بالله تعالى ودعائه (^٢).\nومنهم من يظن أن الرسول يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله\" (^٣).\n* ومنهم من يقول \"إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان\" يريدون بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، ولا من مكان إلا هو فيه موجود (^٤).\n* ومنهم من يقول: \"إنه يحضر في كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته\" (^٥).\n* ومنهم من يقول في قوله تعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح].\n_________\n(^١) انظر الأنوار المحمدية (ص ٦٠٤).\n(^٢) الرد على البكري (ص ٣٤٩).\n(^٣) الرد على البكري (ص ٣٠).\n(^٤) غاية الأماني (١/ ٤٨).\n(^٥) هذه هي الصوفية (ص ٨١).","vol":"1","page":297},{"text":"يقول: إن الرسول هو الذي يصبح بكرة وأصيلا.\n* ومنهم من يقول: أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت.\nدع ما ادَّعته النصارى في نبيهم … واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم\nوانسب إلى ذاته ما شئت من شرف … وانسب إلى قدره ما شئت من عظم\nفإن فضل رسول الله ليس له … حد فيُعرب عنه ناطق بفم\nلو ناسبت قدره آياته عظما … أحيا اسمه حين يدعى دارس الرم (^١).\n* ومنهم من يقول نحن نعبد لله ورسوله فيجعلون الرسول معبودا (^٢).\nبل لم يكتف غلاة الصوفية بهذا القدر حتى اعتقدوا أنه هو الله سبحانه ذاتًا وصفة (^٣).\nوكُتُب أصحاب البدع وعبَّاد القبور مملؤة بالكثير من أنواع هذا الغلو وألوانه والذي لا يشك الموحد بكذبه وبطلانه.\nوسأتطرق في المباحث القادمة للرد على أشهر تلك الأنواع، فنسأل الله الإعانة على ذلك.\n_________\n(^١) ديوان البوصيري (ص ٢٤١).\n(^٢) الرد على البكري (ص ٢١٩).\n(^٣) هذه هي الصوفية (ص ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>المبحث الثاني حكم التوسل والاستغاثة والاستشفاع بالنبي ﷺ </span>-\nوفيه تمهيد وثلاثة مطالب\n\n<span data-type='title' id=toc-91>تمهيد:</span>\nقبل التعرض لبيان حكم الشرع في هذه المسائل يجدر التنبيه على نقطة هامة جدا تتعلق بالمعاني التي استعملت فيها هذه الألفاظ في هذه المواضع. ذلك أن كل من لفظ \"التوسل\" و\"الشفاعة\" و\"الاستغاثة\" قد ورد ذكرها في القرآن والسنة وكلام الصحابة واستعملت لمعاني معينة.\nولكن الذي حدث بعد ذلك أن أهل البدع والأهواء أحدثوا اصطلاحات ومعاني لهذه الألفاظ خلافا لما كانت تستعمل فيه من معان في خطاب الشرع وعرف الصحابة آنذاك، قاصدين بذلك استعمال الأدلة الشرعية بما يوافق أهوائهم وأغراضهم، ومن ثم لبسوا على الناس وأفهموهم أن تلك الألفاظ لم ترد إلا لتلك المعاني التي أحدثوها هم، وهذا التلاعب بمعاني تلك الألفاظ هو الذي سهل على أهل البدع استعمال تلك النصوص في حججهم وسهل على عامة الناس تقبل تلك البدع لظنهم أن تلك النصوص دالة على تلك المعاني الباطلة.\nولذا كان من الواجب عند بيان الحق في هذه المسائل أن نبين المعني الشرعي لتلك الألفاظ ونحذر من المعاني المبتدعة المحدثة (فالألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الشارع","vol":"1","page":299},{"text":"بها ليثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني) (^١) ويجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن لم يعرف لغة الصحابة التي يتكلمون بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه.\nفإن كثيرا من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك.\nوهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.\nوآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم، ويقولون إنا موافقون للأنبياء\" (^٢).\nولفظ \"التوسل\" و\"الاستشفاع\" ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول وأصحابه، ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم (^٣).\nوبناء على ما تقدم فإني أجد لزامًا عليَّ في هذا المقام أن أبين مراد الشارع بألفاظ التوسل والشفاعة والاستغاثة ليتضح ما أثبته الشارع من المعاني ومما نفاه وذلك حتى يستنير الحق لطالبه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٤).\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٨).","vol":"1","page":300},{"text":"فهذه النقطة هي موضع اللبس عند كثير من الناس، فمتى ما وضحت زالت الغشاوة عن الأفهام، وأمكن بالتالي فهم النصوص وفق مراد الشارع وأمره فهنا مكمن الداء والدواء. وأول ما نشرع به من هذه الألفاظ لفظ \"التوسل\".","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>المطلب الأول الكلام على مسألة التوسل</span>\nالتوسل في اللغة: التقرب.\nوالوسيلة: هي ما يتقرب به إلى الشيء (^١) وتطلق على غير ذلك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لفظ الوسيلة\" و\"التوسل\" فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه.\nفيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه.\nوما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك.\nويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه.\nفإن كثيرًا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب.\nفلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].\nوفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ولا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء].\nفالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.\nفهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب\n_________\n(^١) لسان العرب (١١/ ٧٢٤) مادة \"وسل\".","vol":"1","page":302},{"text":"ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا.\nفالواجب والمستحب: هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.\nفجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.\nوالثاني: لفظ \"الوسيلة\" في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ: \"سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة\" (^١).\nوقوله \"من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وبعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة\" (^٢).\nفهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد. وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال: \"إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه برقم (٣٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الدعاء عند الأذان برقم (٦١٤)\n(^٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم (٦١)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٦٤٣).","vol":"1","page":303},{"text":"وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته \"والتوسل به\" في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به ثلاث معان.\nيراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد معنى ثالث لم ترد به السنة. فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء.\nفأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام والدين وهو التوسل بالإيمان به وطاعته وهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به، ولا ينكره أحد من المسلمين.\nوهو المراد بقوله تعالى ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ أي القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله طاعته قال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].\nوالثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. ومن هذا قول عمر بن الخطاب: \"اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا\" (^١). أي بدعائه وشفاعته.\nفإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا حديث (١٠١٠) وكتاب فضائل الصحابة باب ذكر العباس بن عبد المطلب ﵃ حديث (٣٧١٥).","vol":"1","page":304},{"text":"في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائمًا.\nوأما المعنى الثالث الذي لم ترد به سنة فهو: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم.\nوإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عمن ليس قول حجة (^١).\nوليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث - لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره - وإنما يوجد في الكتب التى عرف أن فيها كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون (^٢).\nوالأحاديث التي تروى في هذا الباب - وهو السؤال بنفس المخلوقين - هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها (^٣).\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (^٤) عددا من الأحاديث والآثار التي استدل بها من أجاز التوسل بالذوات وبين ضعف حججهم وقال: \"ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يعتمد عليه في مسألة شرعية، باتفاق أهل المعرفة\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٧٩، ٨٠) بتصرف يسير.\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٦٠).\n(^٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١٦٤).\n(^٤) انظر (ص ١٦٤ إلى ٢٣٠).","vol":"1","page":305},{"text":"بحديثه، بل المروى في ذلك إنما يعرفه أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات، إما تعمدًا من واضعه وإما غلطًا منه\" (^١).\nويتضح من النقول السابقة أن التوسل ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التوسل الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية.\nالقسم الثاني: التوسل البدعي الذي لم يثبت به نص شرعي.\nوالتوسل الشرعي الذي جاءت به النصوص على نوعين:\nالنوع الأول: التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، أو بتعبير آخر التقرب إلى الله بطاعته.\nالنوع الثاني: التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.\nفالتوسل الشرعي في النوع الأول: \"هي الوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه قال تعالى ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] وهي التقرب إلى الله بطاعته وهذا النوع يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي ﷺ وطاعته.\nوهذا النوع من التوسل فرض على كل أحد (^٢)، ويكون مراد التوسل به أحد أمرين:\n١ - أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وسيأتي بيان ذلك.\n٢ - التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول ﷺ هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة (^٣).\n_________\n(^١) قاعدة جليلة (ص ١٨٠).\n(^٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٩).\n(^٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٤٠، ٢٤١).","vol":"1","page":306},{"text":"والأعمال التي يتوسل ويتقرب بها إلى الله أنواع منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-93>١ - التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله ﷺ وبكل ما أمر به:</span>\nمثال ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون]. وقوله تعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران] فهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.\nوكذا التوسل بالإيمان بالرسول ﷺ كأن يقول العبد اللهم إني أسألك بإيماني برسولك محمد ﷺ أن تعطني كذا، أو تدفع عني كذا.\nوكذا التوسل باتباعه وطاعته ﷺ فيما جاء به من ربه ﷿.\nوهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطنًا وظاهرًا، في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته، في مشهده ومغيبة، ولا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال - بعد قيام الحجة عليه - ولا بعذر من الأعذار، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته (^١).\nفإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبينا ومحبته ومولاته واتباع سنته فهو من أعظم الوسائل.\nفالأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، فإذا توسلنا إلى الله بالأعمال الصالحة كنا متوسلين إليه بوسيلة كما قال تعالى ﴿يَا أيُّهَا\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٣ - ٤).","vol":"1","page":307},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] فالوسيلة هي الأعمال الصالحة.\nأما سؤال الله بمجرد ذات النبي فغير مشروع، لأننا إذا توسلنا إلى الله بنفس ذاته لم يكن في نفس ذاته سبب يقتضى إجابة دعائنا ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي ﷺ نقلا صحيحًا ولا متواترًا ولا مشهورًا عن السلف. فنحن إنما ننتفع باتباعنا له ومحبتنا له، وهو له عند الله من الدرجة والمنزلة أمر يعود نفعه إليه، فالتوسل به من غير متابعة له في الأعمال لا يجوز أن يكون وسيلة (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولا يتوسل إلى الله بمجرد ذات أحد من خلقه من غير دعاء من المتوسل به ولا طاعة من المتوسل\".\nوالداعي إنما ينتفع من وجهين:\nإما بدعاء الرسول له، أو بإيمان الداعي به وطاعته ومحبته.\nفإذا كان الرسول ﷺ لم يدع له، وهو لم يؤمن به، لم ينتفع بالرسول ﷺ. فأبو طالب مع كفره لمَّا كان يحوط الرسول ويمنعه شفع فيه حتى خفف عنه العذاب، وقد كان في غمرة من النار، فلما شفع فيه صار في ضحضاح من النار، وفي رجليه نعلان من النار يغلي منهما دماغه، ولولاه لكان في الدرك الأسفل من النار هكذا رواه مسلم في صحيحه (^٢) فانتفع به مع كفره في تخفيفه عذابه بأن شفع فيه.\nوالإيمان به نافع لمن آمن وإن لم تحصل معه شفاعة.\nفهذان السببان هما اللذان ينفعان العبد من سيد الخلق ﷺ.\nوأما مجرد توسل العبد بذاته أو إقسامه به بدون هذين السببين\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٤٠) بتصرف.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه (٢٠٩).","vol":"1","page":308},{"text":"فلا ينفعه أصلا\" (^١).\nفالوسيلة لون العباد وبين ربهم ﷿ هي الإيمان بالرسل وطاعتهم قال تعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] وقال تعالى ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن] فالله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>٢ - التوسل إلى الله بعبادته وطاعته:</span>\nفالتوسل إلى الله بعبادته وطاعته من أعظم القربات التي يحبها الله ويرضاها من عبده ويثيبه عليها.\nففي الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يرال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه\". الحديث (^٢).\nفيستفاد منه: أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله، وأن العبد إذا أدى الفرائض وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى ولا يكون التقرب بالنوافل إلا بعد أداء الفرائض.\nفالتوسل إلى الله بعمل صالح يفعله العبد خالصًا لله تعالى، من أنواع التوسل المشروع. وذلك كما في قصة أصحاب الغار كما يرويها\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق، باب التواضع برقم (٦٥٠٢).","vol":"1","page":309},{"text":"عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال \"بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل، فانطبقت عليهم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالديّ فسقيتهما قبل بني، وأنه نأى لي ذات يوم الشجر، فلم آت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب فقمت عند رؤسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج لنا منها فرجة نرى منها السماء. ففرج الله منها فرجة فرأوا السماء. وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ففرج لهم. وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيرًا بفرق أرز فلما قضى عمله، قال أعطني حقي فعرضت عليه فرقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعتُ منه بقرًا ورعاءها، فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني حقي فقلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك خذ ذلك البقر ورعائها فأخذه فذهب به، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي ففرج الله ما بقى\" (^١) فهؤلاء الثلاثة سألوا الله وتوسلوا إليه بأعمال البر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب إجابة دعاء من بر والديه برقم =","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>٣ - التوسل بالاستغفار والتسبيح والدعاء:</span>\nوهذا من أفضل ما يتوسل به العبد إلى ربه فقد أثنى الله على المستغفرين من ذنوبهم التائبين إليه كما في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].\nوكان ﷺ يكثر من الاستغفار وحث أمته عليه، وأرشدهم إلى ملازمته لما فيه من إظهار العبودية لله والافتقار إليه والذل والخشوع له ولا شك أن حاجة الأمة إلى الاستغفار والتوبة أشد من احتياجه ﷺ لذلك.\nفقد قال ﷺ: \"يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة\" (^١).\nوعنه ﷺ أنه قال: \"إنه ليغان على قلبي وإني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة\" (^٢). والغين هو ما يتغشى القلب (^٣).\nوأما الدعاء فإنه أقوى وسائل التقرب إلى الله وأفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه فالدعاء مخ العبادة.\nقال تعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر].\n_________\n= (٥٩٧٤)، وأخرجه مسلم في كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال برقم (٢٧٤٣) واللفظ له.\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه برقم (٢٧٠٢).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه برقم (٢٧٠٢).\n(^٣) شرح النووي (١٧/ ٢٣).","vol":"1","page":311},{"text":"وقال تعالى ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذادَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة].\nوالآيات القرآنية التي فيها الأمر بالتوجه إلى الله وحده بالدعاء كثيرة جدًّا.\nويدخل في هذا النوع التوسل إلى الله بدعائه باسم من أسمائه الحسنى أو بصفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطف الخبير أن تعافيني.\nأو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي.\nومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبك لمحمد ﷺ .. فإن الحب من صفاته تعالى.\nقال الله تعالى ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والمعني ادعوا الله متوسلين إليه بأسمائه الحسني، ولا شك أن صفاته العليا داخلة في هذا الطلب لأن أسمائه الحسني صفات له، خصت به ﵎ (^١).\nومن ذلك ما ذكره تعالى من دعاء سليمان ﵇ حيث قال ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل].\nوأما النوع الثاني: من أنواع التوسل المشروع فهو: التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.\nكأن يطلب العبد ممن يظن فيه الصلاح والتقوى والعلم بالكتاب والسنة أن يدعو له لما يريده من أمور الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) كتاب التوسل أنواعه وأحكامه (٢٩، ٣٠).","vol":"1","page":312},{"text":"فهذا النوع من أنواع التوسل إجازته الشريعة المطهرة وأرشدت إليه.\nفعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا.\nقال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: \"اللهم اسقنا، اللهم اسقنا\".\nقال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع (^١) من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال والله ما رأينا الشمس سبتًا.\nثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: \"اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر قال: فانقطعت، وخرجنا نمشى في الشمس\" (^٢).\nوعن أنس ﵁ \"أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون\" (^٣).\n_________\n(^١) سلع -بالفتح ثم السكون آخره عين مهملة-: جبل معروف بالمدينة. وفاء الوفاء (ص ١٢٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع برقم (١٠١٣)، انظر: فتح الباري (٢/ ٥٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام … برقم (١٠١٠).","vol":"1","page":313},{"text":"وهكذا يتضح لنا جليا أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل السلف الصالح وأجمع عليه المسلمون هو:\n\n<span data-type='title' id=toc-96>١ - التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة وعلى رأسها:</span>\nأ - التوسل بالإيمان بالله وبرسوله وبكل ما أمر به.\nب - التوسل إلى الله بعبادته وطاعته.\nج - التوسل إلى الله بالاستغفار والتسبيح والدعاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>٢ - التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.</span>\nوأما ما عدا هذه الأنواع فهي توسلات بدعية، وذلك كالتوسل بذوات المخلوقين، أو جاههم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وسواء كانوا أحياء أم أمواتًا، وسواء كانوا أنبياء أم صالحين أم كانوا من عامة المؤمنين والذي نعتقده وندين الله به أن هذا غير جائز ولا مشروع، لأنه لم يرد فيه دليل تقوم به الحجة.\nولا يجوز للمسلم أن يتقرب إلى الله ويتوسل إليه بغير ما شرعه في كتابه أو على لسان رسوله.\nوفيما شرعه الله ورسوله الغنية عن غيره من التوسلات البدعية والشركية.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>المطلب الثاني: الكلام على مسألة الشفاعة</span>\n<span data-type='title' id=toc-99>أ - أما الشفاعة فمعناها في اللغة:</span>\nقال صاحب اللسان: \"شفع لي يشفع، شفاعة، وتشفع: طلب.\nوروي عن المبرد وثعلب (^١) أنهما قالا في قوله تعالى ﴿مَنْ ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قالا: الشفاعة الدعاء ههنا.\nوالشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره.\nوشفع إليه: في معنى طلب إليه.\nوالشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب.\nيقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه.\nواسم الطالب: شفيع.\nواستضفعته إلى فلان: أي سألته أن يشفع لي إليه.\nوتشفعت إليه في فلان: فشفعني فيه تشفيعًا\" (^٢).\nويتضح من النقل السابق ما يلي:\n* أن معنى الشفاعة في اللغة: الدعاء والطلب.\n* أن الشفاعة لها أركان أربعة:\n_________\n(^١) واسمه أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني بالولاء، أبو العباس المعروف بثعلب: إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر، ثقة حجة، مات ببغداد سنة ٢٩١ هـ. الأعلام (١/ ٢٦٧).\n(^٢) لسان العرب (٨/ ١٨٤) مادة شفع.","vol":"1","page":315},{"text":"١ - الطلب ٢ - المشفع فيه أي صاحب الحاجة، ٣ - الشافع أو الشفيع، ٤ - المشفوع إليه.\nوهذه الأركان الأربعة مذكورة في كلام صاحب اللسان حيث قال:\n\"الشفاعة، كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها للغير\" فهناك:\n١ - شفيع، ٢ - ملك، ٣ - حاجة، ٤ - وغير.\n* أن الشفاعة في لغة العرب لابد فيها من طلب الشافع للسائل، فيطلب له ما يطلب من المسؤول المدعو المشفوع إليه.\nقال صاحب اللسان: \"الشافع الطالب لغيره، واسم الطالب: شفيع. وهذا لا يكون إلا بوجود الشافع وحضوره. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة ليس هذا استشفاعا في اللغة\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كثير من العامة يقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره: قد تشفع به. من غير أن يكون المتشفع به شفع له ولا دعا له، بل قد يكون غائبا لم يسمع كلام ولا شفع له. وهذا ليس هو لغة النبي ﷺ وأصحابه وعلماء الأمة بل ولا هو لغة العرب. فإن الاستشفاع: طلب الشفاعة. والشافع: هو الذي يشفع للسائل فيطلب له ما يطلب من المسؤول المدعو المشفوع إليه. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة، بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول. نعم هذا سؤال به، ودعاؤه، ليس هو استشفاعا به\" (^١).\nفالشفاعة في لغة العرب ولغة النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، لابد فيها من \"طلب الشافع\" وهذا لا يكون إلا بوجوده وحضوره.\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":316},{"text":"وأما توسل الشخص في دعائه بنبي أو غيره، وتسمية بعض المبتدعة لهذا استشفاعا أي سؤالا بالشافع، وصاروا يقولون: استشفع به فيشفعك، أي يجيب سؤالك به، فهذا من تغيير معني الشفاعة في اللغة والشرع، وأصحابه أرادوا أن يغيروا اللغة كما غيروا الشريعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ب - معنى الشفاعة في خطاب الشارع:</span>\nمعنى الشفاعة في استعمال الشارع هو الدعاء كما ورد في وضع اللغة فمما ورد في ذلك مما رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: \"اللهم أنت ربها وأنت خالقها وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لها\" (^١).\nوعن أنس وعائشة عن النبي ﷺ قال: \"ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه\" (^٢).\nهذا وقد جاءت النصوص الشرعية بذكر نوعين من الشفاعة:\nالنوع الأول: الشفاعة المنفية.\nالنوع الثاني: الشفاعة المثبتة.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>أما النوع الأول: أي الشفاعة المنفية.</span>\nفإنه لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم بأذيال الشفاعة كما قال تعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤٥، ٣٦٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه برقم (٩٤٧).","vol":"1","page":317},{"text":"وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣].\nفقد نفي الله هذه الشفاعة ونزه نفسه عنها، ونفي أن يكون للخلق من دونه من ولى أو شفيع كما قال تعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر].\nوقال تعالى في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾.\nوهذه الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته\" (^١).\nوأصحاب هذه الشفاعة المنفية جعلوا وسائط بين الله وبين خلقه - كالحجاب الذي بين الملك ورعيته - بحيث يكون أولئك الوسائط هم الذين يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فهم يعتقدون أن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك: يسألون الملوك حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبه من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج.\nفمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه: فهو مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١١٨).","vol":"1","page":318},{"text":"وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا وفي القرآن الكريم من الرد على هؤلاء ما لا يتسع المجال لذكره ههنا.\nومعلوم أن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس، يكونون على أحد وجوه ثلاثة:\n١ - إما لإخبارهم من أحوال الناس مما لا يعرفونه.\nأو أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه، فلابد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه.\n٢ - وإما أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج.\nفإذا خاطب الملك من ينصحه، ويعظمه، أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه أو يخافه: تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه.\nوكل هذه الأمور ممتنعة في حق الله تعالى.\nفمن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر.\nبل هو سبحانه يعلم السر وأخفي، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير.\nقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ ولا فِي السَّماءِ﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ ولا فِي السَّماءِ﴾ [إبراهيم]. والله سبحانه ليس له ظهير، ولا ولى من الذل.\nقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأرْضِ وما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وما لَهُ مِنهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ].","vol":"1","page":319},{"text":"وقال تعالى ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء].\nوكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه، وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك.\nوالله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.\nوهو سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nوهو سبحانه لا يرجو أحدًا ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني قال تعالى: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَن فِي الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَمِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وإنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس].\nفالمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند ملوكهم.\nقال تعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس].\nوقال تعالى ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وذَلِكَ إفْكُهُمْ وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف].\nوأخبر عن المشركين أنهم قالوا ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] (^١) المشرك يقصد فيما يشرك به:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٦ - ١٢٩) بتصرف.","vol":"1","page":320},{"text":"١ - أن يشفع له عند الله.\n٢ - أن يتقرب بعبادته إلى الله.\nوهذا بعينه هو ما يوجد عند عباد القبور نعوذ بالله من حالهم.\nوأما الشفاعة المثبتة: فهي الشفاعة الشرعية المخالفة لما عليه المشركون.\nوهي التي أخبر الله تعالى أنها لا تنفع إلا بشرطين:\nالأول: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع.\nالثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له.\nقال تعالى: ﴿مَنْ ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقال تعالى: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم].\nوقال تعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨].\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلَّا مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه].\nوهذه الشفاعة منها ما هو في الدنيا. ومنها ما هو في يوم القيامة. والشفاعة كما سبق وأن ذكرنا هي: الدعاء.\nولا يرب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع والله قد أمر بذلك.\nفمشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى.\nولقد كان الصحابة يستشفعون بالنبي ﷺ في الاستسقاء ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه، وهذا من الشفاعة في الدنيا.\nوفي يوم القيامة يطلب الناس الشفاعة من الأنبياء ومحمد ﷺ وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها.","vol":"1","page":321},{"text":"ولكن لابد في هذه الشفاعة من الشرطين السابقين أي إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.\nفالداعي الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله في ذلك، فلا يشفع شفاعة نهي عنها: كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة قال تعالى ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة].\nوقال تعالى في حق المنافقين ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].\nوقال تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠].\nوشرط الرضي غير متحقق في المشفوع له مع أن الشافع هنا هو خير الخلق وأعظمهم قدرا عند الله تعالى. وقد قال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف] أي المعتدين في الدعاء.\nومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله مثل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو مغفرة المشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان.\nفالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة: شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان.\nوالأنبياء لو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه، فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك. كما قال سبحانه حاكيا عن نوح ﵇ ﴿إنَّ ابْنِي مِنْ أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ [هود]. قال تعالى ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود].","vol":"1","page":322},{"text":"﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلَّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [هود].\nوكل داع شافع، دعا الله سبحانه وشفع: فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، فهو الذي يجيب الدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله ﷾.\nوإذا كان كذلك: فالالتفات إلى الأسباب بالكلية شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل.\nوالإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ﷾ والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء.\nفالدعاء للغير، ينتفع به الداعي، والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو في الدرجة والمنزلة.\nفدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له.\nفمن قال لغيره أدع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى. فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه لكونه دعا إليه. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: \"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل\" (^١).\nوعند النظر في نصوص الشرع الواردة في شفاعة النبي ﷺ نجد أن هناك شفاعة أخروية له في يوم القيامة، وشفاعة دنيوية في حياته.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب برقم (٢٧٢٢).","vol":"1","page":323},{"text":"أما الشفاعة الأخروية: فقد أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.\nثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع لعموم الخلق.\nفله ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات فيها وغيره من الأنبياء والصالحين سواء، ولكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ﷿، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ومن ذلك المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها في الصحيح أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده.\nأما الشفاعة الدنيوية (التي كانت في حياته)، فقد أجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته. كما ثبت في أحاديث الاستسقاء، وهذا الاستشفاع هو طلب للدعاء منه، فإنه كان يدعو للمستشفع والناس يدعون معه، كما جاء في الحديث الثابت في الاستسقاء أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي ﷺ دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا.\nفرفع النبي ﷺ يديه وقال: \"اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا\" (^١).\nفهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالنبي ﷺ هو استشفاع بدعائه وشفاعته. وهذا ما فهمه الصحابة وعملوا به بعد وفاة النبي ﷺ فعمر بن الخطاب استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال \"اللهم إنا كنا إذا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٣١٣.","vol":"1","page":324},{"text":"أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا\" (^١). وكذلك معاوية بن أبي سفيان - لما أجدب الناس بالشام - استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي (^٢) فقال: \"اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا\"، يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا (^٣).\nفهم لم يستسقوا ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا\nعند قبره ولا غير قبره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد.\nفجعلوا هذا بدلا عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.\nوقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا ويستشفعوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بالمخلوق على الله ﷿ أو السؤال به، فيقولون نسألك أو نقسم عليك أو نستشفع عليك أو نستشفع بنبيك أو جاه نبيك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس.\nولكنهم لم ينقل عنهم أنهم توسلوا أو استشفعوا بمثل هذه العبارات فهذا يؤكد ويبرهن على أن التوسل بالذات في حضور الشخص أو مغيبة أو بعد موته أمر لم يشرعه لهم الشارع ولم يكن معروفا عندهم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٣١٣\n(^٢) يزيد بن الأسود الجرشي أبو الأسود، من سادة التابعين أسلم في حياة النبي ﷺ، وكان من العباد الخشن وقصته مع معاوية تدل على فضله وصلاحه، توفي سنة ٧١ هـ.\nالإصابة (٣/ ٦٣٤) وسبر أعلام النبلاء (٤/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٣) أورده ابن حجر في الإصابة (٣/ ٦٣٤) وقال: \" أخرجه أبو زرعة الدمشقي ويعقوب بن سفيان في تاريخيهما بسند صحيح\" وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ١٣٧) وابن كثير في البداية (٨/ ٣٢٤).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>المطلب الثالث: الكلام على مسألة الاستغاثة</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الاستغاثة: طلب الإغاثة والتخليص من الكربة والشدة. والنبي ﷺ في حياته يجوز أن يستغاث به، فيطلب منه أن ينصر المظلوم، ويطعم الجائع، ويسقى الظمآن، ويخلص الأسرى، ويقضي الدين عن المدين، ويبين الدين، ويزيح شبهات المعارضين ويجب السائلين ونحو ذلك.\nومعلوم أن نبينا ﷺ أفضل الناس عملًا، وأعظمهم حرصًا على البر والتقوى، بل كل خير في الوجود فهو معين عليه بل له مثل أجر كل عامل خير من أمته فإنه هو الذي دعا إلى ذلك \"من دعا إلى الهدى كان له مثل أجور من تبعه من غير أن يتقص من أجورهم شيئا\" (^١) (^٢).\nواستغاثة الصحابة به في القحط، إنما به استغاثوا به ليدعو لهم كما يستغيث الناس به يوم القيامة ليشفع لهم.\nوالاستغاثة بالمخلوق ليدعو للعبد أو ليعينه بما يقدر عليه ليس بممنوع منه. وإنما الممنوع أن يستغاث به فيما لا يقدر عليه، وأن يقسم على الله به ولا سيما إذا كان المخلوق ميتًا أو غائبًا فلا يجوز أن يستغاث به فيما يقدر عليه حيًا، ولا فيما لا يقدر عليه.\n\"وأما قول من يقول إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته فهو كلام باطل قطعا لأنه يلزم من ذلك أن يطلب منه أن يخرج\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة … برقم (٢٦٧٤).\n(^٢) الرد على البكري (ص ٨٨) بتصرف.","vol":"1","page":326},{"text":"إلى الغزوات ويقيم الحدود ويعود المريض فاعلًا ذلك ببدنه كما كان يفعل ذلك في حياته فهل يقول هذا إنسان؟ أو يحتاج رد هذا إلى برهان \" (^١).\nفليس عليه بعد الموت فعل من الأفعال لا واجبًا ولا مستحب كما ليس ذلك على غيره من الناس، بل الموت ينتهي به التكليف الثابت في الحياة بإجماع الخلق، فليس على نبي ولا غيره بعد موته أن يفعل ما كان يؤمر به في حال الحياة من واجب ومستحب.\nولا يستطع أحد أن ينقل عن أحد من الصحابة ولا من السلف أنهم بعد موته طلبوا منه إغاثةً ولا نصرًا ولا إعانة ولا استسقوا بقبره ولا استنصروا به كما كانوا يطلبون ذلك منه في حياته\" (^٢).\nويفهم من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الاستغاثة بالنبي ﷺ فيها تفصيل. فهناك استغاثة جائزة مشروعة وهي:\n١ - إما بالطلب منه في حياته فيما يقدر عليه وهذه لم ينازع فيها أحد.\n٢ - وإما بالطلب منه في عرصات يوم القيامة أن يشفع لهم وهذه ما دلت عليه النصوص الثابتة.\nوهناك استغاثة غير مشروعة بل هي شركية وهي عائدة إلى شيئين:\n١ - الاستغاثة به بعد موته.\n٢ - أن يطلب منه ما لا يقدر عليه.\nوكلا الأمرين يجتمعان فيمن استغاث به بعد موته.\nومن تلفظ بهذه العبارة من المبتدعة فهو يريد بها أحد أمرين إما\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٩٠).\n(^٢) الرد على البكري (٩٠، ٩١) بتصرف.","vol":"1","page":327},{"text":"أن يطلب الإغاثة من الرسول نفسه لاعتقاده أن له تصرفًا في هذه الأمور وقدرة على تحصيلها وهذا هو اعتقاد كثير من العوام وهو ما يدل عليه استعمال الكلمة في لغة العرب.\nوإما أن يكون مراده بهذه العبارة الطلب من الله بواسطة الرسول أي أنه متوسل به إلى الله تعالى وهذا المعني يأباه استعمال العرب لهذه اللفظة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة فقد أخطأ فالمستغاث به هو المسئول.\nوأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسؤول (^١).\n\"والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاسغاثة به.\nوأريد أن أُعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال، فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات وإن كانت باطلة، لم يتمكن من مداواة أصحابها، وإزالة شبهاتهم، فوقع لي أن سبب هذا الضلال والاشتباه عليهم أنهم عرفوا أين يقال سألت الله بكذا كما في الحديث \"اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان\" (^٢).\nورأى أن الاستغاثة تتعدى بنفسها كما يتعد السؤال كقوله ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩].\nوقوله ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥].\nفظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله، سألت بفلان.\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢٦١، ٢٦٢).\n(^٢) أخرجه النسائي في سننه، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر (٣/ ٥٢).","vol":"1","page":328},{"text":"والمتوسل إلى الله بغائب أو ميت تارة يقول: أتوسل إليك بفلان، وتارة يقول أسألك بفلان.\nفإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة فإما أن يقول أستغيثك بفلان، أو أستغيث إليك بفلان. ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب.\nوأصل الشبهة على هذا التقدير، أنهم لم يفرقوا بين الباء في (استغثت به) التي يكون المضاف بها مستغاثا مدعوًا مسؤولًا مطلوبًا منه.\nفإذا قيل توسلت به، أو سألت به، أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم. وهم يقولون استغيثه به من الإغاثة كما يقولون استغثت الله واستغثت به من الغوث، فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه.\nوإذا قالوا لمخلوق استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤولا مطلوبًا منه.\nوأما إذا قالوا استغثت به من الإغاثة فقد يكون مسؤولا وقد لا يكون مسؤولا.\nوكذلك استنصرته، واستنصرت به، فإن المستنصر يكون مسؤولا مطلوبًا.\nوأما المستنصر به فقد يكون مسؤولا وقد لا يكون مسؤولا. فلفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به.\nوقول القائل: استغثت فلانا واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به.\nفلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله\" (^١).\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٨٠ - ٨٢).","vol":"1","page":329},{"text":"فإذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل على أن الطلب منه ميتًا كالطلب منه حيًا.\nولا يمكن لأحد أن يذكر دليلا شرعيًا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع. بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة جدًّا، فهذه الاستغاثة وتوجه القلب إلى المسؤول بالسؤال والإنابة محظورة على المسلمين لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"سؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، لا استحبه أحد من أئمة المسلمين.\nوهذا مما يعلم بالاضطرار من المسلمين أن أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به نازلة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أنا في حسبك أو اقضي حاجتي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين، لمن يدعونهم من الموتى والغائبين.\nولا أحد من الصحابة ﵃ استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلا ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا الصلاة عندها.\nوقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف.\nوأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر فلان الترياق المجرَّب، وقول بعضهم فلان يدعى عند قبره، وقول بعض الشيوخ لمريده: إذا","vol":"1","page":330},{"text":"كانت لك حاجة فاستغث بي، أو قال: استغث عند قبري، ونحو ذلك فإن هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم.\nوكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته، وربما قضى بعض حاجته فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور على صورته، وأن هذا من كراماته فيزداد به شركا وفيه مغالاة، ولا يعلم أنا هذا من جنس ما تفعله الشياطين بعباد الأوثان، حيث تتراءى أحيانا لمن تعبدها وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة وتقضي لهم بعض الطلبات.\nلكن هذه الأمور كلها محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عنه ﷺ قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" يحذر ما فعالوا قالت عائشة ﵂: \"لولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا\" (^١).\nوثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس \"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك\" (^٢). ولما أجدبوا في خلافة عمر ﵁ استسقى عمر بالعباس وقال: \"اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك نبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا\" (^٣).\nفلم يذهبوا إلى القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور برقم (١٣٣٠)، ومسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … برقم (٥٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور … برقم (٥٣٢).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٣١٣).","vol":"1","page":331},{"text":"بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ، وكان توسلهم به توسلهم بدعائه كالإمام مع المأموم، وهذا تعذر بموته.\nفأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه فلان أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز.\nفكيف يقول القائل للميت أنا أستغيث بك، وأستجير بك وأنا في حسبك وسل لي الله ونحو ذلك، فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ولو قدر أنّ لما يفعلونه تأثيرا، فليس هو من الأسباب المشروعة، ولا له تأثير صالح بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء غير الله تعالى، وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب ميت من تتمثل له الشياطين، وربما كانت على صورة ذلك الغائب، وربما كلمته، وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه كما تفعل شياطين الأصنام بعبادها، وهذا مما قد جرى لغير واحد فينبغي أن يعرف هذا\" (^١).\nوقال أيضا: \"وسؤال الخلق هو في الأصل محرم لأن فيه أنواع الظلم الثلاثة:\n١ - الظلم في حق الله بالشرك.\n٢ - الظلم للمسؤول، فإن فيه إيذاء له.\n٣ - وظلم الإنسان نفسه لما فيه من تعبيدها لغير الله.\nوقد ألح من ذلك من سؤال الحي ما دل الشرع على إباحته وأما سؤال الميت والغائب فلم يأذن الله به قط.\nومن عدل عما أمر به الرسول من عبادة الله وحده والتوكل عليه\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٢٣١ - ٢٣٣) بتصرف يسير.","vol":"1","page":332},{"text":"والرغبة إليه وطاعته فيما أمر به من الإحسان والخير الذي ينتفع به هو وهم وغيره من المخلوقين، فإن العبد كلما عمل بما أمرت به الرسل كان لهم مثل أجره وحصل له هو من الخير من إجابة دعائه ونفعه وغير ذلك.\nفمن عدل عن هذه الرحمة والخير وسعادة الدنيا والآخرة إلى أن يفعل ما لم تأمر به الرسل بل اتخذهم أربابًا يسألهم ويستغيث بهم في مماتهم ومغيبهم وغير ذلك كان مثله مثل النصارى فإن المسيح قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [الصف: ٦].\nفلو امتثلوا أمره كانوا مطعين لرسل الله موحِّدين لله، ونالوا بذلك السعادة من الله تعالى في الدنيا والآخرة.\nولكنهم غلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله، يستغيثون بهم، وكذبوا بالرسول الذي بشر به، وحرفوا التوراة التي صدق بها، فظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح، وكان هذا من جهلهم وضلالهم\" (^١).\nفخلاصة القول: إن دعاء النبي ﷺ بعد موته وسؤاله والاستغاثة به وغير ذلك مما يفعل عند قبره أو بعيدًا عنه هو من الدين الذي لم يشرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين (^٢).\nوأما ما يحتج به أهل البدع الذين يفعلون مثل هذه الأمور ويدعون الناس إليها فشبههم لا تخرج عن أحد الأمور التالية:\n١ - إما آيات وأحاديث صحيحة يتأولونها ويتعسفون في تفسيرها حتى توافق ما جاءوا به من الباطل مع أنه ليس فيهات دلالة على ما يزعمون ويدعون.\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ١٠٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ١٥٩) بتصرف.","vol":"1","page":333},{"text":"٢ - وإما أحاديث واهية أو موضوعة لا يحتج بها ولا يعتمد عليها بل هي مخالفة لأهم قواعد هذا الدين المبنية على الآيات والأحاديث الثابتة الصحيحة.\nوهذا الصنف هو أغلب بضاعتهم، بل وأكثر ما يستدلون به عند عرض بدعههم، إما جهلا منهم بحكم هذه الأحاديث، أو لعلمهم بأن هذا النوع من الأدلة هو مما يسهل ترويج باطلهم عند العوام الذين لا يستطيعون أن يميزوا لون الصحيح والضعيف من الأحاديث.\n٣ - وإما بحكايات مكذوبة منسوبة لبعض أئمة هذا الدين الذين لهم في نفوس الناس منزلة ومكانة.\nوتلك الحكايات مروية بأسانيد مظلمة عن رجال مجهولين وهي مردودة بما اشتهر عن أولئك الأئمة من أقوال ذكرت في كتبهم أو رويت عن طريق تلاميذهم بأسانيد صحيحة تؤكد زيف تلك، الحكايات المنسوبة إليهم وتبرهن على بطلانها.\n٤ - أو بمنامات لا تخلو من أحد أمرين إما كذب صاحبها أو تلبيس الشياطين عليه، ويشهد لهذا ويؤكده مخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله.\nويا سبحان الله كيف يتصور أن يترك شرع الله من أجل أحلام ومنامات.\n٥ - أو أقوال من تكلم في الدين بلا علم، وليس معه فيما يقول ويدعى دليل شرعي، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.\n٦ - أو بحجج هي من جهة الرأي والذوق هي أوهن من بيوت العنكبوت ولا يخفى ضعفها وفسادها ومخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله إلا على الجهلة وأصحاب الهوى أتباع كل ناعق الذين لم يستضيئوا بنور العلم.","vol":"1","page":334},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون غلطا منه إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى\" (^١).\nوالمقام هنا لا يتسع لعرض تلك الشبه والرد عليها، فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فعليه بمظان ذلك في كتب علماء السلف (^٢).\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٣٥٢).\n(^٢) انظر:\nأ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nب - الرد على الأخنائي لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nج - الرد على البكري لشيخ الإسلام ابن تيمية.\nد - صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان للشيخ محمد بشير السهسواني.\nهـ - الصواعق المرسلة الشهابية للشبح سليمان بن سحمان.\nو- غاية الأماني في الرد على النبهاني للشيخ محمود شكري الألوسي.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>المبحث الثالث حكم ما يفعل عند حجرته التي دفن فيها من الأمور المبتدعة</span>\nومن ذلك سؤاله الاستغفار والشفاعة والتوسل والاستغاثة والسجود إلى حجرته والطواف بها والتمسح بالجدران المحيطة بها وإلصاق البطن بها.\nوجميع هذه الأمور وما شاكلها هي أمور مبتدعة أحدثها بعض المتأخرين ولم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هي منهي عنها.\nوقد سبق بيان حكم دعائه واستغاثته والاستشفاع والتوسل به وأما السجود للحجرة والطواف بها فهو محرم أو كفر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وزاد بعض جهال العامة ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها وأمثال ذلك\" (^١).\n\"فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي ﷺ، وليس في مسجد النبي ﷺ شيء يطاف به، ولا فيه ما يتمسح به، ولا ما يقبَّل.\nبل ليس في الأرض مكان يطاف به إلا الكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة\" (^٢).\n_________\n(^١) الرد على البكري (ص ٢١٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠).","vol":"1","page":337},{"text":"وقال أيضا: \"وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الطواف إلا بالبيت المعمور، فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة النبي ﷺ ولا غير ذلك. وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستسلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين، فالحجر الأسود يستلم ويقبل، واليماني يستلم. وقد قيل إنه: يقبَّل وهو ضعيف. وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله، كجوانب البيت، والركنين الشاميين، ومقام إبراهيم، والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء والصالحين (^١).\nفالطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال (^٢) ولا يفعل في مسجد النبي ﷺ إلا ما يفعل في سائر المساجد (^٣). وكذا الحال بالنسبة للسجود للحجرة، فلقد نهي النبي ﷺ عن السجود له في حياته.\nفعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ اليمن أو قال الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأى في نفسه أن رسول الله ﷺ أحق أن يعظم فلما قدم قال يا رسول الله رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأيت في نفسي أنك أحق أن تعظم. فقال: \"لو كنت آمرا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها … \" الحديث. وفي رواية: \"فقلت لأي شيء تصنعون هذا؟ قالوا هذا كان تحية الأنبياء قبلنا. فقلت: نحن أحق أن نصنع هذا بنبينا. فقال نبي الله ﷺ: \"إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم إن الله ﷿ أبدلنا خيرًا من ذلك السلام تحية أهل الجنة\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٥٢١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٥٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة برقم (٢١٤٠)، أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٨١) و(٥/ ٢٢٧)، والترمذي في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة برقم (١١٥٩).","vol":"1","page":338},{"text":"وعن قيس بن سعد (^١) قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم.\nفقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك.\nقال: \"أرأيت لو مررت بقبري أكنت نسجد له؟ \" قال: قلت: لا. قال: \"فلا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق\" (^٢).\nفتأمل وجوب الصحابي عندما قال له النبي ﷺ: \"أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ فقال: لا فالسجود حق لله تعالى، وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب\" (^٣).\nونبينا ﷺ نهى عن الشرك دقِّه وجلِّه وحقيرة وكبيره فالسجود حق للواحد المعبود خالق السماوات والأرض ﷾.\nوكذا الحال بالنسبة للتمسح بالجدران المحيطة بالحجرة وإلصاق البطن بها فليس شيء من هذا من الدين الذي بعث الله به محمدًا ﷺ باتفاق المسلمين.\nومن اعتقد أن هذا من الدين وفعله وجب أن ينهى عنه، ولم يستحب هذا أحد من الأئمة الأربعة، ولا فعله أحد من\n_________\n(^١) قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل، شهد المشاهد مع رسول ﷺ وكان أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب، مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة. الإصابة (٣/ ٢٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في حق الزوج على المرأة (٢/ ٦٠٤، ٦٠٥) (ح ٢١٤٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٩٣).","vol":"1","page":339},{"text":"الصحابة والتابعين لهم بإحسان. والأجر والثواب إنما يكون على الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة هي ما أوجبه الشارع أو استحبه، وهذه الأمور من جملة ما نهي عنه من أسباب الشرك ودواعيه وأجزائه (^١) وقد قال ﷺ: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد\" (^٢) وقال ﷺ: \"لا تتخذوا قبري عيدا\" (^٣).\nفالتمسح بالقبر - أي قبر كان - وتقبيله وتمريغ الخد عليه منهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء؛ ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هذا شرك\" (^٤).\nفإن كان هذا حكم من تمسح بالقبر فمن تمسح بالجدران المحيطة من باب أولى.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥٨، ١٠١) بتصرف.\n(^٢) تقدم تخريجه ص ٢٧٨.\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٢٧٨.\n(^٤) الجامع الفريد (ص ٤٤٤).","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>المبحث الرابع حكم الحلف بالنبي ﷺ </span>-\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" تنازع الناس هل يحلف بالنبي ﷺ؟ مع اتفاقهم بأنه لا يحلف بشيء من المخلوقات المعظمة كالعرش والكرسي والكعبة والملائكة. فذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه إلى أنه لا يحلف بالنبي ﷺ، ولا تنعقد اليمين، كما لا يحلف بشيء من المخلوقات، ولا تجب الكفارة على من حلف بشيء من ذلك وحنث. فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: \"من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\" (^١).\nوفي رواية: \"ألا من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله\" (^٢). وقال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" (^٣). وفي رواية: \"فقد كفر\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم برقم (٦٦٦٤٦)، وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى برقم (١٦٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية برقم (٣٨٣٦) واللفظ له. أخرجه مسلم في كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى برقم (١٦٤٦).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤، ٨٦، ٢٥١). وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله وقال: حديث حسن (٤/ ١١٠) ح ١٥٣٥، وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهة الحلف بالآباء (٣/ ٥٧٠) ح ١٣٢٥ وأخرجه ابن حبان كما في الموارد (ص ٢٨٦) ح ١١٧٧. =","vol":"1","page":341},{"text":"وعن أحمد بن حنبل رواية: أنه يحلف بالنبي ﷺ لأنه يجب الإيمان به خصوصًا، ويجب ذكره في الشهادتين والأذان فالإيمان به اختصاص لا يشركه فيه غيره، واختار هذا طائفة من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى (^١) وغيره خصوا ذلك بالنبي ﷺ.\nوقال ابن عقيل (^٢): بل هذا كونه نبيًا وطرد ذلك في سائر الأنبياء.\nوالصواب: قول الجمهور وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره، بل ينهى عن الحلف به. وإيجاب الكفارة بالحف بمخلوق وإن كان نبيًا قول ضعيف في الغاية مخالف للأصول والنصوص. فالذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق، لا نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ. والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم. وروي عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر: لئن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أحلف بغير الله صادقًا (^٣) وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أظلم من الكذب (^٤).\n_________\n= والحاكم في المستدرك (١/ ١٨) كتاب الأيمان (٤/ ٢٧٩) كتاب الأيمان والنذور وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافق الذهبي\".\n(^١) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، أبو يعلى عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، ومن كبار الحنابلة ولد سنة ٣٨٠ هـ، وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. الأعلام (٦/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٢) هو: على بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، عالم العراق وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته، ولد سنة ٤٣١ هـ وتوفي سنة ٥١٣ هـ. الأعلام (٤/ ٣١٣).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٦٩).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧) وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح وهو في الطبراني (٩/ ٢٠٥) ح ٨٩٠٢.\n(^٤) انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٤ - ٨٦) ومجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٤٩) والرد على الأخنائي (١٠٦، ١٠٧).","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المبحث الخامس حكم الاحتفال بمولده</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-107>المطلب الأول حكم فعل المولد</span>\nإن من جملة ما نهي النبي ﷺ أمته عنه، وحذرهم منه:\n١ - الابتداع في الدين.\n٢ - التشبه باليهود والنصارى.\nوالمقيم للمولد والمشارك فيه واقع في المحظورين معًا.\nفإقامة المولد من الأمور المحدثة المبتدعة التي لم يشرعها النبي ﷺ لأمته، ولم يفعله أصحابه من بعده، بل ولا أهل القرون المفضلة.\nفما ظنك بعمل لم يأمرنا النبي ﷺ بفعله، ولا حث عليه ولا رغب فيه، وهو المشهود له بأنه ما ترك أمر خير إلا وحث الأمة عليه ورغبهم فيه.\nوما ظنك بعمل لم يفعله سلف الأمة، \"ولو كان خيرًا محضًا، أو راجحًا لكانوا رضوان الله عليهم أحق منا به، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعطشا له منا، وهم على الخير أحرص\" (^١).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٩٥).","vol":"1","page":343},{"text":"وما أحسن أن يستشهد المرء هنا بقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: \"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا\" (^١).\nوقال أيضا: \"قُبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ ولا نتبع الرأي\" (^٢).\nهذا وإن أصل الاحتفال بالمولد يرجع إلى العُبيدين (^٣) الذين يتسمون (بالفاطميين) فهم أول من أحدث هذه البدعة في الأمة وما كانت الموالد تعرف في دولة سلام قبل هؤلاء.\nفقد جاء في كتاب \"الخطط\" المسمى كتاب \"المواعظ والاعتبار والآثار\" تحت عنوان (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم …).\nقال: \"كان للخلفاء في طول السنة أعيادًا ومواسم:\nرأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي ﷺ \" (^٤).\nفكانت الموالد من الآثار التي خلفها هؤلاء العبيديون الباطنيون مع غيرها من البدع والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان.\nقد حمل راية هذه البدعة من بعدهم المتصوفة، الذين وجدوا في\n_________\n(^١) أخرجه الشاطبي في الاعتصام (١/ ٤٩).\n(^٢) أخرجه الشاطبي في الاعتصام (١/ ١٠٥).\n(^٣) العبيديون: هم أبناء عبيد الله بن ميمون بن ديصان المشهور بالقداح اليهودي قامت دولتهم في مصر (٣٦٢ - ٥٦٤ هـ) وكانوا من أجرأ الناس على استحداث البدع والمنكر لا كتاب ولا سنة. انظر كتاب قصة نسب الفاطميين للدكتور عبد الحليم عويس، والبداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ٢٦٧).\n(^٤) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (١/ ٤٩٠).","vol":"1","page":344},{"text":"إحياء هذه البدعة متنفسًا لنشر باطلهم وبدعهم، وما الطقوس التي تعمل أثناء إقامة المولد إلا أكبر شاهد على حمل الصوفية لراية هذه البدعة.\nفقد وجدوا في هذه البدعة مرتعًا خصبًا لنشر غلوهم ورقصهم وطقوسهم وشطحهم وذلك تحت ستار ما يدعونه من محبة النبي ﷺ ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة].\nوقد كان أول تأكد رسمي ناله المتصوفة لإحياء هذه البدعة على يد الملك المظفر ملك إربل، الذي كان يحتفل بالمولد احتفالا هائلًا ينفق فيه ثلاثمائة ألف دينار، ويعمل فيه للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم (^١).\nوفد استمرت هذه الاحتفالات بهذه البدعة إلى زماننا هذا وحسبك ببدعة أنشأها ملاحدة باطنيون معروفون بالبدع والمنكرات، وتولاها من بعدهم متصوفة ضالون مضلون لم يتركوا شيئا من باطلهم وبدعهم إلا وأدخلوه فيما يسمى بالمولد النبوي.\nولا عجب في اتفاق الطائفتين على هذا الأمر فهم يجمعهم مشرب واحد إذ الكل يزعم أن الشريعة لها ظاهر وباطن.\nفمما لا شك فيه أن فعل ما يسمى بالمولد بدعة من البدع التي لا أساس لها في القرآن ولا في السنة ولا في عمل السلف الصالح وهي بالإضافة إلى ذلك لا تحقق المراد من حب الرسول ﷺ فتحقيق محبته وتعظيمه كما سبق وأن بيَّنَّا، هو في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد في ذلك بالقلب واليد واللسان، فهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.\n_________\n(^١) البداية لابن كثير (١٣/ ١٣٧).","vol":"1","page":345},{"text":"ويضاف إلى كون فعل هذا الأمر من البدع التي نهى الشارع عنها: ما فيه كذلك من مضاهاة ومشابهة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ فإن النصارى تحتفل بيوم مولد عيسى ويتخذونه عيدا وذلك بإيقاد الشموع وصنع الطعام وارتكاب المحرمات وفعل الموبقات من شرب للخمور وفعل الفواحش وغير ذلك من المهازل والقبائح، وفي هذا يقول بعضهم معللا مشروعية الاحتفال بفعل المولد \"إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر\" (^١).\nونسى هذا القائل أو تناسى تحذير النبي ﷺ من مشابهة اليهود والنصارى فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم\". قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن\" (^٢) أي فمن هم غير أولئك.\n_________\n(^١) التبر المسبوك للسخاوي (ص ١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي ﷺ \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\". برقم (٧٣٢٠)، وأخرجه مسلم في كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى (٢٦٦٩).","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>المطلب الثاني بيان ما يفعل في الموالد من الغلو والمنكرات</span>\nلقد اتخذ أصحاب الطرق الصوفية من المولد ستارًا لترويج باطلهم ونشر بدعتهم عند الجهلة من عوام الناس.\nفهم باسم محبة الرسول ﷺ يقيمون مثل هذه الاحتفلات، وبذكر شيء من سيرته يفتتحونها، ولكن سرعان ما يظهر الباطل وتنجلي الغشاوة فيرى صاحب البصيرة ألوانًا وأشكالًا من الغلو والبدع المنكرة تظهر من خلال ما يتلفظ به من أقوال، وما ينشد فيه من أشعار، وما يقام من حركات وأفعال، مبدية بذلك الوجه الحقيقي والهدف الرئيسي من إقامة مثل هذه الموالد.\nومن عجيب حال هؤلاء أنهم سموا كل اجتماعاتهم التي تقام فيها هذه الأباطيل مولدا مع أن التسمية لا تساعدهم على هذا الإطلاق، وما ذاك إلا أنهم عرفوا أن رواج باطلهم لا يتحقق إلا تحت هذا الستار ليروج أمرهم على خفافيش الأبصار أتباع كل ناعق.\nفمن البدع والمنكرات التي تقام في هذه الموالد - وما أكثرها - ما يحصل من الغلو في حق النبي ﷺ وذلك من خلال القصائد التي يطلقون عليها اسم المدائح النبوية، والتي لا تخلوا من ألفاظ الغلو في شخص الرسول ﷺ والتجاوز عما حدده الشارع مما يليق بمقامه الكريم من الإجلال والتقدير.\nفالمتأمل لتلك القصائد يجدها مرصوفة بعبارات التوسل والاستشفاع والاستغاثة، وجعل النبي ﷺ هو المتصرف في هذا الكون وجعله أول الموجودات والقطب الذي تدور عليه الأفلاك، وجعله","vol":"1","page":347},{"text":"الغاية التي من أجلها هذا الكون، إلى غير ذلك الافتراءات والأباطيل التي شحنت بها تلك القصائد.\nوهذه مقتطفات من بُردة البوصيري (^١) تمثل جانبا من مظاهر الغلو التي يتردد في عبارات ما يسمونه بالمدائح النبوية:\nوكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من … لولاه لم تخرج الدنيا إلى العدم\nدع ما ادعته النصارى في نبيهم … واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم\nلو ناسبت قدره آياته عظمًا … أحيا اسمه حين يدعى دارس الرم\nوكل آي أتى الرسل الكرام بها … فإنما اتصلت من نوره بهم\nوكلهم من رسول الله ملتمس … غَرفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيم\nلا طيب يعدل تُربًا ضم أعظمه … طوبى لمنتشق منه وملتئم\nأقسمت بالقمر المنشق أن له … من قلبه نسبة مبرورة القسم\nما سامني الدهر ضيمًا واستجرت به … إلا ونلت جوارا منه لم يُضم\nولا التمست غني الدارين من يده … إلا استلمت الندى من خير مستلم\nيا خير من يمَّم العافون ساحته … سعيًا وفوق متون الأينق الرسم\nخدمته بمديح استقيل به … ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم\nإن آت ذنبا فما عهدي بمنتقض … من النبي ولا حبلي بمنصرم\nفإن لي ذمة منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذم\nإن لم تكن في معادى آخذا بيدي … فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم\n_________\n(^١) هو: محمد بن سعيد بن حماد البوصيري، شاعر صوفي غال، له عدد من القصائد في المدائح النبوية، وقد عرف عنه قلة علمه، وسلاطة لسانه، وتكففه للناس وقد ذكر محقق ديوانه عددا من الخصال التي تدل على حقيقة الرجل وقدره.\nانظر: مقدمة ديوان البوصيري بتحقيق محمد سيد كيلاني.","vol":"1","page":348},{"text":"حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه … أو يرجع الجار منه غير محترم\nومنذ ألزمت أفكاري مدائحه … وجدته لخلاصي خير ملتزم\nولن يفوت الغني منه يدًا تربت … إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حدوث الحادث العمم\nولن يضيق رسول الله جاهك بي … إذا الكريم تجلَّى باسم منتقم\nفإن من جودك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم (^١).\nفتأمل هذه الأبيات وما فيها من غلو وإطراء ومظاهر شركية تجاوز فيها الشاعر كل الحدود.\nحيث جعل الرسول ﷺ هو الغاية في خلق الدنيا وعلة وجودها \"وجعله بمنزلة الإله فهو يغني ويفقر ويغفر الذنوب ويقيل العثرات وهو الملاذ والملجأ في الدنيا والآخر بل انتهى به الأمر إلى أن جعل تصريف الكون كله بيد رسول الله ﷺ \" (^٢).\nفماذا أبقى للخالق ﷿ وخاصة عند قوله:\nفإن من جودك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم\n\"فإذا كانت الدنيا وضرتها من جود الرسول ﷺ ومن بعض علومه علم اللوح والقلم؛ لأن \"من\" للتبغيض، فماذا للخالق جل وعلا\" (^٣).\nفهذا هو بعينه الغلو والإطراء الذي حذر النبي ﷺ أمته منه.\nوبالإضافة إلى ألفاظ الشرك وعبارات الغلو التي تحملها جل القصائد والمدائح، \"فإن الاحتفال عادة ما يختم بدعوات تحمل ألفاظ\n_________\n(^١) ديوان البوصيري (ص ٢٤٠ - ٢٤٨) وهذه الأبيات منتقاة من قصيدته المعروفة بالبردة.\n(^٢) تنبيه أولي الأبصار (ص ٢٤٩).\n(^٣) منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان (ص ١٦٣).","vol":"1","page":349},{"text":"التوسلات المنكرة والكلمات الشركية المحرمة، لأن جل الحاضرين عوام أو غلاة في حب التوسلات الباطلة التي نهى عنها الشارع\" (^١).\nأضف إلى ذلك ما يدعونه من أن النبي ﷺ يحضر هذه الموالد إما بجسده كما يدعيه بعضهم أو بروحه كما يدعيه البعض الآخر منهم، وسوف أتعرض لهذه النقطة في المبحث القادم بإذن الله.\nهذا فيما يتعلق بما يحصل في هذه الموالد من غلو في حق ﷺ.\nويضاف إلى هذا الأمر ما قد يحصل في بعض الموالد من منكرات وبدع أخرى كالرقص الصوفي، والذكر البدعي، وضرب الدفوف، والتزمير بالمزامير (^٢).\nوقد يحصل فيها اختلاط الرجال بالنساء وشيء من الفجور وشرب الخمور ولكن لا يطَّرد لا في كل البلاد ولا في كل الموالد (^٣).\nفنعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإحجاف (ص ٣١).\n(^٢) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإحجاف (ص ٢٨).\n(^٣) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإحجاف (ص ٢٨).","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>المبحث السادس حكم القول بحضوره في مجالس المحتفلين ورؤيته بالعين الباصرة</span>\nإن من يتأمل في كلام الصوفية فيما يتعلق بشأن غلوهم في حق النبي ﷺ بما في ذلك التوسل والاستشفاع والاستغاثة وطلب تفريج الكروب ومغفرة الذنوب وغير ذلك مما تقدم الإشارة إليه يجد أن محور دعواهم يقوم على دعوى أن النبي ﷺ حي بجسده وروحه (^١) وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما في بيت الملائكة - مع كونهم أحياء بأجسادهم - فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك (^٢).\nوالصوفية ليسوا على رأي واحد في هذا الأمر بل هم مختلفون مضطربون وفي حالهم هذا يتذكر المرء قول الله تعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء].\nفهم مختلفون في حقيقة المرئي:\n_________\n(^١) لا يقصد هؤلاء بالحياة هنا الحياة البرزخية وهذا يتضح من سياق العبارات التالية لهذه العبارة، فهم يرون أن النبي صلى إله عليه وسلم يخرج من قبره وله التصرف الملكوت العلوي والسفلي.\n(^٢) غاية الأماني في الرد على النبهاني (١/ ٥٢).","vol":"1","page":351},{"text":"فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه كما تقدم في النقل السابق.\nوبعضهم يقول ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه، بل مثالا له، وصار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه.\nوقالوا: والآلة تارة تكون حقيقة، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه في الشكل ليس هو روح المصطفى ﷺ ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق.\nوفصل بعضهم فقال: رؤية (^١) النبي ﷺ بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة. ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال (^٢).\nوقال بعضهم: ومنهم من يرى روحه في اليقظة متشكلة بصورته الشريفة.\nومنهم من يرى حقيقة ذاته الشريفة وكأنه معه في حياته ﷺ، وهؤلاء هم أهل المقام الأعلى في رؤيته ﷺ (^٣).\nوأعجب من ذلك كله ما ذُكر عن بعضهم من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ.\nوزعم من زعم أن السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له عليه والسلام في زمن واحد في أقطار متباعدة ينحل به، ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد:\nكالشمس في كبد السماء وضوؤها … يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًا (^٤)\n_________\n(^١) لا يقصدون هنا الرؤيا المنامية، وإنما يقصدون رؤية اليقظة، فهم يقولون: إن رؤيته أكثر ما تقع بالقلب ثم يترقى الحال إلى أن يُرى بالبصر على ما زعموا.\n(^٢) غاية الأماني (١/ ٥١).\n(^٣) التيجانية (ص ١٢٧).\n(^٤) غاية الأماني (١/ ٥٢).","vol":"1","page":352},{"text":"فانظر إلى هذا الغلو عندهم، نعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال.\nويحسن قبل الشروع في تفنيد هذا الباطل وكان فساده أن أشير إلى الوجه الآخر لهذه الدعوى.\nفهذه الطائفة لم تكن لتدَّعي هذه الدعوى إلا لما فيها من المكاسب والأهداف والغايات التي يتحصلون عليها كل من وراء ذلك.\nفمنهم من يستغل هذه الدعوى ليحصل على إجازة من الرسول ﷺ للطريقة التي ابتدعها والأذكار والأوراد التي اخترعها لتصبح بعد ذلك شرعا لأتباعه.\nومنهم من يستغل ذلك لإيهام الناس بأن ذلك من كراماته ليحظى لديهم بالمنزلة والمكانة إلى غير ذلك من الغايات والمأرب.\nهذا وإن لموضوع رؤية النبي ﷺ جوانب متعددة يخصُّنا منها ما يتعلق بعنوان المبحث وهو دعوى رؤيته يقظة بعيني الرأس.\nفهذه الدعوى مخالفة للشرع والعقل.\nأما من جهة الشرع فليس هناك دليل شرعي يثبت حصول ذلك وغاية ما دلت عليه النصوص إمكانية الرؤيا المنامية، فحملها أهل الباطل على الرؤية البصرية، ومما يؤكد فساد هذا التأويل للرؤيا واقع القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية من المصطفى ﷺ، فلم ينقل عن أحد من أهل هذه القرون الثلاثة أنه رأى النبي ﷺ يقظة بعد موته.\nمع أنه قد حدثت في أزمانهم حوادث كان الحاجة إلى ظهوره شديدة جدا لو كان ذلك ممكنًا.\nفالصحابة قد وقع بينهم اختلاف في عدد من المسائل الدينية والدنيوية وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يبلغنا أنا أحدا منهم ادعى أنه رأى في اليقظة رسول الله ﷺ وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم","vol":"1","page":353},{"text":"يبلغنا أنه ﷺ ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره.\n\"وقد قال ابن عبد البر لمن ظن أن الرسول ﷺ قد كلم بعض الناس بعد وفاته عند حجرته.\nفقال له ابن عبد البر: ويحك هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي ﷺ فأجابه؟\nوقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلَّا سألوا النبي ﷺ فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلَّا سألته فأجابها؟ (^١).\nوأما من جهة العقل: فلما يترتب على هذه الدعوى من اللوازم الباطلة فليزم منها:\n١ - أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيكون من يزوره في ذلك الوقت يزور مجرد القبر ويسلم على الغائب.\n٢ - أن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه.\n٣ - أن يكون الشخص الذي رأه يقظة له حكم الصحابة رضوان الله عليهم.\n٤ - أن يكون الكلام الذي تكلم به النبي ﷺ تشريعًا جديدًا لهذه الأمة وهذا لا شك فيه، طعن في كمال هذا الدين وكونه عرضة للتبديل والتغيير.\nوهذه الجهالات لا يلتزم بها من كان له أدنى مسكة عقل.\nومن ظن أن جسد رسول الله ﷺ المودع في المدينة خرج من القبر وحضر في المكان الذي رآه فيه فهذا جهل لا جهل يشبهه.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٠٧).","vol":"1","page":354},{"text":"فقد يراه في وقت واحد ألف شخص في ألف مكان على صور مختلفة. فكيف يتصور هذا في شخص واحد؟ \" (^١).\nهذا وأن الذي يعتقده علماء السلف هو أن الأنبياء أحياء في قبورهم حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها، وقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأن هذه الأجساد لا تخرج من القبور حتى يبعث الله الخلائق كما في الحديث عنه ﷺ \"فإن الناس يصعقون فأكون أول من تنشق عنه الأرض\" (^٢).\nوعنه ﷺ أنه قال: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر\" الحديث (^٣).\nفالرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس. بل هو منعَّم في قبره وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة.\nوالله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.\n* * *\n_________\n(^١) صيد الخاطر (ص ٤٢٩).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي برقم (٢٤١٢).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق برقم (٢٢٧٨).","vol":"1","page":355}]}