{"ً":{"ٌ":12085,"ٍ":"من أصول الفقه على منهج أهل الحديث","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"أصول الفقه والقواعد الفقهية/من أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الباكستاني - ط الخراز","files":["159430.pdf"]},"ّ":"الكتاب: من أصول الفقه على منهج أهل الحديث\nالمؤلف: زكريا بن غلام قادر الباكستاني\nالناشر: دار الخراز\nالطبعة: الطبعة الاولى ١٤٢٣هـ-٢٠٠٢م\nعدد الصفحات: ٢٣١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1009,"ٕ":11,"ٖ":1770155400,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الدليل","level":1,"page":17},{"title":"القاعدة الأولى: الدليل هو الأصل الذي تبنى عليه المسألة","level":2,"page":17},{"title":"القاعدة الثانية: الأحكام الشرعية تؤخذ من الحديث الصحيح ولا يجوز أخذها من الحديث الضعيف","level":2,"page":18},{"title":"القاعدة الثالثة: لا فرق في عدم جواز العمل بالحديث الضعيف بين أن يكون في فضائل الأعمال أو في غير فضائل الأعمال","level":2,"page":21},{"title":"القاعدة الرابعة: يجب فهم الدليل على ما فهمه السلف الصالح","level":2,"page":25},{"title":"القاعدة الخامسة: يجب الأخذ بظاهر الدليل وعدم تأويله","level":2,"page":29},{"title":"القاعدة السادسة: لا يصرف الدليل عن ظاهره بقول جمهور العلماء","level":2,"page":35},{"title":"القاعدة السابعة: لا يسقط الاستدلال بالدليل بمجرد تطرق الاحتمال إليه","level":2,"page":36},{"title":"القاعدة الثامنة: لا فرق بين الدليل المتواتر والآحاد في جميع القواعد والأحكام","level":2,"page":38},{"title":"القاعدة التاسعة: يجب العمل بالدليل وإن لم يعرف أن أحدا عمل به","level":2,"page":41},{"title":"القاعدة العاشرة: يجب العمل بالدليل ولو خالفه من خالفه من السلف الصالح رضوان الله عليهم","level":2,"page":45},{"title":"القاعدة الحادية عشر: لا يشرع ترك الدليل وإن عمل الناس بخلافه","level":2,"page":47},{"title":"القاعدة الثانية عشر: الأدلة لا تعارض بالعقل، بل يسلم للدليل تسليما من غير اعتراض عليه","level":2,"page":49},{"title":"القاعدة الثالثة عشر: الأحكام التي وردت في الأدلة مطلقة لا يجوز تحديدها","level":2,"page":51},{"title":"القاعدة الرابعة عشرة: الأعيان المذكورة في الدليل لا يلحق بها ما لم يذكر في الدليل","level":2,"page":52},{"title":"القاعدة الخامسة عشر: لا احتياط فيما ورد به الدليل","level":2,"page":53},{"title":"القاعدة السادسة عشر: يجب تفسير الدليل وفهمه باعتدال من غير إفراط ولا تفريط","level":2,"page":54},{"title":"القاعدة السابعة عشر: الحكم الوارد في قصة ما لا يكون خاصا بصاحب القصة بل يكون الاستدلال بذلك الحكم الوارد في تلك القصة داخلا فيه غير صاحب القصة أيضا:","level":2,"page":55},{"title":"الإجماع","level":1,"page":57},{"title":"القاعدة الأولى: الإجماع حجة من الحجج الشرعية","level":2,"page":57},{"title":"القاعدة الثانية: الإجماع لا بد أن يكون له مستند من الكتاب أو السنة","level":2,"page":59},{"title":"القاعدة الثالثة: الإجماع لا يقدم على الكتاب أو السنة","level":2,"page":61},{"title":"القاعدة الرابعة: الإجماع لا ينسخ النص","level":2,"page":63},{"title":"القاعدة الخامسة: الإجماع الذي يغلب على الظن وقوعه هو الإجماع على ما هو معلوم من الدين بالضرورة","level":2,"page":65},{"title":"القاعدة السادسة: إجماع الصحابة ممكن وقوعه وأما إجماع من بعدهم فمتعذر غالبا","level":2,"page":67},{"title":"القاعدة السابعة: إذا اختلف عالمان في الإجماع على مسألة ما فإنه يقدم قول من نقل الخلاف في تلك المسألة لأنه مثبت","level":2,"page":69},{"title":"القاعدة الثامنة: عدم العلم بالمخالف لا يصح به دعوى الإجماع","level":2,"page":70},{"title":"القاعدة التاسعة: إجماع أهل المدينة لا يعتبر حجة","level":2,"page":71},{"title":"القاعدة العاشرة: قول جمهور العلماء في مسألة من المسائل لايعتبر حجة","level":2,"page":74},{"title":"القياس","level":1,"page":76},{"title":"القاعدة الأولى: القياس حجة من الحجج الشرعية","level":2,"page":76},{"title":"القاعدة الثانية: لا قياس في مقابل النص","level":2,"page":78},{"title":"القاعدة الثالثة: القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة","level":2,"page":80},{"title":"القاعدة الرابعة: يصح القياس على ما ثبت خلافا للأصل","level":2,"page":81},{"title":"القاعدة الخامسة: القياس الصحيح مقدم على الحديث الضعيف","level":2,"page":82},{"title":"القاعدة السادسة: قول الصحابي الذي لم يخالفه صحابي آخر مقدم على القياس","level":2,"page":83},{"title":"القاعدة السابعة: الحكم يدور مع علته وجودا وعدما","level":2,"page":85},{"title":"القاعدة الثامنة: العلة لا تثبت إلا بدليل","level":2,"page":87},{"title":"القاعدة التاسعة: لايصح التعليل بمجرد الشبه في الصورة","level":2,"page":90},{"title":"القاعدة العاشرة: لا قياس في العبادات","level":2,"page":91},{"title":"افعال الرسول ﷺ","level":1,"page":93},{"title":"القاعدة الأولى: الخصوصية لا تثبت إلا بديل","level":2,"page":93},{"title":"القاعدة الثانية: لا يشرع المداومة على ما لم يداوم عليه النبي ﷺ من العبادات","level":2,"page":94},{"title":"القاعدة الثالثة: إقرار النبي ﷺ حجة","level":2,"page":96},{"title":"القاعدة الرابعة: ما وقع في زمن النبي ﷺ يعتبر حجة وإن لم يكن اطلع النبي ﷺ عليه","level":2,"page":97},{"title":"القاعدة الخامسة: الفعل المجرد لا يدل على الوجوب","level":2,"page":98},{"title":"القاعدة السادسة: ما أصله مباح وتركه النبي ﷺ لا يدل تركه له على أنه واجب علينا تركه","level":2,"page":100},{"title":"القاعدة السابعة: الأصل أن ما هم به النبي ﷺ ولم يفعله فإنه لا يكون حجة","level":2,"page":102},{"title":"القاعدة الثامنة: الفعل الجبلي المحض الذي ورد عن النبي ﷺ لا يتقرب المكلف بفعله إلى الله ﷿","level":2,"page":104},{"title":"القاعدة التاسعة: ما استحب النبي ﷺ فعله من الأمور العادية فيستحب فعله لمحبة النبي ﷺ له","level":2,"page":110},{"title":"القاعدة العاشرة: ما يحتمل من الأفعال خروجه من الجبلية إلى التشريع بمواظبته على وجه مخصوص فيستحب التأسي به فيه","level":2,"page":111},{"title":"القاعدة الحادية عشر: ترك النبي ﷺ لفعل ما مع وجود المقتضي له وانتفاء المانع يدل على أن ترك ذلك الفعل سنة وفعله بدعة","level":2,"page":112},{"title":"القاعدة الثانية عشرة: لا تعارض بين أفعال النبي ﷺ","level":2,"page":115},{"title":"القاعدة الثالثة عشر: إذا تعارض القول مع الفعل ولم يمكن الجمع بينهما فإن القول مقدم على الفعل","level":2,"page":117},{"title":"القاعدة الرابعة عشر: الفعل الوارد بصيغة \"كان\" الأصل فيه أنه للتكرار","level":2,"page":119},{"title":"قول الصحابي","level":1,"page":121},{"title":"القاعدة الأولى: قول الصحابي فيما لا نص فيه يعتبر حجة إذا لم يخالفه غيره","level":2,"page":121},{"title":"القاعدة الثانية: قول الصحابي إذا اشتهر ولم يخالفه أحد يكون إجماعا وحجة","level":2,"page":126},{"title":"القاعدة الثالثة: إذا اختلف الصحابة في مسألة ما رجع إلى الأصل ولا يقدم قول بعضهم على بعض","level":2,"page":127},{"title":"القاعدة الربعة: إذا اختلف الصحابة في مسألة ما على قولين فإن القول الذي فيه أحد الخلفاء الراشدين أرجح من القول الآخر","level":2,"page":129},{"title":"القاعدة الخامسة: الصحابي أدرى بمرويه من غيره","level":2,"page":131},{"title":"القاعدة السادسة: إذا خالف الصحابي ما رواه فالعبرة بما رواه لا بما رآه","level":2,"page":133},{"title":"الناسخ والمنسوخ","level":1,"page":134},{"title":"القاعدة الأولى: مراد السلف بكلمة \"النسخ\" ليس هو المراد عند المتأخرين","level":2,"page":134},{"title":"القاعدة الثانية: النسخ يثبت بدليل ولا يثبت بالاحتمال","level":2,"page":135},{"title":"القاعدة الثالثة: لا يدخل النسخ في الأخبار أو القواعد الكلية","level":2,"page":136},{"title":"القاعدة الرابعة: عدم جواز النسخ بالقياس","level":2,"page":138},{"title":"القاعدة الخامسة: قبول قول الصحابي في النسخ","level":2,"page":140},{"title":"القاعدة السادسة: تأخر إسلام الصحابي لا يدل على النسخ","level":2,"page":141},{"title":"الجمع والترجيح","level":1,"page":143},{"title":"القاعدة الأولى: الأحاديث المتعارضة يجمع بينهما ولا تطرح","level":2,"page":143},{"title":"القاعدة الثانية: لا يجمع بين الدليلين إذا كان أحدهما لا يثبت","level":2,"page":144},{"title":"القاعدة الثالثة: لا يجمع بين الدليلين المتعارضين بتأويل بعيد","level":2,"page":145},{"title":"القاعدة الرابعة: لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع","level":2,"page":146},{"title":"معرفة دلالات الألفاظ الشرعية","level":1,"page":147},{"title":"القاعدة الأولى: الواجب حمل الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة الشرعية:","level":2,"page":147},{"title":"القاعدة الثانية: النفي الوارد في الكتاب والسنة المراد به نفي الكمال الواجب وليس نفي الكمال المستحب","level":2,"page":149},{"title":"القاعدة الثالثة: دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله","level":2,"page":150},{"title":"الأمر","level":1,"page":152},{"title":"القاعدة الأولى: الأمر يدل على الوجوب","level":2,"page":152},{"title":"القاعدة الثانية: الأمر يقتضي الفور","level":2,"page":155},{"title":"القاعدة الثالثة: الأمر المطلق يقتضي التكرار","level":2,"page":157},{"title":"القاعدة الرابعة: الشيء الذي جاء الأمر بفعله على صفة معينة ولم يأت أمر بفعله ابتداء، فإن تلك الصفة تكون واجبة وابتداء ذلك الفعل ليس بواجب","level":2,"page":159},{"title":"القاعدة الخامسة: قول الصحابي \"أمرنا بكذا\" يدل على وجوب المأمور به","level":2,"page":160},{"title":"القاعدة السادسة: الأمر بعد الحظر يفيد ما كان عليه ذلك الشيء قبل ورود الأمر","level":2,"page":161},{"title":"القاعدة السابعة: الخبر بمعنى الأمر يدل على الوجوب","level":2,"page":163},{"title":"القاعدة الثامنة: إذا صرف الأمر من الوجوب فإنه يحمل على الاستحباب وليس على الإباحة","level":2,"page":165},{"title":"القاعدة التاسعة: أمر الصحابي لا يحمل على الوجوب","level":2,"page":166},{"title":"القاعدة العاشرة: العدد الذي يحصل به تطبيق الأمر هو المرة الواحدة","level":2,"page":167},{"title":"القاعدة الحادية عشر: القضاء يكون بأمر جديد ولا يكون بالأمر بالأداء","level":2,"page":168},{"title":"القاعدة الثانية عشر: الأمر الوارد عقب سؤال يكون بحسب قصد السائل:","level":2,"page":170},{"title":"النهي","level":1,"page":173},{"title":"القاعدة الأولى: النهي يدل على التحريم","level":2,"page":173},{"title":"القاعدة الثانية: النهي يدل على الفساد","level":2,"page":175},{"title":"القاعدة الثالثة: النهي الوارد عقب سؤال إفادته على حسب ما يقصده السائل","level":2,"page":179},{"title":"العام والخاص","level":1,"page":181},{"title":"القاعدة الأولى: الأصل أن التنصيص على بعض أفراد العام بالذكر لا يعني تخصيص النص العام بذلك المذكور إلا لقرينه","level":2,"page":181},{"title":"القاعدة الثانية: الأصل في العام العمل به على عمومه حتى يوجد المخصص","level":2,"page":183},{"title":"القاعدة الثالثة: لا يشرع العمل بالنص العام على عمومه إن لم يجر عمل السلف بالعمل به على عمومه","level":2,"page":185},{"title":"القاعدة الرابعة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب","level":2,"page":187},{"title":"القاعدة الخامسة: ترك الاستفصال في مكان الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال","level":2,"page":188},{"title":"القاعدة السادسة: الصورة النادرة داخلة في العموم","level":2,"page":189},{"title":"القاعدة السابعة: ليس كل عام قد دخله التخصيص","level":2,"page":191},{"title":"القاعدة الثامنة: يقدم الخاص على العام مطلقا سواء كان العام متقدما أو متأخرا","level":2,"page":193},{"title":"القاعدة التاسعة: العام الذي دخله التخصيص يجب العمل بما بقي من عمومه","level":2,"page":194},{"title":"القاعدة العاشرة: السياق من المخصصات للعموم","level":2,"page":195},{"title":"القاعدة الحادية عشر: لا يصح تخصيص العام بالعرف سواء كان العرف قوليا أو عمليا","level":2,"page":197},{"title":"القاعدة الثانية عشر: قول الصحابي قد يخصص العام","level":2,"page":198},{"title":"القاعدة الثالثة عشر: لا يصلح تخصيص العام بالعقل","level":2,"page":199},{"title":"القاعدة الرابعة عشر: لا يصح تخصيص العام بالقياس","level":2,"page":200},{"title":"القاعدة الخامسة عشر: كما أنه لا يشرع إطلاق ما دل الدليل على تقييده كذلك لا يشرع تقييد ما دل الدليل على أنه مطلق","level":2,"page":201},{"title":"القاعدة السادسة عشر: الخطاب الموجه للرسول ﷺ عام لجميع الأمة إلا إذا دل دليل على التخصيص","level":2,"page":202},{"title":"القاعدة السابعة عشر: خطاب الشارع للواحد خطاب لجميع الأمة","level":2,"page":203},{"title":"القاعدة الثامنة عشر: دخول النساء في الخطاب الموجه للذكور","level":2,"page":205},{"title":"القاعدة التاسعة عشر: الاستثناء الوارد بعد عدة جمل يرجع إلى جميع الجمل","level":2,"page":207},{"title":"القاعدة العشرون: الأصل أن حكاية الفعل تدل على العموم","level":2,"page":208},{"title":"المفهوم","level":1,"page":210},{"title":"القاعدة الأولى: مفهوم الموافقة حجة","level":2,"page":210},{"title":"القاعدة الثانية: مفهوم المخالفة حجة","level":2,"page":211},{"title":"القاعدة الثالثة: إذا دل الدليل على أن ما خص بالذكر ليس مختصا بالحكم لم يكن مفهوم المخالفة حينئذ حجة","level":2,"page":212},{"title":"الاحكام التكليفية (الواجب)","level":1,"page":214},{"title":"مدخل","level":2,"page":214},{"title":"القاعدة الأولى: الفرق بين الواجب والفرض ليس بصحيح","level":2,"page":215},{"title":"القاعدة الثانية: الواجب الذي ليس له وقت محدد يجب المبادرة إلى فعله","level":2,"page":216},{"title":"القاعدة الثالثة: الواجب إذا لم يكن الإتيان بتمامه فإن المسلم يأتي بما يستطيع منه","level":2,"page":218},{"title":"القاعدة الرابعة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب","level":2,"page":219},{"title":"القاعدة الخامسة: ما لا يتم الواجب المشروط إلا به فهو غير واجب","level":2,"page":221},{"title":"القاعدة السادسة: الواجب الذي لم يحدد له الشارع حدا فإنه يجب على المكلف أن يأتي منه ما يغلب على الظن أنه أدى ما وجب عليه من ذلك الواجب","level":2,"page":223},{"title":"القاعدة السابعة: الواجب المخير يسقط بفعل واحد من أفراده، ولايشرع الجمع بين أفراده","level":2,"page":225},{"title":"القاعدة الثامنة: الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين","level":2,"page":226},{"title":"القاعدة التاسعة: إذا تعارض واجبان فإنه يقدم الآكد منهما وجوبا","level":2,"page":228},{"title":"القاعدة العاشرة: كل لفظ دل على أنه يلزم فعل شيء من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه وجوب ذلك الفعل","level":2,"page":230},{"title":"المندوب","level":1,"page":231},{"title":"القاعدة الأولى: حكم معرفة المندوب واجب على الكفاية","level":2,"page":231},{"title":"القاعدة الثانية: المندوب لا يجب بالشروع فيه","level":2,"page":232},{"title":"القاعدة الثالثة: السنة إذا أدى فعلها إلى فتنة فإنها تترك مؤقتا تأليفا للقلوب إلى أن يعلمها الناس","level":2,"page":234},{"title":"القاعدة الرابعة: لا يترك المندوب إذا صار شعارا للمبتدعة","level":2,"page":235},{"title":"المكروه","level":1,"page":236},{"title":"القاعدة الأولى: المكروه هو كل ما لم ينه عنه الشارع نهيا جازما","level":2,"page":236},{"title":"القاعدة الثانية: مراد الشرع بكلمة \"المكروه\" هو \"الحرام\"","level":2,"page":237},{"title":"المحرم","level":1,"page":239},{"title":"القاعدة الأولى: المحرمات متفاوته","level":2,"page":239},{"title":"القاعدة الثانية: تحريم الشيء تحريم لجميع أجزائه","level":2,"page":240},{"title":"القاعدة الثالثة: ما أدى إلى محرم فهو محرم","level":2,"page":241},{"title":"القاعدة الرابعة: يأثم الإنسان بالعزم على فعل المحرم وإن لم يفعله","level":2,"page":243},{"title":"القاعدة الخامسة: كل لفظ يدل على لزوم ترك فعل من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه تحريم ذلك الفعل","level":2,"page":245},{"title":"المباح","level":1,"page":246},{"title":"القاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة","level":2,"page":246},{"title":"القاعدة الثانية: لا يأثم الإنسان بالمداومة على فعل بعض المباحات","level":2,"page":248},{"title":"القاعدة الثالثة: يثاب المرء على فعل المباح إذا حسن نيته في فعل ذلك المباح","level":2,"page":250},{"title":"ما يتعلق بالعباد من قواعد","level":1,"page":251},{"title":"القاعدة الأولى: التكليف مشروط بالعلم والقدرة معا","level":2,"page":251},{"title":"القاعدة الثانية: من لم يبلغ الإحتلام أو زال عقله فليس بمكلف","level":2,"page":253},{"title":"القاعدة الثالثة: الأقوال والأفعال الصادرة من غير المكلف لا يترتب عليها حكم","level":2,"page":254},{"title":"القاعدة الرابعة: ما يتعلق بالأموال والمتلفات فإنه لا يعذر فيها أحد أبدا","level":2,"page":256},{"title":"الاجتهاد والتقليد","level":1,"page":257},{"title":"القاعدة الأولى: لا يشرع لمن بلغه الدليل أو كان يستطيع البحث عن الدليل أن يقلد أي عالم من العلماء كائنا من كان ويترك الدليل","level":2,"page":257},{"title":"القاعدة الثانية: يشرع التقليد لمن لم يستطيع الاجتهاد لعذر ما","level":2,"page":262},{"title":"القاعدة الثالثة: لا يشرع الخروج عن أقوال السلف في المسألة التي تكلموا فيها","level":2,"page":264},{"title":"القاعدة الرابعة: ليس كل مجتهد مصيب","level":2,"page":266},{"title":"القاعدة الخامسة: ينكر على من خالف الدليل في أي مسألة من المسائل","level":2,"page":268},{"title":"القاعدة السادسة: الخروج من الخلاف مستحب","level":2,"page":269},{"title":"القاعدة السابعة: عدم التكلم في مسألة لم يسبق إلى القول بها إمام من الأئمة إلا إذا كان فيها نص","level":2,"page":270},{"title":"قواعد متفرقة","level":1,"page":271},{"title":"القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها","level":2,"page":271},{"title":"القاعدة الثانية: الأحكام الشرعية مبنية على تحقيق المصالح وإكمالها","level":2,"page":273},{"title":"القاعدة الثالثة: الأحكام الشرعية مبنية على المتماثلات","level":2,"page":274},{"title":"القاعدة الرابعة: العبرة في الأحكام الشرعية بالمعاني والمقاصد لا بالألفاظ","level":2,"page":276},{"title":"القاعدة الخامسة: الحكم للغالب والنادر لا حكم لها","level":2,"page":278},{"title":"القاعدة السادسة: الأحكام الشرعية المحددة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان","level":2,"page":279},{"title":"القاعدة السابعة: اليقين لا يزول بالشك","level":2,"page":281},{"title":"القاعدة الثامنة: الضرورات تبيح المحظورات:","level":2,"page":283},{"title":"القاعدة التاسعة: الضرر يزال","level":2,"page":285},{"title":"القاعدة العاشرة: العادة محكمة","level":2,"page":286},{"title":"القاعدة الحادية عشر: درء المفاسد أولى من جلب المصالح","level":2,"page":288},{"title":"القاعدة الثانية عشر: الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان","level":2,"page":289},{"title":"قواعد في البدعة","level":1,"page":291},{"title":"القاعدة الأولى: الأصل في العبادات المنع وفي العادات الإباحة","level":2,"page":291},{"title":"القاعدة الثانية: ليس في الشرع بدعة حسنة بل كل بدعة هي ضلالة","level":2,"page":293},{"title":"القاعدة الثالثة: البدع كلها محرمة وليس فيها ما هو مكروه:","level":2,"page":298},{"title":"القاعدة الرابعة: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة","level":2,"page":300},{"title":"القاعدة الخامسة: النية الحسنة لا تخرج الشيء المحدث عن كونه بدعة بتلك النية الحسنة","level":2,"page":302},{"title":"القاعدة السادسة: الاختلاف في فعل ما هل هو بدعة أم لا يسوغ العمل به بسبب ذلك الاختلاف","level":2,"page":303},{"title":"القاعدة السابعة: شيوع عبادة ما وانتشارها بين الناس لا يدل ذلك على مشروعيتها إلا بدليل","level":2,"page":304},{"title":"القاعدة الثامنة: الأصل أن إحداث زيادة ما في عبادة من العبادات لا يفسد العبادة كلها وإنما ذلك الأمر المحدث الزائد يكون هو الفاسد فقط إلا إذا كان الزائد مخلا بأصل العبادة","level":2,"page":306},{"title":"القاعدة التاسعة: العبادة التي أطلقها الشارع لا يشرع تقييدها بزمان أو مكان أو صفة أو عدد","level":2,"page":308},{"title":"القاعدة العاشرة: ما ثبت على صفة معينة من العبادات فان الاقتصار على جزء معين من تلك العبادة دون الإتيان بها بكاملها يعتبر بدعة","level":2,"page":310},{"title":"القاعدة الحادية عشر: لا يشرع استعمال طريقة جديد لدعوة الناس إلى عبادة ربهم","level":2,"page":312},{"title":"القاعدة الثانية عشر: ما جاء عن أحد من الصحابة فعل عبادة ما فإن تلك العبادة يشرع فعلها ولا تعتبر بدعة","level":2,"page":316},{"title":"القاعدة الثالثة عشر: فعل العبادة على غير الصفة التي وردت بها أوغير السبب التي وردت من أجله تعتبر بدعة","level":2,"page":317},{"title":"القاعدة الرابعة عشر: لا يشرع التقرب إلى الله بالمباحات","level":2,"page":319},{"title":"القاعدة الخامسة عشر: المصلحة المرسلة ليست من البدعة في شيء","level":2,"page":321},{"title":"القاعدة السادسة عشر: ليس كل من وقع في البدعة صار مبتدعا","level":2,"page":324},{"title":"القواعد التي لا تصح لتصحيح الحديث أو تضعيفه","level":1,"page":325},{"title":"أولا: ما لا يصح من القواعد لتصحيح الحديث","level":2,"page":325},{"title":"ثانيا: مالا يصح تضعيف الحديث به:","level":2,"page":332},{"title":"فمن القواعد التي لا يصح تضعيف الحديث بها:","level":1,"page":335},{"title":"اولا: تضعيف الحديث لمخالفته للقياس","level":2,"page":335},{"title":"ثانيا: تضعيف الحديث لمخالفته للعقل:","level":2,"page":336},{"title":"ثالثا: تضعيف الحديث إذا كان مما تعم به البلوى وكان راويه واحدا","level":2,"page":337},{"title":"رابعا: تضعيف الحديث لمخالفته للقرآن أو لحديث مشهور بالصحة","level":2,"page":340},{"title":"خامسا: تضعيف الحديث لمخالفته لرأي الراوي له","level":2,"page":342},{"title":"سادسا: تضعيف الحديث لعدم ورود في كتب الحديث المشتهرة","level":2,"page":344}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":37,"1,36":39,"1,37":40,"1,38":42,"1,39":43,"1,40":44,"1,41":45,"1,42":46,"1,43":48,"1,44":50,"1,45":52,"1,46":53,"1,47":54,"1,48":56,"1,49":57,"1,50":58,"1,51":60,"1,52":62,"1,53":64,"1,54":66,"1,55":68,"1,56":70,"1,57":72,"1,58":73,"1,59":75,"1,60":76,"1,61":77,"1,62":79,"1,63":81,"1,64":82,"1,65":84,"1,66":86,"1,67":88,"1,68":89,"1,69":90,"1,70":92,"1,71":93,"1,72":95,"1,73":97,"1,74":99,"1,75":101,"1,76":103,"1,77":105,"1,78":106,"1,79":107,"1,80":108,"1,81":109,"1,82":111,"1,83":113,"1,84":114,"1,85":116,"1,86":118,"1,87":120,"1,88":121,"1,89":122,"1,90":123,"1,91":124,"1,92":125,"1,93":128,"1,94":130,"1,95":132,"1,96":134,"1,97":135,"1,98":137,"1,99":139,"1,100":142,"1,101":143,"1,102":144,"1,103":145,"1,104":147,"1,105":148,"1,106":150,"1,107":151,"1,108":152,"1,109":153,"1,110":154,"1,111":156,"1,112":158,"1,113":160,"1,114":162,"1,115":164,"1,116":167,"1,117":169,"1,118":171,"1,119":172,"1,120":173,"1,121":174,"1,122":176,"1,123":177,"1,124":178,"1,125":180,"1,126":181,"1,127":182,"1,128":184,"1,129":186,"1,130":187,"1,131":188,"1,132":190,"1,133":192,"1,134":194,"1,135":195,"1,136":196,"1,137":197,"1,138":199,"1,139":201,"1,140":202,"1,141":204,"1,142":206,"1,143":209,"1,144":210,"1,145":211,"1,146":213,"1,147":214,"1,148":215,"1,149":217,"1,150":220,"1,151":222,"1,152":224,"1,153":226,"1,154":227,"1,155":229,"1,156":231,"1,157":233,"1,158":235,"1,159":236,"1,160":238,"1,161":239,"1,162":240,"1,163":242,"1,164":244,"1,165":245,"1,166":246,"1,167":247,"1,168":249,"1,169":251,"1,170":252,"1,171":255,"1,172":256,"1,173":257,"1,174":258,"1,175":259,"1,176":260,"1,177":261,"1,178":263,"1,179":265,"1,180":267,"1,181":268,"1,182":269,"1,183":271,"1,184":272,"1,185":275,"1,186":277,"1,187":278,"1,188":280,"1,189":282,"1,190":284,"1,191":287,"1,192":288,"1,193":290,"1,194":291,"1,195":292,"1,196":294,"1,197":295,"1,198":296,"1,199":297,"1,200":299,"1,201":301,"1,202":302,"1,203":303,"1,204":305,"1,205":307,"1,206":309,"1,207":311,"1,208":313,"1,209":314,"1,210":315,"1,211":316,"1,212":318,"1,213":320,"1,214":322,"1,215":323,"1,216":324,"1,217":325,"1,218":326,"1,219":327,"1,220":328,"1,221":329,"1,222":330,"1,223":331,"1,224":333,"1,225":334,"1,226":336,"1,227":338,"1,228":339,"1,229":341,"1,230":343,"1,231":345},"ٜ":{"1":[5,231]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,21","1,22","1,23","1,23","1,24","1,25","1,26","1,26","1,27","1,28","1,29","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,34","1,34","1,35","1,35","1,36","1,37","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,42","1,43","1,43","1,44","1,44","1,45","1,46","1,47","1,47","1,48","1,49","1,50","1,50","1,51","1,51","1,52","1,52","1,53","1,53","1,54","1,54","1,55","1,55","1,56","1,56","1,57","1,58","1,58","1,59","1,60","1,61","1,61","1,62","1,62","1,63","1,64","1,64","1,65","1,65","1,66","1,66","1,67","1,68","1,69","1,69","1,70","1,71","1,71","1,72","1,72","1,73","1,73","1,74","1,74","1,75","1,75","1,76","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,81","1,82","1,82","1,83","1,84","1,84","1,85","1,85","1,86","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,92","1,92","1,93","1,93","1,94","1,94","1,95","1,95","1,96","1,97","1,97","1,98","1,98","1,99","1,99","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,103","1,104","1,105","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,110","1,111","1,111","1,112","1,112","1,113","1,113","1,114","1,114","1,115","1,115","1,115","1,116","1,116","1,117","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,121","1,122","1,123","1,124","1,124","1,125","1,126","1,127","1,127","1,128","1,128","1,129","1,130","1,131","1,131","1,132","1,132","1,133","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,137","1,138","1,138","1,139","1,140","1,140","1,141","1,141","1,142","1,142","1,142","1,143","1,144","1,145","1,145","1,146","1,147","1,148","1,148","1,149","1,149","1,149","1,150","1,150","1,151","1,151","1,152","1,152","1,153","1,154","1,154","1,155","1,155","1,156","1,156","1,157","1,157","1,158","1,159","1,159","1,160","1,161","1,162","1,162","1,163","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,167","1,168","1,168","1,169","1,170","1,170","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,177","1,178","1,178","1,179","1,179","1,180","1,181","1,182","1,182","1,183","1,184","1,184","1,184","1,185","1,185","1,186","1,187","1,187","1,188","1,188","1,189","1,189","1,190","1,190","1,190","1,191","1,192","1,192","1,193","1,194","1,195","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,199","1,200","1,200","1,201","1,202","1,203","1,203","1,204","1,204","1,205","1,205","1,206","1,206","1,207","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,211","1,212","1,212","1,213","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,223","1,224","1,225","1,225","1,226","1,226","1,227","1,228","1,228","1,229","1,229","1,230","1,230","1,231"],"ٞ":{"1":[1],"17":[2,3],"18":[4],"21":[5],"25":[6],"29":[7],"35":[8],"36":[9],"38":[10],"41":[11],"45":[12],"47":[13],"49":[14],"51":[15],"52":[16],"53":[17],"54":[18],"55":[19],"57":[20,21],"59":[22],"61":[23],"63":[24],"65":[25],"67":[26],"69":[27],"70":[28],"71":[29],"74":[30],"76":[31,32],"78":[33],"80":[34],"81":[35],"82":[36],"83":[37],"85":[38],"87":[39],"90":[40],"91":[41],"93":[42,43],"94":[44],"96":[45],"97":[46],"98":[47],"100":[48],"102":[49],"104":[50],"110":[51],"111":[52],"112":[53],"115":[54],"117":[55],"119":[56],"121":[57,58],"126":[59],"127":[60],"129":[61],"131":[62],"133":[63],"134":[64,65],"135":[66],"136":[67],"138":[68],"140":[69],"141":[70],"143":[71,72],"144":[73],"145":[74],"146":[75],"147":[76,77],"149":[78],"150":[79],"152":[80,81],"155":[82],"157":[83],"159":[84],"160":[85],"161":[86],"163":[87],"165":[88],"166":[89],"167":[90],"168":[91],"170":[92],"173":[93,94],"175":[95],"179":[96],"181":[97,98],"183":[99],"185":[100],"187":[101],"188":[102],"189":[103],"191":[104],"193":[105],"194":[106],"195":[107],"197":[108],"198":[109],"199":[110],"200":[111],"201":[112],"202":[113],"203":[114],"205":[115],"207":[116],"208":[117],"210":[118,119],"211":[120],"212":[121],"214":[122,123],"215":[124],"216":[125],"218":[126],"219":[127],"221":[128],"223":[129],"225":[130],"226":[131],"228":[132],"230":[133],"231":[134,135],"232":[136],"234":[137],"235":[138],"236":[139,140],"237":[141],"239":[142,143],"240":[144],"241":[145],"243":[146],"245":[147],"246":[148,149],"248":[150],"250":[151],"251":[152,153],"253":[154],"254":[155],"256":[156],"257":[157,158],"262":[159],"264":[160],"266":[161],"268":[162],"269":[163],"270":[164],"271":[165,166],"273":[167],"274":[168],"276":[169],"278":[170],"279":[171],"281":[172],"283":[173],"285":[174],"286":[175],"288":[176],"289":[177],"291":[178,179],"293":[180],"298":[181],"300":[182],"302":[183],"303":[184],"304":[185],"306":[186],"308":[187],"310":[188],"312":[189],"316":[190],"317":[191],"319":[192],"321":[193],"324":[194],"325":[195,196],"332":[197],"335":[198,199],"336":[200],"337":[201],"340":[202],"342":[203],"344":[204]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد:\nفقد أخرج البخاري \"٧١\" ومسلم \"١٥٢٤\" من حديث معاوية ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس\".\nوفي رواية للترمذي \"٢١٩٣\" من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعًا: \"لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة\".\nوقد تتابعت كلمات الأئمة أن هذه الطائفة المنصورة هم أهل الحديث، قال أبو الفتوح الطائي الهمذاني في كتاب الأربعين \"١٦٣ - مكتبة","vol":"1","page":5},{"text":"المعارف\": نقل عن الجم الغفير والعدد الكثير من علماء الأمة، وأعيان الأئمة، مثل عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويزيد بن هارون، وإبراهيم بن الحسن ديزيل الهمذاني أن المراد بالطائفة المذكورة في الحديث: هم أصحاب الحديث وأهل الآثار الذين نهجوا الدين القويم وسلكوا الصراط المستقيم، فتمسكوا بالسبيل الأقوم، والمنهاج الأرشد. انتهى.\nوإذا كان أهل الحديث هم الطائفة المنصورة، فلا شك أنهم يكونون أفقه الناس وأصولهم أصح الأصول، لأن هذا من مقومات الطائفة المنصورة، وإنما يعيب أهل الحديث بقلة الفقه من لا يعرف الفقه الصحيح أولا يعرف أهل الحديث حق المعرفة، أو ما قرأ تبويبات البخاري في صحيحه، أو مسائل أحمد بن حنبل، أو الأم للشافعي، أو شرح السنة للبغوي، أو مجموع الفتاوى لابن تيمية أو غيرها من كتب أهل الحديث.\nوقد ذكرت في هذا الكتاب ثناء الأئمة على فقه أهل الحديث وأصولهم، وذكرت أيضا على ماذا ينبني فقه أهل الحديث، وذكرت أيضا المسائل الأصولية على منهج أهل الحديث.\nوأسأل الله ﷿ أن يحشرنا في زمرة أهل الحديث، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه على كل شيء قدير.\nوكتبه:\nزكريا بن غلام قادر الباكستاني","vol":"1","page":6},{"text":"ثناء الأئمة على فقه أهل الحديث\nقال الخطيب البغدادي في كتاب شرف أصحاب الحديث \"٨\": وقد جعل الله تعالى أهله \"أي أهل الحديث\" أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتخير إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، وإذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع فما حكموا به فهو المقبول المسموع، ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر وهو على الإفصاح بغير مذاهبم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من","vol":"1","page":7},{"text":"اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير.\nوقال أيضا \"ص - ١٠\": فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، في اقتباس ما شرع المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأى ولا هوى، قبلوا شريعته قولًا وفعلًا، وحرسوا سنته حفظًا ونقلًا، حتى ثبَّتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها. انتهى.\nوقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث \"٥١\": فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوا مظانه، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله ﷺ وطلبهم لآثاره وأخباره برًا وبحرًا، وشرقًا وغربًا، يرحل الواحد منهم راجلًا مقويًا في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي فنبهوا على ذلك حتى نجم بعد أن كان عافيًا، وبسق بعد أن كان دارسًا، واجتمع بعد أن كان متفرقًا، وانقاد للسنن من كان عنها معرضا، وتنبه عليها من كان عنها غافلا. انتهى.\nوقال ابن حبان في مقدمة صحيحه \"١/٣٤\" بعد الثناء على الله عز","vol":"1","page":8},{"text":"وجل قال:\nثم اختار طائفة لصفوته، وهداهم لزوم طاعته، من اتباع سبل الأبرار، في لزوم السنن والآثار، فزين قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه، واتباع سنن نبيه، بالدؤوب في الرحل والأسفار، وفراق الأهل والأوطار، في جمع السنن، ورفض الأهواء، والتفقه فيها بترك الآراء، فتجرد القوم للحديث وطلبوه ورحلوا فيه وكتبوه، وسألوا عنه وأحكموه، وذاكروا به ونشروه، وتفقهوا فيه، وأصلوه، وفرعوا عليه وبذلوه، وبينوا المرسل من المتصل، والموقوف من المنفصل، والناسخ من المنسوخ، والمحكم من المفسوخ، والمفسر من المجمل، والمستعمل من المهمل، والعموم من الخصوص، والدليل من المنصوص، والمباح من المزجور، والغريب من المشهور، والعرض من الإرشاد، والحتم من الإيعاد، والعدول عن المجروحين، والضعفاء من المتروكين، وكيفية المعمول، والكشف عن المجهول..، حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين، فصانه على ثلب القادحين، وجعلهم عند التنازع أئمة الهدى، وفي النوازل مصابيح الدجى، فهم ورثة الأنبياء، ومأنس الأصفياء، وملجأ الأتقياء، ومركز الأولياء. انتهى.\nوقال السمعاني كما في صون المنطق \"١٦٥ - ١٦٧\": ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم ووزانهم،","vol":"1","page":9},{"text":"وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، ويجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، وفعلهم واحد.. إلى أن قال: وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريقة النقل فأورثهم الاتفاق والائتلاف وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء، فأورثهم الافتراق والاختلاف. انتهى.\nوقال اللكنوي في كتابه إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام \"٢٢٨\": ومن نظر بنظر الإنصاف وغاص في بحار الفقه والأصول، متجنبًا عن الإعتساف، يعلم علما يقينًا أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها، فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم، وإني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف فلله دّرُّهُم، كيف لا وهم ورثة النبي حقًا ونُوَّاب شرعه صدقًا. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"٣٤/١١٣\": موافقة أحمد للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما ويعظمهما، ويرجح أصول مذهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما، ومذهبه أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، والشافعي","vol":"1","page":10},{"text":"وإسحاق هما عنده من أجل فقهاء الحديث في عصرهما. انتهى.\nوقال في كتاب علم الحديث \"٤٤\": بعض أئمة أهل الكلام تكلموا في أهل الحديث، وذموهم بقلة الفهم، وأنهم لا يفهمون معاني الحديث، ولا يميزون بين صحيحه من ضعيفه، ويفتخرون عليهم بحذقهم ودقة فهمهم، ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، ولكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية أهل الملل، فكل شرٍّ في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر، وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٤/٩١\": من المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم وهو بذلك أقوم، كان أحق بالإختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم رسول الله ﷺ وعلم خاصته مثل: الخلفاء الراشدين وسائر العشرة، ومثل أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، ومثل سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسالم مولى أبي حذيفة، وغير هؤلاء ممن كان أخص الناس بالرسول، وأعلمهم","vol":"1","page":11},{"text":"بباطن أموره وأتبعهم لذلك. انتهى.\nوقال في نقض المنطق \"٤٢\": إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالًا من القول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل على عدم يقين..، وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرًا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء، وأتباعهم من المتقدمين، وكسلف هذه الأمة والصحابة والتابعين، وغيرهم من الأئمة، ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك لما فيه من الحق، إذ لا بد في كل بدعة عليها طائفة كبيرة من الناس أن يكون فيها من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال، وبالجملة: فالثبات والإسقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة. انتهى.\nوقال أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٣/٣٤٦\": إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعا لها تصديقًا وعملًا وحبًا وموالاةً لمن والاها،","vol":"1","page":12},{"text":"ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة، ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه. انتهى.","vol":"1","page":13},{"text":"على ماذا يبني أهل الحديث فقههم؟\nأهل الحديث يبنون فقههم على قواعد مأخوذة من الكتاب والسنة والصحيحة وعلى ما كان عليه السلف الصالح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١٠/٣٦٢\": بعد أن أثنى على أهل الحديث: فلا ينصبون مقالة، ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم، إن لم تكن تابعة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه.\nوقال ابن رجب في كتاب فضل علم السلف: \"٥٧\": ومن ذلك أعنى محدثات العلوم ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقلية، ورد فروع الفقه إليها سواء خالفت السنة أم وافقتها، طردًا لتلك القواعد المتقررة، وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلان يخالفهم غيرهم فيها، وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٠/٣٦٢\": فمن بنى الكلام في علم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة. انتهى.","vol":"1","page":14},{"text":"وقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٢/٣٦٨\": أما أن نقعد قاعدة ونقول هذا هو الأصل، ثم ترد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلعمر الله، لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله ورسوله أفرض علينا من ردَّ حديث واحد. انتهى.","vol":"1","page":15},{"text":"التنبيه على المسائل الدخيلة في أصول الفقه\nأول من صنف في أصول الفقه هو الإمام الشافعي في كتابه الرسالة وهو من أنفع الكتب وأحسنها فقد بنى كتابه على الأدلة الشرعية والآثار السلفية، ثم كثرت التصانيف بعد ذلك، وكانت أكثر الكتب الأصولية أصحابها من الأشاعرة أو من المعتزلة فأفسدوا علم أصول الفقه فأدخلوا فيه علم الكلام، ومسائل لا ثمرة من ذكرها، ومسائل لا تعلق لها بأصول الفقه، وعقدوا العبارات وجعلوا اللغة هي الأصل، فانصرف الناس عن دراسة أصول الفقه بسبب هذه الأمور والتعقيدات التي دخلت في مسائل الأصول، قال العلامة طاهر الجزائري في كتاب توجيه النظر إلى أصول الأثر \"٢٣٧\": وقد وقع في كتب أصول الفقه مسائل كثيرة مبنية على مجرد الفرض وهي ليست داخلة فيه وكثيرًا ما أوجب ذلك حيرة المطالع النبيه حيث يطلب لها أمثلة فيرجع بعد الجد والاجتهاد ولم يحظ بمثال واحد فينبغي الانتباه لهذا الأمر ولما ذكره بعض العلماء وهو: أن كل مسألة تذكر في أصول الفقه ولا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أولا تكون عونًا في ذلك فهي غير داخلة في أصول الفقه، وذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا","vol":"1","page":16},{"text":"للاجتهاد فيه فإذا لم يفد ذلك لم يكن أصلا له ويخرج على هذا كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيه كمسائل ابتداء وضع اللغات ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟ ومسألة أمر المعدوم؟ وكذلك كل مسألة ينبني عليها فقه إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه مثل مسألة الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة كما في كفارة اليمين، فقيل: إن الأمر بذلك يوجب واحدًا منها لا بعينه وقيل إنه يوجب الكل ويسقط الكل بفعل واحد منها، وقيل: إنه يوجب ما يختاره المكلف فإن فعل الكل فقيل الواجب أعلاها، وإن تركها فقيل يعاقب على أدناه فهذه المسألة وما أشبهها من المسائل التي فرضوها مما لا ثمرة له في الفقه غير داخله في أصوله. انتهى.\nوقال الشوكاني في منتهى الأرب في أدب الطلب \"١٧٤\": ومن أسباب التعصب الحائلة بين من أصيب بها وبين المتمسك بالإنصاف: التباس ما هو من الرأي البحت بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد. وكثيرًا ما يقع ذلك في أصول الفقه فإنه قد اختلط فيها المعروف بالمنكر والصحيح بالفاسد والجيد بالرديء، فربما يتكلم أهل هذا العلم على مسائل من مسائل الرأي ويحررونها ويقررونها، وليست منه في شيء ولا تعلق لها به بوجه. فيأتي الطالب لهذا العلم إلى تلك المسائل فيعتقد أنها منه فير إليها المسائل الفروعية، ويرجع إليها عند تعارض الأدلة. ويعمل بها في كثير من المباحث، زاعمًا أنها من أصول الفقه. ذاهلًا عن كونها من علم الرأي. ولو علم بذلك لم يقع فيه ولا ركن إليه. فيكون هذا","vol":"1","page":17},{"text":"وأمثاله قد وقعوا في التعصب وفارقوا مسلك الإنصاف، ورجعوا إلى علم الرأي وهم لا يشعرون بشيء من ذلك ولا يفطنون به، بل يعتقدون أنهم متشبثون بالحق متمسكون بالدليل واقفون على الإنصاف خارجون عن التعصب. وقلَّ من يسلم من هذه الدقيقة وينجو من غبار هذه الأعاصير. بل هم أقل من القليل. وما أخطر ذلك وأعظم ضرره وأشد تأثيره وأكثر وقوعه وأسرع نفاقه على أهل الإنصاف وأرباب الاجتهاد.\nفإن قلتَ: إذا كان هذا السبب كما زعمت من الغموض والدقة ووقوع كثير من المنصفين فيه وهم لا يشعرون فما أحقه بالبيان وأولاه بالإيضاح وأجدره بالكشف حتى يتخلص عنه الواقعون فيه وينجوا منه المتهافتون إليه؟\nقلتُ: اعلم أن ما كان من أصول الفقه راجعًا إلى لغة العرب رجوعًا ظاهرًا مكشوفًا كبناء العام على الخاص. وحمل المطلق على المقيد ورد المجمل إلى المبيَّن. وما يقتضيه الأمر والنهي ونحو هذه الأمور. فالواجب على المجتهد أن يبحث عن مواقع الألفاظ العربية. وموارد كلام أهلها وما كانوا عليه في مثل ذلك. فما وافقه فهو الأحق بالقبول والأولى بالرجوع إليه. فإذا اختلف أهل الأصول في شيء من هذه المباحث كان الحق بيد من هو أسعد بلغة العرب. هذا على فرض عدم وجود دليل شرعي يدل على ذلك. فإن وجد فهو المقدم\"١\" على كل\n_________\n\"١ في \"ب\" المقدر.","vol":"1","page":18},{"text":"شيء وإذا أردت الزيادة في البيان والكثير من الإيضاح بضرب من التمثيل وطرف من التصوير: فاعلم، أنه قد وقع الخلاف في أنه هل يُبنى العام على الخاص مطلقًا أو مشروطًا بشرط أن يكون الخاص متأخرًا. ووقع الخلاف في أنه هل يُحمل المطلق على المقيّد مع اختلاف السبب أم لا. ووقع الخلاف في معنى الأمر الحقيقي هل هو الوجوب أو غيره. ووقع الخلاف في معنى النهي الحقيقي هل هو التحريم أو غيره. فإذا أردت الوقوف على الحق في بحث من هذه الأبحاث، فانظر في اللغة العربية واعمل على ما هو موافق لها مطابق لما كان عليه أهلها. واجتنب ما خالفها، فإن وجدت ما يدل على ذلك من أدلة الشرع كما ستقف عليه في الأدلة الشرعية من كون الأمر يفيد الوجوب والنهي يفيد التحريم فالمسألة أصولية لكونها قاعدة كلية شرعية لكون دليلها شرعيًا كما أن ما يستفاد من اللغة من القواعد الكلية أصولية لغوية. فهذه المباحث وما يشابهها من مسائل النسخ ومسائل المفهوم والمنطوق الراجعة إلى لغة العرب المستفادة منها على وجه يكون قاعدة كلية هي مسائل الأصول. والمرجع لها الذي يعرف به راجحها من مرجوحها هو العلم الذي هي مستفادة منه مأخوذة من موارده ومصادره. وأما مباحث القياس فغالبها من بحث الرأي الذي لا يرجع إلى شيء مما تقوم به الحجة، وبيان ذلك أنهم جعلوا للعلة مسالك عشرة لا تقوم الحجة بشيء منها إلا ما كان راجعًا إلى الشرع. كمسلك النص على العلة. أو ما كان معلومًا من لغة العرب كالإلحاق بمسك إلغاء الفارق. وكذلك قياس الأولى المسمى عند","vol":"1","page":19},{"text":"البعض بفحوى الخطاب. وأما المباحث التي يذكرها أهل الأصول في مقاصده كما فعلوه في مقصد الكتاب ومقصد السنة والإجماع. فما كان من تلك المباحث الكلية مستفادًا من أدلة الشرع فهو أصولي شرعي، وما كان مستفادًا من مباحث اللغة فهو أصولي لغوي. وما كان مستفادًا من غير هذين فهو من علم الرأي الذين كررنا عليك التحذير منه. ومن المقاصد المذكورة في الكتب الأصولية التي هي من محض الرأي الاستحسان والاستصحاب والتلازم.\nوأما المباحث المتعلقة بالاجتهاد والتقليد وشرع من قبلنا والكلام على أقوال الصحابة، فهي شرعية فما انتهض عليه دليل الشرع منها فهو حق. وما خالفه فباطل.\nوأما المباحث المتعلقة بالترجيح، فإن كان المرجح مستفادًا من الشرع فهو شرعي. وإن كان مستفادًا من علم من العلوم المدونة فالاعتبار بذلك العلم فإن كان له مدخل في الترجيح كعلم اللغة فإنه مقبول وإن كان لا مدخل له إلا لمجرد الدعوى كعلم الرأي فإنه مردود. انتهى.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الدليل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>القاعدة الأولى: الدليل هو الأصل الذي تبنى عليه المسألة</span>\n...\nالدليل\nالقاعدة الأولى: الدليل هو الأصل الذي تبنى عليه أو المسألة\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"٣٠/٢٦٩\": قد ينص النبي ﷺ نصًا يوجب قاعدة ويخفى النص على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة، وينازعوا فيما لم يبلغهم فيه النص، مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في المساقاة والمزارعة وهما ثابتان بالنص، والمضاربة ليس فيها نص وإنما فيها عمل الصحابة ﵁، ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلًا بالنص، ويفرعون عليه، لا يتنازعون في الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه. انتهى.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>القاعدة الثانية: الأحكام الشرعية تؤخذ من الحديث الصحيح ولا يجوز أخذها من الحديث الضعيف</span>\nلا يجوز في دين الله ﷿ أن يؤخذ فيه بحكم من الأحكام إلا من الحديث الصحيح، وأما الحديث الضعيف فيطرح ولا يعمل به، فقد ميَّز","vol":"1","page":21},{"text":"الله ﷿ هذه الأمة بالإسناد، فالإسناد من قوام الدين فيجب العمل بالإسناد الصحيح ويترك الإسناد الضعيف، ولا يشرع لأي مسلم أن يأخذ حكما من حديث ما حتى ينظر فيه أولًا: هل صح سند ذلك الحديث أم لا؟ .\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل \"كما في إعلام الموقعين ٤/١٧٩\": سألت أبي عن الرجل يكون وعنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي عن الضعيف فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح، ويسأل عن ذلك أهل العلم. انتهى.\nوقال الإمام مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز \"٢١٨\": اعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السنن والآثار المنقولة من عصر إلى عصر من لدن نبينا ﷺ إلى عصرنا هذا.\nوقال ابن رجب في فضل علم السلف \"٥٧\": فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١/٢٥٠\": لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست","vol":"1","page":22},{"text":"صحيحة ولا حسنه. انتهى.\nوقال الأنصاري في فتح الباقي في شرح ألفية العراقي: من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلًا لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وأصول رواته، وإلا فإن وجد أحدًا من الأئمة صححه أو حسنه فله تقليده، وإلا فلا يحتج به. انتهى.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>القاعدة الثالثة: لا فرق في عدم جواز العمل بالحديث الضعيف بين أن يكون في فضائل الأعمال أو في غير فضائل الأعمال</span>\nالأحكام التكليفية لا يشرع القول بها إلا بدليل صحيح، والاستحباب نوع من أنواع الحكم التكليفي، وعليه فلا يشرع استحباب شيء إلا بدليل صحيح، ففضائل الأعمال يجب إثباتها بالدليل الصحيح لأنها داخلة في الحكم التكليفي ألا وهو الاستحباب، والسلف الصالح ما كانوا يفرقون بين الحديث الوارد في فضائل الأعمال والحديث الوارد في بقية أمور الدين، ويوضح هذا أنهم تكلموا في التثبت في الأسانيد والتشديد في الأخذ بها والعمل بالصحيح منها، وما كانوا يستثنون من ذلك الحديث الوارد في فضائل الأعمال، ولا جاء عن أحد منهم في ذلك شيء قط، فإن قيل قد جاء عن الإمام أحمد وبعض الأئمة أنهم قالوا: إذا روينا في الأحكام والحلال والحرام تشدَّدنا، وإذا روينا في","vol":"1","page":23},{"text":"الفضائل والثواب والعقاب تساهلنا.\nوالجواب: أن المراد بهذا القول هو التساهل في الرواية وليس مشروعية العمل بذلك الضعيف في فضائل الأعمال، قال المعلمي في الأنوار الكاشفة \"٨٧\": كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح، أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة ومنهم إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنة إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات ونحو ذلك لم يمتنع من روايته فهذا هو المراد بالتساهل في عبارتهم. انتهى.\nوقد ذهب النووي إلى أن الحديث الضعيف في فضائل الأعمال يعمل به بالإجماع. وفي القول بالإجماع نظر، قال شيخ الإسلام ابن تيميه كما في مجموع الفتاوى \"١/٢٥١\": وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب، جاز أن يكون الثواب حقًا، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. انتهى.\nقلت: فقول شيخ الإسلام يدل على أن الإجماع على خلاف ما ادعاه النووي. والذي يظهر أن الخلاف حدث بعد العصور المتقدمة.\nوقال شيخ الإسلام أيضا كما في مجموع الفتاوى \"١٨/٦٥\":","vol":"1","page":24},{"text":"وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به، فإن الاستحباب حكم شرعي، فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن خبر عن الله أنه يحب عملًا من الأعمال من غير دليل شرعي، فقد شرع في الدين مالم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يختلفون في غيره، بل هو أصل في الدين مشروع. انتهى.\nوقال الشوكاني في وبل الغمام \"١/٥٤\": وقد سوغ بعض أهل العلم العمل بالضعيف في ذلك مطلقا، وبعضهم منع من العمل بما لم تقم به الحجة مطلقًا، وهو الحق، لأن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، فلا يحل أن ينسب إلى الشرع مالم يثبت كونه شرعًا، لأن ذلك من التقول على الله بمالم يقل، وكان في فضائل الأعمال، إذ جعل العمل منسوبا إليه نسبة المدلول إلى الدليل، فلا ريب أن العامل به، وإن كان لم يفعل إلا الخير من صلاة أو صيام أو ذكر، لكنه مبتدع في ذلك الفعل من حيث اعتقاده مشروعيته بما ليس شرع، وأجر ذلك العمل لا يوازي وزر الابتداع، ولم يكن فعل مالم يثبت مصلحة خالصة، بل معه عرضة بمفسدة هي إثم البدعة، ودفع المفاسد أهم من جلب المصالح..، وقيل: إن كان ذلك العمل الفاضل الذي دل عليه الحديث الضعيف داخلًا تحت عموم صحيح يدل على فضله ساغ العمل بالحديث الضعيف في ذلك، وإلا فلا، مثلًا: لو ورد حديث ضعيف يدل على فضيلة صلاة ركعتين","vol":"1","page":25},{"text":"في غير وقت كراهة فلا بأس بصلاة تلك الركعتين لأنه قد دل الدليل العام على فضلية الصلاة مطلقا إلا ما خص. يقال: إن كان العمل بذلك العام الصحيح فلا ثمرة للاعتداد بالخاص الذي لم يثبت إلا مجرد الوقوع في البدعة، وإن كان العمل بالخاص عاد الكلام الأول؛ وإن كان العمل بمجموعهما كان فعل الطاعة مشوبا ببدعة، من حيث إثبات عبادة شرعية بدون شرع. انتهى.\nوقال ابن حجر في تبيين العجب \"٢٢\": لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل، إذ الكل شرع. انتهى.\nوللعلامة الألباني رحمه الله تعالى تفصيل طويل رائع في هذه المسألة في مقدمة صحيح الترغيب والترغيب فليرجع إليه.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>القاعدة الرابعة: يجب فهم الدليل على ما فهمه السلف الصالح</span>\nالسلف الصالح جاءت الأدلة بتزكيتهم واتباع طريقهم، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿والسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والذِينَ اتَّبَعُوهم بإحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهَارُ خَالِدينَ فيهَا أبَدًا ذَلكَ الفوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .\nوعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". أخرجه البخاري \"٦٤٢٩\" ومسلم \"٢٥٣٥\"","vol":"1","page":26},{"text":"فهم القدوة وهم الأسوة، فيجب على كل مسلم اتباعهم فيما ذهبوا إليه من فهم أدلة الكتاب والسنة لأنهم أعلم الناس وأفهم الناس بدلالة النصوص الشرعية، فإذا أخذ المسلم بغير فهمهم فإنه يضلُّ عن الصراط المستقيم، لأنهم عن بصيرة وقفوا وبعلم ثاقب نظروا.\nقال ابن أبي زيد القيرواني في الجامع \"١١٧\": التسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدفع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوا ورأوه من الحديث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو تأويله، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث.\nوقال السمعاني كما في صون المنطق \"١٥٨\": إنا أمرنا بالإتباع وندبنا إليه، ونهينا عن الإبتداع وزجرنا عنه، وشعار أهل السنة اتباعهم للسلف الصالح، وتركهم كل ما هو مبتدع محدث. انتهى.\nوقال قوام السنة الأصبهاني في كتابة الحجة في بيان المحجة \"٢/٤٣٧، ٤٤٠\": وليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو الإتباع والاستعمال، يقتدي بالصحابة والتابعين، وإن كان قليل العلم، ومن خالف الصحابة والتابعين فهو ضال، وإن كان كثير العلم.. إلى أن قال: وذلك أنه تبين للناس أمر دينهم فعلينا الإتباع، لأن الدين إنما جاء، من قبل الله تعالى لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم فقد بين الرسول ﷺ السنة لأمته،","vol":"1","page":27},{"text":"وأوضحها لأصحابه، فمن خالف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من الدين فقد ضل. انتهى.\nوقال ابن رجب في كتاب فضل علم السلف على علم الخلف \"٧٢\": فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعهيم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام في كتاب الإيمان \"١١٤\": وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل \"يعني الإيمان\" عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطيء الناس من جهة التأويل والقياس، ولهذا نجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، إنما يعتمدون على العقل واللغة، ونجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثور، والحديث وآثار السلف.\nوقال كما في مجموع الفتاوى \"١٠/٣٦٢\": فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله ﷺ وأما ما جاء عمن","vol":"1","page":28},{"text":"بعدهم فلا ينبغي أن يجعل أصلًا، وإن كان صاحبه معذورًا، بل مأجورًا لاجتهاد أو تقليد، فمن بنى الكلام في علم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة السابقين فقد أصاب طريق النبوة وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد ﷺ وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة، وهذه طريق أئمة الهدى، تجد الإمام أحمد إذا ذكر أصول السنة قال: هي التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، وكتب التفسير المأثور عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، وعلى ذلك يعتمد في أصوله العلمية وفروعه..، وكذلك في الزهد والرقائق والأحوال فإنه اعتمد في كتاب الزهد على المأثور على الأنبياء صلوات الله عليهم من آدم إلى محمد ثم على طريق الصحابة والتابعين ولم يذكر من بعدهم. انتهى.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>القاعدة الخامسة: يجب الأخذ بظاهر الدليل وعدم تأويله</span>\nأهل الحديث وسط بين الذين بالغوا في الأخذ بالظاهر ولم يلتفتوا إلى معاني الأدلة وبين الذين فرطوا في الأخذ بالظاهر، فردوا ظاهر الدليل بأدنى شيء أو أولوا الحديث حتى يوفقوا بين الحديث وبين قول إمامهم، فأهل الحديث يمشون على ظاهر الدليل.\nولا يأولونه ويخرجونه عن ظاهره إلا بدليل يدل على صحة ذلك","vol":"1","page":29},{"text":"التأويل، ولهذا كان السلف يقولون: أمروها كما جاءت.\nوهذا وإن كان ورد في باب الأسماء والصفات، لكن مما لا شك فيه أن جميع الأحكام الشرعية على منوال واحد وطريقة سوية، ولذلك ما كان السلف يؤولون الأحاديث الواردة في الأحكام، بل كانوا يجرونها على ظاهرها.\nفمثلًا: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لمَّا سئل عن الوضوء من لحوم الإبل: \"توضئوا منها\".\nأخرجه مسلم \"٣٦٠\" وأبو داود \"١٨٤\" والترمذي \"٨١\".\nفالوضوء يطلق على غسل اليدين فقط ويطلق أيضا على الوضوء المعروف في الشرع، وظاهر الحديث أن المراد هو الوضوء المعروف في الشرع، وقد مشى الصحابة على هذا الظاهر فقد كانوا يتوضؤون من لحوم الإبل الوضوء الشرعي المعروف ولم يكونوا يأولونه بغسل اليدين فقط.\nقال الخطيب في الفقه والمتفقه \"١/٢٢٢\": ويجب أن يحمل حديث رسول الله ﷺ على عمومه وظاهره إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير ذلك فيعدل إلى ما دل الدليل عليه، قال الشافعي: ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله كان أكثر الحديث يحتمل عددًا من المعاني فلا يكون لأحد ذهب إلى معنى منها حجة على أحد ذهب إلى معنى غيره، ولكن الحق فيها واحد إنما هو على ظاهرها وعمومها إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ. انتهى.","vol":"1","page":30},{"text":"وقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٣/١٠٨\": الواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله، وحمل كلام المكلف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك. انتهى.\nوقال الشنقيطي في أضواء البيان \"٧/٤٣٨\": التحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي عليه أصحاب رسول الله ﷺ، وعامة المسلمين: أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في حال من الأحوال بوجه من الوجوه حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح. انتهى.\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٢٦٣\": واعلم أن الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به بدليل إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ. انتهى.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٤/١٤٨\": ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على مناهجهم يتحرون ذلك غاية التحري حتى خلفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص واشتقوا لهم ألفاظًا غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص، ومعلوم أن","vol":"1","page":31},{"text":"تلك الألفاظ لا تفي بما تفي النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان، فتولد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الألفاظ الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فألفاظ النصوص عصمة وحجة، بريئة من الخطأ والتناقض، والتعقيد والاضطراب، ولما كانت هي عصمة عهدة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهَلمَّ جرَّا..، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن مسألة يقولون قال الله كذا، قال رسول الله كذا، ولا يعدلون عن ذلك وما وجدوا إليه سبيلًا قط فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور. انتهى.\nوقال الشوكاني في منتهى الأرب في أدب الطلب \"٢٣٥\": ومن جملة ما ينبغي له تصوره ويعنيه استحضاره أن يعلم أن هذه الشريعة المباركة هي ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من الأوامر والنواهي والترغيبات والتنفيرات وسائر ما له مدخل في التكليف، من غير قصد إلى التعمية والإلغاز ولا إرادة لغير ما يفيده الظاهر، ويدل عليه التركيب ويفهمه أهل اللسان العربي. فمن زعم أن حرفًا من حروف الكتاب والسنة لا يراد به المعنى الحقيقي والمدلول الواضح فقد زعم على الله ورسوله زعمًا يخالف اللفظ الذي جاءنا عنهما، فإن كان ذلك لمسوّغ شرعي تتوقف عليه الصحة الشرعية أو العقلية التي يتفق العقلاء عليها، لا مجرد ما يدعيه أهل المذاهب والنحل على العقل، مطابقًا لما قد حببه إليهم","vol":"1","page":32},{"text":"التعصب، وأدناه من عقولهم البُعد عن الإنصاف فلا بأس بذلك، وإلاّ فدعوى التجوز مردودة مضروب بها في وجه صاحبها، فاحرص على هذا فإنه وإن وقع الاتفاق على أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة وقرينة كما صُرح به في الأصول وغيرها، فالعمل في كتب التفسير والحديث والفقه يخالف هذا لمن تدبره وأعمل فكره. ولم يغتر بالظواهر ولا جمد على قبول ما يُقال من دون بحث عن موارده ومصادره. وكثيرًا ما تجد المتعصبين يحامون عن مذاهبهم ويؤثرونها على نصوص الكتاب والسنة. فإذا جاءهم نص لا يجدون عنه متحولًا وأعياهم رده وأعجزهم دفعه. ادعوا أنه مجاز وذكروا للتجوز علاقة هي من البعد بمكان، وقرينة ليس لها في ذلك المقام وجود ولا تدعو إليها حاجة. وأعانهم على هذه الترهات استكثارهم من تعداد أنواع القرائن والعلاقات، حتى جعلوا من جملة ما هو من العلاقات المسوّغة للتجوز التضاد، فانظر هذا التلاعب، وتدبر هذه الأبواب التي فتحوها على أدلة الكتاب والسنة. وقَبِلَها عنهم من لم يمعن النظر ويطيل التدبر فجعلها علمًا وقبلها على كتاب الله وسنة رسوله. وأصلها دعوى افتراها على أهل اللغة متعصب قد آثر مذهبه على الكتاب والسنة، ولم يستطع التصريح بترجيح المذهب على الدليل، فدقّقَ الفكر وأعمق النظر فقال: هذا الدليل وإن كان معناه الحقيقي يخالف ما نذهب إليه فهو ههنا مجاز والعلاقة كذا والقرينة كذا، ولا علاقة ولا قرينة. فيأتي بعد عصر هذا المتعصب من لا يبحث عن المقاصد ولا يتدبر المسالك كما ينبغي فيجعل","vol":"1","page":33},{"text":"تلك العلاقة التي افتراها ذلك المتعصب من جملة العلائق المسوغة للتجوز. ولهذا صارت العلاقات قريبًا من ثلاثين علاقة. ثم لما كان من جملة أنواع القرائن، القرائن العرفية والعقلية افترى كل متعصب على العقل والعرف ما شاء وصنع في مواطن الخلاف ما أراد والله المستعان. انتهى.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القاعدة السادسة: لا يصرف الدليل عن ظاهره بقول جمهور العلماء</span>\nقول الجمهور ليس بحجة، لأن الله ﷿ لم يتعبدنا بقول الجمهور، فلا يصرف الحديث عن ظاهره لأن الجمهور صرفوه عن ظاهره، فمثلا: لا يصرف ظاهر الأمر من الوجوب إلى الاستحباب لقول الجمهور، ولا يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة لقول الجمهور، ولا يصرف العام إلى الخاص لقول الجمهور، وذلك لأن قول الجمهور ليس بحجة، وظاهر الحديث حجة، فلا يترك ما هو حجة لأجل ما ليس بحجة، قال العلامة صديق حسن كما في قواعد التحديث \"٩١ \": اعلم أنه لا يضر الخبر الصحيح عمل أكثر الأمة بخلافه، لأن قول الأكثر ليس بحجة. انتهى.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>القاعدة السابعة: لا يسقط الاستدلال بالدليل بمجرد تطرق الاحتمال إليه</span>\nالدليل لا يسقط بمجرد تطرق الاحتمال إليه، وقول العلماء: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، مرادهم بذلك الاحتمال","vol":"1","page":34},{"text":"القوي الذي احتفت به القرائن واعتضد بالاعتبارات لا بأي احتمال، لأنه ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، ولو فتح باب الاحتمال لم يبق شيء من الأدلة إلا وسقط الاستدلال به بدعوى تطرق الاحتمال إليه، ثم إن المراد بسقوط الاستدلال به، أي على تعيين ذلك الوجه المراد الاستدلال به من الدليل، لا أن الاستدلال بالدليل يسقط جملة وتفصيلا.\nأخرج البخاري \"الفتح ١/٤١٣\" ومسلم \"١/١٤٥\" عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتها.\nفهذا الحديث يدل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، واعترض عليه باحتمال الخصوصية أو أن المس كان بحائل.\nوقد تعقب هذا الكلام العلامة أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي \"١/١٤٢\" فقال: ومن البين الواضح أن هذا التعقيب لا قيمة له، بل هو باطل، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا متعصب! انتهى.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>القاعدة الثامنة: لا فرق بين الدليل المتواتر والآحاد في جميع القواعد والأحكام</span>\nالحديث الآحاد كالتواتر في جميع القواعد والأحكام الشرعية فكما أن المتواتر ينسخ المتواتر فكذلك الآحاد ينسخ المتواتر وكما أن المتواتر","vol":"1","page":35},{"text":"يخصص العام، فكذلك الآحاد يخصص العام، وكما أن المتواتر مقدم على القياس، فكذلك الآحاد مقدم على القياس، وعلى هذا جرى عمل السلف الصالح فإنهم كانوا لا يفرقون في شيء من القواعد والأحكام بين المتواتر والآحاد، بل التفريق بين المتواتر والآحاد بدعة حدثت بعدهم، فقد أخذ الصحابة بقول الواحد في النسخ وذلك لما كانوا في الصلاة تجاه بيت المقدس وأخبرهم شخص واحد بأن القبلة تحولت إلى الكعبة فتحولوا وهم في الصلاة.\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٢٣٦\" بعد أن ذكر أن الآحاد يخصص عموم المتواتر: واحتج ابن المسمعاني على الجواز بإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصَيكُمُ الله فِي أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ: \"إنا معشر الأنبياء لا نورث\" وخصوا قوله \"فاقْتُلُوا المشْرِكِينَ\" بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس وغير ذلك كثير، وأيضا يدل على جواز التخصيص دلالة بينة واضحة ما وقع من أوامر الله ﷿ باتباع نبيه ﷺ من غير تقييد فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبا وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتما ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية، وقد استدل المانعون مطلقا بما ثبت عن عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس حيث لم يجعل لها سكنى ولا نفقة كما في حديثها الصحيح، فقال عمر: كيف نترك","vol":"1","page":36},{"text":"كتاب ربنا لقول امرأة؟ يعني قوله: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وأجيب عن ذلك بأنه إنما قال هذه المقالة لتردده في صحة الحديث لا لرده تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية فإنه لم يقل كيف نخصص عموم كتاب ربنا بخبر آحادي بل قال: كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة؟ ويؤيد ذلك ما في صحيح مسلم وغيره بلفظ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت فأفاد هذا أن عمر إنما تردد في كونها حفظت أو نسيت ولو علم بأنها حفظت ذلك وأدته كما سمعته لم يتردد في العمل بما روته. انتهى.\nوبيَّن الشنقيطي في كتابه مذكرة في أصول الفقه \"٨٦\" خطأ من قال إن الآحاد لا ينسخ المتواتر.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>القاعدة التاسعة: يجب العمل بالدليل وإن لم يعرف أن أحدًا عمل به</span>\nالحديث حجة بنفسه لا يحتاج إلى الاحتجاج به أن يكون أحد من الأئمة عمل به، قال الشافعي في الرسالة \"٤٢٢\": أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست قال الشافعي: لما كان معروفا - والله أعلم - عندنا أن النبي ﷺ قضى في اليد بخمس، وكانت","vol":"1","page":37},{"text":"اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله ﷺ قال: \"وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل\" صاروا إليه، وفي الحديث دلالتان:\nأحدهما: قبول الخبر.\nوالآخر: أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا.\nودلالة على أنه لو مضى عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبرًا عن النبي ﷺ يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ﷺ، ودلالة على أن حديث رسول الله ﷺ يثبت بنفسه لا بعمل غيره.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٤/٢٠٤\": إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله ﷺ موثوق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده؟، فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك لأنه قد يكون منسوخًا أو له معارض أو يفهم من دلالته خلاف ما دل عليه فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل الفقه والفتيا. وقال طائفة بل له أن يعمل به ويفتي به بل يتعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله ﷺ وحدث به بعضهم بعضًا بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ولا يقول أحد منهم قط: هل عمل بهذا فلان وفلان، ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه","vol":"1","page":38},{"text":"أشد الإنكار وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القول وسيرتهم وطول العهد بالنسبة، وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها والعمل بغيرها ولو كانت سنن رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان قول فلان أو فلان عيارًا على السنن، ومزكيا لها، وشرطًا في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة وقد أمر النبي ﷺ بتبليغ سنته ودعا لمن بلَّغها، فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان.\nوقال أيضا في إعلام الموقعين \"٤/٢١٢\": فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا، يقول من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث أو يجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، هذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله ودعم عمله بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان. ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام البتة قال: لا نعمل بحديث رسول الله ﷺ حتى نعرف من عمل به.","vol":"1","page":39},{"text":"وقال في كتاب الروح \"٢٦٤\": فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص، ولا تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا ولكن لم يصل إليك. انتهى.\nوقال الألباني في السلسلة الصحيحة \"حديث رقم: ١٦٣\": لا يضر الحديث ولا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من الفقهاء، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. انتهى.\nوقال ابن حزم في الإحكام \"٥/٦٦٢\": فكل من أداه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن إلى قول ما، ولم يعرف أن أحد قبله قال بذلك القول ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى، ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل به، بل أنكر على من قاله إذ يقول ﷿ حاكيا عن الكفار منكرًا عليهم أنهم قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع التابعين وجميع الفقهاء بعدهم، لأن المسائل التي تكلم فيها الصحابة ﵃ من الاعتقاد والفتيا، فكلها محصور مضبوط، معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم، فكل مسألة لم يرد فيها قول عن صاحب لكن عن تابع فمن بعده، فإن ذلك التابع قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك، وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها قول عن صاحب ولا تابع وتكلم فيها الفقهاء بعدهم فإن ذلك الفقيه قد قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله. انتهى.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>القاعدة العاشرة: يجب العمل بالدليل ولو خالفه من خالفه من السلف الصالح رضوان الله عليهم</span>\nيجب ردُّ كل قول خالف الدليل على قائله كائنًا من كان حتى ولو كان من الخلفاء الراشدين فضلًا عمن دونهم في العلم لأن الله ﷿ أمرنا باتباع السنة، قال ابن القيم في الصواعق المرسلة \"٣/١٠٦٣\": كان عبد الله بن عباس يحتج في مسألة متعة الحج بسنة رسول الله ﷺ وأمره لأصحابه بها فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا، فلما أكثروا عليه قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر..، ولقد مثل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إن أباك نهى عنها! فقال: إن أبي لم يرد ما تقولون فلما أكثروا عليه قال: أَقَوْلُ رسول الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟ .\nوقال في إعلام الموقعين \"١/٢٣\": فإذا وجد النص \"أي الإمام أحمد\" أفتى بموجبه ولم يلتفت إلا ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس، ولا إلى خلافه في التميم للجنب لحديث عمار بن ياسر ولا خلافه في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة..، ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكفار لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث","vol":"1","page":41},{"text":"المناع من التوارث، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك، وهذا كثير جدًا. انتهى.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>القاعدة الحادية عشر: لا يشرع ترك الدليل وإن عمل الناس بخلافه</span>\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٢/٣٩٥\": لو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول الله ﷺ، ودرست رسومها، وعفت آثارها، وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تترك سنة ويعمل بخلافها، ويستمر عليها العمل، فتجد يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير، وخذ بلا حساب ما شاء الله من سنن قد أهملت وتعطل العمل بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تركت السنة. فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا. انتهى.\nوقال ابن حزم في المحلى \"٥/٦٦١\": إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم، والجماعة والجملة هم أهل الحق، ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد، فهو الجماعة، وهو الجملة،","vol":"1","page":42},{"text":"وقد أسلم أبو بكر وخديجة ﵄ فقط، فكانا هما الجماعة، وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير الرسول ﷺ أهل شذوذ وفرقة. انتهى.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>القاعدة الثانية عشر: الأدلة لا تعارض بالعقل، بل يسلم للدليل تسليما من غير اعتراض عليه</span>\nعن علي بن أبي طالب قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. أخرجه أبو داود \"١٦٢\" وهو صحيح.\nقال السمعاني كما في صون المنطق \"١٦٦\": وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما وما وقع من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله ﷿، حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل.\nوقال أيضا \"ص: ١٧٥\": وأما أهل السنة سلمهم الله فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب والسنة ويحتجون له بالحجج الواضحة والدلائل الصحيحة على حسب ما أذن فيه الشرع، وورد به السمع،","vol":"1","page":43},{"text":"ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم. انتهى.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>القاعدة الثالثة عشر: الأحكام التي وردت في الأدلة مطلقة لا يجوز تحديدها</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٢٣٦\": فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام من الأمر والنهي والتحليل والتحريم لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله، فمن ذلك اسم الماء مطلق في الكتاب والسنة ولم يقسمه النبي ﷺ إلى قسمين: طهور وغير طهور، فهذا التقسيم مخالف للكتاب والسنة..، ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه.. ثم قال \"ص: ٢٤٣\": والله ورسوله علقا القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة ولا فرق بين طويل وقصير، ولو كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله، ولا له في اللغة مسافة محدودة، فكل ما يسميه أهل اللغة سفرًا فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما دلَّ عليه الكتاب والسنة. انتهى.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>القاعدة الرابعة عشرة: الأعيان المذكورة في الدليل لا يلحق بها ما لم يذكر في الدليل</span>\nالأصل في الأعيان المذكورة في دليل ما أنها مرادة ومقصودة لذاتها فلا يلحق بها غيرها، ولا يقال أنها خرجت مخرج الغالب ولا الحصر إلا بدليل يدل على أنها خرجت مخرج الغالب، وكذلك لا يقال: أن تعيينها إنما هو للتنبيه على غيرها إلا إذا جاء دليل يدل على ذلك، مثاله: حديث أبي موسى ومعاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال لهما حين أرسلهما إلى اليمن: \"لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر\". أخرجه البيهقي \"٤/١٢٥\" وصححه الألباني في الإرواء \"٨٠١\".\nففي هذا الحديث تخصيص الزكاة بأربعة أشياء مما يخرج من الأرض، فلا يلحق بها غيرها، قال أبو عبيد في كتاب الأموال \"٥٧٥\": إلا أن الذي اختار من ذلك الاتباع لسنة رسول الله ﷺ: أنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة التي سماها، وسنها مع قول من قاله من الصحابة والتابعين، ثم اختيار ابن أبي ليلى، وسفيان إياه. وذلك أن النبي ﷺ حين خص هذه بالصدقة وأعرض عما سواها، قد كان يعلم أن للناس أموالًا مما تخرج الأرض، فكان تركه ذلك عندنا، عفوًا منه، كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق وإنما يحتاج إلى النظر والتشبيه والتمثيل إذا لم توجد سنة قائمة، فإذا وجدت السنة لزم الناس اتباعها. انتهى.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>القاعدة الخامسة عشر: لا احتياط فيما ورد به الدليل</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"٢٦/٥٤\": فبين أحمد أن الأحاديث متواترة بأمر النبي ﷺ بالتمتع لجميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي حتى من كان منهم مفردًا أو قارنًا والنبي ﷺ لا ينقلهم من الفاضل إلى المفضول بل إنما يأمرهم بما هو أفضل لهم ولهذا كان فسخ الحج إلى التمتع مستحبا عند أحمد ولم يجعل اختلاف العلماء في جواز الفسخ موجبا للاحتياط بترك الفسخ، فإن الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين سنة رسول الله ﷺ، فإذا تبين فاتباعها أولى. انتهى.\nوقال ابن القيم في تهذيب السنن \"١/٧٢\": الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلف منها عملًا لآخر احتياطًا، وأما الأحكام الشرعية والأخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به، ولا يثبت إلا ما أثبته ثم إن الاحتياط هو في ترك هذا الإحتياط، فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قُلَّة ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة، فتركه الوضوء منها مناف للاحتياط، فهلاَّ أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم، ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة. انتهى.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>القاعدة السادسة عشر: يجب تفسير الدليل وفهمه باعتدال من غير إفراط ولا تفريط</span>\nقال ابن القيم في كتاب الروح \"٦٢\": ينبغي أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلوٍّ ولا تقصير فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدي والبيان، وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد. انتهى.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>القاعدة السابعة عشر: الحكم الوارد في قصة ما لا يكون خاصًا بصاحب القصة بل يكون الاستدلال بذلك الحكم الوارد في تلك القصة داخلًا فيه غير صاحب القصة أيضًا:</span>\nهناك بعض الصحابة وقعت لهم واقعة من الواقعات وفي تلك الواقعة ورد فيها حكم ما، فإن ذلك الحكم لا يكون خاصًا بمن وقعت له تلك الواقعة وحدثت له تلك القصة، بل يكون الحكم عامًا وشاملًا لكل أحد، كقصة المجامع في نهار رمضان، فإن تلك القصة دليل على أن من كان مثل ذلك الرجل لا يجد ما يتصدق به كفارة لإتيانه لأهله في نهار رمضان أن تلك الكفارة ساقطة عنه، ولا يكون هذا الحكم خاصًا بذلك الرجل، إلا إذا أتى ما يدلُ على أن ذلك الحكم خاص بصاحب","vol":"1","page":47},{"text":"القصة مثل حديث أبي بردة بن نيار أن سأل النبي ﷺ هل يجزئه ذبح جذعة في الأضحية، فقال: \"نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك\". أخرجه البخاري \"٩٥٥\"","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الإجماع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>القاعدة الأولى: الإجماع حجة من الحجج الشرعية</span>\nالإجماع: هو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور.\nوهو حجة بدليل الكتاب والسنة، أما دليل الكتاب فهو قوله تعالى:\n﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١٩/١٩٣\":.. كلًاّ من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم للآخر، كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول، ومخالفة الإسلام والقرآن فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار..، فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر، ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا، فإنه قد جعل له مدخلًا في الوعيد، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم، فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعًا، والآية توجب ذم","vol":"1","page":49},{"text":"ذلك، وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول؟ قلنا: لأنهما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول، وهذا هو الصواب. انتهى.\nوالدليل من السنة قوله ﷺ: \"إن أمتي لا تجتمع على ضلالة\".\nوهو حديث صحيح أخرجه أبو داود \"٤٢٥٣\" والترمذي \"٢١٦٧\" وابن ماجة \"٣٥٩٠\".\nقال الشافعي في الرسالة \"٤٧٥\": ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، إن شاء الله. انتهى.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>القاعدة الثانية: الإجماع لا بد أن يكون له مستند من الكتاب أو السنة</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٩/١٩٥\": فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من","vol":"1","page":50},{"text":"لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص، كالأمثال المضروبة في القرآن وكذلك الإجماع دليل آخر كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص.. ثم قال: وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصًا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص، لكن كان النص عند غيرهم، وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه عن الرسول، مع قولهم بصحة القياس، ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار، لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة، وكثير من العلماء لم يعلم النص، وقد وافق الجماعة، وكما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع. انتهى.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>القاعدة الثالثة: الإجماع لا يقدم على الكتاب أو السنة</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٢٠٠\": ومن قال من المتأخرين: إن الإجماع مستند معظم الشريعة فقد أخبر عن حاله فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك، وهذا كقولهم: إن أكثر","vol":"1","page":51},{"text":"الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها فإنما هذا قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتها على الأحكام..، والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم \"أي الصحابة\" ولا يحتاجون إليه، إذ هم أهل الإجماع فلا إجماع قبلهم، لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح \" اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس \". وعمر قدم الكتاب ثم السنة، وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر: قدم الكتاب ثم السنة ثم الإجماع، وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر، وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء وهو الصواب، ولكن طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد بأن ينظر أولًا في الإجماع فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم الإجماع نسخه! والصواب طريقة السلف. انتهى.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>القاعدة الرابعة: الإجماع لا ينسخ النص</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٣٣/٩٤\": وقد نقل عن طائفة: كعيسى بن أبان وغيره من أهل الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة ومالك: أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب","vol":"1","page":52},{"text":"والسنة، وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم الإجماع يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخًا، فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم كما تقول النصارى من أن المسيح سوغ لعلمائهم. أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين، ولو كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك فإنه يستتاب كما يستتاب أمثاله. انتهى.\nوقال أيضا في \"١٩/٢٠١\": وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذلك منسوخ، فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ فهذا لا يوجد قط وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك. انتهى.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>القاعدة الخامسة: الإجماع الذي يغلب على الظن وقوعه هو الإجماع على ما هو معلوم من الدين بالضرورة</span>\nقال الشافعي في الرسالة \"٥٣٤\": لست أقول ولا أحد من أهل العلم \"هذا مجتمع عليه\" إلا لما لا تلقى عالمًا أبدًا إلا قاله لك وحكاه عن من قاله كالظهر أربع، وكتحريم الخمر وما أشبه هذا.\nقال الشيخ أحمد شاكر معلقا على كلام الشافعي: يعني أن الإجماع لا","vol":"1","page":53},{"text":"يكون إجماعًا إلا في الأمر المعلوم من الدين بالضرورة كما أوضحنا ذلك وأقمنا الحجة عليه مرارًا في كثير من حواشينا على الكتب المختلفة. انتهى.\nوقال الشافعي أيضا لمن سأله عن وجود الإجماع \"كما في جماع العلم ٧/٢٥٧\": نعم بحمد الله، كثير في جملة من الفرائض التي لا يسع أحدًا جهلها فذلك الإجماع هو الذي لو قلت فيه أجمع الناس لم تجد حولك أحدًا يقول لك ليس هذا بإجماع فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها، وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه.\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"١١١\" ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه.. ثم قال: ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا فقد أسرف في الدعوى وجازف في القول ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب. انتهى.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>القاعدة السادسة: إجماع الصحابة ممكن وقوعه وأما إجماع من بعدهم فمتعذر غالبًا</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١١/٣٤١\": الإجماع متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام","vol":"1","page":54},{"text":"وغيرهم في الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبًا، ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم، والإجماع السكوتي وغير ذلك. انتهى.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>القاعدة السابعة: إذا اختلف عالمان في الإجماع على مسألة ما فإنه يقدم قول من نقل الخلاف في تلك المسألة لأنه مثبت</span>\nقال شيخ الإسلام كما في المجموع \"١٩/٢٧١\": وإذا نقل عالم الإجماع ونقل آخر النزاع: إما نقلا سمى قائله وإما نقلا بخلاف مطلقًا ولم يسم قائله، فليس لقائل أن يقول: نقل لخلاف لم يثبت، فإنه مقابل بأن يقال: ولا يثبت نقل الإجماع، بل ناقل الإجماع ناف للخلاف، وهذا مثبت، والمثبت مقدم على النافي، وإذا قيل: يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف: إما لضعف الإسناد، أو لعدم الدلالة، قيل له: ونافي النزاع غلطه أجوز فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف إسنادها وكانت صحيحة عند غيره، أو ظن عدم الدلالة وكانت دالة، فكل ما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي مع زيادة عدم العلم بالخلاف. انتهى.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>القاعدة الثامنة: عدم العلم بالمخالف لا يصح به دعوى الإجماع</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٢٧١\": فإن عدم العلم ليس علما بالعدم لاسيما في أقوال علماء أمة محمد ﷺ التي لا يحصيها إلا رب العالمين، ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء: من ادعى الإجماع فقد كذب، وهذه دعوى المريسي والأصم، ولكن يقول: لا أعلم نزاعًا، والذين كانوا يذكرون الإجماع كالشافعي وأبي ثور وغيرهما يفسرون مرادهم: بأنا لا نعلم نزاعًا، ويقولون هذا هو الإجماع الذي ندعيه.\nوقال شيخ الإسلام أيضا \"٢٠/١٠\": وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن الإجماع، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعًا ولا يكون الأمر كلك. انتهى.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>القاعدة التاسعة: إجماع أهل المدينة لا يعتبر حجة</span>\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"١٢٤\": إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور لأنهم بعض الأمة، وقال مالك: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم.. وقال الباجي: إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقه النقل المستفيض كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضروات مما تقتضي العادة بأن يكون","vol":"1","page":56},{"text":"في زمن النبي ﷺ فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء. انتهى.\nوقد قسم شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع أهل المدينة إلى أربعة أقسام فقال كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/٣٠٣\": والتحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متفق عليه المسلمون، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: -\nالأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء.\nالثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان فهذا حجة في مذهب مالك وهو المنصوص عن الشافعي، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقف في قلبك ريبا أنه الحق، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها..، وما يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة رسول الله ﷺ.\nوالمرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه","vol":"1","page":57},{"text":"لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما: أنه لا يرجح، والثاني: أنه يرجح به، قيل هذا هو المنصوص عن أحمد ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثًا وعملوا به فهو الغاية.. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة.\nوأما المرتبة الرابعة: فهي العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة المسلمين أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك..، ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة وهو في الموطأ إنما يذكر الأصل المجمع عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر، ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها وإن خالفت النصوص لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك الإمكان كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة. انتهى.","vol":"1","page":58},{"text":"القاعدة العاشرة: قول جمهور العلماء في مسألة من المسائل لا يعتبر حجة\nالحجة إنما هو في الكتاب والسنة والإجماع، وقول الجمهور ليس بإجماع فلا يعتبر حجة على القول الآخر، ولو كان القائل بالقول الآخر","vol":"1","page":58},{"text":"أفراد من العلماء، وإنما يؤخذ بالقول الذي معه الحجة، وتؤيده القواعد الشرعية، ولا عبرة بالكثرة في مقابل الحجة، والسلف الصالح ما كانوا يقدمون قول الأكثر على الأقل، وإنما كانوا يأخذون بالقول الذي معه الحجة.\nعن أبي هريرة أنه قال: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ مالا يحفظون. أخرجه البخاري \"١١٨\".\nقال ابن حزم في الإحكام \"١/٥٩٩\": ففي هذا أن الواحد قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة، وإذا كان عنده من السنة ما ليس عند غيره فهو المصيب في فتياه بهذا دون غيره.. وبينا قبل وبعد أن العرض إنما هو اتباع القرآن وما حكم به رسول الله ﷺ فإنه لا معنى لقول أحد دون ذلك، كثر القائلون به أو قلُّوا، وهذا باب ينبغي أن يتقى فقد عظم الضلال به، ونعوذ بالله العظيم من البلادة. انتهى.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>القياس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>القاعدة الأولى: القياس حجة من الحجج الشرعية</span>\nالقياس حجة من الحجج الشرعية دلَّ على حجيته:\nإقرار النبي ﷺ له وإجماع الصحابة عليه، أما دليل الإقرار فهو حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود\" قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: \"الكلب الأسود شيطان\" أخرجه مسلم \"٥١٠\".\nووجه الدلالة من الحديث أن أبا ذر قاس الكلب الأحمر والأصفر على الكلب الأسود فلم ينكر عليه النبي ﷺ هذا القياس ولكن بين له أن العلة في الكلب الأسود غير موجودة في الكلاب الأخرى فافترق الحكم.\nوفي كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى.. ثم قس الأمور بعضها ببعض، وانظر أقربها إلى الله وأشبهها بالحق فاتبعه. أخرجه الإسماعيلي","vol":"1","page":60},{"text":"\"كما في مسند الفاروق ٢/٥٤٦\" بإسناد صحيح.\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/١٧٦، ١٧٧\": وقد كان أصحاب النبي ﷺ يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره..، ولما قاس مجزز المدلجي وقاف وحكم بقياسه وقيافته على أن أقدام زيد وأسامة ابنه بعضها من بعض سرَّ بذلك رسول الله ﷺ حتى برقت أسارير وجهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق..، قال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وهلم جرا استعملوا القياس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم. انتهى.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>القاعدة الثانية: لا قياس في مقابل النص</span>\nإذا ثبت النص بطل القياس لأنه لا قول لأحد مع قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ، ولأن النص هو الأصل والقياس فرع، والأصل يبطل الفرع، ولا يُبطل الفرع الأصل، وفي الحقيقة أنه ليس هناك نص في الكتاب والسنة يخالف القياس أبدًا، وإذا قيل بأن قياسًا مخالف للنص فهذا يدل على بطلان ذلك القياس، قال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٤/٢٤\" بعد أن ذكر مجموعة من النصوص وافق بينها وبين القياس قال: فهذه نبذة يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا","vol":"1","page":61},{"text":"كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجودًا وعدمًا فلم يخبر الله ولا رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٢٨٨\": ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد ولا يوجد نص يخالف قياسًا صحيحًا كما لا يوجد معقول صريح مخالف للمنقول الصحيح. انتهى.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>القاعدة الثالثة: القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة</span>\nأهل الحديث لا يتوسعون في استعمال القياس، وإنما يستعملون القياس حين تضيق السبل بالأدلة الأخرى، قال الإمام أحمد \"كما في كتاب أصول البدع والسنن/٨٧\": سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورة.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/٣٠٤\": وأما أصحاب الرأي والقياس فإنهم لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها فوسعوا طرق الرأي والقياس وقالوا بقياس الشبه، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها، واستنبطوا عللًا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها. انتهى.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>القاعدة الرابعة: يصح القياس على ما ثبت خلافًا للأصل</span>\nقال السمعاني في قواطع الأدلة \"١/١١٩\": يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ورد به الشرع ودل عليه الدليل.. ثم قال \"ص ١٢١\": والمعتمد أن ما ورد به الخبر صار أصلا بنفسه فالقياس عليه يكون كالقياس على سائر الأصول.\nوقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/٥٥٥\": فذهب طائفة من الفقهاء إلى أن ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه، ويحكى هذا عن أصحاب أبي حنيفة، والجمهور أنه يقاس عليه، وهذا هو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وقالوا: إنما ينظر إلى شروط القياس فما عُلمت علته ألحقنا به ما شاركه في العلة، سواء قيل: إنه على خلاف القياس أو لم يُقل، وكذلك ما علم انتفاء الفارق فيه بين الأصل والفرع، والجمع بدليل العلة كالجمع بالعلة، وأما إذا لم يقم دليل على أنه كالأصل فهذا لا يجوز فيه القياس، سواء قيل إنه على وفق القياس أو خلافه، ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها ما كان في معانيها، وحقيقة الأمر أنه لم يُشرع شيء على خلاف القياس الصحيح، بل ما قيل: إنه على خلاف القياس: فلا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها واقتضى مفارقته لها في الحكم، وإذا كان كذلك فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه كحكمه، وإلا كان من الأمور المفارقة له. انتهى.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>القاعدة الخامسة: القياس الصحيح مقدم على الحديث الضعيف</span>\nالحديث الضعيف لا اعتبار به في الأحكام وإنما الأحكام مبنية على الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع والقياس، فيقدم القياس على الحديث الضعيف، وفي البحر المحيط \"٨/٤٦\": وقال الشافعي: لا يجوز القياس مع نص القرآن أو خبر مسند صحيح وأما عند عدمهما فإن القياس واجب في كل حكم.. وحكى الشيخ شهاب أبو شامة أنه سمع أبا الوفاء بن عقيل في رحلته إلى العراق يقول: مذهب أحمد أن ضعيف الأثر خير من قوي النظر، قال ابن العربي: وهذه وهلة من أحمد، وقال بعض أئمة الحنابلة المتأخرين، هذا ما حكاه عن أحمد ابنه عبد الله، ذكره في مسائله، ومراده بالضعيف غير ما اصطلح عليه المتأخرون من قسم الصحيح والحسن، بل عنده الحديث قسمان صحيح وضعيف، والضعيف ما انحط عن درجة الصحيح وإن كان حسنًا.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/٢٥\": ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب ... انتهى.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>القاعدة السادسة: قول الصحابي الذي لم يخالفه صحابي آخر مقدم على القياس</span>\nقول الصحابي مقدم على القياس وذلك لأن الصحابي أدرى ممن أتى بعده بمسالك العلة وطرق القياس وكيفية النظر والاعتبار، يقول شيخ","vol":"1","page":64},{"text":"الإسلام في رسالته في القياس \"٥٠\": وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، وأعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق والطلاق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك، وقد بينت فيما كتبته أن المنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال قضاء وقياسًا، وعليه يدل الكتاب والسنة وعليه دور القياس الجلي، وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص، وكذلك في مسائل غير هذه، مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان القياس معه. انتهى.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>القاعدة السابعة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا</span>\nفال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٤/٩٠\": الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا، ولهذا إذا علق الشارع حكمًا بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم، وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه، والشريعة مبنية على هذه القاعدة فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله","vol":"1","page":65},{"text":"لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١٨/٢٧٤\": العلة إذا عدمت عدم الحكم المتعلق بها بعينه، لكن يجوز وجود مثل ذلك الحكم بعلة أخرى، فإذا وجد ذلك الحكم بدون علة أخرى علم أنها عديمة التأثير وبطلت، وأما إذا وجد نظير ذلك الحكم بعلة أخرى كان نوع ذلك الحكم معللًا بعلتين وهذا جائز، كما إذا قيل في المرأة المرتدة: كفرت بعد إسلامها فتقتل قياسًا على الرجل، لقول النبي ﷺ: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا فقتل بها\". فإذا قيل له: لا تأثير لقولك: كفر بعد إسلامه فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر، وحينئذ فالمرأة لا تقتل بمجرد الكفر، فيقول: هذه علة ثابتة بالنص وبقوله: \"من بدَّل دينه فاقتلوه\" وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وجراءته، ولهذا لا أقتل من كان عاجزًا عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه، وأما الكفر بعد الإسلام فعلة أخرى مبيحة للدم، ولهذا قُتل بالردة من كان عاجزًا عن القتال كالشيخ الكبير. انتهى.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>القاعدة الثامنة: العلة لا تثبت إلا بدليل</span>\nعلة الأحكام لا تثبت بالظن والتخمين وإنما تثبت بالدليل، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه \"١/٢١٠، ٢١٤\": اعلم أن العلة الشرعية","vol":"1","page":66},{"text":"إمارة على الحكم ودلالة عليه، ولا بد في رد الفرع إلى الأصل من علة تجمع بينهما، ويلزم أن يدل دليل على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعي، فكما لا بد من الدلالة على الحكم فكذلك لابد من الدلالة على العلة، والذي يدل على صحة العلة شيئان: أصل واستنباط، فأما الأصل فهو قول الله وقول رسوله ﷺ وأفعاله وإجماع الأمة، فأما قول الله وقول رسوله فدلالتهما من وجهين: أحدهما من جهة النطق، والثاني من جهة الفحوى والمفهوم، فأما دلالتهما من جهة النطق فمن وجوه بعضها أجلى من بعض، فأجلاها ما صرح فيه بلفظ التعليل،.. عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله ﷺ وهو بودان أو بالأبواء حمارًا وحشيًا فرده رسول الله ﷺ قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما بوجهه قال: \"إنا لم نرده عليك إلا أننا حرم\" فبين النبي ﷺ بهذا القول المعنى الذي لأجله رده، ليعلم أن اصطياد المحرم وما صيد له وأهدي إليه بمنزلة واحدة..، ويليها في البيان أن يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة وقد يكون هذا بلفظ الشرط كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فالظاهر أن حمل المرأة على وجوب النفقة، وقد يكون بغير لفظ الشرط كقول الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] ظاهر أن السرقة على وجوب القطع، وأما دلالتها من جهة الفحوى والمفهوم فمن وجوه بعضها أجلى من بعض أيضا، فأوضحها ما دل عليه بالتنبيه كقول","vol":"1","page":67},{"text":"الله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . لفظ الآية يدل بالتنبيه عند سماعه على أن الضرب أولى بالمنع من التأفيف..، ويلي ما ذكرناه في البيان أن يذكر صفة فيفهم من ذكرها المعنى الذي تتضمنه تلك الصفة من غير وجه التنبيه على غيرها،.. عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: \"لا ينبغي للقاضي يقضي بين اثنين وهو غضبان\"..، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها\". المفهوم بضرب من الفكر في هذين الحديثين أن النبي ﷺ إنما منع من الغضبان من القضاء لاشتغال قلبه في تلك الحال وأن حكم الجائع والعطشان مثله، وأنه إنما أمر بإلقاء ما حول الفأرة من السمن إن كان جامدًا لينتفع بما سواه إذا لم تخالطه النجاسة، وأن الشبرج والزيت مثله في الحكم، وأما دلالة أفعال الرسول ﷺ فهو أن يفعل شيئا عند وقوع معنى من جهته أو من جهة غيره فيعلم أنه لم يفعل ذلك إلا لما ظهر من المعنى فيصير علة فيه، وهذا مثل ما روي أن رسول الله ﷺ سهى فسجد فيعلم أن السهو علة للسجود..، وأما الضرب الثاني من الدليل على صحة العلة فهو الاستنباط وذلك من وجهين أحدهما التأثير والثاني شهادة الأصول، فأما التأثير فهو أن يوجد الحكم لوجود معنى فيغلب على الظن أنه لأجله ثبت الحكم،.. وأما شهادة الأصول، فتختص بقياس الدلالة مثل أن يقول في أن القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء، ما لا ينقض الطهر خارج الصلاة لا ينقضه داخل الصلاة كالكلام فيدل عليها بأن الأصول تشهد بالتسوية بين داخل الصلاة وخارجها في هذا المعنى. انتهى.","vol":"1","page":68},{"text":"القاعدة التاسعة: لا يصح التعليل بمجرد الشبه في الصورة\nقال السمعاني في قواطع الأدلة \"١/١٦٦، ١٦٨\": والصحيح أن مجرد الشبه في الصورة لا يجوز التعليل به، لأن التعليل ما كان له تأثير في الحكم بأن يفيد قوة الظن ليحكم بها، والشبه في الصورة لا تأثير له في الحكم، وليس هو مما يفيد قوة الظن حتى يوجب حكما، وقد استدل من قال إن قياس الشبه ليس بحجة بأن المشابهة في الأوصاف لا توجب المشابهة في الأحكام، فإن جميع المحرمات يشابه بعضها بعضا في الأوصاف، ويختلف في الأحكام، ولأن المشابهة فيما لا يتعلق بالحكم لا توجب المشابهة في الحكم..، إن الأصل في القياس هم الصحابة والمنقول عن الصحابة النظر إلى المصالح والعلل المعنوية فأما مجرد الشبه فلم ينقل عنهم بوجه ما. انتهى.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>القاعدة العاشرة: لا قياس في العبادات</span>\nلا يشرع القياس في العبادات، لأن العبادات مبنية على نصوص الكتاب والسنة فلا يدخلها النظر والاعتبار، قال العلامة العدوي في كتابه أصول في البدع والسنن \"٨٣\": قول بعض المؤلفين يسُنُّ للمؤذن الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان قياسًا على المستمع هو قول بعيد عن الأصول المقررة في المذاهب الأربعة لأن النبي ﷺ علم أبا محذورة وغيره من المؤذنين ألفاظ الأذان المعروفة، وعلَّم المستمعين أن يقولوا مثلما","vol":"1","page":69},{"text":"يقول إذا سمعوه، ثم أمرهم بالصلاة عليه كما يفيده حديث مسلم: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول: ثم صلوا علي\" فتراه فرَّق بين المؤذن والمستمع، فبين لكل ما يطلب منه، فتعليمه الصلاة للمستمعين وسكوته عن تعليمها للمؤذن مع أنه بعث للتعليم دليل على أن المطلوب من المؤذن ترك ما عدا ألفاظ الأذان، فسنته في مثل الصلاة عقب الأذان سنة تركية وقد علمناها، فلا يعمل بالقياس فيها، لأن القياس يُصار إليه عند علم السنة كما هي قاعدة الباب. انتهى.\nوقال ابن كثير في تفسيره \"٤/٤٠١\": وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. انتهى.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>افعال الرسول ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>القاعدة الأولى: الخصوصية لا تثبت إلا بديل</span>\n...\nأفعال الرسول ﷺ\nالقاعدة الأولى: الخصوصية لا تثبت إلا بدليل\nالأصل في أفعال النبي ﷺ أنها تشريع لجميع الأمة، وليست خاصة به، حتى يقوم الدليل الدال على أنها خاصة به، لا بمجرد الاحتمال، لقوله تعالى: ﴿لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٦] .\nقال ابن القيم في زاد المعاد \"٣٠٧\": الأصل مشاركة أمته له في الأحكام إلا ما خصه الدليل.\nوقال ابن حزم في الإحكام \"١/٤٦٩\": لا يحل لأحد أن يقول في شيء فعله ﵇ إنه خصوص له إلا بنص. انتهى.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>القاعدة الثانية: لا يشرع المداومة على ما لم يداوم عليه النبي ﷺ من العبادات</span>\nالأصل في العبادات المنع، فما لم يداوم عليه النبي ﷺ من العبادات لا يشرع المداومة عليه، كعدم مداومته على فعل النوافل جماعة، وإنما فعل ذلك أحيانا كما في حديث أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت النبي ﷺ","vol":"1","page":71},{"text":"لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: \"قوموا فلأصل لكم\" قال أنس: فقام رسول الله ﷺ وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف.\nأخرجه البخاري \"٣٨٠\" ومسلم \"٦٥٨\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية \"٨١\": والإجماع على أن صلاة النفل أحيانًا مما تستحب فيه الجماعة إذا لم يتخذ راتبة وكذا إذا كان لمصلحة مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده، فالجماعة أفضل إذا لم تتخذ راتبة، وفعلها في البيت أفضل إلا لمصلحة راجحة. انتهى.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>القاعدة الثالثة: إقرار النبي ﷺ حجة</span>\nما فعل بحضرة النبي ﷺ وأقره يعتبر حجة، لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقته، قال البخاري في صحيحه \"٧٣٥٥\": باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة لا من غير الرسول.. ثم أخرج بإسناده إلى محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصياد الرجال قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ.\nفهذا الحديث يدل على أن الصحابة كانوا يفهمون بأن إقرار النبي ﷺ لشيء صنع أمامه يعتبر حجة.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>القاعدة الرابعة: ما وقع في زمن النبي ﷺ يعتبر حجة وإن لم يكن اطلع النبي ﷺ عليه</span>\nعن جابر بن عبد الله قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل. أخرجه البخاري \"٥٢٠٩\".\nقال الحافظ في الفتح \"٩/٢١٦\": أراد بنزول القرآن أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره مما يُوحى إلى النبي ﷺ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع ولو كان حرامًا لم نقر عليه، وإلى ذلك يشير قول ابن عمر: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي ﷺ، فلما مات النبي ﷺ تكلمنا وانبسطنا. أخرجه البخاري. انتهى.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>القاعدة الخامسة: الفعل المجرد لا يدل على الوجوب</span>\nالأصل في أفعال النبي ﷺ أنها ليست على الوجوب، إلا إذا كانت بيانا لواجب من الواجبات، فتصير تلك الصفة للفعل الوارد واجبة لأنها جاءت مبينة لكيفية الواجب، قال ابن حزم في الإحكام \"١/٤٥٨\": ليس شيء من أفعاله ﵇ واجبًا وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به ﵇ فيها فقط، وألا نتركها على معنى الرغبة عنها، ولكن كما نترك سائر ما ندبنا إليه مما إن فعلناه أجرنا، وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر، إلا ما كان من أفعاله بيانا لأمر أو تنفيذًا لحكم فهي حينئذ فرض، لأن الأمر","vol":"1","page":73},{"text":"قد تقدمها فهي تفسير الأمر، وهذا القول الصحيح الذي لا يجوز غيره.. ثم قال \"ص: ٤٦٥\": وإنما حضنا الله تعالى في أفعاله ﵇ على الاستنان به بقوله تعالى: ﴿لقَدْ كانَ لكُمْ فيِ رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنةٌ﴾ [الأحزاب: ١٦] وما كان لنا فهو إباحة فقط، لأن لفظ الإيجاب إنما هو \"علينا\" لا \"لنا\" نقول: عليك أن تصلي الخمس وتصوم رمضان، ولك أن تصوم عاشوراء، هذا الذي لا يفهم سواه في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى بما ألزمنا من شرائعه.. ثم قال \"ص: ٤٦٧\": فأما ما كان من أفعاله ﵇ تنفيذًا لأمر فهو واجب فمن ذلك قوله ﵇: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" و\"خذوا عني مناسككم\". انتهى.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>القاعدة السادسة: ما أصله مباح وتركه النبي ﷺ لا يدل تركه له على أنه واجب علينا تركه</span>\nالشيء الذي أصله مباح وتركه النبي ﷺ لا يدل على أن ذلك الشيء يجب علينا تركه لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم\". أخرجه البخاري \"٧٢٨٨\" ومسلم \"١٣٣٧\".\nقال علي ابن حزم: فهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة،","vol":"1","page":74},{"text":"فلم يوجب رسول الله ﷺ على أحد إلا ما استطاع مما أمر به، واجتناب ما نهى عنه فقط، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال أمرتكم بما فعلت وأسقط ﵇ ما عدا ذلك في أمره، بتركه ما تركهم حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط.\nوقال أبو شامة في المحقق \"٩٧\": وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا واجب عليكم إلا من جهة الأمر والنهي، وأنه ما لم آمركم وأنهاكم فأنتم خارجون من عهدة الوجوب والحظر، \"فذروني ما تركتكم\". انتهى.\nفإن قيل: إن الصحابة تركوا أكل الضب لما ترك النبي ﷺ أكله حتَّى بيَّن لهم أنه يعافه، فدل هذا على وجوب ترك ما تركه النبي ﷺ لأنهم تركوا ما تركه النبي ﷺ.\nفالجواب: أن ذلك كان وقت تشريع، فظن الصحابة أن تركه ﷺ لأكل الضب هو من باب التشريع حتى بين لهم أن تركه لأكل الضب ليس من باب التشريع فأكلوه.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>القاعدة السابعة: الأصل أن ما همَّ به النبي ﷺ ولم يفعله فإنه لا يكون حجة</span>\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٦٥\": ما همَّ به النبي ﷺ ولم يفعله كما وري عنه بأنه هم بمصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة..،","vol":"1","page":75},{"text":"والحق أنه ليس من أقسام السنة لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون تنجيز له وليس ذلك مما آتانا الرسول ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به فيه وقد يكون إخباره ﷺ بما هم به للزجر كما صح عنه أنه قال: \"لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم\". انتهى.\nقلت: وإنما ينظر إلى الفعل الذي همَّ به النبي ﷺ على القرائن المحتف بذلك الفعل ثُمَّ يُحكم عليه بسبب تلك القرائن بالحكم المناسب له.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>القاعدة الثامنة: الفعل الجبليِّ المحض الذي ورد عن النبي ﷺ لا يتقرب المكلَّف بفعله إلى الله ﷿</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١/٢٨٠\": وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي ﷺ وينزل مواضع منزله، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها، ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبًا، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر، ولو رأوه مستحبًا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به، وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة","vol":"1","page":76},{"text":"شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند اسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة والمزدلفة وغيرها، وما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصدًا لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التميمي عن المعرور بن سويد قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه ويقولون: صلى فيه النبي ﷺ، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا أبنياءهم فاتخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض..، وهذا هو الأصل فإن المتابعة، في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل. انتهى.\nوللعلامة أحمد العدوي في كتابه أصول في البدع والسنن \"٥٦\": كلام طويل في هذه المسألة أنقله بتمامه لأهميته قال: محض الفعل لا يدل على أن الفعل قربة، بل يدل على أنه ليس بمحرم فقط وأما كونه قربة على الخصوص فذلك شيء آخر، فإن الصحابة رضوان الله عليهم وهم أعلم الناس بالدين وأحرص الناس على اتباع الرسول في كل ما يقرب إلى الله تعالى كانوا يشاهدون من النبي ﷺ أفعالًا، ولما لم يظهر لهم فيها قصد","vol":"1","page":77},{"text":"القربة لم يتخذوها دينًا يتعبدون به ويدعون الناس إليه ولذلك أمثلة كثيرة.\n١ - أن النبي ﷺ حينما كان مهاجرًا إلى المدينة أخذ طريق الساحل، لأنه أبعد عن العدو، ولو كان مجرد الفعل يدل على القربة لاقتضى أن كل مسافر من مكة إلى المدينة يستن له أن يسلك طريق الساحل وإن كان بعيدًا، ولم يقل بذلك أحد من الصحابة، فدلَّ ذلك على أنه ليس بسنة من سنن الدين.\n٢ - أن النبي ﷺ اختفى هو وصاحبه في الغار عن أعدائه المشركين ومكث به أيامًا يعبد الله حتى تمكن من السفر، ولو كان محض الفعل يفيد الندب لذهبت الصحابة إلى ذلك الغار لتعبد الله تعالى فيه كما كان النبي ﷺ، وحيث لم ينقل لنا أن أحدًا من الصحابة كان يذهب إلى الغار ليتعبد فيه علم أن العبادة في خصوص الغار ليست مقصودة وأن الفعل بمجرده لا يفيد القربة.\n٣ - روي عن أنس ﵁ قال: كان لِنَعْليْ رسول الله ﷺ قبالان. رواه الخمسة إلا مسلمًا، فهذا الصنف هو حذاء رسول الله ﷺ، فهل يكون لبس هذا الصنف سنة من سنن الدين، ومن لم يلبسه يكون تاركًا لسنة ويعاتب عليها؟ أم هذا لا يقوله أحد، ولو كان الفعل المجرد يدل على الندب لكان لبس هذا النوع من الأحذية سنة تبقى ببقاء الأيام.\n٤ - ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ في يوم بدر جاء إلى أدنى ماء من بدر فنزل عنده، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل،","vol":"1","page":78},{"text":"أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: \"بل هو الرأي والحرب والمكيدة\" فقال: يا رسول الله ليس هذا بمنزل، فانهض بالناس نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نُغوِّر ما وراءه إلخ ما قال، فقال له النبي ﷺ: \"لقد أشرت بالرأي\" وعمل برأيه، وهذا يدل على أن محض الفعل لا يفيد أنه قربة. ووجه الدلالة أن الصحابة لا يرون أن كل فعل للنبي ﷺ عن وحي من الله تعالى، بل منه ما هو مستند إلى وحي كالفعل الذي يظهر فيه قصد القربة، ومنه ما هو مبني على رأي واجتهاد، ولذلك سأل الحباب بن المنذر بجمع من الصحابة عن المنزل الذي نزل النبي ﷺ هل النزول فيه عن وحي حتى يذعنوا له، أو عن رأي واجتهاد حتى يشاركوه فيه، وأجاب النبي ﷺ بأنه عن رأي واجتهاد، وقد رأوا أن ينزلوا منزلًا آخر هو أنفع منه للحرب، وأقرب للنكاية بالعدو، ولو كان فعل الرسول لا يكون إلا عن وحي ما كان لذلك السؤال وجه، وما صحّ منه موافقتهم وترك الوحي.\n٥ - إن النبي ﷺ كان يأكل من القوت التمر والشعير، ومن الفاكهة الرطب والبطيخ والقثاء، وكان يلبس وهو بالمدينة من نسيج اليمن، فهل إذا وُجِد الرجل ببلد آخر، ورأى قوتهم البر والذرة، وفاكهتهم الرمان والعنب، وملابسهم غير ملابس اليمنيين، أيندب له شرعًا أن يبحث عن قوت غير القوت، وفاكهة غير الفاكهة، وأن يطلب ملبسًا من نسيج اليمن؟ وكيف يلتئم هذا، وقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ","vol":"1","page":79},{"text":"الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .\nفظهر مما سقناه من الأمثلة أن الفعل إذا لم يظهر فيه قصد القربة لا يدل على الندب كما لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على رفع الحرج، وهو ما اختاره الآمدي.\nوأما قول الشوكاني: إن القول بإفادته الندب هو الحق، وتعلله ذلك بأن قوله ﷺ وإن لم يظهر فيه قصد القربة، فهو لا بد أن يكون قربة، فهو مجرد دعوى لم يقم عليها دليل، بل عمل الصحابة يدل على بطلانها، ولم يأخذ بفعل الرسول في كل شيء حتى في العاديات المحضة سوى عبد الله بن عمر، كان يتحرى المكان الذي كان النبي ﷺ يقضي فيه حاجته ليقضي هو فيه حاجته، ولم يوافقه جمهور الصحابة، بل كانوا يفرقون بين الفعل العادي وبين العبادة، وممن خالفه في ذلك أبوه عمر بن الخطاب، حتى لا يلتبس على الناس أمر العادات بالعبادات.\nوأما قول الشوكاني: [لا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة، فإن إباحة الشيء بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل الشرع، فالقول به إهمال للفعل الصادر منه ﷺ فهو تفريط كما أن حمل الفعل المجرد على الوجوب إفراط] فيرده أن الأصوليين عدا المعتزلة اتفقوا على أن الإباحة حكم شرعي، فهي لم تثبت إلا بالشرع، فالقول بأن الفعل يدل على الإباحة ليس إهمالًا لفعل النبي ﷺ، ولو سلم أنها موجودة قبل الشرع، فالفعل جاء مقررًا له فكيف يكون مهملًا؟ وماذا يقول الشوكاني في أدلة","vol":"1","page":80},{"text":"الكتاب والسنة المفيدة للإباحة كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [المرسلات: ٢٠] وماذا يقول في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٤٢] وقوله: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيقول إنها مهملة لأن الإباحة موجودة قبل الشرع أو يقول إنها جاءت مقررة؟ وجوابه على الأدلة القولية هو جوابنا على الأدلة الفعلية. انتهى.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>القاعدة التاسعة: ما استحب النبي ﷺ فعله من الأمور العادية فيستحب فعله لمحبة النبي ﷺ له</span>\nيستحب للإنسان أن يستحب ما استحبه النبي ﷺ من الأمور العادية الجبلية كاستحبابه الدباء واستحبابه الشراب الحلو البارد لما في ذلك من كمال الاتباع فعن أنس بن مالك قال: إن خياطًا دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، قال أنس فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباء وقديد، قال: فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة ويعجبه، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ، فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع.\nأخرجه البخاري \"٢٠٩٢\" ومسلم \"٢٠٤١\" وبوب عليه النووي: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين.\nقلت: فانظر إلى هذا السيد استحب ما استحبه النبي ﷺ أفلا يُؤجر على محبة ما يحبه النبي ﷺ؟!.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>القاعدة العاشرة: ما يحتمل من الأفعال خروجه من الجبليِّة إلى التشريع بمواظبته على وجه مخصوص فيستحب التأسي به فيه</span>\nهناك بعض الأفعال النبوية هي في الأصل أفعال جبليِّة لكن يحتمل أنها للتشريع وهي الأشياء التي واظب عليها النبي ﷺ على وجه مخصوص دون أن يرغب فيهما كالاضطجاع بعد ركعتي الفجر، فهذه الأفعال يستحب التأسي فيها لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٦]، فهذه الآية تدل على أن الأصل في أفعال النبي ﷺ استحباب التأسي به فيها، إلا إذا اظهرت انها جبلية وهذا قول أكثر المحدثين \"كما في البحر المحيط ٦/٢٤\".\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٥٦\": وفي هذا القسم قولان للشافعي ومن معه يرجع فيه إلى الأصل وهو عدم التشريع أو إلى الظاهر وهو التشريع، والراجح الثاني، وقد حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أكثر المحدثين فيكون مندوبا. انتهى.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>القاعدة الحادية عشر: ترك النبي ﷺ لفعل ما مع وجود المقتضي له وانتفاء المانع يدل على أن ترك ذلك الفعل سنة وفعله بدعة</span>\nهذه القاعدة تعرف بالسنة التركية، وهي قاعدة جليلة فيها سد لباب الابتداع في الدين ويشترط لهذه القاعدة شرطان هما:","vol":"1","page":82},{"text":"١ - وجود المقتضي. ٢ - انتفاء المانع.\nفإذا لم يوجد المقتضي لذلك الفعل فلا يكون الترك سنة، كترك الأذان للعيدين فإن المقتضي موجود وهو الإعلام للعيدين ومع ذلك ترك النبي ﷺ الأذان للعيدين فالترك هنا يدل على أنه سنة وأما مثال: الترك مع عدم وجود المقتضي، فكترك النبي ﷺ جمع القرآن، فلا يكون الترك هنا سنة، لأن المقتضي لم يكن موجودًا، ولذلك جمعه عمر بن الخطاب لما دعت الحاجة إليه.\nفإن وجد المقتضي لذلك ولم ينتف المانع لم يدل على أن ترك ذلك سنة، كتركه ﷺ القيام مع أصحابه في رمضان، فإن المقتضي كان موجودًا، لكن كان هناك مانع موجود وهو خشيته ﷺ أن يفرض عليهم القيام.\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٦/١٧٢\": والترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب: سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ، كجمع القرآن في الصحف، وجمع الناس على إمام واحد في التراويح، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وبحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه النبي ﷺ لفوات شرط أو وجود مانع، فأما ما تركه من جنس العبادات، مع أنه لو كان مشروعا لفعله،","vol":"1","page":83},{"text":"أو أذن فيه وفعله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٢/٣٩٠\": فإن تركه سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق، فإن قيل من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وَقُبِلَ لاستحب لنا مُسْتَحِبّ الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟!. انتهى.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>القاعدة الثانية عشرة: لا تعارض بين أفعال النبي ﷺ</span>\nأفعال النبي ﷺ المختلفة في الشيء الواحد لا تعتبر متعارضة، وإنما دالة على مشروعية كلا الأمرين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في القواعد النورانية \"٨٦\": وأما الصلوات في الأحوال العارضة كالصلاة المكتوبة في الخوف والمرض والسفر ومثل الصلاة لدفع البلاء عند أسبابه كصلوات الآيات في الكسوف، أو الصلاة لاستجلاب النعماء، كصلاة الاستسقاء، ومثل الصلاة على الجنازة ففقهاء الحديث كأحمد وغيره، متبعون لعامة الثابت عن النبي ﷺ وأصحابه في هذا الباب، فيجوزون في صلاة الخوف","vol":"1","page":84},{"text":"جميع الأنواع المحفوظة عن النبي ﷺ ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبي ﷺ في صلاة الكسوف..\"١\"، وكذلك الاستسقاء يجوزون الخروج إلى الصحراء الاستسقاء والدعاء كما ثبت عن النبي ﷺ ويجوزون الخروج والدعاء بلا صلاة كما فعله عمر بمحضر من الصحابة، ويجوزون الاستسقاء بالدعاء تبعًا للصلوات الراتبة، كخطبة الجمعة كما فعله النبي ﷺ. انتهى.\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٦١\": والحق أنه لا يتصور تعارض الأفعال فإنه لا صيغ لها يمكن النظر فيها والحكم عليها بل هي مجرد أكوان مغايرة واقعية في أحوال مختلفة وهذا إذا لم تقع بيانات للأقوال وأما إذا وقعت بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبينات من الأقوال لا إلى بيانها من الأفعال. انتهى.\n_________\n\"١ الأرجح في صلاة الكسوف أنها لم تقع إلا مرة واحدة.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>القاعدة الثالثة عشر: إذا تعارض القول مع الفعل ولم يمكن الجمع بينهما فإن القول مقدم على الفعل</span>\nإذا تعارض القول مع الفعل فإن الجمع بينهما هو الأولى، قال العلائي في تفصيل الإجمال \"١٠٨\": الجمع بين القول والفعل على بعض الوجوه الممكنة، وهي التي يسلكها المحققون في أفراد الأمثلة عن الكلام على بعض منها، ولا شك في أن هذا أولى من تقديم أحدهما على الآخر، وإبطال مقتضى الآخر، ومن الوقف أيضا لأنا متعبدون بمضمون القول وباتباعه ﷺ فيما فعله، فما يجمع بين الدليلين أولى من","vol":"1","page":85},{"text":"إلغاء أحدهما، ولا وجه للوقف مع التعبد. انتهى.\nفإن لم يمكن الجمع بينهما فإن القول هو المقدم، قال العلائي في تفصيل الإجمال \"١٠٥\":\nوالحجة لتقديم القول وجوه: أنه يدل بنفسه من غير واسطة والفعل لا يدل إلا بواسطة \"أي في إفادته البيان\" فكان القول أقوى.\nوأن تقديم الفعل يفضي إلى إبطال مقتضي القول بالكلية والعمل بالقول، وتقديمه لا يؤدي إلى ذلك، بل يحمل الفعل على أنه خاص بالنبي ﷺ، والجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما بالكلية. انتهى.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>القاعدة الرابعة عشر: الفعل الوارد بصيغة \"كان\" الأصل فيه أنه للتكرار</span>\nما ورد عن النبي ﷺ من الأفعال بصيغة \"كان\" فإنه يدل على تكرار ذلك الفعل إلا أن تأتي قرينة تدل على أنه ليس المقصود التكرار وإنما المقصود حصول الفعل في الزمن الماضي فحينئذ لا تحمل كان على التكرار وإلا الأصل أنها تكون للتكرار كما في حديث أم المؤمنين عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوئه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده.","vol":"1","page":86},{"text":"أخرجه البخاري \"٢٧٢\" ومسلم \"٣١٦\".\nقال ابن دقيق العيد في كتاب الإحكام \"١/٩١\": \"كان يفعل كذا\" بمعنى أنه تكرر من فعله وكان عادته كما يقال: كان فلان يعين الضعيف و\"كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير\" وقد تستعمل كان لإفادة مجرد الفعل ووقوع الفعل دون الدلالة على التكرار والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل الحديث. انتهى.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>قول الصحابي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>القاعدة الأولى: قول الصحابي فيما لا نص فيه يعتبر حجة إذا لم يخالفه غيره</span>\nقول الصحابي يكون حجة ولو لم يشتهر بشرط أن لا يخالفه غيره وليس المراد بأن \"قول الصحابي حجة\" هو أنه حجة بذاته كالكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما، وإنما \"قول الصحابي حجة\" لما احتف بقوله من أدلة وقرائن تدل على حجية قوله، فهو حجة بالغير، وعليه فلا يحتج محتج بقوله ﷺ \"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنتي\". أخرجه الحاكم \"١/٩٣\" وصححه الألباني في الصحيحة \"١٧٦١\".\nفيقول: لم يذكر في الحديث قول الصحابي، ولو كان حجة لذكر في الحديث، والجواب: أنه لم يذكر الإجماع والقياس أيضًا مع أنهما من الحجج الشرعية وذلك لأن الإجماع والقياس حجة بالغير لا بالذات، وكذلك قول الصحابي، بخلاف الكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما.\nوالقول بأن قول الصحابي حجة هو قول الأئمة الأربعة، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/١٤\": وإن قال بعضهم قولًا ولم","vol":"1","page":88},{"text":"يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول هذا هو القول القديم. انتهى.\nوقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين \"٤/١٠٤، ١٣٦\" لحجية قول الصحابي ستا وأربعين وجهًا، فمن تلك الأوجه أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .\nفحصول الرضوان حاصل لكل واحد منهم، فاقتضت الآية الثناء على من اتبع كل واحد منهم فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صح عليه أنه اتبع السابقين.\nومن تلك الأوجه أيضا: أنهم هم الأئمة الصادقون وكل صادق بعدهم فيهم يؤثم في صدقه بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم.\nومن تلك الأوجه: أنهم خير القرون مطلقًا فلو جاز أن يخطيء الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطئوا هُمْ لزم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه، لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولًا ولم يخالفه صحابي","vol":"1","page":89},{"text":"آخر وفات هذا الصواب الصحابة فيا سبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم ﵃ قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة أخطأ في ذلك، ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى جاء من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة سبحانك هذا بهتان عظيم.\nومن تلك الأوجه: أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.\nومن تلك الأوجه: أن النبي ﷺ دعا لابن عباس أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل ومن المستبعد جدًا بل من الممتنع أن يفتى ابن عباس بفتوى ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على الخطأ، ويفتي واحد من المتأخرين بخلاف فتواه ويكون الصواب معه ويحرمه ابن عباس.\nومن تلك الأوجه: أن الصحابي إذا قال قولًا فله مدارك ينفرد بها منها: أن يكون سمعها من النبي ﷺ.\n\"الثاني\" أن يكون سمعها ممن سمعها منه.\n\"الثالث\" أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فِهْمًا خفي علينا.\n\"الرابع\" أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.","vol":"1","page":90},{"text":"\"الخامس\" أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمن من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته والعلم بمقاصده فتكون فتواه حجة.\nومن تلك الأوجه: أن الأرض لا تخلوا من قائم لله بحجة فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم.\nومن تلك الأوجه: أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بفتاواهم وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم وتصانيف العلماء شاهدة على ذلك..، فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ولم تجد فيها قط - ليس قول أبي بكر وعمر حجة - ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ وفتاويهم.\nفإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ ولكان معصومًا فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة من قسم الصواب. قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة وهو أن من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به فهذا هو المحال وبهذا خرج الجواب عن قولكم لو كان قول الواحد منهم","vol":"1","page":91},{"text":"حجة لما جاز عليه الخطأ فإن قوله لم يكن بمجرده حجة بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن. انتهى ما ذكره ابن القيم ملخصا.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>القاعدة الثانية: قول الصحابي إذا اشتهر ولم يخالفه أحد يكون إجماعًا وحجة</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/١٤\": وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٤/١٠٤\": إن لم يخالف الصحابي صحابيًا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم هو حجة وليس بإجماع، وقال شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة. انتهى.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>القاعدة الثالثة: إذا اختلف الصحابة في مسألة ما رجع إلى الأصل ولا يقدم قول بعضهم على بعض</span>\nقال الخطيب في الفقيه والمتفقه \"١/١٧٥\": إذا اختلفت الصحابة على قولين لم يكن قول بعضهم حجة على بعض ولم يجز تقليد واحد من الفريقين بل يجب الرجوع إلى الدليل، قال الشافعي: إذا جاء عن أصحاب النبي ﷺ أقاويل مختلفة ينظر إلى ما هو أشبه بالكتاب والسنة","vol":"1","page":92},{"text":"فيؤخذ به، فإن تعذر ذلك من نص الكتاب والسنة اعتبرت أقاويلهم من جهة القياس فمن شابه قوله أصلًا من الأصول ألحق به.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/١٤\": وإن تنازعوا رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، ولم يكن قول بعضهم حجة لمخالفة بعضهم له باتفاق العلماء. انتهى.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>القاعدة الربعة: إذا اختلف الصحابة في مسألة ما على قولين فإن القول الذي فيه أحد الخلفاء الراشدين أرجح من القول الآخر</span>\nعن ابن عمر أن الربيِّع اختلعت من زوجها فأتى عمها عثمان فقال تعتد بحيضة وكان ابن عمر يقول تعتد ثلاث حيض حتى قال هذا عثمان، فكان يفتي به ويقول: خيرنا وأعلمنا.\nأخرجه ابن أبي شيبة \"١٨٤٦٢\".\nوعن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقال به رسول الله ﷺ قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله ﷺ وقاله أبو بكر وعمر قال به وإلا اجتهد رأيه. أخرجه البيهقي \"١٠/١١٥\".\nقال الشافعي كما في البحر المحيط \"٨/٥٨\": فإن لم يكن على قول أحدهم دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي","vol":"1","page":93},{"text":"- ﵃ - أحب إلي من قول غيرهم إن خالفهم من قبل أنهم أهل علم وحكاية. انتهى.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٤/١٠٣\": إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين فيه قولان للعلماء، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر، فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبو بكر، وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر، وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم. انتهى.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>القاعدة الخامسة: الصحابي أدرى بمرويه من غيره</span>\nإذا روى الصحابي حديثًا وفسره ذلك الصحابي أو حمله على معنى معين من المعاني فإنه ينبغي الوقوف على ما ذهب إليه الصحابي من معنى ذلك الحديث لأنه هو راوي الحديث، والراوي أدرى بمرويه من غيره.\nوإذا اختلف صحابيان وكان أحدهما راويًا للحديث فإنه يقدم قوله على الصحابي الآخر، لأن الصحابي الذي روى الحديث أدرى بما رواه من الصحابي الآخر.","vol":"1","page":94},{"text":"قال السمعاني في قواطع الأدلة \"١/١٩٠\": وأما تفسير الراوي لأحد محتملي الخبر يكون حجة في تفسير الخبر كالذي رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار مالم يتفرقا، وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى، لأنه قد شاهد من خطاب الرسول ﷺ ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله. انتهى.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>القاعدة السادسة: إذا خالف الصحابي ما رواه فالعبرة بما رواه لا بما رآه</span>\nالصحابي لا يخالف ما رواه عن عمد، وإنما يخالف ما رواه لأمر كنسيان ونحو ذلك فإذا خالف ما رواه فإنه يطرح رأيه وتؤخذ روايته، لأنه لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه \"١/١٤١، ١٤٣\": إذا روى الصحابي عن رسول الله ﷺ حديثا ثم روي عن ذلك الصحابي خلافا لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته، وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه، لأن الواجب علينا قبول نقله وروايته عن النبي ﷺ لا قبول رأيه.. ولأنه لا يحل لأحد أن يظن بالصاحب أن يكون عنده نسخ لما روى، أو تخصيص فيسكت عنه فيبلغ إلينا المنسوخ والمخصوص دون البيان، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقد نزه الله صحابة نبيه ﷺ عن هذا. انتهى.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الناسخ والمنسوخ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>القاعدة الأولى: مراد السلف بكلمة \"النسخ\" ليس هو المراد عند المتأخرين</span>\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/٣٥\": مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتنبيه فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. انتهى.\nوقال الشاطبي في الموافقات \"٣/١٠٨\": النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى بيان المجمل والمبهم نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد. انتهى.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>القاعدة الثانية: النسخ يثبت بدليل ولا يثبت بالاحتمال</span>\nالأصل في الدليل أنه محكم غير منسوخ.\nوإذا جاء نصان ظاهرهما التعارض فلا يقال بنسخ أحدهما لمجرد التعارض لأن القول بالنسخ لمجرد التعارض هو احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.\nومما يعجب له: القول باحتمال نسخ الحديث لمخالفته لقول إمام من الأئمة، فهذا القول بطلانه لا شك فيه، وقد بين ابن حزم أن النسخ لا يثبت بالاحتمال في كتابه الإحكام فقال \"١/٤٩٧\": لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين..، ومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها، لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما، وبين دعوى غيره النسخ في آية ما أو حديث ما، وحديث آخر، وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه. انتهى.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>القاعدة الثالثة: لا يدخل النسخ في الأخبار أو القواعد الكلية</span>\nاستقرأ العلماء الأدلة الدالة على النسخ فوجدوا أن النسخ يدخل في الأحكام الشرعية الجزئية، ولا يدخل في الأخبار أو القواعد الكلية، قال الشاطبي في الموافقات \"٣/٧٨\": النسخ لا يكون في الكليات وقوعا","vol":"1","page":97},{"text":"وإن أمكن عقلا، ويدل على ذلك الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ وجد تحقيق هذا المعنى، فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها. انتهى.\nوقال الخطيب في الفقيه والمتفقه \"١/٨٥\": والنسخ لا يجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة وغيرهما من العبادات، وأما مالا يجوز إلا أن يكون على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله تعالى فلا يصح فيه النسخ وكذلك ما أخبر الله عنه من أخبار القرون الماضية والأمم فلا يجوز فيها النسخ وهكذا ما أخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم إلى الأرض ونحو ذلك فإن النسخ فيه لا يجوز. انتهى.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>القاعدة الرابعة: عدم جواز النسخ بالقياس</span>\nالكتاب والسنة هما الأصل في الاستدلال، والقياس إنما يؤخذ من دلالات الكتاب والسنة فهو تابع لهما، ولا يكون التابع ناسخًا للأصل والسلف الصالح لم يأت عنهم أبدًا نسخ النص بالقياس قال الخطيب في الفقيه والمتفقه \"١/٨٦\": ولا يجوز نسخ القياس، لأن القياس تابع لأصول ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها. انتهى.\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٢٨٨\": لأن القياس يستعمل","vol":"1","page":98},{"text":"مع عدم النص فلا يجوز أن ينسخ النص، ولأنه دليل محتمل، والنسخ يكون بأمر مقطوع. انتهى.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>القاعدة الخامسة: قبول قول الصحابي في النسخ</span>\nإذا قال الصحابي أن هذا الدليل منسوخ يقبل قوله، والدليل على هذا قول عائشة: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. أخرجه مسلم \"١٤٥٢\".","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>القاعدة السادسة: تأخر إسلام الصحابي لا يدل على النسخ</span>\nتأخر إسلام الصحابي لا يصح الاستدلال به على النسخ إذ يحتمل أن الصحابي الذي تأخر إسلامه سمع الحديث من صحابي آخر تقدم إسلامه فأرسل الحديث، وقد تعقب ابن حجر من ذهب إلى الاستدلال على النسخ بتأخر إسلام الصحابي فقال في الفتح \"٩/١٤٩\": وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدما. انتهى.\nوقال الشنقيطي في مذكرة في أصول الفقه \"١١١\": فلا يكون حديث المتأخر ناسخا لحديث متقدم الإسلام، لاحتمال أن يكون متقدم","vol":"1","page":99},{"text":"الإسلام روى الحديث بعد متأخر الإسلام ولا مانع من ذلك عقلا ولا عادة ولا شرعا، ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث أبي هريرة على حديث طلق من هذا الوجه. انتهى.\nقلت: وحديث أبي هريرة لفظه: \"من مسَّ ذكره فليتوضأ\". أخرجه الترمذي \"١/١٢٨\" وهو صحيح.\nوحديث طلق لفظه: أنه سئل النبي ﷺ عن مسِّ الذكر في الصلاة، فقال: \"هل هو إلا بضعة منك\". أخرجه أبو داود \"١٨٢\" والترمذي \"١/١٣١\" والنسائي \"١/١٠١\" وهو صحيح.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الجمع والترجيح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>القاعدة الأولى: الأحاديث المتعارضة يجمع بينهما ولا تطرح</span>\nأدلة الكتاب والسنة لا تعارض فيما بينها في حقيقة الأمر، ولكن التعارض يكون في ظاهرهما يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فإذا جاء دليلان أحدهما معارض للآخر فإما أن يجمع بينهما وإما أن يصار إلى الترجيح، ولا يقال: إذا تعارضا تساقطا، لأن الأدلة لا تسقط أبدا، ووجوه الترجيح كثيرة جدًا ذكرها العلماء في مصنفاتهم فمن لم يستطع الترجيح فلا يرد الأدلة بحجة التعارض بل يرجع إلى نفسه ويتهمها بالقصور في الفهم، وإلا فأين الدليلان الذين لا يمكن ترجيح أحدهما بهذه المرجحات الكثيرة، يقول الشافعي في الرسالة \"٢١٦\": ولم نجد حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج أو على أحدهما دلالة بأخذ ما وصفت إما بموافقة كتاب أو غيره من سنته أو بعض الدلايل. انتهى.\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٤٠٧\": الترجيح بين المتعارضين لا في نفس الأمر بل في الظاهر وقد قدمنا في المبحث الأول أنه متفق عليه ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح. انتهى.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>القاعدة الثانية: لا يجمع بين الدليلين إذا كان أحدهما لا يثبت</span>\nالعبرة في الجمع بين الدليلين المتعارضين هو ثبوتهما فإن كان أحدهما لا يثبت فلا عبرة به ولا يحتاج إلى أن يجمع بينه وبين الحديث الثابت، قال الجزائري في توجيه النظر \"٢٣٥\": الحديث المقبول إذا عارضه حديث غير مقبول أخذ بالمقبول وترك الآخر، إذ لا حكم للضعيف مع القوي. انتهى.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>القاعدة الثالثة: لا يجمع بين الدليلين المتعارضين بتأويل بعيد</span>\nيشترط لصحة الجمع بين الدليلين، أن لا يكون الجمع بينهما بتأويل بعيد يظهر فيه التكلف والتعسف، قال الجزائري في توجيه النظر \"٢٤٤\": وإنما شرطوا في مختلف الحديث أن لا يمكن فيه الجمع بغير تعسف، لأن الجمع مع التعسف لا يكون إلا بجمع الحديثين المتعارضين معًا، أو أحدهما على وجه لا يوافق منهج الفصحاء، فضلا عن منهج البلغاء في كلامهم فكيف يمكن حينئذ نسبة ذلك إلى أفصح الخلق وأبلغهم على الإطلاق؟ ولذلك جعلوا ذلك في حكم ما لا يمكن فيه الجمع، وقد ترك بعضهم هذا القيد اعتمادًا على كونه لا يخفى. انتهى.\nقلت: وكذلك لا ينبغي أن يرجح بين الحديثين المتعارضين بترجيح بعيد كالترجيح بموافقته للقياس، أو الترجيح بغير ذلك من الأمور البعيدة.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>القاعدة الرابعة: لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع</span>\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٤٠٧\": ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح. انتهى.\nقلت: وذلك لأن الجمع فيه إعمال الدليلين، والترجيح فيه إعمال لواحد من الدليلين على الآخر، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، قال ابن حزم في الإحكام \"١/١٦١\": إذا تعارض الحديثان، أو الآيتان، أو الآية والحديث، فيما يظن من لا يعلم، ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك، لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها، وكل من عند الله ﷿، وكل سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق. انتهى.\nوقال الشنقيطي في أضواء البيان \"٢/٤٠٧\": الجمع واجب إذا أمكن وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة. انتهى.\nقلت: ووجوه الجمع عديدة: فمنها أن يحمل الأمر على الندب، وأن تحمل الواقعة على التعدد، وأن يحمل اللفظ على غير معناه الأصلي كحمل \"الواو\" على معنى \"ثم\" لإرادة الترتيب، وأن يؤول أحد الدليلين. إلى غير ذلك من أوجه الجمع.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>معرفة دلالات الألفاظ الشرعية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>القاعدة الأولى: الواجب حمل الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة الشرعية:</span>\nبعض الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة تختلف دلالتها عن دلالتها في اللغة العربية، والواجب حملها على الحقيقة الشرعية فالوضوء في الشرع يطلق على الصفة المعروفة، وأما في اللغة فيطلق على غسل اليدين، فالواجب حمل \"الوضوء\" الوارد في الكتاب والسنة على الحقيقة الشرعية لا اللغوية.\nيقول شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٧/٢٨٦\": ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم.\nوقال أيضا في \"٧/١١٥\": ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن أو الحديث، أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده..، ولا يجوز أن يحمل كلامه ﷺ على عادات حدثت","vol":"1","page":104},{"text":"بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه. انتهى.\nوقال ابن القيم في أعلام الموقعين \"١/٢٦٦\": فحدود ما أنزل الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة. انتهى.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>القاعدة الثانية: النفي الوارد في الكتاب والسنة المراد به نفي الكمال الواجب وليس نفي الكمال المستحب</span>\nقال ابن تيمية في القواعد النورانية: فالنبي ﷺ أمر ذلك المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة، وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب، وأمره إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة، كما أمره بالركوع والسجود، وأمره المطلق على الإيجاب، وأيضا قال له: \"فإنك لم تصل\" فنفى أن يكون عمله الأول صلاة، والعمل لا يكون منفيًا إلا إذا كان انتفى شيء من واجباته، فأما إذا فعل كما أوجبه الله ﷿ فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التي ليست بواجبة، وأما ما يقوله بعض الناس: إن هذا نفي للكمال، فيقال له: نعم هو لنفي الكمال، لكن لنفي كمال الواجبات أو لنفي كمال المستحبات؟ فأما الأول: فحق، وأما الثاني: فباطل، لا يوجد مثل ذلك في كلام الله ﷿، ولا في كلام رسوله قط، وليس بحق، فأما الشيء إذا أكملت واجباته فكيف يصح نفيه؟ وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين، لأن كمال المستحبات من أندر الأمور، وعلى هذا فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته. انتهى.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>القاعدة الثالثة: دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله</span>\n...\nالقاعدة الثالثة: دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافتراقا في تفصيله\nقال ابن القيم في بدائع الفوائد \"٢/٣٥٦\": دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن وضعفها في موطن وتساوي الأمرين في موطن، فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله قويت الدلالة كقوله ﷺ \"الفطرة خمس\" وفي مسلم: \"عشر من الفطرة\" ثم فصلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان، لكن تلك المقدمات مصنوعتان، فليست الفطرة بمرادفة للسنة، ولا السنة في لفظ النبي ﷺ هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع، ومن ذلك قوله ﷺ: \"حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويستاك ويمس من طيب بيته\" فقد اشترك الثلاثة في إطلاق الحق عليه، إذا كان حقا مستحبا في اثنين منها كان في الثالث مستحبا.. وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله ﷺ: \"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة\" وقوله: \"لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده\" فالتعرض لدلالة الاقتران ههنا في غاية الفساد، فإن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها","vol":"1","page":106},{"text":"وغايتها منفردة عن الجملة الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراء ذلك..، وأما موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهرًا في التسوية وقصد المتكلم ظاهرًا في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح، والله أعلم. انتهى.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الأمر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>القاعدة الأولى: الأمر يدل على الوجوب</span>\nالأمر المجرد يدل على الوجوب إلا لقرينة صارفة، ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .\nفلو لم يكن الأمر للوجوب لما ترتب على تركه فتنة أو عذاب أليم. وقال ﵊: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة\" أخرجه البخاري \"٨٨٧\" ومسلم \"٣/١٤٢\".\nفلم يأمرهم حتى لا يشق عليهم، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه \"١/٦٨\" فدل على أنه لو أمر لوجب وشق. انتهى.\nوالقرائن التي تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب أربعة قرائن هي:\n١ - أن يكون الدليل الذي فيه الأمر ذكر معه تعليل يدل على أن ذلك الأمر للاستحباب، مثاله: حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: \"أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر\".","vol":"1","page":108},{"text":"أخرجه الترمذي \"١٥٤\" والنسائي \"١/٢٧٢\" وهو صحيح.\nفالتعليل بأن الإسفار أعظم للأجر، يدل على أن التغليس فيه أجر أيضا لكن دون الإسفار، فيكون الأمر للاستحباب.\n٢ - أن يأتي دليل آخر يدل على أن الأمر في الدليل الأول ليس للوجوب، مثاله: حديث أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه من الصحابة أن النبي ﷺ قال: \"إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته\".\nأخرجه الترمذي \"٢٧٢٢\" وصححه، وصححه أيضا الألباني في الصحيحة \"١٤٠٣\" فالأمر هنا بزيادة \"ورحمة الله وبركاته\" ليس للوجوب لحديث عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم فرد عليه ثم جلس فقال النبي ﷺ \"عشرٌ\" أي عشر حسنات.\nأخرجه أبو داود \"٥١٩٥\" والترمذي \"٢٦٩٠\" وهو صحيح.\nففي هذا الحديث لم يأمر النبي ﷺ الرجل بزيادة \"ورحمة الله وبركاته\" على قوله: \"السلام عليكم\" فدل هذا على أن الأمر في الحديث ليس للوجوب.\n٣ - أن يأتي من فعل النبي ﷺ ترك ذلك الأمر، مثاله حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم\".","vol":"1","page":109},{"text":"أخرجه أبو داود \"٣٨٧٨\" والترمذي \"٩٩٤\" وهو صحيح.\nففي هذا الحديث الأمر بلبس الثياب البيض، وقد جاء من فعل النبي ﷺ ترك هذا الأمر فعن أبي رمثة التميمي قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران.\nأخرجه أبو داود \"٤٠٩٥\" والترمذي \"٢٨١٣\".\n٤ - أن يأتي عن الصحابي الذي روى الحديث ما يدل على أن ذلك الأمر ليس للوجوب، فالراوي أدرى بما يرويه، وأعلم بفقه ما يحدث به من الأحاديث.\nوهذه القرائن الأربعة كما أنها تكون صارفة للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، كذلك تكون صارفة للنهي من التحريم إلى الكراهة.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>القاعدة الثانية: الأمر يقتضي الفور</span>\nالأمر المجرد عن القرائن يدل على الفور وسرعة الامتثال، لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .\nويدل على هذا أيضا ما جاء في قصة الحديبية أن النبي ﷺ لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: \"قوموا فانحروا ثم احلقوا\" فو الله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد غضب النبي ﷺ من ذلك كما في الحديث المتفق عليه.","vol":"1","page":110},{"text":"قال ابن القيم في زاد المعاد \"٣/٣٠٧\" بعد أن ذكر جملة من فوائد الحديث: ومنها: أن الأمر المطلق على الفور وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر. انتهى.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>القاعدة الثالثة: الأمر المطلق يقتضي التكرار</span>\nالأمر المطلق يقتضي التكرار في عرف الشرع بخلاف اللغة، وقد وضح هذا الأمر ابن القيم توضيحًا تامًا فقال في جلاء الأفهام \"٢٠٣\": الأمر المطلق يقتضي التكرار وهذا مختلف فيه، فنفى طائفة من الفقهاء والأصوليين وأثبته طائفة، وفرقت طائفة بين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت فأثبتت التكرار في المعلق دون المطلق والأقوال. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما، ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار كقوله: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على","vol":"1","page":111},{"text":"عرفه والمألوف من خطابه، وإن لم يكن ذلك مفهومًا من أصل الوضع في اللغة. انتهى.\nقلت: والأوامر المقيدة بشرط تُكَرَّر بِتَكَرُّر الشرط، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فالوضوء مقيد بالصلاة فبتكرار الصلاة يتكرر الوضوء.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>القاعدة الرابعة: الشيء الذي جاء الأمر بفعله على صفة معينة ولم يأت أمر بفعله ابتداء، فإن تلك الصفة تكون واجبة وابتداء ذلك الفعل ليس بواجب</span>\nهناك بعض الأوامر لم يأت أمر بابتداء فعلها ولكن جاء الأمر بفعلها بصفة معينة، فإن ذلك الأمر ابتداءه ليس بواجب، ولكن إذا ابتدأه المسلم فإنه يجب أن يأتي به على الصفة التي ورد الأمر بفعلها على تلك الصفة، لأن الأمر يدل على الوجوب، مثاله: حديث جابر أن النبي ﷺ قال: \"إذا استجمر أحدكم فليوتر\". أخرجه مسلم \"٢١٣\".\nفالاستجمار ليس بواجب إذ يجوز الاستنجاء بالماء بدل الاستجمار بالحجارة ولكن من أراد أن يستجمر فإنه يجب عليه أن يكون استجماره وترًا، للأمر بهذه الصفة على من أراد الاستجمار.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>القاعدة الخامسة: قول الصحابي \"أمرنا بكذا\" يدل على وجوب المأمور به</span>\nقول الصحابي: \"أمرنا بكذا\" أو \"أمرنا رسول الله ﷺ بكذا\" يدل على وجوب المأمور به لأن الصحابي أفهم وأعلم بالمراد لما يرويه، وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظ الرسول ﷺ، لاحتمال أن يكون سمع صيغة ظنها أمرا أو نهيا وليست كذلك في نفس الأمر.\nوقد تعقب هذا القول الصنعاني فقال في توضيح الأفكار \"١/٢٧١\": إن عملنا بمثل هذا الاحتمال لم تقبل إلا الرواية باللفظ النبوي وبطلت الرواية بالمعنى، ولا شك أن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته الأوضاع اللغوية أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي. انتهى.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>القاعدة السادسة: الأمر بعد الحظر يفيد ما كان عليه ذلك الشيء قبل ورود الأمر</span>\nصيغة الأمر إذا وردت بعد النهي فإنها تفيد ما كان عليه ذلك الشيء الذي ورد الأمر به قبل النهي، فإن كان للوجوب فهو للوجوب، وإن كان للاستحباب فهو للاستحباب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [النساء: ١٧٦] ففي هذه الآية الأمر بالصيد بعد الإحلال من","vol":"1","page":113},{"text":"الإحرام، والصيد أصله مباح فيرجع إلى ما كان عليه قبل الإحرام وهو الإباحة قال ابن كثير في تفسيره \"٢/٦،٧\" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [النساء: ١٧٦]\nوهذا أمر بعد الخطر، والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي: فإن كان واجبا ردَّه واجبا، وإن مستحبا فمستحب، أو مباحًا فمباح، ومن قال إنه على الوجوب ينتقض بآيات كثيرة، ومن قال إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول والله أعلم. انتهى.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>القاعدة السابعة: الخبر بمعنى الأمر يدل على الوجوب</span>\nالخبر الذي يكون بمعنى الأمر يترتب عليه ما يترتب على الأمر الصريح وهو الوجوب، وذلك لأن العبرة بالمعنى والمقصود، وليس العبرة باللفظ فقط، واللفظ الذي يدل على الوجوب لا يكون بصيغة \"الأمر\" فقط، فإن هناك ألفاظ تدل على الوجوب وليست بصيغة \"الأمر\" كلفظه \"حق\" ولفظه \"كتب\" وغير ذلك من ألفاظ.\nعن أم المؤمنين عائشة عن النبي ﷺ: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليه\".","vol":"1","page":114},{"text":"أخرجه البخاري \"١٩٥٢\" ومسلم \"١١٤٧\".\nقال الألباني\"١\" ما حاصله: أن هذا خبر بمعنى الأمر يدلُّ على وجوب الصيام على الولي للميت.\n_________\n١ سلسلة الهدى والنور \"رقم الشريط: ١٩\".","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>القاعدة الثامنة: إذا صرف الأمر من الوجوب فإنه يحمل على الاستحباب وليس على الإباحة</span>\nالأمر إذا صرف من الوجوب فإنه يحمل على الاستحباب ولا يحمل على الإباحة، لأن الاستحباب أقرب درجة إلى الوجوب من الإباحة، فيحمل على الأقرب ولا يحمل على الأبعد وهو الإباحة إلا بقرينه، فإن جاءت قرينة تدل على أن ذلك الأمر للإباحة حمل على الإباحة، وعلى هذا مشى الأئمة ﵏ فإنهم يقولون في الأمر المصروف عن الوجوب هذا أمر استحباب أو هذا أمر ندب، أو هذا أمر إرشاد وتأكيد، ولا يقولون هذا أمر إباحة إلا إذا أتت قرينة تدل على ذلك.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>القاعدة التاسعة: أمر الصحابي لا يحمل على الوجوب</span>\nإذا أمر الصحابي بأمر فلا يحمل الوجوب، لأن أمر الصحابي ليس كأمر النبي ﷺ، فأمر النبي ﷺ ورد ما يدل على وجوبه، وأمر الصحابي لم يأت ما يدل على وجوبه.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>القاعدة العاشرة: العدد الذي يحصل به تطبيق الأمر هو المرة الواحدة</span>\nالأمر إذا أطلق بغير عدد فإن أقل ما يحصل به تطبيق ذلك الأمر هو \"المرة الواحدة فقط\" كقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .\nففي هذه الآية وجوب غسل الوجه في الوضوء ويحصل هذا الوجوب بغسل الوجه مرة واحدة فقط، لأن هذا هو الأصل في تطبيق الأمر الذي يحدد بعدد، قال الشافعي في الرسالة \"١٦٤\": فكان ظاهر قول الله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أقل ما وقع عليه اسم الغسل وذلك مرة واحتمل أكثر، فسن رسول الله الوضوء مرة فوافق ذلك ظاهر القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل. انتهى.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>القاعدة الحادية عشر: القضاء يكون بأمر جديد ولا يكون بالأمر بالأداء</span>\nالقضاء يحتاج إلى أمر جديد غير \"أمر الأداء\" وذلك لأن الشارع لما جعل لتلك العبادة وقتًا محددًا وجب فعلها في ذلك الوقت، فلما خرج ذلك الوقت وكان المكلف غير مفرط لم يؤاخذ وسقط عنه ذلك الواجب، فإن كان مفرطًا فإنه يؤاخذ ولا ينفعه فعل العبادة بعد خروج وقتها، ما دام أنه كان مفرطًا.\nمثاله: زكاة الفطر وقتها قبل صلاة العيد فإذا خرج وقتها صارت","vol":"1","page":116},{"text":"قضاء والقضاء يحتاج إلى خطاب جديد من الشارع يدل على ذلك ولا دليل على أن زكاة الفطر تقضى إذا فات وقتها، سواء كان تركها عن تفريط أو عن جهل ونسيان.\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"١٥٩\": فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت فقيل لا يقتضي لوجهين:\nالأول: أن قول القائل لغيره إفعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول الأمر فعله في غيره وإذا لم يتناوله لم يدل عليه بنفي ولا إثبات.\nالثاني: أن أوامر الشرع تارة لا تستلزم وجوب القضاء وتارة تستلزمه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال فلا يلزم القضاء إلا بأمر جديد وهو الحق، وإليه ذهب الجمهور وذهب جماعة إلى أن وجوب القضاء يستلزمه بالأداء في الزمان المعين لأن الزمان غير داخل في الأمر بالفعل ورد بأنه داخل لكونه من ضروريات الفعل المعين وقته. انتهى.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>القاعدة الثانية عشر: الأمر الوارد عقب سؤال يكون بحسب قصد السائل:</span>\nالأمر الوارد عقب سؤال يأتي على حالتين:\nالحالة الأولى: أن يكون الأمر ورد عقب سؤال عن حكم ذلك الشيء، فيكون الأمر بحسب مقصود السائل، فإذا كان قصد السائل عن الإباحة وعدمها فالأمر ليس للوجوب وإنما هو لبيان المشروعية، وإن","vol":"1","page":117},{"text":"كان قصد السائل الوجوب وعدمه فالأمر للوجوب، مثاله حديث البراء بن عازب: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: \"توضؤا منها\" وسئل عن لحوم الغنم، فقال: \"لا توضئوا منها\" وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: \"لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين\" وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: \"صلوا فيها فإنها بركة\". أخرجه أبو داود \"١٨٤\" وهو صحيح.\nفالأمر بالوضوء من لحوم الإبل أمر إيجاب، لأن قصد السائل هو \"هل لحم الإبل ناقض للوضوء أم لا؟ \" وما كان ناقضًا للوضوء فيجب الوضوء منه، فيكون الأمر الوارد في الجواب يفيد الوجوب وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فلا يفيد الوجوب، لأن قصد السائل هو \"هل تشرع الصلاة في مرابض الغنم أم لا؟ \" فيكون الأمر الوارد في الجواب يفيد المشروعية، ولا يفيد الوجوب.\nالحالة الثانية: أن يكون الأمر ورد عقب سؤال عن الكيفية فإن كان أصل الكيفية واجب، فيكون الأمر للوجوب، وإن كان أصل الكيفية غير واجب فالأمر ليس على الوجوب، مثال الأول: \"وهو ما كان أصله واجب\" حديث كعب بن عجرة أنه قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: \"قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد..\". أخرجه البخاري \"٦٣٥٧\" فالصلاة على النبي ﷺ في التشهد واجبة، فيكون الأمر هنا للوجوب.","vol":"1","page":118},{"text":"ومثال الثاني: \"وهو ما كان أصله غير واجب\" حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم\" قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: \"قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون\". أخرجه مسلم \"٩٧٤\".\nفأصل الدعاء عند زيارة القبر ليس فيه دليل يدل على وجوبه، فيكون الأمر هنا ليس للوجوب.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>النهي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>القاعدة الأولى: النهي يدل على التحريم</span>\nالأصل في النهي التحريم إلا لقرينة، والدليل على ذلك قوله ﷺ: \"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه\".\nأخرجه مسلم \"١٣٣٧\".\nقال الشافعي كما في الفقيه والمتفقه \"١/٦٩\": أصل النهي من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو محرم حتى تأتي عليه دلالة تدل على أنه عنى به غير معنى التحريم إما أراد به نهيا عن بعض الأمور دون بعض وإما أراد به النهي للتنزيه للمنهي عنه والأدب والاختيار ولا يفرق بين نهي رسول الله ﷺ أو أمر لم يختلف فيه المسلمون فنعلم أن المسلمين كلهم لا يجهلون سنته وقد يمكن أن يجهلها بعضهم. انتهى.\nقلت: وفي كلام الشافعي ﵀ تنبيه دقيق إلى أن قول جمهور العلماء لا يصلح أن يكون صارفًا للنهي حتى يجمعوا على ذلك، فما يوجد في بعض المصنفات من صرف للنهي عن التحريم بقول أكثر العلماء ليس بصواب، وأيضا استبعاد العقل أن يكون ذلك النهي للتحريم لا","vol":"1","page":120},{"text":"يصلح هذا صارفًا بل لا بد من نص من السنة يدل على ذلك، وكذلك الأوامر الشرعية هي مثل النهي تمامًا.\nوالتفريق بين النهي الوارد في العبادات والمعاملات فيفيد التحريم، والنهي الوارد في الآداب فلا يفيد التحريم تفريق ليس عليه دليل، بل الأدلة الواردة عامة في اجتناب كل نهي من غير تفريق فيبقى العمل بها على عمومها من غير تفريق.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>القاعدة الثانية: النهي يدل على الفساد</span>\nالنهي يدل على فساد المنهي وبطلانه وعلى هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه رد نكاح رجل تزوج امرأة وهو محرم. أخرجه البيهقي في الكبرى \"٧/٤٤١\"\nوثبت عن معاوية أنه فرق بين الرجل وامرأته في نكاح الشغار. أخرجه أبو داود \"٢٠٧٥\"\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٩/٢٨٢\": وإنما الشارع دل الناس بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وبقوله في عقود \"هذا لا يصح\" علم أنه فساد، كما قال في بيع مدين بمد تمرا \"لا يصح\" والصحابة والتابعون وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود بمجرد النهي، كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور في القرآن، وكذلك فساد عقد الجمع بين الأختين..، وكذلك","vol":"1","page":121},{"text":"الصحابة استدلوا على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه فهو من الفساد ليس من الصلاح فإن الله لا يحب الفساد ويحب الصلاح، ولا ينهى عما يحبه وإنما ينهى عما لا يحبه، فعلموا أن النهي عنه فاسد ليس بصالح، وإن كانت فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته. انتهى.\nقلت: وهذه المسألة تحتاج إلى بيان أمور:\n- الأمر الأول:\nما نهي عنه على الدوام وتعلق في بعض الأوقات بفعل مأمور به، فهذا لا يدخل في قاعدة \"النهي يدل على الفساد\" ويكون الفعل المأمور صحيحا، ومثاله: لبس الحرير منهي عنه والصلاة مأمور بها، فلو صلى شخص وعليه ثوب حرير لم تبطل صلاته، لأن النهي عن لبس الحرير ليس متعلق بالصلاة، بل هو نهي على الدوام والإطلاق، لكن لو جاء النهي في الشرع عن الصلاة في الثوب الحرير، لبطلت صلاة من صلى في ثوب حرير.\n- الأمر الثاني:\nلا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون لذاته أو لغيره، وذهب الحنفية والشافعية إلى التفريق بين أن يكون المنهي عنه لذاته فهو فاسد وبين أن يكون لغيره فهو غير فاسد، وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا التقسيم فقال كما في مجموع الفتاوى \"٢٩/٢٨٨\": فالجمع بين الأختين نهي عنه لإفضائه إلى قطيعة الرحم، والقطيعة أمر خارج عن","vol":"1","page":122},{"text":"النكاح، والخمر والميسر حرما وجعلا رجسًا من عمل الشيطان لأن ذلك يفضي إلى الصد عن الصلاة وإيقاع العداوة، والربا حرام لأن ذلك يفضي إلى أكل المال الباطل، وذلك أمر خارج عن عقد الميسر والربا، فكل ما نهى الله عنه لا بد أن يشمل على معنى فيه يوجب النهي، ولا يجوز أن ينهى عن شيء لا لمعنى فيه أصلًا، بل لمعنى أجنبي عنه، فإن هذا من جنس عقوبة الإنسان بذنب غيره والشرع منزه عنه..، ثم من هؤلاء الذين قالوا: إن النهي قد يكون لمعنى في المنهي عنه، وقد يكون لمعنى في غيره، من قال: إنه قد يكون لوصف في الفعل لا في أصله، فيدل على صحته، كالنهي عن صوم يومي العيدين قالوا: هو منهي عنه لوصف العيدين: قالوا: هو منهي عنه لوصف العيدين لا لجنس الصوم، فإذا صام صح، لأنه سماه صومًا، فيقال لهم: وكذلك الصوم في أيام الحيض، وكذلك الصلاة بلا طهارة، وإلى غير القبلة جنس مشروع، وإنما النهي لوصف خاص وهو الحيض والحدث واستقبال غير القبلة، ولا يعرف بين هذا وهذا فرق معقول له تأثير في الشرع. انتهى.\n- الأمر الثالث:\nلا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون في العبادات والمعاملات، وعلى هذا جرى فهم الصحابة، فقد ردَّ عمر نكاح المحرم ورد معاوية نكاح الشغار كما تقدم.\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"١٦٧\": والحق أن كل نهي من","vol":"1","page":123},{"text":"غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيا ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك فيكون هذا الدليل قرينة صارفة له. انتهى.\nقلت: لكن ما كان من المناهي متعلقا بحق العبد وليس متعلقا بحق الله وأجازه العبد صح ولم يفسد، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٩/٢٨٢\": لكن من البيوع ما نهي عنه لما فيها من ظلم أحدهما للآخر، كبيع المصراة، والمعيب، وتلقي السلع، والنجش ونحو ذلك، ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع لازمة كالبيوع الحلال، بل جعلها غير لازمة، والخيرة فيها إلى المظلوم، إن شاء أبطلها وإن شاء أجازها، فإن الحق في ذلك له، والشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما نهي عن الفواحش. انتهى.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>القاعدة الثالثة: النهي الوارد عقب سؤال إفادته على حسب ما يقصده السائل</span>\nالنهي الوارد عقب سؤال إنما تفيد دلالته على حسب مقصود السائل، فإن كان مقصود السائل بسؤاله هو الإباحة وعدمها فيفيد النهي التحريم، وإن كان مقصود السائل هو الوجوب وعدمه فيفيد النهي عدم الوجوب ولا يفيد التحريم، مثاله حديث البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: \"توضؤا منها\" وسئل عن","vol":"1","page":124},{"text":"لحوم الغنم، فقال: \"لا توضؤا منها\" وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: \"لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين\".\nأخرجه أبو داود \"١٨٤\" وهو صحيح.\nفالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها، لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقض للوضوء أم لا؟ والشيء إذا كان ناقضًا للوضوء يجب الوضوء منه وإذا لم يكن ناقضًا فلا يجب، فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم.\nوأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها، لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح؟ فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يباح الصلاة فيها.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>العام والخاص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>القاعدة الأولى: الأصل أن التنصيص على بعض أفراد العام بالذكر لا يعني تخصيص النص العام بذلك المذكور إلا لقرينه</span>\nإذا جاء نص عام وجاء في نص آخر ذكر بعض أفراده فإن الأصل في ذكر ذلك الفرد التخصيص لأن ألفاظ الشرع مراده ومقصودة لذاته فلا يخرج عن هذا الأصل إلا بقرينه ومثال ذلك.\nعن عائشة أم المؤمنين قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان\".\nأخرجه مسلم \"٥٦٠\".\nفهذا الحديث يعم كل طعام سواء كان غداء أم عشاء، وجاء في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء\".\nأخرجه البخاري \"٦٧٣\" ومسلم \"٥٥٩\".\nفجاءت قرينه هنا تدل على أن فذكر العشاء هنا ليس تخصيصًا للفظ العام في حديث عائشة، وإنما هو ذكر لبعض أفراد العام ولذلك ما كان","vol":"1","page":126},{"text":"الصحابة يخصصون الحكم بطعام العشاء بل كانوا يعممون الحكم. قال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٢٠٢\": ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، ومثال ذلك قوله ﷺ: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" مع قوله ﷺ في حديث آخر في شاة ميمونة: \"دباغها طهورها\" فالتنصيص على الشاة في الحديث الآخر لا يقتضي تخصيص عموم \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" لأنه تنصيص على بعض أفراد العام بلفظ لا مفهوم له. انتهى.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>القاعدة الثانية: الأصل في العام العمل به على عمومه حتى يوجد المخصص</span>\nإذا ورد النص العام فإن الصحابة كانوا يعملون به على عمومه حتى يطلعوا له على مخصص، وليس أنهم كانوا يتوقفون في النص العام ويبحثون عن المخصص فإن لم يجدوا المخصص عملوا بعد ذلك بالنص العام.\nفإنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] حملها الصحابة على عمومها حتى قالوا: أينا لم يظلم نفسه، حتى يبن لهم النبي ﷺ أن الظلم هنا ليس على عمومه وإنما المراد به الشرك.\nقال الشافعي في الأم \"٧/٢٦٩\": وكذلك ينبغي لمن سمع الحديث أن يقول به على عمومه وجملته، حتى يجد دلالة يفرق منها فيه. انتهى.\nوقال الشنقيطي في المذكرة \"٢١٧\": حاصله أن التحقيق ومذهب","vol":"1","page":127},{"text":"الجمهور وجوب اعتقاد العموم والعمل من غير توقف على البحث عن المخصص، لأن اللفظ موضوع للعموم فيجب العمل بمقتضاه، فإن اطلع على مخصص عمل به. انتهى.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>القاعدة الثالثة: لا يشرع العمل بالنص العام على عمومه إن لم يجر عمل السلف بالعمل به على عمومه</span>\nلا شك أن السلف الصالح أفهم لدلالة الكتاب والسنة، فإذا جاء نص عام ولم يعمل السلف بذلك النص على عمومه وإنما عملوا ببعض أفراده فلا يشرع العمل به على عمومه إذ لو كان يشرع العمل على عمومه لسبقنا السلف الصالح إلى ذلك، قال الشاطبي في الموافقات \"٣/٥٦\" كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائمًا، أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما، أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاثة أقسام:\nأحدهما: أن يكون معمولًا به دائما أو أكثريا، فلا إشكال في الاستدلال به، ولا في العمل على وِفْقِه، وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم، كان الدليل مما يقتضي إيجابًا أو ندبًا أو غير ذلك من الأحكام، كفعل النبي ﷺ مع قوله في الطهارات والصلوات على تنوعها من فرض أو نفل، والزكاة بشروطها والضحايا، والعقيقة، والنكاح، والطلاق، والبيوع، وسواها من الأحكام التي جاءت في الشريعة وبينها عليه الصلاة","vol":"1","page":128},{"text":"والسلام بقوله أو فعله أو إقراره، ووقع فعله وفعل صحابته معه أو بعده على وِفْقِ ذلك دائمًا أو أكثريًا.\nالثاني: أن لا يقع العمل به إلا قليلًا، أو في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال، ووقع إيثاره غيره والعمل به دائمًا أو أكثريًا، فذلك الغير هو السنة المتبعة والطريق السابلة، وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلا، فيجب التثبت فيه وفي العمل على وفقه والمثابرة على ما هو الأعم والأكثر، فإن إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل: إما أن يكون لمعنى شرعي، أو لغير معنى شرعي، وباطل أن يكون لغير معنى شرعي، فلا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به، وإذا كان كذلك فقد صار العمل على وفق القليل، كالمعارض للمعنى الذي تحروا العمل على وفقه، وإن لم يكن معارضًا في الحقيقة، فلا بد من تحري ما تحروا وموافقة ما داوموا عليه.\nوالقسم الثالث: أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال، فهو أشد من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البتة، إذ لو كان دليلا لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين، ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له، انتهى ملخصا.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>القاعدة الرابعة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب</span>\nالنص العام الوارد بخصوص سبب من الأسباب، فإنه يعمل به على عمومه ولا يخصص بذلك السبب، وعلى هذا جرى فهم الصحابة رضوان الله عليهم، فقد سأل قوم النبي ﷺ أنهم يركبون البحر ومعهم ماء لا يكفي إلا للشرب فقال: \"هو الطهور ماؤه\".\nوقد أفتى بهذا العموم جمع من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وابن عباس مع أن العموم كان واردًا على سبب وهو حاجتهم إلى الماء للشرب إذا ركبوا البحر.\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٢٠١\": وهذا المذهب هو الحق الذي لا شك فيه، لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع وهو عام ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة ولم يأت أحد من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك، وإذا ورد في بعض المواطن ما يقتضي قصر ذلك العام الوارد فيه على سببه لم يجاوز به محله بل يقصر عليه، ولا جامع بين الذي ورد فيه بدليل يخصه وبين سائر العمومات الوردة على أسباب خاصة حتى يكون ذلك الدليل في الموطن شاملًا لها. انتهى.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>القاعدة الخامسة: ترك الاستفصال في مكان الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال</span>\nهذه القاعدة أصلها الإمام الشافعي، ومن أدلة هذه القاعدة حديث غيلان الثقفي أنه أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له النبي ﷺ: \"أمسك أربعًا وفارق سائرهن\".\nوهو حديث صحيح أخرجه الترمذي \"١١٢٨\" وابن ماجة \"١٩٥٣\".\nووجه الدلالة من الحديث كما قال السمعاني في قواطع الأدلة \"١/٢٢٥\": لم يسأله عن كيفية العقد هل عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة واحدة فكان إطلاقه القول من غير استفصال حال دليلًا دالًا على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود عليهم معًا أو توجد العقود متفرقة عنهن ثم قال..: فنحن ندعي العموم في كل ما يظهر فيه استفهام الحال ويظهر من الشارع إطلاق الجواب فلا بد أن يكون الجواب مسترسلًا في الأحوال كلها وعلى أنه وجه الدليل واضح من خبر غيلان بن سلمة في الأحوال كلها، فإن النبي ﷺ قال له: \"أمسك أربعًا\" فأجملهن ولم يخصص في الإمساك أوائل عن أواخر أو أواخر عن أوائل وفوض الأمر إلى اختيار من أسلم. انتهى.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>القاعدة السادسة: الصورة النادرة داخلة في العموم</span>\nعمل الصحابة يدل أن الصورة النادرة داخلة في العام والمطلق،","vol":"1","page":131},{"text":"وذلك لأنهم ما كانوا يستثون الصورة النادرة من الدليل العام في مسألة ما، قال الشنقيطي في أضواء البيان \"٤/١٧٤\": الذي يظهر رجحانه بحسب المقرر في الأصول شمول العام والمطلق للصورة النادرة، لأن العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أو سنة، وإذا تقرر أن العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد فحكم الظاهر العمل به إلا بدليل يصح للتخصيص، وقد كان الصحابة ﵃ يعملون بشمول العمومات من غير توقف وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى: ﴿ومَاجَعلْنَا لبَشَرٍ مِنْ قَبلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] الآية، وعموم قوله ﷺ: \"أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد\" هو الصحيح، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص، ومما يوضح ذلك، أن الخنثى صورة نادرة جدًا، مع أنه داخل في عموم آيات المواريث والقصاص، وغير ذلك من عموم الأدلة. انتهى.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>القاعدة السابعة: ليس كل عام قد دخله التخصيص</span>\nالقول بأنه ما من عام إلا وقد خُصَّ ليس بصحيح لأنه ليس عليه دليل فإن هناك عمومات لم يدخلها التخصيص، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٦/٤٤٢\": من الذي يسلم أن أكثر العمومات مخصوصة؟ أم من الذي يقول ما من عموم إلا وقد خص إلا قوله:","vol":"1","page":132},{"text":"﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؟ فإن هذا الكلام وإن كان يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده، والظن بمن قاله: أنه إنما عنى أن العموم من لفظ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ مخصوص إلا في مواضع قليلة، كما يقول تعالى: ﴿تُدَمَّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وإلا فأي عاقل يدعي هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنة، وأنت إذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا مخصوصة. انتهى.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>القاعدة الثامنة: يقدم الخاص على العام مطلقًا سواء كان العام متقدما أو متأخرًا</span>\nالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقدمون الخاص على العام مطلقا ولا ينظرون فيها إذا كان العام متقدما على الخاص أو متأخرًا عنه، ومن الأدلة على ذلك حديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ أنها جاءت تطلب ميراثها وذلك لعموم الأدلة الوردة في ميراث الأبناء من آبائهم، فلم يعطها أبو بكر الصديق شيئًا واحتج لقوله ﷺ: \"ما نورث ما تركنا صدقة\". أخرجه البخاري \"٣٠٩٢، ٣٠٩٣\".\nولم ينظر أبو بكر الصديق هل العام جاء بعد الخاص أم لا؟ .\nقال الشنقيطي في المذكرة \"٢٢٣\": ومن تتبع قضاياهم \"أي الصحابة\" تحقق ذلك عنهم. انتهى.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>القاعدة التاسعة: العام الذي دخله التخصيص يجب العمل بما بقي من عمومه</span>\nالعام الذي دخله التخصيص، فإن العمل بما بقي من عمومه واجب لا يجوز تركه، على هذا جرى الصحابة في وقائع كثيرة، قال السمعاني في قواطع الأدلة \"١/١٧٥، ١٧٨\": العموم إذا خص لم يصر مجازا فيما بقي، بل هو على الحقيقة فيه، والاستدلال به صحيح فيما عدا المخصوص، ولا فرق عندنا بين أن يكون التخصيص بدليل متصل باللفظ أو دليل منفصل، وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يصيرا مجازا متصلا كان الدليل المخصص أو منفصلا..، وقد ورد عن الصحابة التعلق بالعموم المخصوص، فإن عليا ﵁ قال في الجمع بين الأنشتين المملوكتين في الوطأ أحلتهما آية وحرمتهما آية وقد روي عن عثمان ﵁ مثل ذلك، وعنيا بقولهما أحلتهما آية قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٠] ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] مخصوص منه البنت والأخت، واحتج ابن عباس ﵄ في قليل الرضاع بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٠] وقال قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، وإن كان التحريم بالرضاع يحتاج إلى شروط، وذلك يوجب تخصيص الآية، ولا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة. انتهى.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>القاعدة العاشرة: السياق من المخصصات للعموم</span>\nذكر الإمام الشافعي من أبواب العام والخاص في كتابه الرسالة \"٦٢\": باب: الصنف الذي يبين سياقه معناه:\nثم قال: قال الله ﵎: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] .\nفابتدأ جَلَّ ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: الآية، أدل على أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون. انتهى.\nوعن البراء بن عازب قال: خرج رسول الله ﷺ يعني من مكة فتبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فاحتملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي","vol":"1","page":135},{"text":"وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: \"الخالة بمنزلة الأم\". أخرجه البخاري \"٢٦٩٩\".\nقال ابن دقيق العيد في كتاب الإحكام \"٤/٨٢\": قوله ﵇: \"الخالة بمنزلة الأم\" سياق الحديث يدل على أنها بمنزلتها في الحضانة وقد يستدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم في الميراث إلا أن الأول أقوى، فإن السياق طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه. انتهى.\nوقال أيضا ابن دقيق العيد كما في إرشاد الفحول \"٢٤٢\": ولا يشتبه عليك التخصيص بالقرائن بالتخصيص بالسبب كما اشتبه على كثير من الناس فإن التخصيص بالسبب غير مختار فإن السبب وإن كان خاصًا فلا يمنع أن يرد لفظ عام يتناوله وغيره كما في ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولا ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا بخلاف السياق فإنه يقع به التبيين والتعيين أما التبيين ففي المجملات وأما التعيين ففي المحتملات وعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات تجد منه ما لا يمكنك حصره. انتهى.\nقال الشوكاني عقبه: والحق أن دلالة السياق إن قامت مقام القرائن القوية المقتضية لتعيين المراد كان المخصص هو ما اشتملت عليه من ذلك، وإن لم يكن السياق بهذه المنزلة ولا أفاد هذا المفاد فليس بمخصص. انتهى.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>القاعدة الحادية عشر: لا يصح تخصيص العام بالعرف سواء كان العرف قوليا أو عمليا</span>\nجريان عمل السلف الصالح يدل على أنهم ما كانوا يخصصون الأدلة الشرعية العامة بالعرف سواء كان العرف قوليا أو عمليا: لأنه مما لاشك فيه أن من الأمصار من كان لها عرفا يخالف العموم، ومع ذلك لم يكونوا يلتفتون إلى ذلك العرف، قال السمعاني في قواطع الأدلة \"١/١٩٣\": وأما التخصيص بالعرف والعادة فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به، لأن الشرع لم يوضع على العادة، وإنما وضع على ما أراد الله تعالى، ولا معنى للرجوع إلى العادة في شيء من ذلك. والله أعلم. انتهى.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>القاعدة الثانية عشر: قول الصحابي قد يخصص العام</span>\nالأصل أن الصحابي لا يترك العام ويعمل بخلافه إلا لقرينة ثبتت عنده تصلح للتخصيص فالصحابي أدرى بمراد الشرع وأفهم للمقصود من الدليل، قال شيخ الإسلام كما في اقتضاء الصراط المستقيم \"٢٧٦\": يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>القاعدة الثالثة عشر: لا يصلح تخصيص العام بالعقل</span>\nالعام لا يخصص بالعقل وإنما يخصص بالدليل، ولذلك لم يكن الصحابة يخصصون العموم إلا بنص ولا يخصصونه بالعقل، وحجة من قال أن العموم يخصص بالعقل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ﴾ [الأحقاف: ٢١] ومعلوم بالعقل أنها لم تدمر كلَّ ما على الأرض، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومعلوم أن صفات الله غير مخلوقة.\nوالجواب: أن هذا ليس من باب تخصيص العام بالعقل، وإنما هو من باب العموم الذي يراد به الخصوص، وعليه فلا يصح الاستدلال بهذه الآيات ونحوها على تخصيص العام بالعقل.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>القاعدة الرابعة عشر: لا يصح تخصيص العام بالقياس</span>\nالقياس باب من أبواب الاجتهاد، والاجتهاد لا يخصص به العام، لأن الاجتهاد يتطرق إليه احتمال الخطأ، وما يطرق إليه احتمال الخطأ لا يغير النص ولا يخرجه عن عمومه، ولأن العموم أصل والقياس فرع، والفرع لا يغير الأصل، ولذلك لم يأت عن الصحابة تخصيص نص من النصوص العامة بالقياس.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>القاعدة الخامسة عشر: كما أنه لا يشرع إطلاق ما دل الدليل على تقييده كذلك لا يشرع تقييد ما دل الدليل على أنه مطلق</span>\nتقييد ما دل الدليل على أنه مطلق لا يشرع لأنه تغيير لحكم الله، فمثلا بعض الأذكار المطلقة الغير مقيدة لا يشرع للمسلم أن يقيدها بوقت من الأوقات أو بزمن من الأزمنة بل يعمل بها على إطلاقها من غير تقييد لها، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/١٩٦\": قاعدة شريفة: شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعا بوصف الخصوص والتقييد، فإن العام والمطلق لا يدل على ما يخص بعض أفراده ويقيد بعضها، فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعا..، مثال ذلك: أن الله دعاءه وذكره شرعًا مطلقا عامًا، فقال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ونحو ذلك من النصوص، فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معين، أو زمان معين أو الاجتماع لذلك تقييد للذكر والدعاء لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده. انتهى.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>القاعدة السادسة عشر: الخطاب الموجه للرسول ﷺ عام لجميع الأمة إلا إذا دل دليل على التخصيص</span>\nالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون من الخطاب الموجه للرسول ﷺ أنه عام لجميع الأمة، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] .\nقال ابن عباس: في الحرام يُكَفَّر، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أخرجه البخاري \"٤٩١١\".\nيقصد ابن عباس الآية المذكورة في خطاب النبي ﷺ وهي في أول سورة التحريم، فهي خطاب للنبي ﷺ وقد فهم منها ابن عباس أن حكمها لجميع الأمة.\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٢/٣٢٢\": ولهذا كان جمهور علماء الأمة أن الله إذا أمره بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك، ما لم يقم دليل اختصاصه. انتهى.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>القاعدة السابعة عشر: خطاب الشارع للواحد خطاب لجميع الأمة</span>\nالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون من خطاب الشارع للواحد منهم أنه لجميع الأمة، ومن الأدلة على هذا حديث معاذ بن جبل","vol":"1","page":140},{"text":"أن النبي ﷺ قال له: \"يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\" فأوصى معاذ بهذا الذكر الراوي عنه وهو الصنابحي. أخرجه أبو داود \"١٥٢٢\".\nفهذا الخطاب كان موجها لمعاذ ولم يفهم منه معاذ أن ذلك خاص به فقط.\nقال الشوكاني في إرشاد الفحول \"١٩٤\" على هذه القاعدة: والحاصل في هذه المسألة على ما يقتضيه الحق ويوجبه الإنصاف عدم التناول لغير المخاطب من حيث الصيغة، بل بالدليل الخارجي، وقد ثبت عن الصحابة فمن بعدهم الاستدلال بأقضيته الخاصة بالواحد أو الجماعة المخصوصة على ثبوت مثل ذلك لسائر الأمة.. إلى أن يقوم الدليل الدال على اختصاصه بذلك. انتهى.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>القاعدة الثامنة عشر: دخول النساء في الخطاب الموجه للذكور</span>\nدخول النساء في الخطاب الموجه للذكور دلَّ عليه الاستقراء، يقول شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٦/٤٣٧\": وقد عهدنا من الشارع في خطابه أنه يعم القسمين ويدخل النساء بطريق التغليب، وحاصله أن هذه الجموع تستعملها العرب تارة في الذكور المجردين وتارة في الذكور والإناث، وقد عهدنا من الشارع أن خطابه المطلق يجري","vol":"1","page":141},{"text":"على النمط الثاني، وقولنا: المطلق احتراز من المقيد مثل قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ [التوبة: ٦٩] . انتهى.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>القاعدة التاسعة عشر: الاستثناء الوارد بعد عدة جمل يرجع إلى جميع الجمل</span>\nاستقرأ شيخ الإسلام ابن تيمية نصوص الشرع فوجد أن الاستثناء الوارد بعد عدة جمل يرجع إلى جميع الجمل إلا إذا أتت قرينة تدل على أن الاستثناء يرجع للجملة الأخيرة، فقد قال في مجموع الفتاوى \"٣١/١٦٧\": وقد ثبت بما روي عن الصحابة أن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٥٤] في آية القذف عائد إلى الجملتين، وقال النبي ﷺ: \"لا يؤمَنَّ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه\" وهذا كثير في الكتاب والسنة، بل من تأمل غالب الاستثناءات الموجودة في الكتاب والسنة التي تعقبت جملا وجدها عائدة إلى الجميع، هذا في الاستثناء فأما في الشرط والصفات فلا يكاد يحصيها إلا الله، وإذا كان الغالب على الكتاب والسنة وكلام العرب عود الاستثناء إلى جميع الجمل فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب. انتهى.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>القاعدة العشرون: الأصل أن حكاية الفعل تدل على العموم</span>\nقول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة وقضى بالشفعة فيما","vol":"1","page":142},{"text":"لم يقسم ونحو ذلك يقتضي العموم، قال العلامة الأمين الشنقيطي في كتابه مذكرة في أصول الفقه \"٢٥٣\": واقتضاؤه العموم هو الحق لأن الصحابي عدل عارف فلا يروي ما يدل على العموم إلا وهو جازم بالعموم، والحق جواز الحديث بالمعنى، وعدالة الصحابي تنفي احتمال منافاة حكاية لما حكى كما هو ظاهر. انتهى.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المفهوم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>القاعدة الأولى: مفهوم الموافقة حجة</span>\nالأدلة الشرعية تأتي أحيانًا بحكم ويكون مالم يذكر مع الحكم في ذلك الدليل مثل الحكم المنصوص عليه أو يكون ما لم يذكر أولى مما ذكر، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يدل على أن الضرب أولى بالمنع وعلى هذا جرى فهم السلف، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢١/٢٠٧\": بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا وقال أيضا \"ص: ٢٠٩\": وكذلك إذا نهى عن قتل الأولاد للإملاق فنهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى وأحرى، فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة إلى المعرفة، وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم، فتخصيص القميص \"أي في الحج\" دون الجلباب، والعمائم دون القلانس، والسراويلات دون التبابين هو من هذا الباب، لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أذن فيه. انتهى.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>القاعدة الثانية: مفهوم المخالفة حجة</span>\nالعمل بمفهوم المخالفة قد عمل به الصحابة وأقره النبي ﷺ فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس! فقال: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: \"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\".\nأخرجه مسلم \"٦٨٦\".\nفالآية تدل على أن القصر في السفر يكون من أجل الخوف، ومفهوم المخالفة أن المسافر لا يقصر الصلاة إذا كان آمنًا، ولم ينكر النبي ﷺ على عمر العمل بمفهوم المخالفة وإنما بين له أن مفهوم المخالفة لا يعمل به هنا في هذه الآية.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>القاعدة الثالثة: إذا دل الدليل على أن ما خص بالذكر ليس مختصا بالحكم لم يكن مفهوم المخالفة حينئذ حجة</span>\nقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ٧] فتخصيص وصف اللحم بكونه طريا لا يدل على أن غير الطري محرم، وذلك لأن التخصيص هنا بذكر \"الطري\" ليس لكونه مختصًا بالحكم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الأسباب التي تدل على أن التخصيص","vol":"1","page":145},{"text":"بالذكر سبب غير التخصيص بالحكم كما في مجموع الفتاوى \"٣١/١٣٨\": إما عدم قصد بيان حكمه، أو كون المسكوت أولى بالحكم منه، أو كونه مساويًا له في بادئ الرأي، أو كونه سئل عن المنطوق، أو يكون قد جرى بسبب أوجب بيان المنطوق، أو كون الحاجة داعية إلى بيان المنطوق، أو كون الغالب على أفراد ذلك النوع هو المنطوق، فإذا علم أو غلب على الظن أن لا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها علم أنه إنما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم. انتهى.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الاحكام التكليفية (الواجب)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>مدخل</span>\n...\nالأحكام التكليفية\nالمراد بالحكم التكليفي هو خطاب الشرع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير.\nوكلمة \"اقتضاء\" معناها الطلب بالفعل أو الترك.\nوالحكم التكليفي خمسة أقسام هي:\n١ - الواجب: وهو ما يلزم المكلف فعله فيثاب على فعله ويعاقب على تركه.\n٢ - المندوب: وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.\n٣ - المحرم: وهو ما يلزم المكلف تركه فيعاقب على فعله.\n٤ - المكروه: وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.\n٥ - المباح: هو ما لا يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.\nوإليك بيان قواعدها بالتفصيل:","vol":"1","page":147},{"text":"الواجب\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>القاعدة الأولى: الفرق بين الواجب والفرض ليس بصحيح</span>\nالحنفية يفرقون بين الواجب والفرض، فالواجب عندهم ما ثبت بدليل ظني \"أي بخبر الآحاد\".\nوالفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي \"أي بالخبر المتواتر\".\nوهذا التفريق خلاف ما كان عليه السلف الصالح فإنهم ما كانوا يفرقون بين الواجب والفرض، بل كان الواجب والفرض عندهم بمنزلة واحدة وذلك لأنهم لم يكونوا يفرقون بين الآحاد والمتواتر من ناحية العمل بهما.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>القاعدة الثانية: الواجب الذي ليس له وقت محدد يجب المبادرة إلى فعله</span>\nقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .\nيدل على وجوب المبادرة إلى أداء ما أوجبه الشارع ولم يجعل له وقتا محددًا كقضاء الصيام والنذر، للأمر بذلك، قال الشاطبي في","vol":"1","page":148},{"text":"الموافقات \"١/١١٠\": وأما المقيدة بوقت العمر فإنها لما قيد آخرها بأمر مجهول، كان ذلك علامة على طلب المبادرة والمسابقة في أول أزمنة الإمكان، فإن العاقبة مغيبة فإذا عاش المكلف في مثله ما يُؤديِّ ذلك المطلوب، فلم يفعل مع سقوط الأعذار عُدَّ ولا بدَّ مفرِّطًا، وأثمه الشافعي لأن المبادرة هي المطلوب، لا أنه على التحقيق مخير بين أول الوقت وآخره، فإن آخره غير معلوم وإنما المعلوم منه ما في اليد الآن. انتهى.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>القاعدة الثالثة: الواجب إذا لم يكن الإتيان بتمامه فإن المسلم يأتي بما يستطيع منه</span>\nالواجب الذي لا يمكن الإتيان بتمامه فإن المكلف يأتي بما يستطيع من ذلك الواجب، كالذي لا يستطيع القيام في الصلاة فإنه يُصلي جالسًا، فقد قال ﵊: \"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم\".\nأخرجه مسلم \"١٣٣٧\" من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>القاعدة الرابعة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب</span>\nما ورد فيه الدليل بإيجابه، وكان ذلك الواجب لا يؤدَّى إلا بعمل من الأعمال حتى يمكن فعله، فإن ذلك العمل المؤدي إلى الواجب يعتبر","vol":"1","page":149},{"text":"واجبا ولو لم يرد فيه دليل على وجوبه، ومن الأدلة على هذه القاعدة حديث أبي سعيد الخدري قال: لما بلغ النبي ﷺ عام الفتح مرَّ الظهران فآذننا بلقاء العدو، فأمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون.\nأخرجه الترمذي \"١٦٨٤\" وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nفالفطر للصائم المسافر مباح، ولكن لما كان الجهاد \"وهو واجب\" لا يتم إلا بالفطر حتى يتقووا على الجهاد أمرهم النبي ﷺ بالإفطار، فصار الفطر واجبًا، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم \"٢٠٧\" على هذه القاعدة: اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم الدين إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية. انتهى.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>القاعدة الخامسة: ما لا يتم الواجب المشروط إلا به فهو غير واجب</span>\nالواجبات التي جعل لها الشارع شروطًا لا تجب إلا بتلك الشروط، فإنه لا يجب على المكلف إيجاد تلك الشروط لذلك الواجب، لأن الله تعالى لم يوجب على العبد إيجاد ذلك الشرط، وإنما أوجب ذلك الواجب متى وجد ذلك الشرط، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع","vol":"1","page":150},{"text":"الفتاوى \"٢٠/١٦٠\": فإن العبد إذا كان مستطيعًا للحج وجب عليه الحج، وإذا كان مالكًا لنصاب وجبت عليه الزكاة فالوجوب لا يتم إلا بذلك، فلا يجب عليه تحصيل استطاعته الحج ولا ملك النصاب. انتهى.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>القاعدة السادسة: الواجب الذي لم يحدد له الشارع حدًا فإنه يجب على المكلف أن يأتي منه ما يغلب على الظن أنه أدى ما وجب عليه من ذلك الواجب</span>\nالواجب باعتبار تحديده ينقسم إلى قسمين:\n- القسم الأول:\nواجب محدد، وهو الذي جعل له الشارع مقدارًا معينًا، كمواقيت الصلوات الخمس، وما يغسل من الأعضاء في الوضوء، وكصفة زكاة القوال وغير ذلك، فهذا ينبغي الوقوف مع ما حدده الشارع وقدره من غير تجاوز.\n- القسم الثاني:\nواجب غير محدد، وهو الواجب الذي لم يجعل له الشارع مقدارًا محددًا، فيرجع في ذلك إلى إعمال النظر والفكر فيعمل بما يغلب على ظنه أنه أداه من تلك الواجبات الغير محددة، وفي هذا يقول الشاطبي في الموافقات \"١/١١٢\": فإذا قال الشارع: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أو ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩١] فمعنى ذلك طلب","vol":"1","page":151},{"text":"رفع الحاجة في كل واقعة بحسبها من غير تعيين مقدار، فإذا تعينت حاجة تبين مقدار ما يحتاج إليه فيها بالنظر لا بالنص، فإذا تعين جائع فهو مأمور بإطعامه وسد خلته بمقتضى ذلك الإطلاق، فإن أطعمه مالا يرفع عنه الجوع، فالطلب باق عليه مالم يفعل من ذلك ما هو كاف ورافع للحاجة التي من أجلها أمر ابتداءًا. انتهى.","vol":"1","page":152},{"text":"القاعدة السابعة: الواجب المخير يسقط بفعل واحد من أفراده، ولا يشرع الجمع بين أفراده\nهناك بعض الواجبات يخير المكلف في فعل واحدة من أفرادها من غير تعيين فإذا فعل واحدة من تلك الأفراد سقط عنه ذلك الواجب، ومثاله: قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فلفظة \"أو\" تدل على التخيير في كفارة اليمين بين الإطعام أو الكسوة أو العتق.\nولا يشرع الجمع بين أفراد الواجب المخير، لأن الجمع بين أفراده لم يرد في الشرع وإنما ورد في الشرع التخيير فيصير الجمع بين أفراده بدعة في الدين.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>القاعدة الثامنة: الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين</span>\nينقسم الواجب باعتبار ذاته إلى قسمين:\n- القسم الأول: واجب عيني وهو الذي يلزم كل مكلف فعله، كالصلوات الخمس والزكاة والصيام وغير ذلك.\n- القسم الثاني: واجب كفائي وهو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، والضابط في معرفته هو أنه لا يكون فيه أمر لجميع المكلفين بفعله، لكن يحصل بترك ذلك الفعل الضرر إذا تركه جميع المسلمين، كالرد على أهل البدع قال الشافعي في الرسالة \"٣٦٦\" في الواجب الكفائي: وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصودًا قصد الكفاية فيما ينوب، فإذا قام به من المسلمين من فيه الكفاية خرج من تخلف عنه من الإثم، ولو ضيعوه معًا خفت ألا يخرج واحد منهم مطيق فيه من المأثم، بل لا أشك إن شاء الله لقوله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٧] قال: فما معناها؟ قلت: الدلالة عليها أن تخلفهم عن النفير كافة لا يسعهم، ونفير بعضهم إذا كانت في نفيرهم كفاية يُخْرِجُ مَنْ تَخَلَّفَ مِنَ المأثم إن شاء الله، لأنه إذا نفر بعضهم وقع عليهم اسم النفير. انتهى.\nقلت: وهذه القاعدة تحتاج إلى بيان أمور:\nالأمر الأول: أنه لو قام جماعة بالواجب الكفائي ولكن لم يف","vol":"1","page":153},{"text":"قيامهم حصول المقصود من ذلك الواجب الكفائي فإن ذلك الواجب الكفائي لا يزال قائما ولا يسقط حتى يحصل المقصود منه، وعلى هذا يدل آخر كلام الشافعي.\nالأمر الثاني: الواجب الكفائي يسقط بفعل غير المكلف له، إذا حصل المقصود من الواجب الكفائي، وليس في الأدلة ما يدل أنه لا يسقط إلا بفعل المكلفين فقط.\nالأمر الثالث: الواجب الكفائي لا يتعلق بالأمور الدينية فقط؟ بل يشمل جميع ما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم الدنيوية لأنه يحصل الضرر لهم بترك جميعهم له ومنه تعلم أن تقييد الغزالي للواجب الكفائي بالأمور الدينية تقييد غير صحيح.\nالأمر الرابع: الواجب الكفائي لا يلزم بالشروع فيه فيجوز قطعه بعد الشروع فيه، وذلك لأن الواجب الكفائي لا يجب ابتداؤه على من ابتدائه وعليه فلا يجب إتمامه، ولم يأت من أوجب إتمامه بحجة، لكن إذا أتى الدليل على وجوب إتمامه فإنه يجب إتمامه لذلك الدليل، كالأدلة التي تدل على وجوب الجهاد لمن حضر الصف.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>القاعدة التاسعة: إذا تعارض واجبان فإنه يقدم الآكد منهما وجوبًا</span>\nالواجبات الشرعية ليست على درجة واحدة فبعض الواجبات آكد وجوبًا من واجبات أخرى، فإذا تعارض واجبان فإنه يقدم الآكد منهما","vol":"1","page":154},{"text":"وجوبًا على الآخر الذي دونه في الوجوب لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١٧/٦١\": ومن المعلوم بالاضطرار تفاضل المأمورات: فبعضها أفضل من بعض، وبعض المنهيات شر من بعض. انتهى.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>القاعدة العاشرة: كل لفظ دل على أنه يلزم فعل شيء من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه وجوب ذلك الفعل</span>\nقال ابن القيم في بدائع الفوائد \"٢/٢١٨\": ويستفاد الوجوب بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب والفرائض والكتب ولفظه \"على\" ولفظه \"حق على العباد\" و\"على المؤمنين\" وترتيب الذم والعقاب على الترك وإحباط العمل بالترك وغير ذلك. انتهى.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المندوب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>القاعدة الأولى: حكم معرفة المندوب واجب على الكفاية</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٤/٤٣٦\": ومعرفة \"الاستحباب\" فرض على الكفاية، لئلا يضيع شيء من الدين. انتهى.\nقلت: وكذلك ما لا يجب على كل مكلف معرفته من الأحكام التكليفية الخمسة فهو فرض على الكفاية.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>القاعدة الثانية: المندوب لا يجب بالشروع فيه</span>\nالمندوب لا يجب بالشروع فيه، لأن ما لا يجب ابتداؤه لا يجب إتمامه، يقول عطاء إن ابن عباس كان لا يرى بأسا أن يفطر إنسان في التطوع ويضرب أمثالا: طاف سبعا فقطع ولم يوفه فله ما احتسب، أو صلى ركعة ولم يصل أخرى فله ما احتسب، أو يذهب بمال يتصدق به، فيتصدق ببعضه وأمسك بعضه. أخرجه عبد الرزاق \"٤/٢٧١\".\nويستثنى من ذلك التطوع بالحج أو العمرة فإنهما يجب إتمامهما إذا ابتدأهما المسلم ولو كان أصلهما تطوعًا لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ","vol":"1","page":156},{"text":"وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . الآية.\nقال ابن عبد البر كما في البحر المحيط \"١/٣٨٤\": من احتج على المنع بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فإنه جاهل بأقوال العلماء فإنهم اختلفوا فيها على قولين: فأكثرهم قالوا: لا تبطلوها بالرياء وأخلصوها، وهم أهل السنة، وقيل: لا تبطلوها بالكبائر وهو قول المعتزلة. انتهى.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>القاعدة الثالثة: السنة إذا أدى فعلها إلى فتنة فإنها تترك مؤقتا تأليفا للقلوب إلى أن يعلمها الناس</span>\nالسنة لا تؤدي إلى الفتنة وإنما جهل الناس بها هو الفتنة، لذلك ينبغي على المسلم إذا كان يريد أن يحيي سنة من السنن بين أناس جاهلين بتلك السنة أن يعلمهم تلك السنة قبل تطبيقها بينهم فإن رضوا كان بها وإن لم يرضوا فلا يفعلها بينهم، حتى لا يؤدي ذلك إلى تنفير القلوب، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٢/٤٠٧\": ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب. انتهى.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>القاعدة الرابعة: لا يترك المندوب إذا صار شعارًا للمبتدعة</span>\nلا يترك المندوب إذا صار شعارًا للمبتدعة، كلبس الثوب إلى نصف الساق، فإنه لو صار شعارًا لبعض المبتدعة فلا يترك لبس الثوب إلى نصف الساق من أجل أنه صار شعارًا للمبتدعة مثلًا، وعلى هذا كان السلف رضوان الله عليهم فإنهم كانوا لا يتركون العمل المستحب في الشرع الذي صار شعارًا للمبتدعة.\nوقد ذهب الغزالي في الإحياء إلى المنع من العمل بسنة من السنن إذا صارت شعارًا لأهل البدعة حتى لا يتشبه بهم.\nوقد تعقبه الألباني ﵀ فقال في حاشية إصلاح المساجد \"٢٣\": ليس هذا من التشبه بهم في شيء بل هو تشبه بمن سن السنة وهو الرسول ﷺ فإذا أخذ بها بعض الفساق فليس ذلك بالذي يمنع من استمرار الحكم السابق وهو التشبه به ﷺ. انتهى.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المكروه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>القاعدة الأولى: المكروه هو كل ما لم ينه عنه الشارع نهيا جازمًا</span>\nالمكروه هو مرتبة بين المباح والحرام فيثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، ويعرف بأن هذا الشيء مكروه في الشرع بأن يكون ورد فيه نهي لكن ذلك النهي جاء ما يدل على أنه ليس المراد به نهي تحريم.\nعن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. أخرجه البخاري \"١٢٧٨\".\nقال الحافظ في الفتح \"٣/١٧٣\": قولها: \"ولم يعزم علينا\" لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره في المنهيات فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. انتهى.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>القاعدة الثانية: مراد الشرع بكلمة \"المكروه\" هو \"الحرام</span>\"\n\"المكروه\" في الشرع يطلق على المحرم، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] . فانظر","vol":"1","page":159},{"text":"كيف أطلق \"المكروه\" على الشيء المحرم.\nوكذلك السلف الصالح كانوا يطلقون \"المكروه\" على الشيء المحرم تورعا، فكانوا يتورعون أن يقولوا على الشيء الذي ليس فيه نص مبين على تحريمه \"هذا حرام\" وإنما يقولون \"هذا مكروه\".\nقال ابن القيم في اعلام الموقعين \"١/٣٥\": فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حصل من حمل منهم كلام الأئمة على الإصطلاح الحادث فقط، وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ \"الكراهة\" أو لفظ \"لا ينبغي\" في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث. انتهى.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المحرم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>القاعدة الأولى: المحرمات متفاوتة</span>\nالمحرمات ليست على درجة واحدة بل هي متفاوتة، فبعض المحرمات أشد تحريما من بعض، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١٧/٥٩\": ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاصيل أنواع الإيجاب والتحريم وقالوا: إن إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر، وتحريمه أشد من تحريم الآخر، فهذا أعظم إيجابًا، وهذا أعظم تحريمًا، ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك كابن عقيل وغيره فقالوا: التفاضل ليس في نفس الإيجاب والتحريم، لكن في متعلق ذلك وهو كثيرة الثواب والعقاب، والجمهور يقولون بل التفاضل في الأمرين، والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب، وكون أحد الفعلين ثوابه أعظم وعقابه أعظم دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد، ولو تساويا من كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح، فإن التسوية والتفضيل متضادان. انتهى.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>القاعدة الثانية: تحريم الشيء تحريم لجميع أجزائه</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢١/٨٥\": تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل جزء منه، كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضى ذلك، وكذلك تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يقتضي المنع من أبعاض ذلك، وكذلك النهي عن لبس الحرير اقتضى النهي عن أبعاض ذلك، لولا ما ورد من استثناء موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع في الحديث الصحيح.. ثم قال \"٢١/٨٦\": وحيث حرم النكاح كان تحريما لأبعاضه، حتى يحرم العقد مفردًا والوطأ مفردًا كما في قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] . انتهى.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>القاعدة الثالثة: ما أدى إلى محرم فهو محرم</span>\nما أدى إلى محرم فهو محرم فعله، كما لو أدى فعل نافلة إلى ترك فريضة كالذي يصلي بالليل طويلًا وينام عن صلاة الفجر، فإنه لا يشرع له قيام الليل إذا كان ذلك سببا لتركه صلاة الفجر.\nأو أدى فعل مباح إلى فعل محرم، كما لو إذا خلى وحده ارتكب المحرمات، فإنه لا يشرع له أن يخلوا لوحده إذا كان ذلك سببًا للوقوع في الحرام أو أدى فعلٌ إلى الإحتيال على أمر محرم فهو محرم، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان \"١/٣٦١\": وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد","vol":"1","page":162},{"text":"أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس باب الحيل الموصلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم التناقض، والشارع حرَّم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم لإقضائها إليه فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في طريق الوصول إلى العلم المأمول \"١١٣\": إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو الإباحة أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملا على مفسدة ظاهرة راجحة فإنه يستحيل على الشارع الأمر أو إباحته بل يقطع أن الشرع يحرمه لا سيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما يبغضه الله ورسوله. انتهى.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>القاعدة الرابعة: يأثم الإنسان بالعزم على فعل المحرم وإن لم يفعله</span>\nعن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله ما لا وعلما فهو يتقي فيه ربه فهو بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيه فأجرهما سواء، وعبد رزقه مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما","vol":"1","page":163},{"text":"فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء\" أخرجه الترمذي \"٢٣٢٥\" وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nهذا الحديث يدل على أن الإنسان يأثم بالعزم على فعل المعصية وإن لم يفعلها، إذا كان سبب تركه لتلك المعصية عدم القدرة عليها وليس الخوف من الله، وقد ذكر هذا الحديث شيخ الإسلام فقال عنه كما في مجموع الفتاوى \"١٠/٧٣٣\": هو في حكاية من قال ذلك، وكان صادقا فيه وعلم الله منه إرادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل إلا لفوات القدرة، فلهذا استويا في الثواب والعقاب، وليس هذه الحال تحصل لكل من قال: \"لو أن لي ما لفلان لفعلت مثل ما يفعل\" إلا إذا كانت إرادته جازمة يجب وجود الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة، وإلا فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم لو اقترنت به القدرة لانفسخت العزيمة.\nوقال أيضا \"١٠/٧٣٦، ٧٣٧\": ولا ريب أن \"الهم\" و\"العزم\" و\"الإرادة\" ونحو ذلك قد يكون جازما لا يتخلف عنه الفعل إلا للعجز، وقد لا يكون هذا على هذا الوجه من الجزم..، وأما الهام بالسيئة الذي لم يعملها وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث الصحيح، وسواء سمي همه: \"إرادة\" أو \"عزمًا\" أو لم يسم، متى كان قادرًا على الفعل وهم به وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست إرادته بجازمة.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>القاعدة الخامسة: كل لفظ يدل على لزوم ترك فعل من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه تحريم ذلك الفعل</span>\nقال ابن القيم في بدائع الفوائد \"٢/٢١٨\": ويستفاد التحريم من النهي، والتصريح بالتحريم، والحظر، والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة بالفعل، وقوله: \"لا ينبغي\" فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلًا أو سرعًا، ولفظه \"ما كان لهم كذا\"، و\"لم يكن لهم\"، وترتيب الحد على الفعل، ولفظه \"لا يحل\" و\"لا يصلح\"، ووصف الفعل بأنه فساد وأنه من تزيين الشيطان وعمله وإن الله لا يحبه وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يزكي فاعله، ولا يكلمه، ولا ينظر إليه، ونحو ذلك. انتهى.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المباح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>القاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة</span>\nالأصل في الأشياء الإباحة إلا إذا أتى ما يدل على تحريم ذلك الشيء فقد قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] .\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢١/٥٣٦\": والتفصيل التبيين، فبين أنه بين المحرمات، فما لم يبين تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام. انتهى.\nوعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: \"ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو\".\nأخرجه الحاكم \"٢/٣٧٥\" وحسنه الألباني في غاية المرام \"١٤\".\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢١/٥٣٨\": قوله: \"وما سكت عنه فهو مما عفا عنه\" نص في أن ما سكت عنه فلا إثم عليه، وتسميته هذا عفوًا كأنه والله أعلم لأن التحليل هو الإذن في التناول بخطاب خاص، والتحريم المنع من التناول كذلك، والسكوت عنه","vol":"1","page":166},{"text":"لم يؤذن بخطاب يخصه، ولم يمنع منه، فيرجع إلى الأصل، وهو أن لا عقاب إلا بعد الإرسال، وإذا لم يكن فيه عقاب لم يكن محرمًا. انتهى.\nقلت: وعلى هذا جرى فهم الصحابة فقد ذهب عمر بن الخطاب إلى جواز أكل الضب واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ لم يحرمه كما عند مسلم \"٣/١٥٤٥\".\nقال ابن رجب في جامع العلوم \"٦٥\": ما أصله الإباحة كطهارة الماء إذا لم يتيقن جواز أصله فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك لطهور سبب آخر رجع إلى الأصل فيبني عليه. انتهى.\nوالألفاظ التي وردت في الشرع تدل على إباحة تلك الأشياء ذكرها ابن القيم في بدائع الفوائد \"٢/٢١٨\" فقال: وتستفاد الإباحة من الإذن والتخيير والأمر بعد الحظر ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤامرة والإخبار بأنه معفو عنه، وبالإقرار على فعله في زمان الوحي، وبالإنكار على من حرم الشيء، والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا، وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه ... انتهى.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>القاعدة الثانية: لا يأثم الإنسان بالمداومة على فعل بعض المباحات</span>\nالغزالي في إحياء علوم الدين \"٢/٢٨٣\" قال بأن بعض المباح يصير بالمواظبة عليه صغيرة كالترنم بالغناء، واللعب بالشطرنج. انتهى.","vol":"1","page":167},{"text":"وهذا كلام غريب، وذلك لأن الشيء إذا كان مباحا فإن الإنسان لا يأثم بفعله له ولو واظب عليه طول عمره، وما إذا كان محرمًا فإنه يأتم ولو فعله لمرة واحدة، فمثلًا: لو واظب أحد على صعود الجبل كل يوم لم يأثم، وإنما يأثم إذا أداه المداومة على المباح إلى ترك واجب أو فعل محرم، لأن ما أدى إلى محرم فهو محرم.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>القاعدة الثالثة: يُثاب المرء على فعل المباح إذا حسَّن نيته في فعل ذلك المباح</span>\nكل ما يفعله المرء من الأمور التي أباحها الشرع لا أجر له في فعلها، إلا إذا قصد بفعل ذلك المباح أمرًا حسنا في الشرع كمن ينام في النهار وينوي بنومته تلك التقوى على قيام الليل، فهذا ثياب على تلك النومة لا لذات النومة ولكن لم اقترن معها من نية صالحة، كما قال أبو الدرداء: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قوتي.\nقال ابن الشاط في غمز عيون البصائر \"٣٤٨\": إذا قصد بالمباحات التقوى على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة كالأكل والنوم واكتساب المال. انتهى.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>ما يتعلق بالعباد من قواعد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>القاعدة الأولى: التكليف مشروط بالعلم والقدرة معًا</span>\nقال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لايُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلا وُسْعهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقال أيضا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]\nفهاتان الآيتان تدلان على أن حصول التكليف يكون بالقدرة والعلم معًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"٢١/٦٣٤\": فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.\nوقال أيضا في مجموع الفتاوى \"٨/٤٣٨\": والشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة، كما قال النبي ﷺ لعمران بن الحصين: \"صَل قائما، فإن لم تستطيع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" وقد اتفق المسلمون على أن المصلي إذا عجز عن بعض واجباتها كالقيام أو القراءة أو الركوع أو السجود أو ستر العورة","vol":"1","page":169},{"text":"أو استقبال القبلة أو غير ذلك سقط عنه ما عجز عنه، وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط بالعجز مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، الذين يعجزون عن أداء وقضاء، وكذلك الحج فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب على العاجز عنه، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] . انتهى.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>القاعدة الثانية: من لم يبلغ الإحتلام أو زال عقله فليس بمكلف</span>\nعن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: \"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق\" أخرجه أبو داود \"٤٣٩٨\" والترمذي \"١٤٢٣\" وابن ماجة \"٢٠٤١\" وهو صحيح.\nهذا الحديث يدل على أن من زال عقله أو لم يبلغ سن الاحتلام فإن قلم التكليف مرفوع عنه فلا يجب عليه شيء في حالته تلك، ولا يؤاخذ بشيء صدر عنه حتى يزول عنه ذلك السبب الذي رفع قلم التكليف عنه.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>القاعدة الثالثة: الأقوال والأفعال الصادرة من غير المكلف لا يترتب عليها حكم</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٤/١١٥\": وبهذا كانت الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده،","vol":"1","page":170},{"text":"فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين، وكذلك النائم إذا تكلم في منامه فأقواله كلها لغو، سواء تكلم المجنون والنائم بطلاق أو كفر أو غيره..، والذي تدل عليه النصوص وأقوال الصحابة أن أقواله \"أي السكران\" هدر كالمجنون لا يقع بها طلاق ولا غيره، فإن الله تعالى قد قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فدل على أنه لا يعلم ما يقول، والقلب هو الملك الذي تصدر الأقوال والأفعال عنه، فإذا لم يعلم ما يقول لم يكن ذلك صادرًا عن القلب، بل يجري مجرى اللغو، والشارع لم يرتب المؤاخذة إلا على ما يكسبه القلب من الأقوال والأفعال الظاهرة كما قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ولم يؤاخذ على أقوال وأفعال لم يعلم بها القلب ولم يتعمدها. انتهى.\nقلت: ويدخل في هذا الأصل الناسي والمخطئ فلا يترتب على أقوالهما وأفعالها حكم لأنهما غير قاصدين إلا فيما أتى فيه الدليل بترتيب حكم على الناسي أو المخطئ.\nوالجاهل مثلهما أيضا لا يترتب على قوله أو فعله حكم لأن التكليف مشروط بالعلم كما تقدم، إلا فيما أتى الدليل بترتيب حكم على فعله أو قوله.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>القاعدة الرابعة: ما يتعلق بالأموال والمتلفات فإنه لا يعذر فيها أحد أبدًا</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٤/١١٩\": القلب هو الأصل في جميع الأفعال والأقوال فما أمر الله به من الأفعال الظاهرة فلا بد فيه من معرفة القلب وقصده وما أمر به من الأقوال، والنهي عنه من الأقوال والأفعال إنما يعاقب عليه إذا كان بقصد القلب، وأما ثبوت بعض الأحكام كضمان النفوس والأموال إذا أتلفها مجنون أو نائم أو مخطيء أو ناس، فهذا من باب العدل في حقوق العباد، ليس هو من باب العقوبة. انتهى.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الاجتهاد والتقليد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>القاعدة الأولى: لا يشرع لمن بلغه الدليل أو كان يستطيع البحث عن الدليل أن يقلد أي عالم من العلماء كائنا من كان ويترك الدليل</span>\nعرف العلماء التقليد: بأنه اتباع قول من ليس بحجة من غير حجة.\nوقد تكاثرت النصوص الشرعية الدالة على تحريم التقليد، وأنه يجب على المسلم البحث عن دليل القائل، وأن لا يسلم له تسليما كتسليمه لما يقوله النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .\nوقال ﵊: \"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض\".\nأخرجه الحاكم وهو صحيح.\nومفهوم الحديث أن التمسك بغير الكتاب والسنة وإنما بقول عالم من","vol":"1","page":173},{"text":"العلماء وتقليده بغير حجة واتباع قوله بغير دليل يؤدي ذلك إلى الضلال، والله المستعان.\nقال ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم \"٢/٩٩٤\": يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلت: لأن كتاب الله ﷿ لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني، قيل له: العلماء، إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن رسول الله ﷺ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت به بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟ فإن قال: قلدته لأني علمت أنه صواب، قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: نعم، فقد أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال قلدته لأنه أعلم مني، قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد في ذلك خلقًا كثيرًا أو لا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك. انتهى.\nوقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية \"٢١٧\": فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرْسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا تحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٢٦٢\":","vol":"1","page":174},{"text":"والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع: أن يعارض قول الله ورسوله بما يخالف ذلك كائنا من كان المخالف لذلك.\nوقال أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/٢١٠\": قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله ﷾ فرض على الخلق طاعته، وطاعة رسوله ﷺ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ، واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ.\nوقال أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٣٥/١٢١\": أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله، من غير ذكر دليل على صحة ما يقول فليس بصحيح، بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول التي لا تصلح إلا له.\nوقال أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/٥٨٤\": وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص فما لك والليث بن سعد والأوزاعي، والثوري، هؤلاء أئمة في زمانهم كل منهم كتقليد الآخر، لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا.\nوقال أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٢٤/١٥٤\" بعد أن ذكر حديث أنس: كنا نسافر فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم، ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المتم على المقصر قال:","vol":"1","page":175},{"text":"فهذا الحديث من الكذب، وإن كان البيهقي روى هذا فهذا مما أنكر عليه ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه، كما في الآثار التي له، وأنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها، وإنما أوقعه في هذا مع علمه ودينه ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي ﷺ موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر، فمن سلك هذا السبيل. دحضت حججه وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق، كما يفعل ذلك من يجمع الآثار ويتأولها في كثير من المواضع بتأويلات يتبين فسادها، لتوافق القول الذي ينصره كما يفعله صاحب شرح الآثار أبو جعفر \"يعني الطحاوي\" مع أنه يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي، لكن البيهقي ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر مكن الطحاوي. انتهى.\nوقال أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/٢١٥\": وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه المعارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست أعلم من هذا ولا هذا، ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة كنسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر فكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهما كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج","vol":"1","page":176},{"text":"بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبي ﷺ قال: \"هذه وهذه سواء\". انتهى.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>القاعدة الثانية: يشرع التقليد لمن لم يستطيع الاجتهاد لعذر ما</span>\nقال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٠] . فالواجب عدم التقليد، لكن مع العذر يجوز التقليد، لأنه لا واجب مع عجز، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٠/٢٠٤\": والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، ولا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد. وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى \"٢٨/٣٨٨\": ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه. انتهى.\nوقال الشنقيطي كما في القول السديد في حقيقة التقليد \"٧٧\": لا خلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكامًا غير أحكام الاختيار، فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء","vol":"1","page":177},{"text":"صحيحا حقيقيا فهو سعة ما أمره..، وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيا، بحث يكون لا قدرة له البتة على غيره، مع عدم التفريط، لكونه لا قدرة له أصلًا على الفهم، أوله قدرة على الفهم قد عاقته عوائق قاهرة عن التعليم، أو هو في أثناء التعليم ولكنه يتعلم تدريجًا لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد، أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة، لأنه لا مندوحة عنه، أما القادر على التعلم المفرط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور. انتهى.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>القاعدة الثالثة: لا يشرع الخروج عن أقوال السلف في المسألة التي تكلموا فيها</span>\nمن اتباع السلف الصالح عدم الخروج عن أقوالهم في مسألة من المسائل، قال مالك \"كما في ترتيب المدارك ١/١٩٣\" عن موطئه: فيه حديث رسول الله ﷺ وقول الصحابة والتابعين ورأيهم، وقد تكلمت برأيي على الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا ولم أخرج عن جملتهم إلى غيره.\nوقال الشافعي كما في المدخل إلى السنن الكبرى \"١١٠\": إذا اجتمعوا \"أي الصحابة\" أخذنا باجتماعهم، وإن قال وأحدهم ولم يخالفه أخذنا بقوله، فإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم، ولم نخرج","vol":"1","page":178},{"text":"من أقاويلهم كلهم.\nوقال أحمد بن حنبل كما في المسودة \"٢٧٦\": إذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول غيرهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين.\nوقال الخطيب في الفقه والمتفقه \"١/١٧٣\": إذا اختلف الصحابة في مسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين أن يتفقوا على أحد القولين، فإن فعلوا ذلك لم يترك خلاف الصحابة، والدليل عليه أن الصحابة أجمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين وعلى بطلان ما عدا ذلك، فإذا صار التابعون إلى القول بتحريم أحدهما لم يجز ذلك، وكان خرقا للإجماع، وهذا بمثابة لو اختلف الصحابة بمسألة على قولين فإنه لا يجوز للتابعين إحداث قول ثالث لأن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواه. انتهى.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>القاعدة الرابعة: ليس كل مجتهد مصيب</span>\nعن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد\".\nأخرجه البخاري \"٧٣٥٢\" ومسلم \"١٧١٦\".","vol":"1","page":179},{"text":"هذا الحديث يدل على أنه ليس كل مجتهد مصيب وأن الحق واحد لا يتعدد، قال الشوكاني في إرشاد الفحول \"٣٨٦\": فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه ويقال له مخطيء واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبا، واسم الخطأ لا يستلزم كونه مصيبا واسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر، فمن قال كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددًا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ وخالف الصواب مخالفة ظاهرة فإن النبي ﷺ جعل المجتهدين قسمين قسمًا مصيبًا وقسمًا مخطئًا، ولو كان كل واحد مصبًا ولم يكن لهذا التقسيم معنى. انتهى.\nوقد استدل من ذهب أن كل مجتهد مصيب بحديث ابن عمر قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: \"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم، لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك النبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم. أخرجه البخاري \"٤١١٩\" ومسلم \"١٧٠٧\".\nقال الحافظ في الفتح الباري \"٧/٤٠٩\": الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه.. وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه ﷺ لم يعنف أحدًا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لعنف من أتم. انتهى.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>القاعدة الخامسة: ينكر على من خالف الدليل في أي مسألة من المسائل</span>\nقال ابن تيمية: قولهم \"ومسائل الخلاف لا إنكار فيها\" ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل. أما الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماع قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء. وأما العمل: إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار.. كما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد مالم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ له الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"٣٠/٨٠\": إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. انتهى.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>القاعدة السادسة: الخروج من الخلاف مستحب</span>\nالأدلة متكاثرة في الإعتصام وعدم التفرق والاتفاق على كلمة واحدة فهي دالة على استحباب الخروج من الخلاف، لكن ذلك مشروط بشرطين:\nالشرط الأول: أن لا يكون في ذلك طرح لدليل من الأدلة.\nالشرط الثاني: أن لا يوقع الخروج من ذلك الخلاف في الوقوع في خلاف آخر.\nقال النووي في شرح مسلم \"٢/٢٣\": فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو أوقع في خلاف آخر. انتهى.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>القاعدة السابعة: عدم التكلم في مسألة لم يسبق إلى القول بها إمام من الأئمة إلا إذا كان فيها نص</span>\nهذه القاعدة إنما هي في المسائل التي لا نص فيها، وأما المسائل التي فيها نص من حديث رسول الله ﷺ فيعمل بها وإن لم يعرف أن أحدًا من الأئمة السابقين قال بها، لأن الحديث حجة بنفسه، وأما المسائل التي لا نص فيها، ولم يتكلم فيها السلف مع وجودها في زمنهم فلا يشرع أن يأتي المسلم فيها بقول محدث لم يسبق إليه، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢١/٢٩١\": كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. انتهى.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>قواعد متفرقة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها</span>\nعن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\".\nأخرجه البخاري \"١\" وسلم \"١٩٠٧\".\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٣/٩٨\":\nفبين في الجملة الأولى: أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عملا إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية: أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأن من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللًا ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح لأنه قد نوى ذلك وإنما لامرئ ما نوى.\nوقال أيضا \"٣/٩٧\": أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره فإن القربات كلها مبناها على","vol":"1","page":183},{"text":"النيات ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد ولهذا لو وقع في الماء لم ينو الغسل أو سبح لتبرد لم يكن غسله قربة ولا عبادة باتفاق فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له وإنما لامرئ ما نوى، ولو أمسك عن المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة لم يكن صائمًا، ولو دار حول البيت يلتمس شيئا سقط منه لم يكن طائفًا. انتهى.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>القاعدة الثانية: الأحكام الشرعية مبنية على تحقيق المصالح وإكمالها</span>\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٣/٣\": فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجوار، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عبادة، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها. انتهى.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>القاعدة الثالثة: الأحكام الشرعية مبنية على المتماثلات</span>\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/١٩٥\": وأما أحكام الأمرية الشرعية فكلها هكذا، تجدها مشتملة على التسوية بين المتماثلين،","vol":"1","page":184},{"text":"وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين وعدم تسوية أحدهما بالآخر، وشريعته سبحانه منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها، فمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها ولا قدرها حق قدرها. انتهى.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>القاعدة الرابعة: العبرة في الأحكام الشرعية بالمعاني والمقاصد لا بالألفاظ</span>\nعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام\" فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: \"لا هو حرام\" ثم قال رسول الله ﷺ: \"قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوها ثم باعوه فأكلوا ثمنه\".\nأخرجه البخاري \"٢٢٣٦\" ومسلم \"١٥٨١\".\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٢/٩٩\": لو كان التحريم معلقا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم معنًا وكيفية لم يستحقوا اللعنة لوجهين:\nأحدهما: أن الشحم خرج بجملته عن أن يكون شحما وصار ودكًا كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعا عند من","vol":"1","page":185},{"text":"يستحل ذلك ....\nالوجه الثاني: أن اليهود لم ينفقوا بعين الشحم، وإنما أنفقوا بثمنه، ويلزم من راعى الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك فلما لعنوا على استحلال الثمن وإن لم ينص على تحريمه علم أن الواجب النظر في الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة، ونظير هذا أن يقال لرجل: لا تقرب مال اليتيم فيبيعه ويأخذ عوضه ويقول: لم أقرب ماله. انتهى ملخصًا.\nوقال أيضا \"٣/١٣٦\": إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفًا ودلالة على ما في نفوسهم فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامًا بواسطة الألفاظ، ولم يرتب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم أن المتكلم بها لم يرد معانيها، ولم يحط بها علما، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به، أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية، أو مكروهة، أو غير عالمة به إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به، أو قاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، هذه قاعدة الشريعة وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلب وإرادة النفوس لا تدخل تحت الاختيار فلو ترتبت عليها الأحكام مكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة ورحمة الله تأبى ذلك. انتهى.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>القاعدة الخامسة: الحكم للغالب والنادر لا حكم لها</span>\nاستقرأ العلماء النصوص الشرعية فوجدوا أن الأحكام تبنى على الغالب وأن النادر لا محكم له، قال القرافي في الفروق \"٤/١٠٤\": الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر وهو شأن الشريعة، كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين ويمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف. انتهى.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>القاعدة السادسة: الأحكام الشرعية المحددة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان</span>\nقال ابن القيم في إغاثة اللهفان \"١٠/٣٣٠\": الأحكام نوعان:\nالنوع الأول: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذت لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع له.\nوالنوع الثاني: ما يتغير حسب المصلحة له، زمانًا ومكانًا وحالًا، كمقادير التعزيرات، وأجناسها، وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة. انتهى.\nوضرب ابن القيم لهذه القاعدة مثالا فقال في إعلام الموقعين \"٣/١٦\" ما حاصله: أن النبي ﷺ نص في المصرَّاة على ردِّ صاع من تمر بدل اللبن،","vol":"1","page":187},{"text":"فقيل هذا حكم عام في جميع الأمصار حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قط ولا رأوه، فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر، ولا يجزئهم إخراج صاع من قوتهم، وجعل هؤلاء التمر في المصراة كالتمر في زكاة التمر لا بجزيء سواه، وخالفهم آخرون فقالوا: بل تخرج في كل موضع صاعًا من قوت ذلك البلد الغالب، فيخرج إلى البلاد التي قوتهم البر صاعا من بُرٍّ، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه وهذا هو الصحيح، ولا ريب أنه أقرب إلى مقصود الشارع، ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، والله أعلم.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>القاعدة السابعة: اليقين لا يزول بالشك</span>\nعن عبادة بن تميم عن أبيه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: \"لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا\".\nأخرجه البخاري \"١٣٧\" ومسلم \"٣٦١\".\nهذا الحديث يدل على أن الأشياء يحكم ببقائها على ماهي عليه حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطاريء، وهناك أدلة أخرى على هذه القاعدة منها حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أو أربعًا فليطرح","vol":"1","page":188},{"text":"الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتمامًا لأربع كان ترغيمًا للشيطان\". أخرجه مسلم \"٥٧١\".\nقال ابن عبد البر في التمهيد \"٥/٢٥\": في هذا الحديث من الفقه أصل عظيم مطرد في أكثر الأحكام وهو أن اليقين لا يزيله الشك، وأن الشك مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك فيه. انتهى.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>القاعدة الثامنة: الضرورات تبيح المحظورات:</span>\nقال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية \"٢/١٧٤\": أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي إلا في حال الاضطرار فإنه يباح لكم ما وجدتم. انتهى.\nوقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة: ١٧٣] .\nقال ابن كثير في تفسيره \"١/١٩٥\": أي في غير بغي ولا عدوان وهو مجاوزة الحد فلا إثم عليه أي في أكل ذلك.\nقال الشافعي في الأم \"٤/٣٦٢\": كل ما أحل من حرم في معنى لا","vol":"1","page":189},{"text":"يحل إلا في ذلك المعنى خاصة، فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم مثلًا: الميتة المحرمة في الأصل المحلة للمضطر، فإذا زالت الضرورة عادت إلى أصل التحريم. انتهى.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>القاعدة التاسعة: الضرر يُزال</span>\nعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: \"لا ضرر ولا ضرار\" أخرجه ابن ماجة \"٢٣٤٠\" وهو حديث حسن.\nومعنى هذا الحديث أن الضرر أن يدخل الشخص على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار أن يدخل الشخص على غيره ضررًا بلا منفعة له من ذلك الضرر كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع \"كما في جامع العلوم والحكم/٢٨٧\".\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"٢/١١١\": فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به. انتهى.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>القاعدة العاشرة: العادة محكمة</span>\nعن عائشة أم المؤمنين أن هندًا بنت عتبة قالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه","vol":"1","page":190},{"text":"وهو لا يعلم فقال النبي ﷺ: \"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\".\nأخرجه البخاري \"٥٣٦٤\" ومسلم \"١٧١٤\".\nهذا الحديث يدل على أنه يُرجع إلى العرف والعادة وذلك في الشيء الذي لم يجعل له الشارع حدًا.\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٩/١٥\": وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حد باللغة كالشمس، والقمر، والبر، والبحر، والسماء، والأرض، ومنه ما يعلم بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، وكالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وما لم يكن منه له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله ﷺ: \"من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه\"، ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًا لا في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عين للعقود صفة معينة من الألفاظ وغيرها...، بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المقدات بيعًا دليل على أنها في لغتهم تسمى بيعًا، والأصل بقاء اللغة وتقريرها، لا نقلها وتغييرها، فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعًا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة. انتهى.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>القاعدة الحادية عشر: درء المفاسد أولى من جلب المصالح</span>\nعن عائشة أم المؤمنين أن النبي ﷺ قال: \"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر\".\nأخرجه مسلم \"١٣٣٣\".\nفالنبي ﷺ ترك ما فيه مصلحة حتى لا تحصل مفسدة بسبب تلك المصلحة، قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة \"٣٥٠\": وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصلحة الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قدم إهمها وأجلها، وإن فاتت أدناها، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تراحمت عطل أعظمها فسادًا باحتمال أدناهما، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه، وهي دالة عليه، شاهدة له بكمال علمه وحكمته، ولفظه بعباده، وإحسانه إليهم. انتهى.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>القاعدة الثانية عشر: الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٣٠٣\": الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان، فالإجزاء براءة الذمة من عهد الأمر وهو السلامة من ذم الرب أو عقابه، والثواب الجزاء على الطاعة، وليس الثواب من مقتضيات مجرد الإمتثال بخلاف الإجزاء، فإن الأمر يقتضي","vol":"1","page":192},{"text":"إجزاء المأمور به لكن هما مجتمعان في الشرع، إذ قد استقر فيه أن المطيع مثاب، والعاصي معاقب، وقد يفترقان فيكون الفعل مجزئا لا ثواب فيه إذ قارنه من المعصية ما يقابل الثواب، كما قيل: \"رب صائم حظه من صيامه العطش، ورب قائم ثم حظه من قيام السهر\" فإن قول الزور والعمل به في الصيام أوجب إثمًا يقابل ثواب الصوم، وقد اشتمل الصوم على الامتثال المأمور به والعمل المنهي فبرئت الذمة للامتثال ووقع الحرمان للمعصية، وقد يكون مثابًا عليه غير مجزئ إذا فعله ناقصًا عن الشرائط والأركان، فيثاب على ما فعل ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملًا، وهذا تحرير جيدان فعل المأمور به يوجب البراءة، فإن قارنه معصية بقدره تخل بالمقصود قابل الثواب وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة، فإما أن يُعاد، وإما أن يجبر، وإما أن يأثم. انتهى.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>قواعد في البدعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>القاعدة الأولى: الأصل في العبادات المنع وفي العادات الإباحة</span>\nعن عائشة أم المؤمنين قالت قال ﵁: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" أخرجه مسلم \"١٧١٨\".\nهذا الحديث يدل على عدم إحداث شيء من العبادات إلا بدليل، وأما غير العبادات فلا يمنع منه إلا بدليل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"٢٩/١٦\": تصرفات العبادات من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعبادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ﷾، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم بأنه عبادة؟! ومالم يثبت من العادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور؟! ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوفيق، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا","vol":"1","page":194},{"text":"دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قلْ أرَأيْتُم ما أنَزلَ الله لَكمْ مِنْ رزقٍ فجعَلتُمْ منْهُ حَرامًا وَحلالًا﴾ [يونس: ٥٩] انتهى.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>القاعدة الثانية: ليس في الشرع بدعة حسنة بل كل بدعة هي ضلالة</span>\nعن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال \"إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل ببدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\".\nصحيح: أخرجه أبو داود \"٥٤٠٧\" والترمذي \"٢٦٧٦\" وابن ماجة \"٤٢\" وغيرهم.\nهذا الحديث يدل على أنه ليس في الشرع بدعة حسنة، بل كل بدعة هي ضلالة، وهذا ما فهمه الصحابة فقد قال عبد الله بن عمر: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.\nأخرجه اللالكائي \"١/٩٢\" بإسناد صحيح.\nومنه تعلم أن تقسيم بعض أهل العلم البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة، ومباحة، تقسيم ليس بصحيح لمخالفته للأحاديث ولفهم السلف الصالح فإنهم كانوا يرون كل بدعة ضلالة،","vol":"1","page":195},{"text":"كما تقدم عن عبد الله بن عمر ﵄.\nويحتج من يقول بالبدعة الحسنة بحديث: \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة\".\nوالجواب:\nأن هذا الحديث لا حجة فيه، وذلك لأنه ورد في أمر ثابت في الشرع وهو الصدقة، فعن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: \" ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والاية التي تلي في ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، ولو بشق تمرة\" قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل، كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ: \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء،","vol":"1","page":196},{"text":"ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\".\nأخرجه مسلم \"١٠١٧\".\nقال الشاطبي في الموافقات \"١/١٨٣\": فتأملوا أين قال رسول الله ﷺ \"من سن سنة حسنة\" تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه، حتى بتلك الصرة، فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر رسول الله ﷺ حتى قال: \"من سن في الإسلام سنة حسنة\"، فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة، فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة. انتهى.\nويحتج أيضا من يقول بالبدعة الحسنة بقول عمر لما رأى الناس مجتمعين في صلاة التراويح نعمت البدعة هذه.\nوالجواب: قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم \"٢/٥٨٩\": أكثر ما في تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دل على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقًا ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر ﵁، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صحَّ أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي","vol":"1","page":197},{"text":"جاء به النبي ﷺ يُسمى مُحدثا في اللغة، كما قالت رسل قريتين للنجاشي عن أصحاب النبي ﷺ المهاجرين إلى الحبشة: \"إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين محدث لا يُعرف\" ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة وإن سمي بدعة في اللغة. انتهى.\nوقال ابن رجب في جامع العلوم \"٢٣٣\": وأما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية. انتهى.\nويحتج أيضا من يقول بالبدعة الحسنة بأثر: \"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن\".\nوالجواب: قال ابن القيم في الفروسية \"٦٠\": في هذا الأثر دليل على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسنا عند الله فهو حسن، لا مارآه بعضهم فهو حجة عليكم. انتهى.\nوقال الألباني في الضعيفة \"٢/١٧\": إن من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس بهذا الحديث على أن في الدين بدعة حسنة، وأن الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها! ولقد صار من الأمر المعهود أن يبادر هؤلاء إلى الإستدلال بهذا الحديث عند ما تثار هذه المسألة. وخفي عليهم.\nأ - أن هذا الحديث موقوف فلا يجوز أن يحتج به في معارضة النصوص القاطعة في أن \"كل بدعة ضلالة\" كما صح عنه ﷺ.\nب - وعلى افتراض صلاحية الإحتجاج به فإنه لا يعارض تلك النصوص","vol":"1","page":198},{"text":"لأمور:\nالأول: أن المراد به إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفة وعليه فاللام في \"المسلمون\" ليس للاستغراق كما يتوهمون بل للعهد.\nالثاني: سلمنا أنه للاستغراق ولكن ليس المراد به قطعا كل فرد من المسلمين ولو كان جاهلا، فلا بد إذن من أن يحمل على أهل العلم منهم. انتهى.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>القاعدة الثالثة: البدع كلها محرمة وليس فيها ما هو مكروه:</span>\n...\nالقاعة الثالثة: البدع كلها محرمة وليس فيها ما هو مكروه:\nالمكروه: هو الذي لا يأثم فاعله ويثاب تاركه.\nوعليه فليس في البدع ما هو مكروه، لأن المكروه فعله ليس بمحرم، والبدع كلها محرمة، قال الألباني في حجة النبي ﷺ \"١٠٣\": ولكن يجب أن نعلم أن أصغر بدعة يأتي الرجل بها في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة فليس في البدع كما يتوهم البعض ما هو في رتبة المكروه فقط. انتهى.\nقلت: وأظن أن هؤلاء البعض الذين عناهم الألباني ﵏ جاءتهم هذه الشبهة من تقسيم الشاطبي في الاعتصام \"٢/٤٩\": تقسيم","vol":"1","page":199},{"text":"البدعة إلى قسمين: محرمة ومكروهة.\nولكن مراد الشاطبي بالكراهة هنا الكراهة التحريمية لا الكراهة التنزيهية حيث قال في الاعتصام \"٢/٤٩\": إذا تقرر أن البدع ليست في الذم ولا في النهي على رتبة واحدة وأن منها ما هو مكروه كما أن منها ما هو محرم، فوصف الضلالة لازم لها، وشامل لأنواعها، لما ثبت من قوله ﷺ: \"كل بدعة ضلالة\". انتهى.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>القاعدة الرابعة: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة</span>\nعن عبد الله بن مسعود أنه قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.\nأخرجه الدارمي \"٢٢٣\" واللالكائي \"١/٥٥، ٨٨\" وغيرهما وهو أثر صحيح.\nوعن سعيد بن المسيب: أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة.\nأخرجه الخطيب في الفقه والمتفقه \"١/١٤٧\".\nوعن سفيان بن عيينة قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال:","vol":"1","page":200},{"text":"يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه؟! إنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ؟ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .\nأخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه \"١/١٤٦\" وأبو نعيم في الحلية \"٦/٣٢٦\" وغيرهما.\nوقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث \"٢١٤\": فقد بان ووضح بتوفيق الله تعالى صحة من إنكار من أنكر شيئا من هذه البدع وإن كان صلاة ومسجدًا، ولا مبالاة بشناعة جاهل يقول: كيف يؤمر بتبطيل صلاة وتخريب مسجد، فما وازنه إلا وزان من يقول: كيف يؤمر بتخريب مسجد، إذا سمع أن النبي ﷺ خرب مسجد الضرار، ومن يقول: كيف يُنهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود إذا سمع حديث علي ﵁ المخرج في الصحيح: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن في الركوع والسجود فاتباع السنة أولى من اقتحام البدعة، وإن كانت صلاة في الصورة، فبركة اتباع السنة أكثر فائدة، وأعظم أجرًا، وإن سلمنا أن لتلك الصلاة أجرًا. انتهى.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>القاعدة الخامسة: النية الحسنة لا تخرج الشيء المحدث عن كونه بدعة بتلك النية الحسنة</span>\nقوله ﵊: \"إنما الأعمال بالنيات\".\nليس المراد به أي عمل من الأعمال، وإنما المراد به العمل الوارد في الكتاب والسنة، فإذا كان واردًا في الكتاب والسنة فإنه يكون صوابًا، قال محمد بن عجلان كما في جامع العلوم والحكم \"١٠\": لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة والإصابة.\nوقد جاء في قصة عبد الله بن مسعود مع أصحاب الحِلق الذين كان معهم حصى يذكرون الله به أن ابن مسعود قال لهم: \"والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة\" قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: \"وكم من مريد للخير لن يصيبه\".\nأخرجه الدارمي \"١/٦٨\" وهو صحيح.\nفقد أنكر عبد الله بن مسعود على أولئك القوم مع أن نيتهم حسنة ولكن ذلك لم يكن سببًا في التغاضي عن عملهم المخالف للسنة، لأن النية الحسنة لا تجعل البدعة سنة.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>القاعدة السادسة: الاختلاف في فعل ما هل هو بدعة أم لا يسوغ العمل به بسبب ذلك الاختلاف</span>\nإذا اختلف العلماء في فعل ما من الأفعال فقال بعضهم إنه بدعة، وقال بعضهم إنه ليس ببدعة، فإن ذلك لا يسوغ العمل بذلك الفعل بسبب الاختلاف فيه، بل يؤخذ بقول من معه الحجة والدليل، لأن العبادة لا تثبت إلا بدليل، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"٢٦/٢٠٢\": وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص والإجماع، والدليل مستنبط من ذلك، تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء، فإن أقوال العلماء ويحتج لها بالأدلة الشرعية. انتهى.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>القاعدة السابعة: شيوع عبادة ما وانتشارها بين الناس لا يدل ذلك على مشروعيتها إلا بدليل</span>\nكثرة فعل الناس لعبادة ما لا يدل ذلك على شرعية تلك العبادة، لأن العبادة لا تؤخذ من كثرة عمل الناس لها وتتابعهم عليها، وإنما تؤخذ من دليل الكتاب والسنة، قال الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع \"٧٣٠٧١\": فصل: شيوعة الفعل لا تدل على جوازه: في الكلام على فريق من العامة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، فالجواب: أن نقول: شيوعة","vol":"1","page":203},{"text":"الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه، كما أن كتمه لا يدل على منعه.. إلى أن قال: وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبا، فقالت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعا. فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ . انتهى.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>القاعدة الثامنة: الأصل أن إحداث زيادة ما في عبادة من العبادات لا يُفسد العبادة كلها وإنما ذلك الأمر المحدث الزائد يكون هو الفاسد فقط إلا إذا كان الزائد مخلًا بأصل العبادة</span>\nليس في الأدلة الشرعية أن العبادة الثابتة في الشرع إذا حصل فيها أمر مبتدع زائد على الثابت، كانت تلك العبادة فاسدة بكاملها، وإنما الذي يكون فاسدًا مردودًا هو ذلك الأمر المبتدع الزائد، فقد قال ﵊: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ\" أخرجه مسلم \"١٧١٨\" من حديث أم المؤمنين عائشة.\nقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم \"٥٧\": إن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه، بمعنى أنها لا تكون قربة ولا ثبات عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله فيكون مردودًا كمن زاد ركعة عمدًا في صلاته مثلًا، وتارة لا يبطله ولا يرده","vol":"1","page":204},{"text":"من أصله كمن توضأ أربعًا أربعًا، أو صام الليل مع النهار وواصل في صيامه. انتهى.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>القاعدة التاسعة: العبادة التي أطلقها الشارع لا يشرع تقييدها بزمان أو مكان أو صفة أو عدد</span>\nقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث \"١٦٥\": ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل تكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فصل إلا ما فضله الشرع، وخصه بنوع العبادة، فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع فضلًا فيه جميع أعمال البر، كعشرة ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.\nوالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ. انتهى.\nوقال الألباني في أحكام الجنائز \"٣٠٦\" في ذكر أنواع البدع: كل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود مثل المكان أو الزمان أو صفة أو عدد. انتهى.\nوقال ابن القيم في إعلام الموقعين \"١/٣٤٤\": ومعلوم أنه لا حرام","vol":"1","page":205},{"text":"إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده. انتهى.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>القاعدة العاشرة: ما ثبت على صفة معينة من العبادات فان الاقتصار على جزء معين من تلك العبادة دون الإتيان بها بكاملها يعتبر بدعة</span>\nالعبادة الواردة على صفة معينة في الشرع ينبغي لمن أراد أن يفعلها أن يأتي بها كما وردت في الشرع وصفتها فإن لم يأت بها بكمالها وإنما أتى بجزء منها فقد ابتدع في الدين، لأنه يعتبر خلاف ما شرع الله ﷿، قال أبو شامة في كتاب الباعث في إنكار البدع والحوادث \"١٩١\": لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة ولا سبب لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصح بدونها فكلما لا يقترب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة، ومزدلفة، ورمكي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يقترب إلى الله تعالى بسجدة منفردة، وإن كانت قربة إذا لم يكن لها سبب صحيح. انتهى.","vol":"1","page":206},{"text":"وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم \"٥٧\": وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة مطلقًا، فقد رأى النبي ﷺ رجلًا قائما في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفى بنذرها..، ومع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها. انتهى.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>القاعدة الحادية عشر: لا يشرع استعمال طريقة جديد لدعوة الناس إلى عبادة ربهم</span>\nلا شك عند أحد من المسلمين أن هذا الدين كامل، فقد قال تعالى في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] .\nوكمال الدين يلزم منه أنه كل طريقه لدعوة الناس إلى عبادة ربهم لم يستعملها النبي ﷺ مع إمكان استعماله لها، يكون استعمالها بعد النبي ﷺ بدعة في الدين، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١١/٦٢٠، ٦٢٥\": عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر من القتل، وقطع الطريق، والسرقة، وشرب خمر، وغير ذلك، ثم إن","vol":"1","page":207},{"text":"شيخا من المشائخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعًا يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابه، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصبح من لا يصلي ويسرف ولا يزكي يتورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات، فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه، لما يترتب عليه من المصالح، مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا.\nفأجاب شيخ الإسلام:\nالحمد لله رب العالمين.\nأصل جواب هذه المسألة وما أشبهها: أن يعلم أن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى باله شهيدا، وأنه أكمل له ولأمته الدين، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] . وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]،.. إلى أن قال: إذا عرف هذا المعلوم إنما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به العاصين، لابد أن يكون فيما بعثه الله به ورسوله من الكتاب والسنة،","vol":"1","page":208},{"text":"وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول الله ﷺ لا يكفيني في ذلك، لكان دين الرسول ناقصًا، محتاجًا تتمة، وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب، والأعمال الفاسدة نهى الله عنها، والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة، فإن الشارع حكيم، فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك، وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله، ولم يشرعه الله ورسوله، فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم غالبًا على ضرره لم يهمله الشارع، فإنه ﷺ حكيم، لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين، إذا تبين هذا فنقول للسائل: إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي، يدل على أن الشيخ جاهل بالطرق الشريعة التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها، فإن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها","vol":"1","page":209},{"text":"عن الطرق البدعية، فلا يجوز أن يقال إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يحصيه إلا اله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية، التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي.، فلا يمكن أن يقال: إن العصاة لا يمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل يقال: إن في الشيوخ من يكون جاهلًا بالطرق الشرعية عاجزًا عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنة، وما يخاطب به الناس، ويسمعهم إياه، مما يتوب الله عليهم، فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية، إما مع حسن القصد إن كان له دين، وإما أن يكون غرضه الترؤس عليهم، وأخذ أموالهم بالباطل. انتهى.\nقلت: ويشكل على بعض الناس عند ذكر هذه القاعدة أن هناك أمور استجدت تستخدم في دعوة الناس لم تكن في زمن النبي ﷺ، واتفق العلماء على استحباب استعمالها في دعوة الناس إلى عبادة ربهم \"كالشريط\" وما إلى ذلك.\nوالجواب عن هذا الإشكال: أن المراد بهذه القاعدة هو أن يكون المقتضي موجودًا في زمن النبي ﷺ وليس هناك مانع يمنع منه، ومع ذلك لم يفعله النبي ﷺ فيكون استعماله بعد زمن النبي ﷺ بدعة، \"فالشريط\" مثلًا كان هناك مانع يمنع منه، وهو عدم استطاعة إيجاده، وعليه فلا يدخل في هذه القاعدة، كما سيأتي بيانه من كلام شيخ الإسلام في قاعدة المصلحة المرسلة","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>القاعدة الثانية عشر: ما جاء عن أحد من الصحابة فعل عبادة ما فإن تلك العبادة يُشرع فعلها ولا تعتبر بدعة</span>\nالصحابة حريصون على إتباع السنة واجتناب البدعة فإذا ورد عن أحد من الصحابة فعل عبادة ما لم تأت في الكتاب أو السنة فإن تلك العبادة تعتبر مشروعة ولا تعتبر بدعة، لأن الصحابي لا يأت بعبادة إلا وله فيها مستند ولا يجتهد في ذلك من عنده، لكن يشترط لاعتبار تلك العبادة مشروعة شرطان ذكرهما الألباني في أحكام الجنائز فقال \"٣٠٦\": كل أمر لا يمكن أن يشرع إلا بنص أو توقيف، ولا نص عليه عليه، فهو بدعة إلا ما كان عن صحابي تكرر ذلك العمل منه دون نكير. انتهى.\nوقد ذكر الحاكم في المستدرك \"١/٣٧٠\" حديث النهي عن الكتابة على القبور وقال: وليس العمل عليه: فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف.\nفتعقبه الذهبي قائلًا: ما قلت طائلًا، ولا نعلم صحابيا فعلى ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي. انتهى.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>القاعدة الثالثة عشر: فعل العبادة على غير الصفة التي وردت بها أوغير السبب التي وردت من أجله تعتبر بدعة</span>\nإذا وردت عبادة بصفة معينة فيجب فعلها على تلك الصفة، ولا يجوز فعلها على غير الصفة التي وردت بها، كالأذان فإنه ورد بصفة","vol":"1","page":211},{"text":"معينة فلا يشرع التلحين والتطريب فيه، لأن ذلك مخالف للصفة التي ورد بها الأذان، وقد كان السلف ينكرون ذلك، فعن يحيى البكاء أن رجلا قال لإبن عمر: إني لأحبك في الله، فقال له ابن عمر: لكني أبغضك في الله، فكأن أصحاب ابن عمر لاموه، فقال: إنه يبغي في أذانه. أخرجه عبد الرزاق \"١/٤٨١\" بإسناد حسن.\nقال ابن الأثير في الناهية \"١/١٠٦\": أراد بالبغي في الأذان التطريب والتمديد. أهـ.\nوكذلك أيضا فإن العبادة التي وردت لسبب ما لايشرع فعلها إذا لم يوجد ذلك السبب، كصلاة الاستخارة فإن سببها الأمور التي آثار عواقبها غير ظاهرة وواضحة كالنكاح، فلاتشرع صلاة الاستخارة لأمور آثار عواقبها ظاهرة وواضحة.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>القاعدة الرابعة عشر: لا يشرع التقرب إلى الله بالمباحات</span>\nقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١١/٤٥٠ - ٤٥١\": فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما هي تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينًا لم","vol":"1","page":212},{"text":"يأذن الله به، ولمن حرم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات؟!..، ثم قال: وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرما لا ينهى عنه، بل يقال إنه جائز، ولا يفرقون بين اتخاذه دينًا وطاعة وبرًا، ودبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه دينًا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات. انتهى.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>القاعدة الخامسة عشر: المصلحة المرسلة ليست من البدعة في شيء</span>\nالمصلحة المرسلة لا تعتبر بدعة، وذلك لأن الأدلة الشرعية دلت عليها بخلاف البدعة فالشرع جاء بتمكين المصالح وإلغاء المفاسد، وعلى هذا جرى عمل الصحابة، قال الشنقيطي في المصالح المرسلة \"٢١\": فالحاصل أن الصحابة ﵃ كانوا يتعلقون بالمصالح المرسلة التي لم يدل دليل على إلغائها، ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية. انتهى.\nوأما البدعة فليس فيها مصلحة، وإن كان ظاهرها أن فيها مصلحة فحقيقة الأمر ليس كذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى \"١١/٣٤٤\": والقول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة","vol":"1","page":213},{"text":"قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي ﷺ، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة، وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له: إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، أو إنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة، لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيرًا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون منفعته مرجوحة بالمضرة. انتهى.\nقلت: والضابط في تمييز المصلحة المرسلة من البدعة، هو أن المصلحة المرسلة لم يكن المقتضي لفعلها موجود في زمن النبي ﷺ، أو كان المقتضي موجودا لها لكن كان هناك مانع يمنع منه، والبدعة بعكس ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم \"٢/٥٩٤\": فما رآه الناس مصلحة نُظر في السبب المحرج إليه: فإن كان السبب المحرج إليه أمرًا حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منه، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعوا الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله ﷺ لكن تركه النبي ﷺ لمعارض زال بموته، وأما ما لم يَحدُث سبب يحوج إليه أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجودًا لو كان مصلحة ولم يُفعل أنه ليس بمصلحة.. إلى أن قال: فأما ما كان المقتضي لفعله موجودًا لو كان مصلحة وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما أدخله فيه من نُسب إلى","vol":"1","page":214},{"text":"تغيير الدين من الملوك والعلماء والعباد، أومن زل منهم باجتهاد.. فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلًا على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] أو يقاس على الأذان في الجمعة! فإن الاستدلال على حُسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع! بل يقال ترك رسول الله ﷺ له مع وجود ما يعتقد مقتضيًا وزال المانع: سنة كما أن فعله سنة..، فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزال المانع له، لو كان خيرًا. فإن كل ما يبديه المحدث لهذا المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله ﷺ ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ، فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس. انتهى.\nقال الشنقيطي في المصالح المرسلة \"٢١\": ولكن التحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ وغاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة عدم معارضتها لمصلحة أرجح منها، أو مفسدة أرجح منها، أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال. انتهى.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>القاعدة السادسة عشر: ليس كل من وقع في البدعة صار مبتدعًا</span>\nلا يحكم على الرجل بكونه مبتدعا بمجرد وقوعه في البدعة، لأنه قد يكون وقع في البدعة بسبب جهل أو خطأ منه وليس عن عمد وقصد، فلا يلزم من وقوعه في البدعة أن يحكم عليه بأنه مبتدع، وإنما يحكم عليه بأنه مبتدع بعد إقامة الحجة عليه وانتفاء الشبهة عن ما فعله، وعلى هذا جرى عمل السلف الصالح، فإنهم يحكمون على الفعل الذي وقع من شخص ما بأنه بدعة ولا يحكمون على الفاعل بأنه مبتدع إلا بعد إقامة الحجة عليه","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>القواعد التي لا تصح لتصحيح الحديث أو تضعيفه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>أولًا: ما لا يصح من القواعد لتصحيح الحديث</span>\nأجمع علماء الحديث أن الحديث الصحيح هو الذي تتوفر فيه خمسة شروط وهي:\n١ - اتصال السند.\n٢ - عدالة الرواة.\n٣ - ضبطهم.\n٤ - السلامة من الشذوذ.\n٥ - السلامة من العلة.\nفمتى اختلَّ شرط من هذه الشروط الخمسة صار الحديث ضعيفًا، وهناك قواعد صححت بها بعض الأحاديث لم تتوفر فيها شرط من الشروط الخمسة المتقدمة وعليه فتكون تلك القواعد غير صحيحة، وهذه القواعد هي:","vol":"1","page":217},{"text":"١ - تصحيح الحديث لصحة معناه:\nهناك بعض الأحاديث الضعيفة قد يكون معناها صحيح، لو ورد أدلة صحيحة دلت على معنى ذلك الحديث الضعيف أو لوقوع ما دل عليه ذلك الحديث لكن لا يجوز نسبة ذلك الحديث الضعيف إلى النبي ﷺ لأنه ليس كل ما صح معناه قاله النبي ﷺ.\nقال الألباني في الضعيفة \"٣/٣٦، ٣٧\": بعد أن ذكر ضعف حديث: \"إذا أبغض المسلمون علماءهم، وأظهروا عمارة أسواقهم وتناكحوا على جمع الدراهم، رماهم الله ﷿ بأربع خصال: بالقحط من الزمان، والجور من السلطان، والخيانة من ولاة الحكام، والصولة من العدو\".\nقال الذهبي: منكر.\nقال الألباني: كتب بعض الطلاب الحمقى وبالحبر الذي لا يمحى، عقب قول الذهبي المتقدم - نسخة الظاهرية -: \"قلت بل صحيح جدًا\" وكأن هذا الأحمق يستلزم من مطابقة معنى الحديث الواقع أنه قاله رسول الله ﷺ، وهذا جهل فاضح، فكم من مئات الأحاديث ضعفها أئمة الحديث وهي مع ذلك صحيحة المعنى، ولا حاجة لضرب الأمثلة على ذلك، ففي هذه السلة ما يغني عن ذلك، ولو فتح باب تصحيح الأحاديث من حيث المعنى دون التفات إلى الأسانيد، لا ندسَّ كثير من الباطل على الشرح، ولقال الناس على النبي ﷺ ما لم يقل، ثم تبوؤا","vol":"1","page":218},{"text":"مقعدهم من النار. انتهى.\n٢ - تصحيح الحديث بالتجرة:\nالحديث لا يصحح بالتجربة، وإنما يُصحح بناء على الإسناد، قال الشوكاني في تحفة الذاكرين \"١٤٠\": السنة لا تثبت بمجرد التجربة، وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله ﷺ، فقد يجيب الله الدعاء من غير توسل منه وهو أرحم الراحمين، وقد تكون الاستجابة استدراجا. انتهى.\nوقال الألباني في الضعيفة \"٢/١٠٨، ١٠٩\" بعد أن ذكر ضعف حديث: \"إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أحبسوا عليَّ، فإن لله في الأرض حاضرًا سيجبه عليكم\".\nقال السخاوي في الإبتهاج بأذكار المسافر والحاج \"٣٩\": وسنده ضعيف، لكن قال النووي: إنه جربه وهو وبعض أكابر شيوخه. فتعقبه الألباني ﵀ وقال: العبادات لا تؤخذ من التجارب، سيما ما كان منها في أمر غيبي كهذا الحديث، فلا يجوز الميل إلى تصحيحه بالتجربة. انتهى.\n٣ - تصحيح الحديث بالكشف:\nذكر العجلوني في كشف الخفا \"١/٩\" عن ابن عربي الصوفي ما حاصله أنه رب حديث ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضاع في رواته يكون صحيحا في نفس الأمر لسماع المكاشف له من الروح حين","vol":"1","page":219},{"text":"إلقائه على رسول الله ﷺ. انتهى.\nوالجواب: أن حكاية هذا الكلام فيه غنية عن الردِّ عليه، لوضوح بطلانه، ومخالفته للشرع.\nوإلا فما فائدة السند إذا كانت الحديث يعرف بالكشف، وما فائدة هذه الجهود الجبارة من علماء الحديث في تنقيح الأسانيد.\nقال العلامة عليش في فتح العلي المالك \"١/٤٥\": من المعلوم لكل أحد أن الأحاديث لا تثبت إلا بالأسانيد لا بنحو الكشف وأنوار القلوب، فما نقله السخاوي عن جماعة الشيخ إسماعيل اليمني، إن كان المراد صحة اللفظ توقف الأمر على السند، وإلا رُدَّ القول على قائله كائنًا من كان، ودين الله لا محاباة فيه، والولاية والكرامات لا دخل لها هنا، إنما نرجع للحفاظ العارفين بهذا الشأن. انتهى.\nوقال الألباني في الضعيفة \"١/١٤٥\" في حديث: \"أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم اهتديتم\" بعد أن حكم عليه بالوضع قال: وأما قول الشعراني في الميزان: [وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين فهو صحيح عند أهل الكشف]، فباطل وهراء لا يلتفت إليه ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل لها وكذا الحديث. انتهى.","vol":"1","page":220},{"text":"٤ - تصحيح الحديث لتلقي العلماء له بالقبول:\nقال السيوطي في كتاب البحر الذي زحر \"كما في التحفة المرضية/١٧٨\"\"١\" المقبول ما تلقاه العلماء بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح فيما ذكره طائفة منهم ابن عبد البر، ومثلوه بحديث جابر: الدينار أربعة وعشرون قيراطا، أو اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم فيما ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وابن فورك كحديث في الرقة ربع العشر وحديث لا وصية لوارث. انتهى.\nوقال السخاوي: إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الشافعي: حديث \"لا وصية لوارث\" لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخًا لآية الوصية للوارث. انتهى.\nقلت: الحديث الضعيف الذي تلقاه العلماء بالقبول له حالتان:\nالحالة الأولى: أن يكون ذلك الحديث الضعيف أجمع العلماء على القول به، فيؤخذ بذلك الحكم الذي ورد في ذلك الحديث لإجماع العلماء عليه، ولا ينسب ذلك الحديث إلى رسول الله ﷺ وذلك لأن الإجماع إنما هو على الحكم الذي وقع في ذلك الحديث، والعمل به لا على نسبة ذلك الحديث إلى رسول الله ﷺ، وهذا مراد الشافعي المتقدم\n_________\n\"١ وهو مطبوع في آخر المعجم الصغير للطبراني.","vol":"1","page":221},{"text":"بقوله: لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول.\nفانظر كيف حكم على الحديث بضعفه، والأخذ بالحكم الوارد فيه والعمل بمقتضاه للإجماع، ولذا قال الحافظ في الفتح \"١٢/ \" بعد أن ذكر الحديث: \"لا وصية لوارث\":\nلكن الحجة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره. انتهى.\nقلت: على أن هذا الحديث قد ثبت إسناده بعض أئمة الحديث.\nفالحاصل أن الحديث الضعيف الذي أجمع العلماء بالقول به، يؤخذ بالحكم الوارد فيه لإجماع العلماء عليه،، ولا ينسب إلى رسول الله ﷺ لضعف إسناده.\nالحالة الثانية: أن يكون الحديث الذي قيل أنه متلقى بالقبول قد صرح بعض الأئمة بقبوله، وبعض الأئمة سكت عنه فلم يصرح بقبوله ولا برده، فلا يقال عن هذا الحديث أنه ملتقى بالقبول.\nوذلك لسكوت بعض الأئمة عنه والساكت لا ينسب له قول.\n٥ - تصحيح الحديث لموافقته لأصول الشريعة أو لآية من كتاب الله:\nقال ابن الحصار كما في تدريب الراوي \"٢٥\": قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به. انتهى.","vol":"1","page":222},{"text":"قلت: إذا كان في سند الحديث راو ضعيف، فإنه لا يجوز نسبة ذلك الكلام إلى النبي ﷺ لضعف السند ولو كان ذلك الحديث موافقًا لآية في كتاب الله أو لبعض أصول الشريعة لأن العمل يكون حينئذ على تلك الآية أو ذلك الأصل، وكم من حديث وافق آية أو أصلا من أصول الشريعة وضعفه أئمة الحديث لضعف سنده كحديث: \"لا بأس بقضاء شهر رمضان مفرقًا\" فإنه حديث ضعيف ضعفه الألباني في السلسة الضعيفة \"٢/١٣٦\" مع أنه يشهد له قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأطلقت الآية القضاء بدون تقييد التتابع.\nوكحديث: \"إذا أذن المؤذن يوم الجمعة حرم العمل\" قال الألباني في الضعيفة \"٥/٢٣٠\" بعد أن حكم على الحديث بأنه موضوع: ويغني عن هذا الحديث قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية. انتهى.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>ثانيا: مالا يصح تضعيف الحديث به:</span>\nأئمة الحديث إنما يضعفون الحديث إذا اختل منه شرط من شروط الحديث الصحيح، ولا يضعفون الحديث بغير ذلك، فإن وجدوا في المتن معنى غريب مع صحة السند لم يضعفوا الحديث وإنما يحاولون أن يحملوه على معنى من المعاني المحتملة إذا أمكن، وإلا فإنه يتوقف في تأويله ولا","vol":"1","page":223},{"text":"يضعف من أجل ذلك.\nفإن قيل: قد ذكر الأئمة قواعد يستدل بها على وضع متن الحديث فالجواب: أن هذه القواعد ليست أصلية، وإنما هي قواعد يصار إليها بعد النظر في السند، لأن هذه القواعد يُعمل بها دون النظر في السند، فإذا كان الإسناد غير صحيح فإنهم حينئذ يعملون بتلك القواعد ويضيفون إلى ضعف السند نكارة المتن فإن قيل: قد ورد عن بعض الأئمة تضعيف متون بعض الأحاديث مع صحة الإسناد.\nفالجواب: أن هذا نادر والنادر لا حكم له، وأيضا تجد هذا الحديث الذي حكم على متنه بالنكارة من بعض الأئمة أحيانا يكون قد صححه البعض الآخر، كحديث \"خلق الله التربة يوم السبت..\" ضعفه البخاري وصححه مسلم ولم ير أن ما أعُلَّ به من نكارة متنه إعلال صحيح، وغير ذلك من الأحاديث فلو كان هذا منهجا لهم لم اختلفوا في تضعيف تلك الأحاديث وهذا مما يدل على أن تلك القواعد التي ذكرها الأئمة ليست أصلية، وإنما يصار إليها بعد النظر في الإسناد، القواعد التي ذكرها ابن القيم في المنار المنيف \"٣٥\" لمعرفة الحديث الموضوع بغير نظر في إسناده، ذكر تحتها أحاديث أسانيدها جميعها هالكة وساقطة، بل قال: وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، ودخلت بدمه ولحمه وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه. انتهى.","vol":"1","page":224},{"text":"ولو بحث أحد في تلك المواصفات التي ذكرها ابن القيم يجد أنها غير موجودة في أحد من أهل الأعصار المتأخرة والله المستعان.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>فمن القواعد التي لا يصح تضعيف الحديث بها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>اولًا: تضعيف الحديث لمخالفته للقياس</span>\n...\nفمن القواعد التي لا يصح تضعيف الحديث بها:\n١ - تضعيف الحديث لمخالفته للقياس:\nالحديث الصحيح لا يخالف القياس الصحيح أبدًا كما قرره ابن القيم في إعلام الموقعين \"٢/٢٨\" فإذا جاء حديث يخالف القياس خلافا واضحا جليا، فلا بد أن يكون في إسناده ضعف، إذ لا يأت أبدا حديث إسناده صحيح وقيل: بأنه يخالف القياس إلا ويكون ذلك القياس قياسًا ليس صحيحًا، قال الخطيب في الفقه والمتفقه \"١/١٣٦\" في رده على قول من ذهب إلى تضعيف الحديث المخالف للقياس في الظاهر:\nويدل على صحة ما ذكرناه أن الخبر يدل على قصد صاحب السترع بصريحة والقياس يدل على قصده بالاستدلال، والتصريح أقوى فوجب أن يكون التقديم أولى.. والاجتهاد في خبر الواحد إنما هو في ثبوت صدق الراوي فإذا ثبت صدقه من طريق يوجب الظن لزم المصير إلى خبره ولم يبق موضع آخر يحتاج إلى الاجتهاد فيه، ولأن ثبوت صدقه في الظاهر أجلى من طريق ثبوت العلة. العلة.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>ثانيًا: تضعيف الحديث لمخالفته للعقل:</span>\n...\n٢ - تضعيف الحديث لمخالفته للعقل:\nمن منهج المعتزلة وأفراخهم من العقلانيين وأنهم إذا وجدوا حديثًا يخالف عقلهم ضعفوه وردوه، مع صحة إسناده، ولم يعلموا أن الحديث الصحيح لا يخالف العقل أبدًا، وفي هذا الموضوع ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه الرائع: \"موافقه صحيح المنقول لصريح المعقول\".\nومراده بذلك أن المنقول الصحيح لا يخالف المعقول أبدًا، وإنما يَرُدُّ الحديث الصحيح بدعوى أنه يخالف العقل من كان عقله ضعيفًا ومداركه ضيقة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nلا يُعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف بل موضوع، والنصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بينٌ قط. انتهى.\nوقال الألباني في الصحيحة \"٥/٦١٢\": إذا ورد الأثر بطل النظر، فبعد ثبوت الحديث لا مجال لاستنكار ما تضمنه من الواقع، ولو أننا فتحنا باب الإستنكار لمجرد الإستبعاد العقلي للزم إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة، وهذا ليس من شأن أهل السنة والحديث، بل هو من دأب المعتزلة وأهل الأهواء. انتهى.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>ثالثًا: تضعيف الحديث إذا كان مما تعم به البلوى وكان راويه واحدًا</span>\n...\n٣ - تضعيف الحديث إذا كان مما تعم به البلوى وكان راويه واحدًا\nاحتج من ذهب إلى هذه القاعدة بأن الحديث الذي تعم به البلوى يكثر السؤال عنه وإذا كثر السؤال كثر الجواب، فإذا نقل واحدًا ذلك","vol":"1","page":226},{"text":"علم أنه مما أخطأ فيه وأنه لا أصل لذلك الحديث.\nوقد تعقب هذا الكلام الخطيب في الفقيه والمتفقه فقال: \"١/١٣٧\": وهذا عندنا غير صحيح والدليل على وجوب قبوله أنه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع بما لا طريقة فيه للعلم فوجب العمل به قياسًا على ما لا تُعم به البلوى، ولأن شروط البيوع والأنكحة وما يعرض في الوضوء مما خرج من غير السبيلين، والمشي مع الجنازة، وبيع رباع مكة وإيجارتها، ووجوب الوتر، وما أشبه ذلك قد أثبته المخالف بخبر الواحد وهو مما تُعم به البلوى، فأما قوله: إن السؤال يكثر عنه، فالجواب عنه: أن النقل لا يجب أن يكون على حسب البيان لأن الصحابة كانت دواعيهم مختلفة وكان بعضهم لا يرى الرواية ويؤثر عليها الاشتغال بالجهاد، وقال السائب بن يزيد: \"صحبت سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة فلم أسمعه يروي عن رسول الله ﷺ حديثا\" ويروى: \"إلا حديثا واحدا\"،..على أن ما ذكره المخالف يبطل بما وصفناه من الأحكام التي أثبتها من طريق الآحاد وكل جواب له عنها فهو جوابنا عما ذكره. انتهى.\nقلت: ويكفي في رد هذه القاعدة حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\" فإنه حديث تعم به البلوى ويحتاج إليه كل أحد، ومع ذلك قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم \"٥\": هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن أبي وقاص الليثي","vol":"1","page":227},{"text":"عن عمر بن الخطاب ﵁، وليس له طريق يصح غيره هذا الطريق، كذا قال علي بن المديني وغيره. انتهى.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>رابعًا: تضعيف الحديث لمخالفته للقرآن أو لحديث مشهور بالصحة</span>\n...\n٤ - تضعيف الحديث لمخالفته للقرآن أو لحديث مشهور بالصحة:\nليس هناك حديث إسناده صحيح ويكون مخالف للقرآن أو لحديث أصح منه في حقيقة الأمر، وإنما يكون ذلك الاختلاف في الظاهر، لأن الأدلة الشرعية لا تناقض بينها أبدًا، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٢٠٢\": وإذا كان \"أي الحكم\" في السنة لم يكن ما في السنة معارضا لما في القرآن. انتهى.\nفإذا لم يستطع الناظر في الدليل التوفيق بينه وبين الدليل الآخر فلا يحكم عليه بالضعف لسبب عدم استطاعته التوفيق بينهما بل يكل علم ذلك إلى الله ﷿، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى \"١٩/٢٠٠\".\nوالدلائل الصحيحة لا تتناقض لكن قد يخفى وجه اتفاقها على بعض العلماء. انتهى.\nوقال ابن خزيمة كما في الكفاية \"٦٠٦\": لا أعرف أنه روي عن رسول الله ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما. انتهى.\nوقال الحافظ الألباني في الصحيحة \"٥/٤٦٤\": والذي أراه أنه لا ينبغي عند نقد الحديث أن يلاحظ الناقد أمورًا فقهية يتوهم أنها تعارض","vol":"1","page":228},{"text":"الحديث، فيتخذ ذلك حجة للطعن في الحديث، فإن هذا مع كونه ليس من قواعد علم الحديث - لو اعتمد عليه في النقد، للزم منه رد كثير من الأحاديث الصحيحة التي وردت بالطريق القوية. انتهى.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>خامسًا: تضعيف الحديث لمخالفته لرأي الراوي له</span>\n...\n٥ - تضعيف الحديث لمخالفته لرأي الراوي له:\nإذا روى الراوي حديثا وأفتى بخلافه، فإن الحديث يكون مقدمًا على فتوى ذلك الراوي، ولا يضعف الحديث من أجل أن الراوي أفتى بخلافه، وذلك لأن الراوي إنما أفتى بخلافه ليس لضعف في الحديث، وإنما لاحتمال نسيانه للحديث الذي رواه، أو لظنه أن دلالته ليست على ظاهرها، أو لغير ذلك من الأسباب، قال الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه \"١/١٤١، ١٤٣\": إذا روى الصحابي عن رسول الله ﷺ حديثًا ثم روى عن ذلك الصحابي خلاف لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته، وترك ما رُوي عنه من فعله أو فتياه لأن الواجب علينا بقول نقله وروايته عن النبي ﷺ لا قول رأيه.. لأن الصاحب قد ينسى ما روى وقت فتياه..، ولأن الصحابي قد يذكر ما روي إلا أنه يتأول فيه تأويلا يصرفه عن ظاهره كما تأولت أم المؤمنين عائشة ﵂ إتمام الصلاة في السفر. انتهى.\nقلت: فإن قيل قد قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي \"٤٠٩\": قاعدة - في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه: قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحافظ أحاديث كثيرة مثل هذا.. ثم ذكر","vol":"1","page":229},{"text":"جملة من الأحاديث.\nفالجواب:\nأنه عند النظر في تلك الأحاديث التي ذكرها ابن رجب، وُجد أن بعض تلك الأحاديث اختلف الحفاظ في الحكم على صحتها، فلو كان ما ذكره ابن رجب قاعدة صحيحة لما اختلف الحفاظ في تضعيف تلك الأحاديث، كحديث ابن عباس في حج الصبي فقد أخرجه مسلم في صحيحه \"٢/٩٧٤\" وأيضا فإن تلك الأحاديث التي ذكرها ابن رجب في شرح العلل، أكثرها لا يصح إسنادها إلى ذلك الصحابي الذي روى الحديث، فهذا مما يشعر أن أولئك الحفاظ لم يضعفوها لأجل أن راويها أفتى بخلافها، وإنما ضعفوها لضعف سندها، وهذا مما يُشعر بأن تضعيف الحديث إذا أفتى راويه بخلافه ليست قاعدة عند أولئك الحفاظ، وإنما هي قرينة مؤكدة على ضعف الحديث متنًا بالإضافة إلى ضعفه سندًا، ورحم الله الإمام ابن رجب فلكل جواد كبوة.\nوقاعدة: إذا خالف الراوي ما رواه فالعبرة بما رواه لا بما رآه، قد أقرها غير واحد من الأئمة وعملوا بها.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>سادسًا: تضعيف الحديث لعدم ورود في كتب الحديث المشتهرة</span>\n...\n٦ - تضعيف الحديث لعدم ورود في كتب الحديث المشتهرة\nالأحاديث الصحيحة ليست محصورة في كتب الحديث المشهرة اشتهارًا كبيرًا، فقد يكون هناك حديث صحيح وليس مذكورًا في كتب الحديث المشتهرة، ولذلك تجد أئمة إذا وجدوا حديثًا في كتاب من","vol":"1","page":230},{"text":"كتب الحديث ولم يكن ذلك الكتاب مشتهرًا، فإنهم لا يقولون إن ذلك الحديث ضعيف لوجوده في كتاب ليس بمشهور، وإنما ينظرون في سنده ومن ثَمَّ يحكمون على الحديث بحسب سنده، وهذه كتب الأئمة طافحة بتصحيح أحاديث لم تذكر في كتب الحديث المشهورة، وأقرأ مثلًا: \"صحيح الجامع الصغير\" للحافظ الألباني، تجد مصداق ما ذكرتُ.\nتم بحمد الله","vol":"1","page":231}]}