{"ً":{"ٌ":1199,"ٍ":"فقه الخلاف وأثره في القضاء على الإرهاب","َ":1,"ُ":2,"ّ":"الكتاب: فقه الخلاف وأثره في القضاء على الإرهاب\nالمؤلف: د. يوسف بن عبد الله الشبيلي\nالناشر: الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات\nعدد صفحات (الكتاب الورقي): ٣٨\n[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٤٧","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":389,"ٕ":39,"ٖ":1770154595,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد في معنى الخلاف","level":1,"page":4},{"title":"القاعدة الأولى الاختلاف منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم","level":1,"page":5},{"title":"النوع الأول الاختلاف المذموم","level":2,"page":5},{"title":"النوع الثاني الاختلاف المحمود","level":2,"page":10},{"title":"القاعدة الثانية الافتراق سنة كونية ودفعه فريضة شرعية","level":1,"page":13},{"title":"القاعدة الثالثة الحق يقبل من أي جهة جاء","level":1,"page":16},{"title":"القاعدة الرابعة وجوب عرض أقوال الناس على الشرع","level":1,"page":20},{"title":"القاعدة الخامسة الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف رجاله","level":1,"page":26},{"title":"القاعدة السادسة الفرق بين الحكم المطلق والحكم المعين","level":1,"page":29},{"title":"القاعدة السابعة لا تجوز معارضة القرآن والسنة برأي أو عقل أو قياس","level":1,"page":32},{"title":"القاعدة الثامنة المخالفون لأهل السنة ليسوا على درجة واحدة","level":1,"page":35},{"title":"القاعدة التاسعة موافقة الجماعة في المسائل الاجتهادية الظاهرة فيما يراه المجتهد مرجوحا خير من مفارقتهم إلى ما يراه راجحا","level":1,"page":40},{"title":"القاعدة العاشرة اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية","level":1,"page":42},{"title":"القاعدة الحادية عشرة الاختلاف قد يكون اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد","level":1,"page":44},{"title":"الخاتمة والتوصيات","level":1,"page":46},{"title":"المراجع","level":1,"page":47}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47},"ٜ":{"1":[1,47]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"5":[3,4],"10":[5],"13":[6],"16":[7],"20":[8],"26":[9],"29":[10],"32":[11],"35":[12],"40":[13],"42":[14],"44":[15],"46":[16],"47":[17]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"فقه الخلاف وأثره في القضاء على الإرهاب إعداد\nد. يوسف بن عبد الله الشبيلي\nالأستاذ المساعد بقسم الفقه المقارن\nبالمعهد العالي للقضاء\nبسم الله الرحمن الرحيم<span data-type=\"title\" id=toc-1> مقدمة </span>إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإن الله بعث نبيه محمدًا ﷺ بالشريعة الغراء، والملة السمحاء، والحنيفية البيضاء، ومن سمات هذه الشريعة أنها شريعة خاتمة لكل الشرائع، وعامة لكل الناس، وشاملة لكل نواحي الحياة، فما تركت شيئًا مما يحتاج إليه الناس إلا وبينت لنا وجه الحق فيه، ودلتنا على خير ما يصلح لنا ديننا ودنيانا، وحذرتنا من كل ما تعود عاقبته وبالًا علينا، يقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) .","vol":"1","page":1},{"text":"وإن من أهم القضايا التي عالجها الإسلام قضية الإرهاب، تلك القضية التي أضحت البشرية تعاني منها أشد المعاناة، وذاقت بسببها الويلات، فلم تعد تمارس على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى الدول والجماعات والمنظمات، وكان المسلمون هم الضحية الأولى لهذه الظاهرة، حيث تنتهك حقوقهم، وتسلب أموالهم، وتزهق أرواحهم، في ظل ما يسمى ب \" مكافحة الإرهاب \".\nوقد حذر الإسلام أتباعه من الانزلاق في هذه المزلة الخطيرة، ووضع السياجات الحصينة التي تحميهم من الوقوع فيها، فجاءت النصوص الشرعية بالتحذير من الغلو في الدين، والانحراف في فهم نصوص الشرع الحكيم.","vol":"1","page":2},{"text":"ولعل من أهم أسباب الانحراف في هذا الباب عند المسلمين الجهل بفقه الخلاف وآدابه، حيث يحل العنف في مسائل اجتهادية محل الحوار، وتظهر المنابذة في أمور تقتضي الصفح والوئام، وربما أدى الأمر في بعض الحالات إلى تكفير المخالف واستباحة دمه في مسألة غاية ما فيها أن القائل بها إما مجتهد مخطئ له أجر واحد، أو مجتهد على حقٍ فله أجران، ولذا أحببت أن أقدم هذه الدراسة المتواضعة بذكر ما يسمح به المقام من قواعد الخلاف المستنبطة من نصوص الشريعة، وأقوال أهل العلم، وقد اقتصرت على إحدى عشرة قاعدة لأن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك، على أن أستوفي الحديث عن بقية القواعد في بحث أطول إن شاء الله تعالى.\nويجدر التنبيه إلى أن المقصود بالإرهاب في هذا البحث الإفساد الذي يقصد منه انتهاك حقوق المعصومين، في دمائهم أو أعراضهم أو أموالهم أو غير ذلك مما كفلته الشريعة لهم، أما ما كان دفاعًا مشروعًا ضد معتدٍ ظالم، فلا يعد ذلك إرهابًا، بل هو الكفاح المشروع الذي أقرته كل الشرائع السماوية والأنظمة الوضعية.\nأسأل الله ﵎ أن يلهمنا الرشد والصواب وأن يوفقنا للخير والسداد.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد في معنى الخلاف </span>الخلاف في اللغة والاختلاف والمخالفة بمعنًى واحد، (١) قال في المصباح المنير: \" خالفته مخالفة وخلافًا وتخالف القوم واختلفوا إذا ذهب كل واحدٍ إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، وهو ضد الاتفاق \". (٢)\nولا يختلف المعنى الشرعي للخلاف عن المعنى اللغوي، إلا أنه مقصور على الاختلاف في المسائل الشرعية، فالعلاقة بين المعنيين هي علاقة عموم وخصوص مطلق، ذلك أن علماء الشريعة يطلقون الخلاف على المسائل الشرعية التي لم يجمع عليها، فالخلاف ضد الإجماع. (٣)\nونعني بالخلاف هنا ما هو أشمل من الخلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية، فيدخل في ذلك المخالفة في المسائل الاعتقادية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (آل عمران: ١٠٥)، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\n_________\n(١) القاموس المحيط ص ١٠٤٥.\n(٢) المصباح المنير ص٦٩.\n(٣) ينظر: أصول الفقه الإسلامي، لوهبه الزحيلي ٤٩٢، مفردات ألفاظ القرآن ص٢٩٤.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>القاعدة الأولى الاختلاف منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم </span><span data-type=\"title\" id=toc-4>النوع الأول: الاختلاف المذموم</span>\nويكون في حالات:\nالحال الأولى: الاختلاف في مسائل العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة:\nفهذا اختلاف مذموم لأن العقيدة ثابتة بنصوص قطعية في الكتاب والسنة وقد أجمع عليها الصحابة فلا يصح أن يكون فيها اختلاف بين المسلمين.\nالحال الثانية: الاختلاف في الأدلة القطعية:\nوالمقصود بها المسائل التي تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، مثل وجوب الصلاة والصيام والزكاة، وقطع يد السارق، ورجم الزاني، ووجوب الحجاب وتحريم الخمر، ونحو ذلك.\nفالاختلاف في هذه المسائل غير سائغ لأنه لو قبل الخلاف فيها لما بقي شيء من مسائل الدين إلا وأصبح قابلًا للأخذ والرد.\nالحال الثالثة: الاختلاف الناشئ عن تعصبٍ أو هوى لا عن حجةٍ وبرهان:\nفقد ذم الله تعالى الذين يجادلون في آياته بغير حجة ولا برهان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (غافر: ٥٦) .\nوقوله:\"سلطان \" أي حجة وبرهان.","vol":"1","page":5},{"text":"الحال الرابعة: مخالفة ما أجمعت عليه الأمة:\nففي هذه الحالات الأربع يكون الاختلاف مذمومًا، وهو ما يطلق عليه الشارع الافتراق، كما في حديث الافتراق المشهور الذي رواه عوف بن مالك ﵁ وغيره من الصحابة قال: قال ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وإحدى وسبعون فرقة في النار. والذي نفسي بيده لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هم يا رسول الله، قال الجماعة»، (١) وفي رواية قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وفي رواية قال: «هم السواد الأعظم» .\n_________\n(١) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أكثر من خمسة عشر صحابيًا بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، ولذا عده بعضهم من الأحاديث المتواترة.","vol":"1","page":6},{"text":"والمتأمل في هذا الحديث يلحظ الفارق بين فقه الصحابة وفقه من بعدهم، فالصحابة رضوان الله عليهم كانت عنايتهم بمعرفة الفرقة الناجية وصفاتها للتشبه بها، ولهذا سألوا النبي عن صفة تلك الفرقة، وكان السائل عمر بن الخطاب كما جاء مصرحًا به في رواية جابر، أما من بعدهم فقد شغلوا بالفرق الهالكة، والعلم بالفرق المنحرفة أمر مطلوب شرعًا، ولذلك كان حذيفة - ﵁ - يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه.\nويقول الشاعر:\nعرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ... ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه.\nإلا أن الواجب على المسلم أن يعرف من طرق أهل الضلال الأصول التي ينطلقون منها والمناهج التي يسلكونها ومعرفة أسباب زيغها وانحرافها والرد عليها وبيان فسادها أما التعمق في أقاويلها وتفصيلاتها والفروق الدقيقة بينها فلم يُكلفنا الله به.\nوهنا نأتي إلى مسألة هامة تتعلق بهذا الحديث، قد اتخذها بعض الضالين متكئًا للتكفير، وإخراج جميع المخالفين عن الملة، وهي:\nهل هذه الفرق المذكورة في الحديث كافرة أو لا؟ .\nللإجابة عن هذا السؤال لا بد من بيان عدة أمور:","vol":"1","page":7},{"text":"أولًا: المراد بقوله ﵊: «وستفترق هذه الأمة» هنا أمة الإجابة (١) لا أمة الدعوة، (٢) ففرق اليهود والنصارى لا تدخل في عد هذه الفرق.\nثانيًا: قوله ﵊: «كلها في النار إلا واحدة»، هذه الجملة دليل على أن هذه الفرق ضالة مجانبة للحق ومستحقة للوعيد بالنار وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.\nثالثًا: الحديث لا دلالة فيه على التكفير أو أن هذه الفرق مخلدة في النار لأن الوعيد بالنار لا يقتضي الخلود فيها، فالكلام في البدع كالكلام في الكبائر وقد توعد النبي ﷺ بالنار على كثير من الذنوب التي لا يختلف أهل الحق على عدم التكفير بمجردها كالقتل وإباق العبد من مواليه المسلم والرغبة عن الآباء.\nومما يؤيد ذلك: أنه ﵊ جعل هذه الفرق من الأمة حيث قال: «ستفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة» فجعل الاثنتين وسبعين فرقة من أمة محمد ﵊، وهذا يعني أنهم مسلمون في الجملة، والأصل أن المسلم باقٍ على إسلامه فلا يخرج منه إلا بيقين.\n_________\n(١) أمة الإجابة: كل من انتسب إلى الإسلام وإن كان مرتكبًا للبدعة (وإن كانت مكفرة) .\n(٢) أمة الدعوة:كل من كُلف باتباع النبي ﷺ من الثقلين سواء آمن به أولم يؤمن به، فكل من كان موجودًا من بعثة النبي ﷺ فهو مكلف باتباعه.","vol":"1","page":8},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وكذلك سائر الاثنتين وسبعين فرقة من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن، ومن لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرًا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنًا ما كان خطؤه. وقد يكون في بعضهم شعبة من شُعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار. ومن قال: إن الاثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يُكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، بل إجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس منهم من كفر كل واحد من الاثنتين وسبعين فرقة وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات \". (١)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٧ / ٢١٨.","vol":"1","page":9},{"text":"النوع الثاني من الاختلاف: الاختلاف المحمود\nوهو الاختلاف في المسائل الظنية، مثل الاختلاف في وقوع طلاق الثلاث واحدة، والقنوت في صلاة الفجر، ورفع اليدين في الصلاة، وما يجب تغطيته من المرأة، ونحو ذلك.\nفمثل هذه المسائل يسوغ فيها الخلاف إذا لم يكن عن تعصب وهوى وإنما عن اجتهاد وتحرٍ لقوله ﵊: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد» (١)، وقد أقر النبي ﷺ الصحابة رضوان الله عليهم على اختلافهم في الاجتهاد في صلاة العصر في غزوة بني قريظة. (٢)\n_________\n(١) متفق عليه من حديث عمرو بن العاص ﵁.\n(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":10},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\"ما تنازعوا فيه مما أقروا عليه وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والأمراء والملوك كاجتهاد الصحابة في قطع اللينة وتركها: واجتهادهم في صلاة العصر لما بعثهم النبي ﷺ إلى بني قريظة وأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم في الطريق في الوقت وقالوا: إنما أراد التعجل لا تفويت الصلاة. وأخرها قوم إلى أن وصلوا وصلوها بعد الوقت تمسكا بظاهر لفظ العموم فلم يعنف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين. . . وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها ; على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة وغير ذلك وحكم عمر أول عام في الفريضة الحمارية بعدم التشريك وفي العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل الأولى ولما سئل عن ذلك قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم. وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله ورؤية محمد ﷺ","vol":"1","page":11},{"text":"ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة. . . ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ\". (١)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ١٩ / ١٢٢.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>القاعدة الثانية الافتراق سنة كونية ودفعه فريضة شرعية </span>فمما كتبه الله - تعالى - على الأمة الإسلامية أنها ستفترق وتختلف كما اختلفت الأمم من قبلها، وهذا الافتراق هو حكم كوني يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١١٨- ١١٩)\nوقد اختلف المفسرون إلى أي شيء يعود اسم الإشارة في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فمنهم من قال: إنه يعود إلى الاختلاف أي: خلقهم ليختلفوا وذهب إلى هذا الحسن البصري، وذهب بعض المفسرين ومنهم عطاء إلى أن اسم الإشارة يعود إلى الرحمة أي خلقهم ليرحمهم، وبعضهم قال: اسم الإشارة يعود إلى الاثنين معًا، أي خلقهم ليختلفوا وليرحم من سلك الصراط المستقيم وممن ذهب إلى هذا القول ابن جرير الطبري وابن كثير والشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀.","vol":"1","page":13},{"text":"يقول ابن سعدي:\" يُخبر الله - تعالى - أنه لو شاء لجعل الناس أُمة واحدة على الدين الإسلامي فإن مشيئته غير قاصرة ولا يمتنع عليه شيء ولكنه اقتضت حكمته ألا يزالوا مختلفين مخالفين للصراط المستقيم متّبعين للسبل الموصلة إلى النار كلٌّ يرى الحق فيما قاله والضلالة في قول غيره، وقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي، وأما من عداهم فهم مخذولون موْكولون إلى أنفسهم، وقوله سبحانه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال: أي اقتضت حكمته أنه خلقهم ليكون منهم السعداء والأشقياء والمتفقون والمختلفون والفريق الذي هدى الله والفريق الذي حقت عليهم الضلالة ليتبين للعباد عدله وحكمته وليظهر ما كمن من الطباع البشرية من الخير والشر ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء \" (١) .\n_________\n(١) تفسير ابن سعدي ٢ / ١٢٥.","vol":"1","page":14},{"text":"وبعضهم يتكئ على هذه السنة الكونية لرد أي محاولة لجمع الكلمة وتوحيد صف المسلمين، بحجة أن الاختلاف سنة كونية لا يمكن ردها، وهذا من الخطأ في فهم النصوص فإنه لا تعارض بين حكم الله الكوني وحكمه الشرعي، فهو قد قدر الاختلاف بحكمه الكوني، وذمه ونهى عنه بحكمه الشرعي، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٠٥) .","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>القاعدة الثالثة الحق يقبل من أي جهة جاء </span>الحق يقبل لكونه موافقًا للدليل، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه؛ ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندها من الباطل، بغض النظر عن الموالي منها أو المعادي.\nقال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة ٢١٣) .\nوفي دعاء النبي ﷺ: \". . . «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» . (١)\nقال ابن القيم ﵀: فمن هداه الله - سبحانه - إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدى الله لما اختُلف فيه من الحق.\nوقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة ٨)، ومن العدل فيهم قبول ما عندهم من الحق.\n_________\n(١) رواه مسلم من حديث عائشة ﵂.","vol":"1","page":16},{"text":"وهكذا أدبنا القرآن الكريم حين ساق كلام بلقيس- وقت كفرها - ثم وافقها عليه؛ قال تعالى-حكاية عنها-: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (النمل ٣٤) .\nولما دلّ الشيطان أبا هريرة - ﵁ - إلى آية الكرسي لتكون له حرزًا من الشيطان، وذلك مقابل فكه من الأسر، قال له النبي ﷺ: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب» . (١)\nوقد قبل ﵊ الحق من بعض اليهود ففي سنن النسائي عن قتيلة - امرأة من جهينة - «أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال إنكم تنددون وإنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقولون ما شاء الله ثم شئت» .\n_________\n(١) رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":17},{"text":"بل يقبل الحق وإن جاء على لسان البهائم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله تعجبا وفزعا أبقرة تكلم؟! فقال رسول الله ﷺ: فإني أومن به وأبو بكر وعمر» قال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ: «بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه فالتفت إليه الذئب فقال له من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري فقال الناس سبحان الله فقال رسول الله ﷺ فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر» .\nوكان معاذ بن جبل ﵁ يقول: اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافرًا-أو قال فاجرًا- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نورًا.\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" ولكنّ الحق يقبل من كل من تكلم به \". (١)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٥ / ١٠١.","vol":"1","page":18},{"text":"ولا شك أن رسوخ مثل هذه المعاني في أذهان المسلمين من أكبر الدوافع إلى الإذعان للحق والرضوخ له مهما كان قائله، ويجعل المسلم مستسلمًا للحق دومًا، قابلًا له، وهذا من شأنه أن يقضي على التعصب المقيت الذي يحمل صاحبه إلى المنابذة والإصرار على الباطل، لا لشيءٍ إلا لأن القائل بالحق ليس من جماعته أو حزبه أو لربما بلده، وهذا هو عين الإرهاب الفكري حيث يصبح المرء أحادي النظرة، نابذًا لآراء جميع مخالفيه، غير مستعدٍ لأن يتمعن في مقولتهم فضلًا عن أن يقبلها.\nإن من شأن التربية القرآنية أن تزيل كل الحواجز التي تقف بين المسلم وقبول الحق، فإن قبول الحق متى بان خير من التمادي في الباطل، ولا غضاضة ولا منقصة عليه في ذلك، فإذا كان سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه قد قبل ذلك الحق من اليهودي، فكيف بآحاد المسلمين ممن يلوح له الحق على لسان من هو خير من ذلك اليهودي.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القاعدة الرابعة وجوب عرض أقوال الناس على الشرع </span>ما يقوله سائر الناس من الكلام في المطالب الشرعية لا بد من عرضه على الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنة فهو حق يقبل، وإن خالفها فهو باطل يرد.\nولهذا كان الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم ينهون أتباعهم عن تقليدهم في كل شيء، يقول أبو حنيفة: إذا خالف الحديث قولي فاضرب بقولي عرض الحائط، ويقول مالك: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، يقصد النبي ﷺ، ويقول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ويقول أحمد: لا تقلدني ولا تقلدن أبا حنيفة ولا مالكًا ولا الشافعي وخذ من حيث أخذوا. (١)\n_________\n(١) انظر رسالة: «القول المفيد في حكم التقليد» للشوكاني، أصول الفقه الإسلامي، ص ١١٣٠.","vol":"1","page":20},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" ذم الله - تعالى - في القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله وهو: أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد ; فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان ; في سره وعلانيته وفي جميع أحواله، وهذا من الإيمان قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥)\nوقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: ٥١)\nوقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦)","vol":"1","page":21},{"text":"وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) .\nوقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٣١) .\nوقد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من أربعين موضعا من القرآن وطاعته طاعة لله: وهي: عبادة الله وحده لا شريك له وذلك هو دين الله وهو الإسلام وكل من أمر الله بطاعته من عالم وأمير ووالد وزوج ; فلأن طاعته طاعة لله، وإلا فإذا أمر بخلاف طاعة الله فإنه لا طاعة له وقد يأمر الوالد والزوج بمباح فيطاع وكذلك الأمير إذا أمر عالما يعلم أنه معصية لله والعالم إذا أفتى المستفتي بما لم يعلم المستفتي أنه مخالف لأمر الله فلا يكون المطيع لهؤلاء عاصيا وأما إذا علم أنه مخالف لأمر الله فطاعته في ذلك معصية لله\" اه. (١)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٩ / ٢٦٠) .","vol":"1","page":22},{"text":"وهذه القاعدة ذات أثر كبير في حماية المجتمع من الغلو في المتبوعين، ورفعهم فوق منزلتهم التي جعلهم الله عليها، فإن العصمة ليست لأحد من البشر إلا لأنبياء الله ورسله، وبعضهم قد يجعل لمتبوعه قداسة من حيث لا يشعر، فيذعن لقوله، ويسلم لأمره، حتى وإن تبين له أنه على خلاف الحق، وبهذا تظهر الآراء الشاذة والأفكار المنحرفة التي قد تجر ويلات على الأمة الإسلامية برمتها، وما ذاك إلا بسبب التقليد الأعمى، والغلو المذموم في القادة والمتبوعين، وشأن المسلم أن يدور مع الحق حيث دار، وأن يتحرى وجه الصواب في كل مسألة يقدم عليها، ولا سيما في المسائل التي تعم فيها البلوى، وتأخذ طابعًا عموميًا للأمة المسلمة، فينبغي أن يكون صدور الفتوى فيها من هيئات شرعية تأخذ بالاجتهاد الجماعي، كالمجامع الفقهية ولجان الفتوى التي يكون على رأسها علماء ثقات، لأن الرأي الجماعي أحرى بإصابة الحق بإذن الله من الرأي الفردي.\nولهذا كان علماء الأمة يحذرون من زلة العالم، فإن العالِم إذا زل، زل بزلته عالَم، وفي حديث ثوبان ﵁ مرفوعًا: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» . (١)\n_________\n(١) رواه أحمد من حديث ثوبان ﵁.","vol":"1","page":23},{"text":"والأئمة المضلون: هم علماء وقادة السوء الذين يحلون ويحرمون على خلاف حكم الله، وقد سمى الله طاعتهم في ذلك عبادة، فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣١) .\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\" وكثير من المتفقهة وأجناد الملوك وأتباع القضاة والعامة المتبعة لهؤلاء يشركون شرك الطاعة وقد «قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما قرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فقال: يا رسول الله، \" ما عبدوهم فقال ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم» (١)، فتجد أحد المنحرفين يجعل الواجب ما أوجبه متبوعه والحرام ما حرمه والحلال ما حلله والدين ما شرعه إما دينا وإما دنيا وإما دنيا ودينا، ثم يخوف من امتنع من هذا الشرك وهو لا يخاف أنه أشرك به شيئا في طاعته بغير سلطان من الله وبهذا يخرج من أوجب الله طاعته من رسول وأمير وعالم ووالد وشيخ وغير ذلك \" (٢) .\n_________\n(١) الحديث رواه أحمد والترمذي من حديث عدي بن حاتم ﵁.\n(٢) مجموع الفتاوى (١ / ٩٨) .","vol":"1","page":24},{"text":"وإذا تتبعنا أسباب انحراف الفرق الضالة نجد أن من أهم تلك الأسباب الغلو في المتبوعين حتى أصبح كلامهم مقدمًا على كلام الله وكلام رسوله ﷺ، فأصبح الولاء والبراء معقودًا على الانقياد لذلك المتبوع من عدمه، فمن قبل أقوال ذلك المتبوع فهو المسلم الذي تجب موالاته، ومن ردها فهو الضال الذي تجب معاداته، وهذا بلا شك هو الوقود الذي يشعل نار الفتنة بين الأحزاب والطوائف، ويذكي روح التعصب والتطرف بين الأفراد والجماعات.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>القاعدة الخامسة الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف رجاله </span>هذا الكلام مما ينقل عن علي ﵁، والحق ما وافق الدليل من غير التفات إلى كثرة المقبلين، أو قلتهم، فالحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق، ومجرد نفور النافرين، أو محبة الموافقين لا يدلّ على صحة قول أو فساده، بل كل قول يحتج له، خلا قول النبي ﷺ فإنه يحتج به.\nوكثرة الأتباع ليست دليلًا على صدق الدعوى، كما أن قلة الأتباع ليست دليلًا على ضعفها أو فسادها، ففي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد» الحديث.\nولهذا قال بعض السلف: عليك بالحق ولا تستوحش من قلة السالكين، وإياك والباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.","vol":"1","page":26},{"text":"ولهذا فإنه من غير المستساغ لمسلمٍ أن يحتج على عمله بكثرة الفاعلين له، فانتشار التطرف والإرهاب المذموم، واستخدام العنف من قبل الطوائف المختلفة لنشر مذاهبها وآرائها، كل ذلك ليس دليلًا على مشروعيتها، لأن العبرة بموافقة الدليل لا بالكثرة، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يسلك في دعوته سبيل الحكمة والبصيرة، وهما بمعنى موافقة الحق، وألا يهتم بتجميع سواد الناس إذا كان في ذلك مجانبة الحق، ولننظر إلى ذلك التوجيه الرباني لمحمد ﷺ، ففي آخر سورة يوسف بين الله له أنه ليس مكلفًا بأن يدخل الناس كلهم في دين الله فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآية (١٠٣) ثم بعدها ببضع آيات يبين الله له ما هو مكلف به وهو أن يسلك مسلك البصيرة، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (الآية: ١٠٨)، وفي سورة النحل يقول سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (الآية ١٢٥)، فالمؤمن ليس مأمورًا بأن يُدخل الناس في دين الله بالقوة، وأجره عند","vol":"1","page":27},{"text":"الله ليس مبنيًا على ذلك، بل هو مأمور بتبليغ الرسالة ويؤجر على قدر موافقته للهدي الرباني، حتى وإن لم يستجب له أحد، ولهذا كان الرسل أفضل البشر مع أن بعضهم يأتي يوم القيامة ولم يؤمن معه أحد.\nوعلى المؤمن ألا يستعجل النتائج في دعوته لأن ذلك يتعارض مع منهج الحكمة الذي أمره الله به، هذا فضلًا عما تؤدي إليه العجلة من الإضرار بالدعوة، وتضييق الخناق عليها وعلى أهلها.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>القاعدة السادسة الفرق بين الحكم المطلق والحكم المعين </span>وهذه من أهم قواعد الخلاف، والتي نشأ بسبب الجهل بها خلط ولبس كبير، جعل من بعض الجهلة يكفرون المخالف لهم، أو يبدعونه بمجرد ارتكابه للبدعة أو وقوعه فيما يعده أهل السنة كفرًا، وإن من سمات أهل السنة أتباع الفرقة الناجية العدل في الحكم على المخالفين، فهم وسط بين الوعيدية الذين يكفرون بارتكاب الكبيرة، والمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\nفيفرق أهل السنة بين الحكم المطلق على المخالفين بالمعصية أو الفسق أو الكفر، وبين الحكم على شخص معين، ممن ثبت إسلامه بيقين، ثم صدرت منه هذه البدع فلا يحكمون عليه بأنه فاسق أو عاص أو كافر حتى تقوم عليه الحجة، وتزول عنه الشبهة، كما يفرقون بين نصوص الوعيد المطلقة وبين استحقاق شخص بعينه لهذا الوعيد في أحكام الآخرة.","vol":"1","page":29},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية (النساء: ١٠) وكذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال كذا فهو كذا ثم الشخص المعين ينتفي حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة والتكفير هو من الوعيد فانه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها.\nوفي الحديث الذي في الصحيحين: في الرجل الذي قال: «إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لإن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له» . (١)\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":30},{"text":"فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذرى، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك.\nوالمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا \". (١) اهـ.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٣ / ٢٢٦.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القاعدة السابعة لا تجوز معارضة القرآن والسنة برأي أو عقل أو قياس </span>وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم، فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل ولا فيهم من يقول إن له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث فضلا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول، وأنه يأخذ من ذلك المعدن علم التوحيد والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته \" (١) اهـ.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ١٣ / ٢٧.","vol":"1","page":32},{"text":"ولا شك أن الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة التي تدعو إلى الحكمة والحوار والمجادلة بالحسنى خير وسيلة للقضاء على ظاهرة الإرهاب والتطرف، فينبغي أن يكون التحاكم مع المخالفين من المسلمين إلى قاعدة متفقٍ عليها، وأرضية مشتركة بين الطرفين، إذ إن من قواعد الجدل والمناظرة: \" أن الاستدلال على المسألة المتنازع عليها إنما يكون من الدليل المتفق عليه \"، ولا يمكن أن تتفق الأطراف إلا على الكتاب والسنة، لأن الآراء تختلف، والعقول تتفاوت، والأهواء تتباين، فكان لزامًا أن تزال الشبهة عن الخارجين قبل أن تستخدم معهم العقوبات كما نص على ذلك أهل العلم في أبواب قتال أهل البغي من المسلمين.","vol":"1","page":33},{"text":"ومن مآثر الخليفة عمر بن عبد العزيز - ﵀ - أنه يروى أنه فور توليه الخلافة كتب إلى قائد الخوارج - تلك الفرقة التي دوخت الخلفاء من قبله، ولم تنفع معها لغة السيف - ويقال له: بسطام، يقول له: \" ما أخرجك علي؟ فإن كنت خرجت غضبًا لله فأنا أحق بذلك منك، ولست أولى بذلك مني، وبيني وبينك كتاب الله، فهلم أناظرك، فإن رأيت حقًا اتبعته، وإن أبديت حقًا نظرنا فيه، فما كان من قائدهم بعد أن بغته الخليفة بتلك الحجة، وهو أمر لم يعتد عليه إلا أن أذعن لمقولته، وعقدت المناظرات بين أهل السنة والخوارج، ولذا لم تقم لهم قائمة في خلافته. (١)\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٩ / ١٩٦.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>القاعدة الثامنة المخالفون لأهل السنة ليسوا على درجة واحدة </span>فمنهم المجتهد المخطئ، والجاهل المعذور، والمتعدي الظالم، والكافر الضال. وفيما يأتي تفصيل كل منهم:\n١- المجتهد المخطئ:\nيقول ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج: ٣ ص: ١٧٩: \" ليس كل من خالف في شيء من اعتقاد الفرقة الناجية يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا كما يقال من صمت نجا.\nواستدل - ﵀ - على أن المجتهد المخطئ في المسائل الاعتقادية معفو عنه بعدة أدلة:\nالدليل الأول: أنه ثبت بالكتاب المفسر بالسنة أن الله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان فهذا عام عموما محفوظا وليس في الدلالة الشرعية ما يوجب أن الله يعذب من هذه الأمة مخطئا على خطئه.","vol":"1","page":35},{"text":"الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال: «إن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه ثم أذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه فإذا هو قائم بين يديه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له» وقد تقدم تخريجه.\nفهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله - تعالى - على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذري وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك وهذان أصلان عظيمان:\nأحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.\nوالثاني: متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله.\nومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.","vol":"1","page":36},{"text":"الدليل الثالث: أن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ \" بل عجبتُ - بضم التاء - \"ويقول: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه فكان يقول: بل عجبتُ، فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال: إنما هي أولم يتبين الذين آمنوا، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر.\nثانيًا - الجاهل المعذور:\nفهذا يعذر لجهله، حيث لم تقم عليه الحجة.","vol":"1","page":37},{"text":"يقول ابن تيمية: \" لا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقا لقوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا \". (١)\nثالثًا - المتعدي الظالم:\nوهو من يأثم ببدعته، ولا يصل به الأمر إلى الكفر.\nوضابط هؤلاء كما يقول ابن تيمية:\"أن من كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لاتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه \". (٢)\nرابعًا - الكافر الضال:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ج: ٢٠ ص: ١٦٦.\n(٢) ج: ٣ ص: ٣٥٤.","vol":"1","page":38},{"text":"كحال كثير من الغلاة الذين يغلون في مشايخهم ويرفعونهم فوق مقام النبوة، أو يضفون عليهم خصائص الألوهية، أو الذين يقولون بوحدة الوجود أو بالحلول والاتحاد، فكل هؤلاء مشركون كفار.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>القاعدة التاسعة موافقة الجماعة في المسائل الاجتهادية الظاهرة فيما يراه المجتهد مرجوحًا خير من مفارقتهم إلى ما يراه راجحًا </span>ذلك أن من أهم المقاصد الشرعية الاتفاق وعدم المنازعة، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، فكل ما يقوي وحدة الصف المسلم، ولا يترتب عليه محظور شرعي فهو مطلوب، وهكذا كان هدي السلف رضوان الله عليهم:\nفقد صح عن ابن مسعود (﵁) أنه عاب على عثمان (﵁) صلاته بمنى أربعا وصلى معه، فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر. (١)\nوفي المدونة: \" قلت لمالك: إنه يلينا قوم يرون خلاف ما ترى في السهو، يرون أن ذلك عليهم بعد السلام فيسهو أحدهم سهوا يكون عندنا سجود ذلك السهو قبل السلام، ويراه الإمام بعد السلام فيسجد بنا بعد السلام؟ قال: اتبعوه فإن الخلاف أشر. (٢)\n_________\n(١) الأم ١ / ٢٠٨.\n(٢) المدونة ١ / ٢٢٢.","vol":"1","page":40},{"text":"وقال ابن تيمية ﵀: \"ويسوغ أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة خوفا من التنفير، عما يصلح كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم ; لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك. ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم. وقال ابن مسعود لما أكمل الصلاة خلف عثمان، وأنكر عليه فقيل له في ذلك، فقال: الخلاف شر ; ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة ائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك \". (١)\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى ٢ / ١٨٢.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>القاعدة العاشرة اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية </span>المفترض في كل متناظرين أنهما طالبا حق، لكن قد يخفى الحق عليهما أو على أحدهما، والخفاء قد يكون سببه خفاء الدليل أو الدلالة، فيختلفان فتقع بينهما المناظرة، وقد تنكشف المناظرة ولا يتفقان على قول واحد، لكنهما مستصحبان للنية الأولى وهي طلب الحق. فهذا الاختلاف لا يقطع حبل المودة بينهما، ولا يعكر على القلوب صفاءها، فضلًا عن التنابذ والتدابر ونحو ذلك.\nولقد ضرب لنا سلفنا أمثلة شامخة في هذا الباب، من ذلك:\n١-ما قاله يونس الصدفي (٢٦٤هـ) قال: ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: (يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا، وإن لم نتفق في مسألة)؟!\n٢-ما رواه ابن عبد البر عن العباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبًا على دابة، قال: فتناظرا في الشهادة، وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف، قام أحمد فأخذ بركابه.","vol":"1","page":42},{"text":"٣-وقال الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه: (لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا) . (١)\n_________\n(١) ينظر: آداب الجدل والمناظرة، ص ١٤٥- ١٧٧.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>القاعدة الحادية عشرة الاختلاف قد يكون اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد </span>فحتى نحصر الخلاف في دائرته الضيقة، ينبغي أن يفرق بين اختلاف التنوع، واختلاف التضاد، ففي كثير من الأحيان ينصب الخلاف بين العالمين أو الفرقتين أو المذهبين، وعند التأمل نجد أن الاختلاف بينهم إنما هو اختلاف صوري، لا حقيقة له، وإنما اختلفت عبارة كل منهما عن الآخر، فظُن هذا الاختلاف نزاعًا.\nويقول أهل العلم: إن اختلاف التنوع سببه أحد أمرين:\nالأول: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، ومن ذلك: اختلاف المفسرين في معنى الصراط المستقيم، فقيل: هو القرآن، وقيل الإسلام وقيل: السنة، وكل هذه المعاني صحيحة إذ لا تعارض بينها فهي من اختلاف التنوع.\nوالثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، ومن أمثلة ذلك: الاختلاف في صيغ الأذان والتشهد وأدعية الاستفتاح ونحو ذلك، فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن تكون سببًا للنزاع والفرقة والمنابذة، لأن السنة قد جاءت بها جميعًا، فلا تثريب على المسلم فيما لو أخذ بأي صفة وردت.","vol":"1","page":44},{"text":"ومن العجب ما نشاهده في بعض البلدان الإسلامية من وقوع المنازعات وفي بعض الأحيان يتطور الأمر إلى المصادمات والمشادات الكلامية والتراشق بالاتهامات والتبديع والتكفير بسبب مسائل فرعية لا ينبغي أن تكون مثارًا للنزاع، ومنبعًا للفتنة، كرفع اليدين في الصلاة، والجهر بالتأمين، والقنوت في صلاة الفجر، ونحو ذلك من المسائل، ومرد ذلك والله أعلم هو الجهل بفقه الخلاف، وما ينبغي على المسلم عمله تجاه من يخالفه في الرأي، وها قد عدنا إلى حيث ما بدأنا به، وهو التأكيد على أهمية هذا الموضوع الذي تسبب إغفاله وإهماله من قبل المربين إلى الحالة التي لا تحسد عليها أمتنا الإسلامية من الضعف والتمزق والافتراق.","vol":"1","page":45},{"text":"ولعلي أختم بحثي هذا بعددٍ من التوصيات:\n١- ضرورة تدريس موضوع فقه الخلاف في المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، حتى يتحلى المسلم بهذه الضوابط مع من يخالفه الرأي.\n٢- على المصلحين والمربين والعلماء والدعاة أن يكونوا قدوة في هذا الباب حتى ينعكس أثر ذلك في من يقلدونهم.\n٣- ينبغي طرح هذه الموضوعات عبر وسائل الإعلام المختلفة، ولا سيما القنوات الفضائية، حيث أصبح المشاهد - بعد انتشار هذه القنوات - في حيرة من أمره، إذ كان معتادًا على سماع فتوى واحدة من شيخ بلدته، وأصبح الآن يستمع إلى عشرات الفتاوى في الموضوع الواحد من علماء من أقطارٍ شتى.\n٤- ينبغي تعريف الناس بمؤسسات الاجتهاد الجماعي، وأن تكون قراراتها بمتناول أيدي الناس.\n٥- إن الجهل بفقه الخلاف هو الحوض الذي تنمو فيه بذرة التعصب، تلك البذرة التي تخرج منها نبتة الإرهاب الخبيثة، فلن يقضى على الإرهاب ما لم يقض أولًا على التعصب للرأي، ولن يقضى على التعصب ما لم يفقه الناس بآداب الاختلاف وضوابطه.\nوالحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":46},{"text":"أهم<span data-type=\"title\" id=toc-17> المراجع * </span>تيسير اللطيف المنان في تفسير كلام الرحمن / لابن سعدي.\n* مجموع فتاوى ابن تيمية.\n* البداية والنهاية / لابن كثير.\n* أصول الفقه الإسلامي / لوهبه الزحيلي.\n* القاموس المحيط / للفيروزابادي.\n* المصباح المنير / للفيومي.\n* الفتاوى الكبرى / لابن تيمية.\n* مفردات ألفاظ القرآن / للراغب الأصفهاني.\n* الأم / للشافعي.\n* المدونة / لسحنون.\n* الجامع الصحيح / للبخاري.\n* الجامع الصحيح / لمسلم.\n* المسند / للإمام أحمد.\n* سنن أبي داود.\n* سنن الترمذي.","vol":"1","page":47}]}