{"ً":{"ٌ":12049,"ٍ":"قواطع الأدلة في الأصول","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"أصول الفقه والقواعد الفقهية/قواطع الأدلة في الأصول - السمعاني - ت الشافعي - ط العلمية 01-02","files":["00_35649.pdf|الغلاف","01_35649.pdf","02_35650.pdf"]},"ّ":"الكتاب: قواطع الأدلة في الأصول\nالمؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩هـ)\nالمحقق: محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي\nالناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤١٨هـ/١٩٩٩م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1013,"ٕ":11,"ٖ":1770155408,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المجلد الأول","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة المؤلف","level":2,"page":1},{"title":"القول في مقدمات أصول الفقه","level":2,"page":4},{"title":"القول في اقسام الكلام ومعانى الحروف التي لابد من معرفتها في مسائل الفقه","level":2,"page":19},{"title":"باب القول في الأوامر","level":2,"page":34},{"title":"مدخل","level":3,"page":34},{"title":"فصل: صيغة الأمر","level":3,"page":39},{"title":"فصل: صيغة الامر إذا وردت إبتداء أوبعد حظر فإنها تقتضي الوجوب","level":3,"page":47},{"title":"فصل: اختلاف الاصحاب فى الأمر إذا قام الدليل فيه على انتفاء الوجوب","level":3,"page":50},{"title":"فصل: أذا ورد الدليل على انه لم يرد بالأمر الوجوب","level":3,"page":51},{"title":"فصل: هل يتوجه الوجوب حال العذر","level":3,"page":84},{"title":"فصل: الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه","level":3,"page":91},{"title":"مسائل قصار وفصول من المذهب يليق بهذا الموضع","level":3,"page":106},{"title":"باب القول في النواهي","level":2,"page":130},{"title":"باب القول فى النواهى","level":3,"page":130},{"title":"القول في العموم والخصوص","level":2,"page":146},{"title":"مدخل","level":3,"page":146},{"title":"فصل: في ألفاظ العموم","level":3,"page":159},{"title":"فصل: الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فيه","level":3,"page":164},{"title":"فصل: التخصيص","level":3,"page":168},{"title":"فصل: أقل ما يتناوله تخصيص لفظ العموم","level":3,"page":176},{"title":"فصل: فيما يخص به لفظ العموم","level":3,"page":178},{"title":"فصل: تخصيص السنة بالسنة","level":3,"page":183},{"title":"فصل: تعارض اللفظان من صاحب الشرع","level":3,"page":194},{"title":"فصل إذا ورد عقيب العموم تقييد بالشرط أو باستثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا يتأتى إلا فى بعض ما تناوله العموم فالمذهب أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط","level":3,"page":202},{"title":"فصل: إذا خرج الخطاب فى العموم مخرج المدح أو الذم","level":3,"page":207},{"title":"فصل: تخصيص العموم بالدليل المتصل","level":3,"page":210},{"title":"فصل: ويجوز إذا اتصل بالكلام سواء تقدم عليه أو تآخر عن أو تخلله","level":3,"page":212},{"title":"فصل: تخصيص العموم بالشرط","level":3,"page":224},{"title":"فصل: ومما يدخل فى باب العموم القول فى ألفاظ الشارع فى حكايات الأحوال","level":3,"page":228},{"title":"فصل: ورود صيغة متخصة في وضع اللسان بالنبي ﷺ","level":3,"page":230},{"title":"القول فى دليل الخطاب","level":2,"page":240},{"title":"القول فى دليل الخطاب","level":3,"page":240},{"title":"فصل: الخطاب سبعة أنواع","level":3,"page":254},{"title":"فصل: إذا علق الحكم بالصفة في نوع من جنس وأخرى حكم في جميع الجنس قياسا","level":3,"page":256},{"title":"القول فى البيان والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه","level":2,"page":264},{"title":"البيان","level":3,"page":264},{"title":"فصل: المحكم والمتشابه","level":3,"page":271},{"title":"فصل: الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما","level":3,"page":273},{"title":"فصل: فى حسن دخول المجاز فى خطاب الله ﷿ وفى أنه قد خاطب به","level":3,"page":275},{"title":"فصل: وإذا ثبت جواز المجاز فى القرآن والسنة فلكل مجاز حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز","level":3,"page":278},{"title":"فصل: الحقائق العرفية","level":3,"page":285},{"title":"فصل: ما يرجع إلى لغه العرب ووجوه استعمالها","level":3,"page":290},{"title":"فصل: فى ذكر وجوه المجاز وطرق استعماله","level":3,"page":295},{"title":"فصل فيما يقع به بيان المجمل","level":3,"page":305},{"title":"فصل: وقت البيان","level":3,"page":306},{"title":"القول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل","level":2,"page":333},{"title":"مدخل","level":3,"page":333},{"title":"فصل: اعلم أن حد الخبر كلام يدخله الصدق والكذب","level":3,"page":335},{"title":"فصل: الخبر إذا صح وثبت من طريق النقل وجب الحكم به وأن كان مخالفا لمعانى أصول سائر الأحكام","level":3,"page":370},{"title":"فصل: ما يقبل فيه خبر الواحد","level":3,"page":386},{"title":"فصل: طبقات الصحابة","level":3,"page":404},{"title":"فصل: أقسام الصحيح من الأخبار","level":3,"page":411},{"title":"فصل: فى معرفة الترجيح بين الأخبار المتعارضة","level":3,"page":419},{"title":"القول فى الناسخ والمنسوخ","level":2,"page":432},{"title":"مدخل","level":3,"page":432},{"title":"فصل: ما يجوز نسخه وما لا يجوز","level":3,"page":439},{"title":"فصل: وجوه النسخ","level":3,"page":443},{"title":"فصل آخر: في بيان وجوه النسخ","level":3,"page":446},{"title":"فصل: في أوقات النسخ","level":3,"page":449},{"title":"فصل: دلائل النسخ","level":3,"page":456},{"title":"فصل: الزيادة على النص لا تكون ناسخا","level":3,"page":469},{"title":"فصل: ما يجوز به النسخ وما لا يجوز","level":3,"page":470},{"title":"القول في الإجماع وما يتصل بذلك","level":2,"page":482},{"title":"مدخل","level":3,"page":482},{"title":"فصل: الإجماع على ضربين","level":3,"page":494},{"title":"فصل: فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة","level":3,"page":496},{"title":"فصل: فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة","level":3,"page":503},{"title":"مدخل","level":4,"page":503},{"title":"فصل: في عدد المجمعين","level":4,"page":508},{"title":"فصل: الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع","level":3,"page":511},{"title":"مدخل","level":4,"page":511},{"title":"فصل: إذا اجتمعت الأمة على الجمع بين مسألتين","level":4,"page":512},{"title":"المجلد الثاني","level":1,"page":515},{"title":"(تابع) القول في الإجماع وما يتصل به","level":2,"page":515},{"title":"تابع الفصل الثالث: في بيان ما ينعقد فيه الإجماع","level":3,"page":515},{"title":"فصل وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد","level":4,"page":515},{"title":"الفصل الرابع: في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط","level":3,"page":516},{"title":"مدخل","level":4,"page":516},{"title":"فصل: وأما انعقاد الإجماع بالفعل فكل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد به الاجماع","level":4,"page":525},{"title":"فصل: ومن شروط الإجماع أن يقيم أهل الإجماع على ما أجمعوا عليه ولا يرجعوا عنه","level":4,"page":529},{"title":"\"فصل\": قد بينا من قبل أن من شرط الإجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن خالف بعضهم لم يكن إجماعا","level":4,"page":535},{"title":"الفصل الخامس: وهو يشتمل على معارضة الاختلاف والإجماع","level":3,"page":542},{"title":"تعارض الاختلاف والاجماع","level":4,"page":542},{"title":"فصل: إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين","level":4,"page":548},{"title":"فصل: ولا يجوز أن يتفق أهل عصر على الجهل بحكم حادثة حدثت في عصرهم","level":4,"page":549},{"title":"مسائل تابعة للإجماع","level":2,"page":550},{"title":"مسألة استصحاب الحال","level":3,"page":550},{"title":"مسألة: النافي للحكم يجب عليه الدليل المثبت","level":3,"page":555},{"title":"مسألة الحظر والإباحة","level":3,"page":561},{"title":"فصل في أقسام ما يرجع إلى العقل","level":3,"page":575},{"title":"فصل: مجرد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور","level":3,"page":580},{"title":"فصل: اعلم أن العادة غير موجبه شيئا بنفسها بحال وإنما هى قرينه للواجبات أو منبئة عن المقاصد فيها","level":3,"page":583},{"title":"القول في القياس وما يتصل به","level":2,"page":585},{"title":"مدخل","level":3,"page":585},{"title":"فصل: وإذا عرفنا من يجوز له القياس فالكلام بعد ذلك فيما يجوز فيه استعماله","level":3,"page":624},{"title":"فصل: في شروط القياس","level":3,"page":631},{"title":"فصل: واعلم أن هذا الذي ذكرنا اشتمل على مسائل من الأصول معروفة","level":3,"page":634},{"title":"فصل: في ضروب القياس","level":3,"page":646},{"title":"فصل في أقسام طريق العلل الشرعية","level":3,"page":651},{"title":"فصل: ما يشتمل عليه القياس","level":3,"page":655},{"title":"فصل: الأصل","level":3,"page":657},{"title":"فصل: القول في علة القياس","level":3,"page":663},{"title":"فصل: القول في المركبات","level":3,"page":669},{"title":"فصل: لابد للعلة من الدلائل على صحتها","level":3,"page":676},{"title":"فصل: هل الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة","level":3,"page":681},{"title":"فصل: قياس الشبه","level":3,"page":690},{"title":"فصل: جعل الاسم علة للحكم","level":3,"page":698},{"title":"فصل: بيان الحكم","level":3,"page":700},{"title":"فصل يتصل بالذي ذكرناه","level":3,"page":706},{"title":"فصل: ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التي لم يثبت الحكم فيها في الاصل","level":3,"page":727},{"title":"فصل: وجوه الاعتراض على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك","level":3,"page":728},{"title":"فصل: اعلم أن الاعتراض على العلة ينقسم إلى الصحيح والفاسد","level":3,"page":735},{"title":"فصل: وأما السؤال بفساد الوضع","level":3,"page":740},{"title":"فصل: الاعتراض بالنقض","level":3,"page":744},{"title":"فصل: بقية القول بموجب العلة","level":3,"page":751},{"title":"فصل: السؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة","level":3,"page":753},{"title":"فصل: إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها","level":3,"page":762},{"title":"فصل: هل الفرق اعتراض صحيح","level":3,"page":765},{"title":"فصل: الترجيحات في العلل","level":3,"page":771},{"title":"فصل: مراتب قياس المعنى","level":3,"page":777},{"title":"فصل: في قياس الشبه","level":3,"page":786},{"title":"فصل: سؤال المطالبة","level":3,"page":793},{"title":"القول في الإستدلال","level":2,"page":797},{"title":"القول في الاستحسان","level":2,"page":806},{"title":"السبب والعلة والشرط","level":2,"page":810},{"title":"السبب","level":3,"page":810},{"title":"العلة","level":3,"page":813},{"title":"الشرط","level":3,"page":814},{"title":"فصل: ثم ذكر أنواع العلل المعتبرة","level":3,"page":826},{"title":"فصل: ذكر انواع الشرط","level":3,"page":829},{"title":"مسألة أسباب الشرائع","level":2,"page":832},{"title":"القول في الاجتهاد وما يتصل به","level":2,"page":842},{"title":"مدخل","level":3,"page":842},{"title":"فصل: صحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية","level":3,"page":844},{"title":"باب اختلاف القولين","level":3,"page":867},{"title":"فصل: فى الوجوه النى يجوز معها تخريج المذهب","level":3,"page":878},{"title":"التقليد","level":2,"page":881},{"title":"مدخل","level":3,"page":881},{"title":"مسألة: لا يجوز للعالم أن يقلد العالم","level":3,"page":883},{"title":"مسألة: إذا نزلت بالعالم نازلة وخاف فوت وقتها لم يجز له تقليد غيره","level":3,"page":888},{"title":"مسألة: وأما الكلام في مسائل الأصول","level":3,"page":890},{"title":"فصل: الإلهام","level":3,"page":893},{"title":"فصل: الكلام في المفتي والمستفتي وما يتصل في ذلك","level":3,"page":898},{"title":"فصل: مسألة النسبة إلى الإمام الشافعي","level":3,"page":913},{"title":"فصل: في حين الخطاب شرعا","level":3,"page":919}],"ٛ":{"1,17":1,"1,18":2,"1,19":3,"1,20":4,"1,21":5,"1,22":6,"1,23":7,"1,24":8,"1,25":9,"1,26":10,"1,27":11,"1,28":12,"1,29":13,"1,30":14,"1,31":15,"1,32":16,"1,33":17,"1,34":18,"1,35":20,"1,36":21,"1,37":22,"1,38":23,"1,39":24,"1,40":25,"1,41":26,"1,42":27,"1,43":28,"1,44":29,"1,45":30,"1,46":31,"1,47":32,"1,48":33,"1,49":34,"1,50":35,"1,51":36,"1,52":37,"1,53":38,"1,54":40,"1,55":41,"1,56":42,"1,57":43,"1,58":44,"1,59":45,"1,60":46,"1,61":48,"1,62":49,"1,63":52,"1,64":53,"1,65":54,"1,66":55,"1,67":56,"1,68":57,"1,69":58,"1,70":59,"1,71":60,"1,72":61,"1,73":62,"1,74":63,"1,75":64,"1,76":65,"1,77":66,"1,78":67,"1,79":68,"1,80":69,"1,81":70,"1,82":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,89":78,"1,90":79,"1,91":80,"1,92":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":85,"1,96":86,"1,97":87,"1,98":88,"1,99":89,"1,100":90,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":211,"1,212":213,"1,213":214,"1,214":215,"1,215":216,"1,216":217,"1,217":218,"1,218":219,"1,219":220,"1,220":221,"1,221":222,"1,222":223,"1,223":225,"1,224":226,"1,225":227,"1,226":229,"1,227":231,"1,228":232,"1,229":233,"1,230":234,"1,231":235,"1,232":236,"1,233":237,"1,234":238,"1,235":239,"1,236":240,"1,237":241,"1,238":242,"1,239":243,"1,240":244,"1,241":245,"1,242":246,"1,243":247,"1,244":248,"1,245":249,"1,246":250,"1,247":251,"1,248":252,"1,249":253,"1,250":255,"1,251":257,"1,252":258,"1,253":259,"1,254":260,"1,255":261,"1,256":262,"1,257":263,"1,258":264,"1,259":265,"1,260":266,"1,261":267,"1,262":268,"1,263":269,"1,264":270,"1,265":271,"1,266":272,"1,267":274,"1,268":276,"1,269":277,"1,270":279,"1,271":280,"1,272":281,"1,273":282,"1,274":283,"1,275":284,"1,276":285,"1,277":286,"1,278":287,"1,279":288,"1,280":289,"1,281":291,"1,282":292,"1,283":293,"1,284":294,"1,285":296,"1,286":297,"1,287":298,"1,288":299,"1,289":300,"1,290":301,"1,291":302,"1,292":303,"1,293":304,"1,294":305,"1,295":306,"1,296":307,"1,297":308,"1,298":309,"1,299":310,"1,300":311,"1,301":312,"1,302":313,"1,303":314,"1,304":315,"1,305":316,"1,306":317,"1,307":318,"1,308":319,"1,309":320,"1,310":321,"1,311":322,"1,312":323,"1,313":324,"1,314":325,"1,315":326,"1,316":327,"1,317":328,"1,318":329,"1,319":330,"1,320":331,"1,321":332,"1,322":333,"1,323":334,"1,324":336,"1,325":337,"1,326":338,"1,327":339,"1,328":340,"1,329":341,"1,330":342,"1,331":343,"1,332":344,"1,333":345,"1,334":346,"1,335":347,"1,336":348,"1,337":349,"1,338":350,"1,339":351,"1,340":352,"1,341":353,"1,342":354,"1,344":355,"1,345":356,"1,346":357,"1,347":358,"1,348":359,"1,349":360,"1,350":361,"1,351":362,"1,352":363,"1,353":364,"1,354":365,"1,355":366,"1,356":367,"1,357":368,"1,358":369,"1,359":371,"1,360":372,"1,361":373,"1,362":374,"1,363":375,"1,364":376,"1,365":377,"1,366":378,"1,367":379,"1,368":380,"1,369":381,"1,370":382,"1,371":383,"1,372":384,"1,373":385,"1,374":387,"1,375":388,"1,376":389,"1,377":390,"1,378":391,"1,379":392,"1,380":393,"1,381":394,"1,382":395,"1,383":396,"1,384":397,"1,385":398,"1,386":399,"1,387":400,"1,388":401,"1,389":402,"1,390":403,"1,391":405,"1,392":406,"1,393":407,"1,394":408,"1,395":409,"1,396":410,"1,397":412,"1,398":413,"1,399":414,"1,400":415,"1,401":416,"1,402":417,"1,403":418,"1,404":419,"1,405":420,"1,406":421,"1,407":422,"1,408":423,"1,409":424,"1,410":425,"1,411":426,"1,412":427,"1,413":428,"1,414":429,"1,415":430,"1,416":431,"1,417":432,"1,418":433,"1,419":434,"1,420":435,"1,421":436,"1,422":437,"1,423":438,"1,424":440,"1,425":441,"1,426":442,"1,427":444,"1,428":445,"1,429":447,"1,430":448,"1,431":450,"1,432":451,"1,433":452,"1,434":453,"1,435":454,"1,436":455,"1,437":457,"1,438":458,"1,439":459,"1,440":460,"1,441":461,"1,442":462,"1,443":463,"1,444":464,"1,445":465,"1,446":466,"1,447":467,"1,448":468,"1,449":469,"1,450":471,"1,451":472,"1,452":473,"1,453":474,"1,454":475,"1,455":476,"1,456":477,"1,457":478,"1,458":479,"1,459":480,"1,460":481,"1,461":482,"1,462":483,"1,463":484,"1,464":485,"1,465":486,"1,466":487,"1,467":488,"1,468":489,"1,469":490,"1,470":491,"1,471":492,"1,472":493,"1,473":495,"1,474":497,"1,475":498,"1,476":499,"1,477":500,"1,478":501,"1,479":502,"1,480":504,"1,481":505,"1,482":506,"1,483":507,"1,484":509,"1,485":510,"1,486":511,"1,487":512,"1,488":513,"1,489":514,"2,3":515,"2,4":517,"2,5":518,"2,6":519,"2,7":520,"2,8":521,"2,9":522,"2,10":523,"2,11":524,"2,12":525,"2,13":526,"2,14":527,"2,15":528,"2,16":529,"2,17":530,"2,18":531,"2,19":532,"2,20":533,"2,21":534,"2,22":536,"2,23":537,"2,24":538,"2,25":539,"2,26":540,"2,27":541,"2,28":542,"2,29":543,"2,30":544,"2,31":545,"2,32":546,"2,33":547,"2,34":549,"2,35":550,"2,36":551,"2,37":552,"2,38":553,"2,39":554,"2,40":555,"2,41":556,"2,42":557,"2,43":558,"2,44":559,"2,45":560,"2,46":562,"2,47":563,"2,48":564,"2,49":565,"2,50":566,"2,51":567,"2,52":568,"2,53":569,"2,54":570,"2,55":571,"2,56":572,"2,57":573,"2,58":574,"2,59":575,"2,60":576,"2,61":577,"2,62":578,"2,63":579,"2,64":580,"2,65":581,"2,66":582,"2,67":584,"2,68":585,"2,69":586,"2,70":587,"2,71":588,"2,72":589,"2,73":590,"2,74":591,"2,75":592,"2,76":593,"2,77":594,"2,78":595,"2,79":596,"2,80":597,"2,81":598,"2,82":599,"2,83":600,"2,84":601,"2,85":602,"2,86":603,"2,87":604,"2,88":605,"2,89":606,"2,90":607,"2,91":608,"2,92":609,"2,93":610,"2,94":611,"2,95":612,"2,96":613,"2,97":614,"2,98":615,"2,99":616,"2,100":617,"2,101":618,"2,102":619,"2,103":620,"2,104":621,"2,105":622,"2,106":623,"2,107":625,"2,108":626,"2,109":627,"2,110":628,"2,111":629,"2,112":630,"2,113":632,"2,114":633,"2,115":635,"2,116":636,"2,117":637,"2,118":638,"2,119":639,"2,120":640,"2,121":641,"2,122":642,"2,123":643,"2,124":644,"2,125":645,"2,126":646,"2,127":647,"2,128":648,"2,129":649,"2,130":650,"2,131":652,"2,132":653,"2,133":654,"2,134":656,"2,135":657,"2,136":658,"2,137":659,"2,138":660,"2,139":661,"2,140":662,"2,141":664,"2,142":665,"2,143":666,"2,144":667,"2,145":668,"2,146":670,"2,147":671,"2,148":672,"2,149":673,"2,150":674,"2,151":675,"2,152":677,"2,153":678,"2,154":679,"2,155":680,"2,156":681,"2,157":682,"2,158":683,"2,159":684,"2,160":685,"2,161":686,"2,162":687,"2,163":688,"2,164":689,"2,165":691,"2,166":692,"2,167":693,"2,168":694,"2,169":695,"2,170":696,"2,171":697,"2,172":699,"2,173":701,"2,174":702,"2,175":703,"2,176":704,"2,177":705,"2,178":707,"2,179":708,"2,180":709,"2,181":710,"2,182":711,"2,183":712,"2,184":713,"2,185":714,"2,186":715,"2,187":716,"2,188":717,"2,189":718,"2,190":719,"2,191":720,"2,192":721,"2,193":722,"2,194":723,"2,195":724,"2,196":725,"2,197":726,"2,198":727,"2,199":729,"2,200":730,"2,201":731,"2,202":732,"2,203":733,"2,204":734,"2,205":736,"2,206":737,"2,207":738,"2,208":739,"2,209":741,"2,210":742,"2,211":743,"2,212":745,"2,213":746,"2,214":747,"2,215":748,"2,216":749,"2,217":750,"2,218":751,"2,219":752,"2,220":754,"2,221":755,"2,222":756,"2,223":757,"2,224":758,"2,225":759,"2,226":760,"2,227":761,"2,228":763,"2,229":764,"2,230":766,"2,231":767,"2,232":768,"2,233":769,"2,234":770,"2,235":771,"2,236":772,"2,237":773,"2,238":774,"2,239":775,"2,240":776,"2,241":778,"2,242":779,"2,243":780,"2,244":781,"2,245":782,"2,246":783,"2,247":784,"2,248":785,"2,249":786,"2,250":787,"2,251":788,"2,252":789,"2,253":790,"2,254":791,"2,255":792,"2,256":794,"2,257":795,"2,258":796,"2,259":797,"2,260":798,"2,261":799,"2,262":800,"2,263":801,"2,264":802,"2,265":803,"2,266":804,"2,267":805,"2,268":806,"2,269":807,"2,270":808,"2,271":809,"2,272":810,"2,273":811,"2,274":812,"2,275":814,"2,276":815,"2,277":816,"2,278":817,"2,279":818,"2,280":819,"2,281":820,"2,282":821,"2,283":822,"2,284":823,"2,285":824,"2,286":825,"2,287":827,"2,288":828,"2,289":829,"2,290":830,"2,291":831,"2,292":832,"2,293":833,"2,294":834,"2,295":835,"2,296":836,"2,297":837,"2,298":838,"2,299":839,"2,300":840,"2,301":841,"2,302":842,"2,303":843,"2,304":845,"2,305":846,"2,306":847,"2,307":848,"2,308":849,"2,309":850,"2,310":851,"2,311":852,"2,312":853,"2,313":854,"2,314":855,"2,315":856,"2,316":857,"2,317":858,"2,318":859,"2,319":860,"2,320":861,"2,321":862,"2,322":863,"2,323":864,"2,324":865,"2,325":866,"2,326":867,"2,327":868,"2,328":869,"2,329":870,"2,330":871,"2,331":872,"2,332":873,"2,333":874,"2,334":875,"2,335":876,"2,336":877,"2,337":878,"2,338":879,"2,339":880,"2,340":881,"2,341":882,"2,342":884,"2,343":885,"2,344":886,"2,345":887,"2,346":889,"2,347":891,"2,348":892,"2,349":894,"2,350":895,"2,351":896,"2,352":897,"2,353":898,"2,354":899,"2,355":900,"2,356":901,"2,357":902,"2,358":903,"2,359":904,"2,360":905,"2,361":906,"2,362":907,"2,363":908,"2,364":909,"2,365":910,"2,366":911,"2,367":912,"2,368":913,"2,369":914,"2,370":915,"2,371":916,"2,372":917,"2,373":918,"2,374":920,"2,375":921,"2,376":922,"2,377":923,"2,378":924,"2,379":925,"2,380":926,"2,381":927,"2,382":928,"2,383":929,"2,384":930,"2,385":931,"2,386":932,"2,387":933,"2,388":934,"2,389":935,"2,390":936,"2,391":937,"2,392":938,"2,393":939,"2,394":940,"2,395":941,"2,396":942,"2,397":943,"2,398":944,"2,399":945,"2,400":946,"2,401":947,"2,402":948,"2,403":949,"2,404":950,"2,405":951,"2,406":952,"2,407":953,"2,408":954,"2,409":955},"ٜ":{"1":[17,489],"2":[3,409]},"ٝ":["1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,60","1,61","1,62","1,62","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,171","1,172","1,173","1,174","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,208","1,209","1,210","1,210","1,211","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,222","1,223","1,224","1,225","1,225","1,226","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,249","1,250","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,266","1,267","1,267","1,268","1,269","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,423","1,424","1,425","1,426","1,426","1,427","1,428","1,428","1,429","1,430","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,472","1,473","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","2,3","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,112","2,113","2,114","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,130","2,131","2,132","2,133","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,171","2,172","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,208","2,209","2,210","2,211","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,227","2,228","2,229","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,345","2,346","2,346","2,347","2,348","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409"],"ٞ":{"1":[1,2],"4":[3],"19":[4],"34":[5,6],"39":[7],"47":[8],"50":[9],"51":[10],"84":[11],"91":[12],"106":[13],"130":[14,15],"146":[16,17],"159":[18],"164":[19],"168":[20],"176":[21],"178":[22],"183":[23],"194":[24],"202":[25],"207":[26],"210":[27],"212":[28],"224":[29],"228":[30],"230":[31],"240":[32,33],"254":[34],"256":[35],"264":[36,37],"271":[38],"273":[39],"275":[40],"278":[41],"285":[42],"290":[43],"295":[44],"305":[45],"306":[46],"333":[47,48],"335":[49],"370":[50],"386":[51],"404":[52],"411":[53],"419":[54],"432":[55,56],"439":[57],"443":[58],"446":[59],"449":[60],"456":[61],"469":[62],"470":[63],"482":[64,65],"494":[66],"496":[67],"503":[68,69],"508":[70],"511":[71,72],"512":[73],"515":[74,75,76,77],"516":[78,79],"525":[80],"529":[81],"535":[82],"542":[83,84],"548":[85],"549":[86],"550":[87,88],"555":[89],"561":[90],"575":[91],"580":[92],"583":[93],"585":[94,95],"624":[96],"631":[97],"634":[98],"646":[99],"651":[100],"655":[101],"657":[102],"663":[103],"669":[104],"676":[105],"681":[106],"690":[107],"698":[108],"700":[109],"706":[110],"727":[111],"728":[112],"735":[113],"740":[114],"744":[115],"751":[116],"753":[117],"762":[118],"765":[119],"771":[120],"777":[121],"786":[122],"793":[123],"797":[124],"806":[125],"810":[126,127],"813":[128],"814":[129],"826":[130],"829":[131],"832":[132],"842":[133,134],"844":[135],"867":[136],"878":[137],"881":[138,139],"883":[140],"888":[141],"890":[142],"893":[143],"898":[144],"913":[145],"919":[146]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المجلد الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة المؤلف</span>\n...\nقال الشيخ.\nبسم الله الرحمن الرحيم١.\nوهو حسبي وكفى رب يسر ولا تعسر.\nالحمد لولي الحمد ومستحقه وصلواته على خيرته من خليقته محمد وآله.\nأما بعد٢ فإني رأيت الفقه أصل العلوم وأشرفها قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] أمر الله تعالى بالتفقه في الدين وجعله فرضا على فرق الناس قاطبة ليقوم طائفة من كل فرقة به وينتصبوا في قومهم منصب الانبياء في اممهم منذرين ومحذرين دعاة إلى الله تعالى قائمين بدينه ياتين سبيله موضحين للخلق نهجه فصار الفقهاء خلفاء الرسل انذارا وتحذيرا وارثى علومهم قياما به وحملا سالكى طريقتهم بثا ونشرا وهذه مرتبة لا توجد لفرقة من الفرق وناهيك بها من مرتبة ولأن علم الفقه علم على منهج الازدياد لأنه العلم بأحكام الحوادث ولا حصر ولا حد للحوادث ولا حصر ولا حد للعلم بأحكامها ومواجبها وعلم الأصول في الديانات وأن كان علما شريفا في نفسه وهو أصل الأصول وقاعدة كل العلوم ولكنه علم محصور مبناه لأنه معارف محصورة أمر الله ﵎ بها لا مزيد فيها ولا نقصان منها وأما علم الفقه فعلم.\n_________\n١ الباء فيه قيل: إنها زائدة فلا تحتاج إلى ما تتعلق به أو للاستعانة أو للمصاحبة متعلقة بمحذوف اسم فاعل خبر مبتدأ محذوف أو فعل أي: أؤلف أو أبدأ أو حال من فاعل الفعل المحذوف أي أبتدئ متبركا ومستعينا بالله أو مصدر مبتدأ خبره محذوف أي ابتدئى باسم الله ثابت والله علم ذات الواجب والمستحق لجميع المحامد وأكثر أهل العلم على أنه اسم الله الأعظم.\nوالرحمن الرحيم: اسمان بنيا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة اللازم أو بجعله لازما ونقله إلى فعل بالضم.\nانظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤/٢٩٢ - ٣٤٤ كشاف القناع للشيخ البهوتي ١/١٠، ١١ قيد الطبع بتحقيقنا.\n٢ تسمى فصل الخطاب انظر السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف ص ٦٢.","vol":"1","page":17},{"text":"مستمر على ممر الدهور وعلى تقلب الاحوال والاطوار بالخلق لا انقضاء وانقطاع له وقد جعل الله تعالى اجتهاد الفقهاء في الحوادث في مدرج الوحى في زمان الرسل صلوات الله عليهم فقد كان الوحى هو المطلوب فى زمان الرسل ﵈ كشان أحكام الحوادث وحمل للخلق عليها فحين انقطع الوحى وانقضى زمانه وضع الله ﵎ الاجتهاد من الفقهاء فى موضع الوحى ليصدر منه بيان أحكام الله تعالى ويحمل الخلق عليها قبولا وعملا ولا مزيد على هذه المنقبة لا متجاوز عن هذه المرتبة:\nشاء وزاد الله جنته سؤددا ... وذلك مجد يملأ الحجر واليدا\nنعم وما يشبه الفقيه إلا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر في بحر فطنته استخرج درا وغيره يستخرج بالخراز وطالب الزيادة في منهج الزيادة معان منصور مطالب الزيادة على مالايزيد عليه مبعد مخذول والله تعالى يفتح عين بصيرة من احب عباده بطوله وفضله ويعمى عين من يشاء بقهره وعدله وقد سبقت منى مصنفات في مسائل الخلاف التي هي بيننا وبين اصحاب الراي نبهت فيها على معاني الفقه واستخرجت لطالبيها قلائد١ وقرائد٢ طالما كانوا في طلبها فاعتاصت عليهم إلى أن يسر الله ذلك وتمهدت له قواعدها وطابت لهم مشارعها ونسقت معاني الفقه نسوقا وتعرقت عروقا اظن أن لامزيد عليها ولامحيد للمحققين عنها وقد كان جماعة من اصحابي احسن الله تعالى لهم التولي والحياطة يطلبون مجموعا في أصول الفقه يستحكم لهم بها معانيه ويقوى افرعها ويجتمع اشدها وينسق فروعها ويرسخ أصولها فإن من لم يعرف أصول معاني الفقه لم ينج من مواقع التقليد وعد من جملة العوام وما زلت طول ايامي اطالع تصانيف الاصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة لم يداخل حقيقة الأصول على مايوافق معاني الفقه وقد رايت بعضهم قد اوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل٣ وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا.\n_________\n١ ما يوضع في اليد.\n٢ ما يوضع في العنق.\n٣ جميع مسألة وهي لغة السؤال.\nوعرفا مطلوب خيري يبرهن عليه في العلم انظر السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف ص ٦٢.","vol":"1","page":18},{"text":"قبيل لهم فيه ولا وفير ولا نقير ولا قطمير ومن تشبع بما لم يعطه فقد لبس ثوبى زور وعادة السوء قطاع لطريق الحق وصم عن سبيل الرشد واصابة الصواب فاستخرت الله تعالى عند ذلك وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه اسلك فيه طريقة الفقهاء من غير زيغ عنه ولا حيد ولاميل ولا أرضى بظاهر من الكلام ومتكلف من العبارة معول على السامعين ويسبى قلوب الأعتام الجاهلين لكن اقصد لباب اللب وصفو الفطنة وزيدة الفهم وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة وأذكر من شبه المخالفين بما عولوا عليها وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة بالايراد وأتكلم بما تزاح معه الشبهة وينحل معه الاشكال بعون الله تعالى وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع لتكون عونا للناظر وحين أصل إلى باب القياس وما يتشعب منه من وجوه الكلام ومأخذ الحجة وطريقة الأسئلة والأجوبة ووجوه الأعتراض والأخذ الخصوم وتوقيف المجادلين على سواء الصراط وطلب ملازمة حدود النظر وسلوك الجدد وترك الحيد ومجانبة الزيغ والأخذ والمبين المحكم من مخاييل الظنيات وما تعلق به الاصحاب بمحض الاشتباه في كثير من المسائل ووجه صحة ذلك وفساده فسأشرح عند ذلك وأبسط زيادة بسط وشرح على حسب ما يسمح به الخاطر ويجود به الوقت والله المعين على ذلك والميسر له بمنه.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>القول في مقدمات أصول الفقه</span>.\nاعلم أن أول ما نبدأ في هذا الفصل هو معرفة الفقه وأصوله ثم نبنى عليه ما يتشعب منه فنقول.\nالفقه في اللغة من قولهم فقهت الشيء إذا ادركته وادراكك علم الشيء فقه١.\nقال أبو الحسن بن فارس وقيل هو في اللغة المعرفة بقصد المتكلم يقول القائل فقهت كلامك أي عرفت قصدك به٢.\nوأما في عرف الفقهاء فهو العلم بأحكام الشريعة.\nوقيل جملة من العلوم بأحكام شرعية.\nفإن قال قائل أن في الفقه ظنيات كثيرة فكيف يسمى علما قلنا ما كان فيه من الظنيات فهى مستندة إلى العلميات ولأن الظن منى يسمى علما لأنه يؤدي إليه قال الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أي يعلمون.\nوقيل أن الفقه هو أستنباط حكم المشكل من الواضح يقال فلان يتفقه إذا أستنبط علم الأحكام وتتبعها من طريق الأستدلال قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ.\n_________\n١ قال الفيروزآبادي الفقه: بالكسر العلم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم من جهة لشرفه انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ٤/٢٨٩.\nقال الشيخ الآمدي الأشبه أن الفهم مغاير للعلم إذ الفهم عبارة عن جودة الذهن من جهة تهيئة لاقتناص كل ما يريد عليه من المطالب وإن لم يكن المتصف به عالما كالعامي الفطن انظر أحكام الأحكام للآمدي ١/٧.\n٢ وهذاقاله فخر الدين الرازي في المحصول والمنتخب انظر المحصول لفخر الدين الرازي ١/٩.\nوقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع هو فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا.\nوقال الآمدي هو الفهم انظر أحكام الأحكام ١/٧ قال الشيخ الأسنوي عن قول الآمدي وهو الصواب فقد قال الجوهري الفقه الفهم تقول فقهت كلامك بكسر القاف أفقهه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم قال الله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وقال تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ انظر نهاية السول للأسنوي ١/٨.","vol":"1","page":20},{"text":"طَائِفَةٌ﴾ الآية والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على الشيء بغيره حديث زياد بن لبيد قال ذكر رسول الله ﷺ شيئا وقال ذلك أوان ذهاب العلم قلت: كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا نقرأه ونقرأه ابنائنا فقال: \"ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأراك من فقهاء المدينة أو من افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والأنجيل ولا يعلمون بشىء مما فيهما\" ١ فدل قوله: \"أن كنت اعدك من فقهاء المدينة\" على أنه لما لم يستنبط علم ما اشكل عليه من ذهاب العلم مع بقاء الكتاب بما شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة والأنجيل عندهم حرج عن الفقه فهذا يدل على ماذكرناه من أن الفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح وعلى هذا قوله ﷺ: \"رب حامل فقه غير فقيه\" ٢ أي غير مستنبط ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له أستدلال ولا أستنباط فيها.\n\"وأما أصول الفقه\" فهي من حيث اللغة ما يتفرع عليه الفقه٣ وعند الفقهاء هي طريق الفقه التي يؤدى الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية٤ وهي تنقسم إلى قسمين إلى دلالة وإمارة فالدلالة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى العلم٥ والإمارة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى غالب الظن٦ ويقال في حد إلا صل ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره.\nوقيل الأصل مايقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه والعبارتان مدخولتان لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال مثل.\n_________\n١ أخرجه الترمذي في العلم ٥/٣١ - ٣٢ الحديث ٢٦٥٣ وابن ماجه في الفتن ٢/١٣٤٤ الحديث ٤٠٤٨ والإمام أحمد في مسنده ٦/٣٠ الحديث ٢٤٠٤٥.\n٢ أخرجه أبو داود في العلم ٣/٣٢٢ الحديث ٣٦٦ والترمذي في العلم ٥/٣٣، ٣٤ الحديث ٢٦٥٦ وابن مادجه في المقدمة ١/٨٥ الحديث ٢٣١ والدارمي في المقدمة ١/٨٦ الحديث ٢٢٨ والإمام أحمد في مسنده ١/٤٣٧ ٥/١٨٣.\n٣ تقدم الكلام على هذا في أول الكتاب.\n٤ تقدم الكلام عنه أيضا في أول الكتاب.\n٥ أو يتوصل به إلى معرفة المدلول انظر الكفاية في الجدل لإمام الحرمين ص ٤٦ تحقيق دكتور فوقية حسين محمود.\n٦ كالغيم بالنسبة إلى المطر فإنه يلزم من العلم به الظن بوجودالمطر والفرق بين الأمارة والعلامة أن العلامة ما لا ينفك عن الشيء كوجود الألف واللام على الاسم والأمارة تنفك عن الشيء كالغيم بالنسبة للمطر التعريفات للجرجاني ص ٢٩، ٣٠.","vol":"1","page":21},{"text":"ماورد به الشرع من دية الجنين والقسامة وتحمل العقل فهذه أصول ليست لها فروع فالأولى أن يقال أن الأصل كل ما يثبت دليلا في ايجاد حكم من أحكام الدين وإذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا أو لم بجلبه ثم اختلفوا في عدد الأصول قال عامة الفقهاء الأصول أربعة الكتاب والسنة واجماع الأمة والعبرة واختصر بعضهم فقال دلائل الشرع قسمان أصل ومعقول الأصل فالأصل الكتاب والسنة والأجماع ومعقول الأصل هو القياس وأشار الشافعي ﵀ أن جماع الأصول نص ومعنى فالكتاب والسنة والأجماع داخل تحت النص والمعنى هو القياس وقد ضم بعضهم العقل إلى هذه الأصول وجعله قسما خامسا.\nوقال أبو العباس بن القاص الأصول سبعة الحس والعقل والكتاب والسنة والأجماع والعبرة واللغة والصحيح أن الأصول أربعة على ما قدمنا وأما العقل فليس بدليل يوجب شيئا وإنما يكون به درك الأمور فحسب أو هو آلة المعارف وأما الحس فلا يكون دليلا بحال والأمر فيه بين لأن الحس يقع فيه درك الأشياء الحاضرة فهي مالم يوجد كونا ولم يشاهد عينا فلا يكون للحس فيها تأثير وأما اللغة فهي مدرجة اللسان وفطنة لمعاني الكلام وأكثر ما فيها أنها عبارة عن الشيء باسمه تمييزا له عن غيره بوضعه ولاحظ لأمثال هذا في ايجاب شيء واثبات حكم وإذا عرفنا الفقه وأصوله فلا بد من معرفة العلم لأنا بينا أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فنقول العلم على ضربين ضروري ومكتسب ونعنى به العلم الذي هو يحدث فأما العلم القديم الذي هو للباري عز اسمه فلا نوصفه بواحد منهما فأما علم الاضرار فضربان:\nأحدهما: ما كان مبدئا في النفوس كالعلم بأن المسمى لا يخلو من وجود أو عدم وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم وأن من المستحيل اجتماع الضدين وكون الجسم في محلين وزيادة الواحد على الأثنين وعلى هذا علم الأنسان بأحوال من نفسه من صحة وسقم وقوة وضعف وشجاعة وجبن ونفور وميل وغير ذلك وهذا النوع من العلم يدرك ببديهة العقل من غير أن يقوم له سبب.\nوالضرب الثاني: ما كان واقعا عن درك الحواس كالاشخاص المدركة بالبعد والاصوات المدركة بالسمع والطعوم المدركة بالذوق والروائح المدركة بالشم والاجسام المدركة باللمس ويدخل في هذا الضرب العلم بالبلدان التي لم يحضرها والوقائع التي لم يشهدها وكذلك العلم بورود الرسل صلوات الله عليهم ودعائهم إلى الله ﷿.","vol":"1","page":22},{"text":"وتكذيبهم وتصديقهم وأمثال هذا تكثر وضربى هذا العلم مدرك بغير نظر ولا استدلال وحده ما لا يمكن للعالم به نفيه عن نفسه بشك أو شبهة وأما العلم المكتسب فهو الواقع عن نظر واستدلال وهو على ضربين مسموع ومعقول فالمسموع ما أخذ عن توقيف صار به أصلا والمعقول ما أخذ عن اجتهاد صار به فرعا واختلفوا في حد العلم فقال بعضهم تبين المعلوم أو معرفة المعلوم أو درك المعلوم على ما هو به والأحسن هو اللفظ الأخير والذي قاله بعضهم أنه اثبات الشيء على ما هو به فاسد لأن المعدوم معلوم وهذا الحد يقتضى أن يكون شيئا وهو ليس بشيء عند أهل السنة والذي قاله بعضهم أنه اعتقاد الشيء على ما هو عليه باطل لأن الله تعالى مما لم يعلم على مانطق به الكتاب والسنة ولا نطلق عليه الاعتقاد بحال بل هو من صفات المخلوقين وإذا لم يكن الحد جامعا لم يكن صحيحا وهذا الحد حد المعتزلة وهم ضلال في كل ما ينفردون به وأما من حيث اللغة قال ابن فارس هو من قوله علمت الشيء وعلمت به وهو عرفانه على ما هو به يقال علمته علما قال وقد يكون اشتقاقه من العلم والعلامة وذلك لأن العلامة أمارة مما يميز بها الشيء عن غيره وكذلك العلم يميز به صاحبه عن غيره وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] أي نزول عيسى بن مريم به يعرف قرب الساعة وقراءة قوم: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي أمارة ودلالة.\n\"وأما الجهل\" فهو اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به ولابأس بلفظ الاعتقاد في حد الجهل بخلاف العلم على ما سبق.\n\"وأما الشك\" فهو الوقوف بين منزلتي الجهل والعلم وقيل تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر فإذا ظهرت المزية لأحدهما على الآخر فهو ظن ويقال غلبه احد طرفي التجويز فإذا قوى سمى غالب الظن وقد ورد الظن بمعنى اليقين وقد ورد بمعنى الشك بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أي يشكون فاليقين منه ما كان له سبب دل عليه والشك منه ماخطر بالقلب من غير سبب يدل عليه.\nفإن قال قائل إنكم قلتم أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فما أحكام الشريعة قلنا هي المنقسمة إلى كون الفعل واجبا ومندوبا إليه ومباحا ومحظورا ومكروها وليست الأحكام هي الأفعال بل هي مضافة إلى الأفعال يقال أحكام الأفعال والشيء لا يضاف إلى نفسه فالواجب مايثاب على فعله ويعاقب على تركه وهو في اللغة من.","vol":"1","page":23},{"text":"السقوط١ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي سقطت فكأنه الشيء الذي سقط على المخاطب به فلزمه وأثقله كما يسقط عليه الشيء فلا يمكن دفعه عن نفسه والفرض مثل الواجب يقال فرضت عليك كذا أي اوجبته قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي أوجب على نفسه ومنه قيل لسهام الميراث فريضة.\nوأما الندب: فهو ما فيه ثناء على فعله ولا يعاقب على تركه وأصله في اللغة هو المدعو له والمرغب فيه٢ يقال ندبته لكذا فانتدب له والنفل قريب من الندب إلا أنه دونه في المنزلة والنافلة من حيث اللغة الزيادة بعد الواجب وأصله من النفل وهو العطاء ومنه قول لبيد أن تقوى ربنا خير نفل.\nوالجائز: ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في في تركه وأصله من جزت المكان إذا عبرته كأنه الشيء إذا وقع جاز ومضى ولم يحبسه مانع.\nوالحلال: هو الموسع في إثباته.\nوأما المحظور: فهو ممنوع فعله وأصل الحظرا المنع ومنه الحظيرة التي تفعل للدواب لجمعها ومنعها من التفرق وكذلك الحرام هو الممنوع من إتيانه ومنه المحروم وهو الذي منع سعة الرزق ويقال الحرام والمحظور ما يعاقب على فعله.\nوالمكروه: ما تركه اولى من فعله.\nوالصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويتحصل به المقصود.\nوالفاسد: مالا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود.\nوالصواب: [ما] ٣ أصيب به المقصود بحكم الشرع.\nوالخطا: نقيض الصواب في اللغة معناه مخالفة القصد والعدول عنه إلى غيره.\nوالحق يستعمل على وجهين أحدهما بمعنى الصواب يقال حق عليك أن تفعل كذا أي واجب والطاعة٤ مأخوذة من الطوع والأنقياد ومعناها تلقى الأمر بالقبول والمعصية ضد الطاعة.\n_________\n١ انظر القاموس المحيط ١/١٣٦.\n٢ قال الشيخ الفيروزآبادي ندبه إلى الأمر كنصره دعاه وحثه انظر القاموس المحيط ١/١٣١.\n٣ سقط من الأصل.\n٤ هذا هو المعنى الثاني للحق.","vol":"1","page":24},{"text":"والحسن: كل فعل إذا فعله الفاعل لا يستحق الفاعل له ذما.\nوالقبح: كل فعل إذا فعله الفاعل استحق بفعله الذم.\nواذا عرضنا انقسام أحكام الشرع فنقول العلم بأحكام الشريعة ضربان:\nأحدهما: ما وجب فرض العلم به على الأعيان وهو ما لا يخلو مكلف من التزامه والعمل به من أفعال وتروك كالصوم والصلاة ووجوب الزكاة والحج لمن يجد المال وتحريم الزنا واباحة النكاح وتحريم الربا واباحة البيع وتحريم الخمر والقتل والسرقة وكذلك كل ما يكثر مواقعته من المحظورات ويجب على كل مكلف أن يعلم وجوبها عليه لاستدامة التزامها واختلفوا في عمله بوجوبها هل يجب أن يكون عن علمه بأصولها ودلائلها فذهب بعضهم إلى وجوب علمها بأصولها ودلائلها فيكون فرض العلم بأصولها على الأعيان كما كان فرض أحكامها على الأعيان وذهب بعضهم إلى أن فرض العلم بأصولها ساقط عنهم لأن الواجب عليهم العمل وأما العلم بالدلائل فيختص بها العلماء وهذا الوجه اوسع وأسهل وهو الأولى.\nوالضرب الثاني ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو ما عدا النوعين من الأحكام التي تجوز أن يخلوالمكللف من التزامها ومعنى الفرض على الكفاية أنه يجب أن ينتدب لعلمه قوم في كل عصر فيرجع من يلزمه في حكمه إلى من يعلمه وإنما لم يجب على الأعيان لأن العلم بها لا يكون إلا مع الانقطاع إليها فإذا أوجبنا على كل ذلك اختل أمر المصالح التي هي مصالح الدنيا لأنهم إذا انقطعوا إلى العلم لم يتفرغوا للقيام بمصالح الدنيا فكان الواجب على الكفاية ليقوم به قوم والباقون يقومون بمصالح الدنيا فتنتظم على هذا الوجه مصالح الدين والدنيا جميعا ويجب أن يجتمع العلم بالأصول والأحكام في كل واحد من أهل الكفاية ولا يختص بكفاية العلم بالأحكام فريق وبكفاية العلم بالأصول فريق فإن تفرد بعلم الأحكام فريق وبعلم الأصول فريق لم تسقط بواحد منهما فرض الكفاية في الأحكام والأصول لأن الأحكام فروع الأصول والأصول موضوعة للفروع فلم يجز انفراد أحدهما عن الآخر.\nوذهب من قال أن العالم يجوز له تقليد العالم إلى أنه لا يلزم الجمع بينهما ووأنه إذا انفرد بكل واحد من الأمرين جعل كاجتماعهما في الواحد وسقط بذلك فرض الكفاية واختلفوا بعد هذا في كيفية الوجوب في الواجب على الكفاية فذهبت طائفة من الفقهاء والأشعرية من المتكلمين إلى أنه واجب على كل واحد من أهل الفريضة بعينه.","vol":"1","page":25},{"text":"بشرط أن لم يقم به غيره١.\nوذهب طائفة من الفقهاء والمعتزلة من المتكلمين إلى أنه غير واجب على احد بعينه إلا بشرط أن لا يقوم به غيره٢ فيكون على الوجه الأول فرضا إلا أن يقوم به الغير.\n_________\n١ هذا هو مذهب جمهور الأصوليين ففعل البعض مسقطا للطلب الموجه إليهم كما هو مسقط للطلب الموجه إلى غيرهم فمن ظن أو علم أن غيره قد فعل الواجب سقط عنه الطلب.\nواستدلوا على ذلك:\nأولا: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ فالله تعالى أمر بقتال الكافرين المعتدين ووجه الخطاب إلى جميع المكلفين القادرين على القتال فإن واو الجمع من صيغ العموم والعام يتوجه فيه الخطاب إلى كل فرد من أفراده ولا شك أن قتال الكافرين المعتدين من فروض الكفاية فإذا قال به البعض سقط عن الباقين فيكون الخطاب موجها إلى الجميع لا إلى بعض غير معين.\nوثانيا: بأن ترك الواجب الكفائي من الجميع موجب لتأثيم الجميع اتفاقا وتأثيم الجميع موجب لتكليف الجميع لأنه لا يؤاخذ الشخص على شيء لم يكلف به فيكون الخطاب موجها إلى الكل انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٩٥، ١٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١١٦.\n٢ واستدلوا لذلك: أولا بأنه لو تعلق الخطاب بالكل لما سقط بفعل البعض لأن شأن الخطاب المتعلق بكل فرد أنه لا يسقط إلا بفعل من تعلق به الخطاب لكن سقوط الخطاب عن الكل بفعل البعض متفق عليه فدل ذلك على أن الخطاب متعلق بالعبض وهو ما ندعيه والجواب: بأن الخطاب لم يقصد بالفعل ذات الفاعل وإنما قصد تحقيق الفعل لحصول المصلحة المترتبة عليه من غير نظر إلى الفاعل.\nواستدلوا ثانيا: بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ووجه الاستدلال أن طلب العلم الزائد عما يحتاج إليه كل واحد في عمله الواجب عليه عينا من فروض الكفاية وتوجيه الخطاب هنا لبعض غير معين من المسلمين ولولا الداخلة على الفعل الماضي تفيد اللوم والتنديم من شأنهما أن يكونا عن ترك واجب فأفاد ذلك أن هذه الطائفة قد تركت واجبا عليها وهوطلب العلم فيكون الوجوب متعلقا بها فقط فالخطاب حينئذ وهو الكفائي يكون موجها إلى بعض غير معين وهوالمطلوب.\nوالجواب: بالتعارض مع الأدلة في الكتاب على توجيه الخطاب إلى الكل والمصير إلى التأويل منعا للتعارض وهوحمل الآية على سقوط الفعل الواجب على جميع المسلمين بفعل هذه الطائفة لأن فعلها لها كاف في سقوط الطلب عن الكل فصح أن يوجه إليها اللوم عند تركها وهذا لأنه أمكن الجمع بين الآيات انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٩٧ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١٧ - ١١٨.","vol":"1","page":26},{"text":"فيسقط وعلى القول الثاني غير فرض إلا أن لا يقوم به الغير فيجب.\nوذهب بعضهم إلى أنه أن غلب على ظنه أن يقوم به غيره لا يجب عليه وأن غلب على ظنه أنه لا يقوم به احد وجب عليه وهذا وجه حسن والخلاف الأول محض صورة لاظهور فائدة فلا أرى له معنى١ واذ قد ذكرنا معنى العلم فلا بد أن نذكر معنى العقل وما قيل في حقيقته.\nوقد قيل أنه أصل لكل علم وكان بعض أهل العلم يسميه أم العلم وقد اكثر الناس الخلاف فيه قبل الشرع وبعده ومن كثرة اختلاف الناس فيه قال بعضهم.\nسل الناس أن كانوا لديك افاضلا ... عن العقل وانظر هل جوات٢ محصل\nوقد جعله المتقدمون جوهرة وقالوا: أنه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات قالوا: وهذا فاسد لانه لو كان جوهر لصح قيامه بذاته فجاز أن يكون عقل بلا عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فحين لم يتصور ذلك دل أنه ليس بجوهر وأما عند كافة المسلمين فهو نوعا من العلم يدخل في جملة اقسامه واختلفوا في حقيقته على أقاويل شتى وقد روى عن الشافعي ﵀ أنه قال آلة التمييز.\nوقال بعضهم العقل بصر القلب وهو بمنزلة البصر من العين ندرك به المعلومات كادراك البصر المشاهدات قاله أبو الحسن عن ابن حمزة الطبري.\nوقال بعضهم هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات وقال بعضهم معنى العقل هو العلم لا فرق بينهما لانه لا فرق عند أهل اللغة وأرباب اللسان بين قولهم علمت وعقلت فيستعملون العلم والعقل على حد ولاحد في معنى واحد ويقولون هذا أمر.\n_________\n١ بل قال الشيخ أبو النور زهير: تظهر ثمرة الخلاف فيمن علم بوجود ميت مثلا وشك هل قام غيره بما يلزمه له من تغسيل وتكفين أو لم يقم بذلك فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر ولا يسقط عند الطلب بهذا الشك لأن الطلب متعلق به على سبيل التحقيق والوجوب المحقق لا يسقط بالشك أما على المذهب الثاني فإنه لا يجب عليه السعي لأن الخطاب لم يتوجه إليه والأصل عدم تعلقه به انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١١٥، ١١٦.\nقلت أي لا يرفع يقين بظن ضده والأصل على الثاني عدم تعلق الخطاب به والشك لا يرفع اليقين.\n٢ قال الفيروزآبادي جوت مثلثة الآخر مبنية دعاء الإبل إلى الماء وقد جاوتها وجايتها أو زجرلها والاسم الجوات انظر القاموس المحيط ١/١٤٥.","vol":"1","page":27},{"text":"معلوم ومعقول ويقولون اعلم ما تقول واعقل ماتقول وفي استعمال العلماء يقع على اسمه قدر من العلم يميز من قام به بين خير الخيرين وشر الشرين ويصح منه بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب ويخرج به عن حد المجانين والمعتوهين ويصح معه التكليف والخطاب.\nويمكن أن يقال أنه قوة ضرورية للوجود بها يصح درك الأشياء ويتوجه تكليف الشرع وهو ما يعرفه كل انسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره لأن الاستدلال يفتقر إلى علم ينتظر فيه وأصل يعتمد عليه ولو كان غيره دليلا عليه لكان مكتسبا لا ضروريا ثم أن العقل تختلف مراتبه.\nفأولها: إدراك مايدرك بديهة وعلم ما يعلم بأول الراي وأعلاها ادراك الغائبات بالوسائط واسم العقل منتفى عن الله تعالى لأن علمه احاط بالأشياء لا عن جهة الاستدلال ولا بالترقى إلى معرفتها بالاجتهاد ولأن الأصل في اسامي الرب تعالى هو التوقيف ولا توقيف في وصف الله تعالى بالعقل فلا يوصف به واعلم أن محله القلب لأن محل سائر العلوم القلب فكذلك هذا ايضا ولأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [قّ: ٣٧] أي عقل دل أن محله القلب حيث عبر به عنه وقال بعض اصحاب ابي حنيفة أن محله الدماغ يقال فلان خفيف الدماغ أى ليس له عقل ولأنه إذا جن الدماغ ذهب العقل والأول اصح وقد قال جماعة أن العقل عقلان عقل غريزى وهو القوة المتهيئة لقبول العلم وهو من حيث القوة موجود في كل خليقة من الادميين وجوده في الطفل كوجود النخل في النواة والسمبل في الحبة.\nوالثاني: عقل مستفاد وهو الذي تتقوى به تلك القوة وقد يحصل باختيار من العبد ويحصل بغير اختيار منه قالوا: والعقل الغريزي بمنزلة البصر للجسد والمستفاد بمنزلة النور فكما أن المبصر لم يكن له نور من الجو لم يدرك بصره شيئا فكذلك العقل إذا لم يكن له نور من العلم المستفاد لم تعد بصيرة قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وما ذكرناه أولا من باب الفقهاء وطريقتهم هي الأولى وإذا عرفنا العلم واقسامه فنقول قد بينا أن الأصول أربعة الكتاب والسنة والاجماع والقياس وقال بعض اصحابنا ومعقول أصل واستصحاب الحال وقالوا: دخل في معقول الأصل دليل الخطاب وفحوى الخطاب ولحسن الخطاب وفى استصحاب الحال خلاف سنذكره.","vol":"1","page":28},{"text":"\"الكتاب\" فأما الكتاب فهو أم الدلائل وقيم البيان لجميع الأحكام قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [ابراهيم: ١] .\nقال الشافعي ﵀ ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا وفي كتاب الله تعالى الدليل على سبيل الهدى فيها.\nفإن قال قائل أن من الأحكام مايثبت لهذا بالسنة قلنا ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة لان كتاب الله تعالى أوجب علينا اتباع الرسول صلوات الله عليه وفرض علينا الأخذ بقوله وحذرنا مخالفته قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] .\nقال الشافعي فما قيل عن رسول الله ﷺ فعن الله قيل فإن قيل هيئات القبوض في البياعات وكيفية الاحراز في السرقة وغالب العقود في المعاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة.\nقلنا قد قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] والعرف ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة فصار العرف في صفة القبوض والإحراز والنفوذ معتبرا بالكتاب فعلى هذا نقول أن الكتاب أمثل الدلائل والسنة ماخوذة منه والقياس مأخوذ من الكتاب والسنة والاجماع ماخوذ من الكتاب والسنة والقياس.\nوكتاب الله تعالى هو المنقول إلينا بطريق التواتر على وجه يوجب العلم المقطوع الذي لا يخامره شك ولاشبهة وهو المثبت بين الدفتين فكل من عاين الرسول ﷺ حصل العلم بالسماع وهو أنه سمع رسول الله ﷺ أن هذا هو القران الذي انزله الله تعالى وهو كلامه ووحيه ومن لم يعاين الرسول حصل له العلم بالنقل المتواتر خلفا عن سلف وذلك العلم هو أنه ثبت عندنا أن محمدا ﷺ بما اقام به الدليل وثبت أنه كان يقول: أن الكتاب الذي جاء به هو هذا القران وانه كلام الله ﷿ ووحيه ولا نقول انا علمنا أنه كلام الله بالاعجاز لانه يجوز أن يعجز الله الخلق عن الاتيان بمثل١.\n_________\n١ قبيح انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ١/١٢٤.","vol":"1","page":29},{"text":"كلام لا يكون ذلك الكلام كلامه بل بالمعجزات عرفنا نبوة الرسول صلوات الله عليه ونقول عرفنا أن القرآن كلام الله ﷿ ونقول أن القران في نفسه معجز لا يجوز أن ياتي أحد بمثله في جزالته وفصاحته ونظمه وكذلك من حيث معانيه هو معجز الخلق عن الاتيان بمثله ومع تحدي الرسول صلوات الله عليه وسلم وطلبه اياهم أن ياتوا بمثله فعجزوا عنه ولا نقول كما قال بعض المبتدعة أن نفس القران ليس بمعجز فإن فصاحة بعض الفحول من شعراء الجاهلية لا تكون دون فصاحته وإنما الاعجاز في القران هو أن الله ﷿ منع الخلق عن الإتيان بمثله مع قدرتهم عليه وهذا قول باطل وزعم كاذب سمعت والدي ﵀ يقول: أن هذا قول اخترعه الجاحظ ولم يسبقه إليه احد وقال بعده فاياه اتبع وعلى منواله نسج وهو في نفسه مستسمج مستهجر بالتامل في نظم القران وجزالته وفصاحته وعرضه على كل نظم عرف من اساليب كلام العرب وكل كلام فصيح عرف من كلامهم ثم امتيازه عن الكل بروائه وبهائه وطلاوته وحلاوته واعرافه وابتنائه واعجازه ظاهر لكل ذي لب من الناس لولا خذلان يلحق بعض القوم ونسال الله العصمة بمنه ولا يحتمل هذا الموضوع بيان وجوه الاعجاز في القران وقد كفينا مؤنة ذلك بحمد الله بمنه واعنى بذلك جماعة من علماء أهل السنة والله تعالى يشكر سعيهم ويرحمهم وإيانا بمنه.\nوالمصحف الامام: هو هذا المصحف الذي بين المسلمين جمع في زمان ابي بكر الصديق ﵁ باجماع الصحابة واخرج في زمن عثمان ﵁ ونسخ منه المصاحف وفرقت في البلدان وعليه الاتفاق.\nوفي الباب خطب كبير واقتصرنا على هذا القدر وقد دل اتفاق المسلمين على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وعلى أن التسمية من فاتحة الكتاب وكذلك هي من القران في كل موضع اثبت في المصاحف وقد اتينا على هذا الدليل في الخلافيات.\n\" السنة \" وأما السنة: فهو الأصل الثاني وهو تلو الكتاب وهي عبارة عن كل ما شرعه الرسول ﷺ لهذه الأمة قولا وفعلا.\nقال أبو سليمان الخطابي هي الطريقة المسلوكة في الأمر المحمود وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن إذا امررته عليه حتى يؤثر فيه تسنينا أي طرائق فإذا اطلقت السنة اريد بها الطريقة المحمودة وإذا قيدت كانت في الخير والشر لقوله ﷺ: \" من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة","vol":"1","page":30},{"text":"فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة\" ١.\nويقال السنة عبارة عن السيرة قال الشاعر:\nفلا تجزعن من سنة انت سرتها ... فأول راضى بسنة من يسير بها\nمعناه من سيرة انت سرتها فسنة رسول الله ﷺ هي الطريقة التي سلكها رسول الله ﷺ ثم لها مراتب ونقل بعضها يوجب العمل ونقل بعضها يوجب العلم وسيرد ذلك في باب الاخبار بعون الله تعالى.\nوأما الملة: فهي عبارة عن شريعة الرسول ﷺ.\nوقيل هي عبارة عما يمله الملك على النبي ﷺ من علم الوحى.\n\"الاجماع\" وأما الأصل الثالث وهو الاجماع فهو حجة خلافا لبعض الناس وسنبين ذلك والاجماع في اللغة العزم على الأمر يقال اجمعت على الشيء وازمعت عليه بمعنى واحد ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أي اعرضوه فامضوه.\nوقد قيل في عبارة أن الفقه استفاضة القول وانتشاره في الجماعة الذي نسب الاجماع اليهم وفي مسائل الاجماع كلام كثير وسياتي بيانه أن شاء الله.\n\" القياس \" والأصل الرابع هو القياس وأصله في اللغه التقدير ولذلك يقال للميل الذي يسد به غور الجرح٢ مقياس ومسيار.\nقال الشماخ ودلج الليل مهاد قياس أي يصير بالطرق مقدر ليسير فيما يقضى بانتهائه إلى المقصد.\nويقال أنه حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لنوع من الشبه وسياتي الكلام فيه على الاشباع ونذكر معنى العله والسبب والشرط والعرف والفرق بين هذه الاشياء لغة وفي عرف الفقهاء وإذا عرفت هذه الأصول فلا بد من النظر في هذه الأصول لتعرف أحكام الشريعة.\n_________\n١ أخرجه مسلم في العلم ٤/٢٠٥٩ الحديث ١٥/١٠١٧ والترمذي في العلم ٥/٤٣ الحديث ٢٦٧٥ والنسائي في الزكاة ٥/٥٦، ٥٧ باب التحريض على الصدقة ٦٤ وابن ماجه في المقدمة ١/٧٤ الحديث ٢٠٣ والدارمي في المقدمة ١/١٤٠، ١٤١ الحديث ٥١٢ والإمام أحمد في مسنده ٤/٣٥٧،\n٢ ثبت في الأصل \"يسير به غوث الجرح\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"1","page":31},{"text":"\" النظر \" فالنظر هو الفكر في حال المنظور إليه والتوصل بأدلته إلى المطلوب١.\nيقال تناظر الرجلان إذا تقابلا بنظريهما ايهما المصيب وابهما المخطىء.\nوقيل هو تصفح الادلة لاستخراج الأحكام وللنظر شروط.\nأحدها أن يكون الناظر كامل الالة على ما نذكره في باب المعنى.\nالثاني أن يكون نظره في دليل لا في شبهة.\nوالثالث أن يستوفى شروط الدليل وترتيبه على حقيقته بتقديم ما يجب تقديمه وتأخير مايجب تأخيره.\nيجب أن يكون المطلوب هو علم الاكتساب لا علم الضرورة وفى الاجتهاد كلام كثير في بابه.\n\"الجدل\" والجدل قريب معناه من النظر إلا أن النظر يكون من الناظر وحده والجدل إنما يكون بمنازعة غيره وأصله من الجدل [وهو الفتل] ٢ كانه فتل صاحبه بالحجاج عن رايه ومذهبه إلى راى غيره٣.\nوقال بعضهم الجدل اكثره في الباطل والنظر في الحق.\n\" الدليل \" وأما الدليل هو المرشد إلى المطلوب وقالوا: ايضا هو الدال على الشيء والهادي يقال دل على كذا فهو دال ودليل كما يقال عالم وعليم وقادر وقدير٤.\nوالدلالة مصدر وقد يقال دليلي كذا أي دلالتي والمصدر يوضع موضع الأسماء٥.\n_________\n١ اعلم أن النظر مشترك بين معاني شتى ويقال للانتظار نظر وللرحمة والتعطف نظر وللعناية للغير فيما يحتاج إليه نظر وللمقابلة نظر ويقال للرؤية نظر وللفكر والتأمل نظر انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص ١٦،١٧.\n٢ كلمة غير مقروءة الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٣ قال إمام الحرمين فقيل يقع بين الخصمين جدال لأن كل واحد منهما يفتل صاحبه عما يعتقده إلى ما هو صائر انظر الكافية في الجدل ص ٢١.\n٤ قال إمام الحرمين الدليل فعيل من الدال العليم من العالم والقدير من القادر وهوالهادي أو تقول: هوالكاشف عن المدلول وهو الناصب للدلالة الفاعل لها فمن وجد منه نصب الدلالة يقال له دال.\nومن كثر منه نصب الدلالة وفعلها يقال له دليل انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص ٤٦.\n٥ قال إمام الحرمين الدلالة ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لم يعلم أو إلى معرفة..... المدلول انظر الكافية في الجدل ص ٤٦.","vol":"1","page":32},{"text":"وقد قال اكثر المتكلمين وبعض الفقهاء لا يستعمل الدليل إلا فيما يؤدى إلى العلم فاما فيما يؤدى إلى الظن فلا يقال دليل وإنما يقال له امارة عند عامة الفقهاء أنه لا فرق بينهما لأن العرب لا تفرق في تسمية الدليل من ما يؤدى إلى العلم ويؤدى إلى الظن وأما الدال في ذكرنا إنما الدليل واحد.\nوقيل هو الناصب للدليل وهو الله تعالى.\nوالمستدل: هو الطالب للدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل من المسئول ويقع على المسئول لانه يطلب الدليل من الأصول١.\nوالمستدل عليه: هو الحكم الذي يطلب من التحليل والتحريم٢.\nوالمستدل له: يقع على الحكم لانه يطلب له الدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل٣.\nوالاستدلال: طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل والمسئول جميعا٤.\nفان قال قائل قد ذكرتم الحد في هذه الاشياء فما معنى الحد الحد وحده قلنا هو اللفظ الوجيز المحيط بالمعنى٥.\nوقيل هو الجامع المانع٦.\nوقيل معناه أنه يجمع الشيء المقصود به ويمنع دخول غيره عليه٧.\nوقد قيل الحد هو النهاية التي إليها تمام المعنى وحدود الدار ماخوذة من هذا لانها نهايات الاملاك وكذلك حدود الله تعالى التي ضربها لفرائضه نهايات لها لئلا تتعدى.\n_________\n١ قال إمام الحرمين: المستدل هو الطالب للدلالة ويطلق على من ينصب الدلالة وعلى السائل عنها انظ الكافية في الجدل ص ٤٧.\n٢ قال إمام الحرمين: ويطلق على الخصم المقهور بالدلالة انظر لكافية في الجدل ص ٤٨.\n٣ قال إمام الحرمين: المستدل له هو الذي أقيمت له الدلالة وقد يكون هو الحكم المطلوب بالدلالة ويكون هو الطالب والسائل عنها انظر الكافية في الجدل ص ٤٧.\n٤ قال إمام الحرمين: وقد يكون ذلك بالنظر والرؤية وقد يكون بالسؤال عنها انظر الكافية في الجدل ص ٤٧.\n٥ انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص ٢.\n٦ انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص ٢.\n٧ واختار إمام الحرمين وقال لأن الحد يرجع إلى عين المحدود وصفته الذاتية في العقليات وفي كثير من الشرعيات انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص ٢.","vol":"1","page":33},{"text":"وأصل الحد المنع ومنه تسمى النوار حدادا ومنه سمى الحديد حديدا لانه يمنع لابسه ومنه قيل للمحروم محدود لانه منع سعة الرزق وسميت العقوبات حدودا لانها تمنع وتردع وحدود الدار على هذا القول هي الموانع من وقوع الاشتراك في خاص الاملاك ولم نشبع القول في الحدود لانها تاتي في مواضعها من ابواب الكتاب أن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>القول في اقسام الكلام ومعانى الحروف التي لابد من معرفتها في مسائل الفقه</span>.\nعلم أن جميع ما يتلفظ به في مسائل الفقه قسمان مستعمل ومهمل.\nوالمهمل كل كلام لا يوضع لفائدة.\nوالمستعمل كل كلام وضع لفائدة ثم الكلام من جهة اللفظ مقسوم على ثلاثة اقسام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.\nومن جهة المعنى إلى أربعة أقسام أمر ونهى وخبر واستخبار قالوا: فالاسم ما دل على معنى منفرد وذلك المعنى يكون شخصا ويكون غير شخص فالشخص نحو رجل وفرس وحجر وغير الشخص فنحو الضرب والاكل والليل والنهار ونحو باقي الاشياء وإنما قيل ما دل على معنى منفرد ليفرقوا بينه وبين الفعل إذا كان الفعل يدل على معنى وزمان كقولك ضرب وقام ويضرب ويقوم وما اشبه ذلك يدل على زمان أما في الماضي وأما في المستقبل.\nواما الحرف: اداة تفيد معنى في الكلام إذا ضم إليه قالوا: واقل ما يأتلف منه الكلام اسم واسم كقولك زيد قائم وكقولك الله الهنا أو اسم وفعل كقولك قام عمرو وضرب زيد ولا ياتلف الفعل ولا الحرف مع الحرف ولا الحرف مع الفعل ولا الحرف مع الاسم وياتلف الاسم والفعل والحرف [كقولك] ١ خرج عبد الله وهل ذهب زيد ونحو ذلك.\nثم الأسماء المعربة على أربعة أضرب:\nاسم الجنس الذي بقتضيه من جنس آخر كقولك الحيوان والانسان والدينار والدرهم والاكل والصوت وجميع ما اردت به العموم والالف واللام يدخلان في هذا النوع لعهد.\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل.","vol":"1","page":34},{"text":"الجنس لا التعريف.\nالضرب الثاني: اسم الواحد من الجنس نحو رجل وفرس وبعير وحمار ودينار ودرهم وسمى هذا النوع الأسماء الموضوعة وهي تفيد المعرفة بذات الشيء فقط.\nوالضرب الثالث: ما اشتق لوصف من الجنس نحو ضارب مشتق من الضرب وعالم مشتق من العلم وحسن مشتق من الحسن وهذه الأسماء تسمى الأسماء المشتقة وهي تفيد المعرفة بذات الشيء وصفته وتخبر عن حقيقته وماهيته وقال الحسن بن هانىء اجمع هذا الاسم بين الأمرين:\nأن اسم جنس لو جمعها صفة ... ولا أرى ذا لغيرها اجتمعا\nوهي إذا سميت فقد وصفت ... فيجمع اللفظ المعنيين معا\nوالضرب الرابع: مالقب به شيء بعينه ليعرف من غيره نحو زيد وعمرو وما اشبه ذلك وتسمى الأسماء الأعلام وأسماء الألقاب والأسماء المنقولة لأنها منقولة من أصولها إلى غيرها على جهة الاصطلاح وإنما تفيد التشهير وتمييز الشخص من غيره وليس بحثه إلا هذا.\nثم أن الأسماء الموضوعة تنقسم إلى خمسة أقسام:\nالأسماء المبهمة كقولك شيء وموجود وحيوان وسميت مبهمة لأنها لا تفيد المعرفة بعين من الأعيان خاص بل يستوى فيها ما تحتها من أنواع الاشياء والحيوانات والموجودات.\nوالقسم الثاني: في الأسماء المتضادة مثل القرء والجون١ فإن الطهر والحيض على تضادهما يتناولهما اسم القرء والبياض والسواد على تضادهما يتناولهما اسم الجون.\nوالقسم الثالث: الأسماء المترادفة كقولك ليث واسد وحجر وفهد وخمر وعقار وسائر ما تترادف عليه الأسماء المختلفة ذات العدد مع اتفاق المعنى.\nوالقسم الرابع الأسماء المشتركة مثل العين هي العين التي تبصر بها ولعين الماء ولعين الميزان وللمهر الكبير ومثل اللون ومثل العرض هو اسم للواحد من العروض لما هو خلاف الطول وعرض لسعة الشيء مثل قوله تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ\n_________\n١ قال الفيروزآبادي الجون النبات يهرب إلى السواد من خضرته والأحمر والأبيض والأسود والنهار القاموس المحيط ٤/٢١١.","vol":"1","page":35},{"text":"وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .\nوالقسم الخامس: الأسماء المختلفة وهي ما اختلفت اسمائها ومعانيها وهي اكثر الأسماء لانها موضوعة للدلالة على المسميات ومن شانها اختلافها في صورة بالفصل بينها وبين غيرها.\nكقولك حمار وفرس وجدار وبعير وغيرها من الأسماء هكذا اورده أبو سليمان الخطابي على ما نقلته وهو ثقة فيما ينقله.\nمعاني بعض الحروف١.\nونذكر الان معاني الحروف التي تقع إليها الحاجة للفقهاء ولا يكون بد من معرفتها وتشتد فيها المنازعة بين أهل العلم فمنها حروف من حروف العطف٢.\nأولها الواو وقد ادعى جماعة من اصحابنا انها للترتيب واضافوا القول به إلى الشافعي رحمة الله عليه وقد حكى هذا المذهب عن بعض نحاة الكوفيين٣.\nواما عامة أهل اللغة فعلى خلاف ذلك وإنما هي عندهم للجمع٤ واشتراك الثاني.\n_________\n١ قد جرت العادة بالبحث عن معانى بعض الحروف لاشتداد الحاجة إليها من جهة توقف شرط من مسائل الفقه عليها وكثيرا ما يسمى الجميع حروفا تغليبا أو تشبيها للظروف بالحروف في البناء وعدم الاستقلال والأول أوجه لما في الثاني من الجمع بينالحقيقة والمجاز أو إطلاق للحرف على مطلق الكلمة وتسميتها حروف المعانى بناء على أن وضعها لمعان تتميز بها عن حروف المباني التي بنيت الكلمة عليها وركبت منها فالهمزة المفتوحة إذا قصد بها الاستفهام أو النداء فهي من حروف المعاني وإلا فهي من حروف المباني شرح التلويح على التوضيح ١/٩٩ التوضيح على التنقيح ١/٣٤٩.\n٢ وهي عشرة: منها أربعة تشترك في جميع المعطوف عليه في حكم غير أنها تختلف في أمور أخرى وهذه هي الواو والفاء وثم وحتى الإحكام في أصول الأحكام ١/٨٨.\nحروف المعاني: أي الحروف التي لها معاني وإطلاق الحروف عليها بطريق التغليب لأن بعضها أسماء مثل إذا ومتى وغيرها شرح المنار ١/١٣١.\n٣ هكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان ١/١٨١ البيضاوي في نهاية السول ٢/١٨٥.\n٤ قال أبو علي الفارسي أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه: أنها للجمع المطلق وقال بعضهم: إنها للترتيب انظر المحصول ١/١٦.\nونقل الإجماع أيضا السيرافي والسهلي والفارسي ونوقش بأنه خالف ثعلب وقطرب وهشام وأبو جعفر الدنيوري وأبو عمرو الزاهد ويقول الإمام الغزالي في المستصفى ١/٢٣٠. ولعل الناقل أراد إجماع الأكثر.","vol":"1","page":36},{"text":"فيما دخل فيه الأول كقولك جاءني زيد وعمرو وليس فيهما دليل ايهما كان أولا قالوا: إنما يعرف وقوع الترتيب فيه بقرائن ودلائل.\nقال الماوردى أبو الحسن الواو لها ثلاث مواضع حقيقة ومجاز ومختلف في حقيقته ومجازه فالحقيقة أن يستعمل في العطف للجمع والاشتراك كقولك جائني زيد وعمرو والمجاز أن تستعمل بمعنى أو كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] والمختلف في حقيقته أن تستعمل في الترتيب لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فذهب جمهور أهل اللغة واكثر الفقهاء انها تكون أن استعملت في الترتيب مجازا.\nوذهب بعض اصحاب الشافعي إلى انها تكون حقيقة فيه فإذا استعملت في موضوع يحتمل الأمرين حملت على الترتيب دون الجمع لزيادة الفائدة١.\nوقال الفراء تحمل على الجمع إذا احتملت الأمرين وعلى الترتيب إذا لم تحتمل غيره٢.\nوقد رايت بعض اصحابنا ادعى على اصحاب ابى حنيفة انهم يدعون أن الواو.\n_________\n١ وذكر الإمام البيضاوي في هذه المسألة في الواو العاطفة ثلاثة مذاهب فيما تفيده واو العطف.\nأحدها: أنها للبرتيب: نسب إلى الشافعية والثاني أنها للمعية ونسب إلى الحنفية والثالث أنها لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبا ولا معية وهو المشهور عند الشافعية وهو المختار للإمام البيضاوي والآمدي انظر النهاية السول ٢/١٨٥ اصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٧٨ قال الآمدي أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الأدب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبا ولا معية ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا ونقل عن الفارء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وقيل: أنها ترد بمعنى أو كقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ قيل: أراد مثنى أو ثلاث أو رباع وقد ترد للاستئناف كالواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ تقديره والراسخون يقولون: آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه تقول: جاء البرد والطيالسة وقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم ثم ذكر أدلة المذاهب والرد عليها ورد على الاعتراض ثم قال: وبالجملة فالكلام في هذه المسالة متجاذب وإن كان الأرجح هو الأول أي للجوع المطلق في النفس انظر إحكام الأحكام للآمدي ١/٨٨ - ٨٩.\n٢ وهو منسوب إلى أبي يوسف ومحمد انظر التصريح على التوضيح ٩٩١٢.","vol":"1","page":37},{"text":"للجمع على سبيل الإقران١ وأخذ يرد عليه كما يرد على من زعم انها للترتيب والتوالى من اصحابنا وليس ما ادعاه مذهب احد من اصحاب ابي حنيفة وإنما يدعون أن الواو للجمع من غير تعرض لاقران أو ترتيب٢ فلا معنى للرد وأما دعوى الترتيب على الاطلاق فضعيفة جدا لان من قال رايت زيدا وعمرا وجاءني زيد وعمرو لا يفهم منه السامع ترتيبا بحال ويجوز أن يكون راى عمرا أولا ثم يقول: رايت زيدا وعمرا ويحسن منه ذلك ويقال ايضا رأيت زيدا وعمرا معا فلو كان للترتيب لكان هذا القول مناقضة.\nويدل عليه أن العرب استعملت الواو في باب الفاعل يقال تقابل زيد وعمرو ولو قال تقابل زيد ثم عمرو لم يكن صحيحا.\nوأما ما استدل به بعض اصحابنا من أن الواو للترتيب بمسالة الطلاق وهي أنه لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق فانه لا يقع إلا طلقة واحدة فليس هذا لانها للترتيب بل لان الطلاق الأول سبق وقوعه فيصادفها الثاني وهي بائنة فلا يقع وإنما سبق لانه تكلم به على وجه الايقاع من غير أن يربطه برابط أو يعلقه بشيء ما٣ وليس الواو بدليل على الاقران على ما سبق وإنما الموجود منه ثلاث ايقاعات متوالية من غير أن يكون للبعض تعلق بالبعض والواو حقها في هذا الموقع عطف الايقاع على الايقاع فصارت قضية الكلام الأول الموقوع وحين وجد من غير انتظار ولا مهلة وكما لو افرده بالذكر وإذا وقع فلا بد أن يكون الثاني والثالث قد صادفا المراة في حال الابانة فسارت الجملة في هذه المسالة أن دعوى كونها للترتيب خطا٤.\n_________\n١ أي الاجتماع في زمان انظر حاشية التصريح على التوضيح ٩٩١٢.\n٢ ونصب إلى الإمام الأعظم أنها للترتيب انظر حاشية التصريح على التوضيح ٢/٩٩.\n٣ أي أن قوله \"وطالق\" معطوف على الإنشاء فيكون إنشاء آخر والإنشاءات تقع معانيها مترتبة بترتيب ألفاظها لأن معانيها مقارنة لألفاظها فيكون قوله \"وطالق\" إنشاء لإيقاع طلقة أخرى في وقت لا يقبل الطلاق لأنها بانت بالأولى بخلاف قوله: \"طلقتين\" فإنه تفسير لطالق وليس بإنشاء انظر نهاية السول للأسنوي ٢/١٨٦ - ١٨٧.\n٤ واستدل ايضا من قال: إنها للترتيب بما روى مسلم أن خطيبا قام بين يدي النبي ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى فقال النبي ﷺ \"بئس الخطيب أنت قال ومن يعص الله ورسوله فقد غوى\" فلو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق.\nوالجواب أن الإنكار إنما هو لأن إفراد اسم الله تعالى بالذكر أشد تعظيما له يدل عليه أن.....=","vol":"1","page":38},{"text":"ونسبة ذلك للشافعي ﵀ على الاطلاق لا تصح وإنما نهاية مانقل عنه أنه قال في الوضوء حين ذكر الاية ثم قال ومن خالف ذلك من الترتيب الذي ذكره الله تعالى لم يجز وضوؤه١.\nوقد شنع عليه محمد بن داود وغيره في هذا اللفظ وقالوا: أنه خالف أهل اللغة اجمع وادعوا عليه الجهل بالنحو.\nووجه الجواب عن هذا أن الشافعي ﵀ ما تعلق في اثبات الترتيب بالواو فقط وإنما دليل الترتيب من النظر في معنى الاية على ما ذكرنا في الخلاف بينه أن الوضوء عبادة على البدن وردت بلفظ لا ينفى الترتيب وراينا أن العبادات البدنية اشتملت على افعال مختلفة مترتبة في جميع المواضع مثل الصلاة والحج وراينا ورود هذه العبادات بلفظ صالح لمعنى الترتيب وأن كان غير مقتضى له بكل حال ووجدنا الفوائد مطلوبة من الالفاظ والترتيب نوع فائدة فعند اجتماع هذه الأشياء يقال اثبات الواو ظاهرها للترتيب في هذا الموضع فحمل عليه والظاهر حجة فهذا وجه الكلام لنصرة ما قاله الشافعي ﵀ وقد اشار إليه أبو الحسن بن فارس.\nوأما الفاء فمقتضاها التعطيف والترتيب من غير تراخ كقولك ضربت زيدا فعمرا ففيه أن عمرا مضروب عقيب زيد بلا تراخى ولهذا دخل في الجزاء المعلق على الشرط لان من حكم الجزاء تعلقه بالشرط من غير فصل٢.\n_________\n= الترتيب في معصية الله ورسوله لا يتصور لكونهما متلازمين فاستعمال الواو هنا مع انتفاء الترتيب دليل عليكم.........=\nفإن قيل قد قال ﷺ \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" فقد جمع بينهما في الصغير كما جمع الخطيب فما الفرق فالجواب أن منصب الخطيب قابل للزلل فيتوهم أنه جمع بينهما لتساويهما عنده بخلاف النبي ﷺ وايضا فكلام النبي ﷺ جملة واحدة في إيقاع ظاهر منه موقع المضمر قليل في اللغة بخلاف كلام الخطيب فإنه جملتان انظر نهاية السول للأسنوي ٢/١٨٦ إحكام الأحكام للآمدي ١/٩٣ - ٩٥.\n١ قال الإمام الشافعي على المتوضئ في الوضوء شيئان أن يبدأ عابدا لله ورسوله ﵊ به منه ويأتي على إكمال ما أمر به فمن بدأ بيده قبل وجهه أو رأسه قبل يديه أو رجليه قبل رأسه كان عليه عندي أن يعيد حتى يغسل كلا في موضعه بعد الذي قبله وقبل الذي بعده لا يجزيه عندي غير ذلك انظر الأم للإمام الشافعي ١/٢٦.\n٢ ذهب بعض العلماء إلى أن الفاء للترتيب مع التراخي ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ فإن افتراء الكذب يكون في الدنيا والإسحات بالعذاب أي....=","vol":"1","page":39},{"text":"وأما حرف ثم فللتعقيب والتراخى١ كقولهم ضربت زيدا ثم عمرا فمقتضاه وجود مهلة بين الضربين ولا دليل على مقداره من جهة اللفظ وقد تستعمل في موضع الواو مجازا اذ قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ ٢ [يونس: ٤٦] وكقوله ﷿: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣، ١٤] إلى أن قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] ومعناه فكان من الذين امنوا.\nواما بعد فهي اسم في معنى الحرف موضوع للترتيب ويحتمل الفور والتراخى ولا يختص [بالحرفية] ٣.\nواما مع فهو موضوع للجمع بين الشيئين نقول رايت زيدا مع عمرو واقتضى ذلك اجتماعها في رؤيته.\nواما حرف أو فلها ثلاثة مواضع٤ تكون لأحد الشيئين بخبر عنه عند شك المتكلم أو قصده أحدهما كقولك اتيت زيدا أو عمرا وجاءني رجل وأمراة هذا إذا شك.\nفاما إذا قصد أحدهما فكقولك كل السمك أو اشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ولكن اختر ايهما شئت وكقولك أعطني دينارا أو اكسني ثوبا.\nوالوجه الثالث أن تاتى للاباحة كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين وائت المسجد أو السوق وهذا على الاذن فيهما جميعا.\nوقد ورد في القران التخيير في الأمر مثل قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] .\nوقد ورد الجمع في النهى مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الانسان: ٢٤] .\n_________\n= الاستصال به يكون في الآخرة وبينهما تراخ في الزمن فلا تعقب.............=\nوأجاب البيضاوي عن ذلك بأن إفادتها للتراخي في الآية مجاز لا حقيقة لأنها لو كانت حقيقة في التراخي كما هي حقيقة في التعقيب للذم الاشتراك اللفظي وهو خلاف الأصل والمجاز خير منه كما تقدم انظر نهاية السور للأسنوي ٢/١٨٧ اصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/٨٢.\n١ انظر إحكام الأحكام للآمدي ١/٩٧.\n٢ لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا انظر إحاكم الأحكام لآمدي ١/٩٧.\n٣ تشتبه في الأصل \"بإحداهن\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٤ انظر إحكام الأحكام للآمدي ١/٩٧، ٩٨.","vol":"1","page":40},{"text":"وأما حرف بل فمعناه الاضراب عن الأول والإثبات للثاني١ كقولك ضربت زيدا بل عمرا وجاءني عبد الله بل أخوه.\nواما حرف لكن فهى للاستدراك بعد النفى٢ كقولك ما جاءني زيد لكن عمرو ما رأيت رجلا لكن امراة وقد يدخل النفى بعد اثبات كقولك حاءني زيد لكن عبد الله لم يات وقيل لترك قصة إلى قصة وفيه كلام كثير للنحاة.\nواما حرف لو فيدل على امتناع الشيء لامتناع غيره٣ تقول لو جئتنى لحييتك.\nوأما لولا فتدل على امتناع الشىء لوقوع غيره٤ نقول لولا أنك جئتنى لحييتك وقد تكون لو بمعنى أن قال الله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي وأن اعجبتكم وقد تفيد معنى التقليل كقوله ﷺ: \"اتقوا الله ولو بشق تمرة\" ٥.\nفأما الحروف اللازمة لعمل الجر وهي من وإلى وفي والباء واللام فنقول أما من فمعناها ابتداء الغاية٦ يقال سرت من الكوفة إلى البصرة وهذا الكتاب من فلان إلى فلان وهذا باب من حديد يعنى ابتداء عمله من حديد قال سيبويه قد تكون للتبعيض مثل قولهم هذه الخرقة من الثوب وهذا الرجل من القوم وقال غيره من حيث وجدت كانت لابتداء الغاية وقوله أخذت من ماله فقد جعل ماله ابتداء غاية وأخذ وإنما دل على البعض من حيث أنه صار ما بقى انتهاء له فالأصل واحد وكذلك قوله أخذت منه درهما وهذا كلام النحويين فيما بينهم فاما الذي تعرفه الفقهاء فهو لابتداء الغاية والتبعيض جميعا٧ وكل واحد في موضعه حقيقة وقد ورد مثله يقال ما جاءني من أحد قال الله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] .\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ١/٩٨.\n٢ انظر فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١/٢٣٧.\n٣ أي أنه حرف من حروف الشرط انظر الإحكام للآمدي ١/١٠٠ انظر فواتح الرحموت ١/٢٤٩.\n٤ قال الشيخ السبكي \"لولا حرف معناه في الجملة امتناع جوابه لوجود شرط انظر جمع الجوامع ١/٣٥١ وقال الشيخ الجويني هي لامتناع الشيء بسبب وجود غيره البرهان ١/١٩٠.\n٥ أخرجه البخاري في الزكاة ١٤١٣ ومسلم في الزكاة ١٠١٦.\n٦ في المكان والزمان انظر أصول الفقه محمد أبو النور زهير ٢/٨٣.\n٧ انظر نهاية السول للآمدي ٢/١٨٨.","vol":"1","page":41},{"text":"وقد ورد بمعنى على قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الانبياء: ٧٧] أي على.\nواما عن فيكون بمعنى من١ إلا في مواضع خاصة قالوا: من تكون للانفصال والتبعيض وعن لا تقتضى الفصل يقال أخذت من مال فلان ويقال أخذت من عمل فلان وقد اختصت الاسانيد بالعنعنة ولا تستعمل كلمة من في موضعه وقالوا: من لا يكون إلا حذفا وعن تكون اسما تدخل من عليه يقال أخذت من عن الفرس جله٢.\nواما من المفتوحة فلها ثلاثة مواضع:\nأحدها للخبر كقولك جاءني من أحببت وأعجبني من رايت.\nوالثاني للشرط والجزاء كقولك من جاءني اكرمته ومن عصاني عاقبته٣.\nوالثالث للاستفهام٤ كقولك من عندك فتقول زيد أو عمرو.\nواما إلى فلانتهاء الغاية٥ يقال من كذا إلى كذا وقال سيبويه إذا قرن بمن اقتضى.\n_________\n١ نحو: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] أي منهم بدليل قوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [المائدة: ٢٧] وتأتي عن للمجاوزة نحو قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] أي يجاوزونه ويبعدون عنه.\nوتأتي عن بمعنى البدل نحو قوله تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] .\nوتأتي عن بمعنى التعليل نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة: ١١٤] أي لأجل موعدة.\nوتأتي عن بمعنى على نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] أي عليها.\nوتأتي عن بمعنى بعد نحو قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] بدليل أن في أخرى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] .\nوترد عن اسما إذا دخل عليها من وجعل ابن هشام قوله تعالى: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] قال فتقدر معطوفة على مجرور من لا على من ومجرورها انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٢/١٠٣.\n٢ ذكر إمام الحرمين الجويني بنصه وتمامه انظر البرهان ١/١٩١، ١٩٢.\n٣ ونحو قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/٢٤٩ وانظر جمع الجوامع ١/٣٦٣.\n٤ ونحو قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يّس: ٥٢] انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/٢٤٩ وانظر جمع الجوامع ١/٣٦٣.\n٥ قال إمام الحرمين الجويني: وأما إلى فحرف جار وهو للغاية.","vol":"1","page":42},{"text":"للتحديد ولا يدخل الحد في المحدود تقول بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة فلا يدخلان في البيع وإذا لم تقرن بمن يجوز أن تكون تحديدا ويجوز أن تكون بمعنى مع قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] اى مع أموالكم وقال تعالى من أنصاري إلى الله اى مع الله وقال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] اى مع المرافق١ وتقول العرب الذود إلى الذود ابل أي مع الذود فالأصل أنه لانتهاء الغاية على مقابلة من فانها لابتداء الغاية يقال من كذا إلى كذا قال سيبويه ويقول الرجل إنما اليك اى انت غايتي ويقول للرجل قم إلى فلان فتجعله منتهاك من مكانك هذا هو الحقيقة في اللغة وما سواه مجاز.\nوأما حتى فهي للغاية٢ ايضا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقال تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولأهل النحو في قوله اكلت السمكة حتى رأسها وتصريف ذلك ومعناه كلام كثير تركت ذكره وقد تذكر بمعنى إلى نقول لا أفارقك حتى تقضينى حقي٣ يعنى إلى أن تقضينى حقي وبما في معناه الظرف تقول زيد في البيت يعنى أن البيت قد حواه وكذلك قوله أن المال في الكيس فإذا قلت: فلان عيب فانه على وجه المجاز والاتساع حيث جعلت فلانا مكانا للعيب وهو قولك اتيت فلانا وهو في عنفوان شبابه وأتيته وهو في أمره ونهيه يعنى اتيته وهذه الامور قد أحاطت به وهو طريق التشبيه والتمثيل.\nوأما الباء فاللالصاق ويجوز أن يكون معه استعانة٤ ويجوز أن لا يكون فاما الذي معه استعانة فكقولك كتبت بالقلم وكقولك عمل الصانع بالقدوم - فأما الذي.\n_________\n١ ذكره إمام الحرمين الجويني بنصه انظر البرهان ١/١٩٢.\n٢ انظر البرهان ١/١٩٣.\n٣ ذكره إمام الحرمين الجويني بنصه انظر البرهان ١/١٩٤.\n٤ قال الشيخ الآمدي وأما الباء فللإلصاق كقولك: به داء وقد تكون للإستعانة كقولك: كتبت بالقلم والمصاحبة كقولك: اشتريت الفرس بسرجه وقد ترد بمعنى على قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي على قنطار وعلى دينار وقد ترد بمعنى من أجل قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي لأجل دعائك وقيل بمعنى في دعائك وقد تكون زائدة كقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ انظر الإحكام للآمدي ١/٨٦.","vol":"1","page":43},{"text":"لا استعانة معه فكقولك مررت بزيد ونزلت بعبد الله وقد تزاد الباء في خبر النفى توكيدا كقولك ليس زيد بقائم وجاءت زائدة كقول الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] وكقول الشاعر تضرب بالسيف وتزخر بالفرح وقد قال بعضهم أن الباء للتبعيض في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقالوا: غلط١ والباء هاهنا صلة لتعدية الفعل قاله الخطابي.\nوقال الماوردى الباء موضوعة لالصاق الفعل بالمفعول كقولك مسحت يدى بالمنديل وكتبت بالقلم وقد تستعمل في التبعيض إذا امكن حذفها كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ اى بعض رءوسكم قال وهو حقيقة في بعض اصحاب الشافعى مجاز في قول الأكثرين.\nوأما لام الاضافة قال سيبويه معناه الملك واستحقاق الشيء تقول الغلام لي والثوب لفلان.\nوقالوا: أن اللام لها ثلاثة مواضع:.\nللتمليك٢ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] .\nوالثاني للتعليل٣ قال الله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والثالث للعاقبة قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ .\nواعتذارا٤ أن هذا على طريق التوسع والمجاز فإن هذا مثال لما زعمه المعتزلة من تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ ٥ [الأعراف: ١٧٩] وقد أنكر.\n_________\n١ قال إمام الحرمين الجويني وقد اشتد نكير ابن جني في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي وبين أن يقول: مسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب انظر البرهان ١/١٨.\n٢ انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٢/٢٢٤.\n٣ ونحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي وإنه من أجل حب المال لبخيل انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/٢٢٤.\n٤ أي الشيخ الماوردي وإمام اللغة سيبويه.\n٥ قال الشيخ الألوسي وفي الكشاف أنهم جعلوا لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنه لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيها يؤهلهم لدخولها وأشار إلى أن ذلك تذييل لقصة اليهود بعد ما عد من قبائحهم بتسلية.......=","vol":"1","page":44},{"text":"بعض النحويين قولهم اللام للملك وقالوا: إذا قال قائل هذا أخ لعبد الله فهذا الكلام لمجرد المقارنة وليس أحدهما في ملك الآخر وفي قولهم هذا الغلام لعبد الله فإنما هو في الملك بدليل آخر وزعم قائل هذا أن لام الاضافة تجعل الأول لاصقا بالثاني فحسب والذي ذكرناه هو الذي يعرفه الفقهاء.\nوأما \"على\" قال المبرد يكون اسما وفعلا وحرفا وجميع ذلك مأخوذ من الاستعلاء وكذلك قال سيبويه يقال عليه دين يعنى اعتلاه ويقال فلان أمين علينا أي أعتلانا.\nوأما حرف ما فلها ثلاثة مواضع:\nأحدها: للنفى١ والجحود كقولك ما لزيد عندى حق وما قام عمرو.\nوالثاني: التعجب٢ كقولك ما أحسن زيدا وما أشجع عمرا.\nوالثالث: الاستفهام٣ كقولك ما فعل زيد وما عندك وهي تختص بما لا يعقل.\nويخالف قوله من فإنه يختص بمن يعقل فإذا قيل من عندك تقول زيد أو عمرو ولا تقول فرس أو حمار فإذا قيل ما عندك قلت: ثور أو جمل ولا يحسن أن تقول زيد أو عمرو وقد جوز بعضهم ذلك في الموضعين والصحيح هو الأول.\nواما أن وأن فإن مفتوح لما مضى وأن بالكسر لما يستقبل كقولك أن دخلت الدار فأنت طالق وأن دخلت الدار فانت طالق فالأول ايقاع والثاني شرط وقد تختلف معاني الكلام باختلاف الاعراب فلو قال قائل هذا قاتل اخي بالتنوين وقال آخر هذا قاتل اخي بالاضافة يدل التنوين على أنه لم يقتله ودل حذف التنوين على أنه قتله.\n_________\n= لرسول الله ﷺ كأنه قيل: إنهم من الذين لا ينجع فيهم الإنذار فدعهم واشتغل بأمر نفسك ومن هو على دينك في لزوم التوحيد والآية على ما قال من باب الكناية الإيمائية عند القطب قدس سره ويفهم كلامه أن الذي دعا الزمخشري إلى ذلك لزوم كون الكفر مراد الله تعالى إذا أريد الظاهر وهو خلاف مذهبه وأنت تعلم أن الكثير من أهل السنة تأولوا الآية بحمل اللام على ما علمت...... لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذريات:٥٦] فإن تعليل الخلق بالعبادة يأتي تعليله بجهنم ودخولها انظر روح المعاني للآلوسي ٩/١١٨.\n١ انظر البرهان لإمام الحرمين ١/١٨٥.\n٢ نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/٢٤٣ والبرهان ١/١٨٥.\n٣ انظر البرهان ١/١٨٥.","vol":"1","page":45},{"text":"ومذهب الفقهاء أنه إذا قال لإمراته أن فعلت كذا فأنت طالق أنه على مرة واحدة وكذلك إذا قال إذا فعلت كذا فأما إذا قال كلما فعلت كذا فانه على التكرار وإذا قال متى ما فعلت كذا فحقه في اللغة التكرار١ واصطلح اكثر الفقهاء على أنه للمرة الواحدة كقوله إذا فعلت كذا.\nوأما \"إنماء\" أصله أن دخلت عليه ما وهو مركب من حرفين أحدهما أن الاثبات والآخر من ما الذي هو للنفي فلذلك صار مثبتا من وجه نافيا من وجه٢ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] فيه اثبات الالهية لله تعالى ونفيها عن غيره.\nوقيل التحقيق المتصل وتحقيق المنفصل وتكون أن المشددة للتوكيد كقولك أن زيدا عاقلا.\nوأما إلا للاستثناء٣ مثل قول القائل خرج القوم إلا زيدا ورايت القوم إلا زيدا ولفلان على الف إلا مائة قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ﴾ [الحجر: ٣١] .\nوقال الفراء وقد تقع إلا لمعنى سوى وذلك في استثناء زائد من ناقص قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] بمعنى سوى ما شاء ربك من زيادة المضاعفة لا إلى غاية فعلى هذا لو قال لفلان على الف إلا الفين فقد أقر بثلاثة الاف وهذا لا تعرفه الفقهاء.\nقال الفراء وقد تكون إلا بمعنى لكن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] بمعنى لكن أن كان خطأ وهو باب كبير وستاتى المسائل فيها.\nوأما \"ليس\" فلها ثلاثة مواضع قد تقع جحدا كقولك ليس لك على شيء وتكون استثناء تقول ذهب القوم ليس زيدا اى ماعدا زيدا وتكون بمعنى لا التي ينتفى بها كقول لبيد:\nواذا جوزتك فرضا فأجزه ... انما يجزى الفتى ليس الجمل\nمعناه إلا الابل.\nوأما \"لا\" فمقتضاه النفي ويقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار.\n_________\n١ انظر المغني لموفق الدين ٨/٣٥٤، ٣٥٥.\n٢ قال الشيخ فخر الدين الرازي: فإما أن نقول: كلمة إن تقتضي ثبوت المذكور وكلمة تقتضي نفي المذكور فهو باطل بالإجماع انظر المحصول ١/١٦٨.\n٣ انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/١٥٩.","vol":"1","page":46},{"text":"وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض منه تقرير نفى اشتمل الكلام عليه.\nقال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [صّ: ٧٥] معناه أن لا تسجد لكن لما اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفى كان لا لتاكيد النفى الذي اشتمل الكلام عليه وأما قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] فقد قيل أنه صلة زائدة والأولى أنه رد لقول الكفار ودعائهم وقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾ افتتاح قسم في المعنى ذكره عقيبه.\nواما الالف واللام قال ابن كيسان أن الالف واللام يدخلان في الأسماء الثلاثة معانى للتعريف١ كقولك رايت رجلا وضربت دابة ثم تقول رايت الرجل وضربت الدابة فتعرفهما بالالف واللام.\nويدخلان للتجنيس٢ كقولك الابل خير من الشاة والذهب خير من الفضة يريد الجنس.\nويدخلان للتعظيم كقولك الحسن بن علي والعباس بن عبد المطلب والالف واللام لم يفيدا ها هنا تعريفا لانهما كانا معرفين بالاضافة إلى غيرهما والشيء الواحد لا يعرف من جهتين وإنما الالف واللام افادا هاهنا التفخيم والتعظيم.\nواما بلى ونعم فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام مشتمل على النفي كقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال سيبويه لو قالوا: نعم لكان نفيا للربوبيه٣ وأما نعم فللاثبات فإذا قال القائل أرأيت زيدا فليكن جوابك إذا رايته نعم٤ وقال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] .\nواما أم فتستعمل للاستفهام٥ كقولك اسكت أم نطقت وقد تستعمل بمعنى الواو العاطفة في بعض المواضع وقد تستعمل بمعنى أو في كثير من المواضع.\nواما اين فهو اسم موضوع للسؤال عن الكلام ويكون جوابه بذكر المكان٦.\n_________\n١ انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/١٥٦.\n٢ انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/١٥٧.\n٣ ذكره إمام الحرمين بنصه انظر البرهان ١/١٩٤.\n٤ ذكره إمام الحرمين وعزاه لسيبويه انظر البرهان ١/١٩٤.\n٥ انظر البرهان ١/١٨٦.\n٦ قال الشيخ السيوطي أين اسم استفهام عن المكان نحو قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير:٢٦] وترد شرطا عاما في الأمكنة وأينما أعم منها نحو قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: ٧٦] انظر الإتقان في علوم القرآن ٢/١٨٣.","vol":"1","page":47},{"text":"كقولك اين زيد فتقول في الدار.\nواما متى فهو اسم ظرف للسؤال عن الزمان١ ويجاب عنه بذكر الزمان فإذا قلت: متى الخروج فالجواب أن تقول غدا أو اليوم وإذا قلت: متى جاء زيد والجواب أن تقول أمس أو تقول أول من أمس.\nوأما اذ وإذا فهما ظرفا زمانا غير أن اذ لما مضى٢ وإذا لما يستقبل٣ كقولك قمت اذ قام زيد واقوم إذا قام عمر.\nواما حيث فظرف مكان٤ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] واعلم أن الكلام في معاني الأسماء والحروف كثيرة وذكرنا منها قدر ما تمس إليه الحاجة ويتصل بهذا الباب الاسامى الشرعية واللغوية وجواز النقل فيما تكلم فيه أهل اللغة وسياتي من بعد وكذلك الكلام في افعال المكلفين ومراتبها وأحكامها وافعال غير المكلفين وقد ذكر بعضهم هذا الفصل في هذا الموضع ونحن اخرناه إلى أن نصل إليه في موضعه واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر ونشرع الان في باب الأوامر ونذكر أحكامها وقضاياها ونورد المسائل التي اختلف فيها العلماء فيما بينهم وننص على القول الصحيح من ذلك ونحل شبه المخالفين على حسب ما يأذن الله تعالى في ذلك ومنه المعونة والتوفيق والتيسير.\n_________\n١ قال السيوطي ترد استفهاما عن الزمان نحو قوله تعالى: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] انظر الإتقان ٢/٢٤٦.\n٢ انظر الإتقان ٢/١٤٤.\n٣ انظر الإتقان ٢/١٤٨.\n٤ قال الأخفش وترد للزمان مبنية على الضم تشبيها بالغايات انظر الإتقان ٢/١٩٤.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>باب القول في الأوامر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>مدخل</span>\n...\nباب الأوامر.\nالقول بالوقف في الأوامر والنواهى: وللأمر صيغة مقيدة بنفسها في كلام العرب من غير قرينة تنضم إليها وكذلك النهى وهذا قول عامة أهل العلم وذهب أبو الحسن الاشعري ومن تبعه إلى أنه لاصيغة للأمر والنهى وقالوا: لفظ افعل لا يفيد بنفسه شيئا إلا بقرينة تنضم إليه ودليل يتصل به.\nوعندي أن هذا قول لم يسبقهم إليه احد من العلماء وقد ذكر بعض اصحابنا شيئا من ذلك عن ابن سريج ولا يصح وإذا قالوا: أن حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم والأمر والنهى كلام فيكون قوله افعل ولا تفعل عبارة عن الأمر والنهى ولا يكون حقيقة الأمر والنهى وهذا ايضا لا يعرفه الفقهاء وإنما يعرفوا قوله افعل حقيقة في الأمر وقوله لا تفعل حقيقة في النهي.\nواما الواقفية فتعلقوا بما ذهبوا إليه وقالوا: أن صيغة قوله افعل تحتمل وجوها من المعنى فانه قد ورد بمعنى الايجاب مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وورد بمعنى التهديد بدليل قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وورد بمعنى التكوين قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وورد بمعنى التعجيز قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وورد بمعنى السؤال وذلك في قول العبد رب اغفر لى وارحمنى وورد بمعنى الاباحة وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وورد بمعنى الندب في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ وإذا احتملت هذه الصيغة هذه الوجوه لم يكن البعض أولى من بعض فوجب التوقف حتى نعلم المراد بقرينة واشبه هذا سائر الأسماء المشتركة وهذا لازم احتمل وجوها شتى من المعنى لا يتعين أحد وجوهه إلا بدليل وشبهة القوم أن قوله افعل ليس يختص بمحمل احد من مسالك العقول فإن العقول لا مجال لها في تفصيل العبارات فلئن اختص بمحمل فإنما يختص من جهة النقل عن العرب أو من جهة الشرع.\nقالوا: فإن ادعيتم نقلا صريحا من جهة أهل اللسان وهم العرب فهذه مباهته ولانعلم في هذا نقل صريح من العرب ولأن النقل ينقسم إلى المتواتر والآحاد وأن ادعيتم النقل من جهة الاحاد فلا احتمال به لانه لا يوجب العلم والمطلوب في هذه.","vol":"1","page":49},{"text":"المسألة هو العلم.\nوان ادعيتم النقل بالتواتر كان ذلك محالا لان النقل من جهة التواتر يوجب العلم الضروري وذلك يوجب استواء طبقات الناس فيه قالوا: ونحن معاشر الواقفية مصرون على أنه لم يقع لنا العلم بذلك وقد مرت علينا الدهور والازمان ونحن مقيمون على هذا الخلاف واين العلم الذي تدعونه وتزعمونه.\nقالوا: وأن نسبتم قولكم إلى الشرع فالكلام على النقل الشرعى مثل ما قلناه على من ادعى النقل من جهة العرب وقد بينا التقسيم فيه وبطلان وجهى ذلك فهذا مثله هذا حجة القاضي ابى بكر محمد بن ابى الطيب ونهاية ما قالوا:.\nواما حجتنا فنقول اجمع أهل اللغة على أن اقسام كلام العرب أربعة اقسام أمر ونهى وخبر واستخبار وقالوا: الأمر قوله افعل والنهى قوله لا تفعل والخبر قوله زيد في الدار والاستخبار قوله أزيد في الدار ومعلوم انهم إنما ذكروا الاقسام المعنوية في كلامهم دون ما ليس له معنى فإذا قلنا أن قوله افعل ولاتفعل ليس له معنى مقيد بنفسه بطل هذا التقسيم ببينه أن الخبر والأستخبار كلام مقيد بنفسه من غير قرينة تتصل به فكذلك الأمر والنهى وهذا الحقيقة وهى أن وضع الكلام في الأصل إنما هو للبيان والافهام وعلم المراد من الخطاب ولو كان بخلاف ذلك لجرى مجرى اللغو والأخبار التى يقع القصد منها إلى المغايرة وتعمية المراد وذهبت فائدة الكلام أصلا وهذا ظاهر الفساد وإذا ثبت أن القصد من الكلام هو البيان واعلام مراد المخاطب فنقول المعلومات متغايرة في ذواتها مختلفة في معانيها ولا بد لها من أسماء متغايرة ليقع التمييز بتغايرها بين المعلومات فيحصل البيان عن المراد ولا نعرف فيها الاشكال ومن جملة المعلومات التي لابد من البيان عنها الأمر والنهى والعموم والخصوص والتفريق والتخيير إلى ما سوى ذلك من المعلومات والعرب قد جعلت للأمر اسما وللنهى اسما وكذلك للتخيير والعموم والخصوص وغير ذلك وهو مثل ما وضعوا الاسامى المنفردة لمعانى معلومة ووضعوا الحروف التى هي ادوات لمعانى معلومة ايضا وإذا ثبت هذا فالواجب أن يكون كل شيء منها محمولا في الأصل على ما جعل سمة له ودلاله عليه وأن يكون معقولا من ظاهره ما اقتضته صورته إلا أن يرد دليل ينقله عنه إلى غيره ليصير الغرض من الكلام واللبس مرتفعا فالبيان حأصلا والاشكال زائلا ومن حاد عن هذه الطريقة فقد جهل لغة العرب ولم يعرف فائدة.","vol":"1","page":50},{"text":"موضوعها وقد أنزل الله تعالى القران بلسان العرب وعلى اوضاع بيانها فقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] فعرفنا قطعا أن اوضاعهم مبينة وأن منصوباتهم معتبرة يدل عليه أنه لا خلاف أن المفردات من الأسماء والاحاد من الاجناس التي تتركب منها الجموع والمصادر التي تصدر عنها الافعال مستعملة على ظواهرها غير متوقف فيها وكان حتى ما يبتنى منها وتتركب عليها من الالفاظ الموضوعة للأمر والنهى والعموم والخصوص من أن تكون كذلك إذا كان بعضها متركبا من بعض ومشتقا منه والبيان بكل منها من نوعه واقع به متعلق فإذا توقفنا مع وجود اسمه وحصول الدلاله من جهة الظاهر فقد عطلنا البيان وابدلنا فائدته.\nفان قالوا: ما ذكرتم من أصل لكلام وتقسيم انواعه إنما هو منقول عن جماعة من أهل اللغة مثل الخليل وسيبويه واقرانهما والعلم لا يحصل بتعلم بحال وإنما يكون ذلك لكم حجة أن لو نقلتم عن العرب وهم لا يعرفون هذا التقسيم وأما الذي قلتم أن الكلام في الأصل موضوع للبيان مسلم ولكن البيان ليس مقصور على لفظ دون لفظ وعلى حالة دون حالة وأن لم يقع بيان الأمر والنهى بصيغة قوله افعل ولاتفعل فيقع عند اتصال القرائن به ويقع ايضا بغير هذه الالفاظ وعلى أنا ادعينا أن هذه اللفظة من جملة الأسماء المشتركة والأسماء المشتركة باب عظيم منقول عن العرب والبيان يقع بها في محتملاتها عند ارادة بعض وجوهها فكذلك ها هنا.\nوالجواب أن الذي حكيناه من اقسام كلام العرب وحكى عن جميع أهل اللغة وهم الذين عنوا بمعرفة لسان العرب واخلطوا علما محدود اوضاعه فلما ارادوا أن يحصروا علمه لمن بعدهم ولمن غاب داره عنهم من أهل عصرهم صنفوا كلام العرب اصنافا وقسموا كلام العرب اقساما وقد عدوا الأمر من اقسامه كما عدوا الخبر من اقسامه فلما كان ظاهر الخبر والاستخبار معمولا به فكذلك ظاهر الأمر والنهى وهذا لان طريق العلم في كل واحد والنقل الذي في الجميع كان بجهة واحدة لغرض واحد وهو العلم بكلام العرب فلا يجوز أن نعلم البعض ونجهل البعض هذا محال.\nواما قولهم أن البيان يقع ولا يختل مع التوقف الذي صرنا إليه.\nقلنا إذا وضعوا للأمر قوله افعل وللنهى قوله لا تفعل ولم يفد بنفسه شيئا اختل البيان.\nبيانه أن اللغة وضعت لحاجات الناس فكل ما احتاجوا إليه وضعوا له اسما يدل","vol":"1","page":51},{"text":"عليه ومعلوم أن الأمر والنهى من اشد ما تقع الحاجة إليه وهما داخلان في عامة المخاطبات التي تدور بين الناس ونقل ذلك اكثر من الخبر والاستخبار فيستحيل أن يخلو كلام العرب مع سعته وكثرة وجوهه من صيغة الأمر والنهى ولفظة مفردة تدل عليهما بأنفسهما.\nوأما الذي قالوا: أن هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة ويقع البيان بهما عند ارادة احد وجوههما.\nقلنا نحن لاننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة ولكن ليس هذا من جملتها لانه لو كان يقول القائل لغيره افعل حقيقة في أن يفعل وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل أو غير ذلك مما ذكروه لكن اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر ولو كان كذلك لما سبق إلى افهامنا عند سماعها من دون قرينة أن المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه كما أنه لما كان اسم اللون مشتركا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض ومعلوم أنا إذا سمعنا قائلا يقول لغيره افعل وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة فإن الاسبق إلى افهامنا أنه طلب للفعل كما انا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارا فإن الاسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الابله الذي يشبه بها وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أن الاسم المشترك وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل.\nوأما الجواب عن كلامهم أما الأول قولهم أنه قد ورد لكذا وورد لكذا قلنا هذه الصيغة موضوعة بنفسها لطلب الفعل وإنما حملنا على ما سواه في المواضع التي ذكرها بقرائن دلت عليها.\nوأما الأسماء المشتركة فقدمنا الجواب عنها وهذا لأن اللون والعين واشباه ذلك لم توضع لشيء معين وإنما قوله افعل وضع لمعنى معين.\nألا ترى أن من أمر عبده أن يضع الثوب يكون لم يستحق له الذم باي صيغ من صيغه فلو قال لعبده اسقنى استحق الذم بتركه السقى ولو كان قوله اسقنى مشتركا بين الفعل والترك واشتراك اللون بين السواد والبياض لم يجز أن يستحق الذم والتوبيخ بترك السقى وهذا لأن أهل اللغة لم يضعوا اسم اللون بعينه وقد وضعوا قوله افعل لمعنى تعينه وهو طلب الفعل على ما سبق.","vol":"1","page":52},{"text":"وأما كلامهم الثاني قلنا قد بينا بطريق النقل عن العرب الذين هم أهل اللسان.\nوقولهم أنه لم يقع لنا العلم بذلك قلنا هذه مكابرة ومباهتة.\nبيانه أن العرب صاغوا قوله افعل ولاشك انهم صاغوا هذه اللفظة لمعنى مثل ما صاغوا سائر الالفاظ لمعان وليس ذلك إلا لطلب الفعل الذي يعرفه كل احد من معناه.\nيدل عليه أنه إذا وجب الوقف بالأمر وجب الوقف بالنهى ايضا ثم حينئذ يصير الأمر والنهى واحدا وهذا محال وعلى أن من مذهب الواقفية أن قوله افعل من الأسماء المشتركة وإذا كان عندهم هكذا فجميع ما قالوه من التقسيم في ثبوت الصيغة للأمر وانها تثبت بالعقل أو بالنقل ودعواهم أن العلم لم يقع لنا بنقل ذلك من العرب ينقلب عليهم فيما ادعوه أنه من الأسماء المشتركة ولا مخرج لهم عن هذا بحال وكل كلام امكن قلبه على قائله ويغير على ما جعله حجة فانه يبطل من أصله والله الهادى إلى الصواب وهو المعين.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>فصل: صيغة الأمر</span>\n...\nفصل: وإذا ثبت أن للأمر صيغة فنقول.\nحد الأمر: أنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه١ ثم هو أمر بصيغته وليس أمر بالارادة وعند المعتزلة هو أمر بارادة الأمر المامور٢.\nوقد حد بعضهم الأمر فقال حد الأمر أنه ارادة الفعل بالقول ممن هو دونه وهذه المسألة أصولية فإن عندنا يجوز أن يأمر بالشيء وأن كان لا يريده وقد أمر الله تعالى ابليس بالسجود لادم ﵇ ولم يرد أن يسجد ونهى ادم عن اكل الشجرة واراد أن ياكل وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ولم يرد أن يذبح وهذا لأن ما أراد الله تعالى أن يكون لا بد أن يكون ولأن السيد إذا قال لعبده افعل كذا يقال امره بكذا وأن لم يعلم مراده فدل أن الأمر أمر بصيغته فحسب ثم إذا عرفنا هذا فنذكر بعد حكم الأمر موجبه.\n_________\n١ وهذا هو قول المعتزلة وتابعهم فيه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أهل اللغة أهل العلم واختاره\nوالعلو هو أن يكون الطالب أعلى مرتبة فإن كان متساويا فهو التماس فإن كان دونه فهو سؤال انظر نهاية السول للآمدي ١/٢٣٥ المعتمد للقاضي أبو الحسين البصري ١/٤٦.\n٢ انظر المعتمد لأبي حسين البصري ١/٤٦، ٤٧ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٩٨.","vol":"1","page":53},{"text":"مسالة موجب الأمر الوجوب عندنا.\nوهو قول اكثر أهل العلم١ هذا في الصيغة المتجردة عن القرائن والجملة أن الأمر عندنا حقيقة في الوجوب وعند جماعة من المعتزلة أنه حقيقة في الندب قال أبو هاشم أنه يقتضي الارادة فحسب فإذا قال القائل لعبده افعل افاد ذلك أنه يريد منه الفعل فإن كان الفاعل حكيما وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسنه تستحق لاجلها المدح فإذا كان القول في دار التكليف وأجاز أن يكون واجبا وجاز أن لا يكون واجبا ويكون ندبا فإذا لم تدل دلالة على وجوب الفعل وجب نفيه والاقتصار على المتحقق وهو كون الفعل ندبا يستحق فاعله المدح.\nوقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر لا يقتضي إلا الندب٢.\nوعند جماعة أنه يقتضى الإباحة٣ لا غير٤ وذهب من قال أنه للندب إلى أن.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٢٥١ والبرهان ١/٢١٦ وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٣٦.\n٢ قال الشيخ الأسنوي والثاني أنه حقيقة في الندب ونقله الغزالي في المستصفى والآمدي في كتابيه قولا للشافعي ونقله المصنف عن أبي هاشم وليس مخالفا لما نقله عنه صاحب المعتمد كما ظنه بعض الشارحين فافهمه انظر نهاية السول ٢/٢٥٢ والمستصفى ١/٤١١.\n٣ قال الشيخ الأسنوي الثالث أنه حقيقة في الإباحة لأن الجواز محقق والأصل عدم الطلب انظر نهاية السول ٢/٢٥٢ انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٤٧.\n٤ اعلم أنه هناك مذاهب غير التي ذكرها المصنف ولقد ذكرها الأسنوي فقال:\nالرابع أنه مشترك بين الوجوب والندب وجزم به الإمام في المنتخب وكذلك صاحب التحصيل كلاهما في أثناء الاشتراك وهذا المذهب نقله الآمدي في منتهى السول عن الشيعة ونقل في الإحكام عنهم أنه مشترك بينهما وبين الإرشاد.\nوالخامس أنه حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب وفي المستوعب للقيرواني والمستصفى للغزالي أن الشافعي نص على أن الأمر متردد بين الوجوب والندب وهذا محتمل لهذا المذهب ولما قبله.\nالسادس أنه حقيقة في أحدهما أي الوجوب والندب لكنه لا يعرف هل هو حقيقة في الوجوب مجاز في الندب أو بالعكس ونقله المصنف عن حجة الإسلام الغزالي تبعا لصاحب الحاصل وليس كذلك فإن الغزالي نقل في المستصفى عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط وعن قوم أنه حقيقة في الندب فقط وعن قوم أنه مشترك بينهما كلفظ العين ثم نقل عن قوم التوفيق بين هذه المذاهب الثلاث قال وهو المختار ونقله في المحصول عنه على الصواب وقال في المنخول وظاهر الأمر الوجوب وما عداه فالصيغة مستعارة فيه هذا لفظه وهو مخالفا لكلامه في المستصفى.\nالسابع أنه مشترك بين الثلاثة وهي الوجوب والندب والإباحة وقيل إنه مشترك بينهما.....ولكن بالاشتراك المعنوي وهو الإذن حكاه ابن الحاجب.\nالثامن أنه مشترك بين الخمسة انظر نهاية السول ٢/٢٥٢.","vol":"1","page":54},{"text":"الأمر طلب الفعل فلا يجوز أن يكون موجبه الإباحة لأن الاباحة لا ترجح جهة الفعل فيها على جهة الترك فلا يكون الأمر طلبا للفعل إذا حمل على الاباحة فاما إذا حملناه على الندب فقد رجح جهة الفعل على جهة الترك لانا جعلنا الفعل أولى من الترك فتحقق طلب الفعل في الأمر فظهرت حقيقته وإذا تحقق الأمر في الندب فلا معنى لاثبات صفة زائدة عليه وهذا لان صفة الوجوب لا دليل عليها لانه لما تحقق معنى الأمر في الندب لم يبق دليل على الوجوب.\nقالوا: ولأن صفة الأمر لا تفيد إلا الارادة ولا فرق بين قول القائل افعل كذا وبين قوله اريد أن تفعل كذا وأهل اللغة يفهمون من أحدهما ما يفهمون من الآخر ويستعملون أحدهما مكان الآخر ثم قوله اريد منك أن تفعل كذا لا يفيد الوجوب فكذلك قوله افعل وجب أن لا يفيد الوجوب ايضا ولأن أهل اللغة قالوا: أن قوله افعل إنما يكون امرا إذا كان القائل فوق المقول له في الرتبة فإذا كان دونه في الرتبة يكون سؤالا وطلبا ولا يكون امرا فلم يفرقوا بين السؤال والأمر إلا بالرتبة ومعلوم أن هذه الصيغة في السؤال لا تقتضى ايجاب الفعل على المسئول وإنما تقتضى الارادة فقط فكذلك في الأمر لانه لو اقتضى الوجوب لا يفصل من السؤال شيء زائد على الرتبة وهذا لان الرتبة لا تقتضى الوجوب بحال لأن عالي الرتبة قد يأمر بالندب كما يأمر بالواجب فلم يكن في الرتبة ما يدل على الوجوب.\nقالوا: ولأن الأمر ضد النهى ولا معنى لكونه ضدا إلا أن فائدته ضد فائدته وفائدة النهى كراهة الناهى للمنهى عنه لاغير فكان فائدة الأمر ايضا ارادة للأمر المامور به لاغير.\nقالوا: ولانا امرنا بالنوافل وسائر الطاعات ونحن مطيعون لربنا بامتثالنا لها ولا صفة لها سوى الندبية فدل أن الأمر يكون حقيقة في الندب وإذا ثبت أنه حقيقة في الندب سقط الوجوب لانها زيادة لا معنى لها وأما حجتنا نستدل أولا بما ورد في قصة ادم ﵇ وابليس فإن الله تعالى ذكر امره ونهيه في هذه القصة أما الأمر فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فإن الله امره بالسجود لادم فخرج عن أمر ربه بقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ","vol":"1","page":55},{"text":"رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ومعناه خرج فلعنه واخرجه من رحمته ونهى ادم عن اكل الشجرة فاكله واخرجه من الجنة ووسمه بالعصيان ولم يحك لنا في القصة سببا يقدم به اليهما غير مطلق الأمر.\nوالدليل عليه أنه قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقال تعالى في حق ادم: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩] فدل هذا القول انهما يصيران ظالمين بمجرد ارتكاب النهى فإن قيل إنما كفر ابليس لا بمخالفة الأمر لكن بالاستكبار وانكار فضيلة ادم ﵇ التي اكرمه الله بها والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] معناه صار من الكافرين باستكباره وأما انكاره فضيلة آدم لأنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ .\nالجواب انا لاننكر استكباره وانكاره لفضيلة ادم التى وصفها الله تعالى له لكن استدلالنا - بقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] وسمه بالفسق لخروجه عن أمر ربه وايضا قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] ووبخه بمجرد ترك الأمر لانه افاد الوجوب ولولا ذلك لم يستقم توبيخه وذمه بنسبة ذلك إلى مجرد ترك الأمر ويدل عليه أن الله تعالى قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] فقد حذر الله تعالى خلاف الأمر واوعد عليه وبين تعالى أن امره لنا ليس كأمر بعضنا لبعض في أنه لا يجب فإن لنا فيه الخيرة وقد قال تعالى فى موضع آخر: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فقد نفى الله تعالى ثبوت الخيرة فى امره وانتفاء الخيرة نص في التحتيم والايجاب ويروى أنه ﵇ دعا ابى بن كعب أو رجلا آخر من اصحابه وهو يصلى فلم يجبه فلما قضى صلاته جاء فقال لم يمنعنى من اجابتك إلا انى كنت في الصلاة فقال النبى ﷺ الم تسمع قول الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ١ فأخبر أن الاجابة واجبة.\n_________\n١ أخرجه البخاري التفسير ٨/١٥٨ ح ٤٦٤٧ وأبو داود الصلاة ٢/٧٢ ح ١٤٥٨ وأحمد المسند ٣/٥٤٩ ح ١٥٧٣٦ الحديث عن أبي سعيد بن المعلى ولم يذكر أبي ابن كعب.","vol":"1","page":56},{"text":"عليه لهذا الخطاب وعنه ﵇ أنه قال: \"لولا أن اشق على امتى لامرتهم بالسواك عند كل صلاة\" ١ دل أنه إذا أمر وجب وأن لحقت المشقة.\nواذا قلنا أن الأمر لا يوجب فلا مشقة وايضا فإن المتعارف من أمر الصحابة ﵃ انهم عقلوا عن مجرد أوامر الرسول صلوات الله عليه الوجوب وسارعوا إلى تنفيذها ولم يراجعوه فيها ولم ينتظروا لها قران الوعيد وارادته اياها بالتوكيد ولوكان كذلك لحكى عنهم ولنقل القرائن المضافة إلى الأوامر كما نقلت أصولها فلما نقلت اوامره ونقل امتثال الصحابة لها من غير تلبث وانتظار ونقل ايضا احترازهم عن مخالفتها بكل وجه عرفنا انهم اعتقدوا فيها الوجوب وهذا كله من الشرع وأما من حيث اللسان فلان العرب تستجيز نسبة المخالف للأمر إلى العصيان احالة له إلى نفس المخالفة يقول القائل منهم لغيره امرتك فعصيتنى وهذا شيء متدأول بينهم لا يمتنع أحد منهم عن إطلاقه عند مخالفة الأمر قال شاعرهم:\nامرتك امرا جازما فعصيتنى ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم\nوقال دريد بن الصمة:\nامرتهم امرى بمتعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد\nفلما عصونى كنت منهم وقد ... ارى غوايتهم واننى غير مهتد\nببينه أن العرب تقول امرتك فعصيتنى فعقب الأمر بالعصيان موصولا بحرف الفاء فدل أنه كان ذلك مما سيق من الأمر ومخالفته كما تقول زرتك فاكرمتنى أو زرتنى فاكرمتك يدلان أن المؤثر في اكرامه كان زيارته كذلك المؤثر في معصيته خلافه لامره وإذا كان هو المؤثر دل أنه موجب فإن قالوا: قد يقول القائل لغيره اشرت عليك فعصيتنى ولاتدل على أن الاشارة عليه موجبة.\nقلنا إنما يقال في الاشارة فلم يقبل منى ولا يقال فعصيتنى إلا نادرا ولئن قيل فهو على طريق التوسع لا على أنه حقيقة ودليل آخر معتمد وهو من اقوى الادلة وهو.\n_________\n١ أخرجه البخاري الجمعة ٢/٤٢٥ ح ٨٨٧ ومسلم الطهارة ١/٢٢٠ ح ٤٢/٢٥٢ وأبو داود الطهارة ١/١٢ ح ٤٦، ٤٧ والترمذي الطهارة ١/٣٤ ح ٢٢ والنسائي الطهارة ١/٣٦ باب الرخصة في السواك بالعشى للصائم وابن ماجه الطهارة ١/١٠٥ ح ٢٨٧ ومالك في الموطأ الطهارة ١/٦٦ ح ١١٤ والدارمي في الطهارة ١/١٨٤ ح ٦٨٣ وأحمد المسند ٢/٣٢٨ ح ٧٣٥٨.","vol":"1","page":57},{"text":"دليل معقول ووجه ذلك أن قوله افعل طلب الفعل لا محالة وطلب الفعل لا محالة ايجاب وإنما قلنا أنه طلب الفعل لا محالة لان قوله افعل قضية الفعل بلا اشكال من غير أن يكون للترك فيه مشاع لان الترك نقيض الفعل والشيء لانقيض يقتضيه وكذلك لا تخيير فيه لان التخيير يأخذ طرفا من الترك فانه يخبر ليفعل أو يترك والأمر يقتضى الفعل بكل حال من غير أن يكون للترك فيه مشاع فلا يكون للتخيير فيه ايضا مشاع وإذا ثبت بطلان التخيير فيه والمندوب إليه على التخيير لانه وأن كان الفعل منه أولى فالترك فيه جائز من غير أن يكون فيه عيب على تاركه فبطل اقتضاء الندب ايضا على هذا الوجه وبقى ما قلنا أن الأمر لا يقتضى طلب الفعل لا محال إنما يقتضي مجرد إرادة المأمور وارادة المامور لا توجب الفعل قالوا: وهذا لانه لا فرق بين قول القائل لغيره افعل وبين قول القائل اريد منك أن تفعل وهذا ليس بصحيح بل الأمر يقتضى الفعل بكل حال على ما سبق وليس قوله افعل مثل قوله اريد أن تفعل لان قوله اريد منك أن تفعل اخبار بالارادة فحسب وليس بطلب الفعل منه وأما قوله افعل طلب الفعل صريحا فكيف يستويان وقد قال بعضهم في تقرير ما ذكرناه أن الأمر في اللغة لما كان موضوعا لطلب الفعل والفعل لا يحصل إلا بالوجوب لان الفعل إذا لم يكن واجبا لا يحصل لانه ترك فاقتضى الوجوب حتى يحصل فصار وجوبا بايجابه فأوجبناه ليوجد.\nيدل عليه أن الائتمار من حكم الأمر كما أن الانكسار من حكم الكسر كما يقال كسر القنديل فانكسر وهدم الجدار فانهدم وأمر بكذا فائتمر وإذا كان الائتمار من حكم الأمر اقتضى حصول الائتمار كالكسر اقتضى حصول الانكسار إلا أن حصول الائتمار لما كان بفعل مختار اقتضى وجوب الفعل ليحصل الائتمار إلا ترى أنه لما لم يكن الائتمار بفعل مختار حصل الائتمار عقيب الأمر بلا واسطة كالانكسار عقيب الكسر قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وقال تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ والجواب في هذا الدليل أن الائتمار لما كان حكم الأمر فاقتضى الأمر ثبوت الائتمار ضرورة ولا ائتمار إلا بالأيجاب ليوجد لا محالة فيثبت الوجوب ضرورة هذا الطريق وهذا دليل اورده أبو زيد وفيه تكليف شديد والذي ذكرناه من قبل احسن وقد استدل المتقدمون في هذه المسالة بأمر السيد عبده بفعل من الافعال ثم إذا خالف يجوز تاديبه وحسن منه ذلك عند العقلاء كافة.","vol":"1","page":58},{"text":"ولولا أنه أفاد الوجوب لم يحسن تاديبه إلا بقرينة يصلها بامره ليدل على الوجوب وحين جاز تاديبه ويقول له: اؤدبك لانك خالفت امري وعصيتنى ولاتهجن في ذلك احد يسمع منه هذا المقال عرفنا أنه يفيد الوجوب بصيغته والاعتماد على ماذكرنا وإذا عرفنا هذه الدلائل سهل الجواب عن شبههم.\nأما الأول فقولهم أن الأمر طلب للفعل وقد ترجح الفعل على الترك بالندبية.\nقلنا وأن ترجح جانب الفعل لكن الترك مدخل في الفعل.\nفان قلنا أنه مندوب إليه لانه بتركه فيجوز له ذلك وقد بينا أن قوله افعل يقتضى الفعل لا محالة وذلك هو الوجوب.\nواما قولهم أن قوله افعل لا يقتضى إلا ارادة الفعل قد اجبنا عن هذا في اثناء كلامنا وذكرنا الفرق بين قوله افعل وبين قوله اريد منك أن تفعل وعلى انا بينا فيما تقدم أن الأمر لا يدل على الارادة ويجوز أن تأمر الأمر بما لا تريده من المأمور.\nواما قولهم أن الأمر إنما يكون أمر بالرتبة.\nقلنا ليس فيما قلناه اكثر من أن السؤال لا يقتضى الوجوب وهذا كلام باطل لان السؤال ليس بأمر والكلام في موجب الأمر.\nوقولهم انهم فرقوا بمجرد الرتبة قلنا واى مانع من التفريق بالرتبة واللغة منقولة عن أهل اللسان فإذا سمعوا عن هذا امرا وهذا سؤالا وفرقوا بالرتبة لا بالصيغة وقع الفرقان ولم يدل عدم الوجوب في السؤال على عدم الوجوب في الأمر.\nبيانه أن القائل لغيره افعل على طريق السؤال نعتقد أن فعله لذلك على طريق التطول والتفضل لا على طريق الخروج عن الأمر حتى أنه إذا لم يفعل لا ينسب إلى العصيان والخلاف وإنما ينسب إلى طريق التفضل والتكرم وهاهنا نعتقد الأمر أن فعله كالمامور على جهة الخروج عن الأمر وينسب إلى العصيان والخلاف عند ترك المامور فإن قالوا: أن الإنسان إذا قال لمن هو فوقه افعل كذا يطلب منه الفعل لا محالة من غير أن يدع له في تركه مساغا مثل ما إذا قال لمن هو دونه افعل.\nقلنا ليس كما قلتم لانه سؤال على طريق التذلل والخضوع فيطلب منه الفعل مع اعتقاده أنه على تخييره وأن فعله تفضل منه بخلاف مسالتنا فانه يطلب منه الفعل على طريق الاستعلاء عليه ويعتقد أنه لاخيرة له فيه بحال فكان مقتضيا للإيجاب على.","vol":"1","page":59},{"text":"ما سبق فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل وهو معتمدهم وأما قولهم بان النهى يفيد الكراهة فيفيد الأمر والإرادة.\nقلنا عندنا أن النهى للتحريم فيكون الأمر للايجاب وسياتى هذا من بعده.\nواما قولهم أن النوافل مامور بها.\nقلنا بلى ولكن على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة فإن قلنا على طريق الحقيقة سيتبين من بعد وقد قال بعض المخالفين لو كان مطلق الأمر ظاهر يدل على الوجوب لم يكن لورود التاكيد عليه معنى فحين دخل عليه التأكيد من ذكر الالزام والايجاب وذكر الوعيد وما يجرى مجراه علمنا أن الوجوب كان بذلك وايضا فانه يحسن الاستفسار من المخاطب ولو كان صيغته الوجوب لم يحسن الاستفسار وليس واحد من هذين الكلام بشيء أما الأول فإن اللفظ قد يؤكد فإن كان له ظاهر معمول به مثل قولهم ثلاثة وسبعة فتلك عشرة والتاكيد واسع في كلام العرب.\nقال أبو المكارم الاعرابى هو شيء شد به كلامنا وأما الاستفسار فلا نسلم حسنه بعد أن يكون الكلام معلوما في نفسه وعلى أنه أن قيل فهو نوع استظهار وطلب زيادة شرح وتبيين وهو ايضا داخل في كلام العرب مع كون الكلام صحيحا في نفسه معمولا به والله اعلم بالصواب.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>فصل: صيغة الامر إذا وردت إبتداء أوبعد حظر فإنها تقتضي الوجوب</span>\n...\nفصل\nثم اعلم أن هذه الصيغة سواء وردت ابتداء أو وردت بعد الحظر فانها تقتضى الوجوب١ ٢.\n_________\n١ محل الخلاف في هذه المسألة في أن الأمر المطلق ابتداء يفيد الوجوب وهو قول الجمهور أو يفيد الإباحة وهما القولان اللذان انبنت عليهما هذه المسألة وأما القائلون بأن للصيغة حقيقة في الإباحة إبتداء فقد اتفقوا على أنها للإباحة كذلك إذا وردت بعد الحظر والتحريم انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٥٢.\n٢ وقد استدل البيضاوي لهذا القول بأن الصيغة حقيقة في الوجوب لما سبق من الأدلة على ذلك فإذا استعملت بعد الحظر في الوجوب فقد استعملت في مقتضياها لغة ووروردها بعد الحظر لا يصلح أن يكون مانعا من إفادتها الوجوب لأن الصيغة قد طلبت الفعل وطلب الفعل بعد منعه يرفع الحرج الذي كان مقررا فيه ولا شك أن رفع الحرج يتحقق في الإباحة كما يتحقق في الوجوب لأن كلا منهما يحقق المنافاة للتحريم.\nوحيث كان الانتقال من التحريم إلى الإباحة معقولا كان الانتقال من التحريم إلى الوجوب معقولا كذلك وتكون الصيغة مفيدة للوجوب عملا بالمقتضى السالم عن المعارض.\nانظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٦١ نهاية السول للأسنوي ٢/٢٧٢ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٥٢، ١٥٣.","vol":"1","page":60},{"text":"وقال بعض اصحابنا إذا وردت بعض الحظر اقتضت الاباحة١ وعليه دل ظاهر قول الشافعى٢ ﵀ في أحكام القران٣.\nوتعلق من قال بالقول الثانى بان الأمر المطلق المتجرد عن القرائن هو الدليل على الوجوب وتقدم الحظر قرينة دالة على الاباحة مثل قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] ولأن عرف الشرع وعرف العادة معتبر والمعروف في الأمر الوارد بعد الحظر في الشرع أنه يفيد الاباحة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وبدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] وكذلك عرف العادة فإن من قال لعبده لا تدخل الدار ثم قال ادخل كان المعقول منه رفع النهى المتقدم لا ايجاب الدخول.\nواما الدليل على القول الأول وهو الاصح أن صيغة الأمر الوارد بعد الحظر مثل صيغة الأمر الوارد بعد الحظر مثل صيغة الأمر الوارد ابتداء فإذا كانت صيغة الأمر ابتداء فإذا كانت صيغة لمر ابتداء مفيدة للوجوب كذلك الوارد بعد الحظر وهذا لان الموجب هو الصيغة والصيغة لا تختلف بتقدم الحظر وعدم تقدمه ولأن النهى الوارد بعد الاباحة يفيد ما يفيده النهى ابتداء كذلك الأمر الوارد بعد الحظر يفيد ما يفيده في الابتداء وربما يمنعون هذا.\nواما قولهم أن تقدم الحظر قرينة لا نسلم وهذا لان الحظر ليس له اتصال بالأمر المتآخر فكيف نجعل قرينة فيه وهذا لان المنع فى الشريعة فى الالفاظ لا الاعراض اذ الاعراض لا يمكن الوقوف عليها فوجب ترك التفتيش عنها ولزم الرجوع إلى حقائق.\n_________\n١ هذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين واختاره ابن الحاجب ونقله عن الشافعي انظر نهاية السول ٢/٢٧٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٦١ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٥٣.\n٢ انظر نهاية السول ٢/٢٧٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٦١ وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٥٣.\n٣ اعلم أنه يترع على هذه المسألة فروع مهمة ذكرها ابن اللحام في كتابه القواعد فانظرها انظر القواعد ٢٢٣، ٢٢٤.","vol":"1","page":61},{"text":"الالفاظ فى الشريعة.\nواما قولهم أن الكلام يحمل على عرف الشرع وعلى عرف العادة.\nقلنا أما ما ذكروا من الايات فإنما حمل الأمر على الاباحة في هذا الموضوع بدليل.\nواما الذي ذكروه من عرف العادة فلا نسلم ذلك والعادة فى ذلك مختلفة فلا يمكن الرجوع إليها فنرجع إلى نفس اللفظ على ماسبق.\nألا ترى أن لفظ الايجاب وهو قول القائل اوجبت كذا والزمت كذا لافرق فيه بين أن يرد به قبل الحظر أو يرد ابتداء كذلك لفظ الأمر الذي يقتضي الإيجاب يكون كذلك.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>فصل: اختلاف الاصحاب فى الأمر إذا قام الدليل فيه على انتفاء الوجوب</span>\n...\nفصل\nثم اختلف اصحابنا فى الأمر إذا قام الدليل فيه على انتفاء الوجوب وحمل على الندب هل هو مأمور به أولا فمن اصحابنا من قال ليس بمأمور به ولئن سمى مامورا به فهو على المجاز.\nومنهم من قال هو مامور به حقيقة.\nاما الذين قالوا: بالأول يذهبون إلى أن الأمر حقيقة في الايجاب فإذا استعمل في غير الايجاب يكون مجازا كما لو استعمل فى الاباحة وكسائر الالفاظ التى تستعمل فى غير موضعها أما الذين قالوا: بالثانى ذهبوا إلى أن الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه فإذا حمل الأمر على الندب فقد حمل على بعض ما اشتمل عليه الواجب فكان حقيقة فيه كما لو حمل العموم على بعض مدلوله فإنه يكون حقيقة فيه كذلك هاهنا.\nوالأول احسن لان المندوب إليه غير الواجب قطعا وبان كان يثاب على فعله المندوب إليه لا يذهب هذه الغيرية لأن الشيئين يجوز أن يستويا فى بعض الأشياء وأن كانا مختلفين لعدم التشابه فى باقى الاوصاف وإذا ثبت الاختلاف فإذا حمل الامرعليه عرفنا قطعا أنه استعمل فى غير حقيقته فلا بد أن يكون مجازا.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>فصل: أذا ورد الدليل على انه لم يرد بالأمر الوجوب</span>\n...\nفصل\nاذا دل الدليل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجز الاحتجاج به على الجواز ومن اصحابنا من قال يجوز لان الوجوب وأن انتفى فانتفاؤه لا يدل على انتفاء الجواز","vol":"1","page":62},{"text":"والأول اظهر لان اللفظ لم يوضع للجواز أما وضع للايجاب والجواز يدخل فيه على طريق التبع فإذا سقط الأصل سقط ما دخل فيه على سبيل التبع١.\n_________\n١ وهذه المسألة فريدة لم يذكرها المؤلف وهي المعنون عنها في كتب الأصول إذا نسخ الوجوب بقى الجواز واعلم أن الجواز يطلق بإطلاقات ثلاثة الإطلاق الأول: الإذن في الفعل وهو بهذا الإطلاق يشمل أحكاما أربعة هي: الوجوب الندب الإباحة الكراهة الإطلاق الثاني: الإذن في الفعل والترك وهذا الإطلاق يشمل أحكاما ثلاثة هي: الندب الإباحة الكراهة الإطلاق الثالث: التخيير بين الفعل والترك على السواء وهذا الإطلاق لا يشمل إلا الإباحة.\nوالوجوب هو: طلب الفعل مع المنع من الترك على ولا شك أن الفعل متى كان مطلوبا صح أن يحكم عليه بأنه ما نحن فيه كما يصح أن يقال: إنه لا حرج فيه ومن هنا صح تعريف الوجوب بأنه الإذن في الفعل مع المنع من الترك كما صح تعريفه بأنه عدم الحرج في الفعل مع الحرج في الترك ويكون الوجوب له تعريفات ثلاثة كلها مقبولة.\nفالوجوب حقيقة مركبة من جزءين مما في التعريف الأخير: عدم الحرج في الفعل والحرج في الترك ولا شك أن المركب يرفع بارتفاع أحد جزءين كما يرفع بارتفاع كل الأجزاء.\nومن هنا صح أنه يقال: إن نسخ الوجوب يتحقق بارتفاع الحرج في الترك كما يتحقق بارتفاع الجزءين معا وهما عدم الحرج في الفعل والحرج في الترك ولا شك أن الحرج في الترك نقيض لعدم الحرج في الترك والنقيضان لا يرتفعان كما لا يجتمعان فإذا نسخ الوجوب بارتفاع الحرج في الترك حل محله عدم الحرج في الترك لأنه نقيض له والنقيضان لا يرتفاعان.\nوتكون الحقيقة الباقية بعد رفع الحرج في الترك هي عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك وهذه الحقيقة هي الجواز بالإطلاق الثاني فهي شاملة لأحكام ثلاثة هي الندب والإباحة والكراهة.\nوقد اختلف الأصوليون فيما إذا نسخ الشارع وجوب الفعل بدليل لم يتعرض لحكم المنسوخ بعد نسخه بأن قال: الشارع نسخت وجوب الفعل أو قال رفعت الحرج في الفعل عنكم فهل يبقى الجواز بالإطلاق الثاني وهو عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك ويكون عدم الحرج في الفعل مستفادا من دليل الوجوب لأنه كان يدل عليه والناسخ لم يرفعه وإنما رفع الحرج في الترك ويكون عدم الحرج في الترك مستفادا من الدليل الناسخ لأنه لما رفع الحرج في الترك اقتضى ذلك أن يحل محله عدم الحرج في الترك لأنه نقيضه - والنقيضان لا يرتفعان - وبذلك يكون الفعل بعد نسخه صالحا لأن يكون مندوبا أويكون مباحا أو أن يكون مكروها - ويكون المعين لأحدهما بخصوصه هو دليل آخر أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز بالإطلاق الثاني وإنما يبقى الجواز بالإطلاق الثالث - وهو التخيير بين الفعل والترك على السواء وهو المعروف بالإباحة.\nأو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز وإنما يبقى الندب أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز بل يعود الفعل بعد نسخ وجوبه إلى ما كان عليه قبل الوجوب فإن كان قبل الوجوب مندوبا........=","vol":"1","page":63},{"text":"............................................................................\n_________\n= فهو مندوب وإن كان قبل الوجوب مباحا فهو مباح وإن كان قبل الوجوب محرما فهو محرم وإن كان قبل الوجوب مكروها فهو مكروه.\nاختلف الأصوليون في ذلك على أربعة مذاهب:\nالمذهب الأول:\nمذهب جمهور الأصوليين وهو إذا نسخ الوجوب بقي الجواز بمعنى عدم الحرج في الفعل وعدم الحرج في الترك ويكون الفعل بعد نسخ وجوبه صالحا لأن يكون مندوبا أو مباحا وخصوص أحدهما يعرف بالدليل.\nووجهتهم في ذلك أن الدليل الذي دل على وجوب الفعل قد دل على شيئين أحدهما: عدم الحرج في الفعل وثانيهما: الحرج في الترك والدليل الذي نسخ الوجوب لم يتعرض لعدم الحرج في الفعل وإنما تعرض لنسخ الوجوب فقط ونسخ الوجوب يتحقق برفع الحرج في الترك - فلا يزال الوجوب بعد النسخ دالا على الحرج في الفعل والناسخ لما رفع الحرج في الترك اقتضى ثبوت نقيضه وهو عدم الحرج في الترك لأن النقيضين لا يرتفعان وبذلك يكون عدم الحرج في الفعل مستفادا من دليل الوجوب وعدم الحرج في الترك مستفادا من الناسخ وتكون الحقيقة الباقية بعد النسخ هي عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك ويكون الفعل صالحا للأحكام الثلاثة وهو ما ندعيه.\nالمذهب الثاني:\nأن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز بمعنى التخيير بين الفعل والترك على السواء وهو المعروف بالإباحة ووجهة أصحاب هذا المذهب أن الوجوب هو طلب الفعل مع المنع من الترك وما دام الوجوب قد نسخ فقد ارتفع المنع من تركه وأصبح دليل الوجوب غير دال على واحد منهما فيكون المكلف مخيرا بين الفعل والترك وهذا هو الإباحة.\nالمذهب الثالث:\nإذا نسخ الوجوب بقي الندب فيترجح الفعل على الترك ووجهة أصحاب هذا المذهب أن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك فلا يزال الدليل دالا على طلب الفعل والذي يطلب فعله بعد الواجب هو المندوب فقط لأن المباح لا طلب فيه والمكروه إنما يطلب تركه لا فعله وبذلك يكون الحكم الباقي بعد نسخ الوجوب هو الندب فقط وهو ما ندعيه.\nالمذهب الرابع:\nوهو لحجة الإسلام الغزالي أن الوجوب إذا نسخ لم يبق الجواز بل يعود الفعل إلى ما كان عليه قبل الوجوب فإن كان قبل الوجوب محرما كان محرما وإن كان قبل الوجوب مندوبا أو مباحا أو مكروها أخذ الحكم الذي كان عليه قبل الوجوب.\nوحجته في ذلك: أن الوجوب حقيقة مركبة من جنس هو عدم الحرج في الفعل ومن فصل هو الحرج في الترك وقد نص ابن سينا على أن الجنس يتقوم بالفصل ويوجد بوجوده بمعنى أن الفصل يكون علة للحصة المعنية من الجنس المتحققة في النوع ومما لا شك فيه أن ذهاب العلة يقضى بذهاب المعلول فيكون دفع الفصل رفعا للجنس فإذا ارتفع الوجوب بارتفاع فصله وهو.............=","vol":"1","page":64},{"text":"مسألة: الأمر لا يفيد التكرار على قول اكثر اصحابنا.\nوقال بعضهم يفيد التكرار وهو اختيار الاستاذ ابى اسحاق الاسفرائينى.\nوقد قال بعض اصحابنا أنه لا يفيد التكرار ولا يحتمله فالأولى أن تقول أنه يحتمله لكن لا يفيده بمطلقه١.\n_________\n= الحرج في الترك فقد ارتفع الجنس وهو عدم الحرج في الفعل وبذلك فلا يكون الخطاب الدال على الوجوب دالا على عدم الحرج في الفعل لعدم بقائه بعد النسخ.\nومتى ارتفع الوجوب ولم يوجد دليل يدل على حكم معين في الفعل رجع الفعل إلى ما كان عليه قبل الوجوب وهو ما ندعيه انظر نهاية السول ١/٢٣٦، ٢٣٧ والمستصفى للغزالي ١/٧٣، ٧٤. وأصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٣٦، ١٣٩.\n١ هذه المسألة هي المسألة المعنون عنها في كتب الأصول بأن مطلق الأمر يقتضي التكرار فنبين أولا محل النزاع ثم نذكر المذاهب وأدلتها وهو ما أخذناه لى يد شيخنا حفظه الله الحسيني الشيخ في محاضرته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا.\nأولا محل النزاع أن الأمر المقيد بالمرة يحمل على المرة عملا بهذا القيد كإقراء الكتاب مرة والأمر المقيد بالتكرار يدل على التكرار عملا بالقيد كاقرأ الكتاب ثلاث مرات.\nوالأمر المقيد بشرط أو صفة لا يحمل على التكرار لفظا ولكن يحمل عليه قياسا مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فالصفة في الزنى والسرقة والجنابة.\nوقوله قياسا أي عقلا لا أن اللفظ بوصفه يدل عليه إما أنه لا يدل لفظا فلأن لو قال رجل لوكيله: طلق زوجتي ولا تطلقها إلا إذا دخلت الدار لم يتكر الطلاق في هذه الصورة بتكرر الدخول ولو دل عليه لفظا لتكرر كما لو قال: كلما دخلت زوجتي الدار فطلقها دل على التكرار لفظا بقوله كلما.\nوضابط الوكالة كل بما يجوز أن يباشر الشخص بنفسه يجوز التوكيل فيه.\nوإما أنه يدل قياسا فلأن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عليه ذلك الشرط عقلا لا لفظا العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما وتلك الصفة لذلك الحكم ولا شك أن المعلول \"الحكم\" يتكرر بتكرر علته \"إذا عدم الشرط ينعدم الحكم\".\nفإن قيل: إن هذا التعليل منقوض بقوله لوكيله إن دخلت زوجتي الدار فطلقها فإنه أمر معلق على شرط يقتضي أن دخول الطلاق علة فيه ومع ذلك لم يتكرر الطلاق بتكرر الدخول كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فلم كرر أمر الطهارة في الجنابة ولم يكرر أمر الطلاق بتكرر الدخول.\nأجيب بأن الذي جعل الطلاق معلولا هنا هو الزوج ولا عبرة بجعله لأنه ليس له سلطة التشريع في الأحكام مدة لو صرح بالتعليل كأن قال: طلقتك لأجل دخولك الدار وكانت له زوجة أخرى لا تطلق هذه الأخرى بدخولها هذه الدار فالمولى ﷾ يملك سلطة.........=","vol":"1","page":65},{"text":"...................................................................\n_________\n= التشريع ولذلك يتكرر الأمر المعلق عقلا بتكرر الشرط أو الصفة الزوج لا يملك حق التعليل المطلق ولذلك فلا تطلق إلا من عيبها فالمعتبر إنما هو تعليل الشارع أما الأمر المطلق العاري من هذه القيود المتقدمة فقد اختلف العلماء في دلالته على المرة أو التكرار أو غيرهما على خمسة مذاهب.\nالمذهب الأول:\nأنه لا يدل بذاته على المرة أو التكرار ذاته مادته وحروفه بل بالالتزام فدلالته التزامية فلا يدل بذاته أي دلالة مطابقة فيدل على طلب إيجاد وتحقيق المعدوم فاضرب لا ضرب موجود بل يوجد في الخارج ولما كان وجود المعدوم لا يتحقق إلا بالوجود فيتحقق بالمرة فدل على المرة التزاما فهذا الإيجاد يتحقق بمرة.\nوإنما يقيد طلب الماهية من غير إشعار بوجدة أو كثرة غير أنه لما لم يمكن إدخال هذه الماهية في الوجود بأقل من مرة كانت المرة واجبة لهذا للضرورة أثبت الدلالة بالضرورة ونفى الدلالة بنفسه أي لعدم إمكان ماهية الوجود بأقل من مرة فالضرورة اقتضت ذلك لا لأن الأمر يدل عليها بذاته ليس ذلك من دلالته على المرة بل لعدم إمكان التحقق في الوجود بأقل من مرة فكان للضوروة ودلالة الشيء على الشيء للشرورة تكون دلالة التزامية وإلى هذا ذهب الإماموأتباعه واختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي واستدلوا على ذلك بما يأتي:\nأولا: أن المقصود من صيغة الأمر هو إدخال حقيقة الفعل المطلوب في الوجود كأسقني ماء المقصود إيجاد السقي سواء المرة أو التكرار والأكثر من مرة خارج عن المطلوب والوحدة والتكرار بالنسبة إلى الحقيقة أمر خارجي فيجب أن يحصل الامتثال بالحقيقة والموحدة من ضروريات الحقيقة لأنها المطلوبة مع أيها حصل ولا يتقيد بأحدهما دون الآخر ولذلك يبرأ بالمرة الواحدة لا لأنها تدل على المرة بخصوصها.\nثانيا: أن الأمر ورد في الشرع تارة مع التكرار كآيات الصلاة والزكاة والصوم فلو كان يدل على الوحدة لكان التكرار باطلا وورد عرفا مع التكرار نحو: افظ دابتي أي المداومة إلى أن آتي فدل عليه بمادته وأحسن إلى الناس كما أنه ورد في الشرع وفي العرف مع المرة كآية الحج وكفول القائل لغيره: ادخل الدار واشتر اللحم ويلزم من هذا أي من أن الشرع جاء دالا على التكرار والوحدة وكذا العرف كونه حقيقة في القول المشترك بين التكرار والمرة وإلا للزم الاشتراك اللفظي أو المجاز والأصل عدم المجاز وعدم الاشتراك اللفظي فهو مشترك بينهما.\nثالثا: لو كان الأمر المطلق للتكرار لعم الأوقات كلها \"وإذا لضي واجبات أخرى وما أدى إلى إبطال الواجبات الأخرى فباطل\" لكن التالي باطل فبطل المقدم \"إذا فلا يدل على التكرار\" وثبت نقيضه \"وهو عدم الدلالة\" وهو عدم كون الأمر المطلق مفيدا للتكرار وهو المطلوب.\nأما الملازمة فلأن الأوقات كلها بالنسبة للأمر المطلق سواء لعدم دلالته على معين فيهما........=","vol":"1","page":66},{"text":"....................................................................\n_________\n= بخلاف أوقات الصلاة لأن الشارع بين الأفضلية وامتناع الترجيح بلا مرجح.\nوأما الاستثنائية فلأنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يرد لا يمكن الجمع بينهما فلا يمكن الإتيان بلا صلاة مع الأمر بالقراءة فعلى هذا القراءة تستغرق الوقت فالأمر بالصلاة ينسخ الأمر بالقراءة لأنه متأخر لأن الأمر المطلق يقتضي الفعل في جميع الأوقات والتكليف بما لا يجامعه الوارد بعده يقتضي دفعه \"بتركه\" في بعضها \"ليؤدي الفيضة\" وذلك هو النسخ بعينه \"ولا قائئل بعد بعد وفاة الرسول ﷺ.\nالمذهب الثاني:\nأنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمل شرط الإمكان أي الوقت الممكن له وبه قال الأستاذ أيو إسحاق وأبو هاشم القزويلي وطائفة من العلماء واستدلوا لذلك بما يلي:\nأولا أن الخليفة الأول ﵁ تمسك في حق أهل البغي على وجوب تكرار الزكاة بعد أن أدوها مرة بمجرد الأمر \"متعلق الجار والمجرور قوله تمسك\" في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا وما ذاك إلا لفهم التكرار من الصيغة.\nوأجيب بأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ قد بين للصحابة وجوب تكرار إيجاب الزكاة قولا أو عملا بأن أرسل العمال كل حول إلى الملاك لأخذ الزكاة فلم ينكره لذلك \"والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\nثالثا: الأمر كالنهي في أن كلا منهما موضوع للطلب والنهي يقتضي التكرار فكذلك الأمر.\n\"الانتهاء عن الزنا لا يتعارض مع أي تكليف والفعل يتعارض لأن التلبيسمع الفعل مع آخر لا يمكن لعدم اتساع الزمن لهما فالزمان يتسع لنواهي وأمر لا أمران أو أكثر\".\nلأن فيه بقاء على العدم وهو يجامع كل فعل ومقتضى الأمر بالشيء الاتيان به في جميع الأوقات وهو غير ممكن لأنه يؤدي إلى تفويت المأمورات الأخرى التي لا تجامعه فكان قياسا مع الفارق وهو باطل.\nثالثا: الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يقتضي انتفاء المنهي عنه دائما \"فلو تلبس به لما انتهى\" وذلك يلزمه وجود المأمور به دائما ولا معنى للتكرار إلا هذا \"قم نهى عن القعود والامتناع عن القعود لا يتصور إلا بالقيام وما دام القعود منهي عنه فلا بد أن يستمر في القيام فهو قد لاحظ دلالة النهي على التكرار وهو عدم وجود المنهي عنه دائما والمعنى: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يتكرر ولا يمكن أن يحقق المنهي عنه إلا بالاستمرار في تحقق المأمور به.\nوأجيب بأنا لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده سلمنا \"هذا مزيد ترقي في الرد\" لكن لا.........=","vol":"1","page":67},{"text":"...........................................................................\n_________\n= نسلم أن النهي الذي يدل عليه الأمر يمنع من المنهي عنه دائما في جميع أحواله بل هو تابع للأمر الذي دل عليه فإن كان الأمر دائما كان النهي المستفاد منه مقيدا به كذلك فالأمر بالحركة دائما منع من السكون دائما والأمر الحركة ساعة منه من السكون دائما ومن هنا نأخذ أن كون النهي الضمني للتكرار فرع كون الأمر للتكرار فإثباته به دور وهو باطل \"الأمر هنا أصل والنهي فرع فإذا كان الأمر مفيدا فالنهي كذلك وإذا كان الأمر مطلق فالنهي مطلق فدلالة النهي الذي تضمنه الأمريتبع دلالة الأمر والدور هنا صورته هو توقف دلالة الأمر على النهي في دلالته أي الأمر على التكرار من النهي وتوقف دلالة النهي على الأمر في دلالته أي النهي على التكرار من الأمر بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده واعلم أن الدور هنا اسمه الدور المصرح نوع من الدور السبقي\".\nالمذهب الثالث:\nأنه يدل على المرة ويحمل على التكرار وبقرينة وبه قال كثير من الأصحاب واستدلوا على ذلك بأنه لو قال السيد لعبده ادخل الدار فدخلها مرة واحدة عد ممتثلا عرفا ولو كان للتكرار لما عد ممتثلا.\nوأجيب بأنه عد ممتثلا لأن المأمور به وهو الحقيقة حصل في ضمن المرة لا بخصوصهما بل لكونهما مما تحصل به الحقيقة مع عدم احتياج صرفه الامتثال إلى أزيد منها.\nالمذهب الرابع:\nأنه مشترك لفظي بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على وجود القرينة.\nواستدل له بأنه لم يكن مشتركا بين المرة والمرات لما حسن الاستفسار عند سماع صيغة الأمر بأن المراد ايهما لكن التالي باطل فبطل المقدم وهو عدم الاشتراك ونبت نقيضه وهو أنه مشترك بينهما \"لو لم يكن مشتركا لما اسفسر عنه فحسن الاستفسار دليل على اشتراك\"\nأما الملازمة فلأن سراقة هو من أهل اللسان قال في حجة الوداع: ألعامنا هذا أم للأبد فحسن السؤال مستلزم الاشتراك البتة.\nوأجيب عن ذلك بأنا لا نسلم الملازمة لجواز أن يكون متواطئا \"أي معنويا ومشترك للقدر المشترك وهو إيجاد المعدوم في الخارج\" ومع ذلك يحسن الاستفسار ألا ترى \"زيادة توضيح\" أنه قد يستفسر عن أفراد المتوطئ كما لو قيل مثلا أعتق رقبة يحسن أن يقال: أمؤمنة أم كافرة سليمة أم معيبة فقد حصل الاستفسار ولن يلزم منه كون اللفظ مشتركا لفظيا كما رأيت.\nالمذهب الخامس:\nالتوقف على القول بالمرة أو التكرار على معنى أنه مشترك بينهما أو لأحدهما ولا تفرقة فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة واستدلوا: بأنه لو ثبت مدلول صيغة الأمر لثبت بدليل أي لو ثبت أنه للمرة أو التكرار أو مجرد الوجود لثبت بدليل وهو إما النقل أو العقل ولم يوجد النقل والعقل لا مدخل له أي ثبت في إثبات اللغة والآحاد لا تعتبر أي لأن اللغة لا تثبت فوجب التوقف..........=","vol":"1","page":68},{"text":"أما الذين قالوا: أنه يفيد التكرار تعلقوا بحديث الاقرع بن حابس أنه قال يا رسول الله احجتنا هذه لعامنا أم للابد فقال: \"للابد ولو قلت: لعامنا لوجب وما استطعتم\" ١.\nفقد اشكل عليه أنه على التكرار أو لا على التكرار ولو كان لا يفيد لما اشكل عليه ولم يكن لهذا السؤال معنى ولأن الأمر ضد النهى وهو في طلب الفعل مثل النهى في طلب الكف عن العمل ثم النهى يفيد التكرار وكذلك الأمر حتى لو ترك الفعل مرة ثم فعله يكون مرتكبا للنهى كذلك هاهنا إذا فعل المامور مرة ثم لم يفعله يكون تاركا للأمر ولانه يفيد الفعل ويفيد اعتقاد الوجوب ثم هو يفيد اعتقاد الوجوب على الدوام فيفيد الفعل على الدوام والدوام فيه أن يفعله على وصف التكرار ولو اقتضى الفعل مرة وجب أن لا يجوز عليه النسخ لانه يكون بدءا والبداء على الله تعالى لا يجوز ولأن الأمر لا يتخصص بوقت دون وقت فليس بأن يقال يجب فى بعض الاوقات بأولى من قول القائل يجب فى البعض فوجب فى كل الاوقات وهذا لان القول بالاستيعاب واجب فى الخطاب لطلب كثرة الفوائد والتكرار من الاستيعاب وقد اتفقنا على أن الأمر لا يتناول ما ينطلق عليه الاسم حتى لو قال لغلامه كل فأكل لقمة واحدة لا يكون ممتثلا للأمر وإذا لم يحمل على ادنى ما ينطلق عليه الاسم وجب أن يحمل على جنس ما ينطلق عليه الاسم لأن مالا يحمل على الخصوص يحمل على العموم لأن القول بالعموم فى كل ما يمكن فيه القول واجب.\nوأما حجتنا فنقول قوله صل أمر بما قوله صلى خبر عنه كذلك قوله صل لا يقتضى فعل مرة واحدة ليكون قوله صلى خبرا عنه كذلك قوله صل لا يقتضي الفعل.\n_________\n= وأجيب بما مر من الاستقراء وأن الظن كاف في مدلولات الالفاظ مدلولات الألفاظ تثبت بالآحاد.\nومن هذا العرض يتبين رجحان القول بأن صيغة الأمر لطلب الماهية والمرة من لوازم تحقق الماهية في الوجود وليس للمرة ولا للتكرار وليس مشتركا ولا مجملا وهو المذهب الأول.\nانظر البرهان لإمام الحرمين ١/٢٢٤ - ٢٣١ نهاية السول للآمدي ٢/٢٧٤ - ٢٨٢ اصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٥٦ - ١٦٣.\nومما ذكره شيخس - الحسيني الشيخ - امد الله في عمره ونفع به - ذلك في محاضرته في كلية الشريعة بجامعة الأزهر المحروسة- قسم الدراسات العليا.\n١ أخرجه أبو داود ١/٣٧٩ المناسك ٢/١٤٣ ح ١٧٢١ وابن ماجه المناسك ٢/٩٦٣ ح ٢٨٨٦ وأحمد المسند ١/٣٧٩ ح ٢٦٤٦ ولفظ الحديث عند أحمد والحاكم المستدرك ١/٤٤١ انظر نصب الراية للزيلعي ٣/٢.","vol":"1","page":69},{"text":"إلا مرة ليكون قول صل امرا به وهذا لأنه قوله صل أحد تصارف الفعل فصار كما لو قال صلى وهذا لأن تصاريف الفعل لا تختلف عن الفعل لأن الفعل واحد فى الكل وإنما اختلفت تصاريفه فإذا كان واحدا فى تصريف الخبر وتصريف المستقبل.\nمثل قوله ضرب يضرب كذلك فى تصريف الأمر وهم يوردون على هذا تصريف النهى وسنجيب عنه.\nويمكن أن يقال مثال مأخوذ من المصدر كالخبر.\nألاترى أن ضرب مأخوذ من الضرب فكذلك اضرب مثال مأخوذ من الضرب فثبت استواؤهما من هذا الوجه وهكذا الحقيقة وهو أن الأمر يقتضى الامتثال فلا يتناول إلا قدر ما يصير به ممتثلا للأمر وبالفعل مرة يصير ممتثلا للأمر دل أن الأمر تناوله بلا زيادة فإن قالوا: إنما يصير ممتثلا بعض الأمر دون الكل.\nقلنا لا يصير ممتثلا كل الأمر فإن من قال لغلامه اسقنى فسقاه مرة يصير ممتثلا كل ماأمره به وكذلك إذا قال اشتر لحما وخبزا ففعل مرة صار ممتثلا على الإطلاق.\nألاترى أنه لو كرر فى هذه الصورة يجوز أن يعاقبه السيد فيقول: أمرتك مرة فلم زدت عليه وأيضا فإن الغلام يعد نفسه ممتثلا للأمر وكذلك العقلاء يعدونه ممتثلا للأمر ولا يستحسنون عتابه فى ترك الأمر وهذا لأن قوله صل معناه صل صلاة وكذلك قوله صم وكل واشرب وادخل واشتر وقوله صلاة وصوما نكرة فى اثبات وأجمع أهل اللغة أن النكرة فى الاثبات تخص ولا تعم فاقتضى وجود ما سمى صلاة وصوما أو دخولا وخروجا أو شربا أو أكلا وخرج على هذا فصل النهى الذى تعلقوا به لأنه على الصورة التى قلنا بها يكون نكرة فى النفى تعم ولا تخص بالإجماع ونظير النكرة فى النفى قوله ما رأيت رجلا ونظير النكرة فى الإثبات رأيت رجلا.\nفإن قالوا: إنما تجعل كأنه قال افعل الصلاة وافعل الصوم أوافعل الدخول وإدخال الألف واللام يقتضى استيعاب الجنس.\nقلنا إنما نقدر من المصدر ما يستقبل به الكلام وقد استقل متعد وصلاة منكرة وصوم منكر فلا حاجة إلى تقديره بالألف واللام وقد قال الأصحاب أن الطاعة والمعصية فى الأوامر على مثال البر والحنث فى الأيمان ثم البر والحنث في الأيمان يحصل فى الفعل مرة والأمثلة معلومة كذلك الطاعة والمعصية فى الأوامر وعلى هذا أوامر العباد فى قولهم طلق وأعتق وبع واشتر وتزوج ولا تتزوج فإن فى هذه الصورة","vol":"1","page":70},{"text":"يحصل الامتثال بفعل المأمور مرة واحدة. فإن قالوا: أن الخلاف فى قضية الأمر فلا يجوز أن نلتمس ذلك من قضايا الشرع خصوصا فى الشرعيات التى تثبت على العادات.\nقلنا بل هو على ما قلتم فى البر والحنث من قضايا الشرع لكن هذه القضايا جاءت على ما يوافق اللغة وهذا لأنه يجب أن نعرف مقتضى الأفعال ثم نبنى الشرع عليه فيستدل بإجماعهم فى هذه المسائل على أن الأوامر ما اقتضت الفعل إلا مرة واحدة على أنهم علموا أن الأمر لا يقتضى الفعل إلا مرة واحدة حتى بنوا الأحكام على هذا الأصل.\nأما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما تعلقهم بحديث الأقرع يقال لهم أولا لو كان الأمر يقتضى التكرار لم يقل أم للأبد بل كان ينبغى أن لا يشتبه عليه ذلك ثم نقول إنما سأله لأنه وجد أوامر فى القران مقتضية للتكرار لكن مثال لذلك لأنه ظن من هذا الأمر مثل تلك الأوامر.\nفإن قالوا: نحن نتعلق بالأوامر التى وردت فى القران واقتضت التكرار.\nقلنا نحن لا ننكر احتمال الأمر للتكرار لكن إنما أنكرنا أن يكون موضوعا لذلك فأما إذا وردت فأريد بها التكرار بدليل يقوم على ذلك فنحن لا ننكره وعلى أنه ورد فى القران من الأوامر ما لا يقتضى التكرار مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ومثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وأما تعلقهم بالنهى واعتبارهم الأمر بذلك فغير صحيح فإنه يمكن أن يقال أولا لا نسلم أن النهى يقتضى التكرار لأن معنى التكرار أن يفعل فعلا وبعد فراغه منه يعود إليه وهذا لا يوجد فى النهى لأن الكف فعل واحد مستدام وليس بأفعال مكررة بخلاف الأمر فإنه يوجد فيه أفعال متكررة على ماذكرنا والأمر فيه دليل على الفعل وليس فيه دليل على إعادة الفعل بعد الفراغ منه وعلى أنه أن بينت الفرق الذى قالوه. فيقال لا فرق بينهما لغة فإن واحدا منهما لا يفيد التكرار لغة وإنما افترقا من حيث العرف فإن من قال لغلامه افعل كذا واخرج إلى السوق فإن هذا الأمر يقتضى أن يفعل مرة فقط وإذا قال لا تخرج أو لا تفعل يقتضى هذا النهى أن لا تفعل أبدا فالفرق كان من حيث العرف لا من حيث اللغة وقد قال بعض أصحابنا فى الفرق بين.","vol":"1","page":71},{"text":"الأمر والنهى إن فى حمل الأمر على التكرار ضيقا وحرجا يلحق الناس لأنه إذا كان الأمر يقتضى الدوام عليه لم يتفرغ لسائر أموره وتعطل عليه جميع مصالحه وأما النهى لا يقتضى إلا الكف والأمتناع ولا ضيق ولا حرج فى الكف والامتناع وهذا لأن الوقت لا يضيق عن أنواع الكف ويضيق عن أنواع الفعل وهذا الفصل يضعف لأن الكلام فى مقتضى اللفظ فى نفسه وأما التضايق وعدم التضايق معنى يوجد من بعد وربما يوجد وربما لا يوجد فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ وعلى أنه يلزم على هذا الفصل أن يقتضى الأمر الفعل على الدوام إلا القدر الذي يعتذر عليه ويمنعه من قضاء حاجته وهذا لا يقوله أحد وقد بينا الفرق بين الأمر والنهى فى قولنا أن الأمر لا يقتضى فعلا على وجه التنكير وهو ما يخص فى الأمر ويعم فى النهى وهو جواب معتمد وأيضا فإنه يمكن أن نفرق بينهما بالمسائل التى ذكرناها فى البر والحنث وكذلك مسائل الوكالات.\nوأما قولهم أن اعتقاد الوجوب يجب على الدوام.\nقلنا لا يجب عليه إلا أن يعتقد وجوب الفعل مرة إلا أنه لا يجوز أن يترك هذا الاعتقاد لأنه يؤدى إلى أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو به وهو مثل ما إذا قيل بمرة واحدة فإنه يلزمه إعتقاد وجوبه على ما يلزمه فى الأمر المطلق ومع ذلك هو غير مقيد للتكرار.\nوأما قولهم أنه لوأفاد العمل مرة لم يجز عليه النسخ.\nقلنا عندنا يجوز نسخ المأمور قبل وجود وقت فعله ولا يكون أداء فكيف يكون هذا أداء وسنبين ذلك من بعد.\nوقد قال بعض أصحابنا إنا إذا قلنا أن الأمر على الفور ويقتضى الفعل مرة لا يجوز عليه النسخ وإنما يجوز النسخ عليه إذا دل الدليل على إفادته التكرار وأن قلنا أنه دليل على التراخى والأمر وأن اقتضى الفعل مرة ولكن الأوقات تتناوب فيه فجاز النسخ بعد ما مضى وقت واحد ولا يدل ذلك على الأداء وأما الذي قالوا: أنه ينبغى أن يحمل على العموم فى الجنس.\nقلنا قد بينا أن التقدير فى اللفظ صل صلاة أو صم صوما وعلى هذا لا يجوز حمله على الإستيعاب فى الجنس وحين وصلنا إلى هذا الموضع فقد إنتهت المسألة.","vol":"1","page":72},{"text":"ومما يتفرع على هذه المسألة الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يتكرر بتكرارها١.\nوالمذهب الصحيح أنه لا يتكرر بتكرارها وقضيته عند وجود الشرط والصفة مثل قضيته عند إطلاق الأمر.\nوزعم بعض أصحابنا أنه يتكرر بتكرارها٢ وأن كان لا يفيد التكرار عند.\n_________\n١ استدل أصحاب هذا القول على أنه لا يفيده من اللفظ بأن الأمر المعلق بشرط أو صفة يقتضي توقف الأمر على هذا الشرط أو تلك الصفة - وذلك التوقف محتمل لأن يكون بالنسبة للمرة الواحدة وبالنسبة لجميع المرات - والدال على الأعم من حيث هو أعم لا دلالة له على الأخص من حيث خصوصه وبذلك لا يكون الأمر المعلق بشرط أوصفة دالا على تكرار الأمر بتكرار الشرط والصفة واستدلوا على أنه لا يفد التكرار من جهة القياس بأن تعليق الأمر على الشرط أقوى من تعليقه على العلة لأن العلة تتعدد والشرط لا يتعدد وتعليق الأمر على الشرط لا يدل على تكرار المشروط بتكرار الشرط فإن من قال لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار لا يقتضي هذا القول الإذن للوكيل يتعدد الطلاق تبعا لتعدد الشرط وهو الدخول فتعليق الأمر على العلة لا يدل على تكرار المعلول بتكرار العلة بطريق الأولى وإذا ثبت ذلك ثبت أن تعليق الأمر على الشرط أو الصفة لا يدل على التكرار لأن أقصى ما يفيده التعليق عليهما العلية وقد قلنا: إن تعليق الأمر على العلة لا يفيد تكرا المعلول بتكرار علته.\nنوقش هذا: أن العلة أقوى من الشرط لأنها تؤثر بطرفي الوجود والشرط إنما يؤثر بطرف العدم فقط ولذلك قالوا: يلزم من وجود العلة وجود المعلول ومن عدم المعلول - ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط وإذن يكون تعليق الحكم على العلة أقوى من تعليقه على الشرط وإذا ثبت أن ترتيب الأمر على الوصف أو الشرط يفيد أن كلا منهما علة للأمر فقد ثبت أن تعليق الأمر بكل منهما يفيد التكرار من جهة القياس لأن العلة كلما وجدت يوجد المعلول انظر نهاية السول ٢/٢٨٢ المستقصى للغزالي ٧١٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٣٦، ٢٣٧ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٤، ١٦٥.\n٢ أي أنه يفيد لفظا\nواستدل أصحاب هذا القول بما يأتي:\nلو لم يكن الأمر المعلق بشرط أو صفة مفيدا للتكرار المأمور به بتكرار الشرط أو الصفة لكن المأمور به يتكرر وبتكرار الشرط أو الصفة فكان الأمر المعلق بكل منهما مفيدا للتكرار لفظا لأن الأصل في الإفادة أن تكون بواسطة اللفظ.\nدليل الملازمة: أن تكرر المامور به تابع للتكليف به والتكليف إنما يستفاد من الخطاب وإذا لم يكن الخطاب مفيدا للتكرار لم يكن المكلف مكلفا بالتكرار.\nدليل الاستثنائية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ فإن الغسل يتكرر بتكرار الجنابة والقطع يتكرر بتكرار السرقة........=","vol":"1","page":73},{"text":"الإطلاق١ وتعلقوا بالأوامر المعلقة بالشروط فى القرآن فإنها تتكرر بتكرار الشروط كذلك ما جاء فى غير القران يكون كذلك ولأن الشروط كالعلة.\nألا ترى أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط مثل ما إذا وجدت العلة وجد المعلول ولا خلاف أن المعلول يتكرر بتكرار العلة كذلك وجب أن يتكرر المشروط بتكرار الشرط ولأنه لا خلاف أن النهى المتعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط فكذلك الأمر يكون كذلك.\n_________\n= نوقش هذا الدليل بأن تكرر الحكم فيما ذكرتم جاء من جهة أن كلا من الشروط والوصف قد قام الدليل على أنه علة للحكم والمعلول يتكرر بتكرار علته اتفاقا ولذلك إذا لم يثبت أن الشرط على للحكم - لا يتكرر الحكم بتكرر الشرط كالأمر بالحج فإنه معلق بشرط هو الاستطاعة ومن المتفق عليه أن الحجلا يتكرر بتكررها ومن هنا يعلم أن اللفظ بمقتضاه لم يفد التكرار ولكن التكرار قد يستفاد من شيء آخر ككون الشرط أو الوصف علة للحكم - وهذا لا يضرنا انظر نهاية السول ٢/٢٨٢ انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٥.\n١ واعلم أن هناك مذهبا ثالثا وهو أنه لا يفيد التكرار من جهة اللفظ ولكنه يفيده من جهة القياس قد استدل البيضاوي على أن الأمر المعلق بشرط أو صفة لا يفيد تكرار من جهة اللفظ بأمرين: الأول: الأمر المعلق بشرط أو صفة يقتضي ثبوت الحكم عند وجود الشرط أو الصفة وثبوت الحكم عند وجود كل منهما محتمل لثبوت عند كل منهما مرة واحدة وثبوته عند كل منهما مرات فاللفظ صالح لكل منهما والصالح للأعم من حيث عمومه لا يصلح للأخص من حيث خصوصه وبذلك لا يكون اللفظ دالا على التكرار بخصوصه.\nالثاني لو قال الشخص لوكيله: إن دخلت زوجتي الدار فطلقها لا يقتضي هذا القول الإذن للوكيل في طلاق الزوجة كلما دخلت الدار بل الوكيل لا يملك إلا إيقاع الطلاق عليها مرة واحدة عند حصول الشرط ولو كان الأمر مقتضيا للتكرار لفظا لكان الوكيل مأذونا بإيقاع الطلاق أكثر من مرة.\nواستدل على أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة يفيد التكرار قياسا بأن ترتب الحكم على الشرط أو الصفة يدل على أن كلا منهما علة للحكم ولا شك أن المعلول يتكرر بتكرر علته والقياس مأمور به فيكون الأمر المعلق بالشرط أو الصفة مفيدا للتكرار بالقياس.\nنوقش هذا الدليل بأنه منقوض بقول القائل لوكيله: إن دخلت زوجتي الدار فطلقها فإن هذا أمر معلق على شرط وهو يقتضي أن الشرط علة في الطلاق كما تقول ومع ذلك لم يتكرر الطلاق بتكرر الشرط.\nأجيب عن ذلك: بأن هذا التعليق وإن أفاد أن الشرط على للظلاق إلا أن هذه العلة لا تعتبر لأن الشارع لم يجعل الدخول علة للطلاق وإنما الذي جعله هو المطلق ولا عبرة بجعله هذا لأنه ليس له سلطة التشريع في الأحكام وهذا هو السر في أن الطلاق لم يتكرر بتكرر الدخول انظر نهاية السول ٢/٢٨٢، ٢٨٣ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٦، ١٦٧.","vol":"1","page":74},{"text":"لأنه ضده ولأن عمل أحدهما فى الفعل مثل عمل الآخر فى الكف عن الفعل وأما الدليل لنا أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار وكذلك المعلق بالشرط لأن الشرط لا يقتضى إلا تآخر الأمر إلى وجود الشرط ثم إذا وجد الشرط تعين الأمر منزلة الإبتداء فى هذه الحالة فلا يفيد إلا ما يفيده عند ابتدائه ولأنه إذا قال لغلامه إذا دخلت السوق فاشتر كذا فإنه لا يفيد أنه كلما دخل السوق يجب عليه أن يشترى اللحم وهذا معلوم قطعا ومن ادعى خلافه فهو مكابر.\nوأما تعلقهم بالأوامر الواردة قبل الشرع على التعليق بالشرط.\nفقلنا لم يكن ذلك قضيته الأمر بل كان ذلك بدلا دلت عليه قرائن اقترنت بالأمر فأفادت ذلك.\nوأما التعلق بالعلة قلنا العلة موجبة للحكم والموجب لا ينفك عن الموجب أو هي دلالة على الحكم والدليل لا ينفك عن المدلول وأما الشرط فليس بموجب للحكم ولا هو دلاله عليه إنما هو علامة على الحكم فحسب ويجوز أن يوجد الشرط ولا مشروط وسنبين بعد هذا الفرق بين العلة والشرط وعلى الإيجاز نقول هاهنا أن الحكم يقتصر ثبوته على العلة ولا يحتاج إلى أمر آخر وثبوت المشروط لا يقتصر على الشرط بل يحتاج إلى موجب يوجبه وهو العله.\nمثال هذا أن كون الواحد منا حيا شرط لكونه قادرا وكونه قادرا لا يثبت كونه حيا بمعنى آخر وراء الحياة.\nوأما تعلقهم بالنهي فقد أجبنا عنه في المسألة الأولى والله أعلم.\nمسألة: إذا ثبت أن الواجب بالأمر الفعل الواحد فهو على الفور أو على التراخى.\nاختلف أصحابنا فيه.\nفقال ابوعلى بن خيران وأبو على بن أبى هريرة وأبو بكر القفال وأبو على صاحب الإفصاح أنه على التراخى وهو الأصح وهو قول أكثر المتكلمين ونصره أبو بكر محمد بن الطيب وقاله أبو على وأبو هاشم.\nوزعم أبو بكر الصيرفى من أصحابنا والقاضى أبو حامد وأبو بكر الدقاق أنه على الفور وهو قول أكثر أصحاب أبى حنيفة وذهب إليه طائفة من المتكلمين.","vol":"1","page":75},{"text":"وقال بعضهم أنه على الوقف ولا يحمل على الفور ولا على التراخى إلا بدليل١.\n_________\n١ اعلم أن الأمر المقيد بزمن يقع فيه الفعل يدل على وجوب ذلك الفعل في ذلك الزمن سواء تساوى الزمن كله كرمضان أم كان الزمن أكثر من الفعل كوقت الظهر أن الأمر الذي لم يقيد بزمن يقع فيه الفعل فالقائلون بإنه يدل على التكرار يقولون أنه \"الأمر\" يدل على الفور ضرورة أنالتكرار يستلزم الفور لأن التكرار مطلوب في جميع ما يمكن \"التكرار هو شغل جميع الأزممنة الممكنة بهذا الفعل ومن ضمن الأزمنة الوقت الأول\" من أزمنة العمر ومن جملتها الزمان الأول فوجب \"يستلزم بالتكرار القول بالفور\" أن يكون الأمر للفور.\nأما غير القائلين بالتكرار فقد اختلفوا في دلالته على الفور أو غيره على أربعة مذاهب:\nالأول:\nوهو المختار عند جمهور الحنفية والشافعية وغيرهم لا يدل على الفور ولا على التراخي وإنما يفيد طلب الفعل فقط وايهما حصل كان مجزيا.\nواستدلوا على ذلك بما يأتي: أن الأمر المطلق ورد استعماله في الفور كما في قوله تعالى: ﴿وآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وورد استعماله في التراخي كما في قول النبي ﷺ \"إن الله كتب عليكم الحج فحجوا\" ويلزم من هذا أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو طلب الفعل من غير تعرض لوقت من فور أو تراخي والإلزام الاشتراك اللفظي إن قلنا أنه موضوع لكل منهما أو المجاز وإن قلنا أنه موضوع لأحدهما وهو حقيقة فيه مجاز في الآخر وهما خلاف الأصل \"العدول من الأصل إلى خلافه ممنوع\".\nالثاني:\nأنه يعمل على الفور فلو أخر المكلف عصى بالتأخير وإليه ذهب الحنفية واستدلوا لذلك لما يأتي:\nأولا: إن الله تعالى ذم إبليس عليه اللعنة على ترك السجود لآدم ﵊ بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فلو لم يكن الأم رللفور لما استحق الذم ولكان لإبليس أن يقول إنك ما أوجبته على الفور \"أي على التأخير ولكن كونه ذم دل على الفور\" ففيم الذم.\nوأجيب بأن ذلك الأمر الوارد وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ وفيه قرينتان تدلان على الفور إحداهما: الفاء وهي في اللغة للتعقيب والثانية وهو فعل الأمر وهو قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ حيث وقع جوابا لإذا وهي طرف والعامل فيهما جوابهما على رأي البصريين فيكون التقدير حينئذ \"فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه\" \"الدلالة على الفور ليس من ذات صيغة الأمر بل من القرائن\".\nثالثا: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالمسارعة إلى المغفرة والمراد أسبابها اتفاقا والمسارعة هي التعجيل بفعل المأمورات فيكون التعجيل مأمورا به وقت ثبت أن الأمر للوجوب فتكون المسارعة واجبة ولا معنى للفور إلا هذا \"أسباب المغفرة........=","vol":"1","page":76},{"text":"......................................................................\n_________\n= إطاعة الأوامر\" ويجاب: بأنا لا نسلم أن حصول الفورية مستفاد من صيغة الأمر بل هو مستفاد من جوهر اللفظ لأن لفظ المسارعة دل عليه كيفما تصرف على ذها الدليل يدل عليه عدم الفورية فهي عليكم وليس لكم لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقته مع جواز الإتيان به في غيره إذ الإتيان بالفعل في الوقت الذي لا يجوز تأخيره عنه لا يسمى مسارعة \"فالمسارعة الفعل في الوقت لو قال السيد لعبده: اسقني وأخره لغير عذر عد عاصيا ولولا أنه للفور ما عد عاصيا.\nوأجيب عن هذا الكلام في أن كلا منهما طلب والنهي يفيد الفور فالأمر مثله يفيد الفور قياسا على النهي.\nويجاب: بأن لا نسلم أن النهي يفيد الفور إذ في إفادته الفورية خلاف سلمنا أنه يفيد الفور \"ترقى في الرد\" لكنه قياس مع الفارق لأنه \"توضيح الفرق\" لما كان النهي مفيدا للتكرار في جميع الأوقات ومن جملتها وقت الحال \"أي المباشر\" لزم ضرورة أن يفيد \"دلل عليه باللازم\" وإنما فهم هذا من القرينة وهي أنه من المعلوم عادة وطلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة إليه عاجلا والكلام يكون مفيدا للفورية بالقرينة وليس محل النزاع بل في المطلق فكان قياسا مع الفارق.\nالمذهب الثالث:\nأنه يدل على وجوب إيقاع الفعل في الحال أو العزم على الفعل في ثاني الحال.\nوهو رأي القاضي ومن وافقه واحتجوا له بأنه ثبت في الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزأه ولو أخل بهما عفى وهذا معنى وجوب أحدهما فيثبت.\nوأجيب عن ذلك بأنا نقطع أن فاعل المأمور به مطيع لكونه أتى بخصوص \"نفس الشيء\" ما أمر به لا لكونه أحد الأمرين منهما \"الفعل أو العزم أي أنه لم يؤمر بالعزم\" وأن ترك العزم على فعل كل واجب إجمالا وتفصيلا من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته سواء دخل الوقت أو لم يخله فإن جوز ترك الواجب بعد مرة أثم وإن لم يدخل الوقت ولم يحن لا انه ترك مخيرا بينه وبين ما أمر به حتى يكون كخصال الكفارة.\nالمذهب الرابع:\nالتوقف \"أي ليس أيا مما سبق\" إما لأنه مشترك بينهما \"أي مشترك لفظي\" أو لأحدهما \"حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر\" ولا نعرفه هو رأي الإمام ومن وافقه واحتجوا لذلك بأن طلب الفعل محقق وجواز التأخير مشكوك فيه \"أي بالمنع في جواز التأخير بالجواز في آخره\" لاحتمال أن يكون للفور فيعطى للتأخير فوجب الفورية ليخرج عن العهدة بيقين.\nوالجواب: لا نسلم أن جواز التأخير مشكوك فيه بل التأخير جائز حتما بما ذكرنا من الأدلة وبهذا رجح رأي الجمهور وهو أن الأمر المجرد عن القرائن لا يدل على الفور ولا على التراخي وإنما يفيد طلب الفعل فقط اهـ مما ذكر الشيخ الحسيني الشيخ في محاضراته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا وانظر نهاية السول ٢/٢٨٦ - ٢٩١ إحكام الأحكام..........=","vol":"1","page":77},{"text":"واعلم أن قولنا أنه على التراخى ليس معناه على أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل لكن معناه أنه ليس على التعجيل.\nوالجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير أن يكون له تعرض للوقت بحال.\nوعند الآخرين أن قوله افعل يقتضى الفعل في أوقات الإمكان فمنهم من قال أن لفظ الأمر يقتضى كذلك ومنهم من قال أن الواجب المستفاد بالأمر يقتضيه.\nأما من قال منهم أن لفظ الأمر يقتضى ذلك فاستدلوا بأمر السيد عبده وصورته أن السيد إذا أمر عبده أن يسقيه الماء فهم منه أن يعجل سقيه الماء ولو لم يفعل استحسن العقلاء ذمة على تأخير سقيه.\nقالوا: فإن قلتم أنه اقتضى ذلك بقرينة نقول أن السيد يعلل ذمه لعبده فيقول: أمرته بشيء فأخره فلا يحل الذم إلا على مجرد تأخير الأمر هذا دليل.\nواستدل أيضا من قال أن لفظ الأمر يقتضي العجل بأن الوقت وأن لم يكن مذكورا في لفظ الأمر فإن الفعل لما كان إنما يقع في وقت وجب أن يفيد إيقاعه في أقرب الأوقات إليه كما أن ألفاظ البيع والنكاح والطلاق والعتاق يفيد وقوعهما فى أقرب الأوقات إليها.\nببينة أن هذه الأشياء إيقاعات من غير أن يكون فيها تعرض للوقت فإذا كان موضوعها على التعجيل لأن الوقت الأول أقرب الأوقات إلى الإيقاع كذلك الأمر الذي هوطلب الفعل.\nوأما دليلهم من حيث النظر في فكرة الأمر فمن وجوه:.\nمنها أن الأمر قد اقتضى وجوب الفعل في أول الفعل والدليل عليه أنه لو أوقعه المكلف فيه أسقط بذلك الفرض عن نفسه فجواز تأخيره نقض لوجوبه لأن حد الواجب ما لا يسع تركه ولاشك أن تأخيره ترك لفعله في وقت وجوبه فثبت أن في التأخير نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة وهذا باطل وهذا دليل معتمد.\nقالوا: فإن قلتم أن التأخير لا ينقض الوجوب ولا يلحقه بالنافلة لأن النافلة يجوز الإخلال بها أصلا وهذا لا يجوز الإخلال به لأنه وأن أخره فلا بد أن يفعله في\n_________\n= للآمدي ٢/٢٤٢ - ٢٥٠ وروضة الناظر وجنة المناظر ١٧٨ - ١٧٩ المعتمد ١/١١ أصول الفقه للسرخسي ١/٢٦ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/١٦٧ - ١٧٣.","vol":"1","page":78},{"text":"زمان غيره وهذا غير صحيح لأن الإلزم هو وجوبه في أول أوقات الإمكان ثم جواز تركه فقد يلحق بالنافلة في هذا الوقت وليس الإلزام أنه التحق بالنافلة على الإطلاق حتى يفصلوا بينه وين النوافل المطلقة إنما الإلزام الحاقه بالنافلة في وقت وجوبه.\nقالوا: وقول بعض أصحابكم أن التأخير إنما جاز ببدل يقيمه مقام فعله وهو العزم على فعله في الوقت الثاني فهذا كلام باطل لأنه أولا إثبات بدل العبادة لادليل عليها.\nفإن قلتم وجوب العزم بالإجماع على أداء الفعل في الثاني دليل نقول لكم ومن بسلم بهذا الإجماع بل لو قيل أن الإجماع على سقوط وجوب العزم كان صحيحا فإن من دخل عليه وقت الصلاة فأخرها عن أول وقتها من أن يخطر بباله عزما أو ترك عزم فإنه لا يعلم بين الأمة خلاف أنه يجوز له ذلك وإذا فعل الصلاة من بعد في وقتها لم يكن عليه وزر ولا وبال وقالوا: اللهم إلا أن يكون المعنى من الوجوب العزم الذي هو أصل ما يجب على كل مؤمن من التزام الفعل وكونه على أدائه وترك الإخلال به وهذا أمر لا يختص بالأوقات فإنه يجب على كل إنسان في العبادات قبل دخول أوقاتها بعد دخولها في قضية الأوامر الواجبة بعد وجود أوقاتها قالوا: ولأن العزم لو كان بدلا عن العبادة لوجب أن يقوم مقام العبادة بحال لأن البدل ما يقوم مقام الأصل فى وجوه مصالحها وأجمعنا على أنه لا يقوم مقام العبادة بحال فإن أصل الفعل لا يسقط بالعزم على الفعل بوجه ما.\nقالوا: فإن قلتم أنه يقوم مقامه في الوقت الأول دون الوقت الثاني.\nنقول إذا قام مقامه في الوقت الأول وقضية الفعل في الوقت الأول سقوط الفرض عن المكلف فينبغي أن يقوم مقامه في هذا الغرض قالوا: ولأنكم اعتقدتم هذا الأمر فرضا آخر معجلا وهو العزم على الفعل من غير أن يكون لصيغة الأمر تعرض له واعتقدتم تأخير الفعل مع اقتضاء الأمر الفعل ولا دليل على التأخير وهذا خطأ فاحش فبطل قول من قال أن العزم يدل وصح الدليل الذي تعلقنا به.\nدليل آخر للقائلين بموجب الأمر على الفور وهو أن الأمر بالفعل يقتضي الفعل ويقتضي اعتقاد وجوبه ويقتضى العزم على فعله ثم كان اقتضاؤه اعتقاد الوجوب واقتضاؤه العزم على فعله على الفور والتعجيل فكذلك اقتضاؤه الفعل يكون على هذا الوصف أيضا وتعلقوا بالنهى أيضا فإنه يقتضي الإنتهاء عن الفعل على الفور فكذلك.","vol":"1","page":79},{"text":"الأمر يكون اقتضاؤه بالفعل على الفور ولأن كل واحد نظير صاحبه ومما يعتمدون عليه وهو شبه المسألة وإشكالها أن القول بالتأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة فيكون باطلا فى نفسه لأن ما يؤدى إلى الباطل باطل وإنما قلنا ذلك لأنه إذا جاز التأخير فلا يخلو أما أن يجوز إلى غاية أو لا إلى غاية فإن جاز لا إلى غاية فإما أن يجوز إلى بدل أو لا إلى بدل فإن قلتم لا إلى بدل فهذا نقض لوجوبه وإلحاق له بالنوافل وهو لا يجوز وأن قلتم يجوز إلى بدل فإما أن يكون البدل هو العزم على فعله فى الوقت الثانى أو الوصية به فأما العزم فقد أبطلنا كونه بدلا والمعتمد فى إبطاله أنه لا دليل على كونه بدلا فلا يجوز تأخير العبادة إلى بدل لا دليل عليه.\nفان قلتم أن الإجماع ثابت على وجوب العزم فقد بينا أن لا إجماع وعلى أنه وأن وجب العزم فوجوب الشيء لا يدل على أنه يكون بدلا من غيره بل الأصح أن الأمر يوجب الفعل أصلا ويوجب العزم عليه أصلا إلا أن وجوب أحدهما بالصريح ووجوب الآخر بالدلالة وأما القول بجواز التأخير إلى بدل الوصية فباطل أيضا لأنه ليس كل العبادات مما يجوز الوصاية بفعلها وعلى أنه أن كان أمر الله تعالى لنا أن نفعل العبادة لا يمنع من أن يعزم على الإخلال أو يوصى غيرنا بها لم يمنع أيضا أمرنا الوصى أن يوصى بما وصيناه به ويحل بفعله بنفسه وكذلك القول فى الوصى الثانى والثالث إلى ما لا يتناهى.\nقالوا: وأن قلتم يجوز التأخير إلى غاية فلا يخلوا لنا أن تكون الغاية معينة أو موصوفة فالمعينة أن يقال يجوز له التأخير إلى اليوم الثانى أو الثالث أو وقت كذا أو سنة كذا فلا يجوز تأخيره بعده وهذا لم يقل به أحد ولا دليل عليه فهو باطل.\nوأما الموصوفة فهو أن يقال يجوز له تأخيره إلى الوقت الذي يغلب على ظنه أنه لو آخر عنه فات وهذا لا يخلوا أما أن يغلب على ظنه لا بأمارة أو يغلب على ظنه بأمارة من شدة مرض وعلو سن وغير ذلك وهذا باطل ايضا أما غلبة الظن لا عن إمارة فليس بشيء لأن الظن لا عن أمارة لا يجوز تعليق حكم الشرع به ولأنه قد يغلب الظن على السوء اى فى الموت وغيره ولا يجوز أن نعتبر مثل هذا الظن فى شيء وأما الظن عن أمارة فهو باطل أيضا لأن كثيرا من الناس يموتون فجأة وبغتة ولا يوجد لهم غلبة الظن فيموتون فما قلتم يقتضى أنه لم تجب عليهم العبادة لأنه قد جاء عندكم التأخير إلى غاية ولا غاية فى حقهم وكان التأخير لهم جائزا على الإطلاق.","vol":"1","page":80},{"text":"فانتقض الوجوب فى حقهم أصلا.\nببينة وهو الإشكال أن الأمر بالفعل يقتضى الفعل لا محالة هذا الطريق صار موجبا للفعل على ما سبق بيانه وعلى ما قلتم لا يكون موجبا للفعل لأنه لا يكون مقتضيا للفعل لا محالة لأنه إذا جاز التأخير ولم يتضيق عليه فى وقت ما فلا وجوب وأن تضيق عليه فى وقت ما فلا يكون ذلك التضييق على العموم فى حق المكلفين فإنه أن يضيق فى حق من يغلب على ظنه لا يتضيق فى حق من لا يغلب على ظنه ويموت بغتة فلا يكون الأمر مقتضيا للفعل لا محالة فينتقض الوجوب.\nوالحرف أن الأمر إذا أوجب الفعل على العموم فلا يجوز أن يكون علامة الوجوب إلا على الأمر وأما حجة القائلين بالتراخى وهو الأصح فدل أولا أنه ليس فى لفظ قوله افعل دليل على صفة الفور والتعجيل فنقول قوله افعل صيغة موضوعة لطلب الفعل ولا تقتضى إلا مجرد طلب الفعل من غير زيادة كسائر الصيغ الموضوعة للأشياء فإنها لا تفيد إلا ما وضع لها ولا يفيد زيادة عليها وأقرب ما يعتد صيغة طلب الفعل فى المستعمل بصيغة الخبر عن الفعل الماضى ثم لو أخبر عن فعل فى الماضى لم يدل الخبر عن الفعل إلا على مجرد الفعل ويكون خبر الفاعل عن الفعل بعد فعله بمدة قرينة على وجه واحد كذلك هاهنا وهذا لأن قوله لغيره افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه ما وإنما هو مجرد طلب الفعل وليس فيه دليل على وقت متقدم وعلى وقت متآخر ولا يجوز أن يدل اللفظ على ما لا يتعرض له اللفظ وهو دليل على التقييد وهذا لا يجوز كيف وقد جعلوا تقييد المطلق نسخا له فى كثير من المسائل على ما عرف من مذهبهم إيقاع الفعل فحسب إلا أن الزمان من ضرورته لأن الفعل من العباد لا يصير موقعا إلا فى زمان فصارت الحاجة ماسة إلى الزمان ليحصل الفعل موقعا والزمان الأول والثانى والثالث فى هذا المعنى وهو حصول وقوع الفعل واحد وإذا استوت الأزمنة فى هذا المعنى بطل التخصيص والتقييد بزمان دون زمان وصار كما لو قال افعل كذا فى أي زمان شئت فهذه الدلائل من حيث بيان أن الأمر لا يقتضى التعجيل بلفظه ثم يدل على أنه لا يقتضى التعجيل بفائدة فنقول لو كان يقتضى التعجيل بفائدته لكان يقتضيه من حيث أن الأمر يفيد الوجوب ولا يتم الوجوب مع القول بجواز التراخى وهذا لا يصح لأن الفعل يجوز أن يكون واجبا على المكلف وأن كان مخيرا بين فعله فى أول الوقت وفعله فيما بعده فيجوز له التأخير ما لم يغلب على ظنه فواته.","vol":"1","page":81},{"text":"إن لم يفعله فمتى غلب على ظنه فواته أن لم يفعله حرم التأخير فيكون هذا الأمر مقتضيا طلب الفعل منه فى مدة غيره بشرط أن لا يخلوا زمان العلم منه فيصير واجبا عليه بوصف التوسع لا بوصف التضييق والتكليف على هذا الوجه لا يمنع منه معقول ولا مشروع.\nأما المعقول فإنه لو صرح بمثل هذا الأمر لم يكن مستنكرا عند أحد العقلاء ولو قال السيد لغلامه افعل كذا غدا أو قال افعل فى شهر كذا أو سنة كذا ومراده أن يأتى به فى أي وقت يختاره من هذه المدة بشرط إلا يخلى المدة منه فإنه يكون صحيحا غير مستبعد ولا مستنكر وأما المشروع فقد ورد الشرع بمثاله وذلك فى الصلوات المفروضات فى الأزمنة المعلومة لها وكذلك القضاء الواجب عند ترك الصوم بعد زوال الكفارات الواجبات والزكوات على أصولهم وبهذا المعنى أجمع أهل العلم على أنه فى أي زمان فعله يكون مؤديا ويحسن أن يوصف بالإمتثال لأمره ولهذا المعنى أجمع أهل العلم أيضا أن الإيمان على الأفعال يحصل البر فيها سواء اتى بالأفعال على الفور أو على التراخى فيثبت أنه لا دليل على صفة الفورية لا من جهة لفظ الأمر ولا من جهة فائدته والقول بالشيء بلا دليل عليه باطل.\nفإن قالوا: ليس مع هذا كله أجبتم المسارعة والمبادرة فى الأوامر فكذلك جاز أن وجب ذلك.\nقلنا إنما أوجبنا المسارعة والمبادرة بلا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة معناه لكن بدليل أجنبى جاء من جهة الشرع استجلب المبادرة إلى كل الطاعات والكلام فى هذا الاقتضاء من حيث اللفظ وقد يدل على ما ذكرناه أيضا قصة عمر ﵁ أنه قال لأبى بكر ﵁ فى زمان الحديبية من صد النبى ﷺ عن البيت ووقوع الصلح على الرجوع فى ذلك العام أليس أن الله تعالى وعدنا أن ندخل المسجد الحرام فقال له أبو بكر أقال العام قال لا قال فسندخل فسكت عمر وعلم الحق من قوله وكذلك سائر الصحابة ﵃ علموا ذلك واعتقدوا صدق الوعد بهذا الطريق مع وجوه تراخى الدخول فثبت أنهم علموا ذلك بالطريق الذي قدمناه فكذلك الأمر يكون بمثابته ومنوالهم على ما ذكرناه بما أوردناه فى شبههم وسنفصل عنها ونزيل الإشكال منها بعون الله تعالى.\nالجواب أما كلامهم الأول وهو تعلقهم بالسيد إذا أمر غلامه بسقيه الماء.","vol":"1","page":82},{"text":"قلنا إنما عقل التعجيل فى ذلك الأمر بقرينة دلت عليه وهى علم العبد أن السيد لا يستدعى الماء إلا وهو محتاج إلى شربه هذا هو الأغلب ولو لم يوجد إلا فى الأمر فإنه لا يعقل ذلك.\nوأما قولهم أن السيد يقول: أمرته بكذا فأخره.\nقلنا وقد يعتذر العبد فيقول: أمرنى بكذا ولم يأمرنى بتعجيله ولا علمت أن عليه فى تأخيره مضرة.\nوأما كلامهم الثانى قلنا هذه الأحكام التي تعلقوا بها عامة صيغها صيغ أخبار وقد بينا أن صيغة الخبر لا تدل على قرب من المخبر عنه ولا يعد إلا بدليل يقترن به أيضا فإن هذه العقود فى الشرع إيقاعات تقتضى أحكاما على التأبيد فلا بد أن تتصل أحكامها بالعقود ليصح القول بإتيانها على التأبيد فهو مثل النهى فى مسألتنا فإنه لما اقتضى الانتهاء والكف على التأبيد اقتضى الانتهاء على الفور ليصبح القول بثبوتها على التأبيد.\nفإن قيل كون الحكم إذا وقع دام لا يمنع من النظر فى ابتداء وقوعه أنه يقع معجلا أو على التراخى وهو كالملك فى الثمن المؤجل فإنه يقع الملك فيه فى المستقبل ثم إذا وقع دام وهو لا يمنع ذلك من النظر فى ابتداء وقوعه أنه على التعجيل أو على التراخى ويكون ذلك بحسب قيام الدليل عليه.\nقلنا إذا كان قضية الشيء أن يكون حكم على الدوام فاعتقاد التراخى فيه يفضى إلى اعتقاد الجزم فى صفة الدوامية لأنه يتراخى ويتراخى إلى زمان يوجد حكم اكتسب فى ذلك الزمان ولا يتصور معنى الدوام فيه فلهذا قلنا أنه يكون على الفور على ثبت صفة الدوام ثم نقول فى هذه المسائل التى قاسوا عليها لم تثبت صفة التعجيل بصيغ هذه الألفاظ وإنما ثبتت بإثبات الشرع لها ذلك وكلامنا وقع فى مقتضى صيغة اللفظ فسقط تعلقهم بها من هذا الوجه وهذا جواب معتمد.\nوأما دليلهم الذى قالوه من جهة فائدة اللفظ قولهم أن الأمر قد أفاد الوجوب فى أول أوقات الإمكان.\nقلنا أي شيء يعنون بهذا أن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على وجه لا يجوز تأخيره عنه فلا نسلم ذلك وأن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على معنى أنه إذا أوقعه فيه يقع من الواجب قلنا لم قلتم إذا كان على هذا الوصف وجب إلا يجوز التأخير.","vol":"1","page":83},{"text":"فإن قلتم لأنه كان واجبا فى أول الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه وإلحاقه بالنوافل.\nقلنا لا يؤدى إلى ذلك لأنه إنما يؤخر لا لأنه غير واجب بل يؤخر لأنه واجب موسع عليه فى وقته والواجب على وجهين واجب موسع على المكلف فى وقته وواجب مضيق على المكلف فى وقته فالمضيق عليه فى وقته لا يجوز تأخيره فأما الموسع عليه فى وقته يجوز تأخيره وهذا التأخير لا يخل بصفة الواجبية لأنه جوز لنا التأخير عن أول أوقات الإمكان إلى وقت مثله فى الإمكان وشرط عليه أن لا يخلى كل الوقت عن الفعل ولما أخلا عصى وأثم فعلى هذا أفاد صفة الواجبية ولم يلتحق بالنافلة فهذا وجه الجواب عن هذا الدليل وقد سلك بعض أصحابنا طريقا آخر فى الجواب وقال إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم وزعم أن الإنسان إنما يجوز له التأخير بشرط أن يكون عازما على فعله الثانى.\nوذكر القاضى أبو الطيب وجهين للأصحاب فى وجوب العزم وهذه الطريقة صعب تمشيتها شاق مسلكها للمسائل التى ذكرناها وما ذكرناه من الجواب معتمد وهو كاف\nويقال أيضا لهم إنكم تعلقتم بسقوط الأمر عنه بفعله فى أول الوقت بمعنى يستوى فى ذلك الوقت الأول والثانى وذلك لأن الأمر اقتضى إيقاع الفعل فقط من غير تعرض للوقت فإذا فعله فى الوقت الأول فقد أوقع الفعل وإذا فعله فى الوقت الثانى أو الثالث فقد أوقع الفعل فكان سقوط الفرض عنه بفعل المأمور فى أول الوقت لا لمعنى يرجع إلى الوقت بل كان لوجود حصول الفعل على ما اقتضاه الأمر وقد استوى فى هذا المعنى كل الأوقات فصار جميع الأوقات فى هذا الوقت واحدا وصح الفعل فى الوقت الثانى والثالث من حيث صحته فى الوقت الأول ولم يؤد هذا التوسع عليه إلى إلحاقه بالنوافل لما بينا من قبل.\nوأما ما تعلقوا به من وجوب الإعتقاد على التعجيل.\nقلنا ولم قلتم إذا وجب تعجيل إعتقاد وجوب المأمور به وجب تعجيل المأمور به وما أنكرتم أن تعجيل الاعتقاد وجب لدليل يخصه لا للأمر وإنما كان يلزم ذلك أن لو وجب لقضية الأمر.\nفإن قالوا: أن الاعتقاد تابع للمعتقد فإذا تعجل الاعتقاد وجب أن يتعجل المعتقد قلنا والمطالبة مع هذا ولم إذا وجب تعجيل الاعتقاد مع هذا وجب تعجيل المعتقد","vol":"1","page":84},{"text":"ويتصور انفصال أحدهما عن الآخر.\nثم يقال لهم إنما وجب تعجيل اعتقاد الوجوب لأنه إذا كان قام الدليل للمكلف فى أن الأمر يفيد الوجوب وقد وجد الأمر فكيف يتصور أن لا يعتقد وجوب الأمر والأمر على هذا الوجه فأما تعجيل الفعل فيجوز أن يعتقد الوجوب فى المأمور ومع هذا لا يجب عليه تعجيله لما بينا من قبل وعلى أنا نقول يلزمه اعتقاد وجوبه على التوسع كما يلزمه فعله على التوسع وإذا وجب الفعل على حسب ما يعتقده من الوجوب ووجب الاعتقاد على حسب ما يلزمه من الفعل لم يقع الفرقان بوجه ما وأما تعلقهم بفصل النهى فقد أجبنا عنه من قبل وهو أنه يقتضى الانتهاء على الدوام فإنما كان على الفور والتعجيل لأنا إذا لم نعجله على هذا الوقت أدى إلى بطلان صفة الدوامية فيه على ما سبق بيانه ويمكن أن يجاب عن فصل اعتقاد الوجوب بهذا أيضا وأما الذى ذكروه من بعد هذا وهو أن القول بجواز التأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة قلنا لا يؤدى لأنا نقول يجوز له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه إذا آخر يفوت المأمور ونقول أن الظن المعتبر هو الظن عن إمارة وهذا قسم صحيح جائز اعتقاده لأن الظن عن أمارة دليل من دلائل الشرع.\nفيجوز بناء الأحكام عليه بدليل الاجتهاد فى الأحكام فكذلك هذا الحكم يجوز بناؤه عليه ولأن الله تعالى قد كان أوجب الوصية للأقارب فى ابتداء الاسلام عند حضور الموت على ما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ولا يعرف حضور الموت إلا بغلبة الظن عن إمارة وقد بين الشرع إيجاب الوصية عليه كذلك هاهنا يجوز أيضا مثله\nوأما قولهم أنه ربما يموت بغتة أو فجأة.\nقلنا هذا الذى قلتم نادر والظاهر الأغلب فى حق الناس موافقة علامات حضور الموت واحتباس الإنسان بضعفه وحضور أجله ومعرفته بظهور علاماته فيه والنادر لا يدخل فيما بنى أمره على الأعم الأغلب بدليل ما قلناه فى الوصية.\nفإن قالوا: ما قولكم إذا مات بغتة يموت عاصيا أو لا يموت عاصيا.\nفإن قلتم يموت عاصيا فمحال لأنا أطلقنا له التأخير فاخترمته المنية من غير أن يحس بحضورها لم يتصور إطلاق وصف العصيان عليه لأن وصف العصيان بالتأخير مع إطلاق التأخير محال.","vol":"1","page":85},{"text":"وإن قلتم يموت لا عاصيا فلم يبق للوجوب فائدة.\nالجواب أنا نقول يموت لا عاصيا ولا يدل هذا على بطلان فائدة الوجوب وذلك لأنا بينا أن الوجوب على التوسع جائز وردوه مشروعا ومعقولا وبينا أن التأخير لا يدل على أن المأمور غير واجب لأنه يجوز له التأخير عن الوقت الأول فى الفعل إلى وقت مثله فى الفعل فلا يكون محرما عليه لأن المحظور عليه فى الواجبات تركها على الإطلاق والترك على الإطلاق هو الترك على وجه يفوت المأمور والتأخير على هذا الوجه الذي أطلقناه ليس فيه تفويت المأمور ثم إذا أحس بالفوات وهو إذا ظهرت عليه أمارات حضور الموت ضيقنا عليه الأمر ومنعناه من التأخير وأما إذا مات بغتة وفجأة فهو غير مفوت للمأمور لأنه إنما آخر من وقت إلى وقت مثله وقد بينا أن مثل هذا لا يعد تفويتا وإذا صار حيث يؤدى إلى التفويت منعناه من التأخير فصار الفوات عند موته بغتة محالا به على الله تعالى لا على العبد لأنه قد فعل ما كان مطاقا له ذلك فعنذ ذلك الفعل منه لم يجز وصفه بالتفويت على ما سبق بيانه إلا أنه صار فائتا بمعنى من قبل الله تعالى فلم يجز أن يوصف بالعصيان وهو كالأمر المضيق إذا لم تساعده الحياة فى وقته وكان من هذا الوجه على العبد لم يجز أن يوصف بالعصيان وجعل الفوات لمعنى من قبل الله تعالى كذلك هاهنا وعدم وصفه بالعصيان لم يدل على ذهاب فائدة الوجوب لأنا حققنا صفة الواجبية مما يعود إلى فعل العبد من منعه وتفويته فبوجود الفوات من قبل الله تعالى لا نبطل فائدة الوجوب فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل ولم نبق على ما قررناه إشكال بوجه ما وهذا الفصل قد أعيى الفحول من الأصحاب حتى رأيت بعضهم يقول فى أصوله لا يستقيم مع قولنا أنه غير عاص إلا أن يحكم أنه لا وجوب وكذلك زعم أن الصلاة فى أول الوقت لا تجب والمفعول فى أول الوقت ينبغى أن يكون نافلة وهذا ترك لمذهب الشافعى ﵀ ومساعدة للمخالفين وليس سبيل من ينصب للتقدم فى مذهبه ويعتقد أنه الفحل المدافع عن حريمه أنه إذا جاء إشكال فى المسألة يترك مذهب صاحبه ويوافق الخصوم بل ينبغى أن يبذل له جهده ويجعل فكره يحل الإشكال فإن أمكنه ذلك وإلا تركه إلى من يوفقه الله تعالى له ويهديه إليه وبمثل قول عمرو بن معدى كرب\nإذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع\nفأما أن يترك مذهبه ويوافق خصومه فمحال والله العاصم بمنه.","vol":"1","page":86},{"text":"وإذا عرفنا هذه المسألة يخرج عليها مسألة الحج أنه يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان وقد ذكرنا وجه الكلام فيها وأما أبو زيد الدبوسي زعم أن الأمر بصيغته لا يدل على صفة الفورية إلا أن فى الحج وجب فعله على الفور لأن تأخيره يؤدى إلى تفويته حقيقة والإدراك فى السنة الثانية على الوهم والشك فلا يجوز القول بتأخير يؤدى إلى الفوات قطعا بإدراك موهوم وهذا فصل قد ذكرناه فى الخلافيات وذكرنا الكلام عليه فى كتاب الاصطلام فتركنا الكلام عليه فى هذا الباب واقتصرنا على ما ذكرناه والله أعلم.\nمسألة.\nوإذ بينا الكلام فى الأمر المطلق وقضيته فنبين حكم الأمر المؤقت بوقت فنقول اعلم أن الأمر الوارد على التوقيت على وجهين أمر مؤقت بوقت لا يفصل الوقت عنه بل هو وارد بقدر الوقت مثل صوم رمضان فإنه واجب بأول دخول الوقت بلا خلاف ومعنى الوجوب بأول الوقت أنه يجب مباشرته مقترنا بدخول وقته مقترنا من غير تقديم ولا تأخير١ وأما الوجه الآخر فهو الأمر المؤقت بوقت يفصل الوقت عنه وأن شئت قلت: يسع له ولغيره مثل الصلوات الخمس التى هى مؤقتة بالأوقات المعلومة ونعلم قطعا أن أوقاتها تسع لها ولغيرها فعندنا تجب هذه العبادات فى أول أوقاتها وجوبا متوسعا ومعنى الوجوب المتوسع أنه يطلق له التأخير عن أول أوقاتها إلى أوقات مثلها إلى أن يصل إلى وقت يعلم أنه أن آخر فات فحينئذ يضيق عليه ويحرم عليه التأخير وهذا قول أبى شجاع السلمى من أصحاب أبى حنيفة وهو اختيار كثير منهم وإليه ذهب جمهور المتكلمين٢.\n_________\n١ انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٦٦ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١٠٤.\n٢ ودليلهم في ذلك: أن الله تعالى لما فرض الصلاة أرسل جبريل ﵇ ليعلم النبي ﷺ أوقاتها وأفعالها فأم جبريل النبي ﷺ وصلى به أول يوم الصلاة في أو وقتها ثم صلى به في اليوم الثاني في آخر وقتها ثم أعلم النبي ﷺ الأمة بهذه الأوقات بقوله: الوقت ما بين هذين - ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي ﷺ أخبر بأن الوقت كله من أوله إلى آخره وقت للصلاة وهذا الخبر محتمل لأمور أربعة:\nأحدها: أن المكلف يحرم بالصلاة من أول الوقت لا ينتهي منها حتى ينتهي الوقت.\nالثاني: أن المكلف يوقعها مرة واحدة في جزء معين من الوقت..........=","vol":"1","page":87},{"text":"وذهب الكرخى وأبو بكر الرازى وأكثر أصحابهم من العراقيين إلى أنه يجب تأخير الوقت والمفعول فى أول الوقت نفل وفعله يمنع الوجوب فى أخره مثل الزكاة المعجلة فى الحول قبل انقضائه١.\nومنهم من قال أنه موقوف أن أدركه آخر الوقت وهو أهل الوجوب كان المفعول واجبا وأن أدركه آخر الوقت وهو ليس من أهل الوجوب كان المفعول تطوعا.\nومنهم من قال المفعول يكون واجبا فكان الوجوب متعلق بأحد شيئين أما آخر الوقت وأما اختيار الفعل٢ ٣.\n_________\n= الثالث: أن المكلف يوقع الصلاة مرارا حتى ينتهي وقت الصلاة.\nالرابع: أن يوقعها المكلف مرة واحدة في أي جزء يختاره من أجزاء الوقت أما الاحتمالان الأول والثاني فباطلان بالإجماع وأما الاحتمال الثالث فباطل لأنه لا دليل على تعيين بعض أجزاء الوقت بأداء الفعل فيه دون البعض الآخر فيكون تخصيص هذا الجزء بالأداء تخصيصا بلا مخصص وهو باطل.\nوحيث بطلت الاحتمالات الثلاثة تعين أن يكون الاحتمال الرابع هو المراد من الحديث وبذلك يكون الخطاب المتعلق بالصلاة مقتضيا لإيقاعها في أي جزء من أجزاء الوقت من غير بدل وهو ما ندعيه انظر نهاية السول ١/١٧٢ المحصول ١/٢٨٢ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١٠٥، ١٠٦.\n١ وقد استدل أصحاب هذا المذهب بأنه لو وجب الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت لما جاز تركه فيه لأن شأن الواجب أنه لا يجوز تركه لكن ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت جائز اتفاقا فبطل أن يكون الفعل واجبا فيما عدا الجزء الأخير وثبت أنه واجب في الجزء الأخير وهو ما ندعيه انظر المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٨١ نهاية السول ١/١٧٢، ١٧٣ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ١/١١٠.\n٢ قال الشيخ محمد أبو النور زهير ﵀ ولم أعثر لهذا المذهب على دليل ولعل وجهة الكرخي فيما ذهب إليه أن آخر الوقت معتبر في سقوط التكليف عن المكلف كما هو معتبر في إيجابه عليه ابتداء انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١١١.\n٣ اعلم أن هذه المسألة مذهبان آخران لم يذكرهما المصنف:\nأحدهما: مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة متكلمي الأشاعرة والمعتزلة أن الإيجاب يقتضيس إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت ولكن المكلف إذا لم يفعل في أي جزء من الأجزاء يجب عليه أن يعزم على الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه حتى يأتي الجزء الأخير من الوقت فيتعين عليه الفعل فيه وأما دليلهم على وجوب العزم فقد قالوا فيه: لو لم يكن العزم واجبا عند عدم الإتيان بالفعل للزم ترك الواجب بلا بدل وترك الواجب بلا بدل باطل لأنه يجعل الواجب غير واجب وضرورة أن الواجب هو ما لا يجوز تركه بلا بدل وغير...........=","vol":"1","page":88},{"text":"وتعلق من قال إنها لا تجب بأول الوقت بأن حد الواجب ما لا يسع تركه والصلاة فى أول الوقت واسع تركها من غير حرج فدل أنها غير واجبة قالوا: ولا يجوز أن يقال أن تركها إلى بدل وهو العزم على فعلها فى الثانى لأنا قد أبطلنا طريقة العزم فى المسألة الأولى.\nقالوا: ولا يجوز أن يقال أن هذا تأخير وليس بترك لأنا بينا أن الترك فى أول الوقت قد وجد فإن الترك فى أول الوقت هو التأخير الذي قلتم والتأخير هو الترك فى أول الوقت فعلى أي الاسمين ذكر نحوه فالمعنى واحد لا يختلف وربما يقولون الواجب ما يتعين الإقدام عليه فى الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وقد قال بعض أصحابنا المتأخرين حين سمع هذه الشبهة للمخالفين قد اتفق أهل التحقيق من الفقهاء أن من آخر الصلاة عن أول وقتها ومات فى أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإذا كان كذلك فلا معنى لوصف الصلاة بالوجوب فى أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت لوقعت فى مرتبة الواجبات إذا أجزأت وهى على القطع كالزكاة تعجل قبل حولان الحول هذا كلامه.\n_________\n= الواجب ما جاز تركه بلا بدل انظر المحصول ١/٢٨٢ إحكام الأحكام للآمدي ١/١٤٩ نهاية السول ١/١٦٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٠٦، ١٠٧.\nوالثاني: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل ولم يفعل المكلف الفعل فيه وإنما فعله في غيره من الأجزاء كان هذا الفعل قضاء وهل يأثم بهذا التأخير أو لا يأثم - اختلف النقل عن أصحاب هذا المذهب وهذا المذهب فيه إنكار للواجب الموسع وهو مذهب لم يعرف قائله ولكنه نقل عن بعض المتكلمين ونسبه بعض الأصوليين إلى الشافعي وهي نسبة غير صحيحة لأن الشافعية لم تقل بذلك وقد استدل أصحاب هذا المذهب على مدعاهم بقوله ﷺ \"الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله\" ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي ﷺ أخبر بأن الصلاة في أول الوقت سبب لرضاء الله ورحمته وثوابه وأن إيقاعها في آخر الوقت موجب للعفو من الله تعالى وذلك يقضي بأن إيقاعها في آخر الوقت فيه معصية تتطلب من الله العفو عنها فإن العفو إنما يكون عن ذنب أو معصية.\nفلو كان الوقت كله وقتا للأداء والمكلف خير في إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء لما كان إيقاعها في الجزء الأخير منه موجبا للذنب لأن المكلف قد فعل ما هو مأذون فيه بذلكك يكون الحديث دالا على أن وقت الفعل هو الجزء الأول منه وما بعده بوقت لقضائه وهو المطلوب انظر نهاية السول ١/١٧١ المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٨١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٠٨، ١٠٩.","vol":"1","page":89},{"text":"وأما دليلنا فنقول الأمر يفيد الوجوب قد تناول أول الوقت قطعا فأفاد الوجوب قطعا يدل على أن الأمر تناول جميع الوقت على وجه واحد فإن كان لا يفيد الوجوب فى أوله فلا يفيد فى أخره فإذا أفاد الوجوب فى أخره فلا بد أن يفيد فى أوله ولأنا أجمعنا أنه يجب عليه نية الواجب إذا فعل الصلاة فى أول الوقت ولو نوى النفل بطلت صلاته والنية مصححة للفعل ومفسدة له فلو كان المفعول فى أول الوقت يقع نفلا لم يبطل النفل بل كان ينبغى أن يكون نية النفل مصححة لها.\nببينة أنه لما وجبت نية الفرض علمنا قطعا أن المفعول لا يقع نفلا لأنه لا يتصور أن يقع عن النفل مع وجوب نية الفرض وإذا وقع عن الفرض ثبت أنه فرض فإن قالوا: ليس فيما قلناه أكثر من وقوع الفعل عن الواجب قبل الوجوب وأنتم قد فعلتم مثل هذا فى صلاة العصر للمسافر فى وقت الظهر وصلاة العشاء الاخرة له فى وقت المغرب وكذلك الوضوء يجب عند دخول وقت الصلاة وقد صح بالإجماع قبله.\nقلنا واحد منهما لا يلزم أما الأول فوقت الظهر وقت وجوب العصر فى حق المسافر إلا أنه واجب موسع وكذا نقول فى العشاء الأخرة أن وقت المغرب وقت وجوبها فى حق المسافر وهذا ثابت عندنا بالنصوص الواردة فى الباب على ما عرف فلم نقل بجواز تقديم الواجب على وقته.\nوأما فصل الطهارة قلنا دخول الوقت إنما يوجب الوضوء على المحدث لإزالة الحدث فأما إذا كان تطهر قبل دخول الوقت وجاز على طريق النفل فقد زال الحدث ودخل وقت الصلاة وهو متطهر غير محدث ولم يجب عليه الوضوء أصلا وهذا لأن الوضوء لا يجب لعينه بحال وإنما وجب شرطا للصلاة ليؤديها على طهر من حدث وإذا كان متطهرا عن الحدث عند دخول الوقت فقد وجد شرط الصلاة فلم يتصور وجوب الطهارة عليه.\nوأما الجواب عن قولهم أن حد الواجب ما لا يجوز تركه.\nقلنا لا ترك هاهنا على وجه يخل بالواجبية فلم قلتم أن الترك الذى لا يخل بالواجبية لا يسع فى الواجب والدليل على أنه لا يخل بالواجبية أن هذا واجب واسع وقته على معنى أن وقته يشتمل على أزمان غيره لهذا الفعل على الترادف والتعاقب فلا بد أن يكون لتوسع الوقت أى فى هذا الواجب وليس ذلك إلا أنه يجوز تأخيره عن أول زمانه إلى زمانه الثانى والثالث والرابع إلى أن يضيق فى أخره فيوجد وقت لا يتلوه","vol":"1","page":90},{"text":"وقت أخر. وجواز التأخير على هذا الوجه لا يخل بالواجبية لأنه أخره عن وقته أو تركه فى وقت إلى وقت مثله فى الوجوب فيفيد فائدة الأمر فى الإيجاب لأن الوقت الثانى فى الحقيقة صار مثل الوقت الأول فكأنه الوقت الأول فكذلك الثالث والرابع ولا يخص ترك وهذا لأن المحظور ترك يؤدى إلى تفويت الواجب وإذا تعددت أوقات الفعل بحكم اتساعه لم يوجد تفويت وإذا قرر على هذا الوجه وقع التفريق بينه وبين النفل ولم يلحق به بحال فقد وقع الانفصال عن هذه الشبهة بأبين وجه وبقى الدليل الذى قدمناه من غير أن يكون لهم غلبة كلام بوجه ما وأما إذا مات فى خلال الوقت فقد بينا أنه غير عاص بقول من قال من أصحابنا أن على هذا لا يصح إلا أن يقال أنه غير واجب فى أول الوقت خطأ وقد بينا الكلام عليه فى المسألة الأولى وحققنا وجود الوجوب مع القول بترك معصيته عند اخترام المنية إياه ولا مزيد على ما قلناه.\nوأما الزكاة فعندنا الأمر اقتضى الإيجاب من وقت ما تناوله الأمر وقد تناوله الأمر وقد تناول الأمر ما بعد الحول فلا يجب قبله فكذلك الأمر هاهنا قد يتناول أول الوقت فلا يتآخر عنه الوجوب.\nوأما جواز إخراج الزكاة قبل الحول رخصة من الشرع ثبت ذلك بالنص الوارد فيه والرخص لا يجوز إلزامها على الواجبات التى هى عرفيه ولو وردت هاهنا رخصة بجواز فعل الصلاة قبل الوقت لقلنا بذلك.\nفإن قال قائل الوقت سبب الوجوب فكيف يتصور أن يجب من أول الوقت إلى أخره وهو يؤدى إلى أن يكون الزمان الأول سببا للوجوب وكذلك الزمان الثانى والثالث فيكون ذلك إيجاب ما هو واجب وهذا لا يجوز الجواب أن عندنا الوقت ليس بسبب الوجوب أما سبب الوجوب خطاب الشرع إلا أنه يجب مرة فى زمان متضيق ويجب مرة فى زمان واسع وكل واحد جائز معقولا ومشروعا على ما سبق بيانه فعلى هذا لم يرد إلى ترادف الإيجاب فى فعل واحد بل الإيجاب حصل مرة واحدة إلا أنه واجب متوسع وقته فصار الترادف فى الوقت لا فى نفس الإيجاب فسقط ما قالوه من هذا الوجه وقد دل ما ذكرناه أن الوجوب لا يستقر بأول الوقت واستقرار الفريضة معتبرة بإمكان الأداة بعد دخول الوقت وهو الظاهر من مذهب الشافعى وإذا استقر بإمكان الاداء كان التأخير جائزا بحكم توسع الوقت بشرط أن","vol":"1","page":91},{"text":"لا يؤخذ تأخيرا يؤدى إلى التفويت على ما سبق وبعض أصحابنا ضم إلى هذا شرطا آخر وهو العزم على أداء المأمور قبل انقضاء الوقت وعندى أن الشرط الأول كاف وقد سبق الكلام فى ذلك والله أعلم.\nمسألة\nالمأمور إذا ترك الإمتثال فى الوقت المضروب للأمر حتى انقضى فلا يجب عليه القضاء بصيغة الأمر فإن وجب يجب بأمر جديد.\nوقال بعض الفقهاء يجب القضاء بالأمر الأول١ واحتج فى ذلك بما روى عنه\n_________\n١ قال الشيخ فخر الدين الرازي هذه المسألة لها صورتان: الصورة الأولى الأمر المقيد كما إذا قال: افعل هذا الوقت فلم يفعل حتى مضى ذلك القت فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت؟ الحق لا لوجهين:\nالأول: أن قول القائل لغيره: افعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول ما عداه وما لا يتناوله الأمر وجب أن لا يدل عليه بإثبات ولا ينفي بل لو كان قوله: افعل هذا الفعل يوم الجمعة موضوعا في اللغة لطلب الفعل في يوم الجمعة وإلا ففيما بعدها فها هنا إذا تركه يوم الجمعة لزمه الفعل فيما بعده ولكن على هذا التقدير يكون الدال على لزوم الفعل فيما بعد يوم الجمعة ليس مجرد طلب الفعل يوم الجمعة بل كون الصيغة موضوعة لطلب يوم الجمعة وسائر الأيام.\nقال ولا نزاع في هذه الصورة وإنما النزاع في أن مجرد طلب الفعل يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك.\nالثاني أن أوامر الشرع تارة لم تستعقب وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة وتارة استعقبته ووجود الدليل مع عدم المدلول خلاف الأصل فوجب أن يقال إن إيجاب الشيء لا إشعار له بوجوب القضاء وعدموجوبه.\nفإن قلت إنك لما جعلته غير موجب للقضاء فحيث وجب القضاء لزمك خلاف الظاهر.\nقلت عدم إيجاب القضاء غير وإيجاب عدم القضاء غير ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني وأنا لا أقول به أما على التقدير الأول فغايته أنه دل منفصل على أمر لم يتعرض له الظاهر بنفي ولا إثبات وذلك لا يقتضي خلاف الظاهر.\nالصورة الثانية: الأمر المطلق وهو أن يقول: افعل ولا يقيده بزمان معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعده أو يحتاج إلى دليل؟\nأما نفاة الفور فإنهم يقولون: الأمر يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج عن العهدة إلا بفعله وأما مثبتوه فمنهم من قال إنه يقتضي الفعل بعد ذلك وهو قول أبي بكر الرازي ومنهم من قال: لا يقتضيه بل لا بد في ذلك من دليل زائد.\nومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره: افعل كذا هل معناه: افعل في الزمان الثاني فإن عصيت ففي الثالث فإن عصيت ففي الرابع على هذا أبدا أو معناه: افعل في الثاني من غير بيان حال...............=","vol":"1","page":92},{"text":"النبى ﷺ أنه قال: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\" ١ وقوله فليصلها دليل على أن الأمر الأول باق عليه وأن الواجب بعد خروج الوقت هذا الذى كان واجبا فى الوقت ولأن الواجب عليه بعد الوقت واجب باسم القضاء والقضاء من ضرورته وجوب فقضى عليه فدل أن الأمر الأول باق عليه حتى سمى المفعول قضاء.\nببينة: أنه إذا وجب بأمر لم يتصور أن يكون قضاء.\nقالوا: ولأن الأوامر مصالح والمصلحة فى نفس الفعل لا فى وقت الفعل فإذا لم يفعل كان عليه فعله وأن انقضى الوقت المضروب للفعل.\nوأما دليلنا هو أن الوجوب بالأمر والأمر يتناول الفعل فى وقت معلوم فلا يكون الفعل فى غير ذلك الوقت مأمورا وإذا لم يكن أمرا بعد الوقت لم يكن وجوب والحق أن المأمور يفوته بفوات الأمر وقد فات الأمر بفوات الوقت فيفوت الوجوب.\nببينة: أن فى الشاهد من قال لغلامه زر فلانا فى الغد لا يكون أمرا بالزيارة بعد الغد حتى إذا ترك الزيارة فى الغد وزار بعد الغد يسمى مخالفا لسيده وأيضا يقال القاضى ليس يمتثل الأمر فإن الممتثل للأمر هو الموافق لصيغة الأمر والموافقة لصيغة الأمر وهى بالفعل فى الوقت المسمى فى الأمر وإذا لم يكن الفعل بعد الأمر امتثالا لم يكن الأمر مقتضيا له فصار فعل المأمور بعد خروج الوقت كفعله قبل دخول الوقت.\n_________\n= الزمان الثالث والرابع فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان وإن قلنا بالثاني لم يقتضيه فصارت هذه المسألة لغوية.\nواحتج من قال أنه لا بد من دليل منفصل بأن قوله: افعل قائم مقام قوله: افعل في الزمان الثاني.\nوقد بينا أنه إذا قيل له في ذلك وترك الفعل في الزمان الثاني لم يكن ذلك القول سببا لوجوب الفعل في الزمان الثالث فكذا ها هنا ضرورة أنه لا تفاوت بين اللفظتين واحتج أبو بكر الرازي على قوله: بأن لفظ افعل يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق وهذا يوجب بقاء الأمر ما لم يصر المأمور فاعلا انظر المحصول ١/٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦ إحكام الأحكام ٢/٢٦٢ روضة الناظر وجنة المناظر ١٨٠ التمهيد تخريج الفروع على الأصول ص ٦٨.\n١ أخرجه البخاري المواقيت ٢/٨٤ ح ٥٩٧ ولم يذكر \"من نام\" ومسلم المساجد ١/٤٧٧ ح ٣١٥، ٦٨٤ وأبو داود الصلاة ١/١١٨ ح ٤٤٢ والترمذي الصلاة ١/٣٣٥ ح ١٧٨ ولفظهما لفظ البخاري والنسائي المواقيت ١/٢٣٦ باب فيمن نسي صلاة وابن ماجه الصلاة ١/٢٢٧ ح ٦٩٦ ولفظ الحديث عند مسلم.","vol":"1","page":93},{"text":"ثم لا يصح ذلك فى الأمر وكذلك بعد خروج الوقت يكون كذلك أيضا.\nوأما الجواب عما تعلقوا به أما الخبر قوله ص فليصلها نقول أولا هذا دليل عليهم لأن قوله فليصلها أمر جديد فلو كان الأمر الأول باقيا عليه لم نحتج إلى هذا الأمر الثانى فلما ذكره دل على وجوبه بهذا الأمر لا بالأمر الأول ثم قوله فليصلها يعنى فليصل مثلها لأن الواجب عليه هذا الأمر المحدد صلاة مثل صلاة الأولى فلأجل هذه المشابهة صحت هذه الكتابة وأما الذى تعلقوا به من تسمية المفعول قضاء.\nقلنا هذا دليل عليكم لأن الأمر الأول لو تناول الفعل قبل خروج الوقت كان المفعول أداء ولم يكن قضاء مثل المفعول فى الوقت ثم نقول تسميته قضاء هو على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة ومعنى المجاز أنه فعل على مثاله الأول قائم مقامه فى إسقاط تبعة الأمر الأول عنه وهذا لأن عندنا وأن وجب القضاء بأمر جديد يعمله قيامه مقام الأول فيسقط عنه تبعة الخلاف فى الأمر الأول فهذا الوجه سمى قضاء وهو على طريق المجاز لأنه لا يقضى عليه فى الحقيقة.\nوأما كلامهم الأخير فقوله أن الأوامر مصالح.\nقلنا تأجيل المصالح فى الأوامر عندنا باطل والله تعالى لا يجب عليه شيء بوجه ما وقد يفعل الأصلح بالعبد وقد يفعل غير الأصلح وهذه قاعدة تعرف فى غير هذا الموضع وعلى أنه يجوز أن تكون مصلحة العبد فى فعل الشيء في وقت معين ولا يكون فعله فى غير ذلك الوقت مصلحة.\nألا ترى أن فعله فى الوقت مصلحة له وقبل الوقت لا يكون مصلحة والله أعلم.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>فصل: هل يتوجه الوجوب حال العذر</span>\n...\nفصل\nوذكر أصحابنا فى أصحاب الأعذار الذين لا يحتم عليهم الصوم فى الحال مثل المريض والمسافر ومن لا يجوز له صوم فى الحال مثل الحائض والنفساء أن الصوم واجب عليهم فى حال العذر.\nوقال أصحاب أبى حنيفة لا يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض والمريض فى","vol":"1","page":94},{"text":"حال العذر١.\nوأما المسافر فالصوم واجب عليه وله الفطر بترخيص الشرع وحكوا عن بعض من ينسب إلى الكلام أن الصوم لا يجب على المريض والحائض وأما المسافر فعليه صوم أحد الشهرين أما شهر الاداء وأما شهر القضاء وأيهما صام كان أصلا مثل الأنواع الثلاثة فى كفارة اليمين.\nواحتج الأصحاب فيما صاروا إليه بأن الله تعالى علق قضاء الصوم بفطر مضمر فى الأية إجماعا وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومعناه فانظروا عدة من أيام آخر فدل أن وجوب القضاء معلق بالفطر ولو لم يكن الوجوب ثابتا عند الفطر لما تعلق به القضاء ولأن المفعول لما كان يسمى قضاء لا أداء فالقضاء اسم لواجب قام مقام واجب آخر فأما أداء الواجب فى وقته فلا يسمى قضاء بحال ولأن هذه العبادة مفروضة فى هذا الوقت فلو لم يجب على هؤلاء فى الوقت لم يجب شيء بعد فوات الوقت كالحائض لما لم يجب عليها الصلاة فى.\n_________\n١ قال الشيخ الآمدي اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم فنفاه أصحابنا وأثبته آخرون انظر إحاكم الأحكام ١/٢٢١ وفي شرح المنار لابن مالك الحنفي والحيض والنفاس وهما لا يعدمان الأهلية لا أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء فكان ينبغي أن لا يسقط بهما الصلاة كما لا يسقط الصوم انظر المنار لابن مالك ٣٥٠.\nوهذا يدل على أن الذي ذكره المصنف هو عكس ما قلناه فعند الأحناف يجوز أن يجب الصوم على المعذور وأما عندنا نحن الشافعية فالحيض مانع من أهلية الوجوب وقت الحيض اهـ.\nثم سطر الشيخ الآمدي قوله فقال: والحق في ذلك إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع فهو حق وإن أريد بكونها مكلفة به بتقدير نزول الحيض المانع فهو حق وإن أريد به أنها مكلفة بالإتيان بالصوم حال الحيض فهو ممتنع وذلك لأن فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه فيمتنع أن يكون واجبا ومأمورا به لما بينهما من التضاد الممتنع دالا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق.\nفإن قيل فلو لم يكن الصوم واجبا عليها فلم وجب عليها قضاؤه؟ قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد فلا يستدعي أمرا سابقا وإنما سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه في الصوم ولم يجب لمانع الحيض انظر إحاكم الأحكام ١/٢٢١، ٢٢٢ التلويح على التوضيح ٢/١٧٦، ١٧٧.\nتنبيه: اعلم وفقك الله أنه من الممكن أن يكون هناك خطأ في عبارة المصنف والصحيح \"أن الصوم غير واجب عليهم في حال العذر وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض في حال العذر والله أعلم\".","vol":"1","page":95},{"text":"الوقت لم يجب بعد الوقت.\nقال من يخالف هذا كيف يتصور وجوب الصوم على الحائض ولا سبيل لها إلى الأداء ولا إلى إزالة المانع إلى الأداء بل هي منتهية عن فعل الصوم لا إيجاب فعل لا سبيل للمأمور إلى التوصل إليه بحال.\nببينة أنه لو جاز إيجاب الصوم على المرأة فهى منتهية عنه لجاز إيجاب سائر المنهيات عليها هذا فى الحائض وكذلك قالوا: للمريض الذى يستضر بالصوم لا يجوز له فعل الصوم فلا يجوز أن يقال بوجوبه عليه وأما المسافر فالصوم له جائز إلا أنه رخص له تركه والقضاء من بعد.\nوأجاب الأصحاب عن هذا وقالوا: المحدث إذا ضاق به وقت الصلاة لا يتأنى له الأداء والوجوب ملاق إياه وكذلك من لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا لا يتصور منه الأداء ولا التسبب إليه ومع ذلك صح الوجوب عليه والسكران لأنه خطاب وجوب الصلاة وهو ممنوع من أدائها وهذا لأن الحيض نوع حدث والمرض والسفر نوع عذر والحدث والعذر إنما يؤثران فى الأداء ولا يؤثران فى أصل الوجوب مثل سائر الأحداث والأعذار إلا من الأحداث ما يكون العبد بسبيل إلى إزالته ومنها لا سبيل له إلى إزالته ومن الأعذار ما يكون الأداء جائزا معه وربما يكون الأداء هو الأولى ومنها ما يكون ترك الأداء أولى وذلك فى المريض الذى يستضر بالصوم.\nواعلم أن القول بإيجاب الصوم على الحائض مشكل جدا والحرف الذى يمكن الاعتماد عليه أن الخطاب بالإيجاب عام فى حق كل من هو من أهل الخطاب إلا أن هؤلاء أصحاب أعذار وموانع فيعمل العذر والمانع بقدره ولا يفوت الخطاب أصلا والحيض حدث دائم وعمل الأحداث فى المنع من الأداء والمرض عذر مضر بصاحبه والضرر فى الأداء فى الإيجاب والسفر جعل عذرا لأنه سبب المشقة فالمشقة فى الأداء لا غير فهذا الطريق كان عمل هذه الأشياء فى الأداء لا فى الوجوب فيبقى أصل الوجوب وظهرت فائدته من بعد وهو عند زوال هذه الأعذار وهذا غاية ما يمكن ذكره فى هذا الفصل وللقاضى أبى زيد فى كل هذه الأعذار كلام مفرد ذكره فى أحد أصوله الذى صنفه وسنحكى ذلك من بعد ونتكلم عليه مع أخواته التى ضم إليها ونتكلم فيها ونبين الصواب من ذلك والله المعين بمنه.","vol":"1","page":96},{"text":"مسألة: الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء.\nمثل الأمر الوارد فى كفارة اليمين وما يشبه ذلك فالذى عليه جمهور الفقهاء أن الواجب أحد ذلك لا بعينه فأيها فعل يعين واجبا بفعله فيكون مبهما قبل الفعل متعينا بعد الفعل بفعله١.\nوقال كثير من المعتزلة وشرذمة من فقهاء العراقيين أن جميعها واجب دون أحدها فإذا فعل أحدها سقط به وجوب باقيها٢.\nوقد قال بعض أصحابنا أن من عليه الكفارة إذا فعل جميعها كان الواجب أحدها وهو أعلاها ثمنا لأنه مثاب على جميعها وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب فانصرف الواجب إلى أعلاها دون أدناها ليكثر ثوابه وأن ترك جميعها كان معاقبا على أحدها.\nوهو أدناها ليقل وباله ووزره ولأن الواجب يسقط بفعل الأدنى فينظر فى إلحاق الوزر إلى ذلك القدر ولا وزر فيما زاد عليه٣ احتج عبد الجبار الهمدانى لمن قال إن.\n_________\n١ انظر نهاية السول للأسنوي ١/١٣٢ إحكام الأحكام ١/١٤٢ المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٧٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/٩٣.\n٢ انظر المعتمد في أصول الفقه للقاضي حسين ١/٧٩ المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٧٣.\n٣ هذا المذهب لم اجده ولكن ما وجدته في كتب الأصول هو مذهب لبعض المعتزلة - أن الخطاب يقتضي إيجاب واحد معين عند الله تعالى غير معين للناس وأصحاب هذا المذهب ثلاث طوائف:\nالطائفة الأولى: ترى أن المعين عند الله الذي تعلق به الإيجاب هو ما يختاره المكلف من الخصال التي ورد فيها للتخيير - فتعيين الواجب عند الله تابع لاختيار المكلف - ومن هنا كان الواجب مختلفا لاختلاف المكلفين فيما يختارون والواجب على كل مكلف هو ما يختاره.\nالطائفة الثانية: ترى أن المعين عند الله تعالى الذي تعلق به الإيجاب شيء واحد بالنسبة لجميع المكلفين هو الإطعام مثلا أو الإعتاق - فإن اختاره المكلف وفعله فقد فعل الواجب وإن لم يختره بل اختار غيره وفعله فقد سقط عنه الواجب لأنه فعل ما يقوم مقامه.\nالطائفة الثالثة: ترى أن المعين عند الله تعالى متعد فليس شيئا واحدا لجميع المكلفين كما تقول الطائفة الثانية وليس التعيين تابعا لاختيار المكلفين كما تقول الطائفة الأولى وإنما التعيين راجع إلى والله تعالى والله تعالى قد عين لكل طائفة من المكلفين ما يناسبهم فعين لطائفة منهم الإطعام وعين لطائفة أخرى الإعتاق وعين لطائفة ثالثة الإكساء وعند الحنث يلهم الله كل طائفة أن تفعل ما عينه لها انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٩٣.","vol":"1","page":97},{"text":"جميعها واجب وقال أن الكفارات الثلاث كل واحدة منها قد أرادها الله ﷿ كما أراد الأخرى وأمر بها كما أمر بالأخرى والصلاح فى إحداها كالصلاح فى الأخرى كان الأمر والصلاح والإرادة اتصل بكل الثلاث على وجه واحد وجب أن يكون وجوب الجميع على وجه واحد وربما يقول: ليس إيجاب البعض بأولى من إيجاب البعض فوجب أن يجب الكل وأيضا فإن كل واحد منها إذا فعله جاز ويكون مؤديا للواجب وهذا صفة بالواجب وحكمه وقالوا: لوكان الواجب أحدها لا بعينه وجب أن يبينه الله تعالى.\nلأنه إذا لم يتبين أدى إلى أن يكلف أحد شيئا من غير أن يسأله وهذا لا يجوز.\nيدل عليه أنه لو أوجب أحدها لنصب عليه دليلا وميزه من غيره حتى لا يؤدى إلى التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب فلما لم يميزه ولم ينصب عليه دليلا دل أنه أوجب الكل.\nقالوا: أيضا أن الكفارات إنما أمرنا الله تعالى بها لأنها مصالح لنا ولا يجوز أن تكون المصالح موقوفة على اختيارنا لأن العبد لا يهتدى إلى مصالح نفسه لأن رأيه عن عقل مشوب برأيه عن هوى ولا يحصل بمثل هذا الرأي الاهتداء إلى المصالح.\nوأما حجتنا هى أنا أجمعنا أنه لو عين أحد الأنواع بالفعل وأداه سقط الواجب عنه ولا يلزم الإتيان بعده وهذا الواجب ما لا يسع تركه إلى غير بدل ولا شك أن المؤدى واحدا من الأنواع تارك غيره بلا بدل فدل أن عليه الذى أداه ليس بواجب وأن شئت قلت: انعقد إجماع المسلمين أنه لو ترك جميع الأنواع لا يستحق العقاب على جميعها وإنما يستحق العقاب على أحدها ولو كان الجميع واجب استحق العقاب على الكل.\nقالوا: عندنا يجب الكل على طريق الجمع لكن على طريق التخيير فإذا إدى المكلف إحدها يخرج الباقى عن صفة الوجوب.\nقلنا هذا هو الدليل عليكم لأن الجميع لو كان واجبا لم يسقط بفعل أحدهما كالصناعات والصلوات والزكوات المجتمعة عليه لا تسقط بأداء الواحد منها وإذا تركها عوقب على جميعها وقولهم أن الكل واجب على طريق التخيير.\nقلنا لو وجب الكل وجب أن لا يثبت التخيير فيها على وجه إذا فعل الواحد منها سقط الكل كسائر الواجبات التى تجتمع عليه فى الوجوب.\nقالوا: يجوز مثل هذا كفرض الكفاية فإنه واجب على الكل ومع ذلك إذا فعله.","vol":"1","page":98},{"text":"البعض سقط عن الكل.\nقلنا فرض الكفاية دليل عليكم لأنه لما وجب على الكل من وجه ظهر لذلك أثر بوجه ما فإنه العقاب كما إذا كان واجبا على الكل لا على طريق التخيير وأما هاهنا لو ترك الكل لم يكن عقاب وإثم إلا بترك أحدها فلم يكن لوجوب الكل ظهور أثر بوجه ما وإذا كان كذلك لم يكن فيما قالوه إلا مجرد تسمية الواجب أن غير معنى ولا عبرة للأسامى إذا كانت خالية عن المعانى وقد دل على ما قلنا قوله ﵎: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] .\nوأجمع أهل اللغة أن أو للتخيير والواو للجمع فلو قلنا أن جميع الكفارات الثلاث واجبة لم يبق فرق بين أو وبين الواو مع إجماع أهل اللغة على التفريق بينهما أما الجواب عن كلماتهم.\nأما قولهم أن الإرادة تعلقت بكل الثلاث.\nقلنا الأمر ليس بأمر بالإرادة حتى يقال أن الإرادة إذا اتصلت بالكل صار الكل واجبا إنما الأمر بصيغة قوله افعل أو بما يقتضى الفعل لا محالة وصيغة طلب الفعل إنما اتصلت بإحدى الكفارات الثلاث لا بعينها بدليل أنه إذا فعل إحداها سقط عنه الطلب وأيضا يقال لهم الأمر أمر بالإرادة والله تعالى إنما أراد من المكلف فعل إحدى الكفارات لا فعل جميعها بدليل أنه لا يلزمه فعل جميعها ولو أريد منه فعل كل الكفارات لزمه فعل كل الكفارات.\nويقال أيضا أن الإرادة اتصلت بمبهم غير معين فى حق المكفر وأن تعين ما يكفر به فى سابق علم الله تعالى.\nوأما قولهم أن إيجاب البعض ليس بأولى من إيجاب البعض.\nقلنا لم وقد قام الدليل على إيجاب بعضها على إيجاب كلها والعبرة بما قام الدليل عليه.\nوأما قولهم أنه لو كفر بكل واحدة يكون مؤديا ما هو الواجب عليه.\nقلنا هذا لا يدل على أن الكل واجب وإنما هو دليل على أن الواجب مفوض إلى اختيار العبد هذا كما نقول فى الرقبة والإطعام فإن من ملك مائة رقبة فإنه إذا أعتق يقع عن الكفارة أو ملك ألف مد أي عشرة أمداد أعطى وقع عن الواجب ولا يدل.","vol":"1","page":99},{"text":"على أن الكل واجب وكذلك لوباع قفيزا من صبرة فإنه اى قفيز سلم يكون مبيعا ولا يدل على أن الكل مبيع كذلك هاهنا.\nوأما قولهم أنه لو كان الواجب واحد ما لميزه ونصب عليه دليلا قلنا هذا إنما يجب إذا كان الواجب معينا قبل الفعل فيجب أن يكون عليه دليل ليتوصل المأمور إلى معرفته وأداء فرضه بفعله فأما إذا لم يكن معينا وإنما يتعين بفعله فلا حاجة إلى غيره لأن ما يتأدى به فرضه هو ما يختاره منها.\nجواب آخر أن ما يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه واحد بالإجماع ولم يجب تمييزه عن غيره ونصب الدليل لكل جواب للمخالف على هذا فهو جوابنا فى وجوب الواحد.\nوأما قولهم أن الكفارات كلها مصالح.\nقلنا قد تكلمنا على فصل المصلحة من قبل فلأن المصلحة فى كونها واجبا تعلقت بإحداها لا بالكل بدليل أنه لو فعل الكل لا يكون مؤديا للواجب ولو كانت مصلحة الواجبية تعلقت بالكل لوجب أن يجعل هو مؤديا للكل عن صفة الوجوب واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى فى هذه المسألة وإنما الخلاف خلاف عبارة ونحن نمنعهم من إطلاق عبارة الواجب على الكل لأنه يؤدى إلى ما بيناه من قبل ولأن العبارات التى ليس لها معنى لا يجوز التمسك بها لا إجماعا ولا اختلافا فثبت أن الصحيح ما قدمناه والله أعلم.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>فصل: الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه</span>\n...\nفصل\nذكر الأصحاب أن الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه بصيغته١ مثل قوله صل.\n_________\n١ هذه المسألة هي المعنون عنها بمسألة مقدمة الواجب وهو أن إيجاب الشيء يقتضي إيجاب ما يتوقف عليه.\nواعلم أن الواجب يتوقف على شرطه وسببه كما يتوقف على جزئه ويتضح ذلك مما يأتي:\nالشرط: هو ما يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط ولا عدمه لذاته وأقسامه ثلاثة لأن عدم المشروط عند عدم الشرط إن كان منشأه الشرع فهو شرط شرعي وإن كان منشأه العقل فهو شرط عقلي وإن كان منشأه العادة فهو شرط عادي مثال الشرط الشرعي الطهارة بالنسبة للصلاة فإن عدم الطهارة تستلزم عدم صحة الصلاة ومنشأه الاشتراط..... =","vol":"1","page":100},{"text":".........................................................................\n_________\n= هو الشرع والعقل لا دخل له في ذلك ومثال العقلي: ترك ضد من الأضداد التي لا يمكن فعل الصلاة معه فترك هذا الضد شرط لصحة الإتييان بالصلاة والعقل يوجب هذا الاشتراط من حيث إنه يمنع الجمع بين المتنافيان.\nومثال الشرط العادي: نصب السلم بالنسبة لصعود السطح فإن الصعود لا يتحقق عادة إلا بالسلم فإن لم يوجد الصعود عادة وكذلك غسل جزء من الرأس فإنه شرط في تحقيق غسل الوجه والذي قضى بذلك هو العادة فإن غسل الوجه لا ينفك عادة عن غسل جزء من الرأس.\nالسبب: هو ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدم السبب فالمسبب يؤثر بطرفي الوجود والعدم بخلاف الشرط فإنه يؤثر من جهة العدم فقط وأقسام السبب ثلاثة لأن تأثيره في المسبب إن كان من جهة الشرع فهو سبب شرعي وإن كان من جهة العقل فهو سبب عقلي وإن كان من جهة العادة فهو سبب عادي.\nمثال السبب الشرعي: دخول الوقت بالنسبة لوجوب الصلاة وملك النصاب بالنسبة لوجوب الزكاة.\nومثال السبب العقلي: ترك كل ما ينافي الصلاة فهو سبب من جهة أن ترك كل مناف للصلاة يقضي بوجود الصلاة وإن عدم الترك وذلك يكون بإتيان ما ينافي الصلاة يقضي بعدم الصلاة والعقل هو الذي يحكم بذلك فهو سبب عقلي.\nومثال السبب العادي حز الرقبة بالنسبة للقتل الواجب.\nوأما الركن هو ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود مع كونه داخلا في الماهية \"فهو يخالف السبب من حيث إن السبب خارج عن الماهية أما الركن فهو داخل فيها - ويتفق الركن مع السبب من حيث إن كلا منهما يؤثر بطرفي الوجود والعدم.\nواعلم أن الأصوليين قد اتفقوا على أن وجوب الشيء إذا كان مقيدا بشرط أو بسبب فإن المكلف لا يجب عليه تحصيل الشرط ولا تحصيل السبب لكي يكون مكلفا بذلك الشيء فلو قال الشارع مثلا: إن توضأت فقد أوجبت عليك الصلاة أو قال: إن ملكت النصاب فقد أوجبت عليك الزكاة فلا يجب على المكلف بتحصيل الوضوء ولا تحصيل ملك النصاب ليكون ذلك محققا لإيجاب الصلاة والزكاة عليه.\nواعلم أنه إذا كان وجوب الشيء مطلقا غير مقيد بشرط ولا سبب ولكن وجود هذا الشيء في الخارج يتوقف على شرط أو سبب مثل الصلاة فإن وجودها في الخارج صحيحة يتوقف على شروط صحتها من طهارة حدث وخبث واستقبال القبلة وستر العورة - ومثل الصوم فإن وجوده في الخارج يتوقف على شروط صحته كترك الأكل نهارا مثلا ومثل الزكاة فإن وجود ما يتوقف على فرز المال وغير ذلك فهل يكون الخطاب الذي دل على وجوب الشيء دالا ايضا على وجوب ما يتوقف عليه ذلك الشيء من حيث الوجود وهو ما يعرف بمقدمة الوجود أو لا يكون الخطاب دالا على وجوبه وإنما يكون وجوبه مستفادا من الدليل الذي دل عليه استقلالا - ومن هنا يعلم أن وجوب الشرط أو السبب متفق عليه لوجود ما يدل عليه استقلالا وإنما الخلاف.........=","vol":"1","page":101},{"text":"...................................................................\n_________\n= في أن الدليل الذي دل على إيجاب الشيء يدل أيضا على إيجاب ذلك الشرط والسبب أو لا يدل عليه - اختلف الأصوليون في ذلك على أربعة مذاهب:\nالمذهب الأول:\nذهب جمهور الأصولين ومنهم البيضاوي وهو أن الخطاب الدال على وجوب الشيء يدل أيضا على وجوب ما يتوقف وجوده عليه مطلقا - أي سواء كان سببا أو كان شرطا وسواء كان كل منهما شرعيا أو عقليا أو عاديا - وبذلك يكون الخطاب دالا على شئين - أحدهما بطريق المطابقة - وهو وجوب الشيء - وثانيهما بطريق الالتزام - وهو وجوب ما يتوقف ذلك الشيء عليه من حيث الوجود واشترطوا لذلك شرطا هو أن يكون ما يتوقف وجود الشيء عليه مقدورا للمكلف بحيث يستطيع فعله كما سبق في الأمثلة.\nفإن لم يكن مقدورا له مثل إرادة الله تعالى لحصول الفعل من المكلف ووجوب الداعية على الفعل وهي العزم المصمم من المكلف عليه فلا خلاف في أن الخطاب لا يدل على وجوبه لأن الوجوب إنما يتعلق بفعل المكلف وكل من هذين الأمرين ليس فعلا له - أما إرادة الله تعالى لحصول الفعل من المكلف فواضح أنها ليست من فعل المكلف ولكن وجود الفعل منه يتوقف عليها لأنه لا يقع من المكلف إلا ما أراده الله تعالى - وأما الداعية - وهي العزم المصمم على الفعل - فليس مخلوقة للمكلف ولا من فعله بل هي مخلوقة لله تعالى إذ لو كانت........= = مخلوقة للعبد لانتقل الكلام إليها من حيث إنها تقع في وقت دون وقت فلا بد لها من داعية وداعيتها كذلك تحتاج إلى داعية وهلم جرا فيلزم التسلسل - وهو باطل - فكانت مخلوقة لله تعالى منعا من التسلسل.\nومع كون الداعية مخلوقة لله تعالى وليست من فعل المكلف فإن الفعل يتوقف وجوده عليها لتكون مرجحة لحصول الفعل في وقت دون وقت آخر وإلا لزم أن يكون حصول الفعل في بعض الأوقات دون حصوله في البعض الآخر ترجيحا بلا مرجح وهو باطل.\nالمذهب الثاني:\nأن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب السبب فقط سواء كان شرعيا أو عقليا أو عاديا ولا بد على إيجاب الشرط مطلقا.\nالمذهب الثالث:\nأن الخطاب الدال على إيجاب الشيء لا يدل على إيجاب ما يتوقف الشيء الدال عليه سواء كان شرطا أو سببا وسواء كان كل منهما شرطا أو سببا وسواء كان كل منهما شرعيا أو عقليا أو عاديا.\nالمذهب الرابع:\nأن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب ما يتوقف عليه إذا كان شرطا شرعيا ولا يدل على إيجاب غيره من السبب مطلقا أو الشرط العقلي والعادي وهو لإمام الحرمين انظر إحاكم الأحكام ١/١٥٧ المحصول ١/٢٨٩ نهاية السول ١/٢٨٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١١٩ - ١٢٤.","vol":"1","page":102},{"text":"هذا اللفظ بصيغته لا يكون أمرا بالطهارة وستر العورة لأن هذه الشرائط لها صيغ موضوعة واختلاف الصيغ يدل على اختلاف المسوغ له.\nألا ترى أن صيغة غير الصلاة لا تجعل صيغة لها وصيغة الصلاة لا تجعل صيغة لغيرها واعلم أن لا ننكر أن الصلاة مقتضية للطهارة بالدلالة وإنما ننكر أن تكون من حيث الصيغة مقتضية وهذا لأن المأمور كما لا يستغنى عن الشرائط التى يقف صحة الأداء عليها لا تستغنى عن وقت الأداء ثم الأمر بالشيء لا يدل على الوقت بصيغته وإنما يدل عليه من حيث الضرورة كذلك الشرائط.\nفإن قال قائل لما صارت الأسباب من ضرورة فعل الصلاة حتى لا يسمى الفعل صلاة إلا بها كان التنصيص على الصلاة تنصيصا على أسبابها كما كان تنصيصا على أفعالها وأبعاضها.\nقلنا أبعاض الصلاة كلها صلاة فيجوز أن نطلق عليها اسم الصلاة والطهارة ليست بصلاة.\nألا ترى أن المصلى لا يجوز له استعمال الطهارة فدل أنها غيرها وأما أفعال الصلاة نفس الصلاة والشيء الواحد يتوقف أوله على أخره ولا ننكر اشتمال الإسم الواحد على جميعه وإنما أنكرنا ذلك فى شيئين مختلفين وقد قال أصحابنا أن الصلاة بصيغتها تدل على الدعاء فقط وما زاد على الدعاء ثبت بالدلائل الشرعية لا من طريق الصيغة واعلم أن ما لا يمكن امتثال المأمور إلا به يلزمه من حكم الدلالة حكم الدلالة إذا كان من كسبه نحو الطهارة وغيرها من شرائط الصلاة وكالسعى إلى الجمعة وقطع المسافة فى الحج وهما أمران لا أمر واحد وأن كان أداء أحدهما لا يتم إلا بأداء الآخر إلا ترى أنه قد يلزمه الحج بلا قطع مسافة ولا ملك زاد وصورة الخطاب فى الموضعين واحدة وأما ما لا يتم إلا بكسب غيره نحو حضور غير الجمعة حتى يصح غير جمعة فلا يكون هو مخاطبا به وإنما يخاطب بفعل نفسه وهو الحضور وأن كان حضور غيره شرطا فى الأداء إلا أنه قد يخاطب بإحداث فعل غيره بقدر ما يتأنى منه كالإمام يلزمه الحضور وإحضار الناس للجمعة ويلزمه الخروج وإخراج الناس للجهاد ويلزمه أيضا تحصيل الماء لإجراء الطهارة وستر العورة لأدائها واعلم أن هذه الأشياء وأن لزم الإنسان بحضوره العبادات وأنه لا يلزمه تحصيل المال لأداء الزكاة وقد كان يجوز ورود الشرع به إلا أن الله تعالى وضع ذلك عن العباد رحمة وأما إذا لم يمكن.","vol":"1","page":103},{"text":"أداء الواجب إلا بأداء ما ليس بواجب هل يصير ذلك واجبا أم لا مثل إمساك جميع النهار لا يمكن إلا بإمساك جزء من الليل وكذلك ستر العورة لا يمكن إلا بستر ما ليس بعورة وغسل جميع العضو لا يمكن إلا بغسل ما ليس من ذلك العضو وكذلك ممن وجب عليه الطهارة ولا يمكنه فعلها إلا بشراء الرشاء واستقاء الماء فالواجب فى هذه المواضع كلها ما علق بها الوجوب فى الشرع.\nإلا إنما لا يتأتى أداء الواجب إلا به صار واجبا للتوصل إلى أداء الواجب لا لأنه واجب مقصود بنفسه.\nوأما اكتساب المال لاستطاعة الحج واكتساب المال لأداء الزكاة لا يجب لأن ذلك شرط الوجوب دون الفعل ولا يجب عليه أن يفعل ما تجب به العبادة عليه.\nوأما فى سائر المواضع فالعبادات واجبة إلا أن لفعلها شرطا لا يمكنه ذلك الفعل إلا به فيجب عليه ذلك ليتوصل به إلى الفعل ومن هذا الفصل إذا زاد على مقدار الواجب زيادة يتأدى الواجب بدونها مثل أن يطيل الركوع أو القراءة.\nفالأولى على هذا المذهب أن الزيادة على ما يتناوله الاسم من مقدار الواجب نفل.\nوحكى عن بعضهم أن الكل فرض وإنما قلنا أن الزيادة نفل لأنه قضى حق الاسم لما أتى من المأمور بما انطلق عليه بالاسم فكان بالزيادة مستقلا كما لو أدى الفرض مرة ثم أعاد فإن الثانى يكون نفلا.\nيدل عليه أنه لو ترك الزيادة لا إلى بدل فإنه لا يأثم وهذا من حد النفل ولا ينظر إلى أن اسم الصلاة يتناول أول الفعل وآخره لأن اسم الصلاة يتناول فرضها ونفلها ثم يختلفان فى الصفة ولا نقول أن من قال لغيره تصدق من مالى أنه لا يتقدر بل يتقدر بأقل ما ينطلق عليه اسم الصدقة واعلم أن الذى قلناه فى المأمورات وهو أنه إذا كان لا يتأتى أداء الواجب إلا بأداء ما ليس بواجب قد يكون مثله فى الكف عن المحضور وهو إذا لم يكن الكف عن المحظور إلا بالكف عما ليس بمحظور وذلك إذا اختلط النجس بالطاهر نحو الدم أو البول يقع فى الماء القليل فيجب الكف عن استعماله ثم اختلفوا فى كيفية التحريم فمنهم من قال يصير كله نجسا وهو اللائق بمذهبنا١ ومنهم من قال إنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به فإنه لا يكاد يستعمل جزءا من الطاهر إلا وقد استعمل جزءا من النجس وهذا.\n_________\n١وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه انظر شرح المهذب ١/١١٢.","vol":"1","page":104},{"text":"يليق بمذهب أبى حنيفة وأصحابه١ فإن عندهم إذا وقعت النجاسة فى الماء الكثير وكان الماء بحيث إذ وقعت النجاسة فى جانب منه لم يخلص إلى الجانب الآخر فيمكن استعمال الماء من الطرف الآخر على وجه لا يكون مستعملا لجزء من النجاسة قالوا: يجوز ذلك٢ والأول أحسن لما بينا.\nوقد قال أصحابنا أن البول أو الدم إذا وقع فى الماء الكثير ولم يتغير أحد أوصافه٣ فإن الكل طاهر ويجوز استعمال جميع الماء وأن تيقنا أنه باستعمال كل الماء يصير مستعملا لذلك القدر من الدم أو البول٤ وإذا قلنا يجوز استعمال جميع الماء فنقول أن ما وقع فيه قد حكم بطهارته وهذا ينبغى أن يكون هو المذهب.\nوقد قال بعض أصحابنا إذا استعمل الماء الذى وقع فيه مثل هذه النجاسة فإنه ينبغى أن يترك بقدر النجاسة وليس بمذهب٥ وأما إذا لم يكن الاختلاط بدخول أجزاء.\n_________\n١ وعندهم ضابط القليل والكثير بأنه إذا كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل وإلا فكثير انظر بدائع الصنائع للكساني ١/٧١.\n٢ قال ملك العلماء الشيخ الكاساني - ﵀ - اتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو أنه إن كان بحال لو حول ظرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص وإنما اختلفوا في جهة التحريك فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف وروى محمد عنه: أنه يعتبر التحريك بالوضوء وفي رواية: باليد من غير اغتسال ولا وضوء واختلف المشايخ: فالشيخ أبو حفص الكبير البخاري: اعتبر الخلوص بالصبغ وأبو نصر محمد بن محمد بن سلام عتبره بالتكدير وأبو سليمان الجوزجاني اعتبره بالمساحة انظر بدائع الصنائع للكاساني ١/٧٢.\n٣ وأما إن تغير أحد أوصاف فنجس بالإجماع انظر شرح المهذب ١/١١٠.\n٤ وذلك لأن الحكم بجواز الطهارة منه بناء على طهوريته عام في جميع أجزائه انظر المهذب ١/١١٢ والصحيح باتفاق أصحابنا الشافعية جواز استعمال جميعه انظر شرح المهذب ١/١٤٢.\n٥ نعم هو كما قال الشيخ السمعاني قال الشيخ النووي قال أصحابنا هذا الوجه غلط لأنا نقطع بأن الباقي ليس عين النجاسة فلا فائدة في تركه بل إن وجب ترك شيء وجب ترك الجميع فلما اتفقوا على أنه لا يجب ترك الجميع وجب أن يقال يستعمل الجميع لأن النجاسة استهلكت قال الشيخ النووي: وصورة المسألة أن تكون النجاسة الذائبة قليلة لم تغير الماء صح مخالفتها له في صفاته أو كانت موافقة له في صفاته وكانت بحيث لو قدرت مخالفة لم تغيره انظر شرح المهذب ١/١٤٢.","vol":"1","page":105},{"text":"البعض فى البعض لكن كان اختلاط التباس واشتباه ففى قسم منها يجب الكف عن الكل١ كالمرأة التى هى حلال تختلط بالنساء المحرمات والمطلقة بغير المطلقات أو المذكات بالميتات فالكف عن الكل واجب احتياطا وفى قسم تسقط حكم المحرم باختلاطه بالمباح نحو امرأة محرمة تختلط بنساء بلدة عظيمة ولا يحصى عددهن فيسقط تحريم الواحدة وتجعل كالعدم ويباح له نكاح أى امرأة أراد منهن وفى قسم الثالث ثبت التحرى وذلك فى الثوب النجس يختلط بالثياب الطاهرة أو الآنية من الماء النجس اختلط بالأوانى الطاهرة فجعل الشرع لما علم طهارته بالاجتهاد حكم الطهارة وأن كان نجسا فى الحقيقة وأسقط به الفرض عنه إلا أن يزول ذلك العلم الظاهر بيقين يحصل من بعد على ما عرف فى المذهب والله المستعان.\nمسألة: نذكر بعد هذا من يتناوله خطاب الأمر ونبتدئ بالكفار فنقول إنهم داخلون فى الخطاب بالشرعيات٢ كما أنهم داخلون فى الخطاب بالتوحيد٣ والإقرار بالنبوات ومن فوت على نفسه فعلها بترك الإسلام استحق العقاب وهذا قول أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة٤ وقالت طائفة منهم إنهم لا يلحقهم خطاب الشرعيات بحال وهو اختيار الشيخ أبى حامد الإسفراينى٥ وأما المتكلمون فأكثرهم معنا فى هذه المسألة وتعلق من قال إنهم لا يدخلون فى الخطاب بكلمات معنوية منها وهو شبهتهم قالوا: تكليف من لا يصل إلى امتثال المأمور على ما ورد به الشرع بحال محال وهذا صفة خطاب الكافر بالشرعيات لأنه لا يتصور من الكافر أداء العبادات فى حال كفره وإذا أسلم سقط وزال التكليف عنه ولا وصول إلى أداء المأمور بحال.\nقالوا\n_________\n١ لأنه مقدمة لترك المحظور.\n٢ أي بالفروع.\n٣ وهذا مما لا خلاف فيه.\n٤ وهو مختار جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وهو المعروف عن علماء الحنفية العراقيين انظر نهاية السول للأسنوي ١/٣٦٩ المحصول ١/٣١٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٨٥.\n٥ هذا المذهب هو لعلماء الحنفية السمرقنديين كأبي زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام واختاره أبو حامد الإسفرايني انظر نهاية السول ١/٣٧٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/٧٥ - ٧٦ المحصول ١/٣١٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٨٥.","vol":"1","page":106},{"text":"وبهذا فارق الإيمان لأنه يصلح من الكافر متى قصد إليه ويفارق المحدث أيضا لأنه بعد الطهارة أمكنه أداء الصلاة بذلك الخطاب فطهارته لا تنافى ما خوطب به وأما إسلام الكافر ينافى ما خوطب به من حيث أنه لا يبقى عليه بعد الإسلام ولهذه الشبهة اختار الشيخ أبو حامد هذا المذهب وربما يقولون هذا أمر لا يفيد فائدة ولا يقتضى قضيته لأنه طلب الفعل فإذا لم يصل إلى الفعل سقطت فائدته والأمر لا يكون إلا لفائدة فإذا سقطت فائدته بطل الأمر بل خطاب الكافر بالشرعيات يؤدى إلى تكليفه ما ليس فى وسعه وأمره بما لا يطيقه وإنما قلنا ذلك لأنه يستحيل أن يفعل الشرعيات مع كفره.\nقالوا: ولا يجوز أن يقال أن فائدة الأمر استحقاق العقاب عند تركه لأن الأمر لا يرد من الأمر لفائدة العقاب عند الترك بل الأمر ليس إلا لفائدة الفعل وهو المقصود من الأمر وإنما أوعد عليه عند تركه لتحقيق طلب الفعل منه وترك العقاب عند الترك بمنزلة التبع من المقصود فكما أن العقد مصحح لمقصوده لا لما ليس لمقصوده فكذلك الأمر يصحح لمقصوده لما ليس لمقصوده.\nيدل عليه أن الأوامر بالعبادات لنفع العباد ونفع العباد فى فعلهم العبادات فإذا لم يصح منهم فعلها بطل نفعهم منها فإذا كان الأمر لنفعهم بطل نفعهم [وبطل] ١ أمرهم.\nوأما حجة أبى زيد أن الكافر ليس بأهل لأداء العبادات لأن أداء العبادة لاستحقاق الثواب فى الآخرة بحكم الله تعالى.\nوالكافر ليس بأهل الثواب فى الآخرة لأن ثواب الآخرة هى الجنة وهو ليس من أهل الجنة فتبين أنه ليس بأهل للعبادة وإذا لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن من أهل الخطاب بالعمل لأن الخطاب بالعمل للعمل وهذا كالعبد لا يخاطب بالعبادات المالية من الكفارات والزكوات وغيرها لأنه ليس من أهل ملك المال فلا يخاطب بواجب المال.\nببينة أن العبادات ثمن الجنة والكافر لا يتصور أن يكون له حظ فى الجنة فأشبه الكافر فى هذا من لا ذمة له في استحقاق حق أصلا وهو [كالبهائم] ٢ قال وليس.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"بطل\" بدون واو.\n٢ ما بين المعكوفين كلمة غير مقروءة لعلها ما أثبتناه.","vol":"1","page":107},{"text":"كالإيمان لأنه ثبت له الحق فى الجنة فصار الإيمان فى الحقيقة اكتسابا للجنة وهو من أهل اكتسابها.\nقالوا: ولا يجوز أن يقال أنه من أهل العبادة إذا أسلم فيصح الأمر ليسلم ويفعل بمنزلة المحدث مخاطب بالصلاة ليتطهر ويصلى.\nوهذا لا يصح لأن الكافر فى الحال ليس بأهل للعمل ليثاب عليه والخطاب يتناول العمل فى الحال لأن الخطاب هو قوله صل وصم وهذا تناول الحال وفى الحال ليس هو من أهل هذا العمل ولا الكافر أعد للإسلام ما له حتى يعطى له حكم ما له فى الإعداد له كالمنى فى الرحم وبيض الطير فالكافر ماله مال الإسلام لا حيلة له من الله تعالى ولا عادة لهم بل العادة فى الكافر التمسك بالكفر كالمسلم عادته التمسك بالإسلام وإنما يختار الإسلام كالمسلم يختار الكفر نادما.\nقالوا: وليس كالجنب لأنه بنفسه أهل لعمل يثاب عليه غير أنه لا يصح منه الصلاة لفقد شرطه وهو الطهارة فهى شرط لصحة الأداء لا ليصير أهلا لعمل يثاب عليه فى الآخرة فيصح الخطاب له على أن يفعله بشرطه وأما الكافر فليس بأهل لعمل يثاب عليه فى الآخرة أصلا فلا يصح الخطاب معه أصلا وسبيل هذا سبيل المولى يقول لعبده أعتق عن نفسك عبدا أو كفر عن يمنيك بالمال يكون لغوا لأن ملك المال شرط التصرف بهذا الخطاب والعبد ليس من أهل ملك المال وبمثله لو قال لحر أعتق عبدك على ألف فأعتق صح عنه بصحة الأمر لأنه أهل الإعتاق إلا أنه فقد فى الحال شرط الأداء وهو الملك وصح الأمر به على أن يؤدى المأمورية بشرطه قال ولا يجوز أن يقال أن الكفر معصية فلا يجوز أن يجعل شىء لسقوط الخطاب لأنه تخفيف والكفر لا يصلح سببا للتخفيف قال لأنا لا نسقط الخطاب برحمة ليكون سبب العذر بل أسقطنا الخطاب نقمة لأنه سقط لخروجه عن صلاحية الجنة وهذا نقمة ببنية أن الكافر سقط عنه خطاب الله تعالى بالعبادات ليأسه عن الجنة وبخطاب المؤمن بالعبادات لاستحقاقه الجنة وشدة النار فوق ثقل الخطاب وراحة الجنة فوق راحة سقوط الخطاب وهذا كالبهائم لا يخاطبون وليس ذلك لإرادة التخفيف عليها بل لأنها ليست بأهل الخطاب فكان سقوط الخطاب للإزراء بها كذلك سقوط العبادات عن الكفار ليس للتخفيف عليهم بل لإخراجهم عن أهلية الخطاب فيكون على وجه العقوبة والإزراء بهم وإلحاقهم بالبهائم التى لها خطاب عليهم قال وأما المناهى ثابتة.","vol":"1","page":108},{"text":"في حقهم لأنه أن لم يكن من أهل العبادة لأنها ثمن الجنة فهو من أهل المعصية التى هى سبب العقوبة فيستقيم إثبات خطاب المناهي فى حقه وأن لم يستقم إثبات خطاب العبادات قال وهذا يحثهم على المعاصي في الدنيا لأن الحدود عقوبات على إنكار المناهي وخطاب المناهي قد لحقهم ولأن هذه الأعمال للفكاك عن قيد الاستعباد كما أن مال الكتابة يؤديه العبد للفكاك عن قيد الرق وقبل الإيمان بالله ﷿ لا يتصور منه أعمال تتعلق بهذا الفكاك عن القيد وأما الإيمان فيتعلق بنفسه للفكاك أو يثبت عقد الفكاك فاستقام الخطاب بالإيمان دون الأعمال ألا ترى أن المولى يستقيم منه خطاب العبد بأداء المال بعد عقد الكتابة ولا يستقيم قبل عقد الكتابة هذا طريقا إلى هذا الموضع وتعلقوا بالخبر المعروف أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن قال له ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وفي رواية فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد فى فقرائهم١ فقد أخبر أن هذه الواجبات تلزم بعد الإيمان بالله تعالى ولو لزمت مع لزوم الإيمان لم يكن لتأخير ذكر الإيجاب معنى.\nوأما حجتنا في هذه المسألة تتعلق أولا بما ورد من السمعيات في الباب والتعلق للأصحاب بما ورد في القرآن والسنة كثيرة غير أن المختار من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٥] فقد ذمهم ووبخهم بترك الصلاة وكذلك بترك الزكاة لأن إطعام الطعام الذى يتعلق بتركه التوبيخ هو الزكاة فلولا أن ذلك توجه عليهم ولحقهم خطابه لم يستقم التوبيخ والذم فإن قيل معناه لم نك من جملة المصلين أي المسلمين قلنا لا يستقيم ذلك لأن قوله: ﴿مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يفيد أنهم استحقوا الذم لأنهم لم يصلوا كقول القائل عاقبت فلانا لأنه لم يك من المطيعين يدل أنه عاقبه لأنه لم يطعه.\nفإن قيل قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يجوز أن يكون إخبارا لأنهم كانوا ارتدوا.\n_________\n١ أخرجه البخاري الزكاة ٣/٣٠٧ ح ١٣٩٥ ومسلم الإيمان ١/٥٠ ح ٢٩/١٩ وأبو داود الزكاة ٢/١٠٧ ح ١٥٨٤ والترمذي الزكاة ٣/١٢ والنسائ الزكاة ٥/٣ باب وجوب الزكاة وابن ماجه الزكاة ١/٥٦٨ ح ١٧٨٣ وأحمد المسند ١/٣٠٦ ح ٢٠٧٦.","vol":"1","page":109},{"text":"بعد إسلامهم ولم يكونوا صلوا في حال إسلامهم قلنا قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ لا يقتضي ترك الصلاة في زمان معين بل يقتضي ظاهره أنهم لم يكونوا من المصلين فى جميع زمانهم مثل قول القائل فلان [صرورة] ١ لأنه لم يحج يقتضي أنه لم يحج فى وقت ما وإذا حملت الآية على ما قالوا: كان حملا على ترك الصلاة في زمان معين وهذا خلاف ظاهر الآية وعلى أن الآية عامة فى المرتدين وغير المرتدين وقد أيد هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] أوجب لهم الويل بكفرهم وإخلالهم بالزكاة وهو مثل قول القائل ويل للسراقة الذين لا يصلون فهذا ذم لهم على السرقة وترك الصلاة جميعا كذلك هاهنا ذم وتوبيخ على الشرك وترك الصلاة جميعا ونعتمد على قوله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهذا يتناول المسلم والكافر لأن اسم الناس يتناول كليهما على وجه واحد ولا مانع من كون الكافر من أهل الآية لا من جهة ولا من جهة السمع العقل.\nأما الدليل السمعي فلأنه لو وجد مانع من هذه الجهة لظفرنا به عند الطلب.\nوأما من جهة العقل فلأنه لو كان لكان لفقد التمكن والكافر متمكن من الحج بأن يقدم عليه الإسلام وكل من تمكن من الفعل على بعض الوجوه فهو له مستطيع كما أن المحدث متمكن من أداء الصلاة بأن يقدم عليه الوضوء والخراسانى متمكن من الحج بأن يقدم عليه قطع المسافة وهذا الذى قلناه فى الحج موجود فى كل عبادة فيلزمه كل العبادات بالخطاب العام الذى يتناول المسلمين والكفار وهذا لأن رسول الله ﷺ بعث إلى جميع الناس أحمرهم وأسودهم وقد جاء بالقرآن المشتمل على إيجاب الإيمان وإيجاب الشرائع من الأوامر والنواهي فإن كان بعث بما أنزل معه إلى جميع الناس وجب كل ما أنزل معه على جميع الناس لأنه بعث بهذه الشرائع فكل ما بعث به يجب على من بعث إليه.\nفإن قالوا: هذا على ما قلتم إذا أمكن الإيجاب وهاهنا لا يمكن الإيجاب.\nقلنا يمكن على ما بينا من قبل ولأنه لما لزمهم النواهي لزمهم الأوامر لأن الأوامر أحد قسمى الشرع فصار كالقسم الآخر والدليل على لزومهم النواهي إجماع الأمة في أن الكافر يحد إذا زنا ويقطع إذا سرق ولو لم يكن مكلفا بترك الزنا.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"مؤقت\" هكذا ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"1","page":110},{"text":"والسرقة لم يكن الزنا والسرقة معصية ولو لم تكن معصية لم يعاقب على فعله وهذا دليل معتمد.\nفإن قالوا: إنما وجب ذلك عليهم التزامهم أحكام الإسلام.\nقلنا هذا ليس بشىء لأن لزوم الأحكام بالتزام العبيد ذلك.\nألا ترى أن الخطاب متوجه على جميع الكفرة بالإيمان بالله ﷿ وأن كانوا لم يلتزموا شيئا من ذلك.\nثم نقول من أحكامنا أن لا يحد الإنسان على المباح فلو كان الزنا غير محظور عليه كان مباحا والحد لا يجب بارتكاب المباح.\nقالوا: أن الكافر مع كفره قد كلف ترك الزنا لأنه مع كفره لا يمكنه فعلها فلم يخاطب بفعلها.\nقلنا لا يجوز أن يكلف ترك الزنا إلا وقد كلف العلم بقبحه ولا سبيل إلى العلم بقبحه إلا بشريعة الإسلام لأن ما عداه من الشرائع فقد منع المكلفون من الرجوع إليها ولا يمكن مع جحد الإسلام أن يعلم قبح شىء كما لا يمكنه فعل الصلاة فى هذه الحالة فلا فرق بينهما.\nولكن كان وجه التكليف بالعلم بقبح الزنا بأن يسلم قبحه ليتركه فحقق عليه تحريم الزنا بهذا الوجه وكذلك فى الصلاة مثله يتحقق عليه إلزام الصلاة بالوجه الذى حقق عليه تحريم الزنا غير أن ترك إقامة الحد عليهم كان بدليل شرعى قام عليه ونحن لا ننكر سقوط إقامة الحد مع تحقق التحريم بدليل شرعى يقوم عليه وذلك الدليل هو العهد المعقود معهم بترك التعرض لهم فى شرب الخمور وأكل الخنازير إذا لم يظهروا ذلك فيما بيننا وإقامة الحد من التعرض فيكون ذلك إحقار للعهد فلهذا لم نقمه عليهم وقد أجبنا بغير هذا فى المسائل الفقهية.\nأما الجواب عن كلماتهم.\nأما الأول قلنا لا نسلم أن هذا تكليف بما لا وصول إليه بل الوصول من الكفار إلى فعل هذه العبادات ممكن وذلك بأن يسلم ثم يباشر العبادات ونظير ذلك الجنب مكلف فعل الصلاة بأن يزيل الجنابة ثم يصلي.\nوقولهم أنه إذا أسلم سقط عنه الصلاة فلا وصول إليها لا قبل الإسلام ولا بعد الإسلام.\nقلنا الوصول ممكن بأن يسلم في الوقت أو يسلم قبل الوقت فإذا دخل الوقت صلى.","vol":"1","page":111},{"text":"فإن قالوا: إذا أسلم صلى بأمر جديد.\nقلنا لا كذلك قيل بفعل الصلاة بالأمر الذي كان عليه من قبل.\nفإن قالوا: هل كلف الكافر الصلاة قبل الإسلام.\nفإن قلتم نعم فهو مستحيل لأنه إذا لم يصح منه فعل الصلاة كيف يكلف فعل الصلاة.\nقلنا هذا قد قلتم وقد أجبنا.\nونقول هل كلف الجنب بأن يصلى فى حال الجنابة.\nفإن قالوا: أن الطهارة تصلح شرطا للصلاة والإسلام لا يصلح شرطا لأن الشروط اتباع.\nقلنا ولم لا يصلح شرطا وليس معنى الشرط إلا ما يقف الشىء على وجوده.\nوعلى أن هذا ليس بخروج عن الإلزام فإن وجه الإلزام أن الجنب يكلف فعل الصلاة فى حال الجنابة ثم إذا أداها يكون بشرطها وهو تقديم الإسلام وأيضا فإن الأمة اجتمعت على أن الكافر يخاطب بالإيمان بالرسل وإذا وصل إلى الآخرة ولم يكن أسلم يعاقب على ترك الإيمان بالرسل كما يعاقب بترك الإيمان بالله ومعلوم أنه لا يصح الأيمان بالرسل إلا بشرط تقديم الإيمان بالله مثلما لا تصح الصلاة إلا بعد تقديم الإيمان.\nولكن قيل كلفوا ذلك بشرط تقديم معرفة الله عليه كذلك جاز أن يكون مكلفا بالعبادات بهذه الشريطة أيضا وهذا إلزام عظيم هدم عليهم هذه القاعدة.\nوقولهم أنه لا فائدة فى هذا الأمر.\nقلنا إذا بينا وجه التمكن من الفعل على بعض الوجوه اتصلت الفائدة بالأمر.\nقالوا: بطلت فائدة الأمر فى حال كفر الكافر لأنه عندكم مخاطب بالعبادات فى حال كفره.\nقلنا هذا الذى قلتم ليس بشرط لصحة الأمر بدليل الجنب الذي قلناه وعلى أن فائدة الأمر في الحال أنه إذا ترك الإتيان استحق العقاب على ترك الصلاة فى الآخرة ويجوز تصحيح الأمر بهذه الفائدة في الحال بدليل الجنب الذي قدمناه وكذلك من علم الله تعالى منهم أنه لا يؤمن يحسن خطابه بالإيمان وليس يحسن خطابه بالإيمان إلا لفائدة استحقاق العقاب بترك الإيمان لأن الفعل منه غير متصور لأنه يؤدي إلى تجهيل.","vol":"1","page":112},{"text":"الله تعالى وقد تقدس البارى عن ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا.\nوقولهم أن المقصود من الأمر طلب الفعل فإنا قد ذكرنا وجها للفعل وذكرنا أيضا أن فائدة استحقاق العقاب كان فى تصحيح الأمر فسقط هذا السؤال.\nوقد قال الأصحاب على قولهم أن الكافر إذا أسلم يسقط الأمر بالصلاة لأنه إنما سقط بعفو الشرع وذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ولأجل أنا إذا أوجبنا عليه قضاء ما سبق من الصلوات والصيامات الفائتة والزكوات [والخراج] ١ [المسير الماء فيه] ٢ أدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام وقد ذكرنا هذا فى المسائل الفقهية وما ذكرنا أولا كاف.\nوأما طريقة أبي زيد فنقول قوله أن الكافر ليس من أهل العبادة.\nقلنا ليس معنى هذا إلا أنه إذا فعل العبادة لا يصح وهو باطل بالجنب الذي قدمناه لأن الجنب ليس من أهل فعل الصلاة مثل الكافر ليس من أهل فعل الصلاة.\nولكن قيل هو من أهل الصلاة عند تقديم الطهارة فصح الأمر عن فى حقه وأن لم يكن على طهارة كذلك الكافر من أهل الصلاة عند تقديم الإسلام فصح الأمر فى حقه وأن لم يكن فى الحال مسلما.\nوأما قوله أن العبادة لاستحقاق الثواب وهو ثمن الجنة على ما زعم.\nقيل له ليس صحة الأمر بالعبادة بكونه من أهل الجنة لأنه ليس لصحة العبادة من المسلم باستحقاق الجنة فإنه قد قام الدليل لنا أن الثواب الموعود محقق بفضل من الله تعالى وأنه لا يجب على الله تعالى حق لأحد وإنما صحة العبادة بورود السمع بها وانضمام شرطها إليها والإيمان بالله تعالى أحد شرائطها غير أن صحة الأمر لا تقف على وجود الشرط بل يكفى فى صحة التمكن من إيجاد الشرط على ما سبق كذلك هاهنا وعلى أنه أن لم يكن تصحيح الأمر ليفعل المأمور فيثاب عليه يمكن تصحيحه حتى إذا ترك يعاقب عليها.\nفإن قالوا: لا يصح الأمر لهذا.\nقلنا ولم وقد سبق الجواب عن هذا والجواب الأول أولى وأحسن ويبطل هذه الطريقة بالإيمان بالرسل فإنه يخاطب به وكما أنه خوطب بالصلاة ليثاب عليها.\n_________\n١ أثبتناه من الهامش.\n٢ ما بين المعكوفين غير مقروء في الأصل ولعله ما أثبتناه والله أعلم.","vol":"1","page":113},{"text":"فكذلك خوطب بالإيمان بالرسول ليثاب عليه فلا فرق بينهما بحال وإذا ثبت لنا هذه المسألة فقد ثبت على هذه المسألة كثير من المسائل من مسألة وجوب القضاء للصلوات المتروكة على المرتد إذا أسلم وجواز إيتاء الحج منه بعد الردة ومسألة الذمى إذا أتلفه المسلم ومسألة استيلاء الكفال وغير ذلك على ما عرف والله أعلم.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>مسائل قصار وفصول من المذهب يليق بهذا الموضع</span>.\nمسألة: يدخل العبيد فى المطلق من الأوامر والنواهي١ مثل ما يدخل الأحرار وذهبت شرذمة إلى أنهم لا يدخلون إلا بدليل يدل على ذلك٢ قالوا: وذلك لأن العبد نفسه مملوكة لغيره ومنافعه مستحقة له والأمر تصريف من مالكه فإذا كان هو في تصريف [مالكه] ٣ لم يدخل في تصريف غيره إلا بدليل يدل عليه.\nوأما الدليل على أنهم يدخلون مع الأحرار بصيغة قوله افعل يتناول فعل الحر والعبد على وجه واحد وكل واحد منهما يجوز أن يكون مأمورا بهذا الأمر.\nألا ترى أنه لو أراده صح فاشتمل الأمر على الأحرار والعبيد على وجه واحد أيضا ويقال أيضا أنه لما جاز أن يكون العبيد معينين لهذا الأمر دخلوا فى هذا الخطاب إلا أن يوجد مانع سمعى أو نقلى ولم يوجد مانع فإن قالوا: أن المانع قد وجد وهو ما وجد من وجوب خدمته لسيده في أوقات العبادة.\nقلنا إنما يكون من خدمة سيده إذا فرغ من العبادات فصارت أوقات العبادات مستثناة من أوقات خدمة السيد كأوقات الأكل والشرب وسعيه بنفسه فيما لا بد به.\nقولهم أنه في تصريف سيده فلا يكون في تصريف آخر لنفس الشيء لأنه يجوز.\n_________\n١ قال الآمدي اختلفوا في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالألفاظ العامة المطلقة كلفظ الناس والمؤمنين فأثبته الأكثرون وعزاه إمام الحرمين الجويني إلى المحققين انظر إحاكم الأحكام ٢/٣٩٣ التلويح على التوضيح ٢/١٧٠ البرهان ١/٣٥٦ المستصفى ٢/٧٧، ٧٨ المعتمد ١/٢٧٨ القواعد لابن اللحام ٢٧٥.\n٢ قال الآمدي ونفاه القلون إلا بقرينة ودليل يخصه ومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله تعالى دون حقوق الآدميين وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة انظر إحاكم الأحكام ٢/٣٩٣ البرهان ١/٣٥٦ المعتمد ١/٢٧٨.\n٣ بياض في الأصل ولعله ما أثبتناه.","vol":"1","page":114},{"text":"أن يكون في تصريف سيده فى وقت وفى تصريف خالقه في وقت.\nألا ترى أنه لو عنى العبد صح فإذا جاز أن يكونوا معينين بهذا الأمر وحق السيد عليه قائم كذلك يجوز أن يكون الخطاب المطلق متناولا للعبيد أيضا وحق للسيد عليه قائم والله أعلم\nمسألة: مذهب الشافعى أن النساء لا يدخلن١ في خطاب الرجال\nوذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنهن يدخلن وقالوا: قد دخلن فى أكثر الأوامر المطلقة فى الشرع مثل الأمر بالصلاة والزكاة وبالحج وغير ذلك فدل أن حقهن الدخول بصيغة الأمر ولأن أهل اللغة قالوا: أن الرجال والنساء إذا اجتمعوا أى علامة التذكير على علامة التأنيث فصار الخطاب فى حق الجنسين على وجه واحد.\nوأما دليلنا هو أن أهل اللغة فرقوا بين الجنسين فى خطاب الجمع كما فرقوا فى خطاب الفرد فإنهم قالوا: فى خطاب الجمع للرجال افعلوا وللنساء افعلن وفى خطاب الفرد للرجل افعل وللمرأة افعلى وإذا اختلفت الصيغة فى الجنسين دل أن أحدهما لا يدخل فى خطاب الآخر كما لا يدخل الرجال فى خطاب النساء وكما أن فى خطاب الفرد لا تدخل المرأة فى صيغة خطاب الرجل ونستدل بحديث أم سلمة٢ أنها قالت لرسول الله ﷺ ماترى الله تعالى لا يذكر إلا الرجال فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية إلى آخرها فإن قالوا: أرادت الإفراد بالذكر.\nقلنا هذا الطلب إنما يصح أن لو وجد إفراد الرجال بالذكر وإذا كان عندكم الخطاب يتناول الجنسين من حيث وضع اللغة فيكون دخول النساء فيه مثل دخول الرجال فلا يستقيم طلبنا بالإفراد بالخطاب لأنه تعالى لم يفرد الرجال بالذكر فى محل ما فى خطاب الجمع فمن أى وجه يطلب النساء أن يفردن بالذكر.\n_________\n١ ذهب الجمهور من الشافعية والحنفية إلى أنه خاص بالمذكور ولا يتناول الإناث وقال الحنابلة وبعض الظاهرية إنه يتناول الإناث كما يتناول الذكورانظر نهاية السول ٢/٣٦٠ انظر إحاكم الأحكام ٢/٣٩٢ انظر المستصفى ٢/٧٩ انظر البرهان ١/٣٥٨ انظر المعتمد ١/٢٣٣ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٢٦.\n٢ أخرجه الترمذي في تفسير القرآن ٥/٣٥٤ الحديث ٣٢١١ وقال حديث حسن غريب انظر تفسير القرطبي ٨/٥٢٦٧.","vol":"1","page":115},{"text":"ببينة أنا إذا قلنا يكون الخطاب للرجال والنساء في صيغة الجمع على وجه واحد لا يبقى لخطاب الرجال على الانفراد صيغة وهذا محال.\nوأما الذي قالوا: أن النساء قد دخلن مع الرجال في أكثر خطاب الشرع.\nقلنا إنما دخلن بدلالة وقرينة.\nوأما كلامهم الثاني وهو قولهم أن الرجال والنساء أن اجتمعوا علمت علامة التذكير على علامة التأنيث.\nقلنا هذا لا يعرف لغة إنما هذا قول الفقهاء وعلى أننا لا ننكر دخول النساء فى خطاب الرجال إذا أردن بذلك ويكون ذلك على وجه المجاز كالحمار إذا أريد به البليد تناوله على وجه المجاز والكلام فى الحقيقة وقد بينا أنه لا يجوز أن يدخلن من حيث الحقيقة والله أعلم.\nفصل: وأفعال السكران وأقواله داخلة تحت التكليف فى قول عامة الفقهاء.\nوقال أهل الكلام لا تكليف عليه وتابعهم بعض الفقهاء١ وقال من يمنع دخوله تحت التكليف أن توجيه التكليف مع عدم علم المكلف بما كلف به محال لأنه لا يدخل هذا فى تكليف االإنسان ما ليس فى وسعه وهذا لا يجوز فى الشرع ولا فى العقل.\nقالوا: ولأنه لوجاز تكليف السكران جاز تكليف المجنون والصبي بل جواز تكليف الصبي أقوى من تكليف السكران لأن الصبي له عقل وتمييز وأن لم يكمل مثل ما كمل للبالغين فإذا لم يكلف الصبي فلأن لا يكلف السكران أولى.\nقالوا: وأما الصلاة إذا فاتته في حال السكر فإنما القضاء بأمر جديد بعد الصحو.\nويقولون أيضا أن الأمر فيما قلتم متقدم على زوال العقل فإنه يقال له إذا سكرت فى وقت الصلاة أو نسيت أو نمت عنها أو أتلفت شيئا فى حال السكر أو فى حال النوم لزمك ضمانه.\nوأما دليل ما صار إليه الفقهاء قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا\n_________\n١ انظر البرهان ١/١٠٥، ١٠٦ نهاية السول ١/٣١٥، ٣١٧ المحصول ٢١٧ التلويح على التوضيح ٢/١٨٥ القواعد لابن اللحام ٧٠.","vol":"1","page":116},{"text":"الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فقد خاطب السكران بها حال السكر بالكف عن الصلاة حتى يعلم ما يقول: فدل أن السكر لا ينافى الخطاب ولأن الأمة أجتمعت على صحة ردته فى حال السكر وأجمعوا على وجوب الحد عليه بالزنا والقذف وكذلك يلزمه ضمان ما يتلفه من الأموال فدلت هذه الأحكام أن التكليف قائم فى حقه وأن زال عقله بالسكر.\nوقد قال بعض الأصحاب فى حين أقدم على الشرب كان عاقلا وقد تكلف شيئا محظورا أجرى الله العادة إلى زوال العقل به فجعل الزوال بالسبب المحظور بمنزلة القائم ولهذا المعنى إذا قتل الإنسان مورثه جعل المقتول كالحى حتى لم يورث منه وكذلك نقول أن التكليف متوجه على النائم وجعل كاليقظان بدليل شرعي قام عليه وهو إيجاب الصلاة عليه وأن استوعب النوم جميع وقت الصلاة وكذلك إذا انقلب على شيء أو أتلفه يجب عليه الضمان هكذا قال بعض الأصحاب.\nوالأصح عندى أن السكران متوجه عليه الخطاب ويجعل عقله بمنزلة القائم بالدلائل التى قامت عليه من جهة الشرع وإذا جعلنا عقله بمنزلة القائم شرعا استقام خطابه وتكليفه.\nوأما النائم فالأولى أن يقال لا تكليف عليه فى حال النوم١ لأن النبى ﷺ قال: \"رفع القلم عن ثلاثة\" ٢ وذكر فيهم النائم ولأن النوم مباح فلا يجعل النائم بمنزلة اليقظان ويعتبر ما وجد من زوال الحس بالنوم ولا يجوز تكليف من لا حس له ولا علم وإنما وجوب القضاء بعد اليقظة للصلاة التي فاتته في حال النوم ووجوب غرامات المتلفات فإنما ذلك بالأمر بعد الانتباه.\nقال الأصحاب ولا تكليف على الساهي فيما سها عنه وذلك لعدم علمه بما سها عنه لأنه لو كان عالما لم يكن ساهيا وأما المكره ففعله داخل تحت التكليف لأنه يقدر على تركه بأن يستسلم بما خوف به وهذا بخلاف حركة المرتعش لا يوصف بأنه.\n_________\n١ انظر روضة الناظر ٤٩.\n٢ ذكره البخاري الطلاق ٩/٣٠٠ باب الطلاق في الإغلاق معلقا وأبو داود الحدود ٤/١٣٩ ح ٤٤٠٣ والترمذي الحدود ٤/٣٢ ح ١٤٣٣ والنسائي الطلاق ٦/١٢٧ باب من لا يقع طلاقه من الأزواج وابن ماجه الطلاق ١/٦٥٨ ح ٢٠٤١ وأحمد المسند ١/١٤٧ ح ٩٦.","vol":"1","page":117},{"text":"مكره عليها لأنه لا يقدر على تركها فالإكراه لا ينافي العلم والقصد فلا ينافي دخول فعله تحت اقتداره واختياره فلم يسقط التكليف.\nوقال بعض المتكلمين أن فعل المكره لا يدخل تحت التكليف وليس لأهل هذه الطائفة تعلق إلا ادعاؤهم فقد الاختيار.\nقالوا: ولا تكليف مع عدم الاختيار١ وربما يقولون أنه غير مريد لما أكره عليه.\n_________\n١ اعلم أن الإكراه هو: حمل الشخص غيره على ما لا يرضاه من قول أو فعل وهو نوعان أحدهما الإكراه الملجئ وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كإلقاء الشخص من أعلى الجبل.\nالثاني الإكراه غير الملجئ وهو الذي لا يبقى معه اختيار وإن بقيت معه القدرة \"مثل أن يكره شخص غيره على قتل آخر فبقول له: اقتل فلانا وإلا قتلتك ويعلم المكره أنه إن لم يقتل ذلك الشخص قتل هو\" ويتحقق الإكراه بقتل النفس أو بذهاب عضو من الأعضاء أو بغير ذلك مما هو معروف في كتب الفروع.\nوقد اتفق الأصوليون على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف بالمكره عليه كما يمنع التكليف بضده لأن من شروط التكليف أن يكون الفعل مقدورا للمكلف بمعنى أن يتأتى له فعله كما يتأتى له تركه والإكراه الملجئ لا تبقى معه قدرة للمكلف لا على المكره عليه لأنه أصبح واجب الصدور عقلا ولا على ضده لأنه ممتنع الوقوع عقلا وكل من الواجب العقلي والممتنع العقلي لا يدخل تحت قدرة المكلف فلا يكلف بواجد منهما اللهم إلا إذا قلنا يجوز التكليف بما لا يطاق وأما الإكراه غير الملجئ فللأصوليين كلام فيه يتلخص فيما يأتي به قال جمهور الأشاعرة أن الإكراه غير الملجئ لا يمنع التكليف بضده المكره عليه بل إن المكره قد يكون مكلفا بعين المكره عليه وقد يكون مكلفا بضده فإذا أكره مثلا على شرب الخمر بحيث لو لم يشرب قتل وجب عليه أن يشرب لأن الشرب في هذه الحالة يكون مباحا لأنه مضطر إليه والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وفعل المباح متى ترتب عليه ترك الحرام كان واجبا ففي هذه الحالة يكون مكلفا بعين المكره عليه.\nوإذا أكره على قتل المسلم بحيث لو لم يقتله قتل هو كان مكلفا بضد المكره عليه وهو عدم القتل لأن قتل المسلم بغير حق منهي عنه ولا يجوز الإبقاء على نفسه بذهاب حياة غيره.\nوقالت المعتزلة: إن كان المكره عليه مأمورا به كان الإكراه عليه مانعا من التكليف به بمعنى أن فعل المكره له لا يسقط عنه التكليف به لأن فعل المأمور به في هذه الحالة لا يوجب ثوابا عليه لكونه أتى به لداعي الإكراه ولم يأت به لداعي الطاعة وحيث كان الإتيان بالمأمور به لم يحقق الفائدة المقصود منه امتنع التكليف به لما فيه من العبث.\nأما إن كان المكره عليه معصية كالقتل أو السرقة أو الغصب كان المكره مكلفا بضد المكره عليه لأن ترك المكره عليه في هذه الحالة أبلغ في إجابة داعي الشرع والثواب عليه أعظم فالإكراه...........=","vol":"1","page":118},{"text":"ولا قصد له فصار فعله كفعل النائم وليس هذا بشيء لأنا قد بينا أن اختياره فيما أكره عليه قائم.\nألا ترى أنه يصبر على ما خوف به فدل أنه إذا لم يصبر وفعل ما اكره عليه فإنه يفعله عن قصد واختيار والدليل على بقاء التكليف فى حقه أنه تنقسم عليه الأحكام فيما أكره عليه ففي بعضها يجب عليه فعله وفي بعضها يحرم وفي بعضها يباح وفي بعضها يرخص فالأول مثل أكل الميتة والثاني مثل القتل والثالث مثل إتلاف مال الغير والرابع مثل إجراء كلمة الكفر على لسانه مع طمأنينة قلبه على الإيمان وانقسام الأحكام عليه دليل قاطع على بقاء التكليف وقد أجتمعت الأمة على أنه لو أكره إنسانا على قتل إنسان لا يجوز أن يقتله ولو قتل أثم إثم القتل ولولا الحظرية عليه قائمة لم يأثم ولما أثم ثبت أن التكليف قائم مستمر عليه وأما الصبيان فلا تكليف عليهم في فعل شيء ما لأن التكليف من قبل الله تعالى والله تعالى وضع عنهم ظلمة الأفعال ولم يوقعهم فى هذه الكلفة رحمة من قبل الله تعالى ونظرا لهم فأما الحقوق المالية التى تجب عليهم فليست فيها إلزام فعل ولا إيقاع لهم فى كلفة ومشقة إنما الإيجاب عليهم يلاقيب ذممهم ولهم ذمم صحيحة وأما فعل الأداء الذى هو كلفة ومشقة فهو متوجه على الأولياء لا على الصبيان والجملة أن إزالة التكليف على الصبيان نظر من الله تعالى ورحمة وذلك فى إسقاط الفعل الذى يتضمن التعب والمشقة وأما أمرهم بالعبادات عند بلوغ السبع فنوع امتران واعتياد وليس على جهة التكليف وكذلك ضربهم على سائر الآداب للرياضة كضرب الدابة.\nوأما الذى قاله الشافعى ﵀ من سقوط الظهر عنه إذا كان فى أول الوقت وهو غير بالغ ثم بلغ فى آخر الوقت١ فإنما كان كذلك لأنه فعل وظيفة الوقت فى.\n_________\n= في هذه الحالة لا يمنع من التكليف بضد المكره عليه انظر نهاية السول ١/٣٢٢، ٣٢٣ البرهان ١/١٠٦ إحكام الأحكام ١/٢٢٠ روضة الناظر ص/ ٥٠ التلويح على التوضيح ٣/١٩٧ القواعد لابن اللحام ٧٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٧٠- ١٧١.\n١ أي بعد أن فعل الصلاة فما يجزئه عن الفرض لأنه صلى صلاة الوقت بشروطها فلا.......=","vol":"1","page":119},{"text":"أول الوقت فمنع فعلها من وجوبها عليه فى آخر الوقت إذا بلغ لئلا يؤدى إلى التثنية فى الوظيفة وقد قررنا هذا المعنى فى خلافيات الفروع\nمسألة: لا يدخل الأمر فى الأمر عند عامة الفقهاء:\nوذهب طائفة قليلة من أصحابنا أنه يدخل والمسألة مصورة فى النبى ﷺ إذا كان آمرا فإن الأمر الوارد من قبل الله تعالى بذكر الناس وأمرهم بشيء بفعله فقد اتفقوا أن الرسول يدخل فى ذلك١ وتعلق من قال بدخوله فى الأمر قال لأن الرسول ﷺ مبلغ عن الله ﷿ فإذا قال للأمة افعلوا كذا فيصير كأن الله تعالى قال افعلوا كذا فيدخل النبى ﷺ فيه مثل ما يدخل غيره وربما يقولون أن الأمر يدل على الإيجاب فيصير كأن النبى ﷺ قال هذه العبادة واجبة فتكون واجبة على الكل وأما دليلنا أنه لا يجوز أن أمرا لنفسه بلفظ يخصه فلا يجوز أن يكون أمرا لنفسه يعمه ويعم غيره وهذا لأنه أمر فلا يكون مأمورا كالمأمور لا يكون أمرا ولأن الأمر قول القائل لمن دونه افعل فصارت الرتبة شرط صحة الأمر ولا يتصور رتبة مع.\n_________\n= يلزمه الإعادة وحكى عن أبي العباس بن سريج يستحب له أن يعيد وحكى عنه وجوب الإعادة وقال الإصطخري إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة بعد بلوغه وجبت وإلا فلا انظر شرح المهذب ٣/١٢ وأما إن لم يفعل الصلاة وليس هذا في كلام المؤلف ففيه تفصيل أولا: إما أن يكون الباقي من الوقت قدر رحعة فتلزمه الصلاة بلا خلاف وثانيا أن يكون الباقي قدر تكبيرة فما فوقها مما لم يبلغ ركعة فقولان: أصحهما باتفاق الأصحاب تلزمه تلك الصلاة لأنه أدرك جزء منه كإدراك الجماعة والثاني لا انظر شرح المهذب ١/٦٥.\n١ اعلم أن الأصوليين اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: وهو قول الشافعية وأكثر العلماء أن الخطاب يتناول الرسول ﷺ كما يتناول الأمة سواء صدر بلفظ \"قل\" أو لم يصدر.\nالقول الثاني وهو لبعض الفقهاء والمتكلمين الخطاب خاص بالأمة فلا يدخل فيه الرسول ﷺ مطلقا سواء صدر الخطاب بلفظ \"قل\" أو لم يصدر به.\nالقول الثالث: إن صدر الخطاب بلفظ \"قل\" كان خاصا بالأمة إن لم يصدر بلفظ \"قل\" كان عاما يشمل الرسول والأمة وإلى هذا ذهب الحليمي وأبو بكر الصيرفي من الشافعية انظر نهاية السول ٢/٣٧٢ انظر البرهان ١/٣٦٥ انظر نهاية السول ٣/٣٧١ إحكام الأحكام ٢/٣٩٧ المستصفى للغزالي ٢/٨٠ - ٨١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٣٣.","vol":"1","page":120},{"text":"نفسه لأنه لا يتصور أن يكون الإنسان أعلا رتبة أو أدنى رتبة من نفسه ولهذا لم يصح أمر الإنسان لنفسه على التخصيص وأيضا فإن الأمر قول موضوع لاستدعاء الفعل وطلبه وهذا وضع لطلبه من الغير لأن هذه الصيغ إنما تكلمت بها العرب لحاجتهم إليها وليفهم البعض من البعض مراده وخطابه ولا يتصور منه قول لاستدعاء الفعل من نفسه لأن طبيعته داعية إليه طالبة منه فعل كل ما يسره والكف عن كل ما يضره فلا حاجة إلى قول موسع له من نفسه لطلب فعل منه أو قول وضع لمنعه عن فعل وهذه كلمات قطعية والذى قاله الخصم أنه يصير كأن الله تعالى قال افعلوا\nقلنا إذا قال تعالى افعلوا فالنبى ﷺ يكون مأمورا وإذا قال النبى ﷺ فيكون أمرا والكلام فى دخول الأمر فى الأمر فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه أمرا وهذا كالسيد يقول لغلامه اسقنى فإنه لا يدخل العبيد فى هذا الأمر وأن كان يجوز أن يدخل فى أمر غيره وأما قولهم أن أمره يصير كأنه قال هذه العبادة واجبة قلنا ولم يصير هكذا وهذا خبر وذاك أمر والخبر خبر فى حق كل أحد وأما الأمر يتناول الأمر على الخصوص بحكمه وأما الأمر الوارد من قبل الله ﷿ بخطاب النبى ﷺ الرسول فإنه يتناوله على الخصوص ولا يتناول غيره إلا أن يقوم عليه الدليل وأما الوارد بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ فإنه يتناول النبى ﷺ وغيره لأجل عموم اللفظ والله أعلم.\nواعلم أن الأصحاب قد ذكروا أن الخطاب الوارد من الله ﷿ ومن رسوله ﷺ إنما يتناول المكلفين الصالحين لهذا التكليف الوارد الموجودين عند الخطاب وأما الذين يوجدون من بعد ذلك فإنما يدخلون فى الخطاب بالإجماع وهذا لأن خطاب المعدوم لا يتصور إفادته الإيجاب فدخولهم فى الخطاب لا يكون بنفس الخطاب وإنما يكون بدليل آخر وليس ذلك إلا الإجماع فكذلك نقول فى كل خطاب معلق بصفة إنما يتناول أهل تلك الصفة عند مورد الخطاب فأما من يصير بتلك الصفة فى حالة أخرى١.\n_________\n١ اعلم أن في هذه المسألة قولان:\nالأول: هو قول عامة الأصوليين من الشافعية والحنفية لا يتناول الأمة.\nالثاني: أن خطاب الرسول خطاب لأمة وهذا القول منقول عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل ﵄ وأصحابهما انظر نهاية السول ١٢/٣٥٨ إحكام الأحكام ٢/٣٧٩ انظر روضة الناظر ١٨٣ البرهان ١/٣٦٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٢٤.","vol":"1","page":121},{"text":"فإنما يتناوله الخطاب بدليل آخر١ وإذا ثبت هذا فخطاب الله تعالى وخطاب رسوله ﷺ باسم الجمع إنما صار شاملا جميع أهل الإيجاب مع عدمهم عند ورود الخطاب بدليل إجماع الأمة والإجماع فى نفسه دليل قاطع لا شك أنهم عقلوا ذلك حين أجمعوا عليه وقالوا: ما قالوه عن دليل فثبت ما أجمعوا عليه وأن لم ينقل الذى أجمعوا عليه.\nمسألة: الأمر بالشيء يدل على أجزائه\nوهذا قول جميع الفقهاء٢ وذهبت طائفة من المتكلمين أنه لا يدل على أجزائه ولا بد فيه من دليل آخر٣ وقال هؤلاء الطائفة لا بد أن نبين المراد من قولنا مجزىء ليصح أن نتكلم عليه قالوا: وعلى أنا لا نريد بقولنا مجزىء أنه يثاب عليه وأنه حلال لأنا نقول أن المأمور لابد أن يكون مثابا عليه ولا بد أن يكون حلا لا لأنه أما أن يكون واجبا أو مندوبا إليه وأيهما كان فلا بد أنه حلال وإنما نريد بقولنا أنه مجزىء أنا إذا قلنا هذه اللفظة فى الصلاة فالمراد بذلك أن القضاء غير لازم فيها فإذا قلناه فى البيع فالمراد أن الملك الصحيح يقع به وإذا قلناه فى الشهادات فالمراد من ذلك أنه يجب على القاضى أن يقضى بها فهذا هو المراد بقولنا مجزىء وإذا عرف هذا نقول أن الأمر لا يقتضى إلا كون المأمور واجبا أو ندبا على خلاف وكونه كذلك لا يمنع كونه مجزئا بل لا متنع أن يكون واجبا أو ندبا ومع ذلك لا يكون مجزئا على المعنى الذى قلناه وهذا كما يقول فيمن ظن أنه على الطهارة وليس على الطهارة وتجب عليه الصلاة وأن كانت الصلاة غير مجزئة وعليه قضاؤها.\n_________\n١ اعلم أن في هذه المسألة اختلاف فذهب جمهور العلماء إلى أن الخطاب خاص بالحاضرين في زمن الخطاب فلا يتناول غيرهم ممن لم يكن موجودا في زمنه ويكون ثبوت الحكم لمن بعدهم بدليل آخر وذهب الحنابلة وبعض الفقهاء إلى أن الخطاب يعم الجميع من وجد في زمن الخطاب ومن لم يوجد في زمنه انظر نهاية السول ٢/٣٦٤ إحكام الأحكام ٢/٤٠٠ روضة الناظر ١٨٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٢٨.\n٢ انظر البهان ١/٢٥٥ نهاية السول ١/٣٨٣ روضة الناظر ١٨١ المستصفى ٢/١٢ المعتمد ١/٩٠.\n٣ انظر البهان ١/٢٥٥ نهاية السول ١/٣٨٣ المستصفى ٢/١٢ المعتمد ١/٩٠ روضة الناظر ١٨١.","vol":"1","page":122},{"text":"إذا علم أنه محدث وكذلك من أفسد على نفسه الحج يجب عليه المضي وأن كان غير مجزيء عنه فهذا كلام ذكره عبد الجبار بن أحمد في العمد.\nوأما دليلنا نقول أن معنى الإجراء هو الخروج عن عهده الأمر أو إنهاء ذلك الأمر في حقه فنقول على هذا امتثل الأمر كما أمر فوجب أن يخرج عن عهده الأمر.\nكالمولى إذا قال لغلامه اسقني فسقاه يخرج عن عهدته وهذا لأن الأمر لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة فإذا فعل المأمور ما اقتضاه هذا الأمر وجب أن لا يبقي عليه واجب آخر من جهة هذا الأمر وإذا لم يبق عليه شيء من جهة الأمر لا بد أنه حكم بكون المفعول مجزئا وهو يعني خروجه عن عهدته وهو كما لو نهى عن شئ فانتهى خرج عن عهدة النهى.\nوأما كلامهم ففي غاية الضعف لأن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يستقيم تفسير الإجراء بسقوط القصد ولهذا المعنى صح وورد أمر من الشارع لاقضاء له عن فواته مثل الجمعة وما يشبهها وإنما معنى الإجراء ما بيناه.\nببينه أن المأمور بامتثال الأمر يصير مطيعا لأمر آمره ومتى جعل مطيعا لا بد أن يكون طاعة وأما الذي قالوا: أنه ظن أنه على الطهارة يجب عليه الصلاة ثم يلزمه قضاؤه.\nقلنا إنما وجب بناء على طهارة فإذا تبين أنه لم يكن على طهارة ظهر أنه لم يمتثل للمأمور كما أمر فبنى الحكم على ما تبين حقيقته وأعرض عن الحكم الذي كان مبتنيا على ظن منه وكان الأمر بخلافه وكذلك في مسألة الحج الفاسد إذا مضى عليه بها وجب عليه القضاء لآنه ممتثل المأمور كما مر لأنه أمر بالحج الخالي عن الإصابة وقد حج لا على هذا الوجه فلم يخرج عن عهدة الأمر وأما في مسألتنا فقد فعل المأمور كما أمر فلا بد أن يقع المفعول مجزئا عنه على أي وجه فسر الإجزاء والله أعلم.\nمسألة: الأمر بالشئ نهى عن ضده من طريق المعنى\nوهذا مذهب عامة الفقهاء وذهبت المعتزلة إلى أنه يكون نهيا عن ضده١ وتعلقوا.\n_________\n١ قال الشيخ الحسيني الشيخ:\nأـ لا خلاف بين العلماء في أن مفهوم الأمر سواء كان لفظيا أو نفسيا مخالف لمفهوم النهي كذلك \"أي حقيقة الأمر غير حقيقة النهي\".......=","vol":"1","page":123},{"text":".......................................................................\n_________\n= فقد عرفوا الأمر النفسي بأنه طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف ونحوه وعرفوا اللفظي بأنه اللفظ الدال بالوضع على طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير كف مدلول عليه بغير كف وعلى هذا فالأمر نوعان: طلب فعل غير كف وطلب كف عن فعل مدلول عليه بكف كدع وذر فالطلب إما إيجابي كافعل أو سلبي ككف ونحوه.\nوكما عرفوا الأمر بنوعيه بما سبق عرفوا النهي النفسي بأنه طلب الكف عن الفعل بغير كف ونحوه \"أي صيغة لا تفعل\" وعرفوا النهي اللفظي بأنه القول الدال على طلب الكف عن الفعل بغير لفظ كف ونحوه.\nوكما لا خلا بينهم فيما مضى من أن صيغة الأمر بخالف صيغة النهي وإنما الخلاف بينهم في أن الشيء المعين إذا طلب بصيغة الأمر المعلومة \"افعل\" فهل يكون ذلك الأمر نهيا عن ضده أو مستلزما له معنى أن ما يصدق عليه أنه أمر نفسي هل يصدق عليه أنه نهي عن ضده أو مستلزما له \"كاضرب زيدا\" هل هي نهي عن ضد الضرب وهو عدم الضرب أم تستلزم عدم الضرب أي هل تكون أمرا بالضرب ونهيا عن عدم الضرب ولم يجتمع الضدان لأن المحلان مختلفان.\nفاضرب دلت على وجوب الضرب واضرب دلت على على عدم الضرب فهذه دلالة وضعية مطابقية لأنها جمعت الأمر والنهي والثانية: التزامية لأنه لتحقق المأمور به لا بد من ترك أضداد المأمور به فدلت التزاما وقبل ذكر المذاهب يجب أن نبين أن عبارة القوم قد اختلفت في التعبير عنها كالآتي:\nفمنهم من عبر عنها بقوله \"الأمر بالشيء نهي عن ضده أو يستلزم النهي عن ضده\" ومنهم من عبر \"وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه\" والمؤذنة بين هاتين العبارتين تتطلب القرق بين الضد والنقيض لورودهما فيهما وبيانه:\nأن كل واجب كالقعود مثلا المطلوب بقولنا: اقعد له منافيان أحدهما ضدا والآخر يسمى نقيضا فالضد القيام - الحركة - والنقيض واحد وهو عدم القيام فالضد منافي وجودي والنقيض منافي عدمي وكل منهما يغاير الآخر \"من الضد والنقيض لأن عدم القيام أعم من الخاص\" لأن النقيض ينافي الواجب بذاته \"فعدم القعود ينافي القعود بالذات والقيام ينافي القعود بواسطة عدم القعود فالقيام يحقق عدم القعود فنافى اقعد بواسطة عدم القعود\" وهو عدم القعود إذ النقيضان هما الأمران \"الوجوديان\" الذي أحدهما وجوديا والآخر عدميا لا يجتمعان ولا يرتفعان \"فكونهما لا يجتمعان ولا يرتفعان فهما متنافيان بذاتهما\".\nكالقعود وعدمه في مثالنا: بخلاف الضد كالقيام فإنه ينافيه بالعرض أي باعتبار أنه يحقق المنافي بذاته وهو النقيض أي: يحقق عدم القعود لأن الضدان هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالقعود والقيام فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد وقد يرتفعان ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلا \"فلتحقق النقيض لا بد من ترك أضداد المأمور به فتأمل إلا أن كل واحد من أضداد القعود يحقق النقيض لأنه فرد من أفراده فلم يكن التنافي بين الواجب وضده ذاتيا بل لأن أحدهما يحقق نقيض الآخر الذي ينافيه بالذات هذا إذا كان.........=","vol":"1","page":124},{"text":".....................................................................\n_________\n= النقيض له أفراد هي أضداد الواجب يحققه كل واحد منها أما إذا لم يكن له إلا فرد واحد هو ضد الواجب لا يتحقق النقيض إلا به اعتبر ذلك الضد مساويا للنقيض كالحركة والسكون \"نقيض الحركة عدم الحركة ولا يوجد لعدم الحركة أفراد إلا السكون لأن الشيء لا يكون إلا ساكنا أو متحركا ولم يكن السكون نقيض لأن السكون وجودي والشيء ونقيضه يكون عدميا فتأمل\".\nفإن السكون يساوي عدم الحركة لأن عدم الحركة لا يتحقق إلا بالسكون وأخذ مع ضده حكم النقيض فلا يجتمعان ولا يرتفعان إذ لا تجتمع حركة وسكون في وقت واحد لشيء واحد لا يرتفعان كذلك بل لا بد أن يكون الشيء متصفا بأحدهما ضرورة أن الشيء الواحد لا يخلو عن حركة أو سكون.\nوالناظر في هاتين العبارتين يجد بينهما فروقا ثلاثة:\nأ - أن التعبير بقولهم وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لا يفيد إلا حكم النقيض في الوجوب \"أي فإن ندب الشيء يستلزم حرمة نقيضه فهذه العبارة قاصرة لا تشمل ما ذكرنا\" أما حكمه في الندب فلا \"فهي غيرجامعة\" بخلاف التعبير بقولهم الأمر بالشيء نهي عن ضده أو يستلزم النهي عن ضده فإنه يفيد حكم الضد فيهما \"الوجوب والندب\" لأن الأمر بالشيء بصفته عند عدم القرينة الصارفة يدل على الوجوب ومعها يدل على الندب والتعبير بالأمر يتناول الوجوب والندب والتعبير بالنهي يتناول التحريم والكراهة لأن النهي وهو طلب الكف عن الفعل إن كان جازما فهو للتحريم وإلا للكراهة وعلى هذا يكون الأمر بالشيء دالا على التحريم للضد إن كان الأمر للوجوب ودالا على كراهته إن كان الأمر للندب فيكون التعبير بقولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده مفيدا لحكم الضد إيجابا وندبا.\nب - أن التعبير بقولهم: الأمر بالشيء..الخ فإنه يفيد أن محل النزاع في هذه المسألة هو ضد المأمور به وليس نقيضه.\nجـ - أما قولهم \"وجوب الشيء الخ\" فإنه يفيد الواجب محل النزاع بينهما وأن من العلماء من يقول: إن الأمر بالشيء ليس دالا على النهي عن نقيضه وهو باطل لأن الإجماع منعقد على أن نقيض الواجب منهي عنه لأن إيجاب الشيء هو طلبه مع المنع من تركه والمنع من الترك هو النهي عن الترك والترك هو النقيض فيكون النقيض منهيا عنه فالدال على الإيجاب وهو الأمر دال على على النهي عن النقيض لأنه جزؤه ضرورة أن الدال على الكل يكون دالا على الجزء بطريق التضمن.\n\"أي فالنقيض ليس محل النزاع بل الضد لأن الواجب ما يذم شرعا تاركه إلخ فالواجب طلب الشيء مع المنع من تركه فالمنع من الترك مدلول للوجوب فهو جزء من الوجوب لأن الوجوب دل عليه تضمنا فالنقيض هو الترك\" وإن كان الأمر كذلك تعين أن يكون الخلاف في الضد فقط ووجب أن يكون التعبير عن ذلك النزاع بما يدل صراحة عن محله والذي يفيد ذلك قولهم: \"الأمر بالشيء..الخ\" لا الثانية فتأمل.\nورجعت الأولى بالرغم من أنها قاصرة بأن ما يستفاد من غير النص محمول على ما أفيد بالنص بالقياس.............. =","vol":"1","page":125},{"text":".........................................................................\n_________\n= أ - دلت على محل النزاع\nب - متناولة لحكم ضد الأمر إيجابا وندبا.\nجـ - وما ورد عليه من أنها غير متناولة إلا الإيجاب من النص فيجاب:....=\n= بأن ما ورود من غير النص محمول على ما فهم من النص بالقياس فتأمل.\nوبعد أن حددنا محل النزاع والعبارة المصرحة في الدلالة عليه نذكر المذاهب:\nأ - ذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني في أول أقواله أن الأمر بالشيء المعين إيجابا أو ندبا نهي عن ضده الوجودي تحريما أو كراهة سواء أكان الضد واحدا كالتحرك بالنسبة للسكون المأمور به في قوله اسكن أو أكثر كالقيام وغيره بالنسبة إلى القعود المطلوب للآمر بقوله: اقعد ومعنى كونه نهيا أن الطلب واحد ولكنه بالنسبة إلى السكون أمر في المثال وبالنسبة للتحرك نهي كما يكون الشيء الواحد بالنسبة للآخر قريبا والثاني بعيدا \"اسكن بالنسبة للسكون أمر وبالنسبة لعدم السكون نهي فالجهة منفكة فلا تنافي\".\nومثل الشيء المعين في ذلك الواحد المبهم من أشياء معينة بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بينهما فإن الأمر به نهي عن ضده الذي هو ما عداها بخلافه بالنطر إلى فرده المعين فليس الأمر به نهي عن ضده منها \"ضد المعين المأمور به منهي عنه وأما المطلوب الغير المعين نهي عن ضده في غير أفراده فليس الأمر بالكسوة نهي عن ضده في أفراده وهو الإطعام مثلا فاختيار واحد ليس نهي عن ضده منها بل من غيرها وأما المعين فالأمر به نهي عن ضده بلا خلاف\".\nب - وذهب القاضي أبو بكر في آخر أقواله والإمام والآمدي وعبد الجبار وأبو الحسين إلى أن الأمر بالشيء المعين مطلقا يدل على النهي عن ضده استلزاما فالأمر بالسكون يستلزم النهي عن التحرك أي طلب الكف عنه.\nجـ - ذهب إمام الحرمين والغزالي إلى أن الأمر بشيء معين مطلقا لا يدل على النهي عن ضده لا مطالقة ولا التزاما استدل أصحاب المذهب الأول:\nبأن الشيء المأمور به لما توقف وجوده وتحققه في الخارج على الإقلاع عن جميع أضداده الوجودية وأنه يستحيل وجوده مع التلبس بأي ضد منها لأنها لا يجتمعان كأن طلب طلبا لترك جميع أضداده فالطلب واحد ولكنه بالنسبة إلى أي ضد يكون نهيا تحريما أو كراهة كما يكون الشيء الواحد قريب بالنسبة إلى شيء آخر \"لدفع توهم اجتماع الوجوب والتحريم ويقال بأن اعتبارهما مختلف\".\nفيكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده وهو المطلوب يجاب عن ذلك:\nبأن ترك جميع الأضداد \"لوجود المأمور به\" شرط عقلي لتحقيق الواجب ووجوده والشرط غير المشروط شرورة \"إذا كان شرط الشيء في نفسه فيكون باطلا أي الشرط\" فلا يكون طلب الواجب طلبا لشرطه لثبوت المغايرة بينهما وإنما يكون مستلزما له حيث قالوا وجوب الشيء يقتضي وجود ما لا يتم إلا به والشرط مما لا يتم الواجب إلا به فيكون وجوبه لازما بوجوب مشروطه \"فاقعد لا تدل على الشرط بالوضع بل بالالتزام فالأمر بالشيء ليس نهي عن ضده بل يستلزم النهي عن ضده فتأمل\"............=","vol":"1","page":126},{"text":"..........................................................................\n_________\n= واستدل اصحاب المذهب الثاني:\nبأن المأمور به لما لم يتصور وجوده إلا بترك أضداده كان طلبه مستلزما لطلب تركها لما سبق ذكره في الإجابة عن دليل المذهب الأول فيكون تركها واجبا إن كان الأمر للإيجاب ومندوبا إن كان الأمر للندب وهو معنى كونها منهيا عنها غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم وعن أضداد المندوب يكون نهي كراهة أو تنزيه واستدل أصحاب المذهب الثالث بدليلين:\nالأول: لو كان الأمر نهيا عن ضده أو متضمنا له لكان الأمر بذلك الشيء متصورا الضد ومتعلقا به لكن التالي باطل فبطل المقدم وثبت نقيضه.\n\"فكيف يطلب الترك عن مجهول\".\nأماالملازمة: \"الدليل اقتراني أو دليل استثنائي\" فلأن الكف عن الضد هو مطلوب النهي فيكون الضد محكوما عليه بالحرمة أو بالكراهة والحكم على الشيء فرع عن تصوره وأما الاستثنائية فلأنا نقطع أن الأمر بالفعل قد يأمر به وهو غافل عن أضداده والكف عنها.\nالثاني: لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده أو مستلزما له لكان الأمر بالعبادة مخرجا للمباح عن كونه مباحا وللواجبات الأخرى عن كونها واجبة لكن التالي باطل فبطل المقدم وثبت نقيضه وهو المطلوب \"أي سيترتب عليه قلب حقائق فيخرج المباح عن المباح ويقلب الواجب والمباح إلى الحرام وما أدى إلى باطل فهو باطل كاقرأ القرآن فينهى عن ضده من المباحات كالأكل والواجبات كالصلاة فلم يكن نهيا أو مستلزما للنهي عن ضده فيكون المباح والواجب حراما وهو باطل وما أدى إلى باطل فهو باطل\" أما الملازمة فلأنه مما لا شك فيه أن أداء العبادة المطلوب بالأمر يتوقف على ترك جميع المباحات والواجبات المضادة لها \"ليخرج ما لا يضاده كالصيام مع الصلاة وقراءة القرآن فالعبادة إما:\nأ - تتضاد مع بعضها.\nب - توجد مع بعضها.\nفتكون هذه المباحات والواجبات منهيا عنها ومحرمة إن كان النهي للتحريم أو مكروهة إن كان النهي للتنزيه ويلزم ذلك خروج المباح والواجب عن أصله من الإباحة والوجوب إلى الحرمة والكراهة أما الاستثنائية فلما فيه من مخالفة الأصل والخروج بالشيء عن وضفه الشرعي الذي وضع فيه.\nويجاب عن الدليل الأول بجوابين:\nالأول: لا نسلم غفلة الآمر بالشيء حال أمره عن طلب ترك ما يمنع فعل المأمور به من جهة الجملة \"الاستحضار التفصيلي مسلم ولكن الأمر غير مسلم\" \"الاستحضار الإجمالي أن يترك جميع الأضداد\".\nوإن كان غافلا عن تفصيله وهذا هو المراد من قولنا: الأمر يستلزم النهي عن ضده لأن الآمر لا يطلب الفعل المأمور به إلا إذا علم أن المامور متلبس بضده لا به \"أي لا بالمأمور به لئلا يكون تحصيل حاصل فالضد يكون في العقل\" وإلا لزم تحصيل حاصل وهو باطل وإذا.......=","vol":"1","page":127},{"text":".........................................................................\n_________\n= كان الحال كذلك لزم أن يكون الآمر متعقلا الضد وليس غافلا عنه وعلاوة على ذلك فإنا لو أخذنا في اعتبارنا أن الآمر هو الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ما تصورنا غفلة الآمر عن ضد المأمور به لا جملة ولا تفصيلا \"هذه زيادة في الرد\".\nالثاني أن هذا الدليل منقوض بوجوب المقدمة \"الآمر بالشيء يكون آمرا بالمقدمة قد يأمر به وليس في ذهنه هذه المقدمة وأنتم قلتم بذلك\" حيث قالوا إن الخطاب الدال على إيجاب الشيء ويدل على إيجاب ما يتوقف عليه مع أن الآخر بالشيء قد يأمر به وهو غافل عما يتوقف عليه وحينئذ يكون قد حكم على المقدمة بالوجوب وهو غير متصور لها فما هو جوابكم هناك يكون جوابنا هنا \"فهناك حكم على المقدمة بالوجوب وهنا حكم على الضد بوجوب الترك\".\nوعن الدليل الثاني:\nبأنه لا مانع \"حرمناها وقت التلبس بالمأمور به والتحريم المؤقت جائز كالصلاة في الأوقات المكروهة وصوم يوم الشك حرام مع أن الصيام واجب\" من خروج المباحات بل الواجبات المضادة للمأمور به عن كونها مباحة أو واجبة من حيث إنها مانعة بأنها في هذه الحالة.......=\n= منهيا عنها من جهة توقف وجود الواجب على تكرها وهذا لا يستلزم كونها منهية عنها من حيث ذاتها حتى يلزم خروج الواجبات والمباحات من أصلها من الوجوب والإباحة إلى الحرمة والكراهة على الإطلاق إذ من المعلوم المقرر أن الصلاة وهي واجبة تكون حراما في الأرض المغصوبة فإنها في ذاتها غير منهي عنها من هذه الجهة لم يستلزم خروجها عن أصلها من وجوبها في ذاتها وعدم النهي عنها.\nواستدل أصحاب المذهب الرابع:\nبأن الفعل الذي هو ضد المأمور به أمر ندب لا يخرج بفعله والتلبس به الذي يكون به ترك المندوب حال طلبه عن الجواز الذي هو أصله \"أمر الندب نهى عن ضده نهي تنزيه فلم يخرجه عن الجواز فليس داخلا معنا ولكن أمر الإيجاب يقلب حقيقة الضد صل ركعتين قبل الظهر ضده الأكل فلا يخرج بفعل الأكل الخروج عن الجواز لأنه مخير في فعله وعدم فعله أي المندوب\".\nإذ لزم على ترك المندوب \"ترك المندوب جائز ففعل الضد أي التلبس به جائز لأن التلبس بالضد ترك للمندوب\" \"بخلاف الفصل الذي هو ضد المأمور به أمر إيجاب فإنه يخرج بفعله الذي به يكون ترك الواجب من الجواز الذي هو أصله إلى الحرمة وهو المطلوب\".\nويجاب بأنا لا نسلم بقاء ضد المندوب على أصله من الجواز حين يكون فعله محققا لترك المندوب \"في تلك الحالة لأن الندب ما يثاب. الخ قترى فيه عدم ثواب حيث توقف عليه فعل ما يحقق الثواب ففعل الضد يجلب عدم الثواب فالأمر بالشيء نهى عن ضده ولكن لما توقف على ترك الضد ما يحقق ثواب كان منهيا عنه\" بل يكون حينئذ مكروها لأن كل مفوت للمندوب يكون مكروها ولا شك أن الكراهة غير الجواز لأن الكراهة فيها ترجيح جانب الطرفين لا استوائهما فيكون الفعل مكروها والنهي عنه مستفاد من الأمر بضده نهى كراهة........=","vol":"1","page":128},{"text":"في ذلك بوجوه فيها أن القائل به لا يخلوا أما أن يقول: أن الأمر بالشيء نهى عن ضده من حيث اللفظ ومن حيث المعنى فإن قلتم من حيث اللفظ فهذا مدفوع من حيث المشاهدة والمحسوس.\nوهذا لأنا سمعنا الأمر من قوله لغيره افعل فكيف تسمع النهى من هذا اللفظ وهو ضده.\nفإن قلتم من حيث المعنى فليس المعنى إلا أن الحكيم إذا أراد شيئا فقد كره ضده وإذا حسن شيئا فقد قبح ضده وهذا لا يوجب أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده لأن الله تعالى قد أمرنا بالشيء من غير أن يكره ضده كالنوافل فإنه تعالى أمر بها ولم يكره ضدها لأنه لو كره ضدها لم تكن النوافل نوافل بل كانت واجبات فمنها أن الأمر بالشيء لو كان نهيا عن ضده وجب أن يكون العلم بالشيء جهلا عن ضده والقدرة على الشيء عجزا عن ضده كما قلتم أن أرادة الشيء تكون كراهية لضده.\nفيؤدي ما قلتم إلى أن يكون الشيء نصفه ضده لأن الكراهة ضد الأرادة فلو كانت الإرادة كراهة لضده لكان الشيء نصفه ضده وهو باطل.\nومنها أن الشيء إذا كان له ضدان مثل السواد فإن البياض والحمرة ضدان له فيجب إذا أراد السواد أن يكون كارها للحمرة والبياض والحمرة ضد البياض كما أنها ضد السواد فكان المحب إذا كره البياض لإرادته السواد أن يكون مريدا للحمرة لأن كراهية البياض إرادة للحمرة لأنها ضده ثم إذا كان مريدا للحمرة وجب أن يكون كارها للسواد والبياض جميعا لأنهما ضدان له فيجب على هذا أن يكون كل واحد من هذه الأضداد مرادا مكروها وهذا باطل وما أدى إليه يكون باطلا.\nوأما حجتنا قلنا أن الأمر بالشيء أمر بما لا وصول إليه إلا به ولا يتم إلا بفعله مثل الأمر بالحج أمر بالسعى إلى مكان الحج قبله.\nوالأمر بالاستقاء أمر بإدلاء الدلو في.\n_________\n= وتنزيه لأن الأمر كان للندب.\nومن هذا العرض يتبين أن المذهب القائل: إن الأمر بالشيء إيجابا أو ندبا يستلزم النهي عن ضده تحريما أو كراهة هو المذهب الراجح انظر المحصول لفخر الدين الرازي ١/٢٩٣ - ٢٩٤ المستصفى للغزالي ١/٨١ المعتمد لأبي الحسين البصري ١/٩٧ نهاية السول للأسنوي ١/٢٢٢ شرح المنار لابن مالك ص ١٩٢ - ١٩٣ القواعد لابن اللحام ص ٢٤٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/١٣١.\nمما ذكر شيخي: الحسيني الشيخ في محاضرته في كلية الشريعة جامعة الأزهر - قسم الأصول - الدراسات العليا.","vol":"1","page":129},{"text":"البير ونزعه والأمر بصعود السطح أمر بنصب السلم وقد بينا هذا من قبل وإذا كان الأمر بالشىء أمرا بما لا يتم المأمور إلا به فنقول أن فعل الشىء لا يحصل إلا بترك ضده مثل الحركة لا تحصل إلا بتركها السكون وكذلك السكون لا يحصل إلا بترك الحركة فصار الأمر بالشىء نهيا عن ضده معنى هذا الطريق ولهذا يكون الأمر بالإيمان نهيا عن الكفر لأنه ضده وكذلك الأمر باللبث فى المكان نهى عن ضده وهو الخروج والأمر بالقيام نهى عن القعود وأشباه هذا كثير وهذا هو المراد من قولنا أن الأمر بالشىء يكون نهيا عن ضده فإن أعجبهم عن استعمال لفظ النهى وهو الوفاق وأن لم يعجبهم هذا اللفظ وقالوا: إنما قلناه معنى تعينت المخالفة فى نفس التسمية ولا مبالاة بها بعد الموافقة فى المعنى وأن خالفوا فى اللفظ والمعنى جميعا كان خروجا عن المعقول فيكون باطلا.\nوالأولى أن نقول أن المسألة مصورة فيما إذا وجد الأمر وقضينا أنه على الفور فلا بد من ترك ضده عقيب الأمر كما لا بد من فعل المأمور عقيب الأمر وأما أن قلنا أن الأمر على التراخى فلا تظهر المسألة هذا الظهور فالأولى تصويرها فى الجانب.\nوأما الجواب عما ذكروه فأما الأول فتعلقهم بالنوافل باطل لأن النوافل عندنا غير مأمور بها فإن عندنا ما ليس بواجب لا يكون مأمورا به ولئن تناوله الأمر يكون على طريق المجاز ثم نقول الأمر الذى يفيد الوجوب يكون نهيا عن ضده وأما الأمر الذى يفيد الاستحباب إنما يفيد النهى عن ضده بما يناسب الاستحباب والاستحباب أن يكون فعل الشىء أولى من تركه فالحكم فى ضده أن يكون تركه أولى من فعله.\nوأما كلامهم الثانى ففى نهاية الضعف لأنه يجوز أن يجتمع العلم بالشىء والعلم بضده وكذلك القدرة على الشىء وضده فأما فعل الشىء وفعل ضده لا يتصور اجتماعهما والأمر يقتضى الفعل فهذا الوجه عمل في ضده بالنهى عنه.\nوأما كلامهم الثالث الذى ذكروه فليس بشىء أيضا لأنا نجعل الأمر بالشىء نهيا عن ضده لا من حيث اللفظ ولكن من حيث المعنى وهو أنه لا يتوصل إلى فعل الشىء إلا بترك ضده وهذا المعنى فيما له ضد واحد وفيما له أضداد واحد فسواء كان له ضد واحد وأضداد فلا بد من ترك الكل حتى يفعل المأمور وأما النهى عن الشىء هل يقتضى الأمر بضده فإن كان الشىء له ضد واحد مثل الحركة والسكون.","vol":"1","page":130},{"text":"فكذلك نقول أنه إذا نهاه عن السكون يكون الأمر بالحركة إذ ليس بينهما واسطة فأما إذا كان له أضداد فلا يكون النهى عن الشىء أمرا بها كلها لأنه يتوصل إلى ترك الشىء من غير أن يفعل جميع أضداده ولا يتوصل إلى فعل الشىء إلا بعد أن يترك جميع أضداده فافترقا لهذا المعنى ثم نقول أن هذا الأمر بالشىء نهى عن ضده صيغة حتى يصير في النهى الثابت معنى أن يكون أمرا بضده فإن الذى ادعيناه إنما ادعيناه في صيغة الأمر والنهى ولم ندع ذلك فيما ثبت معنى فسقط ما قالوه.\nوادعى أبو زيد في هذه المسألة قولا ثالثا وقال أن الأمر بالشىء يقتضى النهى عن ضده على وجه الكراهة لا على وجه التحريم وهذا ليس بشىء لأن الأمر إذا كان بعد الوجوب فلا بد أن يقتضى الكف عن ضده على وجه التحريم حتى يستقيم حمله على الإيجاب.\nوقد أجمع الفقهاء على أن الأمر يفيد الإيجاب ومع هذا لا يكون لما قاله وجه. والله أعلم.\nمسألة الفرض والواجب واحد عندنا\nوزعم أصحاب أبي حنيفة أن الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت وجوبه بدليل مظنون١ وقالوا: لأن الواجب ليس على مرتبة واحدة ألا ترى أن الثابت بدليل مقطوع لا يكون في مرتبة ما ثبت بدليل مظنون بل يكون فوقه فى الرتبة وإذا كان اختلفا في الرتبة اختص كل واحد منهما باسم غير اسم صاحبه.\nقالوا: ولأن الفرض في اللغة يدل على ما لا يدل عليه الوجوب لأن الوجوب يدل على اللزوم فإنه مأخوذ من السقوط على ما سبق ولا تأثير للساقط فى المحل ولأن الفرض مأخوذ من الجز والشق ومنه فرض القوس وفرضة الوادى فدل هذا الاسم على التأثير فى المحل وإذا أثر فى المحل أفاد زيادة لا يفيدها اسم الوجوب.\nونحن نقول أن حد الواجب والفرض واحد لأن حدهما جميعا ما لا يسع تركه أو ما لا يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه وإذا اتفقنا فى المعنى اتفقنا فى الاسم ولأنكم فرقتم بين الواجب والفرض بفرق ولا يدل عليه دليل والدليل على.\n_________\n١ انظر نهاية السول ١/٧٦ جمع الجوامع ١/٨٨ إحكام الأحكام ١/١٣٩ شرح المنار لابن مالك ص ١٩٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ١/٥٥.","vol":"1","page":131},{"text":"أنه لا دليل عليه أنه لو قلت: [قلمكم قال] ١ هذا الفرق وقال الواجب ما ثبت بدليل مقطوع به والفرض ما ثبت بدليل مظنون لم يكن عنه خلاص وأما الذى تعلقوا به من قولهم أن ما ثبت بهذا الدليل مخالف فى الرتبة ما ثبت بذلك الدليل فوجه الجواب المعتمد عنه أن الكلام فى الواجب العملى وهو الذى تتكلم فيه الفقهاء فيما بينهم وأما العلم ليس له تعرض أصلا والواجب عملا تستوى مراتبه سواء كان ثبوت الشىء بدليل قطعى يوجب العلم أو بدليل اجتهادى يوجب الظن والعقاب فى كل واحد عند تركه عملا مثل العقاب في صاحبه وكذلك واحد لا يسع تركه صاحبه إذا استويا من هذا الوجه استغنى عن التفريق الذى ذكروه.\nوأما كلامهم الثانى قلنا إذا تراجعنا اللغة فلفظ الوجوب أدل على اللزوم من لفظ الفرض لأن الفرض اسم مشترك يكون بمعنى الإنزال مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] أى أنزل ويكون بمعنى البيان مثل قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١] ويكون بمعنى التقدير يقال فرض القاضى النفقة أى قدر ويكون بمعنى الإيجاب كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أى أوجب فالإلزام أحد معانى الفرض وأما الوجوب له معنى واحد وهو السقوط وقد اقتضى الإلزام من حيث هذا المعنى الواحد فكان هذا الاسم أخص فى الإلزام من لفظ الفرض فلا أقل أن يستويا وأما التأثير فى المحل فلا معنى له لأن الإلزام على الإنسان لا يظهر له تأثير فى المحل حسا بوجه ما فلا معنى لاعتباره.\nمسألة الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق\nوذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يتناوله والخلاف تظهر فائدته فى قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فعندنا هذا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا الطواف منكوسا وعلى مذهبهم يتناوله فإنهم وأن اعتقدوا كراهية هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل فى الأمر حتى يتصل به الإجزاء الشرعى وعندنا يدخل ولا جواز لمثل ذلك الطواف واعلم أن هذا المثال على أصلهم يتصور وأما عندنا أن ذلك طواف مكروه بل لا طواف أصلا لأنه قام الدليل عندنا أن الطهارة شرط فى.\n_________\n١ هذا ما استطعنا إثباته والذي في الأصل رسم هكذا \"فلم لم قالب\" ولعل الصحيح ما أثبتناه أو \"فلم لو قال\".","vol":"1","page":132},{"text":"الطواف.\nمثل كونها شرطا فى الصلاة وكذلك قام الدليل أن الطواف الشرعى هو الطواف على هيئة مخصوصة لا يوجد إذا طاف منكوسا وأما هم زعموا أن الطواف حقيقة دوران حول البيت وذلك موجود سواء طاف بطهارة أو بغير طهارة وسواء طاف مستويا أو منكوسا قالوا: وأما وجود الكراهية الشرعية لا يدل على عدم دخول المفعول فى الأمر بدليل الصلاة فى الأرض المغصوبة والبيع وقت النداء فإن الأول داخل فى الأمر.\nوالثانى فى الإطلاق.\nوأما حجة ما صرنا إليه أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة والندب والإباحة مجازا فما ليس بواجب ولا مندوب إليه ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر وأما الصلاة فى الأرض المغصوبة فنتكلم فى هذه المسألة ابتداء حتى يظهر الواجب فنقول مذهبنا ومذهب أكثر أهل العلم أن الصلاة فى الأرض المغصوبة جائزة١ وذهبت المعتزلة غير النظام إلى أنها لا تجزىء٢ وهو قول داود وأهل الظاهر وقيل أنه مذهب أحمد بن حنبل٣ ﵁.\nواحتج من قال أنها لا تجزىء بأن الصلاة طاعة بإجماع المسلمين والصلاة فى الدار المغصوبة معصية لأن الصلاة تشتمل على القيام والركوع والسجود والقعود وهذه الأشياء تصرف فى الدار المغصوبة وشغل لأماكنها وأهويتها ومنع لرب الدار لو حضر من التصرف فيها منزل منزلة وضع ساج فيها وربما يعبرون عما قلنا فيقولون الكون فى هذه البقعة محرم معصية والأكوان التى تقع فى الصلاة لا بد أن تقع طاعة ونقول الكون فى هذه البقعة محرم منهى عنه والأكوان التى تقع فى الصلاة لا بد أن تكون مأمورا بها ويستحيل وقوع الشىء الواحد مأمورا به منهيا عنه وأيضا فإنهم أجمعوا أن من شرائط الصلوات الخمس أن ينوى بها المصلى أداء الواجب وما يدخل فيه أداء الواجب نحو أن ينوى كونها ظهرا أو عصرا والصلاة فى الدار المغصوبة لا يتأتى فيها ذلك لأنه لا يصح أن ينوى الإنسان أداء الواجب بما يعلم أنه ليس بواجب.\n_________\n١ ذكره الشيخ موفق الدين بن قدامة رواية ثانية عن أحمد وقال وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي انظر المغني ١/٧٢٢ المجموع ٣/١٦٤.\n٢ انظر المجموع للنووي ٣/١٦٤.\n٣ ذكره الإمام موفق الدين بن قدامة رواية ثانية ونصرها انظر المغني لموفق الدين بن قدامة ١/٧٢٢.","vol":"1","page":133},{"text":"قالوا: وعلى هذا نقول أيضا لا تجوز صلاة من ستر عورته بثوب مغصوب واختلفوا فيمن ستر عورته بثوب مملوك ثم لبس عليه ثوبا مغصوبا فمنهم من أجازها لأن [فى] ١ الثوب الثانى [زيادة] ٢ وفى الثوب الأول كفاية لستر العورة وهو مملوك وقال آخرون لا تجوز لأن قيامه وقعوده وتصرفه فى كلا الثوبين وزعموا أيضا أن المودع أو الغاصب إذا طولب برد الوديعة أو المغصوب فتشاغل بالصلاة مع اتساع الوقت لم تجز صلاته.\nوإن كان الوقت ضيقا ويخشى أن تشاغل بالرد أن تفوته الصلاة لم تبطل صلاته أن لم يستضر صاحبها بالتأخير ضررا شديدا وتبطل أن استضر بالتأخير ضررا شديدا وقالوا: لمن صلى وهو يرى من يغرق أو يهلك وهو يرجو أن يخلصه فسدت صلاته والوجه فى ذلك أجمع أن صلاته فى جميع هذه المواضع قبيحة قالوا: ولا يلزم إذا آمن فى الدار المغصوبة حيث يصير مؤمنا لأن ذلك ليس بتصرف فيها فيكون غصبا لها فلم يلزم أن يكون قبيحا غير طاعة قالوا: وليس يلزم إذا صلى فى أرض إنسان غير أن يقصد غصبها ولا زرع فى الأرض لأن العادة جارية أن مالك الأرض لا يكره أن يصلى المارة فى أرضه وكذلك العادة جارية بأن من أذن لغيره فى الدخول فى داره أنه لا يكره أن يصلى فيها فنزل ذلك منزلة صريح الإذن.\nقال أبو الحسين البصرى صاحب المعتمد مستدلا فى هذه المسألة أن صحة الصلاة فى الدار المغصوبة إما أن يراد بها أنها داخلة تحت التعبد أو يراد بها أنها تقوم مقام ما دخل تحت التعبد والأول باطل لأن التعبد لا يتناول القبيح المكروه والثانى يكفى فى نفيه أنه لم يدل دليل على أنها تقوم مقام ما دخل تحت التعبد وإذا لم يدل الدليل على ذلك لم يسقط به التعبد الواجب عليه٣.\nوأما حجتنا [فقد] ٤ ذكر بعض أصحابنا أن بعض ما يحتج به فى هذه المسألة إجماع الأمة فإنا نعلم أن المكلفين الذين خوطبوا بالصلاة من شرق الأرض ومغربها ما كان يخلو عصر من الأعصار من فعل بعضهم الصلاة فى الأرض المغصوبة ولو كان.\n_________\n١ زيادة يستقيم بها المعنى.\n٢ زيادة ليست في الأصل يستقيم به المعنى.\n٣ انظر المعتمد ١/١٧٢.\n٤ زيادة ليست في الأصل.","vol":"1","page":134},{"text":"من أهل الاجتهاد من لا يجوز ذلك لم يجز فى مستقر العبادات أن لا يظهر خلافه مع كثرة وقوع ذلك وعموم البلوى به ولجرى بينهم تناظر وتشاجر فى ذلك كيف وأهل القدوة الذين هم أهل القدوة فى الشريعة والأعلام فى معرفة الأحكام أطبقوا على القول بجواز ذلك فلا يعتد بخلاف من خالف فى ذلك لأنه خالف محدث ولم ينقل عن أحد من السلف ذلك وعندى أن هذه الحجة ضعيفة لأنهم يقولون بالإجماع وقد بينا خلاف ذلك.\nوقولهم أنه لم ينقل عن أحد من السلف ذلك قالوا: كما لم ينقل الفساد لم ينقل الجواز ولعلهم أن سئلوا عن ذلك أفتوا ببطلان صلاته قالوا: والظاهر ذلك لأن الدليل مضى فى هذه المسألة فما كنا نظن بسلفنا الصالح أنهم يتركون مثل الذى قدمناه وأقمناه إلى ما دليل عليه بل هو مجرد دعوى ونستدل بوجه آخر يعتمد عليه فنقول الصلاة غير منهى عنها لأن النهى وأن ورد ولكنه ينصرف إلى فعل الغضب لا إلى فعل الصلاة.\nألا ترى أن بعد الخروج عن الصلاة هو فاعل للغصب غير فاعل للصلاة.\nألا ترى أنه لو صلى فى مكان من الدار لا يخرج من أن يكون غاصبا لغير ذلك المكان من بقاع الدار.\nقالوا: على هذا أن المعقول من الغضب هو الاستيلاء على مال الغير على وجه العدوان وهو بالصلاة شاغل ملك غيره بالعدوان فيصير بغير الصلاة غاصبا فكيف لا يكون النهى منصرفا إليها وصلاته عن الغصب.\nالجواب يقال لهم هل يجوز بين أن يكون الإنسان فى فعل واحد مأمورا من وجه منهيا من وجه مطيعا من وجه عاصيا من وجه فإن قالوا: لا قلنا الدليل على جوازه المشروع والمعقول.\nأما المشروع فإن المريض الذى يستضر بالصوم فإذا صام فإنه لم يختلف أحد أن صومه يقع وهو مأمور بالصوم من وجه منهى من وجه ولولا أنه مأمور به من وجه لم يتصور وقوعه موقع الصوم المعروض عليه وهو منهى عنه من وجه وهو لتضمنه إضرارا بنفسه.\nوأما المعقول فإن السيد إذا قال لعبده احمل هذه الخشبة إلى موضع كذا واسلك بها طريق كذا فحمل الخشبة وسلك طريقا غير الطريق الذى قال فإنه يكون مطيعا من.","vol":"1","page":135},{"text":"وجه عاصيا من وجه.\nألا ترى أنه يحسن أن يقول العبد أن كنت عصيتك فى سلوك هذا الطريق فقد أطعتك فى حمل هذه الخشبة إلى موضع كذا ويقول لهم أيضا هل يجوز أن يشتمل الفعل الواحد على معنيين مختلفين فى حكم الشارع فإن قالوا: لا.\nقلنا الدليل على جواز ذلك أن من وقف على جبل مغصوب بعرفات فقد اشتمل وقوفه على ما هو طاعة وهو الوقوف بعرفة وعلى ما هو معصية وهو استعمال جبل الغير وكذلك إذا توضأ بماء مغصوب فإن حركاته فى الوضوء اشتملت على شيئين مختلفين على استعمال ماء الغير وهو معصية وعلى فعل الوضوء وهو طاعة وكذلك إذا ذبح بسكين مغصوب فإن فعله اشتمل على استعمال سكين الغير وهو معصية وعلى ذبح الشاة وهو مباح جائز وإذا نوى الإنسان الصوم ونام فى نهاره فإنه فى حال نومه فاعل للصوم وفاعل للنوم وهذه المسائل كلها مسلمة ولم ينقل عن المخالفين منع شىء منها وأقواها مسألة صوم الشيخ والمريض اللذين يستضران بالصوم ومسألة الوضوء بالماء المغصوب والوقوف على جبل مغصوب فإذا ثبت ما قلناه فنقول إذا صلى فى أرض مغصوبة فنقول النهى فى شغل أرض الغير والأمر بالصلاة فهو مأمور بهذا الفعل من حيث أنه صلاة منهى عنه من حيث أنه شغل ملك الغير والجواز من حيث أنه صلاة لا من حيث أنه شغل ملك الغير وإن شئت عبرت عن هذا بالطاعة والمعصية فقلت: أنه مطيع من حيث الصلاة عاص من حيث شغل ملك الغير وهو مثل مسألة المريض إذا صام والوضوء بالماء المغصوب والوقوف على جبل مغصوب وهو مأمور مطيع من حيث فعل الصوم وفعل الوقوف وفعل الوضوء عاص منهى عنه من حيث الإضرار بنفسه واستعمال مال الغير وجبل الغير وهو لأن شغل ملك الغير ينفصل عن الصلاة والصلاة تنفصل عن شغل ملك الغير فإذا انفصلا حسا فيجوز أن نجعل فعله فيهما كفعلين منفصلين فيكون مطيعا بأحدهما عاصيا بالآخر والدليل عليه المسائل التى قلناها والحرف فى هذه المسألة أنا وجدنا فعلا من حقه أن يكون طاعة وقد وقع قبيحا ومعصية ومع ذلك أجزأ عن الطاعة وكان طريق جوازها ما ذكرنا كذلك هاهنا وأما فصل النية التى قالوا: بها فنحن إذا فصلنا الطاعة عن المعصية استقام فيه النية وقد نقل بعض المتأخرين من أصحابنا عن القاضى أبى بكر الباقلانى كلاما غير مفهوم فى هذه المسألة وهو أن صلاة الإنسان فى الأرض المغصوبة.","vol":"1","page":136},{"text":"لا بد أن تقع مأمورا بها ولكن يسقط الأمر بالصلاة عندنا كما يسقط الأمر بأعذار نظرا من الجنون وغيره وهذا هذيان فأعرضنا عنه والله أعلم.\nمسألة إذا قال الصحابى أمرنا بكذا فإنه ينزل منزلة القول المقول فى الأمر١.\nوقال داود وأصحابه لا ينزل منزلة ما لم يقل اللفظ٢ وقال لأنه يجوز أن يكون الرسول ﷺ ذكر لفظا فى الندب والرواى ظن منه معنى الوجوب فيقبل على ما ظن ونحن نقول قول الصحابى أمرنا بكذا مثل قول الرسول ﷺ أمرتكم بكذا ومثل قوله أمركم الله بكذا والذى قالوه باطل لأن الأمر عندنا لا يكون أمرا إلا إذا أفاد الوجوب فأما إذا أفاد الندب فإنه لا يكون أمرا فليس ما قالوه بشىء والله أعلم.\n_________\n١ قال الآمدي والظاهر مذهب الشافعي وذلك لأن من كان مقدما على جماعة وهو بصدد امتثال أوامره ونواهيه فإذا قال الواحد منهم: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فالظاهر أنه يريد أمر ذلك المقدم ونهيه والصحابة بالنسبة إلى النبي ﷺ على هذا النحو فإذا قال الصحابي منهم: أمرنا أو نهينا كان الظاهر منه أمر النبي ﷺ ونهيه انظر إحكام الأحكام ٢/١٣٨.\n٢ عزاه الآمدي إلى جماعة من الأصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة واستدلوا بأن ذلك متردد بين كون مضافا إلى النبي ﷺ وبين كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الأمة أو بعض الأئمة وبين أن يكون قد قال ذلك عن الاستنباط والقياس وأضافه إلى صاحب الشرع بناء على أن موجب القياس مأمور باتباعه من الشارع انظر إحاكم الأحكام ٢/١٣٧، ١٣٨.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14><span data-type=\"title\" id=toc-15>باب القول في النواهي</span></span>\nباب القول فى النواهى\n...\nباب القول فى النواهى.\nاعلم أن النهى يقارب الأمر فى أكثر ما ذكرناه ونشير إلى ذلك على وجه الاختصار ونبين ما يخالف الأمر فيه.\nفأما حقيقة النهى١ فهو استدعاء ترك الفعل بالقول ممن هو دونه وقيل هو قول القائل لغيره لا تفعل على جهة الاستعلاء.\nفصل وله صيغة تدل عليه فى اللغة.\nوقال أبو الحسن الأشعرى ومن تبعه ليس له صيغة وقد دللنا عليه وأبطلنا قوله من قبل.\nفصل وصيغة النهى مقتضية للتحريم ٢.\nوقال أبو الحسن ومن تبعه لا يدل عليه ولا على غيره إلا بدليل.\nوالدليل على أنه يقتضى التحريم أن قوله لغيره لا تفعل يقتضى طلب ترك الفعل لا محالة مثلما أن قوله لغيره افعل يقتضى طلب الفعل لا محالة وطلب الفعل لا محالة يقتضى الإيجاب كما ذكرنا فى مسألة الأمر فطلب ترك الفعل لا محالة يقتضى التحريم التحريم وقد سبق وجه الدليل فى هذا ويمكن أن يقال أن النهى لما كان لطلب الامتناع من الفعل والفعل لا يمتنع وجوده بكل إلا بالتحريم فكان مقتضيا للتحريم أى امتناع وجوده بكل حال من حيث الشرع يكون بالتحريم لأن السيد إذا قال.\n_________\n١ عرفه الأسنوي بأنه هو القول الطالب للترك دلالة أولية انظر نهاية السول ٢/٢٩٣.\n٢ هذا هو قول الجمهور واختاره البيضاوي.\nوالقول الثاني: حقيقة في الكراهة مجاز فيما عداها.\nالقول الثالث: مشترك معنوي بين التحريم والكراهة فهي موضوعة للقدر المشترك بينهما وهو طلب الترك.\nالقول الرابع: مشترك لفظي بين التحريم والكراهة فهي موضوعة لكل منهما بوضع مستقل.\nالقول الخامس: التوقف وعدم الجزم برأي معين.\nانظر إحاكم الأحكام ٢/٢٧٥، ٢٧٦ المحصول ١/٣٣٨ نهاية السول ٢/٢٩٣ المستصفى ٢/٤١٨ القواعد لابن اللحام ٢٥١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٨١، ١٨٢.","vol":"1","page":138},{"text":"لغلامه لا تفعل كذا ففعل استحق الذم والتوبيخ ولولا أنه اقتضى التحريم لم يستحق الذم والتوبيخ.\nفصل والنهى يقتضى الترك على الدوام وعلى الفور١ بخلاف الأمر يقتضى فعل المأمور مرة واحدة ولا يقتضى الفور إلا بدليل.\nوذكرنا الفرق من قبل ببينة أن من قال لغلامه افعل كذا ففعل مرة واحدة يعد ممتثلا آتيا للمأمور وإذا قال لا تفعل كذا لا يعد منتهيا إلا بعد الانتهاء على الدوام وهذا ظاهر للمتأمل.\nفصل: قد ذكرنا أن الأمر بالشىء نهى عن ضده فأما النهى عن الشىء هل يكون أمرا بضده٢ فإن كان له ضد واحد فهو أمر بذلك الضد كالصوم فى العيدين وأن كان له أضداد كثيرة فهو أمر بضد واحد من أضداده لأنه لا يتوصل إلى ترك المنهى عنه إلا به فأما إثبات الأمر بسائر الأضداد فلا معنى له وقد سبق هذا.\nفصل إذا نهى الشارع عن أحد الشيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما.\nويجوز له فعل واحد منهما أيهما شاء٣ وعند المعتزلة يكون منهيا عنهما٤ فلا يجوز له فعل واحد منهما وزعموا أن النهى لا يرد إلا عن قبيح فإذا نهى عنهما ثبت قبحهما فيكونان جميعا منهيين وأن ورد بلفظ التخيير اللهم إلا أن تدل الدلالة على أن أحدهما إنما كان منهيا عنه إذا كان الآخر موجودا وذلك الآخر منهى عنه إذا كان هذا موجودا فيكون للتخيير هاهنا فائدتان يقال لا تأكل ولا تشرب وتدل الدلالة أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجود الشرب وكذا إنما نهى عن الشرب بعد وجود الأكل فيكونان منهيين على طريق التخيير على هذا الوجه هذا مذهبهم فى هذا وأما عندنا فالأمر على ما ذكرناه والدليل على أن الأمر أمر بالفعل والنهى أمر بالترك ثم الأمر.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٢٩٤ إحكام الأحكام ٢/٢٨٤، ٢٨٥ المحصول ١/٣٣٨ فواتح الرحموت مسلم الثبوت ١/٤٠٦ القواعد لابن اللحام ٢٥٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٨٥.\n٢ انظر نهاية السول ٢/٣١٠، ٣١١ انظر المحصول ١/٣٥٠ انظر روضة الناظر ٤٧ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٩٢.\n٣ انظر المحصول ١/٣٥٢ نهاية السول ٢/٣١١، ٣١٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٩٣.\n٤ انظر المعتمد ١/١٧٠.","vol":"1","page":139},{"text":"بالفعل فى أحد شيئين لا يقتضى وجوبهما كذا الأمر بالترك فى أحد شيئين لا يقتضي وجوب تركهما وقد سبق هذا أيضا.\nمسألة: النهى يدل على فساد المنهى عنه.\nوهو الظاهر من مذهب الشافعى وعليه أكثر الأصحاب إلا أنهم اختلفوا فمنهم من قال يقتضى الفساد من جهة الوضع فى اللغة ومنهم من قال يقتضى الفساد من جهة الشرع ويمكن أن يقال يقتضى الفساد من حيث المعنى لا من حيث اللغة وقد ذهب إلى هذا المذهب أيضا جماعة من أصحاب أبى حنيفة ومن أصحابنا من قال أن النهى لا يدل على فساد المنهى عنه وحكى عن الشافعى ﵀ ما يدل عليه وهذا اختيار أبى بكر القفال الشاشى وهو قول الكرخى ومن معه من أصحاب أبى حنيفة وهو أيضا قول أكثر المتكلمين ومنهم أبو على وأبو هاشم وأبو عبد الله البصرى١ الملقب.\n_________\n١ قال الشيخ الحسيني الشيخ: مطلق النهي عن الشيء سواء كان ذلك الشيء عبادة أو غيرها \"كالنحاح\" \"مطلق النهي يشمل نهي تحريم ونهي تنزيه\" لا يخلو عن حالة من اثنين:\nالأولى: أن يكون النهي لأمر خارج عن المنهي عنه غير لازم له كالنهي عن الوضوء بماء مغصوب فإن إتلاف الماء المغصوب قد يحصل بغير الوضوء كالإراقة مثلا وأن الوضوء قد يحصل بماء غير مغصوب ومثله الصلاة في المكان المغصوب أو المكروه وكالنهي عن البيع وقت النداء للجمعة فإن النهي عنه لوصف خارج يمكن انكاكه عن البيع لأن البيع قد يوجد بدون الإخلال بالشيء بأن \"الباء بيانية\" يتبايعان في الطريق ذاهبين للصلاة والإخلال بالشيء قد يوجد بدون البيع بأن تكون في الطريق بغير بيع.\nوالنهي في هذه الحالة لا يؤثر شيئا في المنهي عنه فلا يفيد فساده ولا بطلانه إذا خالف المكلف وفعل المنهي عنه عند الأكثرين لأن المنهي عنه في الحقيقة الأمر الخارج فالصلاة لم يتعلق بها نهي وكذا الوضوء وإنما تعلق بالغصب ولا ملازمة بين غصب وصلاة ولا وضوء حتى يكون النهي عن الغصب نهيا عن الصلاة والوضوء والنهي عن البيع وقت النداء في الواقع ليس راجعا لذات البيع وإنما هو نهي عن تفويت الجمعة ولا ملازمة بين التفويت في الجمعة والبيع.\nوذهب الإمام أحمد إلى أن النهي في هذه الحالة يدل على الفساد لأن ذلك مقتضاه فلا يعدل عنه \"مطلق النهي يدل على الفساد\".\nورد: بأن الأمر مراجعة من طلقت في حيضها دليل على صحته وعدم فساده فلو كان دالا على الفساد لما أمر النبي ﷺ المطلق في الحيض بالمراجعة لأن الأمر به لا يكون إلا بعد وقوع الطلاق:\nالثانية:\nأ - أن يكون النهي راجعا إلى ذات المنهي عنه أو لأمر خارج عنه لازم له أو داخلا فيه عبادة.......=","vol":"1","page":140},{"text":"..........................................................................\n_________\n= أو معاملة والمراد بذات العبادة والمعاملة ما يشمل جزءها وشرط صحتها فالنهي عن الصلاة بدون قراءة أو ركوع نهي عن ذات العبادة ونهي الحائض عن الصلاة وقت الحيض راجع إلى ذات العبادة والنهي عن بيع الحصاة وهو جعل الإصابة بالحصاة بيعا قائما مقام الصيغة وهو أحد التأويلين في الحديث راجعا إلى ذات العقد \"فلا إيجاب ولا قبول فيه\" \"ويعلل رجوعه لذات العقد\" لفقدان صيغته والنهي عن بيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات من الأجنة راجع إلى نفس المبيع الذي هو ركن من أركان البيع وعلة النهي عدم تيقن وجود المبيع \"وشروط المبيع العلم به عينا وقدرا وصفة\".\nب - وأما النهي لأمر خارج لازم للعبادة أو المعاملة فكالنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة \"لا توجد صلاة مكروهة إلا في الوقت المكروه ولا يوجد الوقت المكروه إلا بالصلاة في هذا الوقت فالجهة مرتبطة من كل محل\" كلما \"تعبير عن التلازم\" وجدت الصلاة في الأوقات المكروهة \"أي الأوقات الموصوفة بالكراهة لا الوقت فقط\" وكلما وجدت الأوقات المكروهة وجدب الصلاة المكروهة \"أي لتكون الصلاة مكروهة فيه لا بد من التلازم وهذا دليل يتضمن دعوى التلازم\" لأن الأوقات المكروهة لا شيء كذلك إلا الصلاة فيها والانشغال\" إذ معنى كون الوقت مكروها أن الصلاة فيه مكروهة \"لا الوقت مكروه فتأمل\" وكالنهي عن الربا مثل النهي عن بيع درهم بدرهمين \"الربا لا يوجد إلا بالزيادة ولا يكون ربا ومنهي عنه إلا بالزيادة\" لاشتمال هذا العقد على الزيادة اللازمة بالعقد عليها لأن الزيادة أمر خارج عن ذات العقد \"أي الصيغة لأنه داخل في المعقود عليه\" إذ المعقود عليه من حيث ذاته قابل للبيع \"للدرهم والدرهمين\" \"فالنهي للزيادة\" وكونه زائدا أو ناقصا وصف خارج لازم لعقد بالفضل والنهي في هذه الحالة اختلف العلماء في دلالته على الفساد وعدمها على مذاهب كالآتي:\nأ - قال بعض العلماء إن النهي لا يدل على الفساد مطلقا عبدة أو معاملة.\nب - وقال بعض آخر إنه يدل على الفساد مطلقا عبادة أو معاملة وهؤلاء اختلفوا في جهة الدلالة.\n١- فقيل: ٢ - وقيل يدل شرعا.\nجـ - وقال أبو الحسين البصري إنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات.\nد - وذهب الحنفية إلى أنه لا يدل على الفساد بل على الصحة مطلقا سواء كان عن الفعل لعينه أو لصفة خلافا \"مفعول مطلق لمحذوف\" لأبي حنيفة في القسم الأول حيث يرى أن المنهي عنه لعينه غير مشروع الأصل فيه أن ينفي لا أن ينهى عنه فالنهي عنه مجاز عن نفيه \"النهي لذات الشيء عند أبي حنيفة في الواقع نفي لأنه ينفي أن يوجد ذلك البيع فهو حقيقة في النهي مجاز في النفي فهو إنشائي لفظا \"خبري معنى\" كلا تبيعوا الكلب والخنزير إنشائية لفظا \"خبرية معنى\" فهو إنشاء مستعمل في الإخبار\" \"ما دام المنهي عنه لعينه غير مشروع لا ينهى عنه بل ينفي\".\nالأدلة:\nاستدل الأولون: وهو المستدلون على عدم فساد المنهي عنه لغة وشرعا بما يأتي وإن كان لا.....=","vol":"1","page":141},{"text":"........................................................................\n_________\n= يلزم إقامة دليل على دعواهم لأنهم نافون والنافي لا يلزم بإقامة الدليل فإن أقامه كان متبرعا بخلاف المثبت فإنه يلزمه الدليل لإثبات دعواه فالنافي لم يدع فلم يطالب بدليل\".\nلو دل النهي على الفساد لكان ناقصا بالتصريح بالمنهي عنه بكن الثاني منتف فانتفى الأول وهو الدلالة على الفساد وثبت نقيضه وهو عدم الدلالة وهو المطلوب \"أتى بدعوى الخصم ورتب عليها وأبطل المرتب فتبطل دعوى الخصم وتثبت دعواه وهذا دليل الخلف\" قوله \"لكان ناقصا..الخ\" رأى لو دل على الفساد لتناقض مع لا تكتب وإن كتبت صح \"ما دام لم يدل على الفساد يثبت أنه ممكن أن:\nأ - يدل على الصحة ب - لا دلالة له أي مجرد الكف عن الفعل ولذلك قال: عدم الدلالة ولم يقل الصحة\"\nأما الملازمة فظاهرة \"فإن أقام عليها الدليل فهو متبرع ما دامت ظاهرة\" لأن الدلالة على الفساد تناقض التصريح بالصحة من غير شك ولا مراء \"قوله من غير شك..الخ\" وجه كونها ظاهرة فكأنه قال فاسد صحيح وهو تناقض\".\nوأما الاستثنائية: فلأنه يصح لغة وشرعا أن يقول: نهيتك عن الربا لعينه ولو فعلت لعاقبتك لكنه يحصل به الملك \"فصح مع النهي التصريح بالصحة\".\nويجاب بمنع الملازمة \"الجملة الشرطية\" لأن قيام الدليل الظاهر وهو النهي على معنى وهو الدلالة على الفساد لا يمنع التصريح بخلافه بل التصريح يكون قرينة صارفة عن الحمل على الظاهر الذي يجب الحمل عليه عند التجرد عن القرينة \"التصريح بالصحة مع النهي قرينة صارفة للنهي من الفساد إلى غير فلا تناقض\" \"أي من الدلالة على الفساد إلى غيره\" \"لولا القرينة لوجب حمل دلالته على الفساد\".\nواستدل قسم من أصحاب المذهب الثاني وهو القائل على دلالته على الفساد شرعا أما أنه لا يدل على الفساد لغة فلأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه أي عدم ترتب ثمرته وآثاره عليه وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة قطعا إذ لو دل عليه لغة لكان في قول القائل لا تبع هذا ولو فعلت لعاقبتك \"ولكن يترتب على الفعل أحكامه\" تناقض وليس بتناقض اتفاقا \"في اللغة\" وأما أنه يدل على الفساد شرعا فلما يأتي:\nأولا: لو لم تكن العبادة المنهي عنها فاسدة لكانت مأمورا بها \"يقابل الفساد الصحة\" \"واجتماع النقيضين باطل\" لأن الصحيح ما وافق الأمر لكنها وقت النهي ليست مأمورا بها وإلا لزم أن تكون مأمورة الفعل بالأمر ومطلوبة النهي بالترك وهو جمع بين الضدين \"وقت النهي تكون مأمورا بها للصحة ومنهي عنها للفساد وهو باطل\".\nثانيا: إن علماء الأمصار في جميع الأزمنة تمسكوا في استدلالهم على فساد الربا بمجرد النهي عنه من غير نكير عليهم من أحد فكان ذلك إجماعا وإذا ثبت دليل الفساد في النهي عن الربا وهو لأمر خارج لازم للعقد ثبت في غيره مما كان فيه النهي لذات العقد أو لأمر داخل فيه من باب أولى.\nثالثا: لو لم يفسد الفعل المنهي عنه لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهي ومن ثبوته يدل عليها............=","vol":"1","page":142},{"text":"[بمصلح المتكلمين] ١ [واختلف هؤلاء] ٢ فيما بينهم فقال بعضهم أن كان فى فعل المنهى إخلال بشرط فى صحته أن كان عبادة أو فى نفوذه أن كان عقدا وجب القضاء بفساده وأن لم يكن فيه إخلال بما ذكرناه لم يجب القضاء بفساده.\nوقال بعضهم أن كان النهى يختص بالفعل المنهى عنه كالصلاة فى المكان النجس اقتضى الفساد وأن لم يختص بالمنهى عنه كالصلاة فى الدار المغصوبة لم يقتض الفساد.\nوقال بعضهم أن كان النهى عن الشىء المعنى فى عينه أوجب الفساد وأن كان المعنى فى غيره لا يوجب الفساد.\nوأما المعروف عن طريقة أبى زيد فى هذه المسألة.\nقالوا: النهى المطلق نوعان نهى عن الأفعال الحسية مثل الزنا والقتل وشرب الخمر ونهى عن التصرفات الشرعية مثل الصوم والصلاة والبيع.\nوالنهى عن الأفعال الحسية دليل على كونها قبيحة فى نفسها لمعنى فى أعيانها إلا أن يقوم دليل على ذلك.\nوأما النهى المطلق من التصرفات الشرعية فيقتضى قبحا لمعنى فى غير المنهى عنه.\nلكن متصلا.\n_________\n= الصحة \"للمنهي عنه\" \"يترتب أمران:\nأ - النهي إن لم يدل على الفساد يكون لحكمة.\nب- وما دام لم يدل على الفساد يكون صحيحا وحكمة الصحة غير حكمة النهي\"\nواللازم باطل لأن الحكمتين إن كانتا متساويتين تعارضا \"حكمة من الصحة وحكمة من النهي\" وتساقطتا وكان فعله كلا فعل \"فانقلب إلى كونه مباحا\" فامتنع النهي عنه لخلوه عن الحكمة وإن كانت حكمة النهي مرجوحة فأولى \"أي بعدم النهي\" لفوات الزائل من مصلحة الصحة وهي مصلحة خالصة وإن كانت راجحة امتنعت الصحة لخلوها عن المصلحة ايضا بل لفوات الرجحان من مصلحة النهي وأنها مصلحة خالصة فيدل على الفسادهنا \"إن تساوت الحكمتان تساقطتا ولم يدل على الفساد لأنه امتنع النهي لخلوه عن الحكمة لمعارضتها لحكمة الصحة فلم يصح النهي لخلوه عن الحكمة\" \"وهي أي الصحة مصلحة خالصة لم يتعارض مع حكمة النهي عند رجحان الصحة والفساد مصلحة خالصة أي لم يتعارض مع حكمة الصحة \"عند رجحان الفساد\"\nانظر نهاية السول ٢/٢٩٥ انظر المحصول ١/٣٤٩ انظر إحاكم الأحكام ٢/٢٧٥ انظر المعتمد ١/١٧٠ انظر القواعد لابن اللحام ٢٥٣ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٨٥ ومما أملاه الشيخ الحسيني الشيخ في محاضرته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا.\n١ غير مقروءة في الأصل فلعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ زيادة يقتضيها السياق ليست في الأصل.","vol":"1","page":143},{"text":"بالمنهى عنه فيتبقى صفة المشروعية عن المنهى من وجه مع تصوره فى نفسه وبقاء حقيقته وربما يعبرون عن هذا فيقولون يخرج عن المشروعية بوصفه ويبقى مشروعا بأصله وبيان هذا قد ذكروه فى مسائل الخلاف.\nوأما حجة من يقولون أن النهى لا يقتضى فساد المنهى عنه قالوا: الحال لا يخلوا أما أن يكون النهى مقتضيا فساد المنهى عنه من حيث لفظ النهى ووضعه لغة ومن حيث الشرع أو من حيث النظر إلى معناه.\nفأما الأول فباطل لأن النهى طلب ترك الفعل والأمر طلب الفعل لغة وهذا لايدل على فساد ولا على صحة لأن الفساد والصحة أمران شرعيان لا يعرفان من حيث اللغة بحال ولا يدل عليهما من جهة اللفظ بوجه ما.\nوأما الثانى فهو باطل أيضا لأن الفساد من حيث الشرع لا يعرف إلا بنقل ولا نقل عن السماع فى فساد المنهى عنه بالنهى شرعا ولو كان لعثرنا عليه بالبحث وقد بحثنا فلم نجده يدل عليه أنا رأينا مناهى وردت فى الشرع ولم تقتض فساد المنهى عنه والدليل عليه الصلاة فى الأرض المغصوبة فإنها منهى عنها وليست بفاسدة وكذلك البيع وقت النداء وكذلك الطلاق فى حال الحيض منهى عنه ومع ذلك هو واقع محكوم بصحته ووقوعه وكذلك البيع فى آخر وقت الصلاة منهى عنه وهو جائز وكذلك الإحرام محكوم بالنهى عنه وهو منعقد وقد قال بعض من نصر هذا القول أنه لابد من معرفة معنى الفاسد والصحيح فإن فى معرفة معناه زوال معظم الشغل فى المسألة.\nقالوا: ومعنى الفاسد أنه لايقع موقع الصحيح فى الحكم بحال حتى استعمل فى الصلاة والصيام أفاد أن القضاء واجب وإذا استعمل فى العقود أفاد أن التمليك لايقع بها وإذا استعمل فى الإيقاعات من الطلاق والعتاق أفاد أن لاعضل وإذا استعمل فى الشهادة أفاد أن الحاكم لا يحكم بها وأما معنى الجواز فعلى الضد من هذا فيفيد استعماله فى الصلاة والصيام سقوط القضاء وفى العقود وقوع الملك وفى الإيقاعات حصولها وفى الشهادة يفيد أن القاضى بها إذا عرفنا معنى الفساد والجواز ليس فى المنهى دليل على أنه إذا فعل المنهى لا يقع موقع الصحيح فى الحكم لأنه من حيث صيغته ليس إلا طلب ترك الفعل ومن حيث المعنى يدل على كراهة الناهى لفعل المنهى عنه أو يدل على القبح لأن الناهى إذا كان حكيما فلا بد أن يكون المنهى قبيحا وإلا.","vol":"1","page":144},{"text":"لم يحسن النهى بقبح المنهى وكراهة الناهى له لا يدل على فساده من حيث الحكم بدليل المسائل التى قدمنا.\nويدل عليه أن الذبح بالسكين المغصوب منهى عنه وكذلك التوضؤ بالماء المغصوب وقد وقعا مواقع الصحيح فثبت أن النهى لا يدل على الفساد لا من حيث الصيغة ولا من حيث الشرع ولا من حيث المعنى.\nقالوا: ولأن النهى إذا أفاد الفساد لكان ما لا يفسد من الأفعال القبيحة لا يكون منهيا عنه على التحقيق لأن اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له يكون مجازا ولا يكون حقيقة.\nوقد قال بعضهم أن لفظ النهى لغوى والفساد معنى شرعى ولا يجوز أن يكون اللفظ اللغوى موضوعا له لأن أهل اللسان قد تكلموا بهذا ولم يعرفوا شرعا ما يدل أنه لا يجوز أن يقتضيه لفظ النهى قال ولا يجوز أن يكون الفساد من حيث القبح لأن قبح الشيء لا ينافى ثبوت الحكم لا محالة لأن الحكم قد نهى عن الشيء لنوع مفسدة معلق به وأن وقع موقع الصحيح فى الحكم وذلك أن يتشاغل به عن واجب مثل البيع مع تعين السعى إلى الجمعة أو مع تعين التحريم عليه أو تعين إنقاذ غريق أو حريق وإذا أكن هذا لم يأمن أن يكون النهى عن البيع أو الطلاق وغيرهما كان لغرض سوى أن أحكامها لا تثبت وإذا جاز ذلك لم يقتض صحة الفساد وأما أبو زيد فالذى يحضرنى من كلامه فى هذه المسألة هو أن النهى لا يصح عن غير المتكون لأن النهى يرد والمراد به انعدام الفعل مضافا إلى اختيار العباد وكسبهم فلا بد من أن يكون المنهى عنه ليكون العبد مبتلى بين أن يكف عنه باختياره فيثاب عليه وبين أن يفعله باختياره فيعاقب عليه فثبت أن النهى لا يتصور إلا من متكون من العبد قالوا: ولهذا لا يصح أن يقال للأعمى لا تبصر وللأدمى لا تنظر لأنه لا يكون منه ويجوز أن يقال للبصير لا تبصر كذا وكذلك للسميع لا تسمع كذا لأنه يتكون منه وربما يعبرون عما قلنا فيقولون أن النهى لطلب الامتناع من المنهى عنه فلا بد من تصور المنهى عنه حتى يتحقق النهى عنه فعلى هذا المنهى عنه الصوم فى يومى العيد وأيام التشريق والبيع أيضا هو المنهى عنه مع الشرط الفاسد وكذلك الصلاة عند غروب الشمس والصوم اسم لفعل مخصوص وكذلك الصلاة والبيع اسم لقول مخصوص وهو الذى جعل سببا للملك شرعا فوجب تصور الصوم والصلاة والبيع بعد النهى","vol":"1","page":145},{"text":"ليتحقق النهى عنه شرعا قالوا: ولا يجوز أن يقال أنه تصور صورة الإمساك وصورة أفعال الصلاة وصورة الإيجاب والقبول لأن الصوم إنما صار صوما بصورته ومعناه وكذلك الصلاة وكذلك البيع والمعنى فى الصلاة والصوم كونه صلاة وصوما فى حكم الله تعالى والمعنى فى البيع كونه مفيدا للملك فإذا لم يوجد هذا المعنى فى هذه الأشياء لم توجد هذه الأشياء أصلا وقد بينا أنه لا بد من تصور المنهى عنه ليصبح النهى.\nوالحرف أن الذى يحقق موجودا ليس بصلاة ولا صوم ولا بيع قالوا: والفسخ ينزل من النهى فى طرف مناقض له لأن النهى إعدام الشيء بفعل العبد فأما الفسخ فهو إعدام الشىء مشروعا لينعدم فعل العبد لا نعدامه مشروعا والنهى لا لا نعدام المشروعية بل لينعدم الشىء بفعل العبد مع بقاء المشروعية.\nقالوا: أما كون المنهى عنه محظورا فلا ينافى المشروعية لأنه يجوز أن يكون الشيء مشروعا من وجه محظورا من وجه فصار المفعول مشتملا على حظرية ومشروعية وإنما أثبتنا المشروعية مع الحظر لأجل الضرورة على ما سبق فإن قلتم أن نص الشارع على هذا لا يجوز مثل أن نقول حظرت عليك هذا الشىء وشرعته لك فلا يجوز وعلى أنه يجوز أن ثبت بطريق ما لا يثبت بطريق التنصيص وهذا كالأمر بالشىء نهى عن ضده وكذلك النهى عن الشىء أمر بضده إذا كان له ضد واحد فصار الشرع من مقتضيات النهى ضرورة والحظر من مقتضيات الأمر ضرورة وأن كان لا يجوز ذلك بطريق التنصيص وعلى أن الشىء الواحد يجوز أن يكون مشروعا من وجه محظورا من وجه بدليل المسائل التى قلناها وكذلك وطء الأب جارية ابنه ووطء أحد الشريكين الجارية المشتركة.\nوقال بعضهم القبح صفة قائمة بالمنهى فكان تابعا فلا يجوز إثباته على وجه يبطل به ما أوجبه واقتضاه.\nوبيان هذا أن النهى أوجب القبح فإذا أثبتناه على وجه يفسد به المنهى عنه وفى فساد المنهى عنه فساد النهى على ما سبق.\nكما أثبتناه على وجه يبطل به ما اقتضاه وأوجبه فعملنا بالأصل وهو النهى على ما يتصور معه المنهى وعملنا بالمقتضى وهو الفسخ بقدر الإمكان وهو أن نجعل المنهى عنه غير مشروع بوصفه لأن القبح وصف يبطل المشروعية من حيث الوصف فأبقينا.","vol":"1","page":146},{"text":"المشروعية فى أصله لئلا نبطل أصل النهى فهذا غاية الإمكان فى إظهار العمل بالدليلين.\nفإن قلتم كيف يحتمل المشروع وصف الصلاة.\nقلنا قد يحتمل بدليل المسائل التى قدمناها ولأن العبرة بالدليل لا بالاستبعاد وخرجوا على هذا الأصل مسائل مثل مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم يومى العيد وأيام التشريق وكذلك الصلاة فى الأوقات المنهى عنها وقد ذكرنا وجه كلامهم فى ذلك فى مسائل الفروع ولا معنى لذكرها هنا.\nوأما حجتنا فى المسألة قوله ﷺ: \"من أدخل فى ديننا ما ليس فيه فهو رد\" ١ روته عائشة ﵂ وغيرها والخبر فى الصحيحين والمنهى عنه ليس بداخل فى الدين فيكون مردودا باطلا وسؤالهم على هذا هو أن معنى قوله ﷺ فهو رد أى غير مقبول ولا يثاب عليه.\nوالجواب أن الظاهر من قوله رد هو بمعنى الإبطال والإعدام كما يقال رد فلان على فلان ماله أى أعدم يده وقوته أو ثبت يد المردود عليه وأوجده وإذا كان الظاهر هذا لم يجز أن يحمل عليه إلا بدليل ولأنا أجمعنا على أن النهى يقتضى حرمة المنهى عنه وحظره ولهذا المعنى إذا ارتكبه يأثم وإذا صار محظورا لا يبقى مشروعا لأن المشروع هو المطلق فعله فى الشرع وهذا أدنى درجات المشروعية والمحظور هو الممنوع عنه فى الشرع فيستحيل أن يكون الشىء الواحد محظورا ومشروعا ببينة أن الله تعالى قد نص على التحريم فى الربا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] والمحرم ما يجب الامتناع عنه وإذا وجب الامتناع عنه لم يجز أن يكون مشروعا لما بينا أن أقل درجات المشروع هو الندب أو الإباحة إذا لم يكن عقد الربا مشروعا لم يثبت الملك المشروع لأن الملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع وتحقيق ما ذكرنا فإن البياعات والأنكحة وسائر العقود ما عرفناها إلا بالشرع فإنه لولا الشرع لم يعرف شىء من هذه العقود وقد شرع الله تعالى هذه العقود على شرط مخصوص فى محل مخصوص من فاعل مخصوص فما وراء ذلك غير مشروع أصلا وهذا لأن الأصل لما كان هو عدم المشروعية فإذا شرع عقدا على وجه فما كان على.\n_________\n١ أخرجه البخاري في الصلح ٥/٣٥٥ الحديث ٢٦٩٧ ومسلم في الأقضية ٣/١٣٤٣ الحديث ١٧/١٧١٨.","vol":"1","page":147},{"text":"غير ذلك الوجه بقى على العدم وإذا بقى على العدم لا يصلح لثبوت حكم شرعى.\nفإذا قالوا: أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] يتناول كل ما يسمى بيعا فيجب أن لايوجد بيع ما إلا وهو داخل تحت الأية فإذا وردت السنة بزيادة شرط أو تسمية محل فلا يخرج العقد من كونه بيعا لظاهر الأية فإذا كان بيعا دخل تحت المشروعية.\nقالوا: وعلى أن صحة البيع تعرف بالفعل ولو لم يرد شرع بالبيع لكنا نعرف بالعقل أن من كان له ملك فى شيء فجعله لغيره يصير لذلك الغير وإذا عرف بالعقل لم يكن عدم ورود المشروع دليلا على انعدامه.\nوالجواب أما الأية قلنا معنى الأية: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ على ما ورد به بيان السنة.\nوالدليل عليه أنه لايحل إلا على ذلك الوجه الذى وردت به السنة ولأنه تعالى قد قال عقبه: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ وعندهم الربا عقد منعقد مقيد للملك على ما ينعقل غير الربا ويفيده.\nوأما قولهم أن صحة البيع تعرف بالعقل.\nقلنا هذا محال لأن البياعات عقود شرعية بإجماع الأمة والعقود الشرعية لا تعرف إلا بالشرع ثم نقول أن سلم لكل مسلم أن البيع وإفادته الملك كان يعرف بالعقل لكنا لم نترك العقل بل رددنا إلى الشرع وقد صارت البياعات شرعية بإجماع الأمة.\nألا ترى أن جواز الإقدام على البيع وغيره كان يعرف بالعقل والأن قد ارتفع ذلك حتى لا يجوز الإقدام على عقد ما إلا إذا كان على مايوافق الشرع وإذا صارت شرعية ظهر ما قلنا أن ما لم يرد به الشرع بقى على عدم المشروعية ولا يجوز أن يفيد حكما شرعيا بحال.\nواعلم أن هذا الذى قلناه ظاهر فى البياعات والأنكحة وسائر العقود وهو فى العبادات أظهر وذلك لأن المفعول عبادة فإذا كان منهيا عنه لم يكن عبادة ولأن العبادة ما يتناوله المتعبد من المعبود والمنهى عنه لا يتناوله المتعبد فلا يكون عبادة.\nويمكن أن يقال ما لا يتناوله المتعبد لا يسقط التعبد وإنما قلنا أن المنهى عنه لا يتناوله المتعبد لأن التعبد ما يتناول ماله صفة زائدة على حسنه والمنهى عنه لا يكون حسنا فكيف تثبت له صفة زائدة على الحسن وجميع ما ذكرناه فى كلامهم يمكن.","vol":"1","page":148},{"text":"إخراجه على طريق السؤال على هذه الطريقة وسنجيب عن الكل.\nواحتج بعض أصحابنا بأن النهى ضد الأمر ويقتضيه والأمر يدل على إجزاء المأمور به فيجب أن يدل المنهى على عدم اجزائه وإلا لم يكن ضده ولا يقتضيه وقد قالوا: على هذا أن الأمر لما دل على أجزاء المأمور به فالنهى الذى هو ضده لا يدل على إجزاء المنهى عنه فقد ثبتت المخالفة والمضادة من هذا الوجه ونحن وأن قلنا أن المنهى عنه يجزىء فلا نحكم لإجزائه لمكان النهى وقالوا: على قولنا أن المنهى عنه لو كان مجزئا لكان طريق الشرع والشرع أما إيجاب أو ندب أو إباحة والنهى نفى جميع هذا.\nقالوا: لا يمتنع أن يثبت الإجزاء مع انتفاء هذه الوجوه.\nألا ترى أنه يجوز أن تقول إذا فعلتم ما نهيتكم أجزأكم عن الغرض أو نقول إذا بعتم ما نهيتكم عنه وقع به الملك فإذا جاز هذا تصريحا جاز وأن لم يصرح به.\nونحن نجيب عن هذا فنقول ما قلتم من التصريح على ما قلتم لا يجوز وأن ورد على ذلك فيكون النهى [مجازا] ١ ولا يكون له حقيقة وإذا ثبت هذا الأصل الذى قلناه خرجت عليه المسائل من مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم يومى العيد وأيام التشريق وقد ذكرنا وجه ذلك فى الفروع.\nوأما الجواب عن كلماتهم أما الأول فقد قسموا وقالوا: النهى يدل على فساد المنهى عنه بصيغة النهى وبمعناه أو شرعا هذا تقسيم باطل لأنا بينا وجه فساد المنهى عنه فينبغى أن يكون الكلام على ذلك ويمكن أن يقال بصيغته لأن صيغته تدل على عموم المشروعية لأن المشروعية [بأمر وإباحة] ٢ والنهى نفى ذلك ويمكن أن يقابل بمعناه لأنه قد دل النهى على قبح المنهى عنه وحظره وهذا مضاد للمشروعية.\nوقولهم يجوز أن يكون الشىء مشروعا من وجه ومحظورا من وجه.\nقلنا قد ورد النهى عن نفس الشىء مطلقا فصار محظورا مطلقا وإذا صار محظورا مطلقا لم يبق مشروعا بوجه ما.\nوقولهم أن النهى ليس إلا طلب الكف عن الفعل قلنا بلى ولكن قد دل على الفساد بالوجه الذى قلنا.\n_________\n١ ثبت في الأصل [مجاز] بالرفع.\n٢ ما بين المعكوفين غير مقروء في الأصل.","vol":"1","page":149},{"text":"والأولى أن لا ندعى الفساد بصيغة النهى لكن نقول إنما جاء الفساد من حيث معنى النهى وذلك المعنى على ما سبق.\nوأما قولهم أن معنى الفاسد كذا ومعنى الجائز كذا.\nقلنا قد قام الدليل أن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يكون معنى الفاسد مع أنه يجب قضاؤه والقضاء لا يجب بالأمر الأول بحال وليس هذا بشيء.\nوقولهم أنه يجوز أن النهى عن الشىء لنوع مفسدة تتصل بالمفعول وأن كان هو فى نفسه جائز.\nقلنا النهى عن نفس الشىء لا يكون إلا لمفسدة فى عينه فلا يتصور أن يكون جائزا وهذا لأنه إذا ورد النهى عن نفس الشىء فإن كان عبادة انتفى منه التعبد وأن كان من عقود المعاملات انتفى منها الإطلاق والإباحة وما لا يكون مباحا لا يكون مشروعا وإذا لم يكن مشروعا لم يبن عليه حكم الشرع.\nوأما قولهم أن النهى صيغة لغوية والجواز والفساد شرعيان.\nقلنا وأن كان النهى لغة لكن عرفنا أن أهل اللسان عقلوا أن ذلك لما لا يتصل به المطلوب بالفعل والأمر لما يتصل به المطلوب بالفعل ثم قد ذكرنا أن النهى إنما نفى الشرع بالوجه الذى سبق ذكره.\nوأما المسائل التى تعلقوا بها فنقول أولا أن الأصول الممهدة من الشرع لا تنتقض لأنه ما من أصل من أصول الشرع إلا وقد وجدنا له موضعا فى الشرع مخالفا له غير أن ذلك لا يعد نقضا لذلك الأصل المشروع الموضوع وإنما عدل فى ذلك الموضع عن ذلك الأصل بدليل يقوم عليه من إجماع ونص أو غير ذلك.\nببينة: أن النهى فى اقتضاء الفساد كهو فى اقتضاء التحريم وقد يعدل به من التحريم إلى التنزيه ولا يخرج النهى من أن يكون دالا على التحريم فكذا تصور النهى فى بعض المواضع عن الفساد لوجود القرائن المانعة من الفساد لا يدل على أن النهى فى وضعه لا يدل على الفساد وأمثال هذا يكثر ثم نقول أن النهى إذا ورد عن نفس الشىء حقيقة فلا بد أن يوجب فساد المنهى عنه.\nفأما إذا كان النهى واردا عن نفس الشىء لكن عن معنى آخر غيره وأضيف إلى الشىء مجازا عن ذلك المعنى فإنه لا يوجب فساد المنهى عنه وعلى هذا تخرج المسائل أما الصلاة فى الأرض المغصوبة فالنهى ليس عن الصلاة لكن عن شغل أرض.","vol":"1","page":150},{"text":"الغير وهذا يوجب النهى عن التعدى فى أرض الغير بلا صلاة وقد بينا هذا فيما سبق فلا نعيد وكذلك الطلاق فى حال الحيض فإن النهى ليس لنفس الطلاق لكن لإلحاق الضرر بالمرأة ولهذا يوجد الطلاق فى حال الحيض ولا يكره إذا لم يؤد إلى الضرر وهو أن يطلق فى حال الحيض قبل الدخول وكذلك الوطء فى حال الحيض إنما نهى عنه لا لنفس الوطء [بل] ١ لمباشرة الأذى وقد ورد النص بهذا المعنى وعلى هذا البيع وقت النداء إنما نهى عنه للاشتغال به عن السعى إلا ترى [أنه] ٢ لو اشتغل بشىء آخر غير البيع كان النهى متناولا إياه وأما فى سائر ماورد به النهى فقد تناول نفس الشىء فإن النهى عن البيع بالخمر نهى عن نفس البيع وكذلك بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك النكاح بغير شهوة وعلى هذا النهى عن صوم يومى العيد وأيام التشريق بدليل أنه لا يتصور وجود النهى إلا عند نقل هذه العقود.\nوالحرف أنه لا يتصور ارتكاب البيع بالخمر إلا عند مباشرة بيع الخمر ولا يتصور ارتكاب الربا إلا عند بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك فى البيع بشرط فاسد لا يوجد ارتكاب ذلك النهى إلا عند وجود البيع وكذلك فى صوم يومى العيد لا يوجد ارتكاب النهى إلا عند فعل الصوم بالنية مع الإمساك حتى لو أمسك ولم ينو الصوم فإنه لا يكون مرتكبا للنهى وفى المسائل التى أوردها يتصور ارتكاب النهى من غير وجود تلك العقود أصلا وهذا جواب معتمد فى غاية الظهور وفيه غنى عن خبط كثير من الأصحاب فيها وأما الإحرام مجامعا فينعقد لا على ما ينعقد إذا أحرم من غير مجامع لأنه ينعقد فاسدا ولأنه لا يفيد المقصود من الخروج عن المفروض عليه والنقص عن عهدته فليكن سائر العقود الفاسدة كذلك النهى لا يفيد المطلوب من الملك فى البيع والحل فى النكاح والخروج عن عهدة النذر فى صوم يومى العيد وأيام التشريق خلاف ما يقوله الخصم فإنهم قالوا: إذا نذر صوم هذه الأيام وفعلها خرج من عهدة النذر فإن قالوا: أليس قد انعقد الإحرام مع هذا كله فهلا قلتم أنه لا ينعقد أصلا قلنا انعقاده على الفساد وإلزامه أفعاله يجرى مجرى نوع معاقبة من الشرع والمؤأخذات من الشرع على أنواع فيجوز أن يقال يكون هذا الأصل وإيقاع المرء فى عهدة أفعال الحج ليفعلها ولا يسقط بها الحج عن ذمة ولا يثاب على فعلها نوع معاقبة من الله تعالى له.\n_________\n١ زيادة يستقيم بها المعنى.\n٢ ريادة ليست في الأصل.","vol":"1","page":151},{"text":"لارتكابه النهى وفعله الحج على وجه المعصية فلم تدخل هذه المسألة على الأصل الذى قلناه.\nوأما طريقة أبى زيد فاعلم أن معتمده فى طريقته هو أن النهى لا يتحقق إلا مع تصور المنهى عنه فقد قال الأصحاب أنه متصور لولا النهى فلتصوره لولا النهى صح النهى والنهى يعمل عمله على ما قدمناه ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال أن النهى لإعدام الشىء شرعا لا لإعدامه حسا فلما أنه متصور حسا صح النهى عنه ولما أن النهى قضيته نفى المشروعية عن المنهى عنه على ما سبق انعدم شرعا.\nوقولهم أن المنهى عنه هو الصوم المعلوم والبيع المعلوم فى الشرع وأما مجرد الإمساك فليس بصوم ولو كان صوما فهو صوم لغة لا شرعا فوجب الحكم بتصور الصوم حقيقة والبيع حقيقة حتى يصح النهى وجوز الأصحاب من هذا ما قلناه أنه قد يتصور لولا النهى فهذا لا يدفع الإشكال فليس مما يقنع به الخصم ويمكن أن يجاب فيقال الصوم الذى هو فعل العبد ليس إلا النية مع الإمساك وهذا متصور من العبد وقد صح النهى لتصوره منه وأما خروجه عن كونه صوما شرعا ليس لمعنى من قبله لكن لعدم إطلاق الشرع ذلك أو يقال لعدم قبول الشرع إياه لنهيه عنه والصوم لا يكون صوما إلا بفعل العبد واتصال أمر الشرع به فصار المفعول صوما من حيث النظر إلى فعل العبد وصح النهى لذلك ولم يكن صوما من حيث النظر إلى إطلاق الشرع كذلك أوامره به وليس غرض الحكيم من كلامه إلا تحصيل النهى فإذا تحقق النهى بما قلناه حتى إذا ارتكبه كان عاصيا لارتكابه النهى فاعلا ما منع منه وحظر عليه والمنهى عنه ما يعاقب على فعله وقد وجد بما فعله العبد على وسعه وطاقته وليس فى وسعه الصوم إلا بهذا الذى وجد منه وإذا ثبت تحقق النهى يسقط ما قالوه جملة وهذا لأن الصحة والفساد معنيان متلقيان من الشرع وليس إلى العبد ذلك وإنما العبد ذلك إيقاع الفعل باختياره فإن وقع فعله على وفق أمر الشرع صح شرعا وانبنت عليه الأحكام الشرعية وإذا وقع على خلاف أمر الشرع كان الأمر باطلا ولم يبتن عليه الأحكام الشرعية ولهذا أبطلنا صوم الليل مع تحقق الإمساك الحسى فيه عن المفطرات وكذلك إمساك المرأة عن المفطرات فى حال حيضها متحقق حسا وصورة ولكن لما لم يوافق أمر الشرع لم يثبت له الحقيقة الشرعية.\nونقول أيضا ذكر الصوم والبيع وغير ذلك فى النهى ليس لتحقيق هذه العقود.","vol":"1","page":152},{"text":"ولكن ذكرها لتعريف مايعمل فيه النهى من الإبطال الشرعى وهذا كالنهى عن بيع الحر وعن بيع الخمر وعن بيع الملاقيح والمضامين [و] ١ ليس ذلك لتحقيق البيع ولكن لتعريف ما وقع القصد إلى إفساده وإبطاله.\nوإن قالوا: فالصوم والبيع لا يكون منهيا عنه إذا قلنا هو منهى عنه لأن عمل النهى ظهر فيه من فساده وإبطاله ولكن ذكره لم يدل على تحقيقه فى نفسه لأنه لتعريف ما يبطل ويفسد على ما ذكرنا وأما كلامهم على فصل القبح والحظرية فضعيف جدا ومتى سلم أن المفعول محظور لا بد أن يخرج عن كونه مشروعا وقولهم محظور من وجه مشروع من وجه.\nقلنا هذا محال لأن الحظرية بالنهى والمشروعية بإطلاق الشرع وإذا لم يتصور اجتماع المنع والإطلاق فى شىء واحد لم يتصور أيضا اجتماع حكمهما فيه.\nوأما وطء أحد الشريكين الجارية المشتركة.\nفنقول أنه محظور من كل وجه إلا أنه سقط الحد وثبت النسب لوجود الملك فى بعض الجارية لوجود حق الملك للأب فثبت ما ثبت من سقوط الحد وثبوت النسب لوجود نفس الملك أو لوجود نفس حق الملك لا لأجل أن الوطء صار مشروعا من وجه وكذلك الوطء فى النكاح الفاسد لا نقول أنه مشروع بوجه إذا سقط الحد وثبت النسب لاختلاف العلماء.\nوفى مسألة ما إذا زفت إليه غير امرأته لأجل الاشتباه الذى وجد فيه وهذا لأنه لما أقدم على الوطء على قصد أنه حلال له وهو موضع يشتبه فيه الأمر فلم يستحق عليه الحد الذى هو عقوبة وثبت النسب احتياطا فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة وقد بسطنا الكلام فيها زيادة بسط لوقوع الحاجة إليه فى كثير من المسائل والله المرشد للحق والهادى إلى الإصابة بمنه وعونه تم باب الأوامر والنواهى.\nوقد قال بعض أصحابنا أن النهى يكون بمعنى النفى فى كثير من المواضع وضرب لذلك أمثلة غير أن ذلك غير مرضى فى هذه المسألة لأنه يؤدى إلى الحكم بكون المنهى مجازا فى نفسه إذ النهى والنفى بابان مختلفان وإنما ينبغى أن نتكلم فى هذه المسألة مع تبقية النهى على حقيقته وقد ذكرنا بغاية المجهود بعون الله وتوفيقه.\n_________\n١ سقط من الأصل.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>القول في العموم والخصوص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>مدخل</span>\n...\nالقول في العموم والخصوص.\nاعلم أن الكلام العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له هذا هو المعقول من كون الكلام عاما.\nألا ترى أن قولنا الرجال مستغرق لجميع ما يصلح له لأنه يستغرق الرجال دون غيرهم إذا كان لا يصلح لغيرهم وكذلك لفظة من فى الاستفهام نحو قول القائل لغيره من عندك فلأنها تستغرق كل عاقل عنده ولا يتعرض لغير العقلاء ولا لعقلاء ليسوا عنده لأنها لا تصلح فى هذه المواضع لهم وكذلك قولنا كل تستغرق كل جنس يدخل عليه ولا يتناول من لا يدخل عليه لأنه لا يصلح له.\nوقد قال بعض أصحابنا العموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا وقيل ما استقل لفظه بنفسه ولا يشتمل على مسميات بجنسه وقد يستعمل فى شيئين ويستعمل فى جميع الجنس.\nأما الأول فكقولك عممت زيدا وعمرا بالعطاء.\nوأما الثاني فكقولك عممت الناس بالعطاء وإذا عرف حد العموم فتبين أولا إثبات الصيغة للعموم فى اللغة والشريعة ثم نذكر عقبه ما يتلوه من الفصول المذهبية والمسائل الخلافية أن شاء الله تعالى.\nمسألة للعموم صيغة مقتضية استيعاب الجنس لغة وشرعا.\nوهذا قول جملة الفقهاء وكثير من المتكلمين.\nوقال أبو الحسن الأشعري ومن تبعه أنه ليس للعموم صيغة موضوعة في اللغة والألفاظ التى ترد فى الباب تحتمل العموم والخصوص فإذا وردت وجب التوقف فيها حتى يدل الدليل على ما أريد بها١.\n_________\n١ اعلم أن هذه المسألة هي المعنون عنها في كتب الأصول بأنه هل صيغ العموم حقيقة في العموم؟ فالعلماء الذين يعتد برأيهم اتفقوا على أن صيغ السابقة تستعمل في العموم واختلفوا هل استعمال هذه الصيغ في العموم حقيقة أو مجاز على خمسة أقوال:\nأحدها: الصيغ حقيقة في العموم مجاز في الخصوص - وإلى ذلك ذهب الشافعي وجمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء واختاره ابن الحاجب والبيضاوي......=","vol":"1","page":154},{"text":"وتعلق من ذهب إلى ذلك بوجوه من الكلام أقواها فى الجدال قولهم أنه لو كان للعموم صيغة موضوعة لكان ذلك معلوما إما بالبديهة أو بإخبار الواضعين كذلك لنا أما بمشافهة أو بنقل عنهم أما بالتواتر أو بالآحاد أو أن يكون طريق ذلك الشرع.\nقالوا: وليس الخلاف معكم فى أن ذلك معلوم شرعا لأنكم تدعون العلم بالاستغراق من جهة اللغة قبل الشرع ومعلوم أن العلم فى ذلك ليس من حيث البديهة وما شاهدنا الواضعين ليشافهونا بذلك ولو تواتر النقل عنهم باستغراق ألفاظ العموم كعلمنا من ذلك كما علمتم وأخبار الآحاد ليست بطريق العلم فبان أنه لا طريق إلى العلم باستغراق ألفاظ العموم.\nوقالوا: أيضا هذه الألفاظ التى يدعون فيها الاستغراق تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه على وجه واحد فإنها ترد والمراد منها البعض وترد والمراد منها الكل وليس حملها على أحدهما بأولى من حملها على الآخر فوجب التوقف كما تقول فى الأسماء المشتركة من اللون والعين وغير ذلك بل هذه الألفاظ تستعمل فى أكثر هذه المواضع إلا فى البعض دون الكل.\nألا ترى أنه يقال أغلق الناس أبوابهم وفتح الناس حوانيتهم وافتقر الناس وجاع الناس وجمع السلطان التجار وغير هذا والمراد من كل ذلك البعض دون الجميع ولو كان اللفظ حقيقة فى العموم لكان أكثر كلام الناس مجازا ببينة أنه إذا ثبت استعمال الناس لهذه الألفاظ فى الخصوص فالظاهر من استعمال الاسم فى الشىء أن يكون حقيقة فيه إلا أن يمنع مانع من كونه حقيقة فيه وإذا كان حقيقة فى البعض وحقيقة فى الاستيعاب كان الاسم من الأسماء المشتركة وقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم للاستيعاب والاستغراق لكان الاستثناء منه نقصا ورجوعا.\n_________\n= والثاني: الصيغ حقيقة في الخصوص مجاز في العموم.\nوالثالث: صيغ العموم مشترك لفظي بين العموم والخصوص - وهو أحد قولين للأشعري.\nوالرابع: الوقف وعدم الجزم لشيء مما سبق من الحقيقة أو المجاز وهو القول الثاني للأشعري ومختار القاضي أبي بكر الباقلاني.\nوالخامس: صيغ العموم حقيقية في العموم في الأوامر والنواهي ولا يدرى أهي حقيقة في العموم أو مجاز فيه إذا كانت في الأخبار انظر نهاية السول ٢/٣٩٥ البرهان ١/٣٢ المستصفى ٢/٣٥ إحكام الأحكام ٢/٢٩٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٠٩، ٢١٠.","vol":"1","page":155},{"text":"فإن قلتم لم يكن نقصا وقبيحا نقول لو لم يكن قول القائل ضربت كل من فى البلد إلا بنى تميم نقصا وقبيحا لكان قوله ضربت كل من فى الدار لم أضرب كل من فى الدار غير قبيح ولا مناقصة وحين كان نقصا وقبيحا كان الأول نقصا وقبيحا وربما تعلقوا بالاستثناء من وجه آخر فقالوا: لو كان لفظ العموم يستغرق لجرى للاستثناء منه مجرى أن يعدد الإنسان أشخاص الجنس ثم يستثنى منه شخصا نحو أن يقول: رأيت زيدا رأيت عمرا رأيت خالدا هكذا إلى آخره ثم نقول إلا زيدا فإذا قبح هذا وجب أن يقبح الأول لأنهما فى المعنى واحد على زعمكم ولما حسن الاستثناء علمنا أن لفظ العموم غير مفيد للشمول.\nوقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم مستغرقا لكل الجنس لما حسن أن يستقيم المتكلم به لأن الاستفهام طلب الفهم وطلب فهم ما قد فهم بالخطاب عبث ومعلوم أن الإنسان إذا سمع رجلا يقول: ضربت كل من فى الدار فإنه يحسن منه أن يقول: ضربتهم كلهم أجمعين وأن يقول: ضربت زيدا فيهم وفى حسن ذلك دليل على ما قلناه كما سبق وكذلك يحسن التأكد وإذا أفاد الشمول لما حسن لأن التأكيد يفيد ما أفاده المؤكد وذكروا شبهة فى لفظ من قالوا: لو كان لفظ من يفيد الاستغراق لاستحال جمعه لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده المجموع وإذا كان لفظ من قد أفاد الاستيعاب عندكم فلا يتصور أن يفيد جمعه شيئا زائدا فينبغى أن لا يصح جمعه وحين صح جمعه دل أن لفظ من لا يفيد الاستيعاب بنفسه والدليل على وجود الجمع فى كلمة من قول الشاعر:\nأتوا [بابى] ١ فقلت: [من] ٢ أنتم ... فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاما\nقالوا: ولأن اللفظ الذى يقولون لو كان يفيد العموم وجب إذا حمل على الخصوص أن يكون مجازا لأنه يكون مستعملا فى غير ما وضع له واللفظ إذا استعمل فى غير ما وضع له يكون مجازا كسائر الألفاظ التى استعملت فى غير ما وضع لها وربما يقولون ينبغى أن لا يجوز تخصيص العموم الوارد فى الكتاب بالسنة لأنه إسقاط بعض ما يثبت بالكتاب والسنة أو القياس فينبغى أن لا يجوز كما لا يجوز النسخ وحين جاز دل على ما قلناه.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"باري\".\n٢ ثبت في الأصل \"منون\".","vol":"1","page":156},{"text":"وأما حجة القائلين بالصيغة للعموم قوله تعالى فى قصة نوح ﵇: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] فأخبر الله تعالى عن نوح أنه تعلق بعموم اللفظ ولم يعقب ذلك بنكير بل ذكر جوابه له أنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح فدل أن مقتضى اللفظ العموم وأن له صيغة يتعلق بها فى الحجة وأيضا فإنه روى أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الانبياء:٩٨] قال عبد الله بن الزبعرى خصمت محمدا ورب الكعبة فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فإن دخلوا النار فنحن ندخل كما دخلوا فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ١ [الانبياء:١٠١] فاحتج على النبي ﷺ بعموم اللفظ إلى أن أخبر الله تعالى أن الملائكة والمسيح غير داخلان فى عموم اللفظ ولو كان اللفظ لا يقتضى العموم لما احتج به ولكان إذا احتج به أنكر النبي ﷺ ذلك ولأن الله تعالى أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم ﵇ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الأعراف: ١١] ثم أخبر ما قال لإبليس بترك السجود ورد الأمر وهو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [صّ: ٧٥] وقال: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] فلما أخبر تعالى عن مبادرة الملائكة إلى السجود دل أنهم عقلوا من مطلق اللفظ الشمول إذ لولاه لتوقفوا ولم يبادروا ولأن إبليس لما امتنع عن السجود واستكبر وعاقبه الله تعالى وطرده لم يقل معتذرا إنى لم أعرف دخولى فى اللفظ فإن الكلام للعموم والشمول بل عدل إلى شىء آخر فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فهذه القصة من أولها إلى آخرها تدل أن للأمر والنهى والعموم والخصوص صيغة معلومة وقضية مفهومة لا يجوز خلافها بمطلق اللفظ وبمحض الصيغة.\nويدل عليه أن إبراهيم ﵇ لما سمع من الملائكة قولهم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] عقل منه العموم ولذلك خاف الهلاك على لوط فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] ولم يسكن قلبه حتى أخرج الملائكة لوطا وأهله من المهلكين بضرب تخصيص واستثناء فقالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] .\n_________\n١ عزاه الحافظ السيوطي إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه انظر الدر المنثور ٤/٣٣٨.","vol":"1","page":157},{"text":"الآية فهذه الآيات دلائل معتمدة وبراهين ظاهرة ونهاية ما يقولون على هذه الألفاظ هو أن هذه الألفاظ محتملة للعموم عندنا وأن لم يكن للعموم صيغة ولأجل الاحتمال حسن موردها وصح السؤال والجواب عن ما ذكرتم فيها ونحن نقول على هذا لو كان فى هذه الألفاظ مجرد الصلاحية للعموم لأنها صيغة فيها لكان السؤال بطريق الاستفهام وهو أن يقول القائل فى هذه القصص الواردة فى الكتاب كلها هل دخل فلان فى الخطاب أو لا ثم إذا عرف الدخول يبنى عليه ما يقوله.\nفإن قالوا: أن هذه الألفاظ حملت على العموم لا بصيغتها لكن لقرائن اقترنت بها.\nقلنا لا قرينة تعرف وإنما وجد مجرد اللفظ عريا عن الدلائل فمن زاد على القرائن فعليه البيان وقد استدل الأصحاب أيضا بما نقل عن الصحابة من الاحتجاج بالعمومات فى مسائل كثيرة غير أن فيما ذكرناه من الاحتجاج بالآيات غنية وكفاية.\nونستدل فى إثبات ألفاظ العموم فى اللغة فنقول.\nالاستغراق معنى ظاهر لكل أحد والحاجة تمس إلى العبارة عنه ليفهم السامع أن المتكلم أراده فجرى هذا مجرى السماء والأرض والفرس والحمار وما أشبه ذلك فى ظهوره بين الناس ومسة الحاجة إلى العبارة عنها فكما لم يجر مع هذا الداعى الذى هو داعى الحاجة أن تتوالى الأعصار بأهل اللغة ولا يضعوا لهذه الأشياء أسماء تختص لكل واحد منها مع أنهم قد وضعوا الأسماء للمعانى ووضعوا للمعنى الواحد أسماء كثيرة كذلك لا يجوز أن لا يضعوا للاستغراق أسماء مختصة وليس يجوز من أمة عظيمة فى أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء الكثيرة للمعنى الواحد ولا يضعون لمعنى ظاهر تشتد إليه حاجة الناس أسماء تخصه.\nفإن قيل ليس بممتنع أن يتفق ذلك من الأمم العظيمة أليس العرب مع كثرتهم لم يضعوا للفعل الحال عبارة تخصه دون الفعل المستقبل ولا وضعوا للاعتماد سفلا ولا للاعتماد علوا ولا للكون الذى هو يمنة أو يسرة عبارة ولا وضعوا لرائحة الكافور أو رائحة العنبر أسماء تخصها والحاجة إلى ذلك شديدة والأمر فى ذلك ظاهر ثم قالوا: لا حاجة بالمتكلم إلى وضع لفظ الاستغراق لأنه يمكن للمتكلم أن يعدد الأشخاص الذين يريد أن يعلمهم بالذكر واحدا واحدا.\nقالوا: ولأنهم يمكنهم أن يعبروا عن الاستغراق ويذكروه بلفظه مع قرينة وشاهد.","vol":"1","page":158},{"text":"حال أو يدلوا على الاستغراق بالتعليل بأن يقول: كل من دخل دارى ضربته لأنه دخل دارى فيعرف بالتعليل أنه يريد أن يعم كل من دخل الدار.\nوالجواب أما الأول فلا يصح لأن الأشياء التى ذكروها غير ظاهرة فيجوز أن لا يضعوا لها عبارات تخصها بخلاف معنى العموم والشمول والمعتمد من الجواب أن تلك الأشياء أن لم تكن لها أسامى مفردة فلها أسامى مركبة.\nوبيانه أنه يقال اعتمد سفلا واعتمد علوا أو يقال قال يمنة أو يسرة ويقال رائحة الكافور ورائحة العنبر إلى سائر الروائح ويقال فى الماضى ضرب زيدا وفى المستقبل يضرب زيدا وهذا بخلاف ما تنازعنا فيه لأنه ليس عند خصومنا فى اللغة كلام موضوع ولا مركب منبىء عن الاستغراق من غير قرينة ولا دلالة.\nوأما قولهم أنه يعد الأشخاص واحدا واحدا.\nقلنا هذا يطول وسبق فلا يجوز المصير إلى مثل هذا.\nوقولهم أنه يفيد العموم والشمول بقرينة أو أمارة أو دلالة.\nقلنا يبعد أن تضع العرب للشىء الواحد عددا من الأسامى ثم يكتفون فى معنى الشمول والعموم بقرينة أو بإشارة مع اتساع العبارات وضيق القرائن والأشارات وعلى أن العلم من حيث الدلالة أو الإشارة ليس مما يصلح لجميع الناس بل هو شىء خاص يقع للبعض دون البعض فلا يجوز أن يقع الاقتناع به فى مثل هذا المعنى الظاهر وكذلك الجواب عن التعليل الذى ذكروه وعلى أنه ليس كل معنى يعرف علته حتى يعلل بها.\nألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر بأن كل من فى الدار نائم أو ضارب أو آكل وغير ذلك مما لا يحصى كثرة لم يعرف لذلك علة حتى يعلل بها.\nقالوا: إنما يصح هذا الدليل الذى ذكرتم أن لو كانت الأسماء مواضعة من أهل اللسان وأما الأسماء توقيف فليس يوجد فيها هذا الدليل.\nقلنا ومن يسلم لكم أن الأسماء توقيف وعلى أنا نقول الأسماء بعضها على التوقيف وبعضها على الوضع وهذا هو الأولى فينبغى إذا لم يوجد فى شىء توقيف واشتدت حاجتهم إلى وضع اسم له أن يضعوا كلاما يكون أسماء له كما أن من أحدث آلة جديدة يجوز أن يضع اسما لها ومن ولد له ولد يجوز أن يضع اسما له فالشخص الواحد إذا جاز له ذلك فالأمم الكبيرة بذلك أولى.","vol":"1","page":159},{"text":"دليل آخر أن اللغة فائدتها إفهام المراد بالخطاب لأن المتكلم يعلم ما فى نفسه وأن لم ينطق لسانه وإنما يريد بكلامه إفهام غيره والإبانة له عن المراد الذى فى نفسه فما كان كذلك وجدنا أهل اللغة وأرباب اللسان استعملوا فى أبياتهم ألفاظا تعارفونها ووضعوا لكل شىء أرادوا الإبانة عنه سمة ورسموا لكل معنى منه رسما يعلم به المراد ويقع به التمييز بين الشىء وضده فلا يجوز إبطال ما أصلوه منها وإزالته عما وضعوه عليه وحمل ألفاظهم على ما يؤدى إلى التعرى عن الفائدة كما لم يجز ذلك فيما وجد فى أوائل كلامهم من مفرد إلى الأسماء والحروف التى هى أدوات الكلام فهذه الأسماء المفردة والحروف التى هى أدوات كلها مقيدة والأسماء المركبة وكذلك الأفعال مبنية من الأسماء المفردة ومردودة إليها وخالفوا بين السمات وزادوا ونقصوا من الحروف وفاوتوا بين جهات الإعراب لاختلاف ما يوجد تحتها من المراد وقد قالوا: فى باب الأسماء رجل وفى التثنية رجلان وفى الجمع رجال وقالوا: فى المشتق مشرك ومشركان وقالوا: فى أبنية الأفعال للواحد فى باب الأمر افعل وللاثنين افعلا وللجمع افعلوا وكما قيل فى الإخبار عن الفعل الماضى فعل وفى المستقبل يفعل وفيما يدخله التراخى سيفعل وقالوا: فيما يستدعيه من فعل غيره استفعل وقالوا: فيما تكلفه من الفعل من غير مطاوعة تفعل فلكما خالفوا بين الشىء والشىء فى القصد خالفوا بين المصارف فى الشكل والهيئة لنعلم أنهم لم يضعوا قسمة الألفاظ إلا على قسمة المعانى ولم يرتبوا هذه الأسماء إلا على مراتب المسميات وإذا تقرر ما ذكرناه فكان الأمر فى هذا مشهورا عند أهل المعرفة باللغة وبأن من قال للفظ الجمع الذى ذكروه فى الأسامى والأفعال معنى.\nوقالوا: تناوله للعدد الشامل للجنس وللبعض من ذلك أو للواحد والاثنين على وجه واحدا فقد رام الجمع بين ما فرقوا والتفريق بين ما جمعوا وحمل بعضها على البعض مع التفريق من أهل اللسان ومن رام هذا فقد رام قلب اللغة وإبطال البيان وإيقاع العلم فى اللبس والتشكيك وهذا فاسد قطعا بلا إشكال ولا مرية.\nقالوا: إذا لم يدع قلب اللغة ولا زعمنا أنه لا بيان فى حملها لكن قلنا أن هذه الألفاظ التى ادعيتم لها العموم محتملة فى وضعها معرضة أن يكون المراد بها الشىء وغيره فإنها توجد والمراد بها العموم والاستغراق وتوجد أخرى والمراد بها الخصوص والإفراد فإذا كان كذلك لم يجر القضاء عليها بأحد وجهى الاحتمال إلى أن يقوم عليها.","vol":"1","page":160},{"text":"دليل المراد وهذا كسائر الأسماء المشتركة.\nقلنا قد بينا أن العرب لم تقسم الألفاظ إلا على قسمة المعانى ووجدنا صيغة للعموم صيغة امتاز بها عن صيغة الخصوص ومراتب الأسماء مبنية على مراتب المسميات فلا بد لها من معنى يمتاز بها عن غيرها وقد وجدنا لها ظاهرا يهيأ العلم به فلم وجب التوقف فيه مع وجود سمة امتازت بها عن غيرها من السمات ووضوح دلالة منها يصلح اللفظ لها فهل هذا إلا ضرب الأسماء فى بعضها ببعض وتعكيس اللغة ودفع البيان منها وأما الأسامى المشتركة فهى ألفاظ معدودة وكلمات يسيرة كقولهم حيوان ولون وعين وأمثال ذلك وليس إذا لم يوجد فى اللغة إلا أشياء يسيرة ظاهرة تصار إليه ومعان متعينة لها ما يجب أن تتوقف عن سائر الأشياء التى لها ظواهر معلومة ودلائل معروفة ولهذا إذا ذكر الحيوان واللون والعين لم يتبادر إلى الفهم شىء من معانيها المشتركة دون شىء بل يكون فى موقف واحد من التسابق إلى الفهم والبدار إلى المراد وأما لفظ العموم فيتبادر منه إلى الفهم الشمول والاستغراق وهذا شىء تبين لا خفاء به أصلا.\nدليل آخر أن القائل إذا قال من دخل دارى ضربته حسن أن يستثنى منه كل عاقل شاب والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فإذا لولا الاستثناء لوجب دخول كل عاقل تحت لفظة من فلو كانت لفظة من غير مقتضية للشمول والاستغراق لما وجب دخول كل عاقل تحتها ولما صح الاستثناء منها هذا دليل معتمد قالوا: ما أنكرتم أن يكون الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله تحته فعلى هذا صح استثناء كل عاقل لأنه يصلح دخوله كل عاقل تحته لأنه دخل تحته حقيقة.\nوالجواب أنه لو جاز الاستثناء بهذا الوجه لحسن أن نقول اضرب رجلا إلا زيدا أو رأيت رجلا إلا زيدا لأن كل رجل يصلح دخوله تحت قوله ضربت رجلا فقد صلح دخول زيد فى اللفظ ولم يصح استثناؤه فدل أن الاستثناء إنما يصح فى مسائلنا لدخول المستثنى منه تحته حقيقة نبين ما قلناه أن الاستثناء يحسن دخوله فى العشرة مثل أن يقول القائل لفلان على عشرة إلا واحدا واثنين وإنما حسن دخوله على العشرة لأنه أخرج منها ما لولاه لدخل فيها.\nألا ترى أنه لا يحسن استثناء كلها ولا استثناء ما لم يدخل تحتها فكذلك هاهنا لما حسن الاستثناء بأن نقول أعط من دخل دارى إلا الطوال منهم وكان هذا الاستثناء.","vol":"1","page":161},{"text":"حقيقة عرفنا قطعا أن المستثنى كان داخلا تحت الفظ المذكور وأما تعلقهم فى حجتهم بفصل الاستثناء.\nوقولهم أنه لو كان اللفظ الوارد فى العموم للاستيعاب والاستغراق لكان الاستثناء نقضا ورجوعا.\nقلنا لا يكون نقضا ولا رجوعا لأن ظاهر العموم عنده الاستغراق إذا تجرد عن الاستثناء أو ما يجري مجراه وإذا استثنى فلم تجرد.\nونقول أيضا أن لفظ العموم يقتضى استغراق ما دخل عليه وإذا كان معه استثناء فهو داخل على ما عدا المستثنى ولا جرم هو مستغرق له.\nوأما قولهم أنه إذا عدد أشخاصا ثم استثنى شخصا واحدا منهم لا يجوز فيجب أن يكون اللفظ العام كذلك.\nقلنا هذا كما يلزمنا يلزمكم لأنكم تقولون أن لفظ العموم حقيقة فى الاستغراق وحقيقة فى البعض لأنه اسم مشترك يتناول الكل ويتناول البعض فيكون حقيقة فيها مثل اللون والحيوان ثم قلتم إذا أراد الاستيعاب واستثنى يصح ولو أنه عدد الأشخاص ثم أنه استثنى لا يصح وهذا لأن الاستثناء إنما يحسن فى لفظ واحد يشمل أشخاصا ثم يستثنى بعض الأشخاص فأما إذا تعدد الألفاظ فيصير كل لفظ كالمنفرد عن صاحبه فإذا استثنى فيكون كأنه استثنى الكل من الكل وهذا لا يجوز لأن الاستثناء حقيقة هو استثناء البعض من الكل.\nدليل آخر وهو أن أهل اللغة فرقوا بين العموم والخصوص وجعلوا أحدهما فى مقابلة الآخر فقالوا: مخرج هذا اللفظ العموم ومخرج هذا الخصوص كما فصلوا بين الأمر والنهى وكما وجب أن يكون لكل واحد منهما لفظ يخصه فكذلك العموم والخصوص يدل عليه أنهم خالفوا بين تأكيد العموم والخصوص وجعلو تأكيد أحدهما مخالفا لتأكيد الآخر فقالوا: رأيت زيدا نفسه ولم يقولوا رأيت زيدا أجمعين وقالوا: رأيت القوم أجمعين ولم يقولوا رأيت القوم نفسه وكما أن تأكيدهما مختلفان فكذلك وجب أن يختلفا لأن من حق التأكيد أن يطابق المؤكد.\nواعلم أن الفقهاء والمتكلمين قد استكثروا من الدلائل فى هذه المسألة غير أنا اقتصرنا على أعداد منها معتمدة وأصح الدلائل الدليل الأول من الآيات والدليل الثانى من حيث اللغة والدليل الثالث من حيث صحة الاستثناء وقد حرر بعضهم.","vol":"1","page":162},{"text":"فقال استيعاب الجنس حد هو أحسن التعبير فيكون له صيغة يراد بصيغته من غير قرينة كالفرد والتثنية.\nأما الجواب عن كلماتهم أما الأول قلنا قد أجبنا عن هذه الشبهة فى ابتداء باب الأوامر فلا معنى للإعادة.\nوالحرف أنهم يقولون أن لفظ العموم للاستيعاب ولما دونهم فيدخل عليهم هذه الشبهة كما دخلت علينا وأن ارتكب منهم ما ارتكب وقال إنها غير موضوعة للاستيعاب بحال فهذا محال لأنا نعلم بالضرورة وبالنقل عنهم وفى مستعمل كلامهم أن لفظ كل والجميع إذا استعملت فى الاستغراق لم يكن مجازا ولو لم نعلم ضرورة يمكن أن ينقل بالتواتر أنهم أضافوا إلى هذه الألفاظ أحكامها لا يصح إلا إذا كانت الألفاظ عامة نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك وذكرنا أيضا أن هذا الكلام يدخل على من ادعى التوقف والاشتراك وقد سبق تقرير هذا.\nوأما دليلهم الثانى قولهم أن هذه الألفاظ تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه على وجه واحد قلنا أن عنيتم أن هذا اللفظ يستعمل فى الاستيعاب وما دونه على الحقيقة فلا نسلم ذلك وكذلك أن قالوا: أنه يستعمل فى كل واحد منهما من غير قرينة لا نسلمه أيضا.\nونقول ليس استعمال لفظ العموم فيما دون العموم كاستعماله فى الاستغراق فإن استعماله فى الاستيعاب بصيغة وفيما دونه بقرينة تنضم إليه وهو من استعمال اسم الحمار فى البهيمة والبليد واسم الأسد فى الحيوان المخصوص والشجاع وليس كثرة الاستعمال دليل على الحقيقة ولا قلة الاستعمال بدليل على المجاز إنما الحقيقة والمجاز يعرفان بوجوه آخر.\nويقال لهم أليس قولنا أمر يستعمل فى الشأن والفعل وليس بحقيقة فيهما وقد كثر استعمال لفظ الأمر فى الشأن والفعل كثرة استعمال لفظ العموم فيما دون الاستيعاب فإن قالوا: إنا عرفنا كون استعمال الأسد فى الشجاع والحمار فى البليد مجازا بطريق الضرورة فهل تعرفون استعمال لفظ العموم حقيقة فى الاستيعاب فإذا استعمل فيما دونه فلا بد أن يكون مجازا وليس كل مجاز يعرف ضرورة ولكن يعرف دليل يقوم عليه فإن قالوا: أنتم لا تقولوا أن العموم إذا طبق يكون مجازا قلنا قد ذهب جماعة من الأصوليين أنه يصير مجازا ووافقهم على ذلك بعض أصحابنا.","vol":"1","page":163},{"text":"وإن قلنا لا تصير مجازا فلأن المجاز ما استعمل فى غير ما وضع له والعموم والخصوص قد استعمل فى بعض ما وضع له فلهذا لا يوصف بالمجاز عند أكثر الفقهاء واعلم أن الخلاف فى هذه المسألة مع المتكلمين فينبغى إذا تكلمنا معهم أن نقول أنه يصير مجازا وقد قال الأصحاب على قولهم أن أكثر ألفاظ العموم تستعمل فى البعض قال يجوز أن يكون اللفظ حقيقة فى معنى ثم يستعمل فى غيره أكثر.\nألا ترى أن الغائط حقيقة فى الموضع المطمئن ثم أكثر ما يستعمل فى الخارج من الإنسان وكذلك الشجاع عن حقيقة فى الحية ثم أكثر ما يستعمل فى الرجل البطل وكذلك العذرة والمفازة إلى ما يشبه ذلك.\nوأما تعلقهم بفصل الاستثناء فقد أجبنا عنه.\nوأما قولهم أنه يحسن الاستفهام والتأكيد.\nقلنا الاستفهام قد يكون طلبا لمطلق الفهم وإزالة الالتباس وقد يكون طلبا لزيادة الفهم وزيادة الفهم فهم وهذا لأن السامع قد يظن أن المتكلم غير متحفظ فى كلامه ويظن به السهو فيستفهمه ويستبينه بمعنى أن كان ساهيا أزال سهوه.\nألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل ضربت فلانا فنقول أضربت فلانا أو يقول: ضربت كل من فى الدار فنقول أضربتهم كلهم فيقول: نعم ضربتهم كلهم فنجيبه باللفظ الأول فدل أن المراد من الاستفهام هو الاستثبات لظن الغلط.\nوأما التأكيد الذى تعلقوا به فيبطل تأكيد الخصوص مثل قول القائل جاءنى زيد نفسه وكذلك تأكيد ألفاظ الفرد وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكذلك قولهم ألف تام فقولهم ألف قد أنبأ عن التام.\nفإن طلبوا فائدة التأكيد.\nقلنا فائدته زيادة العلم وهذا لأن بالتأكيد يزداد الأمر جلاء وبيانا فيزداد علمنا وقد يكون فى ذلك مصلحة لنا وأن لم نقف عليها.\nألا ترى أن الله تعالى قد أكثر الأدلة على المدلول الواحد وأن كان المقصود قد حصل بالدليل الواحد وأيضا يجوز أن يكون التأكيد لإزالة مجاز أو احتمال مستعمل وعلى الجملة إذا جاز وجود فائدة للتأكيد لا يوجد فى المؤكد بطل تعلقهم بهذا الفصل.\nوأما دليلهم الذى ذكروه فى كلمة من قولهم أنه يجمع بمنون.","vol":"1","page":164},{"text":"قلنا قولهم منون وأن كان لفظه لفظ الجمع فليس بجمع على الحقيقة لأنه يستفاد منه ما يستفاد من قوله من عندنا وعند المخالف ألا ترى أنه لو قال القائل من أنتم كان استفهاما عن جماعتهم كما أن قوله منون استفهام عن جماعتهم وعند المخالف أن ألفاظ العموم كلها مشتركة وليس فى اللغة لفظ يختص بالاستغراق ولفظ منون عندهم مشترك بين الاستغراق والبعض كلفظ من فلم تفد أكثر ما تفيده لفظ من فيثبت أن هذا الكلام يلزمنا ويلزمهم فلم يكن فيه دليل علينا.\nوأما الدليل الأخير الذى قالوه فقد أجبنا [عنه] ١ واعلم أن من المتكلمين من حمل لفظ الجمع على أقل الجمع وهو ثلاثة وتوقف فيما زاد.\nوقيل أنه قول أبى هاشم وذهب إليه من الفقهاء محمد بن شجاع البلخى والدلائل التى أقمناها فى إثبات الاستيعاب واستغراق اللفظ لكل ما يصلح له يبطل هذا القول وهذا لأنه إذا كان لاستيعاب كل ما يصلح له فالثلاث وما زاد عليه فى الصلاحية واحد فليتناول الكل تناولا واحدا فلم يجز أن يحمل على بعض ما ينتظمه اللفظ دون البعض.\nوتعلق من قال بالقول الثانى بأن دخول الثلاثة فى اللفظ يقين وما زاد يحتمل فلا يثبت دخوله بالشك.\nوالجواب أن دعوى الشك محال فيما زاد على الثلاث لأن اللفظ الموضوع للاستيعاب والاستغراق جميع ما يصلح له اللفظ ويستحيل أن يقال أن بعض ما يصلح له اللفظ يقين وبعض ما يصلح له مشكوك فيه وهذا لأنه لما يتناول كل الأعداد على وجه واحد فلم يجز هذا التفريق بوجه ما.\nفإن قالوا: أليس إذا قال لفلان على دراهم يقبل تفسيرها بثلاثة ولا يقبل فيما دون الثلاثة.\nقلنا هذا لا يقتضى الاستيعاب.\nقالوا: ما قولكم إذا قال لفلان على الدراهم.\nقلنا كذلك نقول ولكن إنما لم يحمل على الجميع لأنه لا يتصور حمله على جميع الدراهم لأنه لا يتصور أن يكون أتلف عليه كل درهم فى الأرض أو استقرض كل درهم فى الأرض فعدل عن العموم لأنه لم يكن حمله على العموم.\n_________\n١ زيادة في الأصل.","vol":"1","page":165},{"text":"ومن فروع هذه المسألة:\nأن أبا بكر الصيرفى قال إذا ورد لفظ العموم يجب أن يعتقد العموم بنفس الورود.\nوقال ابن سريج يتوقف الاعتقاد إلى أن يعرضه على دلائل الشرع فإذا لم يجد الخصوص اعتقد العموم واحتج من ذهب إلى القول الأول بأن لفظ العموم موضوع للاستغراق فإذا ورد وجب أن تعتقد ما وضع له اللفظ كلفظ الخصوص وكلفظ الأمر والنهى قال ولأن النظر لا يتناهى فيجوز أن لا يجد مخصصا فى النظر ثم نجد فى النظر الثانى وما لا يتناهى لا يصار إليه قال فلأن الذى صار إليه ابن سريج قول بالوقف وقد ذكرنا بطلانه.\nوأما الدليل لما ذهب إليه ابن سريج هو أن اللفظ الموضوع للاستغراق هو اللفظ المتجرد عن القرائن المخصصة ولا بد من طلب التجرد ليحمل على المعنى الموضوع له اللفظ وهذا الطلب يعرض للخطاب الوارد على دلائل الشرع لتعرف هل وجد هناك دليل يخص اللفظ أو لا ثم إذا لم نجد فقد أصاب اللفظ المجرد عن قرينة مخصصة فيحمل حينئذ على الموضوع له وهو الاستيعاب ونعتقد ذلك وهذا مثل البحث عن عدالة الشهود ووجوب الحكم هناك مثل اعتقاد العموم هاهنا.\nوأما قولهم أنه وضع للاستيعاب.\nقلنا بلى ولكن إذا تجرد عن قرينة والمقصود من العرض التوقف إلى أن بعرض طلب هذا التجرد.\nوأما قولهم أن العرض لا يتناهى.\nقلنا ما لا يتناهى يقطع فى بدايته.\nألا ترى فى البحث عن عدالة الشهود لا يؤمن أن يطلع على جرح عند إعادة البحث ولكن لا يعتبر ذلك لأنه لا يتناهى وكذلك المجتهد إذا رفعت إليه حادثة يعرض الحادثة على الكتاب والسنة لطلب النص ويبحث مرة واحدة وأن كان يجوز أن يجد النص عند إعادة العرض ولكن لا يعتبر ذلك لما بينا وأما الذى قالوا: أن هذا قول بالوقف فليس كذلك لأن الواقفية لا يجعلون العموم صيغة يخصها أصلا وأما ابن سريج فيجعل العموم صيغة إذا تجردت عن قرينة ويطلب التجرد وإذا وجدها لأن تحقق صيغة العموم بها اعتقد العموم والله أعلم.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>فصل: في ألفاظ العموم</span>\n...\nفصل ونذكر الآن ألفاظ العموم فنقول.\nأولها ألفاظ الجموع وسواء فيها جمع السلامة وجميع التكسير١ كقوله اقتلوا المشركين واعمروا المساجد وهذا النوع أبين وجوه العموم ثم بعد هذه الأسماء التى يدخلها الألف واللام للجنس٢ كقولك الحيوان والنبات والجماد يراد بها تعميم هذه الأجناس ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] فلا سارق إلا وعليه القطع بالآية ولا زانى إلا وعليه الجلد بالآية وقد قال بعضهم مثل هذا اللفظ لا يكون للعموم وإنما يكون للعهد قال أبو هاشم يفيد الجنس دون الاستغراق وأما عندنا هو العموم لأن نفس اللفظ وأن كان لفظا مفردا ولا يدل على العموم ولكن دخل عليه ما يوجب عمومه وهو لام الجنس وهذا لأنه لو لم يستغرق قولنا الإنسان جميع الجنس لأفاد واحدا غيره يقينا وإذا قلتم بهذا فقد كان هذا مستفادا بالاسم قبل دخول الألف واللام عليه فلا يبقى لدخول الألف واللام فائدة فدل أن فائدتهما الاستغراق.\nقالوا: أنه لو استغرق الجنس لجاز مع أنه لفظة واحدة أن يؤكد كل وجميع كلفظ من نحو قوله كل من دحل دارى أكرمته ولا يستقيم أن يقول الرجل رأيت الإنسان كلهم ولا أن يقول: جاءنى الرجل أجمعون وأيضا فإنه يقبح الاستثناء.\nألا ترى أنه لا يحسن أن يقول: رأيت الإنسان إلا المؤمنين ولو كان للعموم فحسن ذلك.\nقالوا: وأما قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هو على طريق المجاز ويحتمل أيضا أن الخسارة لما لزمت جميع الناس إلا المؤمنين جاز هذا الاستثناء.\nوالجواب أن أصحابنا اختلفوا أن العموم من حيث اللفظ فى هذه الصورة أو من حيث المعنى فالأولى أن نقول أن العموم من حيث المعنى وذلك لأن الألف واللام لا بد أن تفيد التعريف وليس التعريف إلا تعريف الجنس وإذا قلنا أن اللفظ يفيد.\n_________\n١ انظر البرهان لإمام الحرمين ١/٣٢٢ إحكام الأحكام ٢/٢٩٠ انظر نهاية السول ٢/٣٢٢.\n٢ المحصول ١/٣٧٨ إحكام الأحكام ٢/٣٠١ روضة الناظر ١٩٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٠٧.","vol":"1","page":167},{"text":"واحدا من الجنس خرج الألف واللام من كونهما للجنس ولم يبق لهما فائدة وإذا ثبت أنهما للجنس ثبت الاستغراق ولأنه إذا قال الإنسان يفيد دخول كل من كان من جنس الإنسان فى اللفظ ولهذا المعنى صح قولهم أهلك الناس الدينار والدرهم البيض فيعنون كل واحد منهما بالجمع فدل أنهما يفيدان الاستغراق ويقال هلكت الشاة وهلك البعير وهلك الحيوان ويراد به العموم دل أنه مفيد له على الوجه الذى قدمنا وأما الألف واللام إذا دخلا على الجمع فلا بد من كونه مفيدا للاستغراق والدليل عليه حسن الاستثناء فإنه إذا قال اعط المسلمين فإنه يجوز أن يستثنى كل من شاء منهم وكذلك إذا قال رأيت الناس يجوز أن يستثنى أى إنسان أراد من الناس والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه يدل عليه أنه إذا قال رأيت ناسا يفيد أنه رأى من هذا الجنس ولا يفيد الاستغراق فلا بد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة ولا فائدة إلا الاستغراق.\nومن ألفاظ العموم الأسماء المبهمة نحو من وما والفرق بين من وما أن كلمة من عامة فيمن يعقل لأنك إذا قلت: من فى الدار استقام الجواب بكل من يعقل ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والثوب وإذا قلت: ما فى الدار ولا يستقيم الجواب عنه بالعاقل١ لكن لا يعقل فنقول حمار أو شاة أو ثوب وما أشبه ذلك ومن أسماء العموم الأسماء المبهمة نحو من وما وذلك لقوله ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\" ٢ \"ومن أحيا أرضا ميتة فهى له\" ٣ \"وما أكلت العافية فهى له صدقة\" ٤.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/٢٩٠ نهاية السول ٢/٣٢٢ المحصول ١/٣٥٦ روضة الناظر ١٩٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٠٧.\n٢ أخرجه البخاري الجهاد ٦/١٧٣ ح ٣٠١٧ وأبو داود الحدود ٤/١٢٤ ح ٤٣٥١ والترمذي الحدود الحدود ٤/٥٩ ح ١٤٥٨ والنسائي تحريم الدم ٧/٩٥ باب الحكم في المرتد وابن ماجه الحدود ٢/٨٤٨ ح ٢٥٣٥ وأحمد المسند ١/٣٦٨ ح ٢٥٥٥.\n٣ ذكره البخاري الحرث ٥/٢٣ باب من أحيا أرضا مواتا معلقا وأبو داود الخراج ٣/١٧٤ ح ٣٠٧٣ والترمذي الأحكام ٣/٦٥٣ ح ١٣٧٨ وقال حسن غريب ومالك في الموطأ الأقضية ٢/٧٤٣ ح ٢٦، ٢٧ وأحمد المسند ٣/٤١٤ ح ١٤٦٤٨.\n٤ أخرجه النسائي في الكبرى ٣/٤٠٤ ح ٥٧٥٦ - ٥٧٥٨ والدارمي البيوع ٢/٣٤٦ ح ٢٦٠٧ وأحمد المسند ٣/٤١٤ ح ١٤٦٤٨ والبيهقي في الكبرى ٦/٢٤٤ ح ١١٨١٤ وابن حبان ١١٣٦/موارد بلفظ العوافي بدل العافية.","vol":"1","page":168},{"text":"وأين وحيث تعمان الأمكنة ومتى تعم الأزمنة وكل تعم الفرد النكرة لقولنا كل رجل وكل زيد وكل الناس١ وكلما تعم الفعل٢ لقول القائل كلما فعلت فعلا يتناول الأفعال على العموم واعلم أنه لا فرق فى ألفاظ العموم بين الأسماء المشتقة وأسماء الأجناس وأسماء الصفات كقولك اعط المسلمين اعط الناس اعط الطوال فكل ذلك يستغرق كل ما يصلح له.\nوأما ألفاظ النكرات نحو قولك رجل فإنه عام على البدل غير عام على الجمع.\nوإنما قلنا أنه عام على البدل لأنه يتناول كل رجل على البدل من صاحبه.\nوقد قال عامة أهل العلم أن النكرة إذا كانت نفيا استغرقت جميع الجنس كقولهم ما رأيت رجلا وما رأيت إنسانا وأما إذا خرج على الإثبات فلا يقتضى الاستغراق وأما إذا قال رأيت رجالا ولقيت ناسا فأقل ما يقتضيه ثلاثة من جماعتهم فإن قيل أليس أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] وهذا على العموم لأن الله تعالى لم يرد شيئا دون شيء لأن قدرته عامة شاملة جميع الأشياء محيطة بها كلها.\nقلنا قد قالوا: فى تأويل الآية وتخريجها وجهين أحدهما أن فيها إضمارا والمعنى أما قولنا لكل شىء أو لشىء شىء فاكتفى بذكر أحدهما لأن فيه دلالة على الأول.\nوالوجه الآخر أن عمومه من طريق المعنى لا من طريق اللفظ وذلك لأن الأشياء متساوية فى قدرته فإذا أخبر عن نفوذ قدرته فى بعضها فقد دل بالمعنى على نفوذ قدرته فى سائرها وأما كلمة أى فقد قيل هى بمنزلة النكرة لأنها تصحب النكرة لفظا ومعنى يقول القائل أى رجل فعل هذا وأى دار تريدها قال الله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وهى نكرة معنى لأن المراد بها واحد منهم.\nوقد ألحق بعض الأصوليين هذا الباب ما يفيد العموم من جهة المعنى وذلك يكون بأن يقترن باللفظ ما يدل على العموم وأن كان اللفظ لا يدل عليه فمن ذلك أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ومفيدا لعلته ليقتضى شيوع الحكم فى كل ما شاعت فيه العلة.\nومن ذلك أن يكون المفيد لعموم اللفظ يرجع إلى سؤال السائل.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام ٢/٢٩٠ المحصول ١/ ٣٥٦ نهاية السول ٢/٣٢٥، ٣٢٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير.\n٢ انظر نهاية السول ٢/٣٢٦ روضة الناظر ١٩٦.","vol":"1","page":169},{"text":"ومن ذلك دليل الخطاب المقتضى للعموم.\nفالأول مثل قوله ﷺ فى الهرة إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات فاقتضى عموم طهارة كل ما كان من الطوافين علينا وأمثال هذا تكثر وأما المقتضى للعموم وما يرجع إلى السؤال نحو أن يسأل النبي ﷺ عمن جامع زوجته فيقول: عليه الكفارة فيعم ذلك كل من أفطر وأما العموم مفهوم الخطاب نحو قوله ﷺ فى سائمة الغنم زكاة فدل هذا أن لا زكاة فى كل ما ليست بسائمة.\nمسألة: واختلف أصحابنا فى المجاز هل يتعلق به العموم على وجهين:\nفقال بعضهم لا يدخل فى العموم إلا الحقائق وقال آخرون يدخل فيه المجاز كالحقيقة لأن العرب تتخاطب به كما تتخاطب بالحقيقة واختلف الأصحاب أيضا أن لفظ العموم هل يتناول ما يمنع دليل النقل من إجراء حكمه عليه كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وكقول القائل اضرب كل من فى الدار ونحو ذلك لأن الله تعالى شىء ويمنع العقل أن يكون خالق نفسه وكذلك يمنع العقل أن يكون المأمور يضرب كل من فى الدار مأمورا بضرب نفسه فقال بعضهم أن موضوع اللفظ يتناوله لأن الدليل يوجب إخراجه منه.\nوقال آخرون بل هو خارج منه لسقوطه فى نفسه بما ذكرناه وقالت هذه الطائفة أن اللفظ لم يتناوله أصلا فهذا هو الكلام فى ألفاظ العموم ويلحق هذا الموضع ما صح فيه دعوى العموم ما لا يصح وجملة ذلك أن العموم يصح دعواه فى نطق ظاهر يستغرق الجنس لفظه كالألفاظ التى ذكرناها فيما تقدم وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت تلك الصفة اختص الحكم بها وأن لم تعرف صار مجملا فيما عرفت صفته مثل ما روى عن النبي ﷺ أنه جمع بين الصلاتين فى السفر فهذا مقصور على ما ورد فيه وهو السفر ولا يحمل على العموم وما لم تعرف مثل ما يروى أنه ﵇ جمع بين الصلاتين فى السفر فلا نعلم أنه كان فى سفر طويل أو سفر قصير إلا أنه معلوم أنه لم يكن إلا فى سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك تعينه وجب التوقف فيه حتى تعرف ولا يدعى هو العموم وكذلك القضايا فى الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها وذلك مثل ما روى أنه ﷺ قضى بالشفعة للجار وقضى فى الإفطار بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى.","vol":"1","page":170},{"text":"العموم فيها بل يجب التوقف لأنه يجوز أن يكون قضى بالشفعة لجار بصفة تختص بها أو قضى بالكفارة بجماع أو بغيره فيما يختص به المحكوم عليه فلم يكن دعوى العموم وقال بعضهم أن روى أنه كان يقضى تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ألا ترى أنه يقال فلان كان يقرى الضيف ويصنع المعروف وقال الله تعالى فى إسماعيل ﵇ وكان يأمر أهله بالصلاة والمراد به التكرار.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>فصل: الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فيه</span>\n...\nفصل: وكذلك الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فى إضمار.\nمثل قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ يفتقر إلى إضمار فبعضهم يضمر وقت إحرام الحج أشهر معلومات وبعضهم يضمر وقت أفعال الحج أشهر معلومات والحمل عليها لا يجوز بل يعمل بما يدل عليه الدليل وهذا لأن العموم من صفاته النطق فلا يجوز دعواه فى المعانى وعلى هذا قالوا: لا يجوز دعوى العموم فى قوله لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد يعنى نفى الجواز والفضيلة وكذلك قوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ولا يجوز دعوى العموم فيه لنفى الجواز والفضيلة وكيف يجوز دعوى العموم على هذا الوجه وإذا انتفى الجواز لا يتصور انتفاء الفضيلة لأنه لا بد من وجود الجواز ليتصور انتفاء الفضيلة وعلى هذا قوله ﵇ لا نكاح إلا بولى قوله لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض فكذلك قوله ﵇ رفع القلم عن ثلاثة وقد جعل بعض الفقهاء هذه الألفاظ مجملة وسيأتى من بعد الكلام فى المجمل وبعضهم جعل هذه الألفاظ عامة فى كل ما يحتمله والله أعلم.\nمسألة أقل ما يتناوله اسم الجمع عندنا ثلاثة.\nوهو أيضا قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وذهب طائفة من الفريقين أن أقل الجمع اثنان وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن أبى الطيب من المتأخرين وهو أيضا قول محمد بن داود من المتقدمين١ وإليه ذهب بعض من النحويين وتعلقوا بقوله.\n_________\n١ قال الشيخ الآمدي اختلف العلماء في أقل الجمع هل هو اثنان أو ثلاثة وليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة وهو: ضم شيء إلى شيء فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد من غير خلاف وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة.\nفنقول: مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق......=","vol":"1","page":171},{"text":"تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الانبياء:٧٨] ورد الكناية إلى الاثنين بلفظ الجمع وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [صّ: ٢١] الآية فاستعمل فى الاثنين لفظ الجمع وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وإنما لهما قلبان وقد ذكرهما بلفظ الجمع وتعلقوا بقوله ﵇ الاثنان فما فوقهما جماعة١ والمعتمد لهم شيئان أحدهما أن الجمع فى صيغة اللغة هو ضم الشىء إلى الشىء وهذا فى الاثنين مثله فى الثلاث وإذا وجد الجمع حقيقة فى الاثنين صح أن يتناوله اسم الجمع حقيقة.\nوالثانى أن الاثنين يقولان فى المخاطبة فعلنا كذا ويقولان دخلنا وخرجنا وأكلنا وشربنا فإذا خاطبا خطاب الجمع دل أنهما جمع مثل الثلاث سواء وأما دليلنا ما روى أن ابن عباس احتج على عثمان ﵃ فى أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وقال ليس الأخوان إخوة فى لسان قومك فقال عثمان ﵁ لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلى وتوارثه الناس ومضى فى الأمصار فلو لم يكن ذلك مقتضى اللغة لما صح احتجاجه وما أقره عليه عثمان وهما من فصحاء العرب وأرباب اللسان.\nفإن قيل روى عن زيد بن ثابت أنه قال الأخوان إخوة فصار مخالفا لهما.\nقلنا المراد بذلك أنهما كالإخوة فى الحجب.\nوالمعتمد هو الاستدلال من حيث اللغة فنقول الدليل على أن لفظ الجمع لا يتناوله الاثنين أنه لا ينعت بالاثنين وينعت بالثلاثة فإنه يقال رأيت رجالا ثلاثة ولا يقال رأيت رجالا اثنين ويقال أيضا رأيت جماعة رجال ولا يقال رأيت جماعة رجلين فإن كانت الجماعة لا تنعت بالاثنين بحال عرفنا أنه لا يتناولها اسم الجمع بحال.\n_________\n= وجماعة من أصحاب الشافعي ﵁ كالغزالي وغيره أنه اثنان ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ المعتزلة وجماعة من أصحاب الشافعي أنه ثلاثة وذهب إمام الحرمين إلى أنه لا يمتنع رد لفظ الجمع إلى الواحد انظر إحاكم الأحكام ٢/٣٢٤ نهاية السول ٢/٣٩٤ المحصول ١/٣٥١.\n١ إسناده ضعيف أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة ١/٣١٢ الحديث ٩٧٢.","vol":"1","page":172},{"text":"ونقول أيضا الأسماء سمات والسمات علامات لما وسم بها من الأعيان فسمة الاثنين مخالفة لسمة الجماعة كما كانت سمة الواحد مخالفة لسمة الاثنين وعلى هذا جرت العادة بالتفضيل فى الأعداد.\nوقيل آحاد ومثانى وجموع فكان هذا دليلا أن الجمع بعد التثنية كما أن التثنية بعد الواحد وكذلك هذا الاختلاف فى تفصيل عدد الأجناس قالوا: رجل ورجلان فإذا بلغ العدد ثلاثة قالوا: رجال وقيل امرأة وامرأتان ثم تركوا هذا الاسم فى الجمع قالوا: أيضا فدل أن سمة الاثنين متميزة عن سمة الجماعة فى الوجوه كلها.\nوأما الجواب عن دليلهم وتعلقهم بالآية الأولى والثانية فما ذكرنا دليل على أن ذلك مذكور على وجه المجاز لا على وجه الحقيقة وأما قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فقد قيل أن هذا الباب مخصوص لا يقاس عليه غيره وهو باب مفرد فى ذكر ما فى الإنسان من الجوارح فقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] والمراد بذلك اليمين من كل واحد منهما ولو كان لزيد خاتم ولعمرو خاتم لم يصلح أن نقول خذ خواتيمهما والمراد خاتم واحد من كل واحد بل الصحيح أن نقول خذ خاتمهما فصار هذا مخالفا لجوارح الإنسان فافهم هذا فإنه يأت جنس فى العربية وقد قالوا: يوم أعشار وثوب أخلاق ولم يدل ذلك أن الواحد اثنان.\nوكان الحجاج يقول: يا غلام اضربا عنقه وخليا عنه ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [قّ:٢٤] وأما الخبر الذى رووه فلا نعرف صحته وعلى أن المراد به أن حكم الاثنين حكم الجماعة فى ثواب صلاة الجماعة وانعقادها وهذا لأن كلام النبي ﷺ لا يحمل على تأويل الاسم اللغوى.\nوأما قولهم أن الجمع حقيقته الضم قلنا نعم ولكنه من ضم ثلاثة بعضها إلى بعض وكذلك ما زاد عليه واللغة على ما وردت لا على ما يدل عليه القياس.\nألا ترى أن الواحد يوجد فيه ضم بعض الأشياء إلى البعض لأنه جوهر متركب من أشياء مختلفة ومع ذلك لا ينطلق عليه اسم الجمع وقد نقض الأصحاب ما يصيرون إليه من الاشتقاق فى اسم الجمع بفصل الدابة والجنين والقارورة وغير ذلك.\nوأما الكلام الثانى الذى اعتمدوا عليه وهو الخبر عن فعل اثنين بلفظ فقد يتفق اللفظان فى موضع الغنية عن التفريق بينهما ولا يدل ذلك على الجمع فى المعانى.","vol":"1","page":173},{"text":"كقولك للمرأتين أنتما وهما وكذلك تقول للرجلين وكما تقول المرأتان جعلنا كما تقول الرجلان وإنما كان كذلك لأن السمات موضوعة للتمييز ورفع الاشتباه فإذا كان الكلام فى أمر معلوم عند المخاطب وكان الإخبار عن حاضرة علم بالمشاهدة استغنى عن التمييز ولفظ أنتما خطاب لحاضر وكذلك لفظ فعلنا خطاب من المشاهدة وعمن يضاف إليه ممن هو معلوم حالته فأما ما كان بخلاف ذلك مما يدخله الشبهة لا يقاس عليه غيره ولا بد من سمة التمييز والكلام الأول بدون هذا كاف والله أعلم.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>فصل: التخصيص</span>\n...\nفصل نقول فى ابتداء هذه المسألة أن التخصيص تمييز بعض الحكمة بالحكم.\nولهذا يقال خص رسول الله ﷺ بكذا أو كذا وخص فلان بكذا وأما تخصيص العموم فهو بيان ما لم يرد باللفظ العام ويجوز دخول التخصيص فى جميع ألفاظ العموم من الأمر والنهى والخبر.\nومن الناس من قال لا يجوز فى الخبر كما لا يجوز فيه دخول النسخ وهذا خطأ لأنا بينا أن التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام وهذا يصح فى الخبر كما يصح فى الأمر١.\n_________\n١ اعلم أن في هذه المسألة قولان:\nأولا: وهو قول جمهور العلماء فهم متفقون على أن التخصيص جائز وواقع في الخبر وفي غيره من الأوامر والنواهي.\nثانيا: رأى شذوذ من العلماء أن التخصيص غير جائز في الخبر.\nوقد استدل الجمهور على الجواز بالوقوع فقد وقع التخصيص في الخبر كما وقع في الأمر والنهي والوقوع أوضح دليل على الجواز.\nأما وقوع التخصيص في الخبر فكقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله تعالى في حق الريح: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ فإن العقل يقضي بأن هذه الأخبار ليس مرادا منها العموم ضرورة أن الله لم يخلق ذاته ولا صفاته كما أن القدرة لم تتعلق بهما لأن القدرة لا تتعلق بالواجب العقلي - وقد أتت الريح على الأرض والجبال فلم تجعلها كالرميم وإذا كانت هذه الأخبار غير مرادة على العموم يكون التخصيص قد دخلها فيكون التخصيص واقعا في الخبر وأما وقوعه في الأمر فكقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ فإنه ليس كل سارق يقطع بل يقطع من سرق النصاب بشروط معلومة في الفروع - وليس كل زان يجلد بل الذي يجلد هو الزاني غير المحصن.\nوأما وقوعه في النهي فإن النبي ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر وأجاز ذلك في العرايا فكان....=","vol":"1","page":174},{"text":"مسألة العموم إذا خص لم يصر مجازا فيما بقى بل هو على حقيقة فيه.\nوالاستدلال به صحيح فيما عدا المخصوص ولا فرق عندنا بين أن يكون التخصيص بدليل متصل باللفظ أو دليل منفصل وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يصير مجازا متصلا كان الدليل المخصص أو منفصلا.\nوذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يصير مجازا فى حال دون حال اختلفوا فى تفصيل الحال فقال بعضهم أن خص بدليل لفظى لم يصر مجازا متصلا كان الدليل أو منفصلا وأن خص بدليل غير لفظى كان مجازا.\nوقال آخرون يكون مجازا إلا أن يخص بدليل متصل وهذا يحكى عن عيسى بن أبان وعن أبى الحسن الكرخى ومحمد بن شجاع وأما أبو بكر الرازى فذهب إلى ما ذهبنا إليه١ وذهب من جعله مجازا إلى المنع من الاستدلال بالعموم المخصوص.\n_________\n= هذا النهي مخصوصا.\nأما استدلال المخالفون فقد قالوا: إن تخصيص الخبر يوهم الكذب في خبر الله تعالى وإيهام الكذب محال على الله تعالى كالكذب سواء بسواء فما أدى إليه وهو تخصيص الخبر يكون محالا انظر إحكام الأحكام ٢/٤١٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٤٤، ٢٤٥.\n١ اعلم أن في هذه المسألة ثمانية مذاهب:\nأحدها: العام بعد التخصيص مجاز في الباقي مطلقا سواء كان متصلا أو منفصلا كان المنفصل عقليا أو لفظيا - وهذا القول هو المختار للبيضاوي وابن الحاجب وهو المعروف عند جمهور الأشاعرة.\nوالثاني العام حقيقة في الباقي مطلقا كان المخصص متصلا أو منفصلا وهذا القول للحنابلة وبعض الحنفية ونقله بعض العلماء عن كثير من الشافعية.\nالثالث: العام حقيقة في الباقي إن كان المخصص له شرطا أو صفة فإن كان المخصص له استثناء أو غاية أو كان لفظيا أو عقليا وهذا القول للقاضي أبي بكر الباقلاني.\nوالرابع العام حقيقة في الباقي إن خص بمتصل وهو الشرط والصفة والغاية والاستثناء مجاز إن خص بمنفصل سواء كان لفظيا أو عقليا وهذا القول لأبي الحسين البصري من المعتزلة.\nالخامس: العام حقيقة في الباقي من حيث التناول ولكنه مجاز من حيث الاقتصار عليه والإرادة وهذا المذهب للإمام أبي بكر الرازي وبعض الحنفية.\nوالسادس: العام حقيقة في الباقي إن كان الباقي جمعا فإن كان الباقي ليس جمعا كان العام مجازا فيه وهو لأبي بكر الجصاص من الحنفية.......=","vol":"1","page":175},{"text":"وأما من ذهب إلى أنه يصير مجازا احتج فى ذلك وقال أن العموم فى وضع اللغة للاستيعاب فإذا اختص فقد استعمل اللفظ فى غير ما وضع له وإذا وجد حد المجاز لا بد أن يصير اللفظ مجازا.\nقالوا: لا يجوز أن يقال أن أهل اللغة وضعوا اللفظ العام للاستغراق مع فقد القرينة ووضعوه للخصوص عند وجود القرينة وذلك لأنا لو اعتبرنا هذا لم يبق مجازا فى كلام العرب لأنه يمكن أن يقال أن الألفاظ كلها وضعت مع وجود القرائن لما تدل عليه القرائن فإن هذا رفع المجاز من الكلام أصلا لأن القرائن كثيرة لا تخص فلا يمكن أن يحصروها حتى يضعوا العموم مع كل واحد منهما لما يقتضيه.\nببينة أن العموم ضد الخصوص والخصوص ضد العموم فكيف يتصور مع وجود ضد العموم أن يبقى العموم على حقيقته.\nقالوا: وأما إذا كانت القرينة المخصصة متصلة باللفظ مثل الاستثناء والشرط والصفة فإنما لم يصر مجازا لأن هذه الأشياء الثلاثة من جملة الكلام الملفوظ الذى هو العموم.\nوإذا صار من جملته فلا يكون لفظ العموم بانفراده حقيقة ولا مجازا ويكون العموم مع الاستثناء أو الشرط أو الصفة بمجموعة حقيقة فيما يقتضيه وبيان هذا أن القائل إذا قال اضرب بنى تميم إلا من دخل الدار أو اضرب بنى تميم الطوال أو اضرب بنى تميم أن كانوا طوالا فإنه لم يرد بعضهم وحده لأنه لو كان كذلك ما كان قد أراد الاستثناء أو الشرط أو الصفة شيئا لأن هذه الأشياء لم توضع لشىء يستقل فى دلالتها عليه فيقال أن المتكلم قد أراد لها ذلك الشىء أو أراد بالعموم وحده البعض ولأنه إذا أراد البعض بلفظ العموم لم يبق شىء زائد بالاستثناء أو الشرط أو الصفة فثبت أنه عبر عن البعض بمجموع الأمرين وإذا ثبت أن المتكلم لم يرد بلفظه.\n_________\n= والسابع العام حقيقة في الباقي إن كان المخصص له شرطا أو صفة فإن كان المخصص له استثناء أو غاية أو كان المخصص مستقلا مطلقا أو عقليا كان العام مجازا في الباقي وهذا القول للقاضي عبد الجبار من المعتزلة.\nالثامن العام حقيقة في الباقي إن كان له دليلا لفظيا سواء كان متصلا أو منفصلا فإن كان المخصص له عقليا كان العام مجازا في الباقي انظر نهاية السول ٢/٣٩٥ المحصول ١/٣٩٦، ٣٩٧ إحكام الأحكام ٢/٣٣٠ البرهان ١/٤١٠ المستصفى ٢/٥٤ المعتمد ١/٢٦٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٥٥/٢٥٦.","vol":"1","page":176},{"text":"العموم وحده الاستغراق ولا البعض ثبت أنه إذا كان مع هذه الأمور لم يكن فأراد به حقيقة ولا مجازا وله إذا عنى البعض بمجموع الأمرين وهما لا يفيدان بمجموعهما إلا ذلك البعض ثبت أن ذلك حقيقة فيهما وأما فى القرينة المنفصلة فقد أراد المتكلم بنفس لفظ العموم بعض ما يتناوله فيكون مجازا على ما بينا ثم قالوا: أنه إذا ثبت أنه صار مجازا خرج من أن يكون له ظاهر فلم يجز التعلق بظاهره ولأن العموم المخصوص يجرى مجرى أن يقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ثم يقول: لا تقتلوا بعض المشركين فكما يمنع ذلك من التعلق بظاهر اللفظ كذلك غيره من التخصيص هذا حجة عيسى بن إبان.\nوقال بعضهم أن العموم المخصوص يجوز أن يكون فى الأدلة ما يخصه ثانيا فامتنع التعلق به لجواز أن يدل عليه تخصيص آخر.\nوقال بعضهم أن العلة المخصوصة لا يجوز التعلق بها كذلك العموم المخصوص وأما حجتنا فتقول أن لفظ العموم يتناول ما عدا المخصوص بأصل وضعه فلا يكون مجازا فيه وتصور موضعها حتى يزول الإشكال فنقول قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يتناول كل المشركين بعمومه وليس كلهم سوى آحادهم فهو إذا عبارة عن كل واحد منهم ولهذا لو تركنا فظاهره مقارنة قتل كل واحد من آحاد المشركين إلى أن يستوعبوا بالقتل وإذا خرج بعض المشركين عن الآية بدليل دل عليه فيعلم قطعا أنه تناول الباقين بأصل وضعه وإذا تناوله بأصل الوضع كان حقيقة وهو مثل العشيرة إذا أخرج بعضها بالاستثناء فإنها تكون حقيقة فى الباقى كذلك هاهنا.\nببينة أنه إذا كان اللفظ متناولا ما عدا المخصوص على ما بينا فالمتكلم بالخطاب إذا كان حكيما فلا بد أن يعنى ما يتناوله اللفظ إلا أن يدلنا على أنه ما عناه وهذا لأن الحكيم إذا خاطب قوما بلغتهم فإنه يعنى بخطابه لهم ما يدل عليه ذلك الخطاب عندهم وإلا كان ملبسا عليهم ولهذا المعنى إذا أورد العموم ولم يدل دليل على تخصيصه حمل على ظاهره من العموم لما ذكرناه اللهم إلا أن يقوم دليل يوجب تخصيصه وإذا ثبت أنه قد عنانا بالخطاب ما عدا المخصوص ثبت أن الحجة قائمة بالعموم فيما عدا المخصوص وليس يدخل على هذا إذا خص العموم تخصيصا مجملا وهذا نحو قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ثم قال أنا لم أرد بعضهم ولا يدرى من المعنى بذلك البعض فإنه لا يجوز الاحتجاج بمثل هذا العموم المخصوص.","vol":"1","page":177},{"text":"لأن كل من جعل الآية حجة فى مثله يجوز أن يكون هو من البعض مخصوصا.\nفأما إذا كان المخصوص معلوما فقد بينا وجه كون العموم حجة فى الباقى وقد ورد من الصحابة التعلق بالعموم المخصوص فإن عليا ﵁ قال فى الجمع بين الأنثتين المملوكتين فى الوطء أحلتهما آية وحرمتهما آية وقد روى عن عثمان ﵁ مثل ذلك١ وعنيا بقولهما أحلتهما آية قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وعنيا بآية التحريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مخصوص منه البنت والأخت واحتج ابن عباس ﵄ فى قليل الرضاع بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقال قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير وأن كان وقوع التحريم بالرضاع يحتاج إلى شروط وذلك يوجب تخصيص الآية ولا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة.\nواستدلال الصحابة بالعمومات المخصوصة كثير لأنه لا يعرف عموم يلحقه خصوص إلا فى الندب وعلى الشذوذ فإن عامة ما ينطق به الصحابة والعلماء من بعدهم من العمومات فهى عمومات مخصوصة وقد قال الأصحاب فى أصل المسألة أن إيصال التخصيص بالعموم إيصال بيان اللفظ واتصال البيان باللفظ لا يجعله مجازا ولا يخرجه من أن يكون حجة كالمجمل إذا اتصل به البيان وإنما قلنا أن التخصيص بيان لأنه يبين أن اللفظ لم يتناول المخصوص ولا شمله وهذا باق بلا إشكال والاعتماد على الدليل الأول.\nأما الجواب قلنا قولهم العام المخصوص لفظ مستعمل فى غير ما وضع له.\nقلنا لا كذلك بل هو مستعمل فيما وضع له فيما سبق وهذا لأن لفظ العموم للاستيعاب إذا لم يقترن به دليل يوجب تخصيصه فأما عند وجود قرينة مخصصة توجب تخصيصه فلا بل اللفظ عند وجود القرينة موضوع لما وراء المخصوص.\nوقولهم أن هذا يؤدى إلى رفع المجاز من الكلام لا يصح لأنه إذا كان اللفظ مستعملا فى أصل ما وضع له اللفظ إلا أنه فى البعض دون البعض.\nفإذا قيل هو حقيقة فيه كيف يؤدى إلى رفع المجاز نعم لو قلنا أن لفظ الأسد عند اتصال القرينة وضع للشجاع حقيقة كان يؤدى إلى ارتفاع الكلام من الكلام لأنه.\n_________\n١ أخرجه مالك في الموطأ النكاح ٢/٥٣٨ ح ٣٤.","vol":"1","page":178},{"text":"مستعمل فى غير ما وضع له فى الأصل ويلزم على ما قالوه لفظ العشرة مع استثناء بعضها فإنه حقيقة فيما وراء المستثنى عند أصحاب أبى حنيفة وأن كان قد استعمل لفظ العشرة فى غير العشرة ومع ذلك لم يكن مجازا.\nقيل أن لفظ العشرة من غير قرينة موضوع لهذا العدد فأما مع قرينة الاستثناء موضوع لبعضها كذلك هاهنا والعدد الذى قالوه يقال عليه هلا قلتم فى القرينة المنفصلة مثل ما قلتم فى القرينة المتصلة وهو أن المتكلم ما أراد البعض باللفظ العام خاصة لكن أراد باللفظ والقرينة فلا يكون اللفظ العام مجازا مثل ما قلتم فى القرينة المتصلة وهذا جواب معتمد.\nوأما الذى قالوا: أن العموم ضد الخصوص فليس بشىء لأنه أن كان بينهما مضادة فهو فى المخصوص من اللفظ فأما فيما وراء المخصوص فلا يتصور مضاده وأما الذى تعلق به عيسى بن إبان فى منع التعلق بالعموم المخصوص فليس بشىء لأن قوله أن العموم المخصوص ليس له ظاهر يخص دعوى بل له ظاهر فيما وراء المخصوص على ما سبق.\nوأما كلامه الثانى فقد جمع بين التخصيص المجمل والتخصيص المفصل من غير علة وقد ذكرنا الفرق ونذكر بوجه أوضح مما سبق فنقول أن الله تعالى إذا قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ثم قال لا تقتلوا بعضهم أو قال لم أرد بعضهم ولم يبين ذلك البعض فمن أردنا قتله من المشركين يتناوله قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إذ هو مشرك ويتناوله قوله لا تقتلوا بعضهم لأنه بعض المشركين فلم يكن بأن يدخل تحت أحد الظاهرين بأولى بأن يدخل تحت الآخر فأما إذا عين البعض وقالوا: لا تقتلوا النساء ولا تقتلوا أهل العهد أمكننا استعمال ظاهر الآية من غير ظاهر يعارضه لأن من علمناه امرأة أو علمناه من أهل العهد أدخلناه تحت التخصيص ومن علمناه رجلا لا عهد له علمنا خروجه من التخصيص فإنه مراد بالآية وهذا لأن الأشياء المعلومة إذا خرج منها أشياء معلومة كنا عالمين بما عداها وإذا خرج منها أشياء مجهولة بقى الثانى مجهولا لأنه لا يدرى الذى خرج منها مما لم يخرج ألا ترى أن العشرة معلومة فإذا علمنا أنه قد خرج منها ثلاثة علمنا أنه قد بقى سبعة وإذا علمنا أنه خرج منها عدد لا نعلمه لم ندر ما بقى منها.\nوأما تعلقهم بالعلة المخصوصة فسنبين الفرق بين العلة المخصوصة والعموم.","vol":"1","page":179},{"text":"المخصوص فى مسألة تخصيص العلة.\nوإذا عرفنا أن العموم المخصوص لا يصير مجازا حجة فى الباقى فنقول قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ٥] عام مخصوص والاستدلال به جائز على ما سبق وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فإنه عام فى كل سارق سرق قليلا أو كثيرا من حرز أو من غير حرز فقيام الدلالة على اشتراط الحرز وقدر مخصوص لا يمنعنا من العلم بوجوب قطع من سرق نصابا من حرز بالآية وذهب بعض أصحاب أبى حنيفة إلى أنه لا يجوز التعلق بهذه الآية لأنه قد شرط فى القطع شرط لا ينبىء عنه لفظ الآية فلم يكن إيجاب القطع بمجرد قوله سارقا وهو الذى يتناوله لفظ الآية وفى قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يقتل الحربى لكونه مشركا وربما يقولون بعد قيام الدلالة على اشتراط الحرز ومقدار المسروق ولا يمكن أن يستدل بالآية على قطع من وجد فيه الشرطان إلا بعد أن يضم إلى الآية ما دل على اشتراط الشرطين فثبت أنه لا يجوز التعلق بظاهر الآية.\nوالجواب أن كلا الكلامين ليس بشىء.\nأما الأول فنقول أن كان اللفظ لا ينبىء عن النصاب والحرز فلفظ المشركين لا ينبىء عن عدم العهد ولا عن الذكورة أيضا لكن قيل أن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ عام فى أهل العهد وأهل الحرب فمنع قتل أهل العهد بتخصيص كذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ عام فى السارق من حرز وغير حرز وكذلك سارق النصاب وما دونه ومنع قطع السارق ما دون النصاب أو من غير حرز تخصيص وكلامه الثالث يدخل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لأنه لا يمكن قتل المشرك الذى هو غير المعاهد إلا بعد أن يضم دليل الشرطين.\nفإن قالوا: هناك قتلناه لأنه مشرك فحسب.\nقلنا وهاهنا أيضا إذا سرق نصابا من حرز نقطعه لأنه سارق فحسب وهذا لأنه يحتاج إلى إثبات الشرطين بدليلهما حتى لا يقطع بعض السراق لا لتقطع من يجب قطعه مثل أنه قتل المشركين.\nإنما احتجنا إلى إثبات الشرطين حتى لا نقتل بعض المشركين لا لنقتل من يجب قتله إلا أن البيان لذلك قد يرد بلفظ النفي بأن يقول: لا تقطعوا من سرق من غير حرز وقد يرد بلفظ الإثبات بأن يقول: الحرز والنصاب شرط فى القطع وكلا القولين قضيته.","vol":"1","page":180},{"text":"نفى القطع عن السارق من غير حرز ولا نصاب فأما إثبات القطع عند وجود الحرز والنصاب معلوم يتناول الآية إياه وقد جهد المخالفون أن يفصلوا بين الاثنين بوجه ما ولا يمكنهم ذلك فاعلمه فإنك تجده كذلك والله الموفق للصواب.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>فصل: أقل ما يتناوله تخصيص لفظ العموم</span>\n...\nفصل.\nذهب أبو بكر القفال إلى أن تخصيص لفظ العموم يجوز إلى الثلاثة ولا يجوز تخصيص اللفظ فيما دون الثلاثة إلا بما يجوز به النسخ.\nوذهب سائر أصحابنا إلى أنه يجوز تخصيص اللفظ العام إلى أن يبقى واحد.\nوذهب القفال إلى أن لفظ العموم دليل على الجمع بلفظه وأقل الجمع ثلاثة فلا يجوز تخصيصه فيما دونه لأنه يخرج عن كونه لفظا للجمع فينزل منزلة النسخ١.\n_________\n١ اعلم أن في هذه المسألة أربع أقوال:\nالأول: وهو المختار للبيضاوي وأبي الحسين البصري وكثير من الفقهاء أنه يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى من العام مقدار كثير غير محصور لا فرق بين أن يكون العام جمعا كالرجال أو غير جمع كمن وما - ولا يجوز استعمال العام في الواحد إلا إذا قصد به التعظيم كقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾\nالقول الثاني: يجوز أن يكون الباقي أقل المراتب التي يطلق عليها اللفظ الذي دخله التخصيص فإن يكون غير جمع كالمفرد المحلى بالألف واللام ومن ما صح أن يكون الباقي واحدا لأنه أقل مراتب الفرد وإن كان الباقي أقل مراتب الجمع وقد سبق الخلاف فيها وهذا هوالمختار للقفال الشاشي من الشافعية.\nالقول الثالث: يجوز أن يكون الباقي بعد التخصيص واحد مطلقا سواء كان اللفظ الذي دخله التخصيص جمعا أو غير جمع وهذا القول هو المعروف عن الحنفية.\nالقول الرابع: وهو لابن الحاجب ولم يعرف عن غيره التفصيل الآتي:\nأولا: في التخصيص بالمتصل: إن كان التخصيص بالمتصل:\nإن كان التخصيص بالاستثناء أو بالبدل جاز أن يكون الباقي بعد الإخراج واحدا نحو علي عشرة إلا تسعة وأكرم الناس العالم.\nوإن كان التخصيص بالصفة أو بالشرط جاز أن يكون الباقي اثنين - نحو أكرم الناس العلماء - أو إن كانوا علماء - وقصد من الناس محمدا وخالدا.\nوثانيا: في التخصيص بالمنفصل.\nإن كان العام محصورا وكان قليلا جاز التخصيص إلى أن يبقى اثنان نحو: قتلت كل زنديق ولم يقتل إلا اثنين من أربعة.........=","vol":"1","page":181},{"text":"وحرفه أن لفظ المشركين لا يحصل للواحد بحال ولا يجوز رد اللفظ إلى ما لا يصلح له وكذا أن المنع من ذلك أما أن يكون لأن الخطاب بهذا التخصيص يصير مجازا أو لأنه إذا استعمل فى الواحد لم يكن مستعملا فى الجمع واللفظ للجمع فيكون قد استعمل الخطاب فى غير موضوعه ولا يجوز أن نمنع الأول لأنه لو كان كذلك لم يجر التخصيص بكل حال لأنه أن صار مجازا بالتخصيص إلى أن يبقى واحدا يصير مجازا بالتخصيص أيضا وأن بقيت ثلاثة ولا يجوز أن يمنع بالثانى لأن اللفظ العام موضوع للاستغراق لا غير وأما الجمع تبع له فإن لم يجز استعماله فى غير الجمع وجب أن لا يجوز استعماله فى غير الاستغراق بل لا يكون المنع هاهنا لأنا بينا أن اللفظ للاستغراق والجمع تبع له وهذه حجة فى نهاية الجودة وقد ظهر فيها الجواب عما قالوه.\nوقد قال الأصحاب أن التخصيص من العام كالاستثناء من المستثنى منه والقرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة لأن كلام الشرع وأن تفرق فى المورد وجب ضم بعضه إلى بعض وبناء بعضه على بعض ثم صح الاستثناء ما بقى من اللفظ شىء فكذلك التخصيص.\nوتحريره أن ما جاز تخصيص العام به إلى الثلاث جاز إلى ما دونه كالاستثناء ولأنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه فيما دون الثلاث كمن وما فإن من عام فيمن يعقل وما فيما لا يعقل ثم جاز أن يلحقها الخصوص إلى أن يبقى الواحد كذلك هاهنا وقد سلم القفال ولم يسلمه من وافقه من المتكلمين وهذا وأن قيل ولكن الاعتماد على الأول وأما النسخ فهو رفع الحكم أصلا وأما التخصيص فليس رفع الحكم لكنه نوع بيان اتصل بالآية على ما سبق تقديره ولأن النسخ بمنزلة استثناء العشرة من العشرة والتخصيص بمنزلة استثناء البعض.\n_________\n= وإن كان غير محصور نحو: قتلت كل من في المدينة أو كان محصورا كثيرا نحو: أكلت الرمان جاز التخصيص إلى أن يبقى من العام عدد قرب مدلوله قبل التخصيص ويعرف ذلك بكون الذي خرج عددا قليلا أو بدليل آخر انظر إحاكم الأحكام ٢/٤١٢ نهاية السول ١/٣٨٦ المحصول ١/٣٩٩ روضة الناظر ٢١٠ المعتمد ١/٢٣٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٥٢.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>فصل: فيما يخص به لفظ العموم</span>\n...\nفصل والكلام يقع الآن فيما يخص به العموم فنقول.\nالذى يخص به العموم شيئان عقل وشرع.\nفأما تخصيصه بالعقل فى قول جمهور العلماء والمتكلمين وقالوا: هو مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فدليل العقل قد خص هذه الآية لأنه تعالى غير خالق لذاته ولا لصفات ذاته وكذلك قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] فعلم بالمعقول أنه لم يؤت من جميع الأشياء وكذلك فى الآية الثانية.\nومنع قوم من تخصيص العموم بالعقل لأن دليل العقل متقدم على وجود السمع فأجازوا أن يتقدم دليل التخصيص على العموم المخصوص١ وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه لما جاز التخصيص بما لا يوجب العلم من أخبار الآحاد فلأن يجوز بما يوجب العلم من دلائل العقل أولى.\nوالثانى أنه يستحيل اعتقاد الاستغراق فى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وكذلك فى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] وإذا استحال العموم ثبت الخصوص وأن تقدم العقل على بعض السمع فلا شك أنه إذا خص بما قارنه من دليل العقل لا بما يتقدمه ويقال لمن منع منه أتحمل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] على الاستيعاب فى كل ما يتناوله اسم الشىء.\nفإن قالوا: هذا فهو جهل بالله تعالى وكذلك فى الآية هو جهل منه بالاستثناء وأن قالوا: هو مخصوص فقد قيل ما قلناه.\nوأما تخصيص العموم بالشرع فضربان.\nأحدهما يتصل به.\nوالثانى ينفصل عنه.\nوأما المتصل به فسنفرد له بابا.\nوأما تخصيصه بالمنفصل منه٢ فنقول هو على أربعة أضرب.\n_________\n١ انظر البرهان ١/٤٠٨ ونهاية السول ٢/٤٥١ المستصفى ٢/٩٨ إحكام الأحكام ٢/٤٥٩ روضة الناظر ٢١٤ انظر المحصول ١/٤٢٧ المعتمد ١/٢٥٢.\n٢ المخصص المنفصل: هو ما استقل عن الكلام الذي دخله التخصيص بحيث لا يحتاج إليه في النطق انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٠.","vol":"1","page":183},{"text":"أحدها: تخصيصه بالكتاب.\nوالثانى: بالسنة.\nوالثالث: بالإجماع.\nوالرابع: بالقياس.\nفأما تخصيصه بالكتاب.\nفلا يخلو حال العموم من أن يكون ثابتا بالكتاب أو السنة فإن كان بالكتاب فتخصيصه جائز بالكتاب مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] خص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] خص بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق ٤ ومثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خص بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ١ [الأحزاب: ٤٩] .\nوإن كان العموم ثابتا بالسنة فيجوز أن يخص بالكتاب لأنه لما جاز أن يخص الكتاب بالكتاب فأولى أن يخص السنة بالكتاب٢ وأما النسخ فيستبين فى باب النسخ ونذكر الفرق بين النسخ والتخصيص واعلم أنه كما يجوز التخصيص ببعض الكتاب يجوز التخصيص بفحوى الكلام ودليل الخطاب من الكتاب أما فحوى النص٣ فهو جار مجرى النص وأما دليل الخطاب فيجوز تخصيص العموم به على الظاهر من مذهب الشافعى٤ لأنه مستفاد من النص فصار بمنزلة النص ومثاله من الكتاب قوله تعالى.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٤٥٧ إحكام الأحكام ٢/٤٦٥ المحصول ١/٤٢٨ المعتمد ١/٢٥٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠١.\n٢ انظر إحكام الأحكام ٢/٤٧٠ روضة الناظر ٢١٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٥.\n٣ أي مفهوم الموافقة وهو لا خلاف فيه بين علماء الأصول في تخصيص للعام لأنهم متفقون على حجيته وعند تعارضه مع العام يخصص به العام انظر نهاية السول ٢/٤٦٧ المستصفى ٢/١٠٥ انظر إحاكم الأحكام ٢/٤٧٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١٦.\n٤ أي مفهوم المخالفة والحنفية لا يرونه حجة ولذلك لا يخصصون به العام انظر نهاية السول ٢/٤٦٨ إحكام الأحكام ٢/٦٨ المستصفى ٢/١٠٥ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١٦.","vol":"1","page":184},{"text":"﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فكان عاما فى كل مطلقة ثم قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فكان دليله أن لا متعة للمدخول بها فيخص بها فى أظهر قوليه عموم المطلقات وامتنع من التخصيص فى القول الآخر وأما تخصيص عموم الكتاب والسنة بالسنة.\nفإن كانت السنة متواترة فيجوز تخصيص العموم بها سواء كان العموم فى الكتاب أو فى السنة وسواء كان العموم المخصوص فى السنة ووروده بالتواتر أو بالآحاد لأن السنة المتواترة كالكتاب فى إفادتها العلم فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز بالسنة المتواترة١.\nوأما تخصيص الكتاب بالسنة أو السنة المتواترة بالآحاد.\nفأخبار الآحاد ضربان.\nأحدهما: ما اجتمعت الأمة على العمل به كقوله ﵇: \"لا ميراث لقاتل\" ٢ \"ولا وصية لوارث\" ٣ وكنهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وابنة أخيها فيجوز تخصيص العموم به ويجوز ذلك ويصير كتخصيص هذا للعموم بالسنة المتواترة لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواترة لانعقاد الإجماع على حكمتها وأن لم ينعقد الإجماع على روايتها.\nوأما الضرب الثانى: من الآحاد وهو مما لم تجمع الأمة على العمل به فهو المسألة التى اختلف العلماء فيها.\nمسألة يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد عندنا وعند الكثير من المتكلمين.\nوقال بعض المتكلمين من المعتزلة لا يجوز وهو قول شرذمة من الفقهاء.\nوقال عيسى بن أبان أن كان قد خص العموم يجوز تخصيصه وأن كان لم يخص.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٤٥٦ انظر إحكام الأحكام ٢/٤٧٢ المحصول ١/٤٢٩.\n٢ أخرجه الترمذي الفرائض ٤/٤٢٥ ح ٢١٠٩ وابن ماجه الديات ٢/٨٨٣ ح ٢٦٤٥ والدارقطني سننه ٤/٩٦ ح ٨٦ والبيهقي في الكبرى ٦/٣٦١ ح ١٢٢٤٣.\n٣ أخرجه أبو داود الوصايا ٣/١١٣ ح ٢٨٧ والترمذي الوصايا ٤/٤٣٣ ح ٢١٢٠ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه الوصايا ٢/٩٠٥ ح ٢٧١٣ ونصب الراية ٤/٤٠٣.","vol":"1","page":185},{"text":"لا يجوز١ وتعلق من قال بذلك بأن الكتاب موجب العلم والعمل فلا يجوز أن يخص بما يوجب العمل دون العلم ولأنه إسقاط بعض ما تضمنه الكتاب فلا يجوز بخبر الواحد دليله النسخ.\nوأما عيسى بن أبان فقال إذا خص العموم يصير مجازا على ما سبق من قوله وخرج أن يكون له ظاهر فى قضيته فصار تخصيصه بمنزلة بيان المجمل.\nوأما إذا لم يخص منه شىء فهو باق على حقيقته وهو مفيد للعلم ما يقتضيه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لأنه نوع ترك فيكون ما يفيد العلم بما يفيد الظن.\nوأما دليلنا فلأن خبر الواحد دليل موجب للعمل فما دل على وجوب العمل فهو الدليل على جواز التخصيص به وهذا لأن العمل بالدليلين واجب ولا يجوز ترك دليل إذا أمكن العمل به وإذا قلنا بالتخصيص الذى ذكرناه عملنا بالدليلين وإذا قلنا لا يجوز التخصيص تركنا دليل السنة.\nوبيان الترك أنها دلت على شىء مخصوص وقد تركوه حيث لم يخصوا بها العموم وأما إذا خصصنا العموم فلم نترك دليله لأنه بدليله باق فيما وراء المخصوص.\nفإن قالوا: تركتم القول بالاستيعاب فى العموم.\nقلنا قد بينا أن اعتقاد العموم لا يجوز بنفس الورود ما لم يعرض العموم على الأصول الثابتة بالكتاب والسنة ثم إذا عرضنا ولم نجد دليلا مخصصا حينئذ نعتقد عمومه فإذا وجد فى الأصول ما يخصه لم يكن هذا ترك القول بما يقتضيه العموم من الاستيعاب بل هو فى الحقيقة بيان اتصل بالكتاب فظهر أنه ورد مقتضيا حكمه فيما وراء المخصوص ويمكن أن يستدل فى المسألة بإجماع الصحابة على تخصيص قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فإن عمومه يقتضى إباحتها قبل الدخول وبعد فخصوه بقوله ﵇: \" لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\" ٢ وكذلك خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٤٥٩ إحكام الأحكام ٢/٤٧٢ المحصول ٤٣٢ المستصفى ٢/١١٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٦.\n٢ أخرجه البخاري اللباس ١٠/٢٧٦ ح ٥٧٩٢ ومسلم النكاح ٢/١٠٥٥ ح ١١١/١٤٣٣ وأبو داود الطلاق ٢/٣٠٣ ح ٢٣٠٩ والنسائي الطلاق ٦/١١٨ باب الطلاق للتي تنكح زوجا ثم لا يدخل بها وابن ماجه النكاح ١/٦٢١ ح ١٩٣٢.","vol":"1","page":186},{"text":"﵇: \"لا يتوارث أهل ملتين شتى\" ١ الخبر وكذلك قوله ﵇: \"إنا معاشر الأنبياء لا نورث\" ٢ وخصوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] بنهيه ﵇ عن قتل النساء.\nوأما دليلهم فنقول استغراق العموم يقتضيه غالب الظن دون اليقين فجاز أن يعارضه من أخبار الآحاد ما يوجب غالب الظن دون اليقين وعلى أن خبر الواحد معلوم الأصل باليقين وهو إجماع الصحابة ﵃ فإنهم أجمعوا على قبوله والعمل به على ما سنبين من بعد فأجرى عليه حكم أصله كما أن جهة القبلة معلومة وأن كان الاجتهاد عند إشكالها مظنونا فأجرى عليه حكم أصلها وأجزأت الصلاة كذلك هاهنا وأما النسخ فهو يقع الحكم بعد ثبوته فلا يجوز بدليل مظنون إذا كان ثبوت المرفوع بدليل مقطوع به وأما التخصيص فليس برفع للحكم إنما هو فى الحقيقة ما بيناه من اتصال بيان بالعموم فصار بمنزلة اتصال بيان بمجمل الكتاب فيجوز بخبر الواحد.\nوأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد قاله من أصل اعتقده لا يوافقه عليه فذكرنا بطلانه وضعف الدليل الذى استدل به والله أعلم.\n_________\n١ أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني وابن السكن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورواه ابن حبان من حديث ابن عمر ومن حديث جابر رواه الترمذي واشتغربه وفيه ابن ليلى وانظر تلخيص الحبير ٩٧١٣.\n٢ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٨ ح ٦٧٣٠ ومسلم الجهاد ٣/١٣٧٩ ح ٥١/١٧٥٨ بلفظ \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\" وأبو داود الإمارة ٣/١٤٢ ح ٢٩٦٨ والترمذي السير ٤/١٥٨ ح ١٦١٠ والنسائي الفئ ٧/١١٧ كتاب قسم الفئ ومالك في الموطأ الكلام ٢/٩٩٣ ح ٢٧ وأحمد المسند ٦/١٦٣ ح ٢٥١٧٨.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>فصل: تخصيص السنة بالسنة</span>\n...\nفصل وأما تخصيص السنة بالسنة فجائز.\nوعن داود أنه لا يجوز٣ لأن الله تعالى جعل رسوله ﷺ مبينا فلا تحتاج سنته إلى بيان وهذا ليس بشىء لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز تخصيص السنة بالسنة.\n_________\n٣ انظر إحاكم الأحكام ٢/٤٦٩ المحصول ١/٤٦٩ نهاية السول ١/٤٢٩ نهاية السول ٢/٤٥٧ المعتمد ٢/٢٥٥ وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/٣٠٥.","vol":"1","page":187},{"text":"وقوله أن السنة بيان.\nقلنا والكتاب تبيان قال الله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب وأن كان تبيانا كذلك يجوز تخصيص السنة بالسنة موجود كما وجد تخصيص الكتاب بالكتاب فوجب القول به فى الموضعين.\nوبيان وجود تخصيص السنة بالسنة قوله ﵇: \"لا تنتفعوا من الميتة بشىء\" ١ قد خص بما روى أنه ﵇ قال فى شاة ميمونة: \"هلا أخذتم إهابها فدبغتموه\" ٢ وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة بأفعال رسول الله ﷺ وتخصيصه بها.\nومنع أبو الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أن يخص عموم القول بالفعل ولهذا لم يخص نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول باستقبال رسول الله ﷺ بالمدينة بيت المقدس واستدباره الكعبة وقد خصت الصحابة قوله ﵇ فى الجمع بين الجلد والرجم بفعله فى رجم ماعز والغامدية من غير جلد هكذا ذكره الأصحاب.\nوعندى أن هذا بالنسخ أشبه وأيضا فإن النبي ﷺ نهى عن الوصال ثم خص عموم نهيه بفعله فى حقه دون غيره.\nوأما تخصيص العموم بالإجماع.\nفهو جائز لأن الإجماع حجة قاطعة٣ وقد خص بالإجماع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] بأن العبد لا يرث وإذا جاز أن يخص الإجماع الكتاب جاز أن يخص به عموم السنة أيضا.\nوأما تخصيص العموم به على ما قدمناه.\nوأما إذا ظهر القول فى الحادثة من أحدهم ولم يظهر من أحد منهم خلافة ولا وفاق معه فإن حصل إجماعا لانتشاره جاز تخصيص العموم به.\n_________\n١ أخرجه البيهقي في الكبرى ١/٤٠ ح ٩٤ انظر نصب الراية ١/١٢٠.\n٢ أخرجه مسلم الحيض ١/٢٧٦ ح ١٠٠/٣٦٣ وأبو داود اللباس ٤/٦٤ ح ٤١٢٠ والترمذي اللباس ٤/٢٢٠ ح ١٧٢٧.\n٣ انظر المحصول ١/٤٣٠ المستصفى ٢/١١٢، ١١٣ نهاية السول ٢/٤٥٦ البرهان ١/٤٤٢ وإحكام الأحكام ٢/٤٧٧ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٠٤، ٣٠٥.","vol":"1","page":188},{"text":"وإن لم يحصل إجماعا لعدم انتشاره فقد كان الشافعى ﵀ يجعله فى القديم حجة كالقياس وهو قول أبى حنيفة ومالك ثم رجع عنه فى الجديد وصح أن يكون حجة فعلى هذا القول لا يجوز تخصيص العموم به.\nوأما القول القديم فقد اختلف أصحابنا فى تخصيص العموم به فقال بعضهم يجوز لأنه حجة شرعية بمنزلة سائر الحجج وقال بعضهم لا يجوز لأن الصحابى محجوج بالعموم فلا يخص بقوله العموم وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم فى خبر النبي ﷺ قال ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها بخبره١ ومثل هذا يوجد كثيرا.\nوأما تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه.\nفإنه أجازه أبو حنيفة لأنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره مثل ما روى عن أبو هريرة أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات٢ وقد روى غسله سبعا عن النبي صلى الله عليه وسلم٣ وخص روايته بمذهبه ببينة أن الرواى لا يترك ما رواه عن النبي ﷺ إلا وقد عرف من النبي ﷺ تخصيص الكتاب أو نسخه وهذا فاسد عندنا لأن روايته حجة ومذهبه ليس بحجة فلا يجوز تخصيص ما هو حجة بما ليس بحجة٤ ولأنه محجوج بالخبر فلا يجوز تخصيصه بقوله كغيره.\nويبينه: أن مقتضى العموم معلوم وليس فى مقابلته إلا حسن الظن بالراوى ومعنى حسن الظن بالراوى أنه لولا أنه علم قصد الرسول ﷺ ومراده من العموم لم يخالف وهذا وأن كان كذلك إلا أنه مظنون وكون العموم حجة فى جميع ما يسوغه العموم معلوم ولا يجوز ترك المعلوم بالمظنون وعلى أن خلافه لو كان يعلم مقصد الرسول ﷺ كان ينبغى أن يتبين ذلك لكى يزيل عن نفسه الإيهام بمخالفة الرسول ﷺ والكلام.\n_________\n١ أخرجه مسلم البيوع ٣/١١٧٩ ح ١٠٦/١٥٤٧ ولم يذكر أربعين سنة وأحمد المسند ٢/١٦ ح ٤٥٨٥.\n٢ عزاه الحافظ الزيلعي لابن عدي في الكامل انظر نصب الراية ١/١٣١.\n٣ أخرجه البخاري الوضوء ١/٣٣٠ ح ١٧٢ ومسلم الطهارة ١/٢٣٤ ح ٨٩/٢٧٩ وأبو داود الطهارة ١/١٨ ح ٧١ والترمذي الطهارة ١/١٥١ ح ٩١ والنسائي الطهارة ١/٤٦ باب سؤر الكلب وابن ماجه الطهارة ١/١٣٠ ح ٣٦٣.\n٤ انظر المحصول ١/٤٤٩ وإحكام الأحكام ٢/٤٨٥ نهاية السول ٢/٤٧٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٢٤.","vol":"1","page":189},{"text":"الوجيز فى هذا أن علينا أن نعتقد العموم فى قول الرسول ﷺ ونجعله حجة على كل من يخالفه وليس علينا أن نتفحص عن قول من يخالفه أنه من أين قال بل يحتمل أنه عن قياس فاسد ورأى باطل وخلاف من ليس بمعصوم عن الخطأ لا يقابل قول من هو معصوم عن الخطأ وعلى هذا نقول قول ابن عباس أن المرتد لا يقتل أن ثبت عنه لا يخص به عموم قوله ﵇: \"من بدل دينه فاقتلوه\" ١ وأما تفسير الراوى لأحد محتملى الخبر يكون حجة فى تفسير الخبر كالذى رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى لأنه قد شاهد من خطاب الرسول ﷺ ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله والفرق بين تفسيره وتخصيصه بمذهبه أن تفسيره موافق للظاهر غير مخالف له فأخذ به وأما مذهبه مخالف فلا يخص به على ما سبق.\nوأما التخصيص بالقياس.\nفقد اختلف فيه مثبتوا القياس فذهبت شرذمة من الفقهاء وكثير من المعتزلة إلى أن تخصيص العموم بالقياس لا يجوز لأن ظاهر العموم أقوى من القياس فلم يجز أن يخص القياس والدليل على أنه أقوى أنه دليل علمى والقياس دليل ظنى ولا شك أن العلمى أقوى من الظنى ولأنه لما لم يجز النسخ بالقياس لا يجوز التخصيص به ولأن العموم نص والقياس يستعمل مع عدم النص.\nوقال عيسى بن أبان وهو الظاهر من مذهب أبى حنيفة أنه يجوز أن يخص بالقياس عموم دخله التخصيص ولا يجوز أن يخص به عموم لم يدخله التخصيص وذهب أبو بكر محمد بن أبى طالب الأشعرى وجماعة من متأخريهم إلى أن العموم والقياس إذا تقابلا وجب الوقف عن استعمال أحدهما لتكافئهما من حيث أن كل واحد منهما صار حجة فعليه يتوقف حتى يقوم دليل يوجب ترجيح أحدهما وأما الشافعى ومالك وأكثر الفقهاء ذهبوا إلى جواز تخصيص العموم بالقياس لأنه دليل شرعي منصوب لمدارك الأحكام فيخص به العموم كسائر الدلائل.\nببينة أن فى تخصيص العموم بالقياس استعمالا لدليلى العموم والقياس جميعا فكان أولى من استعمال أحدهما وإسقاط الآخر ولأن القياس يدل على الحكم من.\n_________\n١ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":190},{"text":"طريق المعنى والعموم يدل من طريق الاسم والمعانى والأسامى إذا التقتا كان القضاء للمعانى على الأسامى.\nوالجواب عما ذكروه أما قولهم أن العموم أقوى من القياس لا نسلمه وقولهم أنه يفيد العلم قلنا إنما يفيد العلم بأصل وروده فأما فى محتملاته فلا نسلم ذلك بل هو مجرد ظاهر فى الاستيعاب ويحتمل خلافه وعلى أنه لا يمتنع أن يخص الأقوى بالأضعف كما يخص الكتاب بالسنة وأما تعلقهم بالنسخ فنقول النسخ رفع حكم ثابت فامتنع بالقياس لضعفه وأما التخصيص فمعرفة ما لم يرد بالعموم والقياس يجوز أن يدل على ذلك تبيين الفرق أن عموم الكتاب يجوز تخصيصه بخبر الواحد على ما قدمناه فلا يجوز نسخه به وأما قولهم أن العموم نص قلنا صيغة العموم إنما يدخل فى النص إذا لم يخصها القياس فإن خصها لم يدخل فيه.\nوأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد أجبنا من قبل وإذا ثبت جواز تخصيص العموم بالقياس فيجوز بالقياس الجلى فأما بالقياس الخفى فعلى وجهين قال بعض أصحابنا لا يجوز لقوة الجلى وضعف الخفى وقال بعضهم يجوز لأن الخفى ألحق بالجلى فى ثبوت الحكم فيلحق به فى تخصيص العموم١.\n_________\n١ اعلم أن الأسنوي قد نقل الانفاق على أن القياس القطعي يخصص به العام من الكتاب والسنة المتواترة وأما القياس الظني فهو محل الخلاف وقد اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال كثيرة أهمها ما ذكره البيضاوي وهوسبعة أقوال:\nالقول الأول: وهو المختار للبيضاوي ونقل عن الأئمة الأربعة أنه يجوز تخصيص العام من الكتاب والسنة المتواترة بالقياس.\nالقول الثاني: لا يجوز مطلقا - وهو المختار للإمام الرازي وأبي علي الجبائي من المعتزلة.\nالقول الثالث: إن خصص العام بمخصص قبل القياس جاز تخصيصه بالقياس وإن لم يخصص العام قبل ذلك لا يجوز تخصيصه بالقياس وهذا القول لعيسى بن أبان - غير أن الأسنوي قيد هذا القول بما قاله عيسى بن أبان في الخبر وهو أنه لا بد أن يكون مخصص العام قبل القياس قطعيا ولكن ظاهر كلام البيضاوي وصاحب جمع الجوامع أن هذا الشرط غير مطلوب في تخصيص العام بالقياس وقالوا في الفرق إن القياس أقوى من خبر الواحد فلا يشترط في الأقوى ما يشترط في الأضعف وقد استدل عيسى بن أبان بما استدل به في خبر الواحد.\nالقول الرابع: إن خصص بمتصل أو لم يخصص أصلا لم يجز في تخصيصه بالقياس وإن خصص بمنفصل جاز تخصيصه به - وهذا لأبي الحسن الكرخي.\nالقول الخامس: إن كان القياس جليا بأن قطع فيه نفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع كقياس........=","vol":"1","page":191},{"text":"وأما التخصيص بدليل الخطاب.\nفيجوز تخصيص العموم به.\nقال أبو العباس بن سريج لا يجوز وهو قول أكثر أهل العراق لأن عندهم أنه ليس بدليل والكلام معهم يجىء أن شاء الله.\nوعندنا هو دليل كالنطق فى أحد الوجهين وكالقياس فى الوجه الآخر وأيهما كان يجوز التخصيص به.\nوأما فحوى الخطاب.\nفيجوز التخصيص به وقد بيناه.\nثم اعلم أن من تخصيص العموم بالقياس قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ثم خصت الأمة بنصف الحد نصا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ثم خص العبد بنصف الحد قياسا على الأمة فصار بعض الآية مخصوصا بالكتاب وبعضها مخصوصا بالقياس ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ..﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثم خص منها بالإجماع تحريم الأكل من جزاء الصيد وخص عند الشافعى تحريم الأكل من هدى المتعة والقران قياسا على جزاء الصيد فصار بعض الآية مخصوصا بالإجماع وبعضها بالقياس على الإجماع.\nفهذا بيان ما قدمناه.\n_________\n= العبد على الأمه بجامع الرق ليثبت له تنصيف الحد في الزنا كما ثبت له ذلك لأن الفارق بينهما هي الذكورة والأنوثة وهي غير مؤثرة في الحكم - جاز تخصيص العام به وإن كان القياس خفيا. بأن لم يقطع فيه بنفي تأثير الفارق كقياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار ليثبت له التحريم كما ثبت في الخمر حيث لم يقطع بنفي تأثير الفارق لجواز أن يكون كونه خمرا هو المؤثر - لم يجز تخصيص العام به وهذا القول لا بن سريج من الشافعية.\nالقول السادس: لحجة الإسلام الغزالي: العام والقياس متعارضان في الفرد الذي دل عليه القياس فإن ترجح أحدهما على الآخر عمل بالراجح منهما وإن تساويا لم يعمل بواحد منهما فيه بل يتوقف عن العمل بواحد منهما فيه حتى يوجد المرجح.\nالقول السابع: الوقف وعدم الجزم بشيء حتى يوجد المرجح فيعمل به وهو لإمام الحرمين انظر المحصول ١/٤٣٦ وإحكام الأحكام ٢/٤٩١ ونهاية السول ٢/٤٦٣ المستصفى ٢/١٢٢ البرهان ١/٤٢٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١١.","vol":"1","page":192},{"text":"وأما التخصيص بالعادة والعرف١.\nفقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به٢ لأن الشرع لم يوضع على العادة وإنما وضع فى قول بعض أصحابنا على المصلحة وفى قولنا على ما أراد الله تعالى ولا معنى للرجوع إلى العادة فى شىء من ذلك والله أعلم.\nمسألة إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص وكان مستقلا بنفسه يجرى على عمومه ولا يستقل بنفسه.\nوليس المعنى بالسبب السبب الموجب للحكم مثل ما نقل أن ماعزا زنى فرجمه.\n_________\n١ العادة هي الأمر المتكرر وتعرف عند الحنفية بالعرف.\nوالعرف نوعان: قولي وعملي.\nالعرف القولي: هو ما ثبت باستعمال اللفظ في معنى خلاف المعنى الذي وضع له لغة مثل لفظ الدابة.\nالعرف العملي وهو ما ثبت بالعمل والعفل لا بالاستعمال اللفظي انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣١٧، ٣١٨.\n٢ اعلم أن المقصود بالعرف هنا هو العرف العملي حيث إن العرف القولي لا خلاف أنه يخصص به العام.\nوالعرف العملي قد اختلف فيه الحنفية والشافعية فذهب الحنفية إلى أنه كالعرف القولي يخصص به العام والجامع بينهما أن كلا منهما يتبادر من اللفظ عند الإطلاق - غاية الأمر أن منشأ التبادر في العرف القولي هو استعمال اللفظ وذلك يعتبر فرقا مؤثرا في الحكم.\nوأما الشافعية فقالوا: إن مجرد العرف العملي الذي لا يستند إلى قرار من الرسول ﵊ لا يكون مخصصا للعام الوارد على لسان الشرع لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع فإن استند إلى قرار منه ﵇ يكون المخصص هو الإقرار وسيأتي الكلام عليه.\nمثال ذلك أن ينهى الشارع عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا - ويتعارف الناس على طعام خاص فيما بينهم كالبر أو الذرة مثلا - فالطعام إذا أطلق في عرفهم يتبادر منه هذا النوع بخصوصه فهل يكون العام مخصصا بهذا العرف أو لا يكون مخصصا به في ذلك الخلاف.\nانظر نهاية السول ٢/٤٦٩ انظر المحصول ٤٥١ انظر البرهان ١/٤٤٥ إحكام الأحكام ٢/٤٨٦ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٤١٧، ٤١٨.","vol":"1","page":193},{"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم١ أو سها النبي ﷺ فسجد٢ وإنما المعنى بالسبب مثل ما روى أن النبي ﷺ سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" ٣ فاقتضى الجواب أن يكون الماء طهورا فى جميع وجوه الانتفاع وكذلك روى أن النبي ﷺ سئل عمن ابتاع عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فقال: \"الخراج بالضمان\" ٤ فكان قوله الخراج بالضمان عاما فى هذا الموضوع وفى غيره وكذلك الرخصة فى العرية إنما وقعت بسبب فقراء لم يكن لهم ما يشترون به الرطب فأجاب رسول الله ﷺ بالرخصة فى العرية فكان الجواب عاما فى الفقراء والأغنياء واعلم أن من أشرط إجرائه على عمومه هو أن يكون اللفظ المذكور يمكن أن يحمل على عمومه فيكون مفيدا من غير أن يعلق بذلك السبب فأما إذا لم يفد ما لم يصر عن السبب فإنه يكون مقصورا عليه وهذا كما روى أنه ﵇ قال فى جواب السائل حين سأله عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص إذا جف قالوا: نعم قال فلا إذا٥ [...] ٦لا يمكن أن يحمل على ظاهره بدون السبب لأنه لا يستقل بنفسه فى الإفادة [...] ٧ على سببه.\nوقال مالك يقصر على سبببه وهو اختيار المزنى والقفال وأبى بكر الدقاق وقد.\n_________\n١ مسلم الحدود ٣/١٣١٩ ح ١٧/١٥٩٢ وأبو داود الحدود ٤/١٤٤ ح ٤٤٢٢ وأحمد المسند ٣/٤٦٦ ح ١٥٠٩٨.\n٢ أخرجه البخاري السهو ٣/١١١ ح ١٢٢٤ ومسلم المساجد ١/٣٩٩ ح ٨٥/٥٧٠ وأبو داود الصلاة ١/٢٧٠ ح ١٠٣٤ والنسائي السهو ٣/١٧ باب ما يفعل من قام من اثنتين ناسيا ولم يتشهد؟\n٣ أخرجه أبو داود الطهارة ١/٢١ ح ٨٣ والترمذي الطهارة ١/١٠٠ ح ٦٩ وقال حسن صحيح والنسائي المياه ١/١٤٣ باب الوضوء بماء البحر وابن ماجه الطهارة ١/١٣٦ ح ٣٨٦ ومالك في الموطأ الطهارة ١/٢٢ ح ١٢ والدارمي الطهارة ١/٢٠١ ح ٧٢٨ وأحمد المسند ٢/٣١٨ ح ٧٢٥٢.\n٤ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٨٣ ح ٣٥١٠ والترمذي البيوع ٣/٥٧٢ ح ١٢٨٥ - ١٢٨٦ والنسائي البيوع ٧/٢٢٣ باب الخراج بالضمان وابن ماجه التجارات ٢/٧٥٤ ح ٢٢٤٣ وأحمد المسند ٦/٢٣٣ ح ٢٥٨٠٠.\n٥ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٤٨ ح ٣٣٥٩ والترمذي البيوع ٣/٥١٩ ح ١٢٢٥ وقال حديث حسن صحيح والنسائي البيوع ٧/٢٣٦ باب اشتراء التمر بالرطب وابن ماجه التجارات ٢/٧٦١ ح ٢٢٦٤ ومالك في الموطأ البيوع ٢/٦٢٤ ح ٢٢.\n٦ كشط بالأصل بمقدار كلمتين.\n٧ كشط بالأصل بمقدار كلمتين.","vol":"1","page":194},{"text":"أورد بعض أصحابنا أن الشافعى أشار إلى هذا فى الخبر المروى فى بئر بضاعة وقال قوله ﷺ: \"الماء طهور لا ينجسه شىء\" ١ مقصور على سبببه وقال فى قوله: \"لا قطع فى ثمر وكثر\" ٢ أنه خرج على عادة أهل المدينة فى ثمارهم وأنها لم تكن فى مواضع محفوظة وسائر الأصحاب قالوا: إنما قال الشافعى هذه الأدلة دلت عليها فأما إذا لم يكن هناك دليل يدل على التخصيص فمذهبه إجراء اللفظ على عمومه.\nواحتج من قال بذلك بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال هو المعتضى للجواب والمميز له وبدليل أن الجواب إذا كان مبهما أحيل به فى بيانه على السؤال وإذا ثبت أنها كالجملة الواحدة فيجب أن يصير السؤال مقدرا فى الجواب فيخصص الحكم به.\nببينة: أن السبب لما كان هو الذى أثار الحكم تعلق به تعلق المعلول بالعلة.\nقالوا: ولأن من حق الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وإنما يكون مطابقا بالمساواة وإذا أجرينا اللفظ على عمومه لم يكن مطابقا.\nيدل عليه أن الخطاب جواب وليس بابتداء كلام وإذا جرينا على ما قلتم كان ابتداء الكلام ولم يكن جوابا ألا ترى أن من قال لغيره تغد معى فقال والله لا أتغدى يكون اليمين مقصورا على التغدى معه حتى لو تغدى لا معه لم يحنث وإنما كان كذلك لما بيناه قالوا: ولأن الراوى لما نقل السبب مع لفظ الجواب فلا بد له من فائدة وليس فائدة النقل إلا اقتصار الخطاب عليه فهذه كلماتهم فى المسألة.\nوأما حجتنا نقول أولا كل لفظ وجب إجراؤه على العموم عند تعريه عن سؤال خاص وجب إجراؤه على العموم وأن خرج على سؤال خاص كما لو قالت امرأة لزوجها طلقنى فقال نساؤه طوالق أو كل امرأة له طالق وهذا لأن الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل فاعتبر عموم لفظ الشارع وخصوصه وهذا كلام.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الطهارة ١/١٧ ح ٦٦ والترمذي الطهارة ١/٩٥ ح ٦٦ وقال حديث حسن والنسائي المياه ١/١٤١ باب ذكر بئر بضاعة وأحمد المسند ٣/٣٨ ح ١١٢٦٣.\n٢ أخرجه أبو داود في الحدود ٤/١٣٤ - ١٣٥ الحديث ٤٣٨٨ والترمذي في الحدود ٤/٥٢ - ٥٣ الحديث ١٤٤٩ والنسائي ٨/٨٦ وابن ماجه ٢٥٩٣ والدارمي ٢/١٧٤ والإمام أحمد في مسنده ٣/٤٦٣.","vol":"1","page":195},{"text":"لا بأس به إلا أن التعلق بمسألة الطلاق ضعيف لأن الكلام فى عمومه يقبل التخصيص فى الطلاق لو قال نساؤه طوالق وكل امرأة له طالق وقال عنيت بعض نسائى لم يصدق بخلاف خطاب الشارع لو قام الدليل أنه عنى البعض يكون محمولا عليه على الخصوص وصح ذلك والحجة المعتمدة أن الكلام فى جواب له صيغة صالحة للسبب وغيره حتى يوجد الاستيعاب وقد قام الدليل لنا على أن صيغة العموم لاستيعاب كل ما يصلح له فنقول اللفظ العام الصادر عن الشارع أو عن حكم يجب إجراؤه على عمومه إلا أن يمنع مانع ولا مانع من إجرائه على عمومه فيجرى وهذا لأنه ليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب نعم من شرطه أن لا يقصر عن السبب أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب فلا ببينة أنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال لا من حيث العادة ولا من حيث الشريعة ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى ﵇ عما فى يمينه فقال ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ طه ١٧ فأجاب موسى ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ طه ١٨ فأجاب وزاد فثبت أن السؤال عن شىء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه.\nيدل عليه أن تخصيص العموم يكون بالمنافى ولا منافاة بين السبب والخطاب فى شىء ما ولم يجريه التخصيص وهذه كلمات معتمدة فليكن التعويل عليها لا على الأول.\nوأما الجواب عن كلماتهم قولهم أن السؤال والجواب كالشىء الواحد.\nقلنا أن كان كذلك فهو فى قدر ما يكون جوابا عن السؤال وأما فيما يزيد عليه فلا ثم يدخل عليه مسألة الطلاق ولو جعل الجميع كالشىء الواحد لم يقع إلا على هذه المرأة على الخصوص.\nوأما قولهم أن السبب مشير للحكم فصار كالمعلول مع العلة.\nقلنا ليس الكلام فى مثل هذا السبب وقد بينا هذا فى أول المسألة حتى لو كان السبب المنقول هو المؤثر كان الحكم متعلقا به.\nوأما قولهم أن من حق السؤال أن يكون مطابقا للجواب.\nقلنا أن أردتم بالمطابقة مساواة الجواب للسؤال فغير مسلم أنه من شرط الجواب وقد بيناه وإن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب لجميع السؤال فذلك يحصل بالمساواة من.","vol":"1","page":196},{"text":"غير مجاورة وبالمساواة مع المجاورة كما فى سؤال موسى ﵇ عن عصاه وسؤال النبي ﷺ عن التوضؤ بماء البحر.\nوأما قولهم أن هذا الخطاب جواب وليس بابتداء كلام.\nقلنا بل هو جواب وابتداء كلام على معنى جواب عما سئل عنه وبيان أيضا لحكم ما لم يسأل عنه وهو صحيح غير ممتنع لم بينا أن السؤال يقتضى جواب ما سئل عنه.\nفأما أن يمنع الزيادة عليه فلا وقد ذكرنا وجه صحة هذا مثالا ومعنى وأما إذا قال تغد معى فقال والله لا أتغدى قلنا لا نعرف أن المسألة على مذهب الشافعى فعلى ما قالوه وعلى أن الأيمان محمولة على العادة فى الفتاوى لا على حقائق الألفاظ.\nوأما قولهم أن الراوى نقل السبب ولا بد له من فائدة.\nقلنا فائدته أن لا يجوز تخصيص ما وقع السؤال عنه من العموم.\nوقد قال بعضهم فى أصوله أن مذهب أبى حنيفة أنه يجوز وهذا لا يعرف من مذهبه١.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٤٧٦ المحصول ١/٤٤٨ وإحكام الأحكام ٢/٤٨٨ روضة الناظر ٢٠٥ القواعد لابن اللحام ٣٦٣ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/٣٢١.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>فصل: تعارض اللفظان من صاحب الشرع</span>\n...\nفصل: إذا تعارض اللفظان من صاحب الشرع فلا يخلو أما أن يكونا خاصين أو عامين أو أحدهما خاصا والآخر عاما أو يكون كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه.\nفأما إذا كانا خاصين مثل أن يقول: اقتلوا المرتدة ولا تقتلوا المرتدة أو صلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس ولا تصلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس فهذا لا يجوز أن يرد إلا فى وقتين فيكون أحدهما ناسخا للآخر فإن عرف التاريخ يكون الثانى ناسخا للأول وأن لم يعرف التاريخ وجب التوقف٢ وأن كانا عامين مثل أن يقول: من بدل دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فإن لم يمكن استعمالها وجب التوقف كالقسم الذى.\n_________\n٢ لاحتمال أن يكون كل منهما منسوخا من غير ترجيح انظر المحصول ٢/٤٥١ نهاية السول ٤/٤٤٩ المستصفى ٢/١٤٠ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٤/٢٠٣.","vol":"1","page":197},{"text":"قدمنا وإن أمكن استعمالهما فى حالتين استعملا١ ومثال هذا ما قال ﷺ فى خبر الشهود: \"من شهد قبل أن يستشهد\" ٢ وقال: \"شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد\" ٣ وقالوا: الأول محمول على ما إذا شهد ولم يعلم صاحب الحق أن له شاهدا فإن الأول أن شهد وأن لم يستشهد ليصل المشهود له إلى حقه والثانى محمول على ما إذا علم له الحق بشهادة فلا يجوز للشاهد أن يبدأ بالشهادة قبل أن يستشهد.\nوأما إذا كان أحدهما خاصا والآخر عاما مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] مع قوله ﷺ: \"حلت لكم ميتتان ودمان\" ٤ ومع قوله ﷺ: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" ٥ ومثل قوله ﷺ: \"فيما سقت السماء العشر\" ٦ مع قوله ﷺ: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" ٧ قالوا: يجب فى هذا وأمثاله أن يقضى بالخاص على العام ولا فرق عندنا بين أن يتآخر العام ويتقدم الخاص ويتآخر الخاص ويتقدم العام أو يرد ولا نعرف التاريخ بينهما٨.\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٤٥١ نهاية السول ٤/٤٥٥، ٤٥١ المستصفى ٢/١٥١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٤/٢٠٢.\n٢ أخرجه مسلم الأقضية ٣/١٣٤٤ ح ١٩/١٧١٩ وأبو داود الأقضية ٣/٣٠٣ ح ٣٥٩٦ والترمذي الشهادات ٤/٥٤٤ ح ٢٢٩٥ وابن ماجه الأحكام ٢/٧٩٢ ح ٢٣٦٤.\n٣ النهي عن الشهادة قبل الاستشهاد أي طلبها أخرجه مسلم والبيهقي في الكبرى ١٠/٢٦٩ الحديث ٥٩٩ ٢٠٢٦٠٠.\n٤ أخرجه ابن ماجه الأطعمة ٢/١١٠١ ح ٣٣١٤ وأحمد المسند ٢/١٣٣ ح ٥٧٢٥ انظر نصب الراية ٤/٢٠١ - ٢٠٢.\n٥ أخرجه مسلم الحيض ٧/٢٧٧ ح ١٠٥/٣٦٦ وأبو داود اللباس ٤/٦٥ ح ٤١٢٣ والنسائي الفرع ٧/١٥١ باب جلود الميتة ومالك في الموطأ الصيد ٢/٤٩٨ ح ١٧ والدارمي الأضاحي ٢/١١٧ ح ١٩٨٥ وأحمد المسند ١/٢٨٨ ح ١٩٠٠.\n٦ أخرجه البخاري الزكاة ٣/٤٠٧ ح ١٤٨٣ ومسلم الزكاة ٣/٦٧٥ ح ٧/٩٨١ ولفظ الحديث عند البخاري وأبو داود الزكاة ٢/١١١ ح ١٥٩٦ والترمذي الزكاة ٣/٢٣ ح ٦٤٠.\n٧ أخرجه البخاري الزكاة ٣/٣١٨ ح ١٤٠٥ ومسلم الزكاة ٢/٦٧٣ ح ١/٩٧٩ وأبو داود الزكاة ٢/٩٦ ح ١٥٥٨ والترمذي الزكاة ٣/١٣ ح ٦٢٦ والنسائي الزكاة ٥/١٢ باب زكاة الإبل.\n٨ انظر نهاية السول ٤/٤٦٣.","vol":"1","page":198},{"text":"وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص والعام بكل وجه وهو قول القاضى أبى بكر الباقلانى.\nوقال كثير من المعتزلة إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فإنه ينسخ العام١ وإليه ذهب عامة أصحاب أبى حنيفة وقالوا: فيما إذا كان الخاص متأخرا والعام متقدما فإن كان ورد الخاص قبل أن يحضر وقت العمل بالعام فإنه يكون الخاص مقضيا به على العام وأن ورد الخاص بعدما حضر وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم فيما بعد دون ما قبل لأن البيان لا يتآخر عن وقت الحاجة هذا مذهب المعتزلة ويجوز أن يكون مذهب أصحاب أبى حنيفة على خلاف هذا ويذهبون إلى مثل ما ذهب إليه الشافعى ﵀.\nورأيت عن أبى الحسن الكرخى أن المتآخر ينسخ المتقدم وسواء فى ذلك كان المتآخر خاصا أو عاما.\nوقد ذكر عيسى بن أبان فى الخبرين إذا تعارضا وأن كان أحدهما عاما والآخر خاصا ولم يعرف تاريخ ما بينهما وجوها من الترجيح.\nمنها أن يكون أحدهما متفقا على استعماله كخبر العشر فإنهم قالوا: أن قوله فيما سقت السماء العشر متفق على استعماله وخبر الأوساق متفق على استعماله.\nومنها أن يعمل معظم الأمة بأحدهما ونعيب على ترك العمل به مثل الخبر فى ربا الفضل والخبر الآخر وهو قوله ﵇: \"لا ربا إلا فى النسيئة\"٢ فإن الصحابة عابوا على ابن عباس فى ترك العمل بخبر أبى سعيد وهو الخبر الذى روى فى تحريم ربا الفضل.\nومنها أن يكون الرواة لأحدهما أشهر.\nواعلم أنا إذا بينا أن الخاص يقضى به على العام بكل حال سقطت هذه الوجوه التى ذهب إليها فى الترجيح ويقال أن قوله فى خبر الأوساق أن الأمة لم يتفقوا على استعماله فليس ذلك أكثر من أنا تركنا العمل به وهذا لا يضعف الخبر وعلى.\n_________\n١ انظر المعتمد ٢/١٧٦.\n٢ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٤٥ ح ٢١٧٨، ٢١٧٩ ومسلم المساقاة ٣/١٢١٧ ح ١٠١/١٥٩٦ والنسائي البيوع ٧/٢٤٧ باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة وابن ماجه التجارات ٢/٧٥٨ ح ٢٢٥٧.","vol":"1","page":199},{"text":"أن قوله ﵇: \"فيما سقت السماء العشر\" ١ متفق على استعماله فى الأوساق الخمسة فما زاد فأما فيما دون الأوساق الخمسة فلا واستعمال الأمة الخبر فيما وراء الأوسق الخمسة لا يوجب ترجيحا وأيضا يقال لهم لم قلتم أن استعمال الخبر من الأمة على الجملة يوجب ترجيحا للخبر وكلا الخبرين ورد مورد الصحة ولا عذر لأحد فى ترك العمل بواحد منهما لأن الدليل الذى دل على وجوب العمل بأحد الخبرين هو الدليل الذى دل على وجوب العمل بالخبر الآخر ومتى طولبوا بمثل هذه لم يمكنهم القيام بحجة فيما زعموه ويخص الفصل الذى ذكرناه وهو إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا ونبين أن القول بالنسخ للخاص المتقدم بالعام المتآخر باطل ونقيم الدليل على مذهبنا فى بناء العام على الخاص والقول بقضاء الخاص على العام.\nمسألة العام المتقدم لا ينسخ الخاص المتقدم بل الخاص يقضى عليه ويكون الحكم له فيما تناوله المتآخر ٢.\nوعندهم الخاص المتقدم يصير منسوخا بالعام المتآخر وتعلقوا فى هذا بأشياء منها:\nأن اللفظ العام فى تناوله لآحاد ما دخل تحته يجرى مجرى ألفاظ خاصة كل واحد منها يتناول واحدا فقط من تلك الآحاد لأن قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يجرى مجرى قوله اقتلوا زيد المشرك أو اقتلوا عمرا واقتلوا خالدا ولو قال ذلك ثم قال لا تقتلوا زيدا لكان ذلك ناسخا فكذلك ما ذكرنا ومنها أن الخاص المتقدم يتأتى نسخه والعام يمكن أن يكون ناسخا له فكان ناسخا والدليل على أنه يمكن أن يكون ناسخا لأنه يتناول ما تناوله الخاص مع الثانى وهو متآخر فينسخه.\nواستدل من قال بوقوع التعارض بين الخاص والعام أن العام قد تناول ما تناوله الخاص وزيادة فتناوله لتلك الزيادة لا يؤثر فى تناوله لما تناوله الخاص وإذا كان كل واحد منهما متناولا لما تناوله صاحبه وجب أن يكونا متعارضين كالخاص والخاص والعام والعام وهذا لأن تناول العام لزيادة تجرى مجرى خبر آخر تناول تلك الزيادة ولو كان كذلك لم يؤثر فى تعارض هذين فى هذا الشىء الواحد فثبت أنهما متعارضان كالخبرين جميعا وفى ترك بناء العام على الخاص استعملا للخبر العام وتركا للخاص.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ انظر المحصول ٢/٤٥٢، ٤٥٣.","vol":"1","page":200},{"text":"لأن فى القول ببناء العام على الخاص ترك العام لأن العام لاستيعاب كل ما يتناوله فإذا بنى على الخاص ومعنى بناء الخاص على العام أنه يجعل كأنه لم يتناول ما ورد به الخاص فقد تركتم العام لأن فى ترك القول بالاستيعاب ترك القول بالعموم فاستوى الجانبان من هذا الوجه\nوأما حجتنا فتقدم الدليل فى أن القول ببناء العام على الخاص واجب على الجملة.\nفنقول كل واحد من العام والخاص دليل يجب العمل به فلا يجوز إطراحهما إذا أمكن استعمالهما والقول ببناء العام على الخاص استعمال لهما جميعا وهو استعمال الخاص فيما يتناوله بصريحه واستعمال له فيما وراء ما تناوله الخاص وعلى هذا بطل القول بالتعارض لأن فى القول بالتعارض إنما ترك العمل بهما أو ترك العمل بالخاص فثبت أن القول ببناء العام على الخاص متعين.\nفإن قالوا: لم لا تقولون بأن أحدهما ينسخ الآخر.\nقلنا لا يمكن القول بالنسخ إلا بعد معرفة التاريخ وهذا الدليل فى بناء العام على الخاص فى الجملة وهو إذا لم نعرف تاريخ ما بين الخطابين أو كان العام متقدما والخاص متأخرا فأما إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فسنبين القول فيه ببينة أنه لو كان بدل الخاص قياس لبنى العموم عليه والخبر الخاص آكد من القياس وأقوى فلأن بنى عليه العام أولى وأيضا فإن العام والخاص لو وردا معا يبنى العام على الخاص فكذلك إذا وردا ولم يعلم تاريخ ما بينهما لأن الأصل أن كان شيئين وجدا معا ولم نعلم تاريخ ما بينهما يجعل كأنهما وجدا معا كمسألة الغرقى والهدمى إذا لم يعلم وقت موت واحد منهم يجعل كأنهم ماتوا معا حتى لا يحكم بالميراث لواحد منهم من صاحبه وأن كان بينهما سبب يوجب الإرث وهم ربما يعترضون على هذا فيقولون لما اشتبه حال الميتين لم يورث أحدهما من الآخر فكذلك إذا اشتبه حال الخبرين وجب أن لا يعترض بأحدهما على الآخر وأن يرجع إلى أمر آخر والاستدلال فيما قصد بالاستدلال به قائم وهذا لا يوجب مغمزا فيه وأما الدليل فى أن العام المتآخر لا ينسخ الخاص المتقدم هو أن الخاص معلوم دخول ما تناوله تحته ودخول ذلك تحت اللفظ العام مشكوك فيه والعلم لا يترك بالشك وهم يقولون على قولكم هذا أن دخوله تحت اللفظ العام مشكوك فيه ليس بذلك بل تناوله إياه ولما سواه حتى يتم الاستيعاب معلوم أيضا لأنه صيغة موضوعة للاستيعاب لغة وشرعا فكيف يقع.","vol":"1","page":201},{"text":"الشك فى تناوله لما ينسحب عليه الاستيعاب.\nونحن نقول المعنى بما ذكرناه من الشك هو أنه يحتمل أنه لا يتناوله والخاص لا يحتمل أن لا يتناوله وهذا مسلم ونقرر هذا الدليل بوجه آخر وهو المعتمد فنقول الخبر العام يتناول ما تناوله الخاص على ما زعموا ولكن لا تعارض فى هذا التناول لأن الخاص يتناوله بصريح لفظه من غير أن يكون فيه احتمال أن لا يتناوله وأما العام فيتناوله لا بصريح لفظه بل بظاهر عمومه ويحتمل إلا يتناوله وإذا لم يستويا فى التناول لم يقع التعارض فوجب القضاء بما له الترجيح.\nوإذا رجحنا سقط النسخ وتصور صورة ليكون الكلام أوضح فنقول قول القائل لا تقتلوا اليهود يمنع من قتلهم أبدا وقوله من بعد اقتلوا الكفار يوجب قتلهم فى حالة من الحالات.\nوالقول الأول يمنع من قتلهم فى تلك الحالة وإذا تمانعا على هذا الوجه والخاص أخص باليهود وأقل احتمالا وجب القضاء به والكلام الوجيز فى هذا الدليل أن القول بالنسخ من غير دليل على النسخ باطل والقول بترجيح الخاص على العام فيما تناولاه مانع من قيام دليل النسخ.\nوأما الجواب عن كلامهم.\nوأما الأول قلنا لو جعلنا الجملة كالآحاد المذكورة واحدا واحدا لا متنع تخصيص كل عموم فى العالم كما ذكروا واحدا واحدا لم يجز تخصيص واحد منهم من الأعداد المذكورة ثم نقول اللفظ العام يجرى مجرى الآحاد المذكورة واحدا واحدا فى أصل التناول ولا يجرى مجراها فى امتناع دخول التخصيص عليه ألا ترى أن اللفظ الذى يذكر فيه الأعداد واحدا واحدا لا يجوز أن يخرج شىء منه بالتخصيص بخلاف اللفظ العام.\nوأما دليلهم الثانى قلنا مجرد احتمال النسخ لا يدل على النسخ وكذلك المتآخر وعلى أنه كما أن الخاص المتقدم يحتمل أن ينسخ فالعام المتآخر يحتمل أن يخص فلم يكن أحدهما أولى من الآخر وعلى أنا بينا الدليل المانع من النسخ.\nوقولهم أن المتآخر دليل النسخ قلنا وهل نوزعتم فى هذا الموضع إلا فى هذا.\nوأما اعتراضهم على دليلنا بقولهم أن فى بناء العام على الخاص بترك القول بالعموم.","vol":"1","page":202},{"text":"قلنا لا فإنا عملنا بالعموم وراء المخصوص.\nوقولهم أن الصيغة للاستيعاب.\nقلنا إذا لم يقم دليل على التخصيص وها هنا قد قام وهذا لأن التخصيص بيان يتصل بالخطاب فيظهر أن الخطاب بالعموم صدر متناولا لما وراء المحل المخصوص فإن قالوا: كيف ثبت اتصال البيان بشىء متقدم على الخطاب ولو جاز هذا لجاز الاستثناء متقدما على المستثنى منه.\nقلنا وأى شىء يمنع من أن يكو بيان الخطاب وتخصيصه بسبب متقدم ألا ترى أن دليل العقل يجوز به تخصيص العموم وأن كان متقدما على العموم وقد سبق ذكر ذلك وبيان مثاله أما الاستثناء فكلام تكلم به أهل اللغة وهم لم يتكلموا بالاستثناء المتقدم على المستثنى منه وعلى أن عندنا يجوز ذلك وقد ذهب إليه كثير من الأصحاب وسنبين وروده.\nأما الكلام الأخير الذى ذكره ففيما قلنا جواب عنه وقد بينا ترجيح التناول فى هذا الجانب والمرجوح لا يعارض الراجح ولم يستعمل فى هذه المسألة بإيراد الأمثلة فى المواضع التى أجمع الفقهاء فيها ببناء العام على الخاص لأنهم يقولون قد ورد أيضا بناء الخاص على العام وهو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فهذا خاص فى الوالدين والأقربين ومع ذلك بنى على عموم قوله لا وصية لوارث\"١ والجواب عن هذا سهل والاعتماد على ما سبق والله أعلم.\nوأما إذا تعارض خطابان أحدهما خاص من وجه عام من وجه والآخر عام من وجه خاص من وجه وتنافيا فى الحكم الذى ابتنى عليهما فلا بد من التوقف حتى يظهر المرجح٢.\nوأمثال هذا كثيرة وتوجد فى قوله ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\" ٣ وقد ورد فى.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ انظر نهاية السول ٤/٤٦٦ المحصول ٢/٤٥٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٤/٢٠٣.\n٣ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":203},{"text":"معارضة نهيه ﵇ عن قتل النساء وأحدهما خاص فى النساء عام فى الحربيات والمرتدين والآخر خاص فى المرتدين عام فى النساء والرجال فينبغى أن يطلب فى هذا الموضع الترجيح لأحدهما على الآخر وقد ذكر الأصحاب وجوها من الترجيح سترد من بعد بمشيئة الله تعالى.","vol":"1","page":204},{"text":"فصل: إذا ورد عقيب العموم تقييد بالشرط أو باستثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا [يتأتى إلا فى] ١ بعض ما تناوله العموم فالمذهب أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط.\nوذهب بعض الأصوليين إلى التوقف وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد٢.\nومثال التقييد بالاستثناء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يتناول الكبيرة العاقلة وأول الآية عام فى الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة.\nومثال التقييد بالصفة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] تعنى الرغبة فى مراجعتهن وهذا خاص فى الرجعة وأول الآية عام فى الرجعية والبائنة.\nومثال التقييد بحكم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا لا يكون إلا فى الرجعية أيضا وأول الآية عام فى البائنة والرجعية.\nومثال الشرط قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ خاص وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ عام والتقدير واللائى يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر وأن ارتبتم فالأول على عمومه وأن عقبه بشرط يخص البعض دون البعض.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"ينافي\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ وهو مذهب قاضي القضاة وقال صاحب المعتمد والأولى عندنا التوقف في ذلك انظر المعتمد ١/٢٨٣.","vol":"1","page":204},{"text":"ووجه ما ذكرنا أن اللفظ العام يجب إجراره على عمومه إلا أن يضطرنا شىء إلى تخصيصه وكون آخر الكلام مخصوصا لا يضطر إلى تخصيص أوله فإن ادعى المخالف لهذا ضرورة وقال أن الكناية ترجع إلى جميع ما تقدم لأن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ معناه إلا أن يعفوا النساء اللوائى طلقتموهن ولو أن الله تعالى صرح بذلك دل ذلك أن النساء المذكورات فى أول الكلام هن اللوائى يصح منهن العفو.\nألا ترى أن من قال من دخل الدار من عندى ضربته إلا أن يتوبوا انصرف ذلك إلى جميع العبيد وجرى مجرى أن نقول إلا أن يتوب عبيدى الداخلون الدار والجواب أن هذا كله لا يوجب ضرورة لأن الضرورة المخصصة هى وجود التنافى بين ظاهر العموم وبين الدليل المخصص ومعلوم قطعا أنه لا ضرورة فى مثل هذا فى مسألتنا لجواز أن يريد المخاطب الاستيعاب من أول الآية ثم يعقبه باستثناء أو صفة تخص تعيين من أريد بالاستيعاب وهذا غير ممتنع بوجه ما فلم تثبت المنافاة وإذا لم تثبت المنافاة يظل التخصيص وأجرى الكلام الأول على عمومه وقد قال من يقول: بالوقف أن هذا العموم المقدم يقتضى الاستغراق فظاهر الكناية يقتضى الرجوع إلى كل ما تقدم فليس التمسك بظاهر العموم والعدول عن ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر العموم وإذا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر وجب التوقف والجواب عن هذا بالطريق الذى سبق وهذا لأن اللفظ الأول ظاهر فى العموم وما نرى لما ذكروا من الكناية ظاهرا يمكن التوقف فى الظاهر الأول.\nمسألة المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما فى المعطوف عليه بل إنما يضمر مما فى المعطوف عليه بقدر ما يفيد ويستقل به.\nوعند أصحاب أبى حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره ومثال هذا الاستدلال بقوله ﷺ: \"لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده\" ١ فعندنا يضمر ولا يقتل ذو عهده على معنى المنع من القتل وعندهم يضمر ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر٢ فعلى هذا قالوا: أن الكافر الذى لا يقتل به ذو العهد هو الحربى فيكون قوله.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الديات ٤/١٧٩ ح ٤٥٣٠ والنسائي القسامة ٨/١٨ باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس وابن ماجه الديات ٢/٨٨٧ ح ٢٦٦.\n٢ انظر المعتمد ١/٢٨٥.","vol":"1","page":205},{"text":"لا يقتل مؤمن بكافر المراد به الحربى.\nواستدل من ذهب إلى هذا فقال أن النبي ﷺ قال لا يقتل مؤمن بكافر وعطف على ذلك قوله ولا ذو عهد فى عهده بكافر ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالذمى ولا يقتل بالكافر الحربى فكان قوله لا يقتل مؤمن بكافر معناه بكافر حربى لأن المضمر فى المعطوف هى المظهر فى المعطوف عليه فإذا كان المضمر فى المعطوف مخصوص فى الحربى فيجب أيضا تخصيص المعطوف عليه بالحربى قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الكلام يفيد ويستقل بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يزاد عليه لأن الإضمار لا يقف على ما يستقل عليه الكلام بل يضمر فيه جميع ما سبق.\nألا ترى أن الإنسان لو قال لا يقتل اليهود بالحديد ولا النصارى كان معناه ولا يقتل النصارى بالحديد ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط وإن كان يستقل به.\nوكذلك لو قال رجل لغيره لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز كان معناه ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح وإنما كان كذلك لأن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكم المعطوف عليه وحكم المعطوف عليه فى المثال الأول المنع من القتل بالحديد لا المنع من القتل أصلا وفى المثال الثانى حكم المعطوف عليه هو المنع من شراء الخبز بالدراهم الصحاح لا المنع من الشراء بالدراهم على الإطلاق لأن المنع من الشراء على الإطلاق غير مذكور فلا يتصور فيه مشاركة كذلك هاهنا المنع من القتل ابتداء غير مذكور فلا يتصور المشاركة فيه.\nودليلنا فى أن المعطوف إنما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يستقل به ويفيده وهذا لأن فقد استقلاله وعدم فائدته أوجب الإضمار فلا يجب من الإضمار إلا قدر ما يستقل به ويفيده ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد فى عهده يستقل ويفيد بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يراد لأنه تكون الزيادة إضمارا من غير حاجة إلى الإضمار يدل عليه أنا إذا أضمرنا الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده حتى يكون معناه وال يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم وجب بدليل أن يكون ذلك مخصوصا فى الحربى ولم يجب أن يكون قوله لا يقتل مؤمن بكافر مخصوص فى الحربى.\nألا ترى أن النبي ﷺ لو صرح وقال: \"لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده بكافر\" ثم علمنا بدلالة أن ذلك مخصوص فى الحربى لم يجب أن يكون أول الكلام مخصوصا فى الحربى فإذا قام مثل هذه الدلالة يكون معنى الأول لا يقتل مؤمن بكافر.","vol":"1","page":206},{"text":"بحال ومعنى الثانى ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم قام الدليل أن المراد من الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده كافر حربى وهذا غير مستنكر ولا مستبدع فجاز الحمل عليه كما يجوز إذا ظهر وقام الدليل.\nقالوا: أن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكمه وحكمه هو الذى عناه المتكلم بلفظه وإذا زاده دون ما لم يعنه فلو كان الكافر المذكور فى المعطوف عليه عاما وفى المعطوف خاصا لم يجعل العطف مفيدا اشتراكهما فيما قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم وبآخره الخصوص.\nقالوا: وليس كما لو أظهر وقام الدليل لأن الثانى يصير بمنزلة كلام مبتدأ وهاهنا لا يمكن أن يجعل بمنزلة كلام مبتدأ لأنه غير مستقل بنفسه واعترضوا على الكلام الأول بما ذكرنا فى دليلهم.\nوالجواب أن الواو يوجب العطف فى اللفظ وجعلنا المعطوف والمعطوف عليه مشتركين فى قوله لا يقتل وإذا اشتركا فى هذا اللفظ أفاد العطف فائدته من الاشتراك ثم بعد ذلك يكون الحكم بحسب ما يقوم عليه الدليل صار هذا كما لو أظهر قوله ولا يقتل ذو عهد فى عهد بكافر ثم قام الدليل أن المراد بالكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده هو الحربى فلا يوجب ذلك أن يكون المراد لا يقتل مؤمن بكافر هو الحربى فقد جاز هذا الاختلاف مع وجود الواو العاطفة وكان العطف مفيدا للاشتراك فى قوله ولا يقتل وأن اختلف الاختلاف الذى ذكرناه وقوله أن ذلك مبتدأ قلنا إنما جعله مبتدأ لأنه يستقل بنفسه وهاهنا إذا أضمرنا مما سبق قوله لا يقتل قد استقل فلا معنى لإضمار الزيادة.\nفإن قيل المتكلم إنما يقصد بالعطف اشتراكهما فى الحكم الذى قصده دون العطف قلنا ولم فهل الخلاف إلا فى هذا فعندنا يجوز أن يكون قصده اشتركهما فى اللفظ المذكور دون حكم المقصود.\nفإن قيل كيف يقصد لفظا بلا معنى قلنا صح القصد إلى الاشتراط فى اللفظ وصار بمنزلة المصرح به ثم كل يفيد فائدته وهذا لأن كلا الكلامين لم يخل عن فائدته.\nويمكن أن يجاب عن كلامهم الأول فيقال أن الكلام كان يكون صحيحا على ما ذكروا أن لو كان قال ولا ذو عهد واقتصر عليه فلما قال فى عهده وجب أن.","vol":"1","page":207},{"text":"يفيد هذه الزيادة فائدة محدودة وليس ذلك إلا المنع من قتله ابتداء لعهده ونظير هذا أن لو قال القائل لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم أصلا ولا يكون ولا تقتلوا النصارى فى الأشهر الحرم بالحديد.\nببينة: أنه لو قال بدل قوله ولا ذو عهد فى عهده ولا رجل فى عهده لا قتضى أن لا يقتل رجل فى عهده بحال ليكون قوله فى عهده يفيد فائدة محدودة كذلك فى قوله ولا ذو عهد فى عهده يكون المعنى هذا أيضا.\nواعلم أن الكلام للخصم ظاهر جدا وهذا الذى قلناه غاية الوضع وتمشيته ممكنة والكلام الذى ذكرناه من قبل أحسن فى التمشية وقد ذكرنا فى الخلافيات أن الخبر قد صح وروده مطلقا برواية على ﵁ من غير هذه الزيادة واحتجاجى فى مسألة قتل المسلم بالذمى وعند ذلك لا نحتاج إلى الخوض فيما قلنا والله أعلم.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>فصل: إذا خرج الخطاب فى العموم مخرج المدح أو الذم </span>كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] إلى قوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] فعموم هذا يقتضى مدح كل من حفظ فرجه إلا على زوجته أو ما ملكت يمينه ويدل أن من وطىء زوجته أو ما ملكت يمينه لم يكن مذموما فهل يصح دعوى العموم فى هذا.\nأولا اعلم أنه لا خلاف على المذهب أنه إذا عارض هذا اللفظ خطاب عام لم يقصد به المدح أو الذم فإنه يخصه ويقصره على المدح والذم ولا يحمل على عمومه بل يقضى بعموم ذلك الخطاب عليه ومثل هذا ما قلناه فى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فهذه الآية قصد بها بيان الأعيان المحرمات ذوى العدد وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قصد بها بيان العدد وظاهرها يقتضى إباحة العدد المذكور سواء كان من الأعيان المحرمات أو من غيرهن إلا أنا قضينا بتلك الآية التى قصد بها بيان الأعيان المحرمات على الآية الأخرى التى لم يقصد بها بيان الأعيان المحرمات وإنما قصد بها بيان العدد كذلك هذا مثله.\nوأما إذا تجرد اللفظ الواحد على سبيل المدح أو الذم ولم يعارضه لفظ الخبر فهل.","vol":"1","page":208},{"text":"يصح ادعاء العموم فيه أم لا اختلف أصحابنا فى ذلك فمنهم من قال لا يصح ادعاء العموم بل يقتصر على بيان المدح والذم فحسب لأنه إنما قصد به مدح من حفظ فرجه وذمه إذا لم يحفظه لا أنه قصد به بيان الحكم حتى يدعى عمومه١ والمذهب الصحيح أنه يصح ادعاء العموم فى ذلك٢ فعلى هذا يصح ادعاء العموم فى هذه الآية التى ذكرناها ويصح أيضا ادعاء العموم فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وأن كان قصد بالآية الذم لمن كنز المال.\nوالدليل على دعوى صحة العموم فى ذلك ما روى عن عثمان ﵁ أنه قال فى الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية وعنى بآية التحليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] فقد حمل الآية على العموم مع أن القصد كان هو المدح لمن حفظ فرجه عن الحرام لأن اللفظ إذا ورد عاما فإنه يحمل على عمومه ولا يخص إلا بما يعارضه وينافيه فأما الذى يماثله ولا ينافيه فلا يخصص.\n_________\n١ وهذا منقول عن الإمام الشافعي حتى أنه منع من التمسك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في وجوب زكاة الحلي نصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام وإنما سبق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/٤٠٦/٤٠٧ وقال الشيخ أبي الحسين البصري ﵀ إنه مذهب بعض الشافعية انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ١/٢٧٩ ونقله أيضا ابن برهان عن الإمام الشافعي انظر نهاية السول للأسنوي ٢/٣٧٢، ٣٧٣.\n٢ وصححه الآمدي وابن الحاجب ونصره الشيخ أبي الحسين في المعتمد وأجاب عما نقل عن الإمام الشافعي بقوله والجواب: أن الذم إنما كان مقصودا بالآية لأنه مذكور فيها وهذه العلة قائمة في العموم لأن اللفظ عام فوجب كونه مقصودا وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما انظر المعتمد ١/١٧٩.\nوقال الآمدي وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو المدح وإن كان مطلوبا للمتكلم فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه إذ لا منافاة بين الأمرين وقد أتى بالصيغة الدالة على العموم فكان الجمع بين المقصودين أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/٤٠٧.\nوهو مذهب الأحناف حيث قال مفتي الديار المصرية الشيخ بخيت المطيعي ﵀ وفي كتب الحنفية كالتحرير ومسلم الثبوت أن العام في معرض المدح والذم كـ: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ يعم استعمالا كما هو عام وضعا للشافعي انظر حاشية الشيخ بخيت المطيعي على نهاية السول ٢/٣٧٣.","vol":"1","page":209},{"text":"الآية به وليس بين الخطاب العام وبين قصد المدح أو الذم بذلك منافاة فبطل تخصيصه به ووجب حمل اللفظ على عمومه.\nببينة أن المدح إنما كان مقصودا بالآية أو الذم لا مذكور فيها وهذه العلة قائمة فى العموم لأن اللفظ عام والعموم مذكور فوجب كونه مقصودا وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>فصل: تخصيص العموم بالدليل المتصل</span>\n...\nفصل: هذا الذى ذكرناه هو بيان تخصيص العموم بالدليل المنفصل. فأما تخصيص العموم بالدليل المتصل فنقول.\nالدليل المتصل أربعة: استثناء وغاية وشرط وتقييد.\nفأما تخصيص العموم بالاستثناء.\nفاعلم أن الاستثناء هو لفظ على صيغة إذا اتصل بالكلام أخرج منه بعض ما كان داخلا فيه وقد حده بعض المتكلمين بأنه إخراج جزء من كل١ والأول أحسن وهو مأخوذ من قولهم ثنيت زيدا عن رأيه إذا أرددته عنه وتقول اثنيت عما كنت عليه إذا رددت نفسك عن شىء كنت عليه وثنيت العود إذا رددته عن عوجه وثنى الثوب ما عطف وكف من أطرافه.\nولا يصلح الاستثناء إلا إذا كان بالمستثنى منه فإذا انفصل منه بطل حكمه.\nوهو قول كافة أهل اللغة وجمهور أهل العلم وليس يعرف فيه خلاف إلا ما حكى على جهة الشذوذ عن ابن عباس أنه جوزه منفصلا وأجراه مجرى بيان المجمل وتخصيص العموم وقيد زمان الجواز ببينة فإن استثنى بعدها بطل.\nوعن بعض التابعين أنه جوز فى المجلس ولم يجوز إذا فارق المجلس٢.\n_________\n١ عرفه البيضاوي بأنه: هو الإخراج بإلا غير الصفة ونحوها المحترزات الإخراج جنس شامل للمخصصات كلها وقوله: بإلا مخرج لما عدا الاستثناء وقوله: غير الصفة احتراز عن إلا إذا كانت للصفة بمعنى غير وهي التي تكون تابعة لجمع منكور غير محصور وقوله: ونحوها أي كحاشا وخلا وعدا وسوى انظر نهاية السول ٢/٤٠٧ وعرفه الشيخ محمد بخيت المطيعي بأن الاستثناء موضوع لأن يتقيد به المستثنى منه ويفاد بالمجموع المركب مفهوم فيتعلق حكمه بما يصدق عليه انظر حاشية الشيخ المطيعي على نهاية السول ٢/٤١٢.\n٢ انظر البرهان ١/٣٨٥ نهاية السول ٢/٤١٠ انظر التلويح على التوضيح ٢/٢٨ روضة الناظر ٢٢٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٧٥","vol":"1","page":210},{"text":"وقيل أنه قول الحسن وطاوس وعطاء وحسبك فى الدليل اتفاق أهل اللغة أن المنفصل لا يكون استثناء.\nوأيضا فإنه غير مفهوم لأن من قال رأيت بنى تميم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا زيدا لم نفهم منه الاستثناء.\nوهذا لأن قوله إلا زيدا أو إلا كذا كلام مبتور وتعلقه بالمستثنى منه كتعلق الخبر بالمبتدأ وكتعلق الإجزاء بالشرط فإنما يفهم عند اتصاله بالأول ويستقبح مع انفصاله.\nولأنا لو جوزناه منفصلا لم يوثق بيمين ولم يقع طلاق ولا عتاق على وجه الثبات وكذلك لم ينعقد عقد على هذا الوجه وهذه طامة كبيرة ومخرقة عظيمة.\nوأما قول ابن عباس فلا يكون حجة مع مخالفة أهل اللغة ولعل الآفة من الراوى والخطأ من الناقل.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>فصل: ويجوز إذا اتصل بالكلام سواء تقدم عليه أو تآخر عن أو تخلله</span>.\nفنقول إذا تقدم رأيت إلا زيدا جميع بنى تميم كما يقول: إذا تآخر رأيت بنى تميم إلا زيدا.\nومنه قول حسان بن ثابت ﵁:\nالناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر١\nفقد استثنى السيوف والقنا من الوزر وتقديره ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا.\nونظير هذا قول الكميت:\nوما لى إلا آل أحمد شيعة ... وما لى إلا مشعب الحق مشعب٢\nوتقديره ما لى شيعة إلا آل أحمد وما لى مشعب إلا مشعب الحق.\nفصل ويجوز أن يخرج بالاستثناء أكثر الجملة وأقلها.\nوقد شذ بعض أهل اللغة فمنع من استثناء أكثرها واختاره الأشعرى وقيل أنه قول أحمد بن حنبل٣.\n_________\n١ ذكره الشيخ محمد محيي الدين ﵀ في حاشيته على الألفية ٢/٢٣٥.\n٢ انظر شرح هاشميات الكميت ص ٥٠ ص ١١٧.\n٣ اعلم وفقك الله أن في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nالأول: وهو لجمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين وهو المختار للبيضاوي أن ذلك لا يحد........=","vol":"1","page":211},{"text":"وقيل من ذهب إلى هذا أنه يستقبح أن يقول الرجل لفلان على ألف إلا تسع مائة وتسعة وتسعين.\nوالاستقباح يمنع من الاستعمال والمتروك استعماله متروك.\nببينة أن الاستثناء لاختصار الكلام أو الاستدراك ويبعد كلاهما فى هذه الصورة ولأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل ولأن المستثنى فرع المستثنى منه ولا يجوز أن يزيد الفرع على أصله وهذا القول مدفوع بالكتاب واللسان والمعنى.\nأما الكتاب قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢، ٤] وفى الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل ولأن الله تعالى قال فى موضع: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] وقال فى موضع: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فمرة استثنى المخلصين ومرة استثنى الغاوين ولا بد أن أحد العددين يكون أكثر.\nوأما اللسان فقول الشاعر.\nأدوا التى نقصت تسعين عن مائة ... ثم ابعثوا حكما بالعقل حكاما\nوأما المعنى فهو أن حد الاستثناء ما قلناه وذلك الحد موجود فى استثناء الأكثر والأقل على وجه واحد كالتخصيص فإذا جاز جريان التخصيص فى أكثر ما دخل تحت العموم فكذلك الاستثناء.\nوأما دعوى الاستقباح فغير مسلم وإنما هو استثناء وليس باستقباح.\nوأما استثناء الجميع فإنما لم يجز لأنه تخصيص والتخصيص يجرى فى البعض لا فى الكل ولأن استثناء الكل من كلامه نقص لكلامه وإسقاط لفائدته بخلاف استثناء.\n_________\n= بحد فلو بقي بعد الاستثناء واحد فقط كان الاستثناء صحيحا.\nالثاني: وهو للحنابلة يشترط أن يكون الباقي بعد الاستثناء النصف أو أكثر من النصف فيجوز استثناء المساوي والأقل ولا يجوز استثناء الأكثر من النصف كالثلثين.\nالقول الثالث: وهو أحد قولين للقاضي أبي بكر الباقلاني ونقله الآمدي عن الحنابلة يشترط أن يكون الباقي بعد الاستثناء أكثر من النصف فيجوز استثناء الأقل من النصف ولا يجوز استثناء النصف كما لا يجوز استثناء أكثر من النصف والقول الثاني ما نقل عن الحنابلة أولا انظر نهاية السول ٢/٤١١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٤٣٣ التلويح على التوضيح ٢/٢٩ المحصول ١/٤١٠ روضة الناظر ٢٢٤ والمعتمد ١/٢٤٤ البرهان ١/٣٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٧٧.","vol":"1","page":212},{"text":"الأكثر فافترقا.\nوالذى قالوا: من الفرع والأصل فليس بشىء لأنهم أن عنوا بالفرع أنه لا صحة له إلا به فيبطل بالتخصيص وعلى أن الفرع قد يزيد على الأصل بدليل الحسيات والأمثال تكثر.\nفصل وأما ألفاظ الاستثناء فالمستولى على الكل استعمالا هو كلمة إلا ثم تليها ما يقل استعماله وهو سوى وعدا وحاشا وخلا وجميعها فى حكم الاستثناء سواء.\nمسألة اختلف أهل اللغة وأهل الفقه فى الاستثناء من غير الجنس.\nفمنعت منهم طائفة من طريق اللفظ والمعنى جميعا وهو قول كثير من أصحاب الشافعى.\nوهؤلاء جعلوه لغوا.\nوقالت طائفة يجوز الاستثناء من غير الجنس لفظا ومعنى.\nوقال بعضهم يصح من طريق المعنى دون اللفظ١ إذا كان معنى الجنس يتفقان من وجه فيكون الاستثناء على هذا عائدا إلى المعنى المتجانس لا إلى اللفظ المختلف فيقول لفلان على ألف درهم إلا دينار فيستثنى من الألف بقيمة الدينار.\nوهذا القول هو الأولى بمذهب الشافعى ﵀ وهو قول المحققين من الأصحاب.\nواحتج من جوزه على الإطلاق بقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] قال وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وتعلق أيضا بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] وبقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦] وبقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] .\nوتعلقوا بقول النابغة فى القصيدة المشهورة:\nوقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالريع من أحد٢\nإلا أوارى لأياما أثبتها ... والنوى كالحوض بالمطلومة الجلد\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/٤٢٤/٤٢٥ البرهان ١/٣٩٨ المعتمد ١/٢٤٣ روضة الناظر ٢٢٤.\n٢ ديوان النابغة الذبياني ص ٣٠.","vol":"1","page":213},{"text":"وقال غيره:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس\nفاستثنى الأوارى فى الأول من قوله وما بالريع من أحد وفى الثانى استثنى اليعافير وهى الظبا والعيس وهى الإبل من الأنيس.\nوحكى سيبويه عن العرب ما رأيت اليوم أحدا إلا حمارا أو ثورا.\nوأما حجة من لم يجوزه على الإطلاق فظاهر وقالوا: الدليل عليه أن الاستثناء إخراج بعض ما دخل فى الجملة وغير الجنس غير داخل فى الجملة فلا يصح استثناؤه منها لأن غير الداخل لا يتخيل استخراجه كما أن غير الخارج لا يتخيل إدخاله ولأنه أحد ما يخص به العام فلم يصح فيما لم يدخل فى العموم كالتخصيص بغير الاستثناء ولأنه يقبح أن تقول جاءنى الناس اليوم إلا الكلاب أو رأيت الحمير إلا الناس ومن قال هذا من أهل اللغة كان ملغزا فى الخطاب عادلا عن تبيين الصواب وهذا لأن الاستثناء مع المستثنى منه يكون صحتها وارتفاع أحدهما بالآخر بنوع من التمانع والتدافع ولهذا يقال أن الاستثناء من المنفي إثبات ومن الإثبات نفى وإنما يتصور التمانع والتدافع والتنافى فى الجنس الواحد لأن اللفظ الأول يدخله والثانى يخرجه فيقع التنافى وأما في غير الجنس فلا يتصور هذا فإن اللفظ الأول إذا لم يتناوله بالإدخال فلا يكون الثانى مخرجا ولا يقع التنافى والتمانع فثبت أن الاستثناء حقيقة لا يكون إلا من الجنس.\nوأما الذى تعلقوا به أما الآية الأولى فالصحيح أن إبليس كان من الملائكة ولهذا تناوله الأمر بالسجود ولو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر بالسجود.\nوأما قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فقد قيل كان من قبيلة من الملائكة يسمون الجن وعلى أن جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز والكلام فى الحقيقة.\nوأما المذهب الثالث وهو صحة الاستثناء من طريق المعنى فهو المختار على مذهب الشافعى رحمه الله تعالى وليس فيه نفى ما قلناه أن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه لا يكون حقيقة لأن هذا الذى ادعيناه راجع إلى اللفظ وهو على ما ذكرناه وإنما جوزنا الاستثناء حين جوزناه من طريق المعنى وسبب جوازه اتفاق معنى الجنسين من وجه فيصير الاستثناء له إلى المعنى المتجانس لأن اللفظ مختلف.\nولهذا قال الشافعى لو قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا أو مائة دينار إلا ثوبا.","vol":"1","page":214},{"text":"فيكون مستثنى بقيمة الدينار أو الثوب١ ولا يصح هذا المذهب إلا إذا صححنا الاستثناء على الوجه الذى قلناه وأما أبو حنيفة فقد ناقض وقال إذا قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا يجوز وكذلك إذا استثنى الحنطة أو الشعير قال ولو استثنى الثوب لا يجوز٢ وهذا تفريق لا يعرف.\nوقد ذكروا فرقا ذكرناه فى مسائل الخلاف وأبطلناه عليهم.\nوأما إذا استثنى من زيد وجهه ومن الدار بابها فاختلف الأصحاب أنه استثناء الشىء من جنسه أو من غير جنسه والصحيح أنه من جنسه لأن وجه زيد جزء من زيد مثل الواحد جزء من العشرة وكذلك وجه الدار جزء منها فصار كما ذكرنا والله أعلم.\nمسألة إذا تعقب الاستثناء جملا قد عطف بعضها على بعض يرجع إلى الجميع.\nوقال أصحاب أبى حنيفة يرجع إلى ما يليه من الجمل.\nوقالت الأشعرية هو موقوف على الدليل وقد خبط بعض أصحابنا فى هذه المسألة حتى أداه خبطه إلى العدول عن مذهب الشافعى إلى مذهب الخصم وقال إنما ينعطف الاستثناء على كلام يجتمع فى غرض واحد فأما إذا [اختلفت] ٣ المقاصد فى الجمل وكل جملة منها مستقلة بمعناها لا تعلق لها بما بعد فالاستثناء يرجع إلى ما يليه من الجمل٤ وزعم أن الواو فى مثل هذا الموضع لاسترسال الكلام وحسن بظنه ولا يكون.\n_________\n١ انظر المهذب ٢/٣٤٩.\n٢ انظر الاختيار لتعليل المختار ٢/١٧٨.\n٣ في الأصل اختلف ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٤ في هذه المسألة خمسة أقوال:\nالأول: وهو لجمهور الشافعية واختاره البيضاوي يرجع إلى الجمل كلها ولا يختص بالأخير وإلى ذلك ذهب مالك من النحاة.\nالثاني: وهو للحنفية يختص بالأخير ولا يرجع إلى غيره من الجمل وهو قول أبي علي الفارسي من النحويين.\nالثالث: وهو للمرتضى من الشيعة - يتوقف على تقوم القرينة المعينة لأحد الأمرين لأن الاستثناء الواقع بعد الجمل مشترك لفظي بين رجوعه للكل ورجوعه إلى الجمل الأخيرة والمشترك لا يعمل به في أي فرد من أفراد بقرينة.\nالرابع: وهو للقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي من الشافعية - يتوقف لعدم العلم بمدلوله فإنه لا يدري أهو موضوع لرجوعه إلى الكل أو لرجوعه للجملة الأخيرة فقط.............=","vol":"1","page":215},{"text":"للعطف١ ثم زعم إذا قال وقفت على بنى فلان دارى وحبست على بنى فلان ضيعتى وجعلت على خدمى وموالى بهيمتى إلا أن يفسق منهم فاسق ولا يظهر اختصاص الاستثناء فى هذه الصورة بالجملة الأخيرة ولا يظهر أيضا انعطافه على الجمل أيضا فيكون الأمر موقوفا على المراجعة والبيان منه قال والسبب فى هذا أن ميثاق الخطاب فى الجمل كلها واحد ولكن الجمل منفصلة فى الذكر على معنى أن كل جملة مستقلة بنفسها فيجوز أن يعود الاستثناء إلى ما يليه ويجوز أن يرجع إلى جميع الجمل فوجب التوقف إلى أن يأتى البيان ويقوم الدليل على واحد من الأمرين.\nوعندى أن الأولى أن يقال أنه إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض ولم يكن فى المذكور إجراما يوجب إضرابا عن الأول وصلح رجوع الاستثناء إلى الكل فإنه يرجع إلى الكل.\nوممكن أن يعبر عن هذا فيقال إذا لم يكن الثانى خروجا من قصة إلى قصة أخرى لا يليق بالأول ونظير هذا أن نقول اضرب بنى تميم والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلانى وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق بالآخر أو أحدهما قصة والآخر قصة أخرى هل أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا شىء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب والاستثناء ينصرف إلى ما يليه وعلى هذا قيل أيضا إذا قال أكرم ربيعة واضرب بنى تميم إلا الطوال منهم ينصرف إلى ما يليه أيضا.\nوقد ورد القرآن بانصراف الاستثناء إلى جميع المذكور وورد بانصرافه إلى ما يليه.\n_________\n= الخامس وهو لأبي الحسين البصري من المعتزلة إن كان بين الجمل تعلق وارتباط في الحكم أو في الاسم بأن يكون حكم الأولى مضمرافي الثانية أو يكون ضمير المحكوم عليه في الأولى موجودا في الثانية مثل: أكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة وأكرم الفقهاء وأنفق عليهم إلا المبتدعة فإن الاستثناء يرجع إلى الجميع وإن لم يكن بينهما تعلق وارتباط اختص بالأخيرة فقط انظر نهاية السول ٢/٤٣١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٤٣٨ المحصول ١/٤١٢ انظر البرهان ١/٣٨٨ المعتمد ١/٢٤٥ التلويح على التوضيح ٢/٣٠ روضة الناظر ٢٢٦، ٢٢٧ المستصفى للغزالي ٢/١٧٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٨٦، ٢٨٧.\n١ غير مقروءة في الأصل.","vol":"1","page":216},{"text":"وورد فيه الخلاف فالأول قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فهذا الاستثناء ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع.\nوقال تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فهذا يرجع إلى أقرب ما يليه وهو الدية ولا ينصرف إلى التحرير وإنما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] فهذا موضع الخلاف وعندنا ينصرف إلى جميع ما تقدم وعندهم ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فأما من قال أن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه من الجمل المذكورة فاحتج بوجوه من الكلام.\nأحدها أن أول الكلام مطلق فله حكم إطلاقه وآخر الكلام مقيدا بالاستثناء فله حكم تقييده وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فقد انصرف هذا التقييد إلى الربائب وبقى الأول على إطلاقه وهذا معنى ما روى عن الصحابة فى هذا أبهموا ما أبهم الله.\nببنية: أن أول الكلام لما كان عاما والاستثناء المذكور فى آخر الكلام يحتمل أن ينصرف إلى جميع ما تقدم ويحتمل أن ينصرف إلى ما يليه فلم يجز إبطال صفة العموم عن أول الكلام بالشك وربما يقول: أن أول الكلام عام فمن ادعى تخصيصه فعليه الدليل كسائر العمومات.\nوحجة أخرى بأن الاستثناء إنما يرد إلى ما تقدم إذا كان لا يستقل بنفسه لأنه إذا لم يستقل بنفسه لم يقدر فوجب تعليقه بما تقدم ليستقل ويفيد.\nألا ترى أنه إذا استقل بنفسه لم يعلق بما تقدم.\nقالوا: وإذا علقناه بالذى يليه فقد استقل وأفاد فلا يعلق بما زاد عليه لأن تعليقه بما زاد على ذلك يجرى مجرى تعليق المستقل بنفسه بغيره لا من ضرورة.\nدليل آخر لهم قالوا: الاستثناء من الجمل كالاستثناء من الاستثناء وإذا كان الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه ولا يفتقر فى إثبات استقلاله إلى أكثر من ذلك فكذلك الاستثناء من الجمل يكون كذلك.\nقالوا: وليس هذا كما لو عقب الجمل بشرط حيث يرجع إلى جميع ما تقدم لأن.","vol":"1","page":217},{"text":"الشرط وأن تقدم فهو فى معنى التقدم لوجوب تقدم الشرط على الجزاء والإنسان إذا قال اضرب ربيعة وبنى تميم أن قاموا معناه أن قام بنو تميم وربيعة فاضربهم وليس كذلك الاستثناء الذى اختلفنا فيه لأنه ليس من حقه وجوب تقديمه فلهذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم.\nقالوا: وكذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى لأن لفظه لفظ الشرط ولأن من حق الاستثناء بمشيئة أن يوقف جميع الجملة.\nوأما الاستثناء بإلا فيدخل على بعض دون البعض.\nألا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أن شاء الله لم يقع شىء١ ولو قال لامرأته أنت طالق إلا ثلاثا لم يصح٢ وإنما يصح إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو اثنين٣ وقد استدلوا بمسألة وهى أنه لو قال لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير إلا دينارا ينصرف الاستثناء إلى ما يليه وأن كان يجوز الاستثناء للجنس من غير الجنس على قول بعض.\nوقد قلتم أن الأصح جواز استثناء الجنس من غير الجنس من حيث المعنى ومع ذلك فى هذه الصورة لم ترد فالاستثناء إلى جميع ما تقدم.\nوذكروا كلاما يختص بآية الرمى وقالوا: أن الاستثناء لم ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع إلا أنه لم ينصرف إلى الجلد ولو كان من حقه أن ينصرف إلى جميع ما تقدم لانصراف إلى الجلد أيضا.\nببينة: أنه إذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم فمن حقه أن ينصرف إلى ما يليه لأنه لا قائل يقول: أنه لا ينصرف إلى ما يليه ولا ينصرف إلى جميع ما تقدم.\nوأما أبو زيد فقد سلك فى آية القذف مسلكا آخر وزعم أن رد الشهادة حد وقال هو عقوبة مؤلمة مثل الجلد عقوبة مؤلمة وهو معطوف على الجلد ومفوض ذلك إلى الإمام الذى يلى إقامة العقوبات فيكون فى حكمه وإذا كان عقوبة لم يسقط بالتوبة وزعم أن الواو هاهنا للنظم وليس للعطف والتشريك.\n_________\n١ ذكره موفق الدين بن قدامة رواية عن أحمد وقول طاوس والحكم وأبي حنيفة والشافعي انظر المغني ٨/٣٨٢.\n٢ وذكر الموفق أنه لا يصح في اللغة اتفاقا انظر المغني ٨/٣٠٧، ٣١٢.\n٣ ذكره ابن قدامة عن ابن المنذر إجماعا انظر المغني ٨/٣١١.","vol":"1","page":218},{"text":"وأما دليلنا قال الأصحاب وربما نسبوا إلى الشافعى أن الجملة التى عطف بعضها على بعض بواو العطف تجرى مجرى الجملة الواحدة لأن واو العطف فى الأسماء المختلفة يقوم مقام واو الجمع فى الأسماء المتماثلة ولا فرق عند أهل اللغة بين قولهم أكرم العرب إلا الطوال منهم وبين قولهم أكرم مضر وربيعة وقحطان إلا الطوال منهم وكذلك لا فرق عندهم بين قوله اضرب بنى ربيعة وتميما إلا الطوال وبين قولهم بنو تميم وربيعة اضربوهم إلا الطوال منهم وإذا صار الجميع كالجملة الواحدة انصرف الاستثناء إلى الكل.\nقالوا: على هذا أن واو العطف تجرى مجرى واو الجمع فى اشتراك الاسمين فى الحكم مثل قول القائل اضرب فلانا وفلانا أو أكرم فلانا وفلانا.\nأما من أين قلتم أنه يجرى مجرى واو الجمع فى انصراف الاستثناء إليها هذا مجرد الدعوى ثم نقضوا ذلك بالجملتين المتباينتين وهو قوله أكرم ربيعة واضرب بنى تميم إلا الطوال وإنما ينصرف الاستثناء إلى بنى تميم خاصة ثم قالوا: فى قوله ربيعة وبنو تميم اضربوهم إلا الطوال منهم إنما انصرف الاستثناء إليها لأن الاستثناء ينفصل بقوله اضربوهم وفيه اسم الفريقين فينصرف الاستثناء إليهما.\nوأما إذا قال اضرب بنى تميم وربيعة إلا الطوال فلم يتصل الاستثناء باسم فيشمل الفريقين وقالوا: أيضا أن الواو قد تكون للعطف وقد تكون للنظم على ما بينا.\nومعلوم أنه إذا قال الرجل أكرموا من يزورنا وقد حبست على أقاربى دارى هذه واشتريت عقارى الذى تعرفونه من بيت فلان وإذا مت فأعتقوا عبيدى إلا الفاسق منهم فإن الواو فى هذه المواضع يفيد أن يكون للعطف وجعل الجملة بمنزلة الجملة الواحدة فدل أنها للنظم.\nوقوله إلا الفاسق ينصرف إلى ما يليه.\nالجواب أنا نقول أن الجمل المعطوف بعضها على بعض تصير بمنزلة الجملة الواحدة إذا لم تكن فى الآخر ما يدل على الإضراب عن الأول لأنه إذا لم يكن إضرابا عن الأول فالإتيان بحرف العطف بين الجملتين والتعقيب بالاستثناء الذى أصل رده إلى الكل يدل على أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول.\nوالدليل على أنه لم يضرب عن الأول بالثانى أنه فى الخطاب أضاف إلى الحكم الأول حكما آخر مبتنيا على السبب الأول وهذا فى آية القذف ظاهر.","vol":"1","page":219},{"text":"ونظيره من الكلام قول القائل ادخل البلد الفلانى وسلم على بنى هاشم واستأمرهم وكذلك يقول: سلم على بنى تميم وربيعة.\nوبيان أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول إضافته إلى الاسم الأول لمعنى آخر فصار الكلامان من هذا الوجه مع حرف العطف كالجملة الواحدة فينصرف الاستثناء إليها كما ينصرف إلى الجملة.\nوقولهم أن الواو للنظم قلنا الأصل أن الواو للعطف والتشريك فإذا أمكن استعماله فى هذا لم يستعمل فى غيره.\nيدل عليه أن صرف الاستثناء إلى بعض المذكور ليس بأولى من البعض بحق الصيغة ألا ترى أن كل واحد من الجملة المتقدمة يصح ذكرها موصولا بالاستثناء فإذا جمع بين الكل فى الذكر وأتبعها بالاستثناء كان ابتدار الاستثناء إلى الكل ابتدارا واحدا يوجب أن ينصرف إلى جميعها انصرافا واحدا وهذا كاللفظ العام إذا ورد وجب إجراؤه على عمومه وسحبه على كل ما يصلح له نظمه لأن بعض المسميات ليس بأولى من البعض إذ الكل يبتدر إلى اللفظ ابتدارا واحدا وهو الذى قلناه هو المعتمد.\nومعنى دليل آخر أن الاستثناء فى مسألتنا كالشرط والاستثناء بمشيئة الله فى أنه لا يستقل بنفسه فلما وجب رجوع الشرط والاستثناء بمشيئة الله إلى جميع ما تقدم فكذلك لفظ الاستثناء فى مسألتنا وهذا إلزام عظيم على الخصم والعذر الذى قالوه فى نهاية الضعف لأنه يقال قولكم أن حق الشرط هو التقدم هلا خصصتم الشرط بما يليه وقدرتموه تقدير المتقدم عليه على الخصوص حتى يكون التقدير فى قوله اضرب بنى تميم وربيعة أن دخلوا الدار اضرب بنى تميم وأن دخل الدار ربيعة فاضربهم.\nوالحرف أنه ينبغى أن يتقدم الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى على الجملة الأخيرة فثبت ما ذكروه من حق التقدم ولا ينصرف إلى جميع الجملة المتقدمة.\nوأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم أن المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده قلنا ومن يسلم أن الجملة الأولى مطلقة والثانية مقيدة وهذا لأنه ليس واحدة منهما تخالف صاحبتها فى الإطلاق والتقييد بل الجمل كلها فى الصورة مطلقة وفى المعنى مخصوصة بدليل قام عليه.\nوقوله أن الاستثناء يحتمل أن ينصرف إلى الجميع ويحتمل أن ينصرف إلى الواحد الذى يليه فلا يثبت تخصيص ما يستيقن من الألفاظ المطلقة العامة بالشك قلنا لا عام.","vol":"1","page":220},{"text":"هاهنا لأنا قد بينا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة فلأنه أن كان فى انصرافه إلى الجملة الأولى شك فكذلك فى انصرافه إلى الجملة التى تليه شك أيضا لأنه يحتمل أن ينصرف الاستثناء إلى ما تقدم ذكره ولا ينصرف إلى ما يليه ألا ترى إلى ما روى فى بعض الأخبار أن النبي ﷺ قال: \"ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة إلا صدقة الفطر\" ١ وقوله إلا صدقة الفطر ينصرف إلى الأول.\nوقال عامة أهل التفسير فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] أنه استثناء من قوله ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فهذا موضع الاستثناء بقوله إلا قليلا.\nوالجواب المعنوى أنه لاشك فى واحد من الردين سواء رد إلى ما يليه أو إلى ما تقدم بل الموجود فى الكل احتمال الرد إليه وصلاحية الرجوع عليه وهذا القدر كاف فى رد الاستثناء إلى المذكور.\nفإن قيل كيف تستوى الجملة الأولى والجملة الثانية وفى الجملة الثانية لم يقع فصل بينهما وبين الاستثناء وأما فى الجملة الأولى قد وقع الفصل بينهما وبين الاستثناء بالجملة الثانية ووقوع الفصل مانع من رد الاستثناء إليها.\nقلنا قد أجبنا عن هذا بقولنا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة ثم نقول بجواز أن يقع فصل بين الكلامين بواو النسق ثم يرد الآخر منهما على الأول دون ما يليه ويعطف عليه بإعرابه ما عداه كقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فمن قرأ بفتح اللام تسبق الأرجل على الوجه وقد قطع بينهما ذكر مسح الرأس وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] فقد فتح النون ورده بعد واو النسق على أول الكلام ثم ينتقض هذا الذى ذكروه بالشرط والاستثناء بمشيئة الله.\nوأما قولهم أنه إنما يرد الاستثناء إلى ما سبق ليفيد.\nقلنا ينتقض هذا بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنه غير مقيد ولا مستقل بنفسه.\n_________\n١ أخرجه البخاري الزكاة ٣/٣٨٣ ح ١٤٦٤ ومسلم الزكاة ٢/٦٧٦ ح ٩/٩٨٢ ١٠/٩٨٢ وأبو داود الزكاة ٢/١١٠ ح ١٥٩٥ والنسائي الزكاة ٥/٢٥ باب زكاة الخيل.","vol":"1","page":221},{"text":"وإنما يفيد إذا علق بما تقدم وقد أفاد بتعليقه بما يليه دفع ذلك رجع إلى جميع ما سبق.\nوعلى أنا نقول أن هذا الذى قلتم يمنع أن يكون الرجوع إلى الجملة الأولى بحق الإفادة ولا يمنع أن يرجع بدليل آخر يقوم عليه ونحن لا نرده إلى الجملة الأولى للإفادة بل إنما رجع لدليل آخر قام عليه وأما تعلقهم بالاستثناء من الاستثناء قلنا إنما يرجع إليهما لأن العشرة إثبات والاستثناء منها يكون نفيا والاستثناء من النفى يكون إثباتا ولو رجع الاستثناء إليها لكان نفيا وإثباتا وهذا متضاد.\nفإن قيل قلتم رجع إلى الثانى دون الأول قلنا لما رجع إلى ما يليه وأمكن ذلك وتعذر رجوعه إلى ما سبق للتضاد الواقع فصرناه على ما يليه لأجل القرب اللفظى وأما هاهنا قد أمكن رجوعه إلى كل ما سبق بما بيناه ولا تضاد ولا تنافى فرددناه إلى الجميع.\nوأما المسألة التى أوردوا من قولهم لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير إلا دينارا قلنا يحتمل أن يقال ينصرف إليهما جميعا ويحتمل أن ينصرف إلى الدنانير على الخصوص لأن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه مجاز على ما سبق فإن كان حقيقة معنى فهو مجاز لفظا لكان رده إلى ما يكون اللفظ فيه حقيقة أولى.\nوأما قولهم فى آية القذف فى أن التوبة لا تنصرف إلى الجلد قد أجبنا عنه فى مسائل الخلاف وكذلك عن طريقة أبى زيد والكلام فى ذلك بالفقه أقرب منه بأصول الفقه فتركنا ذكره والله أعلم.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>فصل: تخصيص العموم بالشرط</span>\n...\nفصل: قد ذكرنا تخصيص العموم بالاستثناء.\nوأما تخصيص العموم بالشرط١.\nفهو موجب لتخصيص المشروط فيه إلا أن يقع موقع التأكيد أو غالب الحال فينصرف بالدليل عن حكم الشرط وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] وليس.\n_________\n١ الشرط لغة: هو العلامة ومنه أشراط الشاعة أي علاماتها انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي ٢/ وعرفه صاحب جمع الجوامع بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم انظر جمع الجوامع ٢/٢٠ نهاية السول ٢/٤٣٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٩٢.","vol":"1","page":222},{"text":"الخوف بشرط مخصص للفعل بحاله وإنما هو للتأكيد كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وليس كونهن فى حجورهم بشرط مخصص وإنما ذكر لأنه أغلب الأحوال١.\nوإذا أوجب الشرط تخصيص المشروط فيه لم يثبت حكم المشروط إلا بوجود الشرط فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه ومثال هذه الطهارة التى جعلها الله تعالى شرطا فى صحة الصلاة بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ\n_________\n١ قال الآمدي اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج الأعم الأغلب لا مفهوم له وذلك كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وقوله ﷺ \"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" وقوله ﷺ \"فليستنج بثلاثة أحجار\" فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع هذه الصور إنما كان لأنه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحجر وأن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق وأن المرأة لا تزوج نفسها إلا عند عدم إذن الولي لها وإنابة من يزوجها وأن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر كسؤال سائل أو حدوث حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت بل كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية ولم يكن الحكم في محل السكوت أولى بالثبوت وبالجملة لو لم يظهر سبب من الأسباب الموجبة للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت فهل يجب القول بنفي الحكم في محل السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص أو لا يجب! إن قلنا إنه لا يجب كان التخصيص بالذكر عبثا جليا عن الفائدة وذلك مما ينزه عنه منصب آحاد البلغاء فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله وإن قلنا بموجب نفي الحكم لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة.\nوالوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص فلا يخلو إما أن يكون مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء أو أن عدمه أظهر من وجوده فإن كان الأولى فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات وعلى هذا فلا مفهوم وإن كان الثاني فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت أن لو كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر وليس كذلك وذلك لأن نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق على نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا انظر إحاكم الأحكام ٣/١٤٦.","vol":"1","page":223},{"text":"يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] فجعل عدم الرقبة شرطا فى جواز الصيام وجعل العجز عن الصيام شرطا فى جواز الإطعام وعلى هذا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] أوجب إطلاق العموم استغراق ما انطلق عليه اسم المشرك فى قتله ومثاله فإذا قال اقتلوا المشركين أن كانوا حربيين وقاتلوهم حتى يعطوا الجزية أن كانوا كتابيين صار هذا١ الشرط مخصصا لعموم الأسماء.\nواعلم أن من حق الشرط أن يكون مستقبلا لحكم مستقبل ولا يجوز أن يكون ماضيا لحكم ماض ولا أن يكون مستقبلا لحكم ماض لأنه إذا قال لا أكرم زيدا أمس إلا أن يقدم عمرو اليوم امتنع اجتماع الشرط والمشروط لأنه أن أكرم زيدا بالأمس فهو قبل وجود الشرط وأن لم يكرمه حتى يقدم عمرو فإن المشروط من إكرام زيد بالأمس فلما امتنع اجتماعهما بطل حكم الشرط فبطل حكم المشروط.\nوأما أن كان الشرط ماضيا لحكم مستقبل كقوله أن كان زيد قدم فأكرم عمرا فهذا على ضربين.\nأحدهما أن يكون الشرط قد وجد قبل الأمر فيكون المأمور مخاطبا بالأمر المشروط ويكون الشرط الماضى تضليلا وليس بشرط فلا يخص به العموم لأنه لم يتقدمه أمر يختص بالشرط.\nوالضرب الثانى أن يكون الشرط لم يوجد فلا يجوز أن يتعلق الحكم بوجوده بعد الأمر لأنه معقود على ماض وليس معقود على مستقبل.\nوأما تخصيص العموم بالغاية.\nفالغاية كالشرط فى تخصيص العموم بها مثل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [لتوبة: ٢٩] فجعل إعطاء الجزية غاية فى قتالهم قبلها والكف عنهم بعدها فصارت الغاية شرطا مخصصا.\nوقد يتعلق الحكم المشروط بغاية وشرط فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فجعل انقطاع الدم غاية والغسل شرطا فصارا معتبرين فى إباحة الإصابة.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"صارت هذه\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"1","page":224},{"text":"والتخصيص واقعا باجتماعهما ولا يقع بوجود أحدهما.\nوأما التخصيص بالتقييد.\nمثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وكقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] فلما قيد الرقبة بالإيمان والصيام بالتتابع خص عموم الرقاب وعموم الصيام فلم يجز من الرقاب إلا المؤمنة ومن الصيام إلا المتتابع وكان لولا التقييد الإجزاء بكل رقبة مؤمنة كانت أو كافرة وكل صيام متتابعا كان أو متفرقا وصار التقييد الشرعى تخصيصا لكل عموم ورد به السمع.\nويجوز تقييد العموم بشرطين وأكثر١ وإذا زيدت شروط تقييده كان أضيق لتخصيص عمومه ويجوز أن يجمع فى تقييد العموم بين شرط وصفة وغاية فإذا قال إذا قدم زيد صحيحا إلى رمضان فأعط عمرا درهما كان قدوم زيد شرطا وصحته صفة وإلى رمضان غاية ودفع الدرهم إلى عمرو حكما يلزم بمجموع الشرط والصفة والغاية.\n_________\n١ اعلم أن الشرط قد يأتي متعددا على سبيل الجمع نحو: إن كان زانيا أو محصنا فارجمه فيحتاج إليهما للرجم وأما على سبيل البدل نحو: إن كان سارقا أو نباشا فاقطعه فيكفي واحد منهما في وجوب القطع انظر نهاية السول ٢/٤٤١ إحكام الأحكام ٢/٤٥٥، ٤٥٦ المحصول ١/٤٢٤ المعتمد ١/٢٤٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٩٤، ٢٩٥.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>فصل: ومما يدخل فى باب العموم القول فى ألفاظ الشارع فى حكايات الأحوال</span>.\nفعند الشافعى ﵀ أن ترك الاستفصال فى حكايات الأحوال مع الاحتمال يجرى مجرى العموم فى المقال٢.\nومثال ذلك ما روى أن غيلان بن سلمة الثقفى ﵁ أسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي ﷺ: \"أمسك أربعا وفارق سائرهن\" ٣ ولم يسأله عن كيفية العقد عليهن هل.\n_________\n٢ في هذه المسألة خالف الإمام أبو حنيفة الإمام الشافعي فقال: إن كان العقد عليهن في وقت واحد فعليه أن يجدد عقد النكاح على أربع منهن أي أربع وقع عليهن اختياره.\nوإن كانت العقود مرتبة فعليه أن يمسك الأربع الأول ويفارق ما عداهن لأن العقود الأولى صادفت محلا قابلا للعقد فكانت صحيحة أما ما عداها فلم يصادف محلا قابلا للعقد فكان باطلا انظر نهاية السول ٢/٣٦٧، ٣٦٨، ٣٦٩ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٤٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٣٢.\n٣ أخرجه الترمذي النكاح ٣/٤٢٦ ح ١١٢٨ وابن ماجه النكاح ١/٦٢٨ ح ١٩٥٣ والبيهقي في الكبرى ٧/٢٩٤ ح ١٤٠٤١ وابن حبان ١٢٧٧ - ١٢٧٨/موارد.","vol":"1","page":225},{"text":"عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة واحدة فكان إطلاقه القول من غير استفصال واستبراد حال دليلا دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا أو يوجد العقود متفرقة عليهن فإن قال قائل يجوز أن النبي ﷺ علم كيفية الحال فلهذا لم يسأل وأطلق الجواب وأيضا فإن كان الرسول ﵇ لم يقف على الكيفية فى هذه الحادثة ولا يعرف استبهام الكيفية فى كل حادثة تنقل على هذا الوجه.\nوالجواب المطلق إنما يمكن حمله على العموم إذا كان مبتنيا على استبهام الحادثة.\nوالجواب أن دعوى معرفة النبي ﷺ لكيفية العقود من غيلان بن سلمة وهو رجل من ثفيف ورد عليه ليسلم والتعرف لأمثال هذه المواقعات يبعد من الآحاد من الناس فكيف يلائم حال الرسول ﷺ وهذا غاية البعد.\nوالذى ذكر ثانيا فنحن إنما ندعى العموم فى كل ما يظهر فيه استفهام الحال ويظهر من الشارع إطلاق الجواب فلا بد أن يكون الجواب مسترسلا على الأحوال كلها وعلى أن وجه الدليل واضح من خبر غيلان بن سلمة فى الأحوال كلها فإن النبي ﷺ قال أمسك أربعا فأجملهن ولم يخصص فى الإمساك أوائل عن أوآخر أو أوآخر عن أوائل وفوض الأمر إلى اختيار من أسلم ولذلك قال لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختان: \" اختر أيهما شئت وفارق الأخرى\" ١ فقد علق على اختياره على الإطلاق من غير تعرض لأولى وأخرى.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الطلاق ٢/٢٨٠ ح ٢٢٤٣ والترمذي النكاح ٣/٤٢٧ ح ١١٢٩ - ١١٣٠ وقال هذا حديث حسن وابن ماجه النكاح ١/٦٢٧ ح ١٩٥١ وأحمد المسند ٤/٢٨٤ ح ١٨٠٦٣.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>فصل: ورود صيغة متخصة في وضع اللسان بالنبي ﷺ</span>\n...\nفصل\nوإذا وردت صيغة مختصة فى وضع اللسان برسول الله ﷺ فالذى صار إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه فى ذلك سواء ولهذا تعلقوا فى مسألة النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ فالخطاب يختص به والأمة عندهم كالنبى ﷺ فى موجبه وقد أوقفهم بعض أصحابنا فى هذا٢ وقال من ذهب إلى هذا إن.\n_________\n٢ في هذه المسألة قولان:\nالأول: وهو قول عامة الأصوليين من الشافعية والحنفية أن الخطاب لا يتناول الأمة.\nالقول الثاني: أن خطاب الرسول خطاب لأمته وهذا القول منقول عن أبي حنيفة وأحمد بن......=","vol":"1","page":226},{"text":"الأصل أن النبي ﷺ وأمته فى الشرائع على التسوية والتماثل كما أن الأصل أن الأمة بعضها مع البعض فى الشرع سواء فإن جرى تخصيص فى بعض المواضع فإنما صدر ذلك عن دليل خاص دل عليه وقد روى أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال له فى بعض الأمور إنك لست مثلنا أنه قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر فغضب وقال إنما أرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى ثم ذكر كلاما عن النكاح وغيره وقال فى آخره: \"فمن رغب عن سنتى فليس منى\" ١ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فدل أنه ﷺ قدوة الأمة فى كل شىء.\nوقد وجدت أحكام خاصة لأفراد من أصحاب رسول الله ﷺ مثل ما روى أن خزيمة ابن ثابت كان مختصا بشهادتين٢ وكذلك قال للبراء بن عازب فى الأضحية تجزيك ولا تجزيء عن أحد بعدك٣ ورخص للزبير فى لبس الحرير عن حكة به٤ ولم ينقل أحد أنه يجوز لغيره ونحن نقول أن رجعنا إلى صورة اللفظ فلا ارتياب أنه مختص بالرسول ﷺ ثم بعد هذا يقال ما ظهرت فيه خصائص الرسول ﵇ كالنكاح والمغانم فإذا ورد خطاب مختص به ﷺ فهو مخصوص به وعلى هذا ينبغى أن نص بأصحاب النبي ﷺ أنهم اعتقدوه وإنما صرنا إلى هذا لأن الصيغة خاصة واختصاص الرسول ﷺ فى الباب معلوم فحمل الخطاب على أنه خاص له فأما ما لم يظهر فيه خصائصه وورد خطاب من الله تعالى يختص به فينبغى أن يكون الأمر على ما قاله.\n_________\n= حنبل ﵄ وأصحابهما انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٧٩ نهاية السول ٢/٣٥٨ البرهان ١/٣٦٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٢٢٤، ٢٢٥.\n١ أخرجه البخاري النكاح ٩/٥ ح ٥٠٦٣ ومسلم النكاح ٢/١٠٢٠ ح ٥/١٤٠١ والنسائي النكاح ٦/٤٨ ح باب النهي عن التبتل وأحمد المسند ٣/٢٩٥ ح ١٣٥٤٠.\n٢ أخرجه البخاري الجهاد ٦/٢٦ ح ٢٨٠٧ وأبو داود الأقضية ٣/٣٠٦ ح ٣٦٠٧ والنسائي البيوع ٧/٢٦٥ باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع وأحمد المسند ٥/٢٢٣ ح ٢١٦٩٦.\n٣ أخرجه البخاري الأضاحي ١٠/٥ ح ٥٥٤٥ ومسلم الأضاحي ٣/١٥٥٣ ح ٧/١٩٦١ وأبو داود الضحايا ٣/٩٦ ح ٢٨٠٠ وأحمد المسند ٤/٣٧٢ ح ١٨٧١٧.\n٤ أخرجه البخاري الجهاد ٦/١١٨ ح ٢١٩١٩ ومسلم اللباس ٣/١٦٤٦ ح ٢٥/٢٠٧٦ وأبو داود اللباس ٤/٤٩ ح ٤٠٥٦ والترمذي اللباس ٤/٢١٨ ح ١٧٢٢.","vol":"1","page":227},{"text":"وهذا لأنه قدوة الأمة فإذا وضعنا الخطاب على التخصيص الذى يقتضيه ظاهرة وقطعنا الأمة عنه مع جريان عادة أهل اللسان فى خطاب الواحد ويريدون به الجماعة يؤدى إلى خرم قاعدة الاقتداء به وقد أمر الله ﷺ تعالى باتباعه فى مواضع كثيرة من القرآن وربما يؤدى قطع المشاركة فى الأحكام إلى نفرة القلوب عنه وتباعدها منه فالأولى ما ذكرنا والله أعلم بالصواب.\nوأما إذا خصص الرسول ﷺ واحدا من أمته بخطاب فقد ذكر بعضهم خلافا فى هذا وقال من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة يشاركون المخاطب ومنهم من قال لا يشاركون فمن قال بالأول صار أن الأصل أن جميع الأمة فى الشرع سواء بلا تخصيص لواحد من بين الجماعة وقد جرت عادة أهل اللسان أنهم يخاطبون الواحد ويريدون به الجماعة وهذا فى كلام كثير.\nوأما من قال بالثانى فقد ذهب إلى صورة الصيغة وهى مختصة بالواحد من بين الجماعة فلا يجعل للتعميم إلا بدليل والأول أولى لأنا وأن كنا إذا نظرنا إلى مقتضى الصيغة كان موجبا للتخصيص ولكن إذا نظرنا إلى ما استمر الشرع عليه فذلك يقتضى المشاركة والمساواة ألا ترى أن اللفظ الذى يخص به أهل عصر يكون مسترسلا على الأعصار كلها ولا يخص به أهل العصر الأول كذلك هاهنا.\nمسألة: ومما يتعلق بباب العموم والخصوص مسألة المطلق والمقيد.\nاعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا تقييد له يحمل على إطلاقه وأن ورد مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده وأن ورد مطلقا فى موضع ومقيدا فى موضع ينظر فى ذلك فإن اختلف السبب واختلف الحكم جميعا مثل ما ورد من تقييد الصيام بالتتابع فى كفارة القتل وإطلاق الإطعام فى الظهار لم يحمل أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان فى لفظ ولا فى معنى١.\nوإن كان ورودهما فى حكم واحد وبسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة مطلقة فى.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٣ روضة الناظر ٢٣٠ المحصول ١/٤٥٧ التصريح على التوضيح ١/٦٣ حاشية الشيخ بخيت المطيعي ٢/٤٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٣٣.","vol":"1","page":228},{"text":"كفارة القتل ومقيدة فى كفارة الظهار كان الحكم للمقيد وبنى المطلق عليه ويصير كأن الوارد حكم واحد استوفى بيانه فى أحد الموضعين ولم يستوف بيانه فى الموضع الآخر١.\nوأما إذا ورد المطلق والمقيد فى حكم واحد وبسببين مختلفين مثل ما وردت الرقبة مطلقة فى كفارة الظهار ومقيدة بالأيمان فى كفارة القتل فعندنا يحمل المطلق على المقيد.\nواختلف أصحابنا فيما يوجب الحمل فمن أصحابنا من قال يحمل المطلق على المقيد بنفس الورود ومنهم من قال من جهة القياس٢.\nوأما إذا اتفق السبب فاختلفوا فيه فقال بعضهم يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده مثل ما اختلف بالسبب ومنهم من قال يحمل المطلق على المقيد فى هذه الصورة أما دليلهم قالوا: أن المطلق خطاب على حاله والمقيد خطاب على حاله وربما يقولون نص على حدة ونص على حدة فهما نصان مختلفان فلا يحمل أحدهما على الآخر بل يعمل كل واحد منهما على ما يقتضيه إذ كل واحد منهما موجب للعمل بنفسه وبصيغته قالوا: وعلى هذا سواء كان المطلق أو المقيد فى سببين مختلفين أو سبب واحد يدل عليه أنا نعقل من كلام صاحب الشرع ما يعقل بعضنا من كلام البعض لأن الله تعالى خاطبنا بما يخاطب به العرب بعضهم مع البعض ثم الواحد منا لو أطلق كلامه إطلاقا ثم قيده ثانيا تقييدا فإنا نحمل المطلق على المقيد بل يجرى كل واحد منهما على سببه وقضيته ألا ترى من قال لامرأته أن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال أن دخلت الدار راكبة فأنت طالق فإنها تطلق إذا دخلت الدار راكبة وتطلق إذا دخلت الدار غير راكبة.\nوكذلك إذا قال الرجل لغيره أعتق عبدا واحدا من عبيدى وقال لآخر أعتق عبدا واحدا أبيض من عبيدى فإن الأول يملك أن يعتق أى عبد شاء والثانى لا يملك إلا.\n_________\n١ انظر المحصول ١/٤٥٧ إحكام الأحكام للآمدي ١/٤ التصريح على التوضيح ١/٦٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٣٣، ٣٣٤.\n٢ انظر المحصول ١/٤٥٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٥ روضة الناظر ٢٣١ التصريح على التوضيح ١/٦٣ حاشية الشيخ بخيت المطيعي ٢/٤٩٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٣٥.","vol":"1","page":229},{"text":"إعتاق عبد أبيض ولا يحمل المطلق على المقيد فكذلك ما جاء من الشرع يكون كذلك وهذا المعنى معقول وهو أن المطلق ضد المقيد فيكون فى حمل المطلق على المقيد نسخ المطلق لا نسخ الحكم رفعه وأنتم قد رفعتم المطلق وحكمه بالمقيد وحكمه.\nوبيان رفعه أن قضية المطلق أجزأ كل ما يسمى رقبة وقد ارتفع هذا الإجزاء والرفع نسخه ببينة أن التعبير بمقتضى الآية نسخ فالرفع لأن يكون نسخا أولى.\nقالوا: ولهذا لا يشترط فى قضاء رمضان من التتابع لأنه ورد مطلقا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولم يحمل على صوم اليمين ولا على صوم الظهار وكذلك عندكم لا يحمل الصوم فى كفارة اليمين على الصوم فى كفارة القتل والظهار.\nقالوا: وأما فى الشهادة فإنا لا نقول يحمل المطلق فيها على المقيد بالعدالة لكن شرطنا العدالة فى الشهادة التى لم يرد فيها النص تقييدا بالعدالة بدليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] والأمر بالتثبت يمنع القبول وكذلك فى زكاة الغنم إنما شرطنا السوم بدليل آخر وهو قوله ﵇ لا زكاة فى المعلوفة ولا فى المحمولة وكذلك إنما قيدنا الميراث المذكور فى آخر سورة النساء بما قيد به الميراث المذكور فى أولها من تأخيره عن الدين والوصية بالإجماع لا يحمل المطلق على المقيد قالوا: ولا يجوز أن يقال أن المطلق عام وحمله على الرقبة المؤمنة تخصيص لأن دعوى العموم باطلة فى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] من وجوه منها أن قوله: ﴿رَقَبَةٍ﴾ اسم لرقبة واحدة لأنها نكرة فى الإثبات فتخص ولا تعم والعام ما يشتمل على مسميات كثيرة فأما الذى يشتمل على مسمى فرد ومحل وبلد فمحال أن يدعى فيه العموم ببينة أنه لا شك أنه اسما مفردا.\nألا ترى أنه يجمع فيقال رقبة ورقبات كما يقال رجل ورجال وعبد وعبيد ودعوى التخصيص فى اسم المفرد محالا ولأن إثبات التقييد فى الرقبة المطلقة زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان ضد الزيادة ونقيضها فكيف نجوز أن يدعى فى الشىء معنى ضده ونقيضه والدليل على أنه زيادة أن صفة الإيمان لا تشتمل عليها اسم الرقبة فإن الرقبة اسم للبنية بأجزائها والإيمان ليس من إقرار بوجه ما وإنما هو.","vol":"1","page":230},{"text":"معنى يعتقده ويكتسبه بقلبه وكذلك لو كفر وما كان من هذا الوجه لم يتصور أن يشتمل عليه اسم الرقبة.\nقالوا: ولا يجوز أن يدعى العموم فى أوصاف الرقبة لأن الأوصاف غير مذكورة فلا يجوز دعوى العموم فيها وما هو المذكور يقع اسما على الرقبة الواحدة وتخصيص المسمى الواحد محال.\nقالوا: وليس كالمعيبة والسليمة لأن العيب نقصان جزء من أجزاء البنية فلا تكون رقبة مطلقة وأما الكافر فرقبة مطلقة مثل المؤمنة لأن الكفر والإيمان ليس من أجزاء البنية فعلى هذا لا يكون شرط السلامة زيادة على النص بل يكون اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النص.\nوأما صفة الإيمان لما كان سببا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة فيكون زيادة محضة وإذا بدا أنه زيادة لم يجز إثباتها بالقياس لأن بالقياس لا يجوز الزيادة على النص لأنها نسخ على ما سنبين فى باب النسخ ونسخ القرآن بالقياس لا يجوز ولأن القياس إنما يجوز استعماله فى غير موضع النص وهذا استعمال القياس فى موضع النص لأن كفارة القتل منصوص عليها وكفارة الظهار منصوص عليها وقياس المنصوص عليه على المنصوص عليه باطل كما لا يجوز قياس السرقة على قطع الطريق لإثبات قطع الرجل مع اليد وكذلك قياس التيمم على الوضوء باطل فى إدخال الرأس والرجل فى التيمم وكذلك قياس كفارة القتل على كفارة الظهار باطلة فى إثبات الإطعام والإطعام كفارة مثل الرقبة والصيام.\nببينة أن التقييد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص فلم يجز كما لا يجوز فى هذه الصورة التى بيناها قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم يقيد بنفس ورود المقيد ويحمل عليه بلا قياس ولا دليل يدل عليه فكلام باطل وزعم محال لأن ظاهر المطلق يقتضى أن يجرى على إطلاقه فلو خص بالمقيد مجرد كون هذا مطلقا وكون الآخر مقيدا كان هذا مجرد ميل باطل وينتهى بمحال لأنه لا يكون أن يقيد بأولى من أن لا يقيد به.\nببينة أنه يجوز أن يكون حكم الله تعالى فى أحدهما الإطلاق وفى الآخر التقييد وأيضا كما لا يجوز أن تكون المصلحة الشرعية فيهما التقييد يجوز أن يكون المصلحة الشرعية فيهما الإطلاق ويجوز أن يكون المصلحة فى أحدهما الإطلاق بينما الآخر.","vol":"1","page":231},{"text":"التقييد يدل عليه أنه لو جاز أن يقيد أحدهما بمجرد أن الآخر مطلق من غير أن يكون بينهما وصلة لا لفظية ولا معنوية ولكن بمجرد أن هذا المقيد وجب أن يقيد الآخر ومثله من هذا أيضا أن يكون لأحدهما بدل لأن للآخر بدلا أو يثبت التخصيص فى أحد العموم لأن الآخر مخصوص.\nقالوا: وقول بعضكم أن القرآن كله كالكلمة الواحدة يقيد بعضه مما يقيد به البعض الآخر مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] لا يصح لأن قولهم أن القرآن كالكلمة الواحدة أن أرادوا بذلك أن كله حق ولا غرر فى شىء منه ولا اختلاف هذا صحيح.\nوإن أرادوا أن كله كالشىء الواحد حتى يقيد البعض منه بما يقيد به البعض فهذا كلام لم يقل به أحد وكيف يكون كالكلام الواحد وقد أنزله الله تعالى على سبعة أحرف وقيل معناه سبع جهات أمر ونهى ووعد ووعيد ومتشابه وقصص ومثل ولأن اسم القتل لا ينطلق على الظهار فلا يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه كالبر لما كان اسمه لا ينطلق على الأرز لم يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه وهو أما الكيل أو الطعم على حسب ما اختلفوا فيه.\nفأما حجتنا نقول فى المطلق والمقيد إذا وردا فى حادثة واحدة أن التقييد زيادة فى أحد الخطابين ورد من الشارع فوجب الأخذ بها دليله الزيادة فى الاحتياط فإنه يجب الأخذ بها كذلك هاهنا وإذا وجب الأخذ بهذه الزيادة لم يكن بد من حمل المطلق عليه لأنا إذا لم نحمل المطلق عليه كان تركا لوصف التقييد.\nفإن قالوا: وإذا حملنا المطلق على المقيد كان تركا لوصف الإطلاق قلنا لا يكون تركا بل يكون قولا بتخصيص عموم وأما إذا لم يحمل المطلق عليه كان تركا لصفة التقييد أصلا فإن قوله ﵇: \"فى سائمة الغنم زكاة\" ١ إذا لم يحمل عليه الخطاب الذى ورد فى إيجاب زكاة الغنم تعطلت صفة السوم والغنم ولم يبق لها فائدة ولا بد فى هذا الدليل من الرجوع إلى أن القول بدليل الخطاب واجب وأنه حجة شرعية وسيأتى هذا من بعد.\nونقول أيضا إذا أجرينا المطلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد وإذا اعتبرنا.\n_________\n١ أخرجه البخاري الزكاة ٣/٣٧١ - ٣٧٢ وأبو داود الزكاة ٢/٩٨ ح ١٥٦٧ والنسائي الزكاة ٥/١٩ باب زكاة الغنم وأحمد المسند ١/١٦ ح ٧٣.","vol":"1","page":232},{"text":"المقيد واعتبرنا التقييد فى إثبات الحكم اعترضنا على المطلق ولا بد من واحد منهما والثانى أولى لأن الأمر المقيد صريح فى وصف التقييد أعنى السوم أو وصف الإيمان فيما إذا قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة ثم قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة مؤمنة واللفظ مختص بهذا الوصف.\nوأما المطلق فظاهر فى المعلوفة وليس بصريح فيها وكذلك فى المثال الثانى ليس بصريح فى الكافرة فكان الاعتراض بالصريح على الظاهر وبالنص على العام أولى لأن الخاص مقدم على العام والصريح مرجح على الظاهر هذا هو الكلام فى المطلق والمقيد إذا ورد فى حادثة واحدة والذى ذكروا من المثالين فى مسألة الطلاق والعتاق فلا يعرف ذلك على مذهبنا وإنما هو على مذهبهم.\nوأما الدليل فى الفصل الثانى وهو إذا ورد المطلق والخطاب المقيد فى شيئين مختلفين مع إيجاد الحكم وهو المسألة المعروفة ومثال ذلك فى كفارة القتل وكفارة الظهار فوجه الكلام فى هذه المسألة أن يدل على أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣] لفظ عام يشتمل على جميع الرقاب والتقييد بالإيمان تخصيص وإذا ثبت هذا صح بالقياس لأنا بينا أن تخصيص العموم بالقياس جائز والدليل على أنه لفظ عام أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة ٣] صالح لكل رقبة لأن الرقبة اسم لكل شخص له رقبة إلا أنه اختص بالعبيد من حيث العرف فهو إذا صالح للمؤمنة والكافرة والمعيبة والسليمة والعاقلة والمجنونة وإذا صلح لكل الرقاب كان عاما فى كل الرقاب إلا أنه لفظ فى كل الرقاب من حيث البدل على معنى أنه لا يتعدد الرقبة الداخلة فى الأمر بالتحرير غير أنه ما من رقبة توجد وتسمى رقبة إلا ويتناولها اللفظ ويشتمل عليها الأمر حتى لو قصدها فيحررها تخرج عن عهدة الأمر فصار معنى قولنا من حيث البدل أنه متناول لكل الرقاب لا من حيث يدخل جميع الرقاب فى الأمر بالتحرير ولكن من حيث استرسال الأمر على الرقاب بوصف التناول وقيام البعض مكان البعض فيكون عاما من حيث المعنى أن لم يكن عاما من حيث صورة اللفظ ويمكن أن يقال أنه عام فى الأوصاف لأنه على أى وصف كانت الرقبة فهى رقبة.\nوقولهم أن الوصف غير مذكور فلا يمكن دعوى العموم فيه قلنا الأوصاف لا تنفك الرقاب عنها بل هى من صورة الرقاب فصارت كالمذكورة فصح دعوى العموم فيها.","vol":"1","page":233},{"text":"ثم الدليل الواضح على أنه لفظ عام أنه يحسن منه الاستثناء بإلا وهو أن يقول: أعتق رقبة إلا أن تكون كافرة أو ذمية أو معيبة أو يقول: أعط هذا الدرهم فقيرا إلا أن يكون كافرا والاستثناء بعض ما يتناوله اللفظ ولولا أنه عام لم يتصور فيه الاستثناء لأن الاستثناء تخصيص إلا أنه دليل يتصل باللفظ والذى يتكلم فيه تخصيص بدليل منفصل عن اللفظ وإذا استويا فى معنى التخصيص فإذا قيل هذا اللفظ أحدهما قبل الآخر وقد ظهر هذا الذى قلناه الجواب عن قولهم أنه اسم فرد فهو وأن كان اسم فرد ولكنه عام فى الأوصاف أو نقول هو وأن كان اسم فرد فى الصورة لكنه اسم عام فى المعنى على ما ذكرنا من قبل بالتخصيص إنما يصح لعمومه من حيث المعنى كما صح الاستثناء بهذا الوجه ونزيد ما قلناه إيضاحا فنقول التخصيص على وجهين تخصيص بإخراج بعض المسميات من اللفظ مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فإن تخصيصه بإخراج بعض ما تناوله اللفظ من المسميات.\nوالوجه الثانى من التخصيص هو إفراد بعض ما يصلح له اللفظ عن البعض وأن شئت قلنا تعيين بعض ما يتناوله الاسم المبهم ونظيره قول الرجل رأيت زيدا فهذا اسم مبهم يصلح اللفظ لكل من يسمى زيدا فإذا قلت: رأيت زيدا العالم فقد أفردت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض وعنيت بعض من يتناوله الاسم المبهم.\nوإذا ثبت أن ما قلناه من حمل المطلق على المقيد بالقياس ومنع إجزاء الرقبة الكافرة تخصيص لفظ عام شامل لمسميات كثيرة بالوجه الذى قدمنا سقط قول أن تقييد الرقبة بالإيمان زيادة فى النص بل هو نقصان لأن التخصيص يكون نقصانا ولا يكون زيادة.\nوقولهم أن اسم الرقبة للبنية بأجزائها قلنا نعم ولكن الإيمان والكفر وصف لهذه البنية فقال رقبة مؤمنة ورقبة كافرة كما يقال معيبة وسليمة وكما لا يتصور إلا أن تكون معيبة أو سليمة لا يتصور إلا أن تكون كافرة أو مؤمنة وقد قال الطبرى فى أصوله لا يجوز أن لا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو عنهما وهذا هوس لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرا ولا أن تكون لا مؤمنة ولا كافرة كما لا يتصور أن تكون لا معيبة ولا سليمة وعلى أنه يدعى أن الإيمان والكفر من أجزاء البنية لكن ادعينا أنهما وصفا البنية وادعينا العموم من حيث الأوصاف ولهذا جاز الاستثناء.","vol":"1","page":234},{"text":"وإذا جاز أن لا يكون من أجزاء البنية وصح استثناء الرقبة بهذا الوصف جاز أيضا أن لا يكون من أجزاء البنية ويصح تخصيص الرقبة بهذا الوصف.\nواعلم أن فصل الاستثناء يهدم كل كلام لهم فى هذه المسألة ولا يتصور لهم رد وكلام عليه والجواب إنما لا يدعى أن الكفر من أجزاء الرقبة أو الإيمان لكن يدعى أن الكافر رقبة وتناول اللفظ إياه من هذا الوجه لا من وجه الذى قلتم وقد بينا دعوى العموم فى هذه المسألة ولم نحتج إلى أن نبين أن الزيادة فى النص لا تكون نسخا وتركنا الكلام فيه إلى أن نبلغ إلى مسائل النسخ وأما المسائل التى أوردوها فإنا لم نجز استعمال القياس فى هذه المسائل لأن الإجماع منع منه.\nوأما مسألة التتابع فى قضاء رمضان أو فى صوم كفارة اليمين فإنما لم نحمل المطلق على المقيد فى ذلك لأن المحل قد تجاذبه أصلان أعنى صوم المتعة حيث نص فيه على التفريق وصوم الظهار حيث نص فيه على التتابع فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر على حاله.\nوالكلام فى مطلق له أصل واحد فى المقيد وحين بلغ هذا الكلام فى هذا الموضع فقد انتهت المسألة والذى قالوا: أن قياس كفارة الظهار على كفارة القتل قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه قد أجبنا عن هذا فى الخلافيات فلا معنى للإعادة ثم الكلام فى العموم والخصوص ونتبع القول فى هذا القول فى مفهوم الخطاب ودليله لأنه لائق بفصل المطلق والمقيد وقد انبنى الكلام عليه فى بعض فصوله والله الموفق للصواب.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32><span data-type=\"title\" id=toc-33>القول فى دليل الخطاب</span></span>\nالقول فى دليل الخطاب\n...\nالقول فى دليل الخطاب.\nوبيان اختلاف العلماء فى ذلك ووجه كونه حجة وذكر ما يتصل به وما قيل فى بيان مذهب العلماء فى دليل الخطاب وما ذهب كل فريق منهم فى ذلك.\nاعلم أن أصحابنا أوردوا أنه على ثلاثة أنحاء فحوى الخطاب ولحن الخطاب ومفهوم الخطاب وبعضهم ضم إليها قسما رابعا وهو دليل الخطاب وفرقوا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب.\nفأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة١ وطريق الأولى مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] وقوله تعالى ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك آل عمران ٧٥ الآية ومثل قوله تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وعلى هذا ما روى عن النبي ﷺ أنه قال ردوا الخيط والمخيط وكذلك قوله تعالى مما أفاء الله عليك الأحزاب ٥ مثل هذه وضرب بيده إلى وبرة بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم ويقول القائل فى مستعمل الكلام فلان لا يعطى خردلة ولا يترك من حقه حبة ويقول: لا تقر عين أخيك وأمثال هذا.\nوقد سمى الشافعى ﵀ هذا قياسا جليا وذكر على مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قال هذا تنبيه على وجوب الكفارة فى قتل العمد واعترضوا عليه قالوا: ليس هذا بقياس لأنا نعلم هذا باضطراد لا بحكم النظر والاستدلال وهو كما نجد أنفسنا غير مفتقرة إلى النظر والاستدلال فى العلم بالمدركات وما نجده فى أنفسنا من الآلام واللذات وأيضا فإنه يشترك فى هذا العلم العامة والسوقة والنساء وأهل العلم والعلية من الناس وإذا علمه من ليس من أهل النظر والاستدلال دل أنه ليس علمه بطريق النظر والاستدلال ولأنه لو كان معلوما بنظر وقياس جلى أو خفى لجاز أن يغلط فيه غالط أو يشك فيه شاك أو يجوز أن.\n_________\n١ أي: مفهوم الموافقة الأولوي انظر إحاكم الأحكام ٣/٩٤ نهاية السول ٢/٢٠٢، ٢٠٣ البرهان ١/٤٤٩ التصريح على التوضيح ١/١٤١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٩٨.","vol":"1","page":236},{"text":"يترك الناس هذا القياس وهذا النظر ولا يقفون على قضيته وموجبه أو يعدل عن هذا النظر عادل أو يستعمل غير جهته مستعمل.\nوحين لم يتصور شىء من هذه الوجه دل أنه معرفة ضرورية بمعرفة قياسية ويجوز أن يصحح قول الشافعى فيقال إنما قال الشافعى ذلك لأن الضرب والشتم غير مذكور فى خطاب قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الاسراء: ٢٣] وإنما استدرك علمه وأن لم يذكر فى الخطاب من ناحية المذكور ويلقيه من قبله فأثبته علمنا بالفرع من ناحية أصله.\nوأيضا فإنه لا بد من نوع نظر فإن ما لم يعرف قصد المتكلم وأنه أخرج الكلام لمنع الأذى لا يجعل له هذا العلم.\nألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لغيره لا تشتم فلانا ولا تواجهه بقبيح ولكن اقتله ويقول: لا تضربه ولكن اقتله.\nوأمثال هذا يوجد كثيرا وإنما حبس ذلك لأن مقصوده لم يكن دفع الأذى عنه ولكن كان مقصوده إيقاع فعل دون فعل ويجوز أن يقصد العاقل فعلا ما فى عينه ولا يقصد فعل ما دونه.\nفأما إذا كان قصد المخاطب دفع الأذى بالمنع من التأفيف المنع من الشتم والضرب من طريق الأولى كما سبق فهذا تصحيح ما صار إليه الشافعى وسيأتى بأجلى من هذا فى باب القياس.\nوأما لحن الخطاب١ فقد قيل ما أضمر فى أثناء اللفظ وقيل لحن الخطاب ما يدل على مثله والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه.\nوأما مفهوم الخطاب فما عرف من اللفظ بنوع نظر وقيل ما دل عليه اللفظ بالنظر فى معناه ومن فرق من أصحابنا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب فلا يتجه له فرق صحيح.\nوالجملة أن فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب أدلة يستخرج بها ما اقتضته ألفاظ الشارع من الأحكام.\nواعلم أن حقيقة دليل الخطاب أن يكون المنصوص عليه صفتان فيعلق الحكم بإحدى الصفتين وأن شئت قلت: فيقيد الحكم بإحدى الصفتين فيكون نصه مثبتا للحكم مع وجود الصفة فدليله نافيا للحكم مع عدم الصفة كقوله ﵇: \"فى الغنم\n_________\n١ وهو مفهوم الموافقة.","vol":"1","page":237},{"text":"السائمة الزكاة أو فى سائمة الغنم الزكاة\" ١ فنصه وجوب الزكاة فى السائمة ودليله نفى وجوب الزكاة فى المعلوفة وكقوله ﵇: \"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا\" ٢ فنصه طهارته إذا بلغ الماء قلتين ودليله نجاسته إذا نقص عن القلتين وكقوله: \"فى أربعين شاة شاة\" ٣ فنصه وجوبها فى الأربعين ودليله سقوطها فيما دون الأربعين وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فنصه مقتضى التثبت فى قول الفاسق ودليله قبول قول العدل وترك التثبت فيه.\nوإذا عرف دليل الخطاب فنقول اختلف أهل العلم فى كونه دليلا وصحة الاستدلال به فقال مالك والشافعى وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام ويحتج به وهو قول داود وأصحاب الظاهر وقال به أيضا طائفة من المتكلمين.\nوذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن دليل الخطاب ليس بحجة ووافقهم على ذلك من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والقاضى أبو حامد المروزى وأبو بكر القفال الشاشى وهو قول جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشعرية٤ واختلف هؤلاء المبطلون بدليل الخطاب فى تعليق الحكم بالصفة إذا علق الحكم بغاية أو شرط فأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ذهبوا إلى أن التقييد بالغاية والشرط مثل التقييد بالصفة وليس يدل على الخطاب على ما سوى المنطوق به أصلا.\nوذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط والغاية وأن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة٥ وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط٦ وأثبته.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه أبو داود الطهارة ١/١٦ ح ٦٣ والترمذي الطهارة ١/٩٧ ح ٦٧ والنسائي المياه ١/١٤٢ باب التوقيت في الماء والدارمي الطهارة ١/٢٠٢ ح ٧٣٢ وأحمد المسند ٢/١٨ ٤٦٠٤.\n٣ أخرجه أبو داود الزكاة ٢/٩٩ ح ١٥٦٨ والترمذي الزكاة ٣/٨ ح ٦٢١ وقال حديث حسن وابن ماجه الزكاة ١/٥٧٧ ح ١٨٠٥.\n٤ انظر روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي ٢٣٥ التصريح على التوضيح ١/١٤٤.\n٥ انظر البرهان ١/٤٥٣ نهاية السول ٢/٢٠٦ إحكام الأحكام ٣/١٠٢، ١٠٣ روضة الناظر ٢٤٤.\n٦ ذهب إلى إبطالهما من الشافعية الإمام الباقلاني وحجة الدين الغزالي انظر المستصفى ٢/٢٠٤، ٢٠٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٠٥، ١١٠.","vol":"1","page":238},{"text":"فى المقيد بالغاية.\nوأما المثبتون لدليل الخطاب فقد أثبتوه فى المقيد بالشرط والصفة والغاية واختلفوا فى المقيد فى الاسم والعين فأثبته أيضا أبو بكر الدقاق وشرذمة قليلة من الفقهاء والصحيح أنه غير ثابت١.\nوأما حجة النافين لدليل الخطاب قالوا: فلو دل الخطاب المقيد بالصفة على نفى ما عداه لدل عليه أما بصريحه ولفظه وأما بفائدته ومعناه وليس يدل عليه من كلا الوجهين فإذا ليس يدل عليه أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكر لما عدا الصفة إلا ترى أن قول القائل أدوا عن الغنم السائمة الزكاة ليس فيه ذكر للمعلوفة أصلا وأما المعنى فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث أنه لو كانت الزكاة فى غير السائمة كهى فى السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف لما لا فائدة فيه قالوا: وهذا لا يصح لأن فى تكلف ذكر السوم فوائد أخرى سوى نفى الزكاة عن المعلوفة وإذا أمكن ذلك بطل القول بأنه لا فائدة فى ذكر السوم سوى انتفاء الزكاة عن المعلوفة وذكروا فوائد فى التقييد بالصفة منها أنه قد يكون اللفظ لو أطلق فى بعض المواضع لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عنه فتذكر الصفة لإزالة هذا الإيهام وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الاسراء: ٣١] لو أطلق لكان يجوز أن يتوهم به متوهم أنه لم يرد عند خشية الإملاق قول الله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ليرفع هذا الإيهام وهذا غرض صحيح ومنها أن تكون البلوى تعم بالصفة المذكورة وما عداها لم يثبته على.\n_________\n١ ليس المراد من اللقب نصوص ما اصطلح عليه النحويون وهو ما أشعر بمدح أو ذم ولم يصدر بأب أو أم وإنما المراد به كل ما يدل على الذات سواء كان عاما أو كنية أو لقبا مثل زيد وأعلى وأنف الناقة وللأصوليين في هذا قولين:\nأحدهما وهو المختار للبيضاوي وهو رأي جمهور العلماء أن تعليق الحكم بما يدل على الذات يدل على نفي الحكمعما عدا الذات وإنما يدل على ثبوته للذلك فقط.\nوثانيهما أن تعليق الحكم بما يدل على الذات يدل على نفي الحكم عن غير الذات كما يدل على ثبوته للذات وهو لبعض العلماء كأبي بكر الدقاق من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية وبعض الحنابلة.\nانظر نهاية السول ٢/٢٠٦، ٢٠٧ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٣٧ روضة الناظر ٢٤٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٠٠، ١٠١.","vol":"1","page":239},{"text":"الناس فقيد الله تعالى الخطاب بالصفة لإحداث البلوى بها وهذا أيضا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الاسراء: ٣١] ومنها أن يكون غرض الشارع أن يعلم حكم المنصوص عليه بالنص ويعرف حكم ما عداه بالقياس أو بدليل وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع أن تعرف حكم الأجناس الستة فى الربا بالنص ويعرف حكم ما عداها بالقياس عليها.\nوفى تعريض المجتهد للاجتهاد تعريضه للثواب وهو نفع عظيم وغرض صحيح ومنها أن تكون المصلحة المعلومة للشارع أن يبين حكم الزكاة عند وجود صفة السوم وينفى حكم المعلوفة على ما يدل عليه العقل.\nفأما إذا لم يجد دليلا يدل على وجوب الزكاة فى المعلوفة نفينا الزكاة عنها لأن العقل يدل على ذلك من حيث أنه مال الغير لا يستحق عليه إلا بدليل شرعى يدل على استحقاقه.\nفإن قلتم فقد نفينا الزكاة عن المعلوفة وصرتم إلى ما قلنا نقول بلى ولكن بتعليق الزكاة بالسائمة لكن ينعدم قيام الدليل على وجوب الزكاة فى المعلوفة فإنه حكم العقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعى وهذا الذى قلناه دليل معتمد لهم وذكروا دليلا آخر وقالوا: لو كان الحكم المقيد بالصفة فى محل يدل التقييد على نفيه فيما عداها لكان أمر الخبر كذلك ومعلوم أن الإنسان لو قال زيد الطويل فى الدار لا يدل على أن القصير ليس فى الدار ولا على أنه فيها بل هو موقوف على قيام دليل عليه فالأمر يكون كذلك.\nدليل آخر لهم هو أن الأسماء مثبتة لتمييز الأجناس والأشخاص فتمييز الأجناس أن يقال خيل أو إبل وتمييز الأشخاص أن يقال فرس أو بعير والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال فتمييز النعوت بالأوصاف أن يقال طويل أو قصير وتمييز الأحوال أن يقال قائم أو قاعد فصارت الأسماء والصفات فى وصفها للتمييز شأن فإن كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه فإنه إذا قيل فى الإبل الزكاة لا يدل على نفيها عن البعير فوجب أن يكون التقييد بالصفات بمثابته فلا يدل تقييد الخطاب بها على نفى الحكم المذكور فى الخطاب عما عداه وهذا أشهر دلائلهم وأعرفها.\nدليل آخر لهم قالوا: قد فرق أهل اللغة بين العطف وبين النقض وقالوا: قول.","vol":"1","page":240},{"text":"القائل اضرب الرجال الطوال والقصار عطف وليس بنقض ولو كان قوله اضرب الرجال الطوال يدل على نفى ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا عطفا.\nدليل آخر قالوا: موضوع الخطاب أن تفهم منه المراد بوصفه فيفهم من الإيجاب إيجابا ومن النفى نفيا ولا يصح لهم الإيجاب من النفى ولا النفى من الإيجاب كما لا يصح أن يفهم من القول الصحيح إلا ما يوافقه وقد قلتم فى دليل الخطاب أن يفهم النفى من الإيجاب والإيجاب من النفى فيكون جمعا بين المتضادين وهذا لا يجوز وليس كالأسماء المشتركة لأنه لا يجمع بين المتضادين هناك فى المراد فإنه إذا قام الدليل على أن المراد به أحدهما انتفى الآخر وفى مسألتنا القول بدليل الخطاب يقتضى الجمع بين الضدين من النفى والإثبات وهذا محال.\nدليل آخر قالوا: الخطاب المقيد بالصفة يحسن الاستفهام فيه لما عدا الصفة فيقال للمخاطب ما حكم المعلوفة فى قوله: \"فى سائمة الغنم زكاة\" ١ ويقال للمخاطب فى قوله البنت أحق بنفسها من وليها ما حكم البكر ولو كان دليل الخطاب ثابتا من حيث لسان العرب لكان يقبح الاستفهام لأن الاستفهام طلب الفهم وما فهم يقبح طلب فهمه واعتمد القاضى أبو بكر الباقلانى فى نفى دليل الخطاب على فصل وقال لو كان الأمر على ما يقوله القائلون بدليل الخطاب لوجب أن لا يعلم إلا سماعا وتوقيفا عن أهل اللغة لأن مثل هذا لا يدرك بموضوعات العقول وإنما يوجد بالمواضعة والمواطأة من أهل اللسان ولو كان من أهل اللغة توقيف فى هذا الباب لوجب أن نعلمه مع كثرة خوضنا فى هذه المسألة وتوفير دواعينا على طلب الحق منها.\nقالوا: وأن كان ما يحكيه المخالفون عن أهل اللغة فى هذا الباب لوجب أن ينقل إلينا نقلا مستفيضا حتى يقع لنا العلم بذلك وحين لم يقع لنا العلم فى ذلك بوجه ما عرفنا أنه لا نقل فى ذلك عن أهل اللغة أصلا وإذا لم يثبت النقل ولم يعرف شرع ورد بإثبات دليل الخطاب دل أن الدليل من هذه الجملة ساقطا أصلا وأما أبو زيد قال فى هذه المسألة لا يخلو أما أن يكون الوصف المذكور معنويا أو غير معنوى فإن كان غير معنوى فيعلق الحكم به كتعليقه بالاسم واللقب وأن كان معنويا وهو أن يكون مؤثرا فى إيجاب الحكم فنهاية ما فى الباب أن ينزل منزله العلة والاختلاف بين العلماء أن العلة توجب الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم.\n_________\n١ سبق تحريجه.","vol":"1","page":241},{"text":"على ما كان قبل معرفة العلة قال وكذلك فى الحكم المعلق بالشرط فالشرط يقتضى وجود الحكم عند وجوده ولا يقتضى نفيا عند عدمه بل الحكم عند عدم الشرط يكون موقوفا على قيام الدلالة كما تقول فى العلة.\nقال وأما الزكاة إنما لم تجب فى المعلوفة بدليل آخر وهو قوله ﷺ: \"لا زكاة فى الإبل العوامل\" ١ وبعضهم روى: \"لا زكاة فى الحمولة والعلوفة\" ٢ واستدل من قال لغيره أعتق عبيدى ثم قال أعتق عبدى الأبيض لا يكون نهيا عن عتق غيره وأما أبو الحسن الكرخى من أصحابهم فرق بين المقيد بشرط وبين المقيد بصفة قال لأن التعليق بالشرط يقتضى إيقاف الحكم على وجود الشرط وإذا وقف عليه انعدم بعدمه وليس فى تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند عدمها فيبقى ما وراء المذكور موقوفا بل بحسب ما يقوم عليه الدليل والأصح عندهم أن لا فرق بين الشرط والصفة.\nوأما دليلنا اعلم أن الأصحاب اختلفوا فى أن دليل الخطاب دليل من حيث اللفظ أو من حيث الشرع والصحيح أنه دليل من حيث اللغة ووضع لسان العرب فيقول الدليل على ذلك أن ابن عباس ناظر الصحابة وهم قطب العرب والفصحاء منهم فى إسقاط ميراث الأخوات مع البنات بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فكان دليله أن لا شىء لها مع الولد وسائر الصحابة لم يدفعوا عن هذا الاستدلال بل عدلوا فى إثبات توريث الأخوات مع البنات إلى حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ ورث الأخوات مع البنات٣ والخبر المشهور فى الباب وفى هذا إجماع منهم على القول بدليل الخطاب وبمثل هذا استدل ابن عباس على الصحابة فى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وزعم أن الأخوين لا يردان الأم من الثلث إلى السدس وقال له عثمان أصحابك جعلوا الأخوين بمنزلة الإخوة ولم يذكر أن هذا الذى يقوله لا يدل عليه لسان العرب.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الزكاة ٢/١٠١، ١٠٢ ح ١٥٧٢ انظر نصب الراية ٢/٣٦٠.\n٢ قال الحافظ الزيلعي: غريب بهذا اللفظ انظر نصب الراية ٢/٣٦.\n٣ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٢٥ ح ٦٧٤٢ وأبو داود الفرائض ٣/١٢٠ ح ٢٨٩٠ والترمذي الفرائض ٤/٤١٥ ح ٢٠٩٣ وابن ماجه ٢/٩٠٩ ح ٢٧٢١ والدارمي الفرائض ٢/٤٤٧ ح ٢٨٩٠.","vol":"1","page":242},{"text":"ويدل عليه أيضا أن أبا عبيد القاسم بن سلام وهو من أوثق من نقل كلام العرب حكى عن العرب استعمالهم دليل الخطاب واستشهد عليه بقوله ﷺ وهو من أفصح من ذب ودرج: \"لى الواجد يحل عرضه وعقوبته\" ١ قال فهذا دليل على أن لى المعدم لا يحل عرضه وعقوبته وكذلك قال فى قوله ﵇: \" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يزيد خير من أن يمتلىء شعرا\" ٢ وذكر أنه إذا لم يمتلىء فهو مباح فإن قال قائل يحتمل أن أبا عبيد قال ما قاله عن نظر واستدلال من قبل نفسه مثل ما يقولون لا أنه قال ذلك عن أهل اللغة هو ﵀ إنما فسر حديث الرسول ﷺ فى كتابه على ما عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض فى خاطره ويظن فظنه فسقط ما قالوه ولأن العرب فرقت بين المطلق والمقيد بالصفة كما فرقت بين الخاص والعام وبين المطلق والمقيد بالاستثناء ألا ترى أنهم لا يقولون اعط زيدا الطويل واعط عمرا القصير وهم يريدون التسوية بين الطويل والقصير وبين الغنى والفقير وكذلك يقول القائل من دخل الدار فأعطه درهما ويقول: أن دخله عربى فأعطه درهما فإنه يريد بالأول كل من يدخل ولا يريد بالكلام الثانى غير العربى فدل أن الخطاب دليل مستخرج من اللفظ من حيث اللغة ولسان العرب.\nفإن قيل هذا دعوى على العرب لا يعرف ولا يمكنهم أن يوجدوا فى ذلك رواية عنهم ولا حكاية عن فصيح منهم وأن كان على ما يزعمون فنصوا على ما زعمتم وأن لم يمكنهم ذلك فاعلموا أنكم حصلتم على دعوى مجردة لا دليل عليها والجواب أن ما ذكرنا أمر متعارف من كلام العرب وشىء معقول من لسانهم ومعلوم من مذاهبهم وليس من عادة العرب أن تخبرك بذلك عن نفسها وتقول إنا أدرنا بكذا كذا وبكذا كذا وإنما تتكلم بطباعها وبما أودع الله ﷿ فى لسانها من البيان الذى يحصل به علم المعانى عند السامعين فمن كمل معرفته من الناس بلسانها واستدرك مرادهم بكلامهم بما ذكرنا من لغتهم وعرفه من لسانهم وهذا مثل وجوه.\n_________\n١ ذكره البخاري الاستقراض ٥/٧٥ باب لصاحب الحق مقال معلقا وأبو داود الأقضية ٣/٣١٢ ح ٣٦٢٨ والنسائي البيوع ٧/٢٧٨ باب مطل الغني وابن ماجه الصدقات ٢/٨١١ ح ٢٤٢٧ وأحمد المسند ٢٧٢ ح ١٧٩٦٩.\n٢ أخرجه البخاري الأدب ١٠/٥٦٤ ح ٦١٥٤ - ٦١٥٥ ومسلم الشعر ٤/١٧٦٩ ح/٢٢٥٧ ٨/٢٢٥٨ وأبو داود الأدب ٤/٣٠٤ ح ٥٠٠٩ والترمذي الأدب ٥/١٤٠ ح ٢٨٥١.","vol":"1","page":243},{"text":"الإعراب من الرفع والنصب والخفض فإنهم لم يقولوا أن لساننا فى الإعراب كذا وكذا ولكن تكلمت بطباعها على وجوه من الإعراب فمن عرف لسانهم عرف وجوه الإعراب من كلامهم وكما عرف من كلامهم ذكر الأدب والتنبيه به على الأعلى مثل قول القائل فلان يحاسب على النقير والقطمير وفلان لا تقع الخردلة من كفه وما أشبه ذلك فكذلك عرف من كلامهم أنهم يذكرون أعلى صفات الشىء وأتمها فى بابه وجنسه ويريدون بذلك أن يكون ما عداه يخالفه فى حكمه كقولهم الشبع فى الخبز والقوة فى اللحم والرق فى البر واللذة فى الماء البارد فنعلم أن ما عدا هذه الأشياء مخالف لها قاصر عنها فى معانيها ونظير هذه الألفاظ قوله ﷺ: \"الولاء لمن أعتق\" ١ لأن الإعتاق أجل ما يصطنعه الناس ويسديه السادة من النعم إلى عبيدهم فلم يجز أن يشاركهم فى استحقاق الولاء غيرهم وعلى هذا قوله: \"فى سائمة الغنم الزكاة\" ٢ لما كانت السائمة أعلى جنسها فى توفر المنفعة وخفة المؤنة لم يجز أن يشاركها المعلوفة التى استغرقت مؤنتها عامة منفعتها ولا العوامل التى عدم ماؤها وانقطع درها ونسلها فقد وجد من النبي ﷺ التكلم بهذا وأشباهه ليدل على المخالفة وذلك على دقاق لسان العرب وما توجبه اللغة ونحن نجد لدلالة اللحن من الغلبة على القلب والتمكن من الفهم ما نجده لنص الكلام قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فدليل الخطاب من لحن القول وبيان اللسان وقد دل اللفظ من جهتين بنصه ومفهومه ففى نصه إلمامنا لشىء وفى مفهومه ما عداه وهذا من لطف لسان العرب وقد قال بعض الشعراء:\nوالحادثات وأن أصابك نوبها ... فهو الذى إياك كيف نعيم\nفاستعمل الدليل من الشىء على نفسه وضده وقد قال أيضا أهل اللغة أن كلمة إنما أنها من أن التى هى لإقرار الشىء وإثباته ومن ما التى هى النفى فاجتمع المعنيان لها وأن كان هذا مشهورا عندهم وموجودا فى كلامهم فكيف بك وجود نظير ذلك من المنطوق ودليل مفهومه.\nببينة أنه المعلوم أن صح الكلام وأبعده من دخول الشركة كلام التحديد ثم.\n_________\n١ أخرجه البخاري الصلاة ١/٦٥٥ ح ٤٥٦ ومسلم العتق ٢/١٤١ ح ١٥٠٤ وأبو داود الفرائض ٣/١٢٦ والترمذي الوصيا ٤/٤٣٦ ح ٢١٢٤.\n٢ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":244},{"text":"الحدود جارية على الطرد والعكس وتعمل بركنيها وتعطى الدلالة من جهتيها فيثبت بهذا الذى قلناه أن دليل الخطاب ثابت من جهة كلام العرب وتضمنه لسانها الذى تكلموا بها وقد خرج ما قلناه أخيرا.\nالجواب عن كلامهم أنه كيف يعرف دليل الإثبات من النفى أو دليل النفى من الإثبات وأن ما قلتم يؤدى إلى أن يكون الكلام الواحد جامعا لدليلين متضادين وظهر أيضا الجواب عن دليل أبى بكر محمد بن أبى الطيب الباقلانى فى قوله أنه لم يدل على هذا نقل ولا عقل وقد بينا الدليل من جهة النقل عن العرب والمعروف عن كلامهم وقد ذكر الأصحاب ما يزيد هذا من قول النبي ﷺ فى قصة عبد الله بن أبى واستغفاره له حين نزل قوله ﷿: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال ﷺ عند ذلك: \"والله لأزيدن على السبعين\" ١ وفى رواية: \"لو علمت أنه يستجاب لى لزدت على السبعين\" ٢ فإن قيل كيف يصح الاستدلال بهذا والكلام إنما خرج على جهة تأييس المنافقين من المغفرة.\nوالجواب أن الاستدلال صحيح لأن الكلام كان محتملا أن يكون المراد به الإياس من المغفرة لهم ومحتملا أن لا تقع المغفرة بالسبعين وتقع بما جاوزها فاستعمل ﷺ بما جعل الله فى قلبه من الرأفة والرحمة بالعباد حكم اللسان ووضع الاستدلال موضوعه رجاء أن يصادف الإجابة والمغفرة وبين الله تعالى المراد من الآية فى تحقيق الإياس بقوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فهذا وجه الاستدلال بالآية وهو بين جدا وخرج على الطريقة التى ذكرناها طريقة أبى زيد لأنا لم ندع أن دليل الخطاب من حيث العلة والمعلول حتى نلزم ما قال وإنما قلنا بدليل الخطاب من حيث اللغة ووضع اللسان.\nنعم قد رأيت لبعض المتأخرين من أصحابنا ذكر هذه المسألة فى أصوله وزيف دلائل الأصحاب من حيث الظاهر ومن حيث المعنى ثم قال المختار عندى أن الخطاب المقيد بالصفة ينظر فى الصفة المذكورة فإن كانت مناسبة للحكم المنوط به دل أن ما عداه بخلافه وأن لم تكن مناسبة لم تدل وذكر صورة المناسبة قوله ﷺ: \"فى خمس\n_________\n١ أخرجه البخاري التفسير ٨/١٨٤ ح ٤٦٧٠.\n٢ أخرجه البخاري التفسير ٨/١٨٤ ح ٤٦٧١ والترمذي التفسير ٢٧٩ ح ٣٠٩٧ والنسائي الجنائز ٤/٥٤ باب الصلاة على المنافقين وأحمد المسند ١/٢١ ح ٩٦.","vol":"1","page":245},{"text":"من الإبل السائمة شاة\" ١ فإن السوم يشعر بخفة السوم وتوفر المنافع وذكر فى هذا الفصل عبارات زائفة حسنة فدل توفر المنفعة وخفة المؤنة على وجوب الزكاة فوجب القول بالمفهوم وسقطت الزكاة عن المعلوفة بحكم المفهوم وكذلك قوله ﷺ: \"الثيب أحق بنفسها من وليها\" وكذلك قوله ﵇: \"من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع\" ٢ ولهذا أمثلة كثيرة.\nوعندى أن هذه الطريقة ضعيفة ولا يجوز اختيارها لوجهين.\nأحدهما أنه خلاف مذهب الشافعى لأنه جعل المفهوم حجة على العموم فى جميع المواضع من غير اعتبار وجود مناسبة بين الصفة والحكم.\nوالثانى أنه إذا اعتبرنا المناسبة التى ذكرها فليس ذلك الإتيان علة مؤثرة فى الحكم فيرد عليه ما ذكره القاضى أبى زيد وهو أن الإطراد فى العلل واجب لكن عكس العلة لا يكون حجة فى عكس الحكم والعلة توجد الحكم بوجودها لكن لا يجب أن ينعدم بعدمها والاعتماد على ما ذكرناه وهى الطريقة الصحيحة المختارة.\nواستدل كثير من أصحابنا فى هذه المسألة بالفصل المعروف المتداول بين الفقهاء وهو أن الصفة نطق عن صاحب الشرع تكلف ذكره فلا يجوز أن يخلو عن فائدة لأن طلب الفوائد من كلام صاحب الشرع واجب ما أمكن ولا يجوز استعمال طريق تؤدى إلى إلغاء كلامه وإخلائه عن الفائدة وما قلتم يؤدى إلى هذا يدل عليه أن التقييد فى الصفة يخصص الخطاب كتقييد الدلائل المخصصة للعمومات وكالاستثاء من الأعداد فإن قالوا: أن الاستثناء لفظ منطوق به فى النفى مثل ما هو منطوق به فى الإثبات وهاهنا النطق فى الإثبات دون النفى.\nفالجواب أن كون النطق فى شىء مخصوص لا يدل على سقوط دليله فيما لم يتناوله النطق دليله الفحوى وعلى أنا قد ذكرنا أن هذا أخذ وجوه البيان فى اللغة وهو من لحن القول على ما سبق.\nوأما الفوائد التى ذكروها فليست بشىء لأن المعتبر هو الفائدة التى يدل عليها اللفظ.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٦٩ ومسلم البيوع ٣/١١٧٢ ح ٧٧/١٥٤٣ وابن ماجه التجارات ٢/٧٤٥ ح ٢٢١١ ومالك في الموطأ: البيوع ٢/٦١٧ ح ٩ وأحمد المسند ٢/٨٧ ح ٥٣٠٥.","vol":"1","page":246},{"text":"فى الأعم الأغلب والفائدة التى يدل عليها اللفظ فى الأعم الأغلب هو ما ذكرنا من كون ما عدا الملفوظ بخلافه.\nويقولون على هذا قلتم أن الأكثر والأغلب على ما قلتم وأيضا فإنا لو اعتبرنا هذا كان الذى يؤدى إليه اللفظ هو غالب الظن دون القطع لأنه يجوز ما قلناه من الفوائد وأن كان قليلا نادرا.\nويمكن أن يجاب عن هذا فيقال نحن لا نلحق المفهوم بالنص لكن نقول هو ظاهر فى المفهوم مثل العموم ظاهر فى الاستيعاب ولهذا نقدمه على القياس ونؤخره عن النص وهذه الطريقة قد حكيناها عن الشافعى وقالوا: ذكرها فى الرسالة ويمكن نسبتها غير أن الاعتماد على الأول وقد استدل بعض أصحابنا بظاهر قوله ﷺ: \"الماء من الماء\" ١ وقوله: \"الأئمة من قريش\" ٢ وقوله ﵇: \" الربا فى النسيئة\" ٣ واحتج ابن عباس فى ذلك فى نفى ربا النقد.\nوهم يقولون فى هذا الألفاظ إنما صارت دليلا لا من حيث دليل الكلام لكن لأن صاحب الشرع أدخل الألف واللام وهما لاستغراق الجنس فلأجل هذا حسن الاستدلال بهذه الألفاظ.\nأما من الأنصار من منع إيجاب الغسل بدون الإنزال حتى روت عائشة ﵂ ما روت ومن أبى بكر ﵁ فى دفع الخلافة من الأنصار ومن ابن عباس ﵄ فى نفى ربا النقد٤.\n_________\n١ أخرجه مسلم الحيض ١/٢٦٩ ح ٨٠/٣٤٣ وأبو داود الطهارة ١/٥٥ ح ٢١٧ والترمذي الطهارة ١/١٨٦ ح ١١٢ والنسائي الطهارة ١/٩٦ باب الذي يحتلم ولا يرى الماء واين ماجه الطهارة ١/١٩٩ ح ٦٠٧ وأحمد المسند ٣/٣٦ ح ١١٢٤٩.\n٢ أخرجه أحمد المسند ٣/١٧٢ ح ١٢٣١٥ والطبراني في الكبير ١/٢٥٢ ح ٧٢٥ والبيهقي في الكبير ٣/١٧٢ ح ٥٢٩٨ انظر تلخيص الحبير ٤/٤٩ ح ٦.\n٣ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٤٥ ح ٢١٧٨، ٢١٧٩ ومسلم المساقاة ٣/١٢١٨ ح ١٠٢/١٥٩٦ والنسائي البيوع ٧/٢٤٧ باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة.\n٤ وهذا مروي أيضا عن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير لقوله ﵇: \"لا ربا إلا في النسيئة\" رواه البخاري ومسلم والمشهور من ذلك قول ابن عباس ثم إنه رجع إلى قول الجماعة روى ذلك الأثرم بإسناد وقاله الترمذي وابن المنذر وغيرهم وقال سعيد بإسناد عن أبي صالح قال صحبت ابن عباس حتى مات فوالله ما رجع عن الصرف وعن سعيد بن...........=","vol":"1","page":247},{"text":"وعندنا يثبت ربا النقد بالأخبار الصحيحة فى الباب١.\nواعلم أنه قد دخل الجواب فيما ذكرناه عن معظم ما ذكروه وقد نفيت لهم أحرف ولا بد من الجواب عنها.\nأما قولهم أن تقييد الخبر بالصفة لا يدل أن ما عداه بخلافه.\nقلنا الدليل بين الأمر والخبر أن المخبر قد يكون له غرض فى الإخبارى وبه زيد العالم أو دخوله الدار أو قدومه ولا يكون له غرض فى الإخبار عن عمرو الجاهل فيخص زيدا بالإخبار عن دخوله ورؤيته وأما الشارع فغرضه أن يبين جميع ما كلف فإذا قال زكوا عن الغنم السائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة فى جميع الغنم تعلق بمطلق الاسم.\nوأما تعلقهم بالخطاب المقيد بالاسم.\nقلنا هو خارج على الطريقة الأولى لأن العرب تجمع بين الأسماء المختلفة فى الأمر الواحد ويحسن منهم ذلك فإنهم يقولون اشتر لحما وخبزا وتمرا وبيضا وتريد الكل بالشراء ولا تقول العرب اشتر تمرا برنيا فاشتر تمرا معقليا واشتر الإزاد حتى تعد جميع أنواع التمر ويعدون هذا عيا من الكلام بل يقولون اشتر التمر وهذا لأن الاسم بمجرد التعريف مثل الألقاب والتعريف فى محل لا يدل على الجهالة فى محل آخر.\nوأما الصفة فليس للتعريف المجرد بل هى للتنبيه على المعنى والدليل على الفرق بينهما من حسن اللغة ولسان العرب أن الأسامى تختلف على اتفاق المعانى ولا يتصور اختلاف الصفة مع اتفاق المعنى بل الأوصاف تقع أدلتها خاصة ومعنى هذا أن ذكر.\n_________\n= جبير قال: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير به بأسا وكان يأمر به انظر المغني ٤/١٢٣.\n١ وعلى ذلك الجمهور وهو الصحيح لحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق لا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائبا بناجز\" وروى أبو سعيد أيضا قال جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ \"من أين هذا يا بلال\" قال كان عندنا تمر ردئ فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ \"عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إن أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به\" متفق عليه انظر المغني ٤/١٢٣.","vol":"1","page":248},{"text":"الصفة يدل على تلك الصفة على الخصوص إذا قال القائل أعط الأسود عقل تخصيص الأسود بالعطاء ومنع الأبيض وإذا قال أعط زيدا لم يعقل منه منع عمرو وعلى طريقة أبى بكر الدقاق قد منع هذا الفصل.\nوأما قولهم إلا يصح أن نقول أعط الطوال والقصار ويكون هذا عطفا ولا يكون نقضا.\nقلنا عندنا تخصيص الطوال بالأمر بالضرب أو الأمر بالإعطاء يدل على نفى ضرب القصار أو نفى إعطاء القصار فإذا عطف القصار على الطوال لم يوجد تخصيص الطوال بالخطاب حتى يوجد الدلالة على نفى ضرب القصار أو نفى إعطائه وعلى أن هذا يبطل بالغاية والشرط فإن الإنسان إذا قال لغيره صم إلى غروب الشمس أفاد ذلك نفى الصوم بعد غروبها ولو قال صم إلى غروب الشمس أو إلى طلوع القمر لم يكن نقضا وفى الشرط لو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار أفاد أنه لا يجوز العطية إذا لم يدخل الدار ولو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار وأن دخل السوق يكون تقييد عطفا ولا يكون نقضا وأما الذى قالوه من حسن الاستفهام فإنما حسن ذلك لأنا لم ندع أن اللفظ نص فى موضع المفهوم لكن إنما ادعينا أنه نص فى موضع النطق ظاهر فى موضع المفهوم وإذا كان ظاهرا يجوز أن يقوم دليل على خلاف المراد فى موضع المفهوم فيحسن الاستفهام ليصير الظاهر نصا ويسقط الوهم مثل صيغة العموم هى للاستيعاب ثم يحسن الاستفهام فيقول: أردت الجميع إذا أردت الاستغراق والاستيعاب وكان حسن الاستفهام بالطريق الذى قدمنا كذلك هاهنا وقد تبين الجواب عن جميع أدلتهم وهذه المسألة أصل عظيم فى الفقه وعليه مسائل كثيرة وقد وقعت الإشارة إلى بعضها فى أثناء المسألة وباقى المسألة معروفة وقد ذكرت فى خلافات الفروع فاقتصرنا على ذلك والله أعلم.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>فصل: الخطاب سبعة أنواع</span>\n...\nفصل وإذا ثبت القول بدليل الخطاب فنقول الخطاب سبعة أنواع.\nالشرط والغاية والصفة والحال والاسم والعين والعدد وأما تعليقه بالشرط فهو ما دخل عليه أحد الحرفين أن وإذا.\nفإن كقوله أن دخل زيد الدار فأكرمه.\nوإذا كقوله إذا دخل زيد الدار فأكرمه.","vol":"1","page":249},{"text":"وهما حرفا شرط ثبت الشرط بكل واحد منهما ويتعلق الحكم بوجوده وينتفى بعدمه على السواء وإنما يختلف الحرفان فى التحقيق والشك.\nفإن تستعمل فيمن لا يتحقق دخوله.\nوإذا تستعمل فيمن تحقق دخوله.\nوإنما الغاية فهى بلفظ حتى وهو قوله أكرم زيدا حتى يقوم فيستحق الكرامة قبل قيامه ولا يستحقها بعد قيامه.\nوالفرق بين الغاية والشرط أن حكم الغاية يتعلق بها قبل وجودها وحكم الشرط يتعلق به بعد وجوده.\nوأما الصفة فالتعليق بالصفة إنما يكون فيما يختلف أوصافه وأقله أن يكون ذا وصفين فإذا علق الحكم بإحدى صفتيه كان موجبا لثبوت الحكم مع وجوده ودليله موجبا لانتفاء الحكم عند عدمها وإذا قرن الحكم المعلق بالصفة بحكم مطلق فقد اختلف قول الشافعى فى دليل المقيد بالصفة هل يصير مستعملا فى المطلق على قولين ومثاله قول الله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وكان نصه أن لا عدة على غير المدخول بها ودليله وجوب العدة على المدخول بها ثم قال: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ هل يكون إطلاق المتعة معطوفا على العدة فى اشتراط الدخول بها على قولين.\nأحدهما أنه تصبير المتعة بالعطف على العدة مشروطة بعدم الدخول.\nوالقول الثانى أن قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ لا يتقيد بما تقدم.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>فصل: إذا علق الحكم بالصفة في نوع من جنس وأخرى حكم في جميع الجنس قياسا</span>\n...\nفصل: وإذا علق الحكم بالصفة فى نوع من جنس وأخرى حكم فى جميع الجنس قياسا.\nمثل قوله ﵇: \" فى سائمة الغنم زكاة\" ١ وقد قيس عليها زكاة الإبل والبقر والكل جنس النعم فقد اختلف أصحاب الشافعى أن دليل الخطاب هل يكون مستعملا فى نوع النص أو فى جميع الجنس على وجهين.\nأحدهما يكون مستعملا فى نوع النص دون الجنس فيكون دليل هذا الخطاب موجبا بسقوط الزكاة فى معلوفة الغنم على الجنس ويسقط فى معلوفة الإبل والبقر.\n_________\n١ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":250},{"text":"بدليل آخر.\nوالوجه الثانى أنه يستعمل دليله فى جميع الجنس لأنه لما ألحق جميع جنسه بالنوع قياسا وجب أن يستعمل دليله فى جميع الجنس قياسا١.\nوأما تقييد الخطاب بالحال كقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والحال كالصفة فى ثبوت الحكم بوجودها وانتفائه بعدمها فيكون نصه مستعملا فى الإثبات ودليله مستعملا فى النفى مثل الصفة.\nوأما تعليق الحكم بالاسم فهو ضربان.\nأحدهما اسم مشتق من معنى كالمسلم والكافر والقاتل فيكون ما علق به من الحكم جرى مجرى تعليقه بالصفة فى استعمال دليله فى قول جمهور أصحاب الشافعى ﵀.\nوقال بعضهم ينظر فى الاسم المشتق فإن كان لمعنى اشتقاقه تأثير فى الحكم استعمل دليل خطابه فإن ما لا يؤثر فى الحكم لا يكون علة.\nوالضرب الثانى اسم لقب غير مشتق من معنى كالرجل والمرأة وأشباه ذلك فمذهب الشافعى أن دليل خطابه غير مستعمل وعند أبى بكر الدقاق أنه مستعمل وقد بينا.\nوأما تعليق الحكم بالأعيان كقوله فى هذا المال الزكاة أو على هذا الرجل الحج فدليل خطابه غير مستعمل ولا يدل وجوب الزكاة فى ذلك المال على سقوطها عن غيره وهذا عندنا مثل تعليق الحكم بالإسم.\nوأما تعليق الحكم بالعدد فدليله مستعمل وهو مثل تعليق الحكم بالصفة٢ فهذا.\n_________\n١ اعلم وفقك الله أن في هذه المسألة قولان:\nالأول: تعليق الحكم بالصفة يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء الصفة وهذا القول لجمهور العلماء من الأشاعرة والمتكلمين منهم: الشافعي وإمام الحرمين وهو المختار للبيضاوي.\nالثاني تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء الصفة بل يكون ذلك مسكوتا عنه ويعلم النفي من البراءة الأصلية وهذا القول لجمهور الحنفية وبعض الشافعية كالغزالي وابن سريج وأبو بكر الباقلاني واختاره الآمدي انظر نهاية السول ٢/٢٠٦ وإحكام الأحكام للآمدي ٣/١٠٢، ١٠٣ والمستصفى ٢/١٩١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٠٤، ١٠٤.\n٢ اعلم أنه إذا خصص الحكم بعدد وقيد به مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ......=","vol":"1","page":251},{"text":"تمام الأنواع التى ذكرناها.\nواعلم أن كثيرا من أصحاب أبى حنيفة جعل مفهوم الشرط حجة وإليه ذهب الكرخى ومن تبعه وأبى بعضهم١.\nوقال حكم ما وراء الشرط موقوف على الدليل وقال أبو زيد فى الأصول الذى عملها حين ذكر مذهب الشافعى وقال علماؤنا انتفاء المعنى حال عدم الشرط فلا يفهم من التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص فقد حكى عن جميع أصحابه وليس على ما زعم بل هو قول بعضهم على ما ذكرنا قالوا: وحأصل الخلاف يرجع إلى أن الشرط هل يمتنع به انعقاد علة الحكم أو لا قالوا: فعندنا الشرط يمنع انعقاد العلة لم تكن العلة وعندهم لا يمنع فإذا لم يكن الشرط عندهم مما يمتنع به انعقاد العلة كانت العلة موجودة وكانت موجبة للحكم والشرط منع وجود الحكم قال وعندنا لما كان الشرط مما يمتنع به انعقاد العلة موجودة حتى توجب الحكم فلم يتصور منع الحكم بالشرط.\nودليلهم قالوا: التعليق دخل فى السبب لا فى الحكم.\nقال السبب قوله أنت طالق والتعليق دخل فيه فإن قوله أنت طالق تطليق وقد علقه بدخول الدار إلا ترى أنه قد قصد التطليق عند دخول الدار لا فى الحال وهذا لأنه جعل التطليق جزاء الدخول الدار والجزاء عند أهل اللغة يتعلق وجوده بوجود الشرط فإن من قال لغيره أن أكرمتنى أكرمتك أو قال أكرمك أن أكرمتنى فإنه علق التزام إكرامه بإكرام صاحبه كذلك هاهنا جعل التعليق جزاء دخول الدار.\n_________\n= فهل يدل اللفط على نفي الحكم من غير ذلك العدد سواء كان ذلك الغير زائدا عن العدد الذي قيد به الحكم أو ناقصا عنه أو لا يدل اللفظ على ذلك اختلف الأصوليون في هذا على قولين:\nالقول الأول: أن تخصيص الحكم بعدد لا يدل على نفسه عن غير هذا العدد سواء كان ذلك الغير زائدا أو ناقصا - واختار هذا القول البيضاوي وإمام الحرمين وأبو بكر الباقلاني.\nالقول الثاني: أن تخصيص الحكم بعدد معين يدل على نفيه عن غير هذا العدد زائدا كان العدد أو ناقصا - وقد نقل هذا القول عن الشافعي ﵁ انظر نهاية السول ٢/٢٢١، ٢٢٢ وإحكام الأحكام للآمدي ٣/١٣٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١١٣.\n١ انظر حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٢١٧ التصريح على التوضيح ١/١٤٦.","vol":"1","page":252},{"text":"فعلق وجود التطليق بوجود دخول الدار فيكون التطليق على العدم قبل دخول الدار فدل أن الشرط امتنع به انعقاد العلة.\nببينة أنه إذا دخل الشرط على الإطلاق وعلقه منع تعلقه وصوله إلى محله والعلة الشرعية لا تصير علة إلا بوصولها إلى محلها ولا تصير علة إذا قصرت عن محلها وهذا بخلاف البيع على أن البائع بالخيار أو على أن المشترى بالخيار فإن كلمة على أن وأن كانت كلمة شرط لكن عملها خلاف عمل كلمة التعليق وهى كلمة أن فإنك إذا قلت: أزورك أن زرتنى كنت معلقا وجود زيارتك بزيارة صاحبك وإذا قلت: لصاحبك أزورك على أن تزورنى كنت معلقا زيارة صاحبك على زيارتك وتكون زيارتك سابقة على زيارة صاحبك وإذا كان عمل كلمة على أن خلاف عمل كلمة أن فلا توجب كلمة على أن تعليق نفس البيع بل توجب تعليق أمر آخر هو مطلوب من البيع وهو الملك فيتعلق حكم المبيع أعنى الملك بالاختيار وأما نفس البيع فانعقد فى الحال يدل عليه أن فى مسألتنا دخل كلمة الشرط على السبب لأنه قال أن دخلت الدار فأنت طالق وفى البيع لم تدخل كلمة شرط على السبب إنما نجز البيع تنجيزا ثم أثبت لنفسه فيه خيارا وحكمه على ما عرف فى الشرع لامتناع اللزوم وعدم الملك.\nوقد قال فى تقويم الأدلة قوله لعبده أن دخلت الدار فأنت حر فلا حرية قبل الدخول لانعدام العلة لا لأن الشرط بقاؤها بعد وجود سببها لأن قوله أنت حر كما لا يعمل حتى تتم الصيغة بقوله أنت حر لا يعمل حتى يجد محلا صالحا للتحرير فإنه لو أضافه إلى مبينة أو ثلاثة لغا فقوله أن دخلت الدار منع وصول هذا الإنجاز إلى العبيد لأنه معلق بالدخول فلا يصل إليه قبل وجوده كالقيد بل المعلق يحتمل إلا يكون وأصلا إلى الأرض وإذا لم يصل إلى محله لم يصل بقوله أنت حر علة بل كان بمعرض أن يصير علة بالوصول إليه عند وجود الشرط كالرمى لا يكون سببا للقتل قبل وقوع السهم فى المرمى ولكنه بغرض أن يكون علة إذا وصل إلى محله فحرفهم فى هذا هو أن الشرط يحول بين العلة ومحلها فلا يصير معه علة لأنه داخل على أصل العلة لا على الحكم بخلاف شرط الخيار والآخر فإنهما يدخلان على الحكم على ما ذكرنا ولهذا لو حلف أن لا يبيع فباع أو شرط الخيار بحيث لو حلف لا يطلق فقال لها أنت طالق أن دخلت الدار فإنه لا يحنث.","vol":"1","page":253},{"text":"قال ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس بطلاق ما كان معلق بالشرط غير وأصل إلى المرأة على ما ذكرنا وإنما هو مبين ويصير طلاقا عند الشرط والملك حينئذ لأن الملك أعنى ملك النكاح شرط الطلاق لا اليمين بل محل اليمين هو الذمة مثل اليمين بالله.\nقال ولهذا الأمثل لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث لأن سبب الكفارة بشرط الحنث فقبل الشرط لا يكون شيئا ويكون أشد وجوب الكفارة حين الحنث فلا يتصور الأداء قبل الحين وكما لا يتصور تعجيل فى الصوم.\nقال وقولهم بالبدن والمال ساقط لأن الكفارة عبادة والعبادة عبارة عن فعل العبد ماليا أو بدنيا وإنما يختلف محل الفعل والمالى ما يكون محل فعله المال والبدنى ما يكون محل فعله بدنه وأما الواجب ففعل من العبد فى الحالين بإيجاب الله تعالى.\nقال وهذا بخلاف دين العباد الذى يجب عوضا لأن الواجب هناك هو المال والتسليم للعبد الواجب لأن المستحق لصاحبه مال بأداء حقه وليس المستحق لصاحبه فعلا لأنه حق للعبد فى فعل العبد.\nوأما البارىء عز اسمه ما استحق على العبد إلا بالعبادة وهى فعل يفعلها العبد قال وعلى هذا الأصل نقول فى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] أن الله تعالى أباح نكاح الأمة عند عدم الصبر وما حرمه عند وجوده بل لم يذكره أصلا فاستبيح نكاحها فى هذه الحالة بإشارة الآيات فصار نكاح الأمة حال وجود الحرة حلالا بالآيات المطلقة للنكاح وهذه أيضا وتجوز أن تكون حلية الأمة معلقة بوصفين أو بعلتين وبعلل كثيرة إلا ترى أن الرجل يقول لآخر أعتق عبدى أن دخل الدار ثم يقول: أعتق عبدي أن كلم زيدا أو دخل الدار يصح ولو دخل الدار فأعتقه كان جائزا ولو كلم زيدا ودخل الدار فأعتقه كان جائزا أيضا بالأمرين جميعا فيصح الإعتاق بعلة أو علتين وذكر كلاما طويلا ومسائل من الفروع على عادته من الاستشهاد بالفروع على الأصول تركت ذلك لطوله ولأن الفائدة فيما حكيته.\nوأما دليلنا فيدل أولا على أن الشرط يمنع من ثبوت الحكم عند عدمه على كل حال أن قول القائل لعبده ادخل الدار أن دخلها عمرو معناه أن الشرط فى دخولك دخول عمرو أو قال سافر أن سافر عمرو وكذلك إذا علق الطلاق أو الإعتاق بالدخول.","vol":"1","page":254},{"text":"لكن صونا فى خطابه لعبده لأنه أظهر ولو قال لعبده شرط دخولك الدار دخول عمرو أو قال شرط سفرك سفر عمرو علمنا أنه لم يوجب عليه السفر مع فقد سفر عمرو وبينته أن الشرط هو الذى يقف عليه الحكم فلو ثبت الحكم مع عدمه لكان كل شىء شرطا فى كل شىء حتى يكون دخول زيد الدار شرطا فى كون السماء فوق الأرض وأن وجد ذلك مع عدم الدخول.\nوالدليل على أن المعقول من الشرط ما ذكرناه أن يعلى بن منبه سأل عمر بن الخطاب فقال ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فلو لم يعقل من الشرط نفى الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى.\nفإن قيل يجوز أنهما إنما تعجبا لأنهما علما من الآيات الواردة فى الكتاب وجود الإتمام وأن حال الخوف مستثناة من الآيات والباقى ثابت على الأصل فى الإتمام فلهذا تعجبا.\nوالجواب أن هذا كله زيادات وللعلماء كلام كثير فى أن الأصل كيف كان فى الصلاة وقد قالت عائشة ﵂ كانت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين فأقصرت صلاة السفر وزيدت فى صلاة الحضر وقد قيل غير هذا وإذا اختلفت الروايات فى هذا فكان التعجب مما صرح به الآيات وهو شرط الخوف فى القصر ثم القصر مع الأمن فكان الاستدلال قائما.\nواحتج أبو زيد لنا وقال أن تعليق الحكم بالشرط بنفيه عما قبله ويعدمه على اعتبار أنه لولاه كان موجودا إلا ترى أن قوله لعبده أنت حر توجب وجود الحرية صفة للعبد فإذا قال أن دخلت الدار وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن محله ونفيه مع وجود قوله أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط يوجب النفى عما قبله وكذلك التعليق الحسى فإن تعليق المنديل بحبل بسماء البيت توجب وجوده فى الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذى يكون فيه لولا تعلقه وليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وانعدام قبل أوليته الوجود لا يكون علة الوجود ولكن بانعدام علة الوجود فلم يكن من حكم العلة إلا وجود الحكم عندها فإنه السبب لابتداء الوجود والتعليق لتغيير حكم الوجود بعد وجود سبب الوجود فجرى مجرى الأصل هذا كلامه.","vol":"1","page":255},{"text":"ويقال أيضا أن الشرط لا يؤثر فى العلة إنما يؤثر فى حكم العلة فإن من قال لامرأته أنت طالق أن دخلت الدار فقوله أن دخلت الدار لا يؤثر فى قوله أنت طالق إنما يؤثر فى حكمه ولا يمنع ثبوته فإن قوله أنت طالق ثابت مع الشرط كما هو ثابت بدون الشرط ولكن حكمه لا يثبت لأصل الشرط فكان أثر الشرط فى منع حكم العلة لا فى نفس العلة والدليل عليه أنه لو لم يؤثر به الشرط ثبت حكم العلة وقوله أنت طالق ثابت فى الصورتين ولكن الحكم ينعدم عند وجود الشرط ويثبت عند عدمه فثبت أن عمل الشرط فى الحكم تسبب فى تحقيق هذا الفعل وهو أن سبب الطلاق قوله أنت طالق وقد وجد هذا صورته سواء وصل به قوله أن دخلت الدار أو لم يصل.\nوكلمة أن يجوز أن تدخل على السبب فتعلقه كما قالوا: ويجوز أن تدخل على الحكم فيكون عمله تأخير الحكم والدليل على جواز ذلك أنه كما يجوز أن يكون معنى قوله أن دخلت الدار فأنت طالق يجوز أن يكون المعنى أن دخلت الدار أنت طالق وقوعا ونزولا لأن النازل فى المحل والواقع قوله أنت طالق.\nألا ترى أنه إذا اتصل الحكم بالسبب تكون هى طالقا من حيث الوقوع وإذا لم يتصل وتعلق بالدخول تكون هى طالقا من حيث التسبب والحرف على هذا إلى المعلق تكون الطالقية فعلا لا الطالقية تسببا فثبت قطعا أنه يجوز أن يدخل الشرط على الحكم ويجوز أن يدخل على السبب فنقول دخوله على الحكم لمنعه أولى لأن قوله أنت طالق كلمة مستقلة صحيحة لثبوت التطليق أو لثبوت [الطلاق بها] ١ عند الإطلاق واتصال حكمه به.\nألا ترى أنه لزم تعليقه بالشرط ثبت كلاهما فإذا أوصل بالشرط فإنما منعنا الحكم لضرورة الشرط ولا ضرورة فى منع السبب وانعقاده عليه فانعقد السبب وتآخر الحكم ولأن الطلاق عقد شرعى له حكم وقد وجدنا فى أصول الشرع وجود عقد بصورته وتآخر العقد عنه وهذا لأن عقد التطليق قوله أنت طالق مضافا إلى محل النكاح فإذا وجد وتحقق فكيف يحكم بتأخره.\nنعم يجوز أن يتآخر حكمه لأنه لم يوجد فأما تآخر عقد الطلاق مع وجود تصوره من أهله فى محله فمحال.\n_________\n١ زيادة ليستقيم بها المعنى.","vol":"1","page":256},{"text":"وخرج على هذا قوله أن أكرمتنى أكرمتك لأنه لا يتصور دخوله على الإكرام فحسب وهاهنا يتصور دخوله على الحكم لا على السبب وهذا لأن الإكرام شىء واحد فلا بد إذا علق شىء أن يتآخر فأما هاهنا فإن هذا عقد شرعى له حكم فيجوز أن يدخل على الحكم فيتآخر وينتجز العقد.\nوقد ذكرنا هذا الفصل فى خلافيات الفروع وأجبنا بجوابات مقنعة واقعة والذى ذكرنا هاهنا جواب برهانى فى غاية الوضوح.\nوقولهم أن الطلاق ما ينزل فى محله فبينا اتصال العقد بالمحل بصورة قوله أنت طالق فبقوله أنت اتصل اللفظ بالمحل وهذا يكفى للاتصال سببا وأما الاتصال وقوعا ونزولا فيكون عند الشرط والمسائل مبنية على هذا الأصل وقد عرف فى الخلافيات فلا يحتاج إلى الإعادة هاهنا والله أعلم.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>القول فى<span data-type=\"title\" id=toc-37> البيان </span>والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه</span>\nالبيان\n...\nالقول فى البيان والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه.\nقال أبو بكر الصيرفى: البيان إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى١.\nوذكر الشافعى البيان فى الرسالة فقال البيان اسم جامع لأمور متفقة الأصول متشعبة الفروع.\nواعترض عليه أبو بكر بن داود وقال البيان أبين من التفسير والذى فسرته وهذا لا يصح لأن الشافعى ﵀ لم يقصد بقوله حد البيان وتفسير معناه وإنما أراد به أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان فهى متفقة فى أن الاسم البيان يقع عليها ومختلفة فى مراتبها فبعضها أجلى وأبين من البعض لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه ومنه ما يحتاج إلى تدبر وتفكر فيه ولهذا قال النبي ﷺ: \"إن من البيان لسحرا\" ٢ فأخبر أن بعض البيان أبلغ من البعض ويدل على ذلك أن الله ﵎ خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه وجميع ذلك بيان وأن اختلفت مراتبها.\nوقال أبو بكر الدقاق البيان هو البيان الذى يبين به العلوم.\nوقيل أن البيان هو الأدلة التى يتبين منها الأحكام وبهذا قال الأشعرى والجبائى٣ واختار القاضى أبو الطيب الطبرى الحد الذى ذكره أبو بكر الصيرفى وقد اعترض عليه من وجهين.\nأحدهما أن البيان المبتدأ من قبل الله تعالى لا يدخل فى هذا الحد وأن كان بيانا فإنه ربما ورد من الله تعالى بيان لما لم يخطر ببال أحد فلا يكون مخرجا لشىء من حد الإشكال إلى حد التجلى.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام ٣/٣٢.\n٢ أخرجه البخاري الطب ١٠/٢٤٧ ح ٥٧٦٧ ومسلم الجمعة ٢/٥٩٤ ح ٤٧/٨٦٩ وأبو داود الأدب ٤/٣٠٣ ح ٥٠٠٧ والترمذي البر والصلة ٤/٣٧٦ ح ٢٠٢٨.\n٣ وعزاه الآمدي إلى أبي هاشم وأبي الحسين البصري واختاره الآمدي انظر إحاكم الأحكام ٣/٣٢ المعتمد ١/٢٩٣.","vol":"1","page":258},{"text":"والثانى أن لفظ البيان أظهر من قوله أنه إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى.\nومن حق الحد أن يكون أظهر من المحدود.\nوقد قال القاضى أبو الطيب ما كان إيضاحا لمعنى وإظهارا له فهو بيان له وما دون ذلك فلا يكون بيانا والذى يبينه الله تعالى ابتداء إيضاح لما جهله الناس وما لم يتبينوه فيجوز أن يدخل تحت حد البيان.\nوالذى قالوا: أنه أغمض من البيان المعروف فليس بشىء لما ذكرناه من دليله.\nوحكى القاضى أبو الحسن الماوردى عن جمهور الفقهاء أن البيان إظهار المراد بالكلام الذى لا يفهم منه المراد إلا به وهذا الحد أحسن من جميع الحدود لأن البيان فى اللغة هو الظهور والكشف من قوله بان الهلال إذا ظهر وأبان ما فى نفسه إذا أظهر ويعترض الحد الذى ذكره المتكلم فيقال أن الله تعالى قد قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فى الكتاب دليل فدلت الآية أن البيان غير الدليل.\nوقول أبى بكر الدقاق فى الحد حسن أيضا.\nوإذا عرفنا الحد فاعلم أن النص والظاهر والعموم ودليل الخطاب والفحوى كل هذا بيان وقد ذكرنا من قبل حد العموم وحد دليل الخطاب وفحواه فنذكر الآن معنى النص والظاهر وحدهما فنقول.\nالنص ما رفع فى بيانه إلى الحكم غايته ومنه منصة العروس ترتفع عليها على سائر النساء وتتكشف لهن بذلك.\nومما روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص معناه رفع فى السير على ما كان يسير من قبل.\nومنه قول امرىء القيس:\nوجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هن نصته ولا بمعطل\nوقال القاضى أبو حامد النص ما تعرى لفظه عن الشركة ومعناه عن الشبهة وقيل ما استوى ظاهره وباطنه وقيل كل لفظ مقيد لا يتطرق إليه تأويل١.\n_________\n١ النص لغة: بلوغ الشيء ومنتهاه وعند الأصوليين يطلق بإطلاقين:\nأحدهما: ما دل على معناه من كتاب أو سنة وثانيهما: ما دل على معناه من غير احتمال والمراد بالنص هنا هو الإطلاق.\nانظر نهاية السول ٢/٦٠، ٦١ والمحصول ١/٤٦٢ انظر البرهان ١/٤١٢، ٤١٣ روضة الناظر ١٥٦، ١٥٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٦.","vol":"1","page":259},{"text":"والألفاظ قريبة بعضها من بعض والأول حد حسن والأول عندى هو الأولى واعترض بعضهم على ذكر اللفظ وقال الفحوى نص وليس بلفظ ونحن نقول أن الفحوى ليس بنص ولكنه مقتضى له١.\nوقد ذكر أبو زيد من أربعاتة التى ذكرها فى أصوله ونقصد إيراد أربعة أوجه فى كل فصل بذكره إيراد من لا ينظر إلى معنى وإنما ينظر إلى صورة عدد تورده ويكون قصده بلوغ العدد المقصود لا غير فقال فى أقسام الثابت بالظاهر دون الظاهر والرأى هذه الأحكام أقسام أربعة الثابت بعين النص والثابت بدلالة النص والثابت بإشارة النص والثابت بمقتضى النص وزاد غيره فقال والثابت بضم النص.\nفالثابت بعين النص يكثر.\nوأما الثابت بدلالة النص فذكر قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فثبت من دلالة النص ملك الكفار أموال المسلمين لأنه جعل لهم أموالا ثم سماهم فقراء والفقير هو عديم الملك لا البعيد من الملك لأنه ضد الغنى والغنى من ملك لا من أصابه بيده.\nقال وكذلك قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الاحقاف: ١٥] فيه دلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد اختص بفهمه عبد الله بن عباس ﵄.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فيه دلالة على أن الجنابة لا تضاد الصوم لأنه تعالى أباح الجماع إلى مدة الصباح ثم أمره بإتمام الصوم ومن ضرورة إباحة الجماع إلى مدة الصباح وجود الجنابة بعد الصبح وذكر من هذا الجنس مسائل.\nوأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فلما أوجب القضاء إذا أفطر بعذر ففيه دلالة أنه إذا أفطر بغير عذر يوجب.\n_________\n١ اختاره إما الحرمين انظر البرهان ١/٤١٣.","vol":"1","page":260},{"text":"عليه القضاء.\nوكذلك ما روى أن ماعزا زنا فرجم١ صار رجم ماعز ثابتا بالنص ورجم غيره ثابتا بدلالة النص وذكر أمثلة لهذا أيضا منها الأكل مع الوطء فى نهار رمضان وغير ذلك وخرج عليه مسألة اللواطة مع الزنا وذكر أنها دونه ومسألة القتل بالمثقل وذكر أنه دون القتل بالسيف وهذه أشياء قد ذكرت في خلافيات الفروع وقد تكلمنا على ذلك.\nقال وأما الثابت بمقتضى النص فهو زيادة على النص لا يتحقق مع النص بدونها فاقتضاها النص حتى يتحقق معناه ولا يلغو وصار المقتضى مضافا إلى النص مثل حكمه وشبه هذا بشرى الأب٢ فإنها إعتاق حكما وأن لم توجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك ولكن لما ثبت الحكم بالشرى صار حكمه وهو العتق مع الملك حكمين للشرى قال وهذا لا خلاف فيه وهو إنما مثل قوله أعتق عبدك عنى على ألف فالملك يقتضى هذا النص ثم أنه ذكر أنه لا عموم للمقتضى.\nقال وعند الشافعى ﵀ له عموم واحتج لنفسه وقال المقتضى ساقط من النص بعينه فى الأصل لا حكم له وإنما أثبتنا ضرورة أن يصير الكلام مفيدا فإذا ثبت بقدر ما صار به الكلام مفيدا زالت الضرورة فيسقط ثبوته كالميتة حكمها الحرمة فى الأصل والحل ثبت ضرورة فيعذر تقديرها وهو قدر سد الرمق دون ما سواها من التمول والجمل والشبع.\nونحن نقول أن المقتضى يجوز أن يدعى فيه العموم لأنه ثابت ضرورة فصار كالثابت نصا ونقول كلما أمكن طلب فائدة العموم منه يجوز أن تطلب لأن الاختصار والحذف عام فى كلام العرب ويعدونه من الفصاحة والبلاغة فصار المقتضى كمضمر الكلام ثم دعوى العموم فى المضمر جائز كذلك فى المقتضى والمضمر مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] معناه أهل القرية وكقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] معناه اشتعل شعر الرأس شيبا وغير ذلك وقد ذكروا مضمر النص هذا هو الذى قلناه.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا ملك والده أو ولده أنه يعتق عليه ساعة يملكها انظر الأشراف ٣/١٧٩.","vol":"1","page":261},{"text":"واعلم أن هذا الذى أوردوه ليس فى أكثره ما يعترض عليه وما قالوه على أصولهم فقد أحسنوا فى مواضعه لكن هذه الأقسام ليست بنص إنما النص ثابت بعينه وأما الثابت بعموم ودلالة لا يكون نصا إنما هو دليل مستخرج من النص وإنما المقتضى من الضمير فيجوز أن يقال أنه نص أو بمنزلة النص كما بينا أنه على وفق لسان العرب.\nوقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أن العموم نص فيما يتناوله من المسميات وقد سمى الشافعى الظواهر نصا فى مجارى كلامه١ والأولى أن لا يسمى العموم نصا لأنه يحتمل الخصوص ولأن العموم فيما يدخل فيه من المسميات ليس بأرفع وجوه البيان ولكن العموم ظاهر.\nونحن نقول حد الظواهر هو لفظ معقول يبتدر إلى الفهم منه معنى مع احتمال اللفظ غيره فعلى هذا العموم ظاهر فى الاستيعاب لأنه يبتدر إلى الفهم ذلك مع أنه يحتمل غيره وهو الخصوص.\nوكذلك الأمر يجوز أن يقال هو ظاهر فى الإيجاب لأنه يبتدر الفهم ذلك مع أنه يحتمل غيره وهو الندب والإباحة.\nوكذلك صيغة النهى ظاهر فى التحريم ويحتمل غيره من الكراهة والتنزيه وعلى هذا قوله: \"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل\" ٢ ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى الفضيلة والكمال.\nوكذلك قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى الفضيلة وأمثال هذا تكثر.\nومن ذلك يلقى المفهوم من الخطاب المقيد بالصفة ظاهر فيما يستعمل فيه المفهوم وقد يتبع مثل هذا الظاهر فى الحروف مثل إلى الغاية وغير ذلك.\nوهكذا فى الظاهر كل لفظ يحتمل معنيين وأكثر وبعضها أظهر وأولى باللفظ فيحمل على الأولى والأظهر ويكون اللفظ ظاهر فيه وهذا قريب مما ذكرناه من قبل.\n_________\n١ ذكره إمام الحرمين عن الشافعي والقاضي أبو بكر وصححه انظر البرهان ١/٤١٦.\n٢ أخرجه أبو داود الصوم ٢/٣٤١ والترمذي الصوم ٣/٩٩ ح ٧٣٠ والنسائي في الصوم ٤/١٦٦ باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك انظر نصب الراية ٢/٤٣٣.","vol":"1","page":262},{"text":"وأما المجمل فاعلم أنه قد يعلق المجمل على العموم ومن قولك أجملت الحساب إذا جمعت إفادة له وأن أثبته تحت صيغة جامعة ولكن المجمل على اتفاق الأصوليين مخالف للعموم وقيل المجمل ما لا يفهم منه المراد به وقيل ما عرف معناه من غيره١ فإن قال قائل هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال قلنا أجمل ليتفاضل درجة العلاء بالاجتهاد وبدراسة معانيه.\nثم اعلم أن المحتاج إلى البيان ضربان:\nأحدهما ما يحتاج إلى بيان ما لم يركب وهو العموم الذى قصد به الخصوص.\nوالضرب الثانى ما يحتاج إلى بيان ما فيه وهو المجمل الذى لا يفهم منه المراد ونقول الإجمال قد يكون فى الاسم المشترك مثل القرء٢ ينطلق على الحيض والطهر والشفق يطلق على الحمرة والبياض والذى بيده عقدة النكاح يطلق على الأب والزوج والمراد من اللفظة واحد من هذين فى هذه المواضع.\nوالاجتهاد داخل فى المراد باللفظ وكذلك يجوز أن يكون الدليل من قرينة تتصل باللفظ وقد يكون الإجمال فى المراد باللفظ مع أن اللفظ فى اللغة لشىء واحد٣ وذلك مثل قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] غير أن البيان فى هذا النوع من المجمل موقوف على الرسول صلوات الله عليه بقول منه أو فعل.\nوقد يكون البيان بالاجتهاد مثل قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقد اجتهد العلماء فى أقل الجزية وقال ﷾: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أجمل الله تعالى وكذلك ذكر العدد الذى ينعقد به الجمعة حتى اجتهد العلماء فيه وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ\n_________\n١ اعلم أن المجمل لغة: هو المجموع يقال: أجملت الشيء جمعته ومنه أجمل الحساب جمعه وفي الاصطلاح عرف بتعريفات كثيرة نقتصر منها على تعريفين:\nأحدهما: هو ما لم تتضح دلالته أي له دلالة غير واضحة.\nوثانيهما: اللفظ الذي أطلق لم يفهم منه شيء انظر نهاية السول ٢/٦١ إحكام الأحكام ٣/٩ المحصول ١/٤٦٣/٤٦٤ البرهان ١/٤١٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٣.\n٢ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/١١ المعتمد ١/٣٠٦ نهاية السول ٢/٢٠٩ روضة الناظر ١٥٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٩.\n٣ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٣.","vol":"1","page":263},{"text":"مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] فأجمل الله تعالى نفقة السر وجاءت فى أكثرها وأوسطها وأقلها حتى اجتهد العلماء فى ذلك فهذا وأنواعه من المجمل الذى يوصل إلى بيانه من أصول أدلة الشرع.\nفإن قال قائل ما حكم المجمل قبل ورود البيان.\nقد قالوا: أن التزام المجمل قبل بيانه واجب والدليل عليه أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: \"ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن فى أموالهم حقا يؤخذ من أغنيائهم ويرد فى فقرائهم\" ١ فقد أوجب عليهم التزامها قبل بيانها.\nواختلف أصحابنا فى كيفية التزامها قبل البيان.\nفقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان.\nوقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا وبعد البيان بالتزامه مفسرا ومن وجوه المجمل ما يكون المجمل فى بعض الخطاب فيكون مقتضيا لإجمال صيغة وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] لما كان الحق مجملا صار ما نهى عنه من القتل مجملا ومثل هذا قول النبي ﷺ: \"الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا\"٢ لما كان الحرام والحلال مجملين صار المراد بالصلح مجملا.\nومن المجمل ما لا يكون إجمال بعضه مقتضيا إجمال باقيه وهو أن يكون بعضه مستقلا بنفسه وبعضه مفتقرا إلى البيان كقوله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فالجنب مجمل والغسل مفتقر لا يصير بإجمال الجنابة مجملا ويكون البيان إذا ورد مقصورا على موضع الإجمال.\nوأما المفسر فهو المنصوص ومحاويها ومفهوماتها المستقلة بأنفسها فلا تحتاج إلى بيان بظهور معناه بنفسه.\nوحد المفسر ما يفهم منه المراد به وقيل ما يعرف معناه من لفظه وكل خطاب استقل بنفسه وعرف المراد به فهو من المفسر الذى يستغنى عن البيان.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه أبو داود الأقضية ٣/٣٠٢ ح ٣٥٩٤ والترمذي الأحكام ٣/٦٢٥ ح ١٣٥٢ وابن ماجه الأحكام ٢/٧٨٨ ح ٢٣٥٣.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>فصل: المحكم والمتشابه</span>\n...\nفصل: وإذا وصلنا إلى هذا الموضع نذكر:\nالمحكم والمتشابه.\nفإنما يعرف معناهما من المجمل والمفسر فنقول أن الله تعالى وصف جميع القرآن بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه.\nفالأول قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] ومعناه أن منزله أحكمه على وجه لا يقع فيه تفاوت.\nوالثانى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] ومعناه أنه متماثل فى الدلالة والإعجاز والعلو.\nوأما الثالث فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] واختلف العلماء فى هذا المحكم والمتشابه على أقاويل فقال عبد الرحمن بن زيد المحكم هو الذى لم يتكرر ألفاظه والمتشابه الذى تكررت ألفاظه وعن ابن مسعود وابن عباس ﵃ أن المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ.\nوقال مجاهد المحكم ما لا يتشابه معانيه والمتشابه ما اشتبهت معانيه.\nوقال بعضهم المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا فلم يحتج أى نظر وتدبر والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها واحتاج إلى تأمل وتفكر فى الوقوف على المراد به١.\nوأحسن الأقاويل أن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه وكلفهم الإيمان به والمحكم مما أطلع العلماء عليه وأوقفهم على المراد به وهذا هو المختار على طريقة السنة وعليه يدل ما ورد من الأخبار وما عرف من اعتقاد السلف فعلى هذا يكون على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقف تام ثم يبتدىء قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ واو العطف إلا شرذمة قليلة من الناس واختاره البعض من المتأخرين.\nوقد كان يعتقد مذهب السنة وعليه يدل كلامه فى كتبه لكنه سها فى هذه المسألة.\n_________\n١ انظر المستصفى ١/١٠٦ البرهان ١/٤١٩، ٤٢٠ شرح المنار لابن مالك ١٠٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/١٧.","vol":"1","page":265},{"text":"ولكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.\nوقد نقل بعضهم مثل ذلك عن مجاهد من السلف ولا أعلم تحققه وقد تكلمت فى هذا ودللت على ما يذهب إليه أكثر السلف فى كتاب منهاج السنة وأوردت على مافيه الغنية فاقتصرت فى هذا الكتاب على هذا القدر والله الموفق للصواب والهادى إلى الرشاد بمنه.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>فصل: الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما</span>\n...\nفصل: ويذكر بعد هذا الذى ذكرنا:\nالحقيقة والمجاز وما يتصل بهما.\nكما يشتمل القرآن على المجمل والمبين والمبهم والمفسر والخاص والعام والمحكم والمتشابه فهو يشتمل أيضا على الحقيقة والمجاز وكذلك التشبيه.\nوأنكر قوم وجود المجاز فى اللغة١ ولا يخلو كلامهم فى ذلك أما يكون خلافا فى معنى أو عبارة والخلاف فى المعنى ضربان.\nأحدهما أن يقولوا أن أهل اللغة لم يستعملوا الأسماء فإما يقولوا أنه مجاز فيه نحو اسم الحمار فى البليد والأسد فى الشجاع وهذا مكابرة لا يرتكبها أحد.\nوإما أن يقولوا أن أهل اللغة وضعوا فى الأصل اسم الحمار للبليد كما وضعوا للبهيمة وهذا باطل لأنه كما يعلم لم يضطرد أنهم يستعملون ذلك فى البليد فإنه يعلم أنهم استعملوا ذلك على طريق التشبيه وأن استحقاق البليد هذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة وكذلك يسبق إلى الأفهام من قول القائل رأيت الحمار البهيمة البليد.\n_________\n١ اعلم أن وقوع المجاز في اللغة فيه أقوال المعروف منها ثلاث:\nالأول واقع مطلقا في اللغة والقرآن والحديث وهو لجمهور العلماء.\nالثاني: غير واقع مطلقا وينسب هذا القول إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وأبي علي الفارسي.\nالثالث: واقع في غير القرآن وليس واقعا في القرآن وهذا القول لبعض الحنابلة وبعض الرافضة وهو المعروف عن أبي بكر بن داود الأصفهاني الظاهري ونقل البيضاوي عنه أنه منع وقوع المجاز في الحديث أيضا ولم يشتهر هذا عنه انظر نهاية السول ٢/١٤٨، ١٤٩ المحصول ١/١٣٠ المعتمد ١/٢٤ المستصفى ١/١٠٥ شرح المنار لابن مالك ١٠٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٦٤، ٦٥.","vol":"1","page":266},{"text":"ولو كان ذلك موضوعا لهما على السواء لم يسبق إلى الأفهام أحدهما.\nفإن قيل فإذا كانت الحقائق تعم المسميات فلماذا تجوزوا بالأسماء فى غير ما وضعت له قلنا المجاز يشتمل على أشياء لا توجد فى الحقيقة يقصدها العرب فى كلامها منها المبالغة وإنا إذا وصفنا البليد بأنه حمار نكون أبلغ فى البيان عن بلادته من قولنا بليد ومنها الحذف والاختصار ومنها التوسع فى الكلام ومنها الفصاحة وأما الخلاف فى الاسم فبأن مبهم المجاز أن استعمال اسم الحمار فى البليد ليس موضوع له فى الأصل وأنه بالبهيمة أخص لكن نقول لا نسميه مجازا إذا عنى به البليد ولأن أهل اللغة لم يسموه بذلك بل أسميه مع قرينة حقيقة.\nفيقال له أن أردت أن العرب لم تسميه بذلك فصحيح وأن أردت أن الناقلين عنهم لم يسموه كذلك فباطل تلقيهم كتبهم بالمجاز وأنهم يقولون فى كتبهم هذا الاسم مجاز وهذا الاسم حقيقة وليس إذا لم يشتهر العرب بذلك يمنع أن يضع الناقلون عنه له هذا الاسم ليكون آلة وأدلة فى صناعتهم لأن عبارة أهل الصنايع أنهم يعقلون ذلك ولهذا يسمى النحاة الضمة المخصوصة رفعا والفتحة نصبا ولم يلحقهم بذلك عتب وأما تسمية الخصم مجموع الاسم والقرينة مجموع حقيقة فإنه أوضح ذلك بقدح ذلك فى تسمية أهل اللغة الاسم بانفراده مجازا على ما حكيناه عنهم.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>فصل: فى حسن دخول المجاز فى خطاب الله ﷿ وفى أنه قد خاطب به</span>.\nذهب الجمهور إلى أن الله تعالى قد خاطبنا فى القرآن بالمجاز ونفى بعض أهل الظاهر ذلك١ وقالوا: أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز للعجز عن التكلم بالحقيقة وذلك يستحيل على الله تعالى ولو خاطب الله تعالى بالمجاز والاستعارة لصح وصفه بأنه متجوز فى خطابه وبأنه مستعير ولأن المجاز لا يغنى عن معناه بنفسه فورود القرآن به يؤدى إلى الالتباس ولأن القرآن كله حق فيكون كله حقيقة لأن الحق والحقيقة معنى واحد.\nأما دليلنا فنقول فى الدليل على حسن ذلك أن القرآن أنزل بلسان العرب وفى.\n_________\n١ نهاية السول ٢/١٤٨، ١٤٩ المحصول ١/١٤٠ المستصفى ١/١٠٥ شرح المنار لابن مالك ١٠٨ أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير ٢/٦٤، ٦٥.","vol":"1","page":267},{"text":"إنزال الله تعالى القرآن بلسان العرب يقتضى حسن خطابه إيانا فيه بلغتها ما لم يكن فيه تنفير والتنفير يكون بالكلام السخيف الذى ينسب قائله إلى المجون والغى وليس هذا سبيل المجاز لأن أكثر الفصاحة إنما يظهر بالمجاز والاستعارة ثم الدليل على أن فى القرآن مجازا كقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [لكهف: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] وقوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة الإسراء ٢٤ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أى شدة وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] أى ذاهبا وقال تعالى فى حل النساء: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله المائدة ٦٤ فليس يخلو أما أن يقول هذه الألفاظ وضعت فى الأصل للمعانى التى أراد الله ﷾ وهذا قد أفتاه من قبل وأما أن يقول: هذا الكلام كان مجازا فى اللغة بهذه المعانى ثم نقل إليها بالشرع فصار من الحقائق الشرعية وهذا باطل لأنه لو كان كذلك لسبق إلى أفهام أهل الشرع معانيها التى أرادها الله ﷿ كما يسبق إلى أفهامهم الصلاة الشرعية ومعلوم أنه لا يسبق إلى الأفهام فى قوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [لكهف: ٧٧] الإرادة التى توجد للإنسان وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] الصدع الذى هو الشق وكذلك فى قوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الاسراء: ٢٤] الجناح الذى يكون للطائر فثبت بطلان ما ادعوه وعرف قطعا وجود المجاز فى القرآن.\nفأما قولهم أن العدول إلى المجاز عجز إنما يقتضى العجز عن الحقيقة أو لم يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة ومعلوم أن العدول إلى المجاز يحسن لما فيه من زيادة اللفظ والمبالغة فى التشبيه والتوسع فى الكلام والاختصار والحذف على ما هو عادة العرب فدل أن ذلك ليس بعجز.\nوأما قولهم أنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمى الرب ﷿ متجوزا أو مستعيرا.\nقلنا عندنا لا يجوز أن يسمى الرب تعالى أو يوصف بوصف إلا الذى ورد به القرآن والسنة ولأنه لما يقال فى العادة فلان متجوز فى أفعاله وأقواله إذا كان يسمى بالقبح منها.\nوأما قولنا مستعير فإنما يفهم من إطلاقه إذا استأذن غيره فى التصرف فى ملكه.","vol":"1","page":268},{"text":"لينتفع به وكل ذلك يستحيل على الله ﷿.\nوأما قولهم أنه يؤدى إلى الالتباس قلنا لا التباس مع القرينة الدالة على المراد.\nوأما قولهم أن كل القرآن حق فيكون كله حقيقة.\nقلنا ليس الحقيقة من الحق فسنبين أن الحق فى الكلام أن يكون صدق وأن يجب العمل به والحقيقة أن يستعمل اللفظ فيما وضع له وسواء كان صدقا أو كذبا إلا ترى أن قول النصارى ثالث ثلاثة ليس بحق وهو حقيقة فيما أرادوه وقوله ﷺ: \"يا أنجشة رفقا سوقا بالقوارير\" ١ ليس بحقيقة فيما قيلت فيه وهو صدق وحق فدلنا أن أحدهما غير الآخر ويقول: أن القرآن نزل بلسان العرب قلنا اشتمل القرآن على أقسام كلامهم فيما عدا المجاز اشتمل أيضا على المجاز ليكون كلام الله تعالى جامعا لأقسام الكلام فيكون أبلغ فى الإعجاز مع التحدى وهذا الكلام وجيز حسن والله الهادى بمنه.\n_________\n١ أخرجه البخاري الأدب ١٠/٥٩٧ ح ٦٢٠٢ ومسلم الفضائل ٤/١٨١١ ح ٧٠/٢٣٢٣ وأحمد المسند ٣/١٣١ ح ١٢٠٤٧.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>فصل: وإذا ثبت جواز المجاز فى القرآن والسنة فلكل مجاز حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز</span>.\nلأن الحقيقة أصل المجاز فافتقر المجاز إلى الحقيقة ولم تفتقر الحقيقة إلى المجاز.\nوأما حد الحقيقة والمجاز فقال بعضهم الحقيقة٢ هى اللفظة المستعملة فى موضعها والمجاز٣ هو اللفظ المستعمل فى غير موضعه.\n_________\n٢ الحقيقة على وزن فعيلة بمعنى مفعول مأخوذ من الحق بمعنى الثبوت - فإن كانت بمعنى فاعل فمعناها الثابتة من حق الشيء إذا ثبت وإن كانت بمعنى مفعول فمعناها المثبتة من أحق الشيء إذا أثبته منه نقلت من الثابت أو المثبت إلى الاعتقاد المطابق للواقع لأنه فرد من أفراد الثابت والعلاقة الكلية والجزئية ثم نقلت إلى القول الدال على الاعتقاد المطابق للواقع من باب اطلاق اسم المدلول على الدال.\nوالحقيقة اصطلاحا: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٦ نهاية السول ٢/١٤٦ المحصول ١/١١١، ١١٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٥١.\n٣ المجاز أصله مجوز على وزن مفعل مأخوذ من الجواز بمعنى العبور يقال جزت النهر يعني............=","vol":"1","page":269},{"text":"وأحسن من هذا أن يقال الحقيقة ما استغنت بها ما وضعت له والمجاز ما استفيد به غير ما وضع له.\nوقال بعضهم ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل فهو حقيقة وما لا ينتظم لفظه معناه أما لزيادة أو نقصان أو نقل فهو مجاز.\nواعلم أن للحقيقة والمجاز شروطا يعتبرونها.\nأحدهما أن الحقيقة والمجاز لا يدخلان فى أسماء الألقاب ويدخلان فى أسماء الاشتقاق.\nوالثانى أنه لا يخلو منهما كلام وضعه أهل اللغة لشىء فإن خلت اللغة من وضع لفظ لشىء خرج عن الحقيقة والمجاز.\nوالثالث ما ذكرنا فإنه لا يجوز أن يكون اللفظ مجازا فى شىء ولا يكون له حقيقة ويجوز أن يكون حقيقة فى شىء ولا يكون له مجازا عن غيره.\nوالرابع أن الحقيقة مطردة والمجاز غير مطرد.\nوالخامس أن الحقيقة تتعدى والمجاز لا يتعدى لأنه إذا سمى الرجل أسود لسواده.\n_________\n= عبرته من الشاطئ إلى الشاطئ - ومجوز مصدر ميمي صالح للزمان والمكان والحدث فهو إما نفس الجواز أو زمانه أو مكانه نقل من هذا المعنى إلى الفاعل وهو الجائز يعني العابر والعلاقة الكلية والجزئية إن كان مأخوذا من نفس الجواز وهو الحديث لن المصدر جزء من المشتق كل له والحالية أو المحلية إن كان مأخوذا من الجواز بمعنى مكان العبور ويكون ذلك من إطلاق اسم المحل على الحال.\nالمجاز اصطلاحا فهو نوعان: مجاز لغوي وثانيهما: مجاز عقلي وهو ما قصده البيضاوي بالمجاز المركب.\nالمجاز اللغوي هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة وقرينة ثم المجاز اللغوي إن كانت علاقته خصوص المشابهة فهو مجاز لغوي بالاستعارة مثل قولك رأيت أسدا في الحمام تريد الرجل الشجاع - وإن كانت العلاقة غير المشابهة كالعلاقة التي يأتي ذكرها فيما بعد فهو مجاز لغوي مرسل.\nوالمجاز اللغوي مطلقا سواء كان مرسلا أو بالاستعارة لا يقع إلا في مركب فلا يقع في المفرد لأن المفرد وحده لا يفيد.\nأما المجاز العقلي: فهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو لعلاقة وقرينة - مثل قول المؤمن: أثبت الربيع النقل فإن إسناده الإثبات إلى الربيع مجاز لأن المثبت هو الله تعالى والعلاقة أن الربيع سبب في الإثبات والقرينة أن القائل مؤمن نهاية السول ٢/١٤٨، ١٤٩ المحصول ١/١١٢، ١١٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٦٣، ٦٤.","vol":"1","page":270},{"text":"جاز أن يسمى كل أسود من غير الرجال وإذا سمى الرجل الشديد أسدا لم يجز أن يسمى كل شديد من غير الرجال أسدا.\nواعلم أنه إذا كان للفظة حقيقة ومجاز وجب حملها على الحقيقة دون المجاز١ بحكم الظاهر إلا بدليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز فيحمل على المجاز بالدليل.\nوالحقيقة على ثلاثة أضرب لغوية وعرفية وشرعية.\nوالمجاز على ثلاثة أضرب لغوى وعرفى وشرعى.\nفاللغة أصل فيهما والعرف ناقل لهما عن اللغة إلى العرف والشرع ناقل لهما عن اللغة والعرف.\nأما الحقائق اللغوية٢ فمعلومة لكل أحد فإنه يوجد فى اللغة ألفاظ مقيدة للشىء الواحد على الحقيقة وقد يوجد أيضا ألفاظ مقيدة للشىء وبخلافه حقيقة على طريق اشتراك وضع من هذا قرء والدليل على جواز ذلك أنه لا يمتنع أن يضع قبله أتم القروء للحيض فيضع أخرى للطهر ويشيع ذلك ويجعل كون الاسم موضوعا لهما من جهة قبيلتين فهم من إطلاقه الحيض والطهر على البدل أوعلى أن وجود مثل هذه الأسماء يغنى عن الدليل وقد ذكره أهل اللغة فى كتبهم.\nوأما مسألة الحقائق الشرعية فقد ذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين إلى أن الاسم اللغوى يجوز أن يتقبله الشرع إلى معنى آخر فيصير اللفظ فى ذلك المعنى حقيقة شرعية ونفى قوم من أهل العلم ذلك وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن الطيب وذهبوا إلى أنها مقرة على حقائق اللغات لم ينقل ولم يزد فى معناها.\nوذهب طائفة من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيدت فى معناها فى الشرع٣ والأصح.\n_________\n١ انظر المحصول ١/١١٧ نهاية السول ٢/١٤٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٥٢/٥٣.\n٢ انظر المستصفى للغزالي ١/٣٥٩.\n٣ اعلم وفقك الله أن الحقيقة الشرعية وهي ألفاظ استعملها الشارع في معان لم تضعها العرب لها إما لمناسبة بينها وبين المعاني اللغوية وإما لغير مناسبة.\nمذاهب العلماء ثلاثة:\nالقول الأول: وهو للقاضي أبي بكر الباقلاني - الحقيقة الشرعية غير موجودة وما يظن أنه موجود منها فهو مستعمل في معناه اللغوي غاية الأمر أن الشارع شرط في اعتبار هذا المعنى شروطا لا يكون معتبرا بدونها فالصلاة في الشرع مستعمل في الدعاء بشرط أن ينضم إليه..........=","vol":"1","page":271},{"text":"هو القول الأول وصوروا الخلاف فى الصلاة والزكاة والحج والعمرة وما أشبه ذلك فإن الصلاة فى اللغة الدعاء وقيل من ملازمة الشىء من قولهم صلى بالنار واصطلى بها١ والزكاة هى النمو٢ لغة والحج والعمرة القصد٣ وقد حمل الشارع الصلاة لأفعال مخصوصة والزكاة لفعل مخصوص من إخراج مال مخصوص والحج والعمرة لأفعال فى أزمنة معلومة والحج من يتبع ذلك.\nوقال أن الله تعالى أتى فى القرآن بلسان العرب وقال بلسان عربي مبين وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [ابراهيم: ٤] والصلاة فى لغة العرب الدعاء والحج هو القصد والصوم هو الإمساك فإذا ورد به الشرع وجب أن يحمل على ما يقتضيه لسان العرب.\nببينة: أن هذا النقل يقبح لأن إذا نقل الاسم من معناه إلى معنى آخر اقتضى تغير الأحكام المتعلقة به نحو أن يأمر الله ﷿ بالصلاة ويعنى بها الدعاء فإذا نقل الاسم إلى هذه الأركان تغير به الفرض.\nقالوا: فإن لم تغير حقيقة كون الصلاة اسم لهذه الأفعال التى نعرفها وفى اللغة على الدعاء فإذا جعلت اسما [يهدم عينها] ٤ فقد تغيرت.\nنقول أن اسم الصلاة فى اللغة الدعاء وسميت الصلاة الشرعية بذلك لأن فيها.\n_________\n= أمور خاصة هي الركوع والسجود والقراءة إلخ - والصوم مستعمل في الإمساك لكن بشرط أن ينضم إليه النية مع ترك الأكل والشرب زمنا معينا والحج مستعمل في القصد ولكن بشرط أن ينضم إليه إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة.\nالقول الثاني: الحقائق الشرعية موجودة مطلقا كانت هناك مناسبة بين المعاني اللغوية أو لم تكن وهذا القول للمعتزلة.\nالقول الثالث: وهو للبيضاوي الألفاظ الشرعية مستعملة في معانيها الشرعية لمناسبة بينها وبين المعاني اللغوية ولم توضع لها ابتداء فهي مجازات باعتبار اللغة ولما كثر استعمالها شرعا في هذه المعاني كانت حقائق شرعية واختار هذا الرأي إمام الحرمين والإمام الرازي إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٧ نهاية السول ٢/١٥٠ المحصول ١/١١٩ جمع الجوامع ١/٣٠٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٥٣، ٥٤، ٥٦.\n١ انظر القاموس المحيط ٤/٣٥٣.\n٢ انظر كشاف القناع ٢/١٦٥، ١٦٦.\n٣ الصحاح ١/٣٠٣ لسان العرب ٢/٧٧٨.\n٤ طمس في الأصل.","vol":"1","page":272},{"text":"دعاء فلم يختلف معناه والزكاة النماء وسميت الصدقة المفروضة زكاة لما يوجد فيها من زيادة الثواب فى الآخرة والنماء هو الزيادة وسميت الأفعال المعهودة حجا لأن الحج فى اللغة القصد فسميت هذه العبادة المخصوصة حجا لأن فيها قصدا.\nقالوا: ولأنه لو قال فى الأسماء شبهة قول لبينه النبي ﷺ بيانا يقع به العلم لأن معناه لا بد من وقوع العلم فيه حتى يتوصل إليه ولو بين بيانا يقع به العلم لقلنا ذلك كما علمهم ولما لم نعلم ذلك لأنه لم يفعل ويجوز ما بينا فيدل أولا على إمكان نقل الأسماء.\nفنقول أن كون الاسم اسما لمعنى نقل لشىء ولا يجب وإنما هو تابع للاختبار به بدليل انتفاء الاسم عن المعنى قبل المواضعة ولأنه كان يجوز أن يسمى المعنى بغير ما سمى به نحو أن يسمى البياض سوادا أو الحركة سكونا أو غير ذلك وإذا كان كذلك جاز أن يختار مختار سلب الاسم من معناه أو نقله إلى غيره وإذا كان ذلك نافعا للاختبار.\nفإذا قال قائل إذا جوزنا ذلك لتباينت الحقائق.\nقلنا إنما كان يلزم ذلك أن لو استحال انفكاك الآية عن المعنى وقد جاء أن الأمر بخلاف ذلك ثم نقول قد جاء الشرع بعبادات لم تكن معروفة فى اللغة فلم يكن بد من وضع اسم لها للتميز به عن غيرها كما يجب ذلك فى موارد يؤلفه بلا كتاب وفى آلة يستحدثها بعض الصناع ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسم مبتدأ وبين أن ينقل إليها اسم من أسماء اللغة إلا ترى فى المولود لا فرق بين أن يستحدث له اسما ابتداء وبين أن يظل له اسما نعبر به.\nثم الدليل على أن الشرع قد نقل بعض الأسماء أن قولنا صلاة لم يكن مستعملا فى اللغة بمجموع هذه الأفعال الشرعية ثم صار اسما بمجموعها حتى لا يعقل من إخلافه سواه وكذلك فى الحج والزكاة فثبت الوجود وإذا ثبت وجود النقل ثبت النقل إجماعا.\nوأما كلامهم.\nأما الأول قولهم أن القرآن والسنة جاءت بلسان العرب.\nقلنا نحن نقول أن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب وهذه الأسماء كلها عربية والخطاب بها خطاب بلغة العرب وليس إذا استعمل ذلك فى غير ما وضعته العرب.","vol":"1","page":273},{"text":"خرج من أن يكون خطابا بلسان العرب إلا ترى أن الحمار قد يستعمل فى غير ما وضعته العرب وهو الرجل البليد وكذلك البحر يستعمل فى غير ما وضعته العرب وهو الرجل الجواد ولا يخرج الخطاب بذلك عن أن يكون خطابا بلسان العرب.\nوأما قولهم أنه يؤدى النقل إلى تغير الأحكام الشرعية.\nقلنا هذا النقل كان لتقرير الأحكام الشرعية لا لتغيير الأحكام الشرعية ثم يمنع نقل اسم عن معناه إذا كان قد تعلق به فرض ولا يمنع من نقل اسم لم يتعلق به فرض.\nوأما قولهم إنما سميت الصلاة صلاة لأنها تشتمل على الدعاء قلنا أن قلتم أن اسم الصلاة واقع به على جملة هذه الأفعال لأن فيها دعاء فقد سلمتم ما يزيده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده فى اللغة ولا يضرنا أن يتعللوا وقوع الاسم على هذه الأفعال مما ذكرتم وأن أردتم أن اسم الصلاة واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال دون مجموعها فذلك باطل لأن المفهوم من قولنا صلاة جملة الأفعال والمفهوم من قولنا فلان فى الصلاة أنه فى جزء من هذه الأفعال دعاء كان أو غيره والمفهوم من قولنا فلان خرج من الصلاة أنه فارق جملة الأفعال ولو كان الأمر كما ذكروه لوجب إذا قلنا أنه خرج من الصلاة أفاد أنه خرج من الدعاء وإذا عاد إلى الدعاء يجوز أن يقال أنه قد عاد الآن إلى الصلاة فلما لم يقل ذلك دل أن الصلاة اسم الأفعال المعلومة بجملتها وهذا الاسم واقع على جملة الأفعال على وجه واحد فثبت أن النقل قد صح وقد قال الأصحاب أن صلاة الأخرس صلاة حقيقة ولا دعاء فيها فدلت أن الاسم فى الشرع ليس بمعنى الدعاء.\nوقد قال بعض أصحابنا معترضا على ما قلناه وقال الدعاء التماس وأحوال المصلى أحوال يخضع المصلى فيها لربه ﷿ ويبغى بها التماسا فالشرع عمم الكل اسم الدعاء تجوزا واستعارة وهذا دعوى المجاز فى هذه الألفاظ والأصح أن هذه الأسماء حقائق شرعية ويجوز أن يقال أن هذه الأسماء شرعية فيها معنى اللغة لأن الصلاة لا تخلو من الدعاء فى أغلب الأحوال والأخرس نادر ولأنا لو اعتبرنا ذلك فقد يخلو فى حق بعض المرضى عن معظم الألفاظ وهذا اللفظ لا بأس به.\nوأما قولهم أنه لو حصل لها هذا النقل لوقع لنا العلم به.\nقلنا قد أجبنا عن هذا فيما تقدم وعلى أنا نقول أن النبي ﷺ قد بين ذلك بيانا.","vol":"1","page":274},{"text":"ثابتا إلا ترى فى كل موضع ذكر الصلاة لم ترد إلا هذه الأفعال ولكن ليس من شرط البيان أن يقع العلم به لكل أحد إلا ترى أنه ﷺ بين الحج بيانا ثابتا ثم لم يقع العلم به لكل أحد حتى اختلف العلماء فى إحرامه فقال بعضهم كان مفردا وبعضهم قال كان قارنا وقال بعضهم كان متمتعا.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>فصل: الحقائق العرفية</span>\n...\nفيصير هو المفهوم عند إطلاقه لكثرة استعمالهم الاسم فيه وهو الفرس وقد دل هذا الذى ذكرناه على وجود النقل كما دل على حسنه وقد قال أهل اللغة أن التروية اسم للجمل وقد صار بالعرف المزادة والغائط للمكان المطمئن وقد صار بالعرف اسما للحاجة وأما إشارة انتقال الاسم فهو أن يسبق الأفهام عند سماعه معنى غير ما وضع له فى الاسم فإن كان السامع الاسم يتردد فى فهم المعنى العرفى واللغوى معا كان الاسم مشتركا فيهما على سبيل الحقيقة.\nواعلم أنه كما جاز وجود الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية كذلك يجوز وجود المجاز اللغوى والعرفى والشرعى فإن قال قائل ثم تعرفون الحقيقة عن المجاز والمجاز عن الحقيقة قلنا الأصل أن الكلام يحمل على الحقيقة بالإطلاق وعلى المجاز بالدليل ويعرف الفصل بين الحقيقة والمجاز بوجوه منها أن يرد نص أو يقوم دليل أن اللفظ مجاز.\nومنها أن يعلم استعمال العرب اللفظ فى شىء وعدم استعمالها فى غيره فإذا أطلق اللفظ حمل على ما استعملوه ويكون حقيقة.\nومنها أن تكون اللفظة تطرد فى موضع ولا تطرد فى غيره فيعلم أنها قد اطردت فيه حقيقة وفيما لم تطرد فيه مجاز١.\nوبيان الإطراد وعدم الإطراد أن قولنا أطول يفيد ما اختص بالطول وإذا علمنا أن أهل اللغة سموا الجسم طويلا عند اختصاصه بالطول ولولا ذلك ما سموه طويلا علمنا أنهم سموه بذلك لطوله فسمينا كل جسم فيه طول طويلا.\nوأما فى المجاز فلا يثبت الإطراد بحال وهذا نحو تسميتهم الرجل الطويل نخلة فإنه يجوز أن يسمى كل رجل طويل بذلك ولكن لا يجوز أن يسمى غير الرجل بذلك.\nومنها غلبة الظن وهو أن يرد لفظ يغلب على ظن السامع أنه حقيقة أو ترد لفظة يغلب على الظن أنه مجاز وهذا لأن الفصل بينهما نوع حكم والأحكام تثبت بغالب الظن ومنها أن يستعمل الشىء فى الشىء لمقابلته فيعلم أنه مجاز استعمل لأجل المقابلة وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فهذه وجوه.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/١٧٢ المحصول ١/١٤٨، ١٤٦ إحكام الأحكام ١/٤١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٧١.","vol":"1","page":276},{"text":"فأصلة بين الحقيقة والمجاز وعند الإشكال والاشتباه يحمل على الحقيقة إلا أن يقوم الدليل على المجاز.\nواعلم أن الكلام الواحد يجوز أن يكون له حقيقتان وقد يتفقان على المضادة.\nوالدليل على جواز ذلك وجوده فإن الاسم العين يطلق على عين الرأس وعين الماء وهو حقيقة فى كل واحد منهما والقرء اسم للحيض والطهر والشفق اسم للحمرة والبياض وليس هذا بأكثر من المحمل الذى يصح وروده لما يقترن به من البيان كذلك هاهنا صح أيضا لما يستعمل فيه من البرهان وقد يكون اللفظ له حقيقتان فيحمل اللفظ عليهما جميعا كاسم الناض فى الذهب والفضة واسم الماشية حقيقة فى كل نوع من الإبل والبقر والغنم فإذا ورد مثل هذا اللفظ فى موضع يحمل اللفظ على كل ما هو حقيقة فيه إلا أن يخص أحدهما دليل.\nوأما إذا تناول الاسم الواحد شيئين متضادين كالحيض والطهر فى القرء وما أشبه ذلك والحمرة والبياض فى الشفق فإنه يصار إلى الترجيح بالدليل فيرجح أحدهما على الآخر ويصير الحكم الراجح ويجوز أن يرد تغيير بنيهما فى الشرع فيخير المكلف أحدهما وهذا اللفظ الواحد إذا كان له حقيقتان متضادتان فهذا وجه الكلام فيما قصدنا والله أعلم.\nمسألة يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان.\nوسواء كانا حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة والآخر مجازا وهذا قول أبى على الجبائى وعبد الجبار وأحمد وزعم أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان وهو قول أبى القاسم ويزعم الضميرى من أصحابهم أن هذا قول أبى حنيفة على الخصوص وأن عند أبى يوسف ومحمد يجوز ذلك١.\nواحتجوا فى ذلك وقالوا: أن الحقيقة هى اللفظ المستعمل فى موضعه والمجاز هو اللفظ الذى يجوز به عن موضعه ولا يجوز أن يكون اللفظ الواحد مستعملا فى موضعه ومستعملا فى غير موضعه فى حالة واحدة بل يستحيل ذلك كما يستحيل الاقتصار على الشىء والمجاوزة عنه فى حالة واحدة.\n_________\n١ انظر المسودة ١٦٦ التصريح على التوضيح ١/٨٧، ٨٨.","vol":"1","page":277},{"text":"وقالوا: يبين ذلك أن العبارة تعتبره عبارة عن الشىء المعبر به عنه بالقصد إلى ذلك فلما استحال القصد إلى ما ذكرناه من هذين الشيئين المختلفين لم يجز أيضا أن يكون اللفظ الواحد عبارة عنهما وقال أبو عبد الله البصرى المعروف يجعل أن الإنسان يجد فى نفسه تعذر استعمال اللفظة فى مجازاتها وحقيقتها قال وجرى مجرى تعظيم زيد والاستخفاف به فى حالة واحدة وقالوا: أيضا أن المستعمل للكلمة فيما هى مجاز فيه لا بد أن يسم فيه كاف التشبيه والمستعمل لحالتها على حقيقة فيه لا يسم فيه كاف التشبيه ومحال أن يضمر الشىء ولا يضمره قالوا: ولهذا نقول فى قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] لما حمل على الوطء لم يجز حمله على اللمس باليد لأنه حمل على المجاز ولا يحمل على الحقيقة.\nوالدليل على أن الآية قد تناولت الوطء جواز التيمم للجنب ولهذا من حمل الآية على اللمس باليد لم يجوز التيمم للجنب مثل ابن مسعود ومن حمله على الوطء جوزه مثل ابن عباس.\nوأما دليلنا نقول إنكم لا تخلون أما أن تقولوا يستحيل فى مطلق اللفظ المشترك إرادة المعنيين معا أو تقولوا لا يستحيل منه إرادتهما.\nفإن قلتم يستحيل إرادة المعنيين فهذا جحد الضرورة ومعاندة المعقول فإنا نعلم قطعا جواز إرادة المعنيين المختلفين غير المتناقضين بلفظة واحدة إلا ترى أنه لا يستحيل أن نقول إذا أحدثت فتوضأ يريد به البول والغائط وكذلك تقول إذا لمست فتوضأ وتريد به الوطء واللمس باليد جميعا وهذا أمر قطعى لا يمكن خلافه.\nوإن قلتم لا يستحيل إرادة المعنيين ولكن لا يفهم من مطلق اللفظ جميع المعنيين من غير قرينة فهذا نحن نقول به فإنه إذا احتمل إرادة المعنيين واحتمل تخصيص اللفظ بأحدهما فيتوقف فى معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع والتخصيص.\nفإن قالوا: هذا الدليل فى المعنيين المختلفين فما دليلكم فى الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة وقد بينا استحالته يدل عليه أن المجاز لا يعقل من الخطاب إلا بقرينة وتقييد والحقيقة تعلم منه بالإطلاق من غير قرينة وتقييد ويستحيل أن يكون الخطاب الواحد جامعا بين الأمرين فيكون مطلقا مقيدا فى حالة واحدة وهذا كقرينة الخصوص وقرينة الاستثناء فإنه يستحيل أن يكون اللفظ الواحد عاما خاصا مستثنى منه غير مستثنى منه.","vol":"1","page":278},{"text":"الجواب أن اللفظ الواحد يجوز أن يحمل على الحقيقة والمجاز إذا تساويا فى الاستعمال لكن إذا عرى عن عرف الاستعمال لم يجز أن يحمل على المجاز إلا أن يقوم الدليل على أنه مراد به وقيام الدلالة على إرادة المجاز لا ينفى عن اللفظ إرادة الحقيقة والدليل على جواز ما ذكرناه صحة تعلق القصد والإرادة بهما جميعا وصحة التصريح بهما متعلقين بلفظ واحد إلا ترى أنه يصح أن نقول لا تنكحوا ما نكح آباؤكم عقدا ووطئا وتوضئوا باللمس مبينا وجماعا فإذا صلحت الكلمة إنما كان الجمع بينهما مثل الجمع بين المعانى التى تشتمل عليها الكلمة الواحدة كشمول لفظ العموم لجميع الآحاد ولفظ الأمر للإيجاب والإباحة.\nوأما قوله أن المجاز لا يعلم بتناول اللفظ بلا تقييد والحقيقة تعلم بالإطلاق فلا جزم لأنا إنما ذكرنا هذا فى اللفظ الذى اشترك فى عرف استعمال الحقيقة والمجاز معا وفى هذه الصورة لا ينافى جواز دخول العرف على كل واحد منهما.\nفإن قيل فعلى ما قلتم تكون الكلمة الواحدة مجازا وحقيقة وهذا يستحيل.\nقلنا هذا لا نأباه لكن المجاز متعلق فيها بغير ما تعلق به الحقيقة وهذا كالأمر الذى هو نهى عندنا عن جميع أضداد ما تناوله الأمر فهو إذا أمر ونهى لكن اجتماعهما فى جهتين مختلفتين وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن معتمدهم وهو الكلام الأول والثانى وهذا لأنه ليس بين إرادته وبين أن تكون الكلمة مستعملة فى موضعها فى شىء ومعدولا بها عن موضعها فى شىء آخر تنافى كما لا تنافى فى أن يريد به معنى ويريد به معنى آخر إنما التنافى أن نقول أراد أن يستعملها فيما وضع له اللفظ وأراد أن لا يستعملها فيما وضعت له اللفظة وهذا لا يقول به أحد.\nوأما حجة أبى عبد الله البصرى قلنا قولك أن الإنسان يجد من نفسه تعذر ذلك دعوى بل المعلوم فى نفسه صحة ذلك وأما إجراؤه هذا مجرى تعظيم زيد والاستخفاف به فذلك مفارق لما نحن فيه إلا ترى أنه يجوز أن نريد الحقيقة والمجاز بخطابين فى وقت واحد ولا يجوز أن يعظم زيد ويستخف به بفعلين فى وقت واحد وعلى أن الفرق بين الموضعين أن الاستخفاف ينبىء عن اتضاع حال ذلك الغير والتعظيم ينبىء عن ارتفاع حاله ومحال أن يكون الإنسان فى حالة واحدة مرتفع الحالة ومتضع الحال وأما فى مسألتنا فلا تنافى إلا ترى أنه يستقيم أن نقول أنهاك عن مسيس النساء.","vol":"1","page":279},{"text":"ونريد به اللمس باليد والجماع وأما الذى قال من كأن للتشبيه وترك كاف التشبيه.\nقلنا إذا قال الإنسان رأيت السباع وأراد به أنه رأى أسدا ورجالا شجعانا فإنه لا يمتنع أن يضمر كاف التشبيه فى بعضهم دون بعض ثم يدل على فساد مذهبهم من أصولهم كأنهم قالوا: لو حلف لا يضع قدمه فى الدار فدخل راكبا أو ماشيا حنث وقد تناول اللفظ الحقيقة والمجاز.\nوكذلك قالوا: لو قال اليوم يدخل فلانا الدار فعبده حر فدخل ليلا أو نهارا حنث وقالوا: في السير الكبير لو أخذ الأمان لبنيه يدخل فيه بنوه وبنو بنيه وأن كان فى أول اليوم من النهار حقيقة والليل مجازا وفى الثانى البنون بنوه من صلبه حقيقة وبنو بنيه على وصف المجاز.\nواعلم أنه قد ذكر بعضهم أنه لا يجوز هذا من جهة اللغة لأن أهل اللغة وضعوا قولهم حمارا للبهيمة وحدها وتجوزوا بها فى البليد وحده ولم يستعملوه فيهما معا إلا ترى أن الإنسان إذا قال رأيت حمارا لا يفهم منه البهيمة والبليد جميعا وإذا قال رأيت حمارين لا يفهم منه أربعة أشخاص بهيمتين وبليدين.\nوالجواب أنا ادعينا ذلك إذا انضم إلى ذلك عرف الاستعمال وإذا كان كذلك فلا يأباه العربى ولا غير العربى وعلى أنه إذا جاز فى الإرادة وأمكن العبارة عنهما بأى وجه كان فقد ثبت ما رتبناه.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>فصل: ما يرجع إلى لغه العرب ووجوه استعمالها</span>\n...\nفصل.\nوحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر ما يرجع إلى لغة العرب ووجوه استعمالها اعلم أن الألفاظ لا بد من الاعتناء بها لأن الشريعة عربية وقد نزل القرآن بلسان العرب وجاءت السنة بلسانهم وقد قال بعضهم أن القرآن يشتمل على ما ليس من لسان العرب وهذا ليس بشىء لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] وهذا يدل على أن كل القرآن عربى وأنه ليس فيه شىء من غير لسان العرب وأيضا لو كان فيه من غير لسان العرب لاختل أمر التحدى ولم يثبت الإعجاز لأنه يكون طريقا لهم فى أن يقولوا أن القرآن الذى جاء به يشتمل على لسان العرب وغير لسان العرب ونحن لا نعرف إلا لسان العرب فى بلدنا من قبل هذا فيؤدى هذا القول إلى نفى أمر الإعجاز.","vol":"1","page":280},{"text":"وأما الألفاظ التى يذكرون أنها وردت فى القرآن ليست من لغة العرب وسموا ذلك فى مواضع فاعلم أنها من لسان العرب ولا نقول إنها ليست من لسانهم لكن يجوز أن يقع موافقة بين لغة ولغة وكلمات معدودة وهذا غير مستنكر ولا مستبدع وقد قيل أن مثال هذا ما يقال بالعربية للسما سماء بالسريانية سمسا ويقال فى العربية حياة وبالعبرانية حيا ويقال سروال بالعربية وبالعجمية شروال لما يلبس وقد ذكروا أشباها آخر كهذا وإذا ثبت ما ذكرناه أن الشريعة عربية فينبغى للمجتهد أن يعلم من لغة العرب ما يحتاج إليه ويعرف طريق استعمالهم ووجوه مخارج كلامهم من مثلها.\nثم اعلم أن الأصوليين اختلفوا فى مأخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف من الله عز وجل١ وصار صائرون إلى أنها ثبتت اصطلاحا تواطؤا٢ والمختار أنه يجوز كل ذلك أما التوقيف فلا يحتاج إلى دليل فلا يجوزه وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] فيجوز أن تكون الأسماء أو حيت ويجوز أن يثبت الله فى الصدور علوما بصيغ مخصوصة لمعانى فيبين للعقلاء الصيغ ومعانيها فيكون معنى التوقيف أن يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة والاختيار.\nوأما الدليل على تجويز وقوعها اصطلاحا أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى رأس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيار منهم صيغا لتلك المعانى التى يريدونها إلا ترى أن الإنسان يولد له مولود فينشىء له اسما وكذلك يجوز أن يستحدث صيغة وآلة فيصيغ اسما ولآلتها اسما فدل أن التوقيف جائز والاصطلاح جائز والظاهر فى الأسامى هذه أن بعضها كان توقيفا من الله ﷿ على ما نطق به الكتاب وبعضها كان اصطلاحا وتوقيفا.\nوإذا عرف هذا فنذكر بعد هذا مسألة معروفة فى الأصول يبنى عليها مسائل وهى مسألة جواز أخذ الأسماء من جهة القياس:\nفنقول اختلف أصحابنا فى جواز أخذ الأسماء من جهة القياس فذكر الأكثرون من أصحابنا أن ذلك جائز وهو اختيار ابن سريج وقد دل عليه من مذهب الشافعى.\n_________\n١ ذكره الآمدي قول الأشعري وأهل الظاهر وجماعة من الفقهاء انظر إحاكم الأحكام للآمدي ١/١٠٥ المحصول ٢/٥٧، ٥٨ روضة الناظر ١٥١ البرهان ١/١٠٧.\n٢ ذكره الآمدي قول بهشمية وجماعة من المتكلمين إحاكم الأحكام للآمدي ١/١٠٦ المحصول ٢/٥٧، ٥٨ روضة الناظر ١٥١ البرهان ١/١٧٠.","vol":"1","page":281},{"text":"قوله فى مسألة شفعة الجار وقال أن الشريك جار واستدل عليه بقوله امرأتك أقرب إليك أم شريكك فقياس الاسم معنى القرب واحتج فى الأمر باشتقاق اللفظ.\nوذهب جماعة من أصحابنا إلى أن إثبات اللغة بالقياس لا يجوز وهو قول أصحاب أبى حنيفة وأكثر المتكلمين١ واحتج على ذلك وقال أن اللغة أما توقيف واصطلاح فلا معنى للرجوع إليه ببينة قوله ما من شىء إلا وله اسم فى اللغة توقيفا فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر بالقياس كما إذا ثبت الحكم بالنص لم يجز أن نثبت له حكما آخر بالقياس.\nوالمعتمد لهم أن الخلاف فى الأسماء المشتقة والعرب تلتزم وجود الاشتقاق فإنهم سموا الدابة دابة لدبيبها ولم يسموا كل ما يدب دابة وسموا الجنين جنينا لاستتاره ولم يسموا كل مستتر جنينا وسموا المجن مجنا لأنه يستتر به الإنسان ولم يسموا كل ما يستتر به مجنا.\nوأقرب من هذا أن الخمر ليس فى معنى اسمها الإطراب إنما هى من المخامرة والتخأمر والتخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخأمر العقل خمرا وأن لم يطرب الخمر يدل عليه أن العرب خالفوا بين المتشاكلين فى الاسم فسموا الفرس الأدهم أدهم وسموا الحرير الأسود أدهم وسموا الفرس الأبيض أشهب ولم يسموا الحمار الأبيض أشهب فدل عليه أنه لا مجال للقياس فى هذا.\nقالوا: ولأنكم أن أثبتم هذه الأسماء لغة للعرب فلا يجوز أن تكون اللغة أسبق من الشرع ولتقدم اللغة خاطبنا الله تعالى بها فلا يجوز إثبات الأسماء فيها بأمور طويلة.\nتنبيه أن الدليل بإثبات الأسامى قياسا أن كان يزعم أن العرب أرادت هذه الأسماء وأن لم يبوحوا بذلك فهو تحكم من غير تثبت ولا نقل فيما يزعمه وأن قال أن العرب لم تمنع بذلك فى مواضع يلحق ذلك بلسانهم وهذا محال لأن إلحاق شىء بالشاهد ليس من لسانهم لا يعرف وأما دلائل من جوز ذلك فى الأسماء المشتقة لأن الاسم الموضوع يبنى على ذلك الشىء فحسب والاسم المشتق يبنى على ذات الشىء وفعله وخاصيته والدليل على جواز تعليله أنه نقل عن الصحابة تعليل الأسماء قال عمر ﵁ الخمر ما خأمر العقل وقال ابن عباس [﵄] ٢ إشارة كل مخمر خمر.\n_________\n١ انظر إحكام الأحكام للآمدي ١/٧٨ روضة الناظر ١٥٢ البرهان ١/١٧٢.\n٢ بياض بالأصل.","vol":"1","page":282},{"text":"فالأول إشارة إلى التعليل بالشدة المضرة لأنها بشدتها والتصاقها يمازج السكر منها العقل وكذلك قول ابن عباس ﵄ إشارة إلى أنها تغطى العقل بالسكر كما يغطى الإناء بالغشاء.\nببينة: أن أهل اللغة جعلوا الأسماء على أقسام فجعلوا المشتقة أحد تلك الأقسام والاشتقاق بأنه القياس وربما استعاروا فى الأسماء الموضوعة واستخرجوا من ذلك أسامى وتصريحات فى مواضع من ذلك قولهم أشياء شد الرحيل إذا نوى وأسدته على كذا إذا شببه وقالوا: كلب أشياء وكلب الدهر علينا وسبع فلان فهذه اشتقاقات من اسم السبع والكلب والأسد.\nقال الخطابى ومثل ذلك فى كلامهم كثير وقد استعمله النبي ﷺ فى كلامه قال ﷺ: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" ١ وقال ﷺ حاكيا عن ربه ﷿: \"أنا الرحمن وهى الرحم شققت لها من اسمى من وصلها وصلته ومن قطعها ثنيته\" ٢.\nوقد أحدث فى الشرع أسماء لم تكن فى الجاهلية كالمنافق وإنما اشتق من نافقة السرجوح٣ وكالفاسق يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وإذا ثبت أنهم وضعوا الأسماء وصرفوا الكلام تصريفات من جهة الاشتقاق ذلك أنهم جعلوا المشتق بمنزلة الفرع والمشتق منه بمنزلة الأصل والمعنى الذي اشتق لأجله بمنزلة العلة هذا الذى قلناه قدر الإمكان واعلم أن كلماتهم فى نفى إثبات الأسامى لغة العرب بالقياس قوى جدا فالأولى أن نقول يجوز إثبات الأسامى شرعا ولا يجوز إثباتها لغة وهذا هو الذى اختاره ابن سريج والدليل على جواز ذلك أنا نعلم أن الشريعة إنما سمت الصلاة صلاة لأجل صفة من الصفات متى اشتقت تلك الصفة عنها لم تسم صلاة ونعلم أيضا أن ما شاركها فى تلك الصفة تكون صلاة ونبين هذا بثبوت الأسماء الشرعية بالعلل وأن شئت قلت: أن الشريعة وسعت هذه الأسماء الشرعية مثل الصلاة الزكاة الحج وغير ذلك لاختصاصها بأحكام من الشريعة فإذا ثبت هذا الأمر لمعان جاز قياس كل محل وجد فيه ذلك المعنى وتسميته بذلك المعنى الاسم وعلى هذا خرجت الأسماء.\n_________\n١ أخرجه البخاري الإيمان ١/٧٠ ح ١١ ومسلم الإيمان ١/٦٥ ح ٦٤/٤٠ والترمذي صفة القيامة ٤/٦٦١ ح ٢٥٠٤.\n٢ أخرجه البخاري في الأدب ١٠/٤٣٠، ٤٣١ الحديث ٥٩٨٨ ٥٩٨٩.\n٣ السرجوج: أي االأحمق انظر القاموس المحيط ١/١٩٣.","vol":"1","page":283},{"text":"اللغوية وأن لم يلزم ما ذكروه من تركهم اطراد معانى الأسماء فعلى هذا ثبت اسم الخمر للنبيذ شرعا ثم حرم بالآية وكذلك ثبت اللواط اسم الزنا شرعا ثم يجب الحد بالآية وثبت اسم السارق للنباش شرعا ثم يجب القطع بالآية والله أعلم.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>فصل: فى ذكر وجوه المجاز وطرق استعماله</span>.\nاعلم أنا بينا أن الكلام ينقسم إلى الحقيقة والمجاز والصريح والكناية والمبين والمجمل والمفسر والمبهم والخصوص والعموم والمطلق والمقيد وقد بينا ذلك وهذه الوجوه كلها بلسان العرب وجاء الكتاب والسنة بها والبيان المطلوب متعلق بجميع ذلك وقد كنى الله تعالى عن النساء بالنعاج فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [صّ: ٢٣] وكنى عن الوطء بالإفضاء وكنى عن النساء بالحرث وكنى عنهن باللباس وكنى عن ما يخرج من الإنسان بالغائط وكنى النبي ﷺ عن الوطء بالعسيلة وكنى عن النساء بالقوارير وكنى عن قرب المشركين بلفظ النار وقال ﷺ: \"لا تستضيئوا بنار المشركين\" ١.\nوقد قيل أن الكناية عند العرب أبلغ من الصريح فى معنى البراعة وأكثر أمثال العرب على مجاز من الكنايات ويقولون فلان عفيف الإزار طاهر الذيل وكنوا عن الاقتضاض بثقب اللؤلؤ وكنوا عن بنت الرجل بكريمته وعن الصغير بالريحانة وعن الأخت بالشقيقة وعن الأعمى بالمحجوب وعن الأبرص بالوضاح وعن الأسود الذى قد شاب رأسه بالغراب وعن البخيل بالمتقصد وكنوا عن البخيل بأنه جعد الأصابع وقالوا: فيمن اكتهل سدل الأدهم٢ بالأبلق٣ وقالوا: استبدل المسك بالكافور وأمثال هذا كثير.\nواعلم أن المجاز على وجوه كثيرة ويذكر بعضها من ذلك تسمية الشىء باسم غيره٤ إذا كان لسبب كتسميتهم البنت ندى لأنه من الندى يكون بما سموا النجم ندى لأنه عنه.\n_________\n١ أخرجه النسائي الزينة ٨/١٥٤ باب لا تنقشوا على خواتيمكم عربيا وأحمد المسند ٣/١٢٢ ح ١١٩٦٠.\n٢ الأدهم: الأسود القاموس المحيط ٤/١١٥.\n٣ الأبلق: الأبيض القاموس المحيط ٣/٢١٤.\n٤ انظر المحصول ١/١٣٥.","vol":"1","page":284},{"text":"ينعقد ومن هذا تسميتهم الوطء نكاحا لأن العقد الذى هو حقيقة النكاح سبب له فسمى باسم سببه كتسميتهم المطر سماء لأنه من السماء ينزل.\nتقول العرب ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم وقال الشاعر\nإذا سقط السماء بأرض قوم ... وأرض القوم ليس لهم حجاب\nومن هذا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧] يعنى الجنة لأن دخولهم الجنة برحمته يكون.\nومن المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقارنه ويجاوزه قال امرؤ القيس.\nإذا ما الثريا فى السماء تعرضت\nوفى شعر زهير سمى عاقر الناقة أخا عاد وأراد ثمود لقرب ما بينهما وسموا أهداب العين أشفارا وإنما الأشفار مبيت أهداب العين وعبروا أيضا عن الجفن بالعين وبالمحاجر عن الوجه قال الشاعر.\nهن الحرائر الأرباب لعمرى ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور\nوقال بعض أصحابنا أن الوجه يعبر به عن العين مجازا ومن هذا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] معناه أعين يومئذ ناضرة ويعبرون عن الوجه بالناصية فيقولون فلان مبارك الناصية أى مبارك الوجه ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم ما يؤول إليه١ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وقال تعالى لهما يأكلون في بطونهم نارا ومن هذا قوله ﷺ فى الذى يشرب فى آنية الذهب والفضة: \"إنما يجرجر فى بطنه نار جنهم\" ٢.\nومن المجاز تسميتهم الشىء باسم مكانه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [قّ: ٣٧] أى عقل فكنى عن العقل بالقلب لأنه مكان العقل ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٥] أى بالقوة لأن اليمين محل القوة ومن هذا أيضا تسميتهم قضاء الحاجة غائطا والشىء النجس عذرة ومن هذا تسمية الولد لهوا قال الله تعالى لو أردنا أن نتخذ لهوا أى ولدا لأنه وضع اللهو.\n_________\n١ انظر المحصول ١/١٣٤.\n٢ أخرجه البخاري الأشربة ١٠/٩٨ ح ٥٦٣٤ ومسلم اللباس ٣/١٦٣٤ ح ١/٢٠٦٥ وابن ماجه الأشربة ٢/١١٣ ح ٣٤١٣ ومالك في الموطأ صفة النبي ﷺ ٢/٩٢٤ ح ١١ وأحمد المسند ٦/٣٣٩ ح ٢٦٦٦٧.","vol":"1","page":285},{"text":"ومن المجاز تسميتهم باسم بعض١ يقول القائل من على رأس كذا يريد نفسه وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ النساء ٣ أى ملككم ومن ذلك قوله فظلت أعناقهم لها خاضعين الشعراء ٤ أى فظلوا ومن ذلك قوله ﵇: \"على اليد ما أخذت حتى ترد\" ٢ وقد فرع مشايخنا على هذا مسألة إضافة الطلاق إلى اليد والرجل وقد بينا فى الخلافيات وعلى هذا الأصل تفريعات كثيرة.\nومن المجاز تسميتهم الشىء باسم الشىء على معنى التشبيه٣ قال النبي ﷺ لخالد بن الوليد: \"هو سيف من سيوف الله ﷿\" ٤ أى كالسيف فى إمضائه وركب فرسا لأبى طلحة فقال وجدناه بحرا شبهه به لسعة الجرى ومنه تسمية الشجاع أسدا والبليد حمارا والشرير كلبا.\nومن وجوه المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقابله٥ مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] سمى الثانى سيئة وأن كان جزاء السيئة حقيقة لأنه يقابله وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فسمى الثانى اعتداء لمكان المقابلة ومن المجاز تسمية الشىء باسم غيره إذا قام مقامه وسد مسده وقد ورد هذا فى الأشعار.\nومن المجاز حذفهم بعض الكلام على وجه لا يؤدى إلى الالتباس قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أى أهل القرية وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أى وقت الحج أشهر معلومات.\nومن المجاز أيضا الاستعارة فإن العرب تستعير الشىء لنوع مقاربة بينهما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .\n_________\n١ انظر المحصول ١/١٣٦.\n٢ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٩٤ ح ٣٥٦١ والترمذي البيوع ٣/٥٥٧ ح ١٢٦٦ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه الصدقات ٢/٨٠٢ ح ٢٤٠٠ وأحمد المسند ٥/١٢ ح ٢٠١٠٩ انظر نصب الراية ٤/١٦٧.\n٣ انظر المحصول ١/١٣٥.\n٤ أخرجه البخاري فضائل الصحابة ٧/١٢٦ ح ٣٧٥٧ ومسلم الزكاة ٢/٧٤٣ ح ١٣٥/١٠٦٤ ولفظ الحديث عند البخاري والترمذي المناقب ٥/٦٨٨ ح ٣٨٤٦ وأحمد المسند ٤/١١٢ ح ١٦٨٢٩.\n٥ انظر المحصول ١/١٣٤.","vol":"1","page":286},{"text":"فالاستعارة فى لفظ الخيط ومن الاستعارة قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] وإنما الاشتعال للنار ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الاسراء: ٢٤] فاستعار اسم الجناح وهو العلو المعروف وقال الرسول ﷺ: \"رجل أخذ بعنان فرسه كلما سمع ضيعته طار إليها\" ١ أى أسرع إليها فاستعار اسم الطير للإسراع.\nومن المجاز المعروف قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] أى قارب وأشرف قال الشاعر:\nإن دهرا يلف شملا بشملى ... لزمان قد هم بالإحسان\nووجوه المجاز كثيرة فاقتصرنا على ذكر بعضها وتركنا الباقى لئلا يطول.\nواعلم أنه قد ذكر أبو زيد ومن نظر طريقته فصلا فى الحقيقة والمجاز لا بد من ذكره لأنه يتعلق بذلك أصل كبير فى مسائل الخلاف الذى بينهم وبيننا قال أبو زيد فى تقويم الأدلة أنواع استعمال الكلام أربعة حقيقة ومجاز وصريح وكناية.\nأما الحقيقة كل كلام أريد به ما وضع واضع اللغة الكلام له.\nوالمجاز كل كلام أريد به غير ما وضع واضع اللغة الكلام به يقال حبك لى مجازا أى هو باللسان لا بالقلب الذى هو معدنه وهذا الوعد منك مجاز لأنه لم يرد به التحقيق قال وقد ظهر المجاز ظهورا عظيما فى كتاب الله ﷿ ورسائل الكتبة وأشعار العرب حتى كاد يغلب على الحقيقة وجودا واستحسانا وبه توسعت اللسان وصلحت ثم قال فالحقيقة تبقى ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة كالنصوص فى باب الشرع وأما المجاز فلا حاجة بنا إلى سماعه ثبت لغه فلا يعتبر فيه السماع بل يعتبر المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فإذا تكلم على ذلك المعنى صح والمجاز آت والاستعارات أمر شائع بين الخطباء والكتبة والشعراء حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع اللغة فإذا تكلم بالاستعارات والتعريضات دل أنه ليس بسمعى قال ومن الناس من ظن أن المجاز لا عموم له وهو غلط لأن ما أمكن اعتبار العموم فيه يعتبر ولأن الاستعارة تقم المستعار من اللفظ مقام الحقيقة لذلك المسمى الذى استعير له ولولا هذا لكان المتكلم به مخلا بالغرض وكان لا يحسن به المتكلم فلما كان المستعار أحسن من.\n_________\n١ أخرجه مسلم الإمارة ٣/١٥٠٣ ح ١٢٥/١٨٨٩ وابن ماجه الفتن ٢/١٣١٦ ح ٣٩٧٧.","vol":"1","page":287},{"text":"الحقيقة دل أنه مثله فى البيان أو أكثر.\nقال ويتبين مما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لأنهما مختلفان لا يجتمعان كالثوب الواحد لا يجوز أن يكون عارية وملكا قال ولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثا لأن الجماع مراد بقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فبطل أن يكون الحقيقة مرادا وكذلك قال علماؤنا أن النص المتناول لتحريم الخمر لا يتناول سائر الأشربة لأن الاسم الذى من العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجاز لاتصال بمعنى مخامرة العقل فلا يدخلان جميعا تحت هذا الكلام وهذا كلام أبى زيد وخرج على هذا سائل له وذكر غيره ممن ينظر طريقته من جملة العصريين وهو أن المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فى المجاز هو أن يكون بين المستعار منه والمستعار اشتراك فى المعنى وذلك المعنى فى المستعار منه أبلغ وأبين هكذا قاله أهل اللغة فيما زعمه وحكاه على بن عيسى الريانى صاحب التفسير قال وإنما شرطنا هذا لأن ترك الحقيقة مع القدرة على الاستعمال لها والميل إلى المجاز وفيه نوع إيهام وتلبيس لا يجوز إلا لفائدة لا تجوز إلا فى الحقيقة وذلك ما بينا وهو أن يكون فيه زيادة بيان لا توجد فى الحقيقة قال وهذا مثل قوله فاصدع بما تؤمر ومعناه امتثل بما تؤمر فقد استعار قوله فاصدع فى مكان قوله امتثل والصدع هو الشق والصدع بمعنى الشق مستعار منه والامتثال مستعار له وقوله فاصدع مستعار والمعنى المشترك بين الشق هو التأثير فإن الشق له أثر فى الشقوق والامتثال له أثر فى المأمور به إلا أن تأثير الشق فى المشقوق أبين من تأثير الامتثال فى الشق وكأن فى المجاز زيادة بيان فإن طلب الامتثال بقوله فاصدع بما تؤمر أبلغ من طلب الامتثال بقوله فائتمر وكذلك يقال فى بنى آدم أسد لاشتراكهما فى المعنى وهو الشرط فيه وهذا المعنى فى الأسد أبلغ لأنه أشجع الحيوانات وكذلك أيضا استعارة اسم الحمار فى البليد وزعم على هذا أنه لا يجوز أن يجعل لفظ الطلاق كناية ومجازا عن العتق لأن هذا الشرط لا يجوز أن يوجد فى هذه الصورة لأن العتق أبلغ فى الإزالة والطلاق دونه١ وأما لفظ الهبة أو التمليك يجوز أن يجعل مجازا فى النكاح٢ لأن.\n_________\n١ في هذه المسألة قولان للعلماء: الأول: وهو رواية عن أحمد لا تعتق وهو قول أبي حنيفة والقول الثاني: تعتق به الأمة إذا نوى العتق وهو قول مالك والشافعي انظر المغني ١٢/٢٣٧.\n٢ وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيد وجاود انظر المغني ٧/٤٢٩.","vol":"1","page":288},{"text":"لفظ الهبة والتمليك لإثبات الملك أبلغ من لفظ النكاح إلا ترى أنه يفيد من التمليك ما لا يفيده لفظ النكاح قالوا: ولهذا قلنا فى قوله لعبده وهو أكبر سنا منه هذا ابنى أنه يعتق ويصير قوله هذا ابنى مجازا عن العتق لاشتراكهما فى المعنى فإن كل واحد من اللفظين يوجب حرية العبد وقوله هذا ابنى أبلغ فى إفادة الحرية لأنه يوجب الحرية قبل قوله بزمان كثير لأنه يولد حرا لو ثبت ما قال وقوله أنت حر يوجب الحرية فى الحال وكان المعنى فى المستعار منه أبلغ منه فى المستعار لذلك وصحت الاستعارة قال وإنما استعملنا على جهته المجاز لأن المجاز أحد فسمى الكلام استعمالا على ما مر إلا أن الحقيقة ما سبقهما ثبوتا فإذا تعذرت الحقيقة بصرفه دلالة تعين المجاز مرادا وحمل الكلام عليه وهذا الذى ذكره لا يعرف فى استعمال المجاز ولم يذكر فى كتاب من كتب اللغة وإنما الاستعارة فى الكلام ضرب من التوسع وليظهر براعة المتكلم وحسن تصرفه في الكلام واقتداره عليه وليس لأن الاستعارة أفادت معنى زائدا على ما يفيده حقيقة الكلام إلا ترى أنهم تكلموا بالصريح والكناية وقد استكثروا من الكناية على حسب ما استكثروا من الاستعارة ومعلوم أن الكناية لا تفيد زيادة على ما يفيده الصريح ولا يقال أنهم لما تركوا الصريح مع قدرتهم عليه وجب أن يكون تركهم الصريح إلى الكناية لنوع فائدة لا توجد فيه بل قيل أنه ضرب من التوسع فى الكلام ونوع من البراعة واللمس واقتدار على تصاريف الكلام وفنونه والدليل على أن ما قالوه ليس بشرط أنهم استعاروا لفظ المس للوطء ولفظ القربان للدخول ونحن نعلم قطعا أنه ليس فيه زيادة على ما يفيده لفظ الجماع بل للفظ الجماع والوطء وصريح لفظ النيل من الزيادة على هذه الألفاظ وكذلك لفظ الخيط الأبيض والأسود استعير لضوء النهار وسواد الليل وليس لمعناه زيادة على معنى الضوء والظلام إلا أنا مع هذا كله لا ننكر أن يتفق مثل ما قالوه اتفاقا فإما أن يكون ذلك من شرطه فلا وأما قولهم أنه يقال للشجاع أسد وللبليد حمار وللشرير كلب والمعنى الذى استعير لأجله هذه الأسامى أبلغ فى هذه المعانى قلنا فى هذه الصورة قدر كاف التشبيه فكأنه قيل شجاع كالأسد وللبليد كالحمار أو شرير كالكلب وإنما يشبه الشىء بالشىء فى المعنى إذا كان المشبه به أبلغ فى ذلك المعنى فأما الاستعارة باب آخر وقد ذكرنا أن ما ظاهره ليس بشرط بوجه عام وأما الذى قالوه فى أول الفصل أن الكلام لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز وقد بينا وجه صحة ذلك وذكرنا من أصولهم ما ينقض أصلهم الذى زعموه وأما استعمال لفظ.","vol":"1","page":289},{"text":"الهبة والبيع فى عقد النكاح فلا يجوز لأن الاشتراك فى المعنى لم يوجد وكذلك السببية التى يدعونها لم توجد أيضا لأن ملك المتعة نكاحا غير ملك المتعة يمينا ويظهر ذلك بأحكامها فعلى هذا لا تكون الهبة والبيع سببا لملك المتعة الذى ثبتت بعقد النكاح بوجه ما وأما لفظ الطلاق فقد بينا صلاحيته كناية ومجازا عن لفظ العتاق وأما إذا قال لغلامه وهو أكبر سنا منه هذا ابنى فإنما لم يصح عندنا مجازا عن العتق لأن اللفظ إنما يصلح مجازا إذا كان له حقيقة وهذا اللفظ فى هذا المحل لا حقيقة له لأنه لغو وهذا باب الكلام وأن قلتم أن النسب فى الجملة يوجب العتق فإنما يوجب فى محل يتصور فيه النسب فأما فى محل لا يتصور فيه النسب فلا يوجب العتق وإذا لم يوجب العتق لم يمكن استعمال اللفظ مجازا فى هذا المحل نعم يجوز هذا المجاز فى معروف النسب لأن النسب فيه متصور فإن لم يثبت كان مجازا عن العتق فأما فى هذه المسألة فبعيد جدا.\nأيضا قد بينا وجوه الكلام بقدر ما ذكر فى أصول الفقه والبيان يتعلق بجميعها فنعود الآن إلى ذكر المجمل وما يقع به بيانه وما ألحق بالمجمل وليس منه فنقول قد ذكرنا حد المجمل وحد المبين وقد قيل أن المجمل ما لا يستعمل بنفسه فى معرفة المراد به وقيل أيضا أنه الكلام المبهم الذى لا يطاوع التقييد أولا ببيان ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى فضائه تعين كشف هذه.\nوقد قال الأصحاب أن المجمل على أوجه١.\nمنها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شىء بعينه٢.\nكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .\nكقول رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿\" ٣ فإن الحق يشتمل على أشياء كثيرة وهو فى هذا الموضع مجهول لا يعرف ولا بد فيه من بيان يتصل به.\n_________\n١ أي أقسام المجمل.\n٢ انظر نهاية السول ٢/٥٠٨ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٩، ١٠ المحصول ١/٤٦٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٥.\n٣ أخرجه البخاري الإيمان ١/٩٤، ٩٥ ح ٢٥ ومسلم الإيمان ١/٥٢ ح ٣٤/٢١.","vol":"1","page":290},{"text":"ومنها أن يكون اللفظ فى الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض والطهر فيفتقر إلى البيان١.\nومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أن دخلها شيئا مجهول كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فإنه قد صار مجملا ما دخله من الاستثناء وفى هذا المعنى العموم الذى علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه ومنها أيضا أن يفعل رسول الله ﷺ فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا مثل ما روى أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين٢ فى السفر فهو محتمل لأن السفر يحتمل الطويل والقصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل وكذلك ما روى أن رجلا أفطر فأمره النبي ﷺ بالكفارة٣ وهذا مجمل لأنه يجوز أنه أفطر بجماع ويجوز أنه أفطر بالأكل ولا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر لا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب فى إجمالها لافتقارها إلى البيان واختلف المذهب فى ألفاظ فمنها قول الله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فعلى حد قول الإمام الشافعى ﵀ هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة فافتقر إلى بيان ما يحل وبيان ما يحرم وعلى القول الثانى ليس بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول فى اللغة فحمل اللفظ على العموم إلا ما خصه الدليل ومنها الآيات التى ذكر فيها الأسماء الشرعية وهى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فمن أصحابنا من قال هذه الآيات عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه ومن أصحابنا من قال هى مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها فى اللغة وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وهذا هو.\n_________\n١ نهاية السول ٢/٥٠٨ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١١ المحصول ١/٤٦٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣،٥.\n٢ أخرجه البخاري تقصير الصلاة ٢/٦٧٥ ح ١١٠٧ ومسلم المسافرين ١/٤٨٨ ح ٤٢/٧٠٣.\n٣ أخرجه مسلم الصيام ٢/٧٨٢ ح ٨٣/١١١١ وأبو داود الصوم ٢/٣٢٤.","vol":"1","page":291},{"text":"الأصح لأنا بينا هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشريعة ومنها الألفاظ التى علق التحليل والتحريم فيها على البيان كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فقال بعض أصحابنا إنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل ولا بالتحريم وإنما الذى يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال وما لا يحرم ومنهم من قال إنها ليست مجملة١ وهو الأصح لأن التحريم والتحليل فى مثل هذا إذا [....] الأفعال مقصورة فى هذه الأيمان ولا يراد أنه إذا قال لغيره هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل وكذلك إذا قال حرمت عليك هذا الشراب يعقل منه الشراب فصار المراد معقولا من هذا اللفظ وما عقل من اللفظ لا يكون مجملا فصار هذا الطريق أولى من الأول.\nومنها الألفاظ التى تتضمن النفى والإثبات كقوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنيات\" ٢ وكقوله ﷺ: \"لا نكاح إلى بولى\" ٣ وكقوله ﷺ: \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\" ٤ وكقوله ﷺ: \"لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل\" ٥ وما شبه هذا.\nفقد زعم بعض أصحاب أبى حنيفة أن هذا مجمل لأن الذى نفاه هو العمل أو النكاح أو الصلاة وهذه الأشياء موجودة لا يمكن نفيها فيكون المراد بالنفى نفى صفة غير مذكورة فافتقر إلى بيان تلك الصفة وقال الكرخى وأبو عبد الله البصرى إذا لم يكن المراد به نفى صوة الصلاة والصوم كان المراد بذلك نفى الحكم شرعا فيجوز أنه أراد به نفى حكم الجواز ويجوز أنه أراد به نفى الفضيلة فلا يمكن الحمل عليها جميعا لأن نفى الفضيلة من ضرورته وجود الجواز ولأنه مضمر ودعوى العموم فى المضمر لا يجوز وإذا لم يصح دعوى العموم وجب التوقف إلى أن يعلم المراد وأما أصحابنا فقد زعموا أن هذه الألفاظ ليست مجملة وهو الأصح٦ لأن صاحب الشرع لا يثبت ولا.\n_________\n١ انظر المحصول ١/٤٦٦ إحكام الأحكام ٣/١٤ نهاية السول ٢/٥١٩، ٥٢٠.\n٢ أخرجه البخاري بدء الوحي ١/١٥ ح ١ مسلم الإمارة ٣/١٥١٥ ح ١٥٥/١٩٠٧.\n٣ أخرجه أبو داود النكاح ٢/٢٣٦ ح ٢٠٨٥ والترمذي النكاح ح ٨٢/ ٣٩٨ ح ١١٠١ وابن ماجه النكاح ١/٦٠٥ ح ١٨٨١ والدارمي النكاح ١/١٨٤ ح ٨٢/٢ وأحمد المسند ٤/٤٨١ ح ١٩٥٣٧.\n٤ أخرجه البخاري الأذان ٢/٢٧٦ ح ٧٥٦ ومسلم الصلاة ١/٢٩٥ ح ٣٤/٣٩٤.\n٥ تقدم تخريجه.\n٦ انظر نهاية السول ٢/٥١٤، ٥١٥ المحصول ١/٤٦٨ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠، ٢١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧، ٨.","vol":"1","page":292},{"text":"ينفى المشاهدات وإنما يثبت وينفى الشرعيات فكأنه ﷺ قال لا عمل فى الشرع إلا بالنية ولا نكاح فى الشرع إلا بولى وذلك معقول من اللفظ فلا يجوز أن يكون مجملا.\nوزعم جماعة من أصحاب أبى حنيفة أن قوله ﷺ رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه مجمل لأن ظاهر اللفظ رفع الخطأ والنسيان والإكراه وهذه الأشياء موجودة قطعا فيجب أن يكون المراد منه معنى غير مذكور فافتقر إلى البيان.\nوأما عندنا فالأصح أنه ليس مجمل لأن معقول المعنى فى الاستعمال١ ويمكن أن يقال أنه معقول المعنى لعلة أيضا لأن المراد من مثل هذا اللفظ رفع المؤأخذة ألا ترى أنه إذا قال لعبد رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤأخذة ورفع كل ما يتعلق بهذه الأفعال من التبعات وقد روى أن النبي ﷺ قال لأبى رمثة وابنه حين قدما عليه: \" أما أنه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه\" ٢ وليس المراد منه رفع صورة الجناية ولكن المراد منه نفى المؤأخذة فإن معناه لا تؤخذ بجنايته ولا يؤخذ بجنايتك وزعم بعض أصحاب أبى حنيفة أيضا فى قوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فقوله أيديهما مجمل لأنه يجوز أن يقال أنه أراد من المنكب ويجوز أنه أراد من المرفق ويجوز أنه أراد من الزند لأن الجميع تناوله باسم قطع اليد ويقال أيضا إذا برى القلم وجرح شيئا من أصابعه قطع فلان يده.\nوقيل فى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] أنه أراد بذلك خدش اليدين لا القطع حقيقة.\nوالصحيح أن الآية ليست بمجملة بل هى عامة وحملها على القطع من المنكب صحيح لو لم ترد السنة بالقصر على الزند فقد خص ذلك بدليل دل عليه وقال دليل على التخصيص لا يخرج اللفظ من عمومه.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/١٨، ١٩ المحصول ١/٤٧٢ نهاية السول ٢/٥١٨.\n٢ أخرجه أبو داود الديات ٤/١٦٧ ح ٤٤٩٥ والنسائي القسامة ٨/٤٧ باب هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ وأحمد المسند ٤/٢٠٢ ح ١٧٥٠٥.\n٣ إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٣ المحصول ١/٤٧١ نهاية السول ٢/٥٢٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>فصل فيما يقع به بيان المجمل</span>.\nاعلم أن بيان المجمل يقع من ستة أوجه.\nأحدها بالقول وهو أكبرها وأوكدها كبيان نصيب الزكوات وكقوله ﷺ: \"لا قطع فى كثر\" وكقوله: \"القطع فى ربع دينار فصاعدا\".\nوالوجه الثانى بالفعل مثل قوله ﷺ: \"صلوا كما رأيتمونى أصلى\" وكقوله ﷺ فى الحج: \"خذوا عنى مناسككم\".\nوالوجه الثالث بيانه بالكتاب كبيانه لأسنان الديات وكذلك ديات أعضاء البدن بالكتاب وكذلك الزكوات وكذلك ما بين بما كتب إلى عماله من الأحكام ومن دعاء الملوك إلى الإسلام.\nوالوجه الرابع بيانه بالإشارة مثل قوله ﷺ الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعنى ثلاثين يوما ثم أعاد الإشارة بأصابعه ثلاث مرات وحبس إبهامه فى الثالثة يكون تسعة وعشرون يوما.\nوالوجه الخامس بيانه بالتفسير وهو المعانى والعلل التى نبه بها على بيان الأحكام كقوله ﷺ فى بيع الرطب بالتمر أينقص إذا يبس وكقوله ﷺ فى قبلة الصائم: \"أرأيت لو تمضمضت\".\nوالوجه السادس اختص العلماء ببيانه عن اجتهادهم وهو ما قدمت فيه الوجوه الخمسة إذا كان الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين أما من أصل يعتبر هذا الفرع به وأما من طريق أمارة يدل عليه١.\nفهذه وجوه البيان والله أعلم.\n_________\n١ انظر المحصول ١/٤٧٣، ٤٧٤ إحكام الأحكام ٣/٣٤، ٣٥ نهاية السول ٢/٥٢٥، ٥٢٦، ٥٢٧ روضة الناظر ١٦٣ المعتمد ١/٣١١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٦، ١٧.","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>فصل: وقت البيان</span>\n...\nفصل: وأما الكلام فى وقت البيان.\nاعلم أن لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل ولا اختلاف أيضا أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل لأن المكلف قد يؤخر النظر وقد يخطىء إذا نظر فهذان الضربان متفق عليهما لا اختلاف بين أهل العلم فيهما.\nوإنما اختلفوا فى تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل فى بيان المجمل وتخصيص العموم ولهذا قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج وأبو سعيد الإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وطائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أبى الحسن الأشعرى واختيار القاضى أبو بكر.\nوالمذهب الثانى: أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب فى بيان المجمل وتخصيص العموم وبه قال من أصحاب الشافعى أبو إسحاق المروزى وأبو بكر الصيرفى والقاضى أبو حامد ومذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر المعتزلة.\nوالمذهب الثالث: أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير تخصيص العموم وهذا قول أبى الحسن الكرخى وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد وبهذا قال أصحاب الشافعى.\nوالمذهب الرابع: أنه يجوز تأخير تخصيص العموم ولا يجوز تأخير بيان المجمل وبهذا قال بعض أصحاب الشافعى ﵀.\nوالمذهب الخامس أنه يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهى ولا يجوز تأخير بيان الأخبار١ حكاه الماوردى عن الكرخى وبعض المعتزلة وعندى أن مذهب الكرخى هو ما قدمنا من قبل قال الماوردى ولم يقل بهذا القول أحد من أصحاب الشافعى رحمة الله عليه.\nمسألة: واعلم أن الذى ننصره جواز التأخير فى الكل وهو المذهب الأول خلافا لما ذهب إليه طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأكثر المعتزلة ونصره عبد الجبار الهمذانى فى العمد وحكاه عن أبى على وأبى هاشم رجلى رجال المعتزلة من المتأخرين.\n_________\n١ انظر المحصول ١/٤٧٧ نهاية السول ٢/٥٣١، ٥٣٢، ٥٣٣ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٤١، ٤٢، ٤٣ المعتمد ١/٣١٥ روضة الناظر ١٦٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠.","vol":"1","page":295},{"text":"قال أبو زيد فى أصوله بعد أن جعل البيان أربعة أقسام أن بيان المجمل إذا لم يكن تبديلا ولا تغييرا يجوز مقارنا وطارئا وذكر أن بيان الاستثناء بيان تغيير ولا يجوز طارئا بحال ثم ذكر أن الخلاف بيننا وبين الشافعى فى بيان الخصوص فعندنا هو من قبيل بيان الاستثناء فلا يجوز إلا مقارنا وعند الشافعى هو من قبيل بيان المجمل فيصح مقارنا وطارئا قال ولهذا قال علماؤنا إذا قال أوصيت لفلان بهذا الخاتم ولهذا بفصه بكلام متصل فالفص كله لصاحب الفص ويكون تخصيصه بيانا كالاستثناء ولو فصل وقال وأوصيت لهذا بفصه كان الفص بين الأول والثانى ولا يصير بيانا عند الفصل قال وأما بيان المجمل منفصلا جائز إلا ترى أن أصحابنا قالوا: فيمن أقر لفلان على شىء يكون البيان إليه متصلا ومنفصلا وهو تفسير منهم قالوا: لذلك إذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه ويجوز متصلا ومنفصلا وذكر مسائل سوى ما ذكرنا واحتج من أثبت تأخير بيان المجمل بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال لا يخلو أما أن يكون أراد منها الاعتداد بالطهر أن شاءت أو بالحيض أن شاءت أو أراد منها الاعتداد بواحد منهما بعينه وأى الأمرين أراده فقد أراد منهما ما لا سبيل إلى فهمه من اللفظ لأن اللفظ لا يجنى عن التخير ولا عن واحد منهما بعينه وأن قلتم أنه لم يرد منها شيئا فهو محال ولم يقل به أحد.\nوقالوا: أيضا لو حسن الخطاب المجمل من غير بيان فى الحال لحسن خطاب العربى بالزنجية مع القدرة على مخاطبته بالعربية وكذلك مخاطبة الزنجى بالعربية فيخاطب ثم لا يبين فى الحال وحين قبح ذلك فليقبح هاهنا أيضا لأنه لا يعرف السامع مراد المخاطب بكلامه فإن قلتم لم يحسن مخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى لا يعرف بكلام الزنج شيئا ويعرف بكلام المجمل شيئا وهو أن المتكلم أراد بخطابه إيجاب شىء عليه أو نهيه عن شىء فى الاسم المشترك يعلم أن المتكلم أراد بخطابه أخذ معنى الاسم المشترك قالوا: هذا لا يصح لأنه لا يخلو لنا أن يعتبروا فى حسن الخطاب العلم بكل المراد ويعتبروا العلم ببعض المراد فإن اعتبرتم المعرفة بنقد المراد لزمكم أن لا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه لا يمكن مع فقد معرفة كمال المراد وأن اعتبرتم المعرفة ببعض المراد لزمكم حسن المخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى إذا عرف بحكمه الزنجى المخاطب له علم أن أراد بخطابه له شيئا أما الأمر وأما النهى وأما غيرهما فهذا دليلهم المعتمد.\nوقال بعضهم أن المجمل مع البيان بمنزلة الشىء الواحد مثل المبتدأ مع خبره ثم لا.","vol":"1","page":296},{"text":"يجوز فصل المبتدأ من خبره مثل أن يقول زيد ثم يقول بعد مدة قائم كذلك هاهنا لا يجوز أيضا تأخير البيان عن المبين قالوا: وأما تأخير بيان النسخ فنسلم أنه يجوز ولكن للفصل بينهما أن تأخير بيان النسخ لا يخل بالمعرفة بصفة العبادة فلم يمكن أداؤها وأيضا فإن النسخ بيان مدة الحكم وحقيقته سقوط الأمر عنه عند وجود مدة ينتهى إليها والخطاب المطلق يعلم قطعا أن حكمه يرتفع عنه لعلمنا بانقطاع التكليف وليس كذلك العموم لأنا لا نعلم خصوصه بإطلاقه وكذلك المجمل لا نعلم بيانه بإطلاقه.\nوأما الذين منعوا تأخير بيان العموم وتأخير المجمل فقد قالوا: بهذا المذهب فى كل كلام له ظاهر وذكروا أنه لا يجوز تأخير بيانه.\nواستدلوا فى ذلك وقالوا: أن بيان العموم خطاب لنا فى الحال بالإجماع ولا يخلو المخاطب أما أن يقصد أنها منا فى الحال أو لا يقصد ذلك فإن لم يقصد أنها منا بطل كونه مخاطبا لنا ونحن نعلم أنه باللفظ العام قصد اتهامنا وأنه لو لم يقصد اتهامنا كان عبثا لأن الفائدة فى الخطاب إفهام المخاطب ولأنه لو جاز لا يقصد إفهام المخاطب بالخطاب لجازت مخاطبة العربى بالزنجية وهو لا يحسنها إذا كان غير واجب إفهام المخاطب على زعمكم وليس من هذا الخطاب إلا ترك إفهام المخاطب وأن كان أراد اتهامنا فى الحال فلا يخلو أما أن يريد أن يفهم مراده على ظاهر اللفظ وعلى غير ظاهر اللفظ فإن أراد منا أن نفهم على ظاهر اللفظ فلفظه فظاهره العموم وهو مخصوص عنده فقد أراد منا اعتقاد غير الحق وأن أراد منا أن نفهم على غير ظاهره وهو بعد لم ينصب دليلا على تخصيصه فقد أراد منا أن من ما لا سبيل إليه فيكون تكليف لنا كما ليس فى وسعنا وطاقتنا وهذا باطل قالوا: فعلى هذا لا بد أن يبين لنا الخصوص متصلا بالعموم أو يشعر بالخصوص وكذلك النسخ لا بد أن يشعر بالنسخ وهذا لأن الخطاب مع هذا الإشعار يصير مفيدا فى الجملة ولا يكون إغراء باعتقاد غير الحق قالوا: والإشعار بالتخصيص أن يقول: اعلموا أن هذا العموم مخصص لا يبين ما الخارج عن العموم أو يقول: جوزوا خصوصه حتى أبينه وقال صاحب هذه الطريقة يجوز تأخير بيان المجمل لأن المجمل لا ظاهر له فلا ينكر الإجمال ثم تأخير البيان لأنه لا يجوز من الحكيم أن يفيد غير مراده على الجملة كما يجوز أن يفيد مراده على التفصيل إلا ترى أن زيدا قد يعلم أن فى الدار عمرا بعينه فيكون له غرض أن يعرفه أن فى الدار عمرا ويكون له غرض أن يعلم خالدا أن فى الدار عمرا ويكون له غرض أن يعرفه أن فى","vol":"1","page":297},{"text":"الدار رجلا ويكره أن يعرفه أنه عمرو فيقول: أن فى الدار رجلا ولا يبين له أنه عمرو ولغرض له كذلك فى المجمل يكون الأمر هكذا وهو أن يريد المخاطب أن يعلم المخاطب أن عليه حقا فى الجملة ولا يبين فى الحال لمعنى له ثم يبين ذلك فى ثانى الحال فهذا معتمد هؤلاء الطائفة\nوأما أبو زيد فقال فى هذا الفصل أن لفظ العموم للعموم والاستيعاب على سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم للعدد لكن ذلك العدد على سبيل القطع بلا احتمال لغيره فيكون التخصيص رفعا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما فى الألف إذا استثنى منها شىء فيكون بيان تعيين مثل الاستثناء ولا يجوز الاستثناء إلا متصلا باللفظ كذلك هذا البيان هذا كله وأما دليلنا فيدل أولا على وجود بيان تأخير المجمل والعموم فى الشرع ويتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] وكلمة ثم للتراخى وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الانبياء:٩٨] وكان المراد بذلك الأصنام دون عيسى والملائكة ﵈ وإنما بين ذلك ببيان التراخى فإن من المزهر الشاعر خاصم فى ذلك على ما ورد فى القصة المعروفة وقال أن دخلها عيسى والملائكة فنحن ندخل أيضا فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الانبياء:١٠١] وهم يقولون على هذا الدليل أن الملائكة وعيسى لم يكونوا دخلوا تحت الآية لأنه تعالى قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وما لا يعقل ومن لم يعقل وقد كانت الكفرة متعنتين معارضتهم فيمكن أن يقال أن الاحتجاج صحيح ولو كان الأمر كما قالوا: لبين النبي ﷺ ذلك ولم يسكت حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ وتعلق الأصحاب أيضا بقوله تعالى مخبرا عن الملائكة أنهم قالوا: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] والمراد غير لوط وأهله وتأخير البيان إلى أن قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢] قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله قال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠] يعنى فى السفينة من كل زوجين اثنين وأهلك والمراد غير ابنه وتآخر إلى أن قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] وهم يقولون على هذا أن البيان كان معروفا بالخطاب لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] وهذا اللفظ يخرج لوطا ومن أسلم معه من الخطاب وقد قال تعالى فى.","vol":"1","page":298},{"text":"موضع آخر مخبرا عن الملائكة: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٥٨، ٦٠] وكذلك قالوا: فى قصة نوح أن البيان كان مقرونا لأن الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ والجواب عن السؤال ممكن بمراجعة إبراهيم ونوح ﵉ ولو كان البيان مقرونا لم يكن لمراجعتهما وجزائهما عن ذلك معنى وتعلق الأصحاب بقوله تعالى فى خمس الغنائم: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] تآخر البيان فى إخراج بنى عبد شمس وبنى نوفل إلى أن سأل عثمان بن عفان ﵁ وجبير بن مطعم عن ذلك وهم يقولون على هذا أن آية القربى لا عموم لها لأن القربى تحتمل ضروب قرب وضروب قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم ﵇ فلم يمكن تعميمها وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيصبح البيان فيه متراخيا وهذا ضعيف لأن القرن معلوم يعرف الاستعمال ولم يكن يخفى عليهم وإنما خفى على هؤلاء الأعتام الجهال الذين خلوا من بعد وعلى هذا الدليل فى المجمل قائم.\nوتعلق الأصحاب أيضا بأمر الله تعالى بذبح بقرة مطلقة فى بنى إسرائيل وتأخير بيان أوصافها إلى أن سألوا وهم يقولون على هذا أنه قد روى عن ابن عباس ﵄ أنهم لو عمدوا إلى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم١.\nونحن نقول هذا خلاف ظاهر الآية لأن بنى إسرائيل قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ثم قالوا: ثالثا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ولو كان البيان حصل لم يكن لهذه الأسئلة معنى.\nوتعلق الأصحاب أيضا بما روى أن جبريل قال للنبى ﷺ فى ابتداء الوحى اقرأ فقال وما أقرأ ولست بقارىء إلى ثلاث مرات وجبريل ﵇ يكرر القول وهو يجيب هذا وروى أنه كان يغطه حتى بلغ منه الجهد إلى أن قال اقرأ باسم ربك٢ فقد آخر البيان قال الشافعى محتجا أن الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم أن النبي ﷺ بين إلا ميراث بين الكفر والإسلام وبين أيضا أن الله تعالى أمرنا بالصلاة مطلقا والزكاة.\n_________\n١ أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قاله الحافظ السيوطي انظر الدرر المنثور للسيوطي.\n٢ أخرجه البخاري التعبير ١٢/٣٦٨ ح ٦٩٨٢ ومسلم الإيمان ١/١٣٩ ح ٢٥٢/١٦٠ وأحمد المسند ٦/٢٥٩ ح ٢٦٠١٤.","vol":"1","page":299},{"text":"مطلقا وتآخر بيان ذلك وأمرنا بالحج مطلقا وتآخر بيان ذلك حتى حج حجة الوداع وقال: \"خذوا عنى مناسككم\" ١ وسأل عمر النبي ﷺ عن الكلالة فقال: \"يكفيك آية القيد\" ٢ وهى الآية التى فى آخر سورة النساء وكان عمر ﵁ يقول: اللهم من يبين لهم فإن عمر لم يبين وأمثال هذا تكثر فهذه الظواهر والنصوص دلائل سمعية وفيها مقتصر لو اقتصرنا عليها ثم مع هذا نبين من الدلائل العقلية ما يدل على ما ذكرناه فنقول أن البيان ما يجب لتمكن المكلف من إذا ما كلف والتمكين من ذلك غير محتاج إليه عند الخطاب وإنما يحتاج إليه قبل التعليق بلا فعل فلم يجب تقديمه عند الخطاب وهو كالاقتصار على الفعل فإنه لما كان ليتمكن من أداء الفعل لم يجب تقديمه على وقت الحاجة إلى الفعل وأيضا لو صح تأخير البيان لكان وجه متجه فقد بين المكلف ما أمر به وذلك يقتضى فتح الخطاب إذا لم يبين المكلف وأن بين له ولا يقال أنه إذا لم يبينه فقد أتى بالجهل من قبل نفسه بخلاف إذا لم يبين له ذلك وذلك لأن الجهل لا يختلف سواء أتى الإنسان ذلك من قبل نفسه أو من قبل غيره إلا أن الإنسان سقط تكليفه إذا مات سواء أماته الله تعالى أو قتل نفسه.\nودليل آخر معتمد أنه لو قبح تأخير البيان لكان وجه متجه أنه لا يمكن للسامع له أنه يعرف به كمال المراد ولو قبح ذلك لقبح تأخير بيان النسخ أيضا لأنه فى معناه وهو أنه لا يعرف به كمال المراد مثل التخصيص.\nيبينه أن النسخ تخصيص من حيث الزمان وتخصيص العموم تخصيص من حيث الأعيان.\nأما الجواب عن دلائلهم أما ما تعلقوا به من أنه أمر بالاعتداد.\nقلنا نقول أن الله ﷿ إنما أراد بالآية اعتداد النساء بواحد بعينه من الطهر والحيض إلا أنه لو لم يرد من المخاطبين أن يفهموه فى الحال لأنه لم يدلهم فى الحال بلفظ الحيضة فيريد منهم فهمه وإنما دلهم على الجملة فهو يريد منهم فهم الجملة كما لو كان اعتد بواحد من أحد شيئين بعينه أما الطهر وأما الحيض وسأبين ذلك وكما لو قال.\n_________\n١ أخرجه مسلم الحج ٢/٩٤٣ ح ٣١٠/١٢٩٧ وأبو داود المناسك ٢/٢٠٧ ح ١٩٧٠ وأحمد المسند ٣/٣٩٠ ح ١٤٤٣٢.\n٢ أخرجه مسلم الفرائض ٣/١٢٣٦ ح ٩/١٦١٧ وانن ماجه الفرائض ٢/٩١٠ ح ٢٧٢٦ وأحمد المسند ١/٣٣ ح ١٨٠.","vol":"1","page":300},{"text":"القائل لغيره اضرب رجلا واعلم أنه رجل معين وسأبين ذلك وكما لو علم أن زيدا فى الدار وأراد إعلام عمرو أن فى الدار رجلا فإنه قد عنى به زيدا ولم يرد أن يعرفه أنه زيدا.\nوأما الثانى الذى قالوه وهو تعلقهم بكلام العربى الزنجى بالعربية أو الزنجى العربى بالزنجية فهذا تعلق فاسد والفرق بين الموضعين أن العرب لا تعرف ما وضع له خطاب الزنج فلم يحسن أن يخاطبه به منفصلا عن بيان ذلك الخطاب أما أن يكون أمرا أو نهيا أو خبرا أو استخبارا أو غير ذلك والسامع من العرب غير متمكن من معرفة ذلك وأما هاهنا فإن المخاطب بالمجمل متمكن من معرفة ما يفيده الخطاب فى الجملة فإنه يعلم أنه أمر أو نهى أو خبر أو استخبار أو غير ذلك وكذلك يعرف ما وضع له الاسم المشترك لأنه وضع لواحد من هذين على انفراده وتصور هذا فى القرء فإنه يعلم أنه يريد بالخطاب أما الاعتداد بالطهر أو الاعتداد بالحيض ألا ترى أن القائل إذا قال للمرأة أريد منك أن تعتدى بشىء يعنى من شيئين أما الطهر وأما الحيض فإنها قد فهمت معنى هذا الخطاب من التردد بين الطهر والحيض وأنها مأمورة بالاعتداد بأحد هذين وكذلك فى قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يفهم المخاطب أن المراد بالخطاب إيجاب شىء فى ماله وهذا مثل قول القائل فى الدار رجل فإنه يعلم بهذا وجود شخص بوصف الدخول فى الدار وأن لم يعلم حقيقة وهذا لأن الأمر ابتلاء فإذا لزمه أن يعتقد أن الله تعالى أراد منه حقا فى ماله وقد حصل الابتلاء وهذا لعلة أعظم من الابتلاء بالعقل.\nقال أبو زيد فى أصوله وهذا كما أن فى القرآن ما هو متشابه أجبنا عن بيانه وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة فى الجملة قال ولهذا لو قال لفلان على شيئا يكون البيان إلى المقر منفصلا ومتصلا لأنه تكلم بكلام مجمل وإذا قال لفلان على ألف درهم وفى البلد نقد يختلف كان البيان إليه منفصلا ومتصلا وإذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه متصلا ومنفصلا وأما كلامهم فى منع تأخير بيان التخصيص للعموم فنحن نقول إذا ثبت جواز بيان تأخير المجمل ثبت جواز تأخير بيان التخصيص لأن فى الموضعين الموجود بيان متصل بما يحسن فيه البيان.\nوالذى قالوا: أنه يريد إفهام المخاطب أو لا يريد.\nقلنا يريد به إفهامه وقد فهم بالمجمل شيئا فى الجملة وهو الخطاب بإيجاب شىء.","vol":"1","page":301},{"text":"عليه وفارق هذا فصل المتكلم بالزنجى مع العربى لأنه لا يفهم منه شيئا ما.\nوأما قوله أنه كيف يريد إفهامه مقتضى اللفظ من العموم وأن لم يتصل به دليل يوجب التخصيص والخطاب على هذا الوجه حسن إلا ترى أن لو صرح به حسن فكذلك إذا لم يصرح به وأراده صح أيضا وعلى أن فصل النسخ داخل على ما قالوه وليس لهم على فصل النسخ عذر بيان وقولهم أنه يموت هوش لأن أمده ينقضى بموته إذا مد كل إنسان مدة حياته وأما النسخ فيه قطع الأمد الموت إنهاء الأمد فكيف يتشابهان وأما الذى قالوا: أنه لا بد من إشعاره بالنسخ فنقول مخترع لم يقل به أحد ويبطل بما ورد من نسخ تحليل الخمر ونسخ التوجه إلى بيت المقدس وما أشبه ذلك فإنه قد صح هذه الوجوه من النسخ ولم يتقدم إشعار بذلك من قبل ولا يمكنهم دعوى وجوده فبطل هذا وأما طريقة أبى زيد فضعيفة ولا نسلم أن لفظ العموم فيما يتناوله من الأعيان مثل لفظ الألف فى الأعداد التى اشتمل عليها وإنما العموم مجرد ظاهر فيما يتناوله من الأعيان وهو محتمل الخصوص وتأخير بيان التخصيص عنه لا يمنع منه شرع ولا عقل وهذا خير الكلام فى البيان وما يتصل به القول فى أفعال الرسول ﷺ وما يتصل بها يذكر أو لا مقدمة فنقول اعلم أن الأفعال على ضربين.\nأحدهما ما لا صفة له زائدة على وجوه وهو كبعض أفعال التناهى وبعض أفعال الناس فقد لا توصف بحسن ولا قبح وهذا الفعل الذى لا مضرة فيه ولا منفعة من فعل النائم والساهى وأما ما يكون من أفعال الساهى فيه مضرة أو منفعة فقد قال بعضهم أنه لا بد أن يوصف بالحسن أو القبح وقال بعضهم لا يوصف بشىء من ذلك وهذا هو الأولى لأن الحسن والقبح يتبع التكليف فمن لا يكون عليه تكليف لا يوصف فعله بشىء من هذين وعلى هذا كل فعل يفيد زمن لا تكليف عليه.\nوأما الضرب الثانى وهو أفعال المكلفين فينقسم خمسة أقسام واجب وندب ومباح ومحظور ومكروه وقال بعضهم ينقسم إلى قبيح وحسن ثم ينقسم القبيح إلى مكروه ومحظور والحسن إلى مباح وندب وواجب وقد بينا حدود هذه الأشياء ثم اعلم أن الواجب والندب والمباح يصح وقوعها من جميع المكلفين فأما المحظور فقد اتفقوا على صحة وقوع ذلك من بنى آدم وهل يصح وقوع ذلك من الملائكة فذهبت.","vol":"1","page":302},{"text":"المعتزلة١ وكثير ممن سواهم إلى أنه لا يصح وقوع ذلك منهم وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وعند أهل السنة أنه يصح وقوع ذلك منهم بدليل قصة إبليس وقد كان من الملائكة وقصة هاروت وماروت وقد كانا من الملائكة وأما قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] فيجوز أن يكون ذلك فى طائفة منهم أو فى زمان مخصوص والله أعلم وأما الأنبياء ﵈ فلا يصح منهم وقوع الكبائر لعصمة الله تعالى إياهم عن ذلك فأما الصغائر فقالوا: لا يصح منهم وقوع ما ينفر عنهم مثل الكذب وما يضع من أقدارهم وما يدعوا إلى البعد عنهم مثل الغلظة والفظاظة ولا يصح منهم أيضا وقوع ما ورد السمع بحظره عليهم من الكبائر وقول الشعر فى حق نبينا ﷺ.\nوعندى أن هذا الحد لا يصح فى حق سائر الأنبياء وقد ورد السمع بحظر الأكل من الشجرة وصح منه ذلك وأما ما عدا ما ذكرناه من الصغائر فقد أبى بعض المتكلمين وقوع ذلك من الأنبياء أيضا والأصح أن ذلك يصح وقوعه منهم ويتداركون ذلك إبان موته قبل اخترام المنية وأما الخطأ والسهو فيجوز وقوع ذلك من الأنبياء وقد حمل كثيرا مما فعلوه مما حكى الله تعالى على ذلك وفى الباب خطب كثيرة وليس هذا موضعه.\nوإذا تقرر هذا رجعنا إلى أفعال الرسول ﷺ فنقول أفعاله على ثلاثة أضرب.\nأحدها: حركاته التى تدور عليها هواجس النفوس كتصرف الأعضاء وحركات الجسد فلا يتعلق بذلك أمر باتباع ولا نهى عن مخالفة.\nوالضرب الثانى: أفعاله التى لا تتعلق بالعبادات كأحواله فى مأكله ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته فيدل فعل ذلك على الإباحة دون الوجوب.\nوأما الضرب الثالث: ما اختص بالديانات وهو على ثلاثة أضرب.\nأحدها: ما يكون بيانا.\nوالثانى: ما يكون تنفيذا وامتثالا.\nوالثالث: ما يكون ابتداء شرع فأما البيان فحكمه مأخوذ من المبين فإن كان المبين واجبا كان البيان واجبا وأن كان ندبا كان البيان ندبا ويعرف أنه بيان بأن يصرح بأنه بيان كذلك ويعلم فى القرآن أنها مجملة تفتقر إلى البيان ولم يظهر بيانها بالقول فنعلم أن.\n_________\n١ انظر المعتمد ١/٣٤٢ المحصول ١/٥٠١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٤٢ نهاية السول ٣/٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٨٧.","vol":"1","page":303},{"text":"هذا الفعل بيان لها والثانى أن يفعل امتثالا وتنفيذا له فيعتبر أيضا بالأمر وأن كان الأمر على الوجوب علمنا أنه فعل واجبا وأن كان الفعل على الندب علمنا أنه فعل ندبا والثالث أن يعمل ابتداء من غير سبب ولم يوجد منه فى ذلك أمر باتباع ولا نهى عنه فاختلف أصحابنا فى ذلك على ثلاثة مذاهب وكذلك سائر الفقهاء والمتكلمين وهذا الاختلاف فيما يرجع إلى حقوق الأمة.\nالمذهب الأول: أن اتباعه فى هذه الأفعال واجب على الأمة إلا ما خصه ذلك وهذا مذهب مالك والحسن وبه قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وهذا هو الأشبه بمذهب الشافعى رحمة الله عليه وبهذا قال من أصحاب أبى حنيفة أبو الحسن الكرخى وهو قول طائفة من المتكلمين.\nوالمذهب [الثانى] ١: المستحب للأمة اتباعه فى هذه الأفعال ويندب إلى ذلك ولا يجب وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر أهل المعتزلة وبه قال من أصحاب الشافعى أبو بكر الصيرفى وأبو بكر القفال.\nوالمذهب [الثالث] ٢ أن الأمر فى ذلك على الوقف حتى يقوم دليل على ما أريد منا فى ذلك وإلى هذا ذهب أكثر الأشاعرة واختاره من أصحاب الشافعى أبو بكر الدقاق وأبو القاسم بن كج٣.\n_________\n١ سقط من الأصل.\n٢ ثبت في الأصل \"الأول\".\n٣ لا خلاف بين العلماء في أن أفعله ﷺ إذا كانت مما تقتضيه الجبلة والطبيعة كالقيام والقعود والأكل والشرب لا تدل على الإباحة بالنسبة له ولأمته.\nولا خلاف بينهم أيضا في أن ما ثبت خاصا به ﵇ لا يتعداه إلى أمته كتزوجه بأكثر من أربع سنوة ودخوله حلالا ووجوب التهجد والمشاورة.\nولا نزاع بينهم أيضا في أن فعله المبين للمجمل الذي علمت صفته من الوجوب والندب يكون حكمه حكم ذلك المجمل الذي بينه الفعل فإن كان واجبا كان الفعل واجبا وإن كان مندوبا كان الفعل مندوبا لأن المبين يأخذ حكم المبين.\nوإنما الخلاف بينهم في أفعاله ﵇ التي لم يقم دليل على اختصاصها به وليست من الأفعال التي تقتضيها الطبيعة البشرية ولم تكن بيانا لمجمل معلوم الصفة.\nوجملة ما قالوه في ذلك أن الفعل إذا لم تعلم صفته من الوجوب أو غيره إما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا يظهر فيه ذلك..........=","vol":"1","page":304},{"text":"............................................................................\n_________\n= فإن ظهر فيه قصد القربة ففيه أقوال ثلاثة:\nأحدها: أنه يفيد الندب وهو المختار للإمام الرازي والبيضاوي وابن الحاجب.\nثانيهما: أنه يفيد الوجوب وهذا القول نقله القرافي عن مالك ﵁.\nوإن لم يظهر في الفعل قصد القربة: ففيه أقوال الأول: يدل على الإباحة وإليه ذهب الإمام مالك وابن الحاجب وجماعة.\nووجتهم في ذلك: أن الفعل باعتبار صدوره عن النبي ﷺ لا يخلو حكمه عن واحد من أمور ثلاثة: الوجوب أو الندب أو الإباحة ولا يكون فعله محرما لأنه كبيرة والرسل معصومون من الكبائر ولا يكون مكروها كذلك لأن صدور المكروه من عدول المسلمين نادر فكيف بمن هو أشرف الخلق أجمعين ولا سك أن كلا من الوجوب والندب جانب الفعل فيه أرجح وجانب الترك مرجوح والأصل استواء الفعل والترك من غير رجحان لأحدهما على الآخر: فلا يكون الفعل واجبا ولا مندوبا لأن ذلك خلاف الأصل وهو لا يثبت إلا بدليل والمفورض أنه لا دليل لواحد منهما فلم يبق إلا الإباحة نوقش هذا: بأن الغالب في أفعاله ﵇ التي علمت صفتها الوجوب أو الندب والإباحة قليلة بالنسبة إليهما فإذا وجد فعل لم تعلم صفته وجب أن يلحق بالكثير الغالب وهو الوجوب أو الندب ولا يلحق بالقليل وهو الإباحة لأن الحمل على القليل فيه عمل بالمرجوح وترك للراجح وهو مخالف لما تقتضيه العقول السليمة وبذلك تنتفي الإباحة ويثبت إما الوجوب أو الندب.\nالقول الثاني: يدل على الندب وإليه ذهب الشافعي واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾\nووجه الدلالة من الآية: أن الله قال \"لكم\" ولم يقل: \"عليكم\" وهذا مشعر بأن الاقتداء به ﵇ في الفعل الذي لم يقم دليل عليه وجوبه ليس واجبا لانتقاء ما يدل على الوجوب وهو \"عليكم\" ووصف الأسوة بأنها حسنة وذلك يوجب رجحان الاقتداء به ﵇ على ترك الاقتداء به فتنتفي الإباحة لانتفاء استواء الطرفين \"الاقتداء وعدم الاقتداء\" كما ينتفي كل من التحريم والكراهة لأن جانب الترك فيها راجح والثابت من الآية ترجح جانب الفعل فلم يبق بعد ذلك من الأحكام إلا الندب وهو المطلوب.\nنوقش بأن التأسي والاقتداء والمتابعة ألفاظ مترادفة معناها: الإتيان بمثل الفعل الذي فعل على الوجه الذي فعل عليه من الوجوب أو الندب أوالإباحة فهذه الأمور الثلاثة لا تكون إلا في الفعل المعلوم الجهة وبما أننا نتكلم في الفعل الذي لم تعلم جهته تكون الآية في غير محل النزاع.\nالقول الثالث: يدل على الوجوب وإليه ذهب بعض الشافعية كابن سريج وابن خيران وأبي سعيد الإصطخري.\nواستدلوا على ذلك بالكتاب والإجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ ووجه الاستدلال أن: ﴿اتَّبِعُوهُ﴾ في الآية أمر والأوامر يدل على الوجوب لأنه لا قرينة تصرفه.........=","vol":"1","page":305},{"text":"مسألة: التأسى برسول الله ﷺ عندنا واجب فى القرب.\nوعند من ذكرناه لا يجب١ واستدل من ذهب إلى ذلك بوجوه من الدليل وقالوا: تقدم أولا معنى التأسى فمعناه أن يفعل صورة ما فعله على الوجه الذى فعله لأجل أنه فعل وما لم يكن على هذا الوجه لا يكون تأسيا وقالوا: يدل أولا أنه لا يجب علينا أن.\n_________\n= عنه إلى غيره فكانت متابعة الرسول واجبة من غير فرق بين ما علمت صفته وما جهلت وبذلك يكون الفعل غير معلوم الصفة واجبا ويجاب عن هذا بأن الآية ويجاب عن هذا بأن الآية في غير محل النزاع لأن المتابعة كما تقدم لا تتحقق إلا في الفعل الذي علمت جهته وموضوع الخلاف الفعل مجهول الجهة.\nوأما الإجماع فإن الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون إنزال بعد أن كانوا مختلفين فيه ومستندهم في الاتفاق قول عائشة ﵂ لمن سألها عن ذلك فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا فلو كان فعله ﵇ غير مفيد للوجوب ما أجمع الصحابة على وجوب الغسل مما ذكر لمجرد فعله ﵇ ذلك ولوجد منهم من يقول بالندب أو الإباحة لأن الفعل من حيث هو محتمل وأجيب عن هذا بأن الصحابة لم يجمعوا على ذلك لمجرد الفعل بل لأن فعل الرسول ﷺ هذا يعتبر من باب المناسك وهم مأمورون بأخذ المناسك عنه لقوله ﵇: \"خذوا عني مناسككم\" فيكون فعله ﵇ مبينا لواجب فيكون واجبا تبعا لما بينه وبذلك يكون الدليل في غير محل النزاع كذلك لأن الفعل المبين لما هو معلوم الصفة ليس من محل النزاع.\nالقول الرابع: وهو المختار للبيضاوي والصيرفي وجماعة الوقف بمعنى أنه لا يحكم لا بالوجوب ولا بالندب ولا بالإباحة حتى يدل الدليل الخاص على واحد من هذه الأمور.\nووجهتم في ذلك أن فعله ﵇ محتمل للوجوب والندب والإباحة وأنه ليس خاصا به بل الأمة مثله في ذلك ومحتمل لأن يكون خاصا به فلا تكون الأمة تابعا له فيه وليس هناك ما يعين واحدا من هذه الأمور السابقة فوجب التوقف وعدم الحكم بشيء بخصوصه حتى يقوم الدليل عليه دفعا للتحكم\nويمكن لأصحاب المذاهب السابقة أن تناقش هذا الدليل فتمنع احتمال الخصوصية بأن الأصل عدمها ثم يعين كل واحد منهم ما اختاره من الندب أو الإباحة أو الوجوب بالدليل الذي ساقه عليه. فلا يتم للواقف مدعاه وللواقف أن يرد هذه المناقشات بأن الأدلة السابقة لم تسلم من المناقشات فلم تثبت مدلولاتها فلا عبرة بها وبذلك يسلم دليل الواقف مما ورد عليه ويترجح مذهبه لترجيح دليله انظر البرهان ١/٤٨٧، ٤٨٨، ٤٨٩ وإحكام الأحكام للآمدي ١/٢٤٥ والمعتمد ١/٣٤٣ نهاية السول ٣/١٧ المحصول ١/٥٠٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨٨، ٨٩، ٩٠.\n١ انظر البرهان ١/٤٨٨ المحصول ١/٥١١ إحكام الأحكام للآمدي ١/٢٤٥ المعتمد ١/٣٥٣، ٣٥٤ نهاية السول ٣/١٨، ١٩.","vol":"1","page":306},{"text":"نفعل مثل ما فعله على جهة الواجب فنقول أنه لا يجوز أن يعلم ذلك بالعقل لأنه لو علم ذلك بالعقل لكان من أحد الوجهين أما أنه لا يجوز أن يختص بوجوب شىء عليه وما وجب عليه لا بد من كونه واجبا علينا أو لأنا إذا لم نتبعه فى أفعاله أدى ذلك إلى التنفير عنه والأول باطل لأنه ﵇ إنما تعبد بالفعل لأنه مصلحة له ولسنا نعلم وجه كونه مصلحة حتى نعلم شياعه فى جميع الناس وهذا لأنه ليس يجب اشتراك المكلفين فى المصالح فيجوز أن يكون هذا الفعل مصلحة له ولا يكون مصلحة لنا إلا ترى أنه قد أبيح له ما لم يبح لنا مثل العدد فى الأنكحة والصفى من المغنم وغير ذلك وقد أوجب عليه ما لم يوجب علينا مثل قيام الليل والوتر والتضحية وغير ذلك والثانى باطل لأنه أما أن يقال أن التنفير يحصل إذا فارقناه فى فعل واحد أو يحصل إذا فارقناه فى جميع الأحوال والأول لا يصح لأن المفارقة قد حصلت فى أشياء كثيرة مثل المفارقة فى صلاة الضحى والمناكح فقد حصل التنفير إذا والثانى لا يصلح لأنه إذا كان التنفير يحصل بالمفارقة فى جميع الأفعال لا فى بعض الأفعال فلا بد من دليل غير العقل يميز لنا ما تعبدنا به من أفعاله وبين ما لم نتعبد به ولأنه لو قال اعلموا إنما تفعلوه مصلحة لكم دونى أو ما أفعله مصلحة لى دونكم لم يكن هذا مؤديا إلى التنفير فكذلك ما ذكرناه لا يؤدى إلى التنفير أيضا.\nقالوا: وليس الأفعال كالأقوال من الأوامر والنواهى لأن الأقوال موضوعة لمعان معلومة على ما ذكرناه من قبل فإذا لم يقتض ذلك الإيجاب أو التحريم علينا إذا كان أمرا ونهيا يطلب معانيها وهذا لا يوجد فى الأفعال لأن الأفعال مفيدة صحيحة فى حق فاعليها فالقول فى ترك إيجاب أمثالها علينا لا يؤدى إلى إبطالها وإلغائها وإذا ثبت أنه لا يجب التأسى به من حيث العقل وأن عرفنا أنه فعل واجبا فكيف يجب علينا أنه فعل ما فعل على وجه الوجوب وهذا لأنا إذا لم نعلم الجهة التى فعل عليها لم يكن ما يفعله تأسيا لوجه ما إلا ترى أنه لو صار واجبا فتطوعنا لم نكن متأسين به وكذلك إذا فعل تطوعا وفعلنا فرضا لم نكن متأسين به أيضا وحرفهم فى هذا الدليل أنه لا دليل على ما قلتم من وجوب التأسى لا من حيث العقل ولا من حيث السمع فسقط لعدم الدليل واستدلوا أيضا بأنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عليه وحين لم يكن دليلا عليه فلا يكون دليلا علينا لدل أنه كان واجبا عليه لأنا إنما نفعله تبعا له فإذا لم يدل على أنه كان واجبا عليه فالأولى أن لا يدل على أنه يجب علينا.","vol":"1","page":307},{"text":"مثله وإذا ثبت انتفاء الوجوب علينا مجرد فعله فقد قال بعضهم أن فعله١ يدل على الإباحة لأنها أقل الأحوال٢.\nوقل بعضهم٣ يدل على الندب٤ لأن الكلام فى القرب وأدنى أحوال القرب الندبية فأخذنا بها أخذ باليقين ومنهم من يوقف ليقوم الدليل على أحد هذه الأمور وأما دليلنا فاعلم أن المعتمد هو الاستدلال بالشرع فى وجوب الاتباع والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فأمر الله تعالى فى هذه الآيات باتباعه واتباعه قد يكون فى قوله وقد يكون فى فعله فكان بيان الشريعة من جهته واقعا بالأمرين جميعا إلا ترى أنه ﷺ قال: \"صلوا كما رأيتمونى أصلى\" ٥ وقال: \"خذوا عنى مناسككم\" ٦ والصلاة والحج من الأحكام المجملة وقد حصل بيانها بالفعل فثبت أن مجمل الفعل فى البيان محل القول وأن من اتبعه فى فعله كان كمن اتبعه فى قوله وإنما يكون بيان الفعل أوكد من بيان القول.\nألا ترى أنه إذا أمر بشىء فأراد تحقيقه حققه بفعله كحلقه حين أحصر عام الحديبية وقد كان أمر فلم يفعلوا وتربصوا وتوقفوا فلما فعل رسول الله ﷺ تبادر الناس عند ذلك إلى الحلق فدل أن الفعل من المكانة فى القلوب ما ليس للقول ومما يدل أن محل فعله محل قوله أنه ﵇ لما سئل عن القبلة للصائم فقال أنا أقبل وأنا صائم فقال السائل إنك لست كأحدنا فغضب وقال: \"أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدود الله\" ٧ ولما قيل لابن عمر أن ناسا يقولون إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل.\n_________\n١ أي المجرد.\n٢ وهذا مذهب مالك وجزم به الإمام الرازي انظر نهاية السول ٣/٢١.\n٣ وهو قول الشافعي انظر نهاية السول ٣/١٢.\n٤ وقد قال بالوجوب أبو سعيد الإصطخري وابن خيران من الشافعية واختاره الإمام فخر الدين الرازي في معالم السنة انظر نهاية السول ٣/٢١، ٢٢.\n٥ أخرجه البخاري الأذان ٢/١٣١ ح ٦٣١ والدارمي الصلاة ١/٣١٧ ح ١٢٥٣ وأحمد المسند ٥/٦٥ ح ٢٠٥٥٥.\n٦ تقدم تخريجه.\n٧ أخرجه مسلم الصيام ٢/٧٧٩ ح ٧٤/١١٠٨ ومالك في الموطأ الصيام ١/٢٩١ - ٢٩٢ ح ١٣.","vol":"1","page":308},{"text":"القبلة ولا تستدبرها قال لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله ﷺ على اليقين مستقبل بيت المقدس لحاجته١ فاستدل ابن عمر بذلك على جواز فعله ودل به على بطلان قولهم وأجزأه مجزءا قوله لوروده بإطلاقه وإباحته وقد قال عامة أهل العلم قوله ﷺ: \"إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا أجمعين\" ٢ بفعله حين أم قاعدا فى مرضه الذى توفى فيه وهم قيام وغفلوا أن نسخ القول واقع بالفعل منه وأنهما فى بيان الشريعة على السواء وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أصبح جنبا فقد أفطر\" ٣ ثم زاد أنه منسوخ بما روى أنه كان يصبح جنبا ثم يغتسل ويتم صومه وكذلك زاد أنه قوله ﷺ: \"الثيب بالثيب جلد مائة والرجم\" ٤ منسوخ بترك جلد ماعز والغامدية وأن قوله فى السارق: \" فإن عاد فاقتلوه\" ٥ منسوخ بترك قتله حين أتى فى المرة الخامسة ومن هذا الباب جلوسه ﷺ: \"بين الخطبتين يوم الجمعة\" ٦ وليس فيه إلا فعله فقط وروى الشافعى ﵀ فساد الصلاة بتركه٧ ومما يزيد ما قلناه بيانا أن النبي ﷺ لما خلع نعله فى صلاته خلع أصحابه نعالهم فلما سلم قال: \"ما لكم خلعتم نعالكم\" فقالوا: رأيناك خلعت نعلك فقال: \" أن جبريل أخبرنى أن بهما قذرا\" ٨ وأيضا فإن عمر ﵁ لما قبل الحجر قال إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكنى رأيت رسول الله ﷺ يقبلك٩ فيرى أن متابعته على الظاهر من فعله واجبة مع علمه أنه لا يقع فيه أكثر من الاتباع وأمثال هذه الأخبار كثيرة فهذه الأخبار تبين أن أفعاله جارية فى بيان الشرع.\n_________\n١ أخرجه البخاري الوضوء ١/٢٩٧ ح ١٤٥ ومسلم الطهارة ١/٢٢٤ ح ٦١/٢٦٦.\n٢ أخرجه البخاري الأذان ٢/٢٠٤ ح ٦٨٩ ومسلم الصلاة ١/٣٠٨ ح ٧٧/٤١١.\n٣ أخرجه مسلم الصيام ٢/٧٧٩ ح ٧٥/١١٠٩ بلفظ \"من أدركه الفجر جنبا فلا يصم\" ومالك في الموطأ الصيام ١/٢٩٠ ح ١١ ولفظ الحديث عند مالك.\n٤ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣١٦ ح ١٢/١٦٩ وأبو داود الحدود ٤/١٤٢ ح ٤٤١٦ والترمذي الحدود ٤/٤١ ح ١٤٣٤ وابن ماجه الحدود ٢/٨٥٢ ح ٢٥٥٠.\n٥ أخرجه أبو داود الحدود ٤/١٤٠ ح ٤٤١٠ والنسائي السارق ٨/٨٣ باب قطع اليدين والرجلين من السارق انظر نصب الراية ٣/٣٧١.\n٦ أخرجه البخاري الجمعة ٢/٤٧١ ح ٩٢٨ ومسلم الجمعة ٢/٥٨٩ ح ٣٤/٨٦٢.\n٧ انظر روضة الطالبين ٢/٢٧.\n٨ أخرجه أبو داود الصلاة ١/١٧٢ ح ٦٥٠ والدارمي الصلاة ١/٣٧٠ ح ١٣٧٨ وأحمد المسند ٣/١١٣ ح ١١٨٨٣.\n٩ أخرجه البخاري الحج ٣/٥٤٠ ح ١٥٩٧ ومسلم الحج ٢/٩٢٥ ح ٢٥/١٢٧.","vol":"1","page":309},{"text":"مجرى أقواله ومن الصحابة ﵃ كانوا يعتقدون ذلك ويرون أن المبادرة إلى أفعاله فى المتابعة مثل المبادرة إلى أقواله وقد دل على هذا الأصل الكبير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] وأمره هو شأنه وذلك مشتمل على أفعاله وأقواله ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ [يوسف: ١٥] أى شأنهم وإلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أى شأنه وطريقته ومذهبه وقال النبي ﷺ: \"من أدخل فى أمرنا ما ليس فيه فهو رد\" ١ يريد دينه وشريعته وأقواله وأفعاله وأن ادعوا أن الأمر حقيقة فى القول مجاز فى الفعل نقول فى هذا الموضع لما كان المعنى الثانى كان منتظما بالقول والفعل على وجه واحد ودل أيضا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا على الإلزام والإيجاب بدليل أن أتبعه قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا وعند التعقيب بالمواعيد دليل الوجوب ويبين هذا الجواب عن قولهم أنه لو كان المراد بالآية الإيجاب لقال لقد كان عليكم ولم يقل لكم لأن الذى قلناه من ذكر الوجوب واللزوم والشىء الواجب علينا إذا فعلناه كتب لنا أمره فهو لنا من هذا الوجه وقد دل أيضا على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فجعل فعله ﷺ علما على القدرة والأسوة وثبت بالآية أن الائتساء به ﷺ ثابت على العموم حتى ورد دليل الخصوص إلا ترى أنه لما جاء الخصوص قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فثبت أن الائتساء وجب شرعا والذى ذكرناه يعرف من الدلائل القطعية التى يحرم خلافها ولا يدخل الاجتهاد فى تجاوزها وعلى هذا الأصل الذى ثبتناه لا يحتاج إلى الجواب عن شىء من كلامهم لأنهم إذا ادعوا انتفاء الوجوب من حيث العقل ونحن ادعينا وجوبه من حيث الشرع ولا ملاقاة بين طرفى الدليلين فوقعت الغنية عن الاشتغال بم ذكروه وأوردوه والله المشكور بالهداية إلى ما يوافق السنة فإن ذكروا شيئا اختص به النبي ﷺ نقول قام دليل التخصيص مع ذلك فلا يدخل على الأصل الذى أصلناه.\nفإن قيل لو كان الفعل منه ﷺ على الوجوب لكان الترك على الوجوب قلنا نقول.\n_________\n١ أخرجه البخاري الصلح ٥/٣٥٥ ح ٢٦٩٧ بلفظ \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" ومسلم الأقضية ٣/١٣٤٣ ولفظه لفظ البخاري.","vol":"1","page":310},{"text":"إذا ترك النبي ﷺ شيئا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه إلا ترى أنه ﷺ لما قدم إليه الضب فأمسك عنه أصحابه وتركوه إلى أن قال لهم إنى أعافه وأذن لهم فى تناوله وهذا وجه الكلام فى هذه المسألة وقد تبين جدا وقد رأيت لبعض المتأخرين فى هذه المسألة كلاما مختلطا ورأيته متردد الرأى فى المسألة وأشار إلى طرف مما ذكرناه من أن الصحابة ﵃ كانوا يبتدرون إلى أفعاله ﷺ ابتدارهم إلى أقواله وهو ﷺ إمام الخليقة فى جميع أموره وذكر أنه يبنى فعله على الإيجاب والإلزام أخذا بالأحوط ثم رأيته يميل إلى القول بالإباحة على معنى أنه إذا ظهر منه ﷺ فعل لم يكن على الأمة حرج أن يفعلوا مثل فعله قال وأما القول بالإيجاب والندب فلا دليل عليهما ونحن نحمد الله عليهما قد دللنا على ذلك بأبين وجه وأظهر مسلك فليعتقد المرء ذلك يجد نفسه على سواء الصراط والله المغنى بمنه.\nوإذا فعل الرسول ﷺ شيئا وعرف أنه فعله على وجه الوجوب أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا أن يدل الدليل على التخصيص بذلك فقال أبو بكر الدقاق لا يكون ذلك شرعا لنا إلا بدليل يدل عليه هكذا ذكر الأصحاب وعندى أن ما فعل فى القرب سواء عرف أنه فعله على جهته أو لم يعرف فإنه شرع لنا إلا أن يقوم الدليل على تخصيصه والذى ذكرناه فى المسألة الأولى دليل في هذه المسألة ولا معنى للإعادة والمعتمد رجوع الصحابة إلى أقواله وأفعاله جميعا على السواء.\nوإذا ثبت هذا فنقول اعلم أنه يحصل بالفعل جميع أنواع البيان من بيانه المجمل وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ فأما بيان المجمل فهو كما روى من فعله ﷺ الصلاة والحج وتصمن فعله بيان المجمل الذى فى القرآن وأما تخصيص العموم فهو كما روى أنه ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس١ ثم روى أنه ﷺ صلى بعد العصر صلاة لها سبب٢ وكان ذلك تخصيص عموم النهى وأما تأويل الظاهر فهو كما روى أنه ﷺ نهى عن القود فى الطرف قبل الاندمال ثم روى أنه أفاد قبل الاندمال فيعلم أنه ﷺ أراد بالنهى الكراهة فى وقت دون التحريم وأما النسخ فقد بيناه فى موضعين فلا يفيد\nوإن تعارض قوله وفعله فى البيان ففيه أوجه من أصحابنا من قال القول أولى من.\n_________\n١ أخرجه البخاري المواقيت ٢/٧٣ ح ٥٨٦ ومسلم المسافرين ١/٥٦٧ ح ٢٨٨/٨٢٧.\n٢ أخرجه البخاري السهو ٣/١٢٦ ح ١٢٣٣ ومسلم المسافرين ١/٥٧١ ح ٢٩٧/٨٣٤.","vol":"1","page":311},{"text":"الفعل لتعديه بصيغته.\nومنهم من قال الفعل أولى لأنه أدل وأقوى فى البيان على ما سبق من خبر حلق الرأس فى الحديبية.\nومن أصحابنا من قال هما سواء١ وعندى أن هذا هو الأولى ولا بد من دليل آخر لترجيح أحدهما على الآخر ووجه التسوية بينهما ما ذكرنا فى المسألة الأولى وهو اتفاق الصحابة ﵃ على التسوية بين القول والفعل وأخذهم بيان الشرع منهما على وجه واحد من غير ترجيح والكتاب يدل أيضا على ذلك وهو فى المواضع التى ذكرناها والله أعلم.\nونذكر حكم ما أقر عليه رسول الله ﷺ فى عصره فنقول وإذا شاهد رسول الله ﷺ الناس على استدامة أفعال فى بيعات أو غيره من معاملات يتعاملونها فيما بينهم أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو أبنية أو مقاعد فى أسواق فأقرهم عليها ولم ينكرها منهم فجميعها فى الشرع مباح إذا لم يتقدم إقراره إنكار لأن النبي ﷺ لا يستجيز أن يقر الناس على منكر ومحظور كما وصفه الله تعالى فى قوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فدل أن ما أقرعليه داخل فى المعروف خارج عن المنكر فإن مدح فاعله وذم تاركه دل على وجوبه وأن ذم فاعله ومدح تاركه دل على حظره وهكذا لو أمره بالتوبة لأنه لا يأمر بها إلا فى معصية وأن مدح فاعله ولم يذم تاركه دل على استحبابه وهكذا لو وعد فاعله بالثواب أو لم يتوعد تاركه بالعقاب دل على استحبابه وأن لم يمدح فاعله ولم يذم تاركه دل على إباحته وأن أقر فاعلا بعد ذمه على فعل مثله دل على.\n_________\n١ اعلم ان في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: وهو رأي الجمهور أن القول هو المبين سواء علم تقدمه وتأخر الفعل أو بالعكس أو لم يعلم شيء من ذلك.\nالقول الثاني: لأبي حسين البصري: وهو أنه عند علم التقدم والتأخر يكون المتقدم هو المبين قولا أو فعلا وعند عدم العلم يجعل القول لجحانه من جهة أنه لا يفتقر في إفادته البيان إلى غيره بخلاف الفعل فإنه يفتقر إلى واحد من الأمور الثلاثة السابقة.\nالقول الثالث: وهو المختار للآمدي: أنه إن علم تقدم القول على الفعل كان القول مبينا وكان الفعل على استحباب الطواف الثاني انظر نهاية السول ٣/٤٥، ٤٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٨، ١٩.","vol":"1","page":312},{"text":"إباحته بعد حظره وأن ذم واحدا على فعل وأقر آخر على مثله فإن علم افتراقهما فى السبب تعلق الحظر والإباحة بالسبب الذى افترقا فيه وأن جهل بسبب الافتراق عليه حكم الآخر منهما فإن كان الآخر الإقرار بعد الذم دل على الإباحة بعد الحظر وأن كان الآخر الذم بعد الإقرار دل على الحظر بعد الإباحة وإذا علم من حال مرتكب المنكر الإنكار أن كان الإنكار عليه يزيده إغراء على فعل مثله فإن علم به غير الرسول لم يجب عليه الإنكار لئلا يزداد من المنكر بالإغراء.\nوإن علم به الرسول ففى وجوب إنكاره وجهان أحدهما لا يجب لهذا التعليل وهو قول المعتزلة والوجه الثانى يجب إنكاره ليزول بالإنكار توهم الإباحة وهذا الوجه أظهر وهو قول الأشعرية من هذا الوجه يكون الرسول مخالفا لغيره لأن الإباحة والحظر شرع مختص بالرسول دون غيره.\nمسألة وإذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا فهو على ثلاثة أضرب.\nأحدها أن يضيفه إلى عصر الرسول ﷺ والآخر إلى عصر الصحابة ﵃ والثالث أن ينطق فإن أضافه إلى عصر الرسول ﷺ وكان مما لا يخفى مثله حمل على إقرار الرسول وصار شرعا وأن كان مثله يخفى كأن يكرر منهم وكثر حمله على إقراره لأن الأغلب فيما كثر منهم أنه لا يخفى عليه كما روى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال كنا نخرج صدقة الفطر فى زمان رسول الله ﷺ صاعا من بر أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر١ الخبر وعلى هذا إذا أخرج الراوى الرواية مخرج التكثير بأن قالوا: كانوا يفعلون كذا حمل الرواية على علمه وإقراره فصار المنقول شرعا وأن تجرد عن لفظ التكثير كقوله فعلوا كذا فهو محتمل ولا يثبت شرع باحتمال وأما أن أضيف الفعل إلى عصر الصحابة ﵃ نظر فإن كان مع بقاء عصر الصحابة لم يكن حجة وأن كان انقراض عصرهم فهو حكاية عن إجماعهم فيكون حجة وأن أطلقه ولم يضفه إلى أحد العصرين نظر فإن كان عصر الصحابة باقيا فهو مضاف إلى عصر الرسول ﷺ وأن كان بعد عصر الصحابة فالماضى قبله عصر الصحابة.\nوإذا قال الراوى من السنة كذا كما قال على ﵁ من السنة أن لا يقتل حر بعبد فقد اختلف فيه الفقهاء فعند أبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى وأبى.\n_________\n١ أخرجه البخاري في الزكاة ٣/٤٣٤ الحديث ١٥٠٦ ومسلم في الزكاة ٢/٦٧٨ الحديث ١٧/٩٨٥.","vol":"1","page":313},{"text":"الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أنه لا يحمل ذلك على سنة الرسول١ لأن الصحابة ربما سنوا بالقياس والاجتهاد أحكاما كما قال على ﵁ جلد رسول الله ﷺ فى الخمر أربعين وجلد أبو بكر ﵁ ثمانين فى كل سنة٢ وقد قال النبي ﷺ: \"عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى\" ٣ وأما مذهب الشافعى ﵀ أن مطلق السنة ما سنه الرسول ﷺ وأضافها إلى غيره٤ فجاز لا قتدائه فيها بسنة النبي ﷺ فوجب أن يحمل الإطلاق على حقيقته دون مجازه وأما قول على ﵁ وكل سنة يعنى بالزيادة أنها تقرير جاءت به السنة وقوله ﷺ: \"وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى\" ما أخبروكم به عن سنتى وأن كان ذلك حجة نظر فإن كان الراوى لذلك صحابيا كان روايته مسندة يجب العمل بها وأن كان تابعيا كان روايته مرسلة فحكمها حكم المراسيل.\nمسألة: وإذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فلا يوجب هذا أن يقطع بأنه عن الرسول ولا يقطع بأنه ليس عن الرسول ﷺ لجواز الأمرين.\nواختلفوا فيما يوجب هذا الظاهر فحكى عن أبى الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة وأبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى أنه يحمل على أنه من الصحابة دون الرسول صلوات الله عليه إلا أن يقوم دليل على أنه من الرسول ﵇.\nومذهب الشافعى أنه يحمل على أنه من الرسول صلوات الله عليه دون الصحابة٥ لأن الصحابة لقربهم من عصر الرسول ﷺ كانوا يستعملون هذه اللفظة فى أوامره ونواهيه فوجب أن يحمل على عرف الاستعمال وهذا مثل ما روى عن أنس أنه قال.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام ٢/١٣٩ نهاية السول ٣/١٨٧، ١٨٨ البرهان ١/٦٤٩ المحصول ٢/٢٢٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٠.\n٢ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣٣١ ح ٣٨/١٧٠٧ وأبو داود الحدود ٤/١٦٢ ح ٤٤٨٠ وابن ماجه الحدود ٢/٨٥٨ ح ٢٥٧١.\n٣ أخرجه أبو داود السنة ٤/٢٠٠ ح ٤٦٠٧ والترمذي العلم ٥/٤٤ ح ٢٦٧٦ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه المقدمة ١/١٦ ح ٤٣ وأحمد المسند ٤/١٥٦ ح ١٧١٤٩.\n٤ انظر إحاكم الأحكام ٢/١٣٩ نهاية السول ٣/١٨٧، ١٨٨ البرهان ١/٦٤٩ المحصول ٢/٢٢٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٠.\n٥ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/١٣٩ نهاية السول ٣/١٨٦ المحصول ٢/٢١٩،. ٢٢٠ روضة الناظر ٨٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٠.","vol":"1","page":314},{"text":"\"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة\"١ وهذا محمول على أن الأمر هو النبي ﷺ.\nومنهم من جعل الأمر على الوقف حتى يقوم دليل والصحيح ما قدمنا ومما يلحق بالفصل الذى ذكرناه من قبل أن تقرير النبي ﷺ غيره على ما يشاهده منه شرع استدل به الشافعى فى إثبات القافة٢ من خبر محرز المدلجى ونظره إلى أسامة بن زيد وهما نائمان وعليهما قطيفة وقد بدت أقدامهما فقال هذه الأقدام بعضها من بعض٣ وسرور النبي ﷺ بذلك وذكره لعائشة ﵂ مستبشرا بقوله ووجه الاحتجاج بالخبر أن النبي ﷺ لا يسره إلا الحق وقد قال محرز ما قاله بالقافة فإنه كان معروفا بهذا العلم فلما سره قوله تبين أنه مسلك صحيح وقوله مصدر عما صدر عنه حق وهذا هو الجواب عن قول من قال معترضا على الخبر أن قول محرز كان موافقا للشرع فإن أسامة ولد على فراش زيد والقول الصادر على وفق الشرع لا يكون دليلا على أنه فى نفسه حق وحجة ألا ترى أن الفاسق لو قال أن هذه الدار لفلان وعزاها إلى مالكها فلو قرر الشرع مثل هذا على قولكم لم يكن دليلا على أن قول الفاسق مقبول محكم به.\nوالجواب على هذا ما سبق ويقال: أن الرسول ﷺ لو لم يكن معتقدا قبول قول القائف لعده من الزجر والفال وما يقال بالحدس والتخمين ولما أبعد أن يخطىء فى تواضع أن أصاب فى هذا الموضع وكان ينبغى أن لم يكن القافة حقا أن ينبهه على غلط وهو قوله بهذا الطريق حتى لا يتخذه مسلكا يسلكه فى سائر المواضع فيخطىء فى غير هذا الموضع وأن أصاب فى هذا الموضع فمقداره الاحتجاج بالخبر وهو وجه حسن واضح داخل فى أستار القلوب والله أعلم.\nمسألة: ويلحق بهذا الفصل الكلام فى تعبد نبينا ﵇ بشريعة من قبله\nاعلم أنه يجوز أن يتعبده الله تعالى بشريعة من قبله من الأنبياء ويأمره باتباعها ويجوز أن يتعبده بالنهى عن اتباعها ولا لبس فى وجوب هذا أو عدمه استبعاد ولا استنكار ولأن.\n_________\n١ أخرجه البخاري الأذان ٢/٩٢ ح ٦٠٣ ومسلم الصلاة ١/٢١٦ ح ٢/٣٧٨.\n٢ انظر البرهان ١/٤٩٨.\n٣ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٥٧ ح ٦٧٧١ ومسلم الرضاع ٢/١٠٨٢ ح ٣٩/١٤٥٩.","vol":"1","page":315},{"text":"مصالح العباد قد تتفق وقد تختلف فيجوز أن يكون الشىء مصلحة فى زمان النبى الأول دون الثانى ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الثانى دون الأول ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الأول والثانى وإذا جاز هذا فيجوز أن تختلف الشرائع وتتفق فإن قيل إذا جاء الثانى بمثل ما جاء به الأول لم يكن لبعثه وإظهار المعجزة عليه فائدة لأن الشريعة معلومة من قبل قلنا الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وعلى أن فيه فوائد كثيرة منها أنهما وأن اتفقا فى بعض الأحكام فيجوز أن يختلفا فى بعضها ومنها أنه يجوز أن يكون الأول مبعوثا إلى قومه والثانى إلى غيرهم ومنها أن يندر من شريعة الأول فلا يعلم إلا من جهة الثانى ومنها أن يحدث فى الأول بدع فيزيلها الثانى فيعلم أن الأمرين جائزان.\nثم اختلف أصحابنا وغيرهم هل تعبده لله تعالى أعنى نبينا ﷺ باتباعها أعنى شريعة من قبلنا أم كان منهيا عن اتباعها على ثلاثة مذاهب.\nأحدها: أنه لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها وقد ذهب إلى هذا جماعة من أصحابنا وأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة.\nوالمذهب الثانى: أنه ﷺ كان متعبدا باتباعها إلا ما نسخ منها وإلى هذا مال أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة وطائفة من المتكلمين.\nوالمذهب الثالث: أنه ﷺ لم يتعبد فيها بأمر ولا نهى وقال بعض الفقهاء كان متعبدا بشريعة إبراهيم ﵇ على الخصوص دون غيره١ وهو قول شاذ والمعروف ما قدمنا من قبل والمذهب الصحيح هو الأول وإنه كان المذهب الثانى قد نصره كثير من أصحابنا وقد أومىء إليه الشافعى فى بعض كتبه وقيل أنه بنى عليه أصلا من أصوله فى كتاب الأطعمة غير أنا نقول أن العقل لا يحل اتباع شريعة من قبلنا غير أنه قد ثبت شرعا أنا غير متعبدين بشىء من أحكام الشرائع المتقدمة فأما وجه قول من قال إنا تعبدنا بذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] فهذا نص أن هذه الشريعة ملة إبراهيم ونحن نعلم أنها لم تجعل الملة فى الحال فثبت أنها ملة له على معنى أنها كانت ملة له فبقيت حقا لذلك وصارت لرسول الله ﷺ ويدل عليه.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٣/٤٧ انظر البرهان ١/٥٠٣ وانظر المحصول ١/٥١٨ انظر الإبهاج في شرح المنهاج ٢/٣٠٢ شرح المنار ٢٥١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٩٧، ٩٨.","vol":"1","page":316},{"text":"قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] والهدى اسم الإيمان والشرائع جميعا لأن الاهتداء بها كلها ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وقوله النبيون الذين أسلموا قد دخل فيها النبي ﷺ وقيل أنه أراد بها النبي ﷺ على الخصوص وقوله فى قصة اليهوديين اللذين زنيا ورجوع النبي ﷺ إلى التوراة وحكمه بها على هذا القول أكثر أهل التفسير وبه وردت الرواية ويدل عليه أن ابن عباس ﵄ سئل عن سجدة ص فقال سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم أن يقتدى به١ وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] والدين اسم لما يدان الله به من الشرائع ولأن ما أنزله الله تعالى من الشرع شرع ثبت لكل الناس ما لم يثبت نسخه وليس فى بعث الرسول الثانى ما يدل على نسخ ما كان شرعا من قبل لما بينا أنه غير ممتنع أن يكون شرع الأول شرعا للثانى فعلى هذا شرائع من قبلنا شرائع الله تعالى ولم يعرف نسخها ثبت حقا وشرعا إلى أن يعرف نسخها قال أبو زيد فى أصوله والصحيح هذا المذهب وهو أنه كان متعبدا بشرع من قبله إلا أن بقاء ذلك الشرع لا يثبت بعد مبعث النبي ﷺ إلا لحكايته أنها ثابتة لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعها وخانوا فى النقل فصاروا مردودين الشهادة ولأن عداوة الدين كانت ظاهرة منهم واتهموا بالحيل واللبس فيما يظهرون من شر لبعض فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله ﷺ وأخبرنا أنها ثابتة بوحى متلو وغير متلو قال فالشرائع التى كانت من قبل تبقى حقا فى نفسها لأنها كانت مطلقة غير مقبولة فبعث نبى آخر ولكن لا يثبت شرعهم بنقلهم ولكن بنقل الثانى.\nقال وفيه كان عرف المصطفى ﷺ حيث لم يصدق غيره عليه ولزم الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء قالوا: ولهذا لم يرجع إليهم ولم يراجعهم فى معرفة الأحكام وربما يستدل من ذهب إلى هذا المذهب بحال النبي ﷺ قبل الوحى بأنه كان متبعا شريعة من قبله بدليل أنه ﷺ كان يحج ويعتمر ويفعل وجوه الخيرات ويذبح وينحر ويطوف ويعظم البيت ولا بد أن هذه الأفعال كانت منه باتباعه شريعة من قبله لأنه لم يكن ينزل عليه الوحى بشرع يدل عليه أن الله تعالى لا يخلى زمانا من شرع وإذا لم يكن عليه شرع فلا بد أن يكون الذى عليه شريعة من قبله فأما دليلنا قوله تعالى.\n_________\n١ أخرجه البخاري التفسير ٨/٤٠٥ ح ٤٨٠٧.","vol":"1","page":317},{"text":"﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] والرسول الذى ذكر هاهنا هو رسولنا ﷺ فقد جعلهم بعد مبعثه بمنزلة أمته فدل أن شرائعهم قد انتهت بمبعثه ويدل عليه قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة ٤٨ قال أبو زيد على هذه الآية فيه دليل على جواز النسخ فى الجملة وليس فيه دليل على انتساخ كلى فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير الأحكام ولا شك أن بعض الأحكام قد تغيرت بتبدل الطريقة فاستقام قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] قال يبينه أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة بالإيمان بالله تعالى وطاعتهم إياه فى أوامره ونواهيه ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال أن هذه الآية تقتضى تفرد كل واحد من الأنبياء بشرعة ومنهاج إلا ما قام عليه الدليل والدليل على أن شرائع من قبلنا انتهت بمبعث نبينا ﷺ ما روى أن النبي ﷺ رأى صحيفة فى يد عمر ﵁ فقال له ما هذه الصحيفة فقال فيها شىء من التوراة فغضب رسول الله ﷺ وقال أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى١ فجعله بمنزلة واحد من أمته لو كان حيا فهذا نص أن شريعته انتهت ببعثه ولأن أصحاب الرسول ﷺ كانوا يرجعون فى الحوادث إلى الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا من الكتاب والسنة والدليل عليه قول معاذ حين بعث إلى اليمن الخبر المعروف ولم يرو أن أحدا منهم رجع إلى شىء من أحكام الكتب المنزلة من قبل ولا بحث عنها ولا أمر أحدا بالبحث عما فيها ولو كانوا متعبدين بذلك لنقل عنهم أو نقل عن النبي ﷺ ذلك ولو فعل لنقلوا عنه ﵇ ذلك وهذا دليل معتمد لكن نبسط بساطا لهذا الدليل ليظهر وجه الاعتماد عليه فيقول القائل بوجوب اتباع شريعة من تقدمه لا يخلو أما أن نقول أن الله تعالى أوحى إليه بلزوم العبادات التى تعبد بها من قبله وأوحى إليه تلك العبادات وصفاتها وهيئاتها فرجع إلى ما أوحى إليه منها ولم يرجع إلى النقل عمن تقدم أو يقول: أنه رجع فى معرفة شرع من تقدم إلى النقل كما نفعله نحن فى شرع نبينا صلوات الله عليه أو نقول رجع فى البعض إلى الوحى وفى البعض إلى النقل ولا يجوز الأول لأن هذا مجرد دعوى ولا بد.\n_________\n١ أخرجه أحمد المسند ٣/٤٧٣ ح ١٥١٦٤ وقال الحافظ الهيثمي فيه مجالد بن سعد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما وعزاه أيضا إلى أبي يعلى والبزار انظر مجمع الزوائد ١/١٧٩ ٨/٢٦٥.","vol":"1","page":318},{"text":"فى ذلك من نقل وأما الظن والتخمين لا يثبت ولأنه لا يخلو أما أن نقول أن جميع ما أوحى إليه شرع نبي متقدم أما موسى ﵇ أو غيره وأما أن نقول أن بعض ما أوحى إليه شرع نبى متقدم والبعض لا والأول باطل لأن كثيرا من شرعه لا يوافق شرع موسى والمسيح وغيرهما وهذا معلوم قطعا وأما الثانى فغير ممتنع أن يكون بعض شرعه موافقا لشرع من تقدمه ولكن وقوع الاتفاق لا يدل أنه متعبد بشريعة من تقدمه لأنه ﵇ إنما علمه بالوحى فصار شريعته وإذا صار شريعته بالوحى ولا سند إلى أنه شريعة له بكونه شريعة من قبله وأن قال أنه أنزل إليه أن هذه شريعة من قبلك وأنت متعبد بها فاتبعها فهذا لا بد فيه من نقل على هذا الوجه وأن رجعوا إلى الآيات التى ذكروها فليس فيها ذكر شرع من شرائعهم وحملها على جميع شرائعهم لا يمكن لما ذكرنا من قبل ولا يجوز الثانى وهو أن النبي ﷺ رجع إلى نقل من تقدم وهو باطل لما بينا أنه لم ينقل أن النبي ﷺ رجع فى شىء من الحوادث إليها بل كان ينتظر الوحى مثل ما انتظر فى الظهار والإيلاء واللعان وغير ذلك ولم يرو أنه سأل أحد من أهل التوراة والإنجيل عن حكم من الأحكام ولو كان متعبدا بما فيها لم يتصور أن لا يرجع ولذلك أحد من السلف لم يرو أنه رجع إلى نقل أحد من أهل الملل ولا سألهم عن شرائعهم ولو كانوا متعبدين كما قلتم لكانت كتب الأنبياء المتقدمين ﵈ فى الأحكام بمنزلة الكتاب والسنة فكان ينبغى أن يجب الرجوع إلى ذلك كما أوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة فإن ذكروا الرجوع إلى أمر الرجم سنجيب عنه فإن قالوا: إنما امتنع ذلك لأن أهل الأديان السالفة حرفوا كتبهم وغيروها عن الوجوه التى عليها نزلت قلنا إذا ثبت أن الرجوع إلى نقل من تقدم ممتنع ولم ينقل الوحى بذلك ولا ثبت فساد الرجوع فإذا سقط عرفنا قطعا أنه لم يكن متعبدا بشرع من قبله ولأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله على ما زعموا وكانوا قد حرفوا وغيروا ونحن نعلم قطعا أنهم لم يحرفوا الجميع فكان ينبغى أن يقع التنبيه من الله تعالى على مواضع اللبس والتمويه والتحريف حتى لا يتعطل مرجع الأحكام ويدل عليه أنه كان قد أعلم من أحبارهم جماعة مثل عبد الله بن سلام وزيد بن شعبة وغيرهما فى زمان النبي ﷺ ومثل كعب الأحبار وغيره بعده فكان يمكن أن يعرف مواضع التحريف من غير مواضع التحريف منهم وقد استشهد الله تعالى بعبد الله بن سلام فى نص التنزيل وهو قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] وهو عبد الله بن سلام فى قول جماعة المفسرين فإن قالوا.","vol":"1","page":319},{"text":"بقول الواحد والاثنين لا نعرف قلنا فيما طريقة العلم يعرف وعلى أنه كان يخالط أهل العلم النقل للكتب المتقدمة ليعرف ما فيها بطريق التواتر حتى لا يذهب عليه شرع من الشرائع التى تعبد به والذى قاله أبو زيد فى حجتهم أنه لا يثبت بما شرعهم إلا بقول من الرسول ﷺ قلنا فإن ذلك القول وكان ينبغى أن يوقفه الله عليه وليس أوقفه الله عليه وكان ينبغى أن يعلمنا ذلك حتى لا يذهب علينا شريعة من الشرائع التى تعبدنا الله تعالى بها وقد قال بعض من ذهب إلى هذا المذهب أنه لو كان متعبدا بشرع من سلف لم ينسب جميع شرعه إليه كما لا ينسب شرعه ﵇ إلى بعض أمته وفيما قالوه جعل الرسول كأنه أمة من تقدمه وهذا غض من درجته وحط عظيم من مرتبته ومنزلته واعتقاد أنه تبع لكل نبى من تقدمه وهذا لا يستجيزه أحد من أهل الملة بل فيه التنفير عنه لأنه يكون تابعا بعد أن كان متبوعا ومدعوا بعد أن كان داعيا أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما الآية الأولى فلا تعلق لكم بها لأن المذكور اسم الملة واسم الملة لا يقع إلا على الأصول من التوحيد والإخلاص لله تعالى بالعبادة وغير ذلك ولا يقع هذا الاسم على فروع الشرائع التى يقع اختلافنا فى ذلك ولهذا لا يقال ملة أبى حنيفة وملة الشافعى ويقال مذاهبهما مختلفة ولا يقال ملتهما مختلفة ويدل عليه أن الله تعالى قال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] فعلمنا أنه أراد بالملة أصل الدين ويدل عليه أن شريعة إبراهيم قد انقطع نقلها وكيف يحثه الله تعالى على اتباع ما لا سبيل له.\nوأما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فقد أمر الله تعالى باتباعه هدى يضاف إلى جماعتهم والهدى المضاف إلى جماعتهم هدى التوحيد الذى اجتمعوا عليه دون الشرائع التى اختلفوا فيها وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] قلنا ظاهر هذا يقتضى أن يحكم بها كل النبيين فعلى هذا لا بد من حمله على التوحيد ليدخل جميع النبيين فيه لأننا نقطع أن بعض الشرائع قد تنسخ بعضا على تفاصيل معلومة وأما قولهم أنها نزلت فى شأن اليهوديين اللذين زنيا قلنا قد يسقط استدلالكم بالطريق الذى قلناه ويجوز أن يكون المراد بالذين أسلموا جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعثوا على شرع التوراة والدليل على أن المراد بالآية ما ذكرنا أنه لم ينقل رجوع النبي ﷺ إلى التوراة فى طلب الأحكام وأما قصة اليهوديين فليس يعلم أن النبي ﷺ رجع إليها مستفيدا لحكم منها ويجوز أن نرجع إليها لنتبين كذبهم فيما ادعوا أنه ليس حد الزنا.","vol":"1","page":320},{"text":"هو الرجم فى التوراة وقد كان إلى ذلك لأن اليهود كانوا يموهون على المسلمين ويقولون أنه لم يوجد صفة محمد ﷺ فى التوراة فأراد أن يبين كذبهم فيما ادعوا من حكم الزانى ليعرف كذبهم فى غير ذلك مما يدعونه وأيضا يجوز أنه ﵇ حكى أن الرجم هو حد الزانى فى التوراة فرجع إليها ليقررهم على صدقه فى حكاية أن الرجم موجود فيها ولو رجع فى استفادة الحكم منها لرجع إليها فى غير ذلك من الأحكام ورجع إليها في شرائط الإحصان وغيره.\nوأما قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] قلنا اسم الدين يقع على الأصول دون الفروع ولهذا لا يقال دين الشافعى ويراد به مذهبه ولا يقال دينه ودين أبى حنيفة مختلف وعلى أن قوله: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] دليل على أن الدين شرعه لنا ما وصى به نوحا وهو ترك التفرق وأن يتمسك بما شرع وأما قولهم أن الشريعة التى شرعها الله تعالى وأنزلها لا يثبت نسخها إلا بدليل قلنا قد قام الدليل على نسخها على ما سبق وقد أقمنا الدلالة على ذلك وهذا لأن جميع الشرائع السابقة قد انتهت بشرع رسولنا صلوات الله وسلامه عليه ونستدل بما ذكرناه على انتهائها وقد سبق بما فيه وأما قولهم أن النبي ﷺ كان متعبدا بشرع من قبله قبل الوحى قلنا هذا لا نسلمه أيضا والدليل عليه أنه لو كان متعبدا بذلك لكان يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك كان يخالط من ينقل ذلك الشرع من النصارى واليهود وغيرهم ولو فعل معهم ما كانوا يفعلونه وقد نقلت أفعاله قبل البعث وعرفت أحواله ولم ينقل أنه كان يخالط أحدا من النصارى واليهود أو يفعل شيئا من أفعالهم والحق أنه لو تعبد بها لفعلها ولو فعلها لظهرت منه ولو ظهرت لاتبعه فيها الموافق لنازعه فيها المخالف وقد عدم هذا كله فدل أنه لم يكن متعبدا بذلك وأما قولهم أنه كان يحج ويعتمر ويطوف قلنا لم يثبت أن النبي ﷺ حج واعتمر قبل المبعث ولم يثبت أنه تولى التذكية وأمر بها ويمكن أن يقال أنه وجد قومه على أدب من أدب إبراهيم ﵇ فوافقهم فيما فعلوه من الأفعال التى كانوا فيها على طريقة إبراهيم وهذا غير ممتنع فعله وموافقته قومه فيها خصوصا إذا كانوا قوما نشأ فيهم وكان فيما بينهم ولم يكن الفعل مما هو محرم فى شريعة معروفة فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة والله أعلم.","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>القول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>مدخل</span>\n...\nالقول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل.\nوإذا بينا أفعال الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأحكامها فالواجب أن نبين أقواله ﷺ ومواجبها وما يتعلق بها وأيضا فإن السنة تلو الكتاب فإذا بينا طرفا مما يتعلق بالكتاب فنبين السنة وما يبتنى عليها فنقول فى مقدمة الكلام فى الأخبار أن سنة الرسول صلوات الله عليه فى حكم الكتاب فى وجوب العمل بها وأن كانت فرعا له لأن الله تعالى ختم برسوله النبوة وأكمل الشريعة وجعل إليه بيان ما أجمله فى كتابه وإظهار ما شرعه من أحكامه وقال تعالى فى محكم تنزيله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .\nولما جعله بهذه الرتبة أوجب الله عليه أمرين لأمته وأوجب له أمرين على أمته وأما ما أوجب عليه لأمته منه الأمرين:.\nفأحدهما التبليغ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] .\nوالثانى البيان قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .\nوما أوجب له على أمته من الأمرين:\nفأحدهما: طاعته فى قبول قوله والعمل به قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .\nوالثانى: أن يبلغوا عنه ما أخبرهم به وأمرهم بفعله لأنه ما كان يقدر على أن يبلغ جميع الناس وما كان يبقى على الأبد حتى يبلغ أهل كل عصر فإذا بلغ الحاضر لزمه أن ينقله إلى الغائب وإذا بلغ أهل عصر لزمهم أن ينقلوه إلى أهل كل عصر عمن تقدمهم لينقلوها إلى أهل العصر الذى يتلوهم فينقل كل سلف إلى خلفه فيدوم على الأبد نقل سنته وحفظ شريعته.\nقال النبى ﷺ: \"ليبلغ الشاهد الغائب\" وقال ﷺ: \"بلغوا عنى ولا تكذبوا على\" وقال أيضا: \"نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها وبلغها من لم يسمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\".","vol":"1","page":322},{"text":"وإذا كان أمر السنة على هذا الوجه فللسنة حالتان.\nإحداهما: أن يأخذها الحاضر عن الرسول ﷺ سماعا منه.\nوالحالة الثانية: أن ينقل إلى الغائب خبرا عنه.\nفأما الحالة الأولى: فإذا سمع عن النبي ﷺ وسمع لفظه فالعلم بذلك مقطوع بوجوده لأن السماع من علوم الحواس المدركة بالاضطرار وإذا رفع العلم بذلك فيكون وجوب العلم صادرا عن العلم بصحة ما سمعه.\nوأما الحالة الثانية: وهى إذا نقل خبره ﷺ إلى غائب عنه فيجب على من نقل إليه أن يعمل به كما يجب على من شاهده وسمع منه فليثبتونه فى وجوب العمل وأن اختلفا فى وقوع العلم وسنبين هذا من بعد وليس على من بلغته السنة من الغائبين عن الرسول ﷺ أن يهاجر لها لسماعها منه لأنها قد وصلت إليه بالنقل فسقطت عنه المعجزة وسقط عن النبي ﷺ بيانه ثانيا وأن هاجر لأنه قد بين بالبلاغ الأول فسقط عنه فرضه ولو لزم كل مبلغ أن يحضر ولزم الرسول ﷺ أن يكرر لخرج من حد الاستطاعة فى الجمعين فصارت الأخبار أصلا كبيرا فى أصول الدين بالوجه الذى قد بيناه.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>فصل اعلم أن حد الخبر كلام يدخله الصدق والكذب</span>.\nولا يعنى بهذا دخولهما عليه فى حالة واحدة لكن المراد منه أنه يصح فيه الصدق والكذب من حيث صيغته ثم يكون الصدق بدليله والكذب بدليله إلا ترى أن الإنسان إذا أخبر بخبر فلا يقال صدقت أم كذبت من حيث صيغته لأنه من حيث صيغته يستوى فيه الصدق والكذب وإنما يقال كذبت أو صدقت بدليل يدل عليه لا من صيغته وقد عدل بعضهم عن الحد الأول فقال ما يدخله الصدق أو الكذب وقال بعضهم ما لا يخلو أن يكون صدقا أو كذبا١.\nوالحد الأول هو المعروف وقد صح بالوجه الذى بينا فإن قيل قول القائل محمد ومسيلمة صادقان خبر وليس بصدق ولا كذب قلنا هذا الكلام يجرى مجرى خبرين أحدهما خبر عنه بصدق النبي ﷺ والآخر بصدق مسيلمة والأول حق صدق.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٢/٧، ١١ المحصول ٢/١٠١ روضة الناظر ٨٥ الإبهاج ٢/٣١٠ المعتمد ٢/٧٣، ٧٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٠.","vol":"1","page":323},{"text":"والثانى كذب باطل وإذا جرى هذا الكلام مجرى خبرين أحدهما صدق والآخر كذب سقط السؤال ثم نقول قد بينا أن معنى قولنا أن الخبر يدخله الصدق والكذب هو أنه إذا قيل للمتكلم به صدقت أو كذبت لم يكن باطلا من حيث اللغة وفى هذه الصورة لا يكون الصدق أو الكذب باطلا من حيث اللغة وإنما وجه بطلانه بدليل يدل عليه فإن قال قائل ما الصدق وما الكذب قلنا الصدق هو الإخبار عن الشىء على ما هو به والكذب الإخبار عن الشىء على خلاف ما هو به وهذا حد المتكلمين والأولى أن نقول إذا كان المخبر على ما تضمنه الخبر فهو صدق وإذا كان بخلافه فهو كذب ويكفينا هذا القدر.\nوإذا علمنا حد الخبر فنقول الأخبار على ثلاثة أضرب.\nخبر يعلم صدقه فهو حق وخبر يعلم كذبه فهو باطل وخبر يحتمل الصدق والكذب فهو ممكن أن يكون حقا أو باطلا.\nفالمعلوم صدق كالخبر ففى اجتماع الصدق والخبر نقصان الواحد من الاثنين وكالخبر ببياض العاج وسواد القار ويدخل فى هذا ما علم بضرورة العادة كالخبر بحدوث الولد عن أبوين وبطلوع الشمس من المشرق وقد يعلم الصدق بالدليل المكتسب مثل الخبر بحدوث العالم بوحدانية الصانع وبالدليل العرفى مثل قولهم الطعام مشبع والماء مروى.\nوأما الخبر الذى يعلم كذبه فهو الخبر الذى يقابل الضروب التى قلناها والخبر الذى يعلم صدقه بطريق العكس وهو كالخبر باجتماع الضدين بزيادة الواحد على الاثنين إلى آخر ما ذكرناه وقد يعلم صدق الخبر وكذبه بقرائن تتصل بالخبر وذلك أن الخبر الواحد يخبر ويعمل به جميع الأمة أو يخبر الواحد بخبر ويصدقه الجم الغفير وأما القرينة الدالة على الكذب فهو أن يخبر الواحد بخبر ويعلم الأمة بخلافه أو يخبر الواحد بخبر ويكذبه الجم الغفير وفى الأول نظر وسيأتى من بعده وأما الخبر الذى يمكن أن يكون صدقا أو يكون كذبا فهو كالإخبار بلقاء زيد أو بكلام عمرو وكذلك الإخبار بخصب السنة وحدها والإخبار بموت فلان وبحياته وبصحته ومرضه وغناه وفقره وأمثال هذا تكثر ثم اعلم أن الخبر صيغته موضوعة فى اللغة يدلك على ما وضعت له وقالت الأشعرية لا صيغة له مثل ما لا صيغة للأمر والنهى والعموم والخصوص وقد فرق بعضهم بين الخبر وغيره وجعل للخبر صيغة والدليل عليهم أن لم يجعلوا له صيغة ما ذكرناه من قبل فلا مقيد ثم اعلم أن الخبر ضربان متواتر وآحاد فللآحاد باب مفرد.","vol":"1","page":324},{"text":"وأما المتواتر فكل خبر علم مخبره ضرورة١ وقد فرق بعضهم بين أخبار الاستفاضة وأخبار التواتر وزعم أن أخبار الاستفاضة ما تبدوا منتشرة ويكون انتشارها فى أولها مثل انتشارها فى آخرها وأخبار التواتر ابتدا به الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا عددا ينتفى عن مثلهم المواطأة معه والأصح أن لا فرق لأن من حيث اللسان كلاهما واحد وهذا الفرق لا يعرفه أحد من أهل اللسان.\nوأما شروط التواتر فأشياء:\nمنها: أن يعلم المخبرون ما أخبروا به عن ضرورة أما بعلم الحس من سماع أو مشاهدة وأما بأخبار متواترة فإن وصل إليهم بخبر الواحد لم يصح منهم التواتر.\nوالثانى: أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم والتواطؤ عليه لأنا لو جوزنا أن يشتركوا فى الخبر اتفاقا أو متواطىء أو تراسل لم تأمن أن يكونوا كذبوا فى الخبر وقد عبروا بما قلناه وهو أن الشرط أن يكون شواهد أحوالهم تنفى عن مثلهم المواطأة والغلط.\nوالشرط الثالث: أن يتفقوا على الخبر من حيث المعنى وأن اختلفوا فى العبارة فإن اختلفوا فى المعنى بطل تواترهم.\nالشرط الرابع أن يستوى طرفاه ووسطه فيؤدى العدد الذى ذكرناه عن مثله إلى أن يصل بالمخبر عنه.\nوممكن أن يختصر هذا كله فيقال الشرط أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها التواطؤ على الكذب ويكونوا بما أخبروا به مضطربين٢ وهذا كاف ثم اعلم أنه ليس فى عدد المخبرين فى التواتر حصر وعدد معلوم لا يزاد عليه وإنما الشرط ما ذكرناه وإنما لم.\n_________\n١ اعلم أن جمهور الأصوليين على ان الخبر المتواتر يفيد العلم بمضمونه مطلقا سواء كان موجدا في الماضي أو في الحال.\nوقالت السمنية والبراهمة لا يفيد الحكم بمضمونه مطلقا وفصل جماعة فقالوا: إن كان مضمونه ماضيا فلا يفيد العلم به وإن كان موجودا في الحال أفاده انظر نهاية السول ٣/٦٢، ٦٤ انظر المحصول ٢/١٠٨ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٠، ٢١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٣.\n٢ انظر نهاية السول ٣/٨٢، ٨٣، ٨٤ وإحكام الأحكام ٢/٣٧ المحصول ٢/١٢٩ البرهان ١/٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٥، ١٠٦.","vol":"1","page":325},{"text":"يصدر العدد ليكون أنفى للريبة وأبعد من التصنع لأنه قد ينتفى الارتياب عن عدد ويثبت بهم التواتر ولا ينتفى عن عدد هو أكثر فلا يثبت بهم التواتر وهذا لأن ما يدل عليه من شواهد أحوالهم مختلف فامتنع به حصر عدده وليس فيه نص مشروع١.\nوقد ذكر بعض أصحابنا أن الشاهد الحال قد يقترن بخبر الواحد فيوجب العلم وذلك إذا وجدنا رجلا كبيرا عظيم الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المرويات حاصيا حاسرا رأسه شاقا جبينه وهو يدعو بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب بوالده أو ولده ونقطع أنه لم يطرأ عليه عته ولا خبل وشهدت الجنازة وترى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فبهذه القرائن وأمثالها إذا اقترنت بأخباره تضمنت العلم بصدقه وقد يوجد الكذب من الجم الغفير إذا ضمنهم حالة توجب اقتضاء الكذب وقد يقع التواطؤ على الكذب من الحد الكثير مكيدة بقصدهم بيانا وشر عادة.\nوالذى ذكرناه من قبل وهو أن الشرط أن يكون فى شواهد أحوالهم ما ينفى عنهم تهمة التواطؤ والكذب بدفع هذه التصويرات والمشهور من الأصحاب أنه لابد من عدد على الوصف الذى ذكرنا وقد تكلم الأصحاب فيما لا يثبت به التواتر من العدد فذهب أكثر أصحاب الشافعى ﵀ إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر بأقل من خمسة فما زاد فعلى هذا لا يوجد أن يتواتر بأربعة لأنه عدد معتبر فى الشهادة الموجبة لغلبة الظن دون العلم.\nقال الإصطخرى لا يجوز أن يتواتر بأقل من عشرة وأن جاز أن يتواتر بالعشرة فما زاد لأن ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد والعشرة فما زاد جمع الكثرة وقال قوم من غير أصحاب الشافعى أقل ما يتواتر به الخبر اثنى عشر لأنهم عدد النقباء لبنى إسرائيل قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وقال قوم لا تواتر بأقل من عشرين لذكر الله تعالى لهذا العدد فى عدد الصابرين فى القتال قال الله ﷿: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وقال قوم لا تواتر بأقل من أربعين لأنه عدد نصاب الجمعة وقال قوم لا تواتر بأقل من سبعين لأنه العدد الذى اختاره موسى ﵇ قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] .\n_________\n١ نهاية السول ٣/٨٤ إحكام الأحكام ٢/٣٨ المحصول ٢/١٢٩ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٥.","vol":"1","page":326},{"text":"وقال قوم لا تواتر بأقل من ثلثمائة وثلاثة عشر عدد أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر١ وهذه الأقاويل التى حكيناها عن غير الأصحاب ليست بشيء وليست بمستندة إلى أصل يعلم وخللها بين والاعتلال فيها مضطرب فلا معنى للالتفات إلى شىء من ذلك والذى ذكره أصحابنا من القولين أمثل الأقاويل والأولى أن لا يقع الالتفات إلى عدد ما سوى أنه كان يعتبر أن يكون أكثر من أربعة لما ذكره الأصحاب وإن قيل أن هذا العدد لا يعتبر أيضا لكن يعتبر وجود العلم بخبر المخبر لما يتصل به من شاهد الحال فيه صحيح أيضا على ما سبق بيانه والأحسن ما قاله أكثر الأصحاب.\nمسألة الخبر المتواتر يفيد العلم عند جماعة العلماء\nوعند بعض الناس أنه لا يفيد العلم وقد نسب ذلك إلى البراهمة والسمنية وهذا الخلاف خلاف لا يعتد به لأنه من قبل إنكار المحسوس وهو مثل خلاف السفسطائية فى رفع المحسوسات وتصور صورا ليزول الإشكال فنقول أن رجلا لو اعترض الناس وهم منصرفون من الجمعة فجعل الواحد والاثنان والجماعة يخبرون أن الناس قد صلوا الجمعة وتكاثر عليه هذا الخبر حتى أخبره الفوج بعد الفوج وخرج الأمر عن الحصر والعدد ولم ير أحدا منهم مخالف فى ذلك فإن السامع يجد فى نفسه وقوع العلم له فصلاتهم الجمعة بحيث لا يتخالجه شك ولا يدخله ريب ويجد قلبه ساكنا إلى ذلك وكذلك من دخل بلدا فاسترشد هذا إلى دار الوالى أو منزل الحاكم فأرشده الواحد بعد الواحد وذكروا أن سلوك هذا الطريق يفضى إلى داره وتواتر منهم ولم ير أحدا يخالفهم فى ذلك فإنه يقع العلم بقولهم ويعرف قطعا أنه إذا سلك هذا الطريق وصل إلى مقصوده وأصاب غرضه وكذلك لو أن رجلا يرى صبيا وسمع الناس يقولون أن والده فلان وقد مات عنه وتواتر له هذا الخبر من جيرته وعشيرته وسائر أقربائه ورآهم يخبرون بذلك فى السر والعلانية وحالتى الرضا والغضب ولا ينكر ذلك منكر ولا يخالفهم مخالف ودام الزمان على ذلك فإنه يجد نفسه ساكنا إلى قولهم معتقدا صحة ما أخبروه به من أمر هذا الصبى وهذا مما لا ينكره أحد له أدنى مسكة من عقل أو شمة من لب وقد استدلوا أيضا بوقوع العلم لنا بوجود البلدان النائية القرون الماضية والملوك السالفة.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٣/٨٥، ٨٦ البرهان ١/٥٦٩، ٥٧٠ المحصول ٢/١٣٢، ١٣٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٩.","vol":"1","page":327},{"text":"وسائر ما يجرى هذا المجرى وليس يدخل على هذا ما يجد الناس الكثير من اجتماعهم على اعتقاد أو مذهب ولا يدل ذلك على أنهم محقون لأنا بينا أن شرط وقوع العلم بالخبر المتواتر أن يكون صدره فى الابتداء عن ضرورة وأمر محسوس بالسمع أو النقل وهذا لا يوجد فى هذا الموضوع وعلى أن نقول أن اجتمعوا على حق فيجوز ويكون الذى حمى الاجتماع دليل الحق لأنهم مع اختلاف طباعهم وتباين هممهم يجوز أن يصرف دليل الحق إلى اعتقاد الحق وأما إذا كان ذلك النبأ باطلا فلا بد من دخول الاختلاف بينهم وعدم الائتلاف منهم ولم يوجد اتفاق كل الناس على الباطل أبدا بحال ثم نقول بأن الخبر مخالف لباب الرأى والاعتقاد لأن الخبر صدره عن الحس والمشاهدة والغلط لا يعرض فيها فإذا وجدناهم متفقين على الخبر لم نجد موضعا للارتياب بهم وتوهم الغلط عليهم وأن قلتم يجوز أنهم اتفقوا وتواطئوا على الكذب نقول أن الكلام فى الجماعة التى لا يتصور منهم التواطؤ والاتفاق على الخطأ وأما اعتقاد المذاهب فضلت عن الرأى والاجتهاد والغلط قد تعرض فيه على حسب غموض الأمر ودقة مستدله إلا ترى أن الجماعة من المتناولين يجوزون الخطأ على أنفسهم فيما اعتقدوه والجماعة من المخبرين لا يجوزون على أنفسهم الخطأ فيما أخبروه عن شاهدتهم فإن اختلاف الأمرين كان قبل هذا الذى قلتم موجود فى إجماع الأمة فلا تجعلوه إذا حجة وقد قلتم أنه حجة قاطعة موجبة العلم قلنا إنما كان كذلك لأن هذه الأمة قد خصت بالعصمة عند الإجماع على الشىء وقد دل على ذلك حجة السمع ولولا ذلك لم يفرق بينكم وبين سائر الأمم فإن قيل أن الجماعة الذين ذكرتهم وأن جم عددهم وكثرت أشخاصهم فإنهم فى أنفسهم آحاد يجوز على كل واحد منهم فى حالة الاجتماع ما يجوز فى حالة الانفراد إذ الانفراد والاجتماع أغراض لا تؤثر فى نفس الطباع ولا يغيرها عما هى عليه فإذا جاز الكذب على كل واحد منهم منفردين جاز الكذب على كل واحد منهم مجتمعين.\nالجواب إنما قلتموه غلط لأن الذى حلت عليه الكثرة فى اختلاف الطباع وتباين الهمم واختلاف الدواعى لا يمكنهم فى جارى العادات من الاجتماع والتواطؤ على وجه واحد من التقول والتكذب ولا يخلى بينهم وبينه كما لا يمكنهم من الاجتماع مهنة واحدة من المهن على صناعة واحدة من الصناعات وليس كل ما صح يجوز على كل أحد من الجماعة عند الانفراد يجوز على جماعتهم إلا ترى أن الواحد يجوز أن يقتل.","vol":"1","page":328},{"text":"ولده أو يشوه وجهه ولا يجوز ذلك على جماعتهم وهو أن يتفقوا عليه وكذلك استعمال شىء واحد والمشى فى طريق واحد والاجتماع على صنعة واحدة وأمثال هذا تكثر وبهذا الطريق نجيب عن قولهم أن الخبر الذى وجد من الجماعة هو الذى وجد من الواحد فلو كان وجود من الجماعة يفيد العلم لكان وجوده من الواحد يوجب العلم ونقول يجوز أن يوجد من الواحد شىء ولا يجوز وجوده من الجماعة مثل ما بينا وعلى أنا دللنا على وجود العلم بل نقطع بوجوده لكل أحد عند الخبر المتواتر فكيف يحكم به وفاته مثل هذه الشبهة.\nفإن قيل إذا جاز اجتماعهم على الصدق وهو رأى اختاروه له لا يجوز اجتماعهم على الكذب وهو نظيره قلنا إنما افترقا لأن حسن الصدق داع إلى نفسه وأسبابه مرغبة فيه وذاته تحرك عليه ما فيه غنية من جميع الأحدوثة ونيل المنزلة العلية عند الناس وأما الكذب فعينه منفرة عنه وقبحه مزهد فيه ولأن فيه من قبح الأحدوثة وخمول الذكر وسقوط المنزلة عند الناس ما يمنع من ارتكابه إلا لغرض يدعوا إليه فأسباب الصدق يجوز أن تجتمع فى الجماعة فتصور إلفافهم عليه فإن قيل هذا الأصل الذى قلتم يقتضى أن صدق اليهود فى دعاويهم قتل المسيح ﵇ فإنهم جماعة لا يجوز أن يتواطئوا على الكذب ببينة أن النصارى وافقوهم وعددهم لا يخفى كثرة ووفورا وكذلك المجوس مطبقون فى الخبر عن زرادشت ونبوته وإيراده المعجزات فى زمانه.\nالجواب أما أمر عيسى والخبر عن قتله لم يوجد فيه الإطباق ولم يحصل عليه منهم الاتفاق فإن العيسوية وهم فرقة كبيرة من النصارى يزعمون أن عيسى ﵇ لم يقتل بل رفعه الله إليه ولا يعتقدون التثليث ونصارى الحبشة على هذا وزعم هؤلاء أن محمد ﷺ رسول مبعوث إلى العرب خاصة وفى اليهود من يقول: هذا الأخير ثم قد قالوا: أن خبر قتل عيسى من النصارى أيوجد فيه شرط التواتر لأنا بينا أن شرط التواتر أن يستوى طرفاه وواسطته وقد قيل أن خبر قتله مسند إلى أربعة نفر هم يوحنا ومتى ولوقا ومرقص وذكر أهل العناية بالأخبار أن عيسى ﵇ كان بأرض عربية وكان أصحابه مطلوبين خائفين عليه وعلى أنفسهم فلما وقعت الصحة وقيل أنه قد قتل جل أصحابه على خفية واستتار ونظروا إلى شخص مصلوب مقتول وهم على حال وجل ورعب توهموا أن ما سمعوه حق فأفاضوا الخبر بذلك وأشاعوا فى أصحابهم وأشياعهم وأما خبر اليهود فإن أصل الخبر عنهم فى قتله أوهى ما ضعف من خبر النصارى وذلك.","vol":"1","page":329},{"text":"لأنهم كانوا يطلبون عيسى ﵇ يريدون قتله وهم لا يعرفونه بحلته وإنما جعلوا لرجل منهم جعلا فدلهم على شخص فى بيت فهجموا عليه وقتلوه وزعموا أنهم قتلوا عيسى ﵇ وأشاعوا الخبر وإذا كان مخرج الخبر به اعتورته هذه الآفات كان معدوم شرائط الصحة غير موثوق به وقد أخبر الله تعالى فى كتابه بالحماية من شرطه وقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] فوجب الأخذ بهذا ونزل ما زعموه للآفات التى عرضت عليه فيه وأما ما يدعيه المجوس من نبوة زرادشت فإن الخبر فى ذلك لم يصدر عن جماعة وجد فيهم شرط الأخبار المتواترة فإن الوارد فى خبره أنه خرج فى زمن ملك كان يسمى بشتاين وآمن به الملك وأمر الناس بالإيمان به وزعم أنه أراه المعجزات الدالة على صدقه فصدقوه على ذلك رغبة ورهبة وآمنوا به وتابعوه ثم نقول أن الدين الذى دعا إليه زرادشت وما فى مردودهما مذهب قد بلغ فساده بالدلائل القطعية وهو فى نفسه قول متناقض فإن أصل مذهبهما هو القول بالأصل من النور والظلمة أو نرد ظاهر مرد هذا طريق بين الفساد ظاهر الأشخاص والانحلال فصارا كذابين لعينين ولا يجوز أن يظهر الله تعالى المعجزات على يدى الكذابين عليه فبهذا الطريق عرفنا أن تلك الأخبار عن أولئك القوم باطلة وإذا ثبت لنا أن خبر التواتر يفيد العلم فهو يفيد العلم الضرورى وعنده أنه القسم الحسى يفيد العلم الكسبى والكلام معه يرجع إلى معرفة العلم الضرورى وهو العلم الذى لا يخالجه شك ولا يدخله ريب ولا يمكن للإنسان دفعه عن نفسه بوجه ما وهذا المعنى موجود فى العلم الحأصل بخبر التواتر كما هو موجود فى العلم الحأصل بالعيان وقد ذكر المتكلمون فى هذه المسألة كلاما كثيرا إلا أن مرجعه إلى أصول الكلام فتركنا ذلك غناء عنه واقتصرنا على القدر الذى يحتاج إليه الفقهاء.\nواعلم أن الأصوليين من أصحابنا قد قسموا التواتر إلى قسمين فقالوا:.\nأحد قسمى التواتر ما يرجع إلى عين الشىء.\nوالقسم الثانى ما يرجع إلى معناه دون عينه١.\n_________\n١ اعلم وفقك الله أن المتواتر ينقسم قسمين:\nأولا: متواتر لفظي: هو خبر جماعة يفيد العلم بنفسه بمخبره مع اتحاد المخبر به في اللفظ مثل أن ينقل جماعة يستحيل تواظؤهم على الكذب قوله ﵇ \"إنما الأعمال بالنياب وإنما لكل امرئ ما نوى\"........=","vol":"1","page":330},{"text":"فالأول معلوم وهو مثل ما سبق ذكره فى مواضع.\nوأما الثانى فهو الخبر عن جود حاتم وشجاعة على ﵁ وأمثاله وحلم الأحنف وذويه فإن يروى نفر من سخاوة حاتم أنه وهب لرجل عشرة أعبد ويروى آخر أنه وهب لرجل مائة شاة ويروى آخر أنه وهب لإنسان فرسا ويروى آخر أنه نحر بعيره وقرى أضيافه ويروى آخر أنه أوهب ماله فيقع لنا العلم مجموع أخبارهم أنه كان رجلا سخيا وكذلك الأمر فى شجاعة على ﵁ فإنه يروى واحد أنه قتل يوم بدر وليد بن عقبة وجماعة ويروى آخر أنه قتل يوم أحد فلانا ويروى آخر أنه بارز يوم الخندق عمرو بن عبد ود وقتله ويروى آخر أنه قتل يوم حنين فلانا اليهودى فيقع العلم مجموع أخبارهم أنه كان رجلا شجاعا وكذلك فى حلم الأحنف وما أشبه ذلك وعلى هذا الوجه يقع العلم لنا أن النبي ﷺ قد أقام المعجزة فإنه روى نفر أن النبي ﷺ نبع الماء من بين أصابعه وروى نفر أنه ﵇ لما انتقل من الجذع إلى المنبر حن الجذع كحنين الناقة وروى نفر أنه أشبع الجماعة الكثيرة بالطعام اليسير وروى آخر أنه دعا شجرة فأتته وروى آخر أنه سبح الحصى فى يده وسمع ذلك وروى آخر أنه أشار إلى القمر فانشق إلى أمثال هذا فيقع العلم القطعى لنا بمجموع هذه الأخبار أنه أقام المعجزة على صدق نبوته وكان المعنى فى كل هذا أنه لا يجوز أن يقع من الجماعة الكبيرة التواطؤ على وقوع مثل هذا وقد نقلوا ذلك فى أزمنة مختلفة وأحوال متباينة ومعنى التواتر أنه وأن عدم التواتر فى أعيان آحادها فقد وجد التواتر فى معناها إذا كانت هذه الأخبار على اختلافها بحصرها معنى واحد فصار كأنهم نقلوا جميعا ذلك المعنى وأجمعوا على الخبر عنه وهؤلاء الذين أخبروا هذه الأشياء بمجموعهم لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب والتحق بورود الخبر المتواتر على الشىء لعينه واعلم أن مثل هذا الطريق رد على الرافضة ما زعموا من نص الرسول ﷺ على إمامة على ﵁ فإنهم زعموا أن النبي ﷺ نص عليه على رءوس الأشهاد ومشهد من جميع أصحابه.\n_________\n= ثانيا: المتواتر المعنوي: هو نقل العدد الذي تحيل العادة تواظؤهم على الكذب وقائع مختلفة على قدر مشترك بين الجميع مثل أن يخبر واحد حاتما أعطى دينارا والآخر يخبر بأنه أعطى جملا والثالث يخبر بأنه أعطى شاة وهلم جرا حتى بلغ عدد المخبرين حد التواتر فيقطع بثبوته القدر المشترك لوجوده في كل خبر من هذه الأخبار والقدر المشترك هو الإعطاء انظر نهاية السول ٣/٨٧ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٦.","vol":"1","page":331},{"text":"ونص لهم عليه وقال هو الإمام من بعدى ثم إنهم جميعا كتموه وهذا محال من الكلام ولا يتصور من ذلك مثل الجماعة العظيمة والجم الغفير اختلاف طباعهم وتباين أهوائهم وتردد الدواعى منهم إطباقهم واتفاقهم على كتمان مثل هذا النص الجلى ومن دخل فى مثل هذا فقد كفى خصمه مؤنة والمسألة من باب أصول الدين وليست من باب أصول الفقه فتركنا الإطناب فى ذلك والله الموفق للصواب والهادى إلى الرشاد بمنه وعميم طوله.\nونتكلم الآن فى أخبار الآحاد فنقول:\nأخبار الآحاد ما أخبر به الواحد والعدد القليل الذى لا يجوز عليهم المواطأة على الكذب١.\nوهى على ثلاثة أضرب.\nأحدها: أخبار المعاملات.\nوالثانى: أخبار الشهادات.\nوالثالث: أخبار السنن والديانات.\nفأما أخبار المعاملات فلا يراعى فيها عدالة المخبر وإنما يراعى فيها سكون النفس إلى خبر المخبر فتقبل من كل راو فاجر ومسلم وكافر وحر وعبد فإذا قال الواحد منهم هذه هدية فلان إليك أو هذه الجارية وهبها فلان لك أو كنت أمرته بشراء جارية فاشتراها لك جاز للمخبر قبول قوله إذا وقع فى نفسه صدقه ويحل له الاستمتاع بالجارية والتصرف فى الهدية وكذلك إذا قال أذن فلان لك فى دخول داره وأكل طعامه جاز له دخول داره وأكل طعامه وهذا شىء متعارف عليه فى جميع الأعصار ومن غير تكبر وهو المعتاد والمتعارف بين الناس وقد ألحق بعض أصحابنا الصبى بمن ذكرناه طردا للعرف فإن العرف فى مثل هذا العرف فيما سبق وهذا هو الأصح.\nوأما أخبار الشهادات٢ فشرطها وعددها معلوم فى الشرع ولا حاجة إلى ذكر ذلك وأما أخبار السنن والديانات فاعلم أن خبر الواحد فيها قد يوجب العلم فى مواضع منها أن يحكى الرجل بحضرة النبي ﷺ شيئا ويدعى علمه فلا ينكر عليه فنقطع بصدق.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٣/١٠٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٤٨ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٩.\n٢ انظر نهاية السول ٣/١٠٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٩.","vol":"1","page":332},{"text":"المخبر ويقع العلم بخبره ومنها أن يحكى الرجل بحضرة جماعة كثيرة ويدعى علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقه وعندى أن من شرط هذا أن التمادى على ذلك الزمان الطويل ثم لا يظهر من ذلك القول حد ينكره لأنه بدون هذا يجوز أن يسكتوا عن الإنكار عليه لغرض ويجوز أن يكون لهيبة له أو لوجل منه فأما إذا مر على ذلك الزمان الطويل فلا يتصور السكوت عن الإنكار من كل القوم مع اختلاف الطباع وتباين الهمم وكثرة الدواعى من كل وجه ومنها خبر الواحد الذى تلقته الأمة بالقبول وعملوا به لأجله فيقطع بصدقه وسواء فى ذلك عمل الكل به أو عمل البعض وتأوله البعض ومثال هذه الأخبار خبر حمل بن مالك بن النابغة فى الجنين وخبر عبد الرحمن بن عوف فى أخذ الجزية من المجوس وخبر أبى هريرة فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وقالت هذه الأخبار وهى كثرة وقد ألحق بعضهم بهذا أن يكون الخبر مضافا إلى حال قد شاهدها كثير من الناس ثم يرويه واحد أو اثنان ويسمع بروايته من شهد الحال فلا ينكره فيدل ترك إنكارهم له على صدقه لأنه ليس فى جارى العادة إمساكهم جميعا عن رد الكذب وترك إنكاره إلا ترى أنه لو انكفى عن الجامع من حضرة الصلاة فأخبر أحدهم بفتنة وقعت فيه فأمسكوا عن تكذيبه علم صدقه فى خبره قال وعلى هذا ورد أكثر معجزات الرسول ﷺ وأكثر أحواله فى مغازيه وأكثر ما ورد به السنن المشهورة وهذا وجه حسن جدا ولا بد أن يكون ملحقا بما قدمنا.\nوأما ما سوى هذا من أخبار الآحاد فالكلام فيها يشتمل على شيئين.\nأحدهما فيما يتعلق بالعلم.\nوالآخر فيما يتعلق بالعمل.\nأما العلم فذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا يوجب العلم وذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن الأخبار التى حكم أهل الصنعة بصحتها ورواها الأثبات الثقات موجبة للعلم١ وقد ذكرنا حجتهم على هذا فى كتاب الانتصار وذهب داود إلى أنها توجب علما استدلاليا لأن التعبد باستعمالها موجب لحدوث العلم بها استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء: ٣٦] وبقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] فدلت هاتان الآيتان أنه إذا أوجب العمل ثبت العلم.\nوذهب النظام إلى أن خبر الواحد يوجب العلم إذا اقترن به الشك وذلك إذا خرج.\n_________\n١ المحصول ٢/١٧٢ البرهان ١/٥٩٩ إحكام الأحكام ٢/٤٩، ٥٠.","vol":"1","page":333},{"text":"الرجل من داره مخرق الثياب حافيا حاسرا يدعو بالويل وأخبر أن والده مات قال يقع العلم لكل من سمع منه بذلك قال وكذلك إذا أقر على نفسه بما يوجب القتل أو القطع.\nوأما حجة من قال أنه لا يوجب العلم هو أن الخبر الواحد لو اقتضى العلم لاقتضاه كل خبر واحد كما أن الخبر المتواتر لما اقتضى العلم اقتضاه كل خبر متواتر والمعتمد أن الشك والتجوز يعترض فى خبر الواحد ما لا يعترض فى خبر المتواتر وما يعترض فيه الشك لا يوجب العلم الذى يوجبه ما لا يعترض فيه للشك ولأنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم لما لزم مدعى النبوة إظهار الأعلام الدالة على صدقه ولجاز الاقتصار على قبول قوله ولو اقتصر على قوله لما وقع فرق بين النبى والمتنبى ولأفضى ذلك إلى إبطال النبوات وهذا الرجوع إلى الدليل الأول واحتج عامة المتكلمين على النظام وقالوا: ليس يخلو العلم الواقع عند الخبر على ما قاله النظام أما أن يكون سببه القرينة وحدها أو القرينة بشرط الخبر أو الخبر وحده أو الخبر بشرط القرينة والقسمان الأولان باطلان لأن القرينة لا تتناول المخبر عنه وإنما المتناول له هو الخبر فلم يجز أن يكون المفيد للعلم هو القرينة وهى غير متناولة للخبر ولا يجوز أن يكون الخبر وحده هو المقتضى للعلم لأنه لو كان كذلك لاقتضاه إذا تجرد عن القرينة ولا يجوز أن يقتضيه الخبر بشرط القرينة لأن اعتقادنا عند رؤية القرينة مع فقد الخبر مثل اعتقادنا وأن اتصل به الخبر وبيان هذا إذا رأينا الرجل مشقوق الجيب يدعو بالويل أو سمعنا الداعية من دار وقد علمنا أن فى الدار مريضا فاعتقدنا مصاب الرجل فى الصورة الأولى وموت المريض فى الصورة الثانية قبل أن يخبر مخبر بموت المريض أو يخبر الرجل بمصابه مثل اعتقادنا أن لو أخبر ثم لا علم قبل الخبر كذا بعد الخبر فإن قال المخالف إذا اتصل الخبر بالقرينة فلا بد من وجود زيادة قلنا يجوز أن يقال أنه يحصل به زيادة قوة الاعتقاد فأما أن يفيد شيئا آخر لم يكن حأصلا له من قبل فهذا لا يكون وعلى أنه يجوز أن يكون المراد بخبره وإظهار القرينة تحصيل غرض له لأنه يريد أن يوهم بعض من يخاف موته أو يظهر أنه أصيب بمصيبة لغرض له قال القاضى أبو الطيب وقد وقع مثل هذا بخوارزم مع القاضى الكعنبى قال قد وقع أيضا بالبصرة واعلم أنه يجوز أن تنتفى دلائل الكذب فى خبر الواحد على الجملة نحو أن يكون الرجل متحفظا عن الكذب نافرا منه ويعلم من حاله بذلك ويحوز أن يكون رسولا من سلطان ويذكر أن السلطان يأمر الجيش بالخروج إليه ويعرف أن السلطان يعاقبه أن كذب ويجوز أن يخبر الإنسان بشعر بلد.","vol":"1","page":334},{"text":"ويكون الإنسان ذا مرة مصرفه عن الكذب ولا يكون لداعى الكذاب فى ذلك داع ويجوز أن يكون الإنسان مهتما بأمر من الأمور بمنشأ فلان فيسأل عن خبر فيخبره عنه فى الحال فيعلم أنه لم يفكر فيه فيدعوه إلى الكذب داع وهذه وجوه تدل على الصدق وهو من الاستدلال على الشىء بإبطال يقتضيه ولكن مع كل لا ينتفى توهم الكذب ويمكن تصور الكذب فى هذه الصور كلها بوجوه من الأغراض وعوارض توجب صرف الإنسان عن الصدق إلى الكذب فلم يخبر أن يحكم بكون الخبر مفيد للعلم وإذا اقترنت به هذه القرائن ووجد على هذه الأحوال فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة.\nوأما الكلام فيما يتعلق بالعمل الذى يثنى على خبر الواحد [....] ١ مذهب أكثر أهل العلم وجملة الفقهاء أن خبر الواحد يوجب العمل فقد تعبد به الشرع وليس فى العقل ما يمنع من التعبد به وذهبت طائفة إلى منع التعبد بأخبار الآحاد واختلفوا فى المانع من التعبد به فقال بعضهم يمنع منه العقل وذكر بعضهم أنه قول ابن علية والأصم وقال القاشانى من أهل الظاهر والشيعة يمنع من التعبد بها الشرع وأن كان جاز فى العقل٢ فى هذه مسألة يكثر الكلام فيها على أن تذكر المعتمد من الجانبين ونزع الشبهة المذكورة من المختلفين بتوفيق الله تعالى والحجج من منع التعبد بها عقلا وقالوا: لو جاز أن يكون علمنا بما أخبرنا به الواحد عن النبي ﷺ وغلب على ظننا صدقه مصلحة لنا وجب العمل به وجب أن يكون إذا أخبر الواحد عن الله تعالى وذكر أنه رسول منه وغلب على ظننا صدقه مصلحة لنا أيضا ويجب علينا العمل به وأما الفرق أن يكون المخبر عن الله تعالى بلا واسطة أو واسطة نبى قالوا: فنقول مخبر عن شرع من الله عز\n_________\n١ في المخطوطة بياض بمقدار كلمة أو كلمتين.\n٢ اختلف العلماء في العمل بأخبار الآحاد على خمسة مذاهب:\nأحدها: التعبد بخبر الواحد محال عقلا وهو مذهب الجبائي وجماعة من المتكلمين.\nالثاني: التعبد به جائز عقلا ولكنه لا يجب العمل به شرعا لقيام الدليل على عدم الوجوب.\nالثالث: التعبد به جائز عقلا وواجب شرعا فقط وهو مذهب الجهور ومنهم البيضاوي.\nالرابع: التعبد به جائز عقلا ولكنه لا يجب العمل به شرعا لأنه لا دليل على الوجوب.\nالخامس: التعبد به جائز عقلا ويدب العمل به للدليل العقلي والشرعي معا وهو مذهب أحمد بن حنبل \"وابن سريج\" والقفال الشاشي وأبي الحسين البصري انظر نهاية السول ٣/١٠٦ المحصول ٢/١٧٠ البرهان ١/٥٩٩ إحكام الأحكام ٢/٦٨ روضة الناظر ٩٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٠٩.","vol":"1","page":335},{"text":"وجل فلا يجب علينا قبوله عملا بمجرد غلبة الظن فى صدقه دليله إذا أخبر بواسطة دعوى الرسالة وقالوا: أيضا لو جاز التعبد بها بأخبار الآحاد فى الفروع لجاز التعبد بها فى الأصول وذلك فى صفات الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز فحين لم يجز فى الأصول كذلك فى الفروع وقالوا: أيضا لو جاز التعبد بأخبار الآحاد فى الفروع جاز التعبد بها فى نقل القرآن ببينة أنه لما لم يجز فى نقل قول الله تعالى لم يجز فى نقل قول الرسول ﵇ والحرف المشكل لهم هو أن الشرعيات مصالح والواحد يجوز أن يكذب فيما يخبر به من فعل أو ترك فعل فإذا كان يجوز أن يكذب لم نأمن أن يكون ما تضمنه بخبره مفسدة وربما يعبرون عن هذا فيقولون لما لم يؤمن كون الخبر كذبا لم نأمن كون المخبر به مفسدة وإذا لم نأمن كونه مفسدة فالعقل يمنع منه حتى لا نكون عاملين بما يجوز أن يكون مفسدة لنا هذه شبهة القوم واحتج من قال أن الشرع يمنع من التعبد به بقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء: ٣٦] وبقوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون البقرة ١٦٩ وبقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] قال والعمل بالخبر الواحد اتفاقا ليس لنا به علم وشهادة به وقول بما لا نعلم لأن العمل بالخبر الواحد مستند إلى الظن لا إلى العلم وتعلقوا أيضا بقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] قدم من اتبع الظن وبين أنه لا غنى له فى الحق فكان على عمومه فى كل موضع وهذا الموضع الذى اختلفنا فيه من جملته وذكر بعضهم أنا إذا لم نقبل خبر الرسول ﵇ إلا بدليل يقترن به يدل على صدقه من إقامة المعجز فأولى أن لا نقبل من غيره لمجرد خبره وقوله وهذا الدليل يقرب من الدليل الأول وأما دليلنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] والتبليغ يكون بحسب الإمكان لأن الله ﷿ لا يأمر بما لا يحتمله طوق البشر ومعلوم أنه لم يكن فى وسع الرسول لقاء الناس كلهم والمصير إليهم فى بلادهم ولم يكن فى عمره من المهلة والتنفس ما يفى بخطابه آخر من يكون من أمته ولا كان أيضا فى وسع جميع الناس أن يصيروا إلى حضرته ولا أيضا كان فى الوسع أن يصير إليه من كل قبيلة من العدد ما يقع العلم بخبرهم فيبلغوا عنه بقية من لم يصل إليه لأن ذلك يشق عليهم ويغير معايشهم ويؤدى إلى الجلاء عن أوطانهم ومثل هذا لا يجوز أن يرد به خطاب الشرع لأن الله تعالى رفع مثل هذا عن أمته رحمة منه لهم وإلى هذا أشار قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ","vol":"1","page":336},{"text":"مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فثبت بمجموع ما بينا أن التبليغ واجب بحسب الإمكان وليس ما ذكرناه من الإمكان وكان النبي ﷺ يباشر التبليغ بحسب الإمكان فكان تبليغ الحاضر خطابا ويبلغ الغائب خبرا على لسان من بحضرته من واحد وجماعة ليبلغوا عنه ويؤدونه إلى من ورائهم فيقع به التبليغ وتقوم به الحجة وكذلك قال ﵇: \"ألا هل بلغت\" ١ وقال ﵇: \"ليبلغ الشاهد الغائب\" ٢.\nوبيان أنه كذلك وأنه كان يفعل ما ذكرنا ما اشتهر عنه فى أخباره من بعثه الرسل إلى النواحى والأطراف وإلى الملوك ليبلغوا عنه ويبينوا للناس أمر الدين وليعلموهم أحكام الشريعة كتوجيه معاذ إلى اليمن وعتاب بن أسيد إلى أهل مكة وعثمان بن أبى العاص إلى الطائف وبعث الرسل إلى ملوك الأرض دحية إلى قيصر وعبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى وعمرو بن أمية الضمرى إلى الحبشة وبعث إلى المقوقس صاحب الإسكندرية وإلى هوذة بن على الحنفى وغيرهم وإنما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه وليقم الحجة عليهم ولم يذكر فى موضع أنه بعث فى الوجه الواحد عددا يبلغون حد التواتر ولم يكن النبي ﷺ ليبعث بما يقع به البلاغ وتقوم به الحجة فعلى هذا جرت عادته ﷺ وقد كان أيضا يبعث الجواسيس والعيون إلى أرض العدو ويقتصر على الواحد فى البعثة ويعتمد على قوله وأمثال هذا تكثر وليس يخفى على العلماء المبرزين نعم تخفى على الجهال ومن لم يقف على أحوال الرسول ﷺ وأخذ العلم من ورا وراء فتبين بمجموع هذا أن الخبر من الواحد موجب العمل مثل ما يوجب الخبر من العدد الكثير وهذا الدليل دليل قطعى لا يبقى لأحد معه عذر فى المخالفة.\nويدل على ما ذكرناه إجماع الصحابة ﵃ فإنه من المشهور عنهم أنهم قبلوا أخبار الآحاد فى الشرعيات واستعملوها وذلك مثل قبول أبى بكر الصديق ﵁ خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فى توريث الجدة السدس٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري العلم ١/٢٤٠ ح ١٠٥ ومسلم القسامة ٣/١٣٠٥ ح ٢٩/١٦٧٩.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ أخرجه أبو داود الفرائض ٣/١٢١ ح ٢٨٩٤ والترمذي الفرائض ٤/٤١٩ ٢١٠٠، ٢١٠١ وابن ماجه الفرائض ٢/٩٠٩ ح ٢٧٢٤.","vol":"1","page":337},{"text":"وقبول الصحابة عن أبى بكر ﵁ خبره عن النبي ﷺ: \"إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة\" ١ ولقبول عمر ﵁ خبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ فى أخذ الجزية من المجوس٢ وخبر الضحاك بن سفيان فى توريث المرأة من دية زوجها٣ وخبر حمل بن مالك بن النابغة فى دية الجنين وكقبوله خبر أبى موسى وأبى سعيد فى الاستئذان وعن على ﵁ أنه قال كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعنى الله به ما شاء أن ينفعنى فإذا حدثنى عنه غيره استحلفته فإذا حلف صدقته وحدثنى أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه٤ وسأل على المقداد ﵄ أن يسأل النبي ﷺ عن أمور فلما أخبره عن النبي ﷺ وقبل ابن مسعود رواية معقل بن سنان الأشجعى فى قصة بروع بنت واشق وسر بذلك ورجع ابن عمر ﵄ عن المخابرة برواية رافع بن خديج وترك ابن عباس ﵄ مذهبه فى الصرف بخبر أبى سعيد الخدرى.\nوأمثال هذا تكثر وهذه أمور مشهورة والشهرة فيها قامت مقام الرواية المستفيضة فمن خالف هذا فقد خالف جملة الصحابة ورام الطعن عليهم وترك القول بأخبار الآحاد ويقع الملحدين إلى إبطال كثير من أحكام الدين إلى الطعن فى السلف الصالح وهذا دليل هذا فإن قالوا: أليس [أن عمر ﵁] ٥ قال فى حديث فاطمة بنت قيس لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة٦ وقال على فى حديث بروع بنت واشق: \"ما أصنع بقول أعرابى بوال على عقبيه\" قلنا ليس هذا بقادح فيما علمناه لأن عمر إنما أنكر مخالفة الكتاب وذلك فى السكنى فإن الكتاب دال على إيجاب السكنى والنبى ﷺ.\n_________\n١ أخرجه البخاري الفرائض ١٢/٧ ح ٦٧٢٦ ومسلم الجهاد ٣/١٣٨٠ ح ٥٢/١٧٥٩.\n٢ أخرجه البخاري الجزية ٦/٢٩٧ ٣١٥٦، ٣١٥٧ والترمذي السير ٤/١٤٧ ح ١٥٨٧ ومالك في الموطأ الزكاة ١/٢٧٨ ح ٤١.\n٣ أخرجه أبو داود الفرائض ٣/١٢٩ ح ٢٩٢٧ والترمذي الديات ٤/٧٢ ح ١٤١٥ وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه الديات ٢/٨٨٣ ح ٢٦٤٢.\n٤ أخرجه الترمذي التفسير ٥/٢٢٨ ح ٣٠٠٦ وابن ماجه الإقامة ١/٤٤٦ ح ١٣٩٥.\n٥ ثبت في الأصل [ابن عمر ﵄] والحديث مروي عن الخليفة عمر ﵁ انظر سنن الدارقطني ٤/٢٤ - ٢٦ ح ٦٨ - ٧١.\n٦ أخرجه مسلم الطلاق ٢/١١١٨ ح ٤٦/١٤٨٠ وأبو داود الطلاق ٢/٢٩٧ ح ٢٢٩١.","vol":"1","page":338},{"text":"أسقط السكنى بسبب وكانت فاطمة ﵂ تنقل إسقاط السكنى ولا تروى السبب فهذا محل إنكار عمر ﵁ وغيره عليها وعلى لا يقبل رواية الأعرابى لغلبة الجهل عليهم وليس الكلام فى أمثال هذا وأما الكلام فى أصل قبول أخبار الآحاد دليل ثالث هو أنه لا خلاف فى قبول أخبار الآحاد فى باب المعاملات فإن للإنسان أن يدخل دار غيره بإذن الحاجب والبواب وله أن يستبيح ما يقول الرسول إذا قال أهداه لك فلان ووقع فى نفسه صدقه ويأخذ بقول الجمال والخادم وقد تكون الهدية جارية فيستبيح وطأها وقد كان رسول الله ﷺ يرسل أنس بن مالك ﵁ بحوائجه وأموره وهو صبى واتخذ ابن أريقط الليثى دليلا حين توجه إلى المدينة وقد كان كافرا واعتمد على دالته فهذا فى أبواب المعاملات وأيضا فلا خلاف فى قبول شهادة من لا يقع العلم بقوله فإن نهاية ما فى عدد الشهود هو الأربع ولا شك أن هذا الخبر لا يفيد العلم وإنما يفيد غالب الظن وقد تكون الشهادة فى إراقه دم أو إقامة حد أو استباحة فرج وأدناه استحقاق المال فلم يخلفوا فى قول المستفتى قول المفتى وكذلك فى أخذ القرآن عن المعلم وهذه أمور تتعلق بالدين وما ذكرنا من قبل من أمور الدنيا فإذا جاز قبول أخبار الآحاد فى أمور الدين والدنيا فى هذه المواضع فكذلك فى سائر المواضع فإن قيل قد تعلقتم بالأخبار فى المعاملات وقد يقبل فى الأدنى والهدية وما يشبه ذلك قول من يسكن القلب إلى صدقه من صبى أو فاسق بل كافر أنه لا يجوز قبول قول هؤلاء فى أخبار الدين فكيف يحتج بهذا الفعل مع وقوع هذا الفرقان بينهما واعتذر أبو زيد لهم من أخبار الناس فى المعاملات وقال حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها تثبت بإيجابهم وتصرفهم ولهم ضرورة إليها ولا يمكنهم إظهارها وإثباتها بدليل لا يبقى فيه شك وأما الدين فحق الله تعالى والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلا يجوز إثباته فما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة وصفات الله تعالى بالأخبار التى يعنى بها شك أو شبهة.\nقال وأما الشهادة فالأصل ما قدمنا وإنما تركنا الأصل الذى قد بيناه بكتاب الله تعالى وهو بخلاف القياس وقال بعضهم إنهم يقبلوا أخبار الآحاد فى إثبات شرع أو لشهادة بأن زنى أو قتل أو سرق ليس يثبت بها شرع أما الأول قلنا موضع الاستدلال من أخبار المعاملات هو استعمال قول من لا يؤمن الغلط عليه ووقوع الكذب منه وهو موجود فى الأمرين على ما سبق بيانه فإن كان أحدهما يتساهل فيه ما لا يتساهل فى الآخر وإنما يراعى فى الجمع والفرق موضع النكته التى يتعلق بها الحكم دون ما عداه من الأوصاف.","vol":"1","page":339},{"text":"وإنما وقع التساهل فى باب الإذن والهدية وما صار عنهما من الأمور حتى جاء فيها قبول قول الخادم والقهرمان من العبد والحر والصبى والبالغ والذمى غيرهم لأن الغالب فى العرف الحادى والعادة القائمة أن يتولى هذه الأمور ويتعاهدها الخدم والخول منهم دون علية الناس وأهل المروءة منهم وأما الشهادات فإنما يقوم بها أعيان الناس ويتحملها ذوو الدين والعدالة منهم لما فيها من التوثق للحقوق والاحتياط عليها ولذلك قرأت مصمتة بأوصاف من البلوغ والحرية والعدالة ونحوها وصارت أخبار السنن واسطة بين الأمرين فجاز فيها قول الواحد إذا قوي قوله بوصف العدالة ولا يحتمل أن يكون ذكرا أو أنثى أو عبدا أو مملوكا أو بصيرا أو أعمى وهذا أيضا نوع تساهل فى رواة أخبار السنة والآثار لأنه لو أن فيها جميع أوصاف الشهود لعدمت النقلة وعز وجودهم وصار ذلك سببا لانقطاع العلم ولو جرت فيها المساهلة التى تجرى فى أخبار المعاملات لوجد الفساد والخلل فى أمر الدين وصار لأهل الباطل سبيلا إلى أن يدخلوا فيه ما ليس منه واختلط أهل الحق بالباطل فاقتصر على الواحد ليتسع الطريق إلى النقل وأيد بالعدالة لتنقطع التهيئة عنه وكل من هذه الأمور منزل على منزلة تليق ويرشد إليها وجه المصلحة ويدل عليه الحكمة وأما الذى قاله أبو زيد من العذر لهم فليس بشىء لأنا بينا وجود قبول الواحد فى أمور الدين وقد ذكرنا صورا منها ونزيد فنقول إذا قال الواحد هذا الماء طاهر أو نجس يقبل قوله ويعمل عليه أو يقول: أنا وكيل فلان فى التصرف فى ماله يجوز الشراء منه وإذا قالت المرأة حضت أو طهرت يقبل الرجل قولها فإذا قالت حضت يجب الامتناع من وطئها وإذا قالت طهرت يجوز الإقدام على وطئها وإذا قال هذه خمر أو نبيذ وقال هذه أمتى أبيعها منك أو ابنتى أزوجها منك فإن سلموا هذه الوجوه لا بد من تسليمها لأن مصالح الناس لا تقوم إلا بها فيكون الباقى من الأخبار ملحقا بها هذه الأخبار مرجعها إلى الدين لأن الامتثال بقول المخبر بالحل والحرمة والصهار والنجاسة وهذه أمور لا تثبت من حقوق الناس فى شىء فهذه الدلائل التى ذكرناها دلائل قطعية موجبة للعلم وللأصحاب دلائل كثيرة سوى هذا فرأينا عنها اقتصارا واكتفاء لهذا القدر وقد ذكر أهل الأصول فى بيان أنه يجوز أن يقع انعدام الآحاد من حيث العقل وأن كانت لا تفيد إلا الظن وذلك لأنه ليس بمستبعد ولا مستنتج فى العقل أن يقول الله تعالى إذا غلب على ظنكم صدق الرواى عن فلان فاعملوا بخبره كما أنه خبر مستقبح فى العقل أن يقول إذا أخبركم فلان فاعملوا بخبره فإذا جاز.","vol":"1","page":340},{"text":"أحدهما جاز الآخر وقد قالوا: أن الشريعة مصالح فلا يمتنع أن يكون قبول قول الواحد إذا غلب على ظننا صدقه والعمل به مصلحة لنا ولهذا يلزم المسافر سلوك طريق وتجنب طريق آخر إذا أخبر الواحد بسلامة أحدهما ووجود المخافة فى الآخر.\nأما الجواب عن كلماتهم أما تعلقهم بخبر مدعى النبوة وأنه لا يجب علينا قبوله من غير دليل يقوم على صدقه وهو المعجز وأن غلب على ظننا صدقه قلنا نقول ولا أن نقطع بوجوب العمل بخبر الواحد لأن دليلا قطعيا قد قام على وجوب العمل به ومثل هذا لا يوجد فى غير مدعى النبوة لأن الأدلة الشرعية إنما تكون قاطعة فى خبر مدعى النبوة إذا علمنا صدقه لمعجز يقيمه حتى إذا أخبرنا بوجوب العمل علمنا وجوب العمل بخبره وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعى للنبوة مظنونا غير مقطوع به ثم نقول أن الاقتصار على الظن فى صدق مدعى النبوة يؤدى إلى مفسدة عظيمة لأن فى النبوة من الرئاسة العظيمة التى لا يدانيها رئاسة فلأن من إذا قبلنا قوله من غير معجز تعين أن يطلبها كل واحد ويتحرى فى أكثر الناس ظاهر الصدق والعدالة والستر اسم له هذه الرئاسة فيكثر على هذا المدعون للنبوة والوارد بالشرائع المخالفة وفى هذا من المفسدة ما لا يخفى وأما ها هنا فليس للمخبر بالسنة عن النبي ﷺ مثل هذه الرئاسة وأيضا فإن السنن محصورة فى النقل لا يمكن الزيادة عليها فلم يؤد قبول خبر الواحد فيها إلى المفسدة.\nببينة أنه أن لزمنا ما ذكروه على قولهم وقولنا أن شهادة الشهود مقبولة وكل عذر لهم فى ذلك فهو عذرنا وأما قولهم أنه لو جاز التعبد بأخبار الآحاد فى الفروع لجاز فى الأصول قلنا قد بينا أن الأخبار التى تلقتها الأمة بالقبول موجبة للعلم قاطعة للعذر وكذلك فى كل حادثة شهدها جماعة وأخبر الواحد منهم ولم ينكر الباقون ذلك فعلى هذه الأخبار الواردة فى صفات الله تعالى وإثبات القدرة وجواز الرؤية وإخراج الموحدين من النار بعد إدخالهم فيها وإثبات الشفاعة وإثبات عذاب القبر وإثبات الحوض والميزان وما أشبه ذلك وإذا اشتهرت وعرفت فى الأمة فأكثرها لا يخرج عن هذين القسمين فتكون موجبة للعلم قاطعة للعذر ويفيد ما ويفيدها الأخبار المتواترة وأما قولهم أنه يجوز التعبد بأخبار الآحاد فى نقل القرآن قلنا هذا جمع بين موضعين بغير علة جامعة ثم نقول فى القرآن المنقول بالآحاد أما أن يظهر فيه الإعجاز أو لا يظهر فيه الإعجاز فإن ظهر فيه الإعجاز فالإعجاز حجة النبوة ولا يكون حجة إلا وقد علم أنه لم يعارض فى عصر.","vol":"1","page":341},{"text":"الله ما لا نعلم بل قلنا ما نعلمه ونتيقنه وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قلنا إنما اتبعنا الدليل القاطع الذى يدل على وجوب العمل بخبر الواحد ولم نتبع الظن فإن قيل قد جعلتم للظن حظا فى الاتباع لأنكم لو لم تظنوا صدق الراوى لم تعملوا بالخبر قلنا أن الله تعالى إنما ذم من يتبع الظن فلم يدخل فى ذلك من اتبع الدليل عند الظن فهذا وجه الجواب عن التعلق بهذه الآيات ومن عرف هذا الوجه من الجواب سهل عليه الكلام على ما يوردونه والله أعلم.\nإذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فنذكر بعد هذا ما ينبني عليه ونبتدىء بذكر.\nأحوال الرواى والشرائط المعتبرة فيه لنقل خبره:\nفنقول أولا اعلم أن الصحابة ﵃ عدول وروايتهم يجب قبولها من غير تخصيص وذهب المعتزلة إلى أنه قد كان فى الصحابة قوم فساق١ وقد فسق كثير منهم وهم الذين قاتلوا عليا ﵁ خصوصا معاوية وعمرو وسائر من كانوا من الصحابة وغيرهم مع معاوية ﵃ وتوفى بعضهم أبو طلحة والزبير وعائشة ﵃ أجمعين وادعى كثير منهم أنهم فسقوا وتابوا قالوا: وقد علمنا ذلك فى هؤلاء الثلاثة ولم نعلم توبة معاوية ومن معه ونحن نتبرأ إلى الله تعالى من هذا القول وزعم أن القوم قاتلوا مع على ﵁ بالتأويل فإن الإمام الحق قد قتل وهو عثمان ﵁ وقد كانت قتلته أنصار على وكانوا جميعا معه ومع هذا زعم أن الحق كان مع على لكن لا نفسق أولئك القوم لأجل أنهم كانوا متأولين ولأن عدالة جميع الصحابة ثبتت قطعا فلا يزول عنها إلا بدليل قطعى والدليل على أن السمة كانت عظيمة إذ وجود من بقى من الصحابة اعتزلوا الطائفتين مثل سعد وأسامة وابن مسلمة وابن عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر وغيرهم فالأولى فى هذا حفظ اللسان وتسليم أمرهم إلى الله تعالى وإنما الكلام فيمن وراء الصحابة فنقول:.\nنشترط فى الراوى أن يكون ثقة عدلا فى دينه معروفا بالصدق فى حديثه حافظا أن حدث من حفظه٢ ضابطا لكتابه أن حدث من كتابه غير معروف بالتدليس.\n_________\n١ انظر البرهان ١/٦٣١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٢٨ المحصول ٢/١٩٦ نهاية السول ٣/١٢٩/١٣٠ المعتمد ٢/١٣٣ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٩.\n٢ انظر نهاية السول ٣/١٥٠، ١٥١ المحصول ٢/٢٠٢، ٢٠٣ إحكام الأحكام للآمدي...............=","vol":"1","page":342},{"text":"وملاك الأمر شيئان صدق اللهجة وجود الضبط لما يرويه ومن كثر غلطه ترك حديثه والعدل قد تعورف استعماله فيمن كان من أهل قبول الشهادة وشرائطه ما عرف فى الفقه وقد قيل أن المشارطة على أخذ الأجرة على التحدث يقدح فى قبول الرواية وقيل أيضا أن الإقدام على المستقبحات مثل الأكل على الطريق وما يشبه ذلك تقدح أيضا فى الرواية وقد اتفقوا أن الفسق فى التعاطى يمنع قبول الرواية لأن من يقدم على الفسق وهو يعتقد أنه فسق لا يؤمن فيه الإقدام على الكذب فى حديثه وأما الفسق من حيث الاعتقاد مثل أهل الأهواء فقد ذكروا أنهم ينقسمون قسمين منهم من كفر الصحابة وفسقهم مثل الخوارج وغلاة الرافضة فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول وأما من سلم عليه السلف وكان ثقة فى دينه غير مستحل للكذب على مخالفته بل كان مأمونا عليهم معروفا بالصدق فى روايته جللا فى تعاطيه غير داعية إلى اعتقاده يقبل روايته١ والأصح هو الأول وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد قال حدثنا عمرو بن عبيد وكان صاحب بدعة والفرق بين الفسق فى التعاطى وبين الفسق فى الاعتقاد هو أن الفسق فى أعمال الخوارج إنما يمنع من قبول الحديث لأن فاعله فعله وهو يعلم أنه فسق فقدح ذلك فى الظن بصدق ولم يؤمن أن يقدم على الكذب وأن علم أنه محظور وليس كذلك الفسق فى العقيدة لأنه يؤمن منه الكذب لأن الأمور مشتبهة عليه وهو متحرج فى أفعاله متنزه عن الكذب فيه أن الركن فى قبول الحديث قوة الظن والظن يقوى بصدق من هذا سبيله لمكان نخرجه ببينة أن الصحابة تفرقوا ولم يمنع ذلك من قبول بعضهم رواية البعض وروى التابعون عن الفريقين أيضا وأما الكافر الخارج عن الإسلام فلا تقبل روايته بحال٢ لأن اعتقاده يدعو إلى التحريف فلا يقوى الظن بصدقه وهذا الذى ذكرناه مذهب الفقهاء وعندهم أنه لا يقبل من أهل الأهواء وأنه يقبل رواية الكل كما.\n_________\n= ٢/١٠٦ المعتمد ٢/١٣٥، ١٣٦ روضة الناظر وجنة المناظر ١٠١ المستصفى ١/١٥٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٧.\n١ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/١١٧، ١١٨ نهاية السول ٣/١٣٥ المحصول ٢/١٩٧ المعتمد ٢/١٣٤ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٩، ١٢٠.\n٢ انظر نهاية السول ٣/١٢٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٠٣ المحصول ٢/١٩٥ المستصفى ١/١٥٦ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٦، ١١٧.","vol":"1","page":344},{"text":"يقبل شهادتهم وقد روى أصحاب الحديث عن قتادة وابن أبى نجيح وعمرو بن عبيد وأضراب هؤلاء فإن كانوا نسبوهم إلى القذف فى كتبهم من يظهر منه العناد والتعنت فلا تقبل روايته وكذلك من يتدين بالكذب فلا تقبل روايته وكذلك المتساهل فى روايته وتارك التحفظ من الزيادة.\nوقد ذكر بعضهم أن الشرائط فى الراوى لقبول الرواية خمسة:\nأحدها: البلوغ لأن الصغير لا يقبل قوله فى الدين فى خبر ولا فتيا ولا شهادة لأنه لم يقبل خبره فى حق نفسه فأولى أن لا يقبل فى حق غيره وقد ذكر بعضهم أن رواية الصبى إذا كان مميزا وقع فى ظن المستمع صدقه مقبولة١ والأصح هو الأول لأن المعتمد لنا إجماع الصحابة ولم يرو أن أحدا من الصحابة رجع إلى رواية صبى وحده إذا عرف أنه غير مؤأخذ بالكذب لا يزعه عن أمر لكان وازع.\nوالشرط الثانى: العقل وقد قالوا: أنه لا يجوز الاقتصار على العقل الذى نيط به التكليف بل لا بد أن ينضم إليه شدة التيقظ وكذلك التحفظ وأن كان يفيق يوما ويجن يوما فإن أثر جنونه فى زمان جنونه لم يقبل خبره وأن لم يؤثر يقبل.\nوالشرط الثالث: العدالة فى الدين وهذا لأن الفاسق لا يوثق بخبره كما لا يوثق بشهادته والعدالة مأخوذة من الاعتدال ولا بد من أربع شرائط.\nأحدها المحافظة على فعل الطاعات واجتناب المعاصى.\nوالثانى أن لا يرتكب الصغائر وما يقدح فى دين أو عرض.\nوالثالث أن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الذم.\nوالرابع إلا يعتقد من المذهب ما يرد أصول الشرع مصرح معانيه ووحى وخلا دلائله وقد بينا فى أهل الأهواء ما قاله أهل العدالة الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر وجعلوا العدالة المعتبرة فى الشاهد علة العدالة المعتبرة فى المفتى والعدالة المعتبرة فى المفتى أغلظ من العدالة المعتبرة فى الرواية وتعلقوا بحديث الأعرابى أنه لما شهد عند النبى ﷺ برؤية الهلال قبل شهادته ولم يسأل عن عدالته والصحيح أن ما يعتبر من العدالة فى الشهادة يعتبر فى الرواية يدل أنه أن لم تكن العدالة فى الخبر أغلظ منها فى.\n_________\n١ انظر إحكام الأحكام ٢/١٠١ المحصول ٢/١٩٤ نهاية السول ٣/١١٩ المستصفى ١/١٥٦ التصريح على التوضيح ٢/٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١١٦.","vol":"1","page":345},{"text":"الشهادة فلا يتنفى أن يكون أسهل لأن المخبر ثبت بخبره شرعا يعم إلزامه فكان بتغليظ العدالة أولى قال وأما أهل الأهواء الذين لا يدفع شبهة شهوة تأويلهم نص كتاب ولا سنة ثابتة متواترة شهادتهم مقبولة وقد شدد بعض أصحاب الحديث فى هذا فمنع القبول فيما ذكرنا والأصح ما بينا ونرد خبر من ظهر منه الكذب فما قل أو كثر من أمور الدين وأن كذب فى ضرر أحد وجب إسقاط جميع ما تقدم من حديثه.\nوالشرط الرابع: أن يكون بعيدا من السهو والغلط ضابطا لما يتحمله ويرويه ليكون الناس على ثقة منه وضبطه وقلة غلطه فإن كان قليل الغلط قبل خبره إلا فيما يعلم أنه غلط فيه وأن كان كثير الغلط رد خبره إلا فيما يعلم أنه لم يغلط فيه وليس من شرط الضبط معرفة أحكام الحديث لأن هذا صفة تزيد على الضبط ولا يمنع جهل الراوى بحكم الحديث قبوله وقد قيل الصدر الأول شهادة الأعراب وأهل البوادى.\nوالشرط الخامس:أن لا يعرف التساهل فيما يرويه وبالتأويل لمذهبه فربما أحال المعنى بتأويله وربما يدين موضع زيادة يصحح بها فاسد مذهبه فلم يوثق بخبره ومن انتفت عنه الثقة لم يقبل خبره ولا يرد خبر من قلت: روايته كما لا يرد من قلت: شهادته ولا يرد خبر من لم يعرف بمجالسته العلماء والمحدثين لأنه قد يسمع من حيث لا يعلمون.\nفأما المدلس فاعلم أن التدليس هو ترك اسم من يروى عنه وطى اسمه وذكر اسم من يروى عنه شيخه وقد ذكر التدليس عن كثير من أئمة الحديث مثل قتادة والأعمش وهشام وشريك وذكر ذلك أيضا عن سفيان بن عيينة وجماعة يجرون مجراه فنقول التدليس من الرواة يجرى على وجهين.\nأحدهما أن يعرف بالتدليس ويغلب عليه ذلك وإذا استكشف لم يخبر باسم من يروى عنه فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه لأن التدليس معه تزويد إبهام لما لا حقيقة له وذلك يؤثر فى صدقه وقد قال النبى ﷺ: \"المتشبع بما لا يعط كلابس ثوبى زور\".\nوالوجه الثانى من التدليس أن يطوى اسم من يروى عنه إلا أنه إذا كشف عنه أخبر باسمه وأضاف الحديث إلى ناقله فهذا التدليس لا يسقط الحديث ولا يوجب القدح فى الراوى١ وقد كان سفيان بن عيينة يدلس فإذا سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ولم يكتمه وهذا شىء مشهور عنه وهو غير قادح قال إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان ابن عيينة يوما بحديث فقال عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد فقلت: يا أبا محمد.\n_________\n١ انظر فتح المغيث للسخاوي ١/٢٠٣.","vol":"1","page":346},{"text":"أسماعا عن عمرو فقال ابن جريج عن عمرو فقلت: سماعا من ابن جريج فقال لا تفسده أبو عاصم عن ابن جريج فقلت: سماعا من أبى عاصم فقال قد أفسدته بحديثى على ابن المدينى عن أبى عاصم عن ابن جريج عن عمرو فهذا طريق سفيان ومذهبه والشافعى لا يروى عنه من الحديث بما يدخله التدليس وبيان مذهب الشافعى فى هذا الباب أن من اشتهر بالتدليس لا تقبل روايته إذا لم يخبره بالسماع فيقول: سمعت أو حدثنى أو أخبرنى وما أشبهه فأما إذا قال عن فلان وحمل الأمر فى ذلك على السماع لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبا للخفة إذ هو أسهل عليهم من أن يقول فى كل حديث حديثا والعرف الجارى فى ذلك يقام مقام التصريح وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتاب علوم الحديث وقال الأحاديث المعنعنة متصلة بإجماع أهل النقل إذا لم يكن فيها تدليس١ وذكر حديث عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد الأنصارى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى ﷺ قال: \"لكل داء دواء فإذا أصاب دواء داء برىء بإذن الله تعالى\" ٢ وكذلك ذكر رواية إسرائيل عن عبد الله بن مختار عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: \"أن مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه\" ٣ والرواة فى هذين الخبرين عن قولهم يعرفوا بالتدليس فالحديثان متصلان وأن ذكر بطريق العنعنة قال وضد هذا من الخبر ما رواه يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال ذكرنا ليلة القدر فقال رسول الله ﷺ: \"كم مضى من الشهر\" قلنا ثنتان وعشرين وبقى ثمان فقال: \"مضى ثنتان وعشرون وبقى سبع اطلبوها الليلة الشهر تسع وعشرون\" ٤ وهذا الحديث فيه تدليس لأن الأعمش لم يسمعه من أبى صالح.\nوقد روى محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا خلاد الجحفى حدثنى أبو مسلم عبد الله بن سعيد قائد الأعمش عن سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة الخبر الذى ذكرناه فإن الأعمش قد دلس فى الرواية الأولى وأظهر من سمع منه فى الرواية الثانية وذكرنا صورة من التدليس ليعرف بعينه وصورته رغم أن أصحاب الحديث.\n_________\n١ انظر معرفة علوم الحديث ١٠٥.\n٢ أخرجه مسلم السلام ٤/١٧٢٩ ح ٤٩/٢٢٠٤ وأحمد المسند ٣/٤١١ ح ١٤٦٠٩.\n٣ عزاه الحافظ الهيثمي إلى - البزار- وقال: رجاله رجال الصحيح انظر مجمع الزوائد ٤/٦١.\n٤ أخرجه ابن ماجه الصيام ١/٥٣٠ ح ١٦٥٦ وأحمد المسند ٢/٣٣٧ ح ٧٤٤١ ولفظ الحديث عند أحمد.","vol":"1","page":347},{"text":"وأهل الرواية منهم قد ذكروا ستة أنواع من التدليس وقد ذكرها أبو عبد الله الحافظ فى كتاب معرفة علوم الحديث١ وذكرها صورا ولم أذكرها كيلا تطول الكتابة وذكرت مكانها حتى أن رغب إنسان فى علم ذلك عرف موضعه وذكر نوعا من ذلك تغير الأسامى بالكنى والكنى بالأسامى لئلا يعرفوا وقد فعله سفيان الثورى وليس هذا مما يوجب القدح فى الحديث وذكر نوعا من ذلك قول المحدث قال فلان ولم يسمع منه وإنما سمع إنسانا تحدث عنه وهو مثل ما قدمنا من قولهم عن فلان قال وقد دلسوا عن قوم مجهولين وعن قوم مجروحين والمتبحر فى علم الحديث يعرف ذلك وهذا باب يطول ذكره إذا وجد سماعا فى كتاب ولم يذكر أنه سمعه جاز له أن يرويه وهذا قول أبى يوسف وعند محمد وأبى حنيفة لا يجوز له أن يرويه حتى يذكر سماعه ولأهل الحديث خلاف فيه وقد اعتبر من منع ذلك بالشهادة وأما من جوز ذلك قال رواية الأخبار محمولة على الظاهر وحسن الظن وقدم فيها ما لم يسامح فى الشهادة ومن الظاهر أنه إذا رأى سماعه بخط من يوثق به أنه قديم فوجب أن يجوز له الرواية وليعلم الحديثى أن الحسن البصرى لم يسمع من أبى هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمرو ولا من ابن عباس ﵃ شيئا قط وإنما روايته عنهم تدليس والشعبى لم يسمع من عائشة ﵂ ولا من على ولا من ابن مسعود ولا من أسامة ولا من زيد بن ثابت ﵃ وروايته عن هؤلاء تدليس وليعلم أن الأعمش لم يسمع من أنس وأن قتادة لم يسمع من صحابى سوى أنس وأن عامة أحاديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة وأن عامة أحاديث مكحول عن الصحابة حوالة فاعلم أن عامة المحدثين من أهل الحجاز قد صانوا أنفسهم عن التدليس إلا ما ذكرنا عن ابن عيينة وهو كوفى وفد مكة وصار إمام الدنيا فى الحديث وإنما أكثر التدليس وهو من أهل الكوفة وجماعة من أهل الشام وقد كان خيثمة بن بشير كثير التدليس وهو من أهل واسط وأما أهل بغداد والجبال وأهل خراسان وما وراء النهر فلا يذكر من واحد منهم التدليس إلا الشىء اليسير وقد روى عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد عن أبيه قال التدليس ذل وذكر عبدان عن ابن المبارك أنه ذكر رجلا ممن كان يدلس فقال فيه قولا سديدا وأنشد فيه:\nدلس للناس أحاديثه ... والله لا يقبل تدليسا\nهذا كله فى التدليس فى الرواية مع الصدق فى المتون.\n_________\n١ انظرمعرفة علوم الحديث ١٠٥.","vol":"1","page":348},{"text":"وقد قال بعض أصحابنا إذا كان الأغلب على الراوى التدليس لا يقبل خبر ما جهلت حاله فى ذلك حتى يعلم أنه غير مدلس وأن كان الأغلب أنه لا يدلس قبلت روايته فيما جهلت حاله حتى يعلم أنه مدلس وأما من يدلس فى المتون فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وأن كان ملحقا بالكذابين ولم يقبل حديثه.\nوأما تزكية الرواة فقد قال بعضهم لا نقبل إلا شاهدين والذى عليه أكثر الفقهاء المحدثين أنه يثبت عدالة الراوى بتزكية الواحد لأنها تزكية على خبر فكانت كالخبر ويقبل فى هذا تزكية الراوى وتزكية النساء والعبيد كما يقبل روايتهم١.\nفأما قدح الراوى فلا يقبل إلا من شاهدين وإذا روى العدل عن رجل لم تكن روايته عنه تعديلا وزعم بعض أصحاب الحديث أنه يكون تعديلا وليس بصحيح لأنه يجوز أنه إذا سئل عنه بعدله أو بجرحه قال الشعبى حدثنى الحارث الأعور وكان والله كذابا ولأنه لما لم يكن شهادة شهود الفرع على شهود الأصل تعديلا لهم كذلك رواية الراوى لهم.\nفإن قيل أيجوز أن يروى عن غير العدل قلنا يجوز فى المشاهير ولا يجوز فى المناكير وأن عمل الراوى بالخبر كان تعديلا للراوى اللهم إلا أن يعمل بموجب الخبر لا لأجل الخبر ويقبل خبر الأعمى والعبد وأن لم تقبل شهادتهما كما يقبل خبر النساء ولا تقبل شهادتهن ونذكر معه هذا الحديث بالمعنى فإنه شىء يرجع إلى الراوى فنقول.\n_________\n١ اعلم وفقك الله أن الأصوليين قد اختلفوا في مسألة هل يشترط في المزكي العدد على أقوال:\n١- لا يشترط التعدد مطلقا كانت التزكية للرواي أو للشاهد وهولأبي بكر الباقلاني ووجهته في ذلك أن التزكية لم تخرج عن كونها خبرا والخبر يقبل من الواحد.\n٢ - يشترط التعدد مطلقا ووجهة هذاالقول: أن التزكية شهادة بالعدالة والشهادة لا بد فيها من التعدد ولأن العمل بالمتعدد فيه عمل بالأحوط فوجب التعدد لذلك.\n٣ - المختار للإمام الرازي وأتباعه ومنهم البيضاوي أن العدد شرط تزكية الشاهد وليس شرطا في تزكية الراوي ووجهتهم في ذلك أن الشهادة لا يقبل فيها قول الواحد فما كان شرطا فيها وهو التزكية يأخذ حكمها فلا يقبل فيه قولا الواحد كذلك أما الرواية فخبر الواحد فيها مقبول فما كان متعلقا بها يأخذ حكمها فيقبل فيه قوله فمراعاة الأصل في كل واجبة المحصول ٢/٢٠٠ نهاية السول ٣/١٤٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١١٠ روضة الناظر ١٠٤ المستصفى ١/١٦٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٢، ١٢٣.","vol":"1","page":349},{"text":"اختلف أهل العلم فى ذلك فذهب بعض السلف إلى أنه لا يجوز مجاوزة اللفظ ولا يجوز أداء الحديث بالمعنى بحال وهذا مذهب عبد الله بن عمرو وجماعة من التابعين وجماعة من بعدهم واحتج من ذهب إلى هذا بقول ﷺ نضر الله امرءا سمع مقالتى فحفظها ووعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه قالوا: ومعنى الحديث متعلق بلفظه فإذا تغير اللفظ أثر فى المعنى فكان النبى ﷺ أفصح العرب وأحسنها بيانا وقال أوتيت جوامع الكلم فمن يمكنه أن يأتى بلفظ يوازى لفظه ويتضمن ما يتضمنه من المعنى وعن أبى العباس أحمد بن يحيى يغلب أنه كان يذهب هذا المذهب ويقول: أن عامة الألفاظ التى لها نظائر فى اللغة إذا تحققتها وجدت كل لفظة منها مختصة بشىء لا يشاركها صاحبتها فمن رأى العبارة ببعضها عن البعض لم يسلم من الزيغ عن المراد والذهاب عنه.\nوأما عامة أهل العلم فرأوا أن الرواية على المعنى جائزة إذا كان الراوى عالما ما يتعين به المعنى وبذلك جرت عادة أكثر السلف والجمهور من الخلف وكذلك اختلفت ألفاظ الحديث وأن كانت القصة واحدة١ وشبهوا ذلك بالشهادات حيث يصح أداؤها بالمعانى ويعتبر اتفاق الشهود فيه وأن اختلفت ألفاظهم ومما يدل على ذلك رواية الصحابة المناهى عن النبى ﷺ مثل نهيه عن بيعتين فى بيعة ونهيه عن المحاقلة والمزابنة وحبل الحبلى والنجش وبيع حاضر لباد وغير ذلك وكذلك روت الصحابة أن النبى ﷺ قضى باليمين.\n_________\n١ اعلم أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يجوز ذلك بمعنى أنه لا حرمة في ولكن الأفضل نقل الحديث باللفظ الذي سمع من الرسول ﵇ وهذا القول لجمهور العلماء وهو المختار للبيضاوي وشرطوا لذلك شروطا:\n١ - أن يكون الناقل عالما بمدلولات الألفاظ.\n٢ - أن يكون اللفظ الثاني مفيدا لما يفيده الأول من غير زيادة ولا نقصان.\n٣ - أن يكون مساويا للأول في الجلاء والخفاء فإن فقد شرط من ذلك لم يجز النقل إلا باللفظ الأول.\nالقول الثاني: لا يجوز النقل بالمعنى مطلقا بل يحرم وهو قول ابن سيرين وأبي بكر الرازي في الحنفية المعروف بالجصاص.\nالقول الثالث: التفصيل إن كان اللفظ مرادقا للأول جاز وإلا فلا.\nانظر نهاية السول ٣/٢١١ المحصول ٢/٢٣١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٤٦ روضة الناظر ١١١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٧.","vol":"1","page":350},{"text":"على الشاهد١ وقضى بالشفعة فى ما لم يقسم٢ ومعلوم قطعا أن فى هذه الأخبار لم يقصد الرواة ألفاظه ﷺ وإنما حكوا معانى خطابه من غير قصد إلى لفظه بعينه فدل ذلك على جواز النقل عن طريق المعنى دون المحافظة على اللفظ وأما قوله ﷺ فأداها كما سمعها هذا لا يمنع من النقل على المعنى ألا ترى أن الإنسان لا يمنع أن يقول: أديت رسالة فلان إليك كما سمعت وأن كان أداه على المعنى وهذا إذا كان الراوى عالما مميزا يعلم ما يتغير به المعنى ويميز بين اللفظ والمعنى أما إذا لم يمكن كذلك لم يجز له مجاوزة اللفظ وقال بعض أصحابنا كل ما أوجب العلم من ألفاظ الحديث فالمنقول فيه على المعنى ولا مراعاة للفظ فيه وأما الذى يجب العمل به منها ففيه ما لا يجوز الإخلال بلفظ كقوله ﷺ: \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم\" ٣ وكقوله ﷺ: \"خمس يقتلن فى الحل والحرم\" ٤ وما أشبه ذلك والأصح ما ذكرناه وهو الجواز بكل حال والله أعلم.\nونذكر عقب هذا ما يتعلق بقولنا حدثنا وأخبرنا وتقدم أولا ما يتعلق بتحمل الأخبار وسماعها فنقول يتعين صحة التحمل وسماع الخبر صحة التمييز والضبط لما يسمعه حتى يعرف ذلك ويفعله إذا لم يكن بلغ من السن ما يعرف هذا لم يصح سماعه.\nوقد قدر بعضهم أن بلغ خمس سنين بحديث محمود بن الربيع أنه قال عقلت مجة مجها رسول الله ﷺ فى بئر دارنا وكان لى خمس سنين والأصح أن لا يقدر وقد قال بعض الناس يعتبر أن يكون التابع بالغا وليس هذا بشىء فإن إجماع المسلمين ثابت على قبول ما نقله أحداث الصحابة وأن كانوا سمعوه فى صغرهم مثل ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأصغر منهم الحسن بن على ﵃ أجمعين.\nوقد روى عن.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الأقضية ٣/٣٠٧ ح ٣٦١٠ والترمذي الأحكام ٣/٦١٨ ح ١٣٤٣ وقال حديث حسن غريب وابن ماجه الأحكام ٢/٧٩٣ ح ٢٣٦٨.\n٢ أخرجه البخاري الشركة ٥/١٥٩ ح ٢٤٩٦ ومسلم المساقاة ٣/١٢٢٩ ح ١٣٤/١٦٠٨.\n٣ أخرجه أبو داود الطهارة ١/١٦ ح ٦١ والترمذي الطهارة ١/٨ وابن ماجه الطهارة ١/١٠١ ح ٢٧٥ وأحمد المسند ١/١٥٤ ح ١٠١٠ انظر نصب الراية ١/٣٠٧.\n٤ أخرجه البخاري بدء الوحي ٦/٤٠٨ ح ٣٣١٤ ولم يذكر الحل مسلم الحج ٢/٨٥٦ ح ٦٧/١١٩٨.","vol":"1","page":351},{"text":"النبى ﷺ ثم نقول للمستمع أربع أحوال بعضها أقوى من البعض أولها أن يسمع من لفظ المحدث والثانى أن يقرأ على المحدث والثالث أن يكاتبه به المحدث والرابع أن يخبر له المحدث والأول أقوى ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع ونبين خلاف الناس فى ذلك ويجوز أن يكون المحدث أعمى أو أصم وهو يحدث وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول بعد هذا ما يتعلق بتحديث المحدث فنقول إذا حدث المحدث من حفظه أو كتابه فلا خلاف للسامع أن يقول: سمعت فلانا يحدث عن فلان وأن شاء قال حدثنا وأن شاء قال أخبرنا فلان وإذا قرىء على المحدث فأقر به فجائز أن يقول: أخبرنا فلان كما يجوز أن يشهد على الإنسان إذا قرأ عليك الصك وقرره به والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وزعم بعض أصحاب الحديث أنه لايجوز فى هذا أن يقول: حدثنا ولا أخبرنا وإنما يقول قرأ على فلان وأنا أسمع ما قرأ به وأما إذا قرىء عليه فلم يعترف فلا يجوز أن يروى عنه وأن علم أنه حديثه وسماعه١ كما أن الإنسان إذا قرأ على الإنسان وقبل حكايته إقراره بدين أوسع أو نحوه فلم يقر به ولم يعترف بصحته فإنه لا يجوز أن يشهد عليه وقد روى عن أنس بن مالك قال بينما نحن جلوس مع النبى ﷺ إذ جاء رجل فقال يا محمد إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجدن فى نفسك فقال: \"اسأل ما بدا لك\" فقال نشدتك ربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم قال: \"اللهم نعم الخبر\" ٢ إلى آخره واحتج شيخ الصنعة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى بهذا الحديث فى كتاب العلم من الجامع الصحيح فى باب العرض على المحدثين وهو دال على ما قلناه من قبل بأنه إذا قرأ عليه فاعترف به يكون حديثا له وإخبار ويصير كأنه سمع منه وقد قال كثير من المحدثين أن العرض على الراوى سماع قالوا: وصورة العرض أن يكون الراوى حافظا متقنا فقدم المستفيد إليه جزء من حديثه أو أكثر من ذلك فتناوله ويتأمل الراوى حديثه فإذا عرف أنه من حديثه قال للمستفيد قد وقفت على ما ناولتنيه وعرفت الأحاديث كلها وهى رواياتى عن شيوخى فحدث بها حتى يجوز أن يحدث بها عنه وينزل هذا منزلة.\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٢٢١ نهاية السول ٣/١٩٣ إحكام الأحكام ٢/١٤١ روضة الناظر ١٠٧ المستصفى ١/١٦٥ البرهان ١/٦٣٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣١.\n٢ أخرجه البخاري العلم ١/١٧٩ ح ٦٣ ومسلم الإيمان ١/٤١ ح ١٠/١٢.","vol":"1","page":352},{"text":"السماع١ وقد قال بهذا عكرمة والزهرى وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصارى وهشام بن عروة ومالك وعبد العزيز الدراوردى فى جماعة آخرين هؤلاء من أهل المدينة ومن أهل مكة مجاهد بن جبر وأبو الزبير محمد بن مسلم ونافع بن عمر الجمحى وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجى فى جماعة ومن أهل الكوفة علقمة والشعبى وأبو بكر بن أبى موسى والنخعى وحبيب بن أبى ثابت ومنصور بن المعتمر وإسرائيل وزهير بن معاوية فى جماعة ومن أهل البصرة قتادة وأبو العالية وحميد الطويل وداود بن أبى هند وكهمش وسعيد بن أبى عروبة وجرير بن حازم فى آخرين ومن أهل الشام ومصر أيضا جماعة وكل أصحاب مالك ذهبوا إلى هذا منهم عبد الرحمن بن أبى القاسم وأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن وهب وعبد الله بن عبد الحكم وقال ابن أبى أويس سئل مالك عن حديثه أسماع هو أم عرض فقال منه سماع ومنه عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع وقال مطرف بن عبد الله صحبت مالكا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد وسمعته يأتى أشد الآيات على من يقول: لا يجزيه إلا لسماع ويقول: كيف لا يجزيك هذا فى الحديث ويجزيك فى القرآن وأنا أقول لا أدرى ما هذا الذى قاله مالك فى القرآن وكيف يكون العرض على ما قلنا فى التحديث للقرآن وإنما المعروف فى القرآن هو القراءة ولم ير أن فقهاء الإسلام الذين أفتوا فى الحلال والحرام لم يروا العرض سماعا واختلفوا فى القراءة على المحدث هل هو إخبار أم لا٢ فقال الشافعى المطلبى بالحجاز والأوزاعى بالشام والبويطى والمزنى بمصر والنووى وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين بالعراق وعبد الله بن المبارك وإسحاق الحنظلى ويحيى بن يحيى بالمشرق أنه لا يكون العرض سماعا وأما القراءة على المحدث فهو إخبار عند هؤلاء الأئمة والحجة لهم فى ذلك قوله ﷺ: \"نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها\" ٣.\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٢٢٣/٢٢٤ نهاية السول ٣/١٩٦ المستصفى ١/١٦٦ إحكام الأحكام ٢/١٤٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٢.\n٢ انظر المحصول ٢/٢٢٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٤٢ نهاية السول ٣/١٩٤ روضة الناظر ١٠٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣١.\n٣ أخرجه الترمذي العلم ٥/٣٤ ح ٢٦٥٨ وابن ماجه المقدمة ١/٨٦ ح ٢٣٦ والدارمي ١/٨٦ ح ٢٢٨ وأحمد المسند ٤/٩٩ ح ١٦٧٤٣ ولفظ الحديث عند الدارمي وأحمد.","vol":"1","page":353},{"text":"وقال ﷺ: \"تسمعون ويسمع منكم\" ١ قلنا ندب النبى ﷺ إلى سماع قوله وحفظه وأدائه كما سمع دل أن مجرد العرض على ما ذكره لا يكون سماعا والذى عليه أكثر المشاع للحديث أن يقول: فيما يأخذ عن المحدث لفظا ليس معه أحد حدثنى فلان وما يأخذه من المحدث لفظا مع غيره يقول: حدثنا فلان وما قرأ على المحدث بنفسه يقول: أخبرنى فلان وما قرىء على المحدث وهو حاضر يقول: أخبرنا فلان وما عرض على المحدث وأجاز له روايته شفاها يقول: أنبأنى فلان وما كتب إليه المحدث عن فلان ولم يشافهه بالإجازة يقول: كتب إلى فلان وقد قال الشافعى لا تجوز الرواية بالأحاديث على أنه لا يجوز أن يقول: أخبرنا وحدثنا فى العرض الذى قالوه وهو المناولة ولكن يقول: أجاز لى فلان وأنبأنا أجازة أو مناولة والأولى تحرى الصدق فى كل شىء ومجانبة الكذب بما يمكن فهذا جملة ما يقال فى هذا الباب وقد ذكرته بزيادة الشرح لخفاء ذلك على أكثر الفقهاء وغفلتهم عنه واعلم أن الأولى للمحدث أن يروى الخبر بلفظه فإن أراد الرواية بالمعنى ينظر فإن كان ممن لا يعرف معنى الحديث لا يجوز له ذلك لأنه لا يؤمن أن يغير الحديث وأن كان يعرف معنى الحديث ينظر فى ذلك فإن كان ذلك فى خبر محتمل لم يجز أن يؤدى بالمعنى لأنه ربما ينقل بلفظ لا يؤدى مراد النبى ﷺ وأن كان خبرا نصا أو ظاهرا فقد ذكرنا الكلام فى نقله بالمعنى ويجوز أن يؤدى جميع الحديث ويجوز أن يروى بعضه إذا كان له غرض فى ذلك٢ وينبغى لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه من الكتاب وأن كان يحفظه فالأولى أن يرويه من الكتاب وأما إذا لم يحفظ وعنده كتاب فيه سماعه بخطه وهو يذكر سماعه للخبر جاز أن يرويه وأن لم يذكر سماعه فهل يجوز أن يرويه٣ فيه وجهان أحدهما يجوز ويدل عليه قول الشافعى فى الرسالة.\n_________\n١ أخرجه أبو داود العلم ٤/٣٢٠ ح ٣٦٥٩ وأحمد المسند ١/٤١٧ ح ٢٩٥١ والبيهقي في الكبرى ١٠/٤٢٣ ح ٢١١٨٥ والطبراني في الكبير ٢/٧١ ح ١٣٢١.\n٢ نهاية السول ٣/٢٣٠ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٥٩ البرهان ١/٦٥٨ التصريح على التوضيح ٢/١٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٤١.\n٣ قال أبو الحسين البصري في المعتمد أن العلماء اختلفوا في ذلك فعند أبي حنيفة ﵀ لا يجوز أن يرويه ولا يجوز العمل على روايته لأنه لا يجوز أن يقول حدثني فلان وهو لا يعلم أنه حدثه إذا كان ذلك حكما عليه بأنه قد حدثه كما لا يجوز مثله في الشهادة وعند أي يوسف ومحمد والشافعي يجوز له الرواية ويجب العمل عليها حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي على نهاية السول ٣/١٩٦، ١٩٧ انظر المعتمد ٢/١٤٢ المحصول ٢/٢٢٢ التصريح على التوضيح ٢/١٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٤٤ روضة الناظر ١٠٩.","vol":"1","page":354},{"text":"والوجه الثانى أنه لا يجوز وهو الأصح لأنه لا يأمن أن يكون وقف على خطه ولا بد من شيئين فى الرواية من الكتاب أحدهما أن يكون واثقا بكتابه وسواء كان ذلك بخطه أو بغير خطه والثانى أن يكون ذاكرا لوقت سماعه فإن أخل بواحد منهما لم يصح روايته ويقبل رواية المحدث فيما يعود إليه نفعه بخلاف الشهادة لاشتراك الناس فى السنن والديانات وإذا أسند الراوى حديثه إلى رجل فدفعه المحدث عن نفسه وقال لا أذكره فعند أبى الحسن الكرخى وهو قول جماعة المتكلمين لا تقبل رواية الراوى لأنه الأصل فى الرواية فلا تقبل الرواية إذا أنكرها١ وهذا كشاهد الأصل إذا أنكر شهادة الفرع ولأنا إنما نقبل بطريق حسن الظن وإذا أنكر المروى عنه فأين حسن الظن وأما على مذهب الشافعى فلا يقدح هذا فى رواية الراوى لأنه يجوز أنه نسى ما رواه لأن الإنسان قد يحدث الإنسان بحديث فى أمور الدنيا ثم يسهو عنه ويذكر به فلا يذكره إلا بعد زمان طويل وربما لا يذكره أصلا وقد روى ربيعة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة خبر القضاء بالشاهد واليمين ثم نسيه سهيل وكان يقول: حدثنى ربيعة عنى وهو ثقة ولم ينكر عليه فصار إجماعا من السلف وفى الشهادة زيادة احتياط لا توجد فى الرواية بدليل اشتراط التحمل هناك بخلاف الرواية هذا إذا قال لا أذكر أو قال نسيت فأما إذا جحد المروى عنه وكذب بالحديث سقط الحديث هكذا قاله الأصحاب وأقول يجوز أن لا يسقط رواية الراوى لأنه قال ما قال بحسب وإن قال ما رويته أصلا فيعارضه قول الراوى أنه سمع منه وكل واحد منهما ثقة ويجوز أن يكون المروى عنه رواه ثم نسبه فلا يسقط رواية الراوى بعد أن يكون ثقة هذا مع التجويز.\nونذكر الآن مسائل الخلاف.\n[فصل]: ٢ اعلم أن خبر الواحد إذا ثبت وجب العمل به سواء ورد فيما يعم به البلوى أو ورد فيما لا يعم به البلوى وذهب عامة أصحاب الحديث إلى أن خبر الواحد إذا ورد فيما يعم به البلوى لم يجب العمل به وتوقفوا فى خبر المتبايعين بهذا المعنى وكذلك فى إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام وخبر الوضوء من مس الذكر٣ والذى.\n_________\n١ البرهان ١/٦٥٣، ٦٥٤، ٦٥٥ روضة الناظر ١٠٩.\n٢ بياض في الأصل.\n٣ اعلم أن العلماء قد اختلفوا في العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى فذهب جمهور العلماء............=","vol":"1","page":355},{"text":"تعلقوا به هو أن ما عم به البلوى يكثر السؤال عنه وما يكثر السؤال عنه يكثر بيانه وما يكثر بيانه يكثر نقله فحين قل النقل دل أنه لم يثبت فى الأصل ولهذا لم يقبل قول الرافضة فى دعواهم النص على على ﵁ فى الإمامة لأن فرض الإمامة يعم به بلوى الناس فلو كان هذا النص ثابت لنقل نقلا مستفيضا وحين لم ينقل دل أنه غير ثابت قالوا: ولأن الخبر الذى يفيد العلم لا يقبل حتى ينقل على طريق الاستفاضة لعموم البلوى فى العلم المتعلق بالخبر كذلك الخبر الذى يوجب العمل فإذا عمت البلوى به لا يقبل حتى ينقل من طريق الاستفاضة.\nوأما الدليل لنا هو أن الدليل المعتمد فى قبول أخبار الآحاد هو إجماع الصحابة وقد دل هذا الدليل على قبول خبر الآحاد أجمع سواء كان فيما يعم به البلوى أو فى غير ما يعم به البلوى.\nببينة: أن الصحابة اختلفوا فى الأمور العامة ثم صاروا فيها إلى أخبار الآحاد وهذا مثل اختلافهم فى وجوب الغسل بالتقاء الختانين وقد صاروا فى ذلك إلى خبر عائشة ﵂ وقد كان قبل ذلك وجوب الماء من الماء ثم إنهم اجتمعوا عند عمر ﵁ فأرسل إلى عائشة رسولا فانصرف الرسول فأخبرهم عنها بأن النبى ﷺ قال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فصدوا عن قوليهما قائلين بذلك معتقدين له وقد كان هذا من الأمور التى يعم بها البلوى وسأل عمر الناس عن المجوس وأخذ الجزية منهم فأخبره عبد الرحمن بن عوف ﵄ على ما روينا١ فأخذ بذلك وقد كان هذا من الأمور العامة لأنه حكم على أمة من الأمم وجيل عظيم من أجيال الناس وقال ابن عمر ﵄ كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج الخبر٢ وهذا أيضا من الأمور العامة وقد كان عمر ﵁ يقول بالتفاضل فى رءوس الأصابع حينا من الدهر حتى روى له أن النبى ﷺ قال فى كتاب عمرو بن حزم فى كل أصبع عشر من الإبل فرجع عن قوله وتحقق الكلام فنقول من لا.\n_________\n= إلى أنه مقبول كغيره من الأخبار وقال جمهور الحنفية ومنهم الكرخي أنه غير مقبول انظر نهاية السول ٣/١٧٠ حاشية الشيخ محمد بن مخيت المطيعي ٣/١٧٠ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٦٠ روضة الناظر ١١٤ البرهان ٦٦٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٧.\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":356},{"text":"يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى مع اعتقاده أن خبر الواحد يوجب العمل فأما أن لا يقبله لأن الشريعة منعت من قبوله أو لأنه ليس فى الشريعة ما يدل على قبوله أو لأنه لو كان صحيحا لأشاعه النبى ﷺ وبين على وجه متواتر نقله ليصل إلى من تعبد بموجبه على ما ذكروا من قبل قالوا: ولو فعل ذلك لقوى الدين والعادة إلى إشاعة نقله وهذه الأقسام كلها باطلة أما الأول فباطل لأنه لو كان فى الشرع نص منع من قبوله لوجدناه مع البحث المستديم فإن قالوا: أليس قد رد عمر خبر أبى موسى فى الاستئذان.\nورد أبو بكر ﵁ خبر معاذ فى الجدة قلنا كان ذلك نوع احتياط وليس أنهما لو لم يأتيا براوى آخر لم يقبلا وعندكم خبر الاثنين أيضا يعم به البلوى وأما الثانى فباطل أيضا لأنا قد قلنا بالدلائل القطعية على قبول أخبار الآحاد من غير تفصيل وتخصيص وأما الثالث فباطل أيضا وهو الحرف الذى ذكرنا فى حجتهم أنه إذا كان الحكم فيما يعم به البلوى يجب فى الحكم إشاعته فنقول على هذا إذ ما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال فأما إذا لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس فى ذلك تكليف ما لا طريق إليه ولو وجب ما ذكروه فيما يعم به البلوى لوجب فيما لا يعم به البلوى أيضا لأنه وأن كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس فيجب فى الحكم إشاعة حكمه خوفا من أن لا يصل إلى من يعمل به فيصبح فرض عليه فإن قالوا: لا يلزم القول وجوب إشاعته لأنه إنما يكلف المكلف ذلك الحكم بشرط وصوله إليه وأن لم يصل إليه لم يكن مكلفا قلنا أن جاز هذا فى الآحاد من الناس جاز فى جماعتهم وعلى أن وجوب الوتر يعم به البلوى ولم يتواتر بوجوبه قال أبو الحسن الكرخى قد تواتر النقل بفعله قلنا هذا لا يعصمكم من المناقضة لأن الفعل يعم به البلوى والوجوب أيضا يعم به البلوى ولم يتواتر به النقل جواب آخر أن الحكم وأن عم به البلوى فليس هو بشىء وقعت واقعته فى الحال لكل أحد فى نفسه وذاته بل غاية ما فى الباب توهم وقوعه وإذا لم يكن إلا محض التوهم فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم لأن حكمه وأن نقله الواحد والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود فيكفى ذلك لأنه إذا أمكنه الوصول فليس يضيع الحكم وأما مسألة الإمامة قلنا وجود الإمام للإنسان فرض على كل إنسان وواقعته فى الحال لأنه لا بد لكل أحد من إمامة ترجع إليه فلو كان النص الذى ادعوه فى على ﵁ ثابتا وقد شاع النبى ﷺ ذلك فإنهم يدعونه كذلك ويقولون أنه ﷺ أشاع العهد فى الإمامة يوم غدير.","vol":"1","page":357},{"text":"خم ولا يتصور أن يشيع ذلك ثم يجمع الجم الغفير والجماعة العظيمة على كلماته وقد قالوا: أن غدير خم لم يعرف فى العالم وكيف يفعل الرسول ﷺ فى هذا الموضع مثل هذا الفعل وينصب للناس عليا يرجعون إليه ثم يشتبه على الناس موضع ذلك حتى لا يعرف أحد وأما ما تعلقوا به من الخبر الموجب للعلم فقد ذكرنا أنه بأى معنى لا يوجب الخبر الواحد وإذا ما لم يكن الخبر الواحد طريقا إلى إفادة العلم بوجه ما بالمعنى الذى بينا وكان طريقا لإيجاب العمل سقط سؤالهم.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>فصل: الخبر إذا صح وثبت من طريق النقل وجب الحكم به وأن كان مخالفا لمعانى أصول سائر الأحكام</span>.\nوقد حكى عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل وهذا القول بإطلاقه سمح مستقبح عظيم وإنما أجل منزلة تلك عن مثل هذا القول وليس يدرى ثبوت هذا منه وقال أبو الحسين البصرى لا خلاف فى العلة المنصوص عليها وإنما الخلاف فى العلة المستنبطة قال والقياس لا يخلو أما أن يكون حكمه فى الأصل ثابتا بخبر الواحد أو بنص مقطوع به فإن كان الأصل ثابتا بخبر فلا يجوز أن يكون القياس معارضا لخبر الواحد بل الأخذ بالخبر يكون أولى على قول الكل وأما إذا كان الحكم ثابتا فى الأصل بدليل مقطوع به والخبر المعارض للقياس خبر واحد فينبغى أن يكون الناس إنما اختلفوا فى هذا الموضع وأن كان الأصوليون ذكروا الخلاف مطلقا وقال في هذه الصورة التى ذكرها فعند الشافعى أن الأخذ بالخبر أولى وهو قول أبى الحسن الكرخى وقال عيسى بن أبان أن كان راوى الخبر ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه وجب قبول خبره وترك القياس به وأن كان الراوى خلاف ذلك كان موضع الاجتهاد وذكر أن من الصحابة من رد حديث أبى هريرة بالاجتهاد وحكى عن مالك ما ذكرنا وأما أبو زيد فإنه قال إذا كان الراوى فقيها فيجب قبول خبره الذى رواه وترك القياس به بكل حال وأما إذا كان عدلا ولكن لم يكن فقيها مثل أبى هريرة وعمار وجابر وأنس وأمثال هؤلاء فإذا خالف القياس لم يجب قبول خبره١ واحتج المخالفون فى هذه المسألة أما من قدم القياس قال إن.\n_________\n١ اعلم أن محل النزاع في هذه المسألة إذا لم يمكن تخصيص أحدهما بالآخر وللعلماء فيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أن يقدم خبر الواحد على القياس وهو لجمهور العلماء منه الشافعي وأبو حنيفة ومالك والبيضاوي...........=","vol":"1","page":358},{"text":"القياس أثبت من الخبر لجواز الكذب والخطأ على الراوى ومثل هذا لا يوجد فى القياس فكان القياس مقدما عليه ولأن القياس يخص عموم الكتاب فلأن يترك به خبر الواحد أولى لأن خبر الواحد أصوب من عموم الكتاب وقد قال بعضهم أن القياس لا يحتمل تخصيصا بل لا يجوز تخصيصه وأما الخبر الواحد يحتمل التخصيص وكان غير المحتمل أولى من المحتمل وقد قال أصحاب أبى حنيفة فى تقديم الأصول على الخبر الواحد بأن الأصول مقطوع بها والقياس غير مقطوع به وكان الدليل المقطوع به أولى من الدليل المظنون واحتج من قدم خبر الواحد على القياس بإجماع الصحابة فإنهم كانوا يتركون أحكامهم بالقياس إذا سمعوا الخبر الواحد وروى أن أبا بكر ﵁ نقض حكما حكم به برأيه بحديث سمعه من بلال وترك عمر رأيه فى الجنين وفى دية الأصابع بالحديث الذى نقل له وكذلك ترك رأيه فى ترك توريث المرأة من دية زوجها بالحديث الذى رواه الضحاك بن سفيان وترك ابن عمر رأيه فى المزارعة بالحديث الذى سمعه من رافع بن خديج ونقض عمر بن عبد العزيز ما حكم به من رد الغلة على البائع عند الرد بالعيب بالخبر الذى روى له أن الخراج بالضمان وهذا شىء معروف منهم وعن بعض المشاهير من الصحابة لقد كدنا نقضى برأينا وفيه خبر عن رسول الله فإن قيل أليس أن ابن عباس قال لأبى هريرة حين روى عن النبى ﷺ: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدرى أين باتت يده\" ١ فقال ابن عباس فما تصنع بالمهراس والمهراس حجر عظيم كانوا يجعلون فيه الماء ويتوضئون منه قلنا من قال له أبو هريرة يا ابن أخى إذا حدثتك الحديث فلا تضربن له الأمثال ولأن ابن عباس إنما أخبره عن عجزه عن استعمال الحديث لأنه رد الحديث فسقط السؤال ولأن الخبر الواحد أصل القياس وأن القياس الذى يعارض الخبر أصله الخبر أما المتواتر والآحاد فإن قالوا: نحن إنما نقدم القياس على الخبر الواحد إذا كان القياس قائما على دليل قاطع والجواب أن هذا التفصيل لم يعرف من المخالف فى هذه المسألة إنما هذا.\n_________\n= الثاني: يقدم القياس على خبر الواحد ونسب هذا القول لمالك.\nالثالث: الوقف بمعنى أنه لا يعمل بواحد منهما حتى يقوم العمل على ترجيحه وهو لأبي بكر الباقلاني انظر نهاية السول ٣/١٦٤، ١٦٥ المحصول ٢/٢١١، ٢١٣، ٢١٤ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٦٩ حاشية الشيخ محمد مخيت المطيعي ٣/١٦٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٤.\n١ أخرجه البخاري الوضوء ١/٣١٦ ح ١٦٢ ومسلم الطهارة ١/٢٣٣ ح ٨٧/٢٧٨.","vol":"1","page":359},{"text":"شىء ذكره أبو الحسين البصرى ولم يعرف له متقدم وعلى أنا بينا أن خبر الواحد فى العمل منزلة الخبر المتواتر لأنه يوجب العمل بدليل مقطوع به فإذا كان الخبر المتواتر فى العمل مقدما على القياس فكذلك الخبر الواحد يكون كذلك أيضا وهذا لأن الخبر إذا ثبت يصير مقتضاه كأنه سمع من النبى ﷺ وإذا صار كذلك لم يكن بد من تقديمه على القياس وهم يقولون على هذا إنما يجرى مجرى ما سمع من النبى ﷺ فى وجوب العمل وكذلك القياس وقد قال بعض أصحابنا أن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى قول النبى ﷺ بلا واسطة وإثباته بالقياس مستند إلى قوله بواسطة فكان إثباته بالخبر أولى وهم يقولون على هذا أنه وأن كان لا يتأتى الحكم بالخبر هذه المزية فإن لإثبات الحكم بالقياس مزية أخرى وهى استناده إلى أصل معلوم بدليل قطعى قالوا: وكما أن العمل بخبر الواحد مستند إلى أصل معلوم وهو ما دل على وجوب العمل بخبر الواحد فكذلك الحكم بالقياس مستند إلى ما دل على العمل بالقياس وهو معلوم وكما أن العمل بالقياس مفتقر إلى الاجتهاد فى الإمارة فالحكم بالخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد فى أحوال المخبرين فهما متساويان فى هذه الجهة وهذا من أقوى ما يحتج به المخالف غير أن هذا الدليل موجب التعارض بين خبر الواحد والقياس وأن يكون الأمر فى تقديم أحدهما على الآخر مردود إلى القياس والمعتمد لنا هو الدليل من إجماع الصحابة والدليل لا بأس به على حسب ما ذكرناه وأما قولهم أن السهو والغلط له مدخل فى الخبر جواز ذلك كجواز كون الحكم غيره متعلق بالإمارة فى القياس وأن كان الأغلب صدق الراوى وتعلق الحكم بالإمارة وأما قولهم أنه يخص عموم الكتاب بالقياس قلنا إذا خصصنا العموم بالقياس لم نكن تاركين للعموم أصلا بالقياس وليس كذلك فى مسألتنا لأنه يؤدى إلى ترك الخبر أصلا بالقياس وأما قولهم أن الخبر محتمل قابل للتخصيص والقياس بخلاف ذلك قلنا الكلام فى خبر نص يرد ويخالفه القياس وفى هذه الصورة لا احتمال واعلم أنه قد قال بعض الأصوليين ينبغى أن يضاف إلى الاجتهاد إذا تعارض الخبر الواحد والقياس على الأصول المقطوع بها وهذا ليس بصحيح لأنا بينا معتمدنا إجماع الصحابة وعلى أن الترجيح للخبر بالدليل الثانى الذى قد بيناه ويمكن أن يقال أيضا أن دلالة الألفاظ لا تستنبط من غيرها وأما القياس فهو مستنبط من الألفاظ وكانت أقوى فى الدلالة إلى هذا الموضع انتهت هذه المسألة وهى مع مالك بن أنس ومن تابعه أن ثبت وأما الكلام مع أصحاب أبى حنيفة فإنهم قد زعموا أن الخبر.","vol":"1","page":360},{"text":"الواحد مفهوم على القياس وقد نص عليه أبو حنيفة فى كتاب الصوم وغيره ولكنهم زعموا أن الخبر الواحد إذا خالف الأصول لم تقبل وزعموا أن خبر القرعة وخبر المصراة خالف الأصول وكذلك خبر الشاهد واليمين وزعموا أن خبر القهقهة وخبر الوضوء بنبيذ التمر خالف القياس فإنا نقول نعوذ بالله من الطمع الكاذب وأى مخالفة للأصول فى هذه المسائل التى قالوها وهل ورد أصل مقطوع به فى صورة مسألة القرعة أو صورة مسألة المصراة أو صورة مسألة الشاهد واليمين بخلاف مواجب الأخبار الواردة فى هذه المسائل وإنما غاية قولهم أن قياس هذه الحادثة على أمثالها يقتضى أن يكون الحكم كذا وهو أن يكون الحكم على خلاف ما ورد به الخبر هل هذا إلا رد الخبر بمحض القياس ونقول أن الحديث إذا ثبت صار أصلا فى نفسه إلا أنه ربما لا يكون له من حديث المعنى يظهر فى سائر أصول الشرع وعدم النظير لا يبطل حكم الشىء وإنما يبطله عدم الدليل وإنما صارت الأصول أصولا لقيام الدلالة على صحتها وثبوتها فإذا ثبت الخبر صار أصلا مثل سائر الأصول فلو وجب تركه لسائر الأصول لوجب ترك سائر الأصول به فإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر وعلى أنهم قد استعملوا فى مذهبهم من هذا ما أنكروه من مذهبنا وهو قولهم الخبر فى الوضوء بنبيذ التمر وفى إيجاب الوضوء بالقهقهة وأما الذى قالوا: أن ذلك الخبر مخالف للقياس فى هذا مخالف الأصول تمنى باطل لأن دعوى خلاف الأصول فى المسائل التى ذكروها لا يصح إلا من حيث المعنى وهو محض القياس والعجب أنه كيف صار القول واجبا بهذه الأخبار التى ذكروها أعنى فى القهقهة والوضوء بنبيذ التمر وما أشبه ذلك مع ضعف أسانيدها وبطل القول بالأخبار الصحيحة فى مسألة المصراة والشاهد واليمين والعرايا والقرعة وما أشبه ذلك فهل هذا لا تحكم فى الدين واختيار قول غير أولى بأهل العلم وذوى العقول يدل على ما بينا أن أصل الأصول وأقواها هو الكتاب وقد بين الله تعالى ما حرم من النساء وعدده تعديدا ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فلم يمتنع علماء السلف والخلف من قبول الخبر فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وأن كان الظاهر أنه مخالف الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ فقبلنا نحن الخبر وكذلك أهل العراق فى تحريم كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وقبل عمر ﵁ حديث حمل بن مالك بن النابغة فى الجنين وقضى به وقال لو لم ينسخ هذا لقضينا فيه بغيره فقبل الحديث وأن كان مخالفا.","vol":"1","page":361},{"text":"لما غفله من معانى الأصول وذلك المعنى فى الأصول هو أن النبى ﷺ أوجب فى النفس مائة من الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حيا فيكون جنينا من الإبل أو يكون ميتا فلا يكون فيه شىء إلا أنه لما بلغه الخبر عن رسول الله ﷺ رآه أصلا فى نفسه فقبله ولم يضرب به سائر الأصول وقبل أيضا خبر الضحاك بن سفيان الكلابى فى توريث المرأة من دية زوجها وقد كان يرى خلاف ذلك تمسكا بظاهر القرآن وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ظاهره يقتضى أنها إنما ترث ما كان ملكه الزوج والزوج لم يملك الدية قط لأنها وجبت بموته وهذه دلائل بينة على خلاف ما قالوه وقد ذكر أبو زيد فى أصوله أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم ويحكى على ما ذكروه وقد قال هم أربعة أقسام أما المشهورون فنحو الخلفاء الراشدين والعبادلة وأما المجهولون فنحو معقل بن يسار وسلمة بن المحنق ووابصة بن معبد وسائر الأعراب الذين لم يعرفوا إلا بما رووا ثم المخبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح فإذا خالف نظر فإن كان الراوى من أهل الفقه والرأى والاجتهاد رد القياس بخبره وأن لم يكن من أهل الفقه والرأى رد خبره بالقياس أما الأول فلأن الخبر أولى فى الجملة من القياس لأن الخبر فى الأصل حجة يقينا وإنما وقع الإسناد فى نقل الناقل والرأى فى أصله إشكال فى حق الإصابة ولأن شبهة الرأى من حيث أنه لعلة لم يبلغ حيث كان الحق وشبهة الراويه من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان فيكون لا بحالة لعارض وكان دون الأول قال وقد اشتهر من الصحابة ترك الرأى بالجهر وذكر بعض ما ذكرنا قال وأما الراوى الذى ليس من أهل الفقه فذكر أنه قد ثبت ثبوتا ظاهرا الرد على أبى هريرة بالقياس وكان هو من المشهورين المعدلين إلا أنه لم يكن فقيها روى أبو هريرة الوضوء عما مسته النار فقال ابن عباس ألسنا نتوضأ بالحميم فرد بالقياس ولم يشتغل بالسند وقال أبو هريرة وأن كان قال يا ابن أخ إذا رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال فهو لا يكون فى مقابلة ابن عباس ﵃ وقد كان عمر ﵁ يستشير فى أحكام الحوادث وكان يقول له: غص يا غواص شنشذة أعرفها من أحزم وهذا مثل تمثل به العرب يشبه الولد بوالده قال وروى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة١ فقرأت عائشة: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقالت عائشة ﵂ فيه إلا تعجبون من هذا وكثرة حديثه عن النبى ﷺ كان النبى ﷺ يحدث حديثا لو عده عاد لأحصاه وقال إبراهيم.\n_________\n١ أخرجه أبو داود العتق ٤/٢٨ ح ٣٠٦٣ وأحمد المسند ٢/٤١٦ ح ٨١١٨.","vol":"1","page":362},{"text":"النخعى كانوا يأخذون من حديث أبى هريرة ويدعون قال فدل ما قلناه أن العدل ترد روايته بالقياس إذا لم يكن فقيها لأن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد عدالته وكثرة صحته ومع ذلك رد حديثه بالقياس لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الحديث بالمعنى فلما ظهر ذلك منهم احتمل كل حديث أن يكون الراوى نقل بما فقه من المعنى فإذا لم يكن فقيها صار متهما بالغلط لما خالف لفظه معنى القياس الصحيح فالتحق برواية الصبى والمغفل فيرد وأما إذا كان الراوى فقيها لم يتهم وعلم أنه ما نقل ما يخالف القياس إلا عن معرفة صحيحة وهذا لأنه عالم بالرأى وطريقه فلا يظن به تركه إلا بنص محكم قال ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة وحديث العرايا لأنه لم يروهما فقيه وإذا ثبت ما قلنا فى رواية أبى هريرة فمن لم يبلغه فى المنزلة شهرة وصحة بما قلنا إلا أن يكون حديثا عمل به السلف وقد كانوا أهل فقه وتقوى فيدل قبولهم الخبر على علمهم بصحته من طريق آخر.\nقال وأما المجهول من الصحابة ﵃ أجمعين فخبره حجة أن عمل به السلف وكذلك أن سكتوا عن الرد وقد ظهر ذلك الخبر فيما بينهم وأما قبل الظهور فيعمل به أن وافق القياس ولا يعمل به أن خالف القياس لأنه فى الرتبة دون أبى هريرة بكثير وقال محتمل أن يقال أن خبر المشهور الذى ليس بفقيه حجة ما لم يخالف القياس وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين الذى ظهرت عدالته والذى لم تظهر ليكون رد العدل يعارض تهمة وقبول قول غير العدل يعارض دليل وذكر قول عمر ﵁ فى خبر فاطمة بنت قيس ذكرت ما قاله فى هذا الفصل على اختصار وتركت بعض قوله وهذا الرجل قد بنى كلامه فى هذا الفصل على التصرف فى الصحابة والإبهام ببعض الطعن على طائفة منهم ومن بعضهم بعدم العدالة ووسم طائفة منهم بكونهم مجهولين وهذا الذى قاله جرأة عظيمة ولا أدرى كيف وقع الأغضاء عنه والمدامجة فى حقه فى برار أهل السنة وجميع الصحابة قد عدلهم الله تعالى فى آى كثيرة من كتابه فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ والمراد من الذين اتبعوهم بإحسان من مسلمى الفتح ومن أسلم من أهل البوادى والأعراب وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] الآية.","vol":"1","page":363},{"text":"وكذلك وردت أخبار كثيرة فى فضل الصحابة وقال ﷺ: \"لا تذكروا أصحابى إلا بخير فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\" ١ والروايات فى جنس هذا تكثر وأما أبو هريرة ﵁ لقد كان من المهاجرين من علية أصحاب رسول الله ﷺ وفضائله كثيرة وحسب السامع ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"اللهم حبب عبدك أبا هريرة إلى عبادك المؤمنين\" ٢ وقد كان دعا له بالحفظ واستجاب الله تعالى فيه ذلك حتى انتشر فى العالم ذكره وحديثه وقال إسحاق الحنظلى ثبت عندنا فى الأحكام ثلاثة ألف حديث روى أبو هريرة ﵁ منها ألف وخمسمائة وقال البخارى روى عنه سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وقد روى جماعة من الصحابة ﵃ عنه وقد كان ابن عباس ﵁ يأخذ الحديث عنه وعن أمثاله لأنه كان صبيا فى عهد النبى ﷺ وخبر الوضوء مما مست النار٣ منسوخ وقول ابن عباس ما قاله كان من طريق بينه أنه منسوخ وأما عائشة ﵂ فإنها كانت تنكر عليه سرده الحديث سردا وما كانت تتهمه بالكذب ومعاذ الله أن يظن ذلك بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ وقد كان الزبير وجماعة ينكرون كثرة الرواية عن النبى ﷺ مخافة السهو والغلط وقد ورد أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وجماعة لكثرتهم الرواية عن النبى ﷺ وقيل أنه طعن وتوفى وهم فى حبسه ثم أطلقوا وقولهم أن أبا هريرة ﵁ لم يكن فقيها قلنا لا بل كان فقيها ولم يعدم شيئا من آلات الاجتهاد وقد كان يفتى فى زمان الصحابة ﵃ وما كان يفتى فى ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد وعلى أنه أن لم يكن من المعروفين بالفقه فقد كان معروفا بالضبط والحفظ والتقوى ولم يقل أحد من الأئمة أن الفقه فى الراوى شرطا.\n_________\n١ أخرجه البخاري فضائل الصحابة ٧/٢٥ ح ٣٦٧٣ ومسلم فضائل الصحابة ٤/١٩٦٧ ح ٢٢١/٢٥٤٠ بلفظ \"لا تسبوا أصحابي\".\n٢ أخرجه مسلم فضائل الصحابة ٤/١٩٣٨ ح ١٥٨/٢٤٩١ وأحمد المسند ٢/٤٢٨ ح ٨٢٧٩.\n٣ قال أكثر أهل العلم لا وضوء فيما مسته النار وروى ذلك عن الخلفاء الراشدين وأبي بن كعب وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي الدرداء وأبي إمامة وعامة الفقهاء وذهب جماعة من السلف إلى إيجاب الوضوء مما غيرت النار منهم ابن عمر وزيد بن ثابت وأبو طلحة وابو موسى وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز وأبو مجلز وأبو قلابة والحسن والزهري انطر المغني لابن قدامة ١/١٨٤.","vol":"1","page":364},{"text":"لقبول روايته.\nببينة: أنه لما لم يشترط فى الشهادة مع أن الاحتياط فيها أكثر والاستقصاء فيها أشد فكيف يعتبر فى الرواية وقد جرى فيها من المساهلة ما لم يجر فى الشهادة.\nوقولهم إنهم كانوا ينقلون بالمعنى قلنا وكيف يخفى معنى الحديث على مثل أبى هريرة ودونه وقد كانت الأخبار جاءت بلسانهم التى عرفوها وعرفوا عليها فعله باللسان يمنع من اشتباه المعنى وعدالته وتقواه دافع لتهمة المزيد والنقصان عليه وأن قال يجوز أن يغلط فهذا أمر مثله موجود فى الفقيه وغير الفقيه وموجود فى الشهادات ومع ذلك لم يلتفت إليه فدل ما ذكرناه أن ما قاله هذا الرجل باطل.\nوعندى أن من قال أن خبر الواحد على الجملة لا يقدم على القياس أعذر ممن قال مثل هذه المقالة التى مرجعها إلى التصرف فى الصحابة وتطريق الناس للطعن عليهم والغمز فيهم ونسأل الله تعالى العصمة من مثل هذه المقالة الوحشة والعجب أنه يذكر فى أبى هريرة ﵁ ما يذكر وقد نص صاحبهم أنه ترك القياس فيما إذا أفطر ناسيا وراوى ذلك الخبر أبو هريرة ﵁ فقد خالف صاحبه والذى يعتنى كل هذا الاعتناء للذب عن مذهبه وأما حديث عمر ﵁ فى فاطمة بنت قيس فالمراد بذلك فى السكنى وقد ذكرنا فى الخلافيات الفروع والله أعلم.\nمسألة: لا يجب عرض الخبر على الكتاب ولا حاجة بالمخبر إلى إجازة الكتاب.\nوذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يجب عرضه على الكتاب١ فإن لم يكن فى الكتاب ما يدل على خلافه قبل وإلا فيرد وذهب إلى هذا كثير من المتكلمين.\nوقال أبو زيد فى أصوله خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة العرض على كتاب الله ورواجه بموافقته وزيافته بمخالفة ثم على السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهى السنة التى ثبتت بطريق الاستفاضة ثم العرض على الحادثة فإن كانت الحادثة مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذا كان ذلك زيافة فيه وكذلك أن كان حكم الحادثة بما اختلفت بين السلف اختلافا ظاهرا ولم ينقل عنهم المحاججة بالحديث كان عدم الحجاج زيافة فيه وقال أما الأول فكما روى عن النبى ﷺ قال: \"كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وأن كان.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٣/١٧٣ المحصول ٢/٢١٥ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/١٧٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٩.","vol":"1","page":365},{"text":"مائة شرط\" ١ أى كان حكمه بخلاف ما فى كتاب الله ﷿ وروى عن النبى ﷺ أنه قال: \"إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه\"٢ وأن كتاب الله تعالى ثابت بيننا وغير الواحد ثابت ثبوتا فيه شبهة وكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد اليقين به قال وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على المجاز وهذا لأن العام عندنا بوجوب العلم بعمومه يقينا كالخاص ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقينا ومتن خبر الواحد فيه شبهة قال وأن كان معنى المتن لا شبهة فيه يعنى به الخبر لواحد وفى متن الكتاب شبهة لاحتماله الخصوص وكان متن الكتاب بقوة بثبوته أولى من ترجيح غير الواحد بقوة ثبوته لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولى ثم إذا استويا فى جهة المعنى وجه قولهم فى هذا أن خبر الواحد يقتضى الظن وعموم الكتاب يقتضى القطع ولا يجوز العدول عما يقتضى القطع إلى ما يقتضى الظن واستدلوا أيضا بالنسخ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد كذلك تخصيصه أيضا لا يجوز لأن كل واحد منهما عدول إلى مظنون غير معلوم وكذلك السنة الثابتة بالتواتر والاستفاضة أو الإجماع لأن هذه الأشياء فى إفادة العلم بمنزلة الكتاب.\nقال أبو زيد ففى هذا الانتقال علم كثير وصيانة للدين بليغة فأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد وقبوله اعتقادا أو عملا بلا عرض له على الكتاب والسنة الثابتة ثم تأويل الكتاب لموافقة خبر الواحد وجعل المتبوع تبعا وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينا فيصير الأساس علما بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد لأن هذا الرجل إنما رد خبر الواحد بشبهة الكذب وتمسك بقياس أو استصحاب حال وأما هذا الآخر جعل خبر الواحد أصلا وعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم به يقينا فكان القول الوسط العدل أن يجعل كتاب الله تعالى أصلا فهو الثابت يقينا وخبر الواحد مرتبا عليه يعمل به على.\n_________\n١ أخرجه النسائي الطلاق ٦/١٣٤ باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك وابن ماجه العتق ٢/٨٤٢ وأحمد المسند ٦/٢٠٥ ح ٢٥٥٥٨ وأخرجه البخاري الكتاب ٥/٢٢٥ ح ٢٥٦٣ بلفظ \"أيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط\" ومسلم العتق ٢/١١٤١ ح ٦/١٥٠٤ بلفظ \"من اشترط شرطا..\".\n٢ قال الحافظ العجلوني هو موضوع انظر كشف الخفاء للحافظ العجلوني ١/٨٩ - ٩٠ ح ٢٢٠.","vol":"1","page":366},{"text":"موافقته ويرد إذا خالفه ثم القياس بعده مرتبا عليه يعمل به على موافقته ويصار إليه إذا لم يوجد فى الكتاب والسنة وذلك الحكم الثابت بالقياس على خلافه فأما إذا وجد فى الكتاب والسنة على خلافه فيرد وضرب أمثلة لهذا الذى ادعاه منها القضاء بشاهد ويمين.\nومنها مسألة الرطب بالتمر فإن الخبر فى الأول ورد مخالفا لكتاب الله تعالى والخبر الثانى ورد مخالفا للسنة المتواترة وهو قوله ﵇ التمر بالتمر مثلا بمثل والفضل ربا١ وذكر فى المسألة الأولى كلامهم المعروف فى مسألة الشاهد واليمين وذكر فى مسألة بيع الرطب بالتمر حرفا زائدا وقال قوله مثلا بمثل للإباحة وقوله والفضل ربا إشارة إلى فضل معتاد المماثلة المذكورة لا محالة وعليه الإجماع وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلا لتوهم حدوثه بمعنى طارىء وهو الجفاف وهذا الفضل لا يعتاد المماثلة المبيحة فى الأمثل لأن المماثلة المبيحة فى الأصل هى المماثلة عند العقد وهذا الحديث يقتضى تحريم البيع مع قيام المماثلة فيكون التحريم مع المماثلة خلافا للخبر ولأنه يقتضى ضم مماثلة أخرى إلى المماثلة التى اقتضاها الخبر الأول فيكون إثبات زيادة مماثلة فيقتضى النسخ وذكر خبر فاطمة بنت قيس وقول عمر ﵁ فى ذلك وذكر فى الحادثة التى يعم بها البلوى ما ذكرنا من قبل قال ولهذا لا يقبل قول الواحد فى رؤية هلال رمضان إذا كانت السماء مصحية لأن الناس لما شاركوه فى النظر والمنظر والأعين كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجا عن العادة فأوجب تهمة فى خبره كذلك فى الحادثة التى يعم بها البلوى فقد دفعت الحاجة إلى معرفة حكمها وما كانوا يعملون بالرأى مع النص وكانت عنايتهم فى طلب الحجة أشد من عنايتنا فلو كان النص ثابتا لاشتهر لديهم مثل اشتهار الحادثة وحكمها فلما لم يشتهر أوجب تفرد الواحد بالرؤية تهمة وذكر على هذا الوضوء من مس الذكر ومن حمل الجنازة وخبر الوضوء مما مست النار قال وكذلك الحادثة التى ظهر فيها الخلاف بين السلف ولم تجر المحاجة بالخبر فيدل إعراضهم عن المحاجة بالخبر باطل على عدم ثبوته فإنه لو كان ثابتا مما يحل الإعراض فى المحاجة به ولو وقعت المحاجة به لظهر ولنقل الرجوع عن المخالفة إليه مما هو عادة المتدينين فلما لم يظهر المحاجة بالخبر دل أن الخبر غير ثابت وبيان هذا فى اختلاف الصحابة ﵃ فى زكاة مال الصبى ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال.\n_________\n١ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٠٨ ح ٢١٣٤ ومسلم المساقاة ٣/١٢٠٩ ح ٧٩/١٥٨٦ والدارمي البيوع ٢/٣٣٥ ح ٢٥٧٨ واللفظ له.","vol":"1","page":367},{"text":"\"ابتغوا فى أموال اليتامى كيلا تأكله الصدقة\" ١ فإنه لم يرو عنهم المحاجة بهذا الخبر دل أنه غير ثابت وكذلك اختلاف الصحابة فى عدد الطلاق أنها بالرجال أو بالنساء ورويتم أنه ﵇ قال: \"الطلاق بالرجال\" ٢ ولم يجزم بحاجة فثبت أنه مخترع موضوع هذا آخر ما ذكره أبو زيد وسمى هذا الباب باب الانتقاد للخبر الواحد أما الدليل على صحة ما ذكرنا من أن الخبر إذا ثبت لا يجب عرضه على الكتاب لقبوله وكان تخصيص عموم الكتاب به جائز نقول قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] فأخبر الله تعالى أن مصدر الخبر عن الوحى كما أن مصدر الكتاب عن الوحى وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال ﷾: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فأمر باتباع سنن الرسول كما أمر باتباع آى كتاب وإذا كان كذلك وجب قبول ما ثبت عنه ولم يجز التوقف عنه إلى أن يعرض على الكتاب وهذا لأنه حجة فى نفسه فلا يجب عرضه على حجة أخرى حتى يوافقها أو يخالفها وقد قال الشافعى ﵀ لا يجب عرضه على الكتاب لأنه لا يتكامل شرائطه إلا وهو غير مخالف للكتاب فإن قالوا: فما قولكم إذا خالف قلنا أنتم تتوهمون أنه مخالف ولا مخالفة وقد ضربتم أمثلة فى تلك المسائل لا مخالفة بين الكتاب والسنة وقد أجبنا عما قالوه فى مسائل الخلافيات للفروع وخبر القضاء بالشاهد واليمين لا يمسه الكتاب ولا هو يمس الكتاب وكل واحد منهما فى شىء آخر دون صاحبه وكذلك خبر سعد بن أبى وقاص فى بيع الرطب بالتمر لا يخالف الخبر المشهور الوارد فى الربا لأن هذا الخبر الخاص يدل على اعتبار المماثلة فى هذا الموضع الخاص حاله الجفاف أعدل الحالين وإذا بينا المماثلة على حالة الجفاف بين عدم المماثلة عند العقد وقد قررنا ما فى كتاب الاصطلام ذلك وأما الخبر الذى يروون من الأمر بعرض السنة على الكتاب فهو خبر رواه يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان ويزيد بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبى الأشعث وإنما يروى أبى الأشعث عن أبى أسماء الرحبى عن ثوبان فالحديث منقطع وفيه رجل مجهول وحكى الساجى عن يحيى.\n_________\n١ أخرجه مالك في الموطأ الزكاة ١/٢٥١ ح ١٢ والطبراني في الأوسط ٤/٢٦٤ ح ٤١٥٢ بلفظ \" اتجروا في مال اليتامى..\" انظر نصب الراية ٢/٣٣٢ انظر تلخيص الحبير ٢/١٦٧ ح ٧.\n٢ أخرجه البخاري الفتن ١٣/٧ ح ٧٠٥٦ ومسلم الإمارة ٣/١٤٧٠ ح ٤١/١٧٠٩.","vol":"1","page":368},{"text":"ابن معين أنه قال هذا حديث باطل وضعته الزنادقة ويحيى بن معين أبو زكريا هو علم هذه الأمة فى علم الحديث وتركته الرواة وهو الطود المنيع وهو الذى كان ينفى الكذب عن رسول الله ﷺ وحين توفى بالمدينة وحمل على نعش النبى ﷺ وكان رجل يمشى قدام الجنازة ويقول: هذا الذى ينفى الكذب عن رسول الله ﷺ ويحفظ سنته وأخباره والعجب من هذا الرجل أنه جعل هذا الباب باب نقد الأحاديث ومتى سلم له ولأمثاله بنقد الأحاديث وإنما نقد الحديث لا يعرف الرجال وأحوال الرواة ووقفت على كل واحد منهم حتى لا يشذ عنه شىء من أحواله التى يحتاج إليها ويعرف زمانه وتاريخ حياته ووفاته ومن روى هو عنه ومن صحب من الشيوخ وأدركهم ثم يعرف تقواه وتورعه فى نفسه وضبطه لما يرويه ويقظة رواياته وهذه صنعة كبيرة وفن عظيم من العلم وقد قال النبى ﷺ: \"لا تنازعوا الأمر أهله\" ١ وهذا الرجل أعنى الدبوسى وأن كان قد أعطى حظا من الغوص فى معانى الفقه على طريقة اختارها لنفسه ولكن لم يكن من رجال صنعة الحديث ونقد الرجال وإنما كان غاية أمره الجدال والظفر بطرق من معانى الفقه لو صحت أصوله التى يبنى عليها مذهبه ولكن لم يحتمل الأساس الضعيف من البناء عليه لا جرم لم ينفعه ما أعطى من الذكاء والفهم إلا فى مواضع يسيرة أصاب فيها الحق وأما فى أكثر كلامه وغايته تراه يبنى على قواعد ضعيفة ويستخرج بفضل فطنته معانى لا توافق الأصول ولم يوافقه عليها أحد من سلف أهل العلم ثم يحمل عجبه برأيه على خوضه فى كل شىء فتراه دخالا فى كل من هجوما على كل علم وأن كان لا يحسنه فيهجم ويعتز ولا يشعر أنه يعثر.\nوقد اتفق أهل الحديث أن نقد الأحاديث مقصور على قدم مخصوصين فما قبلوه فهو المقبول وما ردوه فهو المردود وهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبانى وأبو زكريا يحيى بن معين البغدادى وأبو الحسن على بن عبد الله المدينى وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلى وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى وأبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازى وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلى وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستنانى وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى ومثل هذه الطبقة يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى والثورى وابن المبارك وشعبة ووكيع وجماعة يكثر عددهم وذكرهم علماء الأمة فهؤلاء وأشباههم أهل.\n_________\n١ أخرجه البخاري الفتن ١٣/٧ ح ٧٠٥٦ ومسلم الإمارة ٣/١٤٧٠ ح ٤١/١٧٠٩.","vol":"1","page":369},{"text":"نقد الأحاديث وصيارفة الرجال وهم المرجوع إليهم فى هذا الفن وإليهم انتهت رئاسة العلم فى هذا النوع فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه وقدر بضاعته من العلم فيطلب الربح على قدره وإنما جرينا الكلام إلى هذا لأنه كان قد ذكر فى كلامه أن فى هذا النقد علما كثيرا وصيانة للدين عن الأهواء والبدع واعلم أن الخطة الفأصلة بيننا وبين كل مخالف أننا نجعل أصل مذهبنا الكتاب والسنة ونستخرج ما نستخرج منهما ونبنى ما سواهما عليهما ولا نرى لأنفسنا التسلط على أصول الشرع حتى نقيمها على ما يوافق رأينا وخواطرنا وهواجسنا بل نطلب المعانى فإن وجدناها على موافقة الأصول من الكتاب والسنة أخذنا بذلك وحمدنا الله تعالى على ذلك وأن زاغ بنا زائغ ضعفنا عن سواء صراط السنة ورأينا أنفسنا قد ركبت البنيان وبركت الجدد اتهمنا آراءنا فرجعنا بالآية على نفوسنا واعترفنا بالعجز وأمسكنا عنان العقل لئلا يتورط بنا فى المهالك والمهاوى ولا يعرضنا للمعاطب والمتالف وسلمنا الكتاب والسنة عليها وأعطينا المقادة وطلبنا السلامة وعرفنا أن قول سلفنا من أن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم.\nوأما مخالفونا فجعلوا قاعدة مذاهبهم المعقولات والآراء وبنوا الكتاب والسنة وطلبوا التأويلات المستكرهة وركبوا كل صعب وذلول وسلكوا كل وعر وسهل وأطلقوا أعنة عقولهم كل الإطلاق فهجمت بهم كل مهجم وعثرت بهم كل عناء ثم إذا لم يجدوا وجها للتأويل طلبوا رد السنة بكل حيلة يحتالونها ومكيدة يكيدونها ليستقيم وجهة رأيهم ووجهة معقولهم فقسموا الأقسام ونوعوا الأنواع وعرضوا الأحاديث عليها فما لم يوافقها ردوها وأساءوا الظن بنقلتها ورموهم بما نزههم الله تعالى عنه وهذا الذى نحن فيه وهو التوقف عن قبوله السنة إلى أن يعرض الكتاب والأصول أحد تلك الأقسام على ما قاله هذا الرجل ولسنا نخصه بهذه الآية بل هو متبع فى هذا الأمر ناسج على منوال ثابت قبله سالك سبيلا وطيت له ولأمثاله فإن عيسى بن أبان البصرى هو المخترع لهذا ولذلك نقل عنه التصرف فى الرواة من الصحابة ﵃ فإنه قال أن كان الراوى متساهلا فى الرواية لم يقدم خبره على القياس مثل أبى هريرة وذويه وقد باء ذلك الرجل بوبال نصب هذه الأخبار وخبر هذه المهواة وبسط هذه الشبكة وطرح هذا الشوك فى طريق الإسلام وهذا أن كان فيه ما فيه لكن العلة فى أمر الفروع أسهل والشرع فيه أصح وإنما الشأن فيما يرجع إلى العقائد فى أصول التوحيد وصفات البارى عز اسمه وأمر القضاء والقدر وعند ذلك يأتى ما يضم السمع والعمى والبصر ولكل","vol":"1","page":370},{"text":"مرتبة وعن كل مسألة والله تعالى أعدل وهو أحكم من أن يعلم ضعفنا وقصور رأينا وقلة أفهامنا ثم تخلينا وعقولنا أو يجعل ذلك أصل دينه وقاعدة سبيله ونسأل الله تعالى العصمة فهو المستعان ومنه التأييد والتوفيق بمنه رجعنا إلى ما كنا فيه.\nأما الخبر الذى رووه من الأمر بعرض السنة على الكتاب فقد ذكرنا الكلام عليه وأما الذى ذكروه من قوله ﷺ: \"كل شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل وأن كان مائة شرط\" فالمراد من كتاب الله هو حكم الله تعالى وتقدس وعندنا كل شرط لم يحكم الله تعالى بصحته فى كتاب أو سنة فهو باطل.\nوقولهم: أن الكتاب يقين والسنة فيها شبهة.\nقلنا الخبر فى العمل يقين أيضا وقد بينا فى كتاب الانتصار أن عرض القوم ليس هو عرض السنة على الأصول فإنا بحمد الله تعالى لم نجد خبرا صحيحا يخالف الكتاب بل الكتاب والسنة متوافقان متعاضدان وأن عرض سؤال سائل فى كتاب أو خبر فقد أجاب عنه علماء السنة وقد ذكر ذلك الشىء فى كتاب مختلف الحديث وأجاب عنه وذكر غيره أيضا ولكن غرض القوم ومرماهم رد السنة وطى الأحاديث جملة وقد قال أبو حنيفة ما جاءنا عن الله تعالى وعن رسوله فعلى الرأس والعين وهذا قول ثابت عنه وهذا لفظ منصف معترف للانقياد للكتاب والسنة وهو ينفى ما زعموه من التوقف إلى أن يعرض على الكتاب وقد روى ابن عيينة عن سالم أبى النضر عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا ألفين أحدكم متكئا على أريكة يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندرى ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه\" ١ فبين ﷺ أن الترفه والنعمة وترك طلب العلم مجملة على هذا المقال فإن الاتكاء على الأريكة شأن المترفين والمنعمين وقد قال الله تعالى فى صفة أهل النار: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] وأما مسألة ورود الخبر فيما يعم به البلوى وقد ذكرنا من قبل فلا يفيد وقد بينا وجود المناقضة فى ذلك ودللنا على فساد ما قالوه بما فيه الغنية وأما ترك احتجاج الصحابة بالخبر فليس فيه دليل على ما قالوه لأنه يحتمل أن يكون ذلك لعدم بلوغ الخبر أياهم وعلى أن غرضه من ذلك الخبر الذى ذكرناه فى مسألة زكاة الصبى وليس الخبر بذلك الأحكام الذى يقتنع وأما الذى نسب إلينا من روايتنا عن رسول الله ﷺ.\n_________\n١ أخرجه أبو داود السنة ١٩٩٤ ح ٤٦٠٥ والترمذي العلم ٥/٣٧ ح ٢٦٦٣ وقال حسن صحيح وابن ماجه المقدمة ١/٧ ح ١٣.","vol":"1","page":371},{"text":"\"الطلاق بالرجال والعدة بالنساء\" ١ فنحن لا نثبت هذا الخبر وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة فهو جائز عندنا لإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﵇: \"إنا معاشر الأنبياء لا نورث\" ٢ وما روى أن النبى ﷺ قال: \"لا يرث قاتل\" ٣ أو لفظ هذا معناه.\nفإن قالوا: أن فاطمة ﵂ قد طلبت الميراث ولم تقبل هذا التخصيص.\nقلنا إنما طلبت التحلى لا الميراث وخصوا قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] بقوله ﵇ لا يتوارث أهل ملتين حتى قالوا: لا يرث الزوج من المرأة النصرانية ولا المرأة النصرانية من زوجها وخصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بما روى عن النبى ﷺ أنه قال لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها٤ وخصوا أيضا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] بخبر أبى سعيد فى منع بيع الدرهم بالدرهمين وخصوا أيضا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بخبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ فى المجوس: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" ٥ والمجوس مشركون وقد خصوا وأمثال هذا تكثر.\nفإن قالوا: أليس أن عمر ﵁ قال لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة٦.\nقلنا يجوز أن يكون معناه لا ندع كتاب ربنا نسخا وهذا لأنه لا يقال لما خص من القرآن أنه ترك القرآن إنما يقال لمن ادعى النسخ وهذا لأن التخصيص مجراه فى الآية العامة والخبر العام مجرى البيان على ما سبق ذكره وخرج النسخ على هذه الآية تغير الحكم ورفعه.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ أخرجه البخاري النكاح ٩/٦٤ ح ٥١١٠ ومسلم النكاح ٢/١٠٢٩ ح ٣٧/١٤٠٨.\n٥ أخرجه مالك في الموطأ الزكاة ١/٢٧٨ ح ٤٢ والبيهقي في الكبرى ٩/٣١٩ ح ١٨٦٥٤.\n٦ أخرجه مسلم الطلاق ٢/١١١٨ ح ٤٦/١٤٨٠ وأبو داود الطلاق ٢/٢٩٧ ح ٢٢٩١.","vol":"1","page":372},{"text":"وأما قولهم أن خبر الواحد يفيد الظن والكتاب يقتضى القطع قلنا نحن نعمل بخبر الواحد بطريق قطعى مفيد الحكم فهو مثل دليل الكتاب فى العمل قالوا: أليس إنا نعلم قطعا ويقينا أن الله تعالى قال وحكم بما يتضمنه الكتاب وفى خبر الواحد نظر أن النبى ﷺ قال ولا نعلمه والجواب أما نظن أن النبى ﷺ قال الذى قال فى خبر الواحد وقام لنا الدليل القطعى على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك وكل هذا علم لأنا نعلم أنه غلب على ظننا صدق الراوى ونعلم قيام الدليل على وجوب العمل فما ظنناه فثبت مساواة الطريق إلى العلم بحكم الخبر طريقنا إلى العلم بعموم الكتاب.\nفإن قالوا: بما رجحتم حكم الخبر الواحد على ما يقتضيه الكتاب من العموم.\nقلنا بإجماع الصحابة على ما سبق وهو المعتمد والله أعلم.\nواعلم أنه إذا ثبت الخبر فخلاف الصحابى إياه لا يوجب رده وترك العمل به لأن الخبر حجة على كافة الأمة والصحابى محجوج به كغيره١ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا وارد من غير تخصيص لبعض الأمة دون البعض وقد روينا عن الصحابة أنهم تركوا اجتهادهم وما صاروا إليه بقول الصحابة وأما بغير الصحابى أولى هذا إذا احتمل الخبر وجهين مثل ما فعله عمر ﵁ فى خبر المتبايعين وأما تخصيص الصحابى فلا نقبله ما لم يقم الدليل على التخصيص وهو مثل قول ابن عباس فى المرتدة وقد سبق بيان هذا والله أعلم.\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٢١٥، ٢١٦ نهاية السول ٣/١٦٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٦.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>فصل: ما يقبل فيه خبر الواحد</span>\n...\n[فصل] ٢ ونذكر الآن ما يقبل فيه خبر الواحد.\nفنقول كل ما يقبله بالعمل يقبل فيه خبر الواحد فنقول كان عبادة مبتدأة أو ركنا من أركانها أو خبر أو ابتداء نصاب أو تقدير نصاب وقاله بعض أصحاب أبى حنيفة لا يقبل فيما ينتفى الشبهة٣ حكاه أبو بكر الرازى عن أبى الحسن الكرخى وقال أبو عبد الله البصرى فعل هذا لا يقبل فى الحدود وقال هو لا يقبل فى إسقاط الحدود ولذلك.\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٢١٥، ٢١٦ نهاية السول ٣/١٦٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٢٦.\n٢ بياض في الأصل.\n٣ التصريح على التوضيح ٢/١١ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٦٨ روضة الناظر ١١٥.","vol":"1","page":373},{"text":"قالوا: فى ابتداء النصب وفى أركان الصلوات وفرقوا بين ابتداء النصب وبين توانى النصب فقبلوا الخبر الواحد فى النصاب الزائد على خمسة أواق لأنه فرع ولم يقبلوا فى ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل لأنه أصل واستدل من قال أنه لا يقبل خبر الواحد فى الحدود لأن الحدود موضوعها فى الأصل على أن الشبهة تسقطها وخبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم فلا يجوز إيجاب الحد به لأن أقل أحوال الخبر الواحد يحصل معه شبهة انتفاء العلم به وإيجاب الحدود مع الشبهة لا يجوز وليس كالشهادة حيث ثبتت بها الحدود ولأن كانت تفيد الظن ولا تفيد العلم لأن الحكم بالشهادة ثابت من طريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت وهو الإجماع ونص القرآن وأما الحكم الذى يرد به خبر الواحد لم يثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم وهو إجماع الصحابة فليس كما ظننتموه لأن إجماعهم إنما ابتناه باستدلال يوجب علمية الظن ليس أنه وجد منهم صريح الإجماع على ذلك حتى يكون موجبا للعلم وأما الشهادة فإن حكمها ثابت بالنص الصريح من الكتاب فى إجماع الأمة وهما دليلان موجبان للعلم وأما دليلنا وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وقد روى ذلك نصا عن أبى يوسف واختاره أبو بكر الرازى ووجه ذلك أن الدلائل التى دلت على قبول خبر الواحد لم تخص موضعا دون موضع فنقول الحدود شرع عملى من الشرائع فجاز إثباته بخبر الواحد دليله سائر الشرائع ولا وجه للفصل بين الحدود والنصب وغيرهما وقولهم أن الحدود تنتفي بالشبهة قلنا هذا لا يمنع من قبول خبر الواحد كما لا يمنع من قبول الشهادة وأما عذرهم عن الشهادة فليس بشىء لأن الشبهة إنما جاءت عندهم من عدم ثبوت العلم بخبر الواحد وهذا المعنى موجود فى الشهادة وقولهم أن العمل بالشهادة وجب بدليل موجب للعلم قلنا وكذلك الخبر الواحد وقد سبق بيان ذلك وقولهم أنه لم ينقل عن الصحابة صريح الإجماع قلنا اتفاقهم على ذلك فعلا صريح أو أعلى منه وقول من قال أن وجوب العمل بخبر الواحد لم يكن بدليل مفيد للعلم قول مخالف لقول عامة الأصوليين بل لا ندرى أنه قال به أحد منهم ثم نقول لهم قد قبلتم شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض فى الحدود فلا إجماع فى قبول شهادة أهل الذمة فإن قالوا: قد أجمعوا أن النبى ﷺ رجم اليهوديين بشهادة اليهود وفعله ﷺ موجب للعلم قلنا ومن قال أن انعقد الإجماع على ذلك والمعروف أنهما اعترفا بالزنا فرجمهما وإنما روى أن اليهود شهدوا بطريق شاذ فسقط ما.","vol":"1","page":374},{"text":"قالوه جملة وثبت ما قلناه ويقال لهم ما قولكم فى القصاص هل ثبت بخبر الواحد فإن قالوا: لا فمحال لأنه حق من حقوق الآدميين فثبت كسائر حقوقهم.\nببينة: أن القياس حجة فيه فخبر الوالد أولى وقد استدلوا بخبر مرسل فى قتل المسلم بالذمى واستدلوا فى أن عمر قتل الجماعة بالواحد وهو دون الخبر الواحد وأن قالوا: يقبل فقد قبلوا خبر الواحد فيما يسقط بالشبهات وأى فرق بين القصاص والحدود والشبهة مؤثرة فى الكل فثبت أن قول من قال أن الخبر الواحد لا يقبل فى الحدود قول مردود وليس عليه دليل والعجب أنهم قالوا: لا يقبل أيضا فى ابتداء النصب ويقبل فى توانى النصب وهذا تفريق مستعجب وإذا قبل فى أحدهما فلا بد أن يقبل فى الآخر لأنه لا يظهر بينهما فرق والله أعلم وعلى ما ذكرنا يقبل عندنا خبر الواحد فى المعاملات والسنن والديانات وهذا قد بيناه من قبل.\nويقبل خبر الواحد فى رؤية هلال رمضان ولا يعتبر شهادة جماعة يقع العلم بقولهم سواء كانت السماء مضحية أو متغيمة١ وعلى مذهب أبى حنيفة أن كانت السماء مضحية لا يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بقولهم٢ واستدلوا بما ذكرنا لهم فى المسألة الأولى وأما عندنا فيقبل لما بينا أنه شرع عملى من الشرائع فيقبل فيه خبر الواحد دليله غيره من الشرائع العملية وفى المذهب اختلاف القول أنه يقبل شهادة الواحد ويعتبر شهادة الاثنين ولا حاجة إلى إبراز ذلك فى هذا الموضع وأما الذين يقولون أن الناس لما ساووا هذا الواحد فى النظر والمنظر والعين دل تفرده أنه كاذب قلنا مع هذا يجوز أن يكون تفرد الواحد بروايته لحدة بصره أو علم منه موضع الهلال ولم يعلمه غيره أو زيادة قلت: وحدة منه فى النظر إلى أن يراه والباقون قد تفرقوا حين بم يروه لدقته أو خفاء موضعه وإذا جاء واحد من هذه الوجوه فلا يرد خبره ولا يلحق هذا الواحد من العمليات بالعلمى ولا يقطعه عن إخوانه وأضرابه واعلم أن ما يرويه الراوى إذا تضمن إضافة شرع إلى النبى ﷺ فحكمه ما بيناه وأما إذا لم يتضمنه إضافة شرع إلى النبى ﷺ فإن كان مما يجرى مجراه مثل إضافة الفتوى إلى المفتى فيقبل خبر الواحد فيه أيضا وأما أن أخبر بحكم الحاكم فإنه لا يقبل إلا بما يقبل بسائر الشهادات وأما الأخبار التى تحتاج إليها الناس فى مصالحهم فيقبل فيها خبر الواحد وقد ذكرنا صورها من قبل وقد ألحق بعض.\n_________\n١ انظر روضة الطالبين ٢/٢٤٥.\n٢ انظر الهداية للمرغيناني ١/١٣١.","vol":"1","page":375},{"text":"الأفعال بالأقوال فى ابتناء الشرع عليه وذلك مثل وضع الماء فى الطريق على بعض الوجوه يبيح شربه مثل الخبر بذلك وكذلك وضع الدرهم فى يد المسكين يبيح له أخذه وعلى هذا أمثال هذا فى الأمور المتعارفة ومن ذلك بسط المائدة بين يدى الجماعة ووضع الطعام وتقديمه يبيح لهم أكله وليس أمثال هذا على سنن القياس ولكن بحكم العادات الجارية أجريت الأفعال فى هذا مجرى الأقوال وعلى هذا التعاطى الجارى بين الناس فى المعاملات من غير قول يوجد من الجانبين لا يحكم بحرمتها ونقول يقع بها الملك ونقول تمليك وملك فعلى وقع على التراضى ولا نقول أنه عقد بيع أو عقد إجارة على ما يقوله أصحاب أبى حنيفة وإنما فعلنا ذلك لأن ذلك متعارف من قديم الدهر إلى حديثه ولم ينقل فى ذلك إنكار من أحد ما ولأن فى تحريم ذلك حرجا عظيما على الناس فجرى معدولا من سنن القياس.\nمسألة الأخبار على نوعين مسانيد ومراسيل:\nفالمسانيد حجة مقبولة.\nواختلفوا فى المراسيل وهى ما رواه التابعى عن الرسول ﷺ هل هى حجة أم لا فذهب الشافعى ﵀ إلى المرسل بنفسه لا يكون حجة وقد ينضم إليه ما يكون حجة معه على ما سنبينه وعند مالك وأبى حنيفة هو حجة ويقال أنه مذهب أحمد بن حنبل أيضا وقد ذهب إلى هذا كثير من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم وجملة مذهب هؤلاء من يقبل سنده يقبل مرسله وقال عيسى بن أبان فمراسيل التابعى وتابع التابعى مقبول ولا يقبل مرسل من دونه١ واحتج هؤلاء.\n_________\n١ اعلم أن المراسيل جمع مرسل وهو لغة المطلق عن التقييد وفي اصطلاح المحدثين ما سقط منه الصحابي مثل أيقول التابعي قال رسول الله ﷺ وهو بهذا الإطلاق يغاير المنقطع والمعضل لأن المنقطع ما سقط منه قبل الصحابي راو أو أكثر في موضع واحد والمعضل ما سقط منه اثنان فصاعدا في موضع واحد.\nأما المرسل عند الأصوليين: فهو قول العدل الثقة قال رسول الله ﷺ وهو بهذا الإطلاق يشمل المرسل والمنقطع والمعضل وغيرها عند المحدثين.\nوإنما سمي المرسل مرسلا لأن الراوي أطلق الحديث ولم يذكر من سمعه منه وقد اختلف الأصوليون في قبول المرسل على أقوال أربعة:\nالقول الأول: لا يقبل المرسل مطلقا سواء كان من أئمة النقل أو من غيرهم إلا إذا تأكد بما يرجح صدق الراوي وذلك واحد من ستة أمور:...............=","vol":"1","page":376},{"text":"الطائفة بأشياء منها وهو أقوى دلائلهم وهو إرسال المرسل العدل الحديث يجرى مجرى ذكره من المرسل عنه وقوله هو عدل عندى ولو ذكر كذلك يقبل حديثه كذلك إذا أرسل والدليل على هذا أن العدل لا يستجيز أن يخبر عن النبى ﷺ شيئا إلا وله الإخبار عنه لأن عدالته مانعته عن إقدامه إلا على ما يجوز له الإقدام عليه ولا يجوز له الإخبار بذلك إلا بعد أن يخبره عدل عنه حتى أن لم يكن حقيقة أنه قال يكون قد غلب على ظنه أنه قاله.\nببينة أن روايته قد أفهمت إيجاب عبادة على الناس وطرح عبادة عنهم فلا يجوز أن يقدم عليه من غير علم أو غلبة ظن فثبت أن روايته مرسلا جرت مجرى ما ذكرنا ولو ذكر من روى عنه وقال هو ثقة عندى لزم قبول خبره كذلك هاهنا قالوا: وليس ذكر سبب عدالته بشرط وهذا متفق عليه بيننا وبينكم وإنما الخلاف فى الجرح فذكر أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجب عليه أن يذكر سبب الجرح أيضا وذهب الشافعى رحمة الله عليه أنه لا يصير مجروحا حتى يذكر سبب الجرح واستدلوا على دعوتهم أن ذكر سبب العدالة ليس بشرط أن أصحاب الرواية وأئمة الحديث يزكون الرجل من غير أن يذكروا سبب عدالته ولأن الإنسان إنما يكون عدلا إذا اجتنب الكبائر ولم يحل بالواجبات فلو.\n_________\n= ١ - أن يكون من مراسيل الصحابة.\n٢ - أن يسنده راو آخر غير الذي أرسله.\n٣ - أي يرسله راو آخر يروي عن شيوخ الراوي الأول.\n٤ - أن يعضده قول أكثر الأمة.\n٥ - أن يعضده قول صحابي.\n٦ - أن يكون المرسل ممن عرف منه أنه لا يرسل إلا عمن يقبل قوله كسعيد بن المسيب وهذا القول للشافعي وهو المختار للرازي والبيضاوي ونقله ابن الصلاح عن جمهور المحدثين.\nالقول الثاني: لا يقبل المرسل مطلقا وهو رأي الأئمة الثلاثة وجمهور المعتزلة وهو المختار للآمدي.\nالقول الثالث: يقبل من أئمة النقل ولا يقبل من غيرهم وهو مختار ابن الحاجب.\nالقول الرابع: يقبل مرسل العصور الثلاثة عصر الصحابة والتابعين وتابع التابعين ولا يقبل في غيرها من العصور إلا من أئمة النقل وهو قول عيسى بن أبان انظر نهاية السول ٣/١٩٨ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٧٧، ١٧٨ المحصول ٢/٢٢٨ المعتمد ٢/١٤٣ روضة الناظر ١١٢ البرهان ١/٦٣٢، ٦٣٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٣، ١٣٤.","vol":"1","page":377},{"text":"وجب ذكر أعيان ذلك لوجب ذكر أعيان ذلك فى الزمان الطويل مخافة أن يكون منها ما لا يسلم معه عدالة الإنسان وهذا متعزز قطعا قالوا: وأن لزمتم على هذا الشهادة فنقول قضية إطلاق الشهادة على هذا أيضا لكن الدلالة منعت من قبول الشهادة على الشهادة حتى يسمى شهود الأصل وليس يجب إذا منعت الدلالة من ذلك فى الشهادة ما يجب أن يمنع قبل ذلك فى الرواية إلا ترى أنه قد دلت الدلالة أن من شرط الحكم بشهادة الشهود الفرع أن يحملهم شهود الأصل الشهادة ولم يجب أن يعتبر مثل ذلك فى الرواية.\nببينة: أنه ما وجب فى الشهادة ذكر شاهد الأصل لم يجب أن يشهد على وجه يجوز إلا يكون سمعه منه وهو أن يقول عن فلان وأما هاهنا فتجوز الرواية مع جواز كونها مرسلا وهو إذا قال الراوى عن فلان ويجوز فى هذا أن يكون سمع منه ويجوز أن يكون سمع من غيره عنه وهذا حجة مبتدأة لهم فى المسألة هينة وهذا لأنا جعلنا إرسال الحديث كأنه ذكر من يروى عنه وعدله وفى الشهادة لا يكتفى بمجرد ذكر شاهد الأصل وقوله هو عدل بل لا بد من تعديل القاضى وفى الرواية يكتفى بما ذكرناه فظهر الفرق بينهما ودليل آخر وهو أنهم ادعوا إجماع الصحابة روى عن البراء بن عازب أنه قال ليس كل ما حدثناكم به سمعناه من رسول الله ﷺ غير أنا لا نكذب وروى عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال من أصبح جنبا فلا صوم له فلما سئل عن ذلك ذكر أن الفضل بن عباس ﵄ أخبره وروى ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ قال: \"لا ربا إلا فى النسيئة\" ١ ثم ذكر أن أسامة روى له ذلك وروى ابن عباس أيضا أن النبى ﷺ ما زال يلبى حتى رمى جمرة العقبة ثم ذكر أن الفضل بن عباس أخبره ذلك.\nببينة: أن أحداث الصحابة الذين كانوا صبيانا فى زمن النبى ﷺ قد أكثروا الرواية عنه ﷺ خصوصا ابن عباس ومعلوم أنهم لم يسمعوا إلا القليل ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك والتفحص عنه والبحث أن هذا الصحابى ممن سمعه فصار ذلك إجماعا منهم على جواز ذلك وأن قلتم يجوز عندنا فى الصحابة ولا يجوز فى التابعين فهو من التمنى الباطل ولا فرق بين صحابى يرسل وتابعى يرسل خصوصا إذا كان الإرسال من.\n_________\n١ أخرجه البخاري البيوع ٤/٤٤٥ ح ٢١٧٨، ٢١٧٩ ومسلم المساقاة ٣/١٢١٧.","vol":"1","page":378},{"text":"وجوه التابعين والطبقة العالية منهم مثل عطاء بن أبى رباح من أهل مكة ومثل سعيد ابن المسيب من أهل المدينة وبعض الفقهاء السبعة ومثل الشعبى والنخعى من أهل الكوفة ومثل الحسن وأبى العالية من أهل البصرة ومثل مكحول من أهل الشام فهؤلاء قد نقل عنهم مراسيل ولا يظن بهم إلا الصدق وقد كان النخعى يقول: إذا قيل لكم حدثنى فلان عن عبد الله فهو الذى روى لى ذلك وإذا قلت: لكم قال لى عبد الله فقد رواه لى غير واحد ولهذا قال بعضهم أن المرسل أقوى من المسند فهذا وجه تعلقهم بهذا الدليل وهو معتمد جدا دليل آخر لهم هذا أن الناس من زمان النبى ﷺ إلى يومنا هذا ما زالوا يردون المراسيل من غير تحاش وامتناع قد ملأوا الكتب منها ولم يروا أن أحد من الأئمة أنكر عليهم ذلك ولم يزل العلماء من سلفهم إلى خلفهم يقولون قال رسول الله ﷺ كذا وقال فلان كذا للواحد فالواحد من الصحابة وهذا إرسال منهم للخبر ولو كان المرسل مردودا لامتنعت الأمة من روايته ولكانوا لا يقرون من فعل ذلك عليه فصار ذلك إجماعا منهم وعرف بما فعلوا أنهم قد سووا بين المرسل والمسند وقد تعلقوا أيضا بما قاله الشافعى رحمة الله عليه فى مراسيل ابن المسيب وغيره فإن قلتم أن مراسيله قد تتبعت فوجدت مسانيد قال فإذا لم تستحسن مسانيده لا مراسليه قال الشافعى أيضا إذا عملت الأمة بالمرسل فإن المرسل مقبولا قال أبو بكر فإذا يكون الإجماع هو المقبول فهل المجموع هو ما ذكرهم وهى دلائل قوم لا بد من صرف العناية إلى إيضاح الجواب عنها خصوصا وقد وجدت بعض من ضعف بكلام أبى بكر الباقلانى وبجعله الإمام والقدوة فى عامة ما ذكره فى أصول الفقه حتى كأنه رضى لنفسه أن يقلده وينصبه إماما لنفسه فى عقائده قد قال أن كان عرض الشافعى عن المراسيل على معنى تقديم المسانيد عليها وقد وجد من كلامه مما يدل على أنه إذا لم يجد أولا المراسيل مع الاقتران بالتعديل عن الإجماع يعمل عليها وبها عندى أن هذا خلاف مذهب الإمام الشافعى وقد أجمع كل من نقل عنه هذه المسألة مع كل العراقيين الخراسانيين أن على أصله لا تكون المراسيل حجة وهو فيما بين الفقهاء من الفريقين أشهر مسألة من خلافيات الأصول ولا عجب من أبى بكر الباقلانى أن كان يتصل القول بالمراسيل فإنه كان مالكى المذهب ومن مذهب مالك قبول المراسيل فأما من انتصب لذب عن مذهب الشافعى رحمة الله عليه فلا يجوز أن يعدل عن قوله إلى قول من لا يعرف تفسيره فى العلم فإن كان الأمر بالمحاجة على المذهب فالحجة سنبينها ونبين عند ذلك أن هذا القول.","vol":"1","page":379},{"text":"هو الحق وأن رضى إنسان بالتقليد فلا يشك عاقل أن تقليد الشافعى أولى من تقليد المتأخرين الذين يعم بضاعتهم الجدال والله المرشد إلى الصواب والعاصم من الزلل عنه وأما حجة القائلين بقبول المراسيل وهو الصحيح على ما سنبين ونقيم البرهان عليه ونتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الاسراء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ونحن إذا قلنا خبر من لا يعلم حاله فى الصدق والعدالة من حاله فى خلاف ذلك فقد قفونا ما ليس لنا به علم وقلنا على الدين والشرع ما لا نتحققه فإن قيل هذا ينعكس عليكم فإنكم إذا رددتم المراسيل فقد قلتم ما لا علم لكم به وتبعتم ما لا يتحقق به فقد دخلتم فيما نقمتم منا قلنا لا يلزم ما قلتم لأن الأصل أنه لا يلزمنا حكم إلا حجة والحجة لا تثبت إلا من ناحية العلم وعلمنا بصدق المرسل عنه معدوم فنحن متمسكون بهذا الأصل ما لم ينقلنا دليل يصح به الحجة الشرعية فى الخبر والحجة الشرعية إنما تثبت بالخبر عند معرفة صدق الراوى وعدالته فتبين بهذا أنا برد المرسل لم نكن قابلين متبعين لما لا علم لنا به والمعتمد من الدليل أن سكوت الراوى عن تسمية من سمع منه يوهم ضعفه وعدم عدالته فيمتنع به قبول روايته وإنما قلنا ذلك لأنه قد جرت عادة الرواة بإظهار اسم من يروون عنه ليتصل السند إلى النبى ﷺ ولا ينقطع بعض الرواة عن البعض فيذهب روا الخبر وبهاؤه وطلاوته وحلاوته.\nببينة أن رواية الحديث بالإسناد أحد محاسن هذه الأمة وقيل أنه لم يعط هذا غير هذه الأمة ولهذا ما زال سلف هذه الأمة يطلبون الأسانيد وكانوا يسمون الأحاديث التى تعرت عن الأسانيد بترا وعن عتبة بن أبى حكيم قال كنت عند إسحاق بن أبى فروة وعنده الزهرى فجعل إسحاق يقول قال رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ فقال الزهرى قاتلك الله يابن أبى فروة ما أجرأك على الله إلا تسند حديثك تحدثنا بأحاديث ليست لها خطم ولا أزمة وجريان عادة السلف بتسمية من يروون عنه شىء لا ينكره أحد فهذا الراوى حين سكت عن تسمية من روى عنه الخبر ولم يكن مقصوده الاقتصار على ما يعتاده الفقهاء فى الحجاج وإنما كان مقصوده محض الرواية وأداء العلم وتبليغه والائتمار لما أمر به النبى ﷺ من قوله: \"نضر الله أمرأ سمع مقالتى فأداها كما سمعها\" ١.\n_________\n١ أخرجه الترمذي العلم ٥/٣٤ ح ٢٦٥٨ وابن ماجه المقدمة ١/٨٤ ح ٢٣٠ - ٢٣١ وابن ماجه المقدمة ١/٨٦ ح ٢٢٨ وأحمد المسند ٤/٩٩ ح ١٦٧٤٣.","vol":"1","page":380},{"text":"فصان سكوته فى هذه الصورة عن تسمية من يروى عنه اتهاما عظيما قادنا ما يقال فى هذا الباب أنه يقال يجوز أن يكون تركه اسمه لثقته بعدالته فاستغنى بها عن تسميته ويجوز أن يكون لجليل علمه منه لم يحب الكشف عنه وإذا احتمل هذا واحتمل الأول يصير كما لو قال حدثنى من لا أعرفه بعدالة ولا تصديقا بل من نظر فى المقدمة التى ذكرناها عرف أن الظاهر من الستر وطى الاسم ما قلناه من الوجه الثانى خصوصا إذا طرد الإرسال طردا ولم يبين من سمع منه الحديث فى شىء من تارات روايته لهذا الحديث فإن سألوا على هذا بما ذكرنا من كلامهم من قبل وهو أنه إنما سكت عنه لثقته بعدالته قالوا: وهذا هو الأولى والأليق بأمر المرسل أنه عمن لا يتهمه بالكذب والراوى ثقة ولا يروى عن ثقة كيف وقد قال النبى ﷺ: \"من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين\" وربما يقولون أن الأصل فى المسلمين العدالة فلا يحمل حال المروى عنه على عدم العدالة إلا بدليل يقوم عليه الجواب إنما نبين أولا قاعدة الإخبار ليتبين الجواب وهو أن الأخبار كلها متضمنة أمور الدين أما العلمية وأما العملية وما كان بهذا السبيل لا يجوز قبوله من كل أحد ولهذا لا تقبل الفتوى من كل أحد ولا بد أن يكون صادرا من أهل الفتوى وكذلك أمر الشهادة وهذا معنى قول ابن سيرين أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه وإذا كان الأمر على هذا السبيل فى الإخبار لم يجز قبولها إلا عن عدل ثم يعتبر أن يكون عدلا عند المروى له لأن الرواية إذا شرع إليه كإلزام يتصل به وهو كالشهادة فإنه يعتبر عدالة الشهود عند الحاكم لأنهم يؤدون إليه الشهادة ولا تثبت عدالته عند المروى له إلا بعد معرفته بعينه فى صفته فإذا لم يعرفه أصلا كيف يحكم بعدالته عنده وقولهم أن روايتهم تعديل للمروى عنه قلنا للعدالة شرائط وأوصاف لا تحصل بمجرد الرواية وأيضا فإن الراوى قد يروى عمن عنده مقبول وعند غيره مجروح فلو قبلنا الرواية عنه من غير كشف عنه لكنا قد قبلناه تقليدا لا علما وأما قولهم أن الأئمة والعلماء لا يروون إلا عن ثقة قلنا هذا مجرد حسن الظن ونحن أيضا نحسن الظن بهم ولكنا مع هذا نجوز عليهم السهو والغلط وهذا سكوت عن اسم المروى عنه أمر محتمل فيجوز أنه سكت عنه لأنه نسى اسمه ويجوز أنه سكت عنه لأنه جهل حاله فلم يحب أن يذكره بجهله بحاله ويجوز أنه سكت عنه لأنه لم يحمد أمره فلم يحب أن يهتك ستره ويكشف حاله ويجوز أنه سكت لما قالوا: وأولى هذه الوجوه أن يكون سكت لضعفه وريبته فى أمره لما بينا أنه قد كان المعتاد منهم ذكر من.","vol":"1","page":381},{"text":"يروى عنه وقد كان يجوز أن يذكر مرة ويترك مرة فأما السكوت عن تسميته فى جميع تارات الرواية فهو موضوع ريبة عظيمة وقد كتبوا حديثا وقديما عمن لم يحمدوا فى الرواية أمره مرة قال الشعبى حدثنى الحارث وكان كذابا وروى شعبة وسفيان عن جابر الجعفى مع ظهور أمره فى الكذب وروى عنه أبو حنيفة وقال ما رأيت أكذب من جابر وروى الشعبى عن إبراهيم بن أبى الحسن وكان قدريا رافضيا ورمى بالكذب أيضا وقد كان جماعة من السلف لشغفهم بالحديث لا يسألون عمن أخذوا وكانوا ينتقدون ويميزون أن سئلوا عن ذلك وقال ابن سيرين حدثوا عمن شئتم إلا عن أبى الحسن وأبى العالية فإنهما لا يباليان عمن أخذا الأحاديث وأرسل الزهرى حديثا ثم سئل فقيل له من حدثك فقال رجل على باب عبد الملك بن مروان وأكثر المراسيل عن الحسن والنخعى وعطاء ومكحول وابن المسيب وسعيد وأبى هلال والشعبى والزهرى فى بعض الأحاديث وقد رووا عامة هؤلاء عن قوم مجاهيل وهذا لا يشكل عن أهل صنعة الحديث فكيف يمكن أن يقال أن المرسل إذا أرسل حديثا فيصير كأنه سمى من روى عنه وعدله والأمر على هذا الوجه وقد قلنا أنه لو جعل هكذا على البعد فيجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ومجروحا عند آخر والمعتبر عدالته عند المروى له فأما إذا صرح فقال حدثنى فلان وهو عدل فالذى ذكرناه يوجب قطع الشبه بين هذه الصورة وبين ما إذا أطلق ولم يذكر وعلى أنا قلنا أن الاعتبار بجانب المروى له فينظر المروى له الحديث فإن سكنت نفسه إلى قوله فقبله وتقوم الحجة عليه وأن لم تسكن نفسه إلى قوله ويجوز أن يكون مجروحا فلا بد من البحث والتفحص فإن قيل قد اعتمدتم فى هذا كله على حرف واحد وهو أن السلف كانوا يروون عمن ليس بثقة وإنه إنما ترك اسمه لقدح عرفه فيه وهو الذى ذكرتم ليس بصحيح لأن من أشكل عمن ليس بثقة وأن كان عرف أنه غير ثقة فذلك يقدح فى عدالته كما أنه إذا ذكر وقال هو ثقة عندى وعلمنا أنه ليس عنده ثقة وكما أن الغالب أنه لا يزكى غير مزكى كذلك الغالب أنه لا يروى عمن ليس بثقة وأن كان يظن أنه ثقة وليس بثقة وهذا لا يقدح أيضا كما لو قال هو ثقة فإنه تجوز روايته وأن كان يجوز أنه قال عمن ظن أنه ثقة وليس بثقة والجواب أن روايته عمن ليس بثقة لا توجب قدحا فى الراوى لما بينا أنهم كانوا يفعلون وإذا سألوا بينوا وعلى أنا قد ذكرنا عن صاحبهم وعن جماعة من السلف أنهم رووا عن قوم وليسوا بثقات ولم يوجب ذلك قدحا فيهم فيجوز أنهم نقلوا لحسن ظن منهم فى.","vol":"1","page":382},{"text":"ذلك الحديث الواحد أو نقلوا وأرادوا بعد ذلك أن يفتشوا عن حال الراوى عنه وعن حال الحديث أنه رواه غيره ممن يوثق بحديثه أو لا فإذا جازت هذه الوجوه لم يجز أن يجعل روايته قدحا فى الراوى مع علمنا بثقته وعدله وهو دليل استدل به الشافعى رحمة الله عليه والدليل على اعتبار الرواية فنقول أجمعنا على أن الشهادة المرسلة لا تقبل وهو إذا لم يذكر من شهد على شهادته فكذلك الرواية المرسلة ثم وجه التقرير فى إلزام الشهادة وهو أن الشاهدين إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا على شهادة شاهدين يخفيان ذكرهما وهما عدلان مثل الرواية سواء ومع ذلك لا يصير تركهما ذكرهما دليلا على تعديلهما بل لا بد من ذكرهما مع الشهادة على شهادتهما كذلك لا بد فى الرواية من ذكر المروى عنه مع الرواية عنه وقد ذكروا مسائل فرقوا فيها بين الشهادة والرواية ونحن نقول لا ننكر وجود الفرق بين الرواية والشهادة فى مواضع كثيرة ولكن لا فرق بين الموضعين فى شرط العدالة والخلاف فى قبول المراسيل وعدم قبولها راجع إلى العدالة على ما سبق بيانه وقولهم أن فى الشهادة لو شهد على شهادة إنسان وقال هو عدل لم يثبت عدالته وفى الرواية يثبت قلنا لا نسلم فى الرواية على ما سبق ويجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند آخر إلا ترى أن عليا ﵁ لم يقبل رواية من يروى خبر بروع بنت واشق وقبله ابن مسعود وهذا لأن العدالة تعرف بالاجتهاد والناس يختلفون فى الاجتهاد وقال أبو عبد الله البصرى أن القياس يمنع من الحكم بالشهادة على الشهادة فلم يجز قياس المراسيل على ذلك لأنه لا يجوز القياس على المخصوص من القياس ويجاب عن هذا فيقال لا نسلم أن قبول الشهادة على الشهادة بخلاف قياس الأصول ولا نسلم أنه لا يجوز القياس على المخصوص بالقياس وسنبين هذا وعلى أنا نقيس المرسل على الشهادة فى المنع لا فى الجواز فلم يكن هذا قياسا من الوجه الذى يمنع منه القياس فإن قالوا: أن الحاكم فى الشهادة يحكم بشهادة شهود الأصل فلهذا وجب ذكرهم قلنا والحكم بلزوم العبادة إنما يقع بخبر الأول فوجب ذكره وقال بعضهم فى الفرق بين الموضعين أن شهود الفرع فى كلا شهود الأصل لأنه لا يجوز أن يشهدوا على شهادتهم إذا سمعوهم يشهدون حتى يحملوهم الشهادة كما لا يجوز للوكيل التصرف إلا بعد أن يوكله الموكل فلهذا اشترط ذكر شاهد الأصل كما اشترط ذكر الموكل ونحن نقول هذا الفرق غير مؤثر لأنا جمعنا بين الرواية والشهادة فى العلة التى ذكرها المخالف فى المراسيل وهى أن عدالة الراوى.","vol":"1","page":383},{"text":"تقتضى إنما أرسل الحديث إلا وهو على غاية الثقة بعدالة من روى عنه وهذه العلة موجودة قائمة فى الشهادة على ما بيناه.\nدليل ثالث وهو أنه لو جاز العمل بالمراسيل وجعلت كالمسانيد لم يكن لذكر أسماء الرواة فى الأخبار وفحص الأئمة عن عدالتهم معنى لأن الإرسال سهل والحوالة فى العدالة على ما ذكروه أمر هين فإذا حصل المراد من هذا الوجه فلأى معنى وجب تحمل المشقة وذكر أسماء الرواة ومعناه الفحص عن عدالتهم وهل هذا إلا تحمل متاعب ومشاق أغنى الله العباد عنها فيكونون قد شددوا على أنفسهم فيما سهله الله عليهم فيعتبرون بمنزلة بنى إسرائيل فى أمر الله تعالى إياهم بذبح البقرة وإلحاحهم فى طلب أوصافها وكان ينبغى أن يقتصروا ويقولوا قال رسول الله ﷺ وبلغنا عن رسول الله ﷺ ويتورعوا ويترفهوا وقد لقوا المؤنة وطرح عنهم التعب وقد ذم الشرع من دخل فى أمر لا يعنيه فكيف بمن دخل فى أمثال هذا.\nفإن قيل لطلب اسم الراوى معنى صحيح من وجهين أحدهما أنه إذا ذكر المحدث اسم من روى عنه أمكن السامع أن يتفحص عن عدالته فيكون ظنه بعدالته فى هذه الصورة أقوى من ظنه بعدالته عند إرسال المراسيل لأن طمأنينة الإنسان إلى فحصه وبحثه أكثر من طمأنينته إلى خبر غيره والثانى هو أن الراوى للحديث قد نسبه عليه حال من أخبره به فلا يقدم على جرحه وتزكيته فيذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره.\nالجواب أما الأول قلنا فقد تبين أن إرساله غير مغنى عن طلب العدالة وعلى أنا قد ذكرنا أن الاجتهاد والاجتهاد قد يختلف فلا بد من ذكره لتوهم اختلاف الاجتهاد فى جرحه وتعديله وأما قوله يذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره ويكون قد اشتبه علينا قلنا قد جرت عادتهم بذكر أسماء الرواة على الإطلاق وجرت عادة طلب الحديث بطلب ذكرهم وجرت العادة بالبحث عن عدالة الرواة وإذا عرف هذا من حالهم سقط السؤال الذى قالوه والاعتماد على الدليل الأول من حيث التحقيق وعلى الثانى من حيث التعلق بالحكم والدليل الثالث لإيضاح الكلام والاستبيان به أما الجواب عن كلامهم الأول فقد دخل جوابه فيما ذكرناه.\nوالحرف الوجيز أن روايته عنه إنما تدل على عدالته إذا لم يتوهم فى السكوت عنه غير هذا فأما إذا توهمنا غيره فلا وأما إذا قال هو عدل فقد قيل هذا الإطلاق لا يقبل وأن قلنا يقبل على ظاهر المذهب فيقول: فلان عدل لا يحتمل غير ما وضع له اللفظ.","vol":"1","page":384},{"text":"وأما السكوت عن اسم الراوى يحتمل ما قالوا: ويحتمل غيره وأما قولهم أنه تقبل الرواية بالعنعنة قلنا نحن لا نقبل إلا أن تعلمه أو يغلب على الظن أنه غير مرسل وهو أن يقول: حدثنا فلان أو سمعت فلانا أو يقول عن فلان ويكون قد أطال صحبته لأن ذلك أمارة تدل على أنه سمعه منه فأما بغير هذا فلا يقبل حديثه وأما مراسيل الصحابة قلنا جميع الصحابة عدول وليس لنا الاجتهاد فى تعديلهم وقد عدلهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] وقال ﵇: \"أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ١ وأما من بعدهم فإن موضع الاجتهاد فى تعديلهم باق فلم يجز العمل إلا بخبر من علمنا عدالته منهم أما تعلقهم بمراسيل ابن المسيب قلنا أما نقل هذا عن الشافعى فى كتبه القديمة ولم يرد بذلك تخصيص ابن المسيب دون غيره ممن مذهبه مذهب ابن المسيب فى ذلك لكن ظهر للشافعى من مذهب ابن المسيب أنه لا يرسل حديثا ليس له أصل فى المتصل ولم يظهر له مثل هذا فى غيره فإن عرف مثل هذا فى مراسيل عطاء والحسن والنخعى ومكحول فتكون مرسلاتهم مثل مرسلات ابن المسيب.\nواعلم أن الشافعى إنما رد المرسل من الحديث لدخول التهمة فيه فإن اقترن بالمرسل ما يزيل التهمة فإنه يقبله وذلك أن وافق مرسله مسند غيره من الرواة ومثل أن يتلقى الأئمة المرسل بالقبول ويعملوا به فيكون قبولهم وعملهم مزيلا للتهمة وكذلك أن انتشر فى الناس ولا يظهر له منكر وحكى بعضهم أن من جملة ما يقوى به المرسل فيصير حجة أن يشترك فى إرساله عدلان ثقتان من أهل العلم أو أكثر فيقوى حال المرسل ويكون المرسل موافقا للقياس أو يكون المرسل كثير التحرز شديد التحفظ مشهور الرجال بالرضى كالذى قاله الشافعى فى القديم فى ابن المسيب رحمة الله عليهما فقال مرسل ابن المسيب خمس فى تحريم بيع اللحم بالحيوان وقد قال بعض أصحابنا أن مرسل ابن المسيب لا يكون حجة أيضا مع ما قاله الشافعى رحمة الله عليه كما لا يكون مرسل غيره حجة إنما قول الشافعى فى ابن المسيب يدل على أن إرساله يكون ترجيحا للدليل الموجب للحكم لا أنه يكون موجبا للحكم واعلم أن ما حكيناه أولا من موافقة مرسل المرسل مسند غيره أو تلقى الأئمة إياه بالقبول أو انتشار المرسل فى الأمة من غير منكر أسباب مخيلة فى قبل المرسل إلا أن الحجة تكون فى المسند أو تكون فى.\n_________\n١ عزاه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير إلى عبد بن حميد في مسنده والدارقطني في غرائب مالك والبزار والقضاعي في مسند الشهاب وأبو ذر الهروي في كتاب السنة انظر تلخيص الحبير ٤/٢٠٩، ٢١٠ ١٥.","vol":"1","page":385},{"text":"إجماع الناس على العمل بالحكم الذى تضمنه المرسل فأما البواقى التى ذكروها فعندى أنه ليس فى شىء من ذلك دليل على قبول المرسل فالأولى هو الإعراض عنها والاقتصار على ما قلناه والله أعلم هذا الذى ذكرناه حكم المرسل.\nفأما المنقطع فقال بعضهم أن المرسل والمنقطع معنى واحد ومنهم من فرق بينهما١.\nوقال المرسل ما ذكرناه والمنقطع هو أن يكون بين الروايتين رجل لم يذكر فمن منع من قبول المراسيل كان من قبول هذا أمنع ومن جوز قبول المراسيل اختلفوا فى المنقطع الذى ذكرناه فقبله بعضهم كالمرسل ومنع منه بعضهم وأن عمل بالمرسل والفرق صعب جدا لمن يرون الفرق اللهم إلا أن يقول: أن الإرسال على الوجه الذى قلناه معتاد متعارف وهو من حسب المتعارف دليل على تعديل من روى عنه فى الصورة التى بيناها ببينة أن الإخلال يذكر هذا الراوى الواحد مع ذكر الراوى قبله دليل على ضعفه وقال أصحاب الحديث مرسل ومنقطع ومعضل فالمرسل ما ذكرنا والمنقطع أن يسقط واحد من الوسط والمعضل أن يسقط أكثر من واحد واعلم أن الثقة إذا روى عن المجهول لم تدل روايته عنه على عدالته ومن أصحابنا من قال يدل ذلك على عدالته ومن ذهب إلى هذا أن هذا المجهول لو كان غير ثقة لبين العدل ذلك فى روايته حتى لا يغتر بروايته وحين لم يبين العدل ذلك دل أن روايته تعديل له والأصح أنه لا يدل على تعديله لأن شهادة شاهد الفرع لا تدل على تعديل شاهد الأصل فكذلك الرواية لأنا بينا أنهم كانوا يروون عن غير الثقة فلا تدل الرواية على التعديل وهذه المسألة فيما إذا سمى من روى عنه إلا أنه مجهول الحال فأما إذا لم يسمه فقد بينا من قبل وأما إذا أسند الرواة الحديث وأرسله غيره فلا شبهة أن من يقبل المراسيل فهو يقبل هذا وأما من لا يقبل المراسيل فينبغى فى هذا الموضع أن يقبل رواية من يسند الخبر لأن عدالة المسند تقتضى قبول الخبر وليس فى إرسال من يرسله ما يقتضى أن لا يقبل إسناد من يسنده لأنه يجوز أن يكون من أرسله سمعه مرسلا ومن أسنده سمعه مسندا فليس يقدح إرسال من يرسله فى إسناد الآخر ويحتمل أيضا أن هذا المرسل سمع الحديث مسندا إلا أنه نسى من يروى عنه وعلم ثقته فى الجملة فأرسله لهذا المعنى وأما إذا أرسله فى وقت وقد أسنده فى وقت فإن إرساله لا يمنع أيضا من كونه مسندا لأن إرساله يجوز أن يكون لما بيناه فلا يقدح ذلك فى إسناده وأما إذا وصل الراوى الحديث بالنبى ﷺ مرة وجعله موقوفا على بعض الصحابة فإنه يكون أيضا متصلا بالنبى ﷺ.\n_________\n١ انظر فتح المغيث ١/١٧٤.","vol":"1","page":386},{"text":"لجواز أن يكون سمعه من الصحابى تارة يذكره عن نفسه على طريق الفتوى وتارة يذكره عن النبى ﷺ وليس فى الأول ما يقدح عن الثانى وحين وصلنا إلى هذا الموضع نذكر شروط صحة الإسناد إلى النبى ﷺ أنا بينا من قبل تنوع الأخبار وانقسامها إلى مسند ومرسل وقد بينا المرسل.\nفأما المسند فهو الخبر المتصل بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث النقل١ واتصاله معتبر بثلاثة شروط.\nأحدها أن يرويه ناقل عن ناقل حتى ينتهى إلى صحابى يصله بالنبى ﷺ فإن اختل اتصال النقل فى وسط أو طرف بطل الاتصال.\nوالثانى أن يسمى كل واحد من ناقلى الحديث بما هو مشهور به مما سمى به وسمى به عن غيره حتى لا يقع التدليس فى اسمه فيمكن الكشف عن حاله فإن لم يسمه وقال أخبرنى الثقة أو من لا أتهمه لم يكن حجة فى النقل وقبول الرواية فإن قيل أليس أن الشافعى ذكر مثل هذا فى أحاديث رواها قيل له بلى ذكر الشافعى مثل ما قلتم ولكن قد اشتهر من عناه فقالوا: أراد بمن يثق به إبراهيم بن إسماعيل وبمن لا يتهمه يحيى بن حسان فصارت الكناية كالتسمية وقيل أن الشافعى قال ذلك احتجاجا لنفسه ولم يقله احتجاجا على خصمه وله فى حق نفسه أن يعمل بما يثق بصحته وأن لم يكن له فى حق غيره.\nالشرط الثالث وهو أن يكون كل واحد من جماعة الرواة على الصفة التى تقبل خبره من الضبط والعدالة فإن اختلت هذه الصفة فى حق أحدهم وكملت فيمن سواه رد الخبر ويعتبر فى حق كل واحد من الرواة أن يكون معلوم الاسم والنسب معلوم الصفة من العدالة فإن اختل شىء من ذلك اختلت الرواية عند اجتماع الشرائط التى ذكرنا يكون الخبر مسندا.\nفإن قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا يكون مسندا ويكون حجة وقال أبو بكر الصيرفى لا يكون مسندا ولا يكون حجة وهو قول الكرخى من أصحابى أبى حنيفة وقد ذكرنا طرفا من هذا من قبل فهم يقولون قد تطلق السنة ويراد بها سنة النبى ﷺ وقد تطلق السنة ويراد بها غيره والدليل عليه أن عليا ﵁ قال فى جلد شارب الخمر جلد النبى ﷺ أربعين وجلد أبو بكر ﵁.\n_________\n١ فتح المغيث ١/١١٧، ١١٨.","vol":"1","page":387},{"text":"أربعين وجلد عمر ﵁ أربعين وكل سنة١ فقد أطلق السنة على ما فعله عمر ﵁ كما أطلق على ما فعله الرسول ﷺ وفى الخبر: \"عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى\" ٢ وقال ﵇: \"من سن سنة\" ٣ وأما دليلنا فنقول قول الصحابى فى الأمر والنهى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا مطلقا يرجع إلى النبى ﷺ لأن الأصل أنه الأمر فى الشرائع خصوصا إذا كان الصحابى قال هذا القول للنبى ﷺ وعلى هذا قول أنس ﵁ أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ولهذا لو قال الصحابى رخص لنا أن نفعل كذا ينصرف إلى النبى ﷺ بالاتفاق فكذلك قول الصحابى من السنة كذا فمطلق السنة منصرف إلى النبى ﷺ ولهذا يقال كتاب الله تعالى وسنة النبى ﷺ وإذا قيل الكتاب والسنة وإنما يفهم من السنة سنة النبى ﷺ ولأن السنة هى الطريقة المتبعة لأهل الدين والطريقة المتبعة لأهل الدين هى المشروعة فى الدين والمشروع فى الدين إنما يكون من الله تعالى أو رسوله ﷺ فأما من غير الله ورسوله فلا يدل عليه أن من التزم طاعته وبين فإذا قال أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فإنه يفهم منه من يلتزم طاعته ولا يتعدى أمره إلا ترى أن الرجل من أولياء السلطان إذا قال فى دار السلطان أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فهم منه أن السلطان أمر ونهى عما ذكروه وأيضا فإن غرض الصحابى من هذا القول أن يعلمنا الشرع أو يفيدنا الحكم صحب كمال ذلك عمن يصدر الشرع منه دون الأئمة والولاة لأن أمرهم غير مؤثر فى الشرع وهذا راجع إلى الدليل الذى قدمناه فيكون تقريرا له وأما قول على ﵁ فالمراد بالسنة سنة النبى ﷺ لأن الزيادة على الأربعين مفعولة عندنا تعزيرا والتعزير من سنة النبى ﷺ وأما قوله ﷺ: \"سنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى\"٤ فتلك السنة.\n_________\n١ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣٣١ ح ٣٨/١٧٠٧ وقال \"وعمر ثمانين\" وأبو داود الحدود ٤/١٦٢ ح ٤٤٨١ ولكنه قال \"وكملها عمر ثمانين\" وأحمد المسند ١/١٠٣ ح ٦٢٦ لفظه لفظ أبو داود.\n٢ أخرجه أبو داود السنة ٤/٢٠٠ ح ٤٦٠٧ والترمذي العلم ٥/٤٤ ح ٢٦٧٦ وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه المقدمة ١/٥١ ح ٤٢ وأحمد المسند ٤/١٥٦ ح ١٧١٤٩ انظر تلخيص الحبير ٤/٢٠٩ ح ١٤.\n٣ أخرجه مسلم الزكاة ٢/٧٠٤ ح ٦٩/١٠١٧ والنسائي الزكاة ٥/٥٦ باب التحريض على الصدقة وابن ماجه المقدمة ١/٧٤ ح ٢٠٣.\n٤ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":388},{"text":"المذكورة فى الخبر سنة مقيدة والكلام فى السنة المقيدة.\nوإذا قال الصحابى كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ فهو بمنزلة المسند إلى رسول الله ﷺ وقال بعض أصحاب أبى حنيفة لا يكون بمنزلة المسند وعلى هذا الخلاف إذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا على عهد النبى ﷺ وذهب من قال أنه لا يكون مسندا إلى أنهم كانوا يفعلون شيئا ولا يسندون ذلك إلى رسول الله ﷺ إلا ترى أنهم لما اختلفوا فى \"الماء من الماء\" ومن التقاء الختانين وزعم بعضهم أنهم كانوا يفعلون ذلك على عهد رسول الله ﷺ يعنى أنهم لا يغتسلون إلا من الماء١ قال عمر ﵁ أو علمه رسول الله ﷺ فأقركم على ذلك قالوا: لا قال فلا إذا وإنما نحن نقول أن الظاهر من أمر الصحابة أنهم كانوا لا يقدمون على شىء من أمور الدين والنبى ﷺ بين أظهرهم إلا عن أمره وإذنه فصار قولهم كنا نفعل كذا فى زمان النبى ﷺ بمنزلة المسند لهذا الظاهر والظاهر حجة ولأن الصحابة إنما تضيف مثل هذا القول إلى زمان النبى ﷺ لفائدة وهو أن يبين أن النبى ﷺ علم ذلك ولم ينكره ولا فائدة لهذه الإضافة سوى هذا ولو عرف هذا كان هذا القول بمنزلة الخبر المسند كذلك هاهنا وأن شئت عبرت عن هذا فقلت: إذا قال الصحابى كنا نفعل كذا فالظاهر منه أنه قصد بهذا الكلام أن يعلمنا حكما ويفيدنا شرعا ولن يكون كذلك إلا إذا كانوا يفعلونه على عهد رسول الله ﷺ على وجه يظهر له ذلك ولا ينكره وأما الذى ذكروه من اختلاف الصحابة فى الماء من الماء أو من التقاء الختانين فقد كان لا يجب الغسل بالتقاء الختانين فى ابتداء الإسلام ثم نسخ وأوجب به فلما نسخ لم يعلم بعضهم بالنسخ واستمر على ما كان عليه من قبل وقال الاستمرار والاستدامة يجوز أن يخفى أمره فأما الإقدام على ابتداء النهى فلا يفعل ذلك إلا عن إذن النبى ﷺ.\nوأما إذا قال الصحابى قولا لا مجال للاجتهاد فيه فإنه لا يجعل ذلك مسندا إلى النبى ﷺ وقد قال طائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه يجعل بمنزلة المسند.\nوحرفهم فيما ذهبوا إليه هو أن حسن الظن بالصحابة واجب فإذا قال قولا يحسن الظن أنه لم ينقله جزافا وإنما قاله عن طريق فإذا لم يكن للاجتهاد فيه مجال فليس إلا أنه سمعه من النبى ﷺ ونحن نقول أن إثبات الإسناد بهذا لا يمكن لأنهم لم يكونوا.\n_________\n١ اتفق الفقهاء على وجوب الغسل عند التقاء الختانين ولو لم ينزل وخالفهم داود الظاهري وقال لا يجب الغسل ووافق ابن حزم الظاهري رأي الجمهور انظر المغني ١/٢٠٣ المحلى لابن حزم ٢/٢.","vol":"1","page":389},{"text":"يكتمون الأخبار ولا كان ذلك من عادتهم وبعد أن يقول الصحابى قولا ويستمر الزمان به ولقوله حجة من قول النبى ﷺ ولا ينكر.\nببينة: أنه كان من عادتهم الرواية عن النبى ﷺ فيما يعين به من الحوادث إلا ترى أن الأخبار التى ذكرناها من قبل فإنهم رووها عن وقوع الحوادث فلما كانوا يظهرون الأحاديث ويروونها لأقوال غيرهم فكيف كانوا يكتمونها وهى حجة لأقوالهم أما قولهم أن حسن الظن بهم واجب قلنا نعم يجب علينا إحسان الظن بهم ويجب علينا أيضا أن لا نضيف إلى رسول الله ﷺ قولا وفعلا إلا عن تثبت ولا ثبت فى هذا الخبر الذى تظنون ثبوته وعلى أنهم لم يكونوا معصومين عن السهو والغلط فإن نقل عن واحد منهم شىء بخلاف القياس يجوز أن يكون قال عن قياس فاسد أو ظن ظنه ولم يكن صحيحا أو وقع له غلط فيما قاله وزلة فيما صار إليه فعرفنا أنه لا وجه لإثبات الخبر بمجرد ما قالوه وحين ذكرنا ما يكون مسندا أو ما لا يكون مسندا فنذكر بعد هذا ما يتعلق بمعرفة الصحابة ومعرفة طباقتهم بعون الله تعالى.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>فصل: طبقات الصحابة</span>\n...\n[فصل] ١ اعلم أن الصحابة على طبقات.\nفأعلاهم رتبة: العشرة الذين شهد النبى ﷺ لهم بالجنة وأربعة منهم الخلفاء الراشدون٢ وقد ضم إليهم عمر بن عبد العزيز وأول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان على ومن النساء خديجة ومن العبيد بلال ﵃ أجمعين قال أبو عبد الله الحاكم ولا أعلم من أهل التواريخ خلافا فى أنه أول من أسلم على وهذا خطأ من أبى عبد الله الحاكم وللعلماء فى هذا الباب اختلاف ظاهر عندى وذهب جماعة كثيرة إلى أن أبا بكر ﵁ أول من أسلم واستدلوا بشعر حسان بن ثابت وهو\nإذا تذكرت نجوى من أحيى نعيه ... فاذكر أخاك أبا بكر مما فعلا\nالثانى التالى المحمود سيرته ... وأول الناس منهم صدق الرسلا\nوثبت حديث ابن عتبة أنه قدم على النبى ﷺ فقال من تبعك على هذا الأمر، فقال: \"حر وعبد\" ٣ يعنى بالحر أبا بكر وبالعبد بلال وقد قال زيد بن أرقم من الصحابة أن عليا ﵁ أول من أسلم وقال إبراهيم النخعى معارضا لقول.\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ انظر فتح المغيث ٣/٢٩٣.\n٣ أخرجه مسلم المسافرين ١/٥٦٩ ح ٢٩٤/٨٣٢ وابن ماجه الإقامة ١/٤٣٤ ح ١٣٦٤ وأحمد المسند ٤/١٣٨ الحديث عن عمرو بن عبسة.","vol":"1","page":390},{"text":"زيد بن أرقم حين ذكر له قوله قال لا بل أبو بكر ﵁ أول من أسلم وقد أجمل أهل العلم الكلام إجمالا وقالوا: على ما قدمنا.\nوالطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة وذلك أن عمر لما أسلم حمل النبى ﷺ إلى دار الندوة مع جماعة كثيرة من أصحابه قال أبو عبد الله الحافظ وهذا أيضا فيه نظر لأن النبى ﷺ مختفيا فى دار بين الصفا والمروة وهى تعرف بدار الأرقم وهذه الدار معروفة اليوم وجاء عمر ﵁ فأسلم وقصته معروفة فأما الحمل إلى دار الندوة ومعه جماعة من أهل مكة على ما قاله أبو عبد الله الحافظ فلا يعرف.\nوأما الطبقة الثالثة: طائفة هاجروا إلى الحبشة وهى الهجرة الأولى منهم عثمان وجعفر ابن أبى طالب وابن مسعود وجماعة وذكر فيهم حمزة وفيه نظر وجماعة.\nوالطبقة الرابعة: هم الذين بايعوا النبى ﷺ عند العقبة وهؤلاء كانوا من الأنصار ويقال للواحد منهم عقبى.\nوالطبقة الخامسة: هم أصحاب العقبة الثانية قال وأكثرهم من الأنصار وأقول لا بل كلهم من الأنصار وكان الذى أخذ عليه العهد العباس بن عبد المطلب.\nوالطبقة السادسة: المهاجرون الأولون وهم الذين وصلوا إلى النبى ﷺ نقبا أن يدخلوا المدينة.\nوالطبقة السابعة: أهل بدر.\nوالطبقة الثامنة: المهاجرون بين بدر والحديبية.\nوالطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان بالحديبية وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .\nوالطبقة العاشرة: المهاجرون بين الحديبية والفتح منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وقد قال النبى ﷺ فيما روى حين هاجر: \"لقد ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها\" وأبو هريرة الدوسى.\nوالطبقة الحادية عشر: قوم أسلموا يوم الفتح منهم أبو سفيان وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية وقد تآخر إسلام بعض هؤلاء النفر إلى أن فرغ النبى ﷺ من غزوة حنين وفى هذه الطبقة أسلم بعد يوم الفتح إلى وفاة النبى ﷺ وقد قال النبي ﷺ: \"لا هجرة بعد١ الفتح ولكن جهاد ونية\".\n_________\n١ ثبت في الأصل [يوم] .","vol":"1","page":391},{"text":"والطبقة الثانية عشر صبيان رأوا مدة النبى ﷺ وأطفال حملوا إليه كالسائب بن زيد وعبد الله بن ثعلبة بن أبى سعد وعأمر بن واثلة بن أبى الطفيل وابن أبى جحيفة وغيرهم وفى هذا علم كثير يطول ذكره.\nوأما الصحابة الذين تآخر موتهم قال الواقدى آخر من مات بالمدينة من الصحابة سهل بن سعد وكان ابن مائة سنة يوم مات توفى سنة إحدى وتسعين وآخر من مات بالكوفة من الصحابة عبد الله بن أبى أوفى مات سنة ست وثمانين وآخر من مات بالبصرة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ مات سنة إحدى وتسعين وقيل سنة ثلاثة وتسعين وآخر من مات بالشام عبد الله بن بشر سنة ثمان وثمانين وقيل آخر من مات بمكة عبد الله بن عمر سنة ثلاث وسبعين وآخر من مات من روى أبو الطفيل عأمر بن واثلة الكنانى مات من سنة مائة من الهجرة.\nوأما اسم الصحابى فهو من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالت صحبته مع النبى ﷺ وكثرة مجالسته وينبغى أن يطيل المكث معه على طريقة السمع له والأخذ عنه ولهذا يوصف من أطال مجالسته العالم من أصحابه إذا لم يكن على طريق التبع له والأخذ عنه ثم إنما يعلم صحبة النبى ﷺ أما بطريق موجب للعلم وهو خبر التواتر أو بطريق يقتضى غلبة الظن وهو إخبار الثقة وهذا الذى ذكرناه طريق الأصوليين وأما عند أصحاب الحديث فيطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة١ وهذا لشرف منزلة النبى ﷺ.\n_________\n١ اعلم أن الصحابي لغة يقع على من صحب أقل ما يطلق اسم صحبة فضلا عمن طالت صحبته وكثرت مجالسه.\nوفي اصطلاح من رأى النبي مسلما ذو صحبة على الأصح كما ذهب إليه الجمهور من المحدثين والأصوليين وغيرهم اكتفى بمجرد الرؤية ولو لحظة وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة لشرف منزلة النبي ﷺ وممن نص على الاكتفاء بها أحمد فإنه قال: من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه وكذا قال ابن المديني من صحب النبي ﷺ أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي ﷺ وتبعهما تلميذهما البخاري فقال: من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من اصحابه قيل: ويرد على ذلك توقف معرفة الشيء على نفسه فيدور لأ، صحب يتوقف على الصحابي وبالعكس لكن يمكن أن يقال مرادهم بصحب الصحبة اللغوية والصحابي المعنى الاصطلاحي على أن القاضي أبا بكر بن الطيب الباقلاني قال: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصحابي مشتق من الصحبة جاز على كل من صحب غيره قليلا أو كثيرا يقال: صحبه شهرا ويوما وساعة قال........=","vol":"1","page":392},{"text":"أعطوا الكل ممن يراه حكم الصحبة ولأن النبى ﷺ قال: \"طوبى لمن رآنى ولمن رأى من رآنى\" فالأول هم الصحابة والثانى هم التابعون ولأنه ﵇ قال: \"خير الناس قرنى الذى بعثت فيهم\" وأراد بهم الصحابة فكل من روى عنه أو رآه فهو قرنه الذى بعث فيه إلا أنه مع هذا لا بد من رؤية أو رواية للإجماع.\nوأما التابعون فعلى طبقات فالطبقة الأولى منهم قوم لحقوا العشرة أو أكثرهم كسعيد ابن المسيب هكذا قال أبو عبد الله الحاكم وحكاه الأستاذ أبو منصور البغدادى وتبعه وهذا خطأ لأن سعيد بن المسيب لا يصح له رواية عن أحد من العشرة إلا عن سعد بن أبى وقاص وولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁ وتوفى سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثلاث وتسعين نعم قد قيل أن سعيد بن المسيب أفقه أهل الحجاز فى زمانه ويقال أنه أعلم التابعين بقضاء عمر وأما الذين أدركوا العشرة أو أكثر العشرة فجماعة من التابعين من أهل الكوفة والبصرة مثل قيس بن أبى حازم ومسروق بن الأجدع وأبى عمرو الشيبانى وعمرو بن ميمون وعلقمة بن قيس وأبى وائل شقيق بن سلمة وأبى رجاء العطاردى وأبى عثمان النهدى وأبى شاشان حصين بن المنذر الرقاشى وغيرهم وقد خرج التابعون على خمسة عشر طبقة آخرهم من لقى أنس بن مالك والسائب بن يزيد وأبا أمامة الباهلى وواثلة بن الأسقع وغيرهم وهذا علم كبير وذكره يطول وقد.\n_________\n= وهذا يوجب حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي ﷺ ولو ساعة هذا هو الأصل قال: ومع هذا فقد تقرر للأمة عرف أنهم لا يستعملون إلا فيمن كثرت صحبته وذكر المذهب الثاني وكذا قال صاحبه الخطيب أيضا لا خلاف بين أهل اللغة أن الصحبة التي اشتق منها الصحابي لا تحد بزمن بل يقول صحبته سنة وصحبته ساعة ولذا قال النووي في مقدمة شرح مسلم عقب كلام القاضي أبي بكر: وبه يستدل على ترجيح مذهب المحدثين فإن هذا الإمام قد نقل عن أهل اللغة أن الأحسن يتناول صحبته ساعة أو أكثر وأهل الحديث قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وفق اللغة فوجب المصير إليه قلت: إلا أن الإسلام لا يشترط في اللغة والكفار لا يدخلون في اسم الصحبة بالاتفاق وإن رأوه ﷺ وقال ابن الجوزي: الصحبة تطلق ويراد مطلقها وهو المراد في التعريف وتأكيدها بحيث يشتهر به وهي المشتملة على المحافظة والمعاشرة فإذا قلت: فلان صاحب فلان لم ينصرف يعني عرفا إلا للمؤكدة كخادم فلان وقال الأموي: الأشبه أن الصحابي من رآه وحكاه عن أحمد وأكثر أصحابنا واختاره ابن الحاجب أيضا لأن الصحبة تعم القليل والكثير فلو حلف أن لا يصحبه حنث بلحظة.\nويشمل الصحابي الأحرار والموالي والذكور والإناث لأن المراد به الجنس انظر فتح المغيث ٢/٧٩، ٨٠.","vol":"1","page":393},{"text":"صنف فيه ابن المدينى ومسلم بن الحجاج وغيرهم وأما الفقهاء السبعة من أهل المدينة فسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبى بكر وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد بن ثابت وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار وقد أبدل بعضهم بأبى سلمة وخارجة سالم بن عبد الله بن عمر وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وفى المتقدمين من التابعين قوم أدركوا وفاة رسول الله ﷺ وأسلموا من بعده وأسلموا فى زمانه ولم يروه مثل الأحنف بن قيس وسويد بن غفلة وعمرو بن ميمون وأبى وائل وأبى عثمان النهدى وغيرهم والأئمة المرجوع إليهم فى علم الحديث مالك بن أنس بالحجاز وسفيان الثورى بالعراق والأوزاعى بالشام والليث بن سعد بمصر وعبد الله بن المبارك بخراسان وكانت أعصارهم متقاربة وقد أجمعوا الرواية والدراية ولم يقابلهم أحد فى زمانهم وقيل أن الذين نشروا علم الحديث فى العالم قبل هؤلاء ستة نفر اثنان بالحجاز واثنان بالكوفة واثنان بالبصرة فاللذان بالحجاز الزهرى وعمرو ابن دينار واللذان بالكوفة أبو إسحاق السبيعى والأعمش واللذان بالبصرة قتادة ويحيى بن أبى كثير فمن هؤلاء الستة انتشر أكثر علم الحديث فى الدنيا وقد ذكرنا من قبل من يرجع إليهم فى الجرح والتعديل وفيهم كثرة وقد اقتصرنا على ما قدمنا.\nوأما الكتب التى تعتمد فى الحديث فأول ذلك الجامع الصحيح عن البخارى ثم الصحيح عن مسلم بن الحجاج القشيرى وكتاب السنة عن أبى داود والجامع عن أبى عيسى الترمذى وكتاب ابن أبى عوانة وكتاب أبو عبد الرحمن النسائى وكتاب الصحيح عن أبى العباس الدعولى وقد صنف أبو حاتم بن حبان كتابا سماه الصحيح جمع فيه الكثير وليس فى الصحة والتثبت مثل هذه الكتب وأولى هذه الكتب بالاعتماد صحيح البخارى وقد قيل أن ما فيه مقطوع بصحته عن النبى ﷺ وقد اختلف أن الحديث فى أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر وقال أبو بكر بن أبى شيبة أصح الأسانيد الزهرى عن على بن الحسين عن أبيه عن على وقال آخرون أصح الأسانيد سفيان الثورى عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله وقيل أصحها ابن سيرين عن عبيد عن على وقيل أصحها الزهرى عن سالم عن أبيه واعلم أن أصح أسانيد أهل البيت جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على أن كان الراوى عن جعفر ثقة وأصح أسانيد أبى بكر الصديق ﵁ إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى بكر ﵁ وأصح أسانيد عمر ﵁ عن الزهرى عن سالم عن.","vol":"1","page":394},{"text":"أبيه عن عمر وأصح أسانيد ابن مسعود إبراهيم عن علقمة عن عبد الله والأعمش عن أبى وائل عن عبد الله وأصح أسانيد أبى هريرة ﵁ الزهرى عن ابن المسيب عن أبى هريرة وقيل أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة ﵁ ولعبد الله بن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ولعائشة ﵂ هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة ويقال لهذا ترجمة مشتبكة بالذهب وكذلك الزهرى عن عروة عن عائشة ولجابر سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر وجعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ولأنس شعبة عن قتادة عن أنس ومالك عن الزهرى عن أنس وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر وابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وأصح أسانيد المدنيين ما ذكرنا مالك عن نافع عن ابن عمر وأبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة والزهرى عن سالم عن أبيه والزهرى عن عروة عن عائشة وأصح أسانيد الكوفيين سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله والأعمش عن أبى وائل عن عبد الله وأصح أسانيد البصريين شعبة عن قتادة عن أنس وابن عون عن ابن سيرين عن أبى هريرة وأصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبى هريرة وأصح أسانيد المصريين الليث بن سعد عن يزيد ابن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عأمر وأصح أسانيد الخراسانيين الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وهؤلاء مراوزة وعلى هذا الترتيب أوهى أسانيد الصديق صدقه بن موسى عن فرقد السبخى عن مرة الطبيب عن أبى بكر وأوهى أسانيد العمريين محمد بن القاسم عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم عن أبيه عن جده وأوهى أسانيد أبى هريرة المسرى بن إسماعيل عن داود بن زيد الأودلى عن أبيه عن أبى هريرة وأوهى أسانيد ابن مسعود شريك عن أبى زرارة عن أبى زيد والحمل فيه على أبى زيد وأما أبو زرارة راشد بن كيسان ثقة قال الحاكم وأوهى أسانيد أنس داود بن المحبر عن أبيه عن أبان عن أبي عياش عن أنس وأوهى أسانيد المكيين عبد الله بن ميمون القداح عن شهاب بن جابر عن إبراهيم بن يزيد الخودى عن عكرمة عن ابن عباس وأوهى أسانيد اليمانيين حفص بن عمر العدنى عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس وأوهى أسانيد الشاميين محمد بن قيس المصلوب عن عبد الله ابن رخو عن القاسم عن أبى أمامة وأوهى أسانيد المصريين أحمد بن الحجاج بن رشدين.","vol":"1","page":395},{"text":"ابن سعد عن أبيه عن جده عن مرة بن عبد الرحمن عن كل من روى عنه وأوهى أسانيد الخراسانيين عبد الله بن عبد الرحمن بن مليحة عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس نقلت على ما أورده الحاكم أبو عبد الله فى كتاب علوم الحديث.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>فصل: أقسام الصحيح من الأخبار</span>\n...\nفصل وذكر أبو زيد فصل فى أقسام الصحيح من الأخبار وقال:\nالأخبار التى يعمل بها ضربان مشهور وغريب قال:\nوالمشهور ضربان.\nأحدهما ما اشتهر وبلغ حد التواتر.\nوالآخر ما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر.\nوالغريب نوعان.\nأحدهما ما لم يشتهر ولكن لم يبلغ حد الاستنكار.\nوالآخر ما بلغ حد الاستنكار.\nثم قال أما المتواتر فحده ما اتصل بك عن المخبر اتصالا لا يبقى لك فيه شبهة كما يتصل تعليل من طريق السماع من المخبر عنه ثم قال وقد قال بعض الناس أن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين وإنما يوجب علم طمأنينة.\nوذكر ما نقله اليهود أن عيسى ﵇ قد قتل وقد ذكرنا من قبل الكلام فى هذا وذكرنا أن المتواتر من الأخبار يوجب علم الضرورة وأجبنا عن ما قاله اليهود.\nوأما المشهور فحده ما كان أوسطه وآخره على حد التواتر وأوله على حد الخبر الواحد وذكر عن أبى بكر الرازى أن هذا أحد قسمى التواتر لأنا نجد العلم فى أنفسنا بكل واحد منهما بلا اضطراب أنفسنا فى ذلك إلا أن العلم الأول يقع على اضطراره ولا مرد له فى النفوس والثانى يقع عن استدلال كما يكون مثله عن العقليات الموجبة للعلم فإن العلم بالمحسوسات عن اضطراب والعلم بالصانع عن الاستدلال قال عيسى بن أبان الخبر على ثلاثة أقسام قسم يضل جاحده كخبر الرجم وقسم يخشى المأثم على جاحده ولا يضله كخبر المسح على الخفين وقسم لا يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التى رويت فى مسائل الخلاف التى اختلفت العلماء فيها فلم يكف عيسى بن أبان من جحد المشهور ثم جعل المشهور بعضه فوق بعض فى المرتبة وهو الصحيح عندنا ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن الخبر المشهور علم طمأنينة.","vol":"1","page":396},{"text":"وعن الخبر الغريب علم يغالب الرأى وعن الغريب المستند علم ظن فهذه أربع مراتب تثبت الأخبار.\nوالدليل على هذا أن المشهور لما لم يتصل برسول الله ﷺ على وجه التواتر ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة بالاتصال إلا أنها لما اشتهرت فى السلف وتواترت ولم يظهر رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعلم والعمل بها.\nقال والمشهور على هذا الوجه حجة يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى ويجوز نسخ الآية بها لأن السلف كانوا أئمة الدين وإجماعهم حجة ولم يكن فيهم تهمة ما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى زدنا على كتاب الله الرجم وزدنا تحريم العمة على ابنة الأخ وابنة الأخت على العمة وكذا فى الخالة وابنة الأخت على كتاب الله تعالى وزدنا على أعضاء الوضوء الخف بالسنة والشائع على صوم كفارة اليمين والزيادة عندنا تجرى مجرى النسخ إلا أنا نفينا مع هذا شبهة الآحاد فلم نكفر جاحده وحططنا رتبته عن رتبة المتواتر فصار المتواتر علما يقينا من طريق الضرورة والمشهور يوجب علم اليقين أيضا إلا أن السامع متى تأمله حق تأمله وجد فى أوله ما يوجب ضرب شبهة فى آخره وكان دون العلم الواقع بالتواتر.\nقال وأما الغريب المقبول فما اختلفت الفقهاء خلفا وسلفا فى أحكام الحوادث على ما ورد أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل وهو حسب اختلافهم فى المقاييس المتعارضة.\nوأما الغريب المستنكر فنحو ما ذكرناه من الوجوه التى رد السلف بها الأخبار وربما يخشى الإثم على العامل به كما خشينا الإثم على تارك المشهور لأنه قرب من اليقين وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحرى الحق كالذى تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة على تحرى فلبه بلا دليل فهذا كلامه ذكرته على الاختصار وتركت كثيرا مما قاله لأنه لم يكن فيه شىء يستفاد.\nواعلم أن عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته والذى قال من المشهور والغريب فلا ننكر أن فى الأخبار ما هو غريب ومنها ما هو مشهور ولكن لا يعرف المشهور من الغريب بإشهاره عند الفقهاء وعدم اشتهاره عندهم لأنه رب خبر اشتهر عند الفقهاء وأهل الحديث لا يحكمون بصحته وهو مثل ما يروون: \"لا وصية لوارث\" ١.\n_________\n١ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":397},{"text":"ويروون: \"لا تجتمع أمتى على الضلالة\" ١ ويروون: \"أنت ومالك لأبيك\" ٢ ويروون: \"لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد\" ٣ ويروون: \"المكاتب عبد ما بقى عليه درهم\" ٤ وهذه أخبار لم يحكم أهل الحديث بصحة شىء منها ورب خبر كان غريبا عند الفقهاء وقد حكم أهل الصنعة بصحته وأما الذى قال أن الخبر الذى تلقته الأئمة بالقبول فهو موجب للعلم فقد ذكرنا من قبل والذى قال أن العلم الواقع به علم طمأنينة والعلم الواقع بخبر التواتر علم ضرورة هذا تفريق ولا علم فوق علم يطمئن به القلب نعم يجوز أن يقال فى الجملة للمتواتر رتبة زائدة على الخبر الذى ليس بمتواتر لكن تلقته الأئمة بالقبول كما أن للعيان رتبة زائدة على ما نعلم بالخبر وأن تواتر الخبر لكن عدا التفاوت يعرف فى ابتداء البداهة فإن لبداهة العيان ما ليس للخبر وأن وقع به العلم إلا ترى أن موسى ﵇ لما رأى قومه قد طافوا بالعجل يعبدونه ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه وقد كان الله تعالى أخبره بأنهم اتخذوا العجل إلها ولم يتغير فى تلك الحالة وأن كان وقع له العلم الضرورى بخبر الله تعالى له بذلك ولكن للعيان من التأثير والتمكن فى القلب ما ليس فى الخبر وهذا معنى قوله ﵇ ليس الخبر كالمعاينة كذلك يجوز أن يكون الخبر المتواتر الذى يسمعه فى الابتداء عن الجمع العظيم من التمكن فى القلب ما لا يكون للخبر الواحد وأن اتفقت الأمة على قبوله فإن أراد بالتفاوت هذا القدر فهو صحيح والذى قال من الترتيب فى قوله أن الخبر كذا يضل بتركه وخبر كذا يخشى أن يأثم بتركه وفى الخبر الثالث لا يخشى فالأصوليون لا يعرفون واسطة ثالثة بين الخبر الموجب للعلم والخبر الذى لا يوجب العلم فإن قال قائل شيئا ودل عليه الدليل يقبل وما لا يدل عليه الدليل فهو.\n_________\n١ أخرجه الترمذي الفتن ٤/٤٦٦ ح ٢١٦٧ وقال: حديث غريب بلفظ \"إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة\" وابن ماجه الفتن ٢/١٣٠٣ ح ٣٩٥٠ بلفظ \"إن أمتي لا تجتمع على ضلالة\" والحاكم في المستدرك ١/١١٥ - ١١٦.\n٢ أخرجه أبو داود البيوع ٣/٢٨٧ ح ٣٥٣٠ بلفظ \"أنت ومالك لوالدك\" وابن ماجه التجارات ٢/٧٦٩ ح ٢٢٩١ ٢٢٩٢ وأحمد المسند ٢/٢٤٧ ح ٦٩١٦.\n٣ أخرجه الدارقطني سننه ١/٤٢٠ ح ٢ والبيهقي في الكبرى ٣/١٥٧ باب المأموم يصلي خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد وبينهما حائل والحاكم في المستدرك ١/٢٤٦ انظر نصب الراية ٤/٤١٢.\n٤ أخرجه أبو داود العتق ٤/١٩ ح ٣٩٢٦ انظر نصب الراية ٤/١٤٣.","vol":"1","page":398},{"text":"مردود وأما الغريب الذى لا يستنكر والغريب الذى يستنكر فهو أيضا إلى أهل الصنعة.\nوأنا أعلم قطعا أنه لم يكن فى هذا العلم حظ أعنى العلم بصحيح الأخبار وسقيمها ومشهور الأخبار وغريبها ومنكراتها وغير منكراتها لأن هذا أمر يدور على معرفة الرواة ولا يمكن أن يقترب من مثل هذا بالذكاء والفطنة فكان الأولى به عفا الله عنه أن يترك الخوض فى هذا الفن ويحيله على أهله فإن من خاض فيما ليس من شأنه فأقل ما يصيبه افتضاحه عند أهله وليست العبرة بقبول الجهلة وأن لكل ساقطة لاقطة ولكن ضالة ناشد ولكن العبرة فى كل علم بأهله إلا ذهن ولكل عمل رجال فينبغى أن يسلم لهم ذلك.\nفإن قال قائل فما حد الخبر الصحيح عندكم قلنا قد ذكرنا من قبل رجاله وكتبه فالأمر بالتصحيح والتمريض إليهم وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتاب علوم الحديث أن صفة الصحيح أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابى مشهور بالصحبة ويروى عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا وقد قالوا: أن الصحيح لا يعرف بالرواية من الثقات فقط وإنما بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس للمعرفة به معين مثل المذاكرة مع أهل العلم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث واعلم أن الشرط الذى شرطوه وهو أن يرويه اثنان من التابعين لا يعرفه الفقهاء لأن عند الفقهاء أن رواية الواحد مقبولة وإذا كان ثقة فحكم بصحة الخبر وقد ذهب بعض المتكلمين إلى شرط العدد وليس بشىء لما ذكرنا من إجماع الصحابة على رواية الراوى الواحد فأما أهل الحديث شرطوا هذا العدد لأنه شرط فى الصحة إلا أنهم يسمون ما نقله الواحد من الواحد الصحيح الغريب ويجعلون ما نقله الاثنان فما زاد وتداوله أهل الرواية بالقبول على ما مضى من القرون الصحيح المطلق أو الصحيح المشهور ولهم أسامى فى هذا الباب وألفاظ تواضعوا عليها لمعانى يحتاجون إليها وذكر ذلك يطول ويمل منه الناس فاقتصرنا على هذا والله أعلم.\nمسألة الزيادة إذا انفرد بها الراوى الثقة:\nيقبل عند آخر وكذلك فى قبول عامة الفقهاء١ وكذلك إذا رفع إلى الرجل الثقة.\n_________\n١ اعلم أنه إذا روى الحديث اثنان فأكثر وانفرد أحدهم بزيادة لم يروها الآخرون وكان المنفرد بالزيادة عدلا ثقة فلا يخلو إما أن تكون الزيادة للمزيد عليه بحيث لا يمكن الجمع بينهما أو ليست مخالفة له فإن كانت الزيادة مخالفة للمزيد عليه ولا يمكن الجمع بينهما.............","vol":"1","page":399},{"text":"حديثا ووقفه غيره فالقول قول من رفع وكان حجة مقبولة على قول من ذكرناهم وذهب جماعة من أصحاب الحديث إلى أن الواحد إذا كان انفرد بزيادة من بين جملة الرواة حمل الأمر فى هذه الزيادة على الغلط وكذلك إذا رفع الواحد حديثا ووقفه أصحابه يتوقف فى الحديث واحتج من رد رواية المنفرد وقال أن ضبط الراوى إنما يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فإذا لم يوافقوه فى الرواية لم يعرف ضبطه وأيضا فإن الجماعة لو.\n_________\n= كان متعارضين وهذا حكم الدليلين المتعارضن وإن كانت الزيادة غير مختلفة للمزيد عليه فلا يخلو إما أن يعلم تعدد المجالس أو يعلم عدم تعددها أو لا يعلم واحد منهما.\nأولا: فإن علم تعدد المجالس قبلت تلك الزيادة اتفاقا وذلك هو المقتضى لقبول روايته وترك الغير لتلك الزيادة لا يقدح في قبولها لجواز أن تكون الزيادة وقعت في مجلس لم يحضره من تركها ومتى وجد المقتضى للقبول وانتفى المانع عمل بالمقتضى لسلامته عن المعارض فتقبل تلك الزيادة.\nثانيا: أما إن علم عدد المجلس بأن كان المجلس واحدا فإما أن يكون تاركوا الزيادة ممن لا يجوز عليهم الغفلة عنها بأن كانوا عدد التواتر أو ممن يجواز عليهم ذلك.\nفإن كانوا ممن لا تجوز عليهم الغفلة عن تلك الزيادة لم تقبل لأن تطرق الخطأ إلى راوي الزيادة أولى من تطرق الخطاء إليهم.\nوإن كانوا ممن يجوز عليهم الذهول والغفلة عنها - فجمهور الفقهاء والمتكلمين يقولون: تقبل تلك الزيادة لأن الراوي عدل ثقة وعدم رواية الغير لها يجوز أن يكون لأنه دخل المجلس بعد أن قبلت تلك الزيادة فيكون قد سمع بعض الحديث ولم يسمع البعض الآخر ويجوز أن يكون لخروج من المجلس قبل أن يسمع تلك الزيادة أو أن يكون قد ذهل عن سماعها وهذه كلهم احتمالات لا تقدح في راوي الزيادة لأنها لا تنفي سماعه لها وبذلك يكون المقتضى قد سلم عن المعارض فوجب العمل به.\nوقال بعض العلماء لا تقبل الزيادة مطلقا.\nوفصل البعض بين أن يكون الساكت عن الزيادة واحدا فتقبل الزيادة وأن يكون الساكت جماعة فلا تقبل منهم.\nثالثا: أما إن جهل الحال فلم يعلم تعدد المجالس ولا اتحادها فقال الآمدي: يكون الحكم في هذه الحالة كالحكم عند اتحاد المجلس بل يكون قبول الزيادة هنا أولى لاحتمال اختلاف المجالس.\nالمثال قوله ﵇ \"زكاة الفطر واجبة على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين\" فإن التقييد بالمسلمين زيادة تفرد بها مالك ﵁ عن باقي الرواة انظر نهاية السول ٣/٢١٧، ٢١٨ إحكام الأحكام للآمدي ٢/١٥٤ انظر المحصول ٢/٢٣٣ روضة الناظر ١١٠ المعتمد ٢/١٢٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٣٩، ١٤٠.","vol":"1","page":400},{"text":"كانوا فى مجلس فنقلوا عن واحد كلاما وانفرد واحد بزيادة على الباقين مع كثرتهم وشدة عنايتهم بما سمعوه وطرحوه لأطرح السامعون تلك الرواية ولم يقبلوها وأيضا فإن الجماعة لو وافقوا هذا الراوى الواحد يقوى بموافقتهم خبره إلا إذا خالفوه أن يضعف خبره وأما دليلنا فنقول الراوى للزيادة ممن يجب قبول خبره ولا معارض لروايته فيجب قبولها كما لو انفرد برواية الحديث ولم يروه غيره معه وإنما قلنا أن من يقبل خبره لأنه اجتمع فيه العدالة والضبط وجميع الصفات المطلوبة وإنما قلنا لا معارض لروايته لأن التارك لرواية الزيادة لم ينفها ولا معنى.\nأما قولنا لم ينفها لفظا فبين وأما قولنا لم ينفها معنى فلأنه لبس ألا ترى أنه لم يرو هذه الزيادة وتركه رواية هذه الزيادة لبس يجب فيه أن يكون لنفيه إياها بل يجوز أنه لم يروها لسهو اعتراه حين تكلم به النبى ﷺ أو لشغل قلب أو تشاغل بعطاس أو أصغى إلى كلام آخر فإذا جاز كل هذا بطل قول من قال أن التارك للزيادة نفاها معنى واعلم أن على موجب هذه الدلالة ينبغى أن يقال أن الذى ترك رواية الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا بجماعتهم عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا أن لا يقبل رواية راوى الزيادة فإن قيل نعم تجوز هذه الوجوه التى ذكرتها ويجوز أيضا أن يكون هذا الراوى الواحد غلط فى السماع فتوهم أنه سمع تلك الزيادة من النبى ﷺ ولم يكن سمعها قيل له سهو الإنسان عما سمعه وتشاغله عن سماع ما جرى بمشهد منه يكثر وأما توهم الإنسان أنه سمع شيئا ولم يكن سمعه وأن كان يجوز ولكن يندر جدا لا يلتفت إليه وقد قال الأصحاب أن الزيادة التى ينفرد بها الثقة بمنزلة الخبر الذى ينفرد الثقة بروايته فإن لم تقبل روايته لهذه الزيادة وجب إلا يقبل روايته لخبر ينفرد بروايته فإن قيل قول من يثبت الزيادة يعارض قول من ينفيها قلنا قد أجبنا عن هذا وهذا لأن القول لا يعارض بالسكوت وإنما سبيل المحدثين إذا زاد أحدهما سبيل شهود شهد بعضهم على رجل أنه أقر له فى مجلس بدرهم وشهد آخرون أنه اقر فى ذلك المجلس بدرهم ودينار فالشهادتان جميعا مقبولتان وثبت الدينار مع الدرهم ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء وكذلك لم يختلف الفقهاء أن الشاهدين لو شهدوا على رجل أنه طلق امرأته فى مجلس وشهد جماعة أنهم كانوا حاضرين ولم يسمعوا طلاقها أن شهادة الشاهدين بالطلاق مقبولة ويثبت ما شهدوا عليه واعلم أن هذا الدليل يقتضى أن الراوى الواحد إذا كان ثقة وروى الزيادة وقد كان فى المجلس جماعة لم يرووها أن يقبل رواية من.","vol":"1","page":401},{"text":"روى الزيادة ومن حيث المعنى الأول أولى قال الشافعى رحمة الله عليه من قبل القراءة الشاذة فى كتاب الله تعالى مع أن طريق ثبوته التواتر ورد الزيادة فى الحديث إذا انفرد الثقة العدل بها فقد ناقض فأما الذين قالوا: أن ترك ضابط آخر رواية هذه الزيادة يدل على غلط الأول قلنا هذا لا يصح لأنه لو لم يثبت ضبط الإنسان إلا بموافقته ضابط آخر أدى إلى ما لا نهاية له ولم يعرف أحد وأما الثانى الذى قالوه قلنا قد بينا أن الذى ترك الرواية لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغى أن لا يقبل رواية هذا الواحد ذلك فينبغى أن يقول الجماعة إنهم لم يسمعوه فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم وأما قولهم أن الضابط لو وافق هذا الراوى أوجبت القوة فإذا لم يوافق أوجب الضعف قلنا ولم هذا لأنه بإمساكه رواية الزيادة ليس بمخالف لأنه ليس نافى لها على ما سبق ويقال لهم أيضا لم إذا كانت مشاركة الرواة له فى الزيادة موجب قوة خبره وجب إذا لم يشاركوه ينتقض تلك القوة إلى ضعف موجب إسقاط الرواية إلا ترى أن الراوى الواحد لو شارك جماعة فى رواية خبره أوجب ذلك قوة فى خبره ثم إذا لم يشاركوه فى الرواية لم يوجب ضعفا فى خبره يوجب إسقاط روايته واعلم أنه لا فرق فى هذه المسألة بين أن يسند الراوى الزيادة والتارك للزيادة ما رواه إلى مجلس واحد أو إلى مجلسين أو مطلقا إطلاقا ففى هذه الصورة كلها يقبل إلا فى الصورة التى ذكرنا فى أثناء المسألة ونذكر صورا من هذه الأخبار التى تفرد الراوي الواحد فيها بزيادة فمن ذلك حديث مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبى عمرو الشيبانى عن عبد الله بن مسعود قال سئل رسول الله ﷺ أى الأعمال أفضل قال: \"الصلاة لوقتها\" ١ ثم روى الحسن بن مكرم وبندار عن عثمان بن عمرو بندار عن غيره عن مالك بن مغول هذا الخبر وذكر أن النبى ﷺ قال: \"الصلاة لأول وقتها\" ٢ وكانت هذه الزيادة مقبولة لأن الحسن بن مكرم وبندارا ثقتان ومثال ذلك أيضا ما حدث ابن عمر فى صدقة الفطر رواه جماعة من الثقات أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري التوحيد ١٣/٥١٩ ح ٧٥٣٤ ومسلم الإيمان ١/٨٩ ح ١٣٧/٨٥.\n٢ أخرجه الترمذي الصلاة ١/٣١٩ ح ١٧٠ وأحمد المسند ٢/٤٠٥ ح ٢٧١٧٠ انظر تلخيص الحبير ١/١٩١ - ١٩٢.\n٣ أخرجه البخاري زكاة ٣/٤٣٠ ومسلم الزكاة ٢/٦٧٧ ح ١٢/٩٨٤.","vol":"1","page":402},{"text":"ثم روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وزاد صاعا من قمح ومثال ذلك أيضا حديث ابن عمر أن النبى ﷺ قال: \"من شرب من إناء ذهب أو فضة فإنما يجرجر فى بطنه نار جهنم\" ١ ثم روى يحيى بن محمد الحارثى حديث زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا الخبر وزاد فيه: \"أو إناء فيه شىء كتلك\" ومثال ذلك أيضا حديث أبى هريرة عن النبى ﷺ فى قوله: \"قسمت الصلاة بينى وبين عبدى فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدنى عبدى\" وهو خبر صحيح ثم روى عبد الله بن زياد ابن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة الخبر وذكر فيه \"فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى ذكرنى عبدى\" ٢ وقد تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن زياد وفيه مقال ومثال ما ذكرنا أيضا حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهرى عن عروة عن عائشة ﵂ وعن أبيها أن النبى ﷺ قال: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها\" ٣ الخبر ثم روى إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقى حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقى حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ابن جريج الخبر وزاد فيه: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدى عدل فنكاحها باطل\" ٤ والخبر محفوظ وهذه الزيادة بهذا الإسناد والله أعلم بها فإن قيل أليس الشافعى قد وهن حديث السقاية لانفراد سعيد بن أبى عروبة بها ومخالفة أصحابه إياه فى هذه اللفظة قلنا هذا لا يشبه ما ضربنا من الأمثلة لأن سعيد بن أبى عروبة روى مطلقا وغيره روى الخبر وقال قال قتادة يستسعى غير مشقوق عليه غير حديث رسول الله ﷺ من قول قتادة فيكون هذا الراوى قد ضبط ما خفى على الآخر فلا يكون هذا شبيها بمسألتنا بل قد جرد ما قلنا واستمر وتكون هذه الرواية على وفق ما سمعناه والله أعلم.\n_________\n١ أخرجه الطبراني في الأوسط ٤/٢٧٧ ح ٤١٨٩ وقال الحافظ الهيثمي وفيه العلاء بن برد بن سنان ضعفه أحمد وعزاه أيضا إلى الطبراني في الصغير انظر مجمع الزوائد ٥/٨٩.\n٢ أخرجه مسلم الصلاة ١/٢٩٦ ح ٣٨/٣٩٥ والترمذي التفسير ٥/٢٠١ ح ٢٩٥٣.\n٣ أخرجه أبو داود النكاح ٢/٢٣٥ ح ٢٠٨٣ والترمذي النكاح ٣/٣٩٨ ح ١١٠٢ وقال حديث حسن والدارمي النكاح ٢/١٨٥ ح ٢١٨٤ وأحمد المسند ٦/١٨٥ ح ٢٥٣٨٠.\n٤ الحديث بلفظ \"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل.\" أخرجه ابن حبان ١٢٤٧/موارد انظر نصب الراية ٣/١٦٧.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>فصل: فى معرفة الترجيح بين الأخبار المتعارضة</span>.\nاعلم أنه إذا تعارض خبران فلا يخلوا أما أن يمكن الجمع بينهما أو يمكن ترتيب أحدهما على الآخر فى الاستعمال فإنه يفعل أيضا فإن لم يمكن وأمكن نسخ أحدهما بالآخر فإنه يفعل فإن لم يمكن رجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح ومثال الخبرين المتعارضين الذى يمكن استعمالهما ما روى أن النبى ﷺ قال: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" ١ وقال النبى ﷺ: \"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب\" ٢ فيحمل الحظر على ما قبل الدباغ والإباحة على ما بعد الدباغ فيستعمل السنتان على الوجه الممكن ولأنه يطرح أحدهما بالآخر.\nوأما ترتيب أحد الخبرين على الآخر فهو مثل الخاص والعام إذا تعارضا يرتب العام على الخاص وقد ذكرنا هذه المسألة.\nوأما الناسخ والمنسوخ فكثير وسيأتى بيانه.\nوأما الترجيح لأحد خبرين على الآخر فيدخل من جهة الإسناد ويدخل من جهة المتن.\nفأما الترجيح من جهة الإسناد فمن وجوه.\nأحدها أن يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا٣ فنقدم رواية الكبير لأنه يكون أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته على رواية أنس فى إفراد الحج وقرانه مع العمرة فقال أن أنسا كان صغيرا يتولج على النساء وهن منكشفات وأنا أخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ.\n_________\n١ أخرجه مسلم الحيض ١/٢٧٧ ح ١٠٥/٣٦٦ وأبو داود اللباس ٤/٦٥ ح ٢٣/٤ ولفظهما: \"إذا دبغ الإهاب فقد طهر\" والترمذي اللباس ٤/٢٢١ ح ١٧٢٨ ولفظ الحديث عنده والنسائي الفرع ٧/١٥١ باب جلود الميتة والدارمي الأضاحي ٢/١١٧ ح ١٩٨٥.\n٢ أخرجه أبو داود اللباس ٤/٦٦ ح ٤١٢٨ والترمذي اللباس ٤/٢٢٢ ح ١٧٢٩ وقال حديث حسن والنسائي الفرع ٧/١٥٤ باب ما يدبغ به جلود الميتة وابن ماجه اللباس ٢/١١٩٤ ح ٣٦١٣ وأحمد المسند ٤/٣٨١ ح ١٨٨٠٥.\n٣ المحصول ٢/٤٥٧ إحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٢٧ نهاية السول ٤/٤٧٥ المستصفى ٢/٣٩٥.","vol":"1","page":404},{"text":"فيسيل على لعابها.\nوالثانى: أن يكون أفقه فتقدم روايته على من دونه فى الفقه لأنه أعرف بما سمع١.\nوالثالث: أن يكون أقرب إلى رسول الله ﷺ فيكون أولى لأنه يكون أوعى لما سمعه.\nوالرابع: أن يكون أحدهما باشر القصة أو تعلق القصة به٢ فيقدم روايته لأنه أعرف بالقصة من الأجنبى عنه ومثال هذا فى مسألة نكاح المحرم ورواية أبى نافع أن النبى ﷺ كان حلالا٣ وكذلك رواية ميمونة٤ فيكون أولى من رواية ابن عباس أنه كان محرما٥.\nوالخامس: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فتقدم على الخبر الذى يكون أقل رواة ومن أصحابنا من قال لا يقدم كما لا يقدم الشهادة بكثرة العدد٦ وكذلك لا يقدم أحد الفتويين بكثرة المفتين والأول أصح لأن الترجيح يكون بوجود قوة فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر ومعلوم أن كثرة الرواة نوع قوة فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر لأن قول الجماعة أقوى فى الظن وأبعد من السهو من قول الواحد وأيضا أقرب إلى إفادة العلم وهو إذا بلغ عددا يقع به تواتر الخبر وأما الشهادة والفتوى فقد منعوا والمذهب التسليم والفرق بين الرواية والشهادة مقدرة فى الشرع بعدد معلوم فكفينا الاجتهاد فيها وأما الرواية فقد بنى أمرها على الاجتهاد وفى الرواة يوجد إذا كثروا ما لا يوجد إذا قلوا وهو سكون النفس من طمأنينتها فإنه يوجد عند كثرة الرواة ما لا يوجد عند قلتهم.\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٤٥٤ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٧، ٣٢٨ نهاية السول ٤/٤٧٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٦.\n٢ انظر المحصول ٢/٤٥٤ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٧ نهاية السول ٤/٤٧٨ روضة الناظر ٣٤٩ المستصفى ٢/٣٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٦.\n٣ أخرجه الترمذي الحج ٣/١٩١ ح ٨٤١ وقال حديث حسن.\n٤ أخرجه مسلم النكاح ٢/١٠٣٢ ح ٤٨/١٤١١ وأبو داود المناسك ٢/١٧٥ ح ١٨٤٣ والترمذي الحج ٣/١٩٤ ح ٨٤٥.\n٥ أخرجه البخاري النكاح ٩/٧٠ ح ٥١١٤ ومسلم النكاح ٢/١٠٣١ ح ٤٦/١٤١٠.\n٦ المحصول ٢/٤٥٣ نهاية السول ٤/٤٧٤ روضة الناظر للمقدسي ٣٤٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٥، ٢٠٦.","vol":"1","page":405},{"text":"والسادس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة فتكون روايته أولى لأنه يكون أعرف بما داوم عليه الرسول من السنن١.\nوالسابع: أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم خبره لأنه كان أحسن عناية بالخبر من الآخر فلهذا قدمنا جابر فى إفراد الحج.\nوالثامن: أن يكون أحدهما متآخر الإسلام فتقدم روايته لأنه يحفظ أحد الأمرين من رسول الله ﷺ ولذلك إذا كان أحدهما متآخر الصحبة فيدل ذلك على تآخر سماعه وهذا والأول واحد وقد قال أصحاب أبى حنيفة لا يقدم بهذا٢ لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبى ﷺ فلا يكون للمتآخر ترجيح عليه والذى قلناه أولا أولى لأن سماع المتآخر متحقق لغيره وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتآخر فما تآخر سماعه يتبين يكون أولى ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أوامر رسول الله ﷺ ومثال ذلك ما فعله الشافعى من تقديم رواية ابن عباس فى التشهد على رواية ابن مسعود.\nوالتاسع أن يكون أحد الراويين أورع وأشد احتياطا فيما يروى فتقدم روايته لاحتياطه فى النقل.\nوالعاشر أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب لفظه فيكون الذى لم يضطرب لفظه أولى٣.\nوالحادى عشر أن يكون أحد الخبرين رواه أهل المدينة والخبر الآخر رواه غيرهم٤ فيكون الأول أولى لأنهم يروون أفعال رسول الله ﷺ وسنته التى مات عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم.\nوالثانى عشر أن يكون أحد الروايين اختلفت عنه الرواية والآخر لم تختلف عنه الرواية فمن أصحابنا من قال بتعارض الروايتان اللتان اختلفتا وينفى رواية من لم.\n_________\n١ إحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٢٧.\n٢ المحصول ٢/٤٦٠ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٧ نهاية السول ٤/٤٩٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٨.\n٣ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٢٦، ٣٢٨ انظر المحصول ٢/٤٥٦ انظر نهاية السول ٤/٤٨٨، ٤٩٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٠٧، ٢١١.\n٤ المحصول ٢/٤٥٩ نهاية السول ٤/٤٩٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٢٥٩.","vol":"1","page":406},{"text":"تختلف عنه الرواية ومنهم من قال يرجح رواية من لم تختلف عنه الرواية لمكان الاختلاف وعدم الاختلاف.\nوأما ترجيح المتن فمن وجوه.\nأحدها: [أن يكون أحد] ١ الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس فيقدم على الخبر الآخر الذى لا يوجد له هذه القوة٢.\nوالثانى: أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فيكون أولى لأن عملهم به يدل على أنه أحد الأمرين٣ وكذلك إذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فيكون أولى لأن عملهم يدل على أن الشرع استقر عليه ويدل أنهم دونوه عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ ولهذا قدمنا رواية الإفراد على رواية التثنية فى الإقامة.\nوالثالث: أن يكون أحدهما مجمع النطق والدليل فيكون أولى ما وجد فيه أحدهما لأنه يكون أبين.\nوالرابع: أن يكون أحدهما نطقا والآخر دليلا فيكون النطق أولى من الدليل٤ لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه ومعنى هذا الدليل دليل الخطاب.\nوالخامس: أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدثهما فالذى يجمع القول والفعل أولى لأنه أقوى من حيث تظاهر الدليلين وأن كان أحدهما قولا والآخر فعلا ففيه أوجه وقد سبق فى باب الأفعال.\nوالسادس: أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب والذى ورد على غير سبب أولى لأنه يكون متفقا على عمومه والوارد على سبب مختلف فى عمومه.\nوالسابع: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا فيقدم الإثبات لأن مع المثبت زيادة علم والأخذ بروايته أولى.\nوالثامن: أن يكون أحدهما ناقلا والآخر منفيا على الأصل فيكون الناقل عن الأصل.\n_________\n١ زيادة بالأصل.\n٢ روضة الناظر ٣٤٩ المستصفى ٢/٣٩٦.\n٣ المستصفى ٢/٣٩٦ المحصول ٢/٤٧٠ روضة الناظر ٣٥٠ نهاية السول ٤/٥٠٧ إحكام الأحكام ٤/٣٥٩.\n٤ انظر المحصول ٢/٤٦٤ إحكام الأحكام للآمدي ٤/٣٤٤.","vol":"1","page":407},{"text":"أولى لأنه يفيد حكما شرعيا ليس فى الآخر١.\nوالتاسع: أن يكون فى أحدهما احتياط لا يوجد فى الآخر فيكون الأحوط أولى لأن الأحوط أسلم للدين.\nوالعاشر: أن يكون أحدهما يقتضى الحظر والآخر يقتضى الإباحة ففيه وجهان.\nأحدهما: أنهما سواء لأنهما حكمان شرعيان.\nوالوجه الآخر: وهو الأصح أن الذى يقتضى الحظر أولى لأنه أحوط٢.\nوقيل فى القسم الأول إذا تعارض خبران من روايتين ورويا من واحد وأحدهما أعلم ممن يروى عنه فيكون أولى كالرواية فى زوج بريرة فالذى روى أنه كان عبدا القاسم بن محمد وعروة بن الزبير عن عائشة والذى روى أن زوج بريرة كان حرا الأسود عن عائشة وعروة والقاسم أعلم بعائشة ﵂ من الأسود لأنهما قريباها والأسود أجنبى منها وقيل أيضا إذا تعارض الخبران أن يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر لأن الصحابة تلقته بالقبول وأن لم يعرف من الصحابة فى ذلك شىء فإن كان عوام أهل الحديث عملوا بأحدهما يقدم على الآخر وقيل أنه يرجح أحد الخبرين على الآخر بأن يكون أحدهما أشبه بمعانى الكتاب والثانى أشبه بمعانى السنة وهذا قد بينا فإن لم يوجد فى واحد من الخبرين ترجيح بوجه ما وعدم الكل طرحا ويرجع إلى ما كان عليه الإفراد أولا اعلم أن الذى تضمنه الخبر أن ليس من دين الله إذ لو كان من دين الله لم يقع بينهما التنافى أو كان أحدهما من دين الله لم يخل من دليل يدل عليه فإذا لم يدل الدليل على واحد منهما من الوجوه التى قدمناها علمنا أنه ليس من عند الله تعالى وتقدس فأسقطناهما جميعا وقد رجح عيسى بن أبان المرسل على المسند لأن الراوى قال قال النبى ﷺ وكأنه قطع به والآخر إحالة على غيره ونحن قد بينا أن المرسل ليس بحجة فكيف يرجح بهذا الوصف قال القاضى عبد الجبار هذا الكلام الذى قاله عيسى بن أبان وهو أن الراوى لا يقول قال النبى ﷺ إلا وقد وثق أن النبى ﷺ قاله إنما.\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٤٦٤.\n٢ قال الرازي: إذا تعارض خبران في الحظر والإباحة وكانا شرعيين فقال أبو هاشم وعيسى بن أبان: إنهما يستويان وقال الكرخي وطائفة من الفقهاء: خبر الحظر راجح انظر المحصول ٢/٤٦٨ وقال الآمدي ذهب الأكثر كأصحابنا وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الحاظر أولى وذهب أبو هاشم وعيسى بن أبان إلى التساوي والتساقط إحكام الأحكام ٤/٣٥١.","vol":"1","page":408},{"text":"يصح إذا قال قال النبى ﷺ فأما إذا قال عن النبى ﷺ فلا يتأتى هذا الكلام وأيضا فإن قول الراوى قال النبى ﷺ يحسن مع الظن لكونه قائلا لذلك كما يحسن مع العلم فمن أين أنه لم يقل قال النبى ﷺ إلا وقد روى له جماعة وظنه أكثر من الظن الحأصل برواية المسند المعارض له فإن قالوا: أن الذى يرسل لا يقول قال النبى ﷺ إلا وقد روى له جماعة قلنا هذا لا يعرف وقد بينا أن السكوت عن اسم المروى عنه محتمل لوجوه كثيرة وقد رجح قوم الخبر بالذكورة والحرية أما الحرية فلا تأثير لها فى قوة الظن وأما الذكورة فيجوز أن يقال أن الضبط معها أشد وظاهر المذهب أن لا يرجح بهما وقد قال قوم أن أحد الخبرين إذا كان يقتضى إيجاب حد والآخر يقتضى نفيه فالنفى أولى لأن الحد يسقط بالشبهة وقد قيل إنهما حسان لأن الحد إنما يسقط عن الأعيان بالشبه فأما إثباته فى الجملة فمساو لإثبات سائر الشرعيات وفى تعارض الخبرين فى إثبات الشىء ونفيه كلام كثير وقد ذكر قوم موافقته دليل العقل فى النفى لأنه الأصل فيكون أولى ويمكن أن يعارض فيقال أن الشرع ناقل كما كان عليه فى الأصل فيكون الخبر الذى يتضمن النقل أولى من الذى يتضمن نفيه الشىء على ما كان عليه فى الأصل وأما إذا تضمن أحد الخبرين الحرية والآخر الرق فقد قال بعضهم أن المثبت للحرية أولى وقال بعضهم هما سيان لأنهما حكمان شرعيان يتقابلان ويتماثلان والأول أحسن وهو أن الحرية أولى لأن الحرية لا يعترضها من الأسباب المبطلة لها ما يعترض الرق والحرية لا يبطلها شىء بعد ثبوتها بخلاف الرق ومثل أيضا فيما لو تعارض خبران أحدهما على قضية العقل والآخر على قضية الشرع أن الذى على قضية الشرع أولى لأنه ناقل على ما سبق وقال بعضهم إذا تعارض خبران أحدهما معلل فيكون أولى وفى الباب كلام كثير اقتصرنا على هذا والله أعلم.\n[فصل] ١ اعلم أنا قد فرغنا من القول فى الأخبار وقد شرحنا الكلام فيها على حسب ما أذن الله تعالى فى ذلك وأرجو أن يكون قد وقع به الغنية عن كثير من تطويلات الأصوليين وقد رأيت بعض المتأخرين من أصحابنا ضم إلى أبواب الأصول المعروفة بابا فى تأويل الأخبار وسمى الباب باب التأويل وذكر أن التأويل هو رد الظاهر إلى الله تعالى فى دعوى المسئول وذكر أن الذى يطرق إليه التأويل وهو الظاهر قال وظهوره أن يكون اللفظ فى معناه مظنونا غير مقطوع وأما النصوص فلا يتطرق إليها.\n_________\n١ بياض في الأصل.","vol":"1","page":409},{"text":"تأويل قال ولا يجوز الاستدلال بالظواهر فيما المطلوب منه القطع لأن ظهور معناه غير مقطوع فلا يسوغ الاستدلال به فى الأمر المقطوع وأما فى أحكام الشرع فيسوغ الاستدلال بالظواهر وقد كانت الصحابة يتعلقون فى تفاصيل الشرع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون فى استدلالهم على النصوص ومن استراب فى تعلقهم بالقياس فلا يستريب فى تعلقهم بالظواهر وعلى القطع نعلم أن الظاهر فى إفادة غلبة الظن فوق الأقيسة فإذا جاز التعلق بالقياس جاز التعلق بالظواهر ودليل كون الظاهر حجة فى العمليات هو الإجماع مثل ما هو الحجة فى أخبار الآحاد سواء كانت ظواهر أو نصوصا ثم تأويل الظواهر فى الجملة سائغ إذا قام الدليل عليه ولا بد من دليل يقوم عليه لأن التحكم بالتأويل معتضل عليه من غير أن يعضد شىء لا يجوز لأنه لو جاز ذلك لبطل التمسك بالظواهر أصلا فصار التحكم بالتأويل مردودا وأصل التأويل مقبولا إذا لم يكن على وجه التحكم بل كان مستندا إلى دليل وقد ذكر كلاما طويلا فى المقدمة اختصرنا ما نحتاج إليه ثم ذكر أخبارا رويت فى مسائل من الخلافيات التى تثار بين أصحاب أبى حنيفة وذكر تأويل المخالفين لها وبدأ بمسألة النكاح بلا ولى وذكر الخبر الذى روى فى الباب من قوله ﵇: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل\"١ ورد تأويلهم للخبر من حملهم على الصغيرة والمكاتبة ورد تأويلهم بالكلام المعهود وعلى ما عرف فى مسائل الخلاف واعتمد فى رد كثير من تأويلات الخصوم بحرف واحد وهو أن الشارع صلوات الله عليه إذا ذكر أبلغ الصيغ فى العموم لا يجوز أن يحمل على موضوع نادر في الوجود قال ويستحيل أن يقصد الرسول ﷺ أعم الصيغ وهو قوله أيما امرأة نكحت فإن أعم الصيغ كل وأى وما فيذكر أعم الأدوات ويكون قصده تأسيس شرع ثم زيد والحالة هذه مكاتبة أو صغيرة دون الحرائر البالغات اللاتى هن الغالبات المقصودات ومن ظن هذا التخصيص فى مثل هذا العموم فقد ظن محالا وما كان إلا كمن يقول لبوابه لا تدخل على أحد فلو دخل البواب كل مبرم ثقيل ولم يدخل قوما مخصوصين زاعما إنى حملت لفظك على الذين منعتهم لم يقبل هذا الكلام من البواب وكان حريا أن يؤدب ويصفع وقد ذكر من هذا النوع لرد هذا التأويل وأمثاله كلاما طويلا وذكر عن أبى بكر محمد بن الطيب أنه قال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول صلوات الله عليه لم يعن بقوله أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها المكاتبة دون غيرها أو الصغيرة دون المبالغة ثم قال وقد سلم الرسول.\n_________\n١ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":410},{"text":"ﷺ الموافق والمخالف أنه كان على الغاية القصوى من الفصاحة وحمل كلامه على مثل هذه المحامل يحط كلامه عن رتبة الفصاحة والجزالة ويكون التكلم بمثل هذا الكلام وهو قول أيما امرأة نكحت ثم يريد المكاتبة والصغيرة حظرا وعيا وما هذا إلا كمن يقول: رأيت جمعا من العلماء ثم إذا روجع يفسره بقطيع من الغنم ذهابا منه إلى أنهما على علوم يتعلق بمصالحها ومضارها ومنافعها وكذلك إذا فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم أنهم من العلماء فى كثير من الأشياء لم يقبل ذلك منه وعد هازلا لاعبا قال فإن قال قائل أن الصغائر والمكاتبات داخلات تحت قوله أيما امرأة فإذا دخلت تحت ظاهر اللفظ ولم يبعد تنزيل لفظ العموم عليهن تخصيصا يدل عليه أن التخصيص فى اللفظ العام يجرى مجرى الاستثناء ثم يجوز إطلاق لفظ عام يعقبه باستثناء شاذ نادر فليكن الأمر فى التخصيص كذلك والجواب أن التأويل ليس يسوغ بما قلتم وإنما يقبل التأويل إذا سوغه الفصحاء وأهل اللسان وإذا سمعوا أن يستنكروا ذلك والتخصيص فى الجملة للعموم غير مستنكر وإنما المستنكر إرادة الأخص والأخص باللفظ الأعم الأشمل وأما الاستثناء فنقول ليس يساغ التأويل بالقياس حتى يحمل التخصيص على الاستثناء وإنما يساغ التأويل بالوجه الذى قدمنا وهو أن لا يكون اللفظ متباينا له وذكر أبلغ العموم فى سياق الشرعيات وبنائها وتأسيسها متأتى لحمله على أخص الخصوص وقد منع القاضى أبو بكر جواز مثل هذا فى الاستثناء أيضا وإذا صدر من الرسول وغير الرسول صلوات الله عليه إنما يجوز فى صيغة ركيكة والرسول ﷺ مبرأ من مثل ذلك وذكر بعد هذا تأويلهم فى قوله ﷺ: \"لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل\" ١ وعلى هذا اللفظ أورد فى أكثر التعاليق والمعروف قوله: \"من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له\" ٢ وقال قد أولوا هذا على النذر المطلق أو القضاء وقال وهذا تأويل يسبه تأويلهم فى المسألة الأولى فإن هذا الكلام كلام بالغ فى اقتضاء العموم فإذا قال النبى ﷺ ابتداءا الإنباء على سؤال ولا تنسيقا للكلام على حال فإذا ظن ظان أن الصوم الذى هو ركن للإسلام وهو القاعدة الأصلية لم يعيبه الرسول ﷺ ولم يرده وإنما أراد ما يقع فرضا للفرائض.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه أبو داود الصوم ٢/٣٤١ ح ٢٤٥٤ والترمذي الصوم ٣/٩٩ ح ٧٣٠ والنسائي الصيام ٤/١٦٦ باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك ومالك الصيام ١/٢٨٨ ح ٥ وأحمد المسند ٦/٣١٩ ح ٢٦٥١٣ انظر نصب الراية ٢/٤٣٣.","vol":"1","page":411},{"text":"الشرعية كالمنذور أو فرعا للأداء كالقضاء فقد أبعد كل الإبعاد وانصرف عن مأخذ الكلام وذكر تأويلهم الآخر لهذا الخبر وهو أنه أراد إذا نوى اليوم أن يصوم غدا قال وهذا أيضا صورة شاذة نادرة تجرى فى أدراج الوساوس ومن يفعل مثل هذا وربما لا يقع فى الدهور الكثيرة مرة واحدة وحمل كلام رسول الله ﷺ على الشاذ النادر باطل يدخل عليه أن مثل هذا اللفظ إنما يذكر نهيا عن الذهول وتحذيرا من الغفلة واستحسانا على تقديم التبييت وهذا يعلم بأول البديهة ولا ينكره محصل فإذا حمل حامل ذلك على النهى عن التقديم على الليل كان ذلك يقتضى مقصود الخطاب وذكر تأويلهم فى حمل اللفظ على نفى الكمال وأجاب عنه بأن حمل اللفظ على نفى الكمال غير ممكن فى القضاء والنذور وهما من متضمنات الحديث فإذا تعين حمل اللفظ على حقيقتها فى بعض المسميات تعين ذلك فى سائرها لأن الإنسان الفصيح لا يرسل لفظه وهو يريد حقيقته من وجه ومجازه من وجه وعلى الجملة أقول قوله لا صيام حقيقة لنفى أصل للصوم كقوله لا رجل فى الدار نفى أصله فحمله على نفى وصف من الصوم مع تبقية أصله مجاز ولا بد فيه من دليل ثم ذكر مسألة نكاح المشركات وإسلام الرجل والعدد أكثر من الأربع والأخبار المروية فى الباب وتأويل الخصوم لذلك وبين وجه بطلانه وهو وجه بين وفساده ظاهر ولا يحتاج فيه إلى كثير إطناب وقد بينا فى الخلافيات للفروع فلا معنى لذكر ذلك هاهنا ثم ذكر التأويل الذى ذكره الأصحاب وقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وحمل الكثير على الجواز كقولهم جحر ضب وكقول الشاعر:\nكبير أناس فى نجاد مزمل\nوزيف هذا التأويل بكلمات قالها وذكر وجها آخر فى الكلام على هذه القراءة والصحيح إيجاب الغسل ثم ذكر أن قراءة النصب أمثل وهذا التزييف لا ينبغى أن يسلم لهذا القائل وقد ذكر أهل اللغة فى كتبهم والقراءتان معروفتان والغسل واجب فى الرجلين بلا ريب وترا وقد صنف القاضى أبو الطيب الطبرى ﵀ فى هذه المسألة تصنيفا حسنا وبلغ الغاية ولم يحتمل هذا الكتاب إيراد ما أورده ومن طلب ذلك أو طلب تصحيح ما قاله الأصحاب لم يعدم الدليل عليه قال أبو الحسين بن فارس فى كتاب حلية الفقهاء فأما غسل الرجلين فواجب ولا صلاة إلا بغسلهما والدليل على ذلك قوله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لأنه رده إلى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فإن قال قائل فقد قرئت بالخفض قيل له قد يعطف الاسم على الاسم","vol":"1","page":412},{"text":"ومعناهما مختلف إلا أنه عطف هذا عليه لقربه منه فإن الله تعالى قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧، ١٨] ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢] وهؤلاء يطاف بهن على أزواجهن وقد قال شاعر العرب.\nورأيت زوجك فى الوغا ... متقلدا سيفا ورمحا\nوالرمح لا يتقلد فى نظرنا فوجدنا الغاسل ماسحا غاسلا فقد جمع الأمرين فوجدنا الماسح لا يأتى إلا بأحد الشيئين فأخذنا بالغسل ويمكن أن يقال أيضا أن الله تعالى قال فى اليدين: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وقال فى الرجلين: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فقد ربط منتهى الفرض فى الرجلين بالكعبين وربط واجب اليدين بالمرفقين ومن يكتفى بالمسح فلا معنى لذكر الكعبين عنده ثم ذكر أن المخالفين قالوا: يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف لأن المرعى هو الحاجة قال وهذا تأسيس معنى يعطل تقييدا من الله تعالى فى الآية بذكر الأصناف الثمانية ولو كانت الحاجة هى المرغبة لكان ذكرها أولى وأحسن وأشمل فلما نص الرب عز اسمه على الأصناف الثمانية كان التأويل باعتبار الحاجة تعطيلا لا تأويلا فإن الحاجة قد لا تستمر فى بعض الأصناف كالعاملين وبعض الغارمين الذين يتحملون الحمالات لتطفئة الثائرة والفتن الثائرة وقد ذكرنا وجه كلامهم على هذه الآية وانفصالنا عما قالوه فى كتاب الاصطلام فتركنا ذكره هاهنا وأوردنا ما ذكره القائل على كلام مشائخهم ثم ذكر الآية الواردة فى خمس الغنيمة وذكر عن أبى حنيفة أنه اعتبر الحاجة لا القرابة قال والذى ذكره مضادة ومحادة وقد ذكرنا وجه كلامهم أيضا فى كتاب المسمى علم الآية وانفصلنا عنه فاستغنينا عن ذكر ذلك هاهنا وقد ذكرنا أنهم لا يعتبرون مجرد الحاجة ثم ذكر قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] وقبول الخصم من وساوس أن معناه فإطعام ستين مسكينا وزيف هذا الكلام بوجه من العربية ونحن قد ذكرنا بطلانه فى المسائل قال ومن الظواهر أيضا قوله ﵇ فى بيع الرطب بالتمر أينقص إذا جف قالوا: نعم قال فلا إذا قال وأن لم يكن هذا أيضا فى وضع اللسان للتعليل لكنه ظاهر فيه فمن أراد أن يزيل هذا الظاهر بقياس كان مردودا لأن ما يظهر من كلام الرسول ﷺ فى التعليل مقدم على ما يظهر فى ظن المستنبط وهذا لأن القياس تعلق بمسلك من الظن فيكون ما ظهر من كلام الرسول صلوات الله عليه فى التعليل أولى منه وهذا الكلام يوجب أن لا يصح تخصيص العموم بالقياس ونحن قد بينا جوازه على أصلنا فى هذه المسألة قوله ﵇ فلا إذا نص.","vol":"1","page":413},{"text":"فى فساد البيع وليس مما يتطرق إليه تأويل حتى يقال أنه يعضد بالقياس ويؤيد به وذكر مسألة الشغار ومسائل تشبهها وحمل الخصوم النهى فيها على الكراهة ثم قال وقد ثبت من عادات السلف الماضيين حمل أمثال هذا على الفساد والامتناع عنه بالكلية فمن أراد مخالفة ما ظهر لنا منهم كان فى حكم المخالف لهم قال وهذا لا يبلغ فى السقوط مبلغ ما تقدم من التأويلات واعلم أنه لم يكن غرضنا ذكر هذه التأويلات لأن هذا الكتاب يشتمل على ذكر أصول الفقه وليس هذا من أصول الفقه فى شىء إنما هذا الكلام يورد فى الخلافيات وفى التعاليق غير أنا ذكرنا طرفا من ذلك ولا يعدم الناظر فيه نوع فائدة وعلى الجملة لا يجوز حمل الخاطر على استخراج التأويلات المستكرهة للأخبار وينبغى للعالم الورع أن يتجنب ذلك ويحترز عنه غاية الاحتراز لأن الكلام على كلام الشارع صعب والزلل فيه يكثر وقد ورد فى الخبر يحمل هذا العلم من كل خلف عدولهم وقال فى وصفهم ينفون عنه تأويل الجاهلين والله العاصم بمنه والمرشد إلى الصواب بفضله وعونه ونسأله تعالى أن لا يجعلنا من هؤلاء القوم فقد بين النبى ﷺ أن الجهل يحمل الإنسان على التأويلات المستكرهة وذكر أن العدول من علماء الأمة ينفون ذلك وذكر أيضا أنهم ينفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين وإلى الله الملاذ وبه المعاذ من وساوس النفس وخواطر السوء فما ضل من ضل ولا هلك من هلك إلا بأمثال ذلك والله المستعان.\nمسألة١ هذه مسألة تتصل بالأخبار وهى ما يشتمل على القراءة الشاذة من الحكم هل تكون القراءة الشاذة حجة فيه.\nاعلم أن ظاهر مذهب الشافعى ﵀ أن القراءة الشاذة٢ التى لم تنقل تواترا لا يسوغ الاحتجاج بها ولا تنزل منزل الخبر الواحد ولهذا نقول أن التتابع لا يجب فى صيام الكفارة وأن كان قد وجد فى القراءة الشاذة المنسوبة إلى ابن مسعود ﵁ فصيام ثلاثة أيام متتابعات وأما أصحاب أبى حنيفة يعلقوا هذه القراءة الشاذة.\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ القراءة الشاذة: هي التي لم تنقل بطريق التواتر كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين \"فمن لم يحد فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" وقراءته في آية السرقة \"والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما\" انظر نهاية السول ٣/٢٣٢، ٣٣٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٤١ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/٢٣٢.","vol":"1","page":414},{"text":"فزعموا أن هذه القراءة وأن كان النقل قد انقطع فيها فلا يكون دون الخبر الواحد فلا بد أن يكون حجة.\nقالوا: وقد كانت قراءة ابن مسعود مستفيضة فى الأتباع وأتباع الأتباع ثم انقطع النقل فبقيت بطريقة الآحاد فجعلنا مواجبها بمنزلة مواجب أخبار الآحاد وتعلقوا أيضا بما نقل فى قراءته فى آية السرقة والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما وفى مسألة نفقة المبتوتة بما وجد فى قراءة ابن مسعود فى صورة الطلاق أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وأن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وإذا وضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن هكذا قراءته فى المصحف المنسوب إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فظاهرها يقتضى وجوب النفقة على الإطلاق ويقتضى أن ذكر مدة الحمل ليس لأن النفقة واجبة وأن طالت مدة الحمل وقد حملوا القراءة المعروفة على هذا وأثبتوا فيها تقديما وتأخيرا ذكر ذلك أبو زيد فى الأسرار.\nونحن نقول أن الاحتجاج بالقراءة الشاذة ساقط والدليل عليه شيئان أحدهما القرآن قاعدة الإسلام ومنبع الشرائع وإليه الرجوع فى جميع الأصول ولا أمر فى الدين أهم منه والأصل أن كل ما جل خطره وعظم موقعه فى أمر الدين فأهل الأديان يتواطئون ويتفقون على نقله وحفظه وتتوفر دواعيهم على ذلك فلو كانت هذه القراءة من القرآن الذى أنزله الله تعالى لنقل نقلا مستفيضا ولشاع ذلك فى أهل الإسلام وحين لم ينقل دل أنه ليس بقرآن وإذا لم يكن من القرآن الذى أنزله الله تعالى لم يقم به حجة لأنه لو كان حجة لكان حجة من هذه الجهة.\nببينة: أن لا خبر عن النبى ﷺ فيما أعدوه من الأحكام لا من جهة التواتر ولا من جهة الآحاد وكونه موجودا فى بعض المصاحف لم يثبت أنه قرآن فمن أى وجه يدعون قيام الحجة به وقولهم أن القراءة الشاذة تنزل منزلة الخبر الواحد هذا دعوى ولا يعرف هذا وبأى دليل تنزل منزلة الخبر الواحد ونحن نعلم أنه لا نقل فى هذه القراءات لا من قبل التواتر ولا من قبل الآحاد ويقول أصحاب النبى ﷺ أجمعوا فى زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على هذا المصحف الذى يدعى الإمام وهو الذى بين أظهرنا وأطرحوا ما عداه وروى أنهم حرقوا الباقى وقيل أنه دفن وقد نقل اضطراب ابن مسعود فى ذلك غير أن الصحابة لم يلتفتوا إلى اضطرابه واتفقوا على ما.","vol":"1","page":415},{"text":"اتفقوا عليه ويروى أنه ناله تأديب عمر ولم ينكر على عثمان فى ذلك منكر يدل عليه أنه لما تجمعت عليه الطائفة المعروفة من الكوفة والبصرة وادعوا أشياء عليه وزعموا أنه غير وبدل لم يرو أنه ذكر أحد منهم أمر المصحف ولو كان ذلك أمرا ينكر لكان الأهم فى ذلك أن يخصوه بالذكر ولا يدعوه جانبا وذكروا أشياء لا تدانى هذا فثبت أن القرآن ما يحويه المصحف للمهام واعلم أن الأولى عندى أن لا يتعرض لتلك القراءة وأشباهها أصلا ولا يذكر أنه قرآن أو ليس بقرآن لأنه فى كلا الأمرين خطأ وقد اشتمل الصحاح على أشياء لا توجد إلا فى قراءة ابن مسعود ولكن مع هذا نقول لا يقوم بما فيه حجة لعدم النقل ولأنه لو كانت تشتمل تلك القراءة على أحكام لا توجد فى القراءة المعروفة لم يعرض عنها الأئمة ولنقلوا ذلك أما بتواتر أو بآحاد حتى لا تضيع ولا تتعطل تلك الأحكام فهذا وجه الكلام فى هذا والله أعلم.\nوأما الإعراب الذى اختلف فيه القراء فليس كذلك مخالف المصحف الإمام وقد ادعى أهل القراءة أن ذلك منقول بطريق يوجب العلم ولولا ذلك لم يقروا بها حين انتهى الكلام فى الأخبار وما يتصل بها بعون الله وتوفيقه نذكر.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>القول فى الناسخ والمنسوخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>مدخل</span>\n...\nالقول فى الناسخ والمنسوخ.\nونبتدىء بمعنى النسخ فى اللغة والشرع أما من حيث اللغة فاعلم أن معنى النسخ فى اللغة نقل الشىء وإزالته بعد ثبوته من قولك نسخت الشمس الظل إذا أزالته ونسخت الرياح الآثار إذا محتها ويقال أيضا نسخت الكتاب وهو بمعنى نقل المكتوب من مكان إلى مكان آخر وقيل أن الأشبه أن يكون حقيقة بمعنى الإزالة فحسب وأما بمعنى النقل فيكون مجازا لأن ما فى الكتاب لا ينقل حقيقة إلا ترى أنه ثابت فيه على ما كان من قبل وإذا كان مجازا فى النقل كما ذكرنا لم يبق إلا أن يكون حقيقته فى الإزالة ويجوز أن يقال أنه حقيقة فى النقل أيضا لأنه إذا نسخ الكتاب فقد حصل المكتوب الذى كان فى هذا الموضع فى موضع آخر فصار شبه النقل أن لم يكن نقلا حقيقة فدلنا هذا أن اسم النسخ موضوع للنقل حيث تجوزوا به فيما يشبه النقل وأما نسخ الكتاب بإزالة وهو لا شبه الإزالة وقد قيل أن ما قالوه لا يدل على أنه ليس بحقيقة فى الإزالة لأنا بينا من حيث اللغة أنهم عرفوا النسخ بمعنى الإزالة ويمكن أن يقال أن النقل بمعنى الإزالة سمى نسخا لأن النقل يزيل المنقول من مكانه الأول١.\nوالأولى فى الشرع أن يكون بمعنى الإزالة وحده لأنه خطاب دال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان لازما مع تراخيه عنه ولا يلزم على هذا ما سقط عن الإنسان بالموت حيث لا يكون ذلك لأنا قلنا خطاب دال وذلك ليس بخطاب ولا يلزم ما وقع مما كانوا عليه من شرب الخمر وغيره لأن ذلك ليس بنسخ من حيث أن ما كانوا عليه لم يثبت بخطاب ولا يلزم ما أسقط بكلام متصل كالاستثناء والغاية مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] حيث لا يكون نسخا لأنه غير متراخى عنه وقيل أن اللفظ الدال على انتهاء الحكم الشرعى مع التآخر عن مورده وهذا جد حسن وهو أوجه من الأول.\nواعلم أنه لا يجوز أن يقتصر على قول من قال أنه بيان انقضاء زمان العبادة لأنه يدخل الموت على هذا فإنه ينتفى زمان العبادة به ولا يكون نسخا ويقال أنه رفع الحكم.\n_________\n١ انظر المحصول ١/٥٢٥ ونهاية السول ٢/٥٤٨ إحكام الأحكام ٣/٤٦ روضة الناظر ٦٦ المستصفى ١/١٠٧ المعتمد ٢/٤١٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٣٣.","vol":"1","page":417},{"text":"المأمور به بالنهى عنه ويقال إزالة الحكم بعد استقراره والأولى١ ما سبق.\nواعلم أن التناسخ يقع على أشياء فالناصب للدلالة الناسخة يوصف بأنه ناسخ فالله تعالى ناسخ لأنه ينصب الدلالة الناسخة ولهذا يقال أن الله تعالى نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة ويوصف الحكم بأنه ناسخ فيقال وجوب صوم شهر رمضان ناسخ صوم عاشوراء ويوصف المعتقد لنسخ الحكم بأنه ناسخ فيقال فلان ينسخ الكتاب بالسنة أى يعتقد ذلك ويوصف الطريق بأنه ناسخ فيقال القرآن ناسخ للسنة وخبر كذا ناسخ لخبر كذا فى الحد الذى ذكرناه فى الطريق الناسخ وقد اشتمل الحد الذى ذكرناه على شرائط النسخ وتفصيل ذلك وهو أنه لا بد أن يكون الحكمان أعنى الناسخ والمنسوخ شرعيين٢ لأن العجز يزيل التعبد الشرعى ولا يقال أن الناسخ من شرائطه أيضا أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ٣ لأنه إذا كان متصلا به فإما أن يسمى استثناء أو يسمى غاية ولا يسمى نسخا بحال ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وإلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] وقد دل الدليل المنفصل عن الدليل الأول ببيان السبيل وهو الرجم أو الجلد على ما عرف فكان الإمساك منسوخا والرجم والجلد ناسخا ومن شرط صحة النسخ أيضا أن يكون إزالة لحكم الفعل لا لنفس الفعل وصورته لأن صورة الصلاة إلى بيت المقدس لا يصح إزالتها وإنما الأدلة الشرعية دلت على زوال وجوب التوجه إليها أو دلت على جواز الصلاة إليها وقد قال بعضهم إن.\n_________\n١ النسخ في اصطلاح اللأصوليين فقد اختلفوا في تعريفه وقد ذكر البيضاوي من هذه التعاريف تعريفين أحدهما للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني واختاره والثاني للقاضي أبي بكر الباقلاني وقد أبطله بما أورده عليه من الاعتراض الذي ذكره وسيأتي:\nتعريف الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وهو المختار للبيضاوي: بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي.\nتعريف القاضي أبي بكر الباقلاني عرف الباقلاني النسخ بأنه رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه.\nإحكام الأحكام للآمدي ٣/١٥١ نهاية السول ٢/٥٤٨، ٥٤٩ روضة الناظر ٦٦ المحصول ١/٥٢٦ المستصفى ١/١٠٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٣٤، ٣٦.\n٢ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٦٤ نهاية السول ٢/٥٥٢.\n٣ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٦٤ نهاية السول ٢/٥٥٢.","vol":"1","page":418},{"text":"من شرط حسن النسخ أيضا أن يكون إزالة لنفس ما تناوله التعبد على الوجه الذى تناوله بل أن يكون النسخ فى التعبد بمثله فى وقت آخر وهذا فيه نظر لأنا نجوز نسخ الشىء قبل وقت فعله وسيأتى ذلك من بعد ونبتدىء بالقول فى جواز النسخ.\nمسألة النسخ جائز فى الشرعيات.\nوقالت اليهود لا يجوز ذلك وكذلك قال شرذمة من المسلمين١ وقد نسب ذلك إلى بعض الروافض من اليهود وطائفة يجوزون النسخ وتعلق من لم يجوز النسخ بأن جواز النسخ يؤدى إلى جواز البداء على الله تعالى لأنه أداء نهى عن صورة ما أمر به أو أمر بصورة ما نهى عنه يكون قد ظهر له شىء كان خاصا عليه حتى نهى عن غير ما أمر به أو أمر بغير ما نهى عنه وهذا لا يجوز على الله تعالى فيكون النسخ محض البداء وهو من صفات البشر ولا يجوز على الله تعالى قالوا: ولأن الأمر بالفعل يقتضى الفعل أبدا فإن تعلق الأمر يقتضى أن الأمر أراد ذلك فإذا لم يرد الفعل أبدا من اقتضاء الظاهر إياه كان ملبسا وإذا اقتضى الأمر الفعل أبدا فإذا نهى فى المستقبل عنه يدل نهيه أن ظهر له شىء كان خافيا عنه أو خفى عنه شىء كان ظاهرا له وهذا لا يجوز على الله تعالى وهذا الدليل قريب من الأول.\nوقد قال بعضهم أن الأمر بالشىء يدل على حسنه والنهى عنه.\n_________\n١ اعلم أنه قد أجمع المسلمون على أن النسخ جائز عقلا ووافع شرعا إلا ما نقل عن أبي مسلم الأصفهاني في أحد النقلين عنه من أنه غير واقع ويئول ما يراه الجمهور نسخا بأنه من باب انتهاء الحكم لانتهاء زمنه ومثل هذا لا يعتبر نسخا.\nوالصحيح في النقل عنه أنه واقع بين الشرائع بعضها مع بعض ولكنه غير واقع في الشريعة الواحدة. وبذلك يكون أبو مسلم مع الجمهور في أن النسخ واقع وإنما قلنا أن النقل الأخير هو الصحيح عنه لأنه هو الذي يتفق مع ما أجمع عليه المسلمون من أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع السابقة ولا يسع أبو مسلم أن يخالف هذا الإجماع.\nأما اليهود فقد انقسموا إلى فرق ثلاث:\n١ - قرقة الشمعونية ةهذه الفرقة ترى أن النسخ محال عقلا وسمعا.\n٢ - فرقة العيسوية وترى أن النسخ جائز عقلا وواقع شرعا ولكن شريعة محمد ﷺ ليست ناسخة لشريعة موسى وإنما هي خاصة ببي إسماعيل.\n٣ - فرقة العنانية: النسخ جائز عقلا ولكنه غير واقع سمعا.\nانظر نهاية السول ٢/٥٥٤، ٥٥٥ إحكام الأحكام ٣/١٦٥ المحصول ١/٥٣٢، ٥٣٣ روضة الناظر ٦٩ المستصفى ١/١١١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٣٨.","vol":"1","page":419},{"text":"يدل على قبحه فيؤدى النسخ إلى أن يكون الشىء الواحد حسنا قبيحا وهذا لا يجوز وقد نقل اليهود عن موسى ﵇ أن السبت لا ينسخ أبدا وربما قالوا: أنه قال شريعتي لا تنسخ أبدا وأما دليلنا فى جواز النسخ فنقول على من خالفنا ممن يدعى الإسلام قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] ويدل عليه أن نكاح الأخوات كان جائزا فى شريعة آدم صلوات الله عليه وقد نسخ والأولى أن يدل بالدليل النقلى فإن هذا الخلاف مع اليهود فأما المسلمون فعندى أنهم مجمعون على الجواز والدليل العقلى أن الشىء يجوز أن يكون حسنا فى وقت قبيحا فى وقت ألا ترى أنه يحسن أن يقول السيد لعبده افعل كذا فى وقت كذا ولا تفعله فى وقت كذا ويحسن أن يقول الله تعالى تمسكوا بالسبت ما عشتم إلا السبت الفلانى وهذا لأنه يجوز أن يكون التمسك بالسبت مصلحة فى وقت ومفسدة فى وقت آخر كما يجوز أن يكون الرفق مصلحة لإنسان مفسدة لآخر وكذلك يجوز أن يكون مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت وهذا كما يجوز كون الصحة والمرض والغنى والفقر مصلحة فى وقت دون وقت وكذلك السبت يجوز أن يكون مصلحة فى وقت دون وقت ولا فرق فى العقل بين هذه الأشياء وهذا على قول من يعتبر المصالح ومن هذا الجنس نقلت الأحوال بالإنسان من الطفولية والبلوغ والشباب والكهولة والشيخوخة وما هذا إلا تصريف الأمور على توجيه الحكمة وتدعو إليه المصلحة وابتلاء العباد وامتحان طاعتهم وقتا بعد وقت بالوجه الذى هو خير لهم وأدعى إلى صلاحهم وإن قلنا أن الله ﷿ يكلف عباده ما بينا ولم نعتبر وجوه المصالح فعلى هذا الطريق يجوز النسخ أيضا لأنه لا يجوز أن يكلفهم شيئا فى وقت ويكلفهم فى وقت آخر غيره على ما يشاء ويريد بين ذلك أنه إذا جاز أن يطلق الأمر والمراد إلى أن يعجز عنه لمرض أو غيره جاز أيضا أن ينسخه برهة من الزمان وأما الذى تعلقوا به من فصل البداء وإلحاق النسخ به فليس للقوم إلا ذلك وإذا بينا الفرق بين البداء والنسخ سقط كلامهم جملة.\nفنقول البداء فى اللغة أصله بداء الشىء يبدو إذا ظهر بعد خفاء ويقال بدا لنا سور المدينة إذا ظهر من النسخ نقل وتغيير على ما سبق بيانه فلم يتفقا من مأخذ اللغة ولسان العرب فلم يجز أن يجعلا كشىء واحد وهذا لأنه إذا كان البداء من الظهور ويدل على أن بدا له شىء فقد ظهر ما كان خافيا عليه لم يجز على الله تعالى لأنه تعالى لا","vol":"1","page":420},{"text":"يخفى عليه خافية ولا تستتر عليه غائبة بل الأشياء كلها له بادية أحاط بكل شىء علما وأحصى كل شىء عددا لا يعزب عنه مثقال ذرة فلهذا لم يجز البداء عليه ولم يتصور ذلك فى حقه وأما النسخ إزالة حكم بحكم وتبديل حال ويقال تناهى مدة العبادة وليس فى هذا قصور علم ولا لزوم جهل بل تصريف العباد على ما يشاء ويريد أو على ما يعلم من مصالحهم يدل عليه أن البداء الذى توهموا إنما يلزم أن لو كان الله تعالى نهانا عن نفس ما أمرنا به١ وذلك أن يقول: افعلوا كذا فى وقت كذا على وجه كذا ثم يقول: لا تفعلوا ويذكر ذلك الوقت وذلك الوجه أو يقول: افعلوا كذا أبدا ولا تنتقلوا عنه ثم ينقلنا عنه فأما إذا أمرنا بأمر مرسل ويريد أن ينقلنا عنه بعد زمان ونقلنا حين جاء ذلك الزمان فليس بمنكر ولا مستحيل ولا فيه معنى البدل إلا ترى أنه لو قال صلوا إلى بيت المقدس إلى الزمان الذى أنقلكم عنه إلى الكعبة وجاء الشرع بصريح هذا كان جائزا سائغا كذلك إذا أطلق وأراد أن يفعل كذلك أو الجملة أنه يجوز أن يكون الشىء حسنا فى وقت قبيحا فى وقت مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت ولو كان الشىء ووصفه واحد فى جميع الأوقات لكان حكم نكاح الأخوات واحد فى الأوقات كلها ومعلوم أنه ما كان نكاح الأخوات محظورا فى زمن آدم ﵇ وقد صار فى زمن موسى ﵇ وإذا جاز وفى هذه الصورة الواحدة جاز فى سائر الصور وهذا قاطع لا يتأتى عليه كلام وأما الكلام الثانى الذى قالوه أن ظاهر إطلاق الأمر هو الأمر بالفعل أبدا قلنا هذا ليس كذلك لأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار وإنما يفيد الفعل مرة واحدة وقد سبق بيان هذا وأن قلنا يوجب التكرار فلا نقدم على اعتقاد التأبيد لجواز أن يرد نسخ من الله تعالى وهذا صحيح من شرائع من قبلنا لأنه قد أشعرهم بورود نبى بعد نبيهم فأما فى شرعنا فقد انحسم الباب كلية ولا بد من اعتقاد بوجوب على التأبيد اللهم إلا أن يقدر الأمر فى زمان رسول الله ﷺ وقد يجوز ورود النسخ وقد ذكر عبد الجبار الهمدانى فى العمد أنه لو قال افعل كذا أبدا لا يقتضى الدوام أيضا قال ولهذا لا يفهم من قول القائل لغيره الزم فلانا أبدا واحبسه أبدا الدوام وقولهم أن فى تأخير بيان النسخ إلباسا قلنا الإلباس إنما ثبت إذا لم يبين الحكيم ما يجب لبيانه مما يحتاج المكلف إليه فأما ما لا يحتاج إليه فلا يجب بيانه ولا إلباس فى ترك بيانه وهل ترك بيان النسخ إلا جهل العبد بوقت ارتفاع العبادة وأما الذى ادعوه من قول موسى.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام ٣/١٥٧ المعتمد ١/٣٦٨.","vol":"1","page":421},{"text":"فقد قالوا: أنه كذب عليه وإنما لقنهم ذلك ابن الروندى والدليل على ذلك أنه لو كان لهذا أصل صحيح لاحتج به أحبار اليهود على النبى ﷺ ولو فعلوا ذلك لنقل عنهم ولاشتهر وعرفناه كما عرفنا سائر أمورهم فعلمنا من هذا أن هذا كذب صريح على موسى صلوات الله عليه.\nواعلم أن الأصوليين قد ذكروا الخلاف فى هذا مع طائفة من اليهود وشرذمة من المسلمين ونسبه الشيخ أبو إسحاق الشيرازى ﵀ فى كتابه إلى أبى مسلم محمد بن بحر الأصبهانى وهذا رجل معروف بالعلم وأن كان قد انتسب إلى المعتزلة وبعد عنهم وله كتاب كبير من التفسير وكتب كثيرة فلا أدرى كيف وقع هذا الخلاف منه ومن خالف فى هذا من أهل الإسلام فالكلام معه أن يريه وجود النسخ وذلك مثل نسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته بالاثنين ونسخ التوجه إلى بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة ونسخ صوم عاشوراء برمضان إلى غير ذلك فإن لم يعرف مدة الأشياء كان هذا تعنتا أو ظنا ولزوم أن ترفع شريعة من قبلنا بشرعنا لا يكون نسخا أيضا وهذا لا يقوله مسلم وقد قال بعض الرافضة يجوز البداء على الله تعالى وهذا باطل لأنهم أن أرادوا إثبات ما قلناه أنه يظهر ما كان خافيا عنه فهو كقوله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وأن أرادوا تبديل العبادة والفروض فهذا لا ننكره وليس من البداء فى شىء.\nومما يتصل بهذه المسألة فصلان.\nأحدهما: أنه يجوز النسخ وأن اقترن بالمنسوخ ذكر التأبيد وعند بعض المتكلمين لا يجوز النسخ إلا فى خطاب مطلق وأما إذا قيد فلا يجوز نسخه١ وزعموا أن ذلك لا يؤدى إلى البداء الذى ذكرناه وعندنا يجوز النسخ فى هذه الصورة أيضا ولا يكون البداء وقد ذكرنا طرفا منه فى المسألة الأولى.\nببينة: أنه إذا جاز أن يقال لازم غريمك أبدا ويريد إلى وقت القضاء جاز أن يقال فعل كذا أبدا ويراد إلى وقت النسخ يدل عليه أنه إذا جاز ذكر الكل والجميع فى الأعيان ولا يمنع ذلك التخصيص جاز أن يذكر أبدا فى الزمان ولا يمنع ذلك النسخ ولأنه إذا جاز أن يفيد الخطاب بالتأبيد ثم يكون معناه ما لم يعجز المخاطب عن الفعل لمرض وغيره جاز أن يفيد التأبيد ويكون معناه افعلوا أبدا ما لم أنسخه عنكم.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/١٩٢ المحصول ١/٥٤٩ المعتمد ١/٣٨٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧٩، ٨٠.","vol":"1","page":422},{"text":"والفصل الثانى: وهو أن النسخ جائز وأن لم يشعر عند التكليف بالنسخ وقال المتكلمين لا يجوز ما لم يشعر عند الخطاب بالنسخ وزعموا أنه إذا لم يشعر بالنسخ يؤدى إلى الإلباس وعندنا هذا ليس بشرط وترك الإشعار لا يؤدى إلى ما ذكروه والدليل عليه أن عامة ما وجد من الناسخ والمنسوخ فى شريعتنا لم يعرف فى ذلك إشعار ومن ادعى معرفة ذلك للصحابة ابتداء التكليف يكون مباهتا قطعا ولأن الإشعار بالنسخ لأى معنى يجب وأى حاجة وقعت إلى ذلك وإذا اعتقد المخاطب أن الله تعالى يأمر بما شاء واعتقد أنه يجوز أن يكون فعله للشىء مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت فكيف يقع له الحاجة إلى الإشعار الذى ذكروه يدل عليه أنه لو وجب الإشعار بما يزيل الأمر من النسخ لوجب الإشعار بما يحدث من الأمراض المسقطة للأمر وحين لم يجب الإشعار فى تلك الصورة كذلك فى النسخ لأنها فى المعنى واحد وقد ظهر الجواب عما قالوه من فصل الإلباس فيما قلناه والله أعلم.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>فصل: ما يجوز نسخه وما لا يجوز</span>\n...\nفصل: إذا عرفنا معنى النسخ وجوازه سنذكر ما يجوز نسخه وما لا يجوز فنقول:\nأن النسخ لا يجوز إلا فيما يجوز وقوعه على وجهين كالصلاة والصوم والعبادات الشرعية فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله ﷿ فلا يصح فيه النسخ وعبر بعضهم عن هذا فقال أن النسخ لا يقع فى موجبات العقول وإنما يقع فى مجوزات العقول١ ولذلك قال النبى ﷺ: \"أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" ٢ وذلك أن الحياء غريزة فى الإنسان محمودة حسنة فى العقول وهو قائم بعينه ونفسه فلم يجز أن يتناسخه الأديان والشرائع فكان ذلك مستمر فى الشرائع على وجه واحد باقيا ما بقى التكليف وفى هذا كلام كثير ومرجعه إلى الكلام ولا حاجة بنا إليه ومما لا يجوز النسخ فيه ما أخبر الله تعالى من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة وكذلك ما أخبر من الكوائن فى المستقبل من خروج الدجال وغير ذلك لا يجوز فيه النسخ وجوز بعض الأشعرية نسخ الخبر فى المستقبل ويمنع من ذلك فى الماضى وأجاز قوم نسخ الأخبار فى الماضى والمستقبل جميعا٣.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٥٧ نهاية السول ٢/٥٧٥ المحصول ١/٥٤٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨١.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ نهاية السول ٢/٥٧٦، ٥٧٧ إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٥٧ المحصول ١/٥٤٨ انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٦.","vol":"1","page":423},{"text":"والصحيح أنه لا يجوز النسخ فى الأخبار بوجه ما لأنه يؤدى إلى دخول الكذب فى أخبار الله تعالى وأخبار الرسول ﷺ وذلك لا يجوز فإن قال قائل ما قولكم فى الأخبار الواردة فى الوعيد لمرتكبى الكبائر قلنا يجوز العفو عنها قالوا: فهذا نسخ قلنا هذا ليس بنسخ إنما هو من باب التكرم والعدول عن المتوعد بالفضل وقد يتكلم المتكلم بالوعيد وهو لا يريد إمضاءه ولا يعد ذلك خلفا بل يعد عفوا وكرما وقال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد حين تكلما فى هذا إنك رجل أعجمى القلب أن العرب تعد الانصراف عن الوعيد كرما والانصراف عن الوعد لؤما وأنشد:\nوإنى إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادى ومنجز موعدى\nوقال الأصمعى ما سمعت أعرابيا يقول: سبحان من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى وقال بعض أصحابنا أن وقوع العفو عن المذنبين مع أن الوعيد إنما جاء من ترتيب الخطاب بعضه على بعض فإن الله تعالى قال ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [لأنفال: ١٦] إلى أمثال هذا وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وقال فى موضع آخر: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وأمثال ذلك فكانت الآيات المتقدمة مرتبة على هذا والآيات المشتبه فيها مضمرة وإذا ورد الأمر بلفظ الخبر مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فنسخه جائز فى قول الأكثرين ومنع منه من أصحاب الشافعى أبو بكر الدقاق فعلق الحكم بالخبر على معنى الأمر وهذا فاسد لأن الأمر بلفظ الخبر يجرى على حكم الأمر من وجهين.\nأحدهما: اختصاص الأمر بالإلزام والخبر بالإعلام.\nوالثانى: اختصاص الخبر بالماضى والأمر بالمستقبل فلما تعلق بما ورد من الأمر بلفظ الخبر حكم الأمر دون الخبر من هذين الوجهين كذلك حكم النسخ ولأنه أمر وضح نسخه كسائر الأوامر وما لا يجوز نسخه بالإجماع لأن الإجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله ﷺ والنسخ لا يجوز بعد موته ﷺ وكما لا يجوز الإجماع بنسخه فلا يكون ناسخا أيضا١ لأن الإجماع لما كان ينعقد بعد زمان النبى ﷺ لم يتصور أن ينسخ ما.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٥٨٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٢٦، ٢٢٧ المعتمد ١/٤٠٠ روضة الناظر ٨٠ تيسير التحرير ٣/٢٠٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦٦ المحصول ١/٥٥٩.","vol":"1","page":424},{"text":"كان من الشرعيات في زمانه ولأن الأمة لا تجتمع على مثل هذا لأنه يكون اجتماع على ضلاله وقد أخبر النبي ﷺ أنهم لا يجتمعون على الضلالة.\nفان قيل قد نسختم خبر الواحد بالإجماع وهو الخبر الذي روى عن النبي ﷺ أنه قال: \"من غسل ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ\" ١.\nقلنا إنما استدل من مخالفة الإجماع له على تقدم نسخه فصار منسوخا بغير الإجماع لا بالإجماع فصار الإجماع في هذا الموضع دليلا عن النسخ ولم يقع به النسخ وأما نسخ الإجماع با لأجماع فمثل أن يجمع الصحابة في حكم على قولين ثم يجمع التابعون بعدهم على قول واحد منهما فيكون الصحابة مجمعة على جواز الاجتهاد فيها والتابعون مجمعون على نسخ الاجتهاد فيها.\nوفي هذه المسألة قولان للشافعي على ما سنبينه في مسائل الإجماع وعلى القول الذي يجوز صحة الإجماع لا يكون نسخا كما تقدم لأن الصحابة وأن سوغوا الاجتهاد ولكن إنما سوغوا إذا لم يمنع منه مانع كما سوغوا الاجتهاد من صحابي عن حضرة الرسول ﷺ فكان منع الاجتهاد في إجماع التابعين لهذه العلة لا أنه منسوخ.\nواما دليل الخطاب فيجوز نسخ موجبة ولا يجوز النسخ بموجبه لأن النسخ أقوى من دليله.\nواما النسخ بفحوى الخطاب فهو جائز لأنه مثل النطق وأقوى منه٢ وقد جعل الشافعي فحوى الخطاب في قوله ﷿: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ مع تحريم الضرب قياسا على التأفيف فعلى قوله لا يصح النسخ به لأن القياس لا يجوز به نسخ النص.\nوأما نسخ الفحوى فإنه توجه النسخ إلى النطق كان نسخا له ولفحواه ولمفهومه وأن توجه النسخ إلى الفحوى والمفهوم فقد اختلفوا في جوازه مع إبقاء نطفه فجوزه أكثر المتكلمين كالنصين يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر ويمنع من ذلك أكثر الفقهاء لأن.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الجنائز ٣/١٩٧ ح ٣١٦١ وأحمد المسند ٢/٥٩٨ ح ٩٨٧٦ بلفظ \"من غسل ميتا فيغتسل ومن حمله فليتوضأ\".\n٢ انظر نهاية السول ٢/٥٩٦، ٥٩٧ المعتمد ٤٠٤ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٣٥ المحصول ١/٥٦٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧١.","vol":"1","page":425},{"text":"ثبوت نطفه موجب لفحواه ومفهومه فلم يجز نسخ الفحوى والمفهوم مع بقاء موجبة١ كما لا يجوز نسخ القياس مع بقاء أصله.\nوأما الحكم الذي ثبت بالقياس فنسخ أصله يوجب نسخه في قول الشافعي وجمهور الفقهاء وقال بعض أصحاب أبي حنيفه يكون حكم القياس بعد نسخ أصله ثابتا في فروعه وهذا لا يصح لأن زوال الموجب يقتضي زوال الموجب ولأنه ما ثبت تابعا لغيره يزول بزواله لآن المتبوع أصل والتابع فرع ولا يصح بقاء الفرع مع زوال أصله لأنه إذا بقى لا يكون فرعا.\nوأما نسخ القياس مع بقاء أصله فعلى وجهين وهو مثل ما إذا نسخ الأصل هل يكون ذلك نسخا للقياس وعلى وجهين أيضا وصورته وهو أن ثبت الحكم في عين بعلة وقيس عليها غيرها ثم نسخ الحكم فى تلك العين المقيس عليها والأصح أن يبطل الحكم في الفروع لأن الفرع تابع للأصل فإذا بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع.\nوأما النسخ بالقياس فلا يجوز لأن القياس مستعمل مع عدم النص فلا يجوز أن ينسخ النص وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز النسخ بالقياس الجاري في أخبار الآحاد٢ والأصح هو الأول لما ذكرنا ولأن القياس إنما يصح إذا لم يعارضه نص فإذا كان نص يخالف القياس لم يكن للقياس حكم فلا يجوز النسخ به.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٥٩٨، ٥٩٩، ٦٠٠ المعتمد ٤٠٤ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٣٧ المحصول ١/٥٦٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧١، ٧٢ تيسير التحرير ٣/٢١٤.\n٢ نهاية السول ٥٩٤، ٥٩٥ المعتمد ١/٤٠٢ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٣٨، ٣٩ المحصول ١/٥٦١، ٥٦٢ تيسير التحرير ٣/٢١٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧٤.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>فصل: وجوه النسخ</span>\n...\nفصل: قد ذكرنا بعض ما يجوز النسخ به وسنبين الباقي بعد ذلك وفيه كلام كثير ومسائل من الخلاف كبار ونذكر الآن وجوه النسخ فنقول:\nالناسخ والمنسوخ يشتمل على ستة أقسام.\nأحدها: ما نسخ حكمه وبقي رسمه كنسخ أية الوصية في الوالدين والأقربين بآية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية ونسخ العدة حولا بأربعة أشهر.","vol":"1","page":426},{"text":"وعشرا فالمنسوخ ثابت التلاوة مرفوع الحكم والناسخ ثابت التلاوة ثابت الحكم.\nوالقسم الثاني: ما نسخ حكمه ورسمه وثبت حكم الناسخ ورسمه كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة ونسخ صيام عاشورا بشهر رمضان فالمنسوخ مرفوع الرسم والحكم والناسخ ثابت الرسم والحكم.\nوالقسم الثالث: ما نسخ حكمه وبقي رسمه ورفع رسم الناسخ وبقي حكمه كقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ لأنه نسخ بقوله تعالى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله وقال عمر ﵁ كنا نقرؤها على عهد رسول الله ﷺ ولولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله لأثبتها فيه والمنسوخ باقي التلاوة مرفوع الحكم والناسخ مرفوع التلاوة ثابت الحكم.\nوالقسم الرابع: ما نسخ حكمه ورسمة ونسخ رسم الناسخ وبقى حكمه كالمروى عن عائشة ﵂ قالت كان فيما أنزل الله ﷿ من القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس رضعات معلومات فتوفى رسول الله ﷺ وهو ما يتلى في القرآن١ يعني أنه يتلى حكمه دون لفظه وكان المنسوخ مرفوع التلاوة والحكم والناسخ مرفوع التلاوة باقى الحكم ومنع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه ومن نسخ الحكم مع بقاء لفظه٢ لأنه يؤدي أحدهما إلى أن ينفي الدليل ولا مدلول والآخر يؤدي إلى أن يرتفع الأصل ويبقى التابع والصحيح هو الجواز لأن التلاوة والحكم في الحقيقة شيئان مختلفان فجاز نسخ أحدهما وتبقيه الآخر كالعبادتين يجوز أن ينسخ أحدهما ويبقي الآخر.\nوالقسم الخامس: ما نسخ رسمه أو حكمه ولا يعلم الذي نسخه كالمروي أنه كان في القرآن لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف أبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب كما رواه أنس في أصحاب ببئر معونة وهم القراء الذين قتلوا بئر معونة قال أنس كنا نقرأ بلغوا إخواننا أنا لقينا ربنا فرضى علينا.\n_________\n١ أخرجه مسلم الرضاع ٢/١٠٧٥ ح ٢٤/١٤٥٢ ومالك في الموطأ الرضاع ٢/٦٠٨ ح ١٧.\n٢ انظر إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٠١، ٢٠٢ ٢٠٣ المحصول ٢/٥٤٦و ٥٤٧ نهاية السول ٢/٥٧٢، ٥٧٣ المعتمد ١/٣٨٦ تيسير التحرير ٣/٢٠٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٣.","vol":"1","page":427},{"text":"وأرضانا١.\nوهذا القسم في معنى النسخ وليس بنسخ حقيقة ولا يدخل في حد النسخ.\nوقد روى أن رجلا قام في الليل ليقرأ سورة فلم يقدر عليها فسأل رسول الله ﷺ فقال رفعت البارحة وقيل أن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة فسخ منها ما زاد على الموجود.\nوالقسم السادس ناسخ صار منسوخا وليس منهما لفظ متلو كالتوارث بالحلف والنصرة نسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة ثم نسخ التوارث بالهجرة وهذا داخل في أقسام النسخ أيضا من وجه ذكر هذه الأقسام الستة القاضي الماوردى وعندي أن القسمين الآخرين تكلف وليس بتحقق فيهما النسخ.\n_________\n١ أخرجه البخاري الجهاد ٦/٢٠٩ ح ٣٠٦٤ ومسلم المساجد ١/٤٦٨ ٢٩٧/٦٧٧ وأحمد المسند ٣/١٣٤ ح ١٢٠٧٠.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>فصل آخر في بيان وجوه النسخ</span>.\nوهو معرفة حكمه فنقول أحكامه مشتملة على ستة أضرب.\nأحدها: أن ينسخ الحكم بمثله في التخفيف والتغليظ٢ مثل نسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة.\nوالضرب الثاني: نسخ الحكم إلى ما هو أخف منه مثل نسخ العدة حولا كاملا بالعدة أربعة أشهر وعشرا.\nوالضرب الثالث: من النسخ أن ينسخ الحكم بما هو أغلظ منه فقد منع منه قوم أهل الظاهر وذكره ابن داود وصار إليه فقال بعضهم منع بالعقل لما فيه من التنفير وقال بعضهم منع منه بالشرع لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] واحتج محمد بن داود بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ونح ندل على جوازه بالعقل والشرع جميعا أما من حيث العقل فإن الناس في أصل التكليف على قولين منهم من بناه على مشيئة الله تعالى.\n_________\n٢ انظر المحصول ٢/٥٤٦ نهاية السول ٢/٥٦٩ المعتمد ١/٣٨٥ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٩٦، ١٩٧ تيسير التحرير ٣/١٩٧ روضة الناظر ٧٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥١.","vol":"1","page":428},{"text":"وعلى هذا لا يمتنع نسخ الأخف بالأثقل كما لا يمتنع نسخ الأثقل بالأخف ومنهم من اعتبر فيه الأصلح وعلى هذا لا يمتنع أن يكون من المصلحة نسخه بالأخف تارة وبالأثقل أخرى وأما الشرع فنقول نسخ الأخف بالأثقل قد وحد في الشرع إلا ترى أن الله وضع القتال في أول الإسلام ثم نسخه بفرض القتال ونسخ الإمساك في الزنا بالجلد وصوم عاشورا بصوم رمضان لأن الأثقل يكون أكثر ثوابا على ما قاله ﵇ لعائشة ﵂: \"إنما أجرك على قدر تعبك\" ١ فيكون نسخ الأخف با لأغلظ تعريض المكلف للثواب الكبير وهذا لا يمنع منه اشرع ولا عقل وأما قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فمعنى ذلك نأت بما هو أنفع لكم وأعود عليكم وقد تكون الفائدة فيما هو الأثقل واستقام معنى الآية على هذا.\nوالضرب الرابع: أن ينسخ التخيير بين أمرين بانختام أحدهما كالذي في صدر الإسلام من التخيير في صيام رمضان بعد الفدية والصيام بقولة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية ثم نسخ التخيير بأنختام الصيام بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وفي هذا دليل أيضا على جواز نسخ الأخف بالأغلظ لأن انختام الصوم أغلظ من التخيير.\nوالضرب الخامس: نسخ الوجوب بالإباحة والإباحة بالوجوب كنسخ تحريم الأكل والمباشرة بعد النوم في ليل الصيام بإباحته بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأما نسخ الإباحة بالوجوب كنسخ النهى عن القتال بإباحته ثم إباحته بوجوبه وقد نسخ الواجب إلى الندب مثل قيام الليل نسخ إيجابه إلى الندب.\nوالضرب السادس: أن يكون النسخ إلى غير بدل وهو جائز عند الجمهور ومنعت منه طائفة من أهل الظاهر٢ لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] والدليل على جواز ذلك السمع والمعقول أما السمع فلو جود ذلك.\nألا ترى أن نسخ إيجاب الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ إلى غير بدل ونسخ تحريم إدخار لحوم الأضاحي إلى غير بدل ومن حيث المعقول فلأنه أن كان بالمشيئة فيجوز أن يشاء نسخه إلى بدل ويجوز أن يشاء نسخه لا إلى بدل وأن كان الاعتبار.\n_________\n١ أخرجه البخاري العمرة ٣/٧١٤ ح ١٧٨٧ ومسلم الحج ٢/٨٧٦ ح ١٢٦/١٢١١.\n٢ انظر المحصول ٢/٥٤٦ المعتمد ١/٣٨٤ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٩٥ تيسير التحرير ٣/١٩٧ روضة الناظر ٧٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٠.","vol":"1","page":429},{"text":"بالمصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في نسخ الشيء إلى بدل ورفع الواجب لا إلى بدل ولأنه إذا جاز أن يسقط بالعذر إلى بدل وغير بدل جاز أن يسقط بالنسخ إلى بدل وغير بدل وأما الآية قلنا الآية محمولة على النسخ إلى بدل ثم وصفه أن يكون مثل الأول أو خيرا منه فهذا إتمام هذه الأضرب فإن نسخت صفه من صفات العبادات كالصلاة ينسخ منها استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة فقد اختلفوا أنه هل يكون نسخا بجميع العبادة فجعله أهل العراق نسخا بجميعها وجعلوا فرضها مبتدأ بالأمر الثاني دون الأول لارتفاع الأول بزوال شرطه فتكون الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة بالصلاة إلى الكعبة والصحيح وهو الذي عليه جمهور أصحاب الشافعي بأن فرضها باق دون نسخ صفتها ولأن النسخ يكون مقصورا على الصفة ولا يتعدى إلى الأصل لأن النسخ لا يتعدى من محله إلى غير محلة فعلى هذا تكون الصلاة إلى بيت المقدس محولة إلى الكعبة ومن حيث التوجه فحسب وأما جواز أصل الصلاة بعد تحويلها إلى الكعبة إنما هو بالخطاب الثابت قبل النسخ.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>فصل: في أوقات النسخ</span>\n...\nفصل ونتكلم الآن في أوقات النسخ.\nفنقول أوقات النسخ على ثلاث أضرب ضرب يجوز فيه النسخ وضرب لا يجوز فيه النسخ وضرب اختلفوا فيه.\nأما الضرب الأول: وهو الذي يجوز به النسخ وهو بعد العلم بالمنسوخ وبعد العمل به فيجوز نسخه سواء عمل به جميع الأمة أو بعض الأمة فالأول مثل استقبال القبلة والثاني مثل فرض الصدقة في مناجاة الرسول ﷺ فإنه روى أنه عمل به على أبن أبي طالب ﵁ وحدة.\nوأما الضرب الثاني: فهو النسخ قبل العلم بالمنسوخ واعتقاد وجوبه فلا يجوز نسخه لأن النسخ يكون فيما استقر فرضه ليخرج به عن البداء والنسخ قبل العلم بالمنسوخ يؤدي إلى البداء لأنه يصير كما لو قال افعل ولا تفعل وهذا يقبح إلا ترى أنه إذا كان متصلا يقبح فإذا كان منفصلا يقبح أيضا فإن قيل أليس روى أن الله تعالى فرض خمسين صلاة ليلة المعراج ثم أنه نسخه قبل أن تعمل به الأمة والقصة ثانية في تردد النبي ﷺ ومسألة التخفيف وحث موسى إياه على ذلك قلنا قد كان الرسول ﷺ عالما بذلك واعتقد وجوبه فقد نسخ بعد العلم بوجوبه واعتقاده.","vol":"1","page":430},{"text":"والضرب الثالث وهو النسخ بعد العلم به واعتقاد وجوبه قبل العمل به وقبل وقت عمله فقد اختلفوا في ذلك على ما سنبين.\nمسألة يجوز عندنا نسخ الشيء قبل وقت فعله.\nوقال أبو بكر الصيرفي لا يجوز وهو قول المعتزلة ولأصحاب أبي حنيفة في ذلك خلاف وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز وذهب بعضهم إلى جوازه١ والمسألة تدور على أنهم يقولون مثل هذا النسخ يدل على البداء وعندنا لا يدل على ذلك وأما أكثرهم فقد تعلقوا بهذا الحرف وقالوا: نسخ الشيء قبل وقت فعله يؤدي إلى البداء والبداء لا يجوز على الله تعالى والدليل على أنه يؤدي إلى البداء أن الله ﷿ إذا قال لنا في صبيحة بوم صلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة ثم قال عند الظهر لا تصلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة كان الأمر والنهي متناولا فعلا واحدا على وجه واحد في وقت واحد وقد صدر من مكلف واحد إلى مكلف واحد وفي تناول النهي لما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله من غير انفصال دليل أما على البداء وأما على القصد إلى الأمر القبيح والنهي عن الحسن وهذا لأن أمر الحكيم يدل على حسن المأمور به ونهيه يدل على قبح المنهي عنه فأما إذا أمر بفعل في وقت من الأوقات دل ذلك على حسنه فإذا نهانا عنه نهيا عما هو حسن والنهي عن الحسن قبيح كما أن الأمر بالقبيح قبيح وذلك لا يجوز توهمه على الله ﷾ وهذا دليل المتكلمين ولأن الأمر لا بد له من فائدة وإذا جوزنا النسخ على ما قلتم سقطت فائدة الأمر قالوا: فلا يجوز أن يقال قد أفاد اعتقاد الوجوب والعزيمة على الفعل وإذا أفاد هذا سقط صفة البداء عن النسخ لأن المسألة مصورة فيما إذا كان النهي يتناول غير ما أمر به والأمر طلب الفعل وإذا جوزنا نسخه قبل وقت الفعل لم يبق للأمر فائدة فيما وضع الأمر له فأما اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل فليس الأمر بموضوع لهما.\nببينة: أنه على ما قلتم يصير كأن الله تعالى قال اعزموا واعتقدوا وقوله افعلوا ليس بعبادة عنه لا لغة ولا شرعا ولا حقيقة ولا مجازا فصار الأمر أمرا بالفعل لا بغيره.\n_________\n١ انظر المحصول ١/٥٤١ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٧٩، ١٨٠ روضة الناظر ٧١ تيسير التحرير ٣/١٨٨ المعتمد ٣٧٥ نهاية السول ٢/٥٦٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٤٦.","vol":"1","page":431},{"text":"فقيل وقت الفعل إذا نسخ يؤدي إلى ما ذكرناه ويؤدي إلى سقوط الفائدة عن الأمر وأيضا فانه لا بد أن يكون في الأمر بالعزم والأمر بالاعتقاد فائدة ولا فائدة في ذلك إذا لم يجب العزوم عليه أو سقط عنه وحله قبل وقته فإن قلتم أن الفائدة اختيار المكلف فهذا لا يصح لأن حقيقة الأخبار إنما يجوز على من لا يعرف العاقبة دون من يعرف العاقبة وأيضا فإيجاب العزم والاعتقاد على الإطلاق لا يحسن والمعزوم عليه غير واجب لأنه لا يحسن اعتقاد وجوب ما ليس بواجب.\nدليل آخر لهم وهو أن المراد من الأمر هو الابتلاء بالامتثال والابتلاء بالفعل إنما يوجد عند أدراك وقت الفعل وأما قبل أدراك وقت الفعل فكيف يتصور الابتلاء بالفعل فإن قلتم أن الابتلاء باعتقاد الوجوب فقد ذكرنا أن الأمر بالفعل لا باعتقاد الفعل وقبوله والدليل عليه أن في أوامر العباد يكون المراد بها تحصيل للفعل كذلك في أوامر الشرع يدل عليه أن بمجرد الأمر يجب تحصيل الفعل بغير بيان يقترن به ولو كان يحتمل الفعل ويحتمل اعتقاد الفعل لما وجب تحصيل الفعل من غير بيان لأن المحتمل لا يوجب شيئا وهذا استدلال القاضي أبي زيد لهم والمعتمد هو الأول وأما دلائلنا في المسألة نستدل أولا بالوجود والدليل على وجود مثل هذا النسخ قصة إبراهيم ﵇ فانه أمر بذبح أبنه بدليل قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] وقوله: ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾ دليل على أنه كان مأمورا بذبح الولد ثم نسخه قبل أن يفعله وفداه بذبح عظيم فإن قيل أن إبرهيم ﵇ لم يؤمر بذبح الولد الذي هو قطع الحلقوم وفرى الأوداج وإنما أمر بمعالجة الفعل الذي هو حكاية الذبح فانه روى أنه كان يقطع ويلتئم بقدرة الله تعالى بدليل أن الله تعالى قال: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] ومنهم من قال كان مأمورا بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح قالوا: على الجملة لم يكن مأمورا بأكثر مما فعل بدليل ما تلونا من قوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] قلنا هذا التأويل الذي قلتم خلاف ما يقتضيه لفظ الكتاب حقيقة لأن الذبح في اللغة هو الشق قال الشاعر:\nكان بين فكها والفك ... فارة ممسك ذبحت في شك\nأى شقت فدل أن الأمر تناول الفعل الذي هو شق الذبح يدل عليه لو كان الأمر على ما زعموه لم يكن لقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] معنى لأن الفداء لا معنى له من حصول الفعل المأمور به فإن الفداء اسم للذي أقيم مقام الشيء المفدى ولم.","vol":"1","page":432},{"text":"يمكن أيضا لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ولا لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٦] وجه لأن معالجته مقدمات الذبح مع علمه بالسلامة لا يبلغ المبلغ الذي يقتضي هذا القول في عظم الامتحان فدل أن الله تعالى أمره بحقيقة الذبح ثم من عليه ونسخه قبل أن يفعل وأما قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] فمعناه والله أعلم أزمعت التصديق واعتقدت الفعل وأردت فعله إلا أن الله ﵎ أعفاك عنه وأبقى عليك ولدك انعاما ومنه يدل عليه قصة المعراج وفرض الرب عز اسمه خمسين صلاة ونسخها بخمس صلوات قبل الفعل فان قالوا: أن هذا الخبر واحد قلنا قد تلقته الأمة بالقبول وهو من قبيل التواتر على ما سبق وقد ذكرنا كلامهم على هذا وأجبنا عنه وعلى ذلك الجواب نستقيم الحجة في هذه المسألة وأيضا فإن الله تعالى أمر بالصدقة قدام نجوى النبي ﷺ ونسخه قبل فعله وهم يقولون أن وقت الفعل قد كان حضر بدليل ما روى أن عليا ﵁ استعمله ويدل عليه أن النبي ﷺ صالح قريشا عام الحديبية وكان فيما شرطوه في الصلح أن يرد عليهم من جاء من المسلمين فيهم رجلا كان أو امرأة١ ثم نسخ الله تعالى ذلك فى النساء بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ويدل عليه أن النبي ﷺ قال فى فتح مكة: \" وإنما أحلت لى ساعة من نهار\" ٢ يعنى أحل القتال بمكة ثم قد اشتهرت الأخبار أن النبي ﷺ منع من القتال فيها وكان ذلك قبل وقت الفعل والمعتمد هو خير إبراهيم عليه السلام٣ وخبر المعراج على الوجه الذي قدمناه ويمكن أن يتعلق بظاهر قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وأما دليلنا من جهة المعقول هو أن الدليل لما قام على حسن النسخ على الجملة فلا فرق بين أن ينسخ قبل وقت الفعل أو بعد وقت الفعل لأنه يجوز أن يكون المراد بالأمر هو اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل إذا حضر وقته وبكون الله تعالى قد ابتلى عباده بهذا القدر وهو ابتلاء صحيح لآن الإيمان رأس.\n_________\n١ أخرجه البخاري الصلح ٥/٣٥٨ ح ٢٧٠٠ ومسلم االجهاد ٣/١٤١ ح ٩٢/١٧٨٣.\n٢ أخرجه البخاري الصيد ٤/٥٥ ح ١٨٣٣ ومسلم الحج ٢/٩٨٨ ح ٤٤٧/١٣٥٥ وأبو داود المناسك ٢/٢١٨ ح ٢٠١٧ والترمذي الديات ٤/٢١ ح ١٤٠٦.\n٣ أخرجه البخاري أحاديث الأنبياء ٦/٤٦٩ ح ٣٣٦٧ ومسلم الحج ٢/٩٩٣ ح ٤٦٢/١٣٦٥.","vol":"1","page":433},{"text":"الطاعات فيجوز أن يكون الله تعالى ابتلى عباده بقبول هذه العبادة ايمانا.\nببينة أن الاعتقاد أحد موجبي الأمر فيجوز أن يقع القصد إليه في الأمر ألا ترى أنه لو قال لنا صلوا ركعتين إذا زالت الشمس أن لم أرفع الأمر عنكم قبله كان هذا سائغا في العقول غير مستحيل كذلك إذا أبهم وأراد ذلك ورفعة قبل وقت فعله كان مستحيلا أيضا يدل عليه أن الأمر كما يسقط عن المأمور بنسخه عنه بموته وعجزه عن الفعل ثم إذا لم يكن مستحيلا أن يؤمر بالشيء ثم لا يصل إلى فعلة بموت لا يقطعه عنه أو عجز يحول بينه وبينه وقد يؤمر قلنا إذا اعتبرتم هذا فقولوا لا يجوز النسخ أصلا لأنه إذا كان المأمور به صلاح العباد فلا يجوز أن ينهي عما يصلحهم ولكن قيل لما نسخه تبين أن الصلاح كان إلى هذه الغاية كذلك هاهنا إذا نسخ دل النسخ أن الصلاح كان هذا القدر وهو إلزام القبول وإيجاب اعتقاد الوجوب.\nببينة:أنه غير مستبعد في قضايا العقول أن يكون صلاح عبده في أمره بشيء ثم إذا علم واعتقد الوجوب يرى أن صلاحه في غيرة.\nوأما قولهم أنه لا يحسن أن يصل النهي بالأمر فيقول: افعلوا لا تفعلوا قلنا إنما كان كذلك لأنه إذا وصل به لا يفيد الأمر فائدة وأما هاهنا قد أفاد الأمر فائدة على ما سبق فصح النسخ كما بعد الفعل والله أعلم.\n[مسألة] ١ أعلم أن المسلم يقتل الكافر فيتوجه إليه بسيفه ثم يقتل قبل أن بصل إليه أو تصيبه آفة تحول دون قصده فإذا جازت مثل هذه الصورة وهذه العوارض المانعة من الفعل جاز أيضا عارض النسخ يدل عليه أن الخصوم في هذه المسألة وافقونا أنه يجوز أن يأمر الله تعالى بموأصلة الفعل سنة ثم ينسخه عنا بعد أشهر فكذلك يجوز أن ينسخه أيضا قبل ابتداء شئ من الفعل لأن جميع ذلك نسخ قبل وقت الفعل فإن قيل بالنسخ تبين أنه لم يعني بالسنة جميعها وأن لم يكن أراد الفعل إلا فى بعض السنة وكان النسخ بيانا للمراد بالخطاب وصار النهي متناولا غير ما يتناوله الأمر ويجاب عنه فيقال يقيد الأمر بالفعل بالسنة والسنة وقت معلوم الأول والآخر يمنع أن يكون المراد بعض السنة أما الجواب عن كلامهم أما الأول قولهم أن هذا يؤدى إلى البداء لأن البداء أن يظهر له شئ كان خافيا عليه وفي هذا الموضع لا يوجد هذا إنما أمر الله تعالى ليبتلى بالقبول واعتقاد الوجوب ثم نسخه عنهم وهذا لأن القبول واعتقاد الفعل مقصود لا محالة والابتلاء به.\n_________\n١ بياض في الأصل.","vol":"1","page":434},{"text":"صحيح وقد قلنا أنه أحد موجبي الأمر لأن قبول الأمر واعتقاد وجوب الأمر كان بالأمر قطعا فأما قولهم أن الأمر طلب الفعل قلنا صحيح في أوامر العباد فإنه لا يتناول إلا طلب الفعل فأما في أوامر الله تعالى فإن الإيمان والقبول رأس العبادات ولا بد أن ذلك موجبا للأمر بدليل أنه لو فعل الشيء ولم يعتقد وجوبه لا يصح وهذا لأن أمر العباد لا يكون بطريق الابتلاء إنما يكون بجر النفع والنفع يحصل بالفعل لا بالقبول فأما أوامر الله تعالى للابتلاء وليس بحر النفع لأن الله تعالى غني على الحقيقة عن الخليقة فإن قالوا: كلاهما مقصودان قلنا بلى من حيث الظاهر هما مقصودان ولكن بالنسخ تبين لنا أن المراد كان من الأمر هو الابتلاء بالقبول والاعتقاد أنه إذا نسخ بعد الفعل مرة وقد كان الأمر مطلقا يتبين أن الابتلاء كان بالفعل مرة أو مدة الحكم كانت مقصورة على هذا الزمان وأن كان مطلق الأمر بتناول الأزمنة كلها حتى لو لم يرد النسخ وجب الفعل في الأزمنة بقضية الأمر وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن كلامهم الثاني.\nوأما قولهم أن الأمر يدل على حسن المأمور والنهي على قبحه فجواز مثل هذا النسخ يدل على التناقض أو يودي إلى أن ينهي عما هو حسن أو يأمر بما هو قبيح وربما يزيدون على هذا فيقولون أن الله ﵎ لا يأمر إلا بما هو صلاح للعباد فالأمر من الله تعالى يدل على أن المأمور به صلاح المأمورين وإذا كان صلاحا لهم لم يجز أن ينهاهم عنه ويمنعهم منه.\nوالجواب أن عندنا الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع فإذا أمرنا بالشيء فبالأمر عرفنا حسنه وإذا نهانا عنه زال المقيد لحسنه فزال حسنه وكذلك النهي يدل على قبح الشيء فإذا أرتفع النهي أرتفع قبحه فعلى هذا لا تناقض ولم يوجد النهي عن الحسن ولا الأمر بالقبيح وأما الذي ذكروا أن الله تعالى يأمر بمصالح العباد قلنا إذا اعتبرتم هذا فقولوا لا يجوز النسخ أصلا لأنه إذا كان المأمور به صلاح العباد فلا يجوز أن ينهي عما بصلحهم ولكن قيل لما نسخه تبين أن الصلاح كان إلى هذه الغاية كذلك هاهنا إذا نسخ دل النسخ أن الصلاح كان هذا القدر وهوا إلزام القبول وإيجاب اعتقاد الوجوب.\nببينه: أنه غير مستبعد في قضايا العقول أن يكون صلاح عبده في أمره بشيء ثم إذا علم واعتقد الوجوب يرى أن صلاحه في غيره وإنما قولهم أنه لا يحسن أن يصل النهي بالأمر فيقول: افعلوا لا تفعلوا قلنا إنما كان كذلك لأنه إذا وصل به لا يفيد الأمر.","vol":"1","page":435},{"text":"فائدة وأما هاهنا قد أفاد الأمر فائدة على ما سبق فصح النسخ كما يعد الفعل والله أعلم.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>فصل: دلائل النسخ</span>\n...\nفصل: اعلم أن هذا الفصل يشتمل على دلائل النسخ فنقول:\nإذا ورد في الشيء الواحد حكمان مختلفان فلا يخلو أما أن يمكن استعمالهما ولا يتنافى اجتماعهما وذلك أن يكون أحدهما الأعم من الآخر والآخر أخص فيقضي بالأخص على الأعم فيستثنى منه كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] لما قابل عموم هذه الآية خصوص قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة ٥ قضى بخصوص هذه الآية على عموم تلك الآية فصار كقوله ولا تنكحوا المشركات إلا الكتابيات وفي هذا النوع أن تساوي الآيتان في العموم والخصوص ويمكن أن نخص كل واحدة من الآيتين بالأخرى ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وقد قابلها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] ويجوز أن تكون كل واحدة من الآيتين مخصوصة بالأخرى فيحرم الجمع بين الأختين إلا بملك اليمين ويحل ملك اليمين إلا الجمع بين الأختين فتتكافأ الآيتين في الجواز ووجب الرجوع إلى دليل موجب تخصيص أحداهما بالأخرى ولذلك قال عثمان ﵁ أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى والجملة في هذا الضرب من التعارض أنه إذا أمكن استعمال الآيتين أو تخصيص أحداهما بالأخرى يصار إلى الاستعمال والتخصيص إلا أن يقوم دليل على النسخ فيعدل بالتعليل عن التخصيص إلى النسخ وهذا كآية الوصايا وآية المواريث قد كان يمكن استعمالهما من غير نسخ لكن قد روى عن الصحابة أنهم قالوا: قد نسخت آية المواريث آية الوصية وروى عن النبي ﷺ أنه قال: \" أن الله ﷿ قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيه لوارث\" ١ فعدل بالدليل عن التخصص إلى النسخ وكان طاوس من بين التابعين بجمع بين الآيتين ولا يثبت النسخ هكذا أورده بعض أصحابنا وفيه نظر وتأمل.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الوصايا ٣/١١٣ ح ٢٨٧٠ والترمذي الوصايا ٤/٤٣٣ ح ٢١٢٠ والنسائي الوصايا ٦/٢٠٧ باب إبطال الوصية للوارث وابن ماجه الوصايا ٢/٩٠٥ وأحمد المسند ٤/٢٢٩ ح ١٧٦٨٠ انظر تلخيص الحبير ٣/١٠٦ ح ٩.","vol":"1","page":436},{"text":"وأما لوجه الثاني من تقابل الدليلين واجتماع الحكمين فهو أن لا يمكن استعمالهما ويكون بينهما تناقض فنعلم أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ فيرجع إلى دلائل النسخ فيستدل بها على الناسخ في أثباته وعلى المنسوخ في نفيه واحد دلائله أن يعرف تقدم احد الحكمين على الآخر فيكون المتقدم منسوخا والمتآخر ناسخا والمراد منه أن يكون متقدما في التنزيل دون التلاوة١ فإن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ناسخ لقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وهو متقدم عليه في التلاوة ومتآخر عنه في التنزيل وقد عدل في كثير من القرآن بترتيب التلاوة عن ترتيب التنزيل بل بحسب ما أمر الله ﷿ لمصلحة استأثر بعلمها.\nوقد قيل أن آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] وهذه الآية متلوة في سورة البقرة وهي مقدمه على جميع سور القرآن سوى الفاتحة وأول سورة نزلت اقرأ باسم ربك وهى في أوآخر ما يتلى في القرآن.\nودلائل النسخ مع التقدم والتآخر في التنزيل من أوجه كثيرة.\nأحدها أن يكون في نظم التلاوة لفظ يدل على النسخ وهذا مثل النسخ الثابت في آية المصابرة على الجهاد وقال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثم نسخ هذا وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] نص في أن المراد بالآية تخفيف ما تقدم من تغليظه.\nوالوجه الثاني: أن يرد لفظ يتضمن التنبيه على النسخ وذلك كما نسخ الله تعالى ونقد من الإمساك في البيوت لحد الزنا في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] بجلد المائة في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] لأن قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] تنبيه على عدم الاستدامة في الإمساك ولذلك قال النبي ﷺ.\n_________\n١ اعلم أنه يعرف المتقدم والمتأخر أما بلفظ النسخ والمنسوخ كما لو قال ﷺ هذا ناسخ وهذا منسوخ أو اجمعت الأمة على ذلك وأما بالتاريخ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٥٩ تيسير التحرير ٣/٢٢٢ نهاية السول ٢/٦٠٧، ٦٠٨ المحصول ٢/٥٧١ روضة الناظر ٨١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨٤، ٨٥.","vol":"1","page":437},{"text":"\"خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا\" ١ الخبر.\nوالوجه الثالث: من دليل النسخ نص يرد من الرسول ﷺ يصرح بثبوت النسخ٢ مثل قوله ﷺ: \"كنت نهيتكم عن إدخار لحوم الأضاحي وكلوا واشتروا\" و\" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا\" ٣.\nوالوجه الرابع: من دلائل النسخ إجماع الصحابة٤.\nواجماعهم ضربان إجماع قول واجماع فعل.\nأما إجماعهم على القول مثل قولهم نسخ صوم رمضان صوم عاشوراء ومثل قولهم نسخت الزكاة سائر الحقوق في المال.\nوأما إجماعهم على الفعل مثل صلاتهم إلى الكعبة بعد صلاتهم إلى بيت المقدس.\nوالوجه الخامس: من دلائل النسخ فعل الرسول ﷺ وفعل الصحابة وفعل الأمة أما فعل الرسول ﷺ مثل فعله في حد الزنا فانه ﷺ رجم ماعز ولم يجلده٥ وكذلك رجم الغامدية ولم يجلدها٦ فعلم بهذا أن قوله ﷺ: \"الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة\" ٧ منسوخ.\nوقد قالوا: أن الفعل لا ينسخ القول في قول الأكثرين من الأصوليين وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول فيكون القول منسوخا بمثله من القول لكن فعل الرسول ﷺ دليل على القول.\nوأما فعل الصحابة فيوجد في قوله ﷺ: \"من تصدق على صدقة فإنا أخذوها وشطر\n_________\n١ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣١٦ ح ١٢/١٦٩٠ وأبو داود الحدود ٤/١٤٢ ح ٤٤١٥ والترمذي الحدود ٤/٤١ ح ١٤٣٤.\n٢ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٥٩ نهاية السول ٢/٦٠٧ روضة ٨١ تيسير التحرير ٣/٢٢١، ٢٢٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨٤.\n٣ أخرجه مالك في الموطأ الضحايا ٢/٤٨٥ ح ٨ والطبراني في الكبير ١١/٢٥٣ ح ١١٦٥٣.\n٤ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٥٩ نهاية السول ٢/٦٠٧ روضة ٨١ تيسير التحرير ٣/٢٢١، ٢٢٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨٤.\n٥ تقدم تخريجه.\n٦ أخرجه مسلم الحدود ٣/١٣٢٣ ح ٢٣/١٦٩٥ وأبو داود الحدود ٤/١٥٠ ح ٤٤٤٢ وأحمد المسند ٥/٤٠٨ ح ٢٣٠١٣.\n٧ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":438},{"text":"ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء\" ١.\nوأجتمعت الصحابة على ترك استعمال هذا فدل عدولهم عن استعماله على نسخه.\nوأما فعل الأمة فقد سبق ذكره.\nوالوجه السادس: من دلائل النسخ نقل الراوي تقدم أحد الحكمين وتآخر الآخر وذلك أن يروي أن أحدهما شرع بمكة والآخر بالمدينة أو يروي أن أجدهما شرع عام بدر والآخر شرع عام الفتح أو غير ذلك من الأعوام بعد بدر فإن وجد هذا فلا بد أن يكون المتآخر ناسخا للمتقدم كما روى عن بعض الرواة أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء ما مست النار٢ وهذا وأن لم يكن على مثال ما قلناه عام كذا وعام كذا فهو على مثال ما قلناه أنه يروى تقدم أحدهما وتآخر الآخر وقد روى أيضا من إباحة المتعة ونسخها على ترتيب قد ذكر في الأخبار وأن كان راوي المتقدم غير راوي المتآخر ينظر فإن كان المتقدم من أخبار الآحاد والمتآخر من المتواتر كان المتآخر ناسخا للمتقدم وأن كان المتقدم من أخبار التواتر فلا يصير منسوخا بالخبر الواحد المتآخر وأن كانا متواترين أو كانا جميعا من جملة الآحاد فإنه يصير المتآخر ناسخا للمتقدم ثم الراوي للنسخ لا يخلو أما أن يذكر دليل النسخ أو يرسل للنسخ إرسالا ولا يذكر دليله أما إذا ذكر دليل النسخ فلا إشكال أنه يثبت النسخ وأما إذا لم يكن ذكر دليل النسخ ولم يرو عن النبي ﷺ لكن أرسل النسخ إرسالا ففيه وجهان.\nأحدهما: يقبل قوله في النسخ وبه قال الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وتعلق من قال هذا بما ينقله من الشرع ووجه ذلك أن الصحابي لا يرسل قوله إلا عن دليل موجب للنسخ.\nوالوجه الثاني: وهو الأظهر أن لا يقبل قوله في النسخ ما لم يذكر دليل النسخ لجواز أن يعتقد النسخ بما ليس بنسخ كما روى عن بعض أصحابنا أن مسح الخفين نسخ غسل الرجلين وعندى أن هذا أثر منكر ولا يعرف ثبوته عن أحد من الصحابة.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الزكاة ٢/١٠٣ ح ١٥٧٥ والنسائي الزكاة ٥/١٧ باب سقوط الزكاة عن الإبل إذا كانت رسلا لأهلها ولحومتهم والدارمي الزكاة ١/٤٨٦ ح ١٦٧٧ وأحمد المسند ٥/٣ ح ٢٠٠٣٨.\n٢ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٥٩ نهاية السول ٢/٦٠٨ روضة الناظر ٨١ تيسير التحرير ٣/٢٢٢ المحصول ٥٧٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٢/٦٧٢.","vol":"1","page":439},{"text":"وأما إذا كان راوى أحد الخبرين متقدم الصحبة والراوي الآخر متآخر الصحبة فهو على ضربين.\nأحدهما أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني فيكون الحكم الذي رواه الثاني ناسخا لما رواه الآخر فيكون الحكم الذي رواه الآخر ناسخا عند صحبة الثاني فيكون على الحكم الذي رواه ناسخا لما رواه الآخر كالذي رواه قيس بن طلق عن أبيه طلق بن على قال أتيت النبي ﷺ وهو يؤسس مسجد قباء فسألته عن مس الذكر فقال: \"هل هو إلا بضعة منك\" ١ وروى أبو هريرة وجوب الوضوء لمن مس الذكر٢ وقد أسلم وهاجر عام خيبر بعد بناء مسجد قباء بست سنين فكان حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق.\nوالضرب الثاني أن لا تنقضي صحبة المتقدم عند صحبة المتآخر فلا يكون رواية المتآخر الصحبة ناسخا لرواية المتقدم الصحبة لجواز أن يكون المتقدم راويا لما تآخر كما يجوز أن يكون راويا لما تقدم وإنما إثبات النسخ بمجرد الاحتمال لا يجوز وهذا مثل رواية أبن عباس لما يرويه من التشهد وبرواية أبن مسعود لما يرويه من التشهد ولا تكون رواية ابن عباس ناسخة لرواية ابن مسعود ولكن بطل الترجيح بدليل آخر وحين ذكرنا دلائل النص نذكر الآن أن الزيادة على النص ليست من دلائل النسخ.\nمسألة الزيادة على النص لا تكون نسخا بحال.\nوهو قول جماعة كثيرة من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم قال أبو الحسن الماوردي وهو قول أكثر الأشعرية وأكثر المعتزلة قال ولا فرق بين أن تكون هذه الزيادة مانعة من اجزاء المزيد علية أو غير مانعة وذهب أصحابنا إلى أن الزيادة لو غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا حتى صار المزيد علية لو فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الطهارة ١/٤٦ ح ١٨٣ والترمذي الطهارة ١/١٣١ ح ٨٥ والنسائي الطهارة ١/٨٥ باب ترك الوضوء من ذلك وأحمد المسند ٤/٢٩ ح ١٦٢٩٢ انظر نصب الراية ١/٦٠.\n٢ أخرجه أحمد المسند ٢/٤٤٥ ح ٨٤٢٥ والبيهقي في الكبرى ١/٢١١ ح ٦٤١ والدارقطني سننه ١/١٤٧ ح ٦ والحاكم في المستدرك ١/١٣٨ وابن حبان ٢١٠/موارد انظر نصب الراية ١/٥٦.","vol":"1","page":440},{"text":"يفعل قبلها لم يجز ووجب استيفائه فإن الزيادة في هذه الصورة تكون نسخا وذلك نحو زيادة ركعة على ركعتين وأن كان المزيد عليه فعل على حد ما كان يفعل قبل الزيادة صح فعله واعتد بفعله ولم يلزم استيفائه لم تكن الزيادة نسخا نحو زيادة التغريب على الحد وزيادة العشرين على حد القاذف واختار هذا عبد الجبار الهمذاني.\nوأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقد قالوا: أن الزيادة على النص بعد استقرار حكمه يوجب النسخ حكاه الضميري عن أصحابه على الاطلاق وعن أبي الحسن الكرخي وأبي عبد الله البصري أنهما قالا أن كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخا وأن لم تغير حكمه في المستقبل بل كانت مقارنه له لم يكن نسخا وأما زيادة التغريب على حد الزاني في المستقبل يكون ناسخا وكذلك لو زيد في حد القاذف عشرون.\nقالا وأما إذا وجب ستر الفخذ فوجب بعد ذلك ستر بعض الركبة لا يكون ذلك نسخا وكذلك إيجاب صلاة أخرى أو فرض آخر على الفرائض المعلومة١.\n_________\n١ اعلم أن الزيادة على النص على ثلاثة مراتب:\nالمرتبة الأولى: أن تكون لعبادة مستقلة ليست من جنس المزيد عليه أو تكون زيادة لعبادة من جنس المزيد عليه.\nالمرتبة الثانية: أن تكون الزيادة لعبادة من جنس المزيد عليه.\nالمرتبة الثالثة: أن تكون زيادة لعبادة غير مستقلة كزيادة شرط أو جزء أو صفة.\nأما المرتبة الأولى وهي زيادة عبادة مستقلة ليست من جنس المزيد عليه كزيادة صوم يوم الخميس وجوبا من كل أسبوع مثلا على ما شرعه الله من العبادات ليست نسخا اتفاقا لأنها لا تتحقق فيها حقيقة النسخ ضرورة أنها لم ترفع حكما شرعا.\nالمرتبة الثانية: زيادة عبادة مستقلة من جنس المزيد عليه كزيادة صلاة على الصلوات الخمس.\nفجمهور السافعية والحنابلة والحنفية على أنها ليست نسخا كذلك وقال بعض العراقيين من الحفنية أنها نسخ.\nالمرتبة الثالثة: زيادة غير مستقلة الشرط مثل اشتراط الطهارة في الطواف واشتراط الإيمان في عتق الرقبة في كفارة الظهار أو زيادة جزء مثل زيادة ركعة على ركعتين الفجر.\nفقد اختلف فيها الأصوليون على أقوال أشهرها ما يأتي:\nأولا: ليست نسخا مطلقا وهو مذهب الشافعية والحنابلة وبعض المعتزلة كالجبائي وأبي هاشم.\nثانيا: هي نسخ مطلقا وهو مذهب الحنفية.\nثالثا: إن وقعت حكما شرعيا كانت نسخا وإن وقعت البراءة الأصلية لم تكن نسخا وهو مذهب الباقلاني وأبي الحسين البصري واختاره الآمدي والإمام الرازي......=","vol":"1","page":441},{"text":"واحتج من قال أن الزيادة على النص نسخ بوجوه من الكلام أكثرها يرجع إلى معنى واحد وهو أن النسخ مأخوذ من الإزالة على ما سبق بيانه والزيادة فيه قد تضمنت الإزالة لأن الجلد قبل الزيادة قد كان كمال الحد فصار بعدها بعض الجلد فقد أزالت الزيادة كون الجلد بعدها كمال الحد وإذا تحقق معنى النسخ ثبت النسخ وقالوا: أيضا أن الجلد قد كان مجزيا وحدة ومن بعد التغريب صار غير مجزي وحده وقد أزالت الزيادة كون الجلد مجزيا وحده وهذا قريب من الأول قالوا: أيضا أن الجلد وحدة كان يتعلق به رد الشهادة فلما زيد التغريب صار لا يتعلق به وحدة ويصير هذا كما لو صرح الخطاب يكون الجلد كل الحد ثم غير يكون نسخا إجماعا كذلك هاهنا يدل علية أن زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخا فكذلك بزيادة التغريب على الجلد يكون نسخا وأن منعتم ندل على ذلك فنقول أن هذه الزيادة جعلت وجود الركعتين وحدهما لعدمهما وأوجبت الاستئناف وأزالت الآخر ومن قبل هذا الزيادة لم تكن الركعتان كذلك وهذا هو معنى النسخ.\nوأما أبو زيد فال في هذه المسألة أن الزيادة تنسخ معنى لأن الآية جعلت الجلد مائة حد الزنا ومتى كان الجلد حدا مع النفي لم يكن المذكور في الكتاب حدا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من العقوبة أو العبادة أو الكفارة لا يتجزيء وجوبها ولا أداؤها ومتى عدم شئ منها لم يكن للباقي حكم الجواز بحال كالركعة من الفجر والركعتين من الظهر إذا فصلت عما بقيت لم يكن ظهرا ولا بعضة ولهذا لو صام شهرا عن كفارة القتل ثم مرض فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز لأن المشروع فيه كفارة صوم شهرين فلا يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقى حكم أداء الواجب بحال وإذا ثبت أن بزيادة التغريب لا يبقى الجلد بنفسه حدا ثبت أنه نسخ وكذلك كفارة اليمين حين جعلت الكفارة رقبة.\n_________\n= رابعا: إن خير الشارع بين خصال ثلاثة بعد تجبيره بين اثنين أو كانت الزيادة تجعل المزيد عليه غير معتد به لو فعل بدونها وتجب إعادته كان نسخا مثل زيادة ركعة أو سجدة.\nوإن كانت الزيادة لا تجعل الفعل المزيد عليه لغوا بل إذا أضيفت الزيادة إليه كان معتبرا لم تكن نسخا كزيادة التغريب على الجلد وزيادة عشرين جلدة على الثمانين في القذف وهو مذهب القاضي عبد الجبار انظر إحاكم الأحكام للآمدي ٣/٢٤٣، ٢٤٤، ٢٤٥ نهاية السول ٢/٦١٠ المحصول ٢/٥٦٣ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٦١٠ روضة الناظر ٧٣ المستصفى ١/١١٧ تيسير التحرير ٣/٢١٨ جمع الجوامع ٢/٩١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٧٤، ٧٥، ٧٦.","vol":"1","page":442},{"text":"مؤمنة لم يبق الرقبة المطلقة بغير هذا الوصف كفارة بوجه وكذلك إذا جعلنا ركن القراءة في الصلاة الفاتحة لم تبقى قراءة القرآن مطلقة ركنا والله تعالى أوجب قراءة القرآن قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الزيادة تخصيص لأن العموم إذا خص في الحكم فيما لم يخص بخطابة العام نفسه لا بشيء آخر فلم يكن نسخا لحكم بل يفرض بالتخصيص ما بقى على ما كان وأما في الزيادة فانه لا يبقى للخطاب الأول حكم لأن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ جعل الجلد حدا ولا يبقى حدا بنفسه بعد ثبوت التغريب حدا معه وكذلك آية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة الأيمان كفارة إذ ليس في الآية إلا الرقبة ولا تبقى الرقبة كفارة بعد أن قيدت الرقبة بقيد الأيمان بل تكون الكفارة رقبه مؤمنة لا رقبة على ما قال الله تعالى وهذا لأن الكفارة إذا خرجت من الآية جازت المؤمنة لا لأنها رقبة على ما قال الله تعالى بل للصفه الزائدة التي ليست في الكتاب وبدون هذه الصفة لا تكون الرقبة كفارة عندكم والزيادة نسخ معنى وبيان صورة هذا كلام أبي زيد ذكره في تقويم الأدلة ثم استدل بأنه ليس بيان معنى وذلك لأن البيان أسم لما يحمله اللفظ ولما ينتظم على الأوصاف والجلد مائة لا يحتمل النفي فلا يكون إثبات هذه الزوائد بيانا بل يكون رفعا للحكم عن القدر المذكور وتعليقا بالزوائد قال وهذا كالإعتاق المطلق إذا علق بشرط تبدل المطلق وصار شيئا آخر يعني على ما عرف في مسألة تعليق الطلاق والعتاق بالملك وهو أيضا بمنزلة العلة يزاد عليها وصف فإن ما قبل ذلك لا يكون علة ولا بعض للعلة بل يسقط حكم العلة أصلا إلى أن يوجد الوصف الآخر فيصير جملته علة وقد ادعى بعضهم ثبوت نسخ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بإثبات الشاهد واليمين ووجه النسخ أن الله تعالى قال ذاك: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ فجعل المرأتين أدنى الحجة الشرعية وإذا جعلنا الشاهد واليمين حجة لم يكن أدنى فثبت تغيير ما اقتضته الآية وكان نسخا.\nببينه: أنه خير بين شيئين أعنى رجلين أو رجلا وامرأتين فإن ضممنا الشاهد واليمين في الحجة إليهما صار مخيرا بين ثلاثة أشياء بعد أن كان مخيرا بين شيئين.\nوأما دليلنا أن النسخ إزالة الحكم وتغييره وزيادة التغريب لا يوجب إزالة الحكم ولا تغييره في المائة لأنها واجبة بعد إيجاب التغريب كما كانت واجبة من قبل وإنما أيجاب التغريب ضم حكم إلى حكم وضم الحكم إلى الحكم لا يؤدي معنى النسخ بحال.","vol":"1","page":443},{"text":"ببينه: أن النسخ تبديل الحكم إلى غيره وأبطاله بالثاني تقول العرب نسخت الشمس الظل أي أبطلته ونسخت الرياح الآثار أي أبطلت أعلامها ونسخت الرسوم إذا بدلت ومنه مذهب التناسخ وهو تبديل جسم بجسم آخر بالروح الأولى.\nوأذا ثبت أن النسخ تبديل وتغير وأبطال في الشهادة تقرير لما كان ثابتا وضم شيء إلى شيء آخر نحو آية الزنا أثبتت الجلد مائة والسنة أثبتت التغريب معه وكذلك الظهار واليمين أوجبت الرقبة مطلقة والآية المقيدة بالإيمان أثبتت زيادة الأيمان علية فثبت أن الزيادة موجبة تقرير ما سبق بل الحكم وضم حكم آخر إليه فلم يكن نسخا بوجه ما.\nويدل عليه أن الزيادة على النص لو كانت نسخا لكان القياس باطلا لأن القياس هو أخذ المعنى من الأصل الثابت بالنص والحاق غيره به ما لا يتناوله النص فلو كانت الزيادة على أصل النص نسخا سقط القياس أصلا لاثبات زيادة على النص وحين كان القياس دليلا شرعيا جائزا استعماله في أحكام الحوادث سقط ما قالوه هذا هو ما قاله الأصوليون من الأصحاب وغيرهم ونحن نقرر الكلام على وجه لا تبقى معه شبهة الخصم وينزاح الأشكال فنقول أن الزيادة لو كانت نسخا لكانت نسخا من حيث أنها تضمن تغير الحكم الثابت من قبل ولا تغير بلا نسخ والدليل على أنه لم يوجد تغيير للحكم الثابت من قبل أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] لا يتضمن إلا إيجاب جلد المائة فحسب وإيجاب التغريب لا يغير حكم الجلد لأن حكم الجلد وجوب إقامته والتغريب لا يزيل وجوب اقامة المائة إنما يزيل نفي وجوب ما زاد عن المائة والآية لم تتعرض لما زاد على المائة لا بنفي ولا إيجاب نعم لو لم يرد وجوب التغريب كنا نقول أن الجلد كمال الحد لا تقتضيه الآية لكن لعدم قيام الدليل على وجوب شيء آخر مع الجلد ثم إذا لم يقم دليل على وجوب شيء آخر حكمنا أن الجلد كمال الحد ضرورة لا من حيث أن نص الكتاب دل عليه يدل عليه أن نفى وجوب ما زاد على المائة لم يكن معلوما بدليل شرعي حتى تسمي إزالته نسخا وإنما قلنا لم يكن بدليل شرعي لما بينا أن إيجاب المائة لم يتعرض لما زاد عليها بنفي ولا إثبات فإن انتفى إنما ينتفي الدليل العقلي لأن الفعل يقتضي أنتفاء وجوبه ولم ينقلها عن الدليل العقلي دليل شرعي وإذا كان حكما عقليا جاز قبول خبر الواحد والقياس في النقل عنه كما يجوز في كل حكم عملي يجب بخبر الواحد والقياس والعقل ينفي وجوبه والأول الذي ذكرناه أقرب إلى طريقة الفقهاء وهو في نهاية الوضوح.","vol":"1","page":444},{"text":"ونقول في تقيد الرقبة بالإيمان هو تخصيص لأن الرقبة عامة في كل ما يسمى رقبة فإذا أخرجنا عتق الكافرة من الخطاب كان تخصيصا محضا وإذا عرف وجه الكلام في هاتين الصورتين ظهر في سائر الصور ولم يثبت النسخ الذي ادعوه في صورة ما وإنما نهاية ما في الباب أن يكون ضم حكمه إلى حكم في بعض المواضع مثل التغريب مع الجلد وزيادة العشرين على الثمانين في حد القذف لو قدر١ ورود الشرع بها وكذلك إيجاب النية في الوضوء وإيجاب الترتيب وأثبات الحجة بالشاهد واليمين وكذلك إيجاب قراءة الفاتحة والأولى أن يقال أن خبر الفاتحة بيان لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أو يكون تخصيصا للعموم مثل تقييد الرقبة بوصف الإيمان في كفارة الظهار وكفارة اليمين ويمكن دعوى التخصيص أيضا بإثبات النية والترتيب فإن ظاهر الآية يقتضي جواز الوضوء بالنية وغير النية فيكون إفساده بعدم النية بدليل يقوم عليه تخصيصا وأما الترتيب فعندنا أن ظاهر الكتاب دل عليه على ما بينا في الخلافيات الفروع أما الجواب عن كلامهم قولهم أن الجلد كان قبل التغريب كمال الحد وقد صار بعض الحد قلنا نقول أولا أن قولنا أن الجلد جميع الحد الواجب معناه أنه لا يلزم أن يضم إليه غيره وقولهم قد صار بعض الحد الواجب معناه أنه وجب أن يضم إليه غيره قولهم أن هذه الزيادة نسخ لأنها صيرت الجلد بعض الحد الواجب معناه أن هذه الزيادة إنما كانت نسخا لأنها زيادة ومعنى العبارتين واحد وهذا باطل لأنه تعليل الشيء بنفسه ونقول أيضا أن الكل والبعض من قضايا العقول دون الشرع فلم يفد النسخ وهم يقولون على هذا نعم أن الكل والبعض يعرفان بالعقل لكن كون الشيء كل الحكم الشرعي أو بعضه إنما يعلم بالشرع وطريق الجواب تحقيقا ما سبق من قولنا أن إيجاب التغريب وإيجاب وصف المؤمنة ليس يتضمن تغيير قضية الآية بوجه لما لأنه ليس من قضية الآية الإيجاب جلد المائة فحسب فأما كونه كل الحد أو بعض الحد فليس يعرف بالآية بحال وإنما يعرف بدليل آخر على ما سبق بيانه كذلك الجواب عن كلامهم الثاني وكلامهم الثالث من قولهم أن رد الشهادة تعلق بالجلد لا نسلم وإنما هذا شيء قالوه على أصولهم وعلى أن إثبات النسخ بمثل هذا لا يمكن ألا ترى أن فرائض الصلاة إذا كانت خمسا وقف جواز الشهادة على أدائها ولو زيد في الخمس صلاة سادسة وقف قبول الشهادة على قبول السادسة وفعلها وهذا لا يوجب نسخا في أمر الشهادة ومن.\n_________\n١ في الأصل \"قد\" والصحيح ما أثبتناه.","vol":"1","page":445},{"text":"قال أن إيجاب صلاة سادسة نسخ للصلاة الخمس يلزمه أن يقول: أن الفرائض الشرعية كلها أوجبت فيها شيء يتضمن نسخ ما سبق وهذا لا يقوله أحد وأما إذا صرح الخطاب يكون الجلد كمال الحد فنقول أنه إذا وقع التصريح بذلك يكون أجزاء الجلد وحده حكما شرعيا فكانت إزالته نسخا وأما إذا لم يصرح بذلك بل أوجب الجلد مطلقا فإيجاب الجلد مطلقا لا يتعرض للتغريب بنفي ولا إثبات وإنما يعلم نفيه على ما ذكرنا وهو أن الأصل أن لا وجوب وإزالة حكم الأصل لا يكون نسخا وأما تعلقهم بزيادة ركعة على ركعتين أو زيادة ركعتين على الأربع فقد منع ذلك أصحابنا وزعموا أن ذلك لا يكون نسخا مثل مسألتنا وأن سلمنا فالفرق ظاهر وهو أن زيادة الركعة قد يتضمن تغير حكم الآية بوجه ما لأنه آخر الصلاة على ما ذكروا وأما هاهنا فإن إيجاب التغريب لا يتضمن تغيير حكم الآية بوجه ما لأن أجزاء الجلد باق من الحد مع إيجاب التغريب ولو قدرنا أنه وجب الجلد والتغريب إجماعا ثم جلد من غير تغريب وقع مجزيا عن الحد وإنما لا يكون حدا كاملا وقد بينا أن الآية لا تدل على الكمال ولا على النقصان ولا على البعض ولا على الكل وأيضا فإن زيادة الركعة على الركعتين أو الركعتين على الأربع يوجب نسخ وجوب الجلوس عقب الركعة الثانية وهم يقولون على هذا الجلوس الواجب موضعه آخر الصلاة وهذا إنما يتغير لو تغير آخر الصلاة ونحن نقول قد تغير آخر الصلاة والأولى ما سبق من قبل وأما طريقة أبي زيد فنقول من عرف ما ذكرناه سهل عليه الجواب عن طريقته لأن معتمد أن التغريب إذا أوجب لم يكن الجلد حدا بنفسه وقد بينا أن الآية لا تدل على كونه حدا فحسب فأما قوله بنفسه فليس معناه إلا أنه يقتضي الاتيان يكون حدا كاملا أو مجزيا وحدة وقد أجبنا عن هذا وقلنا أن الآية لا تدل على شيء من هذا والذي قال أن العقوبة والعبادة والكفارة لا تتجزأ وجوبا وفعلا قلنا كون الجلد مجزيا عن الحد ليس بمتعلق بكونه حدا كاملا بنفسه بلا جزاؤه يتناول الإيجاب إياه والشرع قد أوجب الجلد فإذا فعل بنية امتثال أمره لا بد أن يقع مجزيا وهذا كنفس المائة فانه لو ضرب الجلاد خمسين وترك فانه يكون المفعول من الواجب عليه ويكون حدا إلا أنه لا يكون حدا كاملا بل يكون بعضه وأن قالوا: لا يكون حدا أصلا حتى يكمله مائة فهذا محال بل مباشرة بعض الواجب وترك البعض متصور معقولا فلا يكون ترك مباشرة البعض من الواجب كاملا فيما باشره ونضير حقوق العباد واستيفاؤها قالوا: هذا في حقوق العباد مسلم فأما في حقوق الله تعالى.","vol":"1","page":446},{"text":"فلا لأنها لا تتجزأ ثبوتا وأداء بل يصير ما كان مع الزيادة شيئا واحدا فإن كان هذا في الأحكام يصير حكما واحدا وأن كان في العلل يصير علة واحدة وإذا صار شيئا واحدا والاسم تعلق به وبما زيد عليه ذهب فيما دونه.\nقالو ولهذا قلنا إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لوضوئه سقط استعماله ويباح له التيمم لأن الماء لم يجب استعماله لنفسه بل لحكمه وهو إباحة الصلاة والأباحه حكم علق بما يكفي الأعضاء كلها فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر بحال وهذا كنكاح الأربع علة لتحريم النكاح عليهن فلا يكون للواحدة من الأربع حفظ في التحريم وكذلك البيع علة في إيجاب الملك فلا يكون لأحد شطريه أثر في الإيجاب.\nقيل في الجواب عنه أن هذا شيء بقوله على أصله ونحن قد رجعنا إلى دليل عقلي قطعي في الباب وهو أن من أمر بحمل شيء فإذا باشر المأمور بعضة بنية امتثال أمره يكون فاعلا لما أمره ويقع موقعة إلا أن يكون بعضه مرتبطا ببعض ينعقد تحريمه شرعية مثل الصلاة والحج وما أشبه ذلك فأما ما كانت مباشرته من الحسيات من إقامة جلد بعدد معلوم فهو مثل ما إذا قال بعدد معلوم وسواء كان حق الله تعالى أو حق العباد فانه لو وجب عليه خمسة دراهم زكاة وهي أقل ما يجب فأدى بعضها وحبس الباقي يكون مؤديا بذلك القدر الذي أداه ما عليه لا يذهب الأجزاء عن المؤدي بتركه إذا ما بقي عليه.\nوالحرف أن عندنا بعض الحد حدا وبعض الوضوء وضوء وبعض الشيء أداء ولا فرق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدمي في ذلك والتعلق بما ذكرناه من الدليل.\nوأما إيجاب صفة الإيمان في الرقبة الواجبة في الظهار واليمين فليس بنسخ بل هو تخصيص وقد سبق بيان هذا وقولهم أنا إذا قيدنا الرقبة بصفة الإيمان يكون جواز الكفارة بصفة الإيمان لا بكونه رقبة قلنا وأن كان الجواز ثابتا بصفة الإيمان للرقبة لكن الرقبة المطلقة تتناول بإطلاقها المؤمنة والكافرة جميعا لأن الكل رقبة وهي وأن كانت نكرة من الإثبات لكن تتناول كل رقبة على البدل على معنى أن ما من رقبة إلا ويجوز أن تكون هي المراد من رقبة غيرها كقولك رأيت رجلا في الدار فانه ما من رجل إلا ويجوز أن يكون هو الذي رآه فثبت بما ذكرنا أن التقييد بصفة الإيمان هو إخراج الكافرة من مطلق الآية فيكون تخصيصا ولا يكون زيادة وعلى أنه وأن كان زيادة فلا يكون نسخا لأن الرقبة وجبت بالآية وصفة الإيمان وجبت في الرقبة بدليل القياس وكان ضم.","vol":"1","page":447},{"text":"واجب إلى واجب وهو تقرير ما سبق من إيجاب اعتقاق الرقبة وزيادة واحب علية وبإيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة لا يخرج من أن يكون إعتاق الرقبة واجبا عليه لأن فى إيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة إيجاب إعتاق الرقبة وإيجاب اعتبار صفة الإيمان في الرقبة واعتبار هذا لا ينفي إيجاب الرقبة فثبت أن لا تغيير والأول من ادعى التخصيص أحسن وأحرى ونظير ما ذكرنا من أدعى التخصيص قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فإن النص وجد على المشرك ثم قد ضم صفة الذكورة إلى صفة الشرك ولم يكن زيادة بل كان تخصيصا كذلك هاهنا وأما قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فليس في جعل اليمين والشاهد حجة دليل على النسخ في هذه الآية لأن الآية ما تعرضت لما سوى المذكور بنفي ولا إثبات وهذا لأن التخيير بين الشيئين لا يتعرض لما عداهما بتحريم ولا إيجاب فانتفاء الغالب ليس بحكم الآية بل بحكم أن الأصل فيه الانتقاء والنقل من الأصل لا يكون نسخا والعجب أنهم لا يجعلون إيجاب الوضوء بالتقييد نسخا لآية الوضوء ثم هاهنا جعلوا إيجاب القضاء بالشاهد واليمين نسخا ولئن لزم أحدهما لزم الآخر وأما قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقد أجبنا عنه في الخلافيات وقد زعم بعض أصحابنا أن الزيادة على النص نسخ وادعاه مذهب الشافعي واحتج بأنه علية السلام قال: \"الماء من الماء\" ١ ثم صار منسوخا بقول ﵇: \" إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل\" ٢ وإنما صار نسخا بالزيادة على الأصل وهذا من قائله غلط لأن قوله ﵇ الماء من الماء إنما دل من حيث الخطاب أن الماء إذا لم يوجد لا يجب الغسل فقوله إذا التقى الخناتان فقد وجب الغسل هو نسخ دليل النص بنص وليس النسخ من حيث الزيادة.\n_________\n١ أخرجه مسلم الحيض ١/٢٦٩ ح ٨٠/٣٤٣ بلفظ \"إنما الماء من الماء\" وأبو داود الطهارة ١/٥٥ ح ٢١٧ والنسائي الطهارة ١/٩٦ باب الذي يحتلم ولا يرى الماء وابن ماجه الطهارة ١/١٩٩ ح ٦٠٧ وأحمد المسند ٣/٣٦ ح ١١٢٤٩.\n٢ أخرجه ابن ماجه الطهارة ١/١٩٩ ح ٦٠٨ وأحمد المسند ٦/٢٦٦ ح ٢٦٠٧٩.","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>فصل: الزيادة على النص لا تكون ناسخا</span>\n...\nفصل وإذا ثبت أن الزيادة على النص لا تكون نسخا فالنقصان من النسخ لا يكون نسخا أيضا.\nوذهب بعض المتكلمين إلى أن النقصان من العبادة نسخ الباقي وقال بعضهم إذا كان نسخا منفصلا عن الجملة لم يكن ذلك نسخا للجملة وأن كان نسخ بعض الجملة كالقيام والركوع والسجود في الصلاة يكون نسخا للعبادة١ ودللنا على ما ذكرناه في المسألة الأولى وهو أن الباقي من الجملة على ما كان عليه لم يزل فلم يجز أن يحكم بنسخه كما لو أمر بصوم وصلاة ثم نسخ أحدهما لا يكون نسخا للثاني والكلام في هذه المسألة من الجانبين يقرب من الكلام في المسألة الأولى وصورة المسألة فيما لو قدرنا نسخ الوضوء ونسخ استقبال القبلة وفي هذا الموضع وأمثاله يكون الكلام ظاهرا في أنه لا يكون نسخا للصلاة فأما إذا قدرنا إسقاط ركوع أو سجود أو قيام فينبغي أن يكون هذا على ما ذكرناه فيما إذا زيدت ركعة على ركعتين أو ركعتان على أربع الظهر وقد بينا فيما سبق.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٦٠٩، ٦١٠ جمع الجوامع ٢/٩٣ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٦١١.","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>فصل: ما يجوز به النسخ وما لا يجوز</span>\n...\nفصل\nوقد ذكرنا من قبل وجوه ما يقع بها النسخ وقد بقيت منها بقية فيما يجوز به النسخ وما لا يجوز نذكره في هذا الموضع لا خلاف بين العلماء أن نسخ القرآن بالقرآن جائز٢ كما نسخ بالقرآن صدقة المناجاة الواجبة بالقرآن وكما نسخ العشرون بمصابرة الاثنين في الجهاد ونسخ الاعتدال بالحول بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا ولأن جميع القرآن موجب للعمل والعلم فساوى بعضه بعضا فجاز أن ينسخ بعضه بعضا وكذلك نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة٣ لقوة الناسخ وضعف المنسوخ ولا يجوز نسخ المتواتر.\n_________\n٢ إلا أن أبا مسلم الأصفهاني منعه انظر نهاية السول ٢/٥٧٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٨ المحصول ٥٣٨ جمع الجوامع ٢/٧٨ المستصفى ١٢٣١ تيسير التحرير ٣/٢٠٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٤٣.\n٣ انظر نهاية السول ٢/٥٧٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٨ المحصول ١/٥٥٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٧.","vol":"1","page":449},{"text":"بالآحاد١ لضعف الناسخ وقوة المنسوخ وقد ذكرنا طرفا من هذا فأما نسخ القرآن بالسنة فإن كانت السنة أخبار آحاد لم يجز النسخ بها اتفاقا٢ أما إذا كانت السنة ثبوتها بطريق التواتر فقد اختلف العلماء في ذلك على ما سنبين.\nمسألة: نص الشافعي رحمة الله عليه في عامة كتبه أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة بحال وأن كانت السنة متواترة ثم اختلف الوجه على مذهب الشافعي أنه يمنع منه العقل أو الشرع فالظاهر من مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعا والوجه الثاني أنه منع منها الشرع دون العقل ثم اختلف من قال بهذا فقال ابن شريح أن الذي يمنع منه أن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وهذا أصح وقال أبو حامد الإسفرائيني الشرع منع منه ولم يكن مجوزا فيه وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو قول عامة المتكلمين وقيل أنه اختيار ابن شريح٣ واحتج من جوز بالعقل أنه لو لم يجز لكان لنا أن لا نجوز في القدرة أو في الحكمة والأول لا يجوز لأنه معلوم أن النبي ﷺ كان يقدر على أنواع الكلام ولو أتى بكلام موضوع لدفع حكم من أحكام الكتاب صح ذلك ودل على ما هو موضوع له والثاني لا يجوز أيضا لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون مسفرا عن النبي ﷺ وموهما أنه ﷺ يأتي بالكلام من قبل نفسه وهذا لو نفر عنه من حيث أن أزال حكما.\n_________\n١ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٩ المحصول ١/٥٥٠ نهاية السول ٢/٥٨٦ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٥٨٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦١.\n٢ اعلم أن الكاتبون في هذه المسألة مختلفون في محل النزاع فيهما فجمهورهم كالإمام الرازي وصاحب الحاصل التحصيل والآمدي ذهبوا إلى أن محل النزاع هوالجواز السمعي أي الوقوع وأما الجواز العقل مقدور عليه بمعنى أن الكل متفق على أنه يجوز عقلا نسخ المتواتر بالآحاد وقليل من الكاتبين كابن الحاجب والبيضاوي والكمال بن الهمام ذهبوا إلى أن الخلاف جاد في الجواز العقلي كما هو جاد في الوقوع بمعنى أن من العلماء من يقول: إن نسخ المتواتر بالآحاد غير جائز عقلا ومنهم من يقول بجوازه عقلا.\nوالقائلون بالجواز في الوقوع فمنهم من قال وقع نسخ المتواتر بالآحاد ومنهم من قال بعدم الوقوع انظر نهاية السول ٢/٥٨٦ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢٠٩ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٥٨٦، ٥٨٧ جمع الجوامع ٢/١٨ المحصول ١/٥٥٠ تيسير التحرير ٣/٢٠٣ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦١، ٦٢.\n٣ نهاية السول ٢/٥٨٠، ٥٨١ إحكام الأحكام ٣/٢١٧ المحصول ١/٥٥٥ جمع الجوامع ٢/٧٨ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٥٧، ٥٨.","vol":"1","page":450},{"text":"شرعيا وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة فإن قلتم أن القرآن معجز فاتصل به دليل يدل أنه جاء من الله تعالى فهذا لا يسقط هذا الدليل أن نسخ القرآن بالقرآن جائز وأن كان النسخ بما لا يظهر فيه صفة الإعجاز ثم النسخ هو رفع الحكم وإزالته وذلك موقوف على أن يدل دليل على رفعه وليس من شرط الدليل أن يكون معجزا ألا ترى أن السنة تنسخ بالسنة وأن لم يكن فيها دليل على الإعجاز يدل عليه أن الحكم إذا كان قابلا للنسخ والدليل محتملا لأن يقع به النسخ لم يكن لمنع الجواز معنى الدليل على أن الحكم الثابت بالقرآن يحتمل النسخ بالسنة أنه لا دليل في أن يكون نسخه بالكتاب فحسب لأن السنة كافية في النسخ بها وليس في أنه يجب أن يكون النسخ بالكتاب دليل يدل عليه قالوا: ولأن النسخ إسقاط الحكم في بعض الأوقات التي يتناولها العموم فأشبه التخصيص فإن إسقاط الحكم في بعض الأشخاص الذين يتناولهم العموم ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة فكذا النسخ واحتج أبو زيد في هذه المسألة فقال النسخ بيان انتهاء مدة الحكم قال وكتاب الله حجة وسنة النبي ﷺ حجة يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب فكذلك يجوز أيضا أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب وقال فإن قال قائل هذا يوهم الاختلاف فهذا غلط لأنه أن كان هذا يوهم الاختلاف فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله ﷿ وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد قال والذي يوضح هذا أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب ونسخ التلاوة يمحو الحفظ من القلوب أما رفعا وأما بانقراض الذين علموه من غير خلف وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله ﷺ بوحي الله تعالى إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب دليل آخر لهم من حيث الشرع قالوا: يدل على أن نسخ القرآن بالسنة قد وقع والدليل على ذلك أنه كان الوجب على الزائد الحبس في البيوت بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥] ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم قالوا: وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] ثم نسخ ذلك بقوله ﷺ: \"لا وصية لوارث\" وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] وهذا الحكم منسوخ اليوم بالإجماع.","vol":"1","page":451},{"text":"ولم يعرف نسخه بالكتاب فقد نسخ بغير الكتاب وقال الله تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] وقد نسخ ذلك بقوله ﷺ: \"اقتلوا ابن خطل وأن كان متعلقا بأستار الكعبة\" ١ وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقد ينسخ هذا بما روى النبي ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير٢ وأما دليلنا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] والسنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرا منه فوجب أن لا يجوز النسخ بها وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فهذا يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان بخير من الآية وذلك لا يكون إلا [نسخا] ٣ والناسخ قرآن وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ يفيد أنه يأت من جنسه وجنس القرآن قرآن والاستدلال بالآية معتمد يدل عليه أنه تعالى ساق الآية إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا يدل أن غيره يعجز عنه فإن قيل المراد من الآية نأت بخير منها أو مثلها في الثواب وقد يكون في السنة ما هو خير من المنسوخ في الثواب وربما يعبرون عن هذا فيقولون معنى الآية نأت بخير منها أو مثلها في النفع وأما قولكم أنه قال نأت فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه قلنا إذا دل الدليل على نسخ القرآن بالسنة فالذي أتى بذلك هو الله ﷿ ألا ترى أن الله هو الناسخ على لسان نبيه ﷺ كما أنه هو المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيه ﷺ قالوا: وعلى هذا سقط تعلقكم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أن الله تعالى إذا كان هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيه ﷺ فالقدرة في ذلك له دون غيره وأما قولهم أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] يقتضي أن يكون ما يأتي من جنسه قال هذا لا يفيد ما قلتم فإن الإنسان إذا قال ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه احتمل أن يأتيك بثوب ويحتمل أن يأتيك بشيء آخر وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواء كان ثوبا أو غيره.\n_________\n١ أخرجه البخاري الجهاد ٦/١٩١ ح ٣٠٤٤ ومسلم الحج ٢/٩٨٩ ح ٤٥٠/١٣٥٧ بلفظ \"جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه\".\n٢ أخرجه مسلم الصيد ٣/١٥٣٤ وأبو داود الأطعمة ٣/٣٥٤ ح ٣٨٠٣ والنسائي الصيد ٧/١٨٢ باب إباحة أكل لحوم الدجاج وابن ماجه الصيد ٢/١٠٧٧ ح ٣٢٣٤ وأحمد المسند ١/٣٢١ ح ٣١٩٦.\n٣ بياض في الأصل.","vol":"1","page":452},{"text":"فقد صدق في قوله ووعده.\nثم ذكروا سؤالا آخر حكوه عن أبي هاشم ثم المتكلم وهو أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ليس فيه أنه يأتي بخير منها ناسخا بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها أنه في حكم آخر بعد نسخ الآية ويكون الناسخ غير الآية الجواب أن الاستدلال بالآية قائم ونقول على سؤالهم الأول أن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقتضي أن الذي يأتي به خير من الآية المنسوخة على الإطلاق وهذا لا يوحي الله تعالى إليه ما يوجد إلا في نسخ القرآن بالقرآن فأما في نسخ القرآن بالسنة لا يوجد لأنه لا تكون السنة خيرا من القرآن على الإطلاق بحال بل يجوز أن يكون خيرا في الثواب أو أنفع منه وهذا لا يقتضي أن يكون خيرا على الإطلاق بل الخير على الإطلاق أن يكون خيرا من كل وجه فإن قيل إذا دخلتم في أمثال هذا فلا يتصور أن يأتي بخير من الأول بحال وأن نسخ القرآن بالقرآن لأن القرآن لا تكون بعض آياته خيرا من البعض قلنا يجوز أن يكون في الثواب أو في إظهار الإعجاز أمثل بتوقي الإخلاص والإخلاص أكثر في الثواب من غيره وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] أبلغ في الإعجاز من غيره فإذا نسخ القرآن بالقرآن يجوز أن يظهر الخيرية المطلقة فأما إذا نسخ القرآن بالسنة فلا يظهر الخيرية المطلقة لأنه أن كان خيرا في الثواب فالقرآن خير منه في نفسه في الإعجاز فإنه كلام الله ﷿ وإنه ينال الثواب بقراءته إلى غير ذلك قال الخطابي أن الشيء إذا أطلق أنه خير من الشيء فلا يجوز أن يكون دونه على وجه من الوجوه أما قولهم إنا إذا نسخنا القرآن بالسنة فيكون الذي يأتي بالناسخ هو الله ﷿ أيضا قلنا لا ننكر هذا لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه في كتابه وافترضه نصا فيه وأما الذي ثبت بالسنة فهو وأن كان صدوره عمن لا ينطق عن الهوى لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته هذا كما أن الوحي يختلف فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون إلهاما ونفثا في الروح ووحي الكتاب مخالف لكل هذا إذ هو الأعلى والمتقدم على سائر أنواعه كذلك ها هنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابت على وجوه ما يثبت به أما قولهم على قولنا أن قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يقتضي أن يكون من جنسه أنه يجوز أن يكون من جنسه ويجوز أن يكون من غير جنسه والاستشهاد الذي قالوه قلنا لا بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول وهذا الذي يفهم عند إطلاق ذلك اللفظ فأما قول القائل ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه.","vol":"1","page":453},{"text":"إنما يفيد ما ذكرتم لأنه ذكر لفظ ما وهذا اللفظ يقع على الثواب وعلى غيره وليس كذلك الآية لأن الله تعالى لم يقل بما هو خير منها وإنما قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فنظير قول القائل ما أخذ منك من ثوبا آتيك بخير منه وهو مفيد ثوبا خير من الثواب الأول وأما الذي نسبوه إلى أبي هاشم من السؤال فليس بشيء لأنه خلاف قول المفسرين بل خلاف قول جميع الأمة وقد قال كل من تكلم في هذه الآية من العلماء أن الآية التي تأتي ها هنا هي الناسخة والأخرى هي المنسوخة وهذا السؤال من أبي هاشم سؤال جدلي لا يجوز أن يعترض به على إجماع المفسرين ونقول أيضا على قولهم أن ما يثبت بالسنة قد يكون أنفع وأفضل في الثواب قلنا هذا محال لأن الثابت بالسنة أن كان أنفع عملا فيبقى أن الكتاب أنفع لاستحقاقه الثواب بتلاوته وهذا لا يوجد في السنة والاعتماد في المسألة على هذه الآية وقد تأيد الاستدلال بهذه الآية بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] فأخبر أن تبديل القرآن ونسخه يكون من عند الله ﷿ لا من عند نفسه وسؤالهم على هذا بما قالوا: أنه وأن كان من عند الرسول ﷺ بصورة ولكنه من عند الله حقيقة وقد أجبنا عن هذا وهذا لأنه إنما يضاف إلى الله ﷿ ما اختص به ويضاف إلى النبي ﷺ ما اختص به ولو كانا مضافين إلى الله ﷿ لم يجز إضافة أحدهما إلى النبي ﷺ.\nواعلم أن المسألة مشكلة جدا وقد ذهب كثير من أصحابنا إلى اختيار مذهبهم في المسألة والذي يمكن الاعتماد عليه هو ما ذكرنا ولا ينبغي أن يستدل في هذه المسألة من حيث المعنى لأن نهاية ما قالوه هو أن الكتاب أفضل من السنة فلا يجوز نسخ الشيء بما هو دونه في المرتبة كما أنه لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد والكلام على هذا يسهل فإنهم يقولون كل واحد من الكتاب والخبر المتواتر دليل مقطوع به والجواز عقلا موجود فلا سبيل إلى امتناعه ونحن نقول إنما لم يمتنع ذلك عقلا فعلى هذا سقط جميع ما ذكروه من حيث المعقول في الدليل على جوازه وبقي الدليل الشرعي الذي أقمناه في المنع منه وأما تعلقهم بالمواضع التي استدلوا بها في وجوب نسخ الكتاب بالسنة فهي دلائل ضعيفة وسنبين الكلام على واحد واحد من ذلك أما آية الإمساك في البيوت قلنا قد قالوا: أن الآية الواردة في الأذى والحبس في البيوت وآية الجلد كل ذلك في الأبكار دون المحصنين وفي ذلك نسخ الكتاب بالكتاب وأما الرجم الذي هو حد.","vol":"1","page":454},{"text":"المحصنين ثبت بالسنة ابتداء وهذا جواب ابن شريح وهو حسن جدا فإن قالوا: لا بد على هذا من دليل قلنا لأن الرجم حد المحصن وليس في هذا الموضع ذكر الإحصان ولا ذكر ما يدل عليه الإحصان.\nجواب آخر أن سلمنا أن المحصنين والأبكار قد دخلوا في حكم الكتاب لكن بنسخ الحبس والأذى بآية الجلد ثم آية الجلد نسخه في المحصن بقوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وقد كان ذلك قرآنا يتلى في زمان النسخ وأن رفعت تلاوته من بعد وكان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة.\nووجه ثالث وهو أن حكم الرجم مبني على قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] أن الله تعالى جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس فقد تضمنت الآية أن حكم الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلا وكان السبيل الذي وقع إليه الإشارة في الكتاب هو الرجم الثابت بالسنة وكأن الله تعالى قال وأمسكوهن في البيوت حتى يتبين فيهن سنة ثم قد ثبت ببينة الرجم فانقضى زمان حكم الحبس مثل ما ينقضي زمان الصوم بدخول الليل وليس هذا من النسخ في شيء إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب فحين وجد وقته ارتفع وأما نسخ الوصية للوالدين والإرث ثبت بآية المواريث وقوله ﷺ: \"لا وصية لوارث\" ١ بيان أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية فإن الآية أن النبي ﷺ قال: \"أن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" والفاء تدل على تقدم المسبب كقولك قمت إلى فلان فضربته دل أن القيام سبب لضربه فيكون على هذا الخبر الوارد مثبتا للكتاب لا ناسخا له ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه وسائر ما قالوه من بعد إنما هي عمومات دخلها التخصيص وكذلك أن أوردوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله ﷺ: \"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها\" ٢ فهذا وأمثاله ليس بنسخ وإنما هو عموم خص ونحن نجوز تخصيص الكتاب بالسنة وإنما الكلام فى النسخ وقد منع الشرع من النسخ ولم يمنع من التخصيص وسنبين الفرق بين النسخ والتخصيص من بعد.\nببينه: أن التخصيص جائز للكتاب بخبر الواحد وأجمعوا أن النسخ لا يجوز بخبر الواحد.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":455},{"text":"وأما قولهم يجوز نسخ التلاوة ونسخ التلاوة يمحو حفظه عن القلوب إلى غير كتاب.\nقلنا نحن إنما منعنا بالشرع والشرع إنما منع نسخ الكتاب إذا أتى بشيء آخر أن ينسخه إلا أن يكون الذي يأتي به خير منه وهذا لا يوجد في الموضع الذي صوره وإنما يوجد في موضع الخلاف لأن نسخ الكتاب وإثبات السنة التي هي دونه والشرع قد رفع هذا وأباه نصا على ما سبق ذكره والله أعلم.\nمسألة فأما نسخ السنة بالقرآن.\nفمن جوز نسخ القرآن بالسنة فأولى أن يجوز نسخ السنة بالقرآن فأما إذا منعنا نسخ القرآن بالسنة فقد اختلف في هذه الصورة الثانية وذكر الشافعي رضوان الله عليه في كتاب الرسالة القديمة والجديدة ما يدل على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز ولعله صرح بذلك ولوح فى موضع آخر بما يدل على جوازه فخرجه أكثر أصحابنا على قولين أحدهما لا يجوز وهو الأظهر من مذهبه.\nوالآخر يجوز١ وهو الأولى بالحق.\nواستدل من تعلق بالقول الأول بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فلما جعل السنة مبينة للكتاب لم يحتج المبين إلى بيان أو يقال إذا كانت السنة مبينة للكتاب فلا يكون الكتاب مبينا للسنة لأن الشيء الواحد لا يكون مبينا ومبينا ولأنه نسخ للشيء بغير جنسه فلم يجز كما لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة على ما بينا.\nواعلم أن الأولى والأصح أنه جائز والدليل على جوازه وجود ذلك فإن النبي ﷺ صالح المشركين عام الحديبية٢ وكان مما شرط في الصلح أن جاء من المشركات مسلمة إلى النبي ﷺ ردها إليهم ثم نسخها الله تعالى ونقض الصلح في ذلك على الخصوص بقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٥٧٩ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢/٥٧٩ إحكام الأحكام للآمدي ٣/٢١٢ جمع الجوامع ٢/٧٨ تيسير التحرير ٣/٢٠٢ المستصفى ١/١٢٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٦٠.\n٢ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":456},{"text":"وأيضا فإن النبي ﷺ آخر الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوى من الليل ثم صلاها على ترتيب ما فاتت١ ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية وأيضا قال النبي ﷺ كان متعبدا في الابتداء بالتوجه إلى بيت المقدس ولم يكن ثبوت ذلك بالكتاب لأنه ليس في القرآن دليل عليه ولم يكن ذلك أيضا لاتباعه شريعة من قبله لأنه لم يقم دليل على أنه يلزمنا اتباع شريعة من قبلنا فقد كان ذلك بمحض السنة ثم نسخ بالكتاب فثبت بما بينا وجود نسخ السنة بالكتاب وإذا وجد صار شرعا جائزا.\nوأما الدليل من حيث المعقول فلأنه لا مانع من جوازه لا من حيث القدرة ولا من حيث الحكمة وقد سبق بيان هذا في المسألة المتقدمة ولا يجوز أن يقال أن نسخ السنة بالكتاب يوجب التنفير عن الرسول ﷺ لأنه يوهم أنه لا يرضى بما سنه الرسول ﷺ وقد لا يصح لأن النسخ يرفع الحكم بعد استقراره واستقراره يمنع من هذا التوهم لأنه لم يرض بما سنه لم يقر عليه أصلا وعلى أن ذلك لو نفر عنه لنفر عنه أيضا نسخ السنة بالسنة لأن الناسخة إنما صدرت عنه لأجل الوحي فجرى مجرى كلام ينزله الله تعالى ولأن الكتاب أقوى والسنة أضعف ويجوز نسخ الأضعف بالأقوى والمعتمد أنا إنما منعنا نسخ القرآن بالسنة للشرع منع من ذلك ولا يوجد مثل ذلك في هذا الجانب هو نسخ السنة الكتاب لأن نسخ السنة بالكتاب ونسخ الشيء بما هو خير منه ولا دليل في العقل يمنع منه فجاز النسخ إذا لم يكن منه مانع وأما تعلقهم بقوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم النحل ٤٤ قلنا ليس في قوله لتبين للناس ما نزل إليهم دليل على أن لا يتكلم إلا بالبيان كما أنك إذا قلت: دخلت الدار لأسلم على زيد ليس فيه أنك لا تفعل فعلا آخر على أنه ليس في كون كلامه بينا للكتاب ما يمنع من نسخه للكتاب إذا قام الدليل عليه كما لا يمنع ذلك من نسخ قوله بقوله وكما لا يمنع أن ينسخ الكتاب بالكتاب وأن كان بعضه يكون بيانا لبعض وأما قولهم أنه ينبغي أن يكون نسخ الشيء بجنسه دعوى لا دليل عليه فسقط والله أعلم.\n_________\n١ أخرجه البخاري المغازي ٧/٤٦٨ ح ٤١١٢ ومسلم المساجد ١/٤٣٨ ح ٢٠٩/٦٣١.","vol":"1","page":457},{"text":"مسألة: وقوله اشتبه الفرق تحقيقا بين النسخ والتخصيص على كثير من الفقهاء لا بد من معرفة الفرق بينهما وهما متقاربان لأنهما يجتمعان من وجه ويفترقان من وجه فلتقاربهما اجتمعا في بعض الأحكام ولاختلافهما افترقا في بعض الأحكام والنسخ يختص بالأزمان والتخصيص يختص بالأعيان ويرفع النسخ بعض الأزمان ويرفع التخصيص بعض الأعيان وهذا الرفع في التحقيق متوجه إلى أحكام الأفعال في الأزمان والأعيان وإنما يرسل القول رفع الأزمان والأعيان على وجه المجاز لأن وجود الأعيان والأزمان في الحالين على سواء وإنما تتغير أحكام الأفعال فيهما ثم يجتمعان وأن كل واحد منهما أعني النسخ والتخصيص بيان ما لم يرد باللفظ فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم والمراد بالنسخ غير مراد من الخطاب.\nثم اعلم أن النسخ والتخصيص يفترقا من وجوه كثيرة.\nأما التفريق بينهما في الحد فقيل أن التخصيص بيان المراد باللفظ العام والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته ثم قد ذكر الأصحاب وجوها من التفريق بينهما.\nأحدها: أن النسخ لا يكون إلا بمنفصل عن المنسوخ والتخصيص يصح ويكون بالمنفصل والمتصل.\nوالثاني: أن نسخ المقطوع به لا يكون إلا بالمقطوع به وهو على قول الشافعي ﵀ لا يكون إلا بجنسه فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب ولا السنة إلا بالسنة على أحد القولين أما تخصيص العموم يجوز للشيء المقطوع به وأن كان العموم مقطوعا به وبغير جنسه.\nالثالث: أن النسخ لا يكون إلا قولا وخطابا والتخصيص يجوز بجميع أدلة الشرع والعقل.\nوالفرق الرابع: قد يصح النسخ فيما علم بالدليل أنه مراد وأن لم يتناوله اللفظ والتخصيص لا يصح إلا فيما يتناوله باللفظ.\nوالخامس: أن النسخ يختص بالأحكام ولا يصح في الأخبار والتخصيص يجوز فيهما.\nوالسادس: أن النسخ رافع لجميع الحكم والتخصيص يثبت لبعض الحكم وكذلك يجوز أن يعود النسخ إلى الشيء الواحد ولم يجز أن يعود التخصيص إلا إلى عدد أقله اثنان.","vol":"1","page":458},{"text":"والسابع: أن النسخ يختص بعموم الأزمان والتخصيص يختص بعموم الأعيان وبهذا المعنى فرق أصحابنا بين التخصيص والنسخ فقالوا: النسخ تبديل والتخصيص تقليل١.\nوهذه الوجوه كلها ذكرها الأصحاب في الفرق وشرح ذلك يعرف في مسائل متفرقة وقد مضى أكثر ذلك.\nمسألة: إذا نزل النسخ على رسول الله ﷺ ثبت النسخ في حق النبي ﷺ وفي حق الأمة.\nعلى قول بعض أصحابنا وقال بعضهم لا يثبت ذلك في حق الأمة٢ حتى يتصل بهم وتعلق من قال بالوجه الثاني بقصة أهل قباء فإن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة وقد صلوا بعض صلواتهم فاستداروا كما هم إلى القبلة ومعلوم أنهم كانوا قد فعلوا بعض الصلاة بعد النسخ قبل أن يتصل بهم الخبر ومع ذلك لم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة ولأن الله ﵎ لا يكلف إلا ما يكون في وسع العبد وإذا كلف العبد الشيء قبل أن يعلمه يكون قد كلف ما ليس في وسعه وهو باطل ولهذا المعنى لا يأثم بالتأخير إلى أن يعلم ولو كان الخطاب قد توجه عليه لكان يأثم وحين لم يأثم ثبت ما قلنا.\nوأما دليل الوجه الأول أن النسخ محض إسقاط فلا يعتبر فيه علم من سقط عنه كالطلاق والعتاق وهذا لأن دليل النسخ قد قام ولا دليل على اعتبار علم من يعمل النسخ في حقه فإذا لم يكن دليل ثبت النسخ على العموم وهذا لأن الخطاب بالشرعيات ثبت بإثبات الله تعالى فإذا كان الله تعالى رفعه فكيف يبقى ثابتا ولأن النسخ يكون بإباحة محظور والإباحة تكون من الله تعالى ويكون من قبل الله تعالى العبد ثم الإباحة من قبل العبد يثبت حكمها قبل علم العبد بالإباحة مثل أن نقول أبحث ثمرة بستاني لبنى فلان ولم يعلموا بإباحته لهم فتناوله واحد منهم قبل العلم لم يجب الضمان.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٢/٥٥٢، ٥٥٣ إحكام الأحكام للآمدي ٣/١٦١ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٣٧.\n٢ اعلم أن الحنفية والحنابلة ذهبوا إلى أنه لا يثبت حكمه قبل التبليغ واختار هذا المذهب الآمدي وابن الحاجب وذهب بعض الشافعية إلى ثبوته قبل التبليغ انظر نهاية السول ٢/٦١٢، ٦١٤ إحكام الأحكام للآمدي ٢/٢٤٠ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/٨٢.","vol":"1","page":459},{"text":"بالإجماع فكذلك الإباحة من قبل الله تعالى جاز أن تثبت على هذا الوجه وأما حديث أهل قباء قلنا استقبال القبلة يسقط بأعذار كثيرة إلا ترى أنه يسقط في النوافل لعذر السفر فكذلك يجوز أن يسقط عنهم بعذر الجهل وأن كانوا توجه الخطاب عليهم وأما قولهم أنه يؤدي إلى تكليف العبد ما ليس في وسعه ثم يجوز أن لا يأثم والخطاب متوجه إلا ترى أنه لو نسي الخطاب أو نام عن المأمور لم يلحقه الإثم والخطاب متوجه في حقه ولعل هذه المسألة تأتي من بعد بأشرح وأبسط مما ذكرناه أن شاء الله انتهى باب الناسخ والمنسوخ والقول في ذلك ونذكر الإجماع.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>القول في الإجماع وما يتصل بذلك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>مدخل</span>\n...\nالقول في الإجماع وما يتصل بذلك.\nاعلم أن الإجماع هو اتفاق أهل العصر على حكم النازلة ويقال اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة١ هذا الحد أحسن واختلفوا في معنى تسميته بالإجماع فقال قوم هو مأخوذ من اجتماع الأقوال عليه فصار بالاجتماع إجماعا وقال آخرون بل هو مأخوذ من الجمع الذي هو العزم من قولهم قد أجمع فلان على كذا إذا عزم عليه ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي اعزموا عليه وقال النبي ﷺ: \"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل\" أي يعزم عليه وينويه وهذا المعنى باللغة والأول بالشرع أشبه وعلى المعنى الثاني يصح الإجماع من الواحد وعلى المعنى الأول لا يصح إلا من جماعة والإجماع إذا أطلق في اللغة قد يفهم منه العزم على الشيء والإجماع على الشيء من اثنين فصاعدا وأما في الشرع فإن الإجماع إذا أطلق لا يتناول إلا اجتماع الأمة على الحق ثم اعلم بعد هذا أن الإجماع ممكن وانعقاده متصور وقال قوم انعقاد الإجماع غير متصور وغير ممكن وهذا باطل لأنه لما كان الإجماع في الأخبار المستفيضة ممكنا وجب أن يكون الإجماع باعتقاد الأحكام ممكنا لأنه كما يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم على الأخبار المستفيضة يوجد أيضا سبب يدعو إلى إجماعهم باعتقاد الأحكام يدل عليه أن من تبين بشرع فإنه لا يستجيز كتمانه إلا عن تقية في بعض المواضع فأما إذا لم يكن هناك تقية ولا خوف فإنه لا يستجيز كتمانه وإخفاءه وإذا ثبت هذا إذا اجتمعت الجماعة على اعتقاد أو حكم واستفاض ذلك فيما بينهم أو لم ينكر أحد منهم ذلك لو خلو اعتقد أحد منهم خلاف ذلك لأنكره أما صريحا أو تعريضا فصار.\n_________\n١ الإحماع لغة: يطلق بإطلاقين:\nأحدهما: العزم على الشيء والتصميم عليه ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أي اعزموا عليه وقوله ﵇ \" لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل\" أي يعزم.\nوثانيهما: الاتفاق يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه أما الإجماع عند الأصوليين فهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﵇ في عصر من العصور على أمر من الأمور تيسير التحرير ٣/٢٢٤ انظر نهاية السول ٣/٢٣٧ إحكام الأحكام للآمدي ١/٢٨٠ والمحصول ٢/٣ جمع الجوامع ٢/١٧٦ روضة الناظر ١١٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٤٣.","vol":"1","page":461},{"text":"عدم الخلاف منهم دليلا على وجود الإجماع وسيأتي الكلام في هذا بأكثر من هذا الذي ذكرناه وإذا ثبت وجود الإجماع فأول مسألة تذكر من ذلك كونه حجة.\nمسألة: الإجماع حجة من حجج الشرع ودليل من دلائل الله تعالى على الأحكام وهو حجة مقطوع بها.\nوقال النظام ليس بحجة وقالت الإمامية ليس بحجة من حيث الإجماع لكن الحجة في أن الإمام داخل فيهم وقوله مقطوع على صحته وذهب بعض من دفع الإجماع إلى أنه لا يتصور وجود الإجماع.\nواعلم أن من يدفع الإجماع فإنه يسلك أحد مسالك ثلاثة:\nأحدها: أن يحيل وقوع الإجماع.\nوالثاني: أن يحيل ثبوت الطريق إليه.\nوالثالث: أن يقول: ليس في الشرع ولا في العقل دليل على أن الإجماع حجة١.\nأما الأول قالوا: أنه لا يمكن ضبط أقاويل العلماء على كثرتهم تباعد ديارهم ألا ترى أن أهل بغداد لا يعرفون أهل العلم بالمغرب فضلا أن يعرفوا أقاويلهم في الحوادث وكذلك من بالمشرق فدل أن معرفة قول الأمة بأجمعهم في الحوادث متعذرة لا سبيل إليها ثم قالوا: كيف يتصور اتفاق آرائهم في الحادثة مع تفاوت الفطن والقرايح وتباين المذاهب وتفنن المطالب وأخذ كل قوم صوبا من أساليب الظنون فيكون تصوير إجماعهم في الحكم المظنون بمثابة تصور إجماع العالمين في صبيحة يوم على قيام أو قعود أو أكل نوع من الطعام وأيضا لو تصور إجماعهم كيف يتصور النقل عنهم على التواتر والحكم في المسألة الواحدة ليس مما يتوفر الدواعي إلى نقله فنثبت أن تصور الإجماع بأنه متسلل وأيضا فإن الرجوع من كل واحد منهم موهوم ومع هذا الذي قلناه لا يتصور انعقاد الإجماع على وجه يؤمن معه الخطأ لأنه يستحيل أن يجوز على كل واحد من الأمة الخطأ ثم لا يجوز على جماعتهم كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين وأن يكون كل واحد منهم أسود وجماعتهم غير سود.\nوأما المسلك الثاني وهو أنه لا طريق إليه لأنه لو انعقد الإجماع لكان لا بد أن يكون.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٣/٢٤٥ المحصول ٢/٨ إحكام الأحكام للآمدي ١/٢٨٦ المستصفى ١/١٧٣ المعتمد ٢/٤ روضة الطالبين ١١٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٤٥.","vol":"1","page":462},{"text":"إجماعهم صادرا عن أصل فإن انعقد عن نص وجب نقله والاستغناء به وأن انعقد عن اجتهاد وأمارة مظنونة فلا يجوز ذلك لأنهم مع كثرتهم واختلاف هممهم لا يجوز أن يوجد إجماعهم عن الأمارات المظنونة يدل عليه أنكم جعلتم الإجماع حجة وإذا انعقد عن دلالة فتكون الدلالة هي الحجة لا الإجماع قالوا: ولا يجوز أن يقال ينعقد إجماعهم لا عن دلالة لأن الذين ينعقد بهم الإجماع ليسوا بآكد حالا وأعلى مرتبة من النبي ﷺ ومعلوم أن النبي ﷺ لا يقول: ما يقوله إلا عن وحي فالأمة أولى أن يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل ولأنه إذا جاز لهم أن يقولوا إلا عن دليل جاز لكل واحد منهم أن يقول أيضا بغير دليل لأنهم إنما يجتمعون على القول بأن يقول: كل واحد منهم ونحن نعلم قطعا أنه لا يجوز لكل واحد منهم أن يقول بغير دليل وإذا لم يجز لآحادهم لا يجوز لجماعتهم وإذا ثبت أنه لا بد من دليل فتكون الحجة هي الدليل لا الإجماع.\nوأما المسلك الثاني فيطالبون بإقامة الدليل قالوا: ولا دليل عليه لا من حيث العقل ولا من حيث السمع وقد تعلق بعضهم بالأمم السالفة وقالوا: لما لم يكن إجماعهم حجة فكذلك اتفاق هذه الأمة وتمسكوا بظواهر منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يذكر الإجماع ولو كان حجة لذكره ويدل عليه أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله تعالى قال بسنة رسول الله ﷺ قال: \"فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ\" قال أجتهد رأيي١ ولم يذكر الإجماع ويدل عليه أن النبي ﷺ قال: \"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض\" ٢ وهذا يدل على جواز الضلالة على الأمة وإذا جازت الضلالة عليهم لم يكن إجماعهم حجة.\nوأما حجتنا فتتعلق أولا بالكتاب وهو قوله ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط من كل شيء خياره وقيل الوسط من يرضى قوله وقيل هو العدل والمعاني متقاربة وقال الشاعر:\nهم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... وإذا نزلت إحدى الليالي بمعظم\nوأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والشاهد أتم لمن.\n_________\n١ أخرجه أبو داود الأقضية ٣/٣٠٢ ح ٣٥٩٢ والترمذي الأحكام ٣/٦٠٧ ح ١٣٢٧ وأحمد المسند ٥/٢٨٠ ح ٢٢١٢٢ انظر تلخيص الحبير ٤/٢٠١ ح ٥.\n٢ أخرجه البخاري العلم ١/٢٦٢ ومسلم الإيمان ١/٨١ ح ١١٨/٦٥.","vol":"1","page":463},{"text":"يكون قوله حجة فقد وصف الله تعالى الأمة بالعدالة والشهادة فدل أن قبول قولهم واجب لأنه لا يجوز أن يصفهم بالعدالة فيجعلهم شهداء على الناس ثم لا يقبل قولهم ولا يجعله حجة.\nببينة: أن الحكيم لا يصف بخيرية قوما ليشهدوا وهو عالم بأنهم كلهم يقدمون على الكذب فيما يريدون فدل أنه تعالى علم أنهم لا يقدمون إلا على الحق حيث وصفهم بما وصفهم فإن قيل المراد بالآية هو شهادتهم في الآخرة على الأمم بأن الأنبياء بلغت إليهم الرسالة وهذا يقتضي أن يكونوا عدولا في الآخرة لا في الدنيا والجواب أن هذا لو كان هو المراد لقال نجعلكم أمة وسطا فلما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] دل أن هذا الوصف متحقق فيهم في الحال وعلى أن الآية عامة في الدنيا والآخرة فإن قيل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أن كان المراد بهذا جميع من صدق النبي ﷺ إلى يوم القيامة فلا يتصور إحاطة علمنا بإجماع كل من صدق النبي ﷺ وأن أريد بذلك من وجد في زمان نزول الآية فينبغي أن لا يكون الإجماع في موضع ما حجة حتى يعلم أن جميع من كان حاضرا حين نزلت الآية قال بذلك القول والجواب أن الله ﵎ لما وصفهم بالعدالة والشهادة فقد أوجب علينا قبول قولهم في ذلك فلا يجوز أن يقسم تقسيما يؤدي إلى سد باب الوصول إلى شهادتهم فيكون المراد بالآية أهل العصر الصحابة بعد موت النبي ﷺ أو أهل كل عصر يأتي وقد تأيد هذا الاستدلال بقوله ﷾: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فدل أنهم ينهون عن كل منكر لأن لام الجنس مستغرق الجنس فلو جاز إجماعهم على مذهب منكر لما كانوا ناهين بل كانوا آمرين بذلك وقد قيل أن معنى قوله كنتم صرتم ويحتمل وجدتم ويحتمل أنتم خير أمة ذلك معتمد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] فقد جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور في الوعيد إلا ترى أنه لا يحسن أن يقول الحكيم لغيره أن تبت وشربت الماء عاقبتك وإذا قبح غير سبيل المؤمنين وجب تجنبه وليس يمكن تجنبه إلا باتباع سبيلهم لأنه لا واسطة بين اتباع سبيلهم واتباع غير سبيلهم وقد تبين بهذا الجواب عن السؤال الذي يقولونه وهو أن الله تعالى علق الوعيد بمخالفة الرسول.","vol":"1","page":464},{"text":"وترك اتباع غير سبيل المؤمنين قد بينا أنه لا يصح الجمع بين شيئين في الوعيد إلا وأن يكون كل واحد منهما يستحق عليه الوعيد يدل عليه أنه لا خلاف أنه يستحق الوعيد بمشاقة الرسول على الانفراد فكذلك استحق الوعيد بترك متابعة سبيل المؤمنين على الانفراد فإن قيل المراد بترك متابعة سبيل المؤمنين في مشاقة الرسول قلنا فيكون لا فائدة في قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين لأن استحقاق الوعيد عرف بقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٥] فيجب أن يكون الوعيد بترك اتباع سبيل المؤمنين متعلقا بمعنى آخر غير ما سبق يفيد فائدة وأيضا فإن هذا السؤال يقتضي أن لا يكون مشاقة الرسول بانفراده معصية فإن قيل قد شرط الله ﷿ في لحوق الوعيد أن يكون اتباعه غير سبيل المؤمنين بعد أن تبين له الهدى والألف واللام لاستغراق الجنس فاقتضى استيعاب الهدى وكان معنى الآية من تبين جميع الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين لحقه الوعيد فيدخل ما أجمعوا عليه في جملة الهدى فعلى هذا يجب أن يكون الهدى بدليل سوى قول الأمة تم إذا تبين يتبعون فيه كما أن الإنسان إذا قال لغيره إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه اقتضى أن يكون تبين صدقه بشيء سوى قوله.\nوالجواب أنه قد قيل أن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد المذكور بمشاقة الرسول فقط لا في اتباع غير سبيل المؤمنين لأن الإنسان إنما يكون مشاقا معاندا إذا تبين الحق وعرفه وكان هذا الشرط مقصورا على المشاقة فقط وأيضا فإن الذي قالوه لو كان على ما زعموا لبطل فائدة تخصيص المؤمنين مع علمنا أنه خرج الكلام مخرج تمييز المؤمنين والإعظام لهم ألا ترى أن غير المؤمنين إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا أن نقول مثل قولهم كما يلزمنا مثل ذلك في المؤمنين يدل عليه أن اتباع المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم لأنهم قالوه وليس اتباعهم هو مشاركتهم في قولهم لأن دليلا دل عليه ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود في إثبات الصانع جل شأنه وفي نبوة موسى ﵇ وأن شاركناهم في اعتقاد ذلك لما لم نصر إلى ذلك لأجل قولهم فإن قيل هذا الاستدلال بدليل الخطاب لأنكم قلتم لما ذكر في الآية إلحاق الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين دل أن اتباع سبيل المؤمنين واجب وهذا تعلق بمحض دليل الخطاب لأنه ليس في الآية الأمر باتباع سبيل المؤمنين.\nقالوا: والاستدلال في مثل هذه المسألة بدليل الخطاب لا يجوز.\nالجواب أن مطلق الآية تدل على ما قلناه لأن الله تعالى نص على إلحاق الوعيد.","vol":"1","page":465},{"text":"باتباع غير سبيل المؤمنين وعند المخالف لا يلحق الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين بحال وعلى أن الاستدلال بالآية تقسيم عقلي لا يتصور خلافه وهو أنه أما أن يوجد اتباع سبيل المؤمنين أو يوجد اتباع غير سبيل المؤمنين ولا ثالث لهذين فإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين قطعنا بوجوب اتباع سبيل المؤمنين فإن قيل وقد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين فظاهره يقتضي أن يتبع غير سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين وعندنا إذا اتبع غير سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين يلحقهم الوعيد.\nوالجواب أنه ليس كما زعموه لأن ظاهره يقتضي لحوق الوعيد عند ترك اتباع سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين وفيما لم يصيروا به مؤمنين.\nألا ترى أنه لو قال القائل اتبع سبيل العلماء يقتضي أن يتبع سبيلهم فيما صاروا به علماء وفيما لم يصيروا به علماء وأيضا فإن الآية تقتضي لحوق الوعيد في هذا الفعل بترك اتباع سبيل المؤمنين وعلى هذا السؤال لا يكون بترك اتباع سبيل المؤمنين وإنما يكون الوعيد بترك الإيمان والتوحيد وما يتصل بذلك لا بترك اتباع سبيل المؤمنين فسقط السؤال بهذا الوجه.\nفإن قيل قد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين وهذا يقتضي سبيلا واحدا فلا يقتضي كل سبيل يوجد.\nوالجواب أنكم إذا سلمتم أنه إذا ترك اتباع واحد يستحق الوعيد فثبت أنه إذا ترك اتباع كل سبيل هو سبيل المؤمنين يستحق الوعيد أيضا وعلى أن السبيل قد صار معرفا بالإضافة إلى المؤمنين وإذا صار معرفا بهذا الوجه فلا فرق بين أن يعرف الألف واللام أو يعرف بالإضافة وإذا ثبت أن السبيل معرف اقتضى كل سبيل هو سبيل المؤمنين وإذا ترك ذلك استحق الوعيد والاستدلال بهذه الآية في نهاية الاعتماد وقد احتج الشافعي رحمة الله عليه بهذه الآية.\nدليل آخر في أن الإجماع حجة:\nوهذا الدليل من السنة وهو ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة\" ١.\nوفي رواية: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ\" ٢ وقال ﷺ لم يكن الله\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ لم أجده بهذا اللفظ وما وجد بلفظ \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\" انظر كشف الخفاء للحافظ العجلوني ٢/٤٧٠ ح ٢٩٩٩ تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر ٣/١٦٢ ح ٨.","vol":"1","page":466},{"text":"ليجمع هذه الأمة على الخطأ وقال: \"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح\" ١ وقال: \"من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه\" ٢ وقال: \"من فارق الجماعة فمات ميتة جاهلية\" ٣ وقال: \"عليكم بالجماعة\" ٤ و\"يد الله مع الجماعة\" ٥ و\"من شذ شذ في النار\" ٦ وقال: \"عليكم بالسواد الأعظم\" ٧ وقال: \"من فارق الجماعة فاقتلوه\" ٨ وقال ﷺ: \"من أحب أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد\" ٩ وقال ﷺ: \" ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم والنصح لأولي الأمر\" ١٠ وقال ﷺ ستكون بعدي هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جمع فاضربوا عنقه كائنا من كان١١.\n_________\n١ قال الحافظ الزيلعي غريب مرفوعا ولم أجده إلا موقوفا على ابن مسعود وله طرق بلفظ: \"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ\" أخرجه أحمد المسند ١/٤٩٣ ح ٣٥٩٩ والحاكم في المستدرك ٣/٧٨، ٧٩ وبلفظ: \"..وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح\" عزاه - إلى - أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في كتاب الاعتقاد انظر نصب الراية ٤/١٣٣ وانظر كشف الخفاء للعجلوني ٢/٢٤٥ ح ٢٢١٤.\n٢ أخرجه أبو داود السنة ٤/٢٤٢ ح ٤٧٥٨ والترمذي الأمثال ٥/١٤٨ ح ٢٨٦٣ وأحمد المسند ٤/٢٤٨ ح ١٧٨١٧.\n٣ وأخرجه البخاري الفتن ١٣/٧ ح ٧٠٥٤ ومسلم الإمارة ٣/١٤٧٧ ح ٥٥/١٨٤٩.\n٤ أخرجه الترمذي الفتن ٤/٤٦٥ ح ٢١٦٥ وقال حسن صحيح غريب انظر نصب الراية ٤/٢٤٩.\n٥ أخرجه الترمذي الفتن ٤/٤٦٦ ح ٢١٦٦ وقال حسن غريب والنسائي التحريم ٧/٨٤ باب قتل من فارق الجماعة.\n٦ تقدم تخريجه.\n٧ تقدم تخريجه.\n٨ أخرجه مسلم الإمارة ٣/١٤٧٩ ح ٥٩/١٨٥٢ ٦٠/١٨٥٢ وأبو داود السنة ٤/٢٤٣ ح ٤٧٦٢ والنسائي تحريم الدم ٧/٨٤ باب قتل من فارق الجماعة بلفظ \"من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاقتلوه\".\n٩ أخرجه أحمد المسند ١/٣٣ ح ١٧٨.\n١٠ أخرجه ابن ماجه المناسك ٢/١٠١٥ ح ٣٠٥٦ والدارمي المقدمة ١/٨٦ ح ٢٢٧ وأحمد المسند ٤/٩٩ ح ١٦٧٤٣.\n١١ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":467},{"text":"والأخبار في معنى هذا كثيرة وإذا أمر في هذه الأخبار بالكون مع الجماعة ونهى عنه الشذوذ ونفى الخطأ والضلالة عنهم دل ذلك أن إجماعهم حجة وصواب وحق يدل عليه أنه ﷺ لما قال: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ\" فما أجمعوا عليه أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه فيجب كون ذلك صوابا غير خطأ فإن قالوا: هذه الأخبار آحاد فلا يصح إثبات الإجماع بها وهي من مسائل الأصول قيل هي متواترة من طريق المعنى فإن ألفاظها وأن اختلفت فقد اتفق الكل على معنى واحد وهو وجوب التمسك بالإجماع وتحريم المخالفة وعصمة الأمة من الاجتماع على الخطأ والضلالة وقد بينا أن مثل هذا الطريق يفيد العلم فإن قيل قوله لا تجتمع أمتي على الضلالة يحتمل أنه ﷺ أراد بالضلالة الكفر دون غيره وكذا نقول أن هذه الأمة لا تجتمع على الكفر فقد قال ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة\" قيل له كل معصية ضلالة لأنه قد عدل بها عن الحق ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ فينبغي أن لا يجوز اجتماعهم على خلاف الحق بحال لأنا قد ذكرنا أن كل ما عدل به عن الحق ضلال وعلى أنه قد قال ﷺ: \"لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على الخطأ\" وهذا لا ينفي أنواع الخطأ لأن الكلام خرج مخرج بيان كرامة هذه الأمة على الله ﷿ وكرامتهم على الله ﷿ تنفي أن يجتمعوا على كل ما هو خطأ وعدول عن الحق فإن قيل قوله أمتي يتناول جميع أمته من وقته إلى قيام الساعة ولا يتصور اجتماع كلهم على الخطأ وأيضا فإن إجماعهم لا يتصور أن يكون حجة لأنه إذا كان يتناول جميع من صدقه إلى انقطاع التكليف فلا يوجد بعد ذلك تكليف حتى يكون اجتماع هؤلاء حجة وقد ذكرنا الجواب عن هذا السؤال فيما سبق وبينا أن المراد بهذا أهل كل عصر.\nببينة: أن عند المخالفين يتصور اجتماع أهل كل عصر على الخطأ والضلالة فإذا تصور ذلك عندهم في أهل كل عصر إلى أن ينقطع التكليف فقد تصور اجتماع الكل على الضلالة وقد نفى النبي ﷺ ذلك فإن قيل ولم قلتم إذا كان لا يجوز اجتماعهم على الخطأ والضلالة يجب أن يكون اجتماعهم حجة ولا يجوز مخالفته قيل له قد اجتمعت الأمة أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه ونعني بهذا إجماع من يقول: أن الأمة لا تجتمع على الخطأ دون غيرهم فكل من قال أن الأمة لا تجتمع على الخطأ فقد قال أن إجماعهم حجة لأنه لم يجوز لأحد منهم مخالفتهم على ما ورد به النص وإذا","vol":"1","page":468},{"text":"أجمعوا أنه لا يجوز المخالفة فقد أجمعوا أنه يكون حجة.\nببينة: إذا تعرفنا حال الأمة وجدناهم متفقين على تضليل من يخالف الإجماع وتخطئته ولم تزل الأمة ينسبون المخالفين للإجماع إلى المروق وشق العصا ومحادة المسلمين ومشاقتهم ولا يعدون ذلك من الأمور الهينة بل يعدون ذلك من عظام الأمور وقبيح الارتكابات فدل أنهم عدوا إجماع المسلمين حجة يحرم مخالفتها وفي المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب وأوردها المتكلمون والقدر الذي قلناه كاف وهو المعتمد.\nوأما الجواب عن الذي قالوه أما الأول قوله أنه يستحيل وجود الإجماع قلنا لا يستحيل على ما سبق بيانه أما قولهم أنه مع كثرتهم وتباعد ديارهم يمتنع ويتعذر الوقوف على إجماعهم قلنا نقول: أولا كيف يدعى استحالة هذا ونحن نرى خيلا من الكفار يرمى عددهم على عدد المسلمين وهم متفقون على ضلالة يدرك بطلانها بأدنى ذكر فإذا لم يمتنع ذلك إجماع أهل الدين على حكم من أحكام الدين وأيضا فإنا نعلم إجماع العلماء من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة ﵏ على مذهب كل واحد منهما في مسائل الفروع مع تباعد الديار وانقطاع المزاد فدل أن الذي ادعوه من الاستحالة باطل هذا جواب القاضي أبي بكر ثم نقول أن الوقوف على الإجماع غير ممتنع بسماع أقاويل الحاضرين والنقل من الجانبين كما يمكن معرفة اتفاق المسلمين على الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان واعتقاد أداء الزكاة والحج وغير ذلك مع كثرة المسلمين وتباعد الذكر بهم لأن الاعتبار بعلماء العصر وأهل الاجتهاد وهم كالأعلام في كل عصر لا تجلى مواضعهم ولا وأقوالهم.\nببينة: أن من عاصر الصحابة يمكنه أن يكتفي بكل واحد من المجتهدين أو ببعضهم فيعرف قوله ويتعرف قول الناس لأن أهل الاجتهاد من ذلك الوقت كانوا محصورين وكذلك التابعون فأمكن التوصل إلى معرفة قولهم بالطريق الذي قدمنا وأيضا فإن القول المنتشر في أهل العصر من غير مخالف دليل على الإجماع وهذا يمكن معرفته وهذا لأن الدليل الذي دل على أن الإجماع حجة يوجب أن يكون سبيل من الوصول إليه ولا وصول إلا بالقول المنتشر في الأمة وعدم المخالف لذلك لأن معرفة قول كل واحد من علماء العصر لا سبيل إليه في العالم ولا يجوز أن يوجب علينا ما لا سبيل إلى الوصول إليه فإذا لم يمكن إلا هذا القدر علمنا أن ذلك حجة وأنه المعنى بالإجماع الذي أوجب علينا اتباعه وأما قولهم أنه يستحيل أن يجوز الخطأ على كل واحد منهم.","vol":"1","page":469},{"text":"ثم إذا اجتمعوا لا يجوز قلنا المستحيل أن يقال أن كل واحد من الأمة يجوز كونه مخطئا في القول الذي اتفقوا عليه وجماعتهم غير مخطئين فيه ونحن لم نقل هذا وإنما نقول أن كل واحد منهم يجوز أن يكون قوله خطأ إذا انفرد وإذا اجتمع مع الكافة لم يكن قوله خطأ وليس نمنع أن يفارق الواحد الجماعة في هذا ألا ترى أن كل واحد منهم يجوز أن يأكل اليوم مأكلا مخصوصا ولا يجوز أن تجتمعوا على أكلة مخصوصة في هذا اليوم وأما قولهم أنه لا بد أن ينعقد الإجماع على دليل قلنا لا نمنع أن يكون إجماعهم عن نص لم ينقلوه واكتفوا بالإجماع عن النقل ويجوز أيضا أن يجتمعوا عن أمارة فطرية وسنبين ذلك من بعد وأما قولهم أن الإجماع لا يكون إلا عن دلالة فتكون تلك الدلالة حجة لا الإجماع قلنا هذا يبطل بقول النبي ﷺ فإنه حجة ومع ذلك لا نقول ما يقوله إلا عن دلالة وعلى أنه لا يمتنع أن يكون الإجماع حجة ما صدر عنه الإجماع حجة أيضا فيكون فى المسألة حجتان وأيضا فإن الإجماع وأن كان عن دليل هو حجة ولكن في الاجماع فائدة وهي أن يسقط عنا البحث عن الحجة ويسقط هنا نقلها ويحرم علينا الخلاف الذي كان سابقا في مسائل الاجتهاد وقد قال بعضهم إنا وجدنا إجماعا منعقدا من غير دليل نحو إجماعهم على بيع المراضاة من غير عقد والإستبضاع وأجرة الحمام وقطعة الشارب وأخذ الزكاة من الخيل تبرعا وأخذ الخراج أورد هذه المسائل أبو الحسين البصري في أصوله١.\nالجواب أن هذه المسائل لم يقع على كلها الإجماع فإن البيع بالتراضي لا يكون بيعا ولا بد عندنا من الإيجاب والقبول٢ حتى لا يكون ما أخذاه حراما أما البيع فلا يقول: أنه بالتعاطي المجرد ينعقد البيع بحال٣ وأما الاستبضاع فهو على مذهب أبي حنيفة والباقي من المسائل يجوز أن يسلم لكنا نقول أن الإجماع لا يقع إلا عن دليل غير أنه.\n_________\n١ المعتمد ٢/٥٧.\n٢ انظر روضة الطالبين ٣/٣٣٨.\n٣ قال الإمام النووي المعاطاة ليست بيعا بيعا على المذهب وخرج ابن سريج قولا من الخلاف في مصير الهدى منذورا بالتقليد أنه يكتفي بها في المحقرت وبه أفتى الروياني وغيره والمحقر كرطل خبز وغيره مما يعتاد فيه المعاطاة وقيل: هو ما دون نصاب السرقة فعلى المذهب في حكم المأخوذ بالمعاطاة وجهان: أحدهما: أنه إباحة لا يجوز الرجوع فيها قاله القاضي أبو الطيب وأصحهما: له حكم المقبوض بعقد فاسد فيطالب كل واحد صاحب بما دفعه إن كان باقيا بضمانه إن تلف انظر روضة الطالبين ٣/٣٣٨، ٣٣٩.","vol":"1","page":470},{"text":"يجوز أن يقع الاكتفاء عن نقل الدليل بوقوع الإجماع وأما الذي تعلقوا به من الظواهر قلنا أما الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] نقول لهم أن الآية دليلنا لأنه تعالى شرط في الرد إلى الكتاب والسنة وجود التنازع فدل أن دليل الحكم عند عدم التنازع هو الإجماع إذ لا بد للحكم من دلالة وعلى أن يرد الحكم إلى الإجماع رد إلى الكتاب والسنة وقد ذكرنا ذلك وأما حديث معاذ قلنا قد كان ذلك في زمن النبي ﷺ والإجماع يكون بعد زمانه وأما قوله ﵇: \"لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض\" ١ قلنا يجوز أن يكون قال ذلك لأقوام بأعيانهم ويجوز الخطأ والضلالة على أقوام بأعيانهم وأن تعلقوا بإجماع سائر الأمم قلنا قد قال بعض أصحابنا أن إجماع هذه الأمة وسائر الأمم سواء في كونه حجة وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراينى وإن سلمنا فالفرق بين هذه الأمة وسائر الأمم هو أن عصمة الأمة طريقها الشرع ولم يرد الشرع بعصمة سائر الأمم وقد ورد بعصمة هذه الأمة ونفى الخطأ عنهم على ما سبق بيانه فافترقا لهذا المعنى ولأن اعتراض النسخ في دين سائر الأمم جائز.\nألا ترى كيف اعترض ونسخ الكل بشريعة محمد ﷺ وإذا كان النسخ جائز لم يقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة وأما في شريعتنا فلا يجوز النسخ بل هذه شريعة مؤيدة فعصمت أمتها ليرجع إليها عند الخطأ والنسيان وليبقى الشرع بإجماع الأمة محفوظا.\nفإن قيل أليس قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: ٩٩] فقد جعلهم كما جعل هذه الأمة شهداء فيجب أن يكون إجماعهم حجة أورد هذا السؤال أبو زيد في أصوله وأجاب وقال يحتمل أن إجماعهم كان حجة ما كانوا متمسكين بالكتاب وإنما لم يجعل اليوم إجماعهم حجة لأنهم كفروا بالكتاب وإنما ينتسبون إلى الكتاب بدعوتهم ولأن تأويل الآية وأنتم شهداء بما فيه قبل نبوة محمد ﷺ فلم لا يشهدون الحق ألا ترى أنه قد سبقت هذه الآية أنه أخذ الميثاق بالبيان قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فدل أن المراد ما ذكرنا وأعلم أنا لما حققنا الإجماع حجة من جهة الشرع خاصة فقد قال بعضهم أنه حجة من جهة الشرع والعقل جميعا والصحيح هو الأول لأن العقل لا يمنع اجتماع الخلق الكثير على الخطأ ولهذا اجتمع اليهود.\n_________\n١ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":471},{"text":"والنصارى مع كثرتهم على ما هم عليه من الضلالة وإذا جعلناه حجة في الشرع فإنما وجد ذلك في هذه الأمة على ما سبق.","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>فصل: الإجماع على ضربين</span>\n...\nفصل إذا ثبت أن الإجماع حجة يجب التزامها ولا يجوز مخالفتها.\nفهو على ضربين.\nأحدهما: ما يكفر مخالفه متعمدا وهو الإجماع على الشيء الذي يشترك الخاصة والعامة في معرفته مثل أعداد الصلوات وركعاتها وفرض الحج والصيام وزمانهما ومثل تحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة والربا اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما انعقد عليه الإجماع فهو كافر١ لأنه صار بخلافه جاحدا كافرا لما قطع به من دين الرسول صلوات الله عليه كالجاحد لصدق الرسول صلوات الله عليه.\nوالضرب الثاني: ما يضل مخالفه إذا تعمد ولا يصير كافرا وهذا إجماع الأمة الخاصة وذلك مما ينفرد بمعرفته العلماء كتحريم المرأة على عمتها وخالتها٢ وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة٣ وتوريث الجدة السدس٤ وحجب بني الأم مع الجد٥ ومنع توريث القاتل٦ ومنع وصية الوارث٧ فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا خلاف ما عليه إجماع العلماء لم يكفر لكن يحكم بضلالته وخطئه٨.\nثم إعلم أن الكلام في الإجماع بعد أن عرفنا أنه حجة يشتمل على خمسة فصول:\nأحدها: معرفة ما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة.\n_________\n١ تيسير التحرير ٣/٢٥٩ جمع الجوامع ٢/٢٠١ نهاية السول ٣/٣٢٧، ٣٢٨.\n٢ قال ابن المنذر وأجمعوا على أن لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى انظر الإجماع لابن المنذر ٧٧.\n٣ قال ابن المنذر وأجمعوا أن من جامع عامدا في حجه قبل وقوفه بعرفة أن عليه حج قابل والهدي وانفرد عطاء وقتادة الإجماع لابن المنذر ٤٩.\n٤ قال ابن المنذر وأجمعوا أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم الإجماع لابن المنذر ٦٩.\n٥ انظر الإجماع لابن المنذر ٧٠.\n٦ قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن القاتل عمدا لا يرث من مال من قتله ولا من ديته شيئا الإجماع لابن المنذر ٧٠.\n٧ قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه لا وصية إلا أن يجيز ذلك الإجماع لابن المنذر ٧٣.\n٨ المحصول ٢/٩٨ تيسير التحرير ٣/٢٥٩ نهاية السول ٣/٣٢٧، ٣٢٨.","vol":"1","page":472},{"text":"والثاني: فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة.\nوالثالث: ما ينعقد فيه الإجماع من الأحكام.\nوالرابع: ما ينعقد به الإجماع من الشروط.\nوالخامس: معرفة ما يتخالط [مما] ١ يتعارض فيه الإجماع والاختلاف.\nولا بد لكل واحد من هذه الفصول الخمسة من إيراده بما يشتمل عليه ليصير الإجماع مستوفي في أحكامه وما يتصل به.\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل يتم بها الكلام.","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>فصل: فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة</span>\n...\nفصل أما الكلام فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة.\nأعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل يوجب ذلك٢ لأن اختلاف الآراء أو الهمم يمنع من الاتفاق على شيء إلا عن سبب يوجب ذلك وهذا مثل اتفاق الناس على أكلهم عند الجوع وشربهم عند العطش ولبسهم عند العرى كان عن سبب وهذه أمور طبيعية كانت عن سبب طبيعي وكذلك الأمور الدينية لا تكون إلا عن سبب ديني وذلك مثل اتفاقهم على المعتقد الديني واتفاقهم على صلاة الجمعة وصلاة العيدين وعلى فعل الصلوات الخمس وصوم رمضان فإنه لا يكون ذلك إلا عن سبب ديني قادهم إليه ويجوز أن يتفقوا عن دليل على حكم الحادثة وتكون على الحكم دلائل سواه ويجوز أن يختلفوا في الأدلة مع إتفاقهم على الحكم فلا يكون اختلافهم في الأدلة مانعا من إجماعهم على الحكم وقد أجاز قوم انعقاد الإجماع عن توفيق من الله تعالى من غير دليل شرعي دلهم على ذلك.\nوذلك بأن يوفقهم الله تعالى للصواب من غير أن يكون لهم عليه دلالة وأمارة وهذا ليس بصحيح لأنه لو جاز لجماعة الأمة أن يقولوا من غير دليل لكان يجوز لكل واحد منهم أن يقول من غير دليل وحين لم يجز لآحادهم كذلك لا يجوز لجماعتهم ولأن الدليل هو الموصل إلى الحق فإذا فقد الدليل.\n_________\n٢ يشترط في الإجماع أن يكون عن مستند إليه المجمعون في إجماعهم من كتاب أو سنة أو قياس والإجماع عن غير مستند بأن يكون عن عاطفة أو إلهام وتوفيق من الله تعالى لهم بوجه الصواب غير جائز عند جمهور العلماء وخالف في ذلك شذوذ فجوزوا الإجماع عن غير مستند انظر نهاية السول ٣/٣٠٧، ٣٠٨ تيسير التحرير ٣/٢٥٤ المحصول ٣/٨٨ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٧٤ المعتمد ٢/٥٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٧٢.","vol":"1","page":473},{"text":"فقد الوصول وقد بينا أن حال الأمة لا يكون أعلى من حال نبي الأمة ومعلوم أن النبي ﷺ لا يقول ما يقول إلا عن دليل فالأمة لأن لا يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل أولى وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن دليل فلا خلاف أنه ينعقد الإجماع عن الكتاب والسنة ثم إذا كان الإجماع عن نص غير محتمل من كتاب أو خبر متواتر كان الحكم والقطع بصحته ما يتبين بالنص فلم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهما وأن كان النص خبر واحد وأجمعوا به كان الحكم ثابتا بالظاهر وكان نفى الاحتمال من الظاهر والقطع بصحة الحكم ثابتين بالإجماع واختلفوا في انعقاد الإجماع عن القياس.\nمسألة: ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يجوز بانعقاد الإجماع عن القياس وقالوا: لا فرق بين القياس الجلي والخفي في ذلك وقال قوم أنه لا يجوز انعقاد الإجماع عن القياس بحال سواء كان خفيا أو جليا واختاره محمد بن جرير الطبري وذهب قوم إلى جواز انعقاده بالجلي دون الخفي وأما نفاة القياس منعوا انعقاد الإجماع بالقياس لأنه ليس بدليل عندهم١ والكلام مع نفاة القياس يأتى من بعد.\nوأما حجة من نفى انعقاد الإجماع بالقياس قال في ذلك لأن الخطأ موهوم في القياس والإجماع يوجب العلم القطعي فلا يجوز أن يقع بالقياس لأن ذلك يوجب أن يكون فروع الشيء أقوى من أصله.\nببينة: أن القياس فرع الاجماع.\nألا ترى أن الإجماع يستخرج منه المعنى فيقاس عليه مثل ما يستخرج من الكتاب والسنة فإذا كان القياس فرعا للإجماع فلا يجوز أن يصير الإجماع فرعا لأنه يؤدي إلى أن ينقلب الأصل فرعا والفرع أصلا وهذا لا يجوز.\nببينة: أن الحكم الصادر عن القياس لا يفسق مخالفه بل يجوز مخالفته ولا يجعل.\n_________\n١ اعلم أن العلماء قد اختلفوا في ذلك على أربعة مذاهب:\nالأول: محال عقلا أن يكون القياس سندا للإجماع وهو رأي الشيعة وجماعة.\nالثاني: جائز عقلا ولكنه غير واقع وهو لبعض العلماء.\nالثالث: جائز عقلا وواقع وهو لجمهور الأصوليين منهم البيضاوي.\nالرابع: يجوز إن كان القياس جليا ولا يجوز إن كان القياس خفيا إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٧٩ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/٣٠٩ روضة الناظر ١٣٤ المستصفى ١/١٩٦ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٧٣.","vol":"1","page":474},{"text":"أصلا في نفسه بل هو فرع لغيره ولا يقطع عليه بثبوته ولا على تعلقه بالأمارة وأما الحكم المجمع عليه لا يجوز مخالفته ويفسق مخالفه ويجعل أصلا ويقطع عليه وعلى تعلقه بطريقة فإذا صدر هذا الإجماع عن الاجتهاد اجتمع فيه هذه الأحكام مع تنافيها وتضادها وهذه الحقيقة وهي أن الأمارة دلالة خافية فلا يجوز أن يقال أن الأمة على كثرتها واختلاف هممها وأغراضها يجمعها الأمارة مع خفائها يدل عليه أن الإجماع لا يكون إلا باتفاق أهل العصر ولا عصر إلا وفيه من ينفى القياس أصلا فلم يجز وقوع الإجماع وانعقاده والذي ينعقد به الإجماع معدوم.\nوأما حجة من جوز انعقاد الإجماع عن القياس فنبين أولا وجود ذلك ثم نبين جواز ذلك من حيث المعنى والدليل على وجود ذلك ووقعه إجماع الصحابة على قتال أهل الردة وقد كان ذلك من طريق الاجتهاد قال أبو بكر رضوان الله تعالى عليه قال لا أفرق بين ما جمع الله بينهما فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب قتال المخل بها ولو كان معهم في قتال مانعي الزكاة على نص لنقلوه.\nواتفق الصحابة أيضا على إمامة أبى بكر وقد كان ذلك بطريق الاجتهاد فإنهم استدلوا في إمامة أبي بكر ﵁ بتقديم النبي ﷺ إياه في الصلاة وقالوا: اختاره ﷺ لديننا فاخترناه لدنيانا.\nوقد أجمع الصحابة أيضا على توريث الجدتين السدس فإن اجتمعا فهو لكما وأيتكما تفردت به فهو لها١ وقد أجمعت الأمة على هذا الحكم وكان ذلك عن الاجتهاد.\nوأجمعت الأمة أيضا على أن حد العبد على النصف من حد الحر وإنما اتفقوا عليه بقياس العبد على الأمة فإن في الكتاب حد تنصيف الإماء وليس فيه ذكر حد العبيد.\nوأجمعت الأمة أيضا على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وأجمعوا على تقديم الأمة في العتق قياسا على العبد.\nوأجمعوا على إراقة الشيرج إذا وقعت فيه الفأرة وكان مائعا وإلقائها وما حولها إذا كان جامدا قياسا على السمن٢.\n_________\n١ قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الجدتين إذا اجتمعتا وقرابتهما سواء وكلتاهما ممن يرث: أن السدس بينهما الإجماع ٦٩.\n٢ قال الإمام النووي: قال الخطابي: اختلف العلماء في الزيت إذا وقعت فيه نجاسة فقال جماعة من أصحابنا: الحديث لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه لقوله ﷺ \"فلا بقربوه\" وقال أبو حنيفة وهو نجس لا يجوز أكله ولا بيعه الاستصباح به وقال داود: إن كان هذا سمنا...........=","vol":"1","page":475},{"text":"وهم يقولون على هذه الدلائل أن إجماعهم لم يكن عن قياس بل كان عن دليل آخر في مسألة قتال مانعي الزكاة وإمامة أبى بكر الصديق ﵁ وفي مسألة الجدتين كان إجماعهم عن خبر المغيرة وقالوا: في سائر المسائل إنما كان الإجماع لأن النص على تنصيف الحد في الأمة نص في العبد وكذلك النص على تحريم لحم الخنزير نص على تحريم شحمه والنص في السمن نص في الشيرج.\nوالجواب أن هذه الدعاوى بلا دليل وقد نقلنا في قتال مانعي الزكاة وتقديم أبي بكر ﵁ في الإمامة على الصحابة أنهم ذكروا الاجتهاد فيما صاروا إليه وأما ميراث الجدتين فلازم قولهم أن إجماعهم كان عن خبر المغيرة فخبر المغيرة كان في الجدة الواحدة والإلزام في الجدتين وأما سائر المسائل فلازمة أيضا وقولهم أن النص في كذا نص في كذا مجرد دعوى لا دليل عليها وسيأتي في باب القياس أن طريق إثبات هذه الأحكام فى الصور التى لم يقع النص عليها لم يكن إلا بالقياس إلا أنه بالقياس الجلي فإن قال بعض من يخالف هذه المسألة أن عندي يجوز انعقاد الإجماع بالقياس الجلي ولا يجوز بالخفي قلنا إذا ثبت جواز انعقاده بأحدهما ثبت بالآخر وهذا لأن القياس دليل من دلائل الشرع وطريق موصل إلى الحكم ولا مانع من انعقاد الإجماع عنه فينعقد عند الإجماع دليل الكتاب والسنة.\nفإن قالوا: قد بينا أن الإجماع لا يقع عن الاجتهاد وقلنا قد قلتم أن كثرة عدد الأمة واختلاف هممها وأغراضها يمنع من اجتماعهم بطريق الاجتهاد والأمارة وهذا دعوى وليس يمتنع أن تجمعهم الأمارة الواحدة والأمارات الكثيرة على الحكم الواحد فإن اختلفت الأغراض وكثر العدد لأنهم مع كثرتهم واختلاف أغراضهم قد اتفقوا على وجوب المصير إلى الأمارة فإذا ظهرت الأمارة لجماعتهم لم يمتنع اتفاق جميعهم على الحكم الذي دلت عليه الأمارة يدل عليه أن اليهود والنصارى وهم الجم الغفير قد اجتمعوا على اعتقاد واحد فإذا جاز اتفاقهم مع كثرتهم وتباين هممهم وأغراضهم من جهة شبهة دخلت عليهم فلأن يجوز اتفاق الجماعة من جهة الأمارة المستندة إلى أصل.\n_________\n= لم يجز بيعه ولا أكله وشربه وإن كان زيتا لم يحرم أكله ولا بيعه وزعم أن الحديث مختص بالسمن وهو لايقاس والله أعلم هذا كلام الخطابي وقد سبق في باب ما يكره لبسه وأن المذهب الصحيح جواز الاستصباح بالدهن النجس والمتنجس سواء ودك الميتة انظر المجموع للنووي ٩/٣٨.","vol":"1","page":476},{"text":"هو حق أولى وليس هذا كاتفاقهم على الكذب في شيء معين حيث لا يجوز وقوع ذلك لأنه لا داعي لجميعهم على ذلك وقد بينا وجود الداعي ها هنا وعلى هذا خرج اتفاقهم على مأكل واحد وصناعة واحدة حيث لا يجوز وقوع ذلك لأنه لا داعي لجميعهم على ذلك وهذا لأن اتفاقهم على مأكول واحد تابع لتساوي شهواتهم وأماكن شهواتهم ونحن نقطع أن الناس يختلفون في الشهوات وأماكن نيل الشهوات فمنهم من يشتهي ما ينفر طبع الآخرين ومنهم من تنقص شهوته لما تقوى شهوة الآخر فتدعوه قوة شهوته إلى تناوله دون الآخر وقد يتفق الاثنان في شهوة حتى يقدر أحدهما على تحصيلها بعجز الآخر عنه وأما الذي قالوه أولا من أن الخطأ موهوم في القياس والإجماع يوجب علما قطعيا قلنا هذا يبطل بخبر الواحد فإن الإجماع ينعقد عنه مع وجود ما قالوه ولأن العبرة بحسب ما يدل عليه الدليل وقد دل الدليل أن الإجماع يفيد العلم القطعي وأن القياس لا يفيد إلا غلبة الظن وأما قولهم أن القياس فرع والإجماع أصل ولا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل قلنا الأدلة قد يتقوى بعضها ببعض وقد تتعاضد وتتظاهر الدلائل فيتم عند الاجتماع بما لا يتم عند الانفراد ألا ترى أن أصل التواتر آحاد يجوز عليها الخطأ ثم إذا اجتمعت تعاضدت وتقوى بعضها ببعض أفادت العلم القطعي.\nكذلك القياس إذا اجتمعت الآراء صار دليلا قطعيا على صحة الحكم به وانتفاء الخطأ عنه وبهذا الوجه جعلنا الإجماع الصادر عن الخبر الواحد والعمود دليلا قطعيا وأن لم يكن الخبر الواحد والعمود في جميع مسمياته كذلك وأما قولهم أن القياس لا يفيد كذا وكذا وما بينوا من المخالفة بين القياس والإجماع فليس يدخل على ما قلناه وذلك لأن ما قالوه حكم لاجتهاد إذا انفرد عن الإجماع فإذا اقترن به الإجماع صار دليلا مقطوعا به ويجوز مثل هذا القول ألا ترى أن القول عن الأمارة إذا اقترن به تصويب النبي ﷺ أفاد العلم المقطوع به وإذا لم يقترن به أفاد الظن.\nوأما قولهم أنه ما من عصر إلا ويوجد فيه من ينفى القياس قلنا ليس الأمر على ما زعمتم والأصل في الإجماع إجماع الصحابة ﵃ أجمعين ولسنا نعلم أن أحدا منهم أنكر القياس والاجتهاد.\nببينة: أنه كما وجد في الأمة من ينفى القياس قد وجد فيهم أيضا من ينفى أخبار الآحاد ومن ينفى القول بالعموم ثم أجمعوا أن الإجماع يجوز أن ينعقد بهما ولم.","vol":"1","page":477},{"text":"نعتبر خلاف من خالف ونظر إلى ما كان الأمر عليه في عصر الصحابة ﵃ كذلك ها هنا والله أعلم.\nوقد حكى عبد الجبار عن الحاكم صاحب المختصر قال إذا انعقد الإجماع لأهل العصر عن اجتهاد جاز لمن بعدهم أن يخالفهم لأنه قول صادر عن اجتهاد فيجوز خلافه وهذا لا يصح لأن الإجماع إذا وجد بأي دليل كان صار حجة وحرم خلافه وقد ذكرنا وجه ذلك وأن كان من اجتهاد ويدل عليه قوله ﷺ: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة\" وما اتفقوا عليه أنهم إذا اتفقوا لا يجوز مخالفتهم على ما ذكرناه من قبل.\nفصل.\nوأما الاجتهاد عن غير أصل كالاجتهاد في جزاء العبد وجهات القبلة وأروش الجنايات وقيم المتلفات فمن يمنع انعقاد الإجماع بالقياس كان من هذا أمنع وأما من جوز القياس فقد ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز انعقاد الإجماع عن مثل هذا الاجتهاد١ والصحيح جوازه والذي ذكرناه دليلا في المسألة المتقدمة يصلح دليلا في هذه المسألة وفي هذا الموضع.\nوقد قال بعض أصحابنا أن.\nدلائل الاجتهاد التي ينعقد بها الإجماع من أوجه.\nأحدها: أن ينعقد عن تنبيه من كتاب أو سنة.\nفالتنبيه من الكتاب كإجماعهم على أن ابن الابن في الميراث كالابن٢.\nوالتنبيه من السنة كإجماعهم على أن موت العصفور فى السمن كموت الفأرة.\nوالوجه الثاني: أن ينعقد عن استنباط من كتاب أو سنة فالاستنباط من الكتاب كإجماعهم على تحريم نكاح خالات الآباء وعماتهم وخالات الأمهات وعماتهن مثل تحريم الخالات والعمات والاستنباط من السنة كإجماعهم على توريث كل واحدة من الجدتين السدس والجدتان أم الأم وأم الأب وأن حجب أم الأم لأم أم الأم كحجب الأم لأم الأم.\n_________\n١ انظر الإجماع لابن المنذر ٦٦.\n٢ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٧٩ روضة الناظر ١٣٤ المستصفى ١/١٩٦ المعتمد ٢/٥٩ المحصول ٢/٩٣.","vol":"1","page":478},{"text":"والوجه الثالث: أن ينعقد عن المناظرة والجدال كإجماعهم على قتال مانعي الزكاة وأن في المرهونة إذا أجهضت دية الجنين.\nوالوجه الرابع: أن ينعقد عن استدلال بقياس كإجماعهم على أن حد العبيد في الزنا كالأمة وأن الجواميس في الزكاة كالبقر.\nوالوجه الخامس: أن ينعقد عن استدلال باجتهاد كإجماعهم على جهة القبلة وقد ذكر غير هذا وعندي أن هذا تكلف شديد وإذا ذكرنا جواز الإجماع عن الاجتهاد دخل فيه وجوه الاجتهاد جليها وخفيها.\nوإذا علمنا أن الإجماع ينعقد عن أحد هذه الوجود فاختلفوا أن الإجماع إذا انعقد يأخذ هذه الدلائل يكون منعقدا على الحكم الثابت بالدليل أو يكون منعقدا على الدليل الموجب للحكم وذهب بعض المتكلمين من الأشعرية إلى أنه منعقد على الدليل الموجب وذكر أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه معقد على الحكم المستخرج من الدليل وهو الصحيح لأن الحكم هو المطلوب من الدليل ولأجله انعقد الإجماع فعليه انعقد الإجماع ونبني على هذا مسألة وهي أن الإجماع الواقع على موجب خبر من الأخبار هل يكون دليلا على صحة الخبر فمنهم من قال يدل على ذلك إذا علم أنهم اجمعوا لأجله ومنهم من قال أن إجماعهم يدل على صحة الحكم ولا يدل على صحة الخبر وهذا أولى القولين لأنه يجوز أن يكونوا اتفقوا على العمل به لأن التعبد ثابت بخبر الواحد وهذا التعبد ثبت في حق الكافة ولأجل التعبد الثابت أجمعوا على موجب الخبر وصار الحكم مقطوعا به لأجل إجماعهم وأما صحة الخبر على طريق أنه يكون مقطوعا به فله طريق مخصوص في الشرع على ما قلنا في باب الأخبار فبطلت صحة الخبر وعدم صحته أو كونه خبرا واحدا أو خبر يقطع بثبوته ويوجب العلم بموجبه من ذلك الطريق فإن ظهر الإجماع ولم يعلم الدليل الذي انعقد به الإجماع فقد بينا أنه لا يجوز أن ينعقد إلا عن دليل فيكون انعقاده دليلا على أنه انعقد عن دليل موجب له إلا أنه استغنوا بالإجماع عن نقل الدليل واكتفوا به عنه وقد ذكرنا هذا من قبل والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>فصل: فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>مدخل</span>\n...\nفصل: ولما عرفنا ما ينعقد به الإجماع من الأدلة فنتكلم الآن فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة\nأما إجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة فليست بحجة وقد بينا ثم اعلم أنه لا اعتبار بالكافرين في الإجماع لأن الإجماع إنما صار دليلا بالسمع والأدلة السمعية التي","vol":"1","page":479},{"text":"ذكرنا لم تتناول الكافرين١ وإنما تتناول المؤمنين على الخصوص ولأن الإجماع حجة بمعرفة الأحكام الشرعية والكفار لا يمكنهم معرفة الأحكام الشرعية فلا يجوز اعتبارهم في حجة الأحكام الشرعية والاعتبار أيضا في الإجماع بكل المؤمنين إلى انقضاء التكليف ولأنا لو اعتبرنا جميع المكلفين إلى انقضاء التكليف خرج الإجماع أن يكون حجة لأنه لا يكون بعدهم تكليف حتى يكون إجماعهم حجة فيه ولأنا قد دللنا أن إجماع أهل كل عصر حجة والدلائل دلت أن الإجماع حجة فدلت على هذا كما سبق بيانه ولا اعتبار أيضا بمن ليس من أهل الاجتهاد في الأحكام كالعامة والمتكلمين الذين يدعون علم الأصول وقال بعض المتكلمين اتفاق العامة مع العلماء شرط في صحة الإجماع وهو قول القاضي أبي بكر وقال بعضهم يعتبر اتفاق الأصوليين والمتكلمين٢ وتعلق من هذا اعتبر غير الفقهاء بقوله ﵇ لا تجتمع أمتي على الضلالة وهذا يتناول الكل وهذا لأنه إنما كان قول الأمة حجة لأنهم عصموا عن الخطأ وليس يمتنع أن يكون جماعتهم العامة والخاصة معصومة عن الخطأ وإذا لم يمتنع ذلك وكانت الظواهر هي الراجحة على أن الإجماع حجة عامة في الخاصة والعامة اعتبر جماع الكل لكونه حجة ولأن الله تعالى قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وهذا سينال الفقهاء والعامة والصحيح ما قدنا لأن العامة لا يعرفون طرق الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون فلا يعرفون طرق الأحكام وأن عرفوا البعض لا يعرفون جميعها فصاروا كالفقهاء الذين لا يعرفون طرق أصول الفقه والذي استدلوا به فأكثر ما فيه أنه عام فنخصه ونحمله على الفقهاء الذين يعرفون طرق الأحكام ونقول أيضا أن الأمة إنما كان قولها حجة إذا قالوه عن استدلال وهي إنما عصمة عن الخطأ في استدلالها والعامة ليست من أهل النظر والاستدلال حتى تعصم عن الخطأ فصار وجودهم وعدمهم بمنزلة يدل عليه أن العامة يلزمهم المصير إلى قول العلماء فصار العلماء كأنهم المتصرفون فيهم فيسقط اعتبار قولهم وقد ظهر بهذا الجواب عن المعنى الذي قالوه وقد روى أن أبا طلحة.\n_________\n١ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٢١ روضة الناظر ١٢١ المحصول ٢/٩٢ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/٣٢٤ المعتمد ٢/٢٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٨٠.\n٢ انظر نهاية السول ٣/٣٠٦ إحكام الأحكام ١/٣٢٢ المحصول ٢/٩٢ روضة الناظر ١٢٠ المعتمد ٢/٢٤، ٢٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٧٠.","vol":"1","page":480},{"text":"الأنصاري رحمة الله عليه كان يستبيح أكل البرد في الصوم ويقول: أنه لا يفطر ولم يعد خلافه خلافا لأنه لم يكن من فقهاء الصحابة ﵃.\nوقد قال بعض أصحابنا إنما يشترك الخاصة والعامة في معرفته فلا بد من إجماع الكل في الشيء لينعقد عليه الإجماع وقد ذهب إليه بعض المتكلمين وعندي أن هذا باطل ولا يعتبر قول العامة في شيء من الأحكام سوى أن كان من الأحكام الظاهرة التي يعرفونها أو من الأحكام التي لا يقفون عليها وما ذكرنا من الدليل يعم الكل فيوجب إخراج العامة وإطراح قولهم في الأحكام اجمع وعلى هذا نقول أن العلماء في النحو والعربية واللغة لا نعتبر قولهم أيضا في انعقاد الإجماع عن الأحكام وكذلك العلماء الذين لا يعرفون إلا التفسير وإنما يرجع إليهم في الوقوف على أقوال المفسرين من السلف وكذلك أمر المحدثين الذين لا يعرفون إلا الرواية فيرجع إليهم فيما يصح من الأخبار وما لا يصح.\nوأما الفقهاء الذين يرجع إلى قولهم في انعقاد الإجماع فهم المجتهدون وسنذكر شرائط الاجتهاد من بعد.\nوأما الذين يتكلمون في الجواهر والأغراض وعرفوا بمحض الكلام ولا يعرفون دلائل الفقه فلا عبرة بقولهم في الإجماع وهم بمنزلة العوام.\nوأما المتفردون بأصول الفقه فإن وافقوا الفقهاء في ترتيب الأصول وطرق الأدلة كان خلافهم مؤثرا يمنع من انعقاد الإجماع وأن خالفوهم فيما يقتضيه استنباط المعاني وعلل الأحكام وغلبة الأشباه لم يؤثر خلافهم وانعقد الإجماع بدونهم والله أعلم.\nوعلى الجملة إذا أجمع المفتون على المسألة وبقى قوم لا يستقلون بأنفسهم في معرفة حكم حادثة تقع لهم ويتعين عليهم في ذلك تقليد غيرهم فوجوب مراجعتهم في المسألة التي اتفق عليها الفقهاء المجتهدون محال.\nونقول في تقسيم الفقهاء أن من يعرف الفروع والأحكام ولا يعرف دلائلها وعللها فهذا ناقل يرجع إلى حفظه ولا يعول على اجتهاده ولا يرتفع الإجماع بخلافه.\nوأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها مشرفا على الأصول في ترتيبها ولوازمها عارفا شبهها وأدلتها وعللها فهذا أكمل الفقهاء علما وأصحهم فيه اجتهادا وهذه الطبقة هم الذين يرجع إليهم في الإجماع والاختلاف.\nوأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها غير عارف بالأصول وترتيبها.","vol":"1","page":481},{"text":"ولوازمها فيصح اجتهاده فيما يقتضيه التعليل والسنة ولا يصح اجتهاده فيما يقتضيه دلائل الأصول فيما يصح اجتهاده فيه ويقع الإجماع بخلاف ما لا يصح اجتهاده لم يرتفع الإجماع بخلافه وهذا التقسيم ذكره المعرف بأقضى القضاء أبو الحسن الماوردي.\nوأما الكلام في اعتبار الورع فقد ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع وقالوا: أن الفسقة وأن كانوا بالغين في العلم مبلغ المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم لأنهم بفسقهم خارجون عن محل الفتوى والفاسق غير مصدق فيما يقوله وافق أو خالف وقد قال بعض أصحابنا يعتبر قوله ولا ينعقد الإجماع بدونه لأن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره بل يتبع فيما يقع له يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلده غيره فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه ويجوز أن يقال أنه عالم في حق نفسه مصدق على نفسه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره وغير ممتنع هذا الانقسام وقد قال بعض أصحابنا أن الفاسق يدخل في الإجماع من وجه ويخرج من وجه١ وبيان ذلك أن المجتهد الفاسق إذا أظهر خلافه فسئل عن دليله فلجواز أنه يحمله فسقه على اعتقاده خرج بغير دليل فإذا ظهر من استدلاله على خلاف ما يجوز أن يكون محتملا يرتفع الإجماع بخلافه وصار داخلا في جملة أهل الإجماع وأن كان فاسقا لأنه من أهل الاجتهاد وأن لم يظهر من استدلاله محتملا لم يقيد لخلافه قال هذا القائل وفي هذا يفارق العدل الفاسق لأن العدل إذا أظهر خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله لأن عدالته تمنعه من اعتقاد شرع بغير دليل وهذا التقسيم لا بأس به وهذا كلام يقرب من مأخذ أهل العلم فليعول عليه.\nقال ورأيت في كتاب الشيخ أبي إسحاق الشيزاري ﵀ أن كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا أو فاسقا متهتكا يعتد بخلافه لأن المعول في ذلك على الاجتهاد والمهجور كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك والأحسن هو الأول وأما الفسق بتأويل فلا يمنع من اعتبار من يعتد به في الإجماع والاختلاف وقد نص الشافعي ﵀ على قبول شهادة أهل الأهواء وهذا ينبغي أن يكون في اعتقاده بدعة لا تؤديه إلى التكفير فأما إذا كان يؤديه إلى.\n_________\n١ انظر نهاية السول ٣/٣٢٤ روضة الناظر ١٢٢ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٢٦ المستصفى ١/١٨٢ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٨٠.","vol":"1","page":482},{"text":"التكفير فلا يعتد بخلافه ووفاقه وأما الكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به طويل الذيل ضيق المجال وقد أكثر العلماء الكلام في ذلك وليس هو بأمر هين لأن تكفير الناس لا يجوز بما يجازف فيه وأسرع الناس إلى تكفير الناس الخوارج ثم المعتزلة وقد يطلق بعضهم فيقول: من خالف الإجماع يكفر وهذا أيضا فيه نظر وقد بينا طرفا من ذلك والكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به ليس هذا موضعه فنتجاوز عنه وقد ذكر الأصحاب طرف ذلك في كتاب الشهادات ونذكر ذلك في التعليق وقد ذكر في كتاب منهاج أهل السنة ما نقل عن بعض السلف الصالح والأئمة المقتدى بهم ونصصت على المواضع التي طلب الكفر فيها المتواطئ واتباعهم أسلم والله المرشد والموفق بمنه.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>فصل: في عدد المجمعين</span>\n...\nفصل وأما الكلام في عدد المجمعين.\nفإن بلغ علماء العصر مبلغا لا يتوقع فيهم التواطؤ على الكذب وهم الذين اعتبروا في عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع باتفاقهم واما إذا لم يبلغوا هذا العدد فذهب بعض علماء الأصوليين إلى أن لا يجوز الخطأ عدد علماء العصر عن مبلغ التواتر لأنهم ورثة الملة وحفظة الشريعة وقد ضمن الله تعالى قيامها ودوامها إلى قيام الساعة فإذا عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم التواطؤ فربما يفقد منهم الاستقلال بحفظ الشريعة فلا يكون إليه حفظ الملة على الكمال.\nوقد قال بعضهم يجوز أن ينحطوا عن عدد التواتر وإذا انحطوا وأجمعوا يكون إجماعهم حجة١ وقال الأستاذ أبو إسحاق لم يبق في الدهر إلا مفتى واحد واتفق ذلك لقوله حجة ويصير ذلك بمنزلة إجماع الأمة.\nأما الأول فبعيد لأنه يستحيل أن ينقص عدد العلماء في عصر من الأعصار عن عدد التواتر خصوصا وقد ورد الخبر في ذهاب العلم في آخر الزمان.\nوأما الثاني فالإشكال فيه أن العلم الضروري هل يحصل بخبر الواحد أم بخبر جماعة ينقص عددهم عن عدد التواتر وقال بعضهم أن الله تعالى يحدث في هذا العدد من الأمارات الدالة على صدقهم ما يوجد ذلك عنده وجود عدد التواتر والأولى أن يقال أنه يعلم صدقهم ضرورة لا بخبرهم لكن بخبر النبي ﷺ: \"لا تزال طائفة من\n_________\n١ انظر المحصول ٢/٩٣ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٥٨ روضة الناظر ١١٩ المستصفى ١/١٨٨ تيسير التحرير ٣/٣٣٦.","vol":"1","page":483},{"text":"أمتي على الحق لا يضرهم في من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﷿\" ١.\nوقد قيل أنه إذا لم يبلغ عدد المجمعين عددا يقع العلم بصدقهم ضرورة يجب اتباعهم على قولهم فإن لم يقطع بأن الحق في إجماعهم كما يلزم العمل بالاجتهاد وأن لم يقطع بأن الحق فيه ذهب أكثر العلماء إلى أن إجماع كل عصر حجة وذهب أهل الظاهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة دون إجماع أهل سائر الأعصار٢ وذهبوا في ذلك إلى أن الإجماع إنما صار حجة بالسمع دون غيره والأدلة السمعية اختصت بالصحابة ﵃ دون غيرهم ولك الأدلة قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وهذا خطاب مواجهة فيتناول الحاضرين دون غيرهم ولنا قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله ﷺ: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة\" ٣ فلا يمنع أن يكون الله ﷿ عنى الصحابة بالخطاب وحده ليميزهم بهذه الكرامة عن غيرهم والرسول ﷺ أيضا عنى الصحابة ﵃ على الانفراد لتكون هذه المنحة لهم وهذا لأن الخطاب صالح أن يتناول الصحابة على الانفراد ولا يصلح أن يتناول التابعين على الانفراد بل إنما يصلح تناولهم مع من تقدمهم لأنهم الذين كانوا موجودين زمان الخطاب وأما التابعون فلم يكونوا موجودين زمان الخاطب فتبين أن الأصل في هذا هم الصحابة دون من بعدهم فيكون إجماعهم حجة دون من بعدهم.\nقالوا: ولأن النبي ﷺ قال: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ٤ وإنما حكم بالاهتداء بالاقتداء بالصحابة دل أن غيرهم لا يكون بمثابتهم ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قد اختصوا بمشاهدة النبي ﷺ والحضور عند الوحي وكان ذلك مزية لهم لا توجد لمن بعدهم.\n_________\n١ أخرجه البخاري الاعتصام ١٣/٣٠٦ ح ٧٣١١ ومسلم الإمارة ٣/١٥٢٣ ح ١٧٠/١٩٢ ولفظ الحديث عند مسلم.\n٢ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٢٨ المحصول ٢/٩٣ المعتمد ٢/٢٧ روضة الناظر ١٢٩ المستصفى ١/١٨٥.\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":484},{"text":"وأما دليلنا نقول أن الأدلة للإجماع ولا تخص عصرا دون عصر فإن قوله ﷿: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] لا يختص بعصر الصحابة ﵃ لأن التابعين من المؤمنين وكذلك أهل كل عصر وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقول النبي ﷺ: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة\" ١ ليس لشيء من هذا اختصاص بعصر دون عصر ولأنه لما كان نقل أهل كل عصر الأخبار كنقل الصحابة في أحكام التواتر والآحاد وجب أن يكون في الإجماع بمثابته ليكون كل خلف محجوبا بسلفهم وليكون الشرع محفوظا من الخطأ والغلط.\nببينة: أن أهل كل عصر حجة على من بعدهم في البلاغ فكذلك وجب أن يكونوا حجة في الإجماع.\nوأما الجواب عن تعلقهم قلنا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] خطاب لجميع الأمة بإجماع الأمة.\nببينة: أنه وصفهم بما وصفهم في الآيتين لانتسابهم إلى النبي ﷺ وكونهم من أمته ولأنهم قد دانوا لشريعته وهم أتباعه في الأقوال والأفعال وهذا المعنى موجود في أهل جميع الأعصار إلى قيام الساعة ولهذا المعنى لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه حمل الآية على أهل عصر الصحابة دون من بعدهم وأما قوله ﷺ: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ٢ فمعنى ذلك من أحد وجهين أما أنه ورد ليبين أن قول كل واحد منهم حجة وهذا صحيح على قول الشافعي ﵀ وهو محمول على أن لمن بعد الصحابة أن يرجعوا إلى قول كل واحد من الصحابة فيما يرويه عن الرسول ﷺ والدليل على أن معنى هذا الخبر ليس الإجماع أنه قال: \"بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ٣ وقوله بأيهم يتناول الآحاد ولا يتناول جماعتهم وأما قولهم أن الصحابة اختصوا بعصر الرسول ﷺ ومشاهدته قلنا ولم ينبغي أنهم إذا كانوا كذلك وجب لأن يختصوا بكون إجماعهم حجة دون من بعدهم إذ ليس في اختصاصهم بما اختصوا به ما يدل على اختصاصهم بكون إجماعهم حجة دون من سواهم والله أعلم.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ تقدم تخريجه.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>فصل: الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>مدخل</span>\n...\nفصل. أما الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع.\nاعلم أن الإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات وأحكام الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام وكل ما هو من الأحكام الشرعية.\nوأما الأحكام العقلية فعلى ضربين.\nأحدهما [ما] ١ يجب تقديم العمل به على العلم بصحة السمع كحدث العالم وإثبات الصانع وإثبات صفاته وإثبات النبوة وما أشبه ذلك فلا يكون الإجماع في هذا حجة لأنا بينا أن الإجماع دليل شرعي ثبت بالسمع فلا يجوز أن يكون حجة ولا أن يثبت حكما قبل السمع كما يجوز أن يثبت الكتاب بالسنة والكتاب يجب العمل به قبل السنة.\nوالضرب الثاني: ما لا يجب تقدم العلم به على السمع وذلك مثل جواز الرؤية وغفران المذنبين وغيرهما مما يجوز أن يعلم بعد السمع والإجماع حجة في هذا الضرب لأنه لما كان يجوز أن يعلم بعد الشرع والإجماع من أدلة الشرع جاز إثبات ذلك به.\nوأما أمور الدنيا كتجهيز الجيوش وتدبير الحروب والعماره والزراعة وغيرها من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها٢ لأن الإجماع فيها ليس بأكثر من قول رسول الله ﷺ وقد ثبت أن قوله ﷺ إنما هو حجة في أحكام الشرع دون مصالح الدنيا وكذلك الإجماع ولهذا قال النبي ﷺ: \"أنتم أعلم بأمور دنياكم وأنا أعلم بأمور دينكم\" ٣ وقد كان النبي ﷺ إذا رأى رأيا في الحرب راجع الصحابة في ذلك وربما ترك رأيه برأيهم وقد ورد مثل هذا في حرب بدر وحرب الخندق وغير ذلك ولم يكن أحد يراجعه فيما يكون من أمر الدين وقد ذكر بعض المتكلمين أن الإجماع ينعقد في أمر الدنيا أيضا وإذا رأى أهل العصر شيئا واتفقوا عليه لا يجوز مخالفته سواء كان في أمر الدين أو في أمر الدنيا لأن أدلة الإجماع منعت من الخلاف على الأمة ولم يفصل ولم يفصل بين أن يكون اتفقوا على أمر ديني أو دنيوي والصحيح الأول كما سبق.\n_________\n١ زيادة في الأصل.\n٢ انظر نهاية السول ٣/٢٣٧، ٢٣٨ المحصول ٢/٤ المعتمد ٢/٣٥ المحصول ٢/٩٧ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٥٧.\n٣ أخرجه ابن ماجه الرهون ٢/٨٢٥ ح ٢٤٧١ وأحمد المسند ٦/١٣٨ ح ٢٤٩٧٣ وذكره مسلم الفضائل بلفظ \"أنتم أعلم بأمر ديناكم\" أخرجه مسلم الفضائل ٤/١٨٣٦ ح ١٤١/٢٣٦٣.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>فصل إذا اجتمعت الأمة على الجمع بين مسألتين </span>في حكم مخصوص فإنه لا فرق بينهما فيه.\nمثل الإجماع على أن لا فرق بين الصلاة والصيام في وجوب النية وأن لا فرق بين الأكل والجماع في إفساد الصوم لم يجز التفرقة بينهما كما نعتاد الإجماع على اجتماعهما وذهب بعض أهل العلم إلى جواز التفرقة بينهما بالدليل الموجب لافتراقهما لأنه إجماع منهم لم يتعين في حكم والإجماع إنما ينعقد في الأحكام المتعينة١ وقيل أنه مذهب سفيان الثوري فإنه أفسد الصيام بجماع الناسي ولم يفسد بأكل الناسي وهذا ليس بصحيح لأن الإجماع على استوائها في الحكم إجماع على حكم فلما لم يجز مخالفة الإجماع في أعيان الأحكام لم يجز مخالفته في تساوي الأحكام فإذا وجب بالدليل ثبوت الحكم في أحد المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى فيكون ثبوته في الأول بدليله وثبوته في الثاني بالإجماع وأن وجب الدليل نفى الحكم عن إحداهما وجب نفيه عن الآخر فيكون نفيه عن الأول بالدليل وعن الثاني بالإجماع وإذا قام الدليل على فساد الصيام بجماع الناسي أوجب الإجماع فساده بأكل الناسي وإذا قام الدليل على صحة الصيام مع أكل الناسي أوجب الإجماع صحته مع جماع الناسي وإذا اجتمعت الأمة على الفرق بين مسألتين في حكم مخصوص لم يجز الجمع بينهما في ذلك الحكم وجوز الجمع بين المفترقين من وجوب الفرق بين المجتمعين وهو فاسد بما قلناه فإذا أوجب الدليل ثبوت الحكم في إحدى المسألتين أوجب الإجماع نفيه عن الأخرى وإذا أوجب الدليل نفيه عن إحدى المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى.\nوإذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيهما وجوزه.\n_________\n١ اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة أقوال:\n١ - يجوز مطلقا اتحد الجامع بين المسألتين أو اختلف.\n٢ - لا يجوز مطلقا.\n٣ - وهو المختار للبيضاوي تجوز التفرقة عند اختلاف الجامع ولا تجوز عند اتحاده.\nومحل النزاع إذا لم ينصوا على عدم الفرق بينهما فإن نصوا على ذلك فلا خلاف في عدم جواز التفرقة بين المسألتين في الحكم انظر نهاية السول ٣/٢٧٥ المحصول ٢/٦٤ روضة الناظر ١٣٢ المعتمد ٢/٤٦ حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي ٣/٢٧٥ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٦١.","vol":"1","page":487},{"text":"بعض أهل الظاهر وقال بعض المتكلمين وبعض أصحاب أبي حنيفة أن اختلافهم على قولين يوجب تسويغ الاجتهاد فجاز إحداث قول ثالث كما لو يستقر الخلاف١.\nوأيضا فإن الصحابة اختلفوا في زوج وأبوين وامرأة وأبوين على قولين فجاء ابن سيرين وأحدث قولا ثالثا فقال في امرأة وأبوين بقول ابن عباس وفي زوج وأبوين بقول سائر الصحابة وأقره سائر العلماء على هذا فلم ينكروا عليه مخالفة الإجماع.\nوالصحيح ما قدمنا من تحريم إحداث قول ثالث لأن إجماعهم على قولين إجماع على تحريم ما عداهما فلما لم نجز خلاف الإجماع في القول الواحد لأنه يتضمن تحريم ما عداه فكذلك لا يجوز خلاف إجماعهم على القولين لإجماعهم على تحريم ما عداه يدل عليه أنه قد ثبت أن الحق لا يخرج عن الإجماع فلو جاز إحداث قول ثالث لم يعتقدوه يخرج الحق عن أقوالهم لأنا إنما جوزنا ذلك فيجوز أن يكون الحق في القول الثالث وفي هذا إبطال الإجماع.\nوأما قولهم أن اختلاف الصحابة على قولين يوجب جواز الاجتهاد.\nقلنا يوجب جواز الاجتهاد في طلب الحق من القولين فأما في قول ثالث فلا لما بينا أن في إثبات قول ثالث إبطال إجماعهم.\nوأما الذي حكوه عن ابن سيرين.\nقلنا هو لم يخالف الصحابة بل أخذ بكل واحد من القولين في إحدى المسألتين فصار قوله داخلا في القولين غير خارج منهما وعلى أن ابن سيرين قد عاصر الصحابة وأفتى معهم فاعتد بخلافه فيهم.\nومثال هذه المسألة مسألة الحرام وهي إذا قال لزوجته أنت علي حرام فإن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل وأحدث مسروق قولا سادسا وقال.\n_________\n١ اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال ثلاثة:\nالقول الأول: لا يجوز إحداث قول ثالث في المسألة مطلقا سواء كان القول الثالث رافعا لما اتفق عليه المجتهدون الأولون أم غير رافع له وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء.\nالقول الثاني: يجوز مطلقا وإلى ذلك ذهب الظاهرية وبعض الحنفية.\nالقول الثالث: التفصيل بين ما برفع متفقا عليه فلا يجوز وما لا يرفعه فيجوز والمختار للرازي والبيضاوي والآمدي وابن الحاجب انظر نهاية السول ٣/٢٨٦، ٢٨٧ إحكام الأحكام للآمدي ١/٣٨٤ المحصول ٢/٦٢ روضة الناظر ١٣١ المعتمد ٢/٥٤ أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير ٣/١٥٨.","vol":"1","page":488},{"text":"لا أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد يعني أنه ليس بشيء فقال الأصحاب أن مسروقا عاصر الصحابة فاعتد بخلافه فيهم وأنا أقول هذا في مسروق صحيح وأما في ابن سيرين فبعيد لأنه وأن أدرك عصر الصحابة ﵃ فلم يكن في ذلك الوقت في عداد من يعتد بقوله يتبع قولهم بخلاف مسروق فإنه من متقدمي التابعين وأدرك زمان عمر ﵁ وما بعده كان من الفقهاء المتقدمين في عصر الصحابة وقد قال بعض أصحابنا أن ابن سيرين محجوج بقول الصحابة رضوان الله عليهم وقول من قال أنه لا ينكر عليه فلعله لم يظهر في ذلك الزمان فلهذا لم يروا الإنكار عليه ونحن ننكره ونقول قد خالف إجماع الصحابة في هذه المسألة.\nوإذا أجمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على دليل في حكم لم يتعد وهو في المجلدة الثانية.\nتم المجلد الأول بحمد الله وعونه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nيتلوه الثاني أن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المجلد الثاني</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>(تابع) القول في الإجماع وما يتصل به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>تابع الفصل الثالث: في بيان ما ينعقد فيه الإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>فصل وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد</span>\n...\nفصل وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد\nويجوز للتابعين أن يستدلوا على ذلك الحكم بغيره من الأدلة١ وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم لم يجز خلافهم.\nوالفرق بينهما أن المفروض عليهم إظهار الحكم ببعض أدلته لا بجميعها فأما في الحكم فالمفروض عليهم إظهار جميع الحكم فلو كان للحادثة حكم آخر لما أظهروه وإن أجمعوا على علة في حكم يكون إجماعا على الحكم لأن العلل إنما تنصب للأحكام فيكون الإجماع على العلة إجماعا على الحكم وقال بعضهم: إنه يكون إجماعا على الدليل لا على الحكم والأصح: هو الأول لما بينا أن المقصود من العلل: أحكامها لا أعيانها. والله أعلم بالصواب.\n_________\n١ اعلم أن محل النزاع إذا لم ينص أهل العصر السابق على إبطال الدليل أو التأويل الذي أحدثه أهل العصر الاحق أو ينصوا على صحة كل منهما فإن نصوا على الإبطال لم يجز اتفاقا لأن ذلك يكون فيه تخطئة له وتخطئتهم غير جائزه وإن نصوا على الصحة جاز اتفاقا أما إن سكتوا عنه ولم يقدح أهل العصر اللاحق في دليلهم أوتأويلهم فذلك هو محل النزاع وما ذكره المصنف هو رأي الجمهور وقد منع منه قليلون انظر المحصول \"٢/٦٧\" إحكام الأحكام \"٢/٣٩١\" المعتمد \"٢/٥١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٧٨\".","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الفصل الرابع: في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>مدخل</span>\n...\nفصل: الفصل الرابع: في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط:\nاعلم أن من شروط الإجماع: ظهوره في أهل العصر حتى يعلم به أهل العصر الثاني وقد يكون ظهوره بالقول وقد يكون بالفعل وقد يكون بالقول والفعل جميعا فأما ظهوره بالقول إذا وجد يصح انعقاد الإجماع به وذهب بعض أهل العلم إلى أنه","vol":"2","page":3},{"text":"لا ينعقد بالقول حتى يقترن به الفعل ليكمل في نفسه وهذا ليس بصحيح لأن حجج الأقوال أكثر من حجج الأفعال وإن كان كل واحد منهما إذا انفرد يكون حجة فلا يجب اجتماعهما كما لا يلزم الجمع في الحكم بين دليل الكتاب والسنة وإذا ثبت أن الإجماع على القول يكون حجة فقد يكون الإجماع على القول بوجوده من جميع أهل الإجماع وقد يكون بوجوده من البعض وسكوت الباقين بعد انتشاره فيهم وهذه المسألة اختلف أهل العلم فيها.\nمسألة: إذا قال الصحابي قولا وظهر في الصحابة وانتشر ولم يعرف له مخالف كان ذلك إجماعا مقطوعا به.\nومن أصحابنا من قال: إنه حجة وليس بإجماع قاله أبو بكر الصيرفي وقيل: إن هذا مذهب الشافعي لأنه قال من نسب إلى ساكت قولا فقد افترى عليه وبهذا قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة قاله أبو هاشم وقال القاضي أبو بكر ليس بحجة أصلا وهو مذهب داود وبه قال بعض المعتزلة واختاره أبو عبد الله البصري وقال أبو علي بن أبي هريره: إن كان وجد حكما من بعض الصحابة وانتشر من الباقين لم يعرف له مخالف لا يكون إجماعا وأن كان فتوى وانتشر ولم يعرف له مخالف يكون إجماعا وعكس هذا أبو إسحاق المروزى وقال يكون إجماعا إن كان حكما ولا يكون إجماعا إن كان فتيا١ والأصح هو القول الأول وأما من قال ليس بحجة أصلا\n_________\n١ اعلم أنه اختلف الأصوليون في هذه المسألة على مذاهب خمسة:\nالمذهب الأول: لا يعتبر ذلك إجماعا ولا يكون حجة وهو منقول عن داود الظاهري ومختار الإمام الرازي والبيضاوي.\nوالمذهب الثاني: يعتبر ذلك إجماعا ويكون حجة مطلقا - مات المجمعون أو لم يموتوا وهو مذب الإمام أحمد وأكثر الحنفية.\nوالمذهب الثالث: يعتبر إجماعا ويكون حجة بعد موتهم لا في حياتهم وهو لأبي علي الجبائي.\nوالمذهب الرابع: يعتبر حجة ولا يكون إجماعا لأبي هاشم والجبائي.\nوالمذهب الحامس: إذا كان القول على سبيل الفتوى وسكت الباقون عن إنكاره كان ذلك إجماعا وحجة وإن كان حكما وسكت الباقون عن إنكاره لم يكن إجماعا ولا حجة وهو لأبي علي أبي هريرة من أصحاب الشافعي انظر نهاية السول \"٣/٢٩٤، ٢٩٥\" المحصول \"٢/٧٤\" الإحكام للآمدي \"/٣٦١\" المعتمد \"٢/٦٦، ٦٧\" روضة الناظر \"١٢٣\" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي على نهاية السول \"٣/٢٩٥\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٦٧\".","vol":"2","page":4},{"text":"فاحتج في ذلك وقال: لا يمتنع أن يكون سكوت من سكت لتقية أو هيبة كما روى عن ابن عباس أنه لما أظهر قوله في مسألة العول قيل له: هلا قلت في زمان عمر ﵁ قال: إنه كان رجلا مهيبا وروى أنه قال \"هيبة\"١. وأيضا يجوز أن يكون سكت لأنه لم يتفكر في المسألة لتشاغله بغير ذلك من الاشتغال إن كان فقيها فلعله اشتغل بالفكر في غيره من المسائل لأنها كانت أهم عنده وإن كان إماما فاشتغل بالجهاد وسياسة الناس فلم يوجد في هذه المسألة إلا قول بعض الصحابة ويقول بعضهم لا ينعقد الإجماع وأما من قال: إنه ليس بإجماع لكنه مع ذلك حجة لأن الإمساك عن القول في الحادثة من الممسك يحتمل أن يكون ذلك للارتياب في النظر والاستدلال فلم يجز أن يجعل اعتقاد للساكت فيه إلا أنه مع ذلك حجة لأن الفقهاء في كل عصر يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يظهر مخالف منهم فدل أنهم اعتقدوه حجة وأما علي بن أبي هريرة قال: إذا كان الموجود قضاء من بعض القضاة والحكام فلا يدل السكوت من الباقين على الرضا منهم لأن في الإنكار افتياتا عليه وقال ابن أبي هريرة: ونحن نحضر مجالس بعض الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ينكر ذلك عليهم فلا يكون سكوتنا رضا منا بذلك وأما أبو إسحاق المروزى فقال: إن الأغلب أن الصادر عن الحاكم يكون عن مشورة والصادر عن فتوى يكون عن استبداد ولا يدل ذلك على الإجماع وأما دليلينا فيما اخترناه وهو أن يكون حجة وإجماعا. فنقول أولا: إن قول بعض أهل العصر إذا انتشر في جميعهم وسكت الباقون ولم يظهروا خلافا فإما أن يعلم أن سكوتهم سكون راض أو لا يعلم ذلك فإن علم أن سكوتهم عن رضى بدليل يدل عليه فإنه يكون ذلك إجماعا كما لو قالوا: صريحا رضينا بهذا القول وللرضا أمارات كثيرة بالقول وقد جوز بعضهم وجود العلم بالمذاهب اضطررا فيكون على هذا القول معرفة الرضى أحكم وآكد وأما إذا لم يعلم رضاهم بقوله فإن كان مسألة لا تكليف فيها وليس مما يلزم بالنظر فيه وإنكاره إذا علموا أنه منكر مثل قول القائل: إن عمارا أفضل من حذيفة وأمثال هذا وقول القائل إن زيدا في الدار وعمرو خرج إلى الصحراء فالسكوت من الباقين\n_________\n١ أخرجه الحافظ البيهقي في الكبرى في الفرائض ٦/٤١٤ الحديث ١٢٤٥٧.","vol":"2","page":5},{"text":"في أمثال هذا لا يكون إجماعا وأما إذا كان على الناس من ذلك تكليف وظهر من بعضهم القول في ذلك وانتشر وسكت الباقون يكون ذلك إجماعا واحتج من قال بذلك بأن العادة جرت أن النازلة إذا نزلت فزع أهل العلم إلى الاجتهاد وطلب الحكم فيها وإظهار ما عندهم في ذلك فلما وقعت الحادثة وظهر قول من المجتهد في ذلك وانتشر قوله ولم يظهر خلاف ذلك مع طول الزمان وارتفاع الواقع دل أنهم راضون بذلك وصار رضاهم بهذا الطريق بمنزلة ما لو أظهروا رضاهم بالقول والفعل.\nببينة: أن أهل الإجماع معصومون من الخطأ والعصمة واجبة لهم كما تجب للنبي ﷺ ثم إذا رأى النبي ﷺ مكلفا يقول قولا في أحكام الشرع فسكت عنه كان سكوته تقريرا منه إياه على ذلك ونزل ذلك منزلة التصريح بالتصديق في إبداء ذلك كذلك هاهنا يكون كذلك في حق أهل الإجماع وينزل سكوتهم منزلة التصريح بالموافقة فإن قيل: ولم إذا صار السكوت من الرسول ﷺ تقريرا يكون من أهل الإجماع تقريرا وهذا لأن النبي ﷺ يتلقى ما تلقاه من الوحي ولا عذر له في السكوت إذا كان المفعول متكررا وأما أهل الإجماع فلعلهم سكتوا لأنهم وجدوا الاجتهاد مساغا ومضطربا فكان سكوتهم محمولا على تسويغ ذلك.\nوالجواب: أما الأول: قلنا قد بينا وجه الجمع بين سكوت النبي ﷺ وبين سكوت أهل الإجماع وأما الفرق الذي قالوه فليس بصحيح لأن الرسول ﷺ وإن كان يتلقى ما يتلقاه من الوحي وأهل الإجماع يقولون ما يقولون عن مدارج الظنون لكن إذا لم يوجد من أهل الإجماع إنكار لما ظهر من القول دل أنه عندهم صواب وحق لأنه لو كان خطأ لكانوا قد تطابقوا له على ترك ما يجب من إنكار المنكر وهذا لا يجوز لأن أهل الإجماع قد عصموا عن الخطأ ومن عصم عن الخطأ يكون معصوما أيضا عن التقرير على الخطأ كالنبي ﷺ وإذا ثبت بهذا الطريق أن ذلك القول صواب ثبت أن ما سواه خطأ فإن قالوا إنما سكتوا لأنه من ومسائل الاجتهاد.\nقلنا: إذا اعتقدوا أنه خطأ لا يجوز أن يجمعوا على التقرير عليه على ما سبق فإن قيل أليس لو اجتمع العلماء في المجلس وقام سائل إلى واحد من الحنفيين وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفى بما يوافق مذهبه وسكت الحاضرون على سائر المذاهب يحمل سكوتهم على أنهم سكتوا لأنه قال ما قال في محل الاجتهاد.","vol":"2","page":6},{"text":"والجواب: إن هذا يمكن دعواه في مثل هذه الصورة لأن مذاهب الكل معلومة فلا يكون السكوت للتقرير وإبداء الموافقة وليس مسألتنا في مثل هذه الصورة وإنما مسألتنا في الحادثة تقع بين أهل الاجتهاد ويذكر كل واحد منهم قولا فيه ويظهر في الباقين من علماء الوقت وينتشر ذلك بينهم ولا يظهر إنكارا وكان الفرق بين الصورتين أن في الصورة الأولى إذا كان المذهب معلوما فالإنكار من الباقين كذلك معلوم وإن لم يظهره في ذلك الوقت فكان سكوتهم على ما عرف من قبل لا على إبداء الموافقة أما هنا فلا يمكن حمل السكوت على مثل هذا لأنه لم يعرف من قبل خلاف منهم لذلك والسكوت على مثل هذا بعد أن علموا أنه خطأ لا يجوز فدل أن سكوتهم كان محض الموافقة وعلى أن بعض أهل العلم قد اشترط في هذا شرطا وهو اعتراض من العصر على ذلك يعنى أنه ظهر قوله وانتشر ولم يوجد منكرا واعترض العصر على ذلك وقال من اعتبر هذا الشرط: إن اتجه في حكم العادة سكوت العلماء على قول مجتهد في مسألة ظنه فاستمرارهم على السكوت الزمن المتطاول يبعد بخلاف العادة قطعا لأنه إذا كان يتكرر تذكار الواقعة والخوض فيها فلا يتصور دوام السكوت من كل المجتهدين مع تكرار الواقعة في حكم العادة ولهذا أن ابن عباس أظهر خلافه من بعد في مسألة العول والذين يقولون لعل السكوت لتقية أو هيبة.\nقلنا: ليس هذا مما يدوم على الدهر ولأن المسألة مصورة فيما إذا لم يكن تقية ولا هيبة وفى هذه الصورة يظهر الكلام جدا ولعله يصير من القواطع وأما على الصورة الأولى فالدليل الذي قدمناه دليل مستحكم يستمر على منهاج الأصول ولكنى أقول: إنه لابد من وجود نوع شبهة في هذا الإجماع بالوجوه التي قالها الخصوم فيكون إجماعا مستدلا عليه ويكون دون القواطع من وجوه الإجماع في المسائل التي قدمناها إلا أنه مع هذا لابد من تقديم هذا على القياس فإن قال قائل: قد انتشر قضاء عثمان في ميراث المبتوتة وهو قصة عبد الرحمن بن عوف بطلاقه امرأته آخر تطليقاتها الثلاث وكذلك قتل الحسين بن على ابن ملجم قصاصا مع وجود الورثة الصغار وانتشر كلا الأمرين في الصحابة ولم يكن مخالف ومع ذلك لم يقدموا ذلك على القياس.\nقلنا: أما ميراث المبتوتة فقد ذكرنا أن عبد الرحمن بن عوف مخالف وقد نقلنا قولا عنه يدل على ذلك وأيضا فإن ابن الزبير قد خالف ولم يكن انقرض عصر","vol":"2","page":7},{"text":"الصحابة وأما قتل الحسين بن على ابن ملجم فإنه على أى جهة قتله كلام كبير وأيضا فإن الصحابة قد كانوا في هذا الوقت تفرقوا تفرقا عظيما واعتزل جماعة من وجوههم وكفوا قولهم وفعلهم والحادثة وقعت بالكوفة وأكثر الصحابة بالحجاز ومما يضم إلى هذا أن الحكم الصادر من الأئمة لا يماثل الفتوى الصادرة من المفتين وحفظ الأدب في ترك الاعتراض على الأئمة فإنه ليس للعلماء إذا جرى قضاء من قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه نفوذ قضائه وقد ذكرنا عن ابن أبي هريرة ما ذكرناه في الفرق بين الحاكم والمفتى وهو تفريق حسن فلا بأس به في هذا المكان وهو نافع جدا في صورتى الإيراد في مسألة المبتوتة ومسألة استيفاء القصاص مع وجود الصغار في الورثة وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا الإجماع فيما إذا وجد القول المنتشر من أحد الصحابة في سائر الصحابة فأما في التابعين ومن بعدهم فلا ولا يعرف فرق صحيح بين الموضعين والأولى التسوية بين الجميع وقال بعض أصحابنا: إن إمساك الناس من إظهار الخلاف إنما يدل على الإجماع إذا كان في شئ يفوت استدراكه من إراقة دم واستباحة فرج فيدل سكوتهم على أن القول صواب وحق لأنهم لو اعتقدوا خلافه لما جاز لهم السكوت عليه وهو منكر لا يمكن استدراكه وأما الذى يمكن استدراكه فلا يكون سكوت الباقين دليلا على الإجماع والأولى أن لا يشتغل بهذا التفريق لأنه ليس فيه كثير معنى والمسألة في غاية الإشكال من الجانبين وقد ذكر القاضي أبو الطيب في كتاب الإجماع في هذه المسألة ترتيبا في الاستدلال استحسنته فأوردته ويدخل فيه الجواب على خلافهم قال: الدليل على ثبوت الإجماع مبنى على أصلين أحدهما: أن أهل العصر لا يجوز إجماعهم على الخطأ والثاني: أن الحق واحد وما عداه باطل وإذا ثبت هذان الأصلان فلا يخلوا القول الذي ظهر من أن يكون حقا أو باطلا فإن كان حقا وجب اتباعه والعمل به وإن كان باطلا فلا يخلو سائر العلماء من أربعة أحوال: إما أن لا يكونوا اجتهدوا أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شئ يجب اعتقاده أو أدى إلى صحة الذي ظهر أو خلافه ولا يجوز أن لا يكونوا اجتهدوا لأن العادة مخالفة لهذا لأن النازلة إذا نزلت فالعادة أن كان أهل الاجتهاد يرجعون إلى النظر والاجتهاد ولأن هذا يؤدى إلى خروج الحق عن أهل العصر بعضهم بترك الاجتهاد وبعضهم بالعدول عن طريق الصواب وهذا لا يجوز لأنهم لا يجتمعوا على الخطأ ولا يجوز أن يقال: أنهم اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شئ","vol":"2","page":8},{"text":"يجب اعتقاده لأن ذلك يؤدى إلى خفاء الحق على جميع الأمة وهذا محال ولأن طريق الحق ظاهر فلا يجوز أن تخفى على جميع الأمة فإن قالوا: إنهم كانوا في مهلة النظر. قلنا: هذا ظن يحيد بكل أهل الإجماع وعلى ذلك لا يتصور امتداده إلى أن ينقرض العصر ولا يجوز أن يقال: إنهم اجتهدوا فأدى اجتهادهم إلى خلافه إلا أنهم كتموا لأن إظهار الحق واجب لا سيما مع ظهور قول هو باطل عندهم والتعلق بالتقية والهيبة تعلق باطل لأنهم كانوا يظهرون الحق ولا يهابون أحدا ولهذا ردت امرأة على عمر بن الخطاب ﵁ في المغالاة في الصداق حتى قال عمر: امرأة خاصمت رجلا فخصمته١ وقال عبيده السلماني: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة فقد كانوا يحتشمون من إظهار الخلاف لأنهم كانوا يعتقدون منهم فيقولون الحق وأما ابن عباس فقد كان صغيرا في زمانهم فلعله احتشم لصغره وعلى أنه قد أظهر من بعده. قال القاضي أبو الطيب: وإذا بطلت٢ هذه الوجوه دل أنهم إنما سكتوا لرضاهم بما ظهر من القول فصار كالنطق فإن قال قائل: إنما سكتوا لأنهم اعتقدوا أن كل مجتهد مصيب قلنا لم يكن من الصحابة من يعتقد ذلك وسنبين إن شاء الله تعالى.\nمسألة: قد ذكرنا حكم القول المنتشر فإما القول الواحد من الصحابة إذا لم ينتشر إلا أنه لم يعرف له مخالف فلا يكون إجماعا لأنهم لم يعرفونه فيعتبر قوله أو ينكرونه٣ وأما الكلام في كونه حجة فإن كان موافقا للقياس فهو حجة إلا أن الأصحاب اختلفوا فقال بعضهم: إن الحجة في القياس وقال بعضهم: إن الحجة في قوله وأما إذا كان بخلاف القياس أو كان مع الصحابى قياس خفى والجلى بخلاف قوله: فقد اختلف قول الشافعي في هذا. قال في القديم: قول الصحابي أولى من القياس وهو قول أبى حنيفه وأحمد وجماعة وقال في الجديد القياس أولى٤\n_________\n١ أخرجه الحافظ البيهقي في الكبرى في الصداق \"٧/٣٨٠\" الحديث \"١٤٣٣٦\".\n٢ في الأصل \"بطل\".\n٣ قال الآمدي: اختلفوا فيه والأكثر على أنه ليس بإجماع وهو المختار انظر إحكام الأحكام للآمدي \"٣/٣٦٥\" انظر المحصول \"١/٧٦\" انظر نهاية السول \"٣/٣٠٢\" المعتمد \"٢/٧١\".\n٤ اعلم أنهم اختلفوا في اعتبار مذهب الصحابي حجة على غير الصحابي كاتابعين ومن بعدهم من باقي المجتهدين على مذاهب ثلاثة:\nالأول: حجة مطلقا خالف القياس أو وافقه- وإلى ذلك ذهب مالك وأبو بكر الرازي من الحنفية والشافعي في أحد قوليه والإمام أحمد في بعض الروايات عنه:\nالثاني: ليس \"حجة مطلقا وهو مذهب جمهور الأشاعرة والمعتزلة والشافعي في أحد قوليه والكرخي.\nالثالث: حجة إن خالف القياس وليس حجة إن وافقه انظر نهاية السول \"٤/٤٠٧، ٤٠٨\" إحكام الأحكام للآمدي \"٤/٢٠١\" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٩٢\".","vol":"2","page":9},{"text":"واحتج من قال بالأول بقوله ﷺ: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\"١ فقد جعل المقتدى بالصحابة مهتديا ولا يجوز العدول عن الاهتداء ولأن الصحابي إنما يحكم في شئ خبرا كان أو قياسا فإن كان عن خبر فالقياس متروك له وإن كان قياسا فإن الذي بان به من الفضيلة عن غيره وتميز عن من سواه من مشاهدة الرسول ﷺ وحضوره نزول الوحى عليه ومعرفة مخارج كلامه يرجح قياسه على غيره فكان قوله أولى من القياس المجرد أما وجه القول الجديد هو أن القياس أصل من أصول الدين ودليل من أدلة الشرع والعمل به عند عدم النص واجب والدليل عليه خبر معاذ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال له: \"فإن لم تجد في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله\" قال: أجتهد رأيى\"٢ والصحابي غير مأمون من الخطأ فيما يقوله فلو كان عنده خبر من الرسول لأظهره لأنه كان مأمورا بالتبليغ فلما لم ينسب القول مما حكم به إلى النبي ﷺ دل أنه إنما قال استنباطا وقد بينا أنه غير معصوم من الخطأ فيلحقه في الاجتهاد ما يلحق غيره من السهو والغلط وقد كانوا يرون في الحوادث آراء ثم يرجعون عنها لدليل يلوح لهم هو أقوى من الأول وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم يكن مجرد قول الصحابي حجة إلا أن الحادثة إذا تنازعها أصلان جاز أن يغلب أحدهما بموافقة قول الواحد من الصحابة كما قد يغلب أحد القياسين على الآخر بكثرة الأشباه وأيضا فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فالمراد به رد الحكم إلى الكتاب والسنة وهو رد إلى الله وإلى رسوله وأما\n_________\n١ ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص وقال: أخرجه عبد بن حميد في مسنده عن ابن عمر وفيه حمزة ضعيف جدا والدارقطني في غرائب مالك عن جابر وفيه جميل بن يزيد لا يعرف ولا أصل له في حديث مالك ولا من فوقه وذكره البزرا عن عمر وفيه عبد الرحيم ابن زيد العمى كذاب ومن حديث أنس أيضا وإسناده واهي انظر تلخيص الحبير \"٤/٢٠٩- ٢١٠\" ح \" ١٥\".\n٢ أخرجه أبو داود: الأقضية \"٣/٣٠٢\" ح \"٣٥٩٢\" والترمذي: الأحكام \"٣/٦٠٧\" ح \"١٣٢٧\" وأحمد: المسند \"٥/٢٧٢\" ح \"٢٢٠٦٨\".","vol":"2","page":10},{"text":"تعلقهم بقوله ﷺ: \" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ١ \"قلنا: هذا أمر من لم يكن في زمن الصحابة من أهل الاجتهاد بتقليد الصحابة لأن من كان من أهل الاجتهاد في الصحابة لا يجوز أن يأمره بتقليد مثله وأيضا فإن الاقتداء بهم هو الرجوع إلى المعاني المستنبطة من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ وأما الذي قالوه من بعد قلنا: أما دعوى التوقيف وأن الصحابى قال ما قال عنه بعيد لما بيناه وأما قوله إن اجتهاده يكون أقوى فلا يصح لأنه يجوز أن يسمع هو من النبي ﷺ ويكون غيره أعلم بمعناه وقصده ألا ترى أن النبي ﷺ قال: \" نضر الله امرأ سمع مقالتى فبلغها غيره فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه\" ٢ \"ولأنه لو كان ما قالوه صحيحا وجب على من لم تطل صحبته للنبي ﷺ أن يقلد من طالت صحبته لأنه يكون من طالت صحبته أبصر بمعانى كلام النبي ﷺ ومقاصده لطول صحبته له واستبراء أحواله وكثرة اهتدائه إلى معانيه في أقواله وأفعاله ما لم يهتد من قلت صحبته وربما رآه رؤية أو سمع حديثا من أحاديثه وحين لم يقل أحد ما ألزمناهم عرفنا أن ما قالوه ساقط وقد قال بعض أصحاب أبى حنيفة: أنه إذا قال الصحابي قولا يخالف القياس يحمل على أنه قاله عن النبي ﷺ: لأن الظاهر أنه لم يعدل عن القياس مع النفوذ في معرفة القياس وطريقه إلا بسنة عرفها عن النبي ﷺ\nوالجواب: إن يكن حسبان فاسد وظن بعيد لأنا بينا أنه لو كان عنده خبر لرواه وما كان من عاداتهم الكتمان. بل كان طريقهم التبليغ على ما أمروا به فأما الذي قالوه قلنا إنما يجب علينا أن نحمل قولهم على أنهم قالوه عن النبي ﷺ إذا كان لا يجوز عليه الخطأ فأما إذا جاز عليهم الخطأ فلا يجب علينا أن نثبت خبرا عن النبي ﷺ بالشك ولو جاز هذا في الصحابة جاز في التابعى. أيضا وسائر الأمة فيقال: إذا ذهب الواحد منهم إلى خلاف القياس يحمل أمره على أنه قال ذلك لأنه سمع خبرا عن النبي ﷺ إلا أنه لم يظهره وكل ما يمكن أن يكون في الصحابى يمكن أن يقال في التابعى أيضا فدل أن ما ظنوه باطل والله أعلم\nفصل\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه أبو داود: العلم \"٣/٣٢١\" ح \"٣٦٦٠\" والترمذي: العلم \"٥/٣٤\" ح \"٢٦٥٧- ٢٦٥٨\" وابن ماجه: المقدمة \"١/٨٤\" ح \"٢٣٠- ٢٣٢\" والدارمي: المقدمة \"١/٨٦\" ح \"٢٢٨- ٢٣٠\" بنحوه.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>فصل: وأما انعقاد الإجماع بالفعل فكل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد به الاجماع</span>.\nكما أن ما لم يخرج من أفعال الرسول ﷺ مخرج الشرع لم يثبت به الشرع وأما الذي خرج من الأفعال مخرج الحكم والبيان يصح أن ينعقد به الإجماع لأن الشرع يوجد من فعل الرسول ﷺ كما يوجد من قوله فإن اجتمع القول والفعل فلا شك في انعقاد الإجماع لأنه إذا انعقد الإجماع فكل واحد منهما على الانفراد منهما أولى.\nمسألة: اتفاق أهل الإجماع شرط في انعقاد الإجماع وإن خالف واحد أو اثنان ينعقد الإجماع.\nوقال محمد بن جرير الطبرى: ينعقد ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين. وقيل: إنه قول أحمد بن حنبل ﵁ وهو قول بعض المعتزلة ويقال: إنه قول أبى الحسين الخياط أستاذ الكعبى١ واستدل من قال بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وبقوله ﷺ: \"لا تجتمع أمتى على الضلالة\" ٢ \"قالوا: وهذه الأشياء حقيقة تتناول جميع المسلمين وجماعة الأمة وإن شذ منهم الواحد فخرج منهم كما أن الإنسان يقول رأيت بقرة سوداء [وإن] ٣ كان فيها شعيرات بيض ويقول أكلت منها رمانة وإن سقطت منها حبة وتعلقوا بقوله ﷺ: \"عليكم بالسواد الأعظم\"٤ وأهل العصر كلهم إلا الواحد والاثنين\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٣/٣٠٥، ٣٠٦\" لنظر المحصول \"٢/٨٥\" انظر إحكام الأحكام \"١/٣٦٦\" روضة الناظر \"١٢٤\" المعتمد \"٢/٢٩\" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٧١\".\n٢ أخرج الترمذي: الفتن \"٤/٤٦٦\" ح \"٢١٦٧\" عن ابن عمر وقال: هذا حديث غريب: وابن ماجه: الفتن \"٢/١٣٠٣\" ح \"٣٩٥٠\" عن أنس وقال في الزوائد: في إسناده أبو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف. وانظر تلخيص الحبير \"٣/١٦٢\" ح \"٨\".\n٣ ثبت في الأصل \"فإن\".\n٤ أخرجه ابن ماجه: الفتن \"٢/١٣٠٣\" ح \"٣٩٥٠\" وإسناده ضعيف عن أنس وأحمد: المسند \"٤/٣٤٠\" ح \"١٨٤٧٩\" عن النعمان بن بشير.","vol":"2","page":12},{"text":"هم السواد الأعظم فلأن الواحد من أهل العصر إذا خالف من سواه من أهل العصر يوصف بالشذوذ وذلك اسم ذم فلو كان يعتد بخلافه معهم لم يوصفوا باسم الذم ولهذا أنكرت الصحابة على ابن عباس ﵁ مقالته في الربا قالوا: ولأن الناس يقولوا في خلافة أبى بكر ﵁ على الإجماع وقد خالف في ذلك جماعة منهم سعد بن عبادة.\nوقال سلمان: كردن ونقلوا عن على ﵁ أنه وقف عن البيعة مدة ومع ذلك لم يعتد بخلاف هؤلاء ولأن خبر الجماعة مقدم على خبر الواحد وكذلك قول الجماعة مقدم على قول الواحد وأما دليلنا أن الإجماع هو الحجة بالدلائل السمعية على ما سبق وإذا خالف الواحد أو الاثنان فقد فقد الإجماع ففقدت الجماعة والدليل على أن الإجماع قد فقد بخلاف الواحد والاثنين لأن دليل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] والألف واللام لاستغراق الجنس فظاهر الآية اقتضى جميع المؤمنين وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فتناول جميع الأمة وكذلك قوله ﷺ \"لا تجتمع أمتى على الضلالة\" ١ تتناول جميعهم وإذا خالف مخالف وأن كان قليلا فقد فقد اجتماع الأمة وصار القول من بعض الصحابة دون البعض.\nببينة: أنه إذا كثر المخالف امتنع انعقاد الإجماع فكذلك إذا قل المخالف يمتنع أيضا بعد أن يكون من أهل الاجتهاد وهذا لأن القلة لا تمنع من الإصابة ويجوز أن يصيب القليل ويخطئ الكثير قال الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقال تعالى أيضا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠] فثبت بما قلنا: أن قلة العدد لا تمنع من إصابة الصواب وكثرة العدد لا تؤمن من الخطأ يدل عليه أن الإجماع لو انعقد مع خلاف الآحاد لوجب على المجمعين أن ينكروا على من خالفهم من الآحاد كيلا يتبعوا غير سبيل المؤمنين وقد أقرت الصحابة على خلافهم كما أقروا ابن عباس وإن كان قد تفرد بالخلاف في القول وقد تفرد هو أيضا بمسائل في الفرائض خالف سائر الصحابة وكذا ابن مسعود وقد أقر على ذلك ولأن أبا بكر قد\n_________\n١ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":13},{"text":"كان يخالف جميع الصحابة في قتال مانعى الزكاة وقد كانوا يشيرون ببعض المفارقة ثم إنه يبين لهم أن الحق معه واتفقوا على قتالهم فإن قيل: قد تفرد قوم من الصحابة بأشياء لم يعتدوا بذلك. وأثبتم الإجماع مع وجود ذلك الخلاف مثل خلاف حذيفة في وقت السحور وخلاف ابن أبى طلحة في أكل البرد في حال الصوم١. وقوله: إنه لا يفسده وكذلك خلاف ابن عباس في جواز ربا الفضل٢ قلنا نحن إنما نعتد بخلاف الواحد إذا لم يكن على خلاف النص فأما إذا كان بخلاف النص فلا يعتد بخلافه ويحكم بانعقاد الإجماع معه وعلى هذا خلاف حذيفة فإنه مخالف النص وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذلك خلاف ابن أبى طلحة لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والصيام هو الإمساك ولا يوجد الإمساك مع أكل البرد وعلى هذا خلاف ابن مسعود جميع الصحابة رضوان الله عليهم في الفاتحة والمعوذتين في ترك إثباتهن في المصحف٣ وخلاف أبى بن كعب في إثبات سورتى القنوت٤ وقد أنكر عليهما سائر الصحابة ذلك وكذلك خلاف ابن عباس في الربا وليس ما اختلفنا من جملة ذلك أما الجواب عن كلماتهم أما الكلام الأول: قلنا أما أسماء الجمل والعموم لا يتناول الأكثر إلا مجازا ألا ترى أنه يجوز أن يقال في الأمة إلا الواحد: ليس هؤلاء كل المؤمنين ولا كل الأمة فعلمنا أن اسم الكل لا يتناول إلا الجميع والذي قالوا من اسم البقرة السوداء وقولهم أكلت الرمانة فليس ذلك بحقيقة وإنما هو على طريق المجاز ويجوز أن يقال إنما حسن أن يقول: \"أكلت الرمانة\" وإن سقطت منها حبات أو يقول: رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض لأجل العادة فإنه في العرف يقال: أكلت\n_________\n١ قال الشيخ النووى: وحكاه أصحابنا عن الحسن بن صالح وبعض أصحاب مالك أنه لا يفطر بذلك قال: وحكوا عن أبي طلحة أنه كان يتناول البرد وهو صائم ويبتلعه ويقول: \"ليس بطعام ولا شراب\" انظر شرح المهذب \"٦/٣٤٠\".\n٢ قد ذكر ابن قدامة المقدسي قول ابن عباس وأسامة بن زيد وأرقم وابن الزبير وقال: إن ابن عباس قد رجع إلى قول الجماعة روى ذلك الأثرم بإسناده وقاله الترمذي وابن المنذر وغيرهم انظر المغني لابن قدامة \"٤/١٢٣\" قال الإمام الترمذي: وقد روى عن ابن عباس أنه رجع عن قوله حين حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ انظر سنن الترمذى \"٣/٥٣٤\".\n٣ انظر الإتقان للسيوطي \"١/١٨٢- ١٨٣\".\n٤ انظر الإتقان للسيوطي \"١/١٨١- ١٨٢\".","vol":"2","page":14},{"text":"الرمانة وإن سقطت منها حبات ويقال في العرف: رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض فخرج الأقل من الكلام بالعرف وليس إذا نقل العرف من ذلك يجب أن ينقل غيره من الأسماء وأما تعلقهم بقوله ﷺ \"عليكم بالسواد الأعظم\"١ قلنا السواد الأعظم جميع أهل العصر ولو كان المراد منه الأكثر لدخل تحته النصف من أهل العصر إذا نادوا على النصف الآخر بواحد أو اثنين أو ثلاثة وأما قوله: يوصف الواحد إذا خالف بالشذوذ قلنا لا نسلم أنه يطلق عليه هذا الاسم إلا إذا خالف بعد ما وافق. وأما قولهم: إنهم أنكروا على ابن عباس خلافه في الربا قلنا إنما أنكروا عليه لأجل خبر أبى سعيد لا لأجل مخالفته بقية الصحابة. وأما بيعة أبى بكر قلنا لا يثبت خلاف أحد أما سعد بن عبادة قد كان يظن أن للأنصار حقا في الخلافة وكذلك جماعة من الأنصار كانوا على هذا فلما روى أبو بكر ﵁ ما روى رجعوا عنه وقول سلمان هو من حكاية الروافض فلا يثبت إليه وأما قولهم إن عليا امتنع من بيعة أبى بكر ﵄ إلى مدة قلنا الأصح أنه بايع وقد روى ذلك في بعض الروايات الصحيحة وعلى أنه إن روى ما قالوه من تأخير البيعة فرواية المثبت أولى من رواية النافى وأما استدلالهم بالخبر المتواتر ففيه جوابان: أحدهما: أن التواتر يقتضى القطع بالصدق ولا يقتضى القطع بالحق وأما الإجماع يقتضى القطع بالحق فمن أين أنه إذا أخبر جماعة يقتضى القطع بالصدق ما يوجب أن يكون قولهم يقتضى القطع بالحق لأن أخبار التواتر توجب العلم الضرورى على ما سبق وذلك علم يمكن للإنسان دفعه عن نفسه بخلاف خبر الواحد لأنه لا يوجب العلم الضرورى: ألا ترى أنه يمكن للإنسان دفعه عن نفسه وأما ها هنا فهو اجتهاد وغير يمتنع إصابة الأقل للصواب وأخطأ الأكثر لأن الإصابة ها هنا بالتوفيق ولا يمتنع أن يوفق الله الأقل ويحرم الأكثر قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] .\n_________\n١ تقدم تخريجه وانظر كشف الخفاء للعجلوني \"٢/٥٦٩\" - \"٣٢٢٣\".","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>فصل: ومن شروط الإجماع أن يقيم أهل الإجماع على ما أجمعوا عليه ولا يرجعوا عنه:</span>\nفإن ظهر فيهم رجوع عما أجمعوا عليه فقد قال بعضهم: يجوز أن يرجع عنه بعضهم ولا يجوز أن يرجع عنه جميعهم لأن رجوع جميعهم يمنع أن يكون الحق فيما أجمعوا عليه ومنهم من قال: لا يجوز أن يرجع لا جميعهم ولا بعضهم لأن إجماعهم قد تبين الحق فيما أجمعوا عليه وانتفى عنه الخطأ وإذا تعين لم يجز الرجوع لأنه إذا جاز الرجوع تبين أن الإجماع انعقد على الخطأ ومنهم من قال: يجوز أن يرجع عن جميعهم ويجوز أن يرجع عن بعضهم وهذا صحيح على قول من يجعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع١ وسنبين ذلك والأصح أنه لا يجوز الرجوع عنه بحال لما سبق بيانه والله أعلم.\nمسألة: انقراض العصر ليس بشرط في صحة انعقاد الإجماع في أصح المذاهب لأصحاب الشافعي.\nومن أصحابنا من قال: إن انقراض العصر شرط ومنهم من قال: إن كان قولا من الجميع لم يشترط انقراض العصر وإن كان قولا من بعضهم وسكوتا من الباقين اشترط فيهم انقراض العصر وقال بهذا أبو إسحاق الإسفراينى ولأصحاب أبى حنيفة فيه اختلاف أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا: إنه ينعقد قبل انقراض عصره فيما لا مهلة له فلا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج ولا ينعقد فيما اتسعت له المهلة وأمكن استدراكه إلا بانقراض العصر٢ واحتج من قال: إن انقراض\n_________\n١ وهو مذهب الإمام والأستاذ أبو بكر بن فورك. انظر إحكام الأحكام للآمدي \"١/٣٦٦\".\n٢ اعلم أن انقراض المجمعين: معناه موتهم من غير أن يوجد منهم مخالفة.\nوقد ذهب أكثر الأصوليين إلى أن موت المجمعين ليس شرطا في صحة الإجماع بل يكون صحيحا وحجة فيحرم على أحدهم المخالفة بعد الإجماع كما يحرم على غيرهم ذلك.\nوقال أبو بكر بن فورك وأحمد بن حنبل: إن انقراضهم شرط في صحة سماعهم فيجوز لكل منهم الرجوع ما دام حيا متى ظهر له خلاف ما أجمعوا عليه فإذا ماتوا جميعا ولم توجد مخالفة كان الإجماع منعقدا وصار حجة على من بعدهم.\nوقال إمام الحرمين: إن انقطع المجمعون بالجكم لم يكن موتهم شرطا وإن لم يقطعوا به =","vol":"2","page":16},{"text":"العصر شرط بأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يرى التسوية في القسم ولم يخالفه أحد من الصحابة ثم خالفه عمر لما صار الأمر إليه وفضل في القسم وصحت هذه المخالفة لأن العصر كان لم ينقرض على الأول وكذلك رأى عمر أن لا تباع أمهات الأولاد١ ووافقه عليه الصحابة. ثم إن عليا رضي الله عنه٢ خالفه من بعد وهذا لأن الإجماع لا يستقر قبل انقراض العصر لأن الناس يكونون في حال تأمل وتفحص فوجب وقوفه على انقراض العصر ليستقر. وأما دليل من قال: إنه ليس بشرط قول الله ﷿: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقال النبي ﷺ: \"لا تجتمع أمتى على الضلالة \" ٣ وكل هذه الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع فإذا وجد الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل.\nببينة: أن هذه الدلائل توجب الرجوع إلى مجرد الإجماع لأنه لم تدل هذه الدلائل على غيره فإذا وجد وجب أن يحكم بكونه حجة ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون الدليل هو انقراض العصر أو الاتفاق بشرط انقراض العصر أو مجرد الاتفاق والأول باطل لأنه يقتضى أن العصر إذا انقرض بدونه أن يسبقه اتفاق أن يكون حجة وهذا لا يقول به أحد وأما الثانى فباطل أيضا لأنه يقتضى أن يكون لموتهم تأثير في كون قولهم حجة وذلك لا يجوز أيضا كما لا يكون لموت النبي ﷺ تأثير في كون\n_________\n= وأسندوه إلى ظنهم فلا بد من تطاول الزمن. ماتوا أو لم يموتوا.\nوفصل الآمدي فقال: إن كان الإجماع قولا أو فعلا من الجميع لم يكن موتهم شرطا وانعقد الإجماع بمجردالفعل أو القول من الجميع وليس لواحد منهم الرجوع والمخالفة وإن كان الإجماع قولا من البعض وسكوتا من الباقي كان موتهم شرطا وصح لمن سكت أن يخالف.\nانظر نهاية السول \"٣/٣١٥، ٣١٦\" انظر المحصول \"٢/٧١\" إحكام الأحكام للآمدي \"١/٣٦٦\" المعتمد \"٢/٤١، ٤٢\" فواتح الرحموت \"٢/٢٤٤\" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي على نهاية السول \"٣/٣١٥\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٧٥، ١٧٦\".\n١ وهو مذهب مالك وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأصحاب الراي والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقد احتجوا بأن عمر منع من بيعهن انظر الأشراف لابن المنذر \"٢/٢١٣\".\n٢ ذكره المنذر قول علي وابن عباس ﵄ انظر الأشراف لابن المنذر \"٢/٢١٣\".\n٣ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":17},{"text":"قوله حجة وإذا بطل الوجهان ثبت الثالث.\nودليل آخر أنا لو اعتبرنا انقراض العصر لم ينعقد إجماع ما لأنه قد حدث قوم من التابعين في زمان الصحابة كانوا من أهل الاجتهاد وشرط انقراض العصر يجوز مخالفتهم لهم لأن العصر ما انقرض ويجب على هذا انقراض عصر التابعين ومعلوم أنه لا ينقرض عصرهم إلا من بعد أن يحدث من تابعهم من هو من أهل الاجتهاد ويجوز لهم أن يخالفوا التابعين ثم يعتبر انقراض عصر تابعى التابعين ثم كذلك القول في كل عصر إلى قيام الساعة فلم يتصور على هذا انعقاد الإجماع في عصر ما وهذا باطل فيكون شرطا ما يؤدى إليه باطلا ولقائل أن يقول على هذا إنه لا يمتنع أن يكون المعتبر هو انقراض عصر من كان مجتهدا عند حدوث الحادثة لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اعتبار عصر التابعين إن أحدث منهم مجتهد بعد حدوث الحادثة والمعتمد أن الدليل قد قام أن الإجماع حجة وقد وجد الإجماع فوجب الحكم لقيام الحجة من غيره اعتبار انتظار لا انقراض العصر أو غير ذلك.\nببينة: أنا لو اعتبرنا انقراض العصر جوزنا أن يكون الأمة حين أجمعت على الخطأ وقد دللنا على أن هذا لا يجوز.\nوأما الجواب عما تعلقوا به. أما الأول: قلنا قد كان عمر خالف أبا بكر ﵁ في زمانه وناظره وقال: أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل في الإسلام كرها. فقال أبو بكر ﵁ إنما عملوا لله فأجرهم على الله وإنما الدنيا بلاغ ولم يروا أن عمر ﵁ رجع إلى قول أبى بكر ﵁ فالظاهر أنه كان يرى التفضيل في زمان أبى بكر فلما صار الأمر إليه فضل على ن كان يعتقده وأما الذى تعلقوا به من فضل أمهات الأولاد قلنا قد روى عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يرون بيع أمهات الأولاد ومنهم جابر بن عبد الله وغيره١ فلم يكن وجد الاتفاق في زمان عمر ﵁ وأما قول عبيدة السلمانى: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك ليس فيه دليل على أنه قد كان وجد الإجماع بل يدل على أنه قد كان على قول عمر ﵁ جماعة وليس كل جماعة يكون إجماعا وإنما اختار عبيدة أن ينضم قول على إلى قول عمر ﵄ لأنه يرجح قول\n_________\n١ قال ابن المنذر: وقال جابر وأبو سعيد الخدري: كنا نبيعهن على عهد رسول الله ﷺ انظر الأشراف لابن المنذر \"٢/٢١٣\".","vol":"2","page":18},{"text":"الأكثر على قول الأقل وأما قولهم إن الإجماع لا يستقر إلا بانقراض العصر قلنا إن أرادوا بنفى الاستقرار نفى كونه حجة فذلك نفس المسألة وإن أرادوا أنه لا ينعقد إلا بعد انقراض العصر فليس بشئ لأن الانعقاد إنما يكون باتفاق الأمة من غير خلاف وإنما اختلفوا أنه مع وجود هذا الانعقاد هل يكون حجة أم لا وأما الذى قالوه أنه حال تأمل وتفحص قلنا المسألة فيما إذا قطعت الأمة على الاتفاق إلا أن أهل العصر لم ينقرضوا عليه والناظر المتأمل غير والقاطع على الشئ غير والإنسان إذا أخبر عن نفسه أنه يعتقد فهو بخلاف ما إذا أخبر عن نفسه أنه متأمل متوقف وقد قال بعض أصحابنا ﵏ إنهم إن أسندوا الإجمع إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم ما لم يتطاول الزمان بذلك وإن كان اتفاقهم لا عن اجتهاد بل عن أصل مقطوع به فإنه يتم الإجماع في الحال وهذا الفرق لا يصح لأنه لا يعرف إلى أى شئ أسندوا الإجماع ولو عرف أنهم أسندوا اتفاقهم إلى دليل مقطوع به فيكون حجة ذلك الدليل لا غير والأصح ما قدمناه بالدليل الذى اعتمدنا عليه.\nمسألة: إذا أدرك التابعى عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد اعتبر رضاه في صحة الإجماع.\nومن اصحابنا من قال: لا يعتبر١ واعلم أن هذا الخلاف فيما إذا بلغ التابعى رتبة الاجتهاد ثم أجمعوا على حكم خالفهم فيه التابعى فأما إذا تقدم الإجماع على قول التابعى فإنه يكون التابعى محجوجا بذلك الإجماع وأما الذين قالوا: إنه لا يعتد بخلاف التابعى مع الصحابة تعلقوا من ذلك بأن الصحابة قد اختصوا بلقاء الرسول ﷺ ومعرفة التأويل والتنزيل والعلم بسبق الدين ووجوه الدلالة وطريق الاجتهاد فصار غيرهم من التابعين إذا أجتمعوا معهم بمنزلة العامة مع علماء الدين لا يعتد بخلافهم وقد أنكرت عائشة على أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخوله فيما بين الصحابة ومنازعته عبد الله بن عباس وقالت: أراك كالفروخ يصيح مع الديكة٢ وعن\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٣/٣٢٣، ٣٢٤\" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي \"٣/٣٢٣\" إحكام الأحكام للآمدي \"١/٣٦٨\" المحصول \"٢/٨٣\" فواتح الرحموت \"٢/٢٢١\" المستصفى \"١/١٨٥\" المعتمد \"٢/٣٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٧٩\".\n٢ أخرجه مالك في الموطأ: الطهارة \"١/٤٦\" ح \"٧٢\".","vol":"2","page":19},{"text":"على: أنه نقض الحكم على شريح١ حين قضى بين ابنى عم أحدهما الأخ لأمه وكان جعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم فنقض عليه وأما دليلنا فلأنه من أهل الاجتهاد وقت وقوع الحادثة فيعتبر خلافه ولا ينعقد الإجماع دون قوله: دليله إذا كان صحابيا وهذا لأن العبرة بالعلم دون الصحبة بدليل أن من كان من الصحابة غير مجتهد لا يعتبر اتفاقه لانعقاد الإجماع ولأن الصحابة أقروا التابعين على الفتوى في زمانهم وقد كان على ﵁ قلد شريحا قضاء الكوفة فقضى برأيه وعلى بها لا ينكر وكان سعيد بن المسيب يفتى بالمدينة زمن الصحابة وعطاء بن أبى رباح بمكة وأصحاب ابن مسعود كانوا يفتون بالكوفة في زمن الصحابة وكذلك الحسن البصرى وجابر بن زيد كانا يفتيان بالبصرة زمن الصحابة وروى أن ابن عباس ﵁ وأبا سلمة بن عبد الرحمن اختلفا في عدة المبتوته عنها زوجها إذا كانت حبلى فقال ابن عباس تعتد بأبعد الأجلين وقال أبو سلمة: إذا وضعت حملها حلت فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخى٢ يعنى أبا سلمة ولم ينكر أحد قول أبى سلمة [وهو] ٣ خلاف لابن عباس وقد قال أبو هريرة: أنا معه وأما الذي ذكره من قول عائشة ﵂ في هذه القصة قلنا قد نقلنا عن أبى هريرة تصويبه وعلى أنه ليس في قول عائشة ما يدل على أن خلاف التابعين لا يعتد به مع الصحابة ويجوز أنه كان رفع صوته على ابن عباس وادعى منزلته وطلب مساواته فانكرت عائشة ذلك وأما خبر على في نقضه قضاء شريح قلنا: هذا لا يعرف وكيف؟ وقد كان ولاه قضاء الكوفة وكان يقضى برأيه وعلى بها وعلى أنه يحتمل أن يثبت ذلك أنه إنما كان يقضى لأنه كان سبقه الإجماع في المسائل قبل أم يدرك شريح زمان الاجتهاد وأما قولهم إن الصحابة يكونون أعلم بالاحكام قلنا قد يكون أعلم وقد لا يكون والدليل على هذا أن أنسا كان يحيل بالمسائل على الحسن البصرى وكان عمر بن يحيل على ابن المسيب وقد قال ﷺ: \"رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه\" ٤\n_________\n١ أخرجه الحافظ اليهقي في الكبرى في الفرائض \"٦/٣٩٣\" ح \"١٢٣٧٧\" - \"١٢٣٧٨\".\n٢ أخرجه البخاري: التفسير \"٨/٥٢١\" ح \"٤٩٠٩\" ومسلم: الطلاق \"٢/١١٢٢\" ح \"٥٧/١٤٨٥\"والنسائي: الطلاق \"٦/١٥٦\" \"باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها\".\n٣ زيادة ليست في الأصل يستقيم بها المعنى.\n٤ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":20},{"text":"وعلى أن ما ذكره من الترجيح لا يمنع من مساواة الناس بعين لهم في الاجتهاد. ألا ترى أن من طالت صحبته للنبى ﷺ من أكابر الصحابة وعلمائها لهم من المزية بطول الصحبة وقوة الأنس بكلام رسول الله ﷺ وهذا ليس لصغارها ولمتأخريها ثم الجميع في الاجتهاد واحد فبطل ما قالوه ولأن هذا الترجيح إن كان قائما يكون فيما يوجد من التنبيه فأما فيما يوجد من الكتاب وسائر الأصوليين فلا يكون لمن شهد مع النبى ﷺ مزية على غيره فإن قال قائل: إنكم قد قلتم: من قبل إن انقراض العصر ليس شرط من انعقاد الإجماع وإذا لم يكن شرطا وقد انعقد الإجماع فكيف يعتبر خلاف التابعي؟ والجواب: أنا قد قلنا في أول المسألة ما يبطل هذا السؤال لأنا قد بينا أن موضع الخلاف إذا لم تقع الحادثة حتى أدرك التابعى حال الاجتهاد فأما إذا سبق الاتفاق فلا إشكال أن أنعقاده وكونه حجة لا يقف على إدراك التابعى وموافقته لذلك وقد اعتبر ذلك من يشترط انقراض العصر وقد بينا أن هذا الاعتبار يؤدى إلى أن لا ينعقد إجماع.","vol":"2","page":21},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-82>فصل\": قد بينا من قبل أن من شرط الإجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن خالف بعضهم لم يكن إجماعا</span>.\nوقد سبق بيان هذا ومما يتصل بهذا أن من الناس من قال: إذا أجمع أهل الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين الكوفة والبصرة لم يعتد بخلاف غيرهم١ وما ذكرنا من قبل يدل على بطلان قول من زعم هذا. وقال بعضهم: إذا أجمع الخلفاء الاربعة لم يعتد بغيرهم وذهب إلى هذا القاضي أبو حازم من أصحاب أبى حنيفة وحكاه الضميرى عنه٢. وقالت الرافضة: إذا قال على كرم الله وجهه شيئا لم يعتد بخلاف\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٣/٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٥\" إحكام الأحكام \"١/٣٤٩\" المستصفى \"١/١٨٧\" روضة الناظر \"١٢٦\" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي \"٣/٢٦٤، ٢٦٥\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٥٤، ١٥٥\".\n٢ الخلفاء الأربعة: هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي لقوله ﵇: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ملكا ثم عضوضا وكانت مذة هؤلاء الأربعة ثلاثين سنة.\nوقد اختلف العلماء في إجماعهم فالجمهور على أن إجماعهم على شيء مع وجود المخالف لا يكون حجة على غيرهم وقال الإمام أحمد والقاضي أبو حازم من الحنفية أنه حجة وإن وجد مخالف انظر نهاية السول \"٣/٢٦٦، ٢٦٧\" إحكام الأحكام \"١/٣٥٧\". انظر روضة الناظر =","vol":"2","page":21},{"text":"غيره وقال بعض الرافضة: إذا اتفق أهل بيت رسول الله ﷺ على شئ كان حجة مقطوعا بها ولم ينظر إلى خلاف غيرهم١ وقد تعلق من قال بالقول الاول بقوله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" ٢ وتعلق من قال بالقول الثاني بقوله ﷺ: \"أنا من على وعلى مني\" ٣ وقال: \"أنا مدينة العلم وعلى بابها\" ٤ وقال حين بعث عليا خلف أبى بكر في الحجة التي استخلف أبا بكر عليها ليقرأ أوائل سورة براءة على الناس في الموسم: \" لا يبلغ عنى إلا رجل من أهل بيتى\" ٥ وتعلق من قال بالقول الثالث بقوله ﷺ: \"تركت فيكم شيئين إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله ﷿ وأهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض\" ٦ وقال ﷺ: \"مثل أهل بيتى مثل سفينة نوح من ركبها نجا\" ٧ وتعلقوا بخبر الكسائى وهو أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] دعا عليا وفاطمة\n_________\n= \"١٢٧\" فواتح الرحموت \"٢/٢٣٢\" المحصول \"٢/٨٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٥٦\".\n١ اختلف العلماء في إحماع العترة فالجمهور على أن إجماعهم ليس حجة على غيرهم عند المخالفة وقال الشيعة الزيدية والإمامية: إن إجماعهم مع وجود المخالف لهم حجة انظر نهاية السول \"٢/٢٦٥، ٢٦٦\" انظر إحاكم الأحكام \"١/٣٥٢\" فواتح الرحموت \"٢/٢٢٨\" المحصول \"٢/٨٠\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٥٥\".\n٢ أخرجه أبو داود: السنة \"٤/٢٠٠\" ح \"٤٦٠٧\" والترمذي: العلم \"٥/٤٤\" ح \"٢٦٧٦\" وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة: المقدمة \"١/١٥\" ح \"٤٢\" والدارمي: المقدمة \"١/٥٧\" ح \"٩٥\" وأحمد: المسند \"٤/١٥٦\" ح \"١٧١٤٧\"اتنظر تلخيص الجبير \"٤/٢٠٩\" ح \"١٤\".\n٣ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦٣٦\" ح \"٣٧١٩\" وقال: حسن غريب وابن ماجة: المقدمة \"١/٤٤\" ح \"١١٩\" وأحمد: المسند \"٤/٢٠٤\" ح \"١٧٥١٧\".\n٤ أخرجه الحاكم في المستدرك \"٣/١٢٦\" والطبراني في الكبير \"١١/٦٥\" ح \"١١٠٦١\" وقال الحافظ الهيثمي في المجمع \"٩/١١٧\": رواه الطبراني وفيه عبد السلام بن صالح الهروي وهو ضعيف.\n٥ أخرجه الترمذي: التفسير \"٥/٢٧٥\" ح \"٣٠٩٠\" وقال: حسن غريب وأحمد: المسند \"٣/٢٦٠\" ح \"١٣٢١٩\" انظر الدر المنثور للسيوطي \"٣/٢٠٩\".\n٦ أخرجه مسلم: فضائل الصحابة \"٤/١٨٧٣\" ح \"٣٦/٢٤٠٨\" من حديث طويل وأحمد: المسند \"٣/٣٣\" ح \"١١٢١٧\" بنحوه.\n٧ أخرجه الطبراني في الكبير \"١٢/٣٤\" ح \"١٢٣٨٨\" وذكره الهيثمي في المجمع \"٩/١٧١\" وقال: رواه البزار والطبراني وفيه: الحسن بن أبي جعفر وهو متروك وأبو نعيم في الحلية \"٤/٣٠٦\" والحاكم في المستدرك \"٢/٣٤٣\" وانظر الدر المنثور للسيوطي \"٣/٣٣٤\".","vol":"2","page":22},{"text":"والحسن والحسين ﵃ وأدار عليهم كساء وقال: \" هؤلاء أهل بيتى\" ١.\nوأما الدليل على تصحيح ما قلنا: أن الشرط اتفاق جميع الصحابة في عصرهم لينعقد الإجماع ويصير حجة لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فتعلق الوعيد بترك سبيل المؤمنين دل أنه لا يتعلق بترك سبيل بعضهم وقال النبى ﷺ: \"أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ٢ ولأن الدليل على أن الإجماع حجة ليس من طريق العقل إنما هو من طريق السمع وإنما ورد السمع بعصمة جميع الأمة لأنه ﵇ قال: \"لا تجتمع أمتى على الضلالة\" ٣ يدل على أن الخطأ يجوز على بعضهم وإنما لا يجوز على جماعتهم وأما الأخبار التي رووها فيما ادعوه٤ فتلك الأخبار تدل على اختصاص هؤلاء القوم بفضائل من بين سائر الصحابة وتدل على نوع يميز لهم من غيرهم ولا تدل على أن قولهم حجة مقطوع بها.\nوقد ورد في غيرهم من الصحابة أخبار ورويت لهم فضائل عن النبى ﷺ لو تتبعناها وعلقنا معانيها دل أيضا أن أقوالهم حجة وأنه يجب علينا أن نتبعهم ونترك قول غيرهم منها ما ورى في أبي بكر وعمر ﵄ أنه قال ﷺ: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر وعمر\" ٥ وقال ﷺ: \"إن الحق لينطق على لسان عمر\" ٦ وفى رواية أنه قال ﷺ: \"السكينة\" ٧ بدل لفظة \"الحق\" وقال: \"لو كان بعدى نبي لكان عمر\" ٨ وقال: \" اهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد ابن\n_________\n١ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦٩٩\" ح \"٣٨٧١\" وقال: هذا حديث حسن وأحمد: المسند \"٦/٣٣٧\" ح \"٢٦٦٥٣\".\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ في الأصل: ادعوها.\n٥ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦٠٩\" ح \"٣٦٦٢\" وقال: هذا حديث حسن وابن ماجه: المقدمة \"١/٣٧\" ح \"٩٧\" وأحمد: المسند \"٥/٤٤٧\" ح \"٢٣٣٠٧\" انظر تلخيص الحبير \"٤/٢٠٩\" ح \"١٣\".\n٦ أخرجه أبو داود: الإمارة \"٣/١٣٨\" ح \"٢٩٦١\" والترمذي: المناقب \"٥/٦١٧\" ح \"٣٦٨٢\" وابن ماجة: المقدمة \"١/٤٠\" ح \"١٠٨\" وأحمد: المسند \"٢/٥٣٠\" ح \"٩٢٣٥\" بألفاظ نحوه.\n٧ أخرجه أحمد: المسند \"١/١٣٢\" ح \"٨٣٧\".\n٨ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦١٩\" ح \"٣٦٨٦\" وقال: حسن غريب والطبراني في الكبير \"١٧/١٨٠\" ح \"٤٧٥\".","vol":"2","page":23},{"text":"مسعود\" ١ وقال: \"رضيت لأمتى ما رضى لها ابن أم عبد\" ٢ يعنى ابن مسعود وقال ﷺ \"أعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقرأكم أبى\"٣ وقال: \"إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\" ٤ وهذا يوجب الرجوع إلية لاختصاصه بالأمانة ولكل ما ذكروه معنى وتأويل ذكره أهل العلم في كتبهم ولا يحتاج إلى ذكره في هذا الموضوع واقتصرنا على هذا القدر ورفعنا بهذه المعارضة كلامهم والله المعين على التمسك بالحق والمرشد إليه.\nمسألة: إجماع أهل المدينة على انفرادهم لا يكون حجة عندنا.\nوقال مالك: إذا أجمع أهل المدينة على شئ لم يعتد بخلاف غيرهم٥. وقال الأبهرى من أصحابنا: إنما أراد بهذا فيما طريقه الإخبار. وقال بعضهم: أراد به ترجيح قولهم٦ وقد أشار الشافعى ﵁ في هذا في القديم ورجح رواية أهل المدينة على رواية غيرهم وقال بعضهم: أراد بذلك في زمان الصحابة والتابعين وتابعى التابعين فأما من نصر قول مالك على الإطلاق تعلق بقوله ﷺ: \" المدينة طيبة وأنها ينفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد\" ٧ قال: والخطأ من الخبث فكان منتفيا عن أهل المدينة. وقال ﷺ: \"إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها\" ٨\n_________\n١ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦٧٢\" ح \"٣٨٠٥\" وقال: حسن غريب.\n٢ أخرجه الطبراني في الكبير: \"٩/٨٠\" ح \"٨٤٥٨\" والحاكم في المستدرك \"٣/٣١٧\".\n٣ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦٦٤\" ح \"٣٧٩٠ وقال: حسن غريب وابن ماجة: المقدمة \"١/٥٥\" ح \"١٥٤\" وأحمد: المسند \"٣/٣٤٤\" ح \"١٣٩٩٨\".\n٤ أخرجه البخاري: المغازي \"٧/٦٩٦\" ح \"٤٣٨٢\" ومسلم: فضائل الصحابة \"٤/١٨٨١\" ح \"٥٣/٢٤١٩\".\n٥ المقصود بأهل المدينة هنا أي: الصحابة والتابعين دون غيرهم انظر نهاية السول \"٣/٢٦٤\".\n٦ انظر نهاية السول \"٣/٢٦٤\" إحكام الأحكام للآمدي \"١/٣٤٩\" انظر المحصول \"٢/٧٨\" روضة الناظر \"١٢٦\" فواتح الرحموت \"٢/٢٣٢\" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي \"٣/٢٦٤\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٥٤\".\n٧ أصله في البخاري ومسلم بلفظ \"المدينة تنفي كما ينفي الكير خبث الحديد\" أخرجه البخاري: فضائل المدينة \"٤/١٠٤\" ح \"١٨٧١\" ومسلم: الحج \"٢/١٠٠٦\" ح \"٤٨٨/١٣٨٢\".\n٨ أخرجه البخاري: فضائل المدينة \"٤/١١١\" ح \"١٨٧٦\" ومسلم: الإيمان \"١/١٣١\" ح \"٢٣٣/١٤٧\".","vol":"2","page":24},{"text":"والأخبار في فضل المدينة تكثر ولأن الممدينة منزلة الرسول ﷺ إلى أن قبض ومهبط الوحى حتى انقطع ودار الهجرة ومنها ظهر العلم ومنها صدر وهى منازل الصحابة ومستقر الإسلام ومتبوأ الأيمان مجموع هذا يدل أن الحق معهم وأنه لا يعدوهم وأما من قال: إن روايتهم أولى فلأنهم أعرف بأمر رسول الله ﷺ حيث كان بينهم من أفقه أهل كل بلد يكونون أخبر وأعرف مما يجرى فيه من غيرهم وأما دليلنا فظاهر وذلك لأن الإجماع إنما كان حجة بالأدلة السمعية التي بيناها وتلك الدلائل تتناول أهل المدينة كما تتناول أهل غيرها من البلاد على الانفراد ولأن الأماكن غير مؤثرة في كون الأقوال حجة دليله الحرم والمسجد الحرام ويقال لأصحاب مالك: ما الذى أوجب قصر الإجماع على أهل المدينة؟ فإن قالوا: لأنهم مخصوصون بالعصمة فهذا كلام باطل بالإجماع ونحن نعلم قطعا أنه يجرى بالمدينة من الفضائح والكبائر مثل ما يجرى في سائر البلاد وإن قالوا: لأنها مهبط الوحى ومنزل النبى ﷺ وأهلها يتوارثون السنة قرنا فقرن فهذه أمور لا توجب قصر الإجماع على أهلها وتخصيصهم به دون أهل سائر البلدان لأن المجتمعين على الحكم إنما يجمعهم عليه دليل يوجب اتفاقهم عليه والدليل إما بتوقيف أو إجتهاد وأهل العلم حيث كانوا من بقاع الأرض وأقطارها المشاركون لأهل المدينة في أنواع الأدلة ووجوه الاستدلال وقد كان النبي ﷺ ينزل الوحى عليه بالمدينة وهو مقيم بها وفى أسفاره وهو طاعن عنها وقد نزل عليه بمكة قرآن كثير ولعله يبلغ شطر القرآن فثبت أن أهل المدينة وأهل سائر البلاد في الشرع سواء وثبت أن أدلة الإجماع في الكل سواء وليس لها تخصيص بأهل المدينة دون غيرهم.\nببينة: أن المناسك بينها النبى ﷺ بمكة. وقال: \"خذوا عنى مناسككم\" ١ ثم لم يقل أحد: إن أهل مكة إذا أجمعوا على شئ من المناسك يكون إجماعهم حجة وأنهم يمتازون بهذا عن سائر البلاد. ثم نقول: إن كثيرا من الصحابة قد تفرقوا عن المدينة ورحلوا عنها إلى العراق والشام ومصر وسائر البلدان وإنما رحل كل واحد منهم بما معه من السنة فبينه في أهل تلك البلاد التي أقام فيها وقد أقام بالشام جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وغيرهم وانتقل على\n_________\n١ أخرجه مسلم: الحج \"٢/٩٤٣\" ح\" ٣١٠/١٢٩٧\" والبيهقي في الكبرى \"٥/٢٠٤\" ح \"٩٥٢٤\" ولفظه للبيهقي.","vol":"2","page":25},{"text":"بالكوفة وهو أحد الخلفاء الأربعة وأقام بها إلى أن توفاه الله ﷿ وكان بها ابن مسعود وحذيفه وسعد بن أبى وقاص وسلمان وغيرهم وحين بعث عمر ابن مسعود إلى الكوفة كتب إليهم بعبد الله على نفسى وورد البصرة من الصحابة طلحة والزبير وعائشة فمن كان معهم من الصحابه فأقام بهها ابن عباس مدة وكان بها أبو موسى الأشعرى وعمران بن حصين وأنس وغيرهم وهؤلاء من أعيان أصحاب رسول الله ﷺ وكان مع كل واحد منهم طائفة من أمر الدين وقطعة من السنة وقد تلقاها عنهم أهل هذه البقاع وحصلوها عندهم فكيف يجوز أن يختزلوا دون الإجماع ويفتات عليه في ذلك ولا يكون لهم منه حظ ولا يعتبر منهم خلاف هذا أمر قبيح وخطة مستشنعة ثم نقول إن المدينة كما أنها كانت مجمع الصحابة ومهبط الوحى فقد كانت أيضا دار المنافقين ومجمع أعداء الدين منهم عبد الله بن أبى ابن سلول وحلاس بن سويد ويجمع بن حارثة الثقفى وطعمه بن أبيرق غيرهم وكان من رؤسهم أبو عامر الراهب وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وفى المدينة قال القائلون المنافقون: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وفيها الماردون على النفاق الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] وفيها طعن عمر وحوصر عثمان حتى قتل وعلى أهلها كانت وقعة الحرة أيام يزيد بن معاوية ففنى الخلق وهلك عامة أهل الفضل ثم انجلى عنها أكثر من بقى منهم وبها غيرت السنن زمن مروان بن الحكم حين كان أميرها من قبل معاوية ﵁ وقدم خطبتى العيد على الصلاة وأقام الحرس حتى منعوا الناس عن تحية المسجد حين كان يخطب وأخرج المنبر يوم العيد وغير ذلك مما يكثر والخطب جسيم والداء دوى والشر قد تم وجرى منذ قتل عثمان بالمدينة سنة خمس وثلاثين من الهجرة إلى بعد المائة من الهجرة بالمدينة ومكة والعراق١ وغيرها من بلدان الإسلام ما ترتاع النفوس سماعها وتقشعر القلوب من هولها وشدتها وظهر من الجرأة على الله تعالى وهتك جهات الدين والتهاون بشعائره وتغيير رسومه وسننه ونقض عرى الإسلام وسفك الدماء المحترمة وانتهاك المحارم والإقدام على العظائم التي لا يقدر قدرها ما لو حكى عشر ذلك بل أقل القليل منه بنى إسرائيل لتعاظمه هذه الأمة فكيف وهم\n_________\n١ ثبت في الأصل \"العراقيين\".","vol":"2","page":26},{"text":"الفاعلون لذلك المقدمون عليه ولله أمر بالغه وهو لعباده وهو بالمرصاد ونسأل الله تعالى العصمة وهذا الذى قلنا فيما سوى سيئات سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز أما سليمان فقد قيل: إنه فتح بخير وختم بخير أما افتتاحه بخير فهو هلاك الحجاج واختتامه بخير استخلافه عمر بن عبد العزيز وأما عمر فقد ضم إلى الخلفاء الراشدين وحسبك بهذا شرفا ونقول في مجموع ذلك ما قاله بعض سلفه: وهو أنه سئل عن الأمور التي جرت بين الصحابة ومن بعدهم وقرأ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ البقرة: ٢٨٦] وأما رواية أحدهم تقديم أهل المدينة فقد قاله بعض أصحابنا على ما قدمناه والأصح أن روايتهم ورواية غيرهم سواء وذلك أن ما يوجب قبول الأخبار يستوى القولفيه أهل المدينة وأهل سائر البلدان ولأن شهادة أهل المدينة وشهادة غيرهم واحد وكذلك الرواية ولأنا قد بينا أنه لا يقدم في المناسك رواية أهل مكة وإن اختصوا بها على معنى أن الكعبة عندهم والمشاعر في بلدهم واختصاصهم بمناسك الحج [أخص] ١ من أهل المدينة بالسنن فأهل المدينة وغير أهل المدينة في السنن والشرع سواء وقد حكى بعضهم عن مالك أنه قال: \"يخرج العلم من عندنا شبرا ويرجع ذراعا\" يعنى أنه يزاد فيه ولا يمكن إطلاق هذا القول وفيه أن الظن بنقلة الأخبار وقد قال بعض أهل المدينة لبعض أهل العراق. وعندي أن من عندنا خرج العلم فقال: بلى ولكن لم يعد إليكم وأيضا يجوز أن يصير ذراعا [وذلك] ٢ بالمدينة أيضا بأن يزيد فيه بعض الفسقة ويجوز أن يكون في الخير زيادة ثابته يقع الزيادة عند بعض العلماء من غير أهل المدينة والأولى هو التسوية [بين] ٣ أهل المدينة وغير أهل المدينة في الرواية وفي الاجتهاد وفى مسألة الإجماع على ما سبق هذا مع اعترافنا للمدينة بالفضل الذي خصها الله تعالى به على ما نقل في الأخبار مثل ما نعترف لمكة بالفضل الذى خصها الله به على ما ورد في الأخبار ومن الله العصمة ونسأله أن لا يكلنا إلى أنفسنا وحولنا وقوتنا بمنه وجوده.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"اختص\".\n٢ ليست واضحة في الأصل.\n٣ ثبت في الأصل من.","vol":"2","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الفصل الخامس: وهو يشتمل على معارضة الاختلاف والإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>تعارض الاختلاف والاجماع</span>\n...\nفصل\nهذا الفصل هو الفصل الخامس وهو يشتمل على: معارضة الاختلاف والإجماع ويشتمل تعارضها على أربعة أضرب:\nفالضرب الأول: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد١ كاختلاف الصحابة ثم إجماعهم بعد خلافهم فيصير الإجماع بهم منعقد وما تقدم من خلافهم ساقطا لأن العمل يكون بما استقرت عليه أقاويلهم وقد استقرت على الإجماع [و] ٢ زال به الخلاف وقد وجد في الصحابة من ذلك خلافهم في الصحبة حيث قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ثم أن أبا بكر ﵁ لما حاججهم وأخبر أن الخلافة لا تصلح إلا في هذا الحى من قريش رجعوا إلى قوله وزال الخلاف ومن ذلك أيضا خلافهم على أبى بكر في قتال أهل الردة ثم رجعوا إلى قوله وأجمعوا عليه ومن ذلك خلاف ابن عباس وزيد بن أرقم لسائر الصحابة ﵃ في أن الربا لا يجرى إلا في النساء [رجعا] ٣ عن ذلك ووافقا سائر الصحابة ومن ذلك أيضا خلاف عمر وابن\n_________\n١ إذا اختلف المجتهدون في العصر الواحد في حكم المسألة على قولين فهل يجوز الاتفاق منهم بعد ذلك على أحد القولين:\nاختلف الأصولين في ذلك فمنهم من جوز الاتفاق بعد الاختلاف ومنهم من منعه.\nوهذا الحلاف مبني على خلاف آخر وهو هل موت المجمعين شرط في اعتبار إجماعهم أو ليس شرطا فيه فمن قال إن موت المجمعين شرط في اعتبار إجماعهم جوز الاتفاق منهم بعد الاختلاف كأن إجماعهم الأول لم يعتبر لفقدان شروطه ومن قال: إن موتهم ليس شرطا في ذلك بل جعل الإجماع حجة بمجرد الاتفاق وإن لم يموتوا - اختلف في جواز الاتفاق المذكور بعد الاختلاف على أقوال ثلاثة:\nالقول الأول: يجوز مطلقا وهو مختار ابن الحاجب والرازي والبيضاوي.\nالقول الثاني: لا يجوز مطلقا استقر الخلاف -بأن علمت- أو لم يستقر وهو للصيرفي والباقلاني.\nالقول الثالث: يجوز إن لم يستقر الخلاف ولا يجوز عند استقراره وهو لإمام الحرمين والآمدي المستصفى \"١/٢٠٥\" انظر نهاية السول \"٣/٢٨١\" انظر إحكام الأحكام \"١/٣٩٩\" انظر المحصول \"٢/٦٦\" المعتمد \"٢/٣٧\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٦٣\".\n٢ زيادة ليست في الأصل.\n٣ ثبت في الأصل: رجعوا.","vol":"2","page":28},{"text":"مسعود لسائر الصحابة في أن الجنب لا يجوز له التيمم ثم [رجعا] ١ عن ذلك ووافقا سائر الصحابة٢. وعندي أن ثبوت الرجوع في هذه المسألة والمسألة التي قبلها نظر ومن هذا الباب خلاف ابن عباس لجماعة الصحابة في تحريم المتعة فإن ابن عباس أحلها٣. ونقل ذلك عن ابن مسعود ثم أن ابن عباس رجع عن ذلك٤. وعندي أن في الرجوع عما كان يقوله نظر والفقهاء ينقلون عن جابر بن زيد أن ابن عباس ﵁ لم يلبث حتى رجع عن قوله في الصرف وأما قول ابن مسعود في تحليل المتعة فليس بمعروف وقد أورده بعص أصحابنا وقد قال أبو سعيد الاصطخرى: إن المتعة محرمة بالإجماع وجعل مرتكبها زانيا وأوجب الحد عليه وأما سائر أصحابنا وكذلك عامة الفقهاء قد أبوا عن هذا وجعلوا حكم الخلاف باقيا ولم يوجبوا الحد بارتكابها٥ ولا وسموا مرتكبها بسمة الزنا وفى تفسيقه وجهان.\nوالضرب الثاني: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد فهو على ضربين أحدهما: أن يكون المخالف لم يوافق المجمعين قبل خلافه فيصح خلافه ولا ينعقد مع خلافه الإجماع كما خالف ابن عباس في القول مع إجماع غيره عليه.\nوالضرب الثالث: أن يكون وافقهم ثم خالفهم كخلاف على في بيع أمهات الأولاد مع اتفاقه مع عمر وسائر الصحابة في تحريم بيعهن فمن جعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع بخلافه لحدوثه قبل استقراره ومن لم يجعله شرطا أبطل خلافه مع إجماعه.\nوالضرب الرابع: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصرين وذلك مثل اختلاف الصحابة على قولين وإجماع التابعين على أحد القولين فهذه مسألة معروفة وسنذكرها.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"رجعوا\".\n٢ ونقله الشيخ النووي عنهما وزاد إبراهيم النخعي قال: قال ابن الصباغ وغيره: وقيل إن عمر وعبد الله رجعا انظر شرح المهذب \"٢/٢٠٧، ٢٠٨\".\n٣ ذكره الإمام موفق الدين بن قدامة عن ابن عباس وأكثر أصحابه عطاء وطاوس وه قال ابن جريج وحكى ذلك عن أبي سعيد الخدري انظر المغني لاين قدامة المقدسي \"٧/٥٧١\".\n٤ ذكرع ابن قدامة: انظر المغني \"٧/٥٧٢\".\n٥ انظر روضة الطالبين \"٧/٤٢\".","vol":"2","page":29},{"text":"مسألة: إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعت التابعون على أحد القولين:\nفمذهب الأكثرين من أصحاب الشافعى ﵁ أن خلاف الصحابة ثابت ولا يرتفع بإجماع التابعين. من بعدهم والمسألة لا تصير إجماعا وهو قول بعض أصحاب أبى حنيفه وبعض المتكلمين وقال الأكثرين من أصحاب أبى حنيفه أنه يرتفع الخلاف المتقدم ولا ينعقد الإجماع من التابعين على المسألة وبه قال الإصطخرى وابن خيران والقفال من أصحاب الشافعى ﵀ عليهم وقد نص عليه الكرخى وصار إليه وكذلك كل من تبعه وذهب إليه أيضا أكثر المعتزلة وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة روايتين عن أبى حنيفة وحكى عن أببى يوسف أيضا أنه ينعقد الإجماع١ ويرتفع الخلاف المتقدم واحتج من قال بالقول الثانى بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] .\nوبقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقد بينا أن ذلك يتناول أهل كل عصر ولم يفصل في اتباع غير سبيل المؤمنين بين أن يكون تقدم خلاف أو لم يتقدم خلاف واستدلوا أيضا بقوله ﷺ: \"لا تجتمع أمتى على الضلالة\" ٢ وفى رواية \"على خطأ\" فيجب أن يكون ما اتفق عليه أهل العصر الثاني غير خطأ ولأن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع بعد الاختلاف وجب أن لا يجوز خلافه لأن الإجماعين واحد وحرفهم أن الإجماع قد وجد فينعقد ويكون حجة كما لو لم يتقدمه خلاف.\nببينة: أن الصحابة لو اختلفوا ثم أجمعوا فإنه يسقط الخلاف المتقدم بالإجماع المتأخر فكذلك يسقط الخلاف المتقدم في مسألتنا لأن الحجة في إجماع التابعين مثل الحجة في إجماع الصحابة فلما سقط اختلاف الصحابة بإجماعهم فيسقط أيضا بإجماع التابعين وأما حجة من ذهب إلى المذهب الأول وهو الأصح تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] \"فأمر عند وقوع التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة وأهل العصر الأول قد ردوا الحادثة إلى الكتاب والسنة فوجدوا الحادثة مجتهدا فيها وقد\n_________\n١ انظر الإحكام \"١/٣٩٤\" المحصول \"٢/٦٦، ٦٧\" انظر نهاية السول \"٣/٢٨٦، ٢٨٧\" المستصفى \"١/٢٠٣\" حاشية الشيخ المطيعي \"٣/٢٨٦، ٢٨٧\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٦٤\".\n٢ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":30},{"text":"انقرض عصرهم على هذا وقد أثنى الله على التابعين بحسن المتابعة فإذا اعترضوا عليهم قطعوا الاجتهاد عن الحادثة لم يكونوا متبعين فدل أن الحادثة على ما رآه أهل العصر الأول فيها وأنها مستمرة على ذلك وهذا الحقيقة وهي أن علماء العصر إذا اختلفوا في الحادثة على مذهبين وذلك مثلا في تحليل وتحريم فقد تضمن ذلك إجماعهم من كافتهم على أن الخلاف سائغ من الحادثة فحصل في ضمن الخلاف الإجماع على جواز الخلاف فإذا صورنا الرجوع إلى أحد القولين من التابعين لم يجز لأنه مسبوق بالإجماع على جواز الخلاف فنقول: ما أجمعت الصحابة عليه لم يجز للتابعين إبطاله كما لو أجمعوا على قول وليس يلزم على هذا إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعوا على أحد القولين لأنا إن قلنا: إن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع لم يسلم لوجود الإجماع على تسويغ الخلاف وأن قلنا إن انقراض العصر ليس بشرط وهو الأولى على ما سبق لم يسلم جواز الاتفاق على أحد القولين بعد هذا الاختلاف وقد حكى عن القاضى أبى بكر أنه جعل حكم الصورتين واحد وقال كما لا يجوز لأهل العصر الثانى أن يتفقوا على أحد القولين ويبطلوا به الخلاف المتقدم كذلك في أهل العصر الواحد أيضا لا يجوز أن يختلفوا على قولين ثم يتفقوا على أحد القولين فإن قيل لا يمتنع أن يتفقوا على تسويغ الاجتهاد بشرط أن لا يظهر إجماع فإذا ظهر الإجماع يسقط ذلك الاتفاق كما أنهم اتفقوا أن فرض العادم للماء التيمم ما لم يجد فإذا وجد الماء زال ذلك الاتفاق.\nوالجواب: أن دعوى هذا الشرط ليس عليها دليل بل حصل احتلافهم وجود الإجماع على تسويغ الاجتهاد وهذا الإجماع لا يجوز إبطاله بإجماع يوجد من بعد وأما مسألة التيمم فبعيدة عن هذا لأن النص قد دل على أن جواز التيمم مشروط بعدم الماء فإذا وجد الماء زال الشرط وأما ها هنا فإن أهل العصر الأول قد أجمعوا على تسويغ النظر على الإطلاق من غير شرط فهو بمنزلة إجماعهم على شرط واحد فلا يجوز أن يزول ذلك بإجماع يوجد بعده يدل على ما ذكرنا: أن الإجماع إذا حصل واستقر لم يجز أن يتغير بالاختلاف من بعد فكذلك إذا حصل الاختلاف واستقر لم يجز أن يتغير بالإجماع من بعد والاعتماد على الكلام الأول وقد قال بعض أصحابنا: إن القول إذا صدر عمن له في الدين تحمل لم يجز أن ينقطع حكمه بموته بدليل النبى ﷺ فإن قيل: قد ورد خلاف ما صرتم إليه من الصحابة فإن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ثم اتفقوا","vol":"2","page":31},{"text":"على المنع زمن عمر ﵁ وأجرى الأثر على ذلك وكذلك كانت الصحابة تقرأ بالحروف المختلفة في زمان أبى بكر وعمر ﵄ ثم اجتمعوا في زمان عمر ﵁ على [أن] ١ ما بين الدفتين كلام الله فدل أن الوفاق الثاني يدفع الخلاف الأول قيل له هذا لا يشبه مسألتنا لأن عصر الصحابة كله عصر واحد فقد يمتد زمان النظر وتنفسخ مدة الرؤية وقد كانوا ينظرون ثم يعيدون النظر كرة بعد أولى على حسب ما يحتاج إليه لدقة الأمر وغموضه إلى أن يتبين لهم الأمر غاية البيان ويزول الإشكال فلم يكن الإجماع يستقر بأول وهلة والكلام فيما إذا استقر الأمر من الصحابة على شئ وانقرضوا على ذلك ثم حدث من بعد ما يوجب إزالة ما انقرضوا عليه ورفعه وقد قال بعض أصحابنا: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للخلاف المتقدم وهو نازل منزلة تردد من ناظره ثم استقراره أخيرا وأما إذا تمادى الخلاف في زمان فتطاول بحيث يعلم أنه لو كان ينقدح وجهه في سقوط أحد القولين ليظهر ذلك في الزمان الطويل فإذا بلغ الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق مع أحد القولين والأمر باق على الخلاف السابق لما بينا أن في اختلافهم وفاقا ضمنيا على أن الخلاف في هذا المجال سائغ وهذا لا بأس به والأول هو المنقول عن أئمة المذاهب وأما الجواب عن كل ما تعلقوا به من الظواهر فقد بينا أن اختلافهم يثبت وفاقا ضمنيا فلا يجوز رفعه من بعد وعلى هذا صارت هذه الظواهر حجة على المخالفين لأن سبيل المؤمنين في العصر الأول لما كان هو تسويغ الاجتهاد فلا يجوز اتباع غير سبيلهم وكذلك لما اجتمعوا على ما ذكرناه كان خلافه ضلالة وخطأ وأما الذى قالوا أن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع بعد الخلاف قلنا: ولما قلتم هذا ثم الإجماع المبتدأ لم يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وأما ها هنا فإن الإجماع الذى يوجد من بعد من أهل العصر الثانى يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وهو ما سبق ذكره وأما تعلقهم بما إذا اختلف أهل العصر ثم أجمعوا عليه فقد أجبنا عنه وعلى أنا قد ذكرنا من قبل أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن انقراض العصر شرط انعقاد الإجماع وعلى هذا القول لا يرد هذا الفصل أصلا وإن جربنا على ما اخترنا في أن انقراض العصر ليس بشرط فليس وجه الجواب عنه إلا أن يمنع ويقال إذا لم يختلفوا لم يجز أن يجمعوا على أحد القولين وإن تمسكوا بالصور\n_________\n١ زيادة ليست بالأصل يستقيم بها الكلام.","vol":"2","page":32},{"text":"التي قلناها فنقول إنهم كانوا في طلب الدليل ومهلة النظر ولم يكن استقرار الأمر على نفى من اختلاف أو اتفاق ويمكن أن يقال: لا نسلم أن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ولم ينقل عنه ﵁ نص على ذلك يحتمل أن من سبى من النساء كن من الكافرات الأصليات ولم يكن أسلمن أصلا وأما اتفاق الصحابة على حرف واحد بعد أن كانوا يقرءون ثم بالحروف المختلفة فذلك نوع مصلحة رأوها لما وقع الاختلاف والتنازع وخافوا المفسدة العظيمة والكلام فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية وليس هذا مما نحن فيه.\nواعلم أن هذا الذي قلناه كله من الإجماع بعد الاختلاف فأما الاختلاف بعد الإجماع في عصر واحد فهو نبأ على أن انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أو لا فإن قلنا شرط فيجوز الاختلاف لأن الإجماع لم ينعقد بعد وإن قلنا: ليس بشرط فلا يجوز وأما في العصرين وذلك بأن يجمع الصحابة على شئ ثم يختلف التابعون فلا يجوز ذلك ويكون اختلاف معاندة ومكابرة والله أعلم.","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>فصل: إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين:</span>\nذهبت طائفة منهم إلى حكم وصرحت بالتسوية بينهما وذهبت طائفة أخرى إلى حكم آخر وصرحت بالتسوية فهل يجوز لمن بعدهم أن يأخذ بقول إحدى الطائفتين في إحدى المسألتين ويأخذ بقول الطائفة الأخرى في المسألة الأخرى؟.\nففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز والآخر لا يجوز ووجه الجواز أنهم لم يجمعوا على التسوية بين المسألتين في حكم واحد١ وإنما سووا في حكمين مختلفين فجاز لمن بعدهم الأخذ بالتفصيل وأما وجه عدم الجواز وهو أن جميعهم أجمعوا على التسوية بينهما وهذا التفصيل يمنع من التسوية فصار كما لو أجمعوا على قول واحد فإنه لا يجوز إحداث قول ثاني وهذا الوجه أشبه وأصح.\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٣/٢٧٥\" حاشية المطيعي \"٣/٢٧٥\" انظر إحكام الأحكام \"١/٣٨٧\" انظر المحصول \"٢/٦٤\" المعتمد \"٢/٤٦\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٣/١٦١\".","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>فصل: ولا يجوز أن يتفق أهل عصر على الجهل بحكم حادثة حدثت في عصرهم</span>.\nلأنه لا يخلوا من حكم الله تعالى فيها لما نصب من الأدلة عليه فصار الجهل بحكمها إجماعا على الخطأ وقد دللنا أن ذلك لا يجوز ولأن في الإمسال عنها إعراضا عن الأدلة التي توصل إلى الحكم في الحادثة وهذه معصية لا يجوز أن ينعقد عليها الإجماع من الأمة وحين وصلنا إلى هذا الموضع انتهى القول في الإجماع بعون الله تعالى وحسن تأييده وتيسيره ولما فرغنا من باب الإجماع ووصلنا إلى باب القياس فقد بقيت علينا مسائل شذت عن الأبواب المتقدمة وليس بعض هذه الإبواب المتقدمة بأولى بها من البعض فنذكر اولا تلك المسائل ثم نتكلم في التقليد ثم نشرع في باب القياس حسب ما يأذن الله تيسيره وتسهيله.\nاعلم أنا وصلنا إلى باب القياس والاجتهاد وما يتصل بذلك غير أنه قد بقيت مسائل شذت عن الأبواب التي قدمناها ولم تدخل في أبواب القياس ولابد من ذكرها فوجدنا ذكرها أليق بهذا الموضع خصوصا مسألة استصحاب الحال وهل هو حجة أم لا فإن هذه المسائل يصلح أن تكون من توابع الإجماع فنقدم هذه المسألة ثم نذكر سائر المسأئل بعون الله وتوفيقه.","vol":"2","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>مسائل تابعة للإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>مسألة استصحاب الحال</span>\n...\n[مسألة استصحاب الحال]\nمسألة: استصحاب حكم الإجماع أو غيره من الدلائل إن أمكن في موضع الخلاف أو عند تغيير الحال:\nليس بدليل على الصحيح من المذهب وقال أبو ثور وأبو داود وهو دليل وبه قال المزنى والصيرفى وابن سريج وابن خيران من أصحابنا١. وقال بعض أصحابنا في تفسير استصحاب الحال: أنه استصحاب حكم العموم فيما ورد به وحمله على جميع الأزمان والأوقات مثل أن يقول: صلوا أو صوموا فيحمل ذلك على حكم الصلاة والصوم في عموم الأوقات على الدوام والاتصال فيستصحب حكمه إلى أن يدل الدال على رفعة ونسخه وهذا التفسير ليس بصحيح وهذا الموضع نتفق عليه ولا يجوز أن يسمى هذا استصحاب الحال لأن لفظ العموم دل على استغراقه جميع ما يتناوله اللفظ في أصل الوضع في الأعيان وفى الأزمان فأى عين وجدت ثبت الحكم فيها وأى زمان وجد ثبت الحكم فيه يكون اللفظ دال عليه وتناوله بعمومه فيكون ثبوت الحكم في هذه الصورة من ناحية العموم [لا] ٢ من ناحية استصحاب الحال وإنما استصحاب الحال أن يدل الدليل في اثبات حكم ثم يستصحب حكم ذلك الدليل في موضع من غير أن يكون لفظ الدليل تناوله ودل عليه ويقال: تفسيرا استصحاب الحال هو أن يثبت حكم في حالة من الحالات فيتغير الحال فيستصحب المستدل ذلك الحكم بعينه في الحالة المتغيرة ونقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل ومثال ذلك في المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة وجب عليه التوضؤ فيستصحب هذا الحكم بعد الدخول في الصلاة ويقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل وقد يكون ذلك في الدليل العقلى أيضا وذلك مثل ما اختلف الناس في أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظرأو الإباحة أو الوقف وكل قول من هذه الأقوال قد انتحله فريق وزعم أن العقل يدل عليه فالاستصحاب أن تستصحب\n_________\n١ انظر إحكام الأحكام \"٤/١٨٥\" امحصول \"٢/٥٤٩\" نهاية السول \"٤/٣٥٨\" حاشية الشيخ المطيعي \"٤/٣٥٨، ٣٥٩\" المستصفى \"١/٢٢٤\" روضة الناظر \"١٣٩\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٧٧\".\n٢ ثبت في الأصل: لأن.","vol":"2","page":35},{"text":"حكم ذلك في موضع على ما كان عليه من إباحة أو حظر أو وقف إلى أن يقوم الدليل الشرعى على خلاف ذلك الحكم فينقله عن حكمه وقد قال الأصحاب: إنه لا خلاف في هذا الموضع أيضا ويجوز الاستدلال بما ذكرناه حتى يقوم الدليل الشرعى على خلافه وإنما الخلاف في الحكم إذا ثبت بدليل وقع الخلاف في استدامته بحادث يحدث مثل ما ذكرنا في المتيمم ومثل المكفر يدخل في الصوم عند عدم القدرة على العتق ثم يجد الرقبة فقال قوم: يخرج من الصوم بالعتق وقال قوم: يمضى فيه ومثل الحائض ثبت في حقها أحكام الحيض قبل العشر فإذا جاوزت العشر لم تستصحب تلك الأحكام ولا يحكم بانقطاعها واستدل من تعلق باستصحاب الحال بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليته فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا\" ١ فقد قضى استدامة الحكم وهو استصحاب الحال ويدل عليه أنه لا خلاف أنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة أو تيقين الطهارة وشك في الحدث فإنه يأخذ باليقين ويطرح الشك فكذلك إذا عرض الشك لوقوع الاختلاف في الحادثة لم يجز أن يرفع ما تقدم من اليقين فيها واستدل أبو بكر الصيرفى وقال: إن ابتداء الحكم ثبت بقيام الدليل عليه وفى موضع الخلاف لا يحكم بانتفاء الحكم لعدم قيام الدليل على نفيه وبيان هذا أن المتيمم إذ دخل في الصلاة فقد حكم الإجماع بصحة صلاته فإذا رأى الماء في خلال صلاته اختلفنا في حكمه فقال بعض الناس: يخرج منها وقال بعضهم: يمضى فيها والخروج حكم والمضى حكم وكل واحد منهما يحتاج إلى دليل فإذا عدم الدليل على وجوب الخروج وعدم الدليل على المضى تقابل الأمران وتساويا ولا يجوز أن يحكم بأحدهما ووجب [إبقاء] ٢ الحال على ما كانت عليه وإذا ثبت أن الخروج لا يجب وأن الحال باقية على ما كانت عليه ثبت أن المضى في الصلاة وإتمامهاواجب وقال الصيرفى ولست أقول إن الإجماع مستصحب ودل على بقاء الصلاة ووجوب المضى فيها لأن الإجماع قد زال [عند] ٣ رؤية الماء فلا يستصحب حكمه لكني أقول: لا يجب الخروج أو لا يخرج لعدم الدليل عليه ووجب تبقية الحال على ما\n_________\n١ أخرجه البيهقي في الكبرى \"٢/٣٦١\" ح \"٣٣٧\" والطبراني في الكبير \"١١/٢٢٢\" ح \"١١٥٥٦\" من حديث ابن عباس نحوه.\n٢ كشط في الأصل.\n٣ ثبت في الأصل: عنه.","vol":"2","page":36},{"text":"كانت عليه فقالوا: ولأن ما ثبت بالعقل من براءة الذمم يجب استصحابه في مواضع الخلاف فكذلك ما ثبت بالإجماع وجب وأن يكون كذلك هذا لأن الحكم إذا ثبت بدليل من دلائل الشرع لا يجب استدامة الدليل لبقاء الحكم بل يبقى الحكم ويدوم إلى أن يقوم الدليل على قاطع يقطعه ومسقط يسقطة فإذا لم يقم الدليل على سقوطه بقى ثابتا على ما كان من قبل ومن ادعى سقوطه فعليه الدليل ألا ترى: أن من ادعى النبوة وأقام المعجز على ثبوته فإن تجدد إنكار منكر لنبوته لا يجب عليه إقامة المعجز ثانيا بل النبوة على ثباتها بالدليل الذي أقامه من قبل فيستمر الثبوت ولا يلتفت إلى قول المنكر ولا حجة على المنكر في هذه الصورة إلا من جهة استصحاب الحال وعلى هذا إذا عرفنا فراغ ذمة الإنسان يحكم أن الأصل فراغه فلو ادعى عليه إنسان حقا فإن القول قول المنكر لأن الأصل فراغ ذمته فصار استصحاب الأصل الذى عرفناه دليلا في دفع دعوى المدعى عنه وكذلك إذا ثبت الملك لإنسان فنازعه منازع يكون القول قول من في يده وإنما جعلنا القول قوله باستصحاب الحال التي تقدمت فدل أن استصحاب الحال حجة في الأحكام معمول بها وعلى هذا نقول من اشترى أخاه أو عمه لم يعتقه عليه لأن الأصل بقاء ملكه الثابت بالشراء فمن ادعى زواله فعليه الدليل.\nفأما الدليل على أن استصحاب الحال ليس بحجة هو أن المستصحب ليس له في موضع الخلاف دليل لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع فلا يجوز له إثبات الحكم فيه. دليله: ما إذا لم يتقدم موضع الخلاف إجماع وإنما قلنا لا دليل له لأن دلائل الشرع معلومة من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ولم يؤخذ شيء من هذا في هذه الصورة أما الكتاب والسنة فلا شك في انعدامها ها هنا وكذلك القياس وأما الإجماع فقد كان ثابتا لكنه قد زال وإذا انعدمت الدلائل فما قالوه إثبات حكم بلا دليل وقد نذكر صورة حتى يتبين الكلام فنقول: المستدل باستصحاب الحال في مسألة التيمم إذا رأى الماء في الصلاة لا يخلو إما أن يشترك بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما يدل على وجوب الوضوء فإن قال ذلك فليس هذا بدليل بل ينبغي أن يتبين للخصم اشتراك الموضعين فيما يدل على وجوب الوضوء وإما أن يشترك بينهما في الحكم لاشتراكهما في علته وهذا قياس وإما أن يشترك بينهما بغير دلالة ولا علة فليس هو بأن يجمع بينهما بأولى بأن لا يجمع بينهما وهذا لأن عدم الدليل لا يكون حجة فإن قالوا: إن حدوث الحادث لا يغير الأحكام فحدوث الصلاة لا يغير حكم وجوب الوضوء قيل له: لا","vol":"2","page":37},{"text":"يمتنع أن يختلف الشرع بحدوث الحوادث ولهذا يجوز أن يرد نص بإسقاط الوضوء عن الرائى للماء في الصلاة مع وجوبه على من رآه قبل الصلاة واستدل أبو زيد في هذه المسألة وقال: إن ثبوت الشئ أو عدم الشئ غير موجب ثبوته ولا عدمه يعنى في المستقبل ويجوز حال العدم ثبوت حالة موحدة ويجوز في حال ثبوت وجود علة معدمة ألا ترى أن عدم الشراء لا يمنع وجود الشراء وكذلك لا يمنع وجود سائر الأسباب وهذا لأن العدم ليس بشئ فيستحيل أن يكون مانعا حدوث شئ وكذلك وجود الشئ ليس بعلة لبقائة بل يبقى لعدم ما يزيله كالملك في باب البيع والحل في باب النكاح وعلى هذا حياة الانسان لا يوجب بقائها ولا يمنع نزيان الموت قال: وإذا ثبت هذا فمن أراد إثبات إدامة الحالة الماضية في المستقبل ثبوته في الماضي وثبوته لا يوجب بقائة كان محتجا بلا دليل يدل عليه أن الثابت لا يزول إلا بدليل بالإجماع فإن كان الاختلاف في الزوال اختلافا في دليله فالذي يدعى الزوال يدعى دليلا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كما أن دعوى هذا لا يكون دليلا عليه فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره الدليل بلا دليل فإن قيل: الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح وثبوت النص حجة لا توجب البقاء أيضا فلا يمنع الانتساخ بنص آخر ومع ذلك بقى الحكم قلنا: أما بعد رسول الله ﷺ فلا يحتمل الحكم الانتساخ قطعا وإذا لم يتصور النسخ بعد رسول الله ﷺ فلا يجوز ثبوته دليل بقائه وإن تصور دعوى ناسخ له فلا يكون ثبوته من قبل بلا ناسخ دليلا عليه قالوا: ومستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاؤه انتهى كلام أبو زيد وقال بعض أصحابنا: إن الاحتجاج باستصحاب الحال يؤدى إلى التعارض والتكافؤ في الأدلة لأنه ما من أحد يستصحب حال الإجماع موضع الخلاف في صحة فعل أو سقوط فرض إلا ولخصمه أن يستصحب حالة الإجماع في مقابلته وبيان ذلك أنه متى قال في التيمم إذا رأى الماء في صلاته إن صلاته لا تبطل لأنا أجمعنا على صحة صلاته وانعقاد إحرامه ولا يجوز إبطال ما أجمعوا عليه لا بدليل تعارض الخصم فنقول: أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الإسلام فلا يجوز إسقاط ما أجمعوا عليه إلا بدليل فلا يكون التعلق بأحد الإجماعين بأولى من التعلق بالآخر وما أدى إلى مثل هذا يكون باطلا وأما الجواب عن الخبر قلنا نحن لا نمنع من تعدى الحكم من حالة إلى حالة بدلالة وإنما نمنع لا بدلالة وقول النبي ﷺ دلالة","vol":"2","page":38},{"text":"وأما مسألة الطهارة: فهناك يقين الدلالة أو يقين الحدث ما زال وها هنا الإجماع قد زال والأولى أن نقول إنه في موضع يقين الطهارة وشك الحدث إنما أخذنا باليقين لأجل الخبر وأما في موضع يقين الحدث والشك في الطهارة كان الأخذ باليقين قياسا على الصورة الأولى وأما الذي استدل به الصيرفى فليس بشئ لأن نهاية ما في الباب أنه يقابل الاحتمالان على ما ذكر لكن لا دليل على بقاء الصلاة فإن قالوا: إذا ثبت يبقى قلنا: قد ذكرنا أن ثبوته لا يكون دليل بقائه فبقى أنه يقول: انعدام الدليل المبطل للصلاة وعدم الدليل لا يكون دليلا فإن قالوا: إذا لم يقم دليل يوجب بطلان الصلاة فهنا قيل له من ادعى البقاء وهناك منازع يمنع البقاء فلابد له من دليل يقيمه عليه ولا دليل له على ما سبق فأما إذا عدم المنازع بقى على ما كان أما عند وجود المنازع لابد من دليل يكون حجة عليه ولم يوجد فإن رجعوا إلى قولهم أن الأصل ثبات الأحكام ودوامها قلنا بلى ولكن ما لم تحدث هذه الحادثة فإما عند حدوث الحوادث فلم قلت هذا وعلى أن قلنا: إن البقاء الذي وقع التنازع فيه لابد من دليل يقام عليه ولم يوجد فأما قولهم إن دليل العقل في براءة الذمم يجعل دليلا وحجة فكذلك دليل الشرع قلنا إنما وجب استصحاب براءة الذمم لأن دليل العقل في براءة الذمة قائم في موضع الخلاف فوجب الحكم به وأما ها هنا فالإجماع الذي كان دليلا على الحكم قد زال في موضع الخلاف فوجب طلب دليل آخر.\nوالجواب: المعتمد أنا لا نقول تثبت براءة ذمته باستصحاب الحال ولا يحكم بكون الشئ له باستصحاب الحال لكن يطلب من المدعى حجة يقيمها على ما ادعاه فإذا لم تقم بقى الأمر على ما كان من غير أن يحكم بثبوت شئ والخلاف واقع في ثبوت الحكم باستصحاب الحال وهذا لا نقوله في موضع ما وقد قال أبو زيد: إن استصحاب الحال يصلح دليلا. لتبقيه حكم قد كان ثابتا ولا يصلح دليلا لإثبات حكم لم يكن ثابتا وربما نقول: هو حجة دافعة ولا يكون حجة مثبته وهذه العلة تنقض ما سبق من كلامه من قبل والأصح على مذهبنا أن استصحاب الحال لا يكون حجة في شئ ما وسائر ما ذكروه من الاستشهاد خارج على ما بيناه وأما الذي تعلقوا به من النبى إذا أقام المعجزة قلنا إذا ما أقام المعجزة ثبت كونه نبيا فيجب على كل أحد الإيمان به فكان سقوط إمكان من ينكر ثبوته من هذا الوجه لا من قبل دليل استصحاب الحال والله أعلم.","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>مسألة: النافي للحكم يجب عليه الدليل المثبت:</span>\nوقال أصحاب الظاهر: لا دليل عليه١ واستدل من قال: أنه لا دليل عليه بقوله ﷺ: \"البينة على المدعى واليمين على من أنكر\" ٢ والبينة حجة وقد جعلها على مدعى الثبوت لا على مدعى النفى فثبت أن النافي لا دليل عليه.\nببينة: أن أهل العلم اتفقوا على قولهم: إن القول في الدعاوي قول المدعى عليه ومعنى قولهم إن القول قوله أنه لا دليل عليه ومعنى قولهم أنه لا يقبل دعوى المدعى أن الدليل عليه وكذلك أجمعوا أن من أنكر النبوة لا دليل عليه وإنما الدليل على من ادعى النبوة.\nببينة: أن أقوى الخصومات في البينات والنبي ﷺ: كان مثبتا والقوم كانوا نفاة وما كان لهم حجة سوى أنه لا دليل على النبوة وإذا كان الأمر على ما قلنا في النبوة وسائر الدعاوي كذلك ها هنا يجب أن تكون الحجة على من أثبت الحكم لا على من نفاه قالوا: ولأن معنى قولنا لا دليل على النافى هو أنه لا دليل على المتمسك بالعدم لأن العدم ليس بشئ والدليل يحتاج إليه لشئ هو مدلول عليه فإذا لم يكن العدم شيئا لم يحتج المتمسك به إلى دليل حتى يدل عليه وأما دليلنا هو أن النفى لكون الشئ حلالا وحراما حكم من أحكام الدين كالإثبات والأحكام لا تثبت إلا\n_________\n١ إذا نفى بعض المجتهدين حكما من الأحكام فقال: هذا الحكم ليس ثابتا عندي فهل يطالب بدليل على هذا؟\nاختلف الأصوليون في ذلك فقال فريق منهم: يطالب بدليل مطلقا لأن نفى الحكم دعوى والدعوى لا تثبت إلا بدليل.\nوقال فريق آخر: لا يطالب بالدليل مطلقا لأن نفي الحكم استمرار للعدم الأصلي وهو غير محتاج إلى فاستمراره كذلك.\nوقال فريق ثالث: إن ادعى أنه نفى الحكم ثابت عنده بالضرورة لا يطالب بالدليل لأن عدالته توجب صدقه والضروري شأنه أن لا يكون محل شبهة وإن ادعى أنه ثابت عنده بالعلم النظري أو بطريق الظن طولب بالدليل لأن النظري أو الظني قد يشتبه فيه. فالدليل يبين هل هو مثبت للعدم أو غير مثبت له لنزول الشبه المستصفى \"١/١٣٢\" انظر نهاية السول \"٤/٣٩٥\" روضة الناظر \"١٣٩\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٨١، ١٨٢\".\n٢ أخرجه الترمذي: الأحكام \"٣/٦١٧\" ح \"١٣٤١\" ولكنه قال: واليمين على المدعى عليه والبيهقي في الكبرى \"٨/٤٨٤\" ح \"١٧٢٨٨\" والدارقطني في سننه \"٤/١٥٧\" ح \"٨\" انظر تلخيص الحبير \"٤/٢٢٩\" ح \"١\".","vol":"2","page":40},{"text":"بأدلتها وكل من ادعى في شئ من الأشياء حكما من إثبات أو نفي فعليه إقامة الدليل عليه بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ثم الدليل على ما قلناه من جهة التحقيق هو أن النافى فيما نفاه لا يخلو من أحد الأمرين إما أن يدعى العلم بنفى ما نفاه أو لا يدعى العلم بانتفائه بل إنما يخبر عن جهله وشكه فإن كان يخبر عن جهله وشكه١ فالدليل عنه ساقط لأن أهل النظر قاطبة لا يوجبون على من يدعى الشك والجهل دليلا ولا يقال لمن جهل أو شك: لما جهلت أو شككت ولو رام المدعى لذلك إقامة دليل عليه لم يمكنه ذلك إن كان النافى يدعى العلم بصحة ما نفاه فقال: من أين علمت نفى ما نفيته باضطرار أو باستدلال؛ ولا يمكنه دعوى الضرورة لأنه لو كان ضرورة لشاركناه في ذلك وإن قال: بدليل علمت نفى ما نفيته سئل عن ذلك هل هو حجة عقل أو سمع؟ فإن قال: سمع قلنا له: بين ذلك فإن قال: بعقل قلنا له: بين ذلك فدل أنه لابد من دليل يقيمه واعلم أنه لا خلاص لهم من هذه المطالبة إلا بدعوى علم الضرورة وهذا باطل أو بدعوى جهله بانتفاء ما نفاه فتزول عنه المطالبة أيضا لأنه لا مطالبة على الجهلة فأما تمنى زوال الحجة مع دعوى وجود العلم بانتفاء المنتفى غير متصور قال أبو زيد: قول القائل لا دليل لا يكون دليلا كما أن قوله لا حجة ولا يكون حجة مثل قول الإنسان لا زيد ولا عمرو ولا يكون زيد ولا عمرو فصار المتمسك بالنفى متمسكا بعدم الدليل وعدم الدليل لا يكون دليلا يدل عليه إن دعوى خصه أنه وجد الدليل يعارض قوله إنه عدم الدليل فلا يكون قوله حجة على خصمه كما لا يكون قول خصمه حجة عليه قالوا إن النافى متمسك بالعدم والعدم غير محتاج إلى الدليل فإن الشئ الذي هو مدلول يحتاج له إلى الدليل فأما العدم فليس بشئ فلا يحتاج إلى الدليل وهذا السؤال يفسد بما قلناه من قبل وهو أن النافى يدعى العلم بانتفاء الشئ ودعوى العلم بانتفاء الشئ لا يجوز إلا أن يكون عن دليل نعم دعوى الجهل لا يحتاج إلى الدليل فأما دعوى العلم فلا يستغنى عن الدليل بحال وأما دليلهم قلنا: إن لا دل فهو خارج على ما قلنا لأنا لا نقول إن المدعى عليه إذا ادعى أنه لا شئ عليه أنه ينتفى عنه الحق بإنكاره ونفيه. بل نقول: لا دليل على ثبوت الحق عليه فلا يحكم بالثبوت ومعنى قولنا: إن القول قوله هو أنه لا يقبل دعوى المدعى\n_________\n١ ثبت في الأصل \"وشكله\".","vol":"2","page":41},{"text":"عليه ويترك الأمر على ما كان عليه من قبل ثم يمينه تكون حجة لقطع الخصومة وعلى أنه يمكن أن يقال: إن حجته في إنكاره ونفيه الوجوب عن نفسه يمينه فإن سقطت البينة عنه لم يسقط عنه اليمين التي تقوم مقامها في هذا الجانب فالله تعالى جعل اليمين حجة في جانب المدعى عليه كما أن البينة حجة في جانب المدعي وفى دعوى الأعيان يجوز أن يقال: إن اليد للمدعى عليه حجة فيما يدعيه من كون الشئ ملكا له والحجة مختلفة فيجوز أن تكون اليد حجة ويجوز أن تكون البينة حجة وأحسن الأجوبة هو الجواب الأول وأما تعلقهم بمنكر النبوة قلنا: من ينكر النبوة إذا قطع بالنفى وقال: لست بنبى فإنه يجب عليه إقامة الدليل على نفيه وهو أنه يقول لو كنت نبيا مبعوثا لكان معك دليل يدل على صدقك لأن الله ﷿ لا يبعث رسولا إلا ومعه دليل يدل على صدقه ومهما لم أر معك دليلا دلنى ذلك أنك لست بنبى وإن لم يقطع بالنفى وقال: لا أعلم أنك نبى أو لست بنبى فهذا لا دليل عليه لأنه شاك والشاك لا دليل عليه وأما في مسألتنا فصورة الخلاف في موضع يقطع بالنفى ولا يجوز أن يقطع بالنفى إلا عن دليل يقتضيه ويوجبه فإن قيل: أليس لو نفى صلاة سادسة لا يكون عليه دليل. قلنا: لابد في نفيها من دليل يقيمه عليه وهو أن يقول إن الله تعالى لا يقيد خلقه بفرض إلا وأن يجعل إلى معرفته طريقا من جهة الدليل ولما لم نجد ما يدلنا على الوجوب دلنا ذلك على أنه لا واجب وقد قال: بعض أصحابنا يقال: لمن زعم أنه ليس على النافى دليل قلت هذا بدليل أو بغير دليل فإن قال قلته بدليل فقد اعترف للنافى عليه دليل وإن قال: قلته بلا دليل يقال: له مم يتفضل عمن يقول أنا أنفى صحة ما تعتقده من هذا القول وأتمسك بأن النافى لا دليل عليه وهذا فصل يعتمد في إظهار المناقضة عليهم في قولهم وسئل أبو زيد سؤالا وأجاب عنه وهو فإن قيل: أليس أن ما يثبت بالدليل وهو مما ينفى بلا دليل فقد أثبتم البقاء في هذه الصورة بلا دليل؟ والجواب: أنه يبقى على ما قلته لكن بقاء يحتمل الارتفاع والمحتمل لا يكون حجة في إثبات ما ليس ثابت والحكم في حق الخصم غير ثابت فاحتيج إلى إثباته فما يكون محمتلا لا يكون حجة في حقه ثم قال: على هذا مسائل منها الصلح على الإنكار فإنه جائز عندنا غير جائز عند الشافعي رحمة الله عليه لأن الله تعالى خلق الذمم بريئة عن الحقوق فثبت براءة ذمة المنكر بالدليل الأصلي في براءة الذمم ولم يقم دليل على شغل ذمته قال: وعدم الدليل حجة في","vol":"2","page":42},{"text":"إبقاء ما يثبت بالدليل عند الشافعى رحمة الله عليه فلم يجز شغل ذمته بالدين فلم يصح الصلح. قال: وعندنا الصلح على الإنكار جائز ونقول: قول المنكر ليس بحجة على المدعي كقوله المدعي ليس بحجة على المنكر وعدم الدليل على شغل الذمة لا يكون حجة للمنكر على المدعى كقول المدعي: إن المال ثابت لم يكن حجة على المنكر وربما عبر عن هذا فقال: عدم الدليل ليس بحجة لإبقاء ما ثبت بالدليل فيجوز شغل ذمته بالدين على معنى أن المال يكون ثابتا في حق المدعي في ذمة المنكر وأما البراءة تكون ثابته في حق المنكر خاصة وهذا لأن خبر كل واحد منهما يكون حجة في حق نفسه دون خصمه ولما كان المال في حقه ثابتا يكون خبره حجة شرعا مع اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر لأن تلك المعارضة ليس بحجة في حق المدعي فيبقى الأمر على ما كان قبل المعارضة وهذا كما صح شراء من شهد بالعتق ثم اشترى وإن كان العتق ثابتا في حقه وهذا يؤاخذ به بعد الملك لأنه غير ثابت في حق البائع فصح بيع البائع واعتياضه عن عبد كان ملكا له بخبر هو حجة في حقه لا غير وإن عارضه لخبر المشتري لأنه ليس بحجة عليه وهذا لأنه لا دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل فذلك الدليل الذي أوجب ثبوته لا يوجب بقاؤه بل البقاء لاستغنائه عن الدليل غير أنه لما لم يكن واجب البقاء وكان مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتى طرفان ما يزيله فيصير قول القائل وقد طرأ ما يزيله محتملا للصدق كقوله لم يقم الدليل فلا يصير حجة على جاحد منهما قال: ولأن الذي اعتمد عدم الدليل لبقاء ما ثبت بدليله اعتمد معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة عليه وإنما قلنا: لا يمكنه لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس في العلم بالأدلة ويجوز أن يعلم خصمه دليلا ثم يبلغه ومن ادعى أنه علم كل شئ لا يناظره ويكون متعنتا جاهلا وهذا كما كان يجوز في زمن النبى ﷺ أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ بدليل آخر فيبلغ الناسخ أقواما دون أقوام فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورا في العلم بالمنسوخ ولا يكون جهله بالناسخ حجة على من بلغه الناسخ فكذلك الحجج اليوم يجوز أن يبلغه حجة منها شخصا دون شخص فلا يكون قوله دليل حجة على خصمه قال: ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج بعد التحريم في إثبات الحل في قوله ﷿: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] لأن الله تعالى هو المحرم ولا يخفى عليه العدم كما لا يخفى عليه الوجود فثبت العدم على التابعين أجمع بقول الله تعالى","vol":"2","page":43},{"text":"فيلزمهم البقاء على الحكم الأول الثابت بدليله أعنى الحل هذا كلام أبى زيد ذكره في أصوله الذي سماه: \"تقويم الأدلة\" وهذا الذي قاله تكلف شديد وبنى على هذا الأصل مسائل أخر وطول الكلام تطويلا كثيرا ولم أر كثير فائدة فيه وفى ذكره ونحن نقول: إن عدم الدليل ليس بحجة في موضع ما والذي ادعاه حكى الشافعى ﵀ عليه من مذهبه فيما قاله لا ندرى كيف وقع له ذلك والمنقول عن الأصحاب ما قدمناه.\nوأما مسألة الصلح على الإنكار: فقد بينا وجه فساده في مسائل الخلافيات وكم من أصول ذكروا لنا بنوا عليها مسائل من الخلاف ولا نعلم صحة تلك الأصول على مذهب الشافعى رحمة الله عليه وذكر أيضا مسألة الشفعة على هذا الأصل أو كان جارا على أصلهم فأنكر المشترى أن يكون الشقص ملكا له قال: عند الشافعى رحمة الله عليه لا يلتفت إلى إنكاره ويثبت له حق الأخذ بالشفعة بظاهر ملكه قال: وعندنا ليس له حق الشفعة حتى يقيم البينة أن الشقص ملكه والله أعلم.\n\"فصل\"\nوقد ذكر بعض أصحابنا في الحكم بأقل ما قيل وذلك أن يختلف المختلفون في مقدر بالاجتهاد على أقاويل فيؤخذ بأقلها عند إعواز الدليل وهذا على ضربين:\nأحدهما: أن يكون فيما أصله براءة الذمة فإن كان الاختلاف في وجوب الحق وسقوطه كان سقوطه أولى من وجوبه لموافقته براءة الذمة الإ أن يقوم دليل على ثبوت الوجوب فيحكم بوجوبه بدليل وإن كان الاختلاف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية الذمى إذا وجبت على قاتله فقد اختلفت الفقهاء في قدرها فقال بعضهم هى كدية المسلم. وقال بعضهم: نصف دية المسلم وقال بعضهم: ثلث دية المسلم وهذا مذهب الشافعي رحمة الله عليه وهل يكون الأخذ بالأقل دليلا حتى ينقل عنه اختلف فيه أصحاب الشافعى رحمة الله على وجهين أحدهما يكون دليلا والآخر لا يكون دليلا.\nوالضرب الثاني: أن يكون فيما هو ثابت في الذمة كالجمعة الفائت فرضها اختلف العلماء في عدد انعقادها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها فلا تبرأ الذمة بالشك.","vol":"2","page":44},{"text":"وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا؟!! على وجهين:\nأحدهما: يكون دليلا ولا ينقل عنه إلا بدليل لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعا وبالأقل خلافا وجعلها الشافعى رحمة الله عليه منعقدة بالأربعين لأن هذا العدد أكثر ما قيل.\nوالوجه الثاني: لا يكون الأخذ بالأكثر دليلا لأنه لا ينعقد من الاختلاف دليل والشافعى رحمة الله عليه إنما اعتبر عدد الأربعين بدليل آخر١ ولست أرى في هذه الكلمات كثير معنى لكنى نقلت على ما ذكر والله ﵎ أعلم.\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٤/٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٢، ٣٨٣\" انظر حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي \"٤/٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٢، ٣٨٣\" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٨٣، ١٨٤، ١٨٥\".","vol":"2","page":45},{"text":"مسألة: فهذه<span data-type=\"title\" id=toc-90> مسألة الحظر والإباحة:</span>\nأوردنا في هذا الموضع لما بينا من شذوذها عن الأبواب المتقدمة وعدم دخولها في باب القياس ومعرفة هذه المسألة أصل كبير في مسائل كثيرة ولابد من تقديم مقدمة ينبنى عليها ما يتلوها وهى أن الحظر والإباحة والحسن والقبيح. ثم يعرف فاعلم أن الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعى رحمة الله عليه أن التكليف يختص بالسمع دون العقل وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شئ ولا بتقبيحه ولا حظره ولا إباحته ولا يعرف حسن الشئ وقبحه ولا حظره ولا تحريمه حتى يرد السمع بذلك وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء فيدرك به ما حسن وقبح وأبيح وحرم بعد أن يثبت ذلك بالسمع وقد ذهب إلى هذا المذهب من المتكلمين جماعة كثيرة وهم الذين امتازوا عن متكلمى المعتزلة وذهب إلى هذا أيضا جماعة من أصحاب أبى حنيفه وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن العقل مدخلا في التكليف وأن الحسن والقبح ضربان ضرب علم بالعقل وضرب علم بالسمع وأما المعلوم حسنه بالعقل فهو العدل والصدق وشكر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم قبحه بالعقل فنحو الظلم والكذب وكفر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم حسنه بالشرع فنحو الصلاة والصيام والزكاة والحج وما أشبه ذلك وأما المعلوم قبحه بالشرع فنحو الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك قالوا وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل أن يكون وروده مؤكدا لما في العقل إيجابه وقضيته وزعموا أن الاستدلال على معرفة الصانع واجب بمجرد","vol":"2","page":45},{"text":"العقل قبل ورود الشرع ودعا الشرع إليه وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم والذي ذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشى والصيرفى وأبو بكر الفارسي والقاضى أبو حامد وغيرهم وذهب\nالحليمى أيضا من المتأخرين وذهب إلى هذا كثير من أصحاب أبي حنيفة١ خصوصا العراقيون منهم واستدلوا في ذلك. وقالوا: إن الله تعالى وبخ الكفار على تركهم الاستدلال بعقولهم على وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه في أنفسهم وغيرهم من الخليقة وأصنافها من الآيات والعلامات فقال: ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] وقال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦] وقال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي عقل وقال تعالى حاكيا عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] والآيات على هذا المعنى تكثر في القرآن فلو كان العقل لا يدلهم على وجوب ذلك إذا رجعوا إليه لم يوبخوا على ترك الاستدلال بها.\nببينة: أن الله تعالى لم يخل شيئا من العالم عن دلالة على وحدانيته ولم يترك خلقه سدى مع إكمال عقولهم وإزاحة العلل عنهم وتمهيد الأسباب التي يصح بها معارفهم فلو لم يجب عليهم الاستدلال بعقولهم بالنظر في هذه الأشياء لخرج الأمر في ذلك عن وجه الحكمة ولبطلت فائدة العقول التي أعطاهم وصاروا بمنزلة البهائم التي لا تحتاج إلى تكليف وحين لم تعط آلته ولم يجعل لها استطاعة وهم في هذا الكلام كثيرا ثبوتا إلى طرف من ذلك واقتصرنا عليه لأن المسألة من باب الكلام أما الدليل على القول الأول وهو الصحيح وإياه نختار ونزعم أنه شعار أهل السنة قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولم يقل حتى نركب فيهم عقولا فلما كان العذاب غير واقع إلا بالخطاب دل أن الإيجاب غير واقع إلا به وقال تعالى حكاية عن الملائكة في خطابهم مع أهل النار: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] في آى غير هذا مما هو في معناه فدل أن الحاجة إنما لزمتهم بالسمع دون العقل وقد ورد نص القرآن بهذا وهو قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فدل أنه لا حجة\n_________\n١ انظر التلويح على التوضيح \"١/١٧٣ إلى ١٩٠\" البرهان \"١/٨٧، ٨٨، ٨٩\" انظر نهاية السول \"١/٨٢، ٨٣، ٨٤\" حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي \"١/٨٢، ٨٣، ٨٤\".","vol":"2","page":46},{"text":"بمجرد العقل بحال. وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] ونحن نعلم قطعا أن الكفار كانت لهم عقول ولهذا توجه التكليف عليهم فلو كانت الحجة توجهت عليهم بعقولهم لم يكن لهذه الآيات معنى أصلا فإن قالوا: ورد الشرع بما ورد به مؤيدا لما في العقل وذلك لأن العقل لايدل على من آمن وجبت له الجنة خالدا مخلدا أبدا ولا يدل أن من كفر وجبت له النار خالدا مخلدا فإن هذا مما لا يهتدى إليه العقل وإذا كان الوعد والوعيد على هذا الوجه ثبت بالسمع فلهذا في هذه الآيات التي ذكرتم أضاف ما أضاف إلى السمع وإلى ما أراد به الرسل.\nوالجواب: أنه ليس فيما قلت انفصال عمن ذكرناه لأن الله تعالى بين أن الحجة لا تتوجه إلا بالرسل وبين أن التوبيخ لحقهم في النار لبعث الرسل وبين أن عذرهم انقطع بالرسل وهذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وعندهم أن الحجة متوجهة في الإيمان بالله بمجرد العقل والتوبيخ لاحق إياهم بغير رسول والعذر منقطع بغير نذير ولا بشير وأما الآيات اللاتى ذكروها فنحن نقول: إن العقل آلة التمييز وبه تدرك الأشياء ويتوصل إلى الحجج وإنما الكلام في أنه بداية هل يستقل بإيجاب حله وتحريمه وأما قولهم: إنه لا يجوز في الحكمة خلق الإنسان تكميل عقله وتركه سدى وعندنا أن عدم جواز هذا لا يعرف بالعقل أيضا ثم نقول ومن يوافقكم أن الإنسان إذا خلقه الله تعالى وركب فيه العقل فإذا لم يلزمه الاستدلال به تركناه سدى وعطلنا فائدة العقل فإن الله تعالى إنما أعطاه العقل ليستدل به في الأمر والنهى إذا خوطب يميز به بين الحسن والقبيح إذا ورد بالسمع بهما فإذا كان كذلك فلم يخلق سدى لأن السمع قد ورد بالتكليف وإدراك ذلك بالعقل فقد وصلت فائدته وثمرته فبطل ما قالوه فإن قيل لو كان الاستدلال على التوحيد لا يجب بمجرد العقل لكان يجوز ورود الشرع بإسقاطه وإباحة الكفر وإيجابه وحين لم يجز هذا عرفنا أن الوجوب كان بالعقل قيل له: قد وردالشرع بإباحة الفاظ عند الضرر إذا قالها الإنسان باختيار منه يكون كفرا ألا ترى أنه إذا كان مكرها فإنه يرخص له في أنه يقولها إذا كان لا يعتقدها بقلبه ولا يكون قوله ذلك كفرا. وكذلك يرد مثل هذا في الأفعال وذلك مثل السجود للصنم وعباده الشمس والقمر وغير ذلك فإنه إذا فعل هذه الأشياء تقية من عقوبة الكفار وكان مع ذلك مطمئن بالإيمان لم يكفر فإن قيل: إنما يلزمكم","vol":"2","page":47},{"text":"ورود الشرع بأن يعتقد فيه الإنسان ما هو من خلاف أوصافه قلنا لا يجوز لاستحالته في نفسه وبيان ذلك أن الأمر لا يلزم إلا بمعرفة الأمر على أوصافه فإذا أمرنا لاعتقاد فيه على خلاف ما هو به كان قد وجب الاعتقاد فيه على ما هو به ويستحيل وجود أمر بمأمور هذا وصفه ويكون متناقضا ولا يمكن اعتقاد المتناقض ونحن وإن قلنا: إن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرمه ولكن نقول إنه آلة الدرك والتمييز والمستحيل لا يدرك فسقط عنه الدرك والأولى أن نقول: إنما عرفنا أن الله ﷿ لا يكلفنا بما قلتم من اعتقاد الكفر ومعرفته على خلاف ما هو به الشرع قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وأفحش الفواحش الكفر وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] . وهذه مسألة كلامية فالأولى هو الاقتصار على هذا القدر والمبالغة في مثل هذا النوع لا يؤمن فيه من المعفوات وأن يقال على الله تعالى ما لا يجوز وإنما ذكرنا القدر الذي ذكرناه لأنه كان من مسألة عظيمة في أصول الفقه ولأن مرجع ما يصير أليه أهل السنة في هذه المسألة إلى الآيات التي ذكرناها. وهو أيضا أصل كبير ولعله يحتاج إليه في مسائل من الفقه فذكرنا هذا القدر لئلا يكون الفقيه أجنبيا عنه ويعرف طرفا منه والله تعالى يهدى ويرشد ويوفق بمنه.\nمسألة: إذا عرفنا الأصل الذي قد بيانه رجعنا إلى المسألة المقصودة المختصة بأصول الفقه فنقول: اختلف العلماء في الأعيان المنتفع بها ما حكمها قبل ورود الشرع قال كثير من أصحابنا: إنها على الوقف لا نقول إنها مباحة ولا محظورة وهو قول الصيرفى وأبو بكر الفارسي وأبى على الطبرى وبه قال أبو الحسن الأشعرى ومن ينتمى إليه من المتكلمين وقال بعض أصحابنا إنه على الحظر إلا أن يرد الشرع بإباحتها وهو قول بعض البغداديين من المعتزلة وقال القاضى أبو حامد المروزى وأبو إسحاق المروزى وحكى ذلك أيضا عن ابن سريج أنها على الإباحة أيضا وهو قول أصحاب أبى حنيفه وإليه ذهب أكثر المعتزلة١. واحتج من ذهب إلى الإباحة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وهذا لتحريم الإباحة دل\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٤/٣٥٢\" انظر حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي \"٤/٣٥٣\" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٧٤\".","vol":"2","page":48},{"text":"أن الله تعالى خلق الأشياء على الإباحة حيث أنكر على من يعتقد التحريم واستدلوا من حيث المعقول وهو أن الانتفاع بالعين أكلا في المأكول وشربا في المشروب وركوبا في المركوب ولبسا في الملبوس منفعة ليس فيها وجه من وجوه القبح فكان حسنا والعقل يجوز فعل المستحسنات وإنما قلنا: إنه منفعة لأنا نعلم قطعا أن أكل الفاكهة منفعة وشرب الماء كذلك وكذلك كل ما أشبهه وأما قولنا: إنه انتفى عند وجوه القبح لأنه انتفى عنه اتصال مضرة يأخذ وهذا النوع من الفعل لو كان قبيحا لكان وجه قبحه اتصال ضرر منه بغيره لأنه ليس في نفسه بكذب ولا جهل ولا كفر لمنعم إنما يبقى وجه قبحه أن يظلم به غيره ويتصل منه ضرر بذلك الغير ولا شك أن هذا منتف فثبت حسنه من هذا الوجه قالوا: ولا يجوز أن يقال: إنه يجوز أن يكون قبيحا فإذا لم نأمن كونه قبيحا لم يجز فعله وذلك لو كان قبيحا ومفسدة لوجب في الحكمة تعريفنا كونه مفسدة أو نصب أمارة عليه فلما لم يوجد ذلك علمنا أنه ليس فيه مفسدة ولا قبح أصلا.\nببينة: أنا إذا لم نعلم وجه قبح جاز لنا هذا الانتفاع كالتنفس في الهواء لما لم يعلم قبحه جاز لنا ذلك وقرروا هذا الكلام من وجه آخر وهو أن النفع بالعين يدعو إلى الفعل فإذا خلا من وجوه القبح وخلا من أمارة الضرر والمفسدة حكم بحسنه وعلى هذا التقرير يقولون: إن المعتبر هو الأمارة والدليل وعلى أن المعتبر هو أمارة الضرر والمفسدة أن العقلاء لا يلومون من امتنع من الفعل لتجويز الضرر إذا كان هناك أمارة ويلومون من امتنع لمجرد التجويز إذا لم يكن عليه أمارة الا ترى أنهم يلومون من امتنع من أكل طعام شهى لتجويز كونه مفسدة إذا لم يكن عليه أمارة بأن يقول هو مسموم ولا يلومونه إذا امتنع من أكله إذا كانت هناك أمارة تدل على ما قاله وكذلك يلومون من امتنع من القيام بجنب حائظ لخوف سقوطه إذا لم يكن هناك أمارة ولا يلومون إذا امتنع وهناك أمارة من ميل أو فساد أساس وما أشبه ذلك فثبت أن المعتبر وجود الأمارة على كونه مفسدة أو مضرة ولم يوجد ها هنا فقضى بحسن الفعل بدليل ما بينا يدل عليه أنه لو قبح الإقدام على المنفعة لجواز كونها مفسدة لقبح الإحجام عنه أيضا لجواز كونه مصلحة وفى هذا إيجاب الانفكاك منهما وهو إيجاب لما ليس في طوق الإنسان ووسعة قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن القبح إنما كان لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن فلم قلتم: إن هذا قبيح فإن قاسوه على تصرف بعضنا في ملك بعض فهذا","vol":"2","page":49},{"text":"قياس باطل لأن معنى الملك فينا وفى الله مختلف فالجمع بين ملكنا وملك الله لا يجوز وإنما قلنا: إنه يختلف لأنه معنى كوننا مالكين للشئ هو أنا أحق بالانتفاع به من غيرنا على الإطلاق وذلك مستحيل على الله ﷿ ومعنى كونه مالكا للشئ أنه قادر على إفنائه وإيجاده.\nببينة: أن في الامتناع من الانتفاع إضرار بالنفس وليس في الانتفاع إضرارا بملك الله تعالى فصار الأولى إطلاق الانتفاع ثم نقول إنما قبح تصرفنا في ملك غيرنا لأنه يضره لا لأنه مالكه فقط ألا ترى أنه يحسن منا الاستظلال بحائط غيرنا والاستضاءة بنار غيرنا وكذلك النظر في مرآة الغير والتقاط ما تناثر من حب غلته بغير إذنه لما لم يضره ذلك والانتفاع والضرر يستحيلان على الله ﷿ فصارت الإباحة متعينة.\nدليل آخر: وهو أن الله ﵎ خلق هذه الأعيان وأوجدها وركب فيها المنفعة فلا يخلو من أن يكون خلقها لغير غرض أو لغرض ولا يجوز أن يكون لغير غرض لأنه يكون عبثا ولا يجوز أن يكون الله تعالى عابثا في أفعاله فوجب أن يكون خلقها لغرض ولا يخلو عند ذلك إنما يكون خلقها ليضر بها أو لينتفع بها ولا يجوز أن يقال خلقها ليضر بها لأنه حكيم لا يبتدئ بالضرر ولأن الإضرار بمن لا يستحق الإضرار سفه فدل أنه خلقها لينتفع بها وإذا خلقها لينتفع بها فلا يخلو أما أن يكون خلقها لينتفع بها نفسه أو ينتفع غيره وهو العباد ولا يجوز أن يكون لينفع نفسه لأنه غنى عن المنافع ولا يتصور أن يصل إليه نفع فدل أنه خلقها لينفع بها عباده وإذا خلقها لينفع بها عباده فيكون خلقها إذا لهم في الانتفاع بها فإن قلتم خلقها ليستدل بها نقول إنما يصح الاستدلال بها إذا عرفت والمعرفة بها موقوفة على إدراكها وإن قلتم: خلقها ليجتنب العبد عنها ويصير العبد يبتلى بذلك فإذا اجتنب يستحق الثواب نقول في هذا إباحة الإدراك١ أيضا لأنه إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت النفس إلى إدراكها ولابد في ذلك من تقدم إدراكها حتى إذا أدركها وصارت النفس داعية إليها حينئذ إذا اجتنب استحق الثواب فثبت أنه كيفما كان الأمر لا فائدة في خلقها وتركبت المنفعة فيها إلا الإباحى للانتفاع بها دليل آخر وهو أنه يحسن من العقلاء التنفس في الهواء والاستنشاق من النسيم ويجوز أن يفعلوا منه أكثر ما يحتاج إليه للحياة ومن رام أن يقدر على نفسه ذلك فلا يزيد على قدر ما يحتاج إليه للحياة عده العقلاء من المجانين والعلة في جواز\n_________\n١ ثبت في الأصل \"الأراك\".","vol":"2","page":50},{"text":"ذلك أنه انتفاع لا يعلم فيه مفسدة ولا مضرة وهذا موجود في كل ما ينتفع به ولا يجوز أن يقال: إن علة حسن ذلك بقاء الحياة به وفى تركه إهلاك النفس لأنا إنما عينا الإلزام في موضع يفعل منه ما يبقى الحياة بدنه وعلى أن الكف عن التنفس وإن أدى إلى إتلاف الحياة فلم يجب أن يقبح ولا يجوز ذلك قالوا: وإذا ثبت بهذه الدلائل حسن الانتفاع بهذه الأعيان وإن الخلق وقع لذلك بطل القول بالحظرية وبطل القول بالوقف.\nببينة: أنه إذا اعتقد الوقف فلا يكون وقفا لأن الاعتقاد إذا وجب بطل الوقف واستدل أبو زيد بقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وبقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] قال: وإن الله تعالى ما حرم شيئا من المتناولات والانتفاعات وما سوى ذلك إلا لمصالح تعود إلى العباد في الحرمة فحرم الزنا١ لما فيه من ضياع النسب وحرم الإسراف في الأكل لما فيه من الضرر وحرم تضييع المال لما فيه من السفه وحرم الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر الله تعالى وحرم القمار لما فيه من البغضاء والعداوة ولما فيه من السفه بتضييع المال وحرم الخنزير٢ لما في أكله من عدوى طبعه إلى الآكل وكذلك سائر السباع العادية٣ وحرم علينا الخبائث حتى لا يعدوا إلينا الخبث الذي منها وأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق عدوى الخبث. فثبت أن التحريم كله مصالح للعباد فكان النهى من الله تعالى على سبيل نهى الطبيب المريض عن بعض الأغذية لصلاح المريض ثم أنه يمنحه له إذا صار الصلاح في التناول وكذلك نهى عن شرب الدواء في بعض الأحوال ويأمر بذلك في بعض الأموال من غير تبدل حال المشروب في نفسه بل تبدل حال الشارب وقد يبيح الطبيب شيئا لإنسان دون أنسان مع اتفاق حالهما لاختلاف مصالحهما فثبت أن الحرمة لا تكون إلا لمصلحة تعود الينا فإذا لم يعرف في التحريم مصلحة بوجه وبما تعين التحليل وثبت أن الأصل هو الإباحة وأن التحريم يكون يعارض دليل قال والدليل على هذا أن الله تعالى [قال]: ﴿قُلْ لا أَجِدُ\n_________\n١ ذكره ابن المنذر إجماعا انظر الإجماع لابن المنذر \"١١٢\".\n٢ انظر المغنى \"١١/٦٤\".\n٣ قال الإمام ابن قدامة المقدسي: أكثر أهل العلم يرون تحريم كل ذي ناب قوي من السباع يعدو به ويكسر إلا الضبع منهم مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الحديث وأبو حنيفة وقال الشعبي وسعيد بن جبير وبعض أصحاب مالك: وهو مباح انظر المغنى \"١١/٦٦\".","vol":"2","page":51},{"text":"فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية. فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه \"الآية فعلم رسول الله ﷺ الاحتجاج بلا دليل على التحليل من طريق الشرع وعدم الدليل لا يكون حجة على الإباحة فعلم أن الإباحة في الأعيان المنتفعة بها اصل ثابت بدليل العقل لأنه حجة يجب العمل بها حتى يتبين في الشرع إن الحق بخلاف ذلك فيصير الدليل الشرعى كالمخصص بدليل العقل فيكون حكم ذلك الخاص يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم يرد الخصوص فيه هذا طريقته.\nوقال بعضهم: إن الله تعالى غنى على الحقيقة جواد على الحقيقة وبهذا الوصف يعرف الله من عرف الله والغنى الجواد لا يتصور منه منع ماله عن عباده إلا ما كان فيه ضرر. فتكون الإباحة [هي] ١ الأصل باعتبار جوده وغناه والحرمة تعارض ولا عارض يوجب الحرمة فتثبت الإباحة وأما من قال بالحظر. قال: وذلك لآن الشئ إذا لم يكن له من الظاهر أصل يستدل به على حكمه استشهد له بالنظائر والأمثلة والأشباه وألحق حكمه بهذا وقد علمنا أن الأشياء كلها ملك الله تعالى وله الخلق والأمر وملك الغير لا يجوز تناوله إلا بإذنه فوجب أن تكون الأشياء كلها على الحظر وينبغى أن تبقى الأشياء على ملك مالكها ولا يتعرض لشئ منها إلا بإذنه وأمره ولأن الملك علة الحرمة على غير المالك بدليل سائر الأملاك. فإذا وجدت علة الحرمة ولم توجد علة الإباحة كان الشئ على الحرمة هذا مجموع كلام المخالفين. وأما دلائلنا أعلم أولا أنه ليس معنى الوقف هو أنه يحكم به لأن الوقف حكم مثل الحظر والإباحة والدليل الذي يمنع من القول بالحظر والإباحة يمنع من القول بالوقف وإنما يعنى الوقف أنه لا يحكم للشئ بحظر ولا إباحة لكن يتوقف في الحكم بشئ إلى أن يرد به الشرع وإذا عرف هذا. فنقول: هذه المسألة بناء على أن يعمل مجرد ما لا يدل على حسن شئ ولا قبحه ولا على حظره ولا تحريمه وإنما كل ذلك موكول إلى الشرع فنقول المباح ما أباحة الشرع والمحظور ما حظره الشرع فإذا لم يرد الشرع بواحد منهما لم يبق إلا التوقيف إلى أن يرد السمع فيحكم به وقد دللنا بنص من القرآن أن الحجة لا تقوم على الآدمى بالعقل مجردة بحال\nببينة: أنه ليس من الحكمة تخلية الإنسان وعقله؛ لأن عقول عامة الناس معمورة بالهوى مكفوفة عن بلوغ المقالة بالميل الطبعى إلى خلاف ما يهتدى إليه ولهذا النظر\n_________\n١ ثبت في الأصل \"هو\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":52},{"text":"أكثر العقلاء في مهاوى الحيرة ولحقهم من الدهش والتردد ما ليس وراءه غاية والدليل على هذا أنا لا نجد أحدا خلاه الله وعقله بل بعث الرسل وأنزل الكتب ولو كان العقل يستقل بشئ ما لجاز أن يوجد عبد خلى وعقله من غير أن يدخل تحت رتبة أحد من الأنبياء إلى صانعه وهؤلاء الفلاسفة الذين اتبعوا العقول ولم ينقادوا لأحد من الأنبياء فيما يعرف أو أرادوا إدراك الحق بالعقل المحض إما يرآهم المعتبر ارتكسوا وانتكسوا ولادته في النظر العقلى إلا وهو دون دقة نظرهم فإنهم بلغوا من هذا الباب إلى ما يجاز دونه الوهم ويضل عن إدراكه الفهم هذا بعد قيامهم على أخلاقهم بتهذيبها وعلى طبائعهم بتأديبها ورضى أكثرهم من الدنيا بالقوت اليسير وعزوف أنفسهم عن الملاذ والشهوات فلما تخلوا وعقولهم وطلبوا الحق من جهته ولم يصلوا إليه بتأييد سماوى وبرهان إلهى ووحى غيبي ترددوا وسلكوا واعتقدوا العقل الفعال والنفس الكلى وعلة العلل والهيولى وغير ذلك من ألفاظ مهولة وضعوها على وفق مذاهبهم وقد كان قصدهم طلب الصانع ولكنهم لما تخلوا بعقلهم وخلوا وعقلهم فليعتبر معتبر ولينظر ناظر إلى أي شئ صار أمرهم وأى شئ. فإنهم على وفق ما ذهبوا إليه لا يتصور اعتقاد وحدانية الصانع وكثير منهم اعتقد خمسة قدماء وكثير منهم اعتقد قديمين اثنين إلى غير ذلك مما لا يخفى على العلماء والسعيد من وعظ بغيره فليبق امرؤ وزنه وليبق على نفسه ولا يدخل في دينه ما ليس منه وليتبع الوحى الشرعى والتمس التأييد الإلهي ولا يعتبر بزخارف من القول وأباطيل من البهت فإنها خدع الشيطان وتسويلات النفوس وخذلان من الله ﷿ يلحق العبد ولا عقوبة من الله تعالى أعظم من أن يكل العبد إلى نفسه وحوله وقوته ويخليه ورأيه ومعقوله ويحول وجهه إلى الطاغوت الأعظم والصنم الأكبر وقد جعل التبرى من حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوته من المهلكات التي لا تلبث ولا تربث فأنشد الله عبدا وقف على هذا أن يجعل كده ووكده وسعيه وجهده ليتخلص من هذه المذلة العظيمة والورطة الهائلة فكم من هالك فيها لا نجاة له ووقع في هذه المهواة لا نهوض به مستعينا بالله مستغيثا به ملتجئا إليه مستعيذا به. ذكرنا أكثر من هذا في كتاب \"الانتصار\" فمن يرغب فليرجع إليه وقد قال أصحابنا في هذا أن هذه الأعيان ملك لله ﷿ له أن يمنع من الانتفاع بها وله أن يبيح الانتفاع بها وله الانتفاع بها وقبل أن يرد الشرع لا مزية لأحد لهذه الوجوه على","vol":"2","page":53},{"text":"الباقي. فوجب التوقف.\nفإن قالوا: بل إن الإباحة عندنا من قبل الله تعالى لكن بدليل العقل. قلنا: قد بينا أن العقل لا يستقل بإثبات شئ أو نفيه وأما الدليل الذي اعتمدوا عليه فسنجيب عنه ثم.\nفنقول في إبطال الحظر والإباحة: إن القول بذلك يؤدى إلى القول بالمتنافيين المتضادين وهذا لا يجوز. وبيان ذلك: أن من قال بالإباحة. فليزمه أن يقبح اعتقاد من خالفه في ذلك بحظره عليه لأن القول به داخل في جملة الأشياء التي يقتضى قوله إباحتها وكذلك من قال أنها على الحظر وهذا داخل في جملتها فدل أن المعتقد لواحد من المذهبين يلزمه القول بالمتنافيين وعندي أن هذا ضعيف عند المتأمل والأولى ما سبق واستدل الأصحاب أيضا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ .\nفاعلم أن من ادعى تحليل شئ أو تحريمه بغير إذنه. فقد افترى عليه. فإن قالوا: قد أذن الله تعالى في ذلك بدليل العقل قلنا بينا أن دليل العقل ساقط\nوأما الجواب: أما تعلقهم بقوله ﷾: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ . قلنا: نحن لا نحرم ذلك وهذا يلزم أن لزم على من يعتقد الحظر. فأما من لا [يقول] ١ بحظر ولا [أباحة] ٢ فلا يلزمه ذلك وعلى أن الآيه وردت في قوم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة وكانوا يعتقدون ذلك قربة إلى الله ﷿. ويقولون: لا نطوف في ثوب عصينا الله تعالى فيه وكانوا يحرمون البحيرة٣ والوصيلة٤\n_________\n١ ثبت في الأصل \"يقوم\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ كلمة غير مقروءة في الأصل.\n٣ قال في القاموس المحيط: البحيرة كانوا إذا أنتجت النلقة أو الشاة عشرة أبطن وتركوها ترعى وحرموا لحومها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال أو التي خليت بلا راع أو التي إذا أنتجت خمسة أبطن والخامس ذكر بحروا أذنها فكان حرام عليهم لحمها ولبنها فإذا ماتت حلت للنساء لأو هي ابنة السائبة وحكمها حكم أمها أو هي في الشاة خاصة إذا نتجت خمسة أبطن بحرت وهي الغريزة أيضا انظر القاموس المحيط \"١/٣٦٧، ٣٦٨\".\n٤ قال في القموس: والوصيلة الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن من الشاء التي وصلت سبعة أبطن عناقين فإن ولدت في السابعة عناقا وحديا قيل: وصلت أخاها فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء النظر القاموس المحيط \"٤/٦٥\".","vol":"2","page":54},{"text":"والسائبة١ والحام٢ وكان قوم يقال لهم: الحمرة وكانوا ابتدعوا أشياء منها: أنهم لا يسلئون٣ السمن لانه قطوان الأقط ولا يدخلون البيوت من أبواب البيوت وغير ذلك فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية وأنزل فيهم أيضا قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية. وأما قولهم: إن الانتفاع بما فعل في هذا المحل فليس فيه وجوه من وجوه القبح. قلنا: هذه طريقة منصوبة لبيان أن الانتفاع بالمحل أكل مباح في العقل ونحن قد بينا أن العقل لا يجوز أن يفيد بنفسه حسن شئ ولا قبحه. ثم قد قيل: على هذا إما لا نسلم أنه انتفى عنه وجوه القبح بكل حال لأن جواز كونه مفسده قائم وجواز كونه مفسدة يكنى في إظهار وجه القبح كالخبر إذا جاز أن يكون كذبا قبح من ذلك.\nونعني بقولنا: أنه يجوز أن يكون مفسدة هو أنه لا يجوز أن لا يبيح الله تعالى هذا الشئ إذا لم يبح يكون الإقدام عليه قبحا أو مفسدة وأيضا يجوز أن لا يكون الإقدام على هذا مصلحة فإن إمكان الانتفاع بالشئ لا يوجب كونه مصلحة. لجواز أن يكون المحل منتفعا به ولا يكون الانتفاع به مصلحة عند الله تعالى. فإن قالوا إن الغالب فيما هذا سبيله. أن لا يكون فيه وجه قبح. قلنا: لم زعمتم أن الغالب ما ذكرتم ولم إذا كان الغالب ذلك لا يكون تجويز وجه القبيح كافيا بالقبح فأما قولهم إنما يحسن الإحجام أذا كان على المفسدة أمارة قلنا: قد يكون أمارة وقد لا يكون أمارة وتجويز المفسدة في الموضعين يوجب وجه القبح لأن العقل مانع من الإقدام على القبيح وعلى ما يجوز أن يكون قبيحا وكم من أشياء مجوزة لا أمارة عليها. يدل عليه أنا لما رأينا عند استقرار الشرع كثيرا من الأشياء التي ينتفع بها محرمة ورأينا كثيرا من الأشياء\n_________\n١ قال في القاموس والسائبة المهملة والعبد يعتق على أن لا ولاء له والبعير يدرك نتاج نتاجه فيسيب أي يترك لا يركب والناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابته من مشقة أو حرب قال عي سائبة أو كان ينزع من ظهر فقاره أو عظما وكانت لا تمنع عن ماء ولا كلأ ولا تركب انظر القاموس المحيط \"١/٨٤\".\n٢ الحام: -فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت ةأعفوه عن الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي انظر تفسير ابن كثير \"٢/١٠٧\".\n٣ سلأ السمن كمنع طبخه وعالجه كاستلأه القاموس المحيط \"١/١٨\".","vol":"2","page":55},{"text":"مباحة مطلقة. فمن أين وقع الأمان لنا. إن هذه الأفعال ليست قبيحة وقد جاز كونها حسنة وكونها قبيحة فأما الامتناع من تناول الطعام لجواز كونه مسموما. فليس أمارة إنما لم يحسن لأنه يرى من تقدم عليه ولا مفسدة في حقه وكذا في الحائط المستقيم يرى من يقوم تحته ولا مفسدة عليه. أما ها هنا فلا أمان أن يكون التناول مفسدة عند الله تعالى ولا مثال يوجب الأمان. فلم يحسن خوفه وامتناعه. وأما قولهم: لو قبح الإقدام لجواز كونه مفسدة أيضا. قلنا: نحن نقول: إن العقل لا يوجب إقداما ولا إحجاما وإنما علينا الكف فإن قالوا ربما يكون الكف مفسدة.\nقلنا: الكلام في جواز الإقدام لا في وجوب الإقدام ومن يجوز له الإقدام على شئ من غير أن يوجب عليه لا يكون ترك ذلك مفدسة. فأما مع تجويز الحظر يجوز أن يقال إن الإقدام يكون مفسدة وعلى أنا نقول: إذا جوزنا وجود المفسدة في الإقدام والإحجام جميعا. فلا جرم لم ينفك فعل من هذه الأفعال عن سمع يطلق الإقدام أو يوجب الإحجام وإنما كلامنا على تقدير عدم السمع أو يكون الكلام في أن السمع الوارد بالإباحة ورد مقدرا للإباحة أو مثبتا للإباحة ابتداء فعندنا هو مثبت للإباحة ابتداء. وعندكم هو مقرر للإباحة مؤكد لما ثبت في العقل منها.\nوأما قولهم: أنه لابد من أن يكون خلو المعنى. قلنا: تعليل أفعال الله تعالى لا يجوز ويكون باطلا عندنا وإنما يخلق ما يشاء ويفعل ما يرد من غير أن يكون لذلك علة بوجه ما وعلى أنه يجوز أن يكون خلق هذه الأشياء ليعتبر بها فيعرف قدرة الله تعالى ويتأمل حكمته فيها وألغيت فعل ما ليس له وجه في الحكمة.\nببينة: أنه يجوز أن يعبد الله تعالى بأن لا يأكل هذا المأكول ولا يشرب هذا المشروب كما يتعبده بما يؤلمه ويؤذيه ويؤدى إلى تلفه كما تعبدنا بالجهاد والختان وكما تعبد بنى اسرائيل بأن يقتل بعضهم بعضا.\nوقوله: إنه لا يتحقق الابتلاء وتعريضه للثواب إلا بعد أن يثبت على حقيقته ويعرف ويحسن بميل طبيعته إليه. ثم يكلف الاجتناب عنه. قلنا إذا عرف أنه مأكول أو مشروب ونفسه متشوقة إلى المأكول والمشروب طبعا. ثم أمر بالاجتناب عنه بتحقيق الابتلاء وتعريضه للثواب.\nوقولهم: إنه إنما يقبح التصرف في ملك الغير بكذا وكذا.\nقلنا: الملك سبب التصرف فإذا فات سبب الملك قبح التصرف ولأنه يجوز أن","vol":"2","page":56},{"text":"يكون في التصرف السخط من المالك. فإن قالوا: ويجوز أن يكون في ترك التصرف السخط في المالك. قلنا: قد أجبنا عن هذا وأما كلامهم وتعلقهم بالتنفس في الهواء والاستنشاق من النسيم. قلنا: بينا أن الإذن في الشريعة من وجهين:\nأحدهما: من طريق اللفظ ومعناه.\nوالآخر: من طريق الضرورة الداعية إليه فكل شئ اضطراه الله إليه فقد أذن له فيه ورفع الحرج عنه وإذا كان كذلك لم يخل هذا النوع من دليل الإباحة ويمكن أن يقال: إنما يحسن من الإنسان أن يتنفس ليطفى عن قلبه الحرارة وذلك يحتاج إليه في الحياة ويضطر إلى فعله وما زاد عليه فلا يحسن وهذا هو الجواب عن قولهم: إنه يحسن منه هذا الفعل. بأن زاد على قدر الحياة.\nواعلم أن هذه الكلمات يمكن تمشيتها في الجملة لكن الأولى عندي أن يقتصر على الأول وهو منع ثبوت شئ مما يعتقدونه بمجرد العقل وأما طريقة أبى زيد. قلنا: أما تعلقهم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . فإنما هو والله أعلم على معنى أنه لم يخلقها ليتكثر بها أو لينتفع بها وإنما خلقها ليعتبر الخلق بها ويتأملوا قدرة الله تعالى وحكمته فيها وقد يكون أيضا على سبيل الاعتداد والامتنان بها عليهم وتعريفهم موضع النعم فيها وليس في ذلك دلالة على أنهم يستبيحونها كما شاءوا أو يتناولونها من غير إذن منه فيها وتقدير وترتيب لها فموضع الحظر إذا تعد باق وهذا كما يقول الرجل لولده إنما أجمع المال لك وأسعى والكدح بسببك وكما يقول الأمير لجنده وخدمه إنما أجمع الأموال لكم وأدخرها من أجلكم ومعلوم أنه لا يريد بهذا القول تمليكها بينهم وإطلاق تصرفهم فيها من قبل أن يخرجها إليهم على الوجه الذي يسنح له من الرأى في قسمتها بينهم وإيصال ذلك إليهم في الوقت الذي يختاره لا في الوقت الذي يختارونه وإنما قال ما قال ليلزمهم به المنتبه١ ويعرفهم موضع النعمة ثم يكون إطلاق ما يطلقه لهم منها في أوقات مؤقته على مقادير معلومة على حسب ما تدعو إليه الحاجة ويعلم فيه المصلحة.\nوأما قوله: إن الحرمة الثابتة للأشياء على وجه المصالح على ما ذكرنا قلنا أولا: إن القول بالمصالح باطل ونحن نعلم قطعا أن الله تعالى يفعل بالخلق ما هو الأصلح لهم وأيضا فإنه لا يجوز أن يقال: إنه قصد لطفه في فعل الأصلح بهم بل ما من أصلح إلا\n_________\n١ كشط بالأصل.","vol":"2","page":57},{"text":"ووراءه أصلح منه وما هو لطف يوصله إليهم إلا ووراءه ما هو ألطف منه ولو وجب فعل ما هو صلاح لهم لوجب فعل ما هو أصلح لهم وقد عرفنا أن الأصلح ليس له نهاية في قدرة الله تعالى وعلمه وإن حكموا بنفاده وانتهائه فهذا قول يؤدى إلا تناهي القدرة وهذا لا يقول به أحد. ثم نقول كما أنه يحرم ما يحرمه للمصلحة فكذلك يبيح ما يبيحه للمصلحة فبأى طريق عرفتم وجه المصلحة في الإباحة؟ بل يجوز أن يكون مفسدة على ما سبق وينبغى إذا كانت الإباحة عقلية أن لا يجوز ورود الحظر وقد أجمعت الأمة على جواز الحظر وأجمعوا أيضا أنه قد [ورد] ١ الحظر في مواضع ليس فيه إلا مجرد التكليف أو مجرد الابتلاء وأيضا فإن ما ذهبتم إليه مفسدة وسنبين ذلك وهو أن الأشياء لو كان أصلها على الإباحة حتى يكون لكل واحد من الناس تناولها والتبسط فيها أدى ذلك إلى أن لا يصلوا إلى حاجتهم منها وإلى أن تتعطل منافعهم لأن في طباع الناس من الحرص والشدة والاستكبار من الشئ ما لا يخفى على ذى لب فيدعوهم طباعهم إلى الازدياد والاستكبار عن كل شئ أبيح لهم فيقع بينهم التزاحم والتغالب وربما يؤدى إلى التجاذب المفضى إلى التنازع والمؤدى إلى القتال والمحاربة فينقلب الشئ الذي قدروها مصلحة مفسدة ويتبين خطأ ظنونهم وغلط مقاديرهم من عقولهم وليس يدخل في هذا إباحة الحطب عقولهم والحشيش والماء لأن هذه الأشياء ليست مما يقع فيها التنافس ولا تميل إليها الطباع من الاستكبار عنها وطلب الثروة من جمعها وأما المباحات من الذهب والفضة والجواهر فهى ما لا يوصل إليها بكد عظيم وتعب شديد فليس مما يرغب في ذلك كل إنسان ويسمح بتعب ذلك وتحمله كل نفس فلا يؤدى إثبات الإباحة لكل أحد إلى المفسدة التي بيناها وأما إثبات الإباحة في الأشياء كلها على العموم لكل احد فيؤدى إلى المفسدة التي ذكرناها. فوجب الاحتراز عليها لأن الاحتراز عن كل ما يجوز أن يفضى إلى المفسدة واجب على أصلهم وفيما قالوه يؤدى إلى المفسدة فهذه جملة ما قصدنا إيراده في هذه المسألة.\n_________\n١ ثبت بالأصل: ورود ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>فصل في أقسام ما يرجع إلى العقل</span>\n...\n\"فصل\"\nوقد ذكر أبو زيد أقساما فيما يرجع إلى العقل فذكر أولا موجبات العقل. قال: ونعنى بالوجوب. الوجوب في الذمة حقا لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى فإن الأداء لا يجب قبل الشرع. قال: وهذه الواجبات أربعة معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله بالألوهية ومعرفة العبيد الابتداء إلى حين الموت بطاعة الله على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين ومعرفة الدنيا وما فيها بضرب يقع يعود إليهم منها. وقال: ونعى بموجب العقل ما دل عليه العقل قطعا إذا استدل به العبد إلا أن يكون دينا يجب فعله لله تعالى لأنه يبتلى به وما يجب للحياة الدنيا لا نصفه بالوجوب عليه لحق الدنيا وإنما نصفه بالوجوب لحق الدين ويجب الأكل والشرب عليه دنيا وكذلك التنفس والتحصن من شر الأعداء ودفع الحر والبرد ولو ترك هذه الأشياء أثم وإنما جعلنا الوجوب دينا لأن ما كان لحق الدنيا فالآدمى فيه بمنزلة البهائم فلا يوصف بالوجوب وأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى قيام الساعة لأن الله تعالى حكم ببقائه إلى تلك المدة وعليه بالجماع وفرض عليه دينا للمبتغى لإقامة حكم الله تعالى لأنه لا تبديل لحكمه غير أن هذا الحكم يتأدى بجماع البعض فلم يجب على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله حكم ببقاء كل شخص إلى خير وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص بوجوب الأكل عليه دينا وطبعا. ثم إنا قلنا: إن هذه الأحكام الأربعة واجبه بالعقل دينا اله تعالى أما معرفة نفسه بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء والاجتماع عرض يضاد القدم فيلزمه الحكم على نفسه بالحدث ويعرف أنه مملوك لأن المملوك لغة ما قهر بيد الاستيلاء والآدمى مقهور بالتكوين والأشياء مقدور عليه مركب من طبائع مختلفة وأمشاج متباينة يجرى أمره على مقتضى اختلاف طبائعه وتباينها وإذا عرف أنه مملوك عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء الصالحين لفعل العبادة فإذا عرف نفسه بهذه الصفات عرف ربه ضرورة لأن كونه محدثا لا يخلو من محدث وكونه مقدورا عليه لا ينفك عن قادر وكونه مملوكا لا ينفك عن مالك وكونه عبدا لا يخلوا من إله. فإن العبد اسم لمن خلق للعبادة ولابد للعبادة من معبود والإله اسم لمن يستحق العبادة فيعرف بضرورة هذه الصفات التي ظهرت عليه من حيث لا شك فيه أن له إلها مالكا","vol":"2","page":59},{"text":"قادرا محدثا. قال: ولهذا قال ﷺ: \"من عرف نفسه عرف ربه\"١. قلت: وهذا لا يثبت عن النبي ﷺ وإنما هو لفظ محكى عن يحيى بن معاذ الرازى وهذا نتيجة الجهل بأخبار النبى ﷺ والواجب على الإنسان أن يحكم ما قال الله أولا وما قال رسول الله ﷺ. ثم ينصب نفسه منصف المتصرفين ويستشهد على تصرفه بما نطق به الكتاب وبما نطق به الرسول ﷺ ونستعيذ بالله من غلبة الجهل وفرط الهوى وطغيان العقل وهو العاصم بمنه رجعنا إلى حكاية قوله: وإذا عرف أنه خلق لعبادة ربه ولا يجوز في الحكمة خلق الصنع عن عاقبة حميدة وعاقبة الصنع عن العقلاء أحد أمرين: فإنه يعود من حدث نفع أو دفع ضر أو ظهور الفاعل بجلاله وعظمته وكرمه وصفاته الحسنى بذلك الصنع كذا غيره والله يتعالى عن المعنى الأول فيتعين الآخر وهو ظهور عظمته وجلاله وكرمه وحكمته وسائر صفاته ولما ظهر بهذه الصفات طلب من الحق الثناء والحمد له بإحسانه إليهم شكرا له على ذلك فكان خلق الناس من الله تعالى لهذه الحكمة وهو أن يعرفوه ويشكروه ثم وجدنا الناس بين شاكر وكافر قال: فقد خلق الله العباد ليعبدوه بأمره لهم لا يجبرهم عليه وقد جعلهم مختارين في الإجابة مبتلين بشهوات معلومة تصدهم عن الإجابة قال: والدليل على أنهم مختارون أن العقلاء يجدون من أنفسهم وفى أفعالهم حد الاختيار ضرورة ويحسبون ذلك قطعا ويجدون في انفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى وما يدعوهم إلى خلافها وفى ذلك فوات عاقبة الصنع وفوات عاقبة الصنع دليل عجز الصانع تعالى الله عن ذلك فعلمنا أن وجود تعليق وجود الطاعة بالإختيار من العبيد مع وجود الهوى والشهوات الصادة عن طاعة الله تعالى وعن الإجابة كان لحكمه أخرى هي فوق حصول الطاعة بلا فوت وذلك هو أن الله تعالى خلقهم وأمرهم بهذه الإعمال ليجازيهم عليها بوفاق أعمالهم الإحسان بالإحسان والسيئة بالسيئة\n_________\n١ موضوع: ذكره الحافظ العجلوني وقال: قال ابن تيمية موضوع. وقال النووي قبله: ليس بثابثت وقال أبو المظفر بن السمعاني في القواطع [وهو كاتبنا]: إنه لا يعرف مرفوعا وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي يعني من قوله وقال ابن الغرس بعد أن نقل عن النووي أنه ليس بثابت قال: لكن كتب الصوفية مشحونة به ويسوقونه مساق الحديث وللحافظ السيوطي فيه تأليف لطيف سماه القول الأشبه في حديث من عرف نفسه وقال النجم قلت: وقع في أدب الدين والدنيا للماوردي عن عائشة فذكر نحوه انظر كشف الخفاء \"٢/٣٤٤\" ح \"٢٥٣٢\". وماقاله الحافظ العجلوني يعتبر توثيق لكتابنا القواطع. طلب العلم/ محمد فارس.","vol":"2","page":60},{"text":"ثم لما وجب القول بدار الجزاء على هذه الأعمال وجب القول بالخلود والبقاء لآنا أوجبنا هذا الترتيب لبيان حكمة الله تعالى فيجب أن لا تفوت هذه الحكمة لأنها إذا فاتت صار فعله عبثا فكما لا يفوت العاقبة المطلوبة من الصنع عن الصانع ابتداء لا يعجزه فكذلك لا يفوت بعد الوجود إلا بعجزه وتعالى الله عن ذلك وبهذا نطق الكتاب قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أى حسبتم أنا عبثنا بخلقكم ثم نفى صفة العبث بحكم الرجوع إليه فيبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا دار ابتلاء بلا جزاء وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية فأخبر أن الآدمى حملها عن اختيار لعاقبة تعذيب المشركين ومغفرة للمؤمنين وقال تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وقال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ولما ثبت أن الصنع من الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء وما سوى الإنسان من المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا لفائدة تجلب منهم أو لضر يدفع بهم وتعالى عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود هذه الفائدة إلى عبده المبتلى بعبادته فإنه يحسن في الشاهد فعل شئ لفائدة تعود إليه أو إلى غيره بهذا نطق اكتاب قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الجاثية: ١٣] وقال تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وأيات في هذه المعنى كثيرة ثم ذكر محرمات العقل قطعا للدنيا وهذه المحرمات أربعة: الجهل والظلم والعبث والسفه أما الجهل فيكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح غائبة لا تنال بالحواس وبه غلب ما في البر والبحر وسخرها وادعى لنفسه كل شئ منها فمتى لم يستدل بنور عقله لم ينل شيئا مما تمنى لنفسه من هذه المطالب فيحرم عليه بالعقل ما يفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي هو سبب حياته وكما يحرم بالعقل ترك النظر بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع يحتاج إليه ويحرم أيضا إطفاء السراج ليلا مع إرادة السلوك في المضائق لا يهتدى فيها إلا بسراج ولما حرم الجهل قطعا حرم الظلم من طريق الأولى لأن تفسيره وضع الشئ في غير موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله فالأول نزل كالذي لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر يقبح منه ذلك والثانى كالذي فتح عينيه ورأى البئر ثم","vol":"2","page":61},{"text":"أوقع نفسه فيها فهذا الفعل منه أقبح ومثاله من باب الشرع من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا والذي تأمل وعرف ورد تعنتا كان فعله أقبح وأما العبث فحرام عقلا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل لا يخلو عن أدنى تعب فلا يحتمل هذا التعب عقلا إلا لفائدة أولى منه وأما السفه فحرام أيضا لأن فيه مع خلو الفائدة مضرة فكان أقبح من الأول لوجود معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة ضرر فكان السفه من العبث بمنزلة الظلم من الجهل ثم ذكر محرمات العقل للدين قال: وهذه المحرمات أربعة: الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها والإنكار بالصانع ﷻ والإنكار بالبعث للجزاء أما الإيمان بالطاغوت اسم لما عبد من دون الله أو سمى قديما دونه على حسب اختلاف المشركين والملحدين لان ما دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما أن الإنسان بنفسه لا يخلو عنه فلم حرم عليه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول بغيره بطريق الأولى وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] يعني من حيث إنها مخلوقة. وأما القول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوات فحرام لأنك كما لا تجد نفسك وكل من دون الله إلا وأمارات الحدث فيه ظاهرة كذلك لا تجد شهوة إلا مشوبة بما لا يشتهي فإن الحياة رأس مال الحى وقد ابتلى الحى بالموت والشهوة شهوتان شهوة بطن وشهوة فرج وما سواهما اتباع في حق الحياة وشهوة البطن الأكل والاكل لا ينال اصله إلا بضرب كسب ويحتاج بعده إلى قضاء الحاجة الذي إذا عرف العاقل قبحه لم يباشر سببه مع الإمكان بدونه ألا ترى أن الأكل في الآخرة كيف يخلو عن الكسب وقضاء الحاجة لما كانت الدار لاقتضاء الشهوة وأما الجماع لا ينال إلا بطلب وشبق ثم لا يقضى إلا بذهاب القوة فحرم القول أنه خلق لاقتضاء الشهوة حيث لا ينال ما يشتهي إلا بماء لا يشتهى وأما الكفر بالله فحرام لأنه من حيث عرف نفسه مخلوقا يعرف خالقه والمنعم عليه والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه بمنزلة من ذم من أحسن إليه فيكون كذبا وظلما وسفها فقد وضع الشيء في غير موضعه ولما حرم الكفر بالله تعالى حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا بدون البعث للجزاء عبث من الله تعالى ووصف الله تعالى بالعبث كذب عليه كالكفر كذب على الله فكان بابا واحد وبالله التوفيق ثم ذكر المباحات التي تجوز عقلا للدنيا قال: وهذه أربعة أقسام قال: وأعنى بالجوز أنه يجوز أن يكون مباحا عقلا وهذه الأقسام نحو مباشرة","vol":"2","page":62},{"text":"أسباب البقاء فوق ما يندفع به الضرورة وجميع المال فوق الحاجة والتزين بأنواع ما يتجمل به على وجه لا يتعلق به القوام والجماع إلا لطلب الولد وفوق ما يكتفى به الولد فهذه إباحات غير واجبة بالعقول ولهذا جاء الشرع فيها بالإباحة مرة والتحريم أخرى وأما موجبات العقول لا يرد الشرع بخلافها لأن الشرع والعقل حجتان لله ﷾ على عباده يتأيد أحدهما بالآخر ولا يتناقص فمجئ الشرع بالتحريم دليل أن العقل يجوز تحريمه وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا ذكرنا المقصود من كلامه واعلم أن هذا الكلام كله بناء على أن العقل موجب بنفسه وعندنا أن هذا المذهب خلاف مذهب أهل السنة والجماعة والنص من الكتاب قاطع على خلافه وقد سبق بيانه فلا معنى للاشتغال بالزيادة عليه فإن قيل المسألة التي ذكرتم أن الأشياء كانت على الإباحة أو لا وقد أطنبتم الكلام فيها وهى لا تفيد في الفقه شيئا وإنما الكلام فيما يقتضيه العقل فلا معنى لإيرادها لأن أصول الفقه لا ينبغى أن تشتمل على ما يفيد في الفقه والجواب أن لها فائدة في الفقه وهو أن من حرم شيئا أو أباحة فقال طلبت دليل الشرع فلم أجد فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ذلك أم لا؟ وهل هذا دليل يلزم خصمه أم لا؟ وهذا أمر يحتاج الفقيه إلى معرفته للوقوف على حقيقته. قال القاضي أبو الطيب: سمعت بعض أصحاب داود احتج في إباحة استعمال أوانى الذهب١ في غير الشرب فقال: الأصل في [الأشياء] ٢ الإباحة وقد ورد الشرع بتحريم الشرب فوجب أن يبقى ما عداه على الإباحة فقال أهل العلم لهذا المحتج مذهب داود أن هذه الأشياء على الوقف في العمل عما يرد به الشرع فإذا كان كذلك لم يجز إثبات إباحتها بهذا الطريق فلا يكون إباحتها بعدم دليل شرعي بأولى من حظرها وبطلت حجة هذا المحتج فظهر أن المسألة يفيد ذكرها.\n_________\n١ ذكر ابن قدامة المقدسي أن مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك والإمام أحمد أنه يحرم استخدامهم انظر المغنى \"١/٦٢\" وذهب ابن حزم الظاهري إلى رأي الجمهور انظر المحلى \"٢/٢٢٣\".\n٢ في الأصل أشياء ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>فصل: مجرد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور:</span>\nكما يدل عند من يذهب إلى أن الأشياء أصلها على الإباحة إنما هو بحسب الحال وقيام الدليل عليه وذلك على ضروب أما سكوت النبى ﷺ عن الشئ يفعل بحضرته ولا يغيره ولا ينهى عنه فإنه دليل الجواز وقد سبق هذا ولأن الله تعالى وصفه بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإذا رأى الشئ وسكت عنه ولم يغيره دل أنه غير منكر وكذلك هذا فيما كان يبلغه عنهم ويعلمه ظاهر من حالهم أو بتقرير عنه من عاداتهم مما سبيله الاعتبار والاستشارة فلا يعرض لهم بنكير ولا يعتبر كنوم أصحابه قعودا ينتظرون الصلاة فلا يأمرهم بتجديد الطهارة وكعلمه أن أهل الكتاب يتعاملون بالربا ويشربون الخمور فلا يتعرض لهم ويتصل بهذا ما استدل أصحابنا به من سقوط الزكاة في أشياء سكت النبى ﷺ عنها من الزيتون١ والرمان٢ ونحوهما وذلك أنه كان لا يخفى عليه أن الناس يتخذونها كما يتخذون الكروم والنخيل وكان الأمر في إرساله المصدقين والسعاة في أقطار الأرض ظاهرا بينا وكان إذا بعثهم كتب لهم الكتب فيقرءوها بحضرته ويشهد عليها ولو كان يجب فيها شئ لأمر بأخذه ولو أمر لظهر كما ظهر غيره من الأشياء التي انتظمها الوجوب والإباحة فلما لم يكن كذلك دل على سقوط الزكاة عنها. وأما قول من روى أنهم كانوا يبيعون أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ فإنما لم يجر هذا المجرى في الدلالة على جواز بيعهن لأنه لا يعلم إن كان يبلغه هذ الفعل عنهم أو يظهر له ذلك من صنيعهم وقد قام الدليل على فساد بيعهن من وجوه فلم يجز أن يعترض بهذا على مثل تلك الدلائل وأما الشئ إذا كان له أصل في الوجوب والسقوط فإن السكوت قد يقع عنه في بعض الأحوال استغناء بما يقدم من\n_________\n١ قال الإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي: واختلفت الرواية في الزيتون فقال أحمد في رواية ابنه صالح: فيه العشر إذا بلغني خمسة أوسق وإن عصر قوم ثمنه لأن الزيت له بقاء وهذا قول الزهري والأوزاعي ومالك والليث والثوري وأصحاب الرأي وروى عن ابن عباس.\nوعن أحمد: لازكاة فيه وهو اختيار أبي بكر وظاهر كلام الخرقي وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي عبيد وأحد قولى الشافعي لأنه لا يدخر يابسا فهو كالخضروات انظر المغنى \"٢/٥٣٣\".\n٢ انظر المغنى \"٢/٥٥٣\".","vol":"2","page":64},{"text":"البيان فيه وليس تكرر البيان واجبا في كل حال ومراتب الاستدلال بالسكوت تختلف فأقوى ما يكون منه إذا كان صاحب الحادثة جاهلا بأصل الحكم في الشئ ولم يكن من أهل الاستدلال كالأعرابى الذي سأل رسول الله ﷺ [وقد أحرم وعليه الجبة فقال: \"انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة\"] ١ وسكت عن الكفارة فدل ذلك أنها ساقطة عن الجاهل والناسى ولو كانت واجبة لذكره إذ لم يكن يجوز إهمال ذكرها قولا على معرفته بالحكم فيها مع العلم بمكانه في الجهالة والغباوة وذلك إن علم تحريم اللباس علم عام عند العرب في جاهليتها وابتلائها حتى أنهم كانوا لا يطوفون بالبيت إلا عراة ويخلفهم نساؤهم وكذلك نهى النبى ﷺ قال: \"لا يطوف بالبيت عريان وأمر فنودى به\" ٢ فحين أمر النبى ﷺ بنزع الجبة مع أن الحال هذا ولم يتعرض للكفارة علمنا أنها غير واجبة ومن هذا الباب وإن كان دونه في المرتبة خبر الأعرابي المجامع في شهر رمضان حين قال: هلكت وإنما جاء يعرف حكم الله تعالى فيما فعله ويتوهم أن يلزمه حد وضرب من ضروب العقوبات فلما قيل: له أعتق رقبة دل ظهره أنه جواب عن هلاكه وإهلاكه وهو إفطاره وإفطار زوجته وكانت أمراته إنما تصل إلى العلم بما يلزمه من جهته لغيبتها عن حضرة النبى ﷺ وكان قوله: افعل كذا محمولا على أنه يجزئ عنها وعنه وإنما صارت دلالة هذا أضعف من دلالة الخبر الأول لأن السائل في هذا الخبر قد أنبأ عن علمه بأنه ارتكب معصية الا ترى أنه قال: هلكت وأهلكت وإذا كان المبتلى بالحادثة من أهل الاستدلال كان دليل الشك معه أوهى وأضعف وأما قول الشافعى رحمة الله عليه فيما يخرج من غير السبيلين ذكر الله الأحداث في كتابه ولم يذكر هذا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ فإن قوما من أصحابنا تعلقوا به وقالوا: إنما رده إلى أصل سكوت التكليف إلا بدليل وليس الأمر كذلك عند عامة أصحابنا وإنما وجهه ومعناه أن المتطهر على طهارته ولا ينتقض وضوءه إلا بحدث وما لم يقم دلالة على الحدث فأصل الطهر كاف فيه وقال ﷺ: \"فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا\"٣. ومن\n_________\n١ أخرجه البخاري: العمرة \"٣/٧١٨\" ح \"٧٨٩\" ومسلم: الحج \"٢/٨٣٧\" ح \"٩/١١٨٠\" ولفظه لمسلم.\n٢ أخرجه البخاري: الصلاة \"١/٥٦٩\" ح \"٣٦٩\" ومسلم: الحج \"٢/٩٨٢\" ح \"٤٣٥/١٣٤٧\".\n٣ أخرجه البخاري: الوضوء \"١/٢٨٥-٢٨٦\" ومسلم: الحيض \"١/٢٧٦\" ح \"٩٨/٣٦١\".","vol":"2","page":65},{"text":"احتج من هذه الطائفة بقوله وما سكت عنه فهو عفو١ فليعلم أنه ليس بعام في جميع أنواع السكت لكنه خاص في محل مل لأنه لا يمكن إجراؤه على عمومه.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"عضو\".","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>فصل: اعلم أن العادة غير موجبه شيئا بنفسها بحال وإنما هى قرينه للواجبات أو منبئة عن المقاصد فيها</span>.\nكالغسل فإن الله تعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..﴾ [المائدة: ٦] وكانت العادة جارية بأن يكون الغسل بالماء صرف الأمر إلى ذلك وحمل عليه وإن لم يجر له ذكر لأن العادة جرت بذلك ألا ترى أن قوله ﷺ: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب\" ٢ ذكر الغسل وكانت دلالته أنه بالماء لما جرت به العادة ولما كانت الثامنة أو السابعة بالتراب احيتج إلى ذكره لأن العادة في ذلك مفقودة فلم يكن بد من النص عليه وكذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب بدرهم كان الدرهم مستحقا على عادة نقد البلد وإن كانت الدراهصم مختلفة السك والجوهر متفاوته في الجودة والرداءة وقد يعتبر بعض العادات في الأيمان يرجع إليها فة مطلق الأيمان ولهذا قال الشافعى رحمة الله عليه: فمن حلف لا يأكل الرءوس فأل رءوس الحيتان لا يحنث٣ لأن عادة المتكلمين بهذا الكلام قد جرت أنه يريد بهذا الرءوس التي تبان من أجساد الحيوان وتقصد بالأكل دون ما كان منها تبعا لأبدانها ولا يكاد القائل يقول أكلت الرءوس وهو يريد رءوس الحيتان وإنما يقال هذا ويراد به رءوس الغنم وما يشبهها من الحيوان ومن هذا الباب أن يوصى الإنسان بدابة من روابه فيعطى بعض أجناس الدواب التي جرت العادة بركوبها ويعتبر في ذلك عادة أهل البلد الذي فيه الحالف ولغتهم في التسمية وقد قيل: إنه يدخل في هذا الباب ما يعطيه الإنسان خادم الحمام والشارب للماء عند\n_________\n٢ أخرجه البخاري في الوضوء \"١/٣٣٠\" ح \"١٧٢\" بلفظ \"إذا شرب منه فليغسله سبعا\" مسلم: الطهارة \"١/٢٣٤\" ح \"٩١/ ٢٧٩\" ولفظه.\n٣ قال الشيخ النووي: فإن أكل رأس طير أو حوت أو ظبي أو صيد آخر لم يحنث على المشهور فإن كانت رءوس الصيد والحيتان تباع مفردة في بلد حنث بأكلها انظر روضة الطالبين \"١١/٣٧\".","vol":"2","page":66},{"text":"الاستقساء وإن لم يتقدم في ذلك شرط ولم يسلم له عوض لكن العرف القائم والعادة الجارية نيوبان عن التسمية وكذلك هذا فيمن استعمل إنسانا بالزور جار ونحوه فإنه قد يستحق عليه أجر المثل وإن لم يتقدم في ذلك شرط وليس هذا من باب الاستحسان لكنه من باب العادات التي صدرها عن الأصول الصحيحة المشروعة وقد يرد هذا برفع العادة في بعض الأحوال لمعنى من المعانى ولدليل أقوى من اعتبار العادة وهذا القدر الذي قلناه كاف في هذا الفصل وليس بشئ مطرد حتى يطرد في جميع المواضع والله أعلم انتهى ما قلناه وقصدناه وقد كنا وعدنا ذكر باب التقليد في هذا الموضع لكنا رأينا بعد ذلك أن الأولى أن نذكره عند وصولنا إلى الفصول المذكورة في الاجتهاد وبيان أحكامه وتفسير المجتهد وذكر الأصوب من الأقوال فأخرناه إلى ذلك الموضع إلى أن نصل إليه إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>القول في القياس وما يتصل به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>مدخل</span>\n...\nالقول في القياس وما يتصل به\nاعلم أن أحكام الشرع مأخوذة من وجهين: وجه سمع ووجه معقول.\nفأما السمع فعلى ثلاثة أضرب كتاب وسنة وإجماع وقد استقصينا شرح أقسامها وأحكامها.\nوأما المعقول فالقياس وقد قيل: إن القياس على ضربين عقلى وشرعى.\nفالقياس العقلى ما استعمل في أصول الديانات\nوالقياس الشرعى ما استعمل في فروع الديانات ومعنى ذلك ما ورد التعبد من الأحكام.\nوقد ذكر كثير من أصحابنا في ابتداء الكلام في القياس مسألة في القياس العقلى وذكروا الخلاف في هذه المسألة بين الأصوليين وبين عامة المجتهدين أهل الرواية وأهل السلامة من الفقهاء فالأصوليين من المتكلمين وسائر من تبعهم أثبتوا القياس العقلي وأمروا به وزعموا أنه معرفة أهم الأشياء وزعموا في حده أنه رد غائب إلى شاهد ليستدل به عليه وأما أهل الرواية وعامة أئمة الحديث وكثير من الفقهاء اختاروا السلامة في هذا الباب وسلكوا طريقة السلامة ونهوا عن ملابسة الكلام وطلبوا الحق بطريقة وزعموا له علم يحدث وفن يخترع بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين وأنكروا قول أهل الكلام في أن أول ما يجب على الإنسان النظر. وقالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو معرفة الله تعالى على ما ورد به الإخبار ولو قال الكافر: أمهلونى لأنظر وأبحث فإنه لا يمهل ولا ينظر ولكن يقال له أسلم في الحال وإلا فأنت معروض على السيف ولا أعرف في هذا خلافا بين الفقهاء ونص عليه ابن سريج وقد ذكرنا في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه أيضا أنا لا ننكر من النظر بقدر ما أذن فيه الشرع على ما يوافق الكتاب والسنة وهذا الكتاب إنما قصرناه على محض أصول الفقه وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه فلا معنى لذكرها فيها رجعنا إلى الكلام في القياس الشرعى فنقول قبل أن نشرع في إثباته: ان اثبات الشئ إنما يكون بعد معرفة معناه نذكر أولا الكلام فيما أخذ منه القياس من حيث اللغة ثم نذكر حده أما الكلام","vol":"2","page":68},{"text":"فيما أخذ منه القياس فنقول في اللغة وفى قول بعضهم: مأخوذة من الإصابة من قولهم: قست الشئ إذا أصبته فسمى القياس قياسا لأن القائس يصيب به الحكم وقال بعضهم: إنه مأخوذ في اللغة من المماثلة من قولهم: هذا قياس هذا أي ومثله وسمى القياس قياسا لأنه الجمع بين المتماثلين في الحكم١.\nوأما حد القياس فقال بعضهم: هو حمل معلوم على معلوم في أيجاب بعض أحكامه بأمر يجمع بينهما وقال بعضهم: حمل شىء على شيء في بعض أحكامه بوجه\n_________\n١ اعلم أن القياس في اللغة كما قال الآمدي والأسنوي: عبارة عن التقدير ومنه قست الأرض بالقصة وقست الثوب بالذراع أي قدرته به قال الأسنوي: يقال قاس الثوب بالذراع يقيسه قيسا وقياسا إذا قدرته به.\nوالتقدير يستدعي التسوية وذكر الآمدي أنه يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة وإضافة بين شيئين لأن التقدير معرفة قدر الشيء بشيء آخر مساوو له ولو بالتضعيف ولكونه يستلزم المساواة يستعمل فيها المساواة مجازا لغويا ولهذا يقال في اللغة: فلان يقاس بفلان ولا يقاس به أي: يساويه أو لا يساويه.\nوعلى هذا اكون المساواة لازمه للتقدير واستعمال القياس في المساواة مجاز لغوي من إطلاق اسم الملزوم على اللازم.\nوقال بعض الأصوليين: إنه حقيقة عرفية في المساواة.\nالقياس يطلق لغة على أمور ثلاثة:\nأ- التقدير: تقول قست الثوب بالذراع أي: قدرته به.\nب- المساواة: وهي قد تكون حسية أو معنوية.\nفالحسية مثل قولهم: قست النعل بالنعل ساويته به والمعنوية كقولك: فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه في فضله وشرفه والمساواة المعنوية هي المرادة للأصوليين إذا قالوا: القياس مساواة أو فيه مساواة فرع الأصل في علة حكمه.\nجـ- ويطلق على التقدير والمساواة معا - أي المجموع منهما إذا قصد الدلالة على التقدير وثبوت المساواة عقيب التقدير ومثال ذلك: قست النعل بالنعل أي/ قدرته به فساواه.\nوعلى هذا فيكون القياس مشتركا لفظيا بين هذه الثلاثة التقدير والمساواة والمجموع أو المركب من التقدير والمساواة.\nأنه حقيقة في التقدير فقط وتحته فردان:\n١- استعلام القدر أي طلب معرفة قدر الشيء مثل: قست الثوب بالذراع.\n٢- التسوية في مقدار مث: قست النعل بالنعل سويتها بها في المقدار انظر إحكام الأحكام للآمدي\"٣/٣٦١\" نهاية السول \"٤/٢\" فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت \"٢/٢٤٦\" الصالح في مباحث القياس عند الأصوليين للشيخ سيد صالح \"٥، ٦، ٧\".","vol":"2","page":69},{"text":"من الشبه١ وهذان منقولان عن المتكلمين والفقهاء قالوا: حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقد بسط بعضهم هذا الحد فقال: القياس طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه في حكمه لاستوائهما في المعنى والجمع بينهما بالعلة ذكره على هذا الوجه القاضي أبو الحسن الماوردى.\nوقال بعض المتقدمين: هو اعتبار الشئ بغيره٢.\nوقال بعضهم هو موازنة الشئ بالشيء٣.\nوحكوا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما سئل عن ميقات أهل المشرق فقال ما حاذاه من المواقيت؟ قالوا: قرن. فقال: قيسوا به٤. يعني اعتبروا به وهذان الحدان فيهما إجمال لأنهما لا يعبران عن صفة القياس في أحكام الشريعة والمقصود ها هنا هو\n_________\n١ وقد ذكره الشيخ الآمدي وعزاه للقاضي عبد الجبار وأبطله من وجهين:\nالأول: أنه غير جامع لأنه يخرج منه القياس الذي فرع معدوم ممتنع لذاته فإنه ليس بشيء.\nالثاني: أن حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه قد يكون من غير جامع فلا يكون قياسا وإن كان بجامع فيكون قياسا وليس في لفظه مايدل على الجامع فكان لفظه عاما للقياس ولما ليس بقياس انظر إحكام الأحكام للآمدي \"٣/٢٦٤، ٢٦٥\".\n٢ وقد ذكره الشيخ الآمدي وعزاه لأبي هاشم وأبطله بالوجهين السابقين أيضا انظر إحكام الأحكام \"٣/٢٦٤\".\n٣ وقد عرفه البيضاي بأنه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لا شتراكهما في علة الحكم عند المثبت انظر نهاية السول \"٤/٢\".\nوقد أورد الشيخ الآمدي عدة تعرفات للقياس:\nأولا: إنه عبارة عن إصابة الحق.\nثانيا: أنه بذل الجهد في استخراج الحق.\nثالثا: إن القياس هو التشبيه.\nرابعا: هو الدليل الموصل للحق.\nخامسا: هو العلم الواقع بالمعلوم عن النظر.\nسادسا: قال القاضي أبو بكر: القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عرفه أبوالحسين البصري بأنه تحصيل حكم الأصل في الفرع لا شتباههما في علة الحكم عند المجتهد انظر المعتمد \"٢/١٩٥\".\n٤ أخرجه البيهقي في الكبرى في الحج \"٥/٤٠، ٤١\" ح \"٨٩١٣\".","vol":"2","page":70},{"text":"العبارة عن القياس في الأحكام الشرعية١ وهو على التفسير الذي ذكرناه. وقد يقول القائل: قست الأرض معناه ذرعتها بمقياس مهيئ للذرع وبينى وبين فلان قيس رمح أى قدر معتبر بقدر رمح الحد الصحيح ما ذكرناه فيما سبق وقد قال بعضهم: إن القياس فعل القائس وليس هذا بشيء لأنه لو كان ذلك صحيحا لوجب أن يقال: كل فعل يفعله القائس من القيام والقعود والمشي قياس وهذا لا يقوله أحد. فإن قال قائل: ما قولكم في الاجتهاد وهل هو والقياس واحد؟ قيل: نقول أولا: إن الاجتهاد مأخوذ من إجهاد النفس وكدها في طلب الزاد كما أخذ جهاد العدو من إجهاد النفس في قهره وهل هو والقياس واحد وهما مختلفان اختلفوا فيه فقال أبو علي بن أبى هريرة إن الاجتهاد والقياس واحد ونسبة إلى الشافعي وقال أشار إليه في كتاب الرسالة وأما الذي عليه جمهور الفقهاء هو أن الاجتهاد غير القياس وهو أعم لأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد وهو من مقدماته وليس الاجتهاد يفتقر إلى القياس واختلفوا في حده فقال بعضهم: هو بذل المجهود في طلب الحق بقياس وغيره قالوا: والقياس ضرب من ضروب الاجتهاد وهو أخص منه وقال بعضهم: الاجتهاد وهو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه والقياس هو الجمع بين الفرع والأصل والحد الأول حسن جدا وقيل إنه يدخل في باب الاجتهاد حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وأمثال ذلك وليس بشئ من هذا بقياس فإن قال قائل ما قولكم فلا الاستدلال هل هو قياس أم لا قلنا: الاستدلال طلب الحق بدليل معانى النصوص وقيل استخراج الحق وتمييزه من الباطل وقيل كل ما استخرج به الحق حتى يمتاز به عن الباطل وقد حكى عن الشافعى رحمة الله عليه أنه سمى القياس استدلالا لأنه فحص ونظر فإن قال قائل ما قولكم في الأمارة هل هي قياس؟ قيل له: الأمارة من حيث اللغة هى العلامة وقال بعضهم: الأمارة هى التي النظر الصحيح فيها٢ يؤدى إلى الظن واعلم أن الأمارة قد تكون قياسا وقد تكون غير قياس وللأمارة تقسيمات وستأتى من بعد وحين عرفنا القياس وحده فنتكلم الآن في بيان كونه دليلا.\n_________\n١ ثبت في الأصل: \"الشريعة\".\n٢ ثبت في الأصل \"فيما\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":71},{"text":"مسألة: ذهب كافة الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء إلى أن القياس الشرعى أصل من أصول الشرع:\nويستدل به [على] ١ الأحكام التي لم يرد بها السمع وذهب طائفة إلى إبطال القياس وقالوا: لا يجوز أن يستدل به على حكم في فرع وهذا قول إبراهيم النظام ومن تبعه وهو قول داود بن على ومن تبعه من أهل الظاهر والقاشانى والمغربى والقيروانى وهو قول الشيعة أيضا واختلف هؤلاء في طريق نفيه فقال بعضهم إن التعبد بالقياس قبيح من حيث الفعل وإنما بطل القياس لأن العقل مانع منه ولو لم يمنع منه جاز أن يرد الشرع به وقال بعضهم: لا يقبح من حيث العقل ولكن الشرع منع منه ولو لم يمنع كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل لأن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل القياس لضعف البيان الحاصل به وقال بعضهم إنما بطل لأن [الشرعيات] ٢ مصالح والمصالح لا يعلمها إلا الله ﷿ وهذا قول النظام. وقال بعضهم: إنما بطل لأنه كان حجة ضرورة ولا ضرورة في كون القياس حجة٣.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"عن\" والصحيح ما أثبتناه.\n٢ كشط في الأصل.\n٣ قد ذكر المصنف الأدلة ولكننا نصوغها بطريقة أخرى للتسهيل على القارئ:\nاتفق الأصوليون على أن القياس حجة في الأمور الدنيوية لأنه يفيد الظن بالحكم والظن كاف فيها واختلفوا في كونه حجة في الأمور الشريعة:\n١- فذهب الجمهور إلى أن التعبد به جائز عقلا ويجب العمل به شرعا فقط.\n٢- وقال القفال الشاشي من الشافعية وأبو الحسين البصري من المعتزلة: إن العمل به واجب شرعا وعقلا لا فرق في المذهبين بين أن يكون القياس منصوص العلة وغير منصوصها ولا بين أن يكون جليا ولا خفبا.\n٣- وذهب القاشاني والنهرواني وداود بن علي الأصفهاني إلى أن التعبد بالقياس واجب شرعا في صورتين وفيما عداهما يحرم العمل به ولا دخل للعقل في الإيجاب ولا في التحريم.\nيقول الشارع: الخمر حرام للإسكار فيقاس النبيذ عليها.\nالصورة الثانية: أن يكون الفرع بالحكم أولى من الأصل مثل قياس الضرب على التأفف بجامع الإيذاء ليثبت له التحريم فإن الضرب أقل بالتحريم من التأفيف لشدة الإيذاء فيه.\n٤- وقال ابن حزم الظاهري وأتباعه إن التعبد بالقياس جلئز عقلا ولكن الشرع لم يوجد فيه ما يدل على وجوب العمل به.\n٥- وقال الشيعة الإمامية والنظام في أحد النقلين عنه أن التعبد بالقياس محال عقلا انظر نهاية السول \"٤/٧، ٨، ٩ط فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت \"٢/٣١٠\" المستصفى للغزالي \"٢/٢٣٤\" المعتمد \"٢/٢١٤\" المحصول \"٢/٢٤٥\" روعة الناظر \"٢٥١\" أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير \"٤/١٧، ١٨\".","vol":"2","page":72},{"text":"وإذا عرف هذا فنقدم أولا:\nمسألة: بيان حسن التعبد بالقياس عقلا:\nولأنه لا مانع من حيث العقل ثم نذكر ورود التعبد من حيث السمع ونقدم شبههم في الفصلين.\nاحتج من قال: إن التعبد بالقياس يجوز من حيث العقل قال: لأن الشرعيات مصالح والمصالح لا تعلم إلا بالنصوص فأما بالأمارات المفيدة للظنون لا تعرف لأنها ربما أخطأت وربما أصابت ولا يجوز أن نتعبد الحكيم في المصالح بما يجوز أن يخطئ المصالح وأيضا فإن القياس فعلنا ولا يجوز أن نتوصل إلى المصالح بفعلنا.\nببينة: أنه لو جاز الحكم في الشرعيات بالظنون عن أمارات لجاز أن نخبر أن زيدا في الدار إذا دلت الأمارة على كونه فيها وحين لم نخبر دلت أن القول بالظن باطل قالوا: ولأن جلى الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص فلم يجز إثبات خفيها إلا بالنص أيضا لأن ما علم جليه بطريق فخفيه لا يعلم إلا بذلك الطريق كالمدركات لا نعلم جليها وخفيها إلا بإدراك قالوا: ولأنه لو كان للشرعيات علل لكانت كالعلل العقلية في استحالة انفكاكها من أحكامها في كل حال إلا ترى أن الحركة لما كانت علة تحرك الجسم استحال وجود الحركة وليس الجسم المتحرك وإذا لم ينفك من أحكامها كان في ذلك ثبوت الأحكام الشرعية قبل الشرع وقالوا ولأن العقل كالنص في أنه يدل على حكم الحادثة فكما لا يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بالقياس المخالف للنص المعين لا يجوز أن يتعبدنا بالقياس المخالف حكم العقل وكل حادثة فلها حكم في العقل فإذا لا يجوز التعبد فيها بالقياس قالوا: ولأن القياس لو كان صحيحا لكان حجة مع النص كالخبر حجة مع الكتاب وحين لم يكن حجة مع النص دل أنه ليس بحجة أصلا قالوا: ولأن أحكام الشرع لو كانت معلومة وجب أن يكون جميعها معلولة كما كان جميعها حجة مشروعة ولما خرج بعضها من التعليل إجماعا دل أن كلها خارج لأن صنعه السمع في جميعها على السواء هذا بعض شبههم من حيث المعقول وسنبين ما يدعون من السمع","vol":"2","page":73},{"text":"المانع منه ويدخل في ذلك تقرير بعض ما ذكرنا من قبل وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٥١] فأخبر الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] والقياس الذى نستنبطه نحن من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا وإنما المنزل كتاب الله وسنة رسوله فإنه ما كان ينطق عن الهوى إنما ما كان ينطق عن الوحى وقال ﷾ في صفة كتابه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فأخبر أن الكل بيانه في كتاب الله ﷿ إما في نصه أو في إشارته أو أقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد فالابقاء على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] الآية فالله تعالى أمر بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في كتاب الله تعالى لثبوت الإباحة كالأصلية وقد ذكرنا هذا من قبل فيصير على هذا كل تاأحكام من رطب ويابس بيانه موجودا في كتاب الله تعالى فيبقى الرأى مستعملا لتعرف الحكمة التي فيها علم المصلحة عاقبة وهى مما لا توقف عليها بالرأى والإجماع لأن المصلحة في كل ما شرع الله تعالى من الأحكام التي هى النجاة في الآخرة وبالآراء لا تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك به المصالح العاجلة التي يوقف عليها بالحواس والتجارب. فتعرف نظائرها بالقياس وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ والقياس لا يفيد العلم فيكون قولا باطلا وأما خبر الواحد فأصله كلام النبى ﷺ وهو يوجب العلم يقينا وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال الينا فلا يبطل أصل الخبر بهذا الاحتمال وكان هذا بمنزلة النص المأول بالرأى من كتاب الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب فإنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في أصله موجب وأما القياس في الأصل محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال. قالوا: وليس يدخل على هذا تعرف جهة القبلة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك حيث تعرف١ هذه الأشياء بالرأى لأن معرفة جهات البلدان من مصالح الدنيا ومما يوقف عليه بالحواس وكذلك قيمة الشئ تعرف بمعرفة النظائر وطريق العلم بها حس البصر وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك كثير ممن مضى من الأمم وأمرنا بالاعتبار بها وذلك يكون\n_________\n١ ثبت في الأصل \"يتعرف\" وهذا هو الصواب.","vol":"2","page":74},{"text":"بالرأى لأن المقصود من ذلك معرفة هلاك مثله بمثل ذنبه وتلك المعرفة إما بحس العين أو بحس الأذن وكان الاحتراز من مثل سببه من مصالح الدنيا وحل ذلك محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على تلف مثله يتناوله ومثل الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعته. فلم تكن معرفة هذه الأشياء من أحكام الشرع. قالوا: فالله تعالى قد أكرم الآدمى بالرأى لكن ليستدرك به مصالح عاجلة ليبقى إلى جنبه المضروب له بتدبيره وجعل طريق استدراكه للوقوف على نظير ما عمله سببا من خير أو سوء وكان الرأى حجة للآدمى في أمثال هذا. فأما الشريعة فما شرعت إلا الآخرة وتلك المصالح تثبت على خلاف مصالح الدنيا فلا يكون الرأي فيها حجة ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا وهى طريق العلم لنا في الأصل لم نقف على نظائرها بالرأى يلزمنا وجوب التأمل في معانى النصوص لأن معانيها لغة من أمور الدنيا وهى مما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ولم يكن هذا من الشريعة في شئ فإن قيل: فإنها كانت قبل الشرع وإنما أنكر استنباط المعنى الذي يتعلق به حكم الشرع فإنه من أمور الآخرة فثبوت الحكم على ما ثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى وليس هو من معانى اللسان في شيء. قالوا: فتحمل الآيات الوارده بالأمر بالتفكر والاعتبار على هذا القبيل وتحمل النصوص التي نهت عن العمل بالرأى وألزمت اتباع الوحى على أحكام الشرع وعلى هذا تحمل مشاورة النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ أصحابه فإن الله تعالى أمره بها في تدبير الحرب وقد شاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا وما هو بحكم شرعى والنبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ ما شاور أحدأ في حكم من أحكام الشرع بحال. هذه الكلمات من الآية المذكورة كلمات ذكرها القاضى أبو زيد في كتابه حجة لهم. رجعنا إلى ما ذكرناه آية الأصوليين لبقاء القياس من الدلائل الشرعية في المنع منه وتعلقوا من الكتاب سوى ما ذكرناه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يقل إلى القياس فتضمنت الآية نفيه وقال ﷾: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] والقياس مفترى وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل.\n٢ زيادة ليست في الأصل.","vol":"2","page":75},{"text":"قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] والقياس يحل ويحرم فصار مفتريا على الله تعالى وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] والقول بالقياس تقديم بين يدى الله ورسوله وتعلقوا بالأخبار ومنها ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس ولكن بقبض العلم بقض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا\" ١ والفتوى بالرأي فتوى بغير علم لأن الظن لا يكون علما بحال وروى واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ قال: \"لم يزل أمر بنى إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم أبناء السبايا فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا\" ٣.\nوروى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: \"تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة بالرأى فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا\" ٤.\nوروى عوف بن مالك الأشجعى عن النبى ﷺ أنه قال: \" تفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتى يقيمون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال\" ٥.\nوروى أبو الدرداء ﵁ أن النبى ﷺ قال: \"الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عفو\" ٦.\nوأما الآثار عن الصحابة تعلقوا بما روى عن أبى بكر الصديق ﵁ أنه قال: أي سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت في كتاب الله برأيى.\n_________\n١ أخرجه البخاري: العلم \"١/٢٣٤\" ح \"١٠٠\" ومسلم: العلم \"٤/٢٠٥٨\" ح \"١٣/٢٦٧٣\".\n٢ زيادة ليست بالأصل.\n٣ أخرجه ابن ماجة المقدمة \"١/٢١\" ح \"٥٦\" في الزوائد: إسناد ضعيف \"عن عبد الله بن عمرو ابن العاص\" بنحوه والدارمي: المقدمة \"١/٦٢\" ح \"١٢٠\" عن عروة بن الزبير بنحوه.\n٤ ذكره الحافظ الهيثمي في المجمع \"١/١٨٤\" وقال: رواه أبو يعلى وفيه عثمان بن عبد الرحمن الزهري متفق على ضعفه.\n٥ أخرج الطبراني في الكبير \"١٨/٥٠- ٥١\" ح \"٩٠\" وعزاه الحافظ الهيثمي في المجمع \"١/١٨٤\" إلى البزار –أيضا- وقال: رجاله رجال الصحيح والحاكم في المستدرك \"٤/٤٣٠\".\n٦ أخرجه البيهقي في الكبرى \"١٠/٢١\" ح \"٣٧٥\" والدارقطني: سننه \"٢/١٣٧\" ح \"١٢\" والحاكم في المستدرك \"٢/٣٧٥\" وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع \"١/١٧٦\" وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن رجاله موثوقون. انظر الدر المنثور \"٤/٢٧٩\".","vol":"2","page":76},{"text":"وعن عمر ﵁ أنه قال: إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وثقلت عليهم السنن أن يعوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا١.\nوعن علي ﵁ [قال] ٢: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من ظاهره٣.\nوعن ابن عمر ﵁ أنه قال: اتهموا الرأى على الدين فإن الرأى منا تكلف وظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا.\nوعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله تعالى وحرمتم كثيرا مما أحل الله.\nوأما الآثار عن التابعين روى عن ابن سيرين أنه قال: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس٤.\nوقال الشعبى ما حدثوك عن أصحاب محمد صلى الله عليه [وسلم] ٥ فأخبره وما أخبروك به عن رأيهم فألقه في الحش وفى رواية: فبل عليه٦.\nوعن مسروق: لا أقيس شيئا إنما أخاف الله تعالى أن تزل قدم بعد ثبوتها٧ وفى هذا المعنى عن التابعين ومن بعدهم كثير.\nوذكرنا أكثر من ذلك في كتاب الانتصار واستدل النظام فقال: إن الله تعالى دلنا بموضع الشريعة على أنه منعنا من القياس فإنه تعالى فرق بين المتفقين وجمع بين المتفرقين فأباح النظر إلى الأمة وحرم النظر إلى شعر الحرة وإن كانت شوهاء وأيضا\n_________\n١ ذكره الحافظ ابن حجر في فتح البارئ من طرق الشعبي عن عمرو بن حريث عن عمر فذكره وقال: فظاهر في أنه أراد ذم من قال بالرأي مع وجود النص من الحديث لإغفاله التنقيب عليه فهلا بلام وأولى منه باللوم من عرف بالنص وعمل بما عارضه من الرأي وتكلف لرده بالتأويل وإلى ذلك الإشارة بقوله في الترجمة وتكلف القياس والله أعلم انظر فتح الباري \"١٣/٣٠٢- ٣٠٣\" \"باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس\".\n٢ زيادة ليست بالأصل.\n٣ أخرجه أبو داود: الطهارة \"١/٤١\" ح \"١٦٢\".\n٤ أخرجه الدارمي: المقدمة \"١/٧٦\" ح \"١٨٩\".\n٥ زيادة ليست بالأصل.\n٦ أخرجه الدارمي: المقدمة \"١/٧٨\" ح \"٢٠٠\".\n٧ أخرجه الدارمي: المقدمة \"١/٧٦\" ح \"١٩١\" بنحوه.","vol":"2","page":77},{"text":"أباح النظر إلى وجه الحرة وحرم النظر إلى شعرها مع اتفاقهما في معنى الشهوة وربما يكون هيج الشهوة عن النظر إلى الوجه أكثر منه عند النظر إلى الشعر وأوجب الغسل من المنى١ دون البول وحرم الصلاة بالحيض٢ دون الاستحاضة٣ وأوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة٤.\nببينة: أن القياس ليس إلا تشبيه الشئ بالشيء.\nوقد زعمتم أن التفريق بين المتشابهين٥ لا يجوز وقد وجد التفريق بينهما في غير موضع من أحكام الشرع بدليل هذه الصورة. بل قد ترك الشرع الأولى عند النظر في المعانى بدليل أن المني نجاسته دون نجاسة البول وأوجب بخروجه الغسل وأوجب بخروج البول الوضوء خاصة وأيضا فإن الله تعالى أوجب الحد على من رمى محصنا بالزنا٦ ولم يوجب على من رمى إنسانا بالكفر والشرك شيئا٧ والكفر فوق الزنا.\nببينة: أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل للرأي فيه.\nقالوا: ولأنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين متضادي الحكم وذلك يقتضى ثبوت حكمين في محل واحد على وفق الشبه وهذا باطل فإذا القول بالشبه باطل.\nقالوا: ولأن الإنسان لو قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسودا أو بريعا لأنه أبيض لم يجز أن يعتق في الأول كل عبد له أسود ولا في الثانى كل عبد له أبيض.\nواحتج أبو زيد لهم أيضا فقال: إن أصل الشرع من أحكام الله تعالى في الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم وهى كلها خالص حق الله تعالى لأنها حدود دينية وحق الله تعالى لا ينبغى أن يثبت إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم قطعا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأى لا يوصلنا إلى ما عند الله تعالى.\n_________\n١ قول عامة الفقهاء انظر المغنى \"١/١٩٧\".\n٢ انظر المغنى \"١/٣١٤\".\n٣ انظر المغنى \"١/٣٢٤\".\n٤ انظر المغنى \"١/٣١٤\".\n٥ في الأصل \"المتشبهين\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٦ ذكره ابن المنذر إجماعا انظر الإجماع لابن المنذر \"١١٣\".\n٧ قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه إذا قال الجل للرجل: يابن الكافر وأبواه مؤمنان قد ماتا أن عليه الحد انظر الإجماع لابن المنذر \"١١٣\".","vol":"2","page":78},{"text":"قال: وأما أخبار الرسول صلى الله عليه [وسلم] ١ فهى غير مختلفة وهى في أصلها موجبة للعلم وأنما اختلفت الرواية على ما سبق. قالوا: ولأن في منعنا٢ من القياس أمرين بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين فإنا متى حجرنا عن القياس يلزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معانى اللسان وفى المحافظة على النصص إظهار قالب٣ الشريعة كما شرعه وفى التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب ويسقط الهوى عند حياة القالب وهذا لأن القالب لا يحيا إلا باستعمال الفكر في معانى النصوص ومعانيها جمة وافرة لا تنزف بأول الرأى وأول الفكر وقد تفنى الأعمار ومعانى النصوص تبقى غير مستدركة فثبت أن في ترك القياس موت البدع وسقوط الهوى فتموت البدع تماما من الدين وبسقوط الهوى استقامة العمل وفيها الفوز والنجاة للناس فهذا الذي ذكرناه احتجاج نفاة القياس وسنجيب بعون الله تعالى ونبتدئ بإثبات كونه دليلا لله تعالى في أحكام الشرع من حيث المعقول ومن حيث السمع وإنما نذكر من حيث العقل على طريق الرد عليهم والمعتمد هو السمع وأما دلائلنا في إثبات القياس. قال أولا: ونبين أن العقل يدل على التعبد به. فنقول: إن مرادنا بقولنا: إن العقل يدل على ذلك هو أنا إذا غلب على ظننا بأمارة شرعية علة حكم الأصل. ثم علمنا بالعقل أو بالحس ثبوتها في شئ آخر فإن العقل يدل على قياس ذلك الشئ على ذلك الأصل بتلك العلة أما جواز قيام أمارة شرعية على علة حكم الأصل فهو أنا إذا علمنا أن قبح شرب الخمر تحصل عندشدتها وينتفي عند انتفاء شدتها كان ذلك يقتضى الظن بكون شدتها علة تحريمها ومعلوم أن الشدة ثابته في النبيذ وإنما قلنا: إن العقل يدل على قياس النبيذ على الخمر لأن العقل يدل على قبح ما ظننا فيه أمارة الضرر وأمارة الضرر التحريم الا ترى أن العقل يقتضى قبح الجلوس تحت حائط مائل لعلمنا بثبوت أمارة المضرة فإن قيل: كيف يجوز القطع على قبح ما وجدت فيه أمارة التحريم والمضرة مع أن الأمارة تخطئ وتصيب قيل له: كما يجب مثله في أمارة المضرة الحاصلة في القيام تحت حائط مائل فإن قيل: العقل إذا انفرد يقتضى إباحة شرب النبيذ فلم يجز الانصراف عنه\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل.\n٢ ثبت في الأصل: \"معنا ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٣ ثبت في الأصل: \"قالت\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":79},{"text":"لأمارة. قيل له: هذا موجود في الجلوس تحت حائط مائل لأن العقل يقتضى إباحة الجلوس في الأصل فيجب أن لا ينتقل عن هذه الإباحة لأمارة تجوز أن تخطى وتصيب فإن قيل: إنما حسن الجلوس بشرط أن لا يكون فيه أمارة التحريم والمضرة فلا فرق بينهما هذا دليل المتكلمين من المعتزلة ذكرناه على ما أورده أبو الحسين البصرى والأولى أن نذكر دليل العقل على وجه لا يؤدى إلى مذهب من مذاهبهم فنقول قد ثبت القول بحجج العقول في مواضعها فعلى هذا نقول: إن من قضية العقل أن كل شيئين مشتبهين فحكمهما من حيث أشتبها واحد ولولا أن الأمر في العقول كذلك لم يكن لنا سبيل إلى التمييز بين المتضادين ولا عرفنا صادقا من كاذب ولا محقا من مبطل ولا كاملا من ناقص ولا قصيرا من طويل ولذهب علم الحواس وبطلت فائدته وذكر الله الأمثال في كتابه وضرب الشبه بين المثال والممثل به وجرت عادة أهل العقل باستعمالها في كلامهم وابتذالها في مخاطبتهم وجمعوا بالمعنى بين الشئ وغيره وألحقوا حكمه بحكمه وهو كقول القائل إينما أتوجه ألقى سعدا وهو مثل مشهور من أمثال العرب وهو لرجل من بنى سعد رأى من قومه هذه الحكمة وسوء جوار فرحل عنهم وانتقل إلى قوم آخرين فرأى منهم مثل ذلك فأرسل هذه الكلمة مثلا وذلك أن القوم الذين صار إليهم لما كان معناهم في جواره معنى بنى سعد جعله منهم وألحقة في الحكم بهم وأجرى سنته عليهم وهو معنى قوله كل وبنو سعد وينو سعد قومى وعلى هذا يقا: خزيم الناعم: إذا وصفوه بالترفة والنعمة وما فلان إلا سخيا [وهو كما يقال] ١ هو الأمير إياد وصفوة بالبيان والفصاحة. ويقال: ما فلان إلا كليب [بن واسق إذا وصفوه] ٢ بالعز والمتعة والسلطان٣ إلا قارون إذا وصفوه بالثروة وأمثال هذا تكثر وعلى هذا المعنى. قيل للرجل الشجاع: أسد وللبليد حمار وللذمى كلب وكان متمم بن نويرة بعد ما نجع بأخيه مالك بن نويرة وهذا الذي قتله خالد بن الوليد لا يرى قبرا إلا بكى فعوتب على صنيعه. فقال:\nوقالوا أتبكى كل قبر رأيته ... لقبرثوى بين اللوى والدكادك٤\n_________\n١ بياض بقدر كلمتين.\n٢ كشط في الأصل.\n٣ كشط في الأصل.\n٤ قال في القاموس: دكادك ودكاديك وأرض مدكدكة مدعوكة ومدكوكة لا إسناد لها تنبت الرمث انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي \"٣/٣٠٢\".","vol":"2","page":80},{"text":"فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى ... دعونى فهذا كله قبر مالك\nفهذا أعرابى من بنى يربوع لا يعرف مذاهب الفقهاء في القياس ولا طريقهم في الاعتبار وإنما جرى ذلك على حكم أرشده إليه عقله وسجية هداه اليها طبعه حين رأى الشبه بين الكل في معنى واحد وأمثال هذا تكثر فثبت أن الأمر في العقول الصحيحة على ما قلناه من أن كل مشتبهين فحكمهما من حيث اشتبها واحد وصح أن المعانى أدلة وأنها متى وجدت متفقة أو حيث اتفاق الحكم ومهما كانت مختلفة أوجبت اختلافه.\nببينة: أنه إذا كان النظام ومن تبعه يتبعون أدلة العقل في العقليات وبه يستدلون على إثبات الصانع وعلى حدث العالم إلى سائر ما هو معروف فوجب ألا يمتنعوا من ذلك في أحكام الشرع وفى فروع السمعيات فإنه إذا استقل شئ بأعظم الأمرين كان قمنا١ أن يستقل بأيسرها وإذا جاز أن يتعبدنا الله به في أصول الدين جاز أن يتعبدنا ويجعله دليلا في فروعه. فإن قيل: القياس في العقليات لا يتغير ولا يوجد فيه التفريق بين المشتبهات وقد وجد ذلك في السمعيات على ما سبق بيانه.\nوالجواب: أن الأصول التي يقع إليها رد الفروع في الشرعيات لا يتغير أيضا لأن الله تعالى قد أكمل الدين وبين الناسخ والمنسوخ واستقرت الشرعية قرارها فالسمعى والعقلى فيما تنازعنا فيه بمثابة واحدة وأما التفريق بين المشتبهات فغير جائز عندنا أن يقع التفريق بينهما من الوجه الذي يتعلق به الحكم فيهما وإن جاز أن يقع ذلك من سائر الوجوه وإنما المعتبر في الجمع والفرق على النكتة التي هي مناط الحكم ورباطه دون ما سواه وأما المسائل التي ذكروها من التفريق الموجود بين المشتبهين فالنص فرق بين المنى والبول والحيض والاستحاضة والحرة والأمة وقد يمكن أن يوجد معنى الوفاق بين المنى والبول من وجه وموضع الخلاف من وجه وذلك أن المنى والبول من حيث كانا خارجين من مخرج واحد جاءت الشريعة فيهما بإيجاب الطهارة فوجب التسوية بينهما في نوع الواجب ولم يقع التفريق بينهما في أن يجعل في أحدهما الطهارة بالماء وفي الآخر الطهارة [بالماء] ٢ وأما موضع الافتراق فهو أن أحدهما وهوالبول من حيث كان يكثر خروجه من بدن الإنسان وتدوم البلوى والمحنة فيه ورد\n_________\n١ أي: جدير انظر القاموس المحيط \"٤/٢٦١\".\n٢ هكذا في الأصل ولعل الصواب \"بالتراب\".","vol":"2","page":81},{"text":"الشرع بتخفيف الطهارة عن صاحبه لئلا يشق عليه ولا يلحقه الضرر المجحف وأما المنى فإن خروجه من بدن الإنسان نادر وأنما هو في الفرط والحين فلما لم تكثر البلوى فيه وكان خروجه في العادة بالشهوة واللذة التي تشيع في جميع البدن ولم يكن في إيجاب الاغتسال ضرر قادح ورد الشرع بأعم الطهارتين وأسبغهما وأما الأمر في وجه المرأة وشعرها. قلنا: الأصل أن بدن المرأة كله عورة وأن عليها الستر وترك التبرج إلا أن موضع الوجه منها موضع الحاجة والضرورة لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند المعاملات لا يقع إلا برؤية الوجه وأيضا فإن مصلحتها في أسباب معاملتها لا يكمل إلا بذلك وأما الشعر فلا ضرورة في إبرازه بحال فصار كسائر بدنها وإن تعلقوا بالحرة والأمة في الشعر وصورة الحرة الشوهاء والأمة الحسناء. فيقال لهم: إن القياس يقتضى الجمع بين الشيئين في الحكم واختلافهما إذا اشتركا وافترقا في علته لا في صورته فبينوا أولآ أن شعر الأمة والحرة اشتركا في علة التحريم والإباحة حتى يكون ورود الشرع بالتفرقة بينهما ورودا بما يمنع القياس. قال النظام: غرضي بما أوردته الإبانة عن أن الشريعة قد شهدت بإبطال أماراتكم لأن الشريعة لو حرمت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر الأمة قلتم إنما حرم ذلك خوف الفتنة وذلك قائم في شعر الأمة الحسناء فوجب أن يحرم النظر إليه وهذا من أقوى أماراتكم في القياس فإذا شهدت الشريعة بإبطاله صح قولنا: إن وضع الشرع مانع من القياس. قال النظام: ونبين هذا الفرق بين القياس العقلى والقياس الشرعي فإن الأحكام العقلية لا تتفق مع التباين في العللل العقلية ولا تختلف مع الاتفاق في العلل ونحن نقول: إن شعر الأمة وشعر الحرة خارج على ما قلناه من اعتبار الحاجة. فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور وأما وجوب قضاء الصوم على الحائض وسقوط قضاء الصلاة ففيه إجماع وعلى أنه ليس بمستنكر وقوع الفرقان بين الصلاة والصوم. ألا ترى أن االمسافر يدع الصوم أصلا ولا يجوز تركه الصلاة وإنما السفر تأثيره في إثبات القصر ثم نقول إن الصوم ليس مما يتكرر في دوام الأوقات كالصلاة وإنما هو في السنة شهر واحد وربما يمر عليها الشهر كله ولا تحيض فيه فلم يكن في إلزامها الصوم كبير مشقة ولا كبير مضرة أما الصلاة لو","vol":"2","page":82},{"text":"كلفت قضاءها لأيام حيضها لحقها حرج ظاهر ومشقة شديدة فرفع الله تعالى القضاء عنها رفقا بها وتخفيفا عنها وأما القذف بالزنا والقذف بالكفر فالفرق بينهما ظاهر لأن المقصود من إيجاب الحد نفى العار عن المقذوف والكفر قد ينتفى عنه بقول يبديه فيسلم من عاره والزنا لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه بالقول فلم يكن بد من إيجاب الحد لينتفى منه عاره وشينه.\nببينة: أن الكافر يفعل الكفر تدينا فلا يتعير به بخلاف الزنا فإن المرء يفعله مستقبحا له فيلزمه العار العظيم من النسبة إليه ويمكن الجواب عن هذه الشبهة بجواب جدلى يدفع السؤال من أصله فيقال إنه ليس فيما قاله سوى أنه أرانا أمثال أماراتنا وقد نفت الشريعة أحكامها وذلك لا يمنع من كونها أمارة لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هى وأمثالها على حكمها على كل حال. بل قد تنجزم دلالتها ولا تخرج عن كونها أمارة.\nألا ترى أن الغيم الرطب أمارة في الشتاء على المطر. ثم قد نجد غيما أرطب من كل غيم في صميم الشتاء وتخلف المطر ولا يدل ذلك على خروج الغيم الرطب عن كونه أمارة وكذلك وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة على كونه عند الأمير ثم قد يوجد مركب القاضى على باب الأمير وليس القاضي هناك ولا يدل ذلك على خروج ما ذكرناه عن كونه أمارة ونقول قولكم الشرع جمع بين المختلفين وفرق بين المتفقين كلام باطل لأن ذلك يوجب إحالة القياس في العقليات لأن العقل جمع بين المتضادين في حكم واحد كاجتماع السواد والبياض في الحاجة إلى محل وجمع بين مختلفين غير متضادين في الحكم كاجتماع الأعراض والأجسام ففى الافتقار إلى محدث وأمثال هذا تكثر وإذا كان مثل هذا يوجد فلا تخرج أماراتنا على الأحكام من كونها أمارات لها لوجودنا أماراتها والأحكام مختلفة عنها وهذا لأنه يجوز أن يفرق الله بين الأصول في الأحكام فيجعل بعضها عقيما لا يثمر فرعا وبعضها مثمرا يستدل بمعانيها على فروعها وثمارها وعلى أنا نزيد لما ذكرنا من أصل الطريقة تقريرا لنبين به الكلام زيادة بيان وهو أنه لو لم يكن لأحكام الشرع معان تجري في جميع ما وجدت فيه تلك المعاني لم تكن تتعدى مواضعها التي وقعت فيها والأعيان التي خرجت عليها ولم يجز أن يشارك عمرو الذي لم يحكم له أو عليه بها زيدا الذي حكم له أو عليه ولما اتفقوا على أن في رجم ماعزا دليلا على رجم غيره إذا زنى وفى بيع عبد مدبر","vol":"2","page":83},{"text":"دليل على جواز بيع مدبر غيره وفى قوله ﷺ لفاطمة بنت أبى حبيش: \"إذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي\" ١ دليل على أن غيرها من النساء يكن أمثالها في هذا الحكم وفي قوله ﷺ لهند: \"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\" ٢ دليل على غيرها وفى قوله ﷺ للأعرابى حين قال له: هل على غيرهن قال: \"لا إلا أن تطوع\" ٣. دليل على سقوط ما وراءها عن كافة الناس وقد روى عن النبي صلى الله عليه [وسلم] ٤: أنه خرج مرة وفى يده ذهب وحرير. فقال: \"هذان حلال لإناث أمتى حرام عل ذكورهم\" ٥ وإنما وقعت الإشارة منه في ذلك القول إلى ما في يده منهما ثم كان الحكم متعديا إلى جميع الجنس فيهما فثبت أن المعانى في الأحكام معتبرة وأنها إلى كل عين وجدت فيها متعدية. وهم يقولون: إنما أثبتنا هذه الأحكام التي ذكرتموها في حق غير من ورد فيهم بدليل آخر فيجوز أن يكون ذلك الدليل هو الإجماع ويجوز أن يكون ذلك الدليل قوله صلى الله عليه [وسلم] ٦: \"خطابي للواحد خطابي للجماعة\". وقالوا أيضا: الكلام في العلل الظنية وكون الزنا مع الإحصان علة الرجم علة مقطوع بها وكذا في سائر ما قلتم والاعتماد على ما سبق\nطريقة ثانية في إثبات القياس\nنقول: الضرورة داعية إلى وجوب القياس لأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية ولابد أن يكون لله تعالى في كل حادثة حكم إما بتحريم أو تحليل فإذا كانت النصوص قاصرة عن تناول جميع الحوادث وكان التكليف واقعا بمعرفة الأحكام لم يكن لنا طريق نتوصل به إلى معرفتها إلا القياس. ألا ترى: أنا إذا تركنا القياس تعطلت\n_________\n١ أخرجه البخاري: الوضوء \"١/٢٩٦\" ح \"٢٢٨\" ومسلم: الحيض \"١/٢٦٢\" ح \"٦٢/٣٣٣\".\n٢ أخرجه البخاري: النفقات \"٩/٤١٨\" ح \"٥٣٦٤\" ومسلم: الأقضية \"٣/١٣٣٨\" ح \"٧/١٧١٤\" واللفظ للبخاري.\n٣ أخرجه البخاري: الإيمان \"١/١٣٠\" ح \"٤٦\" ومسلم: الإيمان \"١/٤٠، ٤١\" ح \"٨/١١\".\n٤ زيادة ليست بالأصل.\n٥ أخرجه أبو داود: اللباس \"٤/٤٩\" ح \"٤٠٥٧\" والنسائي: الزينة \"٨/١٣٨\" \"باب تحريم الذهب على الرجال\" وابن ماجه: اللباس \"٢/١١٨٩\" ح \"٣٥٩٥\" وأحمد: المسند \"١/١٤٤\" ح \"٩٣٨\" انظر تلخيص الحبير \"١/٦٤، ٦٥\" ح \"١٣\".\n٦ زيادة ليست بالأصل.","vol":"2","page":84},{"text":"أحكام الحوادث فصح قولنا: إن الضرورة داعية إلى استعمال القياس والأصل أن الأسباب والمعاون التي بها يتوصل إلى الشئ المأمور به في معنى المأمور به والمنطوق بذكره فيكون الأمر الوارد بالجملة منطويا عليها وإنما يقع السكوت عنها اختصارا للكلام واعتمادا على فهم المخاطب وهذا كالقبلة أمرنا باستقبالها في حال الغيبة كان الاستدلال بالعلامات الموصلة إليها لازما لنا ومعلوم أن من استؤجر لإيصال كتاب إلى موضع كان عليه فعل ما يوصله إليه من سير وقطع مسافة ومن استأجر أجيرا ليخبز له خبزا فقد انتظم ذلك إيقاد النار وتسجير التنور وإن لم يجر ذكره في لفظ الإجارة وكذلك ها هنا إذا لم يصل إلى معرفة أحكام الحوادث إلا بالقياس وجب عليه استعمال القياس كما لزمنا حكم الحادثة يدل عليه أنا إذا سلكنا هذا الطريق وصلنا به إلى الائتمار وإذا عدلنا عنه لم نصل إليه بعلمنا أنه الواجب وقد أمرنا بنفقة الزوجات وتقويم المتلفات وأورش الجنايات ولم يرد بتقديرها توقيف ولا يجوز أن يكلف معرفته ما لا سبيل لنا إلى معرفة فعلم أن طريقها الاجتهاد واستعمال أسبابه الموصلة إليها. فإن قيل: لا ضرورة لأن العلة قد ارتجت بما يدل عليها قضايا العقول في الحوادث على مما ذكروا في حجتهم قد بينا من قبل أن العقل لا يدل على شئ بنفسه لا تقبيح ولا تحسين ولا إيجاب ولا حظر وقد ذكرنا في هذا الباب ما فيه غنية وعلى أن الدليل من حيث [إن] ١ العقول متعارضة لأن قول من يزعم أن العقل يدل على إباحة الأشياء في الأصل يعارضه قول من يزعم أنه يدل على الحظر وبإزائها من يقول بالتوقف فإذا تعارضت هذه الأقوال فعلى أيها يعتمد. ثم يقال لهم: ما ذهبتم إليه من الرجوع إلا دلائل العقول مخالف لفعل النبى صلى الله عليه [وسلم] ٢ فإنه ﷺ كان يقف في الأمور التي لا يجد فيها نصا ولا يردها إلى الإباحة بقضية العقل وكذلك الصحابة كانوا يقيسون الأحكام بأدلة الشرع. ويقال لهم: أيضا إنا قد وجدنا في الشرع مسائلا وأحكاما لا يتصور الحكم فيها على قضايا العقول لأن ما قاله إنما يتصور في الاشياء التي اختلفوا في تحليلها وتحريمها. فنقول: احملها على قضية العقل في إثبات الإباحة وإذا وقع التنازع ففى أمر العقود والفسوخ وإلزام كل واحد من المتعاقدين تسليم ما يلزم منها وإسقاط ما يسقط كيف يحمل أمثال هذا على قضية\n_________\n١ زيادة ليست بالأصل.\n٢ زيادة ليست بالأصل.","vol":"2","page":85},{"text":"العقل وكذلك في باب الأنكحة فلا يدرى كيف يتمشى هذا الأصل الذي زعموه. فإن قالوا: يستصحب الحال فيما لا دليل فيه. قلنا: استصحاب الحال في العقود مع الاختلاف متعذر متناقض لأنه ما من حكم يتسصحب فيه حالة لإثباته إلا ويعارضه ما يوجب نفيه. أنه إذا وقع الاختلاف في فسخ النكاح بالعيب. ألا ترى: فالاستصحاب من أحد الجانبين يوجب الفسخ والاستصحاب من الجانب الآخر يمنع الفسخ وكذلك إذا اشترى جارية ثيبة ووطئها. ثم اطلع على عيب بها وأراد ردها فإن الاستصحاب في أحد الجانبين يوجب الرد وفى الجانب الآخر يمنع الرد فثبت أن الضرورة التي ادعيناها متحققة قطعا والذي قالوه خيرا من كلامهم أن الفكر في معاني النصوص وأشارتها وقضاياها تغنى عن القياس مجرد دعوى ونحن نعلم بطريق القطع وجود حوادث لا تدل عليها النصوص بوجه ألا ترى أنا وجدنا حوادث اختلف الصحابة فيها وقال كل أحد بخلاف ما قال صاحبه ولم يحتج أحد منهم على الآخر بنص ولا بمعنى نص ولو كانت النصوص تتناول جميع الحوادث لاحتجوا بها وإن رجعوا إلى قضية العقل فقد سبق إبطاله وعلى أن تناول العقل حكم الحادثة إنما يقتضى إثبات حكمة فيها ويغنى عمن سواه إذا لم ينقل عن العقل دليل شرعى فعليهم أن يثبتوا أن القياس ليس بدليل شرعى يوجب الانتقال عن قضية العقل هذا إذا كان القياس غير مطابق لحكم العقل وأما إذا كان مطابقا له فما المانع أن يدل هو على الحكم إيجاد مع العقل كما يدل العقل على الحادثة مع خبر الواحد فبطل ما قالوه من كل وجه.\nطريقة ثالثة في إثبات القياس:\nفهو التمسك بإجماع الصحابة وذلك أنهم اختلفوا في أمر من أمور الدين فصار كل واحد منهم إلى نوع من القياس فلم ينكر صاحبه ذلك منه مع إنكاره عليه قضية حكمه كمسألة الجد١ والمشتركة وميراث ذوي الأرحام فإن الاختلاف بينهم في هذه\n_________\n١ قال الكلوذاني: اعلم أن الصحابة ﵃ اختلفوا في توريث الجد مع الإخوة والأخوات فروى عن أبي بكر الصديق وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عباس وعائشة وأبي هريرة وأبي الدرداء وأبي الطفيل وأبي موسى وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله وعبادة =","vol":"2","page":86},{"text":"المسائل مشهور واحتجاجهم فيها من طريق القياس مذكور كقول ابن عباس لزيد: أتجعل ابن الابن ابنا ولا تجعل أب الأب أبا وتشبيه زيد مثالا بالرأى في مسألة الأخوة مع الجد وذلك مثال غصن الشجرة وجدول النهر وروى قريب في هذه المسألة عن على وكقول من حاج عمر في توريث الأخ للأب والأم مع الأخوة للأم في مسألة المشتركة١ هب أن أبانا كان حمارا ألسنا بنى أم واحدة فرجع عمر إلى التشريك٢ لما نبهه هذا الرجل على موضع المساواة في السبب الذي يستحق به الإرث وروي أن أبابكر ﵁ ورث أم الأم ولم يورث أم الأب. فقال له عبد الرحمن بن سهل لرجل من الأنصار وقد شهد بدرا: لقد ورثت امرأة لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورثها. فأشرك عند ذلك أبو بكر ﵁ بينهما\n_________\n= ابن الصامت وابن الزبير ﵃ أنهم جعلوا الجد أبا وأسقطوا به جميع الأخوة والأخوات وإليه ذهب الحسن وعطاء وطاووس وجابر بن زيد وقتادة وابن سيرين وأبو حنيفة وعثمان البتى والمنزني وداود والعمل على هذا لوضوحه.\nوروى عن على وابن مسعود وزيد بن ثابت أنهم وروثوا الإخوة معه ثم اختلفوا في كيفية توريثهم فكان ﵇ يقسم المال بين الجد وبين الإخوة والأخوات ويجعله في ذلك بمنزلة الأخ ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة عن السدس فرض له السدس وجعل الباقي للإخوة والأخوات.\nوإلى قوله في جميع باب الجد ذهب الشعبي والنخعي والمغيرة وابن أبي شعبة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح وكان زيد وابن مسعود يقسمان المال بينهم وبينه مالم تنقصه المقاسمة من الثلث فرض له الثلث وجعل الباقي للإخوة والأخوات وبقول زيد في باب الجد أخذ الزهري والأوزاعي والثوري ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو عبيد وجمهور الفقهاء وأخذ بقول ابن مسعود في الجد كله شريح ومسروق وعلقمة وجماعة من أهل الكوفة انظر المغنى لموفق الدين \"٧/٦٤\" بداية المجتهد لابن رشد \"٢/٨٨\" نيل الأوطار للشوكاني \"٦/٦١\" حاشية البيجرمي على الخطيب \"٣/٢٧٨\"الأشباه والنظائر للسيوطي \"٤٧٤\" الأشباه والنظائر لابن نجيم \"٢٩٨\" المبسوط للسرخسي \"٢٩/١٨٠\" الاختيار للموصلي \"٤/١٧٩\" التهذيب في الفرائض للكلوذاني- قيد الطبع بتحقيقنا.\n١ مسألة الشركة هي كل مسألة اجتمع فيها زوج وأم وجدة واثنان صاعدا من ولد الأم وعصبة من ولد الأب والأم انظر المبسوط للسرخسي \"٢٩/٢٥٤\" المغنى لموفق الدين \"٧/٢١\" كشاف القناع للبهوتي \"٤/٤١٥\" بداية المجتهد \"١٢/٢٥٩\".\n٢ أخرجه البيهقي في الكبرى \"٦/٤١٧\" ح \"١٢٤٦٧\".","vol":"2","page":87},{"text":"بالسدس١ واتفقت الصحابة على الزيادة في حد الشارب٢. وقالوا: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون٣. ثم قالوا: هو رأى رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه [وسلم] ٤ وأوجبوا فيه الدية إذا أتلف بالضرب واختلفوا في أم الولد: فقال علي: اجتمع رأيى ورأي عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن وكتب عمر ﵁ إلى أبى موسى الأشعرى كتابا في تعليم القضاء [فقال فيه] ٥: الفهم الفهم فيما يتحالج في صدرك مما ليس في الكتاب والسنة أعرف الأشباه والأمثال. ثم قس الأمور وراجع الحق إذا علمته فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل٦.\nوعن ابن مسعود ﵁ في قصة بروع بن واشق: أقول فيها برأيى فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان: لها مهر بمثل نسائها لا وكس ولا شطط٧ وعن عمر ﵁ أنه قال: إنى رأيت في الجد رأيا فاتبعونى وقال له مسروق أو غيره إن تتبع رأيك فرأيك رشد وأن تتبع رأى من قبلك فنعم ذا الرأى٨ يعنى أبا بكر ﵁ أو غيره كان وقال ﵁ في قصة بروع بالرأى حسبها الميراث لا مهر لها٩. وقال ابن مسعود في دم بين اثنين عفا أحدهما أرى هذا أحيا بعض النفس قال عمر: وأنا أرى ذلك واختلفوا أيضا في مسألة الحرام.\n_________\n١ أخرجه البيهقي في الكبرى \"٦/٣٨٥\" ح \"١٢٣٤٣\".\n٢ اعلم أن قدر حد الشرب فيه روايتنا ورواية عن أحمد:\nإحداهما: أنه ثمانون وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة.\nالثانية: أن الحد أربعون وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي والروابة الثانية عن الإمام أحمد انزر المغنى \"١٠/٣٢٩\".\n٣ أخرجه مالك في الموطأ: الأشربة \"٢/٨٤٢\" ح \"٢\".\n٤ زيادة ليست في الأصل.\n٥ زيادة ليست في الأصل.\n٦ أخرجه الدارقطني: سننه \"٤/٢٠٦\" ح \"١٥\" من حديث طويل انظر تلخيص الجبير \"٤/٢١٥\" ح \"٤٢\".\n٧ أخرجه أبو داود: النكاح \"٢/٢٤٤\" ح \"٢١١٦\" والنسائي: النكاح \"٦/٩٨\" \"باب إباحة التزويج بغير صداق\" وأحمد: المسند \"١/٥٨٠\" ح \"٤٢٧٥\".\n٨ أخرجه الدارمي: الفراشض \"٢/٤٥٢\" ح\" ٢٩١٦\".\n٩ تقدم تخريجه عن عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"2","page":88},{"text":"فقال أبو بكر وعمر ﵄: هو يمين١ وقال على كرم الله وجهه: هو طلاق [ثلاث] ٢. وقال ابن مسعود ﵁: طلقة واحدة٣.\nوقال ابن عباس رحمة الله عليه: هو ظهار.\nواختلفوا أيضا في مسألة المخيرة وخلافهم في ذلك معروف في اختيارها نفسها٤ أو اختيارها زوجها٥. قال زاذان عن على ﵁: سألنى عمر ﵁ عن المخيرة. فقلت: إن اختارت زوجها فهى واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة. فقال: ليس كذلك ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها وإن اختارت زوجها فلا شيء فتابعته على ذلك فلما خلص الأمر إلى عدت إلى ما كنت أرى. فقلنا له: لأمر جامعت فيه أمير المؤمنين عمر ﵁ وتركت له رأيك أحب إلينا من رأى انفردت به فضحك. وقال: أما أنه أرسل إلى ازيد بن ثابت فخافني وإياه. وقال: إن اختارت زوجها فهى واحدة وهو أحق بها وإن اختارت نفسها فهي [ثلاث٦] ٧ وهم في هذه المسائل رجعوا إلى مجرد الرأى لأنهم لابد أن يكونوا قالوا: عن طريق إذ لا يجوز أن يكونوا قالوا ما قالوا جزافا\n_________\n١ أخرجه البيهقي في الكبرى في الخلع والطلاق \"٧/٥٧٦\" - ح\"١٥٠٦٧\".\n٢ في الأصل \"ثلث\" وانظر السنن الكبرى للبيهقي \"٧/٥٧٦\".\n٣ وروى الحافظ البيهقي في الكبرى \"٧/٥٧٥\"- ح\"١٥٠٦١\" عن ابن مسعود -﵁- أنه إن نوى به يمينا فيمين وإن نوى طلاقا فطلاق. أخرجه البيهقي \"١٥٠٦٤\" أنه إن نوى طلاقا تقع طلقة واحدة. والله أعلم.\n٤ إذا اختارت نفسها فلا تون أكثر من تطليقة رجعية وبه قال أحمد وهو قول ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعمر وعائشة ﵃ وروى ذلك عن جابر وعبد الله بن عمر. وقال أبو حنيفة: هي ةاحدة بائنة وهو قول ابن شبرمة. وقال مالك: هي ثلاث في المدخول بها لا تبيين بأقل من ثلاث إلا أن تون بعوض انظر المغنى \"٨/٢٦٧\".\n٥ إذا خيرها زوجها فاختارت زوجها أو ردت الخيار أو الأمر لم يقع شيء نص عليه أحمد وروى ذلك عن عمر وعلي وزيد وابن مسعود وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وابن شبرمة وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر.\nوعن الحسن تكون واحدة رجعية وروى ذلك عن علي ورواه إسحاق بن منصور عن أحمد انظر المغنى \"٨/٢٩٨\".\n٦ في الأصل \"ثلث\".\" ح \"\n\"٧ أخرجه البيهقي في الكبرى في الخلع والطلاق ٥٦٦/٧ح١٥٠٢٧.","vol":"2","page":89},{"text":"ونحن نعلم أنهم يقولون عن نص فدل أنهم قالوا عن قياس وتتبع هذا يطول والأمر في هذا أشهر من أن يحتاج معه إلى إكثار على هذا المنهاج كان أمر التابعين في المحاجة والمقايسة ولم يصح عن أحد منهم في ذلك إنكار وخلاف وهو ميراث الأمة إلى زماننا فإن قالوا: يحتمل أنهم قالوا ما قالوا عن نص. ثم يقولون: تعلقتم فيما صرتم إليه بالإجماع وأنتم لا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون مرجوعكم إليه فيما تأتون وتدرون وتصححون وتبطلون والأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها فكيف انضبط لكم ما يفسد منها؟ وما يصح ذكر هذا السؤال الشيخ أبو المعالى على هذا اللفظ وذكر أن هذا سؤال مشكل.\nوالجواب: أن دعوى النص محال لأنه لا يتصور من جهة العادات في عدد كبير يهتمون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ما لا يتعلق به حكم شرعى أن يعملوا إظهار ما اشتدت إليه الحاجة مما يتعلق به حكم شرعى ووقع فيه الاختلاف ويفارق هذا ترك نقل ما اجتمعوا عليه لأجله فإنه يجوز لأن الإجماع حجة وقد أغنى عن الخبر وليس كذلك إذا وقع الاختلاف ووقعت الحاجة إلى المحاجة بالنص فلا يتصور أن يكتموا الخبر إن كان هناك خبر.\nوأما كلامهم الثاني: فقد حكم المورد له أنه سؤال كل ولا أدرى وجه الإشكال في هذا السؤال وهذه الآثار صرحت المصير إلى الرأى من الصحابة بالانضباط فيما اتفقوا عليه وقد دلت هذه الآثار أنهم قالوا ما قالوه عن الرأى فإن قالوا: لم يحك عنهم الاختلاف في الأقوال في هذه المسألة ولم ينقل عنهم تصريح بعلة. قلنا: قد ذكرنا ونقلنا محاجتهم بضرب الأمثلة وعلى أن التنبيه منهم على العلة والقياس قد وجد وتعين مسألة واحدة. فنقول في مسألة الحرام: من قال منهم: إنه طلاق ثلاث١. فقال: مطلق التحريم يقتضى غاية التحريم ومن جعله طلقة واحدة٢ اعتبر أقل ما ثبت ومن جعله إيلاء اعتبر أن الزوج قد منع نفسه بهذا القول عن وطئها ومن جعله ظهارا٣ أجراه مجرى ذلك من قبل تقييد التحريم بلفظ ليس بلفظ طلاق ولا إيلاء\n_________\n١ هذا قول: علي وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري والحكم بن مالك وابن أبي ليلى انظر الأشراف \"١/١٥٢\".\n٢ هو قول الزهري ورواية عن أحمد انظر المغنى \"٨/٢٧٥\" الأشراف \"١/١٥٢\".\n٣ هو قول ابن عباس وسعيد بن أجبير وأبي قلابة وأحمد انظر الأشراف \"١/١٥٢\".","vol":"2","page":90},{"text":"وإذا كان هذا الذى ذكرناه ممكنا ولم يكن ذكر نص ولأنهم قالوا بغير طريق وجب القطع على أنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجرى مجراه وأيضا فإن الناس قد يقتصرون على الفتوى في كلامهم ويعلم السامع الوجه الدال على الفتوى من نفس الفتوى وقال بعضهم: إنهم قالوا في مسائل المواريث ما قالوه بالصلح أو بأقل ما يجب وهذا ليس بشئ لأن المنقول في مسألة المواريث إثبات الإرث ونفيه وتقديره في بعض المواضع فكيف يتصور الصلح على هذا؟ وقولهم: إنهم أوجبوا أقل ما قيل باطل لأنه لم يتقدم اختلافهم [في] ١ أقوال هم قالوا بأقلها ولا اتفوا على قول حتى يقال: إنه أقل ما قيل بل قالوا أقاويل متباينة بعضها يخالف البعض وثبت ها هنا عما نقلوه عن الصحابة والتابعين من ذم الرأى قلنا إنما قالوه في الرأى الفاسد الذي لا [تعلق] ٢ له بأصل من الأصول أو قالوا ذلك في القياس قياس الذي بخلاف النص ألا ترى أن عليا ﵁ قال حين قال: لو كان الدين بالرأى ولكنى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر قدميه٣ والدليل على أن المراد منهم بما قالوا أحد هذين الوجهين أنه ثبت عنهم القول بالقياس واعتبار الأشباه والأمثال على ما ذكرناه وعلى ما ذكرنا بأول قول التابعين. ألا ترى: أن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس٤ وإنما أراد به القياس الفاسد دون الصحيح.\nببينة: أن إبليس كان قد اعترض بالقياس على النص وما كان من القياس كذلك فإنا لا نجوزه ولا نعمل به وكذلك قوله: ماعبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس يرد به المقاييس الفاسدة وقد ورد النهى الصريح في الكتاب عن السجود لها وذلك قوله ﷿: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وكذلك الذي حكوه عن الشعبى إنما هو في القياس الخالى عن أداة الأصول وقد كان ظهر في آخر زمان التابعين قوم يقدمون الرأى على السنن فإنما أراد ذلك وكل ما نقل من أمثال هذا يكثر وقد حمل جميع ما نقل من ذم الرأى من الصحابة والتابعين على الرأي قبل طلب السنن وعندنا يجب طلب حكم الحادثة من\n_________\n١ زيادة ليست بالأصل.\n٢ في الأصل \"يتعلق\".\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":91},{"text":"السنة أولا ثم يصير إلى القياس وكذلك الجواب عن الأخبار التي تعلقوا بها عن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ وعلى أنه ليس في تلك الأخبار خبر ثابت غير خبر عبد الله ابن عمرو في قبض العلم٢ فإما سائر الأخبار فلا تعرف ولا نقل في كتاب يوثق به فلا يجوز التعويل عليها. فإن قالوا: اعتمدتم على إجماع الصحابة ولم يوجد إجماع الصحابة لأنكم نقلتم ما نقلتكم عن نفر يسير فأين الإجماع؟ قلنا: نقلنا عن وجوههم ولم ينقل عن واحد منهم خلاف ذلك وقد بينا أن القول المنتشر إذا لم يظهر له مخالف يكون إجماعا فكيف في هذه الأقوال المنتشرة؟ فإن قالوا: إنما تركوا إنكاره لأنه كان صغيرة وإنما تنكر الكبائر. قلنا: كما يجب إنكار الكبائر يجب إنكار الصغائر وعلى أنا بينا أنه لم تجر العادة فيما هذا سبيله أن يظهر الخلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وسلم] ٣ على شئ ونعلم أنهم قالوا ما قالوا عن الرأى فيكون منكراثم تطبق الجماعة على ترك إنكاره. ألا ترى: أنه لما ظهر بينهم الاختلاف والتنازع كيف أنكر بعضهم على بعض حتى صاروا إلى التجاذب والتقاتل واعلم أن الاحتجاج بإجماع الصحابة دليل في نهاية الاعتماد وهو مما يقطع العذر ويزيح الشبهة فليكن به التمسك.\nطريقة رابعة: وهى الاستدلال بالكتاب والسنة:\nقال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فأمر بالاعتبار والإستباط والاعتبار اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه عليه يقال: اعتبر هذا بمقداره وقال ابن عباس ﵁ في الأسنان: اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية٤ وقولهم: إن في هذه العبرة مغناة أن فيه ما يقتضى حمل غيره عليه وأما الاستنباط هو استخراج المعنى المودع من النص حتى يبرز ويظهر فإن قيل:\n_________\n١ زيادة ليست بالأصل.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ زيادة ليست بالأصل.\n٤ أخرجه أحمد: المسند \"١/٣٧٧\" ح \"٢٦٢٥\" بلفظ \"أن النبي ﷺ سوى بين الأسنان والأصابع في الدية\".","vol":"2","page":92},{"text":"الاعتبار الاتعاظ والانزجار وليس بمعنى القياس الذي يدعونه وقيل: إن الاعتبار لا يدل على معرفة الشئ بغيره إنما هو تبيين الشئ نفسه.\nببينة: أنه يقال للقائس معتبر لا لسانا ولا عادة وإنما الذي يعرف معنى المعتبر هو الاتعاظ والتفكر في نفس الشئ والجواب: أن وزن الاعتبار افتعال من العبرة والعبرة أصلها في اللغة المثال ومنها يقال: أخذ السلطان العشر على عبرة العام الماضي أى على مثاله ومن هذا تعبير الموازين والمكاييل إنما هو تمثيل بعضها ببعض وتسويتها على مثال واحد ومنه تعبير الرؤيا وهو تمثيلها بأمور تطابق معانيها معاني الرؤيا وقيل هو تعديتها ونقلها من ظواهرها إلى مواطن معانيها من قولك عبرت النهر أى صرت من أحد العبرين إلى الآخر والعبر الشاطئ فثبت بما قلناه أن الاعتبار هو إجزاء الشيء على مثال غيره وبطل بهذا ما زعموه أنه معرفة الشئ نفسه والتفكير فيه وأما حملهم على الاتعاظ والانزجار غاية الاعتبار فعلمنا أن معناهما مختلف وقد قال الشاعر في الاعتبار:\nواعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب\nوظهر بهذا أن الاعتبار هو ما قدمناه من اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه عليه فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم من الأمر بالقياس لحسن التصريح به وهو أن يقول: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] فقلبوا الأرز على البر وهذا التصريح يكون فاسدا عند كل عاقل فدل أنه ليس هو المراد. قالوا: وأما الاستنباط المذكور في القرآن فهو استخراج الشئ من كونه باطنا ليظهر فتحمله على الاستدلال بمعانى النصوص وقد يقال لمن استدل على الشيء بما يخفى في النصوص: قد يستنبط هذا الحكم من هذا النص.\nوالجواب: أما الأول: فإنما لا يجوز ما قالوه لأنه اقتصار على ما تعلق له بالكلام في ظاهره فلم يحسن لهذا لكن حسن مع هذا قوله: \"فاعتبروا\" لإن اشتمل على ما يتعلق بالكلام الأول وعلى ما لا يتعلق به. ألا ترى: أن النبى ﷺ لو سئل عمن ابتلع حصاة في شهر رمضان لم يحسن أن يقول: من جامع فعليه الكفارة ويحسن أن يقول: من أفطر فعليه الكفارة وإذا قال ذلك دخل فيه من جامع ومن بلع الحصاة وقد اعترض على الآية. فقيل: إن قوله: \"فاعتبروا\" ليس على العموم لأنه لا يجب ما قلتموه في كل موضع وإذا لم يجب في كل موضع فنحن نقول: نوجب الاعتبار","vol":"2","page":93},{"text":"بالتفكر في معاني النصوص فهذا رجوع إلى ما سبق والجواب بما قدمنا.\nوأما الاستنباط فالاستدلال به أيضا صحيح والذي قالوه من حمله على الاستدلال بمعانى النصوص. قلنا: الذي قلتموه استنباط والقياس الذي اختلفنا فيه من وجوه الاستنباط أيضا فيكون الاستنباط المذكور مشتملا على الكل وفى الباب آيات كثيرة وأحسن ما يستدل به هاتان الآيتان وأما السنة فحديث معاذ أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ لما بعثه إلى اليمن قاضيا قال له: \"بم تحكم؟ \" قال: بكتاب الله قال: \"فإن لم تجد في كتاب الله؟ \" قال: بسنة رسول الله قال: \"فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ \" قال: أجتهد رأيى ولا آلو. قال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله\" ٢ وهذا نص [ثابت] ٣ وهم يقولون هذا خبر واحد لا يثبت به مثل هذا الأصل وقد قالت الأصحاب: هو خبر واحد ولكن تلقته الأمة بالقبول فصار دليلا مقطوعا به وتعلقوا أيضا بما روى أن النبى صلى الله عليه [وسلم] ٤ قال لعمر حين سأله عن قبلة الصائم: \"أرأيت لو تمضمضت كان يضرك؟ \" قال: لا قال: \"ففيم\" ٥ إذا فجعل القبلة بغير إنزال قياسا على المضمضة بغير ازدراد والخبر أيضا خبر واحد مثل الأول ويدل عليه قوله ﷺ للخثعمية: \"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يقبل منك\" قالت: بلى قال: \"فدين الله أحق أن يقضى\" ٦.\nوقال النبى صلى الله عليه [وسلم] ٧ في الهرة: \"إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" ٨ فقد علل بعلة مؤثرة وهى التطواف علينا والعلة\n_________\n١ ليست بالأصل.\n٢ أخرجه أبو داود: الأقضية \"٣/٣٠٢\" ح \"٣٥٩٢\" والرتمذي: الأحكام \"٣/٦٠٧\" ح \"١٣٢٧\".\n٣ في الأصل \"إن يثبت\".\n٤ ليست في الأصل.\n٥ أخرجه أبو داود: الصوم \"٢/٣٢٢\" ح \"٢٣٨٥\" والدارمي: الصوم \"١/٢٢\" ح \"١٧٤٢\" وأ؛ مد: المسند \"١/٢٨\" ح \"١٣٩\".\n٦ أخرجه النسائي: القضاء \"٨/٢٠٠\" \"باب الحكم بالتشبيه والتمثيل\" وأصله في البخارى ومسلم بغير هذا السياق.\n٧ زيادة ليست بالأصل.\n٨ أخرج أبو داو: الطهارة \"١/١٩\" ح \"٧٥\" والترمذي: الطهارة \"١/١٥٣\" ح \"٩٢\" وقال: حديث حسن صحيح والنسائي: الطهارة \"١/٤٨\" \"باب سؤر الهرة\" وابن ماجة: الطهارة =","vol":"2","page":94},{"text":"ضرورة الطواف وتعذر الاحتراز وقال صلى الله عليه [وسلم] ١ في دم الاستحاضة: \"إنها دم عرق\" ٢ ولهذا الذي ذكرناه أمثال سواه فاقتصرنا على هذا القدر وفيما نقلناه من الأخبار [في] ٣ تعليم استعمال القياس وقد تعلق الأصحاب أيضا بالاجتهاد في القبلة. وقالوا: تعبدنا الله تعالى بالاستدلال بالأمارات على جهة القبلة إذا اشتبه علينا أمرها ونصلى إلى الجهة التي ظننا أن القبلة فيها وهذا تعبد بالاستدلال بالأمارات فدل ذلك على حسنها واعترضوا على هذا وقالوا من الناس من لا يجوز الاجتهاد في طلب القبلة ومن اشتبهت عليه القبلة صلى إلى الجهات كلها. قلنا: لا نسلم وإن سلمنا فالأمارات الدالة على القبلة أمارات عقلية لا سمعية ونحن إنما منعنا الأمارات المظنونة في الحوادث الشرعية ولسنا نمنع العمل بالأمارات العقلية وفى المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب أو غيرهم لكن الاعتماد على الدلائل الأول والثانى والثالث وأمثلها وأحسنها إجماع الصحابة وأما التعلق بما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة فلا بأس بها لتكثر الدلائل فأما الاعتماد عليها ابتداء فلا يصح لأن الأخبار آحاد وليس في نص القرآن ما يدل على جواز القياس ولكن إن وجد يوجد من طريق الاستدلال ولابد من دليل قطعى في إثبات القياس والظاهر المحتمل لا يحتج به في القطعيات فالأولى ما ذكرنا. فأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم إن الشرعيات مصالح. قلنا: قد أجبنا عن هذا في مواضع وبينا أن القول بالصلاح والأصلح قول باطل وزعم لا يمكن تمشيته ثم يقال لهم ولم لا يجوز معرفة المصالح بالظنون ويجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة وإذا فعلناه على غير تلك الصفة لا يكون مصلحة لنا فلا يمتنع أن يكون فعلنا الفعل ونحن نظن شبه الفرع بالأصل هو المصلحة وإذا لم ينظر حتى نظن شبهة به أو بغيره فاتتنا المصلحة يدل عليه أنا إذا دللنا على أن الله تعالى قد تعبدنا بالقياس فإذا تعبدنا الله تعالى بذلك علمنا بتعبده أن المصلحة أن يفعل بحسب ظننا. وقولهم: إن المصالح لا\n_________\n= \"١/١٣١\" ح \"٣٦٧\" ومالك في اموطأ: الطهارة \"١/٢٢\" ح \"١٣\" والدارمي: الطهارة \"١/٢٠٣\" ح \"٧٣٦\" وأحمد: المسند \"٥/٣٤٨\" ح \"٢٢٥٨٩\".\n١ ليست بالأصل.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ زيادة يستقيم بها المعنى.","vol":"2","page":95},{"text":"يتوصل إليها بالآراء والأمارات. قلنا: ولم هذا؟ لأن الأمارات التي تستند إلى النصوص لنستدرك بها المصالح لأنها بمنزلة النصوص ومن قال لا التي يستدرك بقول ليس بيدك إلا مجرد الدعوى ويقال لهم أيضا إن المصالح تستدرك بالنصوص لكن منها ما يستدرك بنص ظاهر جلى وبعضها يستدرك بنص خفى فيفتقر إلى الاستدلال حتى يعلم المراد به والقياس من هذا القبيل وهذا لما قلنا: إن الأقيسة لما استندت إلى النصوص صارت بمنزلة النصوص.\nفأما قولهم: إن الجلى من أحكام الشرعية لا يعرف إلا بنص فكذلك الخفى منها. قلنا: ولم ينبغى أن يكون كذلك أليس ما عدا الشرعيات يعلم حكمه بالإدراك والضرورة؟ ويعلم خفيه بالاستدلال دون الإدراك وجلى الشرعيات يعلم بالنصوص الظاهرة وخفيها يعلم بنص خفى وكثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالإدراك وخفيه يعلم بخبر من شاهد وقوعه فيه. فإن قالوا: إن ذلك يستند إلى المشاهدة. قلنا وكذلك أحكام الفروع استندت إلى الأحكام الثابته بالنصوص.\nجواب آخر: إن جميع الشرعيات [تعلم] ١ عندنا بالنص ولكن بعضها يعلم بظاهر وبعضها يعلم بالاستدلال بالنص وما علم بالقياس هو مثل ما علم بطريق الاستدلال.\nوأما قولهم: إن هذه العلل توجد وهى غير موجبة وهى قبل الشرع فلو كانت موجبة لم ينقل عن موجبها كالعلل العقلية.\nقلنا: العلل العقلية موجبة لأعيانها وكانت لازمة لمعلولها والعلل الشرعية موجبة بالشرع فصارت طائرة على معلولها فلهذا افترقا وهذا لأن الشرائع مصالح ويجوز أن يكون الشئ مصلحة في زمان دون زمان ولهذا اختلف شرائع الأنبياء وصح نسخها فيجوز أن لا تكون هذه العلة موجبة قبل الشرع لأنه لا يكون مصلحة قبل الشرع وأما بعد الشرع تكون موجبة لأنها مصلحة بعد الشرع هذا جواب المتكلمين والأولى أن نقول إنا قد بينا أن العقل بعينه لا يوجب شيئا فلا يتصور هذا السؤال على هذا القول وإن تمسكوا بالحسيات.\nقلنا: لم جمعتم بين الحسية والشرعية من غير جامع وأيضا فإن عنوان الحركة تحرك الجسم وذلك إنما وجب أن يكون الجسم معه متحركا لأن كون الجسم إذا تحرك هو معنى كونه متحركا. فالقول: إن فيه حركة وليس بمتحرك مناقضة.\n_________\n١ ثبت في الأصل \"يعلم\".","vol":"2","page":96},{"text":"وأما قولهم: إن الحليم لا يقتصر على أدنى البيانين مع قدرته على إعلامها. قلنا: في هذا الكلام تسليم أن القياس بيان ولا يمتنع أن يكون فيه مصلحة زائدة وإن كان أدون بيانا من غيره ولو وجب التعبد بأعلى وجوه البيان لوجب تعريفنا الأحكام كلها بالكتاب أو بالضرورة أو كان ينبغى أن يقع الاقتصار على النصوص الجلية المتواترة دون الآحاد لأنها أعلى بيانا من الخفية.\nوأما قولهم: لو كان القياس حجة لكانت مع النص.\nقلنا: ولم وما قلتم دعوى وعلى أنهم إن قالوا إنه يكون حجة مع النص على حكم الأصل فكذلك نقول يكون الخبر دلالة والقياس أيضا دلالة مطابقة له فإن قالوا مع النص على خلاف حكمه في الفرع فقد بينا ذلك في الخبر الوادد بخلاف قياس الأصول وعلى أنه لا يمتنع أن يكون حجة إذا انفرد وإذا عارضه النص كان النص أولى منه كما أن خبر الواحد حجة إذا انفرد وإذا اجتمع مع الخبر المتواتر أو مع نص القرآن كان أولى منه وأما تعلقهم بالآيات التي ذكروها فليس في شئ منها دليل على ما قالوه.\nويقال لهم: لم قلتم: إن الحكم بالقياس حكم بخلاف ما أنزل الله تعالى أو تقديم بين يدى الله ورسوله أو فيه آتباع ما ليس لنا علم به فإن الدلائل القطعية قد قامت على صحة القياس وهو في الحقيقة رد الفرع إلى أصله من الكتاب والسنة والحكم به حكم بما أنزل الله ﷿ ورد إلى الله والرسول واتباع ما لنا به علم. وقوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] معناه إما على الجملة أو التفصيل وليس المراد منه على التفصيل لأن كثيرا من الأشياء التي لا تعد لم نجد تناولها الكتاب على التفصيل فدل أن المراد من تلك إما على هذه الجهة أو على تلك الجهة والكتاب والسنة وإن لم [يشتملا] ١ على بيان القياس على التفصيل فقد اشتملا على بيانه بالأجمل\nببينة: أنه قد وجدت أشياء كثيرة صارت ببينة بالسنة وليس لها في الكتاب ذكر ولكن لما دل الكتاب على الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه [وسلم] ٢ ودل أنه لا ينطق عن الهوى جعل كأن بيانه كان بالكتاب كذلك هاهنا لما دل الكتاب والسنة على أن\n_________\n١ في الأصل: \"يشتمل\".\n٢ زيادة ليست بالأصل.","vol":"2","page":97},{"text":"القياس دليل الله وكان رد القياس إلى أصول ثبتت١ بالكتاب والسنة صار بما دل عليه القياس كما أن٢ الكتاب والسنة دلا عليه.\nفإن قيل: إن استقام هذا لكم في سائر ما أوردناه فما قولكم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ومعلوم أن القياس دليل ظنى فإن قلتم إن وجوب العمل به كان بدليل قطعى فهذا لا يزيل الإشكال لأن القياس لما كان ظنا فيستحيل أن ينتج الظن علما قطعيا وقولكم: إن القياس يفيد العلم بوجوب العمل طبع محال. قلنا: الأقيسه لا تفيد [العلم] ٣ بوجوب العمل بأعيانها وإنما يقع العلم بوجوب العلم بالدلائل القطعية التي أقمناها عند وجود الأقيسة وإذا قررنا على هذا الوجه سقط هذا السؤال وعلى أن الشرع قد ورد باتباع كثير من الظنيات بدليل أن الحكام إنما يفصلون الأحكام بالشهادات المقامة في مجالسهم وهى دلائل ظنية لا قطعية وكذلك الأمارات المرجوع إليها في القبلة ظنية لا قطعية وكذلك في تقويم المتلفات وأروش الجنايات وكذلك التدابير في الحروب يجوز الرجوع إليها والاعتماد عليها ومعلوم أن الرأى في الحروب والتدابير التي تقع بين الناس ليس تفيد علما قطعيا وما زال الناس من قديم الدهر إلى حديثه ومن أولهم إلى آخرهم ومن سلفهم إلى خلفهم يرجعون إلى غالب الظنون ويعتمدون عليها وإذا حصرنا الأمور في المنتفيات وحملنا الناس على ما يفيدهم العلم الحقيقى بالأشياء فسد ما به قيام أمورهم وانسد ما به تقوم أكثر مصالحهم والإنسان يبعث الواحد في أمر ما [ويرسل] ٤ رسولا في شئ فيعتمد على تبليغه وفعله لما أرسله فيه ويسمع من الإنسان بالخبر في إباحة شئ أو في تحريمه أو طهارته أو نجاسته فيؤمر بالأخذ بقوله وقد كان النبى ﷺ يبعث الواحد في الأمور ويعتمد على ما يخبره به وكان ذلك رجوعا إلى غالب الظن وأمثال هذا وقد ذكرنا في مسألة الخبر الوحد فالقياس عندنا بمثابة ذلك.\nوقولهم: إن الاحتمال في الأخبار في طرقها لا في الأقوال المنقولة بل الأقوال\n_________\n١ في الأصل: \"يثبت\".\n٢ ثبت في الأصل: \"كمام\".\n٣ ثبت في الأصل: \"بالعلم\".\n٤ ثبت في الأصل: \"ويرسله\".","vol":"2","page":98},{"text":"المنقولة نص في المعانى التي اشتملت عليها.\nقلنا إذا يمكن الاحتمال في الطريق لم يقع لنا العلم بصدد ذلك القول عن النبى صلى الله عليه [وسلم] ١. بل كانت نهاية ما في الباب وجود غلبة ظنه ومع ذلك وجب الاعتماد عليه والرجوع إليه فكذلك أمر القياس يكون كذلك يدل عليه أن الله تعالى سمى هذا الدين شرعا وشرحا للصدور. فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ومعلوم أن القلب بصره بالغائب كبصيرة العين بالحاضر ومعقول القلب بالرأى كمرئى العين بالبصر فإنا نعلم أن الإنسان يكون حرجا صدره في حكم من الأحكام فإذا تأمل فيه وعرف معناه ينشرح صدره بمعرفة معناه ويطمئن إليه قلبه ويدخله النور والضياء والفسحة وهذا لأن الإنسان إذا قلد الحاكى في شئ وإن كان الحاكى صادقا فألقى في قلبه بعض الحرج ولم ينشرح صدره كل الانشراح فإذا عقل معنى الحكم تم انشراح صدره وانفساحه والجملة أن في قبول فعل صاحب الشرع على ما جاء به حسن الطاعة والانقياد لله ﷿ وفى المصير إلى القياس وطلب المعاني من الأصول الواردة طمأنينة القلب وانشراحها لوقوعها على حجتها ومعانيها المعقولة وما زال طلب طمأنينة القلوب حسنا منذ قال إبراهيم ﵇ مجيبا لقوله ﷺ ولقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ولهذا لهج الناس بطلب المعاني في الأشياء وسلكوا طريق ذلك في مصالح دنياهم كذلك صح ذلك أيضا في مصالح دينهم والذين فرقوا بين ما يرجع إلى مصالح الدنيا ومصالح الدين ففرق باطل والرجوع إلى الرأى وغالب الظن في الموضعين. وهذا لأن الفوز والنجاة جائز للعبد من الله تعالى وناجيا به غير أن هذه الطاعات والشرائع المشروعة أمارات وعلامات لنيل تلك السعادة ويجوز أن يجعل معنى يغلب عليه الظن علامة لنيل الفوز والسعادة وليس هذا بمستنكر في عقل ولا شرع.\nوأما قولهم: إن أحكام الشرع مختلفة فدل اختلافها أنها غير معلولة قلنا من الأحكام ما يعقل معانيها ومنها ما لا يعقل معانيها. ونحن إنما نستجيز القياس فيما نعقل معانيها ولا نستجيز فيما لا يعقل معانيها ووجه انقسام الشرع إلى هذين القسمين هو أن بعضها لا يعقل معانيه ليتحقق الإسلام لأمر الله ﷿ وبعضها ما يعقل معناه ليتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل معناه.\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل.","vol":"2","page":99},{"text":"وأما قولهم: إن حجج الله تعالى تكون موجبة قطعا. قلنا: هذا الأصل غير مسلم في العمليات فإن الواحد حجة في العمل وهو حجة من حجج الله تعالى من حيث العمل به وإن لم يكن مقتضيا موجبه على وجه القطع والثبات ولا فرق بين الخبر والعلة لأنه كما يحتمل تعليل المعلل للغلط كذلك الرواية تحتمل الغلط وأما قولهم: إنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين مختلفين. قلنا: هذا ممنوع ومن أين قلتم إن كل فرع يشبه أصلين متضادى الحكم. ثم ولئن سلمنا أنه يوجد الفرع الذي له شبه بأصلين متضادى الحكم لكن الله تعالى قد جعل لنا طريقا إلى قوة شبهه بأحد الأصلين فينبغى أن يراجع المجتهد النظر أو يبالغ في النظر ابتداء حتى يظهر له ذلك وقد قال بعض القياسين: إنه يجوز أن يكون حكم الله في الفرع هو التخيير فإذا اعتدل الشبهات عند المجتهد فيكون المجتهد مخيرا يلحقه باى الأصلين شاء فأما كلامهم الأخير. قلنا: نحن إنما نجوز المصير إلى الاجتهاد بعد طلب الحكم في الكتاب والسنة فإذا أعوزه ذلك حينئذ يصير إلى القياس والذى قالوا: إن حصر أحكام الحوادث على معاني النصوص يتضمن الاستحثاث على الإكثار من الأخبار والفكر في معانيها وفى ذلك إماته البدع وإسقاط الهوى.\nقلنا: نحن إنما نأمره أولا بطلب أحكام الحوادث في النصوص فإذا لم يجد فيها حينئذ ينتقل إلى المعنى وعلى أنا قدمنا أن في الأمر بطلب المعانى [انشراح] ١ الصدر وانفساحه وطمأنينة القلب وإصابة زيادة النور الداخل عليه من قبول أحكام الله تعالى على طمأنينة القلب مع قبوله على الطوع والانقياد وقد أبتلى الله تعالى عباده بطلب المعانى مرة لتنشرح صدورهم وتضىء قلوبهم ويتجرد القبول والاستسلام مرة ليظهر عطاؤهم المقادة واستسلامهم لأمر خالقهم وبارئهم فيستعمل عقله مرة بطلب المعنى ليظهر له قدر نعمة الله تعالى بما أعطاه من النفاذ في الأمور ومعرفة الله وحكم الله ومعانيه الغامضة التي هى أمارات أحكامه وشرعه فيقابلها بالشكر وينقاد ويستسلم مرة ويحبس عقله من توثبة على الأمور ويصرفه عن عتوه وتجاوزه عن حده المحدود له ليظهر حسن عبوديته وخضوعه وانقياده لمعبوده وهذا باب عظيم وحكمة بالغة وتصريف من الرب للعباد وابتلاء منه لهم ليظهر خفى أمرهم ومكنون سرهم ويتميز الخبيث من الطيب فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة والله\n_________\n١ ثبت في الأصل: \"أشراح\".","vol":"2","page":100},{"text":"تعالى للعباد بالمرصاد وهو المستعان.\nفإن قيل: أليس لو قال الإنسان لغيره: أعتق سالما عبدى لأنه أسود لم يجز أن يعتق كل عبد له أسود.\nالجواب: أنا نقول أولا: لو رودع بمثل هذا. فقال: أعتقوا فلانا لأنه أسود وجب إعتاق كل عبد أسود\nفأما في أمر العباد قلنا: هذا دليل عليكم لأن الإنسان إذا قال: أعتقت عبدى لأنه أسود فإن كل عاقل يناقضه إذا لم يعتق غيره من عبيده السود إلا أن يكون قد عرف من قصده أنه أعتقه لأنه أسود مع شرط آخر لا يوجد في غيره وكذلك إذا قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسود قال له العقلاء فعبدك الآخر أسود فلم خصصت هذا بالعتق إلا أنه لا يجوز لوكيله الإقدام على إعتاق كل عبد أسود لأن الشرع منع من ذلك إلا بصريح القول ولأن الموكل لما جاز عليه البدوات والمناقضات لم يجز الإقدام على إتلاف ماله إلا بصريح القول.\nألا ترى: أن الموكل لو قال هذا القول وأمر وكيله بالقياس لم يكن للوكيل أيضا إعتاق كل عبيده السود وخرج على هذا أمر الشارع لأنه لا يجوز عليه البدوات والمناقضات ولأنه لو أمر بالقياس صريحا أجمعوا على أنه يجوز للمخاطب القياس فثبت الفرق بينهما من كل وجه فهذا وجه الكلام في هذه المسألة وقد طالت جدا لكن هذه المسألة أصل عظيم فلم يكن بد من الكلام فيها على الإشباع والاستقصاء لئلا يدخلها وهم كاذب من الإزراء بالقائسين والراجعين إلى الظنون والله الموفق للصواب والمرشد إلى الحق بمنه وفضله.\nوإذا عرفنا جواز القياس في الفروع وتعرف الأحكام من قبله فأول ما نبدأ به بعد ثبوت جواز القياس الكلام فيمن يجوز له الاجتهاد والقياس وإنما يقع الكلام في النبى صلى الله عليه [وسلم] ١ وفى الصحابة إذا اجتهدوا بحضرته\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل.","vol":"2","page":101},{"text":"مسألة: ذكر أصحابنا أنه كان يجوز للنبى ﷺ أن يجتهد في الحوادث١ ويستعمل القياس ويحكم به\nوكذلك ذكروا أنه يجوز الاجتهاد من الصحابة بحضرة النبى ﷺ ومن أصحابنا من قال لما كان يجوز للنبى ﷺ ذلك ولا كان يجوز ذلك لأحد من الصحابة بحضرته٢ وعلى هذين القولين اختلف أصحاب أبى حنيفة أيضا. قال أبو زيد: والقصد عندنا أنه لم يكن له العلم بالرأى ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحى فيما ابتلى به وكان له العمل برأيه بعد ذلك واستدل من أبى جواز ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] فدل أنه لا يحكم إلا على وحى ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] لأنه كان ﷺ يسأل عن أشياء ويتوقف فيها إلى أن يرد النص كالظهار واللعان وغير ذلك ولو جاز الاجتهاد ولم يكن للانتظار معنى والمعتمد لهم أن النبى ﷺ إذا أثبت الحكم بالاجتهاد كان للعالم أن يخالفه ثم إذا خالفه فيكون للعامى التخيير في الاستفتاء وهذا أمر قبيح لا\n_________\n١ ذهب الأشاعرة والمتكلمين إلى أن الاجتهاد في حقه ﵊ جائز عقلا واختاره البيضاوي وذهب الجبائي وابنه وأبو هاشم إنه محال انظر نهاية السول \"٤/٥٣٠\" فواتح الرحموت \"٢/٣٦٦\" سلم الوصول شرح نهاية السول \"٤/٥٣٠، ٥٣١\" المستصفى \"٢/٣٥٥\" المحصول \"٢/٤٨٩\" انظر إحكام الأحكام \"٤/٢٢٢\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٧، ٢٢٨\".\n٢ مسألة اجتهاد الصحابة بحضرة الرسول أو في غيبته اختلف فيها الأصوليون في ذلك على أقوال:\n١- اجتهاد الصحابة في عصر الرسول غير جائز عقلا وهو لبعض الأصوليين.\n٢- اجتهاد الصحابة في عصر الرسول جائز عقلا - وهو مذهب الجمهور والقائلون بالجواز اختلفوا على أقوال:\n١- يجوز مطلقا للحاضر منهم مجلس الرسول والغائب عن مجلسه وهو لمحمد بن الحسن والباقلاني.\n٢- يجوز للغائب من الولاة والقضاة ولا يجوز لغيرهم كما لايجوز للحاضر في مجلس الرسول انظر نهاية السول \"٤/٥٣٨، ٥٣٩\" سلم الوصول \"٤/٥٣٨، ٥٣٩\" المحصول \"٢/٤٩٤\" فواتح الرحموت \"٢/٣٧٤\" إحكام الأحكام \"٤/٢٣٤\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٣٤\".","vol":"2","page":102},{"text":"يقول لديه أحد وأيضا لو جوزنا له الاجتهاد لوجب القطع على أن العلة التي استخرجها هى علة الحكم ولا قطع مع الاجتهاد وإذا لم يقطع جازت مخالفته.\nببينة: أن الأمة أجمعت على أن من استحل مخالفة النبى ﷺ يصير كافرا فإذا جوزنا له الاجتهاد لم يكن تكفير مخالفه في الحكم لأن الاجتهاد طريقه الظن فلا يجوز أن يكفر من يخالفه فيه فثبت أن الاجتهاد ممتنع أصلا وهذا لأن المجتهد لا يؤمن عليه الغلط فكيف يحرم مخالفة من لا يؤمن عليه الغلط ألا ترى أن الرأى في الحروب لما لم يؤمن عليه الغلط كيف جاز مخالفته فإن النبى ﷺ أراد النزول في منزل يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: أرأى رأيته أم وحى؟ فقال: \"بل رأى رأيته\" فقال: بل الرأى أن ننزل في موضع كذا أو أراد النبي ﷺ أن يعطى يوم الأحزاب قوما من الكفار شطر ثمار المدينة لينصرفوا فقال الأنصار: أرأي رأيته أم وحى فقال: \"بل رأى رأيته\" فقالوا: لا نعطيهم إلا السيف والله ما كانوا يطعمون ذلك في الجاهلية إلا بشرى أو بقرى فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسد ثمارها ذلك العام فأمرهم بالتأبير وقال: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم\" ١ قالوا: ولأنه لا ضرورة له ﷺ إلى الرأى لأن الوحى له متوقع واستعمال الرأى لا يجوز إلا عن ضرورة\nببينة: أن الدين في الأصل لله تعالى فلا يجوز شرعه برأى لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ضررورة ولا ضرورة لصاحب الوحى وهذا كتحرى القبلة لا يجوز إلا لمن بعد عن الكعبة فأما من قرب فلا ضرورة له كذلك ها هنا يكون الأمر كذلك قالوا: وأما الأمر بالمشاورة فكان من أمور الدنيا ونحن إنما نجوز الاجتهاد في أمور الدين فأما في أمور الدنيا فهو جائز وعلى أنه ﷺ أمر بمشاورتهم تطييبا لنفوسهم لأخذ برأيهم واستدل من قال: إنه لا يجوز للصحابة أن يجتهدوا بحضرة النبى ﷺ هو أن الحكم بالاجتهاد حكم يغالب الظن فلا يجوز مع إمكان الرجوع إلى النص وقد كان يمكنهم الرجوع إلى نص النبى ﷺ فصار اجتهادهم في هذا الموضع كاجتهاد علماء الأمة في موضع النص وأما دليلنا فيتعلق أولا بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وهذا على العموم ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فلو لم يجز لهم الحكم بالرأى لم يؤمر بالمشاورة لأن الذي ينال بالمشاورة محض الرأي. وقولهم: إنه\n_________\n١ أخرجه مسلم: الفضائل \"٤/١٨٣٦\" ح \"١٤١/٢٣٦٣\".","vol":"2","page":103},{"text":"أراد بذلك في أمور الدنيا. قلنا: قد كان النبى ﷺ يشاورهم في أمور الدين بدليل المفاداة يوم بدر والمفاداة حكم شرعى وقد شاورهم في ذلك واختلاف أبى بكر وعمر ﵄ في ذلك معروف مشهور وقد روى أن خولة سألت النبى ﷺ عن ظهار زوجها منها فقال: \"ما أراك إلا وقد حرمت عليه\" فقالت: أشتكى إلى الله ﷿ فأنزل الله تعالى آية الظهار١ ويدل عليه أن النبى ﷺ شاور الصحابة في أمر الأذان فاختلفوا عليه ثم إن عبد الله بن زيد رأى الرؤيا على ما عرف وقد روينا أن النبى ﷺ قال لعمر ﵁ حين سأله القبلة للصائم: \"أرأيت لو تمضمضت\" ٢ وفي حديث الخثعمية \"أرأيت لو كان على أمك دين؟ \" ٣ قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وقد كان أذن لهم بالرأى ويدل على ما ذكرناه قصة داود وسليمان صلوات الله عليهما على ما ذكر الله ﷿ وهو قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآية وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكانا حكما بالاجتهاد وهذا كله بمعنى وهو أنه كما يجوز في العقول أن يكون مصلحتنا أن نعمل بالاجتهاد بالأمارة تددل عليه مرة ونعمل بالنص مرة إذا وجد كذلك جاز مثله في النبى ﷺ وليس يحيل العقل ذلك في النبى ﷺ ويصححه فينا كما لا يصححه في زيد ويمنع منه في عمرو لهذا يجب عليه وعلينا أن نعمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها وإذا ثبت أن العقل ايمنع من التسوية بيننا وبين النبى ﷺ وبين الأمة ولم يرد شرع يفرق بينه ﷺ وبيننا صارت الدلائل مستمرة على عمومها واستدل من جوز الاجتهاد للصحابة بمحضر النبى ﷺ بما روى أن النبى ﷺ أمر سعدا أن يحكم في أمر بنى قريظة٤ والرسول ﷺ حاضرا وروى أن النبي ﷺ أمر عمرو بن العاص أن يحكم بين نفسين على أنه إن أصاب فله عشر حسنات. فقال: يا رسول الله أجتهد وأنت حاضر؟ قال: \"نعم\" ولأنه إذا جاز الاجتهاد في غيبة النبى ﷺ وخطأه لا يستدرك فلا يجوز بحضرة النبى ﷺ ولو أخطأ يستدركه النبى ﷺ أولى وأحرى.\n_________\n١ ذكره الحافظ السيوطي في الدر المنثور وقال: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن خولة ... فذكره. انظر الدر المنثور \"٦/١٨٠\".\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ أخرجه البخاري \"٤/٧٧\" ح \"١٨٥٢\" وأحمد: المسند \"١/٢٩٥\" ح \"١٩٧٥\".\n٤ أخرجه البخاري: الاستئذان \"١١/٥١\" ح \"٦٢٦٢\" ومسلم: الجهاد \"٣/١٣٨٨\" ح \"٦٤/١٧٦٨\".","vol":"2","page":104},{"text":"وأما الجواب عما ذكروه. قلنا: أما قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] فلا دليل من هذه الآية في موضع الخلاف لأن الآية نزلت في شأن القرآن ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأى الصواب عن عقل ونظر في أصول الشرع أما قولهم إن النبى ﷺ قد توقف في أشياء قلنا: إن كان قد توقف في مواضع فقد اجتهد في مواضع على ما سبق وعلى أنه كان يجوز له أن يجتهد فيما له أصل من الكتاب فيحمل غيره عليه فأما ما لا أصل له فلا سبيل إلى الاجتهاد فيه.\nفأما الذى اعتمدوه من قولهم إنه لو جاز الاجتهاد له لجاز لغيره مخالفته قلنا: نحن نقول: يجوز له ﷺ الاجتهاد وأما مخالفة غيره له حرام فإن قيل: كيف يحرم مخالفة قول صدر عن اجتهاد؟ ويمنع مجتهد آخر عن الاجتهاد فيه.\nببينة: أنه لا يتصور أن يحرم على غيره المخالفة إلا بعد أن يكون الدليل قطعيا وإذا لم يكن للنبى ﷺ في نفسه قطعيا كيف يكون في غيره قطعيا. قلنا: بلى قد يجوز صدور١ القول عن اجتهاد لكن يحرم على غيره المخالفة لكونه نبيا في نفسه وإنما حرم المخالفة وإن صدر عن الإجتهاد لأنه ﷺ كان معصوما عن الخطأ في الأحكام فإذا كان معصوما عن الخطأ محروسا عن الزلل كان مصدورا منه محكوما بصحته مقطوعا بذلك فلذلك حرمت المخالفة ومن استحل كفر ويجوز أن يصدر الحكم عن الاجتهاد ثم ينضم إليه ما يوجب القطع بالصحة ويتضمن تحريم المخالفة بدليل الإجماع الصادر عن الاجتهاد.\nوأما قولهم: هل يقطع على العلة التي استخرجها أنها علة الحكم قلنا نحن نقطع بذلك لأنه واجب علينا اتباعه وهو لا يقطع بذلك لأنه مجتهد ولأنا نعلم أنها علة الحكم قطعا لما قام لنا من الدليل أنه معصوم عن الخطأ.\nوأما قولهم: إن الاجتهاد بحضرته حكم بالظن مع إمكان التوصل إلى العلم قلنا: إذا اجتهد وأقر هو ﷺ على ذلك فقد وقع لنا بحضرته العلم بذلك ولأنه إن أخطأ يمنعه منه على أنه يجوز الحكم بالظن مع أمكان العلم بدليل أنه لا يجوز الحكم بخبر الواحد من إمكان الرجوع إلى قول جماعة يقع الخبر بخبرهم والله أعلم.\nوقد بينا اختلافهم في جواز الاجتهاد بحضرة النبى ﷺ وقد قال: بعضهم إذا أذن\n_________\n١ ثبت في الأصل \"صدر\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":105},{"text":"النبى ﷺ في ذلك والأولى أن يقال: إنه لا يجوز لمن حضر النبى ﷺ أن يجتهد قبل سؤال رسول الله ﷺ كما لا يجوز لأن للمجتهد أن يجتهد قبل طلب النص كما لا يجوز لسالك١ في برية مخوفة أن يعمل على رأيه مع تمكنه من سؤال من يخبره عن الطريق عن علم وإذا سأل النبى يجوز أن يكله النبي ﷺ إلى اجتهاده ليس من ذلك مانع لا من حيث العقل ولا من حيث الشرع.\n_________\n١ ثبت بالأصل: \"ليسالك\" وهذا أصوب.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>فصل: وإذا عرفنا من يجوز له القياس فالكلام بعد ذلك فيما يجوز فيه استعماله:</span>\nاعلم أن التعبد في جميع الشرعيات بالنصوص جائز ومن الممكن أن ينص الله تعالى على صفات المسائل في الجملة فيدخل تفاصيلها وهى فيها بالنص على صفات المسائل يجوز أن ينص على جريان الربا كل مطعوم فيدخل في ذلك أنواع المطعومات وينص على تحريم كل مسكر فيدخل فيه الخمر والنبيذ وكل ما يشبهه فأما التعبد في جميعها بالقياس فلا يصح لأن القياس حمل فرع على أصل بنوع شبه بينهما فإذا لم يكن أصل فكيف يتصور القياس.\nببينة: أنه قياس الشيء على نفسه وهذا لا يجوز وإذا علم أنه لا يجوز إثبات جميع الأحكام الشرعية بالقياس.\nفنقول: ليس القياس تتخصيص شئ دون شئ من الأحكام بعد أن لا يكون جميعها ثابت بالقياس فعلى هذا قال الأصحاب: تثبت جميع الأحكام الشرعية بالقياس على معنى أن لا يتخصص بشئ دون شئ بل يجوز أن يستعمل القياس في كل حكم من أحكام الشرع.\nويتفرع على هذه المسألة المعروفة مع أصحاب أبى حنيفة وهى مسألة استعمال القياس في الحدود والكفارات وفى المقادير كلام على ما سنبين إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":106},{"text":"مسألة: يجوز أثبات الكفارات والحدود بالقياس على مذهب الشافعى رحمة الله عليه.\nوعند أصحاب أبي حنيفه لا يجوز١. وقال أبو الحسن الكرخى: لا يجوز تعليل الحدود ولا الكفارات ولا العبادات ولهذا منع من قطع القياس بالقياس ومنع من إيجاب الحد على اللوطى بالقياس ومنع من الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس ومنع من إيجاب الكفارة من قتل العمد بالقياس قال ولا فرق بين الكفارات الجارية مجرى العقوبات وبين ما لايجرى مجرى العقوبات ومنع أيضا من إثبات النصب بالقياس ولهذا الأصل لم يوجب الزكاة في الفصلان وصغار الغنم وقد منعوا أيضا ثبوت كثير من هذا بخبر الواحد ومنعوا أيضا من استعمال القياس في المقادير والأصح على مذهبنا جواز القياس في المقادير أيضا ومنع أبو الحسن الكرخى أيضا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة كأجرة الحجام وقص الشارب والاستصناع فيما جرت [به] ٢ العادة مثل الخفاف والأواني وغير ذلك وقد تتبع الشافعى رحمة الله عليه مذاهبهم وأبان أنهم لم يفوا بشئ مما ذكروه ونورد كلام الشافعى رحمة الله عليه على وجهه. قال الشافعى رحمة الله عليه: أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها حتى تعديتموها إلى الاستحسان وهو في مسألة شهود الزنا فإنهم أوجبوا الحد في تلك المسألة وقضوا\n_________\n١ جمهور الأصوليون على أن القيلس يجري في الحدود والكفارات والرخص والمقدرات كما يجري في غيرها من الأحكام الشرعية واشتهر عن الحنفية الخلاف في ذلك فقالوا: إن الحدود والكفارات والرخص والمقدرات لا تثبت بالقياس ولا يكون القياس حجة فيها.\nمثال القياس في الحدود: قياس النباش على السارق بجامع أخذا المال خفية في كل فيقطع النياش كما يقطع السارق وقياس اللائط على الزاني بجامع الإيلاج في فرج محرم مشتهى فيحد اللائط كما يحد الزاني.\nومثال القياس في الكفارات قياس الأكل في نهار رمضان عمدا على الجماع انتهاك حرمة الشهر في كل فتثبت الكفارة في الأكل كنا تثبت في الجماع وقياس القتل العمد على القتل الخطأ بجامع إزهاق الروح في كل لتثبت الكفارة في القتل العمد كما تثبت في القتل الخطأ انظر نهاية السول \"٤/٥٣\" سلم الوصول \"٤/٣٥\" المحصول \"٣/٤٢٤\" إحكام الأحكام \"٤/٢٨\" فواتح الرحموت \"٢/٣١٧\" المستصفى \"٢/٣٣٤\" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٥٠، ٥١\".\n٢ زيادة ليست في الأصل.","vol":"2","page":107},{"text":"أنه استحسان وأما الكفارات فقد قاسوا الإفطار بالأكل فيها على الإفطار بالوقاع وقد قاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وأما المقدورات فقد قاسوا فيها ومما أفحشوا في ذلك عدد الدلاء عند وقوع الفأرة في البئر ثم أدخلوا تقديرا على تقدير فقدروا للحمامة غير تقدير العصفور والفأرة وقدروا للدجاجة غير تقدير الحمامة وقدروا الحوض بالعشر في العشر وأما الرخص فقد قاسوا فيها وتناهوا في البعد فإن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة أو معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النجو فانتهوا في ذلك إلى نفى إيجاب استعمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا رسول الله ﷺ فهموا هذا التخفيف منه في هذا الموضع المخصوص لشدة البلوى فيه وكانوا على تحرزهم في سائر النجاسات على الثياب والأبدان ثم قال الشافعى رحمة الله عليه: من شنيع ما ذكروه في الرخص إثباتهم لها على خلاف وضع الشرع فيها فإنها مثبته تخفيفا وإعانة على ما يعانية المرء في سفره من كثرة أشغاله فأثبتوها في سفر المعصية فهذا الذي ذكروه يزيدونه على القياس إذ القياس تقرير المنصوص عليه قراره وإلحاق غيره به وهذا قلب لوضع المنصوص في الرخص بالكلية قال الإمام رحمة الله عليه والمناقضات للقوم طبيعة لا يمكن نزعها منهم بحيلة وما من أصل لهم في الأصول وفي الفروع إلا ولهم في ذلك من أصولهم لفروعهم مناقض وهذا لأن القوم لم يبنوا فروعهم على أصول صحيحة وإنما وضعوا المسائل على أشياء تراءت لهم ثم تراءت لهم غيرها في مسائل أمثال المسائل الأولة فحكمها بغير تلك الأحكام وراموا الفروق بالخيالات وهيهات ثم هيهات ما أبعدهم عن ذلك فإن الآراء مستعصية على ما لم يسندها إلى أصول صحيحه ومن أراد عد مناقضاتهم جاوز الألوف وبلغ مبلغا ينتهى دونه الحد والعد ولولا أنا آثرنا إثبات المسائل في الأصول والفروع والمعانى وإلا جمعنا من ذلك ما يتحير معه الناظر وتعجب منه المناظر ولو صرفنا إليه طرفا من العناية لم يعدمه طالبه رجعنا إلى الكلام في أصل المسألة وحجة من أبى ذلك من أطلقه احتج من منع دخول القياس في الحدود والكفارات وقال الحد شرع للردع والزجير عن العاصي والكفارة وضعت لتكفير الإثم وما يقع به الردع عن المعاصى ويتعلق به التكفير عن المآثم إلا الله ﷿ لأن الإنسان يردع بالقليل من العقوبة وقد لا يرتدع بالكبير فمقدار ما يقع","vol":"2","page":108},{"text":"به الردع لا يتصور أن يعلمه إلا الله ﷿ وكذلك ما يكفر الإثم لا يعلمه إلا الله تعالى وربما عبروا عن هذا وقالوا إن وجوب الحدود مصالح للعباد والمصلحة لا تثبت بالقياس وأيضا فإن الحدود والكفارات تختلف بحسب المآثم والمآثم لا تعرف بالقياس وكذلك المقادير مشروعة على مقادير معلومة لمصلحة العباد وقد بينا أنه لا مدخل للقياس في معرفة المصالح قالوا ولأن القياس موضع شبهة لآنه إلحاق فرع بأشبه الأصلين فيبقى الأصل الآخر شبه والحدود تسقط بالشبهات فلا يجوز إيجابها بدليل لا يخلو عن الشبة وأما دليلنا وهو أن القياس دليل الله تعالى ودليل الله تعالى يجوز أن يثبت به الحدود والكفارات دليله الكتاب والسنة ويقال أيضا إثبات حكم شرعى بدليل من دلائل الله تعالى فجائز كما لو كان الحكم سوى الحدود والكفارات والقياس على خبر الواحد قياس معتمد لأن كل واحد من الدليلين لا يفيد إلا قوة الظن فإذا جاز إثبات هذه الأحكام بخبر الواحد جاز بالقياس والحرف المعتمد أن الدلائل التي قامت على صحة القياس قد قامت على الإطلاق من غير تخصيص موضع دون موضع فصار القياس صحيحا استعماله في كل موضع إلا أن يمنع منه مانع ولا مانع في الحدود والكفارات فإن قبل وجد مانع قلنا: بينوا فإن تعلقوا بالشبهة التي ذكرناها أخيرا في كلامهم وزعموا أن ما سقط بالشبهة لا يجوز إثباته بدليل مطلوب لأن الظان معترف ببقاء إمكان ما وراء ظنه فوجب أن يحصل الدرأ بذلك الإمكان فنقول على هذا أن خبر الواحد داخل على هذا فإنه لا يفيد إلا الظن ومع ذلك يجوز إثبات الحدود والكفارات به وأيضا فإنهم لم يمنعوا من استعمال القياس في القصاص والقصاص يندرئ بالشبهات قطعا ويدل عليه أن الحدود تثبت بالشهود عند الحكام وشهاداتهم لا تفيد إلا الظن ومع ذلك جاز إيجاب الحد بهما وكذلك الكفارة فسقط ما قالوه ثم المعتمد من الجواب هو أن وجوب العمل بالقياس ليس بمظنون وقد ذكرنا هذا من قبل ونعنى بهذا أنا جعلنا القياس حجة بالدلائل القطعية لا بدلائل مظنونة وأما تعلقهم بقولهم إن الحد للزجر عن المعصية والكفارة لتغطية المأثم وهذا لا يهدى إليه القياس قلنا: ولم قلتم: إنه لا يهتدى إليه بالقياس١ بل القياس يهتدى إلى كل ما يمكن استخراج معنى مؤثر منه ومسألتنا من هذا الباب لأن المسألة مصورة في مثل هذا الموضع ونظيره أن تستخرج معنى من الزنا إيجاب الحد فقياس اللواط وأيضا\n_________\n١ في الأصل: \"القياس\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":109},{"text":"يستخرج معنى من السارق فقياس عليه النباش وكذلك في الكفارات بقياس العمد على الخطأ في القتل ويقاس الغموس على اليمين في المستقبل في إيجاب الكفارة وكذلك تقاس كفارة الظهار على كفارة القتل في شرط الإيمان وإنما صح القياس في هذه المواضع لأنا علمنا معانى صحيحة في هذه الأصول فصح قياس الفروع عليها بتلك المعانى وقد علموا هم بمثل هذا في القياس الأكل على الوطء إيجاب كفارة الفطر فإن قيل: هل يصح إثبات حد مبتدأ بالقياس أو كفارة مبتدأه قلنا: لا طريق يوصل القياس إلى إثبات حد مبتدأ وكذلك لا طريق يوصل إلى إثبات كفارة مبتدأه بالقياس ولو كان الطريق يصح إثباته من جهته لصح إثباته وأما في المسائل التي ذكرناها بالقياس يمكن فوجب استعماله وعلى هذا القول في المقدير إذا عرف معناها وثبت تأثيرها يجوز القياس عليها وعلى أنا قد بينا أن كثيرا من أصحابنا قالوا: إن أثبات الأسامى التي يبتني عليها الأحكام في الشرع يجوز بالقياس وقد بينا هذا من قبل وقد ذكر أبو زيد فصلا يرجع إلى هذا الأصل. قال: وأما تعدى الحكم ففصل عظيم الفقة عزيز الوجود وقاله فيما قال الشافعى رحمة الله عليه: إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسا على المعقود لأنه يمين الله تعالى مقصودة قال: وهذا التعليل لم يقع لتعديه حكم المعقودة إليها بل لتعديه اسم اليمين الثابت لغة وبيان ذلك أنا أجمعنا أن كفارة اليمين لا تجب بغير اليمين واختلفنا في يمين الغموس أنها يمين حقيقة أو يمين تسمية مجاز كبيع الحر وغيره فقلنا إنها ليست بيمين حقيقة بل إنما تسمى يمينا على طريق المجاز ولا تجب كفارة اليمين بما ليست بيمين. وقال: ولا يجوز إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوى بالقياس الشرعى بل يجب تعرفه من طريق لسان العرب. فيقال: إن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعا وشرعا فلا يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق فإنها ما لا يحتمل الصدق بحال فلا يكون محلا لليمين كالبيع شرع لتمليك المال فما ليس بمال لا يكون محلا له. قال: ولذلك أبطل أبو حنيفه قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد١ لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا فيكون التعليل واقعا لإثبات الاسم اللغوى بالقياس. قال: وكذلك لا يجوز تحريم الثلث الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات اسم الخمر له بالقياس لأن الخمر اسم لغوى. قال: وليس إيجاب الكفارة\n_________\n١ اعلم أنه لايحد عند أبي حنيفة من أتى امرأة في موضع مكروه أو عمل عمل قوم لوط ولكنه يعزر وزاد في الجامع الصغير: ويودع في السجن انظر الهداية \"٢/٣٩٠\".","vol":"2","page":110},{"text":"بالأكل إلحاقا بالجماع بالقياس والكفارة ليست بكفارة جماع إنما هى كفارة إفطار والأكل والشرب والجماع من حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن الكفارة أنما تتأدى بالكف عن اقتضاء بالشهوتين والفطر بالاقتضاء يقع من حيث انعدامم الكف بفعل منه فكان الباب واحدا وأنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر كالقتل بأى آلة قتل به المقتول إذا استوت الآلات في إيجاب ما يكون قتلا قال: وأما إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه ليس هذا الفعل والأفعال التي ذكرناها من باب اقتضاء الشهوة واحد لأن المحل غير مشتهى طبعا وكان بمنزلة الاستمتاع بالكف أو الإدخال في شق جدار أو في شق إليه وإنما سمى هذا الفعل جماعا مجازا لأجل ما يشبه الجماع صورة وإذا ثبت أنه ليس هذا الفصل وطء البهيمة بابا واحدا فلو وجب الحد بوطء البهيمة أو الميتة لوجب بالقياس وقد بينا أن اسم الجماع في هذا الفعل ساقط وإثبات الاسم اللغوي بالقياس ساقط قال: كذلك قلنا: لا يجب القطع على النباش لأن القطع في السرقة حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم في النباش لأن السرقة اسم للأخذ مسارقا عن صاحبه وهذا لا يتصور في الكفن لأن صاحبه ميت وقد سقط القياس الشرعى لإثبات الاسم ولا قطع بالاجماع بدون اسم السرقة وهذا لأن الأسماء ضربان حقيقة ومجاز وسبب الحقيقة وضع الواضع وهذا لا يعرف إلا بالسماع وسبب المجاز استعارة العرب لاسم آخر بطريق لا يعرف طريق استعمالهم اللغة الشرعية والنظر في أصولها بل يعرف بالنظر في كلام العرب قال: ومن هذه الجملة الكلام في أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتق أو لا؟ ولفظ التمليك حل يصلح كناية عن النكاح أم لا؟ قال: ومن هذه الجملة تعليلهم الرقبة الواجبة في القتل وقياسهم الظهار عليها بعلة أنه يجب في تكفير وإنما لم يجز القياس في هذه الصورة لأن زيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر فصار تعريفنا للحكم الثابت نصا فامتنع ألا ترى أنه لا يجوز الزيادة على صوم ستين يوما ولا إطعام ستين مسكينا قال: وعلى هذا تخرج مسألة رد شهادة القاذف إذا تاب فإنا نقول إن هذا حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وقد دل نص الآية على هذا فإذا عللتم لإخراج رد الشهادة من كونه حدا وتعلقتم بالفسق فقد تعرضتم للحكم الثابت أيضا بالتنقيص وهو تنقيض حد القذف عما أوجبه النص فلم يجز إثباته بالقياس قال: وعلى هذا لا يقبل القياس في إيجاب التمليك في الإطعام للكفارة لأن الخلاف وقع في قدر الواجب بنص التكفير فقلنا: إنه الإطعام بلا قيد التمليك وقلتم:","vol":"2","page":111},{"text":"إنه واجب بهذا القيد فصار هذا مثل زيادة الإيمان في الرقبة المطلقة في الظهار. قال: وعلى هذا قول من قال: إن الحرمة بين المتلاعنين بلعان الزوج من هذا القبيل لأن اللعان واجب بالرمى بنص الله تعالى وهى شهادات مؤكدة بالأيمان مزكاة باللعنة محرمة للإجماع بعد التلاعن منها بالسنة وهى قوله ﷺ: \"المتلاعنان لا يجتمعان أبدا\" ١. وكان إيجاب الحرمة بلعان الزوج وحده زيادة في الحكم قال: والحرف في هذه المسائل كلها أن التعليل لتعديه حكم النص إلى الفرع من غير تعرض للحكم نصا بوجه ما حتى لا يؤدى إلى تغييره بإثبات زيادة فيه أو نقصان منه قال: ومن جنس ما ذكرنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدنا في الفرع نصا يمكننا العمل به من غير أن نقيسه على أصل آخر يكون قياس ذلك الفرع على غيره فاسد على هذا لا يجوز قياس قتل العمد على قتل الخطأ في الكفارة لا يجوز أيضا قياس قتل المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلمين في درانا في إيجاب الضمان وكذلك لا يجوز قياس المحصر على الممتنع في إيجاب الصوم بدلا عن الهدى عند العدم وكذلك لا يجوز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى على التي طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر إيجاب المتعه لأن هذه الحوادث كلها منصوص عليها فلم يجز قياس بعضها على بعض\n_________\n١ أخرجه أبو داود: الطلاق \"٢/٢٨٢\" ح \"٢٢٥٠\" انظر نصب الراية الزيلعي \"٣/٢٥٠\".","vol":"2","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>فصل: في شروط القياس</span>\n...\nفصل: وقد قال أبو زيد: إن شرط القياس أربعة:\nإحداها: أن لا يكون الاصل مخصوصا بحكمة آخر.\nوالثانى: أن لا يكون معدولا به عن القياس.\nوالثالث: أن يتعدى الحكم الشرعى بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه.\nوالرابع: أن يبقى الحكم في الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل.\nأما الأول فلأنه عنى متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية الثابته بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة معارضة للنص.\nوأما الثانى فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك لمعارضة النص أياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا جاء نافيا للحكم لم يجز إثباته به.","vol":"2","page":112},{"text":"وأما الثالث فلأن المقايسة هى المحاداة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في شئ واحد ومتى لم يتعد الحكم إلى الفرع بقى الأصل وحده فلا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة ويتبين أن محل المقايسة حادثتان سوى بينهما بالمقايسة.\nوأما الرابع فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس ليغير حكمه بوجه ولأن الرأى مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث يثبت فيه النص.\nقال ومثال الأول أن الله ﵎ شرط العدد في جميع الشهادات وثبت بالنص قبول شهادة خزيمة بن ثابت وحدة وكان مخصوصا بذلك وقد اشتهر من الصحابة بهذه الفضيلة فلا يجوز إبطال هذا التخصيص بالتعليل وكذلك حل للنبي ﷺ تسع نسوة إكراما له فلا يجوز تعليله ولهذا ثبت بالنص أن البيع يقتضى محلا مملوكا معلوما مقدورا على تسليمه وجوز التسليم في الدين بالنص وجاء النص بشرطه بالأجل فلا يجوز إبطال التخصيص بالتعليل ثم قال: وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: لما صح نكاح النبى ﷺ بلفظ الهبة على سبيل الخصوص بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] بطل التعليل قال وقلنا بل التخصيص في سلامة البضع بغير عوض وفى اختصاصه في المرأة بألا تحل لأحد بعده وهذا مما يكون على طريقة الكرامة فأما الاختصاص بلفظ الهبة مع سهولة ذكر لفظ النكاح فلا كرامة فيه وكذلك المنافع جعلت أموالا كالأعيان في التجارات ولم يجعل كذلك عندنا في الاتلاف والغصب فصار كون مال المنافع معادلة مالية الأعيان مخصوصة بالتجارات وعندنا لأن الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أغراض لا تنفى زمانين والأعيات جواهر تتبقى أزمنة وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى وكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى فيهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح ويتعذر وصول المحتاج إلى المنافع إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلاف لأنه منتهى عنها والسبيل في ذلك أن لا يوجد فلم تلتحق المنافع في حق الإتلاف بالأعيان قال: وكذلك جواز بيع المنفعة قبل الوجود والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان فصار حكمها مخصوصا بموضع الضرورة فهذه أمثلة الشرط الأول قال: وأما أمثلة الشرط الثانى هو مما كان معدولا به عن القياس فهو كأكل الناسى في الصوم فإنه معدول به عن القياس وذلك لأن فيه بقاء القربة مع وجود ما يضاد فإن ركنه الكف والأكل سواء كان ناسيا","vol":"2","page":113},{"text":"أو عامدا يضاد ركنه فصار الحكم بأنه يؤدى صومه مع عدم الركن وهو الكف معدولا به عن القياس فلم يجز قياس المكره والمخطئ عليه ولا قياس الصلاة والحج على الصوم وأما بقاء الصوم مع الجماع ناسيا ولا نص فيه أنما كان لأن الجماع من جنس الأكل من حيث تفويت الأداء والصوم تأدية بالكف عن قضاء شهوتى بطنه وفرجه وذهاب الصوم عن استيفائهما بطريق الأداء الذى هو ركن العبادة وكانا جنسا واحدا وإن اختلف الاسمان فالأكل والشرب واحد في حق الإفطار.","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>فصل: واعلم أن هذا الذي ذكرنا اشتمل على مسائل من الأصول معروفة:</span>\nمنها أن العلة التي لا تتعدى هل تكون صحيحة أم لا؟ وهل التعدية شرط صحة العلة أو لا؟\nومنها: أن الأصل الثابت بخلاف قياس الأصول هل يجوز القياس عليها أو لا؟.\nومنها: أن تعليل الأصل هل يوجب أن يكون الحكم ثابتا في الأصل بالنص والعلة جميعا وهل يدل ثبوت الحكم في موضع لا توجد فيه العلة على فساد العلة أو لا؟ وإذا عرفنا من هذه المسائل يشير إلى طرف من الجواب عما قاله وقبل الشروع في هذه المسألة نقول إنا وإن ذكرنا أن استعمال القياس في الحدود والكفارات والمقادير جائز خلاف ما يقول الخصم ولكن مع هذا لا ننكر أن يوجد في الشرع ما لا يتعلل ويلتحق بمحض التعبد الذي ينحسم سلوك سبيل القياس فيه وعلى هذا فلا بد من علامة وأمارة تعرف بها القسم الذي يجرى فيه التعليل من القسم الذى لا يجرى فيه التعليل وهذا عويص عسر لكن مع هذا نقول كل حكم يمكن أن يستنبط منه معنى مخيل من كتاب أو نص سنة أو إجماع فإنه يعلل وما لا يصح فيه مثل هذا فإنه لا يعلل سواء إن كان من الحدود أو الكفارات أو المقادير أو الرخص ثم قد تنقسم العلل أقساما فقسم يعلل جملته وتفصيله وهو كل ما يمكن أبدا معنى في أصله وفرعه وقسم يعلل بجملته ولا يعلل تفاصيله لعدم المراد التعليل في التفاصيل.\nومنها قسم آخر: لا يعلل جملته لكن بعد ثبوت جملته يعلل تفاصيله كالكتابة والإجارة وفروع تجمل الغافلة وقد يوجد قسم لا يجرى التعليل في جملته ولا تفاصيله مثل الصلاة وما تشتمل عليه من القيام والتعوذ والركوع والسجود وغير ذلك وربما","vol":"2","page":114},{"text":"يدخل في هذا القسم الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص وقد قيل أيضا: إنه لا محال القياس في الأحداث وتفاصيلها والوضوء وتفاصيله بل يتبع محض النص وقد قيل: إن الوضوء معقول المعنى فإنه مشعر بالتنظيف والتنقية وقيل إن الصلاة يعقل منها الخشوع والاستكانة والابتهال للمعبود وأما الشهادة فقد قالوا: أصلها معقول المعنى وهو الثقة وحصول غلبة الظن والمقصود من مزيد العدد زيادة الثقة ومما يعقل في الشهادة أيضا أن شهادة النساء لا تقبل لما غلب عليه من الذهول والغفلة ونقصان العقل فأصول هذه المعانى معلومة ولكن لا سبيل إلى طرد التعليل في التفصيلات وأما أصل عقود المعاملات معقولة المعنى إلا أن الشرع أثبت فيها أنواعا من التعبدات يلزم اتباعها ولا يجوز تجاوزها وتعديها ولهذا تقول من اشترى شاة من قطيع من الغنم على أنه بالخيار يأخذ أيها شاء والبائع بالخيار يعطى أيها شاء لا يجوز١ وإن كنا لا نعقل فيه معنى فاسد وبهذا يتبين أن المعنى الذى اعتمده أصحاب أبى حنيفة في أن الجهالة إنما تفسد العقل لأنها مؤدية إلى المنازعة باطل فإن هذه الجهالة لا تؤدى إلى هذا ومع هذا لم يجز العقد وكذلك إذا قال: بعتك عبدى بما باع به فلان أمس وكانا جاهلين بمبلغ الثمن فإنه يكون باطلا كذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب بزنة هذه السنجة أشار إلى سنجة مجهولة القدر بطل البيع ولا منازعة في مثل هذا العقد وللشارع تعبدات يلزم اتباعها في المعاملات كما يلزم في العبادات فلا تسقط تلك التعبدات بإسقاط العباد ذلك فإن كانت المعاملات أصلها جاريا في حقوق العباد لأن المعاملات وإن كانت من حقوق العباد لكن يلزمهم اتباع الأوامر فيها لأن الله تعالى أعلم بمصالحهم لأن أوامره كلها من حدود الدين ولا يجوز الإخلال بها بوجه ما وأن وجدت الأوامر والتكليفات صارت حدود الدين وكانت متبعة لا يجوز تركها ومن جنس ما ذكرنا التذكية فإن الذبح معقول المعنى لما فيه من تطيب اللحم وإزالة الخبيث من الطيب ورفع الخبث من المحل ثم اختص بذابح مخصوص ومحل مخصوص تعبدا وكذا التضحية اختصت بأجناس مخصوصة ووقت مخصوص والتفريعات على ما قلناه في المسائل تكثر وقد ذكر الأصحاب أمثلتها في الخلافيات وربما يأتى بعض ذلك من بعد وأما المسائل التي وعدنا ذكرها فنبتدى بمسألة العلة إذا كانت غير متعدية.\n_________\n١ انظر الشرح الكبير \"٤/٢٩\".","vol":"2","page":115},{"text":"مسألة: يجوز تعليل الأصل بعلة لا تتعداه عندنا وتكون علة صحيحة١.\nوقال أصحاب أبى حنيفة: هى باطلة وقد ذهب إليه بعض أصحابنا وبين المتكلمين في ذلك خلاف مذهب أبو عبد الله البصرى إلى ابطالها وأما عبد الجبار بن أحمد وحزبه يصححونها واستدل من قال ببطلانها ذلك لأن هذا تعليل غير مفيد فيكون باطلا وإنما قلنا غير مفيد لأن فائدة التعليل ليس إلا التعدية فإن حكم الأصل ثابت بالنص فصار تعليل الأصل بحكم الأصل مستغنى عنه بالنص فلا فائدة للتعليل في الأصل ولا فرع له حتى تظهر فائدته فيه فثبت أن هذا تعليل غير مفيد وما لا فائدة فيه يكون عبثا والعبث حرام يدل عليه أن ما لا فائدة فيه لا يجوز أن ينصب الله عليه أمارة فإذا كانت العلة قاصرة علمنا أن الله تعالى لم ينصب عليها أمارة وما لا أمارة عليه لا يجوز أن يكون علة هذا حجة أبى عبد الله البصرى وقد قال أيضا: إن الصلة الشرعية أمارة ولا أمارة كالدلالة في أنها كاشفة عن شئ ولا يتصور دلالة ولا إمارة ولا يكشف عن شئ والتعليل عن الأحكام والعلة القاصرة لا يكشف عن حكمه في أصل ولا فرع فلم يكن أمارة ولا علة واحتج أبو زيد في هذه المسألة بأن التعليل إنما يصار إليه بكونه حجة زائدة بعد النص وحجج الله تعالى إنما تكون حججا لإيجاب العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأى لا يكون موجبا علما وإنما صير إليه لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد علما فيما لم يتناوله النص ولا فيما تناوله النص أما فيما لم يتناوله النص فلأنه لا فرع له وأما فيما تناوله النص فلأن النص فوق التعليل\n_________\n١ اتفق الأصوليون على أن الوصف القاصر إذا ثبت عليته بنص أو إجماع فإنه يكون علة الحكم ويصح التعليل به. واختلفوا فيما إذا ثبت عليه بطريق من طرق الاستنباط كالسبر والتقسيم أو المناسبة أو الدوران فهل يصح التعليل به أو لايصح؟ على مذهبين:\nالمذهبد الأول: يجوز تعليل الحكم بالعلة القاصرة ولا كن لا يعدى الحكم بها إلى محل آخر لعدم تحققها فيه وهذا هو المعروف عند جمهور العلماء ومنهم الشافعي وأحمد وهو المختار للبيضاوي.\nالمذهب الثاني: لا يجوز التعليل بها مطلقا -وهذا المذهب قد نسب إلى جمهور الحنفية انظر نهاية السول \"٤/٢٧٧\" سلم الوصول \"٤/٢٧٧\" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٥٨\".","vol":"2","page":116},{"text":"وإذا ثبت بالنص لم يثبت بالتعليل. فإن قلتم: يثبت بالنص والعلة جميعا لم يصح لأن التعليل لا يصح لتغير حكم النص فكيف يصح لإبطاله؟ وهذا الذي قلتم يتضمن إبطال حكم النص لأن الحكم كان ثابتا بالنص على الاستقلال فبطل ثبوته على هذا الوجه حيث صار ثابتا به وبغيره. قالوا: وإذا لم يتضمن الإبطال فلابد أنه يتضمن التغيير ولا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته وإذا لم يتغير بقى الأول بعيينه وهو ثبوت الحكم بالنص وقصره عليه قال: وهذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعينه ولأن هذا التعليل لا يوجب الحصر لأن تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بأخرى عامة كما يجوز التعليل بعلتين إحديهما أكثر تعديا من الأخرى يدل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها على ما سنبين فإذا لم يوجب قصر الحكم على النص قالوا: ولا يجوز أن يقال: فائدته معرفة الحكمة من المشروع لأن معرفة الحكمة لا تفيد عملا وقد بينا أن التعليل للعمل ولأن الحكمة لا تكون بسبب الحكم وأما حجتنا نقول إن الدليل الذى دل على صحة العلة لم يخص موضعا دون موضع والأصل إنما يمكن تعليله صح تعليله ولأن الدليل قام على العلة والتعدى نافى صحة العلة لأن صحة العلة بدليلها وقد وجد الدليل من التأثير على ما عرف في مسألة تعليل الربا في الدراهم والدنانير بالثمنية وهذا لأن المسألة متصورة في علة تكون على هذا الوجه وقد عبر بعضهم عن هذا وقال: العلة مستجمعة لشرائطها إخالة١ ومقايسة وسلامة عن الاعتراضات في معارضات النصوص وهى على مساق العلل الصحيحة وليس فيها إلا اقتصارها وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا تئول إلى أن النص يوافق مضمون العلة ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد على صحتها أولى من أن يدل على فسادها وقد استدل عبد الجبار في هذه المسألة. وقال: إن العة إذا دلت عليها الأمارة غلب على ظننا وجه المصلحة وإن لم يتعد لأن وجوه المصلحة قد تخص نوعا واحدا وقد يتعداه كما تقول في وجه القبح والحسن كلها. يدل عليه: أن حقيقة كلام الخصم هو أن صحة العلة موقوفة على أن يجتاز الإنسان إلى الخلاف في الفرع حتى يتعدى إليه فيعمل بهذا أمر مستشنع مستقبح فأما دلائلهم فمجموع كلامهم يئول إلى أن هذا التعليل لا يفيد\n_________\n١ الإخالة: هي المناسبة لأن المجتهد يخالو أي: يظن أن الوصف علة.\nواعلم أن الإخالة شرط لوجوب العمل دون الجواز حتى لو عمل بها قبل ظهور التأثير نفذ ولم ينفسخ انظر حاشية التلويح على التوضيح \"٢/٦٩\".","vol":"2","page":117},{"text":"قلنا: نقول: أولا إن المستنبط للعلة طالب لها وهو في حال الاستنباط لا يدرى ما علة الحكم وهل هى متعدية أو لا؟ حتى يقال له: لا تتكلف هذا البحث والطلب وإنما تعلم أن العلة التي بحث عنها إلا بتعدى بعد استيفاء الطلب ونقول أجمعنا على أن النص لو ورد بمثل هذه العلة تكون صحيحة ولو جاز أن يكون الطلب لها عبثا لأنها ليست بطريق إلى الحكم لا في أصل ولا في فرع لكان النص عليها عبثا وقوله إن النص يغنى عن القياس قلنا: وقوع الغنى عن الشئ لا يفسده ألا ترى أنا قد نستغنى بالقرآن في بعض الأحكام عن أخبار الآحاد وعن القياس ولا يوجب ذلك فسادهما فإن قيل: خبر الواحد يمكن أن يكون طريقا إلى الحكم الذى دل عليه القرآن ولا يمكن أن تكون العلة القاصرة طريقا إلى الحكم أصلا قلنا: أنما تكلمنا بهذا على قولكم إن النص مغنى عن التعليل فيفسد وهذا الكلام الذي ذكرتم الآن هو الرجوع إلى ما قلتم أنه غير مفيد وقد أجبنا عن هذا ويجب بجواب آخر وهو أن العلم بعلة الحكم فائدة لأنا إذا علمنا ذلك لو ظننا صرنا عالمين أو ظانين بما لم نكن عالمين به مما تتشوف النفس إلى معرفته ولا يمتنع أن يكون لنا في ظن ذلك مصلحة وفائدة أخرى وهى أن يمتنع من قياس فرع على هذا الأصل وقولهم إن هذا يوجد بمجرد النص قلنا: لا وذلك لأن مجرد النص لا يمتنع من القياس عليه لأنه يجوز أن يعلل بوصف آخر متعدى فيقاس به فرع من الفروع عليه فإذا علمنا أن ما لا يتعدى هو العلة لأن الدليل دل عليه رفضنا ما عدا ذلك الوصف فلم نقس على ذلك الأصل شيئا وأما قولهم إن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها. قلنا: هذا لا يرد على ما قلنا: لأن صورة الخلاف في تعليل الدراهم والدنانير بالثمنية١ ولم يكن له فرع فلابد أن ينحصر الحكم في محل النص ولا يجرى في غيره فيفيد التعليل على ما سبق وأما قولهم إن العلة لابد أن تكون كاشفة عن شئ قلنا: نبطله بالعلة المنصوصة إذا كانت قاصرة تكون علة صحيحة ولا تكشف عن شئ وعلى أن قولهم إن شرط صحة العلة أن تكون كاشفة عن شيء. قلنا: إن عنيتم أنها تكشف عن الحكم فهو نفس الخلاف وأن قلتم تكشف عن معنى الحكم وعلته فقد كشفت ويجوز أن يتعلق به مصلحة وأما قولهم إن العلة دليل عامل فلابد له من عمل. قلنا: هذا هو الكلام الأول وهو أنا هذا تعليل غير مفيد وعلى أنا قد بينا فائدة هذا التعليل وإذا ثبت فائدة عمله ويجوز أن يقال: إن الحكم ثبت بالنص والعلة\n_________\n١ ثبت في الأصل \"بالنميمة\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":118},{"text":"جميعا وقولهم: إن هذا تغيير حكم النص قلنا: ليس فيه تغيير أصلا لأن الحكم على ما سبق من غير تغيير وتبديل وقولهم إنه لا يضاف إلى النص قلنا: يضاف فيقال النص مقيد لهذا الحكم والعلة مقيدة له ويجوز أن يتوالى دليلان على حكم واحد ولا تغيير لأن النص يدل على ما يتعلق الحكم بالنص ولا يدل على عدم تعلقه بدليل آخر وهذا كالحكم يثبت بالكتاب وبخبر الواحد فإنه يجوز ولا يقال: إن ثبوته بخبر الواحد يغير حكم الكتاب بل لا يعرف تغيير بهذا.\nمسألة: يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ورد به الشرع ودل عليه الدليل.\nوالمحكى عن أصحاب أبى حنيفه أنهم لم يجوزا هذا القياس وقد [ذكره] الكرخى ومنع من جوازه إلا بإحدى خلال ثلاث١:\nإحداهما: أن يكون ما ورد به بخلاف الأصول قد نص على علته نحو ما روى عن النبى ﷺ أنه علل طهارة سؤر الهرة أنها من الطوافين عليكم والطوافات٢. وقال: لأن النص على العلة كالتصريح بوجوب القياس عنه.\nوالثاني: أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في عليته.\nوالثالث: أن يكون الحكم الذى ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول وإن كان مخالفا للقياس٣ على بعض الأصول كالخبر الواحد بالتحالف في المتبايعين إذا تبايعا\n_________\n١ أي: خصال.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ في مسألة هل يجوز القياس على مايكون حكمه مخالفا للأصول والقواعد الواردة من جهة الشرع كالعرايا أم لا؟ فيه خلاف.\nذهب جماعة من الشافعية والحنفية إلى جواز القياس عليه مطلقا إذا كان حكم الأصل مخالفا لبعض الأصول والقواعد كالعرايا ويجوز القياس عليه متى كان معقول المعنى سواء وافق أصلا آخر أو لم يوافقه.\nومنهم من قال: متى كان حكم الأصل مخالفا لبعض الأصول والقواعد امتنع القياس عليه مطلقا كان معقول المعنى أو تعبديا نص على علته أو لم ينص عليها وافق أصلا آخر أو لم يوافقه ومن هؤلاء الآمدي وابن الحاجب أما الكرخي فقد اشترط الشروط التي ذكرها المصنف المحصول \"٢/٤٢٩\" انظر نهاية السول \"٤/٣٢٠\" سلم الوصول \"٤/٣٢١\" إحكام الأحكام \"٤/١٤٢\" المستصفى \"٢/٣٤٧\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٦٩\".","vol":"2","page":119},{"text":"فإنه يخالف قياس الأصول ويقاس عليه الإجارات لأنه يوافق بعض الأصول وهو أن ما يملك على الغير فالقول قوله فيه في أنه أى شئ ملك عليه وقالوا: إذا كان في الشرع أصل يبيح القياس وأصل يحظره وكان الأصل جواز القياس وجب القياس وقالوا أيضا يجوز القياس على الأصل المخصوص إذا كان أحد لم يفصل بينه وبين المخصوص فيكون حكمه على ما خص من جملة القياس مثل جماع الناسى وأكل الناسى وقال محمد بن شجاع البلخى من أصحابهم: إذا كان الخبر الواحد بخلاف قياس الأصول غير مقطوع به لم يجز القياس عليه فاقتضى قوله هذا أنه إذا كان الخبر مقطوعا به جاز القياس عليه وقد قال أصحاب أبى حنيفة: إن مثال الذي يمنع من القياس عليه انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة١ وجواز التوضؤ بنبيذ التمر٢ وجواز الثبات على الصلاة فيما إذا سبقه الحدث٣ وذكروا أمثلة سوى هذا وذهبوا في تصحيح ما صاروا إليه إلى إثبات الشئ لا يصح مع وجود ما ينافيه.\nببينة: أنه إذا جاز القياس على هذا الأصل لم يكن فرق بين هذا الأصل وبين سائر الأصول فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصا من جملة القياس قالوا وليس كما إذا ورد النص معللا لأنه إذا كان معللا يصير كل ما وجدت فيه تلك العلة كالمنصوص عليه وكان النبى ﷺ قد أمرنا أن نقيس عليه كل ما شاركه في العلة فصار نصه عليه من قياس الأصول وكذلك إذا كان شيئا لا يفصل أحد بينه وبين المخصوص فإن الحكم في أحدهما يكون حكما في الآخر واحتج أبو بكر الرازى لهم وقال: إن القياس لما وجب القول به وجب أن يكون حكما ثابتا في جميع الأحوال حتى يخصه دليل يسقط حينئذ حكم القياس في الموضوع المخصوص ويبقى حكمه فيما عدا المخصوص على ما كان عليه وهذا معنى قول فقهائهم: إن القياس على الأصل المخصوص من القياس لا ينفك\n_________\n١ انظر الهداية للميرغياني \"١/١٦\".\n٢ قال أبو حنيفة ﵀: يتوضأ بنبيذ التمر ولا يتيمم بالصعيد وقال في كتاب الصلاة: يتوضأ بنبيذ التمر وإن تيمم معه فهو أحب إلي. وقال أبو يوسف ﵀: يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ بحال وقال محمد ﵀: يجمع بينهما احتياطا - وروى أسد بن نجم ونوح بن أبي مريم والحسن عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف انظر الفتاوى الهندية \"١/٢١، ٢٢\".\n٣ مذهب الحنفية أنه إذا أصابه الحدث في ركوعه أو سجوده نوضأ وبنى ولا يعتد بالتي أحدث فيها انظر الهداية \"١/٦٥\".","vol":"2","page":120},{"text":"عن أصل يعارضه يكون ساقطا لأن من شرطه انفكاكه عن المعارض لأن معارضة الدليل بالدليل توجب توقفه عن العمل قال أبو زيد في هذه المسألة حكم النص إذا ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثبات ذلك الحكم في فرع بالقياس عليه لأن القياس جاء نافيا لهذا الحكم فلم يجز إثباته كالنص إذا جاء نافيا لحكم لم يجز إثباته به وأما دليلنا هو أن ما ورد به الخبر أصل يجب العمل به فجاز أن يستنبط منه معنى ويقاس عليه دليله إذا لم يكن مخالفا للأصول والمعتمد أن ما ورد به الخبر صار أصلا بنفسه فالقياس عليه يكون كالقياس على سائر الأصول فقد تعارض قياسان قياس على هذا الأصل وقياس على سائر الأصول فكما يجوز أحدهما يجوز الآخر ثم على المجتهد أن يرجح أحد القياسين على صاحبة ويجوز أن يرجح القياس على سائر الأصول على القياس على هذا الأصل إذا كان هذا الأصل ثبت لا بدليل مقطوع به لأن القياس على ما طريقه يفيد العلم أولى من القياس على ما يفيد الظن فأما إذا كان هذا الأصل فقد صح القياس عليه ولا ترجيح بما قلنا: لأن الكل ثبت بدليل يفيد العلم فنطلب الترجيح بدليل آخر وهذا لأن أصول الشرع كلها سمعية فعلى هذا لا فرق بين هذا الأصل وبين سائر الأصول ويكون القياس على الكل واحد وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: في بعض كتبه ملزما إياهم على هذا الأصل الذى ذكروه وهو أن المعدول من القياس لا يقاس عليه غيره قال: قد زعمتم أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء واعتقدتم أن هذا معدول به عن القياس ثم زعمتم أنها تبطل صلاته ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولا ينقدح لكم فرق معنوى ولكنكم اعتمدتم قصة جرت في صلاة من الصلوات الخمس ورأيتم أن تقتصروا على مورد النص. ثم قلتم: إن القهقهه تبطل صلاة النفل وإن لم تجز القصة في النفل فليت شعرى ما الذى عن لكم من التخصيص من وجه والإلحاق من وجه وقال أيضا في مساق هذا الكلام اعتقدتم في التوضؤ بنبيذ التمر مع اشتمال كلام رسول الله ﷺ لو صح الحديث على التنبيه على ذلك فإن ﷺ قال: \"ثمرة طيبة وماء طهور\" ١. وهذا في الزبيب يوجد فيقال: زبيب طيب وماء طهور وقد قال: بعضهم محتجا لنا في\n_________\n١ أخرجه أبو داود: الطهارة \"١/٢١\" ح \"٨٤\" والترمذي: الطهارة \"١/١٤٧\" ح \"٨٨\" وابن ماجة: الطهارة \"١/١٣٥\" ح \"٣٨٤\" وقال: مدار الحديث على \"أبي زيد\" وهو مجهول عند أهل الحديث: المسند \"١/٥٨٢\" ح \"٤٢٩٥\".","vol":"2","page":121},{"text":"هذه المسألة: إنه إذا كان عموم الكتاب لا يمنع من قياس في تخصيص فبأن يكون القياس على العموم لا يمنع من القياس على أصل مخالف للعموم أولى لأن العموم أقوى من القياس عليه فإذا كان العموم نفسه لا يمنع من قياس على أصل فإن أدى إلى تخصيصه فوجود القياس على ما يثبت بالعموم أو بأصل من الأصول كيف يمنع من القياس على أصل آخر فإنه أدى إلى تخصيص الأصول أما الجواب عن دلائلهم قوله إنه إثبات الشئ مع وجود ما ينافيه قلنا: ولم؟ قالوا: لأن القياس على الأصول يمانع القياس على ما ورد بخلاف الأصول. قلنا: هلا كان القياس على ما ورد بخلاف قياس الأصول يمانع القياس على الأصول. قالوا: إذا كان القياس على ما يخالف الأصول يمنع أن يدل أمارة على علة الحكم. قلنا: هذا دعوى لا دليل عليها وإذا جاز أن يدل على علة هذا القياس النص جاز أن يدل عليه دلالة غير النص فإن قيل: ما ورد بخلاف قياس الأصول وإن كان ورد بطريق يفيد العلم وصار أصلا لكن لا يجوز أن يكون في القوة بمثل القياس على سائر الأصول قلنا: وهذا دعوى أيضا وما أنكرتم أن يكون الخبر الوارد بخلاف قياس الأصول قد غير الحكم عما كان عليه من قبل لأنه لما كان ثبت بطريق معلوم صار أصلا في نفسه فلا يمتنع أن يقع التنبيه على علة ويكون التنبيه على علة أقوى من التنبيه على علة مطلوبة من سائر الأصول ثم يقال: لهم أليس قد جاز أن يدل عليها النص وهو أقوى وأظهر من علة الأصول فلم لا يجوز أن يدل عليهما دليل آخر ويكون أقوى من دليل علة الأصول وأما قولهم إن القياس إذا كان دليل الله وجب أن يثبت حكمه في جميع الأحوال حتى يخصه دليل قلنا: إذا كان القياس دليل الله ﷿ فالقياس الذى وجد على الأصل المخصوص قياس أيضا وجب أن يكون دليل الله تعالى فإن رجعوا وقالوا إن القياس على سائر الأصول يمنع من هذا القياس فقد أجبنا عن هذا وقلنا إنه ليس هذا القول باولى من قول من يقول إن القياس على هذا الأصل يمنع من القياس على سائر الأصول وقولهم إن القياس على المخصوص لا ينفك عن أصل يعارضه قلنا: هذا قول المتفقهة الذين لا تمييز لهم فليس لهم من الدرك ما يعرفون به الصحيح من السقيم ويميزون به الخبيث من الطيب وإلا فوجود المعارض لا يمنع صحة القياس لكن يقال: للمستدل سيره إلى الترجيح وإلى تقديم أحد العلتين على الأخرى بنوع دليل وأما الذى قاله أبو زيد فليس بشئ لأن القياس على سائر الأصول ليس يمنع من القياس على هذا الأصل لكن يعارضه ثم لابد","vol":"2","page":122},{"text":"من طلب الترجيح على ما سبق وليس إثبات هذا الفرع بالقياس إثبات شئ بالقياس يمنعه القياس بل الدليل الذى دل على كون القياس صحيحا مطلق لهذا القياس مصحح إياه ذلك الدليل لم يخص أصلا دون أصل ولا مانع فجاز القياس من غير تخصيص وما ينحسم به القول في هذه المسألة أن التعليل قد يمنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار وإن كان لولا النص لأمكن التعليل وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقال ﷺ: \"إنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والارض\"١.\nوقال لأبى بردة بن يسار وقد جاء بجذع من شعر \"يجزيك ولا يجزئ عن احد بعدك\" فمهما منعنا نص عن القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر فإذا لم يكن منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس أمكنا به على الشرائط التي ذكرنا من قبل والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأبيه وقد قال الشافعى ﵁ في بعض كتبه: ولا يقاس على المخصوص ويجوز أن يؤول فيقال أنه أراد هذا في الموضع الذى لا يمكن القياس عليه والأصل فيما يجوز القياس عليه وما لا يجوز أن ينظر إلى المخصوص ويمتحن فإن كان يتعدى معناه قيس عليه غيره كقياس الخنزير على الكلب في حكم الولوغ وقياس خف الحديد والخشب على خف الأدم على المسح عليه وإن لم يوجد في المخصوص وجه يمكن القياس عليه كالجنين لا يقاس عليه الشخص الملفوف في الثوب لأنه لا يعرف معنى في الجنين فقياس به الملفوف عليه والله أعلم.\nفصل\nواعلم أن الفصل الآخر الذى أشار إليه مما مرجوعه إلى مسألة إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات وهو قوله: إن الأصل إذا علل ثبت الحكم في الفرع بالعلة وفي الأصل بالنص وقوله إن الأصل لا يتغير عما كان عليه والتعليل لا يتعرض له أصلا فهذا فصل لم أر أحدا من أصحابنا أورده ويجوز أن نسلم له ذلك ويجوز أن نخالف فيقال: إن التعديه بالعلة لا يتصور إلا بعد ثبوت العلة في الأصل المنصوص عليه وتحققها فيه ألا\n_________\n١ أخرجه البخاري: العلم \"١/٢٣٨\" ح \"١٠٤\" ومسلم: الحج \"٢/٩٨٧\" ح \"٤٤٦/١٣٥٤\" بنحوه.","vol":"2","page":123},{"text":"ترى أن الأشياء الستة لما عللت لم يكن بد من ثبوت الطعم عندنا والكيل عندكم في الأصل. ثم تعدية كل واحد على اختلاف المذهبين في الفروع وأقل ما في العلل أنها أمارات على الأحكام فإذا علل الأصل فلابد أن يصير أمارة عليه ثم يتعدى فيصير أمارة على الأحكام في الفروع وإذا ثبت أن الوجود لابد منه في الأصل فنقول بعد هذا يجوز أن يقال: على ما زعموا ويجوز أن يقال: إن الحكم في الأصل يثبت بالنص للمعنى الذى تناوله التعليل وتصير العلة كالمنصوص عليها وقد ورد النص في مواضع دالا على الحكم مع ذكر المعنى فأما في الفرع يكون ثبوته بمحض المعنى وهذا جائز وروده مستقيم وجهه.\nوأما في مسألة إزالة النجاسة فعندنا إنما يعلل التعليل في تلك المسألة لأنا بينا أنه لابد من وجود العلة في الأصل: ثم التعدية وإذا عللنا للطهارة بالأدلة فلا شك أن طهارة الحدث تناولها النص ولم يوجد فيها الإزالة لأنه لا شئ يزال فبطل التعليل بالإزالة وإذا بطل لم يقبل التعدية وقد ذكر بعض أصحابنا فصلا في هذه المسألة أعنى مسألة النجاسة وأودعه أصول الفقه الذى صنفه. فقال: الذي ذهب إليه جماهير العلماء مع التزام القياس والقول به أن طهارة الحدث ليست بمعقولة المعنى. وذهب أبو حنيفه ومتبعوه إلى أن إزالة النجاسة معقولة المعنى١. وبنوا على هذا الفرق بين طهارة الحدث إذا تعين الماء لها وبين إزالة النجاسة فإن الغرض منها رفع عينها واستئصال أثرها فإذا رفع ذلك بأى مائع كان وقع موقعه قال واضطرب متبعوا الشافعى في ذلك فمذهب المتأخرين إلى أن طهارة الحدث مقعولة المعنى والغرض منها النظافة والتنقى عن الأدران والأوساخ وأوضحوا ذلك بتخييل يبتدره من يكتفى بظواهر الأمور فقالوا الأعضاء الظاهرة وهى الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان وبعض الساق في المهن والتصرفات تبدو وتظهر ويصادفها الغبرات وغيرها فورود الشرع بغسل هذه الأعضاء في مظان مخصوصة ومواقيت معلومة ومحاسن الشريعة تؤل في نهاياتها إلى أمثال ذلك والرأس مستورا بالعمامة غالبا وقد تبدو الناصية والمقاديم من المستروح إلى تحتية عمامته إلى هامته فلما كان ذلك أبعد اكتفى بالمسح فيه وعضد هؤلاء ما ذكروه بقوله تعالى: في سياق آية الوضوء ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولا مسلك في نصب المظنونات إلى إثبات العلل أوقع وانجع من إيماء الشارع إلى\n_________\n١ انظر البرهان لإمام الحرمين \"٢١/٩١١\".","vol":"2","page":124},{"text":"التعليل وقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ظاهر في التعليل١ بما ذكرناه وأورد هؤلاء في هذا المعنى على أنفسهم التيمم وأجابوا عنه وقالوا: إن التيمم أقيم بدلا غير مقصود في نفسه ومن أمعن النظر ووفاه حقه تبين له أن الغرض في إقامة التيمم مقام الوضوء إدامة الدربة في إقامة [وظيفة] ٢ الطهارة فإن الأسفار كثيرة الوقوع في أطوار الناس وإعوازا لها فيه ليس بالنادر فلو أقام الرجل الصلاة من غير طهارة ولا بدل عنها مرنت نفسه على إقامة الصلوات من غير طهارات والنفس ما عودتها تتعود فقد تفضى النفس إلى ركونها إلى هواها وانصرافها عن سراسم التكليف ومغزاه.\nويسأل عن هذا فيقال: لو كان المعنى هذا وجب أن يقال: إذا توضأ وأسبغ وضوءه ثم عمد إلى تراب فيعفر به أو تطلى بالطين وجب أن بنتقض وضوءه فإنه إذا وجب الوضوء بتوقع الغبار فلأن يجب بتحقيقه أولى.\nوقد أجابوا عن هذا وقالوا: إن الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على حكم العرف المطرد فيها فلا التفات إلى ما يندر ويشذ ويقل في الناس من يتطلى وينتضح بالقاذورات فلا يعتبر هذا النادر الفارد٣.\nفإن قال قائل: ما بال الوضوء يختص بوقوع الحدث وقد أجمع العلماء في الشرع أن الأحداث موجبة للوضوء وليست ملطخة لأعضاء الوضوء وقد أجابوا عن هذا فقالوا غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى وهذا لا ينافى كون أصله معقولا قال الإمام جمال الإسلام ﵀: وعندي أن هذا التعليل وتكلف الأسئلة ثم تكلف الجواب عنها شئ عظيم والأصح أنه لا يتمشى تعليل صحيح في إيجاب الوضوء بل الأصح أنه تعبد محض وتكليف من الله ﷿ لعباده من غير أن يتطرق إليه تعليل ولئن أمكن على التعبد وجه من المعنى فإذا لم يمكن تمشيته وطرده على المعنى المذكور فالأولى الإعراض عنه والنظر فيما سواه.\n_________\n١ ذكره إمام الحرمين بنصه انظر البرهان \"٢/٩١١، ٩١٢\".\n٢ ثبت في الأصل: \"وصيفة\" والصواب ما أثبتناه.\n٣ الفارد: أي المتفرد انظر القلموس المحيط \"١/٣١٩\".","vol":"2","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>فصل: في ضروب القياس</span>\n...\nفصل\nإذا عرفنا من يجوز له القياس وما يجوز فيه القياس فنقول لا شك أن القياس نظر شرعى لإثبات حكم شرعى إذا عرف أن النظر الشرعى أقساما فنقول:\nالقياس على ضروب وقد جعلها ابن سريج ثمانية أقسام ومن أصحابنا من زاد على ذلك ومجموع ذلك وجهان على ظاهر جلى وخفى غامض فالجلي الواضح ما يعلم من غير معاناة فكر١ والخفى الغامض ما لا يتبين إلا بإعمال الفكر والروية٢.\nوالجلى الواضح على ضربين:\nالمتناهى في الجلاء حتى لا يجوز ورود الشرع في الفرع بخلافه مثل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وكقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ونحو هذا فإنه لا يجوز في المعقول أن يرد الشرع بتحريم التأفيف للوالدين وإباحة شتمهما وضربهما في تجويز تجويز ذلك إبطال النص من أصله وغير جائز أن لا يملكون من قطمير ويملكون ما فوق ذلك ولا أن يوفوا ثواب الذرة ويحرموا ما فوق ذلك\nوالضرب الثانى من القياس الجلى دون هذا في الوضوح والجلاء وكان بحيث يجوز\n_________\n١ القياس الجلى هو ماقطع فيه بنفى تأثير الفارق بين الأصل والفرع من قياس الأمة على العبد فإن الفارق بينهما هو الذكورة والأنوثة ونحن نقطع بأن الشارع لم يفرق في إحكام العتق بين الذكر والأنثى وعرفه الآمدي بأنه ماكانت العلة فيه منصوصة أو غير منصوصة غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفى تأثيره انظر نهاية السول \"٤/٢٧\" إحكام الأحكام \"٤/٣\" انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٤٥\".\n٢ القياس الخفى هو مالم يقطع فيه بنفى تأثير الفارق بين الأصل والفرع مثل: قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان ليثبت وجوب القصاص في المثقل كما وجب في المحدد فإن الفارق بينهما وهو كون أحدهما مثقلا والآخر محددا لم يقطع بإلغاء تأثيره من الشارع بل يجوز أن يكون الفارق مؤثرا ولذلك قال أبو حنيفة ﵁: لا يجب القصاص في القتل بالمثقل وعرفه الآمدي بأنه ما كانت العلة في مستنبة من حكم الأصل انظر إحكام الأحكام \"٤/٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٤٥\".","vol":"2","page":126},{"text":"ورود الشرع في الفرع بخلاف ما في الأصل ومثال ذلك قوله ﷺ: \"لا يقضى القاضي وهوغضبان\" ١ ومعلوم بأوائل النظر أن ما يتأوى الغضب من جوع مفرط وألم مزعج ونوم مذهل بمنزلة الغضب في المنع من القضاء وأبعد من هذه تعليل ما كان من نحو قوله ﷺ: \"من أعتق شركا له في عبد فإن كان موسرا قوم عليه العبد\" ٢ قيمة عدل يعلم أن الجارية بمنزلة العبد لتساويهما في الرق وجاز مع ذلك أن يرد الشرع بالمخالفة بين الغضب والآلام في القضاء بين العبد والجارية في التقويم ومن الناس من زعم أن هذا ليس بقياس ولكنه من معقول الكلام ومجرى الخطاب وإلى هذا ذهب الكرخى ومن يتبعه من أصحاب أبى حنيفة وذكر عبد الجبار الهمذانى قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن القياس لا يدركه من ليس بقائس وهذا يستدركه من ليس بقائس ويشترك في استدراكه الخاص والعام ولو كان قياسا لاختص به أهل النظر والاجتهاد ولأنه لو كان ما ذكروه من هذا قياسا لاحتاج إلى أصل وفرع وعلة ولما جاز أن يكون الفرع أقوى من أصله وقد علم كل أحد أن المعقول من قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أن الضرب والشتم أشد في المنع والتحريم من التأفيف والاصح أن ذلك ثابت من جهة القياس لأن غير المذكور لما علم بالمذكور على طريق الاعتبار فقد حصل معنى القياس وهذا لأن تحريم الشتم والضرب غير معقول من اللفظ لأنه لو عقل باللفظ لكان اللفظ موضوعا للمنع من الضرب والشتم إما في اللغة أو في العرف ومن البين أنه غير موضوع للمنع من الضرب والشتم في اللغة وكذلك في العرف لأن الناس لا يتعارفون هذا الاسم كذلك المعين فصار المنع من الضرب والشتم باعتبارهم بالتأفيف المنصوص عليه وبيان هذا أن الإنسان إذا سمع قول الله ﷿: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] علم أن هذا الكلام خرج مخرج الأمر بالإعظام لهما مع ما تقرر في الشرع من وجوب تعظيمهما وإذا علم هذا علم أن الله تعالى إنما نهى عن التأفيف لأنه ينافي التعظيم ولأنه إنما يفعل هذا القصد إلا استخفافا٣ فعلم أنه\n_________\n١ أخرجه البخاري: الأحكام \"١٣/١٤٦\" ح \"٧١٥٨\" مسلم: الأقضية \"٣/١٣٤٢\" ح \"١٦/١٧١٧\" والنسائي: القضاء \"٨/٢١٦\" \"باب النهي عن أن يقضي في قضاء بقضاءين\" بنحوه.\n٢ أخرجه البخاري: العتق \"٥/١٧٩\" ح\" ٢٥٢١\".\n٣ ثبت في الأصل \"استخفاف\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":127},{"text":"إنما نهى عن التأفيف لكونه أذى ويعلم أن الحكيم لا ينهى عن الشئ لعلة ويرخص ما فيه تلك العلة وزيادة بل يكون ذلك بالحظر والتحريم أولى فثبت ما قلنا وهو أن هذا من باب علم غير المذكور من المذكور بطريق الاعتبار فيكون بطريق القياس ولا ينكر سهولة مأخذ وقرب مسلك لهذا لأن هذا لا يخرجه عن كونه على طريق القياس لأن مراتب القياس قد تتفاوت في الجلاء والخفاء كما تتفاوت مراتب النصوص فمن ذلك ما يدرك بأول ما يفرع السمع ومن ذلك ما يحتاج إلى تأمل وتفكر وهذا الاختلاف لا يخرج ذلك عن كونه نصا وإنما يتميز النص من غير النص بما كان مذكورا في اسمه والقياس ما لا حظ له في الاسم وإنما أدرك معناه وأما الذى قالوه إن هذا لو كان قياسا لكان يحتاج إلى فرع وأصل وعلة وقد وجدها هنا لأن التأفيف أصل والضرب والشتم فرع والأذى علة وأما قوله إن غير القياس يعرف ذلك أو هذا مما يشترك في معرفته الخاص والعام قلنا: قد حققنا معنى القياس على ما سبق وهذا لأن هذا القياس في نهاية الجلاء والانكشاف فلأجل هذا اشترك في معرفته الخاص والعام ونقول إنه لا يعلم تحريم الشتم والضرب بهذا الخطاب إلا بالمقدمات التي قلناها إلا أن هذه المقدمات لا تحتاج إلى غامض محض فإن كثيرا من ذلك يعمله المكلف قبل الخطاب مثل قولنا: إن الحكيم لا يرخص فيما فيه علة المنع وزيادة ومثل قولنا: إن التعظيم مناف للأذى والاستخفاف وبعض ما قلناه إنما يعلم الإنسان مقترنا بالخطاب وذلك قولنا: إن هذا الخطاب خرج مخرج التعظيم فإذا كملت هذه المعانى لكل أحد جاز أن يسمى كل أحد قائسا لأن كونه قائسا يمنع هذه الأشياء فإذا وجدت كان قائسا كان عالما كان غير عالم\nوأما قولهم إن الفرع لا يجوز أن يريد بيانه على الأصل قلنا: الأغلب هذا الذى قلتم وغير ممتنع أن يوجد في بعض المواضع بخلاف هذا كما نقول الروم أعقل من الزنج والترك أشد بأسا من الهند وقد يوجد الواحد من الزنج أعقل وقد يوجد الواحد من الهند أشد بأسا وإنما يطرد الأمر على ما قالوه إذا كانت الدلالة واضحة بالأكثر على الأقل فأما إذا وقعت بالأقل على الأكثر فإن الفرع يصير في التقدير أقوى من الأصل وهذا كما نقول في الكفارة في القتل العمد فإنه أقوى في الوجوب من الكفارة في القتل الخطأ وإن كان الخطأ هو الأصل لأن النص تناوله وكما أن من يخرج الحنطة في صدقه الفطر وقوته الشعير فإنه يكون ذلك أقوى في وجه الجواز من إخراج الشعير وإن كان الأصل هو الشعير لمن قوته الشعير فإن قيل: لو علم ما قلتم بالقياس الجلى يجوز أن لا","vol":"2","page":128},{"text":"يعلم ذلك العاقل إذا منعه الله تعالى من القياس الشرعى قلنا لو منعنا الشرع النظر في المعانى أصلا لم يعلم ذلك فإن قيل قوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] فإن ما اقتضاه اللفظ من الذرتين فما فوقهما إنما هو قضية الاسم لا قضية المعنى لأنه ذرة وذرة إلى أكثر من ذلك قلنا: قد يكون ذرة ونصف ذرة فلا يمكن التعلق بالاسم وهذا الذى قلناه غاية ما يمكن أن يقال: في هذه المسألة لكن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظى وليس فيها فائدة معنوية وبعد أن وافقونا في المعنى الذى قلناه فلا نبالى أن يسمى ذلك قياسا او لا يسمى وإنما بالغنا في إثبات الذى ادعيناه مع أنه ليس للخلاف فيه فائدة معنوية نصرة للشافعي فإنه قد نص في موضع أنه قياس مع وصفه بالجلاء والظهور\nوقد قيل: إن القياس الجلى ثلاثة أقسام:\nأولها: ما عرف من ظاهر النص بعد استدلال ولا يجوز إيراد التعبد به بخلاف أصله وقد بينا مثال ذلك.\nوالقسم الثاني: ما عرف معناه بظاهر النص من غير استدلال لكن يجوز إن يرد التعبد فيه بخلاف أصله مثل النهى عن التضحية بالعوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها فكانت العمياء قياسا على العوراء والقطعاء قياسا على العرجاء وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم العوراء أو العرجاء وإباحة العمياء والقطعاء ومثل هذا أيضا نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه الورس والزعفران فكان الكافور والمسك على الزعفران والورس وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم الورس والزعفران وإباحة المسك والكافور.\nوالقسم الثالث: ما عرف معناه من ظاهر نص باستدلال ظاهر فعرف بمبادئ النظر مثل قوله تعالى في زنا الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فجعل حدهن نصف حد الحرائر ولم يكن المعنى إلا نقصهن بالرق وكان العبد قياسا عليهن في تنصيف الحد إذا زنوا لنقصهم بالرق ومثاله أيضا قوله ﷺ: \"من أعتق شركا له في عبد\" ١ كما بينا ومثاله أيضا قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وكان معنى نهيه تعالى عن البيع أنه شاغل عن الجمعة فصار عقود المناكح والإجارات وسائر المعاملات والصنائع نهيا عنها قياسا على البيع لأنه شاغله عن حضور الجمعة.\n_________\n١ أخرجه البخاري: \"٥/١٥٦\" ح \"٢٤٩١\" ومسلم: العتق \"٢/١١٣٩\" ح \"١/١٥٠١\".","vol":"2","page":129},{"text":"وأما القياس الخفى: فهو ما خفى معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال.\nوهو على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما كان معناه لا يجاء باستدلال متفق عليه مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ وكانت عمات الآباء والأمهات محرما قياسا على الخالات لاشتراكهن في الرحم والمحرم ومثل قوله تعالى: في نفقة الولد في صغره ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . وكانت نفقة الولد في عجزه عند كبره قياسا على نفقة الولد لعجز لصغره لاشتراكهما في البعضية والمعنى في هذا لائح لتردده بين الجلى والخفى وهو في أقسام الخفى بمنزلة القسم الأول من أقسام الجلي.\nوالقسم الثاني: ما كان معناه غامضا لتقابل المعنيين أو لتقابل المعانى مثل تعليل الربا في البر المنصوص عليه إما بالطعم أو بالكيل أو القوت ولابد من ترجيح أحد هذه المعانى على الآخر من طريق المعنى الذى يكون دالا على التحريم.\nوالقسم الثالث: ما كان سببها لحاح يضمنه ومعناه إلى الاستدلال ومثاله ما روى أن النبى ﷺ قضى أن الخراج١ بالضمان فعلم بالاستدلال أن الخراج هو المنفعة فإن الضمان هو ضمان المبيع بالثمن ثم الكلام في تلك المنفعة أنها عبارة عن ماذا يعرف في مسائل الفقه وهذه ثلاثة أقسام من أقسام القياس الخفى واعلم أنا إنما ذكرنا قياس المعنى فأما قياس الشبه فله باب يذكر فيه ولابد من زيادة شرح ليحصل معرفة الصحيح من ذلك والفاسد وسيأتى بمشيئة الله تعالى.\n_________\n١ أخرجه ابو داود: البيوع \"٣/٢٨٢\" ح \"٣٥٠٨\" والترمذي: البيوع \"٣/٥٧٢\" ح \"١٢٨٥\" وقال: حسن صحيح والنسائي: البيوع \"٧/٢٢٣\" \"باب الخراج بالضمان\" وابن ماجه: التجارات \"٢/٧٥٤\" ح \"٢٢٤٣\" وأحمد: المسند \"٦/٥٦\" ح \"٢٤٢٧٩\".","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>فصل في أقسام طريق العلل الشرعية</span>\nاعلم أن للعلل الشرعية طرقا كثيرة في الشرع وقد يكون ذلك من جهه اللفظ وقد يكون من جهه الاستنباط فأما الطريق من جهه اللفظ وقد يكون من جهه الصريح وقد يكون من جهة التنبييه فإما الصريح مثل قول القائل: أوجبت عليك كذا لعلة كذا ومثل قوله أوجبت عليك كذا لأنه كذا أو لأجل كذا أو لكى يكون كذا وها دون الأول في","vol":"2","page":130},{"text":"التصريح وروى عن النبى ﷺ أنه قال: \"إنما نهيتك لأجل الرأفة\" ١وقال تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وأما الألفاظ المنبهة على العلة فضروب: منها: فوله ﷺ في المحرم الذي وقصت به ناقته \"لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القايمه ملبيا\" ٢ وهذا من باب تعليق الحكم على علته بلفظ الفاء وقد تدخل الفاء على العلة والحكم متقدم وقد تدخل الفاء على الحكم والعلة متقدمة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] \"ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] \"وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الذي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فهذا دليل على أن العلة في قيام وليه بالإملاء هو أنه لا يتطيع أيمل هو ومن هذا الضرب ما روى أن النبى ﷺ سهى وسجد٣ وزنا ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم٤ ومن ضروب التنبيه أن يسأل النبى ﷺ عن حكم شئ ويذكر السائل صفة ذلك الشئ: مما يجوز كونها علة مؤثرة في ذلك الحكم فيجيب النبى ﷺ عند سماع تلك الصفة يدل أن العلة تلك الصفة ومثال هذا قول القائل للنبى ﷺ واقعت أهلى في نهار رمضان وقول النبى ﷺ في الجواب: \"أعتق رقبة\" ٥ وقد يكون هذا في لفط الإفطار أن يثبت عن النبى ﷺ.\nومن ضروب التنبيه: أن لا يكون لذكر الوصف فائدة لو لم يكن ععلة فمن ذلك أن يكون الوصف مذكورا بلفظ أن كما روى أن النبى ﷺ امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب.\nفقيل له: إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة. فقال: \"إنها ليست نجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" ٦. فلو لك يكن لكونها من الطرفين تأثير في\n_________\n١ أخرجه مسلم: الأضاحي \"٣/١٥٦١\" ح \"١٩٧١\" وأبو داود: الضحايا \"٣/٩٩\" ح \"٢٨١٢\" والنسائي: الضحايا \"٧/٢٠٧\" \"باب الادخار من الأضاحي\".\n٢ أخرجه البخاري: الصيد \"٤/٧٧\" ح \"١٨٥١\" ومسلم: الحج \"٢/٨٦٦\" ح \"٩٩/١٢٠٦\".\n٣ أخرجه البخاري: السهو \"٣/١١٦\" ح \"١٢٢٧\" ومسلم: المساجد \"١/٤٠٣\" ح \"٩٧/٥٧٣\".\n٤ أخرجه البخاري: الحدود \"١٢/١٣٨\" ح \"٦٨٢٤\" ومسلم: الحدود \"٣/١٣١٩\" ح \"١٧/١٦٩٢\".\n٥ أخرجه البخاري: النكاح \"٩/٤٢٣\" ح \"٥٣٦٨\" ومسلم: الصيام \"٢/٧٨١\" ح \"٨١/١١١١\".\n٦ أخرجه الدارقطني: سننه \"١/٦٣\" ح \"٥\" والبيهقي في الكبرى \"١/٣٧٧\" ح \"١١٧٦\" بنحوه.","vol":"2","page":131},{"text":"طهارتها لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارته فائدة.\nومن ذلك: أن يوصف المحكم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بتركها فعلم أنها ما ذكرت إلا لأنها علة وذلك مثل قوله ﷺ: \"تمرة طيبة وماء طهور\" ١ ومن ضروب التنبيه قوله ﷺ حسن سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: \"أينقص الرطب إذا جف؟ \" قيل: نعم قال: \"فلا إذا\" ٢ فلو لم يكن نقصانه عند اليبس علة للمنع من البيع لم يكن لذكره معنى.\nومن التنبية أيضا قوله ﷺ لعمر ﵁ وقد سأله عن قبلة الصائم: \"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته\" ٣. فعلم أنه إنما لم يفسد الصوم بالقبلة والمضمضة لآنه لم يحل ما يتبعها من الإنزال والإزدراء.\nومن ضروب التنبيه قوله ﷺ: \"لايرث القاتل\" ٤ وقوله ﷺ: \" لايقضى القاضي\" ٥ الخبر ووجه التنبيه: أنه لما تقدم بيان إرث الورثة فلما قال: \"لا يرث القاتل\" مفرقا بينه وبين جميع الورثة على أن القتل علة في منع الإرث وكذلك في اللفظ الثانى لما تقدم أمر القاضي بأن يقضى فإذا منع من أن يقضى وهو غضبان علم أن الغضب علة في المنع منه.\nومن ضروب التنبيه قوله ﷺ: \"فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد\" ٦ فلما قال هذا البعد نهيه عن بيع البر متفاضلا دل أن اختلاف الجنس العلة في أن يجوز٧ البيع.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه أبو داود: البيوع \"٣/٢٤٨\" ح \"٣٣٥٩\" والترمذي البيوع \"٣/٥١٩\" ح \"١٢٢٥\" وقال: حسن صحيح: والنسائي: البيوع \"٧/٢٣٦\" \"بابا اشتراء التمر الرطب\".\n٣ تقدم تخريجه.\n٤ أخرجه أبو داود: الديات \"٤/١٨٧، ١٨٨\" ح \"٤٥٦٤\" والدارمي: الفرائض \"٢/٤٧٨\" ح \"٣٠٨٠\" وأحمد: المسند \"١/٦١\" ح \"٣٤٨\".\n٥ تقدم تخريجه.\n٦ أخرجه مسلم \"٣١٢١١\" ح \"٨١/ ١٥٨٧\" وأبو داود: البيوع \"٣/٢٤٦\" ح \"٣٣٥٠\" ولفظهما: \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد\".\n٧ ثبت في الأصل \"جواز\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":132},{"text":"بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فدل أن تعقيد اليمين علة المؤاخذة.\nومن ضروب التنبيه قوله ﷺ: \"للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم\" ١ فإذا استأنف أحد السببين بذكر صفة من الصفات فقد ذكر الآخر وتلك الصفة يجوز أن تؤثر في الحكم دل أنه علة.\nومن ضروب التنبيه قوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لما أوجب علينا السعى ثم نهى عن البيع المانع من السعى علمنا أنه إنما نهانا لأنه مانع من الواجب.\nواعلم: أن هذه الوجوه ذكرها المتكلمون من الأصوليين والكلام على مجال ونحن إذا بينا العلل الصحيحة ووجوه تأثيرها في الأحكام عرف عند ذلك صحيح العلل من فاسدها وعلى الجملة لا بأس بذكر هذه الضروب لأن هذه العلل علل من النصوص وطلب الفوائد من النصوص واجب فإذا أمكن استفادة علة من نص صاحب الشرع فلا مترك لها كما أنه إذا أمكن استفادة حكم منه فلا معرض عنه وقد ذكرنا في مسألة علة الربا أنا عللنا كون الطعم علة بالنص وجعلنا ذلك أحد فوائد النص وذكرنا أن بيان التأثير غير واجب علمنا بعد أن ثبت لنا كونه علة أحد فوائد النص لأن طلب الفوائد لما وجب وكان كون الطعم علة إحدى فوائده سقط عنا بيان تأثيره وهذه طرقة حسنة ذكرناها في الخلافيات ولا بأس بالاعتماد عليها وإن اخترنا بيان التأثير فقد ذكرنا أن التأثير في الطعم وبلغنا غاية الإمكان وكلتا الطريقتين حسنتان معتمدتان ومن الله العون.\n_________\n١ أخرجه البخاري: المغازي \"٧/٥٥٣\" ح \"٤٢٢٨\" ومسلم: الجهاد \"٣/١٣٨٣\" ح \"٥٧/١٧٦٢\" وابن ماجه: الجهاد \"٢/٩٥٢\" ح \"٢٨٥٤\" والدارمي: السير \"٢/٢٩٧\" ح \"٢٤٧٢\".","vol":"2","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>فصل: ما يشتمل عليه القياس</span>\n...\n\"فصل\"\nإذا عرفنا أقسام القياس رجعنا إلى بيان ما يشتمل عليه القياس فنقول:\nإن القياس يشتمل على أربعة أشياء على الأصل والفرع والعلة والحكم.\nونمثل مثالا لنعرف هذه الأشياء الأربعة فنقول إذا قسنا الأرز على البر في جريان الربا والنبيذ على الخمر في التحريم فالأصل هو البر أو الخمر والفرع هو الأرز أو النبيذ والعلة الطعم أو الشدة والحكم جريان الربا ويقال حرمة الفضل في الأول","vol":"2","page":133},{"text":"وحرمة الشرب في الثاني.\nقال أبو زيد: لابد للقياس من أصول [بل] ١ وهم شهود الله تعالى على أحكامه فيما لا نص فيها ولابد من وصف جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة ولابد من قائس وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه فشهادة الجامع بين الأصل والفرع ولابد من حكم يثبت لديه ليحكم به وهو القلب ولابد من شهود وهو الحكم المطلوب ولابد من صلاح الشاهد للشهادة كما في شهود المعاملات صلاحهم للشهادة بالحرية والعقل والبلوغ٢ كذلك الأصل يجب أن يكون صالحا للتعليل ولابد من اعتبار الوصف صالحاكما يعتبر لفظ الشاهد ولابد من اعتبار العدالة كما في الشاهد والعدالة ها هنا هو التأثير ولابد من مشهود عليه وهو البدن واللسان فاللسان يلزم الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به وهذا إذا حاج نفسه فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثل المتخاصمين في حقوق الناس بالمجيب حقوق الناس بمنزلة المدعي والسائل بمنزلة المنكر والقياس شهادة والأصل شاهد والمجيب مستشهد والحكم مشهود به والسائل بلسانه وبدنه مشهود عليه والقلب منه حاكم عليه وتأثير الوصف عدالة ظاهرة وهذا الذى ذكره هذا الرجل تكلف شديد وليس يليق بالمحققين وقد دخل في أثناء هذه التفاصيل ما لا يمكن تحقيق معناه على انفراده وقد نقلته على ما أورده.\nقال وقد خالفنا الشافعى رحمة الله عليه في بعض ما ذكرنا على ما نذكر في تفاصيل هذه الحملة وما ذكرناه من الأشياء الأربعة كاف في معرفة ما يشتمل عليه القياس لأن القياس إلحاق فرع مجهول بأصل معلوم لحكم مطلوب بعلة جامعة والمثال ما بينا أن البر أصل والأرز فرع والطعم علة والربا حكم ولابد أن نفرد لهذه الأشياء الأربعة لكل منها فصلا.\n_________\n١ طمس في الأصل ولعله ما أثبتناه.\n٢ شروط الشهادة سبعة:\nالحرية والبلوغ والعدالة وأن يكون متيقظا حافظا لما يشهد به وأن يكون ذا مروءة وانتفاء الموانع انظر المغني \"١٢/٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠\".","vol":"2","page":134},{"text":"أما<span data-type=\"title\" id=toc-102> فصل: الأصل</span>\nفنقول: أعلم أن الأصل يستعمله الفقهاء في أمرين: في أصول الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع فيقولون: هى الأصل وما سوى ذلك من القياس ودليل الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل ويستعملون اسم الأصل في الشئ الذي يقاس عليه كالخمر أصل النبيذ والبر أصل الأرز.\nوحد الأصل: ما عرف حكمه بنفسه أو ما عرف به حكم غيره ومن مثبتى القياس من جوز أن يكون القياس بغير أصل وهذا قول من خلط الاجتهاد بالقياس.\nوالصحيح: أنه لابد له من أصل لأن الفرع لا يتفرع إلا عن أصول لوقوع الفرق بين الأصول والفروع.\nوالأصل: ضربان معلول وغير معلول.\nفأما غير المعلول فما لم يعقل معناه كأعداد الركعات واختصاص الصيام بشهر رمضان وغير ذلك وقد سبق بيان هذه القصة وأما المعلول فهو ما عقل معناه وهو ضربان متعد وغير متعد.\nفأما غير المتعد فهو ما عدم معناه في غيره فوقف حكمه على نصه كتعلل الذهب والفضة أنهما أسمان فهذا لا يوجد معناها في غيرهما فوقف الحكم عليها وعند أبى حنيفة وأصحابه لا يكون غير المتعدية علة بحال وقد سبق الكلام في هذا الفصل.\nوقد قال أبو زيد: في تقويم الأدلة في العبادة عن الخلاف في هذه المسألة قال علماؤنا حكم العلة تعدية النص المعلل إلى فرع لا نص فيه وقال أصحاب الشافعى حكم العلة تعلق حكم النص بالوصف الذى يتبين علة.\nقال: فعلى هذا العلة إذا لم تكن متعدية كانت فاسدة. قال: فإما الذين قالوا إن حكم العلة هو تعلق الحكمية فقد شبهوا هذه العلل بالعلة العقلية فإنها لا تعرف عللا إلا بتعلق أحكامها بها فكذلك العلل الشرعية إذا كانت منقولة عن الشارع قال والجواب عن هذا وهو الطريق في المسألة أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغير حكم النص بنفسه وإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان قبل التعليل وهو أن يكون وجوبه مضافا إلى النص دون العلة فإنك متى قصدت الإضافة إلى العلة كنت قد غيرت حكم النص عما كان قبل التعليل ولأن العلة لما لم تشرع حجة إلا بعد النص","vol":"2","page":135},{"text":"صارت لغوا مع النص وإذا صارت لغوا لم يجز تعليق الحكم بها وإذا ثبتتا بهذا تبين بهذا أن حكم العلة التعدية لا غير ونظيره من العقود الحوالة ما لها حاكم سوى التحويل من ذمة إلى ذمة ونحن قد أجبنا عن هذا وبينا صحة مثل هذه العلة وذكرنا فائدتها فلا معنى للإعادة.\nوالحرف لنا: أن التعليل عندنا إذا أفاد حكم بصحته فيكون لتعدية الحكم تارة ويكون لقصر الحكم على المنصوص عليه تارة وقد سبق بيان هذا رجعنا إلى ما كنا فيه.\nوأما التعليل المتعدى فوجود ومعناه في غيره كتعليل غير البر والشعير في الطعم والكيل الموجود في البر والشعير فهو أصل في نفسه وأصل لغيره فيجوز مثل هذا أن يكون أصلا للقياس وسواء أجمع القائسون على تعليله وهذا فاسد من وجهين:\nأحدهما: أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لبطل القياس لأن نفاة القياس ممتنعون من تعليل الأحكام.\nوالثاني: أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لروعى انعقاد الإجماع على علته ولو روعي هذ لما استقر قياس إلا بالإجماع وهذا مدفوع بالإجماع.\nوالجملة أن عندنا كل أصل يوجدد معناه في غيره جاز القياس عليه سواء كان ما ورد به النص مجمعا على تعليله أو مختلفا فيه وكذلك سواء كان موافقا لقياس الأصول أو مخالفا وكلا الأصلين قد سبق وهذا الذى قلناه في الأصل الذى عرف بالنص فأما ما عرف بالإجماع فحكمه حكم ثابت بالنص في جواز القياس عليه على التفصيل الذى قلناه في النص.\nومن أصحابنا من قال: لا يجوز القياس عليه ما لم يعرف النص الذى أجمعوا لأجله وهذا غير صحيح لأن الإجماع أصل في إثبات الأحكام كالنص فإذا جاز القياس على ما ثبت بالنص جاز على ما ثبت بالإجماع وأما ما ثبت بالقياس على غيره فهل يجوز أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذى قيس به على غيره ويقاس عليه غيره اختلف أصحابنا في ذلك: والصحيح أنه لايجوز لأنه إثبات حكم في الفرع بغير علة للأصل وذلك لا يجوز.\nومثال هذا: أنا نقيس الأرز على البر بعلة الطعم فلو استخرج من الأرز معنى لا يوجد في البر وقيس عليه غيره في الربا فهذا محال لأختلاف الأصحاب وقد ذكرنا أن الصحيح أنه لا يجوز لأن علة جريان الربا في الأرز الطعم فلو استخرج منه معنى سوى","vol":"2","page":136},{"text":"الطعم وقيس عليه غيره أدى إلى ما ذكرنا وهو إثبات الحكم في الفرع بغير علة الأصل وهذا لأن الفرع ما شارك أصله في علة حكمه فإذا لم يشارك لم يكن فرعا وأما إذا قاس الأرز على البر بعلة الطعم ثم قاس الذرة على الأرز بعلة الطعم فهذا لا معنى له لأن الذرة والأرز جميعا فرعان للبر فإذا جعل الذرة فرعا للأرز لم يكن هذا أولى بأن يجعل الأرز فرعا للذرة وإذا لم يكن أحدهما أولى من الآخر وجب أن يكونا جميعا فرعين للبر.\nفإن قال قائل: ما قولكم في الأصل في حكم الربا أهو النص أم البر؟ قلنا: قد اختلفت الفقهاء والمتكلمين في هذا:\nقال بعضهم: الخبر هو الأصل للبر ولكل مطعوم ومكيل لأن الحكم مأخوذ منه فصار أصل الكيل هو الخبر.\nوقال بعضهم: الأصل هو الحكم المعلل لثبوت الربا لأنه المطلوب في الفرع فكان هو الأصل في الفرع.\nوالصحيح: هو المذهب الثانى وتمامه أن الخبر أصل للبر والبر أصل لكل ما يقاس عليه وهذا ظاهر حسن فليعتمد عليه إذا عرفنا هذه الأصول التي يقاس عليها فنقول ما لا يثبت من الأصول مأخذ هذه الطرق أو كان يثبت ثم نسخ فلا يجوز القياس عليه لأن الفرع إنما يجعل فرعا لأصل ثابت فإذا كان الأصل غير ثابت لم يجز إثبات الفرع من جهته.\nوقال أبو زيد في هذا الفصل: مذهب علمائنا أن الأصول كلها معلولة ولا يجب العمل مما جعل علة أوصاف الأصل إلا بدليل يميز به بين علته وبين غيره من الأوصاف ومع وجود هذا أيضا لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل شاهدا للحال.\nوحكى عن الشافعى ﵁ أن الأول يجب وهو الذى يميز الوصف الذى هو علة من غيره ولا يجب أكثر من هذا.\nواستدل فيما اختاره وفسره وقال: مع هذا الذى ذكره الشافعى يحتاج إلى دليل يدل على كون الأصل شاهدا يعمل بشهادته لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحدا بعينه من بين الجملة أن لا يكون معلولا وقد وجد بالإجماع نصوص غير معلولة فلا يكون حجة على الفرع مع قيام هذا الاحتمال","vol":"2","page":137},{"text":"حتتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدا للحال. كالرجل المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته وإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه لكونه حرا في الأصل إلا بدليل يوجب حريته في الحال لأن حرية الأصل تحتمل التغيير بعارض فلم يكن حجة على غيره بحال.\nفإن قيل: أليس النبى ﷺ قدوة أمته فما كان له وعليه وقد احتمل أن يكون مخصوصا ومع ذلك صار فعله حجة عل غيره أجاب وقال: إن الحجة في الابتداء فيه كونه نبيا وما اختلف الحال في كونه مقتدى به على كل حال والخصوص ثبت بدليله في بعض أحواله وأفعاله فبقى الباقى على عمومه كالنص إذا خص منه شئ فإن الباقى يبقى على عمومه وأما هاهنا فإن النص المعلول هو الشاهد بعلته وقد احتمل في نفسه أن لا يكون معلولا بعارض كالشاهد هو حجة بشهادته واحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق أو غيره وإذا احتمل على هذا الوجه فلابد من دليل.\nقال: ومثال هذا أنا متى عللنا حرمة الفضل في الذهب بالذهب بكونه موزونا احتجنا إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل يوجب له غير الدلائل المصححة للقياس وذكر في هذا فصلا طويلا اقتصرنا على هذا القدر.\nواعلم: أن هذا الذى ذكره ليس بشرط بعد أن يظهر تأثير الوصف فمتى ظهر التأثير للوصف الذى جعل علة وامتاز بالتأثير عن غيره من الأوصاف وقع الاكتفاء بذلك وأما قولهم إنه يحتمل ألا يكون هذا الأصل معللا ويحتمل أن يكون معللا قلنا ما استوى الاحتمالان لأن الأصل الذى نعرفه في الشرع أن كل أصل أمكن تعليله جاز ألا يمنع مانع من تعطيله يدل عليه أن الدلائل التي دلت على صحة التعليل دلت على تعليل كل أصل لأن الدلائل لا تخصيص فيها فإن عرض عارض دليل أنه لا يعلل أصل من الأصول لا يجب التوقف في سائر الأصول ألا ترى أن العموم حجة وقد خص بعض العمومات ثم بأن خص بعض العمومات لا يدل على أنه يجب التوقف في كل عموم حتى يدل الدليل أنه غير مخصوص وأظهر من هذا أمر النبى ﷺ فإن الخصوصية في حقه محتملة ومع ذلك لا يعتبر هذا الاحتمال بل اعتبر الأصل المعهود وهو أنه قدوة إلا أن يقوم الدليل على خلافه في موضع وقولهم إنه لا خلاف في كونه مقتدى به وهذا الوصف منه لا يحتمل غيره وفى مسألتنا وجد الاحتمال في هذا الأصل أنه غير معلول قلنا نعم لا اختلاف أنه مقتدى به في الجملة وكذلك الاحتمال عن إطلاق كونه قدوة","vol":"2","page":138},{"text":"فأما في كل شئ بعينه فيحتمل أنه مخصوص به ويحتمل أنه غير مخصوص به فلا فرق بين الفصلين بوجه ومن هذا الأصل نقول: إن تحريم الخمر معلول وهم يقولون: ليس بمعلول ويطالبون بإقامة الدليل أنه معلول ونحن نقول الدلائل التي دلت على صحة القياس لم تخص محلا دون محل وكل أصل أمكن تعليله بعلة مؤثرة وجب تعليله والتأثير في تعليل الخمر بالشدة في نهاية القوة يدل أنها المحرمة وإذا عرفنا وفرغنا عن هذا الأصل بذكر الفصل الثانى وهو الكلام في فروع القياس فالفرع في القياس ما ألحق بأصل أخذ حكمه منه وقد يكون الفرع على نوعين فرع معنى معلول وفرع شبه متماثل وقد أنكر بعض القائسين بأن يكون المشبه لأصله فرعا في حكمه فابطل فرع الشبه وأثبت فرع المعنى ولم يجعل الفروع إلا ما شاركت الأصل في المعانى دون الأشباه وعكس هذا آخرون وأثبتوا فرع الشبه وأنكروا فرع المعنى وذهب الأكثرون إلى تصحيح كليهما وأثبتوا فرع المعنى وفرع الشبه وسنبين الصحيح من ذلك واعلم أن الذى يلزم في فرع المعنى أن يكون مشاركا لأصله في المعنى الذى جعل علة الحكم.\nوأما اختلافهما فيما عدا ذلك من المعاني لا يؤثر فقد تكون الصلاة أصلا للحج في أحكام وورد النص عليها في الصلاة لاشتركهما في معانى تلك الأحكام وإن اختلفا فيما عدا ذلك من المعانى وكذا الحج مع الصلاة والذى يلزم من فرع الشبه أن يجتمع الأصل والفرع في أكثر الأشباه وأغلبها وأقواها ولا يلزم أن يجتمعا في جميع الشبه لأنه يكون هو ولا يكون بينهما فرع ولا أصل وقد ذكر.\nومثال ذلك: إلحاق العبد بالحر في وجوب القصاص في النفس والأطراف ووجوب الكفارة وكذلك إلحاق العبد بالأمة في تنصيف الحد وإلحاق الجواميس بالبقر في الزكاة وقد يكون الشبه في صورة الذات وقد يكون الشبه في حكم الذات والأمثلة التي قلناها في العبيد والأحرار والبقر والجواميس لبيان الشبه في صورة الذات.\nوأما الأمثلة للشبه في حكم الذات كإلحاق الوطء بالشبهة بالوطء في النكاح لاشتباههما في الأحكام وكذلك إلحاق المكاتب بالحر وأما العبد في تمليك المال فإن ألحق بالحر في ثبوت ملكه فبقياس الشبه في حكم الذات وليس يمتنع أن نجمع بين الشبهين في الصورة والحكم فيحكم بكل واحد منهما في موضعه بما يقتضيه ثم إذا عرف معنى فرع المعنى وفرع الشبه يكونان متشاركين لأصلهما في صفة الحكم المطلوب بهما من وجوب وإسقاط وتحليل وتحريم وإن اختلفا في طريق الحكم بالمعنى والشبه","vol":"2","page":139},{"text":"فيكون في الأصل معلوما وفى الفرع مظنونا وسيأتى في ذلك فرع المعنى وفرع الشبه وحين فرغنا من هذا الأصل وهو بيان الفرع فنذكره بعده.","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>فصل: القول في علة القياس</span>\n...\nالفصل الثالث: وهو القول في علة القياس\nوفيه الكلام الكثير وقد وقع فيه الخبط العظيم ولابد أن نعتبر في ذلك زيادة اعتناء ليظهر ما هو الحق من ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه.\nواعلم أن العلة١ مأخوذة في اللغة من العلة التي هى المرض لأن لهذه العلة تأثير بيان الحكم كتأثير العلة في ذات المريض وقيل: سميت العلة علة لأنها ناقلة بحكم الأصل إلى الفرع كالانتقال بالعلة من الصحة إلى المرض.\nوالأول أحسن لأنا بينا أن غير المتعدية من العلة تكون علة وقيل إن العلة مأخوذة من العلل بعد النهل وهو معاودة شرب الماء مرة بعد مرة لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر.\nوأما حد العلة: فقد قالوا: إنها الصفة الجالبة للحكم.\nوقيل: إنها المعنى المثير للحكم٢.\nواعلم: أن علة الحكم شرط في صحة القياس ليجمع بها بين الأصل والفرع وذهب بعض القائسين من أصحاب أبى حنيفه وغيرهم إلى أن القياس يصح بغير علة إذا لاح بعض الشبه احتجاجا بأن الصحابة حين قاسوا لم يعللوا وإنما شبهوا فجمعوا بين الشئ والشئ لمجرد التشبيه من غير تعليل مثلما فعلوا بالجد والإخوة وغير ذلك.\nوذهب جمهور القائسين من الفقهاء والمتكلمين إلى أن العلة لابد منها في القياس وهو ركن القياس ولا يقوم القياس إلا بها والدليل على ذلك أنه لا يخلو إما أن يرد الفرع إلى الأصل بسبب جامع بينهما أو بغير سبب ولا يجوز أن يكون بغير سبب لأنه لا\n_________\n١ ثبت في الأصل اللغة ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ اختلف الأصوليون في تعريف العلة:\nعرفها الرازي بأنها المعرفة للحكم انظر المحصول \"٢/٣١١\" الأحكام \"٣/٢٨٩\".\nعرفها الغزالي بقوله: الوصف المؤثر في الحكم لا بذاته بل يجعل الشرع عرفها الآمدي بأنها الوصف الباعث على الحكم انظر المحصول \"٢/٣١١\" الأحكام \"٣/٢٨٩\" نهاية السول \"٤/٥٤، ٥٥\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٦١، ٦٢، ٦٣\".","vol":"2","page":140},{"text":"يكون رده إلى أصل بأولى من رده إلى غيره فلا يتعين الأصل وإن كان بسبب فلابد أن يكون ذلك السبب متعينا لأن السبب المجهول لا يكون شيئا فلم يبق إلا أن يكون بسبب معين ثم ذلك السبب المعين عندنا في الجمع هو العلة فإن سموه علة فقد وقع الاتفاق وإن لم يسموه علة فقد وقع الاتفاق في أنه لابد من جامع فالنزاع في الاسم مع الاتفاق في المعنى مصرح وأما الصحابة فقد عللوا تارة وأرسلوا الشبه أخرى قال على ﵁ في حد الخمر: إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون١. فقد ذكر التعليل.\nوقالت الصحابة لأبى بكر -﵃-: \"رضيك رسول الله ﷺ لدينا فرضيناك لدينانا\" وأما إذا أرسلوا إرسالا فهو تنبيه على القائس وليس بقياس وإذا ثبت أنه لابد من العلة في صحة القياس فتقدم مسألة الطرد وكلام الفقهاء في ذلك.\nمسألة: أعلم أن الطرد ليس بحجة والتمسك به باطل:\nوهو الذى لا يناسب الحكم ولا يشعر به٢ وكذلك الاطراد لا يكون دليل صحة العلة وبالغ القاضى أبو بكر محمد بن الطيب في التغليظ على من يعتقد ربط حكم الله تعالى به وقال بعض أصحابنا وطائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه حجة٣ ذكره الشيخ أبو إسحاق في التبصرة عن أبى بكر الصيرفى وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة والاطراد دليلا على صحة العلة حشوية أهل القياس قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء واحتج من قال: إن الطرد حجة بالأدلة التي دلت على أن القياس حجة وقالوا إنها لم تخص وصفا دون وصف وهذا لأن علل الشرع أمارات على الأحكام وليست\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ الطرد: مصدر بمعنى الاطراد ومعناه وجود الحكم مع وجود الوصف الذي لا مناسبة بينه وبين الحكم لا باذات ولا بالتبع في جميع الصور ماعدا الصورة المتنازع فيها انظر نهاية السول \"٤/١٣٥\" البرهان \"٢/٧٨٨\" المحصول \"٢/٣٥٥\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١١٥\".\n٣ اختلف الأصوليون في كون الطرد مفيدا للعلية: فذهب أكثر منهم الآمدي وابن الحاجب إلى أنه لا يفيدها ولا يكون حجة وذهب جماعة منهم الرازي والبيضاوي إلى أنه مفيد للعلية ويحتج به فيها نهاية السول \"٤/١٣٥\" البرهان \"٢/٧٨٨، ٧٨٩\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١١٧\".","vol":"2","page":141},{"text":"من قبل العلل العقلية فصح تعليقها بالصور وتصير تلك الصور أمارات على الأحكام كالنصوص التي ترد في أحكام ولا يعقل معانيها فهذه العلل مثل تلك النصوص في الأحكام.\nواستدل من قال: إن الإطراد دليل صحة العلة قال: لأن عدم الإطراد دليل على فساد العلة فالإطراد دليل صحة العلة ولأن الإطراد والجريان هو الاستمرار على الأصول من غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول في غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول في غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول لها بالصحة فوجب أن نحكم بصحتها.\nببينة: أنها إذا أطردت فقد عدم ما يوجب فسادها فوجب أن نحكم بصحتها لأنه ليس بين الصحة والفساد واسطة.\nوأما دليلنا في أن الطرد ليس بحجة هو أنا اتفقنا على أن الاحتكام على الشرع باطل ألا ترى أنه لو أحتكم المحتكم من غير ذكر علة أصلا فيكون قوله باطلا وصفه المحتكم على الشرع أن لا يكون لقوله الذي يقوله طريق معلوم ولا مظنون ونحن نعلم قطعا أن أحكام الشرع مرتبطة إما بطريق علمى أو ظنى ويستند إلى سبب وإذا خلا عن هذين الطريقين يصير مجرد احتكام على الشرع من قائله والدليل على أن الظن لابد من إشارة إلى سبب حتى يعمل به أن العلميات في الشرع لابد من استنادها إلى طريق يوجب العلم فالظنيات لابد من استنادها إلى سبب يفيد الظن ولأن من ادعى يظن أن وراء هذا الجبل المطل علينا جيشا عظيما أو بحرا أو سباعا أو غير ذلك من الأشياء فإنه لابد من استنادها إلى أسباب فإنه إذا لم يربط بسبب كان مما ظنه مهموسا وفى قوله هاذيا ثبت أن الظن لابد له من سبب ليعمل عليه والطرد لا يفيد علما ولا ظنا لأن الحكم الذى ربط به إثباتا لو ربط به نفيا لم يترجح في مسلك الظن احدهما على صاحبة فبطل التعلق به. فإن قيل: سلامته عن النقض يفيد علية الظن كونه علما على الحكم قلنا هذا الذى قلت هو طرد الطارد وهذا الطارد مطالب بتصحيح علة وطرده لعلته لا يكون دليلا على صحة علته فإن فعله لا يكون دليل صحة قوله ثم هذا المعترض يقول إن الإطراد في محل النزاع وعندي أنه لا إطراد. فإن قال: المعلل قد طرد في غير محل النزاع يقال له: جريانه في غير محل النزاع لا يوجب إطراده في هذا الموضع الذى وقع فيه النزاع وهذا لأن الطارد منازع في طرده فكيف يستدل بإطراده وإنما غاية دعواه أنه يقول إن الدليل على صحة طردى دعواى بإطراده في صورة النزاع قال القاضى أبو بكر لو جاز","vol":"2","page":142},{"text":"التمسك بالطرد لما عجز عنه أحد من طبقات الخلق لما كان من اشتراط استجماع أوصاف المجتهدين معنى ثم قال فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم عن العوارض والمبطلات ولا يهتدى إلى ذلك إلا عالم فقال كيف لا يهتدى بأن يذكر علة ويطردها أين وجدت قال: وإذا انتهى التصرف في الشرع إلى هذا المنتهى كان ذلك استهزاء بقواعد الدين واستهانة بضبطها وتطريقا لكل قائل أن يقول ما يريد ويحكم بما شاء ولهذا صرف علماء الشرع تبعتهم إلى البحث عن المعانى المختلة المؤثرة.\nببينة: أنا جعلنا إجماع الصحابة هو الدليل الأقوى في صحة القياس ولم يرو عن احد منهم أنه تعلق بطرد لا يناسب الحكم ولا يؤثر فيه وإنما نظروا إلى الأقيسة من حيث المعانى وسلكوا طريق المراشد والمصالح التي تشير إلى محاسن الشريعة ولو كان الطرد قياسا صحيحا لما عطلوه لوما أهملوه ولما تركوا الاعتلال به وكذلك سائر الأئمة االمقتدى بهم من بعدهم وضرب الحليمى لذلك مثلا فقال من رأى دخانا نائرا فظن أن وراءه حريقا كان مصيبا في ظنه ومن رأى غبارا ثم ظن أن وراءه حريقا كان مختلا في ظنه نعم لو ظن أن وراءه عسكرا أو سرحا كان مصيبا ونقول أيضا أنا قد بينا أن العلة هى الصفة الجالبة للحكم ويجوز أن يقال: إن العلة هى المقتضية للحكم فأما إذا لم نعتبر وجود ما يقتضى الحكم أو وجود ما يجلب الحكم في الصفة التي جعلت علة لم تكن هذه الصفة بأن يجعله علة بأولى من غيرها من الصفات فإن للاصل صفات كثيرة وقد جعل أحدهما علة فلابد أن يكون لها اختصاص أو مناسبة بالحكم الذى جعلت الصفة علة له حتى تكون جالبة له أو مقتضية إياه وهذا لأن التغييرات الاتفاقية قد تقع كثيرا فلا يقع الفرق بين التغير الاتفاقى وبين التغير بالعلة إلا بما ذكرناه من وجود اختصاص ومناسبة بين العلة والحكم.\nفإن قال قائل: إن المناسبة والاختصاص في إنه يوجد الحكم بوجود العلة ويعدم بعدمها أو المناسبة بالإطراد فقد أجينا عن هذا من قبل ويدل عليه أن دوران الحكم معه وجودا وعدما لا يدل على الصحة لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط ألا ترى أن من قال: لعبده أنت حر إن كلمت زيدا دار وجود العتق مع الكلام كما دار مع قوله أنت حر وهو علة فدل أن هذا القدر لا يصلح أن يستدل به على صحة العلة وسيعود الكلام في هذا من بعد فإن كثيرا من أصحابنا جعلوا الإطراد والانعكاس دليلا وأما الجواب عن الذى ذكروه أما تعلقهم بالأدلة التي دلت على صحة","vol":"2","page":143},{"text":"القياس قلنا: هذا الكلام دليل عليكم لأن الأدلة التي دلت على صحة القياس على الأصول وهذا القياس يوجد ببعض الأوصاف ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة أخرى ألا ترى أن نصوص القرآن دلت أن الأمة شهداء في الأصل ولم يدل أن كل لفظ فهم شهادة بل دلت أنه يوجد منهم الشهادة وذلك يحصل ببعض الألفاظ ولا يتميز ذلك عن غيره إلا بدليل ولأن كل وصف لو صلح علة والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المناسبات ولما اختص القياس بالفقهاء علمنا أن المقايسة مبنية على معان تفقه لا على أوصاف وأسامى تسمع وقد ذكرنا هذا من قبل بلفظ آخر.\nوأما قولهم: إن علل الشرع أمارات وليست بموجبات قلنا: لا يسلم هذا الأصل على الإطلاق فإن الفقهاء وإن كانوا يطلقون هذا ولكن معنى ذلك أنها لا توجب بذواتها شيئا بل يجعل الشارع إياها موجبة وإن لم تكن بنفسها موجبة بل صارت موجبة بالشرع لا يمنع أن يقوم الدليل على أن القياس إذا احتاج صحته إلى علة فلابد أن تكون العلة مناسبة للحكم مؤثرة فيه مقتضية إياه وقد دللنا أنه لابد من ذلك.\nفإن قيل: ما قولكم في الشرع إذا نصب الطرد علما هل يجوز أم لا؟ قلنا: يجوزقالوا إذا جاز من الشارع جاز من المعلل قلنا: وإن جاز من الشارع لكنه لا يكون علة.\nلكنه تعريف للحكم أو تجديد له ولو ذكر الشرع الحكم من غير علة له قوبل بالقبول فإذا ذكره وذكر علما عليه قبل وصدق أيضا وهذا لأن الشرع له التحكم علينا كما يشاء ولكن ليس لنا التحكم على الشرع كما شئنا فتبين الفرق قطعا وباقى ما ذكروه ليس بشئ ينبغى الاشتغال به وفيما ذكرناه من قبل جواب عنه وقد ذكر القاضى أبو الطيب إن الإطراد زيادة دعوى والدعوى لا تثبت بزيادة الدعوى قال: ولأن القياس الفاسد قد يطرد ولو كان الاطراد دليل صحة العلة لم يقم هذا الدليل إلا على الأقيسة الفاسدة فالأقيسة الفاسدة المطردة مثل قول من يقول في إزالة النجاسات بغير ماء مائع لا يبنى عليه القناطر ولا يصطاد منه السمك فأشبه الدهن ومثل من يقول في الكلب أنه كلب فيكون نجسا كالكلب الميت ومثل من يقول في مس الذكر مس ذكره فصار كما لو مس وبال ومثل من يقول في وطء الثيب شرع من نافد فصار كما لو مشى في شارع أو أدخل من يدخل في المدخل فصار كما لو أخرج رأسه من الروزنة وأدخل رجله في الحف","vol":"2","page":144},{"text":"ومثل ما يقول في القهقهة اصطكاك الأجرام العلوية فلا ينقض الطهارة كالرعد ولا يلزم الظراط لأنه اصطكام الأجرام السفلية قال القاضى: وهذا مع سخفه ينتقض بما لو اصفع امرأته وصفعته وقد قال قوم: من أصحاب أبي حنيفة: في مس الذكر مس آلة الحرث فأشبه إذا مس اليدان وقال: طويل مشقوق ينقض الوضوء كالقلم والبوق وقال: تعلق منكوس فأشبه الدبوس وقال في السعى: بين الصفا والمروة إنه سعى بين جبلين فلا يكون ركنا في الحج كالسعى بين جبلى نيسابور أو غيرها من البلاد وهذه حكايات سخيفة والاشتغال بأمثالها هزو ولعب بالدين ولولا أن هذا الإمام أوردها وإلا لم نوردها وأيضا فإن المتأمل يتأمل هذه التحقيقات السخيفات التي لا يمكن مناقضتها بشيء ويطردها ومباحثها١ طردا أو يعرف أن سائر الطرد على مثالها وبمثابتها واللعب والضحك ليس من باب الدين في شئ وقولهم إنه لا يوجد دليل بعده قلنا عدم تأثيره ومناسبته للحكم دليل على فساده يدل عليه أن من ادعى النبوة وقال الدليل على صحة دعواى عدم ما يفسدها لا يسمع منه ذلك وكذلك كل من يدعى صحة شئ بهذا الوجه فثبت أن ما قالوه باطل والله العاصم منه.\n_________\n١ كلمة غير مقروءة ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":145},{"text":"فصل: ويدخل في هذا ال<span data-type=\"title\" id=toc-104>فصل القول في المركبات:</span>\nاعلم أنه ذكر أبو زيد بابا في أقسام الطرديات وقال:\nالطرديات الفاسدة أربعة أنواع:\nنوع منها يعرف فاسدها ببداءة العقول من غير تأمل في الأصول كقولهم في قراءة الفاتحة فرض في الصلاة إن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحليل وتحريم فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع دليله الحج ومثل قولهم إن السبع أحد عددى صوم التمتع فوجب أن لا يجوز الصلاة إذا قرأ دونها دليله الثلاث وكقولهم إن الوطء فعل ينطلق مرة وينغلق أخرى فلا يثبت به الرجعة كالقبلة وقال سمعت بعض شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه دليله قطع اليد قصاصا أو في السرقة وهذه علل تعرف فسادها ببداءة العقول لأنه لا مشابهة بين الأصول في هذه الأصول وبين فروعها وهذا الضرب لا يوجد له نظير","vol":"2","page":145},{"text":"من كلام السلف ولكنه شئ أحدثه حشوية أهل الطرد. قال:\nوالنوع الثاني: رد فرع إلى أصل لا يكاد الفرع يمتاز عن الفرع إلا بضم ما هو علة الحكم إليه نحو قولهم: إن مس الذكر حدث كما لو مس وبال فإنه لا زيادة فيما جعله أصلا إلا البول لأنه حدث بالإجماع وقد عدم ذلك في الفرع فسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه وكذلك قولهم في إعتاق المكاتب عن الكفارة إن إعتاق مكاتب عن الكفارة فصار كما لو رأى بعض الدلائل لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض البدل وإنه علة مانعة من التكفير وقد عدمت في الفرع فبقي العبرة لما وراء هذه الزيادة وهو أنه إعتاق مكاتب وهذا مختلف فيه وكذلك قولهم في شراء الأب لا يكون تكفيرا كما لو حلف بعتقه إن اشتريه ولا زيادة في الأصل إلا اليمين بعتقه وهو علة مانعة من التكفير بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدم هذا في الفرع وليس وراء هذا إلا شراء الأب وهذا مختلف فيه. قال:\nوأما النوع الثالث: رد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك من العلماء لأنه لما ظهر الاختلاف فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل الكلام إليه لقولهم إن الكتابة الحالة لا تمنع التكفير عن العتق وكانت فاسدة كالكتابة على القيمة فالخلاف ظاهر بيننا وبينهم في الكتابة الصحيحة أنها هل تمنع الإعتاق عن الكفارة أو لا فلم يصر عدم المنع دليلا علينا في فساد الكتابة وعن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب القرابة دليله ابن العم وهذا فاسد لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكتابة ويعتق بالقرابة وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز عن الكفارة ومن ذلك قولهم إن رهن المشاع باطل لأنه رهن لا يتبع للإنتفاع به ومن هذا الجنس يكثر وقال:\nوالنوع الرابع: التعليل بعدم الوصف كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة الرجال مع النساء كالحدود وهذا فاسد لأن العدم لا يوجب حكما وهذه العلل تذكر للإيجاب والعلل توجد ولا تعدم وكذلك قولهم: إن الأخ لا يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما وكذلك قولهم إن المرض لا يبيح التجلد لأن المرض معنى لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال وكذلك قولهم: المبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما وإسلام الشئ في جنسه لا يجوز لأنه لا يجمعهما صفة الطعم والثمنيه واعلم أنى ما ذكرت ما أورده على طريق الاختصار ونحن نقول في الأنواع الثلاثة التي قدمها","vol":"2","page":146},{"text":"علل فاسدة كما ذكروا للأصحاب كلام في المركبات وهى التي ذكرها في النوع الثالث وقد رأيت من الأئمة في العصر الذى أدركته من شغف بأمثال هذا وقد ملأ كتبه من ذلك ومن أمثال ذلك ما قاله بعض أصحابنا في النكاح بغير ولى أنثى فلا تزوج نفسها دليله إذا كانت بنت خمس عشرة سنة والخصم يعتقد في الأصل أنها صغيرة فتكون علة المعلل مقيسة على الصغيرة عند الخصم ولابد من كون الأصل متفقا عليه ولو اعتقد الخصم أنها كبيرة لكانت تزوج نفسها والخلاف واقع في الكبيرة وطائفة من الجدليين يصححون هذا ويقولون الحكم يتفق عليه في الأصل والمعلل علل الأنوثة وهى تعليل صحيح فقاس على أصل مسلم فتشعب المذاهب واختلافها ليس يضر ومثل هذا التعليل والدليل لا يرضى به محقق لأن المخالف يقول بنت خمس عشرة فيما أذهب إليه صغيرة ولو كانت فالقياس عليها باطل فإنه لو قال ابتداء أنثى فلا تزوج نفسها كالصغيرة يكون قياسا لأن لمعلل ذكر الأنوثة والصغر في الأصل والصغر على حاله مانع من العقد بدليل الغلام فقد ضممت إلى الأنوثة في الأصل صفة مستقلة بالحكم المطلوب فيكون مثاله ما يقول القائل في مس الذكر مس ذكره فينتقض وضوءه كما لو مس وبال فيصير التعليل باطلا لأن قياس الفرع على الأصل إنما يجوز بعلة الحكم في الأصل فأما تغيير علة الحكم في الأصل فيكون باطلا.\nقالوا: وهذا إذا كانت بنت خمس عشرة سنة صغيرة على ما نقول نحن فأما إذا كانت كبيرة على ما يقولون فعندنا يجوز لها أن تزوج نفسها والتقدير لا يخلو من هذين فالعلة مترددة بين منع الحكم في الأصل على تقدير وبين سقوط العلة على تقدير فلم تصح.\nصورة أخرى من التركيب الذى قاله الأصحاب وهو قولهم في البكر البالغة: بكر فيجبرها أبوها كبنت خمس عشرة سنة وهذا أمثل من الأول فإن بنت خمس عشرة سنة إن ثبت صغرها فالقياس على البكر الصغيرة جائز لأن الصغر لمجرده على مذهب الشافعى١ لا يستقل بإفادة الإجبار بدليل الثيب الصغيرة فإن قال الخصم ظني أن بنت خمس عشرة سنة صغيرة وإن كانت كبيرة لا يجبرها أبوها على النكاح فهذا كلام صحيح غير أن هذه الصورة تنفصل عن الصورة الأولى لأن في الصورة الأولى تبطل العلة على تقدير الصغر والبلوغ جميعا وفى الصورة الثانية لا تبطل على تقدير الصغر لكن يتوجه\n_________\n١ انظر روضة الطالبين \"٧/٥٣\".","vol":"2","page":147},{"text":"على تقدير الكبر منع من الخصم ويضطر المعلل إلى رد القياس إلى الصغيرة البكر فيلغوا تعيين خمس عشرة سنة.\nفأما التركيب في الوصف فمثاله ما قال أصحابنا في قتل المسلم بالذمى من لا يستوجب القصاص بقتل شخص بالمثقل لا يستوجبه بقتله بالسيف كالأب في حق ابنه وهذا أيضا فاسد لأن الخصم يقول: إن المثقل ليس كآلة القتل والقتل به لا يكون عمدا محضا على ما عرف من مذهبهم فإن كان الأمر على ما قلنا: فقد قست العمد على غيرالعمد وإن كان الأمر على ما قلتم إنه عمد محض يوجب القود فأنتم بين منع وإطلاق وقد قال بعض أصحابنا: في مسألة الثمار التي تؤبر وتبعيتها للأشجار في مطلق التسمية ما يستحقه الشفيع من الشجرة يدخل تحت تسميتها بالأغصان وهذا فيه معنى حسن وهو أن الشفعة في وضعها لا تتعلق بالمنقولات فأشعر ثبوت أخذ الشفيع بكونها معدودة من أجزاء الشجرة ملحقة بها.\nفإن قال الخصم: سبب أخذها قطع ضرار مداخلة المشترى وكذلك أثبتنا أخذ الثمار المؤبرة للشفيع فالوجه أن يقال الحكم المطلوب ثابت والمناسبة كما قلنا هنا بين وتسويتكم بين المؤبر لا يقدح في هذا.\nومثال هذا أيضا ما يقوله أصحابنا في مسألة قتل الحر بالعبد من قياس النفس على الطرف ويقول الخصم: هذا تركيب لأن مذهبنا أن طرف العبد لا يكون محلا للقصاص له وعليه محال غير أنا إذا صححنا التعلق بالشبه على ما سنبين فهذا أقوى شبه وقد تأيد هذا الشبه بكون الأطراف محلا للقصاص على الجملة مثل ما تكون النفوس محلا للقصاص ولم يوجبه منع وهذا من قوة الشبه كأنه مناقضة من الخصم.\nفإن ناقض الخصم مناقضة ثانية ومنع كون طرف العبد محلا للقصاص بخلاف طرف الحر فلا يمنع هذا من صحة القياس مع قوة الشبه على ما زعمنا والتخبط لهم في قطع الأطراف عن النفوس عظيم والرفق الذى يذكرونه في تنزيل الأطراف منزلة الأحوال فرق بعيد مرامه عويص تصحيحه سهل إبطاله والجملة في التركيبات أنه لا يتعلق بها محقق وطالب لمعنى وإنما التعلق بها من باب أرباب الصور وبابه من لم يشم رائحة الفقه وعزيز على أهل الدين أن يسمعوا بناء أحكام البارى عز اسمه على مثل هذه التعليلات التي هى شبه الخرافات عند مقابلتها بالعلل المعنوية والقواعد العقلية التي يشهد لها أصول الشرع وتقوم يتصحيحها قوانين الملة وتناضل دونها براهين معانى","vol":"2","page":148},{"text":"الكتاب والسنة فلا ينبغى للفقيه أن يشتغل بمثل هذه الأشياء فإنه تضييع للوقت وحيد عن مسالك الفقه وترك لسبيل السلف الصالح وجرأة على أحكام الله تعالى وجر المعللين إلى التلاعب بالدين فإنه إذا دخل في أمثال هذا وسهل على نفسه ينجر شيئا فشيئا إلى أمثال ما حكينا من العلل السخيفة ثم حينئذ ينسلخ عن الفقه أصلا ويصير ضحكة عند المحققين ومعدودا من جملة الهاذين المخرفين ونسأل الله تعالى أن يعصمنا من أشباه ذلك وأمثاله بمنه وطوله وقد ذكر جماعة من أصحابنا جوابا من الأصل المركب وسموه التعدية ولست أرى في ذلك معنى غير أنا نذكر صوره لئلا يخلو الكتاب عن ذكر ذلك لو قال المعلل في مسألة النكاح بلا ولى أنثى فلا توزج نفسها كبنت خمس عشرة سنة فيقول المعترض المعنى في الأصل أنها صغيرة وأعدى ذلك إلى منع استقلالها بالتصرفات فإذا قال المعلل دعوى الصغر ممنوع فيقول المعترض كذلك الأنوثة ليست بعلة وقد أدعيت أنها ععلة فقد ادعيت علة وعديتها إلى فروعك وادعيت علة وأعديتها إلى فروعى فاستوى القدمان وآل الكلام إلى التزامك إبطال علتى أو ترجيح علتك على علتى وأجابوا عن هذا وقالوا معنانا نسلم الوجود وهو الأنوثة وإنما المنازعة لكم في كونها علة وأما الذى ادعيت علة فلا أسلم وجوده فإن اشتغلت بإثبات وجوده منتقلا إلى علة أخرى فالانتقال ممنوع لا سبيل إليه ويستوى فيه السائل والمسئول وقد سلكوا أيضا في إبطال التعدية مسلكا آخر وهو أن يقول لو ثبت معناك لقلت به ضما إلى معناى فإن الحكم الواحد لا يمتنع ثبوته بعلتين وهذا قد لا يجرى في بعض المركبات فأما إذا قلنا في البكر البالغة بكر فتجبر على النكاح كما ذكرناه في بنت خمس عشرة سنة فإذا ذكر المعدى الصغر لم يمكنا أن نقدر الصغر علة في الإجبار فإن الثيب الصغيرة لا تجبر على النكاح عندنا قال الأستاذ أبو إسحاق سبيل المركب إذا عورض بالتعدية أن يقول معناى عندك دعوى غير مثبتة بما تثبت بمثله معانى الأصول أو قد ثبت بدليله فإن قلت لم يقم عليه دليل فلست معللا بعد ولا مقيما متمسكا في محل النزاع فمعارضتك إياى بالتعدية غير متجه وإن اعترفت يكون معناى ثابتا فمعناك الذي أبديته ليس مناقضا لمعناى وإنما يقدح المعارضة إذا جرت مناقضة في المقتضى وهذا الذى ذكرناه أورده الأصحاب نقلته على ما أوردوه وعندي أن الاشتغال بأمثال هذا تضييع الوقت العزيز وإهمال العمر النفيس ومثال هذه التعليلات لا يجوز أن يكون معتصم الفتاوى والأحكام ولا مناطا لشرائع الدين الرفيع وهذا وأمثاله تعمية على المبتدئين وإيقاعهم في الأغلوطات","vol":"2","page":149},{"text":"وحيد بهم عن سنن الرشد ومسالك الحق وقد كانت أنواع هذا طريقا مسلوكا من قبل يجرى النظار على سنتها ويجادلون ويناطحون عليها غير أن زماننا الذى نحن فيه غلب عليه معانى الفقه وقد جرى الفقهاء فيه على مسلك واحد فتناظموا في مسلك واحد يطلبون الفقه المحض والحق الصريح وقد تناهت معانى الفقه إلى نهاية أظن أن ليس بعدها مبلغ الحق لطالب ولعلها قاربت في الوضوح الدلائل العقلية التي يدعها المتكلمون في أصول الدين فالنزول عن تلك المعانى إلى مثل هذه الصور زلة في الدين وضلة في العقل واالله العاصم بمنه نعم.\nوقد ذكر أبوزيد من أقسام الطرديات: مسألة شهادة رجل وأمراتين في النكاح وتعليل الشافعي فيها أن النكاح ليس بمال١ وذكر لهذا أمثلة والعجب أنه يفهم منا هذا وقد سلكوا مثل هذا المسلك قال محمد بن الحسن: لا ضمان في إتلاف ملك النكاح لأنه ليس بمال وذكر أنه لا [خمس] في اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وقال في الصائم يأكل الحصاة لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وقال في ولد الغصب إنه أمانة لأنه لم يغصب وقال أبو حنيفة في العقارات إنها لا تضمن لأنه لم ينقلها اعتذر عن هذه المسائل وقال: إنما قال محمد بن الحسن ما قال في هذه المسائل على سبيل الاستدلال لا على سبيل التحليل ووجه ذلك ان حكم العلة لابد أن يتقدم إذا عدمت العلة كما كان تعد وما قبل العلة فإن هذه المسائل من هذا وإنما أبينا إضافة العدم إلى عدم العلة واجبا به لأن العدم لا يقبل الإضافة وإذا بطلت الإضافة لم يكن علة وإنما يبقى الحكم عند عدم العلة بعلة أخرى وأما الاستدلال بعدم العلة على عدم الحكم صحيح إذا لم توجد علة أخرى تقوم بذلك الحكم قال فمتى اختلفنا في ضمان الغصب لم يجب بدونه وكذلك إذا وقع الاختلاف في ضمان ما هو مال لم تجب فيما ليس بمال لأن الضمان بشرط المماثلة يجب وإذا كان الضمان مالا المتلف ليس بمال تزول المماثلة وذكر في كل مسألة مما ذكرنا شيئا من هذا الجنس وأما في الشهادة فالخصم يحتاج إلى أن يثبت أن شهادة النساء متعلقة صحتها بالمال لتنعدم بعدمه ويحتاج إلى أن يذكر أن العتق من حكم البعضية لا غير حتى ينعدم بعدم [البعضية] وعلى أن غاية ما في الباب أن ما تعلق بالبعضية ينعدم بعدم البعضية إلا أن عندنا في مسألة إذا ملك أخاه لا يتعلق ما تعلق بالبعضية وإنما يقع ما تعلق بالمجزئة والجواب أنا في هذه المسألة لا نعلق الحكم بمجرد\n_________\n١ انظر المهذب للشيرازي \"٢/٤٠\".","vol":"2","page":150},{"text":"العدم وقد ذكرنا معنى في المال يوجب سهولة شأنه وحرمان المسامحة من الشرع فيه في الحجة وذكرنا في النكاح معنى يشعر باستقصاء الشرع فيه وإنما يحتاج إلى اعتبار القوة في الحجة ما لا يحتاج إليه المال وقول الشافعى إنه ليس بمال وقعت به الإشارة إلى ما ذكرناه وكذلك ذكرنا في البعضية معنى يفيد العتق وعلى أنا سلكنا طريقة متبينة في شراء الأخ أخاه أنه لا يعتق ويستمر ملكه وذكرنا أن الأصل في الأب والأخ وغيرهما انتفاء العتق وإنما العتق وقع في جانب الأب معدولا عن الأصل المعهود بعلة [المجازاة] وهذ لا يوجد في الأخ وأبطلنا المعنى الذى ذكر من الجانبين وقدمنا بحق هذه الطريقة في كتاب الاصطلام فليكن الاعتماد عليه وقد انتهى الكلام في الطرد وما يتبعه وحين فرغنا من الكلام فيه رجعنا إلى ما كنا فيه في الأصل وهو الكلام في علة القياس.","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>فصل: لابد للعلة من الدلائل على صحتها</span>\n...\n\"فصل\"\nقال المحققون من أصحابنا: إن العلة لابد من الدلائل على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعى وكما لابد من الدلالة على الحكم لابد من الدلالة على العلة وقد قالوا إذا ثبت حكم متفق عليه وادعى المستنبط أنه [تحلل بمعنى أبداه] فهو مطالب بتصحيح دعواه في الأصل وذكر بعض أهل الجدل أنه لا يسوغ هذه المطالبة لكن على المعترض أن يبطل معناه الذى ذكره إن كان عنده مبطل له وهذا ليس بشئ والصحيح هو الأول وذلك لأنا قد ذكرنا فساد الطرد وذكرنا بطلان التحكم في الدين ولابد من علة مقتضية للحكم مناسبة له مغلبة في الظنون أنها المثيرة هذا الحكم فإذا ادعى أنه أصابها فهو مطاب بإبدالها فإذا [اقتصر] على محض الدعوى كانت دعواه [العلة] بمنزلة دعواه الحكم.\nببينة: أن المعلل يدعى كون هذا الوصف علة ولابد من إقامة البرهان على الدعوى وإن قال: لا يلزمنى إقامة البرهان فهو إذا متحكم على الشرع بعلته فهو [كتحكمه] بالحكم فإن قال هذا المعلل: إن الصحابة نصبوا علامات١ على الأحكام فإنا أيضا ننصب من جنس ما نصبوه فبين ذلك وبرهن عليه فإن قال الدليل على صحة العلة عجز المعترض عن الاعتراض قلنا: ومن أين قلت إن عجز المعترض يدل على صحة العلة\n_________\n١ ثبت في الأصل \"علاها\" ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":151},{"text":"فالسائل مسترشد مستهدى يطلب دليل صحة العلة لينقاد لقضيتها والأصل أن إقامة الدليل على المدعين ولو قال المدعى عليه للمدعى الدليل على أنى محق عجزك عن إقامة البينة هل يسمع هذا وهل تسقط عنه اليمين فهذا هوى بين وقد يقع العجز عن الطعن في الباطل لعدم آلته وكم من حق مستور خفى في العالم وكم من باطل ظاهر مجهور به.\nوإذا ثبت أنه لابد من الدليل على صحة العلة وقد قال القاضى أبو الطيب الدليل على صحة العلة من أربع طرق:\nأحدها: لفظ صاحب الشرع بنصه أو ظاهره أو شبهه.\nوالثانى: إجماع الأمة.\nوالثالث: التأثير.\nوالرابع: شهادة الأصول.\nفأما لفظ صاحب الشرع فقد يكون في الكتاب وقد يكون في السنة.\nأما في الكتاب مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] وهذا عبارة عن الإسكار الذى يحدث هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى وقال ﷾: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وقال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] ثم قال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] والإفضاء اسم للوطئ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وذكر مثال هذا.\nوقد ذكرنا بعض ذلك من قبل وذكر من أمثال هذا والتنبية قوله -﵇-: \"أينقص الرطب إذا جف\" ١وقوله -﵇-: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث\" ٢ وقوله: \"نهى عن بيع مالم يقبض\" ٣ وقوله: \" إنها من الطوافين\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه البخاري: الديات \"١٢/٢٠٩\" ح \"٦٨٧٨\" ومسلم: القسامة \"٣/١٣٠٢\" ح \"٢٥/١٦٧٦\".\n٣ أخرجه البخاري: البيوع \"٤/٤٠٩\" ح \"٢١٣٦\" ومسلم: البيوع \"٣/١١٦١\" ح \"٣٦/١٥٢٦\" عن ابن عمر بلفظ: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه.","vol":"2","page":152},{"text":"عليكم\" ١ وقوله: \" إنما هو دم عرق\" ٢ وفى بعض الروايات قال لبريرة: \"ملكت بضعك فاختاري\" ٣. وقد ذكرنا من قبل نظائر هذا.\nقال: وأما الإجماع فهو دليل مقطوع به فما أجمعوا عليه من حكم أو علة وجب المصير إليه ومثاله قوله ﷺ: \"لا يقضى القاضي وهو غضبان\" ٤ وأجمعوا أن النهى عن ذلك لأن الغضب يشغل قلبه ويغير طبعه ويمنعه من التوفر على الاجتهاد وكذلك على مثال قوله تعالى ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] .\nقال: وأما التأثير فهو أن يوجد الحكم بوجود العلة ويعدم بعدمها وذكر نظائر لهذا منها الشدة في الخمر يثبت التحريم عند وجودها وتزول بزوالهها وكذلك الرق في علة نقصان الحد يوجد النقصان بوجوده ويكمل بزواله وذكر مسائل من أمثال هذا وأورد كلاما طويلا فيما وجد تأثيره من هذا الجنس وفيما لا يوجد تأثيره من هذا الجنس وبيان هذا يدل على صحة العلة أنه يفضى إلى غلبة الظن لأنه إذا رأى الحكم يدور مع الشئ وجودا وعدما غلب على ظنه أن هذا الشئ هو الأمارة على ذلك الحكم وإذا وجد عند وجوده ولم يعدم عند عدمه لم يوجد عليه الظن.\nقال: وأما شهادة الأصول مثل قولنا لا تجب الزكاة في أناث الخيل لآنه لا تجب في ذكورها فالأصول شاهدة لهذا لأنها مبنية على التسوية بين الذكور والإناث في وجوب الزكاة وسقوطها وهذا طريق يفضى إلى غلبة الظن لأن الإنسان إذا علم أن فلانا إذا أعطى بناته شيئا يعطى بنية مثلها فإذا سمع أنه أعطى البنات غلب على ظنه إعطاء البنين مثلها فثبتت أن شهادة الأصول دليل صحة العلة من هذا الوجهه وقال: ومن نظير ما ذكرناه قول المعلل من صح صلاته صح ظهارة وكذلك قوله من لزمه العشر لزمه ربع العشر في مسألة زكاة الصبى وكذلك قوله ما حرم فيه النساء حرم فيه التفرق قبل التقابض وأمثال هذا تكثر فالأصول تشهد لصحة هذا القليل وهذا الذى ذكرنا لمجموع كلامه واعلم أن إقامة الدليل على صحة العلة فصل مشكل وقد اختلف الأصوليون في\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ أخرجه الدارقطني: سننه \"٣/٢٩٠\" ح \"١٧٠\" بلفظ: \"اذهبي فقد عتق معك بضعك\" انظر نصب الراية \"٣/٢٠٤\".\n٤ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":153},{"text":"ذلك أختلافا عظيما وإن وجدنا من الأصول في الشرع وهى الكتاب والسنة والإجماع نوع دليل على صحة العلة من نص أو تنبيه أو إشارة أو مفهوم صرنا إلى ذلك واستدللنا بذلك على صحتها وقدمنا ذلك على غيره مما يدل على صحة العلة إذ النص ودليله مقدم على كل دليل عندنا فإن قال قائل فإنكم لم تقولوا بهذه الدعوى فإن النبي ﷺ قال في دم الاستحاضة: \"فإنه دم عرق انفجر\" ١. وقال ﷺ لبريرة: \"ملكت بضعك فاختاري\" ٢. وقال ﷺ في أخبار الربا: \"كيلا بكيل ووزنا بوزن\" ٣ فالأول يدل على أن سيلان الدم وخروجه من الباطن إلى الظاهر علة انتقاض الوضوء والثانى يدل أن ملكها نفسها بالحرية علة ثبوت الخيار والثالث يدل أن الكيل هو العلة ولم تقولوا بشئ من ذلك.\nالجواب: إن هذه الألفاظ لها معان غير ما ظننتموها وتعرف بمخارج الألفاظ والتأمل فيها أما اللفظ الأول فقد كان اشتبه على السائلة أن الدم الذى تراه ما حكمه وكانت تظن أن ذلك دم حيض فذكر الرسول ﷺ هذا اللفظ ليميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإن دم الحيض دم يرخيه الرحم ويخرج من جوفه في زمان مخصوص٤ تعتاد النساء ذلك بأصل بنيتهن وخلقتهن وأما دم الاستحاضة دم ينفصل من العرق لا من الرحم٥ ولا رخاء لذلك وإن كان في الظاهر ينفصل من المحل الذى ينفصل منه دم الاستحاضة وكانت الإشارة منه ﷺ واقعة إلى هذا وعلى أن قوله ﷺ انفجر كلمة زائدة لا يعرف [ثبوتها] وأما الذى رووا من قوله ﷺ: \"ملكت بضعك فاختاري\" ٦ فعلى هذا الوجه لا يعرف هذا الخبر وعلى أنه يقال لهم هل تقولون: إنها ملكت نفسها بالعتق\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ أخرجه أحمد: المسند \"٢/٣١١\" ح \"٧١٨٩\".\n٤ وهو لغة: السيلان: مأخوذ من قولهم: حاض الوادي إذا سال وحاضت الشجرة إذا سال منها شبه الدم وهو الصمغ الأحمر. يقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهي حائض وحائضة: إذا جرى دمها وتحيضت أي: قعدت أيام حيضها عن الصلاة ويسمى أيضا الطمث والعراك والضحك والإعصاد والإبار والنفاس والفراك والدارس انظر القاموس المحيط \"حيضا\" لسان العرب \"مادة/سيل\".\n٥ المستحاض من يسيل دمها لا من الحيض بل من عرق العاذل وحيض جبل بالطائف وتحيضت قعدت أيام حيضها عن الصلاة انظر القاموس المحيط \"مادة حيضا\".\n٦ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":154},{"text":"حتى تصير كامرأة لا زوج لها فإنها هى التي تملك نفسها على الإطلاق ونعلم قطعا أنها لم تملك نفسها كذلك فلابد من تأويل وتأويله ملكت الفسخ لتملكى نفسك فاختارى ثم قام الدليل أن زوجها كان عبدا وأن ملكها الفسخ كان في هذه الصورة وأما قوله عليه ﷺ: \"كيلا بكيل\" ١ فهو من ﷺ إشارة إلى علة الخلاص عن الربا وقد بينا في مسائل الفروع أن قوله ﷺ: \"لا تبيعوا الطعام بالطعام\" ٢ يدل ذكر الطعام أن الطعم علة وقوله ﷺ: \"الثيب أحق بنفسها من وليها\" ٣ يدل أن الثيابة علة وقوله ﷺ: \"من باع نخلا مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع\" ٤ دليل أن التأبير علة في كون الثمرة للبائع وقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] يدل أن الحمل علة وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] يدل أن السرقة علة وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] يدل أن الزنا علة وقوله ﷺ في النهى عن بيع الطعام قبل القبض٥ يدل أن عدم القبض علة وأمثال هذا توجد كثيرا وأما قوله ﷺ في الرطب \"أينقص إذا جف\" نص في التعليل به وقوله: \" أينقص إذا جف\" ٦ تقرير وأبين باستفهام مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] ومعنى الخبر إذا علمت له ينقص الرطب إذا جف فلا يجوز البيع إذا ومن البينة على العلة قوله ﷺ: \"العينان وكاء السه\" ٧ فيكون الدليل دليلا أن بزوال الاستمساك علة لإنقاض الوضوء.\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ أخرجه مسلم: المساقاة \"٣/١٢١٤\" ح \"٩٣/١٥٩٢\" بلفظ: \"الطعام بالطعام مثلا بمثل\" وأحمد: المسند \"٦/٤٢٩\" ح \"٢٧٣١٧\" بلفظ مسلم.\n٣ أخرجه مسلم: النكاح \"٢/١٠٣٧\" ح \"٦٧/٤١٢١\" وأبو داود: النكاح \"٢/٢٣٩\" ح \"٢٠٩٩\".\n٤ أخرجه البخاري: البيوع \"٤/٤٦٩\" ح \"٢٢٠٤\" ومسلم: البيوع \"٣/١١٧٢\" ح \"٧٧/١٥٤٣\".\n٥ تقدم تخريجه.\n٦ تقدم تخريجه.\n٧ أخرجه أبو داود: الطهارة \"١/٥١\" ح \"٢٠٣\" وابن ماجة: الطهارة \"١/١٦١\" ح \"٤٧٧\" والدارمي: الطهارة \"١/١٩٨\" \"٧٢٢\" وأحمد: المسند \"٤/١٢٠\" ح \"١٦٨٨٥\".","vol":"2","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>فصل: هل الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة</span>\n...\n\"فصل\"\nوأما إذا أعوز الدليل من هذا الوجه ولم يكن بد من إقامة الدليل فقد جعل بعض أصحابنا مجرد الاطراد والجرى دليلا وقد ابطلنا ذلك وذكر كثير من أصحابنا وأصحاب أبى حنيفة أن الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة وهو أن يوجد الحكم بوجود وصف زائد وتزول بزواله فيدل أن لذلك الوصف التأثير في الحكم ما ليس لغيره.\nواستدل من قال إن هذا دليل صحة العلة بأن العلل الشرعية علل ظنية وليس لها عمل إلا إفادة غالب الظن ونحن نعلم قطعا أن الحكم إذا وجد بوجود وصف وانتفى بعدمه غلب على الظن أنه العلة وهو كالشدة في الخمر فإنه يوجد التحريم بوجودها وينعدم بعدمها دل أنها العلة.\nقالوا: ومن أنكر أن هذا يفيد غلبة الظن فقد عاند.\nببينة: أن مثل هذا يعتمد عليه في المؤثرات العقلية فكيف لا يعتمد عليه في المؤثرات الشرعية وإذا ثبت وجود غلبة الظن ولم يبطل كونه علة بمسلك من المسالك ثبت كونه علة وافاد الحكم الذى بنى عليه.\nوقد قيل إن الحكم إذا ربط بالطرد والتنكيس فهو في العكس أبين من جهة أن الطارد في محل النزاع مدعى الاطراد وهو منازع فيه لا محالة وأما الانعكاس فهو متفق عليه لأن الانعدام عند عدم الوصف متفق عليه واعلم أن الاستدلال بهذا الدليل في نهاية الإشكال لأنا بينا أن الاطراد ليس بدليل على صحة العلة وهى شئ يلزم المعلل بكل حال حتى إذا لم يطرده والتزم ما ينقضه ظلت علته على ما سنبين من بعد.\nويقال للحنفى إذا قال: إن علة جريان الربا الكيل لم قلت إن الكيل علة؟ قال: لأنها علة مطرده قال لأنى أتبعها الحكم أين وجد الكيل فيقال هذا باتفاق بينى وبينك\nفإن قال: باتفاق لم يسلم له ذلك وإن قال: لا باتفاق لكنى أطرد العلة وأتبع الحكم الكيل أين وجد فيقال له ليسوغ لك ذلك فإن قال: لا كفى الخصم شغله وإن قال: نعم فيقال له لم ساغ لك ذلك فإن قال: لأنها علة الحكم يقال: له ولم قلت إنها علة الحكم فيعود إلى ما بينا من قبل فهو يستدل على صحة العلة بالجريان ويستدل على صحة الجريان بالعلة وهذا فاسد. فإن قال: ساغ لى لأنها غير منتقضة يقال: معنى قولك غير منتقضة أنك علقت الحكم بها في كل موضع وجدت فيه العلة","vol":"2","page":156},{"text":"فكأنك قلت إنما ساغ لى تعليق الحكم بها لأنى علقت الحكم أين وجدت.\nفإن قال إنما ساغ لى تعليق الحكم أين ودت لأنه لم يمنع من ذلك نص ولا إجماع.\nيقال له ولم إذا لم يمنع من ذلك نص ولا إجماع وجب تعليق الحكم بها وما أنكرت أن يكون هاهنا مانع غير ما ذكرت لأن وجوه الفساد تكثر به فإن قال: ليس هاهنا وجه فساد.\nيقال: أبعد في وجوه الفساد فقد الدلالة على صحتها.\nفإن قال: نعم\nقيل: فدل على صحتها واترك حديث الجريان والاطراد وإن قال: لا يعد ذلك من وجوه الفساد رجع الأمر إلى ما سبق وهو أن مدعى صحة العلة لابد له من إقامة الديل على صحتها.\nفإن قال: ما لا يوجد فيه وجه من وجوه الفساد فهو صحيح.\nقلنا قد بينا. أن هذا عدم الدليل على الصحة والفساد وعلى أنك إذا لم تدل على وجه الصحة فيجوز أن يكون فيه وجه فاسد وانت لا تشعر لأن الفساد كما لا يثبت إلا بدليل الفساد فالصحة لا تثبت إلا بدليل الصحة ولأن العدم لا يدل على شئ ما بصحة ولا فساد.\nفإن قال: لو لم تكن العلة صحيحة لأعلمنا الله تعالى ذلك.\nقيل له يكفى في النفى فقد دليل الإثبات ولا يكفى في الإثبات فقد دليل النفى.\nألا ترى: أنا ننفى صلاة سادسة لفقد الدليل على وجوبها ولا نوجبها لفقد الدليل على نفيها فلا تثبت الصحة ها هنا لفقد دليل الفساد وهذا لأن الأصل نفى صلاة ساسة فلا ينتقل عنه إلا بدليل.\nفإن قالوا: عجز الخصم عن إفسادها يدل على صحتها.\nقيل الخصم قد يعجز عن إفساد الفاسد.\nفإن قيل: أليس أن المعجزة إنما صارت حجة لعدم ما يعارضها فقد صار عدم المعارضة دليلا على صحته فكذلك ها هنا عدم المعارض يصير دليلا لصحة العلة قلنا: العجز إنما كان حجة لا بما قلتم ولكن بوقوعها خارجا عن معتاد قدرة البشر إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا هو في مقدور البشر فقيل لهم ائتوا بمثلها ليقطع تعنتهم ثم إذا انقطع تعنتهم","vol":"2","page":157},{"text":"بعجزهم فالحجة صحتها بما بينا وقد كان سبق بعض هذا الكلام غير أنا ذكرنا في هذا الموضع على وجه السؤال والجواب ما يبين أن الإجراء والطرد ليس بدليل الصحة العلة فكذلك العكس بل هذا أبعد لأن الاطراد يلزم المعلل والانعكاس ليس بشرط لصحة عند أكثر الأصوليين فإن كان الإطراد الذى هو شرط العلة لا يدل على صحة العلة فالانعكاس الذى ليس بشرط لأن لا يكون دليلا أولى ومن جعل ما ذكرناه دليلا يجيب عن هذا فيقول إن مجموع الأمرين يفيد غلبة الظن في انتصاب الشئ علما على الحكم ومن زعم أنه لا يفيد لابد أن ينسب إلى العناد وإن سلم فالقائس غايته إظهار علم على الحكم بجهة تفضى إلى غلبة الظن.\nوعندي: أن الإشكال لا يزول بهذا ويدخل على ما ذكروا فصل الشرط الذى قدمنا فإنه يوجد عند وجوده ويعدم عند عدمه وليس بعلة ومن يقول إنه علة ولا يفرق بين اشرط والعلة فهو مجازف ولأن الشئ قد يوجد عند الشئ اتفاقا وينعدم عند عدمه اتفاقا ولا يدل على أنه علة.\nوقد حكى الإمام أبو المعالى عن الأستاذ أبى إسحاق أن الدليل على صحة العلة إنما يكون بتقرير إحالته ومناسبته للحكم مع سلامته عن العوارض والمبطلات ومطابقته الأصول وعبر عن هذا فقال وأنا أقرب في ذلك قولا فأقول إذا ثبت حكم في أصل وكان يلوح في سبيل الظن استناد ذلك الحكم إلى أمر ولم يناقض ذلك الأمر بشئ فهذا هو الضبط الأقصى الذى ليس عليه مزيد فإذا أشعر الحكم في ظن الناظر بمقتضى استناد إليه فذلك المعنى هو المظنون علما وعلة لاقتضاء الحكم ثم سأل على هذا سؤالا فقال فإن قيل: الإخالة مع السلامة هي الدالة على صحة القياس إذا لا ما اعتمدتم عليه من إجماع الصحابة.\nقلنا: إذا أثبت الإخالة ولاحت المناسبة واندفعت المبطلات التحق ذلك بمسالك نظر الصحابة فالدليل على القياس إجماعهم لكن إجماعهم هو على مثل هذا القياس ثم سأل سؤالا فقال المآخذ على هذا الوجه محصورة والوقائع غير محصورة فكيف يستند ما لا نهاية له إلى المتناهى وقال إن هذا السؤال عسر جدا.\nقال الإمام جمال الإسلام: وعندي هذا السؤال ليس يدخل على فصل الإخالة وإنما هو إشكال إن كان في مسألة القياس أنه حجة أو لا وليس يتصور فرع يقع إلا ويستند ذلك إلى أصل مناسب له ويكون معنى الأصل مؤثرا فيه وقد ذكر بعض الأصوليين","vol":"2","page":158},{"text":"فى الدليل على صحة العلة طريق السبر والتقسيم وهو أن يبحث الناظر عن المعانى في الأصل ويتتبعها واحدا واحدا وبين خروج آحادها عن الصلاح للتعليل به إلا واحدا يرضاه.\nواعلم أن الفصل اختلف فيه أهل الأصول وهو أن القائس إذا خالفه قائس آخر في علة الأصل فأبطل هذا القائس علة خصمه هل تصح علته؟ فبعضهم قال: يدل ذلك على صحة العلة مثل الحنفى يبطل علة الكيل فتصح بذلك علته التي يدعيها لأن القائلين بالقياس اتفقوا على أن إحدى العلتين صحيحة والأخرى باطلة فإذا بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى ضرورة وهذا الوجه في تصحيح العلة ضعيف لأن البطلان ضد الصحة فكيف يكون دليل الصحة ولأن الصحة لا تدل على الصحة مع تجانسها فكيف يدل البطلان على الصحة مع تضادهما وهذا لأنه يجوز أن تكون العلتان جميعا فاسدتين ويكون الصحيح العلة الثالثة ويجوز أن لا يكون المنصوص عليه معلولا بعلة ما وأيضا فإن العلم ببطلان إحدى العلتين لا يدل على صحة العلة الأخرى إذا توهم البطلان قائم في العلة الأخرى ولأن شرط صحته العلة أن يكون مخيلا مقتضيا للحكم الذي ربط به وإن بطلت العلة الأخرى لا يثبت هذا المعنى لهذه العلة وقولهم إنهم اتفقوا على أن إحدى العلتين صحيحة قلنا ليس على هذا الوجه بل كل فريق يقول علتى صحيحة وعلة الخصم باطلة وإن بطلت علته لا يعترف بصحة علة الخصم لأنه مقيم على اعتقاد بطلان علة الخصم سواء صحت علته أو بطلت.\nفإن قيل: قد اتفقوا أن هذا الأصل معلول وإذا اتفقوا أنه معلول فلابد أنه إذا بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى.\nقلنا: إنما اتفقوا على أن الأصل معلول بعلة صحيحة لو وجدت فإذا لم نجد علة صحيحة لا يكون معلولا ونقول أن بطلت علتي ولم يدل البطلان على صحة علتك بقيت علتى صحيحة وعلتك غير مدلول على صحتها فيكون الأصل من قبيل ما هو معلول إلا أن تأتى بعلة وتدل على صحتها.\nوذكر أبو زيد عن بعضهم أن العلة المخيلة ما يوقع في القلب خيال الصحة وذلك بالملاءمة والصلاحية.\nوتقسيم الملاءمة أن يكون على وفق ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة عن السلف وعن الصحابة. قال: وعلماؤنا قالوا ما لم يقم الدليل على أن الوصف ملائم","vol":"2","page":159},{"text":"لا يقبل التعليل ولا يلتفت إليه وإذا صار ملائما يعمل به إلا بسبب العدالة وذلك بكونه مؤثرا في ذلك الحكم كالشاهد لابد أن يأتى بلفظ الشهادة لأنه الملائم للشهادة ولابد بعد ذلك من التعديل والتعديل هناك مثل التأثير ها هنا فإن عمل قبل التأثير يصح وإن عمل قبل الملائمة لا يصح كالشهادة لو عمل القاضى بها بلا لفظ الشهادة لا يصح واستدل في أن الإخالة ما أوقع في القلب خيال الصحة لأن العلة ما تغير الحكم لعلة المريض تغير وصفه والمغير لابد أن يكون لتغييره أثر لأن ما لا يحس لا يعرف ثبوته بآثار محسوسة فما لا أثر له لا يكون علة ثم هذا الأثر ليس مما يحس لكنه مما يعقل فيجب الرجوع إلى القلب وشهادته تحكيمة كما قيل في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها دليل يحس وجب الرجوع إلى القلب وشهادته فإذا شهد القلب بصحته قبلت الشهادة وقد قال النبي ﷺ: \"الإثم ما حاك في قلبك وإن أفتاك الناس\" ١ والاعتراض على هذا الفصل هو إن الإخالة بما يقع في القلب تكون حجة يقع في قلبه ولا يكون حجة على غيره وكذلك في أمر القبله إذا اختلفت الجهات بجماعة لا يكون قول بعضهم حجة على البعض٢.\nقال: ولأن كل معلل يمكنه أن يقوله قد وقع في قلبى خيال الصحة فيصير قوله معارضا لقول صاحبه فبطل دعوى الإخالة بهذا الوجه.\nوذكر أبو زيد أن الطريق الصحيح في تصحيح العلل أن يكون الوصف ملائما للحكم.\nويستدل على الملاءمة بدليل يمكن الوقوف عليه بأن التمثيل وهو أن يبنى عمل مثل ذلك الوصف في أصول الشرع وهذا لأن الوصف مع صلاحه وملاءمته للحكم يحتمل أن لا يكون علة فلابد من دليل عليه ولا دليل عليه سوى الاستشهاد بأصل صحيح ثابت لترجيح جهة الصواب على جهة الغلط وذكر على هذا مسألة الإفطار بالأكل وأنه يوجب الكفارة. والعلة إنه إفطار كامل والاستشهاد عليه بالوطء وذكر مسألة السلم الحال وأن المفسد له العجز عن التسليم والاستشهاد بكل عقد يوجد فيه العجز عن تسليم المبيع.\nوذكر مسألة حرمة المعاهدة وأن علة إثباتها البعضية والاستشهاد عليه بالوطء الحلال\n_________\n١ أخرجه الدارمي: البيوع \"٢/٣٢٠\" ح \"٢٥٣٣\" وأحمد: المسند \"٤/٢٧٩\" ح \"١٨٠٢٢\".\n٢ انظر المغنى \"١/٤٧٠\".","vol":"2","page":160},{"text":"والوطء بالشبهة وذكر هو غيره ممن ينصر طريقته كلاما طويلا في الأصول التي صنفوها فجعلت فيه هذا القدر وهو الذى يفهم ويقع في القلب من التطويل العظيم في كلامه وجعل يردد هذا المحرف وهو أن ما لا يحس يعرف بأثره فيعرف صحة العلة ببيان أثرها واستشهد بالشهادة في عامة كلامه في هذا الفضل وقال عدالة الشاهد إنما تثبت بأمر دينه في منعه من ارتكاب ما اعتقده حراما بدينه فيستدل به على منعه من الكذب الذى هو حرام في دينه فكذلك عدالة الوصف الذى هو بمنزلة الشاهد على الحكم إنما يعرف بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلا على نظيره ويكون استدلالا بوجود معلوم ولا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا يجوز المحاجة به وهذا إنما يقوله على من يجعل دليله في صحة العلة عدم قيام الدليل على فساده ويقول من يتعلق بذلك الدليل على صحة العلة متعلق بمحض العدم.\nقال ولأنا ذكرنا أن الحكم كما يوجد مع العلة ويطرد معه فكذلك يوجد مع الشرط ويطرد معه فلابد من دليل آخر يميز بين الشرط والعلة وذلك في بيان الأثر وأنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر فهذا الذى ذكرت قدر ما وجدت من كلام المحققين في بيان الدليل على صحة العلة.\nواعلم: أن الاشتغال بدليل الإطراد بمجرده لا معنى له وكذلك بدليل الإطراد والانعكاس وإن كان هذا أمثل من الأول وأوقع في القلب ولأصحابنا العراقيين شغف عظيم بهذا ولعل بعضهم يقول لا دليل فوق هذا ولكن الاعتراض الذى قلناه اعتراض واقع.\nوأما الاستدلال بشواهد الأصول فضعيف أيضا كثرة الشواهد لا يكون فيها دليل كثير وهذا لأن الوصف هو المقتضى للحكم فلا بد من بيان معنى في الوصف يدل على الاقتضاء حتى تصح العلة وأما إبطال علة الخصم وطلب تصحيح العلة بهذا الطريق فضعيف أيضا بما قد بينا فلم يبق في الدليل على صحة العلة سوى الإخالة والمناسبة.\nوقد ذكر أبو الحسين البصرى في أصوله أن مما يدل على صحة العلة أن يكون الوصف مؤثرا في قبيل ذلك الحكم لأن العلة ما يؤثر في الحكم وما لا يؤثر لا يكون علة.\nقال: وهذا كالبلوغ يؤثر في رفع الحجر عن المال فكان أولى أن يكون علة في رفع","vol":"2","page":161},{"text":"الحجر عن النكاح من الثيوبة لأن الثيوبة لا تؤثر في جنس هذا الحكم الذى هو رفع الحجر١.\nواعلم أنا بينا تأثير الثيابة في مسائل الخلاف في الفروع وأوردنا ما فيه الكفاية ورجحنا اعتبار الثيابة على اعتبار الصغر وتركنا إيراد ذلك في هذا الموضع واعلم أن مجموع ما يحصل من معنى الإخالة والمناسبة وهو أن يقال دليل صحة العلة وجود وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر في إثباته متى عرض الوصف على قواعد الشرع وقوانينه وأصوله فإذا وجد الوصف بهذا الحد عرف صحته وهذا أمر لا يتم بالمكابرات والمعاندات وإنما يعرف ذلك بعرضه على أصول الشرع وقواعده وبيان هذا في الشدة المسكرة: فإنا نقول: إنها العلة في تحريم الخمر ونقيس النبيذ على الخمر بهذا الوصف وهذا وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر في إثباته ونعنى بالتأثير إشعاره في القلوب وقبولها لذلك الحكم بتلك العلة ووجود شاهد الأصل على ذلك وكذلك الطعم مشعر بالتحريم بالوجه الذى ذكرناه في كتاب الاصطلام وقد أبى بعض أصحابنا وجود معنى في الطعم يؤثر في الحكم ويشعر وجعل يلوذ بالخير واللياذ بالخير وإن كان حسنا لكنا ندعى إن علة الربا علة مستنبطة لا منصوص عليها وقد استنبط الشافعى علة الطعم واستنبط أبو حنيفه علة الكيل فلابد من إقامة الدليل على تصحيحه من حيث الإخالة والمناسبة وفى هذا خطب عظيم ولا يمكن إقامة الدليل عليه إلا بعد معرفة حكم النص ولابد من الإعراض عن الترجيحات لأن الحاجة ماسة إلى إقامة الدليل على تصحيح العلة فلا معنى للاشتغال بالترجيح وعندنا أن الكيل علة فاسدة وليس لها مناسبة لحكم النص بوجه ما.\nوأما الطعم فهو المخيل المشعر بثبوت حكم النص فذكر الترجيح في مثل هذا يبعد فدل أنه لابد من ذكر دليل في نفس الطعم وأنه علة وقد أوردنا وحققنا وليس هذا الكتاب لمسائل الفروع وإنما هو لمسائل الأصول وعلى الأصل الذى أوردناه مسألة بيع الفاسد فإن الفساد مشعر بانتفاء الحكم وفى مسائل النكاح بغير ولى الأنوثة مشعرة ببقاء الولاية للمرأة في الأنكحة والبكارة مشعرة بثبوت الإجبار وأمثال هذا يكثر فهذا هو الأصول وعلى أمثالة هذه العلل ينبغى أن يقع الاعتماد من الله المعونة والتوفيق بمنه.\nوحين وصلنا إلى هذا الموضع فنقول قد بينا أن الاطراد ليس بدليل لصحة العلة\n_________\n١ انظر المعتمد \"٢/٤٤٨، ٤٤٩\".","vol":"2","page":162},{"text":"لكنه شرط لصحة العلة وسيأتى هذا من بعد فأما الانعكاس ليس بشرط ونذكر هذه المسألة في هذا الموضع.\nمسألة: اعلم أن الانعكاس ليس بشرط لصحة العلة في قول أكثر الأصحاب:\nوهو قول جمهور من انتمى إلى الأصول من الفقهاء وهو أيضا قول بعض المتكلمين وذهب بعض أصحابنا إلى أن الانعكاس شرط فإذا ثبت الحكم بوجود العلة ولم يرتفع بارتفاعها بطلت العلة وهو قول بعض المعتزلة١. ويعلق من ذهب إلى هذا بالعلل العقلية. وقال: العلل الشرعية وإن كانت مظنونة ولكن ينبغى أن تكون على مضاهاة العلل العقلية إلا في كون إحديهما معلومة والأخرى مظنونة ثم العلل العقلية يجب انعكاسها كذلك العلل السمعية ولأن العلل الشرعيه إنما تفيد الحكم لآنها تفيد غلبة الظن فإذا وجد الحكم بوجود الوصف ولم ينعدم بعدمه ولم يفد غلبة الظن فلا يبقى حجة.\nوأما دليلنا نقول: العلة المنصوبة للإثبات فلا تدل على النفى وكذلك إذا نصبت للنفى لا تدل على الإثبات.\nفنقول علة منصوبة فلا يطلب منها إلا التأثير في ذلك الحكم كالعلة المنصوص عليها لا يطلب منها إلا إثبات الحكم الذى تناوله النص وهذا لأن المقصود من التعليل إثبات الحكم دون نفيه فلا يعمل في النفى لأن العلة إنما تعمل فيما قصد بالعلة.\nونقول أيضا إن العكس لو كان شرطا لكان لا يقتل إلا قاتل من حيث كان القتل علة قتل القاتل أو لا يقتل إلا مرتد فإذا كان الحكم الثابت بعلة تطرد مع ارتفاعها لوجود علة أخرى تخلفها عند ارتفاعها دل ذلك أن الانعكاس ليس بشرط.\nفإن قالوا: إن القتل قصاصا قد لنعدم بعدم القتل وكذلك الفعل بالردة لنعدم بعدم الردة وإنما تقتل بعلة أخرى.\nقلنا: فإذا كان وجوب القتل بعلة القتل من حيث انعدام وجوب القتل عند عدم القتل فإذا حدث علة أخرى للقتل فينبغى أن يحكم بتعارض ما يوجب القتل وما لا\n_________\n١ انظر إحكام الأحكام \"٣/٣٣٨\" المستصفى \"٢/٣٤٤\" البرهان \"٢/٨٤٢\" نهاية السول \"٤/١٨٣\".","vol":"2","page":163},{"text":"يوجب القتل ويسقط القتل لأن الدليل الشرعى دليل مثل الدليل العقلى ثم الدليل العقلى يجوز أن لا يدل على وجود الحكم في الموضع الذى وجد فيه الحكم ثم ينعدم ويثبت الحكم بدليل آخر فكذلك الدليل الشرعى يجوز أيضا أن يكون كذلك بل هذا أولى لأن الدليل العقلى قد صار دليلا بنفسه والدليل الشرعى إنما صار دليلا بجعل جاعل فإذا لم يكن هذا شرطا في الدليل العقلى ففى الدليل الشرعي أولى وقد ظهر بهذا الجواب عما تعلقوا به وقد ظهر الذى قالوه لا يشرط في الدليل العقلى وفى الحسيات أيضا ليس كل من نصب علما على إثبات شئ ينبغى أن ينصب علما على ضده.\nوأما قولهم إن قوة الظن تذهب بعدم الانعكاس دعوى لا دليل عليها وعلى أنا بينا أن الدليل على صحة العلة الإخالة والمناسبة وذلك قائم وإن لم ينعكس وهذا هو الدليل المعتمد وإذا بقى الدليل على صحة العلة بقيت العلة مفيدة لحكمها ثم إذا انعدمت العلة فيجوز أن يقوم دليل آخر على بقاء الحكم ويجوز أن يدل دليل فينتفى لعدم الدليل.\nويقال أيضا إن العلة الشرعية أمارة فيجوز أن يدل على الحكم الواحد أمارتان أيهما وجدت دلت عليه فإحدى الأمارتين وإن عدمت بقى الحكم بالأمارة الأخرى ولم يدل ذلك على أن الأمارة الأخرى لم تكن صحيحة١. والله أعلم.\n_________\n١ انظر البرهان \"٢/٨٤٢\" المحصول \"٢/٢٤٣\" جوامع الجوامع \"٢/٢٨٧\" إحكام الأحكام للآمدي \"٣/٣٣٨\" فواتح الرحموت \"٢/٢٠٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٠٢\".","vol":"2","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>فصل: قياس الشبه</span>\n...\nفصل: قد فرغنا من ذكر قياس المعنى فهذا قياس الشبه٢:\nوقد اختلف العلماء في كونه حجة في الأحكام أو ليس بحجة.\nمسألة:\nاعلم أن ظاهر مذهب الشافعى رحمة الله أنه حجة وقد أشار إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه وأقرب شئ في ذلك قوله: في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم:\n_________\n٢ الشبه جاءفي اللغة من معانيه الآتية:\nالشَّبَه والشَّبِه والشبيه المثل والمثيل والجمع: أشباه ونقول: أشبه الشيء الشيء ماثله وبينهما شبه وشبهه إياه وشبهه به مثله به والشبه هو المشاركة بين اثنين في أمر من الأمور حسيا =","vol":"2","page":164},{"text":"طهارتان فكيف يفترقان وتابعه أكثر الأصحاب على ذلك غير أبى إسحاق المروزى فإنه روى عنه أنه قال: ليس بحجة.\nوقال الشافعى في أدب القاضى القياس قياسان:\nأحدهما: ما كان في معنى الأصل.\nوالآخر: أن يشبه الشيء بالشئ من أصل ويشبه [الشئ] ١ من أصل [غيره] ٢ ثم قال: وموضع الصواب عندنا في ذلك أن ينظر إن أشبه أحدهما في خصلتين وأشبه الآخر في خصلة ألحقه بالذي أشبه في خصلتين٣.\nقال بعض أصحابنا: إن قوله هذا يدل على أنه حكم بكثرة الأشباه من غير أن يجعلها على الحكم.\nوقال بعضهم: إنما حكم بترجيح إحدى العلتين في الفرع بكثرة الشبه.\nوقال كثير من أصحاب أبى حنيفة أن قياس الشبه ليس بحجة وإليه ذهب من ادعى التحقيق منهم وصار إليه القاضى أبو زيد ومن تبعه وذهب إلى هذا القول أيضا:\n_________\n= أو معنويا والتشابه: هو الالتباس وعدم التميز بين الأمور.\nويقولون: اشتبهت الأمور وتشابهت فلم تتميز فكان بخلاف الشبه انظر لسان العرب مادة \"شب\" القاموس المحيط \"٤/٢٨٦\" الشبه عند الأصوليون بطلاق بإطلاقين:\nأحدهما: الطريق المثبت لكون الوصف علة وثانيهما: عليته بهذا الطريق: وقد اختلف الأصوليون في تعريفه بالإطلاق الثاني ونشأ عن ذلك اختلافهم في الشبه بالإطلاق الأول فعرفه بعضهم بقوله: الوصف الشبهي: هو الذي لم تظهر مناسبته بعد البحث التام ولكن عهد من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام. مثل الطهارة بالنسبة لتعيين الماء في إزالة النجاسة فإنها وصف لم تظهر مناسبته لتعيين الماء ولكن عهد عن الشارع اعتبار الطهارة بالماء في الوضوء.\nوعرفه القاضي أبو بكر الباقلاني بأن الشبه هو الوصف المقارن للحكم وكان مناسبا له بالتبع دون الذات وعرفه بعضهم بأن الشبه هو الوصف الذي علم اعتبار جنسه القريب في جنس الحكم القريب من غير مناسبة بالذات انظر إحكام الأحكام \"/٣/٤٢٣، ٤٢٤، ٤٢٥\" نهاية السول \"٤/١٠٦، ١٠٧\" فواتح الرحموت \"٢/٣٠١، ٣٠٢\" المحصول \"٢/٣٤٤، ٣٤٥\" جمع الجوامع \"٢//٢٨٦، ٢٨٧\" أشول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٠٠، ١٠١\" الصالح في مباحث القياس عند الأصوليين \"٣٢٩، ٣٣٠، ٣٣١\".\n١ زيادة ليست في الأصل.\n٢ ثبت في الأصل\"غيرهم\".\n٣ انظر مختصر المزنى بهامش الأم \"٥/٢٤٢\".","vol":"2","page":165},{"text":"القاضى أبو بكر والأستاذ أبو منصور البغدادي١.\nثم اعلم أن الشبه ضربان:\nأحدهما: في الأحكام.\nوالثانى: في الصورة.\nفأما الشبه في الأحكام فقد ذهب عامة أصحابنا إلى جواز التعليل به كوطء الشبهة مردود إلى النكاح في سقوط الحد ووجوب المهد لشبة بالوطء في النكاح في الأحكام.\nوأما الشبه في الصورة فكقياس الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة بصورة الشبه أو كقياس الخيل على البغال والحمير في حرمة اللحم كقول القائل: ذو حافر أهلى وقد جعل بعضهم مثل هذا القياس حجة لأن الشبه قد وجد.\nقال: وإذا جاز أن يعلل الأصل بصفة من ذاته جاز أن يعلل بصورة من صفاته ولأن العلل أمارات فيجوز أن يكون الشبه في الصورة أماره على الحكم كما يجوز أن الشبه في المعنى أو في الحكم أمارة على الحكم وهذا ليس بصحيح.\nوالصحيح أن مجرد الشبه في الصورة لا يجوز التعليل به لأن التعليل ما كان له تأثير في الحكم بأن يفيد قوة الظن ليحكم بها والشبه في الصورة لا تأثير له في الحكم وليس هو مما يفيد قوة الظن حتى يوجب حكما.\nوقد استدل من قال: إن قياس الشبه ليس بحجة بأن المشابهة في الأوصاف لا توجب المشابهة في الأحكام فإن جميع المحرمات يشابهه بعضها بعضا في الأوصاف ويختلف في الأحكام ولأن المشابهة فيما لا يتعلق بالحكم لا توجب المشابهة في الحكم لأن العلة هى الجالبة للحكم فيما لا يتعلق به الحكم لا يجلب الحكم ولأن من جعل الشبه حجة لا يخلو إما أن يجعل المشابهة بهذا في جميع الأوصاف حجة أو يجعل المشابهة في بعض الأوصاف حجة فإن جعل المشابهة في جميع الأوصاف حجة فهذا لا يوجد وإن جعل المشابهة في بعض الأوصاف حجة فإذا لم يكن لذلك الوصف تأثير في الحكم فليس بأن يجعل المشابهة في ذلك الوصف علة للمشابهة للحكم بأولى بأن يجعل المفارقة في غيرها من الأوصاف علة للمفارقة في الحكم.\n_________\n١ انظر البرهان \"٢/٨٤٢\" المحصول \"٢/٣٤٥\" جمع الجوامع \"٢/٢٨٧\" إحكام الأحكام \"٣/٣٣٨\" فواتح الرحموت \"٢/٣٠١، ٣٠٢\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٠٢\" الصالح في مباحث القياس \"٢٣٥، ٢٣٦\".","vol":"2","page":166},{"text":"قالوا: وأما المكاتب فنحن لا نقول: ألحق بالأحرار لمشابهته بالأحرار فإن العبد يشبه الأحرار في معانى كثيرة ومغ ذلك لا يلحق بالأحرار وكذلك الدواب تشبه بنى آدم في صفات خمس ولا يلحق هذا الشبه ببنى أدم ولكن المكاتب حر يد أثبتت له بحكم عقد الكتابة ورقيق رقبة فلحرية يده يستحق ما يستحق الحر بيده ولرق رقبته لا يستحق ما يستحقه الحر برقبته.\nوالصحيح: أنه ثبت له أحكام الأحرار بالكتابة نظرا له ليصل إلى الحرية مع بقاء الرق على الكمال.\nوقد قال أيضا من يرد قياس الشبه أن مجرد الشبه صورة أوحكما لا يشعر بمناسبة بين العلة والحكم لجواز افتراق المحلين في الحكم.\nوبيانه: أن من قاس الوضوء على التيمم في إيجاب النية بقوله طهارة فليس في قوله طهارة ما يؤثر في إيجاب النية ويجوز افتراق الوضوء والتيمم في حكم النية وغيرها فلا يدل نفس وجوب النية في التيمم على وجوبها في الوضوء فلابد من اجتماعهما في المعنى الذى يوجب نية الفعل إذا اتصف بكونه طهارة حتى إذا اجتمع الفعلان في وصف الطهارة يجتمعان في الحكم وعلى هذا من علل في منع قتل الحر بالعبد يقول قصاصا وقاس على الطرف فيقال نفس قول قصاص لايدل على امتناع الجريان ويجوز أن يمنع الحكم بين الطرف والنفس في ذلك المعنى ليجتمعان في حكم النفى وأمثال هذا تكثر جدا يدل عليه أنه ليس الشبه إلا اشتراك الشيئين في وجه من الوجوه وإن اشتركا في وجه من الوجوه افترقا في كثير من الوجوه ومن اكتفى بمجرد اشتراك في الشبه بوجه ما يعارض بمجرد افتراق الشبه بوجه ما أو بوجوه شتى لأن وجوه الافتراق في الأشياء أظهر من وجوه الاجتماع فدل على أن قياس الشبه بنفسه لا يكون حجة.\nويقولون أيضا: قولك إن الفرع كالأصل في الحكم أبعلم تقول هذا أم أبظن أو لا بعلم ولا بظن؟ فإن قلت: بعلم فأين العلم وإن قلت بظن فأين الظن وهذا لأن العلم والظن لابد لهما من مستند فاذكر المستند حتى يصح قولك إنه بعلم أو بظن وإلا فهو هذيان وإن قلت لا بعلم ولا بظن فحكم الله تعالى لا يثبت بالجزاف.\nوإن قلت: تشابههمافى وجه يغلب على الظن تشابههما في الحكم فهذا دعوى مجردة وإن كانت المشابهة في وجه يفيد ظنا فالمفارقة في سائر الوجوه تبطل الظن","vol":"2","page":167},{"text":"وتشوش على الظان ظنه.\nوقالوا أيضا: إن الأصل في القياس هم الصحابة والمنقول من الصحابة النظر إلى المصالح والعلل المعنوية فأما مجرد الشبه فلم ينقل عنهم بوجه ما.\nوأما دليل من جعل قياس الشبه حجة فنذكر أولا الفرق بين قياس المعنى وقياس الشبه والطرد ويمكن أن يقال: على الإطلاق قياس المعنى تحقيق وقياس الشبه تقريب وقياس الطرد تحكم.\nونقول: إن قياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه ويؤثر فيه ويقتضيه وهو تعليق التخفيف بما يوجب التخفيف وتعليق العقوبات بالجنايات وتعليق وجوب الحق بالايجابيات وأمثال هذا تكثر وأما الطرد فعلى عكس هذا هذا فإنه تعليق الحكم بما لا يناسب الحكم ولا يشعر به ولا يقتضيه وقد سبق بيان هذين جميعا والكلام فيهما.\nواما قياس الشبه فلابد وأن يكون في فرع يتجاذبه أصلان فيلحق بأحدهما بنوع شبه يقرب من غير تعرض لبيان المعنى ونعنى بالمقرب شبها يقرب الفرع من الأصل في الحكم المطلوب ويجوز أن يقال قياس يشعر باجتماع في حكم من غير بيان المعنى وقد استدل من جعله حجة بأن الشرع ورد باعتبار الشبه في جزاء الصيد وباعتبار الأشباه في العدالة والفسق يعنى اعتبار السدد في القول بالسداد في الأفعال وبذلك عدم السداد في القول بعدم السداد في الأفعال وكذلك ورد الشرع باعتبار الأشباه في الضيافة وأيضا فإن القياس ليس إلا بمثيل الشئ بالشئ وتشبيهه به والشئ إنما يمثل بما يشتبهه ويجانسه فيجب إلحاق الشئ بما يشابهه ويجانسه جريا على هذا الأصل.\nيدل عليه: أن التساوى في الذوات والأوصاف يوجبه التساوى في الأحكام فإن المستويين ذاتا ووصفا يستويان في الحكم لتحقيق التساوي.\nألا ترى أن المكاتب ملحق بالأحرار في كثير من الأشياء وليس ذلك إلا باعتبار مجرد الشبه والمعتمد من الدليل أنا أجمعنا أن قياس المعنى حجة ولا موجب لكونه حجة إلا أنه يفيد قوة الظن أو يخيل في القلب أنه متعلق بذلك المعنى فإن طريق العلم القطعى مسدود مردوم ومثل هذا المسلك يوجد في قياس الشبه ولا يعرف هذا إلا ببيان المثال هذا قول تعالى القائل في الوضوء: إنه يجب فيه النية إنه طهارة حدث فيجب فيها النية كالتيمم أو يقول في مسألة المضمضة والاستنشاق: إنهما لا يجبان في الغسل من الجنابة إنه غسل حكمى فلا يتعدى من الظاهر إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت","vol":"2","page":168},{"text":"وكذلك قوله القائل في زكاة الصبى زكاة فتجب على الصبى كزكاة الفطر.\nويقول في مسألة تبييت النية صوم فرض فلا يتأدى بنية من النهار كالقضاء ويقول في نفى القصاص عن الحر بقتل العبد قصاص كالطرف وأمثال هذا لا تعد ولا تحصى كثرة.\nفنقول في هذه الأقيسة إن هذه الأقيسة مغلبة للظن مفيدة قوته في كون الحكم على ما نصب له المعلل فإنه يغلب على ظن كل عاقل شبيهة الوضوء بالتيمم وشبيهة الغسل بالغسل والزكاة بالزكاة والصوم بالصوم والقصاص بالقصاص.\nومن قال: إن هذا لا يفيد غلبة الظن فلا شك أنه معاند.\nونقول في قول الشافعى في الوضوء والتيمم إنهما طهارتان فكيف يفترقان لمن يأتى هذا القياس أيغلب على ظنك كون الوضوء مثل التيمم فإن كل واحد منهما طهارة عن حدث لا يعقل معناه وقد غلب التعبد على كل واحد منهما؟ فإن قال: نعم فهذا هو الذى قصدناه من وجود غلبة الظن وهو أيضا معنى شبه التقريب الذى ادعيناه. وإن قال: لا يغلب على ظنى فلا شك أنه معاند ولهذا الذى قلناه عسر الفرق بين الوضوء والتيمم على المفرق بينهما ولهذا سوى الأوزاعي وهو أحد أئمة الدنيا بينهما في نفس وجوب النية وعلى هذا جملة ما ذكرنا من المسائل وكذلك قول القائل في مسألة ظهار الذمى من صح طلاقه صح ظهاره فهذا مفيد لقوة الظن بقرب حكم الفرع من حكم الأصل في الذى نصب له العلة لأن كل واحد منهما بملك النكاح وكل واحد منهما يحرم البضع مع كون الزوج مالكا للبضع متمكنا من التصرف فيه بالتحريم على وجه ينفرد بإثباته ومما يؤيد ما ذكرناه من التعلق بقياس الشبه أن القياس إنما أطلقه الشرع في أصل الأحكام لضرورة الحاجة فإنا قد ذكرنا أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية ولله تعالى في كل حادثة حكم لو لم يجز القياس أدى إلى التوقف في كثير من الأحكام المطلوبة إقامتها بين الناس.\nوإذا عرفت هذا الأصل فنقول: لابد من وضع الأقيسه على وجه يسهل طلبها ووجودها ليتيسر بناء الأحكام عليها ولا يشتد باب البحث على العلماء فيها فإذا قلنا: إن القياس الصحيح هو قياس المعنى فهذا وإن وجد في كثير من الأحكام والأصول ولكن ليس مما يسهل وجودها فإنا نعلم أن كثيرا من أصول الشرع يخلو عن المعانى خصوصا في العبادات وهيئاتها والسياسات ومقاديرها وكذلك شرائط المناكحات","vol":"2","page":169},{"text":"والمعاملات ثم تلك الأصول لها فروع وتلك الفروع تتجاذبها أشباه وإذا كانت المعانى تعدد في الأصول فكيف يسهل وجودها في الفروع فلم يكن بد في استعمال القياس لكن مع الحيد عن طريقة الطرد لأن غلبة الظنون لابد منها ولا ضرورة في استعمال مجرد الطرد الذى لا يفيد ظنا أصلا فجعلنا غلبة الأشباه والقياس المنصوب في هذه الجهة مع وجود ما يقرب في الظن إلحاق الفرع بذلك الأصل وجعله في مسلكه وضمنه إلى مسلكه حجة ثم ظهور الفرق يكون محصلة واحدة وهو عسر الفرق على الفارق بين الوضوء والتيمم وزكاة الرأس وصدقة الماشية وصدقة النبات وكذلك الفرق بين القصاص في الطرف والقصاص في النفس ويعضد هذا الكلام بالأصل المعهود وهو أن الأقيسة الشرعية أمارات وعلامات وليس بموجبات وفى الأمارات والعلامات من سهولة المأخذ ما لا يوجد في الموجبات.\nوالقول الجامع: إن التأثير لابد منه إلا أن التأثير قد يكون بمعنى وقد يكون بحكم وقد يكون بغلبة شبه فإنه رب شبه أقوى من شبه آخر وأولى بتعليق الحكم به لقوة أمارته والشبه قد يعارضه شبه آخر فربما يظهر فضل قوة أحدهما على الآخر وربما يخفى ويجوز أن ترجع الشبهات إلى أصل واحد ويجوز أن ترجع إلى أصلين فلا بد من قوة نظر المجتهد في هذه المواضع وهذا كالعبد يشبه الحر من حيث إنه آدمى مكلف ويشبه الأموال والسلع من حيث إنه مال مملوك والجص يشبه البر من حيث إنه مكيل ويفارقه من حيث إنه ليس بمأكول وعلى عكس ذلك الرمان والسفرجل يشبه البر من حيث إنه مأكول ويفارقه من حيث إنه ليس بمكيل وكذلك الذرة وما يشبه ذلك.\nوقد قال القاضى أبو حامد المروروزي في أصوله: إنا لا نعني بقياس الشبه أن يشبه الشئ بالشئ بوجه أو أكثر من وجه لكن نعنى أن لا يوجد شئ أشبه به منه ومثال هذا لا يوجد شئ أشبه من الوضوء بالتيمم وكذلك في الزكاة والزكاة وكذلك القصاص في الطرف والنفس فإنه لا يوجد شئ أشبه من القصاص في الطرف بالقصاص في النفس أو على عكس هذا لأن إلحاق الشئ بنظائره وإدخاله في مسلكه أصل عظيم فإذا لم يوجد شئ أشبه به منه لم يكن بد من إلحاقه به وهذا الذى قاله القاضى أبو حامد تقريب حسن وهو عائد إلى ما ذكرناه.\nواعلم أن هذا الذى ذكرناه نهاية ما يمكن إيراده في كون قياس الشبه حجة والذى ذكروه في نفى قياس الشبه كلمات مخيلة والأولى أن يقال: إن من يتحرى طلب الحق","vol":"2","page":170},{"text":"وطلب إيراد معنى مناسب للحكم فينبغى أن يشتغل بذلك ويبذل غاية مجهوده وعندي أن من طلب ذلك فلابد أن يجده إلا في أفراد من المسائل وردت بها النصوص واتفقت الأمة على تعديها من المعانى فأما عامة الأحكام فالشارع للحكم لم يخلها من المعانى المؤثرة في تلك الأحكام وإن أعوز المجتهد وجود المعنى حينئذ ينبغى أن يرجع إلى قياس الشبه على الطريقة التي قدمناها فلا بأس بذلك وغير مستبعد من الشرع أن ننبه بحكم على حكم ويمثل شيئا بشئ إما معنى أو حكما أو غلبة شبه بسائر الوجوه والله أعلم بالصواب وقد ذكر الأصحاب على ما ذكرناه أمثلة كثيرة ولا حاجة إلى الاشتغال بكثرة الأمثلة بعد أن تبين أصل الكلام.","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>فصل: جعل الاسم علة للحكم</span>\n...\n\"فصل\"\nوأما إذا جعل الاسم علة للحكم فقد قال الأصحاب: إن الاسم على ضربين: اسم اشتقاق واسم لقب.\nفأما الاسم المشتق فعلى ضربين:\nأحدهما: مشتق من فعل كالضارب والقاتل اشتق من الضرب والقتل فيجوز أن يجعل هذا الاسم علة معنى في قياس المعنى لأن الأفعال يجوز أن تكون عللا في الأحكام.\nوالضرب الثانى: أن يكون مشتقا من صفة كالأبيض والأسود مشتقق من البياض والسواد فهذا الاسم من علل الأشباه الصورية فمن جعل شبه الصورة حجة قال: يجوز أن يجعل هذا علة وحجة وقد قال: النبى ﷺ في الكلاب: \"فاقتلوا منها كل أسود بهيم\" ١ فجعل السواد علما على إباحة القتل.\nوأما اسم اللقب فعلى وجهين:\nأحدهما: مستعار كقولنا زيد وعمرو ولا يدخله حقيقة ولا مجاز لأنه قد ينقل اسم زيد إلى عمرو واسم عمرو إلى زيد فلا يجوز التعليل بهذا الاسم لعدم لزومه وجواز انتقاله وإنما يوضع موضع الإشارة وليست الإشارة بعلة كذلك الاسم القائم مقامها.\n_________\n١ أخرجه أبو داود: الضحايا \"٣/١٠٧\" ح \"١٨٤٥\" والترمذي: الأحكام والفوائد \"٤/٧٨\" ح \"١٤٨٦\" وقال: حسن صحيح. والنسائي: الصيد \"٧/١٦٣\" \"باب صفة الكلاب التي أمر بقتلها\" وابن ماجة: الصيد \"٢/١٠٦٩\" ح \"٣٢٠٥\" انظر نصب الراية \"٤/٣١٣\".","vol":"2","page":171},{"text":"والضرب الثانى: اسم لازم كالرجل والمراة والبعير والفرس فقد ذكر أالصحاب في هذا وجهين: فمنهم من جوز التعليل ومنهم من لم يجوز تجويز التعليل به.\nوالصحيح عندي: أنه لا يجوز التعليل بالأسامى بحال لأنها تشبه الطروه وأما الأسامى المشتقة فالتعليل بموضع الاشتقاق لا بنفس الاسم والله أعلم.\nوإذا فرغنا من بيان العلة فقد اشتمل هذا الفصل على ما يحتاج إليه الفقيه ولا يستغنى عنه بحال فنذكر بعد هذا الكلام فى:","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>فصل: بيان الحكم</span>\n...\nالفصل الرابع: وهو بيان الحكم\nفالحكم هو ما تعلق بالعلة في التحليل التحريم الإيجاب والإسقاط هو على ضربين مصرح به ومبهم.\nفالمصرح به أن يقول فجاز أن يجب كذا أو يقول فوجب أن يجب كذا وما أشبهته والمبهم أن يقول فأشبه كذا فمن الناس من يقول إن ذلك لا يصح لأنه حكم مبهم.\nومنهم من يقول: إنه يصح وهو الأصح عند الجدليين لأنه المراد به فأشبه كذا في الحكم الذى وقع السؤال عنه وذلك بشئ معلوم بين السائل والمسئول فيجوز أن يمسك عن بيانه اكتفاء بالمعلوم الموجود بينهما ومنها أن تعلق عليها التسوية بين حكمين كقولنا في إيجاب النية في الوضوء طهارة فاستوى جامدها ومائعها في النية كإزالة النجاسة فمن أصحابنا من قال: إن هذا لا يصح لأنه يريد التسوية بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفى الفرع في إيجاب النية وهما حكمان متضادان والقياس أن يستقى حكم الشئ من نظيره لا من ضده ومنهم من قال: إن ذلك صحيح وهو الأصح لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع والجامد في النية والتسوية بين المائع والجامد في النية موجودة في الأصل فصح القياس عليه وإنما يظهر الاختلاف في التفضيل وليس ذلك بحكم عليه حتى يضر فيه الاختلاف ومن حكم العلة أيضا أن يذكر التأثير فنقول: في مسألة السواك للصائم تطهير يتعلق بالفم من غير النجاسة فوجب أن يكون للصوم تأثير فيه دليله المضمضة فهذا تعليل لهذا الحكم صحيح لأن تأثير الصوم في المضمضة صحيح موجود وهو منع المبالغة فصح إثبات تأثيره في الفرع وذلك بالمنع منه بعد الزوال واختلافهما في كيفية التأثير لا يمنع من التعليل لأصل التأثير لأن الغرض إثبات أصل","vol":"2","page":172},{"text":"التأثير إلى هذا الموضع ذكره في التبصرة وهذه فصول عراقية ليس تحتها كثير معنى غير أن كتب الجدل والأصول تزين بأمثال هذا من غغير أن يعود بفائدة فقهية واعلم أن في بيان حكم العلة مسألة خلافية ذكرناها من قبل وهى أن مذهب أصحاب أبى حنيفة أن حكم العلة ثبوت حكم الأصل في الفرع بمعنى الأصل وفى الحقيقة ثبوت مثل حكم الأصل مثل معنى الأصل وعندنا حكم الأصل بها ثم إن وجدت تلك العلة في موضع آخر ثبت مثل ذلك الحكم في ذلك الحكم في ذلك الموضع وإلا فلا يثبت وهذا الخلاف هو الذى ذكرناه من قبل أن العلة القاصرة تكون علة صحيحة وعنهم لا تكون علة صحيحة ثم أعلم أنه كما يجرى الاختلاف في الحكم فيجرى الخلاف أيضا في علة الحكم كاختلافهم في الإسلام هل هو علة العصمة أم لا؟ وكذك الاستيلاء على مال الغير عندنا علة الضمان وعندهم ليس بعلة ة قد يحجرى الهلاف في صفة العلة وهو علة وجوب الزكاة فعندنا ملك النصصاب علة لوجوب الزكاة من غير اعتبار صفة المعنى وعندهم ملك نصاب المغنى علة وقد يوجد الاختلاف في لشرط وهو مثل الخلاف في الشهاددة في النكاح وعندنا هو شرط١ وعند مالك ليس بشرط٢ وعلى هذا اخلافهم في عدالة الشهود في النكاح\nقال أبو زيد: في تققديم الأدلة جملة أقسام ما يختلف فيه الفقهاء من الشرعيات رابعة أنواع الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟ أو في شرط العلة أو صفتها أو في حكم من الأحكامم أو صفته أو في حكم مشروع معلوم بوصف بلا منازعة في محل هل هو مقصور عليه أو هو متعدى عنه إلى غيره قال: والقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير التعدية وة التعدية لا يتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما ععدا هذا لقسم لانعدام حكمه ولانه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن التعدية فيما لليس موجود ولا يكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو ولأن الخلاف متى يحصل في الموجب للحكم أو شرطه ونفس الحكم فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن وهذا لا يهتدى إليه القياس لأنه ليس إلينا نصب الأحكام ولا رففعها بارأى ولا نصبب أسبابها لأن في نصب الأسباب نصب الأحكام ولا شروطها لأن في نصب الشروط المانعة رفع الأحكام فإذا لم يكن إلينا ذلك\n_________\n١ انظر روضة الطالبين \"٧/٤٥\".\n٢ انظر المعونة \"٢/٧٤٥\".","vol":"2","page":173},{"text":"بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل لنصب الشرع وبطل تعليل المنكر أيضا لأن المنكر يقول لم يشرع أصلا وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا حتى يمكن إثباته بالقياس وإنما يثبت بالقياس قسم واحد هو شيء يثبت في محل الشرع فيستعمل القياس لتعدية ثم ذكر الأقسام فقال أما قسم الموجب فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده هل هو علة محرمة للنساء أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس بل على مدعيها إقامة الدلائل على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه لأنه الثابت بذلك ثابت بالنص لا بالقياس وعلى المنكر الامتناع لعدم الدليل كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عمل زائد على الخمس وأنكره آخر لم يكن على المنكر أولا التمسك بعدم قيام الدليل ولزم المدعى إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من ادعى أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكره الآخر وكذلك إذا اختلفنا أن السفر هو مسقط لشطر الصلاة أم لا؟ لم يصح التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطا يلزمه إثباته وإنما يظهر الفقه في هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم لا لأنه يمكنه إفسادها إلا تفقد طرق الأدلة حتى يعلم بها أن الأدلة جائزة وليست بعادلة قال وكذلك إذا وقع الخلاف في الحربي يسلم أيكون إسلامه موجبا لجعل نفسه وماله مضمونين مثل الأحرار بدارنا أم لا؟ فهذا لا يعرف بالقياس وكذلك الخلاف أن العقل مثل الشرع أهو حجه قاطعة لعذر الكفار.\nما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي سببب الزكاة أهو سبب بصفة النماء أم دونها واليمين بالله سبب الكفارة بسبب أنها مقصودة أو معقودة وقتل النفس بغير حق سبب الكفارة بصفة الحرمة أو بصفة الإباحة مع الحرمة والإفطار سبب الكفارة باسم الجماع أو باسم اقتضاء إحدى الشهوتين وهذا لأن وصف الشىء منه فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبل ما يثبت به. قال: وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح أنهم شرط أم لا؟ وكذلك الولى فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسا لأننا وجدنا ثبوت نعنى الولاية حكما ثابتا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فصح القياس لتعدية إلى المرأة وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية هل هي شرط فيها أم لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس وكذلك قلنا: إن شرط نفوذ الطلاق من جانبها النكاح أو العدة عنه وقال: خصمنا العدة ليست بشرط النفوذ وبالعدة وحدها لا يصير محلا وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالصلاة","vol":"2","page":174},{"text":"والزكاة والصوم والكفارات ولزوم الإحرام وكذلك وجوب العقوبات كحرمات الإرث بالقتل والحدود لم يكن للقياس فيه مدخل وكذلك إذا أختلفنا في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ وهو الإسلام أو لا؟ ثم سأل على نفسه سؤالا فقال فإن قيل: أليس اختلفنا في الطعام بالطعام أن القبض في المجلس هل هو شرط في بيع أحدهما بالآخر أم لا؟ وتكلمتم بالقياس فيها فأجاب وقال: البقاء على الصحة بلا شرط القبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع وهو بيع العبد بالدراهم وكل ما عدا الطعام من السلع فصحت التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنمعنا منه نص بخلافه فيجب على مدعى الفساد لوجود النص إقامته قال: ولا يلزم على هذا استعمال القياس في منع شرط التسمية في الزكاة بالقياس على الناسى لأنا إذا أحللنا زكاة تارك التسمية ناسيا على أنه في حكم المسمى بدليل النص كما يجوز صوم الآكل ناسيا على أنه في حكم من لم يأكل بدليل النص ثم لا يجوز أن يقاس عليه إذا ترك التسمية عمدا أوأكل في الصوم عمدا لأنه معدول به عن القياس قال: فبهذا يظهر بيان الفقه في طرق القياس.\nوأما صفة الشرط فكشهود النكاح أهم رجال أو رجال ونساء وصفة طهارة الصلاة أهى مرتبة أم غير مرتبة أم بفصة الموالاة أو ليست بصفة الموالاة قال: أما الحكم فنحو اختلافنا في الركعه الواحدة مشروعة صلاة أم لا؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا والأربع مشروعة على المسافر والمسح على الخف مشروع أم لا وكذلك اختلافهم في القراءة هل تسقط بالإقتداء أم لا والصوم عل يسقط بالجنون أم لا؟ ثم سأل سؤالا فقال فإن قيل: اختلفنا في صوم يوم النحر مشروع أم لا وتكلمتم فيه بالقياس وأجاب وقال: لا كذلك فإن كون اليوم سببا لصيرورة الصوم مشروعا ثابت أصلا ووقع في استنساخه أنه يوم عيد فأنكرناه لأنا أثبتنا كون اليوم سببا بالقياس وأما وصف الحكم فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة على الشفع الثانى واختلفنا أنها فرض أو لا واتفقنا أنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه يملك مباحا والكراهة بعارض ويملك مكروها والإباحة بعارض وهذا مذهبنا على ما بينا في موضعه وكذلك يملك الطلاق مبينا قصدا إليه عندنا وعندي لا يملك فهذا لا يعرف بالقياس وأنا لا نجده بعينه أصلا آخر لتعديه إلى الفرع وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة أو","vol":"2","page":175},{"text":"هو مشترك بين الزوجين لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لتعدية إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: \"والفضل ربا\" ١ أنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا.\nوكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم إليه أهو في حكم يد الاستيفاء التي يتم بالتسليم إليه أم هو حق بيع الدين إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد وحكمه وقوع الملك للموهوب له وهذا لا يجوز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس وكذلك لا يجوز نفى هذا بالقياس لأن الانتفاء من حيث لم يكن لايكون حكما شرعيا ليمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية لم يكن للقياس فيه تدخل لأنا لا نجده في غيره لتعديه إليه.\nوكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق وبعد الدخول لأنا إنما اختلفنا في ذلك لاختلافنا في المتعة أوجب أصله على نفى وحشة الطلاق أم عوضا عن ذلك النكاح واجبا بالعقد مقام الساقط بالطلاق فهذا لا يعرف بالقياس وهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت أبدا إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر من حيث المعانى التي تثبت بالأسامى العربية لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم.\nوأما القسم الر ابع فنحو قولنا: إن المسح في الضوء يسن تثليثه لأنه مسح قياسا على مسح الخف فهذا يمكن إثباته بالقياس لأنا وجدنا مسحا في الوضوء وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا يتثليثه فعديناه إلى الفرع وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليثه وصيغته قياسا على الوجه فهذان القياسان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر وكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين فيتأدى بنية الصوم كالنفل في غير رمضان وقولهم إنه صوم فرض فيشترط فيه نية الفرض كالقضاء وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب وقولهم إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة بغير المديون فهذا الذى ذكرناه سياق كلامه واعلم أن أصلنا الذى يعرفه الأصوليون أن كل ما يمكن إثباته بالقياس يثبت\n_________\n١ أصله عند مسلم بلفظ \"الدينار بالدينار ولا فضل بينهما. والدرهم بالدرهم ولا فضل بينهما\" أخرجه مسلم: المساقاة \"٣/١٢١٢\" ح \"٨٥/١٥٨٨\".","vol":"2","page":176},{"text":"بالقياس من غير تخصيص وفى هذه المسائل التي ذكرناها في بعضها ما يمكن إثباته بالقياس وفى بعضها ما لا يمكن إثباته بالقياس وعلينا فيها أن نعرضها على الأصل الذى قدمناه فما لا يمكن إثباته بالقياس وافقناه على زعمه وما يمكن إثباته بالقياس أثبتناه وإن رغم أنف من رغم والله المعين على طلب الحق والهادى والمرشد إلى الصواب.","vol":"2","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>فصل يتصل بالذي ذكرناه</span>\n...\n\"فصل\"\nوقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا فصلا يتصل بهذا الذى ذكرناه أحببت إيراده في هذا الموضع وأذكر ما يعتمد عليه من ذلك.\nوقال قال الخائضون في هذا الفن رب أصل يتطرق إليه بالتعليل من وجه ويتقاعد من وجه ونذكر من ذلك مثالا أو مثالين فمن ذلك اختصاص القطع بالنصاب وهذا على الجملة متعلق بأمر ظاهر فإن الناس يهجمون على ما يوجب التغرير بالأرواح ويخاطر بالمهج بسبب التافه الوتح١ الحقير وإن فعل ذلك إنسان فإنما يغرر بمال نفيس وتشهد له القواعد التي تستحث الطباع على الهجوم على الفواحش فيها وانتصب مزجرة الحدود يزدجره عنها وأما المحرمات التي لا ميل للطباع إليها لم يرد الشرع في المنع فيها بالحدود فوقع الاكتفاء فيها بمجرد النهى مع الوعيد بالعذاب الشديد في الآخرة.\nثم قال هؤلاء: لإن القياس وإن اقتضى الفصل في الجملة بين التافه والنفيس ولكن مبلغ النفيس لا يعرف بالقياس وكان ذلك موكولا إلى الشرع ونصاب السرقة منصوص عليه٢. ومن أمثلة ذلك النصاب في الأموال الزكاتية والأقيسة قد ترشدنا إلى اختصاص\n_________\n١ الوتح: القليل التافه من الشيء. انظر: القاموس المحيط \"١/٢٥٢\".\n٢ اختلف الفقهاء في نصاب السرقة كا الآتي:\nقالت طائفة: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا وهو قول عائشة وعمر وعثمان وبه قال الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وابن المنذر وهو إحدى الروايات من أحمد وهو قول مالك وإسحاق.\nوقالت طائفة: لاتقطع إلا في خمس. وهو مروى عن عمر وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن.\nوقالت طائفة: إلا في عشرة دراهم: وهو قول عطاء والنعمان وصاحبيه. =","vol":"2","page":177},{"text":"وجوب الإرفاق بالأموال المحتملة لذلك المتهيئة لارتفاق مالكه ليكون الإرفاق بمقابلة الاستمكان من الارتفاق ثم القدر الواجب لا يهتدى إليه الرأى فاتبع الشرع والدليل على أن الرأي لا يهتدى إلى ما قلناه أن الهمم تختلف بالخسيس والنفيس فالفقير قد يستعصم القلس والقلسين والملك لا يستكثر القناطير المقنطرة وكذلك هذا في النصب فإن القانع بالبلاغ قد يجتزئ بالارتفاق بما ينقص عن النصاب وذو البسطة والسعة لا يرفقه العشرون بل المائتان فلابد من الرجوع إلى الشرع ويكون هو المتبع أبدا لا غير ثم قال:\nنحن نقسم أصول الشريعة خمسة أقسام:\nأحدها: ما يعقل معناه وهو أصل ويؤول المعنى المعقول فيه إلى أمر ضرورى لابد منه وهذا مثل القصاص فإنه معلل بتحقيق العصمة في الدماء المحترمة والزجر عن التهجم عليها فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك في أصل القصاص تصرف فيه وعداه إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى فيه وهذا هو الذى يسهل تعليل أصله والتحق به تصحيح البيع فإن الناس لو لم يتبادلوا ما تأيد بهم لجر ذلك إلى الضرورة ظاهرة فمستند البيع إذا زائل إلى ضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ثم قد تمهد في الشريعة أن الأصول إذا تمهدت قواعدها فالنظر بتحقيق معنها في آحاد النوع ربما يعسر فيعرض عنه قال: وهذا ضرب من الضروب الخمسة وعندي أن تعليل إيجاب القصاص ما ذكر من حكمة وجوب القصاص وتعليل تجويز البيع بما ذكر من حكمه تجويز البيع بعيد جدا وإنما السبب لوجوب القصاص هو القتل والقتل مخيل في إيجاب القتل بعد أن تأيد بالشرع والنص عليه وكون الإنسان مالكا للشئ مخيل مؤثر بجواز تمليكه من غير قد تأيد بنص أيضا نعم يجوز أن يقال: وجب القصاص بسبب القتل وجاز التمليك فيه بسبب تملكه للمحل بحكمة الزجر أو الحكمة دفع حاجات الناس فأما تعليل أصل وجوب القصاص بالزجر أم تعليل أصل جواز البيع بالحاجة فبعيد وهذا لأن الأحكام في الشرع بأسبابها لا بحكمتها وفوائدها وكان البيع لفائدة البيع والتعليل غير وإظهار الفوائد غير ونحن\n_________\n= وقالت طائقة: لاتقطع إلا في أربعة دراهم فصاعدا روى هذا عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.\nوقال عثمان البتي: تقطع اليد في درهم فما فوقه.\nوقال الخوارج: تقطع اليد في كل ماله قيمة.\nانظر الأشراف \"٢/٢٨٩، ٢٩٠\" المغنى \"١٠/٢٤٢، ٢٤٣\".","vol":"2","page":178},{"text":"نعلم قطعا أن الشرائع لفوائد وحكم لكن لا نقول إنها معللة بها وهذا كالعبادات لا تعلل بعلى الثواب فإن كانت واجبة لفوائد الثواب والأنكحة لا تعلل بعلة حصول النسل في العالم وإن كانت مشروعة لفائدة النسل وكذلك الحدود واجبه لفائدة الزجر الحاصل بها ولا تعلل بها والقصاص من جملة ذلك. قال:\nوالضرب الثاني: ما يتعلق به الحاجة العامة ولا ينتهى إلى حد الضرورة وهذا مثل الإجازة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكين مع قصور اليد عن تملكها وفي نماكها ببدل على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ الضرورة ولكن حاجة الجنس قد تبلغ ضرورة الشخص الواحد من جهة أن الكافة لو منعوا عن ما يظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرر لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس وعندي أن المنافع أموال وقد قام الدليل على ذلك فالإجازة فيها كالبيع في الأعيان وقد بينا ذلك في خلافيات الفروع. قال:\nوالضرب الثالث: مما لا يتعلق بضرورة حاققة ولا حاجة عامة ولكنه قد يلوح منه غرض في جلب مكرمة أو نفي ينقص بها ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وإزالة الخبث وإن أجبنا عبرنا عن هذا فقلنا: مما لاح ووضح الندب إليه تصريحا كالتنظيف فإذا ارتبط الرابط أصلا كلياته تلويحا كان ذلك في الدرجة الآخرة والرتبة الثانية البعيدة في القياس وجرى وضع التلويح منه مع الامتناع عن التصريح مع حمل المكلفين على مضمونه مع الاعتضاد بالدواعي الجلية كما سبق تقرير هذا في المسالك السابقة والصور الممثلة المخيلة وهذه العبارات كلها تكلف صعب وحمل الطبع على ما بالمرء غنية عنه ولا أرى وراءها كثير معنى والطهارات كلها تعبدات وإن عللنا بالتنظيف فينبغي أن يكون على الندب لا على الإيجاب وأما عامة العبادات وتوابعها تكليفات لا يعقل معناها إلا القيام بالعبادة المحضة لله تعالى. قال:\nوالضرب الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحا ابتداء وفي المسلك الثابت في تحصيله الخروج عن قياس كلي وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب عن الضرب الثالث وبيان ذلك بالمثال أن الغرض في الكتابة تحصيل العتق وهو مندوب إليه والكتاب المنتهضة سببا في تحصيل العتق يتضمن أمورا خارجه عن الأقيسة الكلية كمعاملة السيد عبده وكمقابلة ملكه بملكه والطهارات قصاراها إثبات.","vol":"2","page":179},{"text":"التسبب وجوبا إلى ما لا يصرح بإيجابه وليس فيها اعتراض على أصل آخر سوي ما ذكرناه من التصريح والتلويح وقد مثلناها موضع الشرع بالنكاح لتحصين الزوجين قال:\nوالضرب الخامس من الأصول ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا لا مقتضيا من ضرورة وحاجة ولا استحثاثا على مكرمة وهذا يندر تصويره حدا فإنه إن امتنع استنباط معنى ضرورى فإنه لا يمتنع عليه كليا ومثال هذا القسم العبادات البدلية والمحضة وأنه لا يتعلق بها الأعراض دفعية ولا نفعية ولكن لا يبعد أن يقال: تواصل الوظائف يديم تروي العباد على حكم الانقياد وتجديد العهد بذكر الله ﷿ ينهي عن الفحشاء والمنكر وهذا يقع على الجملة. ثم قال: فأما الضرب الأول وهو مما يستند إلى الضرورة فنظر القايس فيه ينقسم إلى اعتبار آخر الأصل بعضها ببعض وإلى اعتبار غير ذلك بذلك الأصل إذا اتسق له معنى فأما اعتبار الجزء بالجزء مع استجماع القياس لشرائط الصحة فهو يقع في الطبقة العالية من أقيسة المعانى ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئي وإن كان جليا إذا صادم القاعدة ترك القياس الجزئي للقاعدة الكلية ومثال ذلك أن القصاص من حقوق الآدميين وقيامها رعاية التماثل عند التقابل في هذا القياس يقتضي أن لا تقتل الجماعة بالواحد ولكن في طرده والمصير إليه هذه القاعدة الكلية لان الاستعانة بالظلمة في القتل ليس بعسر وفي درء القصاص عند وجود الإجماع خرم أصل الباب وحاصل القول في هذا قوله إلى أن مقابلة الشئ بأكثر منه ليس يحرم أمرا ضروريا هذا معنى تسميته لهذا جزئيا وإلا فالتماثل في الحقوق التي للآدميين من الأمور الكلية في الشريعة غير أن القاعدة التي سميناها في هذا الضرب مستندها أمر ضروري والتماثل في التقابل أمر مصلحي والمصلحة أذا لم تكن ضرورة جزء بالإضافة إلى الضرورة وهذا يعتضد فيما ضربناه مثلا من القصاص بأمر آخر وهو أن يبقي القصاص على مخالفة الأعواض أجمع فإن أعواض المتلفات مبناها على جبران الفائتات كالمثلي إذا ضمن بالمثل وكالقيمة إذا وجبت جبرا للتقويم المتلف والقصاص لا يجبر الفائت وإنما الغالب عليه أمر الزجر وحظ مستحقه منه شفاء الغليل فلما خرج أصله عن مضاهاة الأعواض هذا الخروج احتمل فيه الخروج عن قياس التماثل لدى التقابل وإذا قسنا الأطراف عند وجود الاشتراك في قطعها على النفوس كان واقعا جليا معتضدا بالمعنى الأصلي وهو الضرورة مع أجتماع الأطراف والنفوس في كونها مصونة بالقصاص وذكربعد هذا تخريج مسألة تمييز الفعلين واعلم أن هذا الذي ذكره المشايخ في المسألة التي","vol":"2","page":180},{"text":"أشار إليها وعندي أن هذا غير معتمد وقياس الطرف على النفس وإن كان جليا في الصورة ولكن افتراق النفوس والأطراف في الأحكام غير ممتنع في الشرع فلابد من بيان اجتماع النفوس والأطراف فة المعنى الذي يجب به القصاص على العدد في مقابلة الواحد والذى أشار إليه من قوله: إن في نفى القصاص عن الجماعة بقتل الواحد خرم القاعدة مثل هذا لا يصلح لبيان السبب والأسباب لا تترك بأمثال هذا الكلام فإن حفظ الأسباب لإيجاب الأحكام من أهم الأمور وكذلك قوله إن القصاص عوض يخالف سائر الأعواض قد ذكرنا عندنا أن العوض الأصلى عندنا هو المال في القتل أعنى بقولي: الأصلى هو العوض الذى يصح على أصول الشرع قياسا وجاء الشرع وراء ذلك بعوض آخر وهو القصاص فالدية عوض قياسى والقصاص عوض شرعى لغرض زائد لا يوجد في العوض القياسى فخير ولى القتل بينهما لاختلاف الغرضين ولم يجمع بينها لاتفاقهما في العوضية وهذه كلمات قد حققناها في خلافيات الفروع ولا معنى لشحن أصول الفقه من ذلك ثم تكلم على الضرب الثانى وهو فصل الإجازة بكلام طويل يخالف القياس وهذا قد سبق بيانه من قبل وذكر تقريرا في إلحاق المنافع بالأعيان ونحن قد دللنا أنها مال وأن العقد عليها كالعقد على المال وقد ألحقت المنافع بالأعيان الموجودة شرعا وجعل العقد عليها كالعقد على الأعيان وذكر الضرب الثالث وأعاد فصل الطهارة بزيادة تقريرات وذكر عبارات رائعة في ذلك والتعليل في ذلك بعيد جدا وذكر الضرب الرابع وأعاد فصل الكتابة وحكى عن مالك أنه يوجب الكتابة وعندي أن هذه النسبة إلى مالك خطأ وإنما القول بوجوب الكتابة قول داود١ على الخصوص ومذهب مالك أن الكتابة مستحبة وهو مذهب الكافة٢ وجواز الكتابة خارج عن قياس سائر العقود وإنما جوز لنوع نظر وإرفاق للعبد ولهذا لزم في حق السادة ولم يلزم في جانب العبد لأن إلزام العقد في جانب العبيد يخالف النظر لهم وترك إلزامه في جانب السادة يخالف ما وضع عقد الكتابة لأجله ولأجل هذا الأصل جاز أن يبدل كسبه مع أنه عبد سيده سيجه وتنجز العتق من سيده فدل أنه مشروع محض النظر للعبيد وبهذا الوجه ندب السادة إلى فعل هذا العقد وكره لهم تركه إذا طلب العبيد ذلك ولهذا\n_________\n١ وهو قول عطاء وعمرو بن دينار انظر الأشراف لابن المنذر \"٢/١٧٤\".\n٢ وهو قول مالك والشعبي والحسن البصري وبه قال مالك والثوري والشافعي انظر الأشراف \"٣/١٧٤\" المعونة \"٢/١٤٦٣\".","vol":"2","page":181},{"text":"الأصل وجب الإتيان لأن العجز من العبيد في أداء الأموال على التمام والكمال متوهم وأوجب حط بعض ذلك البذل عنهم ليتمحض العقد مرفقا للعبيد بكل وجه وذكر تعلق أصحاب أبى حنيفه في البيع الفاسد في الكتابة وهو تعلق معروف ثم. قال: وقال الشافعى: لا يقبل هذا القياس فإن الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاملات والفاسدة متفرعة عليها فإذا انحسم مسلك القياس في الأصلين يعنى البيع الصحيح والكتابة الصحيحة ويترتب عليه امتناع القياس في الفرعين وقال أصحاب أبى حنيفة: إذا ثبتت الكتابة والتحقت بالمعاوضات المحضة فلا ينظر بعد ذلك إلى خروجها عن قياس المعاوضات ولكنها تقضى فيها وعليها بقضايا المعاوضات حتى يقول بشرط فيها من التراخى وإعلام العوض واتصال الإيجاب بالقبول ما يشترط في المعاوضات فاعتبار البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة أولى من النظر في التفاصيل بعد تسليم الأصل والفاسد في كل باب حايد عن موجب أصله وكذلك فسد فإذا لم يمتنع إلحاق الفاسد بالصحيح في الكتابة مع حيد الفاسد عن الحقة الصحيحة فلا ينبغى أن يمتنع مثل ذلك في البيع والحاقة بالكتابة قال: ونحن الآن نقول: هذا الجمع لا ينتظم في مناظم المعانى ولا يجمعه قياس معنوى من قبل إن شرط المعنى انقداحه واتجاهه في الأصل ثم إذا تقرر في الأصل معنى واطرد في الفروع فحينئذ يجمع الجامع بالمعنى وليس معنا معنى متضمن لتنزيل الكتابة الفاسدة منزلة الكتابة الصحيحة فإن الذى لا يتمارى فيه الناظر من نظره أن الفاسد ليس مطابقا للشرع والأحكام تثبت إذا جرت أسبابها موافقة للشرع ويتهون على الرشيد الفطن تقرير خروج الكتابة الفاسدة في نزولها منزلة الكتابة الصحيحة عن القياس المعنوي والاعتبار الكلى فإذا فعل ذلك انحسم مطمع الخصم في قياس المعنى ولكن النظر إلى التشبيه فإن علة الخصم انحسام المعنى واجتزاء بالشبه فقال البيع الفاسد بالإضافة إلى الصحيح يشبهه الكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الصحيحة ولا يلتزم أبدا معنى في الأصل وآخر في الفرع فالذى يدرأ ذلك النقض الصريح فإنا لم ننزل كل فاسد منزلة الصحيح بدليل النكاح وأقرب من ذلك البيع فإن فاسده من غير قبض لم ينزل منزلة صحيحة قال: والشبه لابد في طرده فإذا لم يطرد وانتقض انحل ولم يبق له عمل وإذا سقط الشبه طولبوا بالمعنى وإلحاق الفاسد بالصحيح قال: ومما نذكره في هذا أيضا أن الكتابة الفاسدة في وضعها مخالفة للبيع الفاسد على رأى المخالف فإن المكاتب بالكتابة الفاسدة يتسلط على اكتسابه بنفس العقد تسلطا وينفذ تصرفاته فيها على الصحة","vol":"2","page":182},{"text":"نفوذها في الكتابة الصحيحة وليس البيع الفاسد كذلك وإن اتصل به القبض وقال من دقيق القول في ذلك أن تحصيل العتاقة موجود الصفة ما يوجب القضاء لصحته فإن تعليق العتق على أداء العوض الفاسد صحيح وإن فسد العوض ثم التعليق إذا صح فحقه أن لا يرفع وأثر فساد الكتابة في دفع وجوب التعليق والكتابة عقد أخذ من قياس بابين وعقدين أحدهما المعاوضة والثانى تعليق القول والعتق أنفذ التصرفات وأغلبها فإن مؤقته يتأيد ومبعضه يتم فالوجه استيلاء حكمه فلم يكتب معنى التعليق صفة الفساد من فساد المعاوضة وإذا لم يفسد عتق بجهته. ثم قال: وهذا منتهى كلام الفقهاء وأنا أذكر مسلكا أصوليا يغنى عن جميع ذلك فأقول قد مهدت أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا يجرى فيها تمهيد أصل قياسا على أصل وإنما تجرى الأقيسة من الأصول على الأصول وإذا لاحت المعانى قال: والمعنى المخيل في الكتابة هو الاستحثاث على مكرمة من المكارم مثل الطهارات فالطهارة واجبة مكرمة والكتابة مستحبة مكرمة قال: وإنما يظهر المعنى في الضروريات والحاجات قال: فالبيع من الضرورات والكتابة من المكرمات فكيف ينقدح بسببه فاسد هذا بفساد البيع وهذا القائل مع هذا التطويل لم يخرج عن أشكال الكتابة فإن الإشكال في الكتابة أنه لابد من أنعقاد الكتابة ليقع بها العتق والفساد لم يخرج من انعقادها فينبغى أن لا يمنع أيضا من انعقاد البيع وإذا انعقد وجب أن يفيد موجب لأن العقد لا ينعقد إلا لموجبه فالملك موجب البيع والعتق موجب الكتابة فإذا انعقدت الكتابة الفاسدة لإفادة موجبه فلينعقد البيع الفاسد لإفادة موجبه وعلى الجملة ما ذكره للأصحاب في دفع قياس البيع على الكتابة كان أبين وأظهر من الذى اعتمد عليه واستخرجه بذكره.\nوقد قال على هذا الإشكال الذى ذكرناه أن الوجه في دفعه مسلكان:\nأحدهما: أن يدعى أن الكتابة صحيحة في جهه مقصودها أى في العتق.\nوالمسلك الثانى: وهو الأصل أن لا يلزم في أقيسة المعانى النقض.\nواعلم أن فضل الكتابة في البيع الفاسد في نهاية الإشكال ولأنى أعرف في جملة مسائل الخلاف ما يقارب هذا الإشكال إلا اليسير القليل ومن أراد دفع هذا الفصل فأولى الفصول أن يبين فساد البيع ويبين أن الفاسد غير مشروع وإذا كان غير مشروع لا يثبت بع حكم مشروع لأن الحكم المشروع لا يبتنى إلا على سبب مشروع ثم الكتابة لا ترد على هذا لأن هذا أصل من الأصول وقاعدة كلية من قواعد الشرع فلا يجوز","vol":"2","page":183},{"text":"الاشتغال بإيراد النقض عليه وهذا كما أنه لا يجوز إيراد النقض على الكتاب والسنة فلا يجوز إيراد النقض على مثل هذه القواعد والأصول الثابته بالدلائل القطعية نعم وقد اعتنيت في كتاب الاصطدام زيادة اعتناء في الكلام على هذا الفصل واعترضت على كل ما قاله الاصحاب ثم اعتمدت في آخر الأمر على فصل وهو نهاية الإمكان وأحببت إيراده في هذا الموضع فقلت: الكتابة عقد عتاقة والعتق مبنى في الشرع على أنه يجب السعى في تحصيله ويطلب وجوده بالتمسك بأدنى شئ يمكن التمسك به من وجه ولهذا يكتفى في سببه ومحله بما لا يكتفى به في سائر عقود الأملاك أما المحل فالدليل عليه أنه لو أعتق جزءا من عبد وإن قل سرى إلى جميع الأجزاء مع ترك مباشرة العتق في سائر الأجزاء واقتصاره على عتق هذا القدر وأما السبب فلأن الشرع قد اكتفى به في تحصيله بمجرد القرابة ويعقد من السيد مع عبده في الكتابة بأداء ماله إليه في قوله إذا أديت إلى كذا فأنت حر وأيضا فإن الشرع حقق سببه بتحصيله من غير وجود تحصيل لذلك من الإنسان. ألا ترى أن في قوله أعتق عبدك عنى على ألف درهم فإن الشرع حكم بتحصيل الملك فيما يعود إلى تحصيل العتق من غير أن يوجد من الذى يعتق عليه بتحصيله ومثل هذا لا يوجد في حكم ما وأيضا فإنه احتمل فيه من الغرر والخطر ما لا يحتمل في شئ من المواضع وإذا عرف هذا الأصل في العتق منقول به في الكتابة باشر سبب العتق وأخل بشرطه فيجعل الشرط المتروك كالمذكور فيما يرجع إلى العتق كما جعل السبب المذكور في بعض المحل كالمفعول الموجود وإن لم يفعله فيجعل هنا أيضا الشرط المتروك من إعلام العوض وغيره كالمذكور والمشروط وكذلك جعل السبب المتروك تحصيله كالمحصل في المسألة التي قلناها فأما سلامة الاكتساب والأولاد وفك الحجر وغيره ابتاع في هذا العقد فإذا اعتبر هذا العقد شرعا فيما هو الأصل لحق به الاتباع. والحرف أن الإعتراض عن حكم الفساد في الشرع وقع لأجل العتق كما حصل الإعراض عن باقى المحل في المعتق بعضه ويتبين صحة هذا الجواب بأصلهم فإن عندهم البيع الفاسد لا يوجبه الملك بنفسه وإذا أوجبه أوجب ملكا مستحق النقض والفسخ وأما عقد الكتابة فيوجب العتق على ما يوجب الصحيح منها ووجب بها عتق مستقر ينقضى ولا يرفع وليست هذه المفارقة عندهم إلا لأن العقد عقد عتق وهذا الجواب نهاية الإمكان ولا يعرف معنى في الكتابة ووقوع العتق بها عندنا وعندهم على الوجه الذى قالوه وجعلهم ذلك أسوة الصحيح من كل وجه إلا لهذا المعنى الذى قلت","vol":"2","page":184},{"text":"ولابد في قبوله من فضل نظر وتمام عناية وتأمل على الجهة الحسنى والله المعين بمنه وعلى الجملة والفقه عزيز جدا وقد غلب الجدليون غلبة عظيمة واقتنعوا بدفاع الخصوم ورضوا بعبارات مزوقة فاضلة عن قدر الحاجات والعبارات قوالب المعانى فإذا زادت على المعانى كانت من فضول القول والواجب على الفقيه أن يكون جل عنايته مصروفا إلى طلب المعانى ثم إذا هجم عليها فلا بأس أن يكسوها بالكسوة الحسنة ويبرزها عن خدرها في أحسن مبرز فيصير المعنى كالعروس تترفل١ في حلية وجللة فأما إذا اشتغل بالعبارات وأعرض عن المعانى وكان جل سعيه في التهوين على الخصوم وإيقاعهم في الأغاليط بعبارته خفى الحق والصواب فيما بين ذلك وجواب واحد يقام عليه برهان يكشف عن الحق ويسكن إليه القلب ويزول به تلجلجه خير من ألف جواب جدلى وإن كان يقع به دفاع الخصوم وإسكاتهم والله يعين على ذلك بمنه وطوله إن شاء الله تعالى.\nمسألة: تخصيص العلة\nالعمل أن نشرع في هذه المسألة بذكر طرف مما يفسد به العلة: أعلم أنه قد ذكر الأصحاب ما يفسد به العلة وعدوا وجوها عشرة وأكثر وذكروا:\nالوجه الأول: وهو أن لا يدل الدليل على صحتها.\nوالوجه الثانى: أن تكون العلة منصوبة لما لا يثبت بالقياس كأقل الحيض وأكثره وإثبات الأسماء واللغات وغير ذلك وقد ذكرنا اختلاف الأصحاب في ذلك.\nوالوجه الثالث: أن تكون العلة مشروعة من الأصل لا يجوز انتزاع العلة منه مثل أن يقيس على أصل غير ثابت كأصل منسوخ أو أصل لم يثبت الحكم به وكذا لو كان الأصل قد ورد بتخصيصه الشرع ومنع القياس عليه مثل قياس أصحاب أبى حنيفة غير الرسول على الرسول ﷺ في جواز النكاح بلفظ الهبه.\nوالرابع: أن يكون الوصف الذى علل به لا يجوز التعليل به مثل أن يجعل العلة اسم لقب أو نفى شئ على قول من لا يجيز ذلك أو شبها على قول من لا يجيز قياس الشبه أو وصفا لم يثبت وجوده في الأصل أو في الفرع.\nوالخامس: أن لا تكون العلة مؤثرة في الحكم وهذا قد سبق.\n_________\n١ أي: تمشى متبخترة انظر القاموس المحيط \"٣/٣٧٤\".","vol":"2","page":185},{"text":"والسادس: أن تكون العلة منتقضته وهى أن توجد وبها حكم معها والكلام في هذا سيأتى.\nوالسابع: أن يمكن قلب العلة وهو أن يعلق عليها نقيض ذلك في الحكم ويقاس على الأصل والكلام يأتى في هذا أيضا.\nوالثامن: أن لا توجب العلة حكم به الأصل وذلك أن يفيد الحكم في الفرع بزيادة أو نقصان عما يفيدها في الأصل فيدل ذلك على فسادها وذلك مثل أن يقول الحنفي في إسقاط تعيين النية في رمضان لأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى التعيين كرد الوديعة وهذا لا يصح لأنه لا يفيد في الفرع غير حكم الأصل لأنه يفيد في الأصل إسقاط التعيين مع وجوب أصل النية ومن حكم النية أن يثبت الحكم في الأصل ثم يتعدى إلى الفرع فينقل حكم الأصل إليه.\nوالتاسع: أن يعتبر حكما بحكم مع اختلافهم في الوضع وهو الذى تسمية الفقهاء فساد الوضع والاعتبار وذلك مثل أن يعتبر ما بنى على التخفيف على ما بنى على التغليط وما بنى على التغليط على ما بنى على التخفيف وما بنى على التضعيف والتأكيد بما بنى على خلافه وسيأتى هذا أيضا.\nوالعاشر: أن يعارضها بما هو أقوى منها فيدل ذلك على فسادها.\nوهذه الوجوه ذكرها الشيخ أبو إسحاق رحمة الله تعالى في اللمع أوردتها على سبيل الاختصار وحين أذكر وجوه الاعتراض الصحيح على العلة ووجوه الاعتراض الفاسدة يدخل أكثر هذه الوجوه في أثناء ذلك فأما المسألة التي قصدناها وهى مسألة تخصيص العلة وهى داخلة فيما تفسد به العلة فنقول: اختلف العلماء في تخصيص العلل الشرعية وهى المستنبطة دون المنصوص عليها فعلى مذهب الشافعى وجميع أصحابه إلا القليل منهم لا يجوز تخصيصها وهو قول كثير من المتكلمين وقالوا تخصيصها نقض لها ونقضها يتضمن إبطالها.\nوقال عامة العراقيين من أصحاب أبى حنيفة: يجوز تخصيصها وأما عامة الخراسانيين فإنهم أنكروا تخصيصهاوذهبوا إلى ما ذهبنا إليه.\nوقال أبو منصور الماتوريدى السمرقندى القول بتخصيص العلة باطل ومن قال بتخصيص العلة فقد وصف الله تعالى بالسفه والعبث فأما أبو زيد فإنه قال بتخصيص العلة أو ادعى أنه مذهب أبى حنيفة وأصحابه واختلف أصحاب مالك في ذلك أيضا","vol":"2","page":186},{"text":"وقال بعضهم بجوازه وأنكر بعضهم جوازه١ وقال بما ذهبنا إليه.\nومثال التخصيص في العلة ما صار إليه أصحاب أبى حنيفة فإنهم قالوا: إن علة جريان الربا في الذهب والفضة هو الوزن وجعلوا لذلك فروعا من الموزنات ثم جوزوا إسلام الدراهم في الزعفران والحديد والنحاس مع اجتماعهما في الوزن يحكم بتخصيص العلة فانتقضت العلة عندنا واحتج من أجاز تخصيص العلة وقال: إن العلل الشرعية أمارات وليس بموجبات وإنما صارت أمارات بجعل جاعل ونصب ناصب فجاز أن تجعل أمارات للحكم في عين دون عين كما جاز أن نجعل أمارة في وقت دون وقت وربما عبروا عن هذا وقالوا العلة أمارة على الحكم فجاز وجودها في موضع ولا حكم كما جاز وجودها قبل الشرع ولا حكم.\nببينة: أن الدليل الشرعى الظنى يجوز أن يكون دليلا في موضع دون موضع.\nألا ترى أن خبر الواحد يكون دليلا عند عدم نص القرآن قالوا: ولأن تخصيص العلة المنصوصة جائز فكذلك العلة المستنبطة وهذا لأن ما يجوز على الشئ وما يستحيل جواز على الشئ لا يختلف بحسب اختلاف طرقه ولم يوجدفى العلتين إلا اختلاف الطريق فإن الطريق في أحدهما النص وفى الآخر الاستنباط وليس هذا مما يوجب الاختلاف بعد أن يكون كل واحد علة ومما اعتمده الأصولين في جواز تخصيص العلة هو أن العلة الشرعية أمارة بوجدها في بعض المواضع من دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة لأن الأمارة ليس يجب وجود حكمها معها على كل حال وإنما الواجب أن يكون الغالب مواصلة حكمها معها وليس يبطل هذا الغالب بتخلف حكمها عنها في بعض المواضع.\nوالدليل عليه أن وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة لكونه في دار الأمير ولا يخرجه عن كونه أمارة على ذلك أن لا يكون القاضى في بعض الحالات في دار الأمير ويرى مركوبه على بابه. ألا ترى أنا نرى مرة مركوب القاضي على باب الأمير ولا يكون القاضي هناك فإن رأينا مرة أخرى مركوبة على باب الأمير غلب على ظننا كونه في داره ولم يمنع تخلف المرة من وجود الظن وغلبته وكذلك الغيم الرطب في الشتاء أمارة للمطر وقت يخلف في بعض الأحايين ولا يدل إخلافه في بعض الأحايين\n_________\n١ انظر إحكام الأحكام \"٣/٣٥١\" المستصفى \"٢/٣٣٦\".","vol":"2","page":187},{"text":"أو ليس بأمارة.\nقال أبو زيد في تقويم الأدلة: زعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص نقضا لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا غلط لغة وشريعة وإجماعا وفقها أما اللغة فلأن النقض اسم لفعل يرد فعلا سبق على سبيل المضادة كنقض البيان ونقض كل مؤلف ونقض العقد كل قول بخلافه والخصوص بيان أنه لم يكن في العموم. ألا ترى: أن نقض الخصوص العموم ونقيض النقض البناء والتأليف وأما الشريعة فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها والخصوص جائز على عموم النص فتبين أنه لم يكن دخل تحت الجملة ولم يرد به في الابتداء ألا ما بقى بعد الخصوص إلا أنه نقض بعد الثبوت.\nوأما الإجماع فلأن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف القياس فخص النص عن موجب القياس ولولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك والشافعى يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولا بها عن القياس.\nوأما الفقه فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئا غير أن سماه علة ويمكنه الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن يضيف العدم إلى مانع ودليل قام عليه دون فساد العلة وإنما عبروا عن هذا وقالوا إذا علمنا وصفا من جملة المنصوص أنه علة ثم وجدناه في موضع ولا حكم معه فعلم ضرورة أن مانعا يمنع من الحكم وهذا كما أن ما يضاد العبادات وجدناه مبطلا للعبادة ثم إنا وجدنا أكل الناسى وهو مضاد للصوم لا يبطل الصوم علمنا ضرورة أن مانعا منعه من العمل وكذلك وجدنا بيع من هو من [أهل البيع مزيلا للملك] ١ من البائع فإذا وجدنا بيعا فيه خيار البائع ولا يزيل الملك مع [....] ٢ محله علمنا ضرورة أن مانعا منعه من العمل.\nببينة: أنا نرى [فى العلل المحسوسة أنها] ٣ توجد ولا يوجد الحكم لمانع لها من العمل فإن النار علة الاحتراق والنار توجد ولا إحراق لمانع منعها من العمل فإن النار لم تحرق إبراهيم صلوات الله عليه وكذلك لا تحرق الطلق٤ ولا يحرق الذهب والفضة فإذا\n_________\n١ كشظ في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ كشظ في الأصل\n٣ كشظ في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٤ هو دواء إذا طلى به منع حرق النار انظر القاموس المحيط \"٣/٢٥١\".","vol":"2","page":188},{"text":"جاز هذا في العلل الحسية فلأن يجوز في العلل الشرعية أولى.\nوأما دلائلنا في منع تخصيص العلة فنبدأ بما ذكره الأصوليون من المتكلمين قالوا: معنى قولنا لا يجوز تخصيص العلة هو أن تخصيصها يمنع من كونها أمارة وطريق إلى الحكم وإذا بينا أن تخصيصها يمنع من كونها طريقا إلى الحكم فقد تم ما أردناه.\nوبيان أنه يمنع: أنا إذا قلنا علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا كونه موزونا.\nقلنا: إن بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا لا يجوز مع وجود الوزن فالقائل لذلك لا يخلو إما أن يقول نص أو يقول ذلك بعلة تقضى إباحة هى أقوى من علة بتحريم بيع الذهب بالذهب.\nفإن قال علمت ذلك بعلة وهى أنى أقيس الرصاص على أصل مباح.\nفيقال له: بأي معنى تقيس فإن ذكر وصفا من أوصاف الرصاص وقاسه على سائر الأصول التي يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا فإنا إنما نعلم حينئذ حرمة بيع الذهب باذهب متفاضلا بالوزن وبعدم ذلك الوصف الذي جعله علة للإباحة فتبين أنا نعلم بعد التخصيص أنا لا نعلم تحريم شئ بكونه موزونا فقد وأنت جعلت العلة هي الوزن فإن قال: الخصم الأمر كما قلتم غير أنى لا اشترط نفى ذلم الوصف في كون الوزن علة يقال: له سلمت أن العة ليست هى الوزن فقط فهو الذي نريده فإنه لابد من اعتبار نفى وصف آخر. فنقول لك: هلا اشترطت نفى ذلك الوصف؟ فإنك إذا لم تشترط أوهمت أن العة هي الوزن فقط وقد سلمت فساد كون ذلك علة فقط.\nفإن قال: أنا لا أشترط غير أن لا أسمية جزءا من العلة وإن كان التحريم لا يحصل بدونه.\nيقال له: قد ناقضت في هذا الكلام لأنك قد اشترطته في التحريم. ثم نقضت ذلك بقولك لا أسمية جزءا من العلة مع أنك وافقت في المعنى وخالفت في الاسم.\nفإن قال: علمت إباحة بيع الرصاص بنص\nيقال له: هل علمت علة إباحته. فإن قال: علمت فالقول في ذلك قد تقدم وإن قال: لا أعلم علة إباحته. فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا يتعداه لأنها لو تخطته لوجب في الحكمة أن ينصب الله تعالى علمنا على ذلك. لنعلم ثبوت حكمها فيما عدا الرصاص وإذا كان كذلك لم يعلم تحريم بيع الذهب بالذهب إلا لأنه موزون وأنه ليس برصاص. فيبطل بهذا الوجه أيضا أن تكون العلة هى الوزن فقط فثبت أن","vol":"2","page":189},{"text":"التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة والذى يبين هذا أيضا أن الإنسان لو استدل على طريقة في برية بأميال منصوبة ثم رأى ميلا لا يدل على طريقه وعلم أنه لا يدل على طريقه لأنه أسود. فإنه لا يستدل بعد على طريقه بوجود ميل دون أن يعلم أنه غير أسود فقد صح بما أردناه أن تخصيص العلة يخرجها عن كونها أمارة على الحكم ثم الذي يؤيد صحة هذه الطريقة العلل العقلية فإن تخصيصها لا يجوز بالإجماع والعلل الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل. فلما لم يجز تخصيص العلة العقلية كذلك العلة الشرعية.\nفإن قالوا: إنما لم يجز تخصيص العلة العقلية لا لإن الدلالة دلت على تعليق الحكم بها بل لأنها موجبة بنفسها فلا يجوز أن لا يتبعها حكمها إذا وجدت وأما العلة الشرعية أمارة والأمارات يتبعها حكمها وقد لايتبعها.\nقالوا: ولا نسلم أن العلة الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل [ويمكن] ١ أن يجاب عن هذا فيقال: إن العلل الشرعية موجبة أيضا مثل العلل العقلية ولا فرق عندنا [بين] ٢ العلل الشرعية والعلل العقليه. فإن العلة قط لا تكون علة بنفسها إنما تكون علة بالشرع ولولا الشرع لو لم يعرف ثبوت [شيء و] ٣ لا انتفاؤه ولا تحليل شئ ولا تحريمه بالعقل بحال وعلى قول من يقول: إن العقل موجب يقال: لهذا السائل أيضا إنكم تقولون إن الشرائع مصالح والعلل الشرعية وجوه المصالح ووجوه المصالح موجبات أيضا فلا يجوز تخصيصها أيضا كما سلمتم من العلل العقلية.\nوقد قال الأصحاب: إن العلل الشرعية وإن صارت عللا بالشرع إلا أنها بعد ما صارت عللا بمنزلة العقلية في وجوب الحكم بوجودها فوجب أن تكون بمنزلتها في أن تخصيصها يوجب فسادها.\nدليل آخر: وهو أن العلة طريق في إثبات الحكم في الفرع فإنا إذا علمنا أن الوصف علة الأصل ودل الدليل على التعبد بالقياس. فإن الوصف يكون طريقا إلى العلم بحكم الآخر لأن طريق العلم بالشئ أو الظن له لا يجوز حصوله في أشياء. فيكون طريقا إلى العلم أو الظن بأحدهما ولا يكون طريقا إلى ذلك في الآخر والدليل\n_________\n١ كشظ في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ كشظ في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٣ كشظ في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":190},{"text":"على أن الطريق لا يختلف فإن من ظن أن زيدا في الدار بخبر رجل بعيد من الكذب. فإنه لا يجوز أن يخبره ذلك الرجل بكون عمرو في الدار. ثم لا يظنه صادقا وإذا وجب ذلك في الأخبار فلأن يجب ذلك في الأمارات التي دل عليها الدليل أولى.\nدليل آخر ثالث للفقهاء وهو: أن وجود العلة مع عدم حكمها مناقضة والمناقضة من آكد ما يفسد به العلة لأنه يفضى إلى العبث والسفه.\nوالدليل على أن هذا مناقضة أن العقلاء يعدونه مناقضة مفسدة حتى العوام منهم لأن قائلا لو قال: سامحت فلانا لأنه بصرى ثم لم يسامح غيره من البصريين يقول له الخواص والعوام زعمت أنك سامحت فلانا لأنه بصر فهذ بصري فهلا سامحته؟\nفإن قيل: لو اعتذر عن هذا فهلا سامحته فإن قيل: لو اعتذر عن هذا وقال: لم أسامح فلانا وإن كان بصريا لأنه عدوى صح عذره ولم يكن لأحد أن يلزمه نفى اللعداوة في غلبة الأولى. قيل له: يجوز أن يلزم ذلك. فيقال: هلا قلت سامحت فلانا لأنه بصري ولأنه صديقي.\nفإن قيل: [العلة] ١ المؤثرة لا يتصور انتقاضها. قلنا: إذا ورد عليها النقض دل أنها ليست بمؤثرة.\nفإن [قالوا: إن الحكم] ٢ في صورة النقض ثبت بخلاف هذا الحكم بعلة أخرى لا بهذه العلة قلنا: وإذا [....] ٣ علة أخرى من علة والانتقال من علة إلى علة أمارة ضعف [الحكم.... جواز] ٤ صوم غير رمضان بالنية قبل الزوال وقال صوم يتأدى بنية متقدمة على وقت الشروع فيه فيتأدي بنية متأخره عن وقت الشروع فيقال بنتقض بالقضاء فمن يقول بتخصيص العلة يقول في القضاء منع مانع من الجواز\nفإذا قيل له: ما المانع؟ يقول: المانع هو أن الإمساك موقوف على الصوم المشروع في ذلك الوقت وهو النفل فلا يجوز رد تنفيذه على صوم آخر بخلاف صوم رمضان فإنه يوقف الإمساك على الصوم المشروع فيه وهو صوم الفرض. فيجوز تنفيذه عليه وهذه علة أخرى سوى العلة الأولى وقد تطلب هذه العلة. فمن ارتكب مثل هذه المناقضة\n_________\n١ كشظ في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ كشظ في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٣ كشظ في الأصل.\n٤ كشظ في الأصل.","vol":"2","page":191},{"text":"ولم يبال بمثل هذا الانتقال. قلنا: من ضعفه على ضعف غيرته وقلة تصيرته في معنى الفقه والجملة أن النقض لا يلزمه إلا الضعف.\nوقد قيل: أيضا إن من لم يبال بانتقاض علته يلزمه القول بتكافئ الأدلة وهو ساقط بالاتفاق.\nوبيان ذلك: أن من قال في محاولة تحليل النبيذ هو مائع فيحل شربه كالماء والمعلل غير مبال بلزوم الخمر نقصا لأنه يقول بتخصيص العلة فللمعترض أن يقول مائع فيحرم كالخمر ولا يبالى بالنقض بالماء لأنه يقول بتخصيص العلة فيتكافأ الدليلان وليس أحدهما بأولى من الآخر وقد اعترضوا على هذا وقالوا بطلان هذين التعليلين إنما كان لوقوعهما طردين خارجين عن مسلك المعانى والأشباه المعتبرة والنطق بمثل هذا باطل.\nونحن نقول: إنما قلتم معنى مبطل وما قلناه أيضا معنى مبطل فبطلت العلة من وجهين. وقد قال: أصحابنا إن القول بتخصيص العلة يؤدى إلى ما ذكرناه من تكافئ الأدلة يؤدى أيضا إلى أن يتعلق بالعلة الواحدة حكمان متضادان وذلك أنه إذا وجدت العلة في أصلين واقتضت التحليل في أحدهما دون الآخر لم ينفصل من علق عليهما التحليل في الفرع اعتبارا بأحد الأصلين ممن علق عليها التحريم في ذلك الفرع اعتبارا بالأصل الآخر فيتكافأ الدليلان ويستوى القولان وهذ لا يجوز وفى المسألة كلام كثير ونحن رأينا الاعتمادد على هذه الدلائل الثلاثة وهى أقوى ما يعتمد عليها وقد أيد ما قلنا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] والنقض من الاختلاف فدلت المناقظة على أن الدليل ليس من عند الله تعالى وما لا يكون من عند الله لا يكون حجة في حكم الجواب\nقلنا: أما قولهم: إن العلل الشرعية أمارات بجعل جاعل.\nقلنا: من تعنى الجاعل إن عنيت المعلل فلا نسلم أنها صارت علة بجعل الجاعل.\nبل هى علة شاء المعلل أم أبى وقد يقصد المعلل إثارة حكم فيظهر العلة المؤثرة بغير ذلك الحكم وإن عنيت بجعل الشرع فمن أين لكم أن الشرع جعل هذا أمارة في موضع دون موضع؟ ثم نقول: الأمارة المعتبرة لنا الحكم عليها الأمارة اللغوية للظن وبالنقض يذهب قوة الظن أو يقال: هو أمارة بشرط أن لا ينتقض كما هو أمارة بشرط أن لا يعارضها نص كتاب أو نص خبر وأما تعلقهم بالعلة المنصوبة قلنا: من","vol":"2","page":192},{"text":"أصحابنا من قال: لا يجوز تخصيص العلة المنصوص عليها١ لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة ومتى وجدناها مع عدم الحكم علمنا أنها بعض العلة غير أنا لا نقول: إن العلة الشرعية منقوضة لأن الشرع لا تناقض في كلامه فإذا كان مخصوصا علمنا أنه لم ترد كل العلة وأما المعلل يجوز أن يناقض. فإذا أطلق التعليل ودخل التخصيص وهو مناقضة كما بينا علمنا أن ما ذكره ليس بدليل أصلا إن سلمنا أن تخصيص العلة التي نص عليها يجوز ولا يجوز تخصيص العلة المستنبطة فالفرق بينهما أن العلة المنصوصة دليل صحتها النص فحسب وقد وجد فصحت وأما العلة المستنبطة فدليل صحتها التأثير أو الجريان على ما سبق وبالتخصيص بطل الجريان ويبطل التأثير أيضا لأنه تبين أنه ليس بأمارة أو تبين أنه لا يفيد قوة الظن وإنما صارت العلة علة لقوة الظن فإذا فات الظن فاتت العلة.\nوأما كلامهم الذي اعتمدوا عليه: قلنا: لا ننكر أن توجد الأمارة في بعض المواضع من غير حكمها لكن إذا علمنا انتفاء حكمها في بعض المواضع العلة من العلل شرطنا في كونها أمارة انتفاء تلك العلة وانتفاء الموضع الذي لم يوجد حكم العة فيه حكمها ولا يكون العلة المذكورة طريقا إلى الحكم إلا إذا علمنا انتفاء ما شرطنا انتفاؤه وعلى أن بطلان العلة لمكان التخصيص أثبتناه بوجود المناقضة في كلامه أو لفوات التأثير الذى هو المعتمد في صحة العلة وفى المواضع التي استشهدوا بها في الحسيات ليس الموجود بكلام حتى يكون مناقضا وأما على قولنا: إن التأثير يفوت بالتخصيص فإنما أردنا بالتأثير قوة الظن وكذلك نقول في تلك المواضع إن قوة الظن تفوت خصوصا إذا تكرر رؤية دابة القاضى على باب الأمير من غير أن يكون القاضى ثم وكذلك إذا تكرر وجود الغيم ولا مطر والإشكال مع ما قلناه قائم لأنه تمكن دعوى زوال الأمارة في الغيم الرطب وفي الموضع الآخر بوجود الإخلاف مرة أو مرتين فكذلك في مسألتنا وجب أن لا تزول الأمارة بوجود التخصيص في موضع أو موضعين إلا أنا نقول: لابد أن تضعف الأمارة بما ذكرنا ولابد من توفر القوة من كل وجه لأن هذا ظن يثير حكما شرعيا فلا بد من بلوغه نهاية القوة وأن لا يتوهم في الظن قوة وراء قوته حتى يصح تعليق الحكم الشرعى به وذلك بوجود الإطراد حتى لا يخلف هذه الأمارة في موضع ما. فإذا اختلف لم يتوفر للحكم القوة من كل وجه وهذا جواب حسن\n_________\n١ انظر إحكام الأحكام \"٣/٣١٥\".","vol":"2","page":193},{"text":"اعتمدته وهو بمحل الاعتماد.\nفإن قال قائل: أليس أنكم لم تجعلوا الإطراد على صحة العلة.\nقلنا: الدليل الأصلى في صحة العلة هو التأثير إلا أن الإطراد شرط لما ذكرنا وهو أولا يضعف الظن فوجب ترك تعليق الحكم به وأما الذى ذكره أبو زيد فليس فيه كبير دليل.\nوقد بينا دلائل سوى ما ذكرناه وبينا وجه تأثير التخصيص في العلة [وأنا نقول: إن تخصيص العام المطلق لا يجوز كما لا يجوز تخصيص العلة المطلقة أن كل واحد منهما دليل] ١ والذي تعلق به من جواز تخصيص العموم.\nفالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا نقول: إن تخصيص العام من أدلة الشرع والدليل إذا اختلفت عدالته بطلت شهادته وإنما يجوز تخصيص العام المقيد ويتبين عند وجود علم التخصيص أنه كان مقرونا في الابتداء ولا يكون ذلك نقضا لدلالته وإنما كان النقض أن يقال: كان مطلقا مقيدا. وهذا الجواب فيه نظر على المذهب.\nوالجواب الثاني: إن لفظ العموم لفظ لغوى يجوز أن يشتمل على كل ما يصلح أن يكون أسما له ويجوز أن يشتمل على بعضه.\nألا ترى: أن أهل اللغة يستعملون ذلك على كلا الوجهين ولهذا نقول إذا ورد في الابتداء لابد من النظر في الأدلة. ثم إذا لم نجد مخصصا يعتقد عمومه فصار اللفظ العام محتملة لا يستقر قرار المراد بنفسه إلا بعد السير والنظر في الأدلة فلم يمتنع بذاته على المخصوص به.\nواما المعنى فشئ له مقصود خاص. فمتى قام الدليل على صحته بالتأثير استقر المراد به. فلا يجوز أن يختلف المعنى المؤثر وهذا اختلف تغيرت صفته وأذا تغيرت صفته تغيرت سمته. وعندي أن الجواب بحرف واحد وهو أن العام كان حجة فيما يتناوله بنفس تناول اللفظ له وذلك التناول فيما وراء المخصوص لا يبطل بالتخصيص وأما\n_________\n١ ثبتت العبارة في الأصل هكذا:\n[وقد بينا دلائل سوى ما ذكرنا وبينا وجه تأثير التخصيص في العلة والذي تعلق به من جواز تخصيص العلوم فالجواب عنه وجهين: أحدهما: أنا نقول إن تخصيص العام المطلق لا يجوز تخصيص العلة المطلقة؛ لأن كل واحد منهما دليل. أحدهما: أنا نقول إن تخصيص العام ... إلخ] .\nفعدلنا العبارة بعلمنا الضعيف الحقير. طالب العلم/ محمد فارس.","vol":"2","page":194},{"text":"العلة كانت حجة بالتأثير المفيد لقوة الظن وهذا يبطل ويفوت بالتخصيص وعلى هذا يظهر الجواب عن العلة المنصوصة أيضا لأن صحتها بالنص لم يضره التخصيص الواقع عليه.\nوأما المستنبطة فصحتها بالتأثير وشرطها الجريان لئلا تضعف قوة الظن الواقع بها فيمتنع تعليق الحكم به وعلى أن طائفة من أصحابنا سووا بين العلتين في المنع من التخصيص وعلى التسليم قد ظهر الجواب ظهورا قويا وقد سلم أبو إسحاق المروزى وأبو العباس بن القاص وفرقا بشئ طويل على ما هو سمت كلام المتقدمين وحرف الجواب ما قدمنا وفيه بلاغ ومقنع.\nوقد قال بعضهم: إن الشافعى في إنكاره تخصيص العلة مناقض لأنه قال بتخصيص العلة في مسائل كثيرة: منها أنه يقول: إن الواجب على متلف اللبن مثله قياسا على إتلاف كل ماله مثل. ثم خص هذا الأصل في المصراة فأوجب في اللبن المستهلك فيها صاعا من تمر ومنها: أنه علل تحريم الخمر للشدة وقاس عليها تحريم النبيذ وللخمر ثلاث أحكام التحريم والتفسيق والحد وطرد علته في الفرع في الحد ولم يطرد في التفسيق. فإنه لم يرد شهادة شارب النبيذ ولم يحكم بفسقه وأيضا فإنه خص علة الزنا في مسألة العرايا.\nوجوز العقد من غير وجود المماثلة كيلا أو كذلك قد خص ضمان الجنين بالغرة مع مخالفته سائر أجناسه وكذلك الدابة على العاقلة خص من بين المواضع ولا يوجد لها نظير في موضع ما وأمثال هذا كثير وما زال الفقهاء يقولون خص بموضع كذا بدليل كذا وقل ما يوجد أصل من أصول الشرع لم يخص منه موضع.\nوالجواب وبالله التوفيق: أنا لا ننكر وجود مواضع في الشرع وتخصيصها بأحكام تخالف سائر أجناسها بدليل شرعى يقوم عليه في ذلك الموضع على الخصوص فيقال إنه موضع يمتاز من سائر المواضع يختص بالحكم من غير أن يتعرض لع معنى أصلا فيكون ذلك مسلما لذلك الدليل ولا يصدم أصل ولا يصدم هو أصلا ولا يطلب له معنى قبل ما يطلب سائر المواضع وهذا مثل عوض اللبن في المصراة ومثل مسألة الميزابنه ومسألة تحمل العقل ومسألة الجنين وأمثال هذا فكما لا يقول أنه يقاس عليها من غيرها المواضع بمعنى لا نقول أنه تخصيص به أصل عرف بمعنى والقول الملخص في الباب: أن ما تخص به العلة المعنوية إذا عرف معناها ولابد للمخصص من فارق معنوى من","vol":"2","page":195},{"text":"الموضعين فهذا التخصيص ممنوع منه لأنه إذا افترق الموضعان بعلة معنوية مؤثرة في التفريق تبين لنا أن المعلل في نصبه العلة التي خص منها هذا الموضع لم يستوف الحجة ولم يكمل نظره في بيان العلة لأنه لم يكن له غير استثناء المعنى الذى خص به الموضع المذكور ونظيره من جعل الوزن علة بانفراده في تحريم النساء ثم قال: يجوز أن يسلم الدراهم في الزعفران والحديد والرصاص وبين معنى مؤثرا في جواز ذلك خص هذا الموضع في الجواز مع وجود الوزن في الجانبين فحين ذكرنا معنى مؤثرا في جوازه دل أنه بجعله مجرد الوزن علة لم يستوف النظر ولم يدرك تمام الحجة وكذلك من جعل الطعم علة في تحريم الربا ثم قام للدليل أن الطعم مؤثر مع الجنس حتى أن الحنطة بالشعير يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا مع وجود علة الطعم فيها دل أنه لم يستوف النظر فإن لم يبين المعلل معنى مؤثرا في الجنسين فنبين عند ذلك أن الجنس محل وشرط وليس بعلة وكذلك نقول وقد ذكرنا في مسألة علة الربا إنه لا تأثير للجنس بوجه ما وأن التأثير للطعم على الخصوص فمن عرف الأصل الذى قد بيناه سهل له الكلام هذا لأن التخصيص عمله في تفويت قوة الظن بالأمارة وإنما يفوت مثل ما يستند المخصوص منه إلى معنى فأما إذا لم يستند إلى معنى أصلا فلا يفوت بذلك قوة الظن وهذا مثل من يقول إن اللبن من ذوات الأمثال لأن المثل أعدل الواجبين وكونه أعدل منه للقيمة لا يشكل على ناظر فبأن استثنى لبن المصراة من هذا الأصل بنص خصه لا يفوت قوة الظن في سائر المواضع وكذلك إذا قلنا: إن غير الجانى لا يوجد بضمان الجناية فإذا خص هذا الأصل بإيجاب الدية على العاقلة وتحميلهم إياها وسلم ذلك النقض لا يفوت قوة الظن في سائر المواضع وعلى عكس هذا إذا قال: إن الوزن علة الربا ثم قال: إسلام الدراهم في الموزونات تجوز ورام التفريق بين الوزن والكيل في أن الكيل بانفراده يحرم النساء والوزن بانفراده ولا يحرم النساء في هذه الصورة وفرق بما ذكروا من أن الوزن في أحدهما يشبه الكيل والوزن في الآخر لا يشبه الكيل أو قال: إن الوزن في أحدهما وزن الأثمان وفى الآخر وزن المثمنات ثم كان قد جعل أصل الوزن علة فعلى القطع نعلم أنه يزول قوة الظن في كون الوزن علة وقد ذكر بعضهم الكتابة الفاسدة في مسألة البيع الفاسد من هذا الجنس وقال: إذا قلنا: إن البيع الفاسد ليس بسبب شرعى فلا يفيد الملك الشرعى فإذا ألزم الخصم عليه الكتابة فيقال للملزم أتعرف بخروج الكتابة الفاسدة عن قاعدة المعانى أم تدعى جريانها على سمت المعاني؟","vol":"2","page":196},{"text":"فإذا ادعى جريانها على المعنى فلا شك أنه لا يمكنه الوفاء به وإن سلم أنها خارجة على قاعدة المعانى الشرعية وصار يطلب فارقا معنويا بين البيع الفاسد والكتابة. فقال للمعلل: إن النقض إنما يلزم المعلل من جهة أنا نطالبه بطرد المعنى في كل موضع يوجد فيه فإذا سلمت أن النقض خارج حائد عن مسلك المعانى لم يدخل على الأصل المعنوى ولم يبطل به ذلك المعنى ولا فات به قوة الظن وهذا مثل إيجاب الدية على العاقلة لا يرد نقضا على الأصل الذى قلناه من قبل وهذا لأن الشاذ لا يورد نقضا على الأصول الكلية بل يترك الشاذ على شذوذه ويحكم بخروجه عن المنهاج المستقيم على قواعد الشرع بدليل دل على ذلك ولا يحكم بمصادمته أصلا كما لا يحكم بمصادمته أصل أياه وعلى هذا مسألة المزابنة وجعل الخرص سببا لمعرفة المماثلة والخلاص به عن الربا وعلى هذا مسألة الجنين وإيجاب الغرة من غير أن يعرف للجنين حياة ومن غير أن يبلغ بالواجب ضمانات النفوس ومن أحكم ما قدمناه سهل عليه الخروج عن مثل هذه المسائل واعلم أن هذه المسائل ليست ترد على الأصل الذى قدمناه وقد اختار أبو زيد في هذه المسائل جواز القول بتخصيص العلة واستدل بما قدمناه ثم سأل على نفسه سؤالا فإن قيل: لو جاز القول بتخصيص العلة ما اشتغل أهل النظر بالجواز من النقوض كما في العمومات ولاكتفوا بقولهم كانت علتى توجب كذبا فخصصها بدليل وبالإجماع لا يكتفى بذلك وأجاب وقال: إنما لم يكتفوا لأن دعواهم أن هذا الوصف علة قول بالرأى ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل عدم الحكم لفساد العلة واحتمل لمانع ولم تثبت جهة الانعدام لمانع بنفس الدعوى حتى تقيم عليه الدلالة بإظهار المانع في تلك الحادثة دون هذه وأما النظر فلا يحتمل الغلط فلا ينبغى لإنعدام الحكم مع وجود النص إلا الخصوص الذى يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى أن يثبت هذا الوجه ثم قال: وفرق ما بيننا وبينهم في الخروج عن المناقضة أنا خرجنا عن المناقضة بمعنى فقهى وهم خرجوا بلفظ سمعى إلا أن الدفع باللفظ يسير لآنه ظاهر محسوس والمعنى عسر لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر الميسر ولعمرى لو أنصفوا وعدلوا أنفسهم على ترك المعنى الفقهى بسبب الحرج الذى يلحقهم لشكروا من تحمل المشقة وجاهد هواه حتى وصل إليه وذكر في هذا كلاما طويلا ولا حاجة إليه ونحن قد بينا الدلائل المعتمدة في منع تخصيص العلة فيبقي أن يكون الكلام على ذلك والله أعلم.","vol":"2","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>فصل: ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التي لم يثبت الحكم فيها في الاصل</span>\n...\n\"فصل\"\nقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التي لم بثت الحكم فيها في الأصل قالوا كما يجوز أن يثبت الحكم في الأصل بالنص ويستخرج معنى من الأصل ويعدى إلى الفرع وهذا مثل من يقول في أن الشهادة على السرقة لا تقبل عند تقادم العهد بأنه حد من حدود الله تعالى كحد الزنا وليست العلة في الأصل هذا لكن العلة في الأصل توهم الطعن في شهادتهم لأنهم لما لم يشهدوا فقد اختاروا الستر فإذا شهدوا بعد ذلك فالظاهر أنه حملهم على ذلك طعن وهذا لا يوجد في البينة على السرقة لأنه لا بد من الدعوى ولكن قاسوا السرقة على الزنا في المعنى الذي يثبت به الحكم في الأصل.\nوأما عندنا فالتعليل بمثل هذا باطل لأن إقامة الدليل على صحة العلة لابد منه على ما سبق من قبل ولا يمكن إقامة الدليل على صحة هذه العلة لأن التأثير لا يوجد بحال فإنه إذا لم يمكن الحكم به ثبت في الأصل بتلك العلة فكيف يوجد تأثيرها ولا يجوز أن يستدل على صحتها بفساد ما عداها لأن العلة الأخرى صحيحة لم يفسد ما عداها ولا يمكن أن يستدل على صحتها عليها بأن الحكم يوجد بوجودها في الأصل وينتفى بانتفائها لأنا نعلم أنها لو وجدت في الأصل بدون العلة الأخرى لم يثبت لها الحكم وإذا لم يثبت لها الحكم لم ينتف بانتفائها فدل أنه لا دليل على صحة العلة وإذا لم يدل الدليل على صحتها فبطل بهذا الوجه والله المعين بمنه.","vol":"2","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>فصل: وجوه الاعتراض على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك</span>\n...\n\"فصل\"\nوحين ذكرنا في العلل وأوردنا ما يصح منها نذكر الآن:\nوجوه الاعتراض الصحيح على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك:\nاعلم أن العراقيين من أصحابنا ذكروا أن ما يعترض به على القياس من وجوه.\nأحدها: الاعتراض بأن الحكم الذي نصبت له العلة لا يجوز إثباته بالقياس.\nالثاني: الاعتراض عليه بأن ما جعله أصلا لا يجوز أن يكون أصلا.\nوالثالث: الاعتراض بأن ما جعله علة لا يجوز أن يكون علة.\nوالرابع: الاعتراض بالممانعة في الأصل.","vol":"2","page":198},{"text":"والخامس: الاعتراض بالممانعة في الوصف.\nوالسادس: الاعتراض بعلة تصحيح العلة.\nوالسابع: الاعتراض بالقول بموجب العلة.\nوالثامن: الاعتراض بعدم التأثير.\nوالتاسع: الاعتراض بالنقض.\nوالعاشر: الاعتراض بالكسر.\nوالحادى عشر: الاعتراض بفساد الوضع.\nوالثانى عشر: الاعتراض بالقلب.\nوالثالث عشر: الاعتراض بالمعارضة.\nقالوا: إن أول ما يبدأ به السائل من الاعتراض أن ينظر في المختلف فيه هل يجوز إثباته بالقياس فيمنع من القياس إن كان لا يجوز أثباته بالقياس ثم ينظر في الأصل هل يجوز أن يعلل ثم ينظر في العلة هل يجوز أن يكون مثله علة ثم يذكر الممانعة في الأصل إن لم يكن ملما ثم يطلب تصحيح العلة في الأصل ثم يقول بموجب العلة إن أمكنه ثم ينقض ومن الناس من يقدم النقض على موجب العلة ثم يأتى على ما بقى من عدم التأثير والكسر وفساد الوضع ثم يأتى القلب والمعارضة.\nقالوا: وإن خالف ما ذكرناه وبدأ يغير ما قلناه جاز وإن كان قد ترك الأحسن إلا في الممانعة والنقض فأنه لا يجوز أن ينقض ثم يمانع لأن التناقض يعرف بوجود العلة وأما المانع فيمنع وجود العلة فإذا مانع بعد المناقضة فقد رجع فيما سلم وهذا لا يجوز ثم قد ذكروا لكل واحد من هذه الاعتراضات أمثلة ثم نذكر طرفا من ذلك فذكروا في وجه الاعتراض بان المختلف فيه لا يجوز إثباته بالقياس أمثلة:\nمنها: أن يستدل على أمر طريقة العادة والوجود بالقياس.\nومنها: إثبات اللغة بالقياس وعلى هذا قول بعض أصحابنا١.\n_________\n١ إثبات اللغة بالقياس:\nقال ابن جنى: جمهور أهل الأدب على أن القياس يجري في اللغات ووافق أهل الأدب في ذلك بعض الأصوليين كالإمام الرازي والبيضاوي وخالف ذلك جمهور الشافعية والحنفية منهم الآمدى وابن الحاجب فقالوا: لاتثبت اللغة بالقياس ولا يكون حجة فيها. وسنحرر محل النزاع: =","vol":"2","page":199},{"text":"وقالوا: مثال الأول من يعلل في أن التسمية من الفاتحة أو يعلل لنفيها من الفاتحة.\nومثال الثانى: إثبات الحيض للحامل بالقياس.\nومثال الثالث: إثبات اسم الخمر للنبيذ وإثبات اسم السارق للنباش.\nوقال بعض أصحاب أبى حنيفة: إن التعليل لإثبات كون الفراق والسراح١ صريحين تعليل لإثبات اللغة بالقياس ولا يصح وكذلك التعليل لإثبات أصل مثل المساقاة لا يصح لأن الأصول لا تثبت بالقياس وكذلك قالوا: إن الحدود والكفارات لا يجوز إثباتها بالقياس وكذلك الأبدال لا يجوز إثباتها بالقياس مثل استدلال الشافعى ﵁ أن المحصر ينتقل إلى الصوم عند عدم الهدى.\nونحن نقول في الأول وهو مسألة الفراق والسراح أن التعليل لإثبات حكم بالقياس\n_________\nالمستفاد من اللغة: إما أن يكون حكما وإما أن يكون لفظا فإن كان المستفاد منها حكما مثل رفع الفاعل ونصب المفعول فلا خلاف أن القياس لا يجري في مثل ذلك لأن رفع الفاعل أو نصب المفعول ثبت من اللغة بالاستقراء والتتبع لكلام العرب فكان ذلك شبيها بالقاعدة الكلية والقاعدة الكلية لاتختص بالفرد دون فرد آخر وإن كان المستفاد منها لفظا فلا يخلو إما أن يكون علما أو صفة أو اسما أو جنسا.\nفإن كان اللفظ علما أو صفة فلا خلاف كذلك أن القياس لايجري فيها أما العلم فلأنه وضع للذات ولم يوضع للمعنى حتى يمكن انتقال هذا المعنى من محل إلى محل آخر فامتنع القياس فيه لعد الجامع.\nوأما الصفة مثل العالم والجاهل الكريم فلأنها واجبة الاطراد بمقتضى الوضع في كل من جد فيه المعنى كالعلم والجهل والكرم حيث كان الاطراد ثابتا وصفا فالقياس فيها لاحاجة إليه.\nأما إن كان اللفظ المستفاد من اللغة اسم جنس فلا يخلو إما أن يكون له معنى يمكن ملاحظته في غير جنسه أو لايكون له كذلك فإن كان الثاني فلا يمكن جريان القياس فيه لعدم الجامع ولأن الواضع وصفة لكل من تحقق فيه المعنى مثل الذكورة والبلوغ في الرجل والقياس لا حاجة إليه لوجود الاطراد وضعا.\nوإن كان الأول أي: له معنى يمكن ملاحظته في غير جنسه فهو محل النزاع مثل: لفظ الخمر مثلا فإنها وضعت للمتخذ من عصير العنب إذا غلا وقذف بالزبد لمعنى فيه هو المخامرة وهذا المعنى يدور مع التسوية وجودا وعدما فعصير العنب عند المخامرة يسمى خمرا وعند عدمها لا يسمى ذلك.\nفإذا وجد هذا المعنى وهو المخامرة في غير الخمر كالنبيذ مثلا فهل يجوز إطلاق اسم الخمر عليه أو لايجوز في ذلك الخلاف المتقدم انظر نهاية السول \"٤/٤٤، ٤٥\" سلم الوصول \"٤/٤٤، ٤٥\" اصول افقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٥٣، ٥٤\".\n١ ثبت في الأصل \"الصراح\".","vol":"2","page":200},{"text":"والحكم هو وقوع الطلاق بهذا اللفظ من غير نية.\nونقول في الثاني: إن إثبات الأصول والجمل يجوز بالقياس كما يجوز إثبات التفاصيل.\nوأما الحدود والكفارات فقد بينا الكلام فيها.\nوأما الأبدال فعندنا يجوز إثباتها بالقياس إذا أمكن إثباتها على الشريطة التي قلناها وقدمناها من قبل.\nوأما الاعتراض بأن من قاس عليه لا يجوز أن يجعل أصلا. فمثاله: أن نقيس على اصل منسوخ مثل صوم عاشوراء فإنه لا يجوز القياس عليه وكذلك إذا قاس غير الرسول على الرسول ﷺ وكذلك القياس على أصل مركب وقد ذكرنا الكلام فيه وقد قال أصحاب أبى حنيفة: إن القياس على المخصوص من الأصل لا يجوز وقد بينا من قبل جوازه إذا أمكن القياس عليه وذلك بأن عرف له معنى يمكن قياس غيره به عليه وأما الاعتراض بأن يقول ما جعلته علة لا يجوز أن يجعل علة فمثال هذا أن يقول جعلت الاسم علة أو جعلت الشبه علة. أو يقول: جعلت صورة المسألة علة أو يقول جعلت نفى صفة علة أو يجعل الاختلاف أو الاتفاق علة والصورة في هذه الأشياء معلومة. وأما مثال قولنا: إنه جعل الاختلاف علة هو قول القائل في زكاة ما لا يؤكل لحمه حيوان مختلف في جواز أكله فيطهر جلده بالذكاة كالضبع والتعليل للكلب.\nوأما مثال جعل الاتفاق علة فهو مثال ما قاله الأصحاب في المتولد بين الظباء والغنم حيوان منفصل من حيوان يجب فيه الذكاة بالإجماع فأشبه المتولد بين السائمة والمعلوفة.\nواعلم أما قد بينا من قبل أنه لابد من إقامة الدليل على صحة العلة. فكل علة يمكن إقامة الدليل عليه بالوجه الذى قلنا فتلك العلة صحيحة وما لا فلا.\nوأما الاعتراض بأن ما جعله حكما للعلة لا يجوز أن يجعله حكما فمثاله أن نقول في حكم العلة فأشبه ولا يبق الحكم فيه. ومنها أن نقول: فاستوى ولا يصرح بالحكم وقد أخبرنا اختلاف الأصحاب في هذا من قبل\nوأما الاعتراض بالممانعة في الأصل فمثاله أن يقول القائل في موت أحد المتعاقدين في الإجارة عقد على المنفعة فبطل بموت المعقود له كالنكاح. فيقول السائل: لا نسلم أن النكاح يبطل بالموت بل يتم وقد يكون المنع بأحد القولين للشافعى وبإحدى","vol":"2","page":201},{"text":"الروايتين عن أبى حنيفة وقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفه منع الأصل بالقياس الذى يخالف الاستحسان على مذهب أبي حنيفة وهذا منع باطل لأن المذهب عندهم هو الاستحسان والكلام في هذا الأصل يكثر وسنبين من بعد.\nوأما الاعتراض بمنع الوصف فمثاله أن يقول القائل في الاستئجار على الحج فعل يجوز أن يفعله الغير عن الغير فيجوز الاستئجار عليه١. فيمنع السائل ويقول لا يجوز عندي أن يفعله الغير عن الغير\nفإن الحج يقع عن النائب وكذلك قول القائل في الترتيب الوضوء عبادة يبطلها الحدث فيكون التريب من شرطها. فيقول السائل: عندي لا تبطل الصلاة بالحدث إنما تبطل الطهارة به ثم الصلاة تبطل ببطلانها.\nوأما الاعتراض بطلب تصحيح العلة وهذا قد بينا من قبل وقلنا إن المطالبة صحيحة وذكرنا وجه تصحيح العلة ومثاله قول القائل في تحريم النبيذ إنه شراب مسكر ومشتد يدعو قليله إلى كثيره كالخمر فإذا طولب بتصحيح العلة وجب عليه تصحيحها على ما عرف.\nوأما الاعتراض بالقول بموجب العلة ومثال ذلك ما يقول الحنفى في مسألة بيع الغائب عقد معاوضة فلا يبطل بعدم الرؤية وإنما يبطل بالجعالة وسنبين بعد هذا في هذا الفصل ما يتصل به.\nوأما الاعتراض على العلة بعدم التأثير. ومثاله ما نقول في الثيب الصغيرة حرة سليمة ذهبت بكارتها بالجماع فلا يجوز نصر رضاها كالبالغة. فيقول المخالف: ذهاب البكارة لا تأثير له في الأصول ألا ترى أن في المال وفى الولاية على الغلام لا فرق بين الثيب والبكر وقد بينا أن إثبات العلة واجب وسبيل المجيب أن يبين التأثير في مثال آخر وذلك قول القائل في الاستنجاء أنه لابد فيه من العدد فيقول عبادة تتعلق بالأحجار لم يتقدمها معصية فوجب فيها التكرار كرمى الجمار.\nفيقول السائل: لا تأثير لقولك لم يتقدمها معصية لأن ما تقدمته معصية وما لم يتقدمة معصية نحو باب العدد سواء. ألا ترى أن الاستنجاء لا فرق فيه بين أن يتقدمه معصية أو لا يتقدمه معصية في أن العدد معتبر فيه عندكم. وكذلك في رمى الجمار\n_________\n١ الاستئجار على الحج غير جائز في إحدى الروايتين عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة وإسحاق. وهناك من قال: يجوز وهو الرواية الثانية عن أحمد وهو مذهب مالك والشافعي وابن المنذر انظر المغنى \"٣/١٨٠\" رحمة الأمة في اختلاف الأئمة \"٢١١\".","vol":"2","page":202},{"text":"وقد عد المشايخ المتقدمون هذا السؤال في نهاية القوة وأبطلوا به العلة. ونحن نقول إن مثال هذه العلل من نوع الطرديات والصور ولا يجوز تعليق الحكم بها بوجه ما. وقد ذكر الجدليون في هذا النوع من السؤال كلاما كثيرا وكتب الجدل مملوءة من ذلك ولم أر للإتيان بذلك كبير فائدة لأنا إذا قلنا بطرد كل وصف لا يخيل في الحكم ولا يناسبه سقط أمثال هذه الأوصاف إذا دخلت في العلل.\nوأما الاعتراض بالنقض فهو: أن توجد العلة في مسألة ولا حكم ومثاله: قول القائل في مسألة الأجرة عقد على المنفعة فلا يجب فيه تعجيل العوض بنفس العقد كالمضاربة فيقول السائل ينتقض بالنكاح وسنبين الكلام في النقض وجوابه.\nوأما الاعتراض بالكسر١ فقد سموه نقضا من حيث المعنى. ومثاله: ما يقول القائل في بيع ما لم يره المشترى مبيع مجهول الصفة عند العاقد فلا يصح بيعه. دليله: إذا قال: بعتك عبدا. فيقول السائل ينكسر بالنكاح وذلك أن يتزوج امرأة مجهولة الصفة عند العاقد ومع ذلك جاز النكاح. قالوا: والكسر سؤال مليح والاشتغال به ينتهى إلى بيان الفقه.\nوأما الاعتراض ببيان فساد الوضع فهو أن يتعلق بما يوجب التخفيف تغليظا وبما يدل على التغليظ تخفيفا. ومثاله: قول الحنفى في قتل العمد إنه كبيرة فلا يوجب كفارة كالرده.\nفيقول السائل: علقت بها لحكم التخفيف وهو سقوط الكفارة وقد يذكر بلفظ إفساده: ومثاله: قول الحنفى في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به نكاح النبى ﷺ فينعقد به نكاح أمته فيقول السائل هذا اعتبار فاسد لأن الله تعالى خص النبى ﷺ بهذا اللفظ. فقال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فمن جمع بينه وبين غيره بالتعليل فسد اعتباره لأنه تعليل منصوب لإبطال التخصيص الثابت بالقرآن.\n_________\n١ اختلف الأصوليون في تعريف الكسر فعرفه الإمام الرازي والبيضاوي بأنه عدم تأثير أحد جرأي العلة ونقض الجزأ الآخر.\nومعنى هذا أن العلة تكون مركبة من جزأين: أحدهما: لا تأثير له أي يوجد الحكم بدونه.\nوثانيهما: منقوض أي يوجد ويتخلف الحكم عنه.\nوعرفه الآمدي وابن الحاجب: بأنه اختلف الحكم عن الحكمة التي قصدت منه انظر نهاية السول \"٤/٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧\" سلم الوصول \"٤/٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧\" إحكام الأحكام \"٤/١٢٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٣٨\".","vol":"2","page":203},{"text":"واما الاعتراض بالقلب: فمثاله ما يقول القائل في أنه يعتبر الصوم شرطا لصحة الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلا يكون قربة بنفسه. دليله: الوقوف بعرفة فيقلب السائل فيقول وجب أن لا يكون الصوم شرطا في صحته. دليله ما قاسوا عليه.\nوأما الاعتراض بجعل المعلول علة والعلة معلولا فمثاله: قول القائل في ظهار الذمى من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم فيقول السائل لا يصح ظهار المسلم لأنه صح طلاقة ولكن يصح طلاقه لأنه يصح ظهاره.\nوأما الاعتراض بالمعارضة قالوا: قد يكون لعلة مبتدأة وقد يكون بالمعارضة في علة الأصل.\nفأما المعارضة بالعلة المبتدأة. فمثاله أن يقول القائل في إزالة النجاسة بغير الماء طهارة تراد للصلاة فلا يصح بالخل كالوضوء فيعارض السائل فيقول هذا معارض بمثله فأقول عين تصح إزالتها بالماء فيصح إزالتها بالخل كالطيب عن ثوب المحرم.\nوأما المعارضة في علة الأصل فتكون بالفرق ومثال هذا يكثر وقال بعض أصحابنا: الفرق أفقه شئ يجرى في النظر وبه يعرف فقه المسألة فهذا الذى ذكرناه جملة ما ذكره مشايخنا من وجوه الاعتراض على العلة وبعضهم يزيد وبعضهم ينقص وقد نقلت على ما وجدت في الجدل الذى صنفه بعض المتأخرين وقد استكثر الأصحاب في ذكر الأمثلة لهذه الأسؤلة ولا يعتقد صحة هذه الاعتراضات فإن هذه اعتراضات أرباب الظاهر اقتنع بها من يقتنع بظاهر من الكلام وقل وقوفه على حقائق المعانى ولابد من تنحل الأسئلة ووجوه الاعتراضات حتى يعرف الصحيح من ذلك ويعرف الفاسد ويذكر وجه الجواب الصحيح من الأسؤلة ويذكر الاعتراضات الفاسدة أيضا ووجه فسادها والله المعرف على ذلك والموفق له بمنه.","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>فصل: اعلم أن الاعتراض على العلة ينقسم إلى الصحيح والفاسد:</span>\nفالصحيح يكون بالممانعة وهى السؤال الأول ويكون بفساد الوضع ويكون بالمعارضة ويكون بالمناقضة فهذه أربعة من وجوه الأسؤلة وهى أسؤلة صحيحة وأحسنها سؤال الممانعة وسؤال المعارضة.","vol":"2","page":204},{"text":"وأما المناقضة فقد قال كثير من المحققين أنه لا مناقضة على العلة المؤثرة وكذلك فساد الوضع وسنبين وجه الكلام في جميع ذلك ونبين كيف يوجه ذلك.\nأما الممانعة فاعلم أنها أوقع سؤال على المعلل وقيل: إنها أساس المناظرة وبها يتبين الجواب والمجيب من السائل والملزم من الدافع والسائل منكر فسبيله أن لا يتعدى عن دفع حجة الخصم عن نفسه ما أمكنه وعلى هذا ثبتت الخصومة في الدعاوى الواقعة.\nثم الممانعة أقسام:\nأولها: منع ما يدعيه الخصم أنه علة فإن من الناس من يتمسك بما لا يصح أن يكون علة فيجعله عله وهذا مثال ما يتمسك المعلل بالطرد وقد بينا أن الطرد لا يصلح أن يكون علة أو يتمسك بالنفى وقد ذكرنا أن النفى لا يصلح أن يكون علة كذلك قول الحنفى في مسألة تبييت النية إنه صوم عين. فيقول السائل: إنه صوم عين لكنه صوم فرض فيقول السائل: لم قلت: إن الصوم العين متى كان فرضا يصلح أن يكون علة في هذا الحكم وكذلك من قال من أصحابنا في هذه المسألة: إنه صوم فرض فيقول السائل: هو وإن كان صوم فرض ولكنه عين. فلم قلت: إن صوم الفرض متى كان عينا يصلح أن يكون علة لهذا الحكم وكذلك من يعلل في نفى الكفارة عن غير الوطء في الصوم. فنقول: إن الكفارة متعلقة بعين الجماع فلا يشارك غير الجماع الجماع في إيجابها كالقضاء في الحج والحد فيمنع السائل ويقول لا أسلم أن الكفارة متعلقة بعين الجماع وإنما هى متعلقة بإفطار كامل لا بالجماع ومن ذلك قول القائل في مسألة الثيب الصغيرة ثيب يرجى مشاورتها فيقول الخصم يرجى مشاورتها برأى قائم أو برأى يحدث أو بأيهما كان. فإن قال: بأيهما كان يبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه وإن قال برأى قائم لم يجد في الفرع ويتبين بهذا حرف المسألة فإن القاطع هو رأى قائم لا رأي سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث والرأى هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ونحن نجيب عن هذا فنقول: وإن لم يوجد رأى في الحال. ولكن يوجد سبب حدوث الرأى فقام سبب الرأى مقام حقيقة الرأى.\nوأما المجنونة فقد ذكرنا في المسألة على وجوه يخرج فصل المجنونة وربما يقولون قولكم فلا يجوز تزويجها كرها أيش تعنون به إن قلتم نعنى بدون رأيها ولها رأى","vol":"2","page":205},{"text":"معتبر شرعا فلابد أن تقولوا رأى معتبر ثم لا تجدونه في الفرع ويتبين عند ذلك حرف المسألة وهذه ممانعات عائدة إلى محض الفقه وبهذا السؤال يتبين المحقق من الفقهاء من غيره. ثم وهذه الممانعة بعد أن يقع التسليم لأصل القياس في أنه معلل فإن الأحكام لابد أن تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فمن استمسك بأصل فلابد أن يثبت كونه معللا إلا أنه يقال: هذا إنما يتبين كون الأصل معللا بأن يتجه للشيء معنى يصلح كونه علة أو يدل الدليل على أنه علة فالسؤال الصحيح هو الأول ومتى أثبت المعلل صلاحية كون الوصف علة فقد ثبت أن الأصل معلل ويتبين الجواب عن المطالبة وخرج المعلل عن السؤال وهذا أيضا بعد أن يسلم الحكم في الأصل فإنه ربما يمنع السائل الحكم في الأصل وإذا اتجه السائل منع الحكم في الأصل لفابد للمسؤل من إنبائه والنبأ مقبول من المسئول. بل أن يقول السئول إن لم يسلم الفرع فهذا الفرع مبنى على تسليم هذا الأصل فإن لم تسلمه أنبأته بالدليل.\nوالقسم الثاني: من المنع: ما يتجه في العلل المركبة وقد ذكرنا وجه ذلك وقد سبق أن المركبات هى من الطرديات التي لا تصلح للاعتماد عليها إلا في بعض الوجوه وهي التي تؤل إلى المعنى.\nوالقسم الثالث: منع الحكم١ وهو عائد إلى القول بموجب العلة ومثاله أن يقول الحنفى في مسألة بيع الغائب عقد معارضة فلا يشترط في صحته رؤية المعقود عليه فيمنع السائل فيقول: عندي لا يشترط رؤية المعقود عليه أنما يشترط إعلامه وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة مسح الرأس المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل. فيقول: لا أسلم أن الغسل يسن تثليثه إنما يسن إكماله إلا أن إكمال الغسل بالتكرار يكون لضيق المحل ولإكمال المسح الاستعانه لسعة المحل وقد يمانع الحنفى في هذه العلة الحكم من وجه آخر. فيقول في هذه العلة: عندي يسن تثليث المسح لأن المفروض قدر ربع الرأس وعندي يسن مسح جميع الرأس فكان التثليث مسنونا وزيادة ومن منع الحكم قول القائل في مسألة بيع الطعام بالطعام مالان جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض بينهما إذا بيع أحدهما بالآخر كالذهب بالذهب فيقول الخصم القبض ليس بشرط في الأصل وإنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين فرجع إلى حرف المسألة وهذا مثال المنع في الأصل.\n_________\n١ انظر إحكام الأحكام \"٤/٩٨، ٩٩\".","vol":"2","page":206},{"text":"والقسم الرابع: يقع الوصف١ فإن التعليل قد يقع بوصف مختلف فيه مثل قول الحنفى في مسألة الإيداع من الصبى له مسلط على الاستهلاك فمنع. ويقال: ليس بمسلط والإيداع ليس بتسليط وكذلك شفعوى المذهب يقول في يمين الغموس معقودة فيمنع السائل ويقول: لا أسلم أنها معقودة.\nويقول الحنفى في مسألة الجنس: إن الجنس حد وصفى علة تحريمه الفضل فيقول السائل لا أسلم أن الجنس علة بل هو شرط بمعنى أو يحل على ما عرف.\nقال القاضى أبو زيد:\nأقسام الممانعة الصحيحة أربعة:\nأولها: الممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم ليس بحجة؟\nثم في نفس الوصف الذى يدعيه المجيب علة موجودة أم لا؟\nثم في شروطه.\nثم في كينونته واجب العمل به.\nثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة قال:\nأما الممانعة في نفس الحجة فما مر من قبل أن كثيرا من وجوه حجج الناس يرجع إلى دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلا فلابد من إثبات الوصف في الأصل والفرع لأنه ركنه. ثم شروط الصحة لأنها تكون سابقة على دليل وجوب العمل به. ثم دليل التأثير الذى يجب به العمل ثم العلة عامة عندنا وكل هذه الممانعات بالإنكار ومطالبة دلالة العلة.\nقال: وللممانعة في الشرط فقد ذكرنا شروط التعليل قال: ومانع الشرط من شرط يكون ثابتا بالإجماع. فيقول: قد عدم في الفرع أو الأصل وهذا مثل قول الشافعي في السلم الحال أنه أخذ عوض البيع فيثبت حالا ويؤجلاه كالثمن في البيع فيقول السائل لا خلاف أن من شرط التعليل أن لا يغير حكم النص وأن لا يكون الأصل معدولا به عن القياس بحكمه الذى صار به الدليل دليلا والممانعة والتأثير لأن مجرد الوصف بلا تأثير ليس بحجة فلا يصلح للاحتجاج حتى يتبين تأثيره وإن قال في موضع الخلاف ليس بشرط عندي فنقول: المعترض عندي هو شرط فلا يصلح الاحتجاج به على من لا يراه دليلا.\n_________\n١ انظر إحاكم الأحكام \"١/١٠٩\".","vol":"2","page":207},{"text":"وأما القول لموجب العلة فهو سؤال صحيح إذا أخرج مخرج الممانعة وقد بينا نظيره ولابد أن توجه القول بالموجب من شريطة وهى إلى مسند الحكم الذى نصب له العلة إلى شئ مثلما يقول حنفي المذهب في ماء الزعفران: ما خالطه طاهر بالمخالطة لا تمنع صحة التوضؤ. فيقول السائل: المخالطة لا تمنع إنما المانع أنه ليس بماء مطلق وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة تمكين العاملة البالغة جنون أحد الواطئين لا يوجب درأ الحد من الموصوف بالعقل كجنون الموطؤة.\nفيقول السائل: بل أقول بموجبه فإن عندي الجنون غير مانع فما المانع خروج الوطء عن كونه زنا ففى مثل هذه المواضع يتوجه هذا السؤال.\nفأما مع إثباته الحكم من نفى أو إثبات لا يستقيم إلا أن ينتقل السائل إلى مذهبه وقد قال جماعة من الأصوليين: إن القول الموجب ليس بسؤال ولا تبطل به العلة لأنه إذا صحت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تصح العلة وحكمها متفق عليه أولى وسبيل صحته أن يكون الخروج على مسلك المنع والجملة في القول بموجب العلة أن السائل إذا أمكنه القول بموجب العلة مع الاستقرار على الخلاف في الحكم فيتبين به أن المعلل لم يدل في موضع الخلاف ومثاله أن يعلل المعلل في الاعتكاف فيقول لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه نعنى ما دليله الوقوف. فيقول: إن أقول من شروطه معنى ما هو النية فعلى المعلل أن يستدل في موضع الخلاف.","vol":"2","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>فصل: وأما السؤال بفساد الوضع:</span>\nفاعلم أنه سؤال يمكن إيراده على الطرود ويضطر به المعلل إلى إظهار التأثير وإذا ظهر التأثير بطل السؤال وهذا طريق سلكه كثير من أصحابنا المتقدمين وأورد كثير من الأصوليين يرد عند اختلاف موضوع الأصل والفرع وذلك مثل أن يكون الأصل مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويكون الفرع مبتنيا على التغليظ كالوضوء وغسل الرجلين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مخففا أو يكون الأصل مبتنيا على التغليط ويكون الفرع مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مغلطا وقد يأتى فساد الوضع أيضا من اختلاف موضوع العلة والحكم وهو أن يكون مبتنيا على التغليط والآخر على","vol":"2","page":208},{"text":"التخفيف وقد يأتى فساد الوضع أيضا من وجه آخر وهو أن يتقدم حكم الفرع على حكم الأصل ومثاله الوضوء إذا قيس على التيمم في اشتراط النية وذلك أن الوضوء وجب بمكة والتيمم بعد الهجرة فلا يجوز أن يكون شرط ما يقدم وجوبه مستفادا مما تأخر وجوبه لأن الدليل لا يجوز تأخره عن المدلول عليه وكذلك في مسألة الأصل إذا قاسوا الثمن على المبيع فهو فاسد وضعا لأن البيع شرع في المبيع لإيجاب الملك شرط لا ابتداء وفى الثمن لإيجاب الملك ابتداء في الذمة على المشترى للبائع فلما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشترى كان شرطه قيام الملك في المحل.\nقال أبو زيد: فساد الوضع من الشهادة يجرى مجرى فساد الأداء وهو قبل النقص لأنه إنما يشتغل باطراده بعد صحته علة كالشهادة إنما يشتغل بتعديل الشهادة بعد صحة الأداء وهو أقوى من النقص لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال والنقص مجلس يمكن الاحتراز منه في مجلس آخر.\nقال: وبيان فساد الوضع أن الشافعي متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد الزوجين أنها فرقة وجب لاختلاف الدين فأشبه الفرقة بالردة كان فاسد الوضع لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما وقد كان الاتفاق ثابتا قبله وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام والإسلام في الشرع جعل عاصما للأملاك والحقوق لا مبطلا وكان الوصف ثابتا على الحكم\nقال وكذلك الطعم إذا جعل علة لأنه به القوام فهذا فاسد في الوضع لأن المال خلق بذله لحاجته إليه وأشد الحاجات حاجة البقاء فيزيد هذا على ابتذاله وسعة وجه كسبه لا أن يزيد تضييعا حتى أكل طعام الغنيمة قبل أن يخمس بخلاف سائر الأموال. قال: وكذلك من علل لحرمة نكاح الأمه بوجود طول الحرة فإنه مستغن عن تعريض خبر منه للرق فلا تحل له كما لو كان تحته حرة قال وهذا يفسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح نسب الحرية والشرع جعل الحرية مؤثرة في الإطلاق دون الحجر وكذلك اعتبار الحجر عن تسليم الثمن بالعجز عن تسليم المبيع في ثبوت حق الفسخ فإن البيع شرع لنقل الملك في العين واليد للبائع ليعمل العقد عليه فلم يصح العقد قبل أن يقدم ملكا ويدا ولما كان الشراء لإيجاب الثمن ابتداء في ذمة المشترى لا في عين اشتراط في صحته قيام ذمة قابلة لثمن يجب فيها بحيث يقبل النقص بمثلها من غير بشرط القدرة على التسليم بالمثل لأنه لا قدرة إلا بملكه ولم يشترط للجواز قيام","vol":"2","page":209},{"text":"الملك ولا يد في عين مثله ولما لم تكن القدرة على التسليم شرطا للجواز ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا لما فيه من اعتبار ما لم يجعل شرطا لصحة عقد بما جعل شرطا.\nقال: وكذلك إذا قال قائل في الأثمان: إنها أموال فتتعين في التبرعات فتتيعن في المعاوضات فهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال في الذمة. بل للإتيان بعين ماله والمعارضات شرعت لإيجاب الأثمان في الذمم لأن المتعارف بين الناس فعلا هو المتعارف شرعا والمتعارف في الأثمان بين الناس هو العقد بلا إشارة في الأثمان. بل بمجرد التسمية وهى موجبه في الذمة فلما كان الإيجاب في الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى عين كما لو أضاف هبة الألف إلى ذمته فإنه لا يصح وإذا عرف هذا صار اعتبار البيع بالهبة في التعيين وإثبات المحل فاسدا وضعا وقد أجبنا عن هذا وأمثاله في الخلافيات.\nوقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا أن حاصل القول يحصره نوعان:\nاحدهما: أن يبين المعترض أن القياس موضوع على خلاف ما يقتضيه ترتيب الأدلة ومثال ذلك أن يقول: إن التعليل على خلاف الكتاب أو على خلاف السنة ومن هذا أيضا أن يقول إنه بالقياس حاول الجمع بين شيئين فرق الشرع بينهما أو فرق بين شيئين جمعت الشريعة بينهما.\nوالملخص في هذا النوع أن يكون القياس يخالف وضعه موجب متمسك في الشرع هو مقدم على القياس فإذا كان كذلك فيكون القياس فاسد الوضع.\nوالنوع الثاني: أن يكون الوصف مشعرا بخلاف الحكم الذى ربط به وهذا زائد في الفساد على فساد الطرد لأن الطرد مردود من جهة أنه لا يناسب الحكم ولا يشعر به فالذى لا يشعر به ويخيله خلافه يكون أولى بالرد ومثاله ما ذكرناه وهو ذكر وصف يشعر بالتغليظ في روم تخفيف أو على العكس من ذلك.\nقال: وإذا اعتبر القائس القصاص بالدية في الثبوت على الشركاء أو اعتبر الدية بالقصاص في السقوط أو قاس الحد على المهر في طلب الثبوت أو قاس المهر على طلب الحد في محاولة السقوط فقد ذهب جماعة من الجدليين إلى فساد هذا القياس لأن العقوبات تدرأ بالشبهات.\nوأما الواجب بالجنايات يثبت مع الشبهات فاعتبار أحدهما بالآخر في السقوط أو","vol":"2","page":210},{"text":"الثبوت يكون فاسدا في الوضع وقد منع بعضهم قياس الرخص على الوظائف التامة وكذلك قياس الوظائف التامة على الرخص وقد أجابوا عن السؤال من كل هذه الوجوه بإظهار التأثير والإخالة في القياس والجمع بين الفرع والأصل أو الجمع بين العلة والوصف.\nفقد قال أبو زيد وكثير ممن تبعه: إن هذا السؤال لا يرد إلا على الطرد والطرد ليس بحجة.\nوأما العلة التي ظهر تأثيرها وقام الدليل على صحتها فلا يرد هذا السؤال ونحن نقول: نعم وإن كان الطرد ليس بحجة على ما سبق وإظهار التأثير لابد منه ولكن السؤال ينفى وهو أن يقول السائل: لا يجوز أن يدل الدليل على صحة مثل هذه العلة أو يقول لا يجوز أن يظهر له تأثير فلابد في الجواب من نقل الكلام إلى ذلك وبيانه أن الدليل قد قام على صحة هذه العلة فبهذا الوجه صححنا هذا السؤال.","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فصل: الاعتراض بالنقض</span>\n...\nفصل: وأما الاعتراض بالنقض:\nفهو سؤال يبطل به العلة والنقض أن توجد العلة في موضع دون حكمها وقد ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض سؤال صحيح تبطل به العلة ولكن من ألزم عليه نقض فعليه تعليل تلك المسألة التي نقضت علته بيان الفصل بينها وبين المسائل التي يدعى اطراد العلة فيها١.\n_________\n١ من قوادح العلة: النقض ومعناه في اللغة: الحل والإبطال. وعند الأصوليين: هو مجرد الوصف المدعى كونه علة في محل مع تخلف الحكم عنه.\nاتفق الأصوليين على أن النقض إذا كان واردا على سبيل الاستثناء لا يقدح في كون الوصف علة في غير الصورة المستثناة ولا يبطل عليته.\nفإن كان النقض ليس واردا على سبيل الاستثناء فقد اختلف الأصوليين في كونه قادحا أو غير قادح على مذاهب كثيرة أشهرها ما يأتي:\nالأول: لا يقدح النقض في العلية مطلقا سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة وسواء كان التخلف لمانع أو لغير مانع وهذا المذهب هو المعروف عن الحنفية ويسمونه تخصيص العلة.\nالثاني: يقدح النقض مطلقا وهو مذهب الشافعي ومختار الإمام الرازي.\nالثالث: يقدح النقض في العلل المستنبطة ولا يقدح في العلل المنصوصة وهو المختار عند أكثر الشافعية ولا فرق بين الموضعين بين أن يكون التخلف لمانع أو لغير مانع.\nالرابع: هو المختار عند البيضاوي: -يقدح النقض إذا كان التخلف لغير مانع ولا يقدح إذ كان التخلف لمانع ولا فرق في ذلك بين العلل المنصوصة والعلل المستنبطة انظر البرهان \"٢/٨٥٥\".\nإحكام الأحكام \"٤/١١٨\" نهاية السول \"٤/١٤٦، ١٤٧، ١٤٨\" المحصول \"٢/٣٦١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٣١، ١٣٢، ١٣٣\".","vol":"2","page":211},{"text":"قال أبو زيد: النقض لا يرد على العلة المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل يجمع عليه ومثل ذلك الدليل لا ينقض وإنا تجئ المناقضة على الطرد لأن أصحاب الطرد إنما جعلوا العلة علة باطرادها فإذا لم تطرد بطلت.\nقال: وأما المؤثرة لا يرد عليها النقض ولكن يرد عليها الخصوص فيبين المعلل أن الذى جاء ناقضا في الظاهر لا يدخل تحت ما جعله المعلل علة من حيث المعنى وبيان ذلك بطرق أربعة من حيث اعتبار معنى الوصف الذى هو ركن العلة ثم باعتبار معنى دلالة التأثير الذى صار الوصف به حجة يجب العمل بها ثم باعتبار الحكم الذى وقع التعليل لإثباته ثم بالغرض الذى قصد المعلل التعليل لأجله وأثبت الحكم بقدره.\nأما الوصف فنحو قولنا: إن وظيفة الرأس المسح فلا يثلث كوظيفة الخف ولا يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هى إزالة النجاسة الحقيقية.\nألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل منها لأنها أتم ولو كانت الوظيفة مسحا لكره التبديل بالغسل كما في [وظيفة] ١ الرأس.\nقالوا: كذلك قولنا في الدم السائل: إنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم الدم إذا لم يسل لأنه طاهر وليس بخارج لأن الخروج بالانتقال من مكان باطن إلى مكان ظاهر وتحت كل جلدة رطوبة وفى كل عرق دم فالذى هو على رأس الجرح ظهر بزوال الجلدة عنه وقد كانت سترة له ولم ينتقل عن مكانه إلى مكان طاهر من بدنه خلقه فهو مثل رجل ظهر بفتح الباب أو بنقض البناء وآخر ظهر بالخروج عن الباب فالأول ليس بخارج والثانى خارج.\nوأما التأثير وبيان دفع النقض به قال هو مثل قولنا في مسألة تثليث المسح:\n_________\n١ كشط في الأصل.","vol":"2","page":212},{"text":"مسح وإيراد الخصم الاستنجاء عليه ووجه دفعنا ذلك بالتأثير وهو أن صفة المسح إنما صار علة لمنع التثليث لأنه قد ظهر أثره في نفسه من حيث التخفيف لأنه إذا قوبل المسح بالغسل كان المسح في نهاية التخفيف وكذلك ثبت التخفيف له قدر التأدية ببعض المحل وهذا المعنى معدوم في الاستنجاء لأن الأصل المأمور مسح موضع النجاسة بإزالتها فيكون على وصف التغليط مثل الغسل ولا يتأدى أيضا ببعض محل النجاسة مثل ما يتأدى فرض مسح الرأس ببعض المحل.\nقال: وكذلك المسألة الثانية. فإن النجاسة الخارجة إنما كانت حدثا لأنها أوجبت تطهرا في نفسها.\nألا ترى: أنه يجب غسلها إذا سالت عن رأس الحرج كما وجب الغسل إذا سال البول عن رأس القضيب فلما ساوت النجاسة البول في إيجاب الحقيقة ساوت في الحكمية ولا يلزم النجاسة التي لم تسل لأنها تصير كالبول في إيجاب الطهارة في محلها فكذلك في غيره فيتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل يزيد قولا بانعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير.\nوأما الحكم وبيان الدفع به فنحو قولنا: فيمن نذر صوم يوم النحر أنه يوم فلا يفسد النذر بالإضافة إليه قياسا على سائر الأيام ولا يلزم إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض والحيض صفة لها لا لليوم.\nقال: وكذلك على قولنا: إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك الأصل قياسا على البيع ولا يلزم المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم نعلل لبيان المحل الذى يعمل فيه وفى المدبر الغصب سبب للملك إلا أن التدبير منع عمله كما لو باعه.\nقال: وكذلك قولنا: إن الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما يمنع التكفير به كالإجارة ولا يلزم إذا أدى بعض البدل لأن المنافع أحد العوض عن العتق لا الكتابة وهو معنى قول أهل النظر إن العلة المنصوبة للجملة لا تنقض بالإفراد.\nوأما الغرض بوجه الدفع به نحو قولنا: إن التأمين يخافت به لأنه ذكر ولا يلزم التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن يجعل كونه ذكرا علة بشرع المخافتة وإنما وجب الجهر لعلة أخرى وهى أنها شرعت إعلاما والعلة مع كونها علة قد يجب ضد حكمها بمعاوضه أخرى أولى منها.","vol":"2","page":213},{"text":"قال: وكذلك قولنا في الدم السائل: إنه حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم دم الاستحاضة لأن الغرض أن يجعل النجس الخارج علة لنقض الطهارة وهو علة ناقضه للطهارة في الاستحاضة بعد الوقت ولكن امتنع النقض في حال لعلة أخرى مانعة وهى أنها مخاطبة بالأداء فيجب أن تكون قادرة ولا قدرة إلا بسقوط حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن يمنع من عملها لدفع ضرورة العجز في الإمكان فلا يخرج من كونه علة تأخر العمل إلى مدة كالبيع بشرط الخيار ثلاثة أيام وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ونحن لقبنا بالغرض لأن الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وهى أن العموم لم يدخل تحت التعليل.\nقال: وجملة الحد في الخروج عن المناقضة أن المعلل متى أمكنه الجمع بين حكم علته وهذا الذى جاء مناقضا لم يكن نقضا ومتى لم يمكنه يكون نقضا كما في تناقض الدعاوى وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور وبهذه الوجوه من البيان يمكن الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول وذكر بعد هذا كلاما آخر في آخر الفصل لا يحتاج إليه فهذا سر ما ذكره في تقويم الأدلة في دفع النقض وبيان قوله إن النقض لا يرد على العلل المؤثرة. ونحن نقول: إن سؤال النقض بناء على أن تخصيص العلة لا يجوز وإذا لم يجز تخصيصه على ما سبق ذكره فلابد أن يكون النقض مبطلا للعلة وقولهم: إن العلل إذا كانت مؤثرة لا تنقض.\nقلنا: بالنقض يتبين فقد تأثير العلة وهذا قد سبق بيانه.\nببينة: أن الناصب للعلة بنصبه العلة قد التزم طردها وادعى أن هذه العلة متى وجدت فالحكم يتبعها فإذا لم يف بقوله ووجد علة مناقضة بطلت علته لعدم وفائه بدعواه وصحة ما يزعمه.\nفأما دفع النقض فقد اشتغل الجدليون بدفع النقض بمجرد اللفظ وليس ذلك بشيء والأولى أن يدفع النقض ببيان أنه لم يرد على المعنى الذى جعله علة إن كانت العلة معنوية وإن كان قد وقعت له ضرورة إلى جواز العلة حكمية واستقام تعلقه به من الوجوه التي سبقته فسبيل دفعه أن يدفع ببيان أنه لا يرد على ذلك الحكم الذى تعلق به فإن ورد ولم يمكنه دفعه انتقضت علته وبطلت وقد يوجد موضع يظن المتناظر أن يوجه النقض وهو مما ليس يتوجه وقد قيل: إن الإثبات المجمل لا ينقض بمنفى مفصل والنفى المفصل لا ينقض بإثبات مجمل والنفى المفصل ينقض بإثبات مفصل","vol":"2","page":214},{"text":"وكذلك الإثبات المفصل ينقض بالنفى المجمل يعنى المطلق ومثال الأول: أن يقول القائل في قتل المسلم بالذمى محقون الدم على التأبيد فيثبت بينهما القصاص كالمسلمين فينقض تاآخر بما إذا قتله خطأ وهذا لا يرد نقضا لأن نفى القصاص في موضع الخطأ لا يمنع من صحة التعليل من المعلل بقوله فوجب أن يكون بينهما قصاص فلا ينتفى حكم العلة بما يقوله من قول الخطأ فلم يكن نقضا.\nوأما مثال الثانى: إن يقول المعلل مكلفا فلا يثبت بينهما قصاص فإذا نوقض بالمسلمين انتقض لأن ثبوت القصاص بينهما في موضع يمنع صحة التعليل بقوله فموجب أن لا يجرى القصاص وقد احترز بعضهم من النقض بقول المعلل: أنا أقول في الأصل مثل ما أقوله في الفرع ومثاله أن يقول قائل في مسألة المسلم يقتل ذميا هل يقتل فنوجب القود كالمسلم إذا قتل مسلما فينتقض بالخطأ فيقول أنا أقول في الفرع مثل ما قلته في الأصل وإنما أوجب القصاص في العمد دون الخطأ وقد أشار أبو زيد في كلامه إلى هذا الاحتراز وهذا الاحتراز باطل لأن العلل ما صرح به المعلل دون ما أضمره وكذلك الحكم وقد علل بالفسخ وصرح بالحكم بوجوب القصاص وقد ورد النقض على هذا ولم يعلل لاستواء المسلم والكافر في حكم القتل حتى يدفع النقض به فليس هذا الدفع بشئ وقد دفع بعضهم النقض بذكر الأحرار في الحكم مثال أن يقول القائل محقونا الدم على التأبيد فوجب أن يثبت بينهما القصاص إذا قتل أحدهما صاحبه عمدا فإذا نوقض بالخطأ وقال: قد احترزت بقولى في الحكم فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا وقد قيل أيضا: إن هذا ليس بدفع لأن المعلل قد حكم بأن علة القصاص كونهما محقونى الدم على التأبيد فحسب وأنه لا مزيد على العلة التي ذكرتها فإذا قال: وجب أن يوجب القصاص إذا كان عمدا فقد اعترف بانتقاض العلة لأن اقتران الحكم يوجد من الموضعين والحكم يتبع العلة في أحد الموضعين دون الآخر.\nفإن قال هذا المعلل: لا يمتنع أن يكون حقن الدم على التأبيد يؤثر في إيجاب القصاص في العمد دون الخطأ.\nقيل: إن كان ذلك يؤثر في أحد الموضعين لمعنى يختص به أحدهما فينبغى أن نذكر ذلك المعنى في جملة العلة لأن له تأثيرا في غيجاب القصاص وإن لم يكن لذلك المعنى تأثير وكانت الأوصاف المذكورة تؤثر في أحد الموضعين دون الآخر لا لأمر يفترق","vol":"2","page":215},{"text":"لأجله الموضعان فقد اعترف أن العلة تقتضى الحكم في موضع دون موضع مع وجوده تتميما على السؤال والجواب الصحيح عن السؤال أن الشرط المذكور في الحكم متأخر في اللفظ يتقدم في المعنى لأن معنى القياس أنهما محقونا الدم على التأبيد قتل أحدهما صاحبه عمدا لأن صفة العمدية مؤثرة في القصاص فإذا قلنا: على هذا الوجه يتم الدفع وقد دفع بعضهم النقض بوجه آخر وهو أن يحذف الحكم حذفا. فيقول في الثيب الصغيرة: إنها مجبرة الزواج فأشبهت الكبيرة فلو قال: المعلل فلم تجبر على النكاح ينتقض بالثيب المجنونة والثيب الأمة. فإذا قال: فأشبهت الكبيرة نوقض بها بين المسألتين فيقول إنما شبهت الصغيرة بالكبيرة فعلى أن أقول في الثيب الصغيرة ما أقول في الثيب الكبيرة وفى اليب الكبيرة لا تجبر على النكاح إذا لم تكن مجنونة أو مملوكة وأجبرت إذا كانت مملوكة أو مجنونة فلم ينتقض قولى فأشبهت الكبيرة وإنما عللت لهذا وهذا دفع حسن غير أن بعض الجدليين قد قال: إنه لا يجوز التعليل ما لم يصرح بالحكم وقد ذكرنا هذه المسألة من قبل وبينا جوابه وأحسن وجوه الدفع هو الدفع بالمعنى كما تقدم وجهه.\nوقد قال أبو زيد في موضع من كتابه: إن النقض يلجئ إلى إظهار التأثير والقول به مثل من يقول في النية في الوضوء وقياسه على التيمم طهارة الصلاة فإذا نقض طهارة النجاسة فلابد من ذكر التأثير ليتخلص عن النقض وهو أن يقول طهارة حكمية أى حصولها عرف حكما وشرعا لا حقيقة وكذلك قول من قال إن النكاح ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال وهذا يبطل بالبكارة فلا تجد بدا من الرجوع إلى طلب التأثير وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن وكثرة غفلتهن لكن جوز في باب المال لكثرة حاجة الناس إليه وتكرر المعاملات فيه في الأسواق وغيرها فجوز شهادة النساء مع الرجال حتى لا يضيق الأمر على الناس ولا يقعوا في الحرج العظيم وهو معدوم فيما ليس بمال فلم يقبل فيه هذه الشهادة وهذا كما تثبت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا يحضرونها ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال لعدم الضرورة وكذلك قول القائل في أن الزنا لا يوجب لحرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه والنكاح عقد حمدت عليه. فإن قال المعلل فوجب أن لا يشارك هذا في حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال والمهر. فإن قال: في حكم المصاهرة. يقال: ولم قلت فإن قال: لأن الصهرية نعمة والزنا حرام فقد رجع","vol":"2","page":216},{"text":"إلى بيان التأثير ولا يبطل هذا بالوطء في النكاح الفاسد لأن الصهرية هناك إنما ثبت لما فيه من جهة المحل.\nقال: ونحن نقول: إن لزنا معصية والمصاهرة كرامة ولا تضاف الكرامة إلى العاصى ولكن تثبت الصهرية لحراثة الواد في هذا المحل على ما عرف وبينا في موضعه ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه.\nقال: وكذلك قوول القائل: إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل فإذا نقض بالاستيراد أحد الشريكين جارية بينهما يقول إنما أوجبنا الملك في هذا الموضع للشريك لماا فيه من تأويل الحل شرعا لا من حيث العدوان فقد رجعوا إلى تأثير العلة.\nقال: ونحن نقول: إنما أوجب الملك في الغصب لأنه سبب ملك البدل وهذا حكم شرعى ليس بعدوان.\nوكذلك ققول القائل في مسألة المنافع إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف. دليله الأعيان فإذا نقض هذا بالمتلف إذا كان معسرا. قال: هناك يضمن لكن الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة فهذا رجوع إلى التأثير وها هنا المتلف ضامن لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز والعدوان موجب ضمان المثل فلا يمكن الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل وعندنا الأعيان أجود من المنافع مالية وليسا بمثلين وعنهم مثلان ويرجع اللكلام إلى هذا.\nوكذلك قول القائل في إسلام الهروى في المروى أسلم مذروعا في مذروع كما لو أسلم الهروى في المروى. فيقول الخصم يبطل هذا بما إذا شرط شرطا فاسدا. فيقول المعلل إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذى ققلنا فيكون هذا رجوعا إلى حرف المسألة فإن عنده الجنس ليس بعلة محرمة وعندنا علة محرمة فيكون الفساد بالعلة المحرمة لا بالذرع ومرجع الكلام إلى أن الجنس علة أم لا؟ ويبل الطرد فهذا كلام يحسن ونحن لا نرى لللرطد صحة ولابد من بيان التأير غير أن ورود النقض في موضعه يخل بالتأثير ففإنما كام وروده من هذه الجهة ولابد من معرفة بطلان القول بنخصييص العللف ن أيراد المعللل شرع لذلك والله المعين بمنه.","vol":"2","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>فصل: بقية القول بموجب العلة</span>\n...\n\"فصل\"\nوقبل أن نصل إلى سؤال المعارضة قد بقيت بقية فيما يرجع إلى القول بموجب العلة وتفسيره التزام ما أوجبته العلة وقد ذكرنا مثاله وصورته وقد ذكر في تقويم الأدلة أنهم إذا قالوا في صوم النفل: قربة لا يجب المضى في فسادها فلا يجب القضاء في إفسادها قياسا على الوضوء.\nقلنا لهم نقول بموجب العلة فإنه لا يجب القضاء بإفسادها بل وجب بالشروع.\nفإن قيل: فلا يجب بالمشروع والإفساد.\nقلنا: ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضى في فاسدها. بل بالشروع في عبادة تلزم بالنذر ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكرنا من الوصف لأن الأوصاف تذكر عللا وبما ذكر من الوصف لا تصير العابدة محلا يلتزم بالشروع فيه بل بوصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة في بيان أن الشروع ليس بسبب للإلزام الذى فيه النزاع.\nقال: وكذلك قولهم في إسلام المروى في الهروى: إنه جائز لأنه أسلم مذروعا في مذروع. فيقول: من حيث إنه مذروع في مذروع يجوز العقد ويعلق الجواز بهذا الوصف لا بنفي تعلق الفساد بأمر آخر.\nألا ترى: لو شرط شرطا فاسدا ولم يقبض رأس المال في المجلس كان العقد فاسدا فكذلك عندنا صفة الجنس بأنه علة مفسدة وهو كالشرط الفاسد في الإفساد فيلزمه الرجوع إلى بيان أن الجنس ليس بعلة محرمة وكذلك قول من قال في المطلقة الرجعية: إنها مطلقة فيحرم وطؤها كالمطلقة بمال.\nفيقال: [لا] ١ من حيث إنها مطلقة محرمة ولكن من حيث إنها منكوحة محللة كما لو ابانها ثم تزوجها وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر إلى الرجوع إلى بيان ضلل في النكاح أوجب التحريم وهو حرف المسألة.\nقال: وكذلك قولهم في المبتوتة: لا يلحقها الطلاق لأنها منقطعة النكاح. فنحن نقول: الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح ولكن من حيث العدة الواجبة عن النكاح التي هى أثره.\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل يقتضيها السياق.","vol":"2","page":218},{"text":"قال: وكذلك إذا قالوا: في تحرير الكافر عن كفارة اليمين إنه تحرير في تكفير فأشبه كفارة القتل وعندنا لا يجوز لأنه تحرير في تكفير ولكن من حيث أنه ائتمر بالأمر كما يجوز إذا كسا مساكين ولا يجوز بالكسوة في كفارة القتل فيضطر إلى الرجوع إلى بيان أن المطلق يحمل على المقيد أو لا؟\nقال: وكذلك إذا قال: إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ مال الغير بلا تدين ولا تأويل كالغصب. فيقال إنا نقول إن هذه العلة موجبة للضمان لكنا نقول إن القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفى الضمان وهو حرف المسألة.\nقال: وقد يجئ هذا السؤال على أكثر العلل الطردية لأن اصحابهم تعلقوا بأوصاف محتملة أن لا تكون عللا فهذا السؤال يردهم إلى القول بالتأثير وفى هذا السؤال تكلف عظيم ومن يجعل الطرد حجة يستجيز أن يكون بمجرده أمارة على الحكم فلا يرضى بمثل هذا السؤال لأنه يقول: إن علتى صحيحة بوجود الإطراد وصلاحيته علة من حيث إنه لم يقم دليل على فسادها أو لأنه صالح أمارة وعلل الشرع أمارات وهذا القدر لى كاف ولا ينافى بمثل هذا السؤال لأنه يقول: أنا أعلم منك ولا نثبت الحكم بهذه العلة بل نثبته بعلة أخرى ومرجه هذا السؤال ليس إلا هذا القدر لكني مع منعك أجعله علة ولا احتاج إلى إقامة دليل على كونه علة ولا إلى إظهار تأثير لها سوى الوفاء بالإطراد الذى ضمنته وسوى وجود المعنى في الأصل وصلاحية كونه أمارة شرعا وأما من يقول إن الطرد لا يكون حجة وهو الذى نختاره ولابد من كون العلة مؤثرة فمتى طولب بالدلالة على صحة العلة فهو لا يترك إقامة الدليل عليها ويظهر تأثير العلة مناسبة الحكم وإخالته فلا معنى لهذا التكلف الشديد واستخراج السؤال بهذا الاستقصاء بل المطالبة كافية والله المعين بمنه.","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>فصل: السؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة</span>\n...\n\"فصل\"\nفالسؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة وقبل أن نشرع فيه نقول: قد ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير١. ولست أرى لذلك وجها بعد أن يبين المعلل التأثير\n_________\n١ من قوادح العلة: تأثير العلة في الحكم ومعناه: انتفاء الحكم عند النتفاء الوصف في نفس المحل الذي ثبت عليه الوصف فيه. فعدت التأثير معناه وجود الحكم بدون الوصف الذي ثبتت عليه فيه. وقد اختلف الأصوليون في عدم التأثير من حيث كونه قادحا في العلية أو غير قادح فيها على مذاهب ثلاثة:\nالأول: يقدح مطلقا سواء كانت العلل مستنبطة أو منصوصة.\nالثاني: لا يقدح مطلقا لافي العلل المنصوصة. ولافي العلل المستنبطة.\nالثالث: لا يقدح في العلل المنصوصة ويقدح في العلل المستنبطة. نهاية السول \"٤/١٨٣، ١٨٤\" المحصول \"٢/٣٧٥\" البرهان \"٢/١٠٢٢\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٣٢، ١٣٣\".","vol":"2","page":219},{"text":"لعلته وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما أقيم الدليل على صحتها بالتأثير بالوجه الذى قدمناه.\nوقد ذكر مشايخ اصحابنا في سؤال عدم التأثير وتصحيحه كلاما كثيرا وعدوه سؤالا قويا واقعا على المعلل. وقالوا: إذا أورد السائل هذا السؤال فيجب أن ينظر المعلل فإن وجد له تأثيرا في الحكم بين التأثير وإن لم يجد له تأثيرا فله أن يجيب ويقول إن له تأثيرا في طرد العلة والمأخوذ على طرد العلة لا العكس وعلل الشرع من شرطها الاطراد دون الانعكاس بل إذا كانت مطردة منعكسة تترجح به العلة ومثاله ما يحتج به في زكاة الحلى فيقول إنه مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه مباح يسقط عنه الزكاة كما لو جعل مال التجارة للقنية فقالوا قولكم لوجه مباح لا تأثير له في الأصل فإنه إن كان بوجه محظور يسقط الزكاة أيضا فإنه لو كان له إبل سائمة فصيرها معلوفة بعلف مغصوب تسقط عنه الزكاة وإن كان بوجه محظور والمعلل يقول له تأثير في الطرد والعكس غير مأخوذ على بل إذا كانت تطرد يكفى فأجيب عنه أيضا فقيل إن عدم التأثير هو نقض لعكس العلة ولا يلزم نقض العكس.\nوبيان هذا: أنى إذا قلت: مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه مباح فإذا ادعيت عدم التأثير صار كأنك قلت لى: إذا عللت بهذه العلة تصير كأنك عللت بعكسه وقلت إن المال إذا كان مصروفا من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه محظور يجب فيه الزكاة ثم نقضت هذا العكس بالإبل السائمة إذا جعلها معلوفة بعلف مغصوب أو جعلها عوامل في قطع الطريق فإنه مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه محظور والزكاة ساقطة فيكون هذا نقضا لعكس العلة ونقض عكس العلة لا يقدح في العلة بعد أن سلم الطرد والأصل في الجواب عن هذا السؤال أن التأثير إذا ذكر للعلة. فيقول القائل: لا تأثير له غير مسموع والعكس الذى يورده","vol":"2","page":220},{"text":"السائل فسبيل المعلل أن يبين المعنى فيه ويخرجه على المعنى الذى اعتمده.\nوأما الكلام في المعارضة١ فقد قال: أبو زيد ليس للسائل بعد الممانعة إلا المعارضة ونحن قد بينا الممانعة قبل المعارضة سؤالين واقعين وهو النقض وفساد الوضع وذكرنا وجه توجههما على العلة.\nواعلم أن المعارضة قد تكون بعلة أخرى وقد تكون بعلة المعلل بعينها فالمعارضة بعلة المعلل تسمى قلبا٢ وتسمى مشاركة في الدليل.\nومثاله أن يقول المخالف٣: عضو٤ من أعضاء الطهارة فلا يكفى في إيصال الماء إليه ما يقع الاسم عليه٥ دليله الوجه. فيقول خصمه: وجب أن لا يكون مقدرا بالربع قياسا على الوجه وسائر الأعضاء. ويقول القائل: في الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلا يكون بمجرد قربة٦ قياسا على الوقوف بعرفة فيقول خصمه٧: وجب أن لا يكون الصوم شرطه دليله الوقوف بعرفة.\nواختلف أصحابنا في هذه المعارضة فمنهم من قال: هذه المعارضة غير صحيحة لأنها معارضة في غير الحكم الذي علله فلا يلزم الجواب عنه.\nألا ترى: أنه إذا استأنف قياسا في حكم آخر لم تكن معارضة وأيضا فإن أوصاف\n_________\n١ المعارضة في اللغة على سبيل الممانعة فيعم النقض والمعارضة وسائر المقابلات. وفي الاصطلاح: إثبات السائل حقيقة أو حكما بأن يكون ماادعاه بديهيا انظر الولدية في آداب البحث والمناظرة للآمدي ص \"٩٢\".\n٢ وتسمى معارضة على سبيل القلب لقلب المعارض ذلك الدليل على المعلل بأن يقيم على نقيض مدعاه أو مايستلزمه وزيادة دليل المعارض بما يفيد تقريرا وتفسيرا لا تبديلا ولا تغييرا لا تقدح في كون معارضته قلبا كذا في التلويح انظر الولدية في البحث والمناظرة للآمدي ص \"٩٩\".\n٣ أي: الأحناف.\n٤ أي: الرأس.\n٥ فمذهب الحنفية مسح ربع الرأس انظر الهداية للميرغيناني \"١/١٢\".\nوأما مذهب الشافعية ما ينطلق عليه الاسم ولو لبعض شعره أو قدره من البشرة انظر روضة الطالبين \"١/٥٣\".\n٦ فمذهب الحنفية أنه يشترط في الاعتكاف أن يقترن بالصوم انظر الهداية للميرغيناني \"١/١٤٢\".\n٧ أي: الشافعية ومذهبهم لأنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف على المشهور انظر روضة الطالبين \"٢/٣٩٣\".","vol":"2","page":221},{"text":"علة المعلل لا تصلح للحكم الذى ذكره القلب١.\nوقال أبو علي الطبرى: القلب من ألطف ما يستعمله المناظر وهو معارضة صحيحة لأن المعلل لا يمكنه الجمع بين علته وبين موجب قلبه فصارا متعارضين وأنزل ذلك منزلة المعارضة من أصل آخر وقد استدل المخالف في المنع من نقض البناء لرد الساجة بأن في الرد إضرار والضرر والضرار منفى في الشرع. فيقال له: في المنع من الرد أو إطلاق المنع إضرار يعنى لصاحب الساجة فإن منع الملك من المالك ضرر فيتعارض الضرر والضرار فتحصل المشاركة في نفس ما جعل المعلل دليلا لنفسه وكذلك يستعمل مثل هذا في مسألة الملتجئ إلى الحرم فإن المخالف يقول وجب أن يصير آمنا في نفسه. فيقول الخصم له: وجب أن يصير آمنا على نفسه حتى لا يلحقه الفوات والذى قاله من دفع القلب بأن المعارضة وجدت في غير الحكم الذى علل له المعلل فليس بشئ لأن الجمع بين موجبى التعليل إذا تعذر تبين وجود المعارضة وأما قوله: إن الأوصاف ليست بمؤثرة في القلب.\nقلنا: قد تكون مؤثرة وقد تكون مثل أصل العلة من المعلل على أن بينا أن طلب التأثير واجب فإذا بين المعلل التأثير فيجب أن يطلب من القالب التأثير أيضا وعلى هذا ينبغى أن يصحح ماله التأثير وإذا قلب التسوية فقد اختلف فيه الأصحاب والأصح أن لا يكون متوجها لأنه لا يمكن فيه التصريح بحكم العلة ويقال في توجيه سؤال القلب: إنه إذا علق على العلة ضد ما علقه المعلل من الحكم فلا يكون تعليق أحد الحكمين أولى من الآخر فبطل تعليقهما بها وهو على أضرب:\n_________\n١ اعلم أن القلب هو ربط النعترض حكما مخالفا لحكم المستدل بعلة المستدل.\nينقسم القلب إلى:\nأولا: قلب يكون الغرض منه إبطال مذهب المستدل صراحة.\nثانيا: قلب يكون الغرض منه إبطال مذهب المستدل ضمنا. أي بطريق اللزوم.\nثالثا: قلب يكون الغرض منه إثبات مذهب المعترض صراحة.\nوقد اختلف الأصوليون في القلب:\nفذهب أكثر الأصوليون ومنهم البيضاوي إلى أن القلب يكون قادحا في العلية ويقبل من المعترض.\nوذهب قليل منهم إلى أنه غير مقبول انظر نهاية السول \"٤/٢١٠، ٢١١،. ٢١٢\" المحصول \"٣٧٦\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٤٠، ١٤١، ١٤٢، ١٤٣\".","vol":"2","page":222},{"text":"أحدهما: أن يكون الحكمان مفصلين.\nوالآخر: أن يكونا مجملين.\nوالثالث: أن يكون أحدهما مجملا والآخر مفصلا.\nأما المفصلان فضربان:\nأحدهما: أن تناقضا بأنفسهما حتى يقول المعلل وجب أن يجوز.\nوالآخر يقول: وجب أن لا يجوز وهذا شئ لا وجود له.\nوإنما إذا لم يتناقضا بأنفسهما بل بواسطة مثل أن يقول في استيفاء القصاص بغير حق قتل على جملة القصاص فيجوز بالآلة التي وقع القتل بها كما لو قتل بالسيف وقد بينا توجه هذا السؤال لأن أحد الحكمين إذا ثبت انتفى الآخر فليست العلة بأن تدل على أحد الحكمين بأولى من أن تدل على الآخر.\nوأما إذا كانا مجملين:\nفيجوز أن يقول أحدهما: وجب أن يكون من شرط هذه العبادة معنى ما.\nوالآخر أن يقول: وجب أن لايكون من شرطها معنى من المعانى وهذا أيضا لا وجود له.\nوأما إذا كان أحدهما مجملا والآخر مفصلا فضربان:\nأحدهما: أن يكون المجمل على حكم التسوية نحو أن يقول القائل وجب أن يستوى حكم كذا وكذا وقد بينا.\nوالآخر: أن لا يكون على وجه التسوية مثل تعليل المعلل في الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى من المعانى دليله الوقوف فيقول الخصم وجب أن لا يكون الصوم من شرطه وهذا سؤال متوجه لما بينا من قبل بأن اعترض على قلب وجه من وجوه الفساد فسد القلب وصح التعليل المعلل ومن القلب أيضا جعل المقلوب علة وجعل العلة معلولا ومثاله في ظهار الذمي فإن أصحابنا قالوا: من صح طلاقه صح ظهاره فقلبوا وقالوا في الأصل إنما صح طلاقه لأنه صح ظهاره ونظائر هذا تكثر.\nوقد قيل: إن القلب نوعان:\nأحدهما: جعل الأسفل أعلى وجعل الأعلى أسفل كقلب الإناء بجعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله.","vol":"2","page":223},{"text":"والقلب الآخر: أن يجعل باطنه ظاهره وظاهره باطنه مثل قلب الجراب.\nفمثل الأول أن يجعل المعلول علة والعلة معلولا وهو مبطل للتعليل لأن العلة واجبة والمعلول هو حكم الواجب به كالفرع من الأصل فلم يجز أن يكون الحكم علة والعلة حكما فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل ومثاله كثير من ذلك أن يقول القائل في مسألة إيجاب الرجم إن الكفار جنس يجلد أبكارهم مائة فيرجمهم قياسا على المسلمين فيقال في الأصل جنس رجم ثيبهم فجلد أبكارهم وكذلك في قول القائل: إن القراءة تكررت فرضا في الأوليين فتكررت في الأخرتين كالركوع والسجود فيستعمل في الأصل على الوجه الذ بينا وقد أجابوا عن هذا وقالوا: هذا القلب لا يضر لأن الشئ يصح أن يكون دليلا على الشئ وذلك الشئ يكون دليلا عليه كما في العقليات فإن يجوز أن يقال: بوجوده فيجوز رؤيته ويقال يجوز رؤيته فيكون موجودا وكذلك تكون النار دليلا على الدخان والدخان دليلا على النار.\nويتأيد هذا الجواب بقول من قال: أنا أجعل أحد الحكمين دليلا على الآخر ولا أخرج الكلام مخرج التعليل وهذا كلام صحيح إذا ثبت أن الشيئين نظيران شرعا فيدل ثبوت أحدهما على ثبوت الآخر أنهما كانا كالتوأمين فإن عتاق أحدهما إنما كان يدل على عتاق الآخر وأما القلب الآخر فهو أن نجعل العلة شاهدا لك على خصمك وهو من قلب الجراب فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرا فانقلبت وصارت لك على خصمك وقد كان ظهرها أليك فصار وجهها أليك وإنما توجه هذا السؤال لأن العلة لما شهدت لك وعليك في حكم واحد فصار أحدهما يعارض الآخر ويفضى كل واحد منهما [إلى] صاحبه فبطلا جميعا وذكروا لهذا نظيرا وقالوا في قول من قال من أصحابنا إنه صوم فرض فيشترط لصحته نية العين قياسا على صوم القضاء. فيقال في قلبه: صوم فرض فلا يشترط له نيه التعيين بعد التعيين قياسا على قضاء رمضان فإن صوم رمضان متى تعين لم يشترط بعده نية التعيين إلا أنه يتعين بعد الشروع وهذا يتعين قبل الشروع والملخص من القلب بذكر ما هو الوصف في الحكم الذى علل له دون الحكم الذى قاله خصمه وقد ذكر والعكس عند ذكر القلب وجود عكس حكم العلة بقلبها وهو ضد الطرد ونظيره. قول القائل: جنس يجلد أبكارهم مائة فيرجم بينهم وعكسه العبيد كما قال المخالف في الصوم: إنه عبادة يلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع","vol":"2","page":224},{"text":"كالحج وعكسه الوضوء وهذا مما يقوى الاستدلال بالحكم ويدل أنه نظير حيث استويا طردا وعكسا وثبوتا وسقوطا.\nوأما المعارضة بعلة أخرى فنوعان:\nأحدهما: معارضة في حكم الفرع.\nوالآخر: معارضة في علة الأصل.\nأما المعارضة في حكم الفرع فالصحيح في ذلك أنه إذا ذكر المعلل علة في إثبات حكم في الفرع أو نفى حكم فيعارض خصمه بعلة أخرى توجب ضد ما يوجب علة المعلل فتتعارض العلتان فيمتنعان في العمل إلا أن يترجح إحدى العلتين على الأخرى فحينئذ يعمل بالعلة الراجحة. وهذا المعارضة تجئ على كل علة يذكرها المعلل مثاله ما يقول في تكرار مسح الرأس١: إن هذا ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه. فيعارض الخصم فيقول مسح الرأس [مسح] ٢ فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين٣.\nوأما المعارضة في علة الأصل فهو أن يبين في ألصل علة سوى علة المعلل. وتكون تلك العلة معدومة في الفرع ويقول: إن الحكم ثبت بهذه العلة التي ذكرتها في الأصل لا بالعلة التي ذكرتها. مثاله ما يقول الحنفى في تبييت النية إن هذا صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل٤. فيقال: ليس المعنى في الأصل ما ذكرت لكن المعنى في الأصل النفل بناء على السهولة والخفة فلما بنى أمر على الخفة والسهولة له جاز أداؤه بنية متأخرة عن الشروع بخلاف الفرض فإنه لم يبن على السهولة والخفة فلا يجوز بنية متأخرة وهذا هو الفرق الذى جعله كثير من فقهاء الفريقين أقوى سؤال وظنوه فقه المسألة وبه تمسك المناظر من فقهاء [غزنة] وكثير في بلاد خراسان زعموا أن الفقه هو الفرق والجمع وعند المحققين هذا ضعف سؤال يذكر وليس مما تتبين العلة التي نصبها المعلل بوجه لأن نهاية ما في الباب أن الفارق بين الفرع والأصل يدعى معنى في الأصل عدم ذلك المعنى في الفرع ولم يتعرض للمعنى الذى نصبه المعلل. ويجوز أن يكون الأصل معلولا بعلتين وكل علة موجبة للحكم بانفرادها ووجدت إحدى العلتين\n_________\n١ وهو مذهب الشافعية انظر روضة الطالبين \"١/٥٩\".\n٢ زيادة ليست بالأصل.\n٣ وهو مذهب الأحناف انظر الهداية \"١/١٤\".\n٤ انظر الهداية للميرغياني \"١/١٢٧\".","vol":"2","page":225},{"text":"فى الفرع وعدمت الأخرى وإحدى العلتين كافية لوجوب الحكم والحرف أن يقال بأن وجد في الأصل معنى لا يوجد في الفرع من أن ينبغى أن تفسد هذه العلة.\nببينة: أنا ذكرنا يعنى في الفرع ووجد هذا المعنى في الأصل وهو ذكر معنى في الأصل وعدم ذلك المعنى في الفرع والعدم لا يكون حجة والعلة الموجودة لا تعارض بما عدم في العلة ويعتبر مما ذكرنا بعبارة أخرى فيقول ليس فيما ذكر من الفرق إلا وجود علتين في الأصل ووجدت إحدى العلتين في الفرع ولم توجد الأخرى فيقول إذا وجدت إحدى العلتين في الفرع وجب وجود حكمها فيه ولم يلزم انتفاؤه لانتفاء العلة الأخرى لأن انتفاء العلة لا يقتضى انتفاء حكمها إذا خلفتها علة أخرى وأيضا فإن الفارق بين مفارقة الأصل والفرع ووجود المفارقة دليل صحة العلة فإن الأصل يكون مفارقا للفرع في بعض الوجوه ولولا تلك المفارقة لم يمكن الجمع بينهما ببعض الوجوه مفيدا للحكم لأن الشئ لا يدل على نفسه ولأن القياس إلحاق فرع بأصل فلابد من وجد المفارقة بينهما ليكون أحدهما أصلا والآخر فرعا.\nوصورة هذا أنا نقيس الأرز والذرة على الحنطة والشعير في حكم الربا وعلى قطع نعلم وجود المفارقة بينهما في أوصاف كثيرة والمفارقة في تلك الأوصاف لم تمنع صحة القياس.\nوقد ذكر بعضهم نوعا آخر من الفرق وهو أن يبين الخصم في الأصل علة غير علة صاحبه ويعديه إلى فرع آخر واختلفوا فيه وسموا هذا فرق تعدية فبعضهم حكم بصحته وبعضهم بفساده مثاله ما يقول الحنفى في نكاح الأخت في عدة الأخت معتدة عن طلاق فيمنع زوجها عن نكاح أختها دليله المعتدة عن طلاق بائن فيقول خصمه ليس المعنى في الأصل أنها معتده بل المعنى أنها منكوحة لأن عندنا الطلاق البائن لا يقطع النكاح وفى هذه الصورة لا يمكن كل واحد من الخصمين أن يقول بالمعنيين صاحبه فيعارض كل واحد من المعنيين فيبطلان ويبقى الأصل بلا معنى فلا يكون حجة.\nواعلم أنه إذا فرق على هذا الوجه فلابد أن يبين المعلل صحة علته وفساد علة الخصم فإذا بين ذلك بطل السؤال والفرق مع التعدية في مسألة الثيب الصغيرة وإجبار البكر البالغة أبين ولابد من الرجوع إلى حرف المسألة وبيان الإخالة في الوصف الذى يدعيه المعل علة فثبت أن الفرق اعتراض فاسد وكذلك أراه الحكم مع","vol":"2","page":226},{"text":"عدم العلة اعتراض فاسد فإن الحكم ثبت بعلل.\nألا ترى: أن ملك اليمين يثبت بالشراء والارث والهبة وأسباب أخر فثبوت الملك بلا شراء لا يدل على أن الشراء ليس بعلة الملك فكذلك ثبوت الحكم بدون علة جعلها المعلل علة لا تدل أن ما جعله من العلل ليس بعلة بل هو علة وغيره علة فإن وجدت هذه العلة يثبت الحكم وإن وجد غيرها وابعد من هذه يثبت الحكم أيضا وقد ذكرنا من قبل طرفا من هذا١.\n_________\n١ الفرع نوعان: أحدهما: اعتبار ما في الأصل من الخصوصية جزءا من العلة وثانيهما: جعل خصوص الفرع مانعا من ثبوت الحكم فيه.\nفالنوع الأول: يعتبر قادحا في العلية في رأي من لم يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين ولا يعتبر قادحا على رأي من جوز ذلك. والنوع الثاني من الفرع وهو جعل خصوصية الفرع مانعا فإنما يعتبر قادحا مطلقا سواء تخلف الحكم عن العلة أو لغير مانع أما إذا قلنا: إن تخلف الحكم عن الوصف لمانع لا يقدح في العلية فلا يكون النوع الثاني قادحا انظر نهاية السول \"٤/٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٣٧\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٤٦، ١٤٧\".","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>فصل: إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها</span>\n...\nفصل: ونقول: إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها:\nفالمتنافية أحكامها لابد أن يكون أصلها أكثر من واحد ويستحيل أن يكون أصلها واحدا لأنه لو كان أصلها واحدا على وجه واحد لكان قد اجتمع في الأصل حكمان متنافيان وذلك محال.\nومثال التنافى في العلتين المردودتين إلى أصلين: وجوب النية في التيمم ونفى وجوبها في إزالة النجاسة ورد الوضوء إلى إزالة النجاسة بعلة أنها طهارة بالماء ورده إلى التيمم بعلة أنها طهارة عن حدث فالتنافى موجود في هاتين العلتين لتنافى حكمهما وإنما تحقق التنافى لاختلاف الأصلين فأما مع الاتفاق الأصلى فلا يتصور وقد يمتنع كون العلل عللا لوجه سوى تنافى الحكمين وذلك بأن لا يكون في الأمة من علل ذلك الأصل بعلتين. بل تكون الآمة قد افترقوا فكل فريق منهم علله بعلة واحدة وهذا كتعليل من علل تحريم التفاضل في الربا بالطعم٢ وتعليل من علل\n_________\n٢ وهو قول الشافعي وإحدى الروايات عن أحمد انظر المغنى \"٤/١٢٦\".","vol":"2","page":227},{"text":"بالكيل١ وتعليل من علل بالقوت٢ وليس واحد من هؤلاء من يعلله بجميع هذه العلل فوجب القول بتنافى هذه العلل فمن علل في القليل من البر بأنه مطعوم جنس فأشبه الكثير فإذا رد الخصم: وقال: المعنى في الكثير أنه مكيل جنس فلا يمكن للمعلل أن يقول بالمعنيين جميعا كما ذكرنا فلابد من بيان الترجيح وبيان التأثير لإحدى العلتين دون الأخرى حتى تصح العلة المؤثرة وتبطل الأخرى.\nواعلم: أن بعض الجدليين ذهب إلى أن المعارضة غير مقبولة من السائل لأنه ينتهض مستدلا والذى يقتضيه رسم الجدل أن يحصر السائل كلامه كله في الاعتراض المحض يدل عليه أن العلة لا تكون مخيلة صحيحة ألا بعد إقامة الدليل على صحتها وإذا انتصب السائل لذلك تصور بصورة البانيين المبتدئين لا بصورة الهادمين المعترضيين وهذا فصل تعلق به طائفة من الجدليين وهو باطل عند ذوى التحقيق من جهة أن المعارضة اعتراض وإنما قلنا إنه اعتراض لأن العلة التي يتمسك بها المجيب لا تكون حجة ما لم يسلم عن المعارضة فإن المعارضة توجب وقوف الحجة بدليل البينات وبدليل أن القرآن إنما صار حجة عند سلامته من المعارضة وإذا ثبت أن المعارضة تمنع ثبوت الحجة وكان إيراد المعارضة اعتراضا صحيحا لأن الدليلين إذا تعارضا في محل واحد بحكمين مختلفين فلا يكون أحد الحكمين أولى من صاحبه وأيضا فإنه إنما يعتمد في القياس قوة الظن وإذا تعارض الدليلان ولم يظهر ترجيح يفوت قوة الظن لأن الظن إذا قابله مثله يقع بينهما التعارض تفوت الحجة من كل واحد منهما حتى يترجح أحد الظنين على صاحبه فيصير القوة له على الآخر ويكون الحكم له.\nفإن قال: قائل إن السائل وأن قصد الاعتراض ولكنه قد أتى بصورة الدليل المبتدأ فيكون ممنوعا من ذلك.\nقلنا: صورة الأدلة ما امتنعت من السائلين من حيث إنها تسمى أدلة وإنما امتنعت إذا كان السائل مضربا عن قصد الاعتراض آتيا بكلام مبتدإ لا معترضا وقد بينا أن بهذه المعارضة معترض.\nببينة: أنه لما سمع منه اعتراض لا يستقل في نوعه كلاما مفيدا فإذا كان يستقل في\n_________\n١ هو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وإحدى الروايات عن أحمد انظر المغنى \"٤/١٢٥\".\n٢ وهو قول مالك انظر المغنى \"٤/١٢٧\".","vol":"2","page":228},{"text":"نوعه كلاما مفيدا ويقدح في كلام الخصم اعتراضا أولى أن يقبل.\nفالجواب عن المعارضة: أن يعترض عليها المجيب بمسلك من المسالك المذكورة في الاعتراضات الصحيحة أو يبين ترجيح علته على علة صاحبه فإن لم يتأت له واحد من المسلكين كان منقطعا وأن يرجح المجيب علته فللسائل أن يبين ترجيح علته فيعارض الترجيح بالترجيح كما عارض العلة بالعلة ومن نزق١ السائل وقلة فهمه أن يتشوف إلى الازدياد على قصد المساواة فإنه إذا فعل ذلك يكون على منهج المبتدئين لا على منهج المعترضين فيكون حينئذ منسوبا إلى الجهل بمراسم الجدل ولم يقبل منه قصده إلى شئ ورأى المساواة فإن ذكر المعلل ترجيحا واحدا وذكر السائل ترجيحين فهو محاور ليتبوأ القصد وإن عارض ترجيح واحد ولكنه أوقع من ترجيح المسئول فهذا لا يقبل منه فإنه قد لا يوجد غيره.\n_________\n١ النزق هو: السفه بعد حلم. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي \"٣/٢٧٦\".","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>فصل: هل الفرق اعتراض صحيح</span>\n...\n\"فصل\"\nوقد يزعم بعض أصحابنا أن الفرق اعتراض صحيح واستدل في ذلك بأن شرط صحة علة الخصم خلوها عن المعارضة فإذا عارض معارض امتنعت صحتها.\nقال: وحقيقة هذا الكلام راجعة إلى أن المعلل لا يستقر كلامه لما لم يبطل بمسلك السبر كل ما عدا علته مما يقدر التعليل به فإذا علل ولم يسبر بعوض معنى الأصل فكأنه طولب بالوفاء بالسبر ويتبع كل ما سوى علته بالنقض والإبطال. ثم قالوا: هذا راجع إلى تعليل الأصل بعلتين لا يجوز.\nواعلم أن هذا باطل أما قوله: إن شرط صحة التعليل خلوها من المعارضة فليس بشئ لأن المعارضة إنما تكون قادحة إذا وجدتا في حكمين على التضاد واما إذا أدركته علتان لحكم واحد فلا يكون قادحا ولا يسمى معارضة.\nوقوله: إنه لا يصح تعليل المعلل ما لم يبطل كل ما عدا علته فقال لهذا القائل: ومن قال هذا؟ ولأى معنى يجب؟ وإنما وجب عليه أن يذكر علة مخلة في الحكم مناسبة له. ثم إذا وجد لها فرعا ألحقه بالأصل الذي استنبط منه العلة في الحكم٢.\n_________\n٢ السبر معناه البحث والاعتبار والتقسيم معناه: جمع الأوصاف التي يظن كونها علة في الأصل والترديد بينها. =","vol":"2","page":229},{"text":"فأما السبر والتقسيم وإبطال كل علة سوى العلة المذكورة فليس بشئ وقد نسب هذا إلى أبى بكر الباقلانى ومن كلف المعلل هذا أو رام تصحيح العلة من نفسه فقد أعلمنا من نفسه أن الفقه ليس من بابته١ ولا من شأنه وإنما دخل فيه مدعيا له وقد بينا من قبل بطلان قول من يطلب تصحيح العلة بهذا الطريق وبلغنا فيه شفاء يثلج الصدر.\nوقولهم: إنه التزم ذلك من يقول إنه التزم ذلك وأبى في تعليل المعلل إبطال كل علة سوى علته فهذا من الترهات والخرافات وكذلك قول من يقول: إن تعليل الأصل لا يجوز بعلتين وقد بينا هذا من قبل وذكرنا جوازه ومتى يمتنع في شرع أو حكم أن يكون على الحكم الواحد دلائل وهذا أيضا فإن سبق فلا معنى للإعادة وهذا لأن الجامع لم يلتزم بجمعه مساواة الفرع والأصل في كل القضايا وأنما مغزاه ومقصده اجتماع الفرع والأصل الذى يبغيه فإذا استتب له ما يريده من ذلك لم يلزمه سواه.\n_________\n= هل السبر والتقسيم يفيد العلية قطعا أو يفيدها ظنا؟.\nيكون السبر والتقسيم مفيدا للعلية قطعا إذا كان حصر الأوصاف التي يظن كونها علة قطعيا بأن ردد فيه بين النفي والإثبات وكان الدليل الذي دل عليه إلغاء ما عدا الباقي قطعيا كذلك. ومثل هذا النوع من السبر والتقسيم يكون حجة في العقليات والشرعيات من غير خلاف.\nوفيما عدا ذلك يكون مفيدا للعلية ظنا كم إذا كان كل من حصر الأوصاف والدليل المثبت للإلغاء ظنيا أو كان أحدهما ظنيا والآخر قطعيا ومثل هذا النوع من السبر مختلف فيه:\nفأكثر الشافعية يقولولن: يكون حجة على المتناظرين: المستدل والمعترض لأنه يفيد الظن بالعلية والعمل بالظن واجب على الجميع.\nوقليل منهم يقول: هو حجة علىالمستدل وليس حجة على المعترض لأن ظن العلية إنما يدركه المستدل فقط فظنه لا يكون حجة على خصمه ما دام لم يوجد عنده الظن بالعلة.\nوذهب فريق ثالث إلى أنه لا يكون حجة على واحد منهما لأن الوصف الباقي بعد الإلغاء يجوز أن يبطل كما يبطل غيره من الأوصاف لأن علية الباقي تثبت بالظن والظن قابل الخطأ.\nوفصل إمام الحرمين فقال: إن أجمع على أن حكم الأصل معلل كان الوصف الثابت بالسير والتقسيم الظني علة وكان حجة على الجميع لأن عدم العمل به يؤدي إلى إبطال الإجماع والإجماع لا يجوز إبطاله وإن لم يوجد إجماع على تعليل حكم الأصل لم يكن حجة عليهما لجواز إبطال الوصف الباقي كما بطل غيره دون أن يوجد مانع من ذلك. انظر نهاية السول \"٤/١٢٨، ١٢٩، ١٣٠\" سلم الوصول \"٤/١٢٨، ١٢٩\" المحصول \"٢/٣٥٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١١١، ١١٢\".\n١ أي لا يصلح له انظر القاموس المحيط \"١/٣٨\".","vol":"2","page":230},{"text":"ببينة: أن كل سؤال استمكن المعلل من الاعتراف بمقتضاه مع الاستقرار على مقصده من العلة فليس هو بقادح وإنما الاعتراض القادح ما يرد مناقضا لمقصود المستدل نعم يجوز أن يمكن من إبطال الجمع بأن يحرم ما جاء به المعلل زاعما أنه مناسب مخل فيبين أن الذى تعلق به غير متبع بالحكم فيكون هذا سؤالا واقعا يستغنى به عن الفرق.\nوحكى الشيخ أبو المعالى عن القاضى أبى بكر أن الفرق سؤال صحيح واحتج في ذلك بأن السلف الذين تبعناهم في أمر القياس والاحتجاج به قد كانوا يفرقون ويجمعون وثبت اعتبارهم بالفرق حسب ثبوت تعلقهم بالجمع وقد نقل ذلك في وقائع جرت في مجامع من أصحاب النبى ﷺ منها القصة المعروفة في إجهاض المرأة وإلقائها الجنين واستشارة عمر الصحابة ﵃ في ذلك. فقال عبد الرحمن ابن عوف: إنما أنت مؤدب ولا أرى عليك شيئا. فقال علي: إن لم يجتهد فقد غشك فإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الغرة فكأن عبد الرحمن حاول تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضمانا وجعل الجامع أنه فعل ما له أن يفعله فاعترض عليه على وتشبث بالفرق وأبان أن المباحات المضبوطة ليست كالتعزيرات التي يجب الوقوف فيها دون ما يؤدى إلى الإتلاف.\nقال: ولو تتبعنا معظم ما خاض فيه الصحابة من المسائل علمنا أنهم كانوا يفرقون ويجمعون. ثم قال: بعد هذا ولا يبين مدرك الحق إلا بتفصيل نبديه وبه يتبين المختار ويدرك الحق في الفرق. فنقول رب فرق ملحق للجامع بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع مؤثرا مخيلا.\nفما كان كذلك فهو مقبول لا محاله غير معدود من الفروق التي لا تقبل ومن آيه هذا القسم أن الفارق يعيد جمع الجامع ويزيد فيه عليه ما يوضح بطلان أثره مثال ذلك أن الحنفى إذا قال في البيع الفاسد معاوضة جرت على تراضى فيصير الملك كما في البيع الصحيح فيقول الفارق المعنى في الأصل أنه معاوضة جرت على وفق الشرع فنقل الملك بالشرع بخلاف البيع الفاسد فإنه ينتقض هذا الكلام مبطلا إخاله المعلل وما ادعاه من إشعاره بالحكم مقبول ومن خصائصه إمكان البوح فيه بالغرض على سبيل الفرق بأن يقول السائل لا تعويل على التراضى على البيع الشرعى في الطرق الناقلة للملك قال: ومما يقع مدانيا لهذا أن الحنفى إذا قال: طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة","vol":"2","page":231},{"text":"فالفارق بعيد [فى] كلامه ويقول المعنى في الأصل أنه طهارة عينية بالماء والضوء طهارة حكمية ومقصودة أن يجزم فقه الجامع ويلحقه بالطرد وهذا الأول وذكر مثالا آخر في مسألة مع ملك ثم قال: إن الفرق إذا بطل فقه الجمع فلا شك في كونه اعتراضا والفرق والجمع إذا ازدحما على فرع في محل النزاع فالمختار فيه عندنا اتباع الإخالة فإن كان الفرق أخيل بطل الجمع وإن كان الجمع أخيل سقط الفرق وإن استويا أمكن أن يقال هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتتا على صيغة التساوى وإن أمكن أن يقال: إن الجمع مقدم من جهة وقوع الفرع بعده غير مناقض له والجامع يقول لم ألتزم انسداد مسالك الفرق جملة.\nقال: وحاصل القول في مذاهب الجدليين يئول إلى ثلاثة مذاهب:\nأحدها: رد الفرق ورد المعارضة أيضا في الأصل والفرع جميعا.\nوالمذهب الثانى: وهو منسوب إلى ابن سريج وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق أن الفرق ليس بسؤال على حالة واستقلاله وأما المعارضة في الفرع فمقبولة وهى سؤال متوجه.\nوالمذهب الثالث وهو الصحيح: أن الفرق مقبول١ وليس الغرض منه مقابلة علة الأصل بعلة الغرض منه مناقضة الجمع ثم المقبول منه ينقسم إلى ما يبطل الجمع ويلحقه بالطرد أصلا ومنه ما لا يبطل فقه الجمع بالكلية ولكنه يشترط على فقه آخر مناقض لقصد الجامع ثم ذلك ينقسم إلى زائد في الإخالة على العة وإلى مساو لهما.\nقال: والقول الوجيز: إن قصد الجمع ينتظم بفرع وأصل ومعنى يشتمل على ذكر أصل وفرع وهما يفترقان وهذا يقع على نقيض غرض الجمع ومن ضرورته معارضة\n_________\n١ قال الآمدي: اعلم أن سؤال الفرق عند أبناء زماننا لا يخرج عن المعارضة في الأصل أو الفرع إلا أنه عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع الأمرين حتى أنه لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقا ولهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنه غير مقبول لما فيه من الجمع بين أسئلة مختلفة وهي المعارضة في الأصل والمعارضة في الفرع ومنهم من قال بقبوله واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين وسؤالا واحدا؟ فقال ابن سريج: إنه سؤالان جوز الجمع بينهما لكونه أدل على الفرق وقال غيره: بل هو سؤال واحد لاتخاذ مقصوده وهو الفرق وإن اختلفت صيغته. ومن المتقدمين من قال: ليس سؤال الفرق هو هذا وإنما عبارة عن بيان معنى في الأصل له مدخا في التعليل ولا وجود له في الفرع فيرجع حاصله إلى بيان انتفاء علة الأصل في الفرع وبه ينقطع الجمع انظر إحكام الأحكام \"٤/١٣٨، ١٣٩\" البرهان \"١٠٦٠\".","vol":"2","page":232},{"text":"الأصل والفرع ولكن الغرض منه مضادة الجامع بوجه فقهى أو بوجه تشبيه إن كان القياس من نفس التشبيه فعلى هذا لو سمى مسمى الفرق معارضة لم يكن متعديا ولكن ليس الغرض منه الإتيان بمعارضين على الطرد والعكس بل المقصد منه فقة ينتظم من معارضات يشعر بمفارقة الفرع للأصل على مناقضة الجمع فهذا سر الفرق ومن وفر حظه من الفقه وذاق حقيقته أستبان أن المعارضة الكبرى التي عليها يتنجاز الفقهاء وهو الفرق والجمع والجامع أبدا يأتى ما يخيل اقتفاء الجمع والفارق يأتى بأخص منه مع الاعتراف بالجمع له الذى أبداه الجامع وبين الفارق الفرع والأصل إذا افترقا في الوجه الخاص كان الحكم بافترقهما أوقع من الحكم بالجمع الذى أبداه باجتماعهما في الوصف ثم يتجاذب الجامع والفارق أطراف الكلام هنا سرد كلامه مع اختصاره اخترته لئلا يطول ونحن نقول أما الذى حكاه عن أبى بكر الباقلانى فقد حاول شيئا بعيدا لأن الفرق والجمع على الوجه الذى نخوض فيه ما نقل عن الصحابة أصلا وإنما كانوا يتتبعون التأثيرات ومن تأمل فيما نقل عنهم علم مغزاهم في كلامهم وتيقن أنهم كانوا ينقلون المعاني المؤثرة والذى نقل عن عبد الرحمن بن عوف أنه أشار إلى عمر مؤدب وإن ما فعله حق فهو معنى صحيح والذى أشار إليه على في وجوب الضمان عليه معنى هو ألطف من المعنى الأول وإن كان لم يصرح به فقد بينا أن المراد من كلامه أنه وأن كان مباح التأديب ولكنه مشروط بالسلامة لأنه أمر ليس بحتم بل هو جائز فعله وجائز تركه ولم يكن على حد مضبوط في الشرع وتقدير قدره فيطلق فعله بشرط السلامة فليس هذا الكلام من الفرق والجمع الذى نحن فيه بسبيل ولا ندرى كيف وقع هذا الخبط من هذا القائل وأين وقع الفرق فنحن لا ننكر الفرق بالمعانى المؤثرة وترجيح المعنى على المعنى وإنما الكلام في شئ وراء هذا وهو أن المعلل إذا ذكر علة قام له الدليل على صحتها بالوجوه التي قلناها فإذا فرق فارق بين الأصل والفرع بمعنى أبداه فإن كان فرقا لا يقدح في التأثير الذى لو كان المعلل في الحكم فيكون الفرق فرق صورة ولا يلتفت إليه وإن فرق معنى مؤثر في حكم الأصل فنهاية ما في الباب أن الحكم في الأصل يكون معللا بعلتين مؤثرتين وإحدى العلتين وجدت فرعا أثرت فيه وألحقته بالأصل والأخرى لم تجد فرعا يؤثر فيه فكيف يقدح هذا في الجمع الذى قصده المعلل وأن يبقى الفارق معنى مؤثرا في التفريق بين الفرع والأصل فالذى يقدح هو بيان معنى مؤثر في الفرع يفيد خلاف الحكم الذى أفاده المعنى الأول فلابد لهذا من اسناده إلى أصل فحينئذ يكون","vol":"2","page":233},{"text":"معارضة ولا يكون الفرق الذى يقصد بالسؤال ونحن قد بينا أن المعارضة قادحة والتقسيم الذى قسمه في الفرق يبين أن الفرق على ما يقتضيه بعض التأثير ليس بصحيح بل إنما يصح الفرق على وجه يكون فيه إبداء سقوط فقه المعلل من العلة لكن أخرجه على صيغة الفرق والمثال الذى ذكره من مسألة البيع الفاسد ليس مما يتكلم فيه من شيء لأن البيع الذى لا يمكن إثبات المشروعية فيه لا يكون مفيدا للملك عند أحد من العلماء وهم لا يعتمدون على مجرد المعنى الذى ذكره لكن يثبتون وصفا من المشروعية في البيع الفاسد الذى وقع فيه الاختلاف فيقولون هو مشروع بأصله غير مشروع بوضعه فلهذا أوجبوا الملك ونحن ننفيها من كل وجه فنقول لا يفيد الملك لأن المشروع من الملك لا يثبت إلا بسبب مشروع فعلى هذا يقع تنازع الخصوم وتجالب المعانى وأما مسألة النية في الوضوء فعندنا قولهم طهارة بالماء علة باطلة ما لم يثبتوا المعنى المؤثر في ذلك وقول من قال من أصحابنا طهارة حكمية أيضا باطلة مل لم يبين التأثير على الجملة لا يتصور بوجهه سؤال الفرق معنى بيان علة أخرى في الأصل للحكم نعم إذا عكس ذلك المعنى في الفرق وبين تأثيره في الحكم على خلاف ما توجبه العلة وبين أصلا له فحينئذ تكون معارضة وقد بينا الكلام في المعارضة ونحن لا نبالى بغضب من يغضب بسبب إفساد الفروق على ما يعتاده المتفقهة الذين لا يرجعون إلى تحقيق ورضوا بصور ينتصبون للذب عنها والدفع عن حزبها ويتصالحون عليها من الجانبين ويظنون أن ذلك هو المطلوب في المسائل في الفقه منهم كبعد الإنسان من مناط الثريا والذى ادعاه هذا الذى حكينا قوله أن فيما قلته بيان سر المسألة فلا ينكشف من سره إلا الذى قدمناه ومن حاول توجيه سؤال الفرق إلا معارضة المعنى في الفرع بمعنى آخر وتمسكة بأصل آخر فقد رام شيئا بعيدا وطلب ما لا يوصل إليه بحيلة ما فليفهم المعترض وجوه الاعتراضات على النمط الذى قلناه وليعلم أن السؤال الصحيح على العلة المؤثرة الممانعة المعارضة ويورد النقض وفساد الوضع على بيان أن الوصف غير مؤثر ويظهر الوجه الذى قلنا عدم تأثيره بتوجه هذين السؤالين والله ولى المعونة في التمييز بين الحق والباطل منه وقد ذكر الأصحاب فيما يتصل بالفرق كلاما طويلا كثيرا ونحن إذا لم نره صحيحا إلا في المعارضة بجانب الفرع لم نر لذكر ذلك فائدة فاعترضنا عن جميعه وذكروا أيضا كلاما كثيرا وأمثلة في وجوه الاعتراضات الفاسدة وفيما ذكرناه كفاية فلا معنى لتسويد البياض وإملال الناظر فيما لا يعود بفائدة والله العاصم بمنه.","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>فصل: الترجيحات في العلل</span>\n...\n\"فصل\"\nولما ذكرنا توجه سؤال المعارضة فلابد أن نذكر الكلام في الترجيحات ونبين وجوه ذلك فنقول: أولا إن:\nتعارض العلتين على ضربين:\nأحدهما: أن تتعارضا في حق المجتهدين فلا يوجب التعارض فسادهما لأن كل واحد منهما مكلف باطل ما أداه إليه اجتهاد.\nوالضرب الثانى: إن تعارضا في حق مجتهد واحد فيوجب التعارض فسادهما إلا أن يوجد ترجيح لإحدى العلتين على الأخرى.\nثم اعلم: أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم لأن العلم لا يتزايد وإن كان يجوز أن يكون بعضه أقوى من بعض وكذلك لا يقع الترجيح بين دليل موجب للعلم وبين دليل موجب للظن لأن المفضي إلى الظن لا يبلغ رتبة الموجب للظن ولو رجح الدليل المفى إلى الظن بكل ترجيح لكان الدليل الموجب للعلم مقدما عليه ثم متى تعارضت العلتان المقربتان للظن فلا شك أن العلة القياسية لا تفيد الظن فإذا لم يكن بد من ترجيح إحديهما على الأخرى فنقول:\nالترجيح يكون من وجوه:\nأحدها: أن تكون إحديهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى منتزعة من أصل غير مقطوع به فالمنتزعة من المقطوع به أقوى وأولى لأن مثلها أولى فتكون أقوى١.\nوالثاني: أن تكون إحديهما عرفت بنطق والأخرى عرفت بمفهوم واستنباط فما عرفت بالنطق أقوى فيكون المنتزع منه أقوى٢.\nوالثالث: أن تكون إحديهما عموما لم يخص وأصل الأخرى يكون عموما قد دخله التخصيص فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف فإن من الناس من قال: قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه٣.\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٤/٥١٤\" سلم الوصول \"٤/٥١٤\" فواتح الرحموت \"٢/٣٢٤\" البرهان \"٢/١٢٨٥\" المحصول \"٢/٤٧٤\" إحكام الأحكام \"٤/٣٧١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢١٨\".\n٢ انظر نهاية السول \"٤/٥١٤\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير\"٤/٢١٨\".\n٣ انظر المحصول \"٢/٤٦٣\".","vol":"2","page":235},{"text":"والرابع: أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص بالقياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه يكون أولى.\nوالخامس: أن يكون أصل إحديهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى من القياس على ما ليس من جنسه.\nوالسادس: أن تكون إحديهما مردودة إلى أصل واحد والأخرى مردودة إلى أصول فتكون المردودة إلى أصول أولى.\nومن أصحابنا من قال: هما سواء والأول أصح لأن ما كثرت أصوله يكون أقوى.\nوالسابع: أن تكون إحديهما صفة ذاتية١ والأخرى صفة حكمية فالحكمية تكون أولى ومن أصحابنا من قال: الذاتية أولى لأنها ألزم والأول أصح لأن الحكم بالحكم أشبه فيكون الدليل عليه أولى:\nوالثامن: أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط٢.\nوالتاسع: أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالإثبات أولى لأن النفى لا يكون علة على الأصح٣.\nوالعاشر: أن تكون إحداهما اسما والأخرى صفه فتكون الصفة أولى من الاسم لأن الأصح أن الاسم [لا يمكن] ٤ أن يكون علة.\nالحادى عشر: أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر أوصافا ومن أصحابنا من قال: القليلة الأوصاف أولى لأنها أسلم ومنهم من قال: التي كثرت أوصافها أولى لأنها أكثر شبها بالأصل٥.\n_________\n١ انظر البرهان لإمام الحرمين \"٢/١٢٧٨- ١٢٧٩\" نهاية السول للآسنوي \"٤/٥١٩\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٢\".\n٢ انظر نهاية السول \"٤/٥١٤\" سلم الوصول \"٤/٥١٤\" البرهان \"٢/١٢٨٥\" المحصول \"٢٥٧٤\" إحكام الأحكام \"٤/٣٧١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢١٨\".\n٣ انظر المحصول \"٤٨٤\" نهاية السول \"٤/٥١٧\" المحصول \"٢/٤٦٦\" إحكام الأحكام \"٤/٣٨٢\" البرهان \"٢/١٢٨٩\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢١\".\n٤ ثبت في الأصل \"لا يكون\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٥ انظر البرهان \"٢/١٢٨٦، ١٢٨٧\" المستصفى للغزالي \"٢/٤٠٢\".","vol":"2","page":236},{"text":"والثاني عشر: أن تكون إحداهما أكثر فرعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال: ما كثرت قفروعها أولة لأنها أكثر فائدة ومنها من قال: هما سواء١.\nالثالث عشر: أن تكو إحداهما متععدية والأخرى واقفة بالمتعدية أولى لأنها مجمع على صحتها والواقفة مختلفف في صحتها٢.\nالرابع عشر: أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا تنعكس فالتى تطرد وتنعكس أولى لأن التي تطرد وتنعكس تكون أقوى في الظن ولأن الاطراد ليس بدليل لصحة العلة وأما الاطراد والانعكاس فدليل على ما سبق٣.\nالخامس عشر: أن تكون إحداهما تقتضى احتياطا في الغرض والأخرى لا تقضى احتياطا فالتى تقتضى الاحتياط أولى لأم القلب يكون عليه أسكن.\nالسادس عشر: أن تكون إحداهما تقتضى الحظر والأخرى تقتضى الإباحى فمن أصحابنا من قال: هما سواء والأصح التي تقتضى الحظر أوللى لأنها أحوط٤.\nالسابع عشر: أن تكون إحداهما تقتضى النقل من الأصل إلى الفرع الشرعى والأخرى تقتضى التبقية على الأصل فالناقلة أولى ومن اصحابنا من قال: المتبقية أوى والأول أصح لآنها تفيد حكما رشعيا لا تفيده هذه\nالثامن عشر: أن تكون إحداهما توجب حدا والخرى تسقطه أو إحديهما توجب العتق والأخرى تسقطه فمن أحابنا نت قال التي توجب العتق تسقط الحد أولى لأن العتق مبنى على الإيقاع والتكميل والحد من على الاستنباط والدرأ ومن اصحابنا من قال: لا يترجح بما بينا لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق في الحكم الشرع على السواء٥.\nالتاسع عشر: أن تكون إحديهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها عموم فما يوافقها العموم أولى ومن أصحابنا من قال: لا يكون أولى والأول أصح لأن العموم دليل بنفسه فإذا انضم إلى القياس يقويه.\n_________\n١ انظر المستصفى للغزالي \"٢/٤٠٥\" نهاية السول \"٤/٥١٩، ٥٢٠\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٢\".\n٢ انظر إحكام الأحكام \"٤/٣٧٥\" المحصول \"٢/٤٨٦\" المستصفى \"٢/٤٠٤\".\n٣ انظر إحكام الأحكام \"٤/٣٧٥\".\n٤ المحصول \"٢/٤٦٨\".\n٥ المحصول \"٢/٤٨٤\".","vol":"2","page":237},{"text":"العشرون: أن بكون مع إحديهما قول صحابى ولا يكون مع الأخرى فالتى معها قول الصحابى أولى لأن قول الصحابى حجة في قول بعض العلماء فإذا انضم إلى القياس قواه ففالأقوى أولى١.\nالحادى والعشرين: أن تكون إحديهما تعم حكم أهلها والأخرى تخص حكم أصلها كتعليل البر بالطعم يعم ثبوت الربا في جميع البر قليله وكثيرة وتعليله بالكيل ينفى ثبوت الربا فيما رر يكال من ابر ومن التعليل منه فرجح التعليل بالطعم لأنه عم حكم أصله على التعليل بالكيل لأنه خص حكم أصله.\nالثانى والعشرين: أن تكون إحديهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى مأخوذ من أصل مختلف في تعليله فتكون المأخوذة من أصل متفق على تعليله أولى.\nالثالث والعشرون: أن تكون إحديهما تدخل فروعها في فروع الأخرى فيكون الأعم أولى وهذا مثل تعليل الربا بالطعم يكون أولى من التعليل بالقوت لأن القوت يدخل في الطعم والطعم لا يدخل في القوت.\nالرابع والعشرين: أن تكون إحديهما تفيد حكما هو أزيد من الآخر كالندب والإباحة فرجح الندب على الإباحة وكذلك الوجوب والندب.\nالخامس والعشرون: أن تكون إحديهما موافقة للأصول والأخرى مخالفة لها.\nفهذا جملة ما ذكره العراقيون٢ من أصحابنا في الترجيح ذكرها القاضى أبو الطيب والقاضى أبو الحسن الماورددى والشيخ أبو إسحاق الاشيرازى.\nواعلم بعد هذا أت الترجيح في اللغة عبارة عن إثبات الرجحان وهو الزيادة لأحد المثلين على الآخر صفة٣. فقال: هذه الدراهم راجحة إذا مالت كفة الدراهم على كفة السنجاات صفة وهى صفة الثقل فرجحان أحد العلتين ععلى الأخرى زيادة قوة إحدى العلتين وتلك القوة رجحان.\nقال أبو زيد: ولنا انضمام علة إلى علة أخرى لا توجب رجحان تلك العلة وقد قال بعض أصحابنا: يترجح بذلك إلا أن الأول أصح لأن الشئ لا يتقوى إلا بصفة توجد في ذاته وإنما يغير انضمام غيره إليه لا يقوى الدليل عليه المحسوسات فكذلك\n_________\n١ انظر البرهان \"٢/١٢٨٢\".\n٢ ثبت في الأصل: \"ذكرها\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٣ انظر القاموس المحيط \"١/٢٢١\".","vol":"2","page":238},{"text":"العلة لا يتصور تقويها بانضمام علة أخرى إليها وإنما تتقوى بوجود صفة فيها ولهذا قلنا: إن الشهادة لا ترجح بكثرة العدد حتى أن شهادة الأربع تساوى شهادة الاثنين هذا قد منعه بعض أصحابنا ولهذا الأصل قلنا: إن صاحب النصيب القليل وصاحب النصيب الكثير في الشفعة على السواء لأن كل جزء من العرصة١ والشقص علة تامة في الاستحقاق بالشفعة فلا يترجح أحدهما بزيادة نصيبه لأنه انضمام علة إلى علة أخرى. قالوا: ولهذا لا يصير صاحب الكثير أولى بالاستحقاق من صاحب القليل ولكن ثبت استحقاقه بقدر النصيب ولا يقال إن لصاحب الكثير طرفا في الاستحقاق ولصاحب القليل طريقا واحدا فيوجب أن يقدم صاحب الكثير الذى له طرق كثيرة في الاستحقاق فدلت هذه المسألة أن نضمام علة إلى علة لا يوجب رجحان العلة. قالوا: ولهذا نقول إذا ماتت المرأة وتركت ابنى عم أحدهما زوج لها وأحدهما أخ لأم فإن صاحب القرابتين لا يترجح في الاستحقاق على الآخر بل يكون لابن العم الذى هو زوج نصف المال بالزوجية والباقى بينه وبين ابن العم الآخر نصفان وكذلك في المسألة الثانية يكون لابن العم الذى هو أخ لأم سدس المال والباقى بينهما نصفان بالعصوبة لأن الأخوة والزوجية علة على وحدة فانضمامها إلى العصوبة لا يوجب رجحان العصوبة والأصل ما بينا أن انضمام علة لا يوجب زيادة قوة في العلة قالوا: وإنما تترجح العلة بزيادة التأثير والعلة تصير علة بالتأثير فما كان أكثر تأثيرا يكون أولى بالعمل وضرب لهذا مثلا في طول الحرة وذكر ما بينا لهم في تلك المسألة وزعم أن الذى قالوا: أكثر تأثيرا وذكر أيضا مسألة غصب المنافع وحكى عن أصحاب الشافعى أنهم قالوا: لم يجب ضمان المنافع إذ أتلفت لم يجبر لأن التضمين يضمن إيجاب زيادة على المتلف في الضمان وفيه إلحاق الضرر ولكن مع هذا الإيجاب أولى لأن فلى الإيجاب إبطال من بعض حق المتلف وفى الامتناع من الإيجاب إلحاق الضرر بالمظلوم وإلحاق الضرر بالظالم أولى فكان الإيجاب أولى من الامتناع منه قال: إلا أنا نقول: إن الامتناع عن إيجاب الضمان مع كون المتلف متقوما مشروع بدليل إتلاف الحربى والباغى وأما القضاء بزيادة في الضمان غير مشروع فكان الامتناع من إيجاب الضمان أولى ولأن في الامتناع عن القضاء بإيجاب الضمان تأخير\n_________\n١ قال الفيروز آبادي \"والعرصة كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء انظر القاموس المحيط \" \"٢/٣٠٧\".","vol":"2","page":239},{"text":"إلى الآخرة وفى القضاء بزيادة الضمان إبطال الحق أصلا ورأسا فالتأخير أهون من الإبطال فكان التأثير فيما قلناه أكثر فيكون أولى ونحن نقول: إن انضمام العلة إلى العلة يجوز أن يقال: ترجح العلة لأنها تزيد قوة الظن والحكم في المجتهدات بقوة الظن فإذا زادت قوة الظن ظهر الترجيح.\nببينه: أن الفائدة بالترجيح ليست ألا وجود قوة الظن بإحديهما دون الأخرى وحد الترجيح يقوى الظن الصادر عن إحدى الأمارتين عند تعارضهما.\nببينة: أن العلة المنتزعة من أصول تكون أقوى من العلة المنتزعة من أصل واحد وكذلك العلل المنتزعة من أصول وكلها يدل على حكم واحد تكون أقوى من العلة الواحدة المنتزعة من أصل واحد يدل عليه أن العلة المنتزعة من الأصول دون العلل المنتزعة من أصول وكلها دالة على حكم واحد فإذا ترجح الأول فالثانى أولى وهذا لأن في الفصل الأول ثبوت العلة بكثرة أصولها وفى الفصل الثانى بكثرتها في نفسها وكثرة أصولها فيكون أحكم وأقوى ويصير كأن العلل شهد بعضها لبعض في القوة فيكون ذلك أولى من العلة المتجردة عن شهادة شئ لها أصلا.\nوأما مسألة الشفعة ومسألة طول الحرة ومسألة إتلاف المنافع فقد ذكرنا في الخلافيات لهذه المسائل طرقا لا يأتى عليها شئ فيما ذكروه فاستغنينا عن إعادة شئ من ذلك لأن من نظر في هذه الأصول وأحكمها لابد أن ينظر في تلك الفروع ومن نظر في تلك الفروع لابد أن ينظر في هذه الأصول فإن الكلام في الفروع والأصول أخذ بعضها برقاب بعض وهى كأنها مشتبكة وصحة البعض فيها منوطة بصحة البعض.","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>فصل: مراتب قياس المعنى</span>\n...\n\"فصل\"\nوقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا عند ذكر الكلام في ترجيحات الأقيسة بعضها على بعض مقدمة تشتمل على ذكر مراتب الأقيسة وسمى البعض قياس المعنى وسمى البعض قياس الشبه وسمى البعض قياس الأدلة ونحن رأينا أن نذكر طرفا من ذلك ونتكلم على بعض ما يكون موضع الكلام عليه. قال: ونحن نرسم مراسم في الاختلاف وننزل كل مرتبة منزلتها ونرى أن مداركها على حقائقها مشرقة على طرق المعانى وإذا عسر الوفاء باستيعاب الأقيسة المعنوية في هذا المجموع فالوجه أن نتخير اصلا من أصول الشرع يشتمل على مجامع القول في وجوه الإخالة ونبين وجوه الترتيب فيها","vol":"2","page":240},{"text":"وما يقع في الرتبة العليا والرتبة التي تليها إلى استيعاب مدارك القول ومعانيها ثم نقيس النظر على ما نرسمه منها ما يدانيها فليقع الكلام في القصاص وما يقتضى إيجابه ويجب اندفاعه قال: أوجب الله تعالى القصاص في كتابه زجرا للجناة وكفا لهم فأشعر بذلك نفى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] واتفق المسلمون على هذه القاعدة ولم ينكرها من طبقاتهم منكر. ثم قال أئمة الشريعة: كل مسلك يطرق إلى الدماء السفك ويخرم قاعدة الزجر فهو مردود فإن المقصود المتفق عليه من القصاص صيانة الدماء وحفظ المهج مما يخالف هذا ولو قدر ثبوته كان مناقضا لهذا الأصل فلا سبيل إلى قبوله وإثباته وإذا تمهد هذا فكل معنى يستند إلى هذه القاعدة ويوافقها من غير اختلاف في مجراه فهو على المرتبة العليا من أقيسة المعانى وهذا مثل في القول في القتل بالمثقل١ فلا شك أن من نفى القصاص في القتل بالمثقل٢ مناقض للقاعدة من جهة أن القصد بهذه الالات التي اختلف فيها ثابت وهو ممكن لا عسر في إيقاعه ثم ليس القتل بها مما يندر فإذا لم يتعسر ولم يندر كن نفى القصاص عن القتل بها مضادا لحكم الشريعة في القصاص وإذا ناكر الخصم العمدية في القتل سفه ولم يستفد منه إيضاح عسر القتل ولئن تشبث بتعبد في آلة القصاص كان ذلك في حكم العبث فإن تقدير التعبد مع ما تمهد من الحكمة يناقض الحكمة المرعية في العصمة فليفهم الفاهم مواقع التعبد وإن تمسك بصورة من العكس وقال الجرح الذى لا يغلب إفضاءه إلى الهلاك إذا هلك أوجب القصاص كان هذا غاية في خلاف الحق فإن الحرج لاختصاصه بمزيد الغور وإمكان السريان إذا اقتضى القصاص حسما لمادة الجناية وردعا للمعتدين فكيف يستجير لما رد عليه إسقاط القصاص بالقتل الذى يقع بالأسباب التي تقتل لا محالة فهذا على قياس المعنى لا حاجة في ربطه بالقاعدة التي تكلف نظر أو تحرير أو تقريب وتقرير ويخالف ما وقع في هذه الرتبة مائل عن الحق على قطع وليس القول في ذلك دائرا في فنون الظن وما يكون بهذه\n_________\n١ أي أن يضربه بغير محدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله انظر المغنى \"٩/٣٢٢\".\n٢ قال الحسن وروى ذلك عن الشعبي وقال ابن السيب وعطاء وطاوس: العمد ما كان بالسلاح وقال أبو حنيفة: لا قود في ذلك إلا أن يكون قتله بالنار وعنه في مثقل الحديد روايتان انظر المغنى \"٩/٣٢٣\".","vol":"2","page":241},{"text":"الصفة لا يتصور أن يعارضه معارض هذا كلامه في هذا الفصل.\nوعندي أن هذا الكلام بهذا التقرير حائد عن نكثه الخلاف في مسألة القتل بالمثقل لأن الخلاف بيننا وبين الخصم أن سبب القود هل وجد في مسألة المثقل أم لا؟ فالخصم يقول: لم يوجد لأنه يدعى شبهه في السبب ونحن ندعى أن السبب قد وجد وأنه لا شبهة وإذا كان موضع الخلاف هذا ومنه نشأ ما نشأ فتقرر وجه الحكمة في إيجاب القود وبيان وجودها في هذا المحل لا ينفع وإنما ينبغى أن يكون الكلام في بيان السبب ونفى ما يدعونه من الشبهة ثم إذا ثبت ذلك وعرف استمر وجوب القصاص بالسبب المعهود في الشرع للفائدة التي ذكرناها وأما التعبد في آلة القصاص فلست أعرف أن أحدا من المخالفين ذكر هذا اللفظ في آلة القصاص وإنما ادعوا الشبهة عند وجود القتل بالمثقل في استيفاء القصاص قالوا: إنه آلة القتل حسا وشرعا بدليل المرتد ومن حيث المعنى ادعوا أن القتل به أيسر وأسهل فكان أولى وليس المذكور للذب عن المخالفين ولكن يبين وجه كلامهم في المسألتين حتى يكون كلامنا على هذا ونحن قد ذكرنا في خلافيات الفروع فساد دعواهم الشبهة في القتل وقلنا: إن اعتبار المماثلة في الاستيفاء من كل وجه ممكن مشروع وقد ذكرنا ودللنا على ذلك بدلائل تزيل الإشكال وتنفى الشبهة فليكن الاعتماد على ذلك وقد ذكرنا أن الفعل يصير قتلا بتفويت الحياة وتفويت الحياة بالمحدد والمثقل واحد والخصم يدعى شبهة عدم القتل إما بعدم الحرج أو بعدم آلة القتل ومتى عرف حد القتل سقط دعوى شبهة عدمه وسقط أيضا قولهم إن آلة القتل لم توجد لأن آلة الشئ ما يوجد به الشئ فلا يتصور بغير آلة القتل وأيضا فإن القتل فعل محسوس والفعل المحسوس متى وجد لا يتصور أن لا يوجد من وجه بل إذا وجد من وجه ما يصير موجودا من كل الوجوه والمسألة في نهاية الظهور على المخالفين لكن من هذا الوجه لا من طريق بيان فائدة القصاص وقد بينا أنه إنما ينطر في وجوب القصاص إلى سبب القصاص لا إلى حكمة القصاص.\nثم ذكر المرتبة الثانية وقال: هى مشتملة على قياس معتضد بالأصل لكن الجامع لابد له من مزيد تقرير وتقريب وقد يعن للخصم تخيل فرق وإن كان إفساده هينا مثال ذلك أنه قد ثبت وجوب القصاص على المشتركين في القتل وهذا مستند إلى قاعدة الشرع في تحقيق العصمة\nوزجر الجناة فإن الاستعانة في أمثال هذا ليس بالعسير والقتل على الاشتراك غالب الوقوع فاقتضى معنى القصاص في الأصل إيجاب القصاص على","vol":"2","page":242},{"text":"الشركاء وهذا يتطرق إليه الكلام قليلا من جهة أن كل واحد منهم بالانفراد ليس بقاتل وقتل غير القاتل مخالفة لموضوع الشرع في تخصيص القتل بالقاتل وفيه وجه آخر وهو أن إمكان القتل بالاستعانة دون إمكان القتل بالمثقل وعن هذا تردد بعض العلماء في إيجاب القصاص على المشتركين في القتل وقال بعض أصحابنا إن قتل الشركاء في القتل الواحد خارج عن القياس وإنما هو ثابت بقول عمر ﵁ لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به١ قال: والمسلك الحق عندي أن المشتركين يقتلون٢ بحكم قاعدة القصاص ولا نظر إلى خروج آحادهم عن الاستقلال بالقتل إذا كان يظهر بسبب درء القصاص عنهم هرج ظاهر ومفسدة عظيمة ولا نظر مع هذا إلى انحطاط مكان الاشتراك قليلا عن الانفراد بالقتل فإنه يعارض ذلك أن المنفرد لا يستمكن استمكان المشتركين فيعتدل المسلكان وإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول في الطرف إلحاقا له بالنفس أنه صين بالقصاص على المنفرد فليصن بالقصاص على المشتركين كالنفس وذكر بعد هذا كلاما طويلا ومد النفس مدا عظيما وصار في آخر الكلام إلى الفرق بين المشتركين في السرقة والمشتركين في اليد بما ذكره المشايخ في الفرق وكل ذلك موجود في مسائل الفروع ولم أر لذكر ذلك وجها هاهنا فتركته واعتماده على ما اعتمد عليه من قتل الجماعة بالواحد من جنس ما اعتمد عليه في القتل بالمثقل والكلام عليه بمثل ما تكلمنا به في تلك المسألة وهو أن الأحكام إنما تناط بالأسباب لا بالحكم وكل ما أشير إليه حكمه وجوب القود بالحكمة في الواجب لا يجب الواجب إنما يجب بالسبب الواجب ونحن بينا طريقين أحدهما: أن كل واحد منهما قاتل بمعونة غيره ببينة: أنه لا جزء من النفس إلا ولكل واحد من المشتركين فيه عمل في تفويته إلا أنه وجد معونة غيره ومن استعان بغيره في شئ فقد تمهد في الشرع أنه يجعل فعل المعين فعل المستعين\n_________\n١ أخرجه مالك في الموطأ: العقول \"٢/٨٧١\" ح\" ١٣\".\n٢ أي: إذا كان واحد منهم إذا انفرد بفعله وجب عليه القصاص وهو قول عمر وعلي والمغيرة ابن شعبة وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وأبو سلمة وعطاء وقتادة وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي ورواية عن أحمد.\nوهنا من قال: إنهم لا يقتلون به وتجب عليهم الدية وهو قول ابن الزبير والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعبد الملك وربيعة وداود وابن المنذر وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس وروى عن معاذ بن جبل وابن الزبير وابن سيرين والزهرى ورواية عن أحمد انظر المغنى \"٩/٣٦٦\".","vol":"2","page":243},{"text":"فيجعل كل واحد كأنه قاتل من هذا الوجه ويمكن أن يقال: إنهم إذا اشتركوا جعلوا بمنزلة الشخص الواحد حكما والسبب أنا إذا لم نجعل كذلك أدى إلى ما قال: من الهرج وسفك الدماء وإذا جعلوا كالشخص الواحد حكما وقد تحقق السبب منه فيقابل بالقصاص وعلى كلا المعنيين وجب القود في الطرف على الجماعة أيضا إذا قطعوا طرفا واحدا١. وإما فصل السرقة فإنما لم يجعل كل واحد كأنه تفرد بسرقة النصاب لأن المقصود من السرقة تحصيل المال فإذا سرق نصابا واحدا فالنصاب يقصد لتحصيله ولم يحصل مقصود كل واحد وهو تحصيل نصاب كامل حتى يجعل صاحبه معينا له في تحصيل مقصوده ويجعل فعله كفعله وأما هاهنا فإن المقصود لكل واحد من المشتركين في القتل والقطع هو إهلاك هذا الإنسان في القتل وإهلاك اليد في القطع وقد حصل مقصود كل واحد منهما وقد أعانه صاحبه في تحصيل مقصوده وفعل المعين فعل المستعين فيصير كل واحد منهما كالمنفرد بالقتل والقطع ويجعل كل واحد منهما قاطعا قاتلا ولأن الاشتراك في سرقة نصاب واحد يندر فإسقاط القطع عنهما لا يؤدى إلى المفسدة العظيمة فلم يجعلوا كلهم كالشخص الواحد وأما هاهنا فإن اجتماع القوم على قتل واحد يوجد غالبا بل الأصل أن الواحد يقاوم الواحد وإنما يعجز في رده إذا اسعان بغيره فلو أسقطنا القود يؤدى إلى المفسدة العظيمة فطلبنا سببا لإيجاب القود عليهم فكان ذلك بأن نجعل الجماعة بمنزلة الشخص الواحد حكما وهذا فرق بين وخرج على ما ذكرناه إذا قطعا وتميز فعلاهما الذى عده مشكلا لأنا إنما ادعيناه في الموضع الذى وجد لفعل كل واحد منهما عمل في جميع اليد وفى هذه الصورة لم يوجد فلم يمكن أن يجعل كل واحد قاطعا بجميع اليد وهذا بخلاف النفس في هذه الصورة لأن التميز لا يتصور في النفس لأن الإهلاك بتفويت الحياة ولا يتصور تميز فعل كل واحد فعل صاحبه في تفويت الحياة فصار فعل كل واحد منهما عاملا في جميع ما تفوت به الحياة مثل ما إذا لم يتميز فعلاهما وأما في اليد فيتصور تميز فعل كل واحد منهما عن صاحبه في قطع اليد وحين يتميز في صورة ولا يتميز في صورة يقع الفرق المعنوى على الوجه الذى قدمناه وقد يلزم عليه تعدد الكفارة إلا أنا ندعي هذا في القصاص ولأن القصاص إذا وجب على كل واحد تبعته الكفارة فهذا ينبغى أن يكون\n_________\n١ وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور ورواية عن أحمد وهناك من قال: لا تقطع يدان بيد واحدة انظر المغنى \"٩/٣٧٠\".","vol":"2","page":244},{"text":"وجه الكلام في المسألة لا الذى قاله والله أعلم.\nقال: والمرتبة الثالثة فمثلها بالقول في المكره على القتل وفيه ثلاثة مذاهب:\nأحدها: أن القصاص على المكروه دون المكره١.\nوالثاني: وهو قياس بين أن القصاص على المكرة دون المكره وهو مذهب زفر٢.\nوالثالث: أن القصاص عليهما وهو مذهب الشافعى٣.\nوأبعد المذاهب عن الصواب هو إيجاب القصاص على المكره دون المكره فإنه زعم أن فعل المكره منقول إلى المكره وكأنه آلة له وهذا ساقط له مع المصير إلى أن النهى عن القتل يستمر على المكره القاتل فكيف يتحقق كونه آلة مع تكليف الشرع إياه ومن ضرورة كونه آلة انقطاع التكليف عه فتخصيص المكره بالتزام القصاص مع ما ذكرناه لا أصل له ووجه مذهب زفر في القياس لائح وهو إذا رأى المحمول ممنوعا ولم ير الإكراه أثرا في سلب المنع والنهى والمباشرة تغلب على السبب إذا استقلت وارتبط بها التكليف والتصريف من الشارع والذى يختاره اصحاب الشافعى يبتنى على ما ذكرناه لزفر من استقلال المباشرة وهذايقتضى إيجاب القصاص على القاتل المحمول ولكن لم ير هؤلاء إحباط الإكراه وإسقاط أثره بالكلية فإنه يوقع القتل غالبا والإكراه من أسباب الضمان فبعد تعطيله وإخراجه من البين وبعد إحباط المباشرة فالوجه تنزيلهما منزلة الشريكين ولا شك أن فعل كل واحد من الشريكين يضعف فعل صاحبه من جهة أنه يخرج عن كونه قتلا. ثم لم يسقط الاشتراك القصاص عنهما فإذا لم يسقط القصاص عن الحامل والمحمول لضعف ما صدر عنها أما ضعف المباشرة فمن جهة كون المباشر محمولا وأما ضعف الإكراه فمن جهة كون المكره المحمول منهيا واستمرار التكليف عليه يوهن أثر الإكراه وليس أحدهما أولى بالضعف من الثانى فلا سبيل إلى تخصيص القصاص بأحدهما فنزلناهما منزلة الشريكين ولكن القول في هذا ينحط عن القول في الشريكين من جهة اختلاف السبب والمباشرة وخروج كل واحد منهما عن قياس بابه ثم إنه يتعارض مذهب أبى حنيفة وزفر والترجيح لزفر ومذهب إيجاب القصاص عليهما\n_________\n١ أي: أنه يقتل المباشر دون المكره وهو قول أبي حنيفة انظر المغنى \"٩/٣٣٠\".\n٢ انظر المغنى \"٩/٣٣١\".\n٣ قال الإمام النووي: \"فإذا أكره على القتل وجب القصاص على الآمر وفي المأمور قولان أظهرهما: وجوب القصاص أيضا انظر روضة الطالبين \"٩/٣٥\" الأشراف \"٣/٧٦\".","vol":"2","page":245},{"text":"منسوب إلى جميع نكتتى المذهبين مع امتناع إسقاط القصاص عنهما جميعا. قال: وإيجاب القصاص على شهود الزنا إذا رجعوا بعيد فإن فرض رجوع المدعى واعترافه فلا وجه لوجوب القصاص على الشهود والطريق القطع بتغليب المباشرة وإن فرض الكلام في استمراره على دعوى الاستحقاق فهذا ينحط في مرتبة الاجتهاد عن شهود الزنا فإن المدعي على خيرته قال: ولو ذهبنا نستقصي هذه المسائل لطال الكلام وإنما غرضنا التنبيه ولم يوجب الشافعى عقوبة في هذا المساق أبعد من إيجابه حد الزنا على المرأة إذا نكلت عن اللعان١ بعد لعان الرجل فإن هذا سفك دم بقول المدعى وهو في مسلك القياس يدانى إيجاب القصاص بقول المدعي في لوث القسامة ولولا الخبر لما اقتضى قياس ذلك قال: واللعان أبعد من القسامة من جهة أن الشرط في القسامة ظهور اللوث عند الحاكم وهذ غير مشروط في اللعان غير أن المعتمد في القسامة الخبر الصحيح والمعتمد في اللعان نسبته إلى شيئين. أحدهما: أنه لا يجد بد من الخروج عن قانون الحجج فالإستمساك بظاهر القرآن اقترب وهو قوله تعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] وحمل العذاب على الجنس بعيد وبالجملة نفى إيجاب الحد وتغليب حقوقها اقترب إلى مأخذ الشريعة عندي قال: ومن عجيب الأمر أن قول الشافعى اختلف في أن القصاص هل يجب بأيمان القسامة ولم يختلف قوله في وجوب الحد على المرأة مع تعرض الحد الواجب لله للسقوط بما لا يسقط به القصاص وسبب هذا أن خبر القسامة ورد في الغرم وآية اللعان اشتملت على ذكر العذاب وهو الحد فهذا عبرة في أمثال ما ذكرنا من قواعد الشرع ونحن نختم بأمر بدع يقضى الفطن العجب منه فالمرتبة الأولى تكاد تقضى بالقطع والمرتبة الثانية أعنى اللعان والقسامة لا يستقل المعنى فيها ولم نر شبهها مرتبة في القياس من حيث لم نرها مستقلة فهذه جملة كافية في التنبيه على المراتب وضابطها القرب من القاعدة والبعد منها هذا سرد كلامه في هذا الفصل ونحن قد تكلمنا على ما جعله في المرتبة الأولى والثانية.\nوأما هذه التي سماها المرتبة الثالثة فاعلم أن ما صار إليه في مسألة المركه على القتل من الكره والمكره بمنزلة الشريكين في القتل فليس بشئ لأن مباشرة جملة الفعل محسوسا وجد من المكره فإذا جعلنا المكره شريكا له في المباشرة فأما أن نجعل ذلك لأنا نجعل المكره آلة له أو لأنه سبب سببا يفضى إلى القتل غالبا فإن جعلنا شريكا له فإذا\n_________\n١ انظر روضة الطالبين \"٨/٣٤٩\".","vol":"2","page":246},{"text":"صار المكره آلة للمكره في بعض القتل وجب جعله آلة له في جميعه لأن الذى يجعله آلة له في بعض القتل موجود في كله وإن جعلنا شريكا بالتسبب فباطل أيضا لأن التسبب للقتل ومباشرة الفعل فعلان مختلفان وينفصل أحدهما عن الآخر وكل واحد من المكره والمكره يستقل بما فعله فكيف نجعلهما شريكين في القتل وإذا لم يكن التسبب إلى القتل قتلا عند هذا القائل فمتى يتصور أن يجعله شريكا للمكره في القتل فالقضاء بأنهما شريكان في القتل كلام قاله بعض المشايخ من غير تأمل في عائلته والذى قال: إن الخصم يحكم بنقل الفعل فهم لا يرتضون هذه اللفظة وإنما يقولون إن المكره آلة للمكره وليس للمكره فعل أصلا فيما يعود إلى النيابة على محل الفعل لأنه في ذلك يصلح أن يكون أله المكره ووجه كونه آلة وهو استعماله في فعله على اختيار نفسه يحمله عليه مثلما يستعمل السيف في قطعه على اختيار نفسه بتحامله عليه ويقولون هذا في الإثم لا يتصور لأن الإثم بجنايته على دينه وهو بجنايته على دينه لا يصلح أن يكون آلة للمكره وإنما في جنايته على محل الفعل صورة يصلح أن يكون آلة له وأما نحن نقول إن الحكم بكونه آلة للمكره مع بقاء اختياره وإمكانه الصبر والكف إلى أن يقبل ورود الشرع بذلك باطل وجعل المكره والمكره شريكين في القتل باطل لكنه يجب القود على المكره بمباشرة القتل وعلى المكره بالتسبب للقتل ويقول: كل واحد منفرد بفعله من القتل والتسبب من غير مشارك والقود واجب على المكره بالمباشرة وعلى المكره بالتسبب لأن التسبب أخذ شبها من القتل والقتل أخذ شبها من التسبب أما الأول فلأنه يفضى إلى إزهاق الروح غالبا وأما الثاني فلأن القتل بإزهاق الروح غالبا. وأما الثاني: فلأن القتل بإزهاق الروح وأزهاق الروح لا يدخل تحت قدرة العباد فلا يكون منه إلا التسبب فلما أخذ كل واحد منهما شبها من صاحبه جعلناهما علتين صحيحتين في إيجاب القتل غير أنا نعتبر في التسبب أن يكون مفضيا إلى القتل غالبا حتى يأخذ شبها من القتل ويخرج على هذا حفر البئر في بئر المسلمين ويعتبر أيضا أن يكون معتبرا في أحكام الشرع حتى يخرج عليه الإمساك ويظهر الاعتبار في المال وإذا عرف هذا بطل قول زفر وسقط ما حمده هذا القائل وعلى هذا الأصل الذى مهدناه ينبنى وجوب القود على شهود القصاص وشهود الرجم إذارجعوا وسواء في وجوب القصاص رجع المدعي أم لم يرجع بعد أن تم رجوع الشهود وذلك التفريق الذى قال: ليس بمذهب ولا هو صحيح على المعنى بعد أن يكون المشهود على قتله قد قتل فأما إذا أقمنا الدليل على أن السبب موجب للقتل صار مثل القتل","vol":"2","page":247},{"text":"وعلى القطع نعلم وجود السبب القوى من الشهود فيكون علة لوجوب القود عند رجوعهم مثل القتل من الولى يكون علة لوجوب القود عند رجوعه فإذا أوجب القتل على الولى عند رجوعه واعترافه وإن قام الشهود على شهادتهم فيكون التسبب علة لوجوب القود على الشهود إذا رجعوا وإن كان الولى مقيما على زعمه وإن قتل بحق وبأمثال هذا الكلام تعرف مقادير الرجال ويظهر مراتبهم والفقه أعز علم خاض فيه الخائضون ومنه مدارك الأحكام وهو البحر ذو التيار وفيه المغاصات على دور المعانى فلا يقع عليها إلا من أيد بنور من الله تعالى ومنه قيل: إن العلم نور يقذفه الله تعالى في قلوب من يشاء من عباده وقد كنا ذكرنا في خلافيات الفروع أن شهود القصاص قتله حكما ودللنا عليه وهذا الذى ذكرناه هاهنا أحسن.\nوأما مسألة إيجاب الحد على المرأة إذا نكلت عن اللعان فهو يبتنى على أن اللعان حجة شرعية لتحقيق الزنا على المرأة ولعانها حجة شرعية لدفع الحد عنها وكذلك الأيمان في القسامة حجة شرعية على تحقيق القتل على المدعى عليه نعم يجوز أن يقال: إن هذه الحجة لا تشبه سائر الحجج ونحن لم نعرف الحجج في جميع المواضع إلا بالشرع البحت والتعبد الخالص من غير خلط وإذا كان اللعان حجة سقط استبعاد إيجاب الحد على المرأة ومن نظر في كلمات اللعان وتأملها عرف أنه ما وضع إلا لتحقيق الزنا على المرأة وما وضع في الشرع لتحقيق شئ فلابد أن يتحقق وإذا تحقق الزنا عليها سقطت الاستبعادات والإنكارات جملة وأما اختلاف القول في القسامة واتحاد القول في مسألة اللعان فيجوز إن يقال: إنه لاتحاد الواجب في الزنا واختلاف الواجب في القتل ويجوز أن يكون له ما قاله والله أعلم.\nواعلم أنا ننكر مراتب المعانى وأن يكون بعض المعانى أوضح من البعض لكن لا على هذه الوجوه التي قالها والإخالة والتأثير قد يترتب فإنا نعلم أن الإخالة في الطعم لتحريم البيع دون الإخالة في شدة التحريم المسكر والإخالة في الثيابة لإيجاب الإذن والإخالة للبكارة في إفادة الإجبار مثل الإخالة في الطعم أو دونه بيسير إلا أن كل واحد من المعانى له علقة بالقلب وإشعار بالحكم الذى علق به وقد سبق من هذا ما فيه غنية.","vol":"2","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>فصل: في قياس الشبه</span>\n...\n\"فصل\"\nقال هذا القائل الذى حكمنا منه ما حكينا في قياس المعنى ونحن الآن نذكر مراتب قياس الشبه فنقول: محال هذا القسم عند انحسام المعنى المخيل الثابت فإذا لم نجد معنى للحكم الثابت أو صادفنا تخيل غير صحيح على الشبه فالوجه رد النظر إلى التشبيه ثم مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام مراتب المعنى فالواقع في المرتبة العليا هو الذى يسميه الأصوليون في المعنى الأصل ولا يريدون به المعنى المخيل وهذا إذا وقع كان في المرتبة العليا وقد سبق الاختلاف أنه هل يسمى قياسا أو هو متلقى من اللفظ والنفى والوجه عندنا في ذلك أن يقال: إن كان في اللفظ إشعار من طريق اللسان فلا نسميه قياسا كقوله ﷺ: \"من أعتق شركا له في عبد قوم عليه\" ١ فهذا وإن كان في العبد فإنه يستعمل في الأمة وقد يقال للأمة عبدة\nوأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا في وضع اللسان بما ألحق به فهو قياس معنى وقد يكون مفضيا إلى العلم مثل قياس عرق الكلب بلعابه في التعبد برعاية العدد والتعفير فأما إذا زال العلم وكان الظن هو المستفاد ولم يفسد عند السبر والعرض على الأصول فإن لم يفد غلبة الظن فهو الطرد المردود عند المحققين والإشتباه بين طرفى قياس المعنى والطرد فالذى لاح من كلام الشافعى ﵀ أن أقرب الرتب من المرتبة المعنوية إلحاق الزبيب بالتمر في الربا وأبعد منه قليلا بحيث لا يخرج من المرتبة إلحاق الأرز بالحنطة والذرة بالشعير. ثم يلى هذه المرتبة إلحاق الوضوء بالتيمم في النية ولهذا قال الشافعي مستبعدا طهارتان فكيف يفترقان قال ونحن نقول في هذا: إن كل شبه كلى يعتضد بمعنى فهو بالغ في فنه٢ وذلك إذا كان المعنى لا يستقل بنفسه مخيلا مناسبا وبيان ذلك بما وقع المثال به أن التيمم ليس فيه غرض ناجز وقد بينا من كلى الشريعة أنها مبتنية على استصلاح العباد فإذا لم يلح صلاح ناجز ظهر من المآخذ الكلية أنها صلاح في العقبى وهو التعرض للثواب ولا سبيل إليه إلا بقصد التقرب فإذا وجدنا الطهارة كذلك متفقا عليه. ثم كان المختلف فيه غير معقول المعنى ظهر وقع الشبه في الافتقار إلى النية المحصلة لغرض العقبى فليجعل الناظر هذا معتبرا في المرتبة الأولى من الأشباه المظنونة\n_________\n١ أخرجه البخاري: العتق \"٥/١٧٩\" ح \"٢٥٢٢\" ومسلم: العتق \"٢/١١٣٩\" ح \"١/١٥٠١\".\n٢ لم نستطع قراءتها إلا هكذا ولعل هذا هو الصواب.","vol":"2","page":249},{"text":"ولم يبلغ مرتبة العلم للاختلاف الواقع بين الطهارتين في أحكام وشرائط قال: وإلحاق المطعومات التي لا تقدر بكيل ولا وزن طريقة الشبه عندنا فإن مسالك الإخالات مفسدة فلا يبقى إلا التشبيه ثم سبيل هذا التشبيه النظر إلى مقصود المنصوص عليه وقد لاح أن المقصود هو الطعم وبطل اعتبار الفوت لمكان الملح وسقط اعتبار القدر لأنه في الجنسين والجنس الواحد على وتيره واحدة والحكم مختلف فلاح النظر إلى المقصود وأنه العلة وهذا مع الاعتراف أنه غير مستند إلى معنى معقول وهذا ينحط عما يتعلق بغرض في العقبى كما ذكرناه في القسم الأول ولولا ما ثبت عندنا من الاضطرار إلى تعليل المنصوصات في الربا لما لاح لنا فيها معنى ولا شبه ولكن إذا اضطررنا إليه لإجماع القائسين وجدنا اتباع المقصود أقرب مسلك وهذا واقع في المرتبة الثانية.\nواعلم أن الذى قاله هذا القائل ليس على ما ظنه في هذه المسائل وليس على ما رتبه أما إلحاق الأمة بالعبد في مسألة العتق وإلحاق العبد بالأمة في الحد المنصف عن الحر فقد سبق الكلام في ذلك فلا معنى للإعادة.\nوأما مسألة النية في الوضوء ومسألة الربا فليس الأمر على ما زعمه في المسألتين أما النية في الوضوء فليس وجوبها بالجهة التي ظنها من فضل التقرب به إلى الله تعالى لأن تخفيف التقرب إلى الله تعالى وهو لا يثبت مستقلا بنفسه يبعد جدا وإنما الوضوء محض تعبد وسبيل التعبد أن ينظر فيه إلى الحد الذى ورد الشرع فيه فلا يتجاوز عنه والشرع أمرنا بالوضوء للصلاة لقوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] يعنى فاغسلوا للصلاة مثل قول القائل: إذا جاء الشتاء فتأهب أى للشتاء وإذا قدم فلان فاستعد إلى قدومه فعندنا يجب الوضوء للصلاة وهذا هو معنى قولنا: إن النية واجبة فيها إلا أن الدليل قد قام أن الوضوء لفعل لا يستباح إلا بالوضوء ينزل منزلة الوضوء للصلاة وإذا ثبت ما قلنا: عرف محل الخلاف فعندهم التيمم يجب للصلاة والوضوء لا يجب للصلاة وفرقوا بما عرف وهو أن الماء مفيد للطهارة بطبعه لأنه خلق لذلك فإذا استعمل أفادها بذاته ولم يفتقر إلى إرادة الصلاة وأما التيمم فلا يفيد الطهارة بذاته لأنه لم يخلق لذلك وإنما يفيدها بالشرع والشرع جاء بكونه مفيدا للطهارة إذا أراد به الصلاة فهذا فرق القوم. وأما عندنا قالوا: طهارة شرعية لا حسية.\nألا ترى: أنها تجب في موضع ليس فيه تطهير المحل من شئ محسوس وإذا كان طهارة شرعية فيتبع مورد الشرع والشرع يأمر به للصلاة فتكون طهارة شرعية إذا أريد","vol":"2","page":250},{"text":"به الصلاة وإذا لم يرد به الصلاة لا يكون طهارة أصلا بمثل ما سلموا في التيمم ومن نظر في هذا عرف أنه المعنى الصحيح والدليل المعتمد وأما ما سواه فليس فيه طائل وأما مسألة علة الربا فليس الأمر على ما زعم أنه ليس فيه معنى مخيل مؤثر يدل على حكم النص والكلام في مسألة علة الربا لا يمكن إلا بعد معرفة النص فإن١ التعليل له فعندنا حكم النص تحريم بيع المطعوم بجنسه غير متساويين في معيار الشرع والتحريم أصل والإباحة تعارض دليلا وهو المماثلة في معيار الشرع وعلة الطعم مخيلة في الحكم الثابت بالنص لأنه مشعر بشرف المحل لما تعلق به من القوام وشرف المحل مؤثر في التحريم لأنه لما تعلق به القوام والبيع ابتذال جعل الأصل فيه الحظر ليظهر شرف ما تعلق به من القوام وليكون مبقيا مصونا عند مالكه فيستعمله في قوام حياته في وقته وهذا كالإيضاح فإن الأصل فيها الحرمة لأن قوام النسل بها فجعل الشرع أصلها على الحرمة وصانها عن الابتذال والامتهان ثم أباحها بعارض دليل وهذا أصل كبير وعليه أسئلة للمخالفين أجبنا عن ذلك في كتبنا وإنما أشرنا إلى هذا القدر في هذا الموضع ليعلم بطلان قول من زعم: أنه ليس فيه معنى مخيل وأما كون الطعم مقصودا في المحل فليس يشعر بتحريم العقد.\nألا ترى: أن من علق الإباحة بهذا الوصف يكون مثل من علق التحريم به في أن الوصف لا يدل على واحد منهما والشبه يعود مثل هذه المسألة التي أجمع القائسون على الخصوص فيها بالتعليل بترك ذلك خالية على المعنى الذى يدل على الحكم فالمعنى موجود لكن العاثر عليه يعز نعم يجوز أن يجعل كون الطعم مقصودا في المحل أولى من الكيل لكن ليس الكلام في الترجيح لأنه لابد أولا من تصحيح العلة ثم إذا عارضها علة يطلب من المعلل تصحيحها فإذا صحت فحينئذ يصار إلى الترجيح فأما أن يبدءوا أولا في كلامه بإظهار الترجيح ويشتغل به فليس هذا من دأب أهل المعانى في شئ وإن اشتغل بإبطال علة الخصم فلا يصح علته بهذا أيضا وقد سبق بيانه وعلى أن الخصم يقول ليس حكم النص عندي ما قلتم إنما حكم النص وجوب المماثلة وربما يقول حرمة الفضل قدرا وعلى اللفظ الأول معولهم قالوا: والمؤثر في المماثلة بالكيل والجنس ولهم في هذا كلام طويل عريض والذى قال: إن النبى ﷺ أباح الفضل عند اختلاف الجنس ويوجد الكيل والوزن عند اختلاف الجنس واتفاقه على وتيرة واحدة فهم يزعمون\n_________\n١ هكذا في الأصل [فأما] .","vol":"2","page":251},{"text":"أن الجنس مؤثر في إثبات المماثلة التي هى حكم النص مثل تأثير الكيل وذلك لا يوجد عند اختلافه وعلى أن هذا الكلام إن صلح إنما يصلح للترجيح وقد بينا أن الكلام فيه باطل إلا بعد أن يقوم المعلل بتصحيح العلة ويعارض أيضا بعلة صحيحة ثم حينئذ يكون الكلام في الترجيح فليفهم الفقيه كل ما أشرنا إليه وليكن معوله عليه وتمسكه به وليعض عليه بناجذه فإنه من الأعلاق النفسية وقلما يظفر به بمثله وقد قال الصاحب في بعض ما نقل عن رسائله: وإذا كان الذهب بناقده فما أعزه صير في الكلام مضى هذا ورجعنا إلى نقل كلام من كافأ نقل كلامه قال: ومن أبواب التشبيه ما يتعارض فيه المعنى والشبه على التناقض كالتردد وهو في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة أو لا فالذى يقتضيه القياس المعنوى عدم الضرب والذى يقتضيه الشبه الضرب اعتبارا بالحر ومما يلحق بهذا القول في تقرير أروش أطراف العبيد بالسبب الذى يقدر به أطراف الأحرار فالذى يقتضيه القياس المعنوى نفى التقدير واعتباره ينقص من القيمة نظرا إلى المملوكات وهذا مذهب ابن سريج والرأى الظاهر للشافعى ﵀ أنها تتقدر معتمدة الشبه وهذا أولى من الأول لأن الشارع أثبت للحر بدلا حتى لا يهدر إذا قتل خطأ ثم قاس أطرافه بجملته بمعاني لا تنتهى أفهام المستنبطين إلى ضبطها وكان من الممكن أن لا تقدر أروش أطراف الحر فإنا وجدنا في جراحات الأحرار حكومات غير مقدرة فلو اقتضى شرف الحر تقدير ديته فهذا لا يطرد في أطرافه فلما تأصل في الطرف تقدير وطرف العبد من العبد كطرف الحر من الحر اعتبر به ولم يلتفت إلى خروج قيمة العبد عن التقدير وعلى هذا خرج أطراف البهائم لأنا لم نتحقق فيها أنها تقع من البهائم مواضع أطراف الأحرار من الأحرار فأما في العبد علمنا قطعا أن أطراف العبيد من العبيد مثل أطراف الأحرار من الأحرار وفقا ومنفعة.\nقال: وأما ضرب القيمة على العاقلة فالأولى في ذلك سلوك المعنى وأن لا تضرب على العاقلة لبعد تحميل العاقلة عن مدارك العقول فلا جرم أن يكون الضرب على العاقلة في حق الأحرار خاصة.\nقال: ومما يعده الفطن فزعا من هذا إلحاق القليل من الدية بالكثير في الضرب على العاقلة ونحن نرى ذلك في المسألة الأعلى من جهة الشبه ومن جهة أن أصل الضرب ثابت وهو جرى في القليل عند كثرة الشركاء جريانه في الكثير وليس هذا مبتنيا على صرف الإجحاف والإضرار عن المحمول عنه فإن الدية محمولة عن الموسرين مثل حملها","vol":"2","page":252},{"text":"عن الفقراء وكان الضرب ثابتا في الشرع مسترسلا على الأقدار من غير اعتبار مقدار والذى قاله هذا القائل في الفصل لا بأس به ويجوز أن يعول عليه وهو كلام الأصحاب وقد قرره وأحسن تقريره وأورده بألفاظ حية فليؤخذ بها ثم ذكر في آخر كلامه سؤالا فأجاب عنه والسؤال. فإن قيل: إذا تعلق المتعلق بوجه شبه ونوقش فيه فكيف وجه تقريره فإن قال: المتعلق بالشبه أنه يفيد غلبة الظن ونوزع فيه كيف يبين وجه وجود غلبة الظن أجاب عن هذا السؤال وقال: لاشك أن غلبة الظن لا تحصل إلا مستندة إلى سبب يقتضيها ولابد من ذكره وبه يتميز الشبه من الطرد فالشبه مستند إلى مأخذين هما الأصل وبعدهما أمر ثالث ينبه عليه:\nفأحدهما: جريانها على مقتضى الشبه وهذا كإلحاق اليسير بالكثير في الضرب على العاقلة والمستند فيه ضرب حصة الشركاء مع تناهيها في القلة وينضم إليه بطلان اعتبار المواساة المشروعة بسبب خيفة الإجحاف فيخرج بما ذكرناه أن ضرب العقل لا ينتهى إلى توقيف في قلة ولا كثرة وليس هذا المعنى مخيل مناسب ولكنه متلقى من أصل الوضع بالمسلك الذى ذكرناه.\nوالوجه الثانى: وهو الذى يدور عليه معظم الأشباه وهو أن يثبت معنى على الجملة في قصد الشارع ولا يدخل في الإمكان ضبطه بعبارة وهذا كعلمنا بأن الشارع قد أرش أكثر بنصف الدية بنسبة لها مخصوصة من الجملة فهذا مما نعلمه ونطلع عليه على الوجه الذى لأجله قدر النفس لهذا التقدير غير معلوم وإذا تمهد هذا كان اعتبار يعد العبد يد الحر شبها صحيحا فإن عنائد١ العبد من جملته كعنائد الحر من جملته فالشبه في هذا راجع إلى معنى معلوم من قصد الشارع ولكن لا سبيل إلى التنصيص عليه وإذا اتجه هذا النوع كان بالغا جدا مقدما.\nقال: وأما الأمر الثالث: فهو اعتبار المقصود وهذا لا استقلال له إلا أن تضطر إلى التمسك بعلة للمنصوص عليه ومثال ذلك الأشياء الستة في الربا فلو هجم ناظر عليها ولم يتقدر عنده وجوب طلب علة أو علم للحكم لم يعثر على فقه قط ولا شبه. فإن قيل: الفقه مناسب حاز مطرد سليم على السبر والشبه يتلقى من أمثله أو تخيل معنى جمل والرأى لا يقضى بواحد منهما في نصب الطعم علما ولكن إذا ثبت طلب العلم وانحسم المعنى المستور والمجمل فلا وجه إلا أن يقال إذا لم يثبت الحكم لأعيان هذه\n_________\n١ حمع عند وهو العرق إذا سال. انظر القاموس المحيط \"١/٣١٥\".","vol":"2","page":253},{"text":"الأشياء ثبت لمعانيها ومعانيها هى المقصودة منها ثم ينصب على ذلك شاهدان أحدهما من قبل التمثيل وهو اختلاف الحكم باتحاد الجنس واختلافه والمقصود في الجنسين مختلف والكيل على وتيرة واحدة فدل هذا أن المقصود هو العلم على الحكم والشاهد الثانى قوله ﷺ: \"لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل\" ١ فهذا معاندة الأشباه وإذا عرف هذا فلا حاجة إلى تكلف التمييز بينهما وبين الطرد.\nواعلم أنا تكلمنا من قبل على فصل الشبه وبينا الموضع الذى يكون حجة فيه فليعتمد على ذلك وإذا قرر على هذا الوجه الذى بيناه فعلى القطع٢ نعلم وجود قوة الظن وأما رجوعه إلى مسألة الربا فلا أرى لذلك وجها وجعل الطعم علة بمجرد كونه مقصودا في المحل لا وجه له بحال اللهم إلا أن يقول هذا القائل: إن الطعم ليس بعلة لكنه علم منصوب على الحكم ويقال له من نصبه؟ وما الدليل على نصبه في هذا الحكم؟ وما الفصل بينه وبين من يقول: إنه منصوب على ضد هذا الحكم؟ إذ ليس من المناسبة في التحريم ما ليس له ذلك في التحليل وأما اختلاف الجنس لا يدل أن العلة هى الطعم وإنما يقول الخصم: إن الجنس مؤثر مثل الكيل في الحكم المنصوب له العلة فإذا عدم فات الحكم وأما عندنا فنحن نقول: إن الطعم علة مؤثرة بالوجه الذى بينا إلا أنه أباح الفضل عند اختلاف الجنس ووجود الطعم لأن الطعم عندنا علة والجنس محل أو شرط بالشرع والعلل يطلب تأثيرها فأما الشرط فلا يطلب له تأثير بدليل سائر الشروط فصار الطعم مؤثرا لأنه علة والجنس شرطا شرعيا غير مؤثر لأنه شرط محض وليس بعلة ولهذا قلنا لا يحرم النساء بانفراده لأن الشرط بانفراده لا عمل له قال هذا القائل: ونحن نختم هذا الفصل بمسألة يتعارض فيها شبهان فنقول اختلف العلماء في أن العبد هل يملك؟ ٣ ومأخذ الكلام فيه من طريق الشبه وأما من يقول إنه يملك فيشبهه بالحر فإن العبد خلق آدميا مختارا طلوبا لما يصلحه دفوعا لما يضره لبيبا أريبا فطنا وهو في هذا كالحر فهذا شبه خلقى غير عائد إلى الصور وإنما هو راجع إلى المعانى التي يتهيئ بها الإنسان لمطالبة ومأربه وأما من منع كونه مالكا شبهه بالبهائم من جهة أنه مسلوب\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ ثبت في الأصل هكذا \"العع\" ليس لها معنى ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٣ اعلم أن العبد لا يمكلك شيئا إذا لم يملكه سيده في قول عامة أهل العلم وقال أهل الظاهر: يملك انظر المغنى \"٤/٢٥٦\".","vol":"2","page":254},{"text":"القصد والاختيار مستوعب المنافع باختيار مالكه حتى كأنه لا اختيار له والتعلق بهذه الأشياء أقرب فإن القائل الأول تمسك بالأمور الخلقية ومن منع من الملك تمسك بمأخذ الأحكام وكان هذا القول أقرب وأصوب فإن الرق حكم غير واجب إلى صفات حقيقية خلقية فإن حاصلة سقوط استبداد شخص في أمور نفسه وتهيؤه لتصرف غيره وهذا يناقض صفات المالكين فإن حكم المالك الاستقلال ثم أقام الشرع طالبا للملوك فيما يسد حاجته ويكفى مؤنته والحاجة التي لا يتصور الكفاية فيها أثبتها الشرع للمملوك بإذن مالكه وهو حق المتمتع في النكاح فإن قيل: السيد إذا ملك عبده فالحق لا يعدوهما فإن كان استغراق السيد لحقه يمنعه من صفة المالكين فإذا ملكه المولى وجب أن يملك قلنا: التمليك لم يخرجه عن كونه مملوكا محتكما فلا يجتمع معه الملك وهذا لأنه مملوك في نفسه فلا يكون مالكا وأما إذا ثبت للسيد حق استقلال بأن كاتبه فيتصور له ملك على حسب ما يليق به على ما عرف.\nواعلم أن المعتمد في نفى ملك العبد كونه مملوكا ولو كان أهل الملك لكان أول ما يظهر فيه الأهلية ملكه نفسه ولو ملك نفسه عتق فصار الملك مضادا لثبوت الملك فهذه وجوه نفى الملك له.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>فصل: سؤال المطالبة</span>\n...\n\"فصل\"\nثم ذكر سؤال المطالبة وجوابه عنها على ما عرف من الجدليين ونحن قد ذكرنا من قبل وبينا وجه الجواب وذكر الترجيحات وقد سبق وجوه ذلك وذكر العلة القاصرة مع العلة المتعدية إذا تعارضتا قال: وحاصل ما قيل ثلاثة مذاهب:\nأحدهما: وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق ترجيح العلة القاصرة.\nوالثانى: وهو المشهور ترجيح العلة المتعدية.\nوالثالث وهو اختيار القاضى أبى بكر: أن إحديهما لا تترجح على الأخرى بالقصور ولا بالتعدى١.\nقال: وهذا إنما يرد إذا لم نر تعليل الأصل بعلتين أصلا وإذا اتفق القائسون أن الصحيحة إحداهما ولا يجوز تعليقه بهما جميعا وأما الذى رجح المتعدية فكلامه ظاهر\n_________\n١ سبق تخريج هذه المسألة.","vol":"2","page":255},{"text":"وهو أن العلل تزاد لفوائدها والفائدة للمتعدية لأن النص يغنى عن القاصرة فليكن التمسك بالمتعدية أولى وأما من رجح القاصرة قال: لأنها متأيده بالنص وصاحبها أمن من الزلل في الحكم العلة فإذا دل الدليل على صحة العلل حينئذ تطلب الفوائد قال: والترجيح بحكم للعلة بعيد والترجيح الحقيقى يكون بما ينشأ من مثار الدليل عليها لأنه يفيد زيادة قوة الظن فأما الترجيح بالنظر إلى الفوائد فلا وجه له لأنه ليس مما يرجع إلى زيادة قوة الظن. وقد قيل: إن هذه المسألة تقديرية وهى غير واقعة في الشرعيات فإن قال قائل: أن أبا حنيفة قد علل الربا في التقدير بالوزن وهو معتد إلى كل موزون وعلل الشافعى بكونهما جوهرى النقدين وهذا مقتصر على محل النص فما قولكم في ذلك قلنا علة الوزن باطلة عند الشافعى كبطلان علة الكيل وعلة الثمنية صحيحة وقد قام الدليل عليها والترجيح إنما يكون بعد أن تصح العلتان جميعا بقيام الدليل عليهما. فإن قيل علة الشافعي في تثبيت الخيار للمعتقة تحت العبد قاصرة وقد قدم ثبوتها١ على العلة المتعدية لأبى حنيفة قلنا هذا باطل من أوجه:\nمنها: أن ما اعتمده أصحاب أبى حنيفة من تعليل الخيار باطل في نفسه فلا ينتهى القول إلى مقام الترجيح.\nومنها: أن الرأى الظاهر أن لا يعلل خيار المعتقة تحت العبد كما حققنا في الفروع ومنها أن من يثبت الخيار للمعتقة تحت الحر يزعم أن قصة بريرة كانت واقعة والزوج حر فيكون الأصل على هذا ما ورد فيه النص ويكون غيره فرعا فكيف يعلل الأصل ويقاس على الفرع حتى يقال إنها متعدية أو غير متعدية؟ واعلم أنا أما التقطنا كلمات له في هذه المسألة ولم نحكمها على الوجه.\nوعندي أن المتعدية والقاصرة سواء بعد أن يقوم الدليل على صحتها وإن طلب الترجيح بوجه آخر.\nوأما مسألة خيار المعتقة فقد ذكرنا في كتابى \"النكاح\" أن النكاح وقع لازما وقد استبرأ قبل لزومه على اختلاف التارات والحالات ولا دليل يدل على ثبوت الخيار عند العتق وأبطلنا ما يزعمونه من الدليل وإذا بطل ذلك بقى النكاح لازما على ما وقع لأن الباقى بعد الثبوت هو الثابت ابتداء فإذا ثبت لازما بقى لازما وذكر فصلا آخر فيما يرجع إلى الترجيح قال: وإذا تعارض قياسان واعتضد أحدهما بمذهب صحابي فمن يقول: إن\n_________\n١ ثبت في الأصل هكذا \"متهوها\" ولعل الصةواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":256},{"text":"مذهب الصحابى حجة عد هذا من انضمام دليل إلى أحد القياسين وهذا يقتضى تقديم المذهب الذى يدل عليه القياس ويدل عليه قول الصحابى ويقع الكلام في أن هذا هل يسمى ترجيحا أو لا؟ وإذا كنا لا نرى التعلق بمذهب الصحابى فلا أثر له في الترجيح وقوله كقول بعض علماء التابعين ومن بعدهم وإن لم يكن قوله بانفراده حجة لكن إذا انضم قوله إلى القياس وقد شهد النص بمؤيد علم في هذا الفن الذى نصب فيه القياس أفاد انضمامه زيادة قوة في الظن قال الشافعى: قول زيد أرجح من قول معاد ﵄ وإن كان قد قال رسول الله ﷺ: \"أعلمكم بالحلال والحرام معاذ\" ١ وذلك لأن شهادة رسول الله ﷺ لزيد أخص في الفرائض وأدل على اختصاصه بمزيد الدرك فيها وكذلك مذهب زيد مع انضمام قياس إليه أرجح من مذهب على مع انضمام قياس إليه وإن كان قد قال رسول الله ﷺ: \"أقضاكم علي\" ٢ وهذا أبين مما قدمناه في معاذ فإن شهادة الشارع له بمزية البصيرة في القضاء يشير إلى التفطن لقطع المشاجرات وفصل الخصومات والتهدى إلى تمييز المحق من المبطل والشهادة بمزية العلم في الحلال والحرام وقع في مض الاجتهاد والشهادة بمزية العلم في الفرائض أخص من الجميع فهذه إذا ثلاث مراتب وإذا لم يكن في الواقعة قياس واجتمعت هذه المذاهب الثلاث فالقول في تقليد من يقلده يأتي في غير هذا الموضع. فإن قيل: إذا اعتضد أحد المذهبين بقول أبى بكر وعمر ﵄ فما قولكم فيه؟ وقد قال رسول الله ﷺ: \"اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر -﵄-\"٣ قلنا هذا عندنا اعم من الشهادة لعلى بمزيد في العلم في القضاء فإنا نجوز أن النبى ﷺ أشار بهذه على الاستحثاث على اتباعهما في الخلافة وإبداء الطاعة فإذا انضم إلى المراتب الثلاث في الشهادات الصحيحة مرتبة رابعة فأولاها بالتعلق أخصها وهى الشهادة لزيد ويليها الشهادة لمعاذ ثم تلى الشهادة لمعاذ الشهادة لعلى ثم يلى ما ذكرناه ما ذكر ﷺ في أمر أبى بكر وعمر ﵄ ثم قال الشافعى: قول علي في الأقضية كقول زيد في الفرائض وقول معاذ فى\n_________\n١ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦٦٤\" ح \"٣٧٩٠\" وقال حسن غريب وابن ماجه: المقدمة \"١/٥٥\" ح \"١٥٤\" وأحمد: المسند \"٣/٢٦٦\" ح \"١٢٩٠٩\".\n٢ تقدم تخريجه انظر الحديث السابق.\n٣ أخرجه الترمذي: المناقب \"٥/٦٠٩\" ح \"٣٦٦٢\" وقال: هذا حديث حسن وابن ماجه: المقدمة \"١/٣٧\" ح \"٩٧\" وأحمد: المسند \"٥/٤٤٧\" ح \"٢٣٣٠٧\".","vol":"2","page":257},{"text":"التحليل والتحريم إذا لم يتعلق بالفرائض كقول زيد في الفرائض فهذا الذي وجد من زيادة فائدة فيما نقله في أصوله وأما سائر ما نرجح به العلل قد ذكرنا الكلام فيه ثم أعلم أنه قل ما يوجد علتان متعارضتان وقد قام الدليل على صحتهما ثم يصار إلى الترجيح في ذلك بل أكثر الكلام إنما يقع في طلب التأثير الذى به تصح العلة فإن اتفق ما قلناه من تعارض العلتين وقد قام الدليل على صحتهما ووقعت الحاجة إلى الترجيح فالوجه ما قدمنا وحين فرغنا من هذا نذكر الكلام بعد هذا في التعلق بالاستدلال ونبين عند ذلك الفرق بينه وبين التعليل وبين قرينه كل واحد منهما ووجه ترجيح أحدهما على صاحبه ثم نذكر بعده الكلام في السبب والشرط والفرق بين العلة وبينهما وهذان الفصلان أعنى الكلام في الاستدلال والكلام في السبب والشرط ومعرفة الفرق بينهما وبين العلة مما يجب الاهتمام بذلك لكثرة ما تقع الحاجة إليه في المسائل وسنذكر ذلك جميعه بعون الله تعالى وتوفيقه ونبرأ إلى الله ﷿ من حولنا وقوتنا ونعتصم ونلوذ بحوله وقوته فإن الكل منه وبه وإليه.","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>القول في الاستدلال</span>\nقد ذكرنا أن الاستدلال طلب الحكم بالاستدلال بمعانى النصوص وقيل: أنه استخراج الحق وتمييزه من الباطل ذكرهما أبو الحسن الماوردى وقيل: إنه معنى مشعر بالحكم المطلوب مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلى من غير وجدان أصل متفق عليه١.\nواختلفوا في هذا فذهب جماعة إلى رد الاستدلال وقالوا: لا يجوز أن يكون المعنى دليلا حتى يستند إلى أصل وذكره القاضى أبى بكر وجماعة من المتكلمين وأما الذى يدل عليه مذهب الشافعى رحمة الله عليه هو كون الاستدلال حجة وإن لم يستند إلى أصل ولكن من شرط قربه من معانى الأصول المعهودة المألوفة في الشرع وقد ذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة إلى جواز الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل وشرح ذلك أن يكون الثابت مصالح شبيه بالمصالح الثابته في أصول الشرع غير خارجة عنها وأفرط مالك في جواز القول بالاستدلال٢ وجوز مصالح بعيدة عن المصالح المعهودة والأحكام المعروفة في الشرع وحكى عنه جواز القتل وأخذ المال بمصالح يقتضيها غالب الظن وإن لم يوجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول وربما يقول أصحاب مالك يجوز اتباع وجوه المصالح والاستصواب قربت عن موارد النصوص أو بعدت إذا لم يصدمها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع واحتج من نفى الاستدلال على وجه القياس بأن الدلائل محصورة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس على أحدها والاستدلال الذى يذكرونه خارج عن هذه الأقسام ومن هذه الدلائل أجمع قد يصح أن يكون دليلا قال القاضى أبو بكر: إن المعانى إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع وإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر وصار الشرع مرجوعه إلى وجود الرأى من الناس من غير اعتماد واستناد إلى أصل شرعى فيرى كل إنسان وجها ويعتمد شيئا سوى ما يراه ويعتمد صاحبه ويصير إذا أهل الرأى في هذا بمنزلة الأشياء فيفعل كل إنسان ما يراه ويعتقده صلاحا في المعنى الذى سنح له فيصير ذلك ذريعة إلى أبطال أبهة الشروع\n_________\n١ انظر البرهان \"٢/١١١٣\" إحكام الأحكام \"٢/١٦١\".\n٢ انظر البرهان \"٢/١١١٣، ١١١٤\".","vol":"2","page":259},{"text":"ورونقها ويذهب طراوتها وبهاؤها وينسكب ماؤها ثم مع ذلك يختلف ما يرونه من الاستصلاح والاستصوابات بالمكان والزمان وأصناف الخلق فتختلف أحكام الله تعالى نهاية الاختلاف ويكون حكم الله تعالى اليوم خلاف ما كان عليه أمس وحكم الإنسان خلاف حكم جاره وشريكه وهذا أمر يخالف ما عهد عليه قوانين الشرع وما درج عليه الأولون من هذه الأمة وما أرى القول به إلى مثل هذا فهو باطل وهذا لأن ما لا أصل في الشرع فهو في نفسه ما لا أصل له وأيضا يقولون إن معاذا ﵁ لم يذكر إلا الكتاب والسنة والقياس فدل أن ما سوى ذلك باطل وأما دليل مثبتى الاستدلال هو أنا نعلم قطعا أنه لا يجوز أن يخلو حادث عن حكم الله تعالى منسوب إلى شريعة نبينا محمد ﷺ.\nببينة: أنه لم يرو عن السلف الماضين أنهم أغروا وأخلوا واقعة عن بيان حكم فيها لله تعالى وتقدس ونحن نعلم كثرة الفتاوى وازدحام الأحكام الأحكام وقد استرسلوا في بث الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع وقد قصدوا لإثباتها فيما وقع وتشوفوا في إثباتها فيما سيقع ولا يخفى على منصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من تقسيم الوقائع عنده إلى ما يغري عن حكم وإلى ما لا يغغرى عنه وإذا عرفنا هذا فنقول لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعانى المستشارة منها لما وسع القياس لكل ذلك فإنا نعلم أن المنصوصات معانيها لا تنسحب على كل المعانى ولو لم يتمسك الماضون بمعانى وقائع لم تعهد وأمثالها لكان يزيد وقوفهم في الأحكام على فتاويهم وجريانهم فيها قال الشافعى ﵀: من سير أحوال الصحابة - ﵃ - وهم الأسوة والقدرة لم ير لواحد منهم تمهيد قياس على ما يفعله القياسيون بل كانوا يخوضون في وجوه الرأى من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فثبت بمجمع ما ذكرناه صحة القول بالاستدلال ومما يدل على صحة ما ذكره الشافعى رحمة الله عليه وتمسك به أنه إذا استندت المعانى إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست النصوص وأحكامها حججا وإنما الحجة في المعنى وأعيان المعنى ليست منصوصة وهى المتعلق بها بل نقطع بمحض خروج المعانى عن ضبط النصوص فدل أن المعانى حجة كافية ولو راعينا ردها إلى الأصول تنصرف الأصول عن كثير من المعانى ومن يتتبع كلام الشافعى لم يره متعلقا بأصل ولكنه يبنى الكلام في الأحكام على المعانى المرسلة فإن عدمها حينئذ شبه بالأصول.","vol":"2","page":260},{"text":"عليه فيما قلناه ولو قال قائل: لم يصح عن أحد من السلف استعمال القياس على ما يعتاده أبناء الزمان من تمثل أصل واستتاره معنى فيه وربط فرع به كان ذلك حقا وصوابا.\nفأما الكلام الثانى الذى قاله وزعمه أن القول بهذا يؤدى إلى خروج الأمر عن الضبط وانحلال أمر الشرع ورد الأحكام إلى أرآء الرجال فهذا لا يلزمنا لأنا نعتبر وجود معنى لا يدفعه أصل من أصول الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع والجملة أنه يعتبر وجود معنى يناسب الحكم الذى يبنيه عليه من غير أن يدفعه أصل من كتاب أو سنة أو إجماع وقد قال بعض أصحابنا في العبارة: عن هذا إنه قد ثبتت أصول معللة اتفق القائسون على عللها فقال الشافعى ﵀: نتخذ تلك العلل معتصما ويجعل الاستدلال قريبا منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلا أصول والاستدلالات معتبرة بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة لمعنى جامع فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع ولم يرده [إلى] ١ أصل كان استدلالا مقبولا مثاله أن الرجعية المحرمة الوطء عند الشافعي ﵀ عليه مباحة الوطء عند أبى حنيفة واستدل الشافعى بأنها متربصة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها في الزمان الذى تؤثر فيه بالتبرئة متناقض ثم هذا يعتضد تبرئة بأن الزوج لو اعتزل امرأته قبل الطلاق مدة العدة. ثم طلقها لم يعتد بما كان منها عدة ولو كانت تحل قبل الطلاق وبعد الطلاق لما كان لاختصاص العدة بما يعد الطلاق معنى وهذا نوع استدلال ضمنى مستخرج من العدة ولم يطلب الشافعى لهذا أصلا يقيس عليه وذكر بعض متأخرى الأصحاب في هذا كلاما طويلا لم أر في حكايته فائدة فتركته وقد ترد المسألة من أولها إلى آخرها إلا القليل على طريقة المشايخ.\nوأما نحن فعلى طريقة المحققين لا نرى الاعتماد على العدة وإن كان هو متعلقا حسنا من حيث الحكم وأقل غائلة في هذا التعليق على أصل الخصم أنه لا يجتمع العدة وشغل الرحم من الزوج فإنه قد صار مراجعا بالوطء ولهم على العدة كلام واقع على ما ذكرناه في الخلافيات وإنما المعتمد عندنا وقوع الطلاق وهويصرف فأجر عمله الإسقاط والإزالة فلابد أن يزيل شيئا وليس ذلك إلا ملك الحل وقد بينا وجه الاعتماد على هذا ومشيئة وقد أورد بعض أصحابنا أمثلة الاستدلال سوى هذا.\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل.","vol":"2","page":261},{"text":"وقال: مثال الاستدلال ما قال أصحابنا: إن الخارج من غير السبيلين ليس بحدث١ لأنه لو كان حدثا لاستوى قليله وكثيره وحكمه وكذلك قالوا: لو كانت القهقهة حدثا ينقض الطهارة لاتفق في ذلك حال الصلاة وحال غير الصلاة.\nومثال ذلك أيضا ما قالوا في المتيمم إذا رأى الماء: إنه لا يكون رؤية الماء حدثا٢ لأنه لو كان رؤية الماء حدثا لم يختلف موجبه في وجوب الغسل تارة والوضوء أخرى ومن ذلك قولهم في توسيع وقت الحج٣: إنه لو كان مضيقا لكن المؤخر له عن عام وجوبه إذا أتى بعد ذلك يكون قاضيا لا مؤديا فلما كان مؤديا دل أنه موسع الوقت ومن ذلك أيضا ما قاله الشافعى: إنه لو كان اللعان شهادة لكان حكمه كيت وكيت على ما عرف.\nومنها ما استدل به الشافعى على إبطال علة الوزن. فقال: العلة الموجبة لتحريم التفاضل لو كان هو الوزن ما جاز إسلام الذهب والورق في سائر الموروثات على ما هو المعروف.\nوعندي أن هذا كله قياس لاعتبار شئ بشئ بمعنى مستخرج.\nويجوز أن يقال: إنه قياس من حيث المعنى لا من حيث الصورة والدليل على أنه لم يخرج من قسم القياس أنه استند في كونه دليلا إلى غيره وما استند إلى غيره واعتبر به فلابد أن يكون غير خارج من قسم القياس.\nويجوز أن يقال: إنه نوع بحث يثير حكما شرعيا. وقد قالوا: إنه يجوز أن يوجد في الأحكام الشرعية ما لا أصل له بعينه وذلك نحو العمل القليل في الصلاة وما شاكله وذلك لأن الدليل لما دل أن كثير العمل يفسد الصلاة وأن قليله لا يفسدها ولم يثبت\n_________\n١ فمذهب الشافعية أن الوضوء لا ينقص بالخارج من غير السبيلين انظر روضة الطالبين \"١/٧٢\".\n٢ مذهب الشافعية إذا كان لعدم الماء أو الخوف في تحصيله أو الحاجة إليه فيبطل بتوهم القدرة على الماء قبل الدخول في الصلاة إذا لم يقارن التوهم مانع من القدرة فإذا قارنه مانع لم يبطل انظر روضة الطالبين \"١/١١٥\".\n٣ فمذهب الشافعية أن الحج واجب على التراخي وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد في أظهر الروايتين: إنه يجب على الفور ولا يؤخر إذا وجب انظر رحمة الأمة فياختلاف الأئمة \"٢٠٨\".","vol":"2","page":262},{"text":"بالنص القدر الذى يفسد والقدر الذى لا يفسد وجب الرجوع إلى الاجتهاد.\nوقال بعضهم: إن قدر ما يفسد الصلاة على التقريب ما إذا شاهد المشاهد لم يظن أنه في الصلاة وعلى الجملة فلا شك أن العمل في ذلك على ما ظن المصلى أنه قليل فلا يفسد أو كثير فيفسد وليس ذلك راجع إلى أصل بعينه من أصول الشرع وقد ألحق بعض أصحاب أبى حنيفه بهذا الباب انكشاف ساق المرأة فإنه يقول إذا انكشف ربع الساق فما فوقه فسدت صلاتها وإن كان قد انكشف ما دون الربع لا تفسد وذكروا لهذا التقدير وجها على التقريب وهو أن الناظر إلى ساق المرأة إذا كانت الساق مكشوفة إنما يبصر جانبا منها وللشئ اربعة جوانب فإذا رأى جانبا منها فيكون قد رأى الربع فجرى في هذا مجرى الكل في فساد الصلاة وهذا أيضا شئ قالوه على وجه التقريب من غير أن يستند إلى أصل وعلى هذا من مذهبهم مقادير النجاسات المعفو عنها وقدر ما ينزح من الدلاء من البئر عند وقوع الحيوانات فيها.\nوقد قدر الشافعى أيضا في المتابعة بين الإمام والمأموم فقال: إذا سبق الإمام المأموم بركن واحد أو ركنين لم تفسد المتابعة وإن سبق بثلاثة أركان فسدت المتابعة١ وهذا تقدير على وجه التقريب ليس له أصل بعينه ولذلك قال في المسافة بين الإمام والمأموم إذا زاد على مائتى ذراع أو ثلاث مائة فسدت المتابعة وفيما دون ذلك لا تفسد وإن كان هذا تقديرا على وجه التقريب غير مستند إلى أصل بعينه وعلى هذا نفقة الموسر والمعسر ينظر في ذلك على حسب العادة فيعرف بذلك الموسر من المعسر ونجرى الحكم على ذلك وهو غير مستند إلى أصل بعينه.\nوكذلك القول في جهة الكعبة ومقدار ما يعرف أنه على جهة الكعبة أو ليس على جهة الكعبة وكذلك ما يتوصل به إلى معرفة قيم المتلفات وإيجاب قدر القيمة حكم شرعي وقد تعلق بأمارة غير مستندة إلى أصل.\nوقد قيل: إن الأمارة في هذا عقلية وهى النظر إلى عادات الناس.\nألا ترى أن من قوم الثوب بعشرة لو قيل له: لم قومته بذلك يقول: إن عادة الناس أن يبيعوا مثل هذا الثوب بعشرة ويمكن أن يسألوا على هذا فيقال إذا جعلتم الأمارة في هذا عقلية فهلا قلتم: إذا خرق زيد ثوب عمرو يكون الواجب تخريق ثوبه\n_________\n١ انظر شرح المهذب \"٢/٥٤\".","vol":"2","page":263},{"text":"والجواب عنه: إن زيدا إذا خرق ثوبه يقابل بتخريق ثوب الجاني وقد أضر بنفسه لحين لم يتعرض من ماله التالف بماله ولا يجوز أن يضر الإنسان بنفسه من غير فائدة فإن قال قائل: فائدته التشفى. قيل له التشفى تبع لحسن تحريق ثوب الجانى فإذا لم يحسن التخريق لم يحسن التشفى ذكر هذا السؤال عبد الجبار الهمدانى في العمد وأجاب بما بينا.\nوعندي إن هذا ليس بشئ لأن السائل يقول: إن التشفى حسن بدليل القصاص فإن اعتبار التشفى فيه قد حسن فليحسن ها هنا وإذا حسن التشفى وجب أن يحسن التخريق ويصير حسن التخريق لثوب الجانى تبعا لحسن التشفى والأولى أن يقال في هذا: إذا لم يجوز تخريق ثوب الجانى لانعقاد الإجماع أنه لا يجوز وإنما فرقنا بين النفس وبين المال بمحض اتباع الشرع وعلى أن الأصل المعلوم في الضمانات الواجبة للآدميين هو أن ينظر لما فيه صيانة حقوقهم عليهم وحفظها.\nألا ترى: أن في الأعيان القائمة وجب صيانتها وحفظها على أربابها بوجوب الاحتراز عما يؤدى إلى إهلاكها وإتلافها فإذا تلفت وجب أيضا ضمانها على ما يكون فيه حفظ حقوق الملاك عليهم بقدر الإمكان وذلك بإيجاب المثل في المثليات وإيجاب القيم في غير المثليات فيقوم المثل مقام المثل وتقوم القيمة مقام العين المقومة ويصير كأن المتلف باق لملاكه محفوظ عليهم وكأنه لم يتلف وهذا هو المعنى المعقول في إيجاب الضمان وأما الإتلاف في مقابلة الإتلاف فخارج عن هذا المعنى وفيه تقدير الإهلاك السابق ومقابلة إهلاكه بإهلاك مثله إلا أن الشرع ورد بالقصاص على خلاف هذا الأصل لغرض قائم فيه لا يوجد في الضمان من حيث المال وهو زجر الجناة وإحياء النفوس ومعلوم قطعا أنه يوجد في القصاص من الزجر والردع المؤدى إلى حياة النفوس ما لا يوجد في النفوس فصار القصاص ضمانا شرعيا للنفس لغرض مختص به وصارت الدية ضمانا قياسيا للنفس من حيث إن فيه إيفاء حق صاحب الحق عليه وحفظه له بقدر الإمكان وأن الدية قامت مقام نفسه في السلامة لصاحب الحق إن كانت الجناية في قطع اليد أو وارثه إن كانت الجناية بقتل النفس وسلامة العوض لمن يقوم مقام صاحب الحق ينزل منزلة سلامته لصاحب الحق فاستقام كون القصاص ضمانا بالشرع واستقام كون الدية ضمانا بالقياس ولم يجز الجمع بينهما لأن كلا الواجبين بدل النفس وإن اختلفت جهة إيجابهما ولا يجوز إيجاب واجبين عن متلف","vol":"2","page":264},{"text":"واحد فأما في تخريق الثوب وقتل البهيمة فليس في مقابلة التخريق بالتخريق وقتل الدابة بالدابة غرض صحيح لأن نهاية ما في الباب أنه يوجد بذلك إتلاف مال عليه وفى أخذ الضمان يوجد هذا مثل ما يوجد إذا أهلكنا ماله عليه فإنا إن قدرنا أنه يتلف عليه بهيمته بإتلافه عليه بهيمة أو قدرنا أنه خرق عليه ثوبا بإزاء ما خرق وعليه ثوبه فإنه لا يجوز أن يعرض بهائمه فيتلف عليه أى بهيمة شاء أو يخرق أى ثوب شاء بل ينبغى أن يخرق ثوبا مثل ثوبه أو يتلف بهيمة مثل بهيمته وإذا فعل ذلك كان ذلك في المعنى وأخذ الضمان سواء وأما القصاص ففيه إتلاف نفسه وإزهاق روحه ولا شك أن فيه معنى زائد على الدية وقد لا يبالى الإنسان بإعطاء الدية بقتل عدوه فإذا عرف أنه يقتل إذا قتل انكف عنه فهذا هو المعنى الصحيح والحكمة المعقولة الشرعية وعلى مثل هذا يكون المعول في هذا وأمثاله وأمثال هذه المعانى تكثر في الشرع وقد يكون نظير هذا إيجاب الكفارة في القتل فإن الله تعالى لما خلق ليعبدوه على ما نص عليه فإذا قتل إنسانا فهو بالقتل قد أبطل عليه معنى التعبد والتعبد من العبد لله تعالى مقصود كلى من العباد فصح بنا إيجاب الضمان على هذا المعنى الذى يليق به وليس ذلك إلا الكفارة بإعتاق رقبة إذا قدر عليها لأن العبد مسلوب النفس بالرق فكأنه هالك عن صفة الآدمية وقد قدم الله حق السادة على حقه في كثير من المواضع فأوجب الله على القاتل عتق رقبة على معنى أنه يزيل عنه صفة الرق فيكون قد أحيا نفسا بقدر الإمكان فأقامه مقام النفس التي أتلفها لتعبد الله مكانها فيكون قد أقام الله عبدا يعبده مكان العبد الذى أهلك فيها فبهذا الوجه يضمن حق الله وصار الضمان كضمان النفس بالدية أو القود فعلى هذا يستوى فيه القتل عمدا وخطا لأن حق الله في جهتى العمد والخطأ مثلما يكون حق الآمى مضمونا في الجهتين أيضا ويستوى في هذا أيضا قتل المسلم والكافر والحر والعبد والبالغ والصبى وينظر إلى أصل ما كان عليه الخلقه وقد خلق الكل في الأصل. ثم يتصل بهذا الفعل أن الواجب باسم الكفارة والكفارة اسم معنوى وهو التغطية فيكون واجبا لتغطية الذنب ومحوه والذنب متى صار مغطا ممحوا التحق المذنب بمن لم يذنب فصارت الكفارة كفارة بهذا المعنى ولا نقول: إنه عبادة لأنه ليس القصد منها التقرب إلى المعبود. ولا نقول: إنه عقوبة لأنه ليس فيها أخذ أو تنكيل والعقوبات هى ما يختص بصفة الأخذ أو التنكيل فكان شيئا غير العبادة والعقوبة وهى أنها كفارة ومعناها أنها ماحية للذنب","vol":"2","page":265},{"text":"مغطية له والشئ إذا أمحى ذهب ولم يبق وإذا غطى لم يبق له أثر وإذا كان كذلك استقام إيجابها على الكافر كما يستقيم إيجابها على المؤمن فهذا الذى ذكرناه وما يشبهه استدلالات حسنة ومعان بالغة مناسبة للأحكام المبنية عليها تعلق بقلب كل فقيه إن هذا هو المعنى الذى يبتنى عليه الحكم ومن هذا الباب أيضا ما نقول فيمن نفى وجوب الكفارة [بعيد بالوطء في الصوم] ١ وإيجابها بالوطء وهو أنا نقول: إن الجماع محظور الصوم والأكل والشرب مناف للصوم لأن الصوم عبادة كف عن قضاء شهوة٢ على خلاف النفس فينبغى أن يكون التعبد بالكف في زمان الفعل عبادة حتى يكون بخلاف هوى النفس فإنه إذا لم يكن زمان الفعل عادة لم يحصل الكف عبادة والنهار زمان الأكل والشرب عادة فكان الكف عنه في هذا الزمان عبادة تعم هو محظور العبادة لأن الحظر والتحريم للعبادة يكون متحققا في زمان الفعل عادة أو لا في زمان الفعل عادة وإذا ثبت أن الأكل والشرب مناف للصوم فيصير بفعله تاركا للصوم في المستقبل وترك الصوم لا يوجب الكفارة كتركه في الابتداء وأما الوطء لما كان محظور الصوم فيكون بالكف عن الأكل والشرب مقيما على فعل الصوم غير أنه يكون جانيا عليه بفعل المحظور وإيجاب الكفارة بفعل محظور الصوم لا يكون دليلا على إيجاب الكفارة بترك الصوم وانقطع إحدهما عن الآخر صورة ومعنى وبطل فهذا استدلالهم في إيجاب الكفارة في الوطء على إيجاب الكفارة في الأكل وهم يدعون على أنا أوجبنا الكفارة في الأكل والشرب بطريق الاستدلال لا بطريق القياس ومن وجوه الاستدلال ما نقوله في مسألة الاستيلاء فإن عندنا لا يملك الكفار ما استولوا عليه من أموال المسلمين بخلاف المسلمين إذا استولوا على أموال الكفار ملكوها.\nوإنما قلنا: إن المسلمين يملكون أموال الكفار إذا استولوا عليها ويملكون رقابهم إذا أسروها لأن المشركين في معنى العبيد فإن حريتهم غير ثابتة ثبات تمكن واستقرار.\nوأما أموالهم التي في أيديهم إنما هى للمسلمين وهى في أيديهم بمنزلة الغصب لأن الله إنما خلق الدنيا وما فيها من أصناف الأموال والقنيات لعبيده الذين يؤمنون به\n_________\n١ هكذا ثبت في الأصل \"وجوب الكفارة بالوطء في الصوم بعيد\".\n٢ الصوم لغة: الإمساك يقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس انظر الصحاح \"٥/١٩٧٠\" لسان العرب \"٤/٢٥٢٩\" وشرعا: إمساك عن الفطر على وجه مخصوص انظر مغني المحتاج \"١/٤٢٠\".","vol":"2","page":266},{"text":"ويعملون ما خلقهم له من عبادته وجعل سائر الأملاك معاونات لهم على إقامة طاعاته فمن كفر وعبد غيره فلا شئ له يستعين به على كفره وعبادة غيره فما حصلوه في أيديهم واحتووا عليها فهى غصب في أيديهم وسبيله أن يرد إلى من يسعتين به على طاعة الله ولهذا سمى المال المأخوذ من المشركين فيئا.\nويقال: أفاء الله مال المشركين أى رده علينا بعد أن كان المشركون غصبونا إياه وما هذا وصفه فهو مردود على صاحبه فصار ملك المسلمين أموال الكفار بهذا الوجه وهذا لا يوجد في الكفار إذا أخذوا أموال المسلمين لأنها أموال في أيدي ملاكها وعليها حماية الإسلام وإذا كانت في حماية الإسلام لم تزل بغلبة أهل الشرك عليها وصارت أموالهم كرقابهم فهم أحرار حقيقة وأملاكهم لهم حقيقة وأما الكفار فيهم فهم في المعنى عبيد المسلمين وأموالهم التي في أيديهم للمسلمين فالكل يكون فيئا لأنهم عبيد أبقة ردوا إلى مواليم وأملاكهم غصوب أعيدت إلى ملاكها فهذه الأمثلة التي ذكرناها في الاستدلال أمثلة حسنة يشهد الشرع والعقل بصحتها ومن عرف قواعد الشرع وقوانينها شهد له قلبه وما أدركه من معانى الشريعة بصحتها ولم يرده أصل مجمع عليه من كتاب أو سنة أو أجماع فيجوز أن يسمى أنواع هذا استدلالا فإن الأمثلة التي ذكرناها من قبل حكاية عن بعض المتأخرين من أصحابنا فإنها هي أقيسة حكمية منقولة من الأصحاب غير هذا القائل العبارة عنها فسماها استدلالا على أنا نقول لا غيره بالاسم فإن سموا استدلال قياسا والقياس استدلالا فالوجه الذى قدمناه لأن جميع ذلك طلب الحكم من معانى النصوص والكل نوع بحث عن معنى مناسب للحكم صحيح على السبر فهذا صحيح ولا مبالاة بأى اسم سمى وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر الاستحسان وهل يجوز أن يكون حجة على ما ذكره أصحاب أبى حنيفة؟ أو لا؟.","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>القول في الاستحسان</span>\nذكر الأصحاب أن القول بالاستحسان في أصول الدين فاسد وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى القول به وكذلك القول بالمصالح والذرائع والعادات من غير رجوع إلى دليل شرعى باطل فأما مالك فإنه يقول بذلك ويعتمده١.\nواعلم أن الكلام في الاستحسان يرجع إلى معرفة الاستحسان الذى يعتمده أصحاب أبى حنيفة فإن كان الاستحسان هو القول بما استحسنه الإنسان ويشتهيه من غيردليل فهو باطل قطعا ولا نظن أن أحدا يقول بذلك تنذكر الآن ما ذكره أبو زيد في كتابه في معنى الاستحسان لغة وحكما.\nقال: أما اللغة: فالاستحسان هو اعتقاد حسن الشئ. يقال: استحسنت كذا أى: اعتقدته حسنا٢ واستقبحت كذا أى: اعتقدته كلك ومحل ظن بعض الفقهاء أن من قال بالاستحسان قد ترك القياس والحجة الشرعية باستحسانه تركها من غير دليل يطلق وطعن بهذا على علمائنا وأن ما هذا تغير الاستحسان لغة فأما عند الفقهاء الذين قالوا بالاستحسان اسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي حتى كان القياس غير الاستحسان بعد سبيل التعارض وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقف على العمل بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله وإن كان الخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة لظهوره ولا رأوا الظهور رجحانا. بل نظروا إلى قوة الدليل في نفسه من الوجه الذى تعلق به صحته ولم يكن غرضهم من هذه التسمية إلا يميزوا بين حكم الأصل الذى يدل عليه القياس وبين الحكم المال [عن ذلك السنن الظاهر] ٣ بدليل أوجب الذى أماله٤ فسموا الذى يبقى على الأصل قياسا والذى الممال استحسانا وهذا كما ميز أهل النحو بين وجوه النصب فقالوا: هذا نصب على التفسير\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٤/٢٩٩\" المعتمد \"٢/٢٩٥\" إحكام الأحكام \"٤/٢٠٩\" حاشية التلويح على التوضيح \"٢/٨١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٨٨، ١٨٩\".\n٢ انظر القاموس المحيط \"٤/٢١٤\".\n٣ هكذا ثبت في الأصل ولعل الصواب: \"عن تلك السنن الظاهرة\".\n٤ كشط في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":268},{"text":"وهذا نصب على الظرف ونصب على المصدر وكذلك أهل العروض ميزوا بين الطويل والمديد والمتقارب.\nقال محمد بن الحسن في كثير من المواضع: القياس كذا والاستحسان كذا وبالقياس نأخذ وأخذ في عامة المواضع بالاستحسان فعلم أنهما يستويان كدليلين متعارضين.\nقال: فصار العمل بالاستحسان هو الممال بحكمه من الطريق الظاهر إلى الخفى بدليل شرعي لا بهوى التعيين فإنه كفر وإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك الظاهر بالخفي الذى ترجح عليه فلما كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل بهذا الاسم كان اسما مستعارا كاسم الصلاة والصوم وغير ذلك.\nقال: ثم الاستحسان قد يكون نصا وقد يكون ضرورة وقد يكون إجماعا وقد يكون قياسا خفيا١.\nأما النص فنحو قول أبى حنيفة في من أكل ناسيا لصومه: لولا قول الناسى لقلت يقضى القياس الظاهر بوجوب القضاء إلا أنى استحسنت تركه بنص خاص ورد فيه٢ وهذا لأن النص فوق الرأى فأستحسن ترك الرأى به.\nوأما الإجماع فنحو جواز الاستصناع فإنه قد ظهر تعامل الأمة به قد بينا وحدثنا من غير تكبر والقياس أنه لا يجوز لأنه بيع معدوم.\nقالوا: وأما الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعد تنجسها٣ والقياس يأبى ذلك لأن الدلو ينجس لملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس فلا يمكن الحكم بطهارة الماء إلا أن الشرع حكم بالطهارة الضرورية لأنه لا يمكن غسل البئر ولا الحوض وإنما غاية ما يمكن هذا وهو نزح الماء النجس وحصول الماء الطاهر فيه فاستحسنوا ترك العمل بالقياس لأجل الضرورة والعجز فإن الله تعالى جعل العجز عذرا في سقوط العمل بكل خطاب وأما ترك القياس بدليل أخفى منه فهو مثل المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة بعينها في يد البائع لم تقبض لا يتحالفان قياسا لكن القول قول المشترى وفى الاستحسان يتحالفان لأن كل واحد منهما مدع ومدعا عليه\n_________\n١ انظر فتح الغفار بشرح النار \"٣/٣٠\".\n٢ انظر الهداية \"١/١٣٢\".\n٣ وهو قول الحنفية انظر الهداية \"١/٢٢\".","vol":"2","page":269},{"text":"لأن البائع يدعى على المشترى زيادة الثمن والمشترى ينكره وأما المشترى فيدعى على البائع وجوب تسليم السلعة عند أداء ما يدعيه من الثمن والبائع ينكره فأخذوا بدليل الاستحسان دون القياس لأن تأثيره أكثر وأخذ بالقياس في موضع آخر وهو إذا تلا آية السجدة في صلاته فركع في صلاته ينوب الركوع عن السجود قياسا لأن الواجب عليه عند قرآة السجدة الخشوع والخضوع لله تعالى وذلك يحصل بالركوع وفى الاستحسان لا ينوب لأن الواجب عليه السجود والركوع غير السجود ولا يعرف أنه مثله في الخضوع والخشوع بالقياس أخذوا لأن الواجب الخشوع والركوع خشوع تام مثل السجود بخلاف القياس لأنه ليس بخشوع تام ونحن أوردنا ما قالوه في الاستحسان لتعرف حقيقة مذهبهم.\nويقال لهم: إن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس في النفس ويستحسن في الطبع فلا شك أنه باطل والأحكام إنما تبنى على أدلة الشرع لا على الهواجس والشهوات وما يقع في الطباع وإن كان هو الحكم بأقوى الدليلين من كتاب أو سنة أو إجماع أقوى من قياس فلا معنى لتسميتهم ذلك استحسانا ولإن كان هذا النوع استحسانا فكل الشرع استحسان فلا معنى لتخصيص ذلك ببعض المواضع دون البعض.\nواعلم أن مرجع الخلاف معهم في هذه المسألة إلى نفس التسمية فإن الاستحسان على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به والذى يقولونه لتفسير مذهبهم به العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه وهذا لا ننكره لكن هذا الاسم لا نعرفه بآية ما١ لما يقال به لمثل هذا الدليل.\nوقد قال بعضهم: إنه تخصيص قياس بدليل أقوى منه وهذا باطل لأنا لا نقول بتخصيص الأقيسة وقد أبطلناه من قبل.\nوقال بعضهم: هو عدول عن قياس إلى قياس أقوى منه وهذا أيضا باطل لأنهم يسمون إذا عدلوا عن القياس إلى نص استحسانا أيضا.\nوقال بعضهم: الاستحسان ترك طريقة الحكم إلى أخرى هى أولى منها ولولا ما يوجب الثبات على الأولى وحده أبو الحسن الكرخى من أصحابهم وقال: هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما يحكم به في نظائرها لوجه هو أقوى من\n_________\n١ لم نستطع قراءتها إلا هكذا ولعل هذا هو الصواب.","vol":"2","page":270},{"text":"الأول يقتضى العدول عن ذلك وهذا يلزم عليه أن يكون القياس الذى يعدل به إليه عن الاستحسان استحسانا.\nوقد قالوا في مسائل بالقياس نأخذ وعدلوا عن الاستحسان إليه وسموه قياسا وعلى الجملة لا معنى لهذه التسمية وهى تسمية لا يمكن حدها بحد صحيح تختص به.\nوأما تفسيرهم الذى يفسرونه فنحن قائلون بذلك وليس مما يتحصل فيه خلاف وقد ذكر الشافعى لفظ الاستحسان في مراسيل ابن المسيب وقال أيضا في المتعة: واستحسن يقدر بالأفلس درهما ليس هذا اللفظ بممتنع في بعض المواضع وإنما المستنكر أن يجعل ذلك أصلا من الأصول تبنى عليه الأحكام وخالف بينه وبين سائر الأدلة ولا يمكن تحقيق المفارقة والتمييز على ما سبق به القول في السبب والعلة والشرط والفرق بين معانى ذلك ومواجبها.","vol":"2","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126><span data-type=\"title\" id=toc-127>السبب </span>والعلة والشرط</span>\nالسبب\n...\nاعلم أن مما يكثر ذكره١ في أقوال الفقهاء ويرد في المسائل هو السبب والعلة والشرط ولابد من معرفة ذلك والفرق بين معانيها ومواجبها.\nأما السبب:\nفاعلم أن السبب في اللغة: اسم للحبل الموصل إلى ما لا يوصل إليه إلا بتعلقه به٢. ثم يسمى كل مبنى يتوصل به إلى مطلوب مرام باسم السبب بسببها بالحبل الذى يتدلى به من يوصل به إلى مرامه ومطلوبه مع أنه لا أثر للحبل في إيجاد ذلك المطلوب وتحصيله وإذا كان السبب في اللغة اسما. فنقول: حده ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما.\nوقيل: إن السبب مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقديمها فلا أثر لها فيه ولا في تحصيله٣ وهذا كالجبل سبب للوصول إلى الماء ثم الوصول بقوة النازح لا بالحبل\n_________\n١ ثبت في الأصل \"ذكر\".\n٢ قال صاحب القاموس المحيط: السبب: الحبل ونا يتوصل به إلى غيره انظر القاموس المحيط \"٤/٨٠\".\n٣ عرفه السبكي: بأنه مايضاف الحكم إليه للتعلق به من حيث إنه للحكم أو غيره انظر جمع الجوامع ومعه شرح الجلال \"١/٩٤\".\nوعرفه صاحب حاشية التلويح بأنه: مايكون طريقا إلى الحكم من غير تأثير وقال: وأما من جهة المعنى فقد قيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد يعسر عليه التعبير عنه فإن أريد بالانقداح الثبوت فلا نزاع في أنه يجب عليه العمل ولا أثر لعجزه عن التعبير عنه وإن أريد أنه وقع له شك فلا نزاع في بطلان العمل به وقيل: هو العدول عن فياس إلى قياس من أقوى وقيل: تخصيص لقياس بدليل أقوى عنه فيرجع إلى تخصيص العلة. وقال الكرخى ﵀: هو العدول في مسألة عن مثل ماحكم به في نظائرها وإلى خلافه بوجه هو أقوى ويدخل في التخصيص والنسخ.\nوقال أبو الحسن البصري: هو ترك وجه من وجوه الاعتماد غير شامل شمول الألفاظ بوجه أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأول واحترز بقوله: غير شامل عن ترك العموم إلى الخصوص وبقوله: وهو في حكم الطارئ عن القياس فيما إذل قالوا: تركنا الاستحسان بالقياس وأورد هذه التفاسير إن ترك الاستحسان بالقياس يكون عدولا عن الأقوى إلى الأضعف وأجيب بأنه إنما يكون بانضمام معنى آخر إلى القياس يصير به أقوى ولما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان مع أنه قد يطلق لغة على مايهواه الإنسان ويميل إليه وإن كان مستقبحا عند الغير وكثر استعماله في مقابلة القياس على الإطلاق كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسنا حتى يتيبن المارد منه إذا لاوجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه وبعد ما استقرت الآراء على =","vol":"2","page":272},{"text":"وكذلك الطريق سبب للوصول إلى المكان الذى يقصده ثم الوصول لا يكون بالطريق بل بقوة الماشى وكذلك الدلالة بحل الشىء سبب لأخذه وليس الأخذ بدلالة بل هو بقوة الأخذ وكذلك حل قيد المقيد سبب لفراره ثم ليس الفرار بحل القيد. بل هو بقوة الفار ويمكن الاستدلال على ما ذكرناه بقوله ﷾: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] .\nفجعل الله تعالى ضرب القتيل ببعض لحم البقرة سبب الحياة فلا أثر لذلك في الحياة وكذلك ضرب موسى البحر بالعصا صار سببا لصيرورته يبسا وضربه الحجر صار سببا لانفجار العيون من غير أن يكون ضرب العصا مؤثرا في تجفيف البحر أو انفجار الماء من صخرة صماء وتبين بهذه الأمثلة صحة قولنا في الحد الأول أنه وصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما.\nببينة: أن العصا بالضرب في البحر والحجر لم ينقلب طبعه عما كان إلى شئ آخر ليؤثر في يبس البحر أو انفجار الحجر بالضرب ولكنه صار سببا بجعل الله تعالى ذلك سببا فدل أن السبب للشئ سبب وإن لم يكن له تأثير في إيجاده بوجه ما ولأهل الكلام في هذا خوض كثير وقد جعلوا الطعام سببا للشبع والماء سببا للإرواء وليس هو بنفسه مشبعا ولا مرويا لكم المشبع والمروى هو الله تعالى على الحقيقة وهذا من حيث الاعتقاد صحيح لكنه لا يسببه النظر الأول فإن في الطعام طبع الإشباع وفى الماء طبع الإرواء والأولى هو الاقتصار على القدر الذى قلناه.\nوذكر أبو سليمان الخطابى وقد كان من العلم بمكان عظيم وهو إمام من أئمة\n_________\n= أنه اسم لدليل متفق عليه نصا كان أو إجماعا أو قياسا خفيا إذا وقع في مقابلةتسبق إليه الأفهام حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة فهو حجة عند الجميع من غير تصور خلاف ثم إنه غلب في اصطلاح الأصول على القياس الخفى خاصة كما غلب اسم القياس على القياس الجلى تمييزا بين القياسين أما في الفروع فإطلاق الاستحسان على النص والإجماع عند وقوعهما في مقابلة القياس الجلي الشائع ويرد عليه أنه لاعبرة بالقياس في مقابلة النص أ، الإجماع بالاتفاق فكيف يصح التمسك به والجواب أنه لا يصح التمسك به إلا عند عدم ظهور النص أو الإجماع.\nانظر حاشيةالتلويح على التوضيح \"٢/٨١، ٨٢\" نهاية السول \"٤/٣٩٩، ٤٠٠، ٤٠١\" سلم الوصول \"٤/٣٩٩، ٤٠٠، ٤٠١، ٤٠٢\" المعتمد \"٢/٢٩٥\" إحكام الأحكام \"٤/٢٠٩، ٢١٠، ٢١١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/١٨٩، ١٩٠، ١٩١\".","vol":"2","page":273},{"text":"السنة صاح للاقتداء به والإصدار عنه. قال: السبب هو الوصلة التي يتوصل بها إلى الشئ ومن هذا قيل للحبل سبب وللطريق سبب لأنه بسلوكه تصل إلى الموضع الذى تريده قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أى طريقا وقد يسمى السبب علة لأنه يتوصل به إلى معرفة الحكم كما بنيته بالعلة على الحكم إلا أنه ليس كل سبب بعلة ولكن كل علة سبب كما أن كل علة دليل وليس كل دليل علة وفرقوا بين العلة والسبب من وجوه. فقيل: العلة لا توجد إلا ومعلولها موجود كالنار لا توجد ولا إحراق وقد يوجد السبب ومسببه غير موجود كالسحابة توجد ولا مطر وقد قيل: إن السبب هو الحال الذى يتفق بكونها نزول الحكم كالوقت الذى يتفق فيه نزول الحكم والعين التي يتفق نزوله فيها وقد يوجد السبب والحكم غير مقصور عليه بل يكون عاما لأهل ذلك السبب وغيرهم فيمن لا يشاركهم فيه.","vol":"2","page":274},{"text":"وأما<span data-type=\"title\" id=toc-128> العلة:</span>\nفتطرد مع الحكم بكل حال وقيل: إن العلة هى المعنى الجالب للحكم ومنه علة المريض وهى السبب والجالب للمرض.\nوقد قال بعض الشعراء:\nألم تر أن الشئ للشئ علة ... يكون بها كالنار تقدح بالزندى\nوقد قيل أيضا: إن اشتقاق العلة في اللغة راجع إلى معنى التكرار والدوام وذلك أن العرب تسمى السقى الثانى عللا وتسمى المرأة التي نكحت على الأخرى علة وذلك أنها تعل بعد صاحبتها فكانت العلة على هذا الاشتقاق هى الشئ التي يتكرر ويدوم بوجوده ما علق به.\nواختلفوا في المعلول ما هو؟ فقال بعضهم: هو الحكم لأنه مجلوب العلة ويقال علة هذا الحكم كذا فتضيف العلة إلى الحكم.\nوقال آخرون: هو الشيء الذى وقعت فيه العلة بمنزلة المضروب الذى وقع فيه الضرب.\nألا ترى أنا نقول: إن البر معلول بالأكل والخمر معلول بالشدة.","vol":"2","page":274},{"text":"وأما<span data-type=\"title\" id=toc-129> الشرط:</span>\nفأصله العلامة١.\nقال أبو عبيد: ومنه أشراط الساعة أى علاماتها.\nوحد الشرط: ما يتغير به الحكم بوجوده٢ ويفارق السبب لأن الشرط يقتضى\n_________\n١ قال صاحب القاموس المحيط: أشراط وبالتحريك العلامة انظر القاموس المحيط \"٢/٣٦٨\".\n٢ الشرط في الاصطلاح عرف بتعريفات كثيرة فعرفه صاحب جمع الجوامع بقوله: مايلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته وعرفه الغزالي بقوله -ملا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد عند وجوده وعفه البيضاوي بقوله. ما يتوقف عليه تأثير المؤثؤ لا وجود له. انظر نهاية السول \"٢/٤٣٧\" انظر المستصفى \"٢/١٨٠، ١٨١\" إحكام الأحكام \"٢/٤٥٣\" المحصول \"١/٤٢٢\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٢/٢٩٢\".\nاعلم أن الشرط ينقسم إلى أربعة أقسام:\n١- شرعي كالطهارة بالنسبة للصلاة أو الإحصان بالنسبة للرجم.\n٢- عقلي: كالحياة بالنسبة للعلم.\n٣- عادي: كنسب السلم بالنسبة لصعود السطح.\n٤- لغوي مثل إن دخل محمد الدر فأكرمه.\nأما متى يوجد المشرط:\nالشرط نوعان: أحدهما: شرط يتحقق في الوجود دفعة واحدة\nوثانيهما: شرط يوجد على التدريج بمعنى أنه يحتاج في وجوده إلى أزمان متعددة.\nفالنوع الأول يوجد المشروط عند أول الزمن وجوده إن علق عليه من حيث الوجود وينعدم المشروط عند انعدامه مثل: إن بتع عبدي فلك درهم وإن تزوجت فلك عندي هدية. فالدرهم يستحق عند البيع والهدية تستحق عند حصول العقد الصحيح ولا يوجدان عند عدم الشرط.\nوأما النوع الثاني من المشروط فإن المشروط إن علق على وجود الشرط فلا يوجد إلا عند تكامل كل أجزائه وإن علق على عدمه فإن المشروط ينعدم بترك أي جزء من أجزائه فمن قال لغيره: إن قرأت سورة البقرة فلك عشرون قرشا. لم يستحق المبلغ المذكور إلا عند الفراغ من قراءتها كلها.\nأما تعدد الشرط والتحاده:\nفالشرط يكون واحدا وقد يكون متعددا والمتعدد قد يكون معطوفا بحرف يفيد الجمع كالواو وقد يكون معطوفا بحرف لا يفد الجمع كأو فتلك ثلاثة أقسام في الشرط والمشروط مثل الشرط في ذلك لأنه قد يكون واحدا وقد يكون متعددا والمتعدد قد يعطف الواو وقد يغطف بأو - فتلك ثلاثة أقسام أيضا- فإذا ضربت هذه الثلاثة في الثلاثة المتقدمة كانت الصور تسعة وإليك تفصيلها: =","vol":"2","page":275},{"text":"تغير الحكم بوجوده وعدمه والسبب قد لا يوجد ذلك بل يوجب مصادفته وموافقته وقد أشار إلى هذا الذى قلناه الشيخ القفال الشاشي.\nقال القفال: والطريق في التمييز بين العلة والسبب والشرط أنا ننظر إلى الشئ فإن جرى مقارنا للشئ مع تأثير الشئ فيه دل على أنه علته وإن جرى مقارنا للشئ أو غير مقارن لا تأثير للشئ فيه دل أنه سببه.\n_________\n= أولا: اتحاد الشرط مع اتحاد المشروط مثل: إن سرق زيد فاقطع يده وفي هذه الصورة يتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجودا وعدما.\nثانيا: اتحاد الشرط وتعدد المشرط بالواو مثل: إن شفيت من مرضي تصدقت بدرهم وصمت يوما وفي هذه الصورة يكون حصول الشرط مقتضيا للجمع بين الأمرين.\nثالثا: اتحاد الشرط وتعدد المشرط بأو مث:: إن شفيت من مرضي تصدقت بدرهم أو صمت يوما وفي هذه الصورة يكون حصول الشرط مقتضيا لحصول أحد الأمرين على اتخيير. وعليه أن يعين مايفعله منهما.\nرابعا: تعدد الشرط بحرف الواو مع اتحاد المشروط مثل: إن جاءك محمد وكان مؤدبا فأكرمه. وفي هذه الحالة لا يوجد المشروط المتحد إلا إذا وجد الشرطان معا.\nخامسا: تعدد الشرط بحرف الواو مع تعدد المشروط بحرف الواو كذلك مثل: إن جاءك محمد وكان مؤدبا فأعطه مصحفا ودرهما وفي هذه الصورة يكون حصول الشرط المتعدد مقتضيا لحصول المشروط المتعدد.\nسادسا: تعدد الشرط بحرف الواو مع تعدد المشروط بأو مثل: إن جاءك محمد وكان مؤدبا فأعطه مصحفا. وأد رهما وفي هذه الحالة يكون حصول الشرط مقتضيا حصول أحد المشروطين على التخيير ويكون التعيين لمن أمر بهذا الأمر.\nسابعا: تعدد الشرط بأو مع اتحاد المشروط مثل: إن ذهب محمد إلى المدرسة أو ذاكر دروسه فأعطه درهما. وفي هذه الحالة يكون أحد الشرطين مقتضيا حصول المشروط المتحد.\nثامنا: تعدد الشرط بأو مع تعدد المشرط بأو كذلك مثل: إن ذهب محمد إلى المدرسة أو ذاكر دروسه فأعطه مصحفا ودرهما. وفي هذه الحالة يكون أحد الشرطين مقتضيا لحصول الأمرين معا.\nتاسعا: تعدد الشرط بأو مع تعدد المشروط بأو مثل: إن ذهب محمد إلى المدرسة أو ذاكر دروسه فأعطه مصحفا أو درهما. وفي هذه الحالة يكون حصول أحد المشروطين مقتضيا على التخيير ويرجع إلى التعيين إلى من أمر بهذا الأمر انظر نهاية السول \"٢/٤٣٩/٤٤٠، ٤٤١\" إحكام الأحكام \"٢/٤٥٥، ٤٥٦\" المستصفى \"٢/١٨١، ١٨٢، ١٨٣\" المحصول \"١/٤٢٣، ٤٢٤، ٤٢٥\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٢/٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٦\".","vol":"2","page":276},{"text":"وأما الشرط هو ما يختلف الحكم بوجوده وعدمه وهو مقارن غير مفارق للحد كالعلة سواء إى أنه لا تأثير له فيه وإنما هو علامة على الحكم من غير تأثير أصلا.\nويقال أيضا في الفرق بين السبب والعلة: إن السبب قد يوجد مع تراخى الحكم كالبيع بشرط الخيار سبب للملك ليس بعلة ولو كان علة لما تأخر حكمه ولكنه سبب منعقد ويصير علته بارتفاع الخيار فيكون ارتفاع الخيار شرطا ليصير علة لوقوع الملك فمتى وجد هذا الشرط انقلب السبب علة ولا يتراخى عنه حكمه ثم الحكم إذا وجد بانضمام الشرط إلى السبب يضاف إلى السبب لا إلى الشرط ولهذا قلنا: بتضمين شهود اليمين إذا رجعوا دون تضمين شهود الشرط وكذلك حصول الجرح في المجروح من المكلف المختار سبب لوجوب القصاص عند زهوق الروح ويصير عند زهوق الروح علة القصاص وكذلك حصول النافى في يد الغنى المكلف في الزكاة سبب لوجوب الزكاة وإذا حال الحول صير علة موجبة وكذلك اليمين قبل الحنث سبب لجواز أداء الكفارة ويصير عند الحنث علة موجبة مقررة وكذلك الطلقة الواحدة سبب التحريم في الرجعة وعند انقضاء الرجعة تصير علة لانقطاع النكاح.\nوقد ذكروا مثال هذا الشرط فقالوا: إن الحياة شرط في صحة وجود العلم والقدرة وغيرهما من صفات الحى ولا يصح وجود العلم والقدرة بدون الحياة وهذا في العقليات وفى الشرعيات لا تصح الصلاة بدون الطهارة ولا يصح الصوم بدون النية وهذا الذى ذكرناه هو مذهبنا وقد أوردناه على ما ذكره الأصحاب مع شئ من الزيادة في تقديره وتحقيقه.\nوأما أبو زيد فله كلام كثير في السبب والعلة والشرط ونذكر طرفا من ذلك ونتكلم على ما يوافق مذهبنا قال في تقويم الأدلة: الأسباب التي تسمى أسبابا شرعا أربعة أقسام سبب اسما لا معنى وسبب محض اسما ومعنى وسبب هو علة العلة معنى وسبب هو علة معنى.\nأما السبب اسما لا معنى ولا حكما فنحو اليمين بالله في حق الكفارة فإنها بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف وكذلك النذر المعلق بالشرط فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط ويسمى النذر المعلق بالشرط سببا وكذلك اليمين إلا أنه اسم مجازا لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى السبب لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره وطريقا واليمين تعقد للبر وأنه مانع من الحنث الذى تجب","vol":"2","page":277},{"text":"عنده الكفارة وليس بطريق ولكنه لما كان الغرض أن يزول المانع فيصير علة كان في صورة السبب ويتحلل المانع ذهب عنه معنى السببية ولهذا قال أصحابنا: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث.\nقال: ونقول على هذا: إن تعليق الطلاق بالنكاح جائز لأنه ليس بطلاق ولا هو سبب الطلاق ولا يعتبر لانعقاده شرطا لطلاق وهو ملك النكاح كما لو حلف بشئ آخر وإنما تكلم هذا بما يصير خلافا وهو إذا وصل إلى المرأة التي هى محلها بعد الشرط وإنما يعتبر في الحال كون الرجل من أهل التكلم به ومن أهل اليمين لأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين يرتفع بعد الحنث لأنه يبقى بعد الحنث قوله أنت طالق أو على كذا وهذا القدر لا يكون يمينا.\nوكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر وبعده يزول الانعقاد وهو كعقد قائم مفسوخ فلا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى البيع.\nوكذلك بعد الحنث يزول معنى اليمين المنعقدة لإيجاب البر فلا تكون المنعقدة سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه.\nقال: فالمتعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشرط وقد تسمى أسبابا تسوية مجازا فهذا ضرب مجاز ولكنه معتبر شرعا لأنه في الحال معتبرة أيمانا لحكم شرع اليمين له وكان عقدا صحيحا لحكم صحيح وإنما أبطلنا كونه سببا لحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد في الحال.\nقال: وأما السبب المحض فنحو حل قيد العبد حتى أبق فإنه سبب محض ولا يضمن العبد لأن الإهلاك كان بالإباق والإباق كان باختيار من العبد لا بقوة حدثت من الحل وكذلك إذا دل سارقا على المال حتى سرق ولا يضمن المال لأن أخذ المال كان باختيار السارق لا بقوة حدثت من الدلالة.\nقال: ولهذا قال علماؤنا: إن الدابة إذا أتلفت زرع الإنسان لم يضمن صاحب الدابة١ لأن التلف كان بوطء أو بأكل فعلته الدابة باختيارها لا بقوة حدثت من تسبيب صاحبها وكذلك ما انفتح باب أسطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى\n_________\n١ وهو قول الحنفية انظر الهداية \"٤/٥٤٨\" وهناك من قال: يضمن ما أفسدته من الزرع ليلا دون نهار إن لم تكن يد أحد عليها وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأكثر فقهاء الحجاز انظر المغنى \"١٠/٣٥٧\".","vol":"2","page":278},{"text":"طار الطير لم يضمن١ لأن الخروج والطيران كان باختيار من الطير والدابة لا بقوة حدثت من الفتح أوجبت له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ليفسد الاختيار بالكره ولا يلزمنا على هذا المحرم إذا دل على صيد حيث يضمن لأن الدلالة سبب محض في حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث الأخذ للصيد ولكنه يضمن من حيث أزال أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل أمنه فتكون الإزالة جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على الوديعة يضمن به ويضمن في مسألة الدلالة من حيث إنه جنى بالدلالة على إحرامه فإن أزال الأمن عنه لأن أمنه بسبب تواريه عن العيون فأما بعد العلم بمكانه فلا ينجيه إلا الفرار على خوف ولهذا قلنا: إن حافر البئر لا يضمن الكفارة٢ ولا يحرم الإرث٢ لأنهما يجبان جزاء بإزاء فعل القتل مباشرة والمباشرة من الحافر في حفره وقد انقضى قبل الاتصال بالساقط وإنما اتصل به عمق حادث بفعله فصار يشبه سقوطا للعمق الحادث بفعله إلا انه شرط لسقوطه لأنه علة لسقوطه فسقوطه سبب ثقله الذى لا يحمله الهواء والأرض كانت تحمله ولما صار العمق الحادث بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم يضمن صاحب الشرط وأما ضمان التالف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل إنما يضمن التالف لوجود تلف مضاف إليه والحكم إلى الشرط مضاف وجودا وإن لم يضف إليه وجوبا وإذا اضيف إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف وصلح كل واحد منهما أن يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى وها هنا العلة ثقله أو شبه وذاك لا يصلح سبب الضمان لأنه ليس بتعد فوجبت الإضافة إلى صاحب الشرط.\nقال: وكذلك زوائد الغصب المتصلة والمنفصلة أمانة٣ عندنا لأن ضمان الغصب ضمان فعل خاص هو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الجزاء إلا بإزالة يده عن الشئ وهذا الحد وجد في الأم ولم توجد في الزوائد لأنها حدثت في يدى الغاصب فلا يجب ضمان الغصب به وإن سلمنا أن البقاء تعد حكما فهو تعد غير الغصب ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير\n_________\n١ وهو قول أبو حنيفة والشافعي وقال أحمد ومالك: يضمن انظر المغنى \"٥/٤٤٧\".\n٢ هذا هو مذهب الأحناف انظر الهداية \"٤/٥٠٣\".\n٣ أي الأحناف انظر الهداية \"٤/٥٠٣\".","vol":"2","page":279},{"text":"ضمان الغصب تكلمنا فيه. قال وعلى هذا يقول: إن شهود القصاص إذا رجعوا بعد ما قتل المشهود عليه بشهادتهم لا يضمنون الكفارة ولا يحرمون الإرث ويضمون الدية كالحافر سواء لأن المباشرة منهم بأداء الشهادة وقد انقضت بالفراغ عن الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به مضاف إليهم لأنهم ألزموا الحاكم ذلك إلا أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمى والكفارة جزاء الإتلاف حقيقة وذلك بمباشرة الولى وهو فيه مختار غير ملجأ فنقصر فعله ولا ننتقل إلى الشهود فلا يلزمهم ضمان القتل حقيقة وكذلك الرجل تكون له امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حتى بانتا فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف الصداق ويرجع بما غرم على الكبيرة إن تعمدت الفساد ولا يرجع إن لم تتعمد الفساد١ لأن الرضعة مسببة للفرقة وليست بصاحبه علة كالحافر سواء لأن فعلها في التمكين من الارتفاع لا غير والفرقة تتعلق بوصول اللبن في الجوف وذلك إنما يحصل بارتضاع الصغيرة وهى مختارة في غير ذلك غير أن مص الصغيرة إنما يكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل الكبيرة وهو بقاء الثدى في فمها بإلقام كان منها ابتداء إن كان الإلقام تعديا وإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء وهو كالحفر سواء إذا لم يكن تعديا لم يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان منها فلا يكون سبب ضمان لأن الوجوب لا يكون فوق التلف والتلف إذا لم يكن بتعد من الحافر لم يضمن فكذلك الوجوب هاهنا وعندنا الضمان إنما يجب لإيجاب المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير متقوم عندنا ولو شهد الشهود بالفرقة بعد الدخول. ثم رجعوا لم يضمنوا شيئا ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة مباحا أضيف الإيجاب إلى ما هو تعد فوجب الضمان على ما مر من الأسباب ووجود بعض ما يتم علته بانضمام معنى آخر إليه كأخذ شطرى البيع وأخذ وصفي علة الربا فهو من الأسباب المحضة لأن الحكم لا يجب ما لم تتم العلة وذكر أن البعض من العلة لا يكون له حكم العلة.\nقال: وعلى هذا نقول: لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد٢ لأن علتها الرأس فلا يكون للبعض حكم العلة وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها لأن العلة هى الكيل وهذا بعض ما يكال وليس بمكيل وذكر أمثالا لهذا قال: وأما السبب هو علة العلة\n_________\n١ انظر الهداية \"١/٢٤٦\".\n٢ فإذا كان عبد بين شريكين فلا يخرج أحدهما عنه انظر الهداية \"١/١٢٤\".","vol":"2","page":280},{"text":"فهو السبب الموجب لأنه أوجب علة الحكم فمن حيث إنها لم توجب إلا بواسطة علة كانت سببا ومن حيث حدثت العلة الموجبة للحكم به أضيف الوجوب إليه صار موجبا ولهذا السبب حكم العلة من كل وجه لأن علة الحكم لما حدثت بالأولى صارت العلة الأخيرة مع حكمها الأول ومثاله الرمى المصيب القاتل فإنه سبب الموت لأن فعل الرمى ينقطع قبل الإصابة لكنه أوجب حركة في السهم وصل بها إلى الرمى وأوجب نقض بنيته ثم انتقاض البنية أحدث آلاما قتلته وكان الرمى سببا موجبا وله حكم حر الرقبة من كل وجه فصار الموت وسراية الآلام انتقاض البنية ونفوذ السهم إحكاما للرمى.\nقال: وقلنا نحن: إن شراء القريب إعتاق١ ويجوز به التكفير لا سبب موجب للعتق لأن الشراء علة الملك والملك القريب علة العتق فكان الشراء علة علة العتق فكان له حكم العلة وصار الملك مع العتق حكمين للشراء.\nقال: ولهذا قلنا: إن الحكم يضاف إلى آخر أوصاف العلة لأن ما مضى إنما يصير موجبا بالآخر ثم الحكم يجب بالكل فيصير الوصف الآخر كعلة العلة ومن هذه الجملة قطع حبل القنديل حتى يكسر وشق الزق حتى يسيل لأن قوامه بمسكته ومسكة القنديل بالحل ومسكة الدهن بالزق والقطع والشق علة مزيلة للمسكة وزوال المسكة علة التلف. قال: وأما السبب هو الذي علة فهو الموجب للحكم بنفسه في ثانى الحال بلا واسطة علة لكن الحكم في الحال لم يجب لعدم تمامه لا لعدم بعض ما هو علة بل لعدم وصف ما هو علة من حيث لم يوجب بنفسه حتى تم بوصفه كان سببا وطريقا إليه ومن حيث إن الحكم في الثاني يضاف إلى العلة دون وصفها لأن الأوصاف أتباع لم تكن سببا محضا بل كان سببا ابتداء وعلة انتهاء وهذا أرق وجوه الأسباب ومثاله النصاب فإنه سبب الوجوب وعلة إذا تم الحول٢ لأن الزكاة تجب بسبب الغنى والغنى في النصاب دون الحول ولما لم تجب الزكاة بالنصاب نفسه علم أن معه معنى آخر على القائم به وهو أنه يوصف بأنه حولى في ملكه لأن الشرع علق الزكاة قال: نام معنى والنمو لا تكون إلا مدة فشرط صفة التفاجؤ لا يستحق النمو فصار المال المرصد للنمو أصل العلة والحول وصفا فلم\n_________\n١ انظر الهداية \"٢/٣٣٥\".\n٢ انظر الهداية \"١/١٠٣\".","vol":"2","page":281},{"text":"يعمل أصل العلة ما لم يتم وصفه.\nقال: ولا يقال: إن حولان الحول عليه شرط الوجوب لأنه سبب بقوله ﷺ: \"لا زكاة في مال حتى يحول الحول\" ١ وحتى ليست بكلمة شرط إنما هى توقيت ولا يقال إن الحول أجل مانع لأن الأجل لو منع لكان رخصة لصاحب الحق فكان ينبغى أن تسقط بإسقاطه بأن يأخذ بالعزيمة ويجعل الأداء كما في صوم المسافر لما كان المانع من الوجوب أجل الله تعالى صح التعجيل بها هنا إذا عجل لا يكون فرضا. بل يكون موقوفا إلى أن تتم العلة بوصفها على ما مر بيانه علم أن عدم الوجوب لعدم تمام العلة وأن التعجيل ليس على وجه الرخصة وهذا لأن الحول متى تم واتصف النصاب بما قلنا والوصف لا يقوم بعينه. بل بالموصوف وهو المال من حين صار سببا لأنه لا يتصف المال بالحول إلا إلا إذا بقى حولا فاستند بالوصف إلى أصل المال وصار ذلك المال من أول الحول متصفا بأنه حولى كالرجل يعيش مائة سنة فيكون الموصوف بهذا البقاء ذلك الوليد نفسه لا شخص آخر فإذا استند الوصف إلى أول النصاب استند الحكم والوجوب إلى أوله أيضا فيعتبر التعجيل مؤديا بعد الوجوب فيجزئه وأما بعض العلة فلا تستند إلى ما قبله. بل تقتصر على حين وجوده لأنه ليس بتبع لما قبله وإذا اقتصر على حين التمام فيبقى الأداء قبله إذا قبل الوجوب فلا يجزئه\nقال: وهذا كما قيل في المريض صاحب الفراش إذا وهب جميع ماله: أنه ينفذ ويصير ملكا للموهوب له إذا سلم إليه كما لو كان صحيحا وإذا مات نقضت الهبة في العلتين لأن العلة الحاجزة عن هبة الثلثين مرض مميت لا نفس المرض. وقولنا: مميت صفة للمرض والوصف معدوم وقت الهبة فنفذت الهبة من غير حجز فلما دام المرض حتى مات تم الوصف فصار أول الوجوب متصفا بالإضافة لا آخره لأن الموت يضعف القوى وكل جزء من المرض بعده أخرج عن عداد الأصحاء يضعف بمنزلة جراح متفرقة سرت إلى الموت فإنه أضاف إلى الكل دون الأخير فتمت علة الحجر من حين أصل المرض الذى أضفناه والتصرف وجد بعده فصار محجوزا عليه فنقض عليه إذا لم يجزه صاحب الحق قال: وعلى هذا قال علماؤنا: إذا جرح رجل\n_________\n١ أخرجه ابو داود: الزكاة \"٢/١٠٢\" ح \"١٥٧٣\" عن علي ﵁ بنحوه. وابن ماجه: الزكاة \"١/٥٧١\" ح \"١٧٩٢\" عن عائشة ﵂ انظر نصب الراية \"٢/٣٢٨- ٣٣٠\".","vol":"2","page":282},{"text":"رجلا خطأ وكفر ثم مات المجروح أجزأه بالمال والصيام جميعا لأن علة الوجوب هى القتل وذلك اسم لجرح يسرى إلى النفس فيموت والسراية صفة لأصل الجرح فعدم الوصف يمنع الوجوب ولا يمنع التعجيل موقوفا على تتمة العلة بوصفها في الثانى هذا كلام أبى زيد في أقسام سبب ذكرت أكثره وتركت بعضه والمذكور كاف لبيان أصولهم وأكثر هذا الكلام إنما هو على أوضاع لهم في أصولهم على ما زعمه هؤلاء على ما زعمه مشايخهم وأصحابهم والذى ذكر أولا أن اليمين ليست الكفارة ضيقة إنما هى السبب تسمية ومجازا فالأصل أن الشئ إذا حكم بثبوته يكون حقيقة ومن ادعى كونه مجازا فعليه الدليل وقد ذكرنا في كثير من المواضع أن الكفارة لقضاء حق الاسم وذلك في الحال الواقع بالبئر فلا يجب التكفير مع حصوله في الحال بغيره ثم إذا حنث فقد فات قضاء حق الاسم بالبر فيجب الآن قضاؤه بالكفارة ألا أن السبب لذلك هو اليمين لما بينا من قبل فإذا كفر جاز لأنه قد فعل بعد وجود سببه فإذا كان المفعول لقضاء حق الاسم وسببه قد تحقق باليمين فلا معنى لمنع الجواز وأما قوله: إن السبب ما يتقرر عند وجود حكمه فلما ارتفعت اليمين بالحنث وهو زمان وجوب الكفارة دل أنه لا يصلح سببا للكفارة.\nقلنا: الكفارة سببها اليمين على ما قلنا ولكن لما كان هذا الواجب كفارة فلابد من اتصال هتك باليمين ليستقيم الواجب كفارة ثم إذا اتصل الهتك باليمين باتصال الحنث بها لم يمنع تأخر اتصال الحنث باليمين من تحقيق السببية في الحال مثل الموت مع الجراح فإن تأخر الموت عن الجراح لا يمنع من تحقيق السببية في الحال حتى جازت الكفارة والمعنى ما بينا في ذلك أنها لقضاء حق الاسم عند الاستشهادية في عقد مخصوص والاسم في اليمين فكانت هى السبب.\nوأما ارتفاعها عند الحنث. فلا يقول بنفس الحنث ارتفع لكن إذا كفر ووقع قضاء حقها بالتكفير لم يبق لبقائها فائدة فارتفعت كالرجل يقول: والله لا أكلم فلانا يوم كذا فمضى اليوم ولا يكلم ارتفع لعدم الفائدة في بقائها فارتفعت.\nوأما مسألة الدابة إذا اتلفت زرع إنسان إنما أوجبنا الضمان١ إذا وجدنا بالليل قضاء النبى ﷺ بإلزام أربابها الحفظ لها وإذا أمر منهم حفظها بالليل فقد ألزمهم ضمانها إذا فسدت. وأما فتح باب القفص وباب الأسطبل فهو سبب لطيران الطير\n_________\n١ انظر المهذب \"٢/١٩٤\".","vol":"2","page":283},{"text":"وسبب لخروج الدابة١ وإنما جعلنا ذلك سببا لأن السبب ما يوصل إلى شئ ونحن نعلم قطعا أن فتح الباب موصل إلى الطيران وطيران الطير هلاك له في حق مالكه وكذلك في حفر بئر عمق المكان مبطل لاستمساكه على الأرض في حال سببه الذى هو مباح له وزوال المسكة في مثل هذه الصورة مهلكا له فصار بفتح الباب مهلكا للطير بهذا الوجه وبحفر البئر مهلك للواقع من هذا الوجه وضمان الهالك واجب على المهلك سواء أكان الواجب حق الله تعالى أو حق الآدمى وهذا لأن التسبب قتل لأنه لا يمكن مباشرة إزهاق الروح فيكون تحصيله بالتسبيب إليه إلا أن التسبب إذا قوى بأن يؤدى إلى الهلاك غالبا أوجب القود وإذا ضعف بأن لا يؤى إلى الهلاك غالبا أوجب الدية وكان المعنى فيه أن القود وجب لحكمة الزجر فإذا ضعف السبب استغنى عن الزجر فسقط القود وإذا قوى السبب افتقر إلى الزجر فوجب القود وإذا ثبت أنه قتل وجبت الكفارة به.\nببينة: أن بالاتفاق وجبت الدية لحق الآدمى وضمان المتلف لا يجب إلا بالإتلاف دل أن حفر البئر إذا اتصل به السقوط إتلاف وعلى هذا وجب القصاص على شهود القصاص إذا رجعوا لأنه سبب قوى يؤدى إلى التلف فصاروا متلفين.\nوالدليل على أن فعلهم إتلاف وجوب الدية عليهم قولهم إنهم قتلة حكما لا حقيقة. قلنا: إذا كانوا قاتلين فيكونون قاتلين حقيقه وإلا لم يكونوا قاتلين ثم نقول إنما صاروا قتلة بإتيانم هلاك الشخص حقا للمشهود له وإذا جعلوا هلاكه حقا فقد أهلكوت فهذا وجه قولنا: إنهم قتلة. ثم إذا صاروا قتلة فسواء صاروا قتله حكما أو حسيا بعد أن يستند إثبات قتلهم إلى فعل حسى يوجد منهم إسقاط إيجاب القود عليهم بذلك الفعل الحسى الذى أوجب نسبة القول إليهم وهذا كالرمى والجرح المؤدى إلى هلاكه وقولهم: إن الولى يختار القتل. قلنا: اختياره للقتل لم يمنع نسبة القتل إلى الشهود حكما فلا يمنع أيضا وجوب القود عليهم وهذا لأن جهة القتل في حق الولى والشهود مختلفة فالولي صار قاتلا بمباشرته جرحا أو حز رقبة والشهود إنما صاروا قتلة بجعلهم هلاك الرجل حقا للولى وإذا اختلفت الجهة لم تمنع اختيار الولى من نسبة القتل إلى الشهود وأما مسألة ولد الغصب فنحن قد ذكرنا أن الغصب إثبات اليد بعدوان على مال الغير وهذا القدر مستقل كاف في إيجاب الضمان ولا\n_________\n١ انظر المهذب \"١/٣٧٤\".","vol":"2","page":284},{"text":"نعتبر وراءه شيئا آخر وهذا لأن ما يستقل بإيجاب الضمان بنفسه إذا وجد فلا معنى لضم شئ آخر إليه وإثبات اليد على مال الغير مستقل بنفسه لإيجاب الضمان لأن إزالته اليد التي يشيرون إليها لا يراد لعينها وإنما يراد لإثبات اليد فإذا كانت الإزالة وصلة وذريعة لم يعتبر وجودها بعد أن وجد المقصود وتمام هذا في تلك المسألة.\nوأما مسألة إرضاع الكبيرة الصغيرة فاعتبار وجود التعمد إلى الفساد بعد أن وجد الفساد بعيد عن مسالك الشرع والذى ذكر من قوله: إن الإلقام تعد فإثبات التعدى في إلقام الصبى الثدى متعذر إلا باعتبار إفساد النكاح متصل بهذا الفعل سواء تعمد الإفساد أم لم يتعمد وإذا اتصل الإفساد به وكانت المرأة المرضعة منشدة للنكاح فشرط قصدها التعمد أو عدم قصدها التعمد لا وجه له كالرمى فإنه لما كان تعديا بإصابته آدميا فبعد أن أصاب الآدمى وتحقق قتله باعتبار تعمده وعدم تعمده لا يكون له وجه الضمان في الحالين.\nوأما الذى قاله في المرض وملك النصاب فهو تكلف شديد والحق يجب للورثة قطعا بعد الموت واستناد وجوب هذا الحق إلى ابتداء المرض غير ممكن لأنه إن كان المرض سبب الموت يضعف القوى فتركيب الآدمى على طباع مختلفة وأمشاج متباينة سبب للمرض وكل العلل فإن ثبوت الاعتدال في المتباينات عسر جدا فالتركيب المختلف آيل إلى الانتفاض كما أن الضعف آيل إلى الفناء ومن دخل في أمثال هذا فلا شك أنه ينقطع عليه ويبقى فهمه حسيرا في بعض المداخل وإنما المنع من التبدع فيما زاد على الثلث من قبل الشرع يجب للورثه من بعد لا لحق واجب لهم في الحال والدليل على هذا أن النبى ﷺ قال: \"إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس\". فأشار في المنع إلى معنى بعد موته لا إلى أمر قائم في الحال.\nوأما النصاب فهو موجب للزكاة عند اتصال صفة النماء به والنماء يتحقق بحول الحول فهو عندنا مثل اليمين التي سبق ذكرها واتصال الحول بالمال مثل اتصال الحنث باليمين وجواز التعجيل لتبوع نفع للفقراء لكن جواز هذا مع النفع بعد وجود السبب في نفسه وإن تأخر الوجوب لتأخر الصفة وكأن الشرع لم يلغ وجود السبب واعتبر ذلك فيما يتصل بنفع الفقراء من إخراج زكاة إليهم أو صرف عتق إلى عبيد أو إطعام مساكين ومحاويج ولهذا لم يجوز الصوم في الكفارة قبل الحنث لأنه ليس بمتصل بنفع أحد والأصل أن كل معنى يمكن اعتباره في حكم ورد به السمع فإنه يعتبر ولا","vol":"2","page":285},{"text":"يعطل وإراده الشارع نفع المحتاج معتبر وعدم تعطيل السبب بعد أن تحقق يعتبر فبمجموع هذا ورد الجواز في المحل في تعجيل الزكاة وقد ورد الجواز في تعجيل الزكاة.\nفأما أن يعمد إنسان ويريد أن يحقق وجوب الزكاة بنفس النصاب والشرع ورد بنفى الوجوب قبل الحول ويجعل نفس ملك النصاب كافيا لوجوب الزكاة وقد وجدنا في حول الحول اتصال معنى بالنصاب يصلح مؤثرا في أيجاب الزكاة من تحقق النماء فيه فمحال وصار هذا مثل اليمين والحنث فاليمين سبب والحنث يتصل فيستقيم بناء إيجاب الكفارة على اليمين في هذه الحالة لأن المؤاخذة في سببها لابد من اعتبار هتك كما أن الزكاة مواساة فلابد من اعتبار نماء ثم هناك لم يعطل نفس السبب حتى اتصل به جواز الإخراج وإن تأخر الوجوب كذلك لا يعطل السبب في الكفارة فيتصل به جواز التكفير وإن تأخر الوجوب فهذا وجه الكلام على ما ذكره وتمام هذا مذكور في الخلافيات فلا يعدم الناظر في هذا الذى ذكرناه من مزيد فائدة على ما ذكرناه في التعاليق والمصنفات.","vol":"2","page":286},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-130>فصل\": ثم ذكر أنواع العلل المعتبرة </span>فرعا. فقال:\nالعلل المعتبرة أربعة:\n- علة موجودة اسما ومعنى وحكما.\n- وعلة موجودة اسما ومعنى لا حكما.\n- وعلة موجودة حكما لا اسما ومعنى.\n- وعلة موجودة اسما لا معنى ولا حكما.\nفأما المعتبر من كل وجه فنحو إعتاق المخاطب عبده وطلاقه امرأته وبيعه ماله ونذره لصدقة شئ وهذا ضرب لا إشكال فيه وهو الأصل قال: وأما الموجود اسما لا معنى ولا حكما فنحو طلاق المرأة إن دخلت الدار كان عقد الطلاق اسما ولم يكن معنى ولا حكما على ما مر من قبل.\nوأما الموجود اسما ومعنى لا حكما فهو مثل النصاب قبل الحول فإنه علة الوجوب اسما ومعنى لا حكما لأن الزكاة لا تجب إلا بعد الحول وكذلك الجرح علة القتل وقد وجدت صورة ومعنى لا حكما وكذلك البيع بشرط الخيار علة للملك","vol":"2","page":286},{"text":"اسما ومعنى لا حكما وكذلك الطلاق الرجعى علة إبانه انعقدت اسما ومعنى وحكما وأما الموجود حكما لا اسما ولا معنى فكالسفر فإنه سبب للرخصة والعلة هى المشقة فأثبتت حكم العلة وهى السقوط ولا مشقة وهى العلة على الحقيقة وكذلك الاستبراء يجب باستحداث ملك الوطء بملك اليمين وإن كانت الأمة بكرا أو اشتراها من صبى أو امرأة والعلة صيانة الماء عن الاختلاط بماء قد وجد ولا ماء في هذه المواضع وكذلك الوضوء يجب عن النوم١ وإن لم يوجد الحدث والعلة خروج النجس عندنا أو خروج شئ من المخرج على أصل غيرنا وكذلك إذا باشر امرأته وإن انتشرت آلته وليس بينهما ثوب وجب الوضوء وإن لم يخرج شئ بيقين والعلة هى الخروج وكذلك الاغتسال يجب بالتقاء الختانين وإن تيقن بعدم الماء٢ والعلة خروج المنى عن شهوة والسبب يثبت بالنكاح وأصله الماء وثبت وإن لم يطأها ويعلم أنه لم يخلق من مائه وهذا لأن السفر سبب ظاهر للمشقة عادة والمشقة أمر باطن يتفاوت الناس فيها وليس لها حد معلوم ولو علق الحكم بحقيقة المشقة لتعذر الأمر علينا فعلته الشرع بسببها في العادات تيسيرا علينا فثبت الحكم وإن عدمت العلة لأن السبب حققها وصار علة شرعا وكذلك خروج الحدث حال النوم أمر باطن لو علق الحكم به لتعذر فتعلق بالسبب المؤدى إليه ظاهرا وهو النوم الذى يرخى مفاصله تيسيرا واحتياطا لأمر العبادة وكذلك الاستبراء لو علق بالماء وهو أمر باطن تعذر علينا مراعاته فتعلق بالسبب المؤدى إلى خلط المياه وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن هذا الاستحداث يصح من غير استبراء لزم للمالك الأول فلو أتحنا للمالك الثانى بنفس الملك لأدى إلى الخلط بخلاف النكاح فإن ملك النكاح إذا زال بعد الدخول لابد من تربص من حيث البراءة فالإطلاق للثانى بنفس الملك لا يؤدى إلى الخلط وإذا كان كذلك أقيم سبب الخلط وهو التأخير بنفس الملك فقام الخلط حقيقة تيسيرا على العباد بتعليق الحكم بسبب ظاهر دون الماء الباطن.\nواعلم أن هذا الذى ذكره أول ما فيه أن يعمد في كل فصل يذكره إلى تقسيم مفيد بأعداد \" الأربعة ولابد أن يبلغ هذا العدد ولا يزيد فيستخرج بالنقاش أقساما حتى يبلغ هذا القدر ونعلم قطعا أن هذا ليس من شأن المحقق وما بال هذا الفاضل وعدد\n_________\n١ انظر الهداية \"١/١٥\".\n٢ انظر الهداية \"١/١٧\".","vol":"2","page":287},{"text":"الأربعة وكيف يستقيم أن يصير هذا العدد مما لابد فيه والنقصان فيه جائز متوهم والدليل على أنه لم يكن من شأنه التحقيق في هذه الفصول التي يذكرها أنه قسم العلل والأسباب وجعل أحد الأقسام قسم علة توجد حكما بلا معنى وإذا كانت العلة علة تسمية بلا معنى فكيف يبنى عليه حكم من أحكام الشرع وسبيلها أن تتبع العلل الصحيحة ولا صحة لعلة ما حتى تكون معنوية وذكر أيضا أحد الأقسام قسم علة لا حكم لها وإذا لم يكن للعلة حكم فكيف تكون علة؟ والمسائل التي ذكرها فليس على ما زعم ولأن لم تكن مشقة فهو نادر وكذلك النوم موجب خروج الحدث في الغالب فاعتبر الغالب في هذين الموضعين وأعرض عن النادر وعلى أنه قد قال بعض أصحابنا وبعض أصحابهم: إن نفس النوم حدث وهو طريق معتمد وصار نفس النوم حدثا بالنص.\nوأما مسألة الاستبراء فعندنا لابد من ماء حقيقة أو توهم ماء حتى لو عدم كلاهما لم يجب الاستبراء وكذلك في النكاح لا نقول: إن نفس النكاح يثبت النسب. بل النسب عندنا بتوهم الماء وهو إمكان الوطء وثبت بنفس الإمكان احتياطا للنسب. ثم الزوج إذا علم أن الولد ليس منه فقد جعل الشرع له سبيلا إلى نفيه باللعان إلا في موضوع مخصوص من شخص مخصوص على ما عرف فثبت النسب لهذا الولد الذى نقطع أنه ليس من هذا البائس ويصير ربقة في عنقه ولا سبيل له إلى التخلص منه بحال وكذلك في المواضع التي لا يرون اللعان بحال وفى الأشخاص الذين لا يرون إيجاب اللعان وهذا من الحرج والضرر الذى لا يجوز أن يطلقه حكمة الرب وبفضله على عبادة وحسن نظره لهم مثله وكيف يأخذ الشرع ولد زنا فيضعه في حجر إنسان ويلحقه به ثم لا يجعل له سبيلا في التخلص منه ولا قبح ولا فظاعة فوق هذا ولا نفرة في القلوب ولا ضرر في النفوس أشد من هذا فدل حكاية مذهبهم على بطلانها وما كانت حكايته معينة من إقامة الدليل على فساده. فنعلم قطعا خطأ تأويله ويجوز أن يقال في مثل هذه المسألة: إن قائله أخطأ ونحكم بخطئه ونقول: لو حكم حاكم بثبوت النسب في مثل هذه المواضع ينبغى ألا ينفذ حكمه.","vol":"2","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>فصل: ذكر انواع الشرط</span>\n...\n\"فصل\"\nثم ذكر:\nأنواع الشرط وجعلها أقساما أربعة:\nفقال: شرط محض وشرط في حكم العلة وشرط هو في العلامة المحضة وشرط صورة ما له حكم.\nفأما الشرط المحض فما يمتنع وجود الحكم إلا بوجوده والشرط المحض بكلمة إن نحو قولك عبدى حر إن دخل الدار فإن التحرير قد انعدم حكما وامتنع وجوده حتى يوجد الشرط.\nقال: ووجود العتاق يضاف إلى الشرط فأما وجوبه يضاف إلى قوله: أنت حر وعلى هذا شروط العبادات فإن الوقت علة الوجوب والعلم بالخطاب شرطه فلا يوجد ابتداء الوجوب إلا بعد العلم أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت وكذلك الأداء إنما يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع ولكن الوجود شرعا يتعلق بالطهارة والنية وسائر الشروط وكذلك في المعاملات فإن عقد النكاح يكون بالإيجاب والقبول ولا يؤخذ شرعا إلا بشهود.\nوأما الشرط الذى هو في حكم العلة فنحو شق الزق للدهن وقطع حبل القنديل وضمن كأنه كل الدهر أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق بمباشرة إتلاف الزق وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون الدهن سببا لا مانعا لكنه في حكم العلة لأن تماسك الشئ يعتبر بقدر الممكن في العادات وتماسك الدهن محفوظا عن التلف في العادة لا يكون إلا بالأوعية وكان سبب الدهن في الوعاء حفظا فيكون شق الوعاء إتلافا وذكر مثل هذا في قطع حبل القنديل لأن التعليق بالحبل حفظ وكان قطع الحبل إتلافا.\nقال: وهذا كالقتل فإنه مباشرة إتلاف ومعلوم أن القتل اسم لما يزيل الحياة لا لما يفيد جزءا معينا من شخص وإنما كان كذلك لأن الحياة ليست بعين يمكن أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها بعينها ولكن علق بقاءها محفوظة بسلامة بنيته وكان نقض البنية وبها قوامه إتلافا للحياة.\nوأما الطلاق فما يحفظ ترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج فإذا تكلم به","vol":"2","page":289},{"text":"وعلق الشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع واعتبر الإرسال عن لسانه اتباعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة.\nقال: وعن هذا الأصل قال أبو حنيفة في الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة: لم تطلق لأن الشرط حكم العلة في إيجاب الحكم فلا يثبت وجوب الطلاق بشهادة امرأته.\nوأما أبو يوسف ومحمد فيقولان: الوجوب لا يضاف إلى الشرط فتبقى علامة محضة في حق الوجوب فيثبت بشهادة النساء وذكر مسائل له على هذا الأصل.\nقال: وأما الشرط الذى هو في حكم العلامة فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين بالإحصان أن الحد كان رجما فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه حتى أن أربعة لو شهدوا على الزنا واثنان على الإحصان ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا شيئا.\nقال: وأما الشرط الذى هو شرط صورة لا معنى فالشرط الخارج عن وفاق العادة لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] \"وقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] \"وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] \"لأن العادة جارية بترك نكاح الإماء إلا عند عدم الحرة والعجز عنها وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره والسكوت عنه بمنزلة والفائدة في تخصيص الله تعالى هذه الحالة هى حالة الابتداء بهذه الحادثة في العادات فصارت هذه الحادثة أولى بالبيان لأن الحاجة إليها أمس.\nواعلم أن تقسيم هذه الشروط تقسيم باطل أيضا والشرط لا يكون شرطا حتى تكون له حقيقة وإنما يعدل إلى المجازفة بدليل وأما الفرق بينه وبين العلة فقد بيناه.\nوإذا ثبت الفرقان فقوله: إن من الشروط ما يكون علة باطل وأما مسألة شق الزق وقطع الحبل فإتلاف عندنا بحكم التسبب إليه وقد ذكرنا أن التسبب إتلاف.\nوأما مسألة طول الحرة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] .\nفظاهر الآية دل على أنه شرط ومن قال: ليس بشرط فعليه إقامة الدليل.\nوأما قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] \"فإنما سقط كونه","vol":"2","page":290},{"text":"شرطا بدليل قام عليه وكان ظاهر الآية تقتضى أن يكون شرطا وقد ذكر أنواع العلامة وأقسامها ولم أر في ذكرها فائدة فتركتها فهذا جملة ما ذكره في أقسام السبب والعلة والشرط.\nوقد ذكرنا الكلام على جميع ذلك بحسب ما أذن الله تعالى ونذكر الآن.","vol":"2","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>مسألة أسباب الشرائع</span>\nوهى مسألة لابد من ذكرها وللفقهاء إلى ذلك حاجة شديدة لأنها تدخل في مسائل كثيرة.\nاعلم أن الواجبات الشرعية عندنا بالخطاب المحض من الله تعالى فكل ما وجب فوجوبه بإيجاب الشرع وكل ما حرم فحرمته بتحريم الشرع ونقول على هذا إن الإيمان وجب على العبد بإيجاب الله تعالى وكذلك الصلاة والزكاة وسائر العبادات وجوبها على العباد بإيجاب الله تعالى.\nقال أبو زيد في كتاب تقويم الأدلة: إن أصل الدين وفروعه من العبادات والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسبابا لها بدليل قام على ذلك.\nوأما الأمر فإنه لا إلزام إذا ما وجب علينا بسببه كما يقول البائع للمشترى: اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلبا للأداء لا سببا للوجوب في الدية.\nقال: وعندنا أن الواجب في الذمة لا يجب نحو الوجوب بل بالطلب من مستحقه وذلك بالخطاب والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب وذلك لأنا نجد وجوب حقوق الله تعالى على من لا يصح خطابه نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر جنونه وإن قصر وقت العبادة وكذلك الصبى على أصل الشافعى يلزمه الزكاة وكفارات الإحرام وكفارة القتل وإن كان طفلا لا يتصور خطابه فعلمنا أن الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم وهو كما يلزمه من حقوق العباد بمداينة الولى وكما يعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو الملك وقد صح في حقه.\nألا ترى: وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحدا من هؤلاء أداء حقوق الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلوات تجب متكررة وكذلك سائر الحقوق في الأمر بالفعل لا يقتضى التكرار بحال أطلق أو علق بوقت فإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالى لم يملك إلا مرة واحدة وكذلك إذا قال حين يصبح أو يسمى أو قال لمجئ عدو لما لم يجب التكرار بنفس الأمر علمنا أن التكرار سبب موجب لتكرار الوجوب كل حين يتكرر.","vol":"2","page":292},{"text":"قال: فنقول وبالله التوفيق: إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى هو الآيات في العالم الدالة على حدث العالم١ وهى دائمة أبدا لا يمكن زوالها عنه\n_________\n١ قال الشيخ الصعيدي: للفلاسفة في هذا الموضوع آراء غريبة وأقوال لا مدلول لها إلا في مخيلتهم يقولون: إن المبدأ الفياض هو الله تعالى لكونه واحدا من كل الجهات لم يصدر عنه غير شيء واحد ويستحيل أن يصدر عن غيره على قاعدتهم المشهورة \"الواحد لا يعمد عنه إلا الواحد\" وسموه العقل الأول ثم هذا باعتبار جهاته الوجود والوجوب بالغير والإمكان يصدر عنه أشياء ثلاثة: عفل ثان ونفس وجسم \"جرم الفلك\" وهكذا إلى آخر العقول العشرة ثم عن العاشر تصدر العناصر الأربعة النار والهواء والماء والأرض منها تكون المواليد الثلاثى والمعادن والنباتات والحيوانات ويسمى العنصر باعتبار تركب الجسم منه اسطقسا وباعتبار تحليله إليه عنصرا والفلكيات عندهم قديمة بموادها وصورها وأشكالها سوى الجزئى من الأوضاع والحركات والعناصر القديمة بموادها وصورها لكن بالنوع أما الصورة الشخصية لها فحادثة والمشهورة أن صورها قديمة بالجنس وهي الصورة الجسمية أعم من أن تكون فلكية أو عنصرية نارية أو هوائية أو غيرهما وأما بالنوع فحادثة أيضا فيجوز أن يكون نوع النار حادثا بسبب الحركات الفلكية عن نوع الهواء ويرد عليه بأنهم صرحوا الاسطقسان باقية في أمزجة المواليد الثلاثة وهي قديمة بالنوع عندهم بحسب تواردها أفرادها فيلزم قدم الصورة العنصرية كذلك والكون والفساد في العناصر إنما هو في الأفراد الشخصية لا النوعية.\nهذا ملخص مذهبهم في قدم العالم وأشهر أدلتهم عليه أن العالم جائز أن يكون محالا أو واجبا لذاته اما هو ظاهر فتعين أن يكون جائزا وعليه فإن وجد الأزل مايلزم لوجوده وجب وجوده فيه لاستحالة تخلف المعلول من علته التامة وإن لم يوجد لزم نقص الواجب وهو محال وردوا دليلنا التاي \"بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث\" بأنه غير تام لجواز أن يكون حدوثهما باعتبار الشخص وتوكن قديمة باعتبارها النوع كما هو عندهم فلا يكون ماقامت به حادثا وأجيب عن هذا بأمور منها: أن النوع كلى والكلى لا وجود له إلا في ضمن الجزئي فيستحيل أن يكون قديما مع حدوث جزئيه بل لا بد أن يكون قديما مثله وهو باطل إذ الجزئي حادث بالمشاهدة ولهم الرد على هذا بأنه يعد جعلهم الجزيئات لا نهاية لها لا يلزم قدم جزئي منها لأن تلك السلسلة الغير متناهية كافية في أن يوجد في ضمنها النوع ولا يلزم ذلك المحزور ورد دليلهم مبني على أن العالم صادر عن الله جل شأنه بطريق التعليل من غير أن يكون فيثبت حدوثه قالوا: هذا في اختيار الحادث يحتاج إلى التوجه وصرف القدرة نجو المقدرو والتهيؤ للإيجاد ومحال ذلك في اختيار الواجب وورد بالمنع وأنه يستحيل أن يكون له اختيار في إيجاد العالم مع كون وجوده مقارنا لوجوده بالضرورة وإرادة الله شأنها الترجيح والتخصيص أي وقت شاء فالله يسبق اختياره للإيجاد ولكن لايكون الإيجاد إلا في الوقت الذي شاءه فيه ولا شيء من تلك النقائض التي في الحادث هنا قطعا. =","vol":"2","page":293},{"text":"فلأن وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل وإنما يسقط\n_________\n= والعام حادث عند المتكلمين والدليل على أنه لا يخلو إما أن يكون أعراضا أو أعيانا فالأعراض بعضها حادث بالمشاهدة كالحركة الحادثة بعد السكون والضوء الآتي بعد الظلمة وبعضها بالدليل وهو طريان العدم كالسكون ينعدم بالحركة والظلمة بالضوء وانعدام الشيء ينافي قدمه وذلك لأن القديم إما أن يكون واجبا بذاته أو يستند إلى الواجب بذاته بطريق التعليل لا بالقصد والاختيار لأنه لا يكون إلا في الحادث على ماتقدم فيه لإإن كان واجبا بذاته فامنافاة ظاهرة وإن كان مستندا إليه على طريق الإيجاب يمتنع عدمه من حيث أنه يلزم عليه تخلف المعلوا على علته وهي الواجب لذاته والتخلف محال وما يقال من أنه لا يجوز أن يستند لشرط متعاقبة لا إلى نهاية ثم ينعدم مردود ببرهان التطبيق الآتي أما في الأول فظاهر وأما في الثاني فلأن عدم الحادث لابد أن يشترط بأمور لا نهاية لها ينقطع بعدمها فيجري في تلك الأمور البرهان أيضا.\nوللأشعري طريق آخر في إثبات حدوث الأعراض وهو أنها لو كانت باقية والبقاء عرض يلزم قيام العرض بالعرض وهو بديهي البطلان وسيأتي بيان ضعف هذا الدليل.\nوأما الأعيان فهي حادثة لأنها لا تخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبيان المقدمة الأولى أن الأعيان لا تخلو إما أن تكون متحركة أو ساكنة إذا الحركة على آخر تحقيق لها كون أو في مكان ثان والسكون كذلك كون ثان في مكان أول وقيل: إن الحركة هي الكون في الحيز المسبوق بكون آخر في حين آخر والسكون مالم يكن كذلك فيشمل مالم يكن مسبوقا بكون أصلا كما في أن الحدوث بخلافه على الأول ورد ذلك بأن آن الحدوث لا لبث فيه فلا يصح جعله من السكون وخروجه عن الحركة والسكون على ماهو التحقيق ل يضر في دعوى حدوث الأعيان لأن هذا الكون حادث أيضا فعدم الخلو عنه يستلزم حدوث الأعيان وقيل: إن الحركة هي مجموع الكونين في الخبرين والسكون مجموع الكونين في الحيز ويرد عليه بأنه في صورة ما إذا حدث شيء في مكان واستقر فيه آنين وانتقل منه في الآن الثالث إلى مكان آخر يلزم أن يكون الثاني جزءا من الحركة والسكون ويكون الساكن في آن سكونه الثاني شارعا في الحركة وذلك بديهي البطلان ولأجله حمل المحققون هذا القول على غير ما يقيده ظاهره وأن الكون السابق لتوقف الحركة والسكون عليه سهل جعله جزءا منهما على طريق المسامحة والتجوز وإطلاق الجزء على هو شرط شائع كثير الوقوع.\nوالحركة والسكون حادثان لا محالة أما أولا فلأنهما من الأعراض وقد ثبت حدوثهما ولأن الحركات لما فيها من الانتقال من حال إلى حال تقتضي المسبوقية بالحال الأول والأزلية تنافيها والسكون قابل للحركة بدلالة التماثل في التركب من الجواهر الفردة المتماثلة وأيضا فهو جائز العدم فيمتنع قدمه على ماتقدم والقول بأن قدمه بطريق التعليل لا ينافى كونه ممكنا بالنظر لذاته يبطل بأن كونه كذلك أمر يعتبره العقل وهو غير جواز وقوع العدم فإن هذا مستحيل فيه لما يلزم عليه عن علته وهذا الجواب هو مايقبله الذوق السليم وبه يندفع الشبهات الواردة في هذا المقام التي جعلت البعض في حيرة حتى ألجأته إلى أن يقول كل قديم فهو واجب لذاته حتى لا يرد هذا الاعتراض من أصله وما قاله ظاهر البطلان.\nوأما المقدمة الثانية فبديهية الثبوت إذ ما لايخلو من الحوادث لو كان قديما لزم قدم الحادث وهو محال انظر زبدة العقائد النسفية ص \"٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠\".","vol":"2","page":294},{"text":"الأداء في بعص الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع وجوب عليه وسبب الوجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرر الوجوب بتكرر الوقت فإنها لو كانت شروطا لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها ولا يعقل غير الخطاب سببا آخر للوجوب مع الوقت ولما بطل أن يكون الخطاب موجبا للتكرار بقى الوقت سببا بنفسه وصار الخطاب سببا ملزما إذا وجب في ذمته بسبب آخر ويدل عليه أنه يضاف إليه.\nفيقال: صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شئ يدل على حدوثه كما يقال: كفارة القتل وغرامة الإتلاف ووجوب هو الحادث عند وجود الوقت دل أن الوجوب كان بالوقت وقد يضاف إلى الشرط أيضا لكنه يكون على وجه المجاز كما أن الحكم وجد عنده والكلام لحقيقته إلى أن يقوم الدليل على المجاز ويدل عليه أن الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] واللام تذكر للتعليل في مثل هذه المواضع كما يقول القائل: يتطهر للصلاة وتأهب للشتاء فثبت أن السبب هو الوقت وكل جزء من الوقت سبب تام فإنه لو كانت السببية تتعلق بالجميع لوجبت بعد الوقت كالزكاة تجب بعد الحول قال: وأما الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة مع الوقت.\nوقال ﷺ: \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته\" ١.\nكما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .\nعلق إيجاب الأداء بشهود الشهر فعلم أنه سبب الوجوب حيث استقام طلب الأداء بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئا ليؤد ثمنه أى ليؤد الواجب بالشراء قال: وسبب وجوب الزكاة النصاب من المال الذى عرف في الزكاة بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف النصاب في وقت واحد وبدليل الإضافة إليه. فيقال: زكاة السائمة وزكاة مال التجارة.\n_________\n١ أخرجه البخاري: الصوم \"٤/١٤٣\" ح \"١٩٠٩\" ومسلم: الصيام \"٢/٧٦٢\" ح \"١٨/١٠٨١\".","vol":"2","page":295},{"text":"وقال ﵇: \"لا صدقة إلا عن ظهر غنى\" ١.\nوقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \" أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم\" ٢.\nوالغنى يكون بالمال.\nوأما الحول إنما اعتبره الشرع تيسيرا للعباد وهذا لأن المال إنما يعتبر سببا إذا أعد للنماء بسببه من تجارة أو إسامة والنمو لا يكون إلا بمدة وقام الحول مقام النمو الذى يصير به المال سببا ولما قام مقام السبب تكرر الوجوب بتكرره.\nقال: وسبب وجوب الجزية الرءوس٣ بأوصاف معلومة لأمه لأنه يقال: خراج الرأس يتضاعف بعدد الرءوس.\nقال: وسبب العشر الأراضى النامية وكذلك الخراج بدليل أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض.\nوأما الحج فسبب وجوبه البيت دون الوقت بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت ولذلك يضاف الحج إلى البيت. فيقال: حج البيت.\nقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] .\nقال: وأما الوقت فشرط في هذا الموضع عنده يجب الحج وأما الاستطاعة فصفه للعبد عندها يحل الوجوب وكان اعتبارها تيسيرا على العباد كما في السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة وليست الاستطاعه بصفة لما هو سبب فلم يجعل من السبب.\nولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه٤ وتيسير الاستطاعة بملك الزاد والراحلة وقد جاز الأداء قبل ملك ذلك دل أن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد ولذلك لا يتجدد الوجود بتجدد ملك الزاد والراحلة لأنه ليس بسبب وأما سبب وجوب صدقة الفطر\n_________\n١ أصله عند البخاري ومسلم أخرجه البخاري: الزكاة \"٣/٣٤٥\" ح \"١٤٢٦\" عن أبي هريرة بلفظ \"خير الصدقة ما كان ... \" ومسلم: الزكاة \"٢/٧١٧\" ح \"٩٥/١٠٣٤\" عن حكيم بن حزام بلفظ البخاري وأحمد: المسند \"٢/٣٠٩\" ح \"٧١٧٤\" ولفظه.\n٢ أخرجه البخاري: الزكاة \"٣/٣٠٧\" ح \"١٣٩٥\" ومسلم: الإيمان \"١/٥٠\" ح \"٢٩/١٩\".\n٣ انظر الهداية \"٢/٤٥٢\".\n٤ مذهب الحنفية أن العبد إذا حج قبل العتق وعتق لم يجزيه هذا عن حجة الإسلام انظر الهداية \"١/١٤٧\".","vol":"2","page":296},{"text":"على المسلم وأيش يلزمه مؤنته١ فولايته عليه ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف الرأس وإن كان يوم الفطر واحدا.\nوأما إضافة الصدقة إلى الفطر فمجاز لأنها تجب فيه لا لأنه سبب وهذا لأن الرأس ليس سبب كل حين لأن صدقة الفطر لا تجب كل حين وكل ساعة وإنما هو سبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلا للوجوب عليه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافرا أو صبيا في أشهر الحج ولا فرق بينهما إلا أن ذلك الوقت ممدود وهذا الوقت مقصور فعلى هذا لا تجب صدقة الفطر على كل كافر يسلم بعد الصبح لأنه ليس بأهل للوجوب عليه.\nقال: وأما الكفارات فأسبابها ما أضيفت إليها كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر والسكر وسبب وجوب الطهارة الصلاة لأنه يقال: طهارة الصلاة ويسقط في نفسه إذا سقطت الصلاة والشروط لا تجب إلا بما علق صفتها بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة.\nوأما أسباب المعاملات فتعلق بقاء المقدور بتعاطيها وبيان ذلك أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى القيامة من طرق التناسل ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله ﵎ له طريقا يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء ففى الوطء على التغالب فساد وفى الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقى على الأم وما بها قوة كسب الكفارات في أصل الجبلة ولذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض بقدر المحتاج إليه لكل شخص أن يتهيأ له إلا بأناس آخرين وعافى أيديهم فشرع لذلك أسبابا للإصابة على تراض ليكون طريقا لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففى الأخذ بالتغالب فساد ويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . والعبادة إعمال بخلاف هوى النفوس وما خلق الدنيا دار نعيم واقتضاء شهوة للمؤمنين وإنما هو للمؤمنين في الدار الآخرة فعلمنا أن الله تعالى ما شرع لنا طريق\n_________\n١ انظر الهداية \"١/١٢٤\".","vol":"2","page":297},{"text":"الأكل والوطء وما يسستوفي من الشهوات بالأموال لأنفسنا. بل بحكم ابتلائنا بإقامته وفى الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له وعاص لا يعمل فخلق الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع بحق الأمر والعاصى فيتأدى بالفريقين جميعا حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعا فيما فعلوا مبتلين بأمر حكمه عاملين له بخلاف هوى نفوسهم فالكافر يهوى خلاف الله تعالى فيما أمره وقدره جميعا وعلى هذا أفعال الكفرة جهلا وتعنتا لا يخرجهم من كونهم مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم فإن الله تعالى قد قدر أن يكون للنار قوم استوحبوها بما كان منهم وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استوحبوها بما كان منهم جزاء وفاقا فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلى بإقامة حكم الله تعالى على ما قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] كثيرا من الجن والإنس وإنما كانوا لجهنم لما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] وقال ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] وقال ﷺ: \"كل ميسر لما خلق له\" ١.\nفصار كل منا مبتلا بما خلق له في عاقبة أمره تقديرا أطاع الأمر وارتكب النهى إثباتا لقهر العبودية عليهم وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار فالمطيع في طاعة ربه.\nلأول أمر مبتلا بخلاف هوى نفسه والآخر مبتلا في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر هذا كلام أبى زيد سردته بما فيه ولم أترك منه إلا الذيل الذى لا يعبأ به.\nواعلم أن الذى قاله خطأ واختراع ولا أظن أن أحدا قبله صار إليه وإنما الناس كانوا على أحد قولين في الإيمان فذهب أهل السنة إلى أن الوجوب بالخطاب من الشارع وذهب طائفة إلى أن الوجوب بالعقل ولم يعرف أن أحدا من الأمة قال: إن وجوب الإيمان ينصب الدلائل من رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال وخلق الشمس والقمر والكواكب فإنما في هذا القول أنه خلاف الأمة ومكابرتهم باختراع قول ثالث لم يعرف.\nوأما سائر العبادات وكل الأوامر والنواهى الواردة من الشرع فقد قالت الأمة: إن عامتها سمعية وإنما قال من قال بإيجاب العقل وحظره في أشياء يسييره وذلك مثل شكر\n_________\n١ أخرجه البخاري: لاتوحيد \"١٣/٥٣٠\" ح \"٧٥٥١\" ومسلم: القدر \"٤/٢٠٤١\" ح \"٩/٢٦٤٩\".","vol":"2","page":298},{"text":"المنعم ومنع الظلم وغير ذلك.\nفأما العبادات المعروفة والكفارات والتحميدات وغاية الحدود فقد أجمعت الأمة أنها سمعية ومعنى قولهم نحن نقول إنها سمعية أنها وجبت بالسمع وهو خطاب الله ﵎ بالإيجاب فإن قالوا: نحن نقول: إنها سمعية على معنى أن الله تعالى وضع هذه الأسباب وجعلها موجبة.\nقلنا قولنا: واجبات سمعية أنها وجبت بأقوال مسموعة لأن ما لا يسمع لا يكون سمعية والسمع يختص بالأقوال وإذا كان على ما قالوا لم تكن سمعية ولا عقلية إما لا يكون سمعية لأنه لم يكن وجوبها بقول يسمع وإما لم تكن عقلية لأن ما قلتم يقتضى وجوبها على من لايعقل هذه بالأسباب في حق الكل على العموم من العقلاء وغير العقلاء. ثم يدل بدليلين واقعين في أن الوجوب بالخطاب. فنقول: أمر الله تعالى مؤثر في الإيجاب لأن الله تعالى رب الخلق والفهم والخلق عبيد له وأمر المالك مؤثر في الإيجاب على العبد مثل ما تعرفه من أمرنا على عبيدنا ومماليكنا فأما زمان يأتى ويمضى وما كان يوجد ويذهب ومال يملكه العبد ويفنى لا يعرف لها تأثير في إيجاب شئ على العبد ويعنى بالأزمان أزمان الصلوات وزمان الصوم ويعنى بالمكان ما ذكروه من البيت وأنه سبب الحج ويعنى بالمال مال النصاب فلا يعرف لهذه الأشياء تأثير في إيجاب شئ منها. نعم يجوز أن يكون الزمان علامة وأمارة وكذلك المكان. أو يقال: إن الزمان ظرف العبادة والمكان مكان العبادة والمال محل الواجب من الزكاة والكفارات والنصوص التي وردت في الكتاب والسنة تذكر هذه الأشياء فإنما هى على هذا المعنى لا غير وقد ورد النص في أن الله تعالى هو الموجب للأشياء. قال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم\" ١.\nوالحديث الآخر حديث ضمام بن ثعلبة أنه قال: يا رسول الله إن رسولك أتانا وأخبرنا أن الله تعالى فرض علينا كذا وكذا الخبر ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] .\nوهذا نص في أن الله تعالى هو الذى أوجبه علينا فإن قيل: نحن نقول: إن الله\n_________\n١ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":299},{"text":"تعالى فرض علينا لكن على معنى أنه تعالى نصب الأسباب وهذه الأسباب للإيجاب.\nثم قالوا: إن الأوامر الواردة في الشرع من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وقوله ﵇: \"صوموا شهركم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة اموالكم طيبة بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم\" ١. مفيدة فعل الأداء فأما أصل الإيجاب فكان الذى قدمناه وهذا لأن قوله: صل وزك وصم وحج أمر بالفعل والأمر بالفعل تالى الوجوب ففذا لم يتقدم الوجوب لم يتصور الأمر بالأداء.\nوالجواب: أنا قد بينا أن هذه الأشياء لا تصح أسبابا وأما الخطاب فصالح للسببية.\nوأما قولهم: إن الله تعالى جعل هذه الأشياء أسبابا للوجوب.\nقلنا: هذه دعوى لابد عليها من دليل ومجرد الإضافة لا تدل على السببية لأن الشئ قد يضاف إلى سببه وقد يضاف إلى شرطه ويضاف إلى محله.\nفإن قالوا: إن الأصل ما قلنا.\nقلنا: ليس كذلك لأن الإضافة لا تدل إلا على التعريف وكل ما يصلح تعريفا للشئ يصلح للإضافة التي قلتم وعلى أنه يقال: دين الله فيضاف إلى الله. فهل نقول إن الله تعالى سبب للوجوب.\nوأما قولهم: في الدليل على ما ادعوه بثبوت تكرره عند تكرر الوقت قلنا: هو لقيام الدليل وهذا لأن الأمر لا يدل على التكرار بنفسه.\nفأما عند وجود قرينة تنضم إليه يدل على التكرار فيدل عليه وعلى أنه قد قال جماعة من أصحابنا: إن الأمر المعلق بالوقت يتكرر بتكرر الوقت وهذه الأوامر معلقة بالأوقات فتكررت بتكرر الأوقات فسقط ما قالوه جملة.\nوأما قولهم: إن الأوامر الواردة في الكتاب والسنة إنما تدل على فعل الأداء قلنا يدل على الوجوب أولا. ثم يدل على فعل الأداء مثل السيد إذا قال لعبده: اسقنى فإنه يدلل على الوجوب عليه ويدل على فعل السقى ونحن نعلم قطعا أن وجوب السقى في هذه الصورة كان بقوله: اسقنى لا بشئ آخر فقدم عليه فعلمنا أن الأمر المجرد على الوجوب الذى يعتقدونه بالسبب ودل على الفعل أيضا وهذا فصل معتمد وقد ذكرنا في الخلافيات: أن الواجب ليس إلا أداء الفعل وهو مستفاد بخطاب\n_________\n١ أخرجه الترمذي: الصلاة \"٢/٥١٦\" ح \"٦١٦\" وقال: حسن صحيح أحمد: المسند \"٥/٣٠٩\" ح \"٢٢٣٢٣\".","vol":"2","page":300},{"text":"الشرع بالاتفاق والوجوب الذى يدعونه لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاب الفعل وهذا لأن الصلاة فعل والصوم فعل وكذلك سائر العبادات والكفارات في نظائر هذا والخصم يورد على هذا الواجبات التي تأخر أداؤها مثل الصوم على الحائض وعلى المسافر والمريض والصوم على المغمى عليه.\nوأجبنا عن هذا: بأن في هذه المواضع لا نقول بالوجوب من قبل إنما يجب الصوم على الحائض إذا طهرت وأما المريض والمسافر فقد وجب الصوم عليهما والتأخير رخصة ونحن لا ننكر أن يتوجه الوجوب ثم تعترض رخصة مؤخرة وهذا قد قررناه في مسائل الفروع ولكن اخترنا في الأصول الجواب الأول وهو أحسن وأبين وأقطع للخصومة والمنازعة.\nوأما وجوب الزكاة والكفارات عندنا في أموال الصبيان فذاك بأمر الشرع والأصل أن كل ما أدى إليه إيجابه إلى إيقاع الصبى والمجنون في كلفة وطلبه فهو موضوع عنه رحمه من قول الله تعالى وذلك كالعبادات البدنية فأما ما يكون وجوبه في الذمة والأداء بالمال ويتأدى بفعل الغير فإيجابها عليه لا يوقعه في كلفة فيجب في ذمة بخطاب الشرع وإيجابه ثم الخطاب بالأداء يتوجه على الولى دون الصبى وهذا على ما عرف في مسألة زكاة الصبى وقد اقتصرنا في الجواب على هذا القدر لئلا يطول وفى كلامه الذى حكيناه خبط عظيم وصدقة الفطر لازمة لأنه إنما يعرف صدقة الفطر بالإضافة إلى الفطر ومع ذلك لم يجعلوا الفطر سببا وفى الجزية يقال: خراج الرأس فيبقى على هذا أن لا يتكرر كما أنهم لما قالوا: إن سبب الحج هو البيت بحكم الإضافة لا يتكرر وفيما قلناه من قبل كفاية. والله أعلم.\nوحين انتهى الكلام في القياس فنذكر الكلام الآن في الاجتهاد وما يتصل به.","vol":"2","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>القول في الاجتهاد وما يتصل به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>مدخل</span>\n...\nالقول في الاجتهاد وما يتصل به\nوبيان قولنا: إن الحق في قول واحد من المجتهدين وأن الباقى خطأ متروك.\nاعلم أن الاجتهاد١ وهو بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة عليها بالنظر المؤدى إليها.\nوقال بعضهم: الاجتهاد هو طلب الحق بقياس وغير قياس.\nوقال بعضهم: ما اقتضى غالب الظن في الحكم المقصود.\nوقال بعضهم: طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه٢.\nوهذا الأخير أليق بكلام الفقهاء.\nثم اعلم أن المخاطب بالاجتهاد أهله وهم العلماء دون العامة فإذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها إلى مفهومها ومن أفعال الرسول ﷺ وإقراره وفى إجماع علماء الأنصار فإن وجد في شئ من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجده طلبه في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب لعلة بالنص فإن وجد التعليل منصوص عليه عمل به فإن لم يجد في النص عدل إلى المفهوم فإن لم يجد نظر في الأوصاف المؤثرة في الأصول في ذلك الحكم والمؤثر ما بيناه من قبل.\n_________\n١ قال: الشيخ الفيروزآبادي: والتجاهد بذل الوسع كالاجتهاد انظر القاموس المحيط \"١/٢٨٦\".\n٢ وقد عرفه العلماء بتعريفات أخرى:\nفعرفه الرازي بأنه: تفريغ الوسع في تحصيل المقصود انظر المحصول \"٢/٤٨٩\".\nوعرفه إمام الحرمين بأنه: تفريغ الوسع في تحصي المقصود انظر الكافية في الجدل ص ٥٨.\nوعرفه الآمدي بأنه: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه اليحس من النفس العجز عن المزيد فيه. انظر إحكام الأحكام \"٤/٢١٨\".\nوعرفه الغزاليبأنه: بذل الجهد واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال. انظر المستصفى \"٢/٣٥٠\".\nوعرفه البيضاوي بأنه: استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية. انظر نهاية السول \"٤/٥٢٤\".\nوعرفه صاحب حاشية التلويح على التوضيح: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي. انظر التلويح \"٢/١١٧\".","vol":"2","page":302},{"text":"وقد قيل: إن الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب:\nفرض على العين وفرض على الكفاية وندب.\nأما فرضه على الأعيان ففى حالتين:\nإحديهما: اجتهاده في حق نفسه فيما نزل به لأن العالم لا يجوز أن يقلد في حقه ولا في حق غيره.\nوالحالة الثانية: اجتهاده فيما تعين عليه الحكم فيه فإن ضاق وقت الحادثة كان فرضها على الفور وإن اتسع وقتها كان فرضها على التراخى.\nوأما فرضه على الكفاية ففى حالتين:\nإحديهما: في حق المستفتى إذا نزلت به حادثة فاستفتى أحد العلماء كان فرضها متوجها على جميعهم وأخصهم بفرضها من خص بالسؤال عنها فإن أجاب هو عنها أو غيره سقط فرضه عن جميعهم فإن أمسكوا مع ظهور الصواب لهم أثموا وإن أمسكوا مع القياسة عليهم عذروا وإن كان فرض الجواب باقيا عند ظهور الصواب.\nوالحالة الثانية: أن يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر فيكون الاجتهاد مشتركا بينهما فأيهما انفرد بالحكم سقط فرضه عنه.\nوأما الندب ففى حالتين:\nإحديهما: فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل ليسبق إلى معرفة حكمه على نزوله.\nوالحالة الثانية: أن يستفتيه سائل قبل وقوعها به فيكون الاجتهاد في الحالتين ندبا.","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>فصل: صحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية</span>\n...\n\"فصل\"\nوإذا عرفنا حقيقة الاجتهاد فنذكر: من يجوز له الاجتهاد. فنقول:\nصحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية ومعرفتها بستة شروط:\nأحدها: أن يكون عارفا بلسان العرب من لغة وإعراب وموضوع خطأهم في الحقيقة والمجاز ومعانى كلامهم في الأوامر والنواهى والعموم والخصوص إلى غير ذلك١\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٤/٥٥١، ٢٥٥\" سلم الوصول \"٤/٥٥١\" انظر المحصول \"٢/٤٩٨\" إحكام الأحكام \"٤/٢٢٥\" جمع الجوامع ومعه شرح الجلال \"٢/٣٧٩\" انظر المستصفى \"٢/٣٥١\" فتح الغفار بشرح المنار \"٣/٣٤\"انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٧\".","vol":"2","page":303},{"text":"لأن السمع في شرع الإسلام ورد بلسان العرب لأنه مأخوذ من الكتاب والسنة وهو ما ورد بلسان العرب قال الله تعالى في الكتاب: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] .\nفإن قيل: قد كان من تقدم من الأنبياء مبعوثا إلى قوم خاصة فجاز أن يكون مبعوثا بلسانهم ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الأمم فلم صار مبعوثا بلسان بعضهم؟.\nقلنا: لا يخلو إما أن يكون مبعوثا بلسان جميعهم وهذا خارج عن العرف والمعهود من الكلام ويبعد بكل محل أن يرد كل كلمة من القرآن مكررا بكل الألسنة وإذا لم يجز هذا وكان لابد أن يكون بلسان بعضهم كان لسان العرب أحق من كل لسان لأنه أوسع وأفصح ولأنه لسان أول المخاطبين ومعرفة لسان العرب فرض على العموم في جميع المكلفين إلا أنه في حق المجتهد على العموم في إشرافه على العلم بألفاظه ومعانيه أما في حق غيره من الأمة خاص في ما ورد التقيد به في الصلاة من القراءة والأذكار لأنه لا يجوز بغير العربية.\nفإن قيل: إحاطة المجتهد بجميع لسان العرب ممتنع لأن أحدا من العرب لا يحيط بجميع لغاتهم وكيف يحيط؟ ولأن الإحاطة بجميعه شاغل من الاشتغال بغيره.\nقيل: لسان العرب وإن لم يحط به واحد من العرب فإنه يحيط به جميع العرب.\nكما قيل لبعض أهل العلم: من يعرف كل العلم. قال: كل الناس والذى يلزم في حق المجتهد أن يكون محيطا بأكثر كلام العرب ويرجع فيما عزب عنه إلى غيره وهو كما أن جميع السبب لا يحيط به أحذ من العلماء وإنما يحيط به جميع العلماء فإذا كان المجتهد محيطا بأكثرها صح اجتهاده ويرجع فيما عزب عنه إلى من يعلمه فكذلك ها هنا.\nوأما الشرط الثاني: هو أن يكون مشرفا على ما تضمنه الكتاب من الأحكام الشرعية من عموم وخصوص ومبين ومجمل وناسخ ومنسوخ بنص أو فحوى أو ظاهر أو مجمل١ ليستعمل النص فيما ورد والفحوى فيما يفيده والظاهر فيما يقتضيه والمجمل يطلب المراد منه فإذا كان عالما بأحكام القرآن هل يشترط أن يكون حافظا\n_________\n١ انظر نهاية السول \"٤/٥٤٧\" انظر جمع الجوامع شرح الجلال \"٢/٣٨٣\" فواتح الرحموت \"٢/٣٦٣\" المستصفى \"٢/٣٥٠\" إحكام الأحكام \"٤/٢٢٠\" المحصول \"٢/٤٩٧\" فتح الغفار بشرح المنار \"٣/٣٤\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٦\".","vol":"2","page":304},{"text":"لتلاوته: فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه يلزم أن يكون حافظا للقرآن لأن الحافظ أضبط لمعانيه من الناظر فيه١.\nوقال آخرون: لا يلزمه حفظ تلاوته ويجوز أن يقتصر على مطالعته والنظر فيه كما في السنن٢.\nوقال آخر: ويجب عليه أن يحفظ ما اختص بالأحكام ولا يلزمه أن يحفظ منه القصص والأمثال والزواجر.\nوأما الشرط الثالث: هو بعرفة ما تضمنته السنة من الأحكام وعليه فيها خمسة شروط.\nأحدها: معرفة طرقها من تواتر وآحاد ليكون المتواتر معلومة والآحاد مظنونه.\nوالثاني: معرفة صحة طرق الآحاد ومعرفة رواتها ليعمل بالصحيح منه ويعدل عن ما لا يصح منه.\nوالثالث: أن يعرف أحكام الأفعال والأقوال ليعلم بما يوجبه كل واحد منهما.\nوالرابع: أن يحفظ معانى ما انتفى الاحتمال عنه ويحفظ ألفاظ ما دخله الاحتمال ولا يلزمه حفظ الأسانيد وأسماء الرواة إذا عرف عدالتهم.\nوالخامس: ترجيح ما يعارض من الأخبار ليأخذ ما يلزم العمل به٣.\n_________\n١ ذكره الأسنوي في نهاية السول فقال: لاجرم أن القيرواني في المستوعب نقل عن الشافعي أنه يشترط حفظه جميع القرآن وهو مخالف لكام الإمام من وجهين. انظر نهاية السول \"٤/٥٤٩\".\nوقد علق الشيخ محمد بخيت المطيعي في حاشيته على نهاية السول فقال: أقول أي ماقاله القيرواني في المستوعب يخالف كلام الإمام من جهة اشتراط الحفظ وقد علمت أنه لا يشترط الحفظ بل يكفي معرفة الواضع ومن جهة اشتراط جميع القرآن وقد علمت أنه لا يشترط فليس ما قاله القيرواني مخالفا لكام الإمام فقط بل هو مخالف لكلام أكثر الأصوليين ممن تقدمه وممن تأخر عنه ولذلك لم يعول عليه صاحب جمع الجوامع وغيره ممن تأخر عن الأسنوي لا فرق بين الحنفية والشافعية انظر حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي على نهاية السول \"٤/٥٤٩\".\n٢ وقول الجمهور: أن يعرف ما تعلق بالأحكام وهو خمسمائة آية ولا يشترط أن يحفظها عن ظهر قلب بل يكفي أن يكون عارفا بمواقعه حتى يرجع إليه في وقت الحاجة. انظر نهاية السول \"٤/٥٤٨\" سلم الوصول \"٤/٥٤٨\" المحصول \"٢/٤٩٧\" المستصفى \"٢/٣٥٠\" فواتح الرحموت \"٢/٣٦٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٤٤٦\".\n٣ ولا يشترط فيها الحفظ ولا معرفة ما يتعلق من الأخبار بالمواعظ وأحكام الآخرة. انظر نهاية السول \"٤/٥٤٩، ٥٥٠\" سلم الوصول \"٤/٥٤٩، ٥٥٠\" إحكام الأحكام \"٤/٢٢٠\" المحصول \"٢/٤٩٨\" فواتح الرحموت \"٢/٣٦٣\" المستصفى \"٢/٣٥١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٦\".","vol":"2","page":305},{"text":"وقال بعض أصحابنا: إذا عرف من اللغة ما يعلم به مراد الله تعالى ورسوله ﷺ من الكتاب والسنة والخطاب الوارد فيهما وعرف موارد الخطاب ومصادره من الكتاب والسنة والحقيقة والمجاز والأمر والنهى والعام والخاص والمجمل والمفصل والمنطوق والمفهوم والمطلق والمقيد وعرف الناسخ والمنسوخ وعرف أحكام النسخ فهذا القدر كاف وهذا هو الأولى في الشرائط التي سبق ذكرها.\nوأما الشرط الرابع: هو معرفة الإجماع والاختلاف وما ينعقد به الإجماع وما لا ينعقد به الإجماع١ وما يعتد به في الاجماع ومن لا يعتد به في الإجماع ليتبع الإجماع ويجتهد في الاختلاف.\nوأما الشرط الخامس: هو معرفة القياس والاجتهاد٢ والأصول التي يجوز تعليلها وما لا يجوز تعليلها والأوصاف التي يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز أن يعلل بها وترتيب الأدلة بعضها على بعض ومعرفة الأولى فيها فيقدم الأولى ويؤخر ما لا يكون أولى ويعرف وجوه الترجيح ليقدم الراجح على المرجوح\nوأما الشرط السادس: فهو أن يكون ثقة مأمونا غير متساهل في أمر الدين٣.\nفإذا تكاملت هذه الشروط في المجتهد صح اجتهاده في جميع الأحكام وإن لم يوجد واحد من هذه الشروط خرج من أهلية الاجتهاد وليس يعتبر في صحة الاجتهاد أن يكون رجلا ولا أن يكون حرا ولا أن يكون عدلا وهو يصح من الرجل والمرأة والحر والعبد والفاسق وإنما تعتبر العدالة في الحكم والفتوى فلا يجوز استفتاء الفاسق وإن صح استفتاء المرأة والعبد ولا يصح الحكم إلا من رجل حر عدل فصارت شروط الفتيا أغلظ من شروط الاجتهاد بالعدالة لما تضمنه من القبول وشروط الحكم أغلظ من شروط الفتيا بالحرية والذكورية لما تضمنه من الإلزام.\n_________\n١ ولا يشترط حفظ تلك المسائل انظر نهاية السول \"٤/٥٥٠\" سلم الوصول \"٤/٥٥٠\" المحصول \"٢/٤٨٩\" فواتح الرحموت \"٢/٣٦٣\" المستصفى \"٢/٣٥١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٦\".\n٢ انظر نهاية السول \"٤/٥٥١\" سلم الوصول \"٤/٥٥١\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٢٦\".\n٣ وهو من شروط قبول الفتوى.","vol":"2","page":306},{"text":"واعلم أن الثقة والأمانة في أن لا يكون متساهلا في أمر الدين فلابد منه لأنه إذا لم يكن كذلك لا يستقصى النظر في الدلائل ومن لا يستقصى النظر في الدلائل لا يصل إلى المقصود وأما الذى ذكره الأصحاب أنه لا تعتبر العدالة فيجوز أن يكون المراد ما وراء هذا وأما هذا القدر فلابد منه وقد ذكر المتكلمون كلاما في شرائط الاجتهاد على غيرهذا الوجه وهذا الذى قلناه كلام االفقهاء وهو الصحيح وحين عرفنا صفة المجتهد فنذكر صفة أقوال المجتهدين إذا اختلفوا فيما بينهم.\nمسألة\nقد بينا حد الاجتهاد ويمكن أن يعبر عن ذلك فيقال هو استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم الشرعى.\nواعلم أن الأحكام ضربان: عقلى وشرعى والأولى أن يقال: أصول وفروع.\nفأما أصول الدين فالحق في قول واحد منهما والثانى باطل قطعا.\nوحكى عن عبد الله بن الحسن العنبرى أنه قال: كل مجتهد في الأصول مصيب١.\nوكان يقول في مثبتى القدر: هؤلاء عظموا الله.\nويقول في نافى القدر: هؤلاء نزهوا الله.\nوقد قيل: إن هذا القول منه في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار صحيحة للتأويل كالرؤية وخلف الأفعال وما أشبه ذلك.\nوأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى والمجوس فإن في هذا الموضع نقطع بأن الحق فيما يقوله أهل الإسلام وينبغى أن يكون التأويل على هذا الوجه لأنا نظن أن أحدا من هذه الأمة [لا بد أن] ٢ يقطع بتضليل اليهود والنصارى والمجوس وأن قولهم باطل قطعا ولأن الدلائل القطعية قد قامت لأهل الإسلام في بطلان قول هؤلاء الفرق والدلائل القطعية توجب الإعتقاد القطعى فلم\n_________\n١ وهو قول الجاحظ وهما محجوجان بالإجماع انظر نهاية السول \"٤/٥٥٨\" إحكام الأحكام \"٤/٢٣٩\" البرهان \"٢/١٣١٦\" المستصفى \"٢/٣٥٤\" فواتح الرحموت \"٢/٣٧٦\" المحصول \"٢/٥٠٠\" جمع الجوامع ومعه حاشية الجلال \"٢/٢٨٨\".\n٢ زيادة ليست في الأصل لابد منها لصحة الكلام.","vol":"2","page":307},{"text":"يكن بد من القول بأنهم ضالون مخطئون قطعا وإذا ثبت هذا فيما يخالفنا أهل الملل فكذلك فيما يخالفنا فيه القدرية والمجسمة والجهمية والروافض والخوارج وسائر من يخالف أهل السنة لأنا نقول إن الدلائل القطعية قد قامت لأهل السنة على ما يوافق عقائدهم فثبت ما اعتقدوه قطعا فحكم ببطلان ما يخالفه قطعا وإذا حكمنا ببطلان ذلك قطعا ثبت أنهم ضلال ومبتدعة ونذكر مشروع هذا الكلام ومدخله على وجه آخر فنقول: إن الاختلاف بين الأمة على ضربين اختلاف يوجب البراءة ويوقع الفرقة ويرفع الألفة واختلاف لا يوجب البراءة ولا يرفع الألفة فالأول كالاختلاف في التوحيد.\nقال: من خالف أصله كان كافرا وعلى المسلمين مفارقته والتبرؤ منه وذلك لأن أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة قد طبقت العالم وعم وجودها في كل مصنوع فلم يعذر أحد بالذهاب عنها وكذلك الأمر في النبوة لقوة براهينها وكثرة الأدلة الباهرة الدالة عليها وكذلك كل ما كان من أصول الدين فالأدلة عليها ظاهرة باهرة والمخالف فيه معاند مكابر والقول بتضليله واجب والبراءة منه شرع.\nولهذا قال ابن عمر حين قيل له: إن قوما يقولون: لا قدر. فقال: بلغوهم أن ابن عمر منهم برئ وأنهم منى براء وقد استجار مثل هذا التعنيف في الفروع.\nوقال ابن عباس: من شاء باهلته أن الله تعالى لم يجعل في المال نصفا ونصفا وثلثا.\nوقالت عائشة ﵂: أبلغوا زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول ﷺ قد بطل.\nونحو هذا من الآثار إلا أن هذا النوع من الوعيد ليس هو على المذهب الأول إنما هو تعنيف على التقصير في النظر وتحريض على الاجتهاد وتحريض١ على التأمل.\nوالضرب الآخر من الاختلاف لا يزيل الألفة ولا يوجب الوحشة ولا يوجب البراءة ولا يقطع موافقة الإسلام وهو الاختلاف الواقع في النوازل التي عدمت فيها النصوص في الفروع وغمضت فيها الأدلة فيرجع في معرفة أحكامها إلى الاجتهاد ويشبه أن يكون إنما غمضت أدلتها وصعب الوصول إلى عين المراد منها امتحانا من الله ﷾ لعباده لتفاضل في درجات العلم ومراتب الكرامة كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] .\n_________\n١ ثبت في الأصل \"تخريد\" ولعل ما أثبتناه هو الصواب.","vol":"2","page":308},{"text":"وعلى هذا يتأول ما ورد في بعض الأخبار: \"اختلاف أمتى رحمة\" ١ فعلى هذا النوع يحمل هذا اللفظ دون النوع الآخر فيكون لفظا عاما والمراد به خاصا ثم أعلم أنه اختلف العلماء في حكم أقوال هؤلاء المجتهدين وذكر ذلك في ما يسوغ فيه الاجتهاد من المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار وظاهر مذهب الشافعى ﵀ أن المصيب من المجتهدين واحد والباقون مخطئون غير أنه خطأ يعذر فيه المخطئ ولا يؤثم وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا قول الشافعى ومذهبه ولا يعرف له قول سواه وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من أصحاب أبى حنيفة.\nوقال بعض أصحابنا: إن للشافعى قولين. أحدهما: ما قلناه والآخر إن كل مجتهد مصيب وهو ظاهر قول مالك وإليه ذهب أكثر أصحاب أبى حنيفة وزعموا أن قوله هو قول المعتزلة وهو قول أبى الحسن الأشعرى وقال الأصم وابن عليه والمريسى: إن الحق في واحد من أقوال المجتهدين وما خالفه خطأ وصاحبه مأزور مأثوم٢. وقال أبو زيد في أصوله: قال فريق من المتكلمين: الحق في هذه الحوادث التي يجوز الفتوى في أحد أحكامها بالقياس والاجتهاد حقوق وكل مجتهد مصيب للحق بعينه. ثم إنهم افترقوا. فقال قوم: إذا لم يصب المجتهد الحق عند الله مكان مخطئا ابتداء وانتهاء حتى أن عمله لا يصح.\nوقال علماؤنا: كان مخطئا للحق عند الله مصيبا في حق عمله حتى أن عمله به يقع صحيحا شرعا كأنه أصاب الحق عند الله.\nقال: وبلغنا عن أبى حنيفة أنه قال ليوسف بن خالد السمتى: كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد فتبين لك أن الذى أخطأ ما عند الله مصيب في حق عمله.\nوقال محمد بن الحسن في كتاب الطلاق: إذا تلاعن الزوجان ثلاثا ثلاثا فرق القاضى\n_________\n١ ذكره الحافظ الجعلوني وقال: قال في المقاصد رواه البيهقي في المداخل بسند من قطع عن ابن عباس بلفظ: قال رسول الله ﷺ \"مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية فإن لم تكن سنة مني فما قاله أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة\"؛ ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي بلفظ وفيه ضعف انظر كشف الخفا للعجلوني \"١/٦٦\" ح \"١٥٣\".\n٢ انظر نهاية السول \"٤/٥٦٠، ٥٦١\" فواتح الرحموت \"٢/٣٨٠\" انظر المستصفى \"٢/٣٦٣\" إحكام الأحكام \"٢/٢٤٦\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٣٨، ٢٣٩\".","vol":"2","page":309},{"text":"بينهما نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة فجعل قضاؤه في حقه صوابا مع قوله إنه مخطئ الحق عند الله تعالى قال أبو زيد: وهذا هو القول المتوسط وهو بين الغلو والتقصير واعلم أن هذا القول هو القول بالأشبه وهو أن يكون المجتهد مصيبا في اجتهاده مخطئا في الحكم فإنهم جعلوا أشبه عند الله تعالى قالوا: وهو مطلوب المجتهد وذلك الذى لو نص الله ﷾ على الحكم لنص عليه وهو الحق وما عداه خطأ. وقال: هؤلاء وما كلف الإنسان إلا إضافة الأشبه ونقل بعضهم هذا نصا عن أبى حنيفة ومحمد وقد حكى القول بالأشبه عن أبى على الجبائى وهذا القول هو اختيار المزنى وحين عرفنا هذه الأقوال على مما نقله الأصوليون. فنقول: في بيان الصحيح من الأقاويل إن الصحيح من هذه الأقاويل هو أن الحق عند الله ﷿ واحد والناس مأمورون بطلبه مكلفون أصابته فإذا اجتهدوا وأصابوا حمدوا وأجروا وإن أخطئوا عذروا ولم يأثموا إلا أن يقصروا في أسباب الطلب وهذا هو مذهب الشافعى وهو الحق وما سواه باطل. ثم نقول: إنه مأجور في الطلب إذا لم يقصر وإن أخطأ الحق ومعذور على خطئه وعدم إصابته للحق وقد يوجد للشافعى في بعض كلامه ومناظراته مع خصومه أن المجتهد إذا اجتهد فقد أصاب وتأويله أنه أصاب عند نفسه فإنه بلغ عند نفسه مبلغ الصواب وإن لم يكن أصاب عين الحق.\nواعلم أنه لا يصح على مذهب الشافعى إلا فيما قلناه ومن قال غير هذا فقد أخطأ على مذهبه.\nوقال ما قال على شهوته.\nاحتج القائلون: بأن كل مجتهد مصيب بقوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلى أن قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فإذا كان أحدهما مخطئا لم يكن الذى قاله عن علم ولأن الصحابة اختلفوا في المسائل.\nوقال: كل واحد قولا وصوب بعضهم بعضا بدليل أنه ينفى بينهم تعظيم بعضهم للبعض وترك إنكار بعضهم قول البعض ولو اعتقد كل واحد منهم أن صاحبه مخطئ لأنكره لأن إنكار المنكر واجب فصار هذا دليلا من إجماعهم أنهم لم يعتقدوا تخطئة بعضهم بعضا. بل كانون على تصويب بعضهم البعض ولأنه لو كان الحق واحدا من الأقاويل وما عداه كان خطأ لكان الله ﷾ كلفه بالعدول إلى الصواب ولو كان على الحق دليل قاطع لفسق مخالفه ولمنع المفتى من الفتوى","vol":"2","page":310},{"text":"والحاكم من الحكم به وكان ينبغى إذا حكم الحاكم به ينقض حكمه وحين لم يقل بهذا أحد علمنا أن كل مجتهد مصيب للحق وهذا دليل معتمد لهم.\nدليل أكثرهم قالوا: لو كان المجتهد في الفروع مخطئا لأدى إلى أقسام كلها باطلة وذلك لأنه لا يخلو إما أن يقطعوا في الجملة أن المخطئ من المجتهدين مغفور له تقصيره في النظر وإما أن لا يقطعوا بذلك فإن لم يقطعوا بذلك فهو باطل لأنهم لا يقولون به على ما زعمتم ولأن الصحابة ما كان ينكر بعضهم على بعضهم أقاويلهم في مسائل الاجتهاد إنكار فعل من يجوز أنه من أهل النار وإن كان غفران خطئه في الجملة مقطوعا به لم تخل إما أن يكون المجتهد إذا أخطأ يجوز كونه مخطئا ومخلا بنظر يلزمه فعله ولا يجوز ذلك فإن قلتم لا يجوز أن يكون مخلا بالنظر فمحال لأنه على هذا لا يصح تكليفه النظر الذى فرط فيه لأنه قاطع على أنه ما فرط في النظر ولأنه في حكم الذاهل والساهى والذاهل والساهى لا يكلف في حال ذهوله وسهوه ولا يستحق عقابا. فيقال: إنه غفر له وإن كان يجوز كونه مخطئا ومخلا ببعض النظر فلا يخلو إما أن يعلم أنه مغفور له في ذلك الحال إخلاله بما أخل به من النظر أو لا يعلم ذلك ومحال أن يعلم ذلك لأن المجتهد لا يميز المرتبة التي إذا انتهى إليها غفر له إخلاله مما بعدها من النظر وذلك أنه يعلم بأنهم إن اقتصروا على أول النظر لم يغفر له ما بعده وبعد هذا ليس مرتبة أولى من مرتبة ولا يمكن الإشارة إلى ما تتميز به بعض المراتب عن البعض مع أنه مجوز في جميع ذلك أنه مخل بنظر يلزمه فعله وبعد فلو علم المجتهد أنه مغفور له إخلاله بالنظر لكان إغراء بالمعصية لأنه يكون قد علم أنه لا ضرر عليه في تركه النظر الزائد وإن كان المجتهد المخطئ إنما يعلم في الجملة أن المخطئ من المجتهدين مغفور له إذا انتهى إلى مرتبة ما من مراتب النظر وداخل بما بعدها ولم يتعين له تلك المرتبة وجوز أن يكون أخل بالنظر الزائدما انتهى إلى تلك المرتبة التي تغفر له بما بعدها من النظر لزم أن يجوزوا كون المجتهد من المخطئين ما انتهوا إلى هذه المرتبة وفى ذلك تجويز كونهم غير مغفور لهم وأنهم من أهل العقاب وقد أجمع أهل الاجتهاد على خلاف هذا فقد بان أن القول بخطأ المجتهدين وإصابة الواحد منهم فحسب يؤدى إلى أقسام كلها فاسدة وفى القول بإصابتهم خلاص من هذه الوجوه أجمع وهذا الذى ذكرناه دليل المتكلمين.\nوأما أبو زيد احتج بهذا القول وقال: إن المجتهد كلف الفتوى بغالب رأيه وما","vol":"2","page":311},{"text":"كلف إلا الفتوى بالحق فلولا أنه مصيب الحق وإلا لما توجه التكليف عليه بإصابته بغالب الرأى لأن الله تعالى لم يكلف مما ليس في الوسع فدل أن كل مجتهد مصيب للحق وأن الحق حقوق لا واحد وهذا كاستقبال القبلة فإنه شرط لصحة الصلاة وهى إلى جهة واحدة حال التبين عند الاشتباه تصير الجهات كلها قبلة على ما قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] حتى قالوا: إن المتحرين إذا صلوا إلى أربع جهات مختلفة أجزأتهم صلاتهم قالوا: ولا نمنع أن تكون أقوال المجتهدين كلها حقا في الحادثة الواحدة لكنه في أناس مختلفين لبعضهم الحظر ولبعضهم الإباحة وهذا كما صح في باب قبلة الصلاة حال الأشتباه إذا اختلفوا وكانت قبلة كل فريق ما أدى إليه تحريه يدل عليه أنه يجوز من الله تعالى بعث رسولين في زمان واحد إلى قومين مختلفين بحكمين مختلفين في نازلة واحدة ويكون كل واحد من الحكمين حقا عند الله فكذلك جاز بالاجتهاد مثل ذلك فيختلف عالمان في الاجتهاد ويلزم كل واحد اتباع إمامه ويكون كل واحد منهم محقا مصيبا وهذا لأن الله تعالى ابتلى عباده بهذه الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب ويجوز اختلاف الحكم بين الناس باختلاف الأزمان فيختلف الابتلاء لأجله فكذلك يجوز الاختلاف باختلاف الطبقات في زمان واحد ألا ترى أن مصالح الأطعمة كما تختلف باختلاف الأزمنة كذلك تختلف باختلاف الناس في زمان واحد وهذه الدلائل لهذا القول.\nفأما من يقول بالأشبه فسنبين الكلام فيه بعد هذا ونبين ما يكون الصواب منه.\nوأما دليلنا على أن الحق واحد في أقوال المجتهدين وما عدا ذلك خطأ قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] فلو كانا مصيبين لما خص سليمان بفهم الحكم لأن داود ﵇ قد فهم من الحكم ما فهم سليمان.\nفإن قيل: هذا شريعة من قبلنا ويجوز أن لم يكن داود وسليمان مصيبين وذلك شريعتهما وأما في شريعتنا فيكون كل مجتهد مصيبا.\nوالجواب: أن الأصل أن كل ما ذكره الله تعالى في القرآن فإنما ذكره لنستفيد به في شرعنا ولم يكن ذكره على مجرد حكاية وسرد قصة وليست فائدة هذا إلا أن نعلم ما قلناه ونحن إذا جعلنا حكمنا على خلاف حكمهم بطلت هذه الفائدة وعلى أنا نقول: شريعة من قبلنا لازمة لنا على قول جماعة من أصحابنا إلا في موضع قام الدليل على","vol":"2","page":312},{"text":"خلاف ذلك.\nوأما الذى تعلقوا به من قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] .\nقلنا: لم يذكر الله تعال أنه آتى كلاهما حكما وعلما فيما حكما به في هذه الحادثة فيجوز أن المعنى من ذلك إعطاء العلم بوجوه الاجتهاد في طرق الأحكام وعلى أنه يرد عليهم ما قالوه فإنه ليس يجب إذا كانا قد أصابا أن يكون كل مجتهد مصيبا في هذه الشريعة ويدل على ذلك من جهة السنة قوله ﵇: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب له أجران وإن اجتهد فأخطأ له أجر واحد\".\nفأخبر ﷺ بأن منهم من يصيب ومنهم من يخطئ وإن حكم المصيب كذا ولو كانوا مصيبين كلهم لم يكن لهذا التقسيم معنى.\nفإن قيل: معنى قوله فأخطأ أى أخطأ النص. ثم قالوا: لو كان خطأ كما قلتم لم يستحق الأجر لأن أحسن أحوال المخطى العفو فأما استحقاق الأجر فلا.\nوالجواب الأول: قلنا: لو كان معنى قوله فأخطأ أى أخطأ النص لكان معنى قوله: فأصاب أى أصاب النص لا يكون حينئذ للاجتهاد حكم ما والخبر ورد في موضع إثبات حكم الاجتهاد وإصابة الحق أو عدم إصابته وأيضا فإنه لا يقال: من لم يبلغه النص ولم يتمكن منه أنه مخطئ للنص كما لا يوصف من لم يبلغه شريعة النبى ﷺ بأنه قد أخطأها وأيضا فإن من طلب النص واستقصى في طلبه فلم يظفر به واجتهد فهو مصيب عندكم وإن طلب فقصر في الطلب فهو مخطئ في الاجتهاد فلا يستحق الأجر عند أحد فكيف يصح الحمل على هذا الموضع وأما الأجر الذى يستحقه إذا أخطأه فهو بقصده طلب الصواب باجتهاده فيؤجر بذلك وإن كان قد فاته المقصود وسبيل هذا سبيل رجل قصد مكة للحج فسلك بعض الطريق ثم انقطع فهو على ما قطعه من الطريق مأجور وإن كان بانقطاعه عن بلوغ بلوغ البت منقوصا كمن افتتح الصلاة ثم تبين أنه لم يكن على طهارة فإنه لم يكن مأجورا وإن لم يحصل الغرض له منها وكمن أخرج درهما ليتصدق به ففعل. ثم استحق فإنه يكون مأجورا على قصده التقرب به إلى الله تعالى وإن كان لم يحصل غرضه ومقصوده والمعتمد من الدليل الإجماع من الصحابة فإنهم اتفقوا على الاجتهاد في المسائل وأنكر بعضهم على البعض وخطأ بعضهم بعضا ونصوا على الخطأ في اجتهادهم فلو كان كل مجتهد مصيبا وكانوا يعتقدون ذلك لم يصح","vol":"2","page":313},{"text":"تخطئة بعضهم على بعض ولا إنكار بعضهم بعضا ولكان لا يجوز لبعضهم إذا بلغ إليهم قول البعض أن يخالفه لأنه حينئذ يكون مخالفا للحق والصواب.\nوبيان ما ادعيناه من أقوال الصحابة وقول أبى بكر ﵁: أقول في الكلالة برأيى فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان١.\nويدل عليه أن عمر رضى الله حكم بحكم. فقال رجل حضره: هذا والله الحق.\nثم حكم بحكم. آخر فقال الرجل: هذا والله الحق فقال عمر: إن عمر لا يعلم أنه أصاب الحق لكنه لا يألوا جهدا.\nوعن عمر ﵁ أنه قال: لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر فإن كان خطأ فمنه وإن كان صوابا فمن الله.\nوعن على ﵁ أنه قال في قصة المجهضة: إن كانوا لم يجتهدوا فقد غشوك وإن كانوا اجتهدوا فقد أخطأوا عليك وعلى قومك الدية.\nوقال ابن مسعود ﵁: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان٢.\nوقال عثمان ﵁ في امرأة أقرت بالزنا عند عمر ﵁: أراها تستهل كأنها لا تعلم وإنما الحد عن من علم فبين خطأه في اجتهاده.\nوعن على ﵁: أنه ندم على إحراق المرتدين لما بلغه قول ابن عباس ﵄: لا يعذب بالنار إلى ربها.\nوبلغ أيضا عليا تحكيم الحكمين فقال في ذلك شعرا:\nلقد عثرت عثرة لا أتحير ... سوف أكيس بعدها وأستمر\nوأجمع الرأى الشتيت المنتشر\nوقال عبيدة السلماني [فى مسألة بيع] ٣ أم الولد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة وهذا تعريض له أنه قد أخطأ.\nوروى أن عليا وزيدا وابن مسعودد خطأوا ابن عباس في ترك القول بالعول حتى قال ابن عباس: من شاء باهلته إن الذى أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في ماله\n_________\n١ أخرجه الدارمي: الفرائض \"٢/٤٦٢\" ح \"٢٩٧٢\".\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ كشط بالأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":314},{"text":"واحدا نصفا ونصفا وثلثا ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث.\nوروى عن ابن عباس أنه قال: ألا يتق الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابن ولا يجعل أب الأب أبا وهذا طريق المبالغة في التخطئة وليس على طريق أنه ترك التقوى فهذا إجماع منهم على أن جميع المجتهدين ليسوا بمصيبين وأن بعضهم مخطئ وبعضهم مصيب وليس لهم أن يقولوا: إن الصحابة إنما خطأ بعضهم بعضا لأنها جوزت أن يكون غيرهم قصروا في النظر ولم يبالغوا فيه ولهذا جوزوا الخطأ وقالوا ما قالوا هذا لا يصح لأن المخالف في هذه المسائل ابن عمر أن المختلفين فيها مصيبون ولا يفرقون بين هذه المسائل وبين سائر مسائل الاجتهاد ولا يجوز أن يقال: إنهم لم يقولوا ما قالوه عن اجتهاد والكلام فيما إذا قالوا ما قالوه عن اجتهاد لأن هذا إساءة الظن بالصحابة وحمل أمرهم على أنهم قالوا ما قالوه عن جزاف وتنجيم وهذا محال ولأنهم كانوا يؤبون إلى أماراتهم التي اعتمدوها في الدلالة على الأحكام.\nفإن قال قائل: إن المراد بالخطأ المذكور في هذه خطأ الأشبه ونحن نقول: يجوز خطأ الأشبه.\nوالجواب: إنما قلناه دليل قاطع على من قال: إن كل مجتهد مصيب للحق عند الله تعالى وأما القول بالأشبه فهو باطل وسنبين ذلك من بعد.\nوأما الذى قالوا: في حجتهم إن الصحابة كان يصوب بعضهم بعضا في الاجتهاد.\nقلنا: ليس كذلك بدليل ما بينا من قبل وليس نعلم أحدا منهم قال لصاحبه في اجتهاد وجد منه: أصبت في قولك.\nوقولهم: إنه بقى بينهم تعظيم بعضهم بعض.\nقلنا: إنما كان كذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن الخطأ خطأ مغفور أو جوزوا كونه صغيرة وبارتكاب الصغائر لا يذهب تعظيم بعضهم للبعض ثم نقول: قد تناظروا فيما بينهم ومنع بعضهم البعض من الذهاب إلى ما صار إليه بقول بليغ يشبه الإنكار الشديد وقد حكينا مثال هذا عن ابن عباس وقد روى عن على أنه قال في عبد الله ابن عباس حين بلغه أنه يخالفه في مسائل: إنه رجل نابه فثبت أن إجماع الصحابة معنا في هذه المسألة وهو دليل مقطوع به لا يجوز العدول عنه بحال ومما نقل عن الصحابة من تصويب بعضهم بعضا فيجوز أن يدعى ذلك في القراءات وفى الآراء وفى الحروب.","vol":"2","page":315},{"text":"أما في القرآن لأنهم اعتقدوا أن الكل بمنزلة من الله تعالى وأن الإنسان متخير في القراءة بأى آي شاء على ما ثبت عن النبى ﷺ أنه قال: \"نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف\" ١.\nفأما الآراء في الحروب فيجوز أن يقال: إنهم صوب بعضهم بعضا لأنهم ربما كانوا يعتقدون أن غيرهم أعلم بوجوب الحرب ومعرفة المكائد فيها أو كان يعتقد أنه كانت التجربة فيها بصاحبه أكثر منه وهذا غير مستنكر منهم.\nفأما تصويب بعضهم بعضا في الاجتهادات فلا يعرف ذلك بحال.\nواستدل الأصحاب أيضا وقالوا: إن القولين المتضادين في مسائل الاجتهاد كالتحليل والتحريم والإيجاب والإفساد لا يخلو إما أن يكونا صحيحين أو فاسدين أو أحدهما صحيحا والآخر فاسدا ولا يجوز أن يكونا فاسدين لأنه يؤدى إلى أن يكون الشئ الواحد حراما وحلالا صحيحا فاسدا وهذا محال فلم يبق إلا أن يقال: إن أحدهما صحيح والآخر فاسد وهذا الحقيقة وهو أن كل واحد من مسائل الاجتهاد إما أن يكون فيها أمارة هى أقوى من غيرها وإما أن يكون فيها أماراتان متكافئتان على قول من يجوز ذلك وإن كان فيها أمارة هي أقوى من غيرها فقد كلفت المجتهد إصابتها والظن لها والحكم بها فمتى عدل عنه فقد أخطأ وإن كانت فيه أماراتان متكافئتان فقد كلف إذا إصابة تكافئهما الظن لهما أو يحكم بالتخيير بين حكميهما فمتى عدل عن ذلك فقد أخطأ فلا بد من وجود الخطأ في كل واحد من الموضعين والدليل على أنه كلف إصابة الأمارة القوية من حيث غلبة الظن أو الإصابة لتساوى الأمارتين إن جاز تساويهما بأن المجتهد طالب وإنما هو طالب في هذا الموضع أمارة مقربة للظن ومعلوم أن المجتهد ليس يقصد باجتهاده الظفر بأضعف الأمارات ولا هو كلف ذلك فصح أنه كلف الظفر بأقواهما.\nفإن قيل: فهل يجوز أن تعتدل الأمارات عند المجتهد في المجتهد.\nقلنا: لا يجوز ذلك وإنما قلنا ما قلناه على التقدير ومذهب الفقهاء أنه لا يجوز اعتدال الأمارات بحال ولا بد أن يكون لإحدى الأمارتين ترجيح على الأخرى.\nوقد جوز أبو على وأبو هاشم ذلك.\n_________\n١ أخرجه النسائي: الافتتاح \"٢/١١٣\" \"باب جامع ما جاء في القرآن\" وأحمد: المسند \"٥/٥٢\" ح \"٢٠٤٥٠\".","vol":"2","page":316},{"text":"وندل في هذا الموضع على أنه يجوز. فنقول: لو تعادلت الأمارتان في القوة لم يكن الحكم لإحديهما أولى من الحكم بالأخرى وفى ذلك إثبات حكميهما.\nأما على الجمع فذلك غير ممكن وأما على التخيير فالأمة مجمعة على أن المكلفين غير متخيرين في مسائل الاجتهاد ولأنه لو تعادلت الأمارتان أدى إلى الشك في الحكم وذلك لا يجوز.\nوإنما قلنا: إنه يؤدى إلى الشك لأن الرجلين المتساويين في الصدق لو أخبرها أحدهما أن النبى ﷺ صلى في الكعبة وأخبر الآخر أنه صلى في الكعبة وأنه شاهده منذ دخلها إلى أن خرج منها وقد عرف أنه لم يدخلها إلا مرة واحده وأخبر الآخر انه رآه صلى فيها فإنها تشكك هل صلى فيها أو لم يصل فيها ولا يظن أحدهما ولا كل واحد منهما وإنما لا يظن أحدهما لأنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر وكيف يترجح ولا دلالة في الترجيح ولا يجوز أن يظن كلاهما لأن ذلك مستحيل فإنه يستحيل أنه صلى ولم يصل وإذا عرف هذا في هذه الصورة فهكذا تكون الأمارات المستنبطة.\nفإن قال قائل: هلا قلتم بالتخيير إذا تعادلت الأمارتان؟\nقلنا: التخيير بين النفى والإثبات لا يصح إلا على معنى الإباحة والإباحة حكم واحد فكيف يقال فيه: إنه مخير؟\nفإن قالوا: إن الإباحة هى التخيير بين الفعل والكف عنه على الإطلاق وأما في هذه المواضع فإنما يقال للمكلف: افعل إن اعتقدت كون الفعل مباحا ولا تفعله إن اعتقدت حظره.\nالجواب أنه يقال لهم أليس إن الاعتقاد بحظره وإباحته علم فلا بد أن يقال بلى فيقال له فما الطريق إلى كون ذلك علما فإن قالوا بثبوت الأماره أو الدلالة.\nقلنا: وفى كل واحد من القولين أمارة ودلالة فكيف يجوز أن يقال: إن الطريق له في العلم بالإباحة أمارة أو دلالة وأنتم تجوزون ألا يعتقد الإباحة ويعتقد الحظر.\nفإن قالوا: إن الطريق إلى العلم بالإباحة أو العلم بالحظر أن يختار المكلف اعتقاد أحدهما.\nقيل: اختيار الإنسان أن يعتقد شيئا ليس بدليل على صحة معتقده فيكون اعتقاده علما ولو جاز ذلك لجاز أن يختار الاعتقادات كلها باختيارنا علوما وكيف يجوز ذلك","vol":"2","page":317},{"text":"مع أن الإنسان قد يختار الصحيح كما يختار الفاسد وأيضا فحسن الاختيار للاختيار تابع الاعتقاد لأنه إنما يحسن أن يختار ما هو حسن في نفسه وحسن الاعتقاد تابع للمعتقد لأنه إنما يحسن أن يعتقد بما هو صحيح في نفسه فالاختيار تابع للمعتقد وهم عكسوا القصة فجعلوا الاعتقاد تابعا للاختيار وجعلوا صحة المعتقد تابعة للاعتقاد وهذا الذى ذكرناه يقتضى أن العامى إذا أفتاه مفتى بالحظر وأفتاه آخر بالإباحة.\nوقلنا: إنه يجب عليه أن يجتهد فيها فإنه إذا اجتهد فيها فلا بد أن يترجح عنده أحدهما على الآخر.\nفإن قال قائل: هلا قلتم أنه يصير الفعل مباحا إذا تساوت الأمارتان قلنا: لو وجعلناه مباحا لكنا قد عملنا على أمارة الإبحاة مع مساواة أمارة الحظر لها وليس يجوز ذلك لأنهما إذا تساويا وجب الشك والعمل في المسائل يتبع الظن لا الشك.\nفإن قال قائل: أليس إن الشافعى قال بالقولين في مسائل كثيرة وهذا يدل على أنه قد جوز اعتدال الأمارة عند المجتهد بحيث لا يكون لأحدهما ترجيح على ما بينا والكلام في القولين سيأتى من بعد ويتبين بهذا الذى قلنا أن الذى صار إليه أبو حنيفة من اعتقاد الشك في سؤر الحمار والبغل باطل وهو أن ما صار إلى ذلك بدعواه أنه اعتدلت الأمارات وهى موجبة للطهارة والنجاسة من غير ترجيح ونحن قد بينا أن الترجيح عند المجتهد لا بد منه وأن الاعتدال على وجه لا يكون ترجيحا ولا ترجيح يجوز إلى هذا الموضع إن جر الكلام في هذه المسألة رجعنا إلى تمام الكلام في مسألة المجتهدين واحتج الأصحاب أيضا وقالوا لو كان المجتهدين على اختلافهم مصيبين لم يكن في مناظرة بعضهم بعضا معنى لأن كل واحد منهم يعتقد أن الآخر أدى ما كلف وأصاب في فعله فما وجه مناظرته ونحن نعلم أن كل واحد يناظر صاحبة ليرده عن ما هو عليه فلو كان مصيبا لما كان له أن يقصد رده من الصواب وهم يقولون إنما يناظره ليريه أن أماراته أقوى من أمارته فهو يناظره ليريه ذلك وإن كان فرض غيره بما هو عليه فإذا بان له أن أمارة من ناظره أقوى من أمارته تغير فرضه وصارت مصلحته أن يحكم بالأمارة التي بانت له قوتها فإن قلتم: فما الفائدة؟ فيقال: الفائدة في ذلك أنه لا يمتنع أن يكون إذا تغير فرضه ولزمه أن يحكم بالأمارة التي بان له قوتها كان ثوابه على ذلك أكثر فكذلك يتناظر الجتهدان ولأجل إن هذه المناظرة","vol":"2","page":318},{"text":"غير راجعة إلا إلى هذه الفائدة لم تجب المناظره بل يندب المتناظران إلى ذلك فحسب.\nواحتج أبو زيد بهذا القول. وقال: إنه ممتنع في العقول لثبوته الحظر والإباحة والصوم والفطر حقين يلزم اعتقادهما في ساعة واحدة لأنه لا يمكن العمل بهما.\nألا ترى: أنه يمتنع ذلك في النصين فإن النصين إذا اختلفا وأباح أحدهما وحظر الآخر لم يجب العمل بهما بل يجب الوقفة إلى أن يظهر الرجحان لأحدهما ولأنه لو كان الحق حقوقا على ما قالوا لجاز للعامى الذى يعمل باتباع العلماء أن يختار من كل مذهب ما يهواه لنفسه كما أن الله تعالى لما أثبت الكفارة في باب اليمين أنواعا كان للعبد الخيار بينهما على ما يهواه بلا دليل من أباح هذا فقد شرع طريق الإباحة وبنى الدين على الهوى والله تعالى ما نهج الدين إلا على طريق غير الهوى من نص ثابت أو قياس شرعى على ما بينا وقرر هذا الكلام تقريرا طويلا والاعتماد على ما سبق من إجماع الصحابة والدليل الذى ذكرناه بذكر الحقيقة.\nفأما الجواب: قلنا: أما تعلقهم بالاية وما ذكر من أحوال الصحابة وتصويب بعضهم بعضا فقد سبق الجواب عنه.\nفأما قولهم: إنه لو كان الصواب في واحد من أقوال المجتهدين لوجب أن ينصب الله تعالى دليلا قاطعا عليه ليعدل إليه.\nقلنا: قد دلنا الله تعالى على الحكم الذى كلفناه بدلالة قاطعة لأن الله تعالى قد كلفنا العمل بأقوى العلل وأولاها وقد جعل لنا طريقا نقطع معه بان أحد الظنين أولى أن يعلق الحكم به وإنه إذا وجد في الأصل والفرع يلزمنا الحكم به في الفرع ونعنى بالدلالة القاطعة الدليل الذى ذكرناه في وجوب استعمال القياس وقد بينا وجوه التأثير من قبل.\nواعلم أنا إذا استنبطنا معنى من أصل وجدناه في الفرع يجب علينا أن يثبت مثل حكم الأصل في الفرع ونقطع أن الحكم في الفرع بهذه العلة لكن إذا ثبت أنه علة الأصل غير أنا لا نقطع بكونه علة الأصل وليس بممتنع أن يكون علمنا بكون العلة علة الحكم في الفرع يستند إلى ظننا أن العلة علة حكم الأصل لأنه لا يمتنع أن يقف العمل في الشئ على شرط مظنون كما علمنا لوجوب التحرير من مضرة مخصومة على الظن لنزولها بنا فيكون المعنى المستنبط علة الحكم ظنى وأما ثبوت","vol":"2","page":319},{"text":"الحكم في الفرع بذلك المعنى قطعى.\nوأما قولهم: لو كان على الصواب من الحق دليل من قبل الله تعالى لنقض الحكم ما عداه ولم يسع الفتوى.\nقلنا: ليس يجب هذا وليس مع الخصم إلا مجرد الدعوى.\nببينة: أن كثيرا من المجتهدين يستدل بالقرآن في مواضع وبالنصوص في مواضع ولا شك أنه الدليل ما عداه ومع ذلك لا يفسق تارك ذلك لأن كل واحد من المجتهدين يرجع إلى دليل عنده ويصير إلى تأويل لما يتعلق به من مخالفة لذلك في الأقيسة لما كان كل واحد من القائسين يصير إلى تأثير عند نفسه وهو في الأصل الذى يسنبط منه ظنى لم يفسق من يخالف ولم ينقض الحكم الصادر مما يخالفه وساغ الفتوى والحكم به لمن يظن أنه الحق.\nوأما قولهم: إن القول بتخطئة بعض المجتهدين وتصويب البعض يؤدى إلى اقسام كلها فاسدة.\nقلنا: لا يؤدى لأنا بينا أن على الحق دليلا منصوبا من قبل الله تعالى لكن إنما يوصل إليه بطريق ظنى فما يعود إلى معرفة علة الأصل في الظنيات ميل عظيم وكل واحد يظن غير ما يظن صاحبه وليس يستقر على شئ واحد فالشرع سامح في ذلك ولم يؤاخذنا بخطأ. بل أصاب بقصد طلب الحق وبذل الجهد منه عند نفسه وغفر له ماأخطأه وجعله من المعفو عنهم وأما في الأصول الدينية فلما كان الوصول إليها بالدلائل القطعية من كل وجه شدد الله تعالى في ذلك ولم يعذر بالخطأ وفسق بالخلاف تارة وكفر أخرى وعفى مرة ولم يعف أخرى فهذا هو الفرق بين مسائل الأصول بين مسائل الفروع وهو أيضا يبين وجه قولنا: إنه مع خطأه الصواب عند الله ﷿ مغفور له.\nوأما قولهم: إنما قلتم يؤدى إلى تكليفه ما ليس في الوسع.\nقلنا: ليس كذلك لأنا أمرناه بطلب الحق وقد يجوز أن يصيبه في الجملة وإذا لم يصب لا يكون عليه مؤاخذة ولا تبعة فأين قولهم: إنه تكليف لما لا يكون في وسعه.\nوأما تعلقهم بفصل القبلة.\nقلنا: نحن نقول: إنما يكون مصيبا إذا أصاب القبلة فأما إذا لم يصيب القبلة يكون مخطئا حقيقة ويلزمه إعادة الصلاة فإن قيل: إذا اجتهد أربعة أنفس في القبلة فأدى","vol":"2","page":320},{"text":"اجتهاد كل واحد منهم إلى جهة تخالف جهة صاحبه هل يصلون على ما أدى اجتهادهم إليه.\nفإن قلتم: يصلون فقد صوبتموهم وإن قلتم لا يصلون فهذا منع لهم من الاجتهاد وتعطيل لصلواتهم.\nوالجواب: أنا لا نستدل عليكم إلا بفصل القبلة فإن المجتهدين في القبلة مطلوبهم القبلة بعينها فكذلك يجب أن يكون مطلوب المجتهدين في الحوادث حكما معينا عند الله تعالى.\nببينة: أن المجتهد في القبلة يعلم أن القبلة عين من الأعيان يجوز أن يكون في الجهة التي يظن بأقوى الأمارات أن القبلة فيها ويجوز أن لا يكون فيها فيقولوا في حكم المسألة هو حكم معين عند الله تعالى يجوز أن يكون هو حكم أقوى الأمارات ويجوز أن يكون غيره.\nوما المسألة التي ذكرتموها. قلنا: إنما جازت صلاة هى واحد منهم في الحال لجواز أن يكون المصيب هو دون غيره لكن نقطع بإصابة بعضهم وخطأ البعض ولو تبين الخطأ فإنا لا نوجب الإعادة على المخطئ.\nواعلم أن الذين يقولون بإصابة المجتهدين كلهم على الإطلاق يزعمون أن الدليل ليس الظن المجتهد بأمارة وكلهم في هذا الظن واحد فيكون كلهم في الإصابة واحد.\nقال أبو هاشم: ليس على المجتهد إلا أن يحكم بما هو أولى عنده في ظنه وفى هذا المعنى لا يجوز تخطئة البعض وتصويب البعض ونحن نقول: إن الدليل هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول الثابتة بأحد هذه الدلائل والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ثم القياس دليل مستند إلى الكتاب والسنة ثم الظن الذى قالوه لا يجوز أن يكون مجرد الظن حجة لأن ذلك يوجد للعامى كما يوجد للعالم ولكن الحجة ظن بأمارة من كتاب أو سنة أو إجماع ويجوز أن يصيبه الواحد ولا يصيبه الواحد وهذا لأن العلل إنما تكون عللا صحيحة إذا كانت مؤثرة وقد بينا وجه التأثير وكيفيته ولا يتصور اعتدال المؤثرات على السواء بحيث لا يكون لجانب رجحان على الجانب وبينا أن اعتدال الأمارات والتأثيرات في حكمين مختلفين يؤدى إلى الحكم بالشك وهذ لا يجوز وإذا لم يكن","vol":"2","page":321},{"text":"بد من ترجيح إحدى الأمارتين على الأخرى ثبت أن القول بتصويب المجتهدين باطل وعندي أن هذا القول وهو القول بإصابة المجتهدين يؤدى إلى أن يعود على الإجماع بالخرق وعلى الأمة بالتخطئة لأن الاجتهاد شئ معهود من لدن أصحاب النبى ﷺ ورضى عنهم إلى أيامنا هذه وقد أجمعوا على تخطئة بعضهم بعضا ويرتقون عن هذه الدرجة وينسبون مخالفتهم إلى القول بالباطل واعتقاد غير الحق على الإطلاق من غير تحاش وامتناع وكذلك ما زال بعضهم يقيم على البعض الدليل ويدعوه إلى ترك قوله بقوله وإنما فعلوا ذلك لاعتقادهم بإصابتهم وخطأ صاحبتهم وظهر أيضا بين الأمة التفرق حتى انتسب كل طائفة إلى ما لا ينتسب لطائفة أخرى وادعى من إصابة الحق ما لم يعترف من إصابة صاحبه وهذا شئ مشهور لا يخفى على أحد هذا في جانب المجتهدين الطالبين الباحثين وإنما في جانب المطلوب وهو حكم الشارع في الحادثة.\nفنحن نعلم أيضا إذ اتدبرنا قانون الشريعة وأصولها وقواعدها أن الحق أيضا هو أن يكون الحكم في الحادثة واحدا وأنه أمر المجتهد بإصابته وطلبه وذلك لأنا نطلب الأحكام في الحوادث التي لم يرد فيها نص من الله ﷾ ورسوله ﷺ على منهاج الإحكام التي ورد فيها نصوص فإن موضع التعلق إما بالمعانى المؤثرة العالقة بالقلوب عند عرضها على الأصول أو الأشباه التي هى موافقة للأصول ملائمة لها ونحن نعلم قطعا أنه لا يوجد في الأحكام المنصوص عليها في الحوادث إلا القول الواحد في الحادثة ولم يعرف وجود حكمين مختلفين يتناولهما النص بحادثة ما من الحوادث بل النصوص في الكتاب والسنة تتناول الحكم الواحد في الحادثة الواحدة فينبغى أن يكون المطلوب على وفق ذلك في الحوادث التي لم يتناولها النص بل ينبغى أن يكون الحق ليكون حكم الحوادث المتفرعة عن الأصول على وفق أحكام الأصول وهذا هو الأولى. بحكمة الله تعالى أن يكون حكمه في الحادثة واحد غير مختلف وأن يجعل الناس في شرعه على السواء خصوصا في الزمان الواحد والشئ الواحد وهو الأولى أيضا عند إرادته ﷻ لتعريض العبد للثواب وابتلائه لطلبه لأن العبد إذا اعتقد أن كل مجتهد مصيب الحق عند الله تعالى للحقه الكلال والكسل في الطلب بل يتوانى ويقصر ويعتمد على أنه إن أصاب أو أصاب صاحبه فقد أصاب الحق. وإذا علم أن الحق واحد وأن الله ﷿ كلفه الإصابة ببذل مجهوده يتكلف ويتحمل كل كد وتعب في الطلب ليصيب الحق عند الله تعالى ثم يكون التوفيق والهداية له من الهوى على قدر سعيه وكده وبذله","vol":"2","page":322},{"text":"وجهده فثبت عند التقريرات أن اللائق منهج الشرع ومحاسن الدين ومسالك الحق أن يكون الحق على ما اخترناه.\nولقد تدبرت فرأيت أكثر من يقول بإصابة المجتهدين هم المتكلمون الذين ليس لهم في الفقه ومعرفة أحكام الشريعة كثير حظ ولم يقفوا على شرف هذا العلم وعلى منصبه في الدين ومرتبته في مسالك الكتاب والسنة وإنما نهاية رأس ما لهم المجادلات الوحشة وإلزام بعضهم بعضا في منصوبات وموضوعات اتفقوا عليها فيما بينهم فكل يلزم صاحبه طرد دعواه وعند عجزه يعتقد عجز صاحبه وفلح نفسه وقد رضى بهذا المقدار من غير أن يطلب النفائس أو تلج صدورا في إقامة دليل يفيد يقينا أو بصيرة وهذا هو أعم أحوالهم إلا في النازلات النادرة فنظر هؤلاء إلى الفقه ومعانيه بأفهام كليلة وعقول حسيرة فعدوا ذلك ظاهرا في الأمر ولم يعتقدوا لها كثير معانى يلزم الوجوب عليها.\nوقالوا: لم يكلف المجتهد إلا محض ظن يعثر عليه بنوع أمارة وليس يستقيم تكليفه سوى ذلك وليس هاهنا حق واحد مطلوب وربما عبروا عن ذلك فقالوا: إنما كلف المجتهد أن يعمل بحسب ظن الأمارة لا بحسب الدلالة وليس على أعيان الفروع أدلة أصلا وقالوا ليس مطلوب المجتهد إلا الظن للأمارة ليعمل على حسب ظنه وهذا الذى قالوه في غاية البعد وهو أن يكون مطلوب المجتهد مجرد ظن والظن قد يستوى فيه العالم والعامى وقد يكون بدليل وقد يكون لا بدليل فدل أن المطلوب حكم الله تعالى في الحادثة بالعلل المؤثرة والإشارة القوية ولابد من الترجيح لمعنى على معنى ولشبه على شبه وهذا إنما يقف عليه الراسخون من الفقهاء والذين عرفوا معانى الشرع وطلبوها بالجهد الشديد والكد العظيم حتى أصابوها فأما من ينظر إليه من بعد ويظنه سهلا من الأمر ولا يعرف إلا مجرد ظن يظنه الإنسان يعثر هذه العثرة العظيمة التي لا انتعاش عنها ويعتقد تصويب المجتهدين بمجرد ظنونهم فيؤدى قوله إلى اعتقاد الأقوال المتناقضة في أحكام الشرع وأن يكون الشئ حلالا وحراما واجبا مباحا صحيحا فاسدا موجودا معدوما في وقت واحد والكل عند الله تعالى صواب وحق ثم يؤدى قوله إلى خرق الإجماع. والخروج على الأمة وحمل أمرهم على الجهل وقلة العلم وترك الحفل١ والمبالاة بما نصبوا الأدلة لها وكدوا فيها وأسهروا لياليهم\n_________\n١ أي: الجماعة. انظر القاموس المحيط \"٣/٣٥٨\".","vol":"2","page":323},{"text":"وأتعبوا فكرهم واستخراجها وإظهار تأثيراتها لما ادعوها من العلل ثم كان نهاية وصولهم عند هؤلاء الجهلة أنهم وصلوا إلى مثل ما وصل إليه مخالفوهم وأن ذلك الذى وصلوا إليه حق عند الله تعالى وضده حق وقوله صواب وقول مخالفيه صواب فيكون سعيه وكده شبه ضائع وثمرته كلا ثمرة وفائدته كلا فائدة.\nوبطلان مثل هذا القول ظاهر ولعل حكايته تغنى كثيرا من العقلاء عن إقامة البرهان عليه.\nوأما أصحاب أبى حنيفة فقد قال من قال بتصويب المجتهدين فهم أن عند الله تعالى أشبه مطلوب وأن المجتهد يجتهد ليصيبه وأنه لو ورد النص من الله سبحانه في حكم الحادثة لكان النص على ذلك. ومن قال: هذا فقد قال: إن الحق واحد وما سواه ليس بحق وهذا هو الذى يطلبه ويقيم الدلالة عليه.\nفإن قالوا إن العبد لم يكلف إصابته.\nقلنا: إذا سلمتم أن الحق واحد وأن المجتهد طالب وقد كلف الطلب فلابد أن يكون كلف الحق وإصابته. وقد قال أصحابنا: إن الله تعالى قد كلف المجتهد إصابة الحق ونصب الدليل عليه إلا أن من أخطأ لا يأثم ولا يفسق لأن طريق التأثيم والتفسيق الشرع وقد جاء الشرع بإسقاط الإثم على المجتهد على ما سبق بيانه ويحتمل أيضا أن يكون أيضا أسقط عنهم المأثم لخفاء الأدلة وكثرة وجوه الشبه فتفضل الله تعالى ورحم المجتهدين بخفى لطفه وخفى صنعه وأزال عنه الإثم وأثابه على قصده واجتهاده.\nوقال الأصحاب فيما إذا حكم حاكم باجتهاده إنما لا ينقضه مجتهد آخر وإن كان عنده أنه أخطأ لأنا لو صرنا إلى ذلك أدى إلى أن لا يستقر حكمه في الشرع ولا يثبت ملك لأنه متى حكم حاكم بحق أو ملك يجئ آخر وينقض ذلك ثم بعد ذلك يجئ ثالث وينقضه هكذا أبدا وهذا في نهاية القبح والفساد. وقد قال الأصحاب أيضا: على قول من قال: إن العامى يقلد من شاء من العلماء فدل أن قولهم جميعا صواب وحتى قالوا: نحن لا نسوغ التقليد لمن خالف الحق بل نقول له قلد عالما بشرط أن يكون مصيبا كما نقول له قلد عالما بشرط أن لا تخالف النص على أن لو منعنا العامى أن يقلد إلا من معه الصواب لم يجد إلى معرفة ذلك سبيلا إلا بعد أن يتعلم الفقه وفى إيجاب ذلك على كل واحدة مشقة وحرج عظيم وفساد مصاح يرجع إلى أحوالهم فسومح العامى وأمر","vol":"2","page":324},{"text":"بتقليد الأوثق عنده في نفسه وقد سمعت بعضهم يقول: إن المجتهد إذا بذل وسعه وأدى اجتهاده إلى شيء يلزمه الأخذ بذلك وإذا ترك ذم وعيب على تركه ولولا أنه قد أصاب الحق لم يلحقه ذم وعيب وقال هذا القائل أيضا: إن أدلة الأحكام في الغالب تقع متكافئة وليس فيها ما يقتضى قطعا وكل واحد من الخصمين يمكنه أن يبين تأثير مثل ما يبينه صاحبه أو يبين قوة شبهته على حسب ما بينه صاحبه فلا يظهر لأحدهما مزية على الآخر وكذلك في تأويل الظواهر من الآيات والسنة فإنه يمكن كل واحد من المستدلين أن يؤول ما تعلق به صاحبه قبل ما يؤول صاحبه ما يتعلق هو به فلا يظهر لأحدهما على الآخر رجحان ومزية. ونحن نقول على الأول إنما يلزمه حقيقة ما يؤدى إليه اجتهاده بشرط صحته وسلامته عما يبطله فإن بان خلافه لم يجز الاعتقاد بكون ما أدى إليه اجتهاده حقا وهذا كما أنه إذا اجتهد يعتقد أنه مصيب للحق بشرط أن لا يكون مخالفا للنص فإذا ظهر أنه مخالف لنص كتاب أو سنة فإنه لا يجوز له أن يعتقد ما أداه إليه اجتهاده وعلى أن الذى قالوه دليل عليهم لأنه متى أدى اجتهاده إلى شئ يلزمه أن يعتقده ولا يجوز أن يعتقد خلافه ولو كان ما يؤدى إليه اجتهاده حقا وثوابا جاز له ترك ما أدى إليه اجتهاده إلى ما أدى إليه اجتهاد صاحبه ألا ترى أن في كفارة اليمين لما كان كل الأنواع مأمورا به وكفارة عند الله تعالى تخير المكفر وكان له أن يكفر بأيهما شاء وأما كلامه الثانى فباطل أيضا لأنه إذا اجتهد المجتهدان فلا بد أن يكون لأحدهما ترجيح على صاحبه بوجه ما إما في التأثير وإما في الشبه وكذلك في الظواهر ولهذا إذا تناظر الخصمان بان أن أحدهما أظهر حجة من صاحبه وقلما تخلوا مناظرة من ذلك ويعرف ذلك من يعتقد تصويب المجتهدين كما يعرف ذلك من لا يعتقد وعلى أن هذا الذى قالوه لو كان دليلا على تصويب المجتهدين في الفروع لكان في الأصول كذلك وذلك مثل الأشعرية والمعتزلة إذا تكلموا في تخليد الفساق أو تكلموا في الصفات أو تكلموا في القدر وفى جواز الرؤية على الله تعالى فيوجد من كل واحد أيضا ما يوجد لصاحبه وإنما يفترق الخصمان على التكافئ والتساوي في التأويلات وإيراد الأدلة والشبه ومع ذلك لا يدل ذلك على أن الجميع حق والكل صواب والاعتماد على الجواب الأول.","vol":"2","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>باب اختلاف القولين</span>\nوحين ذكرنا اختلاف الثانى من أقوال المجتهدين وأردنا حجة كل فريق على الإشباع والتمام وذكرنا الصحيح من ذلك فلا بد من ذكر القولين المنسوبين إلى الشافعى ﵀ في المسائل وبيان الكلام فيه ووجه ذلك في الموضع الذى يصح وبيان ما لايصح من ذلك.\nاعلم أن الأقاويل المتناقضة لا يجوز أن يعتقدها أحد من الناس نحو أن يعتقد أن فعلا حرام عليه ثم يعتقد أن ذلك الفعل بعينه على شرطه وجهته جائز له.\nويجوز اعتقاد وجوب أحد الفعلين عل البدل والتخيير مثل ما يعتقد من عليه كفارة اليمين أنه يجب التكفير عليه بأحد الأشياء الثلاثة.\nويجوز أيضا في فعلين وإن كانا ضدين كما يجوز أن يعتقد أن عليه الخروج الواحد من أحد هذه الأبواب أو عليه الصلاة الواحدة في أحد هذه الأماكن أو على المرأة أن تعتد بالأطهار أو بالحيض.\nواعلم أن القول المختلف في الحادثة الواحدة على ضربين ضرب لا يسوغ فيه الاختلاف وضرب يسوغ فيه الاختلاف.\nفأما الضرب الذى لا يسوغ فيه الاختلاف كأصول الديانات من التوحيد وصفات البارى عز اسمه وهى تكون على وجه واحد لا يجوز فيها الاختلاف وكذلك في فروع الديانات التي يعلم وجوبها بدليل مقطوع به مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج وكذلك المناهى الثابته بدليل مقطوع به فلا يجوز اختلاف القول في شئ من ذلك.\nفأما الذى يسوغ ففيه الاختلاف وهى فروع الديانات إذا استخرجت أحكامها بأمارات الاجتهاد ومعانى الاستنباط فاختلاف العلماء فيه مسوغ ولكل واحد منهم أن يعمل فيه مما يؤدى إليه اجتهاده فأما قول العالم الواحد فيه بقولين مختلفين فلم يعلم قبل الشافعى رحمه الله تعالى من قال بذلك تصريحا وهو ﵀ قد ابتكر هذه العباره وذكرها في كتبه وقد أنكر ذلك كثير من مخالفيه ونسبوه إلى الخطأ في ذلك وقالوا هذا دليل على نقصان الآلة وقلة المعرفة حين لم يعرف الحق من أحد القولين فاحتاج إلى تخريج المسألة على قولين وأيضا فإنه خرق الإجماع فإنه لم يتقدم أحد يقول بقولين فى","vol":"2","page":326},{"text":"مسألة واحدة في حالة واحدة وإنما كانوا من استقر له [حق أثر] ١ ذكره أو خفى عليه فأمسك عنه وأيضا فإن اعتقاد قولين مختلفين مناقضة ويمتنع أن يكون بالشئ الواحد حلالا وحراما ويمتنع أن يكون العقد الواحد صحيحا وفاسدا أو يكون الشئ الواحد مثبتا منفيا.\nقالوا: وأما الروايتان عن أبي حنيفة ومالك فذلك في حالتين مختلفتين والمجتهد قد يجتهد في وقت فيؤدى اجتهاده إلى شئ ثم يجتهد في وقت آخر فيؤدى اجتهاده إلى خلافه إلا أن الثانى يكون رجوعا عن الأول ويكون الذي استقر عليه قول المجتهد هو الثانى وإن كان فتوى أو قضاء فيكون على ما قال عمر ﵁ ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضى وإنما المستنكر اعتقاد قولين مختلفين في وقت واحد في حادثة واحدة فهذا طعن المخالفين في القولين وقد صنف بعضهم في ذلك تصنيفا مفردا ورأيت لأبى عبد الله البصرى الملقب يجعل في هذا الكتاب مفردا بل صنفه المعروف بالصاحب وهو إسماعيل بن عباد وإذا عرفت هذا فنقول: قد قسموا ما نسبوا إلى الشافعى ﵀ من القولين أقساما وسنذكر تلك الأقسام حين نبين أن الذى قاله الشافعى ليس بموضع الإنكار والذى هو موضع الإنكار فإنه لا يقول به وهذا شئ ورد على طريق النقل فإن شيوخ المذهب أعلم بهذا من غيرهم.\nوقال القاضي أبو الحسن الماوردى هو على أربعة عشر قسما:\nأحدها: أن يقيد جوابه في موضع ويطلق في موضع آخر مثل قوله في أقل الحيض أنه يوم وليلة٢ وقال في موضع آخر: أقله يوم يريد به مع ليلة وهذا معهود في كلام العرب من وجهين جاء القرآن بهما:\nأحدهما: حمل المطلق على المقيد في جنسه لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال في موضع آخر: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يحمل المطلق من الشهادة على ما فيه بها.\nوالثاني: إطلاق ذكر الأيام يقتضى إضافة الليالى إليها كما قال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] والمراد مع الليالى فعلى هذين أحد القولين يخرج من جملة الاعتراض ولا نقول أن له في المسألة قولين ومن قال أبلغ فيه\n_________\n١ هكذا ثبت في الأصل \"جوائر\" ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ انظر روضة الطالبين \"١/١٣٤\".","vol":"2","page":327},{"text":"قولين فقد وهم:\nوالقسم الثاني: ما اختلف فيه ألفاظه مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف معانيها من وجه فغلب بعض أصحابنا حكمها في الاختلاف ولم يغلب حكمها في الاتفاق فخرج حكم المسألة على قولين مثل قوله في المظاهر إذا منع الجماع أحببت أن يمنع القبلة والتلذذ وقال في القديم: رأيت أن يمنع القبلة والتلذذ١ وهى لفظة محتملة فيحتمل أن تحمل على الاستحباب والإيجاب فكان حملنا على ما صرح به من الاستحباب أولى من حملها على ما يجوز أن يحتمله من الإيجاب لأنه غير مذكور فإن توسع بعض الأصحاب وعدل باللفظ إلى ما يذكره في موضع الذى حمله على إيجاب الاجتناب بوجه الاعتراض عليه لكن بلا معترض على الشافعى فإن الشافعى له قول واحد والمحتمل محمول على غير المحتمل.\nوالقسم الثالث: ما اختلف قوله فيه لاختلاف حاله فينزل به بعض أصحابه عن اختلاف الحاليين إلى اختلاف القولين.\nومثاله: في الصداق إذا قدر في السر بتقدير وذكر أكثر منه في العلانية قال في موضع: الصداق صداق السر وقال في موضع الصداق صداق العلانية وليس ذلك منه لاختلاف قولين وإما هو لاختلاف حالين. فإن اختلف العقد بصداق السر فهو المستحق ويكون صداق العلانية تحملا وإن افترق العقد بصداق العلانية وهو المستحق ويكون صداق السر موعدا.\nفإن قيل: فيستعمل هذا في كل ما يمكن من اختلاف القولين أو لا؟\nقلنا يعتبر ذلك أصول مذهبه ويوجد ذلك على ثلاثة أضرب:\nأحدها: أن يقتضى أصول مذهبه حكمها على اختلاف حالين فيحمل على اختلاف حالين ولا يحمل على اختلاف قولين.\nوالضرب الثاني: يمنع أصول مذهبه من حملها على اختلاف حالين فيحمل على اختلاف قولين على ما سبق صحته.\nوالضرب الثالث: أن تتقابل أصول مذهبه في أمرين فمن أصحابه من غلب حمله.\n_________\n١ قال الإمام النووي \"تكره القبلة لمن حركت شهوته ولا يأمن على نفسه وهي كراهة تحريم على الأصح والثاني: كراهة تنزيه ولا تكره لغيره ولكن الأولى تركها\" انظر روضة الطالبين \"٢/٣٦٢\".","vol":"2","page":328},{"text":"على اختلاف حالين ومن أصحابه من غلب على اختلاف قولين والأول أولى لأن ما أمكن حمله على الوفاق كان أولى من حمله على الخلاف.\nوالقسم الرابع: ما اختلف قوله فيه لاختلاف القراءة أو لاختلاف الرواية باختلاف القراءة مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ لمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فقرئ \"أو لامستم النساء\" و\"لامستم\" يوجب الوضوء على الملامس والملموس ولمستم يوجب على اللامس دون الملموس١. واختلاف الرواية كالمروي عن رسول الله ﷺ في بيان المواقيت أنه صلى العشاء الآخرة في اليوم الثاني حين ذهب من الليل نصفه وفى رواية أخرى: حين ذهب الليل ثلثه٢ فلأجل اختلاف الرواية واختلاف القراءة اختلف قوله ولا يتوجه عليه في مثل هذا إنكار لأن اختلاف الدليل أوجب اختلاف المدلول فإن ترجح عنده إحدى القراءتين أو إحدى الروايتين كان مذهبه ما ترجح وإن لم يترجح أحدهما كان الترجيح مذهبا لمن ترجح عنده ولم يكن مذهبا للإمام الشافعى لأنه لم يترجح عنده ولا يجوز أن يضاف إليه مذهب هو عنده مجهول وإن كان عند غيره معلوما.\nوأما القسم الخامس: فهو ما اختلف قوله فيه لأنه عمل على أحد القولين بظاهر من كتاب الله تعالى ثم بلغته مسألة ثابته نقلته عن الظاهر إلى قول آخر كقول الله تعالى في صيام المتمتع: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فأخذ بظاهره وأوجب صيامها في أيام التشريق لأنها الظاهر من أيام الحج ثم روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن صيامها٣ فعدل بهذه الرواية عما عمله به من ظاهر الكتاب وأوجب صيامها بعد إحرامه. وقيل: يوم عرفة اتباعا للسنة.\n_________\n١ قال الشيخ النووي \"لمس بشرة امرأة مشتهاة فإن لمس شعرا أو سنا أو ظفرا وعضوا مبانا من امرأة أو بشرة صغيرة لم تبلغ حد الشهوة لم ينتقض وضوءه على الأصح وإن لمس محرما بنسب أو رضاع أو مصاهرة لم ينقص على الأظهر وإن لمس ميتة أو عجوزا لا تشتهي أو عضوا أشل أو زائدا أو لمس بغيره شهوة أو عن غير قصد انتقض على الصحيح في جميع ذلك وينتقض وضوء الملموس على الأظهر والمرأة كالرجل في انتقاض طهرها بلمسها من الرجل ما ينقضه منها ولنا وجه شاذ أنها لاتزال نلموسة فإذا لمست رجلا كان في انتقاضها القولان وليس بشيء انظر روضة الطالبين \"٢/٧٤، ٩٥\".\n٢ أخرجه مسلم: المساجد \"١/٤٢٨\" ح \"١٧٦/٦١٣\" والترمذي: الصلاة \"١/٢٨٦\" ح \"١٥٢\".\n٣ أخرجه مسلم: الصيام \"٢/٨٠٠\" ح \"١٤٤/١١٤١\" وأبو داود: الصوم \"٢/٣٣٢\" ح \"٢٤١٩\" والترمذي: الصوم \"٣/١٣٤\" ح \"٧٧٣\".","vol":"2","page":329},{"text":"ومثل هذا قال في الصلاة الوسطى ولا إنكار عليه في هذا العدول لأنه في الحالتين عمل بدليل صار الثانى منهما أولى من الأول ويكون مذهبه هو القول الثانى دون الأول وكان القول الأول مذهبا له قبل الثانى فصار كالمنسوخ بالثانى وعلى هذا نظائر كثيرة في مثل هذين القولين والمذهب في الكل هو الثاني.\nوالقسم السادس: ما اختلف فيه قوله لأنه عمل بالقياس ثم بلغته سنته لم تثبت عند تخالف موجب القياس فجعل مذهبه من بعد ذكر السنة موقوفا على ثبوتها كالذى جاءت به السنة: من الصيام عن الميت١ والغسل من غسل الميت. رويا له من طريقين ضعيفين فقال بموجب القياس في أن الصيام على الميت ولا غسل من غسله ثم ذكر ما روى في السنة فقال: إن صح الحديث قلت به وأظهر موجب القياس وأوجب العدول عنه إن صح الحديث وقد قال كل قول قلته فثبت عن النبى ﷺ خلافه فأنا أول راجع عما قلته وقائل بموجب الحديث وهذا مما يجب إظهار الاختلاف فيه وإن نقول بالسنة إن ثبتت وبالقياس إن لم يثبت ويكون ومذهبه في الحالتين ما يوجبه القياس دون السنة فإن ثبت ففى أى وقت ثبت يكون مذهبا له.\nوالقسم السابع: أن يذكر القولين لإبطال ما عداها من أقاويل كثيرة قد ذهب إليها المجتهدون أو يكون مذهبه موقوفا على ما يؤدى إليه اجتهاده من صحة أحدهما وإن لم يكن قائلا بهما في الحال ومثل هذا قد جابه الشرع والعمل:\nأما الشرع فقول النبى ﷺ في ليلة القدر: \"التمسوها في العشر الأواخر في رمضان\" ٢ فنفى أن يكون في غير العشر الأواخر من رمضان وجعل غير الليلة موقوفة على الاجتهاد في العشر الأواخر كأنها إذا اجتهد في الكل أصابها.\nوأما العمل المأثور ما عمله عمر بن الخطاب ﵁ في أهل الشورى فجعل الإمامة في ستة نفر ونفى بذلك طلب الإمامة من غيرهم وجعلها موقوفة على ما يؤدى إليه الاجتهاد منهم وهذا شئ انعقد إجماعهم وكان الشافعى ﵀ مقتديا بالشرع من الرسول ﷺ والعمل من الصحابة في مثله فلم يمتنع أن يبطل بالقولين ما عداهما ليكون الاجتهاد مقصورا عليهما ولا يعدوهما.\n_________\n١ أخرجه البخاري: الصوم \"٤/٢٢٧\" ح \"١٩٥٣\" ومسلم: الصيام \"٢/٨٠٤\" ح \"١٥٥/١١٤٨\".\n٢ أخرجه البخاري: ليلة القدر \"٤/٣٠١\" ح \"٢٠١٦\" ومسلم: الصيام \"٢/٨٢٦\" ح \"٢١٦/١١٦٧\".","vol":"2","page":330},{"text":"والقسم الثامن: أن يقصد بالقولين إبطال ما توسط منهما ويكون مذهبه منهما ما حكم به وفرع عليه مثل قوله في وضع الحوائج وقد قيدها مالك بوضع الثلث فقال الشافعى ليس إلا واحد من القولين إما أن يوضع جميعها أو لا يوضع شئ منها ومثل قوله في الجارية الموصى بها إذا ولدت أو وهب لها مال بعد موت الموصى قبل قبول الموصى له أنه لما جعل بعض العلماء ولدها وبعض ما وهب لها لورثة الموصى وبعضها الموصى له قال: ليس إلا واحد من القولين إما أن ملكها الموصى له بالموت فيكون قبل ذلك بحدوثه على ملكه وإما أن يملك بالقول فيكون كل ذلك للورثة بحدوثه على ملكهم وليس لتبعيضه وجه وهذا تحقيق يبطل به ما خالف القولين وليس فيها تغيير لأحد القولين وإن كل الحق لا يخرج لأحدهما فإن اقترن ما يدل على اختياره كان هو المذهب المضاف إليه دون الآخر وإن تجرد عن قرينه لم يضف إليه واحد من القولين وإن علم أن الحق لا يخرج منها لعدم ما عداهما.\nوالقسم التاسع: أن يذكر قولين مختلفين في مسألتين منفضتين فيذكر أحد القولين في إحدى المسألتين ويذكر القول الآخر في المسألة الثانية فيخرجها أصحابه على قوله وهذا على الإطلاق غلط لأنه إذا كان بين المسألتين فرق من وجه امتنع أن يكون قوله في واحدة من المسألتين إلا ما نص عليه فيها سواء ذكر الفرق أو لم يذكر وتخريجها على قولين خطأ وإن لم يكن بينهما فرق لم يخل قولان له من أن يكون في وقت أو في وقتين فإن كان في وقتين كان كما قال في مسألة بقول ثم قال بعده فيها بقول آخر فيكون على ما سنذكره وإن كان قال لها في وقت فيكون على ما نذكره في مسألة واحدة بقولين في حالة واحدة.\nوالقسم العاشر: ما اختلف قوله فيه لأنه أداه اجتهاده إلى أحدهما وقال إنما أداه اجتهاده إلى القول الآخر فعدل إليه وهذا غير مستنكر في الصحابة ومن بعدهم من علماء الأمصار لأنه أدل على مداومة الاجتهاد وإمعان النظر هذا عمر بن الخطاب ﵁ اختلف قوله في ميراث الأخوة مع الجد فأسقطهم في أول قولهم وأشركهم معه في آخره وحكم في المشركة في العام الأول بالتشريك وفى العام الثانى بإسقاط التشريك وقال تلك على ما قضينا وهذا على ما نقضى واختلف قول على بن أبى طالب ﵁ في ميراث الجد على أقاويل.\nوقال في بيع أمهات الأولاد اجتمع رأيه ورأى أبى بكر وعمر ﵃ على","vol":"2","page":331},{"text":"تحريم بيعهن وقد رأيت بيعهن جائز وليس أحد من الأئمة وجلة العلماء إلا وقد اختلفت الرواية عنه في كثير من أحكام الشرع فسماه أصحابهم روايات وسماه أصحاب الشافعى أقاويل وإذا كان كذلك فمذهبه القول الثانى لعدوله إليه ولا يرسل القولين إلا بعد التقييد بالجديد أو القديم والثانى يكون هو المذهب دون الأول.\nوالقسم الحادي عشر: أن يكون قال في المسألة بقول في موضع وقال فيها بقول آخر في موضع آخر فيخرجها أصحابه على قولين وهذا وإن كان في النقل صحيحا فهو في إضافتهما إليه على التساوى غلط وينظر في اختلاف القولين فإنهما على ضربين:\nأحدهما: أن يتقدم أحدهما على الآخر فيكون كأنه قال بأحدهما ثم رجع عنه إلى الآخر فيكون على ما ذكرناه من قب. ل\nوالضرب الثاني: أن يشكل المتقدم منهما من المتأخر فلا يجوز أن يضافا إليه معا لأنه لم يقل بهما في حالة واحدة فإن كانت أصول مذهبه توافق أحدهما فقد اقترن بنصه عليه دليل من مذهبه فكان هو المذهب المضاف إليه وإن لم يكن في أصول مذهبه موافقة أحدهما فإن تكرر منه ذكر أحد القولين وفرع عليه دون الآخر فالذى عليه المزنى وطائفة من أصحاب الشافعى ﵀ أنه المتكرر وذا التفريع هو مذهبه دون الآخر لترجيحه له على الآخر وإن استويا صار مذهبه فيهما مشتبها. فإذا قلنا: إن ألحق واحد من أقوال المجتهدين على ما هو المشهور عنه لم يجز أن يضاف إليه القولان لتنافيهما ولم يجز أن يضاف إليه أحدهما لأنه لم يتعين ويقال قد أشكل مذهبه في أحد القولين وإن لم يخرج عن أحدهما. وأما إذا أضيف إليه أن كل مجتهد مصيب جاز أن يضاف إلى مذهبه القولان على الانفراد بأحدهما دون الجمع بينهما ولم يجز أن ينفى عنه أحدهما لأنه قائل بما أضيف إليه غير عادل عما نفى عنه.\nوالقسم الثاني عشر: أن يذكر القولين حكاية عن مذهبه غيره ولا يوجب حكايته لهما أن يكون قولين لأن الحاكى يخبر عن معتقده غيره فلم يجز أن يضاف حاكيته إليه أنه يعتقده وهذا كمن حكى الكفر لا يصير كافرا ومن نقل الخلاف لا يكون مخالفا فإن أشار إليهما بالإنكار كان الحق عنده في غيرهما وإن أشار إليهما بالجواز جاز أن يكون الحق عنده فيها وفى غيرها وإن أشار إليها بالاختيار كان الحق عنده فيها ولم يكون في غيرها.\nوالقسم الثالث عشر: أن يذكر القولين معتقدا لأحدهما وزاجرا بالآخر كما فعل في","vol":"2","page":332},{"text":"قضاء القاضى بعلمه وفى تضمين الأجير المشترك فإن مذهبه أن للقاضى أن يحكم بعلمه١ وأن لا ضمان على الأجير٢. لكن ذكر الآخر زاجرا ومرهبا وقد قال الشافعى رحمة الله عليه بعد ذكر القولين فيهما ولولا خوفى ميل القضاة وخيانة الأجراء لجعلت للقاضى أن يحكم بعلمه وأسقط الضمان عن الأجير. فعلل منع القاضى بميله وضمان الأجير بخيانته فدل أن مذهبه فيمن لم يمل من القضاة جواز حكمه بعلمه وفيمن لم يخن من الأجراء سقوط الضمان عنه وإذا صح هذا فيمن أمن ميله وخيانته ثبت حكمه فيمن خيف ميله وخيانته لعموم الحكم في الجميع ولا عيب على الشافعى بمثل هذا لأن من كان ترغيما في الدين فحقيق أن يكون زاجرا.\nواعلم أن جميع هذه الأقسام لا يتوجه عليها المنكر القولين اعتراض بما أوضحناه في كل قسم منه.\nوالقسم الرابع عشر: وهو المختص باعتراض منكر القولين وهو أن نقول في المسألة الواحدة في الحالة الواحدة بقولين مختلفين مجمع فيهما بين قولين متضادين فيحكم بحلية الشئ في أحدهما وتحريمه في الآخر ويوجب الشئ في أحدهما ويسقطه في الآخر فهذا على ضربين أحدهما أن يميز أحد القولين بما ينبه على اختياره. والثاني: أن يطلق ولا يميز فإن ميز أحدهما بما ينبه على اختياره فهو ثلاثة أضرب:\nأحدها: أن يرجح أحدهما فيقول: وبه أقول أو يقول: وهذا مما أستخير الله تعالى فيه أو يقول هذا أصح أو هو أشبه فيكون مذهبه منهما هو القول الذى أشار إلى ترجيحه.\nوالضرب الثاني: أن يفرع على أحدهما أو يكرر ذكره ولا يكرر ذكر الآخر فقد جعل بعض أصحابنا دليلا على الترجيح وبعض أصحابنا لم يجعله دليلا على الترجيح.\nوالضرب الثالث: أن يعمل بأحدهما دون الآخر فيكون عمله بذلك دليلا على أنه القول المختار. وأما الضرب الثاني: فهو إذا جمع بين القولين وأطلقهما ولم يميز أحدهما باختيار ولا ترجيح فهذا على ثلاثة أضرب:\nأحدها: أن يتوقف في القولين المتعارضين لاحتمال الأدلة وتعارضهما ويعلم أن الحق\n_________\n١ انظر روضة الطالبين \"١١/١٥٦\".\n٢ انظر روضة الطالبين \"٥/٢٨٨\".","vol":"2","page":333},{"text":"فى أحدهما ولم يتعين له فجمع بينهما وتوقف فيهما وأبطل بهما ما عداهما وجعل الاجتهاد مقصورا عليهما ليستوضح الحق في أحدهما بمراجعة الاجتهاد فيهما وليس بمستنكر عند العلماء التوقف عند الأشباه وهذا رسول الله ﷺ توقف في اللعان وغيره حتى نزل القرآن وعن النبى ﷺ أنه قال: \"المؤمن وقاف\" وهذا أدل على الورع وأبلغ في النظر ولا إنكار في مثل هذا إذا تجاذبت الأصول وتعارضت الأدلة ويكون القصد بذكر القولين في الحال بيان أن لكل واحد منها وجها في أحدهما الاجتهاد ويكون القصد أيضا إبطال ما عداهما ويكون من بينة إعادة الاجتهاد عند الفتيا والحكم به.\nوالضرب الثانى: أن يجمع بينهما في القول لتردد الفرع بين أصلين يحله أحدهما ويحرمه الآخر أو يوجبه أحدهما ويسقطه الآخر فيجمع بينهما في رد الفرع إليهما فيجعله حراما وحلالا واجبا ساقطا وهذا مستحيل أن يكون قائلا به. ومن المستحيل أن يجمع بين ضدين حسا فيستحيل أن يجمع بينهما حكما وهذا لا يقول به الشافعى ولا أحد من الأئمة.\nوالضرب الثالث: أن يجمع بين القولين على التخيير في أحدهما دون الجمع بينهما لتردد الفرع بين أصلين يحله أحدهما ويحرمه الآخر ويوجبه أحدهما ويسقطه الآخر فتخير في رده إلى أى الأصلين شاء لتساوى الشبه فيهما وتعارض الأدلة. وقيل: إن مثل هذا لا يوجد للشافعى ﵀ إلا في سبعة عشر مسألة.\nوقد أنكر أصحاب أبى حنيفه هذا. قالوا: لا يجوز أن يعتمد الفرع في الشبه بين أصلين متجاذبين وقالوا إنما يستحيل في الشرع التخيير بين حكمين متناقضين.\nوأما عندنا فهو جائز وهو قول كثير من المتكلمين وإنما جاز التخيير بينهما على وجه البدل دون الجمع لأمرين:\nأحدهما: أنه لا يمتنع اعتدال الفرع في الشبه بين أصلين متجاذبين لوجود ذلك عيانا كما لا يمتنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة ثم كان لا يمتنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة ثم كان لا يمتنع اعتدال جهتين في القبلة في التخيير في الصلاة إلى أيهما شاء أجماعا وكذلك جاز مثل هذا اعتدال فروع بين أصلين في تخيير رده إلى أيهما شاء.\nوالثانى: أن القياس طريق إلى الأحكام كالنصوص فلا جاز ورود النص بالتخيير في الكفارة جاز أيضا أن يكون القياس موجبا للتخيير كالنص وليس بمستحيل في الشرع ورود النص بالتخيير بين حكمين متنافيين كما تخير المسافر بين الصوم والفطر زمن الإتمام","vol":"2","page":334},{"text":"والقصر وتخيير العبد بين الجمعة والظهر.\nواعلم أن هذا الذى يقوله هذا القائل إنما يصح عند اعتقاد الإنسان جواز تكافؤ الأدلة واعتقاد إصابة المجتهدين ونحن قد بينا أن واحدا منهما لا يصح والأولى أن يقال: إن الشافعى لم يذكر القولين في هذا المعنى أيضا على معنى أنه معتقد لهما أو مخبر وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل كلا القولين ولم يترجح عنده بعد أحدهما فذكرهما لينظر فيهما ويختار بينهما الصواب فأدركه الموت قبل البيان وليس في هذا عيب على المجتهد بل هو دليل على غزارة علم المجتهد وكمال فضله وشدة توقيه فإن طلبوا الفائدة من ذكر القولين.\nقلنا: قد بينا من قبل فائدة ذكر القولين وهذا الذى قلناه هو المختار وهو الأولى وعليه الاعتماد وإذا استقررنا على هذا سقط طعن الطاعن وعنت المتعنت والله الهادى إلى الصواب والمرشد فيه بمنه وطوله.\n\"فصل\"\nونذكر في هذا الموضع مواضع اختلف فيها الأصحاب فيما يرجع إلى إثبات القولين أو إثبات قول واحد إذا ذكر في القديم قولا ثم ذكر في الجديد قولا بمذهبه الثانى والأول مرجوع عنه. ومن أصحابنا من قال لا يكون رجوعا عن الأول حتى يصرح بالرجوع عنه.\nوالصحيح: هو الأول وهو مثل ما لو وجد من صاحب الشرع قولان مختلفان في وقتين مختلفين في حادثة واحدة فإنه يكون الثانى نسخا للأول كذلك هاهنا يكون القول الثانى رجوعا عن الأول.\nموضع آخر: إذا نص الشافعى ﵀ في مسألتين على قولين ثم أعاد المسألتين وذكر فيهما أحد القولين كان ذلك اختيارا للقول المعاد وكذلك إذا فرع على أحد القولين كان ذلك اختيار للقول الذى فرع عليه وهو قول المزنى. ومن أصحابنا من قال: لا يكون ذلك دليلا على الاختيار.\nوالصحيح: هو الأول لأنه لما أعاد أحد القولين أو فرع عليه فالظاهر أن مذهبه هو ذلك لأنه لو كان مقيما على القولين لأعادهما وفرع عليهما جميعا فلما أفرد أحدهما","vol":"2","page":335},{"text":"بالإعادة والتفريع دل أنه هو الذى يذهب إليه ويختاره.\nموضع آخر: إذا نص في مسألتين على حكم ونص في غيرهما على حكم آخر وأمكن الفصل بين المسألتين لم ينقل جواب إحديهما على الأخرى بل يحمل كل واحد على ظاهره.\nومن أصحابنا من قال: ينقل الجواب إلى الآخر وتكون المسألتان على قولين.\nالصحيح: هو الأول لأن القول إنما يجوز أن يضاف إلى الإنسان وإذا قال أو دل عليه بما يجرى مجرى القول وأما الذى لم يقله ولم يدل عليه فلا يجوز أن ينسب إليه لأن إذا كان صاحب المذهب قد نص على المخالفة فكيف يجوز الجمع بين ما خالف فيه بل ينبغى أن يفرق إذا أمكن الفرق ولا يخترع له قول لم يقل به.\nموضع آخر: لا يجوز أن ينسب إلى الشافعى ﵀ ما يخرج عنه قوله فيجعل قولا له.\nومن أصحابنا من قال: يجوز ذلك.\nوالصحيح: هو الأول كما ذكرناه في الفصل الأول.\nفإن قيل: أليس ينسب إلى الله تعالى والرسول ﷺ ما يقتضيه قياس قولهما فكذلك يثبت إلى صاحب المذهب ما يقتضيه قياس مذهبه قوله؟\nالجواب: أن ما دل عليه القياس في الشرع لا يجوز أن يقال إنه قول الله ولا قول رسوله وإنما يقال هذا من الله ومن رسوله بمعنى أن الله تعالى دل عليه وكذلك رسوله ومثل هذا لا يصح في قول الشافعى فسقط ما قالوه.\nموضع آخر: إذا قال الشافعى في موضع بقول ثم قال: ولو قال قائل كذا كان مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولا به له وقال بعض أصحابنا يجعل ذلك قولا له.\nوالصحيح: هو الأول لأن قوله: فلو قال قائل كان مذهبا ليس فيه دليل على أن ذلك مذهب بل هو إخبار عن احتمال المسألة وجها من وجوه الاجتهاد فلا يجوز أن ينسب إليه قول بهذا القدر فهذه المواضع لا بد من معرفتها لمن يريد أن يقف على مذهب الشافعي.","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>فصل: فى الوجوه النى يجوز معها تخريج المذهب:</span>\nاعلم أن مذهب الإنسان هو اعتقاده فمتى ظننا أن اعتقاد الإنسان أو عرفناه ضرورة أو بدليل مجمل أو مفصل قلنا: إنه مذهبه ومتى لم نظن ذلك ولم نعلمه لم نقل إنه مذهبه ويدل الإنسان على مذهبه في المسألة بوجوه.\nمنها: أن يحكم في المسألة بعينها بحكم معين.\nومنها: أن تأتى بلفظ عام يشمل تلك المسألة وغيرها فيقول الشافعى ﵀ الكل جائزا وغير جائز.\nومنها: أن يعلم أنه لا يفرق بين المسألتين وينص على حكم أحدهما فيعلم أن حكم الآخر عند ذلك الحكم مثل أن يقول الشفعة لجار الدار فنعلم أن جار الدكان مثل جار الدار.\nومنها: أن يعلل الحكم بعلة توجد في عدة مسائل فنعلم أن مذهبه شمول ذلك الحكم فتلك المسائل سواء قال بتخصيص العلة أو لم يقل أما إذا لم يقل بتخصيص العلة فلا يشكل ذلك وأما من قال بتخصيص العلة فإنما يقول بتخصيص العلة إذا دل على تخصيصها دلالة كالعموم وكما أن الكلام العام يدل على مذهبه فكذلك تعليله وأما إذا نص العالم في مسألة على حكم وكانت المسألة تشبه مسألة أخرى شبها يجوز أن يذهب على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز أن يقال: قوله في هذه المسألة هو قوله في المسألة الأخرى لأنه قد لا تخطر المسألأة بباله ولم ينبه على حكمها لفظا ولا معنى ولا يمتنع لو خطر بباله لصار فيها إلى الاجتهاد الآخر وهذا قد سبق بيانه من قبل.\nمسألة\nومما يتصل بباب الاجتهاد مسألة اختلفوا فيها وهى أنه هل يجوز أن يقال للرسول أو للعالم احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فقد منع من ذلك كثير من الناس وأجازه آخرون على العموم وذهب إليه يونس بن عمران وقال بعضهم: يجوز للنبى ﷺ على الخصوص ولا يجوز لغيره وهذا هو المختار وقد ذكر الشافعى في كتاب الرسالة ما","vol":"2","page":337},{"text":"يدل على هذا واستدل من منع ذلك وقال: إن الشرائع إنما تعبد الله تعالى بها لكونها مصالح.\nوالإنسان قد يختار الصلاح وقد يختار الفساد فلو أباح الله سبحانه للمكلف أن يحكم بما اختاره المكلف لكان قد أباحه الحكم مما لا نأمن كونه فسادا واستدل من جوز ذلك بأنه إذا جوز أن يفوض الله تعالى إلى المكلف أن يختار واحدة من الكفالات جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام بحسب اختياره ولأنه إذا جاز أن يتعبد الله تعالى العامى ليختار العمل على فتوى واحد من الفقهاء ويتعين ذلك باختياره جاز مثل ذلك في أصل التعبد ولأنه إذا جاز أن يكلف الله من الإنسان العمل على الأمارات مع أنها قد تخطئ جاز أن يكلف الإنسان أيضا العمل على اختياره وإن كان الإنسان قد يختار الصواب كما يختار غير الصواب. وأما من قال: يجوز للأنبياء ولا يجوز لغيرهم فاستدل على ذلك بالوجود وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] ولأن السنة مضافة إلى النبى ﷺ وحقيقة الإضافة تقتضى أنها من قبله ولأن النبى ﷺ قال في مكة: \"لا يختلا خلاها ولا يعضد شجرها\" قال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لقبورها وأفنيتها. قال: \"إلا الإذخر\" ١ ولأن النبى ﷺ سئل عن الحج فقيل: أحجتنا هذه لعامنا أم للأبد فقال: \"للأبد ولو قلت لعامنا لوجب -يعنى في كل سنة- وما استطعتم\" ٢ ولأن النبى ﷺ قال: \"ولولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" ٣ ويدل عليه قوله ﵇: \"عفوت عن أمتى صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر\" ٤ قالوا: ولأنه روى أن موسى ﵇ أثبت الأحكام كلها من جهته إلا تسع آيات أنزلها الله تعالى والأولى أن يتعلق في هذه المسألة بوجود وجوب الأشياء عن اختيار من الموجب وقد تحقق هذا من جانب الرسول ﷺ.\nفأما في حق غيره فلم يوجد وهذا لأن الرسول ﷺ كان معصوما من الخطأ فيجوز أن يقال: له احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب وهذا لا يوجد في حق غيره فلم يامن خطأه ولأن الله تعالى قد قال:\n_________\n١ أخرجه البخاري: الصيد \"٤/٥٥\" ح \"١٨٣٣\" ومسلم: الحج \"٢/٩٨٦\" ح \"٤٤٥/١٣٥٣\".\n٢ أخرجه البخاري: العمرة \"٣/٧٠٩\" ح \"١٧٨٥\" ومسلم: الحج \"٢/٨٨٣\" ح \"١٤١/١٢١٦\".\n٣ أخرجه البخاري: الجمعة \"٢/٥٣٤\" ح \"٨٨٧\" ومسلم: الطهارة \"١/٢٢٠\" ح \"٤٢/٢٥٢\".\n٤ أخرجه أبو داود: الزكاة \"٢/١٠٣\" ح \"١٥٧٤\" والترمذي: \"٣/٧\" ح \"٦٢٠\" والنسائي: الزكاة \"٥/٢٦\" \"باب زكاة الزرق\" انظر نصب الراية \"٢/٣٥٦\".","vol":"2","page":338},{"text":"﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وقال في موضع: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يقل إلى اختيار الرجال. وأما مسألة الكفارات فالإيجاب قد كان من قبل الله تعالى فإنه قد أوجب واحدة من الكفارات على العبد وإنما يختار واجبا لا أنه يجب باختياره عليه شئ وكذلك في العامى إذا استفتى فإنما وجد منه مجرد اختيار فواجب لأنه قد وجب على العامى الرجوع إلى العالم في الأحكام. وأما هاهنا الكلام فيما ذكرناه وهو أنه يوجب باختياره فإن قال قائل: أليس من نذر شيئا فقد أوجب على نفسه باختياره. قلنا: ليس هذا من مسألتنا في شئ لأن مسألتنا هى أن يحكم بشئ ابتداء في شئ من غير دليل يرجع إليه فيوجبه على نفسه أو غيره أو يحرمه على نفسه أو غيره فيثبت شرعا مبتدأ يرجع إليه تماما النذر فأما النذر فمن باب الالتزامات وهو عقد مشروع من قبل الله تعالى للعباد يعقدونها أو يلتزمونها مثل سائر العقود وليس شرع مبتدأ من قبل العبد واعلم أن هذه المسألة أوردها متكلموا الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء وليس فيها كثير فائدة لأن هذا في غير الأنبياء لم يوجد ولا يوجد توهمه في المستقبل فأما في حق النبى ﷺ فقد وجد فقلنا على ما وجد وهذا القدر كاف في هذه المسألة والله أعلم.\nولما تم ما أوردناه من الكلام في الاجتهاد وذكرنا صفة المجتهد والمختار مما ينبغى أن يعتقد في أقوال المجتهدين فيكون الكلام بعد هذا في التقليد وما يتصل به وسنذكر من بعد ذلك ما يقع الحاجة إليه.","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>التقليد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>مدخل</span>\n...\n[التقليد]\nالتقليد: قبول قول المرء في الدين بغير دليل وحده بعضهم بأنه العمل على قولين من غير علم١ بصحته ولا نظر في الطريق إلى معرفته والأول حد الفقهاء ويقال إن التقليد مأخوذ من تصيير الشئ قلادة في عنق من ينسب إليه٢ أو أخذ عنه ومن التقليد ما يجوز ومنه ما لا يجوز فأما اتباع الرسول ﷺ والتسليم لحكمه فواجب ولا نقول إنه تقليد بل هو اتباع محض وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ولأن الدلائل قد قامت في أن قوله حجة فلا يكون قبول قوله قبول قول في الدين من قائله بلا حجة وقد قال الشافعى ﵀ في بعض المواضع: فلا يجوز تقليد أحد سوى الرسول ﷺ وهذا مذكور على طريق التوسع لا على طريق الحقيقة.\nوقال بعضهم: إن رجوع العامى إلى قول العالم ليس بتقليد أيضا٣ لأنه لا بد له من نوع اجتهاد فلا يكون تقليدا حتى لو اعترض إنسانا من غير أن يجتهد في طلب الأعلم فسأله لم يجز على الأصح بل لا بد أن يتوخى الأفضل والأشهر عند الناس في درجة العلم والأوثق عند نفسه منهم فيصير الاجتهاد في اختيار أعيان العلماء كاجتهاد العالم في اختيار أعيان الأقاويل وعلى أنا إن سمينا ذلك من العامى تقليدا فلا بأس ولعله الأولى لأنه لا يعرف حجة ما يصير إليه ويقبله فيوجد فيه حد التقليد وهو قبول القول من قائله بغير حجة.\nوأما تقليد الأمة إذا قالت قولا عن إطباق وإجماع فهو حجة لا يجوز مخالفتها لقيام الدليل أنها لا تجتمع إلا على حق وإذا أفتى العالم واحدا من العامة في الحادثة تنزل به جاز تقليده والأخذ به٤ لأن العامة لو كلفوا الاجتهاد والاستدلال لكان فرض طلب\n_________\n١ عرفه الآمدي بأنه: العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة انظر إحكام الأحكام \"٤/٢٩٧\".\nوعرفه ابن السبكي: أخذ القول من غير معرفة دليله انظر جمع الجوامع ومعه حاشية الجلال \"٢/٣٩٢\" وعرفه الغزالي بأنه: قبول قول بلا حجة المستصفى \"٢/٣٨٧\".\n٢ انظر إحكام الأحكام \"٤/٢٩٧\".\n٣ عزاه إمام الحرمين والآمدي إلى القاضي. انظر البرهان \"٢/١٣٥٨\" إحكام الأحكام \"٤/٢٩٧\".\n٤ ذكره الأسنوي في مسألة أن من لم يبلغ رتبة الاجتهاد هل يجوز له الاستفتاء ثلاثة مذاهب: =","vol":"2","page":340},{"text":"العلم على وجه يصير به الإنسان عالما مجتهدا فرضا على الأعيان ولو كان كذلك لبطل معايش الناس ولأضر بهم ذلك ضررا بينا ولحقتهم المشقة التي لا يمكن احتمالها وقد دفع الله مثل هذا عن الأمة ووضع الإصر عنهم ولم يحملهم ما ليس لهم وسع في تحملها رحمة من الله تعالى ولطف فعله بهم وإذا لم يجب عليهم ما ذكرناه بقى فرضهم الأخذ بقول غيرهم وتقليدهم وهذا التقليد في الفروع جائز.\nوأما قبول خبر الواحد إذا كان ظاهر العدالة فعمل يكون تقليدا اختلف أصحابنا فيه سماه بعضهم تقليدا وامتنع بعضهم من ذلك١ وهو الأولى لأنه لا يقع التسليم لقوله إلا بعد الاجتهاد في عدالته فصار قوله مقبولا بدليل والتقليد قبول قول الغير من غير دليل فلم يكن هذا من باب التقليد والله أعلم.\n_________\n= الأول: أصحها عند البيضاوي وعند الإمام وأتباعهما يجوز مطلقا بل يجب.\nالثاني: لا بل يجب عليه أن يقف على الحكم بطريقه وإليه ذهب المعتزلة البغدادية.\nالثال: قال به الجبائي يجوز ذلك في المسائل الاجتهادية.\nانظر نهاية السول \"٤/٥٨٦، ٥٨٧\" سلم الوصول \"٤/٥٨٦، ٥٨٧\" جمع الجوامع ومعه حاشية الجلال \"٢/٣٨٩\" إحكام الأحكام \"٤/٢٠٩\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٤٩، ٢٥٠\".\n١ انظر نهاية السول \"٤/٦٣٠، ٦٣١\" سلم الوصول \"٤/٦٣٠، ٦٣١\" البرهان \"٢/١٣٥٨، ١٣٥٩\".","vol":"2","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>مسألة: لا يجوز للعالم أن يقلد العالم:</span>\nومن الناس من قال: إنه جائز وهو قول أحمد وإسحاق وعن محمد بن الحسن قال: يجوز له تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله٢ وهذا الذى قلناه يستوى فيه\n_________\n٢ اعلم أن الأصوليين اختلفوا في هذه المسألة على أقوال كثيرة:\nالأول: لا يجوز مطلقا وهو المختار للبيضاوي.\nالثاني: يجوز مطلقا وهو المعروف عند الإمام أحمد بن حنبل.\nالثالث: يجوز فيما يخص المجتهد من الأحكام ولا يجوز فيما يفتى به غيره.\nالرابع: يجوز إذا خاف فوات الوقت ولا يجوز إذا لم يخف فواته -وذلك فيما يخصه لا فيما يفتى به غيره.\nالخامس: يجوز إذا كان المفتى أعلم منه ولا يجوز إذا كان مساويا له أو أقل منه وهو مذهب محمد بن الحسن.\nالسادس: يجوز تقليد غيره -إذا كان الغير صاحبيا أرجح في نظره من غيره ولا يجوز تقليد =","vol":"2","page":341},{"text":"العالم من الصحابة وغير الصحابة وقد فرق بعضهم بين الصحابة وغير الصحابة. وقد قال الشافعى ﵀ في القديم: يجوز تقليد الصحابي فيما لم يجعله له غيره فيه وإن لم يظهر قوله ولم ينتشر.\nوقال في الجديد: لا يجوز وقد ذكرنا هذا من قبل وقال بعضهم: يجوز تقليد الخلفاء الأربعة دون غيرهم. وقال بعضهم: يجوز تقليد أبى بكر وعمر ﵄ دون غيرهما١. وقد ورد من الأخبار ما يدل على كل واحد من هذين القولين. قال النبى ﷺ في خبر: \"عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" ٢. وقال ﵇: \"اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر\" ٣.\nونتكلم في المسألة على الإطلاق فنقول: احتج من جوز للعالم تقليد العالم بظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] قالوا: فإذا حدثت الحادثة ولم يكن عند الفقيه علم بها جازت له المسألة عنها وقبول قول العالم فيها لظاهر هذه الآية لأن العامة إنما يجوز لهم تقليد العلماء لأنهم لما يعرفون أحكام الحوادث فكذلك العلماء إذا أشكل عليهم العلم فيها نزلوا بمنزلة العوام في هذه المسألة واستووا في جواز التقليد لهم واستوى الفريقين في عدم العلم بها. قالوا: ولأن الاجتهاد يجب في فروض الكفاية فجاز أن يتكل فيه البعض على البعض كالجهاد فإنه لما كان من فروض الكفاية جاز أن يتكل فيه البعض على البعض كذلك هاهنا وقد تعلق بعض أصحاب أبى حنيفة في هذه المسألة بقصة الشورى فإن عبد الرحمن بن عوف دعا عليا إلى تقليد أبى بكر وعمر فلم يجب إلى ذلك فأما عثمان فإنه أجاب. فدل هذا من قول\n_________\n= غيره -ونقل ذلك عن الشافعي.\nالسابع: يجوز تقليد الصحابة والتابعين ولا يجوز تقليد غيرهم.\nالثامن: يجوز تقليد الأعلم بشرط تعذر الاجتهاد -وهو منقول عن ابن سريج.\nانظر نهاية السول \"٤/٥٨٩، ٥٩٠، ٥٩١\" سلم الوصول \"٤/٥٨٩، ٥٩٠، ٥٩١\" إحكام الأحكام \"٤/٢٠٩\" جمع الجوامع مع حاشية الجلال \"٢/٣٩٥\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٥٢\".\n١ تم تخريج هذه المسائل سابقا.\n٢ أخرجه أبو داود: السنة \"٤/٢٠٠\" ح \"٤٦٠٧\" والترمذي: العلم \"٥/٤٤\" ح \"٢٦٧٦\" وقال: حسن صحيح. وابن ماجه: المقدمة: \"١/١٥\" ح \"٤٢\" وأحمد: المسند \"٤/١٥٦\" ح \"١٧١٤٩\" انظر التلخيص \"٤/٢٠٩\" ح \"١٤\".\n٣ تقدم تخريجه.","vol":"2","page":342},{"text":"عثمان وعبد الرحمن بن عوف أنه يجوز للعالم تقليد العالم. وقال بعضهم في تقليد الأعلم أن ألعلم له مزية لكثرة علمه وحسن معرفته لطريق الاجتهاد.\nوأما الاجتهاد فالإنسان نفسه له مزية من وجه آخر وهو أنه على ثقة وإحاطة من جهة الدليل وما يقتضى الحكم وليس على ثقة من اجتهاد الأعلم وإذا اجتمعا تساويا فيخير بينهما. وقالوا أيضا: إن العالم يقول ما يقول عن دليل وحجة في هذا الموضع أطلق له ذلك كذلك في الصورة الأولى.\nوأما دليلنا قوله ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فأمر عند وقوع الاختلاف برد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة فوجب بحق الظاهر أن لا يرد إلى غيرهما من أقاويل الصحابة والعلماء ويدل عليه أيضا إجماع الصحابة فإنهم اختلفوا في مسائل كثيرة وتناظروا واجتهدوا ولم يعلم عن أحد منهم أنه قلد غيره أو دعا أحدا إلى تقليد نفسه وخالف أبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عباس في مسألة فتحاكما إلى أم سلمه ولم يقل له ابن عباس لا يسوغ لك مخالفتى لأنى صحابى وانت تابع لى فتقليدك لى واجب عليك فثبت أن من جوز التقليد مع إطباق الصحابة على المنع منه فقد خالف الإجماع ويدل عليه أن الله تعالى ذم التقليد وعابه فقال تعالى حكاية عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وهذا لحقيقة وهو أن قبول قول الغير في الحكم من غير حجة مع تمكن معرفة الحكم بحجة لا يجوز لأن التقليد مذموم شرعا وعقلا.\nأما الشرع فقد بينا. وأما العقل فلأنه إذا أمكن في نفسه تقليد غيره فليس قول واحد أولى من قبول قول غيره إلا أنا إنما جوزنا للعامى لأجل حاجة إلى التقليد فإنه لا يمكنه أن يصل إلى معرفة الحكم بالحجة فجوز له التقليد ضرورة وهذا لا يوجد في حق العالم فلم يجز له التقليد لما بينا من قبل وأما الذى تعلقوا به من قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فهو في العوام الذين لا يعرفون الدليل أو عو فيمن لا يعرف نصوص الكتاب والسنة فيرجع إلى من يعرفها وعلى هذا الجواب يخرج إن تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فالمراد من ذلك إنذار العوام أو تبليغ الكتاب إلى من لم يبلغه وإنما تقليد العوام العلماء فإنما جاز لأنا لو أوجبنا عليهم معرفة الأحكام والدلائل بالحجج لاشتدت المحنة عليهم وعظمت البلوى فيهم فإنا إذا ألزمنا الكافة النظر","vol":"2","page":343},{"text":"في الدليل أدى إلى مفسدة راجعة إلى كافة الناس لأنه لا يكون منهم من يقوم بأمر مصالح دنياهم وما يقوم به معايشهم ويفسد نظام الأحوال في الأفعال والأعمال وعلى أنا لا نخليه من نوع اجتهاد نوجبه عليه وهو بقدر طاقته واتساع باعه له هو أن يختار من أعيان العلماء أعلمهم عنده وأوثقهم في نفسه فيرجع إلى قوله ويقلده أمر دينه فليكن العالم كذلك وهو أنه يتكلف ما يطيقه ويتسع له علمه وهو مطلق للاجتهاد ومتسع علمه لذلك فلا يجوز له تركه كالعامى الذى يقدر أن يتخير من العلماء فيقلد الأعلم في نفسه والأوثق في علمه فإنه لا يجوز له ترك ذلك. وأما اعتبارهم الاجتهاد بالاجتهاد فقد أجاب بعض أصحابنا عن ذلك وقال: من سهل عليه تناول الأدلة وقرب مواضعها من فهمه فهو بمنزلة من حضر العدو وقرب مواضعه منه فلا يجوز له الاتكال على غيره في الجهاد.\nوأما العامى الذى تغيب عنه الأدلة فلا يعرف وجوه الاستدلال فهو يمنزلة من بعدت المسافة بينه وبين عدوه ولحقته المشقة في قطعها إليه ومن كان بهذه الصفة لا يجب عليه الجهاد فقد استوى الجانبان من حيث المعنى.\nوأما الذى تعلقوا به من قصة الشورى فهو محمول على أنه دعاه إلى سيرتهما والسياسة والرأى في الأمور وضبط الشرعية ومجاهدة الأعداء والقيام بالآيات١ الثابتة ويجوز أيضا أنه دعاه إلى سنتهما في ما عملا به ولم يظهر لهما مخالف فصار ذلك بمنزلة الإجماع.\nوأما الذى قال: إن الأعلم لاجتهاده مزية ولهذا أيضا مزية فخير بينهما. قلنا العالم والعالم وإن اختلفا في غزارة العلم وعدم غزارة العلم ولكن غزارة علم صاحبه لا تفيده علما بلا دليل والواجب هو العلم بالدليل إذا تمكن من الدليل ولأن التقليد من عمل الجهلة والاجتهاد من عمل العلماء فلا يجوز أن يترك عمل العلماء وهو علم إلى علم الجهال. وقوله: إنه يعرف أن ذلك العالم يقول ما يقوله عن دليل. قلنا: وإن كان كذلك ولكن دليله عند صاحبه لا يفيده دليلا في نفسه.\nواعلم أن أصحاب أبى حنيفة يفرقون بين العالم والعامى فيقولون: إن العامى يجب\n_________\n١ ثبت في الأصل [بالانات] ولعل الصواب [بالآيات] أو [بالأباب] . قال في القاموس: هو في أبابه: أي في جهازه وأب به قصد قصده وأب: هزم بحملة لا مكتوبة فيها. والشيء حركه. انظر القاموس المحيط \"١/٣٥\".","vol":"2","page":344},{"text":"عليه التقليد والعالم يجوز له التقليد ولا يجب عليه لكن غذا اشتبه عليه الدليل يجوز له التقليد لأنه في هذه الحالة يحتاج إلى التقليد مثل العامى وهذا ليس بشئ لأن معه آلة الاجتهاد فلا يعذر بالأشتباه.","vol":"2","page":345},{"text":"مسألة١: إذا نزلت بالعالم نازلة وخاف فوت وقتها لم يجز له تقليد غيره.\nوقال أبو العباس بن سريج: يجوز لأنه في هذه النازلة بمنزلة العامى من حيث إنه لا يتوصل إلى معرفة حكمها بالإجتهاد ولأنه مضطر إلى التقليد فإنه إذا اجتهد فاتته العبادة عن وقتها فجاز له التقليد كالعامى أيضا وأما نحن فنقول: إن معه آلة الاجتهاد فلا يجوز له التقليد كما لو كان الوقت واسعا.\nبينة: أنه لو جاز له التقليد إذا خاف فوت الوقت لجاز وإن لم يخف كالعامى والحرف أن الفرض لا يتبدل لخوف الفوت وعدم الخوف وقوله إنه كالعامى في هذه النازلة قد بينا الفرق.\nوقوله: إن به ضرورة. قلنا: ليس كذلك لأنه إن كان ذلك الشئ مما يجوز تأخيره للغذ يكون اشتباه الحادثة عذرا له في التأخير إن كان مما لا يجوز غيره أداءه على حسب حالة ثم يعيده فلا ضرورة في التقليد له.\nواعلم: أن العامى يجوز له تقليد العالم في جميع الأحكام الشرعية.\nوقال أبو على الجبائى: لا يجوز له فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد وقال: ما طريقه مقطوع به يصير مثل العقليات.\nوأما عندنا: يجوز في الكل لأنه المعنى الذى لأجله يسوغ له التقليد في مسائل الاجتهاد موجود في غيرها يدل عليه: أنه إذا أمر العامى بمعرفة الدليل وترك التقليد أدى إلى مفسدة عظيمة تعود عليهم وتشتد البلوى والمحنة بهم على ماذكرنا من قبل وقد ذكرنا من قبل أنه لا يقلد العامى إلا بعد أن يجتهد في أعيان الفقهاء وقد ذكر هذا أبو العباس بن سريج والقفال.\nوقد ذكر بعض أصحابنا أنه يجوز له تقليد من شاء من العلماء من غير أن يجتهد في أعيانهم٢ وزعم أن في تكليفه الاجتهاد في الأحكام مشقة.\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ انظر البرهان \"٢/١٣٤١\" انظر نهاية السول \"٤/٦٠٩\" سلم الوصول \"٤/٦٠٩\".","vol":"2","page":345},{"text":"ونحن نقول: إنه ليس عليه في هذا كثير مشقة ولا ينقطع بإيجابه عليه عن سائر مصالحه في أمر معايشه وأسبابه ويحصل له بذلك نوع ظن فإذا كان يحصل له ذلك من غير مشقة فيجئ عليه تحصيله كما يجئ على الإمام الاجتهاد في سائر الحوادث والنوازل.\nوعندي: أن هذا أولى والله أعلم.","vol":"2","page":346},{"text":"مسألة١: وأما الكلام في مسائل الأصول:\nفقد ذهب جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء أنه لا يجوز للعامى التقليد فيها ولا بد أن يعرف ما يعرفه بالدليل وقالوا: العقائد الأصولية عقلية والناس جميعا مشتركون في العقل ولأن العلم بها واجب والعلم لا يحصل للمقلد بتقليد غيره ولأن الدلائل على الأصول ظاهرة وليست غامضة فتكليف العامى ليعرف الأصول بدلائلها لا يؤدى إلى الحرج الشديد فيسقط عنهم لذلك.\nواعلم أن أكثر الفقهاء على خلاف هذا وقالوا: لا يجوز أن نكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها٢؛ لأن في ذلك المشقة العظيمة والبلوى الشديدة وهى في الغموض والخفاء أشد من الدلائل الفقهية في الفروع ولهذا خفى على كثير من العقلاء مع شدة عنايتهم في ذلك واهتمامهم العظيم فصارت دلائل الأصول مثل دلائل الفروع ولأنا نحكم بإيمان العامة ونقطع أنهم لا يعرفون الدلائل ولا طرقها وإنما شأنهم التقليد والاتباع المحض وإنما طريقهم أخذ شيئين في التقليد أحدهما أنهم عرفوا أن العلماء قد قالوا ما قالوا عن حجة ودليل فيكون اتباعهم لأقوال العلماء اعتقادا عن دليل بهذا الوجه.\nوأما لأن العوام يعلمون أن العلماء يقولون ما يقولون عن النبى ﷺ وقد عرفوا إقامة النبى ﷺ من المعجزات ما يعجز عنه البشر وتحقق في قلوبهم ثبوته بهذا الطريق وأنه يقول ما يقوله عن الله ﷿ فحصلت عقائدهم عن علم ودليل قام لهم فيها بهذا الوجه.\nوأما إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن اصواب ومتى أوجبنا ذلك متى يوجد في العوام يعرف ذلك وتصدر عقيدته عنه بل يكون أكثر العوام\n_________\n١ بياض في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ انظر نهاية السول \"٤/٥٩٦\" انظر إحكام الأحكام \"٤/٣٠٠\".","vol":"2","page":346},{"text":"بحيث لو عرض عليهم تلك الدلائل لم يفهموها أصلا فضلا من أن يصيروا أصحاب دلائل ويقفوا على العقائد بالطرق البرهانية وإنما غاية العامى هو أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى زنة١ من العلماء ويتبعهم في ذلك ويقلدهم ثم يسلمون عليها بقلوب سليمة طاهرة عن الأدغال والأهوال ثم يعضون عليها بالنواجذ فلا يحولون ولا يزودون ولو قطعوا إربا فهنيئا لهم السلامة والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام والورطات التي تورطوا فيها حتى أدت بهم إلى المهاوى والمهالك ودخلت عليها الشبهات العظيمة وصاروا في الآخرة متحيدين عمين ولهذا لا يوجد منهم متورع متعفف إلا القليل لأنهم أعرضوا عن ورع اللسان وأرسلوا بما في صفات الله تعالى بجرأة عظيمة وعدم مهابة وحرمة ففاتهم ورع سائر الجوارح. وذهب ذلك عنهم بذهاب ورع اللسان والإنسان كالبنيان يشد بعضه بعضا وإذا خرب جانب منه تداعى سائر جوانبه للخراب ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية بل يدعون لأنفسهم مثل ذلك الدليل سواء وغاية الواحد منهم في الفلح والعلو على صاحبه بزيادة الحذق في طريقة الجدل وبينهم أوضاع يناظرون عليها ويطالبون الخصم بطردها فإذا لم يفوا بطردها سموها انقطاعا وعجزا وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به برد اليقين ويزداد به مشقة فيما يعتقده وطمأنينة وأنما ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذى اعتقدوه وساموا جميع المسلمون سلوك طريقة وزعموا أنه من لم يفعل ذلك فلم يعرف الله تعالى. ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع وهذا هو الخطر الشقاء والداء العضال وإذا كان السواد الأعظم هو العوام وبهم قوام الدين وعليهم مدار رحى الإسلام ولعله لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة الألف والمائتين الألف ممن يقوموا بالشرائط التي يعتبرونها إلا الفذ الفادر والشاذ النادر ولعله لا يبلغ عند العشرة فمتى يجد المسلم من قبله أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع ويعتقد أنه لا عقيدة لهم في أصول الدين أصلا وأنهم أمثال البهائم والدواب المسخرة وعن ثمامة بن الأشرس وكان من أئمة المعتزلة المذكورين فيهم: أنه رأى قوما يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة فقال: انظروا إلى الفقراء انظروا إلى الحمير وقال عمر بن النضر: مررت بعمرو بن عبيد فجلست إليه فذكرت شيئا فقلت ما هكذا يقول أصحابنا قال: ومن أصحابك قلت: يوسف بن عون\n_________\n١ [زنة] هكذا في الأصل ولعل معناه: قليل. انظر القاموس المحيط \"٤/٢٢٨\".","vol":"2","page":347},{"text":"ويونس بن عبيد والتيمى فقال: أولئك نحانس١ أنجاس أموات غير أحياء. وقال: واعلم أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم غرة أهل زمانهم في العلم والفقة والاجتهاد في العبادة وطلب المطعم وقد درجوا على ما كان عليه من قبلهم من الصحابة ومقدموا التابعين وقد اعتقد فيهم مثل هذا فكذلك تكون عقيدته وعقيدة أمثاله في غير هؤلاء. نعم فقد ذكرت طرفا من هذا صالحا النمط في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث وذكرت الفرق بين طرق الكلام وطرق الفقه بأبين أوجه وأوضح معنى فعلى الطريقة التي ذكرتها ينبغى أن يتكلم المسلم ويعتمد عليه ولا يغتر بزخارف القول وليتبع طريقة السلف الصالح والأئمة المرضية من الصحابة ومنهج التابعين بإحسان لبيان السعادة العظمى ويصل إلى الطريقة المثلى والله تعالى يعصم ويؤيد بمنه وطوله.\n_________\n١ هكذا في الأصل ولعل الصواب [أنخاس] والله أعلم.","vol":"2","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>فصل: الإلهام</span>\n...\n\"فصل\"\nقد ذكر أبو زيد فصلا في إبطال التقليد ولم أجد في ذكره كبير فائدة فتركته وذكر بعده فصلا في الإلهام وسأنقل ما ذكره وأتكلم عليه في الموضع الذى ينبغى أن نتكلم عليه. قال: الإلهام ما حرك العلم بقلب يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة.\nقال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به ألا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم.\nوقال بعض الجهمية: إنه حجة بمنزلة الوحى المسموع عن رسول الله ﷺ واحتج ذلك بقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧] أى عرفها بالإيقاع في القلب وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وشرح الصدر بنور العلم والحرج والضيق بظلمة الجهل فالله تعالى أخبر أنه الفاعل لذلك بلا واسطة ولا صنع من العبيد وبقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فالحياة هى العلم والنور هو الهدى وقد أخبر أنه الجاعل لذلك فلا صنع منا بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فأخبر أن الناس","vol":"2","page":348},{"text":"قد خلقوا على الدين الحنيفي بلا صنع منهم. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] فأوحى إليها أى ألهمها حتى عرفت مصالحها فلا ينكر مثل ذلك للآدمى وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وكان ذلك بطريق الإلهام وقال ﵇: \"كل مولود يولد على الفطرة\" ١ أي على دين الحق وليس للمولود نظر واستدلال وقال ﷺ: \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ﷿\" ٢ والفراسة شئ يقع في القلب بلا نظر في حجة. وقال ﷺ لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: \" ضع يدك على صدرك فما شك فيه قلبك فدعه وإن أفتاك الناس\" فقد جعل النبى ﷺ شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى. وقد قال النبى ﷺ: \"قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد منهم فهو عمر\" ٣ أى منهم كأنه يوحى إليه ويحدثه ربه أو تحدثة الملائكة في قلبه. وقد روى عن أبى بكر ﵁ أنه قال: ألقى في روعى أن ذا بطن خارجة جارية. وإلا لغى الإلهام وقد روى عن عمر ﵁ أنه تكلم في أشياء فنزل الوحى بذللك وقد كان ألهم قبل. وقد كان لأنبياء بني إسرائيل إلهام يتكلمون عنه وينزل ذلك بمنزلة الوحى إلى غيرهم. وقالت الأئمة فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير تحرى بقلبة: لا تجوز.\nوإن أصاب القبلة وإن صلى بتحرى قلبه تجوز صلاته وإن أصاب غير القبلة.\nقالوا: فثبت أن الإلهام حق من قبل الله تعالى وأنه كرامة للآدمى وأنه وحى باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه يحرم هذه الكرامة ويستولى عليه وحى الشيطان قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] فالمطيع لا يخفى عليه وحيه عن وحى الملك إلا على سبيل الغفلة التي تعترى القلب فينزل ثم ينتبه من ساعته ولا يقر عليه.\nقالوا: بالقلب يمتاز له الحق من الباطل فاحتج أهل الإلهام بمثل هذه الحجج التي ذكرناها.\n_________\n١ أخرجه البخاري: الجنائز \"٣/٢٩٠\" ح \"١٣٨٥\" ومسلم: القدر \"٢٠٤٧\" ح \"٢٢/٢٦٥٨\".\n٢ أخرجه الترمذي: التفسير \"٥/٢٩٨\" ح \"٣١٢٧\" عن أبي سعيد الخدري وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب والطبراني في الكبير \"٨/١٠٢\" ح \"٧٤٩٧\" عن أبي أمامة وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع \"١٠/٢٧١\" وقال: وإسناده حسن.\n٣ أخرجه البخاري: أحاديث الأنبياء \"٦/٥٩١\" ح \"٣٤٦٩\" ومسلم: فضائل الصحابة \"٤/١٨٦٤\" ح \"٢٣/٢٣٩٨\".","vol":"2","page":349},{"text":"قال: وأما حجة أهل السنة والجماعة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] الآيه فألزمهم الكذب لعجزهم عن إظهار الحجة لأن الإلهام حجة باطنة فلا يمكن إظهارها وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فقد وبخهم بدعوى إله غير الله لا برهان لهم به ولو كانت شهادة قلوبهم حجة لهم لما لحقهم التوبيخ فثبت أن الحجة التي يصح العمل لها ما يمكن إظهاره من النصوص والآيات التي عرفت حججا ويدل قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وهذا يدل على أن العلم بالله تعالى لا يكون إلا بالآيات والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلى ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] الآية وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] والله تعالى أمر بالنظر والاستدلال ولم يأمر بالرجوع إلى القلب ولذلك قال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"بم تقضي؟ \" قال: بكتاب الله قال: \"فإن لم تجد في كتاب الله؟ \" قال: بسنة رسول الله قال: \"فإن لم تجد بسنة رسول الله؟ \" قال: أجتهد برأيى١ فلم يذكر بعد الكتاب والسنة إلهام القلب وإنما ذكر الرجوع إلى النظر والاستدلال\nوقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" ٢ وأجمعنا على أنه يجوز ترائى النظر والاستدلال بالأصول فدل أن المراد به الرأى بلا نظر ولأن الرأى بلا نظر لو كان حجة يعمل بها كالوحى لحل كل إنسان أن يدعوا الخلق إلى ما عنده بل وجب كما وجب على نفسه العمل به وكما كان يجب على النبى ﷺ قال: ومن قال هذا فقد كفر.\nقال: ونقول أيضا على أهل الإلهام: ما قولكم في الإلهام؟ أهو حجة بلا موافقة الشرع أو ما كان وافق أم خالف؟\nفإن قال: يكون حجة وإن خالف فهذا لا يقوله مسلم وفيه رفع الإسلام وإن قال: بموافقة فلا تثبت الموافقة إلا بالنظر في أصول الشرع وأيضا فإن الإلهام قد يكون من الله تعالى وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس فإن كان من الله تعالى يكون حقا\n_________\n١ أخرجه أبو داود: الأقضية \"٣/٣٠٢\" ح \"٣٥٩٢\" والترمذي: الأحكام \"٣/٦٠٧\" ح \"١٣٢٧\".\n٢ أخرجه الترمذي: التفسير \"٥/١٩٩\" ح \"٢٩٥٠- ٢٩٥٢\" وأحمد: المسند \"١/٣٠٦\" ح \"٢٠٧٤\" نحوه.","vol":"2","page":350},{"text":"وإن كان من الشيطان أو من النفس لا يكون حقا بل يكون باطلا فإذا احتمل أن لا يكون حقا يدل أن كل إنسان١ في دعوى الإلهام مثل صاحبه فإن قال ألهمت أن ما أقوله حق وصواب فيقول الآخر إن ما تقوله خطأ وباطل.\nونحن نقول لهؤلاء: إنا ألهمنا أن ما تقولنه خطأ وباطل. قالوا هذا دعوى منكم نقول ما تقولنه أيضا دعوى. فإن قالوا: إنكم لستم من أهل الإلهام نقول أيضا إنكم لستم من أهل الإلهام وبأى دليل صرتم من أهل الإلهام دوننا.\nقال أبو زيد: وقد ابتليت بقوم زعموا أن العبد يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا نظر واستدلال بالآيات وهذا قول لم يكن في السلف والقلب مضغة ليس لها حاسة رؤية مثل ما ليس لسائر الأعضاء حاسة رؤية فلا فرقق بين قول من يقول رأيت ربى بقلبى وبين قول من يقول رأيت ربى بيدى أو سمعني قال وأما رؤية القلب علمه بنظره ونظره التفكير لا يتصور غيره ولهذا قال النبى ﷺ: \"تفكروا في الآيات ولا تتفكروا في الذات\" ٢ لأن الآيات محسوسة فالتفكر فيها يدلنا على الله ﵎ وأما التفكر في الذات يوجب التعطيل كنظر العين إلى ما لا يرى وإنما مثله نجار في بيت لا يرى ويخرج منه الخشب المنجورة فيقيل نظر الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجار ولا علم له بوجود النجار. فأما نفسه فلا علم له بها.\nوحكى لنا عن محمد بن زكريا أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم الموحدون في الآيات فكلموهم في الذات وبه تعلق فرعون [فى] ٣ محاجة موسى ﵇. قال: وما رب العالمين؟ فأعرض موسى عن جواب المحال وأجاب بالوصف قال رب السماوات والأرض. وما [أخطأ] ٤ الحكماء الأوائل إلا بتفكرهم في الذات والماهية.\nقال: فأما الجواب عن تمسكهم بقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] تأويله والله أعلم عرفها بطريق العلم وهو الآيات والحجج طريق الفجور والتقوى وكذلك شرح الصدور بنور التوفيق وهو النظر والحجج وكذلك الأخبار المذكورة فى\n_________\n١ ثبت في الأصل [الإنسان] ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ من حديث ابن عمر بلفظ \"تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله\" أخرجه البيهقي \"١/١٣٦\" ح \"١٢٠\" وقال: وفيه نظر وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع \"١/٨٦\" وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه الوازع بن نافع وهو متروك.\n٣ بياض في الأصل.\n٤ بياض في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":351},{"text":"القرآن للقلب هو بنور الأدلة وبما أراه من الآيات والاهتداء للعبرة إنما يكون بهداية الله تعالى وذلك بطريق الهداية بعد جهاد العبد قال الله تعالى: ﴿وَالذينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] \"وقال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] وإنها أدنى الدرجتين والأعلى بالإصطفاء والاختيار كما قال تعالى: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٣] وقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضخى: ٧] ولم يذكر جهاده. فالله تعالى يجتبى إليه من يشاء بروح القدس وكمال نور العقل وزكا الطريق والتوفيق بأداة الحجج كرامة ابتداء حتى يصير موكلا على النظر في الآيات فتبين له أنه الحق كما يتبين للكافر يوم القيامة.\nقال وأما الفطرة فتأويلها أن الآدمى يخلق وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ﵇ فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة وكان على عذر في ترك الأداء عن عجز على مابينا في باب حمل الأمانة. فأما وحى النحل فإنما أنكرنا مثل ذلك في علم خوطبنا بكسبه وابتلينا به وأما وحى أم موسى فإنا نقول به وبيانه أن أم موسى خافت على موسى القتل من فرعون لما ظهرت من سنته ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاؤه في البحر إن نجا فيه النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حل له ركوب لوح في البحر ولأن من ابتلى بشرين لزمه اختيار أهونهما فقد فعلت الذى فعلت بالنظر ومعنى الوحى هو إلقاء النظر في قلبها وأما كرامة الفراسة فلا ننكرها أصلا ولكنا لا نجعل شهادة القلب لجهلنا أنها عن الله تعالى أو من إبلييس أو من نفسه وأما قول الصحابة رضوان الله عليهم فلم يثبت توحيد قول منهم بعد إلا على نظر واستدلال فهذا جملة الذى نقلته من قوله في الإلهام وقد تركت بعض ما أورده طلبا للاختصار.\nواعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز ويجوز أن يفعل الله تعالى بعبد بلطفه كرامة له. ونقول في التمييز بين الحق والباطل من ذلك أن كل من استقام على شرع النبى ﷺ ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول وكل ما لا يستقيم على شرع النبى ﷺ فهو مردود ويكون ذلك من تسويلات التفس ووساوس الشيطان ويجب رده على أنا لا ننكر زيادة نور الله تعالى كرامة للعبد وزيادة نظر له فإما على القول الذى يقولونه وهو أن يرجع إلى قوله في جميع الأمور فلا نعرفه والله تعالى أعلم وأحكم.","vol":"2","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>فصل: الكلام في المفتي والمستفتي وما يتصل في ذلك</span>\n...\n\"فصل\"١: وإذا فرغنا من الكلام في الاجتهاد والمجتهد فنذكر: الكلام في المفتى والمستفتى وما يتصل في ذلك\nفنقول: المفتي من العلماء من استكملت فيه ثلاث شرائط\nأحدها: أن يكون من أهل الاجتهاد٢ وقد قدمنا شروط المجتهد وصفته\nوالشرط الثانى: ان يستكمل أوصاف العدالة في الدين حتى يثق بنفسه في التزام حقوقه ويوثق به في القيام بشروط٣.\nوالشرط الثالث: أن يكون ضابطا نفسه من التسهيل كافا لها عن الترخيص حتى يقوم بحق الله تعالى في إظهار دينه ويقوم بحق مستفتيه.\nوللمتسهل حالتان:\nإحديهما: أن يتسهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادىء النظر وأوائل الفكر فهذا مقصر في حق الاجتهاد فلا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن يستفتى وأن جاز أن يكون ما أجاب به حقا لأنه غير مستوف لشروط الاجتهاد لجواز أن يكون الصواب مع استيفاء النظر في غير ما اختلف فيه.\nوالحالة الثانية: أن يتسهل في طلب الرخص وتأويل الشبه ومعنى النظر ليتوصل إليها وتعليق بأضعفها وهذا متجوز في دينه متعد في حق الله تعالى أو غار لمستفتيه عادل عما أمر الله سبحانه به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وهو في هذه الحالة أعظم مأثما منه في الأولى لأنه في الحالة الأولى مقصر. وفى الثانية متعد وإن كان في الحالتين آثما متجوزا. لكن الثانى أعظم وكما لا يجوز أن يطلب الرخص والشبه كذلك لا يجوز أن يطلب التغليظ والتشديد وليعدل في الجواب إلى ما يوجبه صحه النظر من الحكم الذى تقتضيه الأدلة الصحيحة فإن دلت على التغليظ أصاب وإن دلت على الترخيص أصاب وإن كان للتغليظ وجه في الاجتهاد أمسك عن ذكره فهذه الشروط التي يجب أن يكون عليها\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ انظر نهاية السول \"٤/٥٧٩\" إحكام الأحكام \"٤/٢٩٨\".\n٣ انظر البرهان \"٢/١٣٣٣\" إحكام الأحكام \"٤/٢٩٨\".","vol":"2","page":353},{"text":"المفتى فإن أخل بها لم يحل للفتيا ولايحل لسائل علم بحالة أن يستفتيه.\nفأما إذا علم المفتى جنسا من العلم بدلائل وأصوله وقضى فيما سواه كعلم الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى في غيره.\nواختلفوا في جواز فتياه في الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله وقصره فيما سواه كعلم الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى في غيره. واختلفوا في جواز فتياه في الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله ودلائله ومنعه أكثرهم في الفتيا فيه لتجانس الدلائل وتناسب الأحكام امتزاجا لا يتحقق أحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها ويلزم الحاكم من الاستظهار في الاجتهاد أكثر مما يلزم المفتى ويأثم بالتسهيل وطلب الترخيص أكثر مما يأثم المفتى وإن كان كل واحد منهما مأمور بإمعان النظر واجتناب الرخص لأن في القضاء إلزاما ليس في الفتيا ويجب فيه ما لا يجب في الفتيا [فافترقا] .\n[مسألة] ١: وقد قال أصحابنا: إنه لا بد للقاضى أن يكون عالما عدلا٢.\nوعند أبى حنيفة: يجوز أن يكون القاضى جاهلا فاسقا٣ على معنى أنه يصلح لذلك.\nويقولون إنه لا ينبغى ان يولى القاضى إلا العالم العدل.\nقالوا: واذا فسق بعد تقليد القضاء يجب على السلطان أن يعزله وقد ذكر الخصاف من أصحابهم في كتاب آداب القضاة أن القاضى إن ارتشى وقضى لا ينفذ قضاؤه وأن كان القضاء بحق فبعضهم قال بهذا على القول الذى اختاره أصحابنا أنه إذا فسق ينعزل.\nوقال بعضهم: الانعزال بالفسق ليس بمذهب وانما قاله بعض أصحابنا من غير أن نعرف أنه مذهب أبى حنيفة٤ لكن على ظاهر مذهبه وإن كان لا ينعزل لكن في هذه الصورة لاينفذ قضاؤه لأنه وجب عليه القضاء لله ﷿ فإن القضاء رأس الطاعات والعبادات ولهذا لا يجوز للقاضى أن يأخذ الأجرة على القضاء فاذا ارتشى وقضى\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ روضة الطالبين \"١١/٩٦\".\n٣ انظر الهداية \"٣/١١٢\".\n٤ روضة الطالبين \"١١/٩٥\".","vol":"2","page":354},{"text":"صار قاضيا لنفسه فلم يكن عبادة لله تعالى فلا يكون قضاء.\nببينة: أنه قضى لنفسه حيث ارتشى وقضى وقضاؤه لنفسه باطل.\nقالوا: واذا كان جاهلا يقضى بقول العالم كأنه يسأله ويقلده ثم يقضى به.\nوأما مذهبنا: فإنه لا يجوز أن يكون القاضى إلا عالما عدلا١ لأن الشهادة دون القضاء فإذا اعتبرت العدالة في الشهادة ففى القضاء أولى وكذلك الفتوى فإن الفتوى أولى من القضاء فإذا لم يجز للمفتى إلا أن يكون عالما كذلك القاضي لا يجوز إلا أن يكون عالما وقد فرقوا بين القاضى والمفتى وقالوا المفتى لا يقدر أن يفتى بعلم غيره. وأما القاضى يقدر أن يقضى بعلم غيره بأن يرجع في قضاياه إلى عالم يقضى بذلك.\nونحن نقول: إن قلتم لا يمكن الفتوى بعلم غيره من حيث الصورة فليس كذلك لأنه يمكنه أن يسأل غيره ثم يفتى به كما يمكنه أن يسأل غيره ثم يقضى به وإن قلتم حقيقة ففى الموضعين واحد لأن الفتوى والقضاء كل واحد منهما ينبغى أن يكون عن علم والتقليد لا يرجع إلى علم لأنه التقليد لا يفيد علما للمقلد ولأن العلم يكون بطريق ولم يوجد طريق العلم في واحد منهما رجعنا إلى بقية الكلام في الفتوى والمستفتى.\nواعلم أن المفتى يجب عليه أن يفتى من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم فإن لم يكن في الإقليم الذى هو فيه غيره تعين عليه التعليم والفتيا وإن كان هناك غيره لم يتعين عليه لأن ذلك من فروض الكفاية وإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين فرضه وعلى هذا نقول إن الإنسان إذا تعين لطلب العلم بإنه لم يكن في ناحيته من يصلح لطلب العلم سواه يجب عليه أن يطلبه ولا يحل له أن يتركه وهذا إذا وجد فيه شروط الطلب وشروط الطلب في الإنسان صحة حواسه ووفور عقله وسلامة اليته فإذا تكاملت فيه الية الطلب وجب عليه الطلب ويجب على المطلوب منه أن يجيب ويعلم إذا تعين لذلك والأصل فيه قوله ﵇: \"كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك\" ٢ وروى عن علي ﵁ أنه قال: الناس ثلاث عالم ربانى ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستطيبوا العلم فأن\n_________\n١ انظر الهداية \"٣/١١٢\".\n٢ وذكره الحافظ الهيثمي في المجمع \"١/١٢٧\" عن أبي بكرة قال: سمعت النبي ﷺ: فذكره وقال: رواه الطبراني في الثلاثة والبزار ورجاله موثقون وانظر كشف الخفاء للعجلوني \"١/١٦٧\" ح \"٤٣٧\".","vol":"2","page":355},{"text":"أمسك الطالب عن الطلب سقط الفرض عن المطلوب منه وكان الطالب بالإمساك عاصيا وإن طلب الطالب وأمسك المطلوب منه عن فرض التعليم كان المطلوب منه بالإمساك عن التعلم عاصيا وهذا إذا لم يوجد غيره وأما الطالب فقد سقط عنه فرض المطلوب.\nوالحالة الثانية: أنه لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ولا يتعين على المطلوب منه فرض التعلم لوجود غيره فيكون الطلب والتعليم ندبا في حقهما ومن فروض الكفاية في حق الكافة وإذا شرع الطالب في الطلب سقط به الفرض عن المطلوب منه وإذا أجاب المطلوب منه سقط به الفرض عن المطلوبين أعنى فرض الكفاية.\nوالحالة الثالثة: أن يتعين على الطالب فرض الطلب لعدم غيره ولا يتعين على المطلوب منه التعلم لوجود غيره فيكون التعلم متعينا على الطلاب والتعليم ندبا في حق المطلوب منه.\nوالحالة الرابعة: أن لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ويتعين على المطلوب منه فرض التعليم لعدم غيره فيكون الطلب ندبا في حق الطالب والتعليم فرضا متعينا على المطلوب منه وإذا استفتى المفتى من لا يجد غيره وجب عليه أن يفتيه ويتعين فرض الفتيا عليه إن علم أنه يعمل بقوله ولا يجب عليه إن علم أنه لا يعمل بقوله وإن كان المستفتى يجد غيره كان فتياه ندبا ولم يكن فرضا متعينا ولا يجوز للمفتى أن يطلب على الفتوى أجرا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] أى ياخذوا عليه أجرا ويجوز أن يقبل الهدية بخلاف الحاكم لأن الحاكم يلزمه حكمه.\nوإن اجتهد المفتى في حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك الحادثة مرة أخرى فهل يجب عليه إعادة الاجتهاد؟ فيه وجهان: فمن أصحابنا من قال: يفتى بالاجتهاد الأول.\nومنهم من قال: يحتاج أن يجدد الاجتهاد١ والأول أصح.\n_________\n١ في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nأحدها: لا يجب عليه تجديد الاجتهاد مطلقا.\nالثاني: يجب عليه تجديده مطلقا.\nالثالث: لا يجب عليه التجديد إن كان ذاكرا لما مضى من طرق الاجتهاد في المرة الأولى ويجب عليه التجديد إن كان ناسيا.\nانظر نهاية السول \"٤/٦٠٦، ٦٠٧، ٦٠٨، ٦٠٩\" سلم الوصول \"٤/٦٠٦، ٦٠٧، ٦٠٨، ٦٠٩\" إحكام الأحكام \"٤/٣١٢، ٣١٣\" أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير \"٤/٢٥٦\".","vol":"2","page":356},{"text":"فأما المستفتى فلا يجوز له أن يستفتى من شاء على الإطلاق لأنه ربما يستفتى من لا يعرف الفقه بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانه ويكفيه في ذلك خبر العدل الواحد فإذا عرف أنه فقيه نظر فإن كان وحده قلده وإن كان هناك غيره فهل يجب عليه الاجتهاد؟ فيه وجهان: فمن أصحابنا من قال: يقلد من شاء منهم.\nوقال أبو العباس والقفال: يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين وهذا قد ذكرناه من قبل.\nوإن استفتى رجلين نظر في الجواب فإن اتفقا في الجواب عمل بما قالا وإن اختلفا فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة فاختلف فيه أصحابنا على ثلاثه أوجه:\nمنهم من قال: لا يأخذ بما شاء منهما.\nومنهم من قال: يجتهد فيمن يأخذ بقوله منهما.\nومنهم من قال: يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل والأولى أن يقال يجتهد ممن يأخذ بقوله منهما١.\nوأما الذى قال: إنه يأخذ بأغلظ الجوابين فقد يكون الحق في أخف الجوابين قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال النبى ﷺ: \"بعثت بالدين الحنيفية السهلة السمحة\" ٢ وقد قيل يأخذ بأخف الجوابين لهذا الدليل.\nفإن قال قائل: هل يجوز للعامى أن يطالب العالم بدليل؟\nالجواب قلنا: لا يمنعه أن يطالب به لأجل احتياطه لنفسه ويلزم العالم أن يذكر الدليل إن كان مقطوعا به لإشرافه على العلم بصحته ولا يلزمه أن يذكر له الدليل إن لم يكن مقطوعا به لافتقاره إلى الاجتهاد ويقصر عنه العامى.\nفإن قال قائل قد اخترتم إن يكون على العامى الاجتهاد في أعيان الفقهاء فأيش\n_________\n١ في هذه المسألة ستة أوجه:\nأصحها: يتخير ويأخذ بقول أيهما شاء.\nوالثاني: يأخذ بأغلظ الجوابين. وذكره السمعاني.\nوالثالث: يأخذ بأخفهما.\nوالرابع: بقول من يبني قوله على الأثر دون الرأي.\nوالخامس: بقول من سأله أولا.\nوزاد الشيخ النووى ﵀ سادسا وهو أن يسأل ثالثا فيأخذ بفتوى من وافقه انظر روضة الطالبين \"١١/١٠٥\".\n٢ أخرجه أحمد: المسند \"٥/٣١٤\" ح \"٢٢٣٥٤\" بنحوه.","vol":"2","page":357},{"text":"يجب عليه من ذلك؟\nالجواب: أن الذى عليه في الإخبار والاستخبار أن يعرف شواهد حاله ويسأل عنه من يثق بصدقه ويجب على من استخبر منه أن يخبر على ما عرفه من حاله فإن لم يغلب على ظنه صدق الواحد والاثنين استزاد والاحتياط أن يزيد بقدر ما يمكنه ليزداد ثقة وطمأنينة.\nوقد قيل: إنه إذا اجتمع عالمان على جواب وتفرد أحدهما بخلافه أخذ بقول الاثنين لأن النبى ﷺ قال: \"الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد\" ١ وهذا إنما يأتى عند استواء الكل بعد اجتهاده منهم وأما إذا تفاضلا في العلم فلا بد أن يكون الأخذ بقول الأفضل أولى\nوقد قيل: يجوز الأخذ بقول المفضول٢ كما يجوز للحاكم أن يقبل شهادة العدل وإن كان هناك من هو أعدل منه ولأن الصحابة قد تفاضلوا تفاضلا بينا فما منعوا من استفتاء المفضول مع وجود من هو أفضل منه. وإذا سمع المستفتى جواب المفتى لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه فيصير العمل لازما بالانقياد ويجوز أن يقال: إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به وقد قيل: إنه يلزمه إذا وقع في نفسه صحته وحقيقته وهذا أولى الإوجه وأذا لم يعلم المستفتى لسان المفتى فيكفى ترجمة الواحد ويجوز أن يجيب باللسان ويجوز أن يجيب بالكتبه.\nمسألة: ويجب على العامى أن يستفتى إذا وقعت له الحادثة:\nولم يحتمل التأخير فيلزمه تعجيل السؤال وهذا في الديانات إذا توجه فرضها عليه لزمه الاستفتاء بأعجل ما يمكنه فأما في المعاملات فإن توجه الحق عليه لزمه الاستفتاء فيه وأن كان الحق له مخيرا فيه ثم ما يسأل عنه من فروض الديانات ينقسم على خمسة أقسام:\nأحدها: ما تعين فرضه على كل مكلف على الإطلاق وهو الإيمان ومسألة الصلاة\n_________\n١ أخرجه الترمذي: الفتن \"٤/٤٦٥\" ح \"٢١٦٥\" وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب وأحمد: المسند \"١/٢٤\" ح \"١١٥\".\n٢ ورجح ابن الحاجب جواز تقليد المفضول انظر نهاية السول \"٤/٦١٣\" سلم الوصول \"٤/٦١٣\" إحكام الأحكام \"٤/٣١٦، ٣١٧\" المستصفى \"٢/٣٩٠، ٣٩١\".","vol":"2","page":358},{"text":"التى لا تسقط عمن عقلها من المكلفين ولا مهلة في تأخير العمل بها.\nوالقسم الثانى: ما يجب على المكلف بوجود شرط ولا يجب عليه مع عدم الشرط وهوالحج الواجب بوجود الزاد والراحلة والزكاة الواجبه بوجود المزكى فلا يلزمه العمل بتفصيل أحكامها إلا بعد وجود الشرط.\nوالقسم الثالث: ما تغير فرضه بتغير صفة المكلف وهو الحر والعبد والمسلم والكافر فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما اختلف منها بانتقالهم عن أحوالهم.\nوالقسم الرابع: ما يختلف أحكام الإنسان باختلاف أحواله كالمسافر والمقيم والطاهر والحائض فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما عليهم من العزائم وهم مخيرون في استعلام ما لهم من الرخص.\nوالقسم الخامس: فرضه على الكفاية كالجهاد وطلب العلم وغسل الموتى والصلاة عليهم فلا يلزم مع طهور الكفاية أن تعلم ويلزم العلم بها عند التعين عليه.\nواعلم أن فرض التعليم الذى على الآباء للأولاد وذلك إذا بلغ الولد ستة فينبغى الإب أن بذكر أن الله ﷿ خالقه ومعبوده وأن محمدا صلى الله عليه وسلم١ نبيه ورسوله وأنه على دين الإسلام وأنه لا نبى بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم٢ وأنه بعث بمكة ودفن بالمدينة.\nويذكر له بحيث تزول عنه الشبه ليألفه وينشأ عليه إذا بلغ سبعا وصار بحيث يؤمر وينهى عليه الطهارة ومواجبها والصلاة وما يشتمل عليها فبأمر بفعلها ولا يضربه على تركها لضعفه عن احتمال الضرب حتى يبلغ عشرا فإذا بلغ عشرا يضربه٣ إن تركها لأن هذا أولى زمان البلوغ ومبادى القوة ويذكر للغلام والجارية ما يكون بلوغهما به ويذكر لهما استقرار الفرض عليهما بالبلوغ ويعلمهما ستر العورة واجتناب القبائح ويعلمهما من مصالح الدنيا ما يكون باعثا على صلاح أحوالهم ويكون التعليم بما اختص بأمور الدين فرضا وبما اختص بأمور الدنيا ندبا لأن أمور الدين محمولة على الاعتقاد وأمور الدنيا محمولة على النفل.\nوهذا الذى ذكرناه واجب على الآباء في مبادى التربية وتختلف مبادىء التعليم على\n_________\n١ ثبت في الأصل [صلعم] وما ذكرناه أليق بمقام النبي ﷺ\n٢ ثبت في الأصل [صلعم] وما ذكرناه أليق بمقام النبي ﷺ\n٣ ثبت في الأصل [يضربها] وما ذكرناه أصوب.","vol":"2","page":359},{"text":"قدر ما ركب الله فيهم من العقول ليثبتوا عليها فتصيرمستقرة في غرائزهم فإن لم يكن لهم آباء فعلى الأمهات فإن لم يكن لهم أمهات فعلى الأولياء الأقرب فالأقرب منهم فإن لم يكن لهم أولياء فعلى الإمام وإن اشتغل الإمام عنهم فعلى جميع المسلمين ويتوجه فرض كفايته على من علم بحاله منهم إذا كان قريب الدار ولا يلزمه من لا يعلم ولا من بعد وإن علم وإذا كانت الصغيرة ذات زوج وأبوين وجب تعليمها على الأبوين فأن عدما فالزوج أحق بتعليمها من سائر أوليائها وإن كان الصغير ذا زوجة لم يكن عليها فرض تعليمه وفى الصغيرة لها زوج يجوز أن يقال يجب على الزوج تعليمها مثل ما يجب على حق الأولياء ويجوز أن يقال إنه يكون ندبا في حق الزوج وإن كان واجبا في الأولياء وإذا كان الزوجان فقيهين وقد آلى منها وقد مضت عليها أربعة أشهر فإن اعتقدت الزوجة أنها قد بانت منه وحرمت عليه واعتقد الزوج أنها لم تبن فعلى كل واحد منهما أن يعمل بمعتقده فيلزم الزوجة منعه من نفسها وتهرب منه وللزوج أن يستمتع بها ويكرهها ويتوصل كل واحد منها إلى معتقده بما هو دون القتل والضرب يفضى إلى تلف النفس فإن أفضى إلى القتل وتلف النفس كف وكان حكمه فيما قيل حكم المكره يئول فيه المأثم عن الموطؤة لإكراهها وعن الوطىء لاعتقاده وهكذا لو أفتاهما فقيه بالجوبين المختليفين وكان جاهلين بالحكام وإذا اعتدت الزوجة لاعتقادها أنها١ قد بانت منه حل لها أن تتزوج في الباطن لغيره وحرمت في الظاهر على من يريد أن يتزوج بها وحل للأول وطئها في الظاهر كما بينا وحل للثانى وطئها في الباطن فإن حكم بينهما حاكم عدل بأحد الحكمبن تعين وثبت الحكم له وإذا تنازع اثنان في حق ودعا أحدهما صاحبه إلى الحاكم وجب على صاحبه إجابته في الظاهر والباطن وإن كان الحاكم عدلا من أهل الاجتهاد وإن كان غير عدل أو كان من غير أهل الاجتهاد لزم إجابته في الظاهر لئلا يتظاهر بشق العصا ومخالفة الولاة ولا يلزمه الإجابة باطنا فيما بينه وبين الله تعالى لأن طاعة الولاه تجب على أهل العدل منهم دون من يجوز منهم وقد قال أبو بكر ﵁: أطيعونى ما أطعتكم في الله ﷿ فإن عصيت الله فلا طاعة لى عليكم. فأن حكم غير العدل بينهما التزما في الظاهر وإن كان في الباطن غير لازم. وحكى أبو سعيد الإصطخرى أنه إذا ادعى كان له الامتناع ظاهرا وباطنا وإن أفضى الإمتناع إلى قتله وحمله على\n_________\n١ ثبت في الأصل [أنه] وما ذكرناه أصوب.","vol":"2","page":360},{"text":"قوله ﵇: \"من قتل دون ماله فهو شهيد\" ١ وإذا حكم العدل بين خصمين لم يخل حالهما من أن يكونا من أهل الاجتهاد أو من غير أهله فإن لم يكونا من أهل الاجتهاد لزمهما ما حكم به عليهما في الظاهر والباطن وإن استفتيا فأفتى يلزمهما أيضا حكم ما أفتى به لكن يكون حكم الحاكم ألزم من فتيا المفتى وإن كان المتحاكمان من أهل الاجتهاد ولم يخل حكمه عليهما من ثلاثة أحوال:\nأحدها: أن يكون حقا عندهما فعليهما إلزامه.\nوالحالة الثانية: أن يكون باطلا عندهما فيلزمهما عملا ولا يلزمهما معتقدا ويجوز أن يقال يلزم المحكوم عليه ولا يلزمه المحكوم له لأن المحكوم له مخير والمحكوم عليه مخير.\nوالحالة الثالثة: إن يكون عند احدهما حقا وعند الآخر باطلا فإن كان معتقدا لحق هو المحكوم له وجب له استيفاؤه وعلى المحكوم عليه أداؤه وينبغى على قول الشافعى ﵀ أن لا يجب على المحكوم عليه أداؤه في الباطن وإن أوجب الحكم أداؤه في الظاهر وإن كان معتقدا لحق هو المحكوم عليه ومعتقد الباطل هو المحكوم له وجب على المحكوم عليه أداؤه في الظاهر والباطن واستيفاؤه وللمحكوم له استيفاؤه في الظاهر وفى استباحته له في الباطن مذهبان٢ وإذا استفتى المتنازعان فقيها مع وجود الحاكم فإن التزما فتياه عملا بها وإن لم يلزما فتياه كان الحاكم أحق بالنظر بينهما ولو لم يجدا حاكما فقد قيل: يلزمهما فتيا الفقيه إذا لم يجد غيره مفتيا ولا حاكما. وقيل: لا يلزمهما حتى يلتزماها ولو وجدا غيره لزمهما من الفقهاء ولم يجدا حاكما لم يلزمهما فتيا الفقيه حتى يلتزماها ويفتيهما باقى الفقهاء بمثل فتيا الأول وإن التزما فتيا الفقيه ثم تنازعا إلى الحاكم فحكم بينهما بغيره لزمهما فتيا الفقيه في الباطن وحكم الحاكم في الظاهر. وقيل: يلزمهما حكم الحاكم في الظاهر ولو استفتيا فقيها فأفتاهما ورضى به أحدهما وامتنع الآخر لم يلزم الممتنع ولو تحاكما إلى حاكم فرضى به أحدهما وامتنع الآخر لزم الممتنع ولو اختلفا فدعا أحدهما إلى فتاوى الفقهاء ودعا الآخر إلى حكم الحاكم أجيب الداعى إلى حكم الحاكم لأن فتيا المفتى إخبار وحكم الحاكم إخبار وإذا دعى إلى حكم الحاكم أجبر وإذا كان الفقيه عدلا والحاكم ليس بعدل فأفتاهما الفقيه\n_________\n١ أخرجه البخاري: المظالم \"٥/١٤٧\" ح \"٢٤٨٠\" ومسلم: الإيمان \"١/١٢٤\" ح \"٢٢٦/١٤١\".\n٢ انظر روضة الطالبين \"١١/١٥٣\".","vol":"2","page":361},{"text":"بحكم وحكم الحاكم بغير لزمهما في الباطن أن يعملا بفتيا الفقيه ولزمهما في الظاهر أن يعملا بحكم الحاكم.\nهذه جملة مسائل على الوجه الذى سردتها لا بد من معرفتها في فروع المفتى والمستفتى أوردتها في هذا الموضع فليغتنمها الناظر عليها فإنها عزيزة الوجود جدا وقل ما يجدها الإنسان في المذهب وليس ما يقع عنها الغنية للفقيه الفقيه والله أعلم بالصواب [] ١.\nاعلم أنه قد ذكر بعض الأصوليين في فصل المفتى والمستفتى كلمات أحببت أن أذكرها هاهنا ويوجد في أثنائها فوائد لم تدخل فيما قد ثناه ذكر فصلا في كيفية فتوى المفتى وقال: لا يجوز للمفتى أن يفتى بأحكام عن غيره بل إنما يفتى باجتهاده لأنه إنما سئل عنه ولم يسأل عن قول غيره وإن سئل أن يحكى قول غيره جازت حكايته ولو جاز للمفتى أن يفتى بالحكاية جاز للعامى أن يفتى بما يجده في كتب الفقهاء وذكر أنه إذا أجاب الفقيه في مسألة ثم وقعت تلك المسألة قال: لا يجب لاجتهاد إذا كان ذاكرا لذلك القول وذاكرا لطريقة الاجتهاد لأنه كالمجتهد في الحال وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد فهو في حكم من لا اجتهاد له فالواجب عليه تجديد فتواه وهذا حسن جدا فينبغى أن يكون المختار هذا الوجه لأننا قلناه من قبل. ثم قال: إذا لم يجز للمفتى أن يفتى فتواه السابق فأولى أن لا يأخذ بفتوى من مات قال:: وإذا أفتى المفتى باجتهاده ثم تغير اجتهاده لم يلزمه تعريف المستفتى تغاير اجتهاده إذا كان قد عمل به وإن لم يكن عمل به فينبغى أن يعرفه إن تمكن منه لأن العامى إنما يعمل به لأنه قول المفتى ومعلوم أنه ليس قوله [....] ٢ الذى يريد أن يعمل فينبغى أن يخيره بذلك.\nقال: وإذا أفتاه بقول مجمع عليه لم يخيره في القبول منه وإن كان مختلفا فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره وهذا لا شبهة فيه على قول من يقول كل مجتهد مصيب وعلى قول من قال: إن الحق واحد.\nيكون هكذا أيضا لأنه ليس بأن يجب عليه الآخر بقول أحد من المفتين بغير حجة بأولى من الآخر فإن كان التخيير معلوما من قصد المفتى لم يجب عليه أن يخيره لفظا بل يذكر له قوله فقط وليس كذلك الحكم لأن الحاكم منصوب لقطع الخصومات فلو كان الخصم مخيرا بين الدخول تحت حكمه وترك الدخول لم تنقطع الخصومة أبدا.\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ بياض بمقدار أربع كلمات في الأصل.","vol":"2","page":362},{"text":"قال الإمام: وعندمى أنه لا يجب عليه أن يبين له تخيره لأنا بينا أنه لا بد للمستفتى في الاجتهاد في أعيان العلماء وإذا وجب عليه ذلك فاختار أحد العلماء باجتهاده واستفتاه فقد صار في هذه المسألة بمنزلة مجتهد والمجتهد لا يتخير بين الأخذ بقول غيره أو باجتهاده بل يلزمه الأخذ باجتهاد فكذلك العامى يلزمه الأخذ بقول هذا العالم ولا يجب تخييره.\nواعلم أن جماعة من المعتزلة منعوا العامى تقليد العالم أصلا١. وقالوا: إن العامى لا يأمن أن يكون من قلده لم ينصح له في الاجتهاد فيكون فاعلا مفسدة ومع توهم المفسدة لا يجوز الرجوع وقاسوا أيضا التقليد في الفروع على التقليد في الأصول.\nوقالوا: إذا لم يجز في أحدهما لا يجوز في الآخر قالوا: ولأنه إذا قلده في مسائل الاجتهاد وقلتم إن الحق في واحد فلا يؤمن أن يقلده في شىء يكون الحق بخلافه.\nوعلى هذا قال أبو على الجبائى: يجوز للعامى تقليد العالم في مسائل الاجتهاد لأن كل مجتهد مصيب فأما فيما ليس من مسائل الاجتهاد إذا قلنا: إن العامى يقلد فيه الحق واحد فلا نأمن أن يكون قلده فيما هو خلاف الحق وقال: هؤلاء لا يجوز أن يأخذ العامى بقول العالم إلا بعد أن يبين له حجته ونحن نقول إن هذا غلط عظيم وخطأ فاحش فأن الصحابة والأمة من بعدهم دليل على خلافه فإن الصحابة ومن بعدهم ما زالوا يفتون العوام في غوامض الفقه ولم يرو عن أحد أنه عرف العامى أدلته ولا نبه على ذلك ولا أنكروا عليهم اقتصارهم على مجرد الأقاويل من غير أن يستخبروا عن الأدلة ولأن العامى إذا حدثت له حادثه فلا بد أن يكون مستعبدا شىء فإن ألزمناه التعلم عند بلوغه خفى فيصير مجتهدا وأوجبنا هذا على كل أحد يؤدى إلى إهمال أمور الدنيا أجمع لأنهم إذا اشتغلوا بذلك فلا بد أن يتعطل أمر الدنيا وأمر مصالحها فإن قالوا: لا يلزمه الاجتهاد لكن العالم يبين له الدلائل يجوز هذا في آية يتلوها عليه أو خبر يذكره عن النبى ﷺ.\nفأما القياس إنما يكون حجة ويجوز للأنسان أن يتوصل به إلى معرفة الحكم الشرعى مقدما فلا يتصور حصولهما لهذا العامى بخبر يخبره العالم له عن ذلك فلا ندرى كيف وقع هذا السهو [....] ٢ ولكن قد بينا أن من لا يكون من أهل الفقه يقع لهم السهو\n_________\n١ انظر المعتمد \"٢/٢٦٠\".\n٢ بياض في الأصل بقدر كلمتين.","vol":"2","page":363},{"text":"الكبير والأولى بالمتكلمين أن يدعوا هذا الفن للفقهاء وأن يقتصروا على الخوض فيما انتصبوا له مع أنهم لو تركوا ذلك أيضا كان أولى بهم وأسلم لدينهم يدل أنه إذا وقع للأنسان حادثه في صلاته أو صيامه فإذا لم يرجع إلى العالم في الجواب عنها فلا بد أن يسلك طريقا يصير به عالما مجتهدا وذلك بالابتداء بالتفقه والحادثه وحكمها كيف تحتمل هذا التأخير إلى أن يصير هذا الرجل فقيها ومن يضمن له أنه يصير مجتهدا وأكثر طالبى العلم قد قطع الطريق بهم وبقوا مقلدين وإنما يصير الشاذ النادر مجتهدا ويكون بحيث يسلم له النظر وإن قال في الحال يذكر له الدليل فقد بينا أنه لا بد من مقدمات كثيرة ومعرفة طرق وأسباب ووجوه وترتيبات تضل عنها فهوم المتبحرين مثل الفقهاء فكيف يدركه العامى بمجرد ذكره له حتى يصير عالما ويكون وصوله إلى الحكم بعلم نفسه واجتهاده.\nوأما قولهم: إنه ربما لا ينصح له. قلنا: هذا باطل فمن روى خبرا في حكم يلزمه الأخذ به لا يقال إنه ربما كذب له ولأنه إذا كان قد اجتمع في المجتهد شرائط الاجتهاد فيمنع ذلك التوهم وهذا كالراوى إذا كان عدلا فإن عدالته تمنع هذا التوهم.\nوأما التقليد في الأصول فقد بينا من قبل وقد قال جماعة من أصحابنا الذين يمنعون التقليد في الأصول في الفرق بين الموضعين: إن العامى إنما يلزمه النظر في مسائل مخصوصة في التوحيد وسائل الصفات وإثبات القضاء والقدر وبيان النبوات وما يتصل لها ومدار١ هذه الأشياء أكثرها عقلية وإنما يحتاج العاقل فيها إلى تنبيه يسير فلا يؤدى إلى أن يستغرق ذلك عمره وتعطل عليه مصالحه.\nوأما الحوادث الطارئة من الفروع بغير إحصاء ولا عد فالاجتهاد فيها لا يمكن إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها والاستدلال بها إلا في الزمان الأطول فيؤدى إلى ما قدمنا من دخول المفاسد في أمور عامة الناس. وأما الذى قاله أبو على الجبائى فضعيف لأن ذلك إنما يكون بأن يلزم العامى أن يعرف مسائل الاجتهاد مما ليس في مسائل الاجتهاد وإذا فعلنا ذلك فقد ألزمناه أن يكون من أهل الاجتهاد لأن ذلك لا يميز إلا أهل الاجتهاد وفى ذلك من المفاسد ما قدمناه وذكر فصلا في شرائط المستفتى وما يجب عليه إذا أفتاه أهل الاجتهاد قال أما شرائط الاستفتاء أن يغلب على ظن المستفتى أن من يستفتيه من أهل الاجتهاد مما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان الناس ويرى أخذ الناس عنه\n_________\n١ ثبت في الأصل: [وأدار] ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":364},{"text":"وأن يظنه من أهل الدين بما يرى من اجتماع الجماعات على سؤاله واستفتائه فيما يراه من سمات الستر والدين والأشبه أنه ليس للعامى أن يستفتى من يظنه غير عالم ولا متدين وإنما أخذ عليه ذلك [....] ١ الظن لأن ذلك القدر ممكن له وأما ما يجب على العامى إذا أفتاه أهل الاجتهاد هو أنهم إن اتفقوا يجب على المستفتى أن يصير إلى الفتوى التي اتفقوا عليها وإن اختلفوا وجب عليه الاجتهاد في أعلمهم وأدينهم لأن ذلك طريق قوة ظنه وهو ممكن له فجرى مجرى قوة ظن مجتهد في المسائل التي يجتهد فيها\nوقد ذكرنا أن قوما من أصحابنا وغيرهم أسقطوا عنهم الاجتهاد لأن العلماء في كل عصر لم ينكروا على العامة ترك النظر في أحوال العلماء والأول أحسن فإن اجتهد واستوى عنده علمهم ودينهم كان مخيرا في الأخذ بأى أقاويلهم شاء فأيها اختاره وجب عليه كما بينا وإن كان عنده أن واحد من هؤلاء المفتين أدين فيجب عليه اتباع الأدين لأن الثقة تكون بقوله أقوى وكذلك إذا كان في ظنه أن أحدهما أعلم وجب عليه الأخذ بقول الأعلم لأن النفس إليه أسكن ويجرى التفاضل في العلم بمنزلة التفاضل في الدين وأما إذا كانا عالمين دينين وأحدهما أدين إلا أن أدينهما أنقصهما علما فإنه يحتمل أن يقال هما سواء والأولى أن يرجع قول الأعلم بزيادته فيما يعين على الاجتهاد والوقوف والصواب.\nقال: ومثل هذا النظر لا يخفى على العوام فهو كتدبير أمور الدنيا لا يخفى عليهم فلا يسقط عنهم ونذكر مسألة تقليد العالم العالم. وقال: وإن اكثر الفقهاء منعوا من ذلك وذلك لأن الصحابة لم يقلد بعضهم بعضا بل ناظروا ولو جاز ذلك لفعلوا ولم يكن لمناظرتهم في المسائل فائدة وأيضا فإن المجتهد متمكن من الإجتهاد لتكامل الآلة فلم يجز مع تمكنه من العمل على اجتهاده أن يصير إلى قول غيره كما لم يجز أن يصير إلى قول غيره في العقليات لما تمكن من النظر والاستدلال عليها ولأن المجتهد لو أداه إلى خلاف قول عالم آخر وإن كان أعلم منه لا يجوز له بالاجماع ترك رأيه والأخذ بقول الأعلم فيجب أن يجوز له ذلك وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول.\nقال: ولأن التقليد دون الاجتهاد فإذا تمكن من الاجتهاد لم يجز له العدول إلى ما دونه كما لا يجوز للمتمكن من العلم أن يعدل إلى الظن وأيضا فإن المجتهد متعبد\n_________\n١ بياض في الأصل بقدر ثلاث كلمات.","vol":"2","page":365},{"text":"بالاجتهاد وعلمه بحسبه ويكون بذلك مطيعا لله ﷿ وهذا لأن الله تعالى ما نصب الأمارة إلا وقد أراد من المجتهد أن يجتهد فيها وليس بعض المجتهدين بذلك أولى من البعض ولا يجوز إثبات بدل هذا التعليل الواجب إلا بدلالة عقلية أو سمعية ولا دليل يدل عليه فوجب نفيه واعتمد هذا الذى أوردنا كلامه وهذا بالدليل ثم ذكر احتجاج المخالفين في تقليد الصحابة بقول ﷺ: \"عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى\" ١ وبقوله ﵇: \"اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر\" ٢ ﵄.\nوأجاب وقال: هذه أخبار آحاد لا يكون [....] ٣ العلم على أن أكثر هذه الأخبار خطاب مواجهة لمن كان في ذلك العصر فمن لم يكن صحابيا أن يتبع الصحابة ومن لم يكن صحابيا في ذلك العصر لم يكن من أهل الاجتهاد فجاز له التقليد وعلى انه يجوز أن يكون المراد به الأمر بالاقتداء بهم في رويتهم لأنه يقال لمن اتبع رواية غيره إنه اقتدى به أى اقتدى بروايته ثم قال: \"اقتدوا باللذين من بعدى\" وقوله: \"عليكم بسنتى\" وما يشبه هذه الألفاظ أمر والأمر للإيجاب وليس يجب التقليد إلا على العامى فدل أن المراد به هو العامى دون العالم.\nوأما الدعاء الذى قاله لعمر وعلى فيجوز أن يكون ذلك في شىء مخصوص والدليل عليه أن سائر الصحابة اجتهدوا وأفتوا بما أدى إليه اجتهادهم ولم يرجعوا إلى قولهم معتقدين أن ما قالوه هو الحق والصواب دون غيره فإن قالوا: أليس أنه روى أن عمر رجع إلى قول على ومعاذ ﵄ حين قال له ذلك برأيه وأن سألهما عن وجه الحجة فدل أنه كان محض تقليد. قلنا: مجهول على التنبيه على وجه الدليل وحين ينبهان على ذلك ننتبه.\nفقال ما قال لهذا المعنى ويجوز أنه خطر له وجه قولهما حين سمع كلامهما فرجع إلى ذلك لهذا ويكون على هذا عمله بعلمه واجتهاده لا بتقليدهما يبين ذلك أن الإنسان إذا تردد بين رأيين في الحدث ثم صمم على أحدهما فقال له قائل: ليس هذا بصواب إنما الصواب كذا وكذا فقال له: صدقت فهم الحاضرون أنه صدقه لأنه\n_________\n١ تقدم تخريجه.\n٢ تقدم تخريجه.\n٣ بياض في الأصل بقدرثلاث كلمات.","vol":"2","page":366},{"text":"تنبه على وجه الرأي إما من ذلك الكلام أو من غيره.\nواحتج ايضا لهم وقال: إن المجتهد مصيب صواب وقوله صواب فجاز اتباعه.\nقلنا: قولك له: صواب دعوى ويجوز أنه خطا وهذا لأنا نقول إن الصواب في قول واحد من المجتهدين فالذى يظن أنه الصواب بعينه يجوز أنه الخطأ بعينه فهذا حكاية ما نقله في أصوله ذكرته مع اقتصار على البعض وأفردته لأنه اشتمل على فوائد في هذه المسائل المذكورة وهذه المسائل وإن دخلت فيما أوردناه من قبل فقد تضمن نقله تقرير للصحيح المختار من الأقوال والله تعالى يهدى إلى الصواب ويرشد بمنه إليه.\nوقد أتينا على ما أورده أصحابنا من الكلام في الأصول وذكرنا المختار من ذلك وأوردنا الدلائل الصحيحة في ذلك على ما يوجبه التحقيق ويصلح لتثبيت الأصول التي بنينا عليها الفروع في مسائل الخلاف وبلغنا النهاية في الإيضاح وكان قصدنا بذلك إن شاء الله سنبين الحق من الباطل ولم نقصد قصر الميل إلى جانب دون جانب وخلينا سرد كثير مما قاله أصحابنا حين لم نجد على ذلك دليلا قويا يعتمد عليه فاخترنا في الكل ما أمكن تحقيقة وإثباته بطريق الزمان ولم نقنع بمحض الجدل والله تعاله يجعل سعينا في ذلك لوجهه وطلب مرضاته والأولى أن نقنع بالكفاف لا لنا ولا علينا وفيه الربح العظيم والنجاة من الخسارة.","vol":"2","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>فصل: مسألة النسبة إلى الإمام الشافعي</span>\n...\n\"فصل\"١: وقد بقيت علينا مسألة النسبه إلى الإمام المطلبى الشافعى ﵀:\nوهذا أمر يعرف باستقراء المسائل والنظر في دلائلها فإن المجتهد لا يقنع بمجرد التقليد والنسبة من غير معنى وقد ذكرت في كتاب الاقتصار طرفا من تقديم أصحاب الحديث على أصحاب الرأى\nوقد ذكرنا دررا من فضل الشافعى رحمة الله وذكرت أيضا في الكتاب الذى سميته البرهان المسائل من أصول المخالفين يأتى على تشنيعات عليهم في أشياء اختاروها لا يصح ذلك على أصول الشرع وسردت ذلك سردا من أول كتاب الطهارة إلى آخر الكتب فلم أحب إعادته في هذا الموضع وأيضا فإن سائر أصحابنا قد اعتنوا في ذلك وصنفوا الكتب وقد بالغوا ولم يقصروا وعلى الجملة نقول إن الانتساب إلى الشافعى استنان فإن النبى ﷺ قال: \"الأئمة من قريش\" ٢. وقال في موضع آخر: \"الناس تبع لقريش في هذا الأمر أبرارهم تبع لأبرارهم وفجارهم تبع لفجارهم\" ٣ فذكر أنهم الأصل وأن باقى الناس تبع لهم ولا بد للمتبع من مقتدى به في الجملة والتقليد وإن لم نجوزه للعالم ولكن لأجل حرمة ما ذكره الرسول ﷺ لم يكن بد من أمام ينتسب إليه لنكون ممتثلين لقول صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه: \"الناس تبع لقريش\" فاخترنا الأمام المطلبى محمد بن إدريس الشافعى ﵀ ورضوان الله عليه لأنا لم نجد في الأئمة الذين مهدوا الأصول وفرعوا التفريعات وتكلموا في المسائل على ما توجبه الأصول والاجتهاد الصحيح المبتنى على القواعد الصحيحة أحدا من قريش سوى الشافعى ﵀ والباقون لا مطعن عليهم وقد تحروا الحق وطلبوه بجهدهم لكن العالم الذى لا يجوز له التقليد وإنما يطلب الانتساب المحض بوجه الاستنان بقول الرسول ﷺ فتعين الانتساب إلى الشافعى ﵀ لما بينا من قبل.\nوأما العامى الذى يقلد ويطلب الانتساب إيضا فالأولى له وبه أن ينتسب إلى هذا\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار كلمتين.\n٢ أخرجه أحمد: المسند \"٣/٢٥٥\" ح \"١٢٩٠٥\" والطبراني في الكبير \"١/٢٥٢\" ح \"٧٢٥\".\n٣ أخرجه البخاري: المناقب \"٦/٦٠٨\" ح \"٣٤٩٥\" ومسلم: الإمارة \"٣/١٤٥١\" ح \"١/١٨١٨\" بنحوه.","vol":"2","page":368},{"text":"الإمام لأن القرشى إمام مقتدى به بقول صاحب الشرع مؤيد بزيادة لا توجد في غيره وهو قوله ﵇: \"رأى رجل من قريش مثل رأى رجلين من غير قريش\" يعنى في إصابة الصواب فيكون أبو حنيفة ومالك وغيرهما على النصف من الشافعى في إجابة الحق فيتعين لهذا أيضا الانتساب إلى مثل هذا الإمام ثم بعد هذا إذا نظر العالم إلى المسائل وأصولها وفروعها وجد أصول الشافعى ﵁ موافقة للكتاب والسنة مؤيدة بهما مستمرة على الإخبار إذا وجدها استمرارا صحيحا مستقيما ويتبع الصحيح منها ويدع الرأى حين يجده فلا يأمر بعرض حديث على قياس ولكن يأمر بعرض القياس على الأحاديث فإن وجدها معترضا على خبر من ذلك حكم برده وقدم الحديث ويقول بطرح المراسيل والمناكير ويعرض عن رواية المجاهيل ولا يفرع إلا على أصل صحيح وفى القياس يطرد القياس طردا ولا يدعه باستحسان ولا يمنع أيضا في موضع يمكنه استعماله فيه ويطلب المعانى المؤئرة والأشباه الصحيحة ويطلب المعانى المؤثرة في العلل ليكون برىء الجانب.\nمسألة١: من المناقضة الموحشة وفى كلام كثير وخطب عظيم لكنا اقتصرنا على هذا القدر وأشرنا إلى طرف منه والله ولى التسديد بمنه وعونه ويتلوه إن شاء الله ذكر مسائل وفصول اختصر أبو زيد بإيرادها في أوصله والكلام عليها والله المعين.\nواعلم أنا قد أتينا على مقصودنا من الكلام في أصول الفقه على ما ذكره الصحابة وأوردنا الصحيح من ذلك على سبيل التحقيق لا على سبيل المجاز والتجوز على ما يفعله كثير من المتفقهة وحين فرغنا من ذلك فقد ذكر القاضى أبو زيد الدبوسى في آخر كتابه الذى صنفه في أصول الفقه وسماه تقويم الأدلة فصولا لا توجد في سائر الأصول وللفقهاء حاجة إليها خصوصا في الطريقه التي هى معهودة الوقت فأحببت إيراد ذلك والكلام عليه في المواضع التي يجب الكلام عليها فيكون مخالفا لأصولنا التي تبنى عليها التفريعات لنزول حيرة السامع لذلك حين يسمعه ويعرف وجه الكلام عليه إذا احتاج إليه ونسأل الله تعالى المعونة في ذلك والتأييد بمنه بدأ يذكر [فصلا] ٢ في خبر أهلية الآدمى لوجوب الحقوق الشرعية وهى الأمانة التي حملها الإنسان قال: لا خلاف أن الآدمى يخلق وهو أهل لإيجاب الحقوق عليه فإنه يخلق وعليه عشر الأرض\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار كلمتين.\n٢ بياض في الأصل","vol":"2","page":369},{"text":"وخراجها بالإجماع وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز واختلفوا فيما سقط عنه بعذر الصبى كما يسقط بعذر الحيض عن الحائض لا أنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمى أهل الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب هو الذمة.\nيقال: وجب في ذمته كذا ولا يضاف الوجوب إلى غيرها والآدمى كما خلق خلق وله ذمة أترى أن الطفل إذا انقلب على مال إنسان فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف البهيمة وكذلك يلزمه مهر أمراته وسائر حقوق الناس وإنما عرف وجوهها بالشرع ولأن الذمة عبارة عن العهد فالله تعالى لما خلق الإنسان ليتحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة حتى صار أهلا لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة والحرية والمالكية بأن حمل حقوقه وثبتت عليه حقوق الله تعالى التي سماها أمانة كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة ثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين في الدنيا والآدمى لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق الا وهو أهل لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه ولأن هذه الحقوق الشرعية التي تلزم الآدمى بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبرا وشاء أو أبى وإذا لم يتعلق الوجوب عليه بتمييزه واختياره لم يفتقر الوجوب إلى قدرة العمل ولا قدرة التمييز.\nألا ترى: أن الصلاة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل من يوم وليلة ثم قال: لا يجوز أن يقال: إن وجوب الحقوق بالخطاب بل الوجوب بالأسباب التي جعلها الشرع أسبابا للوجوب وليس بالأمر والخطاب والأسباب هى ملك النصاب للزكاة والأراضى العشرية للعشر والأراضى الخراجية للخراج والبيت للحج والأوقات للصلوات وشهر رمضان للصوم والآيات الدالة على الله تعالى للإيمان والنكاح للمهر والشراء للثمن والقرابه للنفقة ويجوز ذلك ثم الخطاب بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك لغيرك اشتريت عبدا بألف درهم فأد ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقولك أد الثمن. بل قولك أد الثمن طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: ليؤد الواجب عليه بشهود الشهر وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: أدوا ما يلزمكم بأوقاتها وهذه الأسباب قائمة في حق البالغ والصبى على السواء فلا ينبغى أن يقع الفرق بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما سقط عن الصبى كان بعذر يسقط بمثله بعد البلوغ تيسيرا علينا لأنه ليس بأهل له وإنما يفارق الصبى الذى لا يعقل","vol":"2","page":370},{"text":"العاقل في وجوب أداء ما لزم ذمته بأن تعلق من صاحب الحق بالأمر والخطاب وغير العاقل ليس من أهله فلا يلزمه الأداء إلا على ما نذكر بعد هذا وهذا كما قيل إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ لأنه لا يقدر عليه ولا يعلم به وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا على سبيل الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه.\nفأما الوجوب في الذمة فصحيح بدون اختيارنا فلم يكن من شرط صحته إلا قدرتنا ولا علمنا به.\nقالوا: ولا يجوز أن يقال: إن الوجوب للأداء لا لنفسه فلا يجوز الإيجاب على من لا يقدر على الأداء فإن الوجوب بالأداء لا يتعين حال الوجوب بل يجوز بعده بزمان إما أداء وإما قضاء فصح الإيجاب على ما من حالة قدرة الأداء والقضاء في الجملة والصبى من تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه. فإن قيل: وأى واجب علينا في باب العبادات البدنية سوى الأداء قلنا: قال: الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه والواجب اسم ما لزمه في ذمته بالإيجاب والأداء فعل العبد الذى يسقط الواجب عنه وإنما هذا بمنزلة رجل استأجر خياطا ليخيط له ثوبا بدرهم فليلزم الخياط فعل الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما لزمه بالعقد والأداء بالخياطة وكان الفعل المسمى واجبا في الذمة غير المؤدى حالا بالقميص وكذلك دراهم مؤداة عينا بدراهم في الذمة فيكونان غيرين لا محالة فإن قيل: أرأيت لو مات الولد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء لم نجعله أنه أمانة الله ﷾ واستحقاق الجزاء في الآخرة.\nقلنا: اختلفوا في هذه المسألة روى عن أبى حنيفة أنه توقف في جواب هذه المسألة.\nوحكى عن محمد أنه قال: إنما أنا أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدا بغير ذنب وقد جاءت الأخبار بأن الأطفال يكونون شفعاء لآبائهم يوم القيامة فأما الخلاف بينهم في وقوع الحمل عليهم على ما مر اختلافهم في الجزاء لا يدل على خلافهم في الحمل فالجزاء يقابل الأداء لحمل الأمانة فإنها تقع عليها بإيجاب الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء لوجوب الصلاة علينا بل الأداء.\nويحتمل أن يقال: بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم أهلهم لذلك باستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء وأنابهم كرما وألحق غير المؤدى بالمؤدى بعذر العجز بمنزلة البالغ يدركه وقت الصلاة وهو لا يجد ما يتطهر به فإنه يلزمه","vol":"2","page":371},{"text":"الصلاة ولا يؤاخذ إذا مات قبل الأداء ويثاب وهذا لأن الإيجاب شرعا بنى على ظاهر الحال لا على ما يكون في الغيب ولظاهر الحال كل صبى ممن يرجى منه الأداء أرأيت طفلا له أرض عشرية ولا ولى له أليس يلزمه العشر أو الخراج إن كانت خراجيه وإن مات قبل أن يلى عليه أحدا ويقدر بنفسه وكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه.\nفإن قيل: قد قال النبى ﷺ: \"رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يحتلم\" ١ الخبر قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة وإنما يدل على سقوط أداء الوجوب لأن القلم للحاسب والحساب على ترك ما عليه من الأداء لا على الوجوب في ذمة فإن الواجب إذا تأجل لم يؤاخذ العبد به والوجوب قائم ألا ترى: أنه قرنه بالنائم والنائم يلزمه الصلاة في ذمته ولا يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبى هذا كلامه في هذا الفصل أوردته على الوجه.\nواعلم أن هذا الفصل الذى زعمه وهو أن وجوب العبادات لا يكون بالخطاب بل إنما يكون بالأسباب قد بينا من قبل أن هذا خطأ عظيم وإنما الوجوب بالأمر والأوقات المذكورة علامات وأمارات للوجود وذكرنا الدليل على ذلك بأوضح مما يكون فلا معنى للإعادة.\nفإن قالوا: نحن نقول إن الموجب هو الله تعالى لكن بهذه الأسباب لأن هذه الأسباب مجعولة أسبابا من قبل الله تعالى. قلنا: إذا اعترفتم أن الأسباب من قبل الله تعالى فيكون الأمر أدل على الإيجاب من السبب فيكون إحالة الإيجاب عليه اولى من إحالته على السبب وهذا لأن أمر الرب ﵎ مؤثر في الإيجاب على العبد لأن للموالى أن يستعملوا عبيدهم في أوامرهم فإما وقت يمضى ومكان يتغير وبيت يبنى ولا يعرف لهذه الأشياء تأثير في إيجاب شئ على أحد والذى ذكر من كون الذمة محل الوجوب.\nقلنا: بلى ولكن بالأمر والخطاب لا غير.\nوقولهم: إن الأمر بالصلاة إنما يقتضى الأداء فحسب.\nقلنا: يقتضى الأداء ويقدم الوجوب كما بنيا في أمر السيد وعبده وإذا ثبت أن\n_________\n١ أخرجه أبو داود: الحدود \"٤/١٣٩\" ح \"٤٤٠٣\" والدارمي: الحدود \"٢/٢٢٥\" ح \"٢٢٩٦\" وأحمد: المسند \"١/١٧٥\" ح \"١١٨٧\".","vol":"2","page":372},{"text":"والوجوب بالخطاب فكل من ثبت في حقه الخطاب ثبت الوجوب ومن لم يثبت في حقه الخطاب لم يثبت في حقه الوجوب إما بصغر أو جنون أو نوم.\nونقول على هذا في النائم والمغمى عليه والحائض إنما يجب عليهم كما يجب بعد اليقظة والإفاقة والطهر من الحيض.\nوهذا لأن القضاء يجب بأمر جديد لا بالأمر السابق فاستقام أن يجب على هؤلاء هذه العبادات بعد زوال الأسباب المانعة في الخطاب ووجوبه باسم القضاء لا يدل على أن الوجوب ثبت عليهم في حال النوم والإغماء وحال الحيض لما بينا أنه وجب بأمر جديد لا بالأمر الأول غير أنه لولا الأمر الأول وامتناعه بالعوارض المعلومة لم يجب شئ بهذا الأمر الثانى. فمن هذا الوجه سمى قضاء فيمكن أن يقال: إن الإيجاب ليس إلا إيجاب الأداء فإذا سلموا بثبوت الأداء بالخطاب فقد سلموا أن أصل الوجوب بالخطاب لأنه لا يعرف الوجوب إلا وجوب الأداء وقد قررنا هذا في الخلافيات وهذا لأن الأمر لا يكون إلا لفائدة ولا فائدة للإيجاب إلا الأداء فدل أن الإيجاب ليس إلا أيجاب الأداء ويقال لهم: أيش وجب عليه؟ ولا يمكنهم أن يحققوا وجوب شئ عليه بأى معنى ذكروا سوى فعل هذه الأشياء أصلا.","vol":"2","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>فصل: في حين الخطاب شرعا</span>\n...\n\"فصل\"١:\nثم ذكر بعد هذا الكلام في حين الخطاب شرعا قال: لا خلاف أن حين الخطاب شرعا حين البلوغ عن قدرتين: قدرة فهم الخطاب بالعقل وقدرة العمل وهو بالبدن بدليل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولا وسع إلا بعدها بين القدرتين وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] أى ضيق.\nوقال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أى الثقل فدل رفع الحرج والإصر على رفع ما لا يطاق بطريق الأولى فدلت آية الوسع أنه لا تكليف. لأول حال الأدمى لأنه لا قدرة له أصلا ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما يعقل لأنه يخرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء إلى أن يعتدل عقله وقدرته فيشق عليه الفهم والعمل به ثم وقت الاعتدال متفاوت في جنس بنى آدم فلا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكليف عظيم فوقت الله تعالى بحال تعتدل لديه العقول في الأغلب على سلامة الفطرة من الآفات وهو البلوغ فقام البلوغ شرعا مقام اعتدال العقل فتوجه لديه\n_________\n١ بياض في الأصل.","vol":"2","page":373},{"text":"الخطاب وإن لم يعتدل وسقط قبله وإن اعتدل دفعا للحرج الذى كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال بالتجربة لكل صبى.\nقال: وقد بينا إقامة الأسباب مقام العلل وتعطيل العلل في أنفسها تيسيرا.\nقال: وقد أيد هذا القول قول النبى ﷺ: \"رفع القلم عن ثلاثة\" الخبر والقلم لا يكون إلا للحساب ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما قلنا أن الحساب لا يكون إلا على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء بالخطاب ونحن نقول هذا الذى ذكره هذا الفاضل تكليف عظيم ولا حاجة إلى هذا التكليف أصلا لأنا قد بينا أن الوجوب بالخطاب والخطاب وجد من الشرع بعد البلوغ لا قبل البلوغ ويجوز أن يقال: إن العمل إنما يكمل بعد البلوغ. فأما قبل البلوغ فلا. فاعتبرنا ما يغلب وجوده في بناء الخطاب عليه وسقط ما يندر وجوده.\nوأما العشر والخراج والزكاة على أصلنا فنحن نقول: إن الإيجاب على الصبى اعتبار نيابة الولى عنه وهذا ممكن في العبادات المالية لجريان النيابة فيها فأما في العبادات البدنية فلا يمكن لأن النيابة لا تجرى فيها وفى هذه الأشياء المالية يكون أيجاب فعل الشئ وأيفائه إلا أنه يستقيم بما يتأدى في حق الصبيان والمجانين بالطريق الذى بينا ومثل هذا لما لم يسقم في العبادات البدنية قلنا إنها تسقط أصلا ثم ذكر بعد ما حكيناه فصلا في بيان ما أسقط من الحقوق بعذر الصبى رحمة أما الأول أمره فللعجز الحقيقى وفيه الحكمة وأما بعد ما عقل فللحرج وأنه رحمة وأنه بمنزلة ديون على معسر فيكون أصل الحق على الغريم وحق الأداء ساقط إلى أن ينقضى الأجل الثابت بالعشر ولأن سقوط الخطاب بالأداء يدل على سقوط وجوب الأداء فإن الوجوب في الذمة لا يوجب الأداء عقيبة بحال.\nألا ترى أن من باع عبدا بألف درهم وجب الألف ولا يجب الأداء إلا بعد الطلب وكذلك إذا استأجر رجلا ليخيط له ثوبا بدرهم وجب عليه ولا يجب الأداء في الحال حتى ينقضى مطالبه فكذلك حق الله علينا فإن قيل: أليس لا يحل تأخير المغرب١ عن أول الوقت ولا تأخير العصر٢ إلى آخره ولا عن الوقت؟ قلنا: ثبت ذلك بخطاب غير\n_________\n١ ذكر ابن قدامة المقدسي أن المغرب لا خلاف في استحباب تأخيره في غير حال العذر وأنه قول أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم قاله الترمذي انظر المغنى \"١/٤٠٣\".\n٢ صلاة العصر تعجيلها مستحب بكل حال عند عمر وابن مسعود وعائشة وأنس وابن المباركوأهل المدينة والأوزاعي وروى عن أبي قلابة وابن شبرمة أن تأخيرها أفضل انظر المغنى \"١/٤٠٢\".","vol":"2","page":374},{"text":"الوجوب عليه بدخول الوقت.\nألا ترى أن الفقهاء اختلفوا في التأخير بقدر بما ثبت عندهم من الدلائل مع اتفاقهم على أصل الوجوب بدخول الوقت وأما التأخير عن الوقت فتفويت لعين الوجوب إلى ذيله وتفويت الحق تعدى زائد عن ترك الأداء فيحرم كإتلاف عين الغير عنده ولهذا لا يأثم الصبى ولا يحاسب وكذلك إذا استوصف الله تعالى في حال صباه فلم يصف لا يكون كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان ولا أداء عليه حال الصبا ولذلك إذا لم يستدل بالإيمان حتى بقى على جهله وإن كان في حكم المسلمين كالذى لا يعقل.\nفإن قيل: إذا أسلمت امرأة الصبى الكافر عرض عليه الإسلام عندكم وإذا أبى فرق بينهما.\nقلنا: ذلك السقوط الذى ذكرناه في حق الله تعالى رحمة منه دون حق العبد لأن النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى سقط عنه الأداء لحق الصبى تضرر به ألاخر فلم يسقط ونحن نقول في هذا الذى ذكره أن هذا كله بناء على الأصل الذى زعمه في الابتداء وقد تكلمنا عليه وعلى أنه يجوز أن يقال إن الخطاب سقط عن الصبى رحمة لكن الفرق بين البدنية والمالية بما سبق من قبل.\nوقد تبين مناقضة في ابتداء كلامه فإن عندهم إن ردة الصبى صحيحة مثل ما يصح إسلامه ثم قالوا في الصبى إذا استوصف الإسلام فلم يصف لا يحكم بكفره.\nوقالوا في البالغ في مثل هذه الصورة يكفر فعندهم ترك وصف الإسلام ردة بدليل البالغ ومع ذلك لم يكن ردة من الصبى.\nوقولهم: إن الأداء ساقط عنه لعذر الصبى.\nقلنا: إذا سقط فعل الإسلام عن الشخص لا يبقي عليه واجب آخر لأن الواجب لم يكن إلا فعل الإسلام ثم من وجب عليه الإسلام ثم لا يؤمر بالإسلام هذا مما لا يعقل ولا يتصور وجوده ولا نفيه.\nثم ذكر فصلا في بيان ما يسقط من حقوق الله تعالى بأصله قال: حقوق الله تعالى أربعة:\nالنظر في الآيات الدالة على الله تعالى ثم الاعتقاد على ما توجبه الدلائل ثم","vol":"2","page":375},{"text":"العبادات ثم الأجزية وقال علماؤنا: وجوب الأجزية والعبادات ساقط عن الصبى أصلا١ ووجوب النظر في الآيات والاعتقاد حقا لله تعالى غير ساقط وإنما الساقط عنه الأداء\nوقال الشافعى وجوب البدنى ساقط عنه ووجوب المالى غي ساقط عنه وتفسير الاعتقاد ما يتأتى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وتفسير العبادة ما يتأدى بفعل البدن تعظيما لله تعالى بطاعته إياه وتعتبر الأجزية ما شرع جزاء على أفعال محظورة في الجملة والبدنى من العبادات والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالى منها ما لا يتأدى إلا بالمال.\nأما الشافعى ﵀ احتج وقال: أجمعنا على أن العشر يلزمه وفيه معنى العبادة حتى لم يجب على الكفار وكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا يلزمه الصلاة٢ والصوم٣ لأن الجنس الأول بدنى والثانى مالى ولأنا ذكرنا أن الصبى أهل للوجوب عليه بذمته وإنما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر ولو لم يسقط عنه الواجبات في مدة الصبا وهى مدة مديدة ثم كان يلزمه القضاء بعد البلوغ لكان يخرج والله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج فأسقطهما عنه أصلا نفيا للحرج كما أسقط الصلاة عن الحائض بعذر الحيض لأنها تحيض كل شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم يسقط القضاء بقى عليها أبدا فكانت تخرج في القضاء ولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر السقوط على البدنى دون المالى لأنه يتأدى بالنيابة فلا يقع العجز عنه لقيام ولى الشرع مقام ولى ثبت بأمره بعد البلوغ فقال يلزمه الزكاة وكفارة القتل وكفارات ارتكاب محظورات الإحرام وكل ما صح سببه في حق الصبى وأما كفارة اليمين فإنه لا يلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعا بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعا. وقال: إسلام لا يصح لأنه بدني والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من الأحكام بإسلامه واجب شرعا ولا وجوب قبل البلوغ لأنه وجب بدنيا وكذلك الردة لا تصح من الصبى لأن الردة قد تعلق أحكامها بترك الإسلام الواجب ولا وجوب في حق الصبى فلم يعتبر في حق أحكام الدنيا ولا يلزمنا إذا صلى الظهر ثم بلغ في الوقت أو أحرم بالوقت ثم\n_________\n١ وهو قول أهل العلم لا خلاف انظر المغنى \"١٠/٥٨١\".\n٢ انظر المغنى \"١/٤٠٩\".\n٣ انظر المغنى \"/٩٠\".","vol":"2","page":376},{"text":"بلغ قبل الوقوف أنه يقع عن الفرض لأنا أسقطنا عنه الوجوب رحمة ونظرا له دفعا للحرج عنه والنظر له في هذه الحالة أن لا يسقط الوجوب لأن الفرض لزمه لما بلغ قبل مضى الوقت وكذلك فرض الحج يلزمه الوقوف إذا بلغ الوقوف بعرفة فمتى جعل الوجوب عليه من حال صباه [يزفه] ١ بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم يجعل على الوجوب بقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يؤدى ثانيا وهذا كما قلتم في المعاملات أن قبوله للهبة يصح وهبته لا تصح لأن في الهبة ضررا وفى قبوله نفعا.\nوقلنا: نحن: إن صدقته باطلة ووصيته بالصدقة صحيحة لأن الصدقة في حال الحياة مضرة في الحال ومنفعته بعد الممات لأن الملك يزول بالموت لولا الصدقة.\nوقلنا جميعا: إن نفل الصلاة مشروع في حقه دون الفرض لأن شروع النفل نفع محض أن فعل ينتفع به وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض مضرة من وجه وهو المؤاخذة على الترك ولا يلزمنى إبطال قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مسوقا له من قبل الولى وقعت الغنيمة به عن ترك الأصل المجتهد في بابه فإنه لاستيفائه النظر له كما لا يجوز بيعه ما ساوى درهما بألف درهم وفيه نفع لأنه مما استوفى له ذلك بالولى.\nقال: والحجة لعلمائنا أنه لما سبق ثبت أن الصبى مثل البالغ في أهلية الوجوب وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما في البالغ لم يسقط إلا ما احتمل أن لا يكون مشروعا حقا لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التي تحتمل النسخ والتبديل وثبوتها مشروع بعد البلوغ في وقت دون وقت وأما معرفة الله تعالى بصفاته لا أن لا يكون ثابتا مشروعا حقا لله تعالى.\nألا ترى أنا لا نجد شيئا من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعذر ما بعد البلوغ فكان السقوط بعذر الصبا أولى لأنه رأس الأعذار لأنه في أول أمره لا يقدر أصلا ولا يتم قدرته ما لم يعتدل قوامه ولأن سقوط ما سقط عن الصبى لم يكن إلا للعجز عن الأداء دفعا للحرج عنه حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد البلوغ ووجوب أصل الإيمان عليه لحال الصبا لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ولأن الصبى مثل البالغ في صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب في حقه.\nوالدليل عليه حقوق العباد وهذا لأن السبب لا يعتبر صحيحا شرعيا بنفسه وإنما يعتبر\n_________\n١ هكذا في الأصل.","vol":"2","page":377},{"text":"صحيحا بحكم فإذا وجب صحيحا لا بد أن يكون حكمه فإنه متى تخلف عنه حكمه أصلا لم يكن السبب سببا وإذا عرف هذا والآيات الدالة على الله تعالى لا يتصور أن لا يكون أنه على [....] ١ العالم للمستدلين ولا حدث العالم لم يتصور إلا يكون دلالة على محدث وكذلك ما يتعلق بها في وجوب النظر فيها علينا ولا يجوز أن لا يكون ساقطا بحال وإن كان يسقط الأداء عنا لعقد شرط الأداء من القدرة فأما وقت الصلاة فيجوز أن لا يكون سببا للوجود ولم يكن كذلك قبل الشرع فجاز أن لا يثبت شيئا في حق الصبى وكل معذور سقط عنه الوجوب وكذلك أسباب الأجزية ما صارت أسبابا إلا شرعا ولولا الشرع ما كانت أسبابا ولا عللا في نفسها فثبت أن الصبى إنما يسقط عنه وجوب ما يحتمل أن لا يكون في نفسه حقا لله تعالى واجبا دون ما لا يحتمل ثم المالى والبدنى من العبادات سواء وكذلك الجزية لأن العبادة اسم لنوع فعل ابتلى الآدمى بفعله تعظيما لله تعالى مختارا لطاعته على خلاف هوى نفسه لا على سبيل الإكراه والجبر لأنه يجازى على وفاق فعله ولا جزاء يستقيم في الحكم مع الجبر فإنه لا فعل للمجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء.\nألا ترى أن الحقوق التي تجب يستحقها فيما بيننا بإزاء الأفعال لا يثبت إلا لمن يفعله مختارا بنفسه أو نائب عنه يثبت نائبا بأمره واختياره إلا أنا في البدنى ابتلينا بفعل يتأدى بالبدنى وفى المالى ابتلينا بفعل يتأدى بالمال إما فعل لسان نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالى مرة يتأدى بمباشرة الإنسان وتارة بغيره ولا بد أن يكون الفعل مضافا إليه على سبيل الاختيار ولا يتصور الاختيار عن الإنسان إلا أن يكون الولى عنه بأمره فأما إذا ثبت شرعا لا بالاختيار من الإنسان فيكون كإعطاء الإنسان خيرا فلا يكون عبادة.\nقال: والخصم ذل خاطر قلبه عن اختيار الصدقه الاختيارية وأما الأجزية فلا تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقا لله تعالى والانتهاء أداء حق النهى كالائتمار أداء حق الأمر وقد ذكرنا أن الصبى غير مخاطب بحقوق الله تعالى لا ائتمار ولا انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه العقوبات البدنية وإذا لم يكن عليه الانتهاء لم يلزمه ما شرع من الجزاء على مخالفته واعتبره بإثم الآخرة ولهذا لا يحرم الصبى القاتل الميراث لأنه شرع جزاء على قتل محظور كالكفارة على ما قلنا فى\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار كلمة.","vol":"2","page":378},{"text":"موضعه لأن هذه الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل شرعنا والصبى مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة عليه ولهذا قلنا: إن الصبى إذا أحرم يصح في حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف عن محظوراته ولا يلزمه الكفارة ويمكنه نقضه لأن اللزوم في الإحرام حكم ثبت شرعا ويحتمل [أن يكون] ١ ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ بالإحصار والرق والنكاح وكذلك الكفارة سقطت عندكم بعذر [الإكراه] ٢ والنسيان فلأن تسقط بعذر الصبا أولى ولهذا قلنا: إن الصبى إذا أحرم ثم ترك وجامع لم يلزمه القضاء٣ كما قال الشافعى في البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل ولأن اللزوم حق ثبت لله تعالى شرعا ويجوز أن لا يكون فلا يثبت في حق الصبى. قال: ولا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه في الصبا لأن الوجوب شرع في حقه حال البلوغ فيكون بمنزلة رجل صلى أربع ركعات قبل الزوال ثم ترك ثم شرع في الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن الشروع بعد الأداء ما سبق وتكلم في مسألة وصية الصبى. وقال: إنها باطلة لأنها تمليك بعد الموت بلا عوض فإنه في عوضه ضرر كما لو وهب في حال الحياة وإنما انقلبت نفعا باتفاق حالة الموت فلم تعتبر وأما قبول الهبة تصح في الصبى إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفته التصرف ما ثبت إلا نظرا له كيلا يخدع في ماله ونفسه ولا يغبن وليس في قبول الهبة مخافة غبن فلا يثبت الحجر في حقه وصار قبول الهبة محض نظر. قال: ولهذا قلنا: يصح إسلامه لأن الوجوب كان ثابتا على ما مر أنه لا يحتمل السقوط فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن الواجب لا محالة وأن لم يكن مخاطبا بالأداء كالصلاة لأول الوقت والصوم في السفر والدين المؤجل وما للأداء في الشرع حد الصحة إلا أن يعتقد وحدانية الله تعالى عن معرفة ويشهد بلسانه أنه كما اعتقد والخلاف في صبى يتصور منه ذلك مثل ما يتصور إذا كان بالغا قال: وعلى هذا ردة الصبى فصح أيضا وزعم أن ما يحتمل ألا يكون إلا حقا مستحقا لله تعالى فلا يعتبر فيه المضرة والمنفعة بل يكون مشروعا في حق البالغ والصبى على السواء وإنما يختلفان في وجوب أداء الشرع فإن\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل ٠\n٢ ثبت في الأصل \"المره\".\n٣ مسألة: إذا فسد حج الصبي هل عليه قضاء قولان عند الشافعية أظهرهما: نعم لأنه إحرام صحيح فوجب بإفساده القضاء كحج التطوع انظر روضة الطالبين \"٣/١٢٢\".","vol":"2","page":379},{"text":"الأداء يلزم دون الصبى إذا صار الإسلام مشروعا وجوبه حقا لله تعالى على الصبى لأنه يحتمل غير ذلك وكذلك وجوب حرمة الردة لا يحتمل غير ذلك فاستوى فيه الصبى والبالغ فصح ذلك في الصبى كما يصح منه الإسلام إلا أنه لا يلزمه الجزاء المشروع في الدنيا على الردة لأن الجزاء المتعجل في الدنيا يحتمل أن لا يكون مشروعا على أن القتل في حق المرتد مشروع لصيرورته حربيا كافرا حتى لا تقتل المرأة لأنها ليست في أهل الحرب والصبى بمنزلتها وأما حرمان الإرث وفساد النكاح فليس بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما يثبتان بالكفر الأصلى.\nفإن قيل: أليس أن الصبى يؤدب إذا أساء فعله.\nقلنا: التأديب لا يقام جزاء على ما مضى بل تقويما في المستقبل. ألا ترى: أن الدابة تراض وتقوم تقويما وإصلاحا وتسوية الأخلاق بمنزلة الدواء لطلب الشفاء وبمنزلة الحجامة. فإن قيل: أليس يسترق الصبى وأنه عقوبة شرع جزاء للكفر. قلنا: الاستيلاء على المباح شرع سببا للملك كما في حق الصيود وأهل الحرب ما بهم عصمة فلا يكون ملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما في حق البهائم وإنما لم يملك عندهم بالاستيلاء العصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون زوال العصمة بالكفر حقيقة أو تبعا لأبوية بمنزلة زوال نعمة فلا يكون يكون عقوبة واجبة على [....] ١ زوال الصحة والحياة وسائر الكرامات.\nقالوا: وأما صدقة الفطر فتجب على الأب بسبب ولايته على رأس الصبى ومؤنته كما تجب على المولى بسبب رأس العبد حتى أوجبنا في العبد الكافر وأما جواز الأداء من مال الصبى فلأن وجوبها وجوب المؤنة عن رأسه والمؤنة تتأدى بولية جبرية كالخراج والعشر ولأنه شبهة لا في هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه فيه فأما العشر فمؤنة الأرض كالخراج ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر في حقوق الله تعالى صح تأدية بولاية جبرية على ما عليه الحق صح أخذ القاضى من البالغ كرها ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة وإنما يكون له ثواب ذهاب ماله في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصاب. فأما إذا كان الحق لله تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة فيه اسم للفعل ولا بد أن يكون فعله على وجه الاختيار ليثاب عليه ولا يجوز بدون فعل منه على اختياره. قال: ولهذا لا يجوز للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبها كرها كما يأخذ\n_________\n١ كشط بقدر كلمتين.","vol":"2","page":380},{"text":"ديون الناس.\nقال: ولهذا قلنا إنه لا يؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر وسائر حقوق الناس فصار المعنى الذى اعتبره الخصم للفرق بين المالى والبدنى حال عجز الصبى عن الأداء بنفسه معتبرا في حقوق غير الله تعالى والمالى بينهما يلزم الصبى دون البدنى. فأما الذى يجب لله تعالى فالمالى والبدنى فيه سواء وسقط عن الصبى ما يحتمل السقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمل وأما الأداء ساقط في الأحوال كلها هذا كلامه في هذا الفصل.\nونحن نقول: إن أصل هذا الكلام مبنى على مسألة الأسباب وقد سبق الكلام عليه وقد اشتمل كلامه الذى ذكره على مسائل منها مسألة زكاة الصبى وهو جعل حرفه في سقوط الزكاة عن الصبى دعواه أن الزكاة عبادة والعبادة لا تتأدى إلا بولاية اختيارية ولا تتأدى بولاية جبرية ويدخل عليه صدقة الفطر والعشر فإنهما عبادتان ومع ذلك قد تأدتا بولاية جبرية من غير اختيار أو علم يوجد لمن عليه وعذرهم عن المسلمين في نهاية الضعف لأنه إذا قال في صدقة الفطر أنها تجب على الولى لا الصبى فينبغى أن لا يجوز إعطاؤها من مال الصبى.\nوالذى ذكر أن محمدا لا يجوز وقد خالف أستاذه فهذا ليس بجواب والإلزام على أبى حنيفة وهو أستاذهم الكبير فحين يضيق بهم الخناق لا يترك لهم ترك مذهبه.\nوأما العشر فلازم أيضا.\nوالذى قالوا: إنه مؤنة الأرض.\nفيقال أيضا: إن الزكاة مؤنة المال والعشر مثل زكاة سائر الأموال لأنه زكاة وزكاه وكل دليل كون سائر أنواع الزكاة عبادة فكذلك يدل على كون العشر عباده.\nوعلى الجملة لا يتضح لهم فرق صحيح بين صدقة الفطر والعشر وزكاة المواشى هذا على أصلهم وأما على أصلنا فنقول: إن هذه الحقوق حقوق الفقراء وهى لهم ومعنى العبادة تبع فيكون حكمه مثل سائر حقوق بنى آدم وهذا فصل قد أحكمناه في الخلافيات ودللنا عليه بدلائل معتمدة وعلى أنا إن قلنا: إن الزكاة عبادة فيستقيم إيجابها على الصبيان والمجانين لأنها وإن كانت عبادة لكنها مالية والنيابة فبها جارية وكما يقوم فعل الولى مقام فعل الصبى فيقوم اختياره مقام اختيار الصبى وهذا لأن العبادة في الفعل لا في الاختيار الذى زعموه ومع ذلك صح إقامة فعل النائب مقام فعل من عليه وكان","vol":"2","page":381},{"text":"الفعل عبادة ممن عليه كذلك يصح إقامة نيته واختياره مقام نية من عليه واختياره وكان ذلك عبادة ممن عليه وهذا لأن الوجب حق مالى فاعتبر تصور أدائه من المال وتصور أدائه من مال الصبى مثل تصور الأداء من مال البالغ ونقصان المال في الموضعين على وجه واحد والابتلاء والاختيار يوجد إما باعتبار حال البلوغ إن لم يكن اتصل الأداء بالمال فيؤمر بالأداء بعد البلوغ أو بإقامة فعل الولى مقام على ما سبق بيانه.\nوعندي: أن الأول هو قولنا: إن الزكاة حق الفقراء وهو منزل منزلة سائر حقوق الآدميين ومعنى زيادة فيها تبع وإنما ابتنى فيها معنى العبادة لأن الله تعالى أوجبها ابتداء من غير أن سبق من العبد فيه شئ فيكون فيها مصلحة شكر نعمة المال مثل ما أوجبنا الصلاة والصوم فيكون فيها معنى شكر نعمة البدن فهذا الوجه أحد معانى العبادة لكن هذا المعنى تبع والأصل حق الفقراء لأنها واجب مالى والله تعالى خلق المال لنفع العباد وكلما وجب في المال لا بد أن يبقى فيه المعنى الذى خلق له أصل المال وذلك نفع العبد فلهذا أوجب الزكاة للفقراء نفعا لهم وإذا أوجب لنفعهم كان حقا لهم وعلى هذا وقع الفرق بين هذا وبين العبادة البدنية لأنها لم تجب لنفع أحد من الآدميين فتمحض حقا لله تعالى.\nوأما مسألة إسلام الصبى فقد بيناها أيضا وعلى وجوب الإيمان ينصب الدلالات وهذا ليس بصحيح بل وجوب الإيمان بإيجاب الله تعالى ولا إيمان يجب على الصبيان لأن الله تعالى لم يوجبه عليهم وقوله إن الإيمان لا يحتمل أن لا يجب.\nقلنا: على المكلفين فأما على غير المكلفين فيحتمل أن لا يجب عليهم ببينة أنه كما لا يحتمل أن لا يكون غير مشروع في الأصل فلا يحتمل أن يكون مشروعا في حق شخص ثم لا يجب عليه فعله ثم قد بينا في مسألة إسلام الصبى وجه عدم صحته من الصبى من طريقين مخيلين مؤثرين فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تلك المسألة ولم تجب الإعادة هاهنا لوقوع الغنيمة عن ذلك بذكره في الفروع والأولى فيما يرجع إلى الأصول أن نبين أن الوجوب لا يثبت في حق الصبى أصلا لأنه بالخطاب يكون الوجوب والخطاب عنه ساقط وإذا سقط الخطاب سقط الوجوب وأما الوجوب بما نصب من الآيات والعلامات فلا يجوز لأن الآيات والدلالات توجد قبل وجود الشرع ولا وجوب.\nفإن قالوا: يجب قبل ورود الشرع فالدليل على فساده ما سبق ولأن الأمة اختلفت","vol":"2","page":382},{"text":"على قولين في هذه المسألة فقال بعضهم يجب الإيمان بالفعل.\nوقال بعضهم: يجب بالسمع ولم يعرف قول ثالث والذى قالوه إحداث قول ثالث في هذا أنه وجب بالآيات والعلامات فيكون خلافا للأمة فلا يسلم لقائله ذلك ثم ذكر فصلا في حيز صحة عبارات الصبى شرعا وقال لا خلاف أن عباراته فاسدة قبل أن يعقل ويميز لأن الكلام وضع للتمييز بين السمعيات ولن يتصور ذلك إلا بعد المعرفة عن عقل ولهذا لم يتعلق بكلام النائم والمجنون والمغمى عليه حكم ولا خلاف أنه إذا ميز وعقل يصح كلامه حتى إذا قال: أنا جائع سمع منه وأطعم وكذلك إذا دعا ربه أثيب عليه ويصح أذكاره في صلاته كما لو كان بالغا وإنما اختلفوا فيما أفسد عليه شرعا نظرا ورحمة كما لا يصح منه فرض العبادات نظرا له.\nقال علماؤنا: عباراته في الأصل صحيحة لا فيما يضره ويتوهم لحوق الضرر به.\nوقال الشافعي ﵀: عباراته فاسدة شرعا فيما صار موليا عليه فيها فأما فيما لم يصر فثابت له إلا أن الشرع حجره عن الاستيفاء نظرا له حتى لا يخدع كما سقط عنه الفرض نظرا له فلم يثبت الحجر فيما يتمحض نفعا كما لم ينعدم الشرع في حق نوافل العبادات التي تتمحض نفعا فعلى هذا لا يصح قبول هبة منه لأنه مولى عليه فيها وهى نفع محض لأن الملك يزول إلى خلف له وهو الثواب وإذا وقعت الفرقة بين الأبوين وقد بلغ سبع سنين خير وعمل باختياره أيهما اختاره لأنه يعرف الذى هو أرق له وأعطف عليه وهذا الاختيار نفع محض والشرع لم يجعله موليا عليه فيه.\nوقال: لا تصح عباراته في البيع لا لنفسه ولا لغيره لأنه مولى عليه فيها ولا يصح طلاقه وإقراره لأنه ضرر.\nقال: ولعلمائنا أن كون الإنسان فاسد العبارة من أعظم النقصان لأنه امتاز عن غيره من سائر الحيوانات بصحة العبارات حتى قيل إن المرء بالتعزية بقلبه ولسانه. وقيل: لسان الفتى نصف ونصف فؤداه فلا يجوز أن نفسد على الصبى بعد إصابته شرط الصحة إلا على سبيل النظر له وذلك في دفع ما يتعلق به في المضار عنه وإذا ثبت هذا الأصل.\nقلنا: لا ضرر عليه في صحة قبول الهبة والصدقة والوصية فيصح كما قال الخصم في صحة وصيته بالصدقة.\nوأما قوله: إن كونه موليا عليه ينافى ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر في باب حقوق الله تعالى.","vol":"2","page":383},{"text":"قال: فلا يصح هبته ولا صدقته لأنها من المضار وكذلك بعد الموت لا يصح أيضا لما بينا وكذلك لا يصح اختياره في الحضانة لأنه يتضرر بين ضر ونفع ولربما يختار الذى يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه لا محالة لأن طبعه ينفر عمن يؤدبه ويحمله على التخلق بآداب الشرع والمروءة ويميل إلى من يدعه للهو وارتكاب الهوى فكانت عبارته في هذا الباب كعبارته في باب التجارة التي تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل بها.\nوقال علماؤنا: يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة في الدارين بحق الإسلام وكرامات الآدميين كلها لحق الدين ولا شك أن الخير فيه فوق ما في نوافل العبادات.\nفإن قيل: ولربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح.\nقلنا: لا عبرة لهذه الزوائد التي ليست من أحكام أصل الدين بل تثبت بواسطة أخرى وحالة يتفق بدلائل تفسد إسلامه وإن تعلق به الإرث وصحة النكاح نحو أن كانت أسلمت امرأة الصبى الكافر وعمه مسلم لا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام يعصم نكاحه ويرث عمه وعلى أن حرمة النكاح والإرث حرمة تثبيت مضافة إلى كفر الكافر منهما على ما بينا في موضعهما.\nقال: وتنعقد التصرفات كلها بعباراته كما تنعقد بعبارة البالغ وينفذ إذا كان وكيلا عن أهلها لأنه لا ضرر عليه في انعقاد التصرف نحو الوكالة لأنه لا عهدة تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على مابينا فلا تثبيت الحجة في حقها.\nوإذا ثبت أنها تصح في حال الغير بإذن الولى صحت كذلك في حال نفسه بإذن الولى من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان في ماله وهذا اللزوم جعل من الصالح إذا حضره رأى الولى بدليل أن الولى لو فعله بنفسه أو أمر به غيره صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظرا له وقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل موليا عليه لماله من النفع في تصرف الولى عليه بذلك ولا ضرر في صحة عبارته في ماله وكان النظر آن يكون صحيح العبارة مع ثبوت الولاية للمولى ليثبت له نفعها من طريقين فثبت أن ما قلناه أولى الوجهين.\nفإن قيل لو شهد الصبى لم تقبل١ وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه بها حكم.\nقلنا: العبارة صحيحة ولكن مع هذا لا يكون حجة على غيره كما لو شهد العبد أو شهد الكافر على مسلم وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره وإنما يتعلق بكمال الحال\n_________\n١ انظر روضة الطالبين \"١١/٢٢٢\".","vol":"2","page":384},{"text":"في ولاية مع صحة العبارة هذا كلامه في هذا الفصل وهذا الفصل أكثر كلام فيه يتصل بتصرفات الصبى وقد وضع هذا الرجل لأصحابنا كلاما وتكلم عليه ونحن قد بينا هذه المسألة في خلافيات الفروع وذكرنا طريق سلب أهلية التصرفات وكان اعتمادنا في ذلك على نقصان عقل الصبى واعتمدنا على ثبوت النظر له من قبل الشرع ومن النظر له أخراجه عن أهلية التصرفات الدائرة بين النفع والضر حتى يكمل عقله ويعلم خيره من شره ونفعه من ضره على التمام وقد ذكرنا تقرير هذا بحيث يشفى الصدور ويزيل الإشكال.\nوأما كونه موليا عليه في هذه التصرفات فهو كلام حسن لكن ليس بما يستدل ابتداء في هذه المسألة ولكنه يدخل في أثناء الكلام لتقرير الكلام والله أعلم.\nثم ذكر فصلا في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام. قال: حكم الشرع إنما يلزم بعد بلوغنا إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف نفسا إلا وسعها ولا وسع إلا بعد العلم فسقط أصلا ضرر ما يحتمل النسخ لقصور الخطاب دفعا للحرج كما سقط بالصبا وقد روى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد ما حول القبلة إلى الكعبة فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى الكعبة فاستداروا كهيئتهم ولم ينكرها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] وهذا فصل لا خلاف فيه ثم البلوغ نوعان حقيقة إسماع وحلم لشيوع في قومه فإن النبى ﷺ أمر بتبليغ الناس القرآن كافة وما أمكنه التبليغ إلى كافة الناس وإنما بلغ أكابر كل قوم في جماعتهم وكان مؤديا بذلك حكم الأمر فيكون الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه ولأن الخطاب متى شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في الحجة من قومه وإذا لم يطلب حتى جهل كان بتقصير منه ولم يصر ذلك الجهل له عذر أو صار كأنه علم ثم لم يعمل. ألا ترى أن الواحد منا لو لم يعلم الشرائع وجهلها لم يعذر ويلزمه كلها لشيوعها في دار الإسلام وكذلك الذى إذا أسلم وهو لم يعلم بالصلاة لزمته ولو أسلم الحربى في دار الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن الخطاب غير شائع فيها. قال: وهذا كما قال علماؤنا فيمن أذن\n_________\n١ أخرجه البخاري: الصلاة \"١/٦٠٣\" ح \"٤٠٣\" ومسلم: المساجد \"١/٣٧٥\" ح \"١٣/٥٢٦\" بنحوه.","vol":"2","page":385},{"text":"لعبده في التجارة وشاع إذنه ثم حجر عليه لم يثبت الحجر في حق أهل السوق حتى يحجر حجرا عاما ولهذا قالت الأمة في الحربى يتزوج أختين معا أو على التعاقب ثم فارق إحديهما ثم أسلم بقى نكاح الباقية صحيحا وإن كانت الأخيرة هى الباقية لأن خطاب التحريم قاصر عنهم فبقوا على الحال الثابت قبل الخطاب وكذلك لو تزوج وثنيا ثم فارق الأولى منهن ثم أسلم بقين على الصحة ولو وقع فاسد في الأصل لم ينقلب صحيحا بالإسلام وكذلك لو تزوج في عدة من كافر أو تزوج بغير شهود. وقال أبو حنيفه: لو تزوج الكافر محرما ودخل بها لم يسقط إحصانه وكان بمنزلة ما لو تزوج مجوسية.\nوكذلك الجواب في أهل الذمة في مسائل الجمع والنكاح بغير شهود بلا خلاف لأن أهل الذمة وإن كانوا في دار الإسلام فالخطاب قاصر عنهم لأن الخطاب إنما يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا يصير حجة عليهم بحق الشرع بل يقدر ما عهدوا عليه ولأن الخطاب من الله تعالى بأن أمر رسول الله ﷺ بدعوة الكافر إلى الإيمان بالله ورسوله فإن أبوا فبأى الذمتين فيمن جعل لهم الذمة وأى دين يتدينون؟ إلا ما استثنى عليهم فإذا دعاهم إلى الذمة بشرطها فقد بلغهم خطاب الشرع في حقهم فلا يلزمهم ما يتبدل من أحكام الله بهذا الشرع إلا ما كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله تعالى ولهذا لا يحدون على شرب الخمر وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على ملك الأثمان لم تتفرع الأثمان من أيدى متملكيها بالعقود ولم تنقض تلك البيوع ولو وقعت فاسدة لأبطلت عليهم الإسلام وصاروا بحيث لا يقرون على الفاسد كما لو أربوا ثم أسلموا قال: وقال علماؤنا إذا أتلف مسلم عليهم الخمر ضمن لهم كما لو أتلف الخل لبقاء الخمر في حقهم على ما كان قبل التحريم قال: وإنما قال الشافعى لا يضمن لأن الحرمة ثابتة في حق المسلم وديانتهم لا تكون حجة على المسلم ولا قصور الخطاب في حقهم يبدل حكم الخطاب في حق من بلغه وكذلك إذا أتلف الذمى على ذمى [فتحاكموا إلى] ١ قاضيا لا يلزم قاضيا الحكم بما عندهم.\nقال: وجوابنا أن الحكم بما عندنا وعندنا أنه مال متقوم في حقهم وقال أبو حنيفة: لا يفسد نكاحهم المحرم بمراجعه أحدهم لأن دليله المراجع لا يكون حجة على الآخر هذا كلام وهذا فصل يأتى في مسائل كثيرة من الخلافيات وقد ذكرها وذكرناها ونحن\n_________\n١ بياض في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":386},{"text":"نقول: إن الخطاب المبتنى على شرع الإسلام بأجمعه قد لزم الكفار إلا في مواضع يسيرة أخرجها الشرع من الخطاب لدلائل قامت على ذلك فقد دللنا على هذا الأصل من قبل.\nوأما قوله: إن الخطاب قاصر عنهم فهو لفظ باطل والبلوغ إنما هو ببلوغهم رسالة نبينا ﷺ وقيام الدليل على صحتها وثبوتها وقد تظاهرت الدلائل القاطعة على ثبوت نبوة نبينا محمد ﷺ ولهذا لم يبق لأحد عذر في العالم بترك قبول الإسلام ولأجل قيام الحجج وتظاهر البراهين والأدلة ينزل جميع الكفار منزلة المعاندين المكابرين ولولا أن الأمر على هذا الوجه لعذروا بالجهل وقد اجتمعت الأمة أنه لا عذر لأحد في شئ من الإسلام وشرعه وإن تعلق متعلق بتقريرهم على كثير من الأشياء فذلك من حكم الوفاء بالعهد لا من حيث قصور الخطاب عنهم في شئ ما وإن تعلق متعلق بالأنكحة فصحتها كان يعارض دليل لا من حيث إن خطاب الشرع قصر عنهم أو لم يبلغهم بل إنما حكمنا بصحتها لأنا لو لم نحكم بصحتها أدى إلى مفسدة عظيمة تعود إلى الإنسان وقد كان نبينا ﷺ ولد كافر وكذلك عامة الصحابة ﵃ فإذا قلنا إن أنكحتهم لا تصح إذا عقد على غير شرط الشرع كان يؤدى ذلك إلى اعتقادنا أن النبى ﷺ وسائر الصحابة خلقوا من أنساب فاسدة محرمة وكان يؤدى ذلك إلى القدح والطعن في أنسابهم وقد ورد الشرع بإثبات نكاحهم نصا. قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] فقد أثبت [كونها زوجته] ١ وقال النبى ﷺ: \"ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح\" ٢ وقال ﷺ: \"أنا ابن عبد المطلب\" ٣ وقال: \"نحن بنو النضر بن كنانة\" ٤ فلمثل هذه الدلائل حملتنا الضرورة على الحكم بصحة أنكحتهم ولم\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ ذكره ابن حجر في التلخيص وقال: رواه الطبراني والبيهقي من طريق أبي الحويرث عن ابن عباس وسنده ضعيف ورواه الحارث بن أبي أسامة ومحمد بن سعد من طريق عائشة وفيه الواقدي ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا بلفظ \"إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح\" ووصله ابن عدي والطبراني في الأوسط من حديث أنس وإسناده ضعيف انظر التلخيص \"٣/٢٠٠، ٢٠١\" ح \"٤\".\n٣ أخرجه البخاري: الجهاد \"٦/٨١\" ح \"٢٨٦٤\" ومسلم: الجهاد \"٣/١٤٠٠\" ح \"٧٨/١٧٧٦\".\n٤ أخرجه ابن ماجه: الحدود \"٢/٨٧١\" ح \"٢٦١٢\" وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. لأن عقيل بن طلحة وثقة ابن معين والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم وأحمد: المسند \"٥/٢٥٠\" ح \"٢١٨٩٨\".","vol":"2","page":387},{"text":"يكن ذلك لقصور الخطاب عنهم. وأما سقوط حكم الشرب فلم يكن لهذا أيضا بل إنما كان لأن الكافر شرب الخمر معتقدا إباحته فشرب الخمر باعتقاد إباحتها كفر والكفر لا يوجب الجلدات بحال ولأنه قد أعطى عوض الحقن عن إباحته الثابتة نسب الكفر وهو الجزية فلا يجب عليه شئ آخر.\nوأما قصة أهل قباء فنحن لا ننكر مثل ذلك في ابتداء الخطاب ولأنه لا يثبت إلا بالسماع فأما في حق الكفار فقد وجد البلوغ قطعا من حيث البلوغ لأنهم قد كفروا بخروج نبى يدعو إلى الله بشريعة مخصوصة والدليل [أنهم] ١ على لزومهم ذلك ولم يبق لهم عذر أصلا والدليل على هذا [الجماع الأمثل] ٢ إجماع الأمة على تأثيمهم في [كل ما خالفوا] ٣ من الذى جاء به النبى ﷺ ولو قصر الخطاب عنهم أو لم يحكم ببلوغهم ذلك لم يتصور الإثم والدليل على ما ذكرنا أيضا إقامة الحدود على أهل الذمة في أرتكاب المحرمات على ما يوافق شرع الإسلام فدل أن الخطاب قد بلغهم وأن اللزوم قد ثبت في حقهم وأن اعتقاد قصور الخطاب وعدم البلوغ اعتقاد باطل وشئ مخترع لا يمكن إقامة دليل عليه مستقيم على أصول الشرع وقواعده والله الموفق للصواب.\nثم ذكر فصلا في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ. قال: هذه الأعذار أربعة أنواع الجنون والعته نوع وهو عذر عدم العقل ونقصانه. والنوم ولإغماء نوع وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع قيام أصوله. والنسيان والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار الطبيعية نوع فإن العقل ينعدم معها بسبب الترك مختار. والرابع قسم الرق والحيض فإنه مما ينعدم به شرع بعض العبادات حكما فيثبت العجز شرعا لا طبعا وقد قال بعضهم: الأعذار الاثنا عشر.\nالنوم والاغماء والاكراه والصبا والجنون والعته والسكر والحيض والنفاس وهما واحد والمرض وعدم السماع والنسيان والخطأ.\nقال أبو زيد: أما الجنون فهو بمنزلة الصبى قبل أن يعقل الصبا إذا طال الجنون وبمنزلة النوم إذا قصر والعتة بمنزلة الصبى بعد ما عقل الصبى لأن المعتوه هو الذى اختلط\n_________\n١ بياض في الأصل.\n٢ هكذا ثبت في الأصل.\n٣ بياض في الأصل.","vol":"2","page":388},{"text":"كلامه فكان بعض كلام العاقل بعض كلام الغافل بعض كلام المجنون وكان ذلك الاختلاط لنقصان عقله كما يكون في حق الصبى إلا في حق العبادات فإنا لم نسقط به العبادات.\nوأنا أقول: إن هذا الكلام باطل لأن العته نوع جنون إلا أنه يعقل قليلا وهو في التأثير في العقل أكثر من الصبى بعد أن عقل فإذا كان ذلك يمنع وجوب العبادات فالعته أولى بالمنع. وقولهم: إن الجنون إذا قصرت مدته يكون كالنوم كلام باطل أيضا لأن العقل قائم في النائم زائل في المجنون رجعنا إلى كلامه.\nقال: وأما السفه بعد البلوغ فلا يوجب الحجر لأن السفه ليس بنقصان العقل وإنما هو مكابرة العقل بغلبة الهوى وقد نهاه الشرع عن اتباع الهوى فلا يصير اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل عذرا لم يوجب الحجر نظرا له ولم يجعل السفيه وإن كان مغلوبا هو له كالمكروه الذى هو مغلوب لغيره لأن ذلك عذر عند الله تعالى وهذا لم يجعل عذرا عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع ولو لم تساعده نفسه وإنما يصير مغلوبا بالمساعدة للهوى مختارا ونحن قد أجبنا عن هذا في مسألة المحجور عليه بالسفه ذكرنا طريقة توجب الحجر على السفيه.\nقال: وأما النوم والإغماء فنوع واحد وهو فترة بعارض منع من أستعمال العقل مع قيامه وحكم النوم تأخير حكم الخطاب في حق العمل به لا سقوط الوجوب أصلا على ما قال ﵇: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها\" ١ ولما ذكرنا أن نفس العجز لا يسقط الوجوب أصلا وإنما يسقط وجوب العمل إلى حين القدرة إلا أن يطول فيسقطه دفعا للحرج والنوم لا يمتد عادة بحيث يخرج العبد في قضاء ما يفوته في حال نومه لأنه عادة لا يمتد مع الليل يوما كاملا إلا يستيقظ فيه وإنما يكون بالليالي والإغماء بمنزلته إلا في حق الصلاة فإذا كان مدة ست صلوات سقط القضاء لأن الصلاة تتكرر إذا كانت ستا وفى ذلك حرج والإغماء يمتد هذا القدر من المدة فيجعل مسقطا لوجوب الصلاة دفعا للحرج. بمنزلة الجنون وكان الإغماء كالنوم في حق الصوم والزكاة لأنه لا يمتد في العادات شهور وسنين وفى الصلاة كما ذكرنا.\nفإن قيل: إن السكر بمنزلة الإغماء ولم يتأخر به الخطاب.\n_________\n١ أخرجه البخاري: المواقيت \"٢/٤٨\" \"٥٩٧\" ومسلم: المساجد \"١/٤٧٧\" ح \"٣١٥/٦٨٤\" بنحوه.","vol":"2","page":389},{"text":"قلنا: إن السكر يحصل بسبب هو معصية وهو شرب الخمر المسكر واجتماع ذلك الحرام في معدته لم يجعل عذرا شرعا على ما عرف في غير هذا الموضع وأما باب النسيان فيتعلق به انعدام فعل ما أمر به لعدم القصد إليه. بسبب النسيان للعجز. إلا أن القصد لا يتصور منا إلى فعل بعينه قبل العلم به كقصده ديار زيد لا يتصور بدون زيد وقصد صوم رمضان قبل العلم به لا يتوصر وكذلك قصد استعمال الماء لا يتصور إلا بعد العلم به فصار في حكم العجز وإن نفيت القول الغريزية معه وصار أيضا في حكم النوم لأنه آفة مخلوقة جبلية كالنوم وقد قرن رسول الله ﷺ بين نسيان الصلاة والنوم عنها على ما مر ذكره إلا أن يكون نسيانا عن لهو أو لعب فيؤاخذ به كالنوم عن سكر ولهذا قلنا: إن من نسى الماء في رحله وهو مسافر فتيمم يجزئه لأنه عجز عن استعماله بالنسيان كما يعجز بعدم الماء فيسقط به خطاب استعمال الماء إلى الخطاب بالتيمم.\nقال: وأما كلام الناس إنما يبطل الصلاة لأن أصل حظرية الكلام لا ترتفع بالنسيان وإنما بما ينبنى في الحرمة فحسب حتى لا يأثم إلا أن فعل الكف عن الكلام شرط لصحة الصلاة فلا يتأدى بدونه كما لو نسى الطهارة وصلى بدونها لم يأثم ولا تجوز صلاته.\nقال: ونقول أيضا: أن القياس أن يفسد الصوم بأكل الناسى وكذلك الخطأ في حكم النسيان بدليل أن المخطئ لا يأثم ولهذا استثنى الله تعالى الخطأ من الحظر في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٥٢] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ للتحريم وقد استثنى منه ما يكون خطأ فثبت أنه في حكم المباح في حق الفاعل.\nقال: ونقول إن كلام المخطئ صحيح مثل كلام العامد فإن يمين المخطئ صحيحة مثل يمينه وكذلك نكاح المخطئ وطلاقه وعتاقه ونذره وكل ما لا يبطل بالهزل لا يبطل بالخطأ لأن الموجب لصحة كلامه شرعا قائم مع الخطأ وأما البيع خطأ فلا ينبغى أن يلزم الهزل والكره لأن الشرع بنى لزومه على التراضى مع صحة المعاقدة ولا رضى إلا بعد قصد صحيح.\n[قلنا] ١: عقد يلزمنا حكمه بلا شرط رضى وبقى الخيار لعدم الرضى نفسه.\nقال: ولنا إذا أسلم الشفعة خطأ بطلت الشفعة لا بالتسليم فإنه يخطئ غير راض به ولكن يترك الطلب كما لو سلمت لوم يلزم ولهذا لم يلزم القاتل الخطأ الكفارة وتحريم الإرث ولو سقط بالخطأ حرمة القتل أصلا ما لزمه حكم القتل المحظور وكذلك الكره\n_________\n١ بياض في الأصل.","vol":"2","page":390},{"text":"بمنزلة الخطأ أو دونه لأن المكره محظور بما فعله قاصد إياه لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما عليه عن علم وقصد إلا أنه قصد فاسد لأنه قصد لا راضيا به [وتفويته إتيانه] ١ بل أوقع الشر عن نفسه فلا يحكم إلا بالفساد ولعدم القصد ولا يقع هدرا وإنما يبطل به ما يتعلق لزومه بالرضى كالبيع والإجارة وما لا يلزم مع استثناء الخيار أوقع الهزل وأما يمين المكره ونكاحه وطلاقه وعتاقه فلازم وكذلك الكلام مكرها في الصلاة يبطلها وكذلك الأكل في الصوم مكرها أو سبق الماء إلى حلقه خطأ يفسده.\nقلنا: لم يهدر حكم وكذلك من ارتكب محظورا من محظورات الحج خطأ أو مكرها لزمته الكفاره\nفإن قيل: أليس المكره على القتل لا يقتل عندكم. قلنا لم يهدر حكم الفعل فإن القصاص واجب به لكن لم يجب على الفعل كرها بحكم انعدام الفعل منه فإنه جعل المكره الذى حمله عليه كأنه قبض على يديه وقتل بيده إنسانا على ما بينا في موضعه وكذلك وجب على الذى أكرهه لأن الفعل أضيف إليه ومتى انعدم الفعل لم يكن عدم حكمه بالكره لكن بعدم القتل كما لو لم يفعل بغير كره.\nوأما فعل لا يستقيم أن نجعل المكره المباشرة آلة للمكره فالفعل لا ينقل عنه وبقى مقتصرا عليه على ما بينا في موضعه وإذا بقى عليه وصار فاعلا لزمه حكمه إلا ما يبطله الهزل والأقوال كلها لا يمكن أن يجعل الفاعل عن كره آلة فيه للآمر إذا أمر ولا يمكنه التكلم بلسان غيره وأما القتل فيمكن بيد غيره والأكل والزنا مثل الأول وسائر الإتلافات مثل الثاني.\nقال: وأما الجهل فمثل الخطأ والنسيان لأن الجهل بالحق لا يكون للجهل بدليله وسبب وجوبه فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف بل كما يكون من المخطئ والناسى ويكون الجاهل عاجزا حكما كالناسى ويكون الجهل عذرا يؤخر حكم الخطاب ولا يسقط الوجوب أصلا كالخطأ والنسيان ولهذا قيل: إن العبد إذا عمل باجتهاده في حادثة لا نص فيها عنده ثم بلغه نص بخلاف رأيه لم يأثم على ما مضى ولزمه نقض ما مضى باجتهاده ولو سقط أصلا بالجهل ما لزمه النقض كما لو ترك النص بعد رأيه في زمن الوحى. هذا كلامه في هذا الفصل نقلته على ما كان في أصله.\n_________\n١ كلمتين غير مقروءتين في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":391},{"text":"ونحن نقول في هذه المسائل على خلاف ما ذكروا أما النوم فلا يسقط الفرض بحال١ لأنه لا يزيل العقل ويجوز أن يقال إن الواجب عليه بعد اليقظة ولا يجب في حال النوم جريا على ظاهر الخبر وأما الإغماء فإنه يسقط الفرض لأنه مما يزيل العقل.\nفإن قالوا: كيف يقال إنه يزيل العقل وهو جائز على الأنبياء.\nقلنا: جاز على الأنبياء لأنه يزول في مدة يسيرة وذلك لا يخل بأمرهم فأما إذا طال ووصف بالجنون فلا يجوز لأنه يخل بأمرهم وأما الفرق الذى قالوا في الصلاة وإنه إذا استوعب ست صلوات سقط وإذا لم يستوعب لم يسقط.\nففرق لا يعرف وإنما هو محض تحكم على الشرع والحرج الذى قالوه ليس بشئ لأنه لا حرج في قضاء ست صلوات والمراد في نفى المذكور في القرآن [...] ٢ شيئا لم يجعل لهم من ذلك مخرجا.\nفأما الناسى فلا خطاب عليه في حال النسيان وقد بينا أن الكلام [الناسى] ٣ يبطل الصلاة وأكل الناسى لا يبطل الصوم وكذا في كل موضع وجد النسيان فيه فإنه مؤثر في إسقاط الخطاب وطرد [.....] ٤ هذا الشافعى ﵀ وهو صحيح على قواعد الشرع.\nوأما مسألة التيمم إذا رأى الماء في رحله وأنه لم يجز تيممه لأن الله تعالى علقه بالعدم وهناك هو واجد لأنه إذا كان الماء موضوعا في رحله غير أنه نسى موضعه فهو واجد له غير أنه غفل موضعه ولأن رحل المسافر موضع الماء ولو طلب وجد وأى عذر له في ترك الطلب وإن لم يتذكر كما لو كان في قرية عامرة وعدم الماء مكانه ونسى أن يطلب فتيمم فإنه لا يجوز لأن القرية معدن الماء ولو طلب وجد فلما كان العجز بسبب هو قصر فيه لم يجعل عذرا وأما الإكراه فهو عندنا معدم للرضى والرضى شرط في كل العقود ليلزم حكمها لأن هذه الحقوق إنما تلزم بإلزامه إياها فلا بد من رضاه بلزومها ليلزم وقد بينا صحيح هذه الطريقة في طلاق المكره وأجبنا عن فصل الخيار.\nوأما الذى ادعوه في مسألة الإكراه على القتل وقوله إن المكره آلة وهذا أيضا أصل باطل لأن المكره عاقل بفعل ما يفعله عن قصد صحيح فلا يتصور أن يكون آلة لأحد\n_________\n١ انظر المغنى \"١/٤١١\".\n٢ بياض في الأصل بمقدار خمس كلمات.\n٣ بياض في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٤ بياض في الأصل بمقدار ست كلمات.","vol":"2","page":392},{"text":"وتنزيل عاقل بالغ منزلة خشبة يستعملها في أفعاله محال.\nوأما قولهم: إنه يحمل عليه من قبل المكره ويفسد قصده.\nقلنا: فساد القصد لا يعرف ولا يعقل والقصد عمل القلب وهو في المحسوس كأعمال الجوارح فتكون صحتها بوجوبها وهذه كلمات أحكمناها في خلافيات الفروع فلا معنى لإعادتها في هذا الموضع.\nثم ذكر فصلا في الحيض والرق فقال: إن الحيض لا يوجب حجرا من حيث ذهاب قدرة القلب بعلمه وعقله أو قدرة البدن ولكنه يوجب عجزا حكميا من حيث فوات الشرط بالأداء في الصوم والصلاة وهو دون العجز الذى يثبت بالنوم وكان القياس أن لا يسقط أصل الوجوب بل يؤخر.\nإلا أنا أسقطنا الوجوب به بشرع ورد به وذلك بغلبة الحرج فإن الحيض تعتاده النساء في كل شهر والصلوات تتكرر في كل يوم فلو أمرناها لتضاعف الوجوب عليها ولحرجت في ذلك فسقط بسبب ذلك الحرج كما يسقط بالجنون الممتد وهذا المعنى معدوم في حق الصوم فلم يسقط. والرق من هذا القبيل لأنه مما ينعدم به شرط بعض العبادات كالكفارات المالية فإن ملك المال شرط لأدائها وهو لا يملك المال ما دام رقيقا وكذلك وجوب الحج يسقط عنه أصلا لا لعدم ملك الزاد والراحلة فإن الفقير إذا أدى جاز وكان فرضا بخلاف العبد ولكن إنما لم يجب على العبد لعدم ملك المنافع التي يتأدى بها الحج فإنها عبادة بدنية ومنافعة قد صارت لمولاه إلا ما استثنى الله تعالى في باب الصوم والصلاة ولم يستثنى في باب الحج لأنه لا وجوب بلا زاد ولا راحلة ولما لم يستبن صارت للمولى فلا يعود إليه [.....] ١ كما لا يملك منافع غيره ولا سائر الأموال بتمليك المؤن ولا يصح الأداء بمنافع [.....] ٢ كما لا يصح التكفير بمال المولى وكذلك يسقط بالرق إباحة نكاح الأربع من النساء والحدود التي تحتمل التنصيف [.....] ٣ وكذلك [.....] ٤ العدة والتطليقات وحق القسم وتبطل الولاية وما يبتنى على الولاية من الإرث والشهادة وهذا الكلام الذى قال في الابتداء لا بأس به ونحن نقول بذلك وأما الذى قال في آخر كلامه في التنصيف بالرق فنحن\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار كلمتين.\n٢ بياض في الأصل بمقدار كلمة واحدة.\n٣ بياض في الأصل بمقدار كلمة واحدة.\n٤ كشط بمقدار كلمة.","vol":"2","page":393},{"text":"نقول: إن الرق منصف لما يقبل التنصيف وهذا صحيح في كل ما يتبعض ويتنصف.\nفأما الذى لا يقبل التنصيف من الحل فنقول إن الحل في الأمة نكاحا مثل الحل في الحرة ولا ينصف لأنه لا يقبل التنصيف ولأن الرق يفتح باب الحل في محل الرق وما لا يوجد في محل الحرية فلأن يؤثر في الحل الذى يوجد قى محل الحرية أولى وهذا فصل في مسألة طول الحرة ومسألة الطلاق بالرجال والنساء وقد ذكرنا وجه قولهم في ذلك ووجه جوابنا عنه ثم ذكر فصلا في الكفر.\nفإن قال قائل: فإنكم لم تذكروا قسم الكفر.\nقلنا: الكفر ليس من جملة الإعذار ولأنه غير مسقط للخطاب عند أهل الكلام وهو مذهب الشافعى من الفقهاء ومذهب عامة مشايخنا من أهل العراق.\nوذكر مسألة خطاب الكفار بالشرعيات واحتج من الجانبين وقد سبق ذكرنا لها وأوردنا حجة الفريقين على التمام والكمال فاستغنينا عن الإعادة وهذا جملة ما ذكروه من الأعذار العامة في أحكام الشرع وقد أوردنا هذا على ما ذكروه وتكلمنا عليه بحيث ما يسر الله تعالى والله أعلم.\nثم ذكر القول في الحجج العقلية قال: وقد أجمع العقلاء على إصابة المطلوبات الغائبة عن الحواس بدلائل العقول كإجماعهم على إصابة الحاضرة بالحواس حتى أنك لا تكاد تجد أحدا خاليا عن الاستدلال بها لجديرا به وعقله حتى لم يكن السمع حججا إلا باستدلال عقلى ولا يقع الفرق بين المعجزة والمخرقة والنبى والمتنبئ إلا بنظر عن عقل وكذلك تعرف النار مرة ببصرك ومرة بدخانها مستدلا عليها بعقلك لا طريق للعلم إلا طريق الحواس أو الاستدلال بنظر عقلى في المحسوس ليدرك ما غاب عنه.\nقالوا: ولا خلاف في هذا بين العقلاء وإنما اختلفوا بعد ذلك.\nوقال بعضهم: لا يعرف الله تعالى بمجرد دلائل العقول حتى تتأيد بالشرع.\nوقال بعضهم: يعرف ويجب الاستدلال قبل الشرع.\nوقال بعضهم: لا يستقل بهذا لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول فلا معنى للاشتغال بها.\nقال: وقال علماؤنا: من لم تبلغهم الدعوة من الكفار لا يقاتل إلا بعد الدعوة وإن قوتلوا أو قتلوا لم يجب شيء.\nوقال الشافعي: يضمن.","vol":"2","page":394},{"text":"وقال أيضا: إنهم يعذبون في الآخرة فجعلهم كأطفال المسلمين.\nقال ولا نص عن علمائنا في المبسوط إلا ما ذكرنا من هدر الدماء وأنه لا يدل على التزام الكفر بترك الاستدلال فإن المسلم منافيهم عندنا ما يهدر دمه ما لم يجوز نفسه بدار الإسلام.\nقال: قال علماؤنا: إن الصبى إذا أسلم وعقل صح إسلامه ولو لم يستدل بعقله ولم يجر كلمة الشهادة على لسانه لم يحكم بكفره وإن امتنع بعد الاستنصاب بل كان في حكم المسلم ما لم يبلغ ولو امتنع بعد البلوغ كفر لأن خطاب الشرع بالأداء ساقط قبل البلوغ فصار معذورا.\nقال: واحتمل مثل هذا بعد البلوغ قبل أن تبلغه دعوة أحد فلا نحكم بكفره لجهله بالله تعالى وغفلته عن الاستدلال بالآيات ويحكى عن أبى حنيفه أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى في العالم من آثار الخلق فيحتمل أن يكون ذلك بعد ورود السمع بذلك. فقد حكينا أنهم عذروا الصبى لجهله.\nقالوا: وأما الذى قالوا إن الله تعالى لا يعرف بدون الشرع فقد ذهبوا في ذلك إلى أن العقلاء أجمعوا أن الأداء لا يجب إلا بعد ورود الشرع ولو كان العقل حجة كافية وجب قبل الشرع ولأنا نرى العقلاء مختلفين في إثبات القديم مع شدة تأملهم واشتهارهم بالحكمة ولا يعرف واحد منهم إصابة ما يتبين بالشرع ولو كان بالعقل كفاية لما اختلفوا فإن اختلفوا يجب أن يكون فيهم من أصابه وحين لم يعرف أن أحدا ممن طلب الحق بعقله أصابه على ما عرف بالشرع علمنا أنه لا يعرف بدون الشرع.\nقال: وأما الذين قالوا: إنه تقع الكفاية بالعقل ذهبوا إلى أن إبراهيم ﵇ قال لأبيه: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] ولم يقل [أوحى إلى] فثبت أن العقل بنفسه يهدى ولذلك الله تعالى أخبر أن إبراهيم ﵇ استدل بالنجوم فعرف ربه ﷿ وكان استدلاله حجة على قومه فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وليس في الآية من باب الوحى ذكر وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] ولم يقل نسمهم ونوحى إليهم. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ولم يقل بعدما أوحى إليه أو بلغته الدعوة فثبت أن العذر ينقطع بالعقل وحده ولو لم يكن فيه كفاية لما انقطع العذر.","vol":"2","page":395},{"text":"قال: وقول من قال: إن الله تعالى لم يدعنا والعقول فذلك رحمة من قبل الله تعالى وتفضل منه وربما يقولون بعث الرسول لبيان تتمة الدين.\nببينة: أن الله تعالى لم يدعنا ورسولا واحدا وقد كانت الحجة قائمة لرسول واحد منهم.\nقالوا: وأما اختلاف العقلاء فقد وجد اختلاف العقلاء بعد دعوة الرسل أيضا على أن من لم ينل ذلك لتقصير في اجتهاده والمقصر في اجتهاده لا ينال كان الحقيقة وكذلك الغالى يتعداها وإذا جاء الوحى والعصمة عن التقصير والغلو صار الدين واحدا.\nوأما الذين قالوا: إن الاستدلال لا يجب قبل الشرع فقد احتجوا بالشرع والعقل. أما الدليل من قبل الشرع قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] الآية وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ وقال عقيب قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] فأخبر أن الإهلاك كان ظلما وهذه الآيات دالة على أن العذر لا ينقطع بمجرد العقل لأن الهوى غالب على الإنسان وطرق هوى الدين محضة تحت غالبة الهوى ومنام القلب والغفلة في دلائل العقل وفى تنبهه عن مؤلم الغفلة بالشرع حرج عظيم أكثر مما يحرج الصبى العاقل بسبب نقصان عقله لإدراكه ما يدركه البالغ من الخطاب المسموع. وقد أخبر الله تعالى لأن لا حرج في الدين وقد ذكر الرسول ﷺ أن الخطاب ساقط عن الصبى مع وجود العقل ويمكنه من الاستدلال فكذلك بعد البلوغ يسقط أيضا بمجرد العقل لأنه لا تفرقة بين الحالين من حيث العقل. ألا ترى: أن العبادات كما سقطت بعذر الصبى سقطت بعذر الجهل عمن أسلم في دار الحرب ولا يعلم بالعبادات ولأن النفس بهواها غالبة [.....] ١ في أول الفطرة وإذا حدثت حدثت مغلوبة إلا من شاء الله من الخواص وإذا كانت مغلوبة بقيت العبرة للراجح وبقى الحكم على ما كان قبل العقل حتى يتأيد العقل بالوحى فيرجح على الهوى حينئذ فلا يجوز في الحكمة التزام العمل حسا والعامل مغلوبا بالمانع حسا فكذلك لا يحسن إلزام العمل بالحجة والحجة\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار خمس كلمات.","vol":"2","page":396},{"text":"مغلوبة مدفوعة بغيرها.\nقال: وهذا القول قول بين القولين من التقصير والغلو فقصر من أنكر وجود الله تعالى بدلالات العقول وحدها وغال من التزم بالاستدلال بالوحى ولم يعذر بغلبة الهوى وهو من الله تعالى وقرب من الإنصاف من قال: إن الله تعالى يعرف بدلالات العقول وحدها ولكن لا يجب فعل الاستدلال إلا بشرع والحق بالشرع ونفس العقل لا يميز بين امرأة عقلت وحاضت لتسع سنين وصبى عقل وبلغ أربع عشرة سنة ونصف بل حال الصبى أكمل من حال البالغة بحيضها بالتسع سنين.\nببينة: أن العاقل لا يرى بناء إلا عرف لها بانيا ولا يعرف نقشا إلا عرف له ناقشا ولا يعرف صورة إلا عرف لها مصورا فكيف يعذر بعد رؤية الصورة في جهله بمصورها وإذا لم يعذر فلا بد أن تقع المعرفة بفاعل الصورة فقد تنبه بعقله وكيف ينكر هذا والله تعالى يقول حاكيا عن الكفرة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وكذلك لا ترى أحدا من الكفار إلا وهو يخبر عن الصانع إنما كفرهم كان لوصفهم الله تعالى بما لا يليق به من الولد والشريك وكان كفر بإنكارهم البعث بعد الموت للجزاء وكلامنا في نفس الجاهل للصانع عن ذكره وكيف يعذر والجهل جاء من استخفافه بالحجة بعدما لاحت له بلا تمثل فالبناء شاهد على البانى بلا تمثل في العقول والاستخفاف بالحجة فوق الغفلة عن سكر يقع بالخمر وأنه لم يعذر فهذا أولى بخلاف أول حالة العقل لأنه لأول حالة لا يتنبه لما يتنبه له الكبير ألا بجهد وحرج كالنائم يتنبه فلا يدرك لأول مرة ما يدركه بعد مدة فانتبه قام أن يعذره الله تعالى رحمة ثم قدر مدة العذر ولا يعرف ذلك بالعقل.\nقال: والدليل على أن التنبيه لا يقع لأول العقل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] ولم يذكر العقل وقال: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] وقيل: إنه السبب.\nوقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الروم: ٨] ولم يذكر الوحى بل عايبهم على ترك التفكر.\nوقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أخبره أنه يريهم الآيات حتى يتبين لهم أنه الحق فثبت أن اللبس لا يقع إلا بالاستخفاف بالحجة كما يكون بعد دعوة الرسل.","vol":"2","page":397},{"text":"قال: وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] وهو كلام توبيخ فيكون بأظهر الأمور وأعلاها وأما قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] أي حجة نفاذ ولا حجة تقبل وكذلك أخذ الله تعالى الميثاق لقطع حجة نفاد وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧] أى: لم يهلكهم بظلمهم حتى أرسل الرسول وظهر تعنتهم ولو أهلك لكان عدلا ولكنا أمهلنا إلى حين [.....] ١ عذاب الآخرة أى أخرنا عنهم العذاب إلى بعثة الرسل تأكيدا عليهم كما جعلناه بعد الحساب والشهود تأكيدا عليهم\nثم نذكر أقسام دلائل العقل الموجبة فقال: منها ما يدرك بدلائل العقول كحدث العالم ودلالة [.....] ٢ ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمل ونظر كدلالة العالم على صانع هو الله تعالى ولهذا اختلف العقلاء في ذلك لا لاختلافهم في استعمال النظر ولم يختلف في حدث العالم المحسوس.\nومنها: ما لا يكون دلالة إلا بتجربة كمعرفة الأدوية والأغلبة ولكن إذا دق المطلوب اختلف فيه الشبة.\nومنها: ما لا يكون دلالة إلا بمعرفة الحس كالنجوم على الطرق والجبال والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء في هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما يدرك بالحواس.\nواعلم أننا بينا المذهب الصحيح من قبل وقد ذكرنا أن العقل لا يوجب بنصه شيئا ولا يحرمه والذى ذكره فيه ضبط عظيم لأنه إذا اختار أن الله تعالى يعرف بمجرد العقل فيكون قد ناقض وارتكب مالا تتجه صحته لأنه إذا عرف بمجرد العقل وقد أعطاه العقل ولا يحتمل أن يكون واجبا على الخلق فوجب أن يجب عليه إذا كان قد أصاب العقل الذى هو طريق معرفة الله تعالى ولأنه إذا حقق دلائل العقول بنفسها فيجب شكر المنعم والنظر المؤدى إلى معرفة الله تعالى على ما قاله أهل الكلام وقد مهدوا لهذا قواعد لا بد لمن عرف بها أن يحكم بأن العقل بنفسه يوجب ولم أحب ذكر ذلك ولأنه ليس مما يتصل بهذا الكتاب والقول بين القولين إنما يستحب اختياره وسلوك طريق بين الغالى والمقصر إنما يكون أولى إذا أمكن تمشيته فأما إذا لم يمكن تمشيته فلا وعلى أنه قد ذكر أن الموجب للإيمان ليس هو الله تعالى إنما الموجب للإيمان\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار ثمان كلمات.\n٢ بياض في الأصل بمقدار سبع كلمات.","vol":"2","page":398},{"text":"هو الدلالات التي نصبها في العالم من رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال وخلق المنيرين والكواكب وغيرها وقد ذكرنا فساد هذه المقالة بل الصحيح والذى يليق بحكمة البارى تعالى ولطفه بخلقه أنه لا يجب الإيمان إلا بعد بعث الرسل وختم الأمر بالوحى الصادق إلى ما نصب من الدلائل الدالة عليه ثم بوجود معونته عليه وتوفيقه له فإن معرفة الله تعالى بصفاته التي هو عليها من أشق المعارف وأعسرها ولهذا ارتبك فيها أكثر الناظرين وتحيروا والتبس عليهم هذا الأمر بحقيقته وأيضا فإن عقلهم مشوب بالهوى وتنبههم غير تام لاستيلاء الغفلة عليهم وفجورهم راجح على تقوتهم فيكون نظرهم بهذه الأسباب مدخولا وفكرهم وارتيابهم معلولا ولهذا لم يخل العبد وعقولهم ولهذا لم يوجد أحد يهتدى إلى الحق على ما هو به بمجرد عقله وظهر لنا أن الحكمة الشرعية مقتضية على ما مهده واستنه ووضعه وهو إعطاء العقل آلة الإدراك ونزول الوحى الصادق بالأمر الصادق والتكليف ثم المعونة من الله تعالى من غير أن يخليه وأمره ويغنيه عن نفسه فإن أغناه عن نفسه فيما كلفه وأمره ويخليه ومحض معقوله لهلك بل هو مخالف بما عرف من تفضل الخالق مع خلقه وجوده وكرمه معهم ونظره لهم وهو الذى قلناه أيضا لا يعرف بمجرد العقل بلا لا يبصر إلا من أيده الله إليه بنوره ورفع بيده من ارتكابه في الظلمات ونجاه من المهاوى والمهالك التي هى [.....] ١ ويسأل الله مما لا وجود له إلا به ولا وصول إليه إلا بمعونته ومنه.\nثم ذكر فصلا في موجبات العقل دينا وقال يعنى بالوجوب: الوجوب في الذمة حقا لله تعالى لوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى وذكر أن هذه الواجبات أربعة: معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله تعالى بالإلهية ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى للجزاء الوفاق ومعرفة الدنيا وما فيها بالعبيد المبتلين بضرب يقع يعود إليهم فيها وذكر في هذا قصة طويلة وكلاما كثيرا فلم أر في ذكرها كبير فائدة فيما يرجع إلى أصول الفقة ثم ذكر محرمات العقل وجعلها أربعة أيضا: الجهل والظلمة والعته والسفه وزعم أن الجهل إنما يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح لا تنال غايتها بالحواس وبه غلب على ما في البر والبحر واستسخرها وادعى لنفسه كل شئ منها فيحرم بالعقل ما يفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذى فيه حياته وكما يحرم بالعقل ترك البصر\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار سبع كلمات.","vol":"2","page":399},{"text":"بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع يحتاج إليه ويحرم إطفاء السراج مع إرادته سلوك طريق لا يهتدى إليه بالسراج وإذا حرم الجهل حرمة الظلم لأن حقيقة الظلم وضع الشئ في غير موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله ويكون الأول تركا للرؤية كالذى لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر فيقبح منه ذلك والذى فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصدا كان الفعل منه أقبح ومثاله من باب الشرع من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا والذى تامل وعرف ورد تعنتا كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون وقارون حيث جحدوا بعدما اشتدت منة أنفسهم وأما العبث فيحرم أيضا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل ففيه أدنى مشقة فلا يحتمل عقلا إلا لفائدة أولى.\nومنها السفه لما أوجب مضرة كان أقبح من الأول لوجوب معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة من ضرر فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ثم ذكروا أربعة أخرى تحرم بالعقل وقال هى الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيه والإنكار بالصانع والإنكار بالعبث للجزاء. وذكر أن الطاغوت كل ما عبد من دون الله وأورد في هذا فصلا بعباراته ونحن نقول إن الفعل بمجرده لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا يفصل فيها تفصيلا بوجه ما والأصل أن كل ما ينال بفعله أو كل ما ينال بالانتهاء عنه السعادة الأبدية.\nقلنا: لايثبت سببا من الأمر به أو النهى عنه إلى مجرد العقل لما ذكرنا فلا نعيد.\nثم ذكر فصلا في مباحات العقول وهذا قد سبق الكلام فيه وهى المسألة المعروفة أن الأشياء أصلها على الحظر والإباحة أو على التوقف عن غير اعتقاد حظر ولا إباحة وهذه المسألة سبقت بجوانبها وحواشيها فلا نعيد ثم ذكر في آخره فصلا في أحوال قلب الآدمى قبل العلم وأحواله بعد العلم.\nقال: يولد الإنسان وهو بصير كالمجنون في عدم العقل ليس معه قدرة التمييز الذى بها خواطب الإنسان بهذه العلوم وضده العاقل لا العالم ثم يصير غافلا [.....] ١ عن نور في الصدر يبصر به القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر الحجج كما أن العيين إنما تبصر مع نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا عقل قادرا على البصر لكنه على جهل ما لم يبصر وضد الجهل العلم ثم ينظر نظرا ضعيفا فيصير شاكا والميل والشك\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار كلمتين.","vol":"2","page":400},{"text":"ضد اليقين وذلك كالشئ يبدو للعين إذا نظر إليه بدرا غير قوى فلا يميز الناظر إليه بين حقيقة وجود الشئ وبين خيال يميل العين ثم يبصر بعد ذلك نظرا فوق ذلك غير تام فيصير ظانا والظن في اعتقاد العلم احد وجهى الشك برجحانه على الآخر بهوى لا بدليل هو دليل على الحقيقة وضد الظن الحق على ما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] ثم إذا صار النظر على وجهه وميز بين الدليل وما ليس بدليل وطلب الرجحان لأحد وجهى الشك بالحجة ورجح ومال القلب إليه من غير تعلم فذلك مبدأ العلم فغالب الرأى والعلم الذى يقع بالمقاييس والاجتهادات التي تحتمل الخطأ وأخبار الآحاد ونحوها من الأدلة المجوزة وهذا يسمى علما لكنه على المجاز لقيام شبهة الخطأ واحتماله مع هذا الدليل واسمه على الخصوص من الحق لأنه ثبت عن دليل وضده الظن وإذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس ثم إذا جد في النظر وقعت الإصابة وزالت الشبهة من كل وجه صار عالما فصار حكم العلم رؤية للقلب المنظر فيه كرؤية العين المنظور إليه فالعلم للقلب صفة خاصة كالرؤية للعين وقد تستبعد الرؤية عن العين للقلب كالرؤية إنما تكون بتبدى المنظور إليه وكذلك العلم يتبدى المنظور فيه للقلب.\nقالوا: واللاعتقاد صفة زائدة للقلب بعد العلم يعلم ثم يعتقد الإنسان بقلبه على ما رأى.\nقال: وقد كان إبليس عالما بالله ولم يكن معتقدا والاعتقاد بالقلب كالطاعة للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم حمل بها فيكون الاعتقاد تصديقا بقلبه على ما علم وإن ترك الاعتقاد كان تكذيبا لقلبه.\nقال: ثم العلم الأول ما يقع للقلب يكون رؤية بالقلب فإذا دامت الرؤية وزال الاضطراب صار العلم معرفة كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبت بينهم المعرفة وإن كان قد ثبت العلم باول رؤية ولهذا يقال للبهائم عرفت كذا ولا يقال علمت كذا لأنها لا تعرف شيئا إلا بالعيان الذى يزيل كل اضطراب والعلم ما يكون [إلا] ١ بنظر القلب والاستدلال الذى هو دون العيان حتى إذا زال الاضطراب بدوام الصحبة قبل المعرفة وضد المعرفة نكرة وضد العلم الجهل ويقال علمت فلانا ولكنه ليس من معارفى إذا لم يكن بينهما صحبة فعلمنا أن المعرفة فوق العلم بزيادة صفة\n_________\n١ زيادة ليست في الأصل.","vol":"2","page":401},{"text":"للصحبة للقلب لا زيادة درجة الثبوت فإنهما سببان في اليقين ثم العلم بعدما يصير معرفة يتنوع إلى ضربين: علم الظاهر دون المعنى والباطن الذى فيه الحكمة وعند تأيد القلب به يصير معقولا له ويجرى مجرى الطبيعة فمتى نظر بدلالة عقلية وقف على الباطن [وتأيد] ١ القلب به بعد ما اطمأنت إليه [.....] ٢ فقهاء والفقه على ضربين ضرب علم أصيب باستنباط المعنى وضد الفقيه صاحب الظاهر وهو الذى يعمل بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى القياس حجة ولو كان العلم والفقه سواء لكان ضد الفقيه هو الجاهل لا عالم يعلم نوعا من العلم فإلى هذا تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى بغالب أنه من غير يقين فيميل إليه ثم تزول الشبهة فيصير علما حقيقة ثم ينزل علمه فيصير معرفة ثم ينظر في معناه وحكمته فيقف عليها فيصير فقها وقد فسر عبد الله بن عباس الحكمة بالفقه في جميع القرآن ولهذا نص بهذا الاسم العلماء الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون إلا بالوقوف على المعانى الباطنة غير أن الله تعالى يوصف بالعلم ولا يوصف بالمعرفة والفقه\nلأن العلم يبتدى المعلوم للعالم على حقيقته والله تعالى لا يخفى عليه شئ فكان عالما والفقه والمعرفة اسمان إلى العلم على ما مر ذلك وليس لله تعالى أحوال في صفاته وأسمائه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولا علم لنا إلا عن دليل والدليل قد يكون حسيا وقد يكون عقليا فالحسيات تشارك البهائم الأدميين في المعرفة الواقعة بها فإنها تعرف أولادها وأحبائها ومراحها ومسرحها لأن لها حواس كما في الآدميين إنما يفارق الآدمى غيره فيما لا يعرف إلا بدلائل العقل إلى آخر ما ذكره.\nوهذه الكلمات لا بأس بها وقد تمهدت لنا أصول وقواعد في الديانات بفروعها فما استقام عليها قبلناها وما لا يستقيم عليها رددناها والله الموفق للأرشد والأصوب.\nوذكر بعضهم فصلا في تباين ما خص الله تعالى الآدمى بها.\nقال: ومنها: الذمة اختص بها الآدمى من بين سائر الحيوانات وسميت رقبة الآدمى الحر ذمة وإنما سميت رقبته ذمة لأن الذمة عبارة عن العهد والحرية ولهذا سمى الكافر المعاهد ذميا لأنه ذو عهد وحرمة والله تعالى جعل الآدمى ذا حرمة عظيمة وشرفه على سائر الحيوانات ولما صارت رقبة الآدمى الحر محترمة كانت محلا لوجوب الحقوق له\n_________\n١ كلمة غير مقروءة بالأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ بياض في الأصل بمقدار كلمتين.","vol":"2","page":402},{"text":"وعليه من الحقوق فيقال: وجبت الحقوق في ذمته وذكروا على هذا في مسألة الميت المفلس وعندي أن هذه القاعدة ليست بشئ والرقبة لا تكون ذمة وإنما الذمة عبارة عن محل الوجوب فحسب وقد جعل الله تعالى الآدمى بمحل أن يجب له وعليه ثم عبر عن محل الوجوب بالذمة ولا يمكن أن يعبر بأكثر من هذا ومما وراء هذا القدر كله فضول من الكلام.\nقال: ومنها الملك اختص الآدمى بملك الأموال وبملك النكاح من بين سائر الحيوانات فإنه ليس بشئ من الحيوانات يملك سوى الآدمى وهو نوع شرف للآدمى حتى التحق بسبب تلك الحرمة بالأحرار والملوك في الآخرة وإن كان عبدا خلقه والملك عبارة: عن قدرة حكمية. يقال: ملك فلان أكل الطعام وملك الشئ إذا قدر عليه وهذه القدرة الحكمية هي القدرة على التصرفات المشروعة المباحة والملك صفة الملك على الحقيقة وقد يوصف به المملوك أيضا يقال لفلان ملك في هذه العين وإنما وصف المملوك به لأن الملك ثبت للمالك لمعنى في المملوك وهو المالية فاتصف المملوك به لكونه سببا.\nومنها: الولاية وهى عبارة عن القدرة الحكمية وهى القدرة على التصرفات وهى قدرته على أداء الشهادات وتعبد الأحكام وفعل العقود فمتى كان الإنسان أهل الولاية على غيره بالأسباب التي جعلها الشرع أسبابا وتلك الأسباب السلطنة والقرابة وغير ذلك والولاية حق المولى لأن المولى عليه هو المتنفع بها.\nومنها [.....] ١ فإن الآدمى يدا حكمية كما له يد محسوسة وهى عبارة عن القدرة على الحفظ يقال هذا الشئ في يد فلان أى هو القادر على حفظه.\nقال: ومنها ملك اليد وهى عبارة عن ثبوت ولاية الحفظ فللمرتهن ملك اليد وكذلك المودع لأن لكل واحد منهما ولاية الحفظ.\nقال: العبد أليس له ملك يمين وله ملك نكاح وهذا التفريق بالشرع لأن ملك اليمين يثبت للحاجة ولا حاجة للعبد إلى إثبات الملك له فلا يثبت وله حاجة إلى إثبات ملك النكاح فثبت وهو أيضا قدرة شرعية مخصوصة تثبت بسبب مخصوص.\nقالوا: وأما الرق عبارة عن الضعف الحكمى الذى به يصير الآدمى محلا للتملك وما هو بعقوبة لكنه سبب يحمل الكافر على الإسلام لأن حرمان القوة الحقيقة لا تثبت عقوبة وكذلك حرمان القوة الحكمية لا تكون عقوبة\nولهذا نقول: إن الرق لا يدخل\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار كلمتين.","vol":"2","page":403},{"text":"تحت الملك لأن الضعف الحقيقى لا يتصور دخوله تحت الملك كذلك الضعف الحكمى ولهذا يجوز استرقاق الصبى والمجنون وهما لا يعاقبان في الدنيا.\nوقول من قال: إنهما يسترقان ليس بصحيح لأن الاتباع في العقوبة غير مشروع فلا يمكن أن يقال: إنهما يعاقبان به.\nقال: وأما الكافر فله ملك يمين وملك نكاح وله جميع الولايات في حق الكفار لمساس الحاجة إليها وهو مرقوق مال فإنه غرضه التمليك بالأسباب كالصيود والجمادات. وأما المالية فهى غير الملك والرق وهى عبارة عن منافع ذات غير العين وكل عين ينفع به غير الآدمى الحر فهو مال لأن الله تعالى جعل الآدمى مالك الأموال يستحيل أن يكون مالا ولهذه الأشياء التي لا يمكن الانتفاع بها بنفسها وهو مما لا يضمن بها كحبة حنطة وشعير وكسرة خبز وقطرة ماء.\nقال: وأما الأشياء التي حرمها الشرع ومنع الناس من الانتفاع بها إن كان شيئا يرغب الناس في إمساكه للانتفاع به في حالة يباح الانتفاع يكون مالا كالخمور وجلود الميتات فإن الناس يضنون بها لينتفعوا بها في [ثانى] ١ الحال فيكون مالا لأن المال ما يميل طباع الناس إليه ولهذه سمى مالا وطباع الناس تميل إلى هذه الأشياء لمنافع تظهر لها في ثانى الحال فيكون مالا مثل الأطفال والجحوش للحمر والمهر للأفراس وأما الميتات والعذرات وما لا يقصد الناس إلى إمساكه فليس بمال وأما الحر فهو مال في حق الكفار وأما في حق المسلمين يجب أن لا يكون مالا وأما الصيود في البرارى فهى مال وهذه كلمات تكلمنا عليها في الخلافيات.\nوعندنا الرق والمالية بمعنى واحد إلا أن المالية والملك في الآدمى يسمى رقا ولأن الرق يدخل تحت الاستحقاق ويدخل تحت الإثبات عن الآدمى ويدخل تحت الإسقاط بالعتق فيكون حقا ثابتا لبنى آدم مثل سائر الحقوق والباقى قد تكلمنا عليه.\nثم ذكر فصلا في انعقاد العقود الشرعية وحكى عن بعضهم أن الانعقاد هو أن [يأتى] ٢ أحد العاقدين بكلام [.....] ٣ وهو كلام البائع بكلام المشترى في الشراء وسائر العقود من حيث الشرع.\n_________\n١ ثبت في الأصل [حال] ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ بياض في الأصل ولعله ما أثبتناه.\n٣ بياض في الأصل.","vol":"2","page":404},{"text":"وقال بعضهم: انعقاد العقد هو اعتبار الكلام من حيث الشرع في الحكم الموضوع للعقد شرعا وبنى على هذا مسألة توقف العقد [.....] ١ الانعقاد موجود في حق المتعاقدين ثم ذكر فصلا في بقاء العقد وقال: زعم بعضهم أن العقد يبقى بعد الفراغ.\nوقال بعضهم: لا يبقى واحتج من قال لا يبقى بأنه كلام مضى وانقضى لا يتصور بقاؤه والأصل أن ما لا يبقى حقيقة لا يبقى [.....] ٢ بدليل قاطع والأصح أنه يبقى لحاجة الإنسان إلى بقائه وأعرض على هذا وقال: لا حاجة بالناس إلى بقاء العقد لأن الحكم لا يبقى بلا بقاء السبب لأن ما وجد يبقى إلى أن يوجد ما يقطعه.\nويجاب عن هذا فيقال: في البقاء حاجة لأن الحاجة تقع إلى فسخ العقد كما تقع إلى نفس فعله وفسخ الحكم لا يمكن إلا بعد فسخ العقد لأن الحكم غير منعقد حتى يمكن فسخه وتقضه فأما الحكم فيثبت شرعا فكيف يتصور نقضهما له ولأن العاقدين ينصان على فسخ العقد لا على فسخ حكمه ولذلك القاضى يفسخ عقودا كثيرة بأسباب شرعية وما لا يتحقق بقاؤه لا يتصور فسخه ولأن التولية صحيحة من العاقد وما لم يبق العقد لا يصح التولية.\nقال: والحكم يبقى العقد ببقاء المحل.\nوالأصل أن ما ثبت في المحل يبقى ببقاء المحل ولهذا نقول: إن الزيادة في الثمن والمثمن في حال قيام المعقود عليه يكون جائزا لقيام المحل حتى إذا هلك المحل ارتفع العقد لأنه لا يتصور بقاء العقد من غير محل يتعلق به.\nقال: ويبتنى على هذا جواز تغيير العقد من وصف إلى وصف لبقائه وذلك في مسألة زيادة الثمن وذكر اختلافهم في توريث العقد فزعم بعضهم أنه يورث العقد لبقائه حكما وتعلقه بالمحل.\nوزعم بعضهم أنه لا يورث لأنه كلام قائم بالمتكلم فلا يورثه وذكر مسألة خيار الشرط أنه هل يورث أو لا؟ واستدل في أنه لا يورث٣ بأن الإرث إنما يكون فيما يبقى بعد الموت ومن له الخيار يعجز عن التصرف بحكم الخيار في آخر جزء من أجزاء حياته فيبطل خياره ويبرم العقد لأن الأصل أن من له الخيار متى عجز عن التصرف بحكم\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار ثلاث كلمات\n٢ بياض في الأصل بمقدار ثلاث كلمات\n٣ وهو مذهب الأحناف انظر الهداية \"٣/٣٤\".","vol":"2","page":405},{"text":"خياره يبطل خياره ويبرم العقد ولأن الخيار ليس إلا تخيره في إثبات حكم العقد في مدة الخيار وتخيره قائم به وما يقوم بالمورث لا يورث ونحن نقول: إن العقد قائم والفسخ يتناوله والإرث ثابت فيه وثابت في الخيار المتعلق به١ وقد تكلمنا في هذا بما فيه الغنية ثم ذكر فصلا في الانفساخ العقود الشرعية.\nقال: والانفساخ ضد الانعقاد فعند بعضهم يكون الانفساخ انفساخ الكلامين.\nوعند بعضهم: يكون الانفساخ هو خروج الكلام من كونه معتبرا في حق الحكم المشروع له قال: ومن العقود ما يقبل الفسخ بالإجماع كالبيع والهبة والإجارة والصرف والسلم والرهن والوديعة والعارية ومنها: ما لا يقبل الفسخ وهو الطلاق والعتقا والخلع والصلح عن دم العمد فإن العقد لا يبقى في هذه المواضع بعد وجوده [.....] ٢ ثم الذى يقوم به عقد الطلاق وهو ملك النكاح وحل المحلية فإن الطلاق يسقط وملك النكاح وحل المحلية [.....] ٣ النكاح وحل المحلية لا يبقى بعد السقوط والمعقود عليه الذى يقوم به عقد العتاق وهو ملك المال وذلك باطل [.....] ٤ والباطل غير باق وكذلك المنتهى غير موجود بعد الانتهاء والمعقود عليه في الخلع أيضا ما هو المعقود عليه في الطلاق والمعقود عليه الذى يقوم به الصلح عن دم العمد هو ملك القصاص وذلك يسقط ولا يبقى فيما لم يبق المعقود عليه في هذه المواضع لم يبق [..... إذا] ٥ لم يبق العقد لم يمكن فسخه وأما النكاح: قال: عندنا لا يقبل الفسخ وعند الشافعى ﵁ يقبل لأن العقد قائم لقيام المعقود عليه وهو منافع البضع فيقبل الفسخ كالإجارة.\nقال: وأما عندنا لا يقبل الفسخ لأن عقد النكاح إنما انعقد باعتبار الحاجة مع وجود ما ينافى العقد وهو الحرمة لأن الحرمة تنافى انعقاد سبب الملك وتنافى الأملاك فيكون النكاح منعقدا فيما فيه حاجة ولا يكون منعقدا فيما لا حاجة فيه ولا حاجة إلى الانعقاد في حق الفسخ.\n_________\n١ وهو مذهب الشافعية انظر روضة الطالبين \"٣/٤٤١\".\n٢ بياض في الأصل بمقدار ست كلمات.\n٣ بياض في الأصل\n٤ بياض في الأصل بمقدار سبع كلمات.\n٥ بياض في الأصل بمقدار ثلاث كلمات","vol":"2","page":406},{"text":"قال: وفى الأمة إذا أعتقت يثبت الخيار ولا يكون ذلك فسخا بل العقد غير منعقد في نصف الملك فقد كان العقد منعقدا في نصف الحل ولم يكن منعقدا في النصف فلا ينعقد في هذا النصف إلا برضاها.\nوقال في حق الصغير والصغيرة إذا بلغا ذلك العقد غير منعقد في حق صفة الملك وهو صفة التمام واللزوم وكانت ولاية هؤلاء ناقصة غير تامة وكان العقد كذلك فعند البلوغ برضاهما ينعقد في حق الوصف فكان لهما أن لا يرضيا بالانعقاد في حق الوصف ولا يبطل في الأصل لعدم الانعقاد في حق الوصف لأنه لو بطل في حق الأصل لصار تبعا للوصف في البطلان وهذا لا يجوز.\nثم ذكر أن العقد ينفسخ تارة ويرتفع تارة وينتهى أخرى.\nقال: وهى ثلاثة أشياء: انفساخ وارتفاع وانتهاء. وكل واحد غير صاحبه فالانفساخ والانتفاض نظيران والإرتفاع والفوات نظيران والإجارة تمضى مدتها تنتهى وكذلك النكاح بموت أحد الزوجين أو بموتهما ينتهى وكذلك البيع بهلاك المعقود عليه بعد القبض ينتهى والبيع إذا انتهى بالموت أو النكاح انتهى بالموت لا يبقى كما النمو إذا انتهى ببلوغه غايته لا يبقى النمو.\nقال: وأما إقالة البيع فهى فسخ في حق العاقدين مع جديد في حق غيرهما وكذلك الرد بالعيب بعد القبض بالتراضي.\nوأما الرد بالعيب قبل قبض المبيع فهو فسخ في حق كافة الناس وكذلك إذا [قضى] ١ القاضى بالرد بالعيب فهو فسخ على العموم سواء كان قبل القبض أو بعد القبض وهذا كله مذهبه.\nفأما عندنا فالإقالة٢ فسخ٣ في حق الناس كافة وذلك لأن العاقدين بالإقالة يعضدان فسخ العقد وفسخ العقد مملوك لهما فثبت الفسخ في حق الناس كافة كما إذا كان قبل القبض أو كان الفسخ بقضاء القاضى.\n_________\n١ ثبت في الأصل [أقضى] ولعل الصواب ما أثبتناه.\n٢ الإقالة هي أن يقول المتبايعان: تقايلنا أو تفاسخنا أو يقول أحدهما: أقلتك فيقول الآخر: قبلت وما أشبهه انظر روضة الطالبين \"٣/٥٩٤\".\n٣ ومسألة: كون الإقالة فسخا أو بيعا قولان عند الشافعية. أظهرهما فسخ وقيل: القولان في لفظ الإقالة انظر روضة الطالبين \"٣/٤٩٥\".","vol":"2","page":407},{"text":"والدليل على أن الفسخ مملوك لهما ثبوت الفسخ في حقهما وقد ذكر هذا الرجل كلام أصحابه في أن الإقالة فسخ [.....] ١ على أنفسهما ولا ولاية لهما على غيرهما وقد وجد تناقل الملك بالتراضى وكان [.....] ٢ وأما قبل القبض فلا يمكن بجعله بيعا جديدا فلا بد أن يكون فسخا في حق الناس [.....] ٣ لأن له ولاية على الناس كافة فلا يمكن أن يجعل فسخا في حق [.....] ٤.\nوأما عندنا فنقول: يعتبر قصد المتعاقدين فماذا [.....] ٥ وإذا قصد الفسخ يكون فسخا [.....] ٦ فصل صحيح يشهد له كل الأصول فإن العقود والفسوخ مرتبة على [.....] ٧ والفاسخين وأما التفريق بين المتعاقدين وغير المتعاقدين شئ عجب لا يعرف لذلك معنى بحال.\nوأما الذى قال أن لهما ولاية على أنفسهما.\nقلنا: [إن حكم] ٨ العقود والفسوخ راجعة إلى المتعاقدين وإن رجع إلى غير المتعاقدين فذلك يكون على النادر وإذا كان المعقود فسخا في حق المتعاقدين فلا بد أن يكون فسخا في حق غيرهما.\nوحين انتهينا إلى هذا الموضع تم المقصود في هذا الفصل الذى أوردنا فيه كلام الخصوم في المسائل التي أشرنا إليها وتكلمنا عليها بما سنح له الوقت وجاد به الخاطر وتمام ذلك في خلافيات الفروع وقد ذكرنا أكثر ذلك في المصنف الذى صنفناه فيه فمن أراد أكثر مما قلنا فليرجع إليه فيه والله تعالى المعين على ذلك والمرشد إلى الصواب والحق وهو خير معين.\n_________\n١ بياض في الأصل بمقدار عشر كلمات.\n٢ بياض في الأصل بمقدار ثمان كلمات.\n٣ بياض في الأصل بمقدارخمس عشرة كلمة.\n٤ بياض في الأصل بمقدار عشرين كلمة.\n٥ بياض في الأصل بمقدار ثمان كلمات.\n٦ بياض في الأصل بمقدار كلمتين.\n٧ بياض في الأصل بمقدار خمس كلمات.\n٨ بياض في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"2","page":408},{"text":"وتم الكتاب المبارك بحمد الله تعالى ومنه وصلواته على محمد خير خلقه وأله وصحبه أجمعين على يد أضعف العباد وأحوجهم أحمد بن عبد الله المصرى تعليقا بحسب الطاقة بتاريخ خامس عشر ذى الحجة الحرام من شهور سنة خمس عشر وثمان مائة أحسن الله عاقبتها وغفر للكاتب وللقارئ وللمجتهد ولجميع المسلمين أجمعين آمين١.\n_________\n١ وقد انتهينا بفضل الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من تحقيق وضبط هذا النص بعد عمل دام سنة ونصف فخرج على هذا النحو الضعيف الحقير فنسأل الله العفو والعافية.\nطالب العلم: أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي الشهير بـ[محمد فارس]","vol":"2","page":409}]}