{"ً":{"ٌ":12067,"ٍ":"من أعلام أهل السنة والجماعة عبد الله بن المبارك","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الرقاق والآداب والأذكار/من أعلام أهل السنة والجماعة عبد الله بن المبارك - الزهراني - ط الصديق","files":["102765.pdf"]},"ّ":"الكتاب: من أعلام أهل السنة والجماعة عبد الله بن المبارك\nالمؤلف: أبو ياسر محمد بن مطر بن عثمان آل مطر الزهراني (ت ١٤٢٧هـ)\nالناشر: مكتبة الصديق، الطائف، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤١١هـ\nعدد الصفحات: ٤٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1128,"ٕ":23,"ٖ":1770155490,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":7},{"title":"عبد الله بن المبارك","level":1,"page":11},{"title":"من غرر كلامه وشعره","level":1,"page":36},{"title":"هذا والله السلطان لا سلطان هارون الرشيد","level":1,"page":43},{"title":"دروس وعبر","level":1,"page":46},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":49}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49},"ٜ":{"1":[1,49]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,11","1,12","1,13","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2],"11":[3],"36":[4],"43":[5],"46":[6],"49":[7]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nمن أعلام أهل السنة والجماعة عبد الله بن المبارك العالم المجاهد\nتأليف: د. محمد بن مطر الزهراني\nبسم الله الرحمن الرحيم\nتمهيد\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، أما بعد:\nفإن منهج أهل السنة والجماعة هو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه وهو منهج الفرقة الناجية كما أخبر عنها المصطفى ﷺ بقوله \" ... هي من كان على ما أنا عليه وأصحابي ... \".\nوذلك أن المراد بالسنة: سنة المصطفى ﷺ، والجماعة: جماعة الصحابة رضوان الله عليهم.\nوهذا المنهج له تميزُّه عن غيره من المناهج الأخرى سواء في العقيدة- ربوبية وألوهية وأسماء وصفات- أو في العبادة والعمل والسلوك، وهذا التميز يقوم على الالتزام الدقيق والجاد بالكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃، لذلك كان منهج أهل السنة والجماعة هو الدين كله، هو دين الفطرة، وهو الوسط بين إفراط وتفريط تلك المناهج المحدثة كما كان دين الإسلام وسطًا بين إفراط وتفريط تلك الأديان.","vol":"1","page":1},{"text":"ولا شك أن رجال خير القرون- القرون المفضلة بنص الحديث١- هم خير من مثَّل هذا المنهج والتزم به وذب عنه ودعا إليه بالقول والعمل.\nوالمستقرئ لتاريخ القرون الثلاثة المفضلة يجد أنه رغم ظهور البدع وتأسيسها في هذه القرون إلاَّ أن المنهج السائد والمسيطر هو منهج أهل السنة والجماعة، وأن تلك البدع محصورة وأهلها معروفون ومحذرٌ منهم، حتى أن من لم تكن بدعته مكفرة وليس بداعية إليها واستجاز السلف قبول روايته كانوا معروفين، معدودين ومبين حالهم في كتب التواريخ والتراجم.\nولما قويت شوكت التجهُّم والإعتزال على أيدي المأمون والمعتصم والواثق لم يدم ذلك طويلًا ثم عادت النصرة لمنهج أهل السنة والجماعة بفضل الله ثم بوقفة ذلك الإمام الهمام الصديق الثاني أحمد بن حنبل، علما بأنه طوال محنة الأمة بهذه البدعة لم يكن المعتقدون لها كثير، وإنما أجاب إلى القول بها مَنْ أجاب خوفًا من السلطة مع اطمئنان قلبه بالإيمان.\nأما فيما بعد تلك القرون المفضلة فلا شك أن طوفان البدع قد طفح كيله حتى طغى في كثير من العصور المتأخرة على منهج أهل السنة والجماعة إلاّ أن الغلبة كانت في النهاية لمنهج أهل السنة والجماعة، وهكذا المنهج القويم الذي كان عليه الأنبياء والرسل تكون الدالة له في العقبى كما جاء في حديث أبي سفيان مع هرقل في كتاب بدء الوحي من صحيح البخاري.\n_________\n١ الذي رواه البخاري ومسلم ... خير الناس أو خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم أو كما قال ﷺ.","vol":"1","page":2},{"text":"وكان في كل زمان ومكان قمع البدعة وأهلها وفضح الباطل ومروجيه على أيدي أهل السنة والجماعة بفضل الله ﷿، والتاريخ شاهد بذلك١، ابتداءًا من عصر الصحابة الكرام الذين قمع الله بهم الشرك والوثنية في جزيرة العرب وأزال بهم دولتي الباطل فارس والروم ووقفوا حصنًا منيعًا للأمة عندما بدأت تظهر البدع في أواخر عمرهم، ثم مرورًا بعمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين الذي ملأ الله به الأرض عدلًا بعد أن ملئت جُورًا وأزال البدعة وأحيا السنة ثم المجدد الثاني الإمام الشافعي ﵀ الذي يعد من أوائل من فضح علم الكلام وأهله وحذر من شره وخطر انتشاره في الأمة، وهكذا الإمام أحمد\nبن حنبل الصديق الثاني الذي نصر الله به السنة وقمع البدعة، وثبته الله وقواه حين ضعُف غيره، وموقفه في المحنة مشهور جعله الله إمامًا لأهل السنة بإجماع الموافق والمخالف.\nوكذلك عندما عمت البدعة ديار الإسلام في ظل سيطرة الباطنيين والروافض على حكم العالم الإسلامي وخاصة في الشام ومصر وغيرها، وعندما خانوا الإسلام والمسلمين بتسليم حصون وقلاع الشام ومصر إلى الصليبيين الحاقدين على الإسلام وأهله، لم يكن للأمة منقذ مما حل بها من الذل والهوان بعد الله إلا أئمة أهل السنة والجماعة من أمثال عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي، فأحيا الله بهم السنة وأمات البدعة.\nوهكذا كان الأثر الأكبر للإمام ابن تيمية ومدرسته في مطلع القرن الثامن في القضاء على البدع والخرافات وقهر التتار الذين لم يقم لهم قائمة في بلاد الشام بعد موقعة شقحب٢ التي قادها الإمام ابن تيمية\n_________\n١عن مزيد من التفصيل في هذا الموضوع راجع ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في اعتقاد السلف والخلف المطبوع مع نقض المنطق بتحقيق عبد الرزاق حمزة.\n٢ عن موقعة شقحب انظر البداية والنهاية / ٤٣/١٤.","vol":"1","page":3},{"text":"وتلامذته، وكذلك كان إحياء السنة وقمع البدع والخرافات في القرن الثاني عشر الهجري وما بعده على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، الذي لم نزل نعيش على آثار بركة دعوته السلفية ﵀ وحملة هذا المنهج اليوم هم المؤهلون وحدهم لقمع البدع المحدثة وإزهاق الباطل المنتفش ومن الأدلة على ذلك هذا الإقبال الهائل من شباب الصحوة الإسلامية اليوم في كل أقطار الأرض على دراسة منهج أهل السنة والجماعة واعتقاده قولًا وعملًا.\nإن أكثر شباب الدعوة الإسلامية اليوم يتلهف لهذا المنهج وأول ما يسأل عند اهتدائه عن منهج أهل السنة والجماعة وكيف يتلقاه وعلى يد من يتعلمه.\nولقد رأينا الشباب المهتدي حتى في تلك الديار التي سيطر فيها المنهج البدعي الكُلاَّبي أو الماتريدي حتى مُحِيَ أي أثر لمنهج أهل السنة والجماعة، بل وتلك الأقطار التي سيطرت فيها العلمانية والاشتراكية والقومية حتى لم يبقوا فيها ذكرًا للإسلام كله، نرى فيها جميعًا إقبال شبابها على منهج أهل السنة والجماعة وترك كل بدعة وركل كل باطل.\nهذا الكلام لا أقوله ادعاءًا ولكنه حقيقة يلمسها اليوم كل مسلم منصف، ولقد رأيت ذلك بأُم عيني فيمن أدرسهم من أبناء العالم الإسلامي في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وكذلك رأيتهم في زياراتي إلى تركيا وتايلند والفلبين وغانا وتوغو ونيجيريا والسنغال وغيرها، وهذا واقع ملموس لا يحتاج إلى دليل في الجزيرة العربية جميعها وأرض الكنانة والجزائر والمغرب وليبيا والصومال والسودان وغيرها كثير.\nولا شك أن هذا الإقبال الشديد على منهج أهل السنة والجماعة يحتاج","vol":"1","page":4},{"text":"إلى أمور منها:\n١- علماء عاملون بعلمهم جادين في نشر هذا المنهج وإحياء ما اندرس منه ليكون لهم شرف المشاركة في تجديد أمر هذا الدين كلما اندرس شيء من معالمه.\n٢- السعي الحثيث في إحياء تراث السلف من أهل السنة والجماعة وإحياء منهجهم في العلم والعمل والاعتقاد.\n٣- احتضان هؤلاء الشباب وتوجيههم وتوضيح المنهج الصحيح لهم وعدم الوقوف منهم موقف المتفرج فضلًا عن موقف المستريب كما يحصل ممن لا يريد الخير لهؤلاء الشباب.\n٤- تنبيه هؤلاء الشباب إلى ضرورة معرفة واقعهم وإلى الأخطارالمحدقة بهم وبأمتهم وتوعيتهم بما يحتاجونه في تعاملهم مع مَنْ حولهم، وكذلك تثبيتهم في الطريق وتجنيبهم زلاَّة الأقدام ومضلات الفتن.\nومشاركة مني في إحياء منهج أهل السنة والجماعة وإسهامًا في توجيه شباب الصحوة الإسلامية الوجهة الصحيحة أقدم هذه السلسلة التي اخترت لها عنوان \" من أعلام أهل السنة والجماعة \".\nوقبل الشروع أحب أن أنبه إلى أمور بين يدي هذه السلسلة منها:\n١- لم أذكر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ضمن هذه السلسلة لشهرة أمرهم وظهور سيرتهم وجهادهم كما شهد بذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة. وكذلك كثير من الأعلام المشتهرة سيرتهم قد لا أتعرض لتراجمهم أيضًا.\n٢- لم أقصد في هذه السلسلة مجرد الترجمة وإلا كان عملي مجرد تكرار لا فائدة منه.","vol":"1","page":5},{"text":"٣- أركز في تراجم هؤلاء الأعلام على جهودهم في خدمة منهج أهل السنة والجماعة في مجال العقيدة ومجال العلم ومنهج التعلم وفي مجال الجهاد بالنفس والمال واللسان والقلم.\n٤- أحاول ما استطعت أن أربط بين تلك السيرة العطرة لسلفنا الصالح وواقعنا الذي نعيشه لنعرف الفهم الصحيح لذلك المنهج الذي كانوا يعيشون له وماتوا عليه، منهج أهل السنة والجماعة.\n٥- أستخلص في نهاية كل ترجمة جملة من الدروس والعبر من حياة المترجم وجهوده وجهاده لتكون واضحة لشباب الصحوة الإسلامية ليقتدوا بها.\nوالله أسأل الحماية من الزلل والخطأ والتوفيق إلى الصواب من القول والعمل وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.\nالمؤلف","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\n...\nالمقدمة\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد..\nأما بعد..\nفإن الله اصطفى من خلقه أنبياء ورسل وحمَّلهم رسالته إلى خلقه لتعليمهم دينه الذي ارتضاه لهم.\nوجعل خاتمهم أفضلهم وإمامهم محمدًا ﷺ وجعل رسالته خاتمة الرسالات ودينه ناسخًا لما قبله.\nثم اختار لصحبته صفوة الخلق بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد كانوا- بفضل الله- جديرين بذلك الاختيار، فحملوا الرسالة من بعده ﷺ وكانوا أمناء على أدائها على الوجه الأكمل، وكانوا المجتمع الأنموذج والتطبيق الفعلي لمبادئ تلك الرسالة، وخرجوا من جزيرتهم فاتحين ينشرون دين الله في الأرض ويعلِّمون البشرية مبادئ تلك الرسالة حاملين بأيديهم نوني السنان والبيان ووسيلتهم في ذلك:\nا- السلوك العملي الذي هو تطبيق لمبادئ الرسالة.","vol":"1","page":7},{"text":"٢- وتعليم الناس دين الله.\n٣- والجهاد لإعلاء كلمة الله.\n٤- والصبر على الأذى والمشاق في سبيل الله.\nفتخرج على أيدي هؤلاء الأئمة الأعلام تلاميذ نجباء كانوا على حمل الرسالة من بعد أشياخهم أمناء، وهكذا خرّج كل جيل جيلًا بعده يحمل الرسالة ويؤدي الأمانة، وهذا من حفظ الله لهذا الدين، الذي ختم به الأديان.\nوكان من يهتدي بهدي الرسول ﷺ وصحابته من بعده ويسلك منهجهم في كل صغيرة وكبيرة يُعرفون بأهل السنة والجماعة ومن هؤلاء أهل الحديث المشتغلون بالسنة النبوية وخدمتها قولًا وعملًا، بل أصبحت لفظة أهل الحديث ترادف كلمة \"أهل السنة والجماعة\" إذا أطلقت وخاصة من نهاية القرن الثالث وما بعده١، وإن كان يدخل فيها غير المحدثين ممن نهج نفس المنهج من الفقهاء والأصوليين وأهل اللغة وغيرهم.\nومن خالف منهج الرسول ﷺ وصحابته الكرام عُرفوا بأصحاب الأهواء أو \"المبتدعة\"، وعلى رأس هؤلاء الخوارج والروافض والجهمية والقدرية والمرجئة والمعتزلة وغيرهم من تلك الطوائف المنحرفة عن ذلك المنهج القويم.\nوكلمة \"أهل الحديث\" أصبحت علمًا- في القرون الثلاثة المفضلة- على من اتصف بهذه الصفات:\n_________\n١ انظر رسالة \"عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي عثمان الصابوني ﵀\". ط. الدار السلفية، بالكويت.","vol":"1","page":11},{"text":"١- الاشتغال بخدمة السنة النبوية سندًا ومتنًا حيث ظهر على أيديهم علم الرجال وعلم مصطلح الحديث الذي امتازت به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم.\n٢- الالتزام بالكتاب والسنة قولًا وعملًا، عقيدة وعبادة، معاملات وسلوكًا، سياسة واجتماعًا، مع فهمها الفهم الصحيح على نهج رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.\n٣- عدم تأويل آيات وأحاديث الصفات أو صرفها عن ظاهرها بغير دليل.\n٤- عدم تحكيم العقل والهوى في النصوص بدون دليل صحيح، كما فعل المبتدعة من جهمية ومعتزلة وغيرهم ممن إنحرف عن منهج أهل السنة والجماعة.\n٥- فضح أهل البدع والأهواء وهتك استارهم ببيان ضلالهم وانحرافهم وتحذير الأمة منهم ومن ضلالتهم، كل ذلك نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.\n٦- الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وأن يكون الدين كله لله وذلك بالسنان والبيان كما فعل سلفهم الصالح من الصحابة ﵃.\nوقد وصف الحافظ ابن حبان في مقدمة صحيحه أهل الحديث فقال: \" ... ثم اختار طائفة لصفوته، وهداهم للزوم طاعته، من إتباع سبل الأبرار، في لزوم السنن والآثار، فزين قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان، من كشف أعلام دينه واتِّباع سنن نبيه بالدؤوب في الرحل والأسفار، وفراق الأهل والأوطار في جمع السنن ورفض","vol":"1","page":12},{"text":"الأهواء، والتفقه فيها بترك الآراء فتجرد القوم للحديث وطلبوه، ورحلوا فيه وكتبوه، وسألوا عنه وأحكموه، وذاكروا به ونشروه، وتفقهوا فيه وأصّلوه، وفرّعوا عليه وبذلوه\" ١\nوسأعرض تحت هذا العنوان \"من أعلام أهل السنة والجماعة\" نماذج من أولئك الأئمة الأعلام مبينًا حسب الإمكان جهودهم العلمية والعملية في خدمة هذا الدين وتعلُّمه وتعليمه للناس، لعل شباب الإسلام اليوم يجدّون في الاقتداء بهؤلاء الأئمة ويحذون حذوهم فيحيون منهج أهل السنة والجماعة بين الناس ويكونون النموذج العملي لمبادئ تلك الرسالة كما كان أسلافهم من أهل القرون المفضلة.\n_________\n١ - ١/ ٨٤-٨٥ من مقدمة صحيح ابن حبان، ط. مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>عبد الله بن المبارك</span>\nوأول ما أبدأ به من هؤلاء الأعلام إمام أهل السنة في خراسان في زمانه وقدوة المتقين في وقته العالم الرباني المجاهد عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي الأب الخوارزمي الأم، ولد سنة ثماني عشرة بعد المئة، وقيل بعدها بسنة وتوفي سنة إحدى وثمانين ومائة١.\nقال الإمام الذهبي:.... الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته، طلب العلم وهو ابن عشرين سنة.\nفأقدم شيخ لقيه هو الربيع بن أنس الخراساني، قيل: تحيّل ودخل إليه في السجن، فسمع منه نحوًا من أربعين حديثًا، ثم ارتحل في سنة إحدى وأربعين ومئة، وأخذ عن بقايا التابعين وأكثر من الترحال والتطواف إلى أن مات في طلب العلم وفي الغزو وفي التجارة والإنفاق على الأخوان في الله، وتجهيزهم معه إلى الحج ١.\nسمع ابن المبارك من هشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان الأعمش وسليمان التيمي وحميد الطويل ويحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة ومعمر بن راشد وابن جريج ومالك بن أنس والثورى وشعبة وخلق كثير.\nوروى عنه داود العطار وابن عيينة وأبو إسحاق الفزارى ومعتمر بن\n_________\n١ - سير أعلام النبلاء: ٨/٣٣٦ الطبعة الأولى.","vol":"1","page":11},{"text":"سليمان ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدى وعبد الله بن وهب وعبد الرزاق الصنعاني وخلق غيرهم١.\nمكانته العلمية:\nقال الخطيب البغدادى: كان ابن المبارك من الربانيين في العلم الموصوفين بالحفظ ومن المذكورين بالزهد.\nوأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى يحيى بن آدم قال: كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك آيست منه.\nوبإسناده أيضًا إلى أبي أسامة، قال: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس.\nوبإسناده أيضًا إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أعلم بالحديث من سفيان الثورى، ولا أحسن عقلًا من مالك، ولا أقشف من شعبة، ولا أنصح لهذه الأمة من عبد الله بن المبارك.\nوقال الأسود بن سالم: كان ابن المبارك إمامًا يقتدى به، وكان من أثبت الناس في السنة إذا رأيت رجلًا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام.\nوقال سفيان بن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه.\nوقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء والتجارة والحجة عند الفرق.\n_________\n١ - تاريخ بغداد: ١٠/١٥٢-١٥٣، طبعة الكتبة السلفية بالمدينة.","vol":"1","page":12},{"text":"وقال أحمد بن حنبل: لم يكن أحد في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه.\nوقال الحسن بن عيسى الماسرجس مولى ابن المبارك: اجتمع جماعة مثل الفضل بن موسى ومخلد بن الحسين فقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل والعبادة والحج والغزو والشجاعة والفروسية والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف وقلة الخلاف على أصحابه١.\nهذه شهادات أئمة عدول تبين لنا تلك المكانة العالية التي كان يحتلها هذا الإمام المجاهد والعالم الرباني بين علماء الأمة، هذه المكانة لم يكن ينالها ابن المبارك لو أنه آثر أن يعيش كما يعيش غيره من الناس على هامش الحياة آثرًا الدعة والراحة على الجد والجهاد والتضحية والبذل.\nبل كان همه ﵀ وشغله الشاغل نصرة هذا الدين وإعلاء كلمة الله فكان يبذل في سبيل ذلك نفسه وماله وعلمه وصحته ووقته ﵀ ورضي عنه.\nجهوده في خدمة منهج أهل السنة والجماعة:\nتلقى الإمام ابن المبارك هذا المنهج الصافي عن شيوخه من التابعين وهم تلقوه عن الصحابة رضوان الله عليهم، فبذل ﵀ في سبيل\n_________\n١ انظر تاريخ بغداد: ١٠/ ١٥٦-١٦٣، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٣٦-٣٤٦ هذا، وهناك أقوال كثيرة في الثناء عليه وبيان مكانته آثرت الاقتصار هنا على أهمها وأجمعها.","vol":"1","page":13},{"text":"تأصيل ونشر منهج أهل السنة والجماعة كل غال ونفيس لديه.\nولقد كانت حياته ﵀ كلها خدمة لهذا المنهج وتطبيقًا عمليًا لمبادئ منهج أهل السنة والجماعة، وقد عبَّر عن ذلك الأسود بن سالم فيما رواه الخطيب بإسناده إليه قال: كان ابن المبارك إمامًا يقتدى به وكان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلًا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام١. أ. هـ\nهكذا كان ابن المبارك وهكذا كان السلف الصالح كل حياتهم وحركاتهم وسكناتهم لدينهم الذي يدينون به لله لا مجال لغير ذلك في حياتهم، كلها وليس في حياتهم مجال لازدواج الشخصية.\nوهذه نماذج من تلك الجهود التي قام بها ابن المبارك في سبيل تأصيل هذا المنهج والدعوة إليه:\nأولًا: في مجال العقيدة:\nا- نظم ابن المبارك قصيدة- من عيون شعره- بيَّن فيها مجمل اعتقاده مع تضمنها الرد على أصحاب الأهواء والمبتدعة من رافضة وخوارج ومعتزلة وفلاسفة وغيرهم.\nقال الذهبي: روى إسحاق بن سنين لابن المبارك قوله:\nإني امرؤ ليس في ديني لغامزِهِ ... لينٌ ولستُ على الإسلام طعانا\nفلا أسب أبا بكرٍ ولا عمرًا ... ولن أسُبَّ معاذ الله عثمانا\n_________\n١ تاريخ بغداد: ١٠/١٦٧-١٦٨ ط. المكتبة السلفية بالمدينة.","vol":"1","page":14},{"text":"ولا ابن عم رسول الله أشتمه ... حتى ألبس تحت التراب أكفانا\nولا الزبيرَ حَوَارىَّ الرسول ولا ... أُهْدي لطلحة شتمًا غَرّ أو هانا\nولا أقول عليّ في السحاب إذن ... قد قلت والله ظُلْمًا ثم عدوانا\nولا أقول بقول الجهم إنّ له ... قولًا يضارع أهلَ الشركِ أحيانا\nولا أقول تَخلّى من خليقتِهِ ... ربُّ العباد ووليّ الأمرِ شيطانا\nما قال فرعون هذا في تمرُدِهِ ... فرعون موسى ولا هامان طغيانا\nالله يدفع بالسلطان مُعْضِلَةً ... عن ديننا رحمةً منه ورضوانا\nلولا الأئمةُ لم تأمَنْ لنا سُبُلٌ ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا١\n٢- كان لابن المبارك ﵀ موقف من أهل البدع والأهواء.\nوهو موقف المؤمن الواعي لما يدور حوله وما يحاك من الدس والتشويه والتحريف لعقيدة هذه الأمة عقيدة أهل السنة والجماعة، لذلك نجده يوصي أحد تلاميذه فيقول: ليكن مجلسك مع المساكين وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة ٢.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٤١٣- ٤١٤، ط. الأولى.\n٢ المرجع السابق: ٨/ ٣٥٣، ط. الأولى.","vol":"1","page":15},{"text":"وهذه بعض تلك المواقف:\n- روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية بإسناده إلى ابن المبارك أن رجلًا قال له: يا أبا عبد الرحمن، قد خفت الله تعالى من كثرة ما أدعو على الجهمية، قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء ١.\n- وأخرج الذهبي بإسناده إلى علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية ١.\n- وعنه أيضا قال: قلت لعبد الله بن المبارك: كيف يُعرَف ربنا ﷿؟ قال: في السماء على العرش، قلت له: إن الجهمية تقول هذا، قال: لا تقول كما قالت الجهمية: هو معنا هاهنا ١.\nقال الذهبي- معقبًا- قلت: الجهمية يقولون: إن الباري في كل مكان، والسلف يقولون: إن علم الباري في كل مكان، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ (الحديد ٤)، يعني بالعلم، ويقولون: إنه على عرشه استوى، كما نطق به القرآن والسنة.\nوقال الأوزاعي وهو إمام وقته: كنا- والتابعون متوافرون- نقول:\nإن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته، ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة، وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقة، لا مثل لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها ١.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء، للذهبي: ٨/ ٣٥٥-٣٥٦، ط. الأولى.","vol":"1","page":16},{"text":"- وأخرج الذهبي بإسناده إلى أحمد بن يونس قال: سمعت ابن المبارك قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: من زعم أن هذا مخلوق، فقد كفر بالله العظيم١.\n- وفي كتاب السنة لأبي عبد الله أحمد بن حنبل وتذكرة الحفاظ للذهبي عن ابن المبارك قال: من قال أن القرآن مخلوق فهو زنديق٢.\n- وعن علي بن الحسن بن شقيق أن ابن المبارك قال: القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق٣.\n- روى أبو عثمان الصابوني بإسناده إلى ابن المبارك قال: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أومن بهذا الكلام فقد كفر٤.\n- وأخرج أبو نعيم في الحلية بإسناده إلى عمار بن عبد الجبار قال: سمعت ابن المبارك يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: الجهمية كفار والقدرية كفار، فقلت لابن المبارك: فما رأيك؟، قال: رأي رأي سفيان٥.\n- وفي كتاب السنة للإمام أحمد، عن إبراهيم بن شماس قال: سمعت ابن المبارك يقول: الإيمان قول وعمل، الإيمان يتفاضل٦.\n- وفي كتاب الصلاة لابن القيم، عن يحيى بن معين قال: قيل لعبد اللة\n_________\n١ سير أعلام النبلاء للذهبي: ٨/ ٣٥٥-٣٥٦، ط. الأولى.\n٢ السنة لأحمد بن حنبل: ١/٧، ٢٤، ط. مكة المكرمة، وتذكرة الحفاظ: ١/٢٧٩.\n٣ المصدر السابق.\n٤ عقيدة أصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني: ١٣، ط. السلفية بالكويت.\n٥ حلية الأولياء: ٧/٢٨.\n٦ كتاب السنة: ١/٧٥، ط. السلفية بمكة، سنة ١٣٤٩ هـ.","vol":"1","page":17},{"text":"ابن المبارك: إن هؤلاء يقولون: من لم يصم ولم يصل بعد أن يقرَّ به فهو مؤمن مستكمل الإيمان، فقال ابن المبارك: لا نقول نحن ما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمدًا من غير علة حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر١.\nوقوله هذا والذي قبله وما سيأتي هو رد على المرجئة القائلين: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.\n- روى أبو عثمان الصابوني عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي- ابن راهوية- قال: قدم ابن المبارك الري، فقام إليه رجل من العُّباد- الظن أنه يذهب مذهب الخوارج- فقال له:\nيا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر، قال: لا أخرجه من الإيمان.\nفقال: يا أبا عبد الرحمن على كبر السن صرت مرجئيًا، قال: لا تقبلنا المرجئة، المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة٢.\n- قال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: السيف الذي وقع بين الصحابة فتنة ولا أقول لأحد منهم مفتون٣.\nهذا هو موقف عبد الله بن المبارك من أصحاب البدع والأهواء المنحرفة.\nإنه موقف العالم المجاهد العارف لدينه، والناقد البصير لتلك\n_________\n١ كتاب الصلاة: ٦٣، ط. المكتب الإسلامي.\n٢ عقيدة أصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني: ٧٠.\n٣ سير أعلام النبلاء للذهبي: ٨/٣٥٨.","vol":"1","page":18},{"text":"المبادئ الهدامة التي يدعو إليها أصحاب الأهواء، والمتيقظ لخطر تلك العقائد الدخيلة على الإسلام والمسلمين، والتي أدخلها عليهم أعداء الله ورسوله ﷺ من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة، وما تؤدي إليه من فساد في الاعتقاد وفساد في الدين وفساد في الأخلاق.\nإنه في تلك الأبيات الوجيزة يتبرأ من عقائد الرافضة والخوارج والجهمية والمعتزلة والقدرية والفلاسفة، ويبين فساد مقالاتهم ومذاهبهم وفيما نقلناه من النصوص عنه يصرح ببطلان هذه العقائد المنحرفة، ويتبع ذلك بحكمه بكفر أهلها ممن قامت عليهم الحجة، فهو كغيره من السلف يصرح بتكفير الجهمية والرافضة وغلاة القدرية وغلاة المرجئة.\nثم هو في أثناء ذلك لا يغفل عن بيان منهج أهل السنة والجماعة في الإيمان بالله بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ، والوقوف عند نصوص الكتاب والسنة والتسليم لهما، وعدم تقديم العقل عليهما، أو تحكيمه فيهما، وفي احترام الصحابة والترضي عنهم وعدم الخوض فيما جرى بينهم، وكان يحذر من الرواية عمن يسبهم ﵃، روى ذلك الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن علي بن شقيق قال: سمعت ابن المبارك يقول على رؤوس الناس: دعوا حديث عمرو بن ثابت، فانه كان يسب السلف١.\nثانيًا: جهاده:\nكانت حياة ابن المبارك كلها جهادًا في سبيل الله بنفسه وماله وعلمه. فكان ﵀ يرابط في الثغور كثيرًا، وكان يحج عامًا ويغزو عامًا،\n_________\n١ مقدمة صحيح مسلم: ١/١٦، وعمرو بن ثابت هو ابن أبي المقدام ضعيف، رمي بالرفض، مات سنة ١٧٢ هـ، (التقريب: ٢٥٧)، ط. الباكستانية.","vol":"1","page":19},{"text":"وما نزل بلدًا في رحلته لطلب العلم ثم سمع منادي الجهاد إلا تجهز وخرج للغزو.\nوكان ﵀ يدعو إلى الجهاد ويحث الناس عليه لنصرة دين الله وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا.\nكما كان ينعي على النَّساك القاعدين عن الجهاد كسلهم وخمولهم وسوء فهمهم لمعنى العبادة، ومن ذلك:\nما رواه الخطيب البغدادي بإسناده- إلى ابن المبارك قال: يذم النَّاسك الذي يسكن بغداد:\nأيها الناسك الذي لبس الصو ... ف وأضحى يعد في العباد\nالزم الثغر والتعبد به ... ليس بغداد مسكن الزهاد\nإن بغداد للملوك محل ... ومناخ للقارئ الصياد١\nوروى الخطيب أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن محمد قاضي نصيبين قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى عليَّ ابنُ المبارك سنة سبع وسبعين ومائة هذه الأبيات، وكان مرابطًا بطرسوس، وأنفذها إلى الفضيل بن عياض:\nيا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب\nمن كان يخضب جيده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب\nأو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب\nريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب\nولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب\nلا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب\n_________\n١ تاريخ بغداد: ١/ ٢١، ط. السلفية بالمدينة النبوية.","vol":"1","page":20},{"text":"هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب\nفلما قرأها الفضيل ذرفت عيناه، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح١.\nوكان أبن المبارك فارسًا شجاعًا ذا خبرة في فنون القتال والمبارزة مع حرصه أن لا يرى موقعه من القتال، كل ذلك ورعًا وحسبة لله ﷾.\nروى الخطيب البغدادي بإسناده إلى عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه ابن المبارك فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس فكنت فيمن ازدحم إليه، فإذا هو يلثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا!! ٢.\nوأخرج الذهبي بإسناده إلى محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الله بن سنان قال: كنت مع ابن المبارك ومعتمر بن سليمان- بطرسوس- فصاح الناس النفير، النفير ... فخرج ابن المبارك والناس، فلما اصطف الجمعان، خرج علج رومي فطلب البراز فخرج إليه رجل فشد العلج عليه فقتله ... حتى قتل ستة من المسلمين، وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة، ولا يخرج إليه أحد، فالتفت إلي ابن المبارك، فقال: يا فلان إن قتلت فافعل كذا وكذا.\n_________\n١ تاريخ بغداد: ٠ ١/ ٦٨ ١، سير أعلام النبلاء: ٨/.٣٦٣-٣٦٤.\n٢ تاريخ بغداد: ١٠/١٦٧، ط. السلفية بالمدينة النبوية.","vol":"1","page":21},{"text":"ثم حرك دابته وبرز للعلج فعالج معه ساعة، فقتل العلج، وطلب المبارزة فبرز له علج آخر، فقتله، حتى قتل ستة علوج، وطلبه البراز فكأنهم كاعوا- أي جبنوا- عنه، فضرب دابته وطرد بين الصفين، ثم غاب فلم نشعر بشيء، فإذا أنا به في الموضع الذي كان، فقال لي: يا عبد الله لئن حدثت بهذا أحدًا وأنا حي ... فذكر كلمة..!! ١.\nقال صاحب مفتاح السعادة:\nكان ابن المبارك يقضي جل وقته في الجهاد في سبيل الله، وكان يقاتل ويبلى بلاء حسنًا، فإذا جاء وقت القسمة غاب، فقيل له في ذلك، فقال: يعرفني الذي أقاتل له٢.\nهكذا تكون النية في الجهاد، إنه لأجل إعلاء كلمة الله وابتغاء مرضاته ﷾ لا لمنصب ولا لجاه، ولا لمال، إنما يكون الجهاد لنشر دين الله بين الناس، وإقامة العدل في الأرض بتحكيم الكتاب والسنة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، لا لمجرد تسلم السلطة لذاتها ولا من أجل تغلب حزب على حزب أو فئة على فئة.\nثالثًا: في مجال العلم:\nتلقى ابن المبارك العلم على مشايخ بلده ثم رحل في طلب العلم على غيرهم، كعادة الأئمة من السلف الصالح في طلب العلم٣.\nوكان سنه آنذاك عشرين سنة عند رحلته، وأخذ العلم عمن أدرك عن التابعين ومن بعدهم، وأكثر من الترحال والتطواف إلى أن مات في\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٦١، ط. الأولى، بيروت.\n٢ مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده: ٢/٢٤٨، ط. الأولى بالقاهرة.\n٣ قال يحيى بن معين: أربعة لا تؤنس منهم رشدًا: حارس الدرب ومنادى القاضي وابن المحدث ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث. معرفة علوم الحديث للحاكم، ص: ٩.","vol":"1","page":22},{"text":"طلب العلم والغزو.\nقال الذهبي: روى العباس بن مصعب في تاريخه عن إبراهيم بن إسحاق عن ابن المبارك قال: حملت العلم عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم١.\nقال الذهبي: وحدث عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم، فإنه من صباه ما فتر عن السفر١ ...\nوقال الحافظ ابن معين: كانت كتب ابن المبارك التي حدث بها نحوًا من عشرين أو إحدى وعشرين ألف حديث١.\nوقد كان لابن المبارك جهود ومشاركات في خدمة منهج أهل السنة والجماعة من خلال مجال العلم والتعلم، ويمكن إيجاز تلك الجهود والمشاركات فيما يلي:\nا- منهج التعلم والتعليم.\n٢- علوم الحديث.\n٣- مؤلفاته.\nأولًا: منهج التعلم والتعليم:\nلسلفنا الصالح منهج في تعلم العلم، إذ لم يكن عندهم فوضى علمية، كما نشاهدها في عالمنا اليوم ضاربة أطنابها.\nوهذا المنهج يقوم على أسس ومبادئ ثابتة، ومن لم يسلكها يكون تعلمه ناقصًا قاصرًا وربما كان علمه حجة عليه لا له، وهذه بلية كثير من طلبة العلم اليوم نسأل الله العافية.\n_________\n١ تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٧٥-٢٧٦.","vol":"1","page":23},{"text":"وهذا الإمام العالم الرباني عبد الله بن المبارك ﵀- أحد مؤسسي ذلك المنهج وواضعي مبادئه الثابتة- يوضح لنا ذلك المنهج قولًا وعملًا١.\n- قال ابن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم٢.\n- قيل له- بالشام-: إلى كم تطلب العلم؟. فقال: أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت، أليس يقال له -طالب العلم- يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في الماء، أفلهذا مترك؟ ٢.\n- وقال أيضًا: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا٣.\n- قال أبو صالح الفراء: سألت ابن المبارك عن كتابة العلم فقال: لولا الكتابة ما حفظنا٤.\n- وقال نعيم بن حمادة: سمعت ابن المبارك يقول: عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة٥.\n- قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟. قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما\n_________\n١ كتب في بيان منهج التعلم عند السلف كتب كثيرة من أجودها وأجمعها كتاب \"تذكرة السامع والمتكلم \" لابن جماعة وهو مهم في هذا الباب.\n٢ غاية النهاية في طبقات القراء لأبي الخير محمد الجزري: ١/٤٤٦.\n٣ صفة الصفوة: ٤/ ١٢٠، وفيات الأعيان: ٣/ ٣٤.\n٤ الجرح والتعديل: ١/ ٢٦٩- ٢٧٤.\n٥ سير أعلام النبلاء: ٨/٣٥٢.","vol":"1","page":24},{"text":"أصنع معكم؟، أنتم تغتابون الناس١.\n- وقال ابن المبارك: إن أول العلم النية ثم الاستماع ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ ثم النشر٢.\nهذه أوجز وأدق عبارة تضمنت الأسس والمبادئ الأساسية الثابتة لمنهج التعلم والتعليم عند السلف، وهي نفسها عبارة الإمام سفيان الثوري- أمير المؤمنين في الحديث- حيث قال- وهو يوجه تلاميذه-: تعلموا هذا العلم، فإذا تعلمتوه فتحفظوه، فإذا حفظتموه فاعملوا به، فإذا عملتم به فانشروه٣.\nولا غرو فابن المبارك والثوري كلاهما تلقيا هذا المنهج عن السلف الصالح، والسلف تلقوه عن النبي الكريم ﷺ الذي بعث معلمًا للخير ومتممًا لمكارم الأخلاق، وكل منهج للتعلم يخالف ذلك المنهج فهو منهج خاطئ.\n- قال ابن المبارك: كاد الأدب يكون ثلثي العلم٤.\nومر من قبل قوله \"طلبت الأدب ثلاثين سنة والعلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم\".\nوهذه ركيزة من ركائز العلم الأساسية عند السلف وهي البدء بالأدب أولًا ثم العلم ثانيًا وهذا معنى قول الحسن البصري وابن سيرين والشافعي \"كانوا يتعلمون الهدى أولًا ثم العلم \"٥.\n_________\n١ المصدر السابق: ٨/٣٥٣.\n٢ مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده: ٢/٢٤٨، الذيباج المذهب: ١/٤٠٨.\n٣ التبصرة والتذكرة للعراقي: ٢/ ٢٠٠.\n٤ صفة الصفوة لابن الجوزي: ٤/ ١٢٠.\n٥ تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة: ٢، ط. بيروت.","vol":"1","page":25},{"text":"أما نحن اليوم فأحسننا حالًا الذين يعكسون هذا المبدأ، أي أنهم بعد أن يفرغوا من طلب العلم يبدأون بطلب الأدب والغالبية العظمى لا يعرفون أدب الطلب ولا أدب العلم والتعلم فضلًا عن أدب الخلاف وأدب الفتوى وطرق الاستنباط والاستدلال، فقد دفن أصحاب ذلك الأدب وذلك المنهج منذ قرون خلت ﵏ وأجزل لهم الثواب.\n- وعن محجوب بن الحسن قال: سمعت ابن المبارك يقول: من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: أما موت يذهب علمه، وأما ينسى، وأما يلزم السلطان فيذهب علمه١.\n- وعن ابن المبارك قال: من أستخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن أستخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن أستخف بالأخوان ذهبت مروءته٢.\n- وسئل ابن المبارك من الناس؟، قال: العلماء، قيل فمن الملوك؟، قال: الزهاد، قيل: فمن الغوغاء؟، قال: خزيمة وأصحابه- يعني من أمراء الظلمة-، قيل: فمن السفلة؟، قال: الذين يأكلون بدينهم٣.\nثانيًا: جهوده في علوم الحديث:\nيعتبر ابن المبارك أحد الجهابذة النقاد المعتد بقولهم في الجرح والتعديل.\nوله اجتهادات في علوم الحديث ومعرفة في علم الرجال والعلل.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٥٢-٣٥٣، ط. أولي.\n٢ سير أعلام النبلاء، ط. أولي: ٨/ ٣٥٩.\n٣ المصدر السابق: ٨/٣٥٣.","vol":"1","page":26},{"text":"ولقد عبر عن ذلك الخليفة هارون الرشيد عندما أتى بأحد الزنادقة ليقتله، فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟، فقال الرشيد: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك، ينخلانها ويخرجانها حرفًا حرفا١.\nولكثرة حفظه للسنة وعظيم درايته بها قال عبد الله بن إدريس: كل حديث لا يعرفه ابن المبارك فنحن منه براء ٢.\nوهذه جملة من أخباره وآرائه في هذا المجال:\n- كتب الرجال مملوءة بآراءه في الرواة جرحًا وتعديلًا وهي تفوق الحصر.\n- قال الحافظ علي بن المديني: انتهى العلم إلى رجلين: إلى ابن المبارك ثم من بعده إلى يحيى بن معين٣.\n- وقال فضالة النسائي: كنت أجالسهم بالكوفة، فإذا تشاجروا في حديث قالوا: مروا بنا إلى هذا الطبيب حتى نسأله- يعنون ابن المبارك- ٤.\n- وقال علي بن المديني- أيضًا-: ابن المبارك أوسع علمًا من ابن مهدي ويحيى بن آدم٥.\n- وقال الإمام أحمد: لم يكن أحد في زمن ابن المبارك أطلب للعلم منه٦.\n_________\n١ تذكرة الحفاظ: ١/٢٧٣.\n٢ سير أعلام النبلاء: ٨/٣٥٦ ط. أولى.\n٣ تاريخ بغداد: ١٠/ ١٦٤.\n٤ سير أعلام النبلاء: ٨/٣٥٧.\n٥ تاريخ بعداد: ١٠/ ١٦٤.\n٦ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٥١.","vol":"1","page":27},{"text":"- قال ابن المبارك ﵀: في صحيح الحديث شغل عن سقيمه١.\n- قال عبدان بن عثمان: سمعت ابن المبارك يقول: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء٢.\n- وعنه قال: بيننا وبين القوم القوائم- يعني الإسناد- ٢\n- وعنه أيضًا قال: طلب الإسناد المتصل من الدين ٢.\n- وعنه أيضًا قال: الذي يطلب دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم ٣.\n- وقيل له: الرجل يطلب الحديث لله يشتد في سنده؟، قال: إذا كان لله فهو أولى أن يشتد في سنده ٤.\n- وقال ابن المبارك: ليكن الذي تعتمدون عليه هذا الأثر وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث ٥.\n- وقال أيضًا: إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوىء على المحاسن لم تذكر المحاسن ٦.\n- وسئل عبد الله بن المبارك عمن نأخذ؟، قال: من طلب العلم لله وكان في إسناده أشد، قد تلقى الرجل ثقة وهو يحدث عن غير ثقة، وتلقى الرجل غير ثقة وهو يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة ٧.\n_________\n١ المصدر السابق: ٨/ ٣٥٧.\n٢ مقدمة صحيح مسلم: ١/١٥، معرفة علوم الحديث للحاكم: ٦.\n٣ الكفاية للخطيب البغدادي: ٤٩٢.\n٤ سير أعلام النبلاء ة ٨/٣٥٣.\n٥ سير أعلام النبلاء: ٨/٣٥٢-٣٥٣.\n٦ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٥٢-٣٥٣.\n٧ تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٧٧.","vol":"1","page":28},{"text":"ما أحوجنا اليوم نحن طلبة العلم إلى هذه الوصية وهذا التوجيه الكريم من الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك، إنه ليرسم منهجًا يجب أن يلتزم به طلبة العلم في كل حياتهم.\nإن آفة الأخبار رواتها، وما أقل الثقات في رواة الأخبار في عصرنا وأخص بالذكر طلبة العلم، فهم قدوة الأمة وهم المخاطبون بوصية ابن المبارك، والمفترض فيهم التوثق، ودقة الفهم وتمحيص الأخبار والنظر فيمن يرويها: في دينه وعقله وضبطه وعدله في سيرته واتجاهه الذي يسير عليه في حياته، لكن الواقع خلاف ذلك، إذ أن مجتمع طلبة العلم اليوم أصبح في الغالب مرتعًا خصبًا للأشاعات والأراجيف التي لا أساس لها من الصحة- وآفتها من مروجوها بينهم- ولا سيما تلك الإشاعات التي تتعلق بعرض أحدهم، فإنها تنتشر بينهم إنتشار النار في الهشيم أو أسرع.\nوكان الأولى بطلبة العلم وعلى وجه أخص من يزعمون أنهم دعاة إلى الخير أن يلتزموا منهج المحدثين في التثبت في الرواية والتمحيص للأخبار والنظر في أحوال الرجال، فإن ذلك هو الموافق لمنهج الكتاب والسنة وهدى السلف الصالح، وهذا المنهج هو منقبة للأمة الإسلامية، وميزة لها عن سائر الأمم.\nثالثًا: مؤلفاته:\nقال الإمام الذهبي: دوَّن ابن المبارك العلم في الأبواب والفقه وفي الغزو، والزهد، والرقائق وغير ذلك١.\n_________\n١ تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٧٥.","vol":"1","page":29},{"text":"وهذه جريدة بأسماء مؤلفات ابن المبارك التي وقفت عليها فيما اطلعت عليه من المصادر:\nا- تفسير القرآن.\n٢- السنن في الفقه.\n٣- كتاب التاريخ.\n٤- كتاب الزهد- طبع باسم: كتاب الزهد والرقائق بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي- ...\n٥- كتاب البر والصلة.\n٦- رقاع الفتاوى.\n٧- الرقائق.\n٨- الجهاد- طبع بتحقيق الدكتور نزيه حماد١.\n٩- الأربعين في الحديث.\nرابعًا: في مجال الإنفاق في سبيل الله:\nكما كان ابن المبارك جوادًا بنفسه في سبيل الله، كان أيضًا كريمًا جوادًا بماله منفقًا في سبيل الله.\nولا غرو فقد ورث ذلك من القدوة الحسنة رسول الله ﷺ الذي وصفه ابن عباس- كما في الحديث الصحيح- بأنه كان أجود من الريح المرسلة، وأجود ما كان في رمضان أو كما قال ﵁.\nوهذه نبذ من أخباره ﵀ في هذا المجال:\n- روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى علي بن الحسن بن شقيق قال:\n_________\n١ قدم له الدكتور نزيه بمقدمة عن حياة ابن المبارك جيدة وقد استفدت منها في هذا البحث كثيرًا فجزاه الله عني خيرًا.","vol":"1","page":30},{"text":"كان ابن المبارك ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم، وإنه قال مرة للفضيل بن عياض: لولاك وأصحابك ما اتجرت١.\n- وبإسناده أيضًا إلى علي بن الفضيل بن عياض قال: سمعت أبي وهو يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا؟.\nفقال ابن المبارك: يا أبا علي: إنما أفعل ذا لأصون به وجهي وأكرم به عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا١.\n- وبإسناد الخطيب أيضًا إلى حبان بن موسى المروزي. قال: عوتب ابن المبارك فيما يفرق من الأموال في البلدان، ولا يفعل في أهل بلده، قال: إنني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق وطلبوا الحديث فأحسنوا الطلبة للحديث، بحاجة الناس إليهم احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا علمهم لأمة محمد ﷺ، ولا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم١.\nهكذا يكون الفهم الصحيح لوظيفة المال في الحياة الدنيا، إنه لصون الوجه والعرض وإعانة طلبة العلم والصالحين والإستعانة به على مرضاة الرب، هذا هو فهم سلفنا الصالح لوظيفة المال، فهل يقتدي بهم أرباب الأموال من أثرياء المسلمين اليوم، فينفقون أموالهم في وجهها الصحيح.\nإن الإمام ابن المبارك يرسم لنا بسيرته العملية في ماله منهجًا بينًا\n_________\n١ تاريخ بغداد: ١٠/ ٥٩ ا- ١٦٠، ط. السلفية بالمدينة النبوية.","vol":"1","page":31},{"text":"واضحًا.\nإن هذا المنهج ليبين لأرباب الأموال الطريقة الصحيحة لتوزيع صدقاتهم وأموالهم التي ينفقونها في سبيل الله، في هذا المنهج يبدأ بالإنفاق على من نفعه لدينه ولأمته أكبر أولئك هم طلبة العلم العاملون بعلمهم المشتغلون بنشر العلم لأمة محمد ﷺ عن طلب الرزق ثم الصالحون المشتغلون بالعبادة الزاهدون في الدنيا وحطامها الفاني، ثم عامة الناس.\nإنه من المؤلم حقًا أن نرى أموالًا كثيرة- تعد بالملايين- تنفق سنويًا من قبل أثرياء المسلمين ثم لا تؤدي هذه الأموال الأثر المطلوب من إنفاقها، إنها تنفق دون تخطيط ودون هدف من إنفاقها سوى إرادة أصحابها أداء الحق الشرعي في أموالهم وكفى.\nإن أموال اليهود تنفق لتخدم عقيدتهم وهدفهم الذي يسعون من أجل تحقيقه.\nوأموال الرافضة تنفق لنشر العقيدة الرافضية بين أهل السنة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.\nوأموال النصارى قد أدت دورًا مهما في تنصير أبناء المسلمين في أفريقيا وآسيا.\nأما أموال أثرياء المسلمين فغالبيتها العظمى تنفق ولا تؤدي دورًا مهما لأنها تنفق بدون وعي وبدون تخطيط، وغالبها يوضع في غير محله.\nإن أعدادًا كثيرة من خريجي الجامعات العربية والإسلامية من أبناء المسلمين في أفريقيا وآسيا بحاجة ملحة إلى من ينفق عليهم ليتفرغوا للدعوة إلى الله ونشر العقيدة الصحيحة بين المسلمين وغيرهم في تلك","vol":"1","page":32},{"text":"الديار المقفرة من الدعاة إلا من النزر اليسير، إنهم بحاجة إلى عشرات من أمثال عبد الله بن المبارك ليتفقدوا أحوالهم ويعينوهم على بث العلم لأمة محمد ﷺ لشدة حاجة الأمة إلى علمهم لاسيما وهي تصارع الشرك والخرافة والتنصير والمبادئ الهدامة من علمانية وقاديانية وبهائية ورافضة وباطنية وغيرها.\n- أخرج الذهبي بإسناده إلى المسيب بن واضح قال: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر بن عياش أربعة آلاف درهم، فقال: سد بها فتنة القوم عنك ١.\n- قال الذهبي: قال علي بن خشرم: قلت لعيسى بن يونس: كيف فضلكم ابن المبارك ولم يكن بأسن منكم؟، قال: كان يقدم ومعه الغلمة، من الخرسانية والبزة الحسنة فيصل العلماء ويعطيهم، وكنا لا نقدر على هذا ١.\n- وأخرج الخطيب البغدادي بإسناده إلى إسماعيل بن عياش قال:\nما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن اللخ خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم ٢.\n- وبإسناده أيضًا إلى محمد بن عيسى، قال: كان ابن \" المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان ٣، فكان شاب\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٦٢- ط. أولى.\n٢ تاريخ بغداد: ١٠/١٥٧.\n٣ هو: الجانوت وصاحبه وخان التجار معروف. القاموس مادة خون.","vol":"1","page":33},{"text":"يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب، وكان مستعجلًا فخرج في النفير، فلما قفل من غزوته ورجع الرقة سأل عن الشاب، فقالوا: إنه محبوس لدين ركبه، فقال عبد الله وكم مبلغ دينه؟، فقالوا: عشرة آلاف درهم، فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال فدعا به ليلًا ووزن له عشرة آلاف درهم وحلَّفه أن لا يخبر أحدًا مادام عبد الله حيًا، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس وأدلج عبد الله، فأخرج الفتى من الحبس وقيل له عبد الله بن المبارك كان هاهنا وكان يذكرك وقد خرج، فخرج الفتى في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة، فقال: يا فتى إن كنت لم أرك في الخان؟، قال: نعم يا أبا عبد الرحمن كنت محبوسًا، قال: كيف كان سبب خلاصك، قال: جاء رجل فقضى ديني ولم أعلم به حتى خرجت من الحبس، فقال له عبد الله: يا فتي أحمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك، فلم يخبر ذلك الرجل أحدًا حتى مات عبد الله١.\nوهذه منقبة أخرى لهذا العالم المجاهد عبد الله بن المبارك- وما أكثر مناقبه- وهي تفقده لأحوال تلاميذه وقضاؤه حاجاتهم حتى لا يعرضوا أنفسهم للذل بانتظارهم فتات موائد السلاطين والأمراء، وهذه حال كثير من أئمة السلف -﵏- مع تلاميذهم٢.\nوقدوتهم في ذلك رسول الله ﷺ الذي كان يتفقد أحوال أصحابه\n_________\n١ تاريخ بغداد: ١٠/ ١٥٩.\n٢ انظر ما كتبه ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم الباب الثاني الفصل الثالث وخاصة النوع الثالث عشر منه.","vol":"1","page":34},{"text":"فيقضي حاجاتهم ويعين فقيرهم ويعود مريضهم ... ويعينهم جميعا على نوائب الحق.\nفهل من مشايخنا وعلمائنا اليوم من يفعل ذلك مع تلاميذه ١؟؟\nكم تخرج على أيديهم في الجامعات الإسلامية من أبناء أفرقيا وآسيا وغيرها.\nفهل سألوا عنهم بعد تخرجهم، هل عرفوا شيئا من أخبارهم؟!!.\nإنهم يعانون في بلادهم من الفقر والفاقة ومن اضطهاد طواغيت بلادهم، كما يعانون من هجوم أعدائهم من مبشرين وفاديانيين ورافضة وعلمانين على عقائدهم وعلى أخلاقهم وسلوكهم، لقد شاهدت ذلك بأم عيني أثناء زياراتي لغرب أفريقيا وجنوب شرق آسيا، إنهم يحتاجون إلى مد يد المساعدة بالمال والنصح والتوجيه والكتب العلمية النافعة، وهم بحاجة إلى بناء مدارس لأبنائهم ليحفظوا عليهم دينهم وعقيدتهم، وليحموهم من مدارس المبشرين والعلمانيين والباطنيين.\nفهل يتعاون علماؤنا مع أرباب الأموال في بلادنا الإسلامية لتقديم يد المساعدة إلى هؤلاء؟، فقد سبقهم إلى ذلك علماء رافضة إيران وتجار رافضة لبنان في أفريقيا منذ زمن!!\n_________\n١ - لا يفوتني أن أنوه هنا بجهود سماحة شيخنا الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وبارك فيما بقي من عمره فهو من بقية السلف الصالح له جهود طيبة في هذا المجال، رأينا آثارها في أفريقيا حيث يرعى كثيرا من خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية بإعانتهم من ماله الخاص، ومما يجمعه من المحسنين أسأل الله له دوام التوفيق إلى كل ما فيه خير الإسلام والمسلمين.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>من غرر كلامه وشعره:</span>\nلقد كان ابن المبارك شاعرًا وأديبًا، كما كان إمامًا في الفقه والحديث والتفسير واللغة وغيرها من الفنون، وكان والده يحفزه على حفظ الشعر وهو صغير ويكافئه على حفظ القصيدة بدرهم، وكان ابن المبارك شاعرًا مجيدًا صادق اللهجة فلذلك كان لشعره وقع في النفوس، ولاسيما أنه كان مليئًا بالحكم والمواعظ والنصح.\nقال الدكتور نزيه حماد:\nوشعر ابن المبارك ليس بالقليل، غير أنه منثور في بطون مدونات العلم وكتب التراجم وأسفار التاريخ والأدب، ويحتاج لمن ينقب عنه في مظانه، ويعرف الناس بيواقيته ودرره ونفيس مكنوناته، وإنه لمهم حقًا باعتباره يمثل نموذجًا رفيعًا رائعًا من شعر الزهاد الأوائل والمجاهدين الحكماء من السلف الصالح، فصاحبه قد قضى عمره في الجهاد والرباط والعلم والزهد، فجاء شعره مرآة صادقة لتلك النفس الإنسانية السامية التي ارتقت في مدارج الكمال وعلت في مراتب الفضيلة ومقامات الإيمان والإحسان.\nوقد وصف الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء موهبته الشعرية الصادقة بقوله: \"كان ابن المبارك ﵀ شاعرًا محسنًا قوالًا بالحق١ أ. هـ\nومن شعره ما يلي:\nقال الذهبي: قال أحمد بن جميل المروزى: قيل لابن المبارك إن\n_________\n١ مقدمة كتاب الجهاد لابن المبارك: ص ٢٥.","vol":"1","page":36},{"text":"إسماعيل بن علية قد ولي القضاء فكتب إليه:\nيا جاعل العلم له بازيًا ... يصطاد أموال المساكين\nأحتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين\nفصرت مجنونًا بها بعدما ... كنت دواء للمجانين\nأين رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين\nأين رواياتك فيما مضى ... في ترك أبواب السلاطين\nإن قلت أكرهت فماذا كذا ... زل حمار العلم في الطين\nلا تبع الدين بدنيا كما ... يفعل ضلال الرهابين ١\n- قال الكديمي: حدثنا عبدة بن عبد الرحيم قال: كنت عند فضيل بن عياض وعنده ابن المبارك، فقال قائل: إن أهلك وعيالك قد احتاجوا مجهودين، محتاجين إلى هذا المال، فاتق الله وخذ من هؤلاء القوم- يعني الحكام والأمراء- فزجره ابن المبارك وأنشأ يقول:\nخذ من الجاروش وااـ ... آرز والخبز الشعير\nواجعلن ذاك حلالًا ... تنج من حر السعير\nوانأ ما استطعت هداك ... الله عن دار الأمير\nلا تزرها واجتنبها ... إنها شر مزور\nتوهن الدين وتُذْ ... نيك من الحوب الكبير\nقبل أن تسقط يا ... مغرور في حفرة بير\nوأرض يا ويحك من ... دنياك بالقوت اليسير\nإنها دار بلاء ... وزوال وغرور\n_________\n١ تاريخ بغداد: ٦/٢٣٦، سير أعلام النبلاء: ٨/٣٦٣-٤ ٣٦، وسأذكر فبما بعد قصة هذه الأبيات.","vol":"1","page":37},{"text":"ما ترى قد صرعت قبـ ... ـلك أصحاب القصور\nكم ببطن الأرض من ... ثاو شريف ووزير\nوصغير الشأن عبد ... خامل الذكر حقير\nلو تصفحت وجوه ... القوم في يوم نضير\nلم تميزهم ولم ... تعرف غنيًا من فقير\nخمدوا فالقوم صرعى ... تحت أشقاق الصخور\nواستووا عند مليك ... بمساويهم خبير\nأحذر الصرعة يا ... بمسكين من دهر عثور\nأين فرعون وها ... مان ونمرود النسور\nأو ما تخشاه أن ... يرميك بالموت المبير\nأوما تحذر من ... يوم عبوس قمطرير\nأقمطر الشر فيه ... بعذاب الزمهرير\nقال: فغشي على الفضيل، فرد ذلك ولم يأخذه١.\nوعن ابن سهم الأنطاكي قال: سمعت ابن المبارك ينشد:\nفكيف قرت لأهل العلم أعينهم ... أو أستلذوا النوم أو هجعوا\nوالنار ضاحية لابد موردها ... وليس يدرون من ينجو ومن يقع\nوطارت الصحف في الأيدي منشرة ... فيها السرائر والجبار مطلع\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٦٦-٣٦٧.","vol":"1","page":38},{"text":"أما نعيم وعيش لا إنقضاء له ... أو الجحيم فلا تبقى ولا تدع\nتهوى بساكنها طورًا وترفعه ... إذا رجوا مخرجًا من غمها قمعوا\nلينفع العلم قبل الموت عالمه ... قد سال قوم بها الرجعى فمارجعوا١\nوعن سلام الخواص قال: أنشدني ابن المبارك:\nرأيت الذنوب تميت القلوب ... ويورثك الذل إدمائها\nوترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها\nوهل بذل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها\nوباعوا النفوس فلم يربحوا ... ولم تغل في البيع أثمانها\nلقد رتع القوم في جيفة ... يبين لذى العقل إنتانها٢\nوقال الذهبي: ولابن المبارك:\nجربت نفسي فما وجدت لها ... من بعد تقوى الآله كالأدب\nفي كل حالاتها وإن كرهت ... أفضل من صمتها عن الكذب\nأو غيبة الناس إن غيبتهم ... حرمها ذو الجلال في الكتب\nقلت لها طائعًا وأكرهها ... الحلم والعلم زين ذي الحسب\nإن كان من فضة كلامك يا ... نفس فإن السكوت من ذهب٣\nوأنشد أبو بكر الآجرى لابن المبارك:\nإغتنم ركعتين زلفى إلى الله ... إذا كنت فارغًا مستريحًا\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٦٥- ط. الأولى.\n٢ جامع بيان العلم وفضله: ١/١٦٥.\n٣ سير أعلام النبلاء: ٨/٣٦٧.","vol":"1","page":39},{"text":"وإذا ما هممت بالنطق بالبا ... طل فاجعل مكانه تسبيحًا\nفاغتنام السكوت فضل من خو ... ض وان كنت بالكلام فصيحًا ١\nوقال ابن المبارك في الزهد وذم الدنيا:\nأرى أناسًا بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا بالعيش بالدون\nفاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدين\nقد يفتح المرء حانوتًا لمتجره ... وقد فتحت لك الحانوت بالدين\nبين الأساطين حانوت بلا غلق ... تبتاع بالدين أموال المساكين\nصيرت دينك شاهينًا تصيد به ... وليس يُفْلُح أصحاب الشواهين ٢\nوقال أبو العباس السراج: أنشدني يعقوب بن محمد لابن المبارك:\nأبإذنٍ نزلت بي يا مشيب ... أي عيش وقد نزلت يطيب\nوكفى الشيب واعظًا غير أني ... آمل العيش، والممات قريب\nكم أنادي الشباب إذا بان مني ... وندائي موليًا ما يجيب ٣\nوقال ابن المبارك:\nهُمُومُكَ بالعيش مقرونة ... فما تقطع العيش إلا بهم\nإذا تم أمر بدا نقصه ... ترقب زوالًا إذا قيل تم\nإذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم\nوحام عليها بشكر الآله ... فإن الآله سريع النقم\nحلاوة دنياك مسمومة ... فما تأكل الشهد إلا بسم\nفكم قدرٌ دَبَّ في مُهلةٍ ... فلم يعلم الناس حتى هجم٤\n_________\n١ المصدر السابق: ٨/ ٣٦٨.\n٢ وفيات الأعيان: ٣/٣٣، (والشاهين: نوع من الصقور) .\n٣ سير أعلام النبلاء: ٨/٣٦٧.\n٤ أدب الدنيا والدين: ٢٣٩.","vol":"1","page":40},{"text":"وقال ابن المبارك أيضًا:\nحسبي بعلمي إن نفع ... ما الذل إلا في الطمع\nمَن راقب الله رجع ... عن سوء ما كان صنع\nما طار شيء فارتفع ... إلا كما طار وقع ١\n- وقال ابن المبارك يمدح حماد بن زيد مع التحذير من المبتدعة:\nأيها الطالب علمًا ... ائت حماد بن زيد\nفأستفد علمًا وحلمًا ... ثم قيده بقيد\nلا كثور وكجهم ... وكعمر وبن عبيد ٢\n- وقال يمدح الإمام مالك إمام دار الهجرة:\nيأبى الجواب فما يراجع هيبة ... فالسائلون نواكس الأذقان\nهدي الوقار وعز سلطان التقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان٣\nوهذه نماذج من كلامه، وقد سبق كثير من غرر كلامه فيما سبق من بحثنا هذا:\n- قال ابن المبارك: إن البصراء لا يأمنون من أربع:\n- ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع فيه الرب ﷿.\n- وعمر قد بقي لا يدري ما فيه من الهلكة.\n- وضلالة قد زينت يراها هدى.\n_________\n١ جامع بيان العلم وفضله: ١/١٦٣.\n٢ تاريخ بغداد: ٦/ ٢٩، جامع بيان العلم وفضله: ١/١٢٧.\n٣ العقد الفريد: ٢/ ٢٢١.","vol":"1","page":41},{"text":"- وزيغ قلب ساعة، فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر.\n- وفضل قد أعطى العبد لعله مكر واستدراج١.\nوقال أبو وهب المروزى:\nسألت ابن المبارك: ما الكبر؟، قال: أن تزدرى الناس، فسألته عن العجب؟، فقال: أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك، ولا أعلم في المصلين شيئًا شرًا من العجب٢.\n- قال حبيب الجلاب سألت ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟، قال: غريزة عقل، قلت: فإن لم يكن؟، حسن أدب، قلت: فإن لم يكن؟، قال: أخ شقيق يستشيره، قلت: فإن لم يكن؟، قال: صمت طويل، قلت: فإن لم يكن؟، قال: موت عاجل٣.\n- وقال ابن المبارك: لا يخرج العبد من الزهد إمساك الدنيا ليصون بها وجهه عن سؤال الناس٤.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٥٩. وهي هكذا في السير وغيره \"خمس \" وليس أربع.\n٢ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٥٩.\n٣ المصدر السابق: ٨/ ٣٥٢.\n٤ طبقات الشعراني: ١/ ٦٠.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>هذا والله السلطان لا سلطان هارون الرشيد</span>\n- قال أبو أسامة: كان ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس١.\n- وعن علي بن الحسن بن شقيق، قال:\nكان ابن المبارك إذا كان الحج إجتمع عليه إخوانه من أهل مرو فيقولون نصحبك يا أبا عبد الرحمن؟، فيقول لهم: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق فيقفل عليها، ثم يكترى لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلواء ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زى وأجمل مرؤة حتى يصلوا إلى مدينة رسول الله ﷺ، فإذا صاروا إلى المدينة قال لكل رجل منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرفها؟، فيقول كذا، فيشتري لهم ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا وصلوا إلى مكة- وقضوا حجهم، قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري في متاع مكة؟، فيقول كذا وكذا، فيشتري لهم ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فإذا وصل إلى مرو جصّص- أبوابهم ودورهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام صنع لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وشربوا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل واحد منهم صرته٢.\n_________\n١ تاريخ بغداد: ١٠/١٥٦، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٤٠.\n٢ تاريخ بغداد: ١٠/١٥٨، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٤١-٣٤٢.","vol":"1","page":43},{"text":"وعن أشعث بن شعبة المصيصي، قال:\nقدم هارون الرشيد الرقة، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين الرشيد من برج من قصر الخشب، فلما رأت الناس، قالت:\nما هذا؟، قالوا: عالم من أهل خرسان قدم الرقة، يقال له عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان١.\n- أخرج الخطيب البغدادي بإسناده إلى الحمادين٢، قالا: كان عبد الله ابن المبارك يتجر في البز، وكان يقول لولا خمسة ما أتجرت، فقيل له من الخمسة يا أبا عبد الرحمن؟، فقال: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ومحمد بن السماك وإسماعيل بن علية.\nقالا: وكان يخرج فيتجر إلى خراسان، فكلما ربح من شيء أخذ القوت للعيال ونفقة الحج والباقي يصل به إخوانه الخمسة، قالا: وقدم سنة، فقيل له قد ولي ابن علية القضاء، فلم يأته ولم يصله بالصرة التي كان يصله بها في كل سنة، فبلغ ابن علية أن ابن المبارك قدم فركب إليه فتنكس على رأسه، فلم يرفع به عبد الله رأسًا ولم يكلمه فانصرف، فلما كان من غد كتب إليه رقعة:\n\"بسم الله الرحمن الرحيم، أسعدك الله بطاعته، وتولاك بحفظه، وحاطك بحياطته قد كنت منتظرًا لبرك وصلتك أتبرك بها وجئت أمس فلم تكلمني ورأيتك واجدًا علي، فأي شيء رأيت مني حتى أعتذر إليك منه؟.\n_________\n١ تاريخ بغداد: ١٠/ ١٥٦، سير أعلام النبلاء..: ٨/ ٣٤٠.\n٢ حماد بن زيد بن درهم وحماد بن سلمة بن دينار إمامان مشهوران.","vol":"1","page":44},{"text":"فلما وردت الرقعة على عبد الله بن المبارك دعا بالدواة والقرطاس، وقال: يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا، ثم كتب إليه:\nبسم الله الرحمن الرحيم:\nيا جاعل العلم له بازيًا ... يصطاد أموال المساكين\nإلى آخر الأبيات وقد سبق ذكرها كاملة في الكلام عن شعره.\nفلما وقف ابن علية على هذه الأبيات، قام من مجلس القضاء، فوطيء بساط هارون الرشيد وقال: يا أمير المؤمنين الله الله إرحم شيبتي، فإني لا أصبر للخطأ، فقال له هارون: لعل هذا المجنون أغرى عليك؟، فقال: الله الله أنقذني أنقذك الله، فأعفاه من القضاء، فلما إتصل بعبد الله ذلك وجه إليه بالصرة١.\n_________\n١ تاريخ بغداد: ٦/ ٢٣٥- ٢٣٦.\n* هذه النصوص وأمثالها في فرار أئمة السلف من تولي القضاء والتحريض عل تركه محمولة عل أمرين:\nا- علمهم بوجود من يقوم به.\n٢- تركه ورعًا وحيطة لدينهم.\nأما إذا ترتب على ذلك خلو القضاء ممن يقوم به أو تسلط الكفرة أو الفجرة عليه فتفسد مصالح الناس وتعطل أحكام الشريعة فلا.\nولا يفهم من ذلك أنهم يحرضون على إعتزال المجتمع والحياة كما يفعل دراويش الصوفية وخوارج هذا العصر.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>دروس وعبر</span>\nونختم هذا البحث ببعض الدروس والعبر من تلك السيرة العطرة\nلهذا الإمام المجاهد والعالم الرباني رحمة الله ورضي عنه.\nأولًا:\nإن العالم المسلم يجب أن يعيش لدينه وأمته ونشر العقيدة الصحيحة بين الأمة وأن يبذل في سبيل ذلك كل ما يستطيعه من نفس ونفيس وغال وثمين، وهذا ما عبر به عبد الرحمن بن مهدي عندما وصف ابن المبارك بأنه كان أنصح علماء الأمة للأمة.\nثانيًا:\nالفهم الصحيح للزهد هو ترك ما بأيدي الناس والرغبة فيما عند الله، وأن طلب المال لصون العرض والاستعانة على طاعة الرب وإعانة طلبة العلم والصالحين لا ينافي الزهد.\nوهذا الفهم جسده الإمام ابن المبارك في حياته العملية، وفي قوله عندما عاتبه الفضيل بن عياض على أمره لهم بالزهد والتقلل مع إشتغاله بالتجارة، فقال: إنما أفعل ذا لأصون به وجهي وأكرم به عرضي وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال الفضيل: ما أحسن ذا إن تم ذا.\nومن ذلك نفهم أن زهد الصوفية الداعي إلى االكسل والخمول وتعطيل الحياة ليس صحيحًا، بل هو خلاف فهم السلف الصالح للزهد وخلاف ما أراده الشارغ من المؤمنين.","vol":"1","page":46},{"text":"ثالثا:\nإن مهمة العالم المسلم ليست منحصرة في تعليم الناس العلم وتلقينهم الأحكام وتحفيظهم المتون بل إن مهمته أوسع من ذلك، إنه القدوة العملية لمن يربيهم ويعلمهم الفهم الصحيح لطلب العلم والعمل به، والفهم الصحيح لوظيفة المال في الحياة الدنيا، والمعنى السليم للزهد.\nفهو إلى جانب تعليمهم يتفقد أحوالهم وينفق عليهم ويوجههم توجيها عمليا، فلا يعلمهم أحكام الجهاد وهو قاعد متخلف مع القاعدين، ولا يعلمهم سبل الإنفاق وهو مقتر بخيل أو فقير عاطل، ولا يعلمهم التواضح وسعة الأفق وهو متكبر غليظ القلب ضيق الأفق.\nرابعا:\nتلك المكانة التي كان يحتلها علماؤنا من السلف الصالح بين الأمة وأنها مكانة عالية مكانها القلوب والأرواح، مكانة لا يبلغها الملوك ولا أرباب المال والجاه المتسلطين على الأمة بالقوة والقهر والذين غالبا ما تكون محبتهم مصحوبة بالرياء والمداهنة.\nوأصدق تعبير عن هذه المكانة لأئمتنا من السلف الصالح أمران:\nالأول: مكانة ابن المبارك الدليل العملي والقدوة المثلى في ذلك، وقد مر بنا في ثنايا البحث الكثير من ذلك.\nوالثاني: ما قالته أم ولد لهارون الرشيد عندما رأت بأم عينها مكانة الأمام عبد الله بن المبارك في قلوب ونفوس الأمة، فانطلق لسانها معبرا عن تلك المكانة:..... هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لايجمع الناس إلا بشرط وأعوان أو ترغيب وترهيب.","vol":"1","page":47},{"text":"هذه المكانة لم يكن لينالها علماؤنا لو أن أعمالهم كانت تناقض أقوالهم أو كانوا يؤثرون الدعة والراحة على التعب والنصب أو كانوا يؤثرون أنفسهم بالرفاه والعافية عن باقي الأمة.\nخامسًا:\nإن لسلفنا الصالح منهجًا في طلب العلم يتدرج فيه الطالب حتى يبلغ درجة الإجتهاد ولا يتجاوز الطالب مرحلة من تلك المراحل إلى التي تليها حتى يتقن المرحلة السابقة.. وقد أوجز ابن المبارك المبادئ الأساسية لهذا المنهج فقال:\nأول العلم النية ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر.\nوقال: كانوا يطلبون الأدب ثم العلم.\nسادسًا:\nالعناية بالنابغين والأذكياء من طلبة العلم والعمل على تفرغهم لطلب العلم وتعليمه للأمة ومساعدتهم بما يحتاجونه من المال وغيره حتى لا يشغلهم طلب قوتهم ومن يعولون عما هم فيه من ميراث النبوة من طلب العلم وتعليمه لأمة محمد ﷺ، ولئلا يضطروا للوقوف على أبواب السلاطين وتقلد مناصبهم وهم يعلمون الناس ترك أبواب السلاطين.\nهذا ما فعله ابن المبارك مع النابغين من طلبة العلم في عصر ومن قبله فعله شيخه أبوحنيفة ﵀ مع بعض تلاميذه النابهين.\nهذا ما يسر الله لي أن أكتبه عن ابن المبارك وأسأله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع وأن ينفعنا بما علمنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوكتبه\nمحمد بن مطر الزهراني","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المصادر\nأدب الدنيا والدين\nالماوردي دار الكتب العلمية- بيروت-\nتاريخ بغداد\nالخطيب البغدادي المكتبة السلفية- المدينة-\nالتبصرة والتذكرة\nزين الدين العراقي دار الكتب العلمية- بيروت-\nتذكرة الحفاظ\nالحافظ أبو عبد الله الذهبي طبع بيروت- بنحقبق المعلمي-\nتذكرة السامع والمتكلم\nعز الدين بن جماعة طبع بيروت – تصوير عن الطبعة الهندية-\nتقريب التهذيب\nالحافظ ابن حجر المكتبة الإسلامية- باكستان-\nجامع بيان العلم وفضله\nالحافظ ابن عبد البر دار الكتب العلمية- بيروت-\nالجرح والتعديل\nالحافظ ابن أبي حاتم المكتبة العلمية- بيروت-\nالجهاد\nلابن المبارك دار المطبوعات الحديثة- جدة-\nحلية الأولياء\nأبو نعيم الأصبهاني دار السعادة- القاهرة-\nالديباج المذهب\nابن فرحون المالكي دار التراث بالقاهرة\nالسنة\nللإمام أحمد بن حنبل طبع في مكة المكرمة عام ١٣٤٩هـ\nسير أعلام النبلاء\nأبو عبد الله الذهبي مؤسسة الرسالة- بيروت- الطبلة الأولى\nصحيح ابن حبان\nابو حاتم محمد بن أحمد بن حبان البستي مؤسسة الرسالة- بيروت- الطبعة الأولى\nصحيح مسلم\nالإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري طبعة بيروت – بتحقيق عبد الباقي -\nصفة الصفوة\nالحافظ ابن الجوزي دار المعرفة – بيروت -\nالصلاة\nالحافظ ابن القيم المكتب الإسلامي – بيروت\nطبقات الصوفية\nعبد الوهاب الشعراني البابي الحلبي – القاهرة-\nالعقد الفريد\nابن عبد ربه الأندلسي طبعة القاهرة – بتحقيق أحمد أمين ورفقائه-\nعقيدة السلف أهل الحديث\nأبو عثمان الصابوني الدار السلفية الكويت -\nغاية النهاية\nشمس الدين ابن الجزري دار الكتب العلمية – بيروت -\nالقاموس المحيط\nالفيروز آبادي دار الجيل – بيروت -\nالكفاية في علم الرواية\nالخطيب البغدادي مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة -\nمعرفة علوم الحديث\nأبو عبد الله الحاكم النيسابوري المكتب التجاري – بيروت -\nمفتاح السعادة\nطاش كبري زاده الطبعة الأولى – القاهرة-\nوفيات الأعيان\nابن خلكان تحقيق إحسان عباس – القاهرة-","vol":"1","page":49}]}