{"ً":{"ٌ":1203,"ٍ":"فقه الدعوة الإسلامية في الغرب ووجوب تجديدها على الحكمة والوسطية والاعتدال","َ":1,"ُ":2,"ّ":"الكتاب: فقه الدعوة الإسلامية في الغرب ووجوب تجديدها على الحكمة والوسطية والاعتدال\nالمؤلف: أ. علي بن أحمد بن الأمين الريسوني\nالناشر: الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات\nعدد صفحات (الكتاب الورقي): ٢٥\n[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٣٧","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1803,"ٕ":39,"ٖ":1770155755,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الشطر الأول مفاهيم متعلقة بالدعوة الإسلامية","level":1,"page":3},{"title":"المقصود بالدعوة الإسلامية","level":2,"page":3},{"title":"ما يقتضيه المقصود بتجديد الدعوة على الحكمة والوسطية والاعتدال","level":2,"page":10},{"title":"الشطر الثاني النموذج المطلوب في الدعوة الإسلامية المعاصرة بالديار الأندلسية والمناقض للأسس الفكرية والجذور الإيديولوجية لظاهرة الإرهاب","level":1,"page":20},{"title":"خاتمة","level":1,"page":36}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37},"ٜ":{"1":[1,37]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3],"10":[4],"20":[5],"36":[6]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"فقه الدعوة الإسلامية في الغرب ووجوب تجديدها على الحكمة والوسطية والاعتدال (الدعوة الإسلامية في الأندلس نموذجًا) إعداد\nأ. علي بن أحمد بن الأمين الريسوني\nرئيس جمعية الدعوة الإسلامية\nعضو رابطة علماء المغرب ورئيس فرعها بشفشاون (المغرب)\nبسم الله الرحمن الرحيم<span data-type=\"title\" id=toc-1> مقدمة </span>الحمد لله وحده الذي بنعمته تتم الصالحات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nتهدف هذه المداخلة إلى إبداء وجهة نظر أحسبها صحيحة إن شاء الله حول آفات ظاهرة الإرهاب ذي الجذور الإسلامية.\nهذه الظاهرة يمكن تصنيفها إلى:\n١- إرهاب داخل دار الإسلام (أي في الدول والشعوب المسلمة)\n٢ - إرهاب خارج دار الإسلام (أي في دول وشعوب غير مسلمة)\nوالمداخلة تتطرق بحول الله إلى الصنف الثاني الذي أصاب الغرب ويصيبه ويمكن أن يصيبه.\nفما موقف الإسلام من هذا الصنف الثاني؟\nالشطر الأول من المداخلة إشارات إلى وجوب تجديد الدعوة إلى الله في ديار الغرب عامة، على الحكمة والوسطية والاعتدال. وهو ما يناقض مرتكزات الإرهاب إن كان هذا الأخير مرتديًا أردية الإسلام ومتزرا بأزره.","vol":"1","page":1},{"text":"الشطر الثاني إشارات إلى النموذج التطبيقي لميدان الدعوة في الغرب واخترنا له الأندلس (إسبانيا) نظرا لامتدادها التاريخي في المحيط الإسلامي وامتزاجها التاريخي بالحضارة القرآنية الشامخة وقربها الجغرافي من المغرب البوابة الغربية للعالم الإسلامي نحو أوربا.\nفأردنا في هذا الشطر إعطاء تقويم وتقييم عملي لما ينبغي فعله لدرء إمكانية حدوث عمليات إجرامية تودي بالبراء باسم الإسلام وهو منها بريء.\nوكانت المداخلة حصيلة تجربة طويلة امتدت لسنوات في العمل الدعوي السلمي الموجه للأندلسيين في ديارهم وخارجها من العبد الضعيف تقبل الله سعيه وتغمده برحمته آمين.","vol":"1","page":2},{"text":"الشطر الأول<span data-type=\"title\" id=toc-3> المقصود بالدعوة الإسلامية</span>\nهو الدعوة إلى الإسلام الحنيف بالتعريف به والترغيب فيه والحث على اعتناقه والحض على الانخراط في سلك المؤمنين به والعاملين بشريعته.\nوهي دعوة مباركة يوفق الله لها الصالحين المصلحين من عباده في شتى الأمصار والأعصار.\nوهي دعوة الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، إذ مهمتهم الكبرى الدلالة على توحيد الخالق وإفراده بالعبادة الخالصة والإيمان به ذاتا وصفات وأسماء وتصديقه فيما أخبر به واتباع أمره واجتناب نهيه والإحسان إلى خلقه والاستعداد للقائه والايمان بملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره.\nواقتفى بالرسل صلوات الله عليهم أتباعهم من بعدهم.\nورسولنا الأكرم سيدنا محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين خير من جسد بسيرته العاطرة الدعوة الصحيحة. ومن خلال شمائله وصحيح سنته نستطيع التعرف على أساليبه التي استعملها- بأبي أفديه وأمي- في مخاطبة المشركين وأهل الكتاب زمان بعثته.","vol":"1","page":3},{"text":"ثم لما اصطفاه ربه إلى الرفيق الأعلى واختاره إلى جواره تابع أصحابه رضوان الله عليهم تعاليمه الطاهرة في بث هذه الدعوة الصحيحة في كل الأرجاء والبقاع والأصقاع التي وصلوا إليها وورثهم التابعون على النهج نفسه من دون تبديل ولا تغيير يصدعون بالحق ويبينونه ويدحضون الباطل وينهون عنه.\nفكانت الدعوة الإسلامية أماتنا الله عليها في زمان النبوة ثم في القرن الذي بعدها ثم في القرن الثالث صافية خالصة نقية لا تشوبها شائبة ولا يكدرها مكدر، فالقوم كان مرادهم إيضاح الحق والهداية بالقول والفعل إلى الطريق المستقيم المتضمن لسعادة الدارين.\nواستمر السلف الصالح على هذا المنوال في تمحيص وتمحيض النصيحة للخلق لا يحركهم في ذلك إلا حب الله ورسوله ﷺ والرغبة في نيل الثواب والأجر من الله. ولم يكونوا يرتزقون بالدلالة على الله أو يبغونها عوجا. فقامت في الأرض حضارة أساسها القرآن أينعت أغصانها وأثمرت أشجارها في العالم المعروف آنذاك.\nفالدعوة إلى الإسلام هي نهي عن ضده أي زجر عن الكفر وتقبيح للإلحاد وتسفيه للشرك وتنفير من ملابسة عورة التمرد على الخالق ﷻ.","vol":"1","page":4},{"text":"وبالفعل دخل في هذه الملة الحنيفية شعوب وأمم وقبائل مازالت ذرياتها وسلالاتها إلى الآن تنتسب إلى القبلة وتعتزي إلى الشريعة الطاهرة.\nوكانت دعوتهم بالتي هي أحسن: باللفظ اللين وبإيضاح الحجة والإيغال في البيان ونفي الشبهات ورد التساؤلات وتزييف الخرافات ونقض ساقط الاعتراضات بالأساليب اللائقة بالمخاطبين وبالطرائق المناسبة لذهنياتهم ونفسياتهم مع بعد عن التقعر والتنطع مما كانت العقول تتقبله والفطر السليمة تستسيغه. ولم يكن في الدعوة تعنيف ولا تشدد بل تفتح وسعة صدر ورقة في الأسلوب مع ضرب الأمثال وسرد البراهين وبيان المحجة بالحجة.\nوالمقصود بالغرب الآن هو هذا العالم المصنف عالما أول في التمدن والذي سبق المسلمين وغيرهم من الشعوب التي هي متخلفة في العلوم الحديثة والدنيوية أو تحاول أن تسير في طريق النمو فيها. فالغرب الأوربي والأمريكي ونضيف إليه اليابان قوة أولى شئنا أم أبينا تتحكم بما لديها من إمكانات وطاقات في حاضر العالم وربما في مستقبله القريب، وهي توجهه وتستحوذ على مقاليد أموره وتملي ما شاءت على من شاءت وتستطيع الغلبة على من ناوأها إما بالخداع والمكر وإما بحرب الكر والفر.","vol":"1","page":5},{"text":"هذا الغرب في أمس الحاجة إلى سماع صوت الإسلام والتعرف عليه وإزالة الحجاب الغليظ الذي يفصله عنه لكي يلمس كنوزه ويثمن جواهره ودرره ويقدره حق قدره؛ ونحن المسلمين مسؤولون أمام الخالق سبحانه في أمر إيصال تعاليم دينه لهذا الغرب وتبليغه معنى وحي البارئ جل وعز.\nوالغرب القوي بماله واقتصاده وجنده وتقنية المتفوقة هو في الوقت نفسه ضعيف كل الضعف في جوانبه الإنسانية وفي بواطنه البشرية وفي أحاسيسه وشعوره ووجدانه وضميره فهو عاطل عن القيم والمثل التي ترفع من شأن الإنسانية لكونه اكتفى بالجوانب المادية في تقدمه السريع فامتلك هذه المادة التي سخرها الله له واستغلها في تحسين معيشته الدنيا بيد أن هذه المادة لم تجلب له الطمأنينة والراحة والسلامة والأمن ولم ترفعه للمقام العالي لكونه كافرًا بالإسلام غير مؤمن بوحدانية الرب سبحانه ولا بكتابه ولا بنبيه فتاه هذا الغرب وضل ضلالا بعيدا وانحرف وزهق وتعثر وانتشرت فيه الأمراض النفسية والجسدية ونخرت عظامه الآفات الاجتماعية ولم تفده الآلة إلا في إشباع البطن وإرواء غلة الجنس والانكباب على الشهوات البهيمية والنزوات الحيوانية.","vol":"1","page":6},{"text":"فالغرب إذًا يحتاج إلى الإسلام حاجة المريض إلى الدواء والجائع إلى الغذاء والعريان إلى الكساء والخائف إلى الأمان، وليس ذلك موجودا إلا عندنا نحن أمة محمد صلوات الله عليه فالدعوة إلى الله في الغرب الآن واجبة علينا من وجوه عدة ليس هذا محل تفصيلها.\nأما وجوب تجديد الدعوة فالمقصود به هو تجديد أساليبها وتحديث طرائقها والإبداع في وسائلها واختراع آليات جديدة في تفعيلها ودحض ترهات أعدائها والتغيير في أشكالها إذ لبها لا يتغير لأنها دعوة إلى (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بيد أن ما يحتف بهذا اللب من صيغ ولغات ونبرات وفقرات وأدوات واختيار الأزمنة والأمكنة والمناسبات وما يقدم وما يؤخر وما يؤكد وما يرخص فيه وما يصرح به وما يسكت عنه من الجزئيات والفروع كل ذلك هو الداخل في قولنا (تجديد الدعوة) تأصيلا وتفريعا.\nالزمان تغير من حولنا والحياة تبدلت ولا يمكن في هذا العصر أن نبقى على المنوال الذي كان عليه الأجداد والأجيال فيما سلف من القرون. فلكل وقت خصوصياته ولكل بيئة ما يناسبها ولكل ظرف نوازله التي يجيب عنها فقهها المتجدد المستجيب لإشكالاتها غير المعهودة.","vol":"1","page":7},{"text":"ونؤكد أن الدعوة الإسلامية في الغرب يجب على القائمين بها والساعين فيها أن يرتقوا بها إلى المستوى الذي يجعلها نافدة مسموعة مقبولة على العموم مصغى إليها مأخوذا بها ولو بمقدار، متعاملا معها من وسائل الإعلام على أساس أنها دعوة الخير والحق والفضيلة والصلاح.\nومن الجريمة إبقاء أسلوب الدعوة راكدا جامدا خامدا كما ورثناه عن أجيال سلفت من دون أن نتجشم عناء تعديله وتطعيمه بما يجعله فعالا ناجعا إزاء التحديات الخطيرة التي تحاصره من كل جانب.\nإن تجديد الدعوة ليس إلا استجابة لتغيرات العالم المتسارعة. ومن البلاهة أن نجمد إزاء هذه الأعاصير والرياح والعواصف التي تهب بقوة من جميع الجهات، فإبقاء ما كان على ما كان حذو القذة بالقذة دليل على انطماس البصيرة وعلامة على الغباء والبلادة ويبوسة القريحة والجهل بالجغرافية المعاصرة والواقع الذي لا يرتفع، وبالتالي فإن رفض نفخ روح جديدة في أساليب الدعوة وصيغها يعد إفلاسا لدى القائمين بها والعياذ بالله.","vol":"1","page":8},{"text":"وقد علمنا من خلال تاريخ المذاهب الإسلامية وتطور مدارسها الفكرية في العواصم العلمية للعالم الإسلامي والمهمات التي قامت بها عبر القرون الخوالي: أن الاجتهاد كان هو العاصم الأساس من قواصم الغارات الصليبية والمجوسية والإلحادية والتشكيكية لأساطين الكفر التي لم تفتأ تعاكس جند الله وتعرقل السبيل أمامهم في التبشير بالإسلام العظيم.\nوالاجتهاد كما استعمله وأخذ به فقهاء الأمصار وأئمة الأعصار أخذ به أيضا الدعاة على مختلف مراتبهم وتفاوت درجاتهم وذلك لاختيار الأنسب وانتقاء الأصلح من الصيغ والأساليب المؤدية إلى النجاح في هذه المهمة الصعبة.","vol":"1","page":9},{"text":"والمقصود بتجديد الدعوة على الحكمة والوسطية والاعتدال يقتضي منا معرفة أضدادها\nفالحكمة يقابلها السفه والعبث وهما مرفوضان بالعقل والنقل فلا مكان لأمر أو نهي أو إرشاد بدون مغزى ولا محل لتعبد أو تبليغ بدون معنى، والنصوص مقدسة عن أن تكون فارغة من محتوى رفيع يهدف إلى إصلاح أحوال المتلقي، والعبد لم يكن مكلفا بالنص فهما وتطبيقا إلا لما في هذه النصوص من فوائد مؤكدة تعود عليه بالجدوى.\nالحكمة كلمة أحسبها أوسع من مصطلح (المصلحة) وأسمى من مصطلح (معقول المعنى) فهي كلمة جامعة مانعة تعطي للقلب المتنور إحساسا بأنها مفردة جليلة تعني الخير والسداد والاصابة والفلاح والربح والهدف والأمر المنشود والغاية المتوخاة فكانت كلمة مباركة.\nثم تعني الحكمة: (الرفق) و(اللطف) و(الفهم) .\nفالخشونة والغلظة والجفاء والتجهم والعبوسة والانقباض وأضرابها لا تنتمي لدائرة الحكمة.\nوالتشدد والانغلاق والتقعر والتطرف والمبالغة والتهويل كلها مفردات تبتعد عن الحكمة.","vol":"1","page":10},{"text":"ونحن الآن مطالبون باستخدام (الحكمة) التي لها وزن كبير في التنزيل الحكيم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وكان الطبيب عند العرب هو (الحكيم) .\nوما أحوجنا الآن في جميع الأمور إلى معالجة الأحوال ب (الحكمة) فهي علم وعمل وهي أيضا شعور يدفع المؤمن للتريث والتأني قبل التسرع في تصرفات لا تحمد عقباها.\nوالدعوة في ديار الغرب تحتاج إلى تخطيط وهو عين الحكمة، وتحتاج إلى الهدوء والسكينة وهو من الحكمة، وتحتاج إلى التبصر وقراءة العواقب وهما من الحكمة، وتحتاج إلى اللطف والرفق والشفقة وهي من الحكمة، وتتطلب الدراسة العميقة والاطلاع على أحوال القوم عن كثب ومعرفة واقعهم والمهارة في لسانهم وذلك كله من الحكمة.","vol":"1","page":11},{"text":"والمقصود بالوسطية هو أن هذا الدين الحنيف عقيدة وشريعة وأخلاقا هو الأولى والأجدر والأخير والأفضل فينبغي التركيز على هذا الطابع الرباني للشريعة الإلهية مصدرا، العالمية شمولا واستغراقا، والتي لا تميز بالأجناس ولا تجازي بالعرقيات ولا تعتد بالعصبيات ولا تمجد بالدم والقبلية والعنجهية والتفاخر بالأنساب والأوطان ولا تكرم بالسطوة والجاه والأموال ولا تعتد إلا بأمرين جليلين هما الإيمان الصحيح والعمل الصالح (تقوى الله): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .\nوبالتالي فالوسطية في الدعوة هي التركيز على هذه المعاني السامية والأهداف النبيلة التي تكرم النوع البشري وتجعله خليفة لله في الأرض ليعمر هذا الكوكب مؤمنا بخالقه ومصدقا بلقاء سيده ومولاه ومجتهدا في الفضائل بعد الواجبات متنكبا عن عدوه الأصلي وهو الشيطان الذي يريد الزيغ بالآدميين ويبتغي لهم العوج في الفكر والسلوك.\nإن الوسطية تدور حول انتخاب الأسمى والأرقى والألذ والأشهى والأطيب من مفاهيم هذه الدعوة ومضامين البلاغ وبالتالي تأخذ بحسبانها انتخاب كل معنى رائق فتقدمه للمتلقي على طابق من الأدلة والبراهين التي لا يرقى إليها الشك.","vol":"1","page":12},{"text":"قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وهنا الوسط خيار الشيء ولبه وأفضله وأطيبه.\nوالمقصود بالاعتدال هو أخذ الأمور دون تطرف ومبالغة وتهويل وتضخيم.\nونحن نلمز من الخصوم والأعداء وأيضا من الجاهلين بكوننا متطرفين حيث التطرف عندهم ما يشكل الخروج عن العادات الجاري بها العمل في مجتمعاتهم، فوجب الحذر الشديد من الوقوع في التطرف الحقيقي الذي ينهى عنه الله.\nوبما أننا نبتغي بالدعوة النفاذ إلى القلوب والوصول إلى ضمائر الناس لكي يقتنعوا عن صدق بما نعرضه عليهم فإن العوائق التي تصدهم عن قبول البلاغ ينبغي إزالتها ليصفو المنهل ويتضح أمامهم المهيع ويستبين السبيل.\nوهذه الأمور الثلاثة: الحكمة والوسطية والاعتدال تناقض تماما أضدادها من العبثية والتطرف والابتذال، وهذه الثلاثة الأخيرة من منابع الإجرام والحرابة والفساد في الأرض وهو ما يطلق عليه الآن مصطلح الإرهاب.\nإنه لا مشاحة في الاصطلاح.","vol":"1","page":13},{"text":"في الفقه الشرعي توجد مصطلحات (الحرابة) و(الإفساد في الأرض) و(البغي) ونحوها من المصطلحات المرتبطة بها والداخلة كلها في القتل العمد غير المسوغ بالميزان الشرعي وما ينضاف إليه من الجرح ومصادرة الأموال والإخافة والترويع وقطع الطريق وهدم العمران وتفجير وسائل السفر وتهديم المنازل وتهديد ووعيد للبرآء ونحوها.\nوفي لغة الإعلام المعاصر حلت كلمة الإرهاب المترجمة عن كلمة Terrorismo على كل المنابر الإعلامية وفي كل الألسنة فصرت لا تسمع ولا تقرأ إلا لفظة الإرهاب في الإشارة إلى ما يحدث من عمليات إجرامية تودي بحياة البرآء المدنيين هنا وهناك داخل الوطن الإسلامي وخارجه.\nفأصيبت في المغرب مدينة الدار البيضاء في ١٦ مايو ٢٠٠٣م وعانت الرياض بالمملكة العربية السعودية الشقيقة ما عانته بعد ذلك وكذا نالت إسطنبول حظها. . . إلخ.\nوفي الغرب كانت عمليتا ١١ سبتمبر ٢٠٠١م في نيويورك و١١ مارس ٢٠٠٤م في مدريد، الأولى زعزعت الولايات المتحدة الأمريكية وأفضت إلى ما أفضت إليه من احتلال أفغانستان ولواحقه من ويلات أصابت العرب والمسلمين ومن نوائب وكوارث ما فتئت تهد أركاننا.","vol":"1","page":14},{"text":"والثانية أزعجت إسبانيا ومن ورائها أوربا وستعقبها نتائج وخيمة نسأل الله العافية.\nفهل الإسلام الرحيم يبيح دماء المدنيين البرآء؟\nهل يجيز إزهاق أرواح من لا ناقة له ولا جمل في الأزمات السياسية العالمية أو المحلية أو في الصراعات المذهبية والاقتصادية المعقدة التي تمزق شمل العائلة البشرية شر ممزق؟\nهل النفس البشرية رخيصة إلى درجة أن تزهق بلا جرم ولا سبب ويسكت علماء المسلمين؟\nهل الوحي الإلهي يوافق على قطع الرؤوس وبقر البطون وبتر الأيدي والأرجل للآمنين الغافلين المدنيين المسالمين: للطفل الصبي دون فطام والعجوز الطاعنة في السن والمقعد بالمرض وسواهم من غير أن يشاركوا في عمل حربي تباح به دماؤهم؟\nوهل أهل الذمة والمعاهدون من الكفار والمستأمنون لم يبق لهم عند المسلمين الآن عهد ولا ذمة وبالتالي يباح اغتيال بعضهم عشوائيا دون محاكمة شرعية ولا مدنية ولا توجيه اتهام ولا إدانة ولا تهمة ثابتة ولا نصب دفاع بل بمجرد هوى أو وقوع تحت طائلة الانتقام من حكوماتهم أو جماعات معينة في دولهم أو لوبيات أو ذوي نفوذ ظاهرين أو متسترين؟","vol":"1","page":15},{"text":"هل الفوضى والتسيب وصلا إلى حد أن يفتى بهذه الفظاعات التي لا مرجعية لها، ويقال: إن الإسلام من ورائها أو إن بعض رموزه ومجاهديه وعلمائه يقفون وراء إصدار أحكام باسمه تهدر بها حقوق الناس في الحياة؟\nهذه كلها أسئلة الجواب عنها لا يختص بها مجامع الفقهاء والموثوق بهم من أهل العلم والرصانة والعقل بل يعلمها بالضرورة كل واحد من سواد الأمة.\nومما لا شك فيه دون دخول في التفاصيل ولا الجري وراء الحوادث الجارية أن هناك خطوطا حمراء مجمعا عليها لا مجال فيها للاختلاف ولا مطعن في صدقيتها تؤكدها قواعد ومقولات تلقاها الخلف عن السلف بالقبول: التفقه فيها واستغلالها وتوظيفها فيما نحن يصدده من دراسة هذه الظاهرة تفضي إلى الإفتاء بتحريم الإرهاب وتجريم الإرهابيين ومنها:\n١ - درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة عند تساويهما.\n٢ - المصالح العامة تقدم على المصالح الخاصة.\n٣ - إذا التقت مصلحتان ولم يمكن الجمع بينهما يؤخذ بأحسنهما وإذا التقت مفسدتان ولم يمكن دفعهما يرتكب أخفهما.\n٤ - قتل النفس البريئة يعد من السبع الموبقات وهو من أول ما يسأل عنه الإنسان يوم القيامة وإحياء نفس كإحياء كل الناس وقتل نفس كقتل كل الناس.","vol":"1","page":16},{"text":"٥ - حكم الحاكم في الأمور الخلافية بين العلماء يرفع الخلاف.\n٦ - يجنح إلى السلام وجوبا ما أمكن تفادي الصدام.\n٧ - الفتنة أشد من القتل.\n٨ - تغيير المنكر لا يجوز إذا تيقن إفضاؤه إلى منكر أكبر منه.\n٩ - التدرج في تغيير المنكرات واجب داخل مقتضى الحكمة والمصلحة.\n١٠ - الأخذ بالأولويات والأحرويات من فقه الدعوة.\n١١ - «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (حديث شريف) .\nهذه القواعد والمقاصد وغيرها إذا استقرئت تصب في اتجاه واضح وهو: تجريم إيذاء الأبرياء من الناس.\nوالإيذاء هو الظلم المحرم بالنصوص القطعية كما أنه محرم بالعقل والفطرة.\nوالظلم فيه قوله ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة» وقوله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» .\nوهذا الإيذاء هو المدعو الآن بالإرهاب الذي يرمي إلى تحقيق مكاسب سياسية عبر التضحية بأرواح المدنيين ومن هو خارج موضع النزاع الظاهر أو الخفي بين الفئة المستهدفة (بكسر الدال) والجهات المستهدفة (بفتح الدال) .","vol":"1","page":17},{"text":"واليقين قائم على أن هذه الظاهرة وهي (الإرهاب) كما شرحناه مضرة بالعمل الإسلامي في الغرب كما هي مضرة بتماسك الأمة وانتظام أمرها وتنمية اقتصادها داخل دار الإسلام.\nوهذا لا يعني بتاتا أننا نبرئ بعض المسؤولين على الشأن الإسلامي في الدعوة أو الدولة من تبعات هذه الظاهرة الخطيرة فليتحمل كل منهم مسؤوليته.\nفكل مسؤول من أولي الأمر في سياساته وتصرفاته وأقواله وأفعاله قد يتسبب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في نشوء جرثومة الإرهاب إما بظلمه لنفسه ولغيره وإما بجهله وغفلته فالجهل مصيبة كبرى وطامة عظمى وآفة مميتة نسأل الله اللطف.\nوعلى كل فنحن ندين الإرهاب كما وصفناه حيث نعرفه بأنه:\n(أعمال أو أقوال تؤذي فكريا أو نفسيا أو جسديا أو ماديا الأبرياء من بني آدم يقوم بها شخص أو أشخاص أو جهة قصد تحقيق أغراض سياسية أو اقتصادية أو غيرها لا ناقة لهؤلاء الأبرياء ولا جمل في الظروف والأسباب التي حالت دون تحقيقها للشخص أو الأشخاص أو الجهة المنفذة لهذه الأعمال) .\nوهذا التعريف هو الذي نظنه ينطبق على ظاهرة تشمئز منها النفوس وتنفر منها الطباع السليمة خاصة إذا أضيفت جهلا أو بتعمد لشريعة الله أي ظاهرة الإرهاب.","vol":"1","page":18},{"text":"والحقيقة أن الإسلام الحنيف من مقاصده السامية تحريم كل أشكال الظلم والإيذاء والعدوان والطغيان سواء أصابت الإنسان أو الحيوان وعلى النقيض أوجب الإسلام إقامة العدل والتعامل بالقسط وحذر من إهانة الآدمي والتسلط على دمه أوعرضه أو ماله دون بينة شرعية واضحة وضوح الشمس.\nولما كانت الشريعة الرحيمة كفيلة بضمانة الحقوق كافة لبني آدم وصيانة حرياتهم وحماية ممتلكاتهم وإشاعة الأمن فيهم ودفع الخوف عنهم وجلب أسباب التعايش والتفاهم فيما بينهم؛ فإن تجاوز ضوابطها بتأويل فاسد أو تفسير مغرض أو لي أعناق نصوصها القطعية أو الظنية بنية سيئة وقصد فاسد: هوى يعد من أكبر الكبائر المسببة لشر مستطير.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الشطر الثاني النموذج المطلوب في الدعوة الإسلامية المعاصرة بالديار الأندلسية والمناقض للأسس الفكرية والجذور الإيديولوجية لظاهرة الإرهاب </span>إن تطبيق ما سلف على الميدان الدعوي في الأندلس أمر مهم جدا فنحن نعلم أن هذه البلاد ظلت أكثر من ثمانية قرون إحدى قلاع الإسلام ومنارة تشع بالحضارة والمدنية وتطفح بالعلم والمعرفة في الغرب الإسلامي الذي قدم لأوربا خدمات لا تنكر وأسهم في تقدم الفرنجة بشكل لا يجحده منصف.\nوبعد السقوط الرسمي لدولة الإسلام بغرناطة في ٢ يناير ١٤٩٢ (٨٩٧ هجرية) ظل للمسلمين وجود ضعيف في شبه الجزيرة الإيبيرية بوصفهم أقلية جاهدت للحفاظ على هويتها المتميزة على رغم عمليات الاضطهاد الوحشية ومحاكم التفتيش البربرية إلى أن تم إجلاؤها على مراحل ظلما وعدوانا وقهرا من العدوة الشمالية فكان آخر إجلاء قسري ونفي جبري للبقية الباقية من الأندلسيين عام ١٠١٨ هجرية الموافق ١٦٠٩ ميلادي.","vol":"1","page":20},{"text":"ثم إنها لم تنطفئ بالمرة جذوة التوحيد من قلوب بعض أحفاد المدجنين الذين اختاروا البقاء بإسبانيا على مدى الأجيال المتعاقبة فكان من حين لآخر تظهر أمارة أو أكثر على وجود إسلامي في هذه الجهة أو تلك في هاتيك الديار من الفردوس المفقود.\nولما نشبت الحرب الأهلية الإسبانية ١٩٣٦ - ١٩٣٩ لمس الجنود المغاربة الذين زج بهم في آتونها الملتهب أن هناك بقايا من الإيمان في نفوس بعض الإسبان في قرى نائية وشعاب الجبال.\nوبعد موت الجنرال فرانكو في نوفمبر ١٩٧٥ وإعلان الدستور المعترف بحرية الأديان أقبل الكثير من الإسبانيين على الإسلام فرادى وجماعات، زرافات ووحدانا ومازالوا إلى الآن يدخلون في دين الله أفواجا وأفرادا فاهتدى منهم الجم الغفير؛ فالآلاف الآن منهم إخوان لنا في الإسلام في القطر المذكور.\nكيف نضمن بتوفيق من الله ﷿ للدعوة الإسلامية في الأندلس الحماية من كل نزوع نحو التطرف والتشدد وكيف نصونها من كل علاقة مع الفكر المنغلق المظلم المتشائم الذي يمكن أن يفرخ بيضة الإرهاب كما سلف أن شرحناه؟","vol":"1","page":21},{"text":"كيف نصون مراكزنا الإسلامية ومساجدنا هناك وجمعياتنا ومؤسساتنا الدينية من جميع الاختراقات التي يمكن أن تحدث لا قدر الله من جماعات تؤمن بالتكفير للعصاة حكاما ومحكومين أو تكفر بأسس التعايش السلمي ما بين الأقلية الإسلامية والأكثرية غير الإسلامية؟\nهل بالإمكان القيام بالدعوة إلى الله وفق منهاج الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وفي الوقت نفسه احترام قيم غير المسلمين وثقافتهم وقوانينهم وعاداتهم؟\nهل يمكن هناك الجمع ما بين المسؤولية الدعوية وبين الحقوق والواجبات التي تنظمها القوانين الجاري بها العمل في تلك الديار؟\nإلى أي مدى (أصالتنا) تتعايش مع (معاصرتنا)؟\nإلى أي حد يتعايش (الإسلام) و(الديموقراطية وحقوق الإنسان)؟\nإننا نظن أنه من الممكن شرعا إن شاء الله المزاوجة بين الهوية والأصالة وبين ضرورات مسايرة المعاصرة ومستجدات بدايات القرن الواحد والعشرين من الألفية الثالثة.\nوفي الفقرات الآتية: ما يضع النقاط على الحروف لاختيار الطريقة الأقوم للدعوة الإسلامية (نموذج الأندلس) والمانعة لكل احتمال بإمكانية الانحراف نحو التشدد والفهم السيئ المفضين بدورهما للإرهاب.","vol":"1","page":22},{"text":"١ - يجب استخدام المستويين:\n(أ) النصوص الشرعية الثابتة.\n(ب) المقاصد الشرعية.\nوإهمال هذه الأخيرة كليا وإعمال الأولى فقط مما لا يساعد على وضوح الرؤية ومما يؤدي إلى فقدان المبادرة في الإفتاء في الفروع المستجدة والمحدثات المعاصرة المتسارعة التي تضغط على المسلمين هناك بثقلها وزخامة امتدادها وتحرج المؤمن بظروف وأحوال ومقامات: النصوص فيها إذا بترت من المقاصد العليا والمقاصد التي دونها تقصر عن تلبية الحاجة والإجابة عن الاستفهام وطمأنة الحائر وكشف اللبس وتهدئة الخاطر.\nوالأئمة والمفتون - مجتهدين ومقلدين - مدعوون إلى كثير من الحذر في التعاطي مع النوازل المستجدة والطوارئ المتغيرة والمتكررة التي تستوجب نفسا طويلا في المزج بين روح المعنى وحرفية النص.\nإن الأقيسة والاستنباطات والاستقراءات ورعاية المصالح والاعراف والأحوط والدراية بالمقاصد من التشريع: كل ذلك يفيد في طمأنة الطالب للحق مفتيا وخطيبا ومدرسا.\nوالمراد أن النصوص وحدها مبتورة من السياق مجتثة عن المقاصد مؤولة بالتأويل الحرفي قد تولد الإحباط للمهاجرين أو فئات منهم.\nوبالتالي قد تسبب لا قدر الله ردات فعل غير محمودة.","vol":"1","page":23},{"text":"٢- يجب عدم حمل الناس هناك على مذهب معين من المذاهب الأربعة لأن المهاجرين إلى الأندلس وأوربا عامة هم من مشارب مختلفة ومن مذاهب شتى. والخطيب والإمام والمؤلف مدعوون إلى مراعاة التنوع المذهبي للمهاجرين المسلمين وكذا للمهتدين درءًا للفتنة، ومن الأحوط أن لا يغالي الداعية في نصرة مذهبه على حساب المتلقين إن كانوا على مذهب غيره.\nوهنا أذكر مثالًا على التهور في التدريس أن بعض الوعاظ المشارقة لا يراعون أن غالبية الجالية المسلمة بإسبانيا من المغرب وإفريقيا الشمالية والغربية وبالتالي أن غالبيتهم مالكيون وراثة ودراسة، فيدوس هؤلاء الوعاظ في جزئيات وفروع على ما استقر عليه العمل لدى المالكية فينشأ التشويش والانقسام والافتتان والقيل والقال وما يجر إليه التخليط من خلخلة العامة وشق صفوفهم وتفريق جموعهم. وهو أمر لا يبعد أن يكون أحد مكونات إحياء النعرات المذهبية المفضية بالتالي إلى الإرهاب الفكري الذي يفضي بدوره للإرهاب العملي لا قدر الله.\nوهؤلاء الوعاظ يجنون من حيث لا يدرون فما كل ما يعلم يقال. ولكل مقام مقال.","vol":"1","page":24},{"text":"وبما أن الفروع تتسع للمذاهب الأربعة والاجتهادات خارجها فإن الراجح والصحيح من الأيسر والأسلم والألطف هو الذي نوصي بالأخذ به ما دام مدونا في الفقه وذلك جمعا لكلمة المسلمين وتوقيا من تشتيت صفهم وثلم ركنهم وإذهاب ريحهم.\nفكم من فتنة حدثت في الأندلس من المتعصبين لمذهب معين يأتون فيطلقون الكلام على عواهنه من غير أن يراعوا للمستمعين انتسابهم وانتماءهم المذهبي ولا مستوى ثقافتهم فيفسدون أكثر مما يصلحون في قضايا يضيقون حولها النطاق وقد وسعها شرع الله.\nفهذه الجهات التي تبعث الوعاظ في المناسبات والمواسم أو توظف المرشدين الدينيين المقيمين أو تسجل أشرطة بالفيديو أو الأقراص المدمجة وتسوقها لدى الشباب المتعطش لدينه أو تنشر الحلقات المسلسلة عبر الفضائيات مع مقابلات واستجوابات، عليها أن لا تركز على مذهب واحد بعينه تجمد عليه خاصة في أمور حساسة تتسع لأكثر من العبادات وتتصل بالمعاملات وقضية الولاء والبراء ومسألة البيعة ونقضها ومسألة الحاكمية والجاهلية وقضية الحكم بالردة والزندقة وقضية الخلافة والإمامة ومسألة الشورى والديموقراطية ونظام الحكم.","vol":"1","page":25},{"text":"فهذه أمور حساسة يجب على المفتي والمذيع والخطيب والمؤلف والإعلامي أن يكون على حذر فيها كما عليه أن لايخوض في خلافات علم الكلام التي عفى عليها الزمان توقيا من الفتنة.\nفقد يثير الكراهية في النفوس تجاه وضع قائم أو مخالفين في المذهب أو نمط اجتماعي معين.\nوما الإرهاب المادي إلا تجسيد للكراهية المتقدة في النفوس.\nقبل المسدس والقنبلة: الإرهابي يحمل في قلبه ألف قنبلة ومسدسًا.\nوذلك المتعالم المتفيهق هو الذي يبوء بإثم جمرة البغضاء إذا أحرقت نفس المستمع المغفل بفتوى عرجاء استندت إلى تأويل فاسد ورأي كاسد في مذهب معين في غيره مندوحة عنه.\nفنحن إذا نوصي بتوسيع دائرة الأخذ من المذاهب المعتمدة لتتبع ما صح من الأيسر والأنسب والأسلم في الفروع المرتبطة بالحياة العامة التي يحتك فيها المبتلى بالإقامة بدار الغربة، بالأوضاع والأحوال المنافية للشرط الإسلامي.\n٣ - وجوب الاطلاع على ثقافة الآخر: /٥٠ (ب) الغريب كل الغرابة من يقتحم لجة الإفتاء والتوجيه الديني في الأندلس وهو لم يشم رائحة لثقافة الآخر الذي استضافه في أرضه وأباح له الإقامة في بلاده.","vol":"1","page":26},{"text":"الدعاة هناك مطلوب منهم تحصيل الأدنى في معرفة اللغة القشتالية والإلمام بتاريخ الإسبان وجغرافيتهم وأصولهم وقوانينهم السائدة والتطور الذي يعيشون فيه. وذلك لأن إهمال ثقافة الآخر عامل أساسي في فشل الدعوة الصحيحة وبروز الأهواء الثائرة.\nلقد رأينا كيف رد الإمامان الكبيران الشيخان أحمد بن تيمية وشمس الدين ابن قيم الجوزية رحمهما الله، على النصارى: الأول في كتاب ضخم (القول الصحيح) والثاني في (هداية الحيارى) ولم يكن الردان ليتما لولا اطلاع العالمين على ثقافة الآخر آنذاك.\nوالآن أستاذ بدرجة دكتور خريج جامعة إسلامية لا يفقه في (ثقافة الآخر) شيئا ولا يملك منها نقيرا ولا قطميرا، يبعث إلى مدريد أو برشلونة أو إشبيلية أو حاضرة أخرى وحوله تحلق جمع للانصات لخطابه والرجل أمي أمية مفرطة في (ثقافة الآخر) .\nكيف يفيد مثل هذا الرجل في تخريجاته وتأويلاته وأجوبته على نوازل وحوادث ووقائع ب (أرض الآخر) فهو في موطن غير موطنه محكوم عليه أن يراعي الاختلافات بين أهله وهؤلاء (الآخرين) وإلا خبط خبط عشواء وسلك سبيلا معوجا على رغم حسن نيته وجميل طويته.","vol":"1","page":27},{"text":"وبطبيعة الحال هذا الجاهل ب (ثقافة الآخر ونفسيته) فاشل مقدمًا في درء خطر تكون بيضة أسباب الإرهاب.\n٤ - يجب الربط بين الإسلام (دينا) وبين الإسلام (حضارة) فالفصل بينهما في ديار الغرب نكسة ورجعى للوراء وعمل قاصر وسعي مبتور.\nوكثير من الاتهام الموجه الآن إلينا نحن المسلمين ناتج عن هذا الفصل ف (الآخ) قد يخاف من الإسلام (دينا) ولكنه لا يخاف من الإسلام (حضارة) .\nلهذا المصطلح قيمة في التداول والاستعمال وميزة كبرى وله نبرته وأهميته وتأثيره.\nوهذا (الآخر) يقدر الإسلام (حضارة) تقديرا كبيرا ولكنه يخشاه (دينا) .\nوعلينا أن نسرب الإسلام (دينا) عبر لافتة الإسلام (حضارة) .\nكما أن الشباب إذا ربطناهم بالإسلام (حضارة) سيتفهمون المرامي السامية والمقاصد النبيلة الغالية لملتنا الشريفة وأنها متكاملة ومن تكاملها جمعها بين (الدين) و(الطين) أي بين (الدنيا) و(الآخرة) وبين (المادة) و(الروح)\nوإذا كان الدين توجيها لإصلاح الشأن البشري في الآخرة فإن (الحضارة) توجيه إسلامي لعمارة الأرض.","vol":"1","page":28},{"text":"ولفت أنظار الجهات المسؤولة عن الدعوة بالأندلس إلى هذا الربط بين الإسلام (دينا) والإسلام (حضارة) من النصح الخالص الذي نقدمه في هذه المداخلة.\nوبالتالي فالربط المذكور يعد من كوابح التطرف والغلو والحمد لله رب العالمين لأنه يوسع الأفق المعرفي للمسلم فيتعامل مع المشروع الإسلامي في خطوطه الكونية ووزنه في العالمين فيتسامى عن التدني للمدنسات التي هي مقدمات للفتك والطعن والهمز واللمز. والربط يحدث الشعور الوجداني المتناغم بين العقل والقلب والداخل والخارج فيرى السالك إلى الله تكاملا في عناصر الحياة تتجلى فيها كمالات الله ﷿. وهذا فهم دقيق عن الله تكل عنه العبارة.\nولا مكان مع هذا الربط للإرهاب إن شاء الله.","vol":"1","page":29},{"text":"٥- فتح قنوات الحوار مع الشباب المتحمس والفئات الحركية من المتطوعين في الحقل الإسلامي دعوة وتربية وإعلاما. وذلك قصد الإقناع بالمنهج السلمي في التغيير الإصلاحي وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي فريضة النصيحة وفي فريضة الجهاد إن قام على فرضيته برهان عند الاقتضاء كالجهاد في فلسطين ضد المعتدين وفي التوعية والتحسيس بالصحوة الإسلامية المباركة، فالحوار لا يأتي إلا بخير بشرط لين العريكة والاتصاف بالتواضع ونشدان الحقيقة الشرعية لاغير لضبط الحركة وقمع التهور ولجم الانزلاق والتحكم في الهيجان. . . الشيوخ بالتجربة الطويلة والاحتكاك المتواصل مع التراث والعمر المديد المليء بالعطاء مع القدم الراسخة في العبادة والتنسك. . . وعلماء الشباب بالحيوية والاقتدار على الاستيعاب وسرعة البديهة وامتلاك أدوات الفهم. . . الجميع بالحوار يوقف بإذن الله موجة التكفير السائب والتضليل الفوضوي والتبديع الاعتباطي وكل هذه الأثافي تنتج غل الصدور وهذه بدورها تدفع الأعصاب المتوترة إلى إمكانية اللجوء للقوة والعنف.","vol":"1","page":30},{"text":"٦ - إن تكون سياسة الدعوة بالأندلس نابعة من أرض الأندلس مراعية لظروفها والحقائق الموجودة على أرضها وأن لا تستورد هذه السياسة من جهة خارج الإطار الجغرافي والسياسي والاجتماعي للأندلس نفسها.\n٧ - أن ترتبط الدعوة إلى الله ثمة مع حاجيات الجالية المسلمة المقيمة بإسبانيا وهي جالية مهمة لا تنتظر فقط من الدعاة الخطاب الجاف والتبجح بالتقعر والتفصح ببليغ الحديث على أعواد المنابر وإنما تحتاج أيضا للرعايات التربوية والاجتماعية والصحية والمادية وسواها. . . وتلبية هذه الحاجات أو بعضها مما يقضي على أسباب نشوء الإرهاب أو يقلل من هذه الأسباب فاعلم ذلك.\n٨ - استخدام سنة التدرج في الدعوة وعدم التعجل في تحصيل النتائج المرجوة منها وهذا التدرج الذي يكون على مراحل محسوبة يقلل أيضا فرص نشوء أسباب الإرهاب.\n٩ - المزاوجة بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية والبراهين الحسية والواقعية تسهم في تقبيح الإجرام وتقزيمه وتحجيمه بحول الله مع الحض على معالي الأمور والتزين بالتنزه والعفة.","vol":"1","page":31},{"text":"١٠ - استثمار ما كتبه العلماء الثقات في إصلاح القلوب والأخلاق في التدريب والتمرين على السماحة والعفو وحب الناس وتفويض الأمر إلى الله والتبرئ من النفس الأمارة بالسوء والتنزه عن الدعاوي الغليظة وحب الذات وأمراض القلوب وبالتالي فهذا مما يسهل على الشباب الاغتسال من جنابة اتهام الناس ومحاكمة النوايا والعمل بالظنون وازدراء المذنبين وما أحوجنا إلى هذا في الأندلس. . .\nوبالتالي فذلك التراث يساعد الشباب على التأمل والتدبر في الملك والملكوت والاشتغال بالتعبد والتهجد والصدق في المحافظة على الأوراد الشرعية وهي أمور يستجلب بها الفتح الرباني والفهم عن الله والإلهام والخواطر والواردات القدسية مما يصفي زجاجة الفؤاد من الأدران والكدر ويحفظ من الحماقات والمغامرات الطائشة.\n١١ - تفعيل مقولة (ما عمت به البلوى) وفق ضوابطها الشرعية عند النظر فيما انتشر وساد وشاع وفشا من المنكرات والمعاصي والانحرافات. . . ولا تعني المقولة الإقرار على ذلك ولكنها مئنة من فقه الدعاة خاصة في هذا الزمان الحرج.","vol":"1","page":32},{"text":"١٢ - تفعيل قواعد ومقولات مثل: رفع الحرج - الضرورات تبيح المحظورات-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية- ونحوها.\n١٣ - تفعيل الاجتهاد الجماعي ضمن بحوث (فقه الواقع) و(فقه الأقليات) .\n١٤ - تعميق دراسة السياسة الشرعية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية وظهور (العولمة) و(النظام العالمي الجديد) و(العالم الأحادي القطبية) وهذا ما ينبغي مراعاته في (الأحكام السلطانية) و(إصلاح الراعي والرعية) .\n١٥ - رفع مستوى الخطاب إلى معالجة الأزمات العالمية ومكافحة المشكلات التي تهدد الاستقرار والسلم والطمأنينة والتعايش، والارتقاء بالصحوة المباركة إلى المشاركة في وضع تصوراتنا ومقترحاتنا لإيجاد توافق مع (الآخر) ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ومن هذه المعضلات:","vol":"1","page":33},{"text":"فساد البيئة الطبيعية- التغيرات المناخية الخطيرة- التصحر- ندرة المياه- أسلحة الدمار الشامل- الفقر- البطالة- الفوارق الاجتماعية- الكوارث الطبيعية- الإدمان على المخدرات والمسكرات- الإجرام المنظم- الدعارة وتجارة الجنس- الرشوة- الامراض المستعصية والأوبئة- العنصرية- الاستعمار الصهيوني لفلسطين الحبيبة- ديون العالم الثالث- الربا الذي يثقل الكاهل- قنبلة النمو الديموغرافي المطرد- مشكلات الحدود- مشكلات الأقليات- التنازع العرقي- الطاقة المهددة بالتضاؤل-تخلف العالم الثالث- اتساع هوة شمال / جنوب- وغيرها.\nفالرفع من الخطاب إلى هذا المستوى مع الحفاظ على خصوصياتنا ومميزاتنا وهويتنا يقلص فرص لجوء طوائف من الناس إلى الإرهاب.","vol":"1","page":34},{"text":"١٦ - إشراك الشعوب الإسلامية في الشأن العام بإقرار تعددية سياسية ومنابر لإبداء الآراء الناصحة وتفعيل آية الشورى والاعتراف بالحريات والحقوق والعمل بالانتخاب الحر لاختيار المؤسسات العمومية وإعلان الصلح المدني والعفو عن المعتقلين لأسباب فكرية وإيجاد أرضية واسعة للتعبير الحر عن الرأي والتمتيع بحريات التجمع والنقد والتنافس والشفافية في التدبير وقبول المحاسبة والمراقبة في تسيير بيوت أموال المسلمين والمساوات بين ذممهم. . . كل هذا يمنع الشباب من اليأس ويقيهم من الإحباط وبالتالي يفتح أمامهم المجال للتباري الشريف لخدمة الأوطان وهذا بدوره يمنع مقابلة الظلم بالظلم ويقي من مصارع السوء ويطب الأسقام ويعالج الأدواء المستعصية فلا يبقى متسع إن شاء الله للمفتونين الفتانين سواء (عندنا) أو (عند غيرنا) فيضمحل أو يقل الإرهاب بإذن الله.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>خاتمة </span>ختم الله لنا بالحسنى ومتعنا فضلا منه بالمقام الأسنى.\nلقد كان بالود الإشارة إلى جزئيات وتفاصيل وفروع تتصل بالعمل الدعوي المعاصر في الديار الإسبانية من ذكر الهيئات وأسامي المراجع والمرجعيات والإحالة على المصادر وما أكثرها.\nوكان بالود أيضا الحديث عن علاقة الدعوة بالجالية المسلمة هناك وبالمسلمين المهتدين والمؤسسات ذات الارتباط مع التنبيه لاتفاق ١٩٩٢م الذي وقعته الدولة الإسبانية مع المجلس الإسلامي وكذا عن الفيدراليتين الكبيرتين للهيئات الإسلامية ثمة والمراكز والمجالس الثقافية الإسلامية وكذا عن الجهات الحكومية والأكاديمية والإعلامية ذات الصلة.\nوكان بالود التطرق للأحداث الأليمة ليوم ١١ مارس ومخلفاتها.\nكل ذلك كان بالود من منطلق الحرص على بيان كيفية سد جميع الثغرات التي يمكن أن يتسرب منها الفكر الإرهابي أعاذنا الله منه.\nولكن المساحة المخصصة للمداخلة لا تسمح بالتطويل فمعذرة: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) .\nوما كان من حق وصواب فهو من الله سبحانه فله الحمد على توفيقه وإلهامه.\nوما كان من خطأ فهو مني ومن الشيطان نعوذ بالله من وسوسته.","vol":"1","page":36},{"text":"وفقنا الله لخدمة دينه وسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .","vol":"1","page":37}]}