{"ً":{"ٌ":12010,"ٍ":"روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"أصول الفقه والقواعد الفقهية/روضة الناظر وجنة المناظر - ابن قدامة المقدسي - ت إسماعيل - ط المكية","files":["00_155297.pdf|الغلاف","01_155297.pdf","02_155298.pdf"]},"ّ":"الكتاب: روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل\nالمؤلف: موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة الجماعيلي (٥٤١ - ٦٢٠ هـ)\nقدم له ووضح غوامضه وخرج شواهده: الدكتور شعبان محمد إسماعيل [ت ١٤٤٣ هـ]\nالناشر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع\nالطبعة: الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":474,"ٕ":11,"ٖ":1770154754,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المجلد الأول","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1},{"title":"تمهيد","level":2,"page":17},{"title":"مقدمة المجلد الأول","level":2,"page":45},{"title":"مدخل","level":3,"page":45},{"title":"مقدمة","level":3,"page":50},{"title":"فصل: في أقسام الحد","level":2,"page":53},{"title":"فصل: في أن تعذر البرهان على الحد لا يمنع صحته","level":2,"page":63},{"title":"فصل: في البرهان","level":2,"page":65},{"title":"فصل: في كيفية دلالة الألفاظ على المعنى","level":2,"page":67},{"title":"فصل: في النظر في المعاني","level":2,"page":72},{"title":"فصل: في تأليف مفردات المعاني","level":2,"page":75},{"title":"فصل: في مقدمتي البرهان وأضربه","level":2,"page":78},{"title":"فصل: في أسباب مخالفة البرهان أو القياس","level":2,"page":86},{"title":"فصل: في اليقين ومداركه","level":2,"page":89},{"title":"فصل: في لزوم النتيجة من المقدمتين","level":2,"page":94},{"title":"فصل: في تقسيم البرهان إلى برهان علة وبرهان دلالة","level":2,"page":97},{"title":"فصل: في الاستدلال بالاستقراء","level":2,"page":99},{"title":"الباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه","level":2,"page":101},{"title":"معنى الحكم","level":3,"page":101},{"title":"فصل: في تقسيم الواجب باعتبار ذاته","level":3,"page":110},{"title":"فصل: في تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء","level":3,"page":113},{"title":"فصل: في تضييق الواجب الموسع","level":3,"page":121},{"title":"فصل: في مقدمة الواجب وحكمها","level":3,"page":123},{"title":"فصل: في بعض الفروع المخرجة على مقدمة الواجب","level":3,"page":125},{"title":"فصل: في الواجب غير المحدد","level":3,"page":126},{"title":"فصل: القسم الثاني: المندوب","level":3,"page":129},{"title":"فصل: في حكم الأشياء قبل ورود الشرع","level":3,"page":137},{"title":"فصل: هل المباح مأمور به","level":3,"page":142},{"title":"فصل: القسم الخامس: الحرام","level":3,"page":145},{"title":"فصل: في أقسام النهي","level":3,"page":150},{"title":"فصل: الأمر بالشيء نهي عن ضده","level":3,"page":153},{"title":"فصل: في معنى التكليف وشروطه","level":3,"page":159},{"title":"فصل: في عدم تكليف الناسي والنائم والسكران","level":3,"page":163},{"title":"فصل: في حكم تكليف المكره","level":3,"page":165},{"title":"فصل: في حكم تكليف الكفار بفروع الإسلام","level":3,"page":167},{"title":"فصل: شروط الفعل المكلف به","level":3,"page":173},{"title":"فصل: في المقتضى بالتكليف","level":3,"page":181},{"title":"فصل: الضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار","level":3,"page":183},{"title":"فصل: في الشرط وأقسامه","level":3,"page":187},{"title":"فصل: في القضاء والأداء والإعادة","level":3,"page":193},{"title":"فصل: في العزيمة والرخصة","level":3,"page":198},{"title":"الباب الثاني: في أدلة الأحكام","level":2,"page":204},{"title":"مدخل","level":3,"page":204},{"title":"فصل: في تعريف الكتاب والقرآن وأنهما بمعنى واحد","level":3,"page":208},{"title":"فصل: في حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة","level":3,"page":213},{"title":"فصل: في اشتمال القرآن على الحقيقة والمجاز","level":3,"page":216},{"title":"فصل: ليس في القرآن ألفاظ غير عربية","level":3,"page":220},{"title":"فصل: في المحكم والمتشابه","level":3,"page":223},{"title":"الباب الثالث: النسخ","level":2,"page":228},{"title":"فصل: تعريف النسخ","level":3,"page":228},{"title":"فصل: معنى النسخ عند المعتزلة","level":3,"page":231},{"title":"فصل: الفرق بين النسخ والتخصيص","level":3,"page":237},{"title":"فصل: ثبوت النسخ بالأدلة العقلية والنقلية","level":3,"page":239},{"title":"فصل: في وجوه النسخ في القرآن","level":3,"page":242},{"title":"فصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال","level":3,"page":248},{"title":"فصل: هل الزيادة على النص نسخ؟","level":3,"page":255},{"title":"فصل: في نسخ جزء العبادة أو شرطها","level":3,"page":262},{"title":"فصل: في جواز نسخ العبادة إلى غير بدل","level":3,"page":264},{"title":"فصل: في النسخ بالأخف والأثقل","level":3,"page":267},{"title":"فصل: في حكم من لم يبلغه النسخ","level":3,"page":272},{"title":"فصل: في وجوه النسخ بين القرآن والسنة","level":3,"page":274},{"title":"فصل: في حكم نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد","level":3,"page":281},{"title":"فصل: الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به","level":3,"page":283},{"title":"فصل: في نسخ القياس والنسخ به","level":3,"page":285},{"title":"فصل: في نسخ التنبيه والنسخ به","level":3,"page":287},{"title":"فصل: فيما يعرف به النسخ","level":3,"page":290},{"title":"الباب الرابع: الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي -ﷺ","level":2,"page":293},{"title":"مدخل","level":3,"page":293},{"title":"فصل: في ألفاظ الرواية","level":3,"page":299},{"title":"فصل: في حد الخبر وأقسامه","level":3,"page":307},{"title":"فصل: فيما يفيده الخبر المتواتر","level":3,"page":310},{"title":"فصل: ي أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها","level":3,"page":313},{"title":"فصل: في شروط التواتر","level":3,"page":316},{"title":"فصل: مذاهب العلماء في عدد التواتر","level":3,"page":317},{"title":"فصل: لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إليه","level":3,"page":321},{"title":"فصل: في حكم التعبد بخبر الواحد عقلا","level":3,"page":331},{"title":"فصل: في التعبد بخبر الواحد سمعا","level":3,"page":335},{"title":"فصل: في شروط الراوي","level":3,"page":351},{"title":"فصل: في حكم خبر مجهول الحال","level":3,"page":357},{"title":"فصل: فيما لا يشترط في الراوي","level":3,"page":363},{"title":"فصل: تعارض الجرح والتعديل","level":3,"page":367},{"title":"فصل: في عدالة الصحابة","level":3,"page":370},{"title":"فصل: في حكم خبر المحدود في القذف","level":3,"page":373},{"title":"فصل: في كيفية الرواية","level":3,"page":374},{"title":"فصل: في حكم الشك في السماع","level":3,"page":380},{"title":"فصل: في حكم إنكار الشيخ للحديث","level":3,"page":382},{"title":"فصل: في حكم انفراد الثقة بزيادة في الحديث","level":3,"page":386},{"title":"فصل: في حكم رواية الحديث بالمعنى","level":3,"page":389},{"title":"فصل: في حكم مراسيل الصحابة","level":3,"page":393},{"title":"فصل: في حكم مراسيل غير الصحابة","level":3,"page":396},{"title":"فصل: في حكم خبر الواحد فيما تعم به البلوى","level":3,"page":400},{"title":"فصل: في حكم خبر الواحد في الحدود","level":3,"page":403},{"title":"فصل: في حكم الواحد إذا خالف القياس","level":3,"page":405},{"title":"باب: الأصل الثالث: الإجماع","level":2,"page":409},{"title":"فصل: معنى الاجماع","level":3,"page":409},{"title":"فصل: الأدلة على حجية الإجماع","level":3,"page":414},{"title":"فصل: في المعتبرين في الإجماع","level":3,"page":425},{"title":"فصل: فيمن يعتبر في الإجماع من أصحاب العلوم","level":3,"page":427},{"title":"فصل: في عدم الاعتداد بقول الكافر والفاسق في الإجماع","level":3,"page":431},{"title":"فصل: في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة","level":3,"page":433},{"title":"فصل: في حكم انعقاد الإجماع بقول الأكثر","level":3,"page":439},{"title":"فصل: في حكم إجماع أهل المدينة","level":3,"page":449},{"title":"فصل: في حكم إجماع الخلفاء الأربعة","level":3,"page":453},{"title":"فصل: هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع","level":3,"page":457},{"title":"فصل: هل اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة إجماع؟","level":3,"page":467},{"title":"فصل: اختلاف الصحابة على قولين يمنع إحداث قول ثالث","level":3,"page":469},{"title":"فصل: في حكم الإجماع السكوتي","level":3,"page":473},{"title":"فصل: في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس","level":3,"page":477},{"title":"فصل: الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعا","level":3,"page":482},{"title":"فصل: هل النافي للحكم يلزمه الدليل","level":3,"page":491},{"title":"باب: في تقاسيم الكلام والأسماء","level":2,"page":525},{"title":"فصل: اختلاف في مبدأ اللغات","level":3,"page":525},{"title":"فصل: هل تثبت الأسماء بالقياس","level":3,"page":529},{"title":"فصل: في تعارض الحقيقة والمجاز","level":3,"page":542},{"title":"فصل: في علامات الحقيقة والمجاز","level":3,"page":545},{"title":"فصل: في تعريف الكلام وأقسامه","level":3,"page":547},{"title":"فصل: نفي الذوات لا يقتضي الإجمال","level":3,"page":563},{"title":"فصل: رفع الخطأ رفع للحكم","level":3,"page":567},{"title":"فصل: في البيان","level":3,"page":570},{"title":"فصل: الأمور التي يحصل بها البيان","level":3,"page":573},{"title":"فصل: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة","level":3,"page":578},{"title":"باب: الأمر","level":2,"page":586},{"title":"مدخل","level":3,"page":586},{"title":"فصل: لا يشترط الإرادة في الأمر","level":3,"page":594},{"title":"فصل: مسألة: الأمر المجرد يدل على الوجوب","level":3,"page":598},{"title":"فصل: فيما تفيده صيغة الأمر بعد الحظر","level":3,"page":606},{"title":"فصل: الأمر المطلق هل يقتضي التكرار","level":3,"page":611},{"title":"فصل: الأمر المطلق: هل يقتضي الفور","level":3,"page":618},{"title":"فصل: الواجب المؤقت إذا فات وقته لا يحتاج إلى أمر جديد","level":3,"page":624},{"title":"فصل: مقتضى الأمر: حصول الإجزاء بفعل المأمور به","level":3,"page":626},{"title":"فصل: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا به","level":3,"page":631},{"title":"فصل: أمر الجماعة أمر لكل واحد منهم","level":3,"page":633},{"title":"فصل: أمر الله تعالى للنبي أمر للأمة ما لم يوجد تخصيص","level":3,"page":636},{"title":"فصل: في تعلق الأمر بالمعدوم","level":3,"page":647},{"title":"فصل: في التكليف بغير الممكن","level":3,"page":650},{"title":"فصل: في النهي","level":3,"page":655},{"title":"فهرس","level":2,"page":665},{"title":"موضوعات الجزء الأول","level":3,"page":665},{"title":"المجلد الثاني","level":1,"page":689},{"title":"باب: العموم","level":2,"page":689},{"title":"مدخل","level":3,"page":689},{"title":"فصل: تعريف العام","level":3,"page":691},{"title":"فصل: أقسام العام والخاص","level":3,"page":693},{"title":"فصل: في ألفاظ العموم","level":3,"page":695},{"title":"فصل: في الخلاف في عموم بعض الصيغ","level":3,"page":711},{"title":"فصل: في حكم العام الوارد على سبب خاص","level":3,"page":721},{"title":"فصل: حكاية الفعل من الصحابي تقتضي العموم","level":3,"page":728},{"title":"فصل: الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين يعم العبيد والنساء","level":3,"page":731},{"title":"فصل: العام بعد التخصيص حجة","level":3,"page":735},{"title":"فصل: العام بعد التخصيص حقيقة","level":3,"page":738},{"title":"فصل: فيما ينتهي إليه التخصيص","level":3,"page":741},{"title":"فصل: الخطاب العام يتناول من صدر منه","level":3,"page":743},{"title":"فصل: العام يجب اعتقاد عمومه في الحال","level":3,"page":745},{"title":"فصل: تعريف القياس الجلي والخفي","level":3,"page":767},{"title":"فصل: في تعارض العمومين","level":3,"page":770},{"title":"فصل: في الاستثناء","level":3,"page":773},{"title":"فصل: في شروط الاستثناء","level":3,"page":776},{"title":"فصل: في حكم الاستثناء بعد جمل متعددة","level":3,"page":786},{"title":"فصل: في المطلق والمقيد","level":3,"page":794},{"title":"فصل: في حمل المطلق على المقيد","level":3,"page":797},{"title":"باب: في الفحوى والإشارة","level":2,"page":803},{"title":"فصل: فيما يقتبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغها","level":3,"page":803},{"title":"باب: القياس","level":2,"page":834},{"title":"فصل: تعريف القياس","level":3,"page":834},{"title":"فصل: في العلة","level":3,"page":838},{"title":"فصل: طرق الاجتهاد في إثبات العلة","level":3,"page":839},{"title":"فصل: الأدلة النقلية للمنكرين للقياس","level":3,"page":868},{"title":"فصل: الأدلة العقلية للمنكرين للقياس","level":3,"page":870},{"title":"فصل: في مذهب النظام في الإلحاق بالعلة المنصوصة","level":3,"page":879},{"title":"فصل: في أوجه تطرق الخطأ إلى القياس","level":3,"page":881},{"title":"فصل: في أقسام إلحاق المسكوت بالمنطوق","level":3,"page":883},{"title":"فصل: تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره","level":3,"page":907},{"title":"فصل: مراتب الجنسية","level":3,"page":911},{"title":"فصل: أمور لا تكفي لإفساد علة الخصم","level":3,"page":922},{"title":"فصل: هل تثبت العلة بشهادة الأصول","level":3,"page":928},{"title":"فصل: في المسالك الفاسدة","level":3,"page":931},{"title":"فصل: في حكم العلة إذا استلزمت مفسدة","level":3,"page":933},{"title":"فصل: في قياس الشبه","level":3,"page":939},{"title":"فصل: في قياس الدلالة","level":3,"page":945},{"title":"باب: أركان القياس","level":2,"page":947},{"title":"مدخل","level":3,"page":947},{"title":"فصل: [الركن الأول: الأصل وشروطه]","level":3,"page":948},{"title":"فصل: الركن الثاني: الحكم. [وشروطه]","level":3,"page":956},{"title":"فصل: الركن الثالث: الفرع [وشروطه]","level":3,"page":960},{"title":"فصل: الركن الرابع: العلة","level":3,"page":961},{"title":"باب: كتاب الاجتهاد","level":2,"page":1035},{"title":"فصل: في حكم المجتهد","level":3,"page":1035},{"title":"فصل: شروط المجتهد","level":3,"page":1037},{"title":"فصل: مسألة: [في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -ﷺ-]","level":3,"page":1042},{"title":"فصل: في تعبد النبي -ﷺبالاجتهاد","level":3,"page":1046},{"title":"فصل: في خطأ المجتهد وإصابته","level":3,"page":1053},{"title":"فصل: في تعارض الأدلة","level":3,"page":1073},{"title":"فصل: هل للمجتهد أن يقول قولين في مسألة واحدة","level":3,"page":1079},{"title":"فصل: المجتهد لا يقلد غيره","level":3,"page":1082},{"title":"فصل: إذا نص المجتهد على حكم لعلة في مسألة فهو مذهبه في كل ما توجد فيه هذه العلة","level":3,"page":1086},{"title":"فصل في التقليد","level":3,"page":1089},{"title":"فصل: فيمن يستفتيه العامي","level":3,"page":1094},{"title":"فصل: إذا تعدد المجتهدون فللمقلد سؤال من شاء","level":3,"page":1096},{"title":"باب: في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح","level":2,"page":1100},{"title":"مدخل","level":3,"page":1100},{"title":"فصل: تعريف التعارض","level":3,"page":1102},{"title":"فصل: في ترجيح المعاني","level":3,"page":1110},{"title":"الفهارس","level":2,"page":1116},{"title":"موضوعات الجزء الثاني:","level":3,"page":1116},{"title":"الفهارس العامة: أولا: فهرس الآيات القرآنية.","level":3,"page":1137},{"title":"ثانيا: فهرس الأحاديث","level":3,"page":1151},{"title":"ثالثا: فهرس الآثار","level":3,"page":1161},{"title":"رابعا: فهرس الأبيات الشعرية","level":3,"page":1165},{"title":"خامسا: فهرس الأعلام","level":3,"page":1167},{"title":"سادسا: فهرس الفرق والطوائف والملل:","level":3,"page":1174},{"title":"سابعا: فهرس المراجع:","level":3,"page":1175},{"title":"باب: بيان بالأخطاء المطبعية التي وقعت في كتاب","level":2,"page":1203}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,14":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":95,"1,94":96,"1,95":98,"1,96":100,"1,97":101,"1,98":102,"1,99":103,"1,100":104,"1,101":105,"1,102":106,"1,103":107,"1,104":108,"1,105":109,"1,106":111,"1,107":112,"1,108":113,"1,109":114,"1,110":115,"1,111":116,"1,112":117,"1,113":118,"1,114":119,"1,115":120,"1,116":121,"1,117":122,"1,118":123,"1,119":124,"1,120":125,"1,121":126,"1,122":127,"1,123":128,"1,124":129,"1,125":130,"1,126":131,"1,127":132,"1,128":133,"1,129":134,"1,130":135,"1,131":136,"1,132":137,"1,133":138,"1,134":139,"1,135":140,"1,136":141,"1,137":143,"1,138":144,"1,139":145,"1,140":146,"1,141":147,"1,142":148,"1,143":149,"1,144":150,"1,145":151,"1,146":152,"1,147":153,"1,148":154,"1,149":155,"1,150":156,"1,151":157,"1,152":158,"1,153":159,"1,154":160,"1,155":161,"1,156":162,"1,157":164,"1,158":165,"1,159":166,"1,160":167,"1,161":168,"1,162":169,"1,163":170,"1,164":171,"1,165":172,"1,166":173,"1,167":174,"1,168":175,"1,169":176,"1,170":177,"1,171":178,"1,172":179,"1,173":180,"1,174":182,"1,175":183,"1,176":184,"1,177":185,"1,178":186,"1,179":187,"1,180":188,"1,181":189,"1,182":190,"1,183":191,"1,184":192,"1,185":194,"1,186":195,"1,187":196,"1,188":197,"1,189":199,"1,190":200,"1,191":201,"1,192":202,"1,193":203,"1,194":204,"1,195":205,"1,196":206,"1,197":207,"1,198":208,"1,199":209,"1,200":210,"1,201":211,"1,202":212,"1,203":213,"1,204":214,"1,205":215,"1,206":216,"1,207":217,"1,208":218,"1,209":219,"1,210":220,"1,211":221,"1,212":222,"1,213":223,"1,214":224,"1,215":225,"1,216":226,"1,217":227,"1,218":228,"1,219":229,"1,220":230,"1,221":231,"1,222":232,"1,223":233,"1,224":234,"1,225":235,"1,226":236,"1,227":238,"1,228":240,"1,229":241,"1,230":242,"1,231":243,"1,232":244,"1,233":245,"1,234":246,"1,235":247,"1,236":248,"1,237":249,"1,238":250,"1,239":251,"1,240":252,"1,241":253,"1,242":254,"1,243":256,"1,244":257,"1,245":258,"1,246":259,"1,247":260,"1,248":261,"1,249":263,"1,250":265,"1,251":266,"1,252":268,"1,253":269,"1,254":270,"1,255":271,"1,256":272,"1,257":273,"1,258":275,"1,259":276,"1,260":277,"1,261":278,"1,262":279,"1,263":280,"1,264":282,"1,265":283,"1,266":284,"1,267":286,"1,268":287,"1,269":288,"1,270":289,"1,271":291,"1,272":292,"1,273":293,"1,274":294,"1,275":295,"1,276":296,"1,277":297,"1,278":298,"1,279":299,"1,280":300,"1,281":301,"1,282":302,"1,283":303,"1,284":304,"1,285":305,"1,286":306,"1,287":307,"1,288":308,"1,289":309,"1,290":310,"1,291":311,"1,292":312,"1,293":313,"1,294":314,"1,295":315,"1,296":316,"1,297":317,"1,298":318,"1,299":319,"1,300":320,"1,301":322,"1,302":323,"1,303":324,"1,304":325,"1,305":326,"1,306":327,"1,307":328,"1,308":329,"1,309":330,"1,310":331,"1,311":332,"1,312":333,"1,313":334,"1,314":336,"1,315":337,"1,316":338,"1,317":339,"1,318":340,"1,319":341,"1,320":342,"1,321":343,"1,322":344,"1,323":345,"1,324":346,"1,325":347,"1,326":348,"1,327":349,"1,328":350,"1,329":351,"1,330":352,"1,331":353,"1,332":354,"1,333":355,"1,334":356,"1,335":358,"1,336":359,"1,337":360,"1,338":361,"1,339":362,"1,340":363,"1,341":364,"1,342":365,"1,343":366,"1,344":368,"1,345":369,"1,346":371,"1,347":372,"1,348":373,"1,349":374,"1,350":375,"1,351":376,"1,352":377,"1,353":378,"1,354":379,"1,355":381,"1,356":383,"1,357":384,"1,358":385,"1,359":387,"1,360":388,"1,361":390,"1,362":391,"1,363":392,"1,364":394,"1,365":395,"1,366":397,"1,367":398,"1,368":399,"1,369":401,"1,370":402,"1,371":404,"1,372":406,"1,373":407,"1,374":408,"1,375":409,"1,376":410,"1,377":411,"1,378":412,"1,379":413,"1,380":415,"1,381":416,"1,382":417,"1,383":418,"1,384":419,"1,385":420,"1,386":421,"1,387":422,"1,388":423,"1,389":424,"1,390":425,"1,391":426,"1,392":427,"1,393":428,"1,394":429,"1,395":430,"1,396":432,"1,397":433,"1,398":434,"1,399":435,"1,400":436,"1,401":437,"1,402":438,"1,403":440,"1,404":441,"1,405":442,"1,406":443,"1,407":444,"1,408":445,"1,409":446,"1,410":447,"1,411":448,"1,412":450,"1,413":451,"1,414":452,"1,415":454,"1,416":455,"1,417":456,"1,418":457,"1,419":458,"1,420":459,"1,421":460,"1,422":461,"1,423":462,"1,424":463,"1,425":464,"1,426":465,"1,427":466,"1,428":467,"1,429":468,"1,430":469,"1,431":470,"1,432":471,"1,433":472,"1,434":473,"1,435":474,"1,436":475,"1,437":476,"1,438":477,"1,439":478,"1,440":479,"1,441":480,"1,442":481,"1,443":483,"1,444":484,"1,445":485,"1,446":486,"1,447":487,"1,448":488,"1,449":489,"1,450":490,"1,451":491,"1,452":492,"1,453":493,"1,454":494,"1,455":495,"1,456":496,"1,457":497,"1,458":498,"1,459":499,"1,460":500,"1,461":501,"1,462":502,"1,463":503,"1,464":504,"1,465":505,"1,466":506,"1,467":507,"1,468":508,"1,469":509,"1,470":510,"1,471":511,"1,472":512,"1,473":513,"1,474":514,"1,475":515,"1,476":516,"1,477":517,"1,478":518,"1,479":519,"1,480":520,"1,481":521,"1,482":522,"1,483":523,"1,484":524,"1,485":525,"1,486":526,"1,487":527,"1,488":528,"1,489":529,"1,490":530,"1,491":531,"1,492":532,"1,493":533,"1,494":534,"1,495":535,"1,496":536,"1,497":537,"1,498":538,"1,499":539,"1,500":540,"1,501":541,"1,502":543,"1,503":544,"1,504":546,"1,505":547,"1,506":548,"1,507":549,"1,508":550,"1,509":551,"1,510":552,"1,511":553,"1,512":554,"1,513":555,"1,514":556,"1,515":557,"1,516":558,"1,517":559,"1,518":560,"1,519":561,"1,520":562,"1,521":563,"1,522":564,"1,523":565,"1,524":566,"1,525":568,"1,526":569,"1,527":570,"1,528":571,"1,529":572,"1,530":574,"1,531":575,"1,532":576,"1,533":577,"1,534":578,"1,535":579,"1,536":580,"1,537":581,"1,538":582,"1,539":583,"1,540":584,"1,541":585,"1,542":586,"1,543":587,"1,544":588,"1,545":589,"1,546":590,"1,547":591,"1,548":592,"1,549":593,"1,550":595,"1,551":596,"1,552":597,"1,553":599,"1,554":600,"1,555":601,"1,556":602,"1,557":603,"1,558":604,"1,559":605,"1,560":607,"1,561":608,"1,562":609,"1,563":610,"1,564":611,"1,565":612,"1,566":613,"1,567":614,"1,568":615,"1,569":616,"1,570":617,"1,571":618,"1,572":619,"1,573":620,"1,574":621,"1,575":622,"1,576":623,"1,577":624,"1,578":625,"1,579":627,"1,580":628,"1,581":629,"1,582":630,"1,583":632,"1,584":634,"1,585":635,"1,586":636,"1,587":637,"1,589":638,"1,590":639,"1,591":640,"1,592":641,"1,593":642,"1,594":643,"1,595":644,"1,596":645,"1,597":646,"1,598":648,"1,599":649,"1,600":650,"1,601":651,"1,602":652,"1,603":653,"1,604":654,"1,605":656,"1,606":657,"1,607":658,"1,609":659,"1,610":660,"1,611":661,"1,612":662,"1,613":663,"1,614":664,"1,615":665,"1,616":666,"1,617":667,"1,618":668,"1,619":669,"1,620":670,"1,621":671,"1,622":672,"1,623":673,"1,624":674,"1,625":675,"1,626":676,"1,627":677,"1,628":678,"1,629":679,"1,630":680,"1,631":681,"1,632":682,"1,633":683,"1,634":684,"1,635":685,"1,636":686,"1,637":687,"1,638":688,"2,5":689,"2,6":690,"2,7":691,"2,8":692,"2,9":694,"2,10":695,"2,11":696,"2,12":697,"2,13":698,"2,14":699,"2,15":700,"2,16":701,"2,17":702,"2,18":703,"2,19":704,"2,20":705,"2,21":706,"2,22":707,"2,23":708,"2,24":709,"2,25":710,"2,26":711,"2,27":712,"2,28":713,"2,29":714,"2,30":715,"2,31":716,"2,32":717,"2,33":718,"2,34":719,"2,35":720,"2,36":722,"2,37":723,"2,38":724,"2,39":725,"2,40":726,"2,41":727,"2,42":728,"2,43":729,"2,44":730,"2,45":732,"2,46":733,"2,47":734,"2,48":735,"2,49":736,"2,50":737,"2,51":739,"2,52":740,"2,53":742,"2,54":743,"2,55":744,"2,56":745,"2,57":746,"2,58":747,"2,59":748,"2,60":749,"2,61":750,"2,62":751,"2,63":752,"2,64":753,"2,65":754,"2,66":755,"2,67":756,"2,68":757,"2,69":758,"2,70":759,"2,71":760,"2,72":761,"2,73":762,"2,74":763,"2,75":764,"2,76":765,"2,77":766,"2,78":768,"2,79":769,"2,80":770,"2,81":771,"2,82":772,"2,83":774,"2,84":775,"2,85":777,"2,86":778,"2,87":779,"2,88":780,"2,89":781,"2,90":782,"2,91":783,"2,92":784,"2,93":785,"2,94":786,"2,95":787,"2,96":788,"2,97":789,"2,98":790,"2,99":791,"2,100":792,"2,101":793,"2,102":795,"2,103":796,"2,104":798,"2,105":799,"2,106":800,"2,107":801,"2,108":802,"2,109":803,"2,110":804,"2,111":805,"2,112":806,"2,113":807,"2,114":808,"2,115":809,"2,116":810,"2,117":811,"2,118":812,"2,119":813,"2,120":814,"2,121":815,"2,122":816,"2,123":817,"2,124":818,"2,125":819,"2,126":820,"2,127":821,"2,128":822,"2,129":823,"2,130":824,"2,131":825,"2,132":826,"2,133":827,"2,134":828,"2,135":829,"2,136":830,"2,137":831,"2,138":832,"2,139":833,"2,140":834,"2,141":835,"2,142":836,"2,143":837,"2,144":838,"2,145":839,"2,146":840,"2,148":841,"2,149":842,"2,150":843,"2,151":844,"2,152":845,"2,153":846,"2,154":847,"2,155":848,"2,156":849,"2,157":850,"2,158":851,"2,159":852,"2,160":853,"2,161":854,"2,162":855,"2,163":856,"2,164":857,"2,165":858,"2,166":859,"2,167":860,"2,168":861,"2,169":862,"2,170":863,"2,171":864,"2,172":865,"2,173":866,"2,174":867,"2,175":868,"2,176":869,"2,177":871,"2,178":872,"2,179":873,"2,180":874,"2,181":875,"2,182":876,"2,183":877,"2,184":878,"2,185":880,"2,186":882,"2,187":884,"2,188":885,"2,189":886,"2,190":887,"2,191":888,"2,192":889,"2,193":890,"2,194":891,"2,195":892,"2,196":893,"2,197":894,"2,198":895,"2,199":896,"2,200":897,"2,201":898,"2,202":899,"2,203":900,"2,204":901,"2,205":902,"2,206":903,"2,207":904,"2,208":905,"2,209":906,"2,210":907,"2,211":908,"2,212":909,"2,213":910,"2,214":912,"2,215":913,"2,216":914,"2,217":915,"2,218":916,"2,219":917,"2,220":918,"2,221":919,"2,222":920,"2,223":921,"2,224":922,"2,225":923,"2,226":924,"2,227":925,"2,228":926,"2,229":927,"2,230":928,"2,231":929,"2,232":930,"2,233":931,"2,234":932,"2,235":933,"2,236":934,"2,237":935,"2,238":936,"2,239":937,"2,240":938,"2,241":940,"2,242":941,"2,243":942,"2,244":943,"2,245":944,"2,246":945,"2,247":946,"2,248":947,"2,249":948,"2,250":949,"2,251":950,"2,252":951,"2,253":952,"2,254":953,"2,255":954,"2,256":955,"2,257":957,"2,258":958,"2,259":959,"2,260":962,"2,261":963,"2,262":964,"2,263":965,"2,264":966,"2,265":967,"2,266":968,"2,267":969,"2,268":970,"2,269":971,"2,270":972,"2,271":973,"2,272":974,"2,273":975,"2,274":976,"2,275":977,"2,276":978,"2,277":979,"2,278":980,"2,279":981,"2,280":982,"2,281":983,"2,282":984,"2,283":985,"2,284":986,"2,285":987,"2,286":988,"2,287":989,"2,288":990,"2,289":991,"2,290":992,"2,291":993,"2,292":994,"2,293":995,"2,294":996,"2,295":997,"2,296":998,"2,297":999,"2,298":1000,"2,299":1001,"2,300":1002,"2,301":1003,"2,302":1004,"2,303":1005,"2,304":1006,"2,305":1007,"2,306":1008,"2,307":1009,"2,308":1010,"2,309":1011,"2,310":1012,"2,311":1013,"2,312":1014,"2,313":1015,"2,314":1016,"2,315":1017,"2,316":1018,"2,317":1019,"2,318":1020,"2,319":1021,"2,320":1022,"2,321":1023,"2,322":1024,"2,323":1025,"2,324":1026,"2,325":1027,"2,326":1028,"2,327":1029,"2,328":1030,"2,329":1031,"2,330":1032,"2,331":1033,"2,332":1034,"2,333":1035,"2,334":1036,"2,335":1038,"2,336":1039,"2,337":1040,"2,338":1041,"2,339":1043,"2,340":1044,"2,341":1045,"2,342":1047,"2,343":1048,"2,344":1049,"2,345":1050,"2,346":1051,"2,347":1052,"2,348":1054,"2,349":1055,"2,350":1056,"2,351":1057,"2,352":1058,"2,353":1059,"2,354":1060,"2,355":1061,"2,356":1062,"2,357":1063,"2,358":1064,"2,359":1065,"2,360":1066,"2,361":1067,"2,362":1068,"2,363":1069,"2,364":1070,"2,365":1071,"2,366":1072,"2,367":1074,"2,368":1075,"2,369":1076,"2,370":1077,"2,371":1078,"2,372":1080,"2,373":1081,"2,374":1083,"2,375":1084,"2,376":1085,"2,377":1086,"2,378":1087,"2,379":1088,"2,380":1089,"2,381":1090,"2,382":1091,"2,383":1092,"2,384":1093,"2,385":1095,"2,386":1097,"2,387":1098,"2,388":1099,"2,389":1100,"2,390":1101,"2,391":1103,"2,392":1104,"2,393":1105,"2,394":1106,"2,395":1107,"2,396":1108,"2,397":1109,"2,398":1111,"2,399":1112,"2,400":1113,"2,401":1114,"2,402":1115,"2,403":1116,"2,404":1117,"2,405":1118,"2,406":1119,"2,407":1120,"2,408":1121,"2,409":1122,"2,410":1123,"2,411":1124,"2,412":1125,"2,413":1126,"2,414":1127,"2,415":1128,"2,416":1129,"2,417":1130,"2,418":1131,"2,419":1132,"2,420":1133,"2,421":1134,"2,422":1135,"2,423":1136,"2,425":1137,"2,427":1138,"2,428":1139,"2,429":1140,"2,430":1141,"2,431":1142,"2,432":1143,"2,433":1144,"2,434":1145,"2,435":1146,"2,436":1147,"2,437":1148,"2,438":1149,"2,439":1150,"2,440":1151,"2,441":1152,"2,442":1153,"2,443":1154,"2,444":1155,"2,445":1156,"2,446":1157,"2,447":1158,"2,448":1159,"2,449":1160,"2,450":1161,"2,451":1162,"2,452":1163,"2,453":1164,"2,454":1165,"2,455":1166,"2,456":1167,"2,457":1168,"2,458":1169,"2,459":1170,"2,460":1171,"2,461":1172,"2,462":1173,"2,463":1174,"2,464":1175,"2,465":1176,"2,466":1177,"2,467":1178,"2,468":1179,"2,469":1180,"2,470":1181,"2,471":1182,"2,472":1183,"2,473":1184,"2,474":1185,"2,475":1186,"2,476":1187,"2,477":1188,"2,478":1189,"2,479":1190,"2,480":1191,"2,481":1192,"2,482":1193,"2,483":1194,"2,484":1195,"2,485":1196,"2,486":1197,"2,487":1198,"2,488":1199,"2,489":1200,"2,490":1201,"2,491":1202,"2,493":1203,"2,494":1204,"2,495":1205},"ٜ":{"1":[5,638],"2":[5,495]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,14","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,67","1,68","1,69","1,70","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,86","1,87","1,88","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,92","1,93","1,94","1,94","1,95","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,226","1,227","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,248","1,249","1,249","1,250","1,251","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,263","1,264","1,265","1,266","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,343","1,344","1,345","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,354","1,355","1,355","1,356","1,357","1,358","1,358","1,359","1,360","1,360","1,361","1,362","1,363","1,363","1,364","1,365","1,365","1,366","1,367","1,368","1,368","1,369","1,370","1,370","1,371","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,411","1,412","1,413","1,414","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,501","1,502","1,503","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,549","1,550","1,551","1,552","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,582","1,583","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,604","1,605","1,606","1,607","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","2,5","2,6","2,7","2,8","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,50","2,51","2,52","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,82","2,83","2,84","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,101","2,102","2,103","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,184","2,185","2,185","2,186","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,256","2,257","2,258","2,259","2,259","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,338","2,339","2,340","2,341","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,371","2,372","2,373","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,384","2,385","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,425","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,493","2,494","2,495"],"ٞ":{"1":[1,2],"17":[3],"45":[4,5],"50":[6],"53":[7],"63":[8],"65":[9],"67":[10],"72":[11],"75":[12],"78":[13],"86":[14],"89":[15],"94":[16],"97":[17],"99":[18],"101":[19,20],"110":[21],"113":[22],"121":[23],"123":[24],"125":[25],"126":[26],"129":[27],"137":[28],"142":[29],"145":[30],"150":[31],"153":[32],"159":[33],"163":[34],"165":[35],"167":[36],"173":[37],"181":[38],"183":[39],"187":[40],"193":[41],"198":[42],"204":[43,44],"208":[45],"213":[46],"216":[47],"220":[48],"223":[49],"228":[50,51],"231":[52],"237":[53],"239":[54],"242":[55],"248":[56],"255":[57],"262":[58],"264":[59],"267":[60],"272":[61],"274":[62],"281":[63],"283":[64],"285":[65],"287":[66],"290":[67],"293":[68,69],"299":[70],"307":[71],"310":[72],"313":[73],"316":[74],"317":[75],"321":[76],"331":[77],"335":[78],"351":[79],"357":[80],"363":[81],"367":[82],"370":[83],"373":[84],"374":[85],"380":[86],"382":[87],"386":[88],"389":[89],"393":[90],"396":[91],"400":[92],"403":[93],"405":[94],"409":[95,96],"414":[97],"425":[98],"427":[99],"431":[100],"433":[101],"439":[102],"449":[103],"453":[104],"457":[105],"467":[106],"469":[107],"473":[108],"477":[109],"482":[110],"491":[111],"525":[112,113],"529":[114],"542":[115],"545":[116],"547":[117],"563":[118],"567":[119],"570":[120],"573":[121],"578":[122],"586":[123,124],"594":[125],"598":[126],"606":[127],"611":[128],"618":[129],"624":[130],"626":[131],"631":[132],"633":[133],"636":[134],"647":[135],"650":[136],"655":[137],"665":[138,139],"689":[140,141,142],"691":[143],"693":[144],"695":[145],"711":[146],"721":[147],"728":[148],"731":[149],"735":[150],"738":[151],"741":[152],"743":[153],"745":[154],"767":[155],"770":[156],"773":[157],"776":[158],"786":[159],"794":[160],"797":[161],"803":[162,163],"834":[164,165],"838":[166],"839":[167],"868":[168],"870":[169],"879":[170],"881":[171],"883":[172],"907":[173],"911":[174],"922":[175],"928":[176],"931":[177],"933":[178],"939":[179],"945":[180],"947":[181,182],"948":[183],"956":[184],"960":[185],"961":[186],"1035":[187,188],"1037":[189],"1042":[190],"1046":[191],"1053":[192],"1073":[193],"1079":[194],"1082":[195],"1086":[196],"1089":[197],"1094":[198],"1096":[199],"1100":[200,201],"1102":[202],"1110":[203],"1116":[204,205],"1137":[206],"1151":[207],"1161":[208],"1165":[209],"1167":[210],"1174":[211],"1175":[212],"1203":[213]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المجلد الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nمقدمة\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nصلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوبعد:\nفمن فضل الله -تعالى- على عباده: أنه -سبحانه- بعد أن استخلفهم على هذه البسيطة لم يتركهم يخططون منهاج حياتهم، لأن العقل البشري مهما أوتي من الفطنة والذكاء يعتريه القصور، وتنتابه الشوائب، ولا يعلم الغيب، وتختلف مدارك الناس حول المصلحة الحقيقية التي ينشدونها، ولذلك: يحسّن بعض الناس ما هو عند غيرهم قبيحًا وبالعكس، بل قد يحسن الإنسان اليوم ما كان في نظره بالأمس قبيحًا ويقبح ما كان عنده قبل ذلك حسنًا.","vol":"1","page":5},{"text":"ومن هنا تولى الله -سبحانه- عباده من أول الأمر بالعناية والتوجيه، وبيان المنهج الذي يجب أن يسيروا عليه. جاء ذلك واضحًا في قصة أبي البشر، بعد أن أهبطه الله -تعالى- إلى الأرض هو وزوجه \"حواء\" يقول الله -تعالى-: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ١.\nوتتابعت الشرائع بعد ذلك توضح منهج الله -تعالى- لكل أمة حسب ظروفها ومقتضيات أحوالها، عن طريق رسول منها، بلغتها التي تتخاطب بها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.\nولما شاء الله -تعالى- أن يختم هذه السلسلة المباركة من الأنبياء والمرسلين، اختار أفضل خلقه، وأكمل رسله، فحمّله الرسالة الخاتمة التي جمعت كل ما تحتاج إليه البشرية في حياتها الدنيوية، وما تعدّ له في حياتها الآخرة، فكانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء. قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣.\nوقال -ﷺ-: \"مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة؟ فأنا في\n_________\n١ سورة طه الآيات ١٢٣-١٢٧.\n٢ سورة إبراهيم الآية ٤.\n٣ سورة الصافات الآية: ٣٧.","vol":"1","page":6},{"text":"النبيين موضع تلك اللبنة\" ١.\nومقتضى كون شريعة سيدنا محمد -ﷺ- خاتمة المطاف، ومتضمنه لمنهج الله -تعالى- في صورته الأخيرة، مقتضى ذلك:\nأ- حفظ أصول هذا الدين من التحريف والتبديل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.\nب- جعل معجزته الأساسية في كتاب يخاطب العقل، ويحقق مقتضيات الفطرة والصفات الإنسانية الثابتة، ليكون مستمر الإعجاز والتأثير إلى يوم القيامة، على عكس ما كان من معجزات السابقين، حيث كانت محصورة في المحسوسات، باعتبارها مؤقتة بوقت معين، ولأناس معينين.\nأما شريعة سيدنا محمد -ﷺ- فكانت، ولا تزال إلى كل البشر، وعلى جميع المستويات، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\nج- جمعه بين ما هو ثابت لا يتغير، وبين ما هو متغير حسب ظروف الناس وأحوالهم، ولذلك كانت الأحكام الشرعية شاملة للقطعي الذي لا مجال فيه للاجتهاد والرأي، لأن المصلحة في ثباته، كما شملت ما يسمى بالظني الذي فيه سعة ومجال للبحث والنظر، وهي ما تسمى بالأمور الاجتهادية، تمشيًا مع طبيعة الحياة وتغير ظروف الناس، حتى تكون الشريعة متسعة لكل ما يجدّ للناس من وقائع، فيجد فيها المسلم حاجته، ولا يحتاج -بعد ذلك- إلى شيء من التشريعات الوضعية التي يظهر نقصها من حين لآخر.\n_________\n١ رواه البخاري ومسلم عن جابر وأبي هريرة، ومسلم عن أبي سعيد الخدري، والترمذي عن جابر وأبي بن كعب، وأحمد عن الأربعة \"الفتح الكبير ٣/ ١٣٤\".\n٢ سورة الحجر الآية: ٩.","vol":"1","page":7},{"text":"وبذلك تواكب الشريعة الإسلامية حركة الحياة في نموّها وازدهارها، من خلال وضع القواعد والضوابط التي تحقق مصالح العباد في العاجل والآجل.\nولذلك: كان من أهم الخصائص التي تميزت بها هذه الشريعة: أن أحكامها وتشريعاتها المختلفة قائمة على الحجة والدليل، ورد الأمور المتنازع فيها إلى الوحي الإلهي، المتمثل في القرآن والسنة، وما يلحق بهما عن طريق الاجتهاد من العلماء المؤهلين لذلك.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.\nفالرد إلى الله -تعالى- هو الرجوع إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول -ﷺ- يكون بالرجوع إليه -ﷺ- في حياته وإلى سنّته بعد مماته كذا قال عمرو بن ميمون٢.\nوقال -تعالى- ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ......﴾ ٣.\nوالمراد بأولي الأمر -في هذه الآية- هم العلماء.\nقال الشوكاني في تفسير قوله تعالي: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم٤.\nومعنى ذلك: أن العلماء المجتهدين هم الذين يستطيعون أن يفتوا\n_________\n١ سورة النساء الآية: ٥٩.\n٢ انظر: تفسير الطبري \"٥/ ١٥١\" والقرطبي \"٥/ ٢٦١\".\n٣ سورة النساء من الآية: ٨٣.\n٤ فتح القدير \"١/ ٥٥٢\".","vol":"1","page":8},{"text":"في الوقائع التي ليس فيها نص معين، على ضوء قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، وروحها السمحة، وعلى أساس دلالات الألفاظ اللغوية، باعتبار أن القرآن الكريم نزل من عند الله -تعالى- بلسان عربي مبين، وكذلك السنة النبوية، فهي كلام أفصح العرب على الإطلاق، سيدنا محمد -ﷺ-.\nوبذلك يظهر دور أصول الفقه في تطبيق هذه الخاصية، خاصية قيام الشريعة الإسلامية على الدليل والبرهان، فهو الذي يبين مصادر التشريع الإسلامي، ويذكر حجتها، ومراتبها في الاستدلال، وكيفية استخراج الأحكام من هذه المصادر، كما يبين صفات الشخص الذي يستطيع أن يستبط الأحكام من هذه المصادر، وهو المجتهد.\nولذلك عرّفه البيضاوي بقوله: \"أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد\"١ والمستفيد هنا: المجتهد الذي يستفيد حكم الله -تعالى- من الدليل.\nوهذا يقتضي أن يكون المتصدي للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية على درجة علمية تؤهله لذلك، وهي التي يعبر عنها علماء الأصول بشروط الاجتهاد.\nوهذه الأهلية كانت موجودة لدى الصدر الأول من الصحابة -﵃- حيث كانوا أفقه الناس لروح الإسلام، وأعلمهم بمقاصده ومراميه، فقد تربوا في الحضرة النبوية، وعاشوا نزول الآيات وأسبابها، وورود الأحاديث النبوية، مع سلامة الفطرة ونور البصيرة، وجودة الفهم، وتمكن من اللغة، حيث كانت سليقة وسجية طبعوا عليها منذ نعومة أظفارهم.\n_________\n١ انظر: شرح البدخشي على المنهاج \"١/ ١٣-١٤\" طبعة صبيح.","vol":"1","page":9},{"text":"وقد علّمهم الرسول -ﷺ- كيف يواجهون الأمور التي لم يرد فيها نص، وذلك بالاجتهاد وتبادل الرأي بين أهل العلم والصلاح.\nروى سعيد بن المسيب عن علي -﵁- قال: قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض لك فيه سنّة؟\nفقال -ﷺ- \"اجمعوا له العالمين، أو قال: العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد\" ١.\nوقد طبق الصحابة -﵃- ما وجههم إليه الرسول -ﷺ- في كل شئونهم.\nروى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران قال: \"كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله نظر: هل كانت من النبي -ﷺ- فيه سنّة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم، خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا ... فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي -ﷺ- قضى في ذلك بقضاء؟\nفربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله -ﷺ- ويقول عند ذلك: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا.\nفإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به\"٢.\nوكذلك كان يفعل عمر بن الخطاب -﵁- وكتابه إلى\n_________\n١ روى الطبراني مثله في الأوسط، انطر مجمع الزوائد \"١/ ١٧٨\".\n٢ إعلام الموقعين \"١/ ٨٤\".","vol":"1","page":10},{"text":"شريح القاضي مشهور ومعروف.\nقال الشعبي: \"قال عمر بن الخطاب: ما في كتاب الله وقضاء النبي -ﷺ- فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي -ﷺ- فما قضى به أئمة العدل، وما لم يقض به أئمة العدل فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك، وأن شئت تؤامرني، ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم لك\"١.\nوفي بعض رواياته: \" ... إذا جاءك أمر فاقض فيه بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ رسول الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله ولم يتكلم به أحد، فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخره، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك\"٢.\nوقد نقل عن بعض الصحابة -﵃- وقائع كثيرة تدل على تطبيقهم لهذا المنهج، وأن القواعد الأصولية التي يذكرها علماء الأصول -بعد التدوين- كانت موجودة لدى الصدر الأول من الصحابة -﵃- وإن لم تعرف بهذه التسمية، لأنه ما دام هناك فقه، فلا بد وأن تصحبه قواعد وأصول يتفرع عنها هذا الفقه:\nأ- روى مالك في الموطأ: كتاب الأشربة \"أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال علي بن ابي طالب: نرى أن تجلده ثمانينن جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد القذف، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين\"٣.\n_________\n١ أخرجه وكيع في أخبار القضاة \"٢/ ١٨٩\".\n٢ المصدر السابق.\n٣ أخرجه البخاري \"٨/ ١٨٥\" مع الفتح، ومسلم \"٢/ ٥٦\" وأحمد في المسند \"٢/ ٤٩\" والشافعي في مسنده \"٦/ ٩\".","vol":"1","page":11},{"text":"فهو بهذا ينهج الحكم بالمآل، أو بسد الذرائع، وكلاهما من قواعد الأصول.\nب- روي عن عبد الله بن مسعود -﵁- أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، مهما كانت المدة بعد الوفاة قليلة أو كثيرة، أخذًا بقول الله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ...﴾ ١. ويرى أن هذه الآية ناسخة لآية سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا....﴾ ٢. ويستدل على ذلك بقوله: \"ومن شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد قوله تعالى: ﴿.... أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ...﴾ ٣.\nويقصد بسورة النساء القصرى: سورة الطلاق، فإنها تزلت بعد سورة البقرة.\nج- قتل الجماعة بالواحد:\nفقد روي أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنًا له من غيرها غلامًا يقال له \"أصيل\" فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه، فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام: الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه، ثم\n_________\n١ سورة الطلاق من الآية: ٤.\n٢ سورة البقرة من الآية: ٢٣٤.\n٣ أخرجه عنه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وأبو داود: كتاب الطلاق، باب في عدة الحامل، والنسائي: كتاب الطلاق، باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وكذلك ابن ماجه.","vol":"1","page":12},{"text":"أما زيد بن ثابت: فيشبه الجد بساق الشجرة وأصلها، والأب بغصن منها، والإخوة بخوطين١ تفرعا عن ذلك الغصن، وأحد الخوطين إلى الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة، ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص الآخر ما كان يمتص المقطوع، ولا يرجع إلى الساق٢.\nهـ- تأبيد المرأة التي تتزوج في العدة:\nفمن المسائل التي قضى فيها الصحابة -﵃- بالاجتهاد والرأي: ما إذا تزوجت المرأة وهي في العدة، ماذا حكمها؟\nروي أن عمر بن الخطاب -﵁- فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي، لما تزوجها في العدة، من زوج ثان وقال: \"أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان قد دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدًا\"٣.\nوذهب علي -﵁- إلى أن للزوج الثاني نكاحها بعد انقضاء عدتها من الرجلين.\nقال الشافعي: \"أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أن رجلا طلق امرأته فاعتدت منه، حتى إذا بقي شيء من عدتها نكحها\n_________\n١ الخوط -بالضم-: الغصن الناعم لسنة، أو كل قضيب. القاموس المحيط.\n٢ أخرج مثله ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٣١\" والبيهقي في السنن الكبرى \"٦/ ٢٤٧\".\n٣ رواه مالك في الموطأ: كتاب النكاح -باب جامع ما لا يجوز من النكاح، كما أخرجه الشافعي في كتاب النكاح- الباب الخامس في العدة، وعبد الرزاق في المصنف: كتاب الطلاق، باب نكاحها في عدتها.","vol":"1","page":14},{"text":"فلم يكن الصحابة ولا التابعون -﵃- في حاجة إلى معرفة القواعد والضوابط التي عرفت -فيما بعد- بأصول الفقه والاستنباط، لأنها كانت -كما قلت- مركوزة في أذهانهم وسجية لهم، فكانوا يعرفون الخاص والعام الذي أريد به العموم، والعام الذي يراد به الخصوص، والمطلق والمقيد، والمشترك والمفرد، والناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من القواعد التي تدرس في هذا العلم.\nأما بعد أن طال الزمن، وفسد اللسان العربي، نتيجة لاتساع البلاد الإسلامية، واختلاط الأعاجم بالعرب، وجدّت حوادث ووقائع كثيرة، وكثر الاجتهاد والمجتهدون، واختلفت طرقهم في الاستنباط، وظهر في الأفق الاتجاهان المعروفان باتجاه أهل الحديث بالحجاز، واتجاه أهل الرأي بالعراق، وأسرف كل فريق في الطعن على الفريق الآخر، فعاب أهل الرأي على أهل الحديث الإكثار من الرواية التي هي مظنة لقلة الفهم والتدبر، كما عاب أهل الحديث على أهل الرأي بأنهم يأخدون في دينهم بالظن، ويحكمون العقل في الدين١، فلما اتسع النزاع بين المدرستين المذكورتين، أرسل الإمام عبد الر حمن بن مهدي -عالم الحديث بالمدينة المنورة المتوفى سنة \"١٩٨هـ\"- إلى الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يطلب منه وضع قواعد يحتكم إليها، وأسس يسير عليها العلماء في اجتهادهم، وكيف يتعاملون مع الأدلة الشرعية، فأجابه الإمام الشافعي، وبعث إليه بهذه القواعد، والتي عرفت فيما بعد باسم \"الرسالة\".\n_________\n= إذا أشهد، وفي باب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- وباب ما يحذر من زهرة الدنيا، كما رواه الترمذي وأحمد وغيرهما.\n١ تاريخ التشريع للخضري ص١٤٦.","vol":"1","page":16},{"text":"وقد بين الإمام الشافعي -في هذه الرسالة- أهمية رسالة سيدنا محمد -ﷺ- وأهمية الكتاب العزيز \"القرآن الكريم\" وأنه لا تنزل بأحد نازلة إلا في كتاب الله -تعالى- حكم لها، إما نصًّا وإما إلحاقًا بالنص، وأن مهمة الرسول -ﷺ- تبيين ما نزّل إلى الناس، ثم أتبع ذلك بباب: \"كيف يكون البيان\" ثم تحدث عن علاقة السنة بالقرآن، وعن حجية السنة وأنها المصدر الثاني للتشريع، كما بين حجية خبر الآحاد بصفة خاصة، ثم أتبع ذلك الكلام على الإجماع، والقياس وحجيته وشروطه، وألحق به باب الاجتهاد، ثم الاستحسان، ثم ذكر الاختلاف بين العلماء، والمذموم منه والممدوح، وأنهى رسالته بموضوع \"أقوال الصحابة\" ﵃، ومدى الاستدلال بها.\nفكانت هذه الرسالة بمثابة اللبنة الأولى في هذا العلم، من حيث التأليف والتدوين، وأن الإمام الشافعي صاحب السبق في ذلك.\nوإن كان هناك من ينازع في ذلك، ويدّعي أن هناك من سبق الإمام الشافعي في ذلك، كالإمامين: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، صاحبي الإمام أبي حنيفة -﵏ جميعًا- كما ادعت الشيعة ذلك أيضًا.\nوهي مجرد دعوى لا دليل عليها، فلم يصلنا من هذه المؤلفات شيء، كما وصلتنا رسالة الإمام الشافعي.\nوفي تصوّري: أن ما يدعيه هؤلاء، إنما هو من قبيل القواعد التي ترد في بعض المسائل الفقهية بطريقة عارضة، وهو أمر مسلم به؛ فإن كل إمام من الأئمة المجتهدين كانت له قواعده وأصوله التي يسير عليها، ويحتكم إليها في اجتهاده، وسبق أن قلنا: إن هذا كان موجودًا ومطبقًا في عصر الصحابة والتابعين -﵃- وفرق كبير بين تطبيق القواعد","vol":"1","page":17},{"text":"والاحتكام إليها، وبين تأليف كتاب مستقل متكامل مستوعب لأبواب العلم١.\nثم تتابع العلماء بعد ذلك في التأليف وإضافة بعض الموضوعات إلى رسالة الإمام الشافعي، شأنه في ذلك شأن سائر العلوم، تبدأ قليلة، ثم تنمو وتتسع.\nوقد سلك العلماء -بعد الإمام الشافعي- مسالك مختلفة:\nأ- فمنهم من اتجه نحو تحرير المسائل الأصولية وتقرير القواعد تقريرًا منطقيًّا يقوم على الدليل العقلي، دون نظر إلى ما يتفرع عنها من فروع فقهية، وسمي هذا الاتجاه: باتجاه المتكلمين؛ لأنهم أشبهوا علماء الكلام في إقامة الأدلة، ودفع شبه المخالفين.\nومن أمهات الكتب المؤلفة على هذه الطريقة:\n١- كتاب \"العمد\" للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥هـ.\n٢- كتاب \"المعتمد\" لأبي الحسين البصري: محمد بن علي الطيب البصري المعتزلي المتوفى سنة ٤٣٦هـ.\n٣- كتاب \"البرهان\" لإمام الحرمين: عبد الملك بن يوسف الجويني المتوفى سنة ٤٧٨هـ.\n٤ - كتاب \"المستصفى\" للإمام أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ.\nفكانت هذه الكتب الأربعة بمثابة المرجع في الأصول على هذه\n_________\n١ انظر: التمهيد للإسنوي ص٤٥، ٤٦ تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو.","vol":"1","page":18},{"text":"الطريقة، إلى أن قام عالمان جليلان بتلخيص ما فيها، هما: فخر الدين الرازي المتوفى سنة \"٦٠٦هـ\" في كتاب سماه \"المحصول\" وسيف الدين الآمدي المتوفى سنة \"٣٦١هـ\" في كتاب سماه \"الإحكام في أصول الأحكام\".\nوقد عني العلماء بهذين الكتابين عناية فائقة، بالاختصار والشرح والتعليق.\nوتوالت -بعد ذلك- المؤلفات على هذه الطريقة مما يطول بيانه في هذه المقدمة.\nب- وبجانب طريقة المتكلمين ظهرت طريقة أخرى تسمى طريقة الفقهاء أو الحنفية، تميزت بربط القواعد الأصولية بالفروع الفقهية، بمعنى: أنهم جعلوا الأصول تابعة للفروع، بحيث تتقرر القواعد على مقتضى الفروع الفقهية، باعتبار أن هذه القواعد إنما هي لخدمة الفروع.\nومن أهم الكتب التي وضعت على هذه الطريقة:\n١- رسالة الكرخي في الأصول: تأليف أبي الحسن عبد الله بن الحسن الكرخي المتوفى سنة \"٣٤٠هـ\".\n٢- أصول الفقه: لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص المتوفى سنة \"٣٧٠هـ\".\n٣- كنز الوصول إلى معرفة الأصول: تأليف الإمام فخر الإسلام أبي الحسن علي بن محمد البزدوي المتوفى سنة \"٤٨٢هـ\".\n٤- أصول السرخسي: محمد بن أحمد بن سهل السرخسي المتوفى سنة \"٤٨٣هـ\".\n٥- منار الأنوار: لأبي البركات: عبد الله بن أحمد النسفي المتوفى","vol":"1","page":19},{"text":"سنة \"٧١٠هـ\". وعليه عدة شروح نفيسة، واختصره كثير من العلماء.\nج- طريقة الجمع بين المتكلمين والفقهاء:\nوفي القرن السابع الهجري بدأت تظهر طريقة ثالثة تجمع بين المنهجين المتقدمين: منهج المتكلمين، ومنهج الفقهاء، بحيث تذكر القاعدة الأصولية وتقيم الأدلة عليها، وتقارن بين ما قاله المتكلمون وما قاله الفقهاء، مع المناقشة والترجيح، ثم تذكر بعض الفروع المخرجة عليها.\nومن أشهر الكتب التي ألفت على هذا المنهج:\n١- كتاب \"بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام\" لمظفر الدين: أحمد بن علي الساعاتي الحنفي المتوفى سنة \"٦٩٤هـ\".\n٢- كتاب \"التنقيح\" للقاضي صدر الشريعة: عبيد الله بن مسعود البخاري الحنفي المتوفى سنة \"٧٤٧هـ\".\nوقد وضع عليه شرحًا سماه \"التوضيح شرح التنقيح\".\n٣ - \"جمع الجوامع\" لتاج الدين: عبد الوهاب بن على السبكي المتوفى سنة \"٧٧١هـ\". وعليه عدة شروح وحواش عظيمة.\n٤- \"التحرير\" تأليف: كمال الدين: محمد بن عبد الواحد، المشهور بابن الهمام الفقيه الحنفي المتوفى سنة \"٨٦١هـ\".\nشرحه تلميذه: محمد بن محمد أمير حاج الحلبي المتوفى سنة \"٨٧٩هـ\" في كتاب سماه \"التقرير والتحبير\" وعليه شرح آخر يسمى \"تيسير التحرير\" للشيخ محمد أمين المعروف بأمير بادشاه.\n٥- \"مسلم الثبوت\" لمحب الدين بن عبد الشكور البهاري الفقيه الحنفي المتوفى \"١١١٩هـ\" وعليه شرح نفيس للعلامة: عبد العلي","vol":"1","page":20},{"text":"٢١\nمحمد بن نظام الدين الأنصاري يسمى: \"فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت\".\nوهكذا بدأ المتأخرون ينسجون على منوال ما سلكه المتقدمون١.\nد- اتجاه تخريج الفروع على الأصول:\nوبجانب الاتجاهات المتقدمة، ظهر اتجاه رابع يسمى اتجاه \"تخريج الفروع على الأصول\" بحيث يذكر القاعدة الأصولية، وآراء العلماء فيها، دون الخوض في أدلة كل مذهب، ثم يفرع عليها بعض الفروع الفقهية، إما على مذهب معين، وإما مع المقارنة بين مذهبين مختلفين، كالحنفية والشافعية -مثلا- أو الشافعية والمالكية والحنابلة وهكذا.\nومن الكتب التي ألفت في هذا الاتجاه:\n١- \"تخريج الفروع على الأصول\" للإمام شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفى سنة \"٦٥٦هـ\".\nيذكر القاعدة الأصولية، ثم يتبعها بتطبيقات فقهية على مذهب الحنفية والشافعية.\n٢- \"مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول\" للإمام الشريف أبي عبد الله محمد التلمساني المالكي المتوفى سنة \"٧٧١هـ\".\nسلك فيه مؤلفه نفس المسلك السابق، إلا أنه يقارن بين المذاهب الثلاثة: الحنفي والمالكي والشافعي.\n٣- \"التمهيد في تخريج الفروع على الأصول\" للإمام جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن القرشي الإسنوي الشافعي المتوفى سنة \"٧٧٢هـ\".\nويعتبر من أهم الكتب التي ألفت على هذا المنهج، حيث استوعب\n_________\n١ انظر: مقدمة ابن خلدون ص٣٢٥ طبعة دار المصحف بالقاهرة.","vol":"1","page":21},{"text":"القواعد الأصولية، إلا أنه قصر التخريج على مذهب الشافعية فقط.\n٤- \"القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية\" للإمام: أبي الحسن علاء الدين: علي بن عباس البعلي الحنبلي، المعروف بابن اللحام المتوفى في سنة \"٨٠٣هـ\".\nسار فيه مؤلفه على نفس المنهج، غير أنه أبرز رأي علماء الحنابلة بشكل أوضح، وإن كان يذكر آراء بعض المذاهب الأخرى.\nهـ- اتجاه بناء القواعد الأصولية على مقاصد الشريعة:\nوبجانب الاتجاهات المتقدمة ظهر اتجاه مخالف للاتجاهات السابقة، سلكه الإمام الشاطبي: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي المتوفى سنة \"٧٩٠هـ\" ألف الشاطبي كتابه المشهور المسمى \"الموافقات\" وكان في بداية الأمر قد سماه \"عنوان التعريف بأسرار التكليف\" ثم عدل عن هذه التسمية لأمر ما.\nسلك الشاطبي في كتابه هذا مسلكًا جديدًا لم يسبق إليه، بحيث يذكر القواعد الأصولية تحت أبواب معينة تتضمن مقاصد الشريعة الإسلامية ومراميها المختلفة، والتي تتضمن حفظ الضروريات، والحاجيات والتحسينيات.\nوتوالت -بعد ذلك- المؤلفات على الاتجاهات المختلفة، منها: المطول، ومنها المختصر، ومنها المتوسط، لكنها -في الجملة- لا تختلف كثيرًا عما أصّله المتقدمون، إلا في طريقة العرض، أو تقديم موضع على آخر، كما هو الشأن في التأليف.\nوبعد هذه المقدمة عن نشأة هذا العلم وتطوّره، نذكر لمحة سريعة عن مؤلف كتاب \"روضة الناظر وجنة المناظر\" وعن منهجه في الكتاب، والعمل الذي نقوم به.","vol":"1","page":22},{"text":"التعريف بالإمام ابن قدامة\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>تمهيد:</span>\nالإمام ابن قدامة علم من أعلام الفكر الإسلامي، وله من الآثار العلمية ما يشهد بفضله ومكانته العلمية، الأمر الذي جعل العلماء يكتبون عن حياته من نواحيها المختلفة، حتى سجلت فيه بعض الرسائل العلمية١.\nفأرى أن الكتابة عن حياته هنا من فضول القول.\nوسوف أكتفي هنا بالإشارة السريعة إلى تاريخ حياته، تمهيدًا للحديث عن منهجه في كتابه: \"روضة الناظر وجنة المناظر\".\n_________\n١ راجع في ترجمته: معجم البلدان \"٢/ ١١٣-١١٤\" مرآة الزمان \"٨/ ٦٢٧-٦٣٠\" ذيل الروضتين ص١٣٩، والعبر \"٥/ ٧٩\"، دول الإسلام \"٢/ ٩٣\" فوات الوفيات \"١/ ٤٤٣-٤٣٤\"، البداية والنهاية \"١٣/ ٩٩-١٠١\"، الذيل لابن رجب \"٢/ ١٣٣-١٤٩\"، شذرات الذهب \"٥/ ٨٨-٩٢\"، سير أعلام النبلاء \"٢٢/ ١٦٥-١٧٣\"، ابن قدامة وآثاره الأصولية للدكتور: عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثمان السعيد الجزء الأول، مقدمة روضة الناظر وجنة المناظر للدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة جـ١ ص٧-٢٨، مقدمة \"المغني\" لابن قدامة بقلم الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو جـ١ ص٥-٥٦.","vol":"1","page":23},{"text":"١- اسمه ونسبه ونشأته:\nهو: أبو محمد، موفق الدين: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵁- المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي.\nفأسرته -رحمه الله تعالى- أسرة عريقة، يتصل نسبها إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب -﵁-.\nولد -﵀- في شهر شعبان من عام ٥٤١هـ الموافق ١١٤٦م في إحدى قرى نابلس، ثم رحل -بعد ذلك- إلى \"دمشق\" فحفظ القرآن، وتلقى العلوم على علمائها، وحفظ بعض المتون، ومنها: \"مختصر الخرقي\" للإمام: عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي المتوفى سنة \"٣٣٤هـ\" وهو مختصر في فقه الإمام أحمد بن حنبل، وهو الذي شرحه ابن قدامة -فيما بعد- وسماه \"المغني\".\nوفي عام ٥٦١هـ رحل ابن قدامة إلى \"بغداد\" وأخذ العلم عن علمائها، وبعد فترة عاد إلى دمشق، ثم إلى \"بغداد\" مرة ثانية، ثم إلى \"مكة المكرمة\" فسمع من علمائها وأفاد منهم كثيرًا في جوار البيت الحرام.\nوهكذا كانت حياته الأولى، حل وارتحال، في سبيل طلب العلم، حتى وصل إلى المكانة المرموقة بين العلماء.\nقال عنه أبو شامة \" ... كان إمام عصره في علم العربية والنحو واللغة، ولم أتمكن من الإكثار من مجالسته والتعلم منه؛ لكثرة الزحام عليه\"١.\n_________\n١ الذيل على الروضتين ص١٤١.","vol":"1","page":24},{"text":"شيوخه:\nإن كثرة رحلاته وتنقله بين دمشق، وبغداد، ومكة، جعل شيوخه كثيرين، والحديث عنهم يطول، وليس هذا مجاله، وسوف نكتفي بذكر بعضهم.\nأولًا- شيوخه في دمشق:\n١- والده -رحمه الله تعالى- أحمد بن محمد بن قدامة المتوفى سنة \"٥٥٨هـ\".\n٢- أبو المعالي: عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر السلمي الدمشقي المتوفى سنة \"٥٧٦هـ\".\n٣- أبو المكارم: عبد الواحد بن محمد بن المسلّم بن هلال الأزدي الدمشقي المتوفى سنة \"٥٦٥هـ\".\nثانيًا- شيوخه في بغداد:\n١- أحمد بن صالح بن شافع الجيلي البغدادي المتوفى سنة \"٥٦٥هـ\".\n٢- أحمد بن المقرب بن الحسين البغدادي الكرخي المتوفى سنة \"٥٦٣هـ\".\nثالثًا- من شيوخه من مكة:\nالمبارك بن علي البغدادي الحنبلي، المحدث الفقيه، إمام الحنابلة بالحرم الشريف، المتوفى سنة \"٥٧٥هـ\"١.\n_________\n١ انظر في شيوخه: ذيل طبقات الحنابلة \"٢/ ١٣٣ وما بعدها\" سير أعلام النبلاء \"٢٢/ ١٦٦ وما بعدها\".","vol":"1","page":25},{"text":"تلاميذه:\nوكما كان شيوخ \"ابن قدامة\" كثيرين، فإن تلاميذه كانوا -أيضًا- كثيرين.\nفإذا كانت التلمذة -بالمعني العام- تثبت لكل من تلقى عنه وأفاد منه مباشرة، أو عن طريق مؤلفاته، فإن كان الأجيال المتأخرة عنه تعتبر من تلاميذه، ونحن منهم.\nوسوف نقتصر على بعض المشهورين من تلاميذه الذين تلقوا عنه مباشرة. فمنهم:\n١- تقي الدين أبو العباس: أحمد بن محمد بن عبد الغني المقدسي الصالحي، شيخ الحنابلة في عصره، المتوفى سنة \"٦٤٣هـ\".\n٢- أبو شامة: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المتوفى سنة \"٦٦٥هـ\".\n٣- أبو بكر: محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، قاضي القضاة المعروف بابن العماد المتوفى سنة \"٦٧٦هـ\".\n٤- أبو الفرج: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة \"٦٨٢هـ\".\nعقيدته:\nكان -رحمه الله تعالى- سلفي العقيدة، يسير على منهج أهل السنة والجماعة، ويكره الخوض في طرق المتكلمين؛ لأنها لا توصل إلى يقين، ويحمل صفات الباري -﷾- على ظاهرها، كما جاءت في الكتاب والسنة، دون تكلف ولا تعسف، ولا تشبيه ولا تعطيل، فيثبت ما أثبته الله -تعالى- على وجه لا يعلمه إلا هو سبحانه، عملًا بقوله","vol":"1","page":26},{"text":"تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.\nيدل على ذلك ما ذكره -رحمه الله تعالى- في كتبه في مواضع مختلفة:\nفمن ذلك ما جاء في كلامه على قضية المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، يقول -﵀- بعد أن أورد آراء العلماء في المراد من المتشابه: \"والصحيح: أن المتشابه: ما ورد في صفات الله -سبحانه- مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٤ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ٥ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٦ ونحوه.\nفهذا اتفق السلف -﵏- على الإقرار به، وإمراره على وجهه، وترك تأويله؛ فإن الله -سبحانه- ذم المتبعين لتأويله وقرنهم -في الذم- بالذين يبتغون الفتنة وسماهم أهل زيغ٧.\nيضاف إلى ذلك مؤلفاته في العقيدة، والتي منها:\n١- \"ذم التأويل\" وهي رسالة مطبوعة ضمن مجموعة رسائل بمطبعة كروستان بمصر عام ١٣٢٩هـ.\n_________\n١ سورة الشورى من الآية: ١١.\n٢ سورة طه الآية: ٥.\n٣ سورة المائدة من الآية: ٦٤.\n٤ سورة \"ص\" من الآية: ٧٥.\n٥ سورة الرحمن من الآية: ٢٧.\n٦ سورة القمر من الآية: ١٤.\n٧ انظر: روضة الناظر \"١/ ٢٧٩-٢٨٠\" ط. مكتبة الرشد، تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.","vol":"1","page":27},{"text":"٢- \"لمعة الاعتقاد\" وهي رسالة في عقيدة أهل السنة، والجماعة، نسبها إليه \"بروكلمان\" في تاريخ الأدب العربي١.\n٣- \"رسالة في مسألة العلو\" نسبها إليه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة٢، وإسماعيل باشا في هدية العارفين٣.\nمذهبه الفقهي:\nأما مذهبه الفقهي: فمعروف أنه من أئمة فقهاء الحنابلة، ومؤلفاته المتعددة في فقه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- شاهدة على ذلك، ومنها: \"المغني\" و\"المقنع\" و\"الكافي\".\nوإذا كان كتابه \"المغني\" في الأصل موضوعًا على مذهب الإمام أحمد، فإن العلماء -وبالأخص في الأزهر- يعتبرونه مصدرًا مهمًّا من مصادر الفقه المقارن، ويضعونه بجانب كتاب \"المجموع\" للإمام النووي، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد.\nمكانته وثناء العلماء عليه:\nأما مكانة \"ابن قدامة\" فحدّث ولا حرج، فقد شهد له علماء عصره، ومن بعدهم بالفضل والعلم والأخلاق الكريمة، ولا غرو، فهو شريف النسب، حيث يتصل نسبه إلى الخليفة العادل \"عمر بن الخطاب\" -﵁- كما تقدم.\nقال عنه تلميذه أبو شامة:\n\"كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعَلَمًا من أعلام الدين، في العلم\n_________\n١ جـ١ ص٣٦٨.\n٢ الذيل \"٢/ ١٣٩\".\n٣ جـ١ ص٤٦٠.","vol":"1","page":28},{"text":"والعمل، صنف كتبًا حسانًا في الفقه، وغيره، عارفًا بمعاني الآثار والأخبار\"١.\nوقال عنه الصفدي:\n\".... كان أوحد زمانه، إمامًا في علم الفقه، والأصول، والخلاف، والفرائض، والنحو، والحساب، والنجوم السيارة والمنازل\"٢.\nوقال عنه ابن الجوزي:\n\"كان إمامًا في فنون، ولم يكن في زمانه بعد أخيه \"أبي عمر\" أزهد منه، وكان معرضًا عن الدنيا وأهلها، هينًا لينًا متواضعًا، حسن الأخلاق، جوادًا سخيًّا، ومن رآه كأنما رأى بعض الصحابة، وكأن النور يخرج من وجهه\"٣.\nوهذه شهادة تلميذ من تلاميذه الذين عاصروه وعاشروه عن قرب، وهي شهادة عدل فلا يطعن فيها كونه واحدًا من تلاميذه.\nوفاته:\nوبعد حياة حافلة بالبذل والعطاء ونشر العلم، تدريسًا وتأليفًا، توفي -رحمه الله تعالى- في يوم السبت غرة شوال عام ٦٢٠هـ الموافق ١٢٢٣م.\n﵀تعالى- رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، آمين.\n_________\n١ انظر: الذيل ص١٤٠.\n٢ الوافي بالوفيات \"١٧/ ٣٧\".\n٣ مرآة الزمان \"٨/ ٦٢٨\".","vol":"1","page":29},{"text":"مؤلفاته:\nمؤلفات \"ابن قدامة\" كثيرة ومتعددة الاتجاهات، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالقرآن والسنة، ومنها ما يتعلق بالفقه وأصوله، ومنها ما يتعلق بالآداب وفضائل الصحابة -﵃- ومنها ما يتعلق بالتاريخ والأنساب، إلى غير ذلك من الفنون التي برز فيها \"ابن قدامة\" وألّف فيها الموسوعات والرسائل، التي أفاد منها طلاب العلم في شتى المعارف المختلفة.\nوهذه هي المؤلفات التي وقفت عليها، والتي أوردها فضيلة الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثمان السعيد -يحفظه الله- في دراسته الضافية عن \"ابن قدامة وآثاره الأصولية\".\nأولًا- في العقيدة:\n١- الاعتقاد.\n٢- ذم التأويل.\n٣- رسالة إلى الشيخ فخر الدين ابن تيمية في تخليد أهل البدع في النار.\n٤- لمعة الاعتقاد، وهي رسالة في عقيدة أهل السنة والجماعة.\n٥- رسالة في مسألة العلو.\n٦- مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكتاب.\n٧- كتاب القدر.\nثانيًا- في أصول الفقه:\nلم أجد -فيما اطلعت عليه- أن له في الأصول سوى \"روضة الناظر وجنة المناظر\" والذي سوف نتحدث عن منهج المصنف فيه إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":30},{"text":"ثالثًا- في الفقه:\nأما مؤلفات \"ابن قدامة\" في الفقه، فكثيرة جدًّا، منها ما وقفنا عليه:\n١- المغني في شرح مختصر الخرقي.\n٢ - المقنع.\n٣ - الكافي.\n٤ - عمدة الأحكام.\n٥ - مختصر الهداية لأبي الخطاب.\n٦ - رسالة في المذاهب الأربعة.\n٧ - فقه الإمام.\n٨ - فتاوى ومسائل منثورة.\n٩ - مقدمة في الفرائض.\n١٠- مناسك الحج.\nرابعًا- في الكتاب والسنّة:\n١- البرهان في مسألة القرآن.\n٢- قنعة الأريب في الغريب.\n٣- مختصر علل الحديث؛ لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال المتوفى سنة \"٣١١هـ\".\n٤- مختصر في غريب الحديث.\n٥- جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن.\nخامسًا- في الفضائل والأخلاق:\n١- فضائل الصحابة.\n٢- فضائل العشرة المبشرين بالجنة.\n٣- فضائل عاشوراء.","vol":"1","page":31},{"text":"٤- كتاب التوابين.\n٥- كتاب الرقة والبكاء.\n٦- كتاب الزهد.\n٧- ذم الوسواس.\n٨- كتاب المتحابين في الله.\nسادسًا- في التاريخ والأنساب:\n١- الاستبصار في نسب الأنصار.\n٢- التبيين في نسب القرشيين.\n٣- مشيخة شيوخه.\n٤- مشيخة أخرى.\nهذا بالإضافة إلى رسائل أخرى في موضوعات متفرقة١.\n_________\n١ يراجع في مؤلفاته: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، سير أعلام النبلاء، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، فوات الوفيات لابن شاكر، الوافي بالوفيات للصفدي، مرآة الزمان لابن الجوزي، معجم البلدان لياقوت الحموي، شذرات الذهب لابن العماد، ابن قدامة وآثاره الأصولية للدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد، مقدمة روضة الناظر، تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.","vol":"1","page":32},{"text":"منهج ابن قدامة:\nفي كتابه: روضة الناظر وجنة المناظر\n١- من المعروف أن \"ابن قدامة\" حنبلي المذهب، والحنابلة -بصفة عامة- يسيرون على منهج المتكلمين الذي يعنون بتأسيس القواعد وإقامة الأدلة عليها.\nوالمؤلف سلك نفس المسلك، فيذكر مذاهب العلماء في المسألة مقرونة بأدلتها، ثم يذكر ما يراه راجحًا، مؤيدًا بالبرهان والدليل، ثم يناقش أدلة المخالفين ويبين وجه الخطأ فيما قالوه.\nوقد بين -رحمه الله تعالى- منهجه هذا في مقدمة كتابه فقال:\n\"أما بعد: فهذا كتاب نذكر فيه أصول الفقه، والاختلاف فيه، ودليل كل قول، على وجه الاختصار، والاقتصار من كل قول على المختار، ونبين من ذلك ما نرتضيه، ونجيب على من خالفنا فيه\".\nفهو بذلك يريد أن يجعل كتابه في \"أصول الفقه المقارن\" كما فعل ذلك في كتابه \"المغني\" في الفقه، فهو موضوع أساسًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- لكنه أضاف إليه أقوال بعض المذاهب الأخرى، مقرونة -أحيانا- بأدلتها، ثم يناقش هذه الأدلة ويبين الراجح في النهاية بقوله: \"ولنا\".\nولذلك يعتبره العلماء من أهم المراجع في الفقه المقارن.","vol":"1","page":33},{"text":"٢- والمؤلف سلك في كتابه \"الروضة\" مسلك الإمام الغزالي في كتاب \"المستصفى من علم الأصول\" في الجملة، حتى إنه تبعه في إضافة المقدمة المنطقية إلى كتابه، والتي كانت مثار انتقاد له من بعض العلماء، حتى قيل: إنه حذفها فيما بعد من بعض النسخ.\nكما تبعه في ترتيب أدلة الأحكام، فجعلها على هذا النحو: كتاب الله -تعالى-، ثم سنّة رسوله -ﷺ-، ثم الإجماع، ثم دليل العقل المبقي على النفي الأصلي، ثم في الأدلة المختلف فيها، وأخر القياس وجعله في باب: ما يقتبس من الألفاظ، مخالفًا ما عليه جمهور العلماء من المذاهب الأربعة، حيث يجعلون القياس من الأدلة الأربعة المتفق عليها: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس.\nجاء في شرح الكوكب المنير١: \"أدلة الفقه المتفق عليها -على ما في بعضها من خلاف ضعيف جدًّا- أربعة:\nالأول: الكتاب، وهو القرآن، وهو الأصل.\nوالثاني: السنة..... وهي مخبرة عن حكم الله تعالى.\nوالثالث: الإجماع..... وهو مستند إلى الكتاب والسنّة.\nوالرابع: القياس على الصحيح، وعليه جماهير العلماء.\nوقال أبو المعالي وجمع: ليس القياس من الأصول، وتعلقوا بأنه لا يفيد إلا الظن.\nقال في شرح التحرير: والحق هو الأول، والثاني ضعيف جدًّا، فإن القياس قد يفيد القطع -كما سيأتي- وإن قلنا: لا يفيد إلا الظن فخبر الواحد ونحوه لا يفيد الظن.\n_________\n١ الجزء الثاني ص٥، ٦.","vol":"1","page":34},{"text":"وهو: أي القياس مستنبط من الثلاثة: التي هي الكتاب والسنة والإجماع\".\nو\"ابن قدامة\" وإن كان قد سار على منهج \"الغزالي\" إلا أنه قد خالفه في بعض المسائل، وفي ترتيب الفصول، وتقديم بعض المباحث وتأخير البعض، كما أنه امتاز عن \"المستصفي\" بإبراز آراء علماء الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى المتوفى سنة \"٤٥٨هـ\"، وأبي حامد: الحسن بن حامد بن علي البغدادي المتوفى \"٤٠٣هـ\" والتميمي: عبد العزيز بن الحارث بن أسد المتوفى سنة \"٣٧١هـ\"، وعبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي، المعروف بغلام الخلال المتوفى سنة \"٣٦٣هـ\"، وعلي بن عقيل بن محمد \"ابن عقيل الحنبلي\" المتوفى سنة \"٥١٣هـ\"، ومحفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطاب الحنبلي المتوفى سنة \"٥١٠هـ\" وغيرهم من علماء المذهب، فضلًا عن النقل عن إمامهم جميعًا: الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.\n٣- ولما كان الغرض من الكتاب الاختصار والاقتصار على ما هو الراجح -غالبًا- كما جاء في مقدمة الكتاب، فإن المصنف كثيرًا ما يحيل على المسائل المتقدمة التي تشبه المسألة التي يعالجها، ومن أمثلة ذلك:\nقوله في باب النهي: \"اعلم أن ما ذكرناه من الأوامر، تتضح به أحكام النواهي؛ إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي، وعلى العكس، فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير\"١ كما أنه -أحيانًا- يضطر إلى إضافة بعض الأشياء في نهاية المسألة، حتى لا تخفى على القارئ بسب الاختصار الذي يختصره من كلام الغزالي.\nففي مسألة الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها\n_________\nانظر: الروضة \"٢/ ٦٥٢\" تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.","vol":"1","page":35},{"text":"ينقل كلام الإمام الغزالي -باختصار شديد- ثم يقول في ختام المسألة:\n\" ... العقل لا دخل له في الحظر والإباحة..... وإنما تثبت الأحكام بالسمع.\nوقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ١ وبقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ....﴾ ٣ وبقوله ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ...﴾ ٤ ونحو ذلك.\nوقول النبي -ﷺ: \"..... وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه\" \"٥\".\n٤- كما أن منهجه: أن يوضح حقيقة الخلاف والآراء المنسوبة إلى المذاهب، فقد ينقل الغزالي عن الحنابلة رأيًا معينًا، بينما يكون في المسألة روايات أخرى لم يذكرها، فيوضح ابن قدامة ذلك، ويبين الرواية الراجحة والمرجوحة، ومن أمثلة ذلك: ما جاء في \"مسألة الفرض والواجب\" وهل هما بمعنى واحد أو مختلفان؟\nيقول الغزالي: \"فإن قيل: هل من فرق بين الواجب والفرض؟ قلنا:\n_________\n١ سورة البقرة من الآية: ٢٩.\n٢ سورة الأعراف من الآية: ٣٣.\n٣ سورة الأنعام من الآية: ١٥١.\n٤ سورة الانعام من الآية: ١٤٥.\n٥ رواه الترمذي في سننه \"١٧٢٦\" وابن ماجه \"٣٣٦٧\" والحاكم في المستدرك \"٤/ ١١٥\" والبيهقي \"٩/ ٣٢٠\" عن سلمان الفارسي -﵁- قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن السمن والجبن والفراء فقال: \"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه\" والمراد بالفراء: حمار الوحش، أو الذي يلبس، وسيأتي الكلام على سند الحديث وما فيه في مسألة: حكم الأشياء قبل ورود الشرع.","vol":"1","page":36},{"text":"لا فرق -عندنا- بينهما، بل هما من الألفاظ المترادفة، كالحتم واللازم وأصحاب أبي حنيفة -﵀- اصطلحوا على تخصيص اسم \"الفرض\" بما يقطع بوجوبه، وتخصيص اسم \"الواجب\" بما لا يدرك إلا ظنًا\"١.\nأما ابن قدامة فيقول: \"والفرض هو الواجب -على إحدى الروايتين- لاستواء حدهما، وهو قول الشافعي.\nوالثانية: الفرض آكد....\"٢.\nفابن قدامة أظهر أن في مذهب الحنابلة روايتين، وقوى الرواية التي توافق مذهب الحنفية من كون الفرض آكد من الواجب، ودلل على ذلك من نصوص علماء اللغة، ثم توصل في النهاية إلى أن الخلاف مبني على الاصطلاح، وهو أمر لا مشاحة فيه.\nولذلك قال في نهاية المسألة: \"ولا خلاف في انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى\".\n٥- كذلك من منهجه: أنه -غالبًا- ما يبدأ المسألة بذكر المذهب الذي يراه راجحًا، ثم يتبعه برأي المخالفين وأدلتهم، ثم يناقشها، ثم يختم ببيان الأدلة التي تؤيد ما يرجحه، وغالبًا ما ينوع الأدلة التي يوردها مستندًا إلى كلام أهل اللغة، ثم إلى القرآن والسنّة والإجماع والقياس، إن وجد ذلك، وهو في ذلك كله لا يستهين بالرأي المخالف، حتى ولو كان ضعيفًا أو ظاهر البطلان، ولذلك ينقل عن المعتزلة، وأهل الظاهرة، والشيعة، حتى اليهود عنهم، كما جاء في باب النسخ.\nوهذا -في الواقع- منهج علمي سليم، يقوم على الحجة والبرهان،\n_________\n١ المستصفى \"١/ ٢١٢-٢١٣\" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.\n٢ الروضة \"١/ ١٥١-١٥٢\" تحقيق الدكتور عبد الكريم النملة.","vol":"1","page":37},{"text":"حتى يكون المسلم على بينة من أمره، ولا ينخدع بما يزينه المخالفون لمنهج الإسلام، والطعن على أحكامه بأساليب مختلفة.\nقيمة الكتاب العلمية ومزاياه:\nأ- مما لا شك فيه أن كتاب \"روضة الناظر\" من أهم الكتب التي ألفت في علم الأصول -بصفة عامة- وفي مذهب الحنابلة -بصفة خاصة- فما من بحث أو كتاب في علم الأصول -من الكتاب المتأخرة عن \"ابن قدامة\"- إلا وتجده واحدًا من مصادره التي يعتمد عليها ومن أمثلة ذلك:\n١- فقد جعله الإمام القرافي المتوفى سنة \"٦٨٤هـ\" من مصادره في شرحه لكتاب \"المحصول\" للإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة \"٦٠٦هـ\" والمسمى \"نفائس الأصول\".\n٢- كما نص الإمام بدر الدين الزركشي المتوفى سنة \"٧٩٤هـ\" في مقدمة كتابه \"البحر المحيط\" على أن كتاب \"روضة الناظر\" من المؤلفات التي اعتمد عليها في كتابه.\n٣- كذلك الإمام: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المتوفى سنة \"٩٧٢هـ\" جعله واحدًا من أهم الكتب التي رجع إليها ونقل منها.\nوغير هؤلاء كثير ممن يطول الكلام عنهم.\nب- كذلك من المزايا التي تميز بها الإمام ابن قدامة: أنه ليس مجرد ناقل، وإنما له فكره المستقل، ورأيه المستنير الذي لا يرى حجية المسألة تابعة لرأي شخص معين، مهما كانت منزلته، وإنما يعتمد في أقواله وترجيحاته على الدليل الذي لم يتطرق إليه أي احتمال.\n_________\n١ طبع مؤخرًا ونشر في المكتبة التجارية بمكة المكرمة.","vol":"1","page":38},{"text":"ولذلك نراه يشتد في مناقشته للإمام الغزالي، ويصف رأيه بأنه خارج عن الإجماع، أو الكتاب في مسألة: إصابة كل مجتهد، أو أن المجتهد يخطئ ويصيب.\nقال -رحمه الله تعالى-:\n\"وزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي، وفرض الكلام في مسألتين:\nأحدهما: مسألة فيها نص فينظر: فإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد في طلبه، فهو مخطئ آثم لتقصيره، وإن لم يكن مقدورًا عليه، لبعد المسافة، وتأخير المبالغة، فليس بحكم في حقه....\" إلى أن قال: \"وزعم أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف من كل منصف\"١.\nويقصد بذلك الإمام الغزالي.\nوالذي يدل على ذلك ما جاء في المستصفى: \".... والمختار عندنا وهو الذي نقطع به، ونخطّئ المخالف فيه: أن كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله -تعالى-\"٢ ثم فرض المسألة في طرفين، كما قال ابن قدامة.\nوهذا يدل على أن للرجل رأيًا مستقلًّا، وليس مجرد ناقل.\nجـ- ومما يدل على أهمية الكتاب العلمية: اهتمام العلماء بشرحه والتعليق عليه، أو اختصاره، فضلا عن كونه الكتاب الأساس في أغلب المؤسسات التعليمية.\n_________\n١ روضة الناظر مع شرحه نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٤١٥\".\n٢ المستصفى \"٢/ ٣٦٣\" المطبعة الأميرية بمصر.","vol":"1","page":39},{"text":"ويدل على ذلك ما يلي:\n١- الإمام نجم الدين: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي المتوفى سنة \"٧١٦هـ\" اختصر كتاب \"روضة الناظر\" في كتاب سماه \"البلبل في أصول الفقه\" طبع بمطبعة النور بالرياض عام ١٣٨٣هـ.\nثم قام بشرح هذا المختصر شرحًا وافيًا، أضاف إليه أمورًا كثيرة من اجتهاداته، ومن أقول العلماء الآخرين، مما جعل لهذا الشرح أهمية بالغة.\nوقد حقق هذا الشرح معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي -يحفظه الله- ونشر بمكتبة مؤسسة الرسالة.\n٢- قام بشرح الكتاب والتعليق عليه الشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران الدمشقي المتوفى سنة \"١٣٤٦هـ-١٩٢٠م\" وسماه \"نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر\".\nوهو ليس شرحًا بالمعنى المعروف، لكنها تعليقات على بعض المسائل التي يصعب فهمها على المبتدئ في علم الأصول، وأغلبها منقول حرفيًّا من شرح الطوفي آنف الذكر.\nوقد نبه -رحمه الله تعالى- على ذلك في أول الكتاب فقال: \".... وأخذت بكتابة تعليقات عليه، تقرب ما نأى من المطالب، وتفتح باب تلك الروضة لكل طالب، وتُهديه من ثمراتها، بلا ثمن، وتحرير مسائله تحرير ممارس مؤتمن، مع ترك الواضح منه، وصرف الهمة إلى ما أشكل\"١.\n٣- وقد سلك مسلك \"ابن بدران\" في التعليق على ما أشكل من\n_________\nانظر: نزهة الخاطر العاطر \"١/ ١٠\" طبعة المعارف بالرياض.","vol":"1","page":40},{"text":"الكتاب الشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي المتوفى سنة \"١٣٩٣هـ\".\nوالظاهر أنه -رحمه الله تعالى- كان يتولى تدريس مادة \"أصول الفقه\" لطلبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة إبّان افتتاحها عام ١٣٨٠هـ وكان الكتاب المقرر هو \"روضة الناظر\" وأن الطلاب وجدوا صعوبة في فهمه، فوضع هذه التعليقات، وطبعت مستقلة بعنوان \"مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر للعلامة ابن قدامة ﵀\".\n٤- قدم فيه الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عثمان السعيد -يحفظه الله- دراسة علمية نال بها درجة \"الدكتوراه\" من كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، بعنوان \"ابن قدامة وآثاره الأصولية\" في قسمين:\nالقسم الأول: خصصه للحديث عن حياة ابن قدامة ونشأته ومراحل تعلّمه، ونسبه الذي أوصله إلى الخليفة العادل \"عمر بن الخطاب\" -﵁- ثم تحدث باستفاضة عن آثار هذا الرجل في المذهب الحنبلي بعامة، وفي أصول الفقه ومنهجه فيه بخاصة.\nأما القسم الثاني: فقد خصصه لتحقيق كتاب \"روضة الناظر\" والتعليق عليه.\nوهو عمل جليل أظهر مكانة هذا العالم وأهمية كتاب الروضة، الأمر الذي جعل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تقوم بطبع الكتاب وتوزيعه على طلبة العلم، فجزى الله القائمين عليها خيرًا، وجعل ذلك في صفحات أعمالهم الصالحة.\n٥- كما حقق الكتاب وقدم له بدراسة وافية فضيلة الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن","vol":"1","page":41},{"text":"سعود الإسلامية بالرياض -يحفظه الله- ونشرته مكتبة الرشد بالرياض.\nوالمطالع في هذه الطبعة يلمس الجهد المشكور الذي بذله المحقق في تصحيح النص ومقابلته على النسخ المخطوطة والمطبوعة للكتاب، مع تخريج شواهد الكتاب على أحدث طرق التحقيق، فجزاه الله عن هذا العمل خير الجزاء، ونفع بعلمه وعمله بقدر إخلاصه لله تعالى.\nفهذه الأعمال المختلفة، وتلكم الجهود المتكررة حول كتاب \"الروضة\" خير شاهد على دعوانا: من أن لهذا الكتاب أهمية خاصة، ومكانة مرموقة بين أهل العلم، عبر العصور المختلفة.\nوفي تصوري أن هذه العناية بهذا الكتاب بصفة خاصة، دون غيره من الكتب ترجع إلى إخلاص هذا الرجل في عمله، وأنه ما أراد به إلا وجه الله -تعالى- ورضاه.\nولذلك هيأ الله -تعالى- من يقوم بخدمة الكتاب ونشره بين أبناء العلم.\nما يؤخذ على الكتاب:\nالعمل البشري -دائمًا- يعتريه القصور، ويرد عليه الخطأ والنسيان وما من عمل يعمله الإنسان، ثم ينظر فيه -بعد ذلك- إلا ويجد نفسه قد قصّر في بعض الأمور، كما قال العماد الأصفهاني:\n\"إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يوم إلا قال في غده: لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر\".\nوكتاب \"الروضة\" وإن كان يعتبر موسوعة علمية في أصول الفقه،","vol":"1","page":42},{"text":"خاصة في ذكر آراء علماء المذاهب المختلفة، والمقارنة بينها، والاستدلال لكل مذهب، وبيان الراجح منها بالدليل، وإبراز مذهب الحنابلة على وجه الخصوص، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي:\n١- أحيانًا يعنون للشئ ولا يذكره، مثل ما جاء في الحكم وأقسامه.\nعنون له بقوله: \"حقيقة الحكم وأقسامه..... ثم قال: أقسام أحكام التكليف خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور ... \".\nفلم يذكر شيئًا عن تعريف الحكم لغة واصطلاحًا، ولا عن تقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي إلى آخر ما هو معروف في هذا المجال.\nكما أنه عبر بقوله \"واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور\" وهو خلاف ما عليه المحققون من العلماء، من أن خطاب التكليف هو: الإيجاب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة.\nأما الواجب والمندوب، إلى آخره، فهو فعل المكلف الذي تعلق به الإيجاب أو الندب أو الكراهة أو الحرمة.\nوالوجوب: هو أثر الخطاب الشرعي، وهو الصفة التي تثبت للفعل.\nفهناك فرق بين التعبيرات الثلاثة: الإيجاب، والواجب، والوجوب١.\nكما أنه أهمل بعض تقسيمات الواجب، فلم يذكر شيئًا عن الواجب العيني والواجب الكفائي، وما يتعلق بهما من أحكام.\n_________\n١ راجع: كشف الأسرار \"٤/ ٢٤٣\" فواتح الرحموت \"١/ ١٢٨\" تيسير التحرير \"٢/ ١٤٨\".","vol":"1","page":43},{"text":"٢- أحيانًا لا يصرح بالمذهب ولا بالقائلين به، وإنما كان يكتفي بعبارة:\n\"فإن قيل\" فيستفاد منها المذهب والقائلون به.\nوكثيرًا ما يورد هذه العبارة عند ذكر أدلة المخالفين، الأمر الذي يجعل طالب العلم، أو الباحث يرجع إلى أصل الكتاب، وهو \"المستصفى\" لمعرفة المقصود بهذه العبارة، أو إلى بعض المراجع الأخرى.\nوالأمثلة على ذلك لا تخفى على من طالع الكتاب.\n٣- غالبًا ما تكون عبارة الكتاب غامضة تحتاج إلى شرح وتوضيح.\nومن أسباب هذا الغموض: أن المؤلف -رحمه الله تعالى- كثيرًا ما يختصر عبارة \"المستصفى\" فيحذف عبارة يتوقف عليها فهم المعنى، فيحصل الغموض.\nومن أمثلة ذلك:\nأ- ما جاء في المرتبة الخامسة من مراتب رواية الحديث بالنسبة للصحابة -﵃- وهي: \"أن يقول: \"كنا نفعل، أو كانوا يفعلون كذا.... ثم قال: مثل قول ابن عمر -﵁- كنا نفاضل على عهد رسول الله -ﷺ- فنقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، فيبلغ ذلك رسول الله -ﷺ- فلا ينكره\".\nوأصل الرواية -كما في المستصفى-: \"كنا نفاضل على عهد رسول الله -ﷺ- فنقول: خير الناس بعد رسول الله -ﷺ- أبو بكر وعمر وعثمان ... إلى آخره\".\nوقال في مثال آخر -في نفس المسألة-: \"وقال: -أي: عبد الله بن عمر- كنا نخابر أربعين سنة\" وهي في الأصل: كنا نخابر على عهد","vol":"1","page":44},{"text":"رسول الله -ﷺ- وبعده أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج.... الحديث\".\nب- في مسألة: إفادة الخبر المتواتر العلم وإن لم يدل عليه دليل آخر، كما هو رأي جمهور العلماء.... حكى رأي \"السمنية\" في أنهم خالفوا في ذلك وحصروا العلم في الحواس الخمس ... ثم رد عليهم بقوله: \"ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد، وبلدة تسمى مكة\".\nوالأصل في المستصفى \"ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد وإن لم يدخلها\".\nومحل الشاهد هنا في عبارة \"وإن لم يدخلها\" ومعناه: أن العلم بوجود هذه البلدة لم يتوقف على الحواس عن المشاهدة مثلًا، وإلا لكان موافقا للسمنية في حصر العلم على الحواس، فابن قدامة حذف عبارة \"وإن لم يدخلها\" ووضع مكانها \"وبلدة تسمى مكة\" فكرر المثال، وحذف محل الشاهد، ومثل ذلك كثير.\n٤- أحيانًا يتساهل في نسبة الآراء إلى المذاهب المختلفة، فيقول: يرى الحنفية كذا، بينما هو رأي البعض منهم، أو لا يمثل المذهب.\nومن أمثلة ذلك: ما نقله عن الحنفية في مسألة: تكليف الكفار بفروع الإسلام فقال: \"واختلفت الرواية: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟\nفروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها، مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله، وهذا قول أكثر أصحاب الرأي\".\nوهذا القول مخالف لما في كتب الحنفية أنفسهم، حيث حكموا","vol":"1","page":45},{"text":"على هذا الرأي بالشذوذ، وأن الصحيح عندهم أنهم غير مكلفين مطلقا١.\nوهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى حيث قال: \"مسألة: ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلًا حالة الأمر.\nبل يتوجه الأمر بالمشروط والشرط، ويكون مأمورًا بتقديم الشرط.\nفيجوز أن يخاطب الكفار بفروع الإسلام، كما يخاطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الوضوء، والملحد بتصديق الرسول، بشرط تقديم الإيمان بالمرسل.\nوذهب أهل الرأي إلى إنكار ذلك\"٢.\n٥- أحيانًا يورد في المسألة عدة آراء، ويستدل لها، ويترك أهم الآراء فيها فلا يشير إليه.\nومن أمثلة ذلك: ما جاء في مسألة دلالة الأمر المطلق، هل يقتضي التكرار أو لا؟\nحكى الآراء المختلفة، واستدل لما رآه راجحًا، وأغفل أهم الآراء، وهو: أنه يدل على مجرد تحصيل الماهية، من غير نظر إلى المرة أو التكرار، وهو الرأي الذي رجحه المحققون من علماء الأصول.\n٦- عدم تحريره لمحل النزاع فكثيرًا ما يطلق القول في المسألة، ويحكم عليها حكمًا عامًّا، مع أنه قد يكون هناك محال اتفاق ومحال خلاف وهذا قد يوقع القارئ في خطأ، وبالأخص المبتدئ.\n_________\n١ راجع: كشف الأسرار \"٤/ ٢٤٣\"، فواتح الرحموت \"١/ ١٢٨\".\n٢ انظر: المستصفى \"١/ ٣٠٤\" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.","vol":"1","page":46},{"text":"٧- وأخيرًا -كما هي عادة أغلب المؤلفين القدامي- لا يذكر عنوانًا لأي مسألة، بل يقول: فصل..... ثم يبدأ مباشرة في نقل الآراء في الموضوع، وهكذا....، بل أحيانًا يجعل المسألة الواحدة في فصلين، فيجعل رأي بعض العلماء فصلا، والبعض الأخر فصلًا مستقلا، الأمر الذي يوهم أنه موضوع مستقل.\nومن أمثلة ذلك: ما جاء في مسألة التعبد بخبر الواحد عقلًا، قال: \"فصل: وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلا؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، والعمل به عمل بالشك، وإقدام على الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل ... \" إلى آخر الأدلة التي أوردها لهذا المذهب، ثم بعد أن ناقشها قال: \"فصل: وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد؛ لأمور ثلاثة....\".\nفمع أن الكلام لا يزال موصولًا بموضوع التعبد بخبر الواحد عقلًا، إلا أنه فصل بين الآراء كما هو واضح.\nوأقول:\nومع ذلك كله، فإن قيمة الكتاب العلمية لا ينكرها إلا جاهل أو معاند، وهذه الملحوظات التي أشرت إليها، أغلبها راجع إلى اختلاف المنهج بين المتقدمين والمتأخرين.\nفالذي سلكه ابن قدامة لا يعتبر غريبًا ولا شاذًّا بمقتضى العصر الذي عاش فيه وكتب له، فهذه كانت طريقتهم التي ألفوها ودرجوا عليها.\nوللعصور المتأخرة طريقتهم ومنهجهم الذي يسلكونه، فلا خلاف في المعنى، وإن اختلفت الطرق والسبل التي توصل إليه.","vol":"1","page":47},{"text":"عملي في الكتاب:\nبعد أن شرفت بالعمل في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى بمكة المكرمة، زادها الله شرفًا وتعظيمًا، وأسند إلى تدريس مادة \"أصول الفقه\" من كتاب \"الروضة\" لمست مدى الصعوبة التي يواجهها الطلاب في فهم الكتاب، بسبب الملاحظات التي أشرت إليها آنفًا.\nفكنت أقرأ عبارة الكتاب أكثر من مرة، وأراجعها على \"المستصفى\" وأسجل الفوارق التي بينهما -إن وجدت- أو أضيف عبارة يكون تمام المعنى متوقفًا عليها، وقبل ذلك أحرر محل النزاع، ثم أدخل المحاضرة وأقول لأبنائي الطلبة: درس اليوم في الموضوع الفلاني، والذي يحتوي على العناصر الآتية.... ثم أشرحها شرحًا وافيًا، ثم أقول لهم: تعالوا نستخرج ذلك من الكتاب، فكان البعض منهم يستغرب ذلك في أول الأمر، ويقول: أين تحرير محل النزاع في الكتاب، ولم يذكره المصنف، فأقول لهم: إن المصنف قد ذكره، لكن بطريق الإشارة، وليس بصريح العبارة.\nومن أمثلة ذلك قوله في باب الأوامر: \"الأمر المطلق لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين\".\nفقوله: \"الأمر المطلق\" فيه إشارة إلى أن الأمر المقيد بمرة واحدة، أو مرات لا يدخل تحت موضوع المسألة، فهذا تحرير لمحل النزاع وإن لم يصرح به.\nولما وجدتني أسجل في كل مسألة بعض الملاحظات، أو أضطر إلى توضيح عبارة الكتاب بأسلوب مبسط، استخرت الله -تعالى- في أن يتم ذلك على الكتاب كله -إن شاء الله تعالى- وتمثل ذلك في:\n١- توضيح ما هو غامض من عبارات الكتاب، إما توضيح كلمة","vol":"1","page":48},{"text":"بكلمة، إن كانت لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، وإما تلخيص لمجمل كلام المصنف في فصل كامل، أو أدلة لمذهب، بحيث أشير إلى بدايات الأدلة للمذهب الفلاني، وإلى بداية الرد على المذهب المخالف وهكذا، بحيث إذا تعذر على الطالب فهم ما يريده المصنف، وجد في الهامش ما يبين له المراد بأسلوب مبسط.\n٢- إضافة الموضوعات التي يتركها المصنف، وهي من لب الموضوع المتحدث عنه، كتعريف الحكم وبيان أقسامه، والفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، وتقسيم الواجب إلى عيني وكفائي وما أشبه ذلك.\n٣- تصحيح النص -على قدر الإمكان- ومراجعته على \"المستصفى\" فإذا وجدت عبارة حذفها المصنف، والمقام يحتاج إليها أضفتها بين معقوفين وأشرت إلى ذلك في الهامش.\nوأحيانًا أصحح العبارة من كتب أخرى، كالعدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، وغيرهما، إلا أن ذلك يكون في الهامش.\n٥- خرجت شواهد الكتاب المختلفة، من عزو الآيات القرآنية إلى سورها، وتخريج الأحاديث النبوية والآثار المختلفة، مع الحكم عليها، والتعريف بالأعلام والفرق، ونسبة الأبيات الشعرية إلى قائليها، وإذا كانت هناك مسائل تحتاج إلى زيادة شرح وبسط، أحلت القارئ إلى المصادر التي يمكن الاستفادة منها.\n٥- ولما كان..... لا يضع عناوين لموضوعات الكتاب، فإني قد وضعت عناوين لجزئيات المسائل، وذلك لسائر الفصول، إعانة للطالب والباحث على استخراج ما يريده بأيسر الطرق.","vol":"1","page":49},{"text":"وحتى يتضح أن هذه العناوين ليست من عمل المؤلف، وضعتها بين معقوفين، كما هو المتبع في قواعد التأليف والتحقيق.\nوقد اعتمدت في نسخ الكتاب على النسخة التي عليها تعليقات الشيخ عبد القادر بن مصطفى بدران، وإذا كان هناك خطأ صححته من نسختي: الدكتور عبد العزيز بن عثمان السعيد، والدكتور عبد الكريم النملة -يحفظهما الله-، أو من المستصفى، وأشرت إلى ذلك في الهامش.\nوأسأل الله -تعالى- أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به على قدر إخلاصي فيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم.\nشعبان بن محمد إسماعيل\nمكة المكرمة، المحرم ١٤١٦هـ.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مقدمة المجلد الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>مدخل</span>\n...\nروضة الناظر وجنة المناظر\nبسم الله الرحمن الرحيم\nرب زدني علمًا وفهمًا\nالحمد لله العلي الكبير، العليم القدير، الحكيم الخبير، الذي جلّ عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والوزير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.\nوصلى الله على رسوله محمد البشير النذير، السراج المنير، المخصوص بالمقام المحمود٢، والحوض المورود٣، في اليوم العبوس القمطرير٤، وعلى آله وأصحابه الأطهار النجباء الأخيار، وأهل\n_________\n١ سورة الشورى من الآية: ١١.\n٢ المقام المحمود: هو الذي يحمده فيه الخلائق لتعجيل الحساب من هول الموقف يوم المحشر العظيم، حيث يشفع -ﷺ- للخلق بعد أن يتأخر عنها أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- حتى تنتهي إليه -ﷺ- فيقول: \"أنا لها\". انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٢٠٠ وما بعدها، النسخة التي صححها وعلق عليها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله.\n٣ الحوض المورود: هو الحوض الذي أكرم الله به نبيه -ﷺ- يوم القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، ترد عليه الخلائق بعد الحساب، وهو المراد بالكوثر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ على رأي بعض المفسرين، فضلًا عن ثبوته بالأحاديث الصحيحة.\n٤ اليوم العبوس: أي الشديد، والقمطرير: أي الشديد العبوس، أو الشديد العسر، =","vol":"1","page":51},{"text":"بيته الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وخصهم بالتطهير، وعلى التابعين لهم بإحسان، والمقتدين بهم في كل زمان.\nأما بعد١.\nفهذا الكتاب نذكر فيه \"أصول الفقه\" والاختلاف فيه، ودليل كل قول على المختار، ونبيّن من ذلك ما نرتضيه، ونجيب [على] من خالفنا فيه.\nبدأنا بمقدمة لطيفة في أوله، ثم أتبعناها ثمانية أبواب:\nالأول: في حقيقة الحكم وأقسامه.\nالثاني: في تفصيل الأصول، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاستصحاب.\nالثالث: في بيان الأصول المختلف فيها.\nالرابع: في تقاسيم الكلام والأسماء.\nالخامس: في الأمر والنهي، والعموم، والاستثناء، والشرط، وما يقتبس من الألفاظ، من إشارتها وإيمائها.\nالسادس: في \"القياس\" الذي هو فرع للأصول.\n_________\n= نسأل الله -تعالى- اللطف في هذا الموقف وما بعده.\n١ عبارة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، خاصة بعد حمد الله تعالى وغيره مما يبتدأ به كالبسملة، ولا تقع مبتدأة، ولا بد من مجيء الفاء بعدها؛ لأن \"أما\" لا عمل لها، فتفصل الكلام بعضه عن بعض، فتأتي الفاء لتصله. ومعنى العبارة: مهما يكن من شيء. وأول من قالها: \"قس بن ساعدة\" وكان النبي -ﷺ- يأتي بها في خطبه. انظر: \"الأوائل لأبي هلال العسكري ص٥٣، فتح الرحمن للشيخ زكريا الأنصاري ص٨\".","vol":"1","page":52},{"text":"السابع: في حكم \"المجتهد\" الذي يستثمر الحكم من هذه الأدلة، و\"المقلد\".\nالثامن: في ترجيحات الأدلة المتعارضة.\nونسأل الله -تعالى- أن يعيننا فيما نبتغيه، ويوفقنا في جميع الأحوال لما يرضيه، ويجعل عملنا صالحًا، ويجعله لوجهه خالصًا، بمنّه ورحمته.\n[معنى الفقه والأصول]\nواعلم أنك لا تعلم معنى \"أصول الفقه\" قبل معرفة معنى \"الفقه\".\nوالفقه في أصل الوضع١: الفهم. قال الله تعالى: -إخبارًا عن موسى ﵇-: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ٢.\n_________\n١ المراد بالوضع: ما وضعه أهل اللغة، إذ عادة الأصوليين والفقهاء أنهم إذا أرادوا بيان لفظ بينوه من جهة اللغة والشرع، فيذكرون المعنى اللغوي أولًا، ثم يذكرون المعنى الشرعي، ويوضحون هل الشرع وضع لحقائقه الشرعية أسماء بإزائها وضعًا استقلاليًّا جديدًا خارجًا عن وضع أهل اللغة، أو أنه أبقى الموضوعات اللغوية على حالها، وزاد فيها شرعًا شروطًا وأفعالًا أخر؟\nمثاله: أنه سمى الصلاة الشرعية صلاة، لاشتمالها على الصلاة اللغوية وهي الدعاء، لكن اشترط لها في الشرع شروطها الستة، وأركانها الثلاثة عشر، وكذلك سمي الصوم الشرعي صومًا لاشتماله على الصوم اللغوي، وهو الإمساك وزاد النية، وقدّر وقته \"انظر: شرح مختصر الروضة ١/ ١٢٩\".\n٢ سورة طه الآيتان: ٢٧، ٢٨.\nوالذي قاله المصنف في معنى \"الفقه\" لغة هو الراجح، وهناك من قال: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، أو هو: فهم الأشياء الدقيقة، لكن الذي تؤيده الآيات القرآنية المتعددة ونصوص علماء اللغة هو الرأي الأول. انظر: \"لسان العرب ١٣/ ٥٢٢، الحدود للباجي ص٣٦\".","vol":"1","page":53},{"text":"وفي عرف الفقهاء: العلم بأحكام الأفعال الشرعية، كالحل والحرمة، والصحة والفساد ونحوها١.\nفلا يطلق اسم \"الفقيه\" على متكلم، ولا محدّث، ولا مفسر، ولا نحوي٢.\nوأصول الفقه: أدلته الدالة عليه من حيث الجملة لا من حيث التفصيل٣ فإن الخلاف يشتمل على أدلة الفقه، لكن من حيث التفصيل،\n_________\n١ كان الفقه في الصدر الأول يطلق على كل ما يفهم من الكتاب والسنة وما يلحق بهما، ولذلك كانوا يعرفونه بأنه \"معرفة النفس ما لها وما عليها\" وهو ما يفهم من قوله -ﷺ-: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\".\nوبعد تمايز العلوم أصبح الفقه يطلق على الأحكام الشرعية العملية.\nوالتعريف الذي ذكره المصنف للفقه هو تعريف ابن الحاجب في مختصره، إلا أن المصنف كعادته -غالبًا- لم يكمل التعريف الذي نقله عن ابن الحاجب، ولذلك استدرك عليه الطوفي فعرفه بقوله: \".... العلم بالأحكام الشرعية، الفرعية، عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال\" انظر: \"بيان المختصر ١/ ١٨، شرح مختصر الطوفي ١/ ٣٣٣\".\n٢ هذا ما يسميه العلماء: إخراج المحترزات.\n٣ ما ذكره المصنف من تعريف \"أصول الفقه\" من أنه: أدلته الدالة عليه من حيث الجملة. هو أحد التعريفات الاصطلاحية، وهناك تعريفات أخرى نذكرها بعد ذكر المعنى اللغوي لكلمة \"أصول\".\nفالأصول: جمع أصل. والأصل في اللغة: ما يبنى عليه غيره، أو هو: ما يستند إليه الشيء، أو هو المحتاج إليه، أو هو: ما يتفرع عليه غيره.\nوفي اصطلاح الأصوليين: يطلق على الدليل، وعلى الراجح، وعلى القاعدة، المستمرة كما يطلق على المقيس عليه.\nأما معناه الاصطلاحي بعد أن صار علَمًا على هذا الفن، فإن العلماء مختلفون في تعريفه بناء على اختلافهم في موضوع \"أصول الفقه\" هل هو الأدلة -كما قال ابن قدامة-، أو هو الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة، أو =","vol":"1","page":54},{"text":"كدلالة حديث خاص على مسألة \"النكاح بلا ولي\"١.\nوالأصول لا يتعرض فيها لآحاد المسائل، إلا على طريق ضرب المثال، كقولنا: الأمر يقتضي الوجوب ونحوه.\nفبهذا يخالف أصول الفقه فروعه٢.\nونظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية، والمقصود: اقتباس الأحكام من الأدلة.\n_________\n= هو الأدلة والأحكام، أو هو الأدلة والترجيح والاجتهاد. فمن قال برأي من هذه الآراء عرّف الأصول بتعريف يشتمل على ما يرى، والذي نراه راجحًا من هذه الآراء هو ما ذهب إليه الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه من أن أصول الفقه عبارة عن الأدلة، والكيفية التي تستخرج بها الأحكام من الأدلة، والمجتهد الذي يستطيع إخراج الأحكام، من الأدلة وهو ما عبر عنه البيضاوي بقوله: \"أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد\". وعلى ذلك تكون الأحكام الشرعية هي الثمرة والنتيجة لعلم الأصول، ولذلك جعلها البيضاوي من المقدمات.\n١ حديث \"لا نكاح إلا بولي\" أخرجه أبو داود: كتاب النكاح، باب في الولي حديث \"٢٠٨٥\"، والترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء: لا نكاح إلا بولي، حديث \"١١٠١\"، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي حديث \"١٨٨١\"، والإمام أحمد في المسند \"٤/ ٣٩٤، ٤١١، ٤١٨\" كما رواه ابن حبان والحاكم وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري.\nقال الحاكم: \"فقد استدللنا بالروايات الصحيحة وبأقاويل أئمة هذا العلم على صحة حديث أبي موسى بما فيه غنية لمن تأمله\" انظر: تلخيص الحبير \"٣/ ١٦٢\"، نصب الراية \"٣/ ١٨٣، ١٩٠\".\n٢ مراده بذلك: أن الأصولي يبحث في الأدلة بطريق الإجمال، كما في: الأمر المطلق يقتضي الوجوب، والفقيه يبحث في الأدلة الشرعية من حيث التفصيل، وهو ما يسمى بالدليل التفصيلي، فيقول -مثلا-: الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا =","vol":"1","page":55},{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-6>مقدمة</span>١:\nاعلم أن مدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان؛ وذلك لأن إدراك العلوم على ضربين:\nإدراك الذوات المفردة، كعلمك بمعنى العالَم، والحادث، والقديم.\nوالثاني: إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض، نفيًا وإثباتًا.\nفإنك تعلم أولًا معنى: العالَم، والحادث، والقديم، مفردة، ثم تنسب مفردًا إلى مفرد، فتنسب الحادث إلى العالم بالإثبات، فتقول: العالم حادث، وتنسب القديم إليه بالنفي، فتقول: العالم ليس بقديم.\nوالضرب الأول: يستحيل التصديق والتكذيب فيه، إذ لا يتطرق إلا\n_________\nالصَّلاةَ﴾ فهذا أمر، والأمر المطلق يدل على الوجوب، ما لم يصرفه عن ذلك قرينة من القرائن، فتكون الصلاة واجبة، فالفقيه يرجع إلى نصوص القرآن والسنة في ضوء القواعد والأسس التي يضعها الأصوليون.\n١ هذه هي المقدمة المنطقية التي وعد بها المصنف في بداية الكتاب، وعلم المنطق يسميه بعض العلماء: فن الميزان، وتارة بفن النظر، وبكتاب الجدل.\nومعنى الإدراك: الإحاطة بماهية الشيء، بلا حكم عليها بنفي أو إثبات، بمعنى إدراك حقائق الأشياء مجردة عن الأحكام، وهو ما يسمى بالتصور، لأخذه من الصورة، لحصول صورة الشيء في الذهن.\nأما الضرب الثاني: وهو النسبة بين المفردات، فيسمى تصديقًا؛ لأن فيه حكمًا يصدق فيه أو يكذب.\nفالتصديق يتضمن ثلاثة تصورات: تصور المحكوم عليه، والمحكوم به، ثم تصور نسبة أحدهما للآخر. والحكم يعتبر تصورًا رابعًا، انظر \"إيضاح المبهم للدمنهوري ص٦، شرح الكوكب المنير جـ١ ص٥٨، ٥٩\".","vol":"1","page":56},{"text":"إلى خبر وأقل ما يتركب منه الخبر مفردان.\nوالضرب الثاني: يتطرق إليه التصديق والتكذيب.\nوقد سمى قوم الضرب الأول تصوّرًا، والثاني تصديقًا وسمى آخرون الأول. معرفة، والثاني علمًا.\nوسمى النحويون الأول: مفردًا والثاني جملة.\nوينبغي أن يعرف البسيط قبل مركبه١، فإن من لا يعرف المفرد كيف يعرف المركب، ومن لا يعرف معنى \"العالَم\" و\"الحادث\" كيف يعرف أن \"العالم حادث\"؟\nومعرفة المفردات قسمان:\nأوّلي: وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب، كالموجود، والشيء.\nومطلوب: وهو الذي يدل اسمه على أمر جُملي غير مفصّل.\nوالثاني: قسمان أيضًا:\nأولي: كالضروريات.\nومطلوب: كالنظريات٢.\n_________\n١ يقصد بالبسيط: المفرد، وهو التصور، وبالمركب: التصديق.\n٢ خلاصة هذه التقسيمات: أن كلًّا من التصور والتصديق ضروري ونظري:\nفالنظري: ما احتاج للتأمل والنظر، والضروري: ما لا يحتاج إلى ذلك. فمثال التصور الضروري: إدراك معنى: البياض، والحرارة، والصوت. ومثال التصور النظري: إدراك معنى: العقل، والجوهر الفرد، والجاذبية. ومثال التصديق الضروري: إدراك وقوع النسبة في قولنا: \"الواحد نصف الاثنين\" =","vol":"1","page":57},{"text":"فالمطلوب من المعرفة لا يقتنص١ إلا بالحد.\nوالمطلوب من العلم لا يقتنص إلا بالبرهان.\nفلذلك قلنا: مدارك العقول تنحصر فيهما.\n_________\n= و\"النار محرقة\" ومثال التصديق النظري: إدراك وقوع النسبة في قولنا: \"الواحد نصف سدس الإثني عشر\". انظر \"إيضاح المبهم ص٦\".\n١ القنص: الصيد جاء في القاموس المحيط فصل القاف، باب الصاد: \"..... وقنصه يقنصه صاده\" فهو هنا مجاز عما يصاد من المعاني، لأنه يحتاج إلى بحث ونظر، سواء أكان من التصورات أم من التصديقات.\n٢ المصنف -كعادته غالبًا- يبدأ بالتقسيم، ثم يذكر التعريف آخر الفصل، كما فعل هنا، فقد ذكر تعريف الحد بعد هذه التقسيمات وهو مسلك فيه نظر. =","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فصل: \"في أقسام الحد</span>\"\nوالحد ينقسم ثلاثة أقسام: حقيقي، ورسمي، ولفظي٢.\n[الحد الحقيقي، وشروطه]\nفالحقيقي: هو القول الدال على ماهية الشيء.\nوالماهية: ما يصلح جوابًا للسؤال بصيغة \"ما هو\".\nفإنّ صيغ السؤال التي تتعلق بأمهات المطالب أربعة:\nأحدها: \"هل\" يطلب بها إما أصل الوجود، وإما صفته.\nوالثاني: \"لِمَ\" سؤال عن العلة، جوابه بالبرهان.\nوالثالث: \"أيّ\" يطلب بها تمييز ما عرف جملته.","vol":"1","page":58},{"text":"والرابع: \"ما\" وجوابه بالحد.\nوسائر صيغ السؤال كمتى، وأيان، وأين، يدخل في مطلب \"هل\"؛\n_________\n= والحد في اللغة: المنع، ومنه سمي البواب حدادًا، لأنه يمنع من دخول الدار، ومنه الحدود الشرعية، لأنها تمنع من العود إلى المعصية، وسمي التعريف حدًّا؛ لأنه يمنع غير أفراد المعرف من الدخول، كما يمنع أفراد المعرف من الخروج. \"القاموس المحيط ١/ ٢٩٦، مفرادات الراغب الأصفهاني ص١٠٨\".\nوفي الاصطلاح: هو الوصف المحيط بمعنى الموصوف المميز له عن غيره وله تعريفات أخرى كثيرة انظر: المستصفي ١/ ١٢، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب١/ ٦٨، شرح الكوكب المنير ١/ ٨٩ وما بعدها.\nووجه انحصار الحد في هذه الثلاثة: أن الحد إما أن يكون بحسب المعنى أو بحسب اللفظ، فإن كان بحسب اللفظ فهو الحد اللفظي.\nوإن كان بحسب المعنى، فإن اشتمل على جميع الذاتيات فهو الحقيقي، وإن لم يشتمل على ذلك فهو الرسمي.\nومن العلماء من جعلها خمسة:\n١- حقيقي تام، وهو: ما أنبأ عن ذاتيات المحدود الكلية المركبة، كقولك: ما الانسان؟ فيقال: حيوان ناطق.\n٢- حقيقي ناقص: وهو ما كان بالفصل القريب فقط، مثل: قولنا: ما الإنسان؟ فيقال: الناطق، أو بالفصل القريب والجنس البعيد، مثل: أن يقال: ما الإنسان؟ فيقال: جسم ناطق.\n٣- رسمي تام: وهو ما كان بالخاصة مع الجنس القريب، كأن يقال: ما الإنسان؟ فيقال: حيوان ضاحك.\n٤- رسمي ناقص: وهو ما كان بالخاصة فقط، أو مع الجنس البعيد.\n٥- الحد اللفظي: وهو شرح اللفظ بلفظ أشهر منه، كما سيأتي تمثيل المصنف له. انظر: \"تحرير القواعد المنطقية ص٧٩، شرح تنقيح الفصول ص١٣، شرح الكوكب المنير ١/ ٩٢-٩٥\".","vol":"1","page":59},{"text":"إذ المطلوب به صفة الوجود.\nوالكيفية: ما يصلح جوابًا للسؤال بكيف؟\nوالماهية تتركب من الصفات الذاتية.\nوالذاتي١: كل وصف يدخل في حقيقة الشيء دخولًا لا يتصور فهم معناه بدون فهمه، كالجسمية للفرس، واللونية للسواد، إذ من فهم \"الفرس\" فهم جسمًا مخصوصًا، فالجسمية داخلة في ذات الفرسية، دخولًا به قوامها في الوجود، والعقل لو قدَّر عدمها بطل وجود الفرس، ولو خرجت عن الذهن بطل فهم الفرس.\nوالوصف اللازم: ما لا يفارق الذات، لكن فهم الحقيقة غير موقوف عليه، كالظل للفرس عند طلوع الشمس، فإنه لازم غير ذاتي؛ إذ فهم حقيقة الفرس غير موقوف على فهمه، وكون الفرس مخلوقة، أو موجودة، أو طويلة، أو قصيرة، كلها لازمة لها غير ذاتية، فإنك تفهم حقيقة الشيء وإن لم تعلم وجوده.\nوأما الوصف العارض: فيما ليس من ضرورته أن يلازم، بل تتصور مفارقته، إما سريعًا كحمرة الخجل، أو بطيئًا كصفرة الذهب.\nوالصبا، والكهولة٢ والشيخوخة، أوصاف عرضية؛ إذ لا يقف فهم الحقيقة على فهمها، وتتصور مفارقتها.\n_________\n١ صفات الأشياء: ثلاثة: صفات ذاتية، وهي التي تعتبر جزءًا من حقيقة الشيء، وصفات لازمة للموصوف لا تنفك عنه، وتسمى \"تابعًا\" وصفات عارضة، تلحق الموصوف في بعض الأحيان، وتفارقه في البعض الآخر، والمصنف -رحمه الله تعالى- بدأ يعرّف بهذه الصفات الثلاثة ويفرق بينها، ويذكر أمثلة لكل واحدة على حدة.\n٢ اختلف العلماء في تحديد سن الكهولة على أقوال كثيرة، أصحها -من وجهة =","vol":"1","page":60},{"text":"[تقسيم الأوصاف الذاتية]\nثم الأوصاف الذاتية تنقسم إلى جنس وفصل:\nفالجنس: هو الذاتي المشترك بين شيئين فصاعدًا مختلفين بالحقيقة.\nثم هو منقسم إلى عام، لا أعم منه، كالجوهر١، ينقسم إلى جسم وغير جسم.\nوالجسم ينقسم إلى نام وغيره.\nوالنامي ينقسم إلى حيوان وغيره.\nوالحيوان ينقسم إلى آدمي وغيره.\nوإلى خاص، لا أخص منه، كالإنسان.\nولا عم من الجوهر إلا الموجود، وليس بذاتي٢.\n_________\n= نظري- أنه من جاوز الثلاثين، وحدده بعض العلماء بثلاثة وثلاثين سنة. وهو ما وصف الله به عيسى ﵇ في قوله تعالىٍ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا......﴾ [سورة آل عمران الآية: ٤٦] وانظر تفسير القرطبي جـ٢ ص٩٠ وما ذكره المصنف من مراحل العمر المختلفة أمثلة على الأوصاف العرضية البطيئة الزوال.\n١ جوهر الشيء: ما خلقت عليه جبلته، ومن الأحجار: كل شيء يستخرج منه شيء ينتفع به، والنفيس الذي تتخذ منه الفصوص ونحوها. وعند المناطقة: ما قام بنفسه، ويقابله العَرَض، وهو ما يقوم بغيره. انظر تفصيل ذلك في التعريفات للجرجاني ص٧٩.\n٢ سبق أن قلنا: إن الجوهر ما قام بنفسه، ولما قال المصنف: بأن الجوهر عام، لا أعم منه، استشعر اعتراضًا عليه مضمونه: كيف يكون كذلك، وكونه موجودًا أعم منه؟ فأجاب بقوله: \"ليس بذاتي\" أي: أنه يعني الأعم الذي هو ذاتي =","vol":"1","page":61},{"text":"ولا أخص من الإنسان إلا الأحوال العرضية، من الطول، والقصر، والشيخوخة ونحوها.\nوالفصل: ما يفصله عن غيره، ويميزه به، كالإحساس في الحيوان، فإنه يشارك الأجسام في الجسمية، والإحساس يفصله عن غيره.\n[شروط الحد]\nفيشترط في الحد: أن يذكر الجنس والفصل معًا.\nوينبغي أن يذكر الجنس القريب، ليكون أدل على الماهية، فأنك إن اقتصرت على ذكر البعيد بعدت، وإن ذكرت القريب معه كررت، فلا تقل -في حد الآدمي-: \"جسم ناطق\" بل حيوان ناطق، وقل -في حد الخمر- \"شراب مسكر\" ولا تقل \"جسم مسكر\".\nثم ينبغي أن يقدم ذكر الجنس على الفصل، فلا تقل -في حد الخمر-: \"مسكر شراب\"، بل العكس. وهذا لو ترك لشوّش النظم، ولم يخرج عن الحقيقة.\nوإذا كان للمحدود ذاتيات متعددة فلا بد من ذكر جميعها؛ ليحصل بيان الماهية.\nوينبغي أن يفصل بالذاتيات، ليكون الحد حقيقيًّا، فإن عسر ذلك عليك فاعدل إلى اللوازم، لكي يصير رسميًّا، وأكثر الحدود رسمية، لعسر درك الذاتيات١.\n_________\n= وداخل في حقيقة المحدود وماهيته، بخلاف \"الموجود\" فإنه خارج عن الماهية، وبذلك ينتفي الاعتراض المتوهم.\n١ يقصد من ذلك: أن أكثر التعريفات أو الحدود التي تذكر في الكتب من قبيل =","vol":"1","page":62},{"text":"واحترزْ من إضافة الفصل إلى الجنس، فلا تقل في حد الخمر: \"مسكر الشراب\" فيصير الحد لفظيًّا غير حقيقي.\nوأبعد من هذا: أن تجعل مكان الجنس شيئًا كان وزال، فتقول في الرماد: \"خشب محترق\" فإن الرماد ليس بخشب١.\n[الحد الرسمي وشروطه]\nوأما الحد الرسمي: فهو اللفظ الشارح للشيء بتعديد أوصافه الذاتية واللازمة، بحيث يطرد وينعكس، كقوله، -في حد الخمر-: \"مائع يقذف\n_________\n= الحد بالرسم، وهو: كما سيأتي في صلب الكتاب: اللفظ الشارح للشيء بتعديد أوصافه الذاتية واللازمة.\nأما الحد الحقيقي -كما سبق تعريفه- فعسير جدًّا، فإن إدراك جميع الذاتيات ليس بالأمر الهين، ولذلك يلجأ كثير من العلماء إلى الحد بالرسم.\n١ إلى هنا انتهى المصنف من ذكر شروط الحد الحقيقي، وهي سبعة:\nالأول: الجمع بين الجنس والفصل معًا.\nالثاني: أن يذكر في الحد الجنس القريب إن وجد.\nالثالث: أن تذكر جميع الذاتيات مرتبة، بحيث يبدأ بالجنس ثم بالفصل.\nالرابع: إذا كان للمحدود ذاتيات متعددة فلا بد من ذكرها جميعها.\nالخامس: أن تفصل بالذاتيات دون العرضيات، إلا إذا تعذر ذلك، فإنه يلجأ إلى اللوازم.\nالسادس: عدم إضافة الفصل إلى الجنس.\nالسابع: عدم استبدال الجنس بشيء مضى.\nوهناك شروط أخرى ذكرها بعض العلماء: كأن يكون مطردًا، وأن لا يكون مشتملًا على مجاز أو اشتراك الخ. انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ١/ ٦٨، شرح تنقيح الفصول ص٤، تحرير القواعد المنطقية ص٧٨.","vol":"1","page":63},{"text":"بالزبد، يستحيل إلى الحموضة، ويحفظ في الدَّن\"١. تجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي بجملته الخمر، بحيث لا يخرج منه خمر، ولا يدخل فيه غير خمر.\nواجتهد أن يكون من اللوازم الظاهر المعروفة.\nولا يحد الشيء بأخفى منه.\nولا بمثله في الخفاء.\nولا تحد شيئًا بنفي ضده، فتقول في الزوج: \"ما ليس بفرد\" وفي الفرد: \"ما ليس بزوج\" فيدور الأمر، ولا يحصل بيان.\nواجتهد في الإيجاز -ما استطعت- فإن احتجت فاطلب منها ما هو أشد مناسبة للغرض٢.\n_________\n١ الدَّن: وعاء ضخم للخمر ونحوها.\n٢ إلى هنا انتهى المصنف من تعريف الحد الرسمي وذكر شروطه وهي ستة:\nالأول: أن يكون مطردًا منعكسًا: ومعنى الاطراد: أنه كلما وجد الحد وجد المحدود، والعكس معناه: كلما انتفى الحد انتفى المحدود.\nالثاني: أن يكون الحد من اللوازم الظاهرة المعروفة.\nالثالث: أن لا يكون بأخفى منه.\nالرابع: أن لا يكون بما هو مساو له.\nالخامس: أن لا يكون بنفي الضد.\nالسادس: أن يكون بطريق الإيجاز.\nوهناك شروط أخرى ذكرها بعض العلماء، مثل: عدم اشتماله على ألفاظ غريبة، أو ألفاظ مجازية أو مشتركة، أو كنايات، لأنها لا تؤدي الغرض المقصود. انظر: تحرير القواعد المنطقية ص٨١.","vol":"1","page":64},{"text":"[الحد اللفظي وشرطه]\nوأما الحد اللفظي: فهو شرح اللفظ بلفظ أشهر منه: كقولك: في العقار١: \"الخمر\"، وفي الليث: \"الأسد\".\nويشترط: أن يكون الثاني أظهر من الأول.\nواسم الحد شامل لهذه الأقسام الثلاثة٢، لكن الحقيقي هو الأول؛ فإن معنى \"الحد\" يقرب من معنى حد الدار، وللدار جهات متعددة إليها ينتهي الحد، فتحديدها بذكر جهاتها المختلفة المتعددة التي الدار محصورة بها مشهورة.\nوإذا سأل عن حد الشيء فكأنه يطلب المعاني والحقائق التي بائتلافها تتم حقيقة ذلك الشيء، وتتميز به عما سواه، فلذلك لم يسم \"اللفظي\" و\"الرسمي\" حقيقيًّا، وسمى الجميع باسم \"الحد\" لأنه جامع مانع؛ إذ هو مشتق من المنع، ولذلك سمى البواب حدّادًا؛ لمنعه من الدخول والخروج.\nفحدُّ الحدِّ إذا: الجامع المانع\n[تعريف الحد الحقيقي]\nواختلف في حد الحد الحقيقي:\n_________\n١ العقار -بضم العين- الخمر. وبفتح العين: كل ملك ثابت له أصل، كالأرض والدار، جمعه عقارات.\nوالعقار الحر: ما كان خالص الملكية، يأتي بدخل سنوي يسمى ريعًا. والعقار من كل شيء خياره \"المعجم الوسيط ٢/ ٦٢١\".\n٢ أي: الحد الحقيقي، والحد الرسمي، والحد اللفظي.","vol":"1","page":65},{"text":"فقيل: هو اللفظ المفسر لمعنى المحدود على وجهٍ يجمع ويمنع.\nوقيل: القول الدال على ماهية الشيء١.\nوحدّه قوم: بأنه نفس الشيء وذاته٢.\nوهذا لا معارضة بينه وبين ما ذكرناه؛ لكون المحدود ههنا غير المحدود ثَمَّ، وإنما يقع التعارض بعد التوارد على شيء واحد٣.\nبيانه: أن الموجود له في الوجود أربع مراتب:\nالأولى: حقيقته في نفسه.\n_________\n١ وهذا ما ذكره المصنف قبل ذلك، وهذا يدل على أن المصنف لم يلتزم بالمنهج العلمي، فكان ينبغي عليه أن يذكر هذه الآراء هناك، أما أن يذكر رأيا في أول المسألة، ثم يعيده مع غيره في آخرها ففيه ما فيه.\n٢ اعترض على هذا التعريف بأن فيه تفسير للشيء بنفسه.\nوأجيب: بأن دلالة المحدود من حيث الإجمال، ودلالة الحد من حيث التفصيل، ولا محذور في ذلك.\n٣ علق \"ابن بدران\" على هذا الكلام بقوله: \"معناه: أن هذه الأقوال الثلاثة المذكورة في حد الحد لا معارضة بينها وبين ما ذكره من أن حد الحد هو الجامع المانع، وذلك لأن كل واحد ذكر للحد حدًّا باعتبار غير ما اعتبره الثاني، والمعارضة لا تكون إلا حيث تواردت الحدود على محدود واحد باعتبار واحد\".\nثم قال: والحاصل: أن الحد لفظ مشترك بين أقسام الوجود، وباختلاف إطلاقه على أحد معانيه اختلف حده.\nومثاله: أن حد \"العين\" بأنه العضو المدرك للألوان بالرؤية، لم يخالف من يحد \"العين\" بأنه الجوهر المعدني الذي هو أشرف النقود، بل حد هذا أمرًا مباينًا لحقيقة الأمر الآخر، وإنما اشتركا في اسم \"العين\". انظر: \"نزهة الخاطر جـ١ ص٤١، ٤٢\".","vol":"1","page":66},{"text":"الثانية: ثبوت مثال حقيقته في الذهن، وهو المعبر عنه بالعلم١.\nالثالثة: اللفظ المعبّر عما في النفس٢.\nالرابعة: الكناية عن اللفظ.\nوهذه الأربعة متوازية متطابقة.\nفإذًا: المحدود في أحد الجانبين غير المحدود في الآخر، فلا معارضة بينهما والله أعلم.\n_________\n١ يقصد بالعلم هنا: التصور، لأنه عبارة عن إدراك حقائق الأشياء مجردة عن الحكم عليها بالإثبات أو النفي.\n٢ ومنه قول الشاعر:\nإن الكلام لفي الفؤاد وإنما\nجعل اللسان على الفؤاد دليلًا\nوالقائل: هو الأخطل -على رأي بعض العلماء-، وقال البعض: إنه ليس من كلام الأخطل لعدم وجوده في ديوانه، وأضيف إليه -عند الطباعة- في قسم الزيادات. انظر \"شرح المفصل للزمخشري ١/ ٣١، معجم شواهد العربية ١/ ٢٧١\".","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل: [في أن تعذر البرهان على الحد لا يمنع صحته]</span>\nوزعم أهل هذا العلم١ أن الحد لا يمنع لتعذر البرهان على\n_________\n١ يقصد بأهل العلم: المناطقة، قال ابن بدران: والزعم هنا بمعنى الرأي، كقولك: زعم أبو حنيفة كذا: أي ارتأى كذا.\nواعلم أن تفصيل القول في أن الحد لا يكتسب البرهان وتحقيق الحق فيه مما لا يليق بهذا الكتاب ولا بغيره من كتب الأصول، ومن أراده فعليه بكتاب \"البرهان\" من كتاب \"الشفاء\" لابن سينا، والمصنف اختطف خطفة من كلام الغزالي فأورثها كتابه هنا، ونحن نجاريه على كلامه قائلين: اعلم أن الحد لا =","vol":"1","page":67},{"text":"صحته، فإن الحد أقل ما يتركب من مفردين، فيحتاج في البرهان عن كل مفرد إلى حد يشتمل على مفردين، ثم يتسلسل ذلك إلى أن يصير إلى الأوليات المعلومة ضرورة، لكن قل ما يمكن إنهاؤه إليها، والنظر وضع للتعاون على إظهار الحق، فلا يوضع على وجه لا يمكن إثباته أو يعسر، بل طريق الاعتراض عليه بالنقض أو المعارضة١، بحد آخر.\nفإن عجز المستدل عن نقض حد المعترض كان منقطعًا، وإن أبطله صح حده.\nمثاله: قولنا -في حد الغصب-: \"إثبات اليد العادية على مال الغير\".\nفربما قال الحنفي: لا نسلم أن هذا هو الحد الغصب. قلنا: هو مطرد منعكس، فما الحد عندك؟ فيقول: \"إثبات اليد العادية المزيلة لليد المحقّة\".\nقلنا: يبطل بالغاصب من الغاصب، فإنه غاصب يضمن للمالك، ولم يُزل اليد المحقة، فإنها كانت زائلة.\n_________\n= يحصل بالبرهان بمعنى: أن الحد لا يدخله المنع، وإنما يدخله من أقسام المعارضة الآتية في أواخر باب القياس: النقض، والمعارضة، وإنما لم يدخله المنع لتعذر البرهان على صحته....\" انظر: \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٤٤\".\n١ النقض عبارة عن: بيان تخلف الحكم المدعى ثبوته أو نفيه على الدليل في بعض الصور.\nوالمعارضة عبارة عن: إقامة دليل يدل على خلاف ما قال به الخصم. وسوف يأتي ذلك موضحًا في باب القياس، إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل: في البرهان</span>١\nوهو الذي يتوصل به إلى العلوم التصديقية المطلوبة بالنظر.\nوهو عبارة عن أقاويل مخصوصة، ألفت تأليفًا مخصوصًا بشرط يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر، وتسمى هذه الأقاويل مقدمات٢.\nويتطرق الخلل إلى البرهان من جهة المقدمات تارة، ومن جهة التركيب تارة، ومنهما تارة، على مثال البيت المبني: تارة يختل لعوج\n_________\n١ قال الشيخ ابن بدران: \"ذكر في أول المقدمة أن مدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان، وأهل هذا الفن يعبرون عن الأول بالتصور، ويجعلون مبادئه الكليات الخمس التي هي الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعَرض العام، ومقاصده: القول الشارح الذي يعنونونه بالحد.\nوعن الثاني: بالتصديقات، ويجعلون مبادئه القضايا وأحكامها: من التناقص والعكس وغيرهما، ومقاصده: البرهان.\nولما أتم الكلام على التصورات، أراد هنا أن يتكلم على التصديقات كلامًا على نمط الأول فقال: فصل في البرهان\". \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٤٨\".\n٢ هذا هو تعريف البرهان، كما نقله عن المستصفى \"١/ ٢٩\" لكن ببعض تصرف، وأوضح وأخصر منه ما قاله بعض العلماء من أنه: \"قول مؤلف من قضايا يلزم عنها لذاتها قول آخر\".\nوقولهم في التعريف \"قول مؤلف من قضايا\" يشمل ما كان من قضيتين، مثل قولنا: العالم متغير، وكل متغير حادث، وهو حجة بلا خلاف، فالمراد بالقضايا عند المناطقة: ما زاد على قضية واحدة. انظر في هذه المسألة: \"شرح العضد على المختصر ١/ ٧٦، إيضاح المبهم ص٧\".","vol":"1","page":69},{"text":"الحيطان، وانخفاض السقف إلى قرب من الأرض، وتارة لشعث١ اللبنات، أو رخاوة الجذوع، وتارة لهما جميعًا.\nفمن يريد نظم البرهان يبتدئ أولًا بالنظر في الأجزاء المفردة، ثم في المقدمات التي فيها النظم والترتيب.\nوأقل ما يحصّل منه المقدمة: مفردان.\nوأقل ما يحصّل منه البرهان: مقدمتان، ثم يجمع المقدمتين فيصوغ منهما برهانًا، وينظر كيفية الصياغة٢.\n_________\n١ المراد بالشعث هنا: تفرق اللبنات وعدم تماسكها. انظر: القاموس المحيط فصل الشين، باب: الثاء.\n٢ خلاصة ما يريده المصنف من إيراد المثال المحسوس الذي أورده في صورة بيت: أن ينظر الإنسان في المعاني المفردة وأقسامها، وفي الألفاظ المفردة ووجوه دلالتها، ثم إذا فهمنا اللفظ مفردًا، والمعنى مفردًا، استطعنا أن نؤلف معنيين ونجعلهما مقدمة، وننظر في حكم المقدمة وشرطها، ثم نجمع مقدمتين فنصوغ منهما قياسًا، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة.\nفإذا أردنا أن نبرهن على أن العالم حادث، ونرد على القائلين بقدمه، قلنا: العالم متغير، وهذه هي المقدمة الأولى، وتسمى \"الصغرى\" ثم نقول: وكل متغير حادث، وهذه هي المقدمة الثانية، وتسمى \"الكبرى\". ولهاتين المقدمتين نتيجة هي المقصودة للمستدل، وهي: \"العالم حادث\".","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فصل: في كيفية دلالة الألفاظ على المعنى</span>\n...\nفصل: [في كيفية دلالة الألفاظ على المعاني]\nواعلم أن دلالة الألفاظ على المعنى تنحصر في: المطابقة، والتضمن، واللزوم.","vol":"1","page":70},{"text":"فالمطابقة: كدلالة لفظ \"البيت\" على معنى البيت.\nوالتضمن: كدلالته على السقف، ودلالة لفظ \"الإنسان\" على الجسم.\nواللزوم: كدلالة لفظ \"السقف\" على الحائط؛ إذ ليس جزءًا من السقف، لكنه لا ينفك عنه، فهو كالرفيق الملازم، ولا يستعمل في نظر العقل ما يدل بطريق اللزوم؛ لأن ذلك لا ينحصر في حد؛ إذ السقف يلزم الحائط، والحائط: الأس١، والأس الأرض، فلا ينحصر، بل اقتصرْ على الأولين: المطابقة والتضمن٢.\n[تقسيم اللفظ، من حيث التعيين وعدمه] ٣\nثم اللفظ ينقسم إلى ما يدل على معين كزيد وهذا الرجل.\n_________\n١ الأس في اللغة: الأصل، فالأس والأساس: أصل البناء. انظر: القاموس المحيط فصل الهمزة، باب السين.\n٢ خلاصة ما يريده المصنف في هذه الجزئية: أن دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أنواع، دلالة مطابقة، وهي دلالة اللفظ على كامل معناه، كدلالة \"البيت\" على البيت كاملًا بجميع مشتملاته.\nودلالة تضمن، وهي: دلالة اللفظ على جزء المعنى، كدلالة \"السقف\" لأنه جزء من البيت.\nودلالة التزام: وهي دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه، لكنه لازم له لا يفارقه، كدلالة السقف على الحائط، فالسقف ليس جزءًا من الحائط، لكنه لا يعقل أن يوجد سقف بدون حائط تحته، ومن هنا سميت دلالة التزامية.\nولما كانت الدلالات الالتزامية كثيرة لا حصر لها، حيث المصنف على الإقلال منها، والاقتصار على المطابقة والتضمن.\n٣ هذا التقسيم للألفاظ من حيث العموم والخصوص. =","vol":"1","page":71},{"text":"وحدّه: اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد.\nوإلى ما يدل على واحد من أشياء كثيرة، تتفق في معنى واحد، يسمى \"مطلقًا\" كقولنا: فرس، ورجل.\nفإن دخلت عليه الألف واللام صار عامًا١ يتناول جميع ما يقع عليه ذلك.\nفإن قيل: فالسماء، والأرض، والإله، والشمس، والقمر، مدلولها مفرد مع الألف واللام؟\nقلنا: امتناع الشركة لم يكن لوضع اللفظ، بل لاستحالة وجود المشارك؛ إذ الشمس في الوجود واحدة، ولو فرضنا عوالم في كل واحد شمس، كان قولنا: الشمس شاملًا للكل.\n[تقسيم الألفاظ المتعددة المعاني باعتبار مسمياتها]\nثم تنقسم الألفاظ إلى: مترادفة، ومتباينة، ومتواطئة، ومشتركة.\nفالمترادفة: أسماء مختلفة لمسمّى واحد، كالليث والأسد، والعقار والخمر.\n_________\n= فالأول: يسمى معينًا كما عرفه المصنف.\nوالثاني: يسمى مطلقًا، وهو الذي لا يمنع مفهومه من وقوع الشركة فيه.\n١ قوله: \"فإن دخلت عليه الألف واللام صار عامًّا\" أي: أن الاسم المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام، سمي عامًّا، يستغرق جميع أفراد الجنس، مثل: الكتاب، والميزان. بشرط أن يكون له في الخارج أفراد كثيرون، ولهذا أورد الاعتراض بالشمس والقمر وغيرهما، ورد على هذا الاعتراض بأنه لا وجود إلا لفرد واحد، ولو فرض وجود أكثر من شمس لصدق عليه أنه عام.","vol":"1","page":72},{"text":"فإن كان أحدهما يدل على المسمى مع زيادة لم يكن من المترادفة، كالسيف، والمهنّد، والصارم؛ فإن المهنّد يدل على السيف مع زيادة نسبته إلى الهند، والصارم يدل عليه مع صفة الحدَّة، فخالف إذا مفهومه مفهوم السيف١.\nوالمتباينة: الأسماء المختلفة للمعاني المختلفة، كالسماء والأرض، وهي الأكثر.\nوأما المتواطئة: فهي الأسماء المنطلقة على أشياء متغايرة بالعدد، متفقة في المعنى الذي وضع الاسم عليها، كالرجل: ينطلق على زيد، وعمرو، والجسم: ينطلق عليهما وعلى السماء والأرض، لاتفاقهما في معنى الجسمية.\nوأما المشتركة: فهي الأسماء المنطلقة على مسميات مختلفة بالحقيقة، كالعين للعضو الناظر، والذهب٢.\nوقد يقع على المتضادين: كالجليل، للكبير والصغير، والجون: للأسود والأبيض، والقرء: للحيض والطهر، والشفق: للبياض والحمرة.\nوقد يقرب المشترك من المتواطئ، كالحي، يقع على الحيوان والنبات، فيظن أنه من المتواطئ، وهو من المتشرك؛ إذ المراد من حياة\n_________\nيستفاد من ذلك: أن شرط الترادف: أن يكون في أحد اللفظين زيادة معنى لم يدل على اللفظ الآخر، وإلا خرج من باب الترادف.\n٢ لفظ \"العين\" يطلق على معان كثيرة منها: العين المبصرة، والذهب، وعين الشمس، وما ينبع من الماء، والجاسوس، ورئيس الجيش، وكبير القوم وشريفهم، وذات الشيء ونفسه، وعلى الحاضر من كل شيء، وعلى النفس من كل شيء.... انظر \"الصاحبي لابن فارس ص١٧١، المزهر للسيوطي ١/ ٣٦٩\".","vol":"1","page":73},{"text":"النبات: الذي يحصل به نماؤه، ومن الحيوان: الذي يحس به ويتحرك بالإرادة، فيسمى هذا مشتبهًا.\nوالمختار: يطلق على القادر على الفعل وتركه، فلذلك يصح تسمية المكره مختارًا، ويطلق على من تخلَّى في استعمال قدرته ودواعي ذاته١. فلا تحرك دواعيه من خارج، وهذا غير موجود في المكره، فليفهم هذا.\nوله نظائر في النظريات تاهت فيها عقول كثير من الضعفاء، فليستدل بالقليل على الكثير.\n_________\n١ هذه الجملة منقولة من المستصفى \"١/ ٣٢\" وقد شرحها الشيخ ابن بدران فقال: \"معناه: أن استعمال قدرته والداوعي التي تستدعيها ذاته لا يكون أمر خارج مؤثرًا عليها، وإنما تكون باختياره، \"مخلَّى\" أي خاليًا عن جميع المؤثرات الخارجية ... ثم قال: و\"مَنْ\" اسم موصول، مجرور بعلى، متعلق بيطلق، وجملة \"تخلى\" صلة الموصول، والظرف بعده متعلق به.\nوقوله \"فلا تحرك ... \" الفاء تفريعية، وتحرك بالبناء للمجهول والمعنى: أن المختار يطلق على من كانت دواعي ذاته واستعمال قدرته مخلَّاة، أي متروكة له، فلا تكون لأجل أمر خارج دعاه إليها فتأمل\" \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٥٦\".","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>فصل: في النظر في المعاني</span>\nسبب الإدراك يسمى قوة١.\nالمعاني المدركة ثلاثة: محسوسة، ومتخيلة، ومعقولة.\n_________\n١ الإدراك: الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه، والطريق الذي يوصل إلى تلك =","vol":"1","page":74},{"text":"ففي حدقتك١ معنى تميزت به عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، تسمى قوة باصرة.\nوشرط البصر: وجود المبصَر، فإذا أبصرت شيئًا فهو محسوس بحاسة البصر، فإذا انعدم المبصَر انعدم الإبصار، وبقيت صورته في دماغك كأنك تنظر إليها، فيسمى ذلك تخيّلًا، فغيبة الشيء تنفي الإبصار، ولا تنفي التخيل.\nولما كنت تحس التخيل في دماغك، فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة تهيؤ للتخيل، تباين بها بقية الأعضاء، كمباينة العين لها.\nوهذه القوة٢ يشارك فيها الإنسان البهيمة، فمهما رأى الفرسُ الشعير تذكر صورته، فيعرف أنه موافق له مستلذ لديه، ولو لم تثبت الصورة في خياله لم يبادر إليه، ما لم يجرّبه بالذوق مرة أخرى.\nثم فيك قوة ثالثة تباين البهيمة بها، تسمى \"عقلًا\" محلها القلب٣، تباين قوة التخيل، أشد من مباينة قوة التخيل قوة الإبصار.\n_________\n= الإحاطة يسمى قوة مدركة، ولذلك نفى الله -تعالى- عن ذاته العلية، إدراك الأبصار لها، قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولا تعارض في ذلك مع إثبات الرؤية: قال الشوكاني: \".... الأبصار جمع بصر، وهو الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به.\nقال الزجاج: أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفيّ هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية.\nفقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترًا لا شك فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلًا عظيمًا\" انظر: فتح القدير جـ٢ ص١٧٠ ط. دار الخير.\n١ حدقة العين: سوادها.\n٢ أي: قوة التخيل.\n٣ ما قاله المصنف هو رأي جمهور العلماء والأطباء. وقيل: محله الدماغ، وقيل: =","vol":"1","page":75},{"text":"ثم فيك قوة رابعة: تسمى \"المفكّرة\" شأنها أن تقدر على تفصيل الصورة التي في الخيال، وتقطيعها وتركيبها، وليس لها إدراك شيء آخر، بل إذا خطر في الخيال صورة إنسان قدر أن يجعلها نصفين: نصفٌ إنسان، ونصفٌ فرس، وربما صوّر إنسانًا يطير إذا ثبت في الخيال صورة الإنسان والطيران مفردين، والمفكرة تجمع بينهما، كما تفرق بين نصفي الإنسان، وليس لها أن تخترع صورة لا مثل لها.\n_________\n= محله القلب وله اتصال بالدماغ. والذين يرون أن النفس جوهر قائم بذاته يقولون: إن محله النفس.\nوهذه الأقوال ناشئة عن تعريف العقل. وهل يحد أو لا، وهل هو جوهر أو عرض، أو ليس بجوهر ولا عرض، وبناء على ذلك اختلف في تعريفه على عدة آراء: قال الإمام الشافعي: هو آلة التمييز والإدراك. وقال الراغب الأصفهاني: هو القوة المتهيئة لقبول العلم.\nوفي شرح الكوكب المنير: العقل: ما يحصل به التمييز بين المعلومات.\nثم قال: وهو غريزة نصًّا. قال في \"شرح التحرير\" قال الإمام أحمد ﵁: العقل غريزة، وقاله الحارث المحاسبي، فقال: العقل غريزة وليس مكتسبًا، بل خلقه الله تعالى يفارق به الإنسان البهيمة، ويستعد به لقبول العلم وتدبير الصنائع الفكرية، فكأنه نور يقذف في القلب، كالعلم الضروري.\nوقال: وقال الحسن بن علي البربهاري: من أئمة أصحابنا: ليس بجوهر ولا عرض ولا اكتساب، وإنما هو فضل من الله تعالى. قال الشيخ تقي الدين: هذا يقتضي أنه القوة المدركة. كما دل عليه كلام أحمد، لا الإدراك. وقد ذهب الإمام الغزالي إلى عدم إمكان حدّه بحد يحيط به؛ لأنه يطلق على معان خمسة:\nأحدها: الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لإدراك العلوم النظرية وتدبير الأمور الخفية.\nثانيها: إطلاقه على بعض الأمور الضرورية، وهي التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز، بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. =","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>فصل: في تأليف مفردات المعاني </span>١\nوالتأليف بين مفردين لا يخلو: إما أن ينسب أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات، كقولنا: \"العلم حادث\" و\"العالم ليس بقديم\".\nيسمي النحويون الأول: مبتدأ، والثاني خبرًا٢. ويسميه الفقهاء:\n_________\n= ثالثها: إطلاقه على العلوم المستفادة من التجربة، فإن الذي لديه الخبرة والحنكة يقال له: عاقل، وغيره ليس بعاقل.\nرابعها: إطلاقه على ما يوصل إلى ثمرة معرفة عواقب الأمور، وذلك بقمع الشهوات الداعية إلى اللذات العاجلة التي تعقبها الندامة.\nخامسها: إطلاقه على الهدوء والوقار. وهي هيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه. فيقال: هذا عاقل: أي عنده هدوء ورزانة.\nوأيًّا كان الاختلاف في تعريف العقل، فإن الراجح أنه في القلب، كما قال بعض العلماء، وهو الذي تؤيده الآيات الكريمة:\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: ٣٧] . عبر بالقلب عن العقل، لأنه محله، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ...﴾ [سورة الحج الآية: ٤٦] . وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [سورة الأعراف الآية: ١٧٩]، فجعل العقل في القلب. فلولا أن العقل موجود في القلب لما وصف بذلك حقيقة في قوله تعالى: ﴿.... فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ إذ لا يتصور أن توصف الأذن بأن يرى بها أو يشم بها، لأن الأصل إضافة منفعة كل عضو إليه. انظر في هذه المسألة: \"الحدود للباجي ص٣٥، المستصفى ١/ ٢٣، المسوّدة ص٥٥٨، شرح الكوكب المنير ١/ ٧٩ وما بعدها\".\n١ لما فرغ من الحديث عن اللفظ مجردًا، وعن المعاني مجردة، بدأ يتحدث عن النسبة بينهما وهي المسماة بالتصديق.\n٢ ومثل المبتدأ والخبر: الفاعل ونائبه في المحكوم عليه، والفعل في المحكوم به. =","vol":"1","page":77},{"text":"حكمًا ومحكومًا عليه. ويسمى الجميع قضية.\nوالقضايا أربع:\nقضية في عين نحو: \"زيد عالم\".\nوقضية مطلقة نحو: \"بعض الناس عالم\".\nوقضية عامة كقولنا: \"كل جسم متحيز\".\nوقضية مهملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾\n_________\n= ويسميه البلاغيون: مسندًا ومسندًا إليه، والمتكلمون: موصوفًا، وصفة، والمناطقة: موضوعًا ومحمولًا، والكل يسمى قضية، كما يسمى مقدمات؛ لأن المقدمة قضية جعلت جزء قياس.\nوالقضية نوعان: قضية شرطية وهي: التي حكم فيها بحكم على وجه التعليق لا على وجه الحمل، مثل: \"إن جئتني الآن أكرمتك\" وقد أهملها المصنف لعدم الحاجة إليها كثيرًا.\nوالقضية الحملية: هي ما يحكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه. وهذه هي التي قسمها إلى أربعة أقسام. كما قال.\nووجه هذا التقسيم: أن الجزء الأول من القضية وهو المحكوم عليه إما أن يكون معينًا أو غير معين. فإن كان معينًا سميت قضية معينة وشخصية، لأن موضوعها شخص معين.\nوالثاني -وهو غير المعين-: إما أن يكون الحكم فيها على ما صدق عليه الكلي من الأفراد أو على نفس الكلي. والأول: إما أن يبين فيها أن الحكم على كل الأفراد أو بعضها، أو لم يبين.\nفإن بيّن تسمى: \"جزئية محصورة\" إن كان الحكم على البعض.\nوالسور الذي يدل على ذلك: \"بعض\" و\"واحد\" إن كانت موجبة، و\"ليس بعض\" و\"ليس كل\" إن كانت سالبة.\nوإن كان الحكم على كل الأفراد تسمى \"قضية كلية\" أو عامة.","vol":"1","page":78},{"text":"وربما وضع بعض المغالطين المهملة موضع العامة، كقول الشافعية: \"المطعوم ربوي\" دليله: البر والشعير.\nفيقال: إن أردت كل مطعوم فما دليله؟ والبر والشعير ليس كل المطعومات.\nوإن أردت البعض لم تلزم النتيجة؛ إذ يحتمل أن السفرجل من البعض ليس بربوي١.\n_________\n= وسورها \"كل\" إن كانت موجبة. كما مثل المصنف، و: \"لا شيء\" و\"لا واحد\" و\"ليس كل\" إن كانت سالبة كقولنا: لا شيء من الوضوء بعبادة.\nوإن لم يبين فيها الحكم على ما صدق عليه الكلي من الأفراد أو على بعضه تسمى: \"مهملة\" لإهمال السور وعدم ذكره فيها، كالمثال الذي ذكره المصنف.\nوالثاني: هو أن يكون الحكم على نفس مفهوم الكلي، لا على ما صدق عليها من الأفراد، وتسمى \"طبيعية\" مثل: الإنسان جوهر. ولم يتعرض لها المصنف لعدم الحاجة إليها. انظر: بيان المختصر ١/ ٨ وما بعدها.\n١ خلاصة ما يريده من ذلك: أن بعض الناس قد يستعملون القضايا المهملة بدلًا من القضايا العامة، ظنًّا منهم أن المهملات قد يراد بها الخصوص والعموم، فتحل محلها، وهذا لا ينبغي أن يوجد في القضايا النظرية، ثم ضرب لذلك مثالًا هو: قول الشافعية: المطعوم ربوي، لأن البر والشعير ربويان وهما مطعومان. فيقال لهم: إن أردتم بقولكم: \"المطعوم ربوي\" البعض، لم تلزم النتيجة، لأن السفرجل -وهو الفاكهة المعروفة- مطعوم وليس بربوي، وإن أردتم كل =","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>فصل: [في مقدمتي البرهان وأضربه]</span>\nوقد ذكرنا أن البرهان مقدمتان يتولد منهما نتيجة، ولا يسمى برهانًا إلا إذا كانت المقدمتان قطعية، فإن كانت مظنونة سميت قياسًا فقهيًا، وإن","vol":"1","page":79},{"text":"كانت مسلمة سميت قياسًا جدليًّا، وتسميتها قياسًا مجاز؛ إذ حاصله:\nإدراج خصوص تحت عموم: والقياس تقدير شيء بشيء آخر١.\nوالبرهان على خمسة أضرب:\nالأول٢: قولنا: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فيلزم منه أن كل نبيذ حرام ضرورة، متى سلمت المقدمتان؛ إذ كل عقل صدّق بالمقدمتين صدّق بالنتيجة مهما أحضرهما في الذهن.\nووجه دلالته: أنا جعلنا المسكر صفة للنبيذ، ثم حكمنا على الصفة بالتحريم، فبالضرورة يدخل الموصوف فيه. ولو بطل قولنا \"النبيذ حرام\" مع كونه مسكرًا، بطل قولنا: \"كل مسكر حرام\".\n_________\n= المطعومات لزمكم الدليل، وما ذكرتموه من البر والشعير كل المطعومات.\n١ قال الشيخ ابن بدران: \"قوله: ولا يسمى برهانًا الخ: بيان للزوم النتيجة؛ لأن النتيجة لا تلزم من هذا القياس إلا إذا كانت المقدمتان مسلمتين يقينًا، إن كان المطلوب عقليًّا، أو ظنًّا إن كان المطلوب فقهيًا، لما ستعلمه من أن أدلة الفقه ظنية، وإن كانت المقدمتان مسلمتين سمي القياس جدليًّا، لكن تسمية ما ذكر قياسًا إنما هي تسمية مجازية؛ لأن القياس في أصل الوضع: تقدير شيء بشيء آخر، كتقدير الثوب بالذراع، وحاصل الأقيسة المصطلح عليها: إدراج خصوص تحت عموم، فالخصوص كقولنا: الخمر مسكر، واندراجه تحت العموم كقولنا: وكل مسكر حرام، إلا أن يقال: إن تسمية ذلك قياسًا حقيقة عرفية، وهذا هو الأولى: \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٦٤-٦٥\".\n٢ لم يذكر المصنف اسم الضرب الأول، وإنما اكتفى بذكر المثال، وهو في عرف المناطقة يسمى: قياسًا اقترانيًّا وهو: الذي لا يذكر اللازم، أي النتيجة ولا نقيضه فيه بالفعل. والمثال الذي ذكره المصنف فيه تساهل في التعبير، حيث أدخل لفظ \"كل\" على النبيذ، وهو غير وارد في أسلوب المناطقة، ولذلك كان ابن الحاجب أدق منه حيث قال: \"النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام\". انظر: بيان المختصر \"١/ ٩٨\".","vol":"1","page":80},{"text":"ثم اعلم أن كل واحدة من المقدمتين تشتمل على جزئين: مبتدأ وخبر. فتصير أجزاء البرهان أربعة أمور، منها واحد مكرر في المقدمتين، فتعود إلى ثلاثة؛ إذ لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شيء واحد١.\nمثل قولنا: \"النبيذ مسكر\" و\"المغصوب مضمون\" لم ترتبط إحداهما بالأخرى.\nويسمى المكرر علة، فإنه لو قيل لك: لم حرمت النبيذ؟ قلت: لأنه مسكر.\nويسمى ما جرى مجرى النبيذ محكومًا عليه.\nوما جرى مجرى الحرام حكمًا.\nوما يشتمل على المحكوم عليه: المقدمة الأولى.\nوما يشتمل على الحكم: المقدمة الثانية.\nولهذا الضرب شرطان٢:\n_________\n١ قال الشيخ ابن بدران: \"قوله: على جزئين: مبتدأ وخبر: أي وحكم ومحكوم به -كما عرفته في الاصطلاح السابق-، فهذه هي الأربعة التي هي مجموع الأجزاء، لكن لما كان واحد مكرر في المقدمتين من قولنا: \"الخمر مسكر، وكل مسكر حرام\" أخذنا واحدًا من المكررين، فرجعت الأجزاء إلى الثلاثة\" \"نزهة الخاطر جـ١ ص٩٥\".\n٢ الشرط الأول: راجع إلى المقدمة الأولى، وهو: أن تكون الصغرى مثبتة، أي: موجبة، فإن كانت نافية لم تحصل النتيجة.\nوالشرط الثاني: أن تكون الثانية عامة، أي يكون موضوعها كليًّا، ليعلم اندراج الأصغر فيه، كما مثل له المصنف، فلو كانت الكبرى جزئية جاز كون =","vol":"1","page":81},{"text":"أحدهما: أن تكون الأولى مثبتة، ولو كانت منفية لم تنتج.\nوالثاني: أن تكون الثانية عامة، ليدخل فيها المحكوم عليه بسبب عمومها.\nفلو قلت: \"النبيذ مسكر، وبعض المسكر حرام\" لم يلزم تحريم النبيذ.\nالضرب الثاني: أن تكون العلة حكمًا في المقدمتين، كقولنا: \"لا يقتل المسلم بالكافر\"١؛ لأن الكافر غير مكافئ، وكل من يقتل به مكافء.\nفهذه ثلاثة معان: \"مكافء\" و\"يقتل به\" والثالث: \"الكافر\".\n_________\n= الأوسط أعم من الأصغر، وكون المحكوم عليه في الكبرى بعضًا منه غير الأصغر، فلا يندرج، فلا ينتج.\nانظر: \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٦٧\".\n١ يشير بذلك إلى قول النبي -ﷺ-: \"ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده\" رواه علي، وابن عباس، وابن عمر، وعمران بن حصين، وعائشة، وعبد الله، ومعقل بن يسار، ومن مرسل عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن.\nأما رواية علي فأخرجها النسائي: كتاب القسامة -باب سقوط القود من المسلم للكافر- \"٨/ ٢٤\" والدراقطني في سننه: كتاب الحدود والديات وغيره \"٣/ ٩٨\" وأحمد في مسنده \"١/ ١٢٢\" وأبو داود في السنن: كتاب الديات -باب: أيقاد المسلم بالكافر- حديث \"٥٣\" \"٩/ ٢٢\". وحديث ابن عباس رواه ابن ماجه: كتاب الديات -باب لا يقتل مسلم بكافر-، وإسناده ضعيف. وحديث ابن عمر رواه ابن حبان في صحيحه. وحديث عمران بن حصين رواه البزار والبيهقي. وحديث عائشة رواه البيهقي، وحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد وأبو داود، وحديث معقل رواه البيهقي. وانظر بقية الروايات في كتب السنة.","vol":"1","page":82},{"text":"والمكرر: \"المكافئ\" فهو العلة، وهو الحكم في المقدمة الأولى.\nوخاصية هذا النظم: أنه لا ينتج إلا قضية نافية١.\nولهذا الضرب شرطان:\nأحدهما: أن تختلف المقدمتان في النفي والإثبات٢.\nوالثاني: أن تكون الثانية عامة.\nالضرب الثالث: أن تكون العلة مبتدأ بها في المقدمتين٣.\nوتسميه الفقهاء نقضًا، وينتج نتيجة خاصة، كقولنا: كل سواد عرض، وكل سواد لون، فيلزم منه: أن بعض العرض لون.\nومن الفقه٤: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي، فيلزم منه أن بعض المطعوم ربوي.\n_________\n١ مثال ذلك: كل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة، وكل مجهول الصفة لا يصح بيعه، فينتج: كل غائب لا يصح بيعه.\n٢ بحيث تكون الأولى مثبتة والثانية منفية، أو الأولى منفية والثانية مثبتة.\n٣ أي: أن يكون الحد الأوسط الذي وصف بأنه العلة، مبتدأ به في المقدمتين: الصغرى والكبرى. مثل قولنا: كل سواد عرض \"وهذه هي الصغرى\" وكل سواد لون \"وهذه هي الكبرى\" فيلزم منه -كما قال المصنف-: أن بعض العرض لون.\nوهذا الضرب لا ينتج إلا نتيجة جزئية. وشرطه: أن تكون صغراه موجبة، وأن تكون إحدى مقدمتيه كلية.\nانظر: \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٦٩\".\n٤ قوله: ومن الفقه: أي مثال آخر من الفقه.","vol":"1","page":83},{"text":"الضرب الرابع: التلازم١: ومثاله: إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن الصلاة صحيحة، فيلزم أن المصلي متطهر.\nأو نقول: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي غير متطهر، فيلزم أن الصلاة غير صحيحة.\nووجه دلالة هذه الجملة: أنه جعل الطهارة شرطًا لصحة الصلاة، فيلزم من وجود المشروط وجود الشرط، ومن انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ولا يلزم العكس٢.\nفلو قال: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي متطهر لم يصح؛ إذ قد تفسد الصلاة بأمر آخر.\nوكذلك لو قال: \"ومعلوم أن الصلاة غير صحيحة\" لا يلزم منه شيء؛ إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، ولا من انتفاء المشروط انتفاء الشرط.\nوتحقيقه: أنه متى جعل شيء لازمًا لشيء، فيجب أن يكون اللازم أعم من الملزوم، أو مساويًا له، إذ ثبوت الأخص يوجب ثبوت الأعم ضرورة، وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، ولا من انتفاء الأخص انتفاء الأعم.\nومثاله: إذا قلنا: كل حيوان جسم، فيلزم من ثبوت الحيوان ثبوت الجسم، ومن انتفاء الحيوان، ولم يلزم العكس٣.\n_________\n١ ومعناه: أنه يلزم من وجود المشروط وجود الشرط، ومن انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ولا عدمه.\n٢ أي: لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، كما هو الشأن في تعريف الشرط، حيث قال الأصوليون في تعريفه: \"هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته\".\n٣ أي: لا يلزم من انتفاء الحيوان انتفاء الجسم، لأنه قد يكون شيئًا آخر غير الحيوان.","vol":"1","page":84},{"text":"فذلك قلنا: إنه يلزم من صحة الصلاة التطهر، ومن انتفاء التطهر انتفاء الصلاة، ولم يلزم من نفي صحة الصلاة انتفاء التطهر؛ ولا من وجود التطهر وجود الصحة، لكون التطهر أعم من الصلاة.\nأما إذا كان أحدهما مساويًا للآخر، فيلزم الوجود بالوجود، والانتفاء بالانتفاء؛ لاستحالة تفارقهما، وهذا ظاهر.\nكقولنا: إن كان زنا المحصن موجودًا فالرجم واجب، ومعلوم أن الرجم واجب، فيكون الزنا موجودًا، ولكنه غير واجب، فلا يكون الزنا موجودًا، لكن الزنا غير موجود، فلا يكون الرجم واجبًا.\nوكذا كل معلول له علة واحدة١.\nالضرب الخامس: السبر والتقسيم٢: كقولنا: العالم إما حادث وإما قديم، لكنه حادث، فليس بقديم، أو لكنه قديم فليس بحادث، أو لكنه ليس بحادث، فهو قديم.\n_________\n١ أي مساو لعلته، ويلزم من وجود أحدهما وجود الأخر.\nومن أمثلة ذلك: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكنها طالعة فهو موجود، لكنها غير طالعة فهو غير موجود، ولكن النهار موجود فالشمس طالعة، ولكن النهار غير موجود فالشمس غير طالعة.\n٢ علق الشيخ ابن بدران على ذلك بقوله: \"مشى المصنف في هذا على اصطلاح المتكلمين، فإنهم يسمون هذا النوع بهذا الاسم، ويسميه المنطقيون بالشرطي المنفصل، وانفرد الغزالي بتسميته بالتعاند. \"نزهة الخاطر جـ١ ص٧٣\" وانظر: المستصفى \"١/ ٤٢\".\nوالسبر في اللغة: الاختبار، ومنه: سبر الجرح: اختبر غوره، كما يسمى \"الميل\" الذي يختبر به الجرح في الطب \"المسبار\" والتقسيم: التجزئة.\nأما عند المتكلمين: فهو حصر أقسام الحكم للشيء الذي يراد إثبات الحكم له، ثم يختار منها المناسب له في المقدمة الثانية. =","vol":"1","page":85},{"text":"وفي الجملة: كل نقيضين ينتج إثبات أحدهما نفي الآخر، ونفيه إثبات الآخر.\nولا يشترط انحصار القضية في قمسين، لكن من شرطه: استفياء أقسامه١.\nأما إذا لم يحصر: احتمل أن الحق في قسم آخر.\nفإن كانت ثلاثة، كقولنا: العدد مساو، أو أقل، أو أكثر، فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين، ونفي الآخرين ينتج إثبات الثالث، وإبطال واحد ينتج: انحصار الحق في الآخرين.\n_________\n= أما الأصوليون فعرفوه: بأنه حصر أوصاف الأصل، وإبقاء ما يصلح للتعليل منها، وحذف ما لا يصلح للتعليل. انظر: \"شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٣٦، إرشاد الفحول ص٢١٣\".\n١ وسبب ذلك: أنه لم يستوف أقسامه لا يكمن منتجًا.\nقال الشيخ ابن بدران: \"أتى المصنف بمثال حاصر وأشار بقوله: \"إذا لم يحصر\" إلى الذي لا ينتج، كقولك: زيد إما بالعراق وإما بالحجاز، فهذا ما يوجب إثبات واحد ونفي الآخر، فإنه إن ثبت أنه بالعراق انتفى عن الحجاز وغيره، وأما إبطال واحد فلا ينتج إثبات الآخر، إذ ربما يكون في صقع ثالث\".\n\"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٧٤-٧٥\".","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>فصل: [في أسباب مخالفة البرهان أو القياس]</span>\nوجميع الأدلة في أقسام العلوم ترجع إلى ما ذكرناه.\nوحيث تذكر لا على هذا النظم فهو: إما لقصور، وإما لإهمال إحدى المقدمتين٢.\n_________\n٢ خلاصة ذلك: أن جميع الأدلة العقلية في جميع العلوم ترجع إلى ما تقدم ذكره، =","vol":"1","page":86},{"text":"ثم إهمالهما إما لوضوحهما، وهو الغالب في الفقهيات. كقول القائل: هذا يجب رجمه؛ لأنه زنا وهو محصن، وترك المقدمة الأولى لاشتهارها، وهي: كل١ من زنا وهو محصن فعليه الرجم.\nوأكثر أدلة القرآن على هذا. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢. فترك: أنهما لم تفسدا للعلم به٣.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٤.\nثم قد يكون الإهمال للمقدمة الأولى، وقد يكون للثانية. وقد تترك إحدى المقدمتين للتلبيس على الخصم، وذلك بترك المقدمة التي يعسر إثباتها، أو ينازعه الخصم فيها، استغفالًا للخصم واستجالًا له، خشية أن يصرح بها فيتنبه ذهن خصمه لمنازعته فيها.\nوعادة الفقهاء إهمال إحدى المقدمتين، فيقولون في تحريم النبيذ:\n_________\n= فإن كانت مخالفة لما تقدم لم تكن دليلًا معتبرًا، وذلك يرجع إلى أمرين: إما قصور علم الناظر، وإما إهمال إحدى المقدمتين: الصغرى أو الكبرى.\nوهذا الإهمال لأحد سببين: إما وضوح تلك المقدمة، وإما قصد التعمية والتلبيس على المستدل، حتى لا يستطيع نقض المقدمة. هذا معنى كلامه.\n١ في جميع النسخ \"وكل\" ولعل الواو من زيادات النساخ فلا محل لها.\n٢ سورة الأنبياء من الآية: ٢٢.\n٣ قال الفراء: إن \"إلا\" هنا بمعنى \"سوى\" والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسدتا، ووجه الفساد: أن كون مع الله إلها آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرًا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ويحدث بسببه الفساد. انظر \"فتح القدير للشوكاني جـ٣ ص٤٥٣\".\n٤ سورة الإسراء الآية: ٤٢.","vol":"1","page":87},{"text":"النبيذ مسكر، فكان حرامًا كالخمر١، ولا تنقطع المطالبة عنه ما لم يردّ إلى النظم الذي ذكرناه -والله أعلم-.\n_________\n١ قال الشيخ ابن بدران: \"قوله: النبيذ مسكر، أي: ويتركون: وكل مسكر حرام. ومثله قولك: لا تخالط فلانًا، فيقال: لِمَ؟ فيقول: لأن الحسَّاد لا تؤمن مخالطتهم. وتمامه أن تقول: الحساد لا يخالطون، وهذا حاسد، فينبغي أن لا يخالط. فتركت مقدمة المحكوم عليه وهي قولك: هذا حاسد.\nوكل من يقصد التلبيس في المجادلات فطريقه: إهمال إحدى المقدمتين إيهامًا بأنه واضح\". \"نزهة الخاطر جـ١ ص٧٦\".","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>فصل: [في اليقين ومداركه]</span>\nاليقين: ما أذعنت النفس إلى التصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها به صحيح، بحيث لو حُكي لها عن صادق خلافه لم تتوقف في تكذيب الناقل١. كقولنا: الواحد أقل من الاثنين، وشخص واحد لا يكون في مكانين٢، ولا يتصور اجتماع ضدين٣.\n_________\n١ ومعنى ذلك: أنه لو حكى للشخص نقيض ما يعتقده عن أفضل الناس لما توقف في تجهيله وتكذيبه.\n٢ أي: في وقت واحد، وإلا فقد يوجد الشخص في مكانين مختلفين في وقتين مختلفين، ولا تناقض في ذلك.\n٣ المعلومان: إما نقيضان، أو خلافان، أو ضدان، أو مثلان:\nفالنقيضان: هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالوجود والعدم بالنسبة إلى الشيء المعين.\nوالخلافان: هما الشيئان اللذان قد يجتمعان وقد يرتفعان، كالحركة والبياض في الجسم الواحد.\nوالضدان: هما الشيئان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالسواد والبياض، =","vol":"1","page":88},{"text":"ولنا حالة ثانية، وهي: أن تصدق بالشيء تصديقًا جزميًّا لا تتمارى فيه، ولا تشعر بنقيضه البتَّة، ولو شعرت بنقيضه عسر إذعانها للإصغاء، لكن لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيضه عن صادق أورث ذلك توقفًا عندها.\nوهذا اعتقاد أكثر الخلق، وكافة الخلق يسمون هذا يقينًا، إلا آحادًا من الناس.\nفأما ما للنفس سكون إليه وتصديق به، وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر، لكن إن شعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله، فهو يسمى ظنًّا١.\n_________\n= لا يمكن اجتماعهما، وقد يرتفعان ويحل محلهما لون آخر، كالصفار مثلًا.\nوالمثلان: هما الشيئان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالبياض والبياض.\nانظر في ذلك: شرح تنقيح الفصول ص٩٧ وما بعدها، شرح الكوكب المنير جـ١ ص٦٨، ٦٩.\n١ المنهج الذي سلكه المصنف في حصر القسمة في \"اليقين\" و\"الظن\" يخالف ما قاله جمهور العلماء من: أن القسمة تنحصر في: الاعتقاد، والظن، والوهم، والشك، والجهل:\nفالاعتقاد: هو الذي لا يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر، فإن طابق الواقع كان اعتقادًا صحيحًا، وإن لم يطابقه كان فاسدًا.\nوالظن: هو ما يكون متعلقه راجحًا على احتمال النقيض. والمقابل للظن هو الوهم. فإن تساوى متعلقه واحتمال نقيضه فهو الشك.\nوالجهل: اعتقاد المعتقد على ما ليس به.\nوهو نوعان: مركب، وهو ما تقدم تعريفه.\nوبسيط: وهو انتفاء إدراك الشيء بالكلية. ومنه: السهو، والغفلة، والنسيان.\nانظر: الحدود للباجي ص٢٨ وما بعدها، بيان المختصر ١/ ٥١، التعريفات للجرجاني ص١٣٤، شرح الكوكب المنير ١/ ٧٤ وما بعدها.","vol":"1","page":89},{"text":"وله درجات في الميل إلى النقصان والزيادة لا تحصى، فمن سمع من عدل شيئًا سكنت نفسه إليه، فإن انضاف إليه ثان زاد السكون حتى يصير يقينًا، وبعض الناس يسمي هذا يقينًا أيضًا١.\n[مدارك اليقين]\nومدارك النفس خمسة:\nالأول- الأوليات:\nوهي: العقليات المحضة التي قضى العقل بمجرده بها، من غير استعانة بحس وتخيل٢، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وأن القديم ليس بحادث، واستحالة اجتماع الضدين، فهذه القضايا تصادف مرتسمة في النفس٣، حتى يظن أنه لم يزل عالمًا بها، ولا يدري متى تجدد، ولا يقف حصولها على أمر سوى مجرد العقل.\n_________\nقال الشيخ ابن بدران: \"كالمحدثين، فإنهم يسمون أكثر هذه الأحوال علمًا ويقينًا، حتى يطلقون بأن الأخبار التي تشتمل عليها الصحاح يجب العمل بها على كافة الخلق، إلا آحاد المحققين، فإنهم يسمون الحالة الثانية يقينًا ولا يميزون بين الحالة الأولى والثانية. والحق أن اليقين هو الأول، والثاني مظان الغلط\". \"نزهة الخاطر العاطر ١/ ٧٨\".\n٢ هذا التعريف للعقليات هو ما قاله الغزالي، وأخصر منه أن يقال: هي ما يجزم العقل فيها بمجرد تصور الطرفين، بديهيًّا كان التصور أو نظريًّا، وتتفاوت جلاءً وخفاءً.\n٣ وضح الشيخ \"ابن بدران\" ذلك بقوله: \"أي مرتبة في العقل عند وجوده، فيرتسم فيه الوجود -مثلًا- مفردًا، والحادث مفردًا، والقوة المفكرة تجمع هذه المفردات، وتنسب بعضها إلى بعض، مثل: أن تحضر أن القديم حادث، ويكذب العقل به، أو أن القديم ليس بحادث، ويصدق العقل به، ولا يحتاج إلا إلى ذهن ترتسم فيه المفردات، أو إلى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات =","vol":"1","page":90},{"text":"الثاني- المشاهدات الباطنة:\nكعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وسائر أحواله الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس، فليست حسية، ولا هي عقلية؛ إذ تدركها البهيمة والصبي. والأوليات لا تكون للبهائم.\nالثالث- المحسوسات الظاهرة:\nوهي: المدركة بالحواس الخمس، وهي: البصر، والسمع، والذوق، والشم، واللمس.\nفالمدرك بواحد منها يقيني، كقولنا: الثلج أبيض، والقمر مستدير، وهذا واضح.\nلكن يتطرق الغلط إليها لعوارض: كتطرق الغلط إلى الإبصار، لبعد أو قرب مفرط، أو ضعف في العين وخفاء في المرئي.\nوكذلك ترى الظل ساكنًا وهو متحرك، وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، والصبي، والنبات، هو في النمو لا يتبين ذلك.\nوأسباب الغلط في الأبصار المستقيمة١ منها: الانعكاس كما في المرآة، والانعطاف، كما يرى ما وراء البلور والزجاج وغير ذلك.\nالرابع- التجريبيات:\nويعبر عنها باطراد العادات: ككون النار محرقة، والخبز مشبع، والماء مرو، والخمر مسكر، والحجر هاو، وهي يقينية عند من جربها.\n_________\n= إلى البعض، فيتربص العقل على البديهة إلى التصديق أو التكذيب\". \"نزهة الخاطر جـ١ ص٧٩\".\n١ قوله: المستقيمة: أي الصحيحة، وليس فيها ما في النوع الأول من أسباب.","vol":"1","page":91},{"text":"وليست هذه محسوسة؛ فإن الحس شاهد حجرًا يهوي بعينه، أما أن كل حجر هاو، فقضية عامة لم يشاهدها، وليس للحس إلا قضية في عين.\nالخامس- المتواترات:\nكالعلم بوجود مكة وبغداد. وليس هو بمحسوس، إنما للحس أن يسمع، أما صدق المخبر فذلك إلى العقل. فهذه الخمسة مدارك اليقين.\nفأما ما يتوهم أنه منها وليس منها: فالوهميات١، والمشهورات.\nوهي آراء محمودة توجب التصديق بها٢، إما شهادة الكل، أو الأكثر، أو جماعة من الأفاضل، كقولك: الكذب قبيح، وكفران المنعم، وإيلام البريء قبيح، والإنعام، وشكر المنعم، وإنقاذ الهلكى حسن.\n_________\n١ الوهميات: عبارة عن قوة في التجويف الأخير من الدماغ تسمى \"وهمية\" شأنها ملازمة المحسوسات التي ألفتها، فليس في طبعها إلا النبوة عنها، وليست هي من مدارك اليقين. \"نزهة الخاطر العاطر ١/ ٨١\".\n٢ قوله: وهي آراء محمودة الخ: تفسير للمشهورات، وإنما لم تكن من مدارك اليقين، لأنها ليست مطردة، فتارة تكون صادقة، وتارة تكون كاذبة.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>فصل: في لزوم النتيجة من المقدمتين</span>\nاعلم أنك إذا جمعت بين مفردين، ونسبت أحدهما إلى الآخر، كقولك: \"النبيذ حرام\" فلم يصدق بينهما العقل، فلا بد من واسطة بينهما تنسب إلى المحكوم عليه، فتكون حكمًا له، وتنسب إلى الحكم فتصير حكمًا له، فيصدق العقل به، فليزم -ضروة- التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه.\nبيانه: إذا قال: \"النبيذ حرام\" فمنع وطلب واسطة ربما صدّق العقل","vol":"1","page":92},{"text":"بوجودها في النبيذ، وصدق بوصف الحرام لتلك الواسطة، فيقول: النبيذ مسكر؟ فيقول: نعم. إذا كان قد علم ذلك بالتجربة.\nفيقول: وكل مسكر حرام؟ فيقول: نعم إذا كان حصل ذلك بالسماع، فيلزم التصديق بأن النبيذ حرام١.\nفإن قيل: فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين٢؟\nقلنا: هذا غلط؛ فإن قولك: \"النبيذ حرام\" غير قولك: \"النبيذ مسكر\" وغير قولك: \"المسكر حرام\"، بل هذه ثلاث مقدمات مختلفات لا تكرير فيها.\nلكن قولك: \"المسكر حرام\" شمل \"النبيذ\" بعمومه، فدخل \"النبيذ\" فيه بالقوة، لا بالفعل؛ إذ قد يخطر العام في الذهن، ولا يخطر الخاص، فمن قال: \"الجسم متحيز\" قد لا يخطر بباله ذكر القطب، فضلًا عن أن يخطر بباله -مع ذلك- أنه متحيز، فالنتيجة موجودة في إحدى المقدمتين بالقوة القريبة، لا تخرج إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين، ما لم يحضر المقدمتين في الذهن، ويخطر بباله وجه وجود النتيجة في المقدمتين بالقوة.\nولا يبعد أن ينظر الناظر إلى بغلة منتفخة البطن فيظن أنها حامل. فيقال: هل تعلم أن هذه البغلة عاقر؟ فيقول: نعم. فيقال: وهل تعلم أن\n_________\n١ قال الشيخ \"ابن بدران\" -موضحًا هذه الصورة-: \"وتحريرها أن يقال: وعرضته على العقل، لم يخل العقل فيه من أمرين: إما أن يصدق به، أو يمتنع عن تصديقه، فإن صدق به فهو الأولي المعلوم بغير واسطة، أو بغير علة، أو بغير دليل، وإن امتنع عن المبادرة إلى التصديق فلا بد حينئذ من واسطة.... \"نزهة الخاطر \"١/ ٨٤\".\n٢ أي المقدمتين السابقتين، لأنه يعبر عن المقدمة بالقضية.","vol":"1","page":93},{"text":"هذه بغلة؟ فيقول: نعم. فيقال: فكيف توهمت حملها؟ فتعجب من توهمه مع علمه بالمقدمتين١.\nفإن قيل: فالمطلوب بالنظر معلوم أم مجهول؟\nإن كان معلومًا كيف تطلبه وأنت واجد؟\nوإن كان مجهولًا فبم تعلم مطلوبك؟\nقلت: هذا تقسيم غير حاصر، بل ثَمَّ قسم آخر، وهو أني أعرفه من وجه دون وجه، فإني أفهم المفردات، وأعلم جملة النتيجة المطلوبة بالقوة، ولا أعلمها بالفعل، فهو كطلب الآبق في البيت، فإني أعرفه بصورته وأجهله بمكانه، وكونه في البيت أفهمه مفردًا، فهو معلوم لي بالقوة، وأطلب حصوله من جهة حاسة البصر، فإن رأيته في البيت صدقت بكونه فيه.\n_________\n١ أي علمه أن كل بغلة عاقر، وهذه بغلة فهي إذا عاقر، والعاقر هي التي لا تحمل، فإذًا هي لا تحمل، وانتفاخ البطن له أسباب سوى الحمل، فإذًا انتفاخها من سبب آخر. انظر: \"نزهة الخاطر ١/ ٨٦\".","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>فصل: [في تقسيم البرهان: إلى برهان علة وبرهان دلالة] </span>١\nوإذا استدللت بالعلة على المعلول فهو: برهان علة: كالاستدلال بالغيم على المطر.\nوإن استدللت بالمعلول على العلة، أو بأحد المعلولين على الآخر:\n_________\n١ كما يسمى قياس علة وقياس دلالة، وسيأتي في باب القياس أن قياس الدلالة: هو ما لم تذكر فيه العلة.","vol":"1","page":94},{"text":"فهو برهان دلالة، كالاستدلال بالمطر على الغيم.\nوالاستدلال بأحد المعلولين على الآخر، كقولنا: كل من صح طلاقه صح ظهاره، والذمي يصح طلاقه فيصح ظهاره، فإن إحدى النتيجتين تدل على الأخرى بواسطة العلة؛ فإنها١ تلازم علتها، والأخرى٢ تلازم علتها، وملازم الملازم ملازم.\n_________\n١ أي النتيجة.\n٢ أي: أن النتيجة الثانية تلازم علتها أيضًا.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>فصل: [في الاستدلال بالاستقراء]</span>\nفأما الاستدلال بالاستقراء: فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على مثلها، كقولنا -في الوتر-: ليس بفرض؛ لأنه يؤدى على الراحلة، والفرض لا يؤدى عليها.\nفيقال: لِمَ قلتم: إن الفرض لا يؤدى عليها؟\nقلنا: بالاستقراء؛ إذ رأينا القضاء والنذر والأداء لا تؤدى عليها، فهذا مختل١ يصلح للظنيات دون القطعيات، فإن حكمه بأن كل فرض لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم؛ إذ الوتر عنده واجب يؤدى عليها.\nفنقول: هل استقرأت حكم الوتر في تصفحك، وكيف وجدته؟\nفإن قال: وجدته لا يؤدى على الرحلة فباطل إجماعًا.\n_________\n١ لأنه استقراء ناقص، وهذا يكفي في الظنيات، ومنها الأحكام الفقهية، إذ أغلبها ظني.","vol":"1","page":95},{"text":"ثم هو مبطل المقدمة الأخرى على نفسه؛ إذ١ الوتر يؤدى على الراحلة.\nوإن قال: لم أتصفحه، فلم يبين إلا بعض الأجزاء، فخرجت المقدمة عن أن تكون عامة، فإذًا لا يصلح ذلك إلا في الفقهيات.\nفلنشرع الآن في ذكر الأصول فنقول:\n_________\n١ بعدها في جميع النسخ لفظ \"هي\" ولا محل لها هنا.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>معنى الحكم</span>\n...\nالباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه١\nأقسام أحكام التكليف خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور.\nوجه هذه القسمة: أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل أو الترك أوالتخيير بينهما.\nفالذي يرد باقتضاء الفعل أمر، فإن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا. والذي يرد باقتضاء الترك نهي، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة، وإلا فحظر.\n_________\n١ هذا العنوان أخذناه من كلام المصنف في المقدمة وإن لم يذكره هنا.\nوقد بدأ المصنف ببيان أقسام الحكم ولم يتعرض لتعريفه، فلنذكر تعريفه لغة واصطلاحًا.\nفالحكم في اللغة:\nالمنع والقضاء، يقال: حكمت عليه بكذا: أي منعته من خلافه، وحكمت بين الناس: قضيت بينهم وفصلت، ومنه حكمة اللجام، وهو: ما أحاط بحنكي الدابة، سميت بذلك لأنها تمنعها من الجري الشديد. وهي أيضًا حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه، ومنه الحكمة، لأنها تمنع صاحبها عن أخلاق الأراذل والفساد. \"القاموس المحيط ٤/ ٩\". =","vol":"1","page":97},{"text":"..................................................................................\n_________\n= الحكم في الاصطلاح:\nأما الحكم في الاصطلاح العام فهو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١- حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقل النسبة إيجابًا أو سلبًا، نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا. والجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.\n٢- حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة، مثل: كون حرارة الجسم دليلًا على المرض، وتعاطي الدواء مزيلًا لها.\n٣- حكم شرعي، وهو المقصود هنا:\nوللحكم الشرعي تعريف عند الفقهاء، وآخر عند الأصوليين، والسبب في هذا الاختلاف: أن الأصوليين يعرفونه بما يفيد أنه خطاب الشارع الذي يبين صفة الفعل الصادر من المكلف. والفقهاء يعرفونها بما يفيد أنه أثر ذلك الخطاب.\nفقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة الآية: ٤٣، ١١٠]، وهو الحكم عند الأصوليين، لأنه خطاب الله تعالى الذي بين صفة هي الوجوب لفعل صادر عن المكلف وهو الصلاة.\nوالوجوب الذي أثبته الخطاب المتقدم: هو الحكم عند الفقهاء، ولذلك كان تعريف الحكم عند الفقهاء: هو الأثر المترتب على خطاب الله تعالى، أو هو: مدلول الخطاب الشرعي وأثره. \"انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٩٥، فواتح الرحموت ١/ ٥٤\".\nمعنى الحكم عند الأصوليين:\nلعلماء الأصول في تعريف الحكم الشرعي اتجاهات مختلفة، فبعضهم عرفه بأنه: \"خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير\" وعلى ذلك لا يكون شاملًا للحكم الوضعي، وقالوا: إن الحكم الوضعي -كما سيأتي تعريفه- يرجع في النهاية إلى الحكم التكليفي.\nوبعضهم أبدل كلمة \"المكلفين\" بكلمة \"العباد\" ليكون التعريف شاملًا للأفعال التي تصدر من غير المكلفين، ويترتب عليها أثرها من وجوب الحقوق المالية كضمان المتلفات والنفقات وما أشبه ذلك. =","vol":"1","page":98},{"text":"..................................................................................\n_________\nونحن نرى أن تعريف الجمهور للحكم الشرعي أشمل وأوضح من غيره، وأنه لا داعي للتجوز أو التقدير، فما لا يحتاج إلى تقدير أولى مما يحتاج، ولذلك عرفوه بأنه: \"خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع\".\nوالخطاب في الأصل: توجيه الكلام للغير ليفهمه، ويطلق -أيضًا- على الكلام الموجه نفسه. والمراد به هنا: كلام الله تعالى، فهو المشرع وحده دون غيره.\nومعنى تعلق الخطاب بأفعال المكلفين: ارتباطه بهذه الأفعال على وجه يبين صفتها من كونها مطلوبة الفعل أو الترك أو مخيرًا فيها.\nوالاقتضاء معناه: الطلب، سواء أكان طلب فعل أم كان طلب ترك.\nفطلب الفعل إن كان جازمًا فهو الواجب، وإن كان غير جازم فهو المندوب. وطلب الترك إن كان جازمًا فهوالحرام، وإن كان غير جازم فهو المكروه.\nوالتخيير معناه: التسوية بين الفعل والترك، وهو الإباحة.\nوبتقييد الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله تعالى، خرج خطاب غيره، إذ لا حكم إلا لله تعالى.\nوبقيد \"المتعلق بأفعال المكلفين\" خرج خمسة أشياء:\n١- الخطاب المتعلق بذات الله تعالى، مثل قوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ...﴾ [سورة آل عمران الآية: ١٨] .\n٢- الخطاب المتعلق بصفاته سبحانه، مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...﴾ [سورة البقرة الآية: ٢٥٥] .\n٣- الخطاب المتعلق بفعله -جل شأنه- مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ...﴾ [سورة الزمر الآية: ٦٢] .\n٤- الخطاب المتعلق بذوات المكلفين، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ...﴾ [سورة الأعراف الآية: ١١] .\n٥- الخطاب المتعلق بالجمادات، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ...﴾ [سورة الكهف الآية: ٤٧] . =","vol":"1","page":99},{"text":"...............................................................................\n_________\n= فكل ما تقدم لا يشمله الحكم الشرعي المتقدم.\nوالمراد بالفعل: ما يعده العرف فعلًا، سواء أكان من أفعال القلوب، كالاعتقادات، أم كان من أفعال الجوارح.\nوالمراد بالمكلف: من قام به التكليف، وهو البالغ، العاقل، الذاكر، غير المكره وبلغته الدعوة.\nوالمراد بالوضع -في التعريف- أن الشارع قد ربط بين أمرين مما يتعلق بالمكلفين، كأن يربط بين الوارثة، ووفاة شخص، فتكون الوفاة سببًا للميراث، أو يربط بين أمرين يكون أحدهما شرطًا شرعيًّا لتحقيق الآخر، وترتب آثاره. كاشتراط الوضوء لصحة الصلاة، وكاشتراط الشهود لصحة عقد النكاح، ولذلك سمي وضعيًّا، وهذا لا يخرجه عن كونه شرعيًّا. \"شرح العضد على المختصر ١/ ٢٢١\".\nأنواع الحكم الشرعي:\nوبناء على التعريف المتقدم يتنوع الحكم الشرعي إلى نوعين: حكم تكليفي، وحكم وضعي:\n١- الحكم التكليفي:\nوهو: خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.\nوبناء على ذلك تكون الأحكام التكليفية خمسة:\n١- الإيجاب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا جازمًا. مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة الآيتان ٤٣، ١١٠] .\n٢- الندب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا غير جازم، نحو قوله تعالى: ﴿... وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [سورة النور الآية: ٣٣] .\nفالأمر بمكاتبة العبد حتى يعتق ليست واجبة، وإنما هي مندوبة حث عليها الإسلام تحقيقًا للحرية التي أردها الإسلام للجميع، فالمالك حر التصرف فيما يملك، فالأمر هنا على سبيل الندب، ومنه قوله -ﷺ-: \"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل\". \"أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي =","vol":"1","page":100},{"text":"..................................................................................................\n_________\n= والنسائي وابن خزيمة: الفتح الكبير ٣/ ١٨٢\".\n٣- التحريم: وهو الخطاب الدال على طلب الكف طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق....﴾ [سوة الإسراء الآية: ٣٣] .\n٤- الكراهة: وهي الخطاب الدال على طلب الكف عن الفعل طلبًا غير جازم، مثل قوله -ﷺ-: \"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين\". أخرجه البيهقي وابن عدي في الكامل \"الفتح ١/ ١٠٦\". فالجلوس بدون صلاة مكروه.\n٥- الإباحة: وهي الخطاب الدال على تخيير المكلف بين الفعل والترك، مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ...﴾ [سورة الأعراف الآية: ٣١] .\nوهذا تقيسم جمهور العلماء.\nأما الحنفية: فالأحكام عندهم سبعة: الفرض، والإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة التحريمية، والكراهة التنزيهة، والإباحة، فزادوا على الجمهور الفرض، وكراهة التحريم.\nويتفرق الحكم التكليفي عن الحكم الوضعي بما يلي:\nأولًا: أن المقصود من الحكم التكليفي طلب فعل من المكلف، أو الكف عنه، أو التخيير بين الفعل والترك.\nوأما الحكم الوضعي: فليس فيه تكليف أو تخيير، وإنما فيه ارتباط أمر بآخر على وجه السببية أو الشرطية أو المانعية الخ....\nثانيًا: أن الحكم التكليفي مقدور للمكلف، وفي استطاعته أن يفعله أو يكف عنه، ولذلك يثاب على الفعل ويعاقب على الترك.\nأما الحكم الوضعي: فقد يكون مقدورًا للمكلف، مثل: صيغ العقود، التي هي سبب لصحتها، واقتراف الجرائم، فهي سبب لترتب أحكامها، واستحقاق العقوبة.\nوقد يكون غير مقدور للمكلف، مثل: القرابة التي هي سبب للإرث، فالإرث سبب من أسباب الملك، وهما غير مقدورين للمكلف، مثل: دلوك الشمس فإنه سبب لوجوب الصلاة. والدلوك ليس من فعل المكلف ولا قدره له على إيجاده. =","vol":"1","page":101},{"text":"[الواجب وتقسيماته]\nوحد الواجب: ما توعد بالعقاب على تركه.\nوقيل: ما يعاقب تاركه.\nوقيل: ما يذم تاركه شرعًا١.\n_________\n= ثالثًا: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بالمكلف، أما الحكم الوضعي: فإنه يتعلق بالجميع، فالصبي -مثلًا- تجب الزكاة في ماله وإن كان غير مكلف، لوجود سبب الزكاة، وهو ملك النصاب، ويضمن وليه ما يتلفه وهكذا. انظر: \"أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ١/ ٤٣-٤٤\".\n١ هذه التعريفات التي أوردها المصنف للواجب هي باعتبار الاصطلاح الشرعي. أما الواجب في اللغة: فيطلق على معنيين:\nأحدهما: الساقط، مأخوذ من: \"وجب\" بمعنى \"سقط\" قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَر﴾ [سورة الحج الآية: ٣٦] . ومعنى \"وجبت جنوبها\": أي سقطت جنوبها على الأرض بسبب الذبح.\nثانيهما: اللزوم، يقال: وجب الشيء وجوبًا، أي: لزم لزومًا.\nوقول المصنف: \"ما توعد بالعقاب على تركه\" لا ينافي عفو الله تعالى ومغفرته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [سورة النساء الآية: ١١٦] فإن الله تعالى قد يخلف إيعاده، لكنه -جل شأنه- لا يخلف وعده.\nولذلك رجح كثير من العلماء التعريف الثالث وهو: \"ما يذم تاركه شرعًا\" لأن الذم أمر ناجز يترتب على الترك، أما العقوبة فمشكوك فيها، لأنه ربما لا يعاقب، وإن كان يذم على ترك الواجب.\nوهو مأخوذ من تعريف أبي بكر الباقلاني وعبارته: \"هو الذي يذم تاركه ويلام شرعًا بوجه ما\" وقوله \"بوجه ما\" ليشمل الواجب المخير، فإنه يلام على تركه مع بدله، والواجب الموسع، فإنه على تركه مع ترك العزم على الامتثال، =","vol":"1","page":102},{"text":"والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين١؛ لاستواء حدهما٢، وهو قول الشافعي٣.\n_________\n= وكذلك الواجب الكفائي، فإنه يلام إذا لم يفعله، ولم يفعله غيره أيضًا. انظر: \"روضة الناظر مع الشرح لبدران ١/ ٩١\".\n١ أي: المنقولتين عن الإمام أحمد -﵁- وهو رأي الجمهور من الأصوليين، وقد وافق الجمهور الحنفية في التفرقة بين الفرض والواجب في بعض الفروع الفقهية، كما في باب الحج: فقالوا: إن الفرض إذا تركه الحاج بطل حجه كالوقوف بعرفة، أما الواجب: فإنه يجبر بدم كرمي الجمرات.\n٢ هذا هو دليل الجمهور، وقد أورد الإمام الطوفي من النصوص ما يدل على أن السقوط يأتي في اللغة بمعنى وقوع الشيء من أعلى إلى أسفل، كقولنا: سقط الحجر من الجبل، وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سورة سبأ الآية: ٩]، كما يأتي بمعنى: وقوعه على المكلف من الله ﷾، الذي هو فوق عباده. \"شرح مختصر الروضة جـ١ ص٢٦٦\".\nعلى أن علماء اللغة قد نصوا أن الوجوب يأتي بمعنى السقوط، كما يأتي بمعنى الثبوت واللزوم، على سبيل الاشتراك اللفظي، فيحمل هنا على اللزوم ليتناسب مع المعنى المراد من الواجب، وهي قرينة ترجح حمله على أحد معنييه كما هو الشأن في المشترك اللفظي.\n٣ هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي، أبو عبد الله، الإمام الجليل، صاحب المذهب المعروف، ولد بغزة سنة ١٥٠هـ من أشهر مؤلفاته: كتاب الأم، والرسالة، وأحكام القرآن. توفي في مصر سنة ٢٠٤هـ.\nانظر: في ترجمته: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي \"١/ ١٩٢\"، شذرات الذهب \"٢/ ٩\"، وفيات الأعيان \"٣/ ٣٠٥\".\nوهذا الرأي ليس للشافعي وحده، وإنما هو رأي الإمام مالك، وكثير من الحنابلة: انظر: \"العدة ٢/ ٣٧٦، المستصفى ١/ ٦٥، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٢٨\".","vol":"1","page":103},{"text":"والثانية: الفرض آكد.\nفقيل: هو١ اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة٢.\nوقيل: ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا، نحو: أركان الصلاة، فإن الفرض في اللغة: التأثير، ومنه فُرضة النهر والقوس٣.\nوالوجوب: السقوط، ومنه: \"وجبت الشمس والحائط\" إذا سقطا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ ٤ فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا؛ ليوافق معناه لغة.\n_________\n١ الضمير عائد على الفرض، وهو تفريع على مذهب من يفرق بين الفرض والواجب.\n٢ هو: النعمان بن ثابت بن زوطي، أحد الأئمة الأربعة المشهورين، ولد عام ٨٠هـ. كان فقيه العراق وإمام أهلها بلا منازع، قال عنه الشافعي: \"الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه\" توفى سنة ١٥٠هـ \"وفيات الأعيان ٥/ ٣٩، الشذرات ١/ ٢٢٧\".\n٣ قال الجوهري في الصحاح \"مادة فرض\": الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: هو الحز الذي يقع فيه الوتر، والفريض: السهم المفروض فوقه، والتفريض: التحزيز، والمفرض: الحديدة التي يحز بها، والفراض: فوهة النهر.\nقال الطوفي: \"وإذا ثبت ذلك، فالفرض أخص من السقوط، إذ لا يلزم -مثلًا- من سقوط الحجر ونحوه على الأرض أن يحزّ ويؤثر فيها، ويلزم من حزّه وتأثيره في الأرض أن يكون قد سقط واستقر عليها، وإذا كان كذلك وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم، كما اختص بقوة في اللغة، حملًا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية\" \"شرح مختصر الروضة ١/ ٢٧٥\".\n٤ سورة الحج من الآية: ٣٦.","vol":"1","page":104},{"text":"ولا خلاف في انقسام الواجب إلى، مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى١.\n_________\n١ في هذا إشارة إلى أن الخلاف لفظي. قال الطوفي: \"إن النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا\" \"شرح المختصر ١/ ٢٧٦\".","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار ذاته]</span>\nوالواجب ينقسم إلى معين، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فيسمى واجبًا مخيرًا، كخصلة من خصال الكفارة.\nوأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للوجوب مع التخيير.\nولنا: أنه جائز عقلًا وشرعًا:\nأما العقل٢: فإن السيد لو قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، أيهما فعلت اكتفيت به، وإن تركت الجميع عاقبتك، ولا أوجبهما عليك معًا، بل أحدهما لا بعينه، أيهما شئت، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى إيجاب الكل؛ لأنه\n_________\n١ في هذا إشارة إلى أن الخلاف لفظي. قال الطوفي: \"إن النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ، مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف، إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبًا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبًا وفرضًا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا\" \"شرح المختصر ١/ ٢٧٦\".\n٢ المصنف استدل على الجواز من وجهين:\nالأول: قوله \"فلأن السيد لو قال لعبده ... إلخ\".\nوالوجه الثاني: قوله بعد ذلك: \"ولأنه لا يمتنع في العقل ... إلخ\" ومعناه:\nأن الشارع قد يقصد عدم التعيين تخفيفًا وتيسيرًا على المكلفين، حتى يستطيع كل مكلف أن يأتي بما هو مقدور له، وهذا من محاسن التشريع الإسلامي.","vol":"1","page":105},{"text":"صرح بنقيضه ولا دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا؛ لأنه عرضه للعقاب بترك الكل، ولا أنه أوجب واحدًا معينًا، لأنه صرح بالتخيير، فلم يبق إلا أنه أوجب واحدا لا بعينه.\nولأنه لا يمتنع في العقل أن يتعلق الغرض بواحد غير معين، لكون كل واحد منهما وافيًا بالغرض حسب وفاء صاحبه، فيطلب منه قدر ما يفي بغرضه، والتعيين فضلة لا يتعلق بها الغرض، فلا يطلبه منه.\nوأما الشرع: فخصال الكفارة١، بل إعتاق الرقبة بالإضافة إلى إعتاق العبيد٢، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وعقد الإمامة لأحد الرجلين الصالحين لها، ولا سيبل إلى إيجاب الجميع، وأجمعت الأمة٣ على أن جميع خصال الكفارة غير واجب.\n_________\n١ المراد: خصال كفارة اليمين الواردة في سورة المائدة آية ٩٢ وهي قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ .\n٢ قصده من هذه العبارة: أن التخيير وارد في الرقبة التي سيكفّر بها، فيجزئ أي رقبة كانت، سواء أكانت مؤمنة أم كافرة.\n٣ قوله \"أجمعت الأمة إلخ\" جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: الواجب جميع خصال الكفارة، فلو تركها عوقب على الجميع، ولو أتى بجميعها وقع الجميع واجبًا، ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر، وقد يسقط الواجب بأسباب دون الأداء وذلك محال. فأجاب: أن هذا لا يطرد في الإمامين والكفؤين، فإن الجمع فيه حرام، فكيف يكون الكل واجبًا، ثم هو خلاف الإجماع في خصال الكفارة، إذ الأمة مجمعة على أن الجميع غير واجب. انظر: \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٩٧\".","vol":"1","page":106},{"text":"فإن قيل١: إن كانت الخصال متساوية عند الله -تعالى- بالنسبة إلى صلاح العبد، ينبغي أن يوجب الجميع، تسوية بين المتساويات.\nوإن تميز بعضها بوصف ينبغي أن يكون هو الواجب عينًا.\nقلنا: ولمَ قلتم: إن للإفعال صفات في ذاتها لأجلها يوجبها الله -سبحانه- بل الإيجاب إليه، له أن يخصص من المتساويات واحدًا بالإيجاب، وله أن يوجب واحدًا غير معين. ويجعل مناط التكليف اختيار المكلف، ليسهل عليه الامتثال.\nجواب ثان٢: أن التساوي يمنع التعيين؛ لكونه عبثًا، وحصول المصلحة بواحد يمنع من إيجاب الزائد، لكونه إضرارًا مجردًا حصلت المصلحة بدونه، فيكون الواجب واحدًا غير معين.\nفإن قيل٣: فالله -سبحانه- يعلم ما يتعلق به الإيجاب، ويعلم ما يتأدى به الواجب، فيكون معينًا في علم الله -سبحانه-.\nقلنا: الله -سبحانه- إذا أوجب واحدًا لا بعينه علمه على ما هو عليه من نعته، ونعتُه أنه غير معين، فيعلمه كذلك، ويعلم أنه يتعين بفعل المكلف ما لم يكن متعينًا قبل فعله، والله أعلم.\n_________\n١ هذا هو الدليل الأول للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض.\n٢ جواب آخر من المصنف على دليل المعتزلة المتقدم.\n٣ هذا هو الدليل الثاني للمعتزلة، أورده المصنف في صورة اعتراض.\nوخلاصة القول في الواجب المخير أن فيه ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الوجوب يتعلق بواحد مبهم من أمور معينة، وهو مذهب الجمهور. ويعبرون عنه بالأحد الدائر بينها، وتارة بواحد لا بعينه، وتارة بالقدر المشترك، فالذي تعلق به الإيجاب: هو الواحد المبهم، وليس فيه تخيير والذي حصل فيه التخيير: هو الأمور المعينة، ولم يتعلق به الإيجاب، فلا تعارض بين الإيجاب والتخيير، كما قد يتوهمه البعض.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء]</span>\nوالواجب ينقسم -بالإضافة إلى الوقت- إلى مضيق وموسع.\nوأنكر أصحاب أبي حنيفة التوسع، وقالوا: هو يناقض الوجوب١.\nولنا٢: أن السيد لو قال لعبده: ابْن هذا الحائط في هذا اليوم: إما في أوله، وإما في وسطه، وإما في آخره وكيف أردت، فمهما فعلت امتثلت إيجابي، وإن تركت عاقبتك، كان كلامًا معقولًا.\nولا يمكن دعوى أنه ما أوجب شيئًا أصلًا، ولا أنه أوجب مضيقًا؛\n_________\n= المذهب الثاني: أن الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل، ويسقط بفعل واحد منها، وهو مذهب بعض المعتزلة، وهو قريب من مذهب الجمهور، فلا خلاف بينهما في المعنى.\nالمذهب الثالث: أن الواجب معين عند الله تعالى دون الناس، وهو مذهب ضعيف ترويه المعتزلة عن الجمهور، ويرويه الجمهور عن المعتزلة، ولذلك يسمى بمذهب التراجم، لأن كل فريق يرجم به الآخر، فلا أصل له.\nانظر: \"الإبهاج للسبكي جـ١ ص٨٦، المعتمد لأبي الحسين البصري جـ١ ص٨٧\".\n١ هذا هو الدليل الذي تمسك به الحنفية على أنكاء الواجب الموسع وخلاصته: أنه لو وجب الفعل فيما قبل الوقت الأخير لما جاز تركه، لكن التالي باطل، وهو أنه يجوز ترك الواجب، فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو عدم الوجوب فيما قبل الجزء الأخير من الوقت.\nوأجيب عنه: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقتضي عدم الوجوب، لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب: هو الترك في جميع الأوقات، لا الترك في بعض الأوقات.\n٢ هذا هو الدليل العقلي للجمهور، وسيأتي -بعد ذلك- الدليل الشرعي.","vol":"1","page":108},{"text":"لأنه صرح بضد ذلك، فلم يبق إلا أنه أوجب موسعًا.\nوقد عهدنا من الشارع تسمية هذا القسم واجبًا، بدليل أن الصلاة تجب في أول الوقت١.\nوكذلك انعقد الإجماع على أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نيته٢، ولو كانت نفلًا لأجزأت نية النفل، بل لاستحالت نية الفرض من العالِمِ كونها نفلًا؛ إذ النية قصد يتبع العلم.\nفإن قيل٣: الواجب ما يعاقب على تركه، والصلاة إن أضيفت إلى\n_________\n١ هذا هو الدليل الشرعي، وهو: أن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبًا موسعًا والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الإسراء من الآية ٧٨: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل﴾ وقوله تعالى في سورة طه من الآية ١٣٠: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وروي أن الله -تعالى- لما فرض الصلاة أرسل جبريل -﵇- ليعلّم النبي -صلى الله عليه وسلام- كيفية الصلاة وأوقاتها، فأم جبريل النبي -ﷺ- وصلى به الصلاة في أول يوم في أول الوقت، وفي اليوم الثاني صلاها في آخر الوقت، ثم قال له: \"الوقت ما بين هذين\" وهو حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه \"١/ ١٠١\" وأبو داود في سننه \"١/ ١٦١\"، وأحمد في مسنده \"١/ ٣٣٣\" والنسائي في سننه \"١/ ٢٦٢\".\nقال البخاري: \"هو أصح شيء في المواقيت\".\nوإذا كان الحديث قد قيد الوجوب بجميع الوقت، وهو صريح في هذا، فتخصيصه ببعض الأوقات دون البعض، تخصيص بلا دليل.\n٢ هذا هو الدليل الثالث للجمهور، وهو: أن الإجماع منعقد على أن من أدى الصلاة في أول وقتها أثيب عليها ثواب الفرض، وتلزمه النية، إذ النية تابعة لعلم المكلف وقصده، ولذلك يقول الآمدي في الإحكام \"جـ١ ص١٠٨\" \"أجمع السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت ومات، أنه أدى فرض الله عليه\".\n٣ هذا دليل من أدلة المنكرين للواجب الموسع، أورده المصنف في صورة اعتراض وأجاب عليه بما قاله -بعد- من أن القسمة ثلاثية، مندوب، وواجب مضيق، =","vol":"1","page":109},{"text":"أخر الوقت فيعاقب على تركها، فتكون واجبه حينئذ، وإن أضيقت إلى أوله، فخيّر بين فعلها وتركها، وفعلها خير من تركها، وهذا حد الندب.\nوإنما أثيب ثواب الفرض ولزمته نيته؛ لأن مآله إلى الفرضية، فهو كمعجّل الزكاة، والجامع بين الصلاتين في وقت أولاهما.\nقلنا: الأقسام ثلاثة:\nقسم: لا يعاقب على تركه مطلقًا، وهو: المندوب.\nوقسم: يعاقب على تركه مطلقًا، وهو الواجب المضيق.\nوقسم: يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا القسم ثالث، يفتقر إلى عبارة ثالثة، وحقيقته لا تعدو \"الواجب، والندب\" وأولى عباراته: \"الواجب الموسع\".\nقالوا: ليس هذا قسمًا ثالثًا، بل هو بالإضافة إلى أول الوقت ندب، وبالإضافة إلى آخره واجب، بدليل أنه في أول الوقت يجوز تركه، دون آخره١.\n_________\nوهذا القسم الثالث لا نستطيع أن نلحقه بالمندوب، لأن المندوب يجوز تركه مطلقًا، ولا نستطيع أن نلحقه بالواجب المضيق لأنه يخالفه، فلم يبق إلا أن نسميه باسم يختص به، وهو \"الواجب\" فهو واجب، لأن الشارع طلب فعله طلبًا جازمًا، وهو -أيضًا- موسع؛ لأن الشارع وسّع وقت الأداء، تيسيرًا على المكلفين، وما دام الشارع هو الذي رخص في ذلك فلا ينبغي المعارضة فيه، فلا اجتهاد مع النص، كما يقول العلماء.\n١ خلاصة هذا الاعتراض: عدم التسليم بأن هذا قسم ثالث، بل هو داخل في القسمين، المندوب والواجب، فهو في أول الوقت ندب، لأنه يجوز تركه، وهذا هو الندب، وفي آخر الوقت واجب، لأنه لا يجوز تركه، وهذا هو حد الواجب.\nوأجاب المصنف على هذا الاعتراض: بأن الندب يجوز تركه مطلقًا، =","vol":"1","page":110},{"text":"قلنا: بل حد الندب: ما يجوز تركه مطلقًا، وهذا لا يجوز إلا بشرط وهو: \"الفعل بعده\" أو: \"العزم على الفعل\"، وما جاز تركه بشرط فليس بندب، كما أن كل واحد من خصال الكفارة يجوز تركه إلى بدل.\nومن أمر بالإعتاق فما من عبد إلا يجوز تركه بشرط عتق ما سواه، ولا يكون ندبًا، بل واجبًا مخيرًا، كذا هذا يسمى واجبًا موسعًا١.\nوما جاز تركه بشرط يفارق ما جاز تركه مطلقًا، وما لا يجوز تركه مطلقًا فهو قسم ثالث٢.\nوإذا كان المعنى متفقًا عليه وهو: الانقسام إلى الأقسام الثلاثة، فلا معنى للمناقشة في العبارة.\nوأما تعجيل الزكاة: فإنه يجب بنية التعجيل، وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت غير ما نواه في آخره، ولم يفرقوا أصلًا فهو مقطوع به٣.\n_________\n= والواجب الموسع يجوز تركه في أول الوقت مع نية فعله بعد ذلك، فهو مخالف للمندوب من هذا الوجه.\n١ أراد المصنف بذلك: التنظير للواجب الموسع بالواجب المخير، فكما أنه في الواجب المخير مخير بين أمور معينة كذلك هنا مخير بين الوقت الأول: وما بعده. وهذا لا ينافي أن الوقت الأول أفضل من غيره، فالأفضلية شيء، وجواز التأخير شيء أخر.\n٢ هو: الواجب الموسع -كما سبق توضيحه-.\n٣ هذا رد على من قال: إن أداء الصلاة في أول الوقت يعتبر تعجيلًا كتعجيل دفع الزكاة قبل حولان الحول. وخلاصة الرد: أن الصلاة تفعل في أول الوقت كما تفعل في آخره بنية واحدة، ولم يفرق السلف الصالح بين النيتين، أما الزكاة فلا تجب ولا يتوجه الأمر بها إلا بعد حولان الحول، فدفعها قبل ذلك لا بد فيه من نية التعجيل، فهذا قياس مع الفارق.","vol":"1","page":111},{"text":"فإن قيل١. قولكم: \"إنما جاز تركه بشرط العزم أو الفعل بعده\" باطل، فإن لو ذهل أو غفل عن العزم ومات لم يكن عاصيًا\".\nولأن الواجب المخير: \"ما خير الشارع فيه بين شيئين\" وما خير بين العزم والفعل.\nولأن قوله: \"صل في الوقت\" ليس فيه تعرض للعزم أصلًا، فإيجابه زيادة.\nقلنا: إنما لم يكن عاصيًا، لأن الغافل لا يكلف.\nفأما إذا لم يغفل، فلا يترك العزم على الفعل إلا عازمًا على الترك مطلقًا، وهو حرام، وما لا خلاص عن الحرام إلا به يكون واجبًا.\nفهذا دليل وجوبه، وإن لم تدل عليه الصيغة، والله أعلم.\n_________\n١ القائل: هم الذين لا يشترطون العزم على الفعل في الوقت اللاحق للوقت الذي لم تفعل فيه العبادة. وخلاصة ما حكاه المصنف عنهم: أنهم ردوا على مذهب القائلين باشتراط العزم بثلاثة أوجه. فيقول: \"فإنه لو ذهل.... الخ\" هذا هو الوجه الأول، وقوله: \"ولأن الواجب المخير ... الخ\" هو الوجه الثاني، وقوله: \"ولأن قوله: صل الخ\" هو الوجه الثالث. وقوله -بعد ذلك-: \"قلنا\" رد على الوجوه الثلاثة المتقدمة.\nوخلاصة ما قيل في الواجب الموسع: أن العلماء متفقون على ذلك، إلا أنهم مختلفون في جزء الوقت الذي يتعلق به الوجوب ويمثلون في الجملة اتجاهين:\nأ- اتجاه يعترف بالواجب الموسع.\nب- اتجاه آخر ينكر ذلك.\nوتفرع على ذلك عد١١٢\nفإن قيل١. قولكم: \"إنما جاز تركه بشرط العزم أو الفعل بعده\" باطل، فإن لو ذهل أو غفل عن العزم ومات لم يكن عاصيًا\".\nولأن الواجب المخير: \"ما خير الشارع فيه بين شيئين\" وما خير بين العزم والفعل.\nولأن قوله: \"صل في الوقت\" ليس فيه تعرض للعزم أصلًا، فإيجابه زيادة.\nقلنا: إنما لم يكن عاصيًا، لأن الغافل لا يكلف.\nفأما إذا لم يغفل، فلا يترك العزم على الفعل إلا عازمًا على الترك مطلقًا، وهو حرام، وما لا خلاص عن الحرام إلا به يكون واجبًا.\nفهذا دليل وجوبه، وإن لم تدل عليه الصيغة، والله أعلم.","vol":"1","page":112},{"text":"....................................................................................................\n_________\n= المذهب الأول:\nأن الوجوب يتعلق بالوقت كله وجوبًا موسعًا، فيجوز إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، فيجوز ترك الفعل في أول الوقت بدون بدل، ولا يعتبر عاصيًا ولا يأثم بالتأخير، إلا إذا تضيق الوقت فيحرم التأخير.\nومع ذلك فهم يقولون: إن أداء العبادة في أول الوقت أفضل، ففرق بين الأفضلية والجواز.\nوهو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين.\nواستدلوا على ذلك بدليلين: أحدهما من القرآن، وثانيهما من السنة.\nأولا- من القرآن الكريم:\nفقد استدلوا بقوله -تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .\nووجه الاستدلال بالآية: أن الأمر بإقامة صلاة الظهر المفهوم من قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ عام في جميع الأوقات، ولم يقتصر على وقت معين، فلا دلالة في الآية على إيقاع الصلاة في وقت معين، فقصره على بعض الأوقات لا دليل عليه. \"الإحكام للآمدي ١/ ٩٩\".\nويؤكد هذا الفهم دليل السنة الآتي:\nثانيًا: استدلوا من السنة بما تقدم من حديث جبريل -﵇- والذي جاء فيه \"الوقت ما بين هذين\" وهو نص في الموضوع من جهة، ومفسر للآية الكريمة من جهة ثانية.\nالمذهب الثاني: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، لكن لا يجوز ترك الواجب في الجزء الأول إلا ببدل، وهو العزم على إيقاع الفعل في الجزء الذي يليه، ثم إذا لم يفعل في ذلك الوقت تجدد البدل، وهكذا، حتى يدخل الوقت الأخير فيتعين هذا الجزء للأداء، وإلا خرج الوقت.\nوهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من الأشاعرة والمعتزلة. =","vol":"1","page":113},{"text":"..............................................................................................\n_________\n= وهذا المذهب يتفق مع المذهب المتقدم في أن الإيجاب يتعلق بأول الوقت وجوبًا موسعًا، إلا أنهم يخالفونهم من حيث إنهم يوجبون العزم في الوقت الذي لم يحصل فيه الفعل. ومن هنا كان دليلهم على الشق الأول هو نفس أدلة أصحاب المذهب الأول.\nأما أنه يجب العزم فدليلهم على ذلك: أنه لو لم يجب العزم عند عدم الإتيان بالفعل للزم ترك الواجب بلا بدل: وترك الواجب بلا بدل باطل، لأنه يجعل الواجب غير واجب، ضرورة أن الواجب هو: ما لا يجوز تركه بلا بدل، وغير الواجب يجوز تركه بلا بدل، فثبت بذلك أنه لا بد من العزم عند عدم الفعل وهو المدّعي.\nوأجاب الجمهور على ذلك: بأن العزم لا يصلح أن يكون بدلًا عن الواجب، لأنه لو صح أن يكون بدلًا لتأدى به الواجب، لأن بدل الشيء يقوم مقامه، والكل متفق على أن العزم هنا لا يقوم مقام الفعل، ولترتب على ذلك أن من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيًا، لأنه ترك الواجب وبدله، ولم تتعرض النصوص الدالة على إيجاب الصلاة لشيء من ذلك، فإيجاب العزم زيادة على مقتضى الأمر الوارد بالصلاة.\nيضاف إلى ذلك: أنه لو عزم على الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت، فهل يجب العزم في الجزء الثاني والثالث وهكذا أو لا؟\nفإن قلنا: إنه لا يجب فقد ترك الواجب بلا بدل، ولزم على ذلك تخصيص جزء من الوقت بدون مخصص، حيث أوجبنا العزم في الجزء الأول، دون بقية الأجزاء.\nوإن قلنا: يجب تعدد العزم لزم على ذلك تعدد البدل، والمبدل منه واحد، وهذا لا يجوز، لأن البدل -دائما- تابع للأصل وهو المبدل منه.\nثانيًا- اتجاه المنكرين للواجب الموسع:\nوتفرع عن هذا الاتجاه ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أن الوجوب يختص بأول الوقت، فإن فعل في آخره كان قضاء. =","vol":"1","page":114},{"text":".................................................................................................\n_________\n= وهو منقول عن بعض المتكلمين، ونسب خطأ إلى الشافعية، فهي نسبة غير صحيحة.\nواستدل القائلون بذلك بأدلة ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها.\nمنها: ما روي أن الرسول -ﷺ-: قال: \"الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله\" \"رواه الترمذي والدراقطني: الترغيب والترهيب جـ١ ص٢٥٦\".\nوقالوا في وجه الدلالة: إن النبي -ﷺ- قد أخبرنا بأن الصلاة في أول الوقت سبب رحمة الله ورضائه عن فاعلها، وأن فعلها في آخر الوقت يعد معصية، بدليل قوله -ﷺ-: \"عفو الله\" لأن العفو إنما يكون عن شيء فيه مخالفة.\nوأجيب عن هذا الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف جدًّا. قال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث كذبه أحمد بن حنبل، وقد روي بأسانيد كلها ضعيفة.\n\"تحفة الأحوذي ١/ ٥١٧، سبل السلام ١/ ١٧\".\nالوجه الثاني: أنه مع فرض التسليم بصحته فإنه لا يثبت المدّعي، لأن العفو الوارد في الحديث لا يدل على أن الصلاة في آخر الوقت معصية، لكنه يلج على أن المكلف قد تباطأ في أداء العبادة في أول وقتها، ولا شك أن الوقت الأول وقت فضيلة بلا خلاف، فإهمال لوقت الفضيلة يستحق العفو من الله تعالى. فغاية ما يدل عليه الحديث: هو حث المكلف على المبادرة بأداء العبادة في أول وقتها حتى يستحق رضا الله تعالى ومغفرته.\nبالإضافة إلى أن أن هذا الحديث مخالف لحديث جبريل المتقدم وهو حديث صحيح.\nالمذهب الثاني:\nأن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعل أوله كان من قبيل التعجيل، وهو مروي عن بعض الحنفية.\nواستدلوا على ذلك: بأنه لو وجب الفعل فيما قبل الوقت الأخير لما جاز تركه لكن التالي باطل، وهو أنه لا يجوز ترك الواجب، فبطل المقدم، وثبت نقيضه، =","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>فصل: [في تضييق الواجب الموسع]</span>\nإذا أخر الواجب الموسع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه١ لم يمت عاصيًا، لأنه فعل ما أبيح له فعله، لكونه جُوِّز له التأخير٢.\n_________\n= وهو عدم الوجوب فيما قبل الجزء الأخير من الوقت.\nوأجيب عن هذا الدليل: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقتضي عدم وجوب الفعل، لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب هو الترك في جميع أوقات الفعل، لا الترك في بعض الأجزاء والإتيان به في البعض الآخر.\nوالوجوب في الوقت الأخير أصبح مضيقًا، بحيث إذا لم يفعله فيه خرج وقته كله.\nالمذهب الثاني: أن المكلف إذا أتى بالفعل في أول الوقت، فإن جاء آخر الوقت والمكلف على صفة التكليف، بأن كان بالغًا، عاقلًا، خاليًا من الموانع الشرعية، كان فعله في أول الوقت واجبًا.\nوإن جاء آخر الوقت وقد زالت عن المكلف صفة التكليف، بأن جن المكلف، أو حاضت المرأة مثلًا، كان الفعل الذي فعله في أول الوقت مندوبًا، وهذا المذهب مروي عن الإمام الكرخي من أئمة الحنفية.\nوهذا المذهب من الضعف بحيث لا يحتاج إلى استدلال أو مناقشة. فهو مذهب مخالف لما عليه عامة الفقهاء، كما أنه مخالف لظاهر الآيات، وللأحاديث الصحيحة التي تثبت أن الواجب الموسع يجوز فعله في أي جزء من أجزاء هذا الوقت، وإن كان الأداء في أول الوقت فضلية.\n١ يريد: قبل تضييق وقته، فلو أخره حتى ضاق الوقت فإنه يموت عاصيًا، كما لو أخر الصلاة لوقت لا يكفي لأدائها.\n٢ هذا تعليل كونه لا يموت عاصيًا، وهذا الرأي هو الراجح عند المحققين من =","vol":"1","page":116},{"text":"فإن قيل١: إنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة؟\nقلنا: هذا محال؛ فإن العاقبة مستورة عنه٢.\nولو سألنا فقال: \"عليّ صوم يوم فهل يحل لي تأخيره إلى غد\" فما جوابه؟\nإن قلنا: \"نعم\" فلم أثم بالتأخير؟\nوإن قلنا: \"لا\" فخلاف الإجماع.\nوإن قلنا إن كان في علم الله أنك تموت قبل غدٍ، لم يحل، وإلا فهو يحل.\nفيقول: وما يدريني ما في علم الله، فلا بد من الجزم بجواب.\nفإذًا: معنى الوجوب وتحقيقه: أنه لا يجوز له التأخير، إلا بشرط العزم، ولا يؤخر إلا إلى وقت يغلب على ظنه البقاء إليه. والله أعلم.\n_________\n= الأصوليين، حتى حكى بعضهم الإجماع على ذلك.\n١ هذا يعتبر مذهبًا ثالثًا، وهو: أنه يجوز التأخير بشرط سلامة العاقبة، مثل: عدم المرض، أو كبر السن وما أشبه ذلك.\n٢ صحيح هي مستورة، لكن لها أمارات، والأحكام العملية يكتفى فيها بغلبة الظن.\nوتفرع على ذلك: أنه لو تخلف ظنه وعاش بعد الوقت الذي ظن أنه لن يعيش بعده، وأدى الفرض -بعد هذا الوقت-، فهل يعتبر أداء، باعتبار الواقع، لا عبرة بهذا الظن الذي تخلف. أو يعتبر قضاء باعتبار ظنه رأيان في المسألة.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>فصل: [في مقدمة الواجب وحكمها]</span>\nما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى: ما ليس إلا المكلف، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب.\nوإلى ما يتعلق باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي إلى الجمعة، وغسل جزء من الرأس مع الوجه، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب.\nوهذا أولى من قولنا: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب؛ إذ قولنا: \"يجب ما ليس بواجب\" متناقض، لكن الأصل: وجب بالإيجاب قصدًا، والوسيلة وجبت بواسطة وجوب المقصود، فهو واجب كيف ما كان، وإن اختلفت علة إيجابهما١.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أنه من المباحث المتعلقة بالواجب: ما يسمى بمقدمة الواجب، أو ما لا يتم الواجب إلا به، أو ما يتوقف عليه الواجب، أو الوسيلة، وكلها تنزل على معنى واحد. ومقدمة الواجب نوعان:\n١- مقدمة وجوب: وهي ما يتوقف عليها وجوب الواجب، وقد تكون سببًا كملك النصاب للزكاة، وقد تكون شرطًا كالبلوغ، فإنه شرط للتكليف، وقد تكون مانعًا، كالدين، فإنه مانع من وجوب الزكاة. وهذا النوع لا خلاف بين العلماء في عدم التكليف به، لعدم قدرة المكلف على تحصيله.\n٢- مقدمة وجود: وهي ما يتوقف عليها وجود الواجب وإيقاعه على صفة الكمال، كما أراد الشارع. وهي أيضًا نوعان:\nأ- نوع غير مقدور للمكلف، مثل: حضور الإمام والعدد المشترط لصحة صلاة الجمعة. وهذا النوع متفق على عدم التكليف به أيضًا، لعدم قدرة المكلف على تحصيله. =","vol":"1","page":118},{"text":"فإن قيل: لو كان واجبًا لأثيب على فعله، وعوقب على تركه، وتارك الوضوء والصوم لا يعاقب على ما ترك من غسل الرأس وصوم الليل١.\nقلنا: ومن أنبأكم أن ثواب القريب من البيت في الحج مثل ثواب البعيد وأن الثواب لا يزيد بزيادة العمل في الوسيلة؟\nوأما العقوبة: فإنه يعاقب على ترك الوضوء والصوم، ولا يتوزع على أجزاء الفعل، فلا معنى لإضافته إلى التفصيل.\n_________\n= ب- النوع الثاني: مقدمة مقدورة للمكلف. وهي محل خلاف بين العلماء في: هل إذا أمر الشارع أمرًا مطلقًا بفعل يتوقف وجوده على شرط أو سبب، يكون أمرًا بالمقدمة، أو أنها تكون بأمر آخر؟\nوقد اختار المصنف أن الأمر بالشيء الواجب يقتضي وجوب المقدمة، ولذلك قال: \"فهو واجب كيفما كان\".\n١ اعتاد المصنف: أن يورد المذهب المخالف ضمنًا في صورة اعتراض، يدل على المذهب وعلى دليله، وهذا هو دليل المذهب الثاني الذي يرى أن الأمر بالشيء ليس أمرًا بما يتوقف عليه، سواء أكان سببًا أم شرطًا.\nوهناك مذهبان آخران أغفلهما المصنف:\nأحدهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب السبب، دون الشرط، وحجة أصحاب هذا المذهب: أن ارتباط السبب بالمسبب أقوى وأشد من ارتباط الشرط بالمشروط، ولذلك يلزم من وجود السبب وجود المسبب، بخلاف الشرط، فلا يلزم من وجوده الوجود.\nثانيهما: أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يستلزم إيجاب ما يتوقف عليه إن كان شرطًا شرعيًّا، أما إن كان شرطًا عقليًّا أو عاديًّا، أو سببًا فلا يقتضي ذلك، وهذا الرأي منسوب لإمام الحرمين.\nومن خلال استعراض هذه المذاهب الأربعة نرى رجحان ما ذهب إليه ابن قدامة، من أن الأمر بالشيء يستلزم وجوب ما يتوقف عليه مطلقًا، سواء أكان =","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>فصل: [في بعض الفروع المخرجة على مقدمة الواجب]</span>\nوإذا اختلطت أخته بأجنبية١، أو ميتة بمذكاة حرمتا: الميتة بعلة الموت، والأخرى بعلة الاشتباه.\nوقال قوم: المذكاة حلال، لكن يجب الكف عنها.\nوهذا متناقض٢، إذ ليس الحل والحرمة وصفًا ذاتيًّا لهما، بل هو متعلق بالفعل، فإذا حرم فعل الأكل فيهما فأي معنًى لقولنا: هي حلال؟!\nوإنما وقع هذا في الأوهام، حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالسواد والبياض، والأوصاف الحسية، وذلك وَهْم على ما ذكرناه. والله أعلم.\n_________\n= سببًا أم شرطًا، لأنه لا يعقل أن يكلف الشارع بشيء يتوقف وجوده على شيء آخر بدون تكليف بهذا الشيء، ما دام مقدورًا للمكلف.\nانظر في هذه المسألة: الإبهاج للإمام السبكي \"١/ ١١٠\"، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد \"١/ ٢٤٤\".\n١ وكذا لو اختلطت زوجته بأجنبية، حرمتا أيضًا، الأجنبية حرام، لأنها أجنبية، وحرمت زوجته لاشتباهها بالأجنبية، ولا يمكن اجتناب الأجنبية إلا باجتناب الاثنتين، ويقال مثل ذلك في الميتة والمذكاة، الميتة حرام أصلًا، والمذكاة حرام لاشتباهها بالميتة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب هنا هو الكف عن أخته فلا يتزوجها، وعن الأجنبية فلا يقربها، وعن الميتة فلا يأكلها، ولا يتحقق ذلك إلا بالكف عما اختلط بالمحرم، فاجتناب ما اشتبه بالمحرم بالأصالة واجب.\n٢ لأنه يؤدي إلى أنهما يباحان ويحرمان في وقت واحد. وهذا الرد من \"ابن قدامة\" فيه مبالغة، لأن المخالفين نظروا إلى الواقع ونفس الأمر، والواقع: أن الأجنبية =","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>فصل: [في الواجب غير المحدد] </span>١\nالواجب الذي لا يتقيد بحد محدود، كالطمأنينة في الركوع والسجود، ومدة القيام والعقود، إذا زاد على أقل الواجب: فالزيادة ندب، واختاره أبو الخطاب٢.\n_________\n= حلال، والمذكاة حلال، لكنهما وجب الكف عنهما -مؤقتًا- لحين التمييز بينهما، ولم يقل أحد من العلماء إن التحريم متوجه إلى الذوات، وهذا ما قاله البيضاوي -تبعًا للإمام الرازي ومختصريه- قال: \"لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا: على معنى أنه يجب الكف عنهما\" قال الإسنوي -شرحا على ذلك-: \"المراد بتحريم الأجنبية: إنما هو الكف، لا تحريم ذاتها\" انظر: نهاية السول على منهاج البيضاوي جـ١ ص٢١٢ وبهامشه سلم الوصول للشيخ المطيعي.\n١ هذا فرع آخر من الفروع المخرجة على ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nووجه تخريجه عليه: أن غير الواجب فيه وهو الزيادة لاحق له من آخره، ومقدمة الواجب لاحقة له من أوله.\nوقد بين الطوفي في شرح مختصر الروضة \"١/ ٣٤٨\" محل الخلاف فقال: \"الزيادة على الواجب إما أن تكون متميزة عنه أو لا: فإن تميزت عنه: كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات فهي -يعني الزيادة المتميزة- ندب اتفاقًا. إذ لا نص في وجوبها ولا إجماع، ولا جامع بينها وبين الواجب حتى تقاس عليه، ولا اشتدت ملابستها للواجب حتى تلحق به، ولا مدرك لثبوت الأحكام شرعًا إلا هذه الأدلة: النص والإجماع والقياس والاستدلال.\nوإن لم تتميز الزيادة على الواجب ولا تنفصل حقيقتها من حقيقته حسًّا، كالزيادة في الطمأنينة..... واجبة عند القاضي أبي يعلى، ندب عند أبي الخطاب وهو الصواب\".\n٢ محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي. ولد سنة ٤٣٢هـ، كان أحد =","vol":"1","page":121},{"text":"وقال القاضي١: الجميع واجب؛ لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد، والأمر في نفسه أمر واحد، وهو أمر إيجاب، ولا يتميز البعض عن البعض، فالكل امتثال.\nولنا: أن الزيادة يجوز تركها مطلقًا من غير شروط ولا بدل، وهذا هو الندب.\nولأن الأمر إنما اقتضى إيجاب ما تناوله الاسم فيكون هو الواجب، والزيادة ندب، وإن كان لا يتميز بعضه عن البعض، فيعقل كونه بعضه واجبًا، وبعضه ندبًا، كما لو أدى دينارًا عن عشرين\"*\".\n_________\n= أئمة المذهب وأعيانه، صنف العديد من الكتب منها \"التمهيد\" في أصول الفقه. توفي سنة ٥١٠هـ.\nانظر في ترجمته: \"المنهج الأحمد ٢/ ١٩٨، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص٢١١-٢٣٩\".\n١ محمد بن الحسين بن محمد، أبو يعلى الفراء الحنبلي، كان عالم زمانه وفريد عصره، إمامًا في الأصول والفروع. ولد سنة ٣٨٠هـ. وتوفي سنة ٤٥٠هـ. من مؤلفاته في الأصول \"العدة\" \"طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣-٢٣٠\".\n\"*\" الواجب العيني والواجب الكفائي.\nترك المصنف تقسيمًا من تقسيمات الواجب، وهو: تقسيمه إلى واجب عيني، وواجب كفائي، فلزم إضافة هذا التقسم هنا فنقول:\nالواجب العيني: هو ما توجه فيه الطلب إلى كل مكلف، أي طلب الشارع فعله من كل واحد من المكلفين، فلا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه، ومن يأثم بالترك، ولا يغني عنه فعل غيره، ولذلك سمي بفرض العين، لأن المنظور إليه في هذا الواجب: الفعل نفسه، والفاعل نفسه، مثل: فرائض الصلاة، والصيام، والوفاء بالعقود، وإعطاء كل ذي حق حقه.\nوالواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين من غير =","vol":"1","page":122},{"text":"..........................................................................................\n_________\nنظر إلى فاعله، لأن مقصود الشارع حصول الفعل فقط، فإذا فعله البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعل نهائيًّا أثم الجميع، لتعلق الطلب بالكل.\nفالطلب هنا منصب على إيجاد الفعل في حد ذاته لا إلى الفاعل.\nومن أمثلته: الجهاد، والقضاء، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد الصناعات والحرف المختلفة والعلوم التي تحتاج إليها الأمة، وإعداد القوة بأنواعها ونحو ذلك مما يحقق مصلحة الأمة.\nولا خلاف بين الأصوليين في أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين، وعلى أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يستوجب تأثيم الجميع، لأنهم فوّتوا ما قصد من الفعل، وكذلك لو قام به عدد أقل ممن يسد بهم الحاجة، فالفاعلون مثابون، وغيرهم آثمون.\nلكنهم مختلفون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين، ويسقط بفعل البعض، أو هو موجه إلى بعض غير معين؟\nفالجمهور على أنه متعلق بجميع المكلفين، بمعنى أن القادر على الفعل عليه أن يقوم بنفسه، وغير القادر يحث غيره على القيام به.\nوذهب بعض الأصوليين ومنهم المعتزلة إلى أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة، لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل.\nوتظهر ثمرة هذا الخلاف: فيمن علم بشيء من فروض الكفايات، كتغسيل ميت وتكفينه، والصلاة عليه، وشك هل هناك من قام بهذا الواجب أو لا؟\nفعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر، لأن الأمر متعلق به على سبيل الوجوب المحقق، ولا يسقط بالشك.\nأما على الرأي الثاني فلا يلزمه ذلك، لأن الخطاب لم يتوجه إليه.\nوقد يصير الواجب الكفائي واجبًا عينيًّا، إذا انحصر الفعل المطلوب في شخص معين أو فئة معينة، كالجهاد، فإنه يصبح فرض عين على كل قادر عليه، إذا لم يحصل بعدد محدد.\nومثل ذلك: إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكرًا، فعليه إنكاره بقدر استطاعته. =","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>فصل: القسم الثاني: المندوب</span>\n...\nالقسم الثاني: المندوب ١\nوالندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل. كما قال:\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم\nفي النائبات على ما قال برهانا٢\n_________\n= ومثله الطبيب في مكان ناء عن المدن، ولم يوجد غيره أصبح إسعاف المريض بالنسبة له فرض عين.\nأيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟\nللعلماء في هذه المسألة رأيان:\nالرأي الأول: أن فرض العين أفضل، لشدة اعتناء الشارع به، ولذلك طلب فعله من كل مكلف ولذلك يكره ترك فرض العين لأداء فرض الكفاية، فلا يحسن ترك الطواف المفروض لصلاة الجنازة، لأن الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية.\nوهذا هو رأي الشافعية وغيرهم.\nالرأي الثاني: أن فرض الكفاية أفضل، لأن فاعل الكفاية ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، أما فرض العين فإنه يصان به الإثم عن الفاعل فقط، ولا شك أن ما يتعلق بالأمة كلها أهم، وأولى مما يتعلق بالبعض.\nوإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين ووالده.\nانظر: \"التمهيد اللإسنوي، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع جـ١ ص١٨٣، الإبهاج للسبكي ١/ ١٠٠ طبعة الكليات الأزهرية، نهاية السول للإسنوي ١/ ٩٤، الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان ص٣٧، الطبعة الثانية.\n١ القسم الثاني: من أقسام الحكم التكليفي: المندوب. ويسمى: سنة ومستحبًّا وتطوعًا وطاعة ونفلًا وقربة ومرغبًا فيه وإحسانًا. وهي اصطلاحات مستحدثة في المذاهب، والمتفق عليه بين المتقدمين: الفرض والسنة.\n٢ الشاعر هو: قريط بن أنيف العنبري، والبيت من القصيدة له يهجو بها قومه، ويمدح بني مازن الذين استنقذوا إبله بعد أن تخلى عنه قومه. انظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي \"١/ ١٩\".","vol":"1","page":124},{"text":"وحده في الشرع: مأمور لا يلحق بتركه ذم، من حيث تركه من غير حاجة إلى بدل١.\nوقيل: هو ما في فعله ثواب، ولا عقاب في تركه.\nوالمندوب مأمور [به] . وأنكر قوم كونه مأمورًا [به] قالوا: لأن الله -سبحانه- قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٢. والمندوب لا يحذر فيه ذلك.\nولأن٣ النبي -ﷺ- قال: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\"٤. وقد ندبهم إلى السواك، علم أن الأمر لا يتناول المندوب.\n_________\n١ قوله: \"مأمور\" جنس يتناول الواجب والمندوب، وقوله: \"لا يحلق بتركه ذم....\" أعم من أن يكون تركه مطلقًا أو إلى بدل، فيشمل: الواجب الموسع، والمخير، وفرض الكفاية، لأن جميعها مأمورات يجوز تركها، لكن إلى بدل، فلما قال: \"من غير حاجة إلى بدل\" أخرج ذلك كله وأبقى المندوب.\n٢ سورة النور من الآية: ٦٣ وهي الدليل الأول للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.\n٣ هذا هو الدليل الثاني للقائلين بأن المندوب غير مأمور به.\n٤ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب التمني \"٨٨٧\" ومسلم: كتاب الطهارة، باب السواك \"٢٥٢\" وأبو داود: كتاب الطهارة، باب السواك \"٤٦\" والنسائي: كتاب الطهارة، باب السواك \"١/ ١٢\" والترمذي حديث رقم \"٢٣\" وابن ماجه \"٢٨٧\"، والطحاوي في شرح معاني الآثار \"١/ ٤٠٣\" من حديث أبي هريرة ﵁. كما رواه عن زيد بن خالد الجهني: أحمد في مسنده \"٤/ ١١٤، ١١٦\"، وأبو داود \"٤٧\" والترمذي \"٢٣\" وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nورواه أحمد والطحاوي عن علي بن أبي طالب -﵁-.\nووجه الدلالة من الحديث -كما قال أصحاب هذا المذهب-: أن السواك مندوب، مع أن الرسول -ﷺ- لم يأمر أمته =","vol":"1","page":125},{"text":"ولأن١ الأمر: اقتضاء جازم لا تخيير معه، وفي الندب تخيير، ولم يسم تاركه عاصيًا.\nولنا٢ أن الأمر: استدعاء وطلب، والمندوب مستدعًى ومطلوب، فيدخل في حقيقة الأمر. قال الله تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٤. ومن ذلك ما هو مندوب.\nولأنه٦: شاع في ألسنة الفقهاء: أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب.\n_________\n= بالسواك، فلا يكون المندوب مأمورًا به. وقد أجاب المصنف على ذلك كما سيأتي.\n١ هذا هو الدليل الثالث وخلاصته: أن الأمر طلب فعل جازم لا تخيير فيه، وتاركه يسمى عاصيًا، لقول الله تعالى -عن موسى ﵇ لأخيه-: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] والمعنى: عصيتني بمخالفة أمري، والمندوب على عكس ذلك، فليس فيه طلب جازم، وإنما فيه تخيير بين الفعل والترك، كما أن تاركه لا يسمى عاصيًا، فدل ذلك على أن ليس مأمورًا به.\n٢ من هنا سيبدأ المصنف في إيراد الأدلة على أن المندوب مأمور به.\n٣ سورة النحل من الآية: ٩٠.\n٤ سورة لقمان من الآية: ١٧.\n٥ ومثلهما قوله تعالى في سورة الحج الآية: ٧٧: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .\nووجه الدلالة من هذه الآيات: أن من المأمور به ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، فمن الإحسان وإيتاء ذي القربى ما هو على سبيل الجزم، ومنه ما هو على سبيل الاستحباب والندب، وكذلك الأمر بالمعروف، وفعل الخير، فثبت بذلك: أن الأمر يطلق على المندوب، كما يطلق على الواجب، وهذا هو الدليل الأول.\n٦ هذا هو الدليل الثاني.","vol":"1","page":126},{"text":"ولأن١: فعله طاعة، وليس ذلك لكونه مرادًا، إذ الأمر يفارق الإرادة، ولا لكونه موجودًا؛ فإنه موجود في غير الطاعات \"أو حادثًا، أو لذاته، أو صفة نفسه؛ إذ يجري ذلك في المباحات\"٢. ولا لكونه مثابًا؛ فإن الممتثل يكون مطيعًا وإن لم يثب، وإنما الثواب للتراغيب في الطاعات.\nوقولهم٣: \"إن الأمر ليس فيه تخيير\" ممنوع.\n_________\n١ هذا هو الدليل الثالث.\n٢ ما بين القوسين من المستصفى، والذي في الروضة \"فإنه في غير الطاعات\" وهي توهم أن المندوب كما يكون في الطاعات يكون غير غيرها، وهو خطأ، فالمصنف بحذفه هذه العبارات جعل المعنى مختلًا. وخلاصة هذا الدليل: أن الندب أمر وفيه طاعة، وهذه العبارة ليست باعتبار كون الأمر مرادًا، لأن الأمر يفارق الإرادة، ولا باعتبار كونه موجودًا أو حادثًا أو لذاته أو صفة نفسه، فهذا كله موجود في المباحات، ولا باعتبار كونه مثابًا عليه، فإن المأمور يعتبر مطيعًا حتى ولو لم يثب، فإن الثواب للترغيب، فقد يحبط عمله بالفكر، فثبت بذلك كله أن المندوب داخل في الأمر.\nانظر: \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١١٥\".\n٣ بدأ المصنف ينافش أدلة المخالفين. فبدأ بمناقشة الدليل الأول: وهو: \"أن الطلب والتخيير متنافيان\" فقال: هذا غير صحيح، لأن الطلب قد يكون جازمًا وقد يكون غير جازم.\nولو سلمنا -جدلًا- بأن الطلب والتخيير متنافيان، فنقول: إن الندب ليس تخييرًا مطلقًا، بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك، للثواب على فعله، وعدم الثواب في تركه. ولم يسم تاركه عاصيًا، لأن الله تعالى هو الذي أسقط عنه هذا، لأن الأمر فيه ليس جازمًا.\nوقول النبي -ﷺ-: \"..... لأمرتهم بالسواك....\" لا يدل على مدّعاكم، لأن المنفي في الحديث: هو الأمر على سبيل الجزم والوجوب، بدليل أنه -ﷺ- ندبهم إلى هذه السنة وأمرهم بها في بعض الأحاديث الأخرى، كقوله -ﷺ-: =","vol":"1","page":127},{"text":"وإن سلمنا: فالمندوب كذلك، لأن التخيير عبارة عن التسوية، فإذا ترجح جهة الفعل ارتفعت التسوية والتخيير.\nولم يسم تاركه عاصيًا، لأنه اسم ذم، وقد أسقط الله -تعالى- الذم عنه، لكن يسمى مخالفًا وغير ممتثل، ويسمى فاعله موافقًا ومطيعًا.\nوقول النبي -ﷺ-: \".... لأمرتهم بالسواك.....\" أي: أمرتهم أمر جزم وإيجاب.\nوقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب، ونحن نقول به، لكن يجوز صرفه إلى الندب بدليل، ولا يخرج بذلك عن كونه أمرًا، كما ذكرناه في دليلنا. والله أعلم.\nالقسم الثالث: المباح\nوحدّه: ما أذن الله في فعله وتركه، غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه١.\n_________\n= \"تسننوا ولا تدخلوا عليّ قُلْحًا بُخْرا\" [رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن بشر المازني. والقلح: الذي أصفرت اسنانه حتى بخرت من باطنها] . والجمع بين الحديثين يكون بحمل الأول على الندب، والحديث الذي معنا الذي نفى الأمر على الإيجاب، حتى لا يكون هناك تعارض في الأدلة الشرعية، والرد على الاستدلال بالآية الكريمة واضح.\n١ هذا أحد التعريفات الشرعية للمباح، وعرفه البعض بأنه: ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه من غير مدح يترتب عليه ولا ذم.\nأما معناه في اللغة: فمأخوذ من الإباحة، وهي: الإظهار، يقال: باح بسره، إذا أظهره: وقيل: مأخوذ من باحة الدار وهي ساحتها، إذ فيه معنى السعة =","vol":"1","page":128},{"text":"وهو من الشرع١.\n_________\nوانتفاء العائق، لأن الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتف فيها.\nانظر: \"القاموس المحيط فصل الباء، باب الحاء، شرح مختصر الروضة ١/ ٣٨٦\".\n١ وهذا هو رأي جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك، فمعنى الإباحة: قول الشارع: أبحت لكم هذا، أو أنتم مخيرون في فعله وتركه، وهذا يتوقف على خطاب الشارع، فتكون الإباحة حكمًا شرعيًّا.\nوذهب بعض المعتزلة ومنهم الكعبي: \"عبد الله بن أحمد، رأس طائفة من المعتزلة تسمى الكعبية. توفي سنة ٣١٩هـ\" ذهب إلى أن الإباحة حكم عقلي، إذ إنها عبارة عن انتفاء الحرج عن المكلف، وذلك ثابت قبل ورود الشرع.\nوأجاب الجمهور على ذلك: بأن الإباحة عبارة عن خطاب الشارع بالتخيير، وهذا متوقف على ورود الشرع. والخلاف بين الجمهور والمعتزلة في هذه المسألة متفرع على مسألة أخرى هي: الحسن والقبح في الأشياء، هل هي شرعية أو عقلية، فلا بد من بيان ذلك.\nمعنى الحسن والقبح:\nيطلق الحسن والقبح على معان ثلاثة:\nالمعنى الأول: أن الحسن: ما يلائم الفطرة الإنسانية المائلة إلى جلب المنافع ودفع المضار.\nوالقبح: ما ينافر الفطرة: فإنقاذ الإنسان من تهلكة حسن، وترك إنقاذه قبيح.\nالمعنى الثاني: أن الحسن: صفة كمال يستحق فاعله المدح من العباد في الدنيا.\nوالقبح: صفة نقص يستحق فاعله الذم من العباد في الدنيا. فالعلم حسن، والجهل قبيح.\nوهذان المعنيان لا خلاف بين العلماء في أنهما عقليان أي أن الفعل يستقل بإدراك ما فيهما من حسن أو قبيح من غير توقف على الشرع.","vol":"1","page":129},{"text":"........................................................................................................\n_________\n= المعنى الثالث: الحسن: ما يستحق فاعله المدح من الله تعالى، والثواب في الآخرة، كالصدق والتواضع، والجود.\nوالقبح: ما يستحق فاعله الذم من الله تعالى، والعقاب في الآخرة، كالكذب والتكبر، والبخل.\nوهذا النوع هو الذي جرى فيه الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة.\nفالمعتزلة يرون أنهما عقليان، أي أن العقل يستطيع أن يدرك ما فيهما من حسن أو قبح، وأن الوقوف على حكم الله تعالى لا يفتقر إلى ورود الشرع، لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وهذا أمر يدركه العقل، والشرائع تأتي مؤكدة لذلك، وأن الله تعالى عليه أن يأمر وينهى على وفق ما في الأفعال من حسن أو قبح.\nأما أهل السنة: فإنهم يقولون: لا يعلم ذلك إلا من جهة الشرع، إذ لا حاكم إلا الله تعالى، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح، ما قبحه الشرع، وأما العقل فلا يحسّن، ولا يقبّح، ولا يوجب ولا يحرّم.\nسبب الخلاف:\nوسبب الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة: أن المعتزلة يرون أن حسن الأشياء أو قبحها ذاتي، وأهل السنة يرون أنهما تابعان لصفات قائمة بهما.\nومن المؤكد أن رأي أهل السنة: هو الأرجح، وإلا لو كان حسن الأشياء أو قبحها ذاتيًّا، لكان الصدق حسنًا في كل الأحوال، ولكان الكذب قبيحًا في كل صوره، مع أن هذا مخالف للواقع.\nوقد أطال العلماء في الرد على مسلك المعتزلة ومن معهم، ومن أقوى الأدلة الدالة على بطلان مذهبهم: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فإن هذا النص الكريم يقتضي نفي التعذيب بمباشرة بعض الأفعال وترك بعضها قبل بعثة الرسل، ومذهب المعتزلة يستلزم تعذيب تارك الأفعال ومباشرة بعضها قبل بعثة الرسل، لأن الحسن والقبح -على مذهبهم- يتحقق قبل البعثة، والحسن في بعض الأفعال مستلزم لكونه واجبًا، والقبح في بعضها مستلزم لكونه حرامًا، فيكون بعض الأفعال قبل البعثة واجبًا، =","vol":"1","page":130},{"text":"وأنكر بعض المعتزلة ذلك؛ إذ معنى الإباحة: نفي الحرج عن الفعل والترك، وذلك ثابت قبل ورود السمع، فمعنى إباحة الشيء: تركه على ما كان قبل السمع.\nقلنا١: الأفعال ثلاثة أقسام:\nقسم صرح فيه الشرع بالتخيير بين فعله وتركه، فهذا خطاب، ولا معنى للحكم إلا الخطاب.\nوقسم لم يرد فيه خطاب بالتخيير، لكن دل دليل السمع على نفي الحرج عن فعله وتركه، فقد عرف بدليل السمع، ولولا هو لعرف بدليل العقل نفي الحرج عنه، فهذا اجتمع عليه دليل العقل والسمع.\nوقسم لم يتعرض الشرع له بدليل من أدلة السمع، فيحتمل أن يقال: قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك، فالمكلف فيه مخير.\nوهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل لا مدلول عليه سمعًا، فتكون إباحته من الشرع.\nويحتمل أن يقال: لا حكم له، والله أعلم.\n_________\n= وبعضها حرامًا، وترك الواجب يقتضي استحقاق العقاب، كما أن فعل الحرام يستوجب العقاب أيضًا. فيؤدي ذلك في النهاية إلى إثبات أحكام شرعية، قبل البعثة وهو مخالف لمقتضى الآية الكريمة. انظر: \"بيان المختصر للأصفاني جـ١ ص٢٨٧ وما بعدها\".\n١ بدأ المصنف يرد على المعتزلة الذين قالوا: إن الإباحة حكم عقلي، فبين أن المسألة فيها عدة احتمالات، وبعضها للعقل فيه مجال، إلا أنها في النهاية ترجع إلى الشرع، وهي -كما سبق- راجعة إلى مسألة الحسن، والقبح هل هما عقليان أو شرعيان؟","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>فصل: [في حكم الأشياء قبل ورود الشرع]</span>\nاختلف في الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع ما حكمها١:\nفقال التميمي٢، وأبو الخطاب، والحنفية: هي على الإباحة: إذ\n_________\n١ وضح الشيخ الشنقيطي محال الاتفاق ومحل الخلاف في المسألة فقال: \"الأعيان المنتفع بها لها ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يكون فيها ضرر محض، ولا نفع فيها -ألبتة- كأكل الأعشاب السامة القاتلة.\nالحالة الثانية: أن يكون فيها نفع محض، ولا ضرر فيها أصلًا.\nالحالة الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة، وضرر من جهة أخرى.\nفإن كان فيها ضرر محض، ولا نفع فيها، أو كان ضررها أرجح من نفعها أو مساويا له، فهي حرام؛ لقوله -ﷺ-: \"لا ضرر ولا ضرار\" وإن كان نفعها خالصًا لا ضرر معه، أو معه ضرر خفيف، والنفع أرجح منه فأرجح الأقوال الجواز، وقد أشار المصنف إلى هذا التفصيل بقوله: \"المنتفع بها\" فمفهومه: أن ما لا نفع فيه لا يدخل في كلامه\" انتهى ببعض تصرف. \"مذكرة أصول الفقه ص٢٠\".\nوهذه المسألة مفرعة على مسألة: الحسن والقبح العقليين. وللعلماء فيها مذاهب كثيرة منها: ما رجحه المصنف، وهي أنها مباحة مطلقًا، وقيل: إنها على الحظر حتى يأتي الشرع بالإباحة، ومنهم من توقف في الجزم برأي معين.\nيراجع في ذلك: المستصفى \"١/ ٦٣\"، والإحكام للآمدي \"١/ ٩١\".\n٢ هو: عبد العزيز بن حارث بن أسد، أبو الحسن التميمي، المولود سنة ٣١٧هـ. صحب أبا القاسم الخرقي وأبا بكر بن عبد العزيز، كان من أعيان علماء الحنابلة، له مؤلفات في الأصول والفروع. توفي سنة ٣٧١هـ.\nانظر: \"طبقات الحنابلة جـ٢ ص١٣٩، المنهج الأحمد جـ٢ ص٦٦\".","vol":"1","page":132},{"text":"قد علم انتفاعنا بها من غير ضرر علينا، ولا على غيرنا، فليكن مباحًا.\nولأن الله -سبحانه- خلق هذه الأعيان لحكمة لا محالة، ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يرجع إليه، فثبت أنه لنفعنا.\nوقال ابن حامد١، والقاضي٢، وبعض المعتزلة: هي على الحظر؛ لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله -سبحانه- المالك ولم يأذن٣.\nولأنه٤ يحتمل أن في ذلك ضررًا، فالإقدام عليه خطر٥.\n_________\n١ هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، إمام الحنابلة في عصره ومعلمهم ومفتيهم. من مؤلفاته: \"الجامع\" في الفقه وكتاب في أصول الفقه. توفي سنة ٤٠٣هـ. انظر: \"طبقات الحنابلة جـ٢ ص١٧١، شذرات الذهب جـ٣ ص١٦٦\".\n٢ تقدمت ترجمته قريبًا.\n٣ هذا هو الدليل الأول للقائلين بالحظر: قياس تصرف العبد في ملك الله -تعالى- على التصرف في ملك العباد، وهو ما يسميه الأصوليون: قياس أحكام الله تعالى على أحكام الخلق فيما بينهم، ونظم القياس هكذا: الواحد منا لا يجوز له أكل طعام غيره أو شرب شرابه، أو ركوب دابته، أو لبس ثوبه بغير إذنه، فكذلك أحكام الله تعالى، لا يجوز لنا التصرف فيها أن الحكم عليها بدون إذنه سبحانه.\n٤ هذا هو الدليل الثاني للقائلين بالحظر، وتقريره: أن الإقدام على هذا الانتفاع خطر، أي مخاطرة بالنفس، فالإمساك عنه أحوط لها في العقل.\nأما أنه خطر، فلأن بتقدير الحل في نفس الأمر أمَنَةً من العذاب، وبتقدير التحريم تكون معرضة له، فهذا وجه المخاطرة، وهو: ركوب أمر يلحق فيه الضرر على بعض الاحتمالات. وأما أن الإمساك عن الانتفاع المذكور يكون أحوط، فهو من القضايا الضرورية عقلًا وشرعًا وعرفًا. \"شرح مختصر الروضة جـ١ ص٣٩٥\".\n٥ في الأصل \"حظر\" وصححناه من شرح مختصر الروضة.","vol":"1","page":133},{"text":"وقال أبو الحسن الجزري١، وطائفة من الواقفية٢: لا حكم لها؛ إذ معنى الحكم: الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع.\nوالعقل لا يبيح شيئا ولا يحرمه، وإنما هو معرف للترجيح والاستواء، وقبح التصرف في ملك الغير إنما يعلم بتحريم الشارع ونهيه.\nولو حكمت فيه العادة [لقضت بأنه] إنما يقبح في حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، بل يقبح المنع مما لا ضرر فيه، كالظل وضوء النار.\nوهذا القول هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا دخل له في الحظر والإباحة، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وإنما تثبت الأحكام بالسمع.\nوقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٣.\n_________\n١ هو: أحمد بن نصر بن محمد، أبو الحسن الجزري -نسبة إلى جزيرة ابن عمر بالعراق- من قدماء الحنابلة، ومن المبرزين في المناظرة، والجدل والأصول والفروع. توفي سنة ٣٨٠هـ \"طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٧\".\n٢ هم الذين يقفون في المسائل المختلف فيها، ولا يجزمون فيها برأي معين، والتوقف له معنيان، أو سببان: إما لعدم الدليل أصلًا، وإما لتعارض الإدلة.\n٣ سورة البقرة من الآية: ٢٩ وقد بين الشيخ \"ابن بدران\" وجه الاستدلال بالآية الكريمة فقال: \"وجه الاستدلال: أنه ﷾ أخبرهم -في معرض الامتنان عليهم وتذكيرهم النعمة- أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص أو الملك، إذا صادفت قابلًا له، والخلق قابلون للملك، وهو في الحقيقة: تخصيص من الله -سبحانه- لهم بانتفاعهم به؛ إذ لا مالك -على الحقيقة- إلا الله -﷾- فاقتضى ذلك: أنهم متى اجتمعوا وما خلق لهم وسخر لهم في الوجود ملكوه، وإذا ملكوه جاز انتفاعهم به؛ إذ فائدة الملك: جواز الانتفاع\". \"نزهة الخطر جـ١ ص١٩\".","vol":"1","page":134},{"text":"وبقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِش﴾ الآية١.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٢.\nوبقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية٣. ونحو ذلك.\nوقول النبي -ﷺ-: \"...... وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه\" ٤ وقوله: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم\n_________\n١ سورة الأعراف من الآية: ٣٣.\n٢ سورة الأنعام من الآية: ١٥١.\n٣ سورة الأنعام من الآية: ١٤٥.\nووجه الاستدلال بالآيات الثلاث: أن الله -تعالى- حصر المحرمات فيما ذكر فيها، فدل ذلك على أن غير المذكورات في الآيات على الإباحة.\n٤ رواه الترمذي في سننه حديث رقم \"١٧٢٦\" وابن ماجه في سننه رقم \"٣٣٦٧\" والحاكم في المستدرك \"٤/ ١١٥\"، والبيهقي \"٩/ ٣٢٠\" عن سلمان الفارسي -﵁- قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن السمن والجبن والفراء فقال:\n\"الحلال: ما أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى عنه\".\nوالفراء: جمع \"الفرا\" بفتح: حمار الوحش. وقيل: جمع \"الفرو\" الذي يلبس. ويشهد لهذا القول: ما فعله الترمذي؛ فإنه ذكر في باب لبس الفرو وإنما سألوه عنه حذرًا من صنيع الكفر من اتخاذ الفرو من جلود الميتة غير مدبوغة.\nوفي سند الحديث مقال، حيث ضعف المحدثون أحد رواته وهو: \"سيف بن هارون\". قال الترمذي: وكأن الموقوف أصح.\nومع ذلك فللحديث: ما يؤيده ويقويه من أحاديث أخرى تؤدي نفس المعنى، =","vol":"1","page":135},{"text":"يحرم على الناس، فحرم من أجل مسألته\"١.\nوفائدة الخلاف: أن من حرم شيئًا أو أباحه كفاه فيه استصحاب حال الأصل.\n_________\n= منها قوله -ﷺ-: \"إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها\" انظر: \"مجمع الزوائد ٧/ ٧٥\".\n١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>فصل: [هل المباح مأمور به]</span>\nالمباح غير مأمور به، لأن الأمر: استدعاء وطلب، والمباح مأذون فيه ومطلق له، غير مستدعى ولا مطلوب. وتسميته مأمورًا تجوّز٢.\n_________\n= منها قوله -ﷺ-\"إن الله -تعالى- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها\" انظر: \"مجمع الزوائد ٧/ ٧٥\".\n١ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في السنة، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر.\n٢ الخلاف في هذه المسألة بين علماء الأصول وبين عبد الله بن أحمد الكعبي من المعتزلة. فالجمهور يرون أن المباح غير مأمور به، لأن الأمر استدعاء وطلب والمباح ليس كذلك. بيانه أن الأمر يستلزم ترجيح إيجاد الفعل ولا ترجيح في المباح. وقوله: \"وتسميته مأمورًا تجوز\" جواب عن سؤال مقدر هو: كيف يكون غير مأمور به، وهو يسمى مأمورًا؟ فأجاب المصنف: أن هذا من قبيل الأمر المجازي لا الحقيقي.\nوذهب الكعبي إلى أن المباح مأمور به، محتجًّا: بأن المباح ترك الحرام، وترك الحرام واجب، فيكون المباح واجبًا.\nوأجاب المصنف على ذلك: بأن المباح يستلزم ترك الحرام ويحصل به، لا أن المباح هو ترك الحرام بعينه، وإلا فترك الحرام كما يحصل بالمباح يحصل بالواجب والمندوب إلى آخر التصورات التي ذكرها المصنف.","vol":"1","page":136},{"text":"فإن قيل: ترك الحرام مأمور به، والسكوت المباح يترك به الكفر، والكذب الحرام، فيكون مأمورًا به.\nقلنا: فليكن المباح واجبًا إذًا، وقد يترك الحرام إلى المندوب فليكن واجبًا.\nوقد يترك الحرام بحرام آخر، فليكن الشيء حرامًا واجبًا، ولتكن الصلاة حرامًا إذا تحرّم بها من عليه الزكاة، وهذا باطل.\nفإن قيل: فهل الإباحة تكليف؟\nقلنا: من قال التكليف: الأمر والنهي، فليست الإباحة كذلك.\nومن قال: التكليف: ما كلف اعتقاد كونه من الشرع، فهذا كذلك. وهذا ضعيف؛ إذ يلزم عليه جميع الأحكام١.\nالقسم الرابع: المكروه\nوهو: ما تركه خير من فعله٢.\nوقد يطلق ذلك على المحظور٣.\n_________\n١ خلاصة ذلك راجع إلى معنى \"التكليف\" فمن قال هو: طلب ما فيها كلفة ومشقة -وهم الجمهور- قال: المباح غير داخل فيه هو اعتقاد كونه مباحًا، قال: هو داخل في التكليف، وهو ضعيف كما قال المصنف.\n٢ اعترض بعض العلماء على هذا التعريف بأنه يتناول المحرم، لأن تركه خير من فعله، ولذلك أضافوا إلى التعريف قيدًا يخرج الحرام وهو: \"من غير ذم\".\n٣ وقد ورد في آيات القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إلى أن قال سبحانه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الآيات: ٣١-٣٨ من سورة الإسراء] . =","vol":"1","page":137},{"text":"وقد يطلق على ما نهي عنه نهي تنزيه١، فلا يتعلق بفعله عقاب.\nفصل: والأمر المطلق لا يتناول المكروه٢؛\nلأن الأمر: استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعى ولا مطلوب.\nولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا.\nوإذا قلنا: إن المباح ليس مأمورًا، فالمنهي عنه أولى.\n_________\n= كما أنه وارد في لغة الفقهاء: يقول الإمام الخرقي: \"ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة\" أي: يحرم.\n١ الجمهور على أن المكروه قسم واحد: أما الحنفية فقسّموه إلى قسمين:\nأ- المكروه كراهة تحريم: وهو: ما نهى عنه الشرع نهيًا جازمًا بدليل ظني، كأخبار الآحاد والقياس. ومثلوا له بقول الرسول -ﷺ-: \"لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر\" رواه مسلم وابن ماجه. وهو حديث آحاد، فهو ظني الثبوت.\nفالفارق -عندهم- بين الحرام والمكروه تحريمًا: أن الحرام ثابت بدليل قطعي، والمكروه ثابت بدليل ظني، وهو أقرب إلى الحرام، حتى عده بعضهم من الحرام، وإن كان لا يكفر جاحده.\nب- المكروه تنزيهًا: وهو: ما طلب الشارع الكف عنه طلبًا غير جازم، وهو المقابل للمندوب، مثل: نهي الرسول -ﷺ- عن أن يشبك الشخص بين أصابعه في المسجد.\nروى أبو داود وأحمد أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبك بين أصابعه\" انظر: نيل الأوطار \"٢/ ٣٧٣\".\n٢ وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية وبعض الحنابلة إلى أنه يتناوله.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>فصل: القسم الخامس: الحرام</span>\nالحرام ضد الواجب١: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى: واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد.\nوالواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون انقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات توجب المغايرة، والمغايرة\n_________\n= وقد استدل المصنف لمذهب الجمهور: بأن تعريف الأمر لا يتناول المكروه، كما أن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين، وإذا كان الراجح في المباح أنه غير مأمور به، فكون المكروه غير مأمور به أولى.\nوتوضيح ذلك: أن المأمور به إذا كان بعض جزيئاته منهيًا عنه، نهي تنزيه أو تحريم، فلا يدخل المنهي عنه في المأمور به -كما يقول الجمهور- خلافًا لمن ذهب إلى دخوله فيه. ومن أمثلة ذلك: تحية المسجد، فهي سنة ومأمور بها، فلو دخل المصلي في وقت الكراهة، هل يصلي تحية المسجد أو لا؟\nللفقهاء في ذلك خلاف مبني على هذه المسألة.\nهذا ما أفهمه في هذه المسألة، وإلا فلا يعقل أن يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه في وقت واحد، وبصفة واحدة، ولذلك قال المصنف: \"فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا\".\n١ يعني: أنه تقدم في تعريف الواجب أنه: \"ما توعد بالعقاب على تركه\" أو \"ما يعاقب تاركه\" أو \"ما يذم تاركه شرعًا\" فإذا كان الحرام ضد الواجب فيكون تعريفه \"ما توعد بالعقاب على فعله\"، أو \"ما يعاقب فاعله\" أو \"ما يذم فاعله شرعًا\" وإن شئت قلت: ما طلب الشارع تركه جازمًا. هذا هو معناه شرعًا أما في اللغة: فهو الممنوع. قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْل....﴾ [القصص: ١٢] مأخوذ من الحرمة، وهو: ما لا يحل انتهاكه.","vol":"1","page":139},{"text":"تارة تكون بالنوع، وتارة تكون باختلاف في الوصف، كالسجود لله -تعالى- واجب، والسجود للصنم حرام، والسجود لله -تعالى- غير السجود للصنم.\nقال الله -تعالى- ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنّ﴾ ٢.\nوالإجماع منعقد على أن الساجد للصنم عاص، بنفس السجود والقصد جميعًا، والساجد لله مطيع بهما جميعًا.\nوأما الواحد بالعين: كالصلاة في الدار المغصوبة من عمرو، فحركته في الدار واحد بعينه.\nواختلفت الرواية في صحتها:\nفروي أنها لا تصح، إذ يؤدي إلى أن تكون العين الواحدة من الأفعال حرامًا واجبًا، وهو متناقص؛ فإن فعله في الدار وهو: \"الكون في الدار، وركوعه وسجوده وقيامه وقعوده\" وأفعال اختيارية هو معاقب عليها، منهي عنها، فكيف يكون متقربًا بما هو معاقب عليه، مطيعًا بما هو عاص به؟!\nوروي أن الصلاة تصح؛ لأن هذا الفعل الواحد له وجهان متغايران، هو مطلوب من أحدهما، مكروه من الآخر، فليس ذلك محالًا، إنما المحال: أن يكون مطلوبًا من الوجه الذي يكره منه.\nففعله من حيث إنه صلاة مطلوب.\nمكروه من حيث إنه غصب.\n_________\n١ سورة فصلت من الآية: ٣٧.","vol":"1","page":140},{"text":"والصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة١، وقد اجتمع الوجهان المتغايران.\nفنظيره: أن يقول السيد لعبده: خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن ارتكبت النهي عاقبتك، فخاط الثواب في الدار، حسن من السيد عتقه وعقوبته.\nولو رمى سهمًا إلى كافر فمرق منه إلى مسلم لاستحق سَلَب الكافر٢، ولزمته دية المسلم؛ لتضمن الفعل الواحد أمرين مختلفين.\nومن اختار الرواية الأولى٣ قال: ارتكاب النهي متى أخل بشرط العبادة أفسدها بالإجماع، كما لو نهى المحدث عن الصلاة، فخالف وصلى، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، فكيف يمكن التقرب به، وقيامه وقعوده في الدار فعل هو عاص به، فكيف يكون متقربًا بما هو عاص به؟! وهذا محال.\nوقد غلط من زعم أن في هذه المسألة إجماعًا٤؛ لأن السلف لم\n_________\n١ أي يمكن وجود أحدهما بدون الآخر، كمن صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل.\n٢ سلب الكافر: ما على القتيل من ثياب وحلى وسلاح وإن كثر، وفي دخول الدابة وآلتها في السلب روايتان. وكون السلب للقاتل ثابت بأحاديث صحيحة، منها ما رواه البخاري عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قتل قتيلًا فله سلبه ... \" قالها ثلاثًا في حديث طويل رواه البخاري في باب من لم يخمس الأسلاب حديث رقم \"٣١٤٢\" والمغازي رقم \"٤٣٢١\".\n٣ وهي عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة.\n٤ حكى المصنف في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة مذهبين: أحدهما: أنها صحيحة، وثانيهما: أنهما غير صحيحة. وفيها مذهب مروي عن أبي بكر الباقلاني وغيره: أنها غير صحيحة، ولكن يسقط بها الفرض. =","vol":"1","page":141},{"text":"يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء الصلوات في أماكن الغصب، إن هذا جهل بحقيقة الإجماع، فإن حقيقته: الاتفاق من علماء أهل العصر، وعدم النقل عنهم ليس بنقل الاتفاق.\nولو نقل عنهم أنهم سكتوا فيحتاج إلى أنه اشتهر فيما بينهم كلهم: القول بنفي وجوب القضاء فلم ينكروه.\nفيكون -حينئذ- فيه اختلاف هل هو إجماع أم لا؟\nعلى ما سنذكره في موضعه.\n_________\nقال الطوفي -عن هذا الرأي-: \"وهذا مسلك ظاهر الضعف، لأن سقوط الفرض بدون أدائه شرعًا غير معهود، بل لو منع الإجماع المذكور لكان أيسر عليه، فإنه يبعد على الخصم أن يثبت أن ظالمًا في زمن السلف صلى في مكان مغصوب وعلم به أهل الإجماع، فضلًا عن أن يثبت ذلك في جميع الظلمة أو أكثرهم، ولو سلّم ذلك، لكن لا نسلم أنهم أقروا الظلمة على ذلك ولم يأمروهم بالإعادة، ولا يلزم من عدم نقل ذلك عدم وجوده، لجواز أن الأمر بالإعادة وجود لم ينقل، لاستيلاء الظلمة وسطوتهم، أو كون الحكم ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقل الإنكار فيه\" \"شرح مختصر الروضة جـ١ ص٣٦٣\".\nوالصلاة في الدار المغصوبة مثال جاء به المصنف تطبيقًا على مسألة: أن الشيء الواحد يستحيل أن يكون واجبًا حرامًا في وقت واحد.\nوقد وضح الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- كلام المصنف فقال: \"إيضاح معنى كلامه﵀- أن الوحدة ثلاثة أقسام:\nأ- وحدة بالجنس.\nب- وحدة بالنوع.\nجـ- وحدة بالعين.\nأما الوحدة بالجنس أو النوع: فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما =","vol":"1","page":142},{"text":".................................................................\n_________\n= حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضها حلالًا.\nمثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير، لأنهما يشملهما جنس واحد هو \"الحيوان\" فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.\nومثال الوحدة بالنوع: السجود: فإنه نوع واحد، فالسجود لله والسجود للصنم يدخلان في نوع واحد هو: اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، ولله قربة. كما قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .\nومثال الوحدة بالعين: عند المؤلف -﵀-: الصلاة في الدار المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا، وبعضها مباحًا.\nوإيضاح مراده أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعدّيًا غصب، فهو حرام. فهذا الركن الذي هو القيام غصب فهو حرام، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده وهكذا.\nوشغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا غصب، فلا يمكن أن يكون قربة، لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربة معصية؛ لاستحالة اجتماع الضدين في شيء واحد، من جهة واحدة، فليزم بطلان الصلاة المذكورة.\nومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة وهم الجمهور. قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان: هو طاعة من إحداهما، ومعصية من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة -من حيث هي صلاة- قربة، ومن حيث هي غصب معصية، فله صلاته وعليه غصبه.\nفيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي رد، للحديث الصحيح: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" فيقول خصمه، الصلاة في نفسها من أمرنا، فليست برد، وإنما الغصب هو الذي ليس =","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>فصل: [في أقسام النهي]</span>\nمصححو الصلاة في الدار المغصوبة قسموا النهي ثلاثة أقسام:\nالأول: ما يرجع إلى ذات المنهي عنه، فيضاد وجوبه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى....﴾ ١.\nوإلى ما لا يرجع إلى ذات المنهي عنه، فلا يضاد وجوبه، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ٢ مع قول النبي -ﷺ-: \"لا تلبسوا الحرير\" ٣.\nولم يتعرض في النهي للصلاة، فإذا صلى في ثوب حرير أتى بالمطلوب والمكروه٤ جميعًا.\nالقسم الثالث: أن يعود النهي إلى المنهي عنه دون أصله، كقوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ٥ مع قوله -تعالى-: ﴿لاَ\n_________\nمن أمرنا فهو رد\" \"مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٢٢-٢٣\" ط. دار القلم، بيروت.\n١ سورة الإسراء من الآية: ٢٣.\n٢ سورة الإسراء من الآية: ٧٨.\n٣ حديث صحيح رواه البخاري عن عمر بن الخطاب -﵁- في كتاب اللباس، باب: لبس الحرير \"٤/ ٨٣\" ومسلم: كتاب اللبس \"٤/ ١٤٠\" بلفظ: \"ولا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" كما رواه النسائي والترمذي وأحمد.\n٤ استعمل المصنف كلمة \"المكروه\" وقصده \"المحرم\" وهو وارد فقد جاء في القرآن الكريم إطلاق لفظ \"المكروه\" على بعض المقطوع بحرمتها، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ اقرأ الآيات ٣١-٣٨ من سورة الإسراء.\n٥ سورة البقرة الآيات: ٤٣، ١١٠ وفي سورة الأنعام ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاة وَاتَّقُوهُ","vol":"1","page":144},{"text":"تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيل﴾ ١ وقوله -﵇-: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" ٢، ونهيه عن الصلاة في المقبرة٣، وقارعة الطريق، والأماكن السبعة٤. ونهيه عنها في الأوقات الخمسة٥.\n_________\nوَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٧٢] .\n١ سورة النساء من الآية: ٣٤.\n٢ هذا جزء من حديث ورد في قصة فاطمة بنت حبيش بنت جحش، وحمنة بنت جحش، بألفاظ مختلفة: فرواه أبو داود: كتاب الطهارة باب: في المرأة المستحاضة، وأحمد في المسند \"٦/ ٣٢٢\" عن أم سلمة -﵂- أنها استفتت النبي -ﷺ- لفاطمة بنت أبي حبيش فقال لها: \"تدع الصلاة قدر أقرائها، ثم تغتسل وتصلي\" وفي الموطأ والبخاري: \" إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي\". وللحديث روايات أخرى كثيرة.\nيراجع: \"الموطأ ١/ ٦١، فتح الباري ١/ ٤٠٩، جامع الأصول ٧/ ٣٦٠-٣٦٨\".\n٣ روى مسلم في صحيحه \"٩٧-٩٧٢\" عن أبي مرثد أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\".\n٤ عن ابن عمر، -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق\" حديث صحيح رواه الترمذي: أبواب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية ما يصلي إليه وفيه، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: المواضع التي تكره فيها الصلاة.\nوالمراد ببيت الله: الكعبة المشرفة لإخلاله بالتعظيم وعدم احترامها بالاستعلاء عليها، والمزبلة: محل الزبل، ومثله كل نجاسة متيقنة. وعطن الإبل، المكان الذي تنحّى فيه ليشرب غيرها، ومحجة الطريق: وسطه \"فيض القدير ٤/ ٨٨\".\n٥ صحت الأحاديث الدالة على النهي في الأوقات الخمسة، ومنها: الحديث الذي =","vol":"1","page":145},{"text":"فأبو حنيفة يسمي المأتي به على هذا الوجه فاسدا وغير باطل١.\nوعندنا: أن هذا من القسم الأول١، وهو قول الشافعي، فإن المكروه الصلاة في زمن الحيض٣، لا الوقوع في الحيض مع بقاء الصلاة مطلوبة، إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الإيقاع، ولذلك بطلت الصلاة في هذه المواضع كلها٤.\n_________\n= رواه البخاري ومسلم أنه -ﷺ- قال: \"لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس\".\nوعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب\" رواه مسلم. انظر: صحيح البخاري \"١/ ٣٥٢\"، صحيح مسلم \"١/ ٥٦٧\" الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل للمؤلف جـ١ ص١٢٢ ط. المكتب الإسلامي.\n١ حيث يفرق الحنفية بين الفاسد والباطل فيقول: الفاسد: ما كان الخلل فيه راجعًا إلى وصف من أوصاف الفعل، أما الباطل: فما كان الخلل فيه راجعًا إلى أصل الفعل. انظر: أصول السرخسي ج١ ص٨٠.\n٢ وهو: النهي الذي يرجع إلى ذات المنهي عنه.\n٣ يقصد بالمكروه هنا -المحرم- كما تقدم. وإلا فالصلاة في زمن الحيض حرام.\n٤ وضح الشيخ \"الشنقيطي\" ما أراده المصنف من هذا الفصل فقال: \"اعلم أن حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن المنهي عنه إما أن تكون جهة النهي فيه منفردة، أعني: أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها، كالشرك بالله، والزنا، فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا إشكال في أنه باطل على كل حال.\nوإما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها، وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي فالفعل صحيح، وإن لم تنفك عنها فالفعل باطل.\nلكنهم عند التطبيق يختلفون:\nفيقول الحنبلي: الصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، =","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>فصل: [الأمر بالشيء نهي عن ضده]</span>\nالأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى، فأما الصيغة فلا؛ فإن قوله \"قم\" غير قوله لا \"تقعد\".\n_________\n= مأمور بها من جهة الصلاة، إلا أن الجهة هنا غير منفكة، لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا، والصلاة يشترط فيها نية التقرب، وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصب لا يمكن فيها نية التقرب، إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاص به.\nأما إذا انفكت الجهة فالفعل صحيح، كالصلاة بالحرير، فإن الجهة منفكة، لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا، في الصلاة وغيرها، فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة وعليه إثم لبسه الحرير.\nفيقول المالكي والشافعي -مثلًا-: لا فرق -ألبتة- بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب -أيضًا- حرام في الصلاة وفي غيرها، فصلاته صحيحة وعليه إثم غصبه.\nويقول المالكي -مثلًا- مثال الجهة غير المنفكة: صوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة الله؛ لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة الله، لأن الإعراض عنهما هو: الامتناع عن الأكل والشرب، فلا يمكن انفكاك الجهة.\nفيقول الحنفي: الجهة منفكة أيضًا، لأن الصوم -من حيث إنه صوم- قربة، ومن حيث كونه في العيد منهي عنه، فالجهة منفكة ولذا: لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد بناء على انفكاك الجهة عنده.\nوقول المؤلف -﵀- في هذا المبحث: \"قسموا النهي إلى ثلاثة أقسام\" إيضاح معناه: أن المنهي عنه: إما أن يكون المنهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا: وهو أن المنهي عنه لخارج =","vol":"1","page":147},{"text":"وإنما النظر في المعنى وهو: أن طلب القيام هل هو بعينه طلب ترك القعود١؟\n_________\n= عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكون منفكة عنها، فتكون الأقسام أربعة:\nمثال المنهي عنه لذاته: الشرك بالله والزنا.\nومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار.\nومثل له المؤلف بالصلاة في حالة السكر، لأنها منهي عنها لوصف السكر القائم بالمصلي.\nومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير.\nومثال المنهي عنه لخارج لازم: -عند المؤلف- الصلاة في المكان المغصوب، والنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها وهي: ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو الخارج عنه له لزومًا غير منفك.\nأما الرابع: فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم راجع: مذكرة أصول الفقه ص٢٤-٢٥.\n١ وضح الشيخ الشنقيطي كلام المصنف في هذا الفصل فقال: \"اعلم أن كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده فيه ثلاثة مذاهب:\nالأول: أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين، قالوا: أسكن مثلًا، السكون المأمور به فيه، هو عين ترك الحركة، فهو إذًا عين النهي عن الحركة أيضًا، فالأمر بالسكون هو النهي عن الحركة، قالوا وشغل الجسم فراغًا هو عين تفريغه للفراغ الذي انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق، وهو بالإضافة إلى المشرق قرب إلى المغرب بعد، قالوا ومثل ذلك طلب السكون فهو بالنسبة إليه أمر، وإلى الحركة نهي، والذين قالوا بهذا القول اشترطوا في الأمر كون المأمور به معينًا وكونه وقته مضيقًا ولم يذكر ذلك المؤلف، أما إذا كان غير معين كالأمر بواحد من خصال الكفارة فلا يكون نهيًا عن ضده، فلا يكون في آية الكفارة نهي عن ضد الإعتاق، مثلًا لجواز ترك الإعتاق من أصله والتلبس بضده والتكفير بالإطعام مثلًا، =","vol":"1","page":148},{"text":"......................................................................................................\n_________\n= وذلك بالنظر إلى ما صدقه، أي فرده المعين كما مثلنا لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الأشياء.\nفإن الأمر حينئذ نهي عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها، وكذلك الوقت الموسع فلا يكون الأمر بالصلاة في أول الوقت نهيًا على التلبس بضدها في ذلك الوقت، بل يجوز التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت.\nثم قال:\nالذي يظهر -والله أعلم- أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، مبني على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسي ولفظي. وأن الأمر النفسي، هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة، وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الأمر هو عين النهي عن الضد، مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهي ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، والنهي استدعاء ترك، فليس استدعاء شيء موجود، وبهذا يظهر أن الأمر ليس عين النهي عن الضد، وأنه لا يمكن القول بذلك إلا على زعم أن الأمر هو الخطاب النفسي القائم بالذات المجرد عن الصيغة، ويوضح ذلك اشتراطهم في كون الأمر نهيًا عن الضد أن يكون الأمر نفسيًا يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحب الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله من حيث المعنى، وأما الصيغة فلا، ولم ينتبه، لأن هذا من المسائل التي فيها النار تحت الرماد، لأن أصل هذا الكلام مبني على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ، لأن هذا القول الباطل يقتضي أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السموات والأرض، وبطلان ذلك واضح وسيأتي له إن شاء الله زيادة إيضاح في مباحث القرآن ومباحث الأمر.\nالمذهب الثاني: أن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده، ولكنه يستلزمه، وهذا هو أظهر الأقوال: لأن قولك أسكن مثلًا يستلزم نهيك عن الحركة لأن المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده لاستحالة اجتماع الضدين وما لا يتم =","vol":"1","page":149},{"text":"فقالت المعتزلة: ليس بنهي عن ضده، لا بمعنى أنه عينه ولا يتضمنه ولا يلازمه؛ إذ يتصور أن يأمر بالشيء من هو ذاهل عن ضده، فكيف يكون طالبا لما هو ذاهل عنه، فإن لم يكن ذاهلا عنه فلا يكون طالبًا له إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك ضده، فيكون تركه ذريعة بحكم الضرورة، لا بحكم ارتباط الطلب به، حتى لو تصور -مثلًا- الجمع بين الضدين ففعل، كان ممتثلًا، فيكون من قبيل: ما لا يتم الواجب إلا به واجب، غير مأمور به.\nوقال قوم: فعل الضد: هو عين ترك ضده الآخر، فالسكون عين ترك الحركة، وشغل الجوهر حيزا عين تفريغه للحيز المنتقل عنه، والبعد من المغرب هو: عين القرب من المشرق وهو بالإضافة إلى المشرق قرب، وإلى المغرب بعد.\nفإذًا: طلب السكون بالإضافة إليه أمر، وإلى الحركة نهي.\nوفي الجملة: إنا لا نعتبر في الأمر الإرادة١، بل المأمور: ما اقتضى الأمر امتثاله.\n_________\n= الواجب إلا به واجب كما تقدم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلاني في آخر مصفاته وكان يقول بالأول.\nالمذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه، وهو قول المعتزلة والأبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية، واستدل من قال بهذا بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلًا عن ضده، وإذا كان ذاهلًا عنه فليس ناهيًا عنه إذ لا يتصور النهي عن الشيء مع عدم خطوره بالبال أصلًا، ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره لزومًا لا ينفك، إذ لا يصح امتثال الأمر بحال إلا مع الكف عن ضده، فالأمر مستلزم ضرورة للنهي عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين قالوا ولا تشترط إرادة الآمر كما أشار إليه المؤلف ﵀. \"مذكرة أصول الفقه ص٢٦-٢٧\".\n١ علق الشيخ \"الشنقيطي\" على هذا بقوله: \"قولهم هنا: \"ولا تشترط إرادة الآمر\". =","vol":"1","page":150},{"text":"والأمر يقتضي ترك الضد؛ ضرورة أنه لا يتحقق الامتثال إلا به، فيكون مأمورا به، والله أعلم.\nفهذه أقسام أحكام التكليف١.\nولنبين -الآن- التكليف، ما هو شروطه.\n_________\n= غلط؛ لأن المراد بعدم اشترط الإرادة في الأمر: إرادة الآمر وقوع المأمور به، أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه الأمر، فلا بد منها على كل حال، وهي محل النزاع هنا.\nومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة: قول الرجل لامرأته: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال لها: قومي فقعدت، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فقوله \"قومي\" هو عين النهي عن القعود، فيكون قعودها مخالفة لنهيه المعبر عنه بصيغة الأمر، فتطلق، وعلى أنه مستلزم له فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول، هل هو أو لا، وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد ولا مستلزمًا له، فإنها لا تطلق\" مذكرة أصول الفقه ص٢٨.\n١ ذكره بعض العلماء قسمًا سادسًا سموه:\nمرتبة العفو\nومعناها: أن الله -تعالى- لا يعذب عليها؛ لأنه قد عفا عن فاعلها، ولا يحاسبه عما فعل، ولا يمكن أن يطلق على هذه المرتبة اسم \"المباح\".\nوالأصل في هذه المرتبة: ما رواه الحاكم وابن جرير والدراقطني من حديث أبي ثعلبة الخشني -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن الله فرض فرائض فلا يضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها\" حديث حسن كما قال النووي في أربعينه. =","vol":"1","page":151},{"text":"..........................................................\n_________\n= ويشمل ذلك:\n١- ما كان عليه أهل الجاهلية، حيث كانوا يستبيحون ما لم يبحه الإسلام -بعد ذلك- كالتزوج بأزواج الآباء، وجمعهم بين الأختين، وقد جاءت آيات القرآن الكريم بتحريم ذلك، والإشارة إلى أن الله تعالى قد عفا عما سلف.\nيقول الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة النساء الآية: ٢٢] .\nويقول -جل شأنه-: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَف﴾ [سورة النساء الآية: ٢٣] .\n٢- ومنه -أيضًا- ما تركه الإسلام في أول ظهوره من غير نص قاطع بالتحريم، ثم نزل النص القاطع بتحريمه، كما جاء في \"الخمر والميسر\".\nولذلك ختمت الآيات الواردة في سورة المائدة بالتحريم النهائي في شأنهما، ختمت بها يفيد أن الله تعالى قد عفا عما مضى، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ، لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة الآيات ٩٠-٩٣] .\nومن هذا القبيل: ما جاء في موضوع تحريم الربا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .\n٣- ومن هذا القبيل: عدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه، فإن هذه الأمور لا تندرج تحت \"المباح\" بحيث يستوي فيها الفعل والترك، بل هي من مرتبة العفو التي تفضل المولى -سبحانه- بعدم المؤاخذة عليها.\nوهذا ما جاء واضحًا في قول الرسول -ﷺ-: \"رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" وراه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب: المكره ١/ ٦٥٩، والدارقطني في السنن ٤/ ١٧٠، والبيهقي في سننه، كتاب الخلع، =","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>فصل: [في معنى التكليف وشروطه]</span>\nالتكليف في اللغة: إلزام ما فيه كلفة. أي: مشقة١.\nقالت الخنساء٢ في صخر٣:\nيكلفه القوم ما نابهم٤ ... وإن كان أصغرهم مولدًا٥\n_________\n= باب: طلاق المكره ٧/ ٣٥٧، والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق ٢/ ١٩٨.\n٤- ومنه: من ارتكب شيئًا ثبت تحريمه، ولكنه يجهل التحريم لعذر، كمن يتزوج امرأة محرمة عليه وهو لا يعلم، كأن تكون أخته من الرضاعة، وهو لا يعلم بذلك، فإذا تبين الإنسان ذلك بعد الزواج فرّق بينهما دون مؤاخذة، فلا حد عليهما.\n١ جاء في القاموس المحيط \"٣/ ١٩٨\": \"والتكليف: الأمر بما يشق، وتكلفه: تجشمه\".\n٢ هي: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، من بني سليم، من أهل نجد، أشهر شواعر العرب، وأشهرهن على الإطلاق، عاشت في الجاهلية، وأدركت الإسلام فأسلمت، ووفدت على رسول الله -ﷺ- مع قومها، فكان رسول الله -ﷺ- يستنشدها ويعجبه شعرها، توفيت سنة ٢٤هـ. \"الشعر والشعراء لابن قتيبة ص٢١٣، أسد الغابة ٧/ ٨٨\".\n٣ هو: صخر بن عمرو بن الحارث، قتل يوم كلاب، وقيل: يوم ذي الأثل، طعنه ربيعة بن ثعلبة الأسدي، وكان من فرسان العرب وشجعانهم. فلما قتل رثته أخته \"الخنساء\" بقصيدة طويلة مطلعها:\nأعيني جودا ولا تجمدا\nألا تبكيان لصخر الندا\n٤ في ديوان الخنساء ص٣١ \"ما عالهم\".\n٥ انظر: ديوان الخنساء ٣١ ط. الأندلس.","vol":"1","page":153},{"text":"وهو في الشريعة: الخطاب بأمر أو نهي١.\nوله شروط بعضها يرجع إلى المكلف، وبعضها يرجع إلى نفس المكلف به.\nأما ما يرجع إلى المكلف: فهو أن يكون عاقلا يفهم الخطاب٢.\nفأما الصبي والمجنون: فغير مكلفين؛ لأن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال: ولا تمكن إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود، والفهم للتكليف إذ من لا يفهم كيف يقال له افهم؟ \"ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يكلم؟ وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة، فهو كمن لا يسمع\"٣.\nومن يفهم فهما ما \"لكنه لا يفهم ولا يثبت كالمجنون وغير المميز\"٤ فخطابه ممكن، لكن اقتضاء الامتثال منه -مع أنه لا يصح منه قصد صحيح- غير ممكن. ووجوب الزكاة٥ والغرامات في مال الصبي\n_________\n١ اعترض على هذا التعريف بأنه لا يشمل المباح، فليس فيه أمر ولا نهي.\nوأجيب: بأنه ألحق بالأحكام التكليفية من قبيل التغليب، فأطلق عليه اسم التكليف تجوزًا، وقيل: إن المباح يجب اعتقاد إباحته، فهو داخل تحت الحكم التكليفي.\n٢ المصنف جمع بين العقل وفهم الخطاب، لأن الإنسان قد يكون عاقلًا ولا يفهم الخطاب كالصبي الناسي والسكران والمغمى عليه، فإنهم في حكم العقلاء من بعض الوجوه وهم لا يفهون.\n٣ ما بين القوسين من المستصفى ص\"١٠١\" طبعة الجندي وهي في الأصل: \"ومن لا يسمع لا يقال له: تكلم، وإن سمع ولم يفهم كالبهيمة فهو كمن لا يسمع\".\n٤ ما بين القوسين من المستصفى ص\"١٠١\" وهي في الأصل: \"ومن لا يفهم فهمًا ما كغير المميز\" وفيها نقص واضح.\n٥ هذا دفع لاعتراض قد يرد مفاده: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلفين فكيف =","vol":"1","page":154},{"text":"والمجنون ليس تكليفًا لهما، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير١.\nوإنما معناه: أن الائتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمتهما، بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال، وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، وهذا ممكن، إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم: افهم.\nوإنما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة بالإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به يفهم التكليف في ثاني الحال. والبهيمة ليس لها أهلية فهم الخطاب، لا بالقوة ولا بالفعل، فلم يتهيأ ثبوت الحكم في ذمتها.\nوالشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكن الحصول على القرب فنقول: هو موجود بالقوة.\nكما أن شرط الملكية: الإنسانية، وشرط الإنسانية الحياة، والنطفة يثبت لها الملك مع عدم الحياة التي هي شرط الإنسانية؛ لوجودها بالقوة.\nفكذا الصبي مصيره إلى العقل، فصلح لثبوت الحكم في ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال.\nفأما الصبي المميز: فتكليفه ممكن؛ لأنه يفهم ذلك، إلا أن الشرع حط التكليف عنه تخفيفا \"لأن العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج\"٢ إذ لا يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به خطاب\n_________\n= نوجب عليهما دفع الزكاة، وضمان المتلفات. فأجاب المصنف: بأن ذلك من قبيل خطاب الوضع، لوجود سببه، وليس من قبيل خطاب التكليف، والحكم الوضعي يتعلق بالمكلف وغيره.\n١ لفظ \"الغير\" من المستصفى ص\"١٠١\".\n٢ ما بين القوسين من المستصفى ص\"١٠٢\" وهي في الأصل: \"ليظهر خفي التدريج\" وفيها تحريف ظاهر.","vol":"1","page":155},{"text":"الشارع، ويعلم الرسول والمرسِل، فنصب له علامة ظاهرة.\nوقد روي أنه مكلف١.\n_________\n١ وهناك رواية ثالثة -عن الإمام أحمد- أنه مكلف بالصلاة إذا بلغ عشرًا لكونه يعاقب على تركها، كما في الحديث: \"..... واضربوهم عليها لعشر....\" والواجب: ما عوقب على تركه. قال المصنف في الكافي \"١/ ٩٤\": \"والمذهب الأول\" أي لا تجب على الصبي حتي يبلغ؛ للحديث ولأن الطفل لا يعقل.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>فصل: [في عدم تكليف الناسي والنائم والسكران]</span>\nوالناسي والنائم غير مكلف؛ فكيف يقال له: افهم؟\nوكذا السكران الذي لا يعقل١.\n_________\n١ وهو الذي يسميه الفقهاء: السكران الطافح، وهو الذي لا يعقل شيئًا، وهذا رأي كثير من العلماء، منهم: الإمام أحمد. والرواية الثانية عنه: أنه مكلف ما دام قد استعمل المسكر مختارًا غير مكره، عالمًا بأنه يسكر، وهو مذهب الحنفية والشافعي وكثير من أهل العلم، لأنه ليس بمرفوع عنه القلم.\nحكى الإمام أحمد عن الإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنهما- أنه كان يقول: وجدت السكران ليس بمرفوع عنه القلم. \"القواعد والفوائد الأصولية ص٣٧\". ونص عليه في الأم \"٥/ ٢٥\".\nوقد روي عن الإمامين: الشافعي وأحمد -﵄- في حكم السكران أقوال كثيرة أخرى: فقيل: إنه كالمجنون، وقيل: إنه كالمجنون في أقواله وكالصاحي في أفعاله، وقيل: إنه في الحدود كالصاحي، وفي غيرها كالمجنون، وقيل: إنه فيما يستقل به -كالقتل والعتق ونحوهما- كالصاحي، وفيما لا يستقل به: كبيعه وشرائه ومعاوضاته كالمجنون. وقيل: التوقف في طلاقه وعتقه، أما بيعه وشراؤه فينفذ. وقيل: جميع تصرفاته تنفذ ما عدا الردة.\nوقال بعض المالكية: إن السكر يذهب بالإرادة والقدرة فتبطل جميع تصرفاته. =","vol":"1","page":156},{"text":"وثبوت أحكام أفعالهم: من الغرامات، ونفوذ طلاق السكران، من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وذلك مما لا ينكر.\nفأما قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ١ فقد قيل: هذا كان في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، والمراد منه: المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كيلا يأتي عليه وقت الصلاة وهو سكران، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان. معناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد.\nوقال الله -تعالى-: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ ٢.\nأي: الزموا الإسلام ولا تفارقوه، حتى إذا جاءكم الموت أتاكم وأنتم مسلمون.\nوقيل: هو خطاب لمن وجد منه مبادىء النشاط والطرب ولم يزل عقله؛ لأنه إذا ظهر بالبرهان استحالة توجه الخطاب: وجب تأويل الآية.\n_________\n= ولا خلاف بين العلماء في وجوب قضاء ما فاته من العبادات، وضمان المتلفات، لأنها من قبيل خطاب الوضع وقد وجد سببها. وينبغي أن يكون معلومًا أن الخلاف في التكليف وعدمه: إنما هو في أداء الواجب، لا في الوجوب نفسه، وإلا فالناسي والنائم يجب عليهما قضاء الصلاة بعد التذكر واليقظة للحديث المشهور: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها\".\nراجع في هذه المسألة: \"القواعد والفوائد الأصولية ص٣٧ وما بعدها، المسودة ص٣٥، شرح الكوكب المنير جـ١ ص٥٠٥ وما بعدها، كشف الأسرار ٤/ ٣٥٣، فواتح الرحموت ١/ ١٤٥، المستصفى ص١٠٢.\n١ سورة النساء من الآية: ٤٣.\n٢ سورة آل عمران من الآية: ١٠٢.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>فصل: [في حكم تكليف المكره]</span>\nفأما المكره١: فيدخل تحت التكليف؛ لأنه يفهم ويسمع ويقدر على تحقيق ما أُمر به وتركه.\n_________\n١ عادة المصنف عدم تحرير محل النزاع، وهذا قد يوقع القارئ في خطأ نتيجة لهذا التعميم. وقد قسم العلماء الإكراه إلى قسمين:\nأ- إكراه ملجئ: وهو الذي لا تبقى للمكلف معه قدرة ولا اختيار، كمن حلف ألا يدخل دار فلان. فقهره من هو أقوى منه، وكبّله بالحديد، وحمله قهرًا حتى أدخله الدار. ومثل ذلك غير مكلف باتفاق العلماء؛ إذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.\nب- إكراه غير ملجئ: بحيث يبقى للإنسان قدرة واختيار على الفعل أو الترك -كما قال المصنف- كما إذا أكره الإنسان على شيء يكرهه ولا يرضاه، كما لو أمر الحاكم شخصًا بقتل إنسان ما، وإلا قتلناك، فهذا هو محل الخلاف وللعلماء في ذلك مذهبان -كما قال المصنف-.\nوجزم المصنف -في هذا النوع- بأنه مكلف فيه نظر:\nفقد فرّق العلماء بين الإكراه في حق الغير، والإكراه في حق النفس، فالذي يكره على قتل إنسان مسلم لا يجوز له قتله، وإن أدى ذلك إلى قتله هو.\nإما الإكراه في حق النفس، فالظاهر من الأيات والأحاديث أن الإكراه عذر يسقط التكليف، وهو ما يفيده قول الله تعالى: ﴿... إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان ...﴾ [النحل: ١٠٦] ويؤيد ذلك: قول رسول الله -ﷺ-: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" وقد روي بطرق متعددة: فقد رواه ابن حبان وصححه، والحاكم في المستدرك: كتاب الطلاق، باب: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ٢/ ١٩٨، وحسّنه النووي في الأربعين النووية: باب التجاوز عن المخطئ والناسي والمكره، حديث رقم \"٣٩\" ص٥٨.\nولا يطعن فيه ما نقله عبد الله بن أحمد عن أبيه أنه أنكر الحديث جدًّا، كما لا =","vol":"1","page":158},{"text":"وقالت المعتزلة: ذلك محال؛ لأنه لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه، ولا يبقى له خيرة.\nوهذا غير صحيح؛ فإنه قادر على الفعل وتركه، ولهذا يجب عليه ترك القتل إذا أكره على قتل مسلم، ويأثم بفعله.\nويجوز أن يكلف ما هو على وفق الإكراه، كإكراه الكافر على الإسلام، وتارك الصلاة على فعلها، فإذا فعلها قيل: أدى ما كلف، لكن إنما تكون منه طاعة إذا كان الانبعاث بباعث الأمر، دون باعث الإكراه.\nفإن كان إقدامه للخلاص من سيف المكرِه لم تكن طاعة، ولا يكون مجيبا داعي الشرع.\nوإن كان يفعلها ممتثلًا لأمرالشارع، بحيث كان يفعلها لولا الإكراه فلا يمتنع وقوعها طاعة. وإن وجدت صورة التخويف.\n_________\n= يطعن فيه نقل الخلال عنه أنه قال: \"من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة\" وقد جمع العلماء بين ما قاله الإمام وبين غيره: بأن المراد من رفع الخطأ والنسيان: رفع المؤاخذة بهما: لا رفع حكمهما، وإلا كيف يؤاخذ الناسي والمخطئ وقد قال الله -تعالى- في ختام سورة البقرة ﴿.. رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وقد جاء في حديث مسلم حول هذه الآية \"قال الله نعم\" أي: أجبت دعاءكم \"تفسير ابن كثير جـ١ ص٣٢٤\".\nقال الشيخ الشنقيطي: \"والحديث وإن أعله أحمد وابن أبي حاتم، فقد تلقاه العلماء بالقبول، وله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة\" مذكرة أصول الفقه ص٣٣.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>فصل: [في حكم تكليف الكفار بفروع الإسلام]</span>\nواختلفت الرواية١: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟\n_________\nأي عن الإمام أحمد. وهذه المسألة متفرعة عن قاعدة أصولية هي: هل حصول الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف أو لا؟ ومعنى هذا: أنه هل يشترط الإسلام للتكليف بالعبادات ونحوها: أو أن الكفار يعتبرون مكلفين بها حتى ولو لم يدخلوا في الإسلام.\nويتحرر محل النزاع فيما يأتي:\nأولًا- لا خلاف بين العلماء في أن الكفار مخاطبون بأصول العقيدة: من الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الأخر، حتى نقل القاضي أبو بكر الباقلاني الإجماع على ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم﴾ أول سورة الحج: وقال النبي -ﷺ-: \"...... وبعثت إلى الناس كافة\" حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والنسائي. \"الفتح الكبير ج١ ص١٩٩\".\nثانيًا- لا خلاف -أيضًا- أنهم مخاطبون بالعقوبات الشرعية، فتقام عليهم إذا وجدت أسبابها، وكذلك المعاملات المالية، لأنها أمور دنيوية.\nوقد وضح الإمام ابن السبكي محل الخلاف في المسألة فقال: \"أطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطبون، وباعتبارها مطالبون، ولا اعتداد بخلاف مبتدع يشبب بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارًا فلا يكلف به، وأجمعت الأمة -كما نقله القاضي أبو بكر- على تكليفهم بتصديق الرسل، وبترك تكذيبهم وقتلهم وقتالهم، ولم يقل أحد إن التكليف بذلك متوقف على معرفة الله تعالى\".\nثم بعد أن نقل آراء العلماء في المسألة حرر محل الخلاف فقال:\n\"..... وكشف الغطاء في ذلك أن الخطاب على قسمين: خطاب تكليف وخطاب وضع: =","vol":"1","page":160},{"text":"فروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله؟ وهذا قول أكثر أصحاب الرأي١.\n_________\n= فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف، وليس كل تكليف أيضًا، بل ما لم نعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين، وإنما المراد العامة التي شملهم لفظًا، هل يكون الكفر مانعًا من تعلقها بهم أو لا؟.\nوأما خطاب الوضع: فمنه ما يكون سببًا لأمر أو نهي، مثل كون الطلاق سببًا لتحريم الزوجة قال والدي -﵀-: فهذا من محل الخلاف أيضًا\".\nثم قال: \"ومن خطاب الوضع: كون إتلافهم وجناياتهم سببًا في الضمان، وهذا ثابت في حقهم إجماعًا، بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي، وكون وقوع العقد على الأوضاع الشرعية سببًا في البيع والنكاح وغيرهما فهذا لا نزاع فيه، وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في المسلم، وكذا كون الطلاق سببًا للفرقة، فإن الفرقة ثبتت إذا قلنا بصحة أنكحتهم.\nومن هذا القبيل: الإرث والملك به، ولولا ذلك لما شاع بيعهم لمواريثهم وما يشترونه، ولا معاملتهم، وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية، والخلاف في ذلك لا وجه له\".\nوقال: \"ومن خطاب الوضع: ثبوت المال في ذمتهم في الديون والكفارات عند حصول أسبابها، ولا نزاع في ثبوت ذلك في حقهم، كما ثبت في حق المسلمين، وكذا تعلق الحقوق التي يطالبون بدائها بأموالهم مثل: تعلق أروش الجنايات برقاب الجناة ... \".\nثم قال: \"ومن خطاب الوضع: كون الزنا سببًا لوجوب الحد وذلك ثابت في حقهم، ولذلك رجم النبي -ﷺ- اليهوديين. وهو ثابت في الصحيحين \"اللؤلؤ والمرجان ٢/ ١٨٨\" انظر: الإبهاج للسبكي جـ١ ص١٧٦-١٧٧ طبعة الكليات الأزهرية، والبحر المحيط للزركشي جـ١ ص٤١٠ طبعة الكويت.\n١ قول المصنف: \"إن هذا هو قول أكثر أصحاب الرأي\" فيه نظر، فالمشهور عن =","vol":"1","page":161},{"text":"وروي أنهم مخاطبون بها، وهو قول الشافعي١؛ لأنه جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا٢.\n_________\n= أكثر الحنفية: أنهم ليسوا بمكلفين مطلقًا، ولا أدري من أين نقل المصنف ذلك، وهذا المذهب، وإن قال به بعض العلماء، إلا أنه غريب وشاذ، قال الزركشي في البحر المحيط \"١/ ٤٠٢\": \"ولعله انقلب مما قبله، ويرده: الإجماع السابق على تكليفهم بالنواهي: ويقصد بقوله: \"انقلب مما قبله\" أن القائل به اختلط عليه مذهب القائلين بأنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر فعكس المسألة. انظر: \"كشف الأسرار ١/ ١٢٨، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٢٥\" ولذلك لم يذكره الطوفي في المختصر ولا في الشرح.\n١ وعنه وعن الإمام أحمد -﵄- رواية ثانية: أنهم غير مكلفين، وهو المنقول عن أكثر الحنفية، واختاره أبو حامد الإسفراييني، والإمام فخر الدين الرازي، انظر: العضد على مختصر ابن الحاجب \"٢/ ١٣\" وفي المسألة عدة مذاهب أخرى لم يتعرض لها المصنف:\nفقيل: هم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، حتى نقل بعض العلماء إخراج هذا من محل الخلاف، وأن تكليفهم بالنواهي متفق عليه.\nوقيل: إن المرتد هو المكلف فقط، دون الكافر الأصلي.\nوقيل: إنهم مكلفون بما عدا الجهاد، حكاه القرافي عن بعض العلماء ولم ينسبه.\nوقيل: إن المكلف غير الحربي، أما الحربي فليس بمكلف.\nوقيل: بالتوقف.\nولكل مذهب من هذه المذاهب أدلته، وعليها مناقشات كثيرة تراجع في مظانها. انظر: \"فواتح الرحموت ١/ ١٥٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٨، أصول السرخسي ٢/ ٣٤١، البحر المحيط ١/ ٤٠٢ وما بعدها\".\n٢ فالمصنف بذلك قد اختار هذا المذهب واستدل على صحته بالعقل والنقل كما سيأتي توضيحه.","vol":"1","page":162},{"text":"أما الجواز العقلي:\nفإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: بني الإسلام على خمس، وأنتم مأمورون بجميعها، وبتقديم الشهادتين من جملتها، فتكون الشهادتان مأمورا بهما لنفسهما، ولكونهما شرطا لغيرهما، كالمحدث يؤمر بالصلاة١.\nفإن منع مانع الحكم في المحدث وقال: إنما يؤمر بالوضوء، فإذا توضأ أمر بالصلاة؛ إذ لايتصور الأمر بالصلاة مع الحدث؛ لعجزه عن الامتثال.\nقلنا: فإذًا لو ترك الصلاة طول عمره لا يعاقب على تركها، وهو خلاف الإجماع٢.\nوينبغي أن لا يصح أمره بالصلاة بعد الوضوء. بل بالتكبيرة الأولى، لاشتراط تقديمها٣.\n_________\n١ أي: يؤمر بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به، كالطهارة، فإن: ما لا يتم الواجب إلا به واجب.\n٢ عبارة البلبل المطبوع \"والإجماع على خلافه\" ومعنى العبارة: أن الإجماع منعقد على خلاف أنه لا يعاقب إلا على ترك الوضوء، بل يعاقب على جميع الصلوات الفائتة طول عمره، وذلك يدل على أنه مكلف بها.\n٣ هذا تفريع على ما تقدم ومعناه: أن المحدث لو توضأ وترك الصلاة، يلزم أن لا يعاقب إلا على تكبيرة الإحرام، لاشتراط تقديمها. هذا معنى كلامه -رحمه الله تعالى-.\nقال \"الطوفي\" -معترضًا على هذا الإلزام-: \"وهو إلزام غير جيد، لأن التكبيرة جزء الصلاة، وليست حقيقة مستقلة عنها، كالوضوء، اللهم إلا أن ينزِّلوا أجزاءها منزلة الحقائق المستقلة، مؤاخذة بما اقتضاه لفظ الخصم من اشتراط التقديم، وجزء الشيء يتقدمه، ويتوقف الشيء عليه. وبالجملة: هذا تدقيق ليس وراءه تحقيق، إنما هو من باب: إعنات الخصم\". شرح مختصر الروضة \"١/ ٢٠٧-٢٠٨\".","vol":"1","page":163},{"text":"وأما الدليل الشرعي:\nفعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...﴾ ١ وإخبار الله -سبحانه- عن المشركين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين﴾ ٢.\nذكر هذا في معرض التصديق لهم تحذيرًا من فعلهم، ولو كان كذبا لم يحصل التحذير منه، كيف وقد عطف عليه ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣ كيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه.\nوقال الله- تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر ...﴾ الآية. لأنه نص في مضاعفة العذاب في حق من جمع بين المحظورات.\n_________\n١ سورة آل عمران من الآية: ٩٧.\n٢ سورة المدثر الآيتان: ٤٢، ٤٣.\n٣ سورة المدثر الآية: ٤٦.\n٤ سورة الفرقان الآيتان: ٦٨، ٦٩. ووجه الدلالة من ذلك: أن الله -تعالى- رتب الوعيد على مجموع ترك الأصل وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ...﴾ والفرع، وهو قوله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُون﴾ فكانت الفروع جزءًا من سبب الوعيد، وذلك يستلزم أنهم مكلفون بها.\nيضاف إلى ما أورده المصنف من الآيات: آيات أخرى صريحة ونص في محل النزاع خاصة بخطاب أهل الكتاب والمشركين، تحثهم على طاعة الله تعالى، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة﴾ إلى أن قول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاة﴾ [سورة البينة: ١-٥] .\nوقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾ [فصلت: ٦، ٧] قال القرطبي: \"وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه\". =","vol":"1","page":164},{"text":"وفائدة الوجوب١: أنه لو مات عوقب على تركه، وإن أسلم سقط عنه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله.\nولا يبعد النسخ قبل التمكن من الامتثال، فكيف يبعد سقوط الوجوب بالإسلام٣؟.\n_________\n= ومن الأدلة الصريحة في مضاعفة العذاب: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] .\n١ هذا بيان لثمرة تكليف الكفار بفروع الإسلام. وقد ذكر العلماء ثمارًا أخرى منها:\nأنه إذا علم بمضاعفة العذاب فوق عذاب الكفر بادر بفعلها، طلبًا للتخفيف، فإنه من الثابت أن أهل النار متفاوتون في المنازل والدركات، بحسب أعمالهم، كما أن أهل الجنة متفاوتون في المنازل والدرجات. انظر: \"شرح المختصر الطوفي جـ١ ص٢١٣-٢١٤\".\n٢ وهو معنى ما جاء في صحيح مسلم: باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الحج والعمرة، في حديث طويل عن عمرو بن العاص -﵁- \".... فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي -ﷺ- فقلت: أبسط يمينك فلأُبايعْك فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي. قال: \"ما لك يا عمرو؟ \" قلت: أردت أن أشترط. قال: \"تشترط بماذا؟ \" قلت: أن يغفر لي. قال: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ... \" الحديث.\n٣ معنى هذه الفقرة: أن الذين يقولون بعدم تكليفهم قالوا: كيف تقولون: أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، مع أنه لا يجب قضاؤها عليهم؟.\nفأجاب المصنف: أن هذا مبني على مسألة أخرى هي: هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول؟\nفإن قلنا: بأمر جديد سقط الاعتراض، لأن الإسلام أسقط عنهم القضاء، فليس هناك أمر جديد بالأداء.\nوإن قلنا: إنه بالأمر، فيكون القضاء قد سقط عنهم بدليل آخر ناسخ للمتقدم، وهو الحديث، وليس ببعيد أن يرد النسخ قبل التمكن من الفعل، =","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>فصل: [شروط الفعل المكلف به]</span>\nفأما الشروط المعتبرة للفعل المكلف به فثلاثة:\nأحدهما: أن يكون معلومًا للمأمور به، حتى يتصور قصده إليه، وأن يكون معلومًا كونه مأمورًا به من جهة الله -تعالى- حتى يتصور منه قصد الطاعة والامتثال. وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب١.\n_________\n= الدليل موجود وهو حديث \"الإسلام يهدم ما كان قبله\" أي: يقطع ما قبله من أحكام الكفر.\n١ إيضاح معنى هذا الشرط: أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعًا أن يكون المكلف يعلمه، فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة لأن التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق، إذ لو قيل للمكلف افعل ما أضمره في نفسي أنك تفعله وإلا عاقبتك، فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به لأن اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علم ليس في طاقته كما هو واضح.\nواعلم أن الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدي محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبدي كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط في التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور به من الله تعالى، إذ لا بد له من نية التقرب به إلى الله تعالى ونية التقرب إليه ﷿ لا تمكن إلا بعد معرفة أن الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا، وأما معقول المعنى فلا يشترط في صحة فعله نية التقرب ولكن لا أجر له فيه البتة إلا بنية التقرب إلى الله تعالى. ومثال ذلك رد الأمانة، والمغصوب وقضاء الدين، والإنفاق على الزوجة. فمن قضى دينه وأدى الأمانة ورد المغصوب مثلًا لا يقصد بشيء من ذلك وجه الله بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلًا ففعله صحيح دون النية وتسقط عنه المطالبة فلا يلزمه الحق في الآخرة بدعوى أن قضاءه في الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب بل القضاء صحيح والمطالبة ساقطة على كل حال ولكن لا أجر له إلا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب.","vol":"1","page":166},{"text":"الثاني: أن يكون معدومًا، أما الموجود: فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به١.\nالثالث: أن يكون ممكنًا، فإن كان محالًا، كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به٢.\n_________\n١ إيضاح معنى هذا الشرط: أنه يشترط في المطلوب المكلف به أن يكون الفعل المطلوب معدومًا، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لا بد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على أكمل وجه لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة والفرض أنها حاصلة فيكون تناقضًا، ومن هنا قالوا تحصيل الحاصل محال لأن السعي في تحصيله معناه أنه غير حاصل بالفعل وكونه حاصلًا بالفعل ينافي ذلك فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض واجتماع النقيضين مستحيل. \"مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٣٥\".\n٢ هذا الشرط مرتبط بمسألة أخرى هي: التكليف بما لا يطاق، أو التكليف بالمحال، وفيها تفصيل لأهل الأصول لم يتعرض له المصنف، وقد وضحه الشيخ \"الشنقيطي\" فقال:\n\"اعلم أن حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيها من جهتين:\nالأولى: من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلًا أن يكلف الله عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلًا.\nالثانية: هل يمكن ذلك شرعًا أو لا، أن أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلًا بما لا يطاق، قالوا وحكمته ابتلاء الإنسان، هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا لله بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي. ومنهم من يقول لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال الله لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم =","vol":"1","page":167},{"text":".....................................................\n_________\n= وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس، وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلًا، قالوا لأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلًا، أما بالنسبة إلى الإمكان الشرعي ففي المسألة التفصيل المشار إليه آنفًا وهو أن المستحيل أقسام. فالمستحيل عقلًا قسمان: قسم مستحيل لذاته كوجود شريك لله ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدين في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة.\nويسمى هذا القسم المستحيل الذاتي، وإيضاحه أن العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معًا، فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود، كذات الله جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وإن قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلًا كوجود شريك لله ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا. وإن قبل العقل وجوده وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلًا وهو الجائز الذاتي كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. فالمستحيل الذاتي أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعًا لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة.\nالقسم الثاني من قسمي المستحيل عقلًا: هو ما كان مستحيلًا لا لذاته بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ما سبق في علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلًا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي، ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغي لأن وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة الله، فالذي ينبغي أن يقال: إنه مستحيل لأجل ما سبق في علم الله من أنه لا يوجد. ومثال هذا النوع إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلًا الجواز الذاتي لأن العقل يقبل وجوده، وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتي، مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة =","vol":"1","page":168},{"text":"وقال قوم: يجوز ذلك ١:\nوبدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ ٢. والمحال لا يسأل دفعه.\nولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل ٣ لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه.\n_________\n= تغير ما سبق به العلم الأزلي، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا وجائز عقلًا وشرعًا بإجماع المسلمين، لأنه جائز ذاتي لا مستحيل ذاتي، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لأن العلم إما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي. وهذا هو حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على مَن قبلنا، لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. \"مذكرة أصول الفقه ص٣٦-٣٧\".\n١ اسم الإشارة هنا عائد على المحال لذاته، أي: أجاز قوم التكليف به، واستدل له المصنف بثلاثة أدلة: أولها: الآية الكريمة، والثاني: قوله: \"ولأن الله -تعالى- علم أن أبا جهل لا يؤمن\" إلخ. ووجه الاستدلال به: أن أبا جهل قد أمر بالإيمان بكل ما أنزله الله تعالى، ومن بعض ذلك: أنه لا يؤمن، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأوضح من ذلك تمثيل بعض الأصوليين بأبي لهب، الذي نزلت في حقه صراحة سورة المسد، إذًا يكون هؤلاء مأمورون بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا، وبأنهم لا يؤمنون، وهو جمع بين النقيضين. وسيتأتى الرد على ذلك.\n٢ سورة البقرة من الآية: ٢٨٦.\n٣ هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخرومي القرشي، كان شديد القرشي، كان شديد العداوة لرسول الله -ﷺ- في صدر الإسلام، كان أحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها =","vol":"1","page":169},{"text":"ولأن تكليف المحال لا يستحيل لصيغته، إذ ليس يستحيل أن يقول: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ ١. ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ ٢.\nوإن أحيل طلب المستحيل للمفسدة، ومناقضة الحكمة: فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله -تعالى- محال؛ إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح.\nثم الخلاف فيه وفي العباد واحد فالسفه من المخلوق ممكن.\nووجه استحالته٣.\nقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤ و﴿لا نُكَلِّف\n_________\n= في الجاهلية، يقال له: أبو الحكم فدعاه المسلمون: أبا جهل. قتل في غزوة بدر الكبرى \"عيون التاريخ ١/ ١٤٤\".\n١ سورة البقرة من الآية: ٦٥.\n٢ سورة الإسراء من الآية: ٥٠ وقول المصنف: \"ولأن تكليف المحال....\" هذا هو الدليل الثالث للمذهب الذي يجوّز التكليف بالمحال. وقد اختصره المصنف من \"المستصفى\" وبيانه: أنهم قالوا: لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته، أو لمعناه، أو لمفسدة تتعلق به، أو لأنه يناقض الحكمة.\nولا يستحيل لصيغته؛ إذ لا يستحيل أن يقول: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وأن يقول السيد لعبده الأعمى: أبصر، وللزّمن: امش. وأما قيام معناه بنفسه، فلا يستحيل -أيضًا- إذ يمكن أن يطلب من عبده كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ ماله في بلدين. وهذا مما تركه المصنف -اختصارًا- وأشار إلى القسمين الأخيرين بقوله: \"وإن أحيل طلب المستحيل إلخ\" أي قالوا: محال أنه ممتنع للمفسدة ومناقضة الحكمة، فإن بناء الأمور في حق الله محال، إذ لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه الأصلح، ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد، والفساد والسفه من المخلوق ممكن، فلم يمتنع ذلك مطلقًا. \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١٥٢-١٥٣\".\n٣ بدأ المصنف يورد أدلة المذهب الذي اختاره وهو: استحالة التكليف بالمحال.\n٤ سورة البقرة من الآية: ٢٨٦.","vol":"1","page":170},{"text":"نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا..﴾ ١.\nولأن الأمر: استدعاء وطلب، والطلب يستدعي مطلوبًا، وينبغي أن يكون مفهومًا بالاتفاق، ولو قال \"أبجد هوّز\" لم يكن ذلك تكليفا؛ لعدم عقل معناه.\nولو علم الأمر دون المأمور: به لم يكن تكليفا، إذ التكليف: الخطاب بما فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب ليس بخطاب، وإنما اشترط فهمه ليتصور منه الطاعة، إذ كان الأمر: استدعاء الطاعة، فإن لم يكن استدعاءً لم يكن أمرا، والمحال لا يتصور الطاعة فيه، فلا يتصور استدعاؤه، كما يستحيل من العاقل طلب الخياطة من الشجر.\nولأن٢ الأشياء لها وجود في الأذهان قبل وجودها في الأعيان، وإنما يتوجه إليه الأمر بعد حصوله في العقل، والمستحيل لا وجود له في العقل فيمتنع طلبه.\nولأننا٣ اشترطنا: أن يكون معدوما في الأعيان ليتصور الطاعة فيه، فلذلك يشترط أن يكون موجودا في الأذهان، ليتصور إيجاده على وفقه.\nولأننا٤ اشترطنا كونه معلومًا ومعدومًا، وكون المكلف عاقلا فاهما؛ لاستحالة الامتثال بدونهما، فكون الشيء ممكنا في نفسه أولى أن يكون شرطا.\n_________\n١ سورة الأنعام من الآية: ١٥٢ والآيتان هما الدليل الأول.\n٢ هذا هو الدليل الثاني، وهو وما بعده أدلة عقلية، أوردها بعد الأدلة النقلية، التي منها الآيتان السابقتان.\n٣ هذا هو الدليل الثالث.\n٤ هذا هو الدليل الرابع.","vol":"1","page":171},{"text":"وقوله تعالى ١: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ فقد قيل: المراد به: ما يثقل ويشق، بحيث يكاد يفضي إلى إهلاكه، كقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُم﴾ ٢. وكذلك قال النبي -ﷺ- في المماليك: \"لا تكلفوهم ما لا يطيقون\" ٣.\nوقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ تكون إظهارًا للقدرة٤.\n_________\n١ من هنا سيبدأ المصنف في الرد على الأدلة التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، وهم المجوّزون للتكليف بالمستحيل.\nوبيان ذلك: أن المستدلين بالآية قالوا: \"بأن المحال لا يسأل دفعه، فإنه مندفع بذاته\" فأجاب المصنف: بأن الآية لا تدل على جواز التكليف بما لا يطاق، إذ قد يقع السؤال بما لا يجوز على الله غيره نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] .\nولم يدل دليل على أن الله -سبحانه- يجوز أن يحكم بالباطل.\nوتمدح -سبحانه- بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [ق: ٢٩] مع أنه لا يجوز عليه الظلم.\nولئن سلمنا أن المحال لا يسأل دفعه، فإنهم سألوا أن لا يكلفهم ما يشق عليهم، وهذا متعارف في اللغة أن يقول الشخص لما يشق عليه: لا أطيقه، لأنهم علموا جواز تكليف ما لا يطاق فسألوا نفيه\" انظر: نزهة الخاطر \"١/ ١٥٥\".\n٢ سورة النساء من الآية: ٦٦: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ .\n٣ حديث صحيح: رواه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بروايات مختلفة. ولفظ مسلم باب صحبة المماليك عن أبي هريرة -﵁- أنه -ﷺ- قال: \"للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق\". انظر: فيض القدير جـ٥ ص٢٩٢.\n٤ أي: لا بمعنى أنه طلب من المعدوم أن يكون بنفسه.","vol":"1","page":172},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَة﴾ تعجيز، وليس شيء من ذلك أمرا١.\nوتكليف أبي جهل الإيمان غير محال؛ فإن الأدلة منصوبة، والعقل حاضر، وآلته تامة٢. ولكن علم الله -تعالى- منه أنه يترك ما يقدر عليه، حسدا وعنادا، والعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، وكذلك نقول: الله قادر على أن يقيم القيامة في وقتنا وإن أخبر أنه لا يقيمها الآن، وخلاف خبره محال لكن استحالته لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه٣.\n_________\n١ أي: لإظهار عجزهم، لا أنه أمرهم بذلك حتى يتم الاعتراض بالآية الكريمة.\n٢ عبارة المستصفى: \"والأدلة منصوبة، والعقل حاضر، إذ لم يكن هو مجنونًا\".\n٣ وبذلك يكون المستصفى قد أجمل الكلام في هذه المسألة ولم يفرق بين الجواز العقلي والوقوع الشرعي. وقد تقدم لنا توضيح ذلك بما نقلناه عن الشيخ الشنقيطي.\nوخلاصته أن في الجواز العقلي ثلاثة مذاهب:\nالأول: عدم الجواز مطلقًا.\nالثاني: جواز التكليف بما هو محال لغيره، دون المحال لذاته.\nالثالث: الجواز مطلقا، وهو رأي الجمهور. أما الوقوع الشرعي ففيه المذهبان اللذان ذكرهما.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>فصل: [في المقتضى بالتكليف]</span>\nوالمقتضى بالتكليف: فعل أو كف.\nفالفعل: كالصلاة.\nوالكف: كالصوم وترك الزنا والشرب.","vol":"1","page":173},{"text":"وقيل: لا يقتضي الكف، إلا أن يتناول التلبس١ بضد من أضداده، فيثاب على ذلك لا على الترك؛ لأن \"لا تفعل\" ليس بشيء، ولا تتعلق به قدرة، إذ لا تتعلق القدرة إلا بشيء.\nوالصحيح: أن الأمر فيه مستقيم، فإن الكف في الصوم مقصود، ولذلك تشترط النية فيه.\nوالزنا والشرب نهي عن فعلهما، فيعاقب على الفعل، ومن لم يصدر منه ذلك لا يثاب ولا يعاقب؛ إلا إذا قصد كف الشهوة عنه مع التمكن فهو مثاب على فعله.\nولا يبعد أن \"يكون مقصود الشرع\"٢ أن لا يتلبس بالفواحش، وإن لم يقصد أنه يتلبس بضدها٣.\n_________\n١ في جميع النسخ \"التلبيس\" وهو خطأ واضح، وقد صححناها من المستصفى.\n٢ ما بين القوسين من المستصفى لتوضيح المعنى.\n٣ خلاصة هذا الفصل: أن الفعل المكلف به يتنوع إلى نوعين: فعل وكف، وقد اختلف العلماء فيما يقتضيه التكليف؟.\nفالجمهور على أن المقتضى به الإقدام أو الكف، وهو فعل أيضًا، ولذلك قالوا: لا تكليف إلا بفعل. فالكف معناه: كف النفس وصرفها عن المنهي عنه، وآيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول -ﷺ- تؤيد ذلك. قال الله -تعالى-: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] فسمى الله -تعالى- عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، فدل ذلك على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل. وقال تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] . فسمى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا وهو واضح. وفي السنة من هذا كثير، من ذلك قوله -ﷺ-: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" فسمى ترك الأذي إسلامًا.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>فصل: الضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار</span>\n...\nالضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار ١\nوهو أقسام أيضًا:\n_________\n= وقال بعض المعتزلة: إن متعلق التكليف في النهي: هو العدم الأصلى؛ لأن تارك الزنا ممدوح حتى مع الغفلة عن ضدية ترك الزنى. وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن المدح على كف النفس عن المعصية. انظر: الإحكام للآمدي \"١/ ١٤٧\"، شرح الكوكب المنير \"١/ ٤٩٢-٤٩٣\".\n١ من هنا سيتكلم المؤلف عن الضرب الثاني من الأحكام الشرعية، وهو: الحكم الوضعي.\nوإذا كان قسيمه وهو: الحكم التكليفي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير، كما تقدم. فإن الحكم الوضعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو كونه صحيحًا أو فاسدًا، أو رخصة أو عزيمة، أو أداء أو إعادة أو قضاء.\nومعنى الوضع: أن الشرع وضع: أي شرع أمورًا سميت أسبابًا وشروطًا وموانع إلخ تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي لوجود الموانع.\nوأما معنى \"الإخبار\" فهو: أن الشرع بوضع هذه الأمور أخبرنا بوجود أحكامه، وانتفائها عند وجود تلك الأمور أو انتفائها، فكأنه قال مثلا-: إذا وجد النصاب الذي هو سبب وجوب الزكاة، والحول الذي هو شرطه، فاعلموا أني أوجبت عليكم أداء الزكاة، وإن وجد الدين الذي هو مانع من وجوبها، أو انتفى السوم الذي هو شرط لوجوبها في السائمة: فاعلموا أني لم أوجب عليكم الزكاة، وكذا الكلام في القصاص والسرقة والزنا وكثير من الأحكام بالنظر إلى وجود أسبابها وشروطها وانتفاء موانعها وعكس ذلك. انظر: \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١٥٧\".\nوأقسام خطاب الوضع هي: العلل، والأسباب، والشروط، والموانع، =","vol":"1","page":175},{"text":"أحدهما- ما يظهر به الحكم:\nثم اعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الشارع في كل حال، أظهر خطابه لهم بأمور محسوسة، جعلها مقتضية لأحكامها على مثال: اقتضاء العلة المحسوسة معلولها، وذلك شيئان:\nأحدهما: العلة.\nوالثاني: السبب.\nونصبهما مقتضيين لأحكامهما حكم من الشارع١.\nفلله -تعالى- في الزاني حكمان:\nأحدهما: وجوب الحد عليه.\n_________\n= والصحة، والفساد، والعزيمة والرخصة، والأداء والإعادة والقضاء. وسوف يذكر المصنف هذه الأمور تباعًا.\n١ جمهور العلماء لم يذكروا العلة من أقسام الحكم الوضعي، والمصنف مشى على رأي من يجعلها منه. والسبب في هذا الاختلاف: اختلاف العلماء في العلاقة بين العلة والسبب: فقيل: إنهما بمعنى واحد، وقيل: إنهما متغايران، فخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة. وقال أكثر الأصوليين: إن السبب أعم من العلة، فكل علة سبب، ولا عكس، وأن السبب يشمل الأسباب التي ترد في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي هي ركن من أركان القياس.\nوفرقوا بينهما فقالوا: إن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، وليست من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة فتسمى سببًا. أما أذا أدرك العقل تأثير الوصف في الحكم فيسمى علة، ويسمى سببًا، فالسبب يشمل القسمين، فهو أعم من العلة.\n\"انظر: المحلى على جمع الجوامع ١/ ٩٥، الإحكام للآمدي ١/ ١٢٨، شرح الكوكب المنير ١/ ٤٣٨-٤٣٩\".","vol":"1","page":176},{"text":"والثاني: جعل الزنا موجبا له.\nفإن الزنا لم يكن موجبا للحد لعينه، بل بجعل الشرع له موجبا، ولذلك يصح تعليله فيقال: إنما نصب علّة لكذا وكذا.\nفأما العلة: فهي في اللغة: عبارة عما اقتضى تغييرا، ومنه سميت علة المريض لأنها اقتضت تغيير الحال في حقه.\nومنه العلة العقلية:\nوهي: عبارة عما يوجب الحكم لذاته، كالكسر مع الانكسار، والتسويد مع السواد.\nفاستعار الفقهاء١ لفظ \"العلة\" من هذا، واستعملوه في ثلاثة أشياء:\nأحدها: بإزاء ما يوجب الحكم لا محالة.\nفعلى هذا لا فرق بين المقتضى والشرط والمحل والأهل، بل العلة: المجموع، و\"الأهل والمحل\" وصفان من أوصافها؛ أخذًا من العلة العقلية٢.\n_________\n١ يشير المصنف بذلك إلى العلاقة بين \"العلة العقلية\" والعلة عند الفقهاء والأصوليين.\nومعناه: أنه إذا وجد هذا المجموع المركب من مقتضى الحكم وهو المعنى الطالب له، وشروطه، ومحله: وهو ما تعلق به الحكم، وأهله: وهو المخاطب بالحكم، وجد الحكم لا محالة. كوجوب الصلاة: فإنه حكم شرعي، ومقتضيه: أمر الشارع بالصلاة، وشرطه: أهلية المصلي لتوجه الخطاب إليه، بأن يكون بالغًا عاقلًا. ومحله الصلاة، وأهله المصلي، فإذا وجد هذا المجموع وجدت الصلاة، ويطلق على هذا المجموع: اسم العلة، تشبيهًا بالعلة العقلية.\n٢ قول المؤلف: \"والأهل والمحل وصفان من أوصافها\" غير مسلم، بل هما ركنان من أركانها، على هذا التفسير. انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٤١.","vol":"1","page":177},{"text":"والثاني: أطلقوه بإزاء المقتضي للحكم، وإن تخلف الحكم لفوات شرط، أو وجود مانع١.\nوالثالث: أطلقوه بإزاء الحكمة٢، كقولهم: المسافر يترخص لعلة المشقة. والأوسط أولى.\nالثاني- السبب:\nوهو في اللغة: عبارة عما حصل الحكم عنده لا به. ومنه سمي الحبل والطريق سببا٣.\nفاستعار الفقهاء لفظة \"السبب\" من هذا الموضع واستعملوه في أربعة أشياء:\nأحدها: بإزاء ما يقابل المباشرة كالحفر مع التردية: الحافر يسمى صاحب سبب، والمردي صاحب علة.\nالثاني: بإزاء علة العلة، كالرمي، يسمى سببًا.\n_________\n١ مثال ذلك: اليمين مع عدم الحنث، بالنسبة لوجوب الكفارة، فاليمين علة الكفارة، وشرط وجوبها: الحنث، فتسمى اليمين دون الحنث علة، وهي: علة تخلف حكمها، وهذا المعنى هو الذي رجحه المؤلف.\n٢ ضابط الحكمة: أنها هي المعنى الذي من أجله صار الوصف علة، أو هي: المعنى المناسب الذي ينشأ عنه الحكم.\nفعلة تحريم الخمر: الإسكار، وحكمته: حفظ العقل، لأن حفظ العقل هو الذي صار من أجله الإسكار علة للتحريم في الخمر.\nوللعلماء خلاف طويل في جواز التعليل بالحكمة، أو عدم الجواز، سيأتي تحقيقه -إن شاء الله تعالى- في باب القياس.\n٣ جاء في القاموس المحيط: فصل السين، باب الباء: \"والسبب: الحبل وما يتوصل به إلى غيره\".","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>فصل: [في الشرط وأقسامه]</span>\nومما يعتبر للحكم: الشرط١.\nوهو: ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، كالإحصان مع الرجم، والحول في الزكاة.\nفالشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده٢.\n_________\n١ أي: مما يعتبر لإظهار الحكم الوضعي: الشرط.\n٢ هذا هو تعريف الشرط في اصطلاح الأصوليين، وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى، وله تعريفات أخرى أدق من هذا التعريف، منها ما ذكراه السرخسي في أصوله \"٢/ ٣٠٣\" والآمدي في الإحكام \"١/ ١٣٠\" من أنه: \"ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته\" وقالوا في علة زيادة لفظ \"لذاته\" إنه احتراز من مقارنة الشرط للسبب، فيلزم الوجود لوجود السبب، أو مقارنة الشرط للمانع، فإنه يلزم العدم لا لذاته، بل لوجود المانع.\nأما معناه: لغة: فهو العلامة. قال الله -تعالى-: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُم﴾ [سورة محمد: ١٨] أي: علاماتها.\nقال الجوهري في الصحاح \"مادة شرط\": الشرط معروف -يعنى بالسكون- =","vol":"1","page":179},{"text":"والعلة: يلزم من وجودها وجود المعلول، ويلزم من عدمها عدمه في الشرعيات١.\nوالشرط: عقلي، ولغوي، وشرعي٢.\nفالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة٣.\nواللغوي: كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق٤.\nوالشرعي كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم.\n_________\n= والشرط -بالتحريك-: العلامة. وأشراط الساعة: علاماتها.\nوقال الطوفي: \"قلت: ومع اتفاق المادة لا أثر لاختلاف الحركات، والكل ثابت عن أهل اللغة\". \"شرح مختصر الروضة جـ١ ص٤٣٠\".\n١ هذا غير مسلم، فقد قرر العلماء: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وسيأتي ذلك مفصلًا في القياس، إن شاء الله تعالى.\n٢ وهناك قسم رابع: وهو الشرط العادي: كالغذاء للحيوان، والغالب فيه: أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة، ومن وجوده وجودها إذ لا يتغذى إلا حي، فعلى هذا يكون الشرط العادي كاللغوي، في أنه مطرد منعكس، ويكونان من قبيل الأسباب لا من قبيل الشروط. ولهذا قال بعض الفضلاء: الشروط اللغوية أسباب؛ لأنه يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية. \"شرح مختصر الروضة جـ١ ص٤٣٢\".\n٣ إذ لا يعقل عالم إلا وهو حي، فالحياة يلزم من انتفائها انتفاء العلم؛ إذ الجسم بدونها جماد، وقيام العلم بالجماد محال.\nوسمي عقليًا؛ لأن العقل هو الذي أدرك لزومه لمشروطه، وعدم تصور انفكاكه عنه، كما أدرك لزوم الحياة للعلم، ولزوم للإرادة. \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص١٦٣\".\n٤ وجه كونه لغويًّا: أن دخول الدار شرط لوقوع الطلاق ولازم له من حيث اللغة، بحيث إذا لم تدخل لم يحصل طلاق.","vol":"1","page":180},{"text":"وسمي شرطًا؛ لأنه علامة على المشروط، يقال: أشرط نفسه للأمر: إذا جعله علامة عليه، ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا..﴾ ١. أي علاماتها.\nوعكس الشرط: المانع:\nوهو: ما يلزم من وجوده عدم الحكم٢.\nونصب الشيء شرطا للحكم، أو مانعا له: حكم شرعي، على ما قررناه في المقتضي للحكم. والله أعلم.\nالقسم الثاني: الصحة والفساد\nفالصحة: هو٤ اعتبار الشرع الشيء في حق حكمه٣.\n_________\n١ سورة محمد من الآية: ١٨.\n٢ ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. كالحيض بالنسبة للصلاة والصوم، فإذا وجد امتنع الحكم، فإذا ارتفع الحيض، لا يلزم من ارتفاعه وجود الصلاة والصوم، فإن المرأة الطاهر قد تصلي وتصوم، وقد لا تفعل ذلك.\n٣ الصحة والفساد أو البطلان: أوصاف ترد على الأحكام الشرعية بصفة عامة، فتوصف الصلاة بالصحة: إذا استوفت أركانها، وشروطها وانتفت الموانع، وتوصف بالفساد أو البطلان: إذا فقدت ما تقدم، كما توصف العقود بأنها صحيحة وتترتب عليها آثارها إذا استوفت أركانها وشروطها وانتفت عنها الموانع، كما تكون فاسدة أو باطلة إذا فقدت ما تقدم.\nوقد جعلها المصنف قسمًا مستقلًّا -بعد أن تكلم على الأمور التي بها يظهر الحكم الوضعي: من العلة والسبب والشرط والمانع- وإن كانت من الحكم الوضعي، إلا أن الأمور السابقة تعتبر كالكليات، وهذه تعتبر كاللواحق الجزئية له، فجعلها قسمًا ثانيًا.\n٤ هكذا في جميع النسخ، والصواب \"هي\".\n٥ معناه: أن الشارع إذا اعتبر شيئًا وأقره وأعطاه حكمًا من الأحكام الشرعية: فهذه هي الصحة.","vol":"1","page":181},{"text":"ويطلق١ على العبادات مرة وعلى العقود أخرى.\nفالصحيح من العبادات: ما أجزأ وأسقط القضاء٢.\nوالمتكلمون يطلقونه بإزاء ما وافق الأمر، وإن وجب القضاء، كصلاة من ظن أنه متطهر٣.\nوهذا يبطل بالحج الفاسد، فإنه يؤمر بإتمامه وهو فاسد٤.\n_________\n١ هكذا في الأصل والصواب \"وتطلق\" لأنها عائدة على الصحة.\n٢ هذا عند الحنفية: فالصحة عندهم في العبادات: هي الإجزاء وإسقاط القضاء. فالصلاة الواقعة بشروطها وأركانها مع انتفاء موانعها: مجزئة، ومسقطة للقضاء.\nوالصحة في المعاملات: هي ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد: فكل نكاح أباح ما يترتب على عقد النكاح من آثار فهو صحيح، وكل بيع أباح التصرف في المبيع فهو بيع صحيح وهكذا.\nأما المتكلمون: فلهم اصطلاح آخر سيذكره المصنف حالا.\n٣ أي أن ضابط الصحة عند المتكلمين عبارة عن موافقة أمر الشارع، بمعنى: أن كل فعل -سواء أكان عبادة أم معاملة- لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون موافقًا للوجه الشرعي: أي على الصفة التي أمر بها الشارع، وإما أن يكون مخالفًا له. فإن وقع الفعل موافقًا لأمر الشارع فهو الصحيح، وإن وقع مخالفًا فهو الفاسد أو الباطل، لأن كلًّا منهما بمعنى واحد، كما سيأتي.\nوالموافقة قد تكون بحسب الواقع ونفس الأمر، وقد تكون بحسب ظن المكلف. فهل يشترط أن تكون الموافقة بحسب الواقع، أو يكفي أن تكون بحسب ظنه؟ اختار المصنف الثاني، وهو أن تكون بحسب ظن المكلف، ولذلك مثل لها بصلاة من ظن أنه متطهر، مع أنه على خلاف ذلك.\nوهناك من اشترط أن تكون الموافقة بحسب الواقع، ولا يكفي الظن.\n٤ هذا اعتراض على ما قاله المصنف خلاصته: أن قول المتكلمين: \"إن الصحة موافقة أمر الشارع\" يعارضه أن إتمام الحج الفاسد مأمور به، مع أنه غير صحيح. فأجاب المصنف: بأن الحج إنما فسد لأنه وقع مخالفًا لأمر الشارع =","vol":"1","page":182},{"text":"وأما العقود: فكل ما كان سببًا لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه فهو صحيح، وإلا فهو باطل.\nفالباطل: هو الذي لم يثمر، والصحيح: الذي أثمر١.\nوالفاسد مرادف الباطل، فهما اسمان لمسمى واحد٢.\nوأبو حنيفة أثبت قسما بين الباطل والصحيح، جعل الفاسد٣ عبارة عما كان مشروعًا بأصله، غير مشروع بوصفه٤.\n_________\n= بارتكاب ما يفسده أولًا، فلا يرد الاعتراض. انظر: \"مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٤٥\".\n١ معناه: أن العقد إذا أفاد المقصود منه، بحيث يترتب حكمه عليه، فهو صحيح، وإن لم يفد ما قصد منه فهو الباطل أو الفاسد، وهذا معنى قوله: \"أثمر\" أو \"لم يثمر\".\n٢ الفاسد والباطل عند الجمهور سواء، إلا في بعض المسائل الفرعية: كالحج، والنكاح، والوكالة، والخلع، والإجارة.\nانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١١١، التمهيد للإسنوي ص٨.\n٣ بعدها في جميع النسخ جملة \"عبارة عنه وزعم أنه\" وأرى أنها من زيادات النساخ، لأن المعنى غير مترابط.\n٤ معنى كلام المصنف: أن الحنفية فرقوا بين الفاسد والباطل، فقالوا: إن الفاسد: ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، ومن أمثلة ذلك في العبادات: صوم يوم الفطر أو النحر، فلو نذر صوم يوم العيد صح نذره، ويؤمر بالفطر والقضاء، لأن المعصية في فعله دون نذره، لأن النذر مشروع، ولو صامه خرج عن عهدة النذر، وإن كان يأثم لمخالفة النهي، والإعراض عن ضيافة الله تعالى في ذلك اليوم.\nومثاله في المعاملات: بيع الدرهم بالدرهمين، فإنه بيع فاسد، لاشتماله على الزيادة، فيأثم به، ويفيد بالقبض: الملك الخبيث، فلو حذفت الزيادة صح البيع، لانتفاء الوصف المتقدم.","vol":"1","page":183},{"text":"ولو صح له هذا المعنى لم ينازع في العبارة، لكنه لا يصح، إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله١.\n_________\n= أما الباطل: فهو ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، مثل: الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان، ومثل: بيع الملاقيح: وهي ما في بطون الأجنة، لانعدام المعقود عليه.\nهكذا أطلقها بعض العلماء، ومنهم المصنف، ولم يفرقوا بين العبادات والمعاملات. وإن كان البعض يرى أن الحنفية يفرقون بين الباطل والفاسد في المعاملات فقط، أما في العبادات فهم كالجمهور في عدم التفرقة وهذا هو المنصوص عليه عندهم، انظر: \"كشف الأسرار على أصول البزدوي ١/ ٢٥٨، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٣٧\".\n١ معنى هذا: أن هذا التفرقة غير مسلمة؛ إذ إن كل ممنوع بوصفه ممنوع بأصله، فكل منهما لا يثمر.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>فصل: في القضاء والأداء والإعادة </span>١.\nالإعادة: فعل الشيء مرة أخرى٢.\n_________\n١ هكذا في جميع النسخ، مع أن أصل الكتاب وهو \"المستصفى\" بدأ بالأداء، ثم الإعادة، ثم القضاء، كما هي عادة الأصوليين، فلا أدري لماذا بدأ المصنف بالإعادة قبل الأداء.\nولذلك خالفه \"الطوفي\" في مختصره فبدأ بالأداء كما هو معهود.\n٢ أضاف بعض العلماء لذلك قيدًا فقالوا: \"الإعادة: فعل المأمور به في وقته المقدر له شرعًا لخلل في الأول\" أي في الفعل الأول، سواء أكان الخلل في الأجزاء: كمن صلى بدون شرط أو ركن، أو كان في الكمال، كمن صلى منفردًا فيعيدها جماعة في الوقت.\nإلا أن المصنف أطلق، ولم يذكر هذا القيد، لأن الإعادة قد تكون لخلل في العبادة، وقد تكون لغير خلل، فالذي يعيد الصلاة في جماعة، مع أن صلاته =","vol":"1","page":184},{"text":"والأداء: فعلها في وقته.\nوالقضاء: فعله بعد خروج وقتها المعين شرعًا.\nفلو غلب على ظنه -في الواجب الموسع- أنه يموت قبل آخر الوقت: لم يجز له التأخير، فإن أخره وعاش لم يكن قضاء، لوقوعه في الوقت١.\nوالزكاة واجبة على الفور، فلو أخرها ثم فعلها لم تكن قضاء؛ لأنه لم يعين وقتها بتقدير وتعيين٢.\n_________\n= الأولى صحيحة يسمى معيدًا للصلاة.\nوقد رجح ذلك الطوفي حيث قال: \"وهذا أوفق للغة والمذهب، أما اللغة: فإن العرب على ذلك تطلق الإعادة، يقولون: أعدت الكرّة، إذ كرّ مرة بعد أخرى، وأعدنا الحرب خُدعة. وإعادة الله سبحانه للعالم: هو إنشاؤه مرة ثانية.\nقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون﴾ [الأعراف: ٢٩] .\nوأما المذهب: فإن أصحابنا وغيرهم قالوا: من صلى ثم حضر جماعة، سن له أن يعيدها....\" \"شرح مختصر الطوفي جـ١ ص٤٤٧-٤٤٨\".\n١ أي: أنه وقع في وقته المحدد له شرعًا، ولا عبرة بالظن الذي بان خطؤه، وهو مذهب الجمهور.\nوقال القاضي أبو بكر البلاقاني: إنه يعتبر قضاء، بناء على ظنه؛ إذ كان يجب عليه المبادرة إلى فعل المأمور به باعتبار ظنه انظر: \"التمهيد للإسنوي ص٦٤\".\n٢ والسبب في عدم وصف الزكاة بالقضاء يرجع لأمرين.\nالأول: أن وقتها غير محدد الطرفين -البداية والنهاية- كما في الصلاة.\nالأمر الثاني: أن كل وقت من الأوقات التي يؤخر أداؤها فيه هو مخاطب بإخراجها فيه، فإذا قلنا: إن أداءها في الوقت الثاني قضاء، لزم أن نقول مثل ذلك في الثالث والرابع وهكذا، وهذا يؤدي إلى تكرر الأمر بالقضاء. فنقول قضاء قضاء قضاء القضاء ... وهذا غير معهود.","vol":"1","page":185},{"text":"ومن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخر: لم نقل: إنه قضاء القضاء، فإذًا: اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعًا، ثم فات الوقت قبل الفعل.\nولا فرق بين فواته لغير عذر، أو لعذر كالنوم، والسهو، والحيض في الصوم والمرض والسفر.\nوقال قوم: الصيام من الحائض بعد رمضان ليس بقضاء؛ لأنه ليس بواجب؛ إذ فعله حرام؛ ولا يجب فعل الحرام فكيف تؤمر بما تعصي به١؟\n_________\n= وقد رد الطوفي على هذين الوجهين فقال: \"إن تحديد الوقت بطرفيه لا تأثير له ههنا، بل المؤثر أن يكون مقدار وقته معلومًا في الجملة، ووقت وجوب الزكاة معلوم المقدار، وهو بعد تمام الحول بقدر ما يتسع لأدائها.\nثم أجاب عن الأمر الثاني: بأن العلماء لم يكرروا لفظ القضاء للتخفيف، استثقالًا لتكرار لفظ القضاء، وإلا فحقيقة القضاء: استدراك مصلحة فائتة، وهذا كذلك\" انظر \"شرح مختصر الروضة ١/ ٤٥٤-٤٥٥\".\nوأضيف إلى ما قاله \"الطوفي\": بأن ما قاله المصنف منقوض بزكاة الفطر، فإنها محدودة، حتى جاء النص على أنها إذا فعلت في غير وقتها كانت صدقة من الصدقات.\nروي الشيخان وغيرهما -عن ابن عمر ﵄- أن رسول الله -ﷺ- أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، أي صلاة العيد.\nوفي حديث ابن عباس -﵄- قال: فرض رسول الله -ﷺ- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.\n١ هذا قول آخر في القضاء، يتضمن تفصيلًا بين فوات المأمور به في وقته لعذر أو لغير عذر: فإن كان لعذر لم يكن فعله بعد الوقت قضاء، كالحائض والمريض. =","vol":"1","page":186},{"text":"ولا خلاف في أنها لو ماتت لم تكن عاصية١.\nوقيل -في المريض والمسافر- لا يلزمهما الصوم -أيضًا- فلا يكون ما يفعلانه بعد رمضان قضاء.\nوهذا فاسد لوجوه ثلاثة:\nأحدها: ما روي عن عائشة٢ -﵂- أنها قالت: \"كنا نحيض على عهد رسول الله -ﷺ- فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة\"٣.\nوالآمر بالقضاء: إنما هو النبي -صلى الله عليه وسلم٤- على ما نقرره فيما يأتي.\n_________\n= والمسافر، يفوتهم صيام رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فيستدركه بعده.\nأما إن كان لغير عذر فإنه يكون قضاء. وقد رد المصنف على ذلك كما سيأتي.\n١ هذا كالاستدلال على أنه لا يسمى قضاء بالنسبة للحائض ومن في حكمها. وبيانه: أن القضاء يستدعي سبق الوجوب، وهذا غير موجود، إذ لو كان هناك وجوب لكانت عاصية إذا ماتت حال الحيض، وهناك إجماع على أنها لا تكون عاصية.\n٢ هي: الصديقة بنت الصديق: عائشة بنت أبي بكر، أم المؤمنين زوج رسول الله -ﷺ- أسلمت صغيرة، وتزوجها رسول الله -ﷺ- قبل الهجرة، ودخل بها بعد الهجرة، وكناها: \"أم عبد\" بابن أختها: عبد الله بن الزبير، كانت من أفقه الناس وأعلم الناس: توفيت -﵂- سنة ٧٥هـ. \"الإصابة ٤/ ٣٥٩\".\n٣ حديث صحيح رواه مسلم: كتاب الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، وأبو داود: كتاب الطهارة، والترمذي وحسنه.\n٤ يؤيده رواية ابن ماجه: \"كنا نحيض على عهد رسول الله -ﷺ- ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة\".","vol":"1","page":187},{"text":"الثاني: لا خلاف بين أهل العلم في أنهم ينوون القضاء.\nالثالث: أن العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه: لا يجب بعده، ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمة؛ بناء على وجود السبب، مع تعذر فعلها كما في النائم والناسي، وكما في \"المحدث\" تجب عليه الصلاة، مع تعذر فعلها منه في الحال، وديون الآدميين تجب على المعسر، مع عجزه عن أدائها١.\n_________\n١ خلاصة الوجه الثالث: أن ثبوت العبادة في الذمة غير ممتنع، كما أن ثبوت دين الآدمي في الذمة غير ممتنع وإذا كان ثبوتها في الذمة غير ممتنع، كان فعلها خارج وقتها بعد ثبوتها في الذمة قضاء، كدين الآدمي، والدليل على ذلك: قول النبي -ﷺ-: \" ... فدين الله أحق أن يقضى\" حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فدل ذلك على أن دين الله تعالى يثبت في الذمة، ويستدرك بالقضاء. انظر: \"شرح مختصر الطوفي جـ١ ص٤٥٢\".","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>فصل: في العزيمة والرخصة </span>١\nالعزيمة في اللسان القصد المؤكد٢. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِد\n_________\n١ من العلماء من يجعل العزيمة والرخصة من الأحكام الوضعية، كالغزالي والآمدي والشاطبي، وعلى ذلك سار المصنف، لارتباطهما بالسبب والشرط والمانع.\nوقال بعض العلماء: هما من خطاب التكليف، لما فيهما من معنى \"الاقتضاء\" حيث ينتقل الحكم من النهي إلى الإباحة، ومن المطلوب فعله طلبًا جازمًا إلى جواز الفعل والترك وهكذا.\nويبدو أن الخلاف لفظي؛ حيث إن الأحكام الوضعية ترجع في النهاية إلى الأحكام التكليفية، فالمآل واحد، وإن اختلفت طريقة كل منهما.\n٢ جاء في الصحاح للجوهري \"٥/ ١٩٨٥\": \"عزمت على كذا عَزْمًا وعُزمًا =","vol":"1","page":188},{"text":"لَهُ عَزْمًا﴾ ١ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢.\nوالرخصة: السهولة واليسر٣، ومنه: رخص السعر: إذا تراجع وسهل الشراء.\nفأما في عرف حملة الشرع:\nفالعزيمة: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي٤.\nوقيل: ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى.\nوالرخصة: استباحة المحظور، مع قيام الحاظر٥.\n_________\n= -بالضم- وعزيمة وعزيمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه\".\n١ سورة طه من الآية: ١١٥.\n٢ سورة آل عمران من الآية: ١٥٩.\n٣ جاء في الصحاح \"٣/ ١١٠٤\": \"الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، والتشديد لا يحصل إلا من الواجب فعلًا أو كفًّا\".\nوفي المصباح المنير \"١/ ٣٤٢\": \"يقال: رخص الشارع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا، إذا يسّره وسهّله، وفلان يترخص في الأمر: إذا لم يستقص، وقضيب رَخْصٌ: أي: طري لين، ورخُص البدن -بالضم- رخاصة ورخوصة: إذا نعم ولان ملمسه، فهو رخص\".\n٤ هذا التعريف لم أجده منسوبًا لأحد من علماء الأصول على حسب اطلاعي، ولذلك قال الشيخ الشنقيطي: \"والتعريف الثاني الذي حكاه بقيل أجود من الأول\" وهو الذي ذكره الغزالي.\n٥ ومن أمثلة ذلك: إباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور وهو أكل الميتة، مع قيام الحاظر، أي المانع وهو: خبث الميتة الذي حرمت من أجله دفعًا للضرر الذي يلحق الآكل.\nوينطبق هذا المثال على التعريف الثاني، فإن أكل الميتة ثابت على خلاف دليل شرعي، هو قول الله -تعالى- في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ =","vol":"1","page":189},{"text":"وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح١.\nولا يسمى ما لم يخالف الدليل رخصة، وإن كان فيه سعة، كإسقاط صوم شوال٢، وإباحة المباحات.\nلكن ما حُطَّ عنا من الإصر الذي كان على غيرنا يجوز أن يسمى رخصة مجازا، لما وجب على غيرنا، فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق ذلك٣.\n_________\nوَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ لمعارض راجح مثل قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيم﴾ في نفس آية سورة المائدة.\n١ قول المصنف -في التعريف- لمعارض راجح: احتراز عما كان لمعارض مساوٍ أو قاصر، فإنه إذا كان المعارض مساويًا وجب التوقف والبحث عن مرجح خارجي. وإن كان قاصرًا عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر، وتبقى العزيمة بحالها.\nانظر: \"شرح الكوكب المنير جـ١ ص٤٧٨\".\nوقال العسقلاني: \"أجود ما يقال في الرخصة: ثبوت حكم لحالة تقتضيه، مخالفة مقتضى دليل يعمها\" وهو منقول عن \"المقنع\" لابن حمدان: شرح الكوكب المنير \"١/ ٤٧٩\".\n٢ قوله: \"كإسقاط صوم شوال\" يقصد به عدم التكليف، لأن الإسقاط إنما يكون بعد الإيجاب، ولذلك عبر الغزالي عن هذا بقوله: \"فإن ما لا يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال، وصلاة الضحى لا يسمى رخصة، وما أباحه في الأصل: من الأكل والشرب لا يسمى رخصة\".\n٣ يقصد بذلك ما جاء في ختام البقرة وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ =","vol":"1","page":190},{"text":"فأما إباحة التيمم: إن كان مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن: سمي رخصة. وإن كان مع عدمه فهو معجوز عنه١، فلا يمكن تكليف استعمال الماء مع استحالته، فكيف يقال السبب قائم؟\nفإن قيل٢: فكيف يسمى أكل الميتة رخصة مع وجوبه في حال\n_________\nعَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ...﴾ أي ما ثقل علينا حمله من التكاليف التي كلف بها بنو إسرائيل: من قتل النفس هي التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقطع موضع النجاسة من الثياب، وهي تكاليف شاقة تثقل كاهل الإنسان.\nولذلك يروى أنه لما نزلت هذه الآية فقرأها رسول الله -ﷺ- قيل له عقب كل كلمة: \"قد فَعَلْتُ\" رواه أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عباس -﵄- ومعناه: أن الله تعالى قد استجاب الدعاء. ولما كان التخفيف في حقنا، والتشديد على غيرنا كان رخصة من قبيل المجاز.\n١ خلاصة ذلك: أن إباحة التيمم إن كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو زيادة ثمن سميت رخصة، وإن كانت مع العجز عنه، كعدم الماء فلا يسمى رخصة، لأن سبب الحكم الأصلي وهو: وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه.\n٢ هذا اعتراض أورده بعض الأصوليين خلاصته: أنه كيف يقال: إن أكل الميتة رخصة مع أنه واجب في حال الضرورة.\nوأجاب المصنف على ذلك بما خلاصته: أن الواحد بالشخص قد تكون له جهتان مختلفتان كما في هذا المثال: فهو من جهة التوسيع وعدم التضييق رخصة وتيسير، ومن جهة وجوب الأكل عزيمة.\nهكذا فسرها الشيخ الشنقيطي في مذكرته ص٥١.\nوأرى أن هذا كله تكلف لا داعي له، وأوضح منه ما قاله بعض العلماء من أنها تنقسم إلى عدة أقسام:\nالأول: رخصة واجبة: كأكل الميتة للمضطر، لأنه سبب لإحياء النفس وإنقاذ لها من التهلكة.","vol":"1","page":191},{"text":"الضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته.\nويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين.\nفأما الحكم الثابت على خلاف العموم:\nفإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة١.\n_________\n= الثاني: رخصة مندوبة، كقصر الصلاة للمسافر إذا استوفت شروطه.\nالثالث: رخصة مباحة، يجوز الأخذ بها أو عدم الأخذ، كالجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر، وعند الأعذار الأخرى كالمطر، في غير عرفة ومزدلفة انظر: شرح الكوكب المنير \"١/ ٤٧٩\".\n١ العرية في الأصل: ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا تمر له، وقال مالك: العرية: أن يعري الرجل النخلة، أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس.\nروى البخاري ومسلم ومالك وغيرهم عن زيد بن ثابت -﵁- أن النبي -ﷺ-: \"نهى عن المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين يأخذهما أهل البيت برخصها تمرًا، يأكلونها رطبًا\".\nوالمزابنة: بيع التمر بالرطب، وخصت منه ال١٩٢\nالضرورة؟ قلنا: يسمى رخصة من حيث: إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله -تعالى- إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو: خبث المحل ونجاسته.\nويجوز أن يسمى من حيث: وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين.\nفأما الحكم الثابت على خلاف العموم:\nفإن كان الحكم في بقية الصور لمعنى موجود في الصورة المخصوصة، كبيع العرايا المخصوص من المزاينة المنهي عنها: فهو حينئذ رخصة١.","vol":"1","page":192},{"text":"وإن كان لمعنى غير موجود في الصورة المخصوصة، كإباحة الرجوع في الهبة للوالد، المخصوص من قوله -﵇-: \"العائد في هبته كالعائد في قيئه\" ١ فليس برخصة؛ لأن المعنى الذي حرم لأجله الرجوع في الهبة غير موجود في الوالد٢.\n_________\n١ حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها حديث رقم \"٢٥٨٩، ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٦٩٧٥\" ومسلم: كتاب الهبات حديث \"١٦٢٢\" وأبو داود: حديث \"٣٥٣٨\" والترمذي: حديث \"١٢٩٨\" والنسائي \"٦/ ٢٦٥\".\n٢ اعترض الطوفي على التفرقة بين الصورتين -العرايا والهبة- وقال إن كلًّا منهما رخصة ودلل على ذلك فقال: \"واعلم أن الفرق لا يؤثر، ولا يناسب اختلاف الحكم في الصورتين المذكورتين، بل الأشبه أنهما يسميان رخصة: أعني رجوع الأب في الهبة، وجواز العرايا لوجهين:\nأحدهما: أن معنى الرخصة لغة وشرعًا مشترك بينهما.\nأما لغة: فلأن الرخصة من السهولة -كما سبق- وفي تجويز الرجوع للأب في الهبة تسهيل عليه.\nوأما شرعًا: فلأن رجوعه على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهذا هو حد الرخصة، فوجب أن يكون رخصة.\nالثاني: أن الرخصة تقابل العزيمة، ولا شك أن تحريم الرجوع في الهبة على الأجانب عزيمة، فوجب أن يكون جوازه للأب رخصة\". \"شرح مختصر الطوفي جـ١ ص٤٦٣\".","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الباب الثاني: في أدلة الأحكام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>مدخل</span>\n...\nباب: في أدلة الأحكام\nالأصول١ أربعة:\nكتاب الله تعالى.\nوسنه رسوله -ﷺ-.\nوالإجماع.\nودليل العقل المبقي على النفي الأصلي.\n_________\n١ كلمة \"الأصول\" إما أن تعرب مبتدأ، خبره \"أربعة\" واللام في \"الأصول\" للعهد الذكري الذي تقدم في أول الكتاب عند الكلام على تعريف \"أصول الفقه\".\nوإما أن تعرب \"أربعة\": خبر لمبتدأ محذوف، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر للمبتدأ الأول، وهو \"الأصول\" والتقدير: الأصول التي وعدنا بالكلام عليها: هي أربعة.\nوالمؤلف تبع في تقسيمه للأدلة من حيث الاتفاق والاختلاف منهج الإمام الغزالي في المستصفى، وهو مسلك مخالف لما عليه جمهور العلماء من أن الأدلة المتفق عليه أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.\nجاء في مختصر ابن الحاجب: \"الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال\".\nقال الأصفهاني في بيان المختصر \"١/ ٤٥٤-٤٥٥\": \"وإنما انحصر الدليل الشرعي في الخمسة المذكورة؛ لأن الدليل الشرعي إما أن يكون واردًا من جهة الرسول -﵇- أو لا.","vol":"1","page":194},{"text":".....................................................\n_________\nوالأول: إما أن يكون معجزًا، وهو الكتاب، أو لا، وهو السنة، ويندرج فيها قول الرسول وفعله وتقريره.\nوالثاني: وهو الذي لا يكون واردًا من جهة الرسول -﵇- إما أن يكون صادرًا ممن لا يجوز عليه الخطأ، وهو الإجماع، أو لا. وحينئذ إما أن يكون حمل فرع على أصل لعلة مشتركة بينهما، وهو القياس، أو لا، وهو الاستدلال\".\nوقد ذكر ذلك الآمدي، ونقله عنه \"الطوفي\" في شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦\" حيث قال: \"إن الدليل الشرعي، إما أن يرد من جهة الرسول أو لا من جهته، فإن ورد من جهة الرسول، فهو إما من قبيل ما يتلى: وهو الكتاب، أو لا: وهو السنة، وإن ورد لا من جهة الرسول، فإما أن نشترط فيه عصمة من صدر عنه أو لا، والأول: الإجماع، والثاني: إن كان حمل معلوم على معلوم بجامع مشترك، فهو القياس، وإلا فهو الاستدلال.\nفالثلاثة الأول -وهي الكتاب، السنة، والإجماع- نقلية، والآخران معنويان، والنقلي أصل للمعنوي، والكتاب أصل للكل.\nفالأدلة إذًا: خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال.\nوعرفه الآمدي بأنه: دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس\" ا. هـ.\nوفي شرح الكوكب المنير \"٢/ ٥ وما بعدها\": \"أدلة الفقه، المتفق عليها أربعة: الأول: الكتاب وهو القرآن وهو الأصل، والثاني: السنة، والثالث: الإجماع، والرابع: القياس على الصحيح، وعليه جماهير العلماء، وقال أبو المعالي، وجمع: ليس القياس من الأصول، وتعلقوا بأنه لا يفيد إلا الظن.\nقال في شرح التحرير: والحق هو الأول، والثاني ضعيف جدًّا؛ فإن القياس قد يفيد القطع -كما سيأتي- وإن قلنا: لا يفيد إلا الظن فخبر الواحد ونحوه لا يفيد إلا الظن، وهو: أي القياس مستنبط من الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع\" ا. هـ.\nوقول المصنف: \"ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي\" أراد به: أن العقل يدل على براءة الذمة وعدم شغلها بأي واجب من الواجبات قبل مجيء دليل من =","vol":"1","page":195},{"text":".....................................\n_________\n= الشرع يدل على التكليف، وعبارة الغزالي واضحة في ذلك حيث قال: \"اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دلّ على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات، قبل بعثة الرسل -﵈- وتأييدهم بالمعجزات. وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع، فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات، فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة، لا بتصريح النبي بنفيها، لكن كان وجوبها منتفيًا، إذ لا مثبت للوجوب، فبقي على النفي الأصلي؛ لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة، فبقي على النفي في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد، وكذلك إذا أوجب صوم رمضان، بقي صوم شوال على النفي الأصلي، وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية، وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه فإذًا: النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها، أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه، وأما النفي: فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلًا على أحد الشطرين وهو النفي\".\nانظر: المستصفى ص١٥٩ طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.\nولما كانت دلالة العقل على الأحكام قاصرة على جانبي النفي فقط قال الغزالي في موضع آخر: \"فتسمية العقل أصلًا من أصول الأدلة تجوّز ... \" انظر: المصدر السابق ص٨٠.\nوالخلاصة: أن الأدلة الشرعية نوعان: أدلة نقلية وأدلة عقلية، فالنقلية هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعرف، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي.\nوالعقلية هي: القياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، والذرائع.\nوكل من الأدلة النقلية والعقلية محتاج إلى الآخر، فالأدلة النقلية لا بد فيها من التعقل والتدبر والنظر الصحيح.\nكما أن الأدلة العقلية والتي أساسها الاجتهاد، لا تقبل إلا إذا كان لها مستند =","vol":"1","page":196},{"text":"واختلف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا١. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.\nوأصل الأحكام كلها من الله سبحانه٢؛ إذ قول الرسول -ﷺ- إخبار عن الله بكذا.\nوالإجماع يدل على السنة٣.\nفإذا نظرنا إلى ظهور الحكم عندنا فلا يظهر إلا بقول الرسول -ﷺ- فإننا لا نسمع الكلام من الله -تعالى- ولا من جبريل -﵇- وإنما ظهر لنا من رسول الله -ﷺ- والإجماع يدل على أنهم استندوا إلى قوله.\nلكن إذا لم نحرر النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب فيها النظر منقسمة إلى ما ذكرنا.\n_________\n= من النقل، لأن العقل المجرد لا يستقل بتشريع الأحكام، فالمشرع في الحقيقة هو الله تعالى، كما أشار إلى ذلك المصنف في قوله الآتي: \"وأصل الأحكام كلها من الله سبحانه ... \".\n١ ترك المصنف -تبعًا لأصله \"المستصفى\"- بعض الأدلة المختلف فيها\n٢ إذ إن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه، فالحكم له وحده -جل شأنه- قال تعالى: ﴿... إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال تعالى: ﴿... فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] وقال جل شأنه ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .\n٣ جاء في المستصفى ص٨٠: \"والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى\" ومعناه: أن الإجماع لا بد له من مستند، فإذا انعقد إجماع دل ذلك على أن له دليلًا وإن لم نعرفه. وعبارة \"الطوفي\": \"والإجماع دال على النص\" وهي أولى، لأن مستند الإجماع قد يكون نصًّا من القرآن الكريم، وقد يكون سنة، وقد يكون قياسًا على النص. انظر: \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٧\".","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>فصل: [في تعريف الكتاب والقرآن وأنهما بمعنى واحد]</span>\nوكتاب الله -سبحانه- هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل -﵇- على النبي -ﷺ-.\nوقال قوم: الكتاب غير القرآن وهو باطل.\nقال الله -تعالى-: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ...﴾ إلى قوله -تعالى-: ﴿... إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ...﴾ ١ وقالوا: ﴿... إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٢.\nفأخبر الله -تعالى- أنهم استمعوا القرآن وسموه قرآنًا وكتابًا.\nوقال تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ...﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ ٤.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ٥.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ سماه قرآنا وكتابا وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين.\n_________\n١ سورة الأحقاف الآيتان: ٢٩، ٣٠.\n٢ سورة الجن الآية الأولى.\n٣ سورة الزخرف الآيات ١-٣.\n٤ سورة الزخرف الآية: ٤.\n٥ سورة الواقعة الآيتان: ٧٧، ٧٨.\n٦ سورة البروج الآيتان: ٢١، ٢٢.","vol":"1","page":198},{"text":"وهو: ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا١.\n_________\n١ اعترض الطوفي علي هذا التعريف وقال: فيه دور. شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٠. وبيانه: أن وجود المصحف ونقله فرع تصوّر القرآن، فلا يعرّف القرآن بهما.\nوالأوضح من هذا التعريف ما ذكره \"الطوفي\" -أيضًا- حيث قال: وكتاب الله ﷿: كلامه المنزل هو جنس للإعجاز بسورة منه وهو القرآن\"..... ثم شرح ذلك فقال: فقوله \"كلامه\" هو جنس يتناول كل كلام تكلم الله به -﷾- عربيًا كالقرآن، أو أعجميًا، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من صحف الأنبياء، وما نزل للإعجاز أو لغيره، كما دل عليه قوله ﵇: \"أوتيت القرآن ومثله معه\" [حديث صحيح رواه أحمد، وأبو داود، والطبراني في الكبير، والدارقطني وغيرهم] . وإن جبريل يأتيني بالسنة كما يأتيني بالقرآن.\nوقوله: \"المنزل\" يحترز به ممن يثبت كلام النفس، لأنه لا يصح فيه التنزيل.\nوقوله \"للإعجاز\" احتراز مما نزل لغير الإعجاز، كسائر الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين فإنها لم تنزل للإعجاز، بل لبيان الأحكام، وإنما كانت معجزات أولئك الأنبياء -﵈- فعلًا لا صفات.\nوقوله: \"بسورة منه\" ليدخل في حد الكتاب كل سورة من سوره. انظر: المرجع السابق.\nوهناك تعريفات أخرى للقرآن الكريم، فيها بعض القيود والإضافات التي خلا عنها تعريف الطوفي، حيث خلا من لفظ \"التواتر\" وهو قيد لا بد منه، ولذلك فرّع المصنف -بعد هذا الفصل- فصلًا آخر يتعلق بالقراءة التي نقلت بطريق الآحاد، وهي التي يطلق عليها الشاذة.\nكما خلا من قيد \"المتعبد بتلاوته\" لتخرج الآيات منسوخة التلاوة، لأنها أصبحت غير قرآن، فلا يتعبد بها.\nوقد أورد الشوكاني عدة تعريفات للقرآن الكريم فقال:\n\"والقرآن في اللغة: مصدر بمعنى القراءة، غلب في العرف العام على المجموع المعين من كلام الله سبحانه، المقروء بألسنة العباد\" ... ثم قال:\n\"وأما حد الكتاب اصطلاحًا: فهو الكلام المنزل على الرسول، المكتوب في =","vol":"1","page":199},{"text":".........................................\n_________\n= المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا ... \".\n.... وقيل قي حده: هو اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر، المتواتر.\nوقيل: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.\nوقال جماعة في حده: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف تواترًا.\nوقال جماعة: هو القرآن المنزل على رسولنا، المكتوب في المصاحف المنقول تواترًا بلا شبهة.\nوقيل: هو كلام الله العربي، الثابت في اللواح المحفوظ للإنزال.\nانظر: إرشاد الفحول جـ١ ص١٤١-١٤٣ بتحقيقنا.\nوهذه التعريفات المختلفة للقرآن الكريم تصدق على قراءات الأئمة العشرة الذين نقلوا إلينا هذا القرآن بأسانيدهم الصحيحة المتصلة إلى سيدنا رسول الله -ﷺ- وقراءاتهم تعتبر جزءًا من الأحرف السبعة التي صحت بها الأحاديث، والتي منها ما رواه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف.\nعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف\".\nوالأئمة العشرة هم:\n١- نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، المتوفى سنة ١٩٩هـ وعنه راويان هما:\nأ- قالون: عيسى بن مينا بن وردان بن عبد الصمد. المتوفى سنة ٢٢٠هـ.\nب- ورش: عثمان بن سعيد بن عبد الله المصري. المتوفى سنة ١٩٧هـ.\n٢- عبد الله بن كثير بن عمر بن عبد الله بن زاذان المكي، المتوفى سنة ١٢٠هـ وعنه راويان هما:\nأ- أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع البزي. المتوفى سنة ٢٥٠هـ.","vol":"1","page":200},{"text":"...................................\n_________\nب- محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد الشهير بقنبل المتوفى سنة ٢٩١هـ.\n٣- أبو عمرو البصري: زبّان بن العلاء بن عمار بن العريان المازني التميمي، المتوفى سنة ٢٥٤هـ، وعنه راويان هما:\nأ- حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبات بن عدي الدوري، المتوفى سنة ٢٤٦هـ.\nب- صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل بن الجارود السوسي. المتوفى سنة ٢٦١هـ.\n٤- عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة، إمام أهل الشام المتوفى سنة ١١٨هـ وعنه راويان هما:\nأ- هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة السلمي المتوفى سنة ٢٤٥هـ.\nب- عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان المتوفى سنة ٢٤٢هـ.\n٥- عاصم بن أبي النجود، إمام أهل الكوفة. المتوفى سنة ١٢٧هـ وعنه راويان هما:\nأ- شعبة بن عياش بن سالم الحنّاط الأسدي المتوفى سنة ١٩٣هـ.\nب- حفص بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي المتوفى سنة ١٨٠هـ.\n٦- حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي. المتوفى سنة ١٥٦هـ وعنه راويان هما:\nأ- خلف بن هشام بن ثعلب الأسدي البغدادي. المتوفى سنة ٢٢٩هـ.\nب- خلاد بن خالد الشيباني الصيرفي الكوفي. المتوفى سنة ٢٢٠هـ.\n٧- علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان الكسائي. المتوفى سنة ١٨٩هـ وعنه راويان هما:\nأ- الليث بن خالد المروزي البغدادي، وكنيته أبو الحارث. المتوفى سنة ٢٤٠هـ.\nب- حفص الدوري: الذي تقدمت ترجمته في تلاميذ أبي عمرو البصري. =","vol":"1","page":201},{"text":"وقيدناه بالمصاحف؛ لأن الصحابة -﵃- بالغوا في نقله وتجريده عما سواه، حتى كرهوا التعاشير١ والنقط، كيلا يختلط بغيره، فنعلم أن المكتوب في المصحف هو القرآن، وما خرج عنه فليس منه، إذ يستحيل في العرف والعادة، مع توفرالدواعي على حفظ القرآن أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه.\n_________\n= ٨- يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، المكنى بأبي جعفر. المتوفى سنة ١٣٠هـ على الأصح. وعنه راويان هما:\nأ- عيسى بن وردان المدني، وكنيته أبو الحارث. المتوفى في حدود سنة ١٦٠هـ.\nب- سليمان بن محمد بن مسلم بن جماز. المتوفى بعد سنة ١٧٠هـ.\n٩- يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي المصري. المتوفى سنة ٢٠٥هـ. وعنه راويان هما:\nأ- رويس: محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري. المتوفى سنة ٢٣٨هـ.\nب- روح بن عبد المؤمن الهذلي البصري. المتوفى سنة ٢٣٤، أو ٢٣٥هـ.\n١٠- خلف بن هشام البزار البغدادي. أحد الرواة عن حمزة. وأخذ عنه راويان هما:\nأ- إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله المروزي، ثم البغدادي. المتوفى سنة ٢٨٦هـ.\nب- إدريس بن عبد الكريم الحداد الغدادي. المتوفى سنة ٢٩٢هـ.\nانظر في ترجمتهم: غاية النهاية لابن الجزري، النشر في القراءات العشر لابن الجزري أيضًا، معرفة القراء الكبار للذهبي.\nفقراءة هؤلاء الأئمة العشرة ورواتهم هي التي جمعت شروط القراءة الصحيحة، وهي: التواتر، وموافقة أحد المصاحف التي نسخها سيدنا عثمان -﵁- ووافقت وجهًا من وجوه اللغة العربية. والقراءة التي تفقد واحدًا من هذه الشروط تسمى شاذة، أو آحادية، وهي التي عقد لها المصنف الفصل الآتي.\n١ التعاشير: أي جعل علامة عند آخر كل عشر آيات.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>فصل: [في حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة]</span>\nفأما ما نقل نقلا غير متواتر، كقراءة ابن مسعود١ -﵁-: \"فصيام ثلاثة أيام متتابعات\"٢: فقد قال قوم: ليس بحجة٣؛ لأنه خطأ قطعا؛ لأنه واجب على الرسول تبليغ القرآن طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم وليس له مناجاة الواحد به.\n_________\n١ هو: الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أحد السابقين إلى الإسلام، والمهاجرين إلى الحبشة والمدينة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد مع الرسول -ﷺ- بدرًا وما بعدها من المشاهد، كان كثير الملازمة لرسول الله -ﷺ- وهو الذي قرأ على رسول الله -ﷺ- سورة النساء حتى أتى إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ فبكى رسول الله -ﷺ- وقال له: \"حسبك الآن ... \" توفى سنة ٣٢هـ.\nانظر: \"الإصابة ٢/ ٣٦٨، والاستيعاب ٢/ ٣١٦\".\n٢ سورة المائدة الآية: ٨٩، والقراءت المتواترة ليس فيها لفظ \"متتابعات\" وقراءة ابن مسعود أخرجها عبد الرازق في المصنف \"١٦١٠٢\" عن ابن جريج قال: سمعت عطاء: يقول: بلغنا في قراءة ابن مسعود \"فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" قال: وكذلك نقرؤها.\nوفي الباب عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ مثل ابن مسعود، عند الطبري \"١٤٩٧\" و\"١٤٩٨\" وسنن البيهقي \"١٠/ ٦٠\".\n٣ القراءة الشاذة يتعلق بها مسألتان:\nالمسألة الأولى: هل يجوز القراءة بها، سواء أكان ذلك في الصلاة، أم في غيرها؟\nللعلماء في ذلك خلاف طويل، بين مجيز ومانع، والذي رجحه جمهور المسلمين -سلفًا وخلفًا- عدم جواز القراءة بما هو شاذ من القراءات، ولا تصح بها الصلاة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء. =","vol":"1","page":203},{"text":"وأن لم ينقلة [على أنه] من القرآن: احتمل أن يكون مذهبًا، واحتمل أن يكون خبرًا، ومع التردد لا يعمل به.\nوالصحيح: أنه حجة١، لأنه يخبر أنه سمعه من النبي -ﷺ- فإن\n_________\n= قال الإمام النووي: \"لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست قرآنا؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة الشاذة ليست متواترة، ومن قال غيره فغالط أو جاهل، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قراءته في الصلاة وغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ.\nونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشواذ، ولا يصلى خلف من يقرأ بها.\nانظر: التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص٤٧.\nالمسألة الثانية: في حكم الاحتجاج بها، واستنباط الأحكام الشرعية منها.\nوللعلماء فيها مذهبان:\nأحدهما: أنها ليست حجة، وهو رأي مالك والشافعي، وجمهور الأصوليين، ورواية عن الإمام أحمد واستدل المصنف لهذا المذهب بوجهين:\nالأول: أنه على تقدير أن الناقل نقله على أنه قرآن، فإنه يكون خطأ قطعًا لأن الرسول -ﷺ- يجب عليه تبليغ الوحي لجماعة يحصل العلم بخبرهم، ولا يخرج عن عهدة التبليغ بتبليغ الواحد، وحينئذ نعلم قطعًا أن الناقل أخطأ على الرسول في نقله الآحاد على أنها قرآن، وما دامت ليست قرآنًا فلا يصح الاحتجاج بها.\nالثاني: نقله لها على أنها ليست قرآنًا، وحينئذ تكون مترددة بين الخبر، وبين أن تكون مذهبًا له، ومع التردد في جواز الاحتجاج بها لا تكون حجة، استصحابًا للحال فيها، وهو عدم الاحتجاج.\nانظر: الإحكام للآمدي \"١/ ٢٣٠-٢٣١\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٦\".\n١ وهو مذهب الحنفية ورأي للإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. انظر: فواتح الرحموت \"٢/ ١٦\" نهاية السول \"٢/ ٣٣٣\" القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص١٥٥. =","vol":"1","page":204},{"text":"لم يكن قرآنا: فهو خبر، فإنه ربما سمع الشيء من النبي -ﷺ- تفسيرًا، فظنه قرآنًا.\nوربما أبدل لفظة بمثلها ظنًّا منه أن ذلك جائز، كما روي عن ابن مسعود -﵁- أنه كان يجوز مثل ذلك، وهذا يجوز في الحديث دون القرآن.\nففي الجملة: لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي -ﷺ- ومرويًّا عنه فيكون حجة كيف ما كان.\nوقولهم: \"يجوز أن يكون مذهبا له\":\nقلنا: لا يجوز ظن مثل هذا بالصحابة -﵃- فإن هذا افتراء على الله -تعالى- وكذب عظيم؛ إذ جعل رأيه ومذهبه الذي ليس هو عن الله -تعالى- ولا عن رسوله قرآنًا، والصحابة -﵃- لا يجوز نسبة الكذب إليهم في حديث النبي -ﷺ- ولا في غيره، فكيف يكذبون في جعل مذاهبهم قرآنا؟ هذا باطل يقينًا١.\n_________\n= واستدل أصحاب هذا المذهب: بأن القراءة الشاذة، وإن لم يثبت كونها قرآنًا، إلا أنها تنزل منزلة خبر الآحاد، وهو حجة عند الجمهور.\nوقد احتج بها بعض العلماء في كثير من الأحكام الشرعية، مثل: الاستدلال على قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود \"فاقطعوا أيمانهما\"، ووجوب التتابع في صيام كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود -أيضًا-: \"فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات\".\nقال أبو عبيد في فضائل القرآن: \"فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف: معرفة صحة التأويل\" الإتقان للسيوطي \"١/ ٢٢٧-٢٢٨\".\n١ خلاصة هذا الرد: أن كون الصحابي ينسب رأي نفسه إلى النبي -ﷺ- كذب من =","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>فصل: [في اشتمال القرآن على الحقيقة والمجاز]</span>\nوالقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز:\nوهو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي على وجه يصح.\nكقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ١ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ ٢، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضّ﴾ ٣، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ...﴾ ٤، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٥ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ ٦ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّه﴾ أي: أولياء الله.\nوذلك كله مجاز، لأنه استعمال اللفظ في غير موضوعه.\n_________\n= الصحابي وافتراء على النبي -ﷺ- حيث ينقل عنه ويقول ما لم يقل، وذلك لا يليق نسبته إلى الصحابة، مع تحريهم في الصدق عليه، فمن باب أولى لا يكذبون على الله تعالى، في جعل مذاهبهم قرآنًا.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٦\".\n١ سورة الإسراء من الآية: ٢٤. قال الطوفي: والجناح: حقيقة للطائر من الأجسام، والمعاني والجمادات لا توصف به. \"شرح المختصر ٢/ ٢٨\".\n٢ سورة يوسف من الآية: ٨٢. أي: أهلها؛ لأن الجمادات لا تفهم ولا تجيب.\n٣ سورة الكهف من الآية: ٧٧. قال الطوفي: \"والجدار لا إرداة له، إذ الإرادة حقيقة من خصائص الحيوان أو الإنسان، وإنما هو كناية عن مقاربته الانقضاض لأن من أراد شيئًا قاربه، فكانت المقارنة من لوازم الإرادة فتجوّز بها عنها\".\n٤ سورة النساء الآية: ٤٣، والمائدة: ٦. وهو في الأصل: المكان المنخفض، فتجوّز به عن قضاء الحاجة.\n٥ سورة الشورى الآية: ٤٠، والمراد بالسيئة الثانية: المجازاة.\n٦ سورة البقرة من الآية: ١٩٤.\n٧ سورة الأحزاب من الآية: ٥٧.","vol":"1","page":206},{"text":"ومن منع ذلك فقد كابر.\nومن سلم وقال: لا أسميه مجازًا: فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه١. والله أعلم.\n_________\n١ خلاصة ما يريد أن يقوله المصنف: أن القرآن يوجد فيه كثير من الآيات المشتملة على المجاز، وأتى بأمثله لذلك، وأن من منع ذلك فقد كابر وعاند؛ لأنه ينكر شيئًا موجودًا ومحسًّا، ثم أشار إلى أن هناك من لا يسميه مجازًا، وإنما يطلق عليه إطلاقات أخرى، قال المصنف، فالخلاف مع هذا خلاف لفظي، قائم على الاصطلاح، ولا مشاحة فيه. هذا معنى كلامه.\nوقد نقل الطوفي عدة أوجه للمحتجين بأنه ليس في القرآن مجاز، نلخص منها:\nأولًا: أنه يلزم عليه أن يكون الله -تعالى- متجوزًا، أي: مستعيرًا؛ لأن مستعمل المجاز يسمى في اللغة متجوزًا، والتجوز: استعارة اللفظ لغير موضوعه، فيلزم: أن يسمى الله -تعالى- كذلك، لكنه لا يسمى بذلك، فلا يكون المجاز واقعًا في القرآن.\nثانيا: أن المجاز لا ينبئ بنفسه عن معناه، فوقوعه في القرآن يوقع في اللبس والإشكال وعدم البيان، ومقصود القرآن البيان.\nثالثًا: أن العدول إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، أو يدل عليه، والعجز على الله -تعالى- محال.\nثم أجاب -رحمه الله تعالى- عن هذه الأدلة -بما ملخصه.\nأما عن الدليل الأول، فأجيب عنه بجوابين:\nأحدهما: صحة تسميته -سبحانه- متجوزًا بمعنى: أنه مستعمل للمجاز وليس فيه نقص ولا محذور، كما يسمى متكلمًا باستعماله للكلام.\nثانيهما: عدم التسليم بأنه -﷾- لو تكلم بالمجاز، لزم أن يسمى متجوزًا للفرق بينه -سبحانه- وبين خلقه؛ فإن أسماءه -سبحانه- وصفاته توقيفية، بخلاف غيره. =","vol":"1","page":207},{"text":"....................................................\n_________\n= ثم أجاب عن الدليل الثاني فقال: \"إن البيان يحصل بالقرينة فلا إلباس\".\nوقال ردًّا على الدليل الثالث: \"وجوابه: بمنع ذلك، بل المجاز له فوائد سبق ذكره بعضها\".\nومنها: أن كلام الله -تعالى- حق، بمعنى أنه صدق، ليس بكذب ولا باطل، لا بمعنى أن جميع ألفاظه مستعملة في موضوعها الأصلي، وكونه له حقيقة معناه: أنه موجود له في نفسه بناء وتأويل، وأنه ليس بخيال لا وجود له في الخارج كالمنام.\nوأيضًا: فإنه كلام عربي، فهو مشتمل على المجاز، وقابل لوقوع المجاز، فالقرآن كذلك، وإلا لم يكن عربيًّا\".\nراجع: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٠، ٣١\".\nهذا: وقد نقل الشيخ \"ابن بدران\" -رحمه الله تعالى- مذاهب العلماء في المسألة، وحاول أن يجعل الخلاف فيها خلافًا لفظيًّا، فقال:\n\"قوله: ومن منع فقد كابر\": أي أن قومًا منعوا جواز وقوع المجاز في القرآن ونسب الطوفي المنع إلى الظاهرية.\nوحكى برهان الدين: إبراهيم بن مفلح في طبقاته: أن أبا الحسن الجزري البغدادي الحنبلي له اختيارات منها: أنه لا مجاز في القرآن، وأنه يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس.\nوحكى شيخ الإسلام \"ابن تيمية\" في كتاب \"الإيمان\" أن أبا الحسن هذا، وأبا عبد الله بن حامد، وأبا الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي منعوا أن يكون في القرآن مجاز.\nومنع ذلك -أيضًا- محمد بن خويز منداد وغيره من المالكية.\nومنع منه داود بن علي، وابنه: أبو بكر، ومنذر بن سعيد اللوطي، وصنف فيه مصنفًا.\nولما كان هؤلاء من العلم بمكان معروف، تردد المصنف في الأمر، فجعل ذلك إما مكابرة، وإما نزاعًا في عبارة. وأقول: لا مكابرة، وإنما الصواب الثاني. =","vol":"1","page":208},{"text":".................................\n_________\nوبيانه: أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز، هو اصطلاح حادث، بعد انقضاء القرون الثلاثة، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز: أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه: \"مجاز القرآن\".\nوقد بين هذا ابن السبكي في \"عروس الأفراح\" ولكن لم يعنِ بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية: ما يعين به عن الآية.\nوالمانعون قالوا: إنكم تقولون: المجاز: الكلمة المستعلمة في غير ما وضعت له، وهذا يقتضي العلم: بأن هذه الكلمة وضعت أولًا لكذا، ثم استعملت في غيرها، أو فيها، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال، وهذا إنما يصح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية، فيدعي أن قومًا من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا، وهذا بكذا، وبجعل هذا عامًا في جميع اللغات.\nقال الإمام \"ابن تيمية\": وهذا القول لا نعرف أحدًا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم الجبائي، فإنه تنازع هو أبو الحسن الأشعري في مبدأ اللغات، فقال أبو هاشم: هي اصطلاحية وقال الأشعري: هي توقيفية، ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة.\nقال الإمام: والمقصود هنا: أنه لا يمكن أحدًا أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم: أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر: استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها، فإن ادعى مدع أنه يعلم وضعًا يتقدم ذلك فهو مبطل، فإن هذا لم ينقل عن أحد من الناس.\nوقد أطال الإمام النفس في هذه المسألة في كتابه: \"الإيمان\".\nوحاصل الأمر: تعذر معرفة تقدم وضع على وضع، فلا مجاز بالمعنى الذي قالوه، بل الكل موضوع، فرجع إلى أنه نزاع في العبارة\" نزهة الخاطر \"١/ ١٨٢-١٨٤\" طبعة مكتبة المعارف بالرياض.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>فصل: [ليس في القرآن ألفاظ غير عربية]</span>\nقال القاضي: ليس في القرآن لفظ بغير العربية؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ...﴾ ١.\nولو كان فيه لغة العجم: لو يكن عربيًّا محضًا، وآيات كثيرة في هذا المعنى.\nولأن الله -سبحانه- تحداهم بالإتيان بسورة من مثله، ولا يتحداهم بما ليس من لسانهم ولا يحسنونه٢.\n_________\n١ سورة فصلت من الآية: ٤٤.\n٢ انظر: العدة \"٣/ ٧٠٧\" وما قاله القاضي أبو يعلى هو رأي كثير من العلماء، منهم الإمام الشافعي، وأبو عبيدة: معمر بن المثنى، وابن جرير الطبري، وأبو بكر الباقلاني، وأحمد بن فارس، وأبو بكر: عبد العزيز بن جعفر الحنبلي، وأبو الخطاب، وابن عقيل وغيرهم. انظر: التمهيد \"٢/ ٢٧٨\" شرح الكوكب المنير \"١/ ١٩٢، ١٩٣\".\nوهذا الخلاف إنما هو في غير الأعلام، أما الأعلام: فمتفق على وجودها مثل: إسرائيل، جبريل، عمران، نوح، إلخ.\nقال الإمام الشافعي:\n\"وقد تكلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له -إن شاء الله- فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا، والقرآن يدل على أن ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب\".\nثم قال: \"إن جهل بعض العرب ببعض ما في القرآن من ألفاظ غريبة عنهم ليس دليلًا على عجمة القرآن.\nويحتمل أن بعض الأعاجم تعلم بعض الألفاظ العربية، وانتشرت في لغاتهم، فتوافقت بعض كلمات القرآن القليلة مع تلك الألفاظ.","vol":"1","page":210},{"text":"وروي عن ابن عباس١، وعكرمة٢ -﵄- أنهما قالا: فيه ألفاظ بغير العربية٣.\n_________\n= وربما تكون بعض الكلمات الأعجمية قد سرت إلى العرب فعربوها، فصار بذلك عربي الشكل والصيغة والمخارج، وإن كان أصله أعجميًّا\".\nوبعد أن أورد الآيات الصريحة في أن القرآن كله عربي، ختم كلامه بقوله:\n\"فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح\" الرسالة ص٤٠-٤٤ تحقيق الشيخ شاكر.\nوقال أبو عبيد: القاسم بن سلام: \"والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعًا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية، كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعرِّبت بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فصادق\" شرح الكوكب المنير \"١/ ١٩٤-١٩٥\".\n١ هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي -ﷺ- حبر الأمة، وترجمان القرآن، دعا له النبي -ﷺ- بقوله: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\". توفي بالطائف سنة ٦٨هـ. \"الإصابة ٢/ ٣٣٠ والاستيعاب \"٢/ ٣٥٠\".\n٢ هو: عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس، أحد فقهاء مكة من التابعين، أصله بربري من أهل المغرب. توفي سنة ١٠٤هـ على أرجح الروايات. \"وفيات الأعيان ٢/ ٤٢٧، معجم الأدباء ١٢/ ١٨١\".\n٣ وهو منقول -أيضًا- عن كثير من العلماء، منهم: مجاهد، وابن جبير، وعطاء وغيرهم. انظر: \"الإحكام للآمدي \"١/ ٥٠ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢١٢، المزهر ١/ ٢٦٦ وما بعدها، شرح الكوكب المنير ١/ ١٩٤\".","vol":"1","page":211},{"text":"قالوا: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْل﴾ ١ بالحبشية، و\"مشكاة\"٢ هندية، و\"استبرق\"٣ فارسية.\nوقال من نصر هذا٤: اشتمال القرآن على كلمتين ونحوهما أعجمية، لا يخرجه عن كونه عربيًّا، وعن إطلاق هذا الاسم عليه، ولا يمهد للعرب حجة، فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيًّا، وإن كان فيه آحاد كلمات عربية.\nويمكن الجمع بين القولين، بأن تكون هذه الكلمات أصلها بغير العربية، ثم عرّبتها العرب، واستعملتها، فصارت من لسانها بتعريبها واستعمالها لها وإن كان أصلها أعجميًّا٥.\n_________\n١ من قوله تعالى في سورة المزمل الآية ٦: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ .\n٢ من قوله تعالى في سورة النور الآية: ٣٥: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ...﴾ الآية.\nقال صاحب مسلم الثبوت -وهو هندي-: \"ثم كوة المشكاة هندية غير ظاهر. فإن البراهمة العارفين بأنحاء الهند لا يعرفونه، نعم \"المسكاة\" بضم الميم والسين المهملة بمعنى التبسم هندي وليست في القرآن بهذا المعنى\" انظر: فواتح الرحموت \"١/ ٢١٢\".\nوجاء في لسان العرب \"المشكاة هي الكوة، وقيل هي بلغة الحبش، ثم قال: والمشكاة من كلام العرب\".\n٣ من مثل قوله تعالى في سورة الكهف آية: ٣١: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ...﴾ .\n٤ أي: رأي ابن عباس ومن معه.\n٥ وهذا ما نقلناه -قبل ذلك- عن الإمام الشافعي، وعن أبي عبيد القاسم بن سلام.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>فصل: [في المحكم والمتشابه]</span>\nوفي كتاب الله -سبحانه- محكم ومتشابه١، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ...﴾ ٢.\nقال القاضي: المحكم: المفسر، والمتشابه: المجمل؛ لأن الله -سبحانه- سمى \"المحكمات\" \"أم الكتاب\" وأم الشيء: الأصل الذي لم يتقدمه غيره، فيجب أن يكون المحكم غير محتاج إلى غيره، بل هو أصل بنفسه وليس إلا ما ذكرنا.\n_________\n١ المحكم: معناه المتقن، يقال أحكمت الشيء، أحكمه إحكامًا، فهو محكم، إذا أتقنته، فكان في غاية ما ينبغي من الحكمة، ومنه: بناء محكم: أي ثابت يبعد انهدامه، وذلك كالنصوص والظواهر، لأنه من البيان في غاية الإحكام والإتقان \"المصباح المنير ١/ ١٤٥، شرح الكتاب المنير ٢/ ١٤٠-١٤١\" ولذلك وصف الله -تعالى- كتابه بذلك، فقال جل شأنه ﴿الر، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ مطلع سورة هود.\nوالمتشابه: مأخوذ من الشبه، أو الشبه، أو الشبيه، وهو ما بينه وبين غيره أمر مشترك، فيتشتبه به. \"المصباح المنير ١/ ٣٠٤\".\nوقد وصف الله -تعالى- كتابه الكريم بأنه متشابه. فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ...﴾ [الزمر: آية ٢٣]: يشبه بعضه بعضًا في إعجازه وتناسبه وتناسقه.\nوهذا المعنى لكل من المحكم والمتشابه يسمى بالإحكام العام، والتشابه العام. وأما بالمعنى الخاص الذي يبحثه الأصوليين: فهو ما يأتي بعد ذلك، وهو الذي تضمنته آية سورة آل عمران -كما سيأتي حالًا-.\n٢ سورة آل عمران من الآية: ٧.","vol":"1","page":213},{"text":"وقال ابن عقيل١: المتشابه هو الذي يغمض علمه على غير العلماء والمحققين، كالآيات التي ظاهرها التعارض، كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُون﴾ ٢. وقال -تعالى- في آية أخرى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ٣. ونحو ذلك.\nوقال آخرون: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، والمحكم: ما عداه٥.\nوقال آخرون: المحكم: الوعد والوعيد، والحرام والحلال،\n_________\n١ هو: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي، المقرئ الفقيه الأصولي الواعظ المتكلم، أحد الأئمة الأعلام، له مؤلفات كثيرة تدل على سعة علمه وفضله، منها: \"الواضح\" في أصول الفقه قال عنه الشيخ ابن بدران: \"أبان فيه عن علم كالبحر الزاخر، وفضل يفحم من في فضله يكابر، وهو أعظم كتاب في هذا الفن، حذا فيه حذو المجتهدين\". توفي ابن عقيل سنة ٥١٣هـ. \"ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٤٢-١٦٦، المنهج الأحمد ٢/ ٢١٥-٢٣٢\".\n٢ سورة المرسلات الآية: ٣٥.\n٣ سورة يس من الآية: ٥٢.\n٤ أي: من الآيات التي ظاهرها التعارض، وهي في الواقع ليست كذلك، قال الواحدي: قال المفسرون: في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون.\nوقيل في تفسير آية سورة المرسلات: إن هذا إشارة إلى وقت دخولهم النار وهم عند ذلك لا ينطقون؛ لأن مواقف السؤال والحساب قد انقضت. وقال الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون.\nانظر: فتح القدير للشوكاني \"٥/ ٤١٦\" طبعة دار الخير.\nوبناء على تفسير ابن عقيل للمتشابه: بأنه الذي يغمض علمه على غير العلماء، يكون المحكم هو: ما لا يغمض علمه ولا فهمه.\n٥ انظر: الإتقان للسيوطي \"٢/ ٢\".","vol":"1","page":214},{"text":"والمتشابه: القصص والأمثال١.\nوالصحيح: أن المتشابه: ما ورد في صفات الله -سبحانه- مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، كقوله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ ٣، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ ٤، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ ٥ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٦، ونحوه٧.\nفهذا اتفق السلف -﵏- على الإقرار به، وإمراره على وجهه وترك تأويله.\nفإن الله -سبحانه- ذم المبتغين لتأويله، وقرنهم -في الذم- بالذين يبتغون الفتنة، وسماهم أهل زيغ.\n_________\n١ انظر: الإحكام للآمدي \"١/ ١٦٦\".\n٢ سورة طه الآية: ٥.\n٣ سورة المائدة من الآية: ٦٤.\n٤ ص من الآية: ٧٥ وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ .\n٥ سورة الرحمن من الآية: ٢٧.\n٦ سورة القمر من الآية: ١٤.\n٧ من الآيات والأحاديث مثل قوله -ﷺ-: \"يد الله ملأى لا تغيضها النفقة\" وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري \"٤٦٨٤\" ومسلم \"٩٩٣\" وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"قال الله ﷿: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك\" وقال: \"يد الله ملأي لا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار\".\nقال الطوفي: \"ونحو ذلك، مما هو كثير في الكتاب والسنة، لأن هذا اشتبه المراد منه على الناس، فلذلك قال قوم بظاهره، فجسموا وشبهوا، وفر قوم من التشبيه، فتأولوا وحرفوا، وتوسط قوم، فسلموا، وأمرُّوه كما جاء، مع اعتقاد التنزيه، فسلموا، وهم أهل السنة\" شرح المختصر \"٢/ ٤٤، ٤٥\".","vol":"1","page":215},{"text":"وليس في طلب تأويل ما ذكروه من المجمل١ وغيره ما يذم به صاحبه، بل يمدح عليه؛ إذ هو طريق إلى معرفة الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.\nولأن في الآية قرائن تدل على أن الله -سبحانه- منفرد بعلم تأويل المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله﴾ ٢ له لفظًا ومعنى.\nأما اللفظ: فلأنه لو أراد عطف \"الراسخين\" لقال: \"ويقولون آمنا به\" بالواو.\nوأما المعنى: فلأنه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلومًا: لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا.\nولأن قولهم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه.\nسيما إذا اتبعوه بقولهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فذكرهم ربهم -ههنا- يعطي الثقة به، والتسليم لأمره، وأنه صدر منه، وجاء من عنده كما جاء من عنده المحكم.\nولأن لفظة \"أما\" لتفصيل الجمل، فذكره لها في ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ﴾ مع وصفه إياهم لابتغاء المتشابه، وابتغاء تأويله، يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم \"الراسخون\" ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل.\n_________\n١ أي: الآراء التي عرضها الأول.\n٢ آل عمران: ٧.","vol":"1","page":216},{"text":"وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد: فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه؛ لأن ما ذكر من الوجوه لا يعلم تأويله كثير من الناس.\nفإن قيل: فكيف يخاطب الله الخلق بما لا يعقلونه، أم كيف ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله؟\nقلنا:\nيجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله؛ ليختبر طاعتهم، كما قال -تعالي-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين﴾ ١ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَم ...﴾ الآية٢، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس﴾ ٣.\nوكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة مع أنه لا يعلم معناها٤.\nوالله أعلم.\n_________\n١ سورة محمد من الآية: ٣١.\n٢ سورة البقرة من الآية: ١٤٣.\n٣ سورة الإسراء من الآية: ٦٠.\n٤ قال الشوكاني: \"لا شك أن لها معنى لم تبلغ أفهامنا إلى معرفته....\" انظر في ذلك: فتح القدير \"١/ ٣١٤ وما بعدها، وإرشاد الفحول ١/ ١٥٠\" الطبعة المحققة.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الباب الثالث: النسخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>فصل: تعريف النسخ</span>\nالنسخ في اللغة: الرفع والإزالة، ومنه: \"نسخت الشمس الظل\" ونسخت الريح الأثر١.\nوقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، كقولهم: \"نسخت الكتاب\"٢.\nفأما النسخ في الشرع: فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير.\n_________\n١ أي: رفعته وأزلته؛ لأن الشمس إذا قابلت موضع الظل ارتفع وزال، والريح إذا مرت على آثار المشي، ارتفعت وزالت.\nانظر: مختصر الطوفي وشرحه \"٢/ ٢٥١\".\n٢ قال الطوفي: \"..... فإن نسخ الكتاب ليس نقلًا لما في المنسوخ منه حقيقة؛ لبقائه بعد النسخ، وإنما هو مشبه للنقل من جهة أن ما في الأصل صار مثله في الفرع لفظًا ومعنى\".\nومن هذا الباب: تناسخ المواريث، وهو: انتقال حالها بانتقالها من قوم إلى قوم، مع بقاء المواريث في نفسها\".\nثم قال:\n\"اختلف في النسخ في أي المعنيين هو حقيقة، هل هو حقيقة في الرفع والإزالة، أو في النقل وما يشبهه؟\nوفيه ثلاثة أقوال:\nأحدهما: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وهو قول القاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما. =","vol":"1","page":218},{"text":"وحدّه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه.\nومعنى الرفع: إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتًا على مثال:\n\"رفع حكم الإجارة بالفسخ\" فإن ذلك يفارق زوال حكمها بانقضاء مدتها.\nوقيدنا الحد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة، وليس بنسخ.\nوقيدناه بالخطاب الثاني؟ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ.\nوقولنا: \"مع تراخيه عنه\"؛ لأنه لو كان متصلًا به، كان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له بمدة وشرط١.\n_________\n= والثاني: أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في النقل، وهو قول أبي الحسين البصري وغيره.\nوالثالث: عكس هذا، وهو أنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة، وهو اختيار القفال. ذكر هذه الأقوال وأصحابها الآمدي.\nوالأظهر من هذه الأقوال أن النسخ حقيقة في الرفع، مجاز في النقل\". شرح المختصر \"٢/ ٢٥٢\" وانظر: المستصفى \"٢/ ٣٥\" وما بعدها، الإحكام للآمدي \"٢/ ٢٣٦\".\n١ هذه كلها احترازات أراد المصنف أن يخرجها عن كونها نسخًا.\nفقوله: \"رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم\" احتراز من زوال حكم النفي الأصلي، فإن الأصل براءة الذمة، فإذا أثبتنا حقًّا من الحقوق، فقد رفعنا حكم براءة الذمة، وشغلناها بهذا الحق، وهو ليس بنسخ، لأن الحكم المرفوع لم يكن ثابتًا بخطاب متقدم.\nوقوله: \"بخطاب\" احتراز من زوال الحكم بالموت أو المجنون، لأن من مات أو جن، انقطعت عنه أحكام التكليف، وليس ذلك بنسخ. =","vol":"1","page":219},{"text":"وقال قوم: النسخ كشف مدة العبادة بخطاب ثان١.\nوهذا يوجب أن يكون قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ...﴾ ٢ نسخًا وليس فيه معنى الرفع٣، فإن قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ إذا لم يتناول إلا النهار متباعدًا عن الليل بنفسه، فأي معنى لنسخه؟!\nوإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول، وما ذكروه تخصيص.\nعلى أن نسخ العبادة قبل وقتها والتمكن من امتثالها جائز، وليس فيه بيان لانقطاعها.\n_________\n= وقوله: \"مع تراخيه عنه\" احتراز من زوال الحكم بخطاب متصل، كالشرط والاستثناء، فهذا ليس نسخًا، وإنما يعتبر تخصيصًا، والتخصيص معناه -عند بعض الأصوليين-: بيان المراد بالعام، ولذلك قال المصنف: \"لأنه لو كان متصلًا به كان بيانًا\" يعني: تخصيصًا لا نسخًا.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٥٨\" إرشاد الفحول \"١/ ٥١٠\".\n١ وهو منقول عن الحنفية حيث قالوا: \"النسخ بيان لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع، وتبديل لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلومًا عندنا لو لم ينزل الناسخ\" انظر: أصول السرخسي \"٢/ ٥٤\" وقريب منه ما ذهب إليه الإمام الرازي في المحصول \"جـ١ ق٣ ص٤٢٨\" والبيضاوي في المنهاج، على ما في نهاية السول \"٢/ ١٦٢\"، وابن حزم في الإحكام \"٤/ ٤٣٨\".\n٢ سورة البقرة من الآية \"١٨٧\".\n٣ هذا رد من المصنف على التعريف خلاصته: أن انتهاء مدة الصوم بظهور الليل ليس رفعًا للحكم، وإنما هو مغيًّا بغاية معينة، ينتهي بوجودها.\nثم بين أن هذا التعريف ينطبق على التخصيص، لا على النسخ.\nكما بين أن نسخ العبادة قبل دخول وقتها جائز عند جمهور العلماء، ومنهم أكثر الفقهاء، إلا أن أكثر الحنفية والمعتزلة منعوا ذلك.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>فصل: [معنى النسخ عند المعتزلة]</span>\nوحدّ المعتزلة النسخ بأنه:\nالخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا١.\nولا يصح؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، وقد أخلوا الحد عنه٢.\nفإن قيل:\nتحديد النسخ بالرفع لا يصح لخمسة أوجه:\nأحدها: أنه لا يخلو: إما أن يكون رفعًا لثابت، أو لما لا ثبات له،\n_________\n١ انظر: المعتمد \"١/ ٣٩٦\".\n٢ قوله: \"ولا يصح\" يريد أن هذا التعريف المنقول عن بعض المعتزلة غير صحيح، لأن النسخ في الشرع إنما هو الرفع، وقد عدلوا عنه إلى قولهم: \"الخطاب الدال ... الخ\" فكان الحد للناسخ لا للنسخ، والمطلوب: تعريف النسخ لا الناسخ الذي هو اسم فاعل، وذلك أن الخطاب ليس المراد به مصدر خاطب خطابًا، حتى يكون تعريف مصدر بمصدر، وإنما المراد بالخطاب: القول الدال على شيء. انظر: نزهة الخاطر \"١/ ١٩٢\".\nجاء في العدة لأبي يعلى \"٣/ ٧٦٨-٧٦٩\" -بعد أن عرّف النسخ- أن النسخ يفتقر إلى وجود خمس شرائط:\n١- أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ.\n٢- أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بالشرع.\n٣- أن يكون الرافع دليلًا شرعيًّا.\n٤- أن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معينة.\n٥- أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله، ولا يكون أضعف منه.\nانتهى ملخصًا من العدة، وهي مأخذوة من التعريفات المتقدمة. وأما كونه أقوى أو مساو فسيأتي ذلك قريبًا.","vol":"1","page":221},{"text":"فالثابت لا يمكن رفعه، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه.\nالثاني: أن خطاب الله -تعالى- قديم، فلا يمكن رفعه.\nالثالث: أن الله -تعالى- إنما أثبته لحسنه، فالنهي يؤدي إلى أن ينقلب الحسن قبيحًا.\nالرابع: أن ما أمر به، إن أراد وجوده، كيف ينهى عنه، حتى يصير غير مراد؟\nالخامس: أنه يدل على \"البداء\" فإنه يدل على أنه بدا له مما كان حكم به وندم عليه، وهذا محال في حق الله -تعالى-١.\n_________\n١ خلاصة هذه الاعتراضات:\nأولًا: أن الحكم قبل النسخ إما أن يكون ثابتًا أو غير ثابت، فإن كان ثابتًا لم يمكن رفعه بالناسخ، لأن ارتفاع الحكم الثابت بالحكم الطارئ ليس بأولى من العكس؛ لاستقرار الثابت وتمكنه. وأما إذا كان غير ثابت فلا يحتاج إلى النسخ، لأنه مرتفع بنفسه.\nثانيًا: أن حكم الله -تعالى- قديم، فلا يمكن رفعه وإزالته، لأن ذلك يعتبر تغييرًا له، وهو محال على القديم.\nثالثًا: أن الله -تعالى- إنما أثبت الحكم المرفوع لما فيه من حسن، فإذا رفعه كان هذا الرفع قبيحًا، وهذا لا يجوز.\nرابعًا: أن الرفع فيه تناقض، لأن إثباته يدل على إرادته، ورفعه يدل على قدم إرادته، وهو تناقض لا يليق بالله تعالى.\nخامسًا: أن الرفع أو النسخ يدل على نسبة الجهل إلى الله تعالى، وهو محال، لأنه يدل على أن الشارع قد بدا له ما كان خافيًا عنه، على حد قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] هذا معنى كلامه، وسيأتي رده على هذه الاعتراضات.","vol":"1","page":222},{"text":"قلنا:\nأما الأول: ففاسد؛ فإنا نقول: بل هو رفع لحكم ثابت لولاه لبقي ثابتًا، كالكسر في المكسور، والفسخ في العقود.\nإذ١ لو قال قائل: إن الكسر إما أن يرد على معدوم أو موجود:\nفالمعدوم لا حاجة إلى إعدامه، والموجود لا ينكسر٢، كان غير صحيح؛ لأن معناه: أن له من استحكام البنية ما يبقى لولا الكسر، وندرك تفرقته بين كسره، وبين انكساره بنفسه، لتناهي الخلل فيه، كما ندرك تفرقته بين فسخ الإجارة، وبين زوال حكمها: لانقضاء مدتها٣.\nوبهذا فارق \"التخصيص\" \"النسخ\"؛ فإن التخصيص يدل على أنه أريد باللفظ: البعض٣.\nوأما الثاني:\nفإنه يراد بالنسخ: رفع تعلق الخطاب بالمكلف، كما يزول\n_________\n١ لفظ \"إذ\" من المستصفى لتوضيح المعنى.\n٢ عبارة المستصفى: \"والوجود لا سبيل إلى إزالته\".\n٣ خلاصة الرد: أن ارتفاعه غير ممتنع؛ لأنه إما أن يرتفع بانتهاء مدته، وإما بالناسخ مع إرادة الشارع، قياسًا على كسر آنية من الأواني: فيقال: إن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائمًا، لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر، فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية دائمًا، لولا الكسر.\nومثل ذلك: فسخ عقد الإجارة، فإن الفسخ يقطع حكم العقد، ولولاه لدام العقد، فالفسخ قاطع لحكم العقد الدائم.\nوبهذا فارق النسخ التخصيص، فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ يدل على البعض لا الكل، والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد الدلالة عليه.\nانظر في ذلك: المستصفى \"٢/ ٤٠، ٤١\".","vol":"1","page":223},{"text":"تعلقه به؛ لطريان العجز والجنون، ويعود بعودة القدرة والعقل، والخطاب في نفسه لا يتغير١.\nوأما الثالث:\nفينبني على التحسين والتقبيح في العقل، وهو باطل٢. وقد قيل: إن الشيء يكون حسنًا في حالة، وقبيحًا في أخرى، لكن لا يصح هذا العذر؛ لجواز النسخ قبل دخول الوقت، فيكون قد نهي عما أمر به في وقت واحد.\nوالرابع:\nينبني على أن الأمر مشروط بالإرادة وهو غير صحيح٣.\nوأما الخامس:\nففاسد؛ فإنهم إن أرادوا أن الله -تعالى- أباح ما حرم، ونهى عما\n_________\n١ خلاصة الرد: أن الحكم مقتضى الخطاب وأثره، لا نفس الخطاب حتى يرد عليه ما قلتم، فالمرتفع بالنسخ مقتضى الخطاب القديم، لا نفس الخطاب، بدليل أن الخطاب يرتفع بالعجز والجنون، ثم يعود بعد القدرة والعقل.\n٢ يريد أن يقول: إن هذا مبنى على مسألة أخرى: هي التحسين والتقبيح العقليين اللذين يقول بهما المعتزلة، بينما أهل السنة يقولون: إن الحسن والقبح شرعيان، فالحسن: ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.\n٣ معناه: أن اعتراضكم مبني على أن الأمر مشروط بالإرادة، وهو يؤدي إلى التناقض، فيكون المنسوخ مرادًا وغير مراد، وهذا غير صحيح، لأن الإرادة تعلقت بوجوده قبل النسخ، وبعدمه بعده، فلا تناقض، لأن التناقض إنما يكون مع اتحاد وقت التعلق، أما إرادة شيء في وقت، وعدم إرادته في وقت آخر فلا تناقض فيه، لانفكاك الجهة.","vol":"1","page":224},{"text":"أمر به: فهو جائز؛ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ١، ولا تناقض كما أباح الأكل ليلًا، وحرمه نهارًا.\nوإن أرادوا: أنه انكشف له ما لم يكن عالمًا به: فلا يلزم من النسخ، فإن الله -تعالى- يعلم أنه يأمرهم بأمر مطلق، ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم يقطع فيه التكليف بالنسخ٢.\nفإن قيل:\nفهم مأمورون به في علم الله -تعالى- إلى وقت النسخ، أو أبدًا؟\nإن قلتم: إلى وقت النسخ: فهو بيان مدة العبادة.\nوإن قلتم: أبدًا، فقد تغير علمه ومعلومه.\nقلنا:\nبل هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع للحكم، المطلق الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله البيع المطلق مفيدًا لحكمه،\n_________\n١ سورة الرعد من الآية: ٣٩.\n٢ وضح الطوفي هذا الرد بقوله: \"واجب عن الخامس -وهو لزوم البداء- فإنه غير لازم للقطع، أي: لأنا نقطع بكمال علم الله -تعالى- والبداء ينافي كمال العلم، لأنه يستلزم الجهل المحض؛ لأنه ظهور الشيء بعد أن كان خفيًّا....\nوإذا ثبت استحالة البداء على الله ﷾، فتوجيه النسخ: هو أن الله ﷾، علم المصلحة في الحكم تارة، فأثبته بالشرع، وعلم المفسدة فيه تارة، فنفاه بالنسخ. ولذلك فائدتان:\nإحداهما: رعاية الأصلح للمكلفين تفضلًا من الله ﷿ لا وجوبًا.\nالفائدة الثانية: امتحان المكلفين بامتثالهم الأوامر والنواهي، خصوصًا في أمرهم بما كانوا منهيين عنه، ونهيهم عما كانوا مأمورين به، فإن الانقياد له أدل على الإيمان والطاعة\". شرح المختصر \"٢/ ٢٦٤\".","vol":"1","page":225},{"text":"إلى أن ينقطع بالفسخ، ولا يعلمه في نفسه قاصرًا، ويعلم أن الفسخ سيكون، فينقطع الحكم به، لا لقصوره في نفسه.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>فصل: [الفرق بين النسخ والتخصيص]</span>\nفإن قيل:\nفما الفرق بين النسخ والتخصيص؟\nقلنا:\nهما مشتركان من حيث: إن كل واحد يوجب اختصاص بعض متناول اللفظ.\nمفترقان من حيث: إن التخصيص: بيان أن المخصوص غير مراد باللفظ.\nوالنسخ يخرج ما أريد باللفظ الدلالة عليه كقوله: \"صم أبدًا\" يجوز أن ينسخ ما أريد باللفظ في بعض الأزمنة.\nكذلك افترقا في وجوه ستة:\nأحدها: أن النسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه١.\nوالثاني: أن النسخ يدخل في الأمر بمأمور واحد، بخلاف التخصيص.\nوالثالث: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب، والتخصيص يجوز بأدلة العقل والقرائن.\nوالرابع: أن النسخ لا يدخل في الأخبار، والتخصيص بخلافه٢.\n_________\n١ كما يجوز أن يتقدم أو يتأخر.\n٢ وهو مذهب جمهور العلماء، وهناك من أجاز ذلك، كالإمام الرازي وغيره. انظر: المحصول \"جـ١ ق٣ ص٩\". =","vol":"1","page":226},{"text":"والخامس: أن النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا ينتفي معه ذلك.\nوالسادس: أن النسخ في المقطوع به لا يجوز إلا بمثله، والتخصيص فيه جائز بالقياس وخبر الواحد وسائر الأدلة.\n_________\n= وقد أورد الشوكاني عشرين فرقًا بين النسخ والتخصيص، ونسبها لقائليها، تراجع في الجزء الأول ص٥١٠ وما بعدها الطبعة المحققة.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>فصل: [ثبوت النسخ بالأدلة العقلية والنقلية]</span>\nوقد أنكر قوم النسخ١.\nوهو فاسد؛ لأن النسخ جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا.\n_________\n١ الخلاف في النسخ دائر بين الجواز العقلي أو الشرعي، والوقوع.\nقال الشيخ الطوفي: \"اختلف الناس في النسخ، والخلاف إما في جوازه أو في وقوعه.\nوالخلاف في جوازه، إما عقلًا، أو شرعًا.\nوقد اتفق أهل الشرائع على جوازه عقلًا، ووقوعه سمعًا، إلا الشمعونية من اليهود، فإنهم أنكروا الأمرين، وأما العنانية منهم، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين، فإنهم أنكروا جواز النسخ شرعًا، لا عقلًا شرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٦٦، ٢٦٧\".\nوأبو مسلم الذي أشار إليه الطوفي: هو: محمد بن بحر الأصفهاني، مفسر، نحوي، متكلم معتزلي، له كتاب في التفسير على مذهب المعتزلة يسمى \"جامع التأويل لمحكم التنزيل\" ولد الأصفهاني سنة ٢٥٤هـ، وتوفي سنة ٣٢٢هـ. وهو غير الجاحظ، خلافًا لما ذكره الإسنوي في نهاية السول \"٢/ ١٤٩\": انظر: \"معجم الأدباء ١٨/ ٣٥، بغية الوعاة ١/ ٥٩\".\nوالنقول عن هذا الرجل -في قضية النسخ- متضاربة، والذي توصل إليه المحققون أن خلافه مع الجمهور خلاف لفظي، وأنه لا ينكر النسخ، كما هو =","vol":"1","page":227},{"text":"أما العقل:\nفلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة في زمان دون زمان، ولا بُعْدَ في أن الله -تعالى- يعلم مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا، ويمتنعوا -بسبب العزم عليه- عن معاص وشهوات، ثم يخففه عنهم.\nفأما دليله شرعًا:\nفقال الله -تعالى-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ...﴾ ١، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة....﴾ ٢.\n_________\n= مشهور، فهو يسميه تخصيصًا لا نسخًا،\nقال المحلي في شرح جمع الجوامع \"٢/ ٨٨\": \"النسخ واقع عند كل المسلمين، وسماه أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة تخصيصًا؛ لأنه قصر للحكم على بعض الأزمان، فهو تخصيص في الأزمان، كالتخصيص في الأشخاص.\nفقيل: خالف في وجوده حيث لم يذكره باسمه المشهور، فالخلف الذي حكاه الآمدي وغيره عنه من نفيه وقوعه لفظي لما تقدم من تسميته تخصيصًا\".\n١ سورة البقرة من الآية: ١٠٦ وقد اعترض بعض العلماء على الاستدلال بهذه الآية على وقوع النسخ فقالوا: إن الآية تفيد صدق التلازم الحاصل بين الشرط والجزاء، وصدق هذا التلازم، لا يتوقف على وقوع الشرط والجزاء ولا على وقوعهما، بل إن التلازم يصدق ولو كان الشرط محالًا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾ [الزخرف: ٨١] .\nوقد أجاب الإسنوي على ذلك بما حاصله: أن الآية مع قطع النظر عن سبب نزولها لا دلالة فيها على الجواز كما تقولون، ولكن إذا نظرنا إلى سبب النزول: وهو أن اليهود عابوا على رسول الله -ﷺ- تحوله عن بيت المقدس إلى البيت الحرام، فقالوا: إن محمدًا يأمر بالشيء، ثم ينهى عنه، فأنزل الله تعالى -ردًا عليهم-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ...﴾ انظر: نهاية السول \"٢/ ٥٥٧\" بهامشه سلم الوصول.\n٢ سورة النحل من الآية: ١١٠.","vol":"1","page":228},{"text":"وقد أجمعت الأمة على أن شريعة محمد -ﷺ- قد نسخت ما خالفها من شرائع الأنبياء قبله.\nوقد كان يعقوب -﵇- يجمع بين الأختين.\nوآدم -﵇- كان يزوج بناته من بنيه، وهو محرم في شرائع من بعدهم من الأنبياء عليهم السلام١.\n_________\n١ هذه أمثلة لوقوع النسخ بين الشرائع المختلفة، وهناك أمثلة كثيرة لوقوع النسخ في شريعتنا، منها:\n١- نسخ اعتداد المتوفى عنها زوجها حولًا كاملًا، بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، فقد كانت المرأة في صدر الإسلام تعتد سنة كاملة، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ...﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ...﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذه الآية الأخيرة ناسخة للاعتداد بالحول، وهي وإن كانت متقدمة على الثانية في التلاوة، والأصل: أن يكون المتأخر هو الناسخ، إلا ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول، فالآية الناسخة نزلت بعد المنسوخة، وإن كانت قد وضعت قبلها.\nعلى أن من العلماء من قال: إنها ليست منسوخة، وإنما خص من الحول بعضه فجعل عدة واجبة على المرأة، وبقي البعض وصية لها إن شاءت مكثت ولها المتعة من تركة زوجها، وإن شاءت خرجت وسقط حقها في المتعة.\nوقد أخرج ذلك البخاري \"٤٥٣١\" وابن جرير الطبري عن مجاهد، إلا أن الجمهور على أنها منسوخة: انظر: فتح القدير للشوكاني \"١/ ٢٥٨\".\n٢- نسخ الوصية للوالدين بآية المواريث. وأمثلة كثيرة لا تخفى على أهل العلم، وكلها تدل على وقوع النسخ، والوقوع دليل على الجواز وزيادة.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>فصل: [في وجوه النسخ في القرآن]</span>\nيجوز نسخ الآية دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا.\nوأحال قوم نسخ اللفظ؛ فإن اللفظ إنما نزل ليتلى، ويثاب عليه، فكيف يرفع؟\nومنع آخرون نسخ الحكم دون التلاوة، لأنها دليل عليه، فكيف يرفع المدلول مع بقاء الدليل؟\nقلنا: هو متصور عقلًا، وواقع:\nأما التصور: فإن التلاوة، وكتابتها في القرآن، وانعقاد الصلاة بها، من أحكامها، وكل حكم فهو قابل للنسخ.\nوأما تعلقها بالمكلف في الإيجاب وغيره: فهو حكم -أيضًا- فيقبل النسخ١.\n_________\n١ حاصل ذلك: أن التلاوة، والكتابة في المصحف، وانعقاد الصلاة بها، كل ذلك حكم من أحكام اللفظ، وكل حكم منها قابل للنسخ، والتلاوة حكم من هذه الأحكام، فيقبل النسخ كغيره من الأحكام.\nقال الطوفي: \"اللفظ والحكم عبادتان متفاصلان، أي تنفصل إحداهما في التعبد بها عن الأخرى فعلًا، فجاز نسخ إحداهما دون الأخرى، كسائر العبادات المتفاصلة.\nوبيان تفاصل اللفظ والمعنى: هو أن اللفظ متعبّد بتلاوته، والحكم متعبد بامتثاله، وهذا هو مرادنا بتفاصلهما، لا أن إحداهما يمكن انفصاله عن الآخر حسًّا\" شرح المختصر \"٢/ ٢٧٣\".","vol":"1","page":230},{"text":"وأما الدليل على وقوعه:\nفقد نسخ حكم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ...﴾ ١ وبقيت تلاوتها٢.\n_________\n١ سورة البقرة من الآية: ١٨٤.\n٢ وذلك أنهم كانوا في صدر الإسلام مخيرين بين أن يصوموا، وبين أن يفطروا، ويطعموا مسكينًا عن كل يوم، فنسخ ذلك التخيير بتعيين الصوم للقادر عليه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ...﴾ وبقيت الرخصة في حق العاجز عن الصوم، لكبر، أو مرض، أو حمل، أو رضاع.\nروى ابن جرير الطبري \"٢٧٥٢\" وأبو داود \"٨/ ٢٣\" والبيهقي \"٤/ ٢٣٠\" عن ابن عباس -﵄- قال: \"كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم، رخّص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويطعما لكل يوم مسكينًا، ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ...﴾ وثبت ذلك للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا، وإسناده صحيح.\nقال الشوكاني:\n\"وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة، فقيل: إنها منسوخة، وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام، لأنه شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم، وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك، وهذا قول الجمهور.\nوروي عن بعض أهل العلم أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ، والعجائز خاصة إذا كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة، وهذا يناسب قراءة التشديد، أي: يكلفونه كما مر. \"فتح القدير ١/ ١٩٨\".\nوقراءة التشديد التي أشار إليها، هي قراءة شاذة رويت عن بعض الصحابة، \"يُطَوِّقُونَهُ\" بفتح الطاء مخففة، وتشديد الواو مبنيًا للمفعول، بمعنى يكلّفونه فلا يطيقونه: انظر: زاد المسير \"١/ ١٨٦\".","vol":"1","page":231},{"text":"وكذلك الوصية للوالدين والأقربين١.\nوقد تظاهرت الأخبار بنسخ آية الرجم، وحكمها باق٢.\n_________\n١ الوصية للوالدين والأقربين في صدر الإسلام واجبة، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وقد اختلف في هذه الآية: هل هي منسوخة أو محكمة، وإذا كانت منسوخة، فهل هي منسوخة بآية المواريث، أو بالحديث \"لا وصية لوارث\" قال الشوكاني في فتح القدير \"١/ ١٩٥\":\n\"وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة؟\nفذهب جماعة إلى أنها محكمة، قالوا: وهي وإن كانت عامة فمعناها الخصوص، والمراد بها من الوالدين: من لا يرث كالأبوين الكافرين، ومن هو في الرق، ومن الأقربين من عدا الورثة منهم.\nقال: ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة.\nوقال كثير من أهل العلم: إنها منسوخة بآية المواريث مع قوله -ﷺ-: \"لا وصية لوارث\" وهو حديث صححه بعض أهل الحديث وروي من غير وجه.\nوقال بعض أهل العلم: إنه نسخ الوجوب وبقي الندب\".\n٢ روى البخاري في كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى من الزنا، عن ابن عباس -﵄- قال عمر: \"لقد خشيت أن يطول بالناس، زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف\".\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح \"١٢/ ١٤٢\": وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر الفرياني عن علي بن عبد الله شيخ البخاري وفيه: فقال بعد قوله: \"أو الاعتراف\": \"وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما -ألبتة- وقد رجم رسول الله -ﷺ- ورجمنا بعده\" وقد جاءت هذه الزيادة في الموطأ \"٢/ ٨٢٤\" عن سعيد بن المسيب قال: \"لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة =","vol":"1","page":232},{"text":".............................................\n_________\n= خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض وتُركتم على الواضحة.... ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، قد رجم رسول الله -ﷺ- ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة\" قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة.\nوللحديث رويات أخرى متعددة عند مسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي وغيرهم.\nوأخرجه أحمد في المسند \"٥/ ١٨٣\" عن كثير بن الصلت، قال: كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف، فمروا على هذه الآية: فقال زيد: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة\" فقال عمر: لما نزلت هذه الآية أتيت رسول الله -ﷺ- فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم؟\nقال الحافظ ابن حجر -تعليقًا على هذا الحديث-: \"فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها، لكون العمل على غير الظاهر من عمومها\". انظر: فتح الباري \"١٢/ ١٤٢\".\nهذا في الثيب، أما البكر، فقد نسخ حكمه بما جاء في سورة النور وهو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ .\nومع صحة الأحاديث السابقة إلا أن أبا جعفر النحاس يرى أن الحكم بالنسبة للبكر نسخ بآية النور، وبالنسبة للثيب فهو ثابت بالسنة الصحيحة، وليس من قبيل القرآن المنسوخ التلاوة، حيث قال: \"وإسناد الحديث صحيح، إلا أنه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله جماعة عن جماعة، ولكنه سنة ثابتة، وقد يقول الإنسان: كنت أقرأ كذا، لغير القرآن، والدليل على هذا أنه قال: \"ولولا أن أكره أن يقال: زاد عمر في القرآن لزدته\" الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس ص٨.\nورجح أبو الحسين البصري ما قاله أبو جعفر النحاس فقال: \"ويحتمل أن =","vol":"1","page":233},{"text":"وقولهم: كيف ترفع التلاوة١؟\nقلنا:\nلا يمتنع أن يكون المقصود الحكم دون التلاوة، لكن أنزل بلفظ معين.\nوقولهم: كيف يرفع المدلول مع بقاء الدليل٢؟\n_________\n= يكون ذلك مما أنزل وحيًا ولم يكن ثابتًا في المصحف\" المعتمد \"١/ ٤١٨\".\nوالسنة التي يشير إليها أبو جعفر النحاس هي: ما روي من حديث عبادة بن الصامت -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم\". رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.\nقال الطوفي:\n\"قلنا هذا مقرر لحكم تلك الآية، ومعرّف أنه لم ينسخ، ويضعف هذا بوجهين:\nأحدهما: أن حمل الحديث على التأسيس، وإثبات الرجم ابتداء، أولى من حمله على تأكيد حكم الآية المنسوخة.\nالوجه الثاني: أن الحديث ورد مبينًا للسبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] فدل على أنه غير متعلق بآية الرجم، بل هو إما مستقل بإثبات الرجم، أو مبين للسبيل في الآية الأخرى\". شرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٧٧\".\nوبذلك يكون الطوفي مع الذين يرون ثبوت الحكم بالسنة وليس بالآية المنسوخة، وإن لم يصرح بذلك.\n١ وهم المانعون لنسخ التلاوة مع بقاء الحكم.\n٢ وهم المانعون من نسخ الحكم وبقاء التلاوة.\nوقد أجاب المصنف عن ذلك: بأن اللفظ إنما كان دليلًا على الحكم قبل النسخ، أما بعد النسخ فلم يعد دليلًا، والدليل إنما هو النسخ، فلا يلزم على ذلك ما قلتموه: من أنه كيف يرفع المدلول ويبقى الدليل؟","vol":"1","page":234},{"text":"قلنا:\nإنما يكون دليلًا عند انفكاكه عما يرفع حكمه، والناسخ مزيل لحكمه، فلا يبقى دليلًا والله أعلم.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>فصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال</span>\n...\nوقد اعتاص١ هذا على٢ القدرية٢ حتى تعَسَّفوا٣ في تأويله من ستة أوجه:\nأحدها: أنه كان منامًا.\nالثاني: أنه لم يؤمر بالذبح، وإنما كُلِّف العزم على الفعل؛ لامتحان سرِّه في صبره.\nالثالث: أنه لم ينسخ، لكن قلب الله عنقه نحاسا، فانقطع التكليف عنه لتعذره.\nالرابع: أن المأمور به: الاضطجاع، ومقدمات الذبح، بدليل ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ .\nالخامس: أنه ذبح امتثالًا، فالتأم الجرح واندمل، بدليل الآية٤.\nالسادس: أنه إنما أخبر أنه يؤمر به في المستقبل، فإن لفظه لفظ الاستقبال لا لفظ الماضي.\n_________\n١ جاء في المصباح المنير \"٢/ ٤٣٨\": \"اعتاص: صعب، فهو عويص، وكلام عويص: يعسر فهم معناه\".\n٢ فرقة من المعتزلة سموا بذلك، لأنهم يقولون: إن الله -تعالى- غير خالق لأفعال الناس، ولا لشيء من أعمال الحيوانات، وأن الناس هم الذين يقدرون أعمالهم، ولذلك سماهم العلماء بالقدرية. انظر في هذه الفرقة وآرائها: الفرق بين الفرق ص٩٤.\n٣ أي: تكلفوا في تأويله.\n٤ أي قوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ .","vol":"1","page":236},{"text":"والجواب من وجهين:\nأحدهما: يعم جميع ما ذكروه١.\nوالثاني: أنا نفرد لكل وجه مما ذكروه بجواب:\nأما الأول٢: فلو صح شيء من ذلك: لم يحتج إلى فداء، ولم يكن بلاءً مبينًا في حقه.\nوالجواب الثاني٢:\nأما قولهم: \"كان منامًا لا أصل له\".\nقلنا: منامات الأنبياء -﵈- وحي٤، وكانوا يعرفون الله -تعالى- به.\nولو كان منامًا لا أصل له: لم يجز له قصد الذبح، والتل للجبين. ويدل على فساده: قول ولده -﵇-: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَر﴾ ولو لم يؤمر: كان ذلك كذبًا.\nوالثاني: فاسد لوجهين:\n_________\n١ أي: أن الجواب الأول يعم جميع الأوجه التي ذكروها.\n٢ وهو الجواب الذي يعم جميع ما تقدم.\n٣ وهو التفصيلي.\n٤ روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة -﵂- قالت: \"أول ما ابتدئ به رسول الله -ﷺ- من النبوة الرؤيا الصادقة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح\".\nقال الطوفي: \"إن رؤيا آحاد الأمم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة على ما شهدت به السنن الصحيحة، فرؤيا الأنبياء أولى أن تكون نبوة\".","vol":"1","page":237},{"text":"أحدهما: أنه سماه ذبحًا بقوله ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ والعزم لا يسمى ذبحًا.\nوالآخر١: أن العزم لا يجب ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه، ولو لم يكن المعزوم عليه واجبًا، كان إبراهيم -﵇- أحق بمعرفته من القدَرية.\nوالثالث: لا يصح عندهم؛ لأنه إذا علم الله أنه يقلب عنقه حديدًا، يكون آمرًا بما يعلم امتناعه٢.\nوالرابع: فاسد؛ لكونه لا يسمى ذبحًا.\nوالخامس: فاسد؛ إذ لو صح كان من آياته الظاهرة، فلا يترك نقله، ولم ينقل، وإنما هو اختراع من القدرية٣.\nومعنى قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي: عملت عمل \"مصدق بالرؤيا\"٤. والتصديق غير التحقيق والعمل٥.\nوقولهم: \"إنه أخبر أنه يؤمر به في المستقبل\"٦ فاسد؛ إذ لو أراد\n_________\n١ أي الوجه الثاني من رده على الوجه الثاني للمعتزلة.\n٢ معناه: أن ذلك لا يصح على حسب أصول المعتزلة، لأن الأمر بالمشروط لا يصح عندهم، فإذا علم الله أنه سيقلب عنقه حديدًا، يكون آمرًا بما يعلم امتناعه، فلا يحتاج إلى الفداء، ولا يكون بلاء في حقه -﵇-.\n٣ قال الغزالي في توضيح هذا الرد: \"وأما الخامس: وهو أنه فعل والتأم: فهو محال؛ لأن الفداء كيف يحتاج إليه بعد الالتئام، ولو صح ذلك لاشتهر، وكان ذلك من آياته الظاهرة، ولم ينقل ذلك قط، وإنما هو اختراع من القدرية\".\n٤ ما بين القوسين من المستصفى، وهي في الأصل: \"صدق\".\n٥ لفظ \"والعمل\" من المستصفى لتمام المعنى.\n٦ وهذا هو الوجه السادس، وإن لم يعنون له.","vol":"1","page":238},{"text":"ذلك: لوجد الأمر به في المستقبل؛ كيلا يكون خلفًا في الكلام.\nوإنما عبر بالمستقبل عن الماضي، كما قال: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَان﴾ ١، و﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ٢. أي: قد رأيت.\n_________\n١ سورة يوسف من الآية: ٤٣.\n٢ سورة يوسف من الآية: ٣٦.\nقال الطوفي -ردًّا على هذا الوجه-: \"قلنا: الجواب من وجهين:\nأحدهما: لا نسلم أن المراد به المستقبل، بل معنى قوله: ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾ افعل ما أمرت به، وضعا للمضارع موضع الماضي، وهو كثير في اللغة.\nالوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: ما تؤمر به في الحال، استصحابًا لحال الأمر الماضى.\nوبيان ذلك: أن كل مأمور بفعل، فالأمر به متوجه إليه ما لم يفعله، استصحابًا لحال الأمر في آخر الوقت، فإبراهيم -﵇- لما أمر في الليل بذبح ولده، ثم أصبح فأخبر ولده بذلك، فهو في حال إخباره ولده مأمور بما أمر به في الليل، بذبح ولده، لأن الأمر لم يسقط عنه بعد، فأمره بالذبح في الماضي مستصحب إلى حال إخباره ولده، وقوله: ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: ما أنت مأمور به في الحال، بناء على استصحاب الأمر الماضي، والفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو في الحال أظهر.\nوإذا حملنا قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ على الحال، عملًا بظاهر لفظه، وبما ذكرناه من دليلنا، فلا استقبال فيه، وحينئذ يبطل قولكم: \"إنه أخبر أنه سيؤمر بذبحه في المستقبل\".\nثم قال: ولو صح ما ذكرتموه من أن المراد به: سيؤمر بذبحه في المستقبل، إلا أنه أُمر به في الماضي، لما احتاج إلى الفداء؛ لأن الفداء يكون عن ترك مأمور وعلى قولكم: هو إلى الآن لم يؤمر بشيء، فضلًا عن أن يكون قد أُمر وترك، وأيضًا: لو صح ذلك لأمر به في المستقبل، لئلا يقع الخلف في خبر المعصوم، فلما لم يقع، دل على بطلان ما تأولوه\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٨٧، ٢٨٨\".","vol":"1","page":239},{"text":"وقال الشاعر١:\nوإذا تكونُ كريهةً أُدْعَى لَها ... وَإذَا يُحاس الحيسُ يُدعى جُندب\nوقولهم: \"إنه يفضي إلى أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا\" فلا يمتنع أن يكون مأمورا من وجه، منهيا عنه من وجه آخر، كما يؤمر بالصلاة مع الطهارة وينهى عنها مع الحدث.\nكذا ههنا: يجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الأمر، فيقال: \"افعل ما آمرك به، إن لم يزل حكم أمرنا عنك بالنهي\".\nفإن قيل:\nفإذا علم الله -سبحانه- أنه سيُنهى عنه: فما معنى أمره بالشرط الذي يعلم انتفاءه قطعًا؟\nقلنا: يصح إذا كان عاقبة الأمر ملتبسة على المأمور، لامتحانه\n_________\n١ الشاعر هو: ضمرة بن ضمر بن جابر النهشلي، من بني دارم، شاعر جاهلي، من الشجعان الرؤساء، كان يقال له: \"شقة بن ضمرة\" فسماه النعمان \"ضمرة\" الأعلام \"٣/ ٣١١\".\nوالبيت من قصيدة له يشكو فيها من أهله أنهم يقدمون عليه أخًا له يسمى \"جندبًا\" مع أنه كان أبرّ بهم منه.\nوالحيس: تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن، ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربما جعل معه سويق، وهو مصدر في الأصل، يقال: حاس الرجل حيسًا، من باب باع، إذا اتخذ ذلك. المصباح المنير \"١/ ١٥٩\".\nومعنى البيت: أنه إذا ألم بهم مكروه دعوا ضمرة لينقذهم منه، فإذا جاء موعد الطعام والأكل: دعوا أخاه جندبًا.\nومحل الشاهد من البيت: أنه عبر بالمستقبل عن الماضي.","vol":"1","page":240},{"text":"بالعزم، والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد، وربما يكون فيه لطيفة واستصلاح لخلقه.\nولهذا جوّزوا الوعد والوعيد بالشرط من العالم بعاقبة الأمور فقالوا: يجوز أن يَعِدَ الله -سبحانه- على الطاعة ثوابًا بشرط عدم ما يحبطها، وعلى المعصية عقابا بشرط عدم ما يكفرها من التوبة، والله -سبحانه- عالم بعاقبة أمره.\nجواب ثان:\nأنه يجوز أن يكون الشيء مأمورًا منهيًّا في حالين؛ إذ ليس المأمور حسنًا في عينه لوصف هو عليه قبل الأمر به، ولا المأمور مرادًا ليتناقض ذلك.\nوقولهم: \"إن الكلام قديم، فيكون أمرًا بالشيء ونهيًا عنه في حال واحد\".\n_________\n١ خلاصة هذا الرد من وجهين:\nالوجه الأول: أن المعتزلة ينكرون ثبوت الأمر بالشرط، مع أنهم يجوّزون الوعد بالشرط من العالم بعواقب الأمور فقالوا: يجوز أن يعد الله -تعالى- بالثواب على الطاعة بشرط عدم وجود ما يحبطها كالردة، كما يجوز أن يوعد بالعقاب على المعصية بشرط عدم وجود ما يكفرها من التوبة، مع أن الله -تعالى- عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة أو التوبة.\nفإذا جاز ذلك عندكم فلا معنى للاعتراض.\nالوجه الثاني: ما تقدم أكثر من مرة، من أنه لا مانع أن يكون الشيء مأمورًا به في وقت، ومنهيًّا عنه في وقت آخر.\nوقوله: \"إذ ليس المأمور حسنًا في عينه الخ\" إشارة إلى ما يعتقده المعتزلة من أن حسن الأشياء وقبحها ذاتي لا ينفك عنها، وهذا التفسير هو الذي يترتب عليه التناقض، أما أهل السنة: فيرون أن حسن الأشياء وقبحها تابع لصفات قائمة بالمأمور، وليست ذاتية.","vol":"1","page":241},{"text":"قلنا: يتصور الامتحان به إذا سمعه المكلف في وقتين، ولذلك اشترطنا التراخي في النسخ، ولو سمعهما في وقت واحد لم يجز.\nفأما جبريل: فيجوز أن يسمعهما في وقت واحد، ويؤمر بتبليغ الأمة في وقتين١؛ فيأمرهم بمسالمة الكفار مطلقًا، وباستقبال بيت المقدس، ثم ينهاهم عنه بعد ذلك. والله سبحانه أعلم.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>فصل: [هل الزيادة على النص نسخ</span>؟]\nوالزيادة على النص ليست بنسخ٢.\nوهي على ثلاث مراتب:\nأحدهما: أن لا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما إذا أوجب الصلاة، ثم أوجب الصوم.\nفلا نعلم فيه خلافًا، لأن النسخ: رفع الحكم وتبديله، ولم يتغير حكم المزيد عليه، بل بقي وجوبه وإجزاؤه.\n_________\n١ لأنه -﵇- ليس داخلًا في التكليف، بل هو مكلف بالتبليغ فقط.\n٢ معنى كلام المصنف: أن الزيادة على النص ليست بنسخ في جميع المراتب التي سيذكرها، وأن النوع الأول -على ما سيأتي- ليس فيه خلاف، والمرتبتان الأخيرتان فيهما خلاف، إلا أن المصنف حسم المسألة -من وجهة نظره- مبدئيًّا....\nقال الطوفي -مبينًا محل الاتفاق ومحل الخلاف-: \"الزيادة على النص إما أن لا تتعلق بحكم النص أصلًا، أو تتعلق به، فإن لم تتعلق به، فليست نسخًا له إجماعًا، وذلك كزيادة إيجاب الصوم، بعد إيجاب الصلاة، فإنه ليس نسخًا لإيجاب الصلاة بالإجماع.","vol":"1","page":242},{"text":"الرتبة الثانية:\nأن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلّقًا ما، على وجه لا يكون شرطًا فيه، كزيادة التغريب على الجلد في الحد١، وعشرين سوطًا على الثمانين في حد القذف.\n_________\n= وإن تعلقت الزيادة بحكم النص المزيد عليه، فتلك الزيادة إما جزء له، أو شرط، أو لا جزء ولا شرط:\nمثال كونها جزءًا له: زيادة ركعة في الصبح، أو عشرين سوطًا في حد القذف، فتصير الصبح ثلاث ركعات، والركعة الثالثة جزء منها، وحد القذف مائة سوط، والعشرون الزائدة جزء منها.\nومثال كونها شرطًا: نية الطهارة، هي شرط لها، وقد زيدت بالحديث والاستدلال على باقي آية الوضوء من أفعاله، بناء على أن النية ليست مستفادة من الآية، على خلاف فيه.\nومثال كون الزيادة لا جزءًا ولا شرطًا: التغريب على الجلد في زنى البكر، إذ الجلد لا يتوقف على التغريب توقف الكل على جزئه، ولا توقف المشروط على شرطه، وليس شيء من ذلك نسخًا عندنا، خلافًا للحنفية.\nوحكى الآمدي عن القاضي عبد الجبار، والغزالي، في المثالين، أنهما وافقا الحنفية في أنه نسخ\". شرح المختصر \"٢/ ٢٩١-٢٩٢\".\n١ يقصد بذلك: حد الزاني غير المحصن، فإن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ...﴾ يفيد أن هذا هو الحد فقط، ثم زيد على هذا النص تغريب عام بما رواه مسلم: في كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد في مسنده \"٣/ ٤٧٦\" من حديث عبادة بن الصامت -﵁- مرفوعًا أن رسول الله -ﷺ- قال: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\".\nأما زيادة عشرين سوطًا في حد القذف، فهو مثال افتراضي كمثال زيادة ركعة في صلاة الصبح. =","vol":"1","page":243},{"text":"فذهب أبو حنيفة إلى أنه نسخ؛ لأن الجلد كان هو: الحد كاملًا، يجوز الاقتصار عليه، ويتعلق به التفسيق، ورد الشهادة، وقد ارتفعت هذه الأحكام بالزيادة.\nولنا:\nأن النسخ: هو رفع حكم الخطاب، وحكم الخطاب بالحد: وجوبه وإجزاؤه على نفسه، وهو باق، وإنما انضم إليه الأمر بشيء آخر فوجب الإتيان به، فأشبه الأمر بالصيام بعد الصلاة.\nفأما صفة الكمال: فليس هو حكمًا مقصودًا شرعيًّا، بل المقصود: الوجوب والإجزاء، وهما باقيان.\nولهذا لو أوجب الشرع الصلاة -فقط- كانت كلية ما أوجبه الله وكماله، فإذا أوجب الصوم، خرجت الصلاة عن كونها كلية١ الواجب، وليس بنسخ اتفاقا٢.\nوأما الاقتصار عليه: فليس هو مستفادا من منطوق اللفظ؛ لأن وجوب الحد لا ينفي وجوب غيره.\nوإنما يستفاد من المفهوم، ولا يقولون به٣.\n_________\n= قال الشيخ ابن قدامة في المغني \"١٢/ ٣٨٦\": \"وحد القذف ثمانون، إذا كان القاذف حرًّا، للآية، والإجماع، رجلًا كان أو امرأة ... \".\n١ في الأصل: \"كل\" وما أثبتناه من المستصفى.\n٢ خلاصة هذا الدليل: أن النسخ عبارة عن: رفع الحكم الثابت بالخطاب، والحكم ههنا باق لم يرتفع، وإنما زيد عليه شيء آخر، والزيادة عليه لا تقتضي رفعه، فثبت أن الزيادة ليست نسخًا، انظر: شرح المختصر \"٢/ ٢٩٢\".\n٣ هذا رد لقول الحنفية: إن الجلد كان هو الحد فقط، فيجوز الاقتصار عليه.\nفأجاب المصنف: بأن دعواكم هذه ليست مستفادة من منطوق اللفظ، وإنما هو =","vol":"1","page":244},{"text":"ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ، فيجوز بخبر الواحد.\nثم إنما يستقيم هذا: أن لو ثبت حكم المفهوم واستقر، ثم ورد التغريب بعده، ولا سبيل إلى معرفته، بل لعلة وردتنا بالإسقاط المفهوم متصلًا به أو قريبًا منه١.\nوأما التفسيق، ورد الشهادة، فإنما يتعلق بالقذف، لا بالحد.\nثم لو سلّم بتعلقه بالحد: فهو تابع غير مقصود، فصار كحل النكاح بعد العدة، ثم تصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر، ليس تصرفًا في حل النكاح، بل في نفس العدة٢.\n_________\n= مستفادة من المفهوم، وأنتم لا تقولون به، فإنكم لا تعتبرون دلالة المفهوم حجة.\n١ هذا رد آخر من المصنف على عدم تسليم المدعي، حاصله: أن ما ذكره الحنفية من أن الحد كان الجلد فقط، والتغريب زيادة عليه فكانت نسخًا، قولهم هذا غير مستقيم؛ إلا إذا علم أن الحكم كان قد استقر وثبت، ثم جاءت الزيادة بعد ذلك، لأنه من المتفق عليه بيننا وبينهم أن من شرط النسخ أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ، وهنا لم يتحقق هذا الشرط، لاحتمال أن يكون التغريب جاء بيانًا من الرسول -ﷺ- مقارنًا للآية، أو بعدها بقليل، وهذا يجعله خارجًا عن النسخ.\n٢ توضيح ذلك: أن الحنفية قالوا -في دليلهم السابق-: \"إن الجلد قبل زيادة التغريب كان حدًّا كاملًا مستقلًّا بعقوبة الزاني، يتعلق به أن المحدود صار فاسقًا لا تقبل شهادته، وبعد زيادة التغريب لم يبقَ حدًّا تامًّا مستقلًّا صالحًا لتعلق الأحكام به، بل جزءًا أولًا للحد، والتغريب جزءًا ثانيًا له، فارتفعت الأحكام التي أنيطت بالجزء الأول واستقرت بتمام الجزئين، وهذا هو معنى النسخ.\nفأجاب المصنف عن ذلك: بأن التفسيق ورد الشهادة لا يتعلقان بالحد، وإنما بالقذف، ومع التسليم بذلك، فهما تابعان وليسا مقصودين أصليين، شأنهما شأن حل النكاح بعد عدة الوفاة.","vol":"1","page":245},{"text":"فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾ ١ يقتضي أن لا يحكم بأقل منهما، والحكم بشاهد ويمين٢ نسخ له.\nقلنا: هذا إنما استفيد من مفهوم اللفظ، وقد أجبنا عنه٣.\nالرتبة الثالثة:\nأن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، بحيث يكون المزيد عليه وعدمه واحدًا، كزيادة النية في الطهارة، وركعة في الصلاة فذهب بعض من وافق في الرتبة الثانية إلى أن الزيادة ههنا نسخ؛ إذ كان حكم المزيد عليه: الإجزاء والصحة، وقد ارتفع٤.\nوليس بصحيح؛ لأن النسخ: رفع حكم الخطاب بمجموعه، والخطاب اقتضى: الوجوب والإجزاء، والوجوب باقٍ بحاله، وإنما ارتفع الإجزاء، وهو بعض ما اقتضى اللفظ، فهو كرفع المفهوم، وتخصيص العموم.\n_________\n١ سورة البقرة من الآية: ٢٨٢.\n٢ يشير إلى الحديث الذي رواه ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- \"قضى بيمن وشاهد\". أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد وابن ماجه: كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين، والشافعي: كتاب القضاء والشهادات، باب القضاء باليمين مع الشاهد.\n٣ وهو أن الحنفية لا يرون حجية دلالة المفهوم.\n٤ ظاهر العبارة أن بعض العلماء الذين يرون أن الزيادة على النص ليست نسخًا في المرتبة الثانية انضموا في المرتبة الثالثة إلى الحنفية فقالوا: إنها تعتبر نسخًا، ولذلك جاء في بعض النسخ \"فذهب بعض الشافعية إلى أن الزيادة ههنا نسخ\".\nويؤيد هذا التفسير قول المصنف -بعد ذلك-: \"ثم لا يصح هذا من أصحاب الشافعي؛ فإنهم اشترطوا النية للطهارة، والطهارة للطواف بالسنة، وأصلها ثابت بالكتاب\".","vol":"1","page":246},{"text":"ثم إنما يستقيم أن لو ثبت الإجزاء واستقر، ثم وردت الزيادة بعده ولم يثبت.\nبل ثبوت الزيادة بالقياس المقارن للفظ، أو لخبر يحتمل أن يكون متصلًا بيانًا للشرط، فلا معنى لدعوى استقراره بالتحكم١.\nثم لا يصح هذا من أصحاب الشافعي؛ فإنهم اشترطوا النية للطهارة٢، والطهارة للطواف٣ بالسنة، وأصلها ثابت بالكتاب.\nفإن قيل:\nفالطهارة المنْوية غير الطهارة بلا نية، وإنما هي نوع آخر، فاشتراط النية يوجب رفع الأولى بالكلية.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن دعوى النسخ تستقيم أن لو ثبت الحكم واستقر، ثم جاءت الزيادة متأخرة عنه، لأن من شروط النسخ تأخر الناسخ عن المنسوخ، وهذا غير مسلم، فإن الزيادة إما أن تكون ثابتة بقياس مقارن لنزول اللفظ، أو بخبر متصل به -أيضًا- فدعوى استقرار الحكم تحكم لا دليل عليه.\n٢ للحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري: في باب كيف كان بدء الوحي، وفي كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق، وفي كتاب الإيمان، باب النية في الإيمان، عن عمر بن الخطاب -﵁- مرفوعًا، أن النبي -ﷺ- قال: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..\".\nكذلك أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب قوله -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنية\" وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي وغيرهم.\n٣ للحديث الذي أخرجه البيهقي والحاكم وابن حبان والدارمي عن ابن عباس مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال: \"الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام\" وفي رواية: \"الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير\" وله طرق أخرى كثيرة.\nانظر: فيض القدير \"٤/ ٢٩٣\"، التلخيص الحبير \"١/ ١٢٩\".","vol":"1","page":247},{"text":"قلنا: هذا باطل؛ فإنها لو كانت غيرها: لوجب أن لا تصح الطهارة المنوية، عند من لا يوجب النية؛ لكونها غير مأمور بها١.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن المنسوخ هل يشترط أن يكون مقصودًا بالرفع أو لا؟\nفإن اشترط أن يكون مقصودًا، لم يكن رفع استقلال المزيد عليه بالحكم نسخًا، لأنه حاصل بالاقتضاء الضروري.\nوإن لم يشترط ذلك، بل يكفي في المنسوخ أن يكون مرتفعًا بالقصد أو الاقتضاء الضروري، كان رفع الاستقلال نسخًا. انظر: نزهة الخاطر العاطر \"١/ ٢١٤\".","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>فصل: [في نسخ جزء العبادة أو شرطها]</span>\nونسخ جزء العبادة المتصل بها، أو شرطها، ليس بنسخ لجملتها.\nوقال المخالفون في المرتبة الثانية من الزيادة: هو نسخ١، لأن الركعات الأربع غير الركعتين وزيادة، بدليل: ما لو أتى بصلاة الصبح أربعًا فإنها لا تصح.\nولأن الركعتين كانتا لا تجزئان، فصارتا مجزئتين، وهذا تغيير وتبديل.\nوليس بصحيح؛ لأن الرفع والإزالة إنما يتناول الجزء والشرط خاصة، وما سوى ذلك باق بحالة، فهو كالصلاة، كانت إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك إلى الكعبة فلم يكن نسخًا للصلاة.\nوقولهم: \"هي غيرها\" قد سبق جوابه٢.\n_________\n١ جاء في شرح الكوكب المنير \"٣/ ٥٨٤\" بيان لهؤلاء المخالفين حيث قال: \"وعن بعض المتكلمين والغزالي، وحكى عن الحنفية: أنه نسخ لأصل العبادة\".\n٢ وهو قوله في الرد على المخالفين في الرتبة الثالثة: \"وليس بصحيح؛ لأن النسخ =","vol":"1","page":248},{"text":"وإنما لا تصح الصبح إذا صلاها أربعًا؛ لإخلاله بالسلام والتشهد في موضعه.\nوقولهم: \"كانت مجزئة\" معناه: أن وجودها كعدمها، وهذا حكم عقلي ليس من الشرع، والنسخ: رفع ما ثبت بالشرع.\nوكذلك وجوب العبادة مزيل لحكم العقل في براءة الذمة، وليس بنسخ.\n_________\n= رفع حكم الخطاب بمجموعه..\" ومعناه: أن الرفع إنما تناول الجزء والشرط فقط، وما سوى ذلك من العبادة باق على حاله، فهو من باب التخصيص وليس من النسخ.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>فصل: [في جواز نسخ العبادة إلى غير بدل]</span>\nيجوز نسخ العبادة إلى غير بدل١.\nوقيل: لا يجوز٢، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا....﴾ ٣.\nولنا أنه متصور عقلًا، وقد قام دليله شرعًا:\n_________\n١ وهو رأي الجمهور.\n٢ وهو مروي عن أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر، كما أنه رأي الإمام الشافعي، حيث قال في الرسالة ص١٠٩: \"وليس ينسخ فرض أبدًا، إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة\".\n٣ سورة البقرة من الآية: ١٠٦.","vol":"1","page":249},{"text":"أما العقل:\nفإن حقيقة النسخ: الرفع والإزالة، ويمكن الرفع من غير بدل.\nولا يمتنع أن يعلم الله -تعالى- المصلحة في رفع الحكم، وردّهم إلى ما كان من الحكم الأصلي١.\nوأما الشرع:\nفإن الله -سبحانه- نسخ النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي٢، وتقديم الصدقة أمام المناجاة٣ إلى غير بدل.\n_________\n١ وضح ذلك الشيخ الطوفي -رحمه الله تعالى- فقال: \"لنا: الرفع لا يستلزم البدل إلى آخره. هذا دليل الجواز وهو من وجهين:\nأحدهما: أن النسخ رفع الحكم، والرفع لا يستلزم البدل، بل يمكن وجوده بدون بدل، واعتبر ذلك بالمحسوسات، فإنه ليس من ضرورة رفع الحجر من مكانه أنه يضع مكانه غيره، بل ذلك على الجواز، وكذلك وقع النسخ في الشريعة، تارة إلى البدل، وتارة لا إلى بدل.\nوأيضًا: لا يمتنع أن يعلم الله تعالى مصلحة المكلف في نسخ الحكم عنه لا إلى بدل، ورده إلى ما قبل الشرع من إباحة أو حظر أو وقف على ما سبق من الخلاف.. \"شرح المختصر \"٢/ ٢٩٦-٢٩٧\".\n٢ النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث روي عن عائشة وعلي وغيرهما مرفوعًا بألفاظ متقاربة، أن النبي -ﷺ- قال: \"كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي، فكلوا وادّخروا ما شئتم\" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه حديث \"٥٤٢٣\"، \"٥٤٣٨\"، \"٥٥٧٠\"، \"٦٦٨٧\"، ومسلم \"١٩٧١\" وأبو داود \"٣٨١٢\" والترمذي \"١٥١١\" والنسائي \"٧/ ٢٣٥\" ومالك في الموطأ \"٢/ ٤٨٤\" وأحمد في المسند \"٦/ ٥١\" وانظر: فيض القدير \"٥/ ٤٥ وما بعدها\".\n٣ جاء في كتاب التفسير عن ابن عباس وقتادة: أن قوما من شباب المؤمنين كثرت =","vol":"1","page":250},{"text":"فأما الآية: فإنها وردت في التلاوة، وليس للحكم فيه ذكر.\nعلى أنه يجوز أن يكون رفعها خيرًا منها في الوقت الثاني؛ لكونها لو وجدت فيه كانت مفسدة.\n_________\n= مناجاتهم للنبي -ﷺ- في غير حاجة، إلا لتظهر منزلتهم، وكان رسول الله -ﷺ- سمْحًا لا يرد أحدًا، فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ...﴾ [المجادلة: ١٢] ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها.\nروى الحاكم في المستدرك \"٢/ ٤٨١، ٤٨٢\" عن علي -﵁- قال: \"إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى ... قال: كان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي -ﷺ- فكنت كلما ناجيت النبي -ﷺ- قدمت بين يدي نجواي دراهمًا، ثم نسخت، فلم يعمل بها أحد، فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ...﴾ الآية.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nانظر: الدر المنثور \"٦/ ١٥٨\" تفسير ابن كثير \"٤/ ٣٢٧\".","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>فصل: [في النسخ بالأخف والأثقل]</span>\nيجوز النسخ بالأخف والأثقل١.\n_________\n١ هكذا أطلق المصنف الكلام في المسألة، لكن ينبغي تحديد محل النزاع، وقد بينه الأصفهاني في بيان المختصر \"٢/ ٥٢٣\" فقال: \"القائلون بجواز النسخ اتفقوا على جواز النسخ ببدل أخف، مثل: نسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليلة رمضان، ببدل حله، وهو الأخف.\nوببدل مساو، مثل: نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس، بوجوب التوجه إلى الكعبة.\nواختلفوا في جواز النسخ ببدل أثقل:\nفذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب بعض الشافعية إلى عدم جوازه\".","vol":"1","page":251},{"text":"وأنكر بعض أهل الظاهر جواز النسخ بالأثقل١، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾ ٢.\nوقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم ...﴾ ٣، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ...﴾ ٤.\nولأن الله -تعالى- رءوف، فلا يليق به التثقيل والتشديد٥.\nولنا:\nأنه لا يمتنع لذاته.\nولا يمتنع أن تكون المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل، كما في ابتداء التكليف٦.\n_________\n١ انظر: الإحكام لابن حزم \"٤/ ٤٦٦\".\n٢ سورة البقرة من الآية: ١٨٥.\n٣ سورة الأنفال من الآية: ٦٦.\n٤ سورة النساء من الآية: ٢٨.\n٥ هذا هو الدليل الثاني للمانعين خلاصته: أن النسخ إلى الأثقل تشديد على المكلف، وذلك لا يليق برأفة الله -﷿- ورحمته، لأن شأنه التسهيل على خلقه، لا التشديد عليهم.\nوالدليل الأول: النصوص الدالة على التخفيف والتيسير، وهي: الآيات التي أوردها المصنف.\n٦ بدأ المصنف يستدل لمذهب الجمهور، وقد أورد دليلين، أحدهما: دليل عقلي، والثاني دليل شرعي بوقوع مثل ذلك في صور كثيرة سيذكرها.\nوخلاصة الدليل الأول: أن امتناع ذلك إما أن يكون عقلًا أو شرعًا، فإن كان شرعًا فسيأتي الرد عليه من الوقوع في كثير من الأحكام الشرعية، والوقوع دليل الجواز وزيادة.\nوأما إن كان عقلًا، فلا يمتنع لذاته، لأنه لو قدر وقوعه لم يلزم منه محال =","vol":"1","page":252},{"text":"وقد نسخ التخيير بين الفدية والصيام، بتعين الصيام١، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف إلى وجوب الإتيان بها٢.\n_________\n= لذاته بدليل أنه قد وقع -كما سيأتي- ولم يلزم منه، فدل على أنه لا يمتنع لذاته، أي لكونه نسخًا من الأخف إلى الأثقل، وإنما قلنا: أنه لا يمتنع؛ لأنه يتضمن مصلحة عظيمة، وهي: تدرج المكلف من الأخف إلى الأثقل، فيسهل عليه الامتثال، والتدرج في التشريع من أهم الخصائص التي تميز بها التشريع الإسلامي، لأن الناس لو أخذوا بالأحكام دفعة واحدة لأدى ذلك إلى نفرتهم من الإسلام، خاصة في الأمور التي ألفوها وشبوا عليها.\nفالحاصل: أن النسخ من الأخف إلى الأثقل، لا يعتبر مستحيلًا لذاته، ولا لغيره. فضلًا عن الأدلة الشرعية التي وقعت، وهي خير دليل على ذلك -كما سيأتي-.\n١ التخيير بين الفدية والصيام كان ثابتًا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ...﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وقد قدم الكلام على الآثار الواردة في ذلك.\n٢ جاء في تفسير ابن كثير \"١/ ٥١٩\" \"أن النبي -ﷺ- أخر صلاة الظهر والعصر يوم الأحزاب فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء\".\nكما روى البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي -ﷺ- لما رجع من الأحزاب قال: \"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بلى نصلي، لم يرد ذلك منا، فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فلم يعنف واحدًا منهم. انظر: نيل الأوطار \"٣/ ٣٦٨\" طبعة الحلبي.\nفلما نزل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ...﴾ [البقرة: ٢٣٩] نسخ تأخير الصلاة، وصلوا على أي حال، ثم جاء بيان كيفية الخوف في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .","vol":"1","page":253},{"text":"وحرم الخمر١، ونكاح المتعة، والحمر الأهلية٢.\nوأمر الصحابة بترك القتال والإعراض عنه، ثم نسخ بإيجاب الجهاد٣.\n_________\n١ تحريم الخمر أخذ أطوارًا متعددة حتى حرم تحريمًا نهائيًّا، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] وإن كان بعض العلماء يرى أن التدرج في التشريع لا يعتبر نسخًا.\n٢ النهي عن النكاح صحت فيه الأحاديث براويات مخلتفة، منها: ما أخرجه مسلم: باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح، وأبو داود: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، والنسائي: كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، وأحمد في المسند \"٣/ ٤٠٤، ٤٠٥\" وابن ماجه: كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة\".\nوأخرج مالك في الموطأ: كتاب النكاح، باب في نكاح المتعة، عن علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.\nكما أخرجه البخاري: في باب غزوة خيبر، من كتاب المغازي، وفي باب نهي رسول الله -ﷺ- عن نكاح المتعة آخرًا، من كتاب النكاح، وفي باب لحوم الحمر الإنسية، من كتاب الذبائح، ومسلم، في باب نكاح المتعة، وفي باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية من كتاب الصيد، والترمذي: باب ما جاء في تحريم نكاح المتعة، والنسائي: كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، وفي باب: تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، من كتاب الصيد.\nكما رواه ابن ماجه، والدارمي، وأحمد في المسند \"١/ ٧٩\".\n٣ معناه: أن القتال كان ممنوعًا منه في أول الإسلام بآيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ...﴾ [النساء: ٨١] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ...﴾ [النساء: ١٣]، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] ثم نسخ ذلك بمشروعية القتال ونزل في ذلك =","vol":"1","page":254},{"text":"والآيات التي احتجوا بها وردت في صور خاصة أريد بها التخفيف، وليس فيه منع إرادة التثقيل١.\nوقولهم: \"إن الله رءوف\" فلا يمنع من التكليف بالأثقل، كما في التكليف ابتداء، وتسليط المرض والفقر وأنواع العذاب لمصالح يعلمها.\n_________\n= قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ...﴾ [التوبة: ١٤] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩] ومثل ذلك كثير، ولا شك أن وجوب القتال أثقل من تركه، ولذلك يقول -جل شأنه- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ...﴾ [البقرة: ٢١٦] .\n١ بدأ المصنف يرد على الأدلة التي استدل بها المخالفون، فبين أن الآيات التي وردت في التيسير والتخفيف في صور خاصة تقتضي ذلك، وليست عامة حتى يحتج بها في منع النسخ إلى الأثقل:\nفقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ وردت في سياق تخفيف الصوم عن المريض والمسافر، فاللام في \"اليسر\" و\"العسر\" وإن كانت محتملة للعموم والاستغراق، إلا أنها محمولة على المعهود، وهو اليسر الحاصل بالإفطار للمريض، والمسافر، والعسر الحاصل لهما بالصوم في حالة المرض والسفر.\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ...﴾ وردت في سياق نكاح الأمة لمن لم يجد صداق الحرة، فلا تصلح أن تكون دليلًا على ما ذكرتم.\nكما رد على قولهم: \"إن الله تعالى رءوف بعباده، فلا يليق به التشديد\" فقال: كونه -سبحانه- رءوفًا بعباده لا يمنع من التكليف بالأثقل، فإن ذلك منقوض بابتداء التكليف، فإنه تشديد، لمصالح العباد، وكذلك وقوع المرض، والفقر، وأنواع الآلام، والمؤذيات على الخلق، كل ذلك تشديد، لكنه وقع، لمصالح لا يعلمها إلا الله تعالى.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>فصل: [في حكم من لم يبلغه النسخ]</span>\nإذا نزل الناسخ، فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه؟\nقال القاضي: ظاهر كلام أحمد -﵀- أنه لا يكون نسخًا؛ لأن أهل قباء بلغهم نسخ الصلاة، إلى بيت المقدس وهم في الصلاة فاعتدوا بما مضى من صلاتهم١.\nوقال أبو الخطاب: يتخرج أن يكون نسخا؛ بناء على قوله٢ في الوكيل: \"ينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم\"؛ لأن النسخ بنزول الناسخ، لا بالعلم، إذ العلم لا تأثير له إلا في نفي العذر، ولا يمتنع وجوب القضاء على المعذور كالحائض، والنائم.\nوالقبلة يسقط استقبالها في حق المعذور، فلهذا لم يجب على أهل قباء الإعادة٣.\n_________\n١ قصة تحويل القبلة: أخرجها البخاري في كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم: كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، من حديث البراء بن عازب وعبد الله بن عمر -﵃ جميعًا- ولفظ ابن عمر قال: \"بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله -ﷺ- قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة\".\n٢ أي: على قول الإمام أحمد في انعزال الوكيل، إلا أنه -رحمه الله تعالى- رويت عنه رواية أخرى أنه لا ينعزل، وتصرفاته نافذة، كما في المغني \"٧/ ٢٣٤\" ويرد على هذا التنظير: أن مسألة الوكيل فرع فقهي، فلا يكون أصلًا يقاس عليه، لأنه يلزم عليه الدور، حيث يكون الفرع متوقفًا على الأصل، والأصل متوقفًا على الفرع.\n٣ هذا رد من أبي الخطاب على أصحاب المذهب الأول.","vol":"1","page":256},{"text":"وقال من نصر الأول١: النسخ بالناسخ، لكن العلم شرط؛ لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطابًا في حق من لم يبلغه.\n_________\n١ هذا جواب عن دليل ابن الخطاب.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>فصل: [في وجوه النسخ بين القرآن والسنّة]</span>\nيجوز نسخ القرآن بالقرآن.\nوالسنة المتواترة بمثلها.\nوالآحاد بالآحاد٢.\nوالسنة بالقرآن، كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس٣ وتحريم\n_________\n١ هذا جواب عن دليل ابن الخطاب.\n٢ خلاصة ذلك: أن نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بالسنة المتواترة، والآحاد بالآحاد، هذه الوجوه الثلاثة لا خلاف في وقوعها؛ لوجود التماثل بينها، فجاز أن يرفع بعضه ببعض.\nأما نسخ السنة بالقرآن: فالجمهور من العلماء على جوازه، خلافًا للإمام الشافعي فعنه في المسألة روايتان.\nقال الآمدي في الإحكام \"٣/ ١٤٦\": \"هو جائز عقلًا، وواقع سمعًا عند الأكثر من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء، وممتنع في أحد قولي الشافعي\".\n٣ بيانه: أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...﴾ [البقرة: ١٤٤] والوقوع دليل على الجواز وزيادة.\nوالسنة التي يشير إليها المصنف: هي ما جاء في صحيح البخاري \"١/ ٨٢\" حاشية السندي، ومسلم \"١/ ٣٧٤\" تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن البراء بن عازب -﵁- \"أن رسول الله -ﷺ- صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبلة البيت، وإنه صلى =","vol":"1","page":257},{"text":"المباشرة في ليالي رمضان١، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف بالقرآن، وهو في السنّة١.\nفأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة:\nفقال أحمد -﵀-: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده٣ قال القاضي: ظاهره أنه منع منه عقلًا وشرعًا٤.\n_________\n= أول صلة صلاها: صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي -ﷺ- قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت..\".\nوروي مثله عن ابن عباس -﵄- \"تفسير ابن كثير ١/ ١٨٠\".\n١ روى البخاري عن البراء بن عازب -﵁- قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله -تعالى-: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ...﴾ [البقرة: ١٨٧] انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي \"١/ ١٠٣\" أحكام القرآن للجصاص \"١/ ٢٢٦\"، فتح القدير للشوكاني \"١/ ١٨٧\".\n٢ فقد صح عنه -صلى الله عليه- أنه قال يوم الخندق، وقد أخر الصلاة: \"حشا الله قبورهم نارًا\". حديث صحيح أخرجه البخاري \"١/ ١٦٨\" بحاشية السندي، ومسلم \"١/ ٤٣٧\". وقد تقدم الكلام على مشروعية صلاة الخوف وعدم تأخير الصلاة أثناء القتال.\n٣ وهو المنقول عن الإمام الشافعي في الرسالة ص١٠٦ وما بعدها، كما أنه رأي أكثر الشافعية، وأكثر الظاهرية على ما في الإحكام للآمدي \"٣/ ١٥٣\" وانظر: شرح مختصر الطوفي \"٢/ ٣٢٠\".\n٤ عبارة أبي يعلى في العدة \"٣/ ٧٨٨\": \"لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعًا، ولم يوجد ذلك، نص عليه أحمد -﵀- في رواية الفضل بن زياد، وأبي الحارث، وقد سئل: هل تنسخ السنة القرآن، فقال: لا ينسخ القرآن إلا قرآن =","vol":"1","page":258},{"text":"وقال أبو الخطاب وبعض الشافعية: يجوز ذلك١؛ لأن الكل من عند الله، ولم يعتبر التجانس.\nوالعقل لا يحيله؛ فإن الناسخ -في الحقيقة- هو الله -سبحانه- على لسان رسوله -ﷺ- بوحي غير نظم القرآن.\nوإن جوزنا له النسخ بالاجتهاد٢، فالإذن في الاجتهاد من الله -تعالى-.\nوقد نسخت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: \"لا وصية لوارث\" ٣.\n_________\n= يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، وبهذا قال الشافعي\".\n١ ونص عبارته في التمهيد \"٢/ ٣٦٩\": \"فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة: فقال شيخنا: لا يجوز ذلك شرعًا، ويجوز عقلًا، إلا أن أحمد قال في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، فظاهره أنه منع من نسخه شرعًا وعقلًا وبه قال الشافعي.\nوقال أكثر الفقهاء، والحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين: يجوز ذلك وهو الأقوى عندي.\nوقد قال أحمد في رواية صالح فيما خرجه في الحبس: \"بعث الله نبيه وأنزل عليه كتابه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه\" وهذا يدل على أنه ينسخه بقوله، إلا أن قوله ذلك لا يكون إلا صادرًا عن الوحي، فيعلم به أن الله -تعالى- الناسخ على لسان نبيه\".\nوبذلك يظهر أن النقل عن الإمام أحمد مختلف، وعنه روايتان في المسألة، والذي يرجحه أبو الخطاب الجواز، حيث قال: \"وهو الأقوى عندي\" واعتبر أن الكل وحي من عند الله تعالى، وإن كان القرآن وحيًا باللفظ والمعنى، والسنة وحيًا بالمعنى دون اللفظ.\n٢ الضمير في \"له\" للنبي -ﷺ- ومعناه: أن ما كان منه -ﷺ- عن اجتهاد فهو من الله -تعالى- لأن الله قد أذن له فيه.\n٣ الوصية للوالدين والأقربين كانت واجبة بقوله تعالى في سورة البقرة آية: ١٨٠: =","vol":"1","page":259},{"text":"ونسخ إمساك الزانية في البيوت١ بقوله: \"قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم\"٢.\nولنا٣: قول الله -تعالى-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾\n_________\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وقد تقدم الكلام عليها وعلى الناسخ لها في فصل وجوه النسخ في القرآن.\nوأما حديث \"لا وصية لوارث\" فهو حديث صحيح روي من عدة طرق مشهورة، جاء في بعضها: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث عن أبي أمامة الباهلي، والترمذي: كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، كما أخرجه عن عمرو بن خارجة: ثم قال: حديث حسن صحيح.\nكما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة وعمرو بن خارجة أيضًا، وأخرجه النسائي عن عمرو بن خارجة.\nوللحديث -كما قلت- طرق أخرى كثيرة، وهو وإن كان حديث آحاد، إلا أن الأمة مجمعة على العمل به كما في الأحكام للآمدي \"٣/ ٢١٧\".\n١ وهو قوله تعالى في سورة النساء الآية ١٥: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ .\n٢ الحديث أخرجه مسلم: كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأبو داود: كتاب الحدود، باب في الرجم، والترمذي: كتاب الحدود باب في الرجم على الثيب، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب حد الزنا، وأحمد في المسند \"٣/ ٤٧٦\"، والشافعي: كتاب الحدود، باب رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه، من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا وأوله: \"خذوا عني، خذوا عني ... \" إلى آخر الحديث.\n٣ بدأ المصنف يورد الأدلة على أن السنة لا تنسخ القرآن.","vol":"1","page":260},{"text":"أَوْ مِثْلِهَا..﴾ والسنة لا تساوي القرآن، ولا تكون خيرًا منه.\nوقد روى الدارقطني٢ في سننه عن جابر٣ أن النبي -ﷺ- قال: \"القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن\"٤.\nولأنه لا يجوز نسخ تلاوة القرآن وألفاظه بالسنة، فكذلك حكمه٥.\n_________\n١ سورة البقرة من الآية: ١٠٦.\n٢ هو: الإمام الحافظ: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن البغدادي، روى عن البغوي وغيره، كما روى عنه الحاكم وأبو حامد الإسفراييني، من مؤلفاته \"السنن\" و\"العلل\" ولد سنة ٣٠٦هـ وتوفي سنة ٣٨٥هـ. \"تذكرة الحفاظ ٣/ ٥٥٨، شذرات الذهب ٣/ ١١٦\".\n٣ هو: الصحابي الجليل: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب الأنصاري السلمي، كان من علماء الصحابة، وشهد معظم المشاهد مع رسول الله -ﷺ- توفي سنة ٧٠هـ وقيل: سنة ٧٧هـ. \"الإصابة ١/ ٤٣٤\".\n٤ أخرجه الدارقطني في نوادره \"٤/ ١٤٥\". قال الذهبي عنه: \"إنه موضوع، آفته جبرون بن واقد \"أحد رواته\" فإنه متهم وليس بثقة، فكيف يكزن خبره نصًّا في المسألة.\nكما أن فيه محمد بن داود القنطري، وهو متهم أيضًا.\nانظر: \"الميزان للذهبي ١/ ٣٨٨\".\nقال الطوفي: \"وأما الحديث فلا تقوم الحجة بمثله ههنا؛ لأنه أصل كبير، ومثله لا يخفى في العادة، لتوفر الدواعي على نقل ما كان كذلك عادة، فلو ثبت لاشتهر، ثم لم يخالفه أحد من العلماء لشهرته ودلالته.\nسلمنا صحته، لكنه ليس نصًّا في محل النزاع، بل هو ظاهر؛ لأن لفظه عام، ودلالة العام ظاهرة، لا قاطعة، فيحمل على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن، يبقى المتواتر، لا دليل على المنع فيه من ذلك\" شرح المختصر \"٢/ ٣٢٢-٣٢٣\".\n٥ خلاصة ذلك: أن المصنف استدل على عدم جواز نسخ القرآن بالسنة بثلاثة أدلة، أحدها: الآية، وثانيها: الحديث، وثالثها: أن السنة لا تنسخ لفظ القرآن، وهو =","vol":"1","page":261},{"text":"وأما الوصية: فإنها نسخت بآية المواريث، قاله ابن عمر١، وابن عباس٢. وقد أشار النبي -ﷺ- إلى هذا بقوله: \"إن الله قد أعطى كل ذي\n_________\n= متفق عليه، فكذلك لا تنسخ حكمه؛ لاشتراك لفظ القرآن وحكمه في القوة والتعظيم وصيانته عن أن يرفع بما هو دونه.\nوأجاب المجوزون عن الآية: بأن المراد: نأت بخير منها في الحكم ومصلحته، والسنة تساوى القرآن في ذلك؛ إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أضعاف المصلحة الثابتة بالقرآن، إما في عظم الأجر، بناء على نسخ الأخف بالأثقل، أو في تخفيف التكليف، بناء على نسخ الأثقل بالأخف. \"شرح مختصر الروضة ٢/ ٣٢٢\".\nقال الغزالي في المستصفى \"٢/ ١٠٤\": \"ليس المراد: الإتيان بقرآن آخر خير منها؛ لأن القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرًا من البعض.... بل معناه: أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل، لكونه أخف منه، أو لكونه أجزل ثوابًا\".\nوقد تقدم الرد على الاستدلال وما فيه.\nوأما قولهم: \"السنة لا تنسخ لفظ القرآن، فكذلك لا تنسخ حكمه\".\nفجوابه: أن هناك فرقًا بين لفظ القرآن وبين حكمه، إذ إن لفظ القرآن معجز، والسنة ليست معجزة، فلا تقوم مقامه في الإعجاز، فلا تقوى على نسخ لفظه، أما الحكم: فالمراد منه تكليف الخلق به، والسنة تقوم مقامه في ذلك.\nقال الطوفي -﵀- مبينًا السبب في هذا الخلاف:\n\"تلخيص مأخذ النزاع في المسألة: أن بين القرآن ومتواتر السنة جامعًا وفارقًا:\nفالجامع بينهما: ما ذكرناه من إفادة العلم، وكونهما من عند الله -تعالى-.\nوالفارق: إعجاز لفظ القرآن، والتعبد بتلاوته، بخلاف السنة، فمن لاحظ الجامع، أجاز النسخ، ومن لاحظ الفارق منعه\" شرح المختصر \"٢/ ٣٢٣\".\n١ هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، صحابي جليل، هاجر إلى المدينة وعمره عشر سنوات، كان من أهل العلم والورع والعبادة، وكان شديد الاتباع لآثار رسول الله -ﷺ- وهو أحد الستة المكثرين من الرواية. توفي بمكة سنة ٧٣هـ على الراجح. انظر: \"الإصابة ٢/ ٣٤٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧\".\n٢ تقدمت ترجمته.","vol":"1","page":262},{"text":"حق حقه، فلا وصية لوارث\" وأما الآية الآخرى: فإن الله -سبحانه- أمر بإمساكهن إلى غاية يجعل لهن سبيلًا، فبين النبي -ﷺ- أن الله جعل لهن السبيل. وليس ذلك بنسخ. والله أعلم.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>فصل: [في حكم نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد]</span>\nفأما نسخ القرآن، والمتواتر من السنة، بأخبار الآحاد: فهو جائز عقلًا؛ إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد.\nوغير جائز شرعًا١.\nوقال قوم من أهل الظاهر: يجوز٢.\nوقالت طائفة: يجوز في زمن النبي -ﷺ- ولا يجوز بعده٣؛ لأن أهل قباء قبلوا خبر الواحد في نسخ القبلة.\n_________\n١ وهذا هو رأي جمهور العلماء.\nوقد نقل الغزالي في المستصفى \"٢/ ١٠٧\" عدم جواز نسخ القرآن بالمتواتر والآحاد عن الخوارج.\n٢ انظر: الإحكام لابن حزم \"٤/ ٦١٧\".\n٣ وهو الذي رجحه الغزالي حيث قال: \"المختار: جواز ذلك عقلًا لو تعبّد به، ووقوعه سمعًا في زمان رسول الله -ﷺ- بدليل: قصة قباء\".\nوحكاه الشوكاني عن بعض العلماء: كأبي بكر الباقلاني، وأبي الوليد الباجي، والقرطبي، انظر: إرشاد الفحول \"٢/ ٧٩\" والعجب من العلماء الذين قالوا بهذا الرأي، كيف غاب عنهم أنه لا نسخ بعد عصر النبوة، والأعجب منه ما ذهب إليه الظاهرية من جوازه مطلقًا مع ما اتفق عليه الجميع من أن الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة الرسول -ﷺ-؟! =","vol":"1","page":263},{"text":"وكان النبي -ﷺ- يبعث آحاد الصحابة إلى أطراف دار الإسلام، فينقلون الناسخ والمنسوخ.\nولأنه يجوز التخصيص به، فجاز النسخ به كالمتواتر.\nولنا: إجماع الصحابة -﵃- على أن القرآن والمتواتر لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه، حتى قال عمر -﵁-: \"لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة: لا ندري أصدقت أم كذبت\"١.\n_________\n= ومن الغريب أن \"الطوفي\" يميل إلى مذهب الظاهرية وينصره، ويورد العديد من الأدلة على ذلك، مع أنه قال -بعد ذلك- في المسألة السابعة: \"الحكم الثابت بالإجماع لا ينسخ، أي: لا يكون منسوخًا.\nوتقريره، أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أن حكم الإجماع لا ينسخ.\nأما أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ فلأن النسخ رفع للحكم، وإبطال له وتغيير، وذلك إنما يكون في عهد النبوة، لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة\" شرح المختصر \"٢/ ٣٣٠-٣٣١\".\n١ أخرجه مسلم: كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، والترمذي: كتاب الطلاق، باب ما جاء في المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى، وأحمد في المسند \"٦/ ٤١٥\" عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعل لي رسول الله -ﷺ- سكنى ولا نفقة، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله ﷿ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [سورة الطلاق: ١] .","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>فصل: [الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به]</span>\nفأما الإجماع: فلا ينسخ:\nلأنه لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص، والنسخ لا يكون إلا بنص.\nولا ينسخ بالإجماع:\nلأن النسخ إنما يكون لنص، والإجماع لا ينعقد على خلافه، لكونه معصومًا عن الخطأ، وهذا يفضي إلى إجماعهم على الخطأ٢.\n_________\n١ ما قاله المصنف من أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق الذي ينبغي عدم التعويل على غيره، وقد نقل الآمدي عن بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان من الحنفية أنهم أجازوا النسخ بالإجماع، كما نقل عن بعض العلماء القول بنسخ الحكم الثابت بالإجماع. انظر الإحكام \"٣/ ١٦٠-١٦١\".\n٢ خلاصة الاستدلال على أن الإجماع لا ينسخ: أن النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، فيلزم من ذلك: أن حكم الإجماع لا ينسخ، لأن النسخ لا يكون إلا بنص.\nوأما الاستدلال على أن الإجماع لا ينسخ به: فلأن الإجماع لو كان ناسخًا، لكان دليل الحكم المنسوخ إما نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا، فإن كان نصًّا، فالإجماع الناسخ لا بد له من مستند، وإلا كان خطأ، وذلك المستند هو الناسخ، لا نفس الإجماع.\nوإن كان دليل الحكم المنسوخ إجماعًا، فلو نسخ بالإجماع، لزم تعارض الإجماعين، فأحدهما باطل، فلا نسخ.\nوإن كان دليل الحكم المنسوخ قياسًا، فهو إما غير صحيح، فلا عبرة به، فلا نسخ، وإن كان صحيحًا، فالإجماع الناسخ، إن استند إلى نص، فالنص هو =","vol":"1","page":265},{"text":"فإن قيل:\nفيجوز أن يكونوا ظفروا بنص كان خفيًّا هو أقوى من النص الأول، أو ناسخ له.\nقلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذي أجمعوا عليه لا إلى الإجماع.\n_________\n= الناسخ، والإجماع دل عليه كما سبق.\nانظر: الإحكام للآمدي \"٣/ ١٦١\" وشرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٣١-٣٣٢\".","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>فصل: [في نسخ القياس والنسخ به]</span>\nما ثبت بالقياس:\nإن كان منصوصًا على علته: فهو كالنص، ينسخ وينسخ به. وما لم يكن منصوصًا على علته: فلا ينسخ، ولا ينسخ به، على اختلاف مراتبه.\nوشذت طائفة فقالت: ما جاز التخصيص به: جاز النسخ به.\nوهو منقوض بدليل العقل، وبالإجماع، وبخبر الواحد.\nوالتخصيص بجميع ذلك جائز دون النسخ فكيف يتساويان؟\nوالتخصيص بيان، والنسخ رفع، والبيان تقرير، والرفع إبطال.\n_________\n١ المصنف اختصر الكلام في هذه المسألة ولم يبين مذاهب العلماء فيها، والذي في المستصفى \"٢/ ١٠٩\": \"لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد، على اختلاف مراتبه، جليًّا كان أو خفيًّا. هذا ما قطع به الجمهور.","vol":"1","page":266},{"text":".................................................\n_________\n= إلا شذوذ منهم قالوا: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به وهو منقوض.... الخ\".\nثم قال: وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز النسخ بالقياس الجلي، ونحن نقول: لفظ الجلي مبهم، فإن أرادوا المقطوع به، فهو صحيح. وأما المظنون فلا\" ا. هـ.\nوقد وضح الطوفي وجه عدم جواز النسخ فقال:\n\"الحكم الثابت بالقياس: إما أن يكون منصوص العلة، أو لا.\nكالنص، ينسخ وينسخ به، أي: يكون ناسخًا ومنسوخًا، كما أن النص كذلك؛ لأن القياس لا بد وأن يستند إلى نص، فإذا كانت علة القياس منصوصًا عليها في ذلك النص، صار حكم القياس منصوصًا عليه بواسطة القياس، فيكون نصًّا يصح أن يكون ناسخًا ومنسوخًا.\nمثال ذلك: لو قال الشارع: حَرَّمْت الخمر المتخذ من العنب؛ لكونه مسكرًا فإذا قسنا عليه نبيذ التمر المسكر في التحريم، كان تحريم هذا النبيذ حكمًا منصوصًا على علته، حتى كأنه قال: حرّمت نبييذ التمر المسكر، فلو فرض أن الشرع قال: أبحت نبيذ الذرة المسكر، جاز أن يكون تحريم نبيذ التمر المسكر، المستفاد من القياس، ناسخًا لذلك، إذا ثبت تأخره عن إباحة نبيذ الذرة، ومنسوخًا بإباحة نبيذ الذرة إذا ثبت تقدم تحريم نبيذ التمر، وذلك لأن تحريم نبيذ التمر، وإباحة نبيذ الذرة حكمان متضادان مع اتحاد علتهما، وهي الإسكار، فكان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، كما لو قال: أبحت الخمر، ثم قال: حرمتها، أو بالعكس.\nوأما إن لم يكن الحكم الثابت بالقياس منصوصًا على علته، لم يجز أن يكون ناسخًا ولا منسوخًا، لأن العلة إذا لم تكن منصوصة، فهي مستنبطة، واستنباطها هو باجتهاد المجتهد، واجتهاد المجتهد عرضة للخطأ، فلا يقوى على رفع الحكم الشرعي، بخلاف النص على العلة، فإنه حكم الشارع المعصوم من الخطأ، فهو يقوى على ذلك. =","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>فصل: [في نسخ التنبيه والنسخ به]</span>\nوالتنبيه ينسخ، وينسخ به١.\n_________\n= فإذا قسنا الذرة على البر والشعير، في تحريم التفاصل، بجامع الكيل، بناء على أنه العلة فيهما، ثم قال الشارع: أبحت التفاضل في السمسم، لم يجز لنا أن نجعل الإباحة في السمسم ناسخة للتحريم في الذرة ولا التحريم في الذرة ناسخًا للإباحة في السمسم؛ لأن النسخ لا بد فيه من تضاد الناسخ والمنسوخ، ونحن لا نعلم أن إباحة التفاضل في السمسم، وتحريمها في الذرة متضادان، لجواز عدم اختلاف العلة فيهما، أو كون الحكم في أحدهما، أو في البر والشعير غير معلل، فينتفي التضاد، فينتفي النسخ\" ثم بين بطلان قياس النسخ على التخصيص فقال:\n\"إن النسخ إبطال للحكم؛ لأنه رفع له، والتخصيص تقرير وبيان له، لأنه عبارة عن بيان المراد من اللفظ، فإذا بان المراد منه، واستقر الحكم عليه، ورفع الحكم وتقريره متناقضان، فيمتنع استواؤهما، حتى يقال: إن ما جاز التخصيص به، جاز النسخ به، لأن ذلك يصير كقولنا: ما جاز أن يبين الحكم ويقرره، جاز أن يرفعه ويبطله، وهو باطل؛ لأنه ترتيب لحكمين متناقضين على علة واحدة\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٣٣-٣٣٥\".\n١ المقصود بالتنبيه هنا: مفهوم الموافقة؛ لأن اللفظ إما أن يدل على الحكم بمنطوقه، وإما أن يدل عليه بمفهومه، وتسمى دلالة المفهوم.\nوالمفهوم: إما أن يكون حكمه موافقًا لحكم المنطوق، ويسمى بمفهوم الموافقة، أو فحوى الخطاب، أو تنبيه الخطاب.\nوأن كان حكمه مخالفًا لحكم المنطوق، سمي بمفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب، أو لحن الخطاب.\nوقد اتفق الأصوليون على جواز نسخ حكم المنطوق والمفهوم الموافق دفعة واحدة، لما بينهما من التلازم.\nلكن اختلفوا في نسخ أحدهما مع بقاء الآخر على أربعة أقوال: =","vol":"1","page":268},{"text":"لأنه يفهم من اللفظ، فهو كالمنطوق وأوضح منه.\nومنع منه بعض الشافعية وقالوا: هو قياس جلي.\nوليس بصحيح؛ وإنما هو مفهوم الخطاب.\nولأنه يجري مجرى النطق في الدلالة، فلا يضر تسميته قياسًا.\nوإذا نسخ الحكم في المنطوق: بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه.\nوأنكر ذلك بعض الحنفية؛ لأنه نسخ بالقياس١.\n_________\n= الأول: لا يجوز نسخ أحدهما بدون نسخ الآخر، فلا ينسخ المنطوق ويبقى المفهوم، ولا ينسخ المفهوم، ويبقى المنطوق، بل نسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر.\nالقول الثاني: أنه يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر.\nالقول الثالث: أن نسخ المفهوم يستلزم نسخ المنطوق، وأما نسخ المنطوق فلا يستلزم نسخ المفهوم، وهو مختار ابن الحاجب.\nالقول الرابع: إن جعل مفهوم الموافقة من باب القياس الجلي، كان نسخ أصله نسخًا له، وإن جعل من باب الدلالة اللفظية، فلا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، بل يجوز نسخ المنطوق وبقاء المفهوم، كما يجوز نسخ المفهوم وبقاء المنطوق.\nوهو مختار الآمدي.\nانظر: مختصر ابن الحاجب ص١١٩، الإحكام للآمدي \"٣/ ١٥٢\" تيسير التحرير \"٣/ ٢١٥\".\nوقول المصنف: \"ومنع منه بعض الشافعية الخ\": هو مبني على الخلاف في التنبيه، أو مفهوم الموافقة، هل هو قياس جلي، كما يقول الشافعية، أو دلالته لفظية.\n١ المصنف يرجح أن نسخ الحكم الثابت بالمنطوق نسخ للمفهوم، ثم نقل عن =","vol":"1","page":269},{"text":"وليس بصحيح؛ لأن هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل: سقط حكم الفرع.\n_________\n= بعض الحنفية أنهم خالفوا في ذلك، وقالوا: يختص النسخ بالمنطوق وحده، وما خرج عن محل النطق فهو حكم مستقل لا يلزم من نسخه نسخه.\nورد عليهم المصنف: بأنه إذا سقط حكم الأصل، سقط حكم الفرع، لأنه تابع له.\nقال الطوفي.\n\"معنى هذا الكلام: أن المنطوق -وهو مدلول اللفظ بالمطابقة أو التضمن- إذا نسخ، بطل حكم ما تفرع عليه من مفهومه، ومعلوله، ودليل خطابه، لأنها توابع له، وإذا بطل المتبوع، بطل التابع، وإذا انتفى الأصل، انتفى فرعه\" شرح المختصر \"٢/ ٣٣٧\".","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>فصل: فيما يعرف به النسخ</span>\nاعلم أن ذلك لا يعرف بدليل العقل، ولا بقياس: بل بمجرد النقل، وذلك من طرق١:\nأحدها: أن يكون في اللفظ: كقوله -ﷺ-: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور\" ٢، \"كنت\n_________\n١ معنى ذلك: أن النسخ إما رفع للحكم الشرعي المتأخر، أو بيان مدة انتهائه وكلاهما لا طريق للعقل إلى معرفته، ولو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل، لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام ابتداء بدون النقل، وليس كذلك.\nوإذا ثبت أن العقل لا مجال له في معرفة الناسخ، فلم يبق إلا النقل، وله طرق كثيرة، سيأتي ذكرها.\n٢ هذا جزء من حديث روي عن بريدة -﵁- بلفظ: \"كنت نهتيكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة\" أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -ﷺ- ربه ﷿ في زيارة =","vol":"1","page":270},{"text":"رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا بها\"١.\nالثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه فيقول: سمعت عام الفتح، ويكون المنسوخ معلومًا بقدمه.\nالثالث: أن تجمع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ وأن ناسخه متأخر.\nالرابع: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: \"رخص لنا في المتعة فمكثنا ثلاثًا، ثم نهانا عنها\"٢.\n_________\n= قبر أمه حديث \"٩٧٧\" وأبو داود: كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور والترمذي: كتاب الجنائز، باب الرخصة في زيارة القبور، وقال: حديث حسن صحيح.\nكما أخرجه الإمام أحمد في المسند \"٥/ ٣٥٠، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦١\" بلفظ \"نهيتكم عن زيارة القبور فزورها\".\n١ هذا الحديث روي من عدة طرق: فقد أخرجه أبو داود: كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، والترمذي: كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، والنسائي: كتاب الفرع، باب ما يدبغ به جلود الميتة، وابن ماجه: كتاب اللباس، باب من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، وأحمد في المسند \"٤/ ٣١٠\".\nكما أخرجه البيهقي \"١/ ٢٥، ٢٦\" والطحاوي \"١/ ٤٦٨\" عن عبد الله بن عكيم قال: حدثني أشياخ جهينة قالوا أتانا كتاب من رسول الله -صلى الله عيله وسلم- أو قرئ إلينا كتاب رسول الله -ﷺ-: \"أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء\".\nوللحديث -كما قلت- روايات عدة تراجع في: نصب الراية \"١/ ١٢٠ وما بعدها\" وتلخيص الحبير \"١/ ٤٦ وما بعدها\".\n٢ تقدم تخريج حديث المتعة قريبًا، وهذه الرواية \"رخص لنا ... \" أخرجها مسلم حديث \"١٤٠٥\" من حديث سلمة بن الأكوع، قال: \"رخص رسول الله -ﷺ- عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها\".","vol":"1","page":271},{"text":"الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي -ﷺ- والآخر لم يصحب النبي -ﷺ- إلا في أول الإسلام.\nكرواية طلق بن علي الحنفي١، وأبي هريرة٢ في الوضوء من مس الفرج والله تعالى أعلم.\n_________\n١ هو: طلق بن علي بن طلق بن عمرو السحيمي الحنفي اليمامي، صحابي جليل روى عنه ابنه قيس، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان.\nانظر في ترجمته: \"الاستعياب ٢/ ٧٧٦\".\nروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"..... هل هو إلا بضعة منك\".\nأخرجه عنه أبو داود: كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، أي: في ترك الوضوء من مس الذكر.\nكما أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر وقال فيه: \"هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب\"، والنسائي كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك.\nكذلك أخرجه ابن ماجه، والبيهقي، وأحمد في المسند، والدارقطني وغيرهم.\nوقد ضعف الحديث الإمام الشافعي، والبيهقي، وأبو حاتم، والدارقطني، وابن الجوزي. انظر: تلخيص الحبير \"١/ ١٢٥\" والفتح الرباني \"٢/ ٨٨ وما بعدها\".\n٢ هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله -ﷺ- قدم المدينة سنة سبع وأسلم، وشهد خيبر، وكني بأبي هريرة، لأنه وجد هرة فحملها في كمه، ولزم رسول الله -ﷺ- رغبة في العلم وطلب الحديث، حتى دعا له -ﷺ- بالحفظ، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل، توفي بالمدينة سنة ٥٧هـ. انظر: الاستيعاب \"٤/ ٢٠٢\"، الإصابة \"٤/ ٢٠٢\".\nوقد روى أبو هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"ومن أفضى بيده إلى ذكره، ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء\". =","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الباب الرابع: الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي -ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>مدخل</span>\n...\nالأصل الثاني من الأدلة سنة النبي -ﷺ١\nوقول رسول الله -ﷺ- حجة؛ لدلالة المعجز على صدقه، وأمر الله -سبحانه- بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره.\n_________\n= رواه الإمام أحمد في مسنده \"٢/ ٨٨\" والشافعي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في نواقض الوضوء، والدارقطني: كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر، والبيهقي: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر بلفظ \"من مس ذكره فليتوضأ\"، والحاكم في المستدرك: كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر وقال: \"حديث صحيح\".\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه وقال: \"هذا حديث صحيح سنده، وعدول نقلته\".\nوذكر الزيلعي في نصب الراية \"١/ ٥٦\" أن البيهقي أخرجه من طريق البخاري موقوفًا على أبي هريرة، كما نقل ذلك عن الذهبي في مختصره.\nوللعلماء في ترجيح أحد الحديثين على الآخر، أو نسخ حديث أبي هريرة لحديث طلق خلاف طويل.\nقال أبو يعلى في العدة \"٣/ ٨٣٣\": \"وكان خبر أبي هريرة متأخرًا، لأن أبا هريرة أسلم بعد وفاة طلق بن علي، وقبل وفاة النبي -ﷺ- بأربع سنين\".\nوقال الطوفي -تعقيبًا على حديث \"هل هو إلا بضعة منك\"- قال: \"فإن في بعض ألفاظه: \"جئت وهم يؤسسون المسجد\" وكان ذلك أول الإسلام، وحديث أبي هريرة وبسرة وأم حبيبة في نقض الوضوء بمس الذكر بعد ذلك، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام أسلم سنة سبع، وبناء المسجد كان في أول السنة الأولى من الهجرة\". شرح المختصر \"٢/ ٣٤٣، ٣٤٤\".\n١ لم يذكر المصنف تعريف السنة في اللغة ولا في الاصطلاح، كعادة علماء الأصول، وسوف نذكر ذلك بإيجاز ونحيل القارئ إلى المصادر التي استوفت ذلك:\nفالسنة في اللغة: الطريقة والسيرة المستمرة، سواء أكانت حسنة أم سيئة. قال =","vol":"1","page":273},{"text":"................................................................\n_________\n= الله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] .\nوروى مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة -والترمذي وحسنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا\".\nوخصها بعض العلماء بالطريقة الحسنة دون غيرها. انظر: \"لسان العرب جـ١٤ ص٢٢٥، تهذيب اللغة جـ٤ ص٢٩٨\".\nوأما في الاصطلاح: فلها تعريف عام، وتعريفات خاصة، بحسب اصطلاح أهل كل فن أو علم من العلوم:\nفهي في الاصطلاح العام: تطلق على كل ما نقل عن رسول الله -ﷺ- أو عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم. وهو ما جاء في قوله -ﷺ-: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ\".\nأخرجه أبو داود حديث رقم \"٤٦٠٧\" والترمذي: باب الأخذ بالسنة، وابن ماجه \"١/ ١٥-١٦\".\nوهي بهذا المعنى تقابل البدعة.\nوأما تعريفها في الاصطلاحات الخاصة، فإنها تختلف باختلاف اصطلاح أهل كل فن:\nفالسنة عند المحدثين: هي ما نقل عن رسول الله -ﷺ- من أقوال وأفعال وتقريرات، وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها.\nوعند الفقهاء: هي ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو ما في فعلها ثواب، وليس في تركها عقاب، باعتبار أن الفقهاء يبحثون عن حكم أفعال العباد، من الوجوب والندب، والإباحة والحرمة والكراهة إلى آخر صفات أفعال العباد.\nأما علماء الأصول فقد عرفوا السنة بتعريف يتفق مع طبيعة منهجهم من =","vol":"1","page":274},{"text":"وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاهًا، فأما من بلغه بالإخبار عنه: فينقسم في حقه قسمين: تواترًا وآحادًا١.\n_________\n= البحث في الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها -على وجه الإجمال- ولذلك قالوا في تعريفها: هي ما نقل عن رسول الله -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير، وزاد بعضهم جملة \"مما ليس بقرآن\" وقال بعضهم: \"تطلق السنة على ما صدر من النبي -ﷺ- من الأفعال والأقوال التي ليست للإعجاز\".\nوأدخلوا التقريرات في الأفعال، باعتبار أن التقرير عبارة عن الكف عن الإنكار، والكف فعل، فكان التقرير داخلًا في الأفعال.\nانظر: في ذلك: الإبهاج للسبكي \"٢/ ١٧٠\" نهاية السول \"٢/ ١٧٠\" الإحكام للآمدي \"١/ ١٦٩\" شرح الكوكب المنير \"٢/ ١٦٠\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦٢٣\" وما بعدها إرشاد الفحول ص \"١/ ١٥٥\"، الحدود للباجي ص٥٦.\n١ خلاصة هذا الكلام: أن المصنف أراد أن يستدل على أن السنة حجة من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن المعجز دل على صدقه -﵊- وكل من دل المعجز على صدقه فهو صادق، فهو -ﷺ- صادق، وكل صادق قوله حجة، فقوله -﵊- حجة.\nوالوجه الثاني: أن الله -تعالى- أمر بتصديقه، وكل من أمر الله بتصديقه كان قوله حجة.\nأما أن الله -تعالى- أمر بتصديقه -﵊- فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ [النساء: ١٣٦] أي: صدقوا؛ لأن الإيمان هو التصديق، ولا معنى للتصديق بالرسول -ﷺ- إلا اعتقاد صدقه، وقبول ما جاء به.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] والمتابعة فرع على التصديق، وملزوم له، والأمر بالفرع والملزوم أمر بالأصل واللازم.\nأما أن كان من أمر الله -تعالى- بتصديقه يكون له قوله حجة؛ فلأن تصديقه إياه يقتضي أن قوله حق وصدق، والحق والصدق حجة. =","vol":"1","page":275},{"text":"............................................................\n_________\nالوجه الثالث: أن الله -تعالى- حذر من مخالفة النبي -ﷺ- بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وكل من حذر الله -﷾- من مخالفته وجبت موافقته ومتابعته؛ لأن المخالفة سبب لنزول العذاب، وسبب العذاب -وهو المخالفة- حرام، وترك الحرام واجب، فترك المخالفة واجب، وترك المخالفة يستلزم المتابعة والموافقة، فتكون واجبة، وهذا هو المطلوب. انظر: شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٦٦، ٦٧.\nهذا معنى ما قاله ابن قدامة.\nوهذه الوجوه الثلاثة ذكرها الغزالي في المستصفى، ما عدا الوجه الثالث فلم يذكره، ولكنه قال: \"ولأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى\" لكن بعض الوحي يتلى، فيسمى \"كتابًا\" وبعضه لا يتلى وهو \"السنة\" المستصفى جـ٢ ص١٢٠ تحقيق الدكتور حمزة بن زهير حافظ.\nوالواقع أن ما ذكره الغزالي أورده بعض العلماء في الاستدلال على حجية السنة، وما ذكره \"ابن قدامة\" وارد أيضًا، وهناك آيات أخرى كثيرة في الدلالة على حجية السنة، من أوضحها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .\nقال ابن كثير: \"أطيعوا الله: أي اتبعوا كتابه، وأطيعوا الرسول: أي خذوا بسنته، وأولي الأمر منكم: أي فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\" تفسير القرآن العظيم \"١/ ٥١٨\".\nوقال ميمون بن مهران: \"الرد إلى الله: هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول: هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته\" جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٩٠\".\nوكما دل القرآن الكريم على حجية السنة، فقد دلت السنة نفسها على أن سنة الرسول -ﷺ- حجة يجب الالتزام بما جاءت به من أحكام، والأحاديث الواردة في هذا الشأن كثيرة، منها:\n١- عن مالك -﵁- أنه بلغه أن النبي -ﷺ قال: \"تركت فيكم =","vol":"1","page":276},{"text":".........................................................\n_________\n= أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله تعالى وسنة رسوله\".\n٢- روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -﵁- كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى\" قالوا: ومن يأب يا رسول الله؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى\".\n٣- عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع..\" الحديث.\nرواه أحمد في مسنده \"٤/ ١٣٠-١٣١\" وأبو داود في سننه حديث \"٤٦٠٤\" ورواه الترمذي بلفظ \"ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله -ﷺ- كما حرم الله\" انظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي ص١١.\nكذلك دل الإجماع على حجيّة السنة، منذ عصر الصحابة -﵃- والتابعين، والأئمة المجتهدين، وإلى يومنا هذا، لم يشذ عن ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام.\nفقد كان الصحابة -﵃- إذا عرضت عليهم مسألة بحثوا عن حكمها في كتاب الله تعالى، فإذا لم يجدوا حكمها في القرآن بحثوا عنها في السنة، هكذا كانت سياسة الخليفة الأول: أبي بكر الصديق -﵁- وكذلك عمر بن الخطاب، ومن جاء بعدهما من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين.\nروى الدارمي عن ميمون بن مهران قال: \"كان \"أبو بكر\" ‘إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضي به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر: هل كانت من النبي -ﷺ- فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا ... فنظرت في =","vol":"1","page":277},{"text":".........................................................................\n_________\n= كتاب الله، وفي سنة رسول الله -ﷺ- فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي -ﷺ- قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله -ﷺ- ويقول -عند ذلك-: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا.\nوإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به\".\nوكتب \"عمر\" -﵁- إلى \"شريح\" لما ولاه قضاء الكوفة كتابًا قال له فيه:\n\"انظر ما تبين لك من كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك فاتبع فيه سنة رسوله -ﷺ- وما لم يتبين لك من السنة فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح\" انظر: إعلام الموقعين جـ١ ص٨٤ وما بعدها.\nوهكذا كان التابعين -﵃- والأئمة المجتهدون، يرجعون إلى السنة النبوية بعد القرآن الكريم، بل كانوا يرجعون إلى السنة لبيان ما جاء به القرآن مجملًا، باعتبارها الشارحة والمفسرة للقرآن الكريم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\".... وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين -عند الأمة قبولًا عامًّا- يتعمد مخالفة رسول الله -ﷺ- في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًا على وجوب اتباع الرسول -ﷺ- وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله -ﷺ- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه\" رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص٣-٤.\nوالمراد بالمعجز: القرآن الكريم، حيث عجز العرب جميعًا عن أن يأتوا بمثله، أو بمثل أقل سورة منه، بل عجز الإنس والجن جميعًا عن الإتيان بمثله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .\nوفي بعض النسخ المطبوعة \"المعجزة\" وهي أعم من أن تكون قرآنًا أو غيره، =","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>فصل: في ألفاظ الرواية</span>\n...\nفصل: [ألفاظ الرواية]\nوألفاظ الرواية في نقل الأخبار خمسة١:\nفأقواها: أن يقول سمعت رسول الله -ﷺ-[يقول كذا]، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني.\nفهذا لا يتطرق إليه الاحتمال، وهو الأصل في أمر الرواية، قال -ﷺ-: \"نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها\" ٢ الحديث.\n_________\n= فمعجزات الرسول -ﷺ- كثيرة، منها المعنوية، ومنها الحسيّة، وكلها تدل على صدق رسول الله -ﷺ- في كل ما أمر بتبليغه عن الله -﷿- وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] .\nوقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣-٥] .\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] .\nإلى غير ذلك من الآيات الصريحة في صدق رسول الله -ﷺ- وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة كما أمره ربه جل وعلا.\nوقول المصنف: \"وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاها ... \" معناه: أن قول الرسول -ﷺ- إن كان مسموعًا منه مباشرة بدون واسطة، فهو حجة قاطعة على من سمعه منه، لا يسوغ مخالفته بوجه من الوجوه، إلا بنسخ، أو جمع بين متعارضين بتأويل صحيح.\nوإن كان منقولًا بواسطة، فهو ينقسم إلى قسمين: متواتر وآحاد، ولكل منهما حكم خاص سيأتي قريبًا.\n١ هذه المراتب خاصة بالصحابة -﵃- وقد صرح بذلك الغزالي في المستصفى.\n٢ للحديث عدة طرق: فأخرجه من حديث زيد بن ثابت، أحمد في مسنده =","vol":"1","page":279},{"text":"الرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله -ﷺ- كذا، فهذه ظاهرة النقل١، وليس نصًّا صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد سمعه من غيره عنه، كما روى أبو هريرة أنه -ﷺ- قال: \"من أصبح جنبًا فلا صوم له\"٢. فلما استكشف قال: حدثني الفضل بن عباس٣.\n_________\n= \"٥/ ١٨٣\" وأبو داود \"٣٦٤٣\" والترمذي \"٢٧٩٤\" وابن ماجه \"٢٣٠\" والطبراني في الكبير \"٤٨٩١\" وابن حبان وصححه حديث \"٧٢، ٧٣\".\nكما أخرجه من حديث عبد الله بن مسعود، أحمد، والترمذي \"٢٦٥٧\" وابن ماجه \"١/ ٨٥\" والشافعي في الرسالة ص٤١١، وفي المسند \"١/ ١٤\" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله \"١/ ٤٠\"، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص٣٢٢، وابن حبان \"١/ ٢٢٧\" وغيرهم.\n١ قوله: \"فهذا ظاهره النقل\" أي: إذا صدر ذلك من الصحابي لم يكن صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد قال ذلك اعتمادًا على ما بلغه عن طريق التواتر، أو على لسان من يثق به.\n٢ حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك وابن ماجه. انظر: فتح الباري \"٤/ ١٤٣\"، صحيح البخاري حاشية السندي \"١/ ٣٢٩\" ومسلم مع شرح النووي \"٢/ ٧٧٩\" مسند الإمام أحمد \"٦/ ٨٤\" الموطأ \"١/ ٢٩٠\"، سنن ابن ماجه \"٦/ ٨٤\".\nوقد روت عائشة وأم سلمة -﵄- \"أن النبي -ﷺ- كان يصبح جنبًا من غير احتلام في رمضان، ثم يغتسل ويصوم ذلك اليوم\" أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب اغتسال الصائم، وأبو داود: كتاب الصوم، باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان حديث \"٢٣٨٨\" ومسلم: كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب حديث \"٧٨/ ١١٠٩\".\nفلما علم أبو هريرة بذلك قال: هما أعلم بذلك، وأن الحديث الذي رواه إنما نقله عن: الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله -ﷺ- كان رديف رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع، غزا مع رسول الله -ﷺ- في فتح مكة وثبت يوم حنين، توفي سنة ١٣هـ على بعض الأقوال.\nانظر: طبقات ابن سعد \"٤/ ٣٧\"، الأعلام \"٥/ ٣٥٥\".","vol":"1","page":280},{"text":"وروى ابن عباس قوله: \"إنما الربا في النسيئة\" ١. فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد٢.\nفهذا حكمه حكم القسم الذي قبله؛ لأن الظاهر أن الصحابي لا يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي -ﷺ-؛ لأن قوله ذلك يوهم السماع، فلا يقدم عليه إلا عن سماع، بخلاف غير الصحابي٣.\nولهذا اتفق السلف على قبول الأخبار، مع أن أكثرها هكذا٤.\n_________\n= قال الخطابي: فأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان محرمًا في أول الإسلام على الصائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله -تعالى- الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب، إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر المتقدم. انظر: \"معالم السنن للخطابي ٢/ ١١٥\".\n١ حديث صحيح أخرجه البخاري \"٣/ ٩٨\" بلفظ \"لا ربا إلا في النسيئة\" ومسلم: حديث رقم \"١٥٩٦\" من طريق أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلًا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى.\nفقلت له: إن ابن عباس يقول هذا. فقال: لقد لقيت ابن عباس فقلت له: أرأيت هذا الذي يقول، أشيء سمعته من رسول الله -ﷺ- أو وجدته في كتاب الله ﷿؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله -ﷺ- ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن النبي -ﷺ- قال: \"الربا في النسيئة\".\n٢ هو: أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، أبو زيد الكلبي، كان حب رسول الله -ﷺ- توفي في خلافة معاوية -﵁- سنة ٥٤هـ. \"الاستيعاب ١/ ٧٥، تهذيب الأسماء ١/ ١١٣\".\n٣ مقصوده من ذلك: أن قرينة حاله تدل على أنه لم يسمع من النبي -ﷺ- بخلاف الصحابي. هذا معنى كلامه، وفيه نظر: فإن الحديثين المتقدمين منقولان عن بعض الصحابة، ولم يسمعوا منه -ﷺ- ولذلك لا نسلم للمصنف جعل هذه الرتبة مثل السابقة، لهذا الاحتمال.\n٤ أي: أن أكثر الأخبار تروى هكذا: قال أبو بكر، قال عمر -﵄-.","vol":"1","page":281},{"text":"ولو قدّر أنه مرسل فمرسل الصحابة حجة على ما سيأتي.\nالرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي: أمر رسول الله -ﷺ- بكذا، أو نهى عن كذا. فيتطرق إليه احتمالان:\nأحدهما: في سماعه، كما في قوله: [قال] ١.\nوالثاني: في الأمر٢؛ إذ قد يرى ما ليس بأمر أمرًا؛ لاختلاف الناس فيه، حتى قال بعض أهل الظاهر: لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ٣.\nوالصحيح: أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم أنه أمر [بذلك] ٤.\nوأما احتمال الغلط: فلا يحمل عليه أمر الصحابة؛ إذ يجب حمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة مهما أمكن.\nولهذا لو قال: قال رسول الله -ﷺ- أو شرط شرطًا أو وقَّت وقتًا، فيلزمنا اتباعه٥.\n_________\n١ أي: الاحتمال الأول في سماعه شفاهًا أو بواسطة، كما في الرتبة الثانية، ولذلك نقلت لفظ \"قال\" من المستصفى لتوضيح المعنى.\n٢ الاحتمال الثاني: أن يظن ما ليس بأمر أمرًا وما ليس بنهي نهيًا. وهذا الاحتمال بعيد، فإن الصحابة -﵃- كانوا على دراية تامة بقواعد اللغة وأساليبها المختلفة، فلا يعقل أن يشتبه عليهم ذلك، وهم أهل الفصاحة والبيان.\n٣ هذا النقل عن أهل الظاهر فيه نظر، فلم أجده في كتبهم، فلا أدري من أين نقله المصنف. انظر: الإحكام لابن حزم \"٢/ ٢٠٥\" فليس فيه ما يشير إلى ذبلك.\n٤ ما بين القوسين من المستصفى.\n٥ قال الغزالي: \"ولا يجوز أن نقول: لعله غلط في فهم الشرط والتأقيت، ورأى ما ليس بشرط شرطًا\".","vol":"1","page":282},{"text":"ثم هذا إنما يستقيم أن لو كان الخلاف في الأمر مبنيًّا على اختلاف الصحابة فيه، ولم يثبت ذلك.\nوالظاهر: أنه لم يكن بينهم فيه اختلاف؛ إذ لو كان لنقل، كما نقل اختلافهم في الأحكام، وأقوالهم في الحلال والحرام.\nوليس من ضرورة الاختلاف في زماننا أن يكون مبنيًّا على اختلافهم، كما أنهم اختلفوا في الأصول، وفي كثير من الفروع، مع عدم اختلاف الصحابة فيه، فإذا قال الصحابي: أمر رسول الله -ﷺ- أو نهى، لا يكون إلا بعد سماعه ما هو أمر حقيقة١.\nالرتبة الرابعة: أن يقول: \"أُمرنا بكذا\" أو \"نُهينا\" [عن كذا] فيتطرق إليه من الاحتمالات ما مضى٣.\n_________\n١ قال الغزالي في المستصفى \"٢/ ١٢٥-١٢٦\" تحقيق الدكتور حمزة حافظ: \"ويتطرق إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه، حتى ظن قوم: أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة.\nوالصحيح: أن من يقول بصيغة العموم -أيضًا- ينبغي أن يتوقف في هذا؛ إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمرًا للأمة، أو لطائفة، أو لشخص بعينه، وكل ذلك يبيح له أن يقول: \"أمر\" فيتوقف فيه على الدليل.\nلكن يدل عليه: أن أمره للواحد أمر للجماعة، إلا إذا كان لوصف يخصه، من سفر أو حضر، ولو كان كذلك لصرح به الصحابي، كقوله: \"أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن\".\nنعم، لو قال: أمرنا بكذا\" وعلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة، حمل عليه، وإلا احتمل أن يكون أمرًا للأمة أو له، أو لطائفة\".\nوسيأتي لذلك توضيح أكثر في باب العموم.\n٢ ما بين القوسين من المستصفى.\n٣ أي: احتمال أنه سمعه بواسطة، واحتمال اعتقاد ما ليس بأمر أمرًا، وما ليس =","vol":"1","page":283},{"text":"واحتمال آخر: وهو أن يكون الآمر غير النبي -ﷺ- من الأئمة والعلماء.\nوذهبت طائفة إلى أنه لا يحتج به، لهذا الاحتمال١.\nوذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله -تعالى- وأمر رسوله -ﷺ-؛ لأنه يريد به إثبات شرع، وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا يحتج بقوله.\nوفي معناه: قوله\" \"من السنة كذا\" و\"السنة جارية بكذا\".\nفالظاهر: أنه لا يريد إلا سنة رسول الله -ﷺ- دون سنة غيره، ممن لا تجب طاعته.\nولا فرق بين قول الصحابي ذلك في حياة النبي -ﷺ- أو بعد موته.\nوقول الصحابي والتابعي٢ والصحابي في ذلك سواء، إلا أن الاحتمال في قول التابعي أظهر٣.\n_________\n= بنهي نهيًا، واحتمال أن يكون الآمر غير النبي -ﷺ- والذي أشار إليه بقوله: \"واحتمال آخر....\".\n١ أي: كون الآمر غير النبي -ﷺ-.\n٢ أي قوله: \"أمرنا وبكذا، أو نهينا عن كذا\".\n٣ في جميع النسخ المطبوعة \"إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر\" ما عدا النسخة التي حققها الدكتور: عبد العزيز بن عبد الرحمن السعيد -يحفظه الله- ففيها \"التابعي\" وهو الموافق لما في المستصفى \"٢/ ١٢٧\" حيث قال: \"ولا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله -ﷺ- أو بعد وفاته\".\nأما التابعي إذا قال: \"أُمرنا\" احتمل أمر رسول الله -ﷺ- وأمر الأمة بأجمعها، والحجة حاصلة به، ويحتمل أمر الصحابة.\nلكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته، ولكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قوله الصحابي\".","vol":"1","page":284},{"text":"الرتبة الخامسة: أن يقول: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون [كذا] فمتى أضيف [ذلك] إلى زمن رسول الله -ﷺ- فهو دليل على جوازه؛ لأن ذكره ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه النبي -ﷺ- فسكت عنه؛ ليكون دليلًا [على الجواز] مثل قول ابن عمر -﵄-: \"كنا نفاضل على عهد رسول الله -ﷺ- فنقول: [خير الناس بعد رسول الله ﷺ] ١ أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله -ﷺ- فلا ينكره\"٢.\nوقال: \"كنا نخابر [على عهد رسول الله ﷺ وبعده] ٣ أربعين سنة [حتى روى لنا رافع بن خديج٤\" الحديث] ٥.\n_________\n١ ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.\n٢ حديث صحيح رواه البخاري، غير أنه لم يرد فيه \"فيبلغ ذلك رسول الله -ﷺ- فلا ينكره\" راجع: صحيح البخاري مع حاشية السندي \"٢/ ٣٨٩\".\n٣ ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.\n٤ هو: أبو عبد الله: رافع بن خديج الأوسي الحارثي، عُرض على النبي -ﷺ- يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، استوطن المدينة وكان عريف قومه فيها حتى توفي سنة ٧٤هـ. \"الإصابة ٢/ ٤٩٥\".\n٥ ما بين القوسين من المستصفى، وهو موافق لما في كتب السنة.\nوالمخابرة: المزراعة على نصيب معين مما تخرجه الأرض، كالثلث والربع، وقيل: هي من الخبار، وهي الأرض اللينة، وقيل: مأخوذة من \"خيبر\" لأن النبي -ﷺ- أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم، أي عاملهم في خيبر.\nوحديث المخابرة رواه أحمد في المسند \"١/ ٢٣٤، ٢/ ١١\" والنسائي \"٧/ ٤٨\" وابن ماجه \"٢٤٥٠\" بلفظ \"كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا\".\nوعند البخاري حديث \"٢٣٤٣\" ومسلم \"١٥٤٧/ ١٠٩\" \"أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله -ﷺ- وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، =","vol":"1","page":285},{"text":"وقالت عائشة -﵂-: \"كانوا لا يقطعون في الشيء التافه\"١.\nفإن قال الصحابي: كانوا يفعلون: فقال أبو الخطاب: يكون نقلًا للإجماع؛ لتناول اللفظ إياه٢.\nوقال بعض أصحاب الشافعي: لا يدل ذلك على فعل الجميع، ما لم يصرح بنقله عن أهل الإجماع٣.\nقال أبو الخطاب: وإذا قال الصحابي \"هذا الخبر منسوخ\" وجب قبول قوله، ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره.\n_________\n= وصدرًا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي -ﷺ-\".\nوحديث النهي عن المخابرة أخرجه الشافعي في المسند \"٢/ ١٦٩\"، ومسلم في البيوع حديث رقم \"١٥٣٦\" وأبو داود عن جابر -﵁- \"أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المخابرة والمحاقل والمزابنة\" والمخابرة تقدم معناها. والمحاقلة: كراء الأرض بالطعام، والمزابنة: شراء التمر بالتمر في رءوس النخل.\n١ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف \"٩/ ٤٧٦\" من طريق عبد الرحيم بن سليمان الكناني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂- قالت: \"لم يكن يقطع على عهد رسول الله -ﷺ- في الشيء التافه\" وإسناده صحيح كما قال الزيلعي في نصب الراية \"٣/ ٣٦٠\".\n٢ انظر: التمهيد \"٣/ ١٨٤\".\n٣ انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي جـ٢ ص٨٩.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>فصل: [في حد الخبر وأقسامه]</span>\nوحد الخبر: هو الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب١.\nوهو قسمان: تواتر وآحاد٢.\n_________\n١ أي: ما صح أن يقال في جوابه: صدق أو كذب، فيخرج بذلك الإنشاء، من الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والدعاء، فلا يصح أن يقال في جواب شيء من ذلك: صدق أو كذب.\nقال الغزالي في المستصفى \"٢/ ١٣١\": \" ... وهو أولى من قولهم: \"يدخله الصدق والكذب\" إذ الخبر الواحد لا يدخله كلاهما، بل كلام الله -تعالى- لا يدخله الكذب أصلًا، والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلًا\".\n٢ التواتر في اللغة: التتابع، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] أصلها: وترا، أبدلت الواو تاء.\nواصطلاحًا: إخبار قوم يمتنع تواطؤهم على الكذب لكثرتهم.\nوالآحاد: جمع أحد، كأبطال جمع بطل، وهمزة أحد مبدلة من الواو، وأصل آحاد: أأحاد، بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا للتخفيف.\nأما في الاصطلاح: فله تعريفات كثيرة، وجمهور الأصوليين يعرفونه: بأنه ما عدا المتواتر.\nوقال الطوفي في شرح مختصر الروضة \"٢/ ١٠٣\": \"الثاني: الآحاد، وهو ما عدم شروط التواتر أو بعضها\".\nوخبر الآحاد -عند الجمهور- ينقسم إلى عدة أقسام: منها: خبر الواحد، ومنها: الخبر المستفيض، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة أو على واحد، أو على اثنين -على خلاف في ذلك- ومنها: المشهور: وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث: وكان رواته في الطبقة الأولى واحدًا أو أكثر.\nوقسم القرافي الأخبار إلى متواتر وآحاد، وما ليس بمتواتر ولا آحاد.\nوجمهور الحنفية يقسمون السنة إلى ثلاثة أقسام: متواتر، ومشهور، وآحاد. =","vol":"1","page":287},{"text":"فالمتواتر يفيد العلم، ويجب تصديقه، وإن لم يدل عليه دليل آخر، وليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرده إلا المتواتر، وما عداه إنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه سوى نفس الخبر، خلافًا للسمنية١، فإنهم حصروا العلم في الحواس، وهو باطل، فإننا نعلم استحالة كون الألف أقل من الواحد، واستحالة اجتماع الضدين.\nبل حصرهم العلم في الحواس -على زعمهم- معلوم لهم، وليس مدركًا بالحواس، ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى \"بغداد\" \"وإن لم يدخلها\"٢ ولا نشك في وجود الأنبياء، بل في وجود الأئمة الأربعة ونحو ذلك.\n_________\n= انظر \"الكفاية للخطيب البغدادي ص١٦، شرح تنقيح الفصول ص٣٤٩ كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ٢/ ٣٦٠\".\n١ معنى ذلك: أنه يحصل العلم بالخبر المتواتر من نفس الخبر، دون أن ينضم إليه دليل آخر، بخلاف الأخبار الأخرى فإنها تحتاج إلى ما يقويها من قرائن وأدلة آخرى، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الفرق، فقالوا: يفيد الظن، ومنهم: الفرقة الضالة التي تسمى \"السمنية\" بضم السين وفتح الميم، حصروا مدارك العلم في الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.\nوالسمنية: فرقة من الفرق الضالة التي كانت تسكن الهند، وتعبد الأصنام؛ دهريون يقولون بتناسخ الأرواح، وسموا بذلك نسبة إلى اسم بلد تسمى \"سومنات\" أو نسبة إلى صنم كانوا يعبدونه يسمى \"سمن\" أو \"سوسان\" كانوا يعتقدون فيه أنه يحيي ويميت، كسره القائد الإسلامي، السلطان محمود الغزنوي، المجاهد العالم الفقيه، أحد كبار القادة المسلمين، كانت عاصمته \"غزنة\" بين خراسان والهند، وامتدت سلطنته من أقاصي الهند إلى نيسابور، توفي سنة \"٤٢١هـ\" ينظر في ترجمته: \"وفيات الأعيان ٢/ ٨٤، والأعلام ٨/ ٤٧، ٤٨\".\nوقد رد عليهم المصنف بعدة ردود واضحة لا تحتاج إلى شرح.\n٢ ما بين القوسين من المستصفى، وبه يستقيم الكلام، وهو محل الشاهد حيث إن =","vol":"1","page":288},{"text":"فإن قيل: لو كان معلوما -ضرورة- لما خالفناكم؟\nقلنا: إنما يخالف في هذا معاند يخالف بلسانه، مع معرفته فساد قوله، أو من في عقله خبط١.\nولا يصدر إنكار هذا من عدد كثير يستحيل عنادهم.\nثم لو تركنا ما علمناه لمخالفتكم لزمنا ترك المحسوسات، لمخالفة السوفسطائية٢.\n_________\n= العلم حصل بدون مشاهدة، وإلا لكان للمخالف أن يقول: إن العلم حصل بدخولها: فيكون ثابتًا بالحواس.\n١ الخبط: الاضطراب والفساد.\n٢ خلاصة ذلك الاعتراض والرد عليه: أنه لو أفاد التواتر العلم، لاشتركنا نحن وأنتم فيه بالضرورة -خصوصًا على رأي من يقول: إنه يفيد العلم الضروري، ولو اشتركنا جميعًا في حصول العلم الضروري من جهة التواتر لما خالفناكم فيه، لكنا خالفناكم ولم نشارككم في ذلك، ولما لم نشارككم في العلم التواتري دل على أنه لا يفيد الظن.\nوأجاب المصنف على ذلك: بأن مخالفتكم لنا عناد منكم ومكابرة، أو اضطراب في عقولكم، شأنكم في ذلك شأن من يخالف في المحسوسات لاضطراب عقله ومزاجه، أو مرض في حواسه، كالمريض الذي ينكر حلاوة العسل، كما قال الشاعر:\nقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد\nوينكر الفم طعم الماء من سقم\nثم لو تركنا ما علمناه لمخالفتكم، لزمنا ترك المحسوسات -أيضًا- لمخالفته السوفسطائية فيها.\nوالسفسطة: قياس مركب من الوهميات، الغرض منه: تغليظ الخصم وإسكاته.\nوالسوفسطائية: فرقة يونانية تنكر حقائق الأشياء وتزعم أنه لا حقيقة لها وهم ثلاث فرق: =","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>فصل: [فيما يفيده الخبر المتواتر]</span>\nقال القاضي: العلم الحاصل بالتواتر ضروري، وهو صحيح؛ فإننا نجد أنفسنا مضطرين إليه، كالعلم بوجود مكة، ولأن العلم النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك، وتختلف فيه الأحوال، فيعلمه بعض الناس دون بعض، ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر، ولا من ترك النظر قصدًا.\nوقال أبو الخطاب: هو نظري؛ لأنه لم يفد العلم بنفسه، ما لم ينتظم في النفس مقدمتان:\nإحداهما: أن هؤلاء -مع اختلاف أحوالهم وكثرتهم- لا يجمعهم على الكذب جامع، ولا يتفقون عليه.\nالثانية١: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة، فينبني العلم بالصدق على المقدمتين.\n_________\n= الأولى: تسمى اللاأدرية، سموا بذلك لأنهم يقولون: لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه، بل نحن متوقفون.\nالثانية: تسمى العنادية، تنكر حقائق الأشياء وتزعم أنها أوهام.\nالثالثة: تسمى العندية، لأنهم يقولون: إن أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس، فكل من اعتقد شيئًا فهو في الحقيقة كما اعتقد، فالعالم قديم عند من يعتقد أنه قديم، وحادث عند من يعتقد أنه حادث وهكذا.\nقال الشيخ \"ابن بدران\": \"هذه فرق السوفسطائية ومقالاتهم، ومن يناظرهم يبقى في حيرة من أمره، لأنهم ينكرون حقيقة الدليل ومقدماته وسائر الأشياء، فلا يقطعهم إلا الضرب حتى يجدوا حقيقة ألمه، والإلقاء في النار حتي يقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَر﴾ .. \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٤٧\".\n١ في جميع النسخ \"الثاني\" وما اثبتناه من المستصفى.","vol":"1","page":290},{"text":"ولا بد من إشعار النفس بهما، وإن لم يتشكل فيها بلفظ منظوم، فقد شعرت به حتى حصل التصديق.\nورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بتوسطها كقولنا: \"الاثنان نصف الأربعة\" فإنا لا نعلم ذلك إلا بواسطة: أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر، والاثنان كذلك، فقد حصل العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن.\nولهذا لو قيل: \"ستة وثلاثون نصف اثنين وسبعين\" افتقر فيه إلى تأمل ونظر.\nوالضروري عبارة عن الأوّلي الذي يحصل بغير واسطة، كقولنا: \"القديم ليس محدثا\" \"والمعدوم ليس موجودًا\" لأننا نجد أنفسنا مضطرين إليه، وهو ما يحصل دون تشكل واسطة في الذهن، كالعلوم المحسوسة، والعلم بالتجربة، كقولنا: الماء مروٍ، والخمر مسكر.\nوالصحيح الأول؛ فإن اللفظ يدل عليه؛ لاشتقاقه منه.\nوالقول الآخر: مجرد دعوى، لا دليل عليها١.\n_________\n١ في بعض النسخ \"مجرد اختيار لا دليل عليه\".\nهذا. والمصنف قدم وأخر في كلام الإمام الغزالي فأصبح غير واضح، وسوف أنقل هنا عبارة المستصفى حيث تعتبر خلاصة لما هو ضروري أو نظري.\nقال: \"وتحقيق القول فيه أن الضروري: إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة، كقولنا: \"القديم لا يكون حديثًا\" و\"الموجود لا يكون معدومًا\" فهذا ليس بضروري: فإنه حصل المقدمتين المذكورتين.\nوإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري.\nورب واسطة حاضرة في الذهن، لا يشعر الإنسان بوجه توسطها، وحصول العلم بواسطتها، فيسمى \"أوليًّا\" وليس بأولى \"أي يعتقد أنه أولى وهو ليس =","vol":"1","page":291},{"text":"...................................................\n_________\n= كذلك\" كقولنا: \"الاثنان نصف الأربعة\" فإنه لا يعلم ذلك إلا بواسطة، وهو: أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر، والاثنان أحد الجزءين المساوي للباقي من جملة الأربعة، فهو إذا نصف.\nفقد حصل العلم بواسطة، لكنها جلية في الذهن حاضرة، ولهذا لو قيل: \"ستة وثلاثون هل هو نصف اثنين وسبعين\"؟ يفتقر فيه إلى تأمل ونظر، حتى يعلم أن هذه الجملة تنقسم بجزءين متساوين، أحدهما ستة وثلاثون.\nفإذًا: العلم بصدق خبر التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فليس بأوّلي، وهل يسمى ضروريًا؟\nربما يختلف فيه الاصطلاح.\nوالضروري -عند الأكثرين- عبارة عن الأولى، لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه؛ فإن العلوم الحسابية كلها ضرورية، وهي نظرية، ومعنى كونها نظرية: أنها ليس بأولية. وكذلك العلم بصدق التواتر.\nويقرب منه: العلم المستفاد من التجربة، التي يعبر عنها بـ\"اطراد العادات\" كقولنا: \"الماء مرو\" و\"الخمر مسكر\" المستصفى جـ٢ ص١٣٦ تحقيق الدكتور حمزة حافظ.\nأما الطوفي: فقد جعل الخلاف بين الفريقين نظريًّا، فبعد أن أورد أدلة كل مذهب قال:\n\".... لأن القائل بأنه ضروري لا ينازع في توقفه على النظر في المقدمات المذكورة، والقائل بأنه نظري لا ينازع في أن العقل يضطر إلى التصديق به، وإذا وافق كل واحد من الفريقين صاحبه على ما يقوله في حكم هذا العلم وصفته، لم يبق النزاع بينهما إلا في اللفظ، وهو: أن الأول سمى ما يضطر العقل إلى التصديق به -وإن توقف على مقدمات نظرية- ضروريًّا.\nوالثاني سمى ما يتوقف على النظر في المقدمات -وإن كانت بينة- نظريًّا، وخص الضروري بالبديهي، وهو الكافي في حصول الجزم به: تصور طرفيه، كقولنا: الواحد نصف الاثنين؛ فإن من تصور حقيقة الواحد، وتصور حقيقة الاثنين حصل له العلم بأن الواحد نصف الاثنين. =","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>فصل: ي أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها</span>\n...\nفصل: [في أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها]\nذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعة يفيده في كل واقعة، وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع، ولا يجوز أن يختلف.\n_________\n= وهذا معنى قوله: \"إذ مراد الأول بالضروري: ما اضطر العقل إلى تصديقه\" أي سواء توقف على مقدمات بينة أو لا. \"والثاني\": أي: ومراد الثاني بالضروري: \"البديهي الكافي في حصول الجزم به\" أي: التصديق الجازم به \"تصور طرفيه\" أعني: الموضوع والمحمول، وإن شئت: المحكوم والمحكوم عليه، نحو: العالم موجود، والمعدوم لا يكون موجودًا حال عدمه، والقديم لا يكون حادثًا، وبالعكس فيهما، بخلاف قولنا: العالم حادث، أو ليس بقديم، فإنه لا بد في التصديق به من واسطة، فنقول: العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، أو ليس بقديم.\nثم قال: العلم الضروري منقسم إلى البديهي، الذي يدرك بالبديهية، من غير احتياج إلى واسطة نظر، وإلى ما اضطر العقل إلى التصديق به بواسطة النظر.\nفدعوى كل واحد من الفرقين غير دعوى الآخر، لأن الأول يقول: هو ضروري متوقف على الوساطة البينة، والآخر يقول: ليس بديهيًّا غنيًّا عن الواسطة مطلقًا.\nوقد بينا أن كل واحد منهما موافق للآخر على قوله.\nأي: كل واحد من الخصمين يقول: إن التواتر يفيد العلم الجازم، لكن تنازعا في تسميته ضروريًّا أو نظريًّا.\nقلت: قد سبق عند ذكرنا للعلم: أنه الحكم الجازم المطابق لموجب، وأن ذلك الموجب إما عقل، أو سمع، أو مركب منهما، وهو التواتر، لتركبه من نقل النقَلَة، ونظر السامع في المقدمتين الممذكورتين، فصار التواتر كالواسطة بين القسمين، فلذلك وقع فيه النزاع، وعلى هذا يترتب العلم إلى قطعي وظني، والقطعي: إما بديهي محض، أو نظري محض، أو متوسط بينهما، وهو =","vol":"1","page":293},{"text":"وهذا إنما يصح: إذا تجرد الخبر عن القرائن.\nفإن اقترنت به قرائن: جاز أن تختلف به الوقائع والأشخاص؛ لأن القرائن قد تورث العلم، وإن لم يكن فيه أخبار، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار، فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين١.\nولا ينكشف هذا إلا بمعرفة القرائن، وكيفية دلالتها فنقول:\nلا شك أنا نعرف أمورًا ليست محسوسة؛ إذ نعرف من غيرنا حبّه لإنسان، وبغضه إياه، وخوفه منه، وخجله، وهذه أحوال في النفس لا يتعلق بها الحس، قد يدل عليها دلالات، آحادها ليست قطعية، بل يتطرق إليها الاحتمال، لكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف، ثم الثاني والثالث يؤكده، ولو أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال، إلى أن يحصل القطع باجتماعها.\n_________\n= التواتري، كما رأيت، والله أعلم\" شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٨١-٨٢.\n١ خلاصة ذلك: أن ما أفاد العلم اليقيني من الأخبار في واقعه معينة وجب أن يفيده -أيضًا- في كل واقعة أخرى، وأن من أفاد العلم بالنسبة لشخص من الناس، وجب أن يفيده لكل شخص غيره، إذا شاركه في سماع ذلك الخبر، ولا يجوز أن تختلف واقعة عن واقعة، أو شخص عن شخص.\nوإلى ذلك ذهب بعض العلماء، كأبي بكر الباقلاني، وأبي الحسين البصري وغيرهما.\nأما جمهور العلماء -ومنهم ابن قدامة- فقد فرقوا بين الخبر الذي تجرد عن القرائن، والخبر الذي اقترنت به القرائن، فإن تجرد الخبر عن القرائن، فلا يجوز أن يختلف كما قال الأولون، وهذا معنى قوله: \"وهذا إنما يصح إذا تجرد الخبر عن القرائن\".\nأما إذا اقترنت بالخبر قرائن، فلا شك أن حصول اليقين به يتفاوت؛ لأن القرائن الخفية يدركها البعض وتخفى على البعض الآخر، فتقوم القرائن -عند من يدركها- مقام عدد من المخبرين. وسوف يبدأ المؤلف ببيان هذه القرائن.","vol":"1","page":294},{"text":"كما أن قول كل واحد من عدد التواتر محتمل منفردًا، ويحصل القطع بالاجتماع: فإنا نعرف محبة الشخص لصاحبه بأفعال المحبين من خدمته، وبذل ماله له، وحضوره مجالسه لمشاهدته، وملازمته في تردداته، وأمور من هذا الجنس، وكل واحد منها إذ انفرد يحتمل أن يكون لغرض يضمره، لا لمحبته، لكن تنتهي كثرة هذه للدلالات إلى حد يحصل لنا العلم القطعي بحبه.\nوكذلك نشهد الصبي يرضع مرة بعد أخرى، فيحصل لنا علم بوصول اللبن إلى جوفه، وإن لم نشاهد اللبن، لكن حركة الصبي في الامتصاص، وحركة حلقه، وسكوته عن بكائه، مع كونه لا يتناول طعامًا آخر، وكون ثدي المرأة الشابة لا يخلو من لبن، والصبي لا يخلو من طبع باعث على الامتصاص ونحو ذلك من القرائن.\nفلا يبعد أن يحصل التصديق بقول عدد ناقص، مع قرائن تنضم إليه.\nولو تجرد عن القرائن لم يفد العلم، والتجربة تدل على هذا.\nوكذلك العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر يقتضي إيالة١ الملك وسياسة إظهاره، والمخبرون من [رؤساء] ٢ جنود الملك، فيتصور اجتماعهم تحت ضبط الإيالة بالاتفاق على الكذب، ولو كانوا متفرقين خارجين عن ضبط الملك لم يتطرق إليهم هذا الوهم، فهذا يؤثر في النفوس تأثيرًا لا ينكر٣.\n_________\n١ في القاموس المحيط، فصل الهمزة باب اللام: \"آل الملك رعيته إيالًا ساسهم، وعلى القوم أولًا وإيالًا وإيالة: ولي\".\n٢ ما بين القوسين من المستصفى.\n٣ خلاصة ذلك كله: أن القرائن إذا احتفت بالخبر قامت مقام آحاد المخبرين في =","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>فصل: [في شروط التواتر]</span>\nوللتواتر ثلاثة شروط:\nالأول: أن يخبروا عن علم ضروري مستند إلى محسوس١؛ إذ لو\n_________\n= إفادة الظن وتزايده، لأنا نجد تأثيرها في أنفسنا بالضرورة، إذا كانت القرائن بمثابة المخبرين، جاز -بالضرورة- أن يحصل العلم بخبر الواحد منها، لأن مخبرًا واحدًا مع عشرين قرينة ينزل واحد وعشرين مخبرًا، بل ربما أفادت القرينة الواحدة ما لا يفيده خبر جماعة، إذا احتفت قرائن تنفي اليقين: كأن يجتمع رؤساء الجند -مع كثرتهم- فيذيعون خبرًا عن أمر تكون إذاعته سياسة ودهاء للحاكم، فهذا لا يحصّل اليقين، مع أنهم لو كانوا متفرقين خارجين عما هم فيه من الانضمام إلى الحاكم لحصل اليقين بخبرهم.\nانظر: المستصفى جـ٢ ص١٤٥-١٤٦.\nقال العزالي بعد ذلك:\n\"ولا أدري لم أنكر القاضي ذلك، وما برهانه على استحالته، فقد بان بهذا: أن العدد بجوز أن يختلف بالوقائع والأشخاص، فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأسماء، فيقوم ذلك مقام القرائن، وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين، فينشأ من ذلك: أن لا برهان على استحالته\" المصدر السابق ص١٤٦.\n١ أي: أن يكون الإخبار عن مشاهدة أو سماع يحصل بواحد منهما العلم الضروري، بأن القول: رأينا مكة وبغداد، ورأينا موسى وقد ألقى عصاه فصارت حية تسعى، ورأينا المسيح وقد أحيا الموتى، ورأينا محمدًا -ﷺ- وقد انشق له القمر، وسمعناه يتلو القرآن ويتحدى به العرب، فعجزوا عن معارضته.\nومن تمام هذا الشرط: أن لا تكون المشاهدة والسماع على سبيل غلط الحس، كما في إخبار النصارى بصلب المسيح -﵇- وأن يكونوا على صفة يوثق معها بقولهم، فلو كانوا متلاعبين أو مكرهين لم يوثق بخبرهم.\nانظر: نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٥٤.","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>فصل: [مذاهب العلماء في عدد التواتر]</span>\nواختلف الناس فيه:\nفمنهم من قال: يحصل باثنين، ومنهم من قال: يحصل بأربعة. وقال قوم بخمسة، وقال قوم بعشرين، وقال آخرون بسبعين، وقيل غير ذلك١.\n_________\n١ فقيل: أربعون، وقيل: ثلاثمائة، وقيل: عشرة، عدد أهل بيعة الرضوان. قال =","vol":"1","page":297},{"text":"والصحيح: أنه ليس له عدد محصور، فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود \"مكة\" ووجود الأنبياء -﵈- ولا سبيل إلى معرفته؛ فإنه لو قتل رجل في السوق، وانصرفت جماعة فأخبرونا بقتله، فإن قول الأول يحرك الظن، والثاني يؤكده، ولا يزال يتزايد حتى يصير ضروريًّا ولا يمكننا تشكيك أنفسنا فيه.\nفلو تصور الوقوف على اللحظة التي حصل فيها العلم ضرورة، وحفظ حساب المخبرين، وعددهم: لأمكن الوقوف عليه، ولكن إدراك تلك اللحظة عسير؛ فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدًا خفيّ التدريج، كتزايد عقل الصبي المميز، إلى أن يبلغ حد التكليف، وتزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك: تعذّر على القوة البشرية إدراكه.\nفأما ما ذهب إليه المخصصون بالأعداد، فتحكم فاسد، لا يناسب الغرض، ولا يدل عليه، وتعارض أقوالهم يدل على فسادها.\nفإن قيل: فكيف تعلمون حصول العلم بالتواتر، وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟\nقلنا: كما نعلم أن الخبز مشبع، والماء مرو، وإن كنا لا نعلم أقل\n_________\n= الطوفي: وهو وهم لأن أهل بيعة الرضوان، وهي بيعة الحدبيبة تحت الشجرة، كانوا ألفًا وخمسمائة. شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٨٩، ٩٠.\nجاء في صحيح البخاري \"٤١٥٠\" عن البراء بن عازب: \"كنا مع النبي -ﷺ- أربع عشر مائة\" وجاء فيه أيضًا \"٤١٥١\" عن البراء: \"أنهم كانوا خمس عشرة مائة\" وفيه روايات أخرى بأعداد مخالفة.\nوالخلاصة: أن الضابط في حصول عدد التواتر: حصول العلم بالخبر، فمتى حصل العلم بالخبر المجرد عن القرائن علمنا حصول التواتر.\nأما إذا وجدت قرائن، فهذه تزيد الخبر قوة، حتى ولو كان من خبر الآحاد.","vol":"1","page":298},{"text":"مقدار يحصل به ذلك، فنستدل بحصول العلم الضروري على كمال العدد لا أنَّا نستدل بكمال العدد على حصول العلم.\nفصل\nليس من شرط التواتر: أن يكون المخبرون مسلمين، ولا عدولًا؛ لأن إفضاءه إلى العلم، من حيث إنهم مع كثرتهم لا يتصور اجتماعهم على الكذب وتواطؤهم عليه، ويمكن ذلك في الكفار، كإمكانه في المسلمين٢.\n_________\n١ حاصل ذلك: أن المصنف أورد اعتراضًا خلاصته: أن حصول العلم فرع عن حصول العدد، فلو عرف حصول العدد بحصول العلم لكان دورًا، أي: يتوقف معرفة أحدهما على معرفة الآخر.\nوحاصل ما أجاب به المصنف: أنا لا نسلم وجود الدور، لأن الدور يتحقق إذا كانت الجهة متحدة، وهذا غير موجود فيما نحن فيه، لأن حصول العلم معلول الإخبار ودليله، فالإخبار علة حصول العلم ومدلول له، والاستدلال على وجود العلة بوجود المعلول لا دور فيه، وإلا لما صح الاستدلال على وجود الصانع -ﷻ- بوجود العلم، لأنه علته، والموجد له، ولأن العلة لازم المعلول، والاستدلال على وجود اللازم بوجود الملزوم لا خلاف في صحته، وهذا كما نقول في الشبع: هو معلول الطعام المشبع، ودليله: أنه لا شبع إلا بمشبع، والري معلول الشراب المروي، ودليله: أنه لا ري إلا بمروٍ، وإن كنا لا نعلم القدر الكافي من المشبع والمروي ابتداء، لكن إذا شبعنا وروينا علمنا أننا تناولنا من الطعام أو الشراب قدرًا مشبعًا أو مرويًا، فكذلك ما نحن فيه، لا نعلم مقدار العدد المحصل للعلم ما هو؟ فإذا حصل العلم بالخبر علمنا حصول العدد المحصل للعلم، لأنه لازم لحصول العلم وشرط له، والمشروط والملزوم يدلان على وجود اللازم والشرط. \"نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٢٥٦-٢٥٧\".\n٢ هذا هو رأي جمهور العلماء. قال الطوفي: لأن مناط حصول العلم كثرتهم، =","vol":"1","page":299},{"text":"ولا يشترط -أيضًا- ألا يحصرهم عدد، ولا تحويهم بلد؛ فإن الحجيج إذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت من الصلاة، علم صدقهم مع دخولهم تحت الحصر وقد حواهم مسجد، فضلًا عن البلد١.\n_________\n= بحيث لا يجوز عادة تواطؤهم على الكذب، لا العدالة والإسلام وسائر أوصاف الرواية؛ لأن ذلك إنما يشترط في الشهادات، وأخبار الآحاد، لأنها إنما تفيد الظن، أما التواتر: فهو يفيد للعلم الضروي أو النظري -كما سبق- فهو مستغن عن اعتبار أوصاف المخبرين المراد لتقوية الظن وغلبته. \"شرح مختصر الروضة ٢/ ٩٤\".\n١ ومعناه: أن الناس المجتمعين في الحج، لو أخبروا بأنه عرض لهم مانع منعهم من أداء الحج في ذلك العام، كعدو صدهم عن دخول البيت، أو غور عيون الماء في الطريق، ونحو ذلك؛ لحصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون تحت عدد يمكن، معرفته، وكذلك أهل الجامع -يوم الجمعة- لو أخبروا بوجود مانع منعهم من صلاة الجمعة، كعدم وجود الإمام، أو هجوم عدو جعلهم يخرجون من المسجد، حصل لنا العلم بخبرهم، مع أنهم محصورون في عدد معين، وفي مسجد، فضلًا عن بلد.\nوخالف في ذلك بعض العلماء، واشترطوا الإسلام والعدالة في المخبرين.\nكما أورد الغزالي آراء آخرى في المسألة. انظر: التمهيد لأبي الخطاب \"٣/ ٣٣\" المستصفى \"٢/ ١٥٦ وما بعدها\".","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>فصل: [لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إليه]</span>\nولا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية١.\n_________\n١ الإمامية فرقة من الشيعة، تقول: \"إن الإمامة لعلي -﵁- ولأولاده من =","vol":"1","page":300},{"text":"وليس بصحيح؛ لأن كتمان ذلك يجري -في القبح- مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلم يجز وقوع ذلك منهم وتواطؤهم عليه.\nفإن قيل: قد ترك النصارى نقل كلام عيسى في المهد١؟\n_________\n= بعده، فهي منصب إلهي، والتصديق به ركن من أركان الإيمان عندهم. وادعوا أن هناك نصوصًا تدل على إمامة علي كتمها الصحابة -﵃- مع كثرتهم، ووقوع ذلك منهم يدل على جواز كتمان الخبر المتواتر، واستندوا في ذلك إلى أحاديث بعضها صحيح، مثل قوله -ﷺ- في شأن \"علي\" -﵁-: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي\" وهو حديث صحيح: أخرجه البخاري حديث رقم \"٣٧٠٦\" و\"٤٤١٦\" عن سعد بن أبي وقاص، ومسلم: حديث رقم \"٢٤٠٤\" والترمذي حديث رقم \"٣٧٣١\" وأحمد في المسند\"١/ ١٧٣\" والحديث وإن كان صحيحًا إلا أنه ليس صريحًا.\nوأجاب المصنف على ذلك بقوله: وليس بصحيح؛ فإن كتمان ما يحتاج إلى النقل، يجري مجرى الكذب، والكذب محال في حق الصحابة -﵃- حيث أثنى عليهم الخالق -جل وعلا- في العديد من الآيات، كما أثنى عليهم الرسول -ﷺ- فتواطؤهم على الكذب محال، وكذلك تواطؤهم على الكتمان.\nقال الشيخ: \"ابن بدران\": \"وللجمهور أن يعارضوا الإمامية بالمثل، بأن يقولوا: إن رسول الله -ﷺ- نص على إمامة أبي بكر نصًّا جليًّا متواترًا..\" \"نزهة الخاطر جـ١ ص٢٥٩\".\nومن هذه النصوص: قوله -ﷺ-: \"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر\" وهو حديث صحيح وصريح، أخرجه أحمد في المسند \"٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٢\" كما أخرجه الترمذي حديث \"٣٦٦٣\"، وابن ماجه حديث \"٧٩\" وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ٢٢٣\" وصححه ابن حبان \"٢١٩٣\" والحاكم \"٣/ ٧٥\".\n١ هذه شبهة: أوردها الإمامية دعمًا لرأيهم -في جواز كتمان الخبر المتواتر-، خلاصتها: أن النصارى تركوا كلام عيسى -﵇- في المهد، مع أنه =","vol":"1","page":301},{"text":"قلنا: لأن كلامه في المهد كان قبل ظهوره واتباعهم له.\nالقسم الثاني، أخبار الآحاد\nوهي: ما عدا المتواتر١\nاختلفت الرواية عن إمامنا -﵀- في حصول العلم بخبر الواحد:\n_________\n= مما يحتاج إلى نقله، وتتوفر الدواعي عليه، فهذه صورة من صور الدعوى قد وقعت، وهي تدل على الجواز.\nوأجاب المصنف على هذه الشبهة: بأن ذلك كان قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل أعلام النبوة.\nقال الطوفي:\n\"وهذا ضعيف؛ لأن كلامه في المهد كان من خوارق العادات قبل نبوته، والدواعي تتوفر على نقل مثله عادة، وإن لم يكن الناقلون أتباعا للمنقول عنه\". ثم ذكر وجوهًا أخرى للرد عليهم فقال:\nالوجه الثاني: أنه قد نقل أن حاضري كلام المسيح في المهد لم يكونوا كثيرين، بحيث يحصل العلم بخبرهم، بل إنما كانوا زكريا وأهل مريم ومن يختص بهم، فلذلك لم ينقل متواترًا، ولا يلزم من عدم تواتره عدم نقله مطلقًا، لجواز أنهم نقلوه ولم يتواتر.\nالوجه الثالث: أنَّا لا نسلم أنهم لم ينقلوه، بل نقلوه وهو متواتر عندهم في \"إنجيل الصَّبْوَة\" يعني: الذي ذكر فيه أحوال عيسى -﵇- في صبوته، منذ ولد إلى أن رفع، وإنما لم يتوافر نقلهم لذلك عندنا لعدم مشاركتنا لهم في سببه، أو لاستغنائنا عنه بتواتر القرآن\". \"شرح المختصر جـ٢ ص١٠١، ١٠٢\".\n١ قوله: وهي ما عدا المتواتر، أي: أن خبر الواحد ما فقدت فيه شروط المتواتر أو بعض منها، بأن كان إخبارًا عن غير محسوس، أو رواية ممن يجوز الكذب عليه عادة، أو جماعة لا يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، أو كانوا ممن يستحيل =","vol":"1","page":302},{"text":"فروى: أنه لا يحصل به. وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا؛ لأنَّا نعلم -ضرورة- أنا لا نصدق كل خبر نسمعه.\nولو كان مفيدًا للعلم: لما صح ورود خبرين متعارضين؛ لاستحالة اجتماع الضدين.\nولجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتهما في إفادة العلم، ولوجب الحكم بالشاهد الواحد، ولاستوى في ذلك العدل والفاسق كما في المتواتر١.\nوروي عن أحمد أنه قال: -في أخبار الرؤية- يقطع على العلم بها.\nوهذا يحتمل أن يكون في أخبار الرؤية وما أشبهها، مما كثرت\n_________\n= منهم الكذب عادة، لكن في بعض طبقاته دون البعض.\n١ نقل المصنف عن الإمام أحمد -﵁- روايتين فيما يفيده خبر الآحاد:\nالرواية الأولى: أنه لا يفيد العلم، واستدل على هذا الرأي بخمسة أوجه:\nالوجه الأول: أنه لو أفاد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، لكنا لا نصدق كل خبر نسمعه، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.\nالوجه الثاني: لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران، لأن العلمين لا يتعارضان، لكن التعارض موجود كثيرًا في أخبار الآحاد، فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.\nالوجه الثالث: أنه لو أفاد العلم لجاز نسخ القرآن والسنة المتواترة به، لكنه لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بالآحاد، فدل على أنه لا يفيد العلم.\nالوجه الرابع: أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر ولا إلى اليمين عند عدمه، ولو كان مفيدًا للعلم لما احتاج لذلك.\nالوجه الخامس: أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كما في المتواتر، لكن الفاسد والعدل لا يستويان في خبر الواحد -بالإجماع- فدل ذلك على أنه لا يفيد العلم.","vol":"1","page":303},{"text":"رواته، وتلقته الآمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقله، فيكون إذًا من المتواتر؛ إذ ليس للمتواتر عدد محصور.\nويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدًا للعلم.\nوهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر.\nقال بعض العلماء: إنما يقول أحمد بحصول العلم بخبر الواحد فيما نقله الأئمة الذين حصل الاتفاق على عدالتهم وثقتهم وإتقانهم، ونقل من طرق متساوية، وتلقته الأمة بالقبول، ولم ينكره منهم منكر؛ فإن الصديق والفاروق -﵄- لو رويا شيئا سمعاه أو رأياه، لم يتطرق إلى سامعهما شك ولا ريب، مع ما تقرر في نفسه لهما، وثبت عنده من ثقتهما وأمانتهما.\nولذلك: اتفق السلف في نقل أخبار الصفات، وليس فيها عمل، وإنما فائدتها: وجوب تصديقها، واعتقاد ما فيها.\nلأن اتفاق الأمة على قبولها إجماع منهم على صحتها، والإجماع حجة قاطعة١.\n_________\n١ هذه هي الرواية الثانية المنقولة عن الإمام إحمد. وللعلماء في تخريجها عدة احتمالات:\nالاحتمال الأول: أنها خاصة بأحاديث الرؤية وما أشبهها من الأمور العقدية.\nالاحتمال الثاني: أن ذلك خاص بما وجدت معه قرائنه تقويه.\nالاحتمال الثالث: أن هذا هو رأي الإمام أحمد في خبر الآحاد عمومًا، وهو رأي المحدثين وأهل الظاهر.\nوهناك احتمال رابع -حكاه المصنف- عن بعض أهل العلم: أن ذلك خاص بما نقله الأئمة المتفق على عدالتهم وثقتهم وتلقي الأمة لما نقل عنهم بالقبول والرضا، مثل ما نقل عن الشيخين أبي بكر وعمر -﵄-.\nوقد لخص محمد الأمين الشنقيطي آراء العلماء في هذه المسألة فقال: =","vol":"1","page":304},{"text":"............................................\n_________\n\"حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:\nالأول: وهو مذهب جماهير الأصوليين: أن أخبار الآحاد إنما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين.\nالمذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولًا ضابطين.\nوهو رواية عن الإمام أحمد، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية.\nالمذهب الثالث: هو التفصيل: بأنه إذا احتفت به قرائن دالة على صدقه أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن.\nومن أمثلة ذلك: أحاديث الشيخين -البخاري ومسلم- لأن القرائن دالة على صدقهما، لجلالتهما في هذا الشأن وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحد.\nواختار هذا القول: ابن الحاجب، وإمام الحرمين، والآمدي، والبيضاوي، وممن اختار هذا القول: أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.\nوحمل بعضهم الرواية عن أحمد: على ما قامت القرائن على صدقه خاصة دون غيره. ا. هـ ملخصًا من مذكرة الشيخ الشنقيطي ص١٠٣.\n[خبر الآحاد في العقيدة]\nثم تطرق -رحمه الله تعالى- إلى قضية أخرى مهمة، وهي: أن أخبار الآحاد متى صحت، يجب قبولها في الأصول، كما يجب في الفروع، فقال:\n\"اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه: أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع، تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي -ﷺ- بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nوبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا ثبت بها شيء من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطل لا يعول عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ- بمجرد تحكيم العقل.","vol":"1","page":305},{"text":"..............................................\n_________\nوالعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله، وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها أنه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعي، هو جهل وتخبط في الظلمات.\nومن أوضح الأدلة، وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلًا: إن العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناء على ذلك فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه بل العقل يوجبه. وما ذكرتم بأنه يجيزه كذبتم فيه بل هو يمنعه وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، كاختلافهم في أفعال العبد وجواز رؤية الله بالأبصار، وهل العرض يبقى زمانين إلى غير ذلك.\nفيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء عن النبي -ﷺ- بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدي والنجاة باتباع ما ثبت عنه -ﷺ- فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل.\nوعلى كل حال فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه من أوامر الله ونواهيه، كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه وكذلك تثبت بها صفاته. \"المصدر السابق ص١٠٤، ١٠٥\".\nوالذي قاله الشيخ الشنقيطي هو ما نقل عن المحققين من العلماء، منهم الأئمة: مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسين الكرابيسي، وابن خويز منداد، وابن كج، وابن حزم، وابن قيم الجوزية، وبدر الدين الزركشي، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فقد ألف رسالة في ذلك بعنوان: \"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين\".\nوهو ما توصلت إليه في بحث بعنوان: \"حجية خبر الآحاد في العقيدة\".\nتحت الطبع.\nومن الأدلة التي استندت إليها في هذا البحث:","vol":"1","page":306},{"text":"..............................................................................\n_________\n= الدليل الأول:\nحديث ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذًا -﵁- على اليمن قال: \"إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإن عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم واتق كرائم أموال الناس\".\nأخرجه البخاري: ٢٤- كتاب الزكاة: ٤١، باب وجوب الزكاة ٣/ ٢٦١، وباب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: ٣/ ٣٢٢، وباب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا: ٣/ ٣٥٧، وفي المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم: ٥/ ١٠١، وفي المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ٨/ ٦٤، وفي التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي -ﷺ- أمته إلى توحيد الله ﵎: ١٣/ ٣٤٧، ومسلم في الإيمان ١/ ٥٠.\nفقد أمره رسول الله -ﷺ- أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله ﷿، وما يجب له وما ينزه عنه، فإذا عرفوه تعالى بلغهم ما فرض الله عليهم، وذلك ما فعله معاذ يقينًا، فهو دليل على أن العقيدة تثبت بخبر الواحد، وتقوم به الحجة على الناس، ولولا ذلك لما اكتفى رسول الله -ﷺ- بإرسار معاذ وحده.\nومن لم يسلم بما ذكرنا لزمه أحد أمرين لا ثالث لهما:\n١- القول بأن رسله ﵈ ما كانوا يعلمون الناس العقائد، لأن النبي -ﷺ- لم يأمرهم بذلك، وإنما أمرهم بتبليغ الأحكام فقط، وهذا باطل لمخالفته لحديث معاذ المتقدم.\n٢- أنهم كانوا مأمورين بتبليغها، وأنهم فعلوا ذلك، فبلغوا الناس كل العقائد الإسلامية ومنها هذا القول المزعوم: \"لا تثبت العقيدة بخبر الآحاد\" فإنه في نفسه عقيدة كما سبق، وعليه فقد كان هؤلاء الرسل رضوان الله عليهم يقولون للناس: آمنوا بما نبلغكم إياه من العقائد، ولكن لا يجب عليكم أن تؤمنوا بها لأنها خبر آحاد، وهذا باطل أيضًا كالذي قبله، وما لزم منه باطل فهو باطل، =","vol":"1","page":307},{"text":"........................................................\n_________\nفثبت بطلان هذا القول، وثبت وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد. وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للشيخ الألباني ص١١، ١٢.\nالدليل الثاني:\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، وقال -ﷺ-: \"بلغوا عني\" متفقعليه.\nوقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: \"أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون\"، قالوا: \"نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت\" رواه مسلم في الحج \"١٤٧\": وأبو داود \"١٩٠٥\" وابن ماجه \"٣١١\".\nومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد، لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. وقد كان رسول الله -ﷺ- يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه، فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر. وهذا من أبطل الباطل. فيلزم من قال: إن أخبار الرسول -ﷺ- لا تفيد العلم أحد أمرين:\n١- إما أن يقول: إن الرسول لم يبلغ غير القرآن، وما رواه عنه عدد التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ.\n٢- وإما أن يقول إن الحجة والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علمًا ولا يقتضي عملًا.\nوإذا بطل هذان الأمران بطل بأن أخباره -ﷺ- التي رواها الثقات العدول الحفاظ وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علمًا. وهذا ظاهر لا خفاء به.\nمختصر الصواعق المرسلة \"٢/ ٣٩٦\".","vol":"1","page":308},{"text":"فأما التعارض -فيما هذا سبيله- فلا يسوغ إلا كما يسوغ في الأخبار المتواترة وآي الكتاب١.\nوقولهم: \"إنا لا نصدق كل خبر نسمعه\" فلأننا إنما جعلناه مفيدًا للعلم؛ لما اقترن به من قرائن زيادة الثقة، وتلقي الأمة له بالقبول٢.\nولذلك اختلف خبر العدل والفاسق٣.\nوأما الحكم بشاهد واحد: فغير لازم؛ فإن الحاكم لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينة التي هي مظنة الصدق٤. والله أعلم.\n_________\n١ المصنف بعد أن أورد الرأي الثاني المنقول عن الإمام أحمد وما فيه من احتمالات بدأ يرد على الوجوه التي استدل بها على أن خبر الآحاد يفيد الظن، وتقدم أنها خمسة، لكنه هنا لم يلتزم الترتيب، كما لم يرد على الوجه الثالث منها.\nوقوله: \"فأما التعارض ... إلخ\" هذا هو الرد على الوجه الثاني الذي خلاصته: أن خبر الآحاد لو أفاد العلم لما وقع تعارض بين الأدلة المتعارضة القطعية من السنة المتواترة وآي القرآن الكريم، وذلك بالجمع بين الدليلين إن أمكن، أو يعتبر المتأخر ناسخًا للمتقدم، أو حمل المطلق على المقيد، إلى آخر وجوه الجمع بين المتعارضات.\n٢ هذا هو الرد على الوجه الأول: وهو أن التفرقة بين خبر وخبر، إنما جاءت من القرائن، كزيادة الثقة في الراوي، أو تلقي الأمة له بالقبول.\n٣ هذا رد على الوجه الخامس: وهو أنه لو أفاد العلم لاستوى خبر العدل والفاسق، كالمتواتر، فإنه لا يشترط فيه أن يكون المخبرون عدولًا. فرد على ذلك: بأن التفرقة جاءت من القرينة.\n٤ هذا رد على الوجه الرابع: وهو أنه لو أفاد العلم لجاز الحكم بشاهد واحد، ولم يحتج إلى شاهد آخر، أو اليمين عند عدمه. فأجاب عن ذلك: بأن هذا ليس =","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>فصل: [في حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا]</span>\nوأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا١؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، والعمل به عمل بالشك، وإقدام على الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل.\nبل إذا أمرنا الشرع بأمر فليعرفناه؛ لنكون على بصيرة، إما ممتثلون، وإما مخالفون٢.\nوالجواب:\nأن هذا إن صدر من مقر بالشرع فلا يتمكن منه؛ لأنه تعبد بالحكم\n_________\n= بلازم، أي لا يلزمنا ذلك، للفرق بين الشهادة والرواية، ولذلك لا يحكم القاضي بمقتضى علمه، وإنما يحكم بناء على البينة التي هي مظنة الصدق، فقياس الرواية على الشهادة قياس مع الفارق.\n١ معنى التعبد بخبر الواحد: أي يجوز أن يتعبد الله -تعالى- خلقه بخبر الواحد، بأن يقول لهم: اعبدوني بمقتضى ما يبلغكم عني وعن رسولي على ألسنة الآحاد. وهو قول الجمهور: الأئمة الأربعة وغيرهم من الفقهاء والأصوليين.\nوأنكر ذلك جماعة: منهم الجبائي وبعض المتكلمين.\nانظر: \"العدة جـ٣ ص٨٥٧، شرح اللمع جـ١ ص٥٨٣، شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١١٢، ١١٣\".\n٢ هذه حجة المنكرين لجواز التعبد بخبر الواحد عقلًا، خلاصتها: أن خبر الواحد يحتمل الكذب، فالعمل به عمل بالجهل، وهو قبيح عقلًا، والعقل لا يجيز القبيح؟\nوأيضًا: فإن امتثال أمر الشرع والدخول فيه؛ يجب أن يكون بطريق علمي؛ ليكون المكلف منه على يقين وبصيرة، وأمان من الخطأ.\nانظر: شرح المختصر جـ١ ص١١٥.","vol":"1","page":310},{"text":"بالشهادة، والعمل بالفتيا، أو التوجه إلى الكعبة بالاجتهاد عند الاشتباه، وإنما يفيد الظن، كما يفيد بالعمل بالمتواتر، والتوجه إلى الكعبة عند عدم معاينتها، فلِمَ يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم؟\nوإن صدر من منكر للشرع: فيقال له: أي استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، والظن مدرك بالحس، فيكون الوجوب معلومًا؟\nفيقال له: إذا ظننت صدق الشاهد، والرسول، والحالف: فاحكم به، ولست متعبدًا بمعرفة صدقه، بل بالعمل به عند ظن صدقه، وأنت ممتثل مصيب صدق أم كذب.\nكما يجوز أن يقال: إذا طار طائر ظننتموه غرابًا: أوجبت عليكم كذا، وجعلت ظنكم علامة، كما جعل زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة١.\n_________\n١ خلاصة ما أجاب به المصنف على هؤلاء المنكرين: أن المنكر إما أن يكون مقرًّا بالشرع أو لا؟ فإن كان مقرًّا فنقول له: إن الشرع ورد فيه ما ينقض قولك، كالحكم بالشهادة، والعمل بقول المفتي، وهو واحد، والاجتهاد في القبلة إذا اشتبهت على المصلي، فإنه يجب عليه أن يصلي إلى الجهة التي ظنها القبلة، وكل هذا من قبيل الظنون.\nوإن كان المنكر ممن ينكر الشرع فيقال له: أي استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، كما لو قال: إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابًا أوجبت عليكم كذا وكذا، وجعلت ظنكم علامة على وجوب العمل، كما جعلت زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة، والظن وجوده مدرك بالحس، فيكون الوجوب معلومًا، فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعًا، وهكذا العمل في الشاهد والحالف، لسنا متعبدين بالعلم بصدقه، لكن بالعمل بالظن الذي نحسه من أنفسنا. انظر: \"شرح ابن بدران جـ١ ص٢٦٤، ٢٦٥\".","vol":"1","page":311},{"text":"فصل١ وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة:\nأحدها: أنا لو فرضنا العمل على القطع تعطلت الأحكام؛ لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين.\nالثاني: أن النبي -ﷺ- مبعوث إلى الكافة، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر.\nالثالث: أنا إذا ظننا صدق الراوي فيه ترجح وجود أمر الله -تعالى- وأمر رسوله -﵇- فالاحتياط: العمل بالراجح.\nوقال الأكثرون: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك.\nولا يلزم من عدم التعبد به تعطيل الأحكام؛ لإمكان البقاء على\n_________\n١ هذا الفصل تابع للمسألة السابقة، وهي: حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا، والفصل الآتي لحكم التعبد به سمعًا، فلا أدري لماذا جعله المصنف فصلًا مستقلًّا؟!\nوالخلاصة: أن المسألة فيها ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: إنكار التعبد بخبر الواحد -وهو الذي حكاه المصنف في الفصل السابق-.\nالمذهب الثاني: وجوب التعبد، للأدلة الثلاثة التي ساقها المصنف -نقلًا عن أبي الخطاب-، وهي في الواقع للغزالي.\nالمذهب الثالث: الجواز، وهو الذي عبر عنه المصنف بقوله: \"وقال الأكثرون: لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك\" هذا ما فهمته في هذه المسألة. والله أعلم.","vol":"1","page":312},{"text":"البراءة الأصلية والاستصحاب.\nوالنبي -ﷺ- يكلف تبليغ من أمكنه من أمته تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعًا]</span>\nفأما التعبد بخبر الواحد سمعًا١: فهو قول الجمهور.\nخلافًا لأكثر القدرية٢ وبعض أهل الظاهر.\nولنا دليلان قاطعان:\nأحدهما: إجماع الصحابة -﵃- على قبوله:\nفقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.\n_________\n١ معنى \"سمعًا\" أي: من جهة دليل الشرع، وما تقدم كان من جهة العقل.\nقال الطوفي: \"وفي المسألة تفصيل، وهو: أن القائلين بجواز التعبد به عقلًا، منهم من نفى كونه حجة شرعًا، كالشيعة، والقاشاني، وابن داود [الظاهري]، ومنهم من أثبت ذلك، ثم هؤلاء اتفقوا على دلالة السمع عليه، واختلفوا في دلالة العقل عليه، فأثبته أحمد والقفال وابن سريج، ونفاه الباقون\nوقال أبو عبد الله البصري: هو حجة فيما لا يسقط بالشبهة، واختار الآمدي أنه حجة مطلقًا، وهو المذكور في المختصر\". \"شرح المختصر جـ٢ ص١١٩\". وانظر: الإحكام للآمدي \"٢/ ٤٥\" والإحكام لابن حزم \"١/ ٩٤\".\n٢ القدرية: فرقة من المعتزلة بالغت في القول بالقدر، بمعنى أنهم يكذبون بالقدر، ويبالغون في إنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم عشرون فرقة، كل فرقة منها تكفر الأخرى. الفرق بين الفرق ص٢٤.","vol":"1","page":313},{"text":"منها: أن الصديق -﵁- لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس: من يعلم قضاء رسول الله -ﷺ- فيها؟\nفشهد له محمد بن مسلمة١، والمغيرة بن شعبة٢ أن النبي -ﷺ- أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به \"عمر\" بعده٣.\nوروي عن \"عمر\" -﵁- في وقائع كثيرة:\nمنها: قصة الجنين حين قال: \"أذكر الله امرأ سمع من رسول الله -ﷺ- في الجنين\"؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة٤ وقال: \"كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح٥ فقتلتها\n_________\n١ هو: محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الحارثي، صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها، استخلفه الرسول -ﷺ- على المدينة في بعض غزواته، مات بالمدينة سنة ٤٣هـ.\nانظر في ترجمته: \"الاستعياب ٣/ ١٣٧٧، الخلاصة ص٣٥٩\".\n٢ هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، أحد دهاة العرب، ولاه \"عمر\" البصرة، ثم عزله عنها وولاه الكوفة، وأقره \"عثمان\" عليها، ثم عزله، ولما تم الأمر لمعاوية أعاده عليها، حتى توفي سنة ٥٠هـ.\nانظر: \"الاستيعاب ٤/ ١٤٤٥، الإصابة القسم السادس ص١٩٧\".\n٣ أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب في الجدة، والترمذي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، وابن ماجه: كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة.\n٤ هو: حمل بن مالك بن النابغة بن جابر الهذلي، البصري، استعمله النبي -ﷺ- على صدقات \"هذيل\" وعاش إلى خلافة \"عمر\" -﵄-.\nانظر في ترجمته: \"الإصابة ١/ ٣٥٥، الاستيعاب ١/ ٣٦٦\".\n٥ المسطح: بكسر الميم عود من أعواد الخباء.","vol":"1","page":314},{"text":"وجنينها، فقضى النبي -ﷺ- في الجنين بغرة\"١ فقال عمر: \"لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره\"٢.\nوكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك٣: أن رسول الله -ﷺ- كتب إليه: أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي٤ من دية زوجها\"٥.\n_________\n١ الغرة: بضم الغين: عبد أو أمة.\n٢ الحديث رواه أبو داود: كتاب الديات، باب دية الجنين، والدراقطني: كتاب الحدود والديات، كما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والشافعي في الرسالة ص٤٢٧. عن ابن عباس -﵄- أن دية الجنين خفيت على عمر بن الخطاب -﵁- حتى سأل الناس ... الحديث.\nوفي رواية لأبي داود: فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله -ﷺ- في جنينها بغرة وأن تقتل\" أي القاتلة.\n٣ هو: الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلابي، من أصحاب رسول الله -ﷺ- كان شجاعًا مقدامًا، ولاه رسول الله -ﷺ- جمع الصدقات من قومه.\nانظر: في ترجمته: \"الإصابة ٣/ ٤٧٧، الخلاصة ص١٩٧\".\n٤ أشيم -بوزن أحمد-: الضبابي -بكسر المعجمة بعدها باء موحدة-، قتل مسلمًا في عهد النبي -ﷺ- فأمر -ﷺ- الضحاك بن سفيان أن يورث امرأته من ديته.\nانظر: الإصابة مع الاستيعاب \"١/ ٩٧\"، أسد الغابة \"١/ ١٩٧\".\n٥ أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، وقال: \"حديث حسن صحيح\".\nكما أخرجه ابن ماجه: كتاب الديات، باب الميراث من الدية، ومالك في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه، والشافعي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، والدارقطني: كتاب الفرائض.","vol":"1","page":315},{"text":"ورجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف١ عن النبي -ﷺ- في المجوس: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\"٢.\nوأخذ عثمان بخبر \"فريعة بن مالك\"٣ في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها٤.\n_________\n١ هو: عبد الرحمن بن عوف بن الحارث، القرشي الزهري، أبو محمد، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل فترة دار الأرقم، جمع بين الهجرتين، هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. شهد بدرًا وما بعدها، كان أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر المشورة فيهم في الخلافة. مات بالمدينة سنة ٣١هـ. \"الإصابة ٤/ ٣٤٦\".\n٢ رواه البزار في مسنده، والدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة في مسنده، ومالك في الموطأ: كتاب الزكاة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف -﵁-: \"أشهد لسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" أعله ابن عبد البر بالانقطاع؛ لأن محمد بن علي بن الحسين لم يلق عمر، وأعله غيره بالإرسال، لكن يشهد له ما جاء في البخاري من حديث مجالد قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله -ﷺ- أخذها من مجوس هجر.\nكما يشهد له -أيضًا- ما رواه البخاري من أخذ الجزية من البحرين التي صالح أهلها الرسول -ﷺ- وولى عليها العلاء بن الحضرمي، وهم من المجوس.\nانظر: \"فتح الباري جـ٦ ص٢٥٩\".\n٣ هي: فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية، أخت أبي سعيد الخدري، وهي التي قتل زوجها في عهد رسول الله -ﷺ- فأمرها النبي -ﷺ- بأن تمكث في بيتها حتى تنتهي عدتها -كما سيأتي تخريج الحديث-.\nانظر: في ترجمتها: \"الإصابة ٨/ ٦٦، والاستيعاب ٤/ ١٩٠٣\".\n٤ أخرجه أبو داود: كتاب الطلاق، في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي: كتاب =","vol":"1","page":316},{"text":"وعلي كان يقول: كنت إذا سمعت من النبي -ﷺ- حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر-: أن النبي -ﷺ- قال: \"ما من عبد يذنب، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له\" ١.\n_________\n= الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها ولفظه:\n\"أنها -أي فريعة- جاءت رسول الله –ﷺ- تسأله أن ترجع إلى أهلها في \"بني خدرة\" وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم -موضع بضاحية المدينة- لحقهم فقتلوه.\nقالت: فسألت رسول الله -ﷺ- أن أرجع إلى أهلي؛ فإن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقة.\nقالت: فقال رسول الله -ﷺ-: \"نعم\".\nقالت: ما انصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة، أو في المسجد، ناداني رسول الله -ﷺ- أو أمر بي، فنوديت له، فقال: \"كيف قلت؟ \" قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال: \"امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله\".\nقالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا.\nقالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، وقضى به\".\nوالحديث أخرجه أيضًا: النسائي: باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وابن ماجه: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والدارمي: باب خروج المتوفى عنها زوجها، والشافعي: كتاب النفقات، باب اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها.\n١ الحديث رواه أبو داود: كتاب الصلاة، باب في الاستغفار بلفظ: \"كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله -ﷺ- حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، قال: وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- أنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"وما من =","vol":"1","page":317},{"text":"ولما اختلف الأنصار في الغسل من المجامعة: أرسلوا أبا موسى١ إلى \"عائشة\" فروت لهم عن النبي -ﷺ-: \"إذا مس الختان الختان وجب الغسل\"٢. فرجعوا إلى قولها.\nواشتهر رجوع أهل قباء إلى خبر الواحد في التحول إلى الكعبة٣.\nوروى أنس٤ قال: كنت أسقي أبا عبيدة٥، وأبا طلحة٦.\n_________\n= عبد يذنب ذنبًا، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له\" ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] .\nكما أخرجه ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة؛ باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، وأحمد في مسنده \"١/ ٢\" وابن حبان حديث \"٢٤٥٤\" وصححه.\n١ هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري، أسلم قديمًا بمكة، ثم رجع إلى قومه، ثم قدم جماعة من الأشعريين إلى النبي -ﷺ- حين فتح خيبر، ولاه النبي -ﷺ- اليمن، ثم ولاه عمر البصرة ... مات بالكوفة وقيل: بمكة سنة ٤٤هـ. \"الإصابة ٤/ ٢١١\".\n٢ أخرجه مسلم: كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الإكسال، والترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان، وجب الغسل، وابن ماجة: كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان.\n٣ تقدم تخريجه في باب النسخ.\n٤ هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله -ﷺ- وخادمه.\nتوفي سنة ٩٣هـ. \"صفة الصفوة ١/ ٢٩٨، الأعلام ١/ ٣٦٥\".\n٥ هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام.\nتوفي بالطاعون سنة ١٨هـ. \"حلية الأولياء ١/ ١٠٠، والأعلام ٤/ ٢١\".\n٦ هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو الأنصاري الخزرجي، كان فارسًا =","vol":"1","page":318},{"text":"وأبي بن كعب١ شرابًا من فضيخ٢، إذ أتانا آت فقال: إن الخمرة قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس \"قم إلى هذه الجرار فاكسرها\" فكسرتها٣.\nورجع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد٤ في الصرف٥.\n_________\n= شديدًا، وقى النبي -ﷺ- بصدره من قبل المشركين في أحد، تصدق بحديقة كانت له لما نزل قوله الله -تعالى-: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ توفي سنة ٥٠هـ. \"الإصابة ٢/ ٦٠٧\".\n١ هو: أبي بن كعب بن قيس بين عبيد بن النجار الأنصاري، سيد القراء، من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرًا وما بعدها، وكان من كتاب الوحي. توفي سنة ٢٠هـ. وقيل غير ذلك.\nانظر: \"الإصابة ١/ ٢٧، البداية والنهاية ٧/ ٩٧\".\n٢ الفضيخ: هو أن يجعل التمر في إناء ثم يصب عليه الماء الحار، فيستخرج حلاوته، ثم يغلى ويشتد. التعريفات للجرجاني ص١٦٧.\n٣ حديث صحيح، رواه البخاري \"٣/ ٣٢١\" بحاشية السندي، ومسلم \"١٣/ ١٥١\" مع شرح النووي، ومالك في الموطأ \"٣/ ١٥٥\" مع المنتقى.\n٤ هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الخزرجي، الأنصاري، الخدري، من علماء الصحابة، وحفاظها المكثرين. توفي سنة ٧٤هـ.\nانظر: \"الاستيعاب ٤/ ١٦٧١، تاريخ بغداد ١/ ١٨٠\".\n٥ حديث ابن عباس: \"إنما الربا في النسيئة\" تقدم الحديث عنه. أما حديث أبي سعيد الذي رجع إليه ابن عباس فهو: ما أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الفضة، وأحمد في مسنده \"٣/ ٩\" ومسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، ولفظه: قال رسول الله -ﷺ-: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر وبالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء\".","vol":"1","page":319},{"text":"ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة١.\nوكان زيد بن ثابت٢ يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف٣.\nفقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي -ﷺ- بذلك؟ فأخبرته، فرجع زيد يضحك وقال لابن عباس: \"ما أراك إلا قد صدقت\".\nوالأخبار في هذا أكثر من أن تحصى.\nواتفق التابعون عليه أيضا٤. وإنما حدث الاختلاف بعدهم.\n_________\n١ تقدم قريبًا.\n٢ هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، كان من كتاب الوحي وهو الذي تولى جمع القرآن في عهد أبي بكر -﵁- وهو أعلم الصحابة بالفرائض فقال -ﷺ-: \"أفرضكم زيد\" توفي سنة ٤٢هـ. \"الإصابة ٢/ ٥٩٤، الاستيعاب ١/ ٥٥١\".\n٣ أي: لا ترجع إلى بلدها إلا إذا طافت طواف الوداع.\nوكان زيد بن ثابت يفتي بذلك، حتى علم بخبر ابن عباس، الذي أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت \"أي: طافت طواف الإفاضة\". ولفظه: عن عكرمة قال: إن أهل المدينة سألوا ابن عباس -﵄- عن امرأة طافت، ثم حاضت؟ قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا \"أم سليم\" فقالت: إن صفية بنت حيي -زوج النبي -ﷺ- حاضت فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال: \"أحابستنا هي؟ \"\nقالوا: إنها أفاضت. قال: \"فلا إذن\".\nأخرجه مسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوادع وسقوطه عن الحائض، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج، باب ترك الحائض الوداع.\n٤ أي: أن التابعين اتفقوا على العمل بخبر الواحد، كما اتفق الصحابة -﵃- وما وقع الاختلاف إلا بعد عصر التابعين.","vol":"1","page":320},{"text":"فإن قيل: لعلهم عملوا بأسباب قارنت هذه الأخبار، لا بمجردها، كما أنهم أخذوا بالعموم، وعملوا بصيغة الأمر والنهي، ولم يكن ذلك نصًّا صريحًا فيها١.\nقلنا: قد صرحوا بأن العمل بالأخبار؛ لقول عمر: \"لولا هذا لقضينا بغيره\".\nوتقدير قرينة وسببها هنا كتقدير قرائن مع نص الكتاب والأخبارالمتواترة وذلك يبطل جميع الأدلة.\nوأما العموم، وصيغة الأمر والنهي، فإنها ثابتة، يجب الأخذ بها، ولها دلالات ظاهرة، تعبدنا بالعمل بمقتضاها، وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها فهي كمسألتنا٢.\nوإنما أنكرها من لا يعتد بخلافه، وأعتذروا بأنه لم ينقل عنهم في صيغة الأمر والعموم تصريح٣.\n_________\n١ هذا اعتراض حاصله: أنهم ربما عملوا بخبر الواحد لأسباب وقرائن قارنت الأخبار لا بمجردها، كما أنهم عملوا بالعمومات، والأمر والنهي، وكلها نصوص غير صريحة، فعملوا بها مع القرائن أيضًا.\nوأجاب المصنف عن ذلك: بأنه لم ينقل عنهم إلا الأخذ بالأخبار، كما في خبر حمل بن مالك المتقدم. ولو قدر وجود قرائن هنا لقدر ذلك مع آيات القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وهذا يؤدي إلى إبطال جميع الأدلة، لأنه لا يستدل بها منفردة عن القرائن، وهذا غير صحيح.\n٢ هذا رد من المصنف على أولئك الذين قالوا: إن العمل بالأخبار والألفاظ العامة، والأوامر والنواهي، بناء على قرائن احتفت بها، وليس منها مجردة.\nوخلاصته: بأن صيغ العموم، والأمر والنهي لها دلالات ظاهرة وواضحة، كلفنا بالعمل بمقتضاها، والسلف الصالح عملوا بها مجردة عن القرائن وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها كما في الأخبار.\n٣ هذا كالحجة لمن ينكر دلالة الأخبار، والعمومات، والأمر والنهي. =","vol":"1","page":321},{"text":"فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة١.\nفلم يقبل النبي -ﷺ- خبر ذي اليدين٢،\n_________\n= مضمونها: أنه لم ينقل عن السلف: أنهم عملوا بها مجردة، وفي هذا إشارة إلى أنه كانت هنالك قرائن لم يذكروها.\nهذا معنى كلام المصنف، والواقع أن هذه الجملة ليس محلها هنا، وإنما كانت تأتي عند حكاية مذهبهم، كما فعل الغزالي، إلا أن المصنف دأب على اختصار العبارات، وعلى التقديم والتأخير مما جعل المعنى غير مترابط، وإلا فجملة: \"واعتذروا\" ليس لها محل هنا. يوضح ذلك عبارة الغزالي حيث قال:\n\"فإن قيل: لعلهم عملوا بها [يقصد الأخبار] مع قرائن أو بأخبار أخر صاحبتها، أو ظواهر ومقاييس وأسباب قارنتها، لا بمجرد هذه الأخبار -كما زعمتم-.\nكما قلتم بالعموم وصيغة الأمر والنهي ليس نصًّا صريحًا على أنهم عملوا بمجردها، بل بها مع قرائن قارنتها ... \".\n١ هذا اعتراض على قول المصنف -في أول المسألة: ولنا دليلان قاطعان، أحدهما: إجماع الصحابة على قبوله إلى آخر الأمثلة التي تقدمت، فكأن المخالف يقول: كيف تدعون الإجماع على القبول، مع أن هناك أدلة آخرى كثيرة، بلغت حد الإجماع -أيضًا- برد العمل بخبر الواحد، ثم بدأ يذكر أمثلة لذلك.\n٢ ذو اليدين: هو الخرباق بن عمرو، من بني سليم، قيل له: ذو اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، فسماه -ﷺ-: ذا اليدين، عاش بعد النبي -ﷺ- حتى روى عنه بعض المتأخرين من التابعين. انظر في ترجمته: \"الإصابة ١/ ٤٨٩، تهذيب الأسماء ١/ ١٨٥\".\nوحديثه -في السهو في الصلاة- حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، ومسلم: كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين، والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين =","vol":"1","page":322},{"text":"ولم يقبل \"أبو بكر\" خبر \"المغيرة\" وحده في ميراث الجدة١.\nو\"عمر\" لم يقبل خبر \"أبي موسى\" في الاستئذان٢.\nورد \"علي\" خبر معقل بن سنان الأشجعي٣ في \"بروع\"٤.\n_________\n= من الظهر والعصر، كما أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما.\nولفظ مسلم -عن أبي هريرة -﵁- قال: صلى لنا رسول الله -ﷺ- صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: -ﷺ-: \"كل ذلك لم يكن\" قال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.\nفأقبل رسول الله -ﷺ- ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.\n١ تقدم تخريجه قريبًا.\n٢ عن عمر -﵁- أن أبا موسى استأذن عليه ثلاثًا، فلم يؤذن له، فانصرف، فأرسل إليه \"عمر\": لم انصرفت؟ فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثًا، فلم يؤذن له فلينصرف\". فقال من يشهد ذلك؟ فمضى أبو موسى إلى الأنصار، فقالوا: نبعث معك بأصغرنا: أبي سعيد الخدري، فمضى فسمع \"عمر\" منهما.\nروى هذه القصة: البخاري في كتاب الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم في كتاب الآداب، باب: الاستئذان، وأبو داود: كتاب الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، والترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب الاستئذان، والدارمي: كتاب الاستئذان، باب: الاستئذان ثلاثًا.\n٣ هو: معقل بن سنان بن مظهر بن غطفان الأشجعي، كان يحمل لواء قومه يوم الفتح ويوم حنين، قتله عقبه بن مسلم سنة ٦٣هـ.\n٤ هي: بروع -بكسر الباء أو فتحها وسكون الراء وفتح الواو- بنت واشق =","vol":"1","page":323},{"text":"..........................................................\n_________\n= الأشجعية، زوج هلال بن مرة، روت أن رجلًا عقد عليها ولم يفرض لها مهرًا، وفوضت إليه ذلك، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقضى لها رسول الله -ﷺ- بصداق نسائها: انظر: الإصابة \"٤/ ٢٥١\".\nوأما الخبر الذي رده \"علي\" -﵁- فهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"١/ ٤٤٧\" وأبو داود في كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات حديث رقم \"٢١١٤\" والترمذي في كتاب النكاح، باب \"٤٤\" حديث رقم \"١١٤٥\" والنسائي في سننه \"٦/ ١٢١\" وابن ماجه في كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها حديث رقم \"١٨٩١\" ولفظه: عن ابن مسعود -﵁- أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض فيها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، ولا وكسَ ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله -ﷺ- في بروع بنت واشق -امرأة منا- مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود.\nوكان \"علي\" -﵁- لا يرى ذلك ويقول: \"لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابي بوال على عقبيه\".\nورواية البيهقي في سننه \"٧/ ٢٤٧\": \"لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله\".\nوقد ضعف بعض المحدثين عبارة \"بوال على عقبيه\" وأن ذلك لا يصح عن \"علي\" وفي إسناد هذه الرواية: أبو إسحاق الكوفي. قال عنه الأزدي: ليس بثقة. انظر: ميزان الاعتدال \"٤/ ٤٨٨\"، تخريج أحاديث اللمع ص٢٢١، ٢٢٢.\nوقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه \"٦/ ٢٩٣\": أن عليًّا -﵁- كان يجعل لها الميراث وعليها العدة، ولا يجعل لها صداقا، ويقول: \"لا نصدق الأعراب على رسول الله -ﷺ-\".","vol":"1","page":324},{"text":"وردت \"عائشة\" خبر \"ابن عمر\" في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه١.\nقلنا: الجواب من وجهين:\nأحدهما: أن هذا حجة عليهم؛ فإنهم قد قبلوا الأخبار التي توقفوا عنها بموافقة غير الراوي له، ولم يبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرج عن رتبةالآحاد إلى رتبة التواتر.\nوالثاني: أن توقفهم كان لمعان مخصصة بهم.\nفتوقف النبي -ﷺ- في خبر \"ذي اليدين\" ليعلمهم: أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد١.\n_________\n١ روى يحيي بن عبد الرحمن عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: \"الميت يعذب ببكاء أهله عليه\" فقالت عائشة -﵂-: يرحمه الله، لم يكذب، ولكنه وهم، إنما قال رسول الله -ﷺ- لرجل مات يهوديًّا: \"إن الميت ليعذب، وإن أهله ليبكون عليه\". حديث صحيح: رواه البخاري حديث \"١٢٨٨\" ومسلم حديث \"٣٩١\" والترمذي حديث \"١٠٠\" والنسائي \"٤/ ١٧\" ومالك في الموطأ \"١/ ٢٣٤\" بلفظ: \"أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ\".\n١ خلاصة الرد الثاني: أن هذه الأخبار كان لها ظروف خاصة اقترفت بها: فخبر ذي اليدين، كان الناس كثيرين خلف النبي -ﷺ- وفيهم من هو أضبط لأفعال الصلاة من ذي اليدين، فلذلك أراد النبي -ﷺ- أن يتأكد بوقوع ذلك.\nوأما خبر \"المغيرة\" فلعل أبا بكر -﵁- قد غلب فيه جانب الشهادة على المال، وهو يثبت حقًّا ماليًّا مؤبدًا، وهو ميراث الجدة، فكان ذلك مناسبًا للتوقف والتأكد.\nوأما رد سيدنا عمر لخبر أبي موسى، فواضح الدلالة، حيث كان -﵁- شديد الحرص على عدم دخول شيء في السنة ليس منها.\nوأما حديث \"ابن عمر\" الذي ردته \"عائشة\" -﵂- فإنما ردته لا من =","vol":"1","page":325},{"text":"وأما أبو بكر -﵁-: فلم يرد خبر \"المغيرة\" وإنما طلب الاستظهار بقول آخر، وليس فيه ما يدل على أنه لا يقبل قوله لو انفرد.\nوأما عمر -﵁- فإنه كان يفعل ذلك سياسة؛ ليتثبت الناس في رواية الحديث، وقد صرح به فقال: \"إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -ﷺ-\".\nوعائشة -﵂- لم ترد خبر \"ابن عمر\" وإنما تأولته.\nالدليل الثاني١:\nما تواتر من إنفاذ رسول الله -ﷺ- أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات وتبليغ الرسالة.\nومن المعلوم: أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي -ﷺ- مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به.\nدليل ثالث٢:\nأن الإجماع انعقد على وجوب قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى، فإن تطرق الغلط\n_________\n= حيث الكذب، وإنما من حيث الوهم، أو الخطأ والنسيان.\nوكل هذه الملابسات لا تقوى على الطعن في العمل بخبر الآحاد.\n١ هذا هو الدليل الثاني على وجوب التعبد بخبر الواحد.... حيث قال في أول الفصل: ولنا دليلان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة، وهذا هو الثاني.\n٢ هذا دليل ثالث على وجوب العمل بخبر الواحد. ولما لم يكن في قوة الدليلين السابقين لم يضمه إلى الدليلين السابقين.\nوخلاصة هذا الدليل: قياس خبر الواحد على ما يفتي به المفتي، بجامع =","vol":"1","page":326},{"text":"إلى المفتي كتطرق الغلط إلى الراوي؛ لأن المجتهد -وإن كان مصيبًا- فإنما يكون مصيبا إذا لم يفرط.\nوربما ظن أنه لم يفرط، ويكون قد فرط، وهذا عند من يجوز تقليد مقلد بعض الأئمة أولى، فإنه إذا جاز أن يروي مذهب غيره، لم لا يجوز أن يروي قول غيره.\nفإن قيل:\nهذا قياس لا يفيد إلا الظن، وخبر الواحد أصل لا يثبت بالظن.\nثم الفرق بينهما: أن هذا حال ضرورة، فإنا لو كلفنا كل أحد الاجتهاد تعذر١.\nقلنا: لا نسلم أنه مظنون، بل هو مقطوع بأنه في معناه؛ فإنا إذا قطعنا بخبر الواحد في البيع، قطعنا به في النكاح، ولم يختلف باختلاف المروي فيه، ولم يختلف ههنا إلا المروي عنه، فإن هذا يروي عن ظنه، وهذا يروي عن غيره٢.\n_________\n= حصول الظن فيهما؛ أما في الفتيا: فإنه يغلب على ظن المفتي والمستفتي أن ما أفتى به هو حكم الله تعالى.\nوأما في الراوي: فلأنه يغلب على ظن السامع أن ما رواه ثابت عن رسول الله -ﷺ- فيجب أن يقبل؛ قياسًا على الفتيا: انظر: \"شرح مختصر الروضة ج٢ ص١٣١-١٣٢\".\n١ خلاصة هذا الاعتراض: أن هذا القياس ظني؛ فلا يثبت به العمل بخبر الواحد؛ لأنه أصل قوي، فلا يثبت بمثل هذا القياس.\n٢ خلاصة الجواب على هذا الاعتراض: أن كون القياس المذكور ظنيًّا محل النزاع، ونحن لا نسلم به، بل هو جلي قاطع، فإنه لا فارق بين الرواي والمفتي، إلا أن هذا يخبر عن غيره، وهذا يخبر عن ظنه. =","vol":"1","page":327},{"text":"وقولهم: \"إنه يفضي إلى تعذر الأحكام\" ليس كذلك، فإن العامي يرجع إلى البراءة الأصلية، واستصحاب الحال، كما قلتم في المجتهد إذا لم يجد قاطعًا١.\nفصل: وذهب الجبائي٢ إلى أن خبر الواحد إنما يقبل إذا رواه عن النبي -ﷺ- اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى أن يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاسه على الشهادة.\nوهذا باطل بما ذكرناه من الدليل على قبول خبر الواحد.\nولا يصح قياسه على الشهادة؛ فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة، وكذلك لا تعتبر الرواية في الزنى أربعة، كما يعتبر ذلك في الشهادة فيه٣.\n_________\n= قال الطوفي -مضيفًا ردًا آخر-: \"وتحرير الجواب عن الاعتراض المذكور: إما بما ذكرناه من منع كون القياس المذكور ظنيًّا، أو بمنع كون محل النزاع -وهو جواز التعبد بخبر الواحد- قطعيًّا بل هو اجتهادي فيثبت بدلالته الظنية كالقياس المذكور وغيره\". \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٣٢\".\n١ هذا رد على قولهم: \"إن حالة الإفتاء حالة ضرورة، فلو كلفنا كل واحد بالاجتهاد لتعذرت الأحكام\".\nخلاصته: أن ذلك لا يفضي إلى تعذر الأحكام، فإن العامي إذا لم يصل إلى الحكم بناء على دليل، استطاع أن يرجع إلى البراءة الأصلية، وهي عدم التكليف.\nهذا معنى كلامه، وفيه نظر، فإن العامي لا يعرف ذلك.\n٢ هو: أبو علي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، رأس المعتزلة وشيخهم، من أشهر مؤلفاته: \"تفسير القرآن\" و\"متشابه القرآن\" توفي سنة ٣٠٣هـ. انظر: \"الفرق بين الفرق ص١٨٣، فرق وطبقات المعتزلة ص٨٥\".\n٣ معنى كلام المصنف في هذا الفصل: أن أبا علي الجبائي يشترط في قبول خبر =","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>فصل: [في شروط الراوي] </span>١\nويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط:\nالإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط.\nأما الإسلام: فلا خلاف في اعتباره؛ فإن الكافر متهم في الدين٢.\n_________\n= الواحد أن يرويه عن النبي -ﷺ- اثنان، ثم يرويه عن كل واحد اثنان، وهكذا إلى الحد الذي يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاس خبر الواحد على الشهادة.\nورد عليه المصنف من وجهين:\nالأول: الأدلة المتقدمة التي دلت على وجوب العمل بخبر الواحد وهي صحيحة وكثيرة.\nالثاني: عدم صحة قياس خبر الواحد على الشهادة لأنها تفارق الخبر من أوجه كثيرة منها: أن الشهادة دخلها التعبد، ولذلك لا تقبل فيها النساء بدون الرجال، إلا في المواضع التي لا يصح اطلاع الرجال عليها.\nومنها: أن الشهادة إنما تكون على معين من الناس، فاحتيط له أكثر من غيره، بخلاف الرواية فإنها تكون في جملة أحكام الناس، وينبني عليها قواعد كلية، فلا يتجرأ المسلم على الكذب فيها.\n١ لما انتهى المصنف من بيان جواز التعبد بخبر الواحد عقلًا وسمعًا، أراد أن يبين أن الواحد الذي تقبل روايته له شروط لا بد من تحقيقها.\n٢ فلا يؤتمن عليه من خبر ديني، كالرواية، والإخبار عن جهة القبلة، ولا يقبل خبره في وقت الصلاة، وطهارة موضعها، وطهارة الماء، ووقت السحور والإفطار، والأصل في ذلك قوله سبحانه: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]\nوقوله -تعالى-: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ =","vol":"1","page":329},{"text":"فإن قيل: هذا يتجه في كافر لا يؤمن بنبينا -ﷺ- إذ لا يليق بالسياسة تحكيمه في دين لا يعتقد تعظيمه.\nأما الكافر المتأول: فإنه معظم للدين، يمتنع من المعصية، غير عالم أنه كافر، فلم لا تقبل روايته؟\nقلنا: كل كافر متأول، فاليهودي -أيضًا- متأول؛ فإن المعاند هو الذي يعرف الحق بقلبه ويجحده بلسانه، وهذا يندر، بل تورّع هذا من الكذب كتورع اليهودي، فلا يلتفت إلى هذا، ولا يستفاد هذا المنصب بغير الإسلام١.\nوقال أبو الخطاب -في الكافر والفاسق المتأولين-: إن كان داعية فلا يقبل خبره؛ فإنه لا يؤمن أن يضع حديثًا على موافقة هواه، وإن لم يكن داعية:\nفكلام أحمد -﵀- يحتمل الأمرين: من القبول وعدمه؛ فإنه قد قال: \"احتملوا الحديث من المرجئة\"٢.\nوقال: يكتب عن القدري٣ إذا لم يكن داعية.\n_________\n= ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل﴾ [الممتحنة: ١] أي لا تتولهم في الدين، وهذه الفروع من الدين: شرح المختصر \"٢/ ١٣٦\".\n\"وهذا ما أكده القرآن الكريم في العديد من آياته، يقول الله تعالى في سورة البقرة آية: ١٤٦: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .\n٢ المرجئة: طائفة من أهل الكلام، يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والمحبة والخضوع، بالقلب والإقرار بالوحدانية، وما جاءت به الرسل ليس داخلًا في أصل الإيمان، فلا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة، وهم فرق كثيرة. انظر في معتقداتهم: \"الفرق بين الفرق ص٢٠٣، والملل والنحل ١/ ١٨٦\".\n٣ تقدم التعريف بالقدرية.","vol":"1","page":330},{"text":"واستعظم الرواية عن سعد العوفي١ وقال: هو جهمي، امتحن فأجاب٢.\nواختار أبو الخطاب: قبول رواية الفاسق المتأول، لما ذكرناه، وأن توهم الكذب منه كتوهمه من العدل؛ لتعظيمه المعصية وامتناعه منها، وهو مذهب الشافعي.\nولذلك كان السلف يروي بعضهم عن بعض، مع اختلافهم في المذاهب والأهواء٣.\n_________\n١ هو: سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعيد العوفي، ضعيف، قال فيه الإمام أحمد: \"جهمي\" وقال: \"ولم يكن هذا -أيضًا- ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك\" توفي سنة ٢٧٦هـ. انظر: تاريخ بغداد \"٩/ ١٢٦\".\n٢ وعبارة أبي يعلى في العدة \"٣/ ٩٤٨\": \"امتحن فأجاب قبل أن يكون ترهيب\".\nوالجهمية: فرقة تنسب إلى \"جهم بن صفوان\" من الجبرية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأولية: ونفي عن الله -كل ما يوصف به خلقه: كالعلم والحياة، ويقول: إن الإنسان لا يقدر على شيء، وتنسب له الأفعال مجازًا، كما تنسب للجماد، ويقول بفناء الجنة والنار، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، كما ينفي رؤية الله -تعالى- في الآخرة.\nانظر: في عقيدة هذه الفرقة \"الملل والنحل جـ١ ص٨٧\".\n٣ أرى أن تعليل ابن قدامة في قبول رواية الفاسق المتأول بالقياس على اختلاف السلف الصالح، غير مقبول، وهو قياس مع الفارق، فاختلاف السلف كانت له أسباب ومبررات مشروعة، مثل: اختلاف الرواية، أو عدم اطلاع البعض على الدليل أصلًا، وما إلى ذلك من الأسباب التي تذكر في بيان سبب الخلاف.\nوالذي نرجحه في هذه المسألة: عدم قبول رواية الفاسق، حتى لو كان متأولًا.\nوما نقله المصنف عن الشافعي يخالف ما نقل عنه في الأم، حيث رأى عدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسق \"الأم ٥/ ٢٢\".","vol":"1","page":331},{"text":"والثاني: التكليف:\nفلا يقبل خبر الصبي والمجنون، لكونه لا يعرف الله -تعالى- ولا يخافه، ولا يلحقه مأثم، فالثقة به أدنى من الثقة بقول الفاسق؛ لكونه يعرف الله -تعالى- ويخافه، ويتعلق المأثم به، ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر عن نفسه -وهو الإقرار- ففيما يخبر به عن غيره أولى١.\nأما ما سمعه صغيرًا، ورواه بعد البلوغ: فهو مقبول؛ لأنه لا خلل في سماعه ولا أدائه.\nولذلك: اتفق السلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة: كابن عباس، وعبد الله بن جعفر٢، وعبد الله بن الزبير٣،....\n_________\n= وقال الغزالي: \"ومذهب الشافعي: أن الكفر نقصان، والفسق يوجب الرد للتهمة\". \"المستصفى جـ٢ ص٢٤٢\".\nوقال: \"وتورع المتأول عن الكذب كتورع النصراني، فلا ينظر إليه، بل هذا المنصب لا يستفاد إلا بالإسلام، وعرف ذلك بالإجماع، لا بالقياس\" المصدر السابق ص٢٣٠.\nقال الشيخ الشنقيطي: \"اعلم أن الكافر لا تقبل روايته على التحقيق ولو كان متأولًا معظمًا للدين؛ لأن منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام، وخلاف من خالف في هذا لا يعول عليه\" مذكرة أصول الفقه ص١١٢.\n١ فرق بعض العلماء بين الصبي المميز وغير المميز، فقلبوا رواية المميز. قال القاضي أبو يعلى: \"فأما تحمله الخبر، إن كان عاقلًا مميزًا، ورواه بعد بلوغه، فجائز؛ لإجماع السلف على عملهم بخبر ابن عباس وابن الزبير..... وغيرهم من أحداث الصحابة\". \"العدة جـ٣ ص٩٤٩\".\n٢ هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ولد بأرض الحبشة لما هاجر إليها أبواه: جعفر، وأسماء بنت عميس، التي تزوجها أبو بكر بعد وفاة جعفر، ثم علي -بعد أبي بكر-. كانت سنّه عند وفاة النبي -ﷺ- عشر سنين توفي سنة ٨٠هـ. انظر: \"الإصابة ٤/ ٤٠\".\n٣ هو: عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الأسدي، ولد سنة اثنتين من الهجرة، =","vol":"1","page":332},{"text":"والحسن١، والحسين٢، والنعمان بن بشير٣، ونظرائهم.\nوعلى ذلك درج السلف والخلف: في إحضارهم الصبيان مجالس السماع، وقبولهم لشهادتهم فيما سمعوه قبل البلوغ.\nوالثالث: الضبط٤:\nفمن لم يكن حاله السماع ممن يضبط، ليؤدي في الآخرة٥ على\n_________\n= وقيل في السنة الأولى، وأمه أسماء بنت أبي بكر، بويع بالخلافة سنة ٦٤هـ عقب موت يزيد، ولم يتخلف عن مبايعته إلا أهل الشام، ثم قتل وصلب سنة ٧٣هـ. \"الاستيعاب ٣/ ٩٠٥\".\n١ هو: الحسن بن علي بن أبي طالب، ابن بنت رسول الله -ﷺ- السيدة فاطمة الزهراء ولد سنة ٣ للهجرة، تولى الخلافة بعد مقتل أبيه، ثم تنازل عنها لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين. توفي بالمدينة سنة ٤٩هـ. \"الإصابة ٢/ ٦٨\".\n٢ هو: الحسين بن علي بن أبي طالب، سبط رسول الله -ﷺ- وابن السيدة فاطمة الزهراء، سيد شباب أهل الجنة، قتل في كربلاء على يد عبيد الله بن زياد سنة ٦١هـ. \"الإصابة ٢/ ٧٦\".\n٣ هو: النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة النبي -ﷺ- بثمان سنين، تولى إمرة الكوفة في خلافة معاوية ستة أشهر، ثم تولى له إمرة حمص، ولابنه يزيد من بعده، ولما مات يزيد دعا لابن الزبير، فخالفه أهل \"حمص\" وقتلوه سنة ٦٤هـ. \"الاستيعاب ٤/ ١٤٩٦\".\n٤ أصل الضبط: إمساك الشيء باليد، أو اليدين، إمساكًا يؤمن مع الفوات، ثم استعمل -مجازًا- في حفظ الوالي ونحوه البلاد بالحزم وحسن السياسة، وفي حفظ المعاني بألفاظها، أو بدونها بالقوة الحافظة.\nويستعمل في اصطلاح المحدثين في التحري والتشديد في النقل، والمبالغة في إيضاح الخط بالإعراب، والشكل، والنقط. \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٤٤-١٤٥\".\n٥ أي بعد البلوغ.","vol":"1","page":333},{"text":"الوجه١، لم تحصل الثقة بقوله.\nالرابع: العدالة٢:\nفلا يقبل خبر الفاسق؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣. وهذا زجر عن الاعتماد على قبول [قول] الفاسق.\nولأن من لا يخاف الله -سبحانه- خوفًا يزعه٤ عن الكذب لا تحصل الثقة بقوله.\n_________\n١ عبارة المستصفى: \"على وجهه\" أي: لم يغير اللفظ ولا المعنى.\n٢ قال الغزالي: \"والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين.\nويرجع حاصلها إلى: هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله -تعالى- خوفًا وازعًا عن الكذب.\nثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكفي -أيضًا- اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما يرد به، كسرقة بصلة، وتطفيف حبة قصدًا.\nوبالجملة: كل ما يدل على ركاكة دينه، إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية\". \"المستصفى جـ٢ ص٢٣١\".\n٣ سورة الحجرات من الآية: ٦.\n٤ يزعه: أي يكفه ويمنعه.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>فصل: [في حكم خبر مجهول الحال]</span>\nولا يقبل خبر مجهول الحال في هذه الشروط، في إحدى الروايتين١.\n_________\n١ عن الإمان أحمد -﵁-.","vol":"1","page":334},{"text":"وهو مذهب الشافعي١.\nوالأخرى يقبل مجهول الحال في العدالة خاصة، دون بقية الشروط. وهو مذهب أبي حنيفة٢.\nووجهه: أربعة أدلة٣:\nأحدها: أن النبي -ﷺ- قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه إلا الإسلام٤.\n_________\n١ بل مذهب أكثر الشافعية والمالكية والحنابلة، وبعض الحنفية.\nانظر: \"المستصفى جـ٢ ص٢٣٣ وما بعدها، المسودة ص٢٥٣، كشف الأسرار على أصول البزدوي جـ٢ ص٤٠٠\".\n٢ اتفق العلماء على عدم قبول رواية مجهول الحال في: الإسلام، والتكليف، والضبط. واختلفوا في قبول خبر مجهول العدالة على مذهبين -كما قال المصنف-.\nوتحرير الخلاف في هذه المسألة متفرع على: هل شرط قبول الرواية العلم بعدالة الراوي، أو عدم العلم بالفسق؟\nفإن قلنا: شرط القبول العلم بعدالته، لم تقبل رواية المجهول، لأننا لم نعلم بتحققها فيه.\nوإن قلنا: الشرط هو عدم العلم بالفسق، قبلت رواية المجهول؛ لعدم العلم بفسقه. انظر: \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٤٧\".\nوقد فرق السرخسي في أصوله \"١/ ٣٥٢\" بين مجهول الحال في القرون الثلاثة التي شهد لها الرسول -ﷺ- بالخيرية، وبين غيره من القرون الأخرى فقال: \"المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه، ما لم يتبين منه ما ينزل عدالته، فيكون خبره حجة ... \" وهو تفصيل حسن.\n٣ أي أن صاحب المذهب الثاني، وهم القائلون بقبول رواية المجهول استدلوا بأربعة أدلة كما سيأتي.\n٤ حديث قبول شهادة الأعرابي: أخرجه الترمذي: كتاب الصوم، باب ما جاء في =","vol":"1","page":335},{"text":"الثاني: أن الصحابة كانوا يقبلون رواية الأعراب، والعبيد، والنساء؛ لأنهم لم يعرفوهم بفسق.\nالثالث: أنه لو أسلم، ثم روى أو شهد: فإن قلتم: لا تقبل فبعيد. وإن قلتم: تقبل فلا مستند لذلك إلا إسلامه، مع عدم ظهور الفسق منه، فإذا مضى لذلك زمان، فلا يجوز أن يجعل ذلك مستندًا لرد روايته.\nالرابع: أنه لو أخبر بطهارة الماء، أو نجاسته، أو أنه على طهارة: قبل ذلك حتى يصلح للائتمام به.\nولو أخبر بأن هذه الجارية المبيعة ملكه، أو أنها خالية عن زوج، قبل قولهم حتى ينبني على ذلك حل الوطء.\nووجه الرواية الأولى١ خمسة أمور:\n_________\n= الصوم بالشهادة، عن ابن عباس -﵄- ولفظه: \"جاء أعرابي إلى النبي -ﷺ- فقال: \"إني رأيت الهلال. قال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ \" قال: نعم. قال: \"يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدًا\".\nقال الترمذي: \"حديث ابن عباس فيه اختلاف، وروى سفيان الثوري وغيره عن سماك عن عكرمة عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبي -ﷺ- مرسلًا\".\nكما أخرجه أبو داود: كتاب الصيام، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان.\nعن ابن عباس مسندًا، وعن عكرمة مرسلًا، بلفظ قريب من لفظ الترمذي.\nكذلك أخرجه النسائي: كتاب الصيام، باب في قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان بنحو ما أخرجه أبو داود، ومثله ابن ماجه عن ابن عباس مسندًا.\n١ وهي: أن رواية المجهول لا تقبل.","vol":"1","page":336},{"text":"أحدها: أن مستند قبول خبر الواحد الإجماع، والمجمع عليه: قبول رواية العدل، ورد خبر الفاسق.\nوالمجهول الحال ليس بعدل، ولا هو في معنى العدل في حصول الثقة بقوله.\nالثاني: أن الفسق مانع كالصبا والكفر، فالشك فيه كالشك في الصبا والكفر من غير فرق.\nالثالث: أن شهادته لا تقبل، فكذلك روايته.\nوإن منعوا في المال١: سلموا في العقوبات.\nوطريق الثقة في الرواية والشهادة واحدة، وإن اختلفا في بقية الشروط.\nالرابع: أن المقلد إذا شك في بلوغ المفتي درجة الاجتهاد: لم يجز تقليده، بل قد سلموا أنه لو شك في عدالته وفسقه: لم يجز تقليده.\nوأي فرق بين حكايته عن نفسه اجتهاده، وبين حكايته خبرًا عن غيره؟\nالخامس: أنه لا تقبل شهادة٢ الفرع ما لم يعين شاهد الأصل فَلِمَ يجب تعيينه إن كان قول المجهول مقبولًا؟\nفإن قالوا: يجب تعيينه، لعل الحاكم يعرفه بفسق فيرد شهادته٣.\n_________\n١ معناه: إن قالوا: لا نسلم عدم قبول شهادته في المال، فقد سلموا بعدم القبول في العقوبات.\n٢ في الأصل \"رواية\" وما نقلناه من المستصفى.\n٣ معنى هذا: أنه في حال الشهادة، لا تقبل الشهادة الثانية، والتي =","vol":"1","page":337},{"text":"قلنا: إذا كانت العدالة هي: الإسلام من غير ظهور فسق، فقد عرف ذلك، فلم يجب التتبع١؟\nوأما قبول النبي -ﷺ- قول الأعرابي، فإن كونه أعرابيًّا لا يمنع كونه معلوم العدالة عنده إما بخبر عنده، أو تزكيته ممن عرف حاله، وإما بوحي، فمن سلم لكم أنه كان مجهولًا؟\nوأما الصحابة: فإنما قبلوا قول أزواج النبي -ﷺ- وقول من عرفوا حاله ممن هو مشهود العدالة عندهم، وحيث جهلوا ردُّوا.\nجواب ثان:\nأن الصحابة -﵃- لا تعتبر معرفة ذلك فيهم؛ لأنه مجمع على عدالتهم بتزكية النص لهم، بخلاف غيرهم٢.\nوأما الحديث العهد بالإسلام: فلا يسلم قبول قوله؛ لأنه قد يسلم الكاذب ويبقى على طبعه.\nوإن سلمنا قبول روايته فذلك لطراوة إسلامه، وقرب عهده بالإسلام.\n_________\n= تسمى فرعًا، على الشهادة حتي يعين الأصل الذي شهد على شهادته، فلو كان قول المجهول مقبولًا لم يحتج للتعيين.\n١ هذا مبني على الخلاف في العدالة والفسق: هل هما بحسب نفس الأمر وباطنه فيما بين المكلف وبين ربه، أو بحسب ما يظهر من أفعاله وحركاته الدالة -عادة- على باطنه، أو بحسب علمنا بحاله: عدالة أو فسقًا.\nفأهل العراق -من الحنفية- يقولون: العدالة عبارة عن إظهار الإسلام، مع سلامته عن فسق ظاهر، فكل مسلم مجهول الحال عندهم عدل.\nأما الجمهور فيقولون: لا تعرف عدالته إلا بخبرة باطنة، والبحث عن سيرته وسريرته. انظر: \"المستصفى جـ٢ ص٢٣٣\".\n٢ معناه: أن المجهول منهم عدل، بتزكية الشارع وتعديلهم جميعًا.","vol":"1","page":338},{"text":"وشتان بين من هو في طراوة البداية وبين من نشأ عليه بطول الألفة.\nفإن قيل: إذا كانت العدالة لأمر باطن، وأصله الخوف، ولا يشاهد، بل يستدل عليه بما يغلب على الظن: فأصل ذلك الخوف: الإيمان، فإنه يدل على الخوف دلالة ظاهرة، فلنكتف به؟\nقلنا: المشاهدة والتجربة دلت على أن فسّاق المسلمين أكثر من عدولهم فلا نشكك أنفسنا فيما عرفناه يقينًا.\nثم هلّا اكتفى به في شهادة العقوبات، وشهادة١ الأصل، وحال المفتي، وسائر ما سلّموه.\nوأما قول العاقد: فهو مقبول رخصة مع ظهور فسقه، لمسيس الحاجة إلى المعاملات.\nوأما الخبر عن نجاسة الماء وقلته، فلا نسلمه٢.\n_________\n١ في الأصل \"شاهد\" وما نقلناه عن المستصفى.\n٢ معناه: أن إخباره بنجاسة الماء وطهارته، وسائر الأمثلة التي ذكروها -غير مسلم، وإن سلّمنا بذلك، فلا تقاس عليه الرواية، لأن نجاسة الماء وطهارته، أحكام جزئية، ولا تعظم في قبولها منه، بخلاف الرواية، فإنها تثبت حكمًا شرعيًّا عامًّا، تعظم المفسدة بتقدير الكذب فيه.\nففرق بين من يقول: أنا متطهر، فصلوا خلفي، فلو فرض كذبه لترتب على ذلك فساد هذه الصلاة فقط، في واقع الأمر، مع أنها صحيحة في ظاهر الحكم.\nأما من روي: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، فعلى تقدير كذبه يبطل صلاة كثير من الناس.\nانظر في بيان ذلك: \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص١٥٥، ١٥٦\".","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>فصل: [فيما لا يشترط في الراوي]</span>\nولا يشترط في الرواية الذكورية؛ فإن الصحابة قبلوا قول عائشة وغيرها من النساء.\nولا البصر١؛ فإن الصحابة كانوا يروون عن عائشة -﵂- اعتمادًا على صوتها، وهم كالضرير في حقها.\nولا يشترط كون الراوي فقيها٢ لقوله -﵊-: \"رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\" ٣.\nوكانت الصحابة تقبل خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثًا واحدًا.\nولا يقدح في الرواية: العداوة والقرابة، لأن حكمها عام، لا يختص بشخص فيؤثر فيه ذلك٤\nولا يشترط معرفة نسب الراوي؛ فإن حديثه يقبل ولو لم يكن له\n_________\n١ فالضرير الضابط للصوت تقبل روايته، وإن لم تقبل شهادته.\n٢ خلافًا لمالك وأبي حنيفة وبعض العلماء، فإنهم يشترطون فقه الراوي ولذلك قدح أهل العراق في رواية أبي هريرة -﵁- لأنه لم يكن مشهورًا بالفقه، ويرد عليهم بالحديث الأتي.\n٣ لفظ الحديث: عن زيد بن ثابت -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه\" رواه أحمد في مسنده \"٥/ ١٨٣\" وأبو داود في سننه حديث \"٣٦٤٣\" والترمذي حديث \"٢٧٩٤\" وابن ماجه \"٢٣٠\" والطبري في الكبير \"٤٨٩١\"، \"٤٩٢٤\"، \"٤٩٢٥\"والطحاوي في مشكل الآثار \"٢/ ٢٣٢\".\n٤ وهذا بخلاف الشهادة، فإن العداوة أو القرابة تمنع من قبولها، كما هو معروف.","vol":"1","page":340},{"text":"نسب، فالجهل بالنسب أولى أن لا يقدح.\nولو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل فلا يقبل حديثه المتردد.\nفصل: في التزكية والجرح١\nاعلم أنه يسمع الجرح والتعديل من واحد في الرواية٢؛ لأن العدالة التي تثبت بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، بخلاف الشهادة.\n_________\n١ هذا الفصل في \"المستصفى\" بعنوان: الجرح والتعديل، ولم يذكر التزكية.\nوالتزكية: هي التعديل. والجرح: ضد التزكية.\nقال الطوفي: \"وحقيقة الجرح -بفتح الجيم- هو القطع في الجسم الحيواني بحديد أو ما قام مقامه، والجرح -بالضم- هو أثر الجرح -بالفتح- وهو الموضع المقطوع من الجسم، ثم استعمله المحدثون والفقهاء فيما يقابل التعديل مجازًا، لأنه في الدين والعرض، كما أن الجرح الحقيقي تأثير في الجسم.\nوالجرح -كما ذكر-: هو أن ينسب إلى الشخص ما يرد قوله لأجله، من فعل معصية كبيرة أو صغيرة، أو ارتكاب دنيئة.\nوبالجملة: ينسب إليه ما يخل بالعدالة التي هي شرط قبول الرواية ... \".\nثم قال: \"والتعديل خلافه، أي خلاف الجرح، فيكون إذن: نسبة ما يقبل لأجله قول الشخص، أي: أن ينسب إليه من الخير، والعفة والصيانة، والمروءة، والتدين، بفعل الواجبات، وترك المحرمات، ما يسوغ، قبول قوله شرعًا، لدلالة هذه الأحوال على تحري الصدق، ومجانية الكذب\" شرح المختصر \"٢/ ١٦٢-١٦٣\".\n٢ هذا هو مذهب الجمهور. قال الغزالي: \".... فشرط بعض المحدثين العدد في المزكي والجارح، كما في مزكي الشهادة.\nوقال القاضي: لا يشترط العدد في تزكية الشاهد، ولا في تزكية الراوي، وإن =","vol":"1","page":341},{"text":"وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة، كما تقبل روايتها.\nواختلفت الرواية١ في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه:\nفروي: أنه يقبل؛ لأن أسباب الجرح معلومة، فالظاهر أنه لا يجرح إلا بما يعلمه.\n_________\n= كان الأحوط في الشهادة الاستظهار بعدد المزكي.\nوقال قوم: يشترط في الشهادة دون الرواية. وهذه مسألة فقهية، والأظهر -عندنا- أنه يشترط في الشهادة دون الرواية، وهذا لأن العدد الذي تثبت به الرواية لا يزيد على نفس الرواية\". \"المستصفى جـ٢ ص٢٥٠-٢٥١\".\n١ عن الإمام أحمد. قال الطوفي: \"مذهب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أن التعديل لا يشترط بيان سببه، استصحابًا لحال العدالة، وهو قول الشافعي. بخلاف سبب الجرح، فإنه يشترط بيانه في أحد القولين عن أحمد، وهو قول الشافعي؛ وذلك لاختلاف الناس في سبب الجرح، واعتقاد بعضهم ما لا يصلح أن يكون سببًا للجرح جارحًا، كشرب النبيذ متأولًا، فإنه يقدح في العدالة عند مالك، دون غيره، كمن يرى إنسانًا يبول قائمًا، فيبادر لجرحه بذلك، ولم ينظر أنه متأول، مخطئ أو معذور، كما حكى عند النبي -ﷺ- أنه بال قائمًا؛ لعذر كان به. فينبغي بيان سبب الجرح؛ ليكون على ثقة واحتراز من الخطأ، والغلو فيه\".\nثم قال: \"والقول الثاني عن أحمد: لا يشترط بيان سبب الجرح -أيضًا- اكتفاءً بظهور أسبابه، فإنها ظاهرة مشهورة بين الناس، والظاهر من الجارح أنه إنما يجرح بما يعلمه صالحًا للجرح. والقول الأول أولى.\nومذهب أبي بكر في عدم اشتراط بيان السبب فيهما حسن جيد، فينبغي للحاكم أو المحدث، أن لا يقبل إلا قول الجازم، المتوسط بين المفرّط والمفْرط، فمن غلا في الجزم بما يصلح وما لا يصلح، لا يقبل قوله، ومن أحسن ظنه بالناس، واطرح الجزم، حتى عدل من يصلح ومن لا يصلح، لا يقبل قوله، لأن الأول إفراط، والثاني تفريط، وكلاهما مذموم، والصواب التوسط\". \"شرح المختصر جـ٢ ص١٦٤، ١٦٥\".","vol":"1","page":342},{"text":"وروي: أنه لا يقبل؛ لاختلاف الناس فيما يحصل به الجرح، من فسق الاعتقاد، والتدليس وغيره، فيجب بيانه ليعلم.\nوقيل: هذا يختلف باختلاف المزكِّي، فمن حصلت الثقة ببصيرته وضبطه يكتفى بإطلاقه.\nومن عرفت عدالته دون بصيرته فنستفصله.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>فصل: تعارض الجرح والتعديل</span>\n...\nأما إذا تعارض الجرح والتعديل: قدمنا الجرح؛ فإنه اطلاع على زيادة خفيت على المعدل١.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أنه إن كان عدد المجرحين أكثر من عدد المعدلين قدم الجرح بلا خلاف، فإن تساوي عدد المجرحين والمعدلين أو كان المعدلون أكثر، فالصحيح تقديم المجرحين؛ لأن مستند المعدل في تعديله: استحصاب حال العدالة الأصلية، وعدم الاطلاع على ما ينافيها. ومستند الجارح: الاطلاع على ما يقدح في العدالة، فقدم قوله، كراوي الزيادة في الحديث؛ لأنه سمع ما لم يسمعه غيره.\nوالقول الثاني: أنه إذا زاد عدد المعدلين على عدد المجرحين قدم قول المعدلين؛ لأن الكثرة تقوي الظن، والمعدل بأقوى الظنين واجب، كما في تعارض الحديثن والأمارتين وغيرهما من المتعارضات.\nقال المصنف: وهو ضعيف، فإن سبب التقديم زيادة العلم، فلا ينتفي ذلك بكثرة العدد.\nقال الطوفي: \"هذا إنما هو فيما إذا أمكن اطلاع الجارح على زيادة، أما إذا استحال ذلك، مثل أن قال الجارح: رأيت هذا قد قتل زيدًا في وقت كذا، وقال المعدل: رأيت زيداحيًّا بعد ذلك الوقت، فههنا يتعارضان، فيتساقطان، ويبقى أصل العدالة ثابتًا.\nقلت: ويحتمل هاهنا أن يقدم قول المعدل، لأن السبب الذي استند إليه =","vol":"1","page":343},{"text":"فإن زاد عدد المعدل على الجارح فقد قيل: يقدم التعديل، وهو ضعيف، لأن سبب التقديم زيادة العلم، فلا ينتفي ذلك بكثرة العدد.\nفصل: في التعديل\nوذلك: إما بقول، وإما بالرواية عنه، بخبر، أو بالحكم به.\nوأعلاها: صريح القول، وتمامه: هو عدل، رضي، ويبين السبب١\nالثاني: أن يروى عنه.\nوهل ذلك تعديل له؟ على روايتين٢:\nوالصحيح: أنه إن عرف من عادته، أو بصريح٣ قوله: أنه لا يستجيز الرواية إلا عن العدل، كانت الرواية تعديلًا له.\nوإلا فلا؛ إذ من عادة أكثرهم الرواية عمن لو كلفوا الثناء عليه لسكتوا، فليس فيه تصريح بالتعديل.\nفإن قيل: لو روى عن فاسق كان غاشًّا في الدين.\n_________\n= الجارح قد تبين بطلانه، فتبين به أن الجرح كأنه لم يكن، فيبقى التعديل مستقلًّا\". \"شرح المختصر جـ٢ ص١٦٦\".\n٢ أي: سبب التعديل: وإلا لم يقبل.\n٢ عن الإمام أحمد.\n٣ في الأصل \"تصريح\" وما نقلناه من المستصفى.","vol":"1","page":344},{"text":"قلنا: لم يوجب على غيره العمل به، بل قال: سمعت فلانًا قال كذا، وقد صدق فيه.\nثم لعله لم يعرفه بفسق ولا عدالة، فروى عنه ووكل البحث إلى من أراد القبول.\nالثالث: العمل بالخبر، إن أمكن حمله على الاحتياط، أو العمل بدليل آخر وافق الخبر، فليس بتعديل.\nوإن عرفنا يقينًا أنه عمل بالخبر فهو تعديل؛ إذ لو عمل بخبر غير العدل فَسَقَ.\nويكون حكم ذلك حكم التعديل بالقول من غير ذكر السبب.\nالرابع: أن يحكم بشهادته، وذلك أقوى من تزكيته بالقول.\nأما تركه الحكم بشهادته فليس بجرح؛ إذ قد يتوقف في شهادته لأسباب سوى الجرح.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>فصل: [في عدالة الصحابة]</span>\nوالذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف: أن الصحابة -﵃- معلومة عدالتهم بتعديل الله وثنائه عليهم.\nقال الله -تعالى-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ ١.\n_________\n١ سورة التوبة الآية: ١٠٠ وتمام الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .","vol":"1","page":345},{"text":"قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار﴾ ٢.\nوقال النبي -ﷺ- \"خير الناس قرني....\" ٣، وقال: \"إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا وأصهارًا وأنصارًا\" ٤.\nفأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب، وتعديل رسوله -ﷺ-؟\nولو لم يرد لكان فيما اشتهر وتواتر من حالتهم في طاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله -ﷺ- وبذل المهج٥ ما يكفي في القطع بعدالتهم.\nوهذا يتناول من يقع عليه اسم الصحابي، ويحصل ذلك بصحبته ساعة ورؤيته مع الإيمان به٦.\n_________\n١ سورة الفتح من الآية: ١٨.\n٢ سورة الفتح من الآية: ٢٩.\n٣ حديث صحيح رواه عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... \" أخرجه البخاري في أول كتاب فضائل الصحابة، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حديث رقم \"٢٥٣٥\" وأبو داود: كتاب السنة، باب في فضل أصحاب النبي -ﷺ-، حديث \"٤٦٥٧\" والترمذي: كتاب الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث. والنسائي: كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، وأحمد في المسند \"٤/ ٤٢٦، ٤٣٦، ٤٤٠\".\n٤ أخرجه الحاكم في المستدرك \"٣/ ٤٤٣\" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والخطيب في تاريخه \"١٣/ ١٤٠\" والطبراني في الكبير \"١٧/ ١٤٠\" بلفظ: \"إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا، فجعل لي بينهم وزراء وأنصارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناسب أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل\" قال الهيثمي في مجمع الزوائد \"١٠/ ١٧\": \"فيه من لم أعرفه\".\n٥ المهج: جمع مهجة، وهي الدم، أو الروح والنفس.\n٦ هذا تعريف للصحابي الذي تقدمت الأدلة على أنهم جميعًا عدول، وأن مجهول =","vol":"1","page":346},{"text":"ويحصل لنا العلم بذلك بخبره عن نفسه، أو عن غيره: أنه صحب النبي -ﷺ-.\nفإن قيل: إن قوله: [أنا صحابي] شهادة لنفسه، فكيف يقبل؟\nقلنا: إنما هو خبر عن نفسه بما يترتب عليه حكم شرعي يوجب العمل، لا يلحق غيره مضرة، ولا يوجب تهمة، فهو كرواية الصحابي عن النبي -ﷺ-.\n_________\n= الحال منهم تقبل روايته. هذا هو مقصود المصنف.\nوالذي ذكره في تعريف الصحابي هو رأي من الآراء التي قيلت في هذا المقام. وقد أجمل الغزالي هذه الآراء في المستصفى جـ٢ ص٢٦١ فقال: \"فإن قيل: القرآن أثنى عل الصحابة، فمن الصحابي؟ أمن عاصر رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟\nأو من لقيه مرة؟\nأو من صحبه ساعة؟\nأو من طالت صحبته؟ وما حد طولها؟\nقلنا: الاسم لا يطلق إلا على من صحبه، ثم يكفي للاسم -من حيث الوضع- الصحبة ولو ساعة. ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته\" وهناك آراء آخرى كثيرة، وبيان المدة التي يجب أن يصحب النبي -ﷺ- فيها تراجع في المطولات.\n١ قال الطوافي: \"بل يوجب تهمة، وهو تحصيل منصب الصحبة لنفسه، ويضر بالمسلمين، حيث يلزمهم قبول ما يرويه مع هذه التهمة\" شرح المختصر \"٢/ ١٨٧\" وقال ابن بدران: \"والحق أنه لا بد من تقييد من قال بقبول خبره أنه صحابي: أن تقوم القرائن الدالة على صدق دعواه، وإلا لزم خبر كثير من الكذابين الذين ادعوا الصحبة\".","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>فصل: [في حكم خبر المحدود في القذف]</span>\nالمحدود في القذف: إن كان بلفظ الشهادة: فلا يرد خبره؛ لأن نقصان العدد ليس من فعله١.\nولهذا روى الناس عن أبي بكرة٢، واتفقوا على ذلك، وهو محدود في القذف.\nوإن كان بغير لفظ الشهادة: فلا تقبل روايته حتى يتوب.\n_________\n١ خلاصة هذا الفصل: أن المحدود في القذف نوعان:\nأحدهما: أن يكون قذف غيره بلفظ الشهادة، مثل أن يشهد على إنسان بالزنا ولا تكتمل الشهادة فيحد لذلك، وهذا تقبل روايته، لأنه إنما يحد لعدم كمال نصاب الشهادة بالزنا وهو أربعة، وعدم كمال نصاب الشهادة ليس من فعله، فلا ترد شهادته.\nثانيهما: القذف بغير لفظ الشهادة، بأن يقول لآخر: يا زاني، يا عاهر، ونحو ذلك، فهذا ترد شهادته حتى يتوب، لأن هذا الحد إنما كان بسبب فعله، فسلب منه منصب الشهادة حتى يتوب، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] فإذا تاب قبلت روايته.\n٢ هو: نفيع بن الحارث الثقفي، ويقال: نفيع بن مسروح، المكنى بأبي بكرة، لأنه تدلى إلى النبي -ﷺ- من حصن الطائف وقت حصار النبي -ﷺ- له بعد \"حنين\" ببكرة، فاشتهر بها. كان من فضلاء الصحابة الذين سكنوا البصرة، واعتزال الفتنة بعد مقتل عثمان -﵁- وكان عمر -﵁- قد جلده حين شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم تكتمل الشهادة. توفي سنة ٥١هـ. انظر في ترجمته: \"الإصابة ٦/ ٤٦٧\".","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>فصل: في كيفية الرواية</span>\nوهي على أربع مراتب:\nأعلاها: قراءة الشيخ عليه في معرض الإخبار ليروي عنه.\nوذلك يسلّط الراوي أن يقول: حدثني، وأخبرني، وقال فلان، وسمعته يقول.\nالثانية: أن يقرأ على الشيخ فيقول: نعم، أو يسكت، فتجوز الرواية به، خلافًا لبعض أهل الظاهر.\nولنا: أنه لو لم يكن صحيحًا لم يسكت.\nنعم لو كان ثَمَّ مخيلة٢ إكراه، أو غفلة لا يكتفى بسكوته.\nوهذا يسلط الراوي على أن يقول: أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه.\nوهل يجوز أن يقول: أخبرنا، أوحدثنا؟ على روايتين٣:\nإحداهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يقول: سمعت من فلان.\nوالأخرى: يجوز. وهو قول أكثر الفقهاء٤.\nلأنه إذا أقر به كقوله: نعم. والجواب بنعم كالخبر، بدليل ثبوت أحكام الإقرار به.\nولذلك يقول: أشهدني على نفسه٥.\n_________\n١ هذه الكيفية لغير الصحابي، أما الصحابي: فقد تقدم حكمها.\n٢ مخيلة: مصدر خال الشيء يخاله: أي يظنه.\n٣ أي: عن الإمام أحمد.\n٤ ومنهم: أبو حنيفة ومالك وأكثر العلماء.\n٥ هذا تقوية للرواية الثانية: ومعناه: أن من قيل له: أَلِفلان عليك عشرة دراهم =","vol":"1","page":349},{"text":"وكذلك إذا قال الشيخ: أخبرنا، أو حدثنا، هل يجوز للراوي عنه إبدال إحدى اللفظتين بالأخرى؟\nعلى روايتين:\nوهل يجوز أن يقول سمعت فلانًا؟\nفقد قيل: لا يجوز؛ لأنه يشعر بالنطق، وذلك كذب، إلا إذا علم بصريح قوله أو بقرينة أنه يريد القراءة على الشيخ.\nالثالثة: الإجازة:\nوهي أن يقول: أجزت لك ان تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي١.\n_________\n= فقال: نعم، كان للشاهد عليه أن يقول: أشهدني على نفسه بعشرة دراهم، مع أنه لا مستند له إلا قوله نعم، فكذا في الرواية، بل أولى.\n١ العلماء يقسمون الإجازة إلى أربعة أقسام:\nالأول: الإجازة لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك أو لكم أن تروي أو ترووا عني الكتاب الفلاني.\nالثاني: الإجازة لمعين في غير معين، كقوله: أجزت لك أن تروي عني جميع مروياتي.\nالثالث: الإجازة لغير معين في معين، كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يرووا عني الكتاب الفلاني.\nالرابع: الإجازة لغير معين من غير معين، كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يرووا عني جميع مروياتي.\nوجمهور العلماء على جواز الرواية والعمل بالإجازة، حتى حكي الإجماع على ذلك.\nومنع الرواية بالإجازة والمناولة جماعة من العلماء منهم: القاضي حسين والماوردي، وهي إحدى الروايتين عن الشافعي، وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة =","vol":"1","page":350},{"text":"الرابعة: المناولة:\nوهي أن يقول: خذ هذا الكتاب فاروه عني.\nفهو كالإجازة؛ لأن مجرد المناولة دون اللفظ لا يغني، واللفظ وحده يكفي، وكلاهما تجوزالرواية به، فيقول حدثني، أو أخبرني إجازة.\nفإن لم يقل: \"إجازة\" لم يجز.\nوجوَّزه قوم. وهو فاسد؛ لأنه يشعر بسماعه منه، وهو كذب.\nوحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف١: أنه لا يجوز الرواية بالمناولة والإجازة، وليس بصحيح؛ لأن المقصود: معرفة صحة الخبر، لا عين الطريق٢.\nوقوله: \"هذا الكتاب مسموعي، فاروه عني\" -في التعريف- كقراءته والقراءة عليه.\nوأما إن قال: \"سماعي\" ولم يقل: \"اروه عني\" فلا تجوز الرواية\n_________\n= وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك. وقال ابن حزم: إنها بدعة. انظر: الإحكام \"٢/ ١٠٠\"، كشف الأسرار \"٣/ ٤٥\" المسودة ص٢٨٧.\n١ هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفة، والذي ساعد على نشر مذهبه، من أهم مؤلفاته: \"الخراج\" توفي سنة ١٨٢هـ. \"الفوائد البهية ص٢٢٥\".\n٢ طريق الحديث: هو قول الراوي: حدثنا فلان عن فلان إلى السند، وهو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، فمعرفة صحة الحديث هي المقصودة.\nوالقاعدة: أن المقاصد إذا حصلت بدون الوسائل، سقطت الوسائل، لأنها ليست مقصودة لنفسها، ومعرفة صحة الخبر، حصلت بالإجازة أو المناولة؛ لأن المخبر عدل جازم بالإذن في الرواية، والظاهر أنه ما أذن إلا فيما هو عالم بصحته وروايته له. انظر: \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢٠٩\".","vol":"1","page":351},{"text":"عنه؛ لأنه لم يأذن، فلعله لا يجوّز الرواية، لخلل يعرفه.\nوكذا لو قال: \"عندي شهادة\" لا يشهد بها ما لم يقل \"أذنت لك أن تشهد على شهادتي\".\nفالرواية شهادة، والإنسان قد يتساهل في الكلام، لكن عند الجزم بها١ يتوقف٢.\nوكذلك لو وجد شيئًا مكتوبًا بخطه: لا يرويه عنه.\nلكن يجوز أن يقول: \"وجدت بخط فلان\".\nأما إذا قال العدل: \"هذه نسخة من صحيح البخاري\"٣ فليس له أن يروي عنه.\n_________\n١ أي بالشهادة.\n٢ قوله: \"والإنسان قد يتساهل إلخ\" جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: لو علم أن في روايته خللًا، لما قال له: خذ هذا الكتاب، أو هو سماعي؛ لأنه تغرير للسامع بالرواية عنه، فيكون غشًّا في الدين.\nوالجواب: أن الإنسان قد يتساهل في الكلام، وعند العمل والجزم والتحقيق يتوقف، وحينئذ لا يمتنع أن يقول له: خذ هذا الكتاب ليستفيد به نظرًا، أو هو سماع، ترغيبًا له في الرواية عنه لغيره، أو لذلك الكتاب بعينه، بشرط أن يتحقق حال روايته له فيما بعد. \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢١١\".\n٣ البخاري: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، أبو عبد الله الإمام الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، وصاحب أصح كتاب بعد القرآن الكريم، جمع فيه سبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين حديثًا، وقيل غير ذلك.\nولد ببخارى سنة ١٩٤هـ وتوفي سنة ٢٥٦هـ بقرية تسمى \"خرتنك\" على بعد ثلاثة فراسخ من سمرقند.\nانظر في ترجمته: \"تذكرة الحفاظ ٢/ ١٢٢، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٧\".","vol":"1","page":352},{"text":"وهل يلزم العمل به؟\nفقيل: إن كان مقلدًا: فليس له العمل به؛ لأن فرضه تقليد المجتهد١.\nوإن كان مجتهدًا: لزمه٢؛ لأن أصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حاملها بصحتها، دون أن يسمعها كل واحد منه، فإن ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن.\nوقيل: لا يجوز العمل بما لم يسمعه٣. والله أعلم.\nفصل: إذا وجد سماعه بخط يوثق به، جاز له أن يرويه وإن لم يذكر سماعه، إذا غلب على ظنه أنه سمعه. وبه قال الشافعي.\nوقال أبو حنيفة: لا يجوز، قياسًا على الشهادة.\nولنا: ما ذكرنا من اعتماد الصحابة على كتب النبي -ﷺ-.\n_________\n١ لقصوره عن معرفة الحكم مع تعارض الأدلة.\n٢ أي: لزمه العمل به، لأن المحذور، في العمل بالحديث، إما من جهة ضعفه، أو من جهة الخطأ في دلالته، وكلاهما منتف ههنا.\nأما الضعف: فقد انتفى بقول العدل العارف: هذه نسخة صحيحة.\nوأما الخطأ في الدلالة فمنتف لأن المجتهد عارف بتنزيل الأدلة منازلها، وكيفية التصرف فيها، ولأن الصحابة كانوا يحملون صحف الصدقات وغيرها إلى البلاد، كما، قال المصنف. انظر: \"شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢١٢\".\n٣ لعدم سماعه له.","vol":"1","page":353},{"text":"ولأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته، بناء على دليل، وقد وجد ذلك.\nوالشهادة لا نسلمها على إحدى الروايتين.\nوعلى الأخرى: الشهادة آكد؛ لما علم بينهما من الفروق. والله أعلم١.\n_________\n١ خلاصة هذا الفصل: أنه إذا وجد سماعه بخط يغلب على الظن به أنه سمعه، مع أنه ناس للسماع، فهل له أن يرويه اعتمادًا على الخط، وهو ما اختاره المؤلف، وعزاه للشافعي، وعلل ذلك: بأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته بناء على دليل، وقد وجد ذلك في هذه المسألة؛ لأن الثقة بالخط المذكور يغلب على الظن بها صحة السماع المذكور، وهذه هي الرواية الأولى عن الإمام أحمد.\nوالرواية الثانية: لا يجوز له أن يروي ذلك اعتمادًا على الخط بسبب نسيانه للسماع، وهو مروي عن أبي حنيفة قياسًا للرواية على الشهادة.\nواعترض المصنف على قياس الرواية على الشهادة من جهتين:\nالأولى: أن الشهادة تصح اعتمادًا على الخط الموثوق به، وإن لم يتذكرها على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.\nالثانية: أن الشهادة أضيق من الرواية، فهي آكد من الرواية، وأغلظ، فإذا وجد خطه ولم يذكر، لم يشهد به.\nانظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص١٣١، التمهيد لأبي الخطاب \"٣/ ٩٧٤\".","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>فصل: [في حكم الشك في السماع]</span>\nإذا شك في سماع حديث من شيخه: لم يجز أن يرويه عنه؛ لأن روايته عنه شهادة عليه، فلا يشهد بما لم يعلم.","vol":"1","page":354},{"text":"وإن شك في حديث من سماعه والتبس عليه: لم يجز أن يروي شيئًا منها مع الشك؛ لما ذكرنا.\nفإن غلب على ظنه في حديث أنه مسموع:\nفقال قوم: يجوز؛ اعتمادًا على غلبة الظن.\nوقيل: لا يجوز؛ لأنه يمكن اعتبار العلم بما يرويه، فلا يجوز أن يرويه مع الشك فيه كالشهادة١.\n_________\n١ خلاصة هذه المسألة في النقاط التالية:\n١- إذا شك في سماع حديث من شيخه لا يجوز له أن يرويه عنه مع الشك.\n٢- إذا شك في حديث من سماعه، ثم التبس عليه ذلك الحديث المشكوك فيه فلم يميزه عن غيره، لم يجز له أن يروي عنه شيئًا مع ذلك الشك، لأن كل حديث رواه عنه محتمل أن يكون هو ذلك الحديث الذي شك في سماعه.\n٣- إذا غلب على ظنه أنه سمع منه حديثًا، ولم يجزم بذلك، فهل تكفي غلبة الظن فتجوز الرواية، أو لا تكفي فلا يجوز؟\nحكى المصنف في ذلك روايتين ولم يرجح واحدة منهما، وقد رجح الغزالي الرأي الأول، وقال عن الرأي الثاني إنه بعيد؛ لأن الاعتماد في الشهادة على غلبة الظن، بالنسبة للحاكم؛ لأنه لا يعلم صدق الشاهد.\nأما الشاهد: فينبغي أن يتحقق؛ لأن تكليفه أن لا يشهد إلا على المعلوم -فيما تمكن فيه المشاهد- ممكن، وتكليف الحاكم أن لا يحكم إلا بصدق الشاهد محال.\nانظر: \"المستصفى جـ٢ ص٢٧٠\".","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>فصل: [في حكم إنكار الشيخ للحديث]</span>\nإذا أنكر الشيخ الحديث وقال: \"لست أذكره\" لم يقدح ذلك في","vol":"1","page":355},{"text":"الخبر في قول إمامنا١، ومالك، والشافعي، وأكثر المتكلمين٢.\nومنع منه الكرخي؛ قياسًا على الشهادة.\nوليس بصحيح، لأن الراوي عدل جازم بالرواية، فلا نكذبه، مع إمكان تصديقه، والشيخ لا يكذبه، بل قال \"لست أذكره\" فيمكن الجمع بين قوليهما:\nبأن يكون نسيه، فإن النسيان غالب على الإنسان، وأي محدث يحفظ جميع حديثه، فيجب العمل به، جمعًا بين قوليهما.\nوالشهادة تفارق الرواية في أمور كثيرة.\n_________\n١ أي الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.\n٢ هكذا أطلق المصنف الكلام في هذه المسألة، ولم يذكر ما إذا كان الشيخ جازمًا بعد الرواية، أو أنه لا يذكره، وهو ما وضحه الغزال بقوله: \"إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع مكذب للراوي لم يعمل به، ولم يصر الراوي مجروحًا. ثم قال: أما إذا أنكر إنكار متوقف، وقال: لست أذكره، فيعمل بالخبر؛ لأن الراوي جازم أنه سمعه منه، وهو ليس بقاطع بتكذيبه، وهما عدلان، فنصدقهما إذا أمكن.\nوذهب الكرخي: إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطل الحديث\". \"المستصفى جـ٢ ص٢٧٢\".\nوما قاله الكرخي، هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف وأكثر الحنفية.\nانظر: أصول السرخسي \"٢/ ٣\".\n٣ هو: عبيد الله بن الحسن بن دلال، من أئمة الحنفية المجتهدين، كان تقيًّا ورعًا، ألّف العديد من الكتب في فقه الإمام أبي حنيفة مثل: \"شرح الجامع الصغير والكبير\" توفي سنة ٣٤٠هـ. انظر: \"تاج التراجم ص٣٩\".","vol":"1","page":356},{"text":"منها: أن لا تسمع شهادة الفرع -مع القدرة- على الأصل. والرواية بخلافه١.\nفإن الصحابة -﵃- كان بعضهم يروي عن بعض، مع القدرة على مراجعة النبي -ﷺ-.\nولهذا كان يلزمهم قبول قول رسله وسعاته من غير مراجعة.\nوأهل قباء تحولوا إلى القبلة بقول واحد من غير مراجعة٢.\nوأبو طلحة وأصحابه قبلوا خبر الواحد في تحريم الخمر من غير مراجعة٣. والله أعلم.\nوقد روى ربيعة بن عبد الرحمن٤ عن سهل٥ عن أبيه٦ عن\n_________\n١ قول المصنف \"والشهادة تفارق الرواية إلخ\" جواب عن قول الكرخي: لو جاز العمل برواية الفرع مع نسيان الأصل، لجاز العمل بشهادة الفرع مع نسيان الأصل، والتالي باطل بالاتفاق. فأجاب المصنف: بأن هناك فروقًا كثيرة بين الشهادة والرواية: منها ما ذكره المصنف. ومنها: أن الشهادة آكد من الرواية وأضيق، فيغتفر في الرواية ما لا يغتفر في الشهادة.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ تقدم تخريجه أيضًا.\n٤ هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واسم أبيه فروخ المدني، مولى آل المنكدر، المعروف بربيعة الرأي، أحد التابعين، ثقة مشهور، وكان أحد شيوخ الإمام مالك. توفي سنة ١٣٦هـ.\nانظر: \"تاريخ بغداد ٨/ ٤٢٠، تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٧\".\n٥ هو: سهيل بن أبي صالح، ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، اختلف في توثيقه وضعفه، روى عن أبيه وسعيد بن المسيب، توفي في خلافة المنصور. \"ميزان الاعتدال ٢/ ٢٤٣\".\n٦ هو: ذكوان أبو صالح السمان المدني، ثقة، روى عن أبي هريرة وأبي الدرداء =","vol":"1","page":357},{"text":"أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد١، ثم نسيه سهيل، فكان بعده يقول: \"حدثني ربيعة عني أني حدثته\" فلا ينكره أحد من التابعين٢.\n_________\n= وعائشة وغيرهم. توفي سنة ١٠١هـ. \"تذكرة الحفاظ ١/ ٨٩\".\n١ تقدم تخريجه في مبحث الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا؟\nقال أبو داود: أحد رواة الحديث -عقب روايته للحديث-: \"وزادني الربيع بن سليمان المؤذن هذا الحديث، قال: أخبرني الشافعي، عن عبد العزيز، قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة -وهو عندي ثقة- أني حدثته إياه، ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كانت أصابت سهيلًا علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه\" يراجع: العلل لابن أبي حاتم جـ١ ص٤٦٣، ٤٦٩.\n٢ فكان ذلك إجماعًا على قبوله.\nقال الطوفي: \"فإن قيل: لعل سهيلًا تذكر الحديث برواية ربيعة عنه، ومراجعته له في ذلك، فتخرج قصته عن الاحتجاج بها في محل النزاع.\nقلنا: لو كان كذلك، لما رواه بعد ذلك عن ربيعة عنه، بل كان يرويه كما لو لم ينس، عن أبيه، عن أبي هريرة، والنسيان متسلط على الإنسان فيحمل الحال عليه\". \"شرح المختصر جـ٢ ص٢١٧\".","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>فصل: [في حكم انفراد الثقة بزيادة في الحديث]</span>\nانفراد الثقة في الحديث بزيادة مقبول، سواء كانت لفظًا أو معنى١\n_________\n١ أي سواء أكانت هذه الزيادة في اللفظ فقط ولا تغير المعنى، أم كانت زيادة في اللفظ والمعنى.\nومن أمثلة الأول: لفظ \"ربنا لك الحمد\"، \"ربنا ولك الحمد\" في الرفع من =","vol":"1","page":358},{"text":"لأنه لو انفرد بحديث لقبل١، فكذلك إذا انفرد بزيادة.\nوغير ممتنع أن ينفرد بحفظ الزيادة؛ إذ إن المحتمل أن يكون النبي -ﷺ- ذكر ذلك في مجلسين، وذكر الزيادة في أحدهما، ولم يحضرها الناقص.\nويحتمل أن راوي الناقص دخل أثناء المجلس، أو عرض له -في أثنائه- ما يزعجه٢ أو ما يدهشه عن الإصغاء٣، أو ما يوجب له القيام قبل التمام، أو سمع الكل ونسي الزيادة.\nوالراوي للتمام عدل جازم بالرواية، فلا نكذبه مع إمكان تصديقه.\n_________\n= الركوع للمؤتم، فإن الواو زيادة في اللفظ ولا تغير المعنى، وكلاهما وارد ومن أمثلة الزيادة التي تغير المعنى: قوله -﵊- في الحديث الذي رواه أحمد \"١/ ٤٦٦\" وأبو داود \"٣٥١١\" و\"٣٥١٢\" والنسائي \"٧/ ٣٠٣\" وابن ماجه \"٢١٨٦\" وغيرهم عن عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، تحالفا وترادًا\" فإن جملة \"والسلعة قائمة\" وردت في بعض الروايات، وهي زيادة في اللفظ تفيد معنى زائدًا.\n١ معناه: أن الرواي الثقة إذا روى حديثًا كاملًا قبل منه ذلك، فمن باب أولى إذا روى زيادة في حديث.\n٢ مثل ما روي عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي -ﷺ- وعقلت ناقتي بالباب، فأتى ناس من أهل اليمن فقالوا: يا رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: \"كان الله ولم يكن معه شيء، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء\" قال عمران: ثم أتاني رجل فقال: يا عمران، أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها، فإذا السراب يتقطع دونها، وأيم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم\".\n٣ أي يشغله ويجعله ينصرف عن الاستماع.","vol":"1","page":359},{"text":"فإن علم أن السماع كان في مجلس واحد:\nفقال أبو الخطاب: يقدم قول الأكثرين، وذوي الضبط، فإن تساووا في الحفظ والضبط، قدّم قول المثبت١.\nوقال القاضي: إذا تساووا فعلى روايتين٢.\n_________\n١ انظر: \"التمهيد جـ٣ ص١٥٣، ١٥٤\".\n٢ أي عن الإمام أحمد، إحداهما: الأخذ بالزيادة، كما يقول الجمهور، لما تقدم في الأدلة التي أوردها المصنف، والثانية: لا تقبل الزيادة.\nوقد أورد القاضي أبو يعلى أدلة في كتابه \"العدة جـ٣ ص١٠٠٧ وما بعدها\" ومما أورده للقائلين برفض الزيادة قال: \"واحتج المخالف: بأنه إذا نقله الكل وانفرد واحد بالزيادة، كان ما تفرد به سهوًا، لأنهم ما حفظوه حين قاله النبي -ﷺ- مرارًا سمعوه كلهم، فلو كان ما تفرد به صحيحًا لقال الزيادة، كما قال المزيد عليه، ولو قال سمعوه كما سمع، ونقلوه كما نقل.\nثم رد عليه بالاحتمالات التي ذكرها ابن قدامة، وقال: واحتج -أي المخالف أيضًا- بأن الأصل متحقق، والزيادة مشكوك فيها، فلا تترك الحقيقة بالمشكوك فيه.\nوالجواب: أنا لا نسلم أنها مشكوك فيها، لأن غالب الظن فيه التصديق فيما تفرد به، للاحتمال الذي ذكرنا\".","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>فصل: [في حكم رواية الحديث بالمعنى]</span>\nوتجوز رواية الحديث بالمعنى للعالم المفرق بين المحتمل وغير المحتمل والظاهر والأظهر، والعام والأعم عند الجمهور١.\nفيبدل لفظًا مكان لفظ فيما لا يختلف الناس فيه: كالألفاظ المترادفة.\n_________\n١ ومنهم الأئمة الأربعة. وتفصيل القول في هذه المسألة: أن الراوي للحديث: إن =","vol":"1","page":360},{"text":"مثل: القعود والجلوس، والصب والإراقة، والحظر والتحريم، والمعرفة والعلم، وسائر ما لا يشك فيه، ولا يتطرق إليه الاستنباط والفهم.\nولا يجوز إلا فيما فهمه قطعًا، دون ما فهمه بنوع استنباط، واستدلال يُختلف فيه.\nولا يجوز -أيضًا- للجاهل بمواقع الخطاب، ودقائق الألفاظ.\nومنع منه بعض أصحاب الحديث مطلقًا لقول النبي -ﷺ-: \"نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع\" ٢.\n_________\n= كان غير عالم بمقتضيات الألفاظ، والفرق بينها من جهة الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص، فلا يجوز له الرواية بالمعنى، لأنه قد يبدل لفظًا بلفظ يساويه -في ظنه- وهو ليس كذلك، فيترتب على ذلك خلل في المعنى.\nأما إن كان عالمًا بما تقدم، فإن كان المعنى غير متطابق فلا يجوز.\nوإن كان مطابقًا: فقد جوزه جمهور العلماء، بشروط يأتي بيانها.\nومنعه جماعة، منهم: محمد بن سيرين \"ت١١٠هـ\" وبعض السلف.\nوشروط الجمهور لجواز نقل الحديث بالمعنى كما يلي:\n١- أن يكون الناقل عالمًا باللسان العربي، لا تخفى عليه النكت الدقيقة التي يحصل بها الفرق بين معاني الألفاظ. كما مثل المنصف.\n٢- أن يكون جازمًا بمعنى الحديث، وليس عن طريق الاستنباط أو الاستدلال بمختلف فيه.\n٣- أن لا يكون اللفظ الذ نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي -ﷺ-.\nقال القرافي: \"يجوز بثلاثة شروط: أن لا يزيد الترجمة، ولا ينقص، ولا يكون أخفى من لفظ الشارع\" شرح تنقيح الفصول ص١٦٤.\nقال الطوفي: \"هذا هو معنى المطابقة\" شرح المختصر \"٢/ ٢٤٥\".\n١ وهذا ما سبق توضيحه.\n٢ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":361},{"text":"ولنا: الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال كلمة عربية بأعجمية ترادفها، فبعربية أولى.\nوكذلك كان سفراء النبي -ﷺ- يبلغونهم أوامره بلغتهم.\nوهذا لأنا نعلم أنه لا يعتد١ باللفظ، وإنما المقصود فهم المعنى، وإيصاله إلى الخلق.\nويدل على ذلك: أن الخطب المتحدة والوقائع، رواها الصحابة بألفاظ مختلفة.\nولأن الشهادة آكد من الرواية، ولو سمع الشاهد شاهدًا يشهد بالعجمية: جاز أن يشهد على شهادته بالعربية.\nولأنه تجوز الرواية عن غير النبي -ﷺ- بالمعنى، فكذلك عنه؛ فإن الكذب فيهما حرام٢.\nوالحديث حجة لنا٣؛ لأنه ذكر العلة، وهو اختلاف الناس في الفقه والفهم ونحن لا نجوّزه لغير من يفهم.\n_________\nفي الأصل \"تعتد\" وما أثبتناه من المستصفى. قال العلماء: هذا في غير الألفاظ المتعبد بلفظها، كالأذان والإقامة والتكبير، والتشهد في الصلاة، فلا يجوز نقله بالمعنى؛ لأننا متعبدون بلفظه، ومثل ذلك ما كان من جوامع الكلم التي اختص بها النبي -ﷺ- فلا يجوز نقله بالمعنى.\n٢ وأقول: قياس الكذب على رسول الله -ﷺ- على غيره قياس مع الفارق؛ فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله -ﷺ-: يقول: \"إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" انظر: صحيح مسلم بشرح النووي \"١٤/ ٥٧\" طبعة الشعب.\n٣ هذا رد على دليل المخالف وهو الحديث المتقدم. قال الغزالي: \"وهذا الحديث =","vol":"1","page":362},{"text":"جواب آخر:\nأن من روى بالمعنى فقد روى كما سمع، ولهذا لا يعد كذبًا.\nقال أبو الخطاب: لا يجوز أن يبدل لفظًا بأظهر منه؛ لأن الشارع ربما قصد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة، وبالخفي أخرى١.\n_________\n= بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، وإن أمكن أن تكون جميع الألفاظ قول رسول الله -ﷺ- في أوقات مختلفة، لكن الأغلب أنه حديث واحد، ونقل بألفاظ مختلفة، فإنه روى: \"رحم الله امرأ\"، \"نضر الله امرأ\"، وروى: \"رب حامل فقه لا فقه له\" وروى: \"رب حامل فقه غير فقيه\". المستصفى \"٢/ ٢٨٠\".\n١ انظر: التمهيد \"٣/ ١٦٢\".\nقال الطوفي -معللًا لذلك-: \"لأن الشارع ربما قصد إيصال الحكم إلى المكلفين باللفظ الجلي تارة؛ تسهيلًا للفهم عليهم، وباللفظ الخفي أخرى؛ تكثيرًا لأجرهم بإجالة النظر فيه\". شرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٤٨\".","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>فصل: [في حكم مراسيل الصحابة]</span>\nمراسيل١ أصحاب النبي -ﷺ- مقبولة عند الجمهور.\n_________\n١ المرسل في اللغة: المطلق، فهو اسم مفعول من أرسل بمعنى: أطلق.\nوعند المحدثين: هو أن يترك التابعي الواسطة بينه وبين رسول الله -ﷺ- ويقول: قال رسول الله -ﷺ- كذا.\nأما جمهور أهل الأصول: فيطلقون المرسل على قول من لم يلق النبي -ﷺ-: \"قال رسول الله -ﷺ- كذا\" سواء أكان من التابعين أم من تابعي التابعين أم ممن بعدهم. فالمرسل عند علماء الأصول يشمل المنقطع، وهو: ما حذف من إسناده رجل في أثنائه، كما يشمل المعضل وهو: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا في أي موضع كان.\nوالمراد بالمرسل -في مقامنا هذا-: ما رواه صحابي عن رسول الله -ﷺ- =","vol":"1","page":363},{"text":"وشذ قوم فقالوا: لا يقبل مرسل الصحابي إلا إذا عرف بصريح خبره، أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي، وإلا فلا، لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبته.\nوهذا ليس بصحيح، فإن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من أصاغر الصحابة مع إكثارهم، وأكثر روايتهم عن النبي -ﷺ- مراسيل.\nقال البراء بن عازب١: \"ما كل ما حدثنا به عن رسول الله -ﷺ- سمعناه منه، غير أننا لا نكذب\"٢.\n_________\n= بلفظ: قال رسول الله -ﷺ- وهو لم يسمع منه مباشرة، وإنما سمعه من صحابي آخر لم يسمه. كما في حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من أصبح جنبًا فلا صوم له\" ولما سئل عنه قال: رويته عن الفضل بن العباس.\nوهو حجة عند جمهور العلماء، منهم: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وجمهور المعتزلة، وهو الذي رجحه الآمدي.\nوقد حكى أبو الخطاب الإجماع على ذلك، وفيه نظر، فكيف ينقل الإجماع مع أن فيه خلافًا كما سيذكر المصنف وغيره.\nانظر: الإحكام للآمدي \"٢/ ١١٢\" التمهيد \"٣/ ١٣٤\" الإحكام لابن حزم \"١/ ١٤٣\" إرشاد الفحول جـ١ ص٢٥٨ وما بعدها تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل.\n١ هو: البراء بن عازب بن حارث بن عدي، أبو عمارة الأنصاري الحارثي الخزرجي، صحابي جليل، شهد الخندق وما بعدها، توفي بالكوفة سنة ٧١هـ وقيل: ٧٢هـ.\nانظر في ترجمته: \"الاستيعاب ١/ ١٥٥، الإصابة ١/ ١٤٢\".\n٢ ذكره الآمدي \"٢/ ١٧٩\" بلفظ \"ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله -ﷺ- ولكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابنا ببعضه\".","vol":"1","page":364},{"text":"وكثير منهم كان يرسل الحديث، فإذا استكشف قال: حدثني به فلان: كأبي هريرة وابن عباس١ وغيرهما.\nوالظاهر أنهم لا يروون إلا عن صحابي، والصحابة معلومة عدالتهم.\nفإن رووا عن غير صحابي، فلا يروون إلا عمن علموا عدالته.\nوالرواية عن غير عدل وهم بعيد، لا يلتفت إليه ولا يعول عليه.\n_________\n= وأورده الخطيب البغدادي في الكفاية \"ص٥٤٨\": عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: ليس كلنا سمع حديث رسول الله -ﷺ- كانت لنا ضيعة \"العقار والأرض المغلة\" وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب\" وروي مثله عن أنس.\n١ كما تقدم في حديث \"من أصبح جنبًا\" وحديث \"إنما الربا في النسيئة\".","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>فصل: [في حكم مراسيل غير الصحابة]</span>\nفأما مراسيل غير الصحابة، وهو أن يقول: قال النبي -ﷺ- من لم يعاصره، أو يقول: قال أبو هريرة من لم يدركه: ففيها روايتان١:\nإحداهما: تقبل، اختارها القاضي٢.\nوهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وجماعة من المتكلمين٣.\n_________\n١ أبو يعلى في العدة جـ٣ ص٩٠٦.\n٢ يراجع: المستصفى جـ٢ ص٢٨١ وما بعدها، الإحكام للآمدي جـ٢ ص١٣٣ وما بعدها، شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢٣٠ وما بعدها.","vol":"1","page":365},{"text":"والأخرى: لا تقبل، وهو قول الشافعي١، وبعض أهل الحديث وأهل الظاهر٢.\nولهم دليلان٣:\nأحدهما: أنه لو ذكر شيخه ولم يعدّله وبقي مجهولًا عندنا: لم نقبله، فإذا لم يسمه فالجهل أتم، إذ من لا يعرف عينه كيف نعرف عدالته؟!\nالثاني: أن شهادة الفرع لا تقبل ما لم يعين شاهد الأصل، فكذا الرواية.\nوافتراق الشهادة والرواية في بعض التعبدات لا توجب فرقًا في هذا المعنى، كما لا توجب فرقًا في قبول رواية المجروح المجهول.\n_________\n١ النقول عن الإمام الشافعي -في حجية المراسيل- متعارضة ومتضاربة، فالبعض يروي عنه أنها حجة، والبعض الآخر ينكر، والذي عليه المحققون: أنه اشترط لقبول الحديث المرسل بعض الشروط التي تؤدي إلى غلبة الظن بصحة الحديث، وخلاصة ذلك: أن الحديث إن كان من مراسيل الصحابة، أو كان قد أسنده غير من أرسله، أو أرسله راو آخر من غير طريق الأول، بمعنى أنه اختلفت طرق الإرسال، فيعضد بعضها بعضًا، أو يكون المرسل قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن عدل، أو عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، فهو حجة، وإلا فلا. فإطلاق المصنف النقل عن الإمام الشافعي تبعًا للغزالي ليس بجيد.\nيراجع في ذلك: الرسالة تحقيق الشيخ شاكر ص٤٦١ وما بعدها، نهاية السول للإسنوي جـ٢ ص٣٢٤، شرح مختصر الروضة جـ٢ ص٢٣٠.\n٢ انظر: الإحكام لابن حزم جـ١ ص١٣٥.\n٣ أي: القائلون بعدم حجية المرسل.","vol":"1","page":366},{"text":"ووجه الرواية الأولى:\nأن الظاهر من العدل الثقة: أنه لا يستجيز أن يخبر عن النبي -ﷺ- بقول، ويجزم به، إلا بعد أن يعلم ثقة ناقله وعدالته.\nولا يحل له إلزام الناس عبادة، أو تحليل حرام، أو تحريم مباح، بأمر مشكوك فيه، فيظهر أن عدالته مستقرة عنده، فهو بمنزلة قوله: \"أخبرني فلان وهو ثقة عدل\".\nولو شك في الحديث: ذكر من حدّثه؛ لتكون العهدة عليه دونه.\nولهذا قال إبراهيم النخعي٢: \"إذا رويتُ عن عبد الله٣ وأسندت: فقد حدثني واحد عنه، وإذا أرسلت فقد حدثني جماعة عنه\"٤.\nوأما المجهول٥: فإن الرواية عنه ليست بتعديل له -في إحدى الروايتين-.\n_________\n١ وهي: رواية قبول المرسل.\n٢ هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أحد أعلام التابعين، رأى جماعة من الصحابة، ولم يسمع منهم مباشرة، فكان يرسل عنهم، ومنهم عبد الله بن مسعود. مات بالكوفة سنة ٩٦هـ. \"ميزان الاعتدال ١/ ٧٤\".\n٣ يقصد: عبد الله بن مسعود -﵁- تقدمت ترجمته.\n٤ أخرج هذا الأثر: البيهقي في سننه \"١/ ٤٨\" والدراقطني \"٣/ ١٧٤\".\n٥ بعد أن ذكر أدلة الفريقين، بدأ يناقش أدلة المنكرين لحجية مراسيل غير الصحابة.\nوخلاصة ما استدل به النافون للحجية: أن الواسطة المحذوفة في المرسل لا تعرف عينها، ومن لا تعرف عينه لم تعرف عدالته، ورواية مجهول العدالة مردودة -كما تقدم- ولأن شهادة الفرع لا تقبل على شهادة الأصل فكذلك الرواية، وافتراق الشهادة والرواية في بعض الأحكام لا يستلزم افتراقهما في هذا المعنى، كما أنه لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول. =","vol":"1","page":367},{"text":"وفي الأخرى: تكون تعديلًا، على ما مضى، ولا كذلك ههنا.\nوالرواية تفارق الشهادة في أمور كثيرة:\nمنها: اللفظ، والمجلس، والعدد، والذكورية، والعجز عن شهود الأصل، والحرية -عندهم- وأنه لا يجوز لشهود الفرع الشهادة حتى تحملهم إياها شهود الأصل، فيقولوا: اشهدوا على شهادتنا.\nوالرواية تخالف هذا.\nفجاز اختلافهما في هذا الحكم.\n_________\n= فرد المصنف على ذلك: بأن الرواية عن الجمهور ليست تعديلًا له في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى تكون تعديلًا، لكن لا يقاس عليها ما نحن فيه، لعدم معرفة الساقط، والاكتفاء بعدالة الرواي وثقته. هذا هو الرد على الدليل الأول.\nثم رد على الدليل الثاني: بأن الرواية تخالف الشهادة في أمور كثيرة ذكر منها ما هو موجود في الأصل، ثم بنى على ذلك: جواز اختلاف الرواية عن الشهادة، وأن الرواية المرسلة مقبولة.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>فصل: [في حكم خبر الواحد فيما تعم به البلوى]</span>\nويقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى١: كرفع اليدين في الصلاة، ومس الذكر، ونحوه، في قول الجمهور٢.\n_________\n١ معنى \"تعم به البلوى\" أي يكثر التكليف به، كرفع اليدين في الصلاة، ونقض الوضوء بمس الذكر، ونحو ذلك من أخبار الآحاد التي يكثر التكليف بها، ولا تخص أحدًا دون أحد.\n٢ انظر: العدة لأبي يعلى \"٣/ ٨٨٥\" والتمهيد لأبي الخطاب \"٣/ ٨٦\" وشرح مختصر الروضة \"٢/ ٢٣٣ وما بعدها\".","vol":"1","page":368},{"text":"وقال أكثر الحنفية: لا يقبل؛ لأن ما تعم به البلوى كخروج النجاسة من السبيلين يوجد كثيرًا، وتنتقض به الطهارة، ولا يحل للنبي -ﷺ- أن لا يشيع حكمه؛ إذ يؤدي إلى إخفاء الشريعة، وإبطال صلاة الخلق، فتجب الإشاعة فيه، ثم تتوفر الدواعي على نقله، فكيف يخفى حكمه، وتقف روايته على الواحد؟!\nولنا: أن الصحابة -﵃- قبلوا خبر عائشة في الغسل من الجماع بدون الإنزال١، وخبر رافع بن خديج في المخابرة٢.\nولأن٣ الراوي عدل جازم بالرواية، وصدقه ممكن، فلا يجوز تكذيبه، مع إمكان تصديقه.\nولأن٤ ما تعم به البلوى يثبت بالقياس، والقياس مستنبط من الخبر وفرع له، فلأن يثبت بالخبر الذي هو أصل أولى.\nوما ذكروه يبطل بالوتر، والقهقهة، وخروج النجاسة من غير السبيلين، وتثنية الإقامة، فإنه مما تعم به البلوى، وقد أثبتوه بخبر الواحد٥.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه والكلام على معنى \"المخابرة\" وهذا هو الدليل الأول للجمهور.\n٣ هذا هو الدليل الثاني.\n٤ هذا هو الدليل الثالث للجمهور.\n٥ بعد أن ذكر أدلة الجمهور، وأدلة الحنفية، بدأ يرد عليهم ويناقشهم في هذه الأدلة فقال: إنهم قبلوا خبر الواحد فيما يعم به البلوى مثل: وجوب الوتر، وإبطال الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، واختاروا تثنية الإقامة في الصلاة، وأوجبوا الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيلين، وكل ذلك مما تعم به البلوى، وقد أثبته الحنفية بخبر الواحد.\nثم رد على قولهم: \"يجب إشاعة ما تعم به البلوى ... \" بقوله: إنه -ﷺ- =","vol":"1","page":369},{"text":"ولم يكلف الله -تعالى- رسوله -ﷺ- إشاعة جميع الأحكام، بل كلفه إشاعة البعض، ورد الخلق -في البعض- إلى خبر الواحد.\nكما ردهم إلى القياس في قاعدة الربا، وكان يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المكيل بالمكيل، والمطعوم بالمطعوم؛ حتى يستغني عن الاستنباط من الأشياء الستة. فيجوز أن يكون ما تعم به البلوى من جملة ما يقتضي مصلحة الخلق: أن يرد فيه إلى خبر الواحد.\n_________\n= مكلف بإشاعة البعض، ورد البعض الآخر إلى خبر الواحد، فالذي لا يكفي فيه الظن تجب فيه الإشاعة، والذي يكفي فيه الظن لا تجب فيه الإشاعة، ولذلك رد الناس إلى القياس فيما تعم به البلوى في الأصناف الستة وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، فيقاس عليها ما يماثلها، والخبر أولى من القياس ومقدم عليه. فإذا جاز ذلك في القياس، فلأن يجوز في خبر الواحد من باب أولى، ويكون في ذلك مصلحة للخلق، أرادها المشرع.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>فصل: [في حكم خبر الواحد في الحدود]</span>\nويقبل خبر الواحد في الحدود، وما يسقط بالشبهات١.\nوحكي عن الكرخي٢: أنه لا يقبل؛ لأنه مظنون فيكون ذلك شبهة، فلا يقبل، لقوله -﵇-: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\" ٣.\n_________\n١ وهو قول جمهور العلماء.\n٢ وبه قال أبو عبد الله البصري من المعتزلة انظر: المعتمد \"٢/ ٥٧٠\".\n٣ رواه بهذا اللفظ: الحارثي في مسند أبي حنيفة من حديث مقسم عن ابن عباس =","vol":"1","page":370},{"text":"وهذا غير صحيح، فإن الحدود حكم شرعي، يثبت بالشهادة، فيقبل فيه خبر الواحد، كسائر الأحكام.\nولأن ما يقبل فيه القياس المستنبط من خبر الواحد: فهو بالثبوت بخبر الواحد أولى.\nوما ذكروه يبطل الشهادة والقياس، فإنهما مظنونان ويقبلان في الحدود.\n_________\n= مرفوعًا، كما في المقاصد الحسنة ص٣٤٤، وابن عساكر في تاريخه.\nكما روته عائشة -﵂- مرفوعًا بلفظ: \"ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم؛ فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة\" أخرجه الترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد، ورواه -أيضًا- موقوفًا وقال: الموقوف أصح، والدراقطني: في أوائل كتاب الحدود، والبيهقي، والحاكم في المستدرك: كتاب الحدود، باب، إن وجدتم لمسلم مخرجًا فخلوا سبيله وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\nومدار هذا الحديث على \"يزيد بن زيادة\" أحد رواة هذا الحديث، قال عنه البخاري: \"منكر الحديث\" وقال النسائي: \"متروك الحديث\" وضعفه الترمذي وغيره انظر: المغني في الضعفاء \"٢/ ٧٤٩\" وله روايات أخرى كثيرة مرفوعة وموقوفة انظر: تلخيص الحبير \"٤/ ٥٦\".","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>فصل: [في حكم الواحد إذا خالف القياس]</span>\nويقبل خبر الواحد فيما يخالف القياس١.\nوحكي عن مالك: أن القياس يقدم عليه٢.\n_________\n١ وهو قول الشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء، وهو الذي رجحه ابن قدامة.\n٢ المنقول عن الإمام مالك رأيان. والذي حكاه المصنف بقوله: \"وحكي....\" هو =","vol":"1","page":371},{"text":"وقال أبو حنيفة: إذا خالف الأصول، أو معنى الأصول، لم يحتج به١.\nوهو فاسد؛ فإن معاذًا٢ قدم الكتاب والسنة على الاجتهاد، فصوبه\n_________\n= المشهور من مذهبه. انظر: \"شرح تنقيح الفصول ص٣٨٧\".\n١ الفرق بين مخالفة الأصول، أو معنى الأصول: أن مخالفة القياس أخص من مخالفة الأصول؛ لأن القياس أصل من الأصول، فكل قياس أصل، وليس كل أصل قياسًا، فما خالف القياس خالف أصلًا خاصًّا، وما خالف الأصول يصدق بما خالف قياسًا أو نصًّا أو إجماعًا، أو استصحابًا أو غير ذلك.\nفوجوب الوضوء بالنوم موافق للقياس؛ من حيث إنه تعليق حكم بمظنته كسائر الأحكام المعلقة بمظانها، مع أنه مخالف لبعض الأصول، وهو: استصحاب العدم الأصلي في خروج الحدث حتى يعلم أمر ناقل عن الاستصحاب.\nفالمراد بمعنى الأصل: نفي الفارق بين الأصل والفرع.\nهذا معنى ما ذكره المصنف في مذهب الحنفية، والذي في كتبهم غير هذا وخلاصة ما ورد في كتبهم:\n١- المتقدمون يرون تقديم خبر الآحاد على القياس مطلقًا، وهو رأي الإمام وصاحبيه.\n٢- تقديم القياس إذا كان الراوي لخبر الواحد غير فقيه، ولا مجال للاجتهاد في الحديث.\n٣- يقدم القياس على الصحابي الذي لم يعرف إلا بحديث أو حديثين،\nواختلف الثقات في قبوله، أو لم يشتهر بين السلف.\n٤- تقديم خبر الواحد إذا كان الراوي ضابطًا غير متساهل فيما يرويه.\n٥- تقديم القياس إذا كان الراوي من غير الخلفاء الأربعة والعبادلة، وهو رأي البزدوي. انظر في ذلك: \"أصول السرخسي ١/ ٣٤٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٧٩\".\n٢ هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، كان =","vol":"1","page":372},{"text":"النبي -ﷺ١.\nوقد عرفنا من الصحابة -﵃- في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يعدلون إلى القياس عند عدم النص.\nولذلك قدم عمر -﵁- حديث حمل بن مالك في غرة الجنين٢.\n_________\n= أعلم الناس بالحلال والحرام، شهد المشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ- وولاه الرسول -ﷺ- قضاء اليمن، كما في الحديث الذي معنا. توفي سنة ١٨هـ \"أسد الغابة ٤/ ٣٧٦، حلية الأولياء ١/ ٢٢٨\".\n١ يشير إلى حديث معاذ أن النبي -ﷺ- لما بعثه إلى اليمن قال له: \"كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ \" قال: أقضى بكتاب الله. قال: \"فإن لم تجد في كتاب الله؟ \" قال: فبسنة رسول الله -ﷺ-. قال: \"فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ \" قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله -ﷺ- صدره وقال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله\".\nأخرجه أبو داود: كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، وقال: \"لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل\" وأخرجه الطيالسي في كتاب القضاء والدعاوي والبينات، باب آداب القضاء والقاضي كيف يقضي.\nوالحديث وإن كان في سنده مقال، إلا أن المحققين من العلماء حكموا بقبوله والعمل به. قال عنه إمام الحرمين، كما نقله ابن حجر في تلخيص الحبير \"٤/ ١٨٣\" \"إنه حديث مدون في الصحاح متفق على صحته، لا يتطرق إليه التأويل\".\nوقال الغزالي: \"تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر أحد فيه طعنًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا\" كما قواه ابن عبد البر، وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير.\nانظر: المستصفى \"٢/ ٢٥٤\" والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر.\n٢ سبق تخريجه.","vol":"1","page":373},{"text":"وكان يفاضل بين ديات الأصابع ويقسمها على قدر منافعها، فلما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"في كل إصبع عشر من الإبل\" ١: رجع عنه إلى الخبر، وكان بمحضر من الصحابة٢.\nولأن قول النبي -ﷺ- كلام المعصوم وقوله، والقياس استنباط الراوي، وكلام المعصوم أبلغ في إثارة غلبة الظن.\nثم أصحاب أبي حنيفة قد أوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر. وأبطلوا الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، دون خارجها، وحكموا في القسامة بخلاف القياس، وهو مخالف للأصول٣.\n_________\n١ روى البيهقي في سننه الكبرى: كتاب الديات، باب الأصابع كلها سواء، عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر -﵁- في الأصابع: في الإبهام بثلاث عشر، وفي التي تليها باثنتي عشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست، حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من رسول الله -ﷺ- وفيما هنالك من الأصابع \"عشر، عشر\" قال سعيد: فصارت الأصابع إلى عشر، عشر.\nوحديث عمرو بن حزم أخرجه النسائي: كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له.\nوللحديث روايات أخرى عن أبي موسى الأشعري عند أبي داود، والنسائي وابن ماجه، والحاكم وصححه. وأخرجه أحمد بلفظ \"الأصابع سواء، والأسنان سواء\".\n٢ قال أبو يعلى في العدة \"٣/ ٨٩٠\": \"وكان بمحضر من الصحابة -﵃- فلم ينكر ذلك منكر، ولم يخالفه فيه مخالف، فدل على أنه إجماع عنهم\".\n٣ تقدم أن أبا حنيفة يرى: أن خبر الواحد إذا خالف الأصول، أو معنى الأصول لا يحتج به، وأورد المصنف العديد من الأدلة التي تدل على رفض ما قاله أبو حنيفة. ثم أورد على مذهب الحنفية بعض الأمثلة التي أخذوا فيها بما يخالف =","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>باب: الأصل الثالث: الإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>فصل: معنى الاجماع</span>\n...\nباب: الأصل الثالث: الإجماع\nفصل: ومعنى الإجماع\nفي اللغة: الاتفاق، يقال: أجمعت الجماعة على كذا: إذا اتفقوا عليه.\nويطلق بإزاء تصميم العزم، يقال: أجمع فلان رأيه على كذا: إذا صمم\n_________\n= القياس؛ فقال: فقد أوجبتم الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، مع مخالفة ذلك لسائر المائعات استنادًا إلى ما رواه أبو داود \"٨٤\" والترمذي \"٨٨\" وابن ماجه \"٨٤\" وأحمد \"١/ ٤٩، ١٥٠\".\nعن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال له ليلة الجن: \"ما في إداوتك؟ \" قال: نبيذ قال: \"تمرة طيبة وماء طهور\" وقد نص العلماء على ضعف الحديث من عدة طرق، منها: أن ابن مسعود لم يكن مع النبي -ﷺ- في هذه الليلة: انظر: \"نصب الراية ١/ ١٣٨-١٤١\".\nكما أبطلتم الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة دون خارجها، بما روي عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: \".... بينما رسول الله -ﷺ- يصلى بالناس، إذ دخل رجل، فتردى في حفرة كانت في المسجد، وكان في بصره ضرر، فضحك كثير، من القوم وهم في الصلاة، فأمر رسول الله -ﷺ- من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة\" أخرجه الطبراني، والهيثمي في مجمع الزوائد \"١/ ٢٤٦\".\nوهو حديث في إسناده ثلاثة رواة متكلم فيهم. \"نصب الراية ١/ ٤٧\".\nكما أخذتم بحديث القسامة، وهي عبارة عن أيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم وليس لهم بينة، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في الديات، ومسلم في كتاب القسامة، كما أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهم.\nوحديث القسامة مخالف لسائر الدعاوى، لأن اليمين يبدأ فيها بالمدعي قبل المدعى عليه. ومعنى هذا كله: أن الحنفية بذلك أخذوا بخبر الواحد فيما يخالف الأصول.","vol":"1","page":375},{"text":"عزمه عليه١.\nقال الله -تعالى-: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُم﴾ ٢.\nومعنى الإجماع في الشرع: اتفاق علماء العصر من أمة محمد -ﷺ- على أمر من أمور الدين٣.\n[إمكان وجود الإجماع وتصوره]\nووجوده متصور:\n_________\n١ انظر: القامو س المحيط \"٣/ ١٥\" والمصباح المنير \"١/ ١٧١\".\n٢ سورة يونس من الآية: ٧١.\n٣ جمهور الأصوليين يقولون في تعريفه: \"اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني بعد وفاة النبي -ﷺ-\".\nوعرفه الآمدي بقوله: \"هو اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد -ﷺ- في عصر ما على حكم واقعة من الوقائع\".\nوقريب منه تعريف القرافي.\nوالمراد بالاتفاق: الاشتراك في القول، أو الفعل، أو الاعتقاد.\nوالمراد بأهل الحل والعقد: المجتهدين -كما قال الجمهور-.\nوقول الآمدي: \"اتفاق جملة أهل الحل والعقد: فيه احتراز من اتفاق البعض فلا يكون إجماعًا.\nوفائدة قولهم: \"من أمة محمد -ﷺ-\" إخراج اتفاق بقية الأمم، فإنه ليس إجماعًا معتبرًا، لأنهم قد يتفقون على الباطل، ومن هنا جاءت الأحاديث في عصمة هذه الأمة من الاتفاق على الباطل أو الخطأ. كما سيأتي في حجية الإجماع.\nانظر: في تعريف الإجماع: \"العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٩، شرح تنقيح الفصول ص٣٢٢، الإحكام للآمدي ١/ ١٩٦، شرح مختصر الروضة ٢/ ٦\".","vol":"1","page":376},{"text":"فإن الأمة مجمعة على وجوب الصلوات الخمس، وسائر أركان الإسلام.\nوكيف يمتنع تصوره؛ والأمة كلها متعبدة بالنصوص والأدلة القواطع، معرضون للعقاب بمخالفتها؟\nوكما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب: لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين.\nوإذا جاز اتفاق اليهود -مع كثرتهم- على باطل: فلم لا يجوز اتفاق أهل الحق عليه١.\n_________\n١ مسألة إمكان وقوع الإجماع للعلماء فيها ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يمكن انعقاده، بل ووقع فعلًا في كل العصور، وهو مذهب جمهور العلماء.\nالمذهب الثاني: أنه غير ممكن عادة، لا عقلًا، وهو رأي النظام وبعض الشيعة وبعض المعتزلة.\nالمذهب الثالث: أنه ممكن الوقوع باعتبار ذاته، ولكنه متعذر باعتبار نقله، وهو مروي عن الإمام أحمد، كما روي عنه إمكان ذلك ووقوعه في عصر الصحابة فقط، لإمكان الاطلاع عليه ونقله.\nوقد استدل المصنف للمذهب الأول: بأن الإجماع قد وقع، والوقوع يستلزم الجواز، أي يدل عليه، ومثل لذلك بالإجماع على الصلوات الخمس وسائر أركان الإسلام، فإنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب ذلك، وكيف يمتنع تصور ذلك والأمة كلها متعبدة باتباع النصوص والأدلة القاطعة، ومعرضون للعقاب إذا خالفوها.\nفكما لا يمتنع اتفاقهم واجتماعهم على أمر من أمور الدنيا، كالأكل والشرب لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين، وإذا جاز اتفاق أهل الباطل على شيء، فمن باب أولى اتفاق أهل الحق.","vol":"1","page":377},{"text":"[كيف يعرف الإجماع]\nويعرف الإجماع بالإخبار، والمشافهة، فإن الذين يعتبر قولهم في الإجماع: هم العلماء المجتهدون، وهم مشتهرون معروفون، فيمكن تعرف أقوالهم من الآفاق١.\n[موقف العلماء من حجية الإجماع]\nوالإجماع حجة قاطعة عند الجمهور٢.\n_________\nهذا رد على سؤال مقدر يمكن أن يرد من المنكرين لإمكان وقوع الإجماع، مفاده: أن الإجماع يتعذر وجوده لعدة أسباب:\nأولًا: انتشار المجتمعين شرقًا وغربًا، وجواز خفاء بعضهم، بأن يكون أسيرًا أو محبوسًا، أو أن يكون خامل الذكر غير معروف.\nثانيًا: احتمال الكذب، فإن البعض قد يفتي على خلاف ما يعتقد خوفًا من سلطان جائر، أو بقصد التقرب إليه للوصول إلى منصب مرموق.\nثالثًا: احتمال رجوع بعضهم قبل الإجماع.\nفأجاب المصنف على هذه الاحتمالات: بأن ذلك يعرف بالأخبار التي تنقل عن العلماء، أو المشافهة، خاصة وأن الذين يصلون إلى درجة الاجتهاد قليلون ومشهورون.\nهذا معنى ما قاله المصنف وغيره.\nوقد نقل \"ابن بدران\" عن أبي المعالي أنه قال: \"والإنصاف أنه لا طريق لنا إلى معرفة الإجماع إلا من زمن الصحابة\" ولعل هذا هو الذي جعل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: \"من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، وما يدريه، ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا\".\nانظر: إعلام الموقعين \"١/ ٣٠\" نزهة الخاطر العاطر جـ١ ص٣٣٥، أصول مذهب الإمام أحمد ص٣٢٢.\n٢ للعلماء في نوع حجية الإجماع ثلاثة مذاهب: =","vol":"1","page":378},{"text":"وقال النظام١: ليس بحجة٢.\nوقال: \"الإجماع: كل قول قامت حجته\" ليدفع عن نفسه شناعة قوله، وهذا خلاف اللغة والعرف٣.\n_________\n= المذهب الأول: أنه حجة قطعية تحرم مخالفته، وهو رأي الجمهور كما قال المصنف.\nالمذهب الثاني: أنه حجة ظنية، وهو رأي بعض العلماء، كالإمام الرازي، والآمدي وغيرهما.\nالمذهب الثالث: أنه حجة قطعية إذا اتفق عليه المعتبرون، أما إذا لم يتفقوا، بأن كان إجماعًا سكوتيًّا، أو يندر مخالفه كان حجة ظنية. انظر: \"فواتح الرحموت ٢/ ٢١٣، التقرير والتحبير ٣/ ٨٣، الإحكام للآمدي ١/ ١٤٤\".\n١ هو: إبراهيم بن يسار بن هانئ، أبو إسحاق البصري، المعتزلي، كان أديبًا متكلمًا، وهو أستاذ الجاحظ، تنسب إليه اقوال غريبة، كما كان شديد الحفظ، حفظ القرآن والتوراة والإنجيل، وطالع كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، من مؤلفاته \"النكت\" في عدم حجية الإجماع. توفي سنة ٢٣١هـ.\nانظر: فرق وطبقات المعتزلة ص٥٩، تأريخ بغداد \"٦/ ٩٧\".\n٢ وهو رأي بعض الشيعة وبعض المعتزلة.\nوقالت الإمامية: إن كان فيه قول الإمام المعصوم فهو حجة، وإلا فلا. وهذا في الواقع خارج عن الإجماع، لأن الحجة عندهم في قول الإمام، باعتبار أنه معصوم حسب عقيدتهم. انظر: المعتمد \"٢/ ٤٥٨\".\n٣ يعنى: أن النظام لما أحس بشناعة رأيه عرف الإجماع بما ذكره المصنف، وهو تعريف غير صحيح من ناحية اللغة والعرف الشرعي.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>فصل: [الأدلة على حجية الإجماع]</span>\nولنا دليلان١:\n_________\n١ أي طريقان أو مسلكان، أحدهما من القرآن، والثاني من السنة.","vol":"1","page":379},{"text":"أحدهما: قول الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١ وهذا يوجب اتباع سبيل المؤمنين، ويُحرِّم مخالفتهم.\n_________\n١ سورة النساء الآية: ١١٥. والمصنف لم يكمل الآية، وقد أكملتها تبعًا للغزالي حتى يظهر وجه الشاهد من الآية وهو: الوعيد على مشاقة الرسول -ﷺ- أي مخالفته، واتباع غير سبيل المؤمنين.\nقال الشوكاني: \"ووجه الدلالة من الآية: أن الله -تعالى- جمع بين مشاقة الرسول -ﷺ- واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا، لما جمع بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن: متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة\" \"إرشاد الفحول جـ١ ص٢٩٣، ٢٩٤\".\nوالغزالي -كغيره من العلماء- أورد العديد من الآيات الدالة على حجية الإجماع هي:\nقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ...﴾ [البقرة: ١٤٣] .\nوقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...﴾ [آل عمران: ١١٠] .\nوقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] .\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ...﴾ [آل عمران: ١٠٣] .\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه ...﴾ [الشورى: ١٠] .\nوقوله تعالى: ﴿... فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] .\nثم قوله: فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض، بل لا تدل -أيضًا- دلالة الظواهر. وأقواها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ.....﴾ الآية. انظر: \"المستصفى جـ٢ ص٢٩٨، ٢٩٩\".","vol":"1","page":380},{"text":"فإن قيل١: إنما توعّد على مشاقة الرسول -ﷺ- وترك اتباع سبيل المؤمنين معًا، أو على ترك أحدهما بشرط ترك الآخر، فالتارك لأحدهما بمفرده لا يلحق به الوعيد.\nومن وجه آخر: وهو أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق فيه؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ والحق -في هذه المسألة- من جملة \"الهدى\" فيدخل فيها.\nويحتمل: أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا فيه مؤمنين.\nويحتمل: أنه أراد بالمؤمنين: جميع الأمة إلى قيام الساعة، فلا يحصل الإجماع بقول أهل عصر.\nولأن المخالف من جملة المؤمنين، فلا يكون تاركًا لاتباع سبيلهم بأسرهم.\nولو قدر أنه لم يرد شيء من ذلك، غير أنه لا ينقطع الاحتمال، والإجماع أصل لا يثبت بالظن٢.\nقلنا٣: التوعد على الشيئين يقتضي أن يكون الوعيد على كل واحد منهما منفردًا، أو بهما معًا.\nولا يجوز أن يكون لاحقًا بأحدهما معينًا، والآخر لا يلحق به\n_________\n١ بدأ المصنف يورد الاعتراضات التي قالها المخالفون على الاستدلال بالآية الكريمة.\n٢ خلاصة هذا الاعتراض: أن النص ليس بقاطع، لأن قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ يحتمل وجوهًا كثيرة، منها ما ذكره، إذا وجد الاحتمال لم يكن النص قطعيًّا، وإنما كان ظنيًّا، والإجماع أصل من الأصول العامة فلا يثبت بطريق الظن.\n٣ بدأ المصنف يرد على الاعتراضات السابقة.","vol":"1","page":381},{"text":"وعيد، كقول القائل: \"من زنا أو شرب ماء عوقب\".\nوهذا لا يدخل في القسم الثاني١ لأن مشاقة الرسول بمفردها تثبت العقوبة، فثبت أنه من القسم الأول٢.\nوأما الثاني٣: فلا يصح؛ فإنه توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقًا من غير شرط.\nوإنما ذكر تبين الهدي عقيب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ وليس بشرط لإلحاق الوعيد على مشاقة الرسول اتفاقًا، فلأن لا يكون شرطًا لترك اتباع سبيل المؤمنين -مع أنه لم يذكر معه- أولى.\nوأما الثالث٤: فنوع تأويل، وحمل اللفظ على صورة واحدة.\n\"وأما الرابع٥: فإن مطلق الاحتمال لا يؤثر في نفس كونه من الأدلة\n_________\n١ وهو: أن يكون على كل منهما معًا.\n٢ وهو: أن يكون الوعيد على كل منهما منفردًا.\n٣ أي الرد على الاعتراض الثاني وهو قوله: \"أنه إنما ألحق الوعيد لتارك سبيلهم إذا بان له الحق\" وخلاصة الرد بوجهين:\nأحدهما: لا نسلم أن كل ما كان شرطًا في المعطوف عليه أن يكون شرطًا في المعطوف، لأن العطف لا يقتضى سوى التشريك في مقتضى العامل إعرابًا ومدلولًا.\nثانيهما: لو سلمنا أن الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف، فإن ذلك لا يضرنا، فإنه لا نزاع في أن \"الهدى\" المشروط في تحريم المشاقة إنما هو دليل التوحيد والنبوة، لا أدلة الأحكام الفرعية، فيكون \"الهدى\" شرطًا في اتباع غير سبيل المؤمنين ونحن نسلم به.\n٤ أي الاعتراض الثالث: وهو: \"ويحتمل أنه توعد على ترك سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين\".\n٥ أي الاعتراض الرابع وهو قوله \"ولو قدر أنه لم يرد شيء من ذلك\".","vol":"1","page":382},{"text":"الأصلية؛ إذ ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، فإن النص يحتمل أن يكون منسوخًا، والعام يجوز أن يكون مخصوصًا، وهذا وشبهه لم يمنع كونه من الأصول، كذا ههنا\"١.\nالدليل الثاني: من السنة٢:\nقول النبي -ﷺ- \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\" ٣. وروي: \"لا تجتمع على خطأ\". وفي لفظ \"لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ\".\n_________\n١ ما بين القوسين من النسخة التي حققها الدكتور عبد الكريم النملة -يحفظه الله-.\n٢ المسلك الثاني على حجية الإجماع: أن الإجماع صادر عن مجموع الأمة، والأمة معصومة، والمعصوم لا يصدر عنه إلا الصواب.\nأما أن الأجماع صادر عن مجموع الأمة، فلما سبق في تعريفه، من أنه اتفاق مجتهدي الأمة إلخ. والمجتهدون قائمون مقام الأمةإ إذ إليهم إبرام أمورهم ونقضها، ولذلك جاء في بعض التعريفات أنه: \"اتفاق أهل الحل والعقد\".\nوأما أن الأمة معصومة عن الخطأ، أو الضلال: فلأن الأخبار النبوية في عصمتها بلغت حد التواتر المعنوي، لاختلاف ألفاظها، واشتراكها في الدلالة على أمر واحد، وهو: نفي الخطأ عنها.\nانظر: شرح المختصر \"٣/ ١٨، ١٩\".\n٣ هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر -﵄- أخرجه عنه الترمذي: كتاب الفتن، باب لزوم الجماعة بلفظ: \"إن الله لا يجمع أمتي، أو قال: أمة محمد -ﷺ- على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار\" ثم قال: هذا الحديث غريب من هذا الوجه.\nكما رواه الحاكم في المستدرك: كتاب العلم \"١/ ١١٥، ١١٦\".\nوأخرجه أبو داود: كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها عن أبي مالك الأشعري. وابن ماجه في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، من حديث أنس بن مالك. =","vol":"1","page":383},{"text":"وقال: \"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح\"١.\nوقال: \"من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة٢ الإسلام من عنقه\"٣\n_________\n= كما روي بأسانيد أخرى كثيرة بعضها مرفوع وبعضها موقوف، وبعضها ضعيف.\nيراجع في ذلك: مجمع الزوائد \"١/ ١٧٧\" و\"٥/ ٢١٧\" ونصب الراية \"٤/ ١٣٣\".\n١ هذا جزء من حديث موقوف على عبد الله بن مسعود -﵁- أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"١/ ٣٧٩\" ولفظه: \"إن الله نظر في قلوب العباد فوجد في قلب محمد -ﷺ- خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهوعند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيّء\" وأخرجه عنه الحاكم -موقوفًا- في كتاب معرفة الصحابة، باب فضائل أبي بكر -﵁-. ثم قال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرجه البزار بسنده في باب الإجماع من كتاب كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي \"١/ ٨٨\".\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد \"١/ ١٧٧، ١٧٨\": \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون\".\nوالحديث وإن كانت له روايات متعددة، إلا أن الصحيح أنه موقوف على ابن مسعود -﵁-.\nانظر: المقاصد الحسنة ص٣٦٧\".\n٢ قال ابن الأثير في النهاية \"٢/ ٦٢\": \"الربقة في الأصل: عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإسلام: أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه\".\n٣ هذا الحديث رواه أبو ذر -﵁- مرفوعًا: أخرجه عنه أبو داود: كتاب =","vol":"1","page":384},{"text":"و\"من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية\"١.\nوقال: \"عليكم بالسواد الأعظم\".\nوقال: \"ثلاث لا يغل٣ عليهن قلب المسلم: إخلاص العمل لله، والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين\"٤.\n_________\n= السنة، باب قتل الخوارج، وأحمد في المسند \"٥/ ١٨٠\" كما أخرجه عن الحارث الأشعري -﵁- مرفوعًا بلفظ قريب منه، وأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الصوم، عن الحارث- أيضًا- وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n١ حديث صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب قول النبي -ﷺ-: \"سترون بعدي أمورًا تنكرونها\" من حديث ابن عباس -﵄-: \"ولفظه: \"من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية\" كما أخرجه في كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام، ما لم يكن معصية.\nكما أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين.\nوهو مخرج -أيضًا- عند أحمد والدارمي والنسائي وغيرهم.\n٢ المراد بالسواد الأعظم: جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان، وسلوك النهج السليم \"النهاية لابن الأثير ٢/ ١٩١\" والحديث تقدم تخريجه ضمن روايات حديث \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\".\n٣ يغل: بضم الياء وكسر الغين، من الإغلال وهو الخيانة، وروي \"يغل\" بفتح الياء، من الغل وهو الحقد. كما روي \"يغل\" بفتح الياء وكسر الغين وتخفيف اللام من الوغول، وهو الدخول في الشيء. \"النهاية ٣/ ١٦٨\".\n٤ هذا جزء من حديث أخرجه الترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع عن ابن مسعود -﵁- مرفوعًا بسند صحيح أن رسول الله -ﷺ- قال: \"نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن ... \" ورواه أحمد في المسند \"٤/ ٨٠\" والحاكم في =","vol":"1","page":385},{"text":"ونهى عن الشذوذ١ وقال: \"مَن شَذًٌ شَذٌ فلي النٌار\" ٢.\nوقال: \"لا تزال طائفة من أمتى على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله\" ٣.\nوقال: \"من أراد بحبوحة٤ الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد\" ٥.\n_________\n= المستدرك وابن ماجه: كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر: \"٣٠٥٦\" عن جبير بن مطعم، كما رواه أبو داود وابن ماجه عن زيد بن ثابت. انظر: مشكاة المصابيح \"١/ ٧٨\" ومجمع الزوائد \"١/ ١٣٩\".\n١ الشذوذ: الانفراد والمقارنة، والمقصود: مفارقة جماعة المسلمين.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ حديث صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام، باب قول النبي -ﷺ-: \"لا تزل طائفة من أمتى ظاهرين على الحق\" عن المغيرة بن شعبة -﵁- ولفظه: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون\".\nكما أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين.\nوأخرجه أبو داود في أول كتاب الفتن عن ثوبان -﵁-، وكذلك الترمذي وأحمد في المسند \"٥/ ٢٧٨\".\n٤ بحبوحة الجنة: أي وسطها. يقال: بحبوحة الدار: وسطها، ويقال: تبحبح الرجل، وبحبح: إذا تمكن من الحلول والمقام وتوسط المنزل.\n٥ حديث صحيح أخرجه الشافعي في الرسالة ص٤٧٤، وأحمد في المسند \"١٤/ ١٨، ٢٦\" والترمذي حديث \"٢١٦٦\" وابن ماجه \"٢٣٦٣\" وابن حبان \"٢٢٨٢\" والحاكم \"١/ ١٨، ٤/ ١\" من حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وأبي الدرداء مرفوعًا بألفاظ مختلفة. انظر: شرح البغوي \"٣/ ٣٤٧\".","vol":"1","page":386},{"text":"وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحد من السلف والخلف.\nوهي وإن لم تتواتر آحادها، حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي -ﷺ- عظم شأن هذه الأمة، وبين عصمتها عن الخطأ١.\nوبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى تصديق شجاعة \"علي\" وسخاء \"حاتم\" ٢ وعلم \"عائشة\"، وإن لم يكن آحاد الأخبار فيها متواترًا، بل يجوز على كل واحد منها الكذب لو جرّدنا النظر إليه، ولا يجوز على المجموع.\nويشبه ذلك: ما يحصل فيه العلم بمجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال، ويحصل بمجموعها العلم الضروري.\nومن وجه آخر٣.\n_________\nخلاصة ما يريده المصنف من ذلك: أن هذه الأخبار الكثيرة التي أوردها على حجية الإجماع ظاهرة ومشهورة عند الصحابة والتابعين، وهي وإن كانت لم تبلغ حد التواتر اللفظي، إلا أنها إذا انضم بعضها إلى بعض وصلت إلى التواتر المعنوي، كتواتر شجاعة \"علي\" -﵁- وجود \"حاتم الطائي\" وعلم السيدة \"عائشة\" أم المؤمنين -﵂- فهذه الأخبار لو كانت منفردة لجاز عليها الكذب، بخلاف ما لو كانت مجتمعة فإنها تفيد العلم الضروري.\n٢ هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، المشهور بحاتم الطائي، نسبة إلى قبيلة \"طيئ\" كان جوادًا مشهورًا بالكرم، شاعرًا جيد الشعر، مات سنة ٤٥ قبل الهجرة.\nانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة \"١/ ٢٤١\" تهذيب ابن عساكر \"٣/ ٣٢٠ وما بعدها\".\n٣ خلاصة ذلك: أن المصنف يريد أن يقول: إن دلالة الأحاديث المتقدمة على حجية الإجماع من ثلاثة وجوه:","vol":"1","page":387},{"text":"أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر فيه أحد خلافًا إلى زمن النظام.\nويستحيل في مطرد العادة ومستقرها توافق الأمم في أعصار مطردة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته، مع اختلاف الطباع، وتباين المذاهب في الرد والقبول.\nولذلك: لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف، وإبداء تردد فيه.\nومن وجه آخر:\nأن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به وهو: الإجماع الذي يحكم على كتاب الله وسنة رسوله.\nويستحيل في العادة التسليم بخبر يرفعون به، الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى سند مقطوع به.\nأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلومًا، حتى لا يتعجب\n_________\n= الوجه الأول: ما تقدم من أن هذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على حجية الإجماع منذ عصور الصحابة والتابعين، وهي وإن لم تتواتر لفظيًّا إلا أنها تفيد التواتر المعنوي كما تقدم.\nالوجه الثاني: أن هذه اأحاديث تمسك بها الصحابة والتابعون، ولم يظهر أحد فيها خلافًا إلى زمن النظام، فهو الذي بدأ في إنكار حجية الإجماع، ويستحيل اطراد مثل ذلك إلا إذا كان حجة.\nالوجه الثالث: أن المحتجين بهذه الأحاديث أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به يحكم به على كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- فلا بد وأن يكون مستندًا، إلى دليل قطعي. هذا معنى كلامه، وفيه نظر يطول شرحه.","vol":"1","page":388},{"text":"متعجب، ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستنده إلى خبر غير معلوم الصحة؟!\nوكيف يذهل عنه جميع الأمة إلى زمن النظام فيختص بالتنبيه له؟ هذا وجه الاستدلال١.\nفصل: ولا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر؛\nلأن الحجة في قولهم، لصيانة الأمة عن الخطأ بالأدلة المذكورة، فإذا لم يكن على الأرض مسلم سواهم، فهم على الحق يقينًا، صيانة لهم عن الاتفاق على الخطأ٢.\n_________\n١ أي وجه الاستدلال بالأحاديث المتقدمة على حجية الإجماع، وهي من ثلاثة أوجه -كما تقدم-.\n٢ خلاصة ذلك: أنه لا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر كما لا يشترط ذلك في الدليل السمعي، لأن المقصود اتفاق مجتهدي العصر، وقد حصل، ولا دخل للعدد فيه.\nونقل عن بعض العلماء أنه يشترط التواتر، ومنهم: أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وابن السبكي.\nهكذا ورد في بعض الكتب مثل: شرح تنقيح الفصول ص٣٤١، شرح الكوكب المنير \"٢/ ٢٥٢\".\nإلا أن الغزالي وغيره من العلماء يفرقون بين من أخذ حجية الإجماع من دليل العقل، وبين من أخذ من الدليل السمعي.\nفإذا كان من دليل العقل فيلزم اشتراط التواتر، وإذا كان من السمع ففيه مذهبان:\nأحدهما: اشتراط ذلك.\nوثانيهما: عدم الاشتراط. =","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>فصل: [في المعتبرين في الإجماع]</span>\nولا اختلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع وأنه لا يعتد بقول الصبيان والمجانين.\nفأما العوام:\nفلا يعتبر قولهم عند الأكثرين.\nوقال قوم: يعتبر قولهم؛ لدخولهم في اسم \"المؤمنين\" ولفظ الأمة١.\n_________\n= وأورد أدلة كل فريق ورجح عدم الاشتراط كما يقول الجمهور.\nراجع في هذه المسألة: \"البرهان ١/ ٦٨٠، ٦٩١، المستصفى ٢/ ٣٥١ وما بعدها، بيان المختصر للأصفهاني ١/ ٥٧٣-٥٧٥\".\n١ خلاصة هذا الفصل: أن كل واحد من الأمة، إما أن يكون مجتهدًا أو لا، فإن كان مجتهدًا فلا خلاف في اعتبار موافقته، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإما أن يكون غير مكلف، وإما أن يكون مكلفًا، فإن كان غير مكلف فلا خلاف في عدم اعتبار، وموافقته كالصبي والمجنون.\nوإن كان مكلفًا كالعوام، وطلبة العلم الذين لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد، فهؤلاء لا يعتبر قولهم من الإجماع، وهذا هو رأي جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة:\nوذهب بعض العلماء إلى اعتبار قولهم في الإجماع، كأبي بكر الباقلاني والآمدي.\nومنهم من قال: يعتبر قولهم في المسائل المشهورة والمعلومة من الدين بالضرورة.\nومن الأدلة التي استند إليها هؤلاء: أن اسم \"المؤمنين\" و\"الأمة\" يشمل العوام، كما يشمل المجتهدين. وأجيب عنه: بأن العامي خص من هذا العموم، كما خص الصبي والمجنون. =","vol":"1","page":390},{"text":"وهذا القول يرجع إلى إبطال الإجماع؛ إذ لا يتصور قول الأمة كلهم في حادثة واحدة.\nوإن تصوّر: فمن الذي ينقل قول جميعهم، مع كثرتهم وتفرقهم في البوادي والأمصار والقرى؟!\nولأن العامي ليس له آلة هذا الشأن١، فهو كالصبي في نقصان الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة عن الخطأ: إلا عصمة من تتصور منه الإصابة لأهليته.\nوالعامي إذا قال قولًا: علم أنه يقوله عن جهل، وليس يدري ما يقول.\nولهذا انعقد الإجماع على أنه يعصي بمخالفة العلماء، ويحرم عليه ذلك.\nولذلك ذم النبي -ﷺ- الرؤساء الجهال الذين أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا٢.\nوقد وردت أخبار كثيرة بإيجاب المراجعة للعلماء، وتحريم الفتوى بالجهل والهوى٣.\n_________\n= انظر: \"آراء العلماء وأدلتهم في: شرح الكوكب المنير ٢/ ٢٥٢، شرح مختصر الروضة ٣/ ٣١ وما بعدها، العدة ٤/ ١١٣\".\n١ وهي أهليته للنظر والاجتهاد.\n٢ يشير بذلك إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم -أو لم يُبق عالمًا- اتخذ الناس رؤساء -وفي بعض الروايات رءوسًا- جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا\".\n٣ مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] =","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>فصل: [فيمن يعتبر في الإجماع من أصحاب العلوم]</span>\nومن يعرف من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم، كأهل الكلام، واللغة، والنحو ودقائق الحساب: فهو كالعامي لا يعتد بخلافه، فإن كل أحد عامي بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه، وإن حصل علمًا سواه١.\nفأما الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفروع، والفقيه الحافظ لأحكام الفروع، من غير معرفة بالأصول، أو النحوي إذا كان الكلام في\n_________\nو[الأنبياء: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ...﴾ [النساء: ٨٣] .\nوروى جابر بن عبد الله قال: \"خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي -ﷺ- أخبر بذلك، فقال: \"قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده\" أخرجه أبو داود \"٣٣٦\" وابن ماجه \"٥٧٢\" والدارمي \"١/ ١٥٧\" وأحمد \"٣٠٥٦\" والطبراني \"١١٤٧٢\" وله طرق أخرى كثيرة.\n١ وهو رأي الجمهور العلماء. قال الطوفي: \"ويعتبر في إجماع كل فن قول أهله، كالفقيه في الفقه، والأصولي في الأصول، والنحوي في النحو، والطبيب في الطب، إذ غير أهل ذلك الفن، بالإضافة إلى ذلك الفن عامة\".\nثم قال: \"وعلى قول القاضي أبي بكر ينبغي أن يعتبر في الإجماع في فن إجماع أهل سائر الفنون؛ لأن أسوا أحوالهم أن يكونوا كالعامة، وهو يعتبر قولهم\" شرح المختصر \"٣/ ٣٦\".","vol":"1","page":392},{"text":"مسألة تنبني على النحو: فلا يعتد بقولهم -أيضًا-.\nوقال قوم: لا ينعقد الإجماع بدونهم؛ لأن الأصولي -مثلًا- العارف بمدارك الأحكام، وكيفية تلقيها من المفهوم والمنطوق، وصيغة الأمر والنهي، والعموم: متمكن من درك الأحكام إذا أراد، وإن لم يحفظ الفروع١.\nوآية ذلك٢: أن \"العباس\"٣........................................\n_________\n١ قوله \"فأما الأصولي ... إلخ\" هذا متفرع على مسألة تجزؤ الاجتهاد، فمن أجاز ذلك أجاز أن يكون قول هؤلاء معتبرًا، لأن كلًّا منهم وإن لم يكن أهلًا للاجتهاد في جميع المسائل، لكنه أهل للاجتهاد في بعضها، مثل: أن يبني الأصولي وجوب الزكاة على أن الأمر للفور، ويبني النحوي مسائل الشرط في الطلاق على باب الشرط والجزاء. ومن منع تجزؤ الاجتهاد منع ذلك.\nقال الطوفي: \"والأشبه بالصواب، وما دل عليه الدليل، اعتبار قول الأصولي والنحوي فقط، دون الفقيه الصرف؛ لتمكّنهما من إدراك الحكم بالدليل، هذا بقواعد الأصول، وهذا بقواعد العربية، لأن علمهما من مواد الفقه وأصوله، فيتسلطان به عليه، ولأن مباحث الأصول والعربية عقلية، وفيهما من القواطع كثير، فيتنقح بهما الذهن، ويقوى بهما استعداد النفس لإدراك التصورات والتصديقات حتى يصير لها ذلك ملكة، فإذا توجهت إلى الأحكام الفقهية أدركتها\".\nالمصدر السابق ص٣٩.\n٢ يقصد بذلك: الاستدلال على أنه يعتد بخلاف من لم يصل إلى درجة من العلم كما وصل بعض الصحابة، وأجرى مقارنة بين العباس، وطلحة، والزبير، وبين العبادلة: كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وبعضهم كان من أهل الشورى الذين عينهم عمر بن الخطاب، كعبد الله بن عمر وغيره.\n٣ هو: العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، كان من أكابر قريش في =","vol":"1","page":393},{"text":"و\"طلحة\"١ و\"الزبير\" ونظراءهم ممن لم ينصب نفسه للفتيا نصب العبادلة، وزيد بن ثابت ومعاذ: يعتد بخلافهم.\nوكيف لا يعتد بهم وهم يصلحون للإمامة العظمى، وقد سمّي بعضهم في الشورى، ولم يكونوا يحفظون الفروع، بل لم تكن الفروع موضوعة بعد.\nلكن عرفوا الكتاب والسنة، وكانوا أهلًا لفهمهما.\nوالحافظ للفروع قد لا يحفظ دقائق مسائل الحيض والوصايا، فأصل هذه الفروع لأصل هذه الدقائق.\nولنا٣: أن من لا يعرف الأحكام لا يعرف النظير فيقيس عليه.\n_________\n= الجاهلية، وفي الإسلام. توفي سنة ٣٢هـ \"صفة الصفوة ١/ ٢٠٣\".\n١ هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، القرشي، التيمي، شهد أحدًا وما بعدها، أحد العشرة والمبشرين بالجنة، قتل في وقعة الجمل سنة ٣٦هـ. \"الإصابة ٣/ ٢٩٠\".\n٢ هو: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي، ابن عمة النبي -ﷺ- أول من سل سيفًا في الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. قتل سنة ٣٦هـ. \"الاستيعاب ٢/ ٥١٠-٥١٦\".\n٣ بدأ المصنف يذكر ما يرجح مذهب القائلين بعدم تجزؤ الاجتهاد، فبين أن من لا يعرف الأحكام الشرعية لا يستطيع معرفة نظائرها، ومن يعرف النصوص الشرعية، ولا يعرف كيف تؤخذ منها الأحكام، والتي تسمى بكيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة، كل هؤلاء لا يمكنهم معرفة الأحكام.\nثم رد على استشهاد المخالفين بالصحابة، بأن هؤلاء الصحابة كانوا على علم بالأدلة الشرعية وبكيفية استنباط الأحكام منها.\nثم أورد استفهامًا على هذه المسألة، هل هي اجتهادية أو قطعية؟ فأجاب: بأنها اجتهادية، ومعنى هذا: أننا إذا اعتبرنا قول العوام ومن في حكمهم في =","vol":"1","page":394},{"text":"ومن لا يعرف الاستنباط، مع عدم معرفته ما يستنبط منه: لا يمكنه الاستنباط.\nوكذلك من يعرف النصوص، ولا يدري كيف يتلقى الأحكام منها: كيف يمكنه تعرف الأحكام؟\nوأما الصحابة الذين ذكروهم: فقد كانوا يعلمون أدلة الأحكام، وكيفية الاستنباط، وإنما استغنوا بغيرهم، واكتفوا بمن سواهم.\nفإن قيل: فهذه المسألة اجتهادية أم قطعية؟\nقلنا: هي اجتهادية، فمتى جوزنا أن يكون قول واحد من هؤلاء معتبرًا فخالف: لم يبق الاجماع حجة قاطعة.\n_________\n= الإجماع، فخالف بعضهم، لم يكن الإجماع حجة قطعية، لمخالفة البعض، وإذا لم نعتبره كان الإجماع حجة قطعية، لأن مخالفتهم كمخالفة الصبيان فلا أثر لها.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>فصل: [في عدم الاعتداد بقول الكافر والفاسق في الإجماع]</span>\nولا يعتد في الإجماع بقول كافر، سواء بتأويل أو بغيره١.\n_________\n١ ينقسم الكافر إلى معاند ومتأول، فالمعاند: كاليهود والنصاري ومن ارتد عن الإجماع بلا خوف.\nأما المتأول: وهو المستند إلى شبهة، كمبتدعة المسلمين من الخوارج والمعتزلة ونحوهما، فهؤلاء للعلماء فيهم قولان:\nأحدهما: عدم قبول قولهم مطلقًا.\nوالثاني: أنهم كالكفار عند من يكفرهم، فلا يقبل قولهم بالنسبة له، ومن لا يكفرهم يقبل قولهم.","vol":"1","page":395},{"text":"فأما الفاسق باعتقاد، أو فعل١ فقال القاضي: لا يعتد بهم٢ وهو قول جماعة٣؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٤. أي: عدولًا. وهذا غير عدل، فلا تقبل روايته، ولا شهادته، ولا قوله في الإجماع.\nولأنه لا يقبل قوله منفردًا فكذلك مع غيره.\nوقال أبو الخطاب. يعتد بهم٥؛ لدخولهم في قوله تعالى: ﴿... وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ . وقوله ﵇: \"لا تجتمع أمتي على خطأ\".\n_________\n١ مثال الفسق بالاعتقاد: الرفض والاعتزال، والفسق بالفعل: كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما في شرح الكوكب المنير \"٢/ ٢٢٧\" وقال الطوفي: \"المختار أن من كان من أهل الشهادتين فإنه لا يكفر ببدعة على الإطلاق، ما استند فيها إلى تأويل يلتبس فيه الأمر على مثله، فيقبل قول جميع مبتدعة المسلمين الذين هم كذلك، إذا عرف منهم الصدق والعدالة في بدعتهم، كما قلنا: إن الكافر العدل في دينه يلي مال ولده الصغير والمجنون؛ لأنه إذا اجتمعت العدالة مع الكفر، فمع البدعة أولى، وقد ثبت أن أئمة الحديث نقلوا أخبار كثير من أهل البدع الغليظة، لصدقهم وعدالتهم في بدعتهم. \"الشرح ٣/ ٤٤\".\n٢ انظر: العدة لأبي يعلى \"٤/ ١١٣٩\".\n٣ منهم: الجصاص: والجرجاني، وكثير من علماء الحنفية وغيرهم.\n٤ سورة البقرة من الآية: ١٤٣.\n٥ هذا النقل مخالف لما في التمهيد \"٣/ ٢٥٣\" حيث قال: \"والصحيح عندي أنه إذا كان من أهل الاجتهاد وارتكب بدعة كفّر بها لم يعتد بخلافه، وإن لم يكفّر بها اعتد بخلافه\" وفي المسألة آراء أخرى ذكرها أيضًا، كما ذكرها أبو يعلى في العدة \"٤/ ١٠٤٠\".","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>فصل: في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة</span>\n...\nمسألة: [في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة]\nوإذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة اعتد بخلافه في الإجماع عند الجمهور، واختاره أبو الخطاب١.\nوقال القاضي وبعض الشافعية: لا يعتد به، وقد أومأ أحمد -﵁- إلى القولين٢.\nوجه قول القاضي:\nأن الصحابة شاهدوا التنزيل، وهم أعلم بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، وقولهم حجة على من بعدهم، فهم مع التابعين كالعلماء مع العامة، ولذلك قدمنا تفسيرهم٣.\n_________\n١ انظر: التمهيد \"٣/ ٢٦٧\" وهو رأي الحنفية والمالكية وجمهور الشافعية، وهو ما اختاره ابن عقيل، والقاضي أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني.\nوقال القاضي عبد الوهاب، الفقيه المالكي: الحق التفصيل، وهو: أن الواقعة إن حدثت للصحابة بعد أن صار التابعي من أهل الاجتهاد، كان كأحدهم لا إجماع لهم بدونه، وإن حدثت قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، فأجمعوا على حكمها، أو اختلفوا، أو توقفوا، لم يعتد بقوله.\nقال الطوفي: \"قلت: ونحوه اختار الآمدي، والأشبه: أنه متى أدرك الخلاف فيها، أو التوقف، اعتبر قوله فيها، اختلافًا أو اتفاقًا\" شرح المختصر \"٣/ ٦٢\".\n٢ الروايتان عن الإمام أحمد ذكرهما القاضي أبو يعلى في العدة \"٤/ ١١٥٣، ١١٥٧\" وأبو الخطاب في التمهيد \"٣/ ٢٦٧، ٢٦٨\".\n٣ ذكر القاضي أبو يعلى في العدة \"٤/ ١١٦٠\" عدة وجوه تأييدًا لمذهبه، وأورد أدلة المخالفين وردّ عليها، وخلص من ذلك كله: أن للصحابة -﵃- مزايا لا توجد في التابعين، فلا يشاركهم التابعون في هذا الفضل.","vol":"1","page":397},{"text":"وأنكرت عائشة -﵂- على أبي سلمة١ حين خالف ابن عباس، قالت: \"إنما مثلك مثل الفروج، سمع الديكة تصيح فصاح لصياحها\"٢.\nووجه الأول٣:\nأنه إذا بلغ رتبة الاجتهاد: فهو من الأمة، فإجماع غيره لا يكون إجماع كل الأمة، والحجة إجماع الكل.\nنعم لو بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماعهم: فهو مسبوق بالإجماع، فهو كمن أسلم بعد تمام الإجماع.\nولا خلاف أن الصحابة -﵃- سوّغوا اجتهاد التابعين:\nولهذا ولى عمر -﵁- \"شريحًا\"٤ القضاء وكتب إليه:\n_________\n١ هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته. كان ثقة كثير الحديث، روى عن أبيه وعن عثمان بن عفان وطلحة وعائشة وغيرهم.\nتوفي سنة ٩٤هـ. وقيل: سنة ١٠٤هـ. \"تهذيب التهذيب ١٢/ ١١٥\".\n٢ مخالفة أبي سلمة لابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها سيأتي تخريجها قريبًا، وليس فيها كلام السيدة عائشة -﵂- والذي ورد فيه ذلك هو: ما رواه مالك في الموطأ: كتاب الطهارة، باب واجب الغسل إذا التقى الختانان وفيه: \"قال أبو سلمة: سألت عائشة زوج النبي -ﷺ- ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مثلك يا أبا سلمة؟ مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل\".\n٣ أي المذهب الأول وهو مذهب جمهور العلماء، من أن التابعي إذا بلغ رتبة الاجتهاد اعتد برأيه في الإجماع.\n٤ هو: شريح بن الحارث بن قيس، أبو أمية الكندي، الكوفي، القاضي المشهور، تولى القضاء ستين سنة مات سنة ٧٨هـ وقيل غير ذلك بعد أن عمر طويلًا. =","vol":"1","page":398},{"text":"\"ما لم تجد في السنة فاجتهد رأيك\"١.\nوقد علم أن كثيرًا من أصحاب عبد الله٢، كعلقمة٣، والأسود٤، وغيرهما، وسعيد بن المسيب٥، وفقهاء المدينة٦ كانوا يفتون في عصر الصحابة -﵃- فكيف لا يعتد بخلافهم؟!\n_________\n= انظر: \"تذكرة الحفاظ ١/ ٥٨، شذرات الذهب ١/ ٨٥\".\n١ كتاب عمر -﵁- إلى شريح أخرجه وكيع في كتابه: أخبار القضاة \"٢/ ١٨٩\" بسنده إلى الشعبي ولفظه: \"عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: ما في كتاب الله وقضاء النبي -ﷺ- فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي -﵇- فما قضى به أئمة العدل، وما لم يقض به أئمة العدل فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت تؤامرني، ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم ذلك\".\nكما رواه بلفظ آخر قريب مما تقدم، جاء في آخره: \".. فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يسنه رسول الله، ولم يتكلم به أحد، فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخره، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك\".\n٢ يعني: عبد الله بن مسعود -﵁- وتقدمت ترجمته.\n٣ هو: علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الهمداني، تابعي، كان يشبه ابن مسعود في هديه وسمته وفضله. توفي سنة ٦٢هـ. \"تأريخ بغداد ١٢/ ٢٩٦\".\n٤ هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الكوفي، تابعي، روى عن الخلفاء الأربعة، كما روى عن عائشة وغيرها. توفى سنة ٧٥هـ. وقيل غير ذلك.\n\"تذكرة الحفاظ ١/ ٥٠، تهذيب التهذيب ١/ ٣٢١\".\n٥ هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة. توفي سنة ٩٤هـ. \"حلية الأولياء ٢/ ١٦١\".\n٦ فقهاء المدينة هم: الذين عينهم عمر بن عبد العزيز لأخذ رأيهم في أمور المسلمين كمجلس استشاري له -﵁- حتى روى أنه قال لهم: \"إنما =","vol":"1","page":399},{"text":"وقد روى الإمام أحمد في الزهد أن أنسًا١ سئل عن مسألة فقال: \"سلوا مولانا الحسن٢، فإنه غاب وحضرنا، وحفظ ونسينا\"٣ \"وإنما\n_________\n= دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن اقطع أمرًا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم\" وكانوا عشرة هم:\n١- عبد الله بن عامر بن ربيعة توفي سنة بضع وثمانين من الهجرة.\n٢- عروة بن الزبير. توفي سنة ٩٤هـ.\n٣- أبو بكر بن عبد الرحمن. توفي سنة ٩٤هـ.\n٤- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. توفي سنة ٩٨هـ.\n٥- خارجة بن زيد. توفي سنة ١٠٠هـ.\n٦- عبد الله بن عبد الله بن عمرو. توفي سنة ١٠٥هـ.\n٧- سالم بن عبد الله بن عمر. توفي سنة ١٠٦هـ.\n٨- سليمان بن يسار. توفي سنة ١٠٧هـ.\n٩- القاسم بن محمد. توفي سنة ١٠٨هـ.\n١٠- أبو بكر سليمان بن أبي حثْمة.\nانظر: \"تأريخ الطبري ٦/ ٤٢٧-٤٢٨\" ط. دار المعارف، عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ماجدة فيصل زكريا ص٧٣ ط مكتبة الطالب الجامعية مكة المكرمة\".\n١ يعنى: أنس بن مالك، تقدمت ترجمته.\n٢ هو: الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي عالم زاهد، ولد بالمدينة المنورة في خلافة عمر بن الخطاب -﵁- وتوفي سنة بالبصرة سنة ١١٠هـ. \"تذكرة الحفاظ ١/ ٧١\".\n٣ هذا الأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات \"٧/ ١٧٦\" في ترجمة الحسن البصري وفيه:....... فقالوا: يا أبا حمزة نسألك وتقول: سلوا مولانا الحسن؟! فقال: إنا سمعنا وسمع، فحفظ ونسينا\" وذكر مثله الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب \"٢/ ٢٦٤\".","vol":"1","page":400},{"text":"يفضل الصحابي بفضيلة الصحبة\"١ أليس فيكم أبو الشعثاء؟ يعني: جابر بن زيد٢.\nوروى نحوه عن جابر بن عبد الله٣.\nوإنما فضّل الصحابي بفضيلة الصحبة٤، ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع لسقط قول متأخري الصحابة بقول متقدميهم، وقول المتقدم منهم بقول العشرة٥، وقول العشرة بقول الخلفاء، وقولهم بقول أبي بكر وعمر -﵄- وإنكار عائشة على أبي سلمة مخالفة ابن عباس قد خالفها أبو هريرة٧ فقال: \"أنا مع ابن اخي\"٨ هي قضية في عين،\n_________\n١ يبدو أن هذه الجملة مكررة ولا محل لها هنا، وأن قوله \"أليس فيكم أبو الشعثاء\" من تمام الأثر. والله أعلم.\n٢ هو: جابر بن زيد الأزدي ثم الجوفي -نسبة إلى الجوف- محلة بالبصرة، فقيه ثقة، من مشاهير علماء التابعين. توفي سنة ٩٣هـ. \"البداية والنهاية ٩/ ٩٣\".\n٣ تقدمت ترجمته.\n٤ هذه الجملة تؤكد أن الجملة السابقة مكررة.\n٥ يقصد العشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة الجراح، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد. ﵃ جميعًا.\n٦ يريد أن يرد على الاستشهاد بالأثر المروي عن السيدة عائشة -﵂- بأنه معارض بما روي عن ابي هريرة -﵁- من أنه وافق أبي سلمة على رأيه -كما سيأتي-.\n٧ هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، المقلب بأبي هريرة، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له. توفي سنة ٥٩هـ. \"تهذيب الأسماء ٢/ ٢٧٠\".\n٨ أخرج هذا الأثر البخاري في كتاب التفسير، سورة الطلاق، كما أخرجه مسلم، =","vol":"1","page":401},{"text":"يحتمل أنها أنكرت عليه ترك التأدب مع ابن عباس، أولم تره بلغ رتبة الاجتهاد، أوغير ذلك من المحتملات. والله أعلم.\n_________\n= والترمذي والنسائي وغيرهم ولفظه: \"عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كنا نتذاكر أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة المتوفى عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا عدتها: أن تضع حملها، وقال أبو هريرة:\nأنا مع ابن أخى، فأرسل ابن عباس غلامه \"كريبًا\" إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله -ﷺ- وكان أبو السنابل فيمن خطبها\".","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>فصل: [في حكم انعقاد الإجماع بقول الأكثر]</span>\nولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور١.\nوقال محمد بن جرير٢، وأبو بكر الرازي٣: ينعقد٤.\n_________\n١ وهو: المنقول عن أكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وهو الذي رجحه الغزالي حيث قال: \"والمعتمد عندنا: أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع، بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشوري: ١٠] وانظر: المستصفى \"٢/ ٣٤١\".\n٢ وهو: محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، الإمام الجليل والمجتهد، المطلق، جمع من العلوم ما لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره. توفي سنة ٣١٠هـ. \"وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٢، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٠\".\n٣ هو: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص، الفقيه الحنفي المشهور، ولد سنة ٣٠٥هـ وتوفي سنة ٣٧٠هـ. \"الدرر المضية ١/ ٨٤\".\n٤ ونقل أبو الحسن البصرى في \"المعتمد\" \"٢/ ٤٨٦\" هذا الرأي عن أبي الحسين الخياط. =","vol":"1","page":402},{"text":"وقد أومأ إليه أحمد -﵀-.\nووجهه١:\nأن مخالفة الواحد شذوذ، وقد نهى عن الشذوذ.\nوقال -﵇-: \"عليكم بالسواد الآعظم\". وقال: \"الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد\".\nولنا٢:\nأن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ...﴾ ٤.\nفإن قيل٥:\n_________\n= وفي أصول السرخسي \"١/ ٣١٦\": أن رأي أبي بكر الرازي فيه تفصيل: وهو أن الأكثرين إذا سوغوا للأقل ذلك الاجتهاد لم ينعقد الإجماع، وإن أنكروا عليهم رأيهم انعقد الإجماع.\nونقل الغزالي رأيًا آخر في المسألة وهو: إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الإجماع، وإن نقص فلا يندفع.\nونقل الشوكاني في إرشاد الفحول جـ١ ص٣٤١ عن القاضي أبي بكر أنه قال: إن هذا الرأي هو الذي صح عن ابن جرير.\n١ أي دليل القائلين بانعقاد الإجماع بقول الأكثر.\n٢ بدأ المصنف يذكر أدلة الجمهور على أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثرين.\n٣ سورة النساء من الآية: ٥٩.\n٤ سورة الشورى من الآية: ١٠.\n٥ هذا اعتراض أورده المصنف على لسان المخالفين للجمهور، خلاصته: أنه قد =","vol":"1","page":403},{"text":"قد يطلق اسم الكل على الأكثر؟\nقلنا: هذا مجاز؛ لأن الجمع المعرّف حقيقة في الاستغراق، ولهذا يصح أن يقال: إنهم ليسوا كل المؤمنين، ولا يجوز التخصيص بالتحكم.\nوقد وردت نصوص تدل على قلة أهل الحق وذم الأكثرين: كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ ونحوها.\nوقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ...﴾ ٢. وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٤ وقال -ﷺ- \"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء\".\n_________\n= يطلق اسم الأمة وهو الكل على الأكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف، ويراد به الأكثر.\nوأجاب المصنف على ذلك: بأن هذا من قبيل المجاز، والمجاز لا بد له من دليل، ولا دليل هنا على التخصيص، ولا يجوز التخصيص بالتحكم من غير دليل.\nثم أكمل الرد بقوله بعد ذلك: \"وقد وردت نصوص إلخ\" ومعناه: أنه كيف تصح دعواكم والحال أنه قد وردت نصوص كثيرة تدل على قلة أهل الحق\".\n١ سورة الأنعام الآية: ٣٧.\n٢ سورة \"ص\" من الآية: ٢٤.\n٣ سورة البقرة من الآية: ٢٤٩.\n٤ سورة سبأ من الآية: ١٣.\n٥ الحديث رواه مسلم \"١٤٦\" من حديث عبد الله بن عمر بلفظ \"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود -كما بدأ- غريبًا، فطوبى للغرباء\".\nكما رواه أحمد في المسند \"١٦٠٤\" عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت أبي =","vol":"1","page":404},{"text":"دليل ثان١:\nإجماع الصحابة على تجويز المخالفة للآحاد:\n_________\n= يقول سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود كما بدأ فطوبى يومئذ للغرباء، إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده، ليأرز الإيمان بين هذين المسجدين، كما تأرز الحية في جحرها\".\nومعنى: يأرز: أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض. والمسجدان: هما المسجد الحرام، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة.\nو\"بدأ\" بالهمز وبدونه، معناها: الابتداء، وبدون همز معناها الظهور، قال النووي: ضبطناه بالهمز ويؤيده المقابلة بالعود، فإن العود يقابل بالابتداء.\nقال ابن بدران: \"ومعناه: أن الإسلاكم بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والإخلال، حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة -أيضًا- كما بدأ.\nوحاصل الاستدلال: أنه إذا لم يكن ضابط يضبط أهل الإجماع، ولا مرد يرجع إليه عند الاختلاف، فلا خلاص إلا بقول الجميع\". \"نزهة الخاطر ١/ ٣٦٠\".\n١ هذا دليل ثان لمذهب الجمهور على أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثر، وصرح الغزالي بذلك فقال: \"الدليل الثاني: إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، فكم من مسألة انفرد فيها الآحاد بمذهب، كانفراد ابن عباس بالعول، فإنه أنكره \"المستصفى ٢/ ٣٤٣\".\nووجه الدلالة من هذا الدليل: أن ابن عباس وغيره من الصحابة خالفوا جمهور الصحابة في مسائل كثيرة، وجوز الصحابة لهم هذه المخالفة، وهذا الانفراد ببعض الآراء، ولو انعقد إجماع الصحابة بدون ذلك، لاستحال ترك النكير عليهم، وإقرارهم على مخالفة الإجماع، فدل ذلك على أن الإجماع مع مخالفة الأقل لا ينعقد وهو المدعى.","vol":"1","page":405},{"text":"فانفرد ابن عباس بخمس مسائل في الفرائض١، وانفراد ابن مسعود بمثلها٢.\n_________\n١ وضح المصنف -رحمه الله تعالى- هذه المسائل في المغني فقال:\n\"فصل: حصل خلاف ابن عباس للصحابة في خمس مسائل، اشتهر قوله فيها:\nأحدها: زوج وأبوان.\nوالثانية: امرأة وأبوان، للأم ثلث الباقي عندهم، وجعل هو لها ثلث المال فيهما.\nوالثالثة: أنه لا يحجب الأم إلا ثلاثة من الأخوة \"يعنى من الثلث إلى السدس\".\nوالرابعة: لم يجعل الأخوات مع البنات عصبة.\nوالخامسة: أنه لم يُعِل المسائل، فهذه الخمس صحت الرواية عنه فيها، واشتهر عنه القول بها، وشذت عنه روايات سوى هذه ذكرنا بعضها فيما مضى\" المغني \"٩/ ٣٠\" طبعة هجر بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو.\nومعنى قوله \"لم يعد المسائل\": أنه يرى إنكار القول بالعول في الفرائض.\n٢ في بعض النسخ \"فانفرد ابن مسعود بخمس مسائل، وانفرد ابن عباس بمثلها\".\nوالمسائل التي انفرد بها عبد الله بن مسعود -﵁- في الفرائض كثيرة، أشار إليها المصنف في \"المغني\" وجمع منها ستة مسائل في فصل واحد فقال:\n\"وإذا كانا ابني عم، أحدهما أخ لأم، فللأخ للأم السدس، وما بقي بينهما نصفين: هذا قول جمهور الفقهاء، يروى عن عمر -﵁- ما يدل على ذلك، ويروى ذلك عن \"علي\" -﵁- وزيد وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ومن تبعهم. وقال ابن مسعود: المال للذي هو أخ من أم.\nثم قال: وإن كان ابن عم لأبوين، وابن عم هو أخ لأم، فعلى قول الجمهور: للأخ السدس، والباقي للآخر، وعلى قول ابن مسعود: المال كله لابن العم =","vol":"1","page":406},{"text":"فإن قيل١:\nفقد أنكروا على ابن عباس القول بالمتعة٢، و\"إنما الربا في\n_________\n= الذي هو أخ لأم.... فإن كان ابنا عم، أحدهما أخ من أم، وبنت ابن، فللبنت أو بنت الابن النصف، والباقي بينهما نصفين، وسقطت الإخوة من الأم بالبنت، وإن كان الذي ليس بأخ ابن عم من أبوين، أخذ الباقي كله كذلك، وعلى قول ابن مسعود: الباقي للأخ في المسألتين، بدليل أن الأخ من الأبوين يتقدم على الأخ من الأب، بقرابة الأم، فإن كان في الفريضة بنت تحجب قرابة الأم....\".\nثم أشار إلى أن هذه الأمثلة كلها تمثل مسألة واحدة، فقال: \"فصل: فحصل خلاف ابن مسعود في مسائل ست، هذه إحداهن.\nوالثانية: في بنت وبنات ابن وابن ابن، الباقي عنده للابن دون أخواته.\nالثالثة: في أخوات لأبوين وأخ وأخوات لأب، الباقي عنده للأخ دون أخواته.\nالرابعة: بنت وابن ابن وبنات ابن، عنده لبنات الابن الأضر بهن من السدس أو المقاسمة.\nالخامسة: أخت لأبوين وأخ وأخوات لأب، للأخوات عنده الأضر بهن من ذلك.\nالسادسة: كان يحجب الزوجين والأم بالكفار والعبيد والقاتلين، ولا يورثهم. المصدر السابق ص٣١، ٣٢.\n١ هذا يعتبر دليلًا آخر للخصم وردًّا على ما استدل به الجمهور من تجويز الخلاف للآحاد -كما نقل عن ابن مسعود وابن عباس-، وحاصله: أنهم أنكروا على ابن عباس إباحة زواج المتعة، وحصر الربا على النسيئة حتى رجع عنهما، وأنكرت عائشة -﵂- على زيد بن أرقم بيع العينة، وهي شراء ما بيع بأقل مما بيع عليه، ومحل الشاهد: أنه لولا أن اتفاق الأكثر حجة، لما كان لهم الإنكار عليهم.\n٢ أخرج البخاري: كتاب الحيل، باب الحيلة في النكاح، عن محمد بن علي: \"أن =","vol":"1","page":407},{"text":"النسيئة\"١، وأنكرت عائشة على \"زيد بن أرقم\"٢ مسألة العينة٣.\nوأنكر ابن عباس على من خالفه في العول والجد٤.\n_________\nعليًّا -﵁- قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا، فقال: إن رسول الله -ﷺ- نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية\".\nوروى مثله الإمام أحمد في المسند \"١/ ١٤٢\" والطبراني في الأوسط، وابن أبي شيبة في المصنف \"٤/ ٢٩٢-٢٩٣\".\n١ سبق تخريجه وأن ابن عباس قال: \"أخبرني به أسامة بن زيد\".\n٢ هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، شهد الخندق وما بعدها، وشهد موقعة \"صفين\" مع علي -﵁- توفي بالكوفة سنة ٦٦هـ. \"الإصابة ٢/ ٥٨٩\".\n٣ يشير إلى ما أخرجه أحمد في المسند، والدارقطني في سننه: كتاب البيوع، عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة -﵂- فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين، إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته بستمائة درهم نقدًا، فقالت لها عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، إن جهاده مع رسول الله -ﷺ- قد بطل، إلا أن يتوب\".\nوله طرق أخرى كثيرة عند البيهقي \"٥/ ٣٣٠، ٣٣١\" وعبد الرزاق في المصنف \"٨/ ١٨٤\" وابن حزم في المحلى \"٩/ ٦٨٨-٦٩٣\".\n٤ العول في اللغة: الميل إلى الجور، والرفع. وفي الشرع: زيادة السهام على الفريضة، فتعول المسألة إلى سهام الفريضة، فيدخل النقص عليهم بقدر حصصهم. \"التعريفات للجرجاني ص١٥٩\".\nوخلاف ابن عباس في العول أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الفرائض باب أول من أعال الفرائض عمر، والبيهقي في سننه: كتاب الفرائض، باب العول في الفرائض، بسنده إلى عتبة بن مسعود قال: \"دخلت أنا وزفر بن أوس بن الحدثان على ابن عباس -بعدما ذهب بصره-، فتذاكرنا فرائض الميراث، فقال: ترون الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يحص ما في مال نصفًا ونصفًا =","vol":"1","page":408},{"text":"............................................................\n_________\n= وثلثًا، إذا ذهب نصف ونصف فأين موضع الثلث؟! فقال له زفر: يا ابن عباس من أول من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب -﵁- قال: ولم؟ قال: لما تدافعت عليه وركب بعضها بعضًا، قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم، والله ما أدري أيكم قدّم الله، ولا أيكم أخّر، قال: وما أجد في هذا المال شيئًا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص.\nثم قال: ابن عباس: وأيم الله لو قدم من قدم الله، وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقال له زفر: وأيهم قدم وأيهم أخر؟ فقال: كل فريضة لا تزول إلا إلى فريضة، فتلك التي قدم الله، وتلك فريضة الزوج، له النصف، فإن زال فإلى الربع، لا ينقص منه، والمرأة لها الربع، فإن زالت عنه صارت إلى الثمن، لا تنقص منه، الأخوات لهن الثلثان، والواحدة لها النصف، فإن دخل عليهن البنات كان لهن ما بقي، فهؤلاء الذين أخر الله، فلو أعطى من قدم الله فريضته كاملة، ثم قسم ما بقي بين من أخر الله بالحصص ما عالت فريضة.\nفقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته والله.\nقال ابن إسحاق: فقال لي الزهري: وأيم الله لولا أن تقدمه إمام هدى كان أمره على الورع ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم\".\nوأما إنكاره على من خالفه في الجد:\nفإن ابن عباس وأبا بكر وغيرهما من الصحابة -﵃- كانوا يرون أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يسقطهم الأب.\nوكان علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -﵃- يورّثونهم معه، ولا يحجبونهم به؛ لأن الأخ ذكر يعصّب أخته، فلم يسقطه الجد، كالابن، ولأن ميراثهم ثبت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وجد شيء من ذلك، فلا يحجبون.\nولأنهم تساووا في سبب الاستحقاق فيتساوون فيه؛ فإن الأخ والجد يدليان بالأب، الجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة النبوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى؛ فإن الابن يسقط تعصيب الأب، ولذلك مثّله \"علي\" -﵁- بشجرة أنبتت غصنًا، فانفرق منه غصنان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب =","vol":"1","page":409},{"text":"قلنا: إنما أنكروا عليهم لمخالفتهم السنة المشهورة، والأدلة الظاهرة.\nثم هب أنهم أنكروا عليهم، والمنفرد منكر عليهم إنكارهم، فلم ينعقد الإجماع، فلا حجة في إنكارهم١.\nوالشذوذ يتحقق بالمخالفة بعد الوفاق.\nولعله أراد به: الشاذ من الجماعة، الخارج على الإمام، على وجه\n_________\n= منه إلى أصل الشجرة، ومثّله زيد بواد خرج منه نهر، انفرق منه جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي.\nولابن عباس ومن معه من الصحابة أدلة أخرى كثيرة، تدل على أن الجد يسمى أبًا، ويحل محله في حجب الإخوة، ولذلك قال: \"ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الاب أبًا\".\nأخرجه ابن عبد البر في كتابه: \"جامع بيان العلم وفضله\" \"٢/ ١٣١\" وانظر: السنن الكبرى للبيهقي \"٦/ ٢٤٧\" والمغني لابن قدامة \"٩/ ٦٥ وما بعدها\" طبعة هجر، تحقيق الدكتور عبد الله عبد المحسن تركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو.\n١ هذا جواب عن الدليل المتقدم وهو: إنكار الصحابة على ابن عباس، في المتعة والربا، وإنكار السيدة عائشة على زيد بن أرقم، وإنكار ابن عباس على من خالفه في العول والجد. والجواب من وجهين:\nالأول: أن إنكار الصحابة إنما كان بسب مخالفتهم السنة المشهورة والأدلة الظاهرة، لا لكون اتفاقهم مع مخالفة هؤلاء إجماعًا.\nالثاني: سلمنا بإنكار الصحابة -﵃- لكن المخالفين أنكروا على الصحابة إنكارهم ... ولذلك روي عن ابن عباس أنه قال: \"ألا يتقي الله زيد، يجعل ولد الولد بمنزلة الولد، ولا يجعل أب الأب بمنزلة الأب، إن شاء باهلته عند الحجر الاسود\"، وإذا حصل الإنكار من الطرفين فلا إجماع بل هو مختلف فيه.","vol":"1","page":410},{"text":"يثير الفتنة١، كفعل الخوارج.\nوهذا الجواب عن الحديث الآخر٢، والله أعلم.\n_________\n١ هذا جواب عن قول ابن جرير: \"إن مخالفة الواحد شذوذ وهو منهي عنه\".\nوقد أجاب عنه المصنف: بأن المراد بالشذوذ: إما أن يكون ذلك بعد الاتفاق وانعقاد الإجماع، وإما أن يكون المراد به: الشذوذ الذي يشق به صاحبه عصا الطاعة، ويخرج عن حكم الإمام، ويثير الفتن والقلاقل، كما فعل الخوارج، وهم: كل من خرج على الإمام الحق، وكان أول ظهور هذه الفرقة في عهد علي بن أبي طالب، ومن معتقداتهم، التبري من عثمان وعلي، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون وجوب الخروج على الحاكم إذا خالف السنة وغير ذلك من معتقداتهم الفاسدة.\n٢ وهو قوله: -ﷺ- \"عليكم بالسواد الأعظم\" و\"الشيطان مع الواحد..\" إلخ.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>فصل: [في حكم إجماع أهل المدينة]</span>\nوإجماع أهل المدينة ليس بحجة١.\nوقال مالك: هو حجة، لأنها معدن العلم، ومنزل الوحي، وبها أولاد الصحابة، فيستحيل اتفاقهم على غير الحق، وخروجه عنهم٢.\n_________\n١ وهو رأي جمهور العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا مالك -رحمه الله تعالى-.\n٢ ينبغي توضيح المذهب، كما هو وارد عندهم، لأن اعتبار إجماع أهل المدينة حجة مشروط بشرطين:\nأحدهما: أن يكون فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد.\nثانيهما: أن يكون من الصحابة أو التابعين، دون من بعدهم، لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فألحق بهم مالك التابعين =","vol":"1","page":411},{"text":"ولنا١:\n_________\n= من أهل المدينة، لتعلّمهم ذلك عن الصحابة.\nأما في مسائل الاجتهاد: فالصحيح عنه أنهم كغيرهم من الأمة، وإن كان قد نقل عنه الإطلاق.\nقال صاحب مراقي السعود:\nوأوجبنْ حجية للمدني ... فيما على التوقيف أمره بُني\nوقيل: مطلقًا..... انظر: نثر الورود على مراقي السعود \"٢/ ٤٣١\".\nومن الأدلة التي تمسك بها الإمام مالك: الأحاديث التي وردت في فضل المدينة، مثل قوله -ﷺ-: \"أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد\" أخرجه البخاري: كتاب فضائل المدينة، ومسلم: في كتاب الحج، باب: المدينة تنفي شرارها بلفظ \"ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد\".\nوقد أجاب المصنف على ذلك -فيما بعد- بأن ورود مثل ذلك لا يدل على أن اتفاق أهلها حجة، فالعصمة ليست للمكان، وإلا لكانت مكة أولى بذلك من المدينة، ومساوية لها، لأنها أفضل من المدينة عند الأكثرين، وإنما العصمة للأمة جميعها. كما أجاب الجمهور عن الاستدلال بالحديث المتقدم؛ بأن هذا الحديث ورد على سبب خاص، وهو: أن أعرابيًا دخل المدينة، وبايع النبي -ﷺ- إلى ذلك، فخرج بغير إذنه، فقال النبي -ﷺ-: \"إن المدينة كالكير، تنفي خبثها، ويتضيع طيبها\" أخرجه البخاري ومسلم أيضًا. ومعنى \"يتضيع طيبها\" أي: يفوح وينتشر.\nكما أجيب عنه بوجه ثان: هو أن الخبث في عرف اللغة لا يفيد الخطأ مطابقة، ولا تضمنًا ولا التزامًا، فكيف يستدل بالحديث على نفي الخطأ؟\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ١٠٥، ١٠٦\".\n١ هذا استدلال على أن إجماع أهل المدينة ليس حجة وهو من وجهين:\nأحدهما: أن العصمة تثبت للأمة كلها إلخ. =","vol":"1","page":412},{"text":"أن العصمة تثبت للأمة بكليتها، وليس أهل المدينة كل الأمة.\nوقد خرج من المدينة من هو أعلم من الباقين بها: كعلي، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ، وأبي عبيدة، وأبي موسى، وغيرهم من\n_________\n= الثاني: أنه قد خرج من المدينة عدد كثير من الصحابة، وهم أعلم ممن بقي بها، فكيف ينعقد إجماع بدونهم، وهم من أهل الاجتهاد، ثم ناقش أدلة المالكية، وهي واضحة.\nإجماع أهل الحرمين والمصرين:\nمن المسائل التي يوردها الأصوليون، وأغفلها المصنف ما يسمى بإجماع أهل الحرمين: مكة والمدينة، والمصرين: البصرة والكوفة.\nفقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة مع مخالفة غيرهم؛ لأن هذه المواطن كانت محلًا لإقامة الصحابة -﵃-.\nقال الزراكشي: \"وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا في كل عصر، بل في عصر الصحابة فقط\".\nوقال الشيخ أبو إسحاق الشيرزي: \"قيل: إن المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين، فإن هذا مراده فمسلم لو اجتمع العلماء في هذه البقاع، وغير المسلم أنهم اجتمعوا فيها\" فإن الصحابة -﵃- انتشروا في مدن أخرى، كاليمن، والشام، ومصر، والعراق.\nوقصر الإجماع على عصر الصحابة -﵃- يخالف الأدلة الكثيرة التي تدل على عدم انحصار الإجماع في عصر دون عصر.\nوبذلك يظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، من عدم حجية إجماع أهل الحرمين والمصرين، لأن العصمة إنما ثبتت مجتمعة، وهؤلاء بعض الأمة وليس كلها.\nانظر في هذه المسألة: \"الأحكام لابن حزم \"٤/ ٥٦٦\" شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني \"٢/ ١٥٨\" إرشاد الفحول جـ١ ص٣٢١ الطبعة المحققة.","vol":"1","page":413},{"text":"الصحابة، فلا ينعقد الإجماع بدونهم.\nوقوله: \"يستحيل خروج الحق عنهم\" تحكم؛ إذ لا يستحيل أن يسمع رجل حديثا من النبي -ﷺ- في سفر، أو في المدينة، ثم يخرج منها قبل نقله.\nوفضل المدينة لا يوجب انعقاد الإجماع بأهلها، فإن مكة أفضل منها، ولا أثر لها في الإجماع.\nولأن إجماعهم لو كان حجة، لوجب أن يكون حجة في جميع الأزمنة. ولا خلاف في أن قولهم لا يعتد به في زماننا فضلًا عن أن يكون إجماعًا.\n_________\n١ خلاصة هذا الفصل: أنه لو اتفق الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃- على أمر من الأمور بعد وفاة رسول الله -ﷺ- وخالفهم غيرهم، لا يعد ذلك إجماعًا، وهذا هو رأي الجمهور.\nوحجتهم على ذلك: ما ذكره المصنف -قبل ذلك- من أن العصمة عن الخطأ =","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>فصل: [في حكم إجماع الخلفاء الأربعة]</span>\nواتفاق الأئمة الخلفاء الأربعة ليس بإجماع.\nوقد نقل عن أحمد -﵀- ما يدل على أنه لا يخرج من قولهم إلى قول غيرهم.\nوالصحيح: أن ذلك ليس بإجماع؛ لما ذكرناه.\nوكلام أحمد -في إحدى الروايتين عنه- يدل على أن قولهم حجة، ولا يلزم من كل ما هو حجة ان يكون إجماعًا.","vol":"1","page":414},{"text":"..............................................\n_________\n= إنما تثبت للأمة كلها، والخلفاء الأربعة ليسوا كل الأمة، وهذا ما أشار إليه بقوله: \"والصحيح أن ذلك ليس بإجماع لما ذكرناه\".\nوالمنقول عن الإمام أحمد عدة روايات.\nالأولى: كالجمهور، وهو أن اتفاقهم ليس إجماعًا.\nالثانية: أنه حجة وليس إجماعًا، ومعنى هذا: أنه لا يلزم من كونه حجة وجوب اتباعه، وإلزام الغير به، غاية الأمر أنه يجوز للمجتهد أن يعمل به وحده ولا يلزم غيره به.\nالرواية الثالثة: أنه حجة وإجماع، نقل ذلك الفتوحي وقال: \"اختاره ابن البنا من أصحابنا وأبو خازم -بالمعجمتين- وكان قاضيًا حنفيًّا، وحكم بذلك زمن المعتضد \"الخليفة العباسي ت٢٨٩هـ\" في توريث ذوي الأرحام، فأنفذ حكمه، وكتب به إلى الآفاق، ولم يعتبر خلاف زيد في ذلك، بناء على أن الخلفاء الأربعة يورثونهم ... \"شرح الكوكب المنير \"٢/ ٢٣٩-٢٤١\" وانظر: تاريخ الخلفاء ص٣٦٨.\nهذا، ولم يذكر المصنف هنا مسألتين توردهما كتب الأصول كلها وهما:\nالمسألة الأولى: أبو بكر وعمر -﵁- هل هو: إجماع أو لا؟.\nالمسألة الثانية: هل ينعقد الإجماع بالعترة وهم: آل بيت النبي -ﷺ- أو لا؟\nأما بالنسبة لاتفاق الخليفتين: أبي بكر وعمر -﵄- فجمهور العلماء على أن اتفاقهما ليس إجماعًا، لأن العصمة إنما تثبت للأمة مجتمعة، وهما ليسا كل الأمة، وإذا لم نعتبر اتفاق الخلفاء الأربعة حجة، فمن باب أولى عدم اعتبار قول الشيخين -﵄-.\nوذهب بعض العلماء إلى أن اتفاقهما يعتبر إجماعًا، مستدلين بقول رسول الله -ﷺ-: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر\" وراه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث حذيفة بن اليمان. انظر: \"تلخيص الحبير ٤/ ١٩٠\".\nوأجاب الجمهور عن هذا الاستدلال: بأن المقصود من الحديث أنهم أهل للاقتداء بهم، لا على أن قولهم حجة على غيرهم، فإن المجتهد متعبد بالبحث =","vol":"1","page":415},{"text":".................................................\n_________\n= عن الدليل حتى يظهر له ما يظنه حقًّا.\nكما أن الحديث معارض بأحاديث أخرى تفيد حجية قول بعض الصحابة منفردًا، مثل قوله -ﷺ-: \"رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد\" وهو: عبد الله بن مسعود، رواه الطبراني ورجاله ثقات \"مجمع الزوائد ٩/ ٢٦٠\".\nوقوله -ﷺ- عن أبي عبيدة بن الجراح: \"إنه أمين هذه الأمة\" رواه البخاري ومسلم.\nفلو كان الحديث الخاص بالشيخين دالًّا على أن قولهما يعتبر إجماعًا، لكان هذان الحديثان دالين على حجية قول ابن مسعود وحده، وقول أبي عبيدة وحده حجة، وهذا غير مسلم.\nانظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب \"٢/ ٣٦\" وشرح مختصر الروضة \"٣/ ١٠٢\".\nإجماع آل البيت:\nأما مسألة إجماع العترة، وهم: آل بيت النبي -ﷺ-: علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، بنت رسول الله -ﷺ- والحسن، والحسين -﵃ جميعًا-، وهم الذين نزل فيهم قول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .\nفقد روي أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي -ﷺ- الكساء وقال: \"هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\" رواه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة، ورواه أحمد والحاكم وصححه، وابن جرير الطبري عن أم سلمة، ورواه مسلم من حديث عائشة.\nانظر: مسند الإمام أحمد \"٦/ ٢٩٦\" صحيح مسلم \"٤/ ١٨٨٣\" تحفة الأحوذي \"٩/ ٦٦\".\nوجمهور العلماء على أن اتفاقهم ليس إجماعًا، لأنهم ليسوا كل الأمة، والعصمة إنما ثبتت للأمة مجتمعة، متمثلة في اتفاق مجتهديها.\nوذهبت الشيعة إلى أن اتفاقهم يعتبر إجماعًا، واستدلوا على ذلك بالآية المتقدمة، وقالوا: إن الله -تعالى- أخبر عن نفي الرجس عن أهل البيت، =","vol":"1","page":416},{"text":"...............................................................\n_________\n= والخطأ رجس، فيكون منفيًّا عنهم، وإذا انتفى عنهم الخطأ كان إجماعهم حجة.\nورد عليهم: بأنه لم يقل أحد: إن الخطأ رجس، فالرجس -في اللغة- هو القذر أو العذاب، فلا دلالة في الآية على المدعي.\nكما استدلوا بأحاديث تدل على فضلهم وشرفهم، مثل قوله -ﷺ-: \"إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي\".\nأخرجه أحمد في المسند \"٣/ ١٧\" والحاكم \"٣/ ١٤٨\" والطبراني في الكبير \"٥/ ١٩٠، ٢٠٥، ٢١٠\" وفي الصغير \"١/ ١٣١\" ورواه الترمذي بلفظ \"إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي\".\nوأجاب الجمهور على هذا:\nأولًا: أن هذا خبر آحاد، وليس حجة عند الشيعة.\nثانيًا: ومع التسليم بأنه حجة، فلا نسلم أن المراد بالثقلين: القرآن والعترة وإنما المراد: القرآن والسنة، كما في الرواية الأخرى: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله\" أخرجه مالك في الموطأ.\nوإنما خص -ﷺ- العترة بالذكر؛ لأنهم أخبر بحاله -ﷺ-.\nثالثًا: على أن أقصى ما تدل عليه هذه الرواية: إنما هو بيان فضلهم وشرفهم، وهذا أمر لم ينازع فيه أحد، وفرق بين الفضيلة والحجية، على نحو ما سبق في إجماع الخلفاء الأربعة والشيخين.\nقال الطوفي: \"أقرب ما يسلك في الرد على الإمامية في هذه المسألة:.... أن يقال: إذا خالف أهل البيت باقي الأمة في حكم، فإما أن يعتبر القولان، أو يلغيا جميعًا، وهو باطل باتفاق، أو يقدم قول أهل البيت، وهو ضعيف لوجهين:\nأحدهما: أنه مخالف لقوله ﵇: \"اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار\".\nالثاني: أن إصابة آحاد يسيرة، وخطأ الجم الغفير بعيد جدًّا.\nشرح مختصر الروضة \"٣/ ١١٦\".\nوبذلك يترجح قول الجمهور، وهذا هو الذي عليه العمل والله أعلم.","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>فصل: هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع</span>\n...\nمسألة: [هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع]؟\nظاهر كلام أحمد -﵀-: أن انقراض أهل العصر شرط في صحة الإجماع، وهو قول بعض الشافعية١.\nوقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط، بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة: انعقد الإجماع.\nوهو قول الجمهور واختاره أبو الخطاب٢.\n_________\n١ وهؤلاء اختلفوا في كيفية الانقراض: فمنهم من اشترط انقراض جميع أهل العصر، ومنهم من اشتراط انقراض الأكثر، وهو الماوردي، ومنهم من اشترطه في إجماع الصحابة دون غيرهم. انظر: التقرير والتحبير \"٣/ ٨٧\".\n٢ وهو رأي الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو المنقول عن أكثر الحنفية والمتكلمين.\nوفي المسألة مذاهب أخرى:\nفقيل: يشترط ذلك في الإجماع السكوتي دون غيره، وهو مذهب أبي إسحاق الإسفراييني واختاره الآمدي؛ لاحتمال أن يكون السكوت من أجل التأمل والنظر، وإظهار الخلاف بعد سكوت دليل على هذا الاحتمال، بخلاف الإجماع القولي أو الفعلي، فليس فيهما هذا الاحتمال.\nوقيل: إن كان مستند الإجماع دليلًا قطعيًّا فلا يشترط فيه الانقراض، أما إن كان عن دليل ظني اشترط فيه ذلك. وهو مذهب إمام الحرمين.\nوقيل: إن كان المجمع عليه من الأحكام التي لا يتعلق بها إتلاف واستهلاك اشترط فيه انقراض العصر، وإن تعلق بها ذلك فوجهان، وهو مذهب الماوردي.\nوقيل: إن كان الإجماع مطلقًا لم يشترط الانقراض، وإن كان معلقًا على شرط اعتبر، مثل أن يقول المجمعون: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح نظرنا إليه، وهو منقول عن بعض الشافعية. =","vol":"1","page":418},{"text":"وأدلة ذلك أربعة:\nأحدها: أن دليل الإجماع: الآية والخبر١، وذلك لا يوجب اعتبار العصر.\nالثاني: أن حقيقة الإجماع: الاتفاق، وقد وجد، ودوام ذلك استدامة له، والحجة في اتفاقهم، لا في موتهم.\nالثالث: أن التابعين كانوا يحتجون بالإجماع في زمن أواخر الصحابة كأنس٢ وغيره، ولو اشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك.\nالرابع: أن هذا يؤدي إلى تعذر الإجماع، \"فإنه إن بقي واحد من الصحابة: جاز للتابعي المخالفة؛ إذ لم يتم الإجماع\"٣.\nوما دام واحد من عصر التابعي \"باق بها\"٤ لا يستقر الإجماع منهم، فلتابعي التابعين مخالفتهم، وهذا خبط٥.\n_________\n= انظر في هذه المذاهب: البرهان \"١/ ٦٩٣\" والإحكام للآمدي \"١/ ٢٣١\"، المسودة لآل تيمية ص٣٢٠، أدب القاضي للماوردي \"١/ ٤٧٤\"، التمهيد لأبي الخطاب \"٣/ ٣٤٦-٣٤٧\".\n١ أما الآية: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ...﴾ .\nوأما الخبر: فالأحاديث الكثيرة التي دلت على عصمة الأمة عن الخطأ، مثل قوله -ﷺ-: \"لا تجتمع أمتي على خطأ\".\n٢ أي: أنس بن مالك حيث توفي سنة ٩٣هـ \"صفة الصفوة ١/ ٢٩٨\".\n٣ ما بين القوسين من المستصفى \"٢/ ٣٧٢\" ومن النسخة التي حققها الدكتور: عبد الكريم النملة -يحفظه الله-. \"٢/ ٤٨٣\".\n٤ ما بين القوسين من المستصفى.\n٥ وعبارة الغزالي: \"وهذا خبط لا أصل له\" وفي هذا دلالة على أن ابن قدامة ينقل كلام الغزالي ويختصر منه بعض العبارات.","vol":"1","page":419},{"text":"ووجه الأول: أمران:\nأحدهما: ذكره الإمام احمد: وهو أن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن \"عمر\" وخالفه \"علي\" بعد موته١.\nوحد الخمر: كان في زمن أبي بكر أربعين، ثم جلد \"عمر\" ثمانين، ثم جلد \"علي\" أربعين٢، ولو لم يشترط انقراض العصر لم يجز ذلك.\nالثاني: أن الصحابة لو اختلفوا على قولين: فهو اتفاق منهم على\n_________\n١ خلاصة الدليل الأول: أنه لو لم يشترط انقراض العصر، لما جاز للمجتهد الرجوع عما وافق عليه المجمعين، لاستقرار الإجماع قبل رجوعه، فيكون محجوجًا به، لكن ذلك جائز وواقع فعلًا، كالأمثلة التي ذكرها المصنف.\nومنها: أن الصحابة -﵃- أجمعوا في زمن عمر -﵁- على أن أم الولد تعتق بموت سيدها ولا تباع، ثم خالف \"علي\" هذا الإجماع بعد موت \"عمر\" وأجاز بيعها كالأمة، كما كانت قبل الإجماع.\nوالأثر المروي في ذلك: عن عبيدة السلماني قال: \"سمعت عليًّا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، قال: ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك وحدك في الفرقة\".\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب بيع أمهات الأولاد، وابن أبي شيبة في مصنفه: كتاب البيوع والأقضية، باب في بيع أمهات الأولاد، والبيهقي في سننه الكبرى: كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الخلاف في أمهات الأولاد.\n٢ روى مسلم: كتاب الحدود، باب حد الخمر، \"أن عثمان -﵁- لما أراد إقامة الحد على الوليد بن عقبة- لما شرب الخمر- قال لعلي -﵁-: قم فاجلده، فقال على: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولّ حارها من تولى قارّها، \"فكأنه وجد عليه\" فقال: يا عبد الله بن جعفر: قم فاجلده، فجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد =","vol":"1","page":420},{"text":"تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين فلو رجعوا إلى قول واحد صارت المسألة إجماعًا.\nولو لم يشترط انقراض العصر: لم يجز ذلك؛ لأنه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين١.\nفإن قيل: لا نسلم تصور وقوع هذا، لكونه يفضي إلى خطأ أحد الإجماعين.\nثم إن سلمنا تصوره، فلا نسلم أن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، بل كل طائفة تقول: الحق معنا والأخرى مخطئة، وإنما سوّغت للعامي أن يستفتي كل أحد حتى لا يتحرّج، فإذا اتفقوا زال القول الآخر، لعدم من يفتي به.\nالثالث٢: لا نسلم أن إجماعهم بعد الاختلاف إجماع صحيح.\n_________\n= النبي -ﷺ- أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنة، وهذا أحب إلي\".\n١ هذا هو الدليل الثاني لمذهب القائلين باشتراط انقراض العصر، خلاصته أنه لو لم يشترط انقراض العصر لما كان اتفاق المجمعين على أحد القولين في المسألة بعد اختلافهم فيها إجماعًا، إذ يلزم منه تعارض الإجماعين، وهو باطل، إذ إن اختلافهم في مسألة على قولين إجماع منهم على تسويغ الخلاف، فإذا رجعوا إلى أحد القولين واتفقوا عليه، صار ذلك إجماعًا على عدم تسويغ الخلاف، بل حصروا الحكم في أحد القولين، فصار الإجماع الثاني معارضًا للإجماع الأول، وتعارض الإجماعين باطل، لأن كلًّا منهما قاطع، والقواطع المعصومة لا تتعارض، لكن اتفاقهم على أحد القولين بعد اختلافهم في المسألة إجماع صحيح، ولا يلزم منه محال، وقد وقع، كاتفاق الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وعلى أن الأئمة من قريش بعد اختلافهم فيهما وفي أمثالهما.\n٢ الثالث من وجوه الاعتراض التي بدأها بقوله: \"فإن قيل..\" وكان على =","vol":"1","page":421},{"text":"قلنا١.\nهذا متصور عقلًا، إذ لا يمتنع أن يتغير اجتهاد المجتهد، ولا نحجر عليه أن يوافق مخالفه، فمن ذهب إلى تصحيح النكاح بغير ولي، لِمَ لا يجوز أن يوافق من أبطله إذا ظهر له دليل بطلانه؟\nوإذا انفرد الواحد عن الصحابة، كانفراد ابن عباس في مسألة العول، لم لا يجوز أن يرجع إلى قولهم؟\nوقد أجمع الصحابة -﵃- على قتال مانعي الزكاة بعد الخلاف٢.\n_________\n= المصنف أن يقول: فإن قيل: هذا عليه اعتراض من ثلاثة وجوه: هي: كذا وكذا.\n١ بدأ المصنف يرد على الاعتراضات المتقدمة، فبين أنها قائمة على تصور عقلي محض، وأن الواقع يكذبها ثم أتى بأمثلة تؤيد ذلك.\n٢ قصة اختلاف الصحابة -﵃- في قتال مانعي الزكاة أخرجها مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتي يقولوا: لا إله إلا الله وأبو داود في سننه: كتاب الجهاد، باب علام يقاتل المشركون؟ والدراقطني في سننه، كتاب الزكاة، من حديث أبي هريرة -﵁-: \"لما توفي النبي -ﷺ- واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -ﷺ-: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ﷿\" قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله -ﷺ- لقاتلهم على منعه.\nفقال عمر بن الخطاب: \"فوالله ما هو إلا أن رأيت الله -﷿- قد شرح صدر أبي بكر للقتال قال: \"فعرفت أنه الحق\".","vol":"1","page":422},{"text":"وعلى أن: \"الأئمة من قريش\".\nوعلى إمامة \"أبي بكر\" -﵁- بعد الخلاف٢.\nولا خلاف في تجويز ذلك في القطعيات، فلمَ لا يجوز في الظنيات؟\n_________\n١ حديث: \"الأئمة من قريش\" أخرجه أحمد في المسند \"٣/ ١٢٩\" والنسائي في سننه الكبرى حديث رقم \"٢٥٢٥\" والطبراني في المعجم الكبير حديث \"٧٢٥\"، والبزار في كشف الأستار، كتاب الإمارة، باب الناس تبعًا لقريش حديث \"١٥٧٨\" والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش \"٨/ ١٤٤\"، من حديث أنس بن مالك.\nورواه الطبراني، والحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر فضائل قريش \"٤/ ٧٥، ٧٦\" والبيهقي من حديث \"علي\" -﵁-. واختلف في رفعه ووقفه على \"علي\" ونقل الحافظ عن الدراقطني أنه رجح في العلل الموقوفة.\nورواه أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة، من حديث أبي برزة، وإسناد الأخيرين حسن. كما قال الحافظ ابن حجر.\nوللحديث روايات أخرى بألفاظ مختلفة.\n٢ قصة اختلاف الصحابة -﵃- فيمن يتولى الخلافة بعد رسول الله -ﷺ- مشهورة، أخرجها ابن سعد في طبقاته \"٣/ ١٨٣\" وأبو يعلى في كتابه \"المعتمد في أصول الدين\" ص٢٢٤. وجاء في هذه القصة: أن عليًّا -﵁- قال: \"ولكن إن نبيكم نبي الرحمة -ﷺ- لم يمت فجأة، ولم يقتل قتلًا، مرض أيامًا وليالي، يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة، فيقول: \"مروا أبا بكر فليصل بالناس\" وهو يرى مكاني، فلما قبض رسول الله -ﷺ- نظرنا في أمرنا: أن الصلاة عضد الإسلام وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله -ﷺ- لديننا، فولينا الأمر أبا بكر\".","vol":"1","page":423},{"text":"ومنْع ذلك١؛ بناء على تعارض الإجماعين ينبني على أن الإجماع تم في بعض العصر، وهو محل النزاع، فكيف يجعل دليلًا عليه؟\nوالثاني باطل؛ إذ لا خلاف أن فرض المجتهد في مسائل الاجتهاد: ما يؤديه إليه اجتهاده.\nوفرض المقلد: تقليد أي المجتهدين شاء.\nوالثالث: دليله: إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر، بعد الاختلاف، فدل على صحته.\n_________\n١ من هنا بدأ المصنف يناقش الاعتراضات الثلاثة المتقدمة، فقوله: \"ومنع ذلك ... إلخ\" رد على الاعتراض الأول، فبين أنه استدلال، بمحل النزاع فلا يصح أن يكون دليلًا.\nوقوله: \"والثاني باطل..\" رد على الاعتراض الثاني، وهو قوله -قبل ذلك- \"ثم إن سلمنا تصوره إلخ\".\nوقوله: \"والثالث\" رد على الاعتراض الثالث الذي قال فيه: \"إن إجماعهم بعد الاختلاف إجماع غير صحيح\" فرد عليه المصنف بأن ذلك وقع من الصحابة كثيرًا، فدل على أنه صحيح.","vol":"1","page":424},{"text":"خلافًا لداود١، وقد أومأ أحمد -﵀- إلى نحو ذلك٢، لأن الواجب: اتباع سبيل المؤمنين جميعهم، والصحابة وإن ماتوا: لم يخرجوا من المؤمنين ولا من الأمة.\nولذلك: لو أجمع التابعون على أحد قولي الصحابة، لم يصر إجماعًا، ولا ينعقد الإجماع دون الغائب، فكذلك الميت٣.\nومقتضى هذا٤ أن لا ينعقد الإجماع -أيضًا- للصحابة، لكن لو\n_________\n١ هو: داود بن على بن خلف، الأصبهاني أصلًا، الكوفي مولدًا، البغدادي نشأة ووفاة، إمام أهل المذهب الظاهري، ولد سنة ٢٠٢هـ.\nمن مؤلفاته \"إبطال القياس\" توفي سنة ٢٧٠هـ.\nانظر: وفيات الأعيان \"٢/ ٢٦\" شذرات الذهب \"٢/ ١٥٨\".\n٢ أي أن الرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه مع أهل الظاهر في أن إجماع الصحابة فقط هو الحجة، وإن كانت الرواية ليست صريحة كالرواية الأولى، وإن كان يعتبر في الإجماع الغائب دون الميت، خلافًا للظاهرية.\n٣ انظر: الإحكام للآمدي \"١/ ٢٥٦\" والمستصفى \"١/ ١٩٢\".\n٤ هذا اعتراض توقع الظاهرية وروده عليهم، فذكروه ثم ردوا عليه، وخلاصة الاعتراض: أن يقول لهم قائل: يلزم على دليلكم أن لا ينعقد إجماع بعد موت بعض الصحابة، مثل: سعد بن معاذ، وحمزة بن عبد المطلب وغيرهما ممن استشهدوا من المهاجرين والأنصار، ممن كانوا موجودين عند نزول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن إجماع، من وراءهم ليس إجماع جميع المؤمنين، ولا إجماع كل الأمة، كما يلزم على ذلك -أيضًا- أن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزول الآية الكريمة.\nفأجابوا عن ذلك بقولهم: نعم لو اعتبرنا ذلك لم ينعقد إجماع قط، فلم ينتفع بالإجماع، لذلك نعتبر قول من دخل في الوجود دون من لم يوجد، بمعنى: أنهم فرقوا بين السابق وهو الميت، وبين اللاحق، فإن الميت ثبت قوله واستقر ورتبت عليه الأحكام، بخلاف اللاحق، فإنه لم يوجد بعد، فضلًا عن أن يكون له اجتهاد. انظر: نزهة الخاطر \"١/ ٣٧٣\" والمستصفى \"٢/ ٣٥٥ وما بعدها\".","vol":"1","page":425},{"text":"اعتبرنا ذلك: لم ينتفع بالإجماع، فاعتبرنا قول من دخل في الوجود، دون من لم يوجد.\nأو نقول: الآية والخبر تناولا الموجودين الذين كان وجودهم حين نزول الآية؛ إذ المعدوم لا يوصف بإيمان، ولا أنه من الأمة.\nولأنه يحتمل: أن يكون لبعض الصحابة في هذه الحادثة قول لم نعلمه يخالف ما أجمع عليه التابعون، فلا ينعقد إجماعهم بخلافه.\nولنا: ما ذكرناه من الأدلة على قبول الإجماع، من غير تفريق بين عصر وعصر.\nوالتابعون إذا أجمعوا: فهو إجماع من الأمة، ومن خالفهم سالك غير سبيل المؤمنين.\nويستحيل -بحكم العادة- شذوذ الحق عنهم -مع كثرتهم- كما سبق.\nولأنه إجماع أهل العصر فكان حجة كإجماع الصحابة.\nوما ذكروه باطل:\nإذ يلزم على مساقه: أن لا ينعقد الإجماع بعد موت من مات من الصحابة في عصر النبي -ﷺ- وبعده، بعد نزول الآية، كشهداء أحد، واليمامة، ولا خلاف في أن موت واحد من الصحابة لا يحسم باب الإجماع.\nوكما بطل -على القطع- الالتفات إلى اللاحقين: بطل الالتفات إلى الماضين، فالماضي لا يعتبر، والمستقبل لا ينتظر.\n\"فثبت أن وصف\"١ كلية الأمة حاصل لكل الموجودين في كل\n_________\n١ ما بين القوسين من المستصفى \"٢/ ٣٥٧\" والذي في الأصل: \"وكلية الأمة =","vol":"1","page":426},{"text":"وقت، ويدخل في ذلك الغائب، لأنه ذو مذهب تمكن مخالفته وموافقته بالقوة، والميت لا يتصور في حقه وفاق ولا خلاف، لا بالقوة ولا بالفعل١.\nبل الطفل والمجنون لا ينتظر؛ لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف، فالميت أولى، وما ذكر من احتمال مخالفة واحد من الصحابة، يبطل بالميت الأول من الصحابة فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة مخالفته.\nوهذا هو التحقيق \"وهو أنه\"٢ لو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج؛ إذ ما من حكم إلا ويتصور تقدير نسخه، \"وانفراد الواحد بنقله وموته قبل أن ينقل إلينا\"٣.\nوإجماع الصحابة يحتمل أن يكون واحد منهم أضمر المخالفة وأظهر الموافقة لسبب، أو رجع بعد أن وافق.\nوالخبر يحتمل أن يكون كذبًا، فلا يلتفت إلى هذه الاحتمالات.\n_________\n= حاصلة\" ومعناه: أن سائر خطابات التكليف تعم الحاضرين ومن بعدهم إلى يوم الدين، ولم يختص بمن كان حاضرًا.\n١ يعني: أن الغائب يعتبر قوله كالحاضر؛ لأنه تمكن مراجعته واستعلام رأيه في الواقعة بالمراسلة، او انتظار رجوعه، فيؤخر الإجماع لحين عودته، بخلاف الميت.\n٢ ما بين القوسين من المستصفى \"٢/ ٣٥٩\" وفي المطبوعة \"وهذا التحقيق لأنه ... \".\n٣ ما بين القوسين في المستصفى والذي في الأصل: \"إذ ما من حكم إلا يتصور تقدير نسخه ولم ينقل\".","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>فصل: [هل اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة إجماع</span>؟]\nوإذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما١:\nفقال أبو الخطاب، والحنفية: يكون إجماعًا٢.\nلقوله ﵇: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق\" ٣ وغيره من النصوص.\nولأنه: اتفاق من أهل عصر، فهو كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفقوا على أحدهما.\n_________\n١ قال الطوفي في شرح المختصر \"٣/ ٩٥\": \"وليس ذلك مخصوصًا بالتابعين مع الصحابة، بل أي عصر من الأعصار اختلف أهله، يصح اتفاق أهل العصر بعده على أحد القولين؟ ولا نزاع في إمكان تصور ذلك عقلًا، بل في صحته شرعًا\".\n٢ وهو رأي كثير من المتكلمين والمعتزلة، وأكثر الحنفية، وليس الكل كما قال المصنف.\nانظر: التمهيد \"٣/ ٢٩٧ وما بعدها\" وأصول السرخسي \"١/ ٣٢٠\".\n٣ حديث صحيح: أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي -ﷺ-: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق\" عن المغيرة بن شعبة -﵁- مرفوعًا، بلفظ: \"لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون\".\nكما أخرجه مسلم-: كتاب الإمارة، باب: لا تزال طائفة من أمتي.\nوأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين، عن ثوبان -﵁- مرفوعًا، وقال: \"حديث حسن صحيح\".\nوأخرجه عن ثوبان -أيضًا- أبو داود في أول كتاب الفتن، وأحمد في المسند \"٥/ ٢٧٨\" كما أخرجه عن أبي أمامة -﵁- \"٥/ ٢٦٩\".","vol":"1","page":428},{"text":"وقال القاضي، وبعض الشافعية: لا يكون إجماعًا؛ لأنه فتيا بعض الأمة؛ لأن الذين ماتوا على القول الآخر من الأمة لا يبطل مذهبهم بموتهم١.\nولذلك يقال: خالف أحمد، أو وافقه، بعد موته فأشبه ما إذا اختلفوا على قولين، فانقرض القائل بأحدهما.\nفإن قيل:\nإن ثبت نعت الكلية للتابعين، فيكون خلاف قولهم حرامًا، وإن لم يكونوا كل الأمة فلا يكون قولهم إجماعًا.\nأما أن يكونوا كل الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض.\nقلنا:\nالكلية٢ تثبت بالإضافة إلى مسألة حدثت في زمنهم.\nأما ما أفتى به الصحابي: فقوله لا يسقط بموته٣.\nولو مات القائل \"فأجمع الباقون على خلافه، لا يكون إجماعًا، ولو حدثت مسألة بعد موته\"٤ فأجمع عليها الباقون على خلافه كان إجماعًا.\nومن وجه آخر: أن اختلاف الصحابة على قولين: اتفاق منهم على تسويغ الأخذ بكل منهما، فلا يبطل إجماعهم بقول من سواهم.\n_________\n١ انظر: العدة \"٤/ ١١٠٥\" مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد \"٢/ ٤١\".\n٢ أي: الأمة كلها، وهذا يصدق على من حدثت المسالة في زمنهم.\n٣ يقول الإمام الشافعي: \"المذاهب لا تموت بموت أربابها\".\n٤ ما بين القوسين من النسخة التي حققها الدكتور عبد الكريم النملة -سلمه الله- \"٢/ ٤٦٦\".","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>فصل: [اختلاف الصحابة على قولين يمنع إحداث قول ثالث]</span>\nإذا اختلف الصحابة على قولين: لم يجز إحداث قول ثالث في قول الجمهور١.\nوقال بعض الحنفية، وبعض أهل الظاهر: يجوز٢؛ لأمور ثلاثة:\nأحدها: أن الصحابة خاضوا خوض مجتهدين، ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث.\n_________\n١ ظاهر كلام المصنف قصر الخلاف في هذه المسألة على عصر الصحابة مع التابعين، والذي في كتب الأصول عدم التخصيص بعصر الصحابة، ولذلك يعبرون عنها بقولهم: \"إذا اختلف أهل العصر على قولين امتنع على من بعدهم إحداث قول ثالث\" فلا أدري ما السبب الذي جعل المصنف يقصر المسألة على عصر الصحابة وحدهم؟\nقال ابن مفلح: \"كما لو أجمعوا على قول واحد، فإنه يحرم إحداث قول ثان، ونص عليه الإمام الشافعي -﵁- في الرسالة\".\nانظر: الرسالة ص٥٩٦، شرح الكوكب المنير \"٢/ ٢٦٤\".\n٢ ومعهم الشيعة أيضًا، وهو رواية أخرى عن الإمام أحمد. انظر: التمهيد \"٣/ ٣١١\".\nوهناك رأي ثالث مروي عن الشافعي، واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه كثير من الأصوليين، منهم: ابن الحاجب، والقراقفي، والرازي، وابن السبكي، والطوفي وغيرهم، وهو: أنه إن رفع حكمًا مجمعًا عليه حرم إحداثه، وإن لم يرفع حكمًا مجمعًا عليه جاز إحداثه:\nفمن أمثلة الأول: القول بأن الأخ يحجب الجد، فهذا لا يجوز؛ لأن الصحابة -﵃- اختلفوا في ذلك على قولين، فمنهم من جعله بمنزلة الأب، فيحجب الأخ، ومنهم من شرّك بينه وبين الإخوة -على خلاف بينهم في مقدار هذا التشريك- فكأن الصحابة -﵃- قد أجمعوا على أن للجد نصيب، فالقول بحجب الأخ له خرق لهذا الإجماع، فلا يجوز.","vol":"1","page":430},{"text":"الثاني: أنه لو استدل الصحابة بدليل، وعللوا بعلة: جاز الاستدلال والتعليل بغيرهما؛ لأنهم لم يصرحوا ببطلانه، كذا هنا.\nالثالث: أنهم لو اختلفوا في مسألتين، فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما، وذهب الآخرون إلى التحريم فيهما: فذهب التابعي إلى التجويز في إحدهما، والتحريم في الأخرى: كان جائزًا، وهو قول ثالث.\nولنا:\nأن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق، والغفلة عنه؛ فإنه لو كان الحق في القول الثالث: كانت الأمة قد ضيعته وغفلت عنه، وخلا العصر من قائم لله بحجته، ولم يبق منهم عليه أحد وذلك محال. وقولهم١: \"لم يصرحوا بتحريم قول ثالث\".\nقلنا: ولو اتفقوا على قول واحد، فهو كذلك، ولو لم يجوّزوا خلافهم.\nفأما إذا عللوا بعلة، فيجوز بسواها؛ لأنه ليس من فرض دينهم\n_________\n= ومن أمثلة الثاني: اختلاف العلماء في جواز أكل متروك التسمية، فقال بعضهم: يحل أكله، سواء أكان عمدًا أم سهوًا، وقال البعض: لا يحل مطلقًا فالقول بأنه إن كان الترك عمدًا فلا يحل، وإن كان سهوًا فهو حلال، يعتبر قولًا ثالثًا، ولا حرج فيه.\nويبدو -والله أعلم- رجحان هذا المذهب.\nيراجع في هذه المسألة: المحصول للرازي \"٢/ ١/ ١٧٩ وما بعدها\" الإحكام للآمدي \"١/ ٢٦٩-٢٧٠\"، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد \"٢/ ٣٩\"، المحلى على جمع الجوامع \"٢/ ١٩٨\" شرح الكوكب المنير \"٢/ ٢٦٤ وما بعدها\" شرح مختصر الروضة \"٣/ ٨٨ وما بعدها\".\n١ أي القول الثاني، وهو جواز إحداث قول ثالث.","vol":"1","page":431},{"text":"الاطلاع على جميع الأدلة، بل يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد، وليس على الاطلاع على علة أخرى نسبة إلى تضييع الحق، بخلاف مسألتنا.\nوأما إذا اختلفوا في مسألتين فإنهم: إن صرحوا بالتسوية بين المسألتين: فهو كمسألتنا، لا يجوز التفريق.\nوإن لم يصرحوا به: جاز التفريق، لأن قوله في كل مسألة موافق لمذهب طائفة.\nودعوى المخالفة للإجماع ههنا جهل بمعنى المخالفة، إذ المخالفة: نفي ما أثبتوه، أو إثبات ما نفوه، ولم يتفق أهل العصر على إثبات أو نفي، في حكم واحد، ليكون القول بالنفي والإثبات مخالفًا، ولا يلتئم الحكم من المسألتين، بل نقول: لا يخلو الإنسان من خطأ ومعصية، والخطأ موجود من جميع الأمة، وليس محالًا، إنما المحال: الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا تقوم به طائفة.\nولهذا: يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فريقين، فتخطئ فرقة في مسألة، وتصيب فيها الأخرى، وتخطئ في المسألة الأخرى، وتصيب فيها المخطئة الأولى٢. والله أعلم.\n_________\n١ حاصل ذلك: الرد على ما استدل به أصحاب المذهب الثاني من قولهم:\n\"الثاني: لو استدل الصحابة بدليل ... إلخ\" وخلاصته: أن ما ذكروه قياس مع الفارق، فهناك فرق بين استنباط الحكم، وبين الدليل والتعليل، فإن الحكم يجوز إثباته بدليلين أو علتين، ويخفى أحدهما على أهل العصر الأول، ويظهر لأهل العصر الثاني، وليسوا متعبدين بالاطلاع على جميع الأدلة والعلل؛ لأنها وسائل لا مقاصد، وليس في اطلاعهم على علة أخرى، أو دليل آخر نسبة إلى تضييع الحق.\nانظر: شرح مختصر الطوفي \"٣/ ٩٠\".\n٢ خلاصة هذا كله: أن الأصوليين اختلفوا في انقسام الأمة إلى قسمين في =","vol":"1","page":432},{"text":"......................................................\n_________\n= مسأليتن، وكلاهما مخطئ في إحداهما:\nوحاصل ذلك في ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: اتفاقهم على الخطأ في المسألة الواحدة من الوجه الواحد، فهذا لا يجوز إجماعًا.\nالحالة الثانية: اتفاقهم على الخطأ في مسألتين مختلفتين، كأن تكون إحداهما في المعاملات والأخرى في العبادات، فهذا جائز باتفاق.\nالحالة الثالثة: المسألة الواحدة ذات الوجهين، مثل: المانع من الميراث فإنه جنس واحد، إلا أنه ينقسم إلى نوعين، مثل: القتل والرق، فهل يجوز أن يقول بعضهم: القاتل يرث، والعبد لا يرث، ويقول البعض: بعكس ذلك، فيخطئ كل منهما فيما أصاب فيه الآخر، فقيل: هذا لا يمتنع، لأن الأمة لا تجتمع على خطأ في شيء معين واحد وقيل: يمتنع؛ نظرًا إلى خطأ المجموع في الجملة.\nانظر: مذكرة الشيخ الشنقيطي ص١٥٧.\nقال الطوفي -موضحًا ذلك-:\n\"واعلم أن خطأ كل فرقة في مسألة هو واسطة بين طرفين، فلهذا خرج الخلاف فيه، وذلك لأن القسمة تقتضي أنه إما أن تخطئ كل واحدة من الفرقتين، في كل واحدة من المسألتين، أو تصيب كل واحدة في مسألة وتخطئ في الآخرى:\nفالأول ممتنع؛ لأنه خطأ كلي، والثاني جائز حسن؛ لأنه إصابة كلية، والثالث واسطة، لأنه خطأ من وجه دون وجه، فبالنظر إلى ما فيه من الخطأ ألحق بالطرف الأول، وهو الخطأ الكلي في الامتناع، وبالنظر إلى ما فيه من الصواب ألحق بالطرف الثاني، وهو الصواب الكلي في الجواز\" شرح المختصر \"٣/ ٩٢\".\nهذا، وقد مثل الطوفي لذلك بأمثلة كثيرة، منها: خطأ الشافعية في إباحة البنت المخلوقة من الزني، وكراهة الماء المشمس، وإصابة الحنابلة في تحريمها \"أي بنت الزنى\" وعدم كراهة الماء المشمس. انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>فصل: [في حكم الإجماع السكوتي]</span>\nإذا قال بعض الصحابة١ قولًا، فانتشر في بقية الصحابة، فسكتوا: فإن لم يكن قولا في تكليف فليس بإجماع٢.\nوإن كان: فعن أحمد -﵁- ما يدل على أنه إجماع، وبه قال أكثر الشافعية.\nوقال بعضهم: يكون حجة، ولا يكون إجماعًا٣.\nوقال جماعة آخرون: لا يكون حجة ولا إجماعًا٤، ولا ينسب إلى ساكت قول، إلا أن تدل قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين للرضا، وتجويز الأخذ به.\n_________\n١ تخصيص المصنف مسألة الإجماع السكوتي في الصحابة فقط، مخالف لما عليه جمهور الأصوليين من تعميمهما في كل الأعصار، إلا إذا كان مذهبه تخصيص حجية الإجماع بعصر الصحابة، إلا أن هذا يناقض ما قاله قبل ذلك في مسألة \"إجماع أهل كل عصر حجة، كإجماع الصحابة\"؟!\n٢ يريد بذلك ذكر شروط الإجماع السكوتي وهي: أن ينتشر ويشتهر، بحيث يبلغ جميع المجتهدين، وأن يكون من المسائل التكليفية، وليس من مسائل الأصول والعقائد، وأن يكون السكوت قبل استقرار المذاهب، لأنه إن كان بعدها لم يدل على الموافقة، وأن تمضي مدة كافية للنظر والتأمل، وأن توجد قرائن تدل على الرضا، وأن يكون الشخص الذي صدرت منه المسألة مجتهدًا، وهي من المسائل المجتهد فيها، وأن تنتفي الموانع التي تمنع من اعتبار السكوت موافقة.\n٣ بمعنى: أن يكون حجة ظنية يجوز العمل بها، وليس بإجماع تمتنع مخالفته وهو اختيار أبي هاشم الجبائي والآمدي. انظر: الأحكام \"١/ ٢٥٢\".\n٤ وهو منقول عن الإمام الشافعي، ولذلك قال: \"لا ينسب لساكت قول\". وفي المسألة آراء آخرى كثيرة ذكرها الشوكاني في كتابه \"إرشاد الفحول\" وأوصلها إلى =","vol":"1","page":434},{"text":"وقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب:\nأحدها: أن يكون لمانع في باطنه لا يطلع عليه.\nالثاني: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب.\nالثالث: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات، ويرى ذلك القول سائغًا لمن أداه اجتهاده إليه، وإن لم يكن هو موافقًا.\nالرابع: أن لا يرى البدار١ في الإنكار مصلحة؛ لعارض من العوارض ينتظر زواله، فيموت قبل زواله، أو يشتغل عنه.\nالخامس: أن يعلم أنه لو أنكر: لم يلتفت إليه، وناله ذل وهوان، كما قال ابن عباس حين سكت عن القول بالعول في زمن عمر -﵁-: \"كان رجلًا مهيبا فهبته\"٢.\nالسادس: أن يسكت؛ لأنه متوقف في المسألة؛ لكونه في مهلة النظر.\nالسابع: أن يسكت؛ لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار، وأغناه عن الإظهار؛ لأنه فرض كفاية ويكون قد غلط فيه؛ وأخطأ في وهمه٣.\n_________\n= اثنى عشر قولًا. يراجعها من يريد معرفتها والوقوف على أدلة كل مذهب. انظر: إرشاد الفحول \"١/ ٣٢٦ وما بعدها\".\n١ أي: المبادرة بالإنكار، بل ينتظر مدة لسبب من الأسباب.\n٢ سبق تخريجه.\n٣ عبارة الغزالي: \"أن يسكت لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار، وأغناه عن الإظهار ثم يكون قد غلط فيه، وترك الإنكار عن توهم، إذ رأى الإنكار فرض كفاية، وظن أنه قد كُفي، وهو مخطئ في وهمه\" وهي أوضح من عبارة المصنف في الدلالة على المراد.","vol":"1","page":435},{"text":"ولنا:\nأن حال الساكت لا يخلو من ستة أقسام١:\nأحدها: أن يكون لم ينظر في المسألة.\nالثاني: أن ينظر فيها فلا يتبين له الحكم.\nوكلاهما خلاف الظاهر؛ لأن الدواعي متوفرة، والأدلة ظاهرة، وترك النظر خلاف عادة العلماء عند النازلة، ثم يفضي ذلك إلى خلو الأرض عن قائم لله بحجته.\nالثالث: أن يسكت تقيَّة، فلا يُظهِر سَبَبها، ثم يظهر قوله عند ثقاته وخاصته، فلا يلبث القول أن ينتشر.\nالرابع: أن يكون سكوته لعارض لم يظهر.\nوهو خلاف الظاهر، ثم يفضي إلى خلو العصر عن قائم لله بحجته.\nالخامس: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب.\nفليس ذلك قولًا لأحد من الصحابة.\nولهذا: عاب بعضهم على بعض، وأنكر بعضهم على بعض مسائل انتحلوها.\nثم العادة: أن من ينتحل مذهبًا يناظر عليه، ويدعو إليه، كما نشاهد في زمننا.\n_________\n١ في الأصل \"سبعة\" في الواقع ستة، إلا أن الطوفي أشار إلى وجه سابع فقال: \"ووجه سابع: وهو أن ينكر الساكت، لكن لم ينقل إنكاره\" شرح المختصر \"٣/ ٨٢\".","vol":"1","page":436},{"text":"السادس: أن لا يرى الإنكار في المجتهدات.\nوهو بعيد لما ذكرناه.\nفثبت أن سكوته كان لموافقته.\nومن وجه آخر١: أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنقل إليهم قول صحابي منتشر وسكوت الباقين: كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع\nمنهم على كونه حجة.\nومن وجه آخر: أنه لو لم يكن هذا إجماعًا: لتعذر وجود الإجماع؛ إذ لم ينقل إلينا في مسألة قول كل علماء العصر مصرحًا به.\nوقول من قال: \"هو حجة وليس بإجماع\" غير صحيح؛ فإنا إن قدّرنا رضا الباقين كان إجماعًا، وإلا فيكون قول بعض أهل العصر، والله أعلم.\n_________\n١ أضاف المصنف إلى الحالات السابقة وجهان آخران، لإثبات أن الإجماع السكوتي حجة.\nإلا ان الطوفي استبدل الوجه الثاني هنا بدليل آخر قال فيه: \"إن إقرار النبي -ﷺ- على ما سمعه أو يراه دليل على رضاه وتصويبه، فكذلك سكوت المجتهدين وإقرارهم؛ لأنهم شهداء الله في الأرض، بنص السنة الصحيحة\" شرح المختصر \"٣/ ٨٣\".\nويقصد بالسنة الصحيحة: ما رواه البخاري في صحيحه حديث رقم \"١٣٦٧، ٢٦٤٢\" ومسلم \"٩٤٩ والترمذي \"١٠٥٨\" والنسائي \"٤/ ٥٩، ٦٠\" وأحمد في المسند \"٣/ ١٨٦، ٢١١، ٢٤٥\" من حديث أنس بن مالك: أنه مر بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي -ﷺ- \"وجبت\" ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال -ﷺ-: \"وجبت\" فقال عمر بن الخطاب -﵁-: ما وجبت؟\nقال: \"هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض\".","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>فصل: في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس</span>\n...\nمسألة: [في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس]\nيجوز أن ينعقد الإجماع عن اجتهاد وقياس، ويكون حجة١.\nوقال قوم: لايتصور ذلك٢؛ إذ كيف يتصور اتفاق الأمة مع اختلاف طبائعها، وتفاوت أفهامها على مظنون؟\nأم كيف تجتمع على قياس، مع اختلافهم في القياس؟\nوقال آخرون: هو متصور، وليس بحجة؛ لأن القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد ولا يجب٣.\nولنا:\n_________\n١ وهو رأي جمهور العلماء.\n٢ وهو رأي ابن جرير الطبري كما في المستصفى \"٢/ ٣٧٧\" وأهل الظاهر كما في الإحكام لابن حزم \"٤/ ٥٢٧\" والشيعة كما في الإحكام للآمدي \"١/ ٢٦٤\".\n٣ عبارة المستصفى \"لأن القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد، ولا يحرمه\" وقد وضحه الطوفي فقال: \"إنه إذا تصور الاتفاق عن القياس، كان حجة بأدلة الإجماع السابقة؛ لأنه سبيل المؤمنين، فيحرم خلافه، وبقوله -﵇-: \"أمتى لا تجمتع على ضلالة ونحوه\" ومعناه: انه إذا كان عن اجتهاد جاز مخالفته ولا يحرم، وهذا بالتالي يتعارض مع طبيعة الإجماع.\nوهناك رأي رابع حكاه الطوفي، وهو جواز انعقاده عن قياس جلي، لا عن قياس خفي.\nوقد أورد الطوفي -كذلك- رأي القائلين بالجواز بأنهم اختلفوا في الوقوع: فمنهم من قال: إنه قد وقع، مثل: إمامة أبي بكر -﵁- وقتال مانعى الزكاة، وتحريم شحم الخنزير وغير ذلك كلها ثبتت بالرأي والاجتهاد.\nأما المانعون فقالوا: إن الصورة المذكورة مستفادة من نصوص معينة، وليست باجتهاد. انظر: شرح المختصر \"٣/ ١٢٤، ١٢٥\".","vol":"1","page":438},{"text":"أن هذا إنما يستنكر فيما يتساوى فيه الاحتمال.\nأما الظن الأغلب فيميل إليه كل واحد، فأي بُعْدٍ في أن يتفقوا على أن النبيذ في معنى الخمر في التحريم؛ لكونه في معناه في الإسكار؟\nوأكثر الإجماعات مستندة إلى عمومات، وظواهر، وأخبار آحاد، مع تطرق الاحتمال.\nوإذا جاز اتفاق أكثر الأمم على باطل -مع أنه ليس لهم دليل قطعي ولا ظني- لِمَ لا يجوز الاتفاق على دليل ظاهر، وظن غالب؟!\nوأما منع تصوره بناء على الخلاف في القياس: فإنا نفرض ذلك في الصحابة، وهم متفقون عليه، والخلاف حدث بعدهم١.\nوإن فرض ذلك بعد حدوث الخلاف فيستند أهل القياس إليه، والآخرون إلى اجتهاد في مظنون ليس بقياس وهو في الحقيقة قياس، فإنه قد يظن غير القياس قياسًا وكذلك العكس.\nوإذا ثبت تصوره: فيكون حجة لما سبق من الأدلة على الإجماع٢.\n_________\n١ هذا اعتراف من المصنف على أن المسألة خاصة بعصر الصحابة فقط، كما هو ديدنه في المسائل السابقة، بينما الجمهور على عدم التخصيص بعصر الصحابة -﵃-.\n٢ معناه: أن كثيرًا من المنكرين للقياس يستندون إليه في بعض الأحكام ويسمونه بغير اسمه، كالتنبيه وتنقيح المناط وما أشبه ذلك.\nقال الطوفي: \".... فإن كثيرًا من منكري القياس استندوا إليه في مواضع، وسموه بغير اسمه، كالتنبيه وتنقيح المناط، فبعضهم يقول: لا يقضي القاضي وهو جائع، وهو في الحقيقة قياس على الغضب بالجامع المعروف، ويقولون: نبّه بحالة الغضب على حالة الجوع وغيرها من الأحوال.\nوالحنفية مع قولهم: لا قياس في الكفارات، أوجبوا الكفارة على الصائم =","vol":"1","page":439},{"text":"فصل: الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون ١.\nفالمقطوع:\nما وجد فيه الاتفاق مع الشروط التي لا تختلف فيه مع وجودها، ونقله أهل التواتر.\nوالمظنون:\nما اختل فيه أحد القيدين: بأن توجد مع الاختلاف فيه، كالاتفاق في بعض العصر، وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، أو يوجد القول من البعض والسكوت من الباقين، أو توجد شروطه لكن ينقله آحاد١.\n_________\n= بالأكل والشراب، وهو في الحقيقة قياس على الوطء، بجامع الإفساد، وقالوا: هذا تنقيح المناط، اعتبارًا من حديث الأعرابي، لعموم الإفساد، لا لخصوص الجماع.\nفهكذا يجوز أن يستند المخالف في القياس عند الإجماع على ما لا يعتقده قياسًا، وهو قياس، فيتحد المستند ويتفرع عليه الإجماع، أو نفرض أن المخالف \"يظن القياس غير قياس، كالعكس\" أي: كما يجوز أن يظن غير القياس قياسًا، كالتنقيح، والتنبيه، ومفهوم الموافقة، كذلك يجوز أن يظن القياس غير قياس، فيستند إليه في الإجماع\".\nشرح المختصر \"٣/ ١٢٢-١٢٣\".\n١ خلاصة ما قاله المصنف: أن الإجماع قسمان: مقطوع: وهو ما وجد فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيها، مع وجودها، ونقل نقلًا متواترًا. ومظنون: وهو: ما اختل فيه أحد القيدين، بأن يوجد على وجه مختلف فيه متواترًا، أو متفقًا عليه، لكن بطريق الآحاد.\nمثال الأول: اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، أو أن يكون الإجماع سكوتيًّا، أو يوجد الاتفاق في بعض العصر، ولم ينقرض حتى =","vol":"1","page":440},{"text":"وذهب قوم إلى أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد١؛ لأن الإجماع دليل قاطع، يحكم به على الكتاب والسنة، وخبر الواحد لا يقطع به، فكيف يثبت به المقطوع؟\nوليس ذلك بصحيح؛ فإن الظن متبع في الشرعيات، والإجماع المنقول بطريق الآحاد يغلب على الظن، فيكون ذلك دليلًا كالنص المنقول بطريق الآحاد.\nوقولهم: \"هو دليل قاطع\".\n_________\nخولف إلى آخر المسائل التي وقع فيها الخلاف، هل هي إجماع أو لا؟.\nومثال الثاني: وهو: المتفق عليه، لكنه نقل آحادًا: أن ينقل إجماع عن الصحابة بطريق الآحاد. هذا معنى كلامه.\nإلا أن جمهور الأصوليين يقسمونه إلى أربعة أقسام: وضحها الطوفي بقوله: \"إن الإجماع إما نطقي، أو سكوتي، وكل واحد منهما: إما تواتر أو آحاد:\nفالنطقي: ما كان اتفاق مجتهدي الأمة، جميعهم عليه نطقًا، بمعنى: أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيًا أو إثباتًا.\nوالسكوتي: ما نطق به البعض، وسكت البعض.\nوكل واحد من هذين إما أن ينقل تواترًا أو آحادًا.\nثم قال: ومراتبها متفاوتة في القوة والضعف، وأقواها: النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادًا، لضعف الآحاد عن التواتر، ثم السكوتي المتواتر، ثم السكوتي المنقول آحادًا\". شرح مختصر الروضة \"٣/ ١٢٦، ١٢٧\".\n١ أي: أن الإجماع يكون مستنده خبر من أخبار الآحاد، وهو رأي جمهور العلماء.\nقال الآمدي: -بعد أن بين أن العلماء اختلفوا في ثبوت الإجماع عن خبر الآحاد-: \"فأجازه الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وأنكره الباقون\". انظر: الإحكام \"١/ ٢٨١\". =","vol":"1","page":441},{"text":"قلنا قول النبي -ﷺ- دليل قاطع -أيضًا- في حق من شافهه، أو بلغه بالتواتر، وإذا نقله الآحاد كان مظنونًا، وهو حجة، فالإجماع كذلك، بل هو أولى؛ فإنه أقوى من النص، لتطرق النسخ إلى النص، وسلامة الإجماع منه؛ فإن النسخ إنما يكون بنص، والإجماع لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص١.\n_________\n= وقال القرافي في شرح تنقيح الفصول ص٣٣٢: \"الإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة، يعني عند مالك، خلافًا لأكثر الناس\".\n١ ولذلك قال العلماء: الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، وقد تقدم توضيح ذلك في باب النسخ.","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>فصل: [الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعًا]</span>\nالأخذ بأقل ما قيل: ليس تمسكًا بالإجماع، نحو اختلاف الناس في دية الكتابي:\nفقيل: دية المسلم١.\nوقيل: النصف٢.\nوقيل: الثلث٣.\n_________\n١ وهو مذهب الحنفية. انظر: تيسير التحرير \"٣/ ٢٥٨\" شرح فتح القدير \"٨/ ٣٠٧\".\n٢ وهو ظاهر مذهب الحنابلة: انظر: المغني \"٨/ ٣٩٨\".\n٣ وهو ما ذهب إليه الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. انظر: الأم \"٦/ ١٠٥\" والمغني \"٨/ ٣٩٨\" وظن بعض العلماء أن الإمام الشافعي يعتبر ذلك إجماعًا. وهو غير صحيح، حتى قال الإمام الغزالي: \"وهو سوء ظن بالشافعي ﵀\" ثم بين وجهة نظر الإمام الشافعي -﵁- فقال: =","vol":"1","page":442},{"text":"فالقائل: إنها الثلث ليس هو متمسكًا بالإجماع؛ لأن وجوب الثلث متفق عليه، وإنما الخلاف في سقوط الزيادة، وهو مختلف فيه، فكيف يكون إجماعًا؟\nولو كان إجماعًا كان مخالفه خارقًا للإجماع، وهذا ظاهر الفساد. والله تعالى أعلم.\nالأصل الرابع\nاستصحاب الحال ودليل العقل\nاعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة من الواجبات، وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل١.\n_________\n= \"وظن ظانون أنه تمسك بالإجماع، وهو سوء ظن بالشافعي -﵀- فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر، فلا مخالف فيه \"وهو الثلث\" وإنما المختلف فيه: سقوط الزيادة، ولا إجماع فيه، بل لو كان الإجماع على الثلث إجماعًا على سقوط الزيادة، لكان موجب الزيادة خارقًا للإجماع، ولكان مذهبه باطلًا -على القطع-.\nلكن الشافعي أوجب ما أجمعوا عليه، وبحث عن مدراك الأدلة، فلم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة، فرجع إلى استصحاب الحال في البراءة الأصلية، التي يدل عليها العقل، فهو تمسك بالاستصحاب، ودليل العقل، لا بدليل الإجماع\" انظر: المستصفى \"٢/ ٤٠٤، ٤٠٥\".\n١ المصنف جعل الاستصحاب ثلاثة أقسام، وهي: استصحاب العدم الأصلي، واستصحاب دليل الشرع، واستصحاب حال الإجماع في محل النزاع.\nأولًا: استصحاب العدم الأصلي بدليل العقل على براءة الذمة من أي تكليف حتى يرد دليل من الشرع بالتكليف، لأن الأصل براءة الذمة منه، فيستصحب الحال في ذلك، وهذا النوع هو الذي يعرف بالبراءة الأصلية، والإباحة العقلية. =","vol":"1","page":443},{"text":"فالنظر في الأحكام: إما في إثباتها، وإما في نفيها.\nفأما الإثبات: فالعقل قاصر عنه.\n_________\nوقد دل على هذا النوع آيات من القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .\nووجه الدلالة من الآية: أنه لما نزلت الآيات القاطعة في تحريم الربا، خاف الصحابة من الأموال التي اكتسبوها من الربا قبل التحريم، فبين الله -تعالى- لهم أن ما أكتسبوه قبل ذلك كان على البراءة الأصلية ولا حرج فيه.\nقال الشوكاني: \"فله ما سلف: أي ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به، لأن فعله قبل أن يبلغه تحريم الربا، أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا\" \"فتح القدير ١/ ٣٢٧\".\nومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: ١١٥] .\nووجه الدلالة من الآية: أن النبي -ﷺ- استغفر لعمه أبي طالب -عند موته- وقال -كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم-: \"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\" كما استغفر بعض المؤمنين لموتاهم من المشركين، فأنزل الله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] فندموا على استغفارهم، وخشوا أن يعاقبوا على ذلك فنزلت الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ قال الشوكاني: \"أي: أن الله -سبحانه- لا يوقع الضلال على قوم، ولا يسميهم ضلّالًا بعد أن هداهم إلى الإسلام، والقيام بشرائعه، ما لم يقدموا على شيء من المحرمات بعد أن يتبين لهم أنه محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك فلا إثم عليهم، ولا يؤاخذون به\". فتح القدير \"٢/ ٤٦٩\".\nوهذا النوع من الاستصحاب حجة عند الجمهور.\nثانيًا: استصحاب ما دل الشرع على ثبوته ودوامه، كاستصحاب النص وحكمه حتى يرد الناسخ، وكاستصحاب العموم من اللفظ العام حتى يرد دليل =","vol":"1","page":444},{"text":"...............................................................\n_________\n= على التخصيص، ودوام الملك حتى يثبت انتقاله إلى شخص آخر، ودوام شغل الذمة الثابت بدليل شرعي، حتى تثبت براءتها.\nوهذا النوع حجة أيضًا عند الجمهور.\nثالثًا: استصحاب حال الإجماع، إذا وقع نزاع بعد، فيما تم الإجماع عليه.\nانظر: العدة \"٤/ ١٢٦٢\" والتمهيد \"٤/ ٢٥١\" وإرشاد الفحول \"٢/ ٢٤٨\" إعلام الموقعين \"١/ ٣٧٨\" التمهيد للإسنوي ص٤٨٩، تيسير التحرير \"٤/ ١٧٧\".\nومن أمثلة ذلك: إجماع الفقهاء على صحة الصلاة بالتيمم عند فقد الماء، إذا استمر ذلك حتى دخل في الصلاة، فإذا رأى الماء أثناء الصلاة، أو سمع وهو يصلي بعض الناس يقولون: قد وجد الماء، فهل يستمر في صلاته، بناء على الإجماع المستصحب قبل الصلاة، وصلاته تكون صحيحة، أم أن الصلاة تبطل، ويستأنفها بالوضوء، ولا اعتبار بالإجماع المتقدم على صحة الصلاة قبل رؤية الماء؟\nفي هذا النوع خلاف بين العلماء.\nفقال بعضهم، ومنهم الإمام الشافعي: لا تبطل الصلاة، وقال البعض الآخر -ومنهم الإمام أبو حنيفة-: تبطل الصلاة، ولا اعتبار بالإجماع السابق؛ لتغير الحال، وهو الذي رجحه علماء الحنابلة.\nولذلك سيأتي رد الشيخ \"ابن قدامة\" على القائلين بحجيته، حيث قال: \"وهذا فاسد، لأن الإجماع إنما دل على دوامها حال العدم، فأما مع الوجود، فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الاختلاف، واستصحاب الإجماع عند انتفاء الإجماع محال\".\nوقال الشوكاني مرجحًا ما ذهب إليه الإمام الشافعي-: \"والقول الثاني هو الراجح؛ لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل، قائم في مقام المنع، فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك، فمن ادعاه جاء به\". إرشاد الفحول \"٢/ ٢٥٢\".\nقلت: ويؤيده النهي عن إبطال العبادة على الدخول فيها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٣] .","vol":"1","page":445},{"text":"وأما النفي: فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد دليل السمع الناقل عنه، فينتهض دليلًا على أحد الشطرين١.\nومثاله: لما دل السمع٢ على خمس صلوات، بقيت السادسة غير واجبة، لا لتصريح السمع بنفيها؛ فإن لفظه قاصر على إيجاب الخمسة، لكن كان وجوبها منتفيًا، ولا مثبت للوجوب، فيبقى على النفي الأصلي.\nوإذا أوجب عبادة على قادر، بقي العاجز على ما كان عليه، ولو أوجبها في وقت، بقيت في غيره على البراءة الأصلية.\nفإن قيل:\nإذا كان العقل إنما كان دليلًا بشرط أن لا يرد سمع، فبعد وضع الشرع لا يعلم نفي السمع، ومنتهاكم: عدم العلم بوروده، وعدم العلم ليس بحجة.\nولو جاز ذلك، لجاز للعامي النفي مستندًا إلى أنه لم يبلغه دليل٣.\n_________\n١ أي: إما الحكم المذكور أو إثباته.\n٢ وهو النوع الأول من أنواع الاستصحاب الذي أوضحناه قريبًا.\n٣ هذا اعتراض أورده المصنف على المنكرين لحجية الاستصحاب، خلاصته: أن دلالة العقل إنما تكون حجة قبل ورود الشرع، أما بعد وروده الشرع فغير مسلم، وإلا لجاز للعامي أن يستند إلى ذلك. بحجة أنه لم يبلغه.\nوأجاب عنه المصنف إجابة مختصرة شرحها الشيخ الطوفي فقال: \"إن الناس إما عامي لا يمكنه البحث والاجتهاد في طلب الدليل، أو مجتهد يمكنه ذلك:\nفإن كان عاميًّا، فتمسكه بالاستصحاب مع عدم الدليل الناقل، هما مما ذكرتم من التمسك بالجهل، فهو لعدم أهليتها كالأعمى يطوف في البيت على متاع، وآلة البصر لا تساعده على إدراكه.\nأما المجتهد الذي يمكنه الوقوف على الدليل، فتمسكه بعد الجدّ والاجتهاد =","vol":"1","page":446},{"text":"قلنا:\nانتفاء الدليل قد يعلم، وقد يظن؛ فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا صلاة سادسة؛ إذ لو كان لنقل وانتشر، ولم يخفَ على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، لا عدم علم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس حجة، والعلم بعدم الدليل حجة.\nوأما الظن: فإن المجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة، فلم يظهر له دليل مع أهليته. واطلاعه على مدارك الأدلة، وقدرته على الاستقصاء، وشدة بحثه، وعنايته، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في وجوب العمل؛ لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهذا غاية الواجب على المجتهد.\nوأما العامي: فلا قدرة له؛ فإن الذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ، أمكنه القطع بنفي المتاع، والأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يدري ما فيه، لا يمكنه ادعاء نفي المتاع.\nفإن قيل:\nليس للاستقصاء غاية محدودة، بل للمجتهد بداية ووسط ونهاية،\n_________\nفي طلبه، إنما هو بالعلم بعدم الدليل، لا بعدم العلم بالدليل، فهو كبصير اجتهد في طلب المتاع من بيت لا علة فيه مخفيّة له، أي: للمتاع، أي: ليس في ذلك البت أمر يستر المتاع، فيخفيه عن طالبه، فيجزم بعدمه عند ذلك.\nفكذلك المجتهد إذا بالغ في طلب الدليل، فلم يجده، جزم بعدمه، فإن لم يجزم به، غلب على ظنه، وهو كاف في العمل، لا سيّما وقواعد الشرع قد مهدت، وأدلته قد اشتهرت وظهرت، وفي الدواوين قد دوّنت، فعند استفراغ الوسع في طلب الدليل ممن هو أهل للنظر والاجتهاد، يعلم أنه لا دليل هناك.\nوحينئذ يكون الاستصحاب منه تمسكًا بالعلم بعدم الدليل الناقل، لا بعدم العلم به\" شرح مختصر الروضة \"٣/ ١٥٣-١٥٤\".","vol":"1","page":447},{"text":"فمتى يحل له أن ينفي الدليل السمعي، والبيت محصور، وطلب اليقين فيه ممكن، ومدارك الشرع غير محصورة، فإن الأخبار كثيرة، وربما غاب راوي الحديث.\nقلنا:\nمهما علم الإنسان أنه قد بلغ وسعه، فلم يجد فله الرجوع إلى دليل العقل؛ فإن الأخبار قد دونت، والصحاح قد صنّفت فما دخل فيها محصور، وقد انتهى ذلك إلى المجتهدين، وأوردوها في مسائل الخلاف.\nفإن قيل:\nلِمَ لا يكون واجبًا لا دليل عليه، أو له دليل لم يبلغنا؟\nقلنا:\nأما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال؛ لأنه تكليف ما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود الشرع، والبحث يدلنا على عدم الدليل، على ما ذكرناه.\n[استصحاب دليل الشرع]\nوأما استصحاب دليل الشرع١: فكاستصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص، واستصحاب النص إلى أن يرد النسخ، واستصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك الثابت، وشغل الذمة بالإتلاف أو الالتزام، وكذلك الحكم بتكرار اللزوم إذا تكررت الأسباب، كتكرر شهر رمضان، وأوقات الصلوات. فالاستصحاب إذن: عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي،\n_________\n١ وهو النوع الثاني من الأنواع الثلاثة التي سبق توضيحها.","vol":"1","page":448},{"text":"وليس راجعًا إلى عدم الدليل، بل إلى دليل ظني مع انتفاء المغير١، أو العلم به.\nفصل: فأما استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف:\nفليس بحجة في قول الأكثرين٢.\nوقال بعض الفقهاء: هو دليل٣ واختاره أبو إسحاق بن شاقلا٤.\n_________\n١ في الأصل: \"بل إلى دليل ظن مع انتفاء المغير\" والذي أثبتناه -تبعًا للمستصفى- هو الذي يدل عليه السياق.\nهذا، ولم يشر المصنف في هذين النوعين إلى آراء العلماء في حجيتهما.\nوالمشهور في كتب الأصول أن فيهما أربعة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنهما ليسا بحجة، وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المتكلمين.\nالمذهب الثاني: أنه حجة، وهو رأي الجمهور.\nالمذهب الثالث: أنه يصلح للترجيح دون الاستدلال، وهو منسوب لبعض المتكلمين.\nالمذهب الرابع: أنه حجة للدفع لا للإثبات، وهو رأي أبي زيد الدبوسي، والسرخسي، والبزدوي من الحنفية.\nانظر: الإحكام للآمدي \"٤/ ١٢٧ وما بعدها\" أصول السرخسي \"٢/ ٣٢٣\" تيسير التحرير \"٤/ ١٧٦\".\n٢ من الحنفية والمالكية والحنابلة، وبعض الشافعية.\n٣ منهم: أبو ثور، والمزني، وأبو بكر الصيرفي، وداود الظاهري وبعض الحنابلة، وهو الذي اختاره الآمدي في الإحكام \"٤/ ١٣٦\".\n٤ هو: إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلًا، من العلماء المبرزين في =","vol":"1","page":449},{"text":"مثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها، فنحن نستصحب ذلك حتى يأتينا دليل يزيلنا عنه.\nوهذا فاسد؛ لأن الإجماع إنما دل على دوامها حال العدم.\nفأما مع الوجود: فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الاختلاف، واستصحاب الإجماع عند انتفاء الإجماع محال.\nوهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، وهذا لأن كل دليل يضاده نفس الخلاف، لا يمكن استصحابه معه، والإجماع يضاده نفس الخلاف.\nوالعموم، والنص، ودليل العقل، لا يضاده نفس الاختلاف، فلذلك صح استصحابه معه٤.\n_________\n= مذهب الحنابلة، كان جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع توفي سنة \"٣٦٩هـ\" \"شذرات الذهب ٢/ ٦٨٣\".\n٤ حاصل ذلك: أن القائلين بحجية هذ النوع من الاستصحاب يقولون إن الحكم الثابت قبل الخلاف بالإجماع، حاصل في كل متحقق دوامه، فيكون هذا الحكم دائم الثبوت، وهو المطلوب.\nوأجاب عنه المصنف بأن الأصل في كل متحقق دوامه، ما لم يوجد ما ينافيه، ومن المعلوم أن الخلاف الذي حدث ينافي الإجماع الأول، فلا يبقى الحكم مجمعًا عليه.\nكما اعترض القائلون بحجيته: بأن استصحاب حال الإجماع المذكور، يقاس على اللفظ العام، في أنه يصير حجة بعد التخصيص.\nفأجاب المصنف: بأن هذا القياس مع الفارق، وبيانه: أن الإجماع في صورة التيمم، إنما حصل حال عدم الماء، أما حال وجوده فهو مختلف فيه، والخلاف =","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>فصل: [هل النافي للحكم يلزمه الدليل]</span>\nوالنافي للحكم يلزمه الدليل.\nوقال قوم في الشرعيات كقولنا، وفي العقليات لا دليل عليه.\nوقال قوم: لا دليل عليه مطلقًا لأمرين:\nأحدهما: أن المدّعى عليه الدَّين لا دليل عليه.\nوالثاني: أن الدليل على النفي متعذر، فكيف يكلف ما لا يمكن؟\nكإقامة الدليل على براءة الذمة١.\n_________\nيضاد الإجماع، فلا يجتمعان، ولا يبقى الإجماع مع الخلاف حال عدم الماء، كما أن النفي الأصلي الدال على عدم الحكم لا يبقى مع الدليل السمعي الناقل عن الحكم النافي؛ لكونه يضاده، فالقياس على العموم قياس باطل؛ لأن العموم والنص، ودليل العقل، كالقياس من حيث الاختلاف في الحكم لا ينافيها، فيصح التمسك بها مع الاختلاف، ولا كذلك الإجماع، فإن الخلاف ينافيه، فلا يصح التمسك به معه. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ١٥٦ وما بعدها\".\nوأقول:\nإن هذا الخلاف الذي نقله المصنف في هذه المسألة، والذي نقلناه في النوعين السابقين يؤكد ما قلناه في مقدمة هذ الكتاب من أن المصنف خالف جمهور العلماء في جعل الاستصحاب من الأدلة المختلف فيها، وليس الأصل الرابع من أصول الأدلة.\n١ اتفق العلماء على أن المثبت للحكم يلزمه الدليل، والخلاف إنما هو في النافي هل يلزمه الدليل على النفي أو لا؟\nفي المسألة عدة مذاهب، ذكر المصنف منها ثلاثة:\nالأول: أن النافي يلزمه الدليل، وهو مذهب الحنفية وأكثر الشافعية وأكثر الحنابلة. =","vol":"1","page":451},{"text":"ولنا قوله -تعالى-: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.\nومن المعنى: يقال للنافي: ما ادعيت نفيه، علمته، أم أنت شاك فيه؟\nفإن أقر بالشك فهو معترف بالجهل.\nوإن ادعى العلم: فإما أن يعلم بنظر أو تقليد:\nفإن ادعى العلم بتقليد، فهو -أيضًا- معترف بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره.\nوإن كان ينظر: فيحتاج إلى بيانه.\n_________\n= المذهب الثاني: أنه يلزمه الدليل في الشرعيات، ولا يلزمه في الأمور العقلية.\nوهذا غير مسلم للمصنف، فإن الذي قاله العلماء: عكس هذا، أي: يلزمه الدليل في العقليات دون الشرعيات.\nالمذهب الثالث: أنه لا يلزمه الدليل مطلقًا.\nوهذا ما جاء واضحًا في عبارة الإمام الغزالي في المستصفى \"٢/ ٥٢١\".\nقال: \"اختلفوا في أن النافي هل عليه دليل؟\nفقال قوم: لا دليل عليه.\nوقال قوم: لا بد من الدليل.\nوفرق فريق ثالث بين العقليات والشرعيات، فأوجبوا في العقليات دون الشرعيات\".\nوالذي قاله الغزالي هو ما جاء في العدة لأبي يعلى \"٤/ ١٢٧٠\".\nوقد أورد الشوكاني تسعة آراء في المسألة ونسبها لأصحابها، فراجع حـ٢ ص٢٧٦-٢٧٩.\n١ سورة البقرة الآية: ١١١.","vol":"1","page":452},{"text":"ولأنه لو أسقط الدليل عن النافي: لم يعجز المثبت عن التعبير عن مقصود إثباته بالنفي فيقول: بدل قوله: \"مُحدَث\": \"ليس بقديم\" وبدل قوله: \"قادر\": \"ليس بعاجز\"١.\nوقولهم: \"إن المدعى عليه الدين لا دليل عليه\": عنه أجوبة٢:\nأحدها: المنع؛ فإن اليمين دليل، لكنها قصرت عن الشهادة، فشرعت عند عدمها، واختصت بالمنكر؛ لرجحان جانبه باليد التي هي دليل الملك.\n_________\n١ من أول قول المصنف \"ولنا\" إلى هنا عبارة عن أدلة للقائلين بأن النافي يلزمه الدليل، وهي دليل نقلى، وآخر عقلي من وجهين:\nالدليل الأول: أن الله -تعالى- ألزم النافي الدليل في مقام المناظرة، وأمر رسوله -ﷺ- بمطالبة اليهود والنصارى بدليل على دعواهم النفي -كما في الآية الكريمة-.\nالدليل الثاني: من وجهين:\nالأول: عبارة عن عدة احتمالات توجه للنافي: هل ما تدعيه من علم أو شك، فإن كان عن شك فلا يطلب بدليل، لأنه معترف بجهله وعدم معرفته، وإن ادعى العلم، فيقال له: هل هو عن نظر واجتهاد، أو تقليد، فإن كان عن نظر وجب بيانه، وإن كان عن تقليد فلا يفيده، لأن الخطأ على المقلد جائز.\nالوجه الثاني: أن نافي الحكم لو لم يلزمه الدليل لضاع الحق بين الخصمين وتعطل؛ لأن كلًّا من الخصمين يمكنه أن يعبر عن دعواه بعبارة نافية، فيقول المدعي لحدوث العالم: \"ليس بقديم\" ويقول المدعي لقدمه: \"ليس محدث\" وإذا أسقط الدليل عنهما ضاع الحق، وعمت الجهالة. انظر: شرح المختصر \"٣/ ١٦٥\".\n٢ هذه أجوبة على دليل أصحاب المذهب القائل: بأنه لا يطالب بإقامة الدليل على النفي.","vol":"1","page":453},{"text":"واحتمال الكذب فيها لا يمنع كونها دليلًا، كاحتمال الكذب في الشهادة.\nالثاني: إنما لم يحتج المنكر إلى دليل؛ لوجود اليد التي هي دليل الملك؛ إذ الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه.\nالثالث: إنما لم يجب عليه الدليل لعجزه عنه؛ إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فإن ذلك إنما يعرف: بأن يلازمه الشاهد من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولًا وفعلًا، بمراقبته للحظات، وهو محال.\nوشغل الذمة -أيضًا- لا سبيل إلى معرفته؛ فإن الشاهد لا يحصل إلا الظن بجريان سبب اللزوم، من إتلاف أو غيره، وذلك في الماضي.\nأما في الحال: فإنه يجوز براءتها بأداء، أو إبراء، فاكتفى بالشهادة على سبب اللزوم، واكتفى معها باليمين لقول النبي -ﷺ-: \"البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر\"١.\nأما في مسألتنا: فيمكن إقامة الدليل إن كان النزاع في الشرعيات، فقد يصادف الدليل عليها من الإجماع، كنفي وجوب صلاة الضحى، وصوم شوال، أو النص، كقوله، -ﷺ-: \"لا زكاة في الحلي\" ٢، و\"لا\n_________\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري في: باب إذا اختلف الراهن والمرتهن، كتاب الرهن، ومسلم: كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، والترمذي: أبواب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وابن ماجه: كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.\n٢ روى البيهقي في \"المعرفة\" من حديث عافية بن أيوب عن الليث عن أبي الزبير عن جابر أن النبي -ﷺ- قال: \"ليس في الحلى زكاة\" كما رواه عنه الدراقطني =","vol":"1","page":454},{"text":"زكاة في المعلوفة\" ١، أو بمفهوم، أو بقياس، كقياس الخضروات على الرمان في نفي وجوب الزكاة٢.\n_________\n= مرفوعًا \"٢/ ١٠٧\" وابن الجوزي في التحقيق.\nقال البيهقي: عافية مجهول، وقال ابن الجوزي: ما نعلم فيه جرحًا.\nوقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: رأيت بخط شيخنا المنذري أنه قال: \"عافية بن أيوب لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه\".\nانظر: نصب الراية \"٢/ ٣٧٤-٣٧٥\".\n١ وهو مستفاد من الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، عن أبي بكر -﵁- من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى عن أبيه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه: \"أن أبا بكر -﵁- كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -ﷺ- على المسلمين ... وذكر كتابًا طويلًا في صدقة الماشية وفيه: وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة.\nورواه عنه -أيضًا- ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب إذا أخذ المصدق سنًّا دون سن، أو فوق سن حديث رقم \"١٨٠٠\".\nوله طرق أخرى عن عمرو بن حزم.\n٢ هذه المسألة فيها عدة وقفات:\nالوقفة الأولى: بيان ما ورد في الرمان من أحاديث أو آثار: ورى مالك في الموطأ، باب ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول، قال: \"السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعته من أهل العلم، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان والفرسك والتين، وما أشبه ذلك وما لم يشبه إذا كان من الفواكه\" والفرسك بكسر الفاء والسين: الخوخ.\nوروى البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، من حديث معاذ بن جبل وفيه: \"....... فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفو عفا عنه رسول الله -ﷺ-\". =","vol":"1","page":455},{"text":"وإن عدم الأدلة: فيتمسك باستصحاب النفي الأصلي الثابت بدليل العقل.\nوأما العقليات: فيمكن نفيها، فإن إثباتها يفضي إلى محال، وما أفضى إلى المحال محال.\n_________\n= الوقفة الثانية: قول المصنف: \"كقياس الخضروات على الرمان في نفي وجوب الزكاة\" فيه نظر؛ لأن الخضروات مخالفة للفواكه فلا تقاس عليها، ولذلك يقال فيها: قياس مع الفارق. هذا من ناحية.\nومن ناحية أخرى: أن المقيس عليه ليس محل اتفاق حتى يقاس عليه، فقد ذهب أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إلى وجوب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله -ﷺ-: \"فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر\" إلى آخر ما ذكره الحنفية من أدلة في هذه المقام.\nالوقفة الثالثة: أن الخضروات وردت فيها أحاديث خاصة، فلا معنى للقياس ومن تلك الأحاديث: ما أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الخضروات عن معاذ بن جبل -﵁- أنه كتب إل النبي -ﷺ- يسأله عن الخضروات -وهي البقول- فقال: \"ليس فيها شيء\" ثم قال: إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، وليس يصح في هذا الباب عن النبي -ﷺ- شيء، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي -ﷺ- مرسلًا.\nكما أخرجه الدراقطني: كتاب الزكاة، باب ليس في الخضروات صدقة.\nوللحديث طرق أخرى كثيرة عن علي وطلحة وأنس بن مالك وعائشة -﵃ جميعًا-.\nوقد تكلم الحافظ ابن حجر على هذه الطرق وضعفها كلها.\nانظر: تلخيص الحبير \"٢/ ١٦٥\"، كتاب الزكاة.","vol":"1","page":456},{"text":"ويمكن الدليل عليه بدليل التلازم؛ فإن انتفاء أحد المتلازمين دليل على انتفاء الآخر، كقوله -تعالى-: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١.\nفانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان٢.\nهذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة\nالأول- شرع من قبلنا:\nإذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟\nوهل كان النبي -ﷺ- متعبدًا بعد البعثة باتباع شريعة من قبله٣؟\n_________\n١ سورة الأنبياء من الآية: ٢٢.\n٢ من أول قول المصنف: \"وأما العقليات ... \" استدلال منه على أن النافي في العقليات يمكن أن يستدل بأحد أمرين:\nالأمر الأول: أن إثباتها يفضي إلى محال، وكل ما يفضي إلى المحال محال.\nمثال ذلك أن يقال: العالم ليس بقديم، لأنه لو كان قديمًا للزم تأثير إرادة الصانع وقدرته فيه، لكن تأثير القدرة والإرادة في القديم محال؛ لأنه يصير بذلك أثرًا، وكل أثر محدث، فيلزم أن ينقلب القدم محدثًا وهو محال.\nالأمر الثاني: الاستدلال عليه بدليل التلازم؛ فإن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لكنهما لم تفسدا، فلزم أن لا إله فيهما إلا الله تعالى.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ١٦٥\".\n٣ ينبغي قبل أن نعرض لمذاهب العلماء، أن نحرر محل النزاع فنقول: الشرائع السابقة على الإسلام ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: ما قام الدليل -عندنا- على أنه كان خاصًا بهم، وأن الإسلام قد =","vol":"1","page":457},{"text":"...........................................\n_________\nنسخه، فهذا لا خلاف بين العلماء في أننا غير مكلفين به، مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .\nالنوع الثاني: أحكام كانت ثابتة في الشرائع السابقة، وجاء الإسلام فقررها، سواء أكانت في الكتاب أم في السنة، وهذا النوع لا خلاف -أيضًا- في أننا مكلفون بها بالنصوص التي في شريعتنا، لا نقلًا عن الشرائع السابقة، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] .\nومثل ما أخرجه ابو داود وابن ماجه، عن جابر -﵁- قال: ذبح النبي -ﷺ- يوم الذبح -أي في يوم العيد- كبشين أقرنين أملحين مرجأين -أي: خصيين- فلما وجههما قال: \"إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر\" ثم ذبح \"التاج: ٣/ ١١٣-١١٤\".\nالنوع الثالث: ما ورد في شريعتنا عن الأمم السابقة ولم يقترن به ما يدل على أنه كان خاصًا بهم، كما لم يتقرن به ما يدل على أننا مكلفون به، فهذا هو محل الخلاف.\nوهذا الخلاف مبني على مسألة أخرى، وهي: هل الرسول -ﷺ- كان متعبدًا -قبل البعثة- بشرع أحد من الأنبياء السابقين أو لا؟\nفيه أربعة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه -ﷺ- كان متعبدًا بشرع من قبله من الأنبياء والمرسلين، وهو مذهب جمهور الحنفية والمالكية والشافعية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد.\nالمذهب الثاني: أنه -ﷺ- لم يكن متعبدًا بشرع أحد ممن قبله، وهو مذهب =","vol":"1","page":458},{"text":"فيه روايتان١:\nإحداهما: أنه شرع لنا اختارها التميمي، وهو قول الحنفية.\nوالثانية: ليس بشرع لنا.\nوعن الشافعية كالمذهبين.\nوجه أنه ليس بشرع لنا سبعة أدلة:\nالأول: قوله تعالى: لكل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٢ فدل على أن كل نبي اختص بشريعة لم يشاركه فيها غيره.\nالثاني: قوله -﵇-: \"بعثت إلى الأحمر والأسود، وكل نبي بُعث إلى قومه\" ٣.\n_________\nالأشاعرة، والمعتزلة، والرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهو الذي اختاره الآمدي.\nالمذهب الثالث: أنه جائز عقلًا، ولكنه ممتنع شرعًا، وهو اختيار الإمام فخر الدين الرازي واتباعه.\nالمذهب الرابع: التوقف وعدم الجزم برأي معين.\nانظر في هذه المذاهب: الإبهاج للسبكي \"٢/ ٣٠٣\" الإحكام للآمدي \"٤/ ١٩٠\"، المعتمد لأبي الحسين البصري \"٢/ ٨٩٩\"، والعدة لأبي يعلى \"٣/ ٧٥٦\"، والتمهيد \"٢/ ٤١١\"، أصول السرخسي \"٢/ ٩٩\"، تيسير التحرير \"٣/ ١٣١\".\n١ أي: عن الإمام أحمد -﵀- كما تقدم تقريبًا.\n٢ سورة المائدة من الآية: ٤٨.\n٣ أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، عن جابر بن عبد الله -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود\" كما أخرجه الدرامي =","vol":"1","page":459},{"text":"فدل على أن كل نبي يختص شرعه بقومه، ومشاركتنا لهم تمنع الاختصاص.\nالثالث: أن النبي -ﷺ- رأى يومًا بيد \"عمر\" قطعة من التوراة فغضب فقال: \"ما هذا ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو أدركني موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي\" ١.\nالرابع: أن النبي -ﷺ- لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: \"بم تحكم\" ٢؟ فذكرالكتاب، والسنة، والاجتهاد ولم يذكر شرع من قبلنا، وصوبه النبي -ﷺ- ولو كانت من مدارك الأحكام لم يجز العدول إلى الاجتهاد، إلا بعد العجز عنها.\nفإن قيل:\nاندرجت التوارة والإنجيل تحت الكتاب، فإنه اسم جنس، يعم كل كتاب.\n_________\n= في سننه: كتاب الجهاد، باب أن الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا من حديث أبي ذر -﵁- وأحمد في المسند \"١/ ٢٥٠\"، \"٤/ ٤١٦\" عن جابر وأبي ذر -﵄-.\n١ حديث حسن أخرجه الإمام أحمد في المسند \"٣/ ٤٧٠-٤٧١\" من حديث عبد الله بن ثابت، الأنصاري، كما أخرجه عنه الطبراني والبزار، كما في مجمع الزوائد \"١/ ١٧٣\" وقال: رجاله الصحيح، إلا أن فيه \"جابرًا الجعفي\" وهو ضعيف.\nكذلك أخرجه أحمد في المسند \"٣/ ٣٣٨\" من حديث جابر بن عبد الله، وأبو يعلى والبزار، والبغوي في شرح السنة: كتاب العلم، باب حديث أهل الكتاب، وللحديث طرق أخرى كثيرة غير ما ذكرنا، يراجع فيها مجمع الزوائد \"١/ ١٧٣ وما بعدها\".\n٢ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":460},{"text":"قلنا:\nإطلاق اسم الكتاب لا يفهم منه المسلمون غير القرآن، كيف ولم يعهد من \"معاذ\" تعلم شيء من هذه الكتب، ولا الرجوع إليها؟\nالخامس: لو كان النبي -ﷺ- متعبدًا بها للزمه مراجعتها والبحث عنها، ولكان لا ينتظر الوحي، ولا يتوقف في الظهار والمواريث ونحوها.\nولم يعهد منه ذلك إلا في آية الرجم، ليبين أنه ليس بمخالف لدينهم١.\nالسادس: أنه لو كان مَدْرَكًا لكان تعلمها وحفظها ونقلها فرض\n_________\n١ روى عبد الله بن عمر -﵄- أن اليهود جاءوا إلى النبي -ﷺ- فذكروا له أن رجلًا وامرأة منهم زنيا، فقال -ﷺ-: \"ما تجدون في التوراة في شأن الزنا؟ \" فقالوا: نفضحهم ويجلدون.\nفقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فجعل رجل منهم يده على آية الرجم، ثم قرأ ما بعدها وما قبلها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفعها، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدَق يا محمد، إن فيها الرجم، فأمر رسول الله -ﷺ- بهما فرجما.\nرواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهما.\nوفي بعض الرويات أنه -ﷺ- قال لهم: \"ائتوني بأعلم رجلين منكم\" فجاءوا بابني صوريا، فنشدهما الله تعالى \"كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ \" قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما.\nقال: \"فما يمنعكما أن ترجموهما؟ \" قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا النبي -ﷺ- برجمهما\".\nانظر: صحيح البخاري \"٨/ ٢٠٥\" صحيح مسلم \"٣/ ١٣٢٦\" وسنن أبي داود \"٢/ ٤٦٣\"، نيل الأوطار \"٧/ ١٠٤\" تفسير القرطبي \"٦/ ١٧٨\".","vol":"1","page":461},{"text":"كفاية، ولوجب على الصحابة مراجعتها في تعرف الأحكام ولم يفعلوا.\nالسابع: إطباق الأمة على أن هذه الشريعة: شريعة رسول الله -ﷺ- بجملتها، ولو تعبد بشرع غيره، كان مخبرًا لا شارعًا.\nووجه الرواية الأخرى:\nخمس آيات، وثلاثة أحاديث:\nأما الآيات:\nفقوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ ١.\nوقوله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ٢.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ...﴾ ٣.\nوقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٤.\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥.\nفإن قيل:\nأما الآيات الثلاث٦: فالمراد بها التوحيد، بدليل: أنه أمره باتباع هدى جميعهم، وما وصّى به جملتهم، وشرائعهم مختلفة، وناسخة\n_________\n١ سورة الأنعام من الآية: ٩٠.\n٢ سورة المائدة من الآية: ٤٤.\n٣ سورة النحل من الآية: ١٢٣.\n٤ سورة الشورى من الآية: ١٣.\n٥ سورة المائدة من الآية: ٤٤.\n٦ الآيات الثلاث هي آيات سورة الأنعام، والنحل، والشورى.","vol":"1","page":462},{"text":"ومنسوخة، فيدل على أنه أراد الهدى المشترك.\nوالملة: عبارة عن أصل الدين، بدليل: أنه قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ١.\nولا يجوز تسفيه الأنبياء الذين خالفوا شريعة إبراهيم ﵇.\nوالهدى والنور: أصل الدين والتوحيد٢.\nقلنا:\nالشريعة من جملة الهدى، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وهي من جملة ما أوصى الله به الأنبياء -﵈-.\nقولهم: \"في شرائعهم الناسخ والمنسوخ\".\nقلنا: إنما يتّبع الناسخ دون المنسوخ، كما في الشريعة الواحدة.\nوأما الأحاديث:\nفمنها: أنه قضى في السن بالقصاص، وقال: \"كتاب الله القصاص\"٣ وليس في القرآن قصاص في السن إلا في قوله تعالى: ﴿السِّنَّ بِالسِّنِ﴾ ٤.\n_________\n١ سورة البقرة من الآية: ١٣٠.\n٢ يقصد بذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ .\n٣ هذا الحديث وارد في قصة الربيع بنت النضر الأنصارية حين كسرت سن جارية، فقال النبي -ﷺ-: \"كتاب الله القصاص\". أخرجه البخاري: كتاب الديات باب السن بالسن، وأبو داود كتاب الديات، باب القصاص في السن، والنسائي: كتاب القسامة، باب القصاص في السن، وابن ماجه: كتاب الديات باب القصاص في السن، من حديث أنس بن مالك.\n٤ سورة المائدة من الآية: ٤٥.","vol":"1","page":463},{"text":"الثاني: مراجعته التوراة في رجم الزانيين١.\nالثالث: قوله: \"من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\"٢ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٣. وهذا خطاب لموسى ﵇.\nوقد أجيب عن الأول٤: بأنه دخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٥.\nوعن الثاني٦: بأنه راجع التوراة ليبين كذبهم، وأنه ليس بمخالف لشريعتهم.\nومن المعنى٧:\nأن شرع الله -تعالى- الحكم في حق أمة يدل على تعلق المصلحة به؛ فإنه حكيم لا يخلو حكمه عن مصلحة، ويدل على اعتبار الشرع له، فلا يجوز العدول عنه حتى يدل على نسخه دليل، كما في الشريعة الواحدة.\nوأما قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٧ فإن\n_________\n١ تقدم تخريجه قريبًا.\n٢ حديث صحيح: أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من نام عن صلاة أو نسيها، كما رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما من حديث أنس بن مالك -﵁- مرفوعًا.\n٣ سورة طه من الآية: ١٤.\n٤ أي: الحديث الأول وهو القصاص في السن.\n٥ سورة البقرة من الآية: ١٩٤.\n٦ وهو حديث رجم الزانيين.\n٧ أي: الحجة العقلية على كون شرع من قبلنا شرع لنا.\n٨ سورة المائدة من الآية: ٤٨.","vol":"1","page":464},{"text":"المشاركة في بعض الشريعة لا تمنع نسبتها بكمالها إلى المبعوث بها؛ نظرًا إلى الأكثر.\nوبقية الأدلة تندفع بكون الشريعة الأولى لم تثبت بطريق موثوق به، بل قد أخبر الله -تعالى- بتحريف أهلها وتبديلهم، فلذلك أنكر النبي -ﷺ- على \"عمر\" كتاب التوراة، وصوب معاذًا في إعراضه عن كتبهم، ولم يلزمه ولا الصحابة الرجوع إليها، ولا البحث عنها.\nوإنما الواجب: الرجوع إلى ما ثبت منها بشرعنا، كآية القصاص١، والرجم، ونحوهما، وهو ما تضمنه الكتاب والسنة، فيكون منهما، فلا يجوز العدول إلى الاجتهاد مع وجوده.\n_________\n١ وهي قوله -تعالى- في سورة المائدة الآية: ٤٥: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ...﴾ .\nوبهذا يتضح أنه ليس المقصود بحجية \"شرع من قبلنا\" مراجعة كتبهم التي حرفوها، وإنما المقصود: الأحكام التي جاءت في شريعتنا منسوبة إليهم، أو حكاية عنهم، خاصة في القصص القرآني، دون أن يقترن بها ما يدل على أنها كانت خاصة بهم، أو أننا مكلفون بها، كما كانوا مكلفين -على نحو ما سبق في بيان محل النزاع أول المسألة-.\nقال أبو يعلى في العدة \"٣/ ٧٥٣\": \"وإنما يثبت كونه شرعًا لهم بمقطوع عليه، إما الكتاب أو الخبر، من جهة الصادق، أو بنقل متواتر، فأما الرجوع إليهم وإلى كتبهم فلا\".\nوقريب منه ما جاء في المسودة ص١٨٤.\nوقد اسنتبط العلماء العديد من الأحكام الشرعية المترتبة على هذا الأصل:\nكحرمة السحر، وصحة جعل المنفعة صداقًا للمرأة، والآداب التي ينبغي على القاضي أن يتحلى بها، أخذًا من قصة داود ﵇، وغير ذلك مما ورد في كتب تفسير آيات الأحكام، وقصص القرآن. =","vol":"1","page":465},{"text":"الأصل الثاني من المختلف فيه\nقول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف١\nفروي: أنه حجة يقدم على القياس، ويخص به العموم وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وبعض الحنفية.\n_________\n= وقد ذكرت أمثلة لذلك في بحث بعنوان: \"الإسلام ومواقفه من الشرائع السابقة\".\n١ لا بد -قبل حكاية آراء العلماء- من تحرير محل الخلاف، فنقول:\nأولًا: لا خلاف بين العلماء في أن قول الصحابي لا يعتبر حجة على صحابي آخر؛ لاستوائها في الصحبة والمنزلة، بالنسبة للمجتهدين منهم.\nثانيًا: أن قول الصحابي فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، حكمه حكم المرفوع إلى النبي -ﷺ- فيأخذ حكم السنة في الحجية، كما روي عن السيدة عائشة -﵂- أن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنتين.\nثالثًا: قول الصحابي الذي اشتهر وذاع، ولم ينكره أحد، يدخل في الإجماع السكوتي، كما تقدم خلاف العلماء فيه.\nرابعًا: قول الصحابي لا يعتبر حجة بالاتفاق إذا ثبت رجوعه عنه، كما روي عن عبد الله بن عباس -﵄- في رجوعه عن القول بحل زواج المتعة.\nخامسًا: قول الصحابي يعتبر حجة على العوام مطلقًا، سواء أكان ذلك في عصر الصحابة -﵃- أم في غيره من العصور.\nسادسًا: قول الصحابي فيما للرأي فيه مجال، ولم يشتهر؛ لكونه مما لا تعم به البلوى، هذا هو محل الخلاف.\nوقد حكى المصنف فيه أربعة مذاهب، وهناك مذهبان آخران:\n١- أنه حجة إذا وافق القياس، وهو منسوب إلى الإمام الشافعي.\n٢- أنه حجة إذا خالف القياس، لأنه لم يخالف القياس، إلا لاطلاعه على خبر لم نعرفه. وقد نسب إلى بعض الحنفية وبعض الشافعية.\nانظر: البرهان \"٢/ ١٣٥٨\" المسودة ص٢٧٦، ٣٣٦، ٤٧٠، الإحكام =","vol":"1","page":466},{"text":"وروي١: ما يدل على أنه ليس بحجة.\nوبه قال عامة المتكلمين، والشافعي في الجديد، واختاره أبو الخطاب؛ لأن الصحابي يجوز عليه الغلط والخطأ والسهو، ولم تثبت عصمته.\nوكيف تتصور عصمة من يجوز عليهم الاختلاف؟\nوقد جوز الصحابة مخالفتهم، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما.\nفانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الخلاف بينهم، وتجويزهم مخالفتهم: ثلاثة أدلة٢.\nوقال قوم: الحجة قول الخلفاء الراشدين؛ لقوله -﵇-: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" ٣.\nوذهب آخرون: إلى أن الحجة قول أبي بكر وعمر\n_________\nللآمدي \"٤/ ١٤٩\"، أصول السرخسي \"٢/ ١٠٥\" شرح تنقيح الفصول ص٤٤٥.\n١ أي عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وهي الراوية الثانية عنه.\n١ أي: أن القائلين بعدم حجية قول الصحابي استدلوا بثلاثة أدلة، هي انتفاء العصمة، ووقوع الخلاف بينهم، وتجويزهم للمخالفة، وقد تقدمت.\n٣ رواه أحمد في المسند \"٤/ ١٢٦\" وأبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة حديث \"٤٦٠٧\" والترمذي: كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع حديث \"٢٦٧٦\" وابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين حديث \"٤٢\" وابن حبان: باب الاعتصام بالسنة، حديث٥ والحاكم في المستدرك: كتاب العلم، باب عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، من حديث العرباض بن سارية.","vol":"1","page":467},{"text":"-﵄- لقوله -﵇-: \"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر\" ١.\nووجه الرواية الأولى٢.\nقوله -ﷺ-: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ٣. فإن قيل: هذا خطاب لعوام عصره؛ بدليل: أن الصحابي غير داخل فيه.\nقلنا: اللفظ عام، لكن خرج منه الصحابي بقرينة: أنهم الذين أُمِرَ بتقليدهم، وجعل الأمر لغيرهم.\nومن وجه آخر: هو أن الصحابة أقرب إلى الصواب، وأبعد من الخطأ؛ لأنهم حضروا التنزيل، وسمعوا كلام الرسول منه، فهم أعلم\n_________\n١ رواه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن حذيفة: كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر -﵄- حديث \"٣٦٦٣\" وقال: حديث حسن.\nكما رواه أحمد في المسند \"٥/ ٣٨٥\" وابن ماجه: في المقدمة حديث \"٩٧\" وابن حبان، والحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة، باب أحاديث فضل الشيخين.\nقال البزار وابن حزم: لا يصح، وأعلّاه بأن فيه جهالة وانقطاعًا. ودفع ذلك الحافظ ابن حجر في التلخيص \"٤/ ١٩٠\" حديث رقم \"٢٠٩٦\".\n٢ وهي: أن قول الصحابي حجة، يقدم على القياس، ويخص به العام.\n٣ رواه ابن عبد البر في كتاب العلم من طريق الحارث بن غصين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، وقال: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث مجهول، ورواه الدراقطني في غرائب مالك عن جابر أيضًا، ورواه عبد بن حميد في مسنده من طريق حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر، وله روايات أخرى كثيرة كلها لا تصح. قال الحافظ في تلخيص الحبير \"٤/ ١٩٠-١٩١\": \"إسناده واهٍ\" وقال الذهبي في الميزان \"٢/ ٦٠٥\": \"باطل\".","vol":"1","page":468},{"text":"بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، فيكون قولهم أولى، كالعلماء مع العامة١.\n_________\n١ قال ابن القيم: \"إن الصحابي له مدارك ينفرد بها عنا: ومدارك نشاركه فيها:\nفأما ما يختص به: فيجوز أن يكون سمعه من النبي -ﷺ- شفاهًا، أو من صحابي آخر، وعن رسول الله -ﷺ- فإن ما انفردوا به من العلم أكثر من أن يحاط به..... ثم بين أن قوله لا يخرج عن الوجوه الآتية:\nأحدهما: أن يكون سمعها من النبي -ﷺ-.\nالثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه.\nالثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهمًا خفي علينا.\nالرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.\nالخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة، وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل يكون فهم ما لم نفهمه.\nوعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.\nالسادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول -ﷺ- وأخطأ في فهمه.\nوعلى هذا التقدير لا يكون له حجة.\nومعلوم -قطعًا- أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، وذلك يفيد ظنًّا غالبًا قويًّا على أن الصواب في قوله، دون ما خالفه، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين.\nوأما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ، والأقيسة، فلا ريب أنهم كانوا أبرّ قلوبا، وأعمق علما، وأقرب إلى أن يوفقوا فيما لم نوفق له؛ لما خصهم الله -تعالى- به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدرك، فالعربية سليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرتهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث، والجرح والتعديل.\nوعلى هذا كانت آراؤهم حجة بالنسبة لغيرهم الذين لم تتوافر لهم مزاياهم =","vol":"1","page":469},{"text":"وما ذكروه١ \"من عدم العصمة\": فلا يلزم؛ فإن المجتهد غير معصوم، ويلزم العامي تقليده.\nوقول من خص الأئمة٢ بالاحتجاج بقولهم: لا يصح؛ لما ذكرناه من عموم الدليل في غيرهم٣.\nوتخصيصهم بالأمر بالاقتداء بهم: يحتمل أنه أراد الاقتداء بهم في سيرتهم وعدلهم، ويحتمل: أنه ذكرهم؛ لكونهم من جملة من يجب الاقتداء بهم.\nفصل\nوإذا اختلف الصحابة على قولين: لم يجز للمجتهد٤ الأخذ بقول بعضهم من غير دليل٥.\nخلافًا لبعض الحنفية وبعض المتكلمين: أنه يجوز ذلك، ما لم ينكر\n_________\n= ومشاهداتهم، والذين انتقلت إليهم النصوص والآثار سماعًا، وما راءٍ كمن سمعا\".\nإعلام الموقعين \"١/ ٢٤٨ وما بعدها\" ط. الكليات الأزهرية.\n١ أي: ما ذكره النافون للحجية من عدم الدليل على عصمة الصحابي، غير ملزم؛ فإن قول المجتهد من غير الصحابة يلزم قبوله من العامي، فقول الصحابي أولى حتى ولو كان غير معصوم.\n٢ أي: الخلفاء الراشدين.\n٣ أي: أن من قال: الحجة في قول الخلفاء الراشدين فقط، عارضه عموم الأدلة الدالة على حجية قول جميعهم، مثل الحديث المتقدم: \"أصحابي كالنجوم....\"\nعلى ما فيه من كلام.\n٤ أي: من غير الصحابة.\n٥ وذلك لوجهين: =","vol":"1","page":470},{"text":"على القائل قوله؛ لأن اختلافهم إجماع على تسويغ الخلاف، والأخذ بكل واحد من القولين.\nولهذا رجع \"عمر\" -﵁- إلى قول \"معاذ\" في ترك رجم المرأة١.\nوهذا فاسد؛ فإن قول الصحابة لا يزيد على الكتاب والسنة، ولو تعارض دليلان من كتاب أو سنة: لم يجز الأخذ بواحد منهما بدون الترجيح.\nولأننا نعلم أن أحد القولين صواب، والآخر خطأ، ولا نعلم ذلك إلا بدليل.\nوإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين، أما على الأخذ به: فكلَّا.\n_________\n= أولًا: للقياس على تعارض دليلين من الكتاب أو السنة، فإنه لا يجوز الأخذ بواحد منهما إلا بمرجح.\nثانيًا: أن أحد القولين خطأ قطعًا؛ لاستحالة كون الصواب في كل منهما، وإذا كان أحدهما خطأ، والآخر صواب، فلا سبيل إلى التمييز إلا بالدليل. انظر: شرح المختصر \"٣/ ١٨٨\".\n١ يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف \"١٠/ ٨٨، ٨٩\" في كتاب الحدود، باب من قال: إذا فجرت وهي حامل انتظر: \"أن امرأة غاب عنها زوجها، ثم جاء وهي حامل، فرفعها إلى عمر، فأمر برجمها، فقال معاذ: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال عمر: احبسوها حتي تضع، فوضعت غلامًا له ثنيتان، فلما رآه أبوه قال: ابني، فبلغ ذلك عمر فقال: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر\".","vol":"1","page":471},{"text":"وأما رجوع \"عمر\" -﵁- إلى معاذ: فلأنه بان له الحق بدليله، فرجع إليه١.\nالثالث: الاستحسان\nولا بد أولًا من فهمه.\nوله ثلاثة معان٢:\n_________\n١ أي: أن رجوعه لم يكن تقليدًا، بل كان بسبب وجود الحجة التي استند إليها واقتنع بها.\n٢ هذه التعريفات في الاصطلاح، أما في اللغة: فقد قال ابن منظور في لسان العرب \"١٣/ ١١٧\": \"والحسن -محركة- ما حسن من كل شيء، فهو استفعال من الحسن، يطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه، حسيًّا كان هذا الشيء أو معنويًا، وإن كان مستقبحًا عند غيره\".\nوفي القاموس المحيط \"٤/ ٢١٥-٢١٦\": \"استحسن الشيء عده حسنًا\".\nوالمعاني الثلاثة التي ذكرها المصنف، الأول منها منقول عن الكرخي من الحنفية، وكذلك الغزالي، وغيره، والثاني والثالث منقولان عن الإمام الغزالي وغيره من المتكلمين، وله تعريفات أخرى كثيرة أوضح وأصح مما نقل عن الغزالي، نذكر منها:\n١- عرّفه ابن العربي -من المالكية- بأنه: \"إثبات ترك مقتضى الدليل، على طريق الاستثناء والترخيص لما يعارضه في بعض مقتضياته\". \"شرح تنقيح الفصول ص٤٥٢\".\n٢- وعرفه البزدوي -من الحنفية- فقال: \"هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى، أو هو: تخصيص قياس بقياس أقوى منه\" أصول البزدوي \"٤/ ٦\".\n٣- ذكر له السرخسي عدة تعريفات منها: \"ترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس: كشف الأسرار \"٤/ ٣\".\n٤- وعرفه الطوفي -من الحنابلة- بأنه: \"العدول بحكم المسألة عن نظائرها =","vol":"1","page":472},{"text":"أحدها:\nأن المراد به: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة.\nقال القاضي يعقوب١: القول بالاستحسان مذهب أحمد -﵀- وهو: أن تترك حكما إلى حكم هو أولى منه.\nوهذا مما لا ينكر، وإن اختلف في تسميته، فلا فائدة في الاختلاف في الاصطلاحات مع الاتفاق في المعنى.\n_________\n= لدليل شرعي خاص\" شرح مختصر الروضة \"٣/ ١٩٠\" وهو قريب من تعريف المصنف.\nقال ابن السمعاني: \"إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل، ولا أحد يقول به ... ثم قال: والذي يقولون به إنه العدول في الحكم من دليل أقوى منه، فهذا مما لا ينكره أحد عليه\" إرشاد الفحول \"٢/ ٢٦٢\".\nوقد وضح ذلك الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابه \"مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه ص٧٠\" فقال:\n\"إذا عرضت واقعة يقتضي عموم النص حكمًا فيها، أو يقتضي تطبيق الحكم الكلي حكمًا فيها، وظهر للمجتهد أن لهذه الواقعة ظروفًا وملابسات خاصة تجعل تطبيق النص العام، أو الحكم الكلي عليها، أو اتباع القياس الظاهر فيها يفوت المصلحة، أو يؤدي إلى مفسدة، فعدل فيها عن هذا الحكم إلى حكم آخر اقتضاه تخصيصها من العام، أو استثناؤها من الكلي، أو اقتضاه قياس خفي غير متبادر، فهذا العدول هو الاستحسان، وهو من طرق الاجتهاد برأيه؛ لأن المجتهد يقدر الظروف الخاصة لهذه الواقعة باجتهاده برأيه، ويرجح دليلًا على دليل باجتهاده برأيه\".\n١ هو: يعقوب بن إبراهيم البرزيني، أبو علي، قاض من فقهاء الحنابلة، من أهل \"برزين\" من قرى بغداد، تتلمذ على القاضي أبي يعلى، وولي قضاء \"باب الأزج\" وتوفي بها سنة \"٤٨٦هـ\" من مؤلفاته: \"التعليقة\" في الفقه والخلاف انظر: اللباب \"١/ ١١١\" معجم البلدان \"٢/ ١٢٣\" والأعلام \"٩/ ٢٥٣\".","vol":"1","page":473},{"text":"الثاني: أنه يستحسنه المجتهد بعقله.\nوقد حكي عن أبي حنيفة أنه قال: هو حجة؛ تمسكًا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢.\nوبقول النبي -ﷺ- \"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن\"٣.\nولأن المسلمين استحسنوا دخول الحمام من غير تقدير أجرة، وكذلك نظائره؛ إذ التقدير في مثله قبيح، فاستحسنوا تركه.\nولنا على فساده مسلكان:\nالأول: أن هذا لا يعرف من ضرورة العقل ونظره، ولم يرد من سمع متواتر، ولا نقل آحاد، ومهما انتفى الدليل وجب النفي٤.\n_________\n١ سورة الزمر من الآية: ١٨.\n٢ سورة الزمر في الآية: ٥٥.\n٣ تقدم تخريجه في باب الإجماع. والأصح وقفه على عبد الله بن مسعود -﵁- انظر: المقاصد الحسنة ص٣٦٧.\n٤ وضحه الطوفي في شرحه \"٣/ ١٩٤\" فقال: \"إن ما ذكروه من تعريف الاستحسان إما أن يكون عقليًّا، أو سمعيًّا، أي: معلومًا من جهة العقل، أو من جهة السمع، وكلاهما باطل، فما ذكروه من تعريف الاستحسان باطل، أما بطلان كونه عقليًّا أو سمعيًّا، فلأنه لو كان عقليًّا لكان إما ضروريًّا أو نظريًّا، لكنه ليس ضروريًّا؛ لأن الضروريات مشتركة بين العقلاء، ولا اشتراك فيما ذكروه، وليس نظريًّا؛ لأن النظر فيه ليس قاطعًا، وإلا لكان مشتركًا. ولا مظنونا؛ إذ لا دليل عليه في النظر، ولو كان سمعيًّا، لكان إما تواترًا، وهو مفقود، أو آحادًا، وهو كذلك، أي: مفقود أيضًا كالتواتر، وليس فيه تواتر ولا آحاد، وإن سلمنا أن فيه دليلًا =","vol":"1","page":474},{"text":"الثاني أنا نعلم -بإجماع الأمة قبلهم- على أن العالم ليس له الحكم بمجرد هواه وشهوته من غير نظر في الأدلة.\nوالاستحسان من غير نظر حكم بالهوى المجرد، فهو كاستحسان العامي، وأي فرق بين العامي والعالم غير معرفة الأدلة الشرعية، وتمييز صحيحها عن فاسدها؟\nولعل مستند استحسانه وهم وخيال، إذا عرض على الأدلة لم يحصل منه طائل.\nروي عن الشافعي -﵀- أنه قال: \"من استحسن فقد شرع\"١.\nولما بعث معاذ إلى \"اليمن\" لم يقل: إني أستحسن، بل ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد فقط.\nوأما اتباع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا: فواجب، فليبينوا أن هذا أنزل إلينا، فضلًا عن أن يكون من أحسنه.\nوالخبر٢ دليل على أن الإجماع حجة، ولا خلاف فيه.\nثم يلزمهم استحسان العوام والصبيان، فإن فرقوا بأنهم ليسوا أهلًا للنظر، قلنا: إذا كان لا ينظر في الأدلة، فأي فائدة في أهلية النظر؟\nوما استشهدوا به من المسائل: لعل مستند ذلك: جريانه في عصر النبي -ﷺ- وتقريره عليه، من معرفته به؛ لأجل المشقة في تقدير الماء\n_________\n= سمعيًا آحادًا، لكن الآحاد لا تفيد في هذا الباب، لأنها إنما تفيد ظنًّا ما، والاستحسان أصل قوي، فلا يثبت بمثل ذلك\".\n١ الرسالة ص٥٠٧، والأم \"٧/ ٢٧٠\".\n٢ أي: \"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن\".","vol":"1","page":475},{"text":"المصبوب في الحمام، ومدة المقام، والمشقة سبب الرخصة.\nويحتمل أن يقال: دخول الحمام مستباح بالقرينة، والماء متلف بشرط العوض، بقرينة حال الحمامي، ثم ما يبذله له إن ارتضى الحمامي، واكتفى به عوضًا، وإلا طالبه بالتسديد إن شاء، فهذا أمر يقاس، والقياس حجة.\nالثالث: قولهم: \"المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه\" وهذا هوس١؛ فإن ما لا يعبر عنه لا يدري أهو وهم أو تحقيق، فلا بد من إظهاره ليعتبر بأدلة الشريعة، فلتصححه أو تزيفه.\n_________\n١ في الأصل: \"هو بين\" وما أثبتناه من المستصفى \"٢/ ٤٧٤\" وفسره الجوهري بأنه: طرف من الجنون.\nوأقول: هذا الكلام فيه مبالغة من الغزالي، وممن تابعه كالمصنف؛ فإنه لم يقل أحد من المسلمين بجواز الاستحسان بالهوى والتشهي، فضلًا عن الأئمة المجتهدين الذين رضيهم المسلمون لأخذ الأحكام الشرعية عنهم؛ لثقتهم فيهم، ومن أولهم: الإمام أبو حنيفة النعمان الذي قال عنه الإمام الشافعي \"الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة\".\nوهو أول من أظهر القول بالاستحسان، وجاء تلاميذه من بعده فأصّلوه ووضعوا له التعريفات التي سبق ذكر بعضها، وقسموه تقسيمًا يتفق مع قواعد الشريعة ومقاصدها العامة.\nوالإمام مالك -﵀- تعالى إمام دار الهجرة يقول: عن الاستحسان \"إنه تسعة أعشار العلم\".\nوالإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- مع إنكاره الشديد على من قال بالاستحسان، استعمل الاستحسان في كثير من المسائل الفقيهة ومنها:\n١- استحسن في متعة المطلقة أن تكون على المتوسط ثلاثين درهمًا، وعلى الموسع خادم، وعلى المقتر مقنعة، وهي: ما تغطي به المرأة رأسها. =","vol":"1","page":476},{"text":"...................................................\n_________\n= ٢- استحسن في الشفعة أن تؤجل ثلاثًا، وقال: \"إنه استحسان مني وليس بأصل\" الأم \"٣/ ٢٣٢\".\n٣- استحسن التحليف على المصحف، لما في ذلك من فضل الخوف من الله تعالى والتحرج من الكذب، قال: \"وقد رأيت بعض الحكام يحلف بالمصحف، وذلك عندي حسن\" الأم \"٦/ ٢٨٩\" وأمثلة أخرى كثيرة يضيق المقام عن حصرها.\nوإذا رجعنا إلى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- نجده -أيضًا- يستعمل الاستحسان في بعض المسائل منها:\n١- قال في رواية صالح، في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمره به صاحب المال: \"فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، وكنت أذهب إلى الربح لصاحب المال، ثم استحسنت\" مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح \"١/ ٤٤٨\" وانظر: العدة \"٥/ ١٦٠٤\".\n٢- قال في رواية الميموني: \"أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه بمنزلة الماء حتي يحدث، أو يجد الماء\" العدة \"٥/ ١٦٠٤\" التمهيد \"٤/ ٨٧\".\n٣- وقال -في رواية بكر بن محمد- فيمن غصب أرضًا فزرعها: \"الزرع لرب الأرض وعليه النفقة، وليس هذا بشيء يوافق القياس، أستحسن أن يدفع إليه نفقته\" العدة \"٥/ ١٦٠٥\" والتمهيد \"٤/ ٨٧\" والمسوّدة ص٤٥٢.\nوإذا كانت هذه هي نصوص أئمة الفقه، وهي صريحة في استعمال كلمة \"الاستحسان\" والاحتكام إليه، فلم يبق إلا أن نقول: إن الخلاف في المسألة خلاف لفظي، وأن المنكرين للاستحسان، إنما يقصدون القائم على الهوى والتشهي، وحين يحتكمون إلى الاستحسان، إنما يقصدون الاستحسان الذي يستند إلى أصل من أصول الشريعة، وقواعدها العامة، التي تهدف إلى جلب المصالح ودفع المفاسد.\nوقد بين القاضي أبو يعلى -رحمه الله تعالى- الفرق بين القول بالتشهي =","vol":"1","page":477},{"text":"الاستصلاح، أو المصلحة المرسلة\nالرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح١:\nوهو: اتِّباع المصلحة المرسلة.\nوالمصلحة: هي جلب المنفعة، أو دفع المضرة.\nوهي ثلاثة أقسام:\nقسم شهد الشرع باعتبارها. فهذا هو القياس، وهو: اقتباس الحكم من معقول النص أو الإجماع٢.\n_________\n= والقول بالاستحسان فقال:\n\"فإن قيل: فما الفرق بين المستحسن وبين المشتهي؟ وهلّا أجزتم إطلاق المشتهي على ما سميتموه مستحسنًا؟ قيل: الفرق بينهما: أن الشهوة لا تتعلق بالنظر والاستدلال.\nألا ترى أنها لا تختص من كمل عقله، وعرف الأصول، وطرق الاجتهاد في أحكام الشريعة، دون من ليست هذه صفته.\nوأما الاستحسان: فإنه يختص النظر والاستدلال على حسب ما بيّنا.\nيبين صحة الفرق بينهما: أنه قد يصح وصف الشيء بأنه مستحسن عند الله، ولا يصح وصفه بأنه مشتهى عنده، تعالى الله أن يوصف بذلك\" العدة \"٥/ ١٦٠٩\".\n١ الاستصلاح: استفعال، مأخوذ من \"صَلَح يَصْلُح\" سمي بذلك؛ لأن الشرع أو المجتهد يطلب صلاح المكلفين باتباع المصلحة ومراعاتها، لأن الشريعة -عامة- قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد، فما من خير إلا دعت إليه ورغبت فيه، وما من شر إلا حذرت منه ونهت عنه.\n٢ معنى \"اقتباس الحكم....\" أي: استفادته وتحصيله من معقول الشرع، سواء أكان نصًّا من كتاب أوسنة، أو إجماع: مثل: تحريم شحم الخنزير قياسًا على تحريم لحمه الذي في العديد من آيات القرآن الكريم، ومثل: وجوب الحل =","vol":"1","page":478},{"text":"القسم الثاني:\nما شهد ببطلانه: كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملك؛ إذ العتق سهل عليه فلا ينزجر، والكفارة وضعت للزجر، فهذا لا خلاف في بطلانه؛ لمخالفته النص، وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع١.\nالثالث- ما لم يشهد له بإبطال، ولا اعتبار معين:\nوهذا على ثلاثة ضروب:\nأحدها: ما يقع في مرتبة الحاجات: كتسليط الولي على تزويج الصغيرة، فذلك لا ضرورة إليه، لكنه محتاج إليه؛ لتحصيل الكفؤ؛ خيفة من الفوات، واستقبالًا للصلاح المنتظر في المآل.\nالضرب الثاني: ما يقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج في العبادات والمعاملات، كاعتبار الولي في النكاح؛ صيانة\n_________\n= بوطء ذات المحرم بعقد النكاح، قياسًا على وطئها بالزنى، وهو محل اتفاق بين العلماء. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٢٠٥\".\n١ جاء في كتاب الاعتصام للشاطبي \"٢/ ١١٤\": \"حكى ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم أن وطئ في نهار رمضان، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى الليثي المالكي، تلميذ الإمام مالك: يكفر ذلك صيام شهرين متتبابعين، ثم علل فتواه -بعدم التخيير في الكفارة- لو فتحنا له هذا الباب، سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود\".\nوعدم صحة ذلك راجع إلى مخالفته لصريح الحديث الذي رواه مسلم وغيره: في كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، عن أبي هريرة -﵁- \"أن النبي -ﷺ- أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا\".\nانظر: نصب الراية \"٢/ ٣١٩\".","vol":"1","page":479},{"text":"للمرأة عن مباشرة العقد؛ لكونه مشعرًا بتوقان نفسها إلى الرجال، فلا يليق ذلك بالمروءة، ففوض ذلك إلى الولي؛ حملًا للخلق على أحسن المناهج.\nولو أمكن تعليل ذلك بقصور رأي المرأة في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظاهر: لكان من الضرب الأول، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها.\nفهذان الضربان لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل؛ فإنه لو جاز ذلك: كان وضعا للشرع بالرأي، ولما احتجنا إلى بعثة الرسل.\nولكان العامي يساوي العالم في ذلك؛ فإن كل أحد يعرف مصلحة نفسه١.\nالضرب الثالث- ما يقع في رتبة الضروريات٢:\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن المصلحتين: الحاجية والتحسينية، لا يجوز التمسك بهما من غير وجود ما يشهد لهما من الشرع من جنسهما، لأسباب ثلاثة:\nالأول: أن ذلك يكون وضعًا للشرع بالرأي من غير دليل شرعي من نص أو إجماع.\nالثاني: أنه لو جاز ذلك لاستوى العامي والعالم، لأن كلًّا منهما يعرف مصلحة نفسه.\nالثالث: أنه لو صح ذلك، لاستغنى عن بعثة الرسل، باعتبار أن العقل كاف، وهذا غير صحيح.\n٢ الضروريات: هي ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، وبفقدها يختل نظام الحياة، وتعم الفوضى، وتنتشر المفاسد بين الناس، وتفوت النجاة والنعيم في الآخرة.\nأما الحاجية: فهي المصالح التي يحتاج الناس إليها للتوسعة ورفع الحرج =","vol":"1","page":480},{"text":"وهو ما عرف من الشارع الالتفات إليها.\nوهي خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسبهم، ومالهم.\nومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى البدع، صيانة لدينهم١.\nوقضاؤه بالقصاص، إذ به حفظ النفوس.\nوإيجابه حد الشرب؛ إذ به حفظ العقول.\nوإيجابه حد الزنا، حفظًا للنسل والأنساب٢.\nوإيجابه زجر السارق؛ حفظًا للأموال٣.\nوتفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل.\n_________\n= والمشقة، بحيث إذا فقدت لحق الناس ضيق ومشقة، لكنه لا يبلغ مبلغ الفساد الواقع أو المتوقع من فوات الضروريات.\nوالتحسينات: هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنسات فهي لا ترجع إلى ضرورة، ولا إلى حاجة، وإنما تقع موقع التحسين والتزيين والتوسعة والتيسير للمزايا والمراتب، ورعاية أحسن المناهج في العبادات والمعاملات، والحمل على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.\nانظر: الموافقات \"٢/ ٨ وما بعدها\"، المستصفى \"١/ ٢٩٠\" شرح العضد على مختصر ابن الحاجب \"٢/ ٢٤١\".\n١ وكذلك قتل المرتد، والداعي إلى الردة.\n٢ وحفظ العرض بإيجاب حد القذف.\n٣ وذلك بتشريع حد السرقة، وهو القطع، أو حد الحرابة للمحاربين الذين يعيثون في الأرض فسادًا.","vol":"1","page":481},{"text":"[آراء العلماء في اعتبار المصالح المرسلة]\nفذهب مالك، وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة؛ لأنا قد علمنا أن ذلك من مقاصد الشرع.\nوكون هذه المعاني مقصودة عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال، وتفاريق الأمارات.\nفيسمى ذلك مصلحة مرسلة، ولا نسميه قياسًا؛ لأن القياس يرجع إلى أصل معين١.\nوالصحيح: أن ذلك ليس بحجة؛ لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق.\n_________\n١ الواقع أن هذا ليس مذهب الإمام مالك وبعض الشافعية، كما قال المصنف، ولكنه رأي جمهور العلماء، ومنهم الإمام الشافعي في القديم، وبعض الحنفية، كما أنه مروي عن الإمام أحمد وكثير من الحنابلة، غير أن الإمام مالكًا -رحمه الله تعالى- توسع في الأخذ بالمصالح المرسلة أكثر من غيره، ويليه في الأخذ بها الحنابلة، وهذا ما نص عليه العلماء في العديد من مؤلفاتهم:\nقال القرافي: \"هي عند التحقيق في جميع المذاهب؛ لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة، ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار\" شرح تنقيح الفصول ص٤٤٥.\nوقال ابن دقيق العيد \"الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما\" المصدر السابق وانظر: إرشاد الفحول \"٢/ ٢٦٥\".\nوقال الطوفي -تعليقًا على قول ابن قدامة-: \"والصحيح أن ذلك ليس بحجة\": \"وقال بعض أصحابنا: ليست حجة، هذا إشارة إلى الشيخ أبي محمد.\nقال في الروضة: \"والصحيح أن ذلك ليس بحجة\" وإنما قلت: \"قال بعض أصحابنا\" ولم أقل: قال أصحابنا؛ لأني رأيت من وقفت على كلامه منهم، حتى الشيخ \"أبا محمد\" في كتبه إذا اسغرقوا في توجيه الأحكام، يتمسكون بمناسبات =","vol":"1","page":482},{"text":"...........................................................\n_________\n= مصلحية، يكاد الشخص يجزم بأنها ليست مرادة للشارع، والتمسك بها يشبه التمسك بحبال القمر، فلم أقدم على الجزم على جميعهم بعدم القول بهذه المصلحة خشية أن يكون بعضهم قد قال بها، فيكون ذلك تقوّلًا عليهم\" شرح مختصر الروضة \"٣/ ٢١٠\".\nوقد نسب إمام الحرمين القول بحجية المصالح إلى الإمام الشافعي، ومعظم الحنفية، والإمام مالك، والإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأنهم جميعًا يأخذون بالمصالح المرسلة، ويعتبرونها دليلًا، ما دامت قد اشتملت على ما دعا الشارع لحفظه. انظر: البرهان \"٢/ ١١١٤\" والاعتصام للشاطبي \"٢/ ١١١\".\nونختم الحديث في ذلك بما جاء عن الإمام ابن تيمية وتلميذه: الإمام ابن القيم:\nجاء في فتاوى ابن تيمية \"٣/ ٣٣٨، ٣٤٩، ٣٩٤\" في بحث قاعدة: الأصل في العقود والشروط. يقول -رحمه الله تعالى-: \"فتبين أن مقصود العباد\nمن المعاملات لا يبطله الشارع إلا مع التحريم، لا أنه لا يصححه إلا بتحليل ... إلى أن قال: وإذا كان الملك يتنوع أنواعًا، وفيه من الإطلاق والتقييد ما وصفته وما لم أصفه، لم يمتنع أن يكون ثبوت ذلك مفوضًا إلى الإنسان، يثبت منه ما رأى فيه مصلحته، ويمتنع من إثبات ما لا مصلحة فيه، والشارع لا يحظر على الإنسان إلا ما فيه فساد راجح أو محض، فإذا لم يكن فيه فساد، أو كان فساده مغمورًا بالمصلحة، لم يحظره أبدًا\".\nويقول ابن القيم في إعلام الموقعين \"٣/ ٢٨٨\": \"وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات وغيرها بالشروط، أمر تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف\".\nهذا بالإضافة إلى الأحكام الفرعية المبثوثة في كتب الفقه الحنبلي، والتي بنيت على المصلحة، ومنها:\n١- القول بتضمن الأجير المشترك وإن لم يتعدّ، وهو مروي عن الإمام أحمد -نفسه- وله قول آخر بتضمين كل شريك ولو كان خاصًّا، مستندًا إلى قول \"علي\" -﵁- الذي رواه في مسنده \"لا يصلح الناس إلا هذا\" انظر: المغني \"٦/ ١٠٧\". =","vol":"1","page":483},{"text":"ولذلك لم يشرع المثلة، وإن كانت أبلغ في الردع والزجر، ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر.\nفإذا ثبت حكمًا لمصلحة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصلحة بإثبات ذلك الحكم، كان وضعًا للشرع بالرأي، وحكمًا بالعقل المجرد، كما حكي أن مالكا قال: \"يجوز قتل الثلث من الخلق لاستصلاح الثلثين\".\nولا نعلم أن الشرع حافظ على مصلحتهم بهذا الطريق، فلا يشرع مثله.\n_________\n=\n٢- روي عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أنه جوز تخصيص بعض الأولاد بالهبة لمعنى يقتضي التخصيص؛ مثل: اختصاصه بحاجة أو زمانة، أو عمي، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بطلب العلم، أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما أخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها. المغني \"٦/ ٢٦٥\".\n٣- وجاء في كشاف القناع \"٢/ ١٧٧\": \"وضمان العهدة صحيح عند جماهير العلماء؛ لأن الحاجة تدعو إلى الوثيقة.... ثم قال: ولأنه لو لم يصح لامتنعت المعاملات مع من لم يعرف، وفيه ضرر عظيم رافع لأصل الحكمة التي شرع البيع من أجلها\".\nوينبغي أن يكون معلومًا أن ما يقوله جمهور العلماء في الأخذ بالمصالح المرسلة، إنما هو حدود ما تشهد له الشريعة في الجملة بالاعتبار، ما لم يخالف نصًّا أو إجماعًا، وهذا يخالف ما ذهب إليه الإمام الطوفي -رحمه الله تعالى- من اعتبار المصلحة، حتى ولو خالفت نصًّا أو إجماعًا، وهذا الرأي منه مخالف لما عليه أهل العلم، سلفًا وخلفًا، لأن مذهبه هذا يتعدى حدود المصالح المرسلة، إلى العمل بالمصالح التي ألغاها الشارع، وهو مرفوض تمامًا، ولا أحد يوافقه عليه، لأن المصلحة دائمًا مع الدليل الشرعي، ولا كلام في ذلك. والله أعلم.","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>باب: في تقاسيم الكلام والأسماء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>فصل: اختلاف في مبدأ اللغات</span>\n...\nباب: في تقاسيم الكلام والأسماء ١\nفصل: اختلف في مبدأ اللغات:\nفذهب قوم إلى أنها توقيفية٢؛ لأن الاصطلاح لا يتم إلا بخطاب ومناداة، ودعوة إلى الوضع، ولا يكون ذلك إلا عن لفظ معلوم قبل الاجتماع للاصطلاح.\n_________\n١ لما فرغ المصنف من الكلام على الأحكام الشرعية، والأصول التي تستقى منها الأحكام، بدأ يتكلم عن كيفية استنباط الأحكام من هذه الأصول.\nقال الطوفي: \"واعلم أن الكلام في اللغات هو كالمدخل أو أصول الفقه من جهة أنه أحد مفردات مادته وهي: الكلام -أي علم العقيدة- والعربية، وتصّور الأحكام الشرعية.\nفأصول الفقه متوقفة على معرفة اللغة؛ لورود الكتاب والسنة بهما.... اللذين هما: أصول الفقه، وأدلته، فمن لا يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة\" شرح المختصر \"١/ ٤٦٨-٤٦٩\".\n٢ أي: عرفت بالتوقيف من الله -تعالى- بإلهام أو وحي، وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وأتباعه، وابن فورك -من الشافعية- وابن الحاجب، وأبي الفرج المقدسي الحنبلي، وابن قاضي الجبل، والظاهرية، وهو الذي رجحه المصنف -كما سيأتي- كما اختاره الطوفي وغيره من الحنابلة.\nقال في المقنع: \"وهو الظاهر عندنا\". =","vol":"1","page":485},{"text":"وقال آخرون: هي اصطلاحية١؛ إذ لا يفهم التوقيف ما لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفًا للمخاطب باصطلاح سابق.\nوقال القاضي: يجوز أن تكون توقيفية، ويجوز أن تكون اصطلاحية ويجوز أن يكون بعضها توقيفية وبعضها اصطلاحية، وأن يكون بعضها ثبت قياسًا، فإن جميع ذلك متصور في العقل٢.\n_________\n= انظر: المحصول \"١/ ٢٤٣\" الإبهاج \"١/ ١٩٦\" العدة \"١/ ١٩١\" شرح الكوكب المنير \"١/ ٢٨٥ وما بعدها\".\n١ وهو مذهب أبي هاشم الجبائي وأتباعه من المعتزلة.\n٢ قال القاضي -بعد أن حكى ما تقدم من الاحتمالات-: \"والذي نختاره: ما ذكرناه أولًا، وهو كلام أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ بما نذكره فيما بعد، ولم يحمل الآية على عمومها\".\nثم قال: \"وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: فذكر أبو بكر في كتاب التفسير فقال: وأولى بالصواب: أسماء ذريته وأسماء الملائكة، دون سائر أجناس الخلق، قال: وذلك أن الله -تعالى- قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ يعني بذلك: أعيان المسمين؛ إذ لا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، فأما إذا كنّت عن أسماء البهائم، وسائر الخلق، سوى من وصفها، فإنها تكني عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون، فقالت: \"عرضهن\" أو \"عرضها\" وكذلك تفعل إذا كنّت عن أصناف من الخلق والبهائم والطير، وسائر أصناف الأمم، وفيها أسماء بني آدم والملائكة، تكني عنها بما وصفنا نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] فكني عنها بالهاء والميم؛ لأنها أصناف مختلفة فيها الآدمي. \"العدة ١/ ١٩١-١٩٢\" هذا، وفي المسألة آراء أخرى كثيرة فقيل: ما يحتاج إليه توقيف، وغيره محتمل أو اصطلاح.\nوقيل: عكسه.\nوقيل: بالتوقف وعدم الجزم برأي معين. يراجع في هذه المسألة: المزهر =","vol":"1","page":486},{"text":"أما التوقيف: فإن الله -سبحانه- قادر على أن يخلق لخلقه العلم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة على المسميات.\nوأما الاصطلاح: فبأن تجتمع دواعي العقلاء للاشتغال بما هو مهمهم وحاجتهم من تعرف الأمورالغائبة، فيبتدئ واحد، ويتبعه آخر، حتى يتم الاصطلاح.\nأما الواقع منها: فلا مطمع في معرفته يقينًا؛ إذ لم يرد به نص، ولا مجال للعقل والبرهان في معرفته.\nثم هذا أمر لا يرتبط به تعبّد عملي، ولا يرهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه فضول، فلا حاجة إلى التطويل.\nوالأشبه: أنها توقيفية، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١.\n_________\n= للسيوطي \"١/ ١٦\"، الخصائص لابن جني \"١/ ٤٠ وما بعدها\"، الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس ص٣١ وما بعدها، شرح الكوكب المنير \"١/ ٢٨٥ وما بعدها\"، إرشاد الفحول \"١/ ٨٠ وما بعدها\".\n١ سورة البقرة من الآية ٣١.\nقال الطوفي: \"ووجه دلالته: أنه -﷾- أخبر أنه علم آدم الأسماء باللام المستغرقة، وأكدها بلفظ \"كل\" وذلك يقتضي أنه وقفه عليها، ثم توارثت ذلك ذريته من بعده بالتلقي عنه، فلم يحتاجوا إلى اصطلاح آخر\".\nشرح مختصر الروضة \"١/ ٤٧٤\".\nوجاء في شرح الكوكب المنير \"١/ ٢٨٥-٢٨٦\": \"ورُدَّ قول من قال: علمه بعضها، أو اصطلاحًا سابقًا: أو علمه حقيقه الشيء وصفته: بأن الأصل اتحاد العلم، وعدم اصطلاح سابق، وأنه علمه حقيقة اللفظ، وقد أكده بـ: \"كلها\".\nوفي الصحيحين في حديث الشفاعة: \" ... وعلمك أسماء كل شيء\" \"أخرجه البخاري: كتاب التفسير، عن أنس -﵁- مرفوعًا، ومسلم: بروايات أخرى قريبة من هذا اللفظ\". =","vol":"1","page":487},{"text":"فإن قيل١:\nيحتمل: أنه ألهمه وضع ذلك، ثم نسبه إلى تعليمه؛ لأنه الهادي إليه.\nويحتمل: أنه كان موضوعًا قبل آدم بوضع خلق آخرين، فعلمه ما تواضع عليه غيره.\nويحتمل: أنه أراد أسماء السماء والأرض، وما في الجنة والنار، دون الأسامي التي حدثت مسمياتها.\nقلنا:\nهذا نوع تأويل يحتاج إلى دليل.\n_________\n= وبأنه: يلزم إضافة الشيء إلى نفسه في قوله ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ فالتعليم للأسماء، وضمير ﴿عَرَضَهُمْ﴾ للمسميات.\nولظاهر قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .\nولقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] .\nوقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] .\nوحمله على اللغة أبلغ من حمله على الجارحة، وحمله على اختلاف اللغات أولى من حمله على الإقدار عليها؛ لعلة الإضمار\".\nفهذه كلها أدلة تؤيد رأي الجمهور في أنها توقيفية.\n١ هذا اعتراض على دليل التوقيف، خلاصته: أن الآية الكريمة ليست نصًّا في الموضوع؛ إذ يحتمل: أن الله تعالى ألهم آدم -﵇- وضع تلك الأسماء لمسمياتها، ثم نسب التعليم إلى نفسه -سبحانه- لأنه الهادي والمرشد إليه.\nكما يحتمل: أنه علمه لغة من كانوا قبله في الأرض، فقد قيل: إنه كان في الأرض أمم قبل آدم، ولا بد أن يكون لهم لغة يتحاطبون بها.\nويحتمل: أنه -سبحانه- أوقفه على الأسماء الموجودة حينئذ، كالسماء والأرض، والملائكة، وما في الجنة والنار، لا ما حدث من أسماء المسميات =","vol":"1","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>فصل: [هل تثبت الأسماء بالقياس]</span>\nقال القاضي يعقوب: يجوز أن تثبت الأسماء قياسًا، كتسمية النبيذ خمرًا، لعلمنا: أن مسكر العنب إنما سمي خمرًا؛ لأنه يخامر العقل -أي: يغطيه- وقد وجد هذا المعنى في النبيذ فيسمى به، حتى يدخل في عموم قوله -﵇-: \"حرمت الخمر لعينها\" ١. وبه قال بعض الشافعية٢.\n_________\n= بعد ذلك، فلا يكون التوقيف كليًّا، وبوجود هذه الاحتمالات لا يحصل المدعي.\nوأجاب عنه المصنف: بأن هذه الاحتمالات التي عارضتهم بها الآية المذكورة تخصيص لظاهر عمومها، وتأويل لا دليل عليه. انظر: شرح المختصر \"١/ ٤٧٤-٤٧٥\".\nكما يرد هذه الاحتمالات ما سبق نقله من شرح الكوكب المنير.\n١ أخرجه النسائي: كتاب الأشربة، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب المسكر، من حديث ابن عباس -﵄- بلفظ: \"حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب\" انظر: جامع الأصول \"٦/ ٧٣٦\".\nقال الصنعاني: \"وتطلق -أي الخمر- على ما هو أعم من ذلك، وهو ما أسكر من العصير أو من النبيذ أو من غير ذلك..... قال صاحب القاموس: \"العموم أصح؛ لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، ما كان إلا البسر والتمر\".\nسبل السلام \"٤/ ٢٨\" والبسر: الغض الطري من ثمر النخل.\n٢ حرر الطوفي -رحمه الله تعالى- محل الخلاف في هذه المسألة فقال: \"وليس الخلاف في أسماء الأعلام، كزيد وعمرو، ولا في أسماء الصفات، كعالم وقادر؛ إذ هذا متفق على امتناع القياس فيه؛ لأن الأعلام ثابتة بوضع الواضع لها باختياره، فليس لها ضابط، وأسماء الصفات لأجل المعاني الصادرة منها، والقائمة بها، فليس لأحد أن يقول: زيد إنسان، فأنا أحكم على كل إنسان بأن =","vol":"1","page":489},{"text":"وقال أبو الخطاب، وبعض الحنفية، وبعض الشافعية: ليس هذا بمرض؛ فإنا عرفنا أن أهل اللغة خصوا مسكر عصير العنب باسم \"الخمر\" فوضعه لغيره اختراع من عندنا، فلا يكون من لغتهم.\nوإذا علمنا أنهم وضعوه لكل مسكر: فاسم \"الخمر\" ثابت للنبيذ توقيفًا من جهتهم، لا قياسًا.\nوإن احتمل الأمرين، فَلِمع نتحكّم عليهم ونقول: لغتكم هذه؟\nوقد رأيناهم يضعون الاسم لمعانٍ ويخصصونها بالمحل، كما يسمون الفرس: أدهم؛ لسواده، وكميتًا١؛ لحمرته، والقارورة من الزجاج، لأنه\n_________\n= اسمه زيد، ولا أن يقول: عمرو عالم، وهو رجل فأنا أحكم بأن كل رجل عالم، وإنما النزاع في الأسماء الكلية، أعني: أسماء الأجناس والأنواع التي وضعت لمعان في مسمياتها تدور معها وجودًا وعدمًا، كالخمر الذي دار اسمه مع التخمير، هل يجوز إطلاقه على النبيذ، قياسًا بعلة التخمير والإسكار؟\nقال الآمدي: أثبت ذلك القاضي أبو بكر وابن سريج وجماعة من الفقهاء وأهل العربية. ونفاه أكثر أصحاب الشافعي والحنفية وجماعة من أهل الأدب، وهذا النقل كالتفصيل لنقل الشيخ أبي محمد\" شرح مختصر الروضة \"١/ ٤٧٦\".\nوتظهر ثمرة الخلاف في هذه المسألة في: أن من قال بالقياس اعتبر حكم المسميات الفرعية ثابتًا بالنص لا بالقياس، فيسمى \"النباش\" -وهو الذي يسرق أكفان الموتى- سارقًا، ويقام عليه الحد، كما يسمى \"اللائط\" زانيًا ويقام عليه الحد أيضًا. ويكون حكم النبيذ ثابتًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] .\nومن قال: إن القياس لا يجري في اللغات: أثبت حكم المسميات السابقة بالقياس لا بالنص. انظر: شرح العضد على المختصر \"١/ ١٨٣\" نهاية السول \"٣/ ٤١\" الإحكام للآمدي \"١/ ٢٠٨\".\n١ جاء في المصباح المنير \"٢/ ٥٤٠\": \"الكميت من الخيل بين الأسود والأحمر. =","vol":"1","page":490},{"text":"يقر فيها المائعات، ولا يتجاوزون بهذه الأسماء محلها، وإن كان المعنى عامًّا في غيره.\nفإذًا: ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم لا سبيل إلى إثباته ووضعه١.\nقلنا: متى تحققنا أنهم وضعوا الاسم لمعنى استدللنا على أنهم وضعوه بإزاء كل ما فيه المعنى، كما أنه إذا نُص على حكم في صورة لمعنى، علمنا: أنه قُصد إثبات الحكم في كل ما وجد فيه المعنى.\nفالقياس: توسيع مجرى الحكم٢.\nوإذا جاز قياس التصريف، فسموا فاعل الضرب: ضاربًا، ومفعوله: مضروبًا: فَلَِم لا يجوز فيما نحن فيه؟\nوفيما استشهدوا به من الأسماء: وضع الاسم لشيئين: الجنس والصفة، ومتى كانت العلة ذات وصفين: لم يثبت الحكم بدونهما٣.\n_________\n= قال أبو عبيد: ويفرق بين \"الكميت\" و\"الأشقر\" بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو \"أشقر\" وإن كانا أسودين فهو \"الكميت\" وهو تصغير \"أَكْمَت\" على غير قياس، والاسم \"الكمتة\".\n١ انظر: التمهيد \"٣/ ٤٥٤ ما بعدها\".\n٢ أي: أن القول بالقياس في اللغة يوسع دائرة الحكم، حيث إن المسميات التي تلحق بالأصل على رأي من يقول بعدم القياس، تدخل تحت النص مباشرة دون حاجة إلى دليل آخر، كما تقدم توضيح ذلك في أن \"النباش\" يقام عليه الحد لأنه سارق.\n٣ معنى ذلك: أن ما معنا شبيه بالاشتقاق، حيث يوجد في المشتق خصوص المحل مع المعنى المشتق منه، كما سمي الأسد \"ضيغمًا\" مشتقًا من \"الضغم\" وهو العض الشديد، ولم يسم الجمل \"ضيغمًا\" وإن كان العض الشديد موجودًا =","vol":"1","page":491},{"text":"فصل: في تقاسيم الأسماء\nوهي أربعة أقسام:\nوضعية.\nوعرفية.\nوشرعية.\nومجاز مطلق١.\nأما الوضعية: فهي الحقيقة.\nوهو: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي٢.\n_________\n= فيه، لأن خصوصية الأسدية مرادة في \"الضغم\" والبعير ليس بأسد، فكذلك خصوصية الفرسية موجودة في الأدهم مع السواد، فالعلة ذات وصفين، فلا يثبت الحكم بأحدهما دون الآخر.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"١/ ٤٨٠\".\n١ الوضعية: أي الثابتة بالوضع، وهو: تخصيص الواضع لفظًا باسم، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ فهم منه ذلك المسمى، كما إذا أطلق لفظ \"الأسد\" فهم منه حد الحيوان المفترس.\nوالعرفية: هي ما ثبتت بالعرف، وهو استطلاح المتخاطبين، سواء أكان ذلك عرفًا عامًّا أم خاصًّا.\nوالشرعية: وهي ما ثبتت بوضع الشرع للمعاني الشرعية.\nوالمجاز: هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له. وسيأتي الكلام عليه.\nوتقسيم المصنف للاسم إلى حقيقة ومجاز، إنما كان بسبب كثرة ذلك في الأسماء، وإلا فهذا التقسيم يجري في الأفعال والحروف أيضًا، انظر: شرح المختصر \"١/ ٤٨٤\".\n٢ الحقيقة -على وزن فعيلة- مأخوذة من الحق، وهو الثابت، لأن نقيضه الباطل، =","vol":"1","page":492},{"text":"وأما العرفية:\nفإن الاسم يصير عرفيًّا باعتبارين:\nأحدهما: أن يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة الاسم ببعض مسمياته الوضعية١.\nكتخصيص الدابة بذوات الأربع، مع أن الوضع لكل ما يدب.\nالاعتبار الثاني: أن يصير الاسم شائعًا في غير ما وضع له أولًا، بل هو مجاز فيه، كالغائط، والعذرة، والراوية٢.\nوحقيقة الغائط: المطمئن من الأرض، والعذرة: فناء الدار، والراوية: الجمل الذي يستقى عليه.\nفصار أصل الوضع منسيًّا، والمجاز معروفًا، سابقًا إلى الفهم، إلا أنه ثبت بعرف الاستعمال، لا بالوضع الأول٣.\nوأما الشرعية:\n_________\n= وسمي اللفظ المستعمل في معناه الأصلي حقيقة؛ لأنه لم ينقل عنه إلى غيره.\nوقول المصنف \"هو اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي\" ليخرج المجاز؛ لأنه مستعمل في غير ما وضع له أولًا.\n١ فهذه تسمى حقيقة لغوية.\n٢ المراد بالراوية: الوعاء الذي يوضع فيه الماء.\n٣ وتسمى بالحقيقة العرفية العامة، وهناك حقيقة عرفية، وهي التي يطلق عليها: الاصطلاحية، وهي: ما خصته كل طائفة من الأسماء بشيء من مصطلحاتهم: كمبتدأ وخبر، وفاعل ومفعول، ونعت وتوكيد، في اصطلاح النحاة ونقض وكسر وقلب في اصطلاح الأصوليين وغير ذلك مما اصطلح عليه أرباب كل فن. انظر: شرح الكوكب المنير \"١/ ١٥٠\".","vol":"1","page":493},{"text":"فهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع، كالصلاة، والصيام والزكاة والحج١.\n_________\n١ وضح الطوفي -رحمه الله تعالى- هذه المسألة، وحرر محل النزاع فقال:\n\"اعلم أن هذه المسألة تعرف بمسألة الحقيقة، أو الحقائق الشرعية. وتلخيص محل النزاع فيها يحتاج إلى كشف؛ فإن أكثر الفقهاء يتسلّمه تقليدًا، ولو سئل عن تحقيقه لم يفصح به.\nفنقول: أما إمكان وضع الشارع ألفاظًا من ألفاظ اللغة أو غيرها على المعاني الشرعية تعرف بها، فلا خلاف فيه، أعني: الإمكان؛ إذا لا يلزم من تقدير وقوعه محل لذاته، وإنما النزاع في أن هذه الألفاظ التي استفيدت منها المعاني الشرعية: هل خرج بها الشارع عن وضع أهل اللغة باستعمالها في غير موضوعهم؟\nمثاله: أن الصلاة في اللغة: الدعاء، والزكاة: الطهارة أو النماء، والحج: القصد. وفي الشرع: الصلاة والحج: أفعال مخصوصة ذات شروط وأركان.\nوالزكاة: إخراج جزء مقدّر من مقدار خاص ونوع خاص من المال، إلى قوم مخصوصين على وجه القربة.\nفهل خرج الشارع باستعمال هذه الألفاظ في هذه المعاني عن وضع اللغة؟\nبمعنى: أنه أعرض فيها عن الموضوع اللغوي، فلم يلاحظه أصلًا، بل خطف -مثلًا- لفظ الصلاة فوضعه على الافعال المعروفة شرعًا، وأعرض عن الموضوع اللغوي الذي هو الدعاء، وهذا معنى قولنا: ما نقله الشرع، أي: معرضًا عن موضوعه في اللغة. أم لم يخرج بذلك عن موضوعهم، بل لاحظ في كل لفظ موضوعه اللغوي، لكنه زاد فيه شروطًا شرعية؟\nمثلًا: إن موضوع الصلاة لغة -وهو الدعاء- مراد للشرع، وملاحظ في نظره، لكنه ضم إليه اشتراط الوضوء، والوقت، والسترة، والاستقبال، والنية، والتحريمة، والركوع، والسجود، والطمأنية، والتشهد، والتسليم. وهذا معنى قولنا: وقيل: لا، شرعية، أي: مستقلة مع الإعراض عن اللغة، بل اللغوية باقية، وزيدت شروطًا. فهذا تلخيص محل النزاع في المسألة.\nوعلى القول الأول: تكون الألفاظ الواردة، كالصلاة، والزكاة، والحج =","vol":"1","page":494},{"text":"وقال قوم: لم ينقل شيء، بل الاسم باق على ما هو عليه في اللغة، لكن اشترط للصحة شروط، فالركوع أو السجود شرط للصلاة، لا من نفس الصلاة بدليل أمرين:\nأحدهما: أن القرآن عربي، والنبي -ﷺ- مبعوث بلسان قومه١.\n_________\n= ونحوها، بالنسبة إلى الشرع واللغة: من باب المشترك، كالعين والقرء، لأن المدلول مختلف مطلقًا بأصل الوضع.\nوعلى القول الثاني: يكون من باب المتواطئ، كالحيوان، إذ بين الصلاة لغة وشرعًا قدر مشترك، وهو الدعاء، كما أن بين أنواع جنس الحيوان، كالفرس، والبعير، والشاة، ونحوها قدرًا مشركًا، وهو الحيوانية.\nوإذا عرفت ذلك، فالقول الأول -وهو إثبات الحقيقة الشرعية- هو مذهب الفقهاء، والخوارج، والمعتزلة، ثم قالت المعتزلة: هذه الأسماء الواردة في الشرع: إما جارية على الأفعال، كالصلاة، والزكاة، والصوم، ونحوها، فهي شرعية، أو جارية على الفاعلين، كالمؤمن، والفاسق، والكافر، فهي دينية، تفرقة بين القسمين، وإن استويا في أن الجميع عرف شرعي.\nويلزم عليه أن يسموا المصلي والصائم والمزكي أسماء دينية؛ لجريانها على الفاعل، والإيمان والفسق والكفر أسماء شرعية، لجريانها على الفاعل.\nوالصواب في ذلك أن يقال: إنها عملي، وهي الشرعية، أو اعتقادي، وهي الدينية.... وهذه القسمة وإن لم تخل عما يقال فيها، فهي أولى وأطرد من الأولى.\nوالقول الثاني: -وهو نفي الحقيقة الشرعية- هو قول القاضي أبي بكر الطيب\" شرح مختصر الروضة \"١/ ٤٩٠-٤٩٢\".\n١ هذا هو الدليل الأول للقائلين بأنها لغوية، خلاصته، أنها لو لم تكن عربية، بل ابتدأ الشارع وضعها لهذه المعاني لكانت غير عربية، فلا يكون القرآن عربيًّا، لكن القرآن عربي، وكذلك لو قال القائل: \"أكرموا العلماء\" وأراد بالعلماء الفقراء لم يكن هذا من لسان العرب، وإن كان المنقول إليه عربيًّا، لأن العرب لم تضع لفظ الفقير للعالم.","vol":"1","page":495},{"text":"ولو قال: \"أكرموا العلماء\" وأراد الفقراء: لم يكن هذا بلسانهم، وإن كان اللفظ المنقول إليه عربيًّا.\nوالثاني: أنه لو فعل ذلك: للزمه تعريف الأمة ذلك بالتوقيف١.\nوهذا ليس بصحيح٢؛ فإن ما تصوره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة، لا يوجد ذلك في اللغة إلا بنوع تصرف، إما النقل، وإما التخصيص. وإنكار أن الركوع والسجود والقيام والقعود الذي هو ركن الصلاة منها: بعيد حدًّا٣.\nوتسليم أن الشرع يتصرف في ألفاظ اللغة بالنقل تارة، والتخصيص أخرى -على مثال تصرف أهل العرف- أسهل وأولى مما ذكروه؛ إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب.\nوقد سمى الله -تعالى- الصلاة إيمانًا بقوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٤.\nوهذا لا يخرج هذه الأسامي عن أن تكون عربية -كما قلنا في\n_________\n١ هذا هو الدليل الثاني لهم. خلاصته: أن الشارع لو وضع للمعاني الشرعية أسماء، لوجب أن تعرف الأمة ذلك بطريق التوقيف علي هذه المعاني، أما وأنه لم يعرّفهم ذلك فلا يكون الشرع قد وضع للمعاني الشرعية أسماء وضعًا مستقلًّا.\n٢ هذا رد على الدليلين السابقين.\n٣ ومع بعده، فإنه مخالف لما قاله العلماء في الفرق بين الشرط والركن. فالركن: ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا من حقيقته، كالركوع والسجود، أما الشرط: فهو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجًا عن حقيقته، كالوضوء فإنه شرط لصحة الصلاة، لكنه ليس داخلًا في حقيقتها، بل هو خارج عنها.\n٤ سورة البقرة من الآية: ١٤٣.","vol":"1","page":496},{"text":"تصرف أهل اللغة- ولا تسلب الاسم العربي عن القرآن، كما لو اشتمل على مثلها من الكلمات الأعجمية على ما مضى١.\nوقوله: \"كان يجب التوقيف على تصرفه\" فهذا إنما يجب إذا لم يعلم مقصوده بالقرائن، والتكرير مرة بعد أخرى، فإذا فهم حصل الغرض٢.\n[إذا أطلق اللفظ حمل على المعنى الشرعي]\nوعند إطلاق هذه الألفاظ في لسان الشرع، وكلام الفقهاء، يجب حمله على الحقيقة الشرعية، دون اللغوية، ولا يكون مجملًا، لأن غالب عادة الشارع استعمال هذه الأسامي على عرف الشرع لسائر الأحكام الشرعية.\nوحكي عن القاضي: أنه يكون مجملًا، وهو قول بعض الشافعية، والأولى: ما قلناه٣.\n_________\n١ في موضوع: هل في القرآن ألفاظ غير عربية.\n٢ ومعناه: أنه يلزم تعريف الأمة بهذه الألفاظ لو لم توجد وسائل أخرى، فهناك طرق أخرى للتعريف، كتكرير استعمال الشرع لتلك الألفاظ في تلك المعاني مرة بعد أخرى، وكذلك وجود القرائن الدالة على المعنى، وهو كاف.\n٣ خلاصة ذلك: أن الشارع إن صدرت عنه، أو عن الفقهاء من مؤلفاتهم ألفاظ من هذا القبيل، هل تحمل على المعنى الشرعي أو اللغوي؟\nولا بد من تحديد محل النزاع، وهو: أنه إن علم بنص أو قرينة أن المراد المعنى اللغوي، أو الشرعي، فلا خلاف في حمله على ما دل عليه النص أو القرينة.\nأما إن كان مطلقًا، ولم يوجد ما يدل على معنى معين: فجمهور العلماء على حمله على المعنى الشرعي، لأن الشأن في الشارع أنه يريد بيان الأحكام الشرعية، فلا بد من حملها على هذه المعاني. =","vol":"1","page":497},{"text":"....................................\n_________\n= وحكي عن القاضي أبي يعلى، وبعض الشافعية أنها تكون مجملة، لترددها بين المعنى اللغوي والشرعي.\nقال المصنف: \"والأولى: ما قلناه\" لأن الأصل في الخطاب الشرعي بيان الأحكام الشرعية.\nومن أمثلة ذلك: ما أخرجه مسلم \"١٤٣١\" وأبو داود \"٢٤٦١\" والترمذي \"٧٨٠\" أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا دعي إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصل\".\nحمل بعضهم الصلاة على الصلاة الشرعية، أي: يتشاغل بالصلاة، تنبيهًا لهم على أنه صائم، لئلا يحتاج إلى تعريفهم ذلك خطابًا، وفيه ما فيه من الرياء.\nوحمله بعض العلماء على معناه اللغوي: وهو: أن يدعو لهم ولا يأكل.\nوكذلك ما أخرجه مسلم \"٣٥٢\" وأبو داود \"١٩٤\" والترمذي \"٧٩\" والنسائي \"١/ ١٠٥\" عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"توضئوا مما مست النار\".\nومثله: ما أخرجه مسلم -أيضًا- \"٣٦٠\" وأبو داود \"١٨٤\" والترمذي \"٨١\" وأحمد في المسند \"٤/ ٢٨٨\" أنه -ﷺ- قال: \"توضئوا من لحوم الجزور\".\nحمل بعض العلماء الوضوء في الحديثين على الوضوء الشرعي، وحمله بعضهم على المعنى اللغوي، وهو غسل اليدين.\nانظر: المصباح المنير \"٢/ ٦٦٣\" شرح مختصر الروضة \"١/ ٥٠٢\".","vol":"1","page":498},{"text":"[المجاز وعلاقاته]\nوأما المجاز: فهو اللفظ المستعمل في غير موضوعه على وجه يصح.\nثم إنه إنما يصح بأمور:\nأحدها: اشتراكهما١ في المعنى المشهور في محل الحقيقة، كاستعارة لفظ \"الأسد\" في الرجل الشجاع؛ لاشتهار الشجاعة في الأسد الحقيقي.\nولا تصح استعارة \"الأسد\" في الرجل الأبخر، وإن كان البخر موجودًا في محل الحقيقة؛ لكونه غير مشهور به.\nوالثاني: بسبب المجاورة غالبًا، كتسمية المزادة٢: راوية، باسم الجمل الحامل لها؛ لتجاورهما في الأعم الأغلب.\n_________\n١ أي الحقيقة والمجاز. ومعنى ذلك: أنه يشترط وجود علاقة -بكسر العين- بين الحقيقة والمجاز، وهي: ما ينتقل الذهن بواسطتها عن محل المجاز إلى الحقيقة، كالشجاعة التي ينتقل الذهن بواسطتها عن الرجل الشجاع إلى السبع المفترس، إذ لولا هذه العلاقة لما صح التجوز.\nوقد أورد المصنف أربعة أنواع من العلاقات أولها: المشابهة بن الحقيقة والمجاز، واشترط لهذا النوع أن تكون هذه الصفة مشهورة وظاهرة يسرع الفهم إليها عند الإطلاق، حرصًا على سرعة التفاهم، كما في استعارة \"الأسد\" للرجل الشجاع؛ لأن الشجاعة صفة ظاهر في هذا الحيوان، بخلاف ما إذا كانت خفية كالبخر، وهو: الريح المنتنة؛ فإنها وإن كانت موجودة في الأسد، إلا أنها خفية، لا يكاد يعلمها إلا القليل من الناس، ولذلك لا تطلق على الإنسان الأبخر، لعدم شهرة ذلك.\n٢ المزادة: وعاء الماء.","vol":"1","page":499},{"text":"وتسمية المرأة \"ظعينة\"١ باسم الجمل الذي تظعن عليه؛ للزومها إياه.\nوكذلك تسمية الفضلة المستقذرة: غائطًا وعذرة٢.\nالثالث: إطلاقهم اسم الشيء على ما يتصل به، كقولهم \"الخمر محرمة\" والمحرم: شربها، \"والزوجة محلّلة\" والمحلل: وطؤها.\nوكإطلاقهم السبب على المسبب وبالعكس٣.\nالرابع: حذفهم المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٥ أي: حب العجل.\n_________\n١ الظعينة في الأصل: وصف للمرأة في هودجها، ثم سميت بذلك وإن كانت في بيتها بسبب كثرة مجاورتها أثناء السفر.\n٢ أصل كلمة \"الغائط\" المكان المنخفض من الأرض. والعذرة في الأصل: فناء الدار، فأطلق لفظ \"الفضلة المستقذرة\" عليه لأنهم كانوا يلقونها فيه، فهو مجاز بسبب المجاورة، كما يطلق عليه: تسمية الظروف باسم المظروف.\n٣ معناه: أن من العلاقات، أو من أقسام التجوّز: إطلاق اسم الشيء على ما يتصل به بأي نوع من أنواع الاتصال، وتحته ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: إطلاق اسم الشيء على ما أعد له، كما في قولهم: \"الخمرة محرمة\" و\"الزوجة محللة\" كما قال المصنف.\nالنوع الثاني: إطلاق السبب على المسبب، وتحته أربعة أقسام:\n- سبب قابلي: مثل سال الوادي، والأصل: سال الماء في الوادي.\n- سبب فاعلي: مثل: نزل السحاب، أي: المطر.\n- سبب صوري: مثل: إطلاق اليد على القدرة.\n- سبب غائي: مثل: تسمية العصير خمرًا.\nالنوع الثالث: إطلاق المسبب على السبب، مثل: إطلاق \"الموت\" على المرض الشديد.\n٤ سورة يوسف من الآية: ٨٢. والتقدير: واسأل أهل القرية.\n٥ سورة البقرة من الآية: ٩٣. =","vol":"1","page":500},{"text":"[المجاز يستلزم الحقيقة دون العكس]\nوكل مجاز له حقيقة في شيء أخر، إذ هو عبارة عن [اللفظ] المستعمل في غير موضوعه، فلا بد أن يكون له موضوع١.\nولا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ إذ كون الشيء له موضوع لا يلزم أن يستعمل فيما عداه.\n_________\n= هذا، وعلاقات المجاز كثيرة تكلفت بها كتب البلاغة، ذكر الطوفي منها ما يزيد على عشرين نوعًا. انظر: شرح المختصر \"١/ ٥٠٦ وما بعدها\".\n١ ذهب بعض العلماء إلى أن المجاز لا يستلزم الحقيقة، إذ إن اللفظ قبل استعماله فيما وضع له أولًا، لا يوصف بالحقيقة، فلا مانع من أن يتجوز في اللفظ قبل استمعاله فيما وضع له أولًا.\nوأجاب عنه جمهور العلماء: بأن المجاز فرع عن الحقيقة، والحقيقة أصل، ومتى وجد الفرع وجد الأصل، بخلاف العكس، فإنه قد يوجد الأصل ولا يوجد الفرع.\nهذا معنى قول المصنف: \"ولا يلزمك أن يكون لكل حقيقة مجاز\".\nانظر: المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني \"١/ ٣٠٦ وما بعدها\" شرح الكوكب المنير \"١/ ١٨٩\".","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فصل: [في تعارض الحقيقة والمجاز]</span>\nمتى دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز: فهو للحقيقة١، ولا يكون\n_________\n١ مسألة تعارض الحقيقة والمجاز تنقسم إلى أربعة أقسام:\nالأول: أن يكون المجاز مرجوحًا، لا يفهم إلا بقرينة، كالأسد للرجل الشجاع، وفي هذا القسم تقدم الحقيقة لرجحانها، لأنها الأصل.\nالثاني: أن يغلب استعماله حتى يتساوى مع الحقيقة، فتقدم الحقيقة أيضًا، لعدم رجحان المجاز. مثل كلمة \"النكاح\" فإنها تطلق على العقد والوطء إطلاقًا متساويًا، مع أنها حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر.\nالثالث: أن يكون المجاز راجحًا، والحقيقة مماتة لا تراد في العرف، فيقدم =","vol":"1","page":501},{"text":"مجملًا، إلا أن يدل دليل على أنه أريد به المجاز١؛ إذ لو جعلنا كل لفظ أمكن التجوز فيه مجملًا: لتعذرت الاستفادة في أكثر الألفاظ، واختل مقصود الوضع، وهو التفاهم٢.\nولأن واضع الاسم لمعنًى إنما وضعه ليكتفي به فيه، فكأنه قال:\n_________\n= المجاز؛ لأنه إما حقيقة شرعية، كالصلاة، أو عرفية كالدابة، فلا خلاف في تقديم المجاز على الحقيقة اللغوية.\nمثال ذلك: لو حلف: لا يأكل من هذه النخلة، فأكل من ثمرها، فإنه يحنث وإن أكل من خشبها لم يحنث، وإن كان الخشب هو الحقيقة؛ لأن الحقيقة هنا مهجورة.\nالرابع: أن يكون المجاز راجحًا والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات.\nمثال ذلك: لو حلف ليشربن من هذا النهر، فهو حقيقة في الكرع منه بفيه، ولو اغترف بكوز وشرب فهو مجاز؛ لأنه شرب من الكوز لا من النهر، لكنه مجاز راجح يتبادر إلى الفهم، فيكون أولى من الحقيقة. وهذا القسم هو محل الخلاف.\nانظر: القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص١٠٤، ١٠٥ شرح الكوكب المنير \"١/ ١٩٥ وما بعدها\".\n١ وذهب بعض العلماء، كالإمام الرازي وأتباعه إلى أنه إذا تعارضت الحقيقة والمجاز الراجح، كان اللفظ مجملًا، ويحتاج إلى البيان.\nوذهب أبو يوسف والقرافي وابن حمدان وابن قاضي الجبل إلى أن المجاز الراجح أولى من الحقيقة المرجوحة.\nوذهب أبو حنيفة وابن الحاجب وابن مفلح إلى أن الحقيقة أولى من المجاز، ما لم تهجر.\nوقال الأصفهاني: محل ذلك إن منع حمل الكلام على الحقيقة والمجاز معًا. وقال ابن الرفعة: محله في إثبات وفي نفي يعمل بالمجاز قطعًا.\nانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٠٤ وما بعدها، شرح الكوكب المنير \"١/ ١٩٥\".\n٢ لأن الحكمة من وضع الألفاظ: إنما هي إفهام معانيها ودلالتها عليه، فلو جعلت =","vol":"1","page":502},{"text":"\"متى ما سمعتم هذه اللفظة: فافهموا ذلك المعنى\" فيجب حمله عليه.\nإلا أن يغلب المجاز بالعرف، كالأسماء العرفية، فتصير -حينئذ- الحقيقة كالمتروكة؛ فإنه لو قال: \"رأيت غائطا أو راوية\" لم نفهم منه الحقيقة، فيصير الحكم للعرف ولا يصرف إلى الحقيقة، ولا يصرف إلى حقيقة إلا بدليل.\n_________\n= مترددة بين حقائقها ومجازاتها لكانت مجملة، والمجمل شأنه أن يبقى معطلًا موقوفًا على ما يبينه.","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>فصل: [في علامات الحقيقة والمجاز]</span>\nويستدل على معرفة الحقيقة من المجاز بشيئين:\nأحدهما: أن يكون أحد المعنيين يسبق إلى الفهم من غير قرينة، والآخر لا يفهم إلا بقرينة، فيكون حقيقة فيما يفهم منه مطلقًا.\nأو يكون أحد المعنيين يستعمل فيه اللفظ مطلقًا، والمعنى الآخر لا يقتصر فيه على مجرد لفظه، فيكون حقيقة فيما يقتصر فيه على مجرد اللفظ١.\n_________\n١ معنى ذلك: أن مبادرة الذهن إلى فهم المعنى من اللفظ بلا قرينة يدل على أنه حقيقة.\nوبيانه: أن اللفظ المحتمل لمعنيين فأكثر، إما أن يتبادر فهمُ أهل اللغة عند إطلاقه بلا قرينة إلى جميع محتملاته، أو إلى بعضها، والأول هو المشترك، كلفظ العين والقرء.\nوأما الثاني: فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة لأن السامع لو لم يضطر إلى أن الواضع وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى المتبادر، لما سبق إلى فهمه.\nوقول المصنف: \"بلا قرينة\" احتراز من مبادرة فهم اللفظ بقرينة، فإن هذا هو المجاز -كما تقدم-. =","vol":"1","page":503},{"text":"الثاني: أن يصح الاشتقاق من أحد اللفظين، كالأمر في الكلام حقيقة، لأنه يصح منه: \"أمر، يأمر، أمرًا\" وليس بحقيقة في الشأن نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ١؛ لأنه لا يقال منه: \"أمر، يأمر، أمرًا\"٢.\n_________\n= فلو قال قائل: رأيت أسدًا، أو بحرًا، ولا قرينة حمل على المعنى الحقيقي، وهو: الحيوان المعروف، والماء الكثير.\nأما لو قال: رأيت أسدًا بيده سيف، أو بحرًا على فرس، عرفنا بهذه القرائن: أن المتكلم أراد الرجل الشجاع أو الكريم.\nمن هذا القسم -أيضًا- ما إذا كان اللفظ يستعمل مطلقًا من غير قيد ولا قرينة، كما يستعمل مقرونًا بقرينة ما، فإن حمله على إطلاقه هو الأصل، فيكون ذلك علامة على أنه حقيقة.\n١ سورة هود من الآية: ٩٧.\n٢ وضح الشيخ الطوفي هذا الفرق فقال: \"الوجه الثاني: أن يكون أحد اللفظين يصح فيه الاشتقاق والتصريف إلى الماضي والمستقبل، واسم الفاعل والمفعول، واللفظ الآخر لا يصح فيه ذلك فيكون، الأول حقيقة، والثاني مجازًا؛ لأن تصرف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصرفه يدل على ضعفه وفرعيته.\nوقد بينا أن الأصل هو الحقيقة، والمجاز فرع عليه، فكان التصريف دليلًا على الحقيقة دون المجاز، وذلك كلفظ \"الأمر\" يطلق على الصيغة الطلبية، نحو: اضرب، واجلس، ويطلق على الشأن والفعل، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: شأنه وفعله، فلما وجدناهم يصرفون الأمر اللفظي فيقولون: \"أمر يأمر، أمرًا، فهو آمر، ومأمور\" ولا يقولون ذلك في الأمر بمعنى الفعل، دل ذلك على أن الأول حقيقة، والثاني مجاز\" شرح المختصر \"١/ ٥١٨\".\nوقد ذكر -رحمه الله تعالى- وجهًا ثالثًا للفرق بين الحقيقة والمجاز، وهو: أن يكون أحد اللفظين يستعمل وحده من غير مقابل، والآخر لا يستعمل إلا في المقابلة..... ومثل له بأمثلة كثيرة، منها: \"النسيان\" فإنه يطلق على المخلوق =","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>فصل: [في تعريف الكلام وأقسامه]</span>\nالكلام: هو الأصوات المسموعة، والحروف المؤلفة١.\nوهو ينقسم إلى مفيد وغير مفيد.\nوأهل العربية يخصون الكلام بما كان مفيدًا، وهو: الجملة المركبة من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، أو حرف نداء واسم.\nوما عداه: إن كان لفظة واحدة: فهي كلمة وقول.\nوإن كثر فهو كلم وقول.\n_________\n= بدون مقابل، نحو قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] .\nوفي حق فتى موسى -﵇-: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] . ولا يطلق على الله -﷾- إلا مع المقابل، كقوله -﷾-: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، ﴿... وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] .\nثم قال: \"وللفرق بين الحقيقة والمجاز علامات غير هذه، هذا الذي اتفق ذكره منها ههنا\" المصدر السابق \"١/ ٥١٩-٥٢١\".\n١ بدأ المصنف يذكر بعض الموضوعات المتعلقة باللغة، فعرف الكلام بأنه: الأصوات إلخ.\nوالصوت عبارة عن عرض مسموع يحصل عن اصطكاك الأجرام، بسبب انضغاط الهواء بين المجرمين، فيتموج تموجًا شديدًا، فيخرج فيقرع صماخ الأذن، فتدركه قوة السمع، ولهذا تختلف الأصوات في الظهور والخفاء، تبعًا لاختلاف الأجسام المتصاككة في الصلابة والرخاوة.\nوصوت المتكلم عرض -أيضًا- حاصل على اصطكاك أجرام الفم، وهي مخارج الحروف، ودفع الهواء حتى يصل إلى أذان السامع.\nوقول المصنف -في تعريف الكلام-: \"الأصوات المسموعة\" ليخرج ما عدا =","vol":"1","page":505},{"text":"والعرف: ما قلناه١، مع أنه لا مشاحة في الاصطلاح.\nوالكلام المفيد ينقسم ثلاثة أقسام:\nنص.\nوظاهر.\nومجمل٢.\nالقسم الأول- النص٣:\nوهو: ما يفيد بنفسه من غير احتمال، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٤.\n_________\n= العرَض الذي يدرك بالسمع، وهو الصوت. انظر: همع الهوامع \"١/ ٣٣\" شرح مختصر الروضة \"١/ ٥٣٨ وما بعدها\".\n١ أي: أن الكلام هو الأصوات المسموعة والحروف المؤلفة، وأن المسألة مسألة اصطلاح فقط، ولا مشاحة في ذلك.\n٢ وجه الحصر فلي الأنواع الثلاثة: أن اللفظ إما أن يحتمل معنى واحدًا، أو أكثر من معنى. فالأول: النص، والثاني -وهو ما يحتمل أكثلر من معنى- إما أن يترجح في أحد معنييه أو معانيه، أو لا يترجح، فإن ترجح فهو الظاهر، وإلا فهو المجمل. انظر: شرح المختصر \"١/ ٥٥٣\".\n٣ النص قد يرد في مقابلة الأدلة العقلية التي تندرج تحت اسم الاجتهاد، ولذلك يقال: لا اجتهاد مع النص. وهذا يشمل جميع النصوص الشرعية من الكتاب أو السنة، سواء أكانت قطعية أم ظنية. وقد يرد في مقابلة الظاهر والمجمل.\nوالنص هنا له تعريفات كثيرة، أورد المصنف بعضها.\nعرفه المجد بن تيمية بأنه: \"ما أفاد الحكم يقينًا أوظاهرًا، وهو منقول عن أحمد والشافعي -﵄-\" المسودة ص٥٧٤.\nوقال القرافي: \"للنص ثلاثة اصطلاحات: أحدها: ما لا يحتمل التأويل، والثاني: ما احتمله احتمالًا مرجوحًا كالظاهر، وهو الغالب في إطلاق الفقهاء، والثالث: ما دل على معنى كيف ما كان\" \"شرح تنقيح الفصول ص٣٦ وما بعدها\".\n٤ سورة البقرة من الآية: ١٩٦.","vol":"1","page":506},{"text":"وقيل: هو الصريح في معناه.\nوحكمه: أن يصار إليه ولا يعدل عنه إلا بنسخ.\nوقد يطلق اسم النص على الظاهر١.\nولا مانع منه؛ فإن النص في اللغة بمعنى الظهور، كقولهم: \"نصت الظبية رأسها\" إذا رفعته وأظهرته.\nقال امرؤ القيس٢:\nوجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل\nومنه سميت منصة العروس للكرسي الذي تجلس عليه لظهورها عليه.\n_________\n١ وهو ما يراه الإمام الشافعي -﵁- وتبعه على ذلك بعض العلماء، كالقاضي أبي بكر الباقلاني.\nقال إمام الحرمين: \"أما الشافعي فإنه يسمي الظواهر نصوصًا في مجاري كلامه، وكذلك القاضي، وهو صحيح في وضع الللغة؛ فإن النص معناه الظهور\" البرهان \"١/ ٤١٥-٤١٦\".\n٢ هو: امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي، الشاعر الجاهلي المشهور، روي عن النبي -ﷺ- أنه قال فيه: \"هو قائد الشعراء إلى النار\". توفي سنة \"٥٤٥م\".\nانظر في ترجمته: الشعر والشعراء \"١/ ٥٢ وما بعدها\"، المزهر للسيوطي \"٢/ ٤٤٣\".\n٣ البيت من معلقته المشهورة، انظر: شرح المعلقات السبع لأبي عبد الله الزوزني، تحقيق الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد ص٣٨.\nوالجيد: العنق. والريم: الظبي الأبيض الخالص البياض.\nونصته: أي رفعته، والمعطل: العنق الذي ليس عليه حلي.","vol":"1","page":507},{"text":"إلا أن الأقرب تحديد النص بما ذكرناه أولًا١؛ دفعًا للترادف والاشتراك عن الألفاظ، فإنه على خلاف الأصل.\nوقد يطلق النص على: ما لا يتطرق إليه احتمال لا يعضده دليل٢.\nفإن تطرق إليه احتمال لا دليل عليه: فلا يخرجه عن كونه نصًّا.\nالقسم الثاني- الظاهر:\nوهو: ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنى، مع تجويز غيره.\nوإن شئت قلت: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر.\nفحكمه: أن يصار إلى معناه الظاهر، ولا يجوز تركه إلا بتأويل.\nوالتأويل: صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل يصير به، أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر.\nإلا أن الاحتمال يقرب تارة ويبعد أخرى:\nوقد يكون الاحتمال بعيدا جدًّا فيحتاج إلى دليل في غاية القوة.\nوقد يكون قريبًا فيكفيه أدنى دليل.\n_________\n١ وهو قوله: \"النص: وهو ما يفيد بنفسه من غير احتمال\".\n٢ هذا احتراز مما لو تطرق إليه احتمال أن المراد من المسح الوارد في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ الغسل، فإنه احتمال لا دليل عليه.\nوقول الفقهاء: هل غسل الرأس يجزئ عن المسح أو لا، ليس مبنيًّا على هذا الاحتمال، بل على أمر آخر: هو هل مسح الرأس أمر تعبدي، أو تخفيف لمشقة غسله غالبًا؟ انظر: شرح مختصر الروضة \"١/ ٥٥٦\".","vol":"1","page":508},{"text":"وقد يتوسط بين الدرجتين، فيحتاج دليلًا متوسطًا.\nوالدليل١ يكون قرينة.\nأو ظاهرًا آخر.\nومهما تساوى الاحتمال وجب المصير إلى الترجيح.\n_________\n١ أي: الدليل الذي يتقوى به الظاهر والاحتمال تارة يكون بعيدًا، فيحتاج إلى دليل قوي يعضد ضعف الظاهر، وتارة يكون قريبًا فيحتاج إلى أدنى دليل، وتارة يكون متوسطًا فيحتاج إلى دليل متوسط وهكذا.\nوهذا الدليل قد يكون قرينة من القرائن مثل ما روي عن أحمد -رحمه الله تعالى- أنه قال: \"كلمت الشافعي في أن الواهب ليس له الرجوع فيها وهب؛ لقوله -﵊-: \"العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه\" فقال الشافعي -وهو يرى أن له الرجوع-: ليس بمحرم على الكلب أن يعود في قيئه.\nقال أحمد: فقلت له: فقد قال النبي -ﷺ-: \"ليس لنا مثل السوء\" فسكت.\nيعني الشافعي.\nفالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لما لم يحرم عليه الرجوع في قيئه، فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم؛ لأن الظاهر من التشبيه: استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه احتمالًا قويًّا جدًّا، فضعف -حيئذ- جانب أحمد في الاستدلال جدًّا؛ لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف جدًا فقواه بالقرينة المذكورة، وهي قوله -ﷺ- في صدر الحديث المذكور: \"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه\" وهي دليل قوي، حيث إن الشرع اعتبر الرجوع في الهبة \"مثل سوء\" وقد نفاه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك: أن جواز الرجوع في الهبة يحرم إثباته، فيجب نفيه.\nهذا مثال للقرينة.\nومثال تقويته بظاهر آخر: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ =","vol":"1","page":509},{"text":"...............................\n_________\n= [المائدة: ٣] ظاهر في تحريم جلدها، دبع أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالًا مترددًا، من جهة أن إضافة التحريم تحمل على الأكل، والجلد غير مأكول، فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي، متناول لجميع أجزائها، يقتضي تناول الجلد، فإذا نظرنا إلى قوله -﵊-: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" وجدناه عامًّا يتناول إهاب الميتة، فكان هذا الظاهر مقويًا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة في الآية الكريمة.\nوإذا جازت التقوية بالظاهر -كما تقدم- فإنها تكون بالنص أقوى وأقوى.\nومن أمثلة ذلك: قوله -﵊- في شاة ميمونة: \"ألا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ \" فقالوا: إنها ميتة. قال: \"إنما حرم من الميتة أكلها\".\nفهذا نص في طهارة جلد الميتة.\nومثال التقوية بالقياس: تركه -﷾- ذكر الإطعام في كفارة القتل الخطأ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] فقد حددت الآية الكريمة الكفارة في تحرير الرقبة أو صيام شهرين متتابعين، ولم تذكر الإطعام كما في الظهار، فترك الإطعام ظاهر في عدم وجوبه، إذ لو كان واجبًا لذكر، هذا مع احتمال أن يكون مسكوتًا عنه، يستخرجه المجتهدون، ثم رأينا إثبات الطعام في كفارة القتل، بالقياس على إثباته في كفارة الظهار، والصيام، واليمين متجهًا؛ لأن الكفارات حقوق لله تعالى، وحكم الأمثال واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات تنبيه على ثبوته في كفارة القتل.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"١/ ٥٦٤ وما بعدها\".\nوأقول:\nفي المثال الأخير نظر؛ فإن القياس في الكفارات مختلف فيه بين العلماء، وهو راجع إلى قضية حمل المطلق على المقيد، وأرى -والله أعلم بالصواب- أن الراجح هنا عدم حمل المطلق على المقيد، وأن التشديد في كفارة القتل ملحوظ =","vol":"1","page":510},{"text":"[الأمور التي تلزم المتأول]\nوكل متأول يحتاج إلى:\nبيان احتمال اللفظ لما حمله عليه.\nثم إلى دليل صارف له١.\nوقد يكون في الظاهر قرائن تدفع الاحتمال بمجموعها، وآحادها لا تدفعه٢.\nمثاله: تأويل الحنفية قول النبي -ﷺ- لغيلان بن سلمة٣ -حيث أسلم على عشر نسوة-: \"أمسك منهن أربعا وفارق نت سواهن\"٤: بالانقطاع عنهن وترك نكاحهن، وعضدوه بالقياس.\n_________\n= ومراعى من الشارع حتى يتناسب مع جريمة القتل، حتى ولو كان خطأ، ففيه نوع تقصير.\nانظر: تفسير القرطبي \"٥/ ٣٢٨\".\n١ معنى ذلك: أن كل من أراد تأويل لفظ ظاهر لزمه أمران:\nالأول: بيان الاحتمال المرجوح مع الظاهر.\nالثاني: بيان الدليل الذي يقويه حتى يقدم على الظاهر.\n٢ يعني: أن الظاهر والاحتمال المرجوح إذا تقابلا، فقد يحتف بالظاهر هرائن تلغي ذلك الاحتمال وتبطله بالكلية، وقد تكون فيه قرائن عدة، كل واحدة منفردة لا تقوى على معارضة الاحتمال، أما إذا انضم بعضها إلى بعض قويت على معارضته. ومثل المصنف لذلك بالحديث الآتي.\n٣ هو: غيلان بن سلمة بن شرحبيل الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجركان شاعرًا محسنًا، توفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب -﵁-.\nانظر: الاستيعاب \"٣/ ١٢٥٦\".\n٤ أخرجه الترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة =","vol":"1","page":511},{"text":"إلا أن في الحديث قرائن عضدت الظاهر، وجعلته أقوى من الاحتمال:\nأحدها: أنه لم يسبق إلى أفهام الصحابة إلا الاستدامة؛ فإنهم لو فهموه لكان هو السابق إلى أفهامنا.\nوالثاني: أنه فوض الإمساك والمفارقة إلى اختياره، وابتداء النكاح لا يصح إلا برضاء المرأة.\n_________\n= من حديث ابن عمر ولفظه \"أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي -ﷺ- أن يتخير منهن أربعًا\".\nكما رواه ابن ماجه: كتاب النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، والشافعي، كتاب النكاح، باب أنكحة الكفار وإقرارهم عليها، والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح، باب قصة إسلام غيلان الثقفي، وتخييره لأربع من النساء.\nقال ابن عبد البر: \"طرقه كلها معلولة\".\nكما أعله البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم. قال الترمذي: قال البخاري: هذا الحديث غير محفوظ. انظر: تلخيص الحبير \"٣/ ١٦٨\"، سبل السلام \"٣/ ١٣٢\".\nومذهب الحنفية: أن من أسلم وتحته أكثر من أربع، فإن كان قد تزوجهن في عقد واحد، بطل نكاحهن جميعًا، وإن تزوجهن متعاقبات: اختار من الأول أربعًا، وترك الباقي، وهذا يعارض ظاهر الحديث الذي معنا، لذلك احتاجوا إلى التأويل، فحملوا الإمساك -في الحديث- على ابتداء النكاح، فكأنه قال: أمسك أربعًا: أي: ابتدئ نكاحهن من جديد، وفارق سائرهن، بأن لا تعقد عليهن.\nوعضدوا هذا بالقياس، فقالوا: إن بعض النسوة ليس بأولى الإمساك من البعض الآخر، فهو ترجيح بلا مرجح.\nأما الأئمة الثلاثة: فقالوا: يختار منهن أربعًا، وأيدوا ذلك بعدة قرائن، سيذكرها المصنف.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"١/ ٥٦٩ وما بعدها\".","vol":"1","page":512},{"text":"والثالث: أنه لو أراد ابتداء النكاح: لذكر شرائطه؛ لئلا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وما أحوج حديث العهد بالإسلام إلى معرفة شرائط النكاح.\nالرابع: أن ابتداء النكاح لا يختص بهن، فكان ينبغي أن يقول: \"انكح أربعًا ممن شئت\".\nومثال التأويل في العموم القوي: قول الحنفية في قول النبي -ﷺ-: \"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل\"١. قالوا: هذا محمول على الأمة.\nفثناهم عن قولهم \"فلها المهر بما استحل من فرجها\"؛ فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى المكاتبة.\n_________\n١ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه -جميعهم في كتاب النكاح- عن عائشة -﵂- مرفوعًا، كما أخرجه أحمد في المسند \"٦/ ٤٧\" والحاكم في المستدرك، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\". كما صححه أبو عوانة وابن حبان ويحيى بن معين وغيرهم.\nولفظة: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها\".\nولما كان الحنفية يجيزون للمرأة البالغة أن تزوج نفسها بغير إذن وليها، قياسًا على تصرفاتها المالية، فقد أولوا الحديث وحملوه على الأمة، لأنها مملوكة لسيدها، وليست الحرة داخله في الحديث مع أنه عام.\nفلما عارض هذا التأويل تمام الحديث \"فإن دخل بها فلها المهر\" حيث أضاف المهر إليها بلام التمليك، والأمة لا تملك، حملوا الحديث على المكاتبة، ورد عليهم المصنف: \"بإن هذا تعسف ظاهر\" لمعارضته للعموم القوي كما تقدم.","vol":"1","page":513},{"text":"وهذا تعسف ظاهر؛ لأن العموم قوي، والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء.\nوليس من كلام العرب إرادة الشاذ النادر باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ.\nوليس قياس النكاح على المال، والإناث على الذكور: قرينة تقترن باللفظ وتصلح لتنزيله على صورة نادرة١.\nودليل ظهور قصد التعميم٢ أمور:\nالأول: أنه صدر بأي، وهي من كلمات الشرط، ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن خالف في صيغ العموم.\nالثاني: أنه أكد بـ\"ما\" وهي من مؤكدات العموم.\nالثالث: أنه رتب بطلان النكاح على الشرط في معرض الجزاء.\nولو اقترح على العربي الفصيح أن يأتي بصيغة دالة على العموم مع الفصاحة والجزالة: لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة.\nونعلم أن الصحابة لم يفهموا من هذه الصيغة \"المكاتبة\" ولو سمعنا نحن هذه الصيغة: لم نفهم منها \"المكاتبة\".\nولو قال القائل: أردت المكاتبة: لنسب إلى الأإغاز٣.\n_________\n١ هذا رد على كلام الحنفية في قياس النكاح على المال، وقياس الإناث في تولي عقد النكاح على الرجال.\n٢ أي: العموم الوارد في الحديث الشريف كما سيأتي أن يبينه المصنف من أن \"أي\" من صيغ العموم التي لم يخالف فيها أحد.\n٣ الإلغاز: التعمية وصرف الشيء عن وجهه.","vol":"1","page":514},{"text":"ولو أخرج \"المكاتبة\" وقال: \"ما خطرت ببالي\" لم يستنكر.\nفما لم يخطر على البال إلا بالإخطار كيف يجوز قصر العموم عليه؟\nوقد قيل في تأويل قوله -﵇-: \"لا صيام لمن لم يبيت الصيام بالليل\" ١ -يحمله على القضاء- إنه من هذا القبيل٢؛ لأن التطوع غير مراد، فلا يبقى إلا الغرض الذي هو ركن الدين، وهو صوم رمضان، والقضاء والنذر يجب بأسباب عارضة، فهو كالمكاتبة في مسألة النكاح.\n_________\n١ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي ومالك في الموطأ، والطحاوي في شرح معانى الآثار، جميعهم في كتاب الصيام، من حديث حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنهها- مرفوعًا وموقوفًا.\nوقد رجح البخاري وأبو داود والترمذي عدم رفعه. انظر: تلخيص الحبير \"٢/ ١٨٨\"، فتح الباري \"٤/ ١٤٢\" ونصب الراية \"٢/ ٤٣٢ وما بعدها\".\n٢ أي: من قبيل التأويل الوارد في مسألة صحة زواج المرأة بدون ولي، كما قال الحنفية.\nوقد قال الحنفية -في الحديث الذي معنا-: إنه محمول على صوم القضاء والنذر، فإنه يجب تبييت النية لهما دون شهر رمضان؛ فإنه متعين ولا يحتاج إلى تبييت النية، باعتبار أن وقته مضيق لا يسع غيره معه، بخلاف القضاء والنذر.\nقال بعض العلماء: إن هذا التأويل في البعد والندرة كتأويل حديث النكاح بغير ولي على المكاتبة؛ وذلك لأنه قوله -ﷺ-: \"لا صيام\" صيغة عموم، فيتناول الواجب والتطوع، خص منه التطوع بأدلة أخرى دلت على عدم اشتراط النية، وهو تأويل قريب، فإن التطوع إلى أنواع الصيام قليل، بخلاف ما إذا قصر على القضاء والنذر، فإنه يكون بعيدًا نادرًا، انظر: شرح المختصر \"١/ ٥٧٧ وما بعدها\".\nوقد رد عليهم المصنف: بأن القضاء والنذر ليسا في الندرة والقلة كالمكاتبة كما سيأتي.","vol":"1","page":515},{"text":"والصحيح: أنه ليس ندرة هذا كندرة المكاتبة١، وإن كان كالغرض أسبق إلى الفهم، فيحتاج هذا التخصيص إلى دليل قوي.\nوليس يظهر بطلانه كظهور التخصيص بالمكاتبة.\nوعند هذا يعلم: أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع، وبينهما درجات تتفاوت في البعد والقرب.\nولكل مسألة ذوق يجب أن تفرد بنظر خاص، ويليق ذلك بالفروع.\nالقسم الثالث- المجمل:\nوهو: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى٢.\n_________\n١ وذلك لأن العموم هناك أقوى من العموم هنا، للأسباب التي تقدم ذكرها، أما صيغة \"لا صيام\" فالخلاف فيها مشهور؛ لأنه يحتمل نفي كمال الصيام، لا نفي صحته، ويحتمل نفي الصحة، وأصناف الصوم خمسة: صوم رمضان، والتطوع، والقضاء، والنذر، والكفارات، قصر الحديث على ثلاثة منها، وهي القضاء والنذر والكفارة، ولم يبق إلا التطوع وصوم رمضان، وليس نسبة ثلاثة إلى خمسة كنسبة نوع المكاتبة إلى جنس النساء.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"١/ ٥٧٨\".\n٢ المجمل في اللغة: ما جعل جملة واحدة، لا ينفرد بعض آحادها عن بعض.\nقال الجوهري: وقد أجملت الحساب: إذا رددته إلى الجملة.\nانظر: الصحاح مادة \"جمل\"، معجم مقاييس اللغة \"١/ ٤٨١\".\nوفي الاصطلاح: له عدة تعريفات، ذكر منها المصنف تعريفين، أحدهما \"ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى\".\nواعترض عليه الطوفي بأن ذلك يصدق على المهمل، فإنه لا يفهم منه معنى، أما المجمل: فإنه يفيد معنى، لكنه غير معين؛ إذ لو لم يكن له معنى، لما تعين المراد منه بالبيان؛ لأن البيان كاشف عن المراد بالمجمل؛ ولذلك أضاف إليه في مختصره لفظ \"معين، فأصبح التعريف: \"المجمل: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين\" انظر: الشرح \"٢/ ٦٤٩\".","vol":"1","page":516},{"text":"وقيل: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر١.\nوذلك مثل: الألفاظ المشتركة كلفظة \"العين\": المشتركة بين \"الذهب\" و\"العين الناظرة\" وغيرها٢. و\"القرء\" للحيض والطهر٣، والشفق للبياض والحمرة٤.\nوقد يكون الإجمال في لفظ مركب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ٥، متردد بين الزوج والولي٦.\n_________\n١ هذا التعريف قريب من تعريف الآمدي حيث قال: \"المجمل: ما له دلالة على أحد معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه\" انظر: الإحكام \"٣/ ٨\".\n٢ كما تطلق على: حرف الهجاء المعروف، وما نبع من الماء، والجاسوس، والمال الناض، ورئيس الجيش، وكبير القوم، وذات الشيء ونفسه، وعلى النفس من كل شيء، وغير ذلك.\nانظر: المزهر \"١/ ٣٦٩\".\n٣ ولذلك وقع الخلاف في العدة، هل هي بالحيض أو بالطهر؟\n٤ كما اختلف الفقهاء في دخول وقت العشاء: هل هو بغيبوبة حمرة الشفق، أو بغيبوبة البياض.\n٥ سورة البقرة من الآية: ٢٣٧.\n٦ قال ابن عباس، وعلقمة، وطاووس، ومجاهد، وشريح، والحسن، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والزهري، ومالك، وغيرهم: هو الولي، الذي المرأة في حجره، فهو الأب في ابنته التي لم تملك أمرها، والسيد في أمته.\nوقال بعض العلماء: هو الزوج؛ قاله علي بن أبي طالب -﵁- وسعيد بن جبير، وكثير من فقهاء الأمصار، وقاله ابن عباس -أيضًا- ورجع إليه شريح.\nانظر: فتح القدير للشوكاني \"١/ ٢٧٩\".\nقال الطوفي: \"قلت: الصحيح من مذهب أحمد والشافعي أنه الزوج، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال مالك: هو الولي، الأب وسيد الأمة، والمختار الراجح في النظر: أنه الولي، وقد استقصيت أدلته اعتراضًا وجوابًا في التفسير بحمد الله تعالى ومنّه\" شرح المختصر \"٢/ ٦٥٤\".","vol":"1","page":517},{"text":"وقد يكون بحسب التصريف كالمختار، يصلح للفاعل والمفعول١.\nوقد يكون لأجل حرف محتمل: كالواو، تصلح عاطفة، ومبتدأة٤.\nو\"من\" تصلح للتبعيض، وابتداء الغاية، والجنس، وأمثال ذلك.\n[حكم المجمل]\nفحكم هذا التوقف فيه حتى يتبين المراد منه٤.\n_________\n١ فلفظ \"المختار\" متردد بين من وقع منه الاختيار، وبين من وقع عليه الاختيار، فالله تعالى مختار لنبيه -ﷺ- حيث اختاره رسولًا، والنبي -ﷺ- مختار، أي: وقع عليه اختيار الله ﷿.\n٢ كما تكون بمعنى أو، ومعنى \"مع\" ومعنى \"رب\" وبمعنى الحال وغير ذلك.\n٣ وتكون للتبعيض، والتعليل، والبدل، وانتهاء الغاية، وبمعنى الباء وغير ذلك.\n٤ أي بدليل خارجي يبين المراد منه.\nقال الطوفي: \"لأن الله -تعالى- لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به، لا نكلف بالعمل به ... ثم قال: والدليل على أنه لا يجوز ذلك -أيضًا-: هو أن في العمل به تعرضًا بالخطأ في حكم الشرع، والتعرض بالخطأ في حكم الشرع لا يجوز، وإنما قلنا: إن فيه تعرضًا بالخطأ؛ لأن اللفظ إذا تردد بين معنيين، فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر، فهذه أربعة أقسام، يسقط منها الثاني، وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأن ذلك ليس من شأن الحكماء، أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به معنى، يبقى ثلاثة أقسام، لا دليل على إرادة واحد منها.\nفإذا أقدمنا على العمل قبل البيان، احتمل أن يوافق مراد الشرع، فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه، فنخطئ حكمه، فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل =","vol":"1","page":518},{"text":"[صور اختلف في إجمالها]\nفأما قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ ١ ونحوها٢: فليس بمجمل، لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل، والعرف كالوضع.\nولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية٣.\nومن أنس بتعارف أهل اللغة: علم أنهم يريدون بقوله: \"حرمت عليك الطعام\": الأكل، دون اللمس والنظر، و\"حرمت عليك الجارية\": أي الوطء. ويذهبون في تحريم كل عين إلى تحريم ما هي معدة له.\nوهذا اختيار أبي الخطاب وبعض الشافعية٤.\nوحكي عن القاضي أنه مجمل٥؛ لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم حقيقة، وإنما يحرم فعل ما يتعلق بها، فلا يدري ما ذلك الفعل في الميتة:\n_________\n= قيل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.\nوأما أن ذلك لا يجوز؛ فلأن حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه، فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة والاحتفال به، وذلك لا يجوز\" شرح المختصر \"٢/ ٦٥٥\".\n١ سورة المائدة من الآية: ٣.\n٢ مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ وسائر الصور التي أضيف الحكم فيها إلى الأعيان.\n٣ أي: في أول هذا الفصل.\n٤ وهو رأي القاضي عبد الجبار وأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، وأبي الحسين البصري.\nانظر شرح المختصر \"٢/ ٦٥٩\".\n٥ ووافقه بعض العلماء، كأبي الحسن الكرخي -من الحنفية- وأبي عبد الله البصري -من المعتزلة- وبعض الشافعية.","vol":"1","page":519},{"text":"أكلها، أم بيعها، أم النظر إليها أو لمسها؟\nوهذا قول جماعة من المتكلمين.\nوقد ذكرنا أن هذا ظاهر من جهة العرف في الأكل، والصريح يكون بالوضع تارة، وبالعرف أخرى.\nوقوله الله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١: ليس بمجمل، وإنما هو لفظ عام، فيحمل على عمومه٢.\nوقال القاضي: هو مجمل٣.\n_________\n= انظر: العدة \"١/ ١٤٥\" وشرح مختصر الروضة \"٢/ ٦٥٩\".\n١ سورة البقرة من الآية: ٢٧٥.\n٢ أي: أن البيوع في الشرع كثيرة ومتعددة، منها الحلال، كالبيوع المستوفية لشروط الصحة، ومنها الحرام.... فبعض العلماء ادعى أن البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ مجمل، لتردده بين ما هو جائز وما هو محرم، ثم ورد البيان من الشرع.\nومنهم من قال: إنه عام في البيوع الجائزة وغيرها، ثم خص المحرم منها بأدلة أخرى، كالأحاديث التي جاءت بتحريم بعض البيوعات، كالنهي عن بيع الغرر، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع الإنسان ما ليس عنده وغير ذلك.\nوقد بين الطوفي الفرق بين القولين فقال: \"والقولان متقاربان؛ لأن تخصيص العموم نوع من البيان.\nنعم، تظهر فائدة الخلاف في قوله -﷿-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ إن قلنا: هو مجمل بين، كان حجة بلا خلاف، وإن قلنا: هو عام خص، كان في بقائه حجة الخلاف السابق، في أن العالم -بعد التخصيص- حجة أم لا؟\nوعلى كل حال، فكونه من باب المخصوص أولى، وأكثر وأشهر\" شرح المختصر \"٢/ ٦٦١-٦٦٢\".\n٣ انظر: العدة \"١/ ١١٠\".","vol":"1","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>فصل: [نفي الذوات لا يقتضي الإجمال]</span>\nوقول النبي -ﷺ- \"لا صلاة إلا بطهور\" ١ ليس بمجمل٢.\nوقال الحنفية: هو مجمل٣؛ لأن المراد به: نفي حكمه؛ إذ لا يمكن حمل اللفظ على نفي صورة الفعل، فيكون خلفا٤، وليس حكم أولى من حكم٥.\n_________\n١ أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، من حديث عبد الله بن عمر -﵄- مرفوعًا، كما أخرجه عند الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، والطيالسي في مسنده: كتاب الطهارة، باب ما جاء في فضل الوضوء، وأن الصلاة لا تقبل بدونه.\nوللحديث طرق أخرى كثيرة يراجع: فيض القدير \"٦/ ٤١٥\".\nومثل هذا الحديث كل ما جاء فيه نفي ذوات واقعة تتوقف الصحة فيها على إضمار شيء. مثل قوله -ﷺ-: \"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل\" و\"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\".\n٢ وهو مذهب جمهور العلماء.\n٣ وهو رأي أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله البصري \"شرح المختصر ٢/ ٦٦٣\".\n٤ خلفا -بضم الخاء وسكون اللام-: أي باطلًا، كما في القاموس، ولم يرتضه الزبيدي في شرحه، وقال: إنه بفتح الخاء، وهو الرديء من القول، وشبهه العلماء بمن ينطق من خلفه، وفي المثل: سكت ألفا ونطق خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة، ثم تكلم بخطأ.\nقال الزبيدي: \"ولعلهما لغتان، وإلا فالقياس في اللغة لا يصح والأشهر الفتح\" انظر: تاج العروس \"٦/ ٩٦\" مادة \"خلف\".\n٥ خلاصة دليل الحنفية ومن معهم: أن قوله -ﷺ-: \"لا صلاة إلا بطهور\" ونحوه، =","vol":"1","page":521},{"text":"قلنا: إذا حملناه على نفي الصلاة الشرعية: لم يحتج إلى إضمار الحكم، وإنما يصار إلى الإضمار: إذا لم يمكن حمل اللفظ على ما أضيف إليه اللفظ١.\nفإن قيل فالفاسدة تسمى صلاة.\nقلنا: ذلك مجاز؛ لكونها على صورة الصلاة، والكلام يحمل على حقيقته.\nوالصحيح: أن يحمل ذلك على نفي الصحة.\n_________\n= أما أن يحمل نفي صورة الصلاة أو نفي حكمها، والأول باطل؛ لأن صورة الصلاة يمكن وجودها بغير طهارة، فتعين أن يكون المراد: نفي حكم الصلاة ولكن الأحكام متعددة ومتساوية، فيحتمل: نفي الصحة والكمال والأجزاء فيبقى الكلام مترددًا بين هذه المعاني، ومن هنا جاء الإجمال.\n١ أجاب المصنف على استدلال الحنفية ومن معهم: بأن دعواكم الإجمال مبني على جعل اللفظ مترددًا بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي، والمصطلحات الشرعية غلبت في كلام الشارع على المعاني اللغوية، فأصبحت المعاني اللغوية مجازًا بالنسبة للمعاني الشرعية، وعلى ذلك يحمل قول الرسول -ﷺ-: \"لا صلاة إلا بطهور\" على المعنى الشرعي، أي: لا صلاة معتدًا بها شرعًا إلا بطهور، فلا نحتاج إلى إضمار حكم من الأحكام التي ترددتم فيها؛ لأن ذلك الإضمار إنما يحتاج إليه إذا لم يمكن حمل اللفظ على المعنى الحقيقي، وهو هنا: الصلاة المعهودة شرعًا من القيام والركوع والسجود وغير ذلك، وعلى ذلك يمكن حمل اللفظ على المعنى الشرعي، وإن حصلت صورته الظاهرة، إلا أنه منفي لفوات شرط من شروط صحة الصلاة، وهو الطهور.\nوهذا المعنى هو الذي أشار إليه المصنف -بعد ذلك- في رده على قولهم: \"فإن قيل: فالفاسدة تسمى صلاة\" فأجاب: قلنا ذلك مجاز، لكونها على صورة الصلاة، والكلام يحمل على حقيقته. انظر توضيح ذلك في شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦٦٤-٦٦٥\".","vol":"1","page":522},{"text":"وجهه١: أنه قد اشتهر في العرف نفي الشيء لنفي فائدته كقولهم: \"لاعلم إلا ما نفع\" و\"لا عمل إلا بنية\" و\"لا بلدة إلا بسلطان\" يراد به: نفي الفائدة والجدوى.\nولو قضينا بالصحة لم تنتف الفائدة، فيكون على خلاف العرف.\nولا يصح حمله على نفي الصلاة الشرعية؛ فإنه: إن أريد بالصلاة الشرعية: الصورة: لم يكن حمل اللفظ عليه لكونه خلفًا.\nوإن فسرت بالفعل مع الحكم: لم يصح؛ لأن الصلاة يؤمر بها وينهى عنها، والأمر والنهي إنما يتعلق بالفعل الذي يمكن الإتيان به وتركه.\nفصل\nوقول النبي -ﷺ- \"لا عمل إلا بنية\" ٢ يدل على نفي الأجزاء\n_________\n١ هذا جواب آخر على كلام الحنفية خلاصته: أنه اشتهر في العرف نفي الشيء لانتفاء فائدته، فيحمل الكلام في قوله -ﷺ-: \"لا صلاة إلا بطهور\" على نفي الصحة، لانتفاء الفائدة؛ لأن الصلاة بغير طهور، والصيام بغير تبييت نية لا يفيدان، فانتفت صحتها لانتفاء فائدتهما، إذ إن الصحة عبارة عن ترتيب الفوائد، والآثار المقصودة من الفعل. انظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦٦٥\".\n٢ جاء في كشف الخفاء \"١/ ١٦٦\" عن هذا الحديث: وورد بألفاظ مختلفة، بيناها في أوائل \"الفيض الجاري\" منها: العمل بالنية، ومنها: \"لا عمل إلا بالنية\".\nوالرواية المشهورة التي رواها عمر بن الخطاب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\".\nأخرجه البخاري في باب كيف كان بدء الوحي، وفي كتاب الأيمان، باب النية في الأيمان، وفي كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق ونحوه، كما اخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب قوله -ﷺ- \"إنما الأعمال بالنية\" =","vol":"1","page":523},{"text":"وعدمه؛ لما ذكرنا من العرف، فليس هذا من المجملات، بل هو من المألوف في العرف وكل هذا نفي لما لا ينتفي، وهو صدق، لأن المراد: نفي مقاصده لا نفي ذاته١.\n_________\n= حديث \"١٩٠٧\" وأبو داود \"٢٢٠١\" والنسائي \"١/ ٥٨، ٦/ ١٥٨، ٧/ ١٣\" والترمذي \"١٦٤٧\" ومالك في الموطأ \"٩٨٣\".\n١ قال الطوفي في شرحه \"٢/ ٦٦٧\": \"النزاع في قوله ﵇: \"إنما الأعمال بالنيات\" من هذا الباب، لأن \"الأعمال\" مبتدأ، وخبره محذوف، فاختلفوا: هل هو الصحة، فيكون التقدير: إنما الأعمال صحيحة، أو الكمال، فيكون تقديره: إنما الأعمال كاملة، والأظهر: إضمار الصحة لما سبق، والله -تعالى- أعلم\".","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>فصل: [رفع الخطأ رفع للحكم]</span>\nوقوله -﵊-: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" ١ المراد به رفع حكمه؛ فإنا علمنا أنه لم يرد رفع صورته؛ لأن كلامه يجل عن الخلف.\n_________\n١ أخرجه ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي عن ابن عباس -﵄- وعن أبي ذر -﵁-.\nكما أخرجه عن ابن عباس -أيضًا-: الحاكم: كتاب الطلاق، باب ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\nكذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه، والطبراني في معجمه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عدي في الكامل بلفظ \"رفع عن هذه الأمة ثلاثًا: الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه\".\nكما أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\": كتاب الطلاق، باب في طلاق المكره. =","vol":"1","page":524},{"text":"وقيل: المراد: رفع حكمه الذي هو المؤاخذة، لا نفي الضمان ولزوم القضاء، لأنه ليس بصيغة عموم فيجعل عامًّا في كل حكم، كما لم يجعل قوله -تعالى- ﴿حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ عامًّا في كل حكم.\nبل لا بد من إضمار فعل يضاف النفي إليه.\nفههنا لا بد من إضمار حكم يضاف الرفع إليه، ثم ينزل على ما يقتضيه عرف الاستعمال قبل الشرع.\nوقد١ كان يفهم من قولهم: \"رفعت عنك الخطأ\" المؤاخذة به والعقاب، والضمان لا يجب للعقاب خاصة، بل قد يجب امتحانًا، ليثاب عليه٢، ولهذا يجب على الصبي والمجنون، وعلى العاقلة، ويجب على المضطر مع وجوب الإتلاف، ويجب عقوبة على قاتل الصيد.\nوأكثر ما يقال: إنه ينتفي الضمان الذي يجب عقوبة.\nقال أبو الخطاب: \"وهذا لايصح؛ لأنه لو أراد نفي الإثم: لم يكن لهذه الأمة فيه مزية؛ فإن الناسي لا يكلف في كل شريعة\"٣.\n_________\n= وفي كل طريق من طرقه مقال يقدح في صحته، إلا أن ابن الدييغ قال في كتابه \"تمييز الطيب من الخبيث\": \"رواته ثقات\" كما صححه ابن حبان في صحيحه.\nانظر: تلخيص الحبير \"١/ ٢٨١ وما بعدها\" كشف الخفاء \"١/ ٥٢٢\".\n١ معناه: أنه قد كان يفهم قبل الشرع من قول القائل: \"رفعت عنك الخطأ والنسيان\" رفع الحكم وهو الذم والمؤاخذة، وهو تأييد للمذهب الأول وهو: أن المراد من الحديث: رفع الحكم.\n٢ قول المصنف: \"والضمان إلخ\" رد على سؤال مقدر، تقديره: أن الضمان -أيضًا- عقاب، فكان يجب رفعه، فأجاب: ان الضمان قد يجب امتحانًا ليثاب عليه، لا للعقاب.\n٣ انظر: التمهيد: \"٢/ ٢٣٦\".","vol":"1","page":525},{"text":"ولأنه لما أضاف الرفع إلى ما لا يرتفع ذاته: اقتضى رفع ما يتعلق به؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا.\nكما أنه لما أضاف النفي إلى ما لا تنتفي ذاته: انتفى حكمه؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا.\n_________\n١ خلاصة الكلام في ذلك: أن للعلماء في الحديث المذكور رأيين:\nالرأي الأول: أنه لا إجمال في الحديث، وأن المقصود من الرفع: رفع الحكم وهو المؤاخذة؛ لأن العرف جارعلى أن المراد به: المؤاخذة، ولا يلزم من رفع المؤاخذة رفع ضمان ما أتلفه المخطئ أو الناسي، لأن ضمان المتلفات وأروش الجنايات من خطاب الوضع، وليست من خطاب التكليف، ولذلك يجب الضمان على الصبي مع أنه غير مكلف، ويلزم وليه، وكذلك تجب الدية على العاقلة، مع أنهم لا علم لهم بالجناية.\nالرأي الثاني: أن الحديث فيه إجمال، وأن قصر الحكم على رفع المؤاخذة فقط لا يصح؛ لأنه لو أراد نفي الإثم فقط، لم يكن لهذه الأمة مزية على غيرها من الأمم؛ لأن الناسي والمخطئ غير مكلفين في جميع الشرائع -كما قال أبو الخطاب-.\nوقد أجاب الشيخ الشنقيطي عن ذلك فقال:\n\"فيه عندي أمران:\nأحدهما: أن رفع إثم الناسي والمخطئ من غير هذه الأمة غير مسلم؛ لورود أدلة تدل على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، منها: الحديث الذي نحن بصدده، فقوله: \"عن أمتي\" يفهم منه: أن غيرها ليس كذلك: ومنها: حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم، مع أنه مكره بالخوف من القتل، لأنهم قتلوا صاحبه لما أبى عن ذلك.\nومنها: أن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ...﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقول الله: \"قد فعلت\" كما ثبت في صحيح مسلم، يدل على أن المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا؛ إذ لو كانت مرفوعة عن كل أحد لما دعت ضرورة إلى هذا الدعاء، وإظهار الكرامة بالإجابة بقوله: \"قد فعلت\" =","vol":"1","page":526},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>فصل: في البيان</span>\nوالمبيّن في مقابلة المجمل١.\n_________\n= فظاهر الامتنان أنه خاص بنا.\nويستأنس لهذا بما ذكره البغوي عن الكلبي من أن من قبلنا كانوا يؤاخذون بالخطأ والنسيان: وقد قال الله في آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] فأضاف إليه العصيان والنسيان، فدل على المؤاخذة به. وأما على القول بأن \"فنسي\" بمعنى: \"ترك\" فلا دليل في الآية.\nومن الأدلة على مؤاخذتهم في الإكراه: قوله تعالى -عن أصحاب الكهف-: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٠] فهذا صريح في الإكراه، مع أنهم قالوا: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ فدل على عدم عذرهم به.\nثانيهما: هو أن نقول: متعلق الرفع في قوله: \"رفع عن أمتى إلخ\" لا بد أن يكون أحد أمرين، أو كليهما، وهما: الإثم والضمان؛ إذ لا وصف يتعلق به الرفع إلا الإثم والضمان، والإثم مرفوع قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقوله في الحديث القدسي: \"قد فعلت\" كما تقدم.\nوالضمان غير مرفوع إجماعًا، لتصريحه -تعالى- بضمان المخطئ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ...﴾ [النساء: ٩٢] فاتضح أن الإثم مرفوع، وأن الضمان غير مرفوع، فتعين كون المرفوع: متعلق الرفع في الحديث كما هو واضح\" مذكرة أصول الفقه ص١٨٢-١٨٣.\n١ في جميع النسخ المطبوعة: \"البيان والمبين في مقابلة المجمل\" وهو خطأ نشأ من جعل كلمة \"البيان\" مقرونة بالمبين والأصل أن تكون في العنوان، وإلا فليس البيان هو المبين حتى يكون في مقابلة المجمل، فمقابل البيان: الإجمال، ومقابل المبين: المجمل.","vol":"1","page":527},{"text":"واختلف في البيان:\nفقيل: هو الدليل. وهو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن.\nوقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح.\nوقيل: هو ما دل على المراد بما يستقل بنفسه في الدلالة على المراد.\nوقد قيل: هذان الحدان يختصان بالمجمل١.\nيقال لمن دل على شيء: \"بينه\" و\"هذا بيان حسن\" وإن لم\n_________\n= فالإجمال: هو النطق باللفظ على وجه يقع فيه التردد بين معان مختلفة، والمجمل: هو اللفظ نفسه.\nوالمصنف ذكر التعريفات الواردة في البيان، وأحال تعريف المبين إلى تعريف المجمل وقال: إنه في مقابلته: أي ضده.\nوهو قد أورد للمجمل تعريفين:\nأحدهما: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى.\nوثانيهما: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.\nوعلى ذلك يكون تعريف المبين دائرًا بين معنيين أيضًا:\nأحدهما: ما يفهم منه عند الإطلاق معنى معينًا.\nوثانيهما: ما لا يحتمل أمرين، أو ما له محمل واحد.\nقال القرافي: الميين: هو اللفظ الدال بالوضع على معنى، إما بالإصالة، وإما بعد البيان. \"شرح تنقيح الفصول ص٢٧٤\".\nوقال الآمدي: \"المبين قد يراد به الخطاب المستغني بنفسه عن بيان، وقد يراد به ما يحتاج إلى البيان عند وروده عليه، كالمجمل وغيره\" الإحكام \"٣/ ٢٥\".\n١ هذا اعتراض وارد على التعريفين: الثاني والثالث:","vol":"1","page":528},{"text":"يكن مجملًا، والنصوص المعربة عن الأحكام ابتداء: بيان، وليس ثم إشكال.\nولا يشترط -أيضًا- حصول العلم للمخاطب؛ فإنه يقال: \"بيّن له، غير أنه لم يتبيّن\".\n_________\n= خلاصته: أنهما ينطبقان على المجمل فقط، بينما البيان أشمل من ذلك.\nولذلك قال الغزالي -عن التعريف الأول-: \"إلا أن الأقرب إلى اللغة، وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي؛ إذ يقال -لمن دل غيره على الشيء- \"بينه له\" و\"هذا بيان منك، لكنه لم يتبين\" وقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وأراد به القرآن\" المستصفى \"٣/ ٦٢\" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>فصل: [الأمور التي يحصل بها البيان]</span>\nثم البيان يحصل:\nبالكلام١.\nوبالكتابة: ككتابة النبي -ﷺ- إلى عماله في الصدقات٢.\n_________\n= خلاصته: أنهما ينطبقان على المجمل فقط، بينما البيان أشمل من ذلك.\nولذلك قال الغزالي -عن التعريف الأول-: \"إلا أن الأقرب إلى اللغة، وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي؛ إذ يقال -لمن دل غيره على الشيء- \"بينه له\" و\"هذا بيان منك، لكنه لم يتبين\" وقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وأراد به القرآن\" المستصفى \"٣/ ٦٢\" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.\n١ والكلام قد يكون من الله -تعالى- كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] فإنه مبين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] .\nوقد يكون الكلام من الرسول -ﷺ- كقوله -ﷺ- فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر -﵄- مرفوعًا: \"فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيًا [وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر] العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر\" فإنه مبين لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .\n٢ ومنها: حديث أبي بكر الصديق -﵁- والذي جاء فيه عن أنس =","vol":"1","page":529},{"text":"وبالإشارة، كقوله -ﷺ-: \"الشٌَهْرُ هَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا\" وأشار بأصابعه١.\nوبالفعل٢، كتبيينه الصلاة والحج بفعله.\n_________\n= ﵁- أن أبا بكر -﵁- كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين:\nبسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -ﷺ- على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله -ﷺ- فمن سئلها على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى.... الحديث\" أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده، كما أخرجه في باب زكاة الغنم، وفي باب: لا يؤخذ في الصدقة هرمة.\nكذلك أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي في باب زكاة الإبل، وابن ماجه: باب إذا أخذ المصدق سنًّا دون سن أو فوق سن، والدارقطني: باب زكاة الإبل والغنم.\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الصيام، باب قول النبي -ﷺ-: \"لا نكتب ولا نحسب\" من حديث عبد الله بن عمر -﵄-. كما أخرجه عنه مسلم: كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال، والنسائي: كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر أبي سلمة فيه، وأبو داود: كتاب الصيام، باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين.\n٢ المراد به: فعل النبي -ﷺ- وهو رأي جمهور العلماء. قال الفتوحي في شرح الكوكب المنير \"٣/ ٤٤٢\": \"وخالف في ذلك شرذمة قليلون\".\nوالراجح: رأي الجمهور، فقد بين -ﷺ- أعداد ركعات الصلاة، وأوصافها وهيآتها، ثم أكد ذلك بقوله -ﷺ- \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" فهو بيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ [البقرة: ٤٣، ١١٠] وبين مناسك الحج بفعله، ثم =","vol":"1","page":530},{"text":"فإن قيل: إنما حصل البيان بقوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" ١\nو\"خذوا عني مناسككم\" ٢.\nقلنا: هذا اللفظ لا تعلم منه الصلاة والمناسك، وإنما بان وعلم بفعله.\nوالبيان بالفعل أدل على الصفة، وأوقع في الفهم من الصفة بالقول، لما في المشاهدة من المزيد عن الإخبار.\nوقد يتبين جواز الفعل بالسكوت عنه، فإن النبي -ﷺ- لا يقر على الخطأ.\nفكل مفيد من الشارع بيان٣.\n_________\n= أكد ذلك بقوله: \"خذوا عني مناسككم\" فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .\nوقد اعترض المخالفون بأن البيان إنما كان بهذه الأحاديث، وليس بالفعل، فأجاب المصنف على ذلك: بأن اللفظ لم تعلم منه الصلاة ولا المناسك، وإنما علمت بالفعل، والأحاديث إنما هي تأكييد للأخذ بالأفعال التي رآها الصحابة من رسول الله -ﷺ-. وهذا معنى قوله الآتي: \"فإن قيل إلخ\".\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، كما أخرجه في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، وفي باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، من حديث مالك بن الحويرث.\nكما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.\n٢ جزء من حديث أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، من حديث جابر عن عبد الله -﵄- مرفوعًا، كما اخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما في كتاب الحج.\n٣ هذه قاعدة عامة فيما يحصل به البيان، تشمل ما سبق، كما تشمل وجوهًا ثلاثة، ذكرها الطوفي في شرح المختصر \"٢/ ٦٨١-٦٨٤\" نلخصها فيما يلي:\nالوجه الأول: الاستدلال العقلي من الشارع، بأن يبين العلة، أو مأخذ =","vol":"1","page":531},{"text":".............................................\n_________\nالحكم، او أي فائدة. كما قال تعالى في صفة ماء السحاب: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] .\nوقال تعالى -في موضع آخر-: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] .\nفبين ﷾ لنا بذلك طريق الاستدلال على إمكان البعث والمعاد، ولولا هذا الطريق الذي فتحه الله تعالى للمؤمنين لما اجترأ متكلموهم أن يستدلوا عليه، ولا يتكلمون مع الفلاسفة المنكرين له فيه.\nوقال النبي -ﷺ- لعمر -﵁- حين قال له: قبلت وأنا صائم-: \"أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ \" فقال عمر: لا بأس بذلك. فقال -ﷺ-: \"ففيم؟ \" \"رواه أبو داود \"٢٣٨٥\" وأحمد \"١/ ٢١، ٥٢\" وصححه ابن خزيمة \"١٩٩٩\" وابن حبان \"٩٠٥\" والحاكم \"١/ ٤٣١\" ووافقهم الذهبي\".\nفقاس -ﷺ- القبلة على المضمضة، وبين بذلك أن الفطر إنما يكون بما يجاوز الحلق إلى الجوف، أو بما يحصل منه مقصوده الموضوع له من المفطرات، والقبلة لم يحصل منها مقصود جنسها وهو الإنزال، كما أن المضمضة لم يحصل منها مقصود الشرب وهو الري.\nالوجه الثاني: الترك: مثل تركه -ﷺ- لفعل أمر به تركه، أو سبق له فعله ثم تركه، فيكون تركه لهذا الفعل بيانًا له.\nومن أمثلة الأول: الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وثبت أنه -ﷺ- كان بيايع ولا يشهد، بدليل الفرس الذي اشتراه من الأعرابي، ثم أنكر الأعرابي البيع، حتى جاء خزيمة بن ثابت فشهد لرسول الله -ﷺ- مع أنه لم يكن حاضرًا، وإنما شهد بناء على صدق الرسول -ﷺ- فعلم -بذلك- أن الإشهاد في البيع غير واجب.\nومن امثلة الثاني: تركه -ﷺ- لصلاة التروايح، بعد أن صلاها في رمصان، خشية أن تفرض على المسلمين، فدل ذلك على عدم وجوبها، لأن الواجب لا يجوز تركه.\nالوجه الثالث: السكوت بعد السؤال عن حكم الواقعة، فيعلم -بهذا السكوت- أنه لا حكم للشرع فيها، كما روي: أن زوجة سعد بن الربيع -رضي =","vol":"1","page":532},{"text":"ويجوز تبيين الشيء بأضعف منه، كتبيين آي القرآن بأخبار الآحاد١.\n_________\n= الله عنه- جاءت بابنتيها إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما معك يوم أحد، وقد أخذ عمهما مالهما، ولا ينكحان إلا بمال، فقال \"اذهبي حتي يقضي الله فيك\" فذهبت ثم نزلت آية الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فبعث خلف المرأة وابنتيها وعمهما، فقضى فيهم بحكم الآية. \"رواه أبو داود \"٢٨٩١\" والترمذي \"٢٩٢\" وابن ماجه \"٢٧٢٠\" وأحمد \"٣/ ٣٥٢\" من حديث جابر بن عبد الله\".\nفدل ذلك على أن المسألة لم يكن فيها حكم شرعي قبل نزول الآية، ومن هنا كان السكوت داخلًا تحت القاعدة المتقدمة.\n١ المراد من قول المصنف: \"بأضعف منه\": الأضعف في الرتبة لا في الدلالة؛ لأن تبيين اللفظ بما هو أضعف إلى أن المراد هنا: الضعف في الرتبة بقوله: \"كتبيين آي القرآن بأخبار الآحاد\".\nوخلاصة آراء العلماء في مسألتنا: أنه لا خلاف بين العلماء في جواز البيان بما هو أقوى من المبين في الرتبة -وهذا وضح-.\nثم اختلفوا بعد ذلك على عدة مذاهب:\nفذهب جمهور العلماء ومنهم أكثر الحنابلة إلى جواز البيان بالمساوي والأضعف، وهو ما رجحه ابن قدامة؛ ولذلك لم يذكره غيره.\nوذهب بعض العلماء إلى أنه لا بد من التساوي.\nونقل عن بعضهم أنه لا بد وأن يكون أقوى من المبين.\nوقد رجح كثير من العلماء مذهب الجمهور واستدلوا على ذلك بأنه لا يلزم من ضعف الرتبة ضعف الدلالة؛ لجواز أن يكون الأضعف رتبة أقوى دلالة، كتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لأنه أخص منه، فيكون أدل على الحكم.\nانظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب \"٢/ ١٦٣\"، فواتح الرحموت \"٢/ ٤٨\"، شرح الكوكب المنير \"٣/ ٤٥٠-٤٥١\".","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>فصل: [لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة]</span>\nولا خلاف في: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة١.\nواختلف في تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:\nقال ابن حامد والقاضي يجوز٢.\nوبه قال أكثر الشافعية وبعض الحنفية٣.\nوقال أبو بكر: عبد العزيز٤، وأبو الحسن التميمي: لا يجوز\n_________\n١ صوّره بعض العلماء بقول الشارع: \"صلوا غدًا\" ثم لا يبن لهم في غد كيف يصلون، وهذا هو رأي جمهور العلماء، لأن تكليف الإنسان بما لا علم له به تكليف بما لا يطاق.\nوأجاز ذلك من أجاز تكليف المحال، وعلى ذلك المعتزلة.\nوقال بعض العلماء: إن القائلين بالجواز العقلي يوافقون الجمهور على عدم الوقوع.\nقال الشوكاني: \"وأما من جوز التكليف بما لا يطاق، فهو يقول بجوازه فقط، لا بوقوعه، فكان عدم الوقوع متفقًا عليه بين الطائفتين، ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني إجماع أرباب الشرائع على امتناعه\". إرشاد الفحول \"٢/ ٣٧\" تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل. وانظر: المعتمد \"١/ ٣٤٢\"، والبرهان \"١/ ١٦٦\" الإحكام لابن حزم \"١/ ٧٥\".\n٢ انظر: العدة \"٣/ ٧٢٥\" والتمهيد \"٢/ ٢٩٠\".\n٣ انظر: البرهان \"١/ ١٦٦\" وكشف الأسرار \"٣/ ١٠٨\".\n٤ هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف، أبو بكر الحنبلي، المشهور بغلام الخلال، أصولي فقهيه من مؤلفاته: \"المقنع\" \"توفي سنة ٣٦٣هـ\". =","vol":"1","page":534},{"text":"ذلك، وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة١.\nووجهه ثلاثة أمور:\nأحدها: أن الخطاب يراد لفائدته، وما لا فائدة فيه وجوده كعدمه.\nولا يجوز أن يقال: \"أبجد هوز\" يراد به: وجوب الصلاة، ثم يبينه فيما بعد.\nوالثاني: أنه لا يجوز مخاطبة العربي بالعجمية؛ لأنه لا يفهم معناه، ولا يسمع إلا لفظه.\nوالثالث: أنه لا خلاف أنه لو قال: \"في خمس من الإبل شاة\"٢: يريد به: خمس من البقر: لم يجز؛ لأنه تجهيل في الحال٣، وإيهام لخلاف المراد.\nوكذا قوله -تعالى-: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ يوهم قتل كل مشرك، فإذا لم يبين التخصيص: فهو تجهيل في الحال.\nولو أراد بالعشرة: سبعة: لم يجز إلا بقرينة الاستثناء.\nكذلك العام، لا يجوز أن يراد به الخصوص إلا بقرينة متصلة مبينة، فإن لم يكن بقرينة فهو تغيير للوضع.\nوقال آخرون: يجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير بيان\n_________\n= انظر: تاريخ بغداد \"١٠/ ٤٥٩\" طبقات الحنابلة \"٢/ ١٩٩\".\n١ وكذلك أبو بكر الصيرفي وأبو إسحاق المروزي \"شرح الطوفي ٢/ ٦٨٨\".\n٢ جزء من كتاب أبي بكر -﵁- في الصدقات. تقدم قريبًا.\n٣ أي: تجهيل للسامع، فلا يدري ما المراد.\n٤ سورة التوبة من الآية: ٥.","vol":"1","page":535},{"text":"التخصيص في العموم؛ فإنه يوهم العموم، فمتى أريد به الخصوص، ولم يبين مراده: أوهم ثبوت الحكم في صورة غير مرادة.\nوالمجمل بخلاف هذا، فإنه لم يفهم منه شيء١.\nولنا٢ الاستدلال بوقوعه في الكتاب والسنة:\nقال الله -تعالى-: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ٤ وثم للتراخي٥، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٦ ولم يفصّل إلا بعد السؤال٧.\n_________\n١ وهو مذهب الكرخي من الحنفية. وهناك مذاهب أخرى، حكاها الطوفي في شرحه \"٢/ ٦٨٨\" فقال: \"وذهب بعض الأصوليين إلى جواز تأخير الأمر دون الخبر، وذهب الجبائي وابنه، والقاضي عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره، وقال أبو الحسن البصري: ما ليس له ظاهر، كالمجمل يجوز تأخير بيانه، وما له ظاهر، والمراد به غيره، يجوز تأخير بيانه التفصيلي، لا الإجمالي، بأن يقول وقت الخطاب مثلًا: هذا العموم مخصوص، ولا يجب تفصيل أحكام تخصيصه، ببيان غير المخصص، ومقدار ما يخص منه. ثم قال: والصحيح جوازه مطلقًا\".\n٢ بدأ المصنف يستدل للمذهب الراجح، وهو الجواز مطلقًا.\n٣ سورة القيامة الآيتان: ١٨، ١٩.\n٤ سورة هود الآية: ١.\n٥ فقد رتب -سبحانه- بيان القرآن على القراءة، وتفصيل الآيات على إحكامها بـ\"ثم\" التي تفيد التراخي والمهلة، وقد تقدم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلم يبق إلا جوازه عن وقت الخطاب.\n٦ سورة البقرة الآية: ٦٧.\n٧ وهو: ما جاء في الآيات: ٦٨-٧١ من نفس السورة.","vol":"1","page":536},{"text":"وقال -في خمس الغنيمة-: ﴿... وَلِذِي الْقُرْبَى ...﴾ ١ وأراد: \"بني هاشم\" و\"بني المطلب\" ولم يبينهم، فلما منع \"بني نوفل\" و\"بني عبد شمس\": سئل عن ذلك فقال: \"إنا وبني عبد المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام\"٢.\nوقال لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ ٣ فتوهم نوح -﵇- أن ابنه من اهله، حتى بين الله -تعالى- له.\nوقال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٤. وبين المراد بصلاة جبريل بالنبي -ﷺ- في اليومين٥.\n_________\n١ سورة الأنفال من الآية: ٤١.\n٢ رواه البخاري من حديث جبير بن مطعم بلفظ: \"إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد\" ورواه أبو داود حديث رقم \"٢٩٨٠\" بلفظ: \"إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحد\" وشبك بين أصابعه -ﷺ-.\nكما رواه أحمد \"٤/ ٨١\" والنسائي \"٧/ ١٣٠، ١٣١\" بنحوه.\nانظر: صحيح البخاري \"٢/ ١٩٦\" بحاشية السندي، نصب الراية \"١/ ٢٢١\".\n٣ سورة هود من الآية: ٤٠.\n٤ سورة البقرة: ٤٣، ١١٠.\n٥ روى نافع بن حبير بن مطعم قال: أخبرني ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: \"أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حيت زالت الشمس فكانت بقدر الشراك.. الحديث\" رواه أحمد حديث رقم \"٣٠٨١\" وأبو داود \"٣٩٣\" والترمذي \"١٤٩\" وعبد الرزاق \"٢٠٢٨\" والشافعي \"١/ ٥٠\" والطحاوي \"١/ ١٤٦، ١٤٧\" والطبراني \"١٠٧٥٣\" وغيرهم. وله شاهد من حديث جابر عن أحمد والنسائي، وصححه الحاكم \"١/ ١٩٥\".","vol":"1","page":537},{"text":"وبان المراد بقوله -تعالى-: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ بقول النبي -ﷺ-: \"في أربعين شاة شاة\" ٢ و\"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" ٣.\nوبان المراد بقوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٤ بفعله؛ لقوله: \"خُذُوا عَنَي مَناَسِكَكَُمْ\" ٥.\nوالنكاح، والإرث أصلهما في الكتاب وبينهما النبي -ﷺ- متراخيا بالتدريج: من يرث، ومن لا يرث، ومن يحل نكاحه، ومن يحرم.\nوقوله -تعالى-: ﴿وَجَاهِدُوا﴾ ٦ عام، ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ ٧.\n_________\n١ سورة البقرة الآيات: ٤٣، ١١٠ وسورة النور الآية: ٥٦ وسورة المزمل الآية: ٢٠.\n٢ جزء من حديث طويل في الصدقات عن ثمامة بن عبد الله بن أنس أن أنسًا حدثه أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله.... وفيه: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين، ففيها شاة إلى عشرين ومائة\" تقدم تخريجه قريبًا.\n٣ حديث صحيح: رواه البخاري \"١٤٨٤\" ومسلم \"٩٧٩\" ومالك في الموطأ \"١/ ٢٤٤\" وأحمد في المسند \"٣/ ٦، ٣٠، ٥٩، ٦٠، ٧٣، ٧٣، ٧٩، ٩٦، ٩٧\" وأبو داود \"١٥٥٨\" والترمذي \"٦٢٦١\" والنسائي \"٥/ ١٧\" وابن ماجه \"١٧٩٣\" من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n٤ سورة آل عمران من الآية: ٩٧.\n٥ تقدم تخريجه قريبًا.\n٦ سورة المائدة من الآية: ٣٥ وسورة الحج من الآية: ٧٨.\n٧ سورة التوبة من الآية: ٩١.","vol":"1","page":538},{"text":"وكل عام أتى في الشرع ورد خصوصه بعده. وهذا لا سبيل إلى إنكاره.\nوإن تطرق الاحتمال إلى بعض هذه الاستشهادات، فلا يتطرق إلى الجميع.\nالمسلك الثاني١:\nأنه لا يجوز تأخير النسخ، بل يجب، والنسخ: بيان للوقت فيجوز أن يرد بلفظ يدل على تكرار الفعل على الدوام، ثم ينسخ بعد حصول اعتقاد اللزوم في الدوام.\nأما قولهم٢: \"لا فائدة في الخطاب بمجمل\": فغير صحيح؛ فإن قوله -تعالى-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ ٣ يعرف وجوب الإيتاء،\n_________\n١ بعد أن أورد المصنف أمثلة من القرآن والسنة تأخر فيها البيان عن المبين، أورد دليلًا آخر: هو: أن النسخ بيان في الزمان، وهذا بيان في الأعيان، وقد وجب التأخير في النسخ، فليجز ههنا. وهو حجة على من فرق بين النسخ وغيره في تأخير البيان؛ لأن تأخير النسخ يوهم ثبوت الحكم في زمن ليس ثابتًا في نفس الأمر، وتأخير تخصيص العام يوهم ثبوت الحكم في صورة التخصيص، وليس ثابتًا فيها في نفس الأمر، وكلاهما محذور، وقد التزم الخصم أحدهما، فيلزمه التزام الآخر. انظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦٩٣\".\n٢ بدأ المصنف يرد على أدلة مذهب المانعين من تأخير البيان عن وقت الخطاب، فبدأ بمناقشة الوجه الأول وهو قولهم: \"لا فائدة في الخطاب بمجمل\" فقال: إن له فوائد كثيرة: من وجوب الإيتاء وغير ذلك مما ذكره المصنف، والذي عبر عنه \"الطوفي\" بقوله: \"الانقياد التكليفي\" وهو يخالف عبارة \"أبجد هوز\" حيث لا تفيد معنى أصلًا.\n٣ سورة الأنعام من الآية: ١٤١.","vol":"1","page":539},{"text":"ووقته، وأنه حق المال، ويمكن العزم على الامتثال، والاستعداد له، ولو عزم على تركه: عصى.\nوقوله -تعالى-: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ١ يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي.\nفهو كالأمر إذا لم يتبين أنه للإيجاب أو للندب، وأنه على الفور أم على التراخي، فقد أفاد اعتقاد الأصل، وإن خلا من كمال الفائدة، وليس ذلك مستنكرًا، بل واقع في الشريعة والعادة، بخلاف \"أبجد هوز\" فإنه لا فائدة فيه أصلًا.\nوالتسوية٢ بينه -أيضًا- وبين الخطاب بالفارسية لمن لا يفهمها، غير صحيحة لما ذكرنا٣.\nثم لا يمتنع أن يخاطب رسول الله -ﷺ- جميع أهل الآرض بالقرآن، وينذر به من بلغه من الزنج٤ وغيرهم، ويشعرهم اشتماله على\n_________\n١ سورة البقرة من الآية: ٢٣٧. فإن قول تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ متردد بين الزوج أو ولي الزوجة.\n٢ هذا رد على دليلهم الثاني وهو قولهم: \"لا يجوز مخاطبة العربي بالعجمية\" فقال: هذه التسوية غير صحيحة.\n٣ من أن مخاطبة العربي بالعجمية لا يفيد شيئًا أصلًا، لعدم فهمه، أما المجمل: فإنه يفيد ما تقدم ذكره من: الانقياد التكليفي، والاستعداد للامتثال وغير ذلك.\nثم على فرض وقوع ذلك، فليس في ذلك ما يمنع أن يبلغ رسول الله -ﷺ- ما يوحى إليه لغير العربي عن طريق الترجمة.\n٤ الزنج: طائفة من السودان تسكن تحت خط الاستواء وجنوبيه وليس وراءهم عمارة. قال بعضهم: وتمتد بلادهم من المغرب إلى قرب الحبشة، وبعض بلادهم على نيل مصر. \"المصباح المنير ١/ ٢٥٦\".","vol":"1","page":540},{"text":"أوامر يعرفهم المترجم \"إياها\"١.\nوكيف يبعد هذا، ونحن نجوز كون المعدوم مأمورًا على تقدير الوجود، فأمر الأعجمي على تقدير البيان أقرب، وههنا يسمى خطابًا؛ لحصول أصل الفائدة.\nوأما الثالث٢: فإنما يلزم لو كان العام نصًّا في الاستغراق، وليس٣ كذلك، بل هو ظاهر، وإرادة الخصوص به من كلام العرب٤.\nفمن اعتقد العموم قطعًا: فذلك لجهله، بل يعتقد أنه محتمل للخصوص، وعليه الحكم بالعموم إن خلى والظاهر، وينتظر أن ينبه على الخصوص.\nأما إرادة السبعة بالعشرة، والبقرة بالإبل، فليس من كلام العرب، بخلاف ما ذكرناه.\n_________\n١ هذه الزيادة من المستصفى.\n٢ هذا هو الرد على الدليل الثالث وهو قولهم: \"إنه لا خلاف أنه لو قال: \"في خمس من الإبل شاة\": يريد به: في خمس من البقر: لم يجز ... إلخ\" فبين أن هذا إنما يلزم إذا كانت دلالة العام دلالة قطعية، وهو أمر غير مسلم، فدلالة العام دلالة ظنية -كما سيأتي-.\n٣ في الأصل \"ولا\" وما أثبتناه من المستصفى.\n٤ معناه: أن العربي قد يتكلم باللفظ العام ويريد به الخصوص، فيقول -مثلًا- \"للبنت النصف من الميراث\" فيقال له: فالبنت الرقيقة والكافرة لا ترث شيئًا فيقول: ما خطر ببالي هذا، وإنما أردت غير الرقيقة والكافرة.\nوأما إرادة السبعة بالعشرة، فليس من كلام العرب.\nانظر: المستصفى \"٣/ ٧٧\" تحقيق الدكتور حمزة حافظ.","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>باب: الأمر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>مدخل</span>\n...\nباب: الأمر\nالأمر: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء١.\nوقيل: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به٢.\n_________\n١ معنى \"استدعاء الفعل\": أي طلبه، ومعنى \"الاستعلاء\": أن يكون الأمر على كيفية فيها ترفع وغلظة على المأمور، كالسيد مع عبده، وكالسلطان مع رعيته.\nوكون شرط الأمر على وجه الاستعلاء هو مذهب الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه، وأبي الحسن البصري، والآمدي وابن الحاجب وغيرهم.\nوقيل: يشترط العلو: وهو أن يكون الآمر أعلى منزلة من المأمور في الواقع ونفس الأمر، وهو مذهب المعتزلة وأبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ والسمعاني.\nوقيل: يشترط العلو والاستعلاء معًا، وهو مذهب القشيري والقاضي عبد الوهاب من المالكية.\nوقيل: لا يشترط فيه علو ولا استعلاء، فيصح من المساوي والأدون على غير استعلاء، وهو مذهب المتكلمين، واختاره كثير من متأخري الأصوليين. انظر: نهاية السول \"٢/ ٧\" المعتمد \"١/ ٤٩\" المسودة ص٤١.\nوقد اختار المصنف كون الأمر على هيئة الاستعلاء. فقوله: \"استدعاء الفعل\" أي: طلبه، خرج به النهي؛ لأنه: استدعاء الترك.\n٢ وهو تعريف أبي بكر الباقلاني، واختاره إمام الحرمين والغزالي وأكثر الأشاعرة.\nانظر: البرهان \"١/ ٢٠٣\" والمستصفى \"٣/ ١١٩\".","vol":"1","page":542},{"text":"وهو فاسد؛ إذ تتوقف معرفة المأمور على معرفة الأمر، والحد ينبغي أن يعرف المحدود، فيفضي إلى الدور١.\nوللأمر صيغة مبينة فتدل بمجردها على كونها أمرًا إذا تعرت عن القرائن وهي: \"افعل\" للحاضر، \"وليفعل\" للغائب. هذا قول الجمهور٢.\nوزعمت فرقة من المبتدعة: أنه لا صيغة للأمر، بناء على خيالهم: أن الكلام معنى قائم بالنفس٣.\n_________\n١ وضح الطوفي هذا الدور في شرحه \"٢/ ٣٤٨-٣٤٩\" فقال: \"هذا التعريف دوري، يلزم منه الدور؛ لأنه تعريف للأمر بالمأمور، والمأمور به، المتوقف معرفتهما على الأمر، فصار تعريفًا للأمر بنفسه، بواسطة المأمور والمأمور به وهذا -كما سبق- في تعريف العلم بمعرفة المعلوم\".\n٢ معناه: أن للأمر صيغة موضوعة له، تدل عليه حقيقة، كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها. \"شرح الطوفي ٢/ ٣٥٣-٣٥٤\".\n٣ أي: أن القائلين بأن الأمر لا صيغة له، بنوا ذلك على إثبات الكلام القائم بالنفس، فإنه معنى لا صيغة له.\nقال الآمدي: \"وقد اختلف القائلون بكلام النفس: هل الأمر صيغة تخصه وتدل على دون غيره في اللغة أم لا؟ فذهب الشيخ أبو الحسن -﵀-، ومن تابعه إلى النفي، وذهب ممن عداهم إلى الإثبات\" الإحكام \"٢/ ١٢\".\nقال الطوفي: \"قلت قول الأشعري: ليس للأمر النفسي صيغة تدل عليه مع قوله: إن القرآن صيغ وعبارات مخلوقة؛ تدل على كلام الله -﷿- القائم بنفسه، تناقص.\nوالأشهر عنه: أن للكلام والأمر صيغًا تدل على معناه، فلعل ما حكاه الآمدي عنه، قول مرجوع عنه، أن أن المراد به غير ما ظهر لي، والله ﷾ أعلم\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٥٤\".\nوقد رد المصنف على من قال: إنه لا صيغة للأمر بأنهم خالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف -كما سيأتي-.","vol":"1","page":543},{"text":"فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف:\nأما الكتاب:\nفإن الله -تعالى- قال لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ١. فلم يسم إشارته إليهم كلامًا.\nوقال لمريم: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ٢. فالحجة فيه مثل الحجة في الأول.\nوأما السنة:\nفإن النبي -ﷺ- قال \"إن الله عفا لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به\" ٣.\nوقال لمعاذ: \"أمسك عليك لسانك\" قال: وإنا لمؤاخذون بما نقول؟ قال: \"ثكلتك أمك وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم\" ٤.\n_________\n١ سورة مريم الآيتان: ١٠، ١١ فلم يسم إشارته كلامًا، مع أنها تعبير عما في النفس.\n٢ سورة مريم الآية: ٢٦.\n٣ حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكر أو الجنون من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا، كما رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، وأبو داود: كتاب الطلاق، باب في الوسوسة بالطلاق، وأحمد في مسنده \"٢/ ٣٩٨-٤٢٥، ٤٧٤\".\n٤ أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" كما رواه البيهقي وغيره عن =","vol":"1","page":544},{"text":"وقال: \"إذا قال الإمام ﴿وَلا الضَّالِّين﴾ فَقًُولُوا: آمين\" ١ ولم يرد بذلك ما في النفس.\nوأما أهل اللسان٢:\nفإنهم اتفقوا -عن آخرهم- على أن الكلام: اسم، وفعل وحرف٢.\nواتفق الفقهاء -بأجمعهم- على أن من حلف لا يتكلم، فحّدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه: لم يحنث، ولو نطق: حنث.\nوأهل العرف -كلهم- يسمون الناطق: متكلمًا، ومن عداه: ساكتًا، أو أخرس٣.\n_________\n= ميمون بن أبي شيبة عن معاذ، كما في الترغيب والترهيب \"٥/ ١٦٥\" طبعة دار الفكر، بيروت.\n١ رواه مالك: كتاب النداء، باب ما جاء في التأمين خلف الإمام. الموطأ \"١/ ٨٧\" والبخاري: كتاب الأذان، باب جهر المأموم بالتأمين، وباب جهر الإمام بالتأمين، ومسلم: كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب التأمين وراء الإمام، والنسائي، كتاب افتتاح الصلاة، باب جهر الإمام بآمين، وباب الأمر بالتأمين خلف الإمام، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب الجهر بآمين، وأحمد في المسند \"٢/ ٢٣٣، ٢٣٨، ٢٧٠، ٤٤٩، ٤٥٠\".\n٢ معناه: أن من قال: إن الكلام معنى قائم في النفس قد خالف أهل اللغة واللسان العربي؛ فإنهم قسموا الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وما في النفس ليس واحدًا منها، فإنهم هم الحجة في هذا المقام.\n٣ أي: أن من قال بالكلام النفسي فقد خالف إجماع الفقهاء، فإن من حلف أن لا يتكلم، ثم حدثته نفسه بأشياء لم ينطق بها لا يحنث، بخلاف ما لو نطق، فإنه يحنث وتجب عليه الكفارة.","vol":"1","page":545},{"text":"ومن خالف كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -ﷺ- وإجماع الناس كلهم -على اختلاف طبقاتهم- فلا يعتد بخلافه.\nفأما الدليل على أن هذه صيغة الأمر: فاتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرًا.\nولو قال رجل لعبده: \"اسقني ماء\" عُدَّ آمرًا، وعُدَّ العبد مطيعًا بالامتثال، عاصيا بالترك، مستحقا للأدب والعقوبة.\n[معاني صيغة الأمر]\nفإن قيل: هذه الصيغة مشتركة بين:\nالإيجاب كقوله-تعالى-: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ١.\nوالندب كقوله-تعالى-: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ....﴾ ٢.\nوالإباحة كقوله-تعالى-: ﴿فَاصْطَادُوا ...﴾ ٣.\nوالإكرام كقوله-تعالى-: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ٤.\nوالإهانة كقوله- تعالى-: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٥.\nوالتهديد كقوله-تعالى-: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.....﴾ ٦.\n_________\n١ سورة الإسراء من الآية: ٧٨.\n٢ سورة النور من الآية: ٣٣.\n٣ سورة المائدة من الآية: ٢.\n٤ سورة الحجر من الآية: ٤٦.\n٥ سورة الدخان الآية: ٤٩.\n٦ سورة فصلت من الآية: ٤٠.","vol":"1","page":546},{"text":"والتعجيز كقوله -تعالى-: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ١.\nوالتسخير كقوله -تعالى-: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ ٢.\nوالتسوية كقوله -تعالى-: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ٣.\nوالدعاء -كقوله-: \"اللهم اغفر لي\"٤.\nوالخبر كقوله -تعالى-: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ٦.\nوالتمني كقول الشاعر:\nألا أيها الليل الطويل ألا انجلي٧.\nفالتعيين يكون تحكمًا.\n_________\n١ سورة الإسراء الآية: ٥٠.\n٢ سورة البقرة من الآية: ٦٥.\n٣ سورة الطور من الآية: ١٦.\n٤ هذا مجرد تمثيل، وإلا فالوارد في القرآن الكريم بلفظ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: ١٥١] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [إبراهيم: ٤١] ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] .\n٥ سورة مريم من الآية: ٣٨.\n٦ حديث صحيح: أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، وفي الأدب المفرد باب: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، من حديث أبي مسعود البدري، وأبو داود: في الأدب، باب في الحياء، وابن ماجه في الزهد، باب الحياء.\nكما أخرجه من حديث حذيفة: أحمد في المسند \"٥/ ٣٨٣\" وأبو نعيم في الحلية \"٤/ ٣٧١\" والخطيب في تأريخ بغداد \"١٢/ ١٣٥\".\n٧ الشاعر: هو امرؤ القيس. تقدمت ترجمته. وهذا صدر بيت من قصيدته المشهورة من المعلقات العشر.","vol":"1","page":547},{"text":"قلنا: هذا لا يصح لوجهين:\nأحدهما: مخالفة أهل اللسان؛ فإنهم جعلوا هذه الصيغة أمرًا، وفرقوا بين \"الأمر\" و\"النهي\" فقالوا: باب الأمر: \"افعل\"، وباب النهي: \"لا تفعل\"، كما ميزوا بين الماضي والمستقبل.\nوهذا أمر نعلمه بالضرورة من كل لسان: من العربية، والعجمية، والتركية، وسائر اللغات، لا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد ونحوه في نوادر الأحوال.\nالثاني: أن هذا يفضي إلى سلب فائدة كبيرة من الكلام، وإخلاء الوضع عن كثير من الفائدة.\nوفي الجملة: كالاشتراك على خلاف الأصل؛ لأنه يخل بفائدة الوضع، وهو: الفهم.\nوالصحيح: أن هذه صيغة الأمر، ثم تستعمل في غيره مجازًا مع\n_________\n= وعجز البيت:\nبصبح وما الإصباح منك بأمثل\nوروي:\nوما الإصباح فيك بأمثل\nومعنى البيت: أن الشاعر يشكو من طول ليله، لأن ليل المحب كأنه مستحيل الانجلاء، ولذلك حمله الشاعر على التمني، بخلاف الرجاء، فإنه يكون في الممكنات.\nانظر: ديوان امرئ القيس ص٨ الطبعة الثانية بدار المعارف بمصر.\nوهناك معان أخر لصيغة الأمر، أوصلها بعضهم إلى أكثر من ثلاثين معنى.\nانظر: أصول السرخسي \"١/ ١٤\"، المعتمد \"١/ ٤٩\"، المحصول \"جـ١ ق٢ ص٥٧ مختصر الطوفي ص٨٤، شرح الكوكب المنير \"٣/ ١٧ وما بعدها\".","vol":"1","page":548},{"text":"القرينة، كاستعمال ألفاظ الحقيقة بأسرها في مجازها١.\n_________\n١ معنى ذلك: أن صيغة الأمر حقيقة في الطلب الجازم، مجاز في غيره من المعاني.\nوذكر الآمدي أنهم اتفقوا على أن صيغة \"افعل\" مجاز فيما سوى الطلب، والتهديد، والإباحة، واختلفوا في أنها مشتركة بين الثلاثة، أو حقيقة في الإباحة، مجاز فيما سواها، أو في الطلب، مجاز فيما سواه.\nقال: وهو المختار؛ لأن من قال لغيره: افعل كذا مجردًا عن جميع القرائن، تبادر إلى الفهم منه: الطلب، وذلك دليل الحقيقة. انظر: \"الإحكام ٢/ ١٤٢\".\nقال الطوفي: \"قلت: وإذا ثبت بهذا أنها حقيقة في الطلب، ثبت أنها للجزم ... \" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٥٨\".","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>فصل: [لا يشترط الإرادة في الأمر]</span>\nولا يشترط في كون الأمر أمرًا: إرادة الآمر في قول الأكثرين.\nوقالت المعتزلة: إنما يكون أمرًا بالإرادة١.\n_________\n١ هذه المسألة ناشئة من الخلاف الذي بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة في: هل الطلب هو الإرادة، أو غيرها؟\nوتحقيق القول في هذه المسألة: أن الإرادة نوعان:\n١- إرادة كونية قدرية، وهي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات.\n٢- إرادة دينية شرعية، وقد توجد وقد لا توجد. والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية، ولا تلازمه الإرادة الكونية، فالله -تعالى- أمر أبا لهب -مثلًا- بالإيمان، وأراده منه شرعًا، ولكنه لم يرده منه كونًا وقدرًا؛ إذ لو أراده -كونًا- لوقع والآيات في معنى ذلك كثيرة:\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وقال تعالى: =","vol":"1","page":549},{"text":"وحده بعضهم: بأنه: إرادة الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.\nقالوا: لأن الصيغة مترددة بين أشياء، فلا ينفصل الأمر منها مما ليس بأمر إلا بالإرادة.\nولأن الصيغة إن كانت أمرا لذاتها: فهو باطل بلفظ التهديد، أو لتجردها عن القرائن، فيبطل بكلام النائم والساهي.\nفثبت أن المتكلم بهذه الصيغة على غير وجه السهو غرضه: المأمور به، وهو نفس الإرادة ولنا: أن الله أمر إبراهيم –﵇- بذبح ولده، ولم يرده منه وأمر أبليس بالسجود، ولم يرده منه؛ إذ لو أراده لوقع؛ فإن الله -تعالى- فعال لما يريد.\nدليل ثان: أن الله -تعالى- أمر بأداء الأمانات بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ١.\nثم لو ثبت أنه لو قال: \"والله لأؤدين أمانتك إليك غدا إن شاء الله\" فلم يفعل: لم يحنث٢؛ فإن الله -تعالى- قد شاء ما أمره به من أداء أمانته.\n_________\n= ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا....﴾ [السجدة: ١٣] . وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة.\nأما المعتزلة فقالوا: إنه لا يكون أمرا إلا بإرادة وقوعه. فأدى بهم ذلك إلى القول: بأن معصية العاصي ليست بمشيئة الله تعالى؛ لأنه أمر بتركها، ولم يرد إلا التزام الذي أمر به، لأن الأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة.\nوقد رد المصنف على اتجاه المعتزلة كما سيأتي قريبا.\n١ سورة النساء من الآية: ٥٨.\n٢ في الأصل \"يجب\" وصححناه من النسخة التي حققها الدكتور \"النملة\" -سلمه الله-.","vol":"1","page":550},{"text":"دليل آخر: أن دليل الأمر ما ذكرنا١ عن أهل اللسان، وهم لا يشترطون الإرادة.\nودليل آخر: أنا نجد الأمر متميزا عن الإرادة؛ فإن السلطان لو عاتب رجلا على ضرب عبده، فمهد عذره بمخالفة أمره فقال له بين يدي الملك: \"أسرج الدابة\" وهو لا يريد أن يسرج؛ فيه من خطر الهلاك للسيد.\nولأنه قصد تمهيد عذره، ولا يتمهد إلا بمخالفته، وتركه امتثال أمره، وهو أمر، لولاه لما تمهد العذر.\nوكيف لا يكون آمرا، وقد فهم العبد والملك والحاضرون منه الأمر٢؟.\nفأما الاشتراك في الصيغة: فقد أجبنا عنه٣.\nولأننا قد حددنا الأمر بأنه: استدعاء الفعل بالقول، ومع التهديد لا يكون استدعاء.\nوهذا الجواب عن الكلام الثاني٤، فإنا نقول: هي أمر؛ لكونها استدعاء على وجه الاستعلاء.\n_________\n١ في قوله -سابقا-: \"وأما الدليل على أن هذه صيغة الأمر إلخ\".\n٢ نقل أبو يعلى في العدة \"١/ ٢١٥\" عن الإمام أحمد -﵁- أنه قال: \"أمر الله -﷿- العباد بالطاعة، وكتب عليهم المعصية؛ لإثبات الحجة عليهم، وكتب الله على آدم يصيب الخطيئة قبل أن يخلقه\".\nقال أبو يعلى: \"وهذا يدل على أن الأمر يعتبر فيه الإرادة للآمر؛ لأن كتبه المعصية ضد الأمر بالطاعة، لأن ما كتبه حتم لا بد من وجوده، فعلم أن ما أمر به من الطاعة لم يكن مريدا له؛ لأنه كتب ضده\".\n٣ في قوله: \"قلنا: هذا لا يصح لوجهين ... \".\n٤ معناه: أن المعتزلة لما قالوا في دليلهم الثاني: \"إن كانت الصيغة أمرا لذاتها، =","vol":"1","page":551},{"text":"ويخرج من هذا النائم والساهي؛ فإنه لا يجد على وجه الاستعلاء١.\n_________\n= فهو باطل بلفظ التهديد، وإن كانت أمرا نظرا لتجردها عن القرائن فهو باطل بكلام النائم ... \" فأجاب عنه الجمهور: بأنا جعلنا صيغة \"افعل\" أمرا لكونها استدعاء لفعل متجردة على وجه الاستعلاء، لا للإرادة، فإذا جاءت متجردة اكتفينا في الحكم عليها بأنها \"أمر\" والذي يستعلمها في غير ذلك يحتاج إلى دليل، ويخرج عن هذا النائم والساهي لأنه لا استعلاء في صيغتهما\n١ معناه: أن لفظ النائم والساهي بصيغة \"افعل\" مع أنه ليس أمرا لا يرد علينا؛ لأن انتفاء كونه أمرا ليس لعدم الإرادة، بل لعدم الاستعلاء فيه؛ إذ الاستعلاء لا يتصور من النائم والساهي، لأن الاستعلاء كيفية تصدر عن تصور الأمر واستشعاره أنه أعلى من المأمور، وذلك يستلزم صحة التصور والقصد، وهما ممتنعان في النائم والساهي، ولذلك قلنا: لا يتوجه الخطاب إليهما حال النوم والسهو.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٦١-٣٦٢\".","vol":"1","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>فصل: مسألة: الأمر المجرد يدل على الوجوب</span>\n...\nمسألة: [الأمر المجرد يدل على الوجوب]\nإذا ورد الأمر متجردا عن القرائن١: اقتضى الوجوب في قول الفقهاء وبعض المتكلمين.\nوقال بعضهم: يقتضى الإباحة لأنها أدنى الدرجات، فهي مستيقنة، فيجب حمله على اليقين٢.\n_________\n١ أشار المصنف بذلك إلى تحرير محل النزاع وهو: ما إذا خلا الأمر عن أي قرينة تدل على أن المراد به الوجوب، أو الندب، أو الإباحة أو التهديد، وكذا سائر المعاني التي سبق ذكرها، فإنه إذا اقترنت به قرينة تدل على معنى حمل عليه بلا خوف.\n٢ وضحه الطوفي في شرحه: \"٢/ ٣٦٦ فقال: \"أي: أن الأمر قد استعمل في الوجوب والندب والإباحة، وهي المتيقنة، فليكن الأمر حقيقة فيها، ويقف","vol":"1","page":552},{"text":"وقال بعض المعتزلة: يقتضي الندب؛ لأنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب وهو: طلب الفعل واقتضاؤه، وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم، أما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم، فيتوقف فيه١.\nولأن الأمر طلب، والطلب يدل على حسن المطلوب لا غير، والمندوب حسن، فيصح طلبه، وما زاد على ذلك درجة لا يدل عليها مطلق الأمر، فيحمل على اليقين.\nوقالت الواقفية: هو على الوقف، حتى يرد الدليل ببيانه؛ لأن كونه موضوعا لأحد الأقسام: إما أن يعلم بنقل أو عقل، ولم يوجد أحدهما، فيجب التوقف فيه٢.\nولنا: ظواهر الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول أهل اللسان:\n_________\n= حمله خصوصية الندب، أو الوجوب على الدليل؛ لأنهما مشكوك فيهما، فلا يحمل عليهما بالشك، ولأن جواز الإقدام هو القدر المشترك بين الثلاثة، فليكن الأمر حقيقة فيه، وهو الإباحة؛ دفعا للمجاز والاشتراك\".\n١ تقرير ذلك: أن الأمر ورد تارة للوجوب وتارة للندب، فلو جعل حقيقة في أحدهما كان مجازا في الآخر، ولو جعل حقيقة فيهما لزم الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو مطلق رجحان الفعل.\nوأما العقاب على الترك: فينتفي بالاستصحاب، أي: استصحاب عدمه، وهو كون الأصل: براءة الذمة منه.\nانظر: شرح الطوفي \"٢/ ٣٦٦.\n٢ وحجتهم: إبطال أدلة المخالفين والقدح فيها، فيجب التوقف.","vol":"1","page":553},{"text":"أما الكتاب:\nفقوله –تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. حذر الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك.\nوأيضا قول الله –تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ ٣ ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب: ما يذم يتركه.\nومن السنة:\nما روى البراء بن عازب: أن النبي -ﷺ- أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: \"من أغضبك أغضبه الله\"؟ فقال: \"وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع\" ٤.\n_________\n= قال الطوفي: \"وهذه طريقة جيدة في المطالب القطعية، أما الظنية: فيكون فيها ظهور أحد الطرفين، وإن توجه إليه قادح ما\".\n١ سورة النور من الآية: ٦٣.\n٢ سورة الأحزاب من الآية: ٣٦.\n٣ سورة المرسلات من الآية: ٤٨.\n٤ أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، ومسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وأبو داود: كتاب الحج، باب إفراد الحج، كما أخرجه الشافعي والطيالسي.\nانظر: تلخيص الحبير \"٢/ ٢٣١\".","vol":"1","page":554},{"text":"فإن قيل: هذا أمر اقترن به ما دل على الوجوب.\nقلنا: النبي -ﷺ- إنما علل غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره للوجوب، لما غضب من تركه.\nوقول النبي -ﷺ-: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" ١. والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب.\nوقوله -﵇- لبريرة٢: \"لو راجعتيه؟ \" قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال: \"إنما أنا شافع\" ٣. فقالت: لا حاجة لي فيه.\n_________\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، من حديث أبي هريرة -﵁- كما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك والشافعي، كلهم في كتاب الطهارة.\n٢ هي: بريرة مولاة عائشة -﵄- اشترتها من رجل من بني هلال وأعتقتها.\nانظر: الاستيعاب \"٤/ ١٧٩٥\".\n٣ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي -ﷺ- في زوج بريرة، من حديث ابن عباس -﵄- بلفظ: \"لو راجعتيه؛ فإنه أبو ولدك\"، فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: \"إنما أنا شافع\".\nكما أخرجه أبو داود: كتاب الطلاق، باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد، والترمذي: كتاب الرضاع، باب ما جاء في المرأة تعتق ولها زوج، والنسائي: كتاب القضاء، باب شفاعة الحاكم للمحكوم قبل فصل الحكم، وابن ماجه وغيرهم.\nقال أبو يعلي في العدة \"١/ ٢٣٣-٢٣٤\": \"فموضع الدليل: أن النبي -ﷺ- أخبر أنه شافع، وشفاعته تدل على الندب، ومن قال: الأمر على الندب يقول: هو بمنزلة الشفاعة، فلو كان الأمر والشفاعة سواء ما تبرأ من الأمر\".","vol":"1","page":555},{"text":"وإجابة شفاعة النبي -ﷺ- مندوب إليها، فدلنا ذلك على أن أمره للإيجاب.\nالثالث: إجماع الصحابة -﵃- فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله -تعالى- وامتثال أوامره من غير سؤال النبي -ﷺ- عما عنى بأوامره، وأوجبوا أخذ الجزية من المجوس بقوله: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" ١.\nوغسل الإناء من الولوغ بقوله \" ... فليغسله سبعا\" ٢.\nوالصلاة عند ذكرها بقوله: \".... فليصلها إذا ذكرها\" ٣.\nواستدل أبو بكر -﵁- على إيجاب الزكاة بقوله\n_________\n١ حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، والترمذي: كتاب السير حديث رقم \"١٥٨٦\" ومالك في الموطأ: باب جزية أهل الكتاب والمجوس.\n٢ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الوضوء -باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا –حديث \"٣٧ عن أبي هريرة، ومسلم: كتاب الطهارة باب حكم ولوغ الكلب حديث \"٩٠\" من طريق هشام عن ابن سيرين بلفظ: \"إذا\" ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات\".\nورواه مثل رواية مسلم: الترمذي وقال: \"حسن صحيح\".\nكما روي من طريق مالك عن أبي الزناد وعن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: \"إذا شرب الكلب في إناء أحدكم غسل سبعا أولاهن بالتراب\".\nورواه مثل رواية مسلم: الترمذي وقال: \"حسن صحيح\".\nكما روي من طريق مالك عن أبي الزناد وعن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: \"إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات\".\n٣ حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها- من حديث أنس بن مالك –﵁- مرفوعا. ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ولفظه: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\".","vol":"1","page":556},{"text":"- تعالى-: ﴿.... وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١.\nونظائر ذلك مما لا يخفى، يدل على إجماعهم على اعتقاد الوجوب.\nالرابع: أن أهل اللغة عقلوا٢ من إطلاق الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده، فخالفه، حسن -عندهم- لومه وتوبيخه وحسن العذر في عقوبته لمخالفتة الأمر، والواجب: ما يعاقب بتركه، أو يذم بتركه.\nفإن قيل: إنما لزمت العقوبة؛ لأن الشريعة أوجبت ذلك.\nقلنا: إنما أوجبت طاعته إذا أتى السيد بما يقتضي الإيجاب، ولو أذن له في الفعل، أو حرمه عليه: لم يجب عليه.\nولأن مخالفة الأمر معصية. قال الله -تعالى-: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ٤، ويقال: ﴿أمرتك فعصيتني﴾ .\nوقال الشاعر٥:\nأمرتك أمرا جازما فعصيتني٦ ... .............................\n_________\n١ سورة البقرة الآيات: ٤٣-١١٠، وسورة النور الآية: ٥٦، والمزمل الآية ٢٠.\n٢ أي: فهموا.\n٣ سورة التحريم من الآية: ٦.\n٤ سورة طه من الآية: ٩٣.\n٥ هو: الحصين بن المنذر الذهلي الرقاشي، من أهل البصرة، حامل راية بكر بن وائل في معركة \"صفين\" كان مع جيش علي، وكان شابا، ثم أصبح شريفا في قومه، وكان يكني نفسه بأبي ساسان، وكنيته في الحقيقة: أبو حفص. انظر: وفيات الأعيان \"٦/ ٢٩٠\".\n٦ هذا صدر بيت ضمن بيتين قالهما ليزيد بن المهلب لما أمره الحجاج بترك البصرة عام ٨٥هـ فاستشار الحصين فأنشده","vol":"1","page":557},{"text":"والمعصية موجبة للعقوبة؛ قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ١.\nوأما قول من قال: \"نحمله على الإباحة٢؛ لأنه اليقين\" فهو باطل؛ فإن الأمر: استدعاء وطلب، والإباحة ليست طلبًا ولا استدعاء، بل إذن له وإطلاق.\nوقد أبعد من جعل قوله: \"افعل\" مشتركًا بين الإباحة والتهديد، الذي هو: المنع وبين الاقتضاء؛ فإنا ندرك في وضع اللغات -كلها- قولهم: \"افعل\" و\"لا تفعل\" و\"إن شئت فافعل\" و\"إن شئت فلا تفعل\".\nحتى لو قدرنا انتفاء القرائن كلها يسبق إلى الأفهام اختلاف معاني هذه الصيغ، ونعلم -قطعًا- أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد، كما ندرك التفرقة بين قولهم: \"قام\" و\"يقوم\" في: أن هذا ماض، وذاك مستقبل، وهذا أمر يعلم ضرورة، ولا يشككنا فيه إطلاق مع قرينة التهديد.\nوبالطريق الذي نعرف فإنه لم يوضع للتهديد: فعلم أنه لم يوضع للتخيير.\nوقول من قال: \"هو للندب؛ لأنه اليقين\"٣: لايصح لوجهين:\n_________\n=\nأمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما\nفما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالما\nانظر: معجم الشعراء ص \"١٩٣\" شرح الحماسة للمرزوقي \"٢/ ٨١٤\".\n١ سورة الأحزاب من الآية: ٣٦.\n٢ بدأ المصنف يرد على القائلين بأن صيغة \"افعل\" تدل على الإباحة.\n٣ هذا رد على القائلين بأنها للندب.","vol":"1","page":558},{"text":"أحدهما: أنا قد بينا أن مقتضى الصيغة الوجوب بما ذكرنا من الأدلة.\nالثاني: أن هذا إنما يصح أن لو كان الوجوب ندبًا وزيادة، وليس١ كذلك؛ لأنه يدخل في حد الندب: جواز الترك، وليس بموجود في الوجوب.\nوأما أهل الوقف٢: فغاية ما معهم: المطالبة بالأدلة، وقد ذكرناها.\nثم قد سلموا أن الأمر اقتضى: ترجيح الفعل على الترك، فيلزمهم: أن يقولوا بالندب، ويتوقفوا فيما زاد، كقول أصحاب الندب.\nأما القول: بأن الصيغة لا تفيد شيئًا: فتسفيه لواضع اللغة، وإخلاء للوضع عن الفائدة بمجرده٣.\nوإن توقفوا لمطلق الاحتمال: لزمهم التوقف في الظواهر كلها، وترك العمل بما لا يفيد القطع، واطراح أكثر الشريعة فإن أكثرها إنما ثبت بالظنون.\n_________\n١ في الأصل \"ولا\".\n٢ هذا رد على القائلين بالتوقف.\n٣ لم أطلع على مذهب يقول: بأن صيغة \"افعل\" لا تفيد شيئًا، فلا أدري من أين جاء المصنف بهذا المذهب الغريب؟!","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>فصل: [فيما تفيده صيغة الأمر بعد الحظر]</span>\nإذا وردت صيغة الأمر بعد الحظر: اقتضت الإباحة وهو ظاهر قول الشافعي١.\n_________\n١ قال ابن اللحام في القواعد ص١٣٨ \"هذا قول جمهور أصحابنا\".","vol":"1","page":559},{"text":"وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: تفيد ما كانت تفيده١ لولا الحظر؛ لعموم أدلة الوجوب.\nولأنها صيغة أمر مجردة عن قرينة أشبهت ما لم يتقدمه حظر.\nولأن صيغة الأمر اقتضت نسخ الحظر، وقد ينسخ بإيجاب، وينسخ بإباحة، وإذا احتمل الأمرين: بقي الأمر على مقتضاه في الوجوب.\nولأن النهي بعد الأمر يقتضي ما كان مقتضيًا له، فكذلك الأمر بعد الحظر.\nوقال قوم: إن ورد الأمر بعد الحظر بلفظة \"افعل\": فكقولنا٢.\nوإن ورد بغير هذه الصيغة كقولهم: \"أنتم مأمورون بعد الإحرام بالاصطياد\" كقولهم٣؛ لأنه في الأول انصرف بعرف الاستعمال إلى رفع الذم -فقط- حتى رجع حكمه إلى ما كان.\nوفي الثاني لا عرف له في الاستعمال، فيبقى على ما كان٤.\n_________\n١ وهو الوجوب.\n٢ في الأصل: كقولنا: أي: أنه يفيد الإباحة.\n٣ في الأصل: كقولهم: أي: كقول الفقهاء والمتكلمين، من أنه للوجوب.\n٤ وفي المسألة آراء أخرى كثيرة، من أرجحها: أن حكمه يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان قبل الحظر للوجوب، رجع إلى الوجوب، مثل قوله -ﷺ- لفاطمه بنت أبي حبيش: \"دعي الصلاة أيام أقرائك، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي\". متفق عليه.\nأما إن كان للإباحة رجع إليها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فإن الصيد كان مباحًا قبل الحظر وقت الإحرام....\" قال ابن اللحام: \"وهذا اختيار ابي العباس. قال: وهو المعروف عن السلف والأئمة ومعناه كلام المزني\" \"القواعد ص١٣٩\".","vol":"1","page":560},{"text":"ولنا:\nأن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر الإباحة، بدليل: أن أكثر أوامر الشرع بعد الحظر للإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ ٢، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ٣.\nوقول النبي -ﷺ-: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأوعية كلها، ولا تشربوا مسكرا\" ٤.\nوفي العرف: أن السيد لو قال لعبده: \"لا تأكل هذا الطعام\" ثم قال: \"كله\" أو قال لأجنبي: \"ادخل داري وكل من ثماري\" اقتضى ذلك رفع الحظر دون الإيجاب.\nولذلك: لا يحسن اللوم والتوبيخ على تركه.\n_________\n١ سورة المائدة من الآية: ٢.\n٢ سورة الجمعة من الآية: ١٠.\n٣ سورة البقرة من الآية: ٢٢٢.\n٤ رواه مسلم: كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -ﷺ- ربه -﷿- في زيارة قبر أمه، وفي كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه من حديث بريدة -﵁- كما رواه عنه أبو داود: كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور، وفي كتاب الأشربة، باب في الأوعية، والترمذي: كتاب الجنائز، باب الرخصة في زيارة القبور، وقال: \"حديث حسن صحيح\".\nكذلك رواه النسائي وابن ماجه، والشافعي وغيرهم، من طريق بريدة وغيره.\nانظر: نصب الراية \"٤/ ٢١٨\"، فيض القدير \"٥/ ٥٥\".","vol":"1","page":561},{"text":"فإن قيل:\nفقد قال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.\nقلنا: ما استفيد وجوب القتل بهذه الآية، بل بقوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ١، ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ٢.\nوأما أدلة الوجوب: فإنما تدل على اقتضائه مع عدم القرائن الصارفة له، بدليل المندوبات وغيرها وتقدم الحظر قرينة صارفة لما ذكرناه.\nوقولهم: \"إن النسخ يكون بالإيجاب\"٣.\nقلنا: النسخ إنما يكون بالإباحة التي تضمنها الإيجاب، زائد لا يلزم من النسخ، ولا يستدل به عليه.\nوأما النهي٤ بعد الإيجاب: فهو مقتض لإباحة الترك، كقوله -﵇-: \"توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم\"٥.\n_________\n١ سورة التوبة من الآية: ٥.\n٢ سورة التوبة من الآية: ١٢.\n٣ هذا رد على الدليل الثالث للقائلين بأنها تفيد الوجوب.\n٤ هذا -أيضًا- رد على دليلهم الرابع وهو: قياس الأمر بعد الحظر، على النهي بعد الأمر.\n٥ رواه أحمد في المسند \"٤/ ٣٥٢\" عن أسد بن حضير، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-.\nوفي رواية أخرى -عند أحمد-: \"توضئوا من لحوم الإبل وألبانها\".\nورواية مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلًا سأل سول الله -ﷺ-: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: \"إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ\".\nوللعلماء في وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل خلاف حكاه المصنف في =","vol":"1","page":562},{"text":"وإن سلمنا: فالنهي آكد٦.\n_________\n= \"المغني\" فقال: \"وجملة ذلك: أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيئًا ومطبوخًا، عالمًا كان أو جاهلًا، وبهذا قال جابر بن سمرة ومحمد بن إسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر، وهو أحد قولي الشافعي.\nقال أبو الخطاب: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث.\nوقال الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا ينقض الوضوء بحال؛ لأنه روي عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"الوضوء مما يخرج، لا مما يدخل\" أخرجه الدراقطني والبيهقي وغيرهما.\nوروي عن جابر قال: \"كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ-: ترك الوضوء مما مست النار\" أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. \"المغني ١/ ٢٥٠-٢٥١ تحقيق الدكتور عبد الله التركي والدكتور عبد الفتاح الحلو\".\n٦ قوله: \"وإن سلمنا: فالنهي آكد\" هذا رد على قياس الأمر على النهي في قول الفقهاء والمتكلمين: \"ولأن النهي بعد الأمر يقتضي ما كان مقتضيًا له، فكذلك الأمر\" فأجاب المصنف على ذلك بجوابين.\nأحدهما: عدم التسيلم بأن النهي بعد الأمر يفيد ما كان يفيده قبل النهي.\nالجواب الثاني: لو سلمنا -جدلًا- بأنه يفيد ما كان يفيده قبل النهي، فلا يصح قياس الأمر عليه لأمرين:\nالأول: أن حمل النهي على التحريم يقتضي الترك وهو الأصل، لأن الأصل عدم الفعل، وحمل الأمر على الوجوب يقتضي الفعل، وهو خلاف الأصل.\nالأمر الثاني: أن النهي لدفع المفسدة المتعلقة بالمنهي عنه، والأمر لجلب المصلحة، ولا شك أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذا كله يندرج تحت قول المصنف: \"فالنهي آكد\".","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>فصل: [الأمر المطلق هل يقتضي التكرار]</span>\nالأمر المطلق١: لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. وهو اختيار أبي الخطاب٢.\nوقال القاضي وبعض الشافعية: يقتضي التكرار٣؛ لأن قوله: \"صم\" ينبغي أن يعم كل زمان، كما أن قوله -تعالى-: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ يعم كل مشرك؛ لأن إضافة الأمر إلى جميع الزمان كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص.\nولأن الأمر بالشيء: نهي عن ضده، وموجب النهي: ترك المنهي أبدًا، فليكن موجب الأمر: فعل الصوم أبدًا، فإن قوله: \"صم\" معناه: لا تفطر، وقوله: \"لا تفطر\" يقتضي التكرار أبدًا٥.\n_________\n١ قوله: \"المطلق\" تحرير لمحل النزاع، فإن الأمر إذا قيد بالمرة أو بالتكرار حمل على ما قيد به بلا خلاف، كذلك إذا قيد بصفة أو شرط، عند وجود الصفة أو الشرط.\n٢ وهو رواية عن الإمام أحمد. انظر: \"التمهيد ١/ ١٨٧\".\n٣ انظر: العدة \"١/ ٢٦٤\".\n٤ سورة التوبة من الآية: ٥.\n٥ خلاصته: أن القائلين بأنه يدل على التكرار استدلوا على ذلك بوجهين.\nأحدهما: أن النهي نقيض الأمر، والنهي يقتضي التكرار بالاتفاق، فكذلك الأمر، يجب أن يقتضي التكرار.\nثانيهما: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا قال له: صم، فقد نهاه عن الفطر، والنهي عن الفطر يقتضي التكرار، فكذلك الأمر بالصوم.\nانظر: شرح الطوفي \"٢/ ٣٧٦\".","vol":"1","page":564},{"text":"ولأن الأمر يقتضي العزم، والفعل ثمراته تقتضي العزم على التكرار، فكذلك الموجب الآخر١.\nوقيل: إن علق الأمر على شرط اقتضى التكرار، وإلا فلا يقتضيه٢؛ لأن تعليق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة، ثم إن الحكم يتكرر بتكرر علته، فكذلك يتكرر بتكرر شرطه.\nولأنه لا اختصاص له بالشرط الأول دون بقية الشروط، ودليل اعتباره: النهي المعلق على شرط.\nوقيل: إن كرر لفظ الأمر كقوله: \"صل غدًا ركعتين\" اقتضي التكرار؛ طلبًا لفائدة الأمر الثاني، وحملا له على مقتضاه في الوجوب والندب كالأول.\nوحكي هذا القول عن أبي حنيفة وأصحابه٣.\nولنا:\nأن الأمر خالٍ عن التعرض لكمية المأمور به؛ إذ ليس في نفس اللفظ\n_________\n١ وضحه أبو الخطاب في التمهيد \"١/ ١٩٧\" فقال: \"إن الأمر يقتضي وجوب الفعل، ووجوب الاعتقاد والعزم، ثم الاعتقاد والعزم يجب استدامتها، كذلك الفعل\".\n٢ حكاية المصنف لهذا الرأي خارجة عن محل النزاع، إذ سبق في تحرير محل الخلاف: أن الأمر المعلق على شرط أو صفة مثل المقيد بعدد معين، فهو مقيد، وليس مطلقا؛ ولذلك قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في مذكرته ص١٩٤: \"اعلم -أولًا- أن ذكر القول بأنه: \"إن علق على شرط: اقتضى التكرار\" سهو من المؤلف -﵀- لأن الكلام في الأمر المطلق خاصة، والمعلق على شرط غير مطلق\".\n٣ انظر: \"فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت جـ١ ص٣٩١\".","vol":"1","page":565},{"text":"تعرض للعدد، ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك، لكنه محتمل للإتمام ببيان الكمية، فهو كقوله: \"اقتل\"، لا نقول: هو مشترك بين زيد وعمرو، ولا فيه تعرض لهما، فتفسيره بهما، أو بأحدهما زيادة على كلام ناقص، فإتمامه بلفظ دل على تلك الزيادة، لا بمعنى البيان.\nفحصل من هذا: أن ذمته تبرأ بالمرة الواحدة؛ لأن وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل عليها، ولم يتعرض اللفظ لها، فصار الزائد كما قبل الأمر؛ فإنا كنا نقطع بانتفاء الوجوب، فقوله: \"صم\" أزال القطع في مرة واحدة، فصار كما كان١.\nويعتضد هذا باليمين، والنذر والوكالة، والخبر:\nبيانه: أنه لو قال: \"والله لأصومن\" أو: \"لله علي أن أصوم\" برّ بصوم يوم.\nولو قال لوكيله: \"طلق زوجتي\" لم يكن له أكثر من تطليقة.\n_________\n١ عبارة الغزالي في المستصفى \"٣/ ١٦٠-١٦١\": \"فإن قيل: بين مسألتنا وبين القتل فرق؛ فإن قوله: \"اقتل\" كلام ناقص، لا يمكن امتثاله، وقوله: \"صم\" كلام تام مفهوم، يمكن امتثاله.\nقلنا: يحتمل أن يقال: يصير ممتثلًا بقتل أي شخص كان، بمجرد قوله: \"اقتل\" كما يصير ممتثلًا بصوم أي يوم كان، إذا قال: \"صم يومًا\" بلا فرق ويكون قوله: \"اقتل\" كقوله: \"اقتل شخصًا\"؛ لأن الشخص القتيل من ضرورة القتل، وإن لم يذكر، كما أن اليوم من ضرورة الصوم، وإن لم يصرح به.\nفيتحصل من هذا: أنه تبرأ ذمته بالمرة الواحدة؛ لأن وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل على وجوبها؛ إذ لم يتعرض اللفظ لها فصار كما كان قبل قوله \"صم\" وكنا لا نشك في نفي الوجوب، بل نقطع بانتفائه، وقوله \"صم\" دال على القطع في يوم واحد، فبقي الزائد على ما كان.\nهذا هو الظاهر من مطلق اللفظ المجرد عن الكمية\".","vol":"1","page":566},{"text":"ولو أمر عبده بدخول الدار، أو بشراء متاع: خرج عن العهدة بمرة واحدة، ولم يحسن لومه، ولا توبيخه.\nولو قال: \"صمت\" أو \"سوف أصوم\": صدق بمرة واحدة.\nفإن قيل: فلم حصل الاستفسار عنه؟\nقلنا: هذا يلزمكم إن كان يقتضي التكرار فلم حسن الاستفسار١؟\nثم يبطل بما ذكرناه من الأمثلة بحسن الاستفسار، مع انه لا يقتضي التكرار٢.\nثم إنه حسن الاستفسار؛ لأنه محتمل له، لما ذكرناه.\n_________\nجاء في نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٨٢\": \"قوله: \"فإن قيل: فلم حسن الاستفسار عنه\" أي: فإن قال من زعم بأن الأمر مشترك بين التكرار والمرة: إنه يحسن الاستفسار فيه فيقال: أردت الأمر مرة واحدة أو دائمًا؛ ولذلك قال سراقة للنبي -ﷺ-: أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ مع أنه من أهل اللسان، وأقره عليه. فلو كان الأمر موضوعًا في لسان العرب للتكرار أو للمرة لاستغنى عنه الاستفسار؟\nوأجيب عنه بالمنع بأن يقال: ما قلته ممنوع؛ فإنه قد يستفسر عن أفراد المتواطئ، فإذا قال: \"أعتق رقبة: فيقول: أمنومنة أم كافرة، سليمة أم معيبة؟.\nوقد يتمسك بدليلهم –أيضا- من يقول: بأن الأمر للتكرار فيقال له: ما ألزمتنا به هو لازم لك، لا لنا؛ لأنه إن كان يقتضي التكرار، فلم حسن الاستفسار؟\nوأيضا: ما ذكرناه من الأمثلة المتقدمة يحسن فيها الاستفسار ولا يقتضي التكرار باتفاق منا ومنكم، فليس كل ما حسن فيه الاستفسار يكون للتكرار\".\n٢ يقصد بالأمثلة المتقدمة قوله: \"والله لأصومن، وطلق زوجتي، وأمر عبده بدخول الدار إلخ\" فإن يحسن الاستفسار فيها أيضًا.","vol":"1","page":567},{"text":"وقولهم: \"إن صم عام في الزمان\": ليس بصحيح١؛ إذ لا يتعرض للزمان بعموم ولا خصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل، كذا الزمان.\nوليس هذا نظير قوله -تعالى-: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، بل نظيره قولهم: \"صم الأيام\".\nونظير مسألتنا قوله: \"اقتل\" مطلقًا، فإنه لا يقتضي العموم في كل من يمكن قتله.\nوالفرق بين الأمر والنهي: أن الأمر يقتضي: وجود المأمور مطلقًا٢.\nوالنهي يقتضي: ألا يوجد مطلقًا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.\nولذلك افترقا في اليمين، والنذر، والتوكيل، والخبر٣.\nولأن الأمر يقتضي الإثبات، والنهي يقتضي النفي، والنفي في النكرة يعم، والإثبات المطلق لا يعم.\n_________\n١ هذا رد على دليلهم الذي جاء فيه: \"أن صم و\"فاقتلوا المشركين\" كل منهما عام؛ لأن صم، وصل، ينبغي أن يعم كل زمان....\".\n٢ هذا رد على قياسهم الأمر على النهي في قولهم: \"ولأن الأمر نهي عن ضده، وموجب النهي ترك المنهي أبدًا، فيكن موجب الأمر فعل الصوم أبدًا\" فأجاب المصنف: بأن هذا القياس مع الفارق.\n٣ فإذا قال: \"والله لافعلن\" برّ في يمينه بمرة واحدة، أما إذا قال: \"والله لا أفعل\" حنث ولو بمرة واحدة. وكذلك في الصيام.","vol":"1","page":568},{"text":"وتحقيقه: أنه لو قال: لا تفعل مرة واحدة: اقتضى العموم.\nولو قال: افعل مرة واحدة: اقتضى التخصيص بلا خلاف١.\nوقولهم: \"إن الأمر بالشيء نهي عن ضده\".\nقلنا: إنما هو نهي عما يعقب الامتثال، فكان النهي مقيدًا بزمن امتثال الأمر٢.\nوقولهم: \"إن الأمر يقتضي الاعتقاد على الدوام\".\nقلنا: يبطل بما لو قال: افعل مرة واحدة.\nوالفرق بين الفعل والاعتقاد: أن الاعتقاد: ما وجب بهذا الأمر، إنما وجب بإخباره أنه يجب اعتقاد أوامره، فمتى عرف الأمر، ولم يعتقد وجوبًا: كان مكذبًا. وقولهم: \"إن الحكم يتكرر بتكرار العلة، فكذا الشرط\"٣.\n_________\n١ خلاصته: أن الأمر يقتضي فعل المأمور به، وهذا يحصل بفرد من أفراد المأمور به، في أي زمن كان، فإذا قال له: \"صل\" حصلت الصلاة بصلاة واحدة، أما النهي: فإنه يقتضي ترك ماهيته مطلقًا، وذلك لا يتحقق إلا بتركها في كل زمان.\n٢ وضحه الشيخ ابن بدران فقال: \"وحاصل ما ذكره: أن اقتضاء النهي للأضداد دائمًا إنما هو فرع على تكرار الأمر، وذلك لأن النهي بحسب الأمر، فإذا كان أمرًا بالفعل دائمًا، كان نهيًا عن أضداده، وإذا كان أمرًا به في وقت كان نهيًا عن الأضداد في ذلك الوقت، فإذًا: كونه النهي الذي تضمنه الأمر للتكرار فرع كون الأمر للتكرار، فإثباته به دور. فقول المصنف: \"إنما هو نهي عما يعقب الامتثال\" إشارة إلى أن النهي مفرع على الأمر، فإذا كان الأمر مقيدًا، كان النهي مقيدًا، وإذا كان عاما، كان عاما\" نزهة الخاطر \"٢/ ٨٤\".\n٣ قوله: \"إن الحكم يتكرر بتكرر العلة\" ليس على الإطلاق، بل قد تكرر العلة ولا يتكرر الأمر، كمن بال عدة مرات، ولم يتوضأ، فعليه وضوء واحد، وكذلك من =","vol":"1","page":569},{"text":"قلنا: العلة تقتضي حكمها، فيوجد بوجودها.\nوالشرط: لا يقتضي، وإنما هو بيان لزمان الحكم، فإذا وجد: ثبت عنده ما كان يثبت بالأمر المطلق، كاليمين، والنذر، وسائر ما استشهدنا به.\nوقولهم: \"إن الواجب يتكرر بتكرر اللفظ\": لا يصح؛ فإن اللفظ الثاني دل على ما دل عليه اللفظ الأول، فلا يصح حمله على واجب سواه.\nولذلك لو كرر اليمين فقال: \"والله لأصومن، والله لأصومن\" بّر بصوم واحد.\nوقد نقل أن النبي -ﷺ- قال \"والله لأغزون قريشا –ثلاثا-\" ١. ثم غزاهم غزوة الفتح.\nولو كرر لفظ النذر: لكان الواجب به واحدًا.\nوفائدة اللفظ الثاني: تحصيل التأكيد، فإنه من سائغ كلام العرب.\n_________\n= جامع أكثر من مرة ليس عليه إلا غسل واحد. فقضية تكرر الحكم بتكرر علته، إنما هي في الأعم الأغلب، وليست على إطلاقها.\n١ أخرجه أبو داود: كتاب الأيمان والنذور باب الاستثناء في اليمن بعد السكوت من حديث ابن عباس -﵄- مرفوعًا، كما أخرجه عن عكرمة مرسلًا.\nوأخرجه عن ابن عباس -﵄- ابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى في مسنده، والبيهقي في سننه، وابن عدي في الكامل عن عبد الواحد بن صفوان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا.\nانظر: تلخيص الحبير: كتاب الأيمان، حديث \"٢٠٣٣\" ٤/ ١٦٦، الكامل في ضعفاء الرجال \"٥/ ١٩٣٧\".","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>فصل: الأمر المطلق: هل يقتضي الفور</span>\n...\nفصل: مسألة: [الأمر المطلق: هل يقتضي الفور] ١\nالأمر يقتضي فعل المأمور به على الفور، في ظاهر المذهب٢.\nوهو قول الحنفية٣.\n_________\n١ محل الخلاف: إذا لم توجد قرينة تدل على أنه للفور أو التراخي.\nقال الإسنوي: \"إن قلنا: إنه يدل على التكرار دل على الفور، وإن قلنا: لا يدل على التكرار، فهل يدل على الفور أم لا؟ حكى المصنف فيه أربعة مذاهب:\nأحدها: أنه لا يدل على الفور، ولا يدل على التراخي، بل يدل على طلب الفعل.\nقال في البرهان: وهذا ما ينسب إلى الشافعي وأصحابه. وقال في المحصول:\nإنه الحق: واختاره الآمدي وابن الحاجب وا لمصنف.\nوالثاني: أنه يفيد الفور، أي: وجوبًا، وهو مذهب الحنفية.\nوالثالث: أنه يفيد التراخي، أي: جوازًا. قال الشيخ أبو إسحاق: والتعبير بكونه يفيد التراخي غلط. وقال في البرهان: أنه لفظ مدخول؛ فإن مقتضى إفادته التراخي أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتدّ به، وليس هذا معتقد أحد. نعم حكى ابن برهان عن غلاة الواقفية: أنا لا نقطع بامتثاله، بل يتوقف فيه إلى ظهور الدلائل، لاحتمال إرادة التأخير. قال: والمقتصدون منهم إلى القطع بامتثاله، وحكاه في البرهان أيضًا.\nوالرابع: هو مذهب الواقفية: أنه مشترك بين الفور والتراخي\" \"نهاية السول جـ٢ ص٤٧ ط صبيح.\n٢ فيه إشارة إلى أن هناك رواية عن الإمام أحمد، فقد نقل عنه أن الحج على التراخي. قال الطوفي في شرحه \"٢/ ٣٨٨: \"قلت: فإن كان الخلاف في هذا الأصل استفيد من هذا القول في الحج، فلا حجة فيه، لأن القواعد والأصول يجوز تخصيصها بدليل أقوى منها عند المجتهد، وإن كان قد وجد عنه نص، بأن الأمر على التراخي فذاك\".\n٣ في هذه النسبة نظر، فإن المنقول عنهم: أنه للتراخي، ولم يقل بأنه على الفور إلا الكرخي وبعض علماء الحنفية: انظر: أصول السرخسي \"١/ ٢٦\".","vol":"1","page":571},{"text":"وقال أكثر الشافعية: هو على التراخي١؛ لأن الأمر يقتضي فعل المأمور لا غير، أما الزمان: فهو لازم الفعل، كالمكان والآلة والشخص، فيما إذا أمره بالقتل، فلا يدل على تعيين الزمان، كما لا يدل على تعيين المكان والآلة.\nولأن الزمان في الأمر إنما حصل ضرورة، والضرورة تندفع بأي زمان كان فالتعيين تحكم٢.\nويعتضد هذا بالوعد واليمين، لو قال: \"سوف أفعل\" فمتى فعل. كان صادقًا، وكذا اليمين.\nوقالت الواقفية: هو على الوقف في الفور والتراخي، والتكرار وعدمه.\nوهو بيّن البطلان؛ فإن المبادر ممتثل بإجماع الأمة، مبالغ في\n_________\n١ أي: جوازًا كما تقدم في كلام الإسنوي.\n٢ هذا دليل القائلين بأن الأمر المطلق للتراخي، وهو من عدة وجوه:\nالأول: أن الأمر يقتضي فعل الماهية المجردة، ولا يدل على غيرها من زمان ومكان، فإذا قلنا: إنه يدل على الفور، فقد زدنا فيه ما ليس منه، والزيادة عليه كالنقص منه، وكلاهما لا يجوز.\nالثاني: أنه نسبة الفعل إلى جميع الأزمنة سواء؛ لعدم دلالة اللفظ على بعضها دون بعض، ولصحة وقوعه في أي زمن منها، وإذا استوت نسبة الفعل إلى جميعها، كان تخصيصه بالفور تحكمًا، وترجيحًا بدون مرجح.\nالثالث: \"أن تعلق الزمان بالفعل\" أي: احتياج الفعل إلى الزمان ضروري، أي: لضرورة أن الفعل يمتنع وقوعه في غير زمان، وإذا كان تعلق الزمن به لهذه الضرورة، فهي تندفع بإيقاعه في أي زمن كان، تقدم أو تأخر، وهذا يدل على أن الفور لا يتعين، وأن التأخير جائز.\nالرابع: أن الزمان من لوازم الفعل، لا ينفك عنه، كما أن المكان، والآلة، =","vol":"1","page":572},{"text":"الطاعة، مستوجب جميل الثناء.\nولو قيل لرجل: \"قم\" فقام في الحال: عُدَّ ممتثلًا، ولم يُعدَّ مخطئًا باتفاق أهل اللغة.\nوقد أثنى الله -تعالى- على المسارعين فقال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ١.\nولنا أدلة٢:\nأحدها: قوله -تعالى- ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ٤ أمر بالمسارعة، وأمره يقتضي الوجوب٥.\n_________\n= والمحل من لوازمه -أيضًا- والأمر المطلق لا يقتضي تعيين مكان، أو آلة، أو محل، دون غيره، فكذلك لا يقتضي تعيين زمان دون غيره.\nفلو قال شخص لآخر: \"توضأ\" جاز له أن يتوضأ في أي مكان شاء، بأي ماء طهور شاء، ولم يتعين للوضوء، مكان دون غيره، ولا ماء من المياه الطاهرة دون غيره.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٩٢-٣٩٣\".\n٣ سورة المؤمنون من الآية: ٦١.\n٤ سورة البقرة من الآية ١٤٨.\n٥ وقد اعترض الإسنوي على الاستدلال بهذه الآيات فقال: \"لا نسلم أن الفورية مستفادة من الأمر، بل إيجاب الفور مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾، لا من لفظ الأمر، وتقرير هذا الكلم من وجهين:\nأحدهما: أن حصول الفورية ليس من صيغة الأمر، بل من جوهر اللفظ؛ لأن لفظ المسارعة دال عليه كيفما تصرف.","vol":"1","page":573},{"text":"الثاني: أن مقتضاه عند أهل اللسان: الفور فإن السيد لو قال لعبده: \"اسقني\" فأخر: حسن لومه وتوبيخه وذمه.\nولو اعتذر عن تأديبه على ذلك: بأنه خالف أمري وعصاني: لكان عذره مقبول١.\nالثالث: أنه لا بد [للأمر] من زمان، وأولى الأزمنة عقيب الأمر؛ ولأنه يكون ممتثلا يقينًا، وسالما من الخطر قطعًا.\nولأن الأمر سبب للزوم الفعل، فيجب أن يتعقبه حكمه، كالبيع، والطلاق، وسائر الإيقاعات؛ ولذلك يعقبه العزم على الفعل والوجوب.\nالرابع: أن جواز التأخير غير مؤقت ينافي الوجوب؛ فإنه لا يخلو:\nإما أن يؤخر إلى غاية.\nأو إلى غير غاية.\nفالأول: باطل؛ لأن الغاية لا يجوز أن تكون مجهولة؛ لأنه يكون تكليفًا لما لا يدخل تحت الوسع.\nوإن جعلت الغاية: الوقت الذي يغلب على ظنه البقاء إليه: فباطل -أيضًا-؛ فإن الموت يأتي بغتة كثيرًا.\nثم لا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها إلا عند عجزه عن العبادات.\n_________\n= الثاني: وهو تقرير صاحب الحاصل: أن ثبوت الفور في المأمورات ليس مستفادًا من مجرد الأمر بها، بل من دليل منفصل، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ نهاية السول \"٢/ ٤٨\".\n١ اعترض بعض العلماء على هذا الدليل، بأن الفورية مستفادة من قرينة خارجية هي: أن قوله: \"اسقني\" دليل على عطشه، وهذا يقتضي المبادرة بإحضار الماء، ومحل الكلام فيما لم تقترن به قرينة.","vol":"1","page":574},{"text":"لا سيما العبادات الشاقة، كالحج، لا سيما والإنسان طويل الأمل، يهرم ويشب أمله١.\nوإن قيل: يؤخر إلى غير غاية: فباطل -أيضًا-؛ لأنه لا يخلو من قسمين:\nإما أن يؤخر إلى غير بدل، فيلتحق بالنوافل والمندوبات٢.\nأو إلى بدل: فلا يخلو البدل: إما أن يكون بالوصية به، أو العزم عليه:\nوالوصية لا تصلح بدلًا؛ لأن كثيرا من العبادات لا تدخلها النيابة.\nولأنه لو جاز التأخير للموصي: جاز للوصي -أيضًا- فيفضي إلى سقوطه.\nوالعزم ليس ببدل؛ لأن العزم يجب قبل دخول الوقت، والبدل لا يجب قبل دخول وقت المبدل.\nولأن وجوب البدل يحذو وجوب المبدل، والمبدل لا يجب على الفور، فكذلك البدل.\nولأن البدل يقوم مقام المبدل، ويجزئ عنه، والعزم ليس بمسقط للفعل، وكيف يجب الجمع بين البدل والمبدل؟\n_________\n١ يشير إلى حديث أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنان: الحرص والأمل\" رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي. ولفظ البخاري: \"يكبر ابن آدم....\" ولفظ مسلم: \"يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان: الحرص والأمل\" انظر: فيض القدير \"٦/ ٤٦٥\".\n٢ ومعلوم: أن المندوب يجوز تأخيره، وتركه بدون بدل، بخلاف الواجب، ولا يؤخر إلا إلى بدل، كالواجب الموسع.","vol":"1","page":575},{"text":"ثم لا ينفعكم تسميته بدلًا، مع كون الفعل واجبًا، فما الذي يسقط وجوب الفعل ويقوم مقامه؟\nفإن قيل: هذا يبطل بما إذا قال: \"افعل أي وقت شئت، فقد أوجبته عليك\" فإنه لا يتناقض.\nقلنا: يتناقض؛ إذ حقيقة الواجب: ما لا يجوز تركه مطلقًا، وهذا جائز الترك مطلقًا.\nوقولهم١: \"إن الأمر لا يتعرض للزمان\" فهي مطالبة بالدليل، وقد ذكرناه٢.\nوالفرق بين الزمان، والمكان، والآلة: أن عدم التعيين في الزمان يفضي إلى فواته، بخلاف المكان.\nولأن المكانين سواء بالنسبة إلى الفعل، والزمان الأول أولى، لسلامته فيه من الحظر، والخروج من العهدة يقينًا، فافترقا٢.\n_________\n١ أي: القائلون بأن الأمر يفيد التراخي.\n٢ وهو: أن تعلق الفعل بالزمان ضروري عقلًا، لاستحالة وقوعه في غير الزمان وكذلك شرعًا: فقد يتعلق به مصلحة يختار الشرع إيقاعه في بعض الأزمنة دون بعض، لأجل هذه المصلحة، فلا يكون تعلقه بالفعل حينئذ ضروريًا، بل اختياريًا.\nانظر: شرح الطوفي \"٢/ ٣٩٣-٣٩٤\".\n٣ معناه: أن العبد الذي أمره سيده بأن يسقيه: لو أخر امتثال أمر سيده، جاز له عقوبته، ولو فعل ما أمر به في غير مكان الأمر، لم يجز له عقوبته، فبان الفرق بين الزمان والمكان.","vol":"1","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>فصل: [الواجب المؤقت إذا فات وقته لا يحتاج إلى أمر جديد] </span>١\nالواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، ولا يفتقر إلى أمر جديد. وهو قول بعض الفقهاء٢.\nوقال الأكثرون: لا يجب القضاء إلا بأمر جديد. اختاره أبو الخطاب٣.\nلأن تخصيص العبادة بوقت الزوال، وشهر رمضان، كتخصيص الحج: بعرفات، والزكاة: بالمساكين، والصلاة: بالقبلة، والقتل: بالكفار. ولا فرق بين الزمان، والمكان، والشخص؛ إذ جميع ذلك تقييد له بصفة، فالعاري عنها لا يتناوله اللفظ، بل يبقى على ما كان قبل الأمر.\nولنا٤: أن الأمر اقتضى الوجوب في الذمة، فلا تبرأ منه إلا بأداء أو إبراء، كما في حقوق الآدميين.\n_________\n١ تحرير المسألة: أن الشارع إذا أمر بعبادة مؤقتة بوقت معين، ولم يفعلها المكلف في هذا الوقت حتى خرج جميع وقتها. فهل هذه العبادة تسقط ولا تفعل إلا بأمر جديد، أو لا تسقط، ويجب قضاؤها بالأمر الأول؟\nحكى المصنف فيها مذهبين. وهناك مذهب ثالث مروي عن أبي زيد الدبوسي: أنها تجب قياسًا. ووجهته في ذلك: أن الشرع لما عهد منه إيثار استدراك عموم المصالح الفائتة، عُلِمَ بذلك: أنه يؤثر استدراك الواجب الفائت في الزمن الأول، بقضائه في الزمن الثاني: \"شرح الطوفي ٢/ ٣٩٥\".\n٢ وعلى ذلك عامة الحنفية والمالكية وبعض الشافعية.\n٣ انظر: التمهيد \"١/ ٢٥٢\".\n٤ هذا دليل القول بأن الواجب لا يسقط بفوات الوقت، ولا يحتاج إلى أمر جديد.\nوتقريره: أن الذمة إذا اشتغلت بواجب الشرع، أو لآدمي، لم تبرأ منه إلا =","vol":"1","page":577},{"text":"وخروج الوقت ليس بواحد منهما.\nويصير هذا كما لو اشتغل الحيز بجوهر، لا يزول الشغل إلا بمزيل.\nوالفرق بين الزمان والمكان١: أن الزمن الثاني تابع للأول، فما ثبت فيه انسحب على جميع الأزمنة التي بعده، بخلاف الأمكنة والأشخاص.\n_________\n= بالامتثال، وهو الأداء أو إبراء من المستحق للواجب، بأن القول الشرعي: نسخت عنك هذه العبادة، أو الآدمي: أبرأتك من هذا الدين، وإذا كانت الذمة مشغولة بالواجب، ما لم يوجد أداء له، أو إبراء من مستحقه، فقد أجمعنا على أن الذمة مشغولة بالواجب المؤقت في وقته، والأصل بقاء ما كان فيه على ما كان.\nوالمكلف لم يوجد منه أداء، ولا من الشرع إبراء، فوجب القول ببقاء الواجب في الذمة، فتكون براءتها منه موقوفة على الأداء أو الإبراء، والإبراء بعد انقضاء زمن الوحي صار ممتنعًا، فتعين الأداء لبراءة الذمة، وهذا يقتضي أن يكون بالأمر الأول.\nوإذا كانت الذمة لا تبرأ بواحد من الأمرين السابقين، فإن خروج الوقت ليس واحدًا منهما، فلا يمنع القضاء بالأمر الأول.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٣٩٦\".\n١ هذا إبطال لقياس أصحاب الرأي الثاني: تعلق الفعل بالزمان على تعلقه بالمكان. خلاصته: أن الزمن حقيقة سيّالة غير مستقرة، فالمتأخر تابع للمتقدم، بخلاف الأمكنة والأشخاص، فإنها حقائق ثابتة، وليس بعضها تابعًا لبعض. المصدر السابق.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>فصل: [مقتضى الأمر: حصول الإجزاء بفعل المأمور به] </span>١\nذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي الإجزاء بفعل المأمور به.\n_________\n١ الخلاف في هذه المسألة مفرع على تفسير \"الإجزاء\": فمن فسره بحصول =","vol":"1","page":578},{"text":"إذا امتثل المأمور بكمال وصفه وشرطه.\nوقال بعض المتكلمين: لا يقتضي الإجزاء، ولا يمتنع وجوب القضاء مع حصول الامتثال: بدليل المضي في الحج الفاسد، ويجب القضاء.\nومن ظن أنه متطهر فإنه مأمور بالصلاة، إذا صلى فهو ممتثل مطيع، ويجب القضاء.\nولأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، والأمر بالشيء لا يمنع إيجاب مثله١.\nيدل عليه: أن الأمر إنما يدل على اقتضاء المأمور وطلبه لا غير، والإجزاء أمر زائد لا يدل عليه الأمر ولا يقتضيه.\n_________\n= الامتثال قال: إن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي تحقق الأجزاء.\nومن فسره بسقوط القضاء قال: لا يقتضي الإجزاء.\n١ هذا هو دليل المذهب الثاني: وهو مكون من وجهين:\nالأول: أن الحج الفاسد مأمور بإتمامه، ولا يقع مجزئًا، وكذلك المحدث الذي يظن أنه متطهر، فإذا صلى لا تجزئه هذه الصلاة.\nالثاني: أن الإجزاء مفسر بسقوط القضاء، لكن القضاء بأمر جديد، وإذا كان كذلك، فالأمر بالشيء لا يمنع إيجاب مثله بعد وقته، فالأمر -مثلًا- بصلاة ركعتين بعد طلوع الفجر، لا يمنع الأمر بصلاة ركعتين بعد طلوع الشمس. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٤٠٢\".\nويرد على ذلك: أن عدم الإجزاء فيما ذكر من الحج والصلاة لفوات مصححات هذه العبادات، فاختل ما قاله المصنف: \"إذا امتثل المأمور بكمال وصفه وشروطه\" ولذلك قال الغزالي: \"الأمر يدل على إجزاء المأمور، إذا أُدًّيَ بكمال وصفه وشرطه، من غير خلل.\nوإن تطرق إليه خلل، كما في الحج الفاسد، والصلاة على غير طهارة، فلا =","vol":"1","page":579},{"text":"ولنا: ما روي أن امرأة١ سنان بن مسلمة الجهني٢ أمرت أن تسأل رسول الله -ﷺ- أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزئ عنها أن تحج عنها؟\nقال: \"نعم لو كان على أمها دين فقضته ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عنها\" ٣.\nوهذا يدل على أن الإجزاء بالقضاء: كان مقررًا عندهم.\nولأن الأصل براءة الذمة، وإنما اشتغلت بالمأمور به، وطريق\n_________\n= يدل الأمر على إجزائه، بمعنى: منع إيجاب القضاء\" وقال قبل ذلك: \"إنما يسمى قضاء إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها، وإن لم يكن فيه فوات وخلل، استحال تسميته قضاء\" المستصفى \"٣/ ١٧٩\".\nعلى أن قولهم: \"إن القضاء بأمر جديد\" غير مسلم، فهي قضية خلافية فلا يصح الاحتجاج بها.\n١ جاء في الإصابة \"٨/ ٤٤\": أن اسمها غائثة، وقيل: غاثية.\n٢ هو: سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي، يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو حبتر، وقيل: أبو بسر. روي عنه أنه قال: ولدت يوم حرب لرسول الله -ﷺ- فسماني رسول الله –ﷺ- سنانًا\nوقال أبو أحمد العسكري: ولد سنان يوم الفتح، فسماه رسول الله -ﷺ- سنانا، وكان شجاعًا بطلًا. توفي آخر أيام الحجاج.\nانظر: الإصابة \"٣/ ٣٤٤\"، أسد الغابة \"٢/ ٣٥٧-٣٥٨\" ط. المكتبة الإسلامية.\n٣ حديث صحيح: أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، ومسلم: كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت.\nوالنسائي: في كتاب مناسك الحج، من حديث ابن عباس، ﵄. ولفظه: \"يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر حج، أفأحج عنها؟ قال: \"أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قضيته؟ \" قالت: نعم، قال: فحجي عن أمك، فالله أحق بالقضاء\" ولفظ البخاري: \"أحق بالوفاء\". انظر: جامع الأصول \"٤/ ١٩٨\".","vol":"1","page":580},{"text":"الخروج عن عهدته: الإتيان به فإذا أتى به يجب أن تعود ذمته بريئة كما كانت كديون الآدميين.\nوفي المحققات: إذا اشتغل الحيز بجوهر، فبرفعه يزول الشغل.\nولأنه لو لم يخرج عن العهدة: للزمه الامتثال أبدًا، فإذا قال له: \"صم يومًا\" فصامه، فالأمر يتوجه إليه بصوم يوم كما كان، قبل منه ذلك أبدًا، وهو خلاف الإجماع١.\nقولهم: \"إن القضاء يجب بأمر جديد\": ممنوع٢.\nوإن سلم: فإن القضاء إنما سمي قضاء إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها.\nوإن لم يكن كذلك: استحال تسميته قضاء.\nوالحج الفاسد، والصلاة بلا طهارة، أمر بها مع الخلل، ضرورة حاله ونسيانه، فعقل الأمر بتدارك الخلل.\n_________\n١ خلاصة ذلك في وجهين:\nأحدهما: أن الذمة كانت بريئة من المأمور به قبل التكليف، فلما شغلت به وجب الخروج منه، ولا طريق لذلك إلا الفعل، قياسًا على حق الآدمي، إذ لا تبرأ الذمة منه إلا بالأداء.\nالوجه الثاني: قياس ذلك على الأمور العقلية المحققة الثابتة، فإن الجوهر إذا شغل حيزًا، فإنه لا يزال شاغلًا له في جميع الأزمان، ولا يرتفع إلا برافع يزيل شغله، والمأمور به شبيه بالجوهر، فإذا لم تفرغ الذمة مما شغلها كان امتثال المكلف بفعل المأمور به مطالبًا به في جميع الأزمان، ولزوم الامتثال أبدًا خلاف الإجماع، فبراءة الذمة بمضي زمن المأمور به خلاف الإجماع.\nانظر: نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٩٥\".\n٢ إذ هو: استدلال بما هو مختلف فيه فلا يصح.","vol":"1","page":581},{"text":"أما إذا أتى بها مع الكمال بلا خلل، فلا يعقل إيجاب القضاء.\nوالمفسد لحجة لا يقضي الفاسد، وإنما هو مأمور بحج خال عن الفساد، وقد أفسده على نفسه، فيبقى في عهدة الأمر، ويؤمر بالمضي بالفاسد؛ ضرورة الخروج عن الإحرام١.\nوقولهم: \"لا يقتضي الأمر إلا الامتثال\": هو محل النزاع لا يقبل.\n_________\n١ سبق أن أوضحناه بما نقل عن الغزالي في المستصفى.","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>فصل: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به</span>\n...\nفصل: مسألة: [الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به]\nالأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به، ما لم يدل عليه دليل١.\nمثاله: قوله -﵇- \"مروهم بالصلاة لسبع\" ٢ ليس بخطاب من الشارع للصبي، ولا إيجابًا عليه، مع أن الأمر واجب على الولي.\n_________\n١ هذا هو رأي جمهور العلماء.\nوقال بعض أهل العلم: الأمر بالأمر أمر، فالأول مأمور مباشرة، والثاني مأمور بالواسطة. وهو مروي عن بعض الحنفية.\nومحل الخلاف: إذا لم ينص الآمر على ذلك، أو تقم قرينة على أن الثاني مبلًّغ عن الأول: فإن الثالث يكون مأمورًا بالإجماع، كما في قصة عبد الله بن عمر -﵄- حين طلق زوجه وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي -ﷺ- فقال: \"مره فليراجعها ... \" متفق عليه.\n٢ أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، حديث \"٤٩٥\"، والترمذي \"٢/ ٤٤٥\"، وأحمد في مسنده \"٢/ ١٨٧\" والدراقطني \"١/ ٢٣٠\" والحاكم \"١/ ١٩٧\".","vol":"1","page":582},{"text":"لكن إذا كان المأمور بالأمر النبي -ﷺ- كان واجبًا بأمر النبي -ﷺ-؛ لقيام الدليل على وجوب طاعة النبي -ﷺ- وتحريم مخالفته١\nأما إذا كان المأمور بالأمر غيره: فلا يبعد أن يجب عليه الأمر؛ لحكمة فيه، مختصة به.\nولهذا لا يمتنع أن يقال للولي الذي يعتقد أن لطفله على طفل آخر شيئًا: عليك المطالبة بحقه.\nويقال لولي الطفل الآخر: إذا لم تعلم أن على طفلك شيئًا يجب عليك الممانعة، وليس لك التسليم.\n_________\n١ قال القرافي: \"علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله -ﷺ- أن يأمره غيره، فإنما هو على سبيل التبليغ، ومتى كان على سبيل التبليغ صار الثالث مأمورًا إجماعًا\" شرح تنقيح الفصول ص١٤٩.\n٢ سورة آل عمران من الآية: ١٠٤.","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>فصل: [أمر الجماعة أمر لكل واحد منهم]</span>\nالأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم، ولا يسقط الواجب عنهم بفعل واحد منهم، إلا أن يدل عليه دليل، أو يرد الخطاب بلفظ لا يعم، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فيكون فرض كفاية١.\n_________\n١ وضحه الطوفي في شرحه \"٢/ ٤٠٣، ٤٠٤\" فقال: \"اعلم أن الأمر المتوجه إلى جماعة، إما أن يكون بلفظ يقتضي تعميمهم، نحو قوله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ [البقرة: ٤٣، ١١٠] فإما أن لا يعترض عليه دليل يدل على =","vol":"1","page":583},{"text":"[فرض الكفاية]\nفإن قيل: ما حقيقة فرض الكفاية؟\nأهو واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض؟\nأم على واحد غير معين، كالواجب المخير؟\nأم واجب على من حضر دون من غاب، كحاضر الجنازة -مثلًا-؟\nقلنا: بل واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض، بحيث لو فعله الجميع: نال الكل ثواب الفرض، ولو امتنعوا: عم الإثم الجميع، ويقاتلهم الإمام على تركه١.\n_________\n= اختصاص الخطاب ببعضهم، أو يعترض دليل على ذلك، فإن لم يعترض على العموم دليل؛ اقتضى وجوبه على كل واحد منهم؛ لأن الواو في \"افعلوا\" كالواو في \"الزيدون\" وكلاهما للجميع، ثم الواو في \"الزيدان\" تدل على أشخاص متعددة، نحو: زيد وزيد، فكذلك الواو في \"افعلوا\" تدل على عدة مخاطبين، فهي في قوة قوله: \"افعل أنت وأنت\" كذلك، حتى يستغرق المخاطبين.\nوإن اعترض على العموم دليل يقتضي اختصاصه ببعضهم، فالبعض إما معين، أو غير معين.\nفإن كان معينًا؛ فذلك هو العام المخصوص، سواء كان التعيين باسم، كقوله ﷿: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِين﴾ [الحجر: ٥٨، ٥٩] أو بصفة كقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .\nوإن كان ذلك البعض غير معين، أو كان الخطاب بلفظ لا يعم الجميع، وهو القسم الثاني من أصل التقسيم، نحو قوله عز وجلك ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فهذا هو فرض الكفاية\".\n١ الذي رجحه المصنف هو رأي جمهور العلماء، فالقادر عليه يقوم به بنفسه، =","vol":"1","page":584},{"text":"وسقوط الفرض بدون الأداء ممكن: إما بالنسخ أو بسبب آخر.\nأما الإيجاب على واحد لا بعينه: فمحال؛ لأن المكلف ينبغي أن يعلم أنه مكلف، وإذا أبهم الوجوب لم يعلم.\nبخلاف إيجاب خصلة من خصلتين؛ فإن التخيير فيهما لا يوجب تعذر الامتثال١.\n_________\n= وغير القادر يحث غيره على القيام به؛ لأن الخطاب موجه للكل، وأن الإثم يتعلق بالكل عند عدم الفعل، ويسقط هذا الإثم بفعل البعض، لأن المقصود منه: تحقيق مصلحة معينة، دون نظر إلى فاعلها، بخلاف فرض العين، فإن المقصود منه: تعبّد أعيان المكلفين، متى تحققت فيهم شروط التكليف.\nوقال بعض العلماء، كالإمام فخر الدين الرازي والبيضاوي وأتباعهما: إن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة؛ لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل، ولا استحالة في الأمر بواحد مبهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهو منقول عن المعتزلة أيضًا.\nوفي مسألة أقوال أخرى تراجع في مظانها.\nانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٥٦، مناهج العقول للبدخشي \"١/ ١١٨\"، شرح مختصر الطوفي \"٢/ ٤٠٤ وما بعدها\".\n١ يريد المصنف أن يفرق بين الواجب الكفائي والواجب المخير؛ حيث إن المكلف مخير بين أمور معينة، كما هو واضح.\nوهناك فوائد وفروع متعلقة بالواجب الكفائي، أوردها الطوفي في شرحه \"٢/ ٤٠٩، ١١٠\" نلخصها في الآتي:\n١- لا يشترط في الخروج عن عهدة فرض الكفاية: تحقق وقوعه من بعض الطوائف، بل أي طائفة غلب على ظنها أن غيرها قام بها سقط عنها، وإن غلب على ظن كل من الطائفتين أو الطوائف أن الأخرى قامت به، سقط عن الجميع عملًا بموجب الظن. =","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>فصل: [أمر الله تعالى للنبي أمر للأمة ما لم يوجد تخصيص]</span>\nإذا أمر الله -تعالى- نبيه -ﷺ- بلفظ ليس فيه تخصيص، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْل﴾ ١، أو أثبت في حقه حكمًا: فإن أمته يشاركونه في ذلك الحكم، ما لم يقم على اختصاصه به دليل.\nوكذلك إذا توجه الحكم إلى واحد من الصحابة دخل فيه غيره، ويدخل فيه النبي -ﷺ- نحو قوله: \"إن الله فرض عليكم صيامه\" ٢.\n_________\n=\n٢- أن القائم بفرض الكفاية أفضل من غيره؛ لأنه حصل مصلحته دون غيره، وإن كانا سيان في الخروج عن العهدة.\n٣- اختلف العلماء في المفاضلة بين فاعل فرض العين، وفاعل فرض الكفاية.\nفقال البعض: فرض العين أفضل، ولذلك وجب على كل مكلف.\nوقال البعض: إن فرض الكفاية أفضل؛ لأن نفعه أعم؛ إذ هو يسقط الفرض عن نفسه وعن غيره.\n٤- هل يتعين فرض الكفاية، ويجب إتمامه على من تلبس به أم لا؟\nقال الطوفي: \"والأشبه: أنه يتعين، كالمجاهد يحضر الصف، وطالب العلم يشرع في الاشتغال به، ونحو ذلك في صوره.\nووجهه: أنه بالشروع تعلق به حق الغير، وهو انعقاد سبب براءة ذمته من التكليف بفرض الكفاية، وخروجه عن عهدته، فلا يجوز له إبطال ما تعلق به حق غيره، كما لو أقر بحق لم يجز له الرجوع عنه.\nووجه القول الآخر: أن ما لا يجب الشروع فيه، لا يجب إتمامه في غير الحج، كصوم التطوع، وصلاته، ولأنه لو تعين بالشروع، لما جاز للقاضي أن يعزل نفسه، لكنه جائز باتفاق\".\n١ سورة المزمل الآية ١، ٢.\n٢ يشير إلى ما روي عن سلمان الفارسي -﵁- قال: \"خطبنا =","vol":"1","page":586},{"text":"هذا قول القاضي، وبعض المالكية، وبعض الشافعية١.\nوقال أبو الحسن التميمي، وأبو الخطاب، وبعض الشافعية: يختص الحكم بمن توجه إليه الأمر؛ لأن السيد من أهل اللغة لو أمر عبدا من عبيده بأمر: لاختص به دون بقية عبيده.\nولو أمر الله -تعالى- بعبادة، لم يتناول -بمطلقه- عبادة أخرى.\n_________\n= رسول الله -ﷺ- في آخر يوم من شعبان قال: \"يا أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا ... الحديث\" رواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال: \"إن صح الخبر\" كما رواه ابن خزيمة والبيهقي -مختصرًا- عن أبي هريرة -﵁- وفي إسناده كثير بن زيد. \"الترغيب ٢/ ٦٧\"\n١ حاصل ذلك: أن ما خوطب به النبي -ﷺ- من الأحكام يتناول أمته كذلك، ومثله ما إذا توجه خطاب من رسول الله –صلى الله عليه عليه وسلم- إلى واحد من الصحابة –﵃- فإنه يعم الجميع، حتى النبي -ﷺ-. ما لم يدل دليل مخصص للنبي -ﷺ- أو لبعض الصحابة: كوجوب السواك والضحى والوتر على النبي -ﷺ- دون الأمة، فقد وجد دليل يدل على هذا الاختصاص، ومثل ذلك: ما خوطب به -ﷺ- صراحة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . ومن أمثلة ما دل الدليل على اختصاصه ببعض الصحابة:\nقوله -ﷺ- لأبي بردة \"تجزئك ولا تجزئ أحدًا بعدك\".\nأخرجه البخاري \"٩٥٥\" و\"٩٦٥\"، \"٩٨٣\"، \"٥٥٤٥\"، \"٥٥٥٦\"، \"٥٧٥٧\"، \"٥٥٦٠\"، \"٥٥٦٣\" كما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم.\nفإذا لم يقل دليل على التخصيص، كان الحكم عامًا عند القاضي أبي يعلى، وبعض المالكية وبعض الشافعية.\nانظر: العدة \"١/ ٣١٨\"، وشرح العضد \"٢/ ١٢١\"، وشرح الطوفي \"٢/ ٤١١\".","vol":"1","page":587},{"text":"فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: \"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي\" ١.\nوروي عنه -ﷺ- في القبلة للصائم مثل ذلك. رواه مسلم٢.\nفالحجة فيه من وجهين:\nأحدهما: أنه أجابهم بفعله، ولو اختص به الحكم، لم يكن جوابًا لهم.\nالثاني: أنه أنكر عليهم مراجعتهم له باختصاصه بالحكم، فدل على أن مثل هذا لا يجوز اعتقاده.\nولأن الصحابة -﵃- كانوا يرجعون إلى أفعال\n_________\n١ رواه مسلم: كتاب الصيام، باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، وأبو دواد في الصيام حديث \"٢٣٨٩\"، والنسائي في السنن الكبرى، في الصيام والتفسير، ومالك في الموطأ \"١/ ٢٨٩\" من حديث عائشة -﵂-.\n٢ هو: مسلم بن الحجاج بن مسلم، النيسابوري، أحد أئمة حفاظ الحديث، صاحب الصحيح المشهور الذي جمع فيه ثلاثمائة ألف حديث. وله مصنفات أخرى كثيرة، منها: \"المسند الكبير\" على أسماء الرجال، \"الجامع الكبير\" على الأبواب، وكتاب \"العلل\" و\"الكنى\" و\"أوهام المحدثين\". توفي -رحمه الله تعالى- سنة \"٢٦١هـ\" انظر: \"طبقات الحفاظ ص٢٦٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨\".\nوحديث القبلة للصائم: أخرجه مسلم، كتاب الصيام، من طريق عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله -ﷺ- أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله -ﷺ- يصنع ذلك. فقال يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله -ﷺ-: \"أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له\". حديث رقم \"١١٠٨\".","vol":"1","page":589},{"text":"النبي -ﷺ- فيما يختلفون فيه من الأحكام: كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال١، وإيجاب الوضوء من الملامسة٢، وصحة الصوم ممن أصبح جنبًا٣، وعدم ثبوت حكم الإحرام في حق من\n_________\n١ أخرجه مسلم: كتاب الحيض، باب: نسخ الماء، ووجوب الغسل من التقاء الخنانين من حديث عائشة -﵂-، والترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الإكسال، من حديث أبي هريرة -﵁-.\nكما أخرجه عنها وعن غيرها ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختاتان، وهو أظهر من محل الشاهد، حيث جاء فيه لفظ الفعل صريحًا. فعن عائشة -﵂- قالت: \"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله -ﷺ- فاغتسلنا\".\n٢ حديث الوضوء من مس المرأة: أخرجه الترمذي: كتاب التفسير، باب ومن سورة هود عن معاذ بن جبل -﵁- مرفوعًا.\nولفظه \"...... عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال: أتى النبي -ﷺ- رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا لقى امرأة، وليس بينهما معرفة، فليس يأتي الرجل شيئًا إلى امرأته إلا وقد أتى هو إليها، إلا أنه لم يجامعها، قال: فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فأمره أن يتوضأ ويصلي. قال معاذ: يا رسول الله، أهي له خاصة أم للؤمنين عامة؟ قال: بل للمؤمنين عامة\". قال الترمذي: \"هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ\".\nكذلك أخرجه عن معاذ -أيضًا- الدراقطني كتاب الطهارة، باب صفة ما ينقض الوضوء وما روي في الملامسة والقبلة. ثم قال: \"حديث صحيح\"، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، باب الدليل على أن اللمس ما دون الجماع والوضوء منه.\nكما أخرجه مالك والشافعي من حديث ابن عمر -﵄-.","vol":"1","page":590},{"text":"بعث هديه وأقام في أهله١، حتى عدوا ذلك ناسخًا لما قبله، معارضًا لما خالفه من أمره ونهيه.\nولأن الله -تعالى- أمر نبيه -ﷺ- بقيام الليل٢، ودخل فيه أمته، حتى نسخه بقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ٣.\n_________\n١ روى البخاري ومسلم وأبو دواد والترمذي والنسائي عن عائشة -﵂- قالت: أنا فتلت تلك القلائد من عهن كان عندنا وأصبح فينا حلالًا، يأتي ما يأتي الحلال من أهله، أو ما يأتي الرجل من أهله.\nوفي رواية: فتلت قلائد بُدنِ رسول الله -ﷺ- ثم أشعرها وقلّدها، ثم بعث بها إلى البيت، فما حرم عليه شيء كان له حلالًا. انظر: جامع الأصول \"٤/ ١٦٥\" والمنتقى من أخبار المصطفى ص٤٢٣.\n٢ في قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١-٤] .\n٣ سورة المزمل من الآية: ٢٠.\nروى ابن جرير الطبري عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَه﴾ قال: فاستراح الناس.\nوروي عن زرارة بن أبي أوفى عن سعيد بن هشام قال: فقلت -يعني لعائشة- أخبرينا عن قيام رسول الله -ﷺ- قالت: ألست تقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قلت: بلى. قالت: فإنها كان قيام رسول الله -ﷺ- وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحبس آخرها في السماء ستة عشر شهرًا، ثم نزل.\nوروى الطبري عن سعيد بن جرير قال: لما أنزل الله تعالى على نبيه -ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قال: مكث النبي -ﷺ- على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله -تعالى- عليه بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ الآية.\nتفسير ابن كثير \"٤/ ٤٣٧\".","vol":"1","page":591},{"text":"ولما عاتبه في تحريم ما أحل الله ما أحل الله له١، قال -عقيبه-: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٢.\nوابتدأ الخطاب بمناداته وحده، ثم تممه بلفظ الجمع بقوله: ﴿ياَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ..﴾ ٣. وهذا يدل على أن حكم خطابه لا يختص به.\n_________\n١ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ .\n٢ سورة التحريم من الآية: ٢.\nوقد اختلف العلماء في سبب نزول ذلك على أقوال كثيرة، أشهرها -كما قال الواحدي والقرطبي- أن النبي -ﷺ- كان في بيت حفصة، فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي -صى الله عليه وسلم- فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت، فلما رأى النبي -ﷺ- في وجه حفصه الغيرة، والكآبة قال لها: \"لا تخبري عائشة ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا\" فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا متصافيتين- فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبي -ﷺ- حتى حلف أن لا يقرب مارية، فأنزل الله هذه السورة. \"فتح القدير للشوكاني ٥/ ٢٨٧\".\nكما روى البخاري في كتاب التفسير، باب سورة التحريم، ومسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، من حديث حفصة وعائشة أنهما قالتا للنبي -ﷺ-: نشم منك رائحة مغافير \"صمغ حلو له رائحة كريهة\" قال: \"لا، بل شربت عسلًا\" -وكان قد شربه عند زينب بنت جحش- ولن أعود إليه\" فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ .\nقال الشوكاني في فتح القدير \"٥/ ٢٩٠\": \"والجمع ممكن بوقوع القصتين:\nالعسل، وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا\".\n٣ مفتتح سورة الطلاق.\nقال الشوكاني: \"نادى النبي -ﷺ- أولًا تشريفًا له، ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له خاصة، والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك\". المصدر السابق ص٣٧٧.","vol":"1","page":592},{"text":"وقد أشار إليه -﵇- بقوله: \"إِنّمَا أَسْهُو لأَسُنًّ\" ١.\nفإذا ثبت أن امته يشاركونه في حكمه: فلزم مشاركته لهم في أحكامهم؛ لوجود التلازم ظاهرًا؛ فإن ما ثبت في أحد المتلازمين ثبت في الآخر؛ فإنه لو ثبت في حقهم حكم انفردوا به دونه: لثبت نقيض ذلك الحكم في حقه دونهم، وقد أقمنا الدليل على خلافه.\nلذلك: قالت حفصة٢ للنبي -ﷺ-: ما شأن الناس حلُّوا ولم تحلل من عمرتك؟ قال، \"إِنَّي لَبدَتُّ رَأْسِي٣، وَقَلَّدتُّ، هَدْبِي، فَلاَ أُحِلَّ حَتىَّ أَنْحَرَ\" ٤.\nفلولا أنه داخل فيما ثبت لهم من الأحكام: ما استدعوا منه موافقتهم، ولا أقرهم على ذلك، وبين لهم عذره.\n_________\n١ أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الصلاة -باب العمل في السهو- قال: \"بلغني أن النبي -ﷺ- قال: \"إني لأنسى، أو أنسًّى لأسنّ\".\nقال ابن عبد العزيز: \"لا أعلم هذا الحديث روي عن رسول الله -ﷺ- مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه، وهو أحد هذه الأحاديث الأربعة التي في الموطأ، لا توجد في غيرن مسنده ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول\".\nشرح الزرقاني على موطأ مالك \"١/ ٢٠٥\".\nشرح الزرقاني على موطأ مالك \"١/ ٢٠٥\".\n٢ هي: أم المؤمنين: حفصة بنت عمر بن الخطاب -﵄- تزوجها الرسول -ﷺ- سنة \"٣هـ\" على أرجح الأقوال: توفيت -﵂- سنة \"٤١هـ\" وقيل سنة \"٤٥هـ\". انظر: الاستيعاب \"٤/ ١٨١١\".\n٣ في المصباح فيقال: لبّدت الشيء تلبيدًا: ألزقت بعضه ببعض حتى صار كاللبّد، ولبّد الحاج شعره بخطمى ونحوه كذلك حتى لا يتشعث\".\n٤ أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التمتع ولإقران والإفراد بالحج من حديث عبد الله بن عمر -﵄- عن حفصة -﵂- كما أخرجه =","vol":"1","page":593},{"text":"والدلالة على أن الحكم إذا ثبت في حق واحد من الصحابة دخل فيه غيره: قوله -﵇-: \"خطابي للواحد خطاب للجماعة\" ١.\nولأن الصحابة -﵃- كانت ترجع في أحكامهم إلى قضايا النبي -ﷺ- في الأعيان٢: كرجوعهم في حد الزاني إلى قصة\n_________\n= عنها في باب فتل القلائد للبدن والبقر، وفي باب من لبّد رأسه عن الإحرام وحلق.\nكما أخرجه عنها -أيضًا- أبو داود: كتاب الحج، باب في الإقران، والشافعي في كتاب الحج، باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة. وفي بعض رواياته: \"إني أهديت ولبّدت، فلا أحل حتى أنحر هديي\".\n١ هكذا يذكره الأصوليون في كتبهم، كما يروونه بلفظ \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" وهو بهذين اللفظين، لا أصل له، كما قال المزي، والذهبي، والعراقي، والسخاوي، لكن جاء في معناه ما وراه النسائي في سننه، كتاب البيعة، باب النساء، من طريق مالك، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء، من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر، سمعت أميمة بنت رقيقة تقول: بايعت رسول الله -ﷺ- في نسوة لنا: \"فيما استطعتنّ وأطقتنّ\" قلت: الله ورسوله أرحم منا بأنفسنا. فقلت: يا رسول الله بايعنا. قال سفيان: يعنى صافحنا. فقال رسول الله -ﷺ-: \"إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة\" قال الترمذي: حسن صحيح. ولفظ النسائي: \"ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة\".\nوأخرجه كذلك ابن حبان في صحيحه، والدرقطني في سننه.\nانظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان \"ص٣٤\" المقاصد الحسنة \"ص١٩٢\" تحفة الطالب لابن كثير \"ص٢٨٦\" الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج \"ص١١٠\".\n٢ أي: الوقائع التي حكم فيها الرسول -ﷺ- على أشخاص معينين.","vol":"1","page":594},{"text":"ماعز١ وفي دية الجنين إلى حديث حمل بن مالك٢، وفي \"المفوضة\" إلى قصة بروع بنت واشق، و\"في السكنى والنفقة\" إلى حديث فاطمة بنت قيس، وفريعة بنت مالك٣، وإلى حديث صفية الأنصارية٤ في: \"سقوط طواف الوداع عن الحائض\" وغير ذلك.\n_________\n١ هو: ماعز بن مالك الأسلمي، أبو عبد الله، صحابي جليل، يعد من المدنيين، روى عنه ابنه عبد الله حديثًا واحدًا. له ترجمة في: الاستيعاب \"٣/ ١٣٤٥\" والإصابة \"٥/ ٧٠٥\".\nوقصة رجم ماعز: أخرجها البخاري: كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت عن ابن عباس -﵄- ومسلم: كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزنا عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري: كما أخرجها أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم.\n٢ تقدمت ترجمته، وتخريج حديثه فصل \"التعبد بخبر الواحد\".\n٣ تقدمت هذه الأخبار في فصل \"التعبد بخبر الواحد\".\n٤ في أكثر النسخ المطبوعة \"الأنصارية\" بدون واو، حتى قال الطوفي في شرحه \"٢/ ٤١٥-٤١٦: \"قال الشيخ أبو محمد: وإلى حديث صفية الأنصارية؛ في سقوط طواف الوداع عن الحائض. قلت: وإنما هي صفية بنت حيي، أم المؤمنين\".\nوالصواب إثبات الواو؛ لأن القصة نقلت عن السيدة حفصة، وامرأة أنصارية تسمى \"أم سليم\". وقد تقدم في \"فصل التعبد بخبر الواحد سمعًا\": عن عكرمة قال: إن أهل المدينة سألوا ابن عباس -﵄- عن امرأة طافت، ثم حاضت؟ قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد \"وكان زيد بن ثابت يفتي بخلاف ذلك\" قال: -أي ابن عباس-: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا \"أم سليم\" فقالت: إن صفية بنت حيي زوج النبي -ﷺ- حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال: \"أحابستنا هي؟ \". قالوا: إنها أفاضت. قال: \"فلا إذن\".\nأخرجه البخاري: كتاب الحج -باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، =","vol":"1","page":595},{"text":"ولأنه لو اختص به لما احتيج إلى التخصيص بقوله -لأبي بردة١- في التضحية بالجذع من المعز: \"تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك\" ٢.\nدليل آخر: أن قول الراوي: \"نهي رسول الله -ﷺ- أو أمر، أو قضى\" يعم، ولو اختص الحكم من شوفه به: لم يكن عامًا؛ لاحتمال أن يكون الراوي سمع نهي النبي -ﷺ- أو أمره لواحد فلا يكون عامًا.\n_________\n= ومسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوادع وسقوطه عن الحائض، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب ترك الحائض الوادع.\n١ هو: الصحابي الجليل: هانئ بن نيار الأنصاري، خال البراء بن عازب، شهد أبو بردة بدرًا وما بعدها. توفي في أول خلافة معاوية بعد أن شهد مع علي -﵁- حروبه كلها، وكان سنة \"٤١هـ\" وقيل \"٤٢هـ\" وقيل \"٤٥هـ\". انظر في ترجمته: الإصابة \"٤/ ١٨\" تهذيب الأسماء واللغات \"٢/ ١٧٨\".\n٢ الحديث رواه البراء بن عازب قال: ضحى خال لي يقال له: أبو بردة، قبل الصلاة، فقال له رسول الله -ﷺ-: \"شاتك شاة لحم\" فقال: يا رسول الله، إن عندي داجنًا جذعة من المعز؟ قال: \"اذبحها ولا تصلح لغيرك\".\nوفي رواية أخرى عن البراء -أيضًا- قال: خطبنا النبي -ﷺ- يوم النحر قال: \"إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي، فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء\" فقام خالي أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله، أنا ذبحت قبل أن أصلي، وعندي جذعة خير من مسنة، قال: \"اذبحها، ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك\" وفي رواية: إن عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم، فقال: \"هي خير نسيكتك، ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك\". والعناق: أنثى المعز قبل أن تستكمل حولًا.\nأخرجه البخاري \"٩٥٥\" ومسلم \"١٩٦١\" وأبو داود \"٢٨٠٠\" والترمذي \"١٥٠٨ وأحمد في المسند \"٤/ ٢٨١، ٢٨٧، ٢٩٧، ٣٠٢\" وغيرهم.","vol":"1","page":596},{"text":"ولأن الخطاب بالكتاب والسنة إنما شوفه به أصحاب النبي -ﷺ- ولا خلاف في ثبوت حكمه في حق أهل الأعصار١.\n_________\n١ هذه خمسة أدلة تدل على أن ما توجه إلى بعض الأمة يتناول غيره، ما لم يدل دليل على الاختصاص كما تقدم.","vol":"1","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>فصل: [في تعلق الأمر بالمعدوم]</span>\nالأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت المعدومين إلى قيام الساعة، بشرط وجودهم على صفة من يصح تكليفه.\nخلافًا للمعتزلة وجماعة من الحنفية١ قالوا: لا يتعلق الأمر به؛ لأنه يستحيل خطابه، فيستحيل تكليفه.\nولأنه لا يقع منه فعل ولا ترك، فلم يصح أمره، كالعاجز والمجنون، ولأن المعدوم ليس بشيء، فأمره هذيان.\n_________\n١ تحرير محل النزاع في المسألة: أن توجه الأمر إلى المعدوم: إن كان بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه، فهو محال وباطل بالإجماع؛ لأن المعدوم لا يفهم إيقاع الفعل منه حال عدمه، فهو محال وباطل بالإجماع؛ لأن المعدوم لا يفهم الخطاب، فضلًا عن أن يعمل بمقتضاه، وشروط التكليف كلها منفية فيه.\nوإن كان بمعنى توجه الخطاب له عند وجوده، ووجود شروط التكليف فيه، فهذا هو محل النزاع.\nفالجمهور على جواز ذلك، ولهم على ذلك أدلة سيذكرها المصنف.\nوالمعتزلة وبعض الحنفية، وبعض المتكلمين يرون عدم الجواز، للأدلة التي ذكرها المصنف.\nوالواقع أن ما أوردوه من الأدلة لا ينطبق على محل النزاع، وسيأتي رد المصنف على هذه الأدلة.\nانظر: شرح الطوفي \"٢/ ٤١٩-٤٢٠\".","vol":"1","page":597},{"text":"وكما أن من شرط القدرة: وجود المقدور، يجب أن يكون من شرط الأمر: وجود المأمور.\nولنا:\nاتفاق الصحابة -﵃- والتابعين على الرجوع إلى الظواهر المتضمنة أوامر الله -سبحانه- وأوامر نبيه -﵇- على من لم يوجد في عصرهم، لا يمتنع من ذلك أحد.\nولأنه قد ثبت أن كلام الله –تعالى- قديم، وصفة من صفاته، لم يزل آمرا ناهيًا.\nوقال الله -تعالى-: ﴿فَاتَّبِعُوه﴾ ١ وهذا أمر باتباع النبي -ﷺ- ولا خلاف أنا مأمورون باتباعه ولم نكن موجودين.\nقولهم٢: \"إن خطاب المعدومين محال\".\nقلنا: إنما يستحيل خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه٣.\nأما أمره بشرط الوجود: فغير مستحيل، بأن يفعل عند وجوده ما أمر به متقدمًا، كما يقول: الوالد يوجب على أولاده، ويلزمهم التصدق عنه إذا عقلوا وبلغوا، فيكون الإلزام حاصلا بشرط الوجود.\n_________\n١ سورة الأعراف من الآية: ١٥٨ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وفي جميع النسخ: \"فاتبعوه\" وقد وردت في الآيتين: ١٥٣، ١٥٥ من سورة الأنعام. ولا تصلحان للاستشهاد هنا، حيث الضمير في الأولى يعود على صراط الله تعالى، وفي الثانية يعود على الكتاب. فتأمل ذلك.\n٢ بدأ المصنف يناقش الأدلة التي تمسك بها المعتزلة ومن معهم.\n٣ أي: حال عدم المأمور.","vol":"1","page":598},{"text":"ولو قال لعبده: \"صم غدًا\" فهو أمر في الحال بصوم الغد، لا أنه أمر في الغد.\nوأما العاجز: فإنه يصح أمره بشرط القدرة، كمسألتنا بغير فرق.\nفإن قيل: هذا مخالف لقوله -﵇-: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي ... \" ١ قلنا: المراد به: رفع المأثم والإيجاب المضر، بدليل أنه قرن به النائم.\nولا نسلم أن شرط القدرة: وجود المقدور؛ فإن الله -﷾- قادر قبل أن يوجد مقدور٢.\n_________\n١ الحديث أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الحدود حديث \"٤٤٠٣\" وابن ماجه: كتاب الطلاق حديث \"٢٠٤١\" وأحمد في المسند \"٦/ ١٠٠\" عن عائشة -﵂- مرفوعًا عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق\" وإن كان في إسناده مقال، إلا أن الحاكم في المستدرك \"٢/ ٥٩\" قال: \"هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه: أي: البخاري ومسلم.\n٢ ترك مسلم الرد على قولهم: \"ولأن المعدوم ليس بشيء، فأمره هذيان\" وقد رد عليه الطوفي في شرحه \"٢/ ٤٢١-٤٢٢\" مبينا أن هذا قول بعضهم، لا كل المعتزلة: \"قال بعضهم: هو عرض قائم بجوهر، وأن تأثير القدرة الإلهية ليست في إيجاد معدوم، بل في إظهار الأشياء من رتبة الخفاء إلى رتبة الجلاء، أي: أن الأشياء خفية في العدم، فيظهرها الله -﷿- ويجليها، كما قال -﷿- في الساعة التي نسميها الآن معدومة: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] فسماها شيئًا، وقال في موضع آخر: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . ثم قال: وإذا كان معنى إيجاد المعدوم عندهم هو: إظهار أشياء بعد خفائها، فما المانع من توجه الخطاب الأزلي إلى تلك الأشياء، بشرط ظهورها وتأهلها للامتثال، هذا مما لا مانع منه، وهو لازم لمن قال به من المعتزلة، على ما حكيته عنهم في كتاب: \"إبطال التحسين والتقبيح\". ا. هـ.","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>فصل: [في التكليف بغير الممكن]</span>\nويجوز الأمر من الله -سبحانه- لما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله.\nوعند المعتزلة: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تعلقه بشرط تحققه مجهولا عند الآمر، أما إذا كان معلوما أنه لا يتحقق الشرط، فلا يصح الأمر به؛ لأن الأمر طلب، فكيف يطلب الحكيم ما يعلم امتناعه؟\nوكيف يقول السيد لعبده: خط ثوبي إن صعدت السماء؟\nوبهذا يفارق أمر الجاهل؛ لأن من لا يعرف عجز غيره عن القيام: يتصور أن يطلبه منه.\nأما إذا علم امتناعه: فلا يكون طالبًا، وإذا لم يكن طالبًا: لم يكن آمرا. ولأن إثبات الأمر بشرط يفضي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطًا بما يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن، أو يتقدم أما أن يتأخر عن المشروط، فمحال.\nوهذه المسألة تنبني على النسخ قبل التمكن، وأن فيه فائدة، على ما مضى١.\n_________\n١ حاصل هذه المسألة: أن الآمر والمأمور إما أن يكونا عالمين بانتفاء شرط التكليف، أو جاهلين به، أو أحدهما عالم به والآخر جاهل به. فالقسمة العقلية رباعية.\nفإن كانا عالمين بانتفاء التكليف، فلا يصح التكليف؛ لانتفاء فائدته في حق المكلف.\nوإن كانا جاهلين بانتفائه، فيصح، لحصول فائدته في حق المكلف، وصحة =","vol":"1","page":600},{"text":"ولنا:\nالإجماع على أن الصبي إذا بلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد أنه مأمور بشرائع الإسلام، منهي عن الزنا والسرقة، ويثاب على امتثال المأمورات، وترك المنهيات، ويكون متقربًا بذلك وإن لم يحضر وقت عبادة، ولا يتمكن١ من زنا ولا سرقة.\nوعلمه بأن الله -تعالى- عالم بعاقبة الأمر: لا ينفي عنه ذلك.\nوإن احتمل أن لا يكون مأمورا منهيًّا، لعدم مساعدة التمكن يجب أن يشك في كونه مأمورًا منهيًّا، وفي كونه متقربًا؛ إذ لا خلاف في أن العزم على امتثال ما ليس بمأمور، وترك ما ليس بمنهي ليس بقربة، وهذا لا يتيقن أنه مأمور ولا متقرب وهذا خلاف الإجماع.\nودليل ثان:\nالإجماع على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية، ولا تقبل نية الفرضية، إلا بعد معرفة الفرضية والعبد ينوي في أول الوقت فرض الظهر، وربما مات في أثنائها، فتبين -عندهم٢- أنها لم تكن فرضًا،\n_________\n= الطلب من الآمر، إذ ما يعلم انتفاء شرطه لا يصح طلبه ممن يجوز جهله به.\nأما إذا كان الآمر عالمًا به دون المأمور: فيصح إذا كان المأمور عالمًا به دون المأمور: فيصح إذا كان الآمر هو الله تعالى؛ لابتلاء المكلف واختباره، بخلاف العكس: وهو ما إذا كان المأمور عالمًا به دون الآمر، فلا يصح؛ لانتفاء فائدته من جهة المكلف، وعدم صحة طلبه من الآمر، لجهله به.\nوالمسألة مفرعة على مسألة: النسخ قبل التمكن من الامتثال، وقد تقدم ما فيها.\nانظر: شرح مختصر الطوفي \"٢/ ٤٢٣-٤٢٤\".\n١ في الأصل \"لا يمكن\" ولا يستقيم المعنى بذلك.\n٢ أي: عند المعتزلة.","vol":"1","page":601},{"text":"فليكن شاكًّا في الفرضية، فتمتنع النية لأنها لا تتوجه إلا إلى معلوم.\nفإن قيل: فإذا مات في أثنائها كيف يقال: إن الأربع كانت فريضة على الميت؟\nقلنا: هو قاطع بأنها فرض عليه، لكن بشرط البقاء، والأمر بشرط أمر في الحال، وليس بمعلق من عزم عليه يثاب ثواب العزم على الواجبات؛ فإن قول السيد لعبده: \"صم غدًا\" أمر في الحال بصوم الغد، لا أنه أمر في الغد.\nولو قال: \"فرضت عليك بشرط بقائك\": فهو فارض في الحال، لكن بشرط.\nولو قال لوكيله: \"بع داري في رأس الشهر\": كان وكيلًا في الحال، يصح أن يقال: وكّله، ويصح عزله.\nوإذا قال: وكّلني، وعزلني: كان صادقًا، فإن مات قبل رأس الشهر لم يتبين كذبه.\nبخلاف ما إذا قال: \"إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي\"، فإنه لا يكون وكيلًا في الحال.\nالثالث: الإجماع على لزوم الشروع في صوم رمضان، فإن كان الموت يتبين به عدم الأمر، والموت مجوّز١، فيصير مشكوكًا فيه، فكيف تلزمه العبادة؟.\nقالوا٢: لأن الظاهر بقاؤه، والحاصل يستصحب، والاستصحاب أصل تنبني عليه الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع: لم يقبح الهرب، وإن\n_________\n١ أي: جائز.\n٢ أي: المعتزلة.","vol":"1","page":602},{"text":"كان من المحتمل موت السبع دونه، ولو فتح هذا الباب: لم يتصور امتثال أمر.\nقلنا: هذا يلزمكم، ومذهبكم يفضي إليه، وما أفضي إلى المحال محال١.\nوأما الهرب: فحزم، وأخذ بالأسوأ من الأحوال، ويكفي فيه الاحتمال البعيد والشك، فإن من شك في سبع في الطريق، أو لص: حسن منه الاحتراز عنه.\nوأما الوجوب: فلا يثبت بالشك والاحتمال، بل ينبغي أن من أعرض عن الصوم لم يكن عاصيًا؛ لأنه أخذ بالاحتمال الآخر.\nوقولهم٢: \"الأمر طلب، وطلب المستحيل من الحكيم محال\".\nقلنا: الأمر إنما هو قول الأعلى لمن دونه: \"افعل\" مع تجردها عن القرائن، وهذا متصور مع علمه بالاستحالة٣.\nوعلى أنا لو سلمنا أن الأمر طلب، فليس الطلب من الله -تعالى- كالطلب من الآدميين؛ وإنما هو استدعاء فعل لمصلحة العبد، وهذا يحصل مع الاستحالة؛ لكي يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال، أو الترك؛ لطفًا به في الاستعداد، والانحراف عن الفساد، وهذا متصور.\nويتصور من السيد -أيضًا- أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه،\n_________\n١ خلاصة رد المصنف على المعتزلة: أن هذا يلزمكم، حيث قلتم: إن الظاهر بقاؤه، ونحن نقول بلزوم الشروع في نحو صوم رمضان، فما كان جوابًا لكم، فهو جواب لنا أيضًا.\n٢ أي: قول المعتزلة.\n٣ وتكون الحكمة: هي اختبار المأمور، هل سيأخذ في الأسباب أو لا؟ فيكون ذلك دليلًا على الامتثال أو المخالفة.","vol":"1","page":603},{"text":"مع عزمه على فسخ الأمر قبل الامتثال؛ امتحانًا للعبد واستصلاحًا له.\nولو وكل رجلًا في عتق عبده غدًا، مع عزمه على عتق العبد: صح، ويتحقق فيها المقصود من: استمالة الوكيل، وامتحانه في إظهار الاستبشار بأوامره، والكراهية له، وكل ذلك معقول الفائدة، فكذا ههنا.\nوقولهم١: \"يفضي إلى تقدم المشروط على الشرط\".\nقلنا: ليس هذا شرطًا لذات الأمر، بل الأمر موجود، وجد الشرط أم لم يوجد، وإنما هو شرط لوجوب التنفيذ، فلا يفضي إلى ما ذكروه.\n_________\n١ أي: المعتزلة في بعض أدلتهم السابقة.","vol":"1","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>فصل: [في النهي]</span>\nاعلم أن ما ذكرناه من الأوامر، تتضح به أحكام النواهي؛ إذ لكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي٢ وعلى العكس، فلا حاجة إلى التكرار إلا في اليسير.\n_________\n١ معنى ذلك: أن المسائل التى بحثت في الأمر هي التي تبحث في النهي، فما قيل هناك يقال هنا، والراجح هناك هو الراجح هنا إلا في بعض الأمور، كما سيأتي.\nفإذا كان الأمر عبارة عن: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فالنهي عبارة عن استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء.\nوصيغة الأمر: \"افعل\" وصيغة النهي: \"لا تفعل\"، ولا يشترط إرادة الآمر والناهي.\nوإذا كان الأمر ظاهرًا في الوجوب، محتملًا للندب، فالنهي ظاهر في التحريم، مع احتمال الكراهة.\nوإذا كان الأمر يدل على التكرار والفور على خلاف في ذلك، فإن النهي يقتضي التكرار والفور بدون خلاف. =","vol":"1","page":604},{"text":"من ذلك:\nأن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها١.\nوقال قوم: النهي عن الشيء لعينه: يقتضي الفساد٢، والنهي عنه لغيره لا يقتضيه؛ لأن الشيء قد يكون له جهتان هو مقصود من إحداهما، مكروه من الأخرى على ما مضى٣.\nوقال آخرون: النهي عن العبادات يقتضي فسادها، وفي المعاملات\n_________\n= والأمر يقتضي صحة المأمور به، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.\n١ سواء أكان لعينه أم لغيره، في العبادات، أم في المعاملات.\nوهو رأي جمهور الأصوليين. قال الخطابي: هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه؛ لحديث عائشة -﵂-: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" متفق عليه.\nوالمذهب الثاني: أنه لا يدل على الفساد مطلقًا، نقله في المحصول عن أكثر الفقهاء، والآمدي عن المحققين.\nانظر: المحصول جـ١ ق٢ ص٤٨٦، والإحكام \"٢/ ١٨٨\".\nوالثالث: وهو المختار في المحصول والمنتخب وغيرهما أنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات. وبه قال بعض المعتزلة.\nالمذهب الرابع: أنه يدل على الفساد في العبادات، وفي المعاملات؛ إلا إذا رجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له، كالبيع وقت النداء للجمعة، فإن النهي إنما هو لخوف تفويت الصلاة، فإنه لا يدل على الفساد، وإن كان يأثم بتفويت الصلاة. وهو منقول عن الشافعي وأكثر أصحابه.\nانظر: القواعد لابن اللحام ص١٦٠.\n٢ مثل: الكفر والظلم، والكذب، ونحو ذلك من الأمور المنهي عنها لذاتها.\n٣ كما تقدم ذلك في الصلاة في الدار المغصوبة، فلو نهى عنها لذاتها، أي: لكونها صلاة، اقتضى فسادها مطلقًا، وإذا نهى عنها لما لابسها من معصية الغصب، لم يقتض فسادها.","vol":"1","page":605},{"text":"لا يقتضيه؛ لأن العبادة طاعة، والطاعة موافقة الأمر، والأمر والنهي يتضادان، فلا يكون النهي مأمورًا، فلا يكون طاعة ولا عبادة.\nولأن النهي يقتضي التحريم وكون الشيء قربة محرمًا محال١.\nوحكي عن طائفة، منهم أبو حنيفة: أن النهي يقتضي الصحة؛ لأن النهي يدل على التصور، لكونه يراد للامتناع، والممتنع في نفسه، المستحيل في ذاته، لا يمكن الامتناع منه، فلا يتوجه إليه النهي، كنهي الزَّمِن٢ عن القيام، والأعمى عن النظر.\nوكما أن الأمر يستدعي مأمورًا يمكن امتثاله: فالنهي يستدعي منهيًّا يمكن ارتكابه، إذا ثبت تصوره.\nفلفظات الشرع تحمل على المشروع، دون اللغوي فإذا نهى عن صوم يوم النحر، دل على تصوره شرعًا٣.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن هناك فرقًا بين العبادات والمعاملات من وجهين:\nأحدهما: أن المقصود من العبادات: هو التقرب إلى الله تعالى، وارتكاب النهي معصية، فلا يجتمعان، بخلاف المعاملات، فإنها ليست للتقرب، فلا يناقضها ارتكاب النهي.\nالوجه الثاني: أن فساد المعاملات بالنهي، يضر بالناس، ويفضي إلى قطع معايش الناس أو تقليلها، فراعى الشرع مصلحتهم، وعليهم إثم ما ارتكبوا من المنهيات.\nأما العبادات: فإنها حق الله -تعالى- فتعطيلها بإفسادها بسبب النهي لا يضر به سبحانه، بل من أوقعها صحيحة كان مطيعًا، ومن لم يواقعها بسبب صحيح كان عاصيًا.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٣٣-٤٣٤\".\n٢ الزمانة: العاهة، ورجل زمن: أي مبتلى بمرض يدوم زمنًا طويلًا.\n٣ خلاصة دليل أبي حنيفة ومن معه: أنه لما استحال أن يقال للأعمى: لا تبصر، =","vol":"1","page":606},{"text":"وقال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين: لا يقتضي فسادًا ولا صحة؛ لأن النهي من خطاب التكليف، والصحة والفساد من خطاب الأخبار١، فلا يتنافى أن يقول: نهيتك عن كذا، فإذا فعلته رتبت عليك حكمه.\n_________\n= وللزمن لا تَطِرْ، وللأخرس: لا تنطق، علمنا أن استحالة النهي عنه لعدم تصوره وذلك دليل على أن صحة النهي تعتمد على تصور المنهي عنه، فيكون صحيحًا ولذلك صححوا بيع درهم بدرهمين، ويثبت الملك في أحدهما، ويرد الآخر، لأن النهي دل على الصحة، والصحة عبارة عن ترتب الآثار والتمكن من التصرفات.\nانظر: شرح الطوفي \"٢/ ٤٣٤\".\nوقد ناقش الطوفي هذا الدليل وبين أنه يؤدي إلى التناقض فقال:\n\"وتقريره: أن النهي يقتضي الصحة العقلية، وهي الإمكان الذي هو شرط الوجود، أي: كون المنهي عنه ممكن الوجود لا ممتنعه، فَنَعَمْ يصح ما قلتموه، وإن أردتم الصحة الشرعية، أي: المستفادة من الشرع، وهي: ترتب آثار الشيء شرعًا عليه، فذلك تناقض؛ إذ يلزم منه صحة كل ما نهى الشرع عنه، وقد أبطلوا هم منه أشياء، كبيع الحمل في البطن ونحوه، ولأن النهي يقتضي -في وضع اللغة، وعرف الشرع- إعدام المنهي عنه؛ لأن كل عاقل، بل وغير عاقل، إذا أراد عدم فعل ما، قال لمن خشي صدروه منه: لا تفعله، ولا يقول ذلك إذا أراد إيجاد ذلك الفعل، فدل على أن مقتضى النهي: إعدام المنهي عنه، وحينئذ ترتب آثاره مع إعدامه تناقض\" المصدر السابق ص٤٣٥.\n١ أي: من قبيل الحكم الوضعى. وقد وضحه الطوفي فقال: \"النهي خطاب تكليفي، أي: من قبيل خطاب التكليف اللفظي، والصحة والفساد من قبيل خطاب الوضع والإخبار -كما سبق- وليس بين القبيلين، أعنى: الخطاب التكليفي والوضعي رابط عقلي، حتى يقتضي أحدهما الآخر، وإنما تأثير فعل المنهي عنه في الإثم به، لا في صحته، كما يقول أبو حنيفة، ولا في فساده، كما يقول غيره، فإن اقترن بالإثم بفعل المنهي عنه صحة أو فساد، فذلك لدليل خارج\".\nشرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٣٦\".","vol":"1","page":607},{"text":"فإن قيل: معناه: ليس بمقبول قربة ولا طاعة.\nقلنا: قوله: \"مردود\" يقتضي رد ذاته، فإن لم يكن١، اقتضى رد ما يتعلق به؛ ليكون وجوده وعدمه واحدًا.\nوالثاني: أن الصحابة -﵃- استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها:\nفاستدلوا على فساد عقود الربا بقوله -﵇-: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل\" ٢.\nواحتج ابن عمر -﵁- في فساد نكاح المشركات بقوله\n_________\n١ في الأصل \"يكن\" ولعل الصواب ما أثبتناه، ليتسق المعنى، فإن المقصود من العبارة أن الرد يتجه إلى الذات، فإذا كانت الذات موجودة، توجه الرد إلى ما يتعلق بها من الصحة، أو الكمال، وما أشبه ذلك؛ لأن رد الذات بعد وجودها محال.\n٢ أخرجه مسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، والترمذي: كتاب البيوع، باب ما جاء أن الحنطة مثلًا بمثل وقال: \"حديث حسن صحيح\" وأبو داود: كتاب البيوع، باب في الصرف، وابن ماجه: كتاب التجارات، باب الصرف وما لا يجوز متفاضلًا يدًا بيد، والنسائي: كتاب البيوع، باب بيع البر بالبر، وباب بيع الشعير بالشعير. كما أخرجه الدرامي والدراقطني، والشافعي وغيرهم، من حديث عبادة بن الصامت -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين، يدًا بيد\".\n٣ في بعض الروايات: \"ابن عمر -﵄-\". وفي أحكام القرآن لابن العربي \"١/ ١٥٦\" \"لا يجوز العقد بنكاح على مشركة، كانت كتابية أو غير كتابية، قاله عمر في إحدى روايتيه\" ثم قال: \"كل كافر بالحقيقة مشرك، ولذلك يروى عن ابن عمر -﵄- أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، =","vol":"1","page":609},{"text":"-تعالى-: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ١، وفي نكاح المحرم بالنهي٤.\nوفي بيع الطعام قبل قبضه بالنهي٣. وغير ذلك مما يطول.\nالثالث: أن النهي عن الشيء يدل على تعلق المفسدة به، أو بما يلازمه؛ لأن الشارع حكيم لا ينهى عن المصالح، إنما ينهى عن المفاسد، وفي القضاء بالفساد إعدام لها بأبلغ الطرق٤.\nالرابع: أن النهي عنها مع ربط الحكم بها يفضي إلى التناقض في الحكمة؛ لأن نصبها سببًا تمكين من التوسل، والنهي منع من التوسل.\n_________\n= وقال: أي شرك أعظم ممن يقول: عيسى هو الله أو ولده، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا\". فيبدو أن ذلك منقول عنهما، ولذلك اختلفت الروايات.\n١ سورة البقرة من الآية: ٢٢١.\n٢ روى مسلم في كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته، عن عثمان بن عفان -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يَنكح المحرم ولا يُنكح\". كذلك أخرجه عنه: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدرامي والدراقطني ومالك وغيرهم.\nانظر: \"المنتقى ص٣٨٧\".\n٣ حديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه: رواه مسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله\".\nوأخرجه السبعة إلا الترمذي من حديث ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: \"من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه\" انظر: سبل السلام \"٣/ ١٥\".\n٤ معنى ذلك: أن المفسدة ضرر على الناس في المعاملات، وشين يجب أن تنزه عنه العبادات، وإعدام الضرر مناسب عقلًا وشرعًا، عملًا بقوله -ﷺ-: \"لا ضرر ولا ضرار\" \"رواه مالك في الموطأ ٢/ ٧٤٥ مرسلًا، ورواه الحاكم والبيهقي والدراقطني عن أبي سعيد الخدري موصلًا، وله طرق أخرى كثيرة. انظر: نصب الراية \"٤/ ٣٨٦\"، شرح الطوفي \"٢/ ٤٣٨\".","vol":"1","page":610},{"text":"ولأن حكمها مقصود الآدمي، ومتعلق غرضه، فتمكينه منه حث على تعاطيه، والنهي منع من التعاطي ولا يليق ذلك بحكمة الشرع.\nثم لا فرق بين كون النهي عن الشيء لعينه، أو لغيره، لدلالة النهي على رجحان ما يتعلق به من المفسدة، والمرجوح كالمستهلك المعدوم.\nوقولهم١: \"إن النهي لا ينافي الصحة\". قد بينا تناقضهما.\nوإن سلمنا أنه لا ينافيه، لكن يدل على الفساد ظاهرًا، ويكفي ذلك.\nوفي المواضع التي قضينا بالصحة٢، خولف فيه الظاهر، فلا يخرجه عن أن يكون الأصل ما ذكرناه، كما لو خولف مقتضاه في التحريم.\nوقولهم: \"إنه يدل على الصحة\". بعيد جدًّا؛ فإنهم إذا لم يجعلوه دليلًا على الفساد مع قربه منه، كيف يجعلونه دليلًا على الصحة؟!\nقولهم: \"إنه يدل على التصور\".\n_________\n١ أي: أبو حنيفة ومن معه، حيث قالوا: \"إن النهي يقتضي الصحة، لأن النهي يدل على التصور....\" إلى آخر ما استدلوا به، وقد تقدم الرد عليه، كما قال المصنف في الدليل الرابع.\n٢ مثل: الطلاق حال الحيض، فإن الطلاق يقع وإن كان مخالفًا للنهي.\nقال المصنف في المغني \"١٠/ ٣٢٤\": \"أجمع العلماء في جميع الأمصار، وكل الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق خالف السنة، وترك أمر الله -تعالى- ورسوله -ﷺ- قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: ١] وقال النبي -ﷺ-: \"إن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء\".\nثم قال: \"فإن طلق للبدعة، وهو أن يطلقها حائضًا، أو في طهر أصابها فيه، أثم ووقع طلاقه، في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال ... \".","vol":"1","page":611},{"text":"قلنا: يدل على تصوره حسَّا، وهو الأفعال١.\nأما الصحة والفساد: فحكمان شرعيان، لا ينهى عنهما، ولا يؤمر بهما، ودليله: مناهي الشرع: كالمحاقلة والمزابنة، والمنابذة والملامسة٢، وقوله -تعالى-: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ٣، ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ٤، وقوله -﵇-: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" ٥. إلى نظائره.\nقولهم: \"إن الأسامي الشرعية تحمل على موضوع الشرع\".\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن النهي يدل على تصور المنهي عنه في الوجود، أي: كون المنهي عنه ممكن الوجود، ولا يدل على تصوره شرعًا، لأن مقتضى النهي شرعًا: إعدام المنهي عنه، فكونه يدل على تصوره شرعًا فيه تناقض واضح.\n٢ المحاقلة: هي بيع الطعام في سنبله، وقيل: هي أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة، أو هي: اكتراء الأرض بالحنطة.\nأما المزابنة: فهي بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر.\nوالمنابذة: بيع السلعة بالنبذ بدون رؤية وعلم بها.\nوالملامسة: بيع الشيء بالشيء بمجرد اللمس بدون رؤية. وكلها بيوعات منهي عنها لما فيها من الجهالة، أو عدم التساوي.\nعن أنس -﵁- قال: \"نهى النبي -ﷺ- عن المحاقلة، والمخابرة \"وهي بيع الثمار والحبوب قبل بدو صلاحها\" والملامسة والمنابذة والمزابنة\" رواه البخاري. سبل السلام \"٣/ ٢٠\".\n٣ سورة النساء من الآية: ٢٢.\n٤ سورة البقرة من الآية: ٢٧٨.\n٥ لفظ الحديث: ما روته عائشة -﵂- أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت رسول الله -ﷺ- فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: \"إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي\". أخرجه البخاري: كتاب =","vol":"1","page":612},{"text":"عنه جوابان:\nأحدهما: أن الأصل تقرير الأوضاع اللغوية، إلا ما صرف عنه الاستعمال الشرعي١.\nوفي الأوامر: ألفنا من الشارع استعمال هذه الأسماء للموضوع الشرعي.\nأما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف.\nالثاني: أنا نسلم استعماله في الموضوع الشرعي، لكن الصلاة الشرعية: هي الأفعال المنظومة، والصحة غير داخلة في حدها؛ لما ذكرناه٢.\n_________\n= الوضوء، باب غسل الدم، وفي كتاب الحيض، باب الاستحاضة، وفي باب إقبال المحيض وإدباره.\nكما أخرجه مسلم: كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، أبو داود: كتاب الطهارة، باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة، وكذلك أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي وأحمد والدارمي وغيرهم.\nانظر: نصب الراية \"١/ ١٩٩\".\n١ معناه: أن الأصل استعمال الألفاظ في معانيها اللغوية حتى يوجد دليل ينقلها من المعنى اللغوي إلى معنى اصطلاحي شرعي.\n٢ ذكر المصنف في دلالة النهي على الفساد خمسة مذاهب.\nالأول: أنه يقتضي الفساد مطلقًا، إلا الدليل، وهو الذي رجحه المصنف كما سبق.\nالثاني: أنه يقتضي الفساد إذا كان النهي عنه لعينه، أما إن كان لغيره فلا يقتضي الفساد.\nالثالث: أنه يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات.\nالرابع: أنه يقتضي الصحة، وهو منقول عن أبي حنيفة وغيره.","vol":"1","page":613},{"text":"............................................\n= الخامس: أنه لا يقتضي الصحة ولا الفساد.\nوقد أورد الطوفي مذهبًا سادسًا، ذكر أنه المختار، وأنه أقرب إلى التحقيق من الإطلاقات الواردة في المسألة خلاصته: أن النهي عن الفعل إما أن يكون لذاته، أو لوصف لازم له، لا ينفك عنه، أو لأمر خارج عنه، لا يتعلق به أصلًا، أو لوصف يتعلق به، لكنه غير لازم له.\nفإن كان النهي عنه لذاته، كالكفر والكذب والظلم، دل النهي على الفساد والبطلان.\nوكذلك إذا كان لوصف لازم له، كالنهي عن نكاح الكافر المسلمة.\nوإن كان لأمر خارج عنه لا يتعلق له به أصلًا، فلا يدل على الفساد، مثل:\nالنهي عن غرس العنب خشية جعله خمرًا.\nوإن كان لوصف غير لازم: مثل النهي عن الصلاة وقت النداء للجمعة ففيه خلاف. قال: \"والصحيح من مذهب أحمد أنه لا يصح، لظاهر النهي ... \".\nانظر: شرح الطوفي \"٢/ ٤٣٩-٤٤١\".","vol":"1","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>فهرس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>موضوعات الجزء الأول:</span>\nمقدمة الشارح ٥\nمن خصائص الشريعة الإسلامية:\nحفظ أصولها من التحريف والتبديل ٧\nمعجزتها مستمرة تخاطب العقل وتساير الفطرة ٧\nجمعها بين ما هو ثابت وما هو متغير ٧\nدور أصول الفقه في تحقيق ذلك ٩\nأهلية الاجتهاد كانت متحققة عند علماء العصور الأولى ٩\nتعليم الرسول -ﷺ- لأصحابه كيف يواجهون كل المستجدات ١٠\nتطبيق الصحابة -﵃- للقواعد الأصولية ١٠\nالتابعون يسيرون على منهج الصحابة ﵃ ١٥\nظهور حوادث ووقائع لم تكن معروفة من قبل ١٦\nاختلاف العلماء في التعامل مع هذه الوقائع ١٦\nانقسام العلماء إلى اتجاهين: أهل الحديث وأهل الرأي ١٦\nظهور النزاع والخلاف بين الاتجاهين السابقين ١٦\nالإمام الشافعي يدون علم الأصول لحسم هذا الخلاف ١٦\nكتاب \"الرسالة\" للإمام الشافعي ومنهجه فيها ١٧\nدعوى سبق الإمام الشافعي في التأليف لا دليل عليها ١٧\nاصول الفقه بعد الإمام الشافعي واتجاهات العلماء في ذلك ١٨\nاتجاه المتكلمين وأهم الكتب المؤلفة في ذلك ١٨\nاتجاه الفقهاء أو الحنفية وأهم الكتب المؤلفة في ذلك ١٩\nاتجاه الجميع بين المنهجين السابقين وأول من بدأه ٢٠\nاتجاه تخريج الفروع على الأصول وأول من بدأه ٢١\nاتجاه بناء القواعد الأصولية على مقاصد الشريعة ٢٢\nاستمرار التأليف على غرار المناهج المتقدمة ٢٢\nالتعريف بالإمام ابن قدامة\nاسمه ونسبه ونشأته ٢٤\nشيوخه ٢٥\nتلاميذه ٢٦","vol":"1","page":615},{"text":"عقيدته ٢٦\nمذهبه الفقهي ٢٨\nمكانته وثناء العلماء عليه ٢٨\nوفاته ٢٩\nمؤلفاته\nأولًا: في العقيدة ٣٠\nثانيًا: في أصول الفقه ٣٠\nثالثًا: في الفقه ٣١\nرابعًا: في الكتاب والسنة ٣١\nخامسًا: في الفضائل والأخلاق ٣١\nسادسًا: في التاريخ والأنساب ٣٢\nمنهج ابن قدامة\nفي كتابه روضة الناظر وجنة المناظر\nجمع المذاهب المختلفة في كل مسألة وبيان الراجح منها ٣٣\nسلك مسلك الإمام الغزالي في كتابه: \"المستصفى\" مع مخالفته في بعض المسائل وفي ترتيب الكتاب من التقديم والتأخير ٣٤\nالإحالة على بعض المسائل المناظرة طلبًا للاختصار ٣٥\nاهتم بنقل أراء الحنابلة وخاصة رأي الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه٣٦\nغالبًا ما يبدأ بذكر المذهب الراجح -من وجهة نظره- ثم يختم المسألة بأدلة المذهب الذي رجحه، ومناقشة أدلة المخالفين٣٧\nقيمة الكتاب العلمية ومزاياه ٣٨\nاهتمام العلماء بشرحه واختصاره والتعليق عليه ٣٩\nما يؤخذ على الكتاب ٤٢\nعملي في الكتاب ٤٨\nمقدمة ابن قدامة ٥١\nمعنى الفقه والأصول\nمعنى الفقه لغة وشرعًا ٥٣-٥٤\nمعنى أصول الفقه ٥٤\nالمقدمة المنطقية ٥٦\nمدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان ٥٦","vol":"1","page":616},{"text":"فصل\nفي أقسام الحدّ\nالحد الحقيقي وشروطه ٥٨\nتعريف الماهية ٥٨\nصيغ السؤال ٥٨\nتعريف الكيفية ومم تتركب ٦٠\nتعريف الوصف اللازم والوصف العارض ٦٠\nتقسيم الأوصاف الذاتية ٦١\nالجنس وأقسامه ٦١\nتعريف الفصل ٦٢\nشروط الحد ٦٢\nالحد الرسمي وشروطه ٦٣\nالحد اللفظي وشرطه ٦٥\nتعريف الحد الحقيقي ٦٥\nفصل\nفي أن تعذر البرهان على الحد لا يمنع صحته\nأقل ما يتركب منه الحد ٦٨\nفصل\nفي البرهان\nتعريف البرهان ٦٩\nالجهات التي يتطرق منها الخلل إلى البرهان ٦٩\nفصل\nفي كيفية دلالة الألفاظ على المعاني\nدلالة المطابقة ٧١\nدلالة التضمن ٧١\nدلالة الالتزام ٧١\nتقسيم اللفظ من حيث التعيين وعدمه\nمعنى المعين وأمثلته ٧٢","vol":"1","page":617},{"text":"معنى المطلق وأمثلته ٧٢\nتقسيم الألفاظ المتعددة المعاني\nباعتبار مسمياتها\nالمترادفة ومعناها ٧٢\nالمتباينة ومعناها ٧٣\nالمتواطئة ومعناها ٧٣\nالمشتركة ومعناها ٧٣\nفصل\nفي النظر في المعاني\nتقسيم المعاني المدركة إلى محسوسة ومتخيّلة ومعقولة ٧٤\nأمثلة على ذلك ٧٥\nفصل\nفي تأليف مفرادت المعاني\nأنواع القضايا وأمثلتها ٧٨\nفصل\nفي مقدمتي البرهان وأضربه\nالضرب الأول وشروطه ٨٠\nالضرب الثاني وشروطه ٨٢\nالضرب الثالث ٨٣\nالضرب الرابع ٨٤\nالضرب الخامس ٨٥\nفصل\nمن أسباب مخالفة البرهان أو القياس\nقصور علم الناظر ٨٦\nإهمال إحدى المقدمتين ٨٦","vol":"1","page":618},{"text":"فصل\nفي اليقين ومدراكه\nمعنى اليقين ٨٨\nمدارك اليقين خمسة ٩٠\nالأول: الأوليات ٩٠\nالثاني: المشاهدات الباطنة ٩١\nالثالث المحسوسات الظاهرة ٩١\nالرابع: التجريبيات ٩١\nالخامس: المتواترت ٩٢\nفصل\nفي لزوم النتيجة من المقدمتين\nأمثلة على ذلك ٩٢\nفصل في تقسيم البرهان\nبرهان العلة ٩٤\nبرهان الدلالة ٩٥\nفصل\nفي الاستدلال بالاستقراء\nمعنى الاستقراء ٩٥\nالباب الأول\nفي حقيقة الحكم وأقسامه\nمعنى الحكم في اللغة ٩٧\nمعنى الحكم في الاصطلاح ٩٨\nأقسام الحكم ٩٨\nالحكم العقلي: معناه وأمثلته ٩٨\nالحكم العادي: معناه وامثلته ٩٨\nالحكم الشرعي: معناه عند الفقهاء ٩٨\nمعنى الحكم عند الأصوليين ٩٨","vol":"1","page":619},{"text":"الحكم الشرعي قسمان: تكليفي ووضعي ١٠٠\nمعنى الحكم التكليفي وأقسامه عند الجمهور ١٠٠\nتقسيم الحكم التكليفي عند الحنفية ١٠١\nالفرق بين الحكم التكليفي والوضعي ١٠١\nالواجب وتقسيماته\nتعريف الواجب ١٠٢\nهل الفرض والواجب مترادفان أو مختلفان؟ ١٠٣\nالفرض والواجب بمعنى واحد عند الجمهور ١٠٣\nالحنفية يفرقون بينهما ١٠٤\nابن قدامة يرى أن الخلاف لفظي ١٠٥\nفصل\nفي تقسيم الواجب باعتبار ذاته\nالواجب المعين والواجب المخير ١٠٥\nإنكار المعتزلة للواجب المخير والرد عليهم عقلًا وشرعًا ١٠٥\nفصل\nفي تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء\nالواجب ينقسم إلى مضيق وموسع عند الجمهور ١٠٨\nإنكار أصحاب أبي حنيفة للواجب الموسع والرد عليهم ١٠٨\nأدلة المنكرين للواجب الموسع والرد عليهم ١٠٨\nآراء العلماء في الوقت الذي يتعلق به الوجوب في الواجب الموسع ١١٢\nفصل\nفي تضييق الواجب الموسع\nإذا آخر المكلف الواجب الموسع فمات قبل خروج الوقت هل يعتبر عاصيًا١١٦\nفصل\nفي مقدمة الواجب وحكمها\nما لا يتم الواجب إلا به إما أن يكون مقدورًا للعبد أو غير مقدور له ١١٨\nآراء العلماء في وجوب مقدمة الواجب ١١٨-١١٩","vol":"1","page":620},{"text":"فصل\nفي بعض الفروع المخرّجة على مقدمة الواجب\nاختلاط أخته بالأجنبية أو الميتة بالمذكاة يجعلهما محرّمتين ١٢٠\nفصل\nفي الواجب غير المحدد\nآراء العلماء في ذلك ١٢٢\nالواجب العيني والواجب الكفائي ١٢٢\nتعريف الواجب العيني وحكمه ١٢٢\nتعريف الواجب الكفائي ١٢٢\nآراء العلماء في من يتوجه إليه الخطاب في الواجب الكفائي ١٢٣\nالقسم الثاني: المندوب\nالندب في اللغة ١٢٤\nالندب في الشرع ١٢٥\nهل المندوب مأمور به؟ ١٢٥\nآراء العلماء في المسألة ١٢٦\nالأدلة على أنه مأمور به ١٢٦\nالقسم الثالث: المباح\nتعريف المباح شرعًا ١٢٨\nالمباح من الشرع عند الجمهور ١٢٩\nإنكار بعض المعتزلة لذلك ١٣١\nأدلة الجمهور على أن المباح من الشرع ١٣١\nخلاف المعتزلة مبني على مسألة الحسن والقبح العقليين ١٣١\nمعاني الحسن والقبح ومحل النزاع في ذلك ١٢٩-١٣٠\nفصل\nفي حكم الأشياء قبل ورود الشرع\nآراء العلماء وأدلتهم في المسألة ١٣٢","vol":"1","page":621},{"text":"فصل\nهل المباح مأمور به\nآراء العلماء في المسألة ١٣٦\nهل المباح تكليف ١٣٧\nالقسم الرابع: المكروه\nتعريف المكروه ١٣٧\nإطلاقات المكروه ١٣٧-١٣٨\nفصل: الأمر المطلق لا يتناول المكروه ١٣٨\nالأدلة على ذلك ١٣٨\nالقسم الخامس: الحرام\nتعريف الحرام ١٣٩\nالواحد بالجنس والواحد بالنوع وأقسامهما ١٣٩\nأمثلة على ذلك ١٤٠\nفصل: في أقسام النهي ١٤٤\nالمنهي عنه لذاته ١٤٤\nالمنهي عنه لغير ذاته ١٤٤\nفصل: في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أو لا؟ ١٤٧\nآراء العلماء في المسألة ١٤٨\nفصل\nفي معنى التكليف وشروطه\nمعنى التكليف لغة ١٥٣\nمعنى التكليف شرعًا ١٥٤\nشروط التكليف التي ترجع إلى المكلف ١٥٤\nفصل: في عدم تكليف الناسي والنائم والسكران ١٥٦\nفصل: في حكم تكليف المكره ١٥٨\nفصل: في حكم تكليف الكفار بفروع الشريعة ١٦٠\nأراء العلماء وأدلتهم في المسألة ١٦١-١٦٢\nشروط الفعل المكلف به ١٦٦\nآراء العلماء في تكليف ما لا يطاق ١٦٧\nفصل في المقتضى بالتكليف ١٧٣","vol":"1","page":622},{"text":"الضرب الثاني من الأحكام\nما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار\nأقسام الحكم الوضعي ١٧٥\nالعلة: معناها وأمثلتها ١٧٧\nالسبب: معناه واستعمالاته ١٧٨\nفصل: في الشرط وأقسامه ١٧٩\nالفرق بين السبب والمانع والعلة ١٧٩\nأقسام الشرط ١٨٠\nالقسم الثاني: الصحة والفساد\nمعنى الصحة ١٨١\nخلاف العلماء في المراد بالصحيح من العبادات ١٨٢\nخلاف العلماء في المراد بالصحيح من العقود ١٨٣\nالفاسد والباطل مترادفان عند الجمهور ١٨٣\nخلاف الحنفية في ذلك ١٨٣\nفصل\nفي القضاء والأداء والإعادة\nتعريف القضاء ١٨٥\nتعريف الاداء ١٨٥\nتعريف الإعادة ١٨٥\nتضييق الواجب الموسع باعتبار ظن المكلف ١٨٥\nفصل\nفي العزيمة والرخصة\nمعنى العزيمة في اللغة ١٨٨\nمعنى الرخصة في اللغة ١٨٩\nمعنى العزيمة شرعًا ١٨٩\nمعنى الرخصة شرعًا ١٨٩\nما يسمى رخصة وما لا يسمى ١٩٠","vol":"1","page":623},{"text":"باب\nفي أدلة الأحكام\nالأصول أربعة:\nالكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي ١٩٤\nاعتراض بعض العلماء على هذا الحصر ١٩٧\nأصل الأحكام كلها من الله تعالى ١٩٧\nفصل\nفي تعريف الكتاب والقرآن وأنهما بمعنى واحد\nكتاب الله تعالى: هو كلامه وهو القرآن ١٩٨\nالأدلة على أن الكتاب هو القرآن ١٩٨\nتعريف القرآن ١٩٩\nفصل: في حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة ٢٠٣\nتعريف القراءة الشاذة ٢٠٣\nهل يصح القراءة بها؟ ٢٠٣\nهل يصح الاحتجاج بها؟ ٢٠٤\nبيان آراء العلماء وادلتهم في المسألة ٢٠٥\nفصل\nفي اشتمال القرآن على الحقيقة والمجاز\nتعريف المجاز ٢٠٦\nأمثلة على المجاز من القرآن الكريم ٢٠٦\nفصل\nليس في القرآن ألفاظ غير عربية\nآراء العلماء في المسألة ٢١٠\nما روي عن ابن عباس وعكرمة من وجود ألفاظ غير عربية ٢١١\nكيفية الجمع بين الآراء المختلفة في المسألة ٢١٢\nفصل\nفي المحكم والمتشابه\nتعريف المحكم والمتشابه عند أبي يعلى ٢١٣","vol":"1","page":624},{"text":"تعريفهما عند ابن عقيل ٢١٤\nآراء بعض العلماء في المراد بالمحكم والمتشابه ٢١٤\nالصحيح عند ابن قدامة من هذه الآراء ٢١٥\nباب النسخ\nالنسخ في اللغة ٢١٨\nالنسخ في الشرع ٢١٨\nالفرق بين النسخ والتخصيص ٢٢٦\nفصل\nفي النسخ بين الإثبات والإنكار\nالدليل على النسخ عقلًا ٢٢٨\nالدليل على النسخ شرعًا ٢٢٨\nفصل: في وجوه النسخ في القرآن ٢٣٠\nالأدلة على وقوعه ٢٣١\nفصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال ٢٣٥\nالمعتزلة ينكرون ذلك ٢٣٥\nدليل المعتزلة ٢٣٥\nأدلة الجمهور على الجواز ٢٣٥\nتأويل المعتزلة لقصة إبراهيم ﵇ في الأمر بذبح ولده ٢٣٦\nإجابة ابن قدامة على ذلك ٢٣٧\nفصل\nهل الزيادة على النص نسخ\nمراتب الزيادة وحكم كل مرتبة ٢٤٢\nأدلة الجمهور على أن الزيادة ليست نسخًا ٢٤٤\nبعض الاعتراضات من المخالفين والرد عليها ٢٤٧\nفصل\nفي نسخ جزء العبادة أو شرطها\nآراء العلماء في نسخ جزء العبادة هل هو لجملتها أو لا؟ ٢٤٨\nأدلة الجمهور على أن ذلك ليس بنسخ ٢٤٨","vol":"1","page":625},{"text":"فصل\nفي جواز نسخ العبادة إلى غير بدل\nآراء العلماء في المسألة ٢٤٩\nالأدلة على جواز ذلك عقلًا ٢٥٠\nالأدلة الشرعية على جواز ذلك ٢٥٠\nفصل\nفي النسخ بالأخف والأثقل\nجمهور العلماء على جواز ذلك ٢٥١\nبعض المعتزلة ينكرون جواز النسخ بالأثقل ٢٥١\nرد ابن قدامة على المعتزلة ٢٥٢\nفصل\nفي حكم من لم يبلغه النسخ\nظاهر المذهب أنه لا يكون نسخًا ٢٥٦\nقال أبو الخطاب: يكون نسخًا ٢٥٦\nفصل\nفي وجوه النسخ بين القرآن والسنة\nلا خلاف في جواز نسخ القرآن والسنة المتواترة بمثلها والآحاد بالآحاد عند القائلين بالنسخ ٢٥٧\nنسخ السنة بالقرآن جائزة عند جمهور العلماء ٢٥٧\nمخالفة الإمام الشافعي في ذلك ٢٥٨\nخلاف العلماء في نسخ القرآن بالسنة المتواترة ٢٥٩\nفصل: في حكم نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد ٢٦٣\nأراء العلماء في المسألة ٢٦٣\nالأدلة على عدم الجواز ٢٦٤\nفصل: الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ٢٦٥\nفصل: في نسخ القياس والنسخ به ٢٦٦\nآراء العلماء في المسألة ٢٦٦\nفصل: في نسخ التنبيه والنسخ به ٢٦٨","vol":"1","page":626},{"text":"أراء العلماء في المسألة ٢٦٨\nفصل: فيما يعرف به النسخ ٢٧٠\nالأصل الثاني من الأدلة سنة النبي ﷺ\nتعريف السنة لغة ٢٧٣\nتعريف السنة في الاصطلاح ٢٧٤\nالأدلة على حجية السنة ٢٧٤\nألفاظ الرواية في نقل الأخبار ٢٧٩\nفصل\nفي حد الخبر وأقسامه\nتعريف الخبر وأقسامه ٢٨٧\nالمتواتر يفيد العلم ٢٨٨\nفصل: فيما يفيده الخبر المتواتر من العلم الضروري أو النظري ٢٩٠\nفصل: في أن ما حصّل العلم في واقعة أفاده في غيرها ٢٩٣\nفصل: في شرط التواتر ٢٩٦\nمذاهب: العلماء في عدد التواتر ٢٩٧\nفصل: ليس من شرط التواتر: كون المخبرين مسلمين ولا عدولًا\nولا يحصرهم بلد أو عدد ٢٩٩\nفصل: لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إليه ٣٠٠\nالقسم الثاني: أخبار الآحاد\nتعريف خبر الآحاد ٣٠٢\nما الذي يفيده خبر الواحد ٣٠٣\nفصل: في حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا ٣١٠\nفصل: قال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد ٣١٢\nفصل: في التعبد بخبر الواحد سمعًا ٣١٣\nآراء العلماء في المسألة ٣١٣\nأدلة الجمهور على التعبد بخبر الواحد سمعًا ٣١٣\nاعتراض المخالفين على هذه الأدلة ٣١٣\nالدليل الأول: الإجماع ٣١٣\nاعتراض المخالفين على هذا الدليل والرد عليه ٣٢٠\nالدليل الثاني: إنفاذ رسول الله ﷺ أمراءه ورسله\nوقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبليغ الأحكام ٣٢٦\nاعتراض المخالفين على هذا الدليل والرد عليه ٣٢٧\nفصل: في مذهب الجبائي في أن خبر الواحد يقبل إذا رواه اثنان رد\nابن قدامة على هذا المذهب ٣٢٨","vol":"1","page":627},{"text":"فصل\nفي شروط الراوي\nالشرط الأول: الإسلام ٣٢٩\nآراء العلماء في هذا الشرط ٣٣٠\nالشرط الثاني: التكليف ٣٣٢\nالشرط الثالث الضبط ٣٣٣\nالشرط الرابع: العدالة ٣٣٤\nفصل: في حكم خبر مجهول الحال ٣٣٤\nآراء العلماء وأدلتهم في المسألة ٣٣٤\nفصل: فيما لا يشترط في الراوي من الذكورية والبصر والفقه إلخ ٣٤٠\nفصل\nفي التزكية والجرح\nقبول الجرح والتعديل في الرواية ٣٤١\nقبول تزكية العبد والمرأة ٣٤٢\nخلاف العلماء في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه ٣٤٢\nتعارض الجرح والتعديل وآراء العلماء في أيهما يقدم؟ ٣٤٣\nفصل\nفي التعديل\nطرق التعديل ٣٤٤\nالطريق الأول: صريح القول ٣٤٤\nالطريق الثاني: الرواية عنه ٣٤٤\nالطريق الثالث: العمل بالخبر ٣٤٥\nالطريق الرابع: الحكم بشهادته ٣٤٥\nفصل\nفي عدالة الصحابة\nالأدلة على عدالة الصحابة ﵃ ٣٤٥\nفصل: في حكم خبر المحدود في القذف ٣٤٨","vol":"1","page":628},{"text":"فصل\nفي كيفية الرواية لغير الصحابي\nالمرتبة الأولى: قراءة الشيخ عليه ٣٤٩\nالمرتبة الثانية: أن يقرأ على الشيخ فيقول: نعم ٣٤٩\nالمرتبة الثالتة: الإجازة ٣٥٠\nالمرتبة الرابعة: المناولة ٣٥١\nفصل: إذا وجد سماعه بخط يوثق به جاز له أن يرويه ٣٥٣\nمخالفة أبي حنيفة في ذلك ٣٥٣\nالرد على مذهب أبي حنيفة ٣٥٣\nفصل: في حكم الشك في السماع ٣٥٤\nفصل: في حكم إنكار الشيخ للحديث ٣٥٥\nفصل: في حكم انفراد الثقة بزيادة في الحديث ٣٥٨\nفصل: في حكم رواية الحديث بالمعنى ٣٦٠\nشروط رواية الحديث بالمعنى ٣٦٠\nآراء العلماء وأدلتهم في المسألة ٣٦٢\nفصل\nفي حكم مراسيل الصحابة\nتعريف المرسل عند المحدثين وعند علماء الأصول ٣٦٣\nآراء العلماء في قبول المرسل وأدلتهم على ذلك ٣٦٤\nفصل: في حكم مراسيل غير الصحابة ٣٦٥\nتعريف مرسل غير الصحابي ٣٦٥\nمذاهب العلماء وأدلتهم في قبول مرسل غير الصحابي ٣٦٥\nفصل\nفي حكم خبر الواحد فيما تعم به البلوى\nجمهور العلماء على قبوله ٣٦٨\nأكثر الحنفية على عدم قبوله ٣٦٩\nأدلة الحنفية على دعواهم ٣٦٩\nأدلة الجمهور ٣٦٩\nمناقشة أدلة الحنفية ٣٦٩","vol":"1","page":629},{"text":"فصل\nفي حكم خبر الواحد في الحدود\nجمهور العلماء على قبوله ٣٧٠\nذهب الكرخي إلى عدم قبوله ٣٧٠\nدليل الكرخي ٣٧٠\nأدلة الجمهور ٣٧١\nمناقشة أدلة الكرخي ٣٧١\nفصل: في حكم خبر الواحد إذا خالف القياس ٣٧١\nمذاهب العلماء وأدلتهم في المسألة ٣٧١-٣٧٢\nفصل\nالأصل الثالث: الإجماع\nتعريف الإجماع لغة ٣٧٥\nتعريف الإجماع في اصطلاح أهل الشرع ٣٧٨\nإمكان وجود الإجماع وتصوّره ٣٧٨\nكيف يعرف الإجماع ٣٧٨\nموقف العلماء\nمن حجية الإجماع\nالإجماع حجة قاطعة عند الجمهور ٣٧٨\nمخالفة النظام في ذلك ٣٧٩\nالأدلة على حجية الإجماع ٣٧٩\nالأدلة من القرآن الكريم ٣٨٠\nالدليل الثاني: من السنة ٣٨٣\nفصل: هلا يشترط في أهل الإجماع أن يبلغوا عدد التواتر ٣٨٩\nفصل: في المعتبرين في الإجماع ٣٩٠\nخلاف العلماء في اعتبار العوام في الإجماع ٣٩٠\nفصل: في من يعتبر في الإجماع من أصحاب العلوم ٣٩٢\nفصل: في عدم الاعتداد بقول الكافر أو الفاسق في الإجماع ٣٩٥\nفصل: في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة ٣٩٧\nآراء العلماء وأدلتهم في المسألة ٣٩٧\nفصل: في حكم انعقاد الإجماع بقول الأكثر ٤٠٢\nآراء العلماء في المسألة ٤٠٢","vol":"1","page":630},{"text":"أدلة المذاهب ٤٠٣\nفصل\nفي حكم إجماع أهل المدينة\nجمهور العلماء على أنه ليس حجة ٤١١\nالإمام مالك يرى أنه حجة ٤١١\nدليل الإمام مالك ٤١١\nأدلة الجمهور على عدم حجيته ٤١٢\nمناقشة الجمهور لدليل الإمام مالك ٤١٣\nفصل\nفي حكم إجماع الخلفاء الأربعة\nآراء العلماء في المسألة ٤١٤\nالصحيح أنه ليس بإجماع ٤١٤\nمذاهب العلماء في حكم إجماع الشيخين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما٤١٤\nمذاهب العلماء في إجماع العترة ٤١٥\nمسألة: هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع؟ ٤١٨\nالمذهب الأول: أن ذلك شرط ٤١٨\nالمذهب الثاني: أنه لا يشترط ذلك ٤١٨\nأدلة الجمهور على عدم اشتراط ذلك ٤١٩\nأدلة المذهب الأول ومناقشتها ٤٢٠\nمسألة: إجماع أهل كل عصر حجة ٤٢٤\nمخالفة داود الظاهري في ذلك ٤٢٥\nالرد على هذا المذهب ٤٢٥\nأدلة الجمهور ٤٢٦\nفصل: هل اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة إجماع؟ ٤٢٨\nالمذهب الأول: أنه إجماع ٤٢٨\nالمذهب الثاني: لا يكون إجماعًا ٤٢٩\nفصل: اختلاف الصحابة على قولين يمنع إحداث قول ثالث عند الجمهور٤٣٠\nمخالفة بعض العلماء في ذلك وأدلتهم ٤٣٠\nأدلة الجمهور على عدم الجواز ٤٣٠","vol":"1","page":631},{"text":"فصل\nفي حكم الإجماع السكوتي\nآراء العلماء في المسألة ٤٣٤\nأدلة المذاهب ٤٣٥\nمسألة: في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس عند الجمهور ٤٣٨\nمذاهب أخرى في المسألة ٤٣٨\nأدلة الجمهور ٤٣٩\nفصل\nالإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون\nالإجماع المقطوع ٤٤٠\nالإجماع المظنون ٤٤٠\nذهب بعض العلماء إلى أن الإجماع لا ينعقد بخبر الواحد ودليلهم على ذلك٤٤١\nرد ابن قدامة على ذلك ٤٤٢\nفصل: الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعًا عند الجمهور ٤٤٢\nالرد على المخالفين في ذلك ٤٤٣\nالأصل الرابع\nاستصحاب الحال ودليل العقل\nالأحكام السمعية لا تدرك بالعقل إلا أن العقل يدل على براءة الذمة ٤٤٣\nالنظر في الأحكام إما في إثباتها وإما في نفيها ٤٤٤\nلا مجال للعقل في الإثبات ومجاله في النفي ٤٤٤\nاستصحاب دليل الشرع وأمثلة ٤٤٨\nتعريف الاستصحاب ٤٤٨\nفصل: في استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف ٤٤٩\nآراء العلماء فيه ٤٤٩\nأمثلة على ذلك ٤٥٠\nفصل: هل النافي للحكم يلزمه الدليل؟ ٤٥١\nمذاهب العلماء في المسألة وأدلتهم ٤٥١","vol":"1","page":632},{"text":"هذا بيان\nأصول مختلف فيها وهي أربعة\nالأول: شرع من قبلنا ٤٥٧\nتحرير محل النزاع في المسألة ٤٥٧\nمذاهب العلماء في المسألة ٤٥٧-٤٥٨\nالمذهب الأول: أنه شرع لنا ٤٥٩\nالمذهب الثاني: أنه ليس شرعًا لنا وأدلته ٤٥٩\nأدلة المذهب الأول ٤٦٢\nمناقشة أدلة المذهب الأول ٤٦٤\nالأصل الثاني: قول الصحابي ٤٦٦\nمذاهب العلماء في المسألة ٤٦٦\nالمذاهب الأول: أنه حجة ٤٦٦\nالمذهب الثاني: أنه ليس حجة وأدلته ٤٦٧\nالمذهب الثالث: أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين وأدلته ٤٦٧\nالمذهب الرابع: أن الحجة في قول أبي بكر وعمر ودليله ٤٦٧\nأدله أصحاب المذهب الأول والرد على المخالفين ٤٦٨\nفصل إذا اختلف الصحابة على قولين: فهل يجوز للمجتهد الأخذ\nبقول بعضهم من غير دليل؟ ٤٧٠\nمذاهب العلماء في المسألة وأدلتهم ٤٧٠\nالثالث: الاستحسان ٤٧٢\nمعاني الاستحسان ٤٧٢\nالمعنى الأول: الذي اختاره القاضي يعقوب وبه قال الإمام أحمد ٤٧٣\nالمعنى الثاني: وبه قال الإمام أبو حنيفة ٤٧٤\nالأدلة على ذلك ٤٧٤\nالأدلة على فساد المعنى الثاني للاستحسان ٤٧٤\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٤٧٤\nالمعنى الثالث: للاستحسان والرد عليه ٤٧٥\nالرابع من الأصول المختلف فيها: الاستصلاح ٤٧٨\nتعريف المصلحة وأقسامها ٤٧٨\nالقسم الأول: ما شهد الشرع باعتباره ٤٧٨\nالقسم الثاني: ما شهد الشرع ببطلانه وأمثلته ٤٧٩\nالثالث: ما لم يشهد له بإبطال ولا اعتبار معين وهو ثلاثة أضرب ٤٧٩\nالضرب الأول: ما يقع في مرتبة الحاجات ٤٧٩\nالضرب الثاني: ما يقع في مرتبة التحسين والتزيين ٤٧٩","vol":"1","page":633},{"text":"حكم هذين الضربين ٤٨٠\nالضرب الثالث: ما يقع في مرتبة الضروريات ٤٨٠\nتعريف الضروريات وأقسامها وأمثلتها ٤٨٠\nآراء العلماء في اعتبار المصالح المرسلة ٤٨٢\nباب\nفي تقسيم الكلام والأسماء\nمذاهب العلماء: في مبدأ اللغات ٤٨٥\nالمذهب الأول: أنها توفيقية وأدلته ٤٨٥\nالمذهب الثاني: أنها اصطلاحية وأدلته ٤٨٦\nالمذهب الثالث: التوقف ودليله ٤٨٦\nاعتراضات على التوقيف والرد عليها ٤٨٧\nفصل\nفي القياس في اللغة\nالمذهب الأول: يجوز أن تثبت الأسماء بالقياس ودليله ٤٨٩\nالمذهب الثاني: عدم الجواز ٤٩٠\nترجيح ابن قدامة للمذهب الأول والرد على المذهب الثاني ٤٩٠\nفصل\nفي تقاسيم الأسماء\nتنقسم الأسماء إلى وضعية وعرفية وشرعية ومجاز مطلق ٤٩٢\nتعريف الوضعية وهي الحقيقة اللغوية ٤٩٢\nتعريف العرفية وكيف يصير الاسم عرفيًّا ٤٩٣\nالشرعية وأمثلتها ٤٩٣\nجمهور العلماء على أنها نقلت من المعنى اللغوي إلى معنى شرعي ٤٩٥\nالمذهب الثاني: أنها لم تنقل وإنما أضيف إليها بعض الشروط ٤٩٦\nأدلة هذا المذهب ٤٩٦\nالاستدلال للمذهب الأول والرد على المخالفين ٤٩٧\nإذا أطلق اللفظ حمل على المعنى الشرعي ٤٩٧\nالمجاز وعلاقاته\nتعريف المجاز ٤٩٩","vol":"1","page":634},{"text":"علاقات المجاز ٤٩٩\nالمجاز يستلزم الحقيقة دون العكس ٥٠٠\nفصل: في تعارض الحقيقة والمجاز ٥٠١\nفصل: في علامات الحقيقة والمجاز ٥٠٣\nفصل\nفي تعريف الكلام وأقسامه\nتعريف الكلام وانقسامه إلى مفيد وغير مفيد ٥٠٥\nتقسيم الكلام المفيد إلى: نص وظاهر ومجمل ٥٠٦\nالقسم الأول: النص ٥٠٦\nتعريف النص ٥٠٦\nحكمه ٥٠٧\nيطلق النص على الظاهر ٥٠٧\nالقسم الثاني: الظاهر ٥٠٨\nتعريف الظاهر ٥٠٨\nحكمه ٥٠٨\nتعريف التأويل ٥٠٨\nما الذي يحتاج إليه المتأول ٥١١\nالقسم الثالث: المجمل ٥١٦\nتعريف المجمل ٥١٨\nصور اختلف في إجمالها ٥١٩\nفصل: نفي الذوات يقتضي الإجمال ٥٢١\nأمثلة على ذلك ٥٢١\nفصل: قول النبي ﷺ \"لا عمل إلا بنية\" ليس من المجملات ٥٢٢\nفصل: رفع الخطأ رفع للحكم من قوله \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" ٥٢٤\nفصل في البيان\nتعريف البيان ٥٢٧\nهل يشترط في البيان حصول العلم للمخاطب؟ ٥٢٩\nالأمور التي يحصل بها البيان\nالكلام ٥٢٩\nالكتابة وأمثلتها ٥٢٩","vol":"1","page":635},{"text":"الإشارة وأمثلتها ٥٣٠\nالفعل وأمثلته ٥٣٠\nالاعتراض على البيان بالفعل والرد عليه ٥٣١\nيحصل البيان بالسكوت ٥٣١\nجواز تبيين الشيء بأضعف منه في الرتبة ٥٣٣\nفصل: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ٥٣٤\nمذاهب العلماء في جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة وأدلتهم ٥٣٤\nباب الأمر\nتعريف الأمر ٥٤٢\nللأمر صيغة تدل عليه عند الجمهور ٥٤٣\nبعض المبتدعة يزعمون أن لا صيغة للأمر ٥٤٣\nالرد عليهم من الكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف ٥٤٤\nمعاني صيغة الأمر ٥٤٦\nفصل: لا يشترط الإرادة في الأمر خلافًا للمعتزلة ٥٤٩\nمسألة: الأمر المجرد يدل على الوجوب عند الجمهور ٥٥٢\nالمذهب الثاني: أنه يدل على الإباحة ٥٥٢\nالمذهب الثالث: أنه يدل على الندب ٥٥٣\nالمذه الرابع: التوقف ودليله ٥٥٣\nأدلة المذهب الأول وهم القائلون بأنه يدل على الوجوب ٥٥٤\nالأدلة من الكتاب ٥٥٤\nالأدلة من السنة ٥٥٤\nالأدلة من الإجماع ٥٥٦\nالأدلة من أهل اللغة ٥٥٧\nالرد على أصحاب المذهب الثاني ٥٥٧\nالرد على أصحاب المذهب الثالث ٥٥٨\nالرد على أصحاب المذهب الرابع ٥٥٩\nفصل\nفيما تفيده صيغة الأمر بعد الحظر\nمذاهب العلماء في المسألة ٥٥٩\nالمذهب الأول: أنها تفيد الإباحة ٥٥٩\nالمذهب الثاني: أنها تفيد الوجوب وأدلته ٥٦٠\nالمذهب الثالث: التفصيل ودليله ٥٦٠","vol":"1","page":636},{"text":"أدلة أصحاب المذهب الأول ٥٦٠\nمناقشة أدلة المذهب الثاني ٥٦١\nفصل\nالأمر المطلق هل يقتضي التكرار\nالمذهب الأول: أنه لا يقتضي التكرار ٥٦٤\nالمذهب الثاني: أنه يقتضي التكرار وأدلته ٥٦٤\nالمذهب الثالث: إن علق على شرط اقتضى التكرار وأدلته ٥٦٥\nالمذهب الرابع: إن كرر لفظ الأمر اقتضى التكرار وأدلته ٥٦٥\nأدلة المذهب الأول ٥٦٥\nمناقشة أصحاب المذهب الأول لأدلة المذاهب الأخرى ٥٦٥\nمسألة: الأمر المطلق هل يقتضي الفور؟ ٥٧١\nالمذهب الأول: أنه يقتضي الفور ٥٧١\nالمذهب الثاني: أنه يقتضي الترضي وأدلته ٥٧٢\nالمذهب الثالث: أنه يقتضي التراضي وأدلته ٥٧٢\nالمذهب الثالث: التوقف ٥٧٢\nبيان فساد المذهب الثالث ٥٧٢\nأدلة أصحاب المذهب الأول ٥٧٣\nمناقشة أدلة المذهب الثاني ٥٧٥\nفصل\nالواجب المؤقت إذا فات وقته لا يحتاج إلى أمر جديد\nالمذهب الأول: أنه لا يحتاج إلى أمر جديد ٥٧٧\nالمذهب الثاني: أنه يحتاج إلى أمر جديد وأدلته على ذلك ٥٧٧\nأدلة المذهب الأول ٥٧٧\nمناقشة أدلة المذهب الثاني ٥٧٨\nفصل مقتضى الأمر: حصول الإجزاء بفعل المأمور به عند الجمهور ٥٧٨\nالمذهب الثاني: أنه لا يقتضي الإجزاء ٥٧٩\nأدلة المذهب الثاني ٥٧٩\nأدلة المذهب الأول ٥٨٠\nمناقشة أدلة المذهب الثاني ٥٨١\nمسألة: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به ما لم يدل على ذلك ٥٨٢\nمذاهب العلماء في المسألة ٥٨٣\nفصل: أمر الجماعة أمل لكل واحد منهم ٥٨٣\nحقيقة فرض الكفاية وهل هو واجب على الكل أو على غير معين ٥٨٤","vol":"1","page":637},{"text":"فصل: أمر الله تعالى للنبي أمر للأمة ما لم يوجد تخصيص ٥٨٦\nتوجه الخطاب إلى واحد من الصحابة يدخل معه غيره عند الجمهور ٥٨٦\nبعض العلماء يرى عدم دخول غيره معه وأدلته ٥٨٧\nأدلة المذهب الأول ٥٨٨\nفصل: في تعلق الأمر بالمعدوم ٥٩٧\nالمذهب الأول: أن الأمر يتعلق بالمعدوم ٥٩٧\nالمذهب الثاني: أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم ٥٩٧\nأدلة المذهب الثاني ٥٩٧\nأدلة المذهب الأول ٥٩٨\nمناقشة أدلة المذهب الثاني ٥٩٨\nفصل: في التكليف بغير الممكن ٦٠٠\nالمذهب الأول: جواز ذلك ٦٠٠\nالمذهب الثاني: عدم الجواز إلا بشرط ٦٠٠\nأدلة أصحاب المذهب الثاني ٦٠٠\nأدلة اصحاب المذهب الأول ٦٠١\nمناقشة أدلة المذهب الثاني ٦٠٢\nفصل في النهي\nتعريف النهي ٦٠٤\nالنهي يقتضي فساد المنهي عنه عند الجمهور ٦٠٥\nالمذهب الثاني: الفرق بين النهي عن الشيء لذاته أو لغيره ٦٠٥\nأدلة المذهب الثاني ٦٠٥\nالمذهب الثالث: أن النهي يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات٦٠٥\nأدلة هذا المذهب ٦٠٦\nالمذهب الرابع: أن النهي يقتضي الصحة ودليله ٦٠٦\nبيان فساد هذا المذهب ٦٠٦\nالمذهب الخامس: أنه لا يقتضي فسادًا ولا صحة ٦٠٧\nدليل هذا المذهب ٦٠٧\nأدلة المذهب الأول ٦٠٨\nمناقشة أدلة المذاهب الأخرى من أصحاب المذهب الأول ٦١١","vol":"1","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المجلد الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>باب: العموم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>مدخل</span>\n...\nباب: العموم\nأعلم أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة.\nوقد يطلق على غيرها، كقولهم: عمهم القحط، أو المطر والعطاء، لكنه مجاز، فإن عطاء زيد متميز عن عطاء عمرو، وليس في الوجود فعل -هو عطاء- نسبته إلى زيد وعمرو واحدة، وليس في الوجود معنى واحد مشترك بين اثنين.\nوعلوم الناس وقُدَرهم، وإن اشتركت في أنها: علم وقدرة، لا توصف بأنها عموم.\nوالرجل له وجود في الأعيان، والأذهان، واللسان.\nفوجوده في الأعيان لا عموم له، إذ ليس في الوجود رجل مطلق، بل إما زيد، وإما عمرو.\nوأما وجوده في اللسان: فلفظة \"الرجل\" قد وضعت للدلالة عليهما١.\nونسبتها في الدلالة عليهما واحدة، فسمي عامًّا لذلك\n_________\n١- بعدها في بعض النسخ \"عليها\" وفي بعضها \"عليهما\" ولا وجود لهما في المستصفى.","vol":"2","page":5},{"text":"وأما الذي في الأذهان من معنى \"الرجل\" فيسمى \"كليًّا\"١، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا: لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحادث، كنسبته إلى زيد الذي عهده أولًا.\nفإن سمى عامًّا بهذا المعنى فلا بأس٢.\n_________\n١ الكلي: هو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه كالإنسان.\n٢ وضح الطوفى -رحمه الله تعالى- مسألة كون العموم من عوارض الألفاظ أو المعاني، ومذاهب العلماء في ذلك فقال:\n\"وهذا البحث يوجد في أكثر كتب الأصوليين غير محقق، ووجه الكشف عنه: أنا إذا قلنا: هذا الشيء من عوارض هذا الشيء، أي: مما يعرض له ويلحقه، واشتقاقه من العَرَض، وهو المعنى الذي يذهب ويجيء، ولهذا سمي المال والمرض عرضًا؛ لأن كل واحد منهما يذهب ويجيء\".\nثم قال: \"والعرض في اصطلاح المتكلمين: هو ما لا يدخل في حقيقة الجسم ومفهومه، سواء كان لازمًا لا يفارق، كسواد الغراب، أو مفارقًا يذهب ويجيء كالحركة والسكون.\nوبهذا المعنى قولنا: العموم من عوارض الألفاظ، أي: أنه يلحقها، وليس هو داخلًا في حقيقتها، وهو عرض لازم لما لحقه من الألفاظ لا ينفك عنه، وهو خاص ببعض الألفاظ، وهي التي وضعها الواضع لتدل على استغراق جميع ما وضعت له.\nومعنى قولنا: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، أي: أنه في الحقيقة لا يعرض إلا لصيغة لفظية، كالمسلمين والمشركين، ونحو ذلك من صيغه.... وإذا أضفنا العموم إلى المعاني، كقولنا: هذا حكم عام، وخصب عام، أو جدب عام، أو بلاء أو رخاء عام، وهذه مصلحة عامة، كان ذلك مجازًا، أي: لا يستحق المعنى بحسب الأصل أن يوصف بالعموم، إنما هو بحسب الاستعارة، إما من اللفظ، أو نظرًا إلى شمول مجموع أفراد المعنى المذكور لمجموع =","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>فصل: [تعريف العام]</span>\nوحد العام: هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدًا مطلقًا١.\nواحترزنا بالواحد عن قولهم: \"ضرب زيد عمرًا\" فإنه يدل على شيئين، لكن بلفظين.\nوبقولنا: \"مطلقًا\" عن قولهم: \"عشرة رجال\"، فإنه يدل على شيئين فصاعدًا، لكن ليس بمطلق، بل هو إلى تمام العشرة.\n_________\n= محالِّه.... قال: وعبارة الشيخ أبي محمد ملخصة من كلام الشيخ أبي حامد. وحاصل ما ذكراه في معنى قولنا: \"باعتبار وجوديها\" اللساني والذهني\" هو أن الرجل -مثلًا- له وجود في الأعيان، وفي اللسان، وفي الأذهان.\nأما وجوده في الأعيان، فلا عموم له، إذ ليس في الوجود الخارجي رجل مطلق، يعني كليًّا، بل إما زيد أو عمرو، أو غيرهما، فهو مقيد بقيد التشخص والعَلمية.\nوأما وجوده في اللسان: فلفظ الرجل وضع للدلالة على زيد وعمرو وبكر وغيرهم، ونسبته إليه واحدة، وهذا معنى العموم.\nوأما وجوده في الذهن فإن للرجل صورة كلية مطابقة له، تتناول زيدًا وعمرًا وبكرًا وغيرهم، وتدل عليهم دلالة واحدة، كدلالة لفظ الرجل عليهم، غير أن اللفظ يدل بالوضع، والذهن يدرك بالتصور.\nفقد ثبت أن معنى العموم والشمول موجود في اللساني والذهني، دون العيني الخارجي.\nثم قال: وقال الآمدي: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة اتفاقًا، واختلفوا في المعاني، هل هو من عوارضها حقيقة؟ فنفاه الأكثرون، وأثبته الأقلون.\nوقال ابن الحاجب: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وفي المعاني أقوال: أصحها أنه حقيقة فيها، أيضًا.\nوالثاني: ليس من عوارضها، شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٤٩ وما بعدها\".\n١ اللفظ: جنس يتناول العام والخاص والمشترك والمطلق وغير ذلك، والقيود التي ذكرها المصنف -بعد ذلك- لإخراج ما عدا العام.","vol":"2","page":7},{"text":"وقيل: العام كلام مستغرق لجميع ما يصلح له١.\n_________\n١ وهو تعريف أبي الحسين البصري، وتابعه على ذلك أبو الخطاب في التمهيد \"٢، ٥، ٦\" واختاره الفخر الرازي وزاد عليه قوله: \"بحسب وضع واحد\" ورجحه الشوكاني. انظر: المعتمد \"١/ ٢٠٣\"، المحصول حـ١ ق٢ ص٥١٣، إرشاد الفحول \"١/ ٤١٥\".\nوقد أورد الطوفي للعام عدة تعريفات، غير ما ذكره المصنف، واعترض عليها كلها، واختار له تعريفًا مبنيًّا على التقسيم فقال: \"اللفظ إن دل على الماهية من حيث هي هي فقط، فهو المطلق، أو على وحدة معينة، كزيد وعمرو، فهو العلم، أو غير معينة، كرجل فهو النكرة، أو على وحدات متعددة، فهي إما بعض وحدات الماهية، فهو اسم العدد كعشرين رجلًا، أو جميعها، فهو العام، فإذن: هو اللفظ الدال على جميع أجزاء ماهية مدلوله ... ثم فرق بين العام وبين المطلق، والعلَم، والنكرة، واسم العدد فقال:\nفالمطلق هو اللفظ الدال على الماهية المجردة عن وصف زائد.\nوالعلَم: هو اللفظ الدال على وحدة معينة.\nوالنكرة: هو اللفظ الدال على وحدة غير معينة.\nواسم العدد: هو اللفظ الدال على بعض وحدات ماهية مدلوله، والعام ما ذكرناه\"\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٤٨ وما بعدها\".","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>فصل: [أقسام العام والخاص]</span>\nثم العام ينقسم إلى:\nعام لا أعم منه، يسمى عامًّا مطلقًا، كالمعلوم، يتناول الموجود والمعدوم\nوقيل: الشيء","vol":"2","page":8},{"text":"وقيل: ليس لنا عام مطلق؛ لأن \"الشيء\" لا يتناول المعدوم، والمعلوم لا يتناول المجهول.\nوالخاص ينقسم إلى خاص، لا أخص منه، يسمى خاصًّا مطلقًا، كزيد وعمرو، وهذا الرجل.\nوما بينهما عام وخاص بالنسبة، فكل ما ليس بعام ولا خاص مطلقًا: فهو عام بالنسبة إلى ما تحته، خاص بالنسبة إلى ما فوقه.\nفالموجود: خاص بالنسبة إلى المعلوم، عام بالنسبة إلى الجسم\nوالجسم: خاص بالنسبة إلى الجوهر، عام بالنسبة إلى النامي.\nوالنامي: خاص بالنسبة إلى الجسم، عام بالنسبة إلى الحيوان.\nوأشباه ذلك يسمى عامًّا، لشموله ما يشملهن خاصًّا من حيث قصوره عما شمله غيره١.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن كلًّا من العام والخاص ينقسم بحسب مراتبه إلى ثلاثة أقسام: علو ونزولًا وتوسطًا فاللفظ إما عام مطلق، وهو ما ليس فوقه أعم منه، أو خاص مطلق، وهو ما ليس تحته أخص منه، أو عام وخاص إضافي، وهو المتوسط. مثال العام المطلق: المعلوم أو الشيء؛ لأن المعلوم يتناول جميع الأشياء قديمها ومحدثها، ومعدومها وموجودها، لتعلق العلم بذلك كله.\nوالشيء: أخص من المعلوم؛ لأن كل شيء معلوم، وليس كل معلوم شيئًا -عند أهل السنة والجماعة- أما المعتزلة فقالوا: المعدوم شيء.\nولهذا أورد المصنف في كلامه \"وقيل: الشيء\" أي: أن العام المطلق كالشيء، لا كالمعلوم، لما تقدم من أن المعلوم يشمل الموجود والمعدوم، والعدم والمعدوم لا يتصفان بالعموم، لأنهما معنيان محتاجان إلى ما يقومان به، ولذلك يجب أن يكونا شيئًا.\nوعبارة الإمام الغزالي في هذا المعنى أوضح مما ذكره المصنف حيث قال: =","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>فصل: [في ألفاظ العموم] </span>١\nوألفاظ العموم خمسة أقسام:\n_________\n\"واعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقًا، نحو: زيد، وهذا الرجل. وإما عام بالإضافة، كلفظ \"المؤمنين\" فإنه عام بالإضافة إلى آحاد المؤمنين، خاص بالإضافة إلى جملتهم، إذ يتناولهم دون المشركين، فكأنه يسمى عامًّا من حيث شموله للآحاد، خاصًّا من حيث اقتصاره على ما شملهن وقصوره عما لم يشمله، ومن هذا الوجه يمكن أن يقال: ليس في الألفاظ عام مطلق؛ لأن لفظ المعلوم لا يتناول المجهول، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه\"\nالمستصفى \"٣/ ٢١٣\" وانظر: شرح الطوفي \"٢/ ٤٦١\" وما بعدها\"\n١ مذهب جمهور الأصوليين أن للعموم صيغ وألفاظ تخصه، حقيقة فيه، وذهب بعض العلماء إلى نفي ذلك. وقد وضحه الشوكاني فقال: \"ذهب الجمهور إلى أن العموم له صيغة موضوعة له حقيقة، وهي: أسماء الشرط، والاستفهام، والموصولات، والجموع المعرفة تعريف الجنس، والمضافة، واسم الجنس، والنكرة المنفية، والمفرد المحلى باللام، ولفظ \"كل\" و\"جميع\" ونحوها. قال: لأن الحاجة ماسة إلى الألفاظ العامة؛ لتعذر جمع الآحاد على المتكلم فوجب أن يكون لها ألفاظ موضوعة حقيقة؛ لأن الغرض من وضع اللغة: الإعلام والإفهام\".\nثم بعد أن استوفى أدلة الجمهور قال: \"وقال محمد بن المنتاب، من المالكية، ومحمد بن شجاع الثلجي، من الحنفية: إنه ليس للعموم صيغة تخصه، وأن ما ذكروه من الصيغ موضوع في الخصوص، وهو أقل الجمع: إما اثنان، أو ثلاثة -على الخلاف في أقل الجمع- ولا يقتضي العموم إلا بقرينة.\nقال القاضي في التقريب، والإمام في البرهان: يزعمون أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في الجمع محتملات فيما عداه، إذا لم تثبت قرينة تقتضي تعديها عن أقل المراتب\" إرشاد الفحول \"١/ ٤٢٥-٤٢٦\" وانظر: البرهان \"١/ ٣٢٢\". =","vol":"2","page":10},{"text":"الأول: كل اسم عرّف بالألف واللام لغير المعهود١.\nوهو ثلاثة أنواع:\nالأول: ألفاظ الجموع، كالمسلمين والمشركين، والذين.\nوالنوع الثاني: أسماء الأجناس، وهو ما لا واحد له من لفظه، كالناس، والحيوان، والماء، والتراب.\nوالنوع الثالث: لفظ الواحد٢: كالسارق، والسارقة، والزاني، والزانية، و﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْر﴾ ١٣.\nالقسم الثاني: من ألفاظ العموم: ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة٤ إلى معرفة، كعبيد زيد، ومال عمرو٥.\n_________\n= قال الشوكاني: \"ولا يخفاك أن قولهم: موضوع للخصوص. مجرد دعوى ليس عليها دليل، والحجة قائمة عليهم لغة وشرعًا وعرفًا، وكل من يفهم لغة العرب واستعمالات الشرع لا يخفى عليه هذا\".\n١ لأن المعرف بلام العهد ليس عامًّا، وإنما يدل على ذات معينة، مثل: \"لقيت رجلًا، فقلت للرجل\".\n٢ ويعبر عنه: بالمفرد المحلى باللام غير العهدية، وكونه من صيغ العموم هو مذهب الشافعي وأحمد وابن برهان وأبي الطيب والبويطي ونقله الآمدي عن أكثر العلماء، ونقله الفخر الرازي عن الفقهاء والمبرد، وهو الذي رجحه البيضاوي وابن الحاجب. انظر القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٤، نهاية السول \"٢/ ٨٠\"، شرح الكوكب المنير \"٣/ ١٣٣-١٣٤\".\n٣ سورة العصر٢. والدليل على أن اللام هنا للجنس: الاستثناء الوارد بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ .\n٤ وهي: ألفاظ الجموع، وأسماء الأجناس، والمفرد المحلى بالألف واللام.\n٥ المثال الأول: جمع منكر، مضاف إلى معرفة، والثاني: اسم جنس مضاف لمعرفة أيضًا. =","vol":"2","page":11},{"text":"القسم الثالث: أدوات الشرط: كـ\"مَن\" فيمن يعقل، و\"ما\" فيما لا يعقل، و\"أي\" في الجميع١، و\"أين\" و\"أيان\" في المكان٢ و\"متى\" في الزمان، ونحوه.\nكقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ ٣ و﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاق﴾ ٤ و﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْت﴾ ٥، وقوله ﵇: \"أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا....\" ٦.\n_________\n= ومثال المفرد المحلى بالألف واللام: السارق، والزانية. قال الطوفي: \"وهو إذا أضيف إلى معرفة لا يقتضي العموم؛ لأنه لا جمع في لفظه، بخلاف عبيد، ومال؛ لأن فيهما جمعًا حقيقيًّا في نحو: عبيد زيد أو معنويًّا في نحو: مال زيد، والمال جنس يشمل أنواعًا، أما السارق والزاني ونحوهما، فلم يوضع لفظه ليدل على جمع لفظي ولا معنوي، بل ليدل على ذات متصفة بفعل صدر عنها، أو قام بها، وليس من لوازم ذلك: جمع ولا إفراد إلا بطريق الفرض\". شرح الطوفي \"٢/ ٤٦٧\".\n١ أي: تشمل من يعقل ومن لا يعقل.\n٢ هكذا في جميع النسخ، ولعل ذلك من تحريف النساخ، فإن \"أيان\" للزمان، دل على ذلك القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧، والنازعات: ٤٢] .\nقال الشيخ الطوفي: \"وجعل الشيخ أبو محمد أين وأيان جميعًا للمكان، وهو سهو، بل أين وحدها للمكان، وأيان للزمان؛ لأن أصلها: أيَّ أوَانٍ يكون كذا، ثم ركبت الكلمتان بعد الحذف تخفيفًا، وجعلا كلمة واحدة....\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٧١ وما بعدها\".\n٣ سورة الطلاق من الآية \"٣\".\n٤ سورة النحل من الآية \"٩٦\".\n٥ سورة النساء من الآية \"٧٨\".\n٦ أخرجه أبو داود: كتاب النكاح -باب الولي- من حديث عائشة، ﵂ =","vol":"2","page":12},{"text":"القسم الرابع: \"كل\" و\"جميع\": كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ ١، و﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ ٢، و﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ ٣.\nالقسم الخامس: النكرة في سياق النفي، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة﴾ ٤، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ٥.\n_________\n= مرفوعًا بلفظ: \"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل\". كما أخرجه عنها: الترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، وقال: \"حديث حسن\"، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، وأحمد في مسنده \"٦/ ٤٧\"، كما رواه الدارمي والدارقطني والحاكم وغيرهم. انظر: نصب الراية للزيلعي \"٣/ ١٨٤-١٨٥\".\n١ سورة آل عمران من الآية \"١٨٥\".\n٢ سورة الأعراف من الآية \"٣٤\".\n٣ سورة الزمر من الآية \"٦٢\".\n٤ سورة الأنعام من الآية \"١٠١\"\n٥ سورة البقرة من الآية \"٢٥٥\".\nأما النكرة في سياق الأمر: ففيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: تفيد العموم مثل النكرة في سياق النفي، ومنهم من قال: لا تفيد العموم، وهو رأي الجمهور.\nومن أمثلته: \"أعتق رقبة\" فالجمهور يقولون: إنه لا يفيد العموم، لأنه مطلق، والمطلق ليس بعام، كما تقدم في تعريفه.\nوقال البعض: إنه يعم؛ لأنه لو لم يكن عامًّا، لما خرج المأمور عن عهدة الأمر بعتق أي رقبة كانت.\nقال الطوفي: \"وفي هذا نظر؛ لأنه إنما خرج عن عهدة الأمر بذلك؛ لأنه مأمور برقبة مطلقة، والمطلق يكفي في امتثاله إيجاد فرد من أفراده؛ لأن الواجب فيه تحصيل الماهية، وهي حاصلة بفرد من أفراده، كما لو قال: صلِّ صلاةًَ، أو: صم يومًا. والله تعالى أعلم\". شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٧٣\".","vol":"2","page":13},{"text":"قال البستي١: الكامل في العموم: هو الجمع، لوجود صورته ومعناه، وما عداه قاصر في العموم؛ لأنه بصيغته إنما يتناول واحدًا، لكنه ينتظم جمعًا من المسميات معنى، فالعموم قائم بمعناها، لا بصيغتها.\n[هل للعموم صيغة تخصه حقيقة] ٢\nواختلف الناس في هذه الأقسام الخمسة:\nفقالت الواقفية: لا صيغة للعموم، بل أقل الجمع داخل فيه بحكم الوضع، وفيما زاد عليه، فيما بين الاستغراق وأقل الجمع: مشترك كاشتراط لفظ \"النفر\" بين الثلاثة والخمسة٣.\nوحكي مثل ذلك عن محمد بن شجاع الثلجي٤.\n_________\n١ هو: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، من أهل \"بست\" من بلاد \"كابول\" فقيه محدث، من نسل زيد بن الخطاب \"أخي عمر بن الخطاب\" ولد سنة \"٣١٩هـ\".\nمن مؤلفاته: معالم السنن في شرح سنن أبي داود، بيان إعجاز القرآن. توفي سنة \"٣٨٨هـ\" انظر: وفيات الأعيان \"١/ ١٦٦\" والأعلام \"٢/ ٣٠٤\" وخلاصة رأيه: أن لفظ الجمع، كالمسلمين، والمشركين، أكمل في باب العموم من غيره من ألفاظ العموم الأخرى؛ لأن لفظ الجمع يفيد التعدد، كما أن معناه يفيد التعدد أيضًا، بخلاف غيره، فإن التعدد في مدلوله، لا في لفظه، انظر شرح ذلك بتوسع في شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٧٤-٤٧٥\".\n٢ سبق أن أوضحنا مذاهب العلماء في هذه المسألة في أول فصل: ألفاظ العموم.\n٣ خلاصة رأي الواقفية: أن الصيغ المتقدمة لم توضع لعموم ولا لخصوص، بل موضوعة لأقل الجمع \"على الخلاف في أقله كما سيأتي\" وما زاد على أقل الجمع يكون مشتركًا بينه وبين الاستغراق. انظر: المستصفى \"٣/ ٢٥٠\"، وشرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٧٥\" وما بعدها.\n٤ هو: محمد بن شجاع الثلجي البغدادي، أبو عبد الله، فقيه العراق في وقته، من =","vol":"2","page":14},{"text":"قالوا١: لأن أقل الجمع مستيقن، وفيما زاد مشكوك، يحتمل أن يكون مرادًا، وأن لا يكون مرادًا، فيحمل على اليقين٢.\nولأن٣ وضع هذه الصيغ للعموم: إما أن يعلم بعقل، أو بنقل.\nفالعقل لا مدخل له في اللغات.\nوالنقل: إما تواتر، وإما آحاد:\nفالآحاد لا يحتج بها.\nوالتواتر لا يمكن دعواه.\nثم لو كان لأفاد علمًا ضروريًّا.\nولأنا٤ لما رأينا العرب تستعمل الألفاظ المشتركة في جميع مسمياتها: قضينا بأنها مشتركة، وأن من ادعى أنها حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر: كان متحكمًا.\nوهذه الصيغ تستعمل في العموم والخصوص، بل استعمالها في الخصوص أكثر في الكتاب والسنة، وليس أحدهما أولى من الآخرن فهما قولان متقابلان، فيجب تدافعهما، والقول والاعتراف بالاشتراك.\nولأنه٥ يحسن الاستفهام، فلو قال: \"من دخل داري فأعطه درهمًا\"\n_________\n= أصحاب أبي حنيفة، شرح فقه الإمام أبي حنيفة، واحتج له، كان يميل إلى الاعتزال، ولد سنة \"١٨١هـ\" وتوفي سنة \"٢٦٦هـ\" انظر: الوافي بالوفيات \"٣/ ١٤٨\" والأعلام \"٦/ ١٥٧\".\n١ أي: الواقفية ومن معهم. وهو منسوب لأبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني، وبعض المتكلمين.\n٢ هذا هو الدليل الأول لهم.\n٣ هذا هو الدليل الثاني\n٤ هذا دليل ثالث لهم.\n٥ هذا دليل رابع.","vol":"2","page":15},{"text":"حسن أن يقول: \"وإن كان فاسقًا\"؟ ولو عم اللفظ: لما حسن الاستفسار. ولنا دليلان١:\nأحدهما: إجماع الصحابة -﵃- فإنهم مع أهل اللغة بأجمعهم، أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم، إلا ما دل على تخصيصه دليل؛ فإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص، لا دليل العموم: فعملوا بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُم﴾ ٢ واستدلوا به على إرث فاطمة٣ -﵂- حتى نقل أبو بكر، ﵁: \"نحنُ معاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنَاه صَدَقة\" ٤.\n_________\n١ بدأ المصنف يستدل لمذهب الجمهور على أن الصيغ المتقدمة موضوعة للعموم، فتحمل على عمومها، حتى يدل دليل على الخصوص.\n٢ سورة النساء من الآية \"١١\".\n٣ هي: فاطمة الزهراء بنت رسول الله -ﷺ- من السيدة خديجة -﵂- ولدت قبل البعثة بستة أشهر، وهي أصغر بنات رسول الله -ﷺ- تزوجها علي بن أبي طالب﵁- بعد واقعة أحد، وهي أم الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، ولها مناقب عظيمة، فهي سيدة نساء المؤمنين. توفيت -﵂- سنة \"١١هـ\" بعد وفاة رسول الله -ﷺ- بستة أشهر. انظر: الإصابة \"٤/ ٣٧٧\" والاستيعاب \"٤/ ٣٧٣\"، حلية الأولياء \"٢/ ٣٩\".\n٤ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الخُمس- باب فرض الخُمس- حديث\"٢\" وكتاب فضائل الصحابة - باب مناقب قرابة رسول الله -ﷺ- حديث \"٢٠٧\" وكتاب المغازي - باب غزوة خيبر حديث \"٢٥٦\"، وكتاب الفرائض- باب قول النبي، ﷺ: \"لا نورث ما تركنا صدقة\".\nكما أخرجه مسلم: كتاب الجهاد -باب قول النبي، ﷺ: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\"، حديث \"٥٢/ ١٧٥٩\" عن عائشة -﵂- أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر -﵁- تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفَدَك ومما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول الله -ﷺ- =","vol":"2","page":16},{"text":"وأجروا ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة﴾ ١، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٢، و﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ ٣، و﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ٤، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ ٥ و﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْد﴾ ٦، و\"لَا تُنْكَحُ المَرْأَة على عَمَّتِها\" ٧، \"ومَنْ أَغْلَقَ عليه بابَهُ فهو آمِنٌ\"٨، و\" لا يَرِثُ القَاتِلُ\" ٩، وغير ذلك مما لا يحصى على العموم\n_________\n= قال: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" وللحديث روايات أخرى صحيحة. يراجع فيها: المنتقى ص٥٢٤.\n١ سورة المائدة من الآية \"٣٨\".\n٢ سورة النور من الآية \"٢\".\n٣ سورة الإسراء من الآية \"٣٣\".\n٤ سورة البقرة من الآية \"٢٧٨\".\n٥ سورة النساء من الآية \"٢٩\".\n٦ سورة المائدة من الآية \"٩٥\".\n٧ حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب النكاح- باب لا تنكح المرأة على عمتها- من حديث جابر وأبي هريرة -﵄- أن النبي -ﷺ- نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وفي رواية: نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.\nكما أخرجه مسلم: كتاب النكاح -باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح- من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم. انظر: نصب الراية \"٣/ ١٦٩/ ١٧٠\".\n٨ أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير -باب فتح مكة، وأبو داود: كتاب الخراج والفيء والإمارة- باب ما جاء في خبر مكة -ولفظه: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن\" كما أخرجه أحمد في المسند \"٢/ ٢٩٢، ٥٣٨\".\n٩ أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العقول -باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ =","vol":"2","page":17},{"text":"ولما نزل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ قال ابن أم مكتوم٢: \"إني ضرير البصر\" فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ فعَقَل الضرير وغيره من عموم اللفظ٣.\nولما نزل ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ٤ قال ابن الزبعري٥: لأخصمن محمدًا، فقال له: قد عُبدت الملائكة\n_________\n= فيه -عن عمر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"ليس للقاتل شيء\".\nكما أخرجه أبو داود: كتاب الديات- باب ديات الأعضاء، وابن ماجه: كتاب الديات- باب القاتل لا يرث، وأحمد في المسند \"١/ ٤٩\"، والبيهقي: كتاب الفرائض- باب لا يرث القاتل. السنن الكبرى \"٦/ ٢٢٠\".\nقال المصنف في المغني \"٩/ ١٥٠\": \"أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئًا، إلا ما حكي عن سعيد بن المسيب وابن جبير، أنهما ورّثاه، وهو رأي الخوارج، لأن آية الميراث تتناوله بعمومها، فيجب العمل بها فيه. ولا تعويل على هذا القول؛ لشذوذه، وقيام الدليل على خلافه\".\n١ سورة النساء، من الآية \"٩٥\".\n٢ هو: عمرو بن أم مكتوم بن قيس بن زائدة، صحابي جليل، وهو الذي نزل في حقه أول سورة \"عبس وتولى\"، وكان رسول الله -ﷺ- بعدها يزيد في إكرامه، وكان يستخلفه على الصلاة في المدينة في أكثر غزواته، روى أنه شهد القادسية واستشهد بها، ﵁.\nانظر: الإصابة \"٤/ ٨٧، ٤/ ٦٠٠\"، البداية والنهاية \"٧/ ٤٩\".\n٣ عبارة الغزالي في المستصفى \"٣/ ٢٣٣\": \"فعَقل الضرير وغيره عموم لفظ المؤمنين\" وهي أوضح من عبارة المصنف.\n٤ سورة الأنبياء من الآية \"٩٨\".\n٥ هو: عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي، صحابي جليل، كان من شعراء قريش، ومن أشد الناس عداوة لرسول الله -ﷺ- =","vol":"2","page":18},{"text":"والمسيح، أفيدخلون النار؟ فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون﴾ ١.\nفعقَل العموم، ولم ينكر عليه، حتى بين الله -تعالى- المراد من اللفظ. ولما أراد أبو بكر -﵁- قتال مانعي الزكاة، قال له عمر: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله، ﷺ: \"أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناس حَتَّى\n_________\n= وللمسلمين، ثم أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، واعتذر لرسول الله -ﷺ- فقبل عذره، انظر في ترجمته \"الإصابة ٢/ ٣٠٠-٣٠٣\"، أسد الغابة ٣/ ٢٣٩-٢٤٠\".\n١ سورة الأنبياء الآية \"١٠١\".\nوالقصة رواها الطبراني في الكبير \"١٢٧٣٩\" عن ابن عباس -﵄- قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُون﴾ قال عبد الله بن الزبعري: أنا أخصم لكم محمدًا، فقال: يا محمد، أليس فيما أنزل الله عليك: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُون﴾ قال: \"نعم\" قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا، وهذه بنو تميم تعبد الملائكة، فهؤلاء في النار؟ فأنزل الله، ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ كما أوردها السيوطي في الدر المنثور \"٥م ٦٧٩\"، والحاكم في المستدرك\n٢/ ٣٨٤-٣٨٥\"، وابن جرير في تفسيره \"١٧/ ٩٧-٩٨\" وعوّل على أن \"ما\" في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُون﴾ عند العرب لغير العاقل\nأما ابن كثير فقال: \"وهذا الذي قاله ابن الزبعري خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها، ولهذا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم﴾ فكيف يورد على هذا المسيح والعزير ونحوهما ممن له عمل صالح ولم يرض بعبادة من عبده\"؟!","vol":"2","page":19},{"text":"يقولوا: يقولوا لا إِلَه إِلّا اللهُ ... \" ١ الحديث. فلم ينكر أبو بكر احتجاجه، بل قال: أليس قد قال: \"إِلّا بِحَقِّهَا\" والزكاة من حقها.\nواختلف عثمان وعلي في الجمع بين الأختين٢:\nفاحتج عثمان بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ ٣.\nواحتج علي بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن﴾ ٤.\n_________\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الزكاة- باب وجوب الزكاة، وفي كتاب الاعتصام- باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ- من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا ولفظه: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\".\nكما أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأبو داود: كتاب الجهاد، باب علام يقاتل المشركون؟\nكما أخرجه ابن ماجه، والترمذي، والنسائي وغيرهم.\n٢ أي: بملك اليمين، أما الجمع بين الأختين في الزواج فمجمع على تحريمه، لقوله -تعالى- في آية المحرمات من النساء: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن﴾ .\n٣ سورة المؤمنون \"٦\" والمعارج \"٣٠\".\n٤ سورة النساء من الآية \"٢٣\".\nفآية سورة \"المؤمنون\" و\"المعارج\" تفيد إباحة الجمع، وآية سورة النساء تفيد التحريم، ولذلك روي عن عثمان -﵁- لما سئل عن الجمع بين الأختين، بملك اليمين قال: \"لا آمرك ولا أنهاك، أحلتهما آية وحرمتهما آية\"، والتحريم أولى\" انظر: تفسير القرطبي \"٥/ ١١٧\"، والموطأ \"٣/ ١٤٨\".","vol":"2","page":20},{"text":"ولما سمع عثمان بن مظعون١ قول لبيد٢:\n.................... ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحالَةَ زَائلُ\nقال له: كذبت، إن نعيم الجنة لا يزول٣.\nوهذا وأمثاله مما لا ينحصر كثرة، يدل على اتفاقهم على فهم العموم من صيغته، والإجماع حجة.\nولو لم يكن إجماعهم حجة، لكان حجة من حيث إنهم أهل اللغة، وأعرف بصيغتها وموضوعاتها.\n_________\n١ هو: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب، القرشي الجمحي، أبو السائب، صحابي جليل، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، توفي سنة \"٢هـ\" ودفن بالبقيع. انظر: الإصابة \"٢/ ٤٦٤\" والاستيعاب \"٣/ ٥٨\".\n٢ هو: لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة، أبو عقيل الشاعر المعروف، صاحب المعلقة. قال النبي، ﷺ: \"أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد:\nأَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باَطِلُ\".\nمات بالكوفة سنة \"٤١هـ\" انظر الإصابة \"٥/ ٦٧٥\" والاستيعاب \"٣/ ١٢٣٥\". وقول لبيد هذا: عجز بيت صدره:\nألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل ... ................................\nانظر: ديوان لبيد ص٢٥٦، الشعر والشعراء لابن قتيبة \"١/ ٢٩٧\".\n٣ انظر: الموشح للمرزباني ص١٠٠، وقد نسب هذا التكذيب إلى أبي بكر، ﵁.\nوالأدلة على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وجاء في الصحيحين \"يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت\". انظر: تفسير ابن كثير \"٢/ ٤٤٢\" طبعة دار زمزم.","vol":"2","page":21},{"text":"المسلك الثاني١: أن صيغ العموم يحتاج إليها في كل لغة، ولا تختص بلغة العرب.\nفيبعد جدًّا أن يغفل عنها جميع الخلق، فلا يضعونها مع الحاجة إليها.\nويدل على وضعه٢: توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام، وسقوطه عمن أطاع، ولزوم النقض والخلف على الخبر العام، وبناء الاستحلال٣ والأحكام على الألفاظ العامة.\nفهذه أربعة أمور تدل على الغرض.\nوبيانها: أن السيد إذا قال لعبده: \"من دخل داري فأعطه رغيفًا\" فأعطى كل داخل: لم يكن للسيد أن يعترض عليه.\nولو قال: \"لِمَ أعطيت هذا وهو قصير\" وإنما أردت الطوال؟\nفقال: \"ما أمرتني بهذا، وإنما أمرتني بإعطاء كل داخل\" فعرض هذا على العقلاء: رأوا اعتراض السيد ساقطًا، وعذر العبد متوجهًا.\nولو أن العبد حرَم واحدًا، فقال له السيد: \"لِمَ لم تعطه\"؟ فقال: \"لأن هذا أسود، ولفظك ما اقتضى العموم، فيحتمل أنك أردت الأبيض\" استوجب التأديب عند العقلاء، وقيل له: \"ما لك وللنظر إلى اللون، وقد أمرت بإعطاء كل داخل\"؟\n_________\n١ أي: الدليل الثاني على أن هذه الصيغ موضوعة للعموم، وكان قد قال في بداية كلامه: \"ولنا دليلان\".\n٢ أي: مما يدل على أنها موضوعة للعموم: توجه الاعتراض على من يعصي أمر المتكلم بكلام عام، وسقوط هذا الاعتراض عمن أطاع.\n٣ أي: كونه حلالًا.","vol":"2","page":22},{"text":"وأما النقض: فإنه لو قال: \"ما رأيت أحدًا\" وكان قد رأى جماعة: كان كلامه خلفًا١ ومنقوضًا وكذبًا.\nولذلك قال الله تعالى: ﴿... قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ٢. وإنما أورد هذا نقضًا على كلامهم، فإن لم يكن هذا عامًّا: فلِمَ أورد النقض عليهم؟\nفإن هم أرادوا٣ غير موسى، فلِمَ لزم دخول موسى تحت اسم البشر؟\nوأما إثبات الاستحلال والأحكام: فإذا قال: \"أعتقت عبيدي وإمائي\" ومات عقيبه، جاز لمن سمع أن يزوج عبيده، ويتزوج من إمائه بغير رضا الورثة.\nولو قال: \"العبيد الذين في يدي ملك فلان\": كان إقرارًا محكومًا \"به\"٤ في الكل.\nولو ادعى على رجل دينًا فقال٥: \"مالك عليّ شيء\" كان إنكارًا لدعواه، ولو حلف على ذلك: بريء في الحكم\n_________\n١ في المصباح المنير \"١/ ١٧٩\": \"الخَلْف: وزان فلس: الرديء من القول، يقال: سكت ألفًا ونطق خلْفًا: أي: سكت عن ألف كلمة، ثم نطق بخطإ. وقال أبو عبيد في كتاب الأمثال: الخلف من القول: هو السقط الرديء، كالخلْف من الناس\".\n٢ سورة الأنعام من الآية \"٩١\".\n٣ في جميع النسخ \"فلعلهم أرادوا\" وما أثبتناه من المستصفى لوضوحه.\n٤ ما بين القوسين من المستصفى.\n٥ أي: المدعى عليه، والسبب في ذلك: أن الأصل براءة ذمته، ولذلك اكتفى منه باليمين، بخلاف الصورة الآتية.","vol":"2","page":23},{"text":"ولو كان له عليه دين، فحلف هذه اليمين، كان كاذبًا آثمًا١.\nوبناء أمثال هذه الأحكام على العموم لا ينحصر.\nفإن قيل: إنما ثبت هذا الذي ذكرتموه بالقرائن، لا بمجرد اللفظ.\nقلنا: هذا باطل؛ فإنه لو قدر انتفاء القرائن: لفهم العموم: فإنه لو قدر أن سيدًا أمر عبدًا له لم يعرف له عادة، ولا عاشره زمانًا بأمر عام، ولا يعلم له غرضًا في إثباته وانتفائه، لتمهد عذره في العمل بعمومه، وتوجه إليه اللوم بترك الامتثال.\nولو قال: \"كل عبد لي حرٌّ\" ولم تعلم منه قرينة أصلًا: حكمنا بحرية الكل.\nوتقدير قرينة -ههنا- كتقدير قرينة في سائر أنواع أدلة الكتاب والسنة، وهذا يبطلها بأسرها.\nولأن اللفظ لو لم يكن للعموم: لخلا عن الفائدة، واختلت أوامر الشرع العامة كلها؛ لأن كل واحد يمكنه أن يقول: \"لم أعلم أنني مراد بهذا الأمر، ولا في اللفظ دلالة على أنني مراد به، ولا يلزمني الامتثال\". وكذلك النواهي، يقول: \"لست مخاطبًا بالنهي لعدم دلالته على العموم في حقي\" فتختل الشريعة، وتبطل دلالة الكتاب والسنة.\nولا يصح من أحد الاحتجاج بلفظ عام في صورة خاصة، لعدم دلالته عليها. ولا يقدر أحد أن يأمر جماعة، ولا ينهاهم، ولا يذكر لهم شيئًا يعمهم بلفظ واحد.\n_________\n١ لأنه أقر له بالحق، فالحق ثابت في ذمته، فلو حلف على أنه أداه لم يقبل منه، فلا بد من البينة على أنه قد أداه، حتى تبرأ ذمته. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى -وهي محل الشاهد- أن الأول خاص والثاني عام.","vol":"2","page":24},{"text":"وهذا باطل يقينًا، وفاسد قطعًا، فوجب اطّراحه.\nوأما حجة الواقفية: فحاصلها: مطالبة بالدليل، وليس بدليل١.\nثم قد ذكرنا وجه الدليل على التعميم، وأنها إنما تستعمل على الخصوص مع قرينة.\nوإنما حسن الاستفسار عن الفاسق؛ لأنه يفهم من الإعطاء: الإكرام، ويفهم من عادة الناس أنهم لا يكرمونهم.\nفلتوهم القرينة المخصصة: حسن السؤال.\nولذلك: لم يحسن في بقية الصفات، ولأنه لو لم يراجع، وأعطى الفاسق: لكان عذره متمهدًا.\nثم إنه إنما حسن الاستفهام لظهور التجوز به عن الخصوص، فلذلك كان للمستفهم الاحتياط في طلبه.\nولهذا دخل التوكيد في الكلام، لرفع اللبس، وإزالة الاتساع.\nولهذا يحسن الاستفهام في الخاص، فإذا قال: \"رأيت الخليفة\" قيل له: \"أنت رأيته\"؟!\n_________\n١ أي: أن حجة الواقفية: هي مطالبة الجمهور بدليل يدل على العموم، والمطالبة بالدليل لا تعتبر دليلًا، ومع ذلك أقام المصنف الأدلة على أنها تفيد العموم، ولا تدل على الخصوص إلا مع قرينة.","vol":"2","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>فصل: [في الخلاف في عموم بعض الصيغ]</span>\nوقد قال قوم بالعموم، إلا فيما فيه الألف واللام١.\nوقال آخرون: بالعموم، إلا في اسم الواحد بالألف واللام٢.\nوقال بعض النحويين المتأخرين في \"النكرة في سياق النفي\" لا تعم، إلا أن تكون فيه \"مِنْ\" مظهرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣، أو مقدرة، كقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾ ٤، بدليل أنه يحسن أن يقال:\n_________\n١ حكى الطوفي في المسألة مذاهب أخرى حكاها عن الآمدي، بعد أن نقل ما قاله المصنف، فقال: \"وقال الآمدي: ذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة له في اللغة تخصه. وذهب الشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الصيغ المذكورة حقيقة في العموم، مجاز فيما عداه.\nومنهم من عكس الحال، يعني: أنها مجاز في العموم، حقيقة فيغيره.\nومنهم من خالف في عموم اسم الجمع، واسم الجنس المعرف دون غيره، كأبي هاشم.\nواختلف قول الأشعري في الاشتراك والوقف، ووافقه القاضي في الوقف.\nومنهم من وقف في الأخبار والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي.\nقال الآمدي: والمختار أن الصيغ المذكورة حجة في الخصوص لتيقنه، والوقف فيما وراء ذلك\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٧٧\".\n٢ مثل: الدينار خير من الدرهم.\n٣ سورة \"ص\" من الآية ٦٥\".\n٤ سورة الصافات من الآية \"٣٥\" وتمام الآية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وسورة محمد من الآية \"١٩\" ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم﴾ .","vol":"2","page":26},{"text":"ما عندي رجل، بل رجلان١.\nومن أنكر أن الألف واللام للاستغراق قال:\n_________\n١ هذا دليل بعض النحويين الذين أنكروا إفادة النكرة للعموم، إلا إذا كانت هناك \"من\" مظهرة أو مقدرة.\nوقد وضحه الطوفي فقال: \"وتقرير حجته: أنه يحسن أن يقال: ما عندي رجل، بل رجلان، ولا يحسن أن يقال: ما عندي من رجل، بل رجلان، وذلك يدل على أن: ما عندي من رجل يعم، لامتناع إثبات الزيادة عليه، لافضائه إلى التناقض في عرف اللسان، وأن: ما عندي رجل، لا يعم، لجواز الزيادة عليه وعدم إفضائه إلى التناقض في عرف اللسان، ولا فرق بين الصورتين إلا إثبات \"من\" وعدمها\" فدل على أنها هي المؤثرة في العموم في هذا الباب، ويلحق بثبوتها تحقيقًا، ثبوتها تقديرًا لاشتراكهما في المعنى.\nوسر هذا التقدير: أن \"من\" موضوعة للدلالة على الجنس، فإذا دخل النفي عليها تحقيقًا أو تقديرًا، كما سبق مثاله، أفاد نفي الجنس، وهو معنى الاستغراق والعموم، وإذا لم يدخل عليها، لم يفد نفي الجنس، بل نفي الشخص المذكور مبهمًا.\nمثاله: \"ما في الدار من رجل\" يقتضي نفي جنس الرجال من الدار، و\"ما في الدار رجل\" يقتضي نفي رجل واحد مبهم من جنس الرجال....\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٤٨٦-٤٨٧\".\nثم أجاب عن هذا الاستدلال فقال: \"إن النفي إذا وقع على النكرة، اقتضى نفي ماهيتها، وماهيتها لا تنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادها، كما إذا قال: \"لا صلاة بغير طهور\" فإنه نفي لماهية الصلاة، وهو لا يحصل إلا بانتفاء جميع أفراد الصلاة بغير طهور في جميع الأوقات والأماكن. وهذا الدليل قاطع في العموم، وحينئذ يجب تأويل ما ذكرت أيها الخصم من الدليل على عدم العموم؛ لأنه غير قاطع، وما ذكرناه قاطع، وإذا اجتمع القاطع وغيره، كان تقديم القاطع -ما لم يعارضه معارض- أولى\" المصدر السابق ص٤٨٨.","vol":"2","page":27},{"text":"يحتمل أن تكون للمعهود.\nويحتمل أن تكون للاستغراق.\nويحتمل أنها لجملة من الجنس.\nفما دليل التعميم؟ ١\nثم وإن سلم في البعض، فما قولكم في جمع القلة، وهو ما ورد على وزن الأفعال، كالأحمال، والأَفْعُل، كالأكلُب، والأكعُب، والأَفْعِلَة، كالأرغفة، والفِعلة، كالصبية؟\nفقد قال أهل اللغة: إنه للتقليل وهو ما دون العشرة.\nوقال ناس بالتعميم، إلا في لفظة المفرد المحلى بالألف واللام؛ لأنه لفظ واحد، والواحد ينقسم إلى: واحد بالنوع، وواحد بالذات.\nفإذا دخله التخصيص علم أنه ما أراد الواحد بالنوع، فانصرف إلى الواحد بالذات.\nقلنا: ما ذكرناه من الاستدلال جار فيما فيه الألف واللام، وفي النكرة في سياق النفي، فإنه إذا قال لعبده: \"أعط الفقراء والمساكين،\n_________\n١ هذا دليل القائلين بأن الصيغ المتقدمة تفيد العموم، ما عدا المقترن باللام، وحجتهم على ذلك: أن اللام تستعمل للمعهود تارة كما في قوله تعالى: ﴿... كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥-١٦] كما تستعمل لبعض الجنس تارة، مثل: شربت الماء، وأكلت الخبز، والمراد بعضه. وتستعمل للاستغراق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر﴾ [القمر: ٥٤] .\nوإذا كانت تستعمل في هذه المعاني، كان اختصاصها بإفادة العموم ترجيحًا بدون مرجح. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٤٨٥\". وسيأتي رد المصنف على ذلك.","vol":"2","page":28},{"text":"واقتل المشركين١، واقطع السارق والسارقة، وارجم الزانية والزاني٢، ولا تؤذ مسلمًا، ولا تجعل مع الله إلهًا\"٣ واقتصر عليه، وانتفت القرائن، جرى فيه حكم الطاعة والعصيان، وتوجه الاعتراض وسقوطه.\nولو قال: \"والله لا آكل رغيفًا\": حنث إذا أكل رغيفين.\nوقد قال الله، تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة﴾ ٤، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ ٥ ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٦، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾ ٧، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾ ٨.\nولا يحل أن يقال في مثل هذا: إن اللفظ ما اقتضى التعميم٩.\nوقولهم: \"إن الألف واللام للمعهود\".\nقلنا: إنما يصرف إلى المعهود عند وجوده، وما لا معهود فيه يتعين حمله على الاستغراق.\n_________\n١ هذه أمثلة لما كان له واحد من لفظه.\n٢ هذه أمثلة لما كان لفظه واحد وقد دل على العموم.\n٣ هذان مثالان للنكرة في سياق النفي، وقد أفادت العموم أيضًا.\n٤ سورة الأنعام من الآية \"١٠١\".\n٥ سورة الإخلاص \"٤\".\n٦ سورة الكهف من الآية \"٤٩\".\n٧ سورة النساء من الآية \"٤٠\".\n٨ سورة النور من الآية \"٤٠\".\n٩ قصد المؤلف من إيراد هذه الأمثلة: أن يقيم الأدلة على أن في الألفاظ العربية ما هو موضوع للعموم، ومنها ما هو موضوع للخصوص، والقرآن الكريم نزل باللسان العربي، فيجب الاحتكام إليه عند الاختلاف.","vol":"2","page":29},{"text":"وهذا لأن الألف واللام للتعريف، فإذا كان ثم معهود فحمل عليه حصل التعريف.\nوإن لم يكن ثم معهود فصرف إلى الاستغراق، حصل التعريف أيضًا.\nوإن صرف إلى أقل الجمع أو إلى واحد، لم يحصل التعريف، وكان دخول اللام وخروجها واحدًا.\nولأنهما إذا كانا للعهد استغرقا جميع المعهود، فإذا كانا للجنس يجب أن يستغرقا.\nوأما جمع القلة: فإن العموم إنما يتلقى من الألف واللام.\nولهذا استفيد١ من لفظ الواحد في مثل: السارق والسارقة، والدينار أفضل من الدرهم و\"أهْلَك الناسَ الدينارُ والدرهمُ\" ٢.\nولذلك صح توكيده بما يقتضي العموم، وجاز الاستثناء منه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣، والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت الخطاب.\n_________\n١ أي: العموم.\n٢ حديث صحيح: أخرجه البخاري من حديث أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، وابن ماجه بلفظ \"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم\"، وفي رواية \"تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة\". وفي لفظ للعسكري، من حديث الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لعن\" بدل \"تعس\".\nانظر: المقاصد الحسنة ص٢٥٧، كشف الخفا \"١/ ٣٦٦\".\n٣ سورة العصر \"٢، ٣\".","vol":"2","page":30},{"text":"فقوله: \"إنه يصح أن يقول: ما عندي رجل، بل رجلان\"١.\nقلنا: قوله: \"بل رجلان\" قرينة لفظية تدل على أنه استعمل لفظ العموم في غير موضوعه.\nولا يمنع ذلك من حمله على موضوعه عند عدم القرينة، كما أن لفظة \"الأسد\" إذا استعملت في الرجل الشجاع بقرينة، لا يمنع من استعمالها في موضوعها وحملها عليه عند الإطلاق.\nوأما لفظة \"مِنْ\" فهي من مؤكدات العموم، وتمنع من استعماله في مجازه.\nولتأثيرها في التأكيد، ومنعها من التوسع، واستعمال اللفظ في غير العموم: تطرق الوهم إلى القائل بنفي التعميم فيما خلت منه.\n_________\n١ يريد المصنف أن يرد على من قال: إن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم، إلا إذا كانت هناك \"من\" مظهرة أو مقدرة، كما تقدم.\n٢ وهو رأي جمهور العلماء منهم: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد.\n٣ وكذلك الإمام مالك، ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب، كما في شرح تنقيح الفصول ص٢٣٣.\n٤ هو: محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري، خلف والده في حلقته بالتدريس =","vol":"2","page":31},{"text":"وبعض الشافعية١: أن أقله اثنان، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس﴾ ٢ ولا خلاف في حجبها باثنين.\nوقد جاء ضمير الجمع للاثنين في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ٣، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ٤، وكانوا اثنين، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٥ و﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٦.\nوقال النبي، ﷺ: \"الاثنان فما فوقهما جماعة\" ٧.\n_________\n= وهو صغير، كان أديبًا شاعرًا، فقيهًا أصوليًّا، من كتبه: \"الوصول إلى معرفة الأصول\". توفى سنة \"٢٩٧هـ\" وفيات الأعيان \"٢/ ٢٧٢\"، تاريخ بغداد \"٥/ ٢٥٦\".\n١ كالغزالي وغيره، ولكن الصحيح عند الشافعية عمومًا هو المذهب الأول.\n٢ سورة النساء من الآية \"١١\".\n٣ سورة الحج من الآية \"١٩\".\n٤ سورة \"ص\" الآية \"٢١\".\n٥ سورة الحجرات من الآية \"٩\".\n٦ سورة التحريم من الآية \"٤\".\n٧ هذا الحديث روي عن أبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، والحكم بن عمير، وأبي هريرة، وأبي أمامة.\nأما حديث أبي موسى: فأخرجه ابن ماجه حديث \"٩٧٢\" والدارقطني: باب الاثنان جماعة حديث \"١\"، والحاكم: كتاب الصلاة، باب الاثنين فما فوقهما جماعة، من طريق الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد عن أبيه عن جده. قال الحافظ البوصيري وابن حجر: ضعيف، وقال ابن حجر في جده \"مجهول\". وكذلك بقية الطرق فيها ضعف أيضًا. يراجع فيه: تلخيص الحبير \"٣/ ٨١\"، ومجمع الزوائد \"٢/ ٤٥\".","vol":"2","page":32},{"text":"ولأن الجمع مشتق من جمع الشيء إلى الشيء وضمه إليه، وهذا يحصل في الاثنين.\nولنا: ما روي عن ابن عباس -﵄- أنه قال لعثمان، ﵁: \"حَجبتَ الأم بالاثنين من الإخوة، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُس﴾ ١، وليس الأخوان بإخوة في لسانك، ولا في لسان قومك؟ \"\nفقال له عثمان: \"لا أنقض أمرًا كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار\"٢، فعارضه على أنه في لسان العرب ليس بحقيقة في الاثنين، وإنما صار إليه للإجماع.\n_________\n١ سورة النساء من الآية \"١١\".\n٢ أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الفرائض، باب ميراث الإخوة من الأب والأم، ثم قال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير \"٣/ ٨٥\" فقال: \"وفيه نظر، فإن فيه شعبة مولى ابن عباس، وقد ضعفه النسائي\".\nكما أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: كتاب الفرائض -باب فرض الأم- قال أبو يعلى في العدة \"٢/ ٦٥١\": \"وهذا يدل على أن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن ابن عباس قاله، وأقره عثمان عليه، وإنما صرفه عنه بالإجماع الذي ذكره\".\nوقد بين الشيخ \"ابن قدامة\" في كتابه \"المغني ٩/ ١٩\" أن خلاف ابن عباس في ذلك لا يعول عليه؛ لأنه في مخالفة الإجماع- فقال: \"ولنا: قول عثمان هذا\". فإنه يدل على أنه إجماع ثم قبل مخافة ابن عباس؛ ولأن كل حجب تعلق بعدد كان أوله اثنين كحجب البناتِ بناتِ الابن، والأخوات من الأبوين الأخوات من الأب، والإخوة تستعمل في الاثنين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [النساء: ١٧٦] وهذا الحكم ثابت في أخ وأخت\".","vol":"2","page":33},{"text":"دليل آخر:\nأن أهل اللسان فرقوا بين الآحاد، والتثنية، والجمع، وجعلوا لكل واحد من هذه المراتب لفظًا وضميرًا مختصًّا به، فوجب أن يغاير الجمع التثنية، كمغايرة التثنية الآحاد.\nولأن الاثنين لا ينعت بهما الرجال والجماعة في لغة أحد، فلا تقول: رأيت رجالًا اثنين، ولا جماعة رجلين، ويصح أن يقال: ما رأيت رجالًا، وإنما رأيت رجلين، ولو كان حقيقة فيه لما صح نفيه.\nوأما ما احتجوا به فغايته: أنه جاز التعبير بأحد اللفظين عن الآخر مجازًا، كما عبر عن الواحد بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم﴾ ١ و﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر﴾ ٢.\nثم إن \"الطائفة\" و\"الخصم\" يقع على الواحد والجمع، والقليل والكثير، فرد الضمير إلى الجماعة الذين اشتمل عليهم لفظ \"الطائفة\" و\"الخصم\".\nوأما قوله: \"الاثنان ... جماعة\" فأراد في حكم الصلاة، وحكم انعقاد الجماعة، لأن كلام النبي -ﷺ- يحمل على الأحكام، لا على بيان الحقائق٣.\n_________\n١ سورة آل عمران من الآية \"١٧٣\" والمراد بلفظ \"الناس\" الأول: ركب عبد القيس، وبالثاني: أبو سفيان وقومه.\n٢ سورة الحجر من الآية \"٩\".\n٣ ويؤيد ذلك رواية الإمام أحمد في المسند \"٥/ ٢٥٤\" عن أبي أمامة أن رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا يصلي، فقال: \"ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه\" فقام رجل يصلي معه فقال: \"هذان جماعة\".","vol":"2","page":34},{"text":"وقولهم: \"إنه جمع شيء إلى شيء\".\nقلنا: الأسماء في اللغة لا يلزم فيها حكم الاشتقاق، على ما مضى.","vol":"2","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>فصل: [في حكم العام الوارد على سبب خاص]</span>\nإذا ورد لفظ العموم على سبب خاص: لم يسقط عمومه١، كقوله\n_________\n١ وهو رأي جمهور العلماء، حتى اشتهر بين العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بد من تحرير محل النزاع في المسألة فنقول: العام الوارد على سبب خاص له صورتان.\nالصورة الأولى: أن تكون إجابة السائل غير مستقلة بنفسها، بحيث لا تفيد شيئًا إلا إذا اقترنت بالسؤال، وهذه تابعة للسؤال عمومًا بلا خلاف، وفي الخصوص- أيضًا- على أرجح الأقول.\nمثال العموم: ما لو سئل -ﷺ- عمن جامع امرأته في نهار رمضان، فقال: \"يعتق رقبة\" فهذا عام في كل واطئ في نهار رمضان.\nومثال الخصوص: ما لو قال: وطئت في نهار رمضان عامدًا، فيقول: \"عليك الكفارة\" فيجب قصر الحكم على السائل ما لم يدل دليل على العموم.\nالصورة الثانية: أن يكون الجواب مستقلًّا بنفسه بحيث لو جاء منفردًا لأفاد معنى.\nوتحت هذه الصورة ثلاثة أحوال:\nالحالة الأولى: أن يكون الجواب مساويًا للسؤال عمومًا وخصوصًا، فهذا تابع للسؤال في العموم والخصوص.\nالحالة الثانية: أن يكون الجواب أخص من السؤال، كما لو سئل -ﷺ- عن أحكام المياه عمومًا، فيقول: \"ماء البحر طهور\" فإنه يخص ماء البحر فقط.\nالحالة الثالثة: أن يكون الجواب أعم من السؤال. وتحته نوعان:\nالنوع الأول: أن يكون أعم من السؤال في غير الحكم المسئول عنه، كما سئل -ﷺ- عن التوضؤ بماء البحر، فأجاب: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" فقد أجاب =","vol":"2","page":35},{"text":"-﵇- حين سئل: أنتوضأ بماء البحر في حال الحاجة؟ قال: \"هُو الطَّهُورُ مَاؤُه\" ١.\nوقال مالك٢، وبعض الشافعية٣: يسقط عمومه:\n_________\n= عن الميتة وهي ليست مسئولًا عنها، فهذا لا خلاف في عمومه.\nالنوع الثاني: أن يكون أعم من السؤال بالنسبة للحكم المسئول عنه فقط، مثل ما روي أنه -ﷺ- سئل عن ماء بئر بضاعة، وهي بئر تلقي فيها الحيض والنجاسات، فأجاب: \"الماء طهور لا ينجسه شيء\" فهذا النوع هو محل الخلاف.\nانظر: الإحكام للآمدي \"٢/ ٣١٨\"، العدة \"٢/ ٥٩٦ وما بعدها\" إرشاد الفحول للشوكاني \"١/ ٤٨٠ وما بعدها\".\n١ أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\".\nكما أخرجه الترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وابن ماجه: كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، والنسائي: كتاب الطهارة، باب ماء البحر.... كذلك أخرجه الدارقطني، والدارمي، ومالك في الموطأ، والشافعي، والبيهقي وغيرهم، من طريق أبي هريرة وغيره.\nانظر: تلخيص الحبير \"١/ ٩ وما بعدها\" نصب الراية \"١/ ٩٦ وما بعدها\"\n٢ الصحيح في النقل عن مالك أنه مع الجمهور، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nقال صاحب مراقي السعود:\n............................. ... ودع ضمير البعض والأسبابا\nقال الشيخ الشنقيطي في نثر الورود على مراقي السعود \"١/ ٣٠٩\": \"هذه أربع مسائل اختلف في التخصيص بهان والمعتمد عدم التخصيص....\" ثم قال: الثانية: سبب النزول لا يخصص العام النازل فيه....\"\n٣ كالمزني، صاحب الإمام الشافعي، والقفال، والدقاق. وقال إمام الحرمين: إنه =","vol":"2","page":36},{"text":"إذ لو لم يكن للسبب تأثير لجاز إخراج السبب بالتخصيص من العموم.\nولما نقله الراوي، لعدم فائدته.\nولما أخر بيان الحكم إلى وقوع الواقعة.\nولأنه جواب، والجواب يكون مطابقًا للسؤال.\nولنا: أن الحجة في لفظ الشارع، لا في السبب، فيجب اعتباره بنفسه في خصوصه وعمومه١.\nولذلك: لو كان أخص من السؤال: لم يجز تعميمه، لعموم السؤال.\nولو سألت امرأة زوجها الطلاق، فقال: \"كل نسائي طوالق\" طلقن كلهن، لعموم لفظه، وإن خص السؤال.\nولذلك: يجوز أن يكون الجواب معدولًا عن سَنَن السؤال٢، فلو قال قائل: \"أيحل أكل الخبز، والصيد، والصوم\" فيجوز أن يقول: الأكل مندوب، والصوم واجب، والصيد حرام، فيكون جوابًا، وفيه: وجوب، وندب، وتحريم، والسؤال وقع عن الإباحة.\nوكيف ينكر هذا وأكثر أحكام الشرع نزلت على أسباب: كنزول آية\n_________\n= الذي صح عندنا من مذهب الشافعي، وقد رد عليه العلماء وبينوا سبب هذا النقل عن الإمام الشافعي، وصححوا أنه يقول بالعموم. انظر: الإحكام للآمدي \"٢/ ٢١٨\" المحصول \"جـ١ ق٣ ص١٨٩\" والبحر المحيط للزركشي \"٣/ ٢٠٤\"، إرشاد الفحول \"١/ ٤٨٤\" هامش.\n١ أي: اعتبار لفظ الشارع.\n٢ سنن السؤال: بفتح السين والنون: أي: طريقة السؤال عمومًا وخصوصًا.","vol":"2","page":37},{"text":"الظهار١ في أوس الصامت٢، وآية اللعان٣ في هلال بن أمية٤ ونحو هذا\n_________\n١ وهي الآيات الأولى من سورة المجادلة.\n٢ هو الصحابي أوس بن الصامت بن قيس الأنصاري، أخو عبادة بن الصامت، شهد بدرًا وما بعدها، كان شاعرًا، مات أيام عثمان -﵁- وعمره ٨٥ عامًا، وقيل: توفي سنة \"٣٤هـ\" وقيل: غير ذلك.\nانظر في ترجمته \"الإصابة ١/ ٨٥، أسد الغابة ١/ ١٧٢\".\nوقصة مظاهرته من زوجته التي تسمى \"خولة\" وقيل: اسمها \"جميلة\" بنت عم له -روتها السيدة عائشة -﵂- قالت: \"تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ، تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية\". أخرجه أحمد في مسنده \"٦/ ٤١١\" وأبو داود \"١/ ٥١٣\"، والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم. انظر، نيل الأوطار \"٦/ ٢٩٤\".\n\"٣\" ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦-٩] .\n٤ هو: هلال بن أمية بن عامر بن قيس الأنصاري الواقفي، أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وتاب الله عليهم، وهم: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهم الذين نزل في حقهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة ١١٨] . انظر ترجمته في \"الإصابة ٣/ ٦٠٦، أسد الغابة٥/ ٤٠٦\".\nوكون آية اللعان نزلت في هلال، هو إحدى الروايتين، وقيل: نزلت في حق عويمر العجلاني. أخرج ذلك البخاري. كتاب التفسير، باب سورة النور، ومسلم في أول كتاب اللعان، وأبو داود: كتاب الطلاق، باب اللعان، وابن ماجه: كتاب الطلاق باب اللعان. كما أخرجها النسائي والترمذي وغيرهما. انظر: أسباب النزول للواحدي ص٣٢٨ وما بعدها.","vol":"2","page":38},{"text":"ولا يلزم من وجوب التعميم: جواز تخصيص السبب، فإنه لا خلاف في أنه بيان الواقعة، وإنما الخلاف: هل هو بيان لها خاصة، أم لها ولغيرها؟\nفاللفظ يتناولها يقينًا، ويتناول غيرها ظنًّا، إذ لا يسأل عن شيء فيعدل عن بيانه إلى بيان غيره، إلا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال، كما قال لعمر، لما سأله عن القبلة للصائم: \"أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ \" ١\nولهذا كان نقل الراوي للسبب مفيدًا، ليبين به تناول اللفظ له يقينًا، فيمتنع تخصيصه.\nوفيه فوائد أخر، من معرفة أسباب النزول، والسير، والتوسع في الشريعة.\nوقولهم: لم أخر بيان الحكم؟\nقلنا: الله أعلم بفائدته في أي وقت يحصل ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل﴾ ٢ ثم لعله أخره إلى وقت الواقعة، لوجوب البيان في تلك الحال، أو اللطف، ومصلحة للعباد داعية إلى الانقياد، لا تحصل بالتقديم ولا بالتأخير.\nثم يلزم لهذه العلة: اختصاص الرجم بماعز، وغيره من الأحكام\n_________\n١ أخرجه أحمد في المسند \"١/ ٥٢\"، وأبو داود: كتاب الصوم. باب القبلة للصائم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارمي، عن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت رسول الله -ﷺ- فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا فقبلت وأنا صائم، فقال: \"أرأيت لو تمضمت بماء ثم مججته وأنت صائم؟ \" قلت: لا بأس، فقال: \"ففيم\"\n٢ سورة الأنبياء من الآية \"٢٣\".","vol":"2","page":39},{"text":"وقولهم: تجب المطابقة.\nقلنا: يجب أن يكون متناولًا له.\nأما أن يكون مطابقًا له، فكلا.\nبل لا يمتنع أن يسأل عن شيء، فيجب عنه وعن غيره، كما سئل عن الوضوء بماء البحر، فبين لهم حل ميتته١.\n_________\n١ وقد تقدم الكلام على الحديث الوارد في ذلك\nوخلاصة ما تقدم: أن المصنف أورد للجمهور دليلين على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:\nالدليل الأول: أن الحجة إنما هي في لفظ الشارع لا في خصوص السبب، ولذلك يقول الإمام الشافعي: ولا يصنع السبب شيئًا، إنما يصنعه الألفاظ.\nالدليل الثاني: أن أكثر أحكام الشرع واردة على أسباب خاصة، فلو جعلت خاصة بمن نزلت فيه للزم على ذلك تعطيل هذه الأحكام بالنسبة لغيرهم، وهذا غير صحيح.\nثم رد على أدلة المخالفين على النحو التالي:\nقالوا: إنه لو لم يكن للسبب تأثير، لجاز إخراج السبب بالتخصيص.\nفرد عليهم المصنف بما خلاصته: أنه لا خلاف في أن الكلام بيان للواقعة، والخلاف إنما هو في شموله لغير صاحب السبب، فدلالة العام على السبب تعتبر دلالة نصية، ومقطوع بها، فلا يجوز إخراجه بالتخصيص، كما في إجابته -ﷺ- عن القبلة للصائم.\nقالوا: لو لم يكن قاصرًا على السبب لما كان لذكره فائدة.\nفأجاب: بأنه لا وجه لجعل الفائدة: هي قصر العام على سببه، بل له فوائد كثيرة منها:\n١- معرفة تاريخ تشريع الحكم، وفي ذلك فائدة تتعلق بمعرفة الناسخ والمنسوخ.\n٢- توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها، فيكثر ثواب المصنفين، كالمصنفين في أسباب النزول، وسعة المجال أمام المجتهدين.\n٣ التأسي بوقائع السلف وما جرى لهم من أحداث، فمن زنت زوجته وأراد =","vol":"2","page":40},{"text":".................................\n_________\n= ملاعنتها، فإنه لا يجد غضاضة في ذلك، فيقول: قد لاعن من هو خير مني.... قالوا: لو لم يكن خاصًّا به فلم أخره إلى وقوع الحادثة؟\nفأجاب عن ذلك: بأن تأخير بيان الحكم إلى وقوع السبب من متعلقات العلم الأزلي، ولا علة له، فهو سبحانه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾ لأن ذلك يجرنا إلى نقض الأحكام المبتدأة، فيقال: لم فرضت الصلاة سنة كذا، دون ما قبلها وما بعدها؟ ومثل ذلك يقال في الصوم والحج وهكذا.\nثم لعل في التأخير لطف ومصلحة للعباد، تدعو إلى الانقياد والطاعة، ولا يحصل ذلك بالتقديم أو التأخير.\nثم أجاب عن قولهم: إن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، بأن هذا ليس بلازم، بل اللازم أن يكون الجواب متناولًا لمحل السؤال، لكن لا يمنع أن يزيد عليه، كما سئل -ﷺ- عن التوضؤ بماء البحر فأجاب عنه، وعن حل الميتة ولم تكن واردة في السؤال، حيث قال، ﷺ: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\".\nوبذلك تتهاوى شبه المخالفين، ويثبت: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.\nوقد لخص الإمام الطوفي في الحجة على أن العبرة بعموم اللفظ في وجهين.\nأحدهما: أن الحجة في لفظ الشارع لا في سببه، وإذا كان الأمر كذلك، وجب مراعاة اللفظ عمومًا وخصوصًا، كما لو ورد ابتداء على غير سبب، فلو سألت امرأة زوجها الطلاق، فقال: \"كل نسائي طوالق\" عمهن الطلاق مع خصوص السبب، ولو سأله جميع نسائه الطلاق، فقال: \"فلانة طالق\" اختص الطلاق بها، وإن عم السبب.\nالوجه الثاني: أن أكثر أحكام الشرع العامة وردت لأسباب خاصة، كورود حكم الظهار في أوس بن الصامت، وحكم اللعان في شأن هلال بن أمية، فلو كان السبب الخاص يقتضي اختصاص العام به، لما عمت هذه الأحكام، لكنه باطل بالإجماع\". انظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٥٠٣-٥٠٤\".","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>فصل: [حكاية الفعل من الصحابي تقتضي العموم]</span>\nقول الصحابي: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن المزابنة\"١ و\"قضى بالشفعة فيما لم يقسم\"٢: يقتضي العموم٣.\nوقال قوم: لا عموم له٤؛ لأن الحجة في المحكي، لا في لفظ الحاكي.\n_________\n١ المزابنة: بيع الثمر بالثمر كيلًا وبيع الكرم بالزبيب كيلًا.\nأخرجه مالك في الموطأ \"٢/ ٦٢٤\" والبخاري: كتاب البيوع، باب بيع الثمر على رءوس النخل حديث \"٢١٨٥\" ومسلم: كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا حديث \"١٥٤٢\" عن نافع عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن المزابنة.\n٢ حديث صحيح رواه البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الأرض والدور مشاعًا غير مقسوم حديث \"٢٢١٤\" ومسلم: كتاب المساقاة -باب الشفعة- حديث \"١٦٠٨\" وأبو داود: كتاب البيوع، باب الشفعة، والترمذي: أبواب الأحكام، باب ما إذا حدت الحدود، والنسائي: كتاب البيوع، باب ذكر الشفعة وأحكامها، وأحمد في المسند \"٣/ ٢٩٦، ٣١٦، ٣٧٢، ٣٩٩\"، عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: \"قضى النبي -ﷺ- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة\".\n٣ أي: يصح التمسك به في العموم في أمثال تلك القضية المحكية، نحو \"نهى عن بيع الغرر\"، و\"حكم بالشاهد واليمين\".\nوهو رأي الحنابلة، واختاره بعض المتكلمين: كالآمدي، والشوكاني وغيرهما. انظر: \"الأحكام، ٢/ ٢٥٥ط والمحصول جـ١، ق٢ ص٦٤٧، وإرشاد الفحول \"١/ ٤٥٣ وما بعدها\".\n٤ منهم: إمام الحرمين، والإمام فخر الدين الرازي، وأكثر الأصوليين.","vol":"2","page":42},{"text":"والصحابي يحتمل أنه سمع لفظًا خاصًّا، أو يكون عمومًا، أو يكون فعلًا لا عموم له.\nوقضاؤه بالشفعة، لعله حكم في عين، أو بخطاب خاص مع شخص، فكيف يتمسك بعمومه؟\nأم كيف يثبت العموم مع التعارض والشك١؟\nولنا: إجماع الصحابة -﵃- فإنه قد عرف عنهم الرجوع إلى هذا اللفظ في عموم الصور. كرجوع ابن عمر إلى حديث رافع: \"نهى النبي -ﷺ- عن المخابرة\"٢، واحتجاجهم بهذا اللفظ، نحو: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، وبيع الثمر حتى يبدو صلاحه، والمنابذة\"٣ وسائر المناهي.\nوكذلك أوامره، وأقضيته، ورخصه، مثل: \"وأَرْخَصَ في السَّلَمِ\"٤\n_________\n١ خلاصة دليل القائلين بعدم العموم: أن الحجة إنما هي في المحكى لا في لفظ الحاكي، والمحكي عبارة عن قضايا وأحكام وقعت من النبي -ﷺ- في محال معينة، فحكاها الرواة عنه، فلا عموم في لفظها، ولا في معناها، فلا تقتضي العموم، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: أن الحكم في هذه القضايا يحتمل أنه كان خاصًّا بشخص معين، فوهم الراوي وظن أنه عام، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يكون اللفظ عامًّا.\nوقد أجاب عنه المصنف بقوله -فيما بعد- بقوله: \"ولنا\".\n٢ تقدم تخريجه\n٣ سبق تخريج ذلك.\n٤ روى ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين والثلاث، فقال، ﷺ: \"من أسلف فليسلف في كيل معلوم، وزن معلوم، إلى أجل معلوم\".\nأخرجه البخاري في السلم: السلم في النخل حديث \"٢٢٤٩، ٢٢٥٠\" ومسلم في =","vol":"2","page":43},{"text":"و\"وضع الجوائح\"١.\nوقد اشتهر هذا عنهم في وقائع كثيرة، مما يدل على اتفاقهم على الرجوع إلى هذه الألفاظ.\nواتفاق السلف على نقل هذه الألفاظ دليل على اتفاقهم على العمل بها، إذ لو لم يكن كذلك: لكان اللفظ مجملًا.\nثم لو كانت القضية في شخص واحد: وجب التعميم، لما ذكرناه في المسألة الأخرى٢.\n_________\n= المساقاة: السلم، حديث \"١٦٠٤\" كما أخرجه أصحاب الكتب الستة \"جامع الأصول ٢/ ١٧\" والسلم والسلف بمعنى واحد، إلا أن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق.\n١ الجوائح: هي الآفات التي تصيب الثمار فتهلكها.\nعن جابر بن عبد الله -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل ذلك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ \" رواه مسلم. انظر: سبل السلام \"٣/ ٤٨\".\n٢ وهي مسألة: العام الوارد على سبب خاص، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.","vol":"2","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>فصل: [الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين يعم العبيد والنساء]</span>\nوما ورد من خطاب مضافًا إلى \"الناس\" و\"المؤمنين\"١ دخل فيه العبد، لأنه من جملة من يتناوله اللفظ.\n_________\n١ ومثل ذلك: الأمة والمكلفين، وما أشبه ذلك.","vol":"2","page":44},{"text":"وخروجه عن بعض التكاليف١ لا يوجب رفع العموم فيه، كالمريض، والمسافر، والحائض.\nويدخل النساء في الجمع المضاف إلى \"الناس\" وما لا يتبين فيه لفظ التذكير والتأنيث، كأدوات الشرط٢.\nولا يدخلن فيما يختص بالذكور من الأسماء، كالرجال والذكور. فأما الجمع بالواو والنون، كالمسلمين، وضمير المذكرين، كقوله، تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ٣ فاختار القاضي أنهن يدخلن فيه٤.\nوهو قول بعض الحنفية وابن داود٥.\nواختار أبو الخطاب والأكثرون: أنهن لا يدخلن فيه، لأن الله -تعالى- ذكر \"المسلمات\"٦ بلفظ متميز، فيما يثبته ابتداء، ويخصه بلفظ \"المسلمين\" لا يدخلن فيه إلا بدليل آخر، من قياس، أو كونه في معنى المنصوص، وما يجري مجراه٧.\n_________\n١ كعدم وجوب الحج، والجهاد، والجمعة، وغير ذلك لا يخرجه عن هذا العموم؛ لأنها أمور عارضة، كالمرض والسفر، والحيض.\n٢ مثل: \"من دخل دارك فأكرمه\" فإنه يتناول النساء.\n٣ سورة الأعراف من الآية \"٣١\".\n٤ انظر: العدة: ٢/ ٣٥١\".\n٥ هو: محمد بن داود بن خلف الظاهري. تقدمت ترجمته.\n٦ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات....﴾ [الأحزاب: ٣٥] .\n٧ خلاصة الخلاف في هذه المسألة: أن ما اختص بالرجال، كالرجال، والذكور والفتيان، والكهول، والشيوخ لا يتناول النساء باتفاق الجميع.\nوما يختص بالنساء، كلفظ النساء، والفتيات، والعجائز لا يتناول الرجال باتفاق أيضًا. =","vol":"2","page":45},{"text":"ولنا: أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث، غلب التذكير.\nولذلك: لو قال، لمن بحضرته من الرجال والنساء: \"قوموا واقعدوا\" يتناول جميعهم.\nولو قال: قوموا، وقمن، واقعدوا، واقعدن: عُدَّ تطويلًا ولكنه١.\nويبينه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ ٢، وكان ذلك خطابًا لآدم وزجته والشيطان.\nوأكثر خطاب الله -تعالى- في القرآن بلفظ التذكير، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣ و﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ ٤، و﴿هُدىً لِلْمُتَّقِين﴾ ٥، ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ ٦، ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِين﴾ ٧ والنساء يدخلن في جملته.\nوذكره لهن بلفظ مفرد -تبيينًا وإيضاحًا- لا يمنع دخولهن في اللفظ\n_________\n= وما يعم الذكور والإناث مثل: الناس، والبشر، والإنسان، إذا أريد به النوع أو الشخص، وولد آدم وذريته، وكذلك أدوات الشرط، فإن ذلك كله يدخل فيه النساء.\nأما جمع المذكر السالم، وضمير الجمع المتصل بالفعل، مثل: المسلمين، \"وكلوا واشربوا\" وقاموا وقعدوا، ويأكلون ويشربون، فهذا هو محل النزاع انظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٥١٤ وما بعدها\".\n١ اللكنة: العيّ وثقل اللسان.\n٢ سورة البقرة من الآية \"٣٦\".\n٣ آيات كثيرة وردت بهذا اللفظ، منها: البقرة \"١٠٤\"، \"١٥٣\"، \"١٧٢\".\n٤ سورة الزمر من الآية \"٥٣\".\n٥ سورة البقرة من الآية \"٢\".\n٦ سورة البقرة \"٩٧\" والنمل \"٢\".\n٧ سورة الحج من الآية \"٣٤\".","vol":"2","page":46},{"text":"العام الصالح لهن، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ ١ وهما من الملائكة.\nوقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ٢\nوقد يعطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ ٣ والمال عام في الكل.\n_________\n١ سورة البقرة من الآية \"٩٨\" وهو من عطف الخاص على العام.\n٢ سورة الرحمن آية \"٦٨\" وهو من عطف الخاص على العام أيضًا.\n٣ سورة الأحزاب من الآية \"٢٧\".\nوقد اعترض الطوفي على دخول النساء في الصيغ المذكورة بأصل وضع اللغة، ورجح أنها بقرائن تدل على ذلك فقال: \"لا نسلم أن تناول الصيغ المذكورة\nللنساء في الوجوه التي ذكرتموها بأصل الوضع، بل بقرائن، لشرف الذكورية في الوجه الأول والثالث، ويسمى: التغليب، وهو أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث، غلب المذكر في الخطاب، لشرف الذكورية، كما غلب القمر على الشمس في قولهم: القمران، لشرف الذكورية وخفتها، فالتغليب يقع في اللغة لمعان: منها: شرف الذكورية، ومنها: خفة اللفظ، كتغليب \"عمر\" على \"أبي بكر\" -﵄- في قولهم: \"العمران\" لخفة الإفراد، وكذلك لو قال: يا عبادي وإمائي الذين آمنوا، ويا أيها الذين آمنوا واللاتي آمنّ، وقوموا وقمن كان عيًّا في عرف اللغة، فلقرينة لزوم العي من إفرادهن بالذكر حكمنا بدخولهن في الخطاب المذكور، لا بوضع اللغة.\nوكذلك في قوله: أوصيت لهم، إنما تناول النساء بقرينة الإيصاء الأول فإنه لما صرح بالوصية لهن فيه، ثم قال: أوصيت لهم، دل على أنه أراد جميع من أوصى له أولًا\". شرح مختصر الروضة \"٢/ ٥٢٢-٥٢٣\".","vol":"2","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>فصل: [العام بعد التخصيص حجة]</span>\nالعام إذا دخله التخصيص يبقى حجة فيما لم يخص عند الجمهور.\nوقال أبو ثور١ وعيسى بن أبان٢: لا يبقى حجة٣؛ لأنه يصير مجازًا، فقد خرج الوضع من أيدينا، ولا قرينة تفصل وتحصر، فيبقى مجملًا.\n_________\n١ هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور البغدادي الكلبي، كان إمامًا جليلًا، وفقيهًا ورعًا، كان من أصحاب الرأي، ثم لما حضر الشافعي إلى بغداد حضر عليه ورجع إلى أهل الحديث، وهو الذي نقل الأقوال القديمة عن الشافعي. توفي ببغداد سنة \"٢٤٠هـ\" انظر: وفيات الأعيان \"١/ ٧\" طبقات الفقهاء ص١١٠، طبقات الشافعية الكبرى \"٢/ ٧٤\".\n٢ هو: عيسى بن إبان بن صدقة، أبو موسى، الفقيه الحنفي، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، وتفقه على محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- تولى قضاء العسكر، ثم البصرة، قال عنه هلال بن أمية: \"ما في الإسلام قاض أفقه منه\". من مؤلفاته: \"خبر الواحد\" و\"إثبات القياس\" و\"اجتهاد الرأي\". توفي بالبصرة سنة \"٢٢١هـ\" \"الفوائد البهية ص١٥١، طبقات الفقهاء ص١٣٧\".\n٣ حكى المصنف في المسألة مذهبين، وفيها مذاهب أخرى حكاها الطوفي في شرحه \"٢/ ٥٢٦\" بالتفصيل فقال: \"وفي المسألة مذاهب\":\nأحدها: أن العام بعد التخصيص حجة مطلقًا، وهو مذهب غالب الفقهاء.\nوالثاني: ليس بحجة مطلقًا، وهو مذهب أبي ثور، وعيسى بن أبان.\nوالثالث: أنه إن خص بدليل متصل كالاستثناء والشرط، فهو حجة، وإن خص بدليل منفصل لم يبق حجة، وهو مذهب البلخي.\nوالرابع: إن كان العام قبل التخصيص ممكن الامتثال دون بيان، فهو حجة بعد التخصيص، وإلا فلا. وهو قول القاضي عبد الجبار","vol":"2","page":48},{"text":"ولنا: تمسك الصحابة -﵃- بالعمومات١، وما من عموم: إلا وقد تطرق إليه التخصيص -إلا اليسير- كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٢، و﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣\nفعلى قولهم٤، لا يجوز التمسك بعمومات القرآن أصلًا.\nولأن لفظ \"السارق\" يتناول كل سارق بالوضع، فالمخصص صرف دلالته عن البعض، فلا تسقط دلالته عن الباقي، كالاستثناء.\nوقولهم: \"يصير مجازًا\" ممنوع٥.\nوإن سلم: فالمجاز دليل إذا كان معروفًا، لأنه يعرف منه المراد، فهو كالحقيقة.\n_________\n= والخامس: أنه يكون حجة في أقل الجمع، لا فيما زاد عليه، وهو مذهب قوم من الأصوليين، وفيه عرف ذلك.\n١ مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ....﴾ [النساء:١١] فإنه خص منه الكافر والقاتل.\n٢ سورة هود من الآية \"٦\".\n٣ سورة الأنفال من الآية \"٧٥\" ولفظ البقرة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من الآية \"٢٣١\".\nوقد أورد المصنف هاتين الآيتين مثالًا على العام الذي لم يدخله التخصيص.\n٤ أي: أنه ليس بحجة.\n٥ بين الطوفي وجه المنع فقال: \"لا نسلم أن العام بعد التخصيص مجاز، بل هو حقيقة مستعمل في موضوعه أولًا، وذلك لأن اللفظ العام وإن كان واحدًا، لكنه في تقدير ألفاظ متعددة مطابقة لأفراد مدلوله في العدد.\nمثاله: إذا قال: أكرم الرجال، وفرضنا أن جنس الرجال عشرون، فلفظ الرجال في تقدير عشرين لفظًا يدل كل لفظ منها على رجل من العشرين، فكأنه قال: أكرم زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا وجعفرًا وبشرًا ... كذلك حتى سمى العشرين، فإذا قال، بعد ذلك: لا تكرم زيدًا، صار زيد مخصوصًا من =","vol":"2","page":49},{"text":"وقولهم: \"لا قرينة تفصل\".\nقلنا: ليس كذلك، فإنا إنما نجعل اللفظ مجازًا بدليل التخصيص، فيختص الحكم به، دون ما عداه.","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>فصل: [العام بعد التخصيص حقيقة]</span>\nواختار القاضي١ أنه حقيقة بعد التخصيص، وهو قول أصحاب الشافعي٢.\n_________\n= العشرين، وسقط لفظ اسمه المطابق لمسماه تقديرًا، وهو معنى قولنا: \"فسقط منها بالتخصيص\". أي: من الألفاظ التقديرية، طبق ما خص من المعنى، وهو لفظ زيد المطابق لمعناه في هذه الصورة، فيبقى معنا تسعة عشر شخصًا من الرجال، وتسعة عشر لفظًا تقديرية، هي أسماؤهم، وتسعة عشر اسمًا تطابق في العدد تسعة عشر شخصًا مسمى....\nثم قال: وإذا ثبت أن لفظ العام بعد التخصيص مطابق لمدلوله في التقدير، فهو مستعمل فيما وضع له تقديرًا، فلا يكون مستعملًا في غير موضوعه....\" شرح المختصر \"٢/ ٥٣١-٥٣٢\".\nثم بين المصنف أنه إن سلم أنه مجاز، فإن المجاز يعمل به إذا كان مشهورًا حتى ولو لم توجد قرينة، مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ.....﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة:٦] فإنه وإن كان مجازًا، إلا أنه معروف ومشهور لدى العامة والخاصة.\nثم ختم كلامه بأن دعواكم عدم وجود قرينة غير مسلم، فإن اللفظ لم يجعل مجازًا -على زعمكم- إلا بدليل التخصيص، وهو قرينة على المجاز.\n١ أبو يعلى: انظر: العدة \"٢/ ٥٣٣\".\n٢ قال الآمدي: هو مذهب الحنابلة وبعض أصحاب الشافعي. انظر: الإحكام \"٢/ ٢٢٧\".","vol":"2","page":50},{"text":"وقال قوم: يصير مجازًا على كل حال١؛ لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له كان مجازًا٢.\nوإن لم يكن هذا هو المجاز فلا يبقى للمجاز معنى إذًا، ولا خلاف في أنه لو رد إلى ما دون أقل الجمع فقال: \"لا تكلم الناس\" وأراد \"زيدًا\" وحده كان مجازًا، وإن كان هو داخلًا فيه.\nوقال آخرون٣: إن خص بدليل منفصل٤ صار مجازًا، لما ذكرناه٥، وإن خص بلفظ متصل٦ فليس بمجاز، بل يصير الكلام بالزيادة كلامًا آخر، موضوعًا لشيء آخر، فإنا نقول: \"مسلم\" فيدل على واحد، ثم نزيد الواو والنون، فيدل على أمر زائد، ولا نجعله مجازًا، ثم نزيد الألف والنون في \"رجل\" فيصير صيغة أخرى بالزيادة.\nولا فرق بين زيادة كلمة، أو زيادة حرف، فإذا قال: \"السارق للنصاب يقطع\" أو \"يقطع السارق، إلا سارق دون النصاب\" فلا مجاز فيه، بل مجموع هذا الكلام موضوع للدلالة على ما دل عليه، فقوله تعالى:\n_________\n١ وهو مذهب الغزالي وجماعة من أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة كما في الإحكام للآمدي.\n٢ قال أبو الخطاب في التمهيد \"٢/ ١٣٩\": \"ووجه من ذهب إلى أنه يصير مجازًا: أن حد المجاز: استعمال الشيء في غير ما وضع له، ولفظ العموم يقتضي الاستغراق في أصل الوضع، فإذا استعمل في البعض صار مستعملًا في غير ما وضع له فصار مجازًا\".\n٣ وهو مروي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من الأصوليين.\n٤ كالعقل والنقل.\n٥ في قوله سابقًا: \"لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له كان مجازًا\"\n٦ كالشرط والاستثناء.","vol":"2","page":51},{"text":"﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ١ دل على تسعمائة وخمسين وضعًا، فكأن العرب وضعت لذلك عبارتين\nويمكن أن يقال: ما صار بالوضع عبارة عن هذا القدر، بل بقي الألف للألف، والخمسون للخمسين، و\"إلا\" للرفع بعد الإثبات، فإذا رفعنا من الألف خمسين بقي تسعمائة وخمسون.\nأما زيادة الواو والنون: فلا معنى لها في نفسها، بخلاف هذا.\nووجه قول القاضي: أن القرينة المنفصلة من الشرع كالقرينة المتصلة؛ لأن كلام الشارع يجب بناء بعضه على بعض، فهو كالاستثناء، وقد تبين الكلام فيه.\n_________\n١ سورة العنكبوت من الآية \"١٤\" وتمام الآية ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ .","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>فصل: [فيما ينتهي إليه التخصيص]</span>\nويجوز تخصيص العموم على أن يبقى واحد١.\nوقال الرازي٢ والقفال٣ والغزالي: لا يجوز النقصان من أقل\n_________\n١ وهو مذهب أكثر الحنابلة، والمختار عند الحنفية، وهو قول مالك وبعض الشافعية. انظر: العدة \"٢/ ٥٤٤\" الإحكام للآمدي \"٢/ ٢٨٣\"، شرح تنقيح الفصول ص٢٢٤، فتح الغفار \"١/ ١٠٨\".\n٢ تقدمت ترجمته.\n٣ هو: محمد بن إسماعيل، أبو بكر، القفال الكبير، الشاشي موطنًا، شافعي المذهب فقيه أصولي، متكلم، مفسر، محدث، له مؤلفات كثيرة، منها: =","vol":"2","page":52},{"text":"الجمع؛ لأنه يخرج به عن الحقيقة١.\nولنا: أن القرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة وفي القرينة المتصلة يجوز ذلك، فكذلك في المنفصلة٢.\n_________\n= شرح الرسالة\" للإمام الشافعي، \"كتاب في أصول الفقه\". توفي سنة \"٣٦٥هـ\". انظر: طبقات الشافعية الكبرى \"٣/ ٢٠٠\"، النجوم الزاهرة \"٢/ ١١١\".\nوالمنقول عن القفال -كما في الإحكام للآمدي \"٢/ ٢٨٣\"- أنه يجوز التخصيص إلى أن ينتهى إلى أقل المراتب التي ينطلق عليها ذلك اللفظ المخصوص، مراعاة لمدلول الصيغة، فإن كان جمعًا فيجوز تخصيصه إلى ثلاثة، وإن كان غير الجمع مثل \"من\" و\"ما\" فيجوز تخصيصها إلى الواحد.\n١ وفي المسألة مذاهب أخرى كثيرة تراجع في: العدة \"٢/ ٥٤٤\"، المعتمد \"١/ ٢٥٣\"، شرح الكوكب المنير \"٣/ ٢٧١ وما بعدها\".\n٢ معنى كلامه: أن القرينة المتصلة كالاستثناء المتصل والشرط والصفة والغاية يجوز التخصيص بها إلى أن يبقى واحد، فكذلك القرينة المنفصلة، إذ لا فارق بينهما.\nوهذا لا يصلح أن يكون حجة على الجواز -كما يقول الجمهور- لأن المانعين يمنعون التخصيص إلى واحد، سواء أكان ذلك في القرينة المتصلة أم في المنفصلة، فلا يصح الاحتجاج به.\nوالجواب الصحيح ما ذكره الطوفي في شرحه \"٢/ ٥٤٨\" حيث قال: \"التخصيص بيان أن بعض العام غير مراد بالحكم، والبعض المخصوص أعم من أن يكون أقل العموم أو أكثره أو نصفه، فما عدا الواحد يصدق عليه اسم البعض، فيجوز بيان أنه غير مراد، وهو المطلوب\". أو أن يقال: \"إن التخصيص تابع للمخصص، والعام متناول للواحد، ويلزم من ذلك جواز التخصيص إليه\".","vol":"2","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>فصل: [الخطاب العام يتناول من صدر منه]</span>\nوالمخاطب يدخل تحت الخطاب بالعام١.\nوقال قوم: لا يدخل٢، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣. ولو قال قائل لغلامه: \"من دخل الدار فأعطه درهمًا\" لم يدخل في ذلك.\nوهذا فاسد٤؛ لأن اللفظ عام، والقرينة هي التي أخرجت المخاطب فيما ذكروه.\nويعارضه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٥، ومجرد كونه مخاطبًا ليس بقرينة قاضية بالخروج عن العموم، والأصل اتباع العموم.\nواختار أبو الخطاب: أن الآمر لا يدخل في الأمر؛ لأن الأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، وليس يتصور كون الإنسان دون نفسه، فلم توجد حقيقته٦.\n_________\n١ معناه: أن المتكلم بكلام عام يدخل تحت عموم كلامه مطلقًا، سواء أكان أمرًا أم غيره، مثل قوله، ﷺ: \"من قال: لَا إِلَه إِلَّا اللهُ خالصًا من قلبه دَخَلَ الجَنَّةَ\". وهو مذهب أكثر الجنابلة وبعض الشافعية.\n٢ نقل ذلك العطار في حاشيته على شرح جمع الجوامع \"١/ ٤٢٩\" عن الإمام النووي في الروضة، وقال: لا يدخل إلا بقرينة وهو الأصح عند أصحابنا.\n٣ سورة الرعد من الآية١٦ والزمر الآية \"٦٢\" ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ .\n٤ هذا رد من المصنف على استدلال أصحاب المذهب الثاني.\n٥ سورة البقرة من الآية \"٢٩\".\n٦ انظر: التمهيد \"١/ ٢٧٢\".","vol":"2","page":54},{"text":"ولأن مقصود الآمر: الامتثال، وهذا لا يكون إلا من الغير.\nوقال القاضي: يدخل النبي -ﷺ- فيما أمر به.\nويمكن أن تنبني هذه المسألة على أن ما ثبت في حق الأمة من حكم، شاركهم النبي -ﷺ- في ذلك الحكم٢.\nولذلك لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ثم لم يفعل، سألوه عن ترك الفسخ، فبين لهم عذره٣.\nوقد عاب الله -تعالى- الذين يأمرون بالبر وينسون أنفسهم٤.\nوقال -في حق شعيب﵇: ﴿....وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ ٥.\nوفي الأثر: \"إذا أمرت بمعروف فكن من آخذ الناس به، وإذا نهيت عن منكر فكن من أترك الناس له، وإلا هلكت\"٦.\n_________\n١ وقد أومأ الإمام أحمد إلى اختيار هذا الرأي، ونقل عنه رواية أخرى أنه لا يدخل إلا بدليل. انظر: العدة \"١/ ٣٣٩\" وشرح الكوكب المنير \"٣/ ٢٥٢ وما بعدها\".\n٢ في فصل: إذا أمر الله -تعالى- نبيه -ﷺ- بلفظ ليس فيه تخصيص.\n٣ وذلك في قوله، ﷺ: \"لو استقبلت من أمري ما أستدبرت لجعلتها عمرة، ولحللت كما تحلون\". أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدى، من حديث جابر -﵁- ومسلم: كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، كما أخرجه أبو داود، والطيالسي، والشافعي وغيرهم. انظر: تلخيص الحبير \"٢/ ٢٣١\".\n٤ مثل قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]\n٥ سورة هود من الآية \"٨٨\".\n٦ هذا الأثر منقول عن الحسن البصري التابعي الزاهد المشهور المتوفى سنة \"١١٠هـ\". =","vol":"2","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>فصل: [العام يجب اعتقاد عمومه في الحال]</span>\nاللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال١، في قول أبي بكر٢، والقاضي٣.\nوقال أبو الخطاب: لا يجب حتى يبحث فلا يجد ما يخصصه ٤.\nقال ٥: وقد أومأ إليه٦ في رواية صالح٧ وأبي الحارث٨.\n_________\n= والأثر المذكور أخرجه عنه الإمام أحمد في المسند \"١/ ٣٦٠\".\n١ كما يجب العمل به قبل البحث عن المخصص.\n٢ هو: عبد العزيز بن جعفر، المعروف بـ\"غلام الخلال\" تقدمت ترجمته\n٣ أبو يعلى كما في العدة \"٢/ ٥٢٥\".\n٤ انظر: التمهيد \"٢/ ٦٥، ٦٦\".\n٥ أي: أبو الخطاب\n٦ أي: الإمام أحمد.\n٧ هو: صالح بن أحمد بن حنبل الشيباني، أبو الفضل، أكبر أولاد الإمام أحمد، أخذ عن والده وعن كثير من علماء عصره، كان كريمًا فاضلًا، صدوقًا ثقة، تولى القضاء بطرسوس ثم بأصبهان. ولد سنة \"٢٠٣هـ\" وتوفي بأصبهان سنة \"٢٦٦هـ\".\nانظر في ترجمته: طبقات الحنابلة \"١/ ١٧٣-١٧٦\" والإنصاف \"١٢/ ٢٨٦\".\n٨ هو: إبراهيم بن الحارث بن مصعب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، من أهل طرسوس، ومن كبار أصحاب الإمام أحمد، ومن المكرمين عنده، نقل عن الإمام أحمد كثيرًا من المسائل.\nانظر في ترجمته: طبقات الحنابلة \"١/ ٩٤\"، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي \"١/ ٤٢\".","vol":"2","page":56},{"text":"وقال القاضي: فيه روايتان١.\nوعن الحنفية: كقول أبي بكر٢\nوعنهم: أنه إن سمع من النبي -ﷺ- على طريق تعليم الحكم، فالواجب اعتقاد عمومه، وإن سمعه من غيره فلا٣.\nوعن الشافعية كالمذهبين٤\nقالوا٥: لأن لفظ العموم يفيد الاستغراق مشروطًا بعدم المخصص، ونحن لا نعلم عدم إلا بعد أن نطلب فلا نجد، ومتى لم يوجد الشرط لا يوجد المشروط.\nوكذلك كل دليل أمكن أن يعارضه دليل، فهو دليل بشرط سلامته عن المعارض، فلا بد من معرفة الشرط، والجمع بين الأصل والفرع بعلة مشروط بعدم الفرق، فلا بد من معرفة عدمه٦.\nثم اختلفوا إلى متى يجب البحث؟\n_________\n١ انظر: العدة \"٢/ ٥٢٥\".\n٢ أي: يجب اعتقاد عمومه والعمل به قبل البحث عن المخصص.\n٣ وهذه رواية أخرى عن الحنفية. يراجع: كشف الأسرار \"١/ ٢٩١\".\n٤ أي: أن البعض يرى اعتقاد العموم والعمل به قبل البحث عن المخصص، والبعض يرى وجوب البحث عن المخصص.\n٥ أي: القائلون بوجوب البحث قبل العمل بالعام. وقد استدلوا على ذلك بدليلين: أحدهما: أن شرط العمل بالعام عدم المخصص، وشرط العلم بالعدم الطلب، كما في طلب الماء لجواز التيمم، فلا يجوز العمل بالعام إلا بعد البحث عن المخصص.\nثانيهما: أن العمل بالدليل مشروط بعدم معارضته بدليل آخر، والعام مع المخصص متعارضان، فلا بد من معرفة عدمه أولًا حتى يعمل بالعام.\n٦ خلاصة ذلك: أن المصنف استدل لمذهب القائلين بعدم وجوب البحث بدليلين: =","vol":"2","page":57},{"text":"فقال قومه: يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء، عند الاستقصاء في البحث، كالباحث عن المتاع في البيت، إذا لم يجده: غلب على ظنه انتفاؤه.\nوقال آخرون: لا بد من اعتقاد جازم، وسكون نفس، بأنه لا مخصص، فيجوز الحكم حينئذ.\nأما إذا كان تشعر نفسه بدليل شذ عنه، وتخيل في صدره إمكانه، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حرامًا؟!\nولنا: أن اللفظ موضوع للعموم، فوجب اعتقاد موضوعه، كأسماء الحقائق، والأمر والنهي.\nولأن اللفظ عام في الأعيان والأزمان، ثم يجب اعتقاد عمومه في الزمان، ما لم يرد نسخ، كذلك في الأعيان.\nوقولهم١: \"إن دلالته مشروطة بعدم القرينة\".\n_________\nأحدهما: أن اللفظ موضوع للعموم، والأصل عدم المخصص، فيستصحب ذلك حتى يظهر ما يخالفه.\nثانيهما: أن تخصيص العام تخصيص في الأعيان، أي: في الأفراد، والنسخ: تخصيص في الأزمان، واعتقاد عموم اللفظ في النسخ واجب حتى يظهر الناسخ، فكذلك يجب اعتقاد عمومه في الأعيان. حتى يظهر المخصص.\nومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ....﴾ [المائدة:٣] فإنه يقتضي دوام التحريم في جميع زمن التكليف، وهو العموم الزمني، مع احتمال رفعه في بعض الأزمنه بالنسخ، كما يقتضي تعلق التحريم بكل فرد من أفراد العموم العيني، مع احتمال أنه يسقط عن بعض الأعيان، كالسمك والجراد. انظر توضيح ذلك في شرح الطوفي \"٢/ ٥٤٤\".\n١ بدأ المصنف يناقش أدلة أصحاب المذهب الثاني، وهم القائلون بعدم اعتقاد العموم.","vol":"2","page":58},{"text":"قلنا: لا نسلم، وإنما القرينة مانعة من حمل اللفظ على موضوعه، فهو كالنسخ، يمنع استمرار الحكم.\nوالتأويل يمنع حمل الكلام على حقيقته.\nواحتمال وجوده لا يمنع من اعتقاد الحقيقة.\nولأن التوقف يفضي إلى ترك العمل بالدليل؛ فإن الأصول غير محصورة، ويجوز أن لا يجد اليوم، ويجده بعد اليوم، فيجب التوقف أبدًا، وذلك غير جائز، والله أعلم.\nفصل\nفي الأدلة التي يخص بها العموم\nلا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم١.\nوكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ و﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣ و﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤؟\n_________\n١ التخصيص: بيان أن بعض مدلول اللفظ غير مراد بالحكم، ولذلك قال المصنف: لا نعلم اختلافًا في جواز تخصيص العموم، لأنه لا خلاف بين العلماء في أن البيان مطلوب.\n٢ سورة الزمر من الآية \"٦٢\" فقد خص من العموم في هذه الآية، ذات الله تعالى، وصفاته، فليست مخلوقة.\n٣ سورة القصص من الآية \"٥٧\" قال الفتوحي: \"ونعلم أن ما في اقصى المشرق والمغرب لم تجب إليه ثمراته\" شرح الكوكب المنير \"٣/ ٢٧٨\".\n٤ سورة الأحقاف من الآية \"٢٥\" والعموم الذي في الآية الكريمة مخصوص بأشياء لم تدمرها الريح، كالسموات والأرض.\nوقد اعترض الطوفي على الاستدلال بهذه الآية وبين أنها من قبيل الخاص الذي =","vol":"2","page":59},{"text":"وقد ذكرنا أن أكثر العمومات مخصصة١.\nوأدلة التخصيص تسعة٢:\nالأول: دليل الحس٣.\nوبه خصص قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ٤ خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس٥.\n_________\n= أريد به الخاص فقال: \"هذه الآية يحتج بها الأصوليون على إطلاق العام وإرادة الخاص، ولا حجة فيها؛ لأنها جاءت في موضع آخر مقيدة بما يمنع الاستدلال بها على ذلك، وهو قوله، ﷿: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١-٤٢]، والقصة واحدة، فدل على أن قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء﴾ مقيد بما أتت عليه، كأنه -سبحانه- قال: تدمر كل شيء أتت عليه، وحينئذ يكون التدمير مختصًّا بذلك، فتكون الآية خاصة أريد بها الخاص، فلا يصح الاحتجاج بها على ما يذكرون\" شرح الطوفي \"٢/ ٥٥١-٥٥٢\".\n١ في فصل: العام إذا دخله التخصيص يبقى حجة فيما لم يخص.\n٢ المخصص ينقسم إلى قسمين: منفصل ومتصل.\nفالمنفصل: هو ما يستقل بنفسه، ولم يكن مرتبطًا بكلام آخر ويشمل: الحس، والعقل، والإجماع، والقياس، والمفهوم، سواء أكان مفهوم موافقة أم مفهوم مخالفة، والعرف المقارن للخطاب، ولم يذكره المصنف، والنص من الكتاب أو السنة، وزاد المصنف -على ما ذكره جمهور الأصوليين- قول الصحابي، عند من يراه حجه.\nوالمخصص المتصل: ما لا يستقل بنفسه، ويشمل: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية، وبدل البعض.\n٣ وهو الدليل المأخوذ من إحدى الحواس الخمسة المعروفة.\n٤ سورة الأحقاف من الآية \"٢٥\" وسبق ما أورده الطوفي على الاستدلال بها.\n٥ كالجبال مثلًا","vol":"2","page":60},{"text":"الثاني: دليل العقل.\nوبه خصص قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١ لدلالة العقل على استحالة تكليف من لا يفهم.\nفإن قيل: العقل سابق على أدلة السمع، والمخصص ينبغي أن يتأخر؛ لأن التخصيص: إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ، وخلاف المعقول لا يمكن تناول اللفظ له.\nقلنا: نحن نريد بالتخصيص: الدليل المعرّف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصًّا، والعقل يدل على ذلك، وإن كان متقدمًا٢.\nفإن قلتم: لا يسمى ذلك تخصيصًا، فهو نزاع في عبارة ٣.\nوقولهم: \"لا يتناوله اللفظ\".\n_________\n١ سورة آل عمران من الآية \"٩٧\" ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦ والزمر: ٦٢] فإن العقل قاض بالضرورة أنه -سبحانه- لم يخلق نفسه. والعلماء يمثلون بالآيتين، ويجعلون الآية الأولى من قبيل دليل العقل النظري، والثاني من الضروري.\n٢ معناه: أن العقل ينظر إليه من جهتين: الأولى من حيث وجوده، وهذا لا خلاف فيه، والثانية من حيث كونه مبينًا للعام، وهذا هو المقصود، فالعقل متقدم من حيث الوجود، ومتأخر من حيث التخصيص. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٥٥٤\".\n٣ لأن تسمية الأدلة مخصصة تجوز، وقد علم أن تخصيص العام محال، لكن الدليل يعرف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم، معنى خاصًّا، ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله -تعالى- ما أراد بقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ نفسه وذاته، فإنه وإن تقدم دليل العقل، فهو موجود -أيضًا- عند نزول اللفظ، وإنما يسمى مخصصًا بعد نزول الآية لا قبلها. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٥٥٤\"، ونزهة الخاطر العاطر \"٢/ ١٦٠، ١٦١\".","vol":"2","page":61},{"text":"قلنا: يتناوله من حيث اللسان لكن لما وجب الصدق في كلام الله -تعالى- تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع شمول اللفظ له وضعًا١.\nالثالث: الإجماع٢.\nفإن الإجماع قاطع، والعام يتطرق إليه الاحتمال.\nوإجماعهم على الحكم في بعض صور العام على خلاف موجب العموم: لا يكون إلا عن دليل قاطع بلغهم في نسخ اللفظ، إن كان أريد به العموم، أو عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم٣.\n_________\n١ معناه: أن قولهم: \"لا يجوز دخوله تحت اللفظ\" ممنوع، بل يدخل تحت اللفظ من حيث اللغة، ولكن يكون قائله كاذبًا، ولما وجب الصدق في كلام الله -تعالى- تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة، مع شمول اللفظ له من حيث الوضع اللغوي. انظر: المرجعين السابقين.\n٢ التخصيص بالإجماع: رأي جمهور العلماء، ومرادهم بذلك: دليل الإجماع، لا أن الإجماع نفسه مخصص؛ لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه، وإن لم نعرفه. وذهب بعض العلماء إلى عدم التخصيص بالإجماع. انظر: المحصول جـ١ ق٣ ص١٢٤، العدة \"٢/ ٥٧٨\" شرح الكوكب المنير \"٣/ ٣٦٩\".\n٣ خلاصته: أن الإجماع دليل قطعي، ودلالة العام على أفراده ظنية، والقطعي مقدم على الظني.\nفإذا أجمع المجتهدون على حكم شرعي يخالف موجب اللفظ العام، دل ذلك على أن هناك دليلًا استندوا إليه وإن لم نعرفه، كما يدل أن هناك ناسخًا، فالتخصيص والنسخ راجعان إلى ذلك المستند، فإذا رأينا الإجماع منعقدًا على العمل في بعض الصور على خلاف العام، علمنا أن هناك نصًّا دل على ذلك العمل.\nومن أمثلة ذلك: أن الدليل العام دل على أن المعارضات لا بد فيها من عوض معلوم، ثم رأينا الناس مجمعين على دخول الحمامات، وركوب السفن، =","vol":"2","page":62},{"text":"الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام:\nفقول النبي، ﷺ: \"لَا قَطْعَ إِلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ\" ١ خصص عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢.\nوقوله ﵇: \"لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ\" ٣ خصص عموم قوله: \"فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ\" ٤.\n_________\n= والجلوس في النوادي بغير تعيين عوض، لأن الناس يختلفون في مقدار المدة التي يمكثونها، ومقدار الماء الذي يستخدمونه فاستدللنا بذلك الإجماع على أن هنالك دليلًا مخصصًا للعام. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٥٥٦\".\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب الحدود- باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ من حديث عائشة -﵂- مرفوعًا.\nكما أخرجه مسلم: كتاب الحدود - باب: حد السرقة ونصابها، وأبو داود: كتاب الحدود - باب فيما يقطع فيه السارق.\nكما أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في المسند \"٦/ ٣٦، ٨٠، ٨١، ١٠٤\" انظر: تلخيص الحبير \"٤/ ٦٤\"\n٢ سورة المائدة من الآية \"٣٨\".\n٣ حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب الزكاة- باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- مرفوعًا بلفظ: \"ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة\"، كما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك والشافعي. والخمسة أوسق: ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بغدادي، فالأوسق الخمس ١٦٠٠ رطل بغدادي. انظر: \"فيض القدير ٥/ ٣٧٦\".\n٤ حديث صحيح: أخرجه البخاري -كتاب الزكاة- باب العشر فيما يسقى من ماء =","vol":"2","page":63},{"text":"ولا فرق بين أن يكون العام كتابًا أو سنة١ أو متقدمًا أو متأخرًا٢.\nوبهذا قال أصحاب الشافعي.\n_________\n= السماء وبالماء الجاري، من حديث ابن عمر -﵄- بلفظ \"فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر\". والمراد بقوله: \"عثريًا\" بالثاء الساكنة والعين المفتوحة: ما يسقى بالسيل الجاري في حفر، وما يسقى من النهر بلا مؤونه، أو يشرب بعروقه.\nكما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني، جميعهم في الزكاة: انظر: المنتقى ص٣١٧.\n١ فتكون الصور أربعة:\nالأولى، تخصيص الكتاب بالكتاب: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خصصت بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] .\nالصورة الثانية: تخصيص الكتاب بالسنة: كالمثال الذي ذكره المصنف في تخصيص آية السرقة\nالصورة الثالثة: تخصيص السنة بالسنة، كالمثال الذي أورده المصنف.\nالصورة الرابعة: تخصيص العام من السنة بالخاص من القرآن، مثل قوله -ﷺ- في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... \" فقد خصص بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وفي هذه الصورة خلاف سيذكره المصنف.\n٢ وهذا هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، قال أبو يعلى في العدة \"٢/ ٦١٥\". \"سواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ.","vol":"2","page":64},{"text":"وقد روي عن أحمد -﵀- رواية أخرى: أن المتأخر يقدم، خاصًّا كان أو عامًّا.\nوهو قول الحنفية١، لقول ابن عباس: \"كنا نأخذ بالأحداث فالأحداث من أمر رسول الله ﷺ\"٢.\n_________\n= وفي شرح الكوكب المنير \"٣/ ٣٨٢\": \"سواء كانا مقترنين، أو كانا غير مقترنين\" وقال: \"وحكي عن بعضهم في صورة الاقتران تعارض الخاص لما قابله من العام، ولا يخصص به.\nوعن الإمام أحمد -﵁- رواية في غير المقترنين موافقة لقول الحنفية والمعتزلة وغيرهم: أنه إن تأخر العام نسخ، وإن تأخر الخاص نسخ من العام بقدره. فعلى هذا القول: إن جهل التاريخ وقف الأمر حتى يعلم\". ا. هـ.\n١ الحنفية وإن كانوا يوافقون الحنابلة، منها: أن لا يتأخر المخصص، وأن يكون مستقلًا بالكلام، وأن يكون متصلًا بالعام، إلا كان نسخًا. انظر: فواتح الرحموت \"١/ ٣٠٠، ٣٤٥\".\n٢ هذا الأثر أخرجه البخاري من قول الزهري حيث قال: \"قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر النبي -ﷺ- الآخر فالآخر\" ووافقه على ذلك ابن حجر في فتح الباري \"٤/ ١٨١\".\nأما رواية ابن عباس: فأخرجهما مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ولفظه: \".....عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس -﵄- أنه أخبره أن رسول الله -ﷺ- خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وكان صحابة رسول الله -ﷺ- يتبعون الأحداث فالأحداث من أمره\".\nكما أخرجه مسلم بسند آخر ثم قال: \"قال يحيى: قال سفيان: لا أدري من قول من هو؟ وكان يؤخذ بالآخر من قول رسول الله -ﷺ-. وهذا يقوي رواية =","vol":"2","page":65},{"text":"ولأن العام يتناول الصور التي تحتهن كتناول اللفظ لها بالتنصيص عليها، ولو نص على الصورة الخاصة: لكان نسخًا، فكذلك إذا عم.\nوهذا فيما إذا علم المتأخر.\nفإن جهل: فهذه الرواية تقتضي: أن يتعارض الخاص وما قابله من العام ولا يقضي بأحدهما على الآخر.\nوهي قول طائفة.\nلأنه يحتمل أن يكون العام ناسخًا، لكونه متأخرًا.\nويحتمل أن يكون مخصوصًا، فلا سبيل إلى التحكم١.\nوقال بعض الشافعية: لا يخصص عموم السنة بالكتاب٢.\n_________\n= البخاري في أن الأثر من قول الزهري. وبمثل رواية مسلم -عن ابن عباس- رواه مالك في الموطأ، كتاب الصيام، باب الصوم في السفر رقم \"١٧١٥\".\n١ وضح الطوفي -رحمه الله تعالى- هذه المسألة في شرحه \"٢/ ٥٦١\" فقال: فإن جهال التاريخ، فكذلك عندنا، أي: يقدم الخاص على العام؛ لأن أكثرها في جهالة التاريخ: أن يقدر تأخر العام، ونحن لو تحققنا تأخره، قدمنا الخاص عليه، فلا فرق على قولنا بين تقدمه وتأخره، وجهالة التاريخ.\nوعند الحنفية يتعارضان، وهو قياس الرواية المذكورة عن أحمد، والتعارض بين الخاص وما قبله من العام؛ لأنه يحتمل أن يكون العام متأخرًا، فيكون ناسخًا للخاص، ويحتمل أن يكون العام متقدمًا، فيكون مخصوصًا بالخاص، ولا مرجح، فيجب التوقف، لئلا يكون ترجيح أحدهما تحكمًا\".\n٢ هذا متصل بقول المصنف، قبل ذلك: \"ولا فرق بين أن يكون العام كتابًا أو سنة....\" وهذا كما قلنا: يشمل أربع صور، منها: تخصيص العام من السنة بالخاص من القرآن الكريم، فبين المصنف هنا أن في هذه الصورة خلافًا لبعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، خرجها ابن حامد، كما سيأتي.","vol":"2","page":66},{"text":"وخرّجه١ ابن حامد رواية لنا، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢، لأن المبيِّن تابع للمبيَّن، فلو خصصنا السنة بالقرآن صار تابعًا لها٣.\nوقالت طائفة من المتكلمين: لا يخصص عموم الكتاب بخبر الواحد.\nوقال عيسى بن أبان: يخص العام المخصوص، دون غيره٤.\nوحكاه القاضي عن أصحاب٥ أبي حنيفة، لأن الكتاب مقطوع به، والخبر مظنون، فلا يترك به المقطوع، كالإجماع لا يخص بخبر الواحد.\nوقال بعض الواقفية: بالتوقف؛ لأن خبر الواحد مظنون الأصل، مقطوع المعنى.\n_________\n١ التخريج: نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه. انظر: المدخل لابن بدران ص٥٥.\n٢ سورة النحل من الآية \"٤٤\".\n٣ خلاصة وجه الدلالة: أن التخصيص بيان، فلو كان القرآن مبينًا للسنة للزم التناقض، إذ يصير كل واحد منهما مبينًا للآخر وتابعًا له؛ لأن المبيِّن، بالكسر، تابع للمبيَّن، بالفتح، وكون كل واحد من الشيئين تابعًا للآخر باطل.\n٤ أي: أن خبر الواحد يخصص العام إذا كان مخصوصًا قبل ذلك بغيره، أما إذا لم يخصص فلا يقوي خبر الواحد على تخصيصه؛ لأنه يرى أن العام إذا خصص صار مجازًا. انظر: العدة \"٢/ ٥٥٢\".\n٥ لفظ \"أصحاب\" من العدة \"٢/ ٥٥١\" ولفظه: \"وقال أصحاب أبي حنيفة\" إن كان العموم قد دخله التخصيص بالاتفاق جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإن لم يكن دخله التخصيص، لم يجز تخصيصه بخبر الواحد\" وانظر في المسألة: فواتح الرحموت \"١/ ٣٤٩\"، أصول السرخسي \"١/ ١٣٣\".","vol":"2","page":67},{"text":"واللفظ العام من الكتاب مقطوع الأصل، مظنون الشمول، فهما متقابلان، ولا دليل على الترجيح١.\nولنا في تقديم الخاص مسلكان٢:\nأحدهما: أن الصحابة -﵃- ذهبت إليه:\nفخصصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٣ برواية أبي هريرة عن النبي، ﷺ: \"لا تُنْكَحُ المرأةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِها\" ٤.\nوخصصوا آية الميراث بقوله: \"لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَاَ الْكَافِرُ\n_________\n١ خلاصة دليل الواقفية: أن العام من القرآن قطعي السند؛ لأنه نقل نقلًا متواترًا، ظني الدلالة على أفراد العام، وخبر الواحد قطعي الدلالة، لخصوصيته في مدلوله، ظني الثبوت من حيث السند فيتعادلان، لأن كل واحد منهما صار راجحًا من وجه، مرجوحًا من وجه آخر. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٥٦٣\".\nوأقول: إن هذا الدليل يصلح أن يكون دليلًا لما رجحه المصنف والحنابلة بصفة عامة، من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وهو الذي يتفق مع الأمثلة التي سيذكرها.\n٢ أي: دليلان، أو وجهان كما قال الطوفي.\n٣ سورة النساء من الآية \"٢٤\".\n٤ حديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، حديث صحيح أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، عن جابر وعن أبي هريرة، ﵄.\nكما أخرجه مسلم: كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح عن أبي هريرة، وأبو داود: كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، وكذلك الترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم.","vol":"2","page":68},{"text":"المُسْلِمَ\" ١، \" وَلَاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ \" ٢، و\"إنَّا مَعَاشِرَ الْْأَنْبِياءِ لَا نُورَثُ\" ٣.\nوخصصوا عموم الوصية٤ بقوله: \"لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\" ٥.\nوعموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٦، بقوله: \"حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا\" ٧.\n_________\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب لا يرث المسلم الكافر، وفي كتاب الفرائض، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه والدارمي ومالك جميعهم في كتاب الفرائض، وأحمد في المسند \"٥/ ٢٠١، ٢٠٢، ٢٠٩\".\n٢ أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه، من حديث عمر بن الخطاب، ﵁.\nكما أخرجه أبو داود: كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وابن ماجه: كتاب الفرائض، باب ميراث القاتل، عن أبي هريرة، ﵁.\n٣ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الفرائض، باب قول النبي، ﷺ: \"لا نورث ما تركنا صدقة\" من حديث عائشة ﵂.\nكما أخرجه عنها مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي، ﷺ: \"لا نورث\"، وأبو داود: كتاب الخراج، باب في صفايا رسول الله -ﷺ- من الأموال، والترمذي: كتاب السير، باب ما جاء في تركة رسول الله -ﷺ- من حديث أبي هريرة، ﵁.\n٤ وذلك في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ . [البقرة:١٨٠] .\n٥ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والدارمي وأحمد والشافعي وغيرهم. وقد تقدم تخريجه والحكم عليه في باب النسخ.\n٦ سورة البقرة من الآية \"٢٣٠\" وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ....﴾ .\n٧ أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث، كتاب اللباس، =","vol":"2","page":69},{"text":"إلى نظائر كثيرة لا تحصى، مما يدل على أن الصحابة والتابعين كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاص، من غير اشتغال بطلب تاريخ، ولا نظر في تقديم ولا تأخير.\nالثاني: أن إرادة الخاص بالعام غالبة معتادة، بل هي الأكثر١، واحتمال النسخ كالنادر البعيد٢، وكذلك احتمال تكذيب الراوي، فإنه عدل جازم في الرواية.\n_________\n= باب الإزار المهدب، وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك، ومسلم: كتاب النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح. ولفظة: عن عائشة -﵂- قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى النبي -ﷺ- فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب. فتبسم رسول الله -ﷺ- وقال: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\".\nكما أخرجه الترمذي وابن ماجه والدارمي. انظر \"شرح السنة للبغوي جـ٩ ص٢٣٣\".\n١ معناه: أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص، فالظاهر الغالب أن حكم الخاص مراد به، وأن المراد بالعام ما عدا الحكم الخاص، فإرادة أن الأنبياء لا يورثون من قولهﷺ: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\" أظهر من إرادة أن النبي -ﷺ- يورث من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] وإذا كانت إرادة الخاص أظهر وأغلب، قدم لظهوره وغلبته. انظر شرح الطوفي \"٢/ ٥٦٤\".\n٢ هذا جواب عن دليل الطائفة التي ذهبت إلى تعارض العام والخاص عند جهل التاريخ، لاحتمال النسخ أو التخصيص، ولا سبيل إلى الترجيح. فأجاب المصنف: بأن احتمال النسخ كالنادر البعيد. وكذلك احتمال كذب الراوي بعيد أيضًا، فإنه عدل، والنفس تطمئن إلى نقل العدل في العدل، كاطمئنانها إلى صدق الشاهدين العدلين.","vol":"2","page":70},{"text":"وسكون النفس إلى العدل في الرواية فيما هو نص، كسكونها إلى عدلين في الشهادات.\nولا يخفى أن احتمال صدق أبي بكر -﵁- في روايته عن النبي، ﷺ: \"نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنبياء لا نورث\" أرجح من احتمال أن تكون الآية سيقت لبيان حكم ميراث النبي -ﷺ١.\nفلذلك: عمل به الصحابة، والعمل بالراجح متعين.\nفأما قول من قال بالتعارض والوقف: فهو مطالبة بالدليل لا غير٢.\nوقد ذكرنا الدليل من وجهين، وبينا أن احتمال إرادة الخصوص أرجح من احتمال النسخ؛ فإن أكثر العمومات مخصصة وأكثر الأحكام مقررة غير منسوخة.\nوكون النبي -ﷺ- مبينًا لا يمنع من حصوله البيان بغيره، فقد أخبر الله -تعالى- أنه أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء٣.\nوقولهم: \"المبيِّن تابع\" غير صحيح فإن الكتاب يبين بعضه بعضًا، والسنة يخص بعضها بعضًا، وليس المخصص تابعًا للمخصوص.\nوقد بينا -فيما تقدم- جواز التخصيص بدليل سابق٤، وبالإجماع ويجوز تخصيص الآحاد بالمتواتر، وليس فرعًا له.\n_________\n١ هذا تابع لقول المصنف: \"أن إرادة الخاص بالعام غالبة معتادة، بل هي الأكثر\". كما سبق توضيحه في هامش \"١\".\n٢ أي: أنهم قالوا: إن عموم الكتاب وخبر الواحد متعادلان ولا دليل على الترجيح فيجب التوقف حتى يظهر الدليل، وقد ظهر لهم ما يزيل هذا التوقف.\n٣ قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ النحل من الآية \"٨٩\" وهو رد على بعض الشافعية الذين خالفوا في تخصيص السنة بالكتاب.\n٤ كالعقل.","vol":"2","page":71},{"text":"وقولهم: \"إن الكتاب مقطوع به\"١\nقلنا: دخول المخصوص في العموم، وكونه مرادًا ليس بمقطوع، بل هو مظنون ظنًّا ليس بالقوى، بل ظن الصدق أقوى منه، لما ذكرنا.\nثم إن براءة الذمة قبل السمع مقطوع بها، بشرط أن لا يرد سمع، وتشتغل بخبر الواحد.\nجواب آخر:\nآن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع، وإنما الاحتمال في صدق الراوي، ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه، فإن تحليل البضع٢، وسفك الدم واجب٣ بقول عدلين قطعًا، مع أنا لا نقطع بصدقهما، كذا الخبر.\nالخامس: المفهوم بالفحوى ودليل الخطاب٤.\nفإن الفحوى قاطع كالنص، ودليل الخطاب حجة كالنص، فيخص عموم قوله، ﵇: \"في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ\" ٥ بمفهوم قوله: \"في\n_________\n١ هذا رد على ما ذهب إليه الحنفية، كما تقدم قريبًا.\n٢ كالنكاح، فإنه يثبت بشهادة عدلين.\n٣ كالحدود والقصاص، فإن ذلك يثبت بشهادة اثنين أيضًا\n٤ أي: أن اللفظ العام يخص بفحوى الخطاب، وهو ما يطلق عليه عند الجمهور مفهوم الموافقة، كما يخص بدليل الخطاب، وهو ما يطلق عليه مفهوم المخالفة والتخصيص بمفهوم الموافقة محل اتفاق بين العلماء، أما التخصيص بمفهوم المخالفة، فقد خالف فيه الحنفية وبعض الشافعية، كالغزالي، حيث لم يعتبروه حجة.\n٥ أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، من حديث علي وابن عمر -﵃- والترمذي: كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم من حديث ابن عمر، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الغنم.","vol":"2","page":72},{"text":"سائِمةِ الغَنَمِ زَكَاةٌ\" في إخراج المعلوفة٢.\nالسادس: فعل رسول الله، ﷺ،\nكتخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٣ بما روت عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله -ﷺ- يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض\"٤.\nولذلك: ذهب بعض الناس إلى تخصيص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٥ برجمه لماعز، وتركه جلده٦.\n_________\n١ هذا جزء من حديث أنس -﵁- مرفوعًا، الذي روى فيه كتاب أبي بكر -﵁- وبين فيه أحكام الزكاة التي فرضها رسول الله -ﷺ- وهو حديث طويل جاء فيه: \".... وفي صدقة الغنم في سائمتها زكاة....\".\nأخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، وأبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، والدارقطني: كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم، والشافعي: كتاب الزكاة، كتاب رسول الله -ﷺ- الذي جمع فرائض الصدقة.\n٢ هذا مثال للتخصيص بمفهوم المخالفة. ومثال التخصيص بمفهوم الموافقة: قوله، ﷺ: \"لَيُّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته\" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وغيرهم. خص منه الوالدان بمفهوم قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فمفهومه: حرمة إيذائها بحبس أو غيره. العدة \"٢/ ٥٧٩\".\n٣ سورة البقرة من الآية \"٢٢٢\".\n٤ رواه البخاري: كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، وفي كتاب الاعتكاف، باب في غسل المعتكف، ومسلم: كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الرجل يصيب منها دون الجماع، كما رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي وأحمد.\n٥ سورة النور من الآية٢.\n٦ قال الشيخ الطوفي: \"وبيانه: أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة﴾","vol":"2","page":73},{"text":"السابع: تقرير رسول الله -ﷺ- واحدًا من أمته بخلاف موجب العموم وسكوته عليه، فإن سكوت النبي -ﷺ- عن الشيء يدل على جوازه، فإنه لا يحل له الإقرار على الخطأ، وهو معصوم١.\nوقد بينا أن إثبات الحكم في حق واحد يعم الجميع٢.\nالثامن: قول الصحابي، عند من يراه حجة مقدمًا على القياس\n_________\n= [النور:٢]، عام في الثيب والبكر، فلما رجم النبي -ﷺ- ماعزًا، وترك جلده، دل على أن الجلد مختص بالبكر دون الثيب، فكان هذا تخصيصًا للنص العام بفعله، ﵊، أو بمعنى فعلهن وهو ترك الجلد، وهذه من مسائل الخلاف، أعني: أن الزاني الثيب: هل يجلد مع الرجم أم لا؟ والصحيح من مذهبنا أنه يجلد خلافًا للشافعي\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٥٧٠\".\nوالخلاصة: أن التخصيص بفعل النبي -ﷺ- محل خلاف بين العلماء فالجمهور يرون أنه يخصص العام، وخالف في ذلك بعض الشافعية، والكرخي من الحنفية. انظر العدة \"٢/ ٥٧٥\".\n١ وهذا هو رأي جمهور العلماء، خلافًا للحنفية وبعض المتكلمين، حيث قالوا: إن التقرير لا صيغة له، فلا يقابل صيغة العام. ورد عليهم الجمهور بأن سكوت رسول الله -ﷺ- عن ذلك مع علمه به دليل على جوازه، وإلا لوجب إنكاره.\nجاء في شرح الكوكب المنير \"٣/ ٣٧٥\" \"وحيث جاز التخصيص بالتقرير، فهل المخصص نفس تقريره -ﷺ- أو المخصص ما تضمنه التقرير من سبق قوله به فيكون مستدلًا بتقريره على أنه قد خص بقول سابق، إذ لا يجوز لهم أن يفعلوا ما فيه مخالفة للعام إلا بإذن صريح، فتقريره دليل ذلك؟ فيه وجهان.\nقال ابن فورك والطبري: الظاهر الأول\".\n٢ وذلك في قول المصنف: \"وكذلك إذا توجه الحكم إلى واحد من الصحابة داخل فيه غيره\" من باب الأمر.","vol":"2","page":74},{"text":"يخص به العموم، فإن القياس يخصص به، فقول الصحابي المقدم عليه أولى١.\nفإن قيل: فالصحابي يترك مذهبه للعموم، كترك ابن عمر مذهبه لحديث رافع بن خديج في المخابرة٢، فغيره يجب أن يتركه.\nقلنا: إنما تركه لنص عارضه، لا للعموم.\nالتاسع: قياس نص خاص إذا عارض عموم نص آخر:\nفيه وجهان:\nأحدهما: يخص به العموم.\nوهو قول أبي بكر٣، والقاضي٤، وقول الشافعي، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين٥.\nوالوجه الآخر: لا يخص به العموم.\nوهو قول أبي إسحاق بن شاقلا وجماعة من الفقهاء، لحديث معاذ٦.\n_________\n١ وهو رأي الحنابلة والحنفية وبعض الشافعية، وخالف في ذلك المالكية وجمهور الشافعية. انظر: المحصول جـ١ ق٣ ص١٩١، الإحكام للآمدي \"٣/ ٣٣٣\" والعدة \"٢/ ٥٧٩\".\n٢ المخابرة: المزارعة على نصيب معين مما تخرجه الأرض، كالثلث والربع، وقد روي عن ابن عمر -﵄- أنه قال: \"كنا نخابر على عهد رسول الله -ﷺ- وبعد أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي -ﷺ- نهى عن ذلك\". تقدم تخريج الحديث في فصل ألفاظ الرواية.\n٣ المراد به: عبد العزيز بن جعفر، المعروف بغلام الخلال.\n٤ كما في العدة \"٢/ ٥٥٩\".\n٥ وهو رأي جمهور العلماء كما في العدة \"٢/ ٥٥٩\".\n٦ تقدم تخريجه والكلام على سنده. ووجه الدلالة من الحديث لأصحاب هذا =","vol":"2","page":75},{"text":"ولأن الظنون المستفادة من النصوص أقوى من الظنون المستفادة من المعاني المستنبطة.\nولأن العموم أصل، والقياس فرع، فلا يقدم على الأصل.\nولأن القياس إنما يراد لطلب حكم ما ليس منطوقًا به، فما هو منطوق به لا يثبت بالقياس.\nوقال قوم: يقدم جلي القياس على العموم، دون خفية١، لأن الجلي أقوى من العموم، والخفي ضعيف.\nوالعموم -أيضًا- يضعف تارة بأن لا يظهر منه قصد التعميم، ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه، ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة، فإن دلالة قوله: \"لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ\" ٢ على تحريم بيع الأرز، أظهر من دلالة قوله\n_________\n= المذهب: أن معادًا -﵁- قدم السنة على الاجتهاد الذي يشمل القياس، وهو عام فيما إذا كان القياس أخص أو أعم، وهذا يقتضي تقديم العام على قياس النص الخاص، فلا يخص به النص الخاص.\nومثاله: أن الله -تعالى- أحل البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وهو عام في كل بيع، ثم ورد حديث رسول الله -ﷺ- بتحريم الربا في البر، والعلة في تحريمه عند بعض العلماء: الكيل، فقيس عليه تحريم الربا في الأرز، وخص به العموم المتقدم. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٥٧٢\".\n١ نسبه الآمدي إلى جماعة من الشافعية. انظر: الإحكام \"٢/ ١٥٩\".\n٢ هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة، منها ما رواه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالفضة عن أبي سعيد مرفوعًا، أن النبي -ﷺ- قال: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء\" وأخرجه عنه مسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، وأحمد في المسند \"٣/٩\".","vol":"2","page":76},{"text":"تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ١\nعلى إباحة بيعه متفاضلًا.\nودلالة تحريم الخمر على تحريم النبيذ بقياس الإسكار، أغلب في الظن من دلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ...﴾ ٢ على إباحته.\nفإن تقابل الظنان: وجب تقديم أقواهما، كالعمل في العمومين، والقياسين المتقابلين.\n_________\n١ سورة البقرة من الآية \"٢٧٥\".\n٢ سورة الأنعام من الآية \"١٤٥\".","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>فصل: [تعريف القياس الجلي والخفي]</span>\nثم القائلون بهذا اختلفوا في القياس الجلي.\nففسّره قوم: بأنه قياس العلة، والخفي: بقياس الشبه٣.\nوقيل: الجلي: ما يظهر فيه المعنى، كقوله، ﵇: \"لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\" ٤، وتعليل ذلك بما يدهش الفكر\n_________\n١ سورة البقرة من الآية \"٢٧٥\".\n٢ سورة الأنعام من الآية \"١٤٥\".\n٣ القياس ينقسم باعتبار علته إلى أربعة أقسام:\nقياس العلة: وهو ما صرح فيه بالعلة.\nقياس الدلالة: وهو ما لم تذكر فيه العلة، وإنما ذكر فيه لازم من لوازمها.\nقياس في معنى الأصل؛ وهو ما كان بإلغاء الفارق بين الأصل والفرع.\nقياس الشبه: وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة الحكم من جلب المصلحة أو دفع المفسدة، كما عرفه بذلك المصنف في باب القياس.\nوسوف يأتي -إن شاء الله تعالى- توضيح هذه الأقسام والتمثيل لها في باب القياس.\n٤ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب هل يقضي الحاكم أو =","vol":"2","page":77},{"text":"حتى يجري ذلك في الجائع١.\nوقال عيسى بن أبان: يجوز ذلك في العام المخصوص، دون غيره، لضعف العام بالتخصيص٢.\nوحكاه القاضي عن أصحاب٣ أبي حنيفة.\nوجه الأول٤.\nأن صيغة العموم محتملة للتخصيص، معرضة له، والقياس غير محتمل، فيقضي به على المحتمل، كالمجمل مع المفسر.\nفأما حديث معاذ٥: فإن كون هذه الصورة مرادة باللفظ العام غير مقطوع به، والقياس يدلنا على أنها غير مرادة.\nولهذا جاز ترك عموم الكتاب بخبر الواحد، وبالخبر المتواتر اتفاقًا، ورتبة السنة بعد رتبة الكتاب في الخبر٦، والسنة لا يترك بها الكتاب، لكن تكون مبينة له، والتبيين يكون تارة باللفظ، وتارة بمعقول اللفظ.\n_________\n= يفتي وهو غضبان، عن أبي بكرة -﵁- مرفوعًا.\nكما أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، وأبو داود: كتاب الأقضية- باب القاضي يقضي وهو غضبان. كما أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم. انظر: تلخيص الحبير \"٣/ ١٨٩\".\n١ ومثله الخوف والألم وكل ما يؤدي إلى اضطراب الخاطر وضعف إدراك الحكم.\n٢ لما قلناه قريبًا من أن العام عنده بعد التخصيص يصير مجازًا.\n٣ لفظ \"أصحاب\" من العدة \"٢/ ٥٦٣\" فقد نسبه لأصحاب أبي حنيفة، وليس لأبي حنيفة.\n٤ أي: هذا دليل المذهب الأول، وهو جواز التخصيص بالقياس مطلقًا.\n٥ بدأ المصنف يرد على أدلة المخالفين.\n٦ أي: في خبر معاذ المتقدم.","vol":"2","page":78},{"text":"وقولهم: \"إن الظنون المستفادة من النصوص أقوى\".\nفلا نسلم ذلك على الإطلاق.\nوقولهم: \"لا يترك الأصيل بالفرع\".\nقلنا: هذا القياس فرع نص آخر، لا فرع النص المخصوص به، والنص يخص تارة بنص آخر، وتارة بمعقول النص.\nثم يلزم: أن لا يخصص عموم القرآن بخبر الواحد١.\nوقولهم: \"هو منطوق به\"٢.\nقلنا: كونه منطوقًا به أمر مظنون، فإن العام إذا أريد به الخاص: كان نطقًا بذلك القدر، وليس نطقًا بما ليس بمراد.\nولهذا جاز التخصيص بدليل العقل القاطع، مع أن دليل العقل لا يقابل النص الصريح من الشارع؛ لأن الأدلة لا تتعارض.\n_________\n١ معناه: أنه يلزم على قولهم أن لا يخصص عموم القرآن بخبر الواحد؛ لأنه فرع عنه، فإن حجيته ثابتة بأصل من كتاب أو سنة، فيكون فرعًا له، وقد سلمتم بتخصيص الكتاب بخبر الواحد، فالقياس مثله.\n٢ أي: قولهم: \"ولأن القياس إنما يراد الطلب حكم ما ليس منطوقًا به، فما هو منطوق به لا يثبت بالقياس\". فبين المصنف أن كونه منطوقًا به أمر مظنون ومشكوك فيه.\nومن أمثلة ذلك: الأرز في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ليس كما لو قيل: يحل بيع الأرز بالأرز متفاضلًا ومتماثلًا. فإذا كان كونه مرادًا بآية إحلال البيع مشكوكًا فيه، كان كونه منطوقًا به مشكوكًا فيه؛ لأن العام إذا أريد به الخاص كان ذلك نطقًا بذلك القدر، وليس نطقًا بما ليس بمراد. انظر: نزهة الخاطر \"١/ ١٧٢\".","vol":"2","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>فصل: في تعارض العمومين</span>\nإذا تعارض عمومان: فأمكن الجمع بينهما، بأن يكون أحدهما أخص من الآخر، فيقدم الخاص١.\nأو يكون أحدهما يمكن حمله على تأويل صحيح، والآخر غير ممكن تأويله، فيجب التأويل في المؤول، ويكون الآخر دليلًا على المراد منهن جمعًا بين الحديثين، إذ هو أولى من إلغائهما.\nوإن تعذر الجمع بينهما، لتساويهما، ولكونهما متناقضين، كما لو قال: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقتلُوه\" ٢، \"مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَلَا تَقْتُلُوه\": فلا بد أن يكون أحدهما ناسخًا للآخر.\nفإن أشكل التاريخ طلب الحكم من دليل غيرهما.\nوكذلك لو تعارض عمومان، كل واحد عام من وجه خاص من وجه، مثل قوله، ﵇: \"مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا\" ٣، فإنه يتناول الفائتة بخصوصها، ووقت النهي بعمومه، مع\n_________\n١ كما سبق في قول المصنف: \"الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام\".\n٢ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة، عن ابن عباس مرفوعًا، وأبو داود: كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، والترمذي: كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه: كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه.\n٣ أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها من حديث أنس مرفوعًا، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء =","vol":"2","page":80},{"text":"قوله: \"لَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ\" ١ يتناول الفائتة بعمومه، والوقت بخصوصه.\nوقوله: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه\" مع قوله: \"نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ\" ٢.\nفهما سواء، لعدم ترجيح أحدهما على الآخر، فيتعارضان، ويعدل إلى دليل غيرهما.\n_________\n= الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، كما أخرجه أبو داود وغيره.\n١ أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من رخص في الركعتين بعد العصر إذا كانت الشمس مرتفعة، كما أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي والدارمي وأحمد.\n٢ الذي في كتب الحديث عن ابن عمر -﵄- أن أمرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله -ﷺ- مقتولة، فأنكر رسول الله -ﷺ- قتل النساء والصبيان. رواه البخاري، كتاب الجهاد \"٣٠١٤\" و\"٣٠١٥\" ومسلم في الجهاد أيضًا \"٨٢٧\" والنسائي \"١/ ٢٧٨\" وأحمد في المسند \"٣/ ٩٥\" من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁.\nفحديث \"من بدل دينه....\" عام في الرجل والمرأة، خاص في سبب القتل، وهو التبديل والردة، وحديث النهي عن قتل النساء، خاص في النساء، عام في النهي عن القتل، فيتعادلان، ويطلب المرجح.\nوخلاصة هذا الفصل: أنه إذا تعارض عامان من كل وجه، بحث لا يمكن الجمع بينهما قدم أصحهما سندًا، فإن تساويا في السند، قدم ما يرجحه دليلًا خارجي، فإن لم يوجد مرجح: فإن علم التاريخ، فالمتأخر ناسخ للمتقدم، وإن جهل التاريخ وجب التوقف والبحث عن مرجح.\nوإن تعارض العامان من بعض الوجوه وجب الجمع بينهما ما أمكن، بأن يكون أحدهما أخص من الآخر فيقدم الأخص، أو يحمل أحدهما على تأويل صحيح =","vol":"2","page":81},{"text":"وقال قوم: لا يجوز تعارض عمومين خاليين عن دليل الترجيح، لأنه يؤدي إلى وقوع الشبهة، وهو منفر عن الطاقة.\nقلنا: بل ذلك جائز، ويكون مبيَّنًا للعصر الأول.\nوإنما خفي علينا، لطول المدة، واندراس القرائن والأدلة، ويكون ذلك محنة وتكليفًا علينا، لنطلب دليلًا آخر، ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا.\nوأما التنفير: فباطل، فقد نفر طائفة من الكفار من النسخ، ثم لم يدل ذلك على استحالته، والله أعلم.\n_________\n= يجمع به بين العامين، فإن كان كل منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه تعادلا وجلب المرجح الخارجي. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٥٧٦ وما بعدها\".","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>فصل: في الاستثناء</span>\nوصيغته: \"إلا\" و\"غير\" و\"سوى\" و\"عدا\" و\"ليس\" و\"لا يكون\" و\"حاشا\" و\"خلا\".\nوأمُّ الباب \"إلا\"١\nوحدّه: أنه قول ذو صيغة متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول٢\n_________\n= يجمع به بين العامين، فإن كان كل منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه تعادلا وجلب المرجح الخارجي. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٥٧٦ وما بعدها\".\n١ أي: هي الأصل، وما عداها يقوم مقامها.\n٢ وعرّفه الغزالي بقوله: وحده: أنه قول ذو صيغ مخصوصة، محصورة، دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول\". المستصفى \"٣/ ٣٧٧\" وهو الذي اختاره الآمدي في الإحكام \"٢/ ١٢٠\" وإن كان قد زاد عليه بعض القيود فقال: \"هو لفظ =","vol":"2","page":82},{"text":"ويفارق الاستثناء التخصيص١ بشيئين:\nأحدهما: في اتصاله٢.\nوالثاني: أنه يتطرق إلى النص، كقوله: \"عشرة إلا ثلاثة\"٣.\nوالتخصيص بخلافه\n_________\n= متصل بجملة، لا يستقل بنفسه، دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به بحرف \"إلا\" أو بأحد أخواتها\".\nوقول المصنف: \"متصل....\" إلى آخر التعريف رد على من زعم أن الاستثناء يؤدي إلى التناقض، فإن البعض الذي أخرج كان قد دخل في الجملة المستثنى منها، فبين المصنف أن المستثنى لم يكن مرادًا من اللفظ العام أولًا، حتى يلزم ما قاله هؤلاء من التناقض.\nومثال ذلك: أن قول القائل: \"جاءني عشرة إلا ثلاثة\" المراد به: سبعة، وقوله: \"إلا ثلاثة\" قرينة على إرادة السبعة من العشرة، من إطلاق الكل وإرادة البعض.\nوالخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، لأن الاستثناء قد تقرر وقوعه في لغة العرب تقررًا مقطوعًا به لا يتيسر لمنكر أن ينكره، وأن ما بعد آلة الاستثناء خارج عن الحكم لما قبلها بلا خلاف.\nوقد ورد ذلك في العديد من آيات القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] .\n١ المقصود بالتخصيص هنا: التخصيص بالمنفصل، وإلا فالاستثناء تخصيص أيضًا، فالعبارة فيها تجوز.\n٢ أي: يجب أن يكون الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه؛ لأنه لا يستقل بنفسه.\n٣ معناه: أن الاستثناء داخل في النص، فإذا قال: له عليّ عشرة إلا ثلاثة\" فإن \"ثلاثة\" داخله في النص، والعشرة نص في مسماها، فتطرق الاستثناء إلى ذلك النص، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء، فإنه داخل في العام ودلالته عليه ظنية، ودخوله في العام بالنظر إلى إرادة المتكلم.","vol":"2","page":83},{"text":"ويفارق النسخ -أيضًا- في ثلاثة أشياء:\nأحدها: في اتصاله.\nوالثاني: أن النسخ رافع لما دخل تحت اللفظ، والاستثناء يمنع أن يدخل اللفظ ما لولاه لدخل١.\nوالثالث: أن النسخ يرفع جميع حكم النص، والاستثناء إنما يجوز في البعض٢.\n_________\n١ ومعناه: أن المنسوخ كان مرادًا ثم نسخ، بخلاف الاستثناء، فإنه لم يكن مرادًا من الأول.\n٢ هذا الفارق ليس على إطلاقه، فإن النسخ قد يرفع الحكم كلية، وقد يرفع بعضه، كما تقدم في باب النسخ.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>فصل: [في شروط الاستثناء]</span>\nويشترط في الاستثناء ثلاثة شروط:\nأحدهما: أن يتصل بالكلام، بحيث لا يفصل بينهما كلام، ولا سكوت يمكن الكلام فيه؛ لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام، فإذا انفصل: لم يكن إتمامًا، كالشرط، وخبر المبتدأ، فإنه لو قال: \"أكرم من دخل داري\" ثم قال، بعد شهر: \"إلا زيدًا\": لم يفهم، كما لو قال: \"زيدًا\" ثم قال، بعد شهر: \"قائم\" لم يعد خبرًا، وكذلك الشرط.\nوحكي عن ابن عباس: أنه يجوز أن يكون منفصلًا٣.\n_________\n١ ومعناه: أن المنسوخ كان مرادًا ثم نسخ، بخلاف الاستثناء، فإنه لم يكن مرادًا من الأول.\n٢ هذا الفارق ليس على إطلاقه، فإن النسخ قد يرفع الحكم كلية، وقد يرفع بعضه، كما تقدم في باب النسخ.\n٣ الروايات عن ابن عباس متعددة: فروي عنه أنه يصح الاستثناء وإن طال الزمن، ثم اختلف عنه فقيل: إلى شهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدًا. ومنهم من أنكر ذلك وقال: لم يصح ذلك عن ابن عباس، ومنهم: إمام الحرمين والعزالي، لما =","vol":"2","page":84},{"text":"وعن عطاء١ والحسن٢: جواز تأخيره ما دام في المجلس٣. وأومأ إليه أحمد -﵀- في الاستثناء في اليمين٤.\nوالأولى: ما ذكرناه٥.\nالشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه٦\n_________\n= يلزم على ذلك من ارتفاع الثقة بالعهود والمواثيق، لإمكان تراخي الاستثناء وقال القرافي: \"المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة.\nقال: ونقل بعض العلماء أن مدركه في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] .\nقال: المعنى: إذا نسيت قول \"إن شاء الله\" فقل بعد ذلك، ولم يخصص\"، شرح تنقيح الفصول ص٢٤٣.\nوقال الشوكاني: \"ومن قال: بأن هذه المقالة لم تصح عن \"ابن عباس\" لعله لم يعلم بأنها ثابتة في \"مستدرك الحاكم\" وقال: صحيح على شرط الشيخين بلفظ: \"إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستنثي إلى سنة\" وقد روى عنه هذا غير الحاكم من طرق، كما ذكره أبو موسى المديني وغيره\". إرشاد الفحول \"١/ ٥٢٧-٥٢٨\" وانظر: المستدرك \"٤/ ٣٠٣\".\n١ هو: عطاء بن أبي رباح بن أسلم، أبو محمد القرشي بالولاء، المكي، من أعلام التابعين، كان مفتي مكة ومحدثها، سمع من السيدة عائشة وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم -﵃ جميعًا- كما أخذ عنه أبو حنيفة والأوزاعي وابن إسحاق. توفي بمكة سنة ١١٤هـ\". انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ \"١/ ٩٨\"، شذرات الذهب \"١/ ١٤٧\"، ميزان الاعتدال \"٣/ ٧٠\".\n٢ هو: الحسن بن يسار البصري. تقدمت ترجمته.\n٣ انظر: التمهيد لأبي الخطاب \"٢/ ٧٤\".\n٤ انظر: العدة \"٢/ ٦٦١\".\n٥ أي: اشتراط اتصال المستثنى بالمستثنى منه.\n٦ وهو رأي أكثر الحنابلة. قال الفتوحي: \"وهذا هو الصحيح من الروايتين عند =","vol":"2","page":85},{"text":"فأما الاستثناء من غير الجنس: فمجاز لا يدخل في الإقرار، ولو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلًا١.\nوهذا قول بعض الشافعية.\nوقال بعضهم٢، ومالك وأبو حنيفة، وبعض المتكلمين: يصح؛ لأنه قد جاء في القرآن واللغة الفصيحة.\nقال الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا﴾ ٣، و﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ...﴾ ٤، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ٥.\nوقال الشاعر٦:\n...................وَما بالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ\n_________\n= الإمام أحمد -﵁- واختيار الأكثر من أصحابنا وغيرهم\"، شرح الكوكب المنير \"٣/ ٢٨٦\".\n١ انظر \"العدة \"٢/ ٦٧٣\".\n٢ أي: بعض الشافعية.\n٣ سورة مريم من الآية \"٦٢\" ومحل الشاهد: أن السلام ليس من جنس اللغو.\n٤ سورة النساء من الآية \"٢٩\" ومحل الشاهد: أن التجارة ليست من جنس المال؛ لأن المال هو الأعيان، والتجارة: هي التصرف في هذه الأعيان.\n٥ سورة الليل \"١٩-٢٠\" ومحل الشاهد: أن ابتغاء وجه ربه الأعلى ليس من جنس النعمة.\n٦ هو: زياد بن معاوية النابغة الذبياني المضري، من فحول شعراء الجاهلية من أهل الحجاز، كان يقصده الشعراء ويعرضون عليه أشعارهم، كان أحسن الشعراء شعرًا، وأكثرهم في الكلام رونقًا، وأجزلهم بيتًا، ليس في شعره تكلف. انظر: طبقات فحول الشعراء \"١/ ٥٦\".","vol":"2","page":86},{"text":"إلَّا الأَوَاريّ.....١\n[وقال آخر] ٢:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس٣\nومثله كثير.\n_________\n١ هذان جزءان من بيتين للنابغة من قصيدة مدح بها النعمان بن بشير ملك الحيرة، ويتنصل بها عما قذفوه به، وهي إحدى المعلقات السبع، مطلعها:\nيا دارَ مَيَّة بالعَلياء فالسند ... أقْوت فطال عليها سالف الأبد\nإلى أن قال:\nوقفتُ فيها أُصَيْلالًا أُسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالرَّبْع من أحد\nإلا أواريَّ لأيّامًا أبيتها ... والنّوى كالحوض بالمظلومة الجلد\nوالأواري: هي التي تسمى الطوائل، وليس من جنس أحد، وهذا هو محل الشاهد. انظرك ديوان النابغة ص٢٥-٣٢، وخزانة الأدب \"٤م ١٢١-١٣٠\".\n٢ القائل: هو جران العون: عامر بن الحارث بن كُلْفة، والجران: باطن العنق الذي يضعه البعير على الأرض إذا نام، وكان يعمل من جلد هذا العنق: الأسواط واشتهر هذا الشاعر بجران العود؛ لأنه هدد زوجتيه بجران جمل كبير له فقال:\nخذا حذّرا يا جارتيّ فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح\nوالعود: البعير المسن.\n٣ البيت في ديوان جران العود ص٥٣، وفي لسان العرب \"٤/ ٣٠٩\"، وكتاب سيبويه \"١/ ١٣٣\".\nومحل الشاهد في البيت قوله: \"إلا اليعافير\" فإنه استثناء من قوله: \"أنيس\" واليعافير جمع \"يعفور\" وهو الظبي الذي لونه لون التراب، أو هو ولد البقرة الوحشية، و\"العيس\" جمع \"أعيس\" و\"عيساء\" وهو من الإبل الذي يخالط بياضه شقرة.\nانظر: القاموس المحيط \"٤/ ٢٠٩\"، لسان العرب \"٤/ ٣٠٩ وما بعدها\".","vol":"2","page":87},{"text":"ولنا: أن الاستثناء: إخراج بعض ما يتناوله المستثنى منه بدليل: أنه مشتق من قولهم: \"ثنيت فلانًا عن رأيه\" و\"ثنيت العنان\" فيشعر بصرف الكلام عن صوبه١ الذي كان يقتضيه سياقه٢.\nفإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول، لولا الاستثناء، فما صرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله.\nفتكون تسميته استثناء تجوزًا باللفظ عن موضوعه، وتكون \"إلا\" ههنا بمعنى \"لكن\"٣.\nقال هذا ابن قتيبة٤. وقال: هو قول سيبويه٥، وقاله غيرهما من أهل العربية.\n_________\n١ جاء في المصباح المنير مادة \"صوب\": الصوب، وزن فلس، مثل الصواب.\n٢ قال الطوفي: \"اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ: استفعال، إما من التثنية؛ لأن المستثنى في كلامه يثني الجملة، أي: يأتي بجملة ثانية في كلامه، نحو: قام القوم إلا زيدًا، فهم منه قيام القوم، وعدم قيام زيد، فهي جملتان، أو من ثنى الفارسُ عِنان فرسه: إذا عطفه، لأن المستثنى يعطف على الجملة، فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء\". شرح مختصر الروضة \"٢/ ٥٨٠-٥٨١\".\n٣ لأن \"لكن\" يستدرك بها المتلكم خللًا وقع في كلامه أو غيره، وكذلك \"إلا\" يستدرك بها نحو ذلك.\n٤ هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، من أئمة الحديث واللغة، عدّه شيخ الإشلام ابن تيمية من أهل السنة. ولد ببغداد سنة ٢١٣هـ\" وقيل: ولد بالكوفة وتوفي سنة \"٢٧٦هـ\" على الأصح. انظر: بغية الوعاة \"٢/ ٦٣\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٦٣١\".\n٥ هو: عمرو بن عثمان بن قنبر، المعروف بسيبويه، إمام مدرسة أهل البصرة في النحو، تتلمذ على الخليل بن أحمد وأبي الخطاب الأخفش وغيرهما. من مؤلفاته \"الكتاب\" في النحو. توفي بالبيضاء سنة \"١٨٠هـ\". انظر: بغية الوعاة \"٢/ ٢٣١\" نزهة الألباء ص \"٧١\".","vol":"2","page":88},{"text":"وإذا كانت بمعنى \"لكن\" لم يكن لها في الإقرار معنى١، فلم يصح أن ترفع شيئًا منه، فتكون لاغية، فإن \"لكن\" إنما تدخل للاستدراك بعد الجحد، والإقرار ليس بجحد، فلا يصح فيه.\nولذلك: لم يأت الاستثناء المنقطع في إثبات بحال.\nالشرط الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف.\nوفي استثناء النصف وجهان.\n_________\n١ هذا جواب عن قولهم المتقدم: \"ولو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلًا\" وحاصل الجواب: أن الاستثناء المنقطع مقدر بلكن، وهي تفيد الاستدراك؛ لأن المتكلم بها يستدرك خللًا وقع في كلامه، فمثله: الاستثناء المنقطع، ويتفرع على هذا ما ذكره الخرقي في مختصره: \"ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلًا، إلا أن يستثني عينًا من ورِق، أو ورِقًا من عين\" والمراد بالعين هنا: الذهب.\nفعلى هذا يكون قوله: \"إلا أن يستثني عينًا من ورق ... \" مخالفًا لهذه القاعدة.\nوقد حمله أصحاب الإمام أحمد على الاستحسان، وحمله الطوفي على الاستثناء من الجنس البعيد، وهو أن الكل مال.\nقال الطوفي: \"ووجه الاستحسان: أن الذهب والفضة هما أثمان المبيعات، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، ومقاصدهما واحدة، فينزلا لذلك منزلة الجنس الواحد، وأما نص الخرقي على ذلك في \"المختصر\" فهذا وجهه.... ثم قال: وهو أحد القولين في المذهب.\nويفيد الخلاف في هذا الشرط أنه لو قال: له عندي مائة درهم إلا ثوبًا، أو إلا شاة أو غيرها من المتقومات، بطل الإقرار عندنا، وصح عند المخالف، ويلزمه مائة إلا قيمة ثوب، لاشتراك المستثنى والمستثنى منه في جنس المالية، وما يقع في المستثنى من جهالة تزال بالوساطة أو الصلح. قلت: وهذا راجع إلى الاستثناء من الجنس، غير أنه الجنس البعيد. \"شرح الطوفي ٢/ ٥٩٧\".","vol":"2","page":89},{"text":"وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: يجوز استثناء الأكثر.\nولا نعلم خلافًا في أنه: لا يجوز استثناء الكل١.\nواحتج من جوزه -أي: جوز الأكثر- بقوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢.\nوقال في أخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ .\nفاستثنى كل واحد منهما من الآخرن وأيهما كان الأكثر: حصل المقصود٤.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أنه لا خلاف بين العلماء في عدم صحة الاستثناء المستغرق، فلا يصح أن يقال: له علي عشرة إلا عشرة؛ لأنه يفضي إلى العبث، ويعتبر تناقضًا كليًّا.\nوفي استثناء الأكثر والنصف خلاف. واشترط قوم أن يكون أقل من النصف وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.\nقال الطوفي: \"المصحِّح لاستثناء الأكثر هم أكثر الفقهاء والمتكلمين، والمانع منه أصحابنا وبعض الفقهاء والقاضي أبو بكر في آخر أقواله.\nقال الآمدي: وقد استقبح بعض أهل اللغة استثناء عقد صحيح، واختار هو الوقف.\nقلت: مثال استثناء العقد الصحيح: له سبعون إلا عشرة\". شرح مختصر الروضة \"٢/ ٥٩٨\".\n٢ سورة ص \"٨٢-٨٣\".\n٣ سورة الحجر الآية \"٤٢\".\n٤ وجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله تعالى استثنى الغاوين من العباد، والغاوون أكثر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] .\nوقال الطوفي: \"فاستثنى في الأولى العباد المخلصين من بني آدم، وفي الثانية =","vol":"2","page":90},{"text":"وقال الشاعر:\nأدُّوا التي نَقَصَتْ تسعين مِنْ مائةٍ ... ثم ابْعَثوا حكمًا بالحقّ قَوَّاما١\nولأنه إذا جاز استثناء الأقل، جاز استثناء الأكثر.\nولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ، فجاز في الأكثر كالتخصيص.\nولنا: أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة نفوا ذلك وأنكروه٢.\nقال أبو إسحاق الزجاج٣: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير٤.\nوقال ابن جني٥: لو قال قائل: \"مائة إلا تسعة وتسعين\" ما كان متكلمًا بالعربية، وكان كلامه عيًّا من الكلام ولكنة.\n_________\n= الغاوين من العباد، وأيهما كان الأكثر حصل المقصود\". شرح المختصر \"٢/ ٥٩٩\".\n١ سيأتي نقل المصنف عن ابن فصال: أن هذا البيت مصنوع لم يثبت عن العرب، فلا يصح الاحتجاج به.\n٢ وأهل اللغة هم الحجة في هذا المقام، ولذلك نقل المصنف كلامهم الآتي.\n٣ هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة والعروض، واشتهر بالزجاج، لأنه كان يعمل في خرط الزجاج، تتلمذ على المبرد، من مؤلفاته: \"معاني القرآن\" و\"الاشتقاق\". توفي ببغداد سنة \"٣١٠هـ\" على الأرجح. انظر: بغية الوعاة \"١/ ٤١١\" وفيات الأعيان \"١١/ ١١\".\n٤ انظر: إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس \"٢/ ٥٦٥\".\n٥ هو: عثمان بن جني، أبو عثمان الموصلي، كان والده مملوكًا روميًّا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي، كان إمامًا في النحو والأدب، تلقى عن أبي على الفارسي، وبعد وفاته تولى مكانه في بغداد. من كتبه \"الخصائص\" و\"المذكر والمؤنث\" توفي سنة \"٣٩٢هـ\". انظر: بغية الوعاة \"٢/ ١٣٢\"، شذرات الذهب \"٣/ ١٤٠\".","vol":"2","page":91},{"text":"وقال القتيبي١: يقال: \"صمت الشهر كله إلا يومًا واحدًا، ولا يقال: صمت الشهر إلا تسعة وعشرين يومًا\" ويقول: \"لقيت القوم جميعهم إلا واحدًا أو اثنين\"، ولا يجوز أن يقول: \"لقيت القوم إلا أكثرهم\".\nإذا ثبت أنه ليس من اللغة: فلا يقبل.\nولو جاز هذا: لجاز في كل ما كرهوه وقبحوه.\nوأما الآية التي احتجوا بها: فقد أجيب عن احتجاجهم بها بأجوبة.\nمنها: أنه استثناء في إحدى الآيتين المخلصين من بني آدم وهم الأقل.\nوفي الأخرى: استثناء الغاوين من جميع العباد وهم الأقل، فإن الملائكة من عباد الله، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٢ وهم غير غاوين٣.\nومنها: أنه استثناء منقطع في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٤ بمعنى \"لكن\" بدليل أنه قال في آية أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ...﴾ ٥\n_________\n١ هو: عبد الله بن مسلم، المشهور بابن قتيبة. تقدمت ترجمته.\n٢ سورة الأنبياء من الآية \"٢٦\".\n٣ لم يرتض الطوفي هذه الإجابة وقال: إنها ضعيفة؛ لأن المحاورة إنما وقعت في ذرية آدم، فلا يصح ضم الملائكة إليهم، حتى يكون الغاوون بالنسبة إليهم مع ذرية آدم قليلًا. انظر: \"شرح المختصر ٢/ ٦٠٢\".\n٤ الحجر: ٤٢.\n٥ سورة إبراهيم من الآية \"٢٢\" ولم يرتضه الطوفي أيضًا. ثم قال: \"والجواب الصحيح عن الآية هو: أنا نمنع من استثناء الأكثر إذا صرح بعدد المستثنى منه، أما إذا لم يصرح به، فهو جائز باتفاق، كما إذا قال: خذ ما في هذا الكيس من =","vol":"2","page":92},{"text":"وأما البيت فليس فيه استثناء.\nمع أنه قال ابن فصال النحوي١: هذا بيت مصنوع ولم يثبت عن العرب.\nوأما القياس في اللغة٢: فغير جائز. ولو كان جائزًا: فهو جمع بغير علة٣ ومثل هذا لو جاز استثناء البعض، جاز استثناء الكل.\nويعارضه: بأنه إذا لم يجز استثناء الكل، فلا يجوز استثناء الأكثر.\nوالفرق بين القليل والكثير: أن العرب استعملته في القليل دون الكثير، فلا يقاس في لغتهم ما أنكروه على ما حسّنوه وجوّزوه.\n_________\n= الدراهم إلا الزيوف، وكانت أكثر، والآية من هذا الباب، لم يصرح فيها بعدد المستثنى منه، بل قال ﷾: \"إن عبادي\" وهو مقدار غير معين، بخلاف: له عندي مائة إلا تسعين، فهذا هو الممنوع\". المصدر السابق٥.\n١ هو: علي بن فصال بن علي بن غالب المجاشعي القيرواني، المعروف بالفرزدقي نسبة إلى جده \"الفرزدق\"، كان عالمًا بالنحو واللغة، ظل يقرئ ببغداد حتى توفي سنة \"٤٧٩هـ\" انظر: بغية الوعاة \"٢/ ١٨٣\"، والبلغة ص١٦١.\n٢ هذا رد على قولهم السابق: \"ولأنه إذا جاز استثناء الأقل جاز استثناء الأكثر\" فبين المصنف أن ذلك قياسًا في اللغة، وهو غير حجة عند كثير من العلماء. ثم عارضه برد آخر هو: قياسه على استثناء الكل، ومعناه: أن عدم جواز استثناء الكل أمر متفق عليه، فيقاس عليه: عدم جواز استثناء الأكثر؛ لأن الأكثر يأخذ حكم الكل.\nثم بين -أخيرًا- أن الحجة إنما هي في استعمال العرب؛ لأنهم أهل اللغة، وهم قد استعملوه في القليل دون الكثير، فلا يقاس ما أنكروه على ما حسنوه.\n٣ معناه: أن القياس لا بد له من علة جامعة بين الأصل والفرع، وقياس الأكثر على الأقل ليست فيه علة جامعة.","vol":"2","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>فصل: [في حكم الاستثناء بعد جمل متعددة]</span>\nإذا تعقب الاستثناء جملًا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا....﴾، وقول النبي، ﷺ: \"لا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ في سُلْطانِه، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتَه إلَّا بإِذْنِه\" ٢: رجع الاستثناء إلى جميعها، وهو قول أصحاب الشافعي٣.\nوقال الحنفية: يرجع إلى أقرب المذكورين٤ لأمور ثلاثة:\n_________\n١ سورة النور \"٤-٥\".\n٢ رواه أحمد في مسنده \"٥/ ٢٧٢\" ومسلم: كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث \"٦٧٣\" وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث \"٥٨٢\"،والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء من أحق بالإمامة حديث \"٢٣٥\". وقال: \"حديث حسن صحيح\".\nكما أخرجه ابن ماجه والنسائي والدارقطني والطيالسي، جميعهم في كتاب الصلاة، من حديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله -ﷺ- قال: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلمًا -أي: إسلامًا- ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه\" والتكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل: من فراش أو سرير أو غير ذلك مما يعد كرامة.\n٣ كما أنه رأي جمهور العلماء، مالك والشافعي وأحمد وأكثر أصحابهم. انظر: العدة \"٢/ ٦٧٨\" شرح تنقيح الفصول ص٢٤٩، المستصفى \"٣/ ٣٨٨\".\n٤ محل الخلاف بين العلماء في هذه المسألة: إذا لم توجد قرينة أو دليل على أن الاستثناء راجع إلى بعض الجمل دون البعض.","vol":"2","page":94},{"text":"أحدهما: أن العموم يثبت في كل صورة بيقين، وعود الاستثناء على جميعها مشكوك فيه، فلا يزيل -أي: العموم- المتيقن بالشك١.\n_________\n= فقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ... إلى قوله، تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الخلاف في الاستثناء هنا راجع إلى الجملتين الأخيرتين وهما قوله، تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فرجوعه إلى الجملة الأخيرة متفق عليه، ورجوعه إلى الجملة الأولى، فتقبل شهادته أو لا؟ محل الخلاف؛ فالجمهور يرون قبول شهادته، باعتبار أن الاستثناء يرجع إلى الجميع والحنفية يقولون: لا تقبل شهادته.\nولا خلاف بين الجميع في عدم رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ لأن الجلد حق الآدمي، ولا يسقط بالتوبة.\nانظر: نهاية السول \"٢/ ١٠٤ وما بعدها\" طبعة صبيح.\nومثل ذلك: ما لو قال قائل: \"نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وخيلي وقف، إلا الحيض\" فإن الاستثناء راجع إلى الجملة الأولى، بقرينة ذكر الحيض، فإنه مختص بالنساء.\nولو قال: \"إلا الزنجيين أو الهنديين\" اختص بالثانية، لأن هذه الصفات في العرف مختصة بالعبيد.\nولو قال: \"إلا الدُّهم أو العراب\" اختص بالأخيرة؛ لأن هذه صفات الخيل عرفًا.\nانظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦١٣\".\nوجمهور العلماء على أن العطف لا يشترط فيه أن يكون بالواو، بل يجوز أن يكون بثم أو غيرها من حروف العطف، واشترط بعضهم أن يكون ذلك بالواو، وأن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، وإلا عاد إلى الأخيرة فقط.\nوكون العطف في الجمل من باب الغالب، وإلا فإنه يقع في المفردات أيضًا، فلو قال: حفصة وفاطمة طالقتان إن شاء الله، فإنه يكون من هذ الباب أيضًا. انظر: التمهيد للإسنوي ص٣٩٩.\n١ معناه: أن العموم في كل جملة من الجمل المتقدمة متيقن، وعود الاستثناء جميعها مشكوك فيها، ولا يرفع المتيقن بالمشكوك، وإنما عاد إلى الأخيرة =","vol":"2","page":95},{"text":"الثاني: أن الاستثناء إنما وجب رده إلى ما قبله، ضرورة أنه لا يستقل بنفسه، فإذا تعلق بما يليه: فقد استقل وأفاد، فلا حاجة إلى تعلقه بما قبل ذلك، فلا نعلقه به، وصار كالاستثناء من الاستثناء.\nوالثالث: أن الجملة مفصول بينها وبين الأولى، فأشبه ما لو حصل فصل بينهما بكلام آخر١.\nوأدلتنا ثلاثة:\nأحدهما: أن الشرط إذا تعقب جملًا: عاد إلى جميعها، كقوله \"نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمتُ زيدًا\" فكذلك الاستثناء، فإن الشرط والاستثناء سيّان٢ في تعلقهما بما قبلهما وبغيرهما له، ولهذا يسمى التعليق بشرط مشيئة الله: استثناء، فما ثبت لأحدهما ثبت في الآخر.\nفإن قيل: الفرق بينهما: أن الشرط رتبته التقديم، بخلاف الاستثناء. قلنا: إذا تأخر الشرط فلا فرق بينهما.\nثم إن كان متقدمًا: فلم لا يتعلق بالجملة الأولى، دون ما بعدها؟\nفإذا تعلق بجميع الجمل -تقدم أو تأخر- وكذلك الاستثناء، فإنه\n_________\n= للضرورة، وهي: أن الاستثناء لا بد وأن يكون متعلقًا بشيء آخر.\n١ أي: أن الفصل بين الجمل بحرف العطف أشبه الفصل بكلام أجنبي.\n٢ في جميع النسخ \"شيئان\" ولا معنى لذلك، فإن المقصود من هذا: أن الاستثناء كالشرط في أن كلًّا منهما يفتقر إلى ما تعلق به، فكما أن الشرط متعلق بمشروطه، ولا يستقل عنه، فكذلك الاستثناء، متعلق بالمستثنى منه، ولا يستقل بدونه، وإذا ثبت أن بين الشرط والاستثناء هذا الاشتراك الخاص، وجب أن يستويا في رجوع كل منهما إلى جميع الجمل التي قبله. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٦١٤\".","vol":"2","page":96},{"text":"مساو للشرط في حال تأخره١.\nالثاني: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة٢ عيٌّ ولكنة، ولو لم يعد الاستثناء إلى الجميع، لم يقبح ذلك، بل كان متعينًا لازمًا فيما يريد فيه الاستثناء من جميع الجمل.\nالثالث: أن العطف بالواو يوجب نوعًا من الاتحاد بين المعطوف والمعطوف عليه، فتصير الجمل كالجملة الواحدة، فيصير كأنه قال: \"اضرب الجماعة الذين هم قتلة وسرّاق إلا من تاب\" ولا فرق بين هذا وبين قوله: \"اضرب من قتل وسرق إلا من تاب\"٣.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن الخصم اعترض على قياس الاستثناء على الشرط بوجود فرق بينهما، وهو: أن الشرط رتبته التقديم، بخلاف الاستثناء فإنه متأخر. فأجاب المصنف عن ذلك بثلاثة أوجه.\nالوجه الأول: قولهم: \"رتبة الشرط التقديم\" فقال: هذا في العقل، ونحن نتكلم في اللغة، ولا يلزم من توقف المشروط على الشرط وتقدمه عليه عقلًا أن لا يساوي الاسثتناء فيما ذكر.\nالوجه الثاني: أن كلامنا فيما إذا تأخر الشرط، مثل: نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، إن كلمتُ زيدًا، فهو مثل: نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، إلا أن أكلم زيدًا.\nالوجه الثالث: أنه يلزم على قولهم أن يتعلق الشرط بالجملة الأولى فقط، وهو باطل بالاتفاق، فدل ذلك على أن تقديم الشرط لا اعتبار له، وبذلك يستوي الحكم على الشرط والاستثناء. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٦١٥-٦١٦\".\n٢ كأن يقال: نسائي طوالق إلا أن أكلم زيدًا، وعبيدي أحرار إلا أن أكلم زيدًا.\n٣ معناه: أن العطف يوجب اتحادًا معنويًّا بين المعطوف والمعطوف عليه، ولهذا قدرت التثنية والجمع، نحو: الزيدان والزيدون، بالعطف، نحو: قام زيد وزيد وزيد وشبه ذلك بقولهم: \"قاموا\" فواو العطف، والجمع والضمير المتصل =","vol":"2","page":97},{"text":"وقولهم: \"إن التعميم مستيقن\": ممنوع، فإن العموم والإطلاق لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم حتى أردف باستثناء يرجع إليه١.\nثم يبطل بالشرط والصفة، وقد سلم أكثرهم عموم ذلك.\nولما ذكر الله -تعالى- خصال كفارة اليمين الثلاثة، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ٢: رجع ذلك إلى جميعها.\nوقولهم: \"إن الاستثناء إنما تعلق بما قبله ضرورة\" ممنوع، بل إنما رجع إلى ما قبله، لصلاحيته لذلك٣.\n_________\n= بالفعل، كل ذلك وأشباهه فيه اتحاد معنوي، فتكون الجمل المتعددة كالجملة الواحدة.\n١ معنى ذلك: أن المخالفين في رجوع الاستثناء إلى الجميع استدلوا بأن العموم ثابت في كل صورة بيقين، والاستثناء مشكوك فيه، والمتيقن لا يرفع المشكوك فأجاب المصنف عن ذلك: بأنه إن أرادوا أن التعميم مستيقن قبل تمام الكلام فهذا ممنوع، وإن أرادوا أنه متيقن بعد تمام الكلام، فالكلام لا يتم إلا بالاستثناء، وبعد الاستثناء لا يبقى العموم متيقنًا، حتى يكون رفعه بالشك ممنوعًا، إلا على قولهم: يتعلق بالجملة الأخيرة، ويبقى العموم فيما قبلها، وهذا هو محل النزاع.\n٢ سورة المائدة من الآية \"٨٩\" وهي قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .\nومحل الشاهل: أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ راجع إلى الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة.\n٣ هذا رد لقولهم: \"إن الاستثناء تعلق بما قبله للضرورة\" وهو أنه لا يمكن أن يستقل بنفسه، فأجاب المصنف بأنه ليس للضرورة، وإنما لصلاحية تعلق ما قبله به، والجمل كلها صالحة لذلك التعلق.","vol":"2","page":98},{"text":"ثم يبطل -أيضًا- بالشرط والصفة١.\nأما الاستثناء من الاستثناء٢: فلم يمكن عوده إلى الأول، لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي٣، فتعذر النفي من النفي.\nوهكذا كل ما فيه قرينة تصرفه عن الرجوع، لا يرجع على الأول، كقوله تعالى: ﴿... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ٤ لا يعود إلى التحرير، لأن صدقتهم إنما تكون بمالهم، فالعتق ليس حقًّا لهم.\nفصل: في الشرط\nالشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده.\n_________\n١ معناه: أن ما ذكروه من أن التعلق بالجملة الأخيرة للضرورة، يبطل بالشرط والصفة، فإن كلًّا منهما يتعلق بجميع الجمل، مع أن هذه الضرورة تندفع بتعلقهما بالجملة الأخيرة. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٦١٨-٦١٩\".\n٢ هذا رد على قولهم: \"وصار كالاستثناء من الاستثناء\".\n٣ هذا الاستشهاد إنما يصح على رأي الجمهور. أما الحنفية: فقد خالفوا في ذلك. ولهم رواية أخرى أن الاستثناء من الإثبات نفي، وأما الاستثناء من النفي فليس بإثبات. انظر: كشف الأسرار \"٣/ ١٢٦\".\nواستثنى المالكية من هذه القاعدة الأيمان فقالوا: إن الاستثناء من النفي إثبات، في غير الأيمان. انظر: الفروق للقرافي \"٢/ ٩٣\".\n٤ سورة النساء من الآية \"٩٢\" ومحل الشاهد: أن الاستثناء راجع إلى الدية لا إلى التحرير، لأنه ليس من حق الورثة حتى يصدّقوا به. ومثل ذلك كل قرينة تخرج جملة من الجمل المتقدمة على الاستثناء، وتقدم توضيح ذلك في الهامش أول الفصل.","vol":"2","page":99},{"text":"والعلة: يلزم من وجودها وجود المعلول، ولا يلزم من عدمها عدمه في الشرعيات.\nوالشرط: عقلي، وشرعي، ولغوي:\nفالعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة.\nوالشرعي: كالطهارة للصلاة، والإحصان للرجم.\nواللغوي: كقوله: \"إن دخلت الدار فأنت طالق\" و\"إن جئتني أكرمتك\" مقتضاه في اللغة: اختصاص الإكرام بالمجيء، فينزل منزلة التخصيص والاستثناء.\nوالاستثناء والشرط يغير الكلام عما كان يقتضيه لولاه حتى يجعله متكلمًا بالباقي، لا أنه يخرج من الكلام ما دخل فيه؛ فإنه لو دخل لما خرج١. فإذا قال: \"أنت طالق إن دخلت الدار\" معناه: أنك عند الدخول طالق.\nوقوله: \"له عشرة إلا ثلاثة\" معناه: له عليّ سبعة، فإنه لو ثبت له عليه عشرة: لما قدر على إسقاط ثلاثة، ولو قدر على ذلك بالكلام\n_________\n١ هذا هو المخصص الثاني من المخصصات المتصلة. ومن المعروف أن الأحكام الشرعية لها علل، وهي أسبابها المؤثرة في وجودها شرعًا، أي: هي المعرفة لها شرعًا. ولها كذلك شروط يتوقف تأثير العلل في الأحكام عليها. فالزنا -مثلًا- علة لوجوب الرجم، والإحصان شرط لتأثير هذه العلة. والزكاة لها سبب هو ملك النصاب، ولها شرط هو تمام الحول. ولذلك عرف المصنف هنا: الشرط والعلة، فذكر أن الشرط هو: ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. وأن العلة هي: ما يلزم من وجودها وجود المعلول، ولا يلزم من عدمها عدمه في الشرعيات، لجواز أن يكون له علة أخرى.\nوقد تقدم الكلام على الشرط والفرق بينه وبين العلة والمانع في الحكم الوضعي.","vol":"2","page":100},{"text":"المتصل: لقدر عليه بالمنفصل، فيصير موضوع الكلام ذلك.\nفقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ١ لا حكم له قبل إتمام الكلام، فإذا تم كان الكلام مقصورًا على من وجد منه السهو والرياء، لا أنه دخل فيه كل مصلٍّ، ثم خرج البعض، كذلك الاستثناء والشرط.\n_________\n١ سورة الماعون آية \"٤\".","vol":"2","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>فصل: في المطلق والمقيد</span>\nالمطلق: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه١، وهي النكرة في سياق الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٢.\n_________\n١ قوله: \"المتناول لواحد\" خرج به ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد. وخرج بقوله: \"لا بعينه\" المعارف، كزيد وعمرو، وخرج بباقي التعريف: المشترك، والواجب المخير، فإن كلًّا منهما يتناول واحدًا لا بعينه،\nلا باعتبار حقائق مختلفة. انظر: شرح الكوكب المنير \"٣/ ٣٩٢\".\n٢ سورة المجادلة من الآية \"٣\" وقد مشى المصنف على أن المطلق والنكرة بمعنى واحد، كالمثال المتقدم، بينما ذهب كثير من الأصوليين إلى التفرقة بينهما. فإن المطلق: هو الدال على الماهية من حيث هي، والنكرة: هي الدالة على الماهية بقيد الوحدة الشائعة. وما قاله المصنف من اتحاد المطلق والنكرة، هو اختبار بعض الأصوليين، كابن الحاجب والآمدي، وعليه عامة النحويين؛ لأن الموجود في الخارج هو الفرد، والماهية الذهنية لا وجود لها في الخارج. انظر: بيان المختصر \"٢/ ٣٤٩\" والإحكام \"٣/ ١\"، نثر الورود على مراقي السعود \"١/ ٣٢١\".","vol":"2","page":101},{"text":"وقد يكون في الخبر، كقوله، ﵇: \"لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ\" ١.\nوالمقيد: هو المتناول لمعيّن، أو غير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ٣ قيد الرقبة بالإيمان، والصيام بالتتابع.\nوقد يكون اللفظ مطلقًا مقيدًا بالنسبة٤، كقوله تعالى:\n_________\n١ للحديث طرق وشوهد كثيرة تجعله من قسم الصحيح: فقد أخرجه الدارقطني في سننه: كتاب النكاح، بلفظ: \"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل\" والشافعي: كتاب النكاح، باب: لا يصح النكاح إلا بولاية رجل، والبيهقي: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، من حديث ابن عباس ﵄.\nكما أخرجه ابن حبان في كتاب النكاح، باب ما جاء في الولي والشهود من حديث عائشة -﵂- انظر زوائد ابن حبان للهيثمي ص٣٠٥.\nومحل الشاهد في الآية: أن الرقبة جاءت مطلقة عن قيد الإيمان، كما أن لفظ \"الولي\" جاء في الحديث مطلقًا.\n٢ فهو يقابل المطلق، ومعناه: المتناول لمعين، أو غير معين، لكنه موصوف بوصف زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه، وتتفاوت مراتبه في التقييد باعتبار قلة القيود وكثرتها، فما كثرت قيوده كان أعلى رتبة مما قلت قيوده، مثل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [سورة التحريم: ٥] .\n٣ سورة النساء من الآية \"٩٢\".\n٤ أي: قد يجتمع الإطلاق والتقييد في لفظ واحد، باعتبار جهتين مختلفتين، فيكون اللفظ مطلقًا من وجه، مقيدًا من وجه آخر، كلفظ \"رقبة\" فهي مقيدة من حيث الإيمان، فلا تكفي الرقبة الكافرة. ومطلقة من حيث ما سوى الإيمان من =","vol":"2","page":102},{"text":"﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ١ مقيدة بالإيمان، مطلقة بالنسبة إلى السلامة وسائر الصفات.\nويسمى الفعل مطلقًا، نظرًا إلى ما هو من ضرورته من: الزمان، والمكان، والمصدر، والمفعول به، والآلة فيما يفتقر إلى الآلة والمحل للأفعال المتعدية، وقد يتقيد بأحدها، دون بقيتها٢ والله أعلم.\n_________\n= الأوصاف، ككمال الخلقة، والطول، والبياض وأضداد ذلك. انظر: شرح الكوكب المنير \"٣/ ٣٩٣-٣٩٤\".\n١ سورة النساء من الآية \"٩٢\".\n٢ ومعناه: أن الفعل قد يقيد ببعض مفاعيله دون بعض، فيكون مطلقًا مقيدًا بالإضافة إلى بعضها دون بعض، مثل: \"صم يوم الاثنين\" فإن الصوم مقيد من جهة ظرف الزمان، ولو قيل: \"صم في المدينة يومين\" لكان على عكس ما تقدم انظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦٣٤\".","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>فصل: [في حمل المطلق على المقيد]</span>\nإذا ورد لفظان: مطلق ومقيد، فهو على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول:\nأن يكون في حكم واحد، بسبب واحد، كقوله، ﵇: \"لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ\" ٣، وقال: \"لا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهدَيْ عَدْلٍ\" ٤، فيجب حمل المطلق على المقيد.\n_________\n= الأوصاف، ككمال الخلقة، والطول، والبياض وأضداد ذلك. انظر: شرح الكوكب المنير \"٣/ ٣٩٣-٣٩٤\".\n١ سورة النساء من الآية \"٩٢\".\n٢ ومعناه: أن الفعل قد يقيد ببعض مفاعيله دون بعض، فيكون مطلقًا مقيدًا بالإضافة إلى بعضها دون بعض، مثل: \"صم يوم الاثنين\" فإن الصوم مقيد من جهة ظرف الزمان، ولو قيل: \"صم في المدينة يومين\" لكان على عكس ما تقدم انظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٦٣٤\".\n٣ تقدم تخريج هذه الرواية قريبًا.\n٤ هذه الرواية أوردها المصنف في المغني \"٩/ ٣٦٨\" فقال: \"وروى أبو بكر البرقاني بإسناده عن جابر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل\" ولم نجدها في كتب السنة إلا عند البيهقي في كتاب النكاح =","vol":"2","page":103},{"text":"وقال أبو حنيفة: لا يحمل عليه؛ لأنه نسخ، فإن الزيادة على النص نسخ، فلا سبيل إلى النسخ بالقياس١.\nوقد بينا فساد هذا٢، فإن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣ ليس بنص في إجزاء الكافرة٤، بل هو مطلق يعتقد ظهور عمومه، مع تجويز الدليل على خصوصه، والتقييد صريح في الاشتراط، فيجب تقديمه.\n_________\n= باب: لا نكاح إلا بولي مرشد عن ابن عباس موقوفًا. السنن الكبرى \"٧/ ١٢٤\" وأورده الهيثمي في كتاب النكاح، باب ما جاء في الولي والشهود، ولم يورد فيه لفظ \"مرشد\" انظر: مجمع الزوائد \"٣/ ٢٨٦\" والحديث بلفظ \"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل\" حديث مشهور له طرق كثيرة جعلته من قسم الصحيح، كما تقدم قريبًا.\nومحل الشاهد في الحديثين: أن الأول مطلق في الولي بالنسبة إلى الرشد والغي وفي الشهود بالنسبة إلى العدالة والفسق، والثاني مقيد بالرشد في الولي، والعدالة في الشهود، وهما متحدان في السبب والحكم، فالسبب هو النكاح، والحكم: نفي النكاح بدون ولي وشهود.\n١ الصواب أن رأي الحنفية في صورة اتحاد السبب والحكم متفق -في الجملة- مع رأي الجمهور، في صورة ما إذا كان الحكم مثبتًا. انظر: كشف الأسرار \"٢/ ٢٨٧\". قال المجد ابن تيمية: \"فإن كان المطلق والمقيد مع اتحاد السب والحكم في شيء واحد، كما لو قال: \"إذا حنثتم فعليكم عتق رقبة\". وقال في موضع آخر: \"إذا حنثتم فعليكم عتق رقبة مؤمنة\" فهذا لا خلاف فيه، وأنه يحمل المطلق على المقيد، اللهم إلا أن يكون المقيد آحادًا والمطلق تواترًا، فينبني على مسألة الزيادة على النص، هل هي نسخ؟ وعلى النسخ للتواتر بالآحاد والمنع قول الحنفية\" المسودة ص١٤٦.\n٢ في مسألة: الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا؟\n٣ سورة المجادلة من الآية٣.\n٤ لأنه كما يجوز بالمؤمنة يجوز بالكافرة، فهو ظاهر في العموم، فيجوز تخصيصه، =","vol":"2","page":104},{"text":"القسم الثاني: أن يتحد الحكم ويختلف السبب، كالعتق في كفارة الظهار، والقتل، قيد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان، وأطلقها في الظهار.\nفقد روي عن الإمام أحمد -﵀- ما يدل على أن المطلق لا يحمل على المقيد، وهو اختيار أبي إسحاق بن شاقلا، وقول جل الحنفية، وبعض الشافعية١.\nواختار القاضي: حمل المطلق على المقيد٢.\nوهو قول المالكية٣، وبعض الشافعية٤، لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٥، وقال في المداينة:\n_________\n= أما التقييد فإنه صريح في اشتراط الإيمان، فيقدم على الظاهر.\nوعبارة الغزالي: \"فلو قال في كفارة القتل\". ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ثم قال فيها مرة أخرى: \"فتحرير رقبة مؤمنة\" فيكون هذا اشتراطًا، ينزل عليه الإطلاق\"، المستصفى \"٣/ ٣٩٨\".\n١ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨٣، العدة \"٢/ ٦٣٨\" كشف الأسرار \"٢/ ٢٨٧\" الإحكام للآمدي \"٣/ ٥\"، نهاية السول \"٢/ ١٤١\".\n٢ انظر: العدة \"٦٣٨ وما بعدها\".\n٣ جاء في نثر الورود \"١/ ٣٢٥\": \"وظاهر كلامه -أي: المصنف- أن أكثر العقلاء لا يحمل أحدهما على الآخر وأنهما سواء في ذلك، ليس كذلك، لأن حمل المطلق على المقيد فيما إذا اتحد الحكم واختلف السبب قال به جل الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية\". وفي الإشارات للباجي ص٤١: \"أكثر المالكية على أنه لا يحمل المطلق على المقيد إلا بدليل يقتضي ذلك\".\n٤ وهل هذا الحمل من قبيل اللغة، أو على القياس عليه؟ خلاف بين أصحاب هذا المذهب. انظر في ذلك: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب \"٢/ ١٥٦\".\n٥ سورة الطلاق من الآية٢.","vol":"2","page":105},{"text":"﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ١، ولم يذكر عدلان ولا يجوز إلا عدل، فظاهر هذا حمل المطلق على المقيد.\nولأن العرب تطلق في موضع، وتقيد في موضع آخر، فيحمل أحدهما على صاحبه.\nكما قال٢:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك أرض والرأي مختلف\nوقال آخر:٣\nوما أدري إذا يمّمتُ أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني\nأألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني\n_________\n١ سورة البقرة من الآية: ٢٨٢.\n٢ الشاعر هو: قيس بن الحطيم بن عدي بن عمرو الخزرجي، من شعراء الجاهلية توفي قبل ظهور الإسلام، وابنه ثابت بن قيس من الصحابة.\nوالبيت من قصيدة له مطلعها:\nرد الخليطُ الجمالَ فانقبضا\nوقطّعوا من وصالك السببا\nوالخليط: المجاور في الدار. انظر: ديوان قيس بن الحطيم ص١٧١، ٢٣٩، تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد، الكتاب لسيبويه \"١/ ٣٧\".\nومحل الشاهد: أنه حذف من الشطر الأول عبارة \"راضون\" لدلالة قوله: \"راض\" عليها في الشطر الثاني، والتقدير: نحن بما عندنا راضون.\n٣ الشاعر هو: المثقب العبدي. والبيتان من قصيدة له مطلعها:\nأفاطم قبل بَيْنِك متّعيني\nومنعك ما سألت كأن تبيني\nانظر: ديوان المثقب العبدي ص٢١٢، معاني القرآن للفراء \"١/ ٢٣١\"، الشعر والشعراء لابن قتيبة \"١/ ٣٩٦\".\nومحل الشاهد في قوله: \"أريد الخير\" فإن التقدير: وأتوقى الشر.","vol":"2","page":106},{"text":"وقال أبو الخطاب: يبني عليه من جهة القياس١؛ لأن تقييد المطلق كتخصيص العموم، وذلك جائز بالقياس الخاص على ما مر٢.\nفإن كان ثَمَّ مقيدان بقيدين مختلفين ومطلقًا: ألحق بأشبههما به وأقربهما إليه٣.\nومن نصر الأول٤ قال: هذا تحكم محض يخالف وضع اللغة، إذ لا يتعرض القتل للظهار، فكيف يرفع الإطلاق الذي فيه؟\nوالأسباب المختلفة تختلف -في الأكثر- شروط واجباتها.\nثم يلزم من هذا تناقض؛ فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار، وبالتفريق في الحج، حيث قال تعالى:\n_________\n١ انظر: التمهيد \"٢/ ١٨١\".\n٢ في قول المصنف: \"التاسع: قياس نص خاص إذا عارض عموم نص آخر فيه وجهان\".\nقال الطوفي في شرحه \"٢/ ٦٤٠\": \"معنى هذا الكلام\" أن يحمل المطلق على المقيد إن وافقه قياس دل عليه، قياسًا على تخصيص العام بالقياس، كما سبق، وإن لم يوافقه قياس لم يحمل المطلق على المقيد\".\n٣ معنى ذلك: أنه إذا وجد لفظ مطلق، ومقيدان متضادان، حمل المطلق على ما هو أشبه به وأقرب إليه من المقيدين المتضادين، وهو تفريع على القول بحمل المطلق على المقيد، ومن أمثلة ذلك: غسل الأيدي في الوضوء، ورد مقيدًا بالمرافق، كما في الآية الكريمة، وورد مقيدًا بالكوع في السرقة بالإجماع المستند إلى السنة، فقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر -﵄- أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة. ومسح الأيدي في التيمم ورد مطلقًا، فهل يلحق بالسرقة، فيقيد بالكوع، أو بالوضوء في تقييده بالمرافق. ولهذا خرج الخلاف انظر شرح الطوفي \"٢/ ٦٤٥\".\n٤ أي: مذهب القائلين بعدم حمل المطلق على المقيد.","vol":"2","page":107},{"text":"﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ١، ومطلق في اليمين، فعلى أيهما يحمل؟\nوفي المواضوع التي استشهدوا بها: كان التقييد بأمر آخر٢، والله أعلم.\nالقسم الثالث:\nأن يخلف الحكم: فلا يحمل المطلق على المقيد، سواء اتفق السبب أو اختلف، كخصال الكفارة، إذا قيد الصيام بالتتابع، وأطلق الإطعام٣؛ لأن القياس شرطه: اتحاد الحكم، والحكم ههنا مختلف٤.\n_________\n١ سورة البقرة من الآية \"١٩٦\".\nوقد اعترض الشيخ الطوفي على هذا التمثيل فقال: \"أما تردد صوم كفارة اليمين بين صوم الظهار والحج، فمثال ذكره الشيخ أبو محمد، وفيه نظر؛ لأن الصوم في كفارة اليمين ما ورد عن الشرع إلا مقيدًا بالتتابع، بناء على أن العمل بقراءة ابن مسعود، ﵁: \"فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" وأنها إما قرآن، أو خبر، كما سبق، نعم يصح تمثيل الشيخ أبي محمد بناء على قول من لا يرى التتابع فيهن وضرب الأمثلة في أصول الفقه لا يختص بمذهب\" شرح المختصر \"٢/ ٦٤٥-٦٤٦\".\n٢ أي: القائلون بحمل المطلق على المقيد، وهو ما تقدم من شروط العدالة في المداينة، وفي الشواهد الشعرية. ويقصد المصنف أن التقييد لم يكن بحمل المطلق على المقيد، وإنما من قرائن خارجية.\n٣ هذا مثال لاتفاق السبب.\nومثال اختلاف السبب: الأمر بالتتابع في كفارة اليمين، على قراءة ابن مسعود وإطلاق الإطعام في كفارة الظهار.\n٤ معناه أن المطلق والمقيد لما كان حكمهما بالنظر إلى كل واحد منهما منفردًا مختلفًا عن الآخر، كان فائدة حمل أحدهما على الآخر: اتحاد الحكم، فلما كان حكمهما مختلفًا امتنع حمل أحدهما على الآخر. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٦٤٤\".","vol":"2","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>باب: في الفحوى والإشارة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>فصل: فيما يقتبس من الألفاظ من فحوها وإشارتها لا من صيغها </span>١\nوهي خمسة أضرب.\nالأول: يسمى اقتضاء.\n_________\n١ الدليل الشرعي: إما منقول، وإما معقول، أو ثابت بالمنقول والمعقول.\nفالمنقول: الكتابة والسنة، ودلالتهما: إما من منطوق اللفظ، أو من غير منطوق اللفظ.\nفالأول يسمى منطوقًا، كفهم وجوب الزكاة في السائمة في قوله، ﵊: \"في سائمة الغنم الزكاة\".\nوالثاني يسمى فحوى ومفهومًا، كفهم عدم وجوب الزكاة في المعلوفة في الحديث المتقدم.\nوالدليل المعقول: القياس، لأنه يستفاد بواسطة النظر العقلي.\nأما الدليل الثابت بالمنقول والمعقول: فالإجماع.\nفقول المصنف: \"لا من صيغها\" يخرج المنطوق؛ لأنه مستفاد من الصيغة. فيبقى ما لا يستفاد منه الصيغة، وهو ما يطلق عليه: الفحوى، أو الإشارة، أو الإيماء، أو لحن الخطاب. فكلها بمعنى واحد فالفحوى في اللغة معنى القول.\nوالإشارة معناها: الإيماء، يقال: أومأ إليه باليد، أي: أشار إليه، إلا أن الإيماء أعم؛ لأن الإشارة لا تكون إلا باليد، أما الإيماء فقد يكون باليد وقد يكون بغيرها. =","vol":"2","page":109},{"text":"وهو ما يكون من ضرورة اللفظ١، وليس بمنطوق به: إما أن لا يكون المتكلم صادقًا إلا به، كقوله: \"لا عمل إلا بنية\"٢، أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعًا بدونه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ....﴾ ٣ أي: فأفطر فعدَّة، وقولهم: \"أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه\" يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به٤.\nأو من حيث يمتنع وجوده عقلًا بدونه، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٥ يتضمن إضمار الوطء ويقتضيه.\n_________\n= واللَّحنْ: مأخوذ من اللَّحن بالتحريك، أي: قلت قولًا يفهمه عنك، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ سورة محمد \"٣٠\" أي: معناه. انظر: شرح مختصر الروضة \"٢/ ٧٠٥ وما بعدها.\n١ أي: يتوقف صدق المتكلم، أو صحة الملفوظ به عليه عقلًا، أو شرعًا كما سيأتي التمثيل لذلك.\n٢ تقدم تخريج الحديث على الرواية المشهورة: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\" أما هذه الرواية فقال عنها صاحب كشف الخفا \"١/ ١٦٦\": \"وورد بألفاظ مختلفة، بيناها في أوائل \"الفيض الجاري\" منها: العمل بالنية، ومنها: \"لا عمل إلا بالنية\".\nومحل الشاهد: أن التقدير: \"لا عمل صحيح إلا بنية\"؛ لأن الأعمال كلها كالصلاة والصوم وسائر العبادات يمكن وجودها بدون نية، فكان إضمار \"الصحة\" من ضرورة صدق الكلام.\n٣ سورة البقرة من الآية: \"١٨٤\"، وتقدير الكلام: أو على سفر فأفطر، فعليه صوم عدة من أيام أخر؛ لأن قضاء الصوم إنما يجب إذا أفطر في سفره، أما إذا صام في سفره فلا موجب للقضاء.\n٤ لأنه لا يعتق عن الإنسان إلا ما كان ملكًا له، فوجب تصحيح هذا العتق، وهو أن يقدر دخول العبد في ملك القائل حتى يتفرع عليه العتق.\n٥ سورة النساء من الآية \"٢٣\" ومحل الشاهد: أن العقل يحيل إضافة التحريم إلى =","vol":"2","page":110},{"text":"ويجوز أن يلقب هذا بالإضمار، ويقرب من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.\nالضرب الثاني: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب: كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ يفهم منه: كون السرقة علة، وليس بمنطوق به، ولكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام.\nوكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ٢ أي: لبرهم ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٣ أي: لفجورهم.\nوهذا قد يسمى \"إيماء\" و\"إشارة\" و\"فحوى الكلام\" و\"لحنه\" وإليك الخيرة في تسميته.\nالضرب الثالث: التنبيه:\nوهو فهم الحكم في المسكوت من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، ومعرفة وجود المعنى في المسكوت بطريق الأولى، كفهم تحريم الشتم والضرب من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٤.\nولا بد من معرفتنا المعنى في الأدنى، ومعرفة وجوده في الأعلى.\n_________\n= الأعيان، فوجب إضمار فعل يتعلق به التحريم، وهو الوطء. انظر في توضيح ذلك كله: شرح الطوفي \"٢/ ٧١٠-٧١١\".\nوهذه الصورة كلها تسمى \"دلالة الاقتضاء\" لأن اللفظ يقتضيها لتصحيح الكلام.\n١ سورة المائدة من الآية \"٣٨\".\n٢ سورة الانفطار الآية \"١٣\".\n٣ سورة الانفطار الآية \"١٤\".\n٤ سورة الإسراء من الآية \"٢٣\".","vol":"2","page":111},{"text":"فلولا معرفتنا أن الآية سيقت للتعظيم للوالدين؛ لما فهمنا منع القتل، إذ قد يقول السلطان، إذا أمر بقتل ملك لمنازعته له في ملكه: اقتله، ولا تقل له: أف.\nويسمى مفهوم الموافقة، وفحوى اللفظ.\nواختلف أصحابنا في تسميته قياسًا.\nفقال أبو الحسن الجزري١ وبعض الشافعية: هو قياس؛ لأنه إلحاق المسكوت بالمنطوق في الحكم، لاجتماعهما في المقتضى، وهذا هو القياس٢.\nوإنما ظهر فيه المعنى، فسبق إلى الفهم من غير تأمل، فأشبه القياس فيما ظهرت العلة فيه بنص أو غيره٣، مثل: قياس الجوع المفرط على الغضب في المنع من الحكم؛ لكونه يمنع كمال الفكر٤.\nوقياس الزيت على السمن في حكم النجاسة إذا وقعت فيه، في حال جموده، أو كونه مائعًا بغير الفأرة٥.\n_________\n١ تقدمت ترجمته.\n٢ ويسمى قياس الأولى، أو مفهوم الموافقة.\n٣ معناه: لو قيل: إن القياس يحتاج إلى تأمل واستنباط علة، وهذا ليس كذلك، فأجاب المصنف عن هذا بقوله: \"وإنما ظهر فيه المعنى إلخ\".\n٤ روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، من حديث أبي بكر نفيع بن الحارث، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا يقضي القاضي وهو غضبان\". فيقاس عليه كل ما يؤدي إلى اضطراب الخاطر، وضعف إدراك الحكم، كالجوع المفرط ونحوه.\n٥ روى البخاري وأبو داود وغيرهما عن سفيان بن عيينة، حدثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل عنها رسول الله -ﷺ- فقال: \"ألقوها وما حولها وكلوه\". =","vol":"2","page":112},{"text":"وقال القاضي أبو يعلى، والحنفية، وبعض الشافعية، ليس بقياس١، إذ هو مفهوم من اللفظ من غير تأمل ولا استنباط، بل يسبق على الفهم حكم المسكوت مع المنطوق من غير تراخ، إذا كان هو الأصل في القصد، والباعث على النطق، وهو أولى في الحكم.\nومن سماه قياسًا: سلم أنه قاطع، فلا تضره تسميته قياسًا٢\nوقد يلتحق بهذا الفن ما يشبهه٣ من وجه، ولا يفيد القطع، كقولهم: \"إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة\" فهذا ليس بقاطع، إذ لا يبعد أن يقال: الفاسق متهم في دينه، والكفار يحترز من الكذب لدينه.\nوأما الفاسد من هذا الضرب٤: فنحو قولهم: \"إذا جاز السلم في\n_________\n= وجاء في المصنف لعبد الرزاق \"٢٧٨\" وأبو داود \"٣٨٤٢\" وابن حبان \"١٣٩٤\" عن معمر عن الزهري، عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: سئل النبي -ﷺ- عن الفأرة تقع في السمن، قال: \"إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا لا تقربوه\". فيقاس الزيت على السمن في التنجيس، بوقوع النجاسة فيه، بجامع السراية. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧١٧\".\n١ وسماه الحنفية \"دلالة النص\" انظر: كشف الأسرار \"١/ ٧٣\".\n٢ قال الطوفي -بعد أن ذكر أدلة الفريقين- قلت: دليل المسألة متجاذب، وكأن ما قاله الآمدي أرجح\" شرح المختصر \"٢/ ٧٢٠\" فكأنه يريد أن يقول: إن الخلاف في المسألة خلاف لفظي، وإن كان يرجح ما ذهب إليه القائلون بأن هذا المفهوم ليس من باب القياس، وإنما هو من قبيل فحوى الدلالة اللفظية.\n٣ معناه: أن مفهوم الموافقة ينقسم إلى قطعي في دلالته، كما تقدم في تحريم سائر أنواع الإيذاء من النهي عن التأفيف، وإلى ظني غير قطعي، كالأمثلة التي ذكرها المصنف، من رد شهادة الكافر وغيره.\n٤ معناه: أن مفهوم الموافقة إما قاطع وإما ظني، كما تقدم، وإما فاسد، كالمثال الذي ذكره وهو السلم.","vol":"2","page":113},{"text":"المؤجل: ففي الحال أجوز، ومن الغرر أبعد\" فإنه لا بد من اشتراكهما في المقتضى، وليس المقتضى لصحة السلم المؤجل: بعده من الغرر ليلتحق به الحال، بل الغرر مانع، احتمل في المؤجل، والحكم لا يصح لعدم مانعه، بل لوجود مقتضيه.\nولو كان بُعده من الغرر علة الصحة فما وجدت في الأصل، فكيف يصح الإلحاق؟\nالضرب الرابع: دليل الخطاب:\nومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه.\nويسمى مفهوم المخالفة؛ لأنه فهم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق -أيضًا- مفهوم.\nومثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ١ و\"في سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ\" ٢ يدل على انتقال الحكم في المخطئ٣ والمعلوفة٤. وهذا حجة في قول إمامنا٥، والشافعي، ومالك، وأكثر المتكلمين٦.\n_________\n١ سورة المائدة من الآية \"٩٥\".\n٢ تقدم تخريجه\n٣ فتخصيص الجزاء بالعمد في قتل الصيد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة ٩٥] . يدل على نفي وجوب الجزاء في قتل الصيد خطأ، وهو أحد قولين لأهل العلم.\n٤ أي: أن تخصيص وجوب الزكاة بالسائمة يدل على أنها لا تجب في المعلوفة.\n٥ أي: الإمام أحمد رحمه الله تعالى، انظر: العدة \"٢/ ٤٤٨\".\n٦ وجماعة من أهل العربية: كأبي عبيدة وغيره، بالشروط التي ذكرها علماء الأصول ما عدا مفهوم اللقب فليس بحجة على الأصح.","vol":"2","page":114},{"text":"وقالت طائفة منهم١، وأبو حنيفة٢: لا دلالة له، لأمور خمسة:\nأحدها: أنه يحسن الاستفهام، فلو قال: \"من ضربك عامدًا فاضربه\" حسن أن تقول: \"فإن ضربني خاطئًا هل أضربه؟ \" ولو دل على النفي: لما حسن الاستفهام فيه كالمنطوق.\nالثاني: أن العرب تعلق الحكم على الصفة مع مساواة المسكوت عنه٣، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ٤، ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ ٥، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ٦ فالمسكوت -أيضًا- محتمل للمساواة وعدمها، فلا سبيل إلى دعوى النفي بالتحكم.\n_________\n١ أي: من المتكلمين.\n٢ وكذلك أصحابه، وأبو بكر الباقلاني، وابن سريج، والقفال، والشاشي، وجمهور المعتزلة. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧٢٥\".\nوقال أبو عبد الله البصري: إن كان ذلك قد ورد للبيان أو التعليم، دل على نفي الحكم في محل السكوت، وإلا فلا، المصدر السابق.\n٣ العبارة فيها قصور، وعبارة الغزالي في المستصفى \"٣/ ٤١٦\": \"المسلك الثالث: أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة، تارة مع مساواة المسكوت عنه للمنطوق، وتارة مع المخالفة، فالثبوت للموصوف معلوم منطوق، والنفي عن المسكوت محتمل، فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة، ودليل آخر.\nأما دعوى كونه مجازًا عند الموافقة، حقيقة عند المخالفة، فتحكم بغير دليل، يعارضه عكسه من غير ترجيح\".\n٤ سورة النساء من الآية \"٢٣\".\n٥ سورة النساء من الآية \"١٠٢\".\n٦ سورة البقرة من الآية \"٢٢٩\".","vol":"2","page":115},{"text":"الثالث: أن تعليقه الحكم على اللقب، والاسم العلَم لا يدل على التخصيص، ومنع ذلك بهت واختراع على اللغات، إذ يلزم من أن يكون قوله: \"زيد عالم\" كفر؛ لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته.\nويلزم من قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ١ نفي الرسالة عن غيره، وذلك كفر.\nالرابع: أنه كما أن للعرب طريقًا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين مع السكوت عن الباقي: فلها طرق في الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول: \"رأيت الظريف، وقام الطويل\" فلو قال، بعد: \"والقصير\" لم يكن مناقضة.\nالخامس: أن التخصيص للمذكور بالذكر قد يكون لفائدة سوى تخصيص الحكم به:\nفمنها: توسعة مجاري الاجتهاد، لينال المجتهد فضيلته٢.\nومنها: الاحتياط على المذكور بالذكر، كي لا يفضي اجتهاد بعض الناس إلى إخراجه من عموم اللفظ بالتخصيص.\nومنها: تأكيد الحكم في المسكوت، لكون المعنى فيه أقوى كالتنبيه٣.\nومنها: معان لا يطلع عليها٤.\n_________\n١ سورة الفتح من الآية \"٢٩\".\n٢ لأن تخصيص الشيء بالذكر مع احتمال الاختصاص بالحكم وعدمه يحتاج إلى نظر واجتهاد، يحصل به فضيلة النظر، والثواب على قدر المشقة.\n٣ وهو دلالة الأدنى على ما هو أعلى منه، ويسمى بالقياس الأولوي، كما في دلالة النهي عن التأفيف على الشتم أو الضرب في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ .\nأي: أسباب ومقتضيات يبطنها المتكلم ولا اطلاع لنا عليها","vol":"2","page":116},{"text":"فلا سبيل إلى دعوى عدم الفائدة بالتحكم١\nفلا ينكر الفرق بين المنطوق والمسكوت، لكن من حيث أن الأصل عدم الحكم في الكل، فبالذكر يبين ثبوته، في المذكور، وبقي المسكوت عنه على ما كان عليه، لم يوجد في اللفظ نفي له ولا إثبات له.\nفإذًا: لا دليل في اللفظ على المسكوت بحال.\nوعماد الفرق: نفي وإثبات.\nفمستند الإثبات: الذكر الخاص.\nومستند النفي: الأصل.\nوالذهن إنما ينبه على الفرق عن الذكر الخاص، فيسبق إلى الأوهام العامية أن الاختصاص والفرق من الذكر، لكن أحد طرفي الفرق حصل من الذكر، والآخر كان حاصلًا في الأصل.\nوهذا دقيق لأجله غلط الأكثرون٢.\n_________\n١ معناه: أنه ما دام محتملًا لهذه المعاني، فدعواكم: أن فائدته نفي الحكم عما عداه تحكم وترجيح بلا مرجح.\n٢ خلاصة هذا الكلام: أنه إن اعترض أحد بأنكم بكلامكم هذا ساويتم بين المنطوق والمسكوت، مع أنه من المتفق عليه أن بينهما فرقًا. فأجاب النافون لحجية مفهوم التكليف، أي: عدم وجود حكم بالنسبة للمنطوق والمسكوت. إلا أن تخصيص الشيء بالذكر أثبت للمنطوق حكمًا، وبقي المسكوت عنه على أصل براءة الذمة، لعدم وجود دليل يدل على إثبات حكم له.\nفخلاصته: أن عندنا إثبات ونفي.\nفالإثبات ثبت بالذكر وهذا هو الدليل في المنطوق.\nوالدليل الذي استند إليه النفي هو: القاعدة السابقة وهي: عدم الحكم، أو البراءة الأصلية.","vol":"2","page":117},{"text":"ولنا دليلان١:\nأحدهما: أن فصحاء أهل اللغة يفهمون من تعليق الحكم على شرط، أو وصف: انتفاء الحكم بدونه، بدليل: ما روى يعلى بن أمية٢ قال: قلت لعمر بن الخطاب، ﵁: ألم يقل، تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣، فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله -ﷺ- فقال: \"صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته\" رواه مسلم٤.\nفهما٥ من تعليق إباحة القصر على حالة الخوف: وجوب الإتمام حال الأمن، وعجبا من ذلك.\n_________\n= فالحكم في المنطوق ثبت بالدليل الخاص، أما المسكوت فلم يثبت من مفهوم الدليل الخاص، وإنما هو ثابت بالقاعدة الأصلية قبل النطق.\n١ أي: على أن مفهوم المخالفة حجة.\n٢ هو: يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي الحنظلي، صحابي جليل، أسلم عام الفتح، وشهد حنينًا والطائف وتبوك، كان مشهورًا بالسخاء والكرم، شهد واقعة \"صفين\" مع علي -﵁- وقتل فيها سنة \"٣٨هـ\". انظر: الاستيعاب \"٤/ ١٥٨٥\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٠٠\".\n٣ سورة النساء من الآية \"١٠١\".\n٤ في كتاب صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافر وقصرها، وأبو داود: باب صلاة المسافر، والنسائي: كتاب تقصير الصلاة في السفر، والترمذي: كتاب التفسير باب من سورة البقرة، وابن ماجه: كتاب الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر، والدارمي: كتاب الصلاة، باب قصر الصلاة في السفر، وأحمد في المسند \"١/ ٢٥-٢٦\".\n٥ أي: يعلى بن أمية وعمر -﵄- وهما من فصحاء العرب، وقولهما حجة.","vol":"2","page":118},{"text":"فإن قيل: الإتمام واجب بحكم الأصل فلما استثنى حالة الخوف: بقيت حالة الأمن على مقتضاه، فلذلك عجبا؛ حيث خولف الأصل.\nثم الآية حجة لنا١، فإنه لم يثبت انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فدل على انتفاء الدليل٢.\nقلنا: ليس في القرآن آية تدل على وجوب التمام، بل قد روي عن عمر -﵁- وهو صاحب القصة، وعائشة، وابن عباس: \"أن الصلاة إنما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر\"٣.\nفدل على أن فهمهم: وجوب الإتمام وتعجبهم إنما كان لمخالفة دليل الخطاب، وإنما ترك دليل الخطاب لدليل آخر كما قد يخالف العموم.\nولما قال النبي، ﷺ: \"يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الأَسْوَدُ\" قال عبد الله بن الصامت٤ لأبي ذر٥: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟\n_________\n١ أي: القائلون بأن مفهوم المخالفة ليس حجة.\n٢ أي الدليل الذي استدل به الجمهور وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ...﴾ إلى آخر القصة.\n٣ روى البخاري ومسلم عن عائشة -﵂- قالت: \"أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر\".\nوفي رواية أخرى للبخاري: \"أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجرﷺ- ففرضت أربعًا، وأقرت صلاة السفر على الأول\".\nزاد الإمام أحمد: \".....إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها القراءة\" سبل السلام \"٢/ ٣٧\".\n٤ هو: عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، روى عن عمه أبي ذر الغفاري وعمر وعثمان، وروى عنه أبو العالية وغيره، وثقه النسائي وغيره، تابعي ثقة. انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال \"٢/ ٦٧\".\n٥ هو: جندب بن جنادة بن سفيان، أبو ذر الغفاري، من السابقين إلى الإسلام، =","vol":"2","page":119},{"text":"فقال: سألت رسول الله -ﷺ- كما سألتني فقال: \"الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ\" ١. ففهما من تعليق الحكم على الموصوف بالسواد: انتفاءه عما سواه.\nولأن النبي -ﷺ- لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: \"لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّراوِيلاتِ وَلَا الْبَرانِسَ\" ٢. فلولا أن تخصيصه المذكور بالذكر يدل على إباحة لبس ما سواه: لم يكن جوابًا للسائل عما يجوز للمحرم لبسه.\nالدليل الثاني: أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة، فإن استوت السائمة والمعلوفة: فلم خص السائمة بالذكر، مع عموم الحكم، والحاجة إلى البيان شاملة للقسمين؟\n_________\n= كان زاهدا متقللًا من الدنيا، قال عنه ابن عمر: \"والله ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر\" توفي بالربذة سنة ٣٢هـ. انظر: الإصابة \"٤/ ٦٣\"، حلية الأولياء \"١/ ١٥٦، ٣٥٢\".\n١ رواه مسلم: كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، والترمذي: باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة، والنسائي: كتاب القبلة، باب ما يقطع الصلاة، كما رواه ابن ماجه وأحمد في مسند أبي ذر -﵁- قال رسول الله، ﷺ: \"إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخر الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود.....\".\n٢ أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، وباب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، كما أخرجه في أماكن أخرى من صحيحه. كذلك أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وأبو داود، كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم، والإمام أحمد في المسند \"١/ ٢١٥، ٢٢١، ٢٢٨، ٢٧٩، ٢٨٥، ٣٢٧\".","vol":"2","page":120},{"text":"بل لو قال: \"في الغنم الزكاة\" لكان أخصر في اللفظ، وأعم في بيان الحكم، فالتطويل لغير فائدة يكون لكنة في الكلام وعيًّا، فكيف إذا تضمن تفويت بعض المقصود؟!\nفظهر أن القسم المسكوت عنه غير مساو للمذكور في الحكم.\nاعترضوا عليه من أربعة وجوه:\nأحدها: أنكم جعلتم طلب الفائدة طريقًا إلى معرفة الوضع١.\nوينبغي أن يعرف الوضع، ثم تترتب عليه الفائدة، أما أن يكون الوضع يتبع معرفة الفائدة: فلا.\nالثاني: لِمَ قلتم: إنه لا فائدة سوى اختصاص الحكم؟\nفلئن قلتم: ما علمنا له فائدة.\nقلنا: فلعل ثَمَّ فائدة لم يعثروا عليها، وعدم العلم بعدم الفائدة ليس علمًا بعدمها.\nالثالث: يبطل بمفهوم اللقب، فلِمَ لم يقولوا: إن تخصيص الأشياء الستة٢ في الربا يوجب اختصاصها به، وإن تخصيص سائمة الغنم يمنع وجوبها في بقية المواشي؟\nالرابع: أن من التخصيص فائدة سوى ما ذكرتم، على ما قدمناه٣.\nويحتمل أن السؤال وقع عنها، أو اتفقت المعاملة فيها، أو غير ذلك من أسباب لا يطلع عليها.\n_________\n١ وهو ما قاله الجمهور في الدليل الثاني.\n٢ وهي ما جاء في الحديث المشهور: \"الذهب بالذهب والورق بالورق ... \".\n٣ في الدليل الخامس للمنكرين لحجية مفهوم المخالفة.","vol":"2","page":121},{"text":"الجواب:\nأما الأول: فغير صحيح، فإن الاستدلال على الشيء بآثاره وثمراته جائز غير ممتنع في طرف النفي والإثبات، فإننا استدللنا على عدم الاشتراك في الصور المتنازع فيها بإخلاله بمقصود الوضع، وهو التفاهم.\nواستدللنا على عدم إلهٍ ثان بعدم وقوع الفساد١.\nفإذ قد علمنا: أن كلام الله -تعالى- لا يخلو من فائدة، وأنه لا فائدة للتخصيص سوى اختصاصه بالحكم، فيلزم منه ذلك ضرورة.\nوأما الثاني٢: فإن قصر الحكم عليه فائدة متيقنة، وما سواها أمر موهوم يحتمل العدم والوجود، فلا يترك المتيقن لأمر موهوم، كيف والظاهر عدمها؟ إذ لو كان ثم فائدة لم تخف على الفطن العالم بدقائق الكلام مع بحثه وشدة عنايته، فجرى هذا مجرى الاستدلال باستصحاب الحال المشروط بعدم الدليل الشرعي.\nوأما مفهوم اللقب: فقد قيل: إنه حجة٣.\nثم الفرق بينهما ظاهر، وهو: أن تخصيص اللقب يحتمل حمله على أنه لم يحضره ذكر المسكوت عنه٤.\nوهذا يبعد فيما إذا ذكر أحد الوصفين المتضادين؛ لأن ذكر الصفة يذكر ضدها، وهو منتف بالكلية فيما إذا ذكر الوصف العام، ثم وصفه بالخاص، فظهر احتمال المفهوم.\n_________\n١ وذلك في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .\n٢ أي: الاعتراض الثاني من الاعتراضات المتقدمة.\n٣ سيأتي الكلام على حجيته وموقف العلماء منها.\n٤ أي: أن المتكلم حينما يقول: \"زيد عالم\" لم يخطر بباله نفي العلم عن غيره.","vol":"2","page":122},{"text":"وأما الثالث١: فباطل؛ فإن النبي -ﷺ- بعث للبيان والتعليم٢، والتبيين للأحكام من المقاصد الأصيلة التي بعث لها، والاجتهاد ثبت ضرورة، لعدم إمكان بناء كل الأحكام على النصوص، فلا تظن أن النبي -ﷺ- ترك ما بعث له، لتوسعة مجاري الضرورات، ثم يفضي إلى محذور، وهو نفي الحكم في الصورة التي هو ثابت فيها.\nوأما الفائدة الثانية والثالثة٣: فلا تحصل؛ لأن الكلام فيما إذا كان المسكوت أدنى في المعنى من المنطوق في المقتضى، أو مماثلًا له.\nفالتخصيص إذًا يكون بعيدًا.\nوأما إذا كان المسكوت أعلى في المعنى: فهو التنبيه، وقد سبق الكلام فيه.\nوأما الرابع٤: فأمور موهومة، فلا يترك لها المتيقن، لما ذكرنا٥. وقولهم: \"يحسن الاستفهام عنه\" ممنوع٦.\n_________\n١ أي: الاعتراض الثالث.\n٢ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]\n٣ والتي سبق ذكرها في قوله: \"ومنها: الاحتياط على المذكور بالذكر، ومنها: تأكيد الحكم في المنطوق....\".\n٤ أي: الاعتراض الرابع.\n٥ في قوله في الدليل الثاني: \"فإن قصر الحكم عليه فائدة متيقنة، وما سواها أمر موهوم....\".\n٦ وضح الطوفي سبب المنع في شرحه \"٢/ ٧٣٢-٧٣٣\" فقال: \"الجواب عن هذا، إنما حسن الاستفهام من السامع، لعدم نصوصية التخصيص اللفظي الحكمي، وعدم قطعيته في ذلك، أي: ليس نصًّا في ذلك ولا قاطعًا، بل هو ظافر فيه كالعام، فإنه لو قال قائل: \"أكرم الرجال\" لحسن من السامع أن يقول: \"وزيدًا =","vol":"2","page":123},{"text":"وأما إذا قال: \"من ضربك متعمدًا فاضربه\" فلا يحسن أن يقال: \"من ضربني خاطئًا، هل أضربه؟ \" لكن يحسن أن يقال: \"فالخاطئ ما حكمه\"؟\nأو ما أصنع به\"؟ وهذا غير ما دل عليه الخطاب.\nولو سلمنا: فيحسن الاستفهام، ليستفد التأكيد في معرفة الحكم، كما يحسن الاستفهام في بعض صور العموم١.\nوقولهم: \"إن العرب تعلق الحكم على ما لا ينتفي عند عدمه\"٢.\nقلنا: لا ننكر هذا إذا ظهر للتخصيص فائدة سوى اختصاص الحكم به: إما لكونه الأغلب، أو غير ذلك.\nوالكلام فيما إذا لم يظهر له فائدة. والله أعلم.\nفصل في درجات أدلة الخطاب\nاعلم أن ههنا صورًا أنكرها منكرو المفهوم، بناء على أنها منه، وليست منه، وهي ثلاثة:\n_________\n= أيضًا\" أكرم؟ وليس ذلك لعدم تناول الرجال زيدًا، بل لعدم نصوصيته فيه، فالاستفهام إنما هو لتحصيل النصوصية والقطع فيما استفهم عنه، لا لعدم إفادته التخصيص\".\n١ في فصل ألفاظ العموم.\n٢ في الدليل الثاني للنافين لحجية مفهوم المخالفة","vol":"2","page":124},{"text":"الأولى: قوله: \"لا عَالم إلا زيد\"١ فهذه أنكرها غلاة منكري المفهوم٢.\nوقالوا: هو نطق بالمستثنى، وسكوت عن المستثنى منه، فما خرج بقوله: \"إلا\" فمعناه: أنه لم يدخل في الكلام، فصار الكلام مقصورًا على الباقي، والمستثنى غير متعرض له بنفي ولا إثبات.\nوهذا فاسد: فإن هذا صريح في الإثبات والنفي: فمن قال: \"لا إله إلا الله\" مثبت للإلهية لله -سبحانه- نافٍ لها عمن سواه.\nوقولهم: \"لا سيف إلا ذو الفقار\" و\"لا فتى إلا علي\" نفي وإثبات\n_________\n١ وهي المعبر عنها بأن الاستثناء من النفي إثبات، وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بأن الإجماع منعقد على أن قولنا: \"لا إله إلا الله\" إثبات الإلهية لله ﷾، وهو استثناء من نفي، وتقديره: لا إله موجود إلا الله.\n٢ من الحنفية ومن سار على مذهبهم. وقالوا: إن الاستثناء من النفي ليس بإثبات، لأنه لو كان إثباتًا، لكان قوله، ﷺ: \"لا صلاة إلا بطهور\" و\"لا نكاح إلا بولي\" يقتضي صحة الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود الولي، لأنه مستثنى من نفي الصلاة والنكاح، لكن ذلك غير مسلم، لجواز تخلف صحة الصلاة عند وجود الطهور، لانتفاء شرط آخر، وكذلك صحة النكاح مع وجود الولي. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧٣٧-٧٣٨\".\nوأجاب الطوفي عن هذا الاستدلال فقال: \"إن هذا الذي ذكرتموه ليس من باب الاستثناء، لأن الاستثناء يصدق على المستثنى فيه بعد \"إلا\" اسم المستثنى منه وهو ما قبلها، أو يكون ما بعد \"إلا\" جزءًا مما قبلها ... وإذا عرفت هذا فالطهور والولي لا يصدق عليهما اسم ما قبلهما، ولا هما جزء منه، إذ الطهور ليس بصلاة ولا جزئها، والولي ليس بنكاح ولا جزئه، بل من باب انتفاء الحكم لانتفاء شرطه\".","vol":"2","page":125},{"text":"يقينًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي.\nفهذا من صريح اللفظ، لا من مفهومه.\nفأما قوله: \"لا صلاة إلَّا بطهورٍ\" ١ و\"لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ\" ٢ فإن هذه صيغة الشرط، ومقتضاها: نفي الصلاة عند انتفاء الطهارة.\nوأما وجودها عند وجودها: فليس منطوقًا بل هو على وفق قاعدة المفهوم، فإن نفي شيء عند انتفاء شيء لا يدل على إثباته عند وجوده، بل يبقى كما كان قبل النطق.\nفالمنطوق به: الانتفاء عند النفي فقط؛ فإن قوله: \"لا صلاة\" ليس فيه تعرض للطهارة، بل للصلاة فقط، وقوله: \"إلا بطهور\" إثبات للطهور الذي لم يتعرض له الكلام، فلم يفهم منه إلا الشرط٣.\n_________\n١ رواه الطبراني في الأوسط: كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء من طريق عيسى بن سبرة عن أبيه عن جده قال: صعد رسول الله -ﷺ- المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"أيها الناس: لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\".\nوروى مسلم: كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، والترمذي: أبواب الطهارة، باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور، وابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، عن ابن عمر -﵄، أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تقبل صلاة إلا بطهور\" قال الترمذي: \"هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب\" وقد تقدم وجه استدلال الحنفية ومن معهم بهذا الحديث ومثله حديث الربا الآتي.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ تقدم توضيح ذلك من كلام الشيخ الطوفي، رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":126},{"text":"الصورة الثانية، قوله: \"إنما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\" ١.\nفهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة، وبعض منكري المفهوم على إنكاره. وقالوا: هو إثبات فقط، لا يدل على الحصر؛ لأن \"إنما\" مركبة\n_________\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري في عدة مواضع: في كتاب الصلاة، باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، وفي كتاب الشروط، باب الشروط في البيع، وفي كتاب الأطعمة، باب الأدم، وغير ذلك من حديث عائشة ﵂، مرفوعًا.\nكما أخرجه مسلم: كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، وأبو داود: كتاب العتق، باب بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة، والترمذي: كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء أن الولاء لمن أعتق.\nوالصورة الثانية التي سيتحدث عنها المصنف هي: الحصر بإنما.\nقال عنها الطوفي: \"إنما: لا يقع بعدها إلا جملة خبرية، والجملة الخبرية إما اسمية نحو: \"الولاء لمن أعتق\" و\"الأعمال بالنيات\"، أو فعلية نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وقول القائل: إنما قام زيد، فإن وقع بعد \"إنما\" جملة اسمية اقتضت حصر المبتدأ في الخبر، كالولاء لمن أعتق، والأعمال فيما وقع بالنيات، وزيد في القيام في قولنا: إنما زيد قائم.\nوإن وقع بعدها جملة فعلية، اقتضت حصر الفعل في الفاعل، كالقيام في زيد في قولنا: إنما قام زيد.\nومعنى الحصر: أن المبتدأ لا يكون متصفًا إلا بالخبر، وإن كان الخبر صفة لغيره، نحو: إنما زيد قائم، فزيد لا يتصف إلا بالقيام، وإن اتصف بالقيام عمرو وبكر، وكذلك الفعل لا يتصف به إلا الفاعل، وإن اتصف الفاعل بغيره من الأفعال، نحو: إنما قام زيد، فالقيام لا يوجد إلا في زيد، وإن وجد من زيد ضرب، وقتل، وغير ذلك من الأفعال.\nفإذا عرف معنى الحصر، فإنما يقتضيه عند قوم، خلافًا لمنكري المفهوم\" شرح مختصر الروضة \"٢/ ٧٤٠-٧٤١\".","vol":"2","page":127},{"text":"من \"إن\" و\"ما\" و\"إن\" للتوكيد، و\"ما\" زائدة كافة١، فلا تدل على نفي، كما لو قال: \"إنما النبي محمد\".\nوهذا فاسد٢، فإن لفظة \"إنما\" موضوعة للحصر والإثبات: تثبت المذكور، وتنفي ما عداه؛ لأنها مركبة من حرفي نفي وإثبات: \"إن\" للإثبات و\"ما\" للنفي فتدل عليهما.\nولذلك لا تستعمل في موضع لا يحسن فيه النفي والاستثناء منه، كقوله، تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣ و﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٤ و﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ ٥، كما قال: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ ٦، وقول النبي، ﷺ: \"إنما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ\" ٧، مثل قوله: \"لا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ\" ٨\nوقال الشاعر٩:\nأنا الرجل الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي\n_________\n١ أي: تكف \"إن\" وأخواتها عن العمل فيما بعدها، وتهيئها للدخول على الجملة الفعلية، وهذه الحروف كانت قبل دخول \"ما\" عليها مختصة بالدخول على الأسماء عاملة فيها: وإذا ثبت أنها كافة لم تكن نافية، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧٢٤-٧٤٣\".\n٢ هذا رد ابن قدامة على دليل الحنفية ومن معهم.\n٣ سورة النساء من الآية \"١٧١\".\n٤ سورة فاطر من الآية \"٢٨\".\n٥ سورة \"ص\" من الآية \"٦٥\".\n٦ سورة الأحقاف من الآية \"٩\".\n٧ سبق تخريجه والروايات الواردة فيه قريبًا\n٨ تقدم تخريجه.\n٩ هو: همام بن غالب بن صعصعة التيمي، المعروف بالفرزدق، من شعراء الطبقة الأولى الإسلاميين، توفي بالبصرة سنة \"١١٠هـ\". انظر: معجم الشعراء =","vol":"2","page":128},{"text":"وقولهم: \"إنها إثبات فقط\": غير صحيح١\nوقولهم: \"إنما النبي محمد\" فهذا اختراع على اللغة لم يسمع به.\nبلى لو قال: \"إنما العالم زيد\": ساغ ذلك مجازًا، لتأكيد العلم في \"زيد\" كما قال: \"ولا فتى إلا علي\" يريد بذلك تأكيد الفتوة فيه، وهذا مجاز، لا تترك الحقيقة له إلا بدليل٢.\nفالقول فيه كالقول في الاستثناء بإلا من النفي بلا فرق.\nالصورة الثالثة٣: قوله، ﵇: \"الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ\" ٤\nو\"تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ\" ٥.\n_________\n= للمرزباني ص٤٦٥، ديوان الفرزدق \"٢/ ١٥٣\".\nومحل الشاهد في البيت: أنه حصر المدافعة عن الأحساب فيه، أو في مثله، فدل ذلك على أنها للحصر.\n١ لأن المفهوم منها في غالب مواقعها واستعمالاتها الحصر، وهو المتبادر إلى أفهام أهل اللغة، كما وردت في صريح الحصر في العديد من الآيات القرآنية التي تقدم ذكر بعضها.\n٢ يريد: أنها استعملت في الحصر في كثير من المواضع، في اللغة، وفي القرآن، وفي السنة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فلا تحمل على غير ذلك إلا بدليل.\n٣ وهي ما يعبر عنها بحصر المبتدأ في الخبر.\n٤ أخرجه البخاري: كتاب الشفعة، باب الشفعة ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة. عن جابر، ﵁ \"قضي رسول الله -ﷺ- بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة\".\nكما أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في الشفعة، والترمذي: كتاب الأحكام، باب ما جاء إذا حدت الحدود، ووقعت السهام فلا شفعة، والنسائي: كتاب البيوع، باب الشركة في الرباعي والإمام أحمد في المسند \"٣/ ٢٩٦\".\n٥ أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، وباب الإمام يُحدث بعدما =","vol":"2","page":129},{"text":"وهذا يلتحق بالصورة التي قبله، وإن كان دونه في القوة.\nووجهه: أن الاسم المحلى بالألف واللام يقتضي الاستغراق وأن خبر المبتدأ يجب أن يكون مساويًا للمبتدأ، كقولنا: \"الإنسان بشر\" أو أعم منه كقولنا: \"الإنسان حيوان\".\nولا يجوز أن يكون أخص منه، كقولنا: \"الحيوان إنسان\".\nفلو جعلنا التسليم أخص من تحليل الصلاة: كان خلاف موضوع اللغة.\nولو جعلنا الشفعة فيما يقسم: لم يكن كل الشفعة منحصرًا فيما لم يقسم، وهو خلاف الموضوع١.\n[درجات دليل الخطاب]\nفأما ما هو من دليل الخطاب: فعلى درجات ست:\n[مفهوم الغاية]\nأولها: هو مد الحكم إلى غاية بصيغة \"إلى\" أو \"حتى\". كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٢، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٣.\n_________\nيرفع رأسه من آخر ركعة، والترمذي: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها، وابن ماجه: كتاب الصلاة، باب مفتاح الصلاة الطهور، والإمام أحمد في المسند \"١/ ١٢٣، ١٢٩\".\n١ وحصر المبتدأ في الخبر له صورتان:\nإحداهما: ما ذكره المصنف.\nالثانية: أن تكون الجملة معرفة الطرفين: مثل: \"المنطلق زيد\" وللحصر صور أخرى كثيرة تكفلت ببيانها كتب البلاغة.\n٢ سورة البقرة من الآية \"٢٣٠\".\n٣ سورة البقرة من الآية \"١٨٧\".","vol":"2","page":130},{"text":"أنكره بعض منكري المفهوم، لأن النطق إنما هو بما قبل الغاية، وما بعدها مسكوت عنه، وكل ما له ابتداء: فغايته مقطع ابتدائه، فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، وقبل البداية لم يكن فيه دليل على نفي ولا إثبات، فليكن بعدها كذلك.\nولنا: مع ما سبق من الأدلة١: أن ﴿حَتَّى تَنْكِح﴾ ليس بمستقل، ولا يصح حتى يتعلق بقوله: ﴿فَلا تَحِلُّ لَه﴾ ولا بد فيه من إضمار وهو \"حتى تنكح زوجًا غيره فتحل له\".\nولهذا يقبح الاستفهام لو قال قائل: \"فإن نكحت هل تحل له؟ \"\nولأن الغاية نهاية، ونهاية الشيء مقطعه؛ فإن لم يكن مقطعًا: فليس بنهاية ولا غاية٢.\n[مفهوم الشرط]\nالدرجة الثانية: التعليق على شرط، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ٣.\nأنكره قوم٤، لأنه يجوز تعليق الحكم بشرطين، كما يجوز\n_________\n١ أي: التي تقدمت في حجية مفهوم المخالفة عمومًا\n٢ قال الشيخ الطوفي \"٢/ ٧٦١\": \"واعلم أن هذه المسألة محل نظر وتردد، فلا سبيل فيها إلى القطع بشيء، أما من حيث الظن، فالظن مع مثبتي مفهوم الغاية لغة وعرفًا\".\n٣ سورة الطلاق من الآية٦.\n٤ من المنكرين لحجية مفهوم المخالفة وهم: أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار، وأبو عبد الله البصري، والغزالي، وهو الذي اختاره الآمدي.","vol":"2","page":131},{"text":"بعلتين١، فإن قوله: \"احكم بالمال إن شهد به شاهدان\" لا يمنع الحكم به بالإقرار، وبالشاهد واليمين. ولا يكون نسخًا، ولهذا جوّزناه بخبر الواحد.\nولنا: ما سبق٢.\nوتعليقه بشرطين؛ لأن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر في ثبوت الحكم به، لا يمنع من انتفاء الحكم عند انتفائهما، كما لو صرح فقال: \"لا تحكم إلا بشاهدين أو إقرار\"٣.\nوجوزناه بخبر الواحد؛ لأنه تخصيص، وتخصيص العام بخبر الواحد جائز.\n[اقتران الاسم العام بصفة خاصة]\nالدرجة الثالثة: أن يذكر الاسم العام، ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدلال٤ والبيان كقوله: \"في الغَنَم السَّائمةِ الزَّكاةُ\" أو: في\n_________\n١ بيان ذلك: أن تعليق الحكم بشرط لا يمنع تعليقه بشرطين فأكثر، وإذا جاز تعليقه بشرطين، لم يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الحكم، لوجود الشرط الآخر. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧٦٢\".\n٢ أي: من الأدلة على حجية مفهوم المخالفة مطلقًا.\n٣ عبارة الطوفي: \"ورد هذا الاستدلال: بأن الأصل عدم الشرط الثاني، والأصل التعليق على شرط واحد؛ لأنه مستقل بتصحيح تأثير المؤثر، فالزائد خلال الأصل، فلا يعتبر تقريره. وحينئذ يصح ما ذكرناه، من انتفاء الحكم لانتفاء شرطه المعلق به، فإن ثبت تعليقه على شرط ثان فصاعدًا، لدعوى الحاجة إليه اعتبرناه، ولم نحكم بانتفاء الحكم إلا بانتفاء جميع شروطه كانتفاء الحكم عند انتفاء البينة والإقرار\". شرح مختصر الروضة \"٢/ ٧٦٢\".\n٤ هكذا في جميع النسخ، ولعلها محرفة، والأصل \"الاستدراك\" وهي هكذا في =","vol":"2","page":132},{"text":"سَائِمةِ الغَنَم الزَّكاةُ\" ١، و\"مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثمَرتُهُ لِلْبَائِعِ\" ٢ فهو حجة –أيضًا– طلبًا لفائدة التخصيص٣.\n[مفهوم التقسيم]\nوفي معنى هذه الدرجة: إذا قسم الاسم إلى قسمين، فأثبت في قسم منهما حكمًا، يدل على انتفائه في الآخر، إذ لو عمهما: لم يكن للتقسيم فائدة.\n_________\n= المستصفى. قال الطوفي: \"أي: بذكر الصفة الخاصة عقيب ذكر الاسم العام، فيكون مستدركًا لعمومه بخصوص الصفة، مبينًا أن المراد بعمومه الخصوص\" شرح المختصر \"٢/ ٧٦٤\".\n١ أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، من حديث أنس بن مالك -﵁- مرفوعًا وهو الحديث الذي روي فيه كتاب أبي بكر -﵁- وبيّن فيه أحكام الزكاة التي فرضها رسول الله -ﷺ- وجاء فيه: \" ... وفي صدقة الغنم في سائمتها زكاة، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ... \".\nكما أخرجه عنه أبو داود: كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، والنسائي: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، والدارقطني: كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم.\n٢ أخرجه البخاري: كتاب المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم: كتاب البيوع، باب: من باع نخلًا عليها ثمر من حديث عبد الله بن عمر، ﵄.\nكما أخرجه أبو داود والترمذي، ومالك في الموطأ \"٢/ ٦١٧\" وأحمد في المسند \"٢/ ٧٨\"، \"٥/ ٣٢٦\" ولفظه: \"من باع نخلًا قد أبرت، فثمرها للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع\".\nوالتأبير: شق طلع النخلة ليذرّ فيه شيء من طلع ذكر النخل.\n٣ يشير بذلك إلى قوله في الدليل الثاني على حجية مفهوم المخالفة: \"إن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة....\".","vol":"2","page":133},{"text":"ومثاله: قوله، ﵇: \"الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ\" ١.\n[مفهوم الصفة]\nالدرجة الرابعة: أن يخص بعض الأوصاف التي تطرأ وتزول بالحكم، كقوله: \"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّها\" ٢ فيدل على أن ما عداه بخلافه، طلبًا للفائدة في التخصيص٣.\nوبه قال جل أصحاب الشافعي.\nواختار التميمي٤: أنه ليس بحجة.\n_________\n١ أخرجه البخاري: كتاب الحيل، باب في النكاح، ومسلم: كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، وأبو داود: كتاب النكاح، باب في الثيب، والترمذي: باب ما جاء في استئمار البكر والثيب من أبواب النكاح.\nكما رواه النسائي وابن ماجه والدارمي، ومالك وأحمد.\nومحل الشاهد من الحديث: أن الأيم هي التي فارقت زوجها، ولما خص الرسول الله -ﷺ- البكر بالاستئذان، فدل ذلك على نفيه عن الأيم.\nوقد بين المصنف أن هذا النوع يلتحق بالنوع الذي قبله، وهو تعقيب الاسم العام بصفة خاصة، فتقسيم الاسم أو الصنف إلى قسمين: وتخصيص كل قسم منهما بحكم، يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧٦٥\".\nوفي شرح الكوكب المنير \"٣/ ٥٠٥\": \"ووجه ذلك: أن تقسيمه إلى قسمين، وتخصيص كل واحد بحكم يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، إذ لو عمهما لم يكن للتقسيم فائدة، فهو من جملة مفهوم المخالفة\".\n٢ تقدم قريبًا.\n٣ أي: أن تخصيصه بالصفة لا بد له من فائدة، وإلا لكان عبثًا، كما تقدم في الدليل الثاني من أدلة القائلين بحجية مفهوم المخالفة.\n٤ من علماء الحنابلة. تقدمت ترجمته.","vol":"2","page":134},{"text":"وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين.\nوالفرق بين هذه الصورة وما قبلها: أن ذكر الثيب يظهر معه أنه ذاكر للبكر، ويحتمل الغفلة عن الذكر، فصار المفهوم ظاهرًا.\nوعند ذكره الوصف الخاص مع العام انقطع احتمال عدم الحضور، فصار المفهوم ههنا أظهر١.\n[مفهوم العدد]\nالدرجة الخامسة: أن يخص نوعًا من العدد بحكم، كقوله: \"لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا المَصَّتَانِ\" ٢ و\"لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنَ الْقَطْرَةِ\n_________\n١ معناه: أن هناك فرقًا بين مفهوم الصفة وما قبله، وهو تعقيب الاسم العام بصفة خاصة، وهو: أن المتكلم قد يغفل عن ضد الوصف الذي علق عليه الحكم، كالبكارة في قوله، ﷺ: \"والبكر تستأذن\" فيحتمل أن يغفل عن الثيب، حتى يقصد نفي الاستئذان عنها، وكذلك قوله: \"الثيب أحق بنفسها\" يحتمل أن البكر لم تخطر بباله، حتى يقصد نفي أحقيتها بنفسها عنها. بخلاف العام الذي تعقبته الصفة، فإن هذا الاحتمال منتف فيه؛ لأنه لما ذكر اللفظ العام لزم استحضار الصنفين في ذهنه. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧٦٧\".\n٢ للحديث روايات عدة، منها: ما أخرجه مسلم: كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان من حديث أم الفضل، مرفوعًا، بلفظ \"لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان\"، وابن ماجه بنحوه في كتاب النكاح، باب: لا تحرم المصة ولا المصتان.\nوأخرجه الدارقطني في كتاب الرضاع عن زيد بن ثابت -﵁- مرفوعًا، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في الرواية محمد بن العباس، وقد سأله عن الرضاع فقال: عن النبي، ﷺ: \"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان\" فأرى الثلاثة تحرم. العدة \"٢/ ٤٥٠\".","vol":"2","page":135},{"text":"والْقَطْرَتَيْنِ\" ١ فيدل على: أن ما زاد على الاثنين بخلافهما.\nوبه قال مالك، وداود، وبعض الشافعية.\nوخالف فيه أبو حنيفة٢، وجل أصحاب الشافعي.\nوالكلام فيه قد تقدم٣.\n_________\n= وجاء في المغني لابن قدامة \"٨/ ١٤٠\": \"إن الصحيح من مذهب الحنابلة: أن العدد المحرم هو خمس رضعات فضاعدًا\".\n١ أخرجه الدارقطني: كتاب الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن بلفظ ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دمًا سائلًا\". من حديث أبي هريرة، ﵁.\n٢ وبعض أصحابه.\n٣ أي: من الأدلة على حجية المخالفة عمومًا. وقد استدل بعض العلماء على حجية مفهوم العدد بأدلة أخرى كثيرة، منها: أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ...﴾ [التوبة: ٨٠] قال النبي، ﷺ: \"لأزيدن على السبعين\" رواه البخاري حديث رقم \"٤٦٧٠\" عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: لما توفي عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله -ﷺ- فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسأزيد على السبعين\" قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله -ﷺ- فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] .\nومحل الشاهد من ذلك: أن النبي -ﷺ- فهم أن حكم ما فوق السبعين مخالف لما قبلها، وهو -ﷺ- أعلى أهل اللغة رتبة فيها، فدل ذلك على حجية مفهوم العدد. =","vol":"2","page":136},{"text":"[مفهوم اللقب]\nالدرجة السادسة: أن يخص اسمًا بحكم، فيدل على أن ما عداه بخلافه. الخلاف فيها كالخلاف في التي قبلها.\nوأنكره الأكثرون، وهو الصحيح؛ لأنه يفضي إلى سد باب القياس.\nوأن تنصيصه على الأعيان الستة في الربا يمنع جريانه في غيرها١ ولا فرق بين كون الاسم مشتقًا كالطعام٢، أو غير مشتق كأسماء الأعلام٣، والله تعالى أعلم.\n_________\n= قال الشوكاني: \"والحق ما ذهب إليه الأولون، والعمل به معلوم من لغة العرب ومن الشرع، فإن من أمر بأمر وقيده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد أو نقص عنه، فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص، كان هذا الإنكار مقبولًا عند من يعرف لغة العرب، فإن ادّعى المأمور أنه قد فعل ما أمر به، مع كونه نقص عنه، أو زاد عليه، كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب\" إرشاد الفحول \"٢/ ٦٥\".\n١ معناه: أنه لو كان مفهوم اللقب حجة، لمنع التنصيص على تحريم الربا في الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت -﵁- من أن يجري الربا في غيرها، لأن مستند القائلين بحجيته: أن فائدة تخصيصه بالذكر: هي قصر الربا على هذه الأصناف الستة، فيلزم على ذلك عدم ثبوت الربا في غيرها وهذا باطل، فإن الربا قد ثبت في كل ما وجدت فيه العلة كالذرة، والسمسم، وأشباهها من المكيلات، والحديد والرصاص والنحاس، وغيرها من الموزونات، والفواكه وغيرها من المطعومات، وهذا يدل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة. انظر: شرح الطوفي \"٢/ ٧٧٢-٧٧٣\".\n٢ فإنه مشتق من الطعم.\n٣ مثل قولنا: زيد عالم، وكالحنطة والشعير والتمر والملح والذهب والفضة.\nقال الطوفي: الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات =","vol":"2","page":137},{"text":"......................................................................................\n_________\n= كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة\" شرح المختصر \"٢/ ٧٧٥\".\nشروط العمل بمفهوم المخالفة:\nهناك شروط وضعها القائلون بحجية مفهوم المخالفة، فإن لم تتحقق لم يكن حجة باتفاق، ولم يذكرها المصنف وهي:\nأولًا: أن لا يكون للقيد الذي قيد به النص فائدة أخرى غير إثبات خلاف حكم المنطوق للمسكوت، كالترغيب والترهيب، أو التنفير أو التفخيم، أو تأكيد الحال أو الامتنان، أو غير ذلك من الفوائد التي يمكن أن تكون مقصودة للشارع، غير نفي الحكم عما عدا المذكور.\nومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً....﴾ [آل عمران: ١٣٠] فوصف الربا بكونه \"أضعافًا مضاعفة\" إن جاء للتنفير من أمر ظالم كان عليه أهل الجاهلية، حيث كان المرابي يزيد في الربا كلما زاد في أجل الدين، حتى كان المال يبلغ أضعاف أصل الدين، مما يؤدي إلى استئصال مال الغريم، فنوهت الآية الكريمة بهذا الوصف، تشنيعًا على المرابين، وتوجيهًا لهم إلى واقع تصرفهم المقيت، لا لتقييد الحكم بهذا الوصف.\nوعلى هذا فأصل الربا محرم، كثيرًا كان أو قليلًا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ...﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩] .\nثانيًا: أن لا يكون قد خرج مخرج الغالب، كما في قوله تعالى، في شأن المحرمات من النساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ ...﴾ [النساء ٢٣]، فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، بدليل أن الله -تعالى- قيد تحريم بنت الزوجة بالدخول بالأمهات، والحل بعدم الدخول، فلو كانت الربيبة حرامًا؛ لوجودها في حجر الزوج فقط، لما كان للتعليل بالدخول معنى: انظر: القرطبي \"٥/ ١١٢\".","vol":"2","page":138},{"text":".......................................................................\n_________\n= ثالثًا: أن لا يعارض مفهوم المخالفة ما هو أقوى منه، كأن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، أو مساويًا له، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] فقد دلت الآية بمنطوقها على حرمة أكل مال اليتيم، كما دلت بمفهومهما، على أن غير الأكل مثل الأكل، كالإحراق أو التبديد، لأن هذا هو الذي يتبادر فهمه من علة التحريم.\nرابعًا: أن لا يكون جوابًا لسؤال سائل، ولا لحادثة خاصة بالمذكور، مثل: أن يسأل سائل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيجاب: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون المفهوم هنا حجة باتفاق العلماء. إرشاد الفحول [٢/ ٥٩] .\nخامسًا: أن يكون الكلام الذي ذكر فيه القيد مستقلًا، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا يكون حجة.\nومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ...﴾ [البقرة: ١٨٧] فإن تقييد كون الاعتكاف في المساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من مباشرة زوجته مطلقًا، والاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، فلا يكون هذا المفهوم حجة. المهذب للشيرازي \"١/ ١٩٤\".\nسادسًا: أن لا يوجد في الواقعة المسكوت عنها دليل خاص بها، لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم.\nومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ [النساء: ١٠١] فقد دلت الآية الكريمة على جواز قصر الصلاة في حالة الخوف من تقييد الحكم بالشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وهذا القيد يدل بمفهوم المخالفة على عدم جواز القصر حالة الأمن، إلا أن هذا المفهوم ألغي لوجود نص خاص به، فقد ورد أن يعلى بن أمية سأل عمر بن الخطاب -﵁- فقال: ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟! فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله -ﷺ- فقال: \"صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته\" تقدم تخريجه.\nفقد تعارض في مسألة قصر الصلاة حالة الأمن حكمان: أحدهما: مستفاد من =","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>باب: القياس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>فصل: تعريف القياس</span>\n...\nباب: القياس\nالقياس في اللغة: التقدير، ومنه: \"قست الثوب بالذراع\": إذا قدرته به١.\nقال الشاعر٢، يصف جراحة أو شجة:\nإذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت ... غثيثتها أو زاد وهيًا هزومها٣.\n_________\nمفهوم المخالفة من الآية الكريمة، وثانيهما: من منطوق الحديث الشريف، ولا شك أن دلالة المنطوق أقوى من دلالة مفهوم المخالفة. انظر في هذه الشروط مختصر المنتهى مع شرح العضد \"٢/ ١٧٤\"، الإحكام للآمدي \"٣/ ٩٣-٩٤\"، شرح مختصر الروضة \"٢/ ٧٧٥\" شرح الكوكب المنير \"٣/ ٤٨٩ وما بعدها\" إرشاد الفحول \"٢/ ٥٩\".\n١ قال الجوهري: قستُ الشيء بالشيء، أي: قدّرته على مثاله، يقال: قست، أقيس، وأقوس، فهو من ذوات الياء والواو، ونظائره في اللغة كثيرة، والمصدر: قيسًا وقوسًا، بالياء والواو. انظر: الصحاح \"٣/ ٩٦٧\".\nويطلق القياس في اللغة على المساواة أيضًا، سواء أكانت حسية أم معنوية، فمن أمثلة الأول: قست هذا الكتاب بهذا الكتاب، ومن أمثلة الثاني: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه. انظر: لسان العرب \"٨/ ٧٠\" القاموس المحيط \"٢/ ٢٤٤\".\nقال الطوفي: \"واعلم أنا قد بينا أن القياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم، وهو في الشرع تسوية خاصة بين الأصل والفرع، فهو كتخصيص لفظ الدابة ببعض مسمياتها، فهو حقيقة عرفية، مجاز لغوي\". شرح المختصر \"٣/ ٢١٩\".\n٢ هو: خداش بن بشر بن خالد، أبو زيد التميمي المعروف بالبعيث: خطيب، شاعر، من أهل البصرة. قال فيه الجاحظ: أخطب بني تميم، كانت بينه وبين جرير مهاجاة دامت نحو أربعين سنة. توفي بالبصرة سنة ١٣٤هـ.\nانظر ترجمته في: الشعر والشعراء لابن قتيبة \"١/ ٤٩٧\"، الأعلام \"٢/ ٣٠٢\".\n٣ الآسي، بالمد: الطبيب. والنِّطاسي: بكسر النون أو فتحها: العالم بالطب، فهو =","vol":"2","page":140},{"text":"\"وقاس الطبيب الجراحة\": إذا جعل فيها الميل١ يقدّرها به، ليعرف غورها.\nوهو في الشرع:\nحمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما٢.\nوقيل: حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل، لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل.\nوقيل: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما، أو نفيهما٣ عنهما.\nومعاني هذه الحدود متقاربة٤.\nوقيل: هو الاجتهاد\n_________\n= وصف للآسي: ومعنى \"أدبرت\": وليت. ومعنى \"غثيثها\": ما في الجرح من صديد ولحم ميت يؤلم المجروح. وقوله: \"هزومها\" الهزوم: غمز الشيء باليد، فتصير فيه حفرة، كما تغمز القربة فتنهزم في جوفها. وقد أورد له ابن منظور هذا البيت في معرض كلامه على معنى كلمة \"نطس\". انظر: لسان العرب \"مادة: نطس\".\n١ الميل: آلة يدخلها الطبيب في الجرح ليعرف عمقه، ويسمى \"المسبار\" لأن الطبيب يختبر به الجرح، والسبر في اللغة: الاختبار.\n٢ المراد بالحمل: التسوية بين الأصل والفرع في الحكم.\n٣ أي: نفي الحكم أو الصفة.\n٤ هذا مسلم في التعريف الأول والثاني، أما الثالث فغير مسلم، فإن قوله: \"من إثبات حكم أو صفة لهما، أو نفيهما عنهما\" غير صحيح، فإن القياس يثبت حكم الفرع فقط، أما حكم الأصل فمعلوم، وإلا فكيف يقاس عليه؟\nوهذه التعريفات جارية على أن حكم الفرع هو نفس حكم الأصل.\nوهناك اتجاه آخر يرى أن حكم الفرع ليس هو حكم الأصل، وإنما هو مثله، ولذلك عرفه القرافي بأنه: إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لأجل اشتباههما =","vol":"2","page":141},{"text":"وهو خطأ، فإن الاجتهاد قد يكون بالنظر في العمومات وسائر طرق الأدلة، وليس بقياس.\nثم لا ينبيء في العرف١ إلا عن بذل المجهود، إذ من حمل خردلة لا يقال: اجتهد.\nوقد يكون القياس جليًّا٢ لا يحتاج إلى استفراغ الوسع وبذل\n_________\n= في علة الحكم عند المثبت\".\nفقوله: \"مثل حكم معلوم\" يدل على أنه مثله لا عينه.\nوقوله: \"عند المثبت\" ليشمل القياس الصحيح والفاسد؛ لأن علة القياس قد تكون منصوصة، وقد تكون مستنبطة، فتختلف فيها وجهة نظر العلماء، كما اختلفوا في علة الربا في الأمور الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت، هل هي الكيل، أو الطعم، أو الوزن، أو الاقتيات؟ فإذا قلنا: إن كل مجتهد مصيب، كان ذلك قياسًا شرعيًّا صحيحًا، وإذا قلنا: إن المجتهد يصيب ويخطئ، كان المصيب واحدًا، وغيره مخطئ. فيكون قياسه فاسدًا، ومع ذلك فهو داخل في التعريف.\nانظر: الإحكام للآمدي \"٣/ ١٨٣\" شرح مختصر الروضة \"٣/ ٢٢٠\" وما بعدها\"\n١ أي: عرف علماء الشرع، وحاصل الرد على هذا التعريف: أن لفظ \"القياس\" ينبئ عن معنى التقدير والاعتبار، والاجتهاد لا ينبئ عن ذلك، وهذا نقض للتعريف من جهة اللفظ.\nوأما من جهة المعنى: فإنه منقوض بالنظر في العمومات ومواقع الإجماع وغيرها من طرق الأدلة، فإنه اجتهاد وليس بقياس.\nكما أن لفظ الاجتهاد ينبئ عن بذل الجهد في النظر، والقياس قد يكون جليًّا لا يحتاج على نظر واجتهاد.\nفالحاصل: أن تعريف القياس بالاجتهاد تعريف بالأعم، فإن الاجتهاد أعم من القياس، إذ كل قياس اجتهاد، وليس كل اجتهاد قياسًا. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٢٢٤\".\n٢ القياس ينقسم إلى عدة أقسام، باعتبارات مختلفة، ومن هذه الأقسام انقسامه إلى جلي، وخفي. =","vol":"2","page":142},{"text":"الجهد. ولا بد في كل قياس من أصل، وفرع، وعلة، وحكم.\nفأما إطلاق القياس على المقدمتين اللتين يحصل منهما نتيجة: فليس بصحيح؛ لأن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر، ويقدر به، فهو اسم إضافي بين شيئين على ما ذكرناه في اللغة١.\n_________\n= فالجلي: هو ما كانت العلة الجامعة فيه بين الأصل والفرع منصوصة أو مجمعًا عليها، أو هو: ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.\nوالخفي: ما كانت العلة فيه مستنبطة، أو الذي لم يقطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، مثل: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد، بجامع القتل العمد العدوان؛ لإثبات وجوب القصاص في المثقل. وهذا هو اصطلاح الجمهور في التفرقة بين القياس الجلي والخفي، أما الحنفية فلهم اصطلاح آخر. انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب \"٢/ ٢٤٣\"، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٢٢٣\"، كشف الأسرار \"٢/ ١٢٢\".\n١ حاصل ذلك: أن المصنف أراد أن يفرق بين القياس عند الأصوليين والقياس عند الفلاسفة، وأن كلًّا منهما بعيد عن الآخر، فالقياس عند الفلاسفة عبارة عن: تركيب مقدمتين يحصل منهما نتيجة، كقول القائل: كل حيوان جسم، وكل جسم مؤلف، يلزم عنه: أن كل حيوان مؤلف، فهذه نتيجة لازمة عن مقدمتين، ولو أضفنا إليها مقدمة أخرى وهي قولنا: كل مؤلف محدث، لزم عن ذلك: أن كل حيوان محدث.\nومع التسليم بهذه النتيجة، إلا أن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بنوع من المساواة، إذ تقول العرب: لا يقاس فلان إلى فلان في عقله ونسبه، وفلان يقاس إلى فلان فهو عبارة عن معنى إضافي بين شيئين. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٢٢٥\"، نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٢٢٨-٢٢٩\".","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>فصل: في العلة</span>\nونعني بالعلة: مناط الحكم١.\nوسميت علة؛ لأنها غيرت حال المحل، أخذًا من علة المريض؛ لأنها اقتضت تغيير حاله٢.\n_________\n١ أي: ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به، ونصبه علامة عليه.\n٢ انظر: القاموس المحيط: \"٢/ ٣٤٧\".\nوفي إرشاد الفحول للشوكاني \"٢/ ١٥٧\": \"وقيل: إنها مأخوذة من العلل بعد النهل، وهو معاودة الشرب مرة بعد مرة، لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر مرة بعد مرة\".\nوهذا معناها في اللغة.\nأما في الاصطلاح الشرعي: فلها معان كثيرة.\nالمعنى الأول: أنها المعرفة للحكم، بأن جعلت علمًا على الحكم، إن وجد المعنى وجد الحكم.\nالمعنى الثاني: أنها المؤثرة في الحكم بجعل الله تعالى.\nالمعنى الثالث: أنها الباعث على التشريع، بمعنى: أن يكون الوصف مشتملًا على مصلحة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرح الحكم.\nالمعنى الرابع: هي المؤثرة في الحكم بذاتها، لا بجعل الله تعالى. وهو تعريف المعتزلة، وهو مرفوض، لأن الله تعالى هو الفعال لما يريد، ولا يجب عليه شيء، فإنه سبحانه لا يحمله شيء على فعل شيء.\nونستطيع أن نستخلص من هذه التعريفات تعريفًا شاملًا للعلة بأنها: هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يناسب الحكم بتحقيق مصلحة الناس، إما بجلب منفعة أو دفع مضرة. انظر: المعتمد \"٢/ ٧٠٤\"، فواتح الرحموت \"٢/ ٢٦٠\"، نهاية السول \"٣/ ٣٩\"، إرشاد الفحول \"٢/ ١٥٧ وما بعدها\".","vol":"2","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>فصل: [طرق الاجتهاد في إثبات العلة]</span>\nوالاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب:\nتحقيق المناط للحكم، وتنقيحه، وتخريجه.\nأما تحقيق المناط١، فنوعان:\nأولهما: لا نعرف في جوازه خلافًا.\nومعناه: أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع.\nومثاله: قولنا: \"في حمار الوحش: بقرةٌ\" لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ٢ فنقول: \"المثل واجب، والبقرة مثل، فتكون هي الواجب\".\nفالأول: معلوم بالنص والإجماع، وهو: وجوب المثلية في البقرة٣.\nأما تحقيق المثلية في البقر، فمعلوم بنوع من الاجتهاد٤.\n_________\n١ والمراد بالمناط: ما نيط به الحكم، أي: علق به، وهو العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل، يقال: نطُت الحبل بالوتد، أنوطه نوطًا: إذا علقته، ومنه ذات أنواط، وهي شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم.\nروى الإمام أحمد في مسنده \"٥/ ٢١٨\" عن أبي واقد الليثي أن رسول الله -ﷺ- لما خرج إلى خيبر مر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي، ﷺ: \"سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ والذي نفسي بيده لتركبنّ سنّة من كان قبلكم\".\n٢ سورة المائدة من الآية \"٩٥\".\n٣ أي: أن وجوب المثل متفق عليه ثابت بالنص والإجماع.\n٤ أي: أن كون البقرة مثل حمار الوحش، اجتهادي، ثابت بالاجتهاد في تحقيق =","vol":"2","page":145},{"text":"ومنه الاجتهاد في القبلة فنقول: وجوب التوجه إلى القبلة معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة١: فيعلم بالاجتهاد.\nوكذلك تعيين الإمام٢، والعدل، ومقدار الكفاية في النفقات ونحوه٤.\nفليعبر عن هذا بتحقيق المناط، إذ كان معلومًا، لكن تعذر معرفة وجوده في آحاد الصور، فاستدل عليه بأمارات٥\nالثاني: ما عرف علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المتجهد وجودها في الفرع باجتهاده.\nمثل: قول النبي -ﷺ- في الهر: \"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجسٍ؛ إِنَّهَا مِنَ\n_________\n= النص؛ لأن الله -تعالى- لم ينص على أن البقرة مثل حمار الوحش. في كفارة قتل المحرم للصيد متعمدًا.\n١ في حق من اشتبهت عليه، فليس هناك نص في ذلك، وعليه أن يجتهد فيها\n٢ يعني: أن نصب الإمام والوالي والقاضي واجب، لكن تعيين فلان أو فلان من الناس لهذه المناصب موكول إلى اجتهاد أهل الحل والعقد في ذلك.\n٣ أي: أن حكم القاضي بالصدق واجب، وهو أمر معلوم بالنص، وقول العدل صدق معلوم بالظن، وأمارات العدالة لا تعلم إلا بالظن.\n٤ أي: أن قدر الكفاية في نفقة الزوجات والأقارب ونحوهم واجب متفق عليه، أما كون قدر الكفاية بالوزن أو الكيل كذا، فيدرك بالاجتهاد والظن.\n٥ أي: أن مناط الحكم معلوم بنص أو إجماع، فلا حاجة على استنباطه أو الاجتهاد فيه لكن تعذر معرفة وجوده في الصور التي يراد إثبات الحكم فيها، فاستدل عليه بأمارات ظنية، تسمى تحقيق المناط. انظر: المستصفى \"٣/ ٤٨٦ وما بعدها\"، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٢٣٤-٢٣٥\".","vol":"2","page":146},{"text":"الضرب الثاني: تنقيح١ المناط:\nوهو: أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه، فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار، ليتسع الحكم.\nومثاله: قوله -ﷺ- للأعرابي الذي قال: هلكتُ يا رسول الله. قال: \"مَا صَنَعتَ؟ \" قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. قال: \"أَعْتِقْ رَقَبةً\" ٢.\nفنقول: كونه أعرابيًّا: لا أثر له٣ فيلحق به \"التركي\" و\"العجمي\"، لعلمنا أن مناط الحكم: وقاع مكلف، لا وقاع الأعرابي، إذ التكاليف تعم الأشخاص، على ما مضى٤.\nويلحق به: من أفطر بوقاع في رمضان آخر؛ لعلمنا أن المناط: حرمة رمضان، لا حرمة ذلك الرمضان٥.\n_________\n١ التنقيح في اللغة: التخليص والتهذيب، يقال: نَقَّحْتُ العظم: إذا استخرجت مخه، ونقّحت الشيء: خلصت جيده من رديئه. انظر: المصباح المنير مادة \"نقح\".\nوأما في الاصطلاح: فهو إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف الشارع الحكم إليها لعدم صلاحيتها للاعتبار في العلة. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٢٣٧\".\n٢ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان لم يكن له شيء، عن أبي هريرة مرفوعًا، ومسلم: كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم.\nكما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والشافعي وغيرهم. انظر: تلخيص الحبير \"٢/ ٢٠٦\".\n٣ فلا يخيل للسامع أن علة الكفارة هي مجموع كونه أعرابيًّا جامع في نهار رمضان.\n٤ في باب العموم.\n٥ الذي وقع فيه الجماع في حياة الرسول، ﷺ.","vol":"2","page":148},{"text":"وكون الموطوءة منكوحة: لا أثر له، فإن الزنا أشد في هتك الحرمة.\nفهذه إلحاقات معلومة تبنى على مناط الحكم، بحذف ما علم بعادة الشرع في مصادره وموارده وأحكامه: أنه لا مدخل له في التأثير.\nوقد يكون بعض الأوصاف مظنونًا، فيقع الخلاف فيه كالوقاع، إذ يمكن أن يقال: مناط الكفارة: كونه مفسدًا للصوم المحترم، والجماع آلة الإفساد، كما أن السيف آلة للقتل الموجب للقصاص، وليس هو من المناط، كذا ههنا١.\nويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان الشهوة بمجرد وازع الدين، فيحتاج إلى كفارة وازعة، بخلاف الأكل.\nوالمقصود: أن هذا نظر في تنقيح المناط بعد معرفته بالنص، لا بالاستنباط، وقد أقر به أكثر منكري القياس.\n_________\n١ يعني: أنه قد تكون علة الحكم ظنية، فتختلف فيها الأنظار، مثل: هل العلة في الكفارة خصوص الجماع في نهار رمضان، أو عموم إفساد الصوم، كالأكل والشرب؟ خلاف بين العلماء:\nفأبو حنيفة ومالك يرون أن الأكل والشرب كالجماع في وجوب الكفارة، بل هما أولى من الجماع؛ لأنهما مادة الجماع وسببه المقوي عليه، ووسيلته المتوصل بها إليه، إذ الجائع لا يستطيعه، والشبعان ينشط له، فكان إيجاب الكفارة بالأكل والشرب من باب: سد الذرائع، وحسم مواد الفساد.\nوالشافعي وأحمد يقولان: لا كفارة إلا بخصوص الجماع، لأن النفس لا تنزجر عنه عند هيجان الشهوة بمجرد الوازع الديني، فاحتيج فيه إلى زيادة في الوازع وهي الكفارة. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٢٤٠\".","vol":"2","page":149},{"text":"وأجراه أبو حنيفة في الكفارات، مع أنه لا قياس فيها عنده١.\nالضرب الثالث، تخريج المناط٢:\nوهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه أصلًا. كتحريمه شرب الخمر، والربا في البر.\nفيستنبط المناط بالرأي والنظر، فيقول: حرّم الخمر، لكونه مسكرًا، فيقيس عليه النبيذ، وحرّم الربا في البر، لكونه مكيلًا، فيقيس عليه الأرز.\nوهذا هو الاجتهاد القياسي الذي وقع الخلاف فيه.\nفصل\nفي إثبات القياس على منكريه\nقال بعض أصحابنا: يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا، لقول أحمد،\n_________\n١ يعني: مع أن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون القياس في الكفارات، إلا أنهم خالفوا أصلهم في هذه المسالة، وأجروا القياس فيها.\n٢ التخريج في اللغة: الاستخراج والاستنباط.\nأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن إضافة حكم -لم يتعرض الشرع لعلته- إلى وصف مناسب في نظر المجتهد بالسبر والتقسيم، كالأمثلة التي ذكرها المصنف.\nقال الشيخ الطوفي، موضحًا ذلك: \"وتحرير الكلام ههنا: أنا إذا رأينا الشارع قد نص على حكم، ولم يتعرض لعلته، قلنا: هذا حكم حادث لا بد له بحق الأصل من سبب حادث، فيجتهد في استخراج ذلك من محل الحكم، فإذا ظفر بوصف مناسب له، واجتهد ولم يجد غيره، غلب على ظنه أن ذلك الوصف هو سبب ذلك الحكم\". شرح المختصر \"٣/ ٢٤٣\".","vol":"2","page":150},{"text":"﵀: \"لا يستغني أحد عن القياس\"١.\nوبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين.\nوذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلًا ولا شرعًا٢. وقد أومأ إليه أحمد -﵀- فقال: \"يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس\"٣.\nوتأوله القاضي على قياس يخالف به نصًّا.\nوقالت طائفة: لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب، لكنه في مظنة الجواز، فأما التعبد به شرعًا: فواجب.\nوهو قول بعض الشافعية وطائفة من المتكلمين٤.\n_________\n١ ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في العدة \"٤/ ١٢٨٠\" وأبو الخطاب في التمهيد \"٣/ ٣٦٥\".\n٢ انظر الإحكام لابن حزم \"٧/ ٩٣\".\n٣ أورد ذلك القاضي أبو يعلى في العدة \"٤/ ١٢٨١\" وتأوله على القياس المخالف للنص فقال: \"وهذا محمول على استعمال القياس في معارضة السنة، فإنه لا يجوز\".\n٤ قال الطوفي، موضحًا آراء العلماء في حجية القياس: \"النزاع في التعبد بالقياس إما عقلًا، أو شرعًا، وعلى كل واحد من التقريرين: فإما أن يكون النزاع في جوازه، أو وجوبه، أو امتناعه، أو وقوعه، فهي ثمانية أقوال، قد ذهب إلى أكثرها ذاهبون، فممن أوجب ورود التعبد به عقلًا: القفال، وأبو الحسين البصري. وممن أحاله من سبق ذكره \"يقصد: الظاهرية والنظام\" وأجازه الأكثرون عقلًا وشرعًا، ثم اختلفوا في وقوعه، فأثبته الأكثرون، ومنعه داود بن علي الأصبهاني والقاشاني والنهرواني.\nواختلف المثبتون لوقوعه، هل هو بدليل العقل أو السمع؟ وهل دليل السمع =","vol":"2","page":151},{"text":"وجه قول أصحابنا١:\n[الدليل الأول] أن تعميم الحكم واجب، ولو لم يستعمل القياس: أفضى إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام، لقلة النصوص، وكون الصور٢ لا نهاية لها، فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة٣.\nفإن قيل: يمكن التنصيص على المقدمات الكلية ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية، فيكون من تحقيق المناط، وليس ذلك بقياس، وذلك مثل: أن ينص على: \"أن كل مطعوم ربوي\" وهذه المقدمة الكلية، فيبقى الاجتهاد في: \"أن هذا مطعوم أم لا\"؟\nوهذا لا خلاف في جوازه.\nقلنا: إن تصوّر هذا فليس بواقع، فإن أكثر الحودث ليس بمنصوص على مقدماتها الكية، كميراث الجد وأشباهه، فيقتضي العقل: أن لا يخلو عن حكم٤.\n_________\n= قطعي؟ وهو مذهب الأكثرين، أو ظني؟ وهو قول أبي الحسين البصري والآمدي. شرح المختصر \"٣/ ٢٤٦\".\n١ وهم الذين صدر بهم المسألة فقال: \"قال بعض أصحابنا يجوز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا ... \"\n٢ أي: الوقائع والحوادث التي تقع للناس من حين لآخر.\n٣ معناه: أننا لو لم نعمل بالقياس عند عدم وجود نص من القرآن أو السنة، لخلت حوادث كثيرة عن أحكام؛ لكثرة الحوادث والوقائع وقلة النصوص الشرعية، فلا يوجد في كل حادثة نص يخصها، فاحتيج إلى إلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه.\n٤ يعني: أن المنكرين للقياس قالوا: يمكن الاستغناء عن القياس بالتنصيص على المقدمات الكلية، ويبقى الاجتهاد في المقدمات الجزئية، فتستخرج منه =","vol":"2","page":152},{"text":"دليل ثان:\nأن العقل يدل على العلل الشرعية ويدركها، إذ مناسبة الحكم عقلية مصلحية، يقتضي العقل تحصيلها وورود الشرع بها، كالعلل العقلية١.\nولأننا نستفيد بالقياس ظنًّا غالبًا في إثبات الحكم، والعمل بالظن الراجح متعين٢.\nوشبهة المانعين منه عقلًا: ما مضى في رد خبر الواحد٣. وقد مضى\n_________\n= الأحكام، كما سبق في النوع الأول من تحقيق المناط، وهذا لا يسمى قياسًا بالاتفاق، كما سبق.\nوأجاب المصنف على ذلك: بأن مجرد جواز النص على القواعد الكلية لا يكفي في إثباته، وأكثر الحوادث لم ينص على مقدماتها، كميراث الجد وما يشبهه، فاقتضى ذلك استعمال القياس.\n١ هذا دليل عقلي ثان على جواز القياس خلاصته: أن العقل كما دل على العلل في الأمور العقلية، فإنه يدل، أيضًا على العلل في الأمور الشرعية؛ لأن مناسبتها للأحكام عقلية مصلحية، فمن المعلوم أن الأحكام الشرعية تقوم على رعاية مصالح العباد: من جلب المنافع ودرء المفاسد، والعقل يدرك طلب تحصيلها وورود الشرع بها.\n٢ هذا دليل آخر على حجية القياس، ولكنه يشير إلى اعتراض وارد من المخالفين خلاصته: أن القياس يثبت حكمًا ظنيًّا، وهذا يجوز في الفروع، أما الأصول: فلا بد فيها من القطع، فأجاب المصنف بهذا الدليل: أن المقصود من كون القياس حجة: إنما هو العمل به لا مجرد اعتقاد كونه حجة، والأحكام الفرعية يكفي فيها الظن، فكذلك ما كان وسيلة لها، خاصة إذا كان الظن راجحًا.\n٣ يشير إلى ما ورد في التعبد بخبر الواحد، حيث قال: \"وأنكر قوم التعبد بخبر الواحد عقلًا؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، فالعمل به عمل بالشك، وإقدام على =","vol":"2","page":153},{"text":"فأما التعبد به شرعًا: فالدليل عليه:\nإجماع الصحابة -﵃- على الحكم بالرأي في الوقائع الخالية عن النص.\nفمن ذلك\nحكمهم بإمامة أبي بكر -﵂- بالاجتهاد مع عدم النص، إذ لو كان ثم نص لنقل، ولتمسك به المنصوص عليه١.\nوقياسهم العهد على العقد، إذ عهد أبو بكر إلى عمر -﵄- ولم يرد فيه نص، لكن قياسًا لتعيين الإمام على تعيين الأمة٢.\n_________\n= الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل، بل إذا أمرنا الشارع بأمر فليعرفناه، لنكون على بصيرة: إما ممتثلون، وإما مخالفون\" وقد رد المصنف على ذلك فقال: \"والجواب عن هذا: إن صدر من مقر بالشرع فلا يتمكن منه؛ لأنه تعبد بالحكم بالشهادة، والعمل بالفتوى، والتوجه إلى الكعبة بالاجتهاد عند الاشتباه، وإنما يفيد الظن كما يفيد العمل بالمتواتر.... وإن صدر من منكر للشرع فيقال له: أي: استحالة في أن يجعل الله -تعالى- الظن علامة للوجوب، والظن مدرك بالحس فيكون معلومًا، فيقال له: إذا ظننت صدق الشاهد والرسول والحالف فاحكم به، ولست متعبدًا بمعرفة صدقه، بل بالعمل به عند ظن صدقه\".\n١ جاء في طبقات ابن سعد \"٣/ ١٨٣\": \"عن وكيع بن الجراح عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي -ﷺ- نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي -ﷺ- قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله -ﷺ- لديننا، فقدمنا أبا بكر\" وقد ذكره السيوطي في \"تاريخ الخلفاء\" ص٦٤، كما ذكره ابن قيم الجوزيه في \"إعلام الموقعين\" \"١/ ٢٣٠\".\n٢ أي: أن الأصل في اختيار الإمام أن يكون بالبيعة، كما حدث لأبي بكر -﵁- إلا أن أبا بكر -﵁- عهد إلى عمر -﵁- بالخلافة، قياسًا للعهد من الإمام على تعيين الأمة بعقد البيعة، وعهد أبي بكر إلى عمر =","vol":"2","page":154},{"text":"ومن ذلك: موافقتهم أبا بكر -﵁- في قتال مانعي الزكاة بالاجتهاد١.\nوكتابة المصحف بعد طول التوقف فيه٢.\n_________\n= -﵄- ثابت في التاريخ الصحيح، أورده ابن حجر في التلخيص الحبير \"٤/ ٤٤\"، وابن سعد في طبقاته \"٣/ ٢٧٤\".\n١ معناه: أن أبا بكر -﵁- قاس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها، بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام، وقال في ذلك: \"لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة\" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. ووافقه الصحابة -﵃- على ذلك، فكان إجماعًا على صحة القياس. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٢٦٤\".\n٣ روى أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في سننه في أبواب التفسير، والبيهقي في السنن الكبرى، والبغوي في شرح السنة \"٤/ ٥١٣-٥١٥\" والإمام أحمد في مسنده \"١/ ١٣\" وغيرهم عن زيد بن ثابت قال: \"أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وكان عنده عمر، فقال: إن هذا أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ بالقراء، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في سائر المواطن، فيذهب القرآن، وقد رأيت أن تجمعوه، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -ﷺ- فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدره، ورأيت فيه الذي رأى، فقال أبو بكر: إنك شاب -أو رجل- عاقل، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -ﷺ- لا نتهمك فاكتبه، قال: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي منه، فقلت لهما: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله، ﷺ؟ قال أبو بكر وعمر: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر وعمر يراجعاني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما، ورأيت فيه الذي رأيا، فتتبعت القرآن أنسخه من الصحف والعسب \"جريد النخل\" واللخاف \"الحجارة الرقاق\"، وصدور الرجال، حتى فقدت آية كنت أسمع رسول الله -ﷺ- يقرأ بها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ =","vol":"2","page":155},{"text":"وجمع عثمان له على ترتيب واحد١.\n_________\n= [التوبة: ١٢٨-١٢٩] فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت فأثبتها في سورتها\".\nانظر: كتاب المصاحف للسجستاني تحقيق الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ \"١/ ١٦٥ وما بعدها\" فقد استوفى الروايات الواردة في ذلك بأسانيدها.\n١ عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فرج أرمينية وأذربيجان \"الفرج: الثغر\" مع أهل العراق، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إليّ بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، أن انسخوا الصحف في المصحاف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة، ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا، وأمر بسوى ذلك من صحيفة أو مصحف أن يحرق\" رواه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، والترمذي: في أبواب التفسير، والبغوي في شرح السنة \"٤/ ٥١٩\"- ٥٢١\" وقال: \"هذا حديث صحيح\" كما أورده أبو شامة عن البخاري في المرشد الوجيز \"٤٩-٥١\" والسجستاني في كتاب المصاحف \"١/ ٢٠٤ وما بعدها\"\nوقول المصنف: \"على ترتيب واحد\" أي: على النسخة التي كانت عند السيدة حصفة -﵂- وهي التي جمعت في عهد سيدنا أبي بكر -﵁- وهو الترتيب الذي عليه المصاحف الآن، أما المصاحف الأخرى التي كانت عند بعض الصحابة -﵃ جميعًا- فكانت مختلفة الترتيب، وبعضها كان على حسب نزول السور، ولذلك أمر عثمان -﵁- بحرق ما عدا المصحف الذي اعتبر مصحف الجماعة. انظر: البرهان للزركشي \"١/ ٢٤٠\"، فصائل القرآن لابن كثير، ملحق بتفسيره \"٧/ ٤٤٦\".","vol":"2","page":156},{"text":"واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة \"الجد والإخوة\" على وجوه مختلفة، مع قطعهم أنه لا نص فيها١.\nوقولهم في المشرّكة٢.\n_________\n١ مسألة ميراث الإخوة مع الجد، وقع فيها خلاف طويل بين الصحابة -﵃- فالبعض أنزله منزلة الأب، فلا يرث الإخوة معه شيئًا، ومنهم من قال: يقاسمهم إلى الثلث، ومنهم من قال: إلى السدس، ومنهم من قال: إلى نصف السدس، فأقر بعضهم بعضًا على ما ذهب إليه، ولم ينكر بعضهم على بعض، فكان ذلك اتفاقًا منهم على الاجتهاد في المسألة.\nقال أبو يعلى في العدة \"٤/ ١٣٠٧-١٣٠٨\": \"فإن كان هناك نص لم يخل من ثلاثة أحوال:\nإما أن يكون خفي عليهم.\nأو علموه وتركوه.\nأو علم به بعضهم دون بعض.\nفبطل أن يكون هناك نص خفي عليهم، لأنه يفضي أن يجمعوا على خطإ، وأن يخرج الأمر عن أيديهم.\nوبطل أن يقال: علموا به وتركوه؛ لأن هذا عناد.\nوبطل أن يقال: علم به بعضهم دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك لأظهره الذي علمه، ورواه وذكره\nفلما لم يكن شيء من هذا، ثبت أن القوم قالوا فيها باجتهادهم.\nويؤيد هذا: أن القوم قاسوا الجد على غيره، واعتبره علي بالبحر، والأب بالنهر، والإخوة بالأنهار.\nواعتبره زيد بالشجرة، والأب بالغصن والإخوة بالأفنان، \"جمع فنن: الغصن\" ثبت أن القوم أجمعوا على القياس، وعملوا به، وأقر بعضهم بعضًا على ذلك\". وانظر: السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الفرائض، جماع أبواب الجد.\n٢ وهي المسألة المشهورة في الفرائض، وهي: أن يوجد في المسألة زوج وأم، وإخوة لأم، اثنان أو أكثر، وإخوة أشقاء.","vol":"2","page":157},{"text":"ومن ذلك: قول أبي بكر -﵁- في الكلالة: \"أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. الكلالة: ما عدا الوالد والولد\"١.\nونحوه عن ابن مسعود في قضية بَرْوع بنت واشق٢.\n_________\n= فللزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، ولا شيء للإخوة الأشقاء؛ لأنهم عصبة، وأصحاب الفروض قد استوفوا التركة.\nوهذا ما كان يفتي به عمر -﵁- فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارًا أليست أمّنا واحدة؟ فشرّك بينهم، ولذلك سميت بالمشركة، وعدل عمر -﵁- عن رأيه وعمل على التشريك بينهم، فيما بعد.\nأخرج الدارقطني في سننه: كتاب الفرائض، عن مسعود بن الحكم الثقفي قال: \"أتى عمر بن الخطاب -﵁- في امرأة تركت زوجها وأمها وإخوتها لأم وإخوتها لأبيها وأمها، فشرّك بين الإخوة للأم وبين الإخوة للأم والأب بالثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهما في عام كذا وكذا. قال: فتلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم\".\n١ أخرجه البيهقي في سننه: كتاب الفرائض، باب حجب الإخوة والأخوات من قبل الأم \"......عن الشعبي قال: سئل أبو بكر -﵁- عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ مني ومن الشيطان، أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر -﵁- قال: إني لأستحيي الله أن أرد شيئًا قاله أبو بكر\".\nكما أخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب الفرائض، باب الكلالة، والدارمي: كتاب الفرائض، باب الكلالة، والخطيب في كتابه: \"الفقيه والمتفقه\" باب: ذكر ما روي عن الصحابة والتابعين في الحكم بالاجتهاد.\n٢ روى أبو داود في سننه: كتاب النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات: \"أن عبد الله بن مسعود أُتي في رجل بهذا الخبر، يعني: في رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق، فاختلفوا إليه =","vol":"2","page":158},{"text":"ومنه: حكم الصديق -﵁- في التسوية بين الناس في العطاء، كقوله: \"إنما أسلموا لله وأجورهم عليه، وإنما الدنيا بلاغ\"، ولما انتهت النوبة إلى عمر -﵁- فصل١ بينهم وقال: \"لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا\"٢.\nومنه: عهد عمر -﵁- إلى أبي موسى: \"اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور برأيك٣.\n_________\n= شهرًا، أو قال: مرات، قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقًا كصداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وإن لها الميراث، وعليها العدة، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، فقام ناس من أشجع، فيهم الجراح وأبو سنان، فقالوا: يا ابن مسعود نحن نشهد أن رسول الله -ﷺ- قضاها فينا في بَرْوع بنت واشق، وأن زوجها هلال بن مرة الأشجعي كما قضيت، قال: ففرح عبد الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله، ﷺ\". كما أخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب النكاح، باب الذي يتزوج فلا يدخل ولا يفرض حتى يموت، وأحمد في المسند \"٤/ ٢٧٩\".\n١ في المستصفى \"فرق\" وفي كتب الحديث \"فاضل\".\n٢ أخرج نحوه البيهقي في السنن الكبرى \"٦/ ٣٤٨\"- كتاب قسم الفيء، باب التسوية بين الناس في القسمة، كما أخرجه الإمام أحمد في المسند \"١/ ٢١\"، \"٣/ ٤٧٥\" وجاء في بعض الروايات: \"وذكر عن عثمان، ﵁، أنه فضل بينهم في القسمة\".\n٣ كتاب عمر -﵁- إلى أبي موسى الأشعري، كتاب جليل القدر، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه، كما قال ابن القيم.\nأخرجه الدارقطني: كتاب الأقضية والأحكام، والبيهقي: كتاب آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي، وما يفتي به المفتي.\nوهو كتاب طويل جاء فيه: \" ... أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة =","vol":"2","page":159},{"text":"وقال علي، ﵁: \"اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن، وأنا الآن أرى بيعهن\"١.\nوقال عثمان لعمر: \"إن نتبع رأيك فرأي رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان\"٢.\nومنه: قولهم، في السكران: \"إذا سكر هذي، وإذا هذي أفترى، فحدوه حد المفتري\"٣.\n_________\n= متبعة.....الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى ... \".\n١ رواه عبد الرزاق في المصنف \"٧/ ٢٩١\" والبيهقي في السنن الكبرى \"١٠/ ٣٤٨\" عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليًّا يقول: \"اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن، ثم رأيت بعدُ أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إلي من رأيك وحدك في الفرقة. قال: فضحك علي\" قال ابن حجر في تلخيص الحبير \"٤/ ٢١٩\": \"إسناده من أصح الأسانيد\".\n٢ روى عبد الرزاق في مصنفه \"١٠/ ٢٦٣\" والحاكم \"٤/ ٣٤٠\" والبيهقي في سننه الكبرى \"٦/ ٢٤٦\" والدارمي في سننه: كتاب الفرائض \"٢/ ٣٥٤\" عن مروان بن الحكم: أن عمر بن الخطاب -لما طُعن- استشارهم في الجد، فقال: إني كنت رأيت في الجد رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه، فقال له عثمان: إن نتبع رأيك فإنه راشد، وإن نتبع رأي الشيخ فلنعم ذو الرأي كان.\n٣ هذا الأثر أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الأشربة- باب الحد في الخمر- عن ثور بن زيد الدِّيلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: \"نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى -أو كما قال- فجلد عمر في الخمر ثمانين\".\nكما أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي والحاكم وغيرهم. قال الحافظ في تلخيص الحبير \"٤/ ٧٥\": \"وهو منقطع، لأن ثورًا لم يلحق عمر، بلا خلاف\" =","vol":"2","page":160},{"text":"وهذا التفات منهم إلى أن مظنة الشيء تنزل منزلته.\nوقال معاذ للنبي، ﷺ: \"أجتهد رأيي\"١ فصوبه\nفهذا وأمثاله -مما لا يدخل تحت الحصر- مشهور، إن لم تتواتر آحاده: حصل بمجموعة العلم الضروري: أنهم كانوا يقولون بالرأي، وما من وقت إلا وقد قيل فيه بالرأي٢.\nومن لم يقل، فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد، وما أنكر على القائل به، فكان إجماعًا.\n[الاعتراضات الواردة على إجماع الصحابة]\nفإن قيل: فقد نقل عنهم ذم الرأي وأهله:\nفقال عمر، ﵁: \"إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء\n_________\n= لكن الحاكم أخرجه في مستدركه في كتاب الحدود وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n١ تقدم تخريجه.\n٢ معناه: أن هذه الوقائع المختلفة، وغيرها كثيرة، وهي وإن كانت أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر اللفظي، إلا أن مجموعها يعتبر تواترًا معنويًّا، كسخاء حاتم الطائي وشجاعة علي، ﵁.\nومن لم يقل منهم بالرأي، فإن سبب ذلك: أن غيره أغناه عنه، فلم يعد في حاجة إليه.\nقال الغزالي في المستصفى \"٣/ ٥٢٠\": \"فهذا وأمثاله، مما لا يدخل تحت الحصر، مشهور\".\nوما من مفتٍ إلا وقد قال بالرأي، ومن لم يقل؛ فلأنه أغناه غيره عن الاجتهاد، ولم يعترض عليهم في الرأي.\nفانعقد إجماع قاطع على جواز القول بالرأي والظن\".","vol":"2","page":161},{"text":"السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا\"١.\nوقال علي، ﵁: \"لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه\"٢.\nوقال ابن مسعود، ﵁: \"قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالًا فيقيسون ما لم يكن بما كان\"٣.\nوقولهم: \"إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرم الله، وحرمتم كثيرًا مما أحله\"٤.\nوقول ابن عباس: \"إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه، وقال لنبيه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٥ ولم يقل: بما رأيت\"٦.\n_________\n١ أخرجه ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" باب: ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس، والخطيب في كتابه \"الفقيه والمتفقه\" \"١/ ١٨٠-١٨١\"، وابن حزم في الإحكام ص٧٧٩.\n٢ أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة، باب: كيف المسح؟ وابن حزم في الإحكام \"١/ ٣٨٠، وابن حجر في \"التلخيص الحبير\" \"١/ ١٦٠\" وقال: \"إسناده صحيح\".\n٣ أخرجه ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" \"٢/ ١٦٥\" والدارمي في سننه \"١/ ٦٥\".\n٤ هذا الأثر أخرجه الخطيب في كتابه \"الفقيه والمتفقه\" \"١/ ١٨٢\" عن ابن مسعود، ﵁.\nوأخرجه ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" \"٢/ ٩٤\" عن الشعبي، ومثله ابن حزم في الإحكام \"٢/ ١٠٧٣\".\n٥ سورة النساء من الآية \"١٠٥\".\n٦ أخرجه ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\" \"٢/ ١٣٣\".","vol":"2","page":162},{"text":"وقوله: \"إياكم والمقاييس، فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس\"١.\nوقال ابن عمر: \"ذروني من أرأيت وأرأيت\"٢.\n[الرد على الاعتراضات المتقدمة]\nقلنا: هذا منهم ذم لمن استعمل الرأي والقياس في غير موضعه، أو بدون شروطه.\nفذم عمر -﵁- ينصرف إلى من قال بالرأي من غير معرفة للنص، ألا تراه قال: \"أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها\" وإنما يحكم بالرأي في حادثة لا نص فيها، فالذم على ترك الترتيب، لا على أصل القول\n_________\n١ أخرجه ابن حزم في الإحكام \"٢/ ١٠٧٣\" عن محمد بن سيرين بلفظ: \"القياس شؤم، وأول من قاس إبليس فهلك، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس\".\nوأخرجه الدارمي في سننه \"١/ ٦٥\" عن ابن سيرين أيضًا. كما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/ ٢٥٤\".\n٢ جاء في مجمع الزوائد \"١/ ١٨٠\" عن الشعبي قال: قال ابن مسعود، ﵁: \"إياكم وأرأيت وأرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت وأرأيت، ولا تقيسوا شيئًا بشيء فتزل قدم بعد ثبوتها، فإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه ثلث العلم\" وقد نسبه صاحب مجمع الزوائد إلى الدارقطني ثم قال: \"والشعبي لم يسمع ابن مسعود، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف\". كما نسبه إلى ابن مسعود أيضًا ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/ ٥٨\". وخلاصة هذه الاعتراضات: أن الإجماع الذي نقله المصنف عن الصحابة -﵃- على حجية القياس، معارض بآثار أخرى تدل على ذم القياس، فلم تسلم لهم الأدلة السابقة.\n٣ أي: الترتيب الذي جاء في حديث معاذ -﵁- حيث جاء فيه الاجتهاد بعد عدم وجود الحكم في الكتاب والسنة.","vol":"2","page":163},{"text":"بالرأي، ولو قدم إنسان القول بالسنة على ما هو أقوى منها١: كان مذمومًا.\nوكذلك قول علي، رضي الله عنه٢.\nوكل ذم يتوجه إلى أهل الرأي فلتركهم الحكم بالنص هو أولى، كما قال بعض العلماء٣:\nأهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا ... علم الحديث الذي ينجو به الرجل\nلو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا ... عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا\nجواب ثانٍ:\nأنهم ذموا الرأي الصادر عن الجاهل الذي ليس أهلًا للاجتهاد والرأي، ويرجع إلى محض الاستحسان، ووضع الشرع بالرأي، بدليل أن الذين نقل عنهم هذا هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد٤.\nوالقائلون بالقياس مقرون بإبطال أنواع من القياس، كقياس أهل\n_________\n١ وهو القرآن الكريم.\n٢ وهو قوله: \"لو كان الدين بالرأي: لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه\".\n٣ القائل هو: موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، أبو مزاحم الخاقاني، كان عالمًا بالعربية، شاعرًا، من أهل بغداد، كما كان راوية مأمونًا. ولد سنة ٢٤٨هـ وتوفي سنة ٣٢٥هـ. \"غاية النهاية ٢/ ٣٢٠، الأعلام ٨/ ٢٧٥\". والبيتان أوردهما عنه الخطيب البغدادي \"ت٤٦٣هـ\" في كتابه: \"شرف أصحاب الحديث\" ص٧٩ تحقيق محمد سعيد خطيب أوغلي، نشر دار إحياء السنة النبوية.\n٤ معناه: أن الذين نقل عنهم ذم الرأي والاجتهاد، هم الذين نقل عنهم القول بالرأي والاجتهاد -كما سبق- فلا بد من دفع هذا التعارض، وهذا إنما يكون بحمل الذم على الرأي الفاسد الذي لم تكتمل شروطه، أو المخالف للنص، أو الصادر من الجاهل.","vol":"2","page":164},{"text":"الظاهر، إذ قالوا، الأصول لا تثبت قياسًا، فكذلك الفروع.\nفإذًا: إن بطل القياس، فليبطل قياسهم١\nفإن قيل: فلعلهم عولوا في اجتهادهم على عموم، أو أثر، أو استصحاب حال، أو مفهوم، أو استنباط معنى صيغة من حيث الوضع واللغة في جمع بين آيتين أو خبرين، أو يكون اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم، لا في استنباطه.\nفقد علموا أنه لا بد من إمام، وعرفوا -بالاجتهاد- من يصلح للتقديم، وهكذا في بقية الصور٢.\n_________\n١ أي: ومما يؤيد ما قلناه من دفع التعارض السابق: أن القائلين بحجية القياس مقرون ومعترفون بفساد بعض الأقيسة، مثل: قياس أهل الظاهر، حيث قالوا: لا يجوز القياس في الأصول، فمنعوا القياس في الفروع، قياسًا على الأصول.\nفرد الجمهور هذا القياس وقالوا للظاهرية: إنكم أبطلتم القياس من أساسه، فكيف تقيسون الفروع على الأصول، فأنتم بذلك تبطلون القياس بالقياس؟!\n٢ معنى ذلك: أن الجمهور لما استدلوا على صحة القياس بالإجماعات المنقولة عن الصحابة -﵃- اعترض عليهم النافون لحجية القياس بعدم التسليم بأن ما ذكروه كان مبنيًّا على القياس، بل يحتمل أنهم عولوا على أشياء أخرى، كصيغ العموم، أو بعض الآثار، أو الاستصحاب، أو دلالة مفهوم، أو استنباط حكم شرعي بناء على مدلول بعض الصيغ من حيث اللغة، أو الاحتكام إلى تحقيق المناط، كما تقدم، حيث تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويأتي الاجتهاد في إلحاق بعض الفروع بها، كعلم الصحابة -﵃- بوجوب نصب إمام يلي أمور المسلمين، ثم يجتهدون فيمن تتحقق فيه شروط الإمامة، ومع هذه الاحتمالات لا يكون الاستدلال صحيحًا. وقد أجاب المصنف عن ذلك، كما سيأتي.","vol":"2","page":165},{"text":"قلنا:\nلم يكن اجتهاد الصحابة مقصورًا على ما ذكروه، بل قد حكموا بأحكام لا تصح إلا بالقياس، كعهد أبي بكر إلى عمر، قياسًا للعهد على العقد بالبيعة، وقياس الزكاة على الصلاة١، وقياس عمر الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة٢، وإلحاق السكر بالقذف لأنه مظنته٣.\nوقد اشتهر اختلافهم في الجد قياسًا: فقال ابن عباس: \"ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا\"٤، فأنكر ترك قياس الأبوة على البنوة، مع افتراقهما في الأحكام.\nوصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب، والجد يدلي به أيضًا، فالمدلى به واحد، والإدلاء مختلف٥.\n_________\n١ في الأثر الذي تقدم وفيه: \"لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة\".\n٢ تقدمت ترجمته.\n٣ وهو ما سبق تخريجه عن علي -﵁- قال، في شارب الخمر: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي \"أي: تكلم بكلام غير معقول\" وإذا هذي افترى \"أي: قذف\" وعلى المفترى ثمانون جلدة\".\n٤ ذكره ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٣١\" بدون إسناد، كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه \"١٠/ ٢٦٦\".\n٥ أي: أن الذين سووا بين الجد والإخوة في أن كلًّا منهما يستحق الميراث قالوا: كل منهما يدلي إلى الميت بواسطة الأب، فالمدلَى به -وهو الأب- واحد، والإدلاء مختلف، فالجد يدلي إلى الميت بجهة الأبوة، والإخوة يدلون بجهة البنوة، فهما مختلفان، فقاسوا الإدلاء بجهة البنوة على الإدلاء بجهة الأبوة، مع أن البنوة تختلف عن الأبوة في بعض الأحكام، فتوريث الصحابة -﵃- للإخوة مع الجد ثابت بالقياس، وهذا هو المدعى.","vol":"2","page":166},{"text":"وصرحوا بالتشبيه بالغصنين، والخليجين١.\n_________\n١ خلاصة الكلام في ميراث الجد ومحل الشاهد من إيراده هنا: أن الصحابة ﵃، اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة، في حالة عدم وجود الأب، على مذهبين:\nالمذهب الأول: أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في جميع الجهات، تنزيلًا له منزلة الأب، وهو رأي أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وروي ذلك عن عدد من الصحابة ﵃ جميعًا.\nالمذهب الثاني: أن الأخوة يرثون مع الجد -على خلاف بينهم في القدر الذي يرثه- ولا يقوى الجد على حجبهم كما يحجبهم الأب، وهو رأي علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -﵃- لأن ميراثهم ثابت بالكتاب، فلا يحجبون إلا بنص أو إجماع أو قياس، وما وجد شيء من ذلك.\nولأنهم تساووا مع الجد في سبب الاستحقاق، فالإخوة والجد يدليان إلى الميت بواسطة الأب، فالجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى، ولذلك مثله علي -﵁- بشجرة أنبتت غصنًا، فانفرق منه غصنان، كل واحد منهم على الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة، ومثّله زيد بواد خرج منه نهر، انفرق منه جدولان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي.\nانظر: سنن البيهقي: كتاب الفرائض، باب: من ورّث الإخوة مع الجد، والمصنف لعبد الرزاق \"١٠/ ٩٥\" والمغني لابن قدامة \"٩/ ٦٥ وما بعدها\".\nومحل الشاهد في إيراد هذه القضية: أن الصحابة -﵃- استعملوا القياس في ميراث الجد، حيث اعترض ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم قياس الجد على ابن الابن، فإن ابن الابن يحل محل الابن في حالة عدم وجوده، فلماذا لا يحل الجد محل الأب، وهذا معنى قوله: \"ألا يتقى الله زيد بن ثابت، بجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا\".\nكما أن الذين سووا بين الجد والإخوة وأنهم لا يحجبون استعملوا القياس أيضًا، كما تقدم في غصني الشجرة، وجدولي الماء.","vol":"2","page":167},{"text":"ومن فتّش عن اختلافهم في الفرائض وغيرها؛ عرف ضرورة سلوكهم التشبيه والمقايسة، وأنهم لم يقتصروا على تحقيق المناط في إثبات الأحكام، بل استعملوا ذلك في بقية طرق الاجتهاد.\n[الأدلة النقلية على حجية القياس]\nوقد استدل على إثبات القياس بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.\nوحقيقة الاعتبار: مقايسة الشيء بغيره كما يقال: \"اعتبر الدينار بالصَّنْجة\"٢. وهذا هو القياس.\nفإن قيل: المراد به الاعتبار بحال من عصى أمر الله، وخالف رسله، لينزجر، ولذلك لا يحسن أن يصرح بالقياس ههنا فيقول:\n_________\n١ سورة الحشر من الآية \"٢\".\nقال الطوفي في شرحه \"٣/ ٢٥٩-٢٦٠\"- مبينًا وجه الدلالة من هذه الآية: \"القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به.\nأما المقدمة الأولى، وهي: أن القياس اعتبار، فهي لغوية، أي: طريق معرفتها اللغة، وأنه التقدير والاعتبار، وأيضًا: فإن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة، ومنه المِعْبَر؛ لأنه يجاوز بالناس من أحد جانبي البحر إلى الآخر، وعابر المنام؛ لأنه يعبر حال المنام إلى ما يشبهه في اليقظة، وكذلك القياس يجاوز بحكم المنصوص إلى غيره، ويعبر منه إليه، فكان القياس اعتبارًا بحكم الاشتقاق.\nوأما المقدمة الثانية، وهي: أن الاعتبار مأمور به، فلقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أمر بالاعتبار، والأمر للوجوب، فيكون الاعتبار الذي منه القياس واجبًا.\n٢ هي الميزان. معرّبة. القاموس المحيط فصل الصاد باب الجيم.","vol":"2","page":168},{"text":"﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فألحقوا الفروع بالأصول، لتعرف الأحكام.\nقلنا: اللفظ عام، وإنما لم يحسن التصريح بالقياس ههنا، لأنه يخرج عن عمومه المذكور في الآية، إذ ليس حالنا فرعًا لحالهم١.\nدليل آخر:\nقول النبي -ﷺ- لمعاذ: \"بِمَ تَقْضِي؟ \" قال: بكتاب الله. قال: \"فإن لمْ تَجدْ؟ \" قال: بسنة رسول الله -ﷺ- قال: \"فَإن لمْ تَجدْ؟ \" قال أجتهد رأيي، قال: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله -ﷺ- لما يرضي رسول الله -ﷺ ٢\".\nقالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو١ عن رجال من أهل\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن المنكرين لحجية القياس اعترضوا على الاستدلال بهذه الآية فقالوا: إن الاعتبار هنا معناه الاتعاظ، لأن قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ وارد في سياق قوله تعالى، في حق بني قريظة والنضير: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ فلا يحسن أن يقول هنا: فقيسوا الذرة على البر؛ لأنه يكون ركيكًا لا يليق بالشارع.\nفأجاب المصنف على ذلك: بأن المراد بالاعتبار هنا: القدر المشترك بين القياس والاتعاظ، وهو المجاوزة، فإن القياس مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والاتعاظ مجاوزة من حال الغير إلى حال نفسه، وكون صدر الآية غير مناسب للقياس لا يستلزم عدم مناسبته للقدر المشترك بين القياس والاتعاظ.\n٢ تقدم تخريجه. ومحل الشاهد: أن الرسول الله -ﷺ- أقر معاذًا على الاجتهاد، ومن الأمور التي يعتمد عليها في الاجتهاد: القياس.\n٣ هو: الحارث بن عمرو الثقفي، ابن أخي المغيرة بن شعبة، روى عن أناس من =","vol":"2","page":169},{"text":"حمص، والحارث، والرجال مجهولون. قاله الترمذي١.\nثم إن هذا الحديث ليس بصريح في القياس، إذ يحتمل أنه يجتهد في تحقيق المناط.\nقلنا: قد رواه عبادة بن نُسَيّ٢ عن عبد الرحمن بن غَنْم٣ عن معاذ.\nثم الحديث تلقته الأمة بالقبول، فلا يضره كونه مرسلًا٤.\n_________\n= أهل حمص من أصحاب معاذ، وروى عنه أبو عوف: محمد بن عبيد الله الثقفي، ولا يعرف إلا بهذا، مات بعد المائة. قال البخاري: لا يصح ولا يعرف، وذكره العقيلي وابن الجارود وأبو العرب في الضعفاء، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب \"٢/ ١٥٢\"، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال \"١/ ١٨٥\".\n١ هو: محمد بن عيسى بن سورة السلمى الترمذي، أبو عيسى، من أئمة الحديث وحفاظه، صاحب الجامع الكبير في الحديث. توفي سنة \"٢٧٩هـ\". انظر: وفيات الأعيان \"١/ ٤٨٤\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٦٣٣\".\n٢ هو: عبادة بن نُسَيّ، أبو عمرو الشامي، قاضي طبرية، روى عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهما، وروى عنه برد بن سنان، والمغيرة بن زياد، ثقة، توفي سنة \"١١٨هـ\".\nانظر: تقريب التهذيب \"١/ ٣٩٥\"، تهذيب التهذيب \"٥/ ١١٣\".\n٣ هو: عبد الرحمن بن غنم الأشعري، اختلف في صحبته. روى عن رسول الله -ﷺ- وعن عمر وعثمان وعلي، وعن غيرهم من الصحابة، ﵃ جميعًا. كما روى عنه ابنه محمد ومكحول الشامي، ورجاء بن حيوة، وعبادة بن نُسي وغيرهم. وثقه ابن سعد والعجلي ويعقوب بن شيبة، كما ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. توفي سنة \"٧٨هـ\". انظر: تقريب التهذيب \"١/ ٤٩٤\"، تهذيب التهذيب \"٦/ ٢٥٠\".\n٤ قال الخطيب البغدادي في كتابه: \"الفقيه والمتفقه\" \"١/ ١٨٩-١٩٠\": \"إن قول =","vol":"2","page":170},{"text":"..................................................................\n_________\n= الحارث بن عمرو \"عن أناس من أصحاب معاذ\" يدل على شهرة الحديث، وكثرة رواته، وقد عرف فضل معاذ وزهده، والظاهر من حال أصحابه الدين والتفقه والزهد والصلاح، وقد قيل: إن عبادة بن نُسَي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول الرسول الله، ﷺ: \"لَا وَصِيّة لِوَارِث\" وفي البحر: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\" وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ، لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له\".\nوقال إمام الحرمين في البرهان \"٢/ ٧٧٢\": \"وهو مدون في الصحاح، متفق على صحتة، ولا يتطرق إليه التأويل\".\nوقال الغزالي في المستصفى \"٢/ ٢٥٤\": \"تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر فيه أحد طعنًا، فلا يقدح فيه كونه مرسلًا\".\nكما قواه ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي وابن كثير. انظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر \"ص٦٣-٧١\" بتعليق الأستاذ حمدي السلفي.\nوقال القاضي أبو يعلى في العدة \"٤/ ١٢٩٤\": \"فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يصح أن يحتج به في هذه المسألة التي هي أصل.\nقيل: هذا أشهر وأثبت من قوله: \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\" وقد احتج به المخالف في الإجماع، فكان هذا أولى.\nوجواب آخر وهو: أنه إذا جاز أن تثبت الأحكام الشرعية بخبر الواحد، مثل: تحليل وتحريم، وإيجاب وإسقاط، وتصحيح وإبطال، وإقامة حق وحد، بضرب وقطع وقتل، واستباحة الفروج، وما أشبه ذلك، كان يثبت القياس به أولى؛ لأن القياس طريق لهذه الأحكام، وهي المقصودة دون الطريق\".\nوقال الشيخ محمد الأمين المختار الشنقيطي في مذكرة أصول الفقه على روضة =","vol":"2","page":171},{"text":"والثاني١: لا يصح؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.\nخبر آخر:\nقول النبي، ﷺ: \" إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَد فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ\". رواه مسلم٢.\n_________\n= الناظر ص٣٦٠، في الملحق الذي سجله -رحمه الله تعالى- في المسجد النبوي عند كلامه عن القياس، قال: \"والذين قالوا: إن الحديث صحيح وأنه يجوز العمل به لأمرين.\nأحدهما: أن الحارث بن عمرو وثقه ابن حبان وإن كان ابن حبان تساهل في التوثيق له، فالحديث له شواهد ومؤيدات يعتضد بها، كحديث الصحيحين \"إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران\". قالوا: وليس في أصحاب معاذ بن جبل أحد مجروح، فكلهم عدول، وإذا كان الحارث موثقًا، وأصحاب معاذ كلهم عدول، فالحديث مقبول.\nوثانيهما: أن علماء المسلمين تلقوا هذا الحديث -خلفًا عن سلف- بالقبول وتلقى العلماء للحديث بالقبول يكفيه عن الإسناد، وكم من حديث يكتفى بصحته عن الإسناد، يكتفى بعمل العلماء في أقطار الدنيا؛ لأن هذه الأمة إذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلًا، واكتفي بذلك عن الإسناد\".\n١ أي: قول المعترضين، سابقًا: \"ثم إن هذا الحديث ليس بصريح في القياس، إذ يحتمل أن يجتهد في تحقيق المناط\" فأجاب المصنف: أنا لا نسلم ذلك الاحتمال؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه نص من كتاب أو سنة، وهذا لا يسمى تحقيق المناط.\n٢ في صحيحه: كتاب الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد وأخطأ. كما رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ، من حديث عمرو بن العاص -﵁- مرفوعًا. =","vol":"2","page":172},{"text":"ويتجه عليه أنه: يجتهد في تحقيق المناط، دون تخريجه١.\nخبر آخر:\nقول النبي -ﷺ- للخثعمية٢: \"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِه أَكانَ يَنْفَعُهُ\"؟ قالت: نعم. قال: \"فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى\".\n_________\n= كما رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁.\n١ أي: أنه لا يتناول القياس إلا بعمومه، حيث يكون قاصرًا على تحقيق المناط، دون تخريج المناط، فليس بصريح في الدلالة على حجية القياس.\nوترك المصنف الجواب على هذا الاعتراض؛ لأنه معلوم من الرد على الاعتراض الثاني على حديث معاذ، وهو قوله: \"والثاني لا يصح؛ لأنه بين أنه يجتهد فيما ليس فيه كتاب ولا سنة\".\n٢ الخثعمية: امرأة مجهولة لم تسم، من خثعم بن أنمار بن أراش بن كهلان، وجاء في بعض الروايات: أنها امرأة شابة، وهي التي كان ينظر إليها الفضل بن العباس وهو رديف رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: \"كان الفضل بن عباس رديف رسول الله -ﷺ- فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي -ﷺ- يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، وإن شددته خشيت عليه، أفأحج عنه؟ قال: نعم\" سبل السلام \"٢/ ١٨١\" فهذه الزيادة التي أوردها المصنف ليست في حديث الخثعمية، فلا يصح الاحتجاج به في هذا المقام، وهو القياس.\nوقد روى مثله الإمام أحمد في مسنده \"١/ ٣٤٥\" والنسائي \"٥/ ٨٧\" وابن خزيمة \"٤/ ٣٤٦\" عن ابن عباس أيضًا: \"أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فأتى أخوها النبي -ﷺ- فسأله عن ذلك فقال: \"أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه\"؟ قال: نعم. قال: \"فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء\" وروى مثله البخاري عن امرأة أن أمها نذرت أن تحج، وماتت ولم تحج.","vol":"2","page":173},{"text":"فهو تنبيه على قياس دين الله على دين الخلق.\nوقوله -﵇- لعمر، حين سأله عن قبلة الصائم: \"أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ \" ١\nفهو قياس للقبلة على المضمضة، بجامع أنها مقدمة الفطر، ولا يفطر٢.\nوروى أبو عبيد٣ أن النبي -ﷺ- قال: \"إنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ بالرَّأْي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فيهِ وَحْيٌ\" ٤. وإذا كان يحكم بينهم باجتهاده: فلغيره الحكم برأيه إذا غلب على ظنهم.\n_________\n١ أخرجه الإمام أحمد في المسند \"١/ ٥٢\" وأبو داود: كتاب الصوم، باب القبلة للصائم، حديث \"٢٣٨٥\" والدارمي: كتاب الصوم، باب الرخصة في القبلة للصائم، كما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، من حديث جابر بن عبد الله عن عمر -﵄- قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي -ﷺ- فقلت صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، فقبلت وأنا صائم. فقال: \"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته وأنت صائم؟ \" قلت: لا بأس بذلك. فقال: \"ففيم؟ \" أي: ففيم الاستغراب.\n٢ أي: أن كلًّا منهما مقدمة لشيء لم يتم.\n٣ هو: القاسم بن سلام البغدادي، أبو عبيد، الفقيه المحدث اللغوي، أخذ عن كبار اللغويين والنحويين، كأبي عبيدة، والكسائي، والفراء، تولى قضاء طرسوس. من مؤلفاته، \"الأموال\" و\"أدب القضاء\" وقد أورد فيه هذا الحديث بسنده عن أم سلمة -﵂- توفي بمكة المكرمة، وقيل: بالمدينة المنورة سنة \"٢٢٤هـ\" على الأصح- انظر: تذكرة الحفاظ \"٢/ ٤١٧\"، طبقات المفسرين للداودي \"٢/ ٣٢\"، شذرات الذهب \"١/ ١٤١\".\n٤ المصنف روى الحديث بالمعنى، ولفظه: عن أم سلمة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: \"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا =","vol":"2","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>فصل: [الأدلة النقلية للمنكرين للقياس]</span>\nاحتجوا بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١.\nوقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢.\nفما ليس في القرآن ليس بمشروع، فيبقى على النفي الأصلي٣.\nالثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٥ وهذا حكم بغير المنزل.\n_________\n= يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار\" أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، ومسلم: كاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.\n١ سورة الأنعام من الآية \"٣٨\".\n٢ سورة النحل من الآية \"٨٩\" قال الطوفي، في وجة الدلالة لهاتين الآيتين: \"إن في الكتاب كفاية وغناء عن القياس، وإثبات القياس رد لذلك\".\n٣ هذا يعتبر اعتراضًا منهم على استدلال الجمهور المتقدم: \"لولا القياس لتعطلت حوادث كثيرة عن أحكام، لعدم وفاء النصوص القليلة بالحوادث الكثيرة\" خلاصته: لا نسلم أن ذلك يؤدي إلى ما قلتم؛ لأن ما لم يرد في الكتاب والسنة يبقى على النفي الأصلي أي: لا حكم له.\nوالمصنف أقحم هذه العبارة هنا في وجه الدلالة، ولعل له وجهة.\nويمكن الرد على هذا الاعتراض: أن هذا يناقض استدلالكم بهاتين الآيتين؛ لأن ذلك -على مقتضى استدلالكم- يوجب أن لا حادثة إلا ولها في الكتاب حكم، وقولكم: \"فما ليس في القرآن ليس بمشروع، فيبقى على النفي الأصلي\" يثبت أن هناك من الحوادث ما لا حكم له في القرآن، وهذا تناقض. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٢٧١\".\n٤ عبارته غير واضحة، فالمتقدم آيتان، وليست واحدة حتى يعطف عليها قوله \"الثانية\" إلا إذا اعتبر دلالة الآيتين المجموعة الأولى؛ لأن مدلولهما واحد، والآيتان الآتيتان هما المجموعة الثانية، أو المراد: الشبهة الثانية.\n٥ سورة المائدة من الآية \"٤٩\".","vol":"2","page":175},{"text":"وهكذا قوله: ﴿... فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١،\nوأنتم تردونه إلى الرأي.\n_________\n١ سورة النساء من الآية \"٥٩\".","vol":"2","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>فصل: [الأدلة العقلية للمنكرين للقياس]</span>\nوأما شبههم المعنوية:\n[فالأولى]: قالوا: براءة الذمة بالأصل معلومة قطعًا، فكيف ترفع بالقياس المظنون؟!\nوالثانية: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد، والفرق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات، إذ قال: \"يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ\" ١، ويجب الغسل من المني والحيض، دون المذي والبول، ونظائر ذلك كثير.\nالثالثة: أن الرسول الله -ﷺ- قد أوتي جوامع الكلم٢، فكيف يليق به\n_________\n١ روى أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، عن أبي السمح قال: قال رسول الله -ﷺ- \"يُغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام\". كما أخرجه أيضًا البزار وابن ماجه وابن خزيمة، عن أبي السَّمح قال: كنت أخدم رسول الله -ﷺ- فأُتي بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: \"يغسل من بول الجارية\".\nوقد رواه أيضًا أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن ماجه والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين ... وذكرت الحديث وجاء في لفظه: \"يُغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر\" كما رووه عن علي -﵁- قال قال قتادة: \"هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غُسلا\". انظر: سبل السلام \"١/ ٣٨\".\n٢ روى البخاري: كتاب التعبير، باب: رؤيا الليل، عن أبي هريرة ﵁: =","vol":"2","page":176},{"text":"أن يترك الوجيز المفهم إلى الطويل الموهم، فيعدل عن قوله: \"حرَّمتُ الربا في المكيل\" إلى الأشياء الستة؟\nالرابعة: قالوا: الحكم ثبت في الأصل بالنص؛ لأنه مقطوع به والحكم مقطوع به، فكيف يحال على العلة المظنونة، والحكم يثبت في الفرع بالعلة، فكيف يثبت الحكم فيه بطريق سوى طريق الأصل؟\nالخامسة: قالوا: غاية العلة: أن يكون منصوصًا عليها، وذلك لا يوجب الإلحاق، كما لو قال: \"أعتقت من عبيدي سالمًا؛ لأنه أسود\" لم يقتض عتق كل أسود، ولا يجري ذلك مجرى قوله: \"أعتقت كل أسود\".\nكذا قوله: \"حرمت الربا في البر، لأنه مطعوم\" لا يجري مجرى قوله: \"حرمت الربا في كل مطعوم\".\nالجواب:\nأما قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فإن القرآن دل على جميع الأحكام، لكن إما بتمهيد طريق الاعتبار، وإما بالدلالة على الإجماع والسنة، وهما قد دلا على القياس.\nوإلا فأين في الكتاب مسألة: \"الجد والإخوة\" و\"العول\" و\"المبتوتة\" و\"المفوضة\"١، و\"التحريم\"٢، وفيها حكم لله شرعي.\n_________\n= أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أعطيت مفاتيح الكلم\" وفي باب: المفاتيح في اليد بلفظ: \"بعثت بجوامع الكلم\".\nكما أخرجه عن أبي هريرة أيضًا مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة بلفظ: \"أوتيت جوامع الكلم\" وللحديث روايات أخرى متعددة. يراجع فيض القدير \"١/ ٥٦٣\".\n١ هذه الأمثلة تقدم الكلام عليها.\n٢ وهي قول الرجل لزوجته: \"أنتِ عليّ حرام\" هل يعتبر ظهارًا، أو طلاقًا؟ وإذا =","vol":"2","page":177},{"text":"ثم قد حرّمتم القياس، وليس في القرآن تحريمه١.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢.\nقلنا: القياس ثابت بالإجماع والسنة، وقد دل عليه القرآن المنزل.\nومن حكم بمعنى: استنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل.\n_________\n= اعتبر طلاقًا، هل يقع ثلاثًا أو رجعيًّا؟ فيه خلاف طويل يراجع في المغني \"١٠/ ٣٩٦\"، \"١١/ ٦١\".\n١ خلاصة ذلك الرد: أن المراد من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من حيث الإجمال: تمهيد طرق الاعتبار الكلية، والقياس من هذه الطرق؛ لأن القرآن دل على حجية السنة والإجماع، وهما قد دلا على حجية القياس، كما أن هناك العديد من الأحكام الفرعية التي ثبت لها حكم شرعي، وليس فيها نص في كتاب الله تعالى، كالأمثلة التي ذكرها المصنف، وغيرها كثير.\nهذا ما أجاب به المصنف -رحمه الله تعالى- وهو مبني على أن المراد بالكتاب في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هو القرآن الكريم. أما إذا أريد به \"اللوح المحفوظ\" فلا دلالة فيه على محل النزاع.\nروى الطبري، بسنده، عن ابن عباس -﵄- قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾: ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.\nكما روى، بسنده أيضًا، عن يونس قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: كلهم مكتوب في أم الكتاب. \"تفسير الطبري ١١/ ٣٤٥-٣٤٦\" دار المعارف بالقاهرة.\nوقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، فإنه أثبت فيه ما يقع من الحواث. وقيل: أي في القرآن، أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول -﵊- أو من الإجماع، أو من القياس الذي يثبت بنص الكتاب ... \"، الجامع لأحكام القرآن \"٦/ ٤٢٠\".\n٢ المائدة: ٤٩.","vol":"2","page":178},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١. قلنا: نحن لا نرده إلا إلى العلة المستنبطة من كتاب الله -تعالى- ونص رسوله، فالقياس: تفهّم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم، وحذف الحشو الذي لا أثر له.\nثم أنتم رددتم القياس بلا نص، ولا معنى نص.\nوقولهم: \"كيف ترفعون القواطع بالظنون\".\nقلنا: كما ترفعونه بالظواهر، والعموم، وخبر الواحد، وتحقيق المناط في آحاد الصور.\nثم نقول: لا نرفعه إلا بقاطع، فإنا إذا تعبدنا باتباع العلة المظنونة، فإنا نقطع بوجود الظن، ونقطع بوجود الحكم عند الظن، فيكون قاطعًا.\nوقولهم: \"مبنى الحكم على التعبدات\".\nقلنا: نحن لا ننكر التعبدات في الشرع، فلا جرم، قلنا: الأحكام ثلاثة أقسام:\nقسم: لا يعلل.\nوقسم: يعلم كونه معللًا، كالحجر على الصبي، لضعف عقله.\nوقسم: يتردد فيه.\nولا نقيس ما لم يقم دليل على كون الحكم معللًا٢.\n_________\n١ النساء: \"٥٩\".\n٢ معناه: أننا لا نقيس إلا إذا وجد المعنى الذي في الأصل في الفرع بعينه، وتحققت شروط القياس، كالنبيذ مع الخمر، والأرز مع البر، فإن الأحكام الشرعية إما غير معللة كالعبادات المختلفة، فلا يجري فيها القياس، وإما معللة بعلة معينة، وهذه هي التي يجري فيها القياس.\nوأما اعتراضهم بالتفرقة بين المتماثلات: فله علة -أيضًا- لكنها خفيت عليهم، فقد نص العلماء على أن بول الأنثى أثقل من بول الذكر، حيث إن مزاج الذكر =","vol":"2","page":179},{"text":"وقولهم: \"لِمَ لم ينص على المكيل، ويغني عن القياس على الأشياء الستة\"؟\nقلنا: هذا تحكم على الله -تعالى- وعلى رسوله، وليس لنا التحكم عليه فيما صرّح ونبّه وطوّل وأوجز١، ولو جاز ذلك: لجاز أن يقال: \"فلم لم يصرّح بمنع القياس على الأشياء الستة؟ ولِمَ لم يبين الأحكام كلها في القرآن، وفي المتواتر٢، لينحسم الاحتمال؟ وهذا كله غير جائز.\nثم نقول: إن الله -تعالى- علم لطفًا في تعبد العلماء بالاجتهاد، وأمرهم بالتشمير في استنابط دواعي الاجتهاد، لـ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٣.\nوقولهم: \"كيف يثبت الحكم في الفرع بطريق غير طريق الأصل\"؟\nقلنا: ليس من ضرورة كون الفرع تابعًا للأصل أن يساويه في طريق\n_________\n= حار، ومزاج الأنثى بارد، فيضعف الهضم عندها، فتبقى الفضلة كثيفة، ذات قوام كثيف، فإذا تعلقت بالأجسام، كان أثرها محتاجًا إلى الغسل، بخلاف الغلام. وهكذا سائر الصورة التي أوردوها. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٢٧٥، وما بعدها\".\n١ في المطبعة: طول ونبه وأوجز، وصححناه من المستصفى \"٣/ ٥٦٨\".\n٢ أي: من السنة.\n٣ سورة المجادلة من الآية \"١١\".\nيضاف إلى ذلك: أن هناك حوادث ووقائع تقع في سائر الأزمان ولا يمكن إعطاؤها حكمًا شرعيًّا إلا بالاجتهاد الذي من وسائله القياس، يؤيد ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن علي -﵁- أنه قال: قلت: يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه سنة؟ قال، ﷺ: \"اجمعوا له العالمين، أو قال: العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد\". روى مثله الطبراني في الأوسط. انظر: مجمع الزوائد \"١/ ١٧٨\" وإعلام الموقعين \"١/ ٦٥\".","vol":"2","page":180},{"text":"الحكم؛ فإن الضروريات والمحسوسات أصل للنظريات، ولا يلزم تساويهما في الطريق، وإن تساويا في الحكم\nوأما إذا قال: \"أعتقت سالمًا؛ لسواده\" فالفرق بينه وبين أحكام الشرع من حيث الإجمال والتفصيل.\nأما الإجمال: فإنه لو قال، مع هذا: \"فقيسوا عليه كل أسود\" لم يتعد العتق سالمًا.\nولو قال الشارع: \"حرمت الخمر لشدّتها، فقيسوا عليه كل مشتد\": للزمت التسوية، فكيف يقاس أحدهما على الآخر، مع الاعتراف بالفرق؟\nوأما التفصيل: فلأن الله -تعالى- علق الحكم في الأملاك حصولًا وزوالًا على اللفظ، دون الإرادات المجردة.\nأما أحكام الشرع: فتثبت بكل ما دل عليه رضا الشارع وإرادته، ولذلك تثبت بدليل الخطاب، وبسكوت النبي -ﷺ- عما جرى بين يديه من الحوادث.\nولو أن إنسانًا باع مال غيره بأضعاف قيمته وهو حاضر، ولم ينكر ولم يأذن، بل ظهرت عليه علامات الفرح: لا يصح البيع.\nبل قد ضيق الشرع أحكام العباد حتى لا تحصل بكل لفظ١.\n_________\n١ توضيحه: أن هناك فرقًا بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فحقوق الله تعالى قائمة على المسامحة والتيسير، فاكتفى فيها بالظن، توسيعًا لمجاري التكليف، أما حقوق العباد: فقائمة على المشاحة، فشددت الشريعة فيها، فلا تنقل عنهم إلا بطريق قاطع، لما قلناه، أو لأن حقوقهم في الأصل ملك لله تعالى، فتعبدهم في زوالها بالطريق القاطع، وأثبت التكاليف الشرعية بالطرق المظنونة، ولله -سبحانه- أن يفعل في ملكه ما يشاء. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٢٨٥\".","vol":"2","page":181},{"text":"فلو قال الزوج: \"فسخت النكاح، ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي\" لم يقع الطلاق، إلا أن ينويه.\nوإذا أتى بلفظ الطلاق: وقع وإن لم ينوه.\nوإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ فكيف تحصل بمجرد الإرادة١؟\nعلى أن القياس مفهوم في اللغة، فإنه لو قال: \"لا تأكل الأهليلج٢؛ لأنه مسهل\"، و\"لا تجالس فلانًا؛ لأنه مبتدع\" فهم منه التعدي بتعدي العلة، وهذا مقتضى اللغة، وهو مقتضاه في العتق، لكن التعبد منع منه.\nوعلى أن هذا الذي ذكروه قياس لكلام الشارع على كلام المكلفين في امتناع قياس ما وجدت العلة التي علل بها فيه عليه، فيكون رجوعًا إلى القياس الذي أنكروه.\nثم إن قياس كلام الشارع على كلام غيره أبعد من قياس أحكام الشرع بعضها على بعض.\nفإن قيل: فلعل الشرع علل الحكم بخاصية المحل، فتكون العلة في تحريم الخمر: شدة الخمر، وفي تحريم الربا بطعم البر، لا بالشدة.\n_________\n١ في النسخ المطبوعة: \"وإذا لم يحصل بجميع اللفظ فكيف يحصل بمجرد الإرادة\" وهي عبارة غير واضحة، وأوضح منها عبارة الغزالي في المستصفى \"٣/ ٥٧٤\".\n\"فإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ، بل ببعضها، فكيف تحصل بما دون اللفظ مما يدل على الرضا\".\n٢ الأهليلج: ثمر معين بالغ النضج، منه الأصفر والأسود، معرب. المصباح المنير مادة \"هلج\".","vol":"2","page":182},{"text":"المجردة١. [ولا بالطعم المجرد] ٢.\nولله أسرار في الأعيان: فقد حرم الخنزير والدم والميتة لخواص لا يطلع عليها، فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ، فبماذا يقع الأمن عن هذا؟ ٣.\nقلنا: قد نعلم ضرورة سقوط اعتبار خاصية المحل كقوله: \"أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ المَتاع أَحَقُّ بِمَتاعِهِ\" ٤ يعلم أن المرأة في معناه.\nوقوله: \"مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي\" ٥ فالأمة في معناه.\n_________\n١ \"المجردة\" من المستصفى \"٣/ ٥٧٦\".\n٢ هذه الزيادة يقتضيها المقام، فإن المعترض يقول: لعل العلة خاصة بمحل النص وليست عامة، لخاصية معينة ليست موجودة في كل المحال.\n٣ قال الغزالي، بعد ذلك: \"وهذا أوقع كلام في مدافعة القياس\". المستصفى \"٣/ ٥٧٧\".\n٤ حديث صحيح: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره\".\nورواه مالك وأبو داود عن أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلًا، ووصله أبو داود من طريق أخرى بلفظ \"أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء\" سبل السلام \"٣/ ٥٣\".\n٥ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، وفي كتاب العتق، باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء من حديث عبد الله بن عمر، ﵄.\nكما أخرجه مسلم في كتاب العتق، وأبو داود والنسائي وابن ماجه.","vol":"2","page":183},{"text":"لأنا١ عرفنا بتصفّح أحكام العتق، والبيع، وبمجموع أمارات وتكريرات، وقرائن: أنه لا مدخل للذكورية٢ في العتق والبيع.\nوقد يظن ذلك ظنًّا يسكن إليه٣.\nوقد ٤ عرفنا أن الصحابة عولوا على الظن، فعلمنا أنهم فهموا من رسول الله -ﷺ- قطعًا، إلحاق الظن بالقطع.\nوقد اختلف الصحابة في مسائل، فلو كانت قطعية: لما اختلفوا فيها، فعلمنا أن الظن كالعلم.\nفإن انتفى العلم والظن: فلا يجوز الإقدام على القياس.\n_________\n١ زيادة من المستصفى.\n٢ في المستصفى \"للأنوثة\".\n٣ عبارة المستصفى: \"وقد يعلم ذلك ظنًّا بسكون النفس إليه\".\n٤ زيادة من المستصفى.","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>فصل: [في مذهب النظام في الإلحاق بالعلة المنصوصة]</span>\nقال النظام: العلة المنصوص عليها توجب الإلحاق بطريق اللفظ والعموم، لا بطريق القياس، إذ لا فرق في اللغة بين قوله: \"حرّمت الخمر لشدتها\" وبين: \"حرّمت كل مشتد\"١.\n_________\n١خلاصة رأي النظام: أن العلة المنصوص عليها توجب إلحاق الفرع بالأصل من جهة اللفظ، بمعنى أن الإلحاق مستفاد من عموم اللفظ، لا من جهة القياس، =","vol":"2","page":184},{"text":"وهذا خطأ، إذ لا يتناول قوله: \"حرمت الخمر لشدتها\" من حيث الوضع إلا تحريمها خاصة.\nولو لم يرد التعبد بالقياس: لاقتصرنا عليه، كما لو قال: \"أعتقت غانمًا لسواده\"١.\nوكيف يصح هذا ولله تعالى -أن ينصب شدة الخمر- خاصة- علة، ويكون فائدة التعليل: زوال التحريم عند زوال الشدة.\nويتجه عليه: ما ذكره نفاة القياس٢، والله أعلم.\n_________\n= وعلل ذلك بعدم الفرق بين قول القائل: \"حرمت الخمر لشدتها\" وبين قوله: \"حرمت كل مشتد\" فهو من قبيل العموم المعنوي.\n١ خلاصة الرد: أننا لا نسلم باستواء الصيغتين، فإن قوله: \"حرمت كل مشتد\" يفيد العموم لعليته، أما قوله: \"حرمت الخمر لشدتها\" فلا يفيد إلا تحريم الخمر خاصة، ولولا القياس لما حرم كل مشتد، كما لو قيل: \"أعتقت غانمًا لسواده\" فيختص العتق بغانم\" والنص على العلة لا يوجب العموم اللفظي. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٣٤٦\".\n٢ وهي الأدلة التي استندوا إليها سابقًا.","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>فصل: [في أوجه تطرق الخطأ إلى القياس]</span>\nويتطرق الخطأ إلى القياس من خمسة أوجه:\nأحدها: أن لا يكون الحكم معللًا١.\n_________\n١ معناه: أن الحكم يكون غير معلل في الواقع، فيأتي القائس له بعلة من عنده، مثل ما روي من أن علة انتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور، لشدة حرارته ودسمه مرخ =","vol":"2","page":185},{"text":"والثاني: أن لا يصيب علته عند الله تعالى١\nوالثالث: أن يقصر في بعض أوصاف العلة٢.\nالرابع: أن يجمع إلى العلة وصفًا ليس منها٣\nالخامس: أن يخطئ في وجودها في الفرع، فيظنها موجودة، ولا يكون كذلك.\n_________\n= للجوف، ومخرج للحدث، فيلحق به كل طعام مرخ للجوف، والصحيح المشهور أن ذلك تعبد. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٣٤٧\".\n١ مثل: أن يعتقد أن علة الربا في البر هي: الطعم، فيلحق به الخضروات وسائر المطعومات، بينما هي غير ذلك.\n٢ عبارة الغزالي في المستصفى \"الثالث\" أنه إن أصاب في أصل التعليل، وفي عين العلة، فلعله قصر على وصفين أو ثلاثة، وهو معلل به مع قرينة أخرى زائدة على ما قصر اعتباره عليه\".\n٣ مثل أن يعلل الحنبلي القصاص: بأنه قتل عمد عدوان، فيوجب القصاص. فيقول الحنفي: نقصت من أوصاف العلة وصفًا، وهو الآلة الصالحة السارية في البدن، يعني: المحدّد، فلا يصح إلحاق المثقل به، وهذا مثال للنقص من أوصاف العلة، ومثال الزيادة: أن يعلل الحنفي بما تقدم، فيقول الحنبلي: زدت في أوصاف العلة وصفًا ليس منها، وهو: صلاحية الآلة، والعلة: هي القتل العمد العدوان فقط. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٣٤٨\".\nوقد ذكر الغزالي وجهًا آخر وهو إثبات العلة بمجرد الوهم والحدس. انظر المستصفى \"٣/ ٥٩٠ وما بعدها\".","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>فصل: [في أقسام إلحاق المسكوت بالمنطوق]</span>\nإلحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون:","vol":"2","page":186},{"text":"فالمقطوع ضربان:\nأحدهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، وهو المفهوم١\nولا يكون مقطوعًا حتى يوجد فيه المعنى الذي في المنطوق وزيادة، كقولنا: إذا قبل شهادة اثنين، فثلاثة أولى، فإن الثلاثة: اثنان وزيادة.\nوإذا نهى عن التضحية بالعوراء٢: فالعمياء أولى، فإن العمى: عوَر مرتين.\nفأما قولهم: \"إذا وجبت الكفارة في القتل الخطأ، ففي العمد أولى\" و\"إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى\"٣: فهذا يفيد الظن\n_________\n١ أي: فحوى الخطاب، أو مفهوم الموافقة الأولوي كما سبق، وقد اختلف العلماء في تسميته قياسًا، والراجح أنه لا يسمى قياسًا، لأنه لا يحتاج إلى إعمال فكر واستنباط علة، كما أن المسكوت عنه أولى من المنطوق، فكيف يقاس عليه وهو أولى منه بالحكم. ولعل المسألة راجعة إلى الاصطلاح ولا مشاحة فيه. وقد سبق توضيح ذلك في مبحث المفاهيم.\n٢ عن البراء بن عازب، ﵁: قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- فقال: \"أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ضَلَعُها، والكبيرة التي لا تنقي\" أي: التي لا نقي لها وهو: المخ. رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وحسنه الإمام أحمد وقال: ما أحسنه من حديث. انظر: سبل السلام \"٤/ ٩٣\".\nقال الصنعاني: \"والحديث دليل على أن هذه الأربعة العيوب مانعة من صحة التضحية، وسكت عن غيرها من العيوب، فذهب أهل الظاهر إلى أنه لا عيب غير هذه الأربعة. وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها غيرها مما كان أشد منها أو مساويًا لها، كالعمياء ومقطوعة الساق\" المصدر السابق.\n٣ معنى ذلك: أن قياس القتل العمد على القتل الخطإ في وجوب الكفارة التي وردت في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ...﴾ =","vol":"2","page":187},{"text":"لبعض المجتهدين، وليس من الأول؛ لأن العمد نوع يخالف الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على رفعه، بخلاف الخطأ.\nوالكافر يحترز من الكذب لدينه، والفاسق متهم في الدين.\nالضرب الثاني:\nأن يكون المسكوت مثل المنطوق، كسراية العتق في العبد١، والأمة مثله، وموت الحيوان في السمن٢، والزيت مثله.\nوهذا يرجع إلى العلم بأن الفارق لا أثر له في الحكم، وإنما يعرف ذلك باستقراء أحكام الشرع في موارده ومصادره في ذلك الجنس.\nوضابط هذا الجنس: أن لا يحتاج فيه إلى التعرض للعلة الجامعة، بل بنفي الفارق المؤثر، ويعلم أنه ليس ثم فارق مؤثر قطعًا.\n_________\n= [النساء:٩٢] وكذلك شهادة الكافر قياسًا على رد شهادة الفاسق، كل ذلك ليس من قبيل النوع الأول، وهو القياس الأولوي؛ لما قاله المصنف من أن القتل العمد فيه قصاص، ولا تقوى الكفارة على رفع إثمه، بخلاف الخطأ، وكذلك هناك فرق بين شهادة الكافر وشهادة الفاسق.\n١ وهو ما جاء عن عبد الله بن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: \"من أعتق شركًا له في عبد قوّم عليه نصيب شريكه، ثم يعتق\". أخرجه البخاري في كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، كما أخرجه في كتاب العتق، وكذلك مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.\n٢ سئل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن الفأرة تقع في السمن الذائب، فلم تمت؟ قال: لا بأس بأكله، وفي رواية أخرى قال: إذا كان حيًّا فلا شيء، إنما الكلام في الميت. المغني \"١/ ٧٢\" وما قيل في السمن يقال في الزيت لأنه مثله.","vol":"2","page":188},{"text":"فإن تطرق إليه احتمال: لم يكن مقطوعًا به، بل يكون مظنونًا١\nوقد اختلف في تسمية هذا قياسًا٢.\nوما عدا هذا من الأقيسة: فمظنون٣.\nوفي الجملة، فالإلحاق له طريقان:\nأحدهما: أنه لا فارق إلا كذا، وهذه مقدمة٤.\nولا مدخل لهذا الفارق في التأثير، وهذه مقدمة أخرى٥.\nفيلزم منه نتيجة، وهو أن لا فرق بينهما في الحكم٦.\nوهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل، فلا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق تارة يكون قطعيًّا، وتارة يكون ظنيًّا، فإن كان الذهن يتبادر إلى المسكوت عنه دون نظر وتأمل وبحث عن العلة، وأنه لا فارق بين الأصل والفرع، وأنه ليس هناك مؤثر آخر، فهذا هو القطعي، وإن تطرق إليه احتمال مما تقدم كان ظنيًّا، وهذا هو الضابط لهذه المسألة.\n٢ سبق في باب دلالة المفهوم أن بعضهم يسميه قياسًا جليًّا، وبعضهم يسميه مفهوم موافقة، والبعض يطلق عليه دلالة النص، وقلنا: إن ذلك راجع إلى الاصطلاح، ولا مشاحة فيه.\n٣ أي: ما عدا ما ذكرناه يعتبر من الأقيسة المظنونة، وهو ما يطلق عليه: القياس الخفي.\n٤ صغرى.\n٥ كبرى.\n٦ مثال ذلك أن يقال: لا فارق بين العبد والأمة في سراية العتق، وتنصيف الحد إلا الذكورية، ولا أثر لذلك، فيجب استواؤهما في الحكم.","vol":"2","page":189},{"text":"الثاني: أن يتعرض للجامع فيبينه، ويبين وجوده في الفرع١. وهذا المتفق على تسميته قياسًا٢.\nوهذا٣ يحتاج إلى مقدمتين، أيضًا:\nأحدهما: أن السكر-مثلًا- علة التحريم في الخمر.\nوالثانية: أنه موجود في النيبذ.\nفهذه المقدمة الثانية يجوز أن تثبت بالحس، ودليل العقل، والعرف، وأدلة الشرع٤.\n_________\n١ معناه: أن يثبت أن العلة في الأصل كذا، ثم يبين أن هذه العلة موجودة في الفرع، فيجب استواؤهما في الحكم.\nمثال ذلك أن يقال: العلة في تحريم الخمر: الإسكار، وهي موجودة في النبيذ، فيجب استواؤهما في الحكم.\n٢ اسم الإشارة عائد على الطريق الثاني، أما الطريق الأول ففيه خلاف، هل يسمى قياسًا أو لا؟\nقال الطوفي في شرحه \"٣/ ٣٥٣\": وذلك لأن القياس اعتبار شيء بغيره، أو الجمع بين شيئين بالقصد الأول، وهو يتحقق في بيان علة الأصل ووجودها في الفرع، أما إلغاء الفارق، فليس ذلك موجودًا فيه بالقصد الأول، إنما الموجود فيه إلغاء الفارق، وأما الجمع بين الأصل والفرع، فإنما يحصل فيه بالقصد الثاني\".\n٣ اسم الإشارة عائد على الطريق الثاني أيضًا.\n٤ لأن إثبات وجود هذه العلة في الفرع قائم على اجتهاد المجتهدين، فيجوز أن يكون بالحس أو العقل أو العرف أو أدلة الشرع.\nأما المقدمة الأولى وهي: كون السكر علة التحريم فلا تثبت إلا بالشرع؛ لأن العلل الشرعية ليست مؤثرة في الحكم بذاتها، وإنما هي علامة على وجود الحكم ومشتملة على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، إذ من المعلوم أن أفعال الله -تعالى- معللة بالحكم ورعاية مصالح العباد، فهو -سبحانه- لا يفعل =","vol":"2","page":190},{"text":"وأما الأولى: فلا تثبت إلا بدليل شرعي، فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي، كما أن نفس التحريم كذلك، وطريقه طريقه، فالشدة التي جعلت علامة للتحريم يجوز أن يجعلها الشارع علامة للحل، فليس إيجابها لذاتها.\n[أدلة إثبات العلة] ١\nوأدلة الشرع ترجع إلى \"نص\" أو \"إجماع\" أو \"استنباط\" فهذه ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: إثبات العلة بأدلة نقلية٢، وهو ضربان٣:\n_________\n= شيئًا عبثًا لغير مصلحة وحكمة، بل أفعاله -جل شأنه- صادرة عن حكمة بالغة لأجلها شرع لعباده ما شرع، تفضلًا منه وإحسانًا.\nانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية \"٣/ ١١٢، ٨/ ٧٠\".\n١ وهي ما يطلق عليها: \"مسالك العلة\".\n٢ أي: من الكتاب والسنة.\n٣ في أكثر النسخ \"ثلاثة أضرب\" لكن المصنف -كما سيأتي- ذكر ضربين فقط:\nالأول: النص الصريح، والثاني: التنبيه والإيماء إلى العلة.\nولعل السبب في ذلك: أن الإمام الغزالي، الذي يعتبر كتابه \"المستصفى\" أصلًا لهذا الكتاب، جعل ذلك ثلاثة أضرب: الصريح، والتنبيه والإيماء على العلة، والتنبيه على الأسباب بترتيب الأحكام عليها بصيغة الجزاء والشرط، وبالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب.\nوجمهور العلماء يجعلونها ثلاثة أضرب أيضًا، هي: النص القاطع، وهو الذي يدل على التعليل دلالة صريحة دون احتمال لغيره، مثل: لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لأجل كذا، ولكي، والنص الظاهر: وهو ما يدل على العلية مع احتمال غيرها احتمالًا مرجوحًا، وله ألفاظ معينة تدل على التعليل، كاللام والباء وإنّ، والإيماء. =","vol":"2","page":191},{"text":"الأول- الصريح١:\nوذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ ٢ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ ٣، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٥\n_________\n= فالمصنف أخذ عنوان المستصفى في جعلها ثلاثة أضرب، وأدخل الظاهر مع القاطع وجعلهما ضربًا واحدًا، أو يكون ذلك من تصرف النساخ. انظر في هذه المسألة: الإحكام للآمدي \"٣/ ٣٨\"، فواتح الرحموت \"٢/ ٢٩٥\"، الإبهاج للسبكي \"٣/ ٢٢\"، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٥٦ وما بعدها\".\n١ تقدم تعريفه آنفًا.\n٢ سورة الحشر من الآية \"٧\" وهي قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ...﴾ أي: إنما جعل مصرف الفيء في هذه الجهات حتى لا يتداوله الأغنياء جيلًا بعد جيل، أو قومًا بعد قوم، ولا تنتفع به الجهات المحتاجة إليه.\n٣ سورة الحديد من الآية \"٢٣\" وقبلها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: أخبر الله تعالى بأن كل ما يجري في هذا الكون مسطر في اللوح المحفوظ قبل أن يقع، لئلا تحزنوا على ما يفوتكم ولا تفرحوا -فرح بطر وتكبر- بما يأتيكم من نعم.\n٤ سورة الأنفال من الآية \"١٣\" والحشر من الآية \"٤\" والمشاقة: المخالفة، وسميت بالمشاقة؛ لأن المخالف صار في شق آخر. قال في المصباح: \"شاقّه، مشاققة، وشقا: خالفه، وحقيقته: أن يأتي كل منهما ما يشق على صاحبه، فيكون كل منهما في شق غير شق صاحبه\". ومحل الشاهد هنا: أن الله تعالى قد أخبر في الآية التي قبلها بأن قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ بسبب شقاقهم أو لعلة شقاقهم، كما رتب -سبحانه- العلة في سورة الأنفال على قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ...﴾ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله.\n٥ سورة المائدة من الآية \"٣٢\" وهناك خلاف بين العلماء في متعلق ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ =","vol":"2","page":192},{"text":"﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ١، ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٢.\nوقول النبي، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم٢: \"إِنَّما جُعِلَ الاسْتِئْذانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ\" ٣، و\"إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ\" ٤.\n_________\n= فالمشهور أنه متعلق بـ\"كتبنا\" أي: كتبنا على بني إسرائيل بسبب قتل ابن آدم أخاه، صونًا للدماء. وقيل: متعلق بندامة ابن آدم على قتل أخيه، أو من أجل عدم مواراة أخيه، حتى نبهه الغراب على ذلك والتعليل صحيح على كل تقدير. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٣٥٨\".\n١ سورة البقرة من الآية \"١٤٣\" وقبلها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: ليمتحن الله -تعالى- عباده بالانقياد في التحول من قبلة إلى قبلة.\n٢ سورة المائدة من الآية \"٩٥\" وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: أوجبنا عليه الفدية عقوبة على فعله ليذوق وبال أمره، أي: ثقل فعله وسوء عاقبة ذنبه، والتعليل هنا ظاهر، أي: لعلة إذاقته وبال أمره.\n٣ أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الامتشاط، وفي كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، ومسلم في كتاب الأدب، باب: تحريم النظر في بيت غيره، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب من اطلع في دار قوم بغير إذنهم وعبد الرزاق في المصنف: كتاب الجامع، باب الرجل يطلع في بيت الرجل. كما أخرجه الإمام أحمد في المسند \"٥/ ٣٣٠/ ٣٣٥\".\n٤ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد، والرواية التي معنا هي لفظ مسلم عن عائشة -﵂- في كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، جاء فيها قالوا: يا رسول الله، إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجعلون فيها الودك. \"دسم اللحم والشحم\" قال: \"وما ذاك\" قالوا: نَهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال: \"إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفّت فكلوا وادخروا وتصدقوا\". والمراد =","vol":"2","page":193},{"text":"وكذلك إن ذُكر المفعول له، فهو صريح في التعليل؛ لأنه يذكر للعلة والعذر، كقوله تعالى: ﴿... لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ ١، ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ٢.\nوما جرى هذا المجرى من صيغ التعليل.\nفإن قام دليل على أنه لم يقصد التعليل نحو: أن يضاف إلى ما لا يصلح علة: فيكون مجازًا، كما لو قيل: \"لم فعلت هذا\"؟ قال: \"لأني أردتُ\"، فهذا استعمال اللفظ في غير محله٣.\nفأما لفظة \"إنّ\" مثل قوله، ﵇، لما ألقى الروثة: إِنَّها رِجْسٌ\"٤، وقال، في الهرة: \"إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجسٍ، إِنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ\n_________\n= بالدافة: جماعة من المساكين قدموا المدينة، فنهى -ﷺ- عن ادخار لحوم الأضاحي، حتى يتصدق عليهم أهل المدينة، ويوسعوا عليهم انظر: الموطأ \"٢/ ٤٨٥\".\n١ سورة الإسراء من الآية \"١٠٠\" وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ . أي: خشية أن تنتهي هذه الخزائن.\n٢ سورة البقرة من الآية \"١٩\".\n٣ معناه: أن الأصل في وضع اللغة أن يضاف الفعل إلى علته وسببه، فإن أضيف إلى ما لا يصلح علة فهو مجاز، ويعرف ذلك بوجود دليل على عدم صلاحيته للعلية، كما في المثال الذي أورده المصنف، وإنما لم يكن علة؛ لأن الإرادة ليست علة للفعل، وإن كانت هي الموجبة لوجوده، أو المصححة له، لأن المقصود بالعلة: المقتضى الخارجي للفعل، أما الإرادة فليست معنى خارجًا عن الفاعل: انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٣٥٩/ ٣٦٠\".\n٤ رواه البخاري عن ابن مسعود -﵁- في كتاب الوضوء، باب: الاستنجاء بالحجارة لكن بلفظ \"ركس\" بدل \"رجس\" ومثله رواية الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الاستنجاء بالحجرين، والنسائي: كتاب الطهارة، باب =","vol":"2","page":194},{"text":"عَلَيكُمْ\"١ و\"لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِها وَلَا عَلَى خَالَتِهَا؛ إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ\" ٢.\nفإن انضم إلى \"إنّ\" حرف الفاء: فهو آكد، نحو قوله، ﵇: \"لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا\" ٣.\nقال أبو الخطاب: هذا صريح في التعليل.\nوقيل: بل هذا من طريق التنبيه والإيماء إلى العلة، لا من طريق الصريح٤. والله أعلم.\n_________\n= الرخصة في الاستطابة بحجرين، ثم قال: \"الركس: طعام الجن\".\nوأخرجه بالرواية التي أوردها المصنف ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة، والنهي عن الروث والرمة، وأحمد في المسند \"١/ ٣٨٨\". وهناك خلاف طويل بين العلماء في كون الرجس هو الركس أو غيره. ينظر: النهاية في غريب الحديث \"٢/ ١٠٠\" والمصباح المنير مادة \"ركس\".\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه أيضًا.\n٣ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: كيف يكفن المحرم عن ابن عباس -﵄- مرفوعًا ومسلم: كتاب الحج، باب: ما يفعل بالمحرم إذا مات، كما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي.\n٤ خلاصة ما يريده المصنف من أول قوله: \"فأما لفظة إنّ\" إلى هنا: أن هذه الأمثلة وما يشبهها فيها مذهبان: أحدهما: أنها من قبيل الصريح، وثانيهما: أنها من قبيل الإيماء. فأبو الخطاب يرى أنها صريحة، خصوصًا إذا لحقته الفاء، كما في حديث المحرم، فإنه يزداد بها تأكدًا، لدلالتها على أن ما بعدها سبب للحكم فيما قبلها. ويرى غير أبي الخطاب أنها من قبيل التنبيه والإيماء. وهذا ما جرى عليه الطوفي في شرحه \"٣/ ٣٦٠-٣٦١\" لكن ذلك يخالف ما نص عليه أبو الخطاب في التمهيد؛ حيث جعل \"إنَّ\" من قبيل الصريح، وما دخلت عليه الفاء من قبيل =","vol":"2","page":195},{"text":"الضرب الثاني، التنبيه والإيماء إلى العلة١:\nوهو أنواع ستة:\nأحدها: أن يذكر الحكم عقيب وصف بالفاء، فيدل على التعليل بالوصف\n_________\n= الإيماء. قال: \"وأما التنبيه: فضروب، منها: أن يكون في الكلام لفظ غير صريح في التعليل، فيعلق الحكم على علته بلفظ الفاء. وهو على ضربين:\nأحدهما: أن تدخل الفاء على السبب والعلة، ويكن الحكم متقدم، كقوله -ﷺ- في المحرم حيث وقصته ناقته: \"لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيًا\" التمهيد \"٤/ ١١\".\nوالغزالي في المستصفى \"٣/ ٦٠٦-٦٠٧\" جعل \"إنّ\" المجردة، والتي انضمت إليها الفاء من قبيل الإيماء.\nوقد جعل الطوفي الخلاف في ذلك خلافًا لفظيًّا فقال: \"النزاع في هذا لفظي، لأن أبا الخطاب يعني بكونه صريحًا في التعليل: كونه تبادر منه إلى الذهن بلا توقف في عرف اللغة، وغيره يعني بكونه ليس بصريح: أن حرف \"إنّ\" ليست للتعليل في اللغة، وهذا أقرب إلى التحقيق، وإنما فهم التعليل منه فهمًا ظاهرًا متبادرًا بقرينة سياق الكلام، وصيانة له عن الإلغاء؛ لأن قوله: \"إنها من الطوافين عليكم والطوافات، إنها ليست بنجس\" ونحو ذلك، لو قدّر استقلاله وعدم تعلقه بما قبله، لم يكن له فائدة، فتعين لذلك ارتباطه بما قبله، ولا معنى له إلا ارتباط العلة بمعلولها، والسبب بمسببه. فبهذا الطريق يثْبُت كونه للتعليل لا بوضع اللغة\" شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٦١\".\nقال ابن بدران، تعليقًا على كلام الطوفي: \"أقول: يعلم كل لغوي أن حرف الجر يحذف من \"إنّ\" قياسًا مطردًا\" والمحذوف كالثابت، ففهم التعليل إنما جاء من اللام المحذوفة لا من \"إنّ\" فالأقرب إلى التحقيق ما قاله أبو الخطاب\". نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٢٦٠\".\n١ قال الطوفي في شرحه \"٣/ ٣٦١\": \"وهو ضرب من الإشارة، والفرق بينه وبين =","vol":"2","page":196},{"text":"كقوله تعالى: ﴿... قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ١، و﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢ وقول النبي، ﷺ: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\" ٣، و\"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فهِيَ له\" ٤.\nفيدل ذلك على التعليل؛ لأن الفاء في اللغة للتعقيب، فيلزم من ذكر الحكم مع الوصف بالفاء: ثبوته عقيبه، فيلزم منه السببية، إذ لا معنى للسبب إلا ما ثبت الحكم عقيبه.\n_________\n= النص: أن النص يدل على العلة بوصفه لها، والإيماء يدل عليها بطريق الالتزام، كدلالة نقص الرطب على التفاضل، أو بطريق من طرق الاستدلال عقلًا\" والخلاصة: أن دلالة الإيماء على العلة دلالة معنوية، ودلالة النص دلالة لفظية.\n١ سورة البقرة من الآية \"٢٢٢\".\n٢ سورة المائدة من الآية \"٣٨\".\n٣ أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄مرفوعًا- في كتاب الجهاد، باب: لا يعذب بعذاب الله حديث \"٣٠١٧\" وفي كتاب استتابة المرتدين، باب: حكم المرتد والمرتدة حديث \"٦٩٢٢\" وأحمد في المسند \"١/ ٢٨٢، ٢٨٣، ٣٢٢، ٣٢٣\"، وأبو داود: كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه، حديث \"٤٣٥١\" والترمذي: كتاب الحدود، باب: ما جاء في المرتد، حديث \"١٤٥٨\" والنسائي: كتاب تحريم الدم، باب: الحكم في المرتد \"٧/ ١٠٤\" وابن ماجه: كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه، حديث \"٢٥٣٥\".\n٤ أخرجه أبو داود في سننه حديث \"٣٠٧٣\" والترمذي \"١٣٧٨\" والبيهقي \"٦/ ١٤٢\" والدارمي: كتاب البيوع، باب: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وأحمد في مسنده \"٣/ ٣٣٨، ٣٨١\" والنسائي بلفظ: \"من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق\".\nكما أخرجه البخاري تعليقًا في باب: من أحيا أرضًا مواتًا، من كتاب الحرث والمزارعة.\nوقوى سنده الحافظ في الفتح \"٥/ ١٩\". ورواه أبو عبيد في الأموال \"٢٨٦\" عن =","vol":"2","page":197},{"text":"ولهذا يفهم منه السببية وإن انتفت المناسبة، نحو قوله: \"مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوضَّأْ\" ١.\nويلحق بهذا القسم٢: ما رتبه الراوي بالفاء، كقوله: \"سَهَى رَسُولُ الله -ﷺ- فَسَجَدَ\"٣ و\"رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ\"٤. يفهم منه السببية فلا يحل نقله.\n_________\n= عائشة -﵂- بلفظ: \"من أحيا أرضًا ليست لأحد، فهو أحق بها\".\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أي: يلحق بالنوع الأول، وهو: ما ذكر فيه الحكم عقب الوصف بالفاء في كلام الشارع، ما ورد على لسان الراوي مقرونًا بالفاء؛ لأنه من أهل اللغة.\n٣ روي عن عمران بن حصين -﵁- أن النبي -ﷺ- \"صلى بهم فسهى فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم\" أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب: سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم حديث \"١٠٣٩\"، والترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في التشهد في سجدتي السهو، حديث \"٣٩٥\" والحاكم في كتاب السهو، باب: سجدتي السهو بعد السلام \"١/ ٣٢٣\" وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" قال الذهبي في الميزان \"١/ ٢٦٧\": \"أشعث بن عبد الملك ثقة، لكنه ما خرّجا له في الصحيحين\".\n٤ روى أنس بن مالك -﵁- أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح \"حلي الفضة\" لها، فقتلها بحجر، قال: فجيء به إلى النبي -ﷺ- وبها رمق، فقال لها: \"أقتلك فلان؟ \" فأشارات برأسها أن لا. ثم قال لها الثانية، فأشارات برأسها أن لا. ثم سألها الثالثة فقالت: نعم، وأشارت برأسها، فقتله رسول الله -ﷺ- بين حجرين.\nأخرجه البخاري في كتاب الديات، باب: إذا قتل بحجر أو عصًا، ومسلم: في كتاب القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره \"١٦٧٢\" وأبو داود: كتاب الديات، باب: يقاد من القاتل، وباب القود بغير حديد، والترمذي حديث \"١٣٩٤\" والنسائي: كتاب القسامة، باب القود من الرجل للمرأة، وباب القود من غير حديدة. كما أخرجه الإمام أحمد في المسند \"٣/ ١٧٠، ١٧١\".","vol":"2","page":198},{"text":"من غير فهم السببية؛ لكونه تلبيسًا١ في دين الله.\nوالظاهر أن الصحابي يمتنع مما يحرم عليه في دينه، لا سيما إذا علم عموم فساد، فيظهر أنه فهم منه التعليل.\nوالظاهر أنه مصيب في فهمه، إذ هو عالم بمواقع الكلام ومجاري اللغة، فلا يعتقد السببية إلا بما يدل عليها، واللفظ مشعر به. ولا يحتاج إلى فقه الراوي، فإن هذا مما يقتبس من اللغة، دون الفقه٢.\nالثاني:\nترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدل على التعليل به.\nكقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ٣. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ٤، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٥. أي: لتقواه.\nوقول النبي، ﷺ: \"مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطَانِ\" ٦.\n_________\n١ التلبيس: المبالغة في الخلط. جاء في المصباح المنير مادة \"لبس\" ولبستُ الأمر لبسًا، من باب ضرب: خلطته. وفي التنزيل: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] والتشديد مبالغة\".\n٢ قال الفتوحي في شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٢٧\": \"ولا فرق في العمل بذلك بين كون الراوي صحابيًّا أو فقيهًا أو غيرهما، لكن إذا كان صحابيًّا فقيهًا كان أقوى\"\n٣ سورة الأحزاب من الآية: \"٣٠\".\n٤ سورة الأحزاب من الآية \"٣١\".\n٥ سورة الطلاق من الآية \"٢\".\n٦ أخرجه البخاري: كتاب الذبائح، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، ومسلم: كتاب المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب، والترمذي: أبواب الصيد، =","vol":"2","page":199},{"text":"وكذلك ما أشبهه؛ فإن الجزاء يتعقب شرطه ويلازمه.\nفلا معنى للسبب إلا ما يستعقب الحكم ويوجد بوجوده.\nالنوع الثالث:\nأن يسأل النبي -ﷺ- عن أمر حادث، فيجيب بحكم، فيدل على أن المذكور في السؤال علة.\nكما روي أن أعرابيًّا أتى النبي -ﷺ- فقال: هلكت وأهلكت. قال: \"مَاذَا صَنَعْتَ\"؟ قال: واقعت أهلى في رمضان. فقال، ﵇: \"أعْتِقْ رَقَبَة\" ١ فيدل على أن الوقاع سبب؛ لأنه ذكره جوابًا له، والسؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: \"وَاقَعْتَ أَهْلَكَ فَاعْتِق رَقَبَة\".\nواحتمال أن يكون المذكور منه ليس بجواب: ممتنع، إذ يفضي ذلك إلى خلو محل السؤال عن الجواب، فيتأخر البيان عن وقت الحاجة، وهو ممتنع بالاتفاق.\nالنواع الرابع:\nأن يُذكر مع الحكم شيء، لو لم يقدر التعليل به: لكان لغوًا غير مفيد.\nفيجب تقدير الكلام على وجه مفيد، صيانة لكلام النبي -ﷺ- عن اللغو.\n_________\n= باب: ما جاء من أمسك كلبًا ما ينقص من أجره والنسائي: كتاب الصيد، باب الرخصة في إمساك الكلب للماشية، وباب الرخصة في إمساك الكلب للصيد، كما أخرجه الإمام مالك: كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في أمر الكلام، والإمام أحمد في المسند \"٢/ ٤، ٨، ٣٧، ٤٧، ٦٠، ١٠١، ١١٣، ١٥٦\".\n١ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":200},{"text":"وهو قسمان:\nأحدهما: أن يُستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود، ثم يذكر الحكم عقيبه، كما سئل -ﷺ- عن بيع الرطب بالتمر فقال: \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ\"؟ قالوا: نعم. قال \"فَلَا إِذَنْ\" ١.\nفلو لم يقدر التعليل له: كان الاستكشاف عن نقصان الرطب غير مفيد لظهوره٢.\nالثاني أن يعدل في الجواب على نظير محل السؤال: كما روي أنه لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين، فقال، ﵇: \"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهَا\"؟ قالت: نعم. قال: \"فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضاءِ\" ٣.\nفيفهم منه: التعليل بكونه دينًا تقريرًا لفائدة التعليل.\n_________\n١ أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في التمر بالتمر عن سعد بن أبي وقاص -﵁- مرفوعًا، والترمذي: كتاب البيوع، باب: ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة وقال: \"حديث صحيح\".\nكما أخرجه ابن ماجه والنسائي ومالك والحاكم والشافعي والدارقطني. انظر نصب الراية \"٤/ ٤٠-٤٢\" والاستفهام من الرسول الله -ﷺ- عن يبس الرطب- استفهام تقريري؛ لأنه -ﷺ- يعلم ذلك.\n٢ قال الغزالي في المستصفى \"٣/ ٦٠٨\"، عند الاستدلال بهذا الحديث: ففيه تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه.\nأحدها: أنه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به.\nالثاني: قوله: \"إذًا\" فإنه للتعليل.\nالثالث: الفاء في قوله \"فلا إذًا\" فإنه للتعقيب والتسبيب\".\n٣ تقدم تخريج الحديث وبيان أن هذه ليست رواية الخثعمية، وإنما رواية امرأة من جهينة.","vol":"2","page":201},{"text":"النوع الخامس: أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل به: صار الكلام غير منتظم\nكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ....﴾ ١ فإنه يعلم منه التعليل للنهي عن البيع بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة؛ إذ لو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة يكون خبطًا٢ في الكلام.\nوكذا قوله، ﵇: \"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان\" تنبيه على التعليل بالغضب، إذ النهي عن القضاء مطلقًا من غير هذه الرابطة لا يكون منتظمًا.\nالنوع السادس: ذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب، فيدل على التعليل به كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...﴾ ٤. و﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، أي: لبرهم وفجورهم، فإنه يسبق إلى الأفهام التعليل به، كما لو قال: \"أكرم العلماء وأهن الفسّاق\" يفهم منه: أن إكرام العلماء لعلمهم، وإهانة الفساق لفسقهم.\nفكذلك في خطاب الشارع، فإن الغالب منه: اعتبار المناسبة.\nبل قد نعلم أنه لا يرد الحكم إلا لمصلحة: فمتى ورد الحكم مقرونًا بمناسب: فهمنا التعليل به.\n_________\n١ سورة الجمعة من الآية \"٩\".\n٢ هو: السير على غير جادة، أو طريق واضحة. تاج العروس مادة \"خبط\".\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ سورة المائدة من الآية \"٣٨\".\n٥ سورة الانفطار \"١٣، ١٤\".","vol":"2","page":202},{"text":"ففي هذه المواضع يدل على أن الوصف معتبر في الحكم، لكنه يحتمل: أن يكون اعتباره لكونه علة في نفسه.\nويحتمل أن اعتباره لتضمنه للعلة نحو: نهيه عن القضاء مع الغضب، ينبه على أن الغضب علة لا لذاته، بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، حتى يلتحق به الجائع والحاقن.\nويحتمل: أن ترتيبه فساد الصوم على الوقاع؛ لتضمنه إفساد الصوم، حتى يتعدى إلى الأكل والشرب.\nوالظاهر: الإضافة إلى الأصل، فصرفه عن ذلك إلى ما يتضمنه يحتاج إلى دليل١.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن الوصف في هذا النوع، أي: في كل موضع رتب الحكم عليه معتبر في تعريف الحكم، أو في تأثيره ووجوده، إلا أن الوصف الذي رتب الحكم عليه يحتمل أن يكون علة لذاته، كإحياء الأرض الموات، فإنه علة بنفسه لملك الأرض.\nويحتمل أن الوصف ليس علة لذاته، بل لما تضمنه واشتمل عليه من معنى جعله علة، كالنهي عن القضاء أثناء الغضب، فهل العلة هي: مطلق الغضب، أو ما تضمنه الغضب من تشويش الفكر وعدم استيفاء النظر للحكم الصحيح، ومثل ذلك: وجوب الكفارة بالوقاع في رمضان، هل العلة هي الوقاع بذاته، أو ما تضمنه الوقاع من إفساد الصوم الذي يكون بالوقاع كما يكون بالأكل والشرب.\nفمن قال: إن العلة هي ذات الغضب لم يلحق به غيره، ومن قال: إن العلة هي: ما تضمنه الغضب ألحق به ما يشبهه كالجوع المفرط، وكالحاقن وأمثال ذلك.\nكذلك في كفارة الوقاع، من قال: إن الوقاع هو العلة، لم يلحق به غيره من المفطرات، ومن قال: إن العلة ما تضمنه الوقاع من إفساد الصوم، ألحق به الأكل والشرب. وقد رجح المصنف أن كلًّا من الغضب والوقاع علة بنفسه، وأن إضافة غيره إليه تحتاج إلى دليل، غير أنه رجح في كتب الفقه أن الغضب ليس علة =","vol":"2","page":203},{"text":".......................................................................\n_________\n= بذاته، وإنما يقاس عليه كل ما يشوش الفكر، أما الوقاع فاعتبره علة بذاته لا يقاس عليه غيره.\nقال في المغني \"١٤/ ١٩-٢٠\": \".... ثم يخرج في اليوم الذي وعد بالجلوس فيه إلى مجلسه على أكمل حال وأعدلها، خليًا من الغضب، والجوع الشديد، والعطش، والفرح الشديد، والحزن الكثير، والهم العظيم، والوجع المؤلم، ومدافعة الأخبثين أو أحدهما، والنعاس الذي يغمر القلب؛ ليكون أجمع لقلبه، وأحضر لذهنه، وأبلغ في تيقظه للصواب، وفطنته لموضع الرأي، ولذلك قال النبي، ﷺ: \"لا يقضي القاضي وهو غضبان\" فنص على الغضب، ونبه على ما في معناه من سائر ما ذكرناه\".\nوقال في الكافي: \"١/ ٣٥٢\": \"باب ما يفسد الصوم وما يوجب الكفارة: يحرم على الصائم الأكل والشرب للآية والخبر، فإن أكل أو شرب مختارًا ذاكرًا لصومه أبطله ... \" ثم قال: \"ومن جامع في الفرج، فأنزل أو لم ينزل فعليه القضاء والكفارة، لما روى أبو هريرة أن رجلًا جاء فقال: يا رسول الله، وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال: \"هل تجد تعتق رقبة\"؟ قال: لا. قال: \"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين\"؟ قال: لا قال: فسكت النبي -ﷺ- فبينا نحن على ذلك أتى رسول الله -ﷺ- بفرَق تمر \"الفرَق: بفتح الراء -مكيال يسع ستة عشر رطلًا\". فقال: \"أين السائل؟ خذ هذا فتصدق به\" فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟! فو الله ما بين لا بتيها -يريد الحرّتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك رسول الله -ﷺ- حتى بدت أنيابه فقال: \"أطعمه أهلك\" متفق عليه.\nوبذلك يكون المصنف قد فرق بين مسألتي: الغضب والوقاع في نهار رمضان، فقاس على الأول ولم يقس على الثاني.\nقال في المغني في كتاب الصيام: \"نقل عن الإمام مالك: تجب الكفارة بكل ما كان هتكًا للصوم، إلا الردة؛ لأنه إفطار في رمضان، أشبه الجماع. وحكي عن عطاء والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق، أن الفطر بالأكل والشرب يوجب ما يوجبه الجماع، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به\". =","vol":"2","page":204},{"text":"القسم الثاني. ثبوت العلة بالإجماع:\nكالإجماع على تأثير \"الصغر\" في الولاية١.\nوكالإجماع على أن علة منع القاضي من القضاء وهو غضبان اشتغال قلبه عن الفكر والنظر في الدليل والحكم، وتغير طبعه عن السكون والتلبث للاجتهاد.\nوكتأثير تلف المال تحت اليد العادية٢ في الضمان؛ فإنه يؤثر في الغصب إجماعًا، فقيس السارق -وإن قُطع- على الغاضب، لاتفاقهما في العلة المؤثرة في محل الوفاق إجماعًا.\nفلا تصح المطالبة بتأثير العلة في الأصل، للاتفاق عليها.\n_________\n= ثم قال: \"ولنا: أنه أفطر بغير جماع فلم توجب الكفارة، كبلع الحصاة أو التراب، أو كالردة عند مالك.\nولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا، ولا إجماع، ولا يصح قياسة على الجماع؛ لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس، والحكم في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرمًا، ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته، ووجوب البدنة، ولأنه -في الغالب- يفسد صوم اثنين \"أي الرجل والمرأة\" بخلاف غيره\" ولعل هذه الأسباب هي التي جعلت المصنف يفرق بين المسألتين.\n١ أي: ولاية الإجبار على البكر الصغيرة، وعلى الصغير في المال أو النكاح، فيقول الحنفي في الثيب الصغيرة: صغيرة، فتجبر على النكاح، قياسًا على البكر الصغيرة، والابن الصغير، ويدعى أن العلة في الأصل: الصغر بالإجماع، وقد تحققت في الفرع.\n٢ أي: المعتدية. وتوضيحه: أن تلف المال تحت اليد العادية علة للضمان على الغاصب إجماعًا، فيلحق به تلف العين في يد السارق، وإن قطع بها؛ لأن يده عادية، فضمن ما تلف فيها كالغاصب، لاشتراكهما في الوصف الجامع وهو التلف تحت اليد العادية. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٣٧٦-٣٧٧\".","vol":"2","page":205},{"text":"وإن طولب بتأثيرها في الفرع، فجوابه أن يقال: القياس لتعدية حكم العلة من موضع إلى موضع.\nوما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال، فلا يفتح هذا الباب، بل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيار الفرق١.\nوكذلك لو قال: الأخوّة من الأبوين أثرت في التقديم في الميراث إجماعًا، فلتؤثر في التقديم في النكاح.\nأو قال: الصغر أثر في ثبوت الولاية على البكر: فكذلك على الثيب.\n_________\n١ معنى هذا: أنه إذا قاس المستدل على علة مجمع عليها، فليس من حق المعترض أن يطالب بتأثير تلك العلة في الأصل؛ لأن ذلك ثابت بالإجماع، ولا بتأثيرها في الفرع؛ لأنها مطّردة في كل قياس، إذ القياس عبارة عن تعدية حكم الأصل إلى الفرع بالجامع المشترك بينهما، وما من قياس إلا ويتجه عليه سؤال المطالبة بتأثير الوصف في الفرع، فيقال: مثلًا: ما الدليل على أن الصغر مؤثر في إجبار الثيب الصغيرة؟\nقال المصنف: \"فلا يفتح هذا الباب، بل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيال الفرق\" أي: يقال له: قد بينت أن العلة مؤثرة في الأصل بالاتفاق، وبينت وجودها في الفرع، فتم القياس، فإن كان عندك ما تبين به عدم تأثيرها فهاته. فإن أمكن للمعترض أن يثبت ذلك ببيان أن هناك فرقًا بين الأصل والفرع وجب على المستدل أن يجيب عنه. هذا معنى كلام المصنف، لكن الغزالي زاد المسألة توضيحًا فقال: \"وهذا السؤال إما أن يوجهه المجتهد على نفسه، أو يوجهه المناظر في المناظرة: أما المجتهد فيدفعه بوجهين:\nأحدهما: أن يعرف مناسبة المؤثر، كالصغر، فإنه يسلط الولي على التزويج للعجز، فيقول: الثيب كالبكر في هذه المناسبة.\nالثاني: أن يتبين أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، ولا مدخل له في =","vol":"2","page":206},{"text":"القسم الثالث: ثبوت العلة بالاستنباط.\nوهو ثلاثة أنواع:\nأحدها: إثبات العلة بالمناسبة.\nوهو: أن يكون الوصف المقرون بالحكم مناسبًا١.\n_________\n= التأثير، كما ذكرناه في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ونظائره. فيكون هذا القياس-تمامه- بالتعرض للجامع ونفي الفارق جميعًا.\nوإن ظهرت المناسبة استغني عن التعرض للفارق.\nوإن كان السؤال من مناظر، فيكفي أن يقال: \"القياس لتعدية حكم العلة من موضع إلى موضع، وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال، فلا ينبغي أن يفتح هذا الباب\".\nبل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيال الفرق، بأن يقول، مثلًا: \"أخوّة الأم أثرت في الميراث في الترجيح؛ لأن مجردها يؤثر في التوريث، فلم قلت: \"إذا استعمل في الترجيح ما يستقل بالتأثير، فيستعمل حيث لا يستقل\".\nفتقبل المطالبة على هذه الصيغة، وهي أولى من إبدائه في معرض الفرق ابتداء.\nأما إذا لم ينبه على مثار خيال الفرق، وأصر على صرف المطالبة، فلا ينبغي أن يصطلح المناظرون على قبوله؛ لأنه يفتح بابًا من اللجاج لا ينسد.\nولا يجوز إرهاقه إلى طلب المناسبة؛ فإن ما ظهر تأثيره بإضافة الحكم إليه فهو علة، ناسب أو لم يناسب\". المستصفى \"٣/ ٦١٥-٦١٦\".\nومعنى \"خيال الفرق\" أي: الفرق الذي يتخيله المناظر، وفي بعض النسخ \"حبال\" بالحاء ومعناه: الوسائل التي يلجأ إليها المناظر.\n١ وتسمى بالإخالة، أي: الظن؛ لأن الحكم بمناسبة الحكم يظن أن الوصف علة لهذا الحكم، كما تسمى المصلحة، والاستدلال، ورعاية المقاصد، وتخريج المناط.\nوالمناسبة في اللغة: الملائمة، يقال: الثوب الأبيض مناسب لصلاة الجمعة، أي: ملائم له.","vol":"2","page":207},{"text":"ومعناه: أن يكون في إثبات الحكم عقيبه مصلحة.\nولا يعتبر أن يكون منشأ للحكمة، كالسفر مع المشقة، بل متى كان في إثبات الحكم عقيب الوصف مصلحة فيكون مناسبًا، كالحاجة مع\n_________\n= أما عند الأصوليين: فلها تعريفات كثيرة، منها: ما ذكره المصنف. أما الآمدي: فقد عرف المناسب، ومنه يعرف تعريف المناسبة: فقال: \"المناسب: عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم عليه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع، من تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، دنيا وأخرى، على وجه ما يمكن إثباته بما لو أصر الخصم على منعه بعده، يكون معاندًا\" انظر: الإحكام \"٣/ ٣٨٨\".\nوترتب على ذلك أن يكون المناسب ثلاثة أقسام:\nضروري، وحاجي، وتكميلي.\nفالضروري: ما تقوم عليه حياة الناس الدينية والدنيوية، وإذًا فقد اختل نظام الحياة، وفسدت أحوال الناس، وينحصر في خمسة أشياء: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.\nوالحاجي: هو ما يترتب عليه التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم، مثل: مشروعية البيع والقراض والسلم والرهن وسائر المعاملات التي تجري بين الناس.\nوالتكميلي: هو ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق ومحاسن العادات، مثل: مشروعية الطهارة، وستر العورة، وأخذ الزينة وآداب الأكل والشرب ونحو ذلك. ومن المعلوم أن الضروري آكدها، ويليه الحاجي، ثم التكميلي، أو التحسيني، كما يسميه بعض العلماء.\nويترتب على ذلك أنه إذا اجتمعت كلها في وصف واحد قدم الأهم، مثال ذلك: أن نفقة النفس ضرورية، ونفقة الزوجة حاجية، ونفقة الأقارب تتمة وتكملة، ولهذا قدم بعضها على بعض، على الترتيب المتقدم، وتأكدت نفقة الزوجة على نفقة القريب، فتسقط بمضي الزمن دون نفقة الزوجة. انظر: الموافقات \"٢/ ٦\"، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٨٥\".","vol":"2","page":208},{"text":"البيع، والشكر مع النعمة، فيدل ذلك على التعليل به، إذ قد علمنا أن الشارع لا يثبت حكمًا إلا لمصلحة.\nفإذا رأينا الحكم مفضيًا إلى مصلحة في محل، غلب على ظننا أنه قصد بإثبات الحكم تحصيل تلك المصلحة، فيعلل بالوصف المشتمل عليها١.\n_________\n١ معنى قول المصنف: \"ولا يعتبر. أي الوصف، منشأ للحكمة\" إلخ. يقتضي تعريف \"المنشأ والحكمة\".\nفالإنشاء: محل النشيء وهو الظهور، يقال: نشأ ينشأ نشأ ونشوءًا: إذا بدا وظهر، ومنشأ الشيء: مظهره ومبدأه، وهو الموضع الذي يظهره.\nأما الحكمة: فهي الغاية المطلوبة من تشريع الحكم، كحفظ الأنفس والأموال بتشريع القصاص وقطع اليد.\nومعنى ذلك: أن كون الوصف المناسب منشأ للحكمة المطلوبة من الحكم ليس شرطًا، بل المعتبر: ثبوت المصلحة عقيبه، وهو أعم من أن يكون منشأ لها أو لا. وهو رأي جمهور العلماء. وهذا يصدق على ثلاث صور:\nالصورة الأولى: أن يكون الوصف منشأ للحكمة المطلوبة من الحكم، كقولنا: السفر منشأ المشقة المبيحة للترخص، والزنا منشأ المفسدة، وهي: تضييع الأنساب وإلحاق العار، وانتهاك الحرمات، فهذه الأوصاف ينشأ عنها الحكمة التي ثبتت هذه الأوصاف لأجلها.\nالصورة الثانية: أن يكون الوصف معرفًا للحكمة ودليلًا عليها، كقولنا: النكاح أو البيع الصادر ممن هو أهل لذلك يناسب الصحة، أي: يدل على الحاجة التي اقتضت جعل البيع سببًا لتحصيل الانتفاع بواسطة الصحة، كما أن النكاح سبب للاستمتاع بالزوجة.\nالصورة الثالثة: أن يظهر عند الوصف، ولم ينشأ عنه، ولم يدل عليه، كشكر النعمة المناسب للزيادة منها، فالشكر هو الوصف المناسب، وزيادة النعمة هي الحكمة، ووجوب الشكر هو الحُكم. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٨٦-٣٨٧\".","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>فصل: تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره</span>\n...\n[تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره]\nإذا ثبت هذا: فالمناسب ثلاثة أنواع:\nمؤثر، وملائم، وغريب.\nفالمؤثر: ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع١.\nوهو شيئان:\nأحدهما: ما يظهر تأثير عينه في عين الحكم، كقياس الأمة على الحرة في سقوط الصلاة بالحيض، لما فيه من مشقة التكرار، إذ قد يظهر تأثير عينه في عين الحكم بالإجماع، لكن في محل مخصوص، فعدّيناه إلى محل آخر٢.\nوهذا لا خلاف في اعتباره عند القائلين بالقياس.\nومن خاصيته: أنه لا يحتاج إلى نفي ما عداه في الأصل.\nولو ظهر في الأصل مؤثر آخر: لم يضر، بل يعلل بهما، فإن\n_________\n١ ومعنى ذلك: أننا إذا وجدنا حكمًا ترتب على وصف مناسب ثبتت مناسبته بنص أو إجماع، ألحقنا به إثبات عين ذلك الحكم أو جنسه بدليل الوصف المناسب في صورة أخرى، كالأمثلة الآتي ذكرها.\n٢ هذا المثال إنما يصح لو أن سقوط الصلاة على الحائض خاصة بالحرة، لكن الدليل الدال على سقوط الصلاة جاء عامًّا، فيشمل الحرة والأمة، وهو: ما روي أن عَمرَة قالت لعائشة -﵂- ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ أخرجه البخاري حديث \"٣٢١\" ومسلم \"٣٣٥\" وغيرهما.\nوأولى من ذلك: التمثيل بإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق، وإلحاق ولاية النكاح بولاية المال، بجامع الصغر، فالصغر وصف أثر عينه في عين الحكم، وهو الولاية على الصغير، ولم يختلف إلا محل الولاية وهو المال والنكاح. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٩٠-٣٩١\".","vol":"2","page":210},{"text":"\"الحيض\" و\"العدة\" و\"الردة\" قد تجتمع في امرأة، ويعلل تحريم الوطء بالجميع١.\nوهو قسمان:\nأحدهما: أن يظهر أثر عينه في عين ذلك الحكم، فهو الذي يقال: إنه في معنى الأصل.\nوربما يقرّ به منكرو القياس؛ إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحل، كقولنا: \"إذا ثبت أن الكيل علة في تحريم الربا في البر، فالزبيب ملحق به\".\nويكون هذا كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي، فالتركي والهندي في معناه٢.\nالرتبة الثانية: أن يظهر أثر عينه في جنس ذلك الحكم:\nكظهور أثر الأخوة من الأبوين في التقديم في الميراث، فيقاس عليه ولاية النكاح، فإن الولاية في النكاح ليست هي عين الميراث، لكن بينهما مجانسة٣.\n_________\n١ فلو أردنا أن نقيس الأمة على الحرة في ذلك بأحد هذه الأوصاف صح، كما يصح أن نعلل تحريم وطئها بالأوصاف الثلاثة مجتمعة.\n٢ أي: أن هذا شبيه بما تقدم في \"تنقيح المناط\" حيث أثر الدفاع في نهار رمضان في عين الحكم، وهو وجوب الكفارة على الأعرابي الذي قال لرسول الله، ﷺ: \"واقعت أهلي في نهار رمضان\"، وأوجب عليه رسول الله -ﷺ- الكفارة، فيقاس عليه الأعجمي والتركي؛ لأن العلة عامة، تشمل الأعرابي وغيره، وهي: \"الوقاع في نهار رمضان من شخص مكلف\" فالفرع هنا في معنى الأصل.\n٣ هذا هو القسم الثاني من أقسام المؤثر، وهو: ما أثر عينه في جنس الحكم كقولنا: الأخ للأبوين مقدم في ولاية النكاح، قياسًا على تقديمه في الإرث، =","vol":"2","page":211},{"text":"النوع الثاني: الملائم١:\nوهو: ما ظهر تأثير جنسه في عين الحكم.\nكظهور أثر المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض، فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصلاة، كتأثير مشقة السفر في إسقاط الركعتين الساقطتين بالقصر٢.\n_________\n= فالوصف الذي هو الأخوة في الأصل والفرع متحد بالنوع، والحكم الذي هو الولاية والإرث متحدان بالجنس لا بالنوع، فهذا وصف أثر عينه في جنس الحكم، وهو جنس التقديم. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٣٩٢\".\nوالملاحظ هنا: أن المؤلف كرر تقسيم المؤثر، فبعد أن عرفه قال: \"وهو شيئان: أحدهما ما يظهر تأثير عينه في عين الحكم ... وذكر أمثلته ... \" ثم قال: وهو قسمان: أحدهما: أن يظهر أثر عينه في عين ذلك الحكم\" وهو السابق بعينه فليتنبه لذلك.\n١ معنى \"الملائم\" الموافق، سمي بذلك لموافقته تصرف الشارع في تأثير جنس الأسباب في أعيان الأحكام، وهو تخصيص اصطلح عليه العلماء للتفرقة بين الأنواع الثلاثة، وإلا فجميعها ملائمة وموافقة لجنس مراعاة الشرع للمصالح المناسبة. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٣٩٣\".\n٢ توضيح ذلك: أن جنس المشقة أثر في عين السقوط، إذ مشقة تكرار الصلاة في حق الحائض مخالفة لمشقة إتمامها في حق المسافر، إن لم يكن بالحقيقة والماهية فبالكمية والكيفية، أما ماهية السقوط في حقهما فواحدة.\nوقد اعترض على هذا التمثيل: بأنه من القسم الأول، وهو: ما أثر عينه في عين الحكم؛ لأن نوع المشقة في التأثير واحد، وكذا نوع الحكم، وإن اختلفا من جهة سببهما؛ إذ هي مشقة تكرار، وهذا مشقة إتمام، وهذا سقوط أصل الصلاة، وذاك سقوط ركعتين منها.\nفالأولى أن يقال: كإسقاط الصلاة عن الحائض للمشقة فإن جنس المشقة أثر في عين هذا السقوط من غير تعرض لمسافر ولا غيره. انظر: المرجع السابق.","vol":"2","page":212},{"text":"النوع الثالث، الغريب:\nوهو: ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم.\nكتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام١.\n_________\n١ معناه: إلحاق بعض الأحكام ببعض بجامع المناسبة المصلحية المطلقة، كإلحاق شارب الخمر بالقاذف، في جلده ثمانين، كما قال علي، ﵁: \"أراه إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فأرى عليه حد المفتري\" فمظنة جنس الافتراء أثر في جنس الحد، وسمي هذا النوع غريبًا، لقلة التفات الشرع إليه في تصرفاته، فأصبح لقلة وقوعه كالغريب. وقال البرماوي: \"وسمي غريبًا؛ لأنه لم يشهد له غير أصله بالاعتبار، كالطعم في الربا، فإن نوع الطعم مؤثر في حرمة الربا، وليس جنسه مؤثرًا في جنسه\". شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٧٧\" قال الفتوحي: \"وهذا التشبيه إنما يجري على قواعد من يقول: إن علة الربا الطعم\".","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>فصل: [مراتب الجنسية]</span>\nثم الجنسية مراتب، بعضها أعم من بعض:\nفإن أعم الأوصاف كونه حكمًا.\nثم ينقسم إلى: إيجاب، وندب، وتحريم، وإباحة، وكراهية.\nثم الواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة.\nوالعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها.\nفما ظهر تأثيره في الصلاة الواجبة أخص مما ظهر في العبادة، وما ظهر في العبادة أخص مما ظهر في الواجب، وما ظهر في الواجب أخص مما ظهر في الأحكام.\nوفي المعاني أعم أوصافه: أنه وصف يناط الحكم بجنسه حتى يدخل فيه الاشتباه.","vol":"2","page":213},{"text":"وأخص منه: كونه مصلحة، وأخص منه: كونه مصلحة خاصة، كالردع، أو سد الحاجة.\nفلأجل تفاوت درجات الجنسية -في القرب والبعد- تتفاوت درجات الظن، والأعلى مقدمًا على ما دونه١.\n_________\n١ وضح الطوفي ذلك في شرحه \"٣/ ٣٩٥ وما بعدها\" فقال: \"لما تقرر أن الوصف مؤثر في الحكم، والحكم ثابت بالوصف، ومسمى الوصف والحكم جنس تختلف أنواع مدلوله بالعموم والخصوص، كاختلاف أنواع مدلول الجسم والحيوان وغيرهما من الأجناس -كما تقرر أول الكتاب- ولهذا اختلف تأثير الوصف في الحكم تارة بالجنس، وتارة بالنوع، احتجنا إلى بيان مراتب جنس الوصف والحكم، ومعرفة الأخص منها من الأعم، ليتحقق لنا معرفة أنواع تأثير الأوصاف في الأحكام.\nفأعم مراتب الوصف: كونه وصفًا؛ لأنه أعم من أن يكون مناطًا للحكم، أو لا يكون، إذ بتقدير أن يكون طرديًّا غير مناسب لا يصلح أن يناط به حكم، فكل مناط وصف، وليس كل وصف مناطًا. ثم كونه مناطًا أعم من أن يكون مصلحة أو لا، فكل مصلحة مناط للحكم، وليس كل مناط مصلحة، لجواز أن يناط الحكم بوصف تعبّدي، لا يظهر وجه المصلحة فيه، وكلامنا في المصلحة في ظاهر الأمر، أما في نفس الأمر، فلا يخلو تصرف الشرع عن مصلحة.\nثم كون الوصف مصلحة؛ لأنها قد تكون مصلحة عامة، بمعنى أنها متضمنة لمطلق النفع، وقد تكون خاصة، بمعنى كونها من باب الضرورات، والحاجات، أو التكميلات والتتمات. كما سبق تقريره في الاستصلاح.\nوأما الحكم: فأعم مراتبه: كونه حكمًا؛ لأنه أعم من أن يكون وجوبًا، أو تحريمًا، أو صحة، أو فسادًا. ثم كونه واجبًا ونحوه، أي: من الأحكام الخمسة، وهي الواجب، والحرام، والمكروه، والمندوب، والمباح، وما يلحق بذلك من الأحكام الوضعية -كما سبق- إذا الواجب أعم من أن يكون عبادة اصطلاحية أو غيرها.\nثم كونه عبادة؛ لأنها أعم من الصلاة والزكاة وغيرهما من العبادات. =","vol":"2","page":214},{"text":"[تعريف آخر للملائم والغريب]\nوقيل: بل الملائم: ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، كتأثير المشقة في التخفيف١.\nوالغريب: الذي لم يظهر تأثيره، ولا ملائمته لجنس تصرفات الشرع٢، كقولنا: الخمر إنما حرم لكونه مسكرًا، وفي معناه: كل مسكر، ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر، لكنه مناسب اقترن الحكم به.\nوقولنا: المبتوتة في مرض الموت ترث؛ لأن الزوج قصد الفرار من الميراث، فعورض بنقيض قصده، قياسًا على القاتل٣ -لما استعجل\n_________\n= ثم كونه صلاة، إذ كل صلاة عبادة، وليس كل عبادة صلاة.\nثم كونها ظهرًا؛ لأن الصلاة أعم من الظهر، إذ كل ظهر صلاة، وليس كل صلاة ظهرًا.\nثم قال: لما عرف بما ذكرناه الأخص والأعم من الأوصاف والأحكام، فليعلم أن تأثير بعضها في بعض يتفاوت في القوة والضعف، فتأثير الأخص في الأخص أقوى أنواع التأثير، كمشقة التكرار في سقوط الصلاة، والصغر في ولاية النكاح، وتأثير الأعم في الأعم يقابل ذلك، فهو أضعف أنواع التأثير، وتأثير الأخص في الأعم وعكسه، وهو تأثير الأعم في الأخص واسطتان بين ذينك الطرفين، إذ في كل واحد منهما قوة من جهة الأخصية، وضعف من جهة الأعمية، بخلاف الطرفين، إذ الأول تمحضت فيه الأخصية، فتمحضت له القوة، والثاني تمحضت فيه الأعمية، فتمحض له الضعف\".\n١ هذا تعريف آخر لكل من الملائم والغريب، حيث عرف الملائم بما عرف به الغريب سابقًا. انظر: شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٧٥\" وشرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٩٨\".\n٢ وهو اختيار الغزالي في المستصفى \"٣/ ٦٢٢\" وشفاء الغليل ص١٤٨، وانظر: شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٧٧\".\n٣ حرمان القاتل من الميراث وردت فيه أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه مالك في =","vol":"2","page":215},{"text":"الميراث- عورض بنقيض قصده، فإنا لم نر الشارع التفت إلى مثل هذا في موضع آخر، فتبقى مناسبة مجردة غريبة.\nوقد قصر قوم القياس على المؤثر١؛ لأن الجزم بإثبات الشارع الحكم رعاية لهذا المناسب تحكّم، إذ يحتمل أن يكون الحكم ثبت تعبدًا، كتحريم الميتة، والخنزير، والدم والحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، مع إباحة الضب والضبع.\n_________\n= الموطأ -كتاب العقول- باب: ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه عن عمر بن الخطاب -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يرث القاتل\" كما أخرجه أبو داود، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كذلك أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁.\nأما المبتوتة: وهي التي طلقها زوجها طلاقًا بائنًا في مرض الموت، فإنها ترث زوجها أثناء العدة ولا يرثها، وبه قال جمهور الصحابة وأكثر فقهاء المذاهب المتبوعة، والمشهور عن الإمام أحمد أنها ترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج. وقد صح عن عثمان -﵁- أنه ورّث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتها. واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعًا. انظر: السنن الكبرى للبيهقي \"٧/ ٣٦٢\" والمغني \"٩/ ١٩٤\".\n١ توضيح ذلك: أن بعض الأصوليين يرون أن القياس لا يصح إلا بالوصف المؤثر، دون الملائم والغريب، وحجتهم على ذلك: أنا لو أجزنا القياس بجامع غير مؤثر، للزم التحكم والترجيح بلا مرجح، وهذا لايجوز.\nبيان ذلك: أنا لو قسنا النبيذ على الخمر-مثلًا- بعلة الإسكار، على تقدير عدم ورود النص على النبيذ، لاحتمل أن يكون تحريم الخمر تعبدًا غير معلل بعلة، كتحريم الخنزير والميتة والدم إلخ، واحتمل أن يكون تحريمها لوصف آخر لم يظهر لنا، واحتمل أن يكون للإسكار، وما دام التحريم محتملًا لهذه الأمور كان تعيين بعضها لإضافة التحريم إليه تحكمًا، بخلاف الوصف المؤثر، فإن تأثيره ثابت بالنص أو الإجماع، فلا تردد فيه.","vol":"2","page":216},{"text":"ويحتمل أن يكون لمعنى آخر مناسب، لم يظهر لنا. \"ويحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدًا وتحكمًا\"١ ويحتمل أن يكون للإسكار.\nفهذه ثلاث احتمالات.\nفالتعيين تحكم بغير دليل، ووهم مجرد مستنده: أنه لم يظهر إلا هذا.\nوهذا غلط، فإن عدم العلم ليس علمًا بعدم سبب آخر. وبمثل هذا القول بطل القول بالمفهوم.\nوهذا لا ينقلب في المؤثر؛ فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصًّا، أو إجماعًا٢.\nقلنا: لا يصح ما ذكروه لوجهين:\nأحدهما: أنا قد علمنا من أقيسة الصحابة -﵃- في\n_________\n= وأجيب عن ذلك بوجهين:\nأحدهما: أن اقتران الحكم بالوصف الملائم أو الغريب يفيد الظن بأنه سببه ومقتضيه، والظن واجب الاتباع في الفروع العملية.\nثانيهما: أن الصحابة -﵃- قد ربطوا الأحكام بالأوصاف المناسبة، ولم يشترطوا كون العلة منصوصة أو مجمعًا عليها، ولو كان ذلك مشروطًا لما تركوا النص عليه، وإلا للزم على ذلك القدح في عصمة الأمة، حيث كانوا هم كل الأمة حينئذ، فلو تركوا ما هو مشترط في الاجتهاد؛ لأجمعوا على الخطأ، ولزم وقوع الخبر النبوي مخالفًا لمخبره، وهو قدح في العصمة. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٤٠٢-٤٠٣\".\n١ ما بين القوسين من المستصفى حتى يصح الكلام؛ لأن المصنف حذف التمثيل بالخمر، فأصبح قوله: \"ويحتمل أن يكون للإسكار\" لا عائد له.\n٢ هذا خلاصة ما استند إليه القائلون بقصر القياس على المؤثر، وقد سبق توضيحه.","vol":"2","page":217},{"text":"اجتهاداتهم أنهم لم يشترطوا في كل قياس كون العلة معلومة بنص أو إجماع.\nوالثاني: أن المطلوب غلبة الظن، وقد حصل، فإن إثبات الشرع الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع له١.\nوهذا الاحتمال راجح على احتمال التحكم بما رددنا به مذهب منكري القياس، كما في المؤثر، فإن العلة إذا أضيف إليها الحكم في محل: احتمل اختصاصها به.\nوبه اعتصم نفاة القياس٢.\nلكن قيل لهم: عُلم من الصحابة اتباع العلل، واطّراح التعبد٣، مهما أمكن، فكذا ههنا، ولا فرق.\nوقولهم: \"يحتمل أن ثم مناسبًا آخر، فهو وهم محض\".\n[فنقول] ٤: غلبة الظن في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم،\n_________\n١ سبق توضيح هذين الدليلين.\n٢ أي: استدل نفاة القياس بهذا الاحتمال، وقد استدرك عليه المصنف بقوله: \"لكن قيل لهم ... \".\n٣ عبارة الغزالي: \"واطراح تنزيل الشرع على التحكم ما أمكن، فكذلك ههنا، ولا فرق\".\n٤ ما بين القوسين من المستصفى، وعبارة المصنف: وغلبة الظن إلخ، وهي توهم أن هذا من كلام المخالفين، فكان لا بد من هذه الإضافة. وقد رد المصنف عليهم بأربعة أوجه.\nالأول: أن هذا الاحتمال لا يؤثر في الوصف المناسب، ولو ظهر وصف آخر أقوى مما ظهر لنا قبلناه، وإن لم يكن أقوى رددناه.\nالوجه الثاني: أنه لو رد كل ما غلب على الظن بمجرد احتمال وصف آخر لم يستقم أي قياس، لهذا الاحتمال =","vol":"2","page":218},{"text":"ويعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطل الظن.\nولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس، فإن المؤثر إنما يغلب على الظن، لعدم ظهور الفرق، ولعدم ظهور معارض.\nوصيغ العموم والظواهر إنما تغلب على الظن بشرط: انتفاء قرينة مخصصة، لو ظهرت لزال الظن، وإذا لم تظهر جاز التعويل عليه.\n_________\n= الوجه الثالث: أنه يحصل الظن من صيغ العموم والظواهر بشرط انتفاء القرينة المخصصة، فكذلك ما ههنا.\nالوجه الرابع: أن الصحابة ﵃، حين أجمعوا على جواز الاجتهاد لم يظهر لنا من ذلك إلا اتباع الرأي الأغلب، بدليل اختلافهم في بعض القضايا، ولم يحصروا أجناس غلبة الظن، ولم يميزوا جنسًا عن جنس، وهذا يشمل المؤثر والملائم والغريب.\nثم رد المصنف على قولهم: \"هذا وهم\" بأن هذا لا يصح، لأن هناك فرقًا بين الوهم والظن، وأن من بنى أمره في المعاملات على الظن كان معذورًا، بخلاف من بناه على الوهم، وفرع على ذلك تصرف ولي اليتيم في ماله بناء على الظن أو الوهم.\nهذا خلاصة ما أراده المصنف في هذه المسألة. والله أعلم.\nقال الجرجاني في التعريفات ص١٤٤، \"الظن: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك، وقيل: الظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان\".\nوفي شرح الكوكب المنير \"١/ ٧٤\": \".... والأول وهو الذي يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدّره الراجح منه، وهو الذي يكون متعلقه راجحًا عند الذاكر على احتمال النقيض ظن، ويتفاوت الظن حتى يقال: غلبة الظن.\nوالمرجوح: وهو المقابل للظن وهم.\nوالمساوي: وهو الذي يتساوى متعلقه واحتمال نقيضه عند الذاكر شك\".","vol":"2","page":219},{"text":"ولم يظهر لنا من الصحابة إلا اتباع الرأي الأغلب، ولم يضبطوا أجناسه، ولم يميزوا جنسًا عن جنس، فمهما سلمتم غلبة الظن: وجب اتباعه.\nوقولهم: \"هذا وهم\": لا يصح؛ فإن الوهم ميل النفس من غير سبب، والظن: ميلها بسبب.\nوهذا الفرق بينهما.\nومن بنى أمره في المعاملات على الظن: كان معذورًا، ومن بناه على الوهم سُفِّه.\nولو تصرف في مال اليتيم بالظن: لم يضمن، ولو تصرف بالوهم ضمن.\nوقد بينا الظن ههنا فيجب البناء عليه. والله أعلم.\nالنوع الثاني\nفي إثبات العلة. السبر١\nقال أبو الخطاب: \"ولا يصح إلا أن تجمع الأمة على تعليل أصل، ثم يختلفون في علته، فيبطل جميع ما قالوه إلا واحدة، فيعلم صحتها،\n_________\n١ السبر لغة: الاختبار، ومنه سمي ما يعرف به طول الجرح وعرضه: سِبَّارًا ومسبارًا.\nوبعض العلماء يكتفي بإطلاق لفظ \"السبر\" على هذا النوع، والبعض يطلق عليه \"التقسيم\" فقط، والجمهور على الجمع بينهما، إذ أن هذا الدليل مبني على أمرين: =","vol":"2","page":220},{"text":"كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة\"١.\nفنقول: الحكم معلل، ولا علة إلا كذا أو كذا، وقد بطل أحدهما فيتعين الآخر.\nمثاله: الربا يحرم في البر بعلة، والعلة: \"الكيل، أو القوت، أو الطعم\" وقد بطل التعليل بالقوت والطعم، فثبت أن العلة: الكيل.\n_________\n= أحدهما: حصر الأوصاف التي يتوهم صلاحيتها للتعليل، وهو المسمى بالتقسيم.\nثانيهما: سبر واختبار هذه الأوصاف ليتميز الصالح منها للتعليل وإبطال ما لا يصلح.\nولذلك عرفه الأصوليون بأنه: \"إبطال كل علة عُلّل بها الحكم المعلل إجماعًا إلا واحدة فتتعين\" أي: للتعليل.\nمثال ذلك: أن يقول: \"علة الربا في البُرِّ ونحوه: إما الكيل، أو الطعم، أو القوت، وكلها باطلة إلا الأولى، وهي: الكيل، إن كان حنفيًّا أو حنبليًّا، أو إلا الطعم، إن كان شافعيًا، أو إلا القوت، إن كان مالكيًّا، فيتعين هذا الوصف للتعليل، ويلحق الأرز والذرة ونحو ذلك بالبر، بجامع الكيل أو غيره على حسب ما تقدم. ويقيم الدليل على بطلان ما أبطله، إما بانتقاضه انتقاضًا مؤثرًا، أو بعدم مناسبته، أو غير ذلك بحسب الإمكان. انظر: البرهان \"٢/ ٨١٥\" والإحكام للآمدي \"٣/ ٣٨٠\" وشرح مختصر الروضة \"٣/ ٤٠٤-٤٠٥\" وشرح الكوكب المنير \"٤/ ١٤٢\".\n١ انظر: التمهيد \"٤/ ٢٢\".","vol":"2","page":221},{"text":"صحتها؛ لجواز أن يكون الحكم ثابتًا تعبدًا، إذ لم يوجد من الدليل على صحتها إلا خلو المحل عما سواها.\nوالوجود المجرد لا يكفي في التعليل١.\nوقول المستدل: بحثت في المحل فلم أعثر على ما يصلح للتعليل: ليس بأولى من قول خصمه: بحثت في الوصف الذي ذكرته، فلم أعثر فيه على مناسبة، أو ما يصلح به التعليل، فيتعارض الكلامان.\nالأمر الثاني: أن يكون سبره حاصرًا لجميع ما يعلل به: إما بموافقة خصمه، وإما بأن يسير حتى يعجز عن إبراز غيره٢.\n_________\n١ خلاصة قول أبي الخطاب، وارتضاه المصنف: أنه يشترط في السبر أن يكون الحكم مجمعًا على تعليله، ولا يكفي أن يكون مختلفًا فيه؛ لأن للخصم في هذه الحالة أن يقول: إن الحكم تعبدي ولا علة له، فيبطل القياس. إلا أن للطوفي تفصيلًا آخر حيث قال: \"إن كان المستدل مناظرًا، أو خصمه منتميًا إلى مذهب ذي مذهب، كفاه موافقة الخصم على التعليل، ولم يعتبر الإجماع عليه من الأمة، وإن كان الخصم مجتهدًا، اعتبر الإجماع على تعليله، إذ المجتهد لا حجر عليه إلا بإجماع الأمة، إذ بدونه له أن يلزم التعبد في الأصل، ويفسد كل علة علل بها، أما إذا أجمع على كونه معللًا، لم يمكنه ذلك، لمخالفة الإجماع، وإن كان المستدل ناظرًا لا مناظرًا، اعتبر الإجماع على التعليل أيضًا؛ لأن غرضه ليس إفحام خصم، بل استخراج حكم، وذلك إنما يحصل بحصول غلبة الظن بأن العلة هذا الوصف، ولا يحصل ذلك مع وقوع الخلاف في تعليل الحكم، وفي هذا شيء لا يخفى\". شرح المختصر \"٣/ ٤٠٥-٤٠٦\".\n٢ وبذلك يكون الخصم قد سلّم بما ذكره المستدل.\nفحاصل الأمر: أن موافقة الخصم على الحصر إما اختيارية بالتسليم، أو اضطرارية بعجزه عن الزيادة على ما ذكره المستدل من أوصاف، ولذلك يجب على الخصم التسليم بالحصر، أو إبراز ما عنده لينظر فيه المستدل فيفسده عليه، =","vol":"2","page":222},{"text":"فإن كان مناظرًا: كفاه أن يقول: هذا منتهى قدرتي في السبر، فإن شاركتني في الجهل بغيره: لزمك ما لزمني، وإن اطلعت على علة أخرى فيلزمك إبرازها في صحتها، فإن كتمانها -حينئذ- عناد، وهو محرم، وصاحبها إما كاذب، وإما كاتم لدليل مست الحاجة إلى إظهاره، وكلاهما محرم.\nالثالث١: إبطال أحد القسمين:\nوله في ذلك طريقان:\nأحدهما: أن يبين بقاء الحكم بدون ما يحذفه، فيبين أنه ليس من العلة، إذ لو كان منها: لم يثبت الحكم بدونه.\nالثاني: أن يبين أن ما يحذفه من جنس ما عهدنا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام، كالطول والقصر، والسواد والبياض، أو عهد منه الإعراض عنه في جنس الأحكام المختلف فيها كالذكورية، والأنوثية في سراية العتق٢.\n_________\n= ولا يكفي أن يقول المعترض: عندي وصف زائد لكني لا أذكره؛ لأنه حينئذ إما أن يكون صادقًا فيكون كاتمًا لدليل دعت الحاجة إلى إظهاره، أو كاذبًا فلا يعول على قوله.\n١ من شروط صحة السبر، كما تقدم.\n٢ خلاصة ذلك: أن المعترض إذا أظهر وصفًا زائدًا على ما ذكره المستدل من الأوصاف، لزم المستدل أن ينظر في ذلك الوصف ويبطله بأحد طريقين:\nأحدهما: أن يبين بقاء الحكم مع حذف ذلك الوصف في بعض الصور، مثل: أن يقول الشافعي أو الحنبلي: يصح أمان العبد؛ لأنه أمان وجد من عاقل مسلم غير متهم فيصح قياسًا على الحر.\nفيقول الحنفي: لا نسلم أن ما ذكرت هو أوصاف العلة في الأصل فقط، بل هناك وصف آخر، وهو الحرية، وهو مفقود في العبد، فلا يصح القياس =","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>فصل: [أمور لا تكفي لإفساد علة الخصم]</span>\nولا يكفيه في إفساد علة خصمه: النقض؛ لاحتمال أن يكون جزءًا من العلة، أو شرطًا فيها، فلا يستقل بالحكم، ولا يلزم من عدم استقلاله: صحة علة المستدل بدونه.\nولا يكفيه، أيضًا أن يقول: بحثت في الوصف الفلاني فما عثرت فيه على مناسبة، فيجب إلغاؤه، فإن الخصم يعارض بمثل كلامه فيفسد.\nفإن بيّن -مع ذلك- صلاحية ما يدّعيه علة، أو سلم له ذلك بموافقة خصمه: فذلك يكفيه ابتداء، بدون السبر، فالسبر إذًا تطويل طريق غير مفيد، فلنصطلح على ردّه.\nوقال بعض أصحاب الشافعي: يكفيه ذلك.\nوقال بعض المتكلمين: إذا اتفق خصمان على فساد تعليل مَن\n_________\n= فيقول المستدل: وصف الحرية ملغى بالعبد المأذون له، فإن أمانه يصح باتفاق مع عدم الحرية، فصار وصفًا لا غيًا لا تأثير له في العلة.\nثانيهما: أن يبين كون هذا الوصف الزائد طرديًّا، أي: لم يلتفت الشارع إليه فيما عهد من تصرفاته، كالطول والقصر، والذكورية والأنوثية، وما أشبه ذلك.\nمثال ذلك: لو قال المستدل: يسري العتق في الأمة قياسًا على العبد، بجامع الرق في كل منهما، إذ لا علة غيره، عملًا بالسبر. فقال المعترض: الذكورية وصف زائد معتبر في الأصل، فلا يصح القياس؛ لأن العبد إذا كمل عتقه بالسراية حصل منه ما لا يحصل من الأمة، من تأهله للحكم والإمامة وأنواع الولايات، ولا يلزم في ثبوت السراية في الأكمل ثبوته في غيره.\nفيقول المستدل: ما ذكرت من الفرق مناسب، غير أنا لم نر الشرع اعتبر الذكورية والأنوثية في باب العتق، فيكون اعتبار ذلك على خلاف معهوده، فيكون وصفًا طرديًّا في ظاهر الأمر. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٤٠٧-٤٠٨\".","vol":"2","page":224},{"text":"سواهما، ثم أفسد أحدهما علة صاحبه: كان ذلك دليلًا على صحة علته.\nوليس بصحيح؛ فإن اتفاقهما ليس بدليل على فساد قول من خالفهما.\nوالذي فسدت علته منهما يعتقد فساد علة خصمه الحاضر، كاعتقاد فساد علة الغائب، فيتساوى عنده الأمر فيهما.\nفلا يتعين عنده صحة إحداهما، ما لم يكن الحكم مجمعًا على تعليله، ويبطل ما قيل: إنه علة١. والله أعلم.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أنه لا يكفي المستدل في إفساد الوصف الذي أبرزه المعترض كونه منتقضًا، بل يوجد بدون الحكم؛ لأن الوصف المذكور قد يكون جزء العلة أو شرطًا لها، والعلة لا تصح بدون جزئها أو شرطها.\nمثال ذلك: قول المستدل: علة الربا في البر: الكيل، فعارضه المعترض بالطعم، فنقضه المستدل بالماء أو غيره مما يطعم ولا ربا فيه فلو قال المستدل ذلك لم يكف في بطلان كون الطعام هو العلة؛ لجواز أن يكون الطعم جزء علة الربا، بأن تكون العلة مجموع الكيل والطعم، أو شرطًا لها، فتكون علة الربا: الكيل بشرط أن يكون المكيل مطعومًا.\nكذلك لا يكفي المستدل أن يقول: إني بحثت في علتك التي أبرزتها فلم أعثر فيها على مناسبة بينها وبين الحكم؛ لأن للمعترض أن يقول مثل هذا الكلام، فيتعارض الكلامان، ويقف المستدل، وتنقطع حجته.\nفإن رد المستدل على خصمه هذا الكلام، وبين صلاحية الوصف الذي أثبته، أو سلم له الخصم بذلك، كفاه ذلك ابتداء، بدون حاجة إلى السبر، لأنه يكون تطويلًا بلا فائدة. وهذا رأي بعض العلماء واختاره المصنف.\nوقال بعض أصحاب الشافعي: يكفيه ذلك؛ لأن الظاهر من حاله أنه صادق، وهو أهل للنظر، فيقبل قوله.\nثم تطرق المصنف إلى صورة أخرى متعلقة بالسبر، وهي: إذا اتفق خصمان على =","vol":"2","page":225},{"text":"[إثبات العلة بالدوران]\nالنوع الثالث- في إثبات العلة: أن يوجد الحكم بوجودها، ويعدم بعدمها١.\n_________\n= فساد علة من خالفهما، ثم بعد ذلك أفسد أحد الخصمين علة صاحبه، فهل يعتبر ذلك دليلًا على صحة علته؟\nحكى المصنف عن بعض المتكلمين أن ذلك يعتبر دليلًا على صحة علته.\nثم رد على ذلك بأنه غير صحيح؛ لأن اتفاقهما على فساد علة غيرهما لا يقتضي فسادها في نفس الأمر، بل في اعتقادهما، وهو لا يؤثر بالنسبة إلى غيرهما، إذ غيرهما يعتقد فساد علتهما، كالمالكي يعتقد فساد التعليل بالكيل والطعم، ويدّعي علة القوت، فيتعارض اعتقادهما واعتقاده، وكذلك كل منهما يعتقد فساد علة غيره من حاضر وغائب، فليس أحدهما بأولى من الآخر. انظر: شرح مختصر الطوفي \"٣/ ٤٠٩-٤١٠\".\n١ يسمى هذا النوع بالدوران، وهو في اللغة: مصدر دار يدور دورانًا، إذا تحرك حركة دورية كالدولاب والرحا.\nأما في الاصطلاح فهو: ترتب حكم على وصف وجودًا وعدمًا، أو: وجود الحكم بوجود العلة، وعدمه بعدمها. وسماه الآمدي وابن الحاجب: الطرد والعكس. وهو بمعناه.\nوفي كونه علة خلاف بين العلماء:\nفالجمهور يرون أنه حجة، لكنهم مختلفون في نوع هذه الحجية، فقال بعض المعتزلة: إنها حجة قطعية. وقال بعض ومنهم أبو بكر الباقلاني: إنها ظنية. وذهب بعض العلماء إلى عدم حجيته، وعلى ذلك أكثر الحنفية، والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم.\nوقال قوم: إنه يفيد العلية ظنًا إذا انضم إليه السبر المتقدم.\nانظر: المعتمد \"٢/ ٨٤٣\"، الإحكام للآمدي \"٣/ ٤٣٠\"، شرح العضد على المختصر \"٢/ ٢٤٥\"، شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٩١\".","vol":"2","page":226},{"text":"كوجود التحريم بوجود الشدة في الخمر، وعدمه لعدمها، فإنه دليل على صحة العلة العقلية، وهي موجبة، فأولى أن يكون دليلًا على الشرعية وهي أمارة١.\nولأنه يغلب على الظن ثبوت الحكم مستندًا إلى ذلك الوصف، فإننا لو رأينا رجلًا جالسًا، فدخل رجل فقام عند دخوله، ثم جلس عند خروجه، وتكرر منه، غلب على ظننا: أن العلة في قيامه: دخوله٢.\nفإن قيل: الوجود عند الوجود طرد محض، وزيادة العكس لا تؤثر، إذ ليس بشرط في العلل الشرعية.\nولأن الوصف يحتمل أن يكون ملازمًا لعلة أو جزءًا من أجزائها،\n_________\n١ هذا هو الدليل الأول على حجية الدوران.\n٢ وهذا هو الدليل الثاني، كما أوردهما المصنف. وقد أضاف إليهما الطوفي دليلين آخرين فقال: \"وبمثل ذلك عَلِمَ الأطباءُ ما علموه من قوى الأدوية وأفعالها، كالأدوية المسهلة والقابضة وغيرها، حيث دارت آثارها معها وجودًا وعدمًا ... ثم قال: وأما دليل الشرع فلأن النبي -﵇- بعث ابن اللتبية عاملًا، فلما عاد من عمله جاء بمال، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا لي أُهدى إلي، فخطب النبي -ﷺ- فقال: \"ما بال الرجل نبعثه في عمل المسلمين فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا لي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر هل يهدى له؟! \" [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود] .\nوهذا عين الاستدلال بالدوران. أي: إنا إذا استعملناك أُهدي إليك، وإذا لم نستعملك لم يُهدَ لك، فعلة الهدية لك: استعمالنا إياك. فثبت بهذا أنه يوجب ظن العلية.\nوأما أنه إذا وجب ظن العلية، وجب اتباعه، فلأن الظن متبع في العمليات بما عرف في الدليل على إثبات القياس من أنه يتضمن دفع ضرر مظنون\". شرح المختصر \"٣/ ٤١٣-٤١٤\".","vol":"2","page":227},{"text":"فيوجد الحكم عند وجوده، لكون العلة ملازمة، وينتفي بانتفائه.\nويحتمل ما ذكرتم.\nومع التعارض لا معنى للتحكم.\nثم لو كان ذلك علة؛ لأمكن كل واحد من المختلفين في علة الربا أن يثبت الحكم بثبوتها، وينفيه بنفيها.\nثم يبطل هذا المعنى برائحة الخمر المخصوصة به مقرنة بالشدة، يزول التحريم بزوالها، ويوجد بوجودها، وليس بعلة١.\nقلنا: قد بينا أن الطرد والعكس يؤثران في غلبة الظن.\nوكون كل واحد من \"الطرد\" لا يؤثر منفردًا. لا يمنع من تأثيرهما مجتمعين، فإن العلة إذا كانت ذات وصفين لا يحصل الأثر من أحدهما.\n_________\n١ من أول قول المصنف: \"فإن قيل\" إلى هنا يمثل المذهب الثاني في أن الدوران لا يفيد العلية مطلقًا، وقد أورد المصنف لأصحاب هذا المذهب دليلين:\nأحدهما: أن الاحتجاج به إما أن يكون بوجود الحكم عند وجود الوصف وهو المعبر عنه بالطرد، وإما أن يكون بانتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وهو المسمى بالعكس. والطرد غير مؤثر، ولا إشعار له بالعلية، والعكس غير معتبر في العلل الشرعية.\nالدليل الثاني: أنه ليس من الضرورة أن يكون كل وصف دائرًا مع الحكم علة له، بل يحتمل أن يكون علة -كما ذكرتم- ويحتمل أن يكون ملازمًا للعلة، مثل: الرائحة الملازمة لشدة الخمر، فإنها تنعدم قبل الإسكار، وتوجد معه، وتزول بزواله، ومع ذلك ليست علة.\nويحتمل أن يكون الوصف جزءًا من أجزاء العلة، أو شرطًا لها، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يحصل القطع أو الظن بالعلية.","vol":"2","page":228},{"text":"واحتمال شيء آخر لا ينفي الظن، ولا يمنع من التمسك بما ظنناه علة، ما لم يظهر الأمر الآخر، فيكون معارضًا.\nوالنقض برائحة الخمر: غير لازم، فإن صلاحية الشيء للتعليل لا يلزم أن يعلل به، إذ قد يمتنع ذلك، لمعارضة ما هو أولى منه١.\nوقال قوم: إنما يصح التعليل به مع السبر، فيقول: علة الحكم أمر حادث، ولا حادث إلا كذا وكذا، ويبطل ما سواه٢.\nوالسبر إذا تم بشروطه: استغني عما سواه، مع أنه لا يلزم أن يكون علة الحكم أمرًا حادثًا، إذ يجوز أن تكون العلة سابقة، ويقف ثبوت الحكم على شرط حادث، كالحول في الزكاة.\nأو يكون الحادث جزءًا تمت العلة به.\nأو يكون الحكم غير معلل. والله أعلم.\n_________\n١ من قول المصنف: \"قلنا\" إلى هنا رد على الدليلين السابقين، وهو من وجهين أيضًا.\nأحدهما: أنه قد تقدم أن الطرد والعكس يؤثران في إثبات غلبة الظن، وكون كل واحد منهما منفردًا لا يؤثر، لا يمنع من تأثيرهما مجتمعين.\nثانيهما: أن مجرد احتمال وجود شيء آخر لا ينفي الظن، ولا يمنع من التمسك بما ظنناه علة، ما لم يظهر الشيء الآخر.\nوالنقض برائحة العمر، حيث إنها تدور مع الوصف وجودًا وعدمًا، ليس بلازم أن يعلل به، فإنه قد يمتنع التعليل بالشيء لوجود ما أهو أقوى منه، ولا شك أن السكر أقوى من الرائحة. وقد نص جمهور العلماء على أن الوصف يشترط فيه أن يكون مناسبًا للحكم أو محتملًا، فإن كان طرديًّا فقط -كرائحة الخمر- علم أنه ليس علة، حتى ولو دار مع الحكم وجودًا وعدمًا.\n٢ هذا هو المذهب الثالث، الذي يشترط أن يكون مع الدوران السبر، واستدل =","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>فصل: [هل تثبت العلة بشهادة الأصول]</span>\nومما يشبه هذا- شهادة الأصول١.\nكقولهم في الخيل: ما لا تجب الزكاة في الذكور منفردة: لم تجب في الذكور والإناث٢.\n_________\n= القائلون بذلك: بأن الحكم لا بد له من علة؛ لأنه أمر حادث، ولا حادث يعلل به إلا كذا وكذا -من الأوصاف- والكل باطل إلا الوصف الفلاني، فيثبت كونه علة.\nوقد أجاب عنه المصنف بأن السير وحده علة، إذا تم بشروطه المتقدمة، فلا يحتاج إلى أن ينضم إليه الدوران أو غيره من المسالك.\nثم لا يلزم أن تكون علة الحكم أمرًا حادثًا، بل يجوز أن تكون سابقة على الحكم، وتتوقف على شرط حادث، كالحول في الزكاة، فإنه شرط لوجوبها، مع أن علتها بلوغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة.\nكما يحتمل أن يكون الحادث جزءًا من العلة، لا تتم إلا به، ويحتمل أن يكون الحكم أمرًا تعبديًّا غير معلل، ومع وجود هذه الاحتمالات لا يستقيم هذا المذهب.\n١ المراد بشهادة الأصول: دلالة الكتاب أو السنة أو الإجماع على الحكم المعلل، أو المراد: كون الحكم المعلل له أصل معين من نوعه يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه.\n٢ ودليل ذلك: أن الشريعة ساوت بين الذكور والإناث في سائر السوائم في الحكم. وجودًا وعدمًا، فقد ساوت الشريعة بين الإبل والبقر والغنم في الزكاة، فإنها تجب في ذكورها إذا انفردت، وتجب في ذكورها وإناثها إذا اجتمعت، فكذلك البغال والحمير لا تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، ولا تجب في ذكورها وإناثها إذا اجتمعت. انظر: التمهيد لأبي الخطاب \"٤/ ٢٨\".\nوالذي سبّب هذا الخلاف: أن العلماء مختلفون في الخيل السائمة هل فيها زكاة أو لا؟ بعد اتفاقهم على أن المعلوفة لا زكاة فيها، وأن المعدة للتجارة فيها زكاة.\nفذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخيل السائمة لا زكاة فيها، واستدلوا على ذلك بما =","vol":"2","page":230},{"text":"ويستدل على صحتها بالاطراد والانعكاس في سائر ما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب.\nوقولهم: من صح ظهاره: صح طلاقه كالمسلم.\nذهب القاضي وبعض الشافعية إلى صحته، لشبهه بما ذكرنا، وتغليبه على الظن.\nومنع منه بعضهم. والله أعلم.\n_________\n= جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة\" وهذا النفي يشمل الذكور والإناث وأنه لم يثبت في السنة العملية أخذ الزكاة من الخيل، كما أخذت من الإبل والبقر والغنم.\nوذهب الإمام أبو حنيفة إلى وجوب الزكاة فيها، واستدل بأدلة كثيرة، منها: ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله -أي: للجهاد- فهي لذلك أجر. ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي ذلك ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياءً ونواءً -مناوأة- لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر\". ووجه الدلالة. عنده، أن حق الله في الرقاب هو الزكاة، وفي الظهور: إعارتها للمضطر ونحوه ليركبها، وعطف الظهور على الرقاب يقتضي المغايرة بينهما.\nكما استدل على ذلك بالقياس على الإبل، فكلاهما حيوان نام ينتفع به، وقد تحقق فيه شرط الزكاة وهو السوم ويؤيده ما صح عن الصحابة -﵃- فقد روى الطحاوي والدارقطني بإسناد صحيح إلى السائب بن يزيد قال: رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب.\nوهناك آثار أخرى كثيرة كهذا. انظر: نصب الراية \"٣/ ٣٥٩\"، نيل الأوطار \"٤/ ١١٨\"، فقه الزكاة للدكتور القرضاوي \"١/ ٢٢٢ وما بعدها\".\nومثل ما قيل في زكاة الخيل يقال في ظهار الذمي: يصح ظهاره، كما يصح طلاقة كالمسلم، فالمسلم البالغ العاقل يصح منه الطلاق والظهار، والصبي والمجنون لا =","vol":"2","page":231},{"text":"................................................................................................\n_________\n= يصحان منه. فصحة طلاق الذمي أصل لصحة ظهاره.\nجاء في المغني لابن قدامة \"١١/ ٥٦\": \"وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره، وهو البالغ العاقل، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، حرًّا أو عبدًا.... ثم قال: ويصح ظهار الذمي. وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يصح منه؛ لأن الكفارة لا تصح منه، وهي الرافعة للتحريم، فلا يصح منه التحريم، ودليل أن الكفارة لا تصح منه: أنها عبادة تفتقر إلى النية، فلا تصح منه، كسائر العبادات، ولنا أن من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم، فأما ما ذكروه فيبطل بكفارة الصيد إذا قتله في الحرم، وكذلك الحد يقام عليه، ولا نسلم أن التكفير لا يصح منه؛ فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة، كما في حق العبد\".\nوالخلاصة: أن في ثبوت العلة بشهادة الأصول رأيان:\nالأول: أن ذلك يثبت العلة وهو رأي القاضي أبي يعلى، وبعض الشافعية، كالشيرازي في اللمع.\nوحجتهم على ذلك أن هذا الطريق شبيه بالدوران وتحصيله غلبة الظن.\nالرأي الثاني: أن ذلك لا يصح، لأن شهادة الأصول ليس نصًّا في العلية، ولا إجماعًا، ولا مؤثرًا، ولا ملائمًا، ولا غريبًا، إنما هو مجرد تخيل أن الفرع المشهود له مشتمل على علة الأصل الشاهد، والظن الحاصل من التخيل ضعيف جدًّا، فلا يناط به حكم ولا يعول عليه.\nقال الطوفي: \"قلت: التحقيق في هذا أنه يختلف باختلاف النظار والمجتهدين قوة وضعفًا، وباختلاف الأصول الشاهدة كثرة وقلة، فمتى كان هذا الطريق مفيدًا من الظن ما يساوي ما يفيده دليل آخر متفق عليه بين الفريقين المختلفين فيه، كخبر الواحد، أو العموم، أو القياس الجلي ونحوه، صح التمسح به، إذ قد يتفق ناظر فاضل مرتاض، فتظهر له أصول كثيرة شاهدة للفرع المتنازع فيه حتى يكاد يجزم أن حكم الفرع حكم تلك الأصول، فهذا يجب المصير على ما ظنه من ذلك، إن كان مجتهدًا لنفسه، وإن كان مناظرًا أمكنه إبراز تلك الشواهد لخصمه، وقرب ما ادعاه إلى ذهنه بالمقدمات الظاهرة المقبولة حتى يحصل له =","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>فصل: [في المسالك الفاسدة]</span>\nفأما الدلالة على صحة العلة باطرادها ففاسد؛ إذ لا معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد هو: النقض.\nوانتفاء المفسد ليس بدليل على الصحة، فربما لم يسلم من مفسد آخر. ولو سلمت من كل مفسد: لم يكن دليلًا على صحتها، كما لو سلمت شهادة المجهول من جارح: لم تكن حجة ما لم تقم بينة معدلة مزكية: فكذلك لا يكفي للصحة انتفاء المفسد، بل لا بد من قيام دليل على الصحة.\nوفي الجملة: فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل كوضع الحكم، ولا يكفي في إثبات الحكم بأنه لا مفسد له، فكذلك العلة.\nويعارضه: أنه لا دليل على الصحة.\nواقتران الحكم بها ليس بدليل على أنها علة، فقد يلازم الخمر لون وطعم ورائحة يقترن به التحريم، ويطرد وينعكس، والعلة: الشدة واقترانه بما ليس بعلة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب أو هبوب ريح.\nثم للمعترض في إفساده المعارضة بوصف مطرد يختص بالأصل فلا يجد إلى التقصي عنه طريقًا.\nومثال ذلك: قولهم، في الخل: مائع لا يصاد من جنسه السمك، ولا تبنى عليه القناطر، فلا تزال به النجاسة كالمرق.\n_________\n= الظن بذلك، فيسلم. والله تعالى أعلم\". شرح المختصر \"٣/ ٤١٧-٤١٨\"\nوانظر: العدة \"٥/ ١٤٥٣\"، التمهيد \"٤/ ٢٧ وما بعدها\"، اللمع ص٢٣٠.","vol":"2","page":233},{"text":"وكذلك لو استدل على صحتها بسلامتها عن علة تفسدها، لم يصح؛ لما ذكرنا.\nفإن قيل: دليل صحتها: انتفاء المفسد.\nقلنا: بل دليل الفساد: انتفاء المصحح، ولا فرق بين الكلامين١.\n_________\n١ عقد المصنف هذا الفصل للمسالك التي لا تصلح لإثبات العلة، والتي سماها الغزالي بالمسالك الفاسدة، ومنه أخذنا عنوان الفصل. والإمام الغزالي ذكر من المسالك الفاسدة ثلاثًا.\nالأول: سلامة العلة عن علة تفسدها، وتقتضي نقيض حكمها.\nالثاني: اطرادها وجريانها في حكمها.\nالثالث: الطرد والعكس، وهو المعبر عنه بالدوران؛ فإنه لا يرى حجيته.\nولما كان المصنف يرى حجية الدوران، كما تقدم. فقد ذكر من المسالك الفاسدة نوعين فقط هما: الأول والثاني، وترك الثالث. إلا أنه في هذا الفصل خلط بين المسلكين في الاستدلال والمناقشة، الأمر الذي جعل كلامه غامضًا، حيث قدم وأخر، وكرر.\nلذلك أنقل كلام الطوفي في هذه المسألة بنصه، باعتباره ملخصًا وشارحًا لكلام المصنف.\nقال، رحمه الله تعالى: \"لما بين الطرق الدالة على صحة العلة، أخذ يبين الطرق الفاسدة التي لا تدل على صحتها.\nفمنها: اطرادها، لا يدل على صحتها، إذ معنى اطرادها: سلامتها عن النقض، وهو بعض مفسداتها وسلامتها عن مفسد واحد لا ينفي بطلانها بمفسد آخر، ككونها قاصرة، أو عدمية، أو طردية غير مناسبة عند من لا يرى التعليل بذلك.\nوما مثال من يقول: هذه العلة صحيحة؛ لأنها ليست منتقضة، إلا مثال من يقول: هذا العبد صحيح سليم؛ لأنه ليس بأعمى، إذ جاز أن تنتفي سلامته ببرص أو عرج أو غيره.\nوأيضًا: فإن صحة العلة حكم، والأحكام إنما تثبت صحتها بدليل الصحة، لا =","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>فصل: [في حكم العلة إذا استلزمت مفسدة]</span>\nمتى لزم من الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة، أو راجحة عليها.\n_________\n= بانتفاء المفسد، وبوجود المقتضى، لا بانتفاء المانع، وعدالة الشاهد والراوي إنما تثبت بحصول المعدل، لا بانتفاء الجارح، فكذلك العلة إنما تصح بوجود مصححها، لا بانتفاء مفسدها.\nوقول القائل: هذه العلة صحيحة، إذ لا دليل على فسادها، معارض بقول الخصم: هذه فاسدة، إذ لا دليل عن صحتها.\nومن الطرق الفاسدة في إثباتها: الاستدلال على صحتها باقتران الحكم بها، وذلك لا يدل؛ إذ الحكم يقترن بما يلازم العلة، وليس بعلة، كاقتران تحريم الخمر بلونها وطعمها وريحها، وإنما العلة الإسكار\". شرح مختصر الروضة \"٣/ ٤١٩/ ٣٤٢٠\".\nوينبغي أن يكون معلومًا أن الطرد هنا هو الطرد الوجودي، وهو: الذي يدور معه الحكم وجودًا فقط، لا عدمًا، وهو بهذا يختلف عن الطرد في الدوران، فإنه يدور مع الحكم وجودًا وعدمًا.\nوللعلماء في حجية الطرد الوجودي مذاهب كثيرة، اختار المصنف منها: كونه غير حجة، كما هو مذهب الغزالي وجمهور العلماء.\nوذهب بعض الحنفية إلى أنه حجة إن سلم من الانتقاض، ومثاله: المائع الذي تبنى عليه القناطر، ويصاد فيه السمك تقع به الطهارة، فيقال في الرد على ذلك ليس ذلك بعلة؛ لأن الطهارة تصح بغير المذكور، كالتراب ونحوه.\nوذهب بعض الشافعية إلى أنه حجة بشرط مقارنة الحكم والوصف في جميع الصور، غير صورة النزاع، فيلحق النادر بالأغلب.\nوقال الكرخي، من الحنفية: إنه مقبول جدلًا، ولا يسوغ التعويل عليه في العمل والفتيا.\nانظر: إرشاد الفحول ص٢٢١، مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص٢٦٢.","vol":"2","page":235},{"text":"فقيل: إن المناسبة تنتفي؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يتضمن فوات مثلها أو أكبر منها ليس من شأن العقلاء، لعدم الفائدة على تقدير التساوي، وكثرة الضرر على تقدير الرجحان، فلا يكون مناسبًا، إذ المناسب: ما إذا عرض على العقول السليمة تلقته بالقبول.\nفيعلم أن الشارع لم يرد بالحكم تحصيلًا للمصلحة في ضمن الوصف المعين١.\nوهذا غير صحيح٢، فإن المناسب [هو] المتضمن للمصلحة. والمصلحة أمر حقيقي لا ينعدم بمعارض، إذ ينتظم من العاقل أن يقول:\n_________\n١ هذا الفصل تابع للنوع الأول من القسم الثالث في إثبات العلة بالاستنباط، وهو إثبات العلة بالوصف المناسب، وذكره هنا يوهم أنه من المسالك الفاسدة، فلا أدري لماذا أخره؟!\nومعنى هذا الفصل: أن الوصف المناسب للحكم إذا استلزم أو تضمن مفسدة هل تُلغى مصلحته وتختل مناسبته أو لا؟\nوقول المصنف: \"مفسدة مساوية للمصلحة، أو راجحة عليها\" فيه بيان لتحرير محل الخلاف، وهو المفسدة المساوية للمصلحة، أو الراجحة عليها.\nأما إذا كانت المفسدة مرجوحة على المصلحة، فإنها تكون معتبرة بالاتفاق، ولا نظر للمفسدة المرجوحة؛ لأنه لا عبرة بالمرجوح في مقابلة الراجح.\nوللعلماء في هذه المسألة رأيان:\nالرأي الأول: أن المناسبة تنتفي.\nالرأي الثاني: أن المناسبة تبقى ولا تلغى، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: \"وهذا غير صحيح\" ثم ذكر الأدلة التي استند إليها أصحاب هذا المذهب.\nواستدلال المصنف للمذهب واضح لا يحتاج إلى شرح.\n٢ هذا اعتراض على أدلة المذهب الأول، وهو في الوقت نفسه استدلال للقائلين بعدم إلغاء المناسبة.","vol":"2","page":236},{"text":"إلى مصلحة في كذا، يصدني عنه ما فيه من الضرر من وجه آخر\".\nوقد أخبر الله. تعالى. أن في الخمر والميسر منافع، وأن إثمهما أكبر من نفعهما١، فلم ينف منافعهما مع رجحان إثمهمها.\n_________\n١ قال الله تعالى في سورة البقرة \"٢١٩\": ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ...﴾ وقرأ حمزة والكسائي: \"قل فيهما إثم كثير\" بالثاء المثلثة.\nفمنافع الخمر: الربح في التجارة بها، فإن العرب كانت تجلبها من الشام وتبيعها في الحجاز بثمن مرتفع. وقيل: إنها تهضم الطعام، وتقوي الضعيف، وتشجع الجبان، وتسخي البخيل إلى غير ذلك مما كان يعتقده أهل الجاهلية. ومفاسدها كثيرة جدًّا بينتها سورة المائدة في الآيات \"٩٠-٩٢\" ومنها: إفساد العقل.\nوفي الميسر منفعة كبيرة، ففيه الربح الوفير بدون كد ولا تعب، وكانوا يوسعون بما يستفيدونه على الفقراء والمساكين، لكن مفسدته أكبر، حيث إنه أكل لأموال الناس بالباطل، ويستوجب عذاب الله تعالى وغضبه. ومحل الشاهد: أن الله تعالى أطلق الأمرين في الخمر والميسر، ولو كانت المناسبة مختلة لما صح هذا الكلام: ثم لا يستبعد وجود المعارض مع الحكم.\nوأقول: إن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر، حيث إن ذلك كان في بداية التشريع، ولذلك فهم منه بعض الصحابة تحريم الخمر قبل نزول آيات المائدة فامتنعوا عن شربها.\nقال القرطبي: \"تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: في تجارتهم، فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ...﴾ فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ ...﴾ الآية: فصارت حرامًا عليهم =","vol":"2","page":237},{"text":"والمصلحة: جلب المنفعة، أو دفع المضرة، ولو أفردنا النظر إليها: غلب على الظن ثبوت الحكم من أجلها.\nوإنما يختل ذلك الظن مع النظر إلى المفسدة اللازمة من اعتبار الوصف الآخر، فيكون هذا معارضًا؛ إذ هذا حال كل دليل له معارض.\nثم ثبوت الحكم مع وجود المعارض لا يعد بعيدًا.\nونظيره: ما لو ظفر الملك بجاسوس لعدوه، فإنه يتعارض في النظر اقتضاءان:\nأحدهما: قلته؛ دفعًا لضرره.\n_________\n= حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئًا أشد من الخمر\" الجامع لأحكام القرآن \"٦/ ٢٨٦\".\nوعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على مشروعية ما كان ضرره أكثر من نفعه، والأحكام الشرعية تدور مع الراجح وجودًا وعدمًا.\nولذلك أرى أن يقتصر الكلام في هذا المسلك على المفسدة المساوية للمصلحة فقط ويخرج منه ما كانت المفسدة فيه راجحة على المصلحة، وإن كان الشيخ الشنقيطي ينقل الاتفاق على عدم اعتبار ذلك في المفسدة المساوية والراجحة فيقول: \"اعلم أن التحقيق في هذه المسألة: أن الخلاف فيها لفظي؛ لأن المصلحة إذا استلزمت مفسدة مساوية أو راجحة فإن الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولًا واحدًا؛ لأن الشرع لا يأمر باستجلاب مصلحة مؤدية لمفسدة أكبر منها أو مساويًا لها. ولكن الخلاف في المصلحة المعارضة بالمفسدة، هل هي منخرمة زائلة من أصلها أو هي باقية معارضة بغيرها، وهو اختيار المؤلف؟\nفعلى أن المصلحة باقية، فعدم الحكم لوجود المانع، وعلى أنها زائلة فعدم الحكم لعدم المقتضى. ومن أمثلته: فداء أسرى المسلمين بالسلاح إذا كان يؤدي إلى قدرة الكفار بذلك السلاح على قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين\".\nمذكرة أصول الفقه ص٢٦٤.","vol":"2","page":238},{"text":"والثاني: الإحسان إليه استمالة له ليكشف حال عدوه فسلوكه إحدى الطريقين لا يعد عبثًا، بل يعد جريًا على موجب العقل.\nولذلك ورد الشرع بالأحكام المختلفة في الفعل الواحد، نظرًا إلى الجهات المختلفة، كالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنها سبب للثواب من حيث إنها صلاة، وللعقاب من حيث إنها غصب، نظرًا إلى المصلحة والمفسدة، مع أنه لا يخلو: إما أن يتساويا، أو يرجح أحدهما:\nفعلى تقدير التساوي: لا تبقى المصلحة مصلحة، ولا المفسدة مفسدة، فيلزم انتفاء الصحة والحرمة.\nوعلى تقدير رجحان المصلحة: يلزم انتفاء الحرمة.\nوعلى تقدير رجحان المفسدة: يلزم انتفاء المصلحة.\nفلا يجتمع الحكمان معًا١، ومع ذلك اجتمعا.\nفدل على بطلان ما ذكروه٢.\nثم لو قدرنا توقف المناسبة على رجحان المصلحة، فدليل الرجحان: أنا لم نجد في محل الوفاق مناسبًا سوى ما ذكرناه.\nفلو قدرنا الرجحان: يكون الحكم ثابتًا معقولًا.\nوعلى تقدير عدمه: يكون تعبدًا.\nواحتمال التعبد أبعد وأندر، فيكون احتمال الرجحان أظهر.\nومثال ذلك: تعليلنا وجوب القصاص على المشتركين في القتل،\n_________\n١ وهما: حرمة الصلاة وصحتها، وهذا دليل على أن المناسبة لا تبطل بمعارضة المفسدة الراجحة أو المساوية.\n٢ أي: أصحاب المذهب الأول.","vol":"2","page":239},{"text":"بحكمة الردع والزجر؛ كي لا يفضي إسقاطه إلى فتح باب الدماء. فيعارض الخصم بضرر إيجاب القتل الكامل على من لم يصدر منه ذلك.\nفيكون جوابه: ما ذكرناه١، والله أعلم.\n_________\n١ وهو: أن مصلحة قتلهم جميعها ترجح على تلك المفسدة.\nروى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -﵁- قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.\nوعن علي -﵁- أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلًا. وعن ابن عباس -﵄- أنه قتل جماعة بواحد. ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعًا.\nولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة، كحد القذف، ويفارق الدية؛ فإنها تتبعض والقصاص لا يتبعض؛ ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك، أدى إلى الشارع به فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر.\nانظر: المغني \"١١/ ٤٩٠-٤٩١\".","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>فصل: في قياس الشَّبه </span>١.\nواختلف في تفسيره.\nثم في: أنه حجة.\n_________\n١ الأقيسة أربعة أنواع:\nالأول: قياس العلة، وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف مناسب وهو الذي تقدم أول الباب.\nالثاني قياس الشبه: وهو الذي معنا.\nالثالث: قياس الدلالة، وهو الجميع بين الأصل والفرع بدليل العلة لا بها، وسيأتي.\nالرابع: قياس الطرد: وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف غير مناسب ولا =","vol":"2","page":240},{"text":"فأما تفسيره:\nفقال القاضي يعقوب: هو أن يتردد الفرع بين أصلين: حاظر ومبيح، ويكون شبهه بأحدهما أكثر١.\nنحو: أن يشبه المبيح في ثلاثة أوصاف ويشبه الحاظر في أربعة، فنلحقه بأشبههما به.\nومثاله: تردد العبد بين الحر وبين البهيمة في أنه يملك.\nفمن لم يملكه قال: حيوان يجوز بيعه، ورهنه، وهبته، وإجارته، وإرثه، أشبه الدابة.\n_________\n= موهم المناسبة، كقياس الخل على المرق أو الدهن في عدم إزالة النجاسة، بجامع أن كلًّا منهما لا تبنى عليه القناطر ولا تصاد منه الأسماك، ولا تجري فيه السفن، وسيأتي بيانه قريبًا.\n١ الشبه في اللغة: المثل، يقال: أشبه الشيء الشيء: ماثله. انظر: لسان العرب مادة \"شبه\".\nقال الطوفي: \"اعلم أن ظاهر كلام أهل اللغة والأصول الفرق بين المثل والشبه والمماثلة والمشابهة، وأن مثل الشيء: ما ساواه من كل وجه في ذاته وصفاته وشبه، الشيء وشبيهه: ما كان بينه وبينه قدر مشترك من الأوصاف. وحينئذ تتفاوت المشاهبة بينهما قوة وضعفًا بحسب تفاوت الأوصاف المشتركة بينهما كثرة وقلة، فإذا اشتركا في عشرة أوصاف، كانت المشابهة بينهما كثرة أقوى مما إذا اشتركا في تسعة فما دون، وعلى هذا القياس، وهذا هو الأمر المتعارف، فإذا أطلق لفظ الشبيه على المثل، أو لفظ المثل على الشبيه، فهو مجاز باعتبار ما بينهما من القدر المشترك من الأوصاف\". شرح المختصر \"٣/ ٤٢٤-٤٢٥\".\nلأنه باعتبار أن الفرع لا بد أن يشبه الأصل يطلق على جميع الأقيسة، إلا أن الأصوليين اصطلحوا على تسمية هذا النوع بقياس الشبه.\nوأطلق عليه البعض: \"غلبة الشبه\" انظر: العدة \"٤/ ١٣٢٥\".","vol":"2","page":241},{"text":"ومن يملّكه قال: يثاب ويتعاقب، وينكح ويطلق، ويكلف، أشبه الحر. فيلحق بما هو أكثرهما شبهًا١.\nوقيل: الشبه: الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة الحكم: من جلب المصلحة، أو دفع المفسدة٢.\nوذلك أن الأوصاف تنقسم ثلاثة أقسام:\nقسم يعلم اشتماله على المناسبة لوقوفنا عليها بنور البصيرة، كمناسبة الشدة للتحريم٣.\nوقسم لا يتوهم فيه مناسبة أصلًا، لعدم الوقوف عليها بعد البحث التام، مع إِلْفِنَا من الشارع: أنه لا يلتفت إليه في حكم ما، كالطول والقصر، والسواد والبياض٤، وكون المائع لا تبنى عليه القناطر.\n_________\n١ ومثل ذلك يقال في \"المذي\": فإنه متردد بين البول والمني. فمن قال بنجاسته قال: هو خارج من الفرج، لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن قال بطهارته قال: هو خارج تحلّله الشهوة، ويخرج أمامها، أشبه المني. انظر: شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٨٨\".\n٢ قال الآمدي: \"هو: ما اجتمع فيه مناطان لحكمين مختلفين، لا على سبيل الكمال، إلا أن أحدهما أغلب من الآخر\"، الإحكام \"٣/ ٤٢٧\".\nوقال الطوفي: \"هو: الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة ما\" شرح المختصر \"٣/ ٤٢٧\".\n٣ أي: لتحريم الخمر، فيقاس عليها النبيذ، وهذا يسمى قياس العلة؛ لأنه قد علمت مناسبة الوصف للحكم، واعتبار الشرع له قطعًا، ومثل ذلك: مناسبة القتل للقصاص، والقطع للسرقة، وغير ذلك من الأوصاف المناسبة لأحكامها.\n٤ ومعنى ذلك: أنه لا يقال: إنما قتل القاتل، وقطع السارق، وحد الزاني لكونه أسود أو أبيض، أو لكونه طويلًا أو قصيرًا، لأننا وجدنا الشارع لا يلتفت إلى مثل هذه الأوصاف في تشريعاته، فلا علاقة بين الوصف والحكم، ولذلك أطلق عليه: \"قياس الطرد\".","vol":"2","page":242},{"text":"وقسم ثالث -بين القسمين الأولين- وهو: ما يتوهم اشتماله على مصلحة الحكم، ويظن أنه مظنتها وقالبها من غير اطلاع على عين المصلحة، مع عهدنا، اعتبار الشارع له في بعض الأحكام، كالجمع بين مسح الرأس ومسح الخف في نفي التكرار، بوصف كونه مسحًا، والجمع بينه وبين الأعضاء المغسولة في التكرار، بكونه أصلًا في الطهارة، فهذا قياس الشبه.\nفالقسم الأول: قياس العلة، وهو صحيح.\nوالقسام الثاني: باطل.\nوالثالث: الشبه. وهو مختلف فيه.\nوكل قياس فهو مشتمل على شبه واطّراد.\nلكن قياس العلة عرف بأشبه صفاته وأقواها.\nوقياس الشبه كان أشرف صفاته المشابهة، فعرف به\nوكذلك القياس الطردي عرف بخاصيته، وهو: الاطراد؛ إذ لم يكن له ما يعرف به سواه.\nوكل وصف ظهر كونه مناطًا للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة، لا من قبيل قياس الشبه.\nواختلفت الرواية عن أحمد -﵀- في قياس الشبه: فروي: أنه صحيح.\nوالأخرى: أنه غير صحيح، اختارها القاضي٢.\n_________\n١ ذكر ذلك القاضي أبو يعلى في العدة \"٤/ ١٣٢٦\" وانظر: الجدل لابن عقيل ص١٢، مختصر البعلي ص١٤٩، وشرح الكوكب المنير \"٤/ ١٩٠\".\n٢ وكذلك الحنفية وأبو بكر الصيرفي، وأبو إسحاق المروزي، والشيرازي، أما أبو =","vol":"2","page":243},{"text":"وللشافعي قولان كالروايتين١.\n[دليل القائلين بحجيته]\nووجه كونه حجة: هو أنه يثير ظنًّا غالبًا يبنى على الاجتهاد، فيجب أن يكون متبعًا كالمناسب.\nفلا يخلو:\nإما أن يكون الحكم لغير مصلحة.\nأو لمصلحة في الوصف الشبهي.\nأو لمصلحة في ضمن الأوصاف الأخر.\nلا يجوز أن يكون لغير مصلحة، فإن حكم الشارع لا يخلو عن الحكمة.\nواحتمال كونه لمصلحة وعلى ظاهرة أرجح من احتمال التعبد واحتمال اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة أغلب وأظهر من اشتمال الأوصاف الباقية عليها.\nفيغلب على الظن ثبوت الحكم به، فتعدى الحكم بتعديه٢.\n_________\n= بكر الباقلاني فيرى أنه صالح لأن يرجح به. انظر: فواتح الرحموت \"٢/ ٣٠٢\"، الوصول إلى الأصول \"٢/ ٢٥٢\"، شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٩١\"، العدة \"٤/ ١٣٢٦\".\n١ انظر الرسالة ص٤٧٩.\nوفي شرح الكوكب المنير \"٤/ ١٩١\": \"وقيل: إنما يحتج به في التعليل إذا كان في قياس فرع قد اجتذبه أصلان، فيلحق بأحدهما بغلبة الاشتباه ويسمونه: قياس غلبة الاشتباه\".\n٢ خلاصة هذا الدليل: أن قياس المعنى، وهو القياس المبني على الوصف المناسب إنما كان حجة بسبب إفادته الظن الغالب المبني على الاجتهاد، فكذلك قياس =","vol":"2","page":244},{"text":".....................................................................................\n_________\n= الشبه يفيد الظن الغالب، فيجب أن يكون حجة مثله. وهذا معنى قول المصنف \"فيجب أن يكون متبعًا كالمناسب\".\nوإنما كان حجة لأن الحكم الشرعي لا يخلو من عدة احتمالات، إما أن يكون لغير مصلحة، وهذا بعيد؛ لأن أحكام الشرع لا تخلو من حكمة، سواء علمناها أم لم نعلمها. وإما أن يكون لمصلحة في الوصف الشبهي ما دام ليس هناك وصف آخر، وإما أن يكون لمصلحة ضمن أوصاف أخر غير معتبرة، واحتمال كونه لمصلحة ظاهرة أرجح من كونه تعبدًا ومن الأوصاف الأخرى، فيجب تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع.\nأما النافون لحجية قياس الشبه: فتمسكوا بظاهر الآيات التي تنهي عن اتباع الظن مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . فهذه الآية وأمثالها تنفي العمل بالظن مطلقًَا، وأخرج من ذلك قياس المناسبة لأدلة أخرى رجحت العمل به، فيبقى قياس الشبه داخلًا تحت النهي عن العمل بالظن.\nوقد رد الطوفي هذا الاستدلال بأوجه كثيرة منها: عموم الأدلة التي تدل على مشروعية القياس ومنها قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقياس الشبه نوع من أنوع الاعتبار.\nومنها: دخوله في عموم حديث معاذ -﵁- والذي جاء فيه \"أجتهد رأيي\" انظر في ذلك: شرح المختصر \"٣/ ٤٣٣-٤٣٤\".\nوأقول إن الاستشهاد بالآيات التي تنهى عن اتباع الظن لا يصح الاستشهاد بها هنا؛ لأن المقصود منها: النهي عن اتباع الظن في الأحكام العقدية التي يطلب فيها اليقين، أما الأحكام العملية فالظن فيها كاف، وقد ثبت أن الرسول الله -ﷺ- عمل به في كثير من قضاياه، فقد روى مسلم -في صحيحه- عن أم سلمة -﵂- قالت: قال رسول الله، ﷺ: \"إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار\". [صحيح مسلم: كتاب الأفضية. جـ٣ ص١٣٣٧] .","vol":"2","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>فصل: في قياس الدلالة</span>\nوهو: أن يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة، ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة، فيلزم اشتراكهما في الحكم ظاهرًا١.\n_________\n= قال الصاوي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ \"فتحصل: أن الأمور الاعتقادية كمعرفة الله -تعالى- ومعرفة الرسل وما أتوا به لا بد فيها من الجزم المطابق للحق عن دليل، ولا يكفي فيها الظن، وأما الأمور العملية كفروع الدين فيكفي فيها غلبة الظن\". حاشية الصاوي على الجلالين \"٤/ ١١٠\".\n١ القياس من حيث التأثير والمناسبة وعدمها ينقسم إلى المناسب والشبهي والطردي، وقد تقدم توضيح ذلك.\nومن حيث التصريح بالعلة وعدمه ينقسم إلى قياس العلة، والقياس في معنى الأصل، وقياس الدلالة.\nفقياس العلة: هو الجمع بين الأصل والفرع بعلته، كالجمع بين النبيذ والخمر بعلة الإسكار.\nوالقياس في معنى الأصل: هو الذي لا فارق فيه بين الأصل والفرع، أو كان بينهما فارق لا أثر له. مثل: قياس العبد على الأمة في تنصيف الحد.\nوقياس الدلالة: هو الجمع بين الأصل والفرع بدليل يدل على العلة، لا بالعلة نفسها.\nودليل العلة قد يكون بلازم من لوازمها مثل: قياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة المشتدة، فهي لازمة للإسكار. وقد يكون بأثر من آثارها مثل أن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بالمحدد، بجامع الإثم، وهو أثر العلة التي هي: القتل العمد العدوان. كما يكون بحكم العلة، مثل أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك، حيث كان غير =","vol":"2","page":246},{"text":"ومثاله: قولنا، في جواز إجبار البكر: جاز تزويجها وهي ساكتة، فجاز وهي ساخطة كالصغيرة؛ فإن إباحة تزويجها مع السكوت، يدل على عدم اعتبار رضاها، إذ لو اعتبر، لاعتبر دليله وهو النطق. أما السكوت: فمحتمل متردد.\nوإذا لم يعتبر رضاها أبيح تزويجها حال السخط.\nوكذا قولنا، في منع إجبار العبد على النكاح: لا يجبر على إبقائه، فلا يجبر على ابتدائه كالحر، فإن عدم الإجبار على الإبقاء يدل على خلوص حقه في النكاح، وذلك يقتضي المنع من الإجبار في الابتداء.\n_________\n= عمد. وترتيبها من حيث القوة كما مر: أعلاها: لازم العلة، ثم أثرها، ثم حكمها. وللعلماء في حجية قياس الدلالة مذهبان: أحدهما: أنه دليل وثانيهما: أنه ليس بدليل، وإنما يرجح به غيره، وهو الأصح عند الشيرازي انظر: اللمع ص٢٨٩، المعونة في الجدل ص٣٧، ٣٨، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٤٣٦ وما بعدها\".","vol":"2","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>باب: أركان القياس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>مدخل</span>\n...\nباب: أركان القياس\nوهي أربعة: أصل، وفرع، وعلة، وحكم١.\n_________\n١ الركن في اللغة: الجانب الأقوى للشيء. يقال: أركان الكعبة، وأركان البيت، أي: الجانب الأقوى من الكعبة والبيت، ومن ذلك: أركان الإسلام، أي: أهم القواعد والأسس التي بني عليها الإسلام، كما جاء ذلك في الحديث الشريف.\nومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] .\nوفي المصباح المنير \"١/ ٣١٣\": \"أركان الشيء: أجزاء ماهيته التي لا توجد إلا بوجوده\".\nوجمهور العلماء على أن أركان القياس التي لا يحصل في الذهن والخارج إلا بها أربعة: الأصل المقيس عليه، والفرع المقيس، والعلة الجامعة بين الأصل والفرع، وحكم الأصل، ولم يذكروا من أركان القياس حكم الفرع؛ لأنه ثمرة القياس، وثمرة الشيء لا يصح أن تكون من أركانه؛ لأن ذلك يعتبر دورًا، حيث يتوقف صحة القياس عليه، بينما هو ثمرة القياس، على أن حكم الأصل هو حكم الفرع الذي نقلناه من الأصل إلى الفرع، وإن كان غيره باعتبار المحل.\nوذهب بعض العلماء إلى جعل حكم الفرع ركنًا من أركان القياس، وليس ثمرة له، كما يقول الجمهور، بل إن ثمرة القياس: هي العلم بحكم الفرع، وهذا يتفق مع رأي القائلين بأن القياس ليس مثبتًا لحكم الفرع، وإنما هو كاشف ومظهر لحكم الفرع.\nانظر في هذه المسألة: كشف الأسرار على أصول البزدوي \"٣/ ٣٤٤\"، نهاية السول على المنهاج وحاشية الشيخ بخيت \"٤/ ٥٣\"، الإحكام للآمدي \"٣/ ٦\".","vol":"2","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>فصل: [الركن الأول: الأصل وشروطه]</span>\nفالأول له شرطان:\nأحدهما: أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق من الخصمين١.\nفإن كان مختلفًا فيه، ولا نص فيه: لم يصح التمسك به، لأنه ليس بناء أحدهما على الآخر بأولى من العكس.\nولو أراد إثبات حكم الأصل بالقياس على محل آخر لم يجز، فإن العلة التي يجمع بها بين الأصل الثاني والأول، إن كانت موجودة في الفرع: فليقس على هذا الأصل الثاني ويكفيه، فذكر الأول تطويل غير مفيد، فليصطلح على رده.\nوإن كان الجامع بين الأصلين غير موجود في الفرع: لم يصح قياسه على الأصل الأول؛ لأنه قد تبين ثبوت حكمه بعلة غير موجودة في الفرع، ومن شرط القياس: التساوي في العلة٢.\n_________\n١ مثال الأصل الثابت بالنص: وجوب غسل الإناء من ولوغ الخنزير قياسًا على وجوب غسله من ولوغ الكلب الثابت بالحديث: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات\". ومثال اتفاق الخصمين على الأصل: قياس النبيذ على الخمر، والأرز على البر. وإنما اشترط ثبوت الأصل بالنص؛ لأنه يلحق به الفرع، ويبنى عليه، وما لا ثبوت له لا يتصور بناء غيره عليه.\nوأما اشتراط كونه متفقًا عليه؛ فلأنه إذا كان مختلفًا فيه كان من حق الخصم أن ينازع في القياس بعدم التسليم بحكم الأصل.\nوقد علل المصنف لشرط كون الأصل ثابتًا بالنص أو متفقًا عليه بقوله: \"فإن كان مختلفًا فيه إلخ\" ومعناه: أن الذي ليس منصوصًا ولا متفقًا عليه لا يصح التمسك به لعدم أولويته، فكونه أصلًا يقاس عليه ليس بأولى من أن يكون فرعًا.\n٢ خلاصة ذلك: أن جمهور العلماء يشترطون ألا يكون الأصل المقيس عليه فرعًا لأصل آخر؛ لأن العلة الجامعة بين القياسين إن كانت واحدة كان ذكر الأصل =","vol":"2","page":249},{"text":"ولا يمكن تعليل الحكم في الأصل الأول بغير ما علله به في قياسه إياه على الأصل الثاني، فإنه إنما يعرف كون الجامع علة بشهادة الأصل له، واعتبار الشرع له بإثبات الحكم على وفقه.\nولا يعرف اعتبار الشرع للوصف إلا أن يقترن الحكم به عريًا عما يصلح أن يكون علة، أو جزءًا من أجزائها، فإنه متى اقترن بوصفين يصلح التعليل بهما مجتمعين، أو بكل واحد منهما منفردًا، احتمل أن يكون ثبوت الحكم بهما جميعًا، أو بأحدهما غير معين، فالتعيين تحكم.\nولذلك كانت المعارضة في الأصل سؤالًا صحيحًا١.\n_________\n= الثاني تطويلًا بلا فائدة، مثل: قياس الذرة على الأرز المقيس على البر. وإن لم تكن العلة واحدة بين الأصل المنصوص عليه والأصل الثاني، كان القياس فاسدًا.\n١ هذا تابع لدليل الجمهور في عدم جواز كون الأصل المقيس عليه ثابتًا بالقياس. ومعناه: أنه لا يمكن تعليل الحكم في الأصل الأول بغير العلة التي جمعت بينه وبين الأصل الثاني؛ لأن الطريق الذي عرف به كون ذلك الجامع هو العلة: هو شهادة الأصل الأول، واعتبار الشرع له بإثبات الحكم على وفق ذلك الوصف، واقتران الحكم بذلك الوصف دليل على عدم وصف آخر يمكن أن يعلل به.\nفإن اقترن الحكم بوصفين كل منهما صالح للتعليل منفردًا أو مجتمعًا مع غيره، فهذا يحتمل أمرين.\nأحدهما: أنه معلل بهما جميعًا.\nثانيهما: أنه معلل بواحد منهما، لكنه غير معين.\nوإذا احتمل الأمرين بالتساوي، فلا يمكن تعيين أحدهما بعينه؛ لأنه يكون ترجيحًا بلا مرجح.\nولذلك: إذا عارض الخصم في الأصل الذي قاس عليه المستدل، كان هذا سؤالًا صحيحًا يعترض به على القياس.\nوسيأتي بيان ذلك في الأسئلة المتوجهة إلى القياس.","vol":"2","page":250},{"text":"وقال بعض أصحابنا: يجوز القياس على ما ثبت بالقياس؛ لأنه لما ثبت صار أصلًا في نفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص.\nولعله أراد: ما ثبت بالقياس، واتفق عليه الخصمان١.\nوقال قوم: من شرطه: أن يكون متفقًا عليه بين الأمة٢، فإنه إذا لم يكن مجمعًا عليه فللخصم أن يعلل الحكم في الأصل بمعنى مختص به لا يتعدى إلى الفرع.\n_________\n١ هذا هو المذهب الثاني في المسألة، وهو: أنه يجوز القياس على ما ثبت بالقياس؛ لما قاله المصنف، من أنه لما ثبت صار أصلًا في نفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص. ولما كان المصنف لا يرى ذلك، كما سيأتي فقد حاول أن يوجد له مخرجًا فقال: \"ولعله أراد ما ثبت بالقياس واتفق عليه الخصمان\" فإن القياس حينئذ يكون صحيحًا جدلًا؛ لأنه يشترط في القياس أن يكون حكم الأصل ثابتًا بنص أو اتفاق الخصمين، وقد حصل الثاني.\nوتأويل المصنف هذا محل نظر؛ فإنه إن أراد توضيح مذهبه فذلك له، وإن أراد أن هذا هو رأي القائلين بذلك فهذا غير مسلم؛ لأن أصحاب هذا المذهب لم يصرحوا بشيء من ذلك.\nجاء في العدة \"٤/ ١٣٦١\": \"ما ثبت بالقياس يجوز القياس عليه، مثل: حمل الذرة على الأرز.\nوقد قال أحمد -﵀- في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: \"لا بأس بدفع الثوب إلى من يعمله بالثلث والربع كالمزارعة\".\nقال في رواية المروذي: \"لا يجوز بيع أرض السواد، ويجوز شراؤها كالمصاحف\" فقد قاس الفرع على أصل مختلف فيه.\nوهو قول الرازي والجرجاني من أصحاب أبي حنيفة. وقول أصحاب الشافعي\".\nومثل ذلك جاء في التمهيد لأبي الخطاب \"٣/ ٤٤٣\" وابن النجار في شرح الكوكب المنير \"٤/ ٢٦\" فهو مذهب مستقل وليس داخلًا في المذهب الأول.\n٢ هذا هو المذهب الثالث الذي يشترط أن يكون الأصل مجمعًا عليه، وخلاصة =","vol":"2","page":251},{"text":".........................................................................\n_________\n= دليل هذا المذهب: أن الأصل إذا لم يكن مجمعًا عليه جاز للمعترض أن يعلل الحكم في الأصل بعلة قاصرة لا تتعدى إلى الفرع.\nفإن وافقه المستدل على ذلك انقطع القياس وبطل، لعدم وجود العلة في الفرع. وهذا معنى قول المصنف: \"فإن ساعده ... إلخ\".\nوإن لم يوافقه على ذلك، بل علل بعلة أخرى متعدية بطل القياس أيضًا؛ لأن المعترض قد منع أن يكون ذلك الشيء علة للأصل، وبيّن أنه لا يوافق على أن هذه هي العلة، بل هي العلة التي لا تتعدى إلى الفرع، ويسمى ذلك بالقياس المركب.\nوالقياس المركب نوعان: مركب الأصل، ومركب الوصف.\nأما مركب الأصل: فهو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل وعلى كون الوصف المدعى أنه علة موجودًا فيه، ولكن كل واحد منهما يدعي له علة غير علة الآخر، كالاتفاق على تحريم الربا في البر، وعلى وجود وصف الكيل والطعم فيه، مع اختلافهم في العلة، هل هي الكيل أو الطعم؟\nأما مركب الوصف: فهو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل، ولكن المعترض يدعي عدم وجود العلة التي يدعيها المستدل. انظر: مذكرة الشيخ الشنقيطي ص٢٧٣-٢٧٤.\nوقد مثل المصنف للقياس المركب الأصل بقياس العبد على المكاتب في عدم قتل الحر به قصاصًا، فيقال: العبد منقوص بالرق، فلا يقتل به الحر كالمكاتب فيقول المعترض: العبد يعلم مستحق دمه، وهو السيد بخلاف المكاتب فإنه لا يعلم مستحق دمه، هل وارثه، أو سيده الذي كاتبه؟ لأنه بالكتابة صار فيه شيئًا بين الحرية والرق، فإن أدّى عتق، ويكون مستحق دمه وارثه، كسائر الأحرار، وإن لم يؤد عاد رقيقًا، ويكون مستحق دمه سيده، كسائر العبيد.\nفإن سلّم المستدل أن العلة في المكاتب هي عدم العلم بمستحق دمه -كما قال المعترض- امتنع قياس العبد عليه؛ لأن مستحق دمه معلوم. وإن لم يسلّم أن العلة هي عدم العلم بمستحق دمه، بل هي نقص الرق، منع المعترض أن ذلك هو العلة في المكاتب، بل هي ما ذكره، أو منع الحكم فيه فيقول: سلّمتُ أن العلة =","vol":"2","page":252},{"text":"فإن ساعده المستدل على التعليل به: انقطع القياس؛ لعدم المعنى في الفرع.\nوإن لم يساعده: منع الحكم في الأصل، فبطل القياس.\nوسمّوه: القياس المركب.\nومثاله: قياسنا العبد على المكاتب فنقول: العبد منقوص بالرق، فلا يقتل به الحر كالمكاتب.\nفيقول المخالف: العلة في المكاتب: أنه لا يُعلم هل المستحق لدمه الوارث، أو السيد؟\nفإن سلمتم ذلك: امتنع قياس العبد عليه؛ لأن مستحقه معلوم.\nوإن منعتم: منعنا الحكم في المكاتب، فذهب الأصل، فبطل القياس.\nوهذا لا يصح لوجهين.\nأحدهما: أن كل واحد من المتناظرين مقلِّد، فليس له منع حكم ثبت مذهبًا لإمامه؛ لعجزه عن تقريره، فإنه لا يتيقن مأخذ إمامه في الحكم.\nولو عرف ذلك فلا يلزم من عجزه عن تقريره فساده، إذ من المحتمل أن يكون لقصوره؛ فإن إمامه أكمل منه، وقد اعتقد صحته.\nويحتمل: أن إمامه لم يثبت الحكم في الفرع؛ لوجود مانع عنده، أو لفوات شرط.\nفلا يجوز له منع حكم ثبت يقينًا؛ بناء على فساد مأخذه احتمالًا.\n_________\n= في المكاتب: نقص الرق، لكن لا أسلم امتناع القصاص بينه وبين الحر فالأمر دائر بين منع العلة في المكاتب أو منع الحكم. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٢٩٥-٢٩٦\".","vol":"2","page":253},{"text":"وحاصل هذا:\nأنه لا يخلو: إما أن يمنع على مذهب إمامه، أو على خلافه.\nفالأول باطل، لعلمنا أنه على خلافه.\nوالثاني باطل؛ فإنه تصدى لتقرير مذهبه، فتجب مؤاخذته به. ثم لو صح هذا: لما تمكن أحد الخصمين من إلزام خصمه حكمًا على مذهبه غير مجمع عليه؛ لأنه لا يعجز عن منعه١.\nالثاني: أنا لو حصرنا القياس في أصل مجمع عليه بين الأمة: أفضى إلى خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، لقلة القواطع، وندرة مثل هذا القياس٢.\n_________\n١ سبق أن قلنا: إن المصنف يرى أنه يكفي أن يكون حكم الأصل منصوصًا أو مجمعًا عليه بين الخصمين. المذهب الثاني: عدم اشتراط ذلك، والمذهب الثالث: يشترط اتفاق الأمة ولا يكفي اتفاق الخصمين وأورد المصنف دليلهم على ذلك، ثم بين هنا أن ذلك لا يصح لوجهين:\nخلاصة الوجه الأول: أن كلًّا من المستدل والمعترض مقلد لإمامه، فلا يجوز لأي واحد منهما منع حكم ثبت كونه مذهبًا لإمامه، لعدم معرفة كل من المستدل والمعترض مأخذ إمامه في إثبات الحكم.\nولو فرض أن أحدهما -المستدل أو المعترض- عرف مأخذ إمامه، فلا يلزم من عجز أحدهما عن تقرير مذهب إمامه فساد مذهبه، لاحتمال قصور المستدل أو المعترض، خاصة وأن المقلد يعتقد صحة مذهب إمامه، كما يحتمل أن يكون إمامه لم يثبت الحكم في الفرع لوجود مانع، أو فقدان شرط من الشروط.\nولم يتعرض المصنف لحالة ما إذا كان المعترض مجتهدًا فإنه يشترط الإجماع؛ لأنه ليس مقتديًا بإمام، فإذا لم يكن الحكم مجمعًا عليه ولا منصوصًا عليه جاز منعه. انظر: إرشاد الفحول جـ٢ ص١٥٣-١٥٤.\n٢ هذا هو الوجه الثاني من الوجهين اللذين رد بهما المصنف على من اشترط اتفاق الأمة. وهو واضح.","vol":"2","page":254},{"text":"فإن كان الحكم منصوصًا عليه: جاز الاستناد إليه في القياس وإن كان مختلفًا فيه بين الخصمين، بشرط أن يكون النص غير متناول للفرع، فإنه إذا كان متناولًا للفرع: كان منصوصًا عليه، فلا يستروح١ إلى القياس على وجه لا يجد بُدًّا من الاسترواح إلى النص، فيكون تطويل طريق بغير فائدة، فليصطلح على رده.\nوقال قوم: لا يجوز القياس على المختلف فيه بحال؛ لأنه يفضي إلى نقل الكلام من مسألة إلى مسألة، وبناء الخلاف على الخلاف، وليس أحدهما أولى من الآخر٢.\nولنا:\nأن حكم الأصل أحد أركان الدليل، فيجب أن يتمكن من إثباته بالدليل، كبقية أركانه؛ فإنه ليس من شرط ما يُفتقر إليه في إثبات الحكم: أن يكون متفقًا عليه، بل يكفي أن يكون ثابتًا بدليل يغلب على الظن، فيجب أن يكتفي بذلك في الأصل؛ إذ الفرق تحكّم.\n_________\n١ في القاموس المحيط \"مادة روح\": \"استروح: وجد الراحة، كاستراح\".\n٣ خلاصة ذلك: أن حكم الأصل إذا كان منصوصًا عليه، واختلف الخصمان فيه، هل يصبح الاستناد إليه أولًا؟\nحكى المصنف في ذلك مذهبين:\nالأول: جواز ذلك وعدم الاعتداد بخلاف المعارض، بشرط عدم تناول النص للفرع، فإنه إذا كان متناولًا له فلا معنى للقياس مع إمكان الرجوع إلى النص، فإنه يكون تطويلًا بدون فائدة.\nالمذهب الثاني: عدم جواز القياس على أصل مختلف فيه؛ لأنه يؤدي إلى نقل الكلام من مسألة إلى مسألة أخرى، لأن كلًّا منهما يمنع ثبوت ذلك الأصل بذلك النص، وهكذا ينتقل الكلام من مسألة إلى مسألة، كما قال المصنف.","vol":"2","page":255},{"text":"وإنا منعنا من إثباته بالقياس، لما ذكرناه ابتداء.\nفأما إذا أمكن إثبات ذلك بنص، أو إجماع منقول عن أهل العصر الأول: فيكون كافيًا١.\nالشرط الثاني٢:\nأن يكون الحكم معقول المعنى، إذ القياس إنما هو: تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدي المقتضى.\nوما لا يعقل معناه، كأوقات الصلوات، وعدد الركعات، لا يتوقف فيه على المعنى المقتضى، ولا يعلم تعديه، فلا يمكن تعدية الحكم فيه.\n_________\n١ هذا دليل لأصحاب المذهب الأول، القائلين بجواز القياس على الأصل المختلف فيه إذا كان منصوصًا عليه، فإن إثبات حكم الأصل ليس من شرطه الاتفاق بين الخصمين، بل يكفي قيام الدليل الذي يغلب على ظن المجتهد.\nفإن اعترض أحد فقال: لم لا تجوزون القياس على ما ثبت بالقياس، مع أنه يفيد غلبة الظن؟ فالجواب: ما تقدم من أن العلة إن كانت واحدة فليقس على الأصل الأول، وإن كانت مختلفة فلا يصح القياس.\n٢ من شروط الأصل.","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>فصل: الركن الثاني: الحكم. [وشروطه]</span>\n...\nالركن الثاني: الحكم. [وشروطه]:\nوله شرطان:\nأحدهما: أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل، كقياس البيع على النكاح في الصحة١ والزنا على الشرب في التحريم، والصلاة على الصوم في الوجوب. فإن حقائق هذه الأحكام لا تختلف باختلاف متعلقها٢، والسبب يقتضي الحكم، لإفضائه إلى حكمته.\n_________\n١ كما يقال في بيع الغائب: عقد على غائب فصح، قياسًا على عقد النكاح.\n٢ أي: أن حقائق هذه الأحكام من الصحة والحرمة والوجوب كما هي ثابتة في =","vol":"2","page":256},{"text":"فإذا كان حكم الفرع مثل حكم الأصل تأدي به من الحكمة مثل ما تأدي بحكم الأصل، فيجب أن يثبت.\nأما إذا كان مخالفًا له فلا يصح قياسه عليه؛ لأن ما يتأدى به من الحكمة مخالفًا لما يتأدى بحكم الأصل إما بزيادة، وإما بنقصان١.\nفإذا كانت أنقص: فإثبات الحكم في الأصل يدل على اعتبارها بصفة الكمال، فلا يلزم اعتبارها بصفة النقصان.\nوإن كانت الحكمة في الفرع أكثر: فعدول الشرع عنه إلى حكم الأصل يدل على أن في تعيينه مزيد فائدة أوجبت تعيينه، أو على وجود مانع منع ثبوت حكم الفرع، فكيف يصح قياسه عليه؟\nولأن٢ القياس: تعدية الحكم بتعدي علته، فإذا أثبت في الفرع غير حكم الأصل: لم يكن ذلك تعدية، بل ابتداء حكم.\nوقولهم، في السلم: \"بلغ بأحد عوضيه أقصى مراتب الأعيان، فليبلغ بالآخر أقصى مراتب الديون، قياسًا لأحدهما على الآخر\"٣.\n_________\n= الأصل ثابتة في الفرع على التساوي، ولا تختلف، وإنما الذي اختلف هو المحل الذي تعلقت به.\n١ كما لو قسنا الوجوب على الندب أو العكس، فإن الحكمة في الوجوب أكمل منها في الندب.\n٢ هذا هو الدليل الثاني على شرط المساواة بين حكم الأصل والفرع، وما سبق هو الدليل الأول.\n٣ توضيح هذا المثال: أنه لا يجوز قياس إثبات الأجل في العين المسلم فيها على نفي الأجل في الثمن؛ لأنه قياس إثبات على نفي؛ لأن من شرط السلم: تسليم الثمن في مجلس العقد، بينما المثمن مؤجل. فلا يصح القياس، لاختلاف الحكم في الأصل والفرع.","vol":"2","page":257},{"text":"ليس بقياس، إذ القياس: تعدية الحكم وتوسعة مجراه، فكيف تختلف التعدية، وهذا إثبات ضده؟\nوكذلك لو أثبت في الأصل حكمًا، ولم يمكنه إثباته في الفرع إلا بزيادة أو نقصان: فهو باطل؛ لأنه ليس على صورة التعدية.\nمثاله: قولهم في صلاة الكسوف: \"يشرع فيها ركوع زائد؛ لأنها صلاة شرعت لها الجماعة، فتختص بزيادة، كصلاة الجمعة، تختص بالخطبة، وصلاة العيد تختص بالتكبيرات\".\nوهذا فاسد؛ لأنه لم يتمكن من تعدية الحكم على وجهه وتفصيله١.\nالشرط الثاني: أن يكون الحكم شرعيًّا.\nفإن كان عقليًّا، أو من المسائل الأصولية، لم يثبت بالقياس؛ لأنها قطعية لا تثبت بأمور ظنية.\nوكذلك لو أراد إثبات أصل القياس، وأصل خبر الواحد بالقياس: لم يجز، لما ذكرناه٣.\n_________\n١ وهذه صورة أخرى اختلف فيها حكم الفرع مع حكم الأصل بنوع من الزيادة، كما في قياس صلاة الكسوف على صلاة الجمعة وصلاة العيدين، بجامع أن كلا منها فيها زيادة على نفس الصلاة. فهذا غير جائز، لأن القائس لم يستطع من تعدية حكم الأصل للفرع على وجه الكمال والتفصيل.\n٢ المراد بكونه شرعيًّا: أن يكون من الفروع لا من الأصول، بدليل قوله، بعد ذلك: \"فإن كان عقليًّا، أو من المسائل الأصولية. إلخ\".\n٣ في شروط الأصل، حيث قال في شروطه: \"أن يكون ثابتًا بنص أو اتفاق من الخصمين ... ثم قال: ولو أراد إثبات حكم الأصل بالقياس على محل آخر لم يجز ... \".","vol":"2","page":258},{"text":"فإن كان لغويًّا: ففي إثباته بالقياس خلاف ذكرناه فيما مضى١.\n_________\n١ في مسألة: هل تثبت اللغة بالقياس أو لا؟","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>فصل: الركن الثالث: الفرع [وشروطه]</span>\n...\nالركن الثالث: الفرع [وشروطه]\nويشترط فيه:\nأن تكون علة الأصل موجودة فيه، فإن تعدية الحكم فرع تعدي العلة.\nواشترط قوم: تقدم الأصل على الفرع في الثبوت؛ لأن الحكم يحدث بحدوث العلة، فكيف تتأخر عنه؟!\nوالصحيح: أن ذلك يشترط لقياس العلة، ولا يشترط لقياس الدلالة.\nبل يجوز قياس الوضوء على التيمم٢ مع تأخره عنه؛ فإن الدليل يجوز تأخره عن المدلول؛ فإن حدوث العالم دليل على الصانع القديم، وأن الدخان دليل على النار، والأثر دليل على المؤثر٣.\nولا يشترط أيضًا أن يكون وجود العلة مقطوعًا به في الفرع، بل يكفي فيه غلبة الظن، فإن الظن كالقطع في الشرعيات.\n_________\n١ في مسألة: هل تثبت اللغة بالقياس أو لا؟\n٢ في اشتراط النية، فمن المعلوم أن مشروعية التيمم متأخرة عن الوضوء.\n٣ انظر: شرح المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني \"٢/ ١٨٨\".","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>فصل: الركن الرابع: العلة</span>\n...\nالركن الرابع: العلة:\nومعنى العلة الشرعية: العلامة١.\n_________\n١ هذا هو تعريف الجمهور للعلة وهو: أنها مجرد أمارة على وجود الحكم إن وجدت وجد الحكم، وإن انتفت انتفى، وهذا معنى قولهم: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. =","vol":"2","page":259},{"text":"ويجوز أن تكون حكمًا شرعيًّا، كقولنا: \"يحرم بيع الخمر فلا يصح بيعه كالميتة\".\nوتكون وصفًا عارضًا، كالشدة في الخمر، ولازمًا كالصغر والنقدية١، أو من أفعال المكلفين٢. كالقتل والسرقة، ووصفًا مجردًا، أو مركبًا من أوصاف كثيرة، ولا ينحصر ذلك في خمسة أوصاف.\nوتكون نفيًا، وإثباتًا.\nوتكون مناسبًا وغير مناسب.\nويجوز أن لا تكون العلة موجودة في محل الحكم، كتحريم نكاح الأمة، لعلة رق الولد.\nوتفارق العلة الشرعية العقلية في هذه الأوصاف.\nفصل: [من شرط العلة: أن تكون متعدية]\nقال أصحابنا: من شرط صحة العلة: أن تكون متعدية٣.\n_________\n= وللعلماء في تعريف العلة اتجاهات مختلفة:\nفعرفها الغزالي وغيره بأنها: المؤثر في الحكم بجعل الله تعالى:\nبينما عرفها المعتزلة بأنها: المؤثر في الحكم بذاتها، لا بجعل الله تعالى، تمشيًا مع مذهبهم في الحسن والقبح والعقليين. تراجع هذه التعريفات في: الإبهاج مع الإسنوي \"٣/ ٢٨\"، المحلى على جمع الجوامع \"٢/ ٢٤٣\".\n١ أي: كالولاية على الصغيرة وإجبارها على النكاح والتعدية في تحريم الربا في الذهب والفضة.\n٢ أي: تكون العلة فعلًا من أفعال المكلفين، كالقتل فإنه علة للقصاص، والسرقة فإنها علة للقطع وهكذا.\n٣ وهو مذهب جمهور العلماء. ومعناه: أن تكون العلة وصفًا يمكن أن يتحقق في =","vol":"2","page":260},{"text":"فإن كانت قاصرة على محلها، كتعليل الربا في الأثمان بالثمنية لم يصح، وهو قول الحنفية١، لثلاثة أوجه:\n_________\n= عدة أفراد في غير الأصل المقيس عليه؛ لأن الغرض من تعليل الحكم في الأصل تعديته إلى الفرع.\n١ محل الخلاف في العلة القاصرة المستنبطة، أما العلة المنصوصة أو المجمع عليها فلا خلاف في صحتها. وللعلماء في العلة القاصرة المستنبطة مذهبان:\nالمذهب الأول: عدم صحة التعليل بالعلة القصارة، وهو مذهب أكثر الحنابلة، ورواية عن الإمام أحمد، كما أنه مذهب أكثر الحنفية وبعض أصحاب الشافعي، وبعض المعتزلة. وقد استدل المصنف لذلك بثلاثة أدلة سيأتي ذكرها.\nالمذهب الثاني: صحة التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة، وهو مذهب الإمام الشافعي وأكثر أصحابه، والإمام أحمد وبعض أصحابه، كأبي الخطاب.\nكما أنه مذهب المالكية وأكثر المعتزلة وبعض الحنفية.\nوقد مثل المصنف للعلة القاصرة بالثمنية في الذهب والفضة، أي: كونها- في الأصل- أثمان الأشياء.\nفمن رأى عدم التعليل بالعلة القاصرة لم يلحق بالذهب والفضة سائر الأوراق النقدية التي تقوم مقامها في العصر الحاضر؛ لأنها علة قاصرة لا تتعدى محلها.\nومن قال بصحة التعليل قاس عليهما ما يقوم مقامهما في تقويم الأشياء ووسيلة إلى التعامل بين الناس.\nوالأثر المترتب على اعتبار هذه العلة أو عدم اعتبارها: أن من اعتبرها أجرى على كل ما يقوم مقام الذهب والفضة ما يجري عليهما، من أحكام ربا الفضل والنسيئة وغير ذلك من الأحكام الفقهية، ومن لم يعتبرها حجة لم يقس على الذهب والفضة سائر العملات. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع، فقد بحثه المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة عام ١٤٠٢هـ وأصدر بشأنه القرار التالي:\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد وآله =","vol":"2","page":261},{"text":"................................................................................\n_________\n= وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على البحث المقدم إليه في موضوع العلة الورقية، وأحكامها من الناحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه قرر ما يلي:\nأولًا: أنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقول عند فقهاء الشريعة.\nوبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل.\nوبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوّم الأشياء في هذا العصر، لاختفاء التعامل بالذهب والفضة وتطمئن النفوس بتموّلها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سر مناطها بالثمنية.\nوحيث أن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية، لذلك كله؛ فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه: فضلًا ونسيئًا، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا، باعتبار الثمنية في العملة الورقية، قياسًا عليهما.\nوبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها.\nثانيًا: يعتبر الورق النقدي قائمًا بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة، تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلًا ونسيئًا، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب =","vol":"2","page":262},{"text":"أحدها: أن علل الشرع أمارات، والقاصرة ليست أمارة على شيء١.\n_________\n= والفضة وفي غيرها من الأثمان.\nوهذا كله يقتضي ما يلي:\nأ- لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقًا، فلا يجوز مثلًا بيع ريال سعودي بعملة أخرى متفاضلًا نسيئة بدون تقابض.\nب- لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلًا، سواء كان ذلك نسيئه أو يدًا بيد، فلا يجوز مثلًا بيع عشرة ريالات سعودية ورقًا بأحد عشر ريالًا سعودية ورقا، نسيئة أو يدًا بيد.\nجـ- يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا، إذا كان يدًا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية، بريال سعودي ورقًا كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة ريالات سعودية أو أقل من ذلك أو أكثر إذا كان يدًا بيد، ومثل ذلك -في الجواز- بيع الريال السعودي الفضة، بثلاثة ريالات سعودية ورق، أو أقل من ذلك أو أكثر، يدًا بيد، لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.\nثالثًا: وجوب زكاة الأوراق النقدية، إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة. [ومعلوم أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، والفضة مائتا درهم] .\nرابعًا: جواز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم، والشركات. والله أعلم، وبالله التوفيق.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nوعلى ذلك يكون مجلس المجمع الفقهي قد رجح مذهب القائلين بصحة التعليل بالعلة القاصرة، كما هو واضح.\nيراجع قرار المجمع في مجلة المجمع الفقهي السنة الأولى. العدد الأول ١٤٠٨هـ-١٩٨٧م ص١١٧-١١٩.\n١ هذا هو الدليل الأول للقائلين بعدم التعليل بالعلة القاصر، خلاصته: أن علل =","vol":"2","page":263},{"text":"الثاني: أن الأصل أن لا يعمل بالظن؛ لأنه جهل ورجم بالظن، وإنما جوز في العلة المتعدية، ضرورة العمل بها، والعلة القاصرة لا عمل بها، فتبقى على الأصل.\nالثالث: أن القاصرة لا فائدة فيها١، وما لا فائدة فيه لا يرد الشرع به٢.\nدليل المقدمة الأولى: أن فائدة العلة: تعدية الحكم، والقاصرة لا تتعدى.\nودليل أن فائدتها التعدي: أن الحكم ثابت في محل النص بالنص، لكونه مقطوعًا به، والقياس مظنون، ولا يثبت المقطوع بالمظنون. إذا ثبت هذا: تعين اعتبارها في غير محل النص، والقاصرة لا يمكن فيها ذلك.\nفإن قيل: فلو لم يكن الحكم مضافًا إلى العلة في محل النص، لما تعدى الحكم بتعديها.\nولا تنحصر الفائدة في التعدي، بل في التعليل فائدتان سواه.\nإحداهما: معرفة حكمة الحكم، لاستمالة القلب إلى الطمأنينة، والقبول بالطبع، والمسارعة إلى التصديق.\nوالثانية: قصر الحكم على محلها، إذ معرفة خلو المحل عن الحكم يفيد ثبوت ضده، وذلك فائدة٣.\n_________\n= الشرع أمارات، أي: علامات على الحكم، والعلة القاصرة ليست أمارة على شيء؛ لأن الحكم في الأصل ثبت بالنص، فيكون التعليل بالعلة القاصرة خاليًا عن الفائدة.\n١ لعدم تعديها، كما قلنا في الدليل الأول.\n٢ أي: وما دامت العلة القاصرة لا فائدة فيها، فلا يرد بها الشرع.\n٣ هذا اعتراض على الوجه الثالث أورده القائلون بجواز التعليل بالعلة القاصرة، =","vol":"2","page":264},{"text":"قلنا: قولكم: \"الحكم يتعدى\" مجاز يتعارفه الفقهاء، فإن الحكم لو تعدى: لخلا عنه المحل الأول.\nوالتحقيق فيه: أنه لا يتعدى، وإنما معناه: أنه متى وجد في محل آخر مثل تلك العلة: ثبت مثل ذلك الحكم.\nوظنُّنَا: أن باعث الشرع على الحكم كذا، لا يوجب إضافة الحكم في الثبوت إليه، إذ لو كان مضافًا إليه لكان على وفقه في القطع والظن؛ إذ لا يثبت بالظن شيء مقطوع به.\nوامتناع إضافة الحكم إلى العلة في محل النص لا لقصورها، بل لأن ثمَّ دليلًا أقوى منها، ففي غير محل النص يضاف إليها؛ لصلاحيتها، وخلوها عن المعارض١.\nوقولكم: \"فائدة التعليل: الاطلاع على حكمة الحكم ومصلحته\".\nقلنا: نحن لا نسد هذا الباب، لكن ليس كل معنى استنبط من النص.\n_________\n= وهو مكون من وجهين.\nالأول: أنه لو لم يكن الحكم مضافًا إلى العلة في محل النص لما تعدى إلى الفرع بتعديها.\nالثاني: عدم التسليم بأن فائدة العلة منحصرة فيما ذكر، بل لها فائدتان سوى ما ذكر، هما ما ذكرهما المصنف.\n١ أجاب المصنف عن الوجه الأول من الاعتراض بأن لفظ \"يتعدى\" مجاز اصطلح عليه العلماء؛ لأنه إذا تعدى وانتقل حقيقة لخلا الأصل عن الحكم، وإنما معناه: أنه متى وجد الوصف في محل آخر أعطيناه حكمًا مماثلًا لما ثبت في الأصل وكوننا ظننا أن الباعث على الحكم كذا، لا يوجب ثبوت الحكم إليه؛ لأنه مجرد ظن، ولا يثبت بالظن شيء مقطوع به، وعدم إضافة الحكم إلى العلة في محل النص لا لقصورها؛ بل لأنه وجد ما هو أقوى منها وهو النص.","vol":"2","page":265},{"text":"علة، إنما العلة: معنى تعلق الحكم به في موضع، والقاصرة ليست كذلك١.\nوقولهم: \"فائدته: قصر الحكم على محلها\".\nقلنا: هذا يحصل بدون هذه العلة إذا لم يكن الحكم معللًا، قصرناه على محله٢.\nوقال أصحاب الشافعي: يصح التعليل بها.\nوهو قول بعض المتكلمين، واختاره أبو الخطاب٣ لثلاثة أوجه:\nأحدها: أن التعدية فرع صحة العلة، فلا يجوز أن تكون شرطًا، فإنه يفضي إلى اشتراط تقدم ما يشترط تأخره.\nوذلك أن الناظر ينظر في استنباط العلة، وإقامة الدليل على صحتها بالإيماء والمناسبة، أو تضمن المصلحة المبهمة، ثم ينظر فيها:\nفإن كانت أعم من النص عدّاها، وإلا اقتصر.\nفالتعدية فرع الصحة، فكيف يجوز أن تكون من جملة المصحح٤.\n_________\n١ هذا رد على قولهم في الاعتراض السابق: \"إن فائدة العلة القاصرة: بيان أن الحكم الشرعي مطابق وموافق لحكمة الحكم الشرعي.\nفأجاب المصنف: بأن هذا مسلم به، لكن الذي لا نسلم به أنه ليس كل معنى يمكن استنباطه من النص يصلح أن يكون علة؛ لأن العلة هي معنى يتعلق به الحكم وجودًا وعدمًا، والقاصرة ليست كذلك.\n٢ هذا رد من المصنف على قولهم في الاعتراض السابق: إن العلة القاصرة تفيد قصر الحكم على محلها، ولا يتعداه إلى غيره. فأجاب المصنف: بأن هذا يحصل إذا لم يكن الحكم معللًا، أما إذا كان معللًا، فلا نقصره على محله.\n٣ راجع في ذلك: البرهان \"٢/ ١٠٨٠\"، التمهيد لأبي الخطاب \"٤/ ٦٢\".\n٤ خلاصة الدليل الأول لأصحاب هذا المذهب: أنه لو اشترط كونها متعدية لأدى =","vol":"2","page":266},{"text":"الثاني: أن التعدية ليست شرطًا في العلة المنصوص عليها، ولا في العقلية، وهما آكد، فكذلك المستنبطة١.\n_________\n= ذلك إلى الدور، لتوقف كونها علة على كونها متعدية، وكونها متعدية متوقف على كونها علة، والدور باطل، فالمفضي إليه باطل أيضًا، فلا يجوز تعليل عليتها بكونها متعدية، فيجوز اعتبارها مع كونها قاصرة. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣١٩\".\nوقول المصنف: \"إن الناظر ينظر في استنباط العلة إلخ\" معناه:\nأن القائس يقيم الدليل على صحة العلة بطريق من طرق إثبات العلة: من الإيماء أو المناسبة أو تضمن مصلحة مبهمة من جنس المصالح، ثم ينظر في هذه المصلحة، فإن كانت أعم من النص عدّى الحكم إلى غير محل النص، وإلا قصرها على محل النص، فالتعدية فرع الصحة وتابعة لها، فكيف يكون تابع الشيء فرعًا له ومصححًا له؟\n١ معنى ذلك: أنه ما دام لا يشترط التعدي في العلة المنصوصة أو العقلية، فكذلك المستنبطة لا يشترط فيها ذلك لضعفها عنهما.\nوقد اعترض عليه الطوفي من وجهين.\nأحدهما: أنه لا يلزم من عدم اشتراط التعدية للعقلية والمنصوصة أن لا يشترط للمستنبطة لقيام الفرق من جهة أن العقلية موجبة مؤثرة، وإنما يظهر تأثيرها في محلها لا يتجاوزه، بخلاف الشرعية، فإنها أمارة معرِّفة، والتعريف لا يختص بمحل المعرف.\nوأيضًا: فالقياس بالتعدية يفيد الظن، ولا مدخل له في العقليات. وأما المنصوصة: فهي ثابتة بالنص، فثبتت قوتها به، واستغنت عن قوة التعدي، بخلاف المستنبطة.\nالوجه الثاني: أن قولهم: إذا لم تشترط التعدية في العقلية والمنصوصة، ففي غيرهما أولى، كلام فاسد الوضع، والذي ينبغي هو العكس، لاستغناء العقلية. والمنصوصة عن التعدي لقوتها، وافتقار المستنبطة إلى التعدي لضعفها. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٣١٩-٣٢٠\".","vol":"2","page":267},{"text":"الثالث: أن الشارع لو نص على جمع القاتلين ظلمًا بوجوب القصاص: لا يمنعنا أن نظن أن الباعث حكمة الردع والزجر، وإن لم يتعد إلى غير قاتل: فإن الحكمة لا تختلف باستيعاب النص لجميع الحوادث أو اقتصاره على البعض١.\nوقولهم: \"لا فائدة في التعيل بالعلة القاصرة\" عنه جوابان:\nأحدهما: المنع، فإن فيها فائدتين ذكرناهما.\nإحداهما: قصر الحكم على محلها.\nوقولهم: \"إن قصر الحكم مستفاد من عدم التعليل\".\nقلنا: بل يحصل هذا بالعلة القاصرة، فإن كل علة غير المؤثرة، إنما تثبت بشهادة الأصل، وتتم بالسبر، وشرطه الاتحاد.\nفإن ظهرت علة أخرى: انقطع الحكم.\nفإن أمكن التعليل بعلة متعدية: تعدى الحكم.\nفإذا ظهرت علة قاصرة: عارضت المتعدية ودفعتها، وبقي الحكم مقصورًا على محلها، ولولاها لتعدى الحكم.\nوالثانية٢: معرفة باعث الشرع وحكمته، ليكون أسرع في التصديق.\n_________\n١ هذا هو الوجه الثالث من أدلة القائلين بصحة التعليل بالعلة القاصرة خلاصته: أن الشارع لو نص على وجوب القصاص على جميع القاتلين ظلمًا وعدوانًا، فإن ذلك لا يمنعنا أن نظن أن الباعث على ذلك هو الردع والزجر، حتى ولو لم يتعد ذلك القصاص إلى غير القاتل؛ لأن الحكمة الشرعية تستنبط من النص، حتى ولو كان مستوعبًا لجميع الحوادث، فلا فرق بين النص على الجميع، أو الاقتصار على البعض، والنتيجة عدم الفرق بين المنصوصة والمستنبطة.\n٢ أي: الفائدة الثانية من التعليل بالعلة القاصرة.","vol":"2","page":268},{"text":"وأدعى إلى القبول، فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة أميل منها إلى قهر التحكم، ومرارة التعبد١.\nولمثل هذا الغرض استحب الوعظ والتذكير، وذكر محاسن الشريعة، ولطائف معانيها، وكون المصلحة مطابقة للنص على قدره تزيده حسنًا وتأكيدًا.\nالثاني٢: أننا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم، وثبوته بالنص لا يمنعنا أن نظن أن الباعث عليه حكمته التي في ضمنه، كما أن تنصيصه على رخص السفر لا يمنعنا أن نظن أن حكمته: دفع مشقته.\nوكذلك المسح على الخفين: معلل بدفع المشقة اللاحقة بنزع الخف، وإن لم يقس عليه غيره، ولا يسقط هذا الظن باستيعاب مجاري الحكم،\nولما نص على أن كل مسكر حرام، لم يمنعنا أن نظن أن باعث الشرع على التحريم: السكر.\nولا حجر علينا في أن نصدق فنقول: إنما ظننا كذا، مهما ظننا كذا، ولا مانع من هذا الظن.\n_________\n١ قال الطوفي في شرحه \"٣/ ٣٢١\": \"والنفس إلى قبول الأحكام المعللة أميل، وإليها أسكن، وهي بتصديقها أجدر، لحصول الطمأنينة، إذ كل عاقل يجد من نفسه فرقًا بين قبولها نقض الوضوء بأكل لحم الجزور، وبين نقضه بمس الفرج؛ لأن فيه مخيلًا مناسبًا للحكم، وهو كونه محل خروج الخارج الناقض بالنص، ولهذا اشترط بعضهم في مسه أن يكون بشهوة، ليصير مظنة لوجود الخارج المناسب\".\n٢ من الجوابين اللذين أشار إليهما المصنف في قوله: \"عنه جوابان\".","vol":"2","page":269},{"text":"وأكثر المواعظ ظنية، وطباع الآدميين خلقت مطيعة للظنون.\nوأكثر بواعث الناس على أعمالهم وعقائدهم الظنون.\nقولهم: \"لا نسمي هذا علة\".\nقلنا: متى سلمتم أن الباعث هذه الحكمة، وهي غير متعدية، وجب أن يقتصر الحكم على محلها، وهو فائدة الخلاف، ولا يضرنا أن لا تسموه علة، فإن النزاع في العبارات، بعد الاتفاق على المعنى لا يفيد.\nوتلخيص ما ذكرناه:\nأنه لا نزاع في أن القاصرة لا يتعدى بها الحكم، ولا ينبغي أن ينازع في أن يظن أن حكمة الحكم: المصلحة المظنونة في ضمن محل النص، وإن لم يتجاوز محلها.\nولا ينبغي أن ينازع في تسميته علة أيضًا؛ لأنه بحث لفظي لا يرجع إلى المعنى.\nفيرجع حاصل النزاع إلى أن الحكم المنصوص عليه، إذا اشتمل على حكمتين: قاصرة ومتعدية، هل يجوز تعديته؟\nفالصحيح أنه لا يتعدى؛ لأنه لا يمتنع أن يثبت الشارع الحكم في محل النص، رعاية للمصلحة المختصة به، أو رعاية للمصلحتين جميعًا.\nفلا سبيل إلى إلغاء هذين الاحتمالين بالتحكم.\nومع بقائهما تمتنع التعدية١، والله أعلم.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أن الحكم إذا علل بعلتين: إحداهما قاصرة، والأخرى متعدية، فهل يعلل بالقاصرة ويمنع التعدي، أو يتعدى بالعلة المتعدية؟\nرجح المصنف الأول وقال: إنه الصحيح، وعليه جمهور العلماء، لما قاله:","vol":"2","page":270},{"text":"فصل: في اطّراد العلة\nوهو: استمرار حكمها في جميع محالها١.\nحكى أبو حفص البرمكي٢ في كون ذلك شرطًا لصحتها وجهين:\nأحدهما: هو شرط، فمتى تخلف الحكم عنها مع وجودها: استدللنا على أنها ليست بعلة إن كانت مستنبطة.\nأو على أنها بعض العلة إن كانت منصوصًا عليها.\nونصره القاضي أبو يعلى، وبه قال بعض الشافعية٣.\n_________\n= المصنف: من أنه لا يمتنع أن يثبت الشارع حكمًا في محل النص رعاية للمصلحة المختصة به، أو رعاية للمصلحتين معًا.\nأما الحنفية فقد ذهبوا إلى أنه لا يمتنع التعليل بالعلة المتعدية؛ لأنه لا اعتبار بغلبة الظن بغلبة الوصف القاصر، فإنها مجرد وهم، لا غلبة ظن، فلا يعارض غلبة الظن بغلبة الوصف المتعدي المؤثر. انظر: نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٣٢٠\".\n١ ومعناه: وجود حكمها في كل محل وجدت فيه، مثل: وجود التحريم حيث وجد الإسكار.\n٢ هو: عمر بن أحمد بن إبراهيم، أبو حفص البرمكي.\nكان من العبّاد الزهاد والفقهاء المشهورين في فقه الحنابلة، صحب الخلال وعمر بن بدر المغازلي وغيرهما، توفي ببغداد سنة ٣٨٧هـ. انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة \"٢/ ١٥٣\".\n٣ هذا الفصل يطلق عليه بعض العلماء: \"النقض\" وهو: وجود العلة وتخلف الحكم، وهل هو قادح في العلة أو مخصص لعمومها؟\nفمن اشترط اطراد العلة فالنقض قادح فيها، ومن لم يشترط الاطراد فيعتبر ذلك تخصيصًا لعمومها. وإنما سمي ذلك تخصيصًا؛ لأن العلة وإن كانت معنى، ولا عموم للمعاني حقيقة؛ لأنه في ذاته شيء واحد، ولكنه باعتبار حلوله في محال متعددة يوصف بالعموم، فإخراج بعض المحال التي توجد فيها العلة عن تأثير =","vol":"2","page":271},{"text":"والوجه الآخر: تبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص، كالعموم إذا خص. اختاره أبو الخطاب١.\nوبه قال مالك، والحنفية، وبعض الشافعية، لوجهين:\nأحدهما: أن علل الشرع أمارات٢، والأمارة لا توجب وجود حكمها معها أبدًا، بل يكفي كونه معها في الأغلب الأكثر.\nكالغيم الرطب في الشتاء، أمارة على المطر، وكون مركوب القاضي على باب الأمير، أمارة على أنه عنده، وقد يجوز أن لا يكون عنده، فلو لم يكن عنده في مرة، لم يمنع ذلك من رأي تلك الإمارة أن يظن وجود ما هو أمارة عليه.\n_________\n= العلة فيه، وقصر عمل العلة على الباقي يكون بمنزلة التخصيص. انظر: كشف الأسرار للبخاري \"٤/ ٣٢\"، العدة \"٤/ ١٣٨٦\".\nوقد حرر أبو الخطاب محل النزاع في المسألة، وفرق بين العلة المستنبطة والمنصوصة فقال: \"اختلف أصحابنا -﵃- في العلة المستنبطة المخصوصة: هل هي حجة فيما عدا المخصوص أم لا؟\nفقال بعضهم: هي حجة فيه، وبه قال مالك وأصحاب أبي حنيفة.\nوقال بعضهم: تكون باطلة منتقضة فلا يحتج بها. وبه قال أصحاب الشافعي. وكلام أحمد -﵁- يحتمل القولين معًا.\nفأما العلة المنصوصة: فمن قال بتخصيص العلة المستنبطة يقول بتخصيصها، ومن منع من تخصيص العلة المستنبطة، اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم: يجوز تخصيصها.\nوقال بعضهم: لا يجوز. ومتى وجدناها مخصصة علمنا أنها بعض العلة\".\nالتمهيد \"٤/ ٦٩-٧١\".\n١ انظر: التمهيد \"٤/ ٦٩ وما بعدها\" وراجع تحريره لمحل النزاع الذي نقلناه آنفًا.\n٢ أي: علامات وليست مؤثرات.","vol":"2","page":272},{"text":"الثاني: أن ثبوت الحكم على وفق المعنى المناسب في موضع دليل على أنه العلة، بدليل أنه يكتفى بذلك.\nفإن لم يظهر أمر سواه، وتخلف الحكم، يحتمل أن يكون لمعارض من فوات شرط، أو وجود مانع.\nويحتمل: أن يكون لعدم العلة، فلا يترك الدليل المغلب على الظن لأمر محتمل متردد.\nفإن قيل: نفي الحكم لمعارض نفي للحكم مع وجود سببه، وهو خلاف الأصل، ونفيه لعدم العلة موافق للأصل، إذ هو نفي الحكم؛ لانتفاء دليله، فيكون أولى.\nقلنا: هو مخالف للأصل من جهة أخرى، وهو: أن فيه نفي العلة مع قيام دليلها، والأصل توفير المقتضى على المقتضي فيتساويان، ودليل العلة ظاهر، والظاهر لا يعارض بالمحتمل المتردد١.\n_________\n١ هذا اعتراض من أصحاب المذهب الأول، وهم الذين يشترطون اطّراد العلة خلاصته: أن انتفاء الحكم لانتفاء علته موافق للأصل، وانتفاؤه مع وجود علته على خلاف الأصل، وحمل الكلام على وفق الأصل أولى من حمله على خلافه وهذا يقوي مذهبهم.\nوأجاب عنه المصنف: بأنه مخالف للأصل من جهة أن نفي العلة مع قيام دليلها، والأصل توفير المقتضى وهو العلة على المقتضي وهو الدليل، فيتساوى المقتضى والمقتضي، وأيضًا: دليل العلة ظهر، ونفيها محتمل متردد، والظاهر لا يعارض بالمحتمل. انظر: شرح مختصر الطوفي \"٣/ ٣٢٤\"، نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٣٢٢\".\nومعنى عبارة \"توفير المقتضي\" اسم مفعول، وهو: العلة على المقتضى، اسم فاعل وهو: الدليل. فيتساوى المقتضي والمقتضى، أي: العلة والدليل.","vol":"2","page":273},{"text":"وفرّق قوم بين العلة المنصوص عليها، وبين المستنبطة، وجعل نقض المستنبطة مبطلًا لها١.\nوإن كانت ثابتة بنص أو إجماع فلا يقدح ذلك فيها؛ لأن كونها علة عرف بدليل متأكد قوي، وتخلف الحكم يحتمل أن يكون لفوات شرط، أو وجود مانع، فلا يترك الدليل القوي لمطلق الاحتمال.\nولأن ظن ثبوت العلة من النص، وظن انتفاء العلة من انتفاء الحكم مستفاد بالنظر، والظنون الحاصلة بالنصوص أقوى من الظنون الحاصلة بالاستنباط٢.\nوإن كان ثبوت العلة بالاستنباط بطلت بالنقض؛ لأن ثبوت الحكم على وفق المعنى، إن دل على اعتبار الشارع له في موضع، فتخلف الحكم عنه يدل على أن الشرع ألغاه.\nوقول القائل: \"إنني أعتبره إلا في موضع أعرض الشرع عنه\" ليس بأولى ممن قال: \"أعرض عنه إلا في موضع اعتبره الشرع بالتنصيص على الحكم\".\nثم إن جُوِّز وجود العلة مع انتفاء الحكم من غير مانع، ولا تخلف شرط، فليجز ذلك في محل النزاع.\n_________\n١ المراد بالنقض هنا: عدم الاطراد، وهو: أن يوجد الوصف الذي يدعى أنه علة في محل ما، مع عدم الحكم.\n٢ خلاصة ذلك: أن العلة إذا كانت منصوصة أو مجمعًا عليها تعين الانقياد لنص الشارع ولإجماع المعصومين، ولم يؤثر في ذلك تخلف الحكم عنها في صورة ما؛ لأن النص والإجماع يفيدان من ظن الصحة أكثر مما يفيد التخصيص من ظن البطلان، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٢٦\".","vol":"2","page":274},{"text":"قولهم١: \"ثبوت الحكم على وفق المعنى في موضع دليل على أنه علة\". قلنا: وتخلف الحكم مع وجوده٢: دليل على أنه ليس بعلة، فإن انتفاء الحكم لانتفاء دليله موافق للأصل، وانتفاؤه لمعارض على خلاف الأصل.\nقولهم: \"إنه مخالف للأصل، إذ فيه نفي العلة مع قيام دليلها، فيتساوى الاحتمالان\".\nقلنا: متى سلمتم أن احتمال انتفاء الحكم لانتفاء السبب كاحتمال انتفائه لوجود المعارض على السواء، لم يبق ظن صحة العلة، إذ يلزم من الشك في دليل الفساد: الشك في الفساد لا محالة، إذ ظن صحة العلة مع الشك فيما يفسدها محال، فهو كما لو قال: \"أشك في الغيم، وأظن الصحو\" و\"أشك في موت زيد، وأظن حياته\".\nقولهم: \"دليل العلة ظاهر\".\nقلنا: والمعارض ظاهر أيضًا فيتساويان، فلا يبقى الظن مع وجود المعارض.\nقولهم: \"العلة أمارة، والأمارة لا توجب وجود حكمها أبدًا\".\nقلنا: إنما يثبت كونها أمارة: إذا ثبت أنها علة.\nوالخلاف -ههنا- هل هذا الوصف علة وأمارة أو لا؟\nوليس الاستدلال على أنه علة بثبوت الحكم مقرونًا به أولى من الاستدلال على أنه ليس بعلة بتخلف٣ الحكم عنه، إذ الظاهر: أن الحكم لا يتخلف عن علته.\n_________\n١ من هنا سيبدأ المصنف في مناقشة أدلة المخالفين.\n٢ أي: وجود الوصف المدعى أنه علة.\n٣ في جميع النسخ \"يتخلف\" وهو خطأ يغير المعنى.","vol":"2","page":275},{"text":"أو احتمال انتفاء الحكم في محل النقض لمعارض كاحتمال ثبوت الحكم في الأصل بغير هذا الوصف، أو به وبغيره.\nوكما أن وجود مناسب آخر في الأصل على خلاف الأصل: كذلك وجود المعارض في محل النقض على خلاف الأصل فيتساويان.\nوبهذا يتبين الفرق بين العلة المنصوص عليها والمستنبطة، فإن المنصوص عليها يثبت كونها أمارة بغير اقتران الحكم بها، فلا يقدح فيها تخلفه عنها، كما لا يقدح في كون \"الغيم أمارة على المطر\" تخلفه عنه في بعض الأحوال.\nوالمستنبطة إنما يثبت كونها أمارة باقتران الحكم بها، فتخلفه عنها ينفي أنها أمارة. والله أعلم.\n[طريق الخروج عن عهدة النقض] .\nفإذًا طريق الخروج عن عهدة النقض أربعة أمور:\nأحدها: منع العلة في صورة النقض.\nوالثاني: منع وجود الحكم.\nوالثالث: أن يبين أنه مستثنى عن القاعدة بكونه على خلاف الأصلين.\nوإن أمكن المعترض إبراز قياس ما ينتفي بمسألة النقض: كانت علته المطردة أولى من المنقوضة، ولم يقبل دعوى المعلل: أنه خارج عن القياس.\nوالرابع: بيان ما يصلح معارضًا في محل النقض، أو تخلف ما يصلح شرطًا، ليُظن أن انتفاء الحكم كان لأجله، فيبقى الظن المستفاد من مناسبة الوصف وثبوت الحكم على وفقه كما كان، فإن الغالب من ذات","vol":"2","page":276},{"text":"الشرع: اعتبار المصالح والمفاسد، فيظن: أن عدم الحكم للمعارض، فلا تكون العلة منتقضة.\nفصل: [في أضرب تخلف الحكم عن العلة] ١\nتخلف الحكم عن العلة على ثلاثة أضرب.\nأحدها: ما يعلم أنه مستثنى عن قاعدة القياس.\nكإيجاب الدية على العاقلة دون الجاني، مع أن جناية الشخص علة وجوب الضمان عليه.\nوإيجاب صاع تمر من لبن المصرّاة٢، مع أن علة إيجاب المثل في المثليات: تماثل الأجزاء.\n_________\n١ وجه ارتباط هذا الفصل بما قبله: أنه لما أنهى الكلام على تخصيص العلة بتخلف حكمها عنها في بعض الصور، وكان للتخلف أحكام بعضها مؤثر في العلة وبعضها غير مؤثر، ذكر أنواع تخلف الحكم عن العلة، ليتميز بعضها من بعض.\n٢ التصرية: جمع اللبن في ضرع الحيوان لإيهام الناس أنها حلوب، وقد حرم الإسلام ذلك لما فيه من التدليس على المشتري. صحت في ذلك أحاديث كثيرة منه قوله، ﷺ: \"لَا تَصَرُّوا الإبلَ والغَنَمَ فَمنِ ابتاعَها بَعْدَ فَهُو بخير النَّظَرَين بَعْدَ أنْ يَحْلُبَها: إِنْ شاء أَمْسَكَ وإنْ شاء رَدَّها وصَاعًا مِنْ تَمرٍ\" متفق عليه. زاد مسلم: \"فهو بالخيار ثلاثة أيام\". انظر: سبل السلام \"٣/ ٢٦\".\nومحل الشاهد: أن القياس يقتضي أن يضمن لبن المصراة بمثله، لا بالتمر، ولذلك ترك الحنفية العمل بهذا الحديث وجعلوه مما يخالف الأصول، فهذا لا تبطل به علة القياس قطعًا بنص الشارع ومناسبة العقل، ولا يلزم المستدل الاحتراز عنه في تعليله بأن يقول: كل امرئ مختص بضمان جناية نفسه في غير دية الخطأ، وتماثل الأجزاء علة إيجاب المثل في ضمان المثليات في المصراة، =","vol":"2","page":277},{"text":"فهذه العلة معلومة قطعًا، فلا تنتقض بهذه الصورة، ولا يكلف المستدل الاحتراز عنها.\nوكذلك لو كانت العلة مظنونة، كإباحة بيع العرايا١ نقضًا لعلة من يعلل الربا بالكيل، أو الطعم، فإن مستثنى أيضًا، بدليل: وروده على علة كل معلل، فلا يوجب نقضًا على القياس، ولا يفسد العلة، بل يخصصها بما وراء الاستثناء، فيكون علة في غير محل الاستثناء.\nولا يقبل قول المناظر: إنه مستثنى، إلا أن يبين ذلك للخصم بكونه على خلاف قياسه أيضًا، أو بدليل يصلح لذلك٢.\n_________\n= لأنه إنما يجب الاحتراز عما ورد نقضًا وهذا ليس كذلك. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٢٨\".\n١ روى البخاري ومسلم، أن رسول الله، ﷺ: \"نهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبًا\". رواه البخاري: كتاب البيوع، باب المزابنة، وباب بيع الثمر على رءوس النخل بالذهب والفضة، وباب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل من كتاب المساقاة، ومسلم: كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا.\n٢ لأنها دعوى، فتحتاج إلى دليل يثبتها.\nقال الشيخ الطوفي: \"واعلم أن قول الفقهاء: هذا الحكم مستثنى عن قاعدة القياس، أو خارج عن القياس، أو ثبت على خلاف القياس، ليس المراد به بأنه تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس، وإنما المراد به: أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي. فمن ذلك: أن القياس عدم بيع المعدوم، وجاز ذلك في السلم، والإجارة توسعة وتيسيرًا على المكلفين.\nومنه: أن القياس أن كل واحد يضمن جناية نفسه، وخولف في دية الخطإ رفقًا بالجاني، وتخفيفًا عنه، لكثرة وقوع الخطإ من الجناة.","vol":"2","page":278},{"text":"\"والثاني: انتفاء الحكم لمعارضة علة أخرى\"١\nفإن قيل ٢: فلم لا ينعطف قيد على العلة يكون وصفًا من أوصافها يندفع به النقض:\nفنقول في مسألة \"المصراة\": العلة في وجوب المثل: تماثل الأجزاء مع قيد الإضافة إلى غير المصرّاة، ويكون التماثل المطلق بعض العلة.\nوعلى هذا يكون تخلف الحكم في \"المصراة\" لعدم العلة، فلا يكون نقضًا، فليجب على المعلل ذلك.\nقلنا: بل العلة: مطلق التماثل، فإن العلة إما أن تكون سميت علة استعارة من البواعث، فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل.\nفمن أعطى فقيرًا شيئًا لفقره، وعلل بأنه فقير، ثم منع فقيرًا آخر\n_________\n= وكذلك الكلام في المصرّاة، لما كان اللبن المحتلب منها مجهولًا، فلو وجب ضمانه بمثله، لأفضى إلى النزاع؛ لجهالة القدر المضمون، فقطع الشارع النزاع بينهم بإيجاب صاع تمر باجتهاده؛ لأنه مضبوط معلوم، وكان ذلك من باب العدل العام؛ لأن الشخص تارة يكون آخذًا للصاع بتقدير كونه بائعًا للمصراة، وتارة مأخوذًا منه بتقدير كونه مشتريًا لها، فما يقع من التفاوت بين قيمة التمر وقيمة اللبن مغتفر في تحصيل هذا العدل العام\"، انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٢٩-٣٣٠\".\n٢ ما بين القوسين قال عنه الشيخ ابن بدران: \"هذا ثابت في بعض النسخ ومشطوب عليه في بعض آخر، وشطبه هو الصواب؛ لأن الثاني قد يجيء بعد هذا. وقوله: فإن قيل إلخ، لا يلائمه\". نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٣٢٨\".\n٢ هذا اعتراض وارد على قوله: \"ولا يقبل قول المناظر إنه مستثنى ... إلخ\". خلاصته: إدعاء كون العلة مركبة من جزءين، فوجود جزء منها دون الآخر لا ينتج المطلوب. وحاصل الجواب: منع ذلك، وبيان أن العلة إنما هي التماثل فقط. انظر: نزهة الخاطر \"٢/ ٣٢٨\".","vol":"2","page":279},{"text":"وقال: لأنه عدوِّي، ومنع آخر وقال: هو معتزلي، فإن الباقي على الاستقامة التي يقتضيها أصل الفطرة: لا يستبعد ذلك، ولا نعده متناقضًا.\nويجوز أن يقول: أعطيته لفقره، إذ الباعث هو الفقر، وقد لا تحضره عند الإعطاء العداوة والاعتزال وانتفاؤهما.\nولو كانا جزءين من الباعث لم ينبعث إلا عند حضورهما في ذهنه، وقد انبعث ولم يخطر بباله إلا مجرد الفقر.\nكذلك مجرد التماثل علة؛ لأنه الذي يبعثنا على إيجاب المثل في ضمانه، ولا تحضرنا مسألة \"المصراة\" أصلًا، عن تلك الحالة.\nويقبح في مثل هذا أن يكلف الاحتراز عنه فيقول: تماثل في غير المصراة.\nوإما١ أن تسمى العلة استعارة من علة المريض؛ لأنها اقتضت تغيير حاله، كذلك العلة الشرعية اقتضت تغيير الحكم.\nفيجوز أن يسمى الوصف المقتضى علة بدون تخلف الشرط، ووجود المانع، فإن \"البرودة\" مثلًا، علة المرض في المريض؛ لأنه يظهر عقيبها، وإن كانت لا تحصل بمجرد البرودة، بل ربما ينضاف إليها في المزاج٢ الأصلي أمور كالبياض -مثلًا- لكن يضاف المرض على البرودة الحادثة.\nفيجوز أيضًا أن يسمى التماثل المطلق علة، وإن كان ينضاف.\n_________\n١ معطوف على قوله: \"إما أن تكون سميت علة استعارة ... إلخ\".\n٢ جاء في المصباح المنير مادة \"مزج\": \"مزاج الجسد- بالكسر- طبائعه التي يتألف منها\".","vol":"2","page":280},{"text":"إليها [شيء آخر]: إما شرطًا، وإما انتفاء المانع. والله أعلم.\nومن سماها علة أخذًا من العلة العقلية، وهو عبارة عما يوجب الحكم لذاته: لم يسم التماثل المطلق علة، ولم يفرق بين المحل والعلة والشرط، بل العلة: المجموع، والأهل، والمحل وصف من أوصاف العلة.\nولا فرق بين الجميع؛ لأن العلة: العلامة، وإنما العلامة جملة الأوصاف.\nوالأولى أولى؛ لأن علل الشرع لا توجب الحكم لذاتها، بل هي أمارة معرفة للحكم، فاستعارتها عما ذكرنا أولًا١ أولى. والله أعلم.\nالضرب الثاني: تخلف الحكم لمعارضة علة أخرى.\nكقوله: \"علة رق الولد: رق الأم\"، ثم المغرور بحرية جارية ولده: حر، لعلة الغرور، ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع: لما وجبت قيمة الولد.\nفهذا لا يرد نقضًا أيضًا، ولا يفسد العلة؛ لأن الحكم ههنا كالحاصل تقديرًا٢.\n_________\n١ وهو قوله: \"إما أن تكون سميت علة استعارة من البواعث؛ فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل\".\n٣ هذا الضرب سماه الشيخ الطوفي بالنقض التقديري فقال: \"القسم الثاني من أقسام تخلف الحكم عن العلة، وإنما سميته \"النقض التقديري\" لمناسبته، وذلك بما ذكر في إثباته، وهو تخلف الحكم عن العلة لا لخلل فيها، بل لمعارضة علة أخرى أخص كقول القائل: \"رق الأم علة رق الولد\" فينتقض عليه \"بولد المغرور بأمِّه\".\nوهو من تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت أمه، فهذا الولد حر، مع أن أمه أمة، فقد تخلف حكم العلة عنها. فيقول المستدل: هذا الولد وإن كان حرًّا حكمًا، =","vol":"2","page":281},{"text":"الضرب الثالث: أن يتخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة١، لكن لعدم مصادفتها محلها، أو فوات شرطها.\nكقولنا: \"السرقة علة القطع\" وقد وجدت في \"النباش\" فيقطع٢\".\nفيقال: تبطل بسرقة ما دون النصاب، وبسرقة الصبي، أو بسرقة من غير الجرز\n_________\n= فهو رقيق تقديرًا، أي: في التقدير؛ بدليل وجوب قيمته على أبيه لسيد أمه، ولولا أن الرق فيه حاصل تقديرًا، لما وجبت قيمته، إذ الحر لا يضمن بالقيمة. قلت: ومعنى قولنا: تخلف الحكم لمعارضة علة أخرى، هو أن هذا الولد تنازعه علتان: إحداهما: علة الرق تبعًا لأمه، والثانية: علة الحرية تبعًا لاعتقاد أبيه حريته، فثبت مقتضى هذه العلة، وهو الحرية تحقيقًا، تحصيلًا للحرية، تغليبًا لجانبها، لأنها الأصل، وثبت مقتضى علة الرق تقديرًا، جبرًا لما فات على السيد من إتلاف مالية الولد عليه، إذ سبب إتلافه اعتقاد الأب حريته، فضمن ما أتلف ... \" شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٣٠-٣٣١\".\n١ أي: ولا لاستثناء على قاعدة القياس، ولا لمعارضة علة أخرى مما تقدم بيانه.\n٢ جاء في المغني لابن قدامة \"٢/ ٤٥٥\": \"روي عن ابن الزبير أنه قطع نبّاشًا. وبه قال الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا قطع عليه؛ لأن القبر ليس بحرز؛ لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ والكفن لا يوضع في القبر لذلك، ولأنه ليس بحرز لغيره، فلا يكون حرزًا له ... ثم قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ...﴾ وهذا سارق، فإن عائشة -﵂- قالت: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا. وما ذكروه لا يصح، فإن الكفن يُحتاج إلى تركه في القبر دون غيره، ويكتفى به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت من غير أن يحفظ كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه ... \".\nوخلاصة ما يريده المصنف من هذه الأمثلة: أن العلة لم تصادف محلها وليس =","vol":"2","page":282},{"text":"وكقولنا: البيع علة الملك، وقد جرى، فليثبت الملك في زمن الخيار، فيقال: يبطل ببيع الموقوف والمرهون. فهذا لا يفسد العلة.\nلكن هل يكلف المناظر جمع هذه الشروط في دليله؛ كي لا يرد ذلك نقضًا؟ فهذا اختلف فيه الجدليون١.\nوالخطب فيه يسير، فإن الجدل موضوع، فكيف اصطلح عليه فإليهم ذلك.\nوالأليق: تكليفه ذلك؛ لأن الخطب فيه يسير، وفيه ضم نشر الكلام وجمعه.\nفأما تخلف الحكم لغير أحد هذه الأضرب الثلاثة: فهو الذي تنتقض العلة به، وفيه من الاختلاف ما قد مضى.\n_________\n= لكون السرقة ليست علة، كما في النباش-على رأي من لا يقول بقطعه- أو لفوات أهلية القطع كما في الصبي، أو لفوات شرطه، كما في سرقة ما دون النصاب ... فهذا وأمثاله لا يفسد العلة؛ لأن تأثير العلة يتوقف على وجود شروطها، وانتفاء موانعها، وهذا منه. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٣٣\".\n١ معنى هذا: هل يكلف المعلل أو المستدل على ثبوت الحكم بوجود علية الاحتراز من هذا بذكر ما يحصله، كقوله: بيع صدر من أهله، وصادف محله، أو استجمع شروطه، فأفاد الملك، أو المكلف سرق نصابًا كاملًا من حرز مثله، لا شبهة فيه فوجب قطعه؟\nقال المصنف: هذا موضوع اختلف فيه علماء الجدل، والخلاف فيه يسير، فإن كانوا قد اصطلحوا على ذلك وجب تكليف المعلل أو المستدل بذلك، وإلا فلا ثم رجح تكليفه بذلك؛ لأنه أجمع للكلام وأنفى لنشره؛ لأنه ربما أدى إلى تشعيب الكلام بما لا فائدة فيه.","vol":"2","page":283},{"text":"فصل: [في أقسام المستثنى من قاعدة القياس] .\nوالمستثنى عن قاعدة القياس منقسم إلى:\nما عقل معناه.\nوإلى ما لا يعقل.\nفالأول: يصح أن يقاس عليه ما وجدت فيه العلة.\nمن ذلك: استثناء العرايا للحاجة، لا يبعد أن نقيس العنب على الرطب، إذا تبين أنه في معناه.\nوكذا إيجاب صاع من تمر في لبن \"المصرّاة\" مستثنى من قاعدة الضمان بالمثل. نقيس عليه: ما لو ردّ \"المصراة\" بعيب آخر، وهو نوع إلحاق.\nومنه: إباحة أكل الميتة عند الضرور، صيانة للنفس، واستبقاء للمهجة١. يقاس عليه: بقية المحرمات، إذا اضطر إليها، ويقاس عليه٢. المكره؛ لأنه في معناه٣.\nوأما ما لا يعقل: فكتخصيصه بعض الأشخاص بحكم، كتخصيصه.\n_________\n١ المهجة: الدم، وقيل: دم القلب خاصة. وخرجت مهجته أي: روحه. مختار الصحاح \"مهج\".\n٢ أي: على المضطر.\n٣ صحة القياس على المستثنى هو مذهب الجمهور، وهو الذي رجحه المصنف، كما يظهر من تعليله.\nوهناك مذاهب أخرى في المسألة تراجع في مظانها مثل: كشف الأسرار عن أصول البزدوي \"٣/ ٣١١\"، العدة \"٤/ ١٣٩٧ وما بعدها\"، التمهيد لأبي الخطاب \"٣/ ٤٤٤\".","vol":"2","page":284},{"text":"أبا بردة بجذعة من المعز١، وتخصيصه خزيمة بشهادته وحده٢. وكتفريقه في بول الصبيان بين الذكر والأنثى٣.\nفإنه لما لم ينقدح فيه معنى: لم يقس عليه الفرق في البهائم بين ذكورها وإناثها.\nوفي الجملة: إن معرفة المعنى من شرط صحة القياس في المستثنى وغيره. والله أعلم.\n_________\n١ تقدم التعريف بأبي بردة وتخريج حديثه.\n٢ هو: خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي، أبو عمارة، من السابقين الأولين للإسلام، شهد بدرًا وما بعدها، استشهد بصفين، بعد عمار -﵄- سنة ٣٧هـ انظر في ترجمته: الإصابة \"٢/ ٢٧٨\"، شذرات الذهب \"١/ ٤٨\".\nوقصة جعل شهادته -﵁- تعدل شهادة اثنين، رواها أبو داود في سننه \"٣/ ٤١٨\"، والنسائي في سننه \"٧/ ٢٦٦\"، والبيهقي في سننه \"١٠/ ١٤٦\" والطبراني وغيره. جاء في مجمع الزوائد \"٩/ ٣٢٠\" عن خزيمة بن ثابت -﵁- أن النبي -ﷺاشترى فرسًا من سوار بن الحارث، فجحده، فشهد له خزيمة بن ثابت، فقال رسول الله -ﷺ: \"وما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرًا؟ \" فقال: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقًّا، فقال له رسول الله، ﷺ: \"من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه\". رواه الطبراني، ورجاله كلهم ثقات.\n٣ ورد في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده \"١/ ٧٦، ٩٧، ١٣٧\"، والترمذي في أبواب الجمعة، باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب، عن علي -﵁- أن رسول الله ﷺ. قال: \"بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل\".\nقال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإن طعما غسل بولهما. المغني \"٢/ ٤٩٦\".","vol":"2","page":285},{"text":"فصل: [في جواز التعليل بنفي صفة أو اسم أو حكم] ١\nقال أبو الخطاب: يجوز أن تكون العلة: نفي صفة، أو اسم، أو حكم، على قول أصحابنا.\nكقولهم: ليس بمكيل ولا موزون٢، ليس بتراب٣، لا يجوز بيعه فلا يجوز رهنه٤.\nوقال بعض الشافعية: لا يجوز أن يكون العدم سببًا لإثبات حكم؛ لأن السبب لا بد أن يكون مشتملًا على معنى يثبت الحكم، رعاية له.\nوالمعنى إما تحصيل مصلحة، أو نفي مفسدة، والعدم لا يحصل به شيء من ذلك٥.\nفلئن قلتم٦: إنه تحصل به الحكمة، فإن ما كان نافعًا، فعدمه\n_________\n١ خلاصة هذا الفصل: هل يجوز أن تكون العلة أمرًا عدميًّا، أو لا بد وأن تكون أمرًا ثبوتيًّا؟\n٢ أي: فلا يحرم فيه التفاضل.\n٣ أي: فلا يصح التيمم به.\n٤ نص عبارة التمهيد \"٤/ ٤٨\" \"ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه\" كالخمر مثلًا.\n٥ خلاصة دليل بعض الشافعية، في أن العدم لا يصلح أن يكون علة: أن قول القائل -عن الجص- ليس بصعيد فلا يجوز التيمم به قد حكم بالنفي على عدم التيمم بالجص، وجعله سببًا له مع أن السبب لا بد أن يكون مشتملًا على تحصيل مصلحة أو نفي مفسدة، إذا روعيت ثبت الحكم مراعاة لها، والعدم لا يحصل منه شيء وأجاب عنه ابن بدران: بأن هذا شأن الأعدام المطلقة، أما الأعدام المقيدة فليست كذلك. انظر: نزهة الخاطر \"٢/ ٣٣٤\".\n٦ هذا اعتراض توقعه أصحاب المذهب الثاني من أصحاب المذهب الأول ثم أجابوا عنه بعد ذلك.","vol":"2","page":286},{"text":"مضر، وما كان مضرًا فعدمه يلزمه منه منفعة، ويكفي في مظنة الحكم أن يلزم منها الحكمة، ولا يشترط أن يكون منشأ لها.\nقلنا: لا ننكر ذلك، لكن لا يناسب حكمًا في حق كل أحد، بل إعدام النافع يناسب عقوبة في حق من وجد منه الإعدام، زجرًا له، وإعدام المضر يناسب حكمًا نافعًا في حق من وجد منه إعدامه، حثًّا له على تعاطي مثله. فالمناسبة في الموضعين انتسبت إلى الإعدام، وهو أمر وجودي، لا إلى العدم١.\nفلئن قلتم٢: إن عدم الأمر النافع للشخص يناسب ثبوت حكم نافع له، جبرًا لحاله.\nقلنا: عنه جوابان.\nأحدهما: منع المناسبة؛ فإنه لا يلخو: إما أن تثبت المناسبة بالنسبة إلى الله -﷿- أو إلى غيره.\nوفي الجملة: شرع الجائز إنما يكون معقولًا على من وجد منه الضرر. وأما شرعه في حق غيره. فإنه عدول على مذاق القياس، ومقتضى\n_________\n١ لما اعترض أصحاب المذهب الأول بعدم التسليم بأن الأمر العدمي لا تحصل منه الحكمة أجاب أصحاب المذهب الثاني عن هذا الاعتراض: بأننا نسلم وجود الحكمة، لكننا ننازع في أمر آخر، وهو أن الحكمة لا تناسب كل أحد فإن إعدام النافع يعتبر عقوبة مناسبة في حق شخص معين، وهو من وجد منه الإعدام، زجرًا له.\nكما أن إعدام المضر يعتبر حكمًا مناسبًا في حق شخص معين أيضًا فالمناسبة في هذين المثالين أضيفت إلى فعل الإعدام، وهو أمر وجودي، ولم تضف على العدم.\n٢ هذا اعتراض ثان.","vol":"2","page":287},{"text":"الحكمة، كإيجان ضمان فرس زيد على عمرو، إذا تلف بآفة سماوية.\nفإن قيل: يناسب الثواب بالنسبة إلى الله -﷿- فهو عود إلى الوجود١.\nثم إن وجوبه على واحد من الخلق يلزم منه من الضرر في حق من وجب عليه بقدر ما يحصل من المصلحة لمن وجب له، فلا يكون مناسبًا؛ فإن نفع زيد بضرر عمرو لا يكون مناسبًا، لكونهما في نظر الشرع على السواء.\nالثاني٢: أنه لا يمكن اعتباره؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٣. وإثبات الحكم له لمنفعته من غير سعيه مخالف للعموم.\nقلنا٤:\nبل يجوز التعليل بالعدم:\nفإن٥ علل الشرع أمارات على الحكم، ولا يشترط فيها أن تكون منشأ للحكمة، ولا مظنة لها.\nوعند ذلك لا يمتنع أن ينصب الشارع العدم أمارة: إذا كان ظاهرة معلومًا.\nولو قال الشارع: اعلموا أن ما لا ينتفع به لا يجوز بيعه، وأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه: فما المانع من هذا وأشباهه؟\n_________\n١ إلى الأمر الوجودي لا إلى العدم.\n٢ من الجوابين اللذين ذكرهما أصحاب المذهب الثاني.\n٣ سورة النجم \"٣٩\".\n٤ من هنا سيبدأ المصنف في إيراد أدلة المذهب الأول على جواز التعليل بالنفي والعدم.\n٥ هذا هو الدليل الأول.","vol":"2","page":288},{"text":"وقد١ تقرر بين الفقهاء: أن انتفاء الشرط علامة على عدم المشروط، فإنه ينتفي بانتفائه.\nوإذا جاز ذلك في النفي: ففي الإثبات مثله، فإنه لو قال الشارع \"ما لا مضرة فيه من الحيوان فمباح لكم أكله\" و\"ما لم يذكر اسم الله عليه فحرام عليكم أكله\" لم يمتنع ذلك.\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢ وهذا تعليق لتحريم الأكل على عدم اسم الله.\nولأن٣ النفي صلح أن يكون علة للنفي، فيلزم منه أن يصلح التعليل به للإثبات؛ لأن كل حكم له ضد، فالحل ضده: الحرمة، والوجوب ضده: براءة الذمة، والصحة ضدها: الفساد، وكل ما نفي شيئًا أثبت ضده.\nفما كان علة لانتفاء الحرمة: فهو علة الإباحة.\nوما ذكروه٤ من: \"أن النفي لا يناسب إثبات الحكم في حق الآدمي؛ لأنه يلزم منه: ضرر في حق الآدمي الآخر\".\nقلنا: عنه جوابان:\nأحدهما: أن جهات إثبات العلة لا تنحصر في المناسبة، بل طرقها كثيرة على ما علم، فلا يلزم من انتفاء طريق واحد انتفاؤها.\n_________\n١ هذا هو الدليل الثاني.\n٢ سورة الأنعام من الآية \"١٢١\".\n٣ هذا هو الدليل الثالث لأصحاب المذهب الأول.\n٤ من هنا سيبدأ المصنف في مناقشة أدلة أصحاب المذهب الثاني، وهم الذين منعوا التعليل بالنفي والعدم.","vol":"2","page":289},{"text":"الثاني: أن المناسبة متحققة فيه، فإن ما كان وجوده نافعًا، لزم من عدمه الضرر، وما كان مضرًّا: لزم من عدمه النفع.\nفللَّه -تعالى- فرائض وواجبات، كما أن له محظورات ومحرمات، فكما أن فعل المحرمات يناسب شرع عقوبات في حق من فعلها، زجرًا عنها، فعدم [فعل] الفرائض يناسب ترتيب العقوبات على تاركها، حثًّا عليها.\nولا بُعد في قول من قال: إن ترك الصلاة يناسب شرع القتل، أو الضرب، أو الحبس، وكذلك أشباهها من الواجبات.\nوقولهم: \"إن هذا إعدام\".\nغير صحيح، بل هو مجرد عدم؛ إذ الإعدام: إخراج الموجود إلى العدم، ولم يكن للصلاة من تاركها وجود فيعدمها.\nولا يلزم من ثبوت الحكم: أن يكون في حق آدمي آخر.\nثم لو لزم منه ضرر: فلا تنتفي المناسبة بوجود الضرر، على ما علم في موضع آخر.\nومثل هذا يوجد في الإثبات، فلا فرق إذًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ يتناول ماله، دون ما عليه، فليست عامة، فلا يصح الاستدلال بها على عموم التعليل بالنفي.\nعلى أن الآية إنما أريد بها الثواب في الآخرة، دون أحكام الدنيا، بدليل أن فقر القريب صلح علة لإيجاب النفقة له.\nوعدم المال في حق المسكين جعله مصرفًا للزكاة. وأمثال هذا يكثر. والله أعلم.","vol":"2","page":290},{"text":"فصل: [في جواز تعليل الحكم بعلتين]\nيجوز تعليل الحكم بعلتين؛ لأن العلة الشرعية أمارة، فلا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد.\nولذلك من لمس، وبال في وقت واحد: انتقض وضوؤه بهما.\nمن أرضعتها أختك، وزوجة أخيك، فجمع لبنهما وانتهى على حلقها دفعة واحدة: حرمت عليك؛ لأنك خالها وعمها. ولا يحال على أحدهما دون الآخر.\nولا يمكن أن يقال: تحريمان، وحكمان؛ لأن التحريم له حد واحد وحقيقة واحدة، ويستحيل اجتماع مثلين١.\nفإن قيل: فإذا ذكر المعترض علة أخرى في الأصل، فلم يعارض علة المستدل، لم يقبل هذا الاعتراض، إذا أمكن الجمع بين علتين٢.\n_________\n١ وضح الطوفي مذاهب العلماء في المسألة فقال: \"قال الآمدي: اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل في كل صورة بعلة، واختلفوا في الحكم الواحد بالشخص في صورة واحدة، هل يعلل بعلتين معًا؟\nفمنع من ذلك القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، وجوّزه آخرون.\nوفصل الغزالي بجواز ذلك في العلل المنصوصة دون المستنبطة.\nقال الآمدي: والمختار منعه.\nقلت: وهذا التفصيل هو الذي ذكره القرافي، وهو مراد الشيخ أبي محمد من إطلاقه، بدليل سياق كلامه في أثناء المسألة\". شرح مختصر الروضة \"٣/ ٣٣٩-٣٤٠\" وانظر: الإحكام للآمدي \"٣/ ٣٤١\".\n٢ قال ابن بدران: في الكلام حذف تقديره: فإن قيل: فإذا قاس المعلل على أصل بعلة فذكر المعترض على أخرى في الأصل: بطل قياس المعلل، وإن أمكن الجمع بين علتين فلم يقبل الاعتراض\". نزهة الخاطر \"٢/ ٣٣٨\".","vol":"2","page":291},{"text":"قلنا:\nإن كانت علة المستدل مؤثرة: لم تبطل بذلك، كما ذكرناه من الأمثلة، وكاجتماع العدة والردة؛ إذ دل الشرع على أن كل واحدة علة على حيالها.\nوإن كانت ثابتة بالاستنباط: فسدت بهذه المعارضة؛ لأن ظن كونها علة إنما يتم بالسبر، وهو أنه لا بد لهذا الحكم من علة، ولا يصلح علة إلا هذا.\nفإذا ظهرت علة أخرى: بطلت إحدى المقدمتين، وهي: \"أنه لا يصلح علة إلا كذا\".\nمثاله: من أعطى إنسانًا شيئًا فوجدناه فقيرًا: ظنناه أنه أعطاه لفقره، وعللنا به. فإن وجدناه قريبًا: عللناه بالقرابة. فإن وجدناه فقيرًا قريبًا: أمكن أن يكون الإعطاء لهما، أو لأحدهما، فلا يبقى الظن أنه أعطاه لواحد بعينه.\nفإن قيل: فلم يلزم العكس، وهو وجود الحكم بدون العلة، فإن العلل الشرعية أمارات ودلالات، فإذا جاز اجتماع دلالات، لم يكن من ضرورة انتفاء البعض انتفاء الحكم.\nقلنا: هذا صحيح، وإنما يلزم العكس إذا لم يكن للحكم إلا واحدة، فإن الحكم لا بد له من علة.\nفإذا اتحدت وانتفت، فلو بقي١ الحكم: لكان ثابتًا بغير سبب.\n_________\n١ في جميع النسخ: \"فلو نفي\" والمثبت من نسخة الدكتور عبد العزيز السعيد يحفظه الله.","vol":"2","page":292},{"text":"وأما إذا تعددت العلة: فلا ينتفي عند انتفاء بعضها، بل عند انتفاء جميعها.\nفصل: [في جريان القياس في الأسباب]\nقال قوم: يجوز إجراء القياس في الأسباب١.\nفنقول: إنما نصب الزنا سببًا لوجوب٢ الرجم لعلة كذا، وهو موجود في اللواط، فيجعل سببًا، وإن كان لا يسمى زنا.\nومنع منه آخرون٣.\nقالوا: الحكم يتبع السبب دون حكمته؛ فإن الحكمة: ثمرة، وليست علة، فلا يجوز أن يوجب القصاص بمجرد الحاجة إلى الزجر٤ بدون القتل، وإن علمنا أنه٥ حكمة وجوب القصاص في القتل.\n_________\n١ قال الطوفي: \"وهو مذهبنا ومذهب أكثر الشافعية، ومنع منه أبو زيد الدبوسي والحنفية. قال الآمدي: وصورته: إثبات كون اللواط سببًا للحد قياسًا على الزنا قلت: وكذا الكلام في النباش والنبيذ\"، شرح المختصر \"٣/ ٤٤٨\".\nقال الإسنوي: \"الصحيح، وهو مذهب الشافعي كما قاله الإمام، أن القياس يجري في الشرعيات كلها، أي: يجوز التمسك به في إثبات كل حكم، حتى الحدود، والكفارات، والرخص، والتقديرات، إذا وجدت شرائط القياس فيها\" انظر: نهاية السول \"٣/ ٣٦\".\n٢ في كثير من النسخ المطبوعة \"لوجود\" وما أثبتناه من نسخة الدكتور عبد الكريم النملة. يحفظه الله.\n٣ وهم بعض الحنفية وبعض الشافعية، كما تقدم.\n٤ في الأصل \"الرجم\" والمثبت من نسخة الدكتور النملة.\n٥ في جميع النسخ \"عنها\" والمثبت من نسخة الدكتور عبد العزيز السعيد، فالضمير راجع إلى \"الزجر\".","vol":"2","page":293},{"text":"ولأن القياس في الأسباب يعتبر فيه التساوي في الحكمة، وهذا أمر استأثر الله -﷾- بعلمه.\nولنا:\nأن نصب الأسباب حكم شرعي، فيمكن أن تعقل علته، ويتعدى إلى سبب آخر.\nفإن اعترفوا بهذا ثم توقفوا عن التعدية: كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم، كمن يقول: يجري القياس في حكم الضمان لا في القصاص، وفي البيع دون النكاح.\nوإن ادّعوا الإحالة فمن أين عرفوا ذلك، أبضرورة١ أو نظر؟ كيف٢ ونحن نبين إمكانه بالأمثلة!\nفإن قالوا: هو ممكن في العقل، لكنه غير واقع؛ لأنه لا يلغي٣ للأسباب علة مستقيمة تتعدى.\nقلنا: قد ارتفع النزاع الأصولي، إذ لا ذاهب على تجويز القياس، حيث لا تعقل العلة، ولا تتعدى\nوهم قد ساعدوا على جواز القياس حيث أمكنت التعدية، فارتفع الخلاف.\nثم إننا نذكر إمكان القياس في الأسباب من منهجين٤.\n_________\n١ في جميع النسخ \"بضرورة\" والمثبت من المستصفى \"٣/ ٦٩٥\".\n٢ قبلها في المستصفى: \"ولا بد من بيانه\".\n٣ في جميع النسخ \"لا يلفي\" بالفاء، والمثبت من المستصفى \"٣/ ٦٩٦\".\n٤ في النسخ المطبوعة \"وجهين\" والمثبت من المستصفى \"٣/ ٦٩٦\" وهو الذي يتمشى مع قول المصنف -بعد ذلك- \"المنهج الثاني\".","vol":"2","page":294},{"text":"أحدهما: تنقيح المناط.\nفنقول: قياس اللائط على الزاني، كقياس الأكل على الجماع في الكفارة، فإنا تعرفنا أن وصف كونه \"زنا\" لا يؤثر، بل المؤثر: كونه إيلاج فرج في فرج محرم قطعًا، مشتهى طبعًا.\nفإن قالوا: ليس هذا بقياس١؛ فإن القياس أن يقال: علق الحكم بالزنا لعلة كذا، وهي موجودة في اللواط، فيلحق به، كما يقال: ثبت التحريم في الخمر لعلة الشدة، وهي موجودة في النبيذ، فيضم النبيذ إلى الخمر في التحريم، ولم نغير من الخمر شيئًا.\nونحن في \"الكفارة\" لم نبين أن الحكم ثبت للجماع، ولم نعلق به، وإنما علقنا الحكم بإفساد الصوم، فنتعرف الحكم الوارد شرعًا أين ورد، وكيف ورد؟\nوكذا أنتم لم تعلّقوا الحكم بالزنا.\nوبهذا يظهر الفرق -للمنصف- بين تعليل الحكم، وتعليل السببية، فإن تعليل الحكم تعدية له عن محله، مع تقريره في محله.\nوفي السببية إذا قلنا: علق الشرع الرجم بالزنا لعلة كذا، فألحقنا به غير الزنا: تناقض آخر الكلام وأوله؛ لأن الزنا إن كان مناطًا من حيث إنه \"زنا\" فألحقنا به ما ليس بزنا: أخرجنا الزنا عن كونه علة ومناطًا، فإنا نتبيّن بالآخرة: أن الزنا لم يكن هو السبب، بل معنى أعم منه وهو: إيلاج فرج.\n_________\n١ أي: فإن حاولوا الاعتذار عما وقعوا فيه فقالوا: إن هذا ليس بقياس، وإنما هو استدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق الملغاة. أجيب عن ذلك: بأن هذا لا ينفعكم، فإنه قياس من حيث المعنى، لوجود شرائط القياس فيه، ولا عبرة بالتسمية: انظر نزهة الخاطر \"٢/ ٣٤١\".","vol":"2","page":295},{"text":"في فرج محرم، فكيف يعلل كونه مناطًا بما يخرج به عن كونه مناطًا، والتعليل تقرير لا تغيير١.\nوإنما يكون تعليلًا أن لو بقي الزنا سببًا، وانضم إليه سبب آخر، كما بقي الخمر محلًّا للتحريم، وانضم إليه محل آخر، وذلك غير جار في الأسباب.\nقلنا: هذا الطريق جار لنا في \"اللائط\" و\"النباش\" وهو نوع إلحاق لغير المنصوص بالمنصوص، بفهم العلة التي هي مناط الحكم، فيرجع٢ النزاع إلى الاسم٣، ولا فائدة فيه.\nأو يقول٤: هذا بعينه جار في الأحكام، فإن الخمر لما حرم لعلة الشدة: بينا أن وصف كونه خمرًا لا أثر له، والمؤثر إنما هو كونه مشتدًا مزيلًا للعقل.\nكما تبينا أن المؤثر في الحد: إيلاج فرج في فرج محرم.\nوكما جعلتم الموجب للكفارة في الجماع: كونه مفسدًا للصوم.\nفالقياس في كل موضع: توسعة محل الحكم، بحذف الأوصاف غير المؤثرة.\nوقولهم: \"إنا نبين بهذا أن الزنا لم يكن سببًا\".\nقلنا: بل هو سبب؛ لاشتماله على المعنى المؤثر.\n_________\n١ في جميع النسخ \"يعتبر\" والمثبت من ط الدكتور عبد العزيز السعيد، وهو الموافق لما في المستصفى.\n٢ في النسخة التي ننقل منها \"فيرفع\" والمثبت من المستصفى \"٣/ ٦٩٧\".\n٣ في الأصل الذي ننقل عنه \"الحكم\" والمثبت من المستصفى.\n٤ في الأصل: \"أن\" والمثبت من نسخة الدكتور النملة.","vol":"2","page":296},{"text":"المنهج الثاني:\nأنا نعلل الحكم بالحكمة، ونعدّي الحكم بتعديها، كما في قوله ﵇: \"لَا يَقْضِي القَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وهُوَ غَضْبَان\" ١. إنما جعل الغضب سببًا؛ لأنه يدهش العقل، ويمنع من استيفاء الفكر، وهو موجود في \"الجوع والعطش\" المفرطين، فنقيسه عليه.\nوكقولنا: الصبي يولّى عليه لحكمة، وهي: عجزه عن النظر لنفسه٢، فينصب \"الجنون\" سببًا، قياسًا على \"الصغر\" لهذه الحكمة.\nولذلك: اتفق عمر وعلي -﵄- على قتل الجماعة بالواحد٣، قياسًا على الواحد بالواحد، للاشتراك في الحاجة إلى الردع والزجر.\nوقولهم: \"الزجر: ثمرة، إنما تحصل بعد الحكم، فكيف تكون علة\"؟\n_________\n١ تقدم تخريج الحديث وبيان الخلاف في القياس عليه.\n٢ قال الغزالي بعدها: \"فليس الصبا سبب الولاية لذاته بل لهذه الحكمة\". المستصفى \"٣/ ٦٩٨\".\n٣ أثر قتل الجماعة بالواحد ورد عن عمر -﵁- بروايات مختلفة: فرواه البخاري معلقًا في كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب، أو يقتص منهم كلهم ولفظه: \"وقال لي ابن بشار: حدثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن غلامًا قُتل غِيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم\". أما رواية موافقة علي لعمر -﵄- فقد أخرجها عبد الرزاق في مصنفه \"٩/ ٤٧٧\" وفيها: \"أن عمر كان يشك فيها حتى قال علي: يا أمير المؤمنين: أرأيت لو أن نفرًا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوًا، وهذا عضوًا، أكنت قاطعهم؟ قال: نعم. قال: فذلك. حتى امتدح له الرأي\". وانظر: التلخيص الحبير \"٤/ ٢٠\".","vol":"2","page":297},{"text":"قلنا: الحاجة إلى الزجر هي العلة؛ لكون القتل سببًا، دون نفس الزجر، والحاجة سابقة وإن تأخر الزجر، كما يقال: خرج الأمير للقاء زيد، ولقاء زيد بعد خروجه، لكن الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة عليه، وإنما المتأخر نفس اللقاء.\nكذلك ههنا: الحاجة إلى العصمة هي الباعثة، وهي متقدمة١.\nفصل: [في جريان القياس في الكفارات والحدود]\nويجري القياس في الكفارات والحدود٢، وهو قول الشافعية. وأنكره الحنفية.\nلأن الكفارات والحدود وضعت لتكفير المآثم، والزجر والردع عن المعاصي، والقدر الذي يحصل ذلك به من غير زيادة أمر استأثر الله بعلمه٣.\n_________\n١ عبارة المستصفى \"٣/ ٦٩٩\": \"فكذلك الحاجة إلى عصمة الدماء هي الباعثة للشرع على جعل القتل سببًا للقصاص، والشريك في هذا المعنى يساوي المنفرد، والمثقل يساوي الجارح، فألحق به قياسًا\". وهي أوضح من عبارة المصنف، وأتت بالنتيجة المقصودة من المثال.\n٢ الكفارات مثل: كفارة القتل الخطأ، والظهار، واليمين، والحدود مثل: حد الزنا، والقذف، والشرب. ومثلهما: المقدرات: كنصب الزكوات، وعدد الصلوات، والركعات، وأروش الجنايات ونحوها.\nوهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، وإليه ذهب ابن القصار والباجي من المالكية، وأكثر العلماء. وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه، كما قال المصنف. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٤٥١\".\n٣ هذا هو الدليل الأول للحنفية.","vol":"2","page":298},{"text":"وكذلك الحكم بمقدار معلوم في الصلاة و\"الزكاة\" و\"المياه\" لا يعلمه إلا الله -سبحانه- فلم يجز الإقدام عليه بالقياس١.\nولأن الحد يدرأ بالشبهة، والقياس لا يخلو من الشبهة٢. ولنا:\nما تقدم في المسألة التي قبلها: من أنه يجري فيه قياس التنقيح٣.\nولأنه حكم من أحكام الشرع عقلت علته، فجرى فيه القياس كبقية الأحكام٤.\nوما ذكروه٥. يبطل بسائر الأحكام فإنها شرعت لمصالح العباد والقياس يجري فيها.\nولو ساغ ما ذكروه: لساغ لنفاة القياس في الجملة.\nولأننا إنما نقيس إذا علمنا الأصل، ويثبت ذلك عندنا بالقياس، فيصير كالتوقيف.\nفأما ما لا نعلمه: كأعداد الركعات ونحوه: فلا يجري القياس فيه. وقولهم: \"إن في القياس شبهة\".\nقلنا: يبطل بخبر الواحد، والشهادة، والظاهر، فإنه٦ يثبت به الحد، مع وجود الاحتمال فيه.\n_________\n١ هذا هول الدليل الثاني.\n٢ هذا هو الدليل الثالث.\n٣ بدأ المصنف يورد أدلة القائلين بجريان القياس في الكفارات والحدود، والدليل الأول هو ما تقدم في مسألة جريان القياس في الأسباب.\n٤ هذا هو الدليل الثاني.\n٥ بدأ المصنف يناقش أدلة المخالفين.\n٦ في جميع النسخ \"أنه\" والمثبت من ط د. السعيد. وهو الذي يتفق مع السياق؛ =","vol":"2","page":299},{"text":"مسألة: [في جريان القياس في النفي]\nوالنفي على ضربين:\nطارئ، كبراءة الذمة من الدَّين١.\nفهو حكم شرعي يجري فيه قياس العلة، وقياس الدلالة، كالإثبات٢.\nونفي أصلي:\nوهو البقاء على ما كان قبل ورود الشرع، كانتفاء صلاة سادسة، فهو منفي باستصحاب موجب العقل.\nفلا يجري فيه قياس العلة؛ لأنه لا موجب له قبل ورود السمع، فليس بحكم شرعي حتى تطلب له علة شرعية، بل هو نفي حكم الشرع ولا علة له، إنما العلة لما يتجدد٣.\n_________\n= فإنه عائد إلى كل من: خبر الواحد، والشهادة، وظواهر النصوص، فكل واحد منها يثبت به الحد مع وجود الاحتمال فيه.\n١ أي: بعد ثبوته في الذمة. والفرق بين النفي الطارئ والأصلي: أن النفي الطارئ: ما تقدمه ثبوت، كالمثال الذي معنا، والنفي الأصلي: ما لم يتقدمه ثبوت، كالمثال الذي أورده المصنف.\n٢ أي: أنه كالإثبات الشرعي؛ لأن النفي الطارئ بالشرع له خواص يستدل بانتفائها على انتفائه، وآثار يستدل بوجودها على وجوده، كذلك له علل وأسباب يعلل بها وتلحق به ما يشاركه فيها.\nومن أمثلة ذلك: من خواص براءة الذمة من الدين: أن لا يطالب به بعد أدائه، ولا يرفع إلى الحاكم، ولا يحبس به، ولا يحال به عليه، وكل هذه الخواص موجودة، فدل على وجود براءة الذمة. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٤٥٣ وما بعدها\".\n٣ هذا بيان للفرق بين قياس الدلالة وقياس العلة في النفي الأصلي.","vol":"2","page":300},{"text":"لكن يجري فيه قياس الدلالة، وهو: أن يستدل بانتفاء حكم شيء على انتفائه عن مثله، ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل، هو: استصحاب الحال١، والله أعلم.\nفصل: [في قوادح العلة]\nقال بعض أهل العلم: يتوجه على القياس اثنا عشر سؤالًا٢:\n_________\n١ معناه: أنه ضم دليلًا إلى دليل، والدليل الذي ضمه هو استصحاب الحال.\n٢ بعض العلماء يسميها: قوادح العلة، والبعض يسميها: أسئلة. ولا خلاف في المعنى، إلا أن تسميتها أسئلة يستدعي توضيح معنى السؤال وأنواع الأسئلة حتى يتضح المراد.\nالأول: سؤال الفقير الغني، والعبد الرب، وهو: أن يطلب منه ما يصلحه من مال أو عفو.\nالثاني: سؤال الاستفهام، نحو: زيد يسأل عن حال عمرو، أي: يطلب منه معرفة كيفية حاله.\nالثالث: سؤال الاستفادة، كسؤال المتعلم للمعلم.\nالرابع: سؤال العناد والتعجيز، كسؤال المعترض للمستدل: لم قلت كذا وكذا؟ وهو طلب الفائدة أو الدليل.\nوالمراد بالسؤال هنا: أحد هذين النوعين؛ لأن الأسئلة الواردة على القياس قد تكون من مستفيد يقصد معرفة الحكم، وقد تكون من معاند يقصد قطع خصمه ورده إليه.\nوهذه الأسئلة لم يذكرها الغزالي في \"المستصفى\" الذي هو أصل هذا الكتاب، وادعى أنها كالعلاوة على أصول الفقه، وأن موضع ذكرها: \"علم الجدل\". وقد أوصلها بعض العلماء إلى خمسة وعشرين سؤالًا، كابن الحاجب، وابن مفلح، والفتوحي في مختصر التحرير، بينما أوصلها الشوكاني إلى ثمانية وعشرين، =","vol":"2","page":301},{"text":"الاستفسار -وفساد الاعتبار -وفساد الوضع -والمنع -والتقسيم -والمطالبة -والنقض- والقول بالموجب- والقلب- وعدم التأثير -والمعارضة- والتركيب\n[السؤال الأول: الاستفسار]\nأما الاستفسار: فيتوجه على المجمل١.\nوعلى المعترض إثبات الإجمال، ويكفيه في إثباته: بيان احتمالين في اللفظ، ولا يلزمه بيان المساواة بينهما؛ لأنه ليس في وسعه ذلك.\nوجوابه: منع تعدد الاحتمال، أو بترجيح أحدهما٢.\n_________\n= وحصرها الإمام الرازي في أربعة: النقض، وعدم التأثير، والقول بالموجب، والقلب.\nانظر: بيان المختصر \"٣/ ١٧٨\"، شرح الكوكب المنير \"٤/ ٢٢٩\"، إرشاد الفحول \"٢/ ٢٠٩\"، المحصول \"٢/ ٢/ ٣٢١\"، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٤٥٨ وما بعدها\".\n١ معناه: طلب تفسير اللفظ وبيان المراد به، إذا كان لفظ المستدل مجملًا؛ لأن المجمل لا يفيد معنى معينًا، كما تقدم في تعريفه، وحينئذ: إما أن يعترض المعترض على كل واحد من معانيه، أو على أحدهما، أو لا على واحد منهما. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٤٥٩-٤٦٠\".\n٢ معناه: أنه يجب على المعترض إثبات الإجمال في لفظ المستدل، ولا يكفي أن يدعي أنه مجمل؛ لأن ذلك يؤدي إلى فتح باب العناد، إذ يصح لكل معترض أن يقول: هذا مجمل بدون بينة.\nوطريق بيان الإجمال: أن يبين له أن لفظه يحتمل معنيين فصاعدًا احتمالًا مطلقًا، ولا يلزمه بيان التساوي بين هذين المعنيين.\nمعنى ذلك: أن من حق المستدل أن يجيب عن هذا السؤال بوجهين:\nأحدهما: منع تعدد احتمالات اللفظ، إن أمكن ذلك.","vol":"2","page":302},{"text":"السؤال الثاني: فساد الاعتبار\nوهو أن يقول١: هذا قياس يخالف نصًّا، فيكون باطلًا، فإن\n_________\n= الثاني: أن يبين رجحان أحد المعنيين في اللفظ المجمل بأمر من الأمور المرجحة، وبذلك يسلم الاستدلال.\nومن أمثلة هذا النوع من الأسئلة: لو قال المستدل: العدة بالأقراء. فيقول المعترض: لو كان بالأقراء، للزم خلاف الظاهر، إذ ظاهر القرآن أنها تعتد بثلاثة قروء كوامل، يعني بالقروء: الأطهار، وكمالها قد يتخلف فيما إذا طلقها في أثناء طهر، فإنها تعتد به قرءًا، فلا يحصل اعتدادها بثلاثة قروء كاملة.\nفيقول المستدل: أنا أردت بالأقراء الحيض، والكمال لازم فيها؛ إذ بعض الحيضة لا يعتد به قرءًا، فيكون قد أعد الإجمال في أول كلامه، للحاجة إلى التفصيل في آخره، فلأجل هذه الأمور العارضة للإجمال، توجه سؤال الاستفسار، ليكون المعترض متكلمًا على بصيرة آمنًا من المغالطة والمخاتلة. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٤٦١-٤٦٢\".\n١ أي: يقول المعترض: هذا القياس باطل؛ لأنه يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع.\nمثال ما خالف الكتاب: قولنا: يشترط تبييت النية لرمضان؛ لأنه صوم مفروض فلا تصح نيته بالنهار. فيقول المعترض: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفته نص الكتاب، فإن الله تعالى بين أن الصائم له أجر عظيم، فيكون صومه صحيحًا.\nومثال ما خالف السنة: قولنا: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه عقد يشتمل على الغرر فلا يصح، كالسلم في المختلطات. فيقول المعترض: هذا فاسد الاعتبار؛ لمخالفته لما روي عن النبي -ﷺ- أنه رخص في السلم.\nومثال ما خالف الإجماع: قول الحنفي: لا يجوز أن يغسِّل الرجل زوجته؛ لأنه يحرم النظر إليها، فحرم غسلها كالأجنبية. فيقول المعترض: هذا فاسد الاعتبار، لمخالفته الإجماع السكوتي، وهو أن عليًّا غسَّل فاطمة ولم ينكر عليه أحد، والقضية في مظنة الشهرة، فكان ذلك إجماعًا انظر: شرح مختصر الطوفي \"٣/ ٤٦٧-٤٦٨\".","vol":"2","page":303},{"text":"الصحابة -﵃- كانوا لا يصيرون إلى قياس مع ظفرهم بالخبر؛ فإنهم كانوا يجتمعون لطلب الأخبار، ثم بعد حصول اليأس: كانوا يعدلون إلى القياس.\nوقد أخر معاذ -﵁- العمل به عن السنة، فصوبه النبيُّ، صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم١.\nوالجواب٢ من وجهين:\nأحدهما: أن يبين عدم المعارضة.\nوالثاني: بيان أن القياس الذي استند إليه من قبيل ما يجب تقديمه على المعارض المذكور.\nالسؤال الثالث: فساد الوضع\nوهو: أن يبين أن الحكم المعلق على العلة تقتضي العلة نقيضه٣.\nمثاله: ما لو قال: في النكاح بلفظ الهبة: \"لفظ الهبة ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به النكاح كالإجارة\".\nفيقال له: هذا تعليق على العلة ضد ما تقتضيه؛ فإن انعقاد غير النكاح به يقتضي انعقاد النكاح به، لا عدم الانعقاد.\n_________\n١ هذا الحديث دليل على أن رتبة القياس بعد النص.\n٢ أي: الجواب من المستدل على هذا الاعتراض من وجهين، كما ذكر المصنف.\n٣ قال الطوفي في شرحه \"٣/ ٤٧٢\": \"وإنما سمي هذا فساد الوضع؛ لأن وضع الشيء: جعله في محل على هيئة أو كيفية ما، فإذا كان ذلك المحل، أو تلك الهيئة، لا تناسبه، كان وضعه على خلاف الحكمة، وما كان على خلاف الحكمة يكون فاسدًا.\nفنقول ههنا: إن العلة إذا اقتضت نقيض الحكم المدعي أو خلافه، كان ذلك =","vol":"2","page":304},{"text":"وجوابه١ من وجهين:\nأحدهما: أن يدفع قول الخصم: \"إنه يقتضي نقيض ذلك\".\nالثاني: أن يسلم ذلك، ويبين أنه يقتضي ما ذكره من وجه آخر، والحكم على وفقه فيجب تقديمه؛ لأن الأخذ بما ظهر اعتباره أولى من الأخذ بغيره.\nفإن ذكر الخصم لما ذكره أصلًا يشهد له بالاعتبار فهو انتقال إلى سؤال المعارضة.\nالسؤال الرابع: المنع\nومواقعه أربعة:\nمنع حكم الأصل.\nمنع وجود ما يدّعيه علة الأصل.\nومنع كونه علة [في الأصل] .\nومنع وجوده في الفرع٢.\nوقد اختلف في انقطاع المستدل عند توجه منع الحكم في الأصل: والصحيح: أنه لا ينقطع، على التفصيل الذي ذكرناه٣.\n_________\n= مخالفًا للحكمة، إذ من شأن العلة أن تناسب معلولها، لا أنها تخالفه، فكان ذلك فاسد الوضع بهذا الاعتبار.\n١ أي: من جهة المستدل.\n٢ مثال ذلك: إذا قيل: النبيد مسكر، فكان حرامًا، قياسًا على الخمر. فيقول المعترض: لا نسلم تحريم الخمر، إما جهلًا بالحكم، أو عنادًا فهذا منع حكم الأصل. ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في الخمر، لكان هذا منع وجود المدعى علة في الأصل. ولو قال: لا أسلم أن الإسكار علة التحريم لكان هذا مع علية الوصف في الأصل. ولو قال: لا أسلم وجود الإسكار في النبيذ، لكان هذا منع وجود العلة في الفرع.\n٣ أي: في أركان القياس.","vol":"2","page":305},{"text":"الثاني: منع وجود ما يدعيه علة في الأصل. فعند ذلك يحتاج المستدل إلى إثباته.\nإن كان عقليًّا: فبالاسترواح إلى أدلة العقل.\nوإن كان محسوسًا. بالاستناد إلى شهادة الحس.\nوإن كان شرعيًّا. فبدليل شرعي.\nوقد يقدر على ذلك بإثبات أثر، أو أمر يلازمه.\nالثالث: منع كونه علة [في الأصل] فيحتاج إلى إثباتها بأحد الطرق التي ذكرناها.\nالرابع: منع وجود ما ادّعاه علة في الفرع.\nولا بد لبيان ذلك بطريقة.\nالسؤال الخامس: التقسيم ١\nوحقه أن يقدم على المطالبة؛ إذ فيه منع، والمطالبة: تسليم محض. والمنع بعد التسليم غير مقبول، إذ هو رجوع عما اعترف به. والتسليم بعد المنع يقبل؛ لأنه اعتراف بما أنكر فيقبل؛ لأنه علته والإنكار بعد الاعتراف له فلا يقبل.\nويشترط لصحته شرطان.\nأحدهما: أن يكون ما ذكره المستدل منقسمًا إلى: \"ما يمنع ويسلّم\".\n_________\n١ وهو عبارة عن ترديد اللفظ بين احتمالين متساويين، واختصاص كل احتمال باعتراض مخالف للاعتراض على الآخر.\nوالتقسيم نوعان.\nأحدهما: من الناظر في استخراج العلة بتخريج المناط.\nوالثاني: من المعترض المناظر على ما يقوله المستدل، وهذا هو المقصود هنا.","vol":"2","page":306},{"text":"فلو أورد ذلك بذكر زيادة في الدليل على ما ذكره المستدل فلا يصح؛ لأنه يمهد لنفسه شيئًا، ثم يوجه الاعتراض، فحينئذ يكون مناظرًا مع نفسه، لا مع خصمه.\nالثاني: أن يكون حاصرًا لجميع الأقسام، فإنه إذا لم يكن حاصرًا فللمستدل أن يبين أن مورده غير ما عينه المعترض١ بالذكر، فعند ذلك يندفع.\nوطريق المعترض في صيانة تقسيمه عن هذا الدفع أن يقول عن التقسيم: إن عنيت به هذا المحتمل: فمسلم، والمطالبة متوجهة.\nوإن عنيت به ما عداه: فممنوع.\nوذكر قوم: أن من شرط صحته: أن يكون الاحتمال في الأقسام على السواء.\nلكن يكفيه بيان الاحتمالات، ولا يلزمه بيان المساواة، لكونه غير مقدور عليه.\nوأنه إذا بين المستدل ظهور اللفظ في مجمل. إما بحكم الوضع، وإما بحكم العرف، وإما بقرينة وجدت: فسد التقسيم.\nقال: ولو لم يكن اللفظ مشهورًا في أحدهما، فللمستدل أن يبين ظهوره.\nبأن يقول للمعترض: سلمت أن اللفظ غير ظاهر في غير هذا المحتمل.\nولا بد للمعترض من تسليم ذلك، ضرورة صحة تقسيمه، فإن شرطه: تساوي الاحتمالات، وأنا أسلم ذلك، أيضًا فيلزم أن يكون\n_________\n١ في جميع النسخ \"المستدل\" والمثبت من أن الدكتور عبد العزيز السعيد.","vol":"2","page":307},{"text":"ظاهرًا في الاحتمال الذي عينه، ضرورة نفي الاشتراك، فإنه على خلاف الأصل.\nويمكن أن يمنع أن تساوي الاحتمالات شرط١، إذ لا حجر على المستدل أن يفسر كلامه بما يحتمله، وإن كان الظاهر خلافه، فكذلك، لا حجر على المقسّم في تقسيمه إلى ما يمكن المستدل أن يفسر كلامه.\nوجواب التقسيم من حيث الجدل.\nبدفع انقسام الكلام\nأو بيان ظهور أحد الاحتمالين.\nأو بيان أن الكلام غير منحصر في الأقسام المذكورة.\nوإن اختار الجواب الفقهي فأمكنه الدلالة على المنع، واختيار القسم المسلم، فالأحسن اختيار القسم المسلم؛ لأنه يستغنى عن الدلالة على المنع.\nوإن اختار القسم الآخر: جاز، فإن فيه تكثيرًا للفقه.\nوإن لم يقدر إلا على سلوك أحد الطريقين فليختره٢.\nالقسم السادس، في السؤال، المطالبة.\nوهي: طلب المستدل بذكر ما يدل على أن ما جعله جامعًا هو العلة٣.\n_________\n١ معناه: أنه يمكنه أن يمنع شرطية تساوي الاحتمالات في هذا النوع\n٢ وضح الطوفي هذا النوع من الأسئلة الفقهية على كل احتمال من هذه الاحتمالات، ونقل ذلك كله يخرجنا عن الهدف الذي قصدناه. فليرجع من شاء إلى شرح مختصر الروضة ٣/ ٤٨٩ وما بعدها\".\n٣ معناه: أن يطلب المعترض من المستدل الدليل على أن الوصف الذي جعله جامعًا بين الأصل والفرع علة، كقوله، فيما إذا قال: مسكر، فكان حرامًا =","vol":"2","page":308},{"text":"وهو المنع الثالث في المعنى١.\nوفيه: تسليم وجود العلة في الفرع، وفي الأصل، وتسليم الحكم٢.\nوجواب ذلك.\nبيان كونه علة بأحد الطرق التي ذكرناها٣.\nالقسم السابع -في السؤال- النقض.\nومعناه: إبداء العلة بدون الحكم. أي: أن لا تكون العلة مطابقة للحكم٤.\nوقد ذكرنا الخلاف في كونه مفسدًا للعلة فيما مضى٥.\nورجحنا قول من قال: بصحة النقض.\n_________\n= كالخمر، أو مكيل، فحرم فيه التفاضل كالبر. فيقول المعترض: لِمَ قلت: إن الإسكار علة التحريم، وإن الكيل علة الربا؟\n١ معناه: أن الجواب عنها هو عين الجواب المذكور في المنع الثالث من السؤال الرابع المتقدم، وليس المقصود أنها الثالث بعينه وإن كانت عبارته غير واضحة\n٢ أي أن المعترض مسلم بالأمور الثلاثة، ولكنه يطلب دليلًا على أن الوصف المذكور هو العلة، كما في المثال المتقدم.\n٣ في أدلة إثبات العلة، أو ما يسمى بمسالك العلة، وهي ثلاثة: النص، والإجماع، والاستنباط.\n٤ مثال ذلك: أن يقال في إقامة حد السرقة على النباش: سرق نصابًا كاملًا من حرز مثله، فيجب عليه القطع، كسارق مال الحي. فيقول المعترض: هذا ينتقض بالولد يسرق مال ولده، وصاحب الدَّين يسرق مال مدينه؛ فإن الوصف موجود فيهما، ولا يقطعان.\n٥ أي: في مسألة تخصيص العلة.","vol":"2","page":309},{"text":"واختلف في وجوب الاحتراز في الدليل عن صورة النقض:\nوالأليق: وجوب الاحتراز؛ فإنه أقرب إلى الضبط، وأجمع لنشر الكلام، وهو هيِّن.\nثم للمستدل في دفع النقض طرق أربعة:\nمنها: منع وجود العلة.\nأو الحكم في صورة النقض.\nوليس للمعترض أن يدل عليه١؛ إذ فيه الكلام إلى مسألة أخرى، وتصدي المعترض لمنصب الاستدلال، وكل واحد منها على خلاف ما يقتضيه جمع الكلام.\nفإن قال المستدل: لا أعرف الرواية فيها: كفى ذلك في دفع النقض؛ لأن كون هذه المسألة من مذهبه مشكوك فيها، فلا يترك ما قام الدليل على صحته لأمر مشكوك فيه.\nالثالث: أن يبين في الموضع الذي تخلف الحكم فيه، ما يصلح مستندًا لذلك من: \"فوات شرط\" أو \"وجود مانع\"؛ ليظن استناد تخلف الحكم إليه، فيبقى الظن المستفاد من الدليل بحاله.\nويكفيه أن يبين -في صورة النقض- معنى يناسب انتفاء الحكم، أو فوات أمر يناسب الاشتراط، فإن الغالب: اعتبار المصالح والمفاسد.\nولا يعتبر قول من قال: لا بد أن يبين \"وجود المانع\" أو \"فوات الشرط\" في صورة النقض، ولا يثبت ذلك ما لم يوجد المقتضى، ولا يثبت كونه مقتضيًا ما لم يثبت المانع، فيفضي إلى الدور؛ لأنا نقول: كونه\n_________\n١ أي: ليس من حق المعترض أن يستدل على وجود العلة في صورة النقض، حتى لا يصير المعترض مستدلًا، والمستدل معترضًا، فتنقلب قاعدة النظر وينتشر الكلام، وهذا على خلاف قواعد المناظرة.","vol":"2","page":310},{"text":"مناسبًا معتبرًا يدل على كونه مقتضيًا\nوإنما ترك لمعارضة تخلف الحكم، فإذا ظهر ما يصلح مستندًا له: وجب إحالة الحكم عليه، وبقي الظن الأول بحاله.\nولو أبدى النقض على أصل المستدل، فيلزمه الاعتذار عنه، ويكفيه في ذلك أمر يوافق أصله.\nوإن أبداه على أصل نفسه وقال: هذا الوصف لم يطرد على أصلي، فكيف يلزمني اتباعه: لم يصح، فإن المستدل إذا أثبت أن ما ذكره مقتضى للحكم، نظرًا إلى الدليل: لزم خصمه الانقياد إليه، والعمل بمقتضاه في جميع الصور، وكان حجة عليه في صورة النقض، كما هو حجة في المسألة التي هما فيها؛ فإن ما ذكره في الدليل على كونه علة مغلب للظن، إنما يترك لمعارض، ولا تقبل معارضة الخصم بأصل نفسه.\nالرابع، في دفع النقض:\nأن يبين كونه مستثنى عن القاعدة بكونه على خلاف الأصلين، على ما مر١.\nولو قال المعترض: ما ذكرته من الدليل على كونه علة موجود في صورة النقض: فهذا نقض لدليل العلة، لا لنفس العلة، فيكون انتقالًا من سؤال إلى سؤال٢.\nويكفي المستدل في ذلك أدنى دليل يليق بأصله.\n_________\n١ وهي مسألة: هل يجوز القياس على المستثنى من القاعدة، مثل: عرية التمر، هل يقاس عليها العنب وغيره؟\n٢ معنى ذلك: أنه إذا نقض المعترض علة المستدل بصورة، فأجاب المستدل عن =","vol":"2","page":311},{"text":"[السابع: الكسر- معناه وحكمه]\nوأما الكسر:\nوهو إبداء الحكمة بدون الحكم: فغير لازم؛ لأن الحكم مما لا ينضبط بالرأي والاجتهاد، فيتعين النظر إلى مراد الشارع في ضبط مقدارها١.\n_________\n= ذلك بأحد الأجوبة المتقدمة وهي: إما منع العلة، أو الحكم في صورة النقض، أو ورود النقض على المذهبين، أو غير ذلك، فقال المعترض: الدليل الذي دل على أن وصفك الذي عللت به في محل النزاع، علة موجودة في صورة النقض، فيلزمك الإقرار بثبوت الحكم فيها، عملًا بوجود الوصف المقتضي له، لكنك لم تقل به، فيلزمك النقض.\nمثال ذلك: أن يقول الحنفي، في قتل المسلم بالذمي: قتل عمد عدوان فأوجب القصاص، كقتل المسلم. فيقول الحنبلي: لا أسلم أن قتل الذمي عدوان فيقول الحنفي: الدليل على أن قتل الذمي عدوان: أنه معصوم بعد الإسلام، وكل من كان معصومًا بعصمة الإسلام فقتله عدوان.\nفيقول المعترض: دليل العدوانية في قتل الذمي موجود في قتل المعاهد، فليكن عدوانًا يجب به القصاص على المسلم. فهذا نقض لدليل العلة، لا لنفس العلة، فلا يسمح؛ لأنه -كما قلنا سابقًا- انتقال من منصب المعترض إلى منصب المستدل، وهو غير جائز في عرف المناظرة. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٥٠٣\"، ونزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٣٧٠-٣٧١\".\n١ أضاف المصنف إلى الأسئلة التي أوردها نوعًا آخر، ضمن النقض، وهو: الكسر. وكثير من العلماء يعدونه نوعًا مستقلًّا. وللكسر تعريفات مختلفة:\nفعرفه الإمام الرازي وأتباعه بأنه: \"عدم تأثير أحد جزأي العلة ونقض الجزء الآخر\" بأن يكون الوصف المدعى عليته مركبًا من جزئين، فيبين المعترض: أن أحدهما لا تأثير له في الحكم، ولا يستلزمه، ثم ينقض الجزء الآخر، بأن يوجد الحكم بدون هذا الوصف. وبناء على ذلك لا يكون الكسر إلا في العلل المركبة، =","vol":"2","page":312},{"text":"وإذا١ احترز عن النقض بذكر وصف في العلة لا أثر له في الحكم لو عدم في الأصل لم يعدم الحكم بعدمه: لم يندفع النقض به، نحو قولهم، في الاستجمار: حكم يتعلق بالأحجار يستوي فيه الثيب والأبكار، فاشترط فيه العدد، كرمي الجمار.\nوقال قوم: يندفع به النقض؛ لأن العلة يشترط لها الطرد. فإذا لم يكن الوصف المؤثر مطردًا: ضممنا إليه وصف غير مؤثر، لتكون العلة مؤثرة مطردة.\n_________\n= أما التعريف الذي اختاره جمهور العلماء ومنهم المصنف، فهو: إبداء الحكمة بدون الحكم. كما قال المصنف.\nمثال ذلك قول الحنفي، في العاصي بسفره: يترخص؛ لأنه مسافر، فيترخص كالمسافر سفرًا مباحًا. فإذا قيل له: لم قلت: إنه يترخص؟ قال: لأنه يجد مشقة في سفره، فناسب الترخص، وقد شهد له الأصل المذكور بالاعتبار.\nفيقول الحنبلي: هذا ينكسر بالمكاري والفيّج \"وهو الذي يسرع في مشيه الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد\" ونحوهما ممن دأبه السفر، يجد المشقة ولا يترخص، وكذلك المريض الحاضر، يجد المشقة، ولا يجوز له قصر الصلاة. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٥١١\".\nوالصحيح عن علماء الأصول أن الكسر لا يعتبر نقضًا للعلة؛ لأن الحِكَم ليست مضبوطة في نفسها؛ لأنها عبارة عن جلب مصالح، ودفع مفاسد، والمصالح والمفاسد تختلف وتتفاوت باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وما كان كذلك وجب رده إلى تقدير الشارع وضبطه. انظر: المحصول \"٢/ ٢/ ٣٥٣\"، شرح الطوفي \"٣/ ٥١١ – ٥١٢\".\n١ هذا من تتمة الكلام على النقض. والمصنف أقحم موضوع \"الكسر\" في النقض، وكان الأولى أن يجعله مستقلًّا، أو ملحقًا بالنقض لشبهه به. ومعنى هذا الكلام: أن المعلل إذا احترز عن النقض بذكر وصف في العلة غير مؤثر في الحكم -وجودًا وعدمًا- بحيث لا يتوقف وجوده على وجوده، ولا عدمه على عدمه، لم يندفع النقض به، وهو رأي جمهور العلماء ورجحه المصنف، وخالف في ذلك =","vol":"2","page":313},{"text":"ولنا:\nأن الوصف الطردي بمفرده لا يصلح للتعليل به في موضع، فلا يجوز التعليل به مع غيره، كما لو كان خاليًا عن الطرد والتأثير.\nوهذا صحيح؛ فإن ما ليس أثر إذا كان مفردًا لا يؤثر بغيره، كالفاسق في الشهادة١.\nوإن احترز٢ عن النقض بشرط ذكَرَه في الحكم، مثل أن يقول:\n_________\n= بعض العلماء وقالوا: يندفع به النقض.\nومثاله: ما ذكره المصنف.\nوتوضيحه: أن قوله: الاستجمار حكم يتعلق بالأحجار وصف شبهي صحيح وقوله: يستوي فيه الثيب والأبكار. لا تأثير له في اشتراط العدد ولا عدمه، وإنما أتي به دفعًا لنقض القياس المذكور بحد الرجم؛ لأنه حكم يتعلق بالأحجار، فلو اقتصر على هذا الوصف في الاستجمار، لورد عليه حد الرجم؛ لأنه حكم يتعلق بالأحجار، ولم يشترط فيه العدد، فلما قيل: يستوي فيه الثيب والأبكار، خرج حد الرجم، وزال النقض به؛ لأنه وإن كان حكمًا يتعلق بالأحجار، لكنه فارق الاستجمار، بأنه يختلف فيه الثيب والأبكار، فالثيب إذا زنا يرجم، والبكر لا يرجم، بل يجلد ويغرّب، بخلاف الاستجمار، فإنه يستوي فيه الثيب والبكر؛ لأنه إزالة نجاسة، وهما مخاطبان بها. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٥١٥\".\n١ أي: لا تقبل شهادته وحده، فيما تقبل فيه شهادة الواحد كالرضاع، عند بعض العلماء، فلا تقبل شهادته مع غيره فيما يعتبر فيه شهادة أكثر من واحد.\n٢ أي المستدل. ومعناه: أن المستدل لو احترز عن نقض العلة بذكر شرط في الحكم، بأن قيده بشرط أو وصف كالمثال الذي ذكره المصنف. فالعلة تقتضي أنه حيث وجد حرّان مكلفان محقونا الدم أن يجري بينهما القصاص، حتى في قتل الخطإ وشبه العمد، لكن ذلك باطل بالإجماع. فلما انتقضت العلة بذلك كان احترازه في الحكم بذكر العمد لاحقًا للعلة بعد فسادها فلم يؤثر في تصحيحها، كما ولغ كلب في قلتي ماء إلا رطلين، ثم وضع فيه رطل ماء، لم يكن مؤثرًا في زوال نجاسته بالولوغ السابق. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٥١٧\".","vol":"2","page":314},{"text":"\"حرّان مكلفان محقونا الدم، فوجب أن يثبت بينهما القصاص في العمد كالمسلمين\": فقيل: هذا اعتراف بالنقض؛ لأن علته: الأوصاف المذكورة أولًا، فيجب أن يثبت حكمها حيث وجدت: فإذا قال، في العمد: اعترف بتخلف حكمها في الخطإ، فتكون العلة قاصرة، ويجب أن يذكر العمد، إن كان وصفًا من العلة مع الأوصاف المتقدمة.\nوقال آخرون: هو صحيح؛ لأن الوصف المذكور آخرًا وهو العمد متقدم في المعنى، وهذا جائز، كتقديم المفعول على الفاعل، وإن كان متأخرًا في اللفظ، فإن للعمد أثرًا في القصاص، فيجب أن يكون من جملة العلة، واختاره أبو الخطاب.\nالوجه الثامن -في الاعتراض- القلب.\nومعناه: أن يذكر لدليل المستدل حكمًا ينافي حكم المستدل، مع تبقية الأصل والوصف بحالهما١.\nوهو قسمان:\nأحدهما: أن يبين أنه يدل على مذهبه.\nمثاله: أن يعلل حنفي -في الاعتكاف بغير صوم- بأنه لبث محض، فلا يكون قربة بمفرده، كالوقوف بعرفة.\nفيقول المعترض: لبث محض، فلا يعتبر الصوم في كونه قربة، كالوقوف بعرفة٢.\n_________\n١ أي: أن المعترض يقلب دليل المستدل، ويبين أنه عليه لا له.\n٢ أي: كما أن الوقوف بعرفة لا يشترط لصحته الصوم، فكذلك الاعتكاف لا يشترط لصحته الصوم، عملًا بالوصف المذكور، وهو كون الوقوف والاعتكاف لبثًا محضًا وإذا تبين أن وصف المستدل يناسب دعواه وعدمها، لم يكن إثبات أحد الأمرين أولى من الآخر.","vol":"2","page":315},{"text":"القسم الثاني: أن يتعرض لبطلان مذهب خصمه.\nكما لو قال حنفي، في مسح الرأس: ممسوح في الطهارة، فلا يجب استيعابه كالخف.\nفيقول خصمه: ممسوح في الطهارة، فلا يتقدر بالربع كالخف.\nأو يقول، في بيع الغائب: عقد معاوضة فينعقد مع جهل العوض كالنكاح.\nفيقول خصمه: فلا يعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح١.\nفيلزم من الوفاء بموجب ذلك: امتناع التصحيح؛ فإنه لازم لذلك في مذهب الخصم، ويلزم من انتفاء اللازم: انتفاء الملزوم لا محالة٢.\n_________\n١ في هذين المثالين إشارة إلى أن القسم الثاني تحته نوعان:\nأحدهما: إبطال مذهب المستدل صراحة.\nثانيهما: إبطال مذهبه ضمنًا، أي: يدل على بطلان لازم من لوازمه، وسيأتي للمصنف أن يوضح ذلك.\n٢ توضيح ذلك أن الحنفي إذا قال -في بيع الغالب- هو: عقد معارضة، فينعقد مع جهل العوض كالنكاح، فإنه يصح مع جهل الزوج بصورة الزوجة وكونه لم يرها، فكذلك في البيع، بجامع كونهما عقد معاوضة.\nفيقول المعترض: هذا الدليل ينقلب عليك بأن يقال: عقد معاوضة فلا يعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح، فإن الزوج إذا رأى الزوجة ولم تعجبه، لم يجز له فسخ النكاح، فكذلك المشتري لا يكون له خيار إذا رأى المبيع في بيع الغائب، بمقتضى الجامع المذكور.\nفالخصم، هنا لم يصرح ببطلان مذهب المستدل، لكن دل على بطلانه ببطلان لازمه -عند الخصم- وهو خيار الرؤية، فإن أبا حنيفة يجيز بيع الغائب بشرط ثبوت الخيار للمشتري إذا رآه. وإذا بطل هذا الشرط -بموجب قياسه على النكاح- بطل مشروطه، وهو صحة البيع، فهو إبطال له بالملازمة لا بالتصريح. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٥٢١-٥٢٢\".","vol":"2","page":316},{"text":"[الفرق بين القلب والمعارضة]\nوالقلب نوع من المعارضة، لكنه يزيد على مطلق المعارضة بكونه يعارضه بعين١ المذكور، فيستغنى عن مؤن كثيرة يحتاج إليها في المعارضة: من الأصل، وبيان الجامع.\nويجيب عن هذا السؤال بما يجيب به عن المعارضة، إلا أنه يسقط منه: منع وجود الوصف٢.\n_________\n١ في الأصل الذي ننقل منه \"بغير\" والمثبت من ن الدكتور النملة.\n٢ جمهور العلماء على أن القلب نوع من المعارضة، وهو الذي رجحه المصنف، إلا أنه نوع خاص من المعارضة، يتميز عنها بما يأتي:\nأولًا: أنه لا يحتاج إلى أصل؛ لأنه يعتمد على أصل المستدل.\nثانيًا: أنه لا يحتاج إلى إثبات الوصف.\nفكل قلب معارضة، وليس كل معارضة قلبًا.\nوجواب المعارضة -كما سيأتي- هو جواب القلب، إلا أنه يسقط منه: منع وجود الوصف؛ لأنه مقر بوصف المستدل.\nومن أمثلة ذلك: أن يقول، في مسألة مسح الرأس: لا نسلم أن الخف لا يتقدر بالربع، فيمنع حكم الأصل في قلب المعترض، إلا منع الوصف، فإنه يجوز في المعارضة، ولا يجوز في القلب، مثل أن يقول: لا نسلم أن الاعتكاف والوقوف لبث محض، أو لا نسلم أن مسح الرأس والخف مسح، أو لا نسلم أن البيع أو النكاح عقد معاوضة.\nوالفرق بين المعارضة والقلب في ذلك: أن المستدل في المعارضة لم يعلل بوصف المعترض، ولا التزمه واعتمد عليه في قياسه، فجاز له منعه، بخلاف القلب، فإن المستدل التزم في قياسه صحة ما علل به المعترض وهو: اللبث والمسح، وعقد المعاوضة، فليس له في جواب القلب منعه؛ لأنه هدم لما بنى، ورجوع عما التزمه، واعترف بصحته. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٥٢٢-٥٢٣\".","vol":"2","page":317},{"text":"الوجه التاسع -من السؤال- المعارضة ١:\nوهو قسمان:\nمعارضة في الأصل.\nومعارضة في الفرع.\nوأحسنهما: المعارضة في الأصل؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره، ولا يحتاج إلى أصل.\nوفي المعارضة في الفرع يحتاج إلى ذكر صلاحية ما يذكره للتعليل، وأصل يشهد له، ثم ينقلب مستدلًا، والمستدل معترضًا عليه.\nومعنى المعارضة في الأصل:\nأن يبين في الأصل الذي قاس عليه المستدل معنى يقتضي الحكم٢.\n_________\n١ قال الطوفي في شرحه \"٣/ ٥٢٧\": \"المعارضة مفاعلة من \"عرض له يعرض: إذا وقف بين يديه، أو عارضه في طريقه ليمنعه النفوذ فيه، فكأن المعترض يقف بين يدي المستدل، أو يوقف حجته بين يدي دليله؛ ليمنعه من النفوذ في إثبات الدعوى\".\nوقال في ص٥٢٥ من نفس الجزء: \"الفرق بين هذه المعارضة والاعتراض: أن المعارضة كدليل مستقل، فلا يتقدر بدليل المستدل، بخلاف الاعتراض، فإنه منع للدليل، فلا تجوز الزيادة عليه، إذ يكون كالكذب على المستدل، حيث يقوله ما لم يقل\".\n٢ مثال ذلك: لو علل الشافعي تحريم ربا الفضل في البر بالطعم، فعارضه الحنفي بتعليل تحريمه بالكيل أو الجنس أو القوت.\nومعنى هذا: أن يبين المعترض أن في الأصل الذي قاس عليه المستدل معنى آخر يصلح للتعليل غير الذي ذكره المستدل، وحينئذ لا يتعين ما ذكره المستدل لأن يكون علة، بل يحتمل أن يكون هو، ويحتمل أن يكون علية الوصفين جميعًا، =","vol":"2","page":318},{"text":"فقد قال قوم١: إنه لا يحتاج المستدل إلى حذفه؛ لأنه لو انفرد ما ذكره صح التعليل به.\nوإنما صح، لصلاحيته، لا لعدم غيره، إذ العدم ليس من جملة العلة، وصلاحيته لا تختلف٢.\nولأن معنى العلة: أنه إذا وجدت: ثبت الحكم عقبه، فعند ذلك لا تتحقق المعارضة بين الوصفين إذا أمكن الجمع، بأن قال: إذا وجد كل واحد منهما: ثبت الحكم.\nفإن بين المعترض أن الوصف الذي ذكره يناسب إثبات الحكم عند وجود ما ذكره المستدل، فيكون من قبيل المانع في الفرع٣.\nوالصحيح: أن المستدل يلزمه حذف ما ذكره المعترض، إذ المناسب العرى عن شهادة الأصل غير معمول به.\n_________\n= الذي ذكره المستدل، والذي ذكره المعترض. كما في المثال المتقدم.\n١ المراد بهم: جماعة من علماء الجدل.\nوخلاصة المسألة: أنه هل يلزم المستدل الاحتراز في دليله عن الوصف الذي أبداه المعترض في الأصل، وذلك بحذف هذا الوصف أو لا يلزمه ذلك؟\nقولان لعلماء الجدل سبق ذكر مثلهما في سؤال النقض.\nفإن أهمل المستدل الاحتراز عما ذكره المعترض كان من حق المعترض أن يعارض به، فيرد على المستدل ويلزمه جوابه.\nمثال ذلك: قول الحنفي -في رفع اليد في الركوع- ركن غير الإحرام فلا يشرع فيه رفع اليد كالسجود؛ فإنه إن لم يحترز عن -الإحرام- عارضه به الخصم بأن يقول: ركن فشرع فيه الرفع كالإحرام. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٥٣٠\".\n٢ أي: وإنما صح التعليل به لكون ذلك الأصل صالحًا لأن يكون علة، وليس لعدم وجود غيره، إذ الأعدام لا تكون من جملة العلة.\n٣ معناه: إذا بين المعترض في أصل قياس المستدل وصفًا زائدًا على الفرع يصح =","vol":"2","page":319},{"text":"فإذا استند إلى أصل ثبت الحكم على وقفه.\nفالناظر المجتهد ليس له العمل به ما لم يبحث، بحيث يستفيد ظنًّا غالبًا أنه ليس ثم مناسب آخر.\nوأما المناظر: فيكفيه مجرد تقرير المناسبة، وإثبات الحكم على وفقه، دفعًا لشغب الخصم، إلى أن يبين المعترض في الأصل مناسبًا آخر، فعند ذلك يتعارض احتمالات ثلاثة:\nأحدها: أن يثبت الحكم؛ رعاية لما ذكره المستدل.\n\"واحتمال ثبوته، رعاية لما ذكره المعترض\"١\nواحتمال ثبوته، رعاية لهما جميعًا.\nولعل هذا الاحتمال أظهر، فإنه لو قدر ثبوت الحكم لأحدهما بعينه: كان إعراضًا عن اعتبار الآخر، وهو خلاف دأب الشارع؛ فإنه لا يزال يسعى في اعتبار المصالح، ويمتنع التعليل بكل واحد من المناسبين استقلالًا، فإن معنى تعليل الحكم بالمناسب: ثبوته لمصلحته لا غير، أي: هي كافية.\nفعند ذلك: يمتنع مثل هذا القول بالنسبة إلى الآخر، لما بينهما من\n_________\n= تعليق الحكم عليه، فألغاه المستدل ببيان ثبوت الحكم في أصل آخر بدون ذلك الوصف الذي أبداه المعترض، فبين المعترض أن في هذا الوصف الثاني وصفًا آخر مناسبًا يصح تعليق الحكم به لزم المستدل إبطال هذا الوصف، بحذفه أو منعه أو غير ذلك من وجوه الإبطال؛ لأنه إن لم يبطله كان الكلام فيه كالكلام في الأصل الأول، من حيث إن ما ذكره المستدل للتعليل. وهذا معنى قول المصنف: \"فيكون من قبيل المانع في الفرع\".\nراجع توضيح ذلك بالأمثلة في شرح الطوفي \"٣/ ٥٣٥ وما بعدها\".\n١ ما بين القوسين من ن الدكتور النملة.","vol":"2","page":320},{"text":"التضاد، فإنا إذا قلنا: لهذا لا غير: فقد نفينا ما عداه. فإذا قلنا: ثبت لهذا الثاني لا غير: كان هذا القول على نقيض الأول.\nولا يمكن تعليل الحكم بواحد بعينه بدون ضميمة قولنا: لا غير، فإن هذا موجود بالنسبة إلى كل واحد من أجزاء العلة، والعلة: المجموع، لا كل جزء بمفرده.\nوإن فسرت العلة بأنها أمارة، فمتى عرف ثبوت الحكم بشيء: استحال معرفة ثبوته، بغيره، إذ المعلوم لا يعلم ثانيًا.\nوبيان أن الاحتمال الثالث أظهر:\nأن لو رأينا إنسانًا أعطى فقيرًا ذا قربة له: غلب على الظن: أنه أعطاه لهما جميعا.\nثم لا حاجة للمعترض إلى ترجيح احتمال، بل يكفيه تعارض الاحتمالات، فيحتاج المستدل إلى دليل ترجيح ما يذكره، فإنه لا أقل من الدليل المظنون في إثبات الغرض.\nثم غرض المعترض يحصل بأحد الاحتمالين.\nاحتمال ثبوت الحكم بمجرد ما ذكره\nواحتمال ثبوته بالمناسبين جميعًا.\nوغرض المستدل لا يحصل إلا من احتمال ثبوت الحكم بمجرد ما ذكره، ووجود أحد الاحتمالين لا بعينه أقرب من احتمال واحد متعين في نفسه، إذا تساوت الاحتمالات.","vol":"2","page":321},{"text":"[طرق الجواب في المعارضة]\nوللمستدل -في الجواب- طرق أربعة:\nأحدها: أن يبين أن مثل ذلك الحكم ثابت١ بدون ما ذكره المعترض، فيدل على استقلال ما ذكره المستدل بالحكم.\nفإن بين المعترض في الأصل الآخر مناسبًا آخر: لزم المستدل أيضًا حذفه.\nولا يكفيه أن يقول: كل واحد من المناسبين ملغي بالأصل الآخر، لجواز أن يكون الحكم في كل أصل معللًا بعلة مختصة به، فإن العكس غير لازم في العلل الشرعية.\nالطريق الثاني:\nأن يبين إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه، كظهور إلغاء صفة الذكورية في جنس أحكام العتق. ولذلك ألحقنا الأمة بالعبد في السراية٢.\n_________\n١ في جميع النسخ: \"أن يبين مثل ذلك الحكم ثابتًا\" والمثبت من ن الدكتور عبد العزيز السعيد \"٢/ ٣٤٧\".\nومعنى الجملة: أن أحد الأجوبة التي يجيب بها المستدل على المعارضة: أن يبين أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض، فيظهر بذلك أن عدم التأثير غير معتبر في الحكم، فيستقل به ما ذكره المستدل. انظر: شرح مختصر الروضة \"٣/ ٥٣٤\".\n٢ روى البخاري: كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، ومسلم: كتاب العتق، عن عبد الله بن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: \"من أعتق شركًا له في عبد، قوم عليه نصيب شريكه، ثم يعتق\". فتقاس الأمة على العبد في سراية العتق، بناء على هذا الحديث.","vol":"2","page":322},{"text":"الطريق الثالث:\nأن يبين أن العلة ثابتة بنص، أو تنبيه من الشارع، على ما ذكرناه فيما تقدم١.\nالطريق الرابع:\nيختص ما يدعي المعترض فيه أن ما ذكره علة مستقلة بدون ضمه إلى ما ذكره المستدل.\nوهو أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبرزه المعترض.\nفإن ظهر ذلك، إما بدليل، وإما بتسليم المعترض: لزم أن يكون هو العلة، إذا توافقنا على كون الحكم معللًا بأحدهما، كالكيل مع الطعم، لامتناع اعتبار المرجوح وإلغاء الراجح؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يفوت مصلحة أعظم منها: ليس من شأن العقلاء، فلا يمكن نسبته إلى الشارع.\nإذا ثبت هذا: فإذا كان ما ذكره المستدل مناسبًا فلا يكفي المعترض أن يذكر وصفًا شبيهًا؛ لأن المناسب أقوى، على ما لا يخفى.\nالقسم الثاني: في المعارضة: المعارضة في الفرع.\nوهو: أن يذكر في الفرع ما يمتنع معه ثبوت الحكم وهو ضربان:\nأحدهما: أن يعارضه بدليل آكد منه، من نص أو إجماع٢.\n_________\n١ أي: في مسالك العلة.\n٢ من أمثلة ذلك: ما لو قال الحنفي، في رفع اليدين في الركوع وفي الرفع منه: ركن من أركان الصلاة فلا يشرع فيه رفع اليدين كالسجود. فيقول له الخصم:\nهذا خلاف الحديث الصحيح الذي رواه ابن عمر وغيره، أن النبي -ﷺ- كان =","vol":"2","page":323},{"text":"وقد ذكرناه في فساد الاعتبار.\nالثاني: أن يعارضه بإبداء وصف في الفرع.\nوقد يذكر في معرض كونه مانعًا للحكم في الفرعللسببية.\nفإن ذكر مانعًا للحكم: احتاج في إثبات كونه مانعًا إلى مثل طريق المستدل في إثبات حكمه، من العلة والأصل.\nويفتقر إلى أن تكون علة المعترض في القوة كعلة المستدل، إن كان طريق المستدل النص أو التنبيه، فلا يكفي المعترض: المعارضة بوصف مخيل١.\nوإن كان طريقه المناسبة: فلا يكفي المعترض المعارضة بوصف شبهي. وإن ادّعى كونه مانعًا للسببية: فقد قيل: لا يحتاج إلى أصل، فإن الحكم ثبت للحكمة، وقد علمنا انتفاءها.\nوإن بقي احتمال الحكمة، -ولو على بعد: لم يضر المستدل، لما عرف من دأب الشارع الاكتفاء -بعد المظنة- باحتمال الحكمة، وإن بعد، فيحتاج إلى أصل يشهد له بالاعتبار، ليبين به أن الشارع لا يكتفي بما وجد من احتمال الحكمة معه.\nوفي المعارضة في الفرع ينقلب المستدل معترضًا فيعترض على دليل المعترض بما أمكنه من الأسئلة التي ذكرناها.\n_________\n= يرفع يديه في ثلاثة مواطن: عند الإحرام والركوع والرفع منه\" فيكون قياسك فاسدًا؛ لمخالفته للنص.\n١ الإخالة: من \"خال\" بمعنى \"ظن\"، وسميت بذلك؛ لأنه بالنظر إلى ذاته يظن عليه الوصف للحكم. والمقصود هنا: أن يكون الوصف صالحًا لإثبات دعواه، ولا يكفي أي وصف.","vol":"2","page":324},{"text":"وقال قوم: لا تقبل المعارضة؛ لأن حق المعترض هدم ما بناه المستدل، وذكر المعارضة بناء، فلا يليق بحاله١.\nوالصحيح: أنها تقبل؛ إذ فيه هدم ما بناه؛ فإن دليل المستدل إذا صار معارضًا: لم تبق دلالته؛ إذ المعارض له حكم العدم في إثبات الحكم.\nالوجه العاشر في السؤال: عدم التأثير٢.\nومعناه: أن يذكر في الدليل ما يستغنى عنه في إثبات الحكم في الأصل:\nإما لأن الحكم يثبت بدونه.\nوإما لكونه وصفًا طرديًّا٣.\nمثال الأول: ما لو قال، في بيع الغائب: \"مبيع لم يره فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء\".\nفذكر عدم الرؤية ضائع٤؛ فإن الحكم يثبت في الأصل بدونه، فإنه\n_________\n١ معناه: أن بعض العلماء ادّعوا أن المعارضة لا تقبل؛ لأنها بناءٌ من المعترض، إذ هي دليل في حكم المستأنف، ووظيفة المعترض أن يكون هادمًا لما يذكره المستدل، فلا يصح منه خلاف وظيفته. قال المصنف: \"والصحيح أنها تقبل ... إلخ\" فإنها وإن كانت بناءً، فهي بناءٌ بالعَرض وهدم بالذات لما بناه المستدل، فأشبهت المنع فتقبل. انظر: شرح الطوفي\"٣/ ٥٤٦\".\n٢ التأثير: إفادة الوصف أثره، فإذا لم يفده فهو عدم التأثير.\nفمعنى تأثير العلة في الحكم: انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وعدم التأثير معناه: وجود الحكم وبقاؤه في محله بعد زوال الوصف المدعى علته.\n٣ الوصف الطردي: هو الذي لم يلتفت إليه الشرع في معهود تصرفه، كالطول والقصر، والبياض والسواد، والذكورية والأنوثية.\n٤ أي: لم يؤثر؛ لأن بيع الطير في الهواء غير جائز وإن كان مرئيًّا.","vol":"2","page":325},{"text":"لا يصح بيع الطير في الهواء، ولو كان مرئيًّا، فيعلم: أن العلة فيه غير ما ذكره المستدل.\nومثال الثاني: قولهم، في الصبح: صلاة لا يجوز قصرها، فلا يجوز تقديمها على الوقت كالمغرب١.\nفإن هذا وصف طردي، على ما لا يخفى.\nوإن ذكر الوصف لدفع النقض، لكونه يشير إلى خلو الفرع عن المانع، أو إلى اشتماله على شرط الحكم، فلا يكون من هذا القسم.\nوهكذا لو كان الوصف المذكور يشير إلى اختصاص الدليل ببعض صور الخلاف، فيكون مفيدًا للغرض في بعض الصور، فيكون مقبولًا، إذا لم تكن الفتيا عامة.\nوإن عمم الفتيا: فليس له أن يخص الدليل ببعض الصور؛ لأنه لا يفي بالدليل على ما أفتى به٢. والله أعلم.\n_________\n١ ومثل له الطوفي بقول: \"قول القائل في أن الفجر لا يقدم أذانها على الوقت، صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت كالمغرب\". انظر: شرح المختصر \"٣/ ٥٤٧\".\n٢ معناه: أن الوصف الذي يورده المستدل إذا أشار إلى اختصاص الحكم ببعض الصور، فلا يخلو إما أن تكون فتياه -أي: جوابه- عامًّا أو خاصًّا.\nفإن كان عامًّا لم يجز؛ لأن الدليل الخاص لا يفي بثبوت الحكم العام. مثل ما إذا قيل للمالكي: هل يجوز أن تزوج المرأة نفسها؟ فيقول: نعم. فإذا قيل له: لِمَ؟ قال: لأن عامة الناس أكفاء لها، فلا يفضي ذلك إلى لحوق النقص والعار بها غالبًا، كما لو زوجها وليها، فإن العلة هنا تشير إلى اختصاص جواز ذلك بالدنية من النساء، فلا يجوز ذلك؛ لأن جوابه بجواز تزويجها نفسها خرج عامًّا، فلا يفرق بين الدنية والشريفة، وتعليله خاص بالدنية.\nوإن لم تكن فتياه، عامة كما لو قال المالكي في المثال المتقدم: يجوز ذلك في =","vol":"2","page":326},{"text":"الوجه الحادي عشر -في السؤال- التركيب:\nوهو: القياس المركب من اختلاف مذهب الخصم١:\nكما لو قيل، في المرأة البالغة: \"إنها أنثى فلا تزوج نفسها كابنة خمس عشرة\" فالخصم يعتقد أنها لا تزوج نفسها؛ لصِغرها. فقد قيل: هذا قياس فاسد؛ لأنه فرار عن فقه المسألة برد الكلام إلى مقدار سن البلوغ، وهي مسألة أخرى، وليس ذلك بأولى من عكسه.\nوقيل: يصح التمسك به؛ لأن حاصل السؤال راجع إلى المنازعة في\n_________\n= بعض النساء، أو يجوز في الجملة، وعلل بالتعليل المذكور، جاز وأفاد جواز فرض الكلام في بعض صور السؤال، وهو: جواز تزويج الدنية نفسها دون الشريفة-فرقًا بينهما- كما هو مذهب الإمام مالك. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٥٥٠-٥٥١\".\n١ معناه: أن يتفق الخصمان على حكم الأصل، ويختلفان في علته فإذا ألحق أحدهما بذلك الأصل فرعًا بغير علة صاحبه، فالقياس منتظم، لكن بناء على تركيب حكم الأصل من علتين. ومن الأمثلة على ذلك: أن الإمامين: الشافعي وأحمد – ﵄- يعتقدان أن بنت خمس عشرة لا تزوج نفسها لأنوثتها، وأبو حنيفة -﵁- يعتقد أنها لا تزوج نفسها لصِغرها؛ إذ الجارية إنما تبلغ -عنده- لتسع عشرة، وفي رواية لثمان عشرة كالغلام. فالعلتان موجودتان فيها، والحكم متفق عليه بناء على ذلك.\nفإذا قال الشافعي أو الحنبلي- في البالغة: \"أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة\" انتظم القياس بناء على ما ذكرناه من تركيب حكم الأصل بين الخصمين من العلتين، واستناده عند كل منهما إلى علته، ولهذا جاز لأحدهما منع صحة القياس، لاختلاف العلة في الفرع والأصل، مثل أن يقول الحنفي هاهنا للمستدل: أنت عللت المنع في البالغة بالأنوثة، والمنع في بنت خمس عشرة عندي معلل بالصِغر، فلما اتفقت علة الأصل والفرع، فلا يصح الإلحاق. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٥٥٣\".","vol":"2","page":327},{"text":"الأصل، وإبطال ما يدعى المعترض تعليل الحكم به، ليسلم ما يدعيه من الجامع في الأصل.\nولا يلزم من ذلك: فساد القياس، كما في سائر المواضع.\nالوجه الثاني عشر- في السؤال: القول بالموجَب ١.\nوحقيقته: تسليم ما جعله المستدل موجبًا لدليله، مع بقاء الخلاف وإذا توجه: انقطع المستدل.\nوهو آخر الأسئلة، إذ بعد تسليم الحكم والعلة لا تجوز له المنازعة في واحد منهما.\nبل: إما أن يصح، فينقطع المستدل.\nوإما أن يفسد، فينقطع المعترض.\nومورد ذلك موضعان٢:\nأحدهما: أن ينصب الدليل فيما يعتقده مأخذًا للخصم.\nكما لو قال- في القتل بالمثقل: \"التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه\"٣.\n_________\n١ يفتح الجيم ومعناه: القول بموجب دليل المستدل مع بقاء الخلاف بينهما.\nمثال ذلك: ما إذا قال الشافعي- فيمن أتى حدًّا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم: يستوفي منه الحد؛ لأنه وجد سبب جواز الاستيفاء منه فكان جائزًا.\nفيقول الحنبلي أو الحنفي: أنا قائل بموجب دليلك، وأن استيفاء الحد جائز، وإنما أنازع في هتك حرمة الحرم، وليس في دليلك ما يقتضي جوازه. فهذا قد سلم للمستدل مقتضى دليله، وهو جواز استيفاء الحد، وادعى بقاء الخلاف في شيء آخر وهو: هتك حرمة الحرم. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٥٥٥\".\n٢ أراد بالمورد: المحل الذي يرد فيه من الأحكام أو الدعاوى.\n٣ أي: أن التفاوت في الآلة التي حصل بها القتل لا يمنع من القصاص، مثل =","vol":"2","page":328},{"text":"فيقول المعترض: أنا قائل بموجب الدليل، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القتل، ولا يلزم القصاص؛ فإنه لا يلزم من عدم المانع ثبوت الحكم.\nوهذا النوع يتفق كثيرًا.\nوطريق المستدل في دفعه:\nأن يبين لزوم محل النزاع منه إن قدر عليه١.\nأو يبين أن الخلاف مقصود فيما يعرض له في الدليل.\nكما في مسألة \"المدين\"٢ لو ذكر في الدليل حكمًا: أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.\nأو في مسألة \"وطء الثيب\": أن الوطء لا يمنع الرد.\nونحو ذلك مما اشتهرت المسألة به، فإن اشتهار المسألة به يدل على وقوع الخلاف فيه٣.\n_________\n= التفاوت في المتوسل إليه وهو القتل، فإنه لو ذبحه، أو ضرب عنقه، أو طعنه برمح، أو رماه بسهم أو رصاص أو غير ذلك لا يمنع القصاص.\n١ أي: أن المستدل له في دفع القول بالموجب طريقان: أحدهما هذا، والثاني: أن يبين المستدل أن النزاع إنما هو فيما يعرض له، إما بإقرار أو اعتراف من المعترض بذلك، مثل أن يقول: إنما الكلام في صحة بيع الغائب لا في ثبوت خيار الرؤية.\n٢ في الأصل \"المديون\" ولعلها من تحريف النساخ.\n٣ معنى ذلك: أنه إذا قال المستدل: الدين لا يمنع الزكاة، ووطء الثيب لا يمنع الرد بالعيب. فيقول المعترض: أسلم أنه لا يمنع، لكن لِمَ قلت: إن الزكاة والرد يثبتان؟\nفيقال له: هذا القول بالموجب لا يسمع؛ لأن محل النزاع في هذه المسائل =","vol":"2","page":329},{"text":"أو يقول: عن هذا الحكم سئلت، وبه أفتيت، وعن دليله سئلت، فالقول بموجبه تسليم لما وقع التنازع بيننا فيه.\n[هل يكلف المعترض إبداء مستند القول بالموجب] .\nواختلف في تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب.\nفقيل: يلزمه ذلك؛ كيلا يأتي به نكرًا وعنادًا.\nومنهم من قال: لا يلزمه ذلك؛ فإنه إذا سلم ما ذكره المستدل، وعرف أنه لا يلزم منه الحكم: فقد وفّى بما هو حقيقة القول بالموجب، وبقي الخلاف بحاله، فيتبين أن ما ذكره ليس بدليل١.\nالمورد الثاني:\nأن يتعرض [المستدل] لحكم يمكن المعترض تسليمه مع بقاء الخلاف. مثاله: لو قال- في وجوب زكاة الخيل: \"حيوان تجوز المسابقة عليه، فتجب الزكاة فيه كالإبل\".\n_________\n= ونحوها مشهور، وهو أن النزاع في الزكاة هل تجب مع الدين؟ ووطء الثيب هل يجوز معه الرد؟ ومع الشهرة لا يقبل العدول عن المشهور، ولا دعوى خفائه. انظر: شرح المختصر \"٣/ ٥٦٠ – ٥٦١\".\n١ أورد الطوفي دليلًا آخر للمذهب الثاني فقال: \".... لأن المعترض عدل، وهو أعرف بمذهبه ومأخذه، فوجب تقليده في ذلك، وإلا كان مطالبته بالمستند تكذيبًا له\".\nثم قال: \"إن محل القولين إنما هو في المعترض العدل، أما إذا لم يكن عدلًا، أو كان معروفًا بحب الانتصار على الخصم حتى بالاسترسال في الكلام فلا بد من مطالبته بالمستند، لئلا يفضي إلى إفحام المستدل بغير حق، وتضييع فائدة النظر ونشر الكلام. ثم إذا ذكر مستند القول بالموجب، لا يجوز للمستدل الاعتراض عليه فيه ... \" شرح مختصر الروضة \"٣/ ٥٦٢-٥٦٣\".","vol":"2","page":330},{"text":"فيقول المعترض: \"أنا قائل بموجبه\"، وعندي: \"أنه تجب فيه زكاة التجارة، والنزاع في زكاة العين\".\nوطرق المستدل في الدفع أن يقول: النزاع في زكاة العين، وقد عرّفنا الزكاة بالألف واللام في سياق الكلام، فينصرف إلى موضع الخلاف ومحل الفتيا.\nولو أورد \"القول بالموجب\" على وجه بغير الكلام عن ظاهره: فلا يتوجه، فيكون منقطعًا١.\nمثاله: ما لو قال المستدل- في إزالة النجاسة: \"مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجس كالمرق\".\nفيقول المعترض: \"أقول به، فإن الخل النجس عندي لا يزيل النجاسة ولا الحدث\" فلا يصح ذلك، فإنه يعلم من حال المستدل: أنه يعني بقوله: \"مائع\": الخل الطاهر؛ إذ هو محل النزاع، واللفظ يتناوله ٢، والله سبحانه أعلم.\n_________\n١ معنى ذلك: أن المعترض إذا أورد القول بالموجب على وجه بغير كلام المستدل عن ظاهره، فلا يقبل منه، ويكون منقطعًا؛ لأن وجوده كعدمه، ولو عدم القول بالموجب لانقطع، فكذا إذا أتى به في حكم المعدوم؛ لأنه بتغير الكلام عن ظاهره، صار كالمناظر لنفسه.\n٢ وضحه الطوفي فقال: لأن محل النزع عقلًا وعرفًا وشرعًا: إنما هو الخل الطاهر، أما النجس: فمتفق علي أنه لا يزيل النجاسة، فصار كالنقض العام على العلة؛ لأن النجس لما لم يكن بإزالته للنجاسة قائل، صار مرفوضًا لا يفرض فيه نزاع، ولا يوجه إليه نظر\". انظر: شرح المختصر\"٣/ ٥٦٣\".","vol":"2","page":331},{"text":"[أسئلة أخرى ترد على القياس]\nوقد يعترض على القياس بغير ما ذكرناه:\nكقول نفاة القياس: هذا استعمال للقياس في الدين، ولا نسلم أنه حجة١.\nوقول الحنفية: هذا استعمال للقياس في الحدود والكفارات أو في \"المظانّ\"٢، ونحو ذلك مما بينا مسائله فيما مضى، وذكرنا حجة خصومنا، والجواب عنها، فلا حاجة إلى إعادته٣.\nوقد اختلف في وجوب ترتيب الأسئلة.\nولا خلاف في أنه أحسن وأولى. والله ﷾ أعلم.\n_________\n١ كما يقول الظاهرية\n٢ يعنى: الأسباب.\n٣ قال: الطوفي في شرحه \"٣/ ٥٦٥\": \"جميع الأسئلة المذكورة- على تعددها- راجعة عند التحقيق إلى منع حال الدليل ليسلم مذهب المعترض من إفساده له، أو إلى معارضة الدليل بما يقاومه أو يترجح عليه، لتضعف قوته عن إفساد مذهب المعترض\".","vol":"2","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>باب: [كتاب الاجتهاد]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>فصل: في حكم المجتهد</span>\nاعلم أن الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود، واستفراغ الوسع في فعل١. ولا يستعمل إلا فيما فيه جهد، يقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة.\nوهو في عرف الفقهاء: مخصوص ببذل المجهود في العلم بأحكام الشرع٢.\n_________\n١ الاجتهاد في اللغة: مشتق من مادة \"جهد\" بضم الجيم، بمعنى بذلك الجهد، وهو الطاقة، أو بفتح الجيم، بمعنى تحمل الجهد وهو المشقة. فالاجتهاد في اللغة بذل الجهد واستفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور الشاقة، سواء أكان في الأمور الحسية، كالمشي والعمل، أو في الأمور المعنوية، كاستخراج حكم أو نظرية عقلية أو شرعية أو لغوية. انظر: لسان العرب مادة \"جهد\" والمصباح المنير.\n٢ هذا تعريف للاجتهاد باعتباره مصدرًا دالًّا على الحدث، وهو فعل المجتهد، وعلى ذلك جمهور العلماء، وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى.\nومنهم من عرفه بالمعنى الاسمي، أي: باعتباره وصفًا للمجتهد نفسه، فقالوا في =","vol":"2","page":333},{"text":"والاجتهاد التام: أن يبذل الوسع في الطلب إلى أن يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب١.\n_________\n= تعريفة: \"هو ملكة يقتدر بها على استنبط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية\". انظر: الإحكام للآمدي \"٣/ ٢٠٤\".\n١ أشار المصنف بذلك إلى أن الاجتهاد قسمان: ناقص: وهو النظر المطلق في تعرّف الأحكام الشرعية، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال.\nوتام: وهو استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب. كما قال المصنف.","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>فصل: [شروط المجتهد] </span>.\nوشروط المجتهد:\nإحاطته بمدارك الأحكام المثمرة لها، وهي: الأصول التي فصلناها: الكتاب والسنة، والإجماع، واستصحاب الحال، والقياس التابع لها، وما يعتبر في الحكم في الجملة، وتقديم ما يجب تقديمه منها.\nفأما العدالة:\nفليست شرطًا لكونه مجتهدًا، بل متى كان عالًما بما ذكرناه: فله أن يأخذ باجتهاد نفسه، لكنها شرط لجواز الاعتماد على قوله، فمن ليس عدلًا لا تقبل فتياه.\nوالواجب عليه في معرفة الكتاب:\nمعرفة ما يتعلق منه بالأحكام وهي: قدر خمسمائة آيةٍ٢. ولا يشترط حفظها، بل علمه بمواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها وقت حاجته.\n_________\n= تعريفة: \"هو ملكة يقتدر بها على استنبط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية\". انظر: الإحكام للآمدي \"٣/ ٢٠٤\".\n١ أشار المصنف بذلك إلى أن الاجتهاد قسمان: ناقص: وهو النظر المطلق في تعرّف الأحكام الشرعية، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال.\nوتام: وهو استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب. كما قال المصنف.\n٢ قال الشيخ الطوفي: \"والصحيح أن هذا التقدير غير معتبر، وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصر؛ فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر =","vol":"2","page":334},{"text":"والمشترط في معرفة السنة:\nمعرفة أحاديث الأحكام، وهي وإن كانت كثيرة فهي محصورة١.\nولا بد من معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، ويكفيه أن يعرف أن المستدل به في هذه الحادثة غير منسوخ٢.\nويحتاج أن يعرف الحديث الذي يعتمد عليه فيها أنه صحيح غير ضعيف، إما بمعرفة رواته وعدالتهم، وإما بأخذه من الكتب الصحيحة\n_________\n= والنواهي، كذلك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ ونحوها، فقلَّ أن يوجد في القرآن الكريم آية إلا ويستنبط منها شيء من الأحكام....\" ثم قال: \"وكأن هؤلاء الذين حصروها في خمسمائة آية إنما نظروا إلى ما قصد منه بيان الأحكام دون ما استفيدت منه ولم يقصد به بيانها\" شرح المختصر \"٣/ ٥٧٧ – ٥٧٨\".\n١ أي: محصورة في كتب السنة، كالصحيحين وبقية السنن الستة وغيرها كثير، بالإضافة إلى الكتب التي اعتنت بأحاديث الأحكام بصفة خاصة مثل: الأحكام الكبرى لمحب الدين الطبري المتوفى سنة ٦٩٤هـ وكتاب المنتقي من الأخبار في الأحكام للإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله الحزاني المعروف بابن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢هـ.\n٢ لأن المنسوخ بطل حكمه، وأصبح الحكم للناسخ، ومن هنا تظهر أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ. روى عن على – ﵁: أنه رأي قاصًّا يقصُّ في مسجد الكوفة وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت، ثم قال له: أبو من أنت؟ قال: أبو يحيى. قال: أنت \"أبو اعرفوني\"، ثم أخذ أذنه ففتلها، وقال له: لا تقص في مسجدنا بعد.\nقال الطوفي- بعد أن حكى هذه القصة: \"ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث المنسوخة من الناسخة، بل يكفيه أن يعرف أن دليل هذا الحكم غير منسوخ، على أن الإحاطة بمعرفة ذلك أيسر من غيره؛ لقلة المنسوخ بالنسبة إلى المحكم من الكتاب والسنة\"، شرح المختصر \"٣/ ٥٨٠\".","vol":"2","page":335},{"text":"التي ارتضى الأئمة رواتها١.\nوأما الإجماع:\nفيحتاج إلى معرفة مواقعه، ويكفيه أن يعرف أن المسألة التي يفتي فيها هل هي من المجمع عليه، أم من المختلف فيهن أم هي حادثة؟ ويعلم استصحاب الحال على ما ذكرناه في بابه.\nويحتاج إلى معرفة نصب الأدلة وشروطها٢\nومعرفة شيء من النحو واللغة، يتيسر به فهم خطاب العرب، وهو: ما يميز به بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه.\n_________\n١ خلاصة ذلك: أنه يشترط في المجتهد- مع معرفته بأحاديث الأحكام – معرفة صحة الحديث، إما بالاجتهاد فيه إذا كانت لديه الأهلية والقوة في علم الحديث بحيث يستطيع معرفة طريق الحديث الذي ثبت به، ومن رواية أي البلاد هو، ويعلم عدالة رواته وضبطهم.\nوبالجملة: يعلم من حاله وجود شروط قبول الحديث، وانتفاء موانعه، وموجبات ردّه. هذا إن كان مجتهدًا في علم الحديث.\nأما إن كان دون ذلك، فيكفيه نقل الحديث من الكتب الصحاح التي ارتضى الأئمة رواتها، كالصحيحين، وسنن أبي داود ونحوها من الكتب الصحيحة. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٥٧٩-٥٨٠\".\n٢ أي: يشترط في المجتهد: أن يعرف تقرير الأدلة، وما يتحقق به نصب الدليل، ووجه دلالته على المطلوب، ولذلك: اشترط بعض العلماء معرفة علماء علم المنطق، كالإمام الغزالي وسماه \"معيار العلوم\"، وتبعه على ذلك الإمام الرازي وغيره؛ إذ به تتحقق معرفة نصب الأدلة، وتقرير مقدماتها، ووجه إنتاجها ... إلخ.","vol":"2","page":336},{"text":"ولا يلزمه من ذلك: إلا القدر الذي يتعلق به الكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك دقائق المقاصد فيه.\nفأما تفاريع الفقه: فلا حاجة إليها؛ لأنها مما ولَّدها المجتهدون بعد حيازة منصب الاجتهاد، فكيف يكون شرطًا لما تقدم وجوده عليها؟! ١\n[تجزؤ الاجتهاد]\nفليس من شرط الاجتهاد في مسألة: بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، بل متى علم أدلة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها: فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها.\nفمن نظر في مسألة \"المشرّكة\"٢: يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفًا بالفرائض: أصولها ومعانيها، وإن جهل الأخبار الواردة في تحريم المسكرات، والنكاح بلا ولي؛ إذ لا استمداد لنظر هذه المسألة منها، فلا تضر الغفلة عنها٣.\nولا يضره- أيضًا- قصوره عن علم \"النحو\" الذي يعرفه به قوله\n_________\n١ المصنف يرى أن معرفة الفروع الفقهية ليست شرطًا للاجتهاد؛ لأنها هي الثمرة التي يتوصل إليها المجتهد، فكيف تكون شرطًا؟! وعلى ذلك جمهور العلماء.\nبينما ذهب بعض العلماء إلى اشتراط ذلك، ولا يؤدي ذلك إلى الدور كما يقول الجمهور، وإنما هي لازمة للمجتهد ليطبق عليها القواعد التي يتوصل إليها، وخاصة في مواضع الاختلاف وأسبابها.\n٢ وهي مسألة تشريك عمر بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأم في الميراث. تقدم الحديث عنها.\n٣ ما قاله المصنف هو مذهب الجمهور. وذهب بعض العلماء كالإمام أبي حنيفة وغيره إلى أن العالم لا يقال له: مجتهد إلا إذا أحاط بأدلة الفقه جميعها. انظر: إرشاد الفحول \"٢/ ٣١٠ وما بعدها\" تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل.","vol":"2","page":337},{"text":"-تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وقس عليه كل مسألة.\nألا ترى أن الصحابة﵃- والأئمة من بعدهم قد كانوا يتوقفون في مسائل.\nوسئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: \"لا أدري\"٢. ولم يكن توَقُّفُه في تلك المسائل مخرجًا له عن درجة الاجتهاد. والله أعلم.\n_________\n١ سورة المائدة [من الآية: ٦] ومعنى ذلك: أن الباء ترد المعان كثيرة: منها الإلصاق، وقيل: إنها زائدة، وقيل: للتبعيض.\nوقد نقل عن علماء اللغة إنكار مجيئها للتبعيض.\nقال الطوفي: \"والمأخذ الجيد في تبعيض مسح الرأس غير هذا، وهو من وجهين:\nأحدهما: أن الباء استعملت في اللغة تارة بمعنى الإلصاق، نحو: أمسكت الجبل بيدي، أي: ألصقتها به، وتارة للتبعيض، وإن لم تكن موضوعة له، نحو: مسحت برأس اليتيم، ومسحت يدي بالمنديل، وأخذت بثبوت الرجل وبركابه. ولما استعملت في المعنيين بقيت في الآية مترددة بينهما، فكانت مجملة، فاقتصر في مسح الرأس على مطلق الاسم؛ لأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه، فلا يجب بالشك\". شرح المختصر \"٢/ ٦٣٥\".\n٢ انظر الانتقاء لابن عبد البر ص٣٨، وجامع بيان العلم وفضله ص٣٥٦.","vol":"2","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>فصل: مسألة: [في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -ﷺ</span>-]\n...\nمسألة: [في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -ﷺ-]\nويجوز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -ﷺللغائب.\nفأما الحاضر: فيجوز له ذلك بإذن النبي -ﷺ-.\nوأكثر الشافعية يجوزون ذلك بغير اشتراط.\n_________\n١ سورة المائدة [من الآية: ٦] ومعنى ذلك: أن الباء ترد المعان كثيرة: منها الإلصاق، وقيل: إنها زائدة، وقيل: للتبعيض.\nوقد نقل عن علماء اللغة إنكار مجيئها للتبعيض.\nقال الطوفي: \"والمأخذ الجيد في تبعيض مسح الرأس غير هذا، وهو من وجهين:\nأحدهما: أن الباء استعملت في اللغة تارة بمعنى الإلصاق، نحو: أمسكت الجبل بيدي، أي: ألصقتها به، وتارة للتبعيض، وإن لم تكن موضوعة له، نحو: مسحت برأس اليتيم، ومسحت يدي بالمنديل، وأخذت بثبوت الرجل وبركابه. ولما استعملت في المعنيين بقيت في الآية مترددة بينهما، فكانت مجملة، فاقتصر في مسح الرأس على مطلق الاسم؛ لأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه، فلا يجب بالشك\". شرح المختصر \"٢/ ٦٣٥\".\n٢ انظر الانتقاء لابن عبد البر ص٣٨، وجامع بيان العلم وفضله ص٣٥٦.","vol":"2","page":338},{"text":"وأنكر قوم التعبد بالقياس في زمن النبي -ﷺ-؛ لأنه يمكن الحكم بالوحي الصريح، فكيف يردهم إلى الظن؟\nوقال آخرون: يجوز للغائب، ولا يجوز للحاضر١.\nولنا:\nقصة معاذ حين قال: \"أجتهد رأيي\": فصوّبه٢.\nوقال لعمرو بن العاص٣: \"احكم\" في بعض القضايا، فقال: \"أجتهد وأنت حاضر؟! \" فقال: \"نعم، إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر\" ٤.\n_________\n١ خلاصة المسألة: أن في الاجتهاد في زمن النبي -ﷺعدة مذاهب:\nأحدها: جواز ذلك للغائب أما الحاضر فلا بد فيه من إذن النبي -ﷺ.\nثانيهما: جوازه للغائب وللحاضر بدون إذن منه -ﷺ.\nثالثها: منعه مطلقًا للغائب والحاضر، وهو منقول عن بعض الشافعية وبعض المعتزلة.\nرابعًا: التوقف. ولم يذكره المصنف. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٥٨٩\".\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ هو: عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي أحد أصحاب رسول الله -ﷺأسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، كان من دهاة العرب، وهو الذي فتح مصر في عهد عمر بن الخطاب. توفيى سنة ٤٣هـ. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي \"٢/ ٢٣٥-٢٤٠\"، الأعلام \"٥/ ٢٤٨-٢٤٩\".\n٤ أخرجه أحمد في المسند \"٤/ ٢٠٥\"، والحاكم في المستدرك \"٤/ ٨٨\"، والدارقطني في سننه \"٤/ ٢٠٣\" ولفظه: أن رجلين اختصما إلى رسول الله -ﷺفقال لعمرو: \"اقض بينهما\" فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله؟! قال: \"نعم، إنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فاخطأت فلك أجر\".","vol":"2","page":339},{"text":"وقال لعقبة بن عامر١ ولرجل من الصحابة: \"اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة\" ٣.\nوفوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ٤، فحكم، وصوّبه النبي -ﷺ.\n_________\n١ هو: عقبة بن عامر بن عبس بن مالك الجهني، صحابي جليل روى الكثير من الأحاديث، وكان من القراء وأحد الذين جمعوا القرآن. توفيى سنة ٥٨هـ الإصابة \"٤/ ٥٢٠\"، حلية الأولياء \"٢/ ٨\".\n٢ في الأصل \"ولرجلين\"، والمثبت من المستصفى، وهو الذي يتفق مع السياق.\n٣ أخرجه الدارقطني عن عقبة بن عامر، ولم يذكر معه رجلًا آخر، ولفظه في مجمع الزوائد \"٤/ ١٩٥\" عن عقبة بن عامر الجهني﵁: قال: جئت إلى رسول الله -ﷺوعنده خصمان يختصمان، فقال: \"اقض بينهما\" فقلت: بأبي وأمي أنت أولى بذلك مني: فقال: \"اقض بينهما\" فقلت: على ماذا؟ فقال: \"اجتهد فإن أصبت فلك عشر حسنات، وإن لم تصب فلك حسنة\" ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حفص بن سليمان الأسدي، وهو متروك.\n٤ هو: سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، سيد الأوس، أسلم على يد مصعب بن عمير قبل الهجرة، شهد بدرًا وأحدًا، وقريظة، والخندق، توفى – ﵁- شهيدًا من جرح أصابه في غزوة الخندق. فقال النبي -ﷺ: \"اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ\" انظر: الإصابة \"٣/ ٨٧\"، أسد الغابة \"٢/ ٣٧٣\".\n٥ روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري: أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله -ﷺ- إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا قريبًا من المسجد قال رسول الله -ﷺ: \"قوموا إلى سيدكم، أو خيركم\" فقعد عند النبي -ﷺ- فقال له: \"إن هؤلاء نزلوا على حكمك\" فقال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم فقال: \"لقد حكمت بما حكم به الملك\".\nوفي رواية \"قضيت بحكم الله ﷿\". انظر: فتح الباري \"٦/ ١٦٥\"، صحيح مسلم \"٣/ ١٣٨٨، ١٣٨٩\"، مسند الإمام أحمد \"٣/ ٢٢\".","vol":"2","page":340},{"text":"ولأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته، ولا يفضي إلى محال، ولا مفسدة. ولا يبعد أن يعلم الله – تعالى- لطفًا فيه يقتضي أن يناط به صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد، لعلمه أنه لو نصَّ لهم على قاطع: لعصوا، كما ردّهم في قاعدة الربا إلى الاستنباط من الأعيان الستة، مع إمكان التنصيص على كل مكيل وموزون، أو مطعوم.\nوكان الصحابة﵃ – يروي بعضهم عن بعض، مع إمكان مراجعة النبي -ﷺ-.\nكيف ورسول الله -ﷺقد تُعُبِّد بالقضاء بالشهود والحكم بالظاهر، حتى قال: \"إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع\" ١؟!.\nوكان يمكن نزول الوحي بالحق الصريح في كل واقعة.\nوإمكان النص لا يجعل النص موجودًا. والله﷾- أعلم.\n_________\n١ حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم بلفظ: \"إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضٍ فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو ليتركها\". انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي \"٤/ ١٦٣\"، صحيح مسلم بشرح النووي \"٤/ ١٢\"، سنن أبي داود \"٢/ ٢٠٥\"، سنن ابن ماجة \"٢/ ٧٧٧\"، مشكاة المصابيح \"٢/ ٣٤٢\".","vol":"2","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>فصل: [في تعبد النبي -ﷺبالاجتهاد]</span>\nويجوز أن يكون النبي -ﷺ- متعبَّدًا بالاجتهاد فيما لا نص فيه\nوأنكر ذلك قوم؛ لأنه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح.","vol":"2","page":341},{"text":"ولأن قوله نص قاطع، والظن يتطرق إليه احتمال الخطأ، فهما متضادان١.\nولنا:\nأنه ليس بمحال في ذاته، ولا يفضي إلى محال ولا مفسدة.\nولأن الاجتهاد طريق لأمته، وقد ذكرنا أنه يشاركهم فيما ثبت لهم من الأحكام٢.\nوقولهم: \"هو قادر على الاستكشاف\".\nقلنا: فإذا استكشف: فقيل له: حكمنا عليك أن تجتهد، فهل له أن ينازع الله – تعالى – فيه؟!\n_________\n١ قال الطوفي في شرحه \"٣/ ٥٩٣-٥٩٤\": \"اعلم أن ما فيه نص إلهي لا يجوز للنبي -ﷺ- أن يجتهد فيه بخلاف النص شرعًا، لقوله عزل وجل: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] .\nأما ما لا نصَّ فيه، فهل متعبد بالاجتهاد فيه أم لا؟ فالمذاهب فيه أربعة:\nأحدها: الإثبات، وهو مذهب أحمد، والقاضي أبي يوسف.\nوالثاني: النفي، وهو قول أبي على الجبائي وابنه أبي هاشم.\nوالثالث: الإثبات في الحروب والآراء، دون الأحكام الشرعية.\nوالرابع: تجويزه من غير قطع به. حكاه الآمدي عن الشافعي في رسالته.\nقال: وبه قال بعض الشافعية، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري.\nوالتحقيق أن الكلام في جواز ذلك ووقوعه، والأصح جوازه؛ إذ لا يلزم منه محال، ولا أحسب أحدًا ينازع في الجواز عقلًا، إنما ينازع من ينازع فيه شرعًا، وأما الوقوع: فحكى الغزالي فيه أقوالًا، ثالثها الوقف واختاره.\nوقال القرافي: توقف أكثر المحققين في الكل، واختار الآمدي الجواز والوقوع، وذكر القوافي أن الشافعي وأبا يوسف قالا بالوقوع\".\n٢ إلا ما ثبت اختصاصه به -ﷺ-","vol":"2","page":342},{"text":"وقولهم: \"إن قوله نص\".\nقلناك إذا قيل له: ظنك علامة الحكمن فهو يستيقن الظن والحكم جميعا، فلا يحتمل الخطأ.\nومنع هذا \"القدرية\"١ وقالوا: إن وافق الصلاح في البعض، فيمتنع أن يوافق الجميع.\nوهو باطل؛ لأنه لا يبعد أن يلقي الله – تعالى- في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح عباده.\nوأما وقوع ذلك:\nفاختلف أصحابنا فيه.\nواختلف أصحاب الشافعي فيه أيضًا.\nوأنكره أكثر المتكلمين٢:\nلقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ .\nولأنه لو كان مأمورًا به لأجاب عن كل واقعة، ولما انتظر الوحي، ولنقل ذلك واستفاض.\nولأنه كان يختلف اجتهاده فيتهم بسبب تغيُّر الرأي٤.\n_________\n١ تقدم التعريف بهم.\n٢ تقدم قريبًا بيان خلاصة هذه المذاهب نقلًا عن شرح الطوفي.\n٣ سورة النجم [الآية: ٣] .\n٤ العبارة هكذا في الأصل وهي غير واضحة. وعبارة الغزالي: \"الثالث: أنه لو كان، لكان ينبغي أن يختلف اجتهاده ويتغير، فيتهم بسبب تغير الرأي\".\nالمستصفى \"٤/ ٢٧\". ومعناها: أنه لو وقع منه -ﷺ- اجتهاد أنه يحصل فيه تغير واختلاف في الرأي في بعض الأمور فيتهم – -ﷺ- بسبب ذلك.","vol":"2","page":343},{"text":"ولنا:\nقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١. وهو عام.\nولأنه عوتب في أساري بدر، ولو حكم بالنص: لما عوتب٢.\nولما قال- في مكة: \"لا يُخْتَلى خَلَالها\" قال العباس٣: إلا الإذخر. فقال: \"إلّا الإذخَرَ\" ٤.\nولما سئل عن الحج: ألعامنا هو أم للأبد؟ فقال: للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب\"٥.\n_________\n١ سورة الحشر [من الآية: ٢] .\n٢ أما وقد عوتب -ﷺ- في أخذ الفداء، فهذا يدل على أنه -ﷺ- قد اجتهد، والآيات في ذلك صريحة. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى أن قال- سبحانه: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨] .\n٣ هو: العباس بن عبد المطلب- عم الرسول -ﷺ- تقدمت ترجمته.\n٤ عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺقال: \"إن الله – ﷿- حرّم مكة، فلم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يُخْتَلَى خَلَاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرّف\" فقال العباس: إلا الإذخَر لصاغتنا وقبورنا. قال: \"إلا الإذخَر\" أخرجه الإمام أحمد في مسنده حديث رقم \"٢٢٧٩\"، والبخاري \"١٣٤٩\" \"١٨٣٣\"، \"٢٠٩٠\"، والطبراني \"١١٩٥٧\" والبيهقي \"٥/ ١٩٥\".\nومعنى \"خلالها\" الخلا: نبات رقيق ما دام رطبًا، ومعنى \"لا يُختَلى\": لا يقطع، و\"لا يعضد\" أي: لا يقطع. و\"الإذخر\": حشيشة معروفة طيبة الريح توجد بالحجاز. كما قال الحافظ في هدى الساري ص٧٦.\n٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"١/ ٣٥٢، ٣٧٠، ٣٧١\" وأبو داود \"١٧٢١\" والنسائي \"٥/ ١١١\" وابن ماجة \"٢٨٨٦\" من حديث ابن عباس ﵄- وفي رواية \"لوجبت\" أي: الكلمة أو الحجة كل عام.","vol":"2","page":344},{"text":"ولما نزل ببدر للحرب قال له الحباب١: إن كان بوحي: فسمعًا وطاعة، وإن كان باجتهاد: فليس هذا هو الرأي. قال: \"بل باجتهاد\" ورحل٢.\nولما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل في المدينة، وكتب بعض الكتاب ذلك، جاء سعد بن معاذ٣، وسعد بن عبادة٤، فقالا له: مثل مقالة الحباب، قال: \"بل هو رأي رأيته لكم\". فقالا: ليس ذاك برأي، فرجع إلى قولهما، ونقض رأيه٥.\n_________\n١ هو: الحباب بن المنذر بن الجموح، الأنصاري الخزرجي، شهد مع رسول الله -ﷺ- بدرًا والمشاهد كلها، وكان يقال له: ذا الرأي. توفي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁- بالمدينة المنورة. انظر: الإصابة \"١/ ٣١٦\"، أسد الغابة \"١/ ٤٣٦\".\n٢ المصنف حكى القصة بالمعنى. ولفظها- كما جاء في كتب السيرة – وسار رسول الله -ﷺحتى نزل أدنى ماء من مياه بدر..... فأتاه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل منزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال -﵊: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغوِّر ما وراءه من القُلُب \"جمع قليب وهي: البئر العادية القديمة\" ثم نبني عليه حوضًا فنملأه فنشرب ولا يشربون. فاستحسن رسول الله -ﷺهذا الرأي وفعله\". رواه الحاكم في المستدرك \"٣/ ٤٢٧\"، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام \"١/ ٦٢٠\".\n٣ تقدمت ترجمته.\n٤ هو: سعد بن عبادة من دليم الخزرجي الأنصاري، سيد الخزرج، ونقيب بني ساعدة، وصاحب راية الأنصار في المشاهد كلها، شهد بدرًا وما بعدها، ومناقبه كثيرة جدًّا، خرج على الشام فمات بحوران سنة ١٥هـ، وقيل: سنة ١٦هـ. الإصابة \"٢/ ٣٠\".\n٥ تروي كتب السيرة أن سبب ذلك هو تألب المشركين واستعدادهم لمهاجمة =","vol":"2","page":345},{"text":"ولأن داود وسليمان -﵉- حكَما بالاجتهاد، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ . ولو حكما بالنص: لم يخص سليمان بالتفهيم، ولو لم يكن الحكم بالاجتهاد جائزًا، لما مدحهما الله – تعالى- بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ .\nوأما انتظار الوحي٢:\nفلعله حيث لم ينقدح له اجتهاد، أو حكم لا يدخله الاجتهاد.\nوأما الاستفاضة:\nفلعله لم يطلع عليه الناس٣.\nوأما التهمة بتغير الرأي:\nفلا تعويل عليه؛ فقد اتهم بسبب النسخ ولم يبطله ٤.\n_________\n= المسلمين بالمدينة فأراد -ﷺ- أن يحول بينهم وبين المسلمين، فعزم على أن يصالح \"غطفان\" على ثلث ثمار المدينة، وبعد أن كتب الصلح مع عيينة بن حص، وقبل أن يوقعه استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأشارا عليه بعدم ذلك، فأمر بمحو الصحيفة. رواه البزار والطبراني في الكبير، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام \"٢/ ٢٢٣\"، مجمع الزوائد \"٦/ ١٣٢\".\n١ سورة الأنبياء من الآية: \"٧٩\".\n٢ بدأ المصنف يرد على أدلة المخالفين وأوّلها: أنه كان ينتظر الوحي ... إلخ، فأجاب: بأنه كان ينتظر الوحي عند تعارض مدارك الأحكام، ومسالك الاجتهاد، واستبهام وجه الحق والصواب، أما حين يظهر له ذلك فإنه كان -ﷺ- يجتهد، هذا إذا كان الحكم اجتهاديًّا، أو كان لا يجتهد إذا كان الحكم لا يدخل تحت دائرة الاجتهاد.\n٣ هذا ردٌّ على دليلهم الثاني، وهو قولهم: \"لو اجتهد لنقل ذلك واستفاض\". فأجاب المصنف: بأنّا لا نسلم أن من ضرورة وقوع الاجتهاد نقله، فضلًا عن استفاضته؛ فهناك العديد من القضايا وقعت ولم تنقل، كما لا نسلم أن ذلك لم ينتشر، بل هي مستفيضة ومشهورة. انظر في ذلك: شرح الطوفي \"٣/ ٦٠٠\".\n٤ هذا هو الرد على الدليل الثالث، وهو: \"أنه لو اجتهد لاختلف اجتهاده فيتهم\". =","vol":"2","page":346},{"text":"وعورض بأنه لو لم يتعبد بالاجتهاد: لفاته ثواب المجتهدين١.\n_________\n= وخلاصة الردّ: عدم التسليم بأنه لو اجتهد لاختلف اجتهاده؛ لأنه معصوم، ومؤيد بالوحي الإلهي، فلو أخطأ لصحح له الوحي. على أنه -ﷺ- قد اتهم في النسخ من قبل السفهاء من الكفار بأنه يفعل اليوم أمرًا ثم ينهى عنه غدًا، ولم يؤدِ ذلك إلى بطلان النسخ.\n١ قوله \"وعورض....\" أي: عورض كلام المانعين. والواقع أن هذا من تكملة أدلة الجمهور على وقوع الاجتهاد منه -ﷺ- فكان الأولى ذكره قبل الرد على المخالفين.","vol":"2","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>فصل: [في خطأ المجتهد وإصابته]</span>\nالحق في قول واحد من المجتهدين، ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين، أو أصوله٢.\nلكنه إن كان في فروع الدين، مما ليس فيه دليل قاطع -من نص أو إجماع- فهو معذور غير آثم، وله أجر على اجتهاده.\nوبه قال بعض الحنفية والشافعية.\n_________\n= وخلاصة الردّ: عدم التسليم بأنه لو اجتهد لاختلف اجتهاده؛ لأنه معصوم، ومؤيد بالوحي الإلهي، فلو أخطأ لصحح له الوحي. على أنه -ﷺ- قد اتهم في النسخ من قبل السفهاء من الكفار بأنه يفعل اليوم أمرًا ثم ينهى عنه غدًا، ولم يؤدِ ذلك إلى بطلان النسخ.\n١ قوله \"وعورض....\" أي: عورض كلام المانعين. والواقع أن هذا من تكملة أدلة الجمهور على وقوع الاجتهاد منه -ﷺ- فكان الأولى ذكره قبل الرد على المخالفين.\n٢ ينبغي أن نقرر أولًا: أن الأمور التي يجري فيها الاجتهاد إما أن تكون قطعية أو ظنية: فإن كانت قطعية فالمخطئ فيها آثم بلا خلاف؛ لأن الحقَّ فيها واحد؛ فمن أصابه فهو المحق، ومن أخطأه فهو المبطل، سواء أكان مدرك ذلك عقليًّا محضًا، كحدوث العالم، ووجود الصانع- جل وعلا- أو شرعيًّا مستندًا إلى ثبوت أمر عقلي، كعذاب القبر، والصراط، والميزان. انظر: الإحكام للآمدي \"٤/ ١٧٨\"، شرح الكوكب المنير \"٤/ ٤٨٨\" والخلاف بين العلماء إنما هو في الأمور الظنية، كما هو واضح.","vol":"2","page":347},{"text":"وقال بعض المتكلمين: كل مجتهد \"في الظنيات\" مصيب، وليس على الحق دليل مطلوب.\nواختلف فيه عن أبي حنيفة والشافعي.\nوزعم بعض من يرى تصويب كل مجتهد: أن دليل هذه المسألة قطعي٢.\nوفَرَضَ ٣ الكلام في طرفين.\nأحدهما: مسألة فيها نص فينظر:\nفإن كان مقدورًا عليه، فقصّر المجتهد- في طلبه: فهو مخطئ آثم؛ لتقصيره.\nوإن لم يكن مقدورًا عليه لبعد المسافة، وتأخير المبلّغ: فليس بحكم في حقه.\nبدليل أن الله- تعالى- لما أمر جبريل أن يخبر محمدًا -ﷺ- بتحويل القبلة إلى الكعبة، فصلَّى قبل إخبار جبريل إياه لم يكن مخطئًا٤.\nولما بُلِّغ النبي -ﷺوأهل قباء يصلون إلى بيت المقدس لم\n_________\n١ ما بين القوسين من المستصفى \"٤/ ٤٨\".\n٢ يقصد بذلك الإمام الغزالي، حيث نقل كلامه من أول قوله: \"وفَرَضَ الكلام ... \" إلى قوله: \"بخلاف أدلة العقول؛ فإنها لا تختلف\"، والغريب أنه لم يصرح باسمه- كما قلنا في مقدمة الكتاب- مع أنه يختصر كلامه، أو يستبدل عبارته بعبارة مرادفة لها!\n٣ أي: الغزالي.\n٤ عبارة الغزالي: \"أنه لو صلَّى النبي -ﷺإلى بيت المقدس، بعد أن أمر الله – تعالى- جبريل أن ينزل إلى محمد – ﵇- ويخبره بتحويل القبلة، فلا يكون النبي مخطئًا؛ لأن خطاب استقبال الكعبة- بعد – لم يبلغه\".","vol":"2","page":348},{"text":"يبلغهم: لم يكونوا مخطئين.\nولو بلغ أهل قباء فاستمر أهل مكة على الصلاة إلى أن بلغهم: لم يكونوا مخطئين.\nوإذا ثبت هذا فيما فيه نصُّ: ففيما لا نصَّ فيه أولى.\nولا يخلو: إما أن تكون الإصابة ممكنة، أو محالًا. ولا تكليف بالمحال. ومن أمر بممكن، فتركه، أثم وعصى؛ إذ يستحيل أن يكون مأمورًا ولم يعص ولم يأثم بالمخالفة؛ لمناقضة ذلك للإيجاب.\nوزعم: أن هذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل مصنف.\nثم قال١: الظنيات لا دليل فيها؛ فإن الأمارات الظنية ليست أدلة لأعيانها، بل تختلف بالإضافات من دليل يفيد الظن لزيد، ولا يفيده لعمرو، مع إحاطته به.\nبل ربما يفيد الظن لشخص واحد في حالة دون حالة.\nبل قد يقوم في حق شخص واحد في حالة واحدة دليلان متعارضان، ولا يتصور في القطعية تعارض.\nولذلك ذهب أبو بكر الصديق – ﵁- إلى التسوية في العطاء، وعمر إلى التفضيل٢، وكل واحد منهما كشف لصاحبه دليله وأطلعه عليه، فغلب على ظن كل واحد منهما ما صار إليه، وكان مغلّبًا\n_________\n١ أي: الغزالي- أيضًا- وهذا هو الطرف الثاني، وإن كان الغزالي لم يعنون له في المستصفى.\n٢ رُوي عن أبي بكر﵁- أنه قال: \"إنما أسلموا لله، وأجورهم عليه، وإنما الدنيا بلاغ\" أما عمر ﵁- فقال: \"لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا\" تقدم تخريج ذلك في فصل إثبات القياس على منكريه.","vol":"2","page":349},{"text":"على ظنه دون صاحبه؛ لاختلاف أحوالهما.\nفمن خُلِقَ خِلْقَتُهما١ يميل ميلهما، ويصير إلى ما صارا إليه في الاختلاف، ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسة يوجب اختلاف الظنون.\nفمن مارس الكلام: ناسب طبعه أنواعًا من الأدلة يتحرك بها ظنه، لا يناسب ذلك طبع من مارس الفقه.\nومن غلب عليه الغضب: مالت نفسه إلى ما فيه \"شهامة وانتقام\"٢.\nومن رقَّ طبعه: مال إلى الرفق والمساهلة.\nبخلاف أدلة العقول؛ فإنها لا تختلف.\nوذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الإثم غير محطوط في الفروع٣، بل فيها حقّ معين٤ عليه دليل قاطع؛ لأن العقل قاطع بالنفي الأصلي، إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع.\nوإنما استقام لهم هذا؛ لإنكارهم القياس وخبر الواحد.\nوبما أنكروا الحكم بالعموم والظاهر٥.\nوزعم الجاحظ٦: أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر، فعجز عن درك الحقِّ: فهو معذور غير آثم.\n_________\n١ فسرهما الغزالي- بعد ذلك – فقال: \"ومن خلقه الله خلقة عمر وعلى حالته وسجيته....\"\n٢ في جميع النسخ: \"السياسة والانتقام\" والمثبت من المستصفى وهو المناسب.\n٣ وكذلك الأصول من باب أولى، كما قال الطوفي في شرحه \"٣/ ٦٠٣\".\n٤ في الأصل \"يتعين\" والمثبت من المستصفى.\n٥ بعدها في المستصفى: \"المحتمل\".\n٦ هو: عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان، المعروف بالجاحظ، العالم =","vol":"2","page":350},{"text":"وقال عبيد الله بن الحسن العنبري١: كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع جميعًا.\nوهذه كلها أقاويل باطلة.\nأما الذي ذهب إليه الجاحظ:\nفباطل يقينًا، وكفر بالله- تعالى- وردٌّ عليه وعلى رسوله -ﷺالنبي -ﷺ- فإنا نعلم – قطعًا – أن النبي -ﷺأمر اليهود والنصارى بالإسلام واتِّباعه، وذمهم على إصرارهم.\nونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم.\nونعلم: أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة، اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا، ولم يعرفوا معجزة الرسول وصدقه.\nوالآيات الدالّة في القرآن على هذا كثيرة:\nكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤، ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٥، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ\n_________\n= المشهور، صاحب التصانيف في كل فنٍّ، وإليه تنسب فرقة الجاحظية من المعتزلة، من مؤلفاته: \"البيان والتبيين\" و\"الحيوان\". توفي بالبصرة سنة ٢٥٥هـ انظر: وفيات الأعيان \"٣/ ١٤٠\" بغية الوعاة \"٢/ ٢٢٨\".\n١ هو: عبيد الله بن الحسن بن الحسين العنبري بن تميم، فقيه محدث، ولي القضاء بالبصرة، ولد سنة ١٠٥هـ وتوفي سنة ١٦٨هـ انظر: تاريخ بغداد \"١٠/ ٣٠٦\"، الأعلام \"٤/ ٣٤٦\".\n٢ سورة ص، من الآية: \"٢٧\".\n٣ سورة فصلت، الآية: \"٢٣\".\n٤ سورة البقرة، من الآية: \"٧٨\".\n٥ سورة المجادلة، من الآية: \"١٨\" وتمامها: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .","vol":"2","page":351},{"text":"مُهْتَدُونَ﴾ ١، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِه ِ ...﴾ ٢.\nوفي الجملة: ذم المكذبين لرسول الله -ﷺمما لا ينحصر في الكتاب والسنة.\nوقول العنبري: \"كل مجتهد مصيب\".\nإن أراد: أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه: فهو كقول الجاحظ.\nوإن أراد: أن ما اعتقده فهو على اعتقاده: فمحال؛ إذ كيف يكون قِدَمُ العالم وحدوثه حقًّا، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه وهذه أمور ذاتية، لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها؟!.\nفهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية٣:\nفإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها، وجعلها تابعة للمعتقدات.\nوقد قيل: إنما أراد٤ اختلاف المسلمين.\nوهو٥ باطل كيفما كان؛ إذ كيف يكون القرآن قديمًا مخلوقًا، والرؤية محالًا ممكنًا وهذا محالٌ؟! ٦.\n_________\n١ سورة الزخرف، من الآية: \"٣٧\".\n٢ سورة الكهف، من الآيتين: \"١٠٤، ١٠٥\".\n٣ تقدم التعريف بهم.\n٤ أي: العنبري.\n٥ أي: تفسير قول العنبري: بأن المراد به: اختلاف المسلمين.\n٦ معنى هذا: أن المعتذرين عن العنبري بأنه يقصد: اختلاف المسلمين، قولهم هذا مردود؛ فإن المعتزلة قالوا: القرآن مخلوق، والسلف الصالح وأهل الحديث قالوا: هو قديم، فكيف يتصور على زعمه أن يكون قديمًا وحديثًا؟! وكيف يتصور =","vol":"2","page":352},{"text":"والدليل على أن الحق في جهة واحدة١: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعنى٢.\nأما الكتاب:\nفقول الله – تعالى- ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٣.\nفلو استويا في إصابة الحكم: لم يكن لتخصيص سليمان بالفهم معنى. وهو يدلُّ على فساد مذهب من قال: \"الإثم غير محطوط عن المخطئ\"، فإن الله- تعالى- مدح كلا منهما وأثنى عليه بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٤.\nفإن قيل: فيكف يجوز أن ينسب الخطأ إلى داود وهو نبيٌّ؟! ومن أين\n_________\n= اجتماع الممكن والمحال، إذ أن السلف يقولون: إن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة داخلة في الممكن، والمعتزلة قالوا: هي من المحال. انظر: نزهة المخاطر \"٢/ ٤٢٠\".\n١ بدأ المصنف يورد الأدلة على أن الحق في قول واحد بعينهن ومن عداه مخطئ.....\n٢ المراد بالمعنى: الدليل العقلي.\n٣ سورة الأنبياء، من الآيتين: \"٧٨، ٧٩\".\n٤ قال الطوفي: موضحًا ذلك: \"ولولا أن الحق في جهة بعينها، لما خصَّ سليمان بالتفهيم؛ إذ كان يكون ترجيحًا بلا مرجح، ولولا سقوط الإثم عن المخطئ، لما مدح داود ﵇ بقوله – ﷿: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ لأن المخطئ لا يمدح، فدلّ هذا على أن الحق في قول مجتهد معيّن، وأن المخطئ في الفروع غير آثم\". شرح المختصر \"٣/ ٦٠٥\".","vol":"2","page":353},{"text":"لكم أنه حكم باجتهاده، وقد علمتم الاختلاف في جواز ذلك١؟!.\nثم لو كان مخطئًا: كيف يمدح المخطئ وهو يستحق الذم؟!\nثم يحتمل: أنهما كانا مصيبين فنزل الوحي بموافقة أحدهما\nقلنا:\nيجوز وقوع الخطأ منهم، لكن لا يقرّون عليه، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.\nوإذا تُصُوِّر وقوع الصغائر منهم: فكيف يمتنع وجود خطأ لا مأثمَ فيه، وصاحبه مثاب مأجور؟!\nولولا ذلك: ما عوتب نبينا﵇ – على الحكم في أسارى بدر، ولا في الإذن في التخلف عن غزوة تبوك فقال- تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ....﴾ ٢.\nوقال النبي -ﷺ: \"إنكم لتختصمون إليَّ، ولعلّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ، وإنما أقضي على نحو ما أسمعُ، فمن قضيت له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذْهُ؛ فإنما أقْطعُ له قطعةً من النار\" ٣.\nفبين أنه يقضي للرجل بشيء من حقِّ أخيه.\nقولهم: \"من أين لكم أنه حكم بالاجتهاد؟! \"\nقلنا:\nالآية دليل عليه؛ فإنه لو حكم بنص: لما اختصَّ سليمان بالفهم دونه.\n_________\n١ في مسألة جواز تعبّد النبي -ﷺبالاجتهاد فيما لا نص فيه.\n٢ سورة التوبة من الآية \"٤٣\".\n٣ تقدم تخريج الحديث.","vol":"2","page":354},{"text":"وقولهم: \"إن النص نزل بموافقة سليمان\".\nقلنا:\nلو كان ما حكم به داود – ﵇- صوابًا وهو الحق، فتغير الحكم بنزول النص: لا يمنع أن يكون فهمهما وقت الحكم، ولا يوجب اختصاص \"سليمان\" بالإصابة، كما لو تغير بالنسخ.\nوأما السنة:\nفما تقدم من الخبر، فإن النبي -ﷺأخبر بأنه يقضي للإنسان بحق أخيه.\nولو كان يأثم بذلك: لم يفعله النبي -ﷺ.\nولو كان ما قضي به هو الحكم عند الله – تعالى- لما قال: \"قضيت له بشيء من حق أخيه\" ولا قال: \"إنما أقطع له قطعة من النار\".\nولأن الحكم عند الله تعالى- لا يختلف باختلاف لحن١ المتخاصمين، أو تساويهما.\nوروي أن النبي -ﷺ- كان إذا بعث جيشًا أوصاهم فقال: \"إذا حاصرتم حصنًا أو مدينة، فطلبوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله؛ فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم\" ٢.\n_________\n١ اللَّحَن- بفتحتين: الفطنة، وهو سرعة الفهم، وفلان ألحن من فلان، أي: أسبق فهمًا منه. والمراد منه هنا: أن بعضكم قد يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره. انظر: المصباح المنير مادة \"لحن\".\n٢ أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، وأبو داود: كتاب الجهاد باب في دعاء المشركين، والترمذي: كتاب السير، باب ما جاء في وصيته -ﷺ- في القتال، وابن ماجة: كتاب الجهاد، باب وصية الإمام، من حديث سليمان بن بريدة الأسلمي.","vol":"2","page":355},{"text":"وروى ابن عمر وعمرو بن العاص وأبو هريرة، وغيرهم: أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر\".\nهذا لفظ رواية عمرو. أخرجه مسلم١.\nوهو حديث تلقته الأمة بالقبول.\nوهو صريح في: أنه يحكم باجتهاده فيخطئ ويؤجر دون أجر المصيب.\nفإن قيل: المراد به: أنه أخطأ مطلوبه، دون ما كلّفه، كخطأ الحاكم، ردّ المال إلى مستحقيه٢، مع إصابته حكم الله عليه، وهو اتباع موجب ظنه. وخطأ المجتهد جهة القبلة مع أن فرضه جهة يظن أن مطلوبه فيها. وهذا يتحقق في كل مسألة فيها نص، أو اجتهاد يتعلق بتحقيق المناط، كأروش الجنايات، وقدر كفاية القريب؛ فإن فيها حقيقة معينة عند الله، وإن لم يكلف المجتهد طلبها٣.\nقلنا:\nفإذا سلم هذا: ارتفع النزاع، فإننا لا نقول: إن المجتهد يُكلَّف إصابة الحكم، وإنما لكل مسألة حكم معين يعلمه الله، كلف المجتهد طلبه، فإن اجتهد فأصابه فله أجران، وإن أخطأه فله أجر على اجتهاده،\n_________\n١ في كتاب الأقضية، باب أجر الحاكم إذا اجتهد وأخطأ، والبخاري: كتاب الاعتصام: باب أجر الحكام إذا اجتهد فأصاب وأخطأ، وأبو داود: كتاب الأقضية، باب في القاضي يخطئ.\n٢ عبارة الغزالي في المستصفى \"٤/ ٧٦\": \"فإن الحاكم يطلب ردّ المال إلى مستحقه وقد يخطئ ذلك، فيكون مخطئًا فيما طلبه، مصيبًا فيما هو حكم الله – تعالى- عليه\".\n٣ في الأصل \"طلبه\" والمثبت من المستصفى \"٤/ ٧٧\".","vol":"2","page":356},{"text":"وهو مخطئ، وإثم الخطأ محطوط عنه.\nكما في مسألة القبلة؛\" فإن المصيب لجهة الكعبة عند اختلاف المجتهدين واحد، ومن عداه مخطئ يقينًا، يمكن أن يبين له خطأه، فيلزمه إعادة الصلاة عند قوم، ولا يلزمه عند آخرين، لا لكونه مصيبًا لها، بل سقط عنه التوجه إليها، لعجزه عنها.\nوهكذا كون حق زيد عند عمرو، إذا اختلف فيه مجتهدان، فالمصيب أحدهما، والآخر مخطئ؛ إذ لا يمكن كون ذمة عمرو مشغولة بريئة.\nوتخصيص ذلك بما فيه نص خلاف موجب العموم، وهو باطل- أيضًا- فإن القياس [في] معنى النص، ونحن نتعرف بالبحث المعني الذي قصده النبي -ﷺ- فهو كالنص.\nوأما الإجماع:\nفإن الصحابة﵃ – اشتهر عنهم في وقائع لا تحصى: إطلاق الخطأ على المجتهدين.\nمن ذلك: قول أبي بكر﵁: في الكلالة: \"أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان\"١.\nوعن ابن مسعود في قصة \"برْوع\" مثل ذلك٢.\nوقال عمر – ﵁- لكاتبه: \"اكتب: هذا ما رآه عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر\"٣.\n_________\n١ تقدم تخريج الأثر.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ جاء في سنن البيهقي \"١٠/ ١١٦\": أن عمر رأى رأيًا، فكتب الكاتب: هذا ما =","vol":"2","page":357},{"text":"وقال- في قضية قضاها: \"والله، ما يدري عمر أصاب أم أخطأ\" ذكره الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد١ عن أبيه.\nوقال علي لعمر- في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها، وقد استشار عثمان وعبد الرحمن، فقالا: \"لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب\"- فقال علي: \"إن يكونا قد اجتهدا: فقد أخطآ، وإن يكونا ما اجتهد فقد غشّاك، عليك الدية\". فرجع عمر إلى رأيه٢.\nوقال علي- في إحراق الخوارج٣:\n_________\n= أرى اللهُ أميرَ المؤمنين. فانتهره عمر، وقال: اكتب: هذا ما رأى عمر؛ فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن عمر.\n١ هو: بكر بن محمد النسائي البغدادي، روى عن أبيه عن الإمام أحمد – ﵁ – مسائل كثيرة، وكان الإمام أحمد يقدمه ويكرمه. انظر: طبقات الحنابلة \"١/ ١١٩، ١٢٠\".\n٢ تقدم تخريج الأثر.\n٣ هكذا في الأصل، والذي في صحيح البخاري: أن الذين أحرقهم علي هم الزنادقة. روى البخارى: باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم حديث \"٦٩٢٢\" عن عكرمة قال: \"أُتِيَ علي– ﵁- بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابنعباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله -ﷺ: لا تعذبوا بعذاب النار، ولقتلتهم لقول رسول الله -ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\".\nوحكى ابن حجر في الفتح روايات أخرى في الذين حرقوا: فقيل: إنهم أناس كانوا يعبدون الأصنام سرًّا. وقيل: إنهم جماعة ارتدوا عن الإسلام، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا، فأُتِيَ بهم فضرب أعناقهم ورماهم في حفرة، ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم. وزعم أبو المظفر الإسفراييني في \"الملل والنحل\" أنهم طائفة من الروافض ادّعوا فيه الإلهية، وهم من السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي كان يهوديًّا، ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة.","vol":"2","page":358},{"text":"لقد عثرت عثرة لا تنجبر ... سوف أليسُ١ بعدها أو أستمر\n.............................. ... وأجمع الرأي الشتيت المنتشر٢\nوقال ابن عباس: \"ألا يتقي الله زيد؛ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا\"٣.\nوقال: \"من شاء باهلته في العول\"٤.\nوقالت عائشة: \"أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -ﷺإلا أن يتوب\"٥.\nوهذا اتفاق منهم على أن المجتهد يخطئ.\nفإن قيل٦: لعلهم نسبوا الخطأ إليه، لتقصيره في النظر، أو لكونه من غير أهل الاجتهاد.\n_________\n= ورُوي أنه ﵁- بعد أن أحرقهم قال:\nإني إذا رأيت أمرًا منكرًا\nأوقدت ناري ودعوت قنبرًا\nانظر: فتح الباري \"١٢/ ٣٣١\" طبعة دار الكتب العلمية.\n١ جاء في تاج العروس مادة \"ألس\": \"يقال: تلايس الرجل إذا حسن خلقه، وكان حمولًا، وتلايس عنه: أغمض\"، ومعناه هنا: أني سوف أتحمل كل ما يفعله هؤلاء وأغمض العين عن القذى، أو أستمر على عقابهم حتى أجمع الرأي المتشتت المنتشر. نزهة الخاطر \"٢/ ٤٢٤\".\n٢ والشطر الأول: أرفع منذيلي ما كنت أجرُّ.\nوالبيتان نسبتهما إلى الإمام علي -﵁- الطبري في تاريخه \"٤/ ٤٣٧\" إلا أن صدر البيت الأول عنده: إني عجزت عجزة لا أعتذر....\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ في الأصل \"القول\" وهو خطأ مطبعيٌّ. وخلاف ابن عباس في العول تقدم توضيحه في فصل: حكم الإجماع بقول الأكثر.\n٥ تقدم تخريج هذا الأثر في فصل: حكم الإجماع بقول الأكثر.\n٣ القائل: هو الإمام الغزالي في المستصفى \"٤/ ٨١\": ونصُّ عبارته: \"وإنما ينتفي\" =","vol":"2","page":359},{"text":"أو يكون القائل لذلك يذهب مذهب من يرى التخطئة١.\nقلنا:\nأما الأول: فجهل قبيح، وخطأ صريح، كيف يستحل مسلم: أن \"أن يقول: إن\"٢ الخلفاء الراشدين، والأئمة المجتهدين ومن سمينا معهم من البحر: ابن عباس، والأمين: عبد الرحمن بن عوف، وفقيه الصحابة وأفرضهم وقارئهم: زيد بن ثابت ليسوا من أهل الاجتهاد؟!\nوإذا لم يكونوا من أهل الاجتهاد: فمن الذي يبلغ درجتهم؟!\nولا يكاد يتجاسر على هذا القول من له في الإسلام نصيب.\nونسبته لهم -أنهم قصّروا في الاجتهاد- إساءة ظنٍّ بهم، مع تصريحهم بخلافه، فإن عليًّا -﵁- قال: \"إن يكونا قد اجتهدا فقد أخطآ\" وتوقف ابن مسعود في قصة \"برْوع\" شهرًا. وهذا في القبح قريب من الذي قبله؛ لكونه نسب هؤلاء الأئمة إلى الحكم بالجهل والهوى، وارتكاب ما لا يحل، ليصحح به قوله الفاسد، فلا ينبغي أن يلتفت إلى هذا.\nوقولهم: \"يذهب مذهب من يرى التخطئة\".\nفكذلك هو، لكن هو إجماع منهم، فلا تحل مخالفته.\nوأما المعنى: فوجوه:\nأحدها: أن مذهب من يقول بالتصويب٣ محالٌ في نفسه؛ لأنه\n_________\n= الخطأ: متى صدر الاجتهاد من أهله، وتم في نفسه، ووضع في محله، ولم يقع مخالفًا لدليل قاطع، ثم مع ذلك كله يثبت اسم الخطأ بالإضافة إلى ما طلب، لا إلى ما وجب\".\n١ أي: يذهب مذهب من يرى أن المصيب واحد، ومن عداه مخطئ.\n٢ ما بين القوسين من نسخة الدكتور عبد الكريم النملة – حفظه الله.\n٣ أي: أن كل مجتهد مصيب.","vol":"2","page":360},{"text":"يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وهو: أن يكون يسير النبيذ حرامًا حلالًا، والنكاح بلا وليٍّ صحيحًا فاسدًا، ودم المسلم- إذا قتل الذمي- مهدرًا معصومًا، وذمة المحيل- إذا امتنع المحتال من قبول الحوالة على المليء- بريئة مشغولة؛ إذ ليس في المسألة حكم معين.\nوقول كل واحد من المجتهدين حقٌّ وصواب مع تنافيهما.\nقال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوَّله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في الابتداء: يجعل الشيء ونقيضه حقًّا، وبالآخرة يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب أطيبها.\nقالوا: لا يستحيل كون الشيء حلالًا وحرامًا في حقّ شخصين، والحكم ليس وصفًا للعين.\nفلا يتناقض أن يحل لزيد ما حرم على عمرو، كالمنكوحة، حلال لزوجها، حرام على غيره، وهذا ظاهر.\nبل لا يمتنع في حق شخص واحد مع اختلاف الأحوال كالصلاة واجبة في حق المحدث، إذا ظن أنه متطهر، حرام إذا علم بحدثه.\nوركوب البحر: مباح لمن غلب على ظنه السلامة، حرام على الجبان الذي يغلب على ظنه العطب١.\nوالجواب٢:\nأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين في حق شخص واحد؛ فإن المجتهد لا يَقْصُرُ الحكم على نفسه، بل يحكم بأن يسير النبيذ حرام على كل واحد، والآخر يقضي بإباحته في حق الكل.\n_________\n١ جاء في المصباح المنبر \"عَطِبَ\": عطبًا من باب تَعِبَ: هلك.\n٢ أي على كون الحكم وصفًا لأفعال المكلفين، وإثبات كونه وصفًا للأعيان.","vol":"2","page":361},{"text":"فكيف يكون حرامًا على الكل، مباحًا لهم؟!\nأم كيف تكون المنكوحة بلا وليٍّ مباحة لزوجها، حرامًا عليه؟!\nثم لو لم يكن محالًا في نفسه، لكنه يؤدي إلى المحال في بعض الصور: فإنه إذا تعارض عند المجتهد دليلان، فيتخير بين الشيء ونقيضه.\nولو نكح مجتهد امرأة بلا وليٍّ، ثم نكحها آخر يرى بطلان الأول، فكيف تكون مباحة للزوجين؟\nالمسلك الثاني١:\nلو كان كل مجتهد مصيبًا: جاز لكل واحد من المجتهدين في القبلة أن يقتدي كل واحد منهما بصاحبه؛ لأن كل واحد منهما مصيب، وصلاته صحيحة، فلِمَ لا يقتدي بمن صلاته صحيحة في نفسه؟! ٢\nثم يجب أن يُطوى بساط المناظرات في الفروع، لكون كل واحد منهم مصيبًا لا فائدة في نقله عن ما هو عليه، ولا تعريفه ما عليه خصمه.\nالمسلك الثالث:\nأن المجتهد يكلف الاجتهاد بلا خلاف، والاجتهاد: طلب يستدعي مطلوبًا لا محالة، فإن لم يكن للحادثة حكم: فما الذي يطلب؟ فمن يعلم – يقينًا- أن زيدًا ليس بجاهل ولا عالم، هل يتصور أن يطلب الظن بعلمه؟!\nومن يعتقد أن النبيذ ليس بحلال ولا حرام، كيف يطلب أحدهما؟! فإن قالوا: إن المجتهد لا يطلب حكم الله – تعالى- بل إنما يطلب غلبة\n_________\n١ أي: الوجه الثاني من قوله- قبل ذلك- \"والمعنى من وجوه\".\n٢ أي: في نفس المجتهد المؤتم؛ حيث يعتقد أن كل مجتهد مصيبٌ، على فرض صحة هذا المذهب.","vol":"2","page":362},{"text":"الظن، فيكون حكمه، ما غلب على ظنه.\nكمن يريد ركوب البحر فقيل له: إن غلب على ظنك الهلاك: حرم عليك الركوب، وإن غلب على ظنك السلامة: أُبِيْحَ لك الركوب، وقبل الظن لا حكم لله – تعالى- عليك سوى اجتهادك في تتبع ظنك.\nفالحكم يتجدد١ بالظن، ويوجد بعده.\nولو شهد عند قاض شاهدان، فحكم الله – تعالى – عليه يترتب عليه ظنه:\nإن غلب عليه الصدق: وجب قبوله.\nوإن غلب على ظنه الكذب: لم يجب قبوله.\nقلنا:\nقولهم: \"إنما يطلب غلبة٢ الظن\".\nفالظن- أيضًا- لا يكون إلا لشيء مظنون، ومن يقطع بانتفاء الحكم كيف يتصور أن يظن وجوده؟!؛ فإن الظن لا يتصور إلا لموجود، والموجود يتتبع الظن، فيؤدي إلى الدور.\nوراكب البحر لا يطلب الحكم، إنما يطلب تعرّف الهلاك أو السلامة، وهذا أمر يمكن تعرّفه.\nوالحاكم إنما يطلب الصدق أو الكذب، وهذا غير الحكم الذي يلزمه، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن المطلوب: هو الحكم الذي يعلم أنه لا وجود له، فكيف يتصور طلبه له؟!\nثم إذا علمنا أنه لا حكم لله- تعالى- في الحادثة، فلِمَ يجب الاجتهاد؟!\n_________\n١ عبارة المستصفى: \"يتبع\".\n٢ في الأصل: \"عليه\" والمثبت من نسخة الدكتور النملة.","vol":"2","page":363},{"text":"فإننا إذا علمنا بالعقل قبل ورود الشرع: انتفاء الواجبات، وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات، فيجب أن يطلق في الأشياء من غير اجتهاد، والعامِّي الذي لا اجتهاد له لا يؤاخذ على فعل من الأفعال؛ فإن الحكم إنما يحدث بالاجتهاد، وهو لا اجتهاد له، فلا حكم عليه إذًا، ولا خطاب في حقه، وهذا فاحش.\nوقولهم: \"إن النص إذا لم يقدر عليه المجتهد لا يكون حكمًا في حقه\": ممنوع، بل الحكم بنزول النص إلى الخلق، بلغهم أو لم يبلغهم.\nفلو وقف الحكم على سماع الخطاب، وبلوغ النص: لم يكن على العامّي حكم في أكثر المسائل؛ لكونه لم يبلغه النص، ولكان المجتهد إذا امتنع من الاجتهاد لا حكم عليه لتلك الحادثة، ولا يجب عليه قضاء ما ترك من العبادات والواجبات، ولا يكون مخطئًا إلا بترك الاجتهاد لا غير.\nأما النص إذا نزل به \"جبريل\" فقد قال أبو الخطاب: يكون نسخًا، وإن لم يعلم به المنسوخ عنه١.\nوإنما اعتدّ أهل قباء بما مضى من صلاتهم؛ لأن القبلة يعذر فيها بالعذر٢.\nجواب ثانٍ:\nأن هذا فرض في مسألة لا يتوهم أن لها دليلًا يطلب، وإنما الخطأ فيما نصب الله – تعالى- عليه دليلًا، وأوجب على المكلف طلبه، ثم يحتاج إلى بيان تصور ذلك، وإمكان خلو بعض المسائل من الدليل، وهو باطل؛ إذ لا خلاف في وجوب الاجتهاد في الحادثة، وتعرّف حكمها،\n_________\n١ التمهيد \"٢/ ٣٩٥\".\n٢ هذا جواب سؤال مقدر تقديره: يرد على قولكم: إذا نزل جبريل بالنص يكون =","vol":"2","page":364},{"text":"والشرع قد نصب عليها: إما دليلًا قاطعًا، أو ظنيًّا.\nقولهم: \"إن الأدلة الظنية ليست أدلة لأعيانها بدليل: اختلاف الإضافات\".\nقلنا:\nهذا باطل، فإنّا قد بينّا في كل مسألة دليلًا، وذكرنا وجه دلالته. ولو لم يكن فيها أدلة: لاستوى١ المجتهد والعامّي.\nولجاز للعامّي الحكم بظنه، لمساواته المجتهد في عدم الدليل.\nوهل الفرق بينهما إلا معرفة الأدلة، ونظره في صحيحها وسقيمها٢؟!\nونبوّ٣ بعض الطباع عن قبول الدليل لا يخرجه عن دلالته؛ فإن كثيرًا من العقليات يختلف فيها الناس مع اعتقادهم أنها قاطعة.\nولا ينكر أن منها ما تضعف دلالته، ويخفى وجهه، ويوجد معارض له، فتشتبه على المجتهد، وتختلف فيه الآراء.\nومنها: ما يظهر ويتبين خطأ مخالفيه، وكلها أدلة.\n_________\n= نسخًا، وإن لم يعلم به المنسوخ عنه: أن أهل قباء اعتدّوا بما مضى من صلاتهم، ولم يستأنفوها، ولو عدوا النزول نسخًا لاستأنفوها.\nفأجاب المصنف: أن القبلة يعذر فيها بالعذر، فهي خارجة عما ذهبنا إليه، ومعنى: يعذر فيها بالعذر، أي: يقبل فيها العذر، انظر: نزهة الخاطر \"٢/ ٤٢٩\".\n١ في الأصل \"لا يستوي\" والمثبت من الدكتور النملة.\n٢ أي: نظر المجتهد في الأدلة وتمييز بين ما يصلح منها وما لا يصلح\n٣ جاء في المصباح المنير مادة \"نبا\": \"نبا الطبع عن الشيء: نفر ولم يقبله\".","vol":"2","page":365},{"text":"ولأن الظن إذا لم يكن دليلًا: فبِمَ عرفتم أنه ليس بدليل١؟\nويلزم من انتفاء ذلك: انتفاء الدليل على أنه ليس بدليل!.\nوقولهم: \"إنه لا يخلو إما أن يكون مكلفًا بممكن، أو بغير ممكن\".\nقلنا:\nلا يكلف إلا ما يمكن.\nولا نقول: إنه يكلف الإصابة في محل التعذر، بل يكلف طلب الصواب، والحكم بالحق الذي هو حكم الله.\nفإن أصابه: فله أجر اجتهاده، وأجر إصابته.\nوإن أخطأ: فله ثواب اجتهاده، والخطأ محطوط عنه. والله – تعالى- أعلم.\n_________\n١ معناه: أنه يلزم من انتفاء كون الظن دليلًا: الدليل على أن الظن ليس بدليل، وذلك الانتفاء لا يحصل إلا بالظن، وذلك دور. انظر: نزهة الخاطر \"٢/ ٤٣٠\".","vol":"2","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>فصل: [في تعارض الأدلة]</span>\nإذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح أحدهما: وجب عليه التوقف، ولم يكن له الحكم بأحدهما، ولا التخيير فيهما.\nوبه قال أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية.\nوقال بعضهم وبعض الحنفية: يكون المجتهد مخيرًا في الأخذ بأيهما شاء؛ لأنه لا يخلو:\nإما أن يعمل بالدليلين\nأو يسقطهما.\n_________\n١ معناه: أنه يلزم من انتفاء كون الظن دليلًا: الدليل على أن الظن ليس بدليل، وذلك الانتفاء لا يحصل إلا بالظن، وذلك دور. انظر: نزهة الخاطر \"٢/ ٤٣٠\".","vol":"2","page":366},{"text":"أو يتحكم بتعيين أحدهما.\nأو يتخير فيهما.\nلا سبيل إلى الجمع بينهما، عملًا وإسقاطًا؛ لأنه متناقض، ولا إلى التوقف إلى غير غاية، فإن فيه تعطيلًا، وربما لم يقبل الحكم التأخير.\nولا سبيل إلى التحكم.\nلم يبق إلا التخيير، والتخيير بين الحكمين مما ورد به الشرع في العامّي، إذا أفتاه مجتهدان، وفي خصال الكفارة١، والتوجه إلى أي جدران الكعبة شاء لمن دخلها.\nوالتخيير في زكاة مائتين من الإبل بين الحقاق وبنات اللبون ٢. وأمثال ذلك.\nفإن قلتم: التخيير بين التحريم ونقيضه، والإيجاب وعكسه، يرفع التحريم والإيجاب.\nقلنا:\nإنما يناقض الإيجاب: جواز الترك مطلقًا، أما جوازه بشرط فلا،\n_________\n١ فإنه مخير بين العتق والإطعام والكسوة. قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ...﴾ [المائدة: ٨٩] .\n٢ أي: أن المزكي إذا كان عنده مائتان من الإبل، خُيّر بين أن يخرج عنها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون؛ لأنه قد وجد لديه مقتضي إخراج بنات اللبون والحقاق، فإنه في كل أربعين بنت لون، وفي كل خمسين حقة. وبنت اللبون: ما لها سنتان، سُميت بذلك لأن أمها وضعت- غالبًا- فأصبحت ذات لبن، والحقة: ما لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سُميت بذلك لأنها استحق أن تركب ويحمل عليها، ويطرقها الفحل.","vol":"2","page":367},{"text":"بدليل الواجب الموسع، يجوز تركه بشرط١.\nوالركعتان الأخيرتان في الرباعية من المسافر، يجوز تركهما بشرط قصد القصر. كذا هاهنا: يجوز ترك الواجب بشرط قصد الدليل المسقط له.\nوإذا سمع قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ٢: حرم عليه الجمع \"بين المملوكتين\"٣، وإنما يجوز له الجمع إذا قصد الدليل الثاني، وهو قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ ٤ كما قال عثمان: \"أحلتهما آية وحرمتهما آية\".\n_________\n١ وهو: الإتيان به في الوقت الموسع، وهو الذي قال عنه في فصل تقسيم الواجب: \"وفعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت\".\n٢ سورة النساء من الآية: \"٢٣\".\n٣ ما بين القوسين من المستصفى \"٤/ ١١٨\" وعليه يتوقف صحة المعنى.\n٤ سورة النساء، من الآية: \"٢٤\" ولفظ المؤمنون: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ آية: \"٦\" ومثلها في المعارج آية: \"٣٠\" وفي جميع الطبعات: \"أو ما ملكت أيمانكم\" وهو خطأ يجب أن يتنبه له.\nومحل الشاهد: أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يقتضي تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ لأنها لم تفرق بين الأختين في الزواج وملك اليمين. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يقتضي إباحة الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ حيث لم تفرق الآية بين الأختين وغيرهما. وهذا معنى قول \"عثمان\"- ﵁: \"أحلتهما آية وحرمتهما آية\"، تقدم تخريجه.","vol":"2","page":368},{"text":"ولنا:\nأن التخيير: جمع بين النقيضين، واطّراح لكلا الدليلين، وكلاهما باطل.\nأما بيان اطّراح الدليلين: فإذا تعارض الموجَب والمحرَّم فيصير على التخيير المطلق، وهو حكم ثالث غير الدليلين معًا، فيكون اطّراحًا لهما، وتركًا لموجبهما.\nوأما الجمع بين النقيضين: فإن المباح نقيض المحرَّم، فإذا تعارض المبيح والمحرِّم، فخيرناه بين كونه محرَّمًا يأثم بفعله، وبين كونه مباحًا لا إثم على فاعله: كان جمعًا بينهما، وذلك محال.\nولأن في التخيير بين الموجِب والمبيح رفعًا للإيجاب، فيصير عملًا بالدليل المبيح عينًا، وهو تحكم، قد سلموا بطلانه١.\nقولهم٢: \"إنما جاز بشرط القصد\".\nقلنا:\nفقبل أن يقصد العمل بأحدهما: ما حكمه؟\nإن قلتم: حكمه الوجوب والإباحة معًا، والتحريم والحل معًا، فقد جمعتم بين النقيضين.\nوإن قلتم: حكمه التخيير، فقد نفيتم الوجوب قبل القصد، واطّرحتم دليله، وأثبتم حكم الإباحة من غير شرط.\nوإن قلتم: لا حكم له قبل القصد، وإنما يصير له بالقصد حكم.\nفهذا إثبات حكم بمجرد الشهوة، والاختيار من غير دليل؛ فإن\n_________\n١ حيث قالوا في دليلهم السابق: \"ولا سبيل إلى التحكم، لم يبق إلا التخيير\".\n٢ بدأ المصنف يناقش أدلة المذهب الثاني.","vol":"2","page":369},{"text":"الدليلين وجدا، فلم يثبت لهما حكم، وثبت بمجرد شهوته وقصده بلا دليل، وهذا باطل.\nقولهم: \"إن التوقف لا سبيل إليه\".\nقلنا:\nنلزمك ما إذا لم يجد المجتهد دليلًا في المسألة، والعامّي إذا لم يجد مفتيًا، فماذا يصنع؟\nوهل ثَمَّ طريق إلا التوقف في المسألة؟\nثم لا نسلم تصور خلوِّ المسألة عن دليل؛ فإن الله تعالى – كلّفنا حكمه، ولا سبيل إليه إلا بدليل.\nفلو لم يجعل له دليلًا كان تكليفًا لِمَا لا يطاق.\nفعند ذلك إذا تعارض دليلان، وتعذر الترجيح أسقطهما، وعدل إلى غيرهما، كالحاكم إذا تعارضت عنده بينتان.\nأما العامّي:\nفقد قيل: يجتهد في أعيان المفتين، فيقلد أعلمهما وأدينهما. وهو ظاهر قول الخرقي١؛ لأنه قال في الأعمى إذا كان مع مجتهدَيْن في القبلة، قلّد أوثقهما في نفسه٢.\nوقيل٣: يخير فيهما.\n_________\n١ هو: عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي، من فقهاء الطبقة الثالثة الحنابلة، صاحب كتاب \"المختصر في الفقه\" توفي بدمشق سنة ٣٣٤هـ.\nطبقات الحنابلة \"٢/ ٧٥-٧٦\".\n٢ انظر: المختصر مع المغني \"٢/ ١٠٩\".\n٣ وهذا هو الرأي الثاني في العامّي \"إذا أفتاه مجتهدان.","vol":"2","page":370},{"text":"والفرق بينهما١: أن العامّي ليس عليه دليل، ولا هو متعبد باتباع موجب ظنه.\nبخلاف المجتهد؛ فإنه متعبد بذلك، ومع التعارض لا ظنّ له، فيجب عليه التوقف.\nولهذا لا يحتاج العامّي إلى الترجيح بين المفتين على هذا الوجه، ولا يلزمه العمل بالراجح، بخلاف المجتهد.\nولا ينكر التخيير في الشرع٢، لكن التخيير بين النقيضين ليس له في الشرع مجال، وهو في نفسه محال. والله أعلم.\n_________\n١ أي: بين العامّي والمجتهد.\n٢ مثل التخيير في كفارة اليمين بين الإطعام والكسوة والعتق، وبين إخراج أربع حقاق، أو خمس بنات لبون في مائتين من الإبل، كما تقدم.","vol":"2","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>فصل: [هل للمجتهد أن يقول قولين في مسألة واحدة]</span>\nوليس للمجتهد أن يقول في المسألة قولين في حالٍ واحدة، في قول عامّة الفقهاء.\nوقال ذلك الشافعي في مواضع١.\nمنها: قال في المسترسل من اللحية قولان:\nأحدهما: يجب غسله.\n_________\n١روي أن ذلك وقع منه -﵁– في ستة عشر أو سبعة عشر مسألة. انظر: نهاية السول للإسنوي \"٣/ ١٨٤\".","vol":"2","page":371},{"text":"والآخر: لا يجب١.\nفقيل عنه: لعله تكافأ عنده الدليلان، فقال بهما على التخيير. أو علم الحق في أحدهما لا بعينه فقال ذلك، لينظر فيهما، فاخترمه الموت، أو نبه أصحابه على طريق الاجتهاد.\nولا يصح شيء من ذلك؛ فإن القولين لا يخلو:\nإما أن يكونا صحيحين، أو فاسدين.\nأو أحدهما صحيح، والآخر فاسد.\nفإن كانا فاسدين: فالقول بهما حرام.\nوإن كانا صحيحين، وهما ضدان: فكيف يجتمع ضدان؟!\nوإن كان أحدهما فاسدًا، لم يخلُ:\nإما أن يعلم فساد الفاسد، أولا يعلمه.\nفإن علمه، فكيف يقول قولًا فاسدًا؟! أم كيف يلبّس٢ على الأمة بقول يحرم القول به؟!\nوإن اشتبه عليه الصحيح بالفاسد، لم يكن عالمًا بحكم المسألة، ولا قول له فيها أصلًا، فكيف يكون له قولان؟!.\nقولهم: \"تكافأ عنده دليلان\". قد أبطلناه٣.\nثم لو صح، فحكمه التخيير، وهو قول واحد.\nوقولهم: \"إنه علم الحق في أحدهما لا بعينه\".\n_________\n١ انظر: الأم \"١/ ٢٥\" طبعة دار المعرفة – لبنان.\n٢ في المصباح المنير مادة \"لبس\": \"ولبست الأمر لبسًا- من باب ضرب- خلطته، وفي التنزيل ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] . والتشديد مبالغة\".\n٣ في قوله- سابقًا: \"وإن كانا صحيحين وهما ضدان، فكيف يجتمع ضدان؟! \".","vol":"2","page":372},{"text":"قد بينا أن ما كان كذلك لم يكن له في المسألة قول أصلًا. ثم كان ينبغي أن ينبه على ذلك، ويقول:\nلي في المسألة نظر\" أو يقول: \"الحق في أحد هذين القولين\".\nإما إطلاقه فلا وجه له.\nوهذا هو الجواب عن الآخر١.\nأما ما يحكى عن غيره من الأئمة من الروايتين، فإنما يكون ذلك في حالتين، لاختلاف الاجتهاد، والرجوع عما رأى إلى غيره \"ثم إن علمنا المتأخر عملنا به وألغينا المتقدم، وإن لم نعلم\"٢ المتقدم منهما، فيكونان كالخبرين المتعارضين.\n_________\n١ وهو قولهم: \"إنه قال ذلك لينبه أصحابه على طريق الاجتهاد\". ومعناه: أنه كان يجب عليه أن يبين ولا يطلق.\n٢ ما بين القوسين زيادة من ط الدكتور عبد العزيز السعيد- حفظه الله – ص \"٣٧٦\" وهو وإن لم يذكر مصدر هذه الزيادة، إلا أن هذا موافق لما قاله القاضي أبو يعلى في العدة \"٥/ ١٦١٦ – ١٦١٧\" حيث قال: \"قيل: الروايتان لم يقلهما أحمد في حالٍ واحدةٍ، فيؤدي ذلك إلى أن يكون الشيء الواحد حلالًا حرامًا، وإنما قال ذلك في وقتين مختلفينن رجع عن الأول منهما. ولو علمنا المتأخر منهما صرنا إليه، وجعلناه رجوعًا عن الأول، فلما لم نعرف المتقدم من المتأخر، جعلنا الحكم فيها مختلفًا؛ لأنه ليس تقديم أحدهما أولى من تأخيره\".","vol":"2","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>فصل: [المجتهد لا يقلد غيره]</span>\nاتفقوا على أن المجتهد إذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم، لم يجزْ له تقليد غيره.","vol":"2","page":373},{"text":"وعلى أن العامّي له تقليد المجتهد.\nفأما المتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل، ولا يقدر على الاجتهاد في البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء، كالنحو في مسألة نحوية، وعلم صفات الرجال في مسألة خبرية، فالأشبه: أنه كالعامّي فيما لم يُحصّل علمُه؛ فإنه كما يمكنه تحصيله، فالعامّي يمكنه ذلك مع المشقة التي تلحقه.\nإنما المجتهد الذي صارت العلوم عنده حاصلة بالقوة القريبة من الفعل، من غير حاجة إلى تعب كثير بحيث لو بحث عن المسألة، ونظر في الأدلة استقل بها، ولم يفتقر إلى تعلُّمٍ من غيره.\nفهذا المتجهد هل يجوز له تقليد غيره.\nقال أصحابنا: ليس له تقليد مجتهد آخر، مع ضيق الوقت، ولا سعته، لا فيما يخصه، ولا فيما يفتي به.\nلكن يجوز له أن ينقل للسمتفتي مذهب الأئمة، كأحمد والشافعي، ولا يفتي مِنْ عند نفسه بتقليد غيره؛ لأن تقليدَ مَنْ لا تثبت عصمته، ولا تعلم إصابته: حكمٌ شرعيٌّ لا يثبت إلا بنص، أو قياس، ولا نص ولا قياس؛ إذ المنصوص عليه العامّي مع المجتهد، وليس ما اختلفنا فيه مثله؛ فإن العامّي عاجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه، والمجتهد قادر، فلا يكون في معناه.\nفإن قيل: هو لا يقدر على غير الظن، وظن غيره كظنه.\nقلنا:\nمع هذا إذا حصل ظنه: لم يجزْ له اتباع ظن غيره، فكان ظنه أصلًا، وظن غيره بدلًا، فلا يجوز إثباته إلا بالدليل.\nولأنه إذا لم يجزْ له العدول إليه مع وجود المبدل، لم يجزْ مع","vol":"2","page":374},{"text":"القدرة عليه، كسائر الأبدال والمبدلات.\nفإن قيل: \"لا نسلم عدم النص في المسألة، بل فيها نصوص: كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١. وهذا لا يعلم هذه المسألة.\nوقوله: ﴿... أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٢.\nقلنا:\nالمراد بالأولى: أمر العامّة بسؤال العلماء؛ إذ ينبغي أن يتميز السائل عن المسؤول، فالعالم مسؤول غير سائل، ولا يخرج عن العلماء بكون المسألة غير حاضرة في ذهنه إذا كان متمكنًا من معرفتها من غير تعلُّمٍ من غيره.\nالثاني٣:\nيحتمل أن يكون معناه: اسألوا لتعلموا، أي: سلوا عن الدليل ليحصل العلم، كما يقال: \"كُلْ لتشبع\" و\"اشرب لتروي\" والمراد بـ ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾: الولاة، لوجوب طاعاتهم؛ إذ لا يجب على المجتهد طاعة المجتهد.\nوإن كان المراد به العلماء، فالطاعة على العوامّ.\nثم هو معارض بعمومات أخرى أقوى مما ذكروه، يمكن التمسك بها في المسألة:\nكقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٤، وقوله تعالى:\n_________\n١ سورة النحل، من الآية: \"٤٣\"، والأنبياء، من الآية: \"٧\".\n٢ سورة النساء، من الآية: \"٥٩\".\n٣ أي: المعنى الثاني الذي يمكن أن يؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ .\n٤ سورة الحشر، من الآية: \"٢\".","vol":"2","page":375},{"text":"﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣.\nوهذا أمر بالتدبر والاستنباط، والخطاب مع العلماء.\nثم لا فرق بين المماثل والأعلم؛ فإن الواجب أن ينظر إن وافق اجتهاده الأعلم: فذاك.\nوإن خالفه فمن أين ينفع كونه أعلم وقد صار مزيفًا؟! ٤ عنده، وظنه عنده أقوى من ظن غيره، وله الأخذ بظن نفسه اتفاقًا، ولم يلزمه الأخذ بقول غيره؟! وإن كان أعلم، فينبغي أن لا يجوز تقليده.\nفإن قيل: فلم ينقل عن طلحة والزبير ونظرائهما نظر في الأحكام، مع ظهور الخلاف، فالأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم.\nقلنا:\nكانوا لا يفتون، اكتفاءً بغيرهم، وأما علمهم لنفوسهم: لم يكن إلا بما عرفوه، فإن أشكل عليهم شاوروا غيرهم، لتعرّف الدليل، لا للتقليد، والله أعلم.\n_________\n١ سورة النساء، من الآية: \"٨٣\".\n٢ سورة محمد -ﷺ- من الآية: \"٢٤\".\n٣ سورة النساء، من الآية: \"٥٩\".\n٤ أصل التزييف: تمييز الرائج من الزائف، وهو الرديء، ثم استعمل في الرد والإبطال. تاج العروس مادة \"زيف\".","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>فصل: [إذا نصّ المجتهد على حكم لعلة في مسألة فهو مذهبه في كل ما توجد فيه هذه العلة]</span>\nإذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة بيّنها توجد في مسائل سوى المنصوص عليه: فمذهبه في تلك المسائل كمذهبه في المسألة المعللة؛ لأنه يعتقد الحكم تابعًا للعلة، ما لم يمنع منها مانع.\nفإن لم يبين العلة: لم يجعل ذلك الحكم مذهبه في مسألة أخرى. وإن أشبهتها شبهًا يجوز خفاء مثله على بعض المجتهدين.\nفإنا لا ندري لعلها لو خطرت له: لم يَصِرْ فيها إلى ذلك الحكم. ولأن ذلك إثبات مذهب بالقياس.\nولذلك افترقا في منصوص الشارع: فما١ نصَّ على علته كان كالنص، يُنسخ وينسخ به، وما لم ينص على علته: لم ينسخ ولم ينسخ به.\nولو نص المجتهد- على مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين: لم ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى؛ ليكون له في المسألتين روايتان؛ لأنّا إذا لم نجعل مذهبه في المنصوص عليه مذهبًا في المسكوت عنه، فالطريق الأولى: أن لا نجعله مذهبًا له فيما نُصّ على خلافه.\nولأنه إنما يضاف إلى الإنسان مذهب في المسألة، بنصه، أو دلالة تجري مجرى نصه، ولم يوجد أحدهما.\nوإن وجد منه نوع دلالة على الأخرى، لكن قد نص فيها على خلاف تلك الدلالة، فالدلالة٢ الضعيفة لا تقاوم النص الصريح.\n_________\n١ في الأصل \"فيما\" والمثبت من ط الدكتور عبد العزيز السعيد.\n٢ في الأصل \"والدلالة\" والمثبت من ط الدكتور السعيد.","vol":"2","page":377},{"text":"فإن نص في مسألة واحدة على حكمين مختلفين، ولم يعلم تقدم أحدهما: اجتهدنا في أشبههما بأصوله، وأقواهما في الدلالة فجعلناها له مذهبًا، وكنا شاكِّين في الأخرى. وإن علمنا الآخرة: فهي المذهب؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين قولين مختلفين- على ما بينا١- فيكون نصه الأخير رجوعًا عن رأيه الأول، فلا يبقى مذهبًا له، كما لو صرح بالرجوع.\nوقال بعض أصحابنا: يكون الأول مذهبًا له؛ لأنه لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد.\nولا يصح٢.\nفإنهم إن أرادوا أن لا يترك ما أداه إليه اجتهاده الأول باجتهاده الثاني، فهو باطل يقينًا؛ فإنّا نعلم أن المجتهد في القبلة إذا تغير اجتهاده: ترك الجهة التي كان مستقبلًا لها، وتوجه على غيرها، والمفتي إذا أفتى في مسألة بحكم، ثم تغير اجتهاده: لم يجزْ أن يفتي فيها بذلك الحكم٣، وكذلك الحاكم.\nوإن أرادوا: أن الحكم الذي حكم به على شخص لا ينقضه، أو ما أداه من الصلوات لا يعيده: فليس هذا نظيرًا لمسألتنا.\nإنما الخلاف فيما إذا تغير اجتهاده، هل يبقى الأول مذهبًا له أم لا، وقد بينا أنه لا يبقى٤.\n_________\n١ أي: في فصل: ليس للمجتهد أن يقول في المسألة قولين.\n٢ أي: لا يصح هذا القول: وبذلك يكون المصنف قد رجح المذهب الأول، وسوف يدلل على ذلك فيما يأتي.\n٣ أي: الأول.\n٤ في فصل: ليس للمجتهد أن يقول في المسألة قولين.","vol":"2","page":378},{"text":"ثم يبطل ما ذكروه بما [لو] صرح بالرجوع عن القول الأول، فكيف يجعل مذهبًا له مع قوله: \"رجعت عنه، واعتقدت بطلانه\"؟! فلا بد من نقض الاجتهاد بالاجتهاد.\nوعند ذلك ينبه على أن المجتهد لو تزوج امرأة خالعها ثلاثًا١ وهو يرى أن الخلع فسخ، ثم تغير اجتهاده، واعتقد أن الخلع طلاق، لزمه تسريحها، ولم يجزْ له إمساكها على خلاف اعتقاده.\nفإن حكم بصحة ذلك النكاح حاكم، ثم تغير اجتهاده، لم يفرق بين الزوجين، لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد. لنقض النقض، وتسلسل، واضطربت الأحكام، ولم يوثق بها.\nأما إذا نكح المقلد بفتوى مجتهد، ثم تغير اجتهاد المجتهد: فهل يجب على المقلد تسريح زوجته؟\nالظاهر: أنه لا يجب؛ لأن عمله بفتياه جري مجرى حكم الحاكم، فلا ينقض ذلك، كما لا ينقض ما حكم به الحاكم٢.\n_________\n١ لفظ \"ثلاث\" ليس في أصلنا. وأثبتناه من ط الدكتور النملة.\n٢ قال الطوفي- ملخصا ذلك: \"وحاصل ما ذكر: أن اجتهاد المجتهد إما أن يتجرد عن الحكم والفتوى، أو لا يتجرد. فإن تجرد عنهما: وجب نقضه بالاجتهاد المخالف له بعده. وإن اقترن به حكم: لم ينقض، واستؤنف العمل بالاجتهاد الثاني.\nوإن اقترن به الفتيا، والعمل بها: احتمل أن لا ينقض ما عمل بها مطلقًا في النكاح، وغيره تنزيلًا للعمل بها منزلة حكم الحاكم، واحتمل أن ينقض ما سوى النكاح، كما فرض في المختصر، فرقًا بينه وبين غيره بما عرف من خواصّه، وتشوق الشرع إلى تكثيره\". شرح المختصر \"٣/ ٦٤٩\".","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>فصل: في التقليد</span>\nالتقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به.\nويسمى ذلك قلادة، والجمع قلائد١.\nقال الله تعالى: ﴿... وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ ٢.\nومنه قول النبي -ﷺ- في الخيل: \"لا تقلِّدوها الأوتار\"٣.\nقال الشاعر٤:\nقلدوها تمائمًا ... خوف واش وحاسد\n_________\n١ انظر: معجم مقاييس اللغة \"٥/ ١٩\"، القاموس المحيط \"١/ ٣٢٩\".\n٢ سورة المائدة، من الآية: \"٢\".\n٣ هذا الحديث روي بطرق مختلفة، منها: ما رواه الإمام أحمد في المسند \"٣/ ٣٥٢\" عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ: \"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، وامسحوا نواصيها، وادعوا لها بالبركة، وقلِّدوها، ولا تقلِّدوها الأوتار\".\nوأخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في مشكل الآثار حديث رقم \"٣٢٣\" والطبراني في الأوسط، وأبو داود حديث \"٢٥٥٣\"، والنسائي \"٦/ ٢١٨\" كما أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود بروايات أخرى. انظر: مجمع الزوائد للهيثمي \"٥/ ٢٥٩\"، شرح السنة للبغوي حديث رقم \"٢٦٣٩\".\nوالأوتار: جمع وتر، وهو القوس. وقد اختلف العلماء في المراد من الحديث:\nفقيل: إنهم كانوا يقلدون الخيل والإبل أوتار القسي حتى لا تصاب بالعين، فأمروا بقطعها للإعلام بأنها لا ترد من قدر الله شيئًا. وقيل: إنما نهوا عن ذلك لئلا تختنق الدابة عند شدة الركض. انظر: شرح السنة \"٥/ ٥٢٩\".\n٤ لم أقفْ على القائل.","vol":"2","page":380},{"text":"ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه. كما قال لقيط الإيادي١:\nوقلِّدا أمركم لله دركم\nرحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا.\nوهو في عرف الفقهاء.\nقبول قول الغير من غير حجة، أخذًا من هذا المعنى٢، فلا يسمى الأخذ بقول النبي -ﷺ- والإجماع تقليدًا؛ لأن ذلك هو الحجة في نفسه.\nقال أبو الخطاب: العلوم على ضربين:\nمنها ما لا يسوغ التقليد فيه وهو: معرفة الله ووحدانيته، وصحة\n_________\n١ هو: لقيط بن يعمر بن خارجة الإيادي، شاعر جاهلي من أهل الحيرة، كان يحسن الفارسية، اتصل بكسرى فكان من كتابه والمطلعين على أسرار دولته. توفي نحو ٢٥٠ قبل الهجرة. انظر: الأغاني \"٢/ ٢٣\"، الأعلام \"٦/ ١٠٩\". والبيت من قصيدة له مطلعها:\nسلام في الصحيفة من لقيط\nإلى من بالجزيرة من إياد\nومعنى \"رحب الذراع\" كناية عن القوى المقتدر على الأمور. ومعنى \"مضطلعًا\" الاضطلاع من الضلاعة، وهي: قوة احتمال الأثقال من الاضطلاع. انظر: ديوان لقيط الإيادي ص٤٧ تحقيق الدكتور عبد المعين خان ط مؤسسة الرسالة.\n٢ أي: المعنى اللغوي، فكأن المقلد يطوّق المجتهد، ويجعل ما يأخذه عن طوقًا في عنقه، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِه ِ....﴾ [الإسراء: من الآية: ١٣] .\nويشير إلى ذلك- أيضًا – ما أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺقال: \"من أفتى بفتيا غير ثبت\" أي غير صواب\" فإنما إثمه على من أفتاه\" انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٦٥٢\"، نزهة الخاطر العاطر \"٢/ ٤٥٠\".","vol":"2","page":381},{"text":"الرسالة١. ونحو ذلك؛ لأن المقلد في ذلك إما أن يجوز الخطأ على من يقلده، أو يحيله.\nفإن أجازه فهو شاكٌّ في صحة مذهبه.\nوإن أحاله: فبِمَ عرف استحالته، ولا دليل عليها؟\nوإن قلده في أن أقواله حق، فبِمَ عرف صدقه؟\nوإن قلد٢ غيره في تصديقه، فبِمَ عرف صدق الآخر؟\nوإن عوّل على سكون النفس في صدقه، فما الفرق بينه وبين سكون أنفس النصارى واليهود المقلدين؟\nوما الفرق بين قول مقلده أنه صادق، وبين قول مخالفه؟\nوأما التقليد في الفروع:\nفهو جائز إجماعًا٣.\nفكانت الحجة فيه: الإجماع.\nولأن المجتهد في الفروع إما مصيب، وإما مخطئ مثاب غير مأثوم، بخلاف ما ذكرناه.\n_________\n١ إلى هنا انتهى كلام أبي الخطاب في التمهيد \"٤/ ٣٩٦\" وجاء بعدها: \"وبه قال عامّة العلماء. وقال بعض الشافعية: يجوز للعامّي التقليد في ذلك\".\n٢ في الأصل \"قلده\" والمثبت من ط الدكتور النملة.\n٣ كيف يدّعي الإجماع والقضية خلافية، وقد نقل المصنف نفسه بعد ذلك خلاف القدرية في المسألة؟!.\nقال القرافي: \"مذهب مالك وجمهور العلماء: وجوب الاجتهاد، وإبطال التقليد، وادّعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد\". انظر: شرح تنقيح الفصول ص٤٤٢، ٤٤٣، وهو الذي رجحه الشوكاني في كتابيه: \"إرشاد الفحول\". و\"القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد\".","vol":"2","page":382},{"text":"فلهذا جاز التقليد فيها، بل وجب على العامّي ذلك.\nوذهب بعض القدرية إلى أن العامّة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع أيضًا.\nوهو باطل بإجماع الصحابة؛ فإنهم كانوا يفتون العامّة، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامّهم.\nولأن الإجماع منعقد على تكليف العامّي الأحكام، وتكليفه رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى خراب الدنيا.\nثم ماذا يصنع العامّي إذا نزلت به حادثة إن لم يثبت لها حكم إلى أن يبلغ رتبة الاجتهاد، فإلى متى يصير مجتهدًا؟\nولعله لا يبلغ ذلك أبدًا، فتضيع الأحكام.\nفلم يبقَ إلا سؤال العلماء، وقد أمر الله – تعالى – بسؤال العلماء في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.\n_________\n١ سورة النحل، من الآية: \"٤٣\" والأنبياء، من الآية: \"٧\" قال الشوكاني- ردًّا على الاستدلال بهذه الآية: \".... وليس بالمراد بما احتج به الموجبون للتقليد، والمجوزون له من قوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ إلا السؤال عن حكم الله في المسألة، لا عن آراء الرجال، هذا على تسليم أنها واردة في عموم السؤال-كما زعموا- وليس الأمر كذلك، بل هي واردة في أمر خاصٍّ، وهو السؤال عن كون أنبياء الله رجالًا، كما يفيده أول الآية وآخرها، حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ...﴾ .\nراجع: إرشاد الفحول جـ٢ ص٣٥٣ ومناقشتنا لما قاله الشوكاني في ذلك.","vol":"2","page":383},{"text":"قال أبو الخطاب: \"ولا يجوز التقليد في أركان الإسلام الخمس ونحوها، مما اشتهر، ونقل نقلًا متواترًا؛ لأن العامة شاركوا العلماء في ذلك، فلا وجه للتقليد\"١.\n_________\n١ انظر: التمهيد \"٤/ ٣٩٨\".","vol":"2","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>فصل: [فيمن يستفتيه العامّي]</span>\nولا يستفتي العامّي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد، بما يراه من انتصابه للفتيا بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه، وما يتلمحه من سمات الدين والستر، أو يخبره عدل عنه.\nفأما من عرفه بالجهل: فلا يجوز أن ينقله اتفاقًا.\nومن جهل حاله.\nفقد قيل: يجوز تقليده؛ لأن العادة أن من دخل بلدة يسأل عن مسألة لا يبحث عن عدالة من يستفتيه، ولا١ عن علمه٢.\nوإن منعتم السؤال عن علمه، فلا يمكن منع السؤال عن عدالته، وهو حجة لنا في الصورة الممنوعة٣.\n_________\n١ في الأصل \"إلا\" والمثبت من ط الدكتور النملة.\n٣ هذا هو المذهب الأول، والمذهب الثاني: أنه لا يجوز تقليد مجهول الحال، وهو الذي رجحه المصنف، واستدلّ له بقوله: \"قلنا ... \".\n٤ العبارة غير واضحة، ونصّ عبارة الغزالي في المستصفى \"٤/ ١٥١\": \"فإن قيل: إذا لم يعرف عدالة المفتي، هل يلزمه البحث؟ إن قلتم: يلزمه البحث، فقد خالفتم العادة؛ لأن كل من دخل بلدة فيسأل عالم البلد، ولا يطلب حجة على عدالته، وإن جوزتم مع الجهل، فكذلك في العلم\".","vol":"2","page":384},{"text":"قلنا:\nكل من وجب عليه قبول قول غيره، وجب معرفة حاله، فيجب على الأمة معرفة حال الرسول، بالنظر في معجزاته، ولا يصدّق كل مجهول يدّعي أنه رسول الله، ويجب على الحاكم معرفة الشاهد، وعلى العالم بالخبر معرفة حال رواته.\nوفي الجملة: كيف يقلد من يجوز أن يكون أجهل من السائل؟\nأما العادة من العامة: فليست دليلًا.\nوإن سلمنا ذلك مع الجهل بعدالته: فلأن الظاهر من حال العالم العدالة، لا سيما إذا اشتهر بالفتيا.\nولا يمكن أن يقال: ظاهر الخلق نيل درجة الاجتهاد، لغلبة الجهل، وكون الناس عوامًّا، إلا الأفراد.\nولا يمكن أن يقال: العلماء فسقة إلا الآحاد، فافترقا١.\n_________\n١ عبارة الغزالي: ولا يمكن أن يقال: ظاهر حال الخلق العلم ونيل درجة التقوى، والجهل أغلب على الخلق؛ فالناس كلهم عوامّ إلا الأفراد في البلاد، ولا يمكن أن يقال: المجتهدون والعلماء كلهم فسقة إلا الأفراد، بل العلماء كلهم عدول إلا الآحاد\" المستصفى \"٤/ ١٥١\".","vol":"2","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>فصل: [إذا تعدد المجتهدون فللمقلد سؤال من شاء]</span>\nوإذا كان في البلد مجتهدون فللمقلد مساءلة من شاء منهم. ولا يلزمه مراجعة الأعلم، كما نقل في زمن الصحابة؛ إذ سأل العامّة الفاضل والمفضول في أحوال العلماء.","vol":"2","page":385},{"text":"وقيل: بل يلزمه سؤال الأفضل١.\nوقد أومأ إليه الخرقي فقال: \"إذا اختلف اجتهاد رجلين اتبع الأعمى أوثقهما في نفسه\"٢.\nوالأولى أولى؛ لما ذكرنا من الإجماع.\nوقول الخرقي يحمل على ما إذا سألهما فاختلفا، وأفتاه كل واحد بخلاف قول صاحبه، فحينئذ يلزمه الأخذ بقول الأفضل في علمه ودينه.\nوفيه وجه آخر: أنه يتخير، لما ذكرناه من الإجماع٣.\nولأن العامّي لا يعلم الأفضل حقيقة، بل يغتر بالظواهر، وربما يقدم المفضول؛ فإن لمعرفة مراتب الفضل أدلة غامضة ليس دركها شأن العوامّ.\n_________\n١ وضحه الطوفي فقال: \"يكفي المقلد سؤال بعض مجتهدي البلد، يعني: سؤال من شاء منهم، ولا يلزمه سؤال جميعهم، وفي وجوب تخير الأفضل، أي: هل يجب عليه أن يتخير أفضل المجتهدين فيستفتيه؟ فيه قولان:\nثم ساق أدلة القائلين بعدم وجوب تخير الأفضل فقال:\nأحدهما: أن الصحابة أجمعوا على تسويغ سؤال مقلديهم الفاضل والمفضول، أي: أجمعوا على أن للمستفتي أن يقلد فاضلهم ومفضولهم، وذلك ينفي وجوب تخير الأفضل، وإلا كان إجماع الصحابة -﵃- خطأ، وهو باطل.\nالوجه الثاني: أن الفضل قدر مشترك بين الفاضل والأفضل، فليكف في جواز التقليد، ولا عبرة بخاصية الأفضلية.\nقلت: ولأن الناس متفاوتون في رتبة الفضائل فما من فاضل إلا وثَمَّ من هو أفضل منه بدليل قوله – ﷿: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية: ٧٦]، فلو اعتبر الأفضل لانسد باب الاجتهاد\". انظر: شرح المختصر \"٣/ ٦٦٦-٣٦٧\".\n٢ انظر: المختصر مع المغني \"٢/ ١٠٩\"\n٣ هذا تكرار لما تقدم.","vol":"2","page":386},{"text":"ولو جاز ذلك:\nجاز له النظر في المسألة ابتداءً.\nووجه القول الأول١:\nأن أحد القولين خطأ، وقد تعارض عنده دليلان، فيلزمه الأخذ بأرجحهما، كالمجتهد يلزمه الأخذ بأرجح الدليلين المتعارضين٢.\nولأن من اعتقد أن الصواب في أحد القولين لا ينبغي له أن يأخذ بالتشهي، وينتقي ٣ من المذاهب أطيبها، ويتوسع، ويعرف الأفضل بالأخبار، وبإذعان المفضول له، وتقديمه له، وبأمارات تفيد غلبة الظن دون البحث عن نفس علمه، والعامّي أهل لذلك.\nوالإجماع محمول على ما إذا لم يسألهما؛ إذ لم ينقل إلا ذلك.\nفأما إن استوى عنده المفتيان: جاز له الأخذ بقول من شاء منهما؛ لأنه ليس قول بعضهم أولى من البعض.\nوقد رجح قوم القول الأشد؛ لأن الحق ثقيل.\nورجح الآخرون الأخف؛ لأن النبي -ﷺبعث بالحنيفية السمحة٤.\n_________\n١ أي: لزوم البحث عن الأفضل وسؤاله.\n٢ وضحه الشيخ الطوفي فقال: \"احتج المثبت لوجوب تخير الأفضل بأن الظن الحاصل من قول الأفضل أغلب، فيكون واجبًا، أما الأولى فظاهرة، وأما الثانية: فبناء على أن الأصل اعتبار العلم، وإنما سقط في الشرعيات لتعذره، فوجب الظن الأقرب إلى العلم\"، شرح مختصر الروضة \"٣/ ٦٦٧\".\n٣ في الأصل \"ينتقد\" والمثبت في المستصفى \"٤/ ١٥٤\".\n٤ روى البخاري وأحمد وغيرهما أن رسول الله -ﷺقال: \"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ... \" انظر: صحيح البخاري مع الفتح \"١/ ٨٦، ٨٧\" مسند الإمام أحمد \"١/ ٢٣٦، ٥/ ٢٢٦، ٦/ ١١٦، ٢٣٣\" فيض القدير \"٣/ ٢٠٣\".","vol":"2","page":387},{"text":"وهما قولان متعارضنا فيسقطان١.\nوقد روي عن أحمد﵁- ما يدل على جواز تقليد المفضول؛ فإن الحسين بن بشار٢ سأله عن مسألة في الطلاق فقال: \"إن فعل حنث\" فقال له: يا أبا عبد الله، إن أفتاني إنسان -يعني: لا يحنث- فقال: تعرف حلقة المدنيين؟ -حلقة بالرصافة– فقال: إن أفتوني به حل؟ قال نعم٣.\nوهذا يدل على التخيير بعد الفتيا. والله أعلم.\n_________\n١ أي: أن كلًّا من الأخذ بالأشد، والأخذ بالأخف متعارض مع الآخر فيتساقطان، ويرجع العامّي إلى الأخذ بقول من شاء.\n٢ هو: الحسين بن بشار المخرمي، من أصحاب الإمام أحمد -﵁- الذين نقلوا عنه كثيرًا من المسائل. انظر: طبقات الحنابلة \"١/ ١٤٢\".\n٣ انظر: التمهيد لأبي الخطاب \"٤/ ٤٠٣، ٤٠٤\".","vol":"2","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>باب: في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>مدخل</span>\n...\nباب: في ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح ٢\nيجب على المجتهد في كل مسألة أن ينظر أول شيء إلى الإجماع: فإن وجده لم يحتجْ إلى النظر في سواه.\nولو خالفه كتاب أو سنة علم أن ذلك منسوخ، أو متأول؛ لكون الإجماع دليلًا قاطعًا، لا يقبل نسخًا ولا تأويلًا٢.\nثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة، وهما على رتبة واحدة؛ لأن كل واحد منهما دليل قاطع.\n_________\n١ قال الطوفي: \"اعلم أن هذا من موضوع نظر المجتهد وضروراته؛ لأن الأدلة الشرعية متفاوتة في مراتب القوة، فيحتاج المجتهد إلى معرفة ما يقدم منها وما يؤخر، لئلا يأخذ بالأضعف منها مع وجود الأقوى، فيكون كالمتيمم مع وجود الماء.\nوقد يعرض للأدلة التعارض والتكافؤ، فتصير بذلك كالمعدومة، فيحتاج إلى إظهار بعضها بالترجيح ليعمل بها، وإلا تعطلت الأدلة والأحكام. فهذا الباب مما يتوقف عليه الاجتهاد توقف الشيء على جزئه أو شرطه\". شرح مختصر الروضة \"٣/ ٦٧٣\".\n٢ فالإجماع مقدم على سائر الأدلة لوجهين:\nأحدهما: كونه قاطعًا معصومًا من الخطأ بشهادة المعصوم بذلك وهو الرسول الله -ﷺكما تقدم في باب الإجماع.","vol":"2","page":389},{"text":"ولا يتصور التعارض في القواطع، إلا أن يكون أحدهما منسوخًا.\nولا يتصور أن يتعارض علم وظن؛ لأن ما علم كيف يظن خلافه؟! وظن خلافه شك، فكيف يشك فيما يعلم؟!\nثم ينظر في أخبار الآحاد:\nفإن عارض خبر خاصٌّ عمومَ كتاب أو سنة متواترة: فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها١.\nثم ينظر -بعد ذلك- في قياس النصوص:\nفإن تعارض قياسان أو خبران، أو عمومان: طلب الترجيح.\n_________\n= ثانيهما: أنه لا يقبل النسخ والتأويل، بخلاف باقي الأدلة، وقد سبق الكلام في أن الإجماع لا يقبل النسخ في بابه.\nوأما كونه لا يقبل التأويل: فإن التأويل لا يلحق إلا ما كانت دلالته ظاهرة، والإجماع قاطع، فصار كالنصوص في مدلولها لا تقبل التأويل. انظر: شرح الطوفي \"٣/ ٦٧٥\".\n١ في مسألة تعارض الخاص مع العام.","vol":"2","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>فصل: [تعريف التعارض]</span>\nواعلم أن التعارض: هو التناقض١.\nولا يجوز ذلك في خبرين؛ لأن خبر الله –تعالى– ورسول الله -ﷺلا يكون كذبًا.\n_________\n١ في الأصل: \"الناقض\" وهو خطأ مطبعي، والتعارض في اللغة التمانع، ومنه: تعارض البينات؛ لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها.\nانظر: تاج العروس \"٨/ ٧٣\" المفردات للراغب الأصفهاني \"١/ ٣٩١\".\nوأما التعارض في الاصطلاح: فله تعريفات كثيرة، من أوضحها: تعريف الزركشي بأنه: \"تقابل الدليلين على سبيل الممانعة\". البحر المحيط \"٦/ ١٠٩\". وانظر في تعريفه: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع \"٢/ ٣٥٩\"، نهاية السول \"٤/ ٤٣٣\"، شرح الكوكب المنير \"٤/ ٦٠٥\".","vol":"2","page":390},{"text":"فإن وجد ذلك في حكمين:\nفإما أن يكون أحدهما كذبًا من الراوي.\nأو يمكن الجمع بينهما بالتنزيل على حالين، أو في زمانين.\nأو يكون أحدهما منسوخًا.\nفإن لم يمكن الجمع، ولا معرفة النسخ: رجحنا١، فأخذنا الأقوى في أنفسنا.\n[وجوه الترجيح في الأخبار]\nويحصل الترجيح في الأخبار من ثلاثة أوجه:\nالأول: يتعلق بالسند:\nوذلك أمور خمسة:\nأحدها: كثرة الرواة، فإن ما كان رواته أكثر كان أقوى في النفس، وأبعد من الغلط أو السهو؛ فإن خبر كل واحد يفيد ظنًّا على انفراده، فإن انضم أحدهما إلى الآخر كان أقوى وآكد منه لو كان منفردًا، ولهذا ينتهي إلى التواتر بحيث يصير ضروريًّا قاطعًا لا يشك فيه.\nوبهذا قال الشافعي٢.\nوقال بعض الحنفية: لا يرجح به ٣؛ لأنه خبر يتعلق به الحكم، فلم يترجح بالكثرة، كالشهادة والفتوى.\n_________\n١ الترجيح في اللغة: مأخوذ من رجح بمعنى: زاد، يقال: رجح الشيء يرجح رجوحًا إذا مال وثقلت كفته.\nوأما في الاصطلاح: فله تعريفات كثيرة منها: تعريف الزركشي أنه: \"بيان اختصاص الدليل بمزيد قوة عن مقابله ليعمل به\"، البحر الحيط \"٦/ ١٣٠\".\n٢ انظر: البرهان \"٢/ ١١٤٣، ١١٦٢\"، الإحكام للآمدي \"٤/ ٢٤١\".\n٣ يراجع: كشف الأسرار \"٤/ ٧٨\"، التوضيح على التنقيح \"٣/ ٥٩\".","vol":"2","page":391},{"text":"قلنا:\nالأصل ما ذكرناه١ بدليل أمور ثلاثة:\nأحدها: ما ذكرناه من غلبة الظن، وتقديم الراجح متعين، لأنه أقرب إلى الصحة.\nولذلك إذا غلب على الظن كون الفرع أشبه بأحد الأصلين وجب اتباعه.\nالثاني: أن الصحابة -﵃- كانوا يرجحون بكثرة العدد. ولذلك قوّى النبي -ﷺخبر ذي اليدين بموافقة أبي بكر وعمر -﵄٢.\nوأبو بكر قوّى خبر المغيرة في ميراث الجدة بموافقة محمد بن مسلمة٣. وقوّى عمر خبر المغيرة -أيضًا- في دية الجنين بموافقة محمد بن مسلمة٤. وقوّى خبر أبي موسى في الاستئذان بموافقة أبي سعيد٥. وقوّى ابن عمر خبر أبي هريرة في: \"من شَهِد جنازة\" بموافقة عائشة٦. إلى غير ذلك مما يكثر، فيكون إجماعًا منهم.\nالثالث أن هذا عادة الناس في حراثتهم وتجاراتهم، وسلوك\n_________\n١ وهو أنه يرجح بكثرة الرواة.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ سبق للمصنف أن نقل هذا الخبر في خبر الواحد أن عمر -﵁- قال: \"أذكِّرُ الله امرءًا سمع من رسول الله -ﷺ- في الجنين؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة. وقال: كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي -ﷺ- في الجنين بغرة. فقال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره\". وسبق تخريجه في محله. أما هذه الرواية فلم أطلع عليها.\n٥ سبق تخريجه.\n٦ عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- \"من شَهِد الجنازة =","vol":"2","page":392},{"text":"الطريق؛ فإنهم عند تعارض الأسباب المخوفة يميلون إلى الأقوى. فأما الشهادة١: فلم يرجحوا فيها، وسببها: أن باب الشهادة مبنٌّي على التعبد.\nولهذا لو شهد بلفظ الإخبار دون الشهادة لم يقبل، ولا تقبل شهادة مائة امرأة على باقة بقل.\nالثاني٢: أن يكون أحد الراويين معروفًا بزيادة التيقظ وقلة الغلط، فالثقة بروايته أكثر.\nالثالث: أن يكون أورع وأتقى، فيكون أشد تحرزًا من الكذب، وأبعد من رواية ما يشك فيه.\nالرابع: أن يكون راوي أحدهما صاحب الواقعة، فقول \"ميمونة\"٣: \"تزوجني النبي -ﷺ- ونحن حلالان\"٤\n_________\n= حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان: قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين\" متفق عليه.\nزاد مسلم: \"حتى يوضع في اللحد\".\nوللبخاري -من حديث أبي هريرة -أيضًا- \"من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل قيراط مثل جبل أحد\". انظر: صحيح البخاري: كتاب الجنائز: باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.\n١ بدأ المصنف يناقش أدلة بعض الحنفية المتقدمة.\n٢ من الأمور التي يرجح بها عن طريق السند.\n٣ هي: ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، كانت تسمى \"برة\" فسماها النبي -ﷺ- \"ميمونة\" وهي آخر امرأة تزوجها النبي -ﷺ-. توفيت -﵂- سنة ٦١هـ. انظر: الإصابة \"٨/ ١٢٦\".\n٤ أخرجه مسلم: كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، وأبو داود: كتاب =","vol":"2","page":393},{"text":"يُقَدَّم على رواية \"ابن عباس\": \"نكحها وهو محرم\"١.\nالخامس: أن يكون أحدهما باشر القصة، كرواية أبي رافع ٢: \"تزوج النبي -ﷺ- ميمونة وهو حلال، وكنت السفير بينهما\"٣، مع رواية \"ابن عباس\" التي ذكرناها، فإن المباشر أحق بالمعرفة من الأجنبي.\nولذلك قدم الصحابة أخبار أزواج النبي -ﷺ- في صحة صوم من أصبح جنبًا، وفي وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون الإنزال على خبر من روى خلاف ذلك.\nالوجه الثاني٤: الترجيح لأمر يعود إلى المتن بأمور:\nمنها: أن يشهد القرآن والسنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق\n_________\n= المناسك، باب المحرم يتزوج، والترمذي: أبواب الحج، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، وابن ماجة: كتاب النكاح، باب: المحرم يتزوج.\n١ حديث صحيح: أخرجه البخاري: كتاب المحصر وجزاء الصيد، باب تزويج المحرم، وباب عمرة القضاء من كتاب المغازي، ومسلم: كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، قال المصنف في كتابه: \"المغني\" جـ٥ ص١٦٣، ١٦٤: \"وميمونة أعلم بنفسها، وأبو رافع صاحب القصة، وهو السفير فيها، فهما أعلم بذلك من ابن عباس وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرًا، فكيف وقد كان صغيرًا لا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها، وقد أنكر عليه هذا القول؟! \".\n٢ اسمه أسلم أو إبراهيم، كان مولًى للعباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي -ﷺفأعتقه -﵊- حينما بشره بإسلام العباس، وأسلم أبو رافع قبل بدر ولم يشهدها، ثم شهد ما بعدها من المشاهد، زوجة النبي -ﷺ- مولاته سلمى. توفى في آخر خلافة عثمان، \"الإصابة ٧/ ٦٥\".\n٣ أخرجه الترمذي في أبواب الحج، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم، والدارمي: كتاب المناسك، باب في تزويج المحرم، والبيهقي: كتاب الحج، باب: المحرم لا ينكح ولا ينكح، والإمام أحمد في المسند \"٦/ ٣٩٢، ٣٩٣\".\n٤ من الوجوه الثلاثة في ترجيح الأخبار.","vol":"2","page":394},{"text":"الخبر، أو يعضده قياس، أو يعمل به الخلفاء، أو يوافقه قول صحابي كموافقة خبر التغليس١ قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .\nالثاني: أن يختلف في وقت أحد الخبرين على الراوي، والآخر يتفق على رفعه.\nالثالث: أن يكون راوي أحدهما قد نقل عنه خلافه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارض، فيكون أولى.\nالرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا، فالمتصل أولى؛\n_________\n١ الغلس -بفتحتين- ظلام آخر الليل، وغلّس في الصلاة: صلاها بغلس، والمصنف يريد أن يقول: رجح العلماء الخبر الوارد بالتغليس في صلاة الفجر على الخبر الوارد بالإسفار وهو: الإضاءة، لأن خبر التغليس يوافقه قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم ْ ...﴾ [آل عمران، من الآية: ١٣٣]\nأما خبر التغليس: فهو ما روته عائشة -﵂- قالت: \"كان نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله -ﷺ- صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الناس\". وفي رواية: \"كان رسول الله -ﷺ- يصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس\" أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب كم تصلي المرأة في الثياب، وفي كتاب المواقيت، باب وقت الفجر، وباب انتظار الناس قيام الإمام العالم، وباب سرعة انصراف الناس من الصبح وقلة مقامهم في المسجد كما أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح.\nوأما خبر الإسفار: فهو ما رواه رافع بن خديج قال: \"سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر\" أخرجه الترمذي: في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإسفار بالفجر، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب في وقت الصبح والنسائي: باب الإسفار من كتاب المواقيت والإمام أحمد في المسند \"٣/ ٤٦٥، ٤/ ١٤٠، ١٤٢، ١٤٣\".","vol":"2","page":395},{"text":"لأنه متفق على صحته، وذلك مختلف فيه.\nوأما الترجيح لأمر من خارج١:\nفكترجيح أحد الخبرين بكونه ناقلًا عن حكم الأصل، مثل الموجب للعبادة أولى من النافي لها؛ لأن النافي جاء على مقتضى العقل، والآخر متأخر عنه، فكان كالناسخ له.\nوكذلك رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي؛ لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على صاحبه٢.\nقال القاضي: وإذا تعارض الحاظر والمبيح: قدم الحاظر؛ لأنه الأحوط. وقيل: لا يرجح بذلك٣.\nولا يرجح المسقط للحد على الموجب له، ولا الموجب للحرية على المقتضي للرق؛ لأن ذلك لا يوجب تفاوتًا في صدق الراوي فيما ينقله من لفظ الإيجاب والإسقاط.\n_________\n١ وهو الوجه الثالث من وجوه الترجيح بين الأخبار.\n٢ قال الطوفي: \"إن نفي النافي إن استند إلى عدم العلم، كقوله: لم أعلم أن رسول الله -ﷺ- صلّى بالبيت، ولم أعلم أن فلانًا قتل فلانًا، لم يلتفت إليه، وكان إثبات المثبت للصلاة، وقتل فلان مقدمًا لما سبق، وإن استند نفي النافي إلى علم بالعدم كقول الراوي: أعلم أن رسول الله -ﷺ- لم يصلِّ بالبيت؛ لأني كنت معه فيه، ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلّى فيه، أو قال: أخبرني رسول الله -ﷺ- أنه لم يصلِّ فيه، أو قال: أعلم أن فلانًا لم يقتل زيدًا؛ لأني رأيت زيدًا حيًّا بعد موت فلان، أو بعد الزمن الذي أخبر الجارح أنه قتله فيه. فهذا يقبل؛ لاستناده إلى مَدْرك علمي، ويستوي هو وإثبات المثبت، فيتعارضان، ويطلب المرجح من خارج\". شرح المختصر \"٣/ ٧٠١\".\n٣ أي: أنهما يتساويان، فيحتاج إلى مرجح خارجي.","vol":"2","page":396},{"text":"وأما الترجيح بأمر خارج: فبأمور:\nمنها: أن يشهد القرآن أو السنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق الخبر، أو يعضده قياس، أو يعمل به الخلفاء، أو يوافقه قول صحابي، كموافقة خبر التغليس قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .\nالثاني: أن يختلف في وقف أحد الخبرين على الراوي، والآخر متفق على رفعه.\nالثالث: أن يكون راوي أحدهما قد نُقل عنه خلافه، فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر سليمًا عن التعارض، فيكون أولى.\nالرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا، فالمتصل أولى؛ لأنه متفق عليه، وذلك مختلف فيه١.\n_________\n١ هذه الأمور الأربعة تقدمت بعينها في الترجيح لأمر يعود إلى المتن، فلعلها مكررة من النساخ.","vol":"2","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>فصل: في ترجيح المعاني</span>\nقال أصحابنا: ترجح العلة بما يرج به الخبر١:\nمن موافقتنا لدليل آخر من كتاب أو سنة، أو قول صحابي، أو خبر مرسل، أو بكون إحداهما ناقلة عن الأصل، كما قلنا في الخبر. فأما إن كانت إحداهما حاظرة والأخرى مبيحة، أو كانت إحداهما مسقطة للحد، أو موجبة للعتق، ففي الترجيح بذلك اختلاف٢:\nفرجح به قوم، احتياطًا للحظر ونفي الحد.\n_________\n١ يريد: أن ما تقدم من وجه ترجيح الأخبار يجري مثله في ترجيح العلة.\n٢ وذلك أن العلل مستفادة من النصوص، فتتبعها في الخلاف.","vol":"2","page":397},{"text":"ولأن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها.\nومنع آخرون الترجيح بذلك، من حيث إنهما حكمان شرعيان فيستويان١.\nولأن سائر العلل لا ترجح بأحكامها، فكذا هاهنا.\nورجح قوم العلة بخفة حكمها؛ لأن الشريعة خفيفة. وآخرون بالعكس؛ لأن الحق ثقيل.\nوهي ترجيحات ضعيفة.\nفإن كانت إحدى العلتين حكمًا، والأخرى وصفًا حسيًّا، ككونه قوتًا أو مسكرًا٢.\nفاختار القاضي ترجيح الحسية٣.\nومال أبو الخطاب إلى ترجيح الحكمية٤؛ لأن الحسية كانت موجودة قبل الحكم، فلا يلازمها حكمها، والحكم أشد مطابقة للحكم.\nورجح القاضي: بأن الحسية كالعلة العقلية، والعقلية قطعية، فهي أولى مما يوجب الظن٥.\nولأنها لا تفتقر إلى غيرها في الثبوت.\nوقيل: هذا كله ترجيح ضعيف.\n_________\n١ سبق للمصنف توضيح ذلك.\n٢ كونه \"قوتًا\" مثال للعلة الحسية، وكونه \"مسكرًا\" مثال للعلة الحكمية.\n٣ انظر: العدة \"٥/ ١٥٣١\".\n٤ انظر: التمهيد \"٤/ ٢٣٠\".\n٥ هذا الدليل لمذهب القاضي أبي يعلى المتقدم؛ لأن حكاية مذهبه تقدمت قبل ذلك.","vol":"2","page":398},{"text":"وذكر أبو الخطاب ترجيح العلة إذا كانت أقل أوصافًا، لمشابهتها العلة العقلية.\nولأنها أجرى على الأصول١.\nوترجيحها بكثرة فروعها وعمومها٢.\nثم اختار٣ التسوية، وأن هذين لا يرجح بهما؛ لأن العلتين سواء في إفادتهما حكمهما، وسلامتهما من الفساد.\nومتى صحت لم يلتفت إلى كثرة فروعها، ولا كثرة أوصافها.\nورجح العلة المنتزعة من الأصول على ما انتزع من أصل واحد؛ لأن الأصول شواهد للصحة، وما كثرت شواهده كان أقوى في إثارة غلبة الظن.\nورجح العلة المطردة المنعكسة على ما لا ينعكس؛ لأن الطرد والعكس دليل على الصحة ابتداء، لما فيه من غلبة الظن، فلا أقل من أن يصلح للترجيح.\nورجح العلة المتعدية على القاصرة، لكثرة فائدتها.\nومنع ذلك قوم؛ لأن الفروع لا تبني على قوة في ذات العلة، بل القاصرة أوفق للنص.\nوالأول أولى، فإنها متفق عليها، وهذه مختلف فيها٤.\n_________\n١ انظر: التمهيد \"٤/ ٢٣٥\".\n٢ معناه: ترجيح العلة ذات الوصف الواحد على العلة ذات الوصفين فأكثر؛ لأن ذلك الوصف الواحد أكثر فروعًا؛ لأن ثبوت الحكم بها متوقف على وصف واحد، وهذا يجعلها أكثر فروعًا مما توقف على وصفين أو أكثر. انظر شرح الطوفي: \"٣/ ٧٢٢\".\n٣ أي: أبو الخطاب، وكذا كل ما بعده نقله المصنف عن أبي الخطاب.\n٤ قال الطوفي: \"اعلم أن العلة القاصرة قد سبق الخلاف فيها هل هي علة صحيحة =","vol":"2","page":399},{"text":"ورجح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا؛ لأنه متفق على الوصف، مختلف في الاسم فالمتفق عليه أقوى١.\nورجح ما كانت علته إثباتًا على التعليل بالنفي، لهذا المعنى أيضًا.\nورجح العلة المردودة٢ إلى أصل قاسَ الشارعُ عليه، كقياس الحج على الدَّين في أنه لا يسقط بالموت، أولى من قياسهم على الصلاة، لتشبيه النبي -ﷺ- له بالدين في حديث الخثعمية٣.\n_________\n= في نفسها أم لا؟ فإن قلنا: ليست صحيحة لم تعارض المتعدية، فلا ترجيح، كغير المطردة مع المطردة، وإن قلنا: هي صحيحة، فاجتمعت مع المتعدية ففيه أقوال:\nأحدها: أنهما سواء في الحكم لا رجحان لإحداهما على الأخرى؛ لقيام الدليل على صحتها، كما تقدم في موضعه.\nالثاني: أن القاصرة أرجح، فتقدم لوجهين:\nأحدهما: أنها مطابقة للنص في موردها -أي: لم يجاوز تأثيرها موضع النص- بخلاف المتعدية فإنها لم تطابق النص، بل زادت عليه، وما طابق النص كان أولى.\nالوجه الثاني: أمَْنُ صاحبها -أي المعلل بها- من الخطأ؛ لأنه لا يحتاج إلى التعليل بها في غير محل النص كالمتعدية، فربما أخطأ بالوقوع في بعض مثارات الغلط في القياس، وما أُمِنَ فيه من الخطأ أولى مما كان عرضة له.\nالقول الثالث: أن المتعدية أرجح، فتقدم؛ لكثرة فوائدها، كالتعليل في الذهب الفضة بالوزن، فيتعدى الحكم إلى كل موزون، كالحديد والنحاس الصفر ونحوه، بخلاف التعليل بالثمنية أو النقدية، فلا تتعداهما، فكان التعليل بالوزن الذي هو وصف متعدٍّ لمحلِّ النقدين إلى غيرهما أكثر فائدة من الثمنية القاصرة عليهما لا تجاوزهما\" شرح المختصر \"٣/ ٧٢٠، ٧٢١\".\n١ لأن التعليل بالأوصاف متفق عليه، بخلاف التعليل بالأسماء، فإنه محل خلاف، ولأنه أكثر فائدة، كما تقدم في تقديم العلة المتعدية على العلة القاصرة.\n٢ في الأصل \"المردودة\" وهو خطأ مطبعي.\n٣ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":400},{"text":"ومتى كان أصل إحدى العلتين متفقًا عليه، والآخر مختلفًا فيه، كانت المتفق على أصلها أولى، فإن قوة الأصل تؤكد قوة العلة.\nوكذلك ترجح كل علة قوى أصلها، مثل:\nأن يكون أحدهما محتملًا للنسخ، والآخر لا يحتمل.\nأو يثبت أحدهما بخبر متواتر، والآخر بآحاد.\nأو أحدهما ثابتًا بروايات كثيرة، والآخر برواية واحدة.\nأو أحدهما بنص صريح، والآخر بتقدير أو إضمار.\nأو يكون أحدهما أصلًا بنفسه، والآخر أصلًا لآخر.\nأو أحدهما اتفق على تعليله، والآخر اختلف فيه.\nأو يكون دليل أحد الوصفين مكشوفًا١ معينًا، والآخر أجمعوا على أنه بدليل، ولم يكن معينًا.\nأو يكون أحدهما مغيرًا للنفي الأصلي، والآخر مبقيًا عليه، فالمغير أولى؛ لأنه حكم شرعي، والآخر نفي للحكم على الحقيقة.\nوترجح العلة المؤثرة على الملائمة.\nوالملائمة على الغريب.\nوالمناسبة على الشبهية؛ لأنه أقوى في تغليب الظن٢. والله -سبحانه- أعلم.\n_________\n١ أي: ظاهرًا.\n٢ سبق أن ذكر المصنف أن من اقسام العلة: ثبوتها بالاستنباط، ومنه: إثباتها =","vol":"2","page":401},{"text":"تم الكتاب بحمد الله ومنّه وكرمه.\nوصلَّى اللهُ على خير رسله: محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\n_________\n= بالمناسبة، وأن المناسبة ثلاثة أنواع، أعلاها المؤثر، يليه الملائم، ثم الغريب، فذكر -هنا- أن العلة المؤثرة ترجح على الملائمة، والملائمة ترجح على الوصف الغريب، وأن المناسبة بأنواعها الثلاثة تقدم على الوصف الشبهي؛ لأنها أقوى في إفادة غلبة الظن.\nوهذا آخر ما تيسر لنا كتابته من توضيحات على هذا الكتاب، قصدنا بها مساعدة طلبة العلم على فهم الكتاب. وكان الفراغ منها في عصر يوم الجمعة ١٧ من المحرم ١٤١٨هـ بتوقيت أم القرى.\nأسال الله -تعالى- أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل مشتغل بالعلم إنه جواد كريم.\nوصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.\nشعبان بن محمد اسماعيل","vol":"2","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الفهارس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>موضوعات الجزء الثاني:</span>\n...\nفهرس\nموضوعات الجزء الثاني:\nباب العموم.\nالعموم من عوارض الألفاظ ويطلق علي غيرها مجازًا ٥\nتعريف العامّ ٧\nأقسام العام ٨\nالعامّ الذي لا أعمَّ منه ومثاله ٨\nمن العلماء من يرى أنه لا يوجد عامٌّ لا أعمَّ منه ٩\nأقسام الخاصّ ٩\nالخاصّ الذي لا أخصَّ منه ٩\nفصل\nفي ألفاظ العموم.\nالأول: الاسم المعرّف بالألف واللام غير العهدية وهو ثلاثة أنواع ١١\nالقسم الثاني: من ألفاظ العموم: ما أضيف إلى الأنواع الثلاثة المتقدمة ١١\nالقسم الثالث: أدوات الشرط ١٢\nالقسم الرابع: كل وجميع ١٣\nالقسم الخامس: النكرة في سياق النفي ١٣\nهل للعموم صيغة تخصه؟ ١٤\nالواقفية يرون أنه لا صيغة للعموم ١٤\nأدلتهم على ذلك ١٥\nأدلة الجمهور على أن للعموم صيغًا تدل عليه ١٦\nمناقشة أدلة الواقفية ٢٤","vol":"2","page":403},{"text":"فصل\nفي الخلاف في عموم بعض الصيغ.\nمن العلماء من يرى أن جميع الصيغ تفيد العموم إلا المحلى بالألف واللام ٢٦\nمن العلماء من يرى أن الواحد المعرَّف بالألف واللام لا يفيد العموم ٢٦\nمن العلماء من يرى أن النكرة في سياق النفي لا تفيد العموم ٢٦\nأدلة المنكرين لإفادة النكرة للعموم ٢٦\nدليل من قال: ما دخلت عليه الألف واللام لا يفيد العموم ٢٧\nدليل من قال: إن الواحد المعرّف بالألف واللام لا يفيد العموم ٢٨\nردُّ ابن قدامة على هذه المذاهب ٢٨\nفصل: في أقل الجمع ٣١\nمذاهب العلماء وأدلتهم في المسألة ٣١\nفصل: في حكم العام الوارد على سبب خاص ٣٥\nجمهور العلماء على أن العبرة بعموم اللفظ ٣٥\nمخالفة بعض العلماء في المسألة ودليلهم ٣٦\nأدلة الجمهور ٣٧\nمناقشة أدلة المخالفين ٣٩\nفصل: حكاية الفعل من الصحابة تقتضي العموم ٤٢\nذهب بعض العلماء إلى أنه لا عموم له ٤٢\nأدلة أصحاب هذا المذهب ٤٢\nأدلة الجمهور ٤٣\nفصل: الخطاب المضاف إلى الناس والمؤمنين يعمُّ العبيد ٤٤\nدخول النساء في الجمع المضاف إلى الناس ٤٥\nهل يدخل النساء في اللفظ الذي لا يتبين فيه التذكير والتأنيث؟ ٤٥\nهل يدخل النساء فيما يختص بالذكور من الأسماء؟ ٤٥\nهل يدخل النساء في الجمع مثل \"المسلمين\"؟ ٤٥\nفصل: العامّ بعد التخصيص حجة ٤٨\nالمذهب الأول: أنه حجة وهو مذهب الجمهور ٤٨\nالمذهب الثاني: أنه لا يبقى حجة والأدلة على ذلك ٤٨","vol":"2","page":404},{"text":"أدلة الجمهور ٤٨\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٤٩\nفصل: العام بعد التخصيص حقيقة عند الجمهور ٥٠\nالمذهب الثاني: أنه يصير مجازًا والأدلة على ذلك ٥١\nالمذهب الثالث: التفصيل بين المخصص بمنفصل والمخصص بمتصل ٥١\nفصل\nفيما ينتهي إليه التخصيص.\nالمذهب الأول: جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد ٥٢\nالمذهب الثاني: يجوز التخصيص إلى أقل الجمع ٥٢\nدليل المذهب الثاني: ٥٣\nدليل المذهب الأول: ٥٣\nفصل الخطاب العام يتناول من صدر منه عند الجمهور ٥٤\nقال قوم: لا يدخل في العام وأدلتهم على ذلك ٥٤\nبيان فساد هذا المذهب ٥٤\nمذهب أبي الخطاب أن الأمر لا يدخل في الأمر ودليله على ذلك ٥٤\nالقاضي أبو يعلى يرى دخول النبي -ﷺ- فيما أمر به ٥٥\nفصل: اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه في الحال عند بعض العلماء ٥٦\nقال أبو الخطاب: لا يجب اعتقاده إلا بعد البحث عن المخصص ٥٦\nالمذهب الثالث: التفصيل ٥٧\nأدلة المذهب الثاني ٥٧\nإلى متى يجب البحث عن المخصص ٥٧\nأدلة المذهب الأول ٥٨\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٥٨\nفصل\nفي الأدلة التي يخص بها العموم.\nالأدلة على جواز تخصيص العموم ٦٠\nالدليل الأول بين المخصصات: الحس ٦٠","vol":"2","page":405},{"text":"الدليل الثاني: العقل ٦١\nالاعتراض على التخصيص بالعقل ٦١\nالرد على هذا الاعتراض ٦١\nالدليل الثالث: الإجماع ٦٢\nالدليل الرابع: النص الخاص ٦٣\nمذاهب العلماء في هذا النوع ٦٤\nالمذهب الأول: أن النص الخاص يخصص العام مطلقًا ٦٤\nأدلة هذا المذهب ٦٤\nالمذهب الثاني: أن المتأخر يقدم خاصًّا كان أو عامًّا إذا علم المتأخر ٦٤\nالأدلة على هذا المذهب ٦٥\nإذا جهل التاريخ تعارض العام والخاص ٦٦\nبعض الشافعية يمنعون تخصيص عموم السنة بالكتاب ٦٦\nالأدلة على هذا الرأي ٦٧\nبعض العلماء يمنعون تخصيص الكتاب بخبر الواحد ٦٧\nقال عيسى ابن أبان: يخص العام المخصوص بخبر الواحد دون غيره ٦٧\nذهب بعض العلماء إلى التوقف في تخصيص الكتاب بخبر الواحد ٦٧\nالأدلة على تقديم الخاص على اللفظ العام مطلقًا ٦٨\nالرد على أدلة المذاهب الأخرى ٧١\nالدليل الخامس: من أدلة تخصيص العام - المفهوم ٧٢\nالدليل السادس: فعل الرسول -ﷺ- ٧٣\nالدليل السابع: تقرير الرسول -ﷺ- ٧٤\nالدليل الثامن: قول الصحابي ٧٤\nالدليل التاسع: القياس ٧٥\nآراء العلماء في المسألة ٧٥\nالمذهب الأول: أن القياس يخص به العموم ٧٥\nالمذهب الثاني: منع تخصيص العام بالقياس ٧٥\nأدلة هذا المذهب ٧٥\nالمذهب الثالث: جواز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي ٧٦","vol":"2","page":406},{"text":"دليل هذا المذهب ٧٦\nتعريف القياس الجلي والخفي ٧٧\nالمذهب الرابع: جواز التخصيص بالقياس في العام المخصوص ٧٨\nدليل المذهب الأول ٧٨\nالرد على أدلة المذاهب المخالفة للمذهب الأول ٧٨\nفصل: في تعارض العمومين ٨٠\nكيفية الجمع بين العمومين المتعارضين ٨٠\nفصل\nفي الاستثناء.\nصيغة الاستثناء ٨٢\nتعريفه ٨٢\nالفرق بينه وبين التخصيص ٨٣\nالفرق بينه وبين النسخ ٨٤\nفصل: في شروط الاستثناء ٨٤\nالشرط الأول: أن يتصل بالكلام ٨٤\nما روي عن ابن عباس وعطاء والحسن من جواز التأخير ٨٤\nالشرط الثاني: أن يكون من جنس المستثنى منه ٨٥\nخلاف العلماء في هذا الشرط ٨٦\nالشرط الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف ٨٩\nخلاف العلماء وأدلتهم في هذا الشرط ٩٠\nفصل\nفي حكم الاستثناء بعد جمل متعددة.\nالمذهب الأول: أنه يرجع إلى جميع الجمل ٩٤\nالمذهب الثاني: أنه يرجع إلى أقرب المذكورين ٩٤\nأدلة المذهب الثاني ٩٥\nأدلة المذهب الأول ٩٦\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٩٨","vol":"2","page":407},{"text":"فصل\nفي الشرط.\nمعنى الشرط ٩٩\nالفرق بينه وبين العلة ١٠٠\nأقسام الشرط ١٠٠\nبيان التخصيص بالشرط ١٠٠\nفصل\nفي المطلق والمقيد.\nتعريف المطلق وأمثلته ١٠١\nتعريف المقيد وأمثلته ١٠٢\nبيان أن اللفظ قد يكون مطلقًا مقيدًا ١٠٢\nفصل\nفي حمل المطلق على المقيد.\nالقسم الأول: أن يكونا في حكم واحد وسبب واحد ١٠٣\nمذاهب العلماء في هذا القسم ١٠٣\nالمذهب الأول: يحمل المطلق على المقيد ١٠٣\nالمذهب الثاني: لا يحمل عليه ١٠٤\nدليل المذهب الثاني ١٠٤\nالرد على هذا الدليل ١٠٤\nالقسم الثاني: اتحاد الحكم واختلاف السبب ١٠٥\nمذاهب العلماء في هذا القسم ١٠٥\nالمذهب الأول: لا يحمل المطلق على المقيد ١٠٥\nالمذهب الثاني: يحمل المطلق على المقيد ١٠٥\nأدلة هذا المذهب ١٠٥\nأدلة أصحاب المذهب الأول ١٠٧\nالرد على أدلة المذهب الثاني ١٠٧","vol":"2","page":408},{"text":"القسم الثالث: أن يختلف الحكم فيهما ١٠٨\nلا يحمل المطلق على المقيد في هذا القسم ١٠٨\nباب في الفحوى والإشارة\nفصل\nفيما يقتبس من الألفاظ من فحواها وإشارتها لا من صيغها.\nوهو خمسة أضرب ١٠٩\nالضرب الأول: دلالة الاقتضاء ١٠٩\nتعريفها ١١٠\nصورها وأمثلتها ١١٠\nالضرب الثاني: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب ١١١\nأسماء هذا الضرب ١١١\nالضرب الثالث: التنبيه ١١١\nتعريف التنبيه ١١١\nأسماء التنبيه: مفهوم الموافقة وفحوى اللفظ ١١٢\nهل يسمى هذا النوع قياسًا؟ ١١٢\nمذاهب العلماء وأدلتهم في ذلك ١١٢\nالضرب الرابع: دليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة ١١٤\nتعريفه وأمثلته ١١٤\nمذاهب العلماء في حجيته ١١٤\nالمذهب الأول: أنه حجة ١١٤\nالمذهب الثاني: أنه ليس حجة ١١٥\nأدلة هذا المذهب ١١٥\nالدليل الأول للمذهب الأول ١١٨\nالاعتراضات الواردة على هذا الدليل ١١٩\nالدليل الثاني: للمذهب الأول ١٢٠\nالرد على الاعتراضات الواردة على الدليل الأول١٢٢\nالرد على أدلة المذهب الثاني ١٢٢","vol":"2","page":409},{"text":"فصل\nفي درجات أدلة الخطاب.\nالصور التي أنكرها منكرو مفهوم المخالفة ١٢٤\nالصورة الأولى: \"لا عالم إلا زيد\" ١٢٥\nالصورة الثانية: \"إنما الولاء لمن أعتق\" ١٢٧\nالصورة الثالثة: \"الشفعة فيما لم يقسم\" ١٢٩\nدرجات دليل الخطاب.\nالدرجة الأولى: مفهوم الغاية وأمثلته ١٣٠\nالمذهب الأول: أنه ليس حجة ١٣٠\nأدلة هذا المذهب ١٣١\nأدلة الجمهور على حجيته ١٣١\nالدرجة الثانية: مفهوم الشرط وأمثلته ١٣١\nالمذهب الأول: أنه ليس حجة ١٣١\nأدلة هذا المذهب ١٣٢\nأدلة الجمهور على حجيته ١٣٢\nالرد على أدلة المخالفين للجمهور ١٣٢\nالدرجة الثالثة: اقتران الاسم العام بصفة خاصة ١٣٢\nمفهوم التقسيم ومثاله ١٣٣\nالدرجة الرابعة: مفهوم الصفة ١٣٤\nمذاهب العلماء في حجيته ١٣٤\nالدرجة الخامسة: مفهوم العدد ١٣٥\nمذاهب العلماء في حجيته ١٣٦\nالدرجة السادسة: مفهوم اللقب ١٣٧\nمذاهب العلماء في حجيته ١٣٧\nباب القياس.\nمعنى القياس في اللغة ١٤٠\nتعريف القياس في الشرع ١٤١","vol":"2","page":410},{"text":"فصل\nفي العلة.\nمعنى العلة ١٤٤\nطريق الاجتهاد في إثبات العلة ١٤٥\nالاول: تحقيق المناط ١٤٥\nمعناه ومثاله ١٤٥\nالثاني: تنقيح المناط ١٤٨\nمعناه ومثاله ١٤٨\nالثالث: تخريج المناط ١٥٠\nمعناه ومثاله ١٥٠\nفصل\nفي إثبات القياس على منكريه.\nمذاهب العلماء في التعبد بالقياس ١٥٠\nالمذهب الأول: جواز التعبد به عقلًا وشرعًا ١٥٠\nالمذهب الثاني: لا يجوز التعبد به عقلًا وشرعًا ١٥١\nالمذهب الثالث: أنه لا حكم للعقل فيه ويجب التعبد به شرعًا ١٥١\nأدلة الجمهور على جواز التعبد بالقياس عقلًا وشرعًا ١٥٢\nأدلة وجوب التعبد به شرعًا ١٥٤\nأولًا: الإجماع ١٥٤\nأمثلة من إجماعات الصحابة -﵃- ١٥٤\nالاعترضات الواردة على إجماعات الصحابة ١٦١\nالرد على الاعتراضات المتقدمة ١٦٣\nالأدلة النقلية على حجية القياس ١٦٨\nالأدلة النقلية للمنكرين للقياس ١٧٥\nالأدلة العقلية للمنكرين للقياس ١٧٦\nالرد على هذه الأدلة ١٧٧\nفصل: في مذهب النظام في الإلحاق بالعلة المنصوصة١٨٤","vol":"2","page":411},{"text":"فصل: في أوجه تطرق الخطأ إلى القياس ١٨٥\nفصل: في أقسام إلحاق المسكوت بالمنطوق ١٨٦\nإلحاق المسكوت بالمنطوق ضربان: مقطوع ومظنون١٨٦\nالمقطوع ضربان:\nأحدهما: كون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق ١٨٧\nالضرب الثاني: أن يكون المسكوت مثل المنطوق ١٨٨\nلإلحاق المسكوت بالمنطوق طريقان ١٨٩\nأدلة إثبات العلة.\nالقسم الأول: إثبات العلة بأدلة نقلية ١٩١\nالأول: النص الصريح وأمثلته ١٩٢\nالثاني: التنبيه والإيماء إلى العلة ١٩٦\nوهو ستة أنواع: ١٩٦\nأحدها: ذكر الحكم عقيب وصف بالفاء ١٩٦\nأمثلة على ذلك ١٩٧\nالثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء ١٩٩\nأمثلة على هذا النوع ١٩٩\nالثالث: إجابة النبي -ﷺ- عن أمر حادث ٢٠٠\nأمثلة على هذا النوع ٢٠٠\nالرابع: أن يذكر مع الحكم شيء لو لم يكن للتعليل لكان لغوًا وهو قسمان ٢٠٠\nأمثلة على هذا النوع ٢٠٠\nالخامس: أن يذكر في الكلام شيء لو لم يعلل به صار الكلام غير منتظم ٢٠١\nأمثلة على هذا النوع ٢٠٢\nالسادس: ذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب ٢٠٢\nأمثلة على هذا النوع ٢٠٢\nالقسم الثاني: ثبوت العلة بالإجماع ٢٠٥\nمثلة على هذا القسم ٢٠٥\nالقسم الثالث: ثبوت العلة بالاستنباط ٢٠٧\nالاستنباط ثلاثة أنوع: ٢٠٧","vol":"2","page":412},{"text":"أحدها: إثبات العلة بالمناسبة ٢٠٧\nمعنى المناسبة ٢٠٨\nتقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره ٢١٠\nالمؤثر: معناه وأقسامه وأمثلته ٢١٠\nالملائم: معناه وأمثلته ٢١٢\nالغريب: معناه وأمثلته ٢١٣\nتعريف آخر للملائم والغريب ٢١٥\nالنوع الثاني\nفي إثبات العلة: السبر.\nمعنى السبر لغة واصطلاحًا ٢٢٠\nشروط صحة السبر ٢٢١\nأمور لا تكفي لإفساد علة الخصم ٢٢٤\nإثبات العلة بالدوران ٢٢٦\nمعنى الدوران لغة واصطلاحًا ٢٢٦\nأمثلة على هذا النوع ٢٢٧\nاعتراض بعض العلماء على هذا النوع ٢٢٧\nالرد على هذا الاعتراض ٢٢٨\nقال بعض العلماء: لا يصح التعليل بالدوران إلا مع السبر ٢٢٩\nهل تثبت العلة بشهادة الأصول؟ ٢٣٠\nالمراد بشهادة الأصول ٢٣٠\nمذاهب العلماء في المسألة ٢٣١\nفصل\nفي المسالك الفاسدة.\nاطراد العلة لا يدل على صحتها ٢٣٣\nفصل: في حكم العلة إذا استلزمت مفسدة ٢٣٥","vol":"2","page":413},{"text":"فصل\nفي قياس الشبه.\nمعناه وأمثلته ٢٤٠\nالفرق بينه وبين قياس العلة وقياس الطرد ٢٤٠\nموقف العلماء من حجيته ٢٤١\nدليل القائلين بحجيته ٢٤٤\nفصل\nفي قياس الأدلة.\nمعناه وأمثلته وحكمه ٢٤٦\nباب أركان القياس.\nالركن الأول: الأصل وشروطه ٢٤٩\nالشرط الأول: ثبوته بنص او اتفاق من الخصمين ٢٤٩\nاختلاف العلماء في ثبوت القياس على ما ثبت بالقياس ٢٤٩\nاشترط بعض العلماء أن يكون الأصل متفقًا عليه بين الأمة ٢٥١\nالرد على هذا المذهب ٢٥٣\nالشرط الثاني: أن يكون الحكم معقول المعنى ٢٥٦\nالركن الثاني: الحكم وشروطه: ٢٥٦\nالشرط الأول: أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل ٢٥٦\nالشرط الثاني: أن يكون الحكم شرعيًّا ٢٥٨\nالركن الثالث: الفرع وشروطه ٢٥٩\nالركن الرابع: العلة ٢٥٩\nمعنى العلة: ٢٥٩\nفصل: من شرط العلة: أن تكون متعدية ٢٦٠\nخلاف العلماء في التعليل بالعلة القاصرة ٢٦١","vol":"2","page":414},{"text":"الحنفية بمنعون التعليل بالعلة القاصرة ٢٦١\nأدلتهم على ذلك ٢٦٣\nالمذهب الثاني: صحة التعليل بالعلة القاصرة ٢٦٤\nأدلة هذا المذهب ٢٦٥\nفصل\nفي اطراد العلة.\nمعناه ٢٧١\nاختلاف العلماء في شرط اطراد العلة ٢٧١\nالمذهب الأول: أن ذلك شرط ٢٧١\nالمذهب الثاني: أن ذلك ليس شرطًا ٢٧٢\nأدلة المذهب الثاني ٢٧٢\nالمذهب الثالث: التفريق بين العلة المنصوص عليها والمستنبطة ٢٧٣\nأدلة هذا المذهب ٢٧٤\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٢٧٥\nطريق الخروج عن عهدة النقض ٢٧٦\nفصل\nفي أضرب تخلف الحكم عن العلة.\nالضرب الأول: العلم باستثنائه عن قاعدة القياس٢٧٧\nأمثلة على هذا الضرب ٢٧٧\nالضرب الثاني: تخلف الحكم لمعارضة علة أخرى ٢٨١\nأمثلة على هذا الضرب ٢٨١\nالضرب الثالث: تخلف الحكم لعدم مصادفة العلة محلها ٢٨٢\nفصل\nفي أقسام المستثنى من قاعدة القياس.\nالمستثنى ينقسم إلى ما عقل معناه وإلى ما لا يعقل ٢٨٤\nالمعقول المعنى يصحُّ القياس عليه ٢٨٤","vol":"2","page":415},{"text":"أمثلة على ذلك ٢٨٤\nغير معقول المعنى لا يصحّ القياس عليه ٢٨٤\nفصل\nفي جواز التعليل بنفي صفة أو اسم أو حكم.\nمذاهب العلماء في ذلك ٢٨٦\nأبو الخطاب يرى أن تكون العلة نفي صفة أو اسم أو حكم ٢٨٦\nبعض الشافعية يمنعون التعليل بالعدم ٢٨٦\nأدلتهم على ذلك ٢٨٦\nمناقشة أدلة الشافعية ٢٨٧\nفصل: في جواز تعليل الحكم بعلتين ٢٩١\nفصل\nفي جريان القياس في الأسباب.\nالحنابلة وأكثر الشافعية على جريان القياس في الأسباب ٢٩٣\nأمثلة لذلك ٢٩٣\nالمذهب الثاني عدم الجواز ٢٩٣\nأدلة هذا المذهب ٢٩٤\nأدلة المذهب الأول ٢٩٥\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٢٩٦\nفصل\nفي جريان القياس في الكفارات والحدود.\nالشافعية والحنابلة على جريان القياس فيهما ٢٩٨\nالحنفية يخالفون في ذلك ٢٩٨\nأدلة الحنفية ٢٩٨\nأدلة الشافعية والحنابلة ٢٩٩\nالرد على أدلة الحنفية ٢٩٩","vol":"2","page":416},{"text":"فصل\nفي قوادح العلة.\nبعض العلماء يطلقون على هذه القوادح أسئلة ٣٠١\nالسؤال الأول: الاستفسار ٣٠٢\nما الذي يتوجه عليه الاستفسار ٣٠٢\nالسؤال الثاني: فساد الاعتبار ٣٠٣\nمعنى هذا السؤال ومثاله ٣٠٤\nالسؤال الثالث: فساد الوضع ٣٠٤\nمعنى هذا السؤال ومثاله ٣٠٤\nالسؤال الرابع: المنع ٣٠٥\nمواقعه وحكمها ٣٠٥\nالسؤال الخامس: التقسيم ٣٠٦\nمعناه وشروطه ٣٠٦\nالقسم السادس -في السؤال- المطالبة ٣٠٨\nمعناه وحكمه ٣٠٨\nالقسم السابع-في السؤال- النقض ٣٠٩\nمعناه ٣٠٩\nهل يجب الاحتراز في الدليل على صورة النقض؟ ٣١٠\nخلاف العلماء في ذلك ٣١٠\nالكسر: معناه وحكمه ٣١٢\nالوجه الثامن-في الاعتراض- القلب ٣١٥\nمعناه وأمثلته ٣١٥\nالفرق بين القلب والمعارضة ٣١٧\nالوجه التاسع -في السؤال- المعارضة ٣١٨\nمعنى المعارضة ٣١٨\nأقسام المعارضة ٣١٨\nمعنى المعارضة في الأصل ٣١٨\nهل يلزم المستدل حذف ما ذكره المعترض؟ ٣١٩","vol":"2","page":417},{"text":"طرق الجواب في المعارضة ٣٢٢\nالقسم الثاني: المعارضة في الفرع ٣٢٣\nأقسام المعارضة في الفرع ٣٢٣\nالوجه العاشر -في السؤال- عدم التأثير ٣٢٥\nمعنى هذا الوجه وأمثلته ٣٢٥\nالوجه الحادي عشر -في السؤال- التركيب٣٢٧\nمعنى هذا الوجه وأمثلته ٣٢٧\nمذاهب العلماء فيه ٣٢٧\nالوجه الثاني عشر -في السؤال- القول بالموجب٣٢٨\nحقيقة هذا الوجه وموقعه من الأسئلة السابقة ٣٢٨\nالمحل الذي يرد فيه هذا السؤال ٣٢٨\nطريق المستدل في دفعه ٣٢٩\nهل يكلف المعترض إبداء مستند القول بالموجب؟ ٣٣٠\nخلاف العلماء في ذلك ٣٣٠\nأسئلة أخرى ترد على القياس ٣٣٢\nكتاب الاجتهاد\nفصل\nفي حكم المجتهد.\nتعريف الاجتهاد في اللغة ٣٣٣\nتعريف الاجتهاد عند علماء الشرع ٣٣٣\nأنواع الاجتهاد:\nالاجتهاد التام والناقص ٣٣٤\nشروط المجتهد.\nالإحاطة بمدارك الأحكام المثمرة لها ٣٣٤\nليست العدالة شرطًا للمجتهد ٣٣٤\nالواجب على المجتهد في معرفة الكتاب العزيز ٣٣٤","vol":"2","page":418},{"text":"الواجب على المجتهد في معرفة السنة ٣٣٥\nلا بد من معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة ٣٣٥\nمعرفة الإجماع ٣٣٦\nمعرفة استصحاب الحال ٣٣٦\nمعرفة نصب الأدلة وشروطها ٣٣٦\nمعرفة شيء من النحو واللغة ٣٣٦\nتجزؤ الاجتهاد.\nهل من شرط المجتهد بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل؟ ٣٣٧\nآراء العلماء وأدلتهم في المسألة ٣٣٧\nفصل\nفي جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمن النبي -ﷺ-\nمذاهب العلماء في المسألة:\nالمذهب الأول:\nجواز الاجتهاد للغائب ولا يجوز للحاضر إلا بإذن النبي ﷺ- ٣٣٨\nالمذهب الثاني: جواز ذلك مطلقًا من غير إذن ٣٣٩\nالمذهب الثالث: عدم جواز الاجتهاد مطلقًا ٣٣٩\nالمذهب الرابع: جواز الغائب دون الحاضر ٣٣٩\nأدلة المجوزين للاجتهاد في زمن النبي -ﷺ- ٣٣٩\nفصل\nفي تعبد النبي -ﷺ- بالاجتهاد.\nجمهور العلماء على جواز اجتهاد النبي -ﷺ- فيما لا نصَّ فيه ٣٤١\nالمذهب الثاني: عدم جواز الاجتهاد ٣٤١\nأدلة المذهب الثاني ٣٤٢\nأدلة الجمهور على الجواز ٣٤٢\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٣٤٢\nمذاهب العلماء في وقوع الاجتهاد منه -ﷺ- ٣٤٣","vol":"2","page":419},{"text":"المذهب الأول: أن ذلك وقع منه -ﷺ- ٣٤٣\nالمذهب الثاني: أن ذلك لم يقع ٣٤٣\nأدلة المذهب الثاني ٣٤٣\nأدلة المذهب الأول ٣٤٤\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٣٤٦\nفصل\nفي خطأ المجتهد وإصابته.\nمذاهب العلماء في هل الحق في قول واحد أو أن كل مجتهد مصيب ٣٤٧\nالمذهب الأول: الحق في قول واحد ومن عداه مخطئ ٣٤٧\nالمذهب الثاني: كل مجتهد في الظنيات مصيب ٣٤٨\nأدلة المذهب الثاني ٣٤٨\nالمذهب الثالث: أن الإثم غير محطوط في الفروع وهو مذهب الظاهرية\nوبعض المتكلمين ٣٥٠\nموقف الجاحظ من المسألة ٣٥٠\nقال العنبري: كل مجتهد في الأصول والفروع مصيب ٣٥١\nبيان بطلان مذهبي الجاحظ والعنبري ٣٥١\nأدلة الجمهور على أن الحق في قول واحد ومن عداه مخطئ ٣٥٣\nالأدلة من القرآن الكريم ٣٥٣\nالأدلة من السنة ٣٥٥\nالأدلة من الإجماع ٣٥٩\nالأدلة من المعنى ٣٦٠\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٣٦١\nفصل\nفي تعارض الأدلة.\nإذا تعارض دليلان عند المجتهد ولم يترجح أحدهما وجب التوقف ٣٦٦\nبعض الحنفية يرون تخيير المجتهد فيهما ٣٦٦","vol":"2","page":420},{"text":"أدلة الحنفية ٣٦٦\nأدلة المذهب الأول ٣٦٧\nالرد على أدلة المذهب الثاني ٣٦٩\nفصل\nهل للمجتهد أن يقول قولين في مسألة واحدة.\nالمذهب الأول: أنه ليس للمجتهد ذلك ٣٧١\nالمذهب الثاني: أن له ذلك ٣٧١\nالرد على أصحاب هذا المذهب ٣٧١\nفصل\nالمجتهد لا يقلد غيره.\nاتفق العلماء على أن المجتهد إذا اجتهد وغلب على ظنه الحكم لا يقلد غيره ٣٧٣\nالمجتهد في بعض المسائل دون البعض حكمه حكم العامي فيما لم يجتهد فيه ٣٧٤\nهل للمجتهد الذي عنه القدرة على الاجتهاد أن يقلد غيره؟ ٣٧٤\nفصل\nإذا نصَّ المجتهد على حكم لعلة في مسألة\nفهو مذهبه في كل ما توجد فيه هذه العلة.\nإذا لم يبيّن المجتهد علة الحكم لم يكن ذلك مذهبه في غيرها ٣٧٧\nإذا نص المجتهد على مسألتين متشابهتين هل يجوز نقل إحداهما إلى الأخرى؟ ٣٧٧\nإذا نص المجتهد على حكمين مختلفين في مسألة واحدة فما الحكم؟.... ٣٧٨\nفصل\nفي التقليد.\nمعنى التقليد في اللغة ٣٨٠","vol":"2","page":421},{"text":"معنى التقليد عند الفقهاء ٣٨١\nما لا يسوغ التقليد فيه ٣٨١\nما يسوغ التقليد فيه وهو الفروع ٣٨٢\nالأدلة على ذلك ٣٨٣\nبطلان مذهب القدرية في وجوب النظر على العامة ٣٨٣\nهل يجوز التقليد في أركان الإسلام ونحوها؟ ٣٨٤\nفصل في من يستفتيه العامّيّ٣٨٤\nفصل: إذا تعدد المجتهدون فللمقلد سؤال من شاء ٣٨٥\nوقيل: يلزمه سؤال الأفضل ٣٨٦\nدليل المذهب الأول ٣٨٦\nدليل المذهب الثاني ٣٨٧\nأقوال أخرى في المسألة ٣٨٨\nفصل\nفي ترتيب الأدلة ومعرفة الترجيح.\nعلى المجتهد -أولًا- أن ينظر إلى الإجماع ٣٨٩\nثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة ٣٨٩\nثم في أخبار الآحاد ٣٩٠\nثم في القياس ٣٩٠\nتعريف التعارض ٣٩٠\nوجوه الترجيح في الأخبار.\nالأول: يتعلق بالسند -وهو من خمسة وجوه: ٣٩١\nأحدها: كثرة الرواة، وهو مذهب الشافعي ٣٩١\nقال بعض الحنفية: لا يرجح بكثرة الرواة ٣٩١\nالرد على مذهب الحنفية ٣٩٢\nالثاني: أن يكون أحد الراويين معروفًا بزيادة التيقظ وعدم الغلط ٣٩٣\nالثالث: أن يكون أورع وأتقى من الآخر ٣٩٣\nالرابع: أن يكون أحدهما صاحب الواقعة ٣٩٣","vol":"2","page":422},{"text":"الخامس: أن يكون أحدهما باشر القصة ٣٩٤\nالوجه الثاني: الترجيح لأمر يعود إلى المتن ٣٩٤\nوهو من عدة وجوه:\nالأول: أن يشهد القرآن أو السنة أو الإجماع بوجوب العمل على وفق الخبر، أو يعضده قياس أو عمل الخلفاء أو قول صحابي ٣٩٤\nالثاني: أن يختلف في رفع أحد الخبرين ويتفق على رفع الآخر ٣٩٥\nالثالث: أن يكون راوي أحدهما نقل عنه خلافه ٣٩٥\nالرابع: أن يكون أحدهما مرسلًا والآخر متصلًا ٣٩٥\nالترجيح لأمر خارج وصوره ٣٩٦\nفصل\nفي ترجيح المعاني.\nترجح العلة بما يرجح به الخبر ٣٩٧\nترجح العلة الموافقة لدليل آخر ٣٩٧\nخلاف العلماء في الترجيح بين العلة الحاظرة والمبيحة ٣٩٧\nخلاف العلماء في الترجيح بين العلة الحكمية والحسية ٣٩٨\nالخلاف في الترجيح بين العلة التي أوصافها أقل والتي أوصافها أكثر ٣٩٩\nترجح العلة المنتزعة من الأصول على المنتزعة من أصل واحد ٣٩٩\nترجح العلة المطردة المنعكسة على ما لا ينعكس ٣٩٩\nترجح العلة المتعدية على العلة القاصرة ٣٩٩\nترجح ما كانت علته وصفًا على ما كانت علته اسمًا ٤٠٠\nترجح ما كانت علته إثباتًا على التعليل بالنفي ٤٠٠\nترجح العلة المردودة إلى أصلٍّ قاسَ الشارعُ عليه ٤٠٠\nترجح كل علة قُوِّيَ أصلها ٤٠١","vol":"2","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الفهارس العامة:\nأولًا: فهرس الآيات القرآنية</span>.\nثانيًا: فهرس الأحاديث.\nثالثًا: فهرس الآثار.\nرابعًا: فهرس الأبيات الشعرية.\nخامسًا: فهرس الأعلام.\nسادسًا: فهرس الفرق والطوائف والملل.\nسابعًا: فهرس المراجع.","vol":"2","page":425},{"text":"أولًا: فهرس الآيات القرآنية ١\nسورة البقرة\n﴿هدًى للمتقين﴾\n﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت﴾\n﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾\n﴿وهو بكل شيء عليم﴾\n﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ١٩ ٢/ ١٩٤\n﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ ٣٦ ٢/ ٤٦\n﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ ٤٣، ٨٣، ١٧ ١/ ١٤٤-٥٣٧-٥٣٨-٥٥٧\n﴿كونوا قردة﴾ ٦٥ ١/ ١٧٠-١٧٢-٥٤٧\n﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ٦٧ ١/ ٥٣٦\n﴿وإن هم إلا يظنون﴾ ٧٨ ٢/ ٣٥١\n﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ ٩٣ ١/ ٥٠٠\n﴿وبشرى للمؤمنين﴾ ٩٧ ٢/ ٤٦\n﴿من كان عدوًّا لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال﴾ ٩٨ ٢/ ٤٧\n﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى قل هاتوا\nبرهانكم إن كنتم صادقين﴾ ١١١ ١/ ٤٥٢\n﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ١٠٦ ١/ ٢٢٨-٢٤٩-٢٦٠\n﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ ١٣٠ ١/ ٤٦٣\n﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾ ١٤٣ ١/ ٣٨٠\n﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم﴾ ١٤٣ ١/ ٢١٧\n﴿لنعلم من يتبع الرسول﴾ ١٤٣ ١/ ١٩٣\n﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ١٤٣ ١/ ٤٩٦\n_________\n١ الرقم المجاور للآية والموضوع بين قوسين هو رقم الآية من المصحف، وما بعده رقم الصفحات التي وردت فيها الآية.","vol":"2","page":427},{"text":"﴿فاستبقوا الخيرات﴾ ١٤٨ ١/ ٥٧٣\n﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ١٠٤-١٥٣-١٧٢، ١٨٣ ٢/ ٤٦\n﴿أيامًا معدوداتٍ فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة﴾ ١٨٤ ٢/ ١١٠\n﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ ١٨٤ ١/ ٢٣١\n﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ ١٨٥ ١/ ٢٥٢\n﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ ١٨٧ ١/ ٢٢٠-٢/ ١٣٠\n﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ ١٩٤ ١/ ٢٠٦-٤٦٤\n﴿ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ ١٩٦ ٢/ ١٠٨\n﴿تلك عشرة كاملة﴾ ١٩٦ ١/ ٥٠٦\n﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ ٢٢١ ١/ ٦١٠\n﴿قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ ٢٢٢ ١/ ١٩٧\n﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ٢٢٢ ٢/ ٧٣\n﴿فإن تطهرن فأتوهن﴾ ٢٢٢ ١/ ٥٦١\n﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ٢٢٩ ٢/ ١١٥\n﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ ٢٣٠ ٢/ ٦٩-١٣٠\n﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ ٢٣١ ٢/ ٤٩\n﴿أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ ٢٣٧ ١/ ٥١٧-٥٤٠\n﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾ ٢٤٩ ١/ ٤٠٤\n﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ ٢٥٥ ٢/ ١٣\n﴿وأحل الله البيع﴾ ٢٧٥ ١/ ٥٢٠-٢/ ٧٧\n﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ ٢٧٨ ١/ ٦١٢-٢/ ١٧\n﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ ٢٨٢ ١/ ٢٤٦-٢/ ١٠٦\n﴿ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ ٢٨٦ ١/ ١٧٠\n﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ٢٨٦ ١/ ١٦٩-١٧٢.\nسورة آل عمران:\n﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أمُّ\nالكتاب وأُخَر متشابهات﴾ ٧ ١/ ٢١٣\n﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ ٧ ١/ ٢١٦\n﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ٧ ١/ ٢١٦\n﴿ولله على الناس حج البيت﴾ ٩٧ ١/ ١٦٤-٥٣٨-٢/ ٦١\n﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ ١٠٢ ١/ ١٥٧\n﴿ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ ١٠٤ ١/ ٥٨٣","vol":"2","page":428},{"text":"﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ ١٣٣ ١/ ٥٧٣-٢/ ٣٩٥\n﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ ١٥٩ ١/ ١٨٩\n﴿الذين قال لهم الناس إن الناس﴾ ١٧٣ ٢/ ٣٤\n﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ١٨٥ ٢/ ١٣\nسورة النساء:\n﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ ١١ ٢/ ١٦\n﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ ١١ ٢/ ٣٢-٣٣\n﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ ٢٢ ١/ ٦١٢\n﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ٢٣ ٢/ ١١٠\n﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ ٢٣ ٢/ ١١٥\n﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ ٢٣ ٢/ ٢٠-٣٦٨-٣٧٦\n﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ ٢٤ ٢/ ٦٨\n﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ ٢٨ ١/ ٢٥٢\n﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ٢٩ ٢/ ٨٦\n﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ ٢٩ ٢/ ١٧\n﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ ٤٠ ٢/ ٢٩\n﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ ٤٣ ١/ ١٤٥-١٥٧\n﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ ٥٨ ١/ ٥٥٠\n﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ٥٩ ١/ ٨-٢/ ٣٧٥\n﴿وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ ٥٩ ١/ ٤٠٣-٢/ ١٧٦-٣٧٦\n﴿اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم﴾ ٦٦ ١/ ١٧٢\n﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ ٧٨ ٢/ ١٢\n﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ٨٣ ١/ ٨-٢/ ٣٧٦\n﴿فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ ٩٢ ٢/ ٩٩\n﴿فتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ ٩٢ ٢/ ١٠٢\n﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ٩٥ ٢/ ١٨\n﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ختم\nأن يفتنكم الذين كفروا﴾ ١٠١ ٢/ ١١٨\n﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذًى من مطر﴾ ١٠٢ ٢/ ١١٥\n﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ ١٠٥ ٢/ ١٦٢\n﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع\nغير سبيل المؤمنين﴾ ١١٥ ١/ ٢٨٠-٣٨١-٣٨٢\n﴿إنما الله إله واحد﴾ ١٧١ ٢/ ١٢٨","vol":"2","page":429},{"text":"سورة المائدة:\n﴿ولا الهدى ولا القلائد﴾ ٢ ٢/ ٣٨٠\n﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ٢ ١/ ٥٤٦-٥٦١\n﴿حرمت عليكم الميتة﴾ ٣ ١/ ٥١٩-٥٢٥\n﴿وامسحوا برءوسكم﴾ ٦ ٢/ ٣٣٨\n﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ ٣٢ ٢/ ١٩٢\n﴿وجاهدوا﴾ ٣٥ ١/ ٥٣٨\n﴿والسارق والسارقة﴾ ٣٨ ٢/ ١٧-٦٣-١١١-١٩٧-٢٠٢\n﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون\nالذين أسلموا﴾ ٤٤ ١/ ٤٦٢\n﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ ٤٤ ١/ ٤٦٢\n﴿والسن بالسن﴾ ٤٥ ١/ ٤٦٣\n﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ ٤٨ ١/ ٤٥٩-٤٦٤\n﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ ٤٩ ٢/ ١٧٥\n﴿بل يداه مبسوطتان﴾ ٦٤ ١/ ٢١٥\n﴿فمن لم يجد﴾ ٨٩ ١/ ٢٠٣-٢/ ٩٩\n﴿لا تقتلوا الصيد﴾ ٩٥ ٢/ ١٧\n﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ ٩٥ ٢/ ١١٤-١٤٥\n﴿ليذوق وبال أمره﴾ ٩٥ ٢/ ١٩٣\nسورة الأنعام:\n﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ ٣٨ ٢/ ١٧٥\n﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ٣٧ ١/ ٤٠٤\n﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ ٩٠ ١/ ٤٦٢-٤٦٣\n﴿قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل\nالكتاب الذي جاء به موسى﴾ ٩١ ٢/ ٢٣\n﴿ولم تكن له صاحبة﴾ ١٠١ ٢/ ١٣-٢٩\n﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ ١٢١ ٢/ ٢٨٩\n﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ١٤١ ١/ ٥٣٩\n﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا﴾ ١٤٥ ١/ ١٣٥-٢/ ٧٧\n﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ ١٥١ ١/ ١٣٥\n﴿لا تكلف نفسًا إلا وسعها﴾ ١٥٢ ١/ ١٧٠-١٧١\n﴿فاتبعوه﴾ ١٥٣ ١/ ٥٩٨","vol":"2","page":430},{"text":"سورة الأعراف:\n﴿وكلوا واشربوا﴾ ٣١ ٢/ ٤٥\n﴿قل إنما حرم ربي الفواحش﴾ ٣٣ ١/ ١٣٥\n﴿ولكل أمة أجل﴾ ٣٤ ٢/ ١٣\n﴿واتبعوه﴾ ١٥٨ ١/ ٥٩٨\nسورة الأنفال:\n﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ ١٣ ٢/ ١٩٢\n﴿ولذي القربى﴾ ٤١ ١/ ٥٣٧\n﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ ٧٥ ٢/ ٤٩\n﴿الآن خفف الله عنكم﴾ ٦٦ ١/ ٢٥٢\nسورة التوبة:\n﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ٥ ١/ ٥٣٥-٥٦٤-٥٦٨\n﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ١٢ ١/ ٥٦٢\n﴿ليس على الضعفاء وعلى المرضى﴾ ٩١ ١/ ٥٣٨\n﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم﴾ ٤٣ ٢/ ٣٥٤\n﴿والسابقون الأولون﴾ ١٠٠ ١/ ٢٤٥\nسورة يونس:\n﴿فاجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ ٧١ ١/ ٣٧٦\nسورة هود:\n﴿آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ ١ ١/ ٥٣٦\n﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ٦ ٢/ ٤٩\n﴿احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق\nعليه القول﴾ ٤٠ ١/ ٥٣٧\n﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ ٨٨ ٢/ ٥٥\n﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ ٩٧ ١/ ٥٠٤\nسورة يوسف:\n﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ ٣٦ ١/ ٢٣٩\n﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ ٤٣ ١/ ٢٣٩\n﴿واسأل القرية﴾ ٨٢ ١/ ٢٠٦-٥٠٠","vol":"2","page":431},{"text":"سورة الرعد:\n﴿قل الله خالق كل شيء﴾ ١٦ ٢/ ٥٤-٦١\n﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت﴾ ٣٩ ١/ ٢٢٥\nسورة إبراهيم:\n﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم﴾ ٢٢ ٢/ ٩٢\nسورة الحجر:\n﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ ٩ ٢/ ٣٤\n﴿إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك من\nالغاوين﴾ ٤٢ ٢/ ٩٠\n﴿ادخلوها بسلام﴾ ٤٦ ١/ ٥٤٦\nسورة النحل:\n﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ ٤٣ ٢/ ٣٧٥-٣٨٣\n﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ٤٤ ٢/ ٦٧\n﴿تبيانًا لكل شيء﴾ ٨٩ ٢/ ١٧٥\n﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾ ٩٠ ١/ ١٢٦\n﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ﴾ ٩٦ ٢/ ١٢\n﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ ١٠١ ١/ ٢٢٨\n﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾ ١٢٣ ١/ ٤٦٢\nسورة الإسراء:\n﴿فلا تقل لهما أفّ﴾ ٢٣ ٢/ ١١١\n﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ ٢٤ ١/ ٢٠٦\n﴿ولا تقربوا الزنى﴾ ٣٢ ١/ ١٤٤\n﴿ومن قتل مظلومًا﴾ ٣٣ ٢/ ١٧\n﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لا بتغوا إلى\nذي العرش سبيلًا﴾ ٤٢ ١/ ٨٧\n﴿كونوا حجارة﴾ ٥٠ ١/ ١٧٠-٥٤٧\n﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ ٦٠ ٢١٧\n﴿أقم الصلاة﴾ ٧٨ ١/ ١٤٤-٥٤٦\n﴿... لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ ١٠٠ ٢/ ١٩٤","vol":"2","page":432},{"text":"سورة الكهف:\n﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾ ٤٩ ٢/ ٢٩\n﴿جدارًا يريد أن ينقض﴾ ٧٧ ١/ ٢٠٦\n﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم\nيحسنون صنعًا * اولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾ ١٠٤، ١٠٥ ٢/ ٣٥٢\nسورة مريم:\n﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويًّا * فخرج على\nقومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا﴾ ١٠، ١١ ١/ ٥٤٤\n﴿فقولي إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًّا﴾ ٢٦ ١/ ٥٤٤\n﴿أسمع بهم وأبصر﴾ ٣٨ ١/ ٥٤٧\n﴿لا يسمعون فيها لغوًا إلا سلامًا﴾ ٦٢ ٢/ ٨٦\nسورة طه:\n﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ٥ ١/ ٢١٥\n﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ ١٤ ١/ ٤٦٤\n﴿واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي﴾ ٢٧-٢٨ ١/ ٥٣\n﴿أفعصيت أمري﴾ ٩٣ ١/ ٥٥٧\n﴿ولم نجد له عزمًا﴾ ١١٥ ١/ ١٨٨\nسورة الأنبياء:\n﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ ٧ ٢/ ٣٧٥\n﴿ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ ٢٢ ١/ ٨٧-٤٥٧\n﴿لا يُسأل عما يفعل﴾ ٢٣ ٢/ ٣٩\n﴿بل عباد مكرمون﴾ ٢٦ ٢/ ٩٢\n﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه\nغنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان﴾ ٧٨، ٧٩ ٢/ ٣٤٦-٣٥٣\n﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ ٩٨ ٢/ ١٨\n﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ ١٠١ ٢/ ١٩","vol":"2","page":433},{"text":"سورة الحج:\n﴿هذان خصمان اختصموا﴾ ١٩ ٢/ ٣٢\n﴿وبشر المخبتين﴾ ٣٤ ٢/ ٤٦\n﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ ٣٦ ١/ ١٠٤\nسورة المؤمنون:\n﴿أولئك يسارعون في الخيرات﴾ ٦١ ١/ ٥٧٣\n﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ ٦ ٢/ ٢٠\nسورة النور:\n﴿الزانية والزاني﴾ ٢ ٢/ ١٧-٧٣\n﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا\nوأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا﴾ ٤، ٥ ٢/ ٩٤\n﴿فكاتبوهم﴾ ٣٣ ١/ ٥٤٦\n﴿ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور﴾ ٤٠ ٢/ ٢٩\n﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة﴾ ٦٣ ١/ ١٢٥-١٢٨-٥٥٤\nسورة الفرقان:\n﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ...﴾ ٦٨ ١/ ١٦٤\nسورة القصص:\n﴿يجبي إليه ثمرات كل شيء﴾ ٥٧ ٢/ ٥٩\nسورة العنكبوت:\n﴿ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ ١٤ ٢/ ٥٢\nسورة لقمان:\n﴿وأمر بالمعروف﴾ ١٧ ١/ ١٢٦\nسورة الأحزاب:\n﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأمولهم﴾ ٢٧ ٢/ ٤٧","vol":"2","page":434},{"text":"﴿من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ ٣٠ ٢/ ١٩٩\n﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله﴾ ٣١ ٢/ ١٩٩\n﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن\nيكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ ٣٦ ١/ ٥٥٤\n﴿ومن يعض الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا ٣٦ ١/ ٥٥٨\n﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾ ٣٧ ١/ ٥٥٨\n﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ ٥٠ ١/ ٥٥٨\n﴿إن الذين يؤذون الله﴾ ٥٧ ١/ ٢٠٦\nسورة سبأ:\n﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ ١٣ ١/ ٤٠٤\nسورة فاطر:\n﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾ ٢٨ ٢/ ١٢٨\nسورة يس:\n﴿قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ ٥٢ ١/ ٢١٤\nسورة الصافات:\n﴿لا إله إلا الله﴾ ٣٥ ٢/ ٢٦\n﴿إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ ١٠٢ ١/ ٢٣٨\n﴿افعل ما تؤمر﴾ ١٠٢ ١/ ٢٣٧\n﴿قد صدقت الرؤيا﴾ ١٠٥ ١/ ٢٣٨\n﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ ١٠٧ ١/ ٢٣٥\nسورة ص:\n﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾ ٢١ ٢/ ٣٢\n﴿وقليل ما هم﴾ ٢٤ ١/ ٤٠٤\n﴿ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾ ٢٧ ٢/ ٣٥١\n﴿إنما أنا منذر﴾ ٦٥ ٢/ ١٢٨\n﴿وما من إله إلا الله﴾ ٦٥ ٢/ ٢٦\n﴿لما خقلت بيدي﴾ ٧٥ ١/ ٢١٥\n﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين﴾ ٨٢، ٨٣ ٢/ ٩٠","vol":"2","page":435},{"text":"سورة الزمر:\n﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ ١٨ ١/ ٤٧٤\n﴿يا عباي الذين أسرفوا﴾ ٥٣ ٢/ ٤٦\n﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ ٥٥ ١/ ٤٧٤\n﴿الله خالق كل شيء﴾ ٦٢ ٢/ ١٣-٥٤-٥٩-٦١\nسورة فصلت:\n﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم﴾ ٢٣ ٢/ ٣٥١\n﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ ٣٧ ١/ ١٤٠\n﴿اعملوا ما شئتم﴾ ٤٠ ١/ ٥٤٦\n﴿ولو جعلناه قرآنًا أعجميًّا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي﴾ ٤٤ ١/ ٢١٠\nسورة الشورى:\n﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ ١٠ ١/ ٤٠٣\n﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ١١ ١/ ٥١\n﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا﴾ ١٣ ١/ ٤٦٢\n﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ٤٠ ١/ ٢٠٦\nسورة الزخرف:\n﴿حم * والكتاب المبين * إنّا جعلناه قرآنًا عربيًّا﴾ ١-٣ ١/ ١٩٨\n﴿ويحسبون أنهم مهتدون﴾ ٣٧ ٢/ ٣٥٢\nسورة الدخان:\n﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ ٤٩ ١/ ٥٤٦\nسورة الأحقاف:\n﴿وما أنا إلا نذير﴾ ٩ ٢/ ١٢٨\n﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ ٢٥ ٢/ ٥٩-٦٠\n﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن﴾ ٢٩، ٣٠ ١/ ١٩٨","vol":"2","page":436},{"text":"سورة محمد:\n﴿فقد جاء أشراطها﴾ ١٨ ١/ ١٨١\n﴿لا إله إلا الله﴾ ١٩ ٢/ ٢٦\n﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ٣١ ١/ ٢١٧\n﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ ٢٤ ٢/ ٣٧٦\nسورة الفتح:\n﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ ١٨ ١/ ٣٤٦\n﴿محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار﴾ ٢٩ ١/ ٣٤٦-٢/ ١١٦\nسورة الحجرات:\n﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق﴾ ٦ ١/ ٢٣٤\n﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ ٩ ٢/ ٣٢\nسورة الطور:\n﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ ١٦ ١/ ٥٤٧\nسورة النجم:\n﴿وما ينطق عن الهوى﴾ ٣ ٢/ ٣٤٣\n﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ ٣٩ ٢/ ٢٨٨\nسورة القمر:\n﴿تجري بأعيننا﴾ ١٤ ١/ ٢١٥\nسورة الرحمن:\n﴿ويبقى وجه ربك﴾ ٢٧ ١/ ٢١٥\n﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ٦٨ ٢/ ٤٧\nسورة الواقعة:\n﴿إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون﴾ ٧٧، ٧٨ ١/ ١٩٨\nسورة الحديد:\n﴿لكيلا تأسوا﴾ ٢٣ ٢/ ١٩٢","vol":"2","page":437},{"text":"سورة المجادلة:\n﴿فتحرير رقبة﴾ ٣ ٢/ ١٠١-١٠٤\n﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات﴾ ١١ ٢/ ١٨٠\n﴿ويحسبون أنهم على شيء﴾ ١٨ ٢/ ٣٥١\nسورة الحشر:\n﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ ٢ ٢/ ١٦٨-٣٤٤-٣٧٥\n﴿كيلا يكون دولة﴾ ٧ ٢/ ١٩٢\nسورة الجمعة:\n﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ ٩ ٢/ ٢٠٢\n﴿فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا﴾ ١٠ ١/ ٥٦١\nسورة الطلاق:\n﴿يا أيها النبي إذا طلقتم﴾ ١ ٥٩٢\n﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ٢ ٢/ ١٠٥\n﴿ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا﴾ ٢ ٢/ ١٩٩\n﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ ٣ ٢/ ١٢\n﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾ ٦ ٢/ ١٣١\nسورة التحريم:\n﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ ٢ ١/ ٥٩٢\n﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ ٤ ٢/ ٣٢\n﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ ٦ ١/ ٥٥٧\nسورة المعارج:\n﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ٣٠ ٢/ ٢٠-٣٦٨\nسورة الجن:\n﴿إنا سمعنا قرآنًا عجبًا﴾ ١ ١/ ١٩٨\nسورة المزمل:\n﴿يا أيها المزمل * قم الليل﴾ ١، ٢ ١/ ٥٨٦","vol":"2","page":438},{"text":"﴿إن ناشئة الليل هي أشدّ وطئًا وأقوم قيلًا﴾ ٦ ١/ ٢١٢\n﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم﴾ ٢٠ ١/ ٥٩١\n﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ ٢٠ ١/ ١٤٤-٥٣٧-٥٣٨-٥٥٧\nسورة المدثر:\n﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نكُ من المصلين﴾ ٤٢، ٤٣ ١/ ١٦٤\n﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾ ٤٦ ١/ ١٦٤\nسورة القيامة:\n﴿فاتبع قرآنه * ثم إنَّ علينا بيانه﴾ ١٨، ١٩ ١/ ٥٣٦\nسورة المرسلات:\n﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ ٣٥ ١/ ٢١٤\n﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ ٤٨ ١/ ٥٥٤\nسورة الانفطار:\n﴿إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم﴾ ١٣، ١٤ ٢/ ١١١-١/ ٢٠٢\nسورة البروج:\n﴿بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ﴾ ٢١، ٢٢ ١/ ١٩٨\nسورة الليل\n﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ ١٩، ٢٠ ٢/ ٨٦\nسورة العصر:\n﴿إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا﴾ ٢، ٣ ١/ ٧٨-٢/ ١١-٣٠\nسورة الماعون:\n﴿فويل للمصلين﴾ ٤ ٢/ ١٠١\nسورة الإخلاص:\n﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ ٤ ٢/ ٢٩","vol":"2","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>ثانيا: فهرس الأحاديث</span>\nحرف الألف:\n\"الأئمة من قريش\" ١/ ٤٢٣\n\"الاثنان فما فوقهما جماعة\" ٢/ ٣٢\n\"اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات\" ٢/ ٣٤٠\n\"ادرأوا الحدود بالشبهات\" ١/ ٣٧٠\n\"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران\" ٢/ ٣٥٨\n\"إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فلا يشبك بين أصابعه\" ١/ ١٣٨\n\"إذا حاصرتم حصنًا أو مدينة فطلبوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم\" ٢/ ٣٥٥\n\"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران\" ٢/ ١٧٢\n\"إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا آمين\" ١/ ٥٤٥\n\"إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" ١/ ٥٤٧\n\"إذا مس الختانُ الختانَ وجب الغسل\" ١/ ٣١٨\n\"أرأيت لو تمضمضت؟ \" قاله لعمر ٢/ ٣٩-١٧٤\n\"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته؟! \" ٢/ ١٧٢\n\"أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها\" ٢/ ٢٠١\n\"أرخص رسول الله -ﷺ- في السَّلم ووضع الجوائح\" ٢/ ٤٣\n\"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ١/ ٤٦٨\n\"أعتق رقبة\" قال لأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان ٢/ ١٤٨\n\"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله\" ١/ ١٦٥","vol":"2","page":440},{"text":"\"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" ٢/ ١٩\n\"أمسك عليك لسانك\" ١/ ٥٤٤\n\"أمسك منهن أربعًا وفارق سواهن\" ١/ ٥١١\n\"إن أنت قضيت بينهما فأصبت فلك عشر حسنات\" ٢/ ٣٣٩\n\"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم على الناس فحُرّم من أجل مسألته\" ١/ ١٣٥-١٣٦\n\"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ\" ١/ ٥٦٢\n\"إنا معاشر الأنبياء لا نورث\" ٢/ ٦٩\n\"إنا وبنو عبد المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام\" ١/ ٥٣٧\n\"إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض\" ٢/ ٣٥٤\n\"إن الله اختارني واختار لي أصحابًا وأنصارًا\" ١/ ٣٤٦\n\"إن الله عفا لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل\" ١/ ٥٤٤\n\"إن الله فرض عليكم صيامه\" ١/ ٥٨٦\n\"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" ١/ ٢٦٢\n\"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس ولكن بقبض العلماء\" ١/ ٣٩١\n\"إنما أسهو لأسُن\" ١/ ٥٩٣\n\"إنما أنا شافع\" ١/ ٥٥٥\n\"إنما الأعمال بالنيات\" ١/ ٢٤٧-٢/ ١٢٨\n\"إنما جُعل الأستئذان من أجل البصر\" ٢/ ١٩٣\n\"إنما الربا في النسيئة\" ١/ ٢٨١\n\"إنما نهيتكم من أجل الدافة\" ٢/ ١٩٣\n\"إنما الولاء لمن أعتق\" ٢/ ١٢٧\n\"أن النبي -ﷺ- أعطى الجدّة السدس\" ١/ ٣١٤\n\"أن النبي -ﷺ- رخّص في تعجيل الزكاة\" ١/ ١٨٦\n\"أن النبي -ﷺ- قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال\" ١/ ٣٣٥\n\"أن النبي -ﷺ- قضى بشاهد ويمين\" ١/ ٣٥٨\n\"أن النبي -ﷺ- كتب إلى الضحاك أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها\" ١/ ٣١٥\n\"إنها رجس\" قاله عن الروثة ٢/ ١٩٤","vol":"2","page":441},{"text":"\"إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" ٢/ ١٤٦-١٩٤\n\"إني أقضي بينكم الرأي فيما لم ينزل به وحي\" ٢/ ١٧٤\n\"إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أُحلّ حتى أنحر\" ١/ ٥٩٣\n\"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" ١/ ٥١٣-٢/ ١٢\n\"أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه\" ٢/ ١٨٣\n\"الأيم أحق بنفسها من وليها البكر تستأذن\" ٢/ ١٣٤\nحرف الباء:\n\"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء\" ١/ ٤٠٤\n\"بعثت إلى الأحمر والأسود وكل نبي بعث إلى قومه\" ١/ ٤٥٩\n\"بل هو رأيٌ رأيته لكم\" ٢/ ٣٤٥\n\"بم تحكم؟ \" قاله لمعاذ حين بعثه إلى اليمن ١/ ٤٦٠\n\"بين المراد بالصلاة صلاة جبريل به -ﷺ- في اليومين\" ١/ ٥٣٧\n\"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر\"١/ ٤٥٤\nحرف التاء:\n\"تبيين النبي -ﷺ- الصلاة والحج بفعله\" ١/ ٥٣١\n\"تحريمها التكبير وتحليها التسليم\" ٢/ ١٢٩\n\"تخصيص أبي بردة بجذعة من المعز\" ١/ ٥٩٦\n\"تخصيص خزيمة بشهادته وحده\" ٢/ ٢٨٥\n\"تزوج النبي -ﷺ- ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما\" ٢/ ٣٩٤\n\"تزوجني النبي -ﷺ- ونحن حلالان\" ٢/ ٣٩٣\n\"توضؤوا من لحوم الإبل ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم\" ١/ ٥٦٢\nحرف الثاء:\n\"ثلاث لا يغل عليهم قلب المسلم إخلاص العمل لله والمناصحة لولاه الأمر ولزوم جماعة المسلمين\" ١/ ٣٨٥\n\"الثيب أحق بنفسها من وليها\" ٢/ ١٣٤","vol":"2","page":442},{"text":"حرف الحاء:\n\"حتى يذوق عسيلتها\" ٢/ ٦٩\n\"حديث حمل بن مالك في دية الجنين\" ١/ ٣١٤\n\"حديث الخثعمية\" ٢/ ١٧٣\n\"حديث رافع في المخابرة\" ١/ ٢٨٥\n\"حديث فاطمة بنت قيس في النفقة والسكنى للمبتوتة\" ١/ ٥٩٥\n\"حديث معاذ في الاجتهاد\" ١/ ٥٩٥\n\"حرمت الخمر لعينها\" ١/ ٣٧٣\n\"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه\" ١/ ١٣٥\nحرف الخاء:\n\"خبر أبي موسى في الاستئذان\" ١/ ٣٢٣\n\"خبر دية الجنين\" ١/ ٣١٤\n\"خبر ذي اليدين\" ١/ ٣٢٥\n\"خبر رافع بن خديج\" ١/ ٢٨٥\n\"خبر زيادة التغريب على الجلد في الحد\" ١/ ٣٤٣\n\"خبر المغيرة في ميراث الجدة\" ١/ ٣١٤\n\"خذوا عني مناسككم\" ١/ ٥٣١-٥٣٨\n\"خطابي للواحد خطاب للجماعة\" ١/ ٥٩٤\n\"خير الناس قرني\" ١/ ٣٤٦\nحرف الدال:\n\"دعي الصلاة أيام أقرائك\" ١/ ١٤٥-٦١٢\nحرف الراء:\n\"رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\" ١/ ٣٤٠","vol":"2","page":443},{"text":"\"رخّص في العرايا\" ٢/ ٢٧٨\n\"رضخ يهودي رأس جارية فأمر به رسول الله -ﷺ- أن يرضّ رأسه بين حجرين\" ٢/ ١٩٨\n\"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" ١/ ١٥٢-٥٢٤\n\"رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ... \" ١/ ٥٩٩\nحرف السين:\n\"سقوط طواف الوداع عن الحائض\" ١/ ٥٩٥\n\"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" ١/ ٣١٦-٥٥٦\n\"سها رسول الله -ﷺ- فسجد\" ٢/ ١٩٨\nحرف الشين:\n\"الشفعة فيما لم يقسم\" ٢/ ١٢٩\n\"الشهر هكذا وهكذا وهكذا\" ١/ ٥٣٠\n\"الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد\" ١/ ٤٠٣\nحرف الصاد:\n\"صحة صوم من أصبح جنبًا\" ١/ ٥٩٠\n\"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\" ٢/ ١١٨\n\"صلوا كما رأيتموني أصلي\" ١/ ٥٣١\n\"صوّب النبي -ﷺ- معاذًا على الاجتهاد\" ١/ ٣٧٢\nحرف الطاء:\n\"الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه\" ١/ ٢٤٧\nحرف العين:\n\"العائد في هبته كالعائد في قيئه\" ١/ ١٩٣\n\"عدم ثبوت حكم الإحرام في حق من بعث هديه وأقام في أهله\" ١/ ٥٩٠\n\"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" ١/ ٤٦٧","vol":"2","page":444},{"text":"حرف الغين:\n\"الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال\" ١/ ٥٩٠\nحرف الفاء:\n\"فلا إذًا\" ٢/ ٢٠١\n\"فلها المهر بما استحل من فرجها\" ١/ ٥١٣\n\"فليغسله سبعًا\" ١/ ٥٥٦\n\"في أربعين شاةً شاةٌ\" ١/ ٥٣٨-٢/ ٧٢\n\"في سائمة الغنم الزكاة\" ١/ ٤٥٥-٢/ ٧٣-١١٤-١٣٢\n\"في كل أصبع عشر من الإبل\" ١/ ٣٧٤\n\"فيما سقت السماء العشر\" ٢/ ٦٣\nحرف القاء:\n\"قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم\" ١/ ٢٦٠\n\" القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن\" ١/ ٢٦١\n\"قضي بالشفعة فيما لم يقسم\" ٢/ ٤٢\n\"قضى رسول الله -ﷺ- بالقصاص بالسن، وقال: كتاب الله القصاص\" ١/ ٤٦٣\n\"قضى النبي -ﷺ- في الجنين بغرة\" ١/ ٣١٥\nحرف الكاف:\n\"كان رسول الله ﷺ- يأمرني فأتزر فيباشرني\" ٢/ ٧٣\n\"كتاب الله القصاص\" ١/ ٤٦٣\n\"كتابة النبي -ﷺ- إلى عماله في الصدقات\" ١/ ٥٢٩\n\"الكلب الأسود شيطان\" ٢/ ١٢٠\n\"كنا نخابر أربعين سنة\" ١/ ٢٨٥\n\"كنا نفاضل على عهد رسول الله -ﷺ- فنقول: أبو بكر وعمر وعثمان\" ١/ ٢٨٥\n\"كنا نحيض على عهد رسول الله فنؤمر بقضاء الصوم دون الصلاة\" ١/ ١٨٧\n\"كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا\" ١/ ٢٧٠","vol":"2","page":445},{"text":"\"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" ١/ ٢٧٠\n\"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ... \" ١/ ٥٦١\nحرف اللام:\n\"للأبد ولو قلت لعامنا لوجب\" ٢/ ٣٤٤\n\"لم يقبل النبي -ﷺ- خبر ذي اليدين\" ١/ ٣٢٢\n\"لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ\" ١/ ٣٨٣\n\"لو كان على أمها دين فقضته ألم يكن يجزئ عنها\" ١/ ٥٨٠\n\"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" ١/ ١٢٥-١٢٨\n\"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" ١/ ٥٣٨\n\"ليس الوضوء من القطرة والقطرتين\" ٢/ ١٣٥\nحرف الميم:\n\"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن ... \" ١/ ٣٨٤-٤٧٤\n\"ما من عبد يذنب فيتوضأ ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له\" ١/ ٣١٧\n\"ما هذا؟! ألم آت بها بيضاء؟! نقية لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي\" ١/ ٤٦٠\n\"مروهم بالصلاة لسبع\" ١/ ٥٨٢\n\"من أحيا أرضًا ميتة فهي له\" ٢/ ١٩٧\n\"من اتخذ كلبًا -إلا كلب ماشية أو صيد- نقص من أجره كل يوم قيراطان\" ٢/ ١٩٩\n\"من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة\" ١/ ٣٨٦\n\"من أصبح جنبًا فلا صوم له\" ١/ ٢٨٠\n\"من أعتق شركًا له في عبد قُوِّم عليه الباقي\" ٢/ ١٨٣\n\"من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرته للبائع\" ٢/ ٨٠-١٩٧\n\"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن\" ٢/ ١٧\n\"من شذّ شذّ في النار\" ١/ ٣٨٦\n\"من شهد جنازة\" ٢/ ٣٩٢\n\"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" ١/ ٦٠٨","vol":"2","page":446},{"text":"\"من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه\" ١/ ٣٨٤\n\"من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية\" ١/ ٣٨٥\n\"من مسّ ذكره فليتوضأ\" ٢/ ١٩٨\n\"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\" ١/ ٤٦٤-٥٥٦-٢/ ٨٠\nحرف النون:\n\"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة\" ٢/ ١٦\n\"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع\" ١/ ٢٧٩-٣٦١\n\"نكحها وهو محرم\" أي: ميمونة ٢/ ٣٩٤\n\"نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه\" ٢/ ٤٣\n\"نهى رسول الله -ﷺ- عن المزابنة\" ٢/ ٤٢\n\"نهى عن المنابزة والملامسة\" ١/ ٦١٢\n\"نهى عن المزابنة والمحاقلة والمخابرة\" ١/ ٦١٢-٢/ ٤٣\n\"نهى عن الصلاة في الأوقات الخمسة\" ١/ ١٤٥\n\"نهى عن الصلاة في المقبرة وقارعة الطريق والأماكن السبِعة\" ١/ ١٤٥\n\"نهيت عن قتل النساء\" ٢/ ٨١\n\"نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث\" ٢/ ١٩٤\nحرف الهاء:\n\"هو الطهور ماؤه\" ٢/ ٣٦\nحرف الواو:\n\"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب\" ١/ ٥٨٨\n\"وجوب الوضوء من ملامسة المرأة\" ١/ ٥٩٠\n\"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى\" ١/ ٥٨٩\n\"والله لأغزونّ قريشًا\" ١/ ٥٧٠\n\"ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أُتبع\" ١/ ٥٥٤","vol":"2","page":447},{"text":"حرف الباء:\n\"يجزئك ولا يجزئ عن أحد بعدك\" ١/ ٥٨٧\n\"يقطع الصلاة الكلب الأسود\" ٢/ ١١٩\nحرف اللام ألف:\n\"لا تبيعوا البُرّ بالبُرّ إلا سواء بسواء\" ٢/ ٧٦\n\"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل\" ١/ ٦٠٩\n\"لا تجتمع أمتي على خطأ\" ١/ ٣٨٣-٣٩٦\n\"لا تجتمع أمتي على ضلالة\" ١/ ٣٨٣\n\"لا تحرم المصة ولا المصتان\" ٢/ ١٣٥\n\" لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم ١/ ٣٨٦-٤٢٨\n\"لا تقربوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبّيًا\" ٢/ ١٩٥\n\"لا تقلدوها الأوتار\" ٢/ ٣٨٠\n\"لا تكلفوهم ما لا يطيقون\" ١/ ١٧٢\n\"لا تلبسوا الحرير\" ١/ ١٤٤\n\"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها\" ٢/ ١٧-٦٨-١٩٥\n\"لا زكاة في الحلي\" ١/ ٤٥٤\n\"لا زكاة فيما دون خمسة أوسق\" ٢/ ٦٣\n\"لا صلاة إلا بطهور\" ١/ ٥٢١\n\"لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس\" ٢/ ٨١\n\"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل\" ١/ ٥١٥\n\"لا عمل إلا بنية\" ١/ ٥٢٣-٢/ ١١٠-١٢٨\n\"لا قطع إلا في ربع دينار\" ٢/ ٦٣\n\"لا نكاح إلا بولي\" ٢/ ١٠٢-١٠٣\n\"لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدَيْ عدل\" ٢/ ١٠٣\n\"لا وصية لوارث\" ٢/ ٦٩\n\"لا يُختلى خلاها\" ٢/ ٣٤٤\n\"لا يرث القاتل\" ٢/ ١٧-٢/ ٦٩","vol":"2","page":448},{"text":"\"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\" ٢/ ٦٨\n\"لا يُقتل مسلم بكافر\" ١/ ٨٢\n\"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان\" ٢/ ٧٧-٢٠٢\n\"لا يلبس القميص ولا السراويلات ولا البرانس\" ٢/ ١٢٠\n\"لا يَنكح المحرم ولا يُنكح\" ١/ ٦١٠\n\"لا يؤمّن الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه\" ٢/ ٩٤","vol":"2","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>ثالثا: فهرس الآثار</span>\nأ- آثار الصحابة -﵃:\nأبو بكر الصديق:\n\"أعطى الجدة السدس\" ١/ ٣١٤\n\"أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان\" ٢/ ١٥٨\n\"إنما أسلموا لله وأجورهم عليه\" ٢/ ١٥٩-٣٤٩\n\"سوّى بين الصحابة في العطاء\" ٢/ ١٥٩\nعمر بن الخطاب:\n\"أُذَكِّر اللهَ امرءًا سمع من رسول الله -ﷺ- في الجنين\" ١/ ٣١٤\n\"اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك\" ٢/ ١٥٩\n\"اكتب: هذا ما رآه عمر فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر\" ٢/ ٣٥٩\n\"إني لا أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس عن رسول الله -ﷺ\" ١/ ٣٢٦\n\"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن\" ٢/ ١٦١\n\"رجع عمر إلى قول معاذ في ترك رجم المرأة\" ١/ ٤٧١\n\"رجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف في المجوس\" ١/ ٣١٦\n\"ردَّ خبر فاطمة بنت قيس في السكنى والنفقة\" ١/ ٥٩٥\n\"عجبتُ مما عجبتَ منه\" ٢/ ١١٨\n\"عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ لولا معاذ لهلك عمر\" ١/ ٤٧١\n\"قدم عمر حديث حمل بن مالك في غرة الجنين\" ١/ ٣٧٣\n\"كان يرى إعتاق أم الوالد\" ٤٢٠","vol":"2","page":450},{"text":"\"كان لا يورّث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك أن رسول الله -ﷺ- كتب إليه أن يورّث امرأة أشيم الضبابي\" ١/ ٣١٥\n\"كان يفاضل بين ديات الأصابع، ويقسّمها على قدر منافعها ثم رجع عن ذلك\" ١/ ٣٧٤\n\"لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان\" ١/ ٣٢٣\n\"لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره\" ١/ ٣١٥\n\"ما لم تجد في السنة فاجتهد رأيك\" ١/ ٣٩٩\n\"لا أجعل من ترك داره وماله وهاجر إلى الله ورسوله كمن أسلم كرهًا\" ٢/ ١٥٩\n\"لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت\" ١/ ٢٦٤\nعثمان بن عفان:\n\"اختلاف عثمان وعلى في الجمع بين الأختين بملك اليمين\" ٢/ ٢٠\n\"أحلتهما آية وحرمتهما آية\" ٢/ ٢٠\n\"أخذ بخبر فريعة بنت مالك في السكنى\" ٣١٦\n\"إن نتبغ رأيك فرأي رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان\" ٢/ ١٦٠\n\"لا شيء عليك إنما أنت مؤدب\" ٢/ ٣٥٦\nعلى بن أبي طالب:\n\"اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبعن وأنا الآن أرى بيعهن\" ٢/ ١٦٠\n\"إذا سكر هذي وإذا هذي افترى، فحُدوه حد المفتري\" ٢/ ١٦٠\n\"إن يكونا قد اجتهدا فقد أخطآ، وإن يكونا ما اجتهدا فقدغشّاك، عليك الدية\" ٢/ ٣٥٦\n\"ردّ خبر معقل بن سنان الأشجعي في بَرْوع بنت واشق\" ١/ ٣٢٣\n\"ضرب في الخمر أربعين\" ١/ ٤٢٠\n\"كان لا يقبل الخبر حتى يستحلف\" ١/ ٣١٧\n\"كنت إذا سمعت من النبي -ﷺ- حديثًا نفعني الله بما شاء منه أن ينفعني، وإذا حدثني غيرُه استحلفته\" ١/ ٣١٧\n\"لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه\" ٢/ ١٦٢","vol":"2","page":451},{"text":"أنس بن مالك:\n\"سلوا مولانا الحسن فإنه غاب وحضرنا، وحفظ ونسينا\" ١/ ٤٠٠\n\"كنت أسقى أبا طلحة وأبا عبيدة وأبيّ بن كعب شرابًا من فضيخ\" ١/ ٣١٨\nالبراء بن عازب:\n\"ما كل ما حدثناكم به عن رسول الله -ﷺ- سمعناه منه غير أنّا لا نكذب\" ١/ ٣٦٤\nزيد بن سهل-أبو طلحة- وأصحابه:\n\"قبلوا خبر الواحد في تحريم الخمر من غير ماجعة\" ١/ ٣٥٧\nعائشة - أم المؤمنين:\n\"أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -ﷺ- إلا أن يتوب\" ٢/ ٣٥٩\n\"أنكرت على زيد بن أرقم تعامله بمسألة العينة\" ١/ ٤٠٨\n\"إنما مثلك مثل الفروج سمع الديكة تصيح فصاح لصياحها\" ١/ ٣٩٨\n\"ردت حديث ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه\" ١/ ٣٢٥\n\"كانوا لا يقطعون في الشيء التافه\" ١/ ٢٨٦\nعبد الرحمن بن صخر- أبو هريرة:\n\"أنا مع ابن أخي\" ١/ ٤٠١\nعبد الله بن عباس:\n\"ألا يتقي الله زيد؟! يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا! \" ٢/ ٣٥٩\n\"إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه\" ٢/ ١٦٢\n\"إياكم والمقاييس؛ فما عبدت الشمس إلا بالمقاييس\" ٢/ ١٦٣\n\"سل فلانة الأنصارية\" ١/ ٣٢٠\n\"كان رجلًا مهيبًا فهبته\" ١/ ٤٣٥\n\"كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله -ﷺ-\" ٢/ ٦٥\n\"لم حجبت الأم بالاثنين من الإخوة؟ \" ٢/ ٣٣\n\"من شاء باهلته في العول\" ٢/ ٣٥٩","vol":"2","page":452},{"text":"عبد الله بن عمر:\n\"رجع إلى حديث رافع في المخابرة\" ١/ ٣٢٠-٢/ ٤٣\n\"ردّ خبر أبي هريرة في أن من صلى على الميت فله قيراطان\" ٢/ ٣٩٢\nعبد الله بن مسعود:\n\"إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرّمه الله\" ٢/ ١٦٢\n\"ذروني من أرأيت وأرأيت\" ٢/ ١٦٣\n\"قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون ويتخذ الناس رؤساءً جهّالًا\" ٢/ ١٦٢\nعثمان بن مظعون:\n\"كذبت فإن نعيم الجنة لا يزول\" ٢/ ٢١\nب- آثار التابعين -﵃:\nإبراهيم النخعي:\n\"إذا رويت عن عبد الله وأسندت فقد حدثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدثني جماعة عنه\" ١/ ٣٦٧\nالحسن البصري:\n\"إذا أمرت بمعروف فكن من آخذ الناس به، وإذا نهيت عن منكر فكن من أترك الناس له وإلا هلكت\" ٢/ ٥٥","vol":"2","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>رابعا: فهرس الأبيات الشعرية</span>\nحرف الباء:\nوإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ١/ ٢٤٠\nحرف الدال:\nقلدوها تمائمًا خوف واشٍ وحاسد ٢/ ٣٨٠\nوقفت فيها أصيلانًا اسائلها عيت جوابًا وما بالربع من أحد ٢/ ٨٦\nإلا الأوراي لويا أبيتها والنوى كالحوض المظلومة الجلد ٢/ ٨٧\nيكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا ١/ ١٥٣\nحرف الراء:\nلقد عثرت عثرة لا تنجبر سوف أليسُ بعدها أو أستمر\nأرفع من ذيلي ما كنت أجر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر ٢/ ٣٥٥\nحرف السين:\nوبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيسُ ٢/ ٧٨\nحرف العين:\nوقلِّدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا ٢/ ٣٨١\nحرف الفاء:\nنحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف ٢/ ١٠٦","vol":"2","page":454},{"text":"ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل ٢/ ٢١\n-\nألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل ١/ ٥٤٧\nأنا الرجل الحامي الذّمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي ٢/ ١٢٨\nأهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا علم الحديث الذي ينجو به الرجل\nلو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا ٢/ ١٦٤\nوجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل ١/ ٥٠٧\nأدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكمًا بالحق قوالًا ٢/ ٩١\nحرف الميم:\nأمرتك أمرًا حازمًا فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادمًا ١/ ٥٥٧\nحرف النون:\nلا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا ١/ ١٢٤\nوما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني\nأألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني ٢/ ١٠٦\nحرف الهاء:\nإذا قاسها الآسي النِّطاسي أدبرت غثيثتها أو زاد وهيًا هزومها ٢/ ١٤٠","vol":"2","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>خامسًا: فهرس الأعلام </span>١\nحرف الألف:\nإبراهيم بن أحمد بن عمر بن شاقلا: ١/ ٤٤٩.\nإبراهيم بن الحارث بن عبادة بن الصامت: ٢/ ٥٦\nإبراهيم بن خالد بن أبي اليمان \"أبو ثور\": ٢/ ٤٨.\nإبراهيم بن السري بن سهل \"الزجاج\": ٢/ ٩١\nإبراهيم بن يزيد بن عمرو بن الأسود \"النخعي\": ١/ ٣٦٧.\nإبراهيم بن يسار بن هانئ \"النظام\": ١/ ٣٧٩\nأحمد بن علي أبو بكر الرازي \"الجصاص\": ١/ ٤٠٢\nأحمد بن محمد بن حنبل \"الإمام أحمد\"\nأحمد بن نصر بن محمد الجزري: ١/ ١٣٤.\nأسامة بن زيد بن حارثة: ١/ ٢٨١\nأسلم أو إبراهيم أبو رافع مولى العباس بن عبد المطلب: ٢/ ٣٩٤.\nالأسود بن يزيد بن قيس النخعي: ١/ ٣٩٩\nأشيم الضبابي: ١/ ٣١٥.\nامرؤ القيس بن حجر الكندي: ١/ ٥٠٧\nأنس بن مالك بن النضر: ١/ ٣١٨\nأوس بن الصامت بن قيس الأنصاري: ٢/ ٣٨\nحرف الباء:\nالبراء بن عازب بن الحارث الأنصاري: ١/ ٣٦٤\nأبو بردة: هانئ بن نيار: ١/ ٥٩٦.\nالبرمكي: عمر بن أحمد بن إبراهيم ٢/ ٢٧١.\n_________\n١ اكتفينا بذكر اسم العلم في الصفحة التي ترجم له فيها مرتبًا ترتيبًا أبجديًّا مع إسقاط: \"ابن، وأبو، وأم، ولام التعريف\".","vol":"2","page":456},{"text":"بروع بنت واشق الأشجعية: ١/ ٣٢٣-٢/ ١٥٨.\nبريرة- مولاة عائشة -﵄- ١/ ٥٥٥.\nالبستي: حمد بن محمد بن إبراهيم: ٢/ ١٤.\nبكر بن محمد النسائي: ٢/ ٣٥٦.\nأبو بكرة: نفيع بن الحارث بن كلدة \"أبو بكرة\": ١/ ٣٤٨\nحرف التاء:\nتماضر بنت عمرو بن الحارث \"الخنساء\": ١/ ١٥٣.\nالتميمي: عبد العزيز بن الحارث بن أسد: ١/ ١٣٢.\nحرف الثاء:\nالثلجي: محمد بن شجاع: ٢/ ١٤.\nأبو ثور: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان: ٢/ ٤٨.\nحرف الجيم:\nجابر بن زيد الأزدي \"أبو الشعثاء\": ١/ ٤٠١.\nجابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري: ١/ ٢٦١.\nالجاحظ: عمرو بن بحر بن محبوب: ٢/ ٣٥٠.\nالجبائي: محمد بن عبد الوهاب أبو علي: ١/ ٣٢٨.\nجران العود: عامر بن الحارث بن كلفة: ٢/ ٨٧.\nالجزري: أحمد بن نصر بن محمد الجزري: ١/ ١٣٤.\nجندب بن جنادة بن سفيان، أبو ذر الغفاري: ٢/ ١١٩.\nابن جني: عثمان بن جني النحوي ٢/ ٩١.\nأبو جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي: ١/ ١٦٩.\nحرف الحاء:\nحاتم بن عبد الله بن سعد الطائي: ١/ ٣٨٧.\nالحارث بن عمرو الثقفي: ٢/ ١٦٩.\nالحباب بن المنذر بن الجموح: ٢/ ٣٤٥.\nالحسن بن حامد بن علي: ١/ ١٣٣.\nالحسن بن علي بن أبي طالب: ١/ ٣٣٣.\nالحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري التابعي: ١/ ٤٠٠.\nالحسين بن باشر المخرمي: ٢/ ٣٨٨.\nالحسين بن علي بن أبي طالب: ١/ ٣٣٣.\nحفصة بنت عمر بن الخطاب \"أم المؤمنين\": ١/ ٥٩٣.\nحمد بن محمد بن إبراهيم البستي: ٢/ ١٤.","vol":"2","page":457},{"text":"حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: ١/ ٣١٤.\nحرف الخاء:\nالخثعمية: ٢/ ١٧٣.\nخداش بن بشر بن خالد التميمي: ٢/ ١٤٠.\nالخرباق بن عمرو \"ذو اليدين\": ١/ ٣٢٢.\nالخرقي عمر بن الحسين بن عبد الله: ٢/ ٣٧٠.\nخزيمة بن ثابت الأنصاري: ٢/ ٢٨٥.\nأبو الخطاب: محفوظ بن أحمد بن الحسن: ١/ ١٢١.\nالخنساء: تماضر بنت عمرو: ١/ ١٥٣.\nحرف الدال:\nالدارقطني: علي بن عمر بن أحمد: ١/ ٢٦١.\nداود بن علي بن خلف الظاهري:\n١/ ٤٢٥.\nحرف الذال:\nأبو ذر: جندب بن جنادة بن سفيان: ٢/ ١١٩.\nذكوان أبو صالح السمان المدني:\n١/ ٣٥٧.\nذو اليدين: الخرباق بن عمرو: ١/ ٣٢٢.\nحرف الراء:\nرافع بن خديج بن رافع الأنصاري: ١/ ٢٨٥.\nأبو رافع: أسلم أو إبراهيم مولى العباس بن عبد المطلب: ٢/ ٣٩٤.\nربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني: ١/ ٣٥٧.\nحرف الزاي:\nالزبير بن العوام بن خويلد الأسدي: ١/ ٣٩٤.\nالزجاج: إبراهيم بن السري بن سهل: ٢/ ٩١.\nزيد بن أرقم الأنصاري: ١/ ٤٠٨.\nزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري: ١/ ٣٢٠.\nزيد بن سهل بن الأسود الأنصاري: ١/ ٣١٨.\nزياد بن معاوية الذبياني: ٢/ ٨٦.\nحرف السين:\nسعد بن عبادة بن دليم الخزرجي: ٢/ ٣٤٥.\nسعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري: ١/ ٣١٩.\nسعد بن محمد بن الحسن العوفي: ١/ ٣٣١.\nسعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري: ٢/ ٣٤٠.","vol":"2","page":458},{"text":"سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي: ١/ ٣٩٩.\nأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري: ١/ ٣٩٨.\nسنان بن مسلمة الجهني: ١/ ٥٨٠.\nسهل بن أبي صالح السمان: ١/ ٣٥٧.\nسيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر: ٢/ ٨٨.\nحرف الشين:\nشريح بن الحارث بن قيس الكندي القاضي: ١/ ٣٩٨.\nأبو الشعثاء: جابر بن زيد الأزدي: ١/ ٤٠١.\nحرف الصاد:\nصالح بن أحمد بن محمد بن حنبل: ٢/ ٥٦.\nصخر بن عمرو بن الحارث السلمي: ١/ ١٥٣.\nحرف الضاد:\nالضحاك بن سفيان بن عوف الكلابيك ١/ ٣١٥.\nضمرة بن ضمرة بن جابر النهشلي: ١/ ٢٤٠.\nحرف الطاء:\nالطبري: محمد بن جرير بن يزيد: ١/ ٤٠٢.\nطلحة بن عبيد الله بن عثمان القرشي: ١/ ٣٩٤.\nطلق بن علي بن طلق بن عمرو السحيمي: ١/ ٢٧٢.\nحرف العين:\nعائشة بنت أبي بكر الصديق -﵄: ١/ ١٨٧.\nعامر بن الحارث بن كلفة \"جران العود\": ٢/ ٨٧.\nعامر بن عبد الله بن الجراح \"أبو عبيدة\": ١/ ٣١٨.\nعبادة بن نسيّ الشامي: ٢/ ١٧٠.\nالعباس بن عبد المطلب: ١/ ٣٩٣.\nعبد الرحمن بن صخر الدوسي \"أبو هريرة\": ١/ ٢٧٢-٤٠١.\nعبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري: ١/ ٣١٦.\nعبد الرحمن بن غنم الأشعري: ٢/ ١٧٠.\nعبد العزيز بن جعفر بن أحمد \"غلام الخلال\": ١/ ٥٣٤.\nعبد العزيز بن الحارث التميمي: ١/ ١٣٢.\nعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ١/ ٣٣٢.\nعبد الله بن الزبعري بن قيس السهمي: ٢/ ١٨.\nعبد الله بن الزبير بن العوام: ١/ ٣٣٢.","vol":"2","page":459},{"text":"عبد الله بن الصامت الغفاري البصري: ٢/ ١١٩.\nعبد الله بن عثمان بن عامر \"أبو بكر الصديق\".\nعبد الله بن عباس بن عبد المطلب: ١/ ٢١١.\nعبد الله بن عمر بن الخطاب: ١/ ٢٦٢.\nعبد الله بن قيس بن سليم \"أبو موسى الأشعري\": ١/ ٣١٨.\nعبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب: ١/ ٢٠٣.\nعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: ٢/ ٨٨.\nعبد الله بن الحسن بن دلال الكرخي: ١/ ٣٥٦.\nعبد الله بن الحسن العنبري: ٢/ ٣٥١.\nعثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح: ٢/ ٩١.\nعثمان بن مظعون الجمحي: ٢/ ٢١.\nعطاء بن أبي رباح القرشي: ٢/ ٨٥.\nعقبة بن عامر الجهني ٢/ ٣٤٠.\nابن عقيل: علي بن عقيل بن محمد الحنبلي: ١/ ٢١٤.\nعكرمة بن عبد الله \"مولى ابن عباس\": ١/ ٢١١\nعلقمة بن قيس بن عبد الله النخعي التابعي: ١/ ٣٩٩.\nعلي بن أحمد بن مهدي \"الدارقطني\": ١/ ٢٦١.\nعلي بن عقيل بن محمد الحنبلي: ١/ ٢١٤.\nعلي بن فصال بن غالب المجاشعي النحوي: ٢/ ٩٣.\nعمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي: ٢/ ٢٧١.\nعمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي: ٢/ ٣٧٠.\nعمرو بن بحر بن محبوب الكناني \"الجاحظ\": ٢/ ٣٥٠.\nعمرو بن عثمان بن قنبر \"سيبويه\": ٢/ ٨٨.\nعمرو بن العاص بن وائل القرشي: ٢/ ٣٣٩.\nعمرو بن قيس بن أم مكتوم: ٢/ ١٨.\nعمرو بن هشام بن المغيرة \"أبو جهل\": ١/ ١٦٩.\nعيسى بن أبان بن صدقة الحنفي: ٢/ ٤٨\nحرف الغين:\nالغزالي: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد غيلان بن سلمة الثقفي: ١/ ٥١١.\nحرف الفاء:\nفاطمة الزهراء بنت رسول الله -ﷺ- ٢/ ١٦.","vol":"2","page":460},{"text":"فاطمة بنت قيس بن خالد: ١/ ٥٩٥.\nفريعة بنت مالك بن سنان الخدرية: ١/ ٣١٦.\nابن فصال النحوي: علي بن فصال بن غالب: ٢/ ٩٣.\nالفضل بن العباس بن عبد المطلب: ١/ ٢٨٠.\nحرف القاف:\nابن قتيبة: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: ٢/ ٨٨.\nقيس بن الحطيم بن عدي بن عمرو الخزري: ٢/ ١٠٦.\nحرف اللام:\nلبيد بن ربيعة بن مالك العامري: ٢/ ٢١.\nلقيظ بن يعمر بن خارجة الإيادي: ٢/ ٣٨١.\nحرف الكاف:\nالكرخي: عبيد الله بن الحسن بن دلال: ١/ ٣٥٦.\nحرف الميم:\nمالك بن أنس بن مالك الأصبحي. \"الإمام مالك\".\nماعز بن مالك الأسلمي: ١/ ٥٩٥.\nالمثقب العبدي: ٢/ ١٠٦.\nمحفوظ بن أحمد بن الحسن \"أبو الخطاب: ١/ ١٢١.\nمحمد بن إدريس الشافعي \"الإمام الشافعي\": ١/ ١٠٣.\nمحمد بن إسماعيل القفال الشاشي: ٢/ ٥٢.\nمحمد بن جرير بن يزيد الطبري: ١/ ٤٠٢.\nمحمد بن الحسين بن محمد الفراء \"القاضي أبو يعلى\": ١/ ١٢٢.\nمحمد بن داود بن علي الظاهري: ٢/ ٣١.\nمحمد بن شجاع الثلجي: ٢/ ١٤.\nمحمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي \"أبو علي\": ١/ ٣٢٨.\nمحمد بن عيسى بن سورة السلمي \"الترمذي\": ٢/ ١٧٠.\nمحمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري: ١/ ٣١٤.\nمسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري: ١/ ٥٨٩.\nمعاذ بن جبل الأنصاري: ١/ ٣٧٢.\nمعقل بن سنان الأشجعي: ١/ ٢٢٣.\nالمغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي: ١/ ٣١٤.\nأبو موسى الأشعري: عبد الله بن قيس بن سليم: ١/ ٣١٨.","vol":"2","page":461},{"text":"ميمونة بنت الحارث الهلالية \"أم المؤمنين\": ٢/ ٣٩٣.\nحرف النون:\nالنظام: إبراهيم بن يسار بن هانئ: ١/ ٣٧٩.\nالنعمان بن بشير بن سعد الأنصاري: ١/ ٣٣٣.\nالنعمان بن ثابت الكوفي \"الإمام أبو حنيفة\" ١/ ١٠٤.\nنقيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي \"أبو بكرة\": ١/ ٣٤٨.\nحرف الهاء:\nهانئ بن نيّار الأنصاري \"أبو بردة\": ١/ ٥٩٦.\nأبو هريرة: عبد الرحمن بن صخر الدوسي: ١/ ٢٧٢-٤٠١.\nهلال بن أمية بن عامر الأنصاري: ٢/ ٣٨.\nهمام بن غالب بن أبي صعصعة: ٢/ ١٢٨.\nحرف الياء:\nيعقوب بن إبراهيم بن حبيب \"أبو يوسف\": ١/ ٣٥١.\nيعقوب بن إبراهيم بن سطور \"القاضي يعقوب\": ١/ ٤٧٣.\nيعلى بن أمية بن أبي عبيدة: ١/ ١١٨.","vol":"2","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>سادسًا: فهرس الفرق والطوائف والملل:</span>\nالإمامية: ١/ ٣٠٠.\nالأنصار: ١/ ٣١٨.\nأصحاب الحديث: ١/ ٣٦١.\nأهل حمص.\nأهل الظاهر.\nأهل العربية.\nأهل العرف: ١/ ٥٤٥.\nأهل قباء: ١/ ٣١٨.\nأهل اللسان: ١/ ٥٥١.\nأهل اللغة: ١/ ٥٥٧.\nأهل المدينة.\nالتابعون.\nالجدليّون.\nالجهمية.\nالخلف.\nالخوارج: ١/ ٤١١.\nالزنج: ١/ ٥٤٠.\nالسلف.\nالسمنية: ١/ ٢٨٨.\nالسوفسطائية: ١/ ٢٨٩.\nالعرب.\nالقدرية: ١/ ٢٣٦-٣١٣.\nالمجوس: ١/ ٥٥٦.\nالمرجئة: ١/ ٣٣٠.\nالمعتزلة: ١/ ١٠٥.\nالنحويون.\nالنصارى: ١/ ٣٠١.\nالواقفية: ١/ ١٣٤.\nاليهود: ١/ ٣٧٧.","vol":"2","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>سابعًا: فهرس المراجع:</span>\n١- الإبهاج في شرح المنهاج، لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة ٧٥٦هـ، أكمله ولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى سنة ٧٧١هـ، طبعة الكليات الأزهرية، ودار الكتب العلمية. تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل.\n٢- الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة الهيئة المصرية العامّة للكتاب سنة ١٩٧٥م.\n٣- أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، للدكتور مصطفى سعيد الخن، طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت سنة ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م.\n٤- أثر الأدلة المختلف فيها \"مصادر التشريع التبعية\" في الفقه الإسلامي، للدكتور مصطفى ديب البغا، طبعة دار الإمام البخاري بدمشق.\n٥- الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد على بن حزم الأندلسي الظاهري المتوفى سنة ٤٥٦هـ، مطبعة العاصمة بالقاهرة، نشر زكريا علي يوسف.","vol":"2","page":464},{"text":"٦- الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين علي بن أبي علي بن محمد الآمدي المتوفى سنة ٦٣١هـ، طبعة دار الكتب العلمية بيروت سنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.\n٧- أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي المتوفى سنة ٣٧٠هـ، مطبعة الأوقاف الإسلامية في إستنابول سنة ١٣٣٥هـ.\n٨- أحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤هـ، تحقيق أستاذنا الشيخ عبد الغني عبد الخالق، طبعة مصر سنة ١٣٧١هـ/ ١٩٥٢م.\n٩- أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المالكي المتوفى سنة ٥٤٣هـ، تحقيق علي محمد البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة.\n١٠- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للإمام محمد بن على الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، تحقيق الدكتور شعبان إسماعيل. دار الكتبي بالقاهرة ١٤١٣هـ/ ١٩٩٢م. ودار السلام بالقاهرة ١٤١٨هـ/ ١٩٩٧م.\n١١- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي ببيروت سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n١٢- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، تحقيق علي محمد البجاوي مطبعة نهضة مصر بالفجالة.\n١٣- أسد الغابة في معرفة الصحابةن لعز الدين علي بن محمد الشيباني.","vol":"2","page":465},{"text":"المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٣٠هـ، طبعة دار الشعب بالقاهرة سنة ١٩٧٠م.\n١٤- الإشارات في الأصول، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي المتوفى سنة ٤٧٤هـ، الطبعة الرابعة بمطبعةالتليلي بتونس سنة ١٣٦٨هـ.\n١٥- الأشباه والنظائر، لزين الدين بن إبراهيم، المعروف بابن نجيم الحنفي المتوفى سنة ٩٧٠هـ، تحقيق عبد العزيز الوكيل، طبعة مؤسسة الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٨م.\n١٦- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بصمر سنة ١٣٧٨هـ/ ١٩٥٩م.\n١٧- الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ: أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٨هـ.\n١٨- أصول الشاشي، لنظام الدين أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي المتوفى سنة ٣٤٤هـ، ومعه عمدة الحواشي للمولى محمد فيض الحسن الكنكوهي، طبعة دار الكتاب العربي في بيروت سنة ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.\n١٩- أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل، للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مطبعة جامعة عين الشمس بالقاهرة سنة ١٣٩٤هـ/ ١٩٧٤م.\n٢٠- الاعتصام، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠هـ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.","vol":"2","page":466},{"text":"٢١- الأعلام، لخير الدين الزركلي، الطبعة الثالثة في بيروت سنة ١٣٨٩هـ/ ١٩٦٩م.\n٢٢- إعلام الموقعين عن رب العالمين، لشمس الدين أبي عبد الله بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١هـ، بعناية طه عبد الرؤوف سعد، طبعة دار الجبل ببيروت سنة ١٩٧٣م.\n٢٣- الأم، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤هـ مطابع دار الشعب بالقاهرة سنة ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م.\n٢٤- إنباه الرواة على أنباه النحاة، لجمال الدين على بن يوسف القفطي المتوفى سنة ٦٤٦هـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطعبة دار الكتب المصرية سنة ١٣٧٤هـ/ ١٩٥٦م.\n٢٦- البداية والنهاية في التاريخ، للحافظ إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤هـ، مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٥١هـ/ ١٩٣٢م.\n٢٧- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، الطبعة الأولى بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٤٨هـ.\n٢٨- بذل المجهود في حل ألفاظ أبي داود، لخليل بن أحمد السهارنفوري المتوفى سنة ١٣٤٦هـ، طبع دار الكتب العلمية بيروت.","vol":"2","page":467},{"text":"٢٩- البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الله الجويني المتوفى سنة ٤٧٨هـ، تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب، مطابع الدوحة في قطر سنة ١٣٩٩هـ.\n٣٠- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨٤هـ/ ١٩٦٥م.\n٣١- تاج التراجم في طبقات الحنفية، لزين الدين قاسم بن قطلوبغا المتوفى سنة ٨٧٩هـ، مطبعة العاني في بغداد سنة ١٩٦٢م.\n٣٢- تاريخ بغداد، لأبي بكر أحمد بن علي، الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، طبعة الخانجي بالقاهرة سنة ١٣٤٩هـ/ ١٩٣١م.\n٣٣- تأسيس النظر، لأبي زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي المتوفى سنة ٤٣٠هـ، طبعة دار الفكر سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م، وي آخره أصول الكرخي.\n٣٤- التبصرة في أصول الفقه، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦هـ، تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو، طبعة دار الفكر بدمشق سنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.\n٣٥- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، تحقيق علي محمد البجاوي، طبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة سنة ١٩٦٦م.\n٣٦- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، لعثمان بن علي الزيلعي المتوفى سنة ٧٤٣هـ، المطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٣١٤هـ.\n٣٧- تخريج أحاديث أصول البزدوي، لزين الدين قاسم بن قطلوبغا.","vol":"2","page":468},{"text":"المتوفى سنة ٨٧٩هـ، طبعة مكتبة نور محمد بكراتشي.\n٣٨- تخريج أحاديث مختصر المنهاج، للحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة ٨٠٤هـ، تحقيق صبحي السامرائي، مطبوع ضمن العدد الثاني من مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي، كلية الشريعة بمكة المكرمة سنة ١٣٩٩هـ.\n٣٩- تخريج الفروع على الأصول، لشهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي المتوفى سنة ٦٥٦هـ، تحقيق الدكتور محمد أديب صالح، مطبعة جامعة دمشق سنة ١٣٨٢هـ/ ١٩٦٢م.\n٤٠- تذكرة الحفاظ، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨هـ، الطبعة الثانية بحيدر أباد الدكن بالهند ١٣٧٥هـ/ ١٩٥٥م.\n٤١- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي المتوفى سنة ٥٤٤هـ، تحقيق الدكتور أحمد بكير طبعة مكتبة الحياة ببيروت، ومكتبة الفكر بطرابلس ليبيا سنة ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٧م.\n٤٢- ترتيب مسند الإمام الشافعي، لمحمد عابد السندي المتوفى سنة ١٢٥٧هـ، مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٧٠هـ/ ١٩٥١م.\n٤٣- التعريفات، لعلي بن محمد الشريف الجرجاني الحنفي المتوفى سنة ٨١٦هـ، طبعة الدار التونسية للنشر سنة ١٩٧١م.\n٤٤- تفسير ابن كثير = تفسير القرآن العظيم، لإسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤هـ. طبع دار الفكر، الطبعة الثانية سنة ١٣٨٩هـ/ ١٩٧٠م.\n٤٥- تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن","vol":"2","page":469},{"text":"أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة ٦٧١هـ، طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٨٠هـ/ ١٩٦٠م.\n٤٦- تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، للدكتور محمد أديب صالح، الطبعة الثالثة بالمكتب الإسلامي سنة ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n٤٧- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن على المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل طبعة الكليات الأزهرية.\n٤٨- التلويح على التوضيح، لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني المتوفى سنة ٧٩٢هـ، طبعة نور محمد، كراتشي سنة ١٤٠٠هـ الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية بمصر سنة ١٣٢٢هـ.\n٤٩- التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، لجمال الدين عبد الرحيم ابن الحسن الإسنوي المتوفي سنة ٧٧٢هـ، طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق الدكتور محمد حسن هيتو سنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م، الطبعة الثانية بمطبعة دار الإشاعة الإسلامية سنة ١٣٨٧ المصورة عن طبعة المطبعة الماجدية بمكة المكرمة سنة ١٣٥٣هـ.\n٥٠- التمهيد في أصول الفقه، للإمام محفوظ بن أحمد أبو الخطاب الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠هـ، تحقيق الدكتور مفيد محمد أبو عمشة والدكتور محمد بن علي بن إبراهيم، طبع جامعة أم القرى ١٤٠٦هـ ١٩٨٥م.\n٥١- تهذيب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، طبعة حيدر أباد الدكن بالهند سنة ١٣٢٦هـ.","vol":"2","page":470},{"text":"٥٢- التوضيح على التنقيح، لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المتوفى سنة ٧٤٧هـ، ومعه حاشية الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ عليه، طبعة نور محمد كراتشي سنة ١٤٠٠هـ، الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية بمصر سنة ١٣٢٢هـ.\n٥٣- تيسير التحرير شرح كتاب التحرير، لكمال الدين، محمد بن عبد الواحد ابن الهمام المتوفى سنة٨٦١هـ لمحمد أمين، المعروف بأمير بادشاه الحنفي المتوفى حوالي٩٨٧هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٥٠هـ.\n٥٤- جامع الأصول من أحاديث الرسول، لأبي السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٦٨هـ/ ١٩٤٩م.\n٥٥- جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، الطبعة الثانية بالقاهرة سنة ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م.\n٥٦- جامع العلوم والحكم، لأبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٤٦هـ.\n٥٧- الجدل على طريقة الفقهاء، لأبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٥١٣هـ، نشره المعهد الفرنسي بدمشق سنة ١٩٦٧م بتحقيق جورج مقدسي.\n٥٨- جذوة المقتبس، لأبي عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي المتوفى سنة ٤٨٨هـ، طبعة الهيئة المصرية العامّة للكتاب بالقاهرة.\n٥٩- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، لشمس الدين","vol":"2","page":471},{"text":"محمد بن أبي بكر الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفى سنة ٧٥١هـ، طبعة دار القلم في بيروت سنة ١٩٧٧م.\n٦٠- جمع الجوامع، لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى سنة ٧٧١هـ، مطبوع مع حاشية البناني على شرح المحلى عليه، دار إحياء الكتب العربية بمصر.\n٦١- الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لعبد القادر بن محمد بن نصر القرشي المتوفى سنة ٧٧٥هـ، طبعة حيدر أباد الدكن بالهند سنة ١٣٣٢هـ.\n٦٢- حاشية البناني، عبد الرحمن بن جاد الله المتوفى سنة ١١٩٨هـ على شرح جلال الدين المحلى على جمع الجوامع، طبعة دار إحياء الكتب العربية لعيسي البابي الحلبي بمصر.\n٦٣- الحدود في الأصول، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي المتوفى سنة ٤٧٤هـ، تحقيق الدكتور نزيه حماد، طبعة مؤسسة الزعبي ببيروت بسنة ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٣م.\n٦٤- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة عيسى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٨٧هـ ١٩٦٧م.\n٦٥- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠هـ، طبعة مصورة عن مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٥١هـ ١٩٣٢م.\n٦٦- خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لصفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري المتوفى بعد سنة ٩٢٣هـ، تحقيق محمود عبد الوهاب فايد مطبعة الفجالة الجديدة بالقاهرة.","vol":"2","page":472},{"text":"٦٧- الدراية في تخريج أحاديث الهداية، للحافظ أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، مطبعة المدني بالقاهرة سنة ١٣٧٨هـ/ ١٩٦٧م.\n٦٨- الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لبرهان الدين إبراهيم بن على المعروف بابن فرحون اليعمري المالكي المتوفى سنة ٧٩٩هـ، تحقيق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، طبع دار التراث للطبع والنشر بالقاهرة سنة ١٣٩٤هـ/ ١٩٧٤، الطبعة الأولى بالفحامين بمصر سنة ١٣٥١هـ.\n٦٩- ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي المتوفى سنة ٧٤٨هـ طبعة إحياء التراث.\n٧٠- ذيل طبقات الحنابلة، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥هـ، مطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٧٢هـ/ ١٩٥٢م.\n٧١- الردّ على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة ٢٤١هـ، تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة، طبع دار اللواء بالرياض سنة ١٣٩٧هـ/ ١٩٧٧م.\n٧٢- ردّ المحتار على الدر المختار، لمحمد أمين المعروف بابن عابدين المتوفى سنة ١٢٥٢هـ/ المطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٢٧٢هـ.\n٧٣- رسائل ابن عابدين، للعلامة محمد أمين ابن عابدين المتوفى سنة ١٢٥٢هـ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥هـ.\n٧٤- الرسالة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، طبع مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٥٨هـ/ ١٩٤٠م.\n٧٤- روضة الناظر وجنة المناظر، لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة","vol":"2","page":473},{"text":"المقدسي المتوفي سنة ٦٢٠هـ، ومعه نزهة الخاطر العاطر لابن بدران: عبد القادر بن أحمد المتوفى سنة ١٣٤٦هـ، مكتبة المعارف بالرياض.\n٧٦- روضة الناظر وجنة المناظر، لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق الدكتور عبد العزيز السعيد، الطبعة الثانية لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n٧٧- روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي، تحقيق وتعليق الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، مكتبة الرشد بالرياض ١٤١٤هـ/ ١٩٩٣م.\n٧٨- سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي، لمحمد بن عبد الرحمن المباكفوري المتوفى سنة ١٣٥٣هـ، مطبعة الفجالة الجديدة بالقاهرة سنة ١٣٨٧هـ/ ١٩٦٧م.\n٧٩- سنن الدراقطني، للحافظ علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥هـ، دار المحاسن للطباعة بالقاهرة، سنة ١٣٨٦هـ/ ١٩٦٦.\n٨٠- سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي المتوفى سنة ٢٥٥هـ، تحقيق محمد أحمد دهمان، طبعة دار الكتب العلمية في بيروت.\n٨١- سنن أبي داود، للإمام سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة ٢٧٥هـ، طبعة مصطفي البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٧١هـ/ ١٩٥٢م.\n٨٢- السنن الكبرى = سنن البيهقي، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي","vol":"2","page":474},{"text":"البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨هـ، الطبعة الأولى بحيدر أباد الدكن بالهند سنة ١٣٥٥هـ.\n٨٣- سنن ابن ماجة، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني المتوفى سنة ٢٧٥هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر سنة ١٣٧٢هـ/ ١٩٥٢م.\n٨٤- سنن النسائي، لأحمد بن شعيب بن علي النسائي المتوفى سنة ٣٠٣هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٤م.\n٨٥- سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨هـ، طبعة مؤسسة الرسالة سنة ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.\n٨٦- السيرة النبوية، لأبي محمد عبد الملك بن هشام الحميري المتوفى سنة ٢١٨هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٧٥هـ/ ١٩٥٥م.\n٨٧- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي بن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩هـ، طبعة القدسي بالقاهرة سنة ١٣٥٠هـ.\n٨٨- شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المتوفى سنة ٦٨٤هـ، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية ودار الفكر سنة ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م.\n٨٩- شرح شواهد المغني، لجلال الدين بن عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، طبعة دار الحياة ببيروت سنة ١٣٨٦هـ/ ١٩٦٦.","vol":"2","page":475},{"text":"٩٠- شرح صحيح مسلم، لمحيي الدين بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦هـ، المطبعة المصرية ومكتبتها بالقاهرة سنة ١٣٤٩هـ.\n٩١- شرح العبادي، أحمد بن قاسم العبادي الشافعي المتوفى سنة ٩٩٢هـ، على شرح الجلال المحلي المتوفى سنة ٨٤٦هـ على الورقات في الأصول، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٥٦هـ/ ١٩٣٧م، بهامش إرشاد الفحول.\n٩٢- شرح العضد على مختصر ابن الحاجب، للقاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦هـ، وبهامشه حاشية التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١هـ، وحاشية الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ عليه، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م.\n٩٣- شرح الكافية الشافية، لجمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي المتوفى سنة ٦٧٢هـ، تحقيق الدكتور عبد المنعم هريدي، طبعة دار المأمون للتراث بدمشق سنة ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.\n٩٤- شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير في أصول الفقه، للعلامة الشيخ محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، المتوفى سنة ٩٧٢هـ، طبعة جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية.\n٩٥- شرح المحلي على جمع الجوامع، لجلال الدين محمد بن أحمد المحلي المتوفى سنة ٨٤٦هـ، مطبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة، مطبوع مع حاشية البناني عليه.\n٩٦- شرح معاني الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي المتوفى سنة ٢٣١هـ، مطبعة الأنوار المحمدية بالقاهرة.\n٩٧- شرح مختصر الروضة لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي","vol":"2","page":476},{"text":"المتوفى سنة ٧١٦هـ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة ١٤٠٩هـ.\n٩٨- شفاء الغليل في بيان الشبيه والمخيل ومسالك التعليل، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ، تحقيق الدكتور حمد الكبيسي. مطبعة الإرشاد ببغداد سنة ١٣٩٠هـ/ ١٩٧١م.\n٩٩- الصحاح، لإسماعيل بن حماد الجوهري المتوفى في حدود سنة ٤٠٠هـ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، مطابع دار الكتاب العربي بالقاهرة سنة ١٣٧٧هـ.\n١٠٠- صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة ٣٥٦هـ، طبعة دار الطباعة العامرة بإستنابول سنة ١٣١٥هـ.\n١٠١- صحيح البخاري بشرح الكرماني، محمد بن يوسف الكرماني المتوفى سنة ٧٨٦هـ، المطبعة البهية المصرية سنة ١٣٥٨هـ/ ١٩٣٩م، الطبعة الثانية.\n١٠٢- صحيح البخاري مع حاشية السندي، طبعة دار الشعب بالقاهرة.\n١٠٣- صحيح ابن خزيمة، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي المتوفى سنة ١٣١١هـ، طبعة المكتب الإسلامي سنة ١٣٩٠هـ، بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.\n١٠٤- صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة ٢٦١هـ، طبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٧٤هـ/ ١٩٥٥م، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n١٠٥- صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي المتوفى سنة ٦٩٥هـ، خرج أحاديثه وعلق عليه محمد","vol":"2","page":477},{"text":"ناصر الدين الألباني الطبعة الثانية بالمكتب الإسلامي بدمشق سنة ١٣٩٤هـ.\n١٠٦- طبقات الحفاظ، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، تحقيق علي محمد عمر، طبعة مكتبة وهبة بالقاهرة سنة ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م.\n١٠٧- طبقات الحنابلة، لأبي الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء الحنبلي المتوفى سنة ٥٢٦هـ، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٧١هـ/ ١٩٥٢م تحقيق محمد حامد الفقي.\n١٠٨- طبقات ابن اسعد = الطبقات الكبرى، لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع البصري المتوفى سنة ٢٣٠هـ، مطابع دار التحرير بالقاهرة سنة ١٣٨٨هـ ١٩٦٨م.\n١٠٩- الطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين بن عبد القادر التميمي المتوفى سنة ١٠٥٥هـ، تحقيق الدكتور عبد الفتاح الحلو، طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة سنة ١٣٩٠هـ.\n١١٠- طبقات الشافعية، لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي المتوفى سنة ٧٧٢هـ، تحقيق الدكتور عبد الله الجبوري، الطبعة الأولى بمطبعة الإرشاد ببغداد سنة ١٣٩٠هـ/ ١٩٧٠م.\n١١١- طبقات الشافعية، لتقي الدين أبي بكر بن أحمد بن محمد المعروف بابن قاضي شهبة الدمشقي المتوفى سنة ٨٥١هـ، تحقيق الدكتور عبد العليم خان، الطبعة الأولى بحيدر أباد الدكن بالهند سنة ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.\n١١٢- طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي","vol":"2","page":478},{"text":"المتوفي سنة ٧٧١هـ، تحقيق الدكتور عبد الفتاح الحلو والدكتور محمود الطناحي، طبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٤م.\n١١٣- طبقات الفقهاء، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦هـ، طبعة بغداد سنة ١٣٥٦هـ، طبعة دار الرائد العربي في بيروت سنة ١٩٧٠م، بتحقيق الدكتور إحسان عباس.\n١١٤ طبقات المفسرين، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، طبعة لايدن سنة ١٨٣٩م.\n١١٥- عارضة الأحوذي، للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي المتوفى سنة ٥٤٣هـ، طبعة مكتبة المعارف في بيروت.\n١١٦- العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي المتوفى سنة ٤٥٨هـ، بتحقيق الدكتور أحمد سير المباركي، طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت سنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.\n١١٧- العرف والعادة في رأي الفقهاء، لشيخنا الشيخ أحمد فهمي أبو سنة، مطبعة الأزهر بالقاهرة سنة ١٩٤٧م.\n١١٨- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، لأبي الطيب تقي الدين محمد بن أحمد الحسني المكي الفاسي المتوفى سنة ٨٣٢هـ، تحقيق فؤاد سيد، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة.\n١١٩- علم أصول الفقه، للشيخ عبد الوهاب خلاف المتوفي سنة ١٩٥٦م، مطبعة النصر بالقاهرة سنة ١٣٧٦هـ/ ١٩٥٦م، الطبعة السابعة.","vol":"2","page":479},{"text":"١٢٠- غاية النهاية في طبقات القراء، لشمس الدين محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة ٨٣٣هـ، مكتبة الخانجي بمصر سنة ١٣٥٢هـ/ ١٩٣٣م.\n١٢١- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، المطبعة السلفية بالقاهرة.\n١٢٢- فتح العزيز في شرح الوجيز، للرافعي المتوفى سنة ٦٢٣هـ، مطبعة التضامن الأخوي بالقاهرة سنة ١٣٤٧هـ، بهامش المجموع شرح المهذب.\n١٢٣- فتح الغفار بشرح المنار، لزين الدين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم المتوفى سنة ٩٧٠هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٥٥هـ/ ١٩٣٦م.\n١٢٤- فتح القدير الجامع بين فنَّيْ الرواية والدراية من علم التفسير، للإمام محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، الطبعة الثالثة بدار الفكر في بيروت، سنة ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م.\n١٢٥- الفتح المبين في طبقات الأصوليين، للشيخ عبد الله مصطفى المراغي، الطبعة الثانية في بيروت، سنة ١٣٩٤هـ/ ١٩٧٤م.\n١٢٦- الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفراييني المتوفى سنة ٤٢٩هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني بالقاهرة.\n١٢٧- الفروع، لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي المتوفى سنة ٧٦٣هـ، ومعه تصحيح الفروع لعلي بن سليمان المرداوي المتوفى","vol":"2","page":480},{"text":"سنة ٨٨٥هـ، الطبعة الثانية بدار مصر للطباعة سنة ١٣٧٩هـ/ ١٩٦٠م.\n١٢٨- الفروق، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المتوفى سنة ٦٨٤هـ، الطبعة الأولى بمطبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر سنة ١٣٤٧هـ.\n١٢٩- الفقيه والمتفقه، لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، طبعة دار الكتب العلمية ببيروت سنة ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.\n١٣٠- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي المتوفى سنة ١٣٧٦هـ، نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة سنة ١٣٩٦هـ بعناية عبد العزيز القاري.\n١٣١- الفهرست، لأبي الفرج محمد بن إسحاق الوراق المعروف بابن النديم المتوفى سنة ٣٨٠هـ، تحقيق رضا تجدد، طبعة طهران سنة ١٣٩١هـ/ ١٩٧١م.\n١٣٢- الفوائد البهية في تراجم الحنفية، لأبي الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤هـ، طبعة نور محمد بكراتشي سنة ١٣٩٣هـ.\n١٣٣- فوات الوفيات، لمحمد بن شاكر بن أحمد الكتبي المتوفي سنة ٧٦٤هـ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر سنة ١٩٥١م.\n١٣٤ فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، لعبد العليّ محمد بن نظام الدين الأنصاري المتوفى سنة ١٢٢٥هـ، المطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٣٢٢هـ مطبوع بهامش المستصفى.","vol":"2","page":481},{"text":"١٣٥- فيض القدير شرح الجامع الصغير، لمحمد بن عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١هـ، مطبعة مصطفي محمد بالقاهرة سنة ١٣٥٦هـ/ ١٩٣٨م.\n١٣٦- القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي المتوفى سنة ٨١٧هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٧١هـ/ ١٣٥٣هـ.\n١٣٧- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي المتوفى سنة ٦٦٠هـ، طبعة المكتبة الحسينية بالقاهرة سنة ١٣٥٣هـ.\n١٣٨- القواعد النورانية الفقهية، لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٧٠هـ/ ١٩٥١م.\n١٣٩- القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية، لأبي الحسن علي بن محمد بن عباس الحنبلي الشهير بابن اللحام المتوفى سنة ٨٠٣هـ/ تحقيق حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٧٥هـ/ ١٩٥٦م.\n١٤٠- القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، للشوكاني، تحقيق عبد الرحمن عبد الخالق، طبعة دار القلم - الكويت.\n١٤١- القياس، لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ، الطبعة الثالثة بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٥٨هـ.\n١٤٢- القياس الشرعي، لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي المتوفى سنة ٤٣٦هـ، طبع المعهد العلمي الفرنسي بدمشق سنة ١٣٨٤هـ/ ١٩٦٤م، في آخر كتاب المعتمد للبصري.","vol":"2","page":482},{"text":"١٤٣- الكافية في الجدل، لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني المتوفي سنة ٤٧٨هـ، تحقيق الدكتورة فوقية حسين محمود مطبعة، ومكتبة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n١٤٤- كشاف اصطلاحات الفنون لمحمد أعلى بن علي التهانوي المتوفى سنة ١١٥٨هـ تصوير عن طبعة كلكتا بالهند سنة ١٨٦٢هـ.\n١٤٥ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، لجار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨٥هـ/ ١٩٦٦م.\n١٤٦- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعلاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري المتوفى سنة ٧٣٠هـ، مطبعة دار سعادات بإستنبول سنة ١٣٠٨هـ.\n١٤٧- كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، لإسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة ١١٦٢هـ، طبعة القدسي بالقاهرة سنة ١٣٥٢هـ.\n١٤٨- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة وكاتب جلبي، طبعة إستنابول سنة ١٣٥١هـ.\n١٤٩- الكفاية في علم الرواية، لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، مطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٩٧٢م.\n١٥٠- اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، لمحمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة.","vol":"2","page":483},{"text":"١٥١- اللباب في تهذيب الأنساب، لعز الدين أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٣٠هـ، طبعة دار صادر بيروت.\n١٥٢- لسان العرب، لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري المتوفي سنة ٧١١هـ، طبعة دار صادر بيروت سنة ١٣٧٤هـ/ ١٩٥٥م.\n١٥٣- لسان الميزان، لأحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ، طبعة حيدر أبادر الدكن بالهند سنة ١٣٣٠هـ.\n١٥٤- اللمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٥٨هـ/ ١٩٣٩م.\n١٥٥- المبدع في شرح المقنع، لبرهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح المتوفى سنة ٨٨٤هـ، طبعة المكتب الإسلامي سنة ١٤٠٠هـ.\n١٥٦- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧هـ، طبعة القدسي بالقاهرة سنة ١٣٥٢هـ.\n١٥٧- المجموع شرح المهذب، لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦هـ، مطبعة التضامن الأخوي بالقاهرة سنة ١٣٤٧هـ.\n١٥٨- مجموع الفتاوى، لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني المتوفى سنة ٧٢٨هـ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد العاصمي النجدي، الطبعة الأولي بالرياض سنة ١٣٨١هـ.","vol":"2","page":484},{"text":"١٥٩- المحصول في علم الأصول، لفخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفي سنة ٦٠٦هـ، تحقيق الدكتور طه جابر العلواني، مطابع الفرزدق بالرياض سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n١٦٠- مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي المتوفى بعد سنة ٦٦٦هـ، الطبعة الثانية بالمطبعة الأميرية ببولاق مصر سنة ١٣٦٩هـ/ ١٩٥٠م.\n١٦١- مختصر ابن الحاجب = مختصر المنتهى، لجمال الدين عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦هـ، ومعه شرح العضد عليه، وحاشيتا التفتازاني والشريف الجرحاني على الشرح المذكور، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة سنة ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م.\n١٦٢- مختصر المزني، لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المتوفى سنة ٢٦٤هـ، طبعة كتاب الشعب بالقاهرة سنة ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م على هامش الأم للشافعي.\n١٦٣- مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، للشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي المتوفى سنة ١٣٩٣هـ. دار القلم بيروت ١٣٩١هـ.\n١٦٤- المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥هـ، تصوير عن طبعة حيدر أباد الدكن بالهند سنة ١٣٣٥هـ.\n١٦٥- المستصفى من علم أصول الفقه، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ، تحقيق الدكتور حمزة بن زهير حافظ. ط. السعودية.","vol":"2","page":485},{"text":"١٦٦- مسند الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤٣هـ، المطبعة الميمينة بالقاهرة سنة ١٣١٣هـ.\n١٦٧- مسند الإمام أبي حنيفة المتوفى سنة ١٥٠هـ، تحقيق صفوت السقا، مطبعة الأصيل بحلب سنة ١٣٨٢هـ/ ١٩٦٢م.\n١٦٨- المسودة في أصول الفقه لثلاثة أئمة من آل تيمية تتابعوا على تأليفها.\n١- مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢هـ.\n٢- شهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية المتوفى سنة ٦٨٢هـ.\n٣- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ.\nجمعها وبيضها أحمد بن محمد بن أحمد الحراني الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة ٧٤٥هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني بالقاهرة سنة ١٣٨٤هـ/ ١٩٦٤م.\n١٦٩- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي المتوفى سنة ٧٧٠هـ، المطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٣٢٣هـ/ ١٩٠٦م.\n١٧٠- المصنف، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة ٢١١هـ، طبع المكتب الإسلامي ببيروت سنة ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م، الطبعة الثانية.\n١٧١- المطلع على أبواب المقنع، لأبي عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي المتوفى سنة ٧٠٩هـ، الطبعة الأولى للمكتب.","vol":"2","page":486},{"text":"الإسلامي بدمشق سنة ١٣٨٥هـ/ ١٩٦٥م\n١٧٢- المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي المتوفي سنة ٤٣٦هـ، طبع المعهد الفرنسي بدمشق سنة ١٣٨٤هـ/ ١٩٦٤م. بتحقيق محمد حميد الله.\n١٧٣- معجم الأدباء، لياقوت بن عبد الله الحموي المتوفى سنة ٦٢٦هـ، طبعة الدكتور أحمد فريد الرفاعي، دار المأمون بالقاهرة سنة ١٣٥٧هـ/ ١٩٣٨م.\n١٧٤- معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، طبعة دمشق من ١٩٥٧م-١٩٦١م.\n١٧٥- معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس المتوفي سنة ٣٩٥هـ، تحقيق عبد السلام هارون، طبع دار الفكر ببيروت سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٨٩م، مصورة عن طبعة القاهرة سنة ١٣٦٨م.\n١٧٦- المعجم الوسيط، قام بإخراجه إبراهيم مصطفى، وأحمد حسن الزيات، وحامد عبد القادر، ومحمد علي النجار، مطابع دار المعارف بمصر سنة ٤٠٠هـ-١٩٨٠م.\n١٧٧- المعونة في الجدل، لأبي إسحاق الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦هـ، تحقيق الدكتور عبد العزيز العميرتي جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م.\n١٧٨- المغني في أصول الفقه، لجلال الدين عمر بن محمد الخبازي المتوفى سنة ٦٩١هـ، تحقيق الدكتور محمد مظهر بقا، طبعة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى سنة ١٤٠٣هـ.\n١٧٩- المغني شرح مختصر الخرقي، لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن","vol":"2","page":487},{"text":"قدامة المقدسي. تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر بالقاهرة، الطبعة الثانية ١٤١٣هـ/ ١٩٩٢م.\n١٨٠- مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، لأبي عبد الله محمد بن أحمد المعروف بالشريف التلمساني المتوفي سنة ٧٧١هـ، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، طبعة دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n١٨١- المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصبهاني المتوفى سنة ٥٠٢هـ، تحقيق محمد سيد كيلاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٨١هـ/ ١٩٦١م.\n١٨٢- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٢هـ، طبعة دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م.\n١٨٣- الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفى سنة ٥٤٨هـ، تحقيق محمد سيد كيلاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨١هـ، ١٩٦١م.\n١٨٤- مناقب الإمام أحمد بن حنبل، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ، تحقيق الدكتور عبد الله التركي، طبعة مكتبة الخانجي بمصر سنة ١٣٩٩هـ/ ١٩٧٩م.\n١٨٥- مناهج العقول شرح منهاج الأصول، لمحمد بن الحسن البدخشي، مطبعة محمد علي صبيح بالقاهرة، بهامش نهاية السول.\n١٨٦- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي","vol":"2","page":488},{"text":"ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ، الطبعة الأولى بحيدر أباد الدكن سنة ١٣٥٩هـ.\n١٨٧- منتهى السول والأمل في علمَيْ الأصول والجدل، لأبي عمرو عثمان بن عمر المالكي المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦هـ طبعة دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٤٠٥هـ/ ١٩٨٥م.\n١٨٨- المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ، تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو، طبعة دار الفكر بدمشق سنة ١٣٩٠هـ/ ١٩٧٠م.\n١٨٩- المنهاج في ترتيب الحجاج، لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤هـ، طبعة باريس سنة ١٩٨٧، تحقيق الدكتور عبد المجيد تركي.\n١٩٠- المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، لمجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي المتوفى سنة ٩٢٨هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، طبعة عالم الكتب في بيروت سنة ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n١٩١- المهذب، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٧٩هـ.\n١٩٢- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة ٨٩٧هـ، تحقيق محمد عبد الرزاق حمزة، المطبعة السلفية بمصر سنة ١٣٥١هـ.\n١٩٣- الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى","vol":"2","page":489},{"text":"اللخمي الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠هـ، بعناية وتعليق الشيخ عبد الله دراز، طبعة المكتبة التجارية الكبرى بمصر.\n١٩٤- الموطأ، للإمام مالك بن أنس الأصبحي المتوفى سنة ١٧٩هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة سنة ١٣٧٠هـ/ ١٩٥١م.\n١٩٥- ميزان الأصول في نتائج العقول، لعلاء الدين السمرقندي، المتوفى سنة ٥٣٩هـ، تحقيق الدكتور محمد زكي عبد البر، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤هـ/ ١٩٨٤م.\n١٩٦- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨هـ، تحقيق على محمد البجاوي، طبعة عيسى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٨٢هـ/ ١٩٦٣م.\n١٩٧- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ليوسف بن تغري بردي الأتابكي المتوفى سنة ٨٧٤هـ، طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٤٩هـ/ ١٩٣٠م.\n١٩٨- نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر، لعبد القادر بن أحمد بن مصطفى المعروف بابن بدران الدومي الدمشقي المتوفى سنة ١٣٤٦هـ، المطبعة السلفية بمصر سنة ١٣٤٢هـ.\n١٩٩- نشر البنود على مراقي السعود، لعبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي المالكي المتوفى في حدود ١٢٣٣هـ، مطبعة فضالة بالمحمدية بالمغرب.\n٢٠٠- نصب الراية الأحاديث الهداية، لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة ٧٦٢هـ، مطبعة دار المأمون بالقاهرة بعناية المجلس العلمي بالهند سنة ١٣٥٧هـ/ ١٩٣٨م.","vol":"2","page":490},{"text":"٢٠١- نهاية السول شرح منهاج الأصول، لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي الشافعي المتوفى سنة ٧٧٢هـ، مطبعة محمد على صبيح بالقاهرة.\n٢٠٢- النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين مبارك بن محمد بن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ، تحقيق طاهر أحمد الزواوي ومحمود الطناحي، طبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٣م.\n٢٠٣- نيل الأوطار شرح منتفى الأخبار، لمحمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٩١هـ/ ١٩٧١م.\n٢٠٤- هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، لإسماعيل باشا البغدادي المتوفى سنة ١٣٣٩هـ، طبعة إستانبول سنة ١٩٥١م.\n٢٠٥- الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ، طبعة فرانز شتاينر في فسبادن بألمانيا سنة ١٣٨١هـ/ ١٩٦٢م.\n٢٠٦- الوصول إلى الأصول، لأبي الفتح أحمد بن علي بن برهان البغدادي المتوفى سنة ٥١٨هـ، تحقيق الدكتور عبد الحميد أبو زنيد، مكتبة المعارف بالرياض سنة ١٤٠٣هـ/ ١٩٨٣م.\n٢٠٧- وفيات الأعيان وأنباء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد المعروف بابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١هـ، الطبعة الأولى بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بالقاهرة، سنة ١٣٦٧هـ/ ١٩٤٩م.","vol":"2","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>باب: بيان بالأخطاء المطبعية التي وقعت في كتاب</span>\n...\nبيان بالأخطاء المطبعية التي وقعت في كتاب \"روضة الناظر\"\nالجزء والصفحة السطر العبارة الخطأ العبارة الصحيحة\n١/ ١١٤ ٩ المدعي المدعى\n١/ ١١٥ ١٤ المدعي المدعي\n١/ ١١٦ ٦، ٧ قميا فيما ١/ ١١٧١٧ مذهب ثالثمذهبًا ثالثًا\n١/ ١٢٧ الدليل الأول الدليل الثالث\n١/ ١٤٢ ١٤ وجود لم وجد ولم\n١/ ١٦١ ١٩ بدائها بأدائها\n١/ ١٨٥ ١٠ إذكر إذا كر\n١/ ٢٠٥ ١٩ متتبعات متتابعات\n١/ ٢٦٨ ٤ التفاصل التفاضل\n١/ ٢٨٥ ٣ فكست فسكت\n١/ ٣٠٢ ٢٠ فهي فيه\n١/ ٣٤١ ٢ وعدل ومعدّل\n١/ ٣٤١ ٣ المتردد للتردد\n١/ ٣٤٤ ١٣ عليهم عليه\n١/ ٣٧٣ قبل الأخير المنهاج المنتهى\n١/ ٣٨٢ ٢٢ سبيلم سبيلهم\n١/ ٣٨٦ ٢٢ عرم عمر\n١/ ٤٠٩ ٢٠ ذكر الذكر\n١/ ٤١٢ الأخير كله كلها\n١/ ٤٣٠ الأخير الاجتماع الإجماع","vol":"2","page":493},{"text":"الجزء والصفحة السطر العبارة الخطأ العبارة الصحيحة\n١/ ٤٤١ ٢١ يكون مستنده خبر لا يكون مستنده خبرًا\n١/ ٤٤٦ ٢٠ هما مما هو مما\n١/ ٤٥٥ ٢٤ والقضب والقصب\n١/ ٤٥٧ ١٦ القدم القديم\n١/ ٤٥٨ ١٣ حنيفا وأنا حنيفًا وما أنا\n١/ ٤٨٤ ٣ فإذا ثبت فإذا أثبت\n١/ ٤٩٤ ٨ إذا لا يلزم إذ لا يلزم\n١/ ٤٩٦ ٨ حدًا جدًّا\n١/ ٥٢٧ ٧ الؤاخذة به المؤاخذة به\n١/ ٥٥٤ ٣ حذّر الفتنة حذّر من الفتنة\n١/ ٥٩٤ ١٠ حكي حكمي\n١/ ٦٠٢ ١ فتمتنع الفرضية فتمتنع النية\n١/ ٦٠٣ ١٤ لمصحلة لمصلحة\n١/ ٦٠٦ ٢٠ يواقعها يوقعها\n٢/ ٤٠ ١٨ بالخصيص بالتخصيص\n٢/ ٥٠ ١٣ الخصيص التخصيص\n٢/ ٦٠ ٢ الخصيص التخصيص\n٢/ ٦٦ ١٣ جهال جهل\n٢/ ٧٠ قبل الأخير في العدل في الرواية\n٢/ ١١٠ ١٨ العبارات العبادات\n٢/ ١٢١ ١٦ من التخصيص في التخصيص\n٢/ ١٣٥ ٢١ في الرواية في رواية\n٢/ ١٤٠ ٥ أو زاد وازداد\n٢/ ١٤١ ٢١ أو نفيهما أو نفيه","vol":"2","page":494},{"text":"الجزء والصفحة السطر العبارة الخطأ العبارة الصحيحة\n٢/ ١٥٨ ١٧ مني فمني\n٢/ ١٥٨ ١٩ لأستحي الله لأستحي من الله\n٢/ ١٧٤ الأخير فأقضي نحو فأقضي على نحو\n٢/ ١٨٧ ١٤ توضح توضيح\n٢/ ١٩١ ٢٢ العلية العلة\n٢/ ٢٠٠ ٧ ماذ صنعت؟ ماذا صنعت؟\n٢/ ٢٠٧ الأخير ملائم له ملائم لها\n٢/ ٢١٣ ١٧ هذي هدْي\n٢/ ٢١٣ ١٧ فأرس فأرى\n٢/ ٢٣٢ ١٥ ليس نصًّا ليست نصًّا\n٢/ ٢٧٤ ١٠ على عتبار على اعتبار\n٢/ ٢٧٦ ١٧ ما ينتفي لا ينقض\n٢/ ٢٨٣ ١٥ علية علة\n٢/ ٢٩٧ ١٧ يعاقب يعاقبوا\n٢/ ٣٠٨ ٧ انقاسم انقسام\n٢/ ٣٢٤ ٣ سقط وقد يذكر في معرض كونه مانعًا للحكم في الفرع\n٢/ ٣٢٩ ٧ مقصور مقصود\n٢/ ٣٣٥ ١٦ المنوسخ المنسوخ\n٢/ ٣٣٨ ١٨ بثوت ثبوت\n٢/ ٣٨٦ ١٦ للمستثنى للمستفتي","vol":"2","page":495}]}