{"ً":{"ٌ":12110,"ٍ":"نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد الرسول ﷺ","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد الرسول ﷺ\nالمؤلف: محمد بن عبد الرحمن الشايع\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٥٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":972,"ٕ":5,"ٖ":1770155382,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"ملخص بحث: نزول القرآن الكريم","level":1,"page":2},{"title":"النزول في اللغة:","level":1,"page":4},{"title":"النزول في القرآن الكريم:","level":1,"page":5},{"title":"الفرق بين الإنزال والتنزيل:","level":1,"page":9},{"title":"تنزلات القرآن الكريم:","level":1,"page":13},{"title":"القول الأول:","level":2,"page":13},{"title":"القول الثاني:","level":2,"page":19},{"title":"القول الثالث:","level":2,"page":22},{"title":"القول الرابع:","level":2,"page":24},{"title":"الترجيح:","level":2,"page":27},{"title":"حكمة نزول القرآن الكريم جملة:","level":1,"page":36},{"title":"وقت نزول القرآن الكريم:","level":1,"page":38},{"title":"مدة نزول القرآن الكريم:","level":1,"page":41},{"title":"يوم إنزال القرآن:","level":1,"page":46},{"title":"شهر إنزال القرآن الكريم:","level":1,"page":47},{"title":"مقدار التنزيل:","level":1,"page":54}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56},"ٜ":{"1":[1,56]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"5":[4],"9":[5],"13":[6,7],"19":[8],"22":[9],"24":[10],"27":[11],"36":[12],"38":[13],"41":[14],"46":[15],"47":[16],"54":[17]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nنزول القرآن الكريم والعناية به في عهد الرسول ﷺ\nبحث مقدم لندوة (عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه) المدينة المنورة\nإعداد:أ. د/ محمد بن عبد الرحمن الشايع\nتقديم\nالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا. والحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا. والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد.\nفإن موضوعات علوم القرآن الكريم كثيرة انتدب العلماء والباحثون أنفسهم لدرسها والعناية بها فألفت فيها المؤلفات، وصنفت الموسوعات، وأفردت بعض الموضوعات بالدراسة والتأليف لأهميتها ومسيس حاجتها لمزيد بحث وعمق في الدرس. ومن هذه الموضوعات موضوع \"نزول القرآن الكريم\" وهو موضوع واسع الجنبات متنوع المسائل إذ يشمل:\n١ - مسألة تنزلات القرآن الكريم.\n٢ - ومسألة القول بتكرار بعض السور والآيات.\n٣ - ومسألة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف.\nوإذا نظرنا إلى مكان وزمان النزول دخل فيه المكي والمدني، وإذا نظرنا إلى مناسبات النزول دخل فيه أسباب النزول. فشمل ذلك صفة نزول القرآن الكريم وعدد مراته ومكانه وزمانه وأسبابه.\nوكل ذلك يحتاج إلى عمق في الدرس وسعة في الوقت، وفسحة في المجال وهو ما لا يسمح به وقت وتنظيم هذه الندوة المباركة: ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه. في طيبة الطيبة.\nفرغبت عرض المسألة الأولى رجاء أن أوفق وأسدد في ذكر شيء مفيد في هذه المسألة وحتى لا تكون الكتابة تكرارًا لعموميات لا جديد فيها. فتناولت مدلول النزول لغة. وأنواعه في القرآن الكريم والفرق بين الإنزال والتنزيل ومذاهب العلماء في تنزلات القرآن الكريم ووقت النزول ويومه وشهره ومدته ومقداره كل ذلك بالأدلة والمناقشة والأمثلة والله الموفق للحق والمعين على الخير.\nد. محمد بن عبد الرحمن الشايع","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ملخص بحث: نزول القرآن الكريم</span>\nأشار البحث إلى معنى النزول لغة وأن مادة \"نزل\" وردت في القرآن الكريم مئتين وخمسًا وتسعين مرة في أربعة وأربعين تصريفًا وأن لفظ النزول في القرآن الكريم ورد على ثلاثة أنواع:\n١- نزول مقيد بأنه من الله جل وعلا. وهذا لم يرد إلا خاصًا بالقرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة:٢) .\n٢- نزول مقيد بأنه من السماء وهذا يشمل نزول الملائكة، ونزول العذاب ونزول المطر من السحاب. وغير ذلك كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (الرعد:١٧) .\n٣- نزول مطلق عام لا يختص بنوع خاص كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحديد:٢٥) .\nوبين البحث أن هناك من فرق بين نزّل وأنزل. فجعل التنزيل للتكثير، والإنزال للمرة الواحدة. كما عرض البحث لمذاهب العلماء في تنزلات القرآن الكريم وأدلتهم، وأن أشهرها وأرجحها أن للقرآن الكريم تنزلان نزول جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا وكان ذلك في ليلة القدر وهي الليلة المباركة من شهر رمضان. ونزول تنجيم على الرسول ﷺ في نحو ثلاث وعشرين سنة. والقول الثاني أن للقرآن نزولًا واحدًا هو النزول المباشر على الرسول ﷺ وأنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر وهي الليلة المباركة من شهر رمضان.","vol":"1","page":2},{"text":"وذكر البحث أن أكثر نزول القرآن الكريم كان نهارًا حضرًا وقد نزل يسير منه في السفر وقليل منه في الليل وأما يوم نزوله فكان يوم الاثنين لحديث أبي قتادة الأنصاري وفيه وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: \"ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت - أو أنزل عليَّ فيه\".\nوأما شهره فقيل إنه في شهر ربيع الأول قيل في أوله وقيل في ثامنه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، وقد جعله ابن القيم قول الأكثرين. وقيل في الثاني عشر منه. والمشهور أنه في رمضان قال ابن كثير: والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن إسحاق وغيرهما. وكان نزوله مفرقًا: الآية والآيتان والخمس والعشر وأقل وأكثر كما نزل جزء آية، وسورة كاملة ونزلت سورتا المعوذتين معًا.\nد. محمد بن عبد الرحمن الشايع.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>النزول في اللغة:</span>\nجاءت مادة \"نزل\" في اللغة بتصريفات كثيرة: نزل، وأنزل، وتنزل، ونزّل.. وغير ذلك. كما جاءت هذه المادة بكثرة في القرآن الكريم بتصريفاتها المختلفة حيث بلغت أربعة وأربعين تصريفًا في (٢٩٥) آية. ١\nوالنزول في الأصل: انحطاط من علو إلى سفل.٢ فيقال نزل فلان من الجبل، ونزل عن الدابة، ويطلق على الحلول فيقال: نزل فلان في المدينة أي حل بها، والإنزال: الإحلال، قال تعالى: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٩) .\nويتعدى فعل \"نَزَل\" اللازم: بالحرف كقولك: نزلت به نازلة. وبالهمزة، كقولك: أنزل الله القرآن على محمد ﷺ، كقولك: نزّل الله القرآن على محمد ﷺ.٣\nوالمنزل: موضع النزول، والمنزلة مثله، وهي أيضًا المكانة؟٤\nوالنُّزُل: ما يعد للنازل من الزاد. ٥ قال تعالى: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ (الواقعة: ٩٢) .\n_________\n١ انظر معجم ألفاظ القرآن الكريم، وضع مجمع اللغة العربية، مادة نزل (٢/٥٠٩) . ومعجم الألفاظ والأعلام القرآنية، د. إسماعيل إبراهيم (٢٢٧) .\n٢ مفردات الراغب الأصفهاني (٧٤٤) .\n٣ انظر: المصباح المنير (٧٣٤)، وتاج العروس، مادة \"نزل\" (٨/١٣٢) - بتصرف -\n٤ المرجع السابق.\n٥ مفردات الراغب (٧٤٥) .","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>النزول في القرآن الكريم:</span>\nورد لفظ \"النزول\" في القرآن الكريم، على ثلاثة أنواع:١\nالنوع الأول: نزول مقيد بأنه من الله جل وعلا.\nالنوع الثاني: نزول مقيد بأنه من السماء.\nالنوع الثالث: نزول مطلق غير مقيد بهذا أو بذاك.\nفالنوع الأول وهو المقيد بأنه من عند الله تعالى اختص بالقرآن الكريم فلم يرد إلا معه في آيات كثيرة، كقوله تعالى:\n١. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: ١٠٢) .\n٢. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .٢\n٣. ﴿حم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (سورة غافر: ١،٢)\n٤. ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (فصلت: ١،٢) .\n٥. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة: ٢) .\n٦. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .٣\nوهذا التنصيص بأنه من الله جل وعلا وتخصيص القرآن بذلك له دلائله: ففيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من مخلوقات الله. كما تقول بذلك بعض الطوائف. وفيه بيان بطلان القول بخلق القرآن. وبطلان القول بأنه فاض\n_________\n١ انظر: الفتاوى لابن تيمية (١٢/١١٨،٢٤٦)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/١٩٦) والتبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن للشيخ طاهر الجزائري (٦٤) .\n٢ في ثلاثة مواضع: سورة الزمر/١، وسورة الجاثية/٢، وسورة الأحقاف/٢.\n٣ في موضعين: سورة الواقعة/٨٠، وسورة الحاقة/٤٣.","vol":"1","page":5},{"text":"على نفس النبي ﷺ من العقل الفعال أو غير ذلك من أقاويل أهل الكلام والفلسفة. ١\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلًا بصريح الآيات السابقة: \"فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد ولا غيرهما\".٢\nواختيار مادة النزول وما تصرف منها للكلام عن مصدر القرآن الكريم فيه تشريف وتكريم لهذا الكتاب وبيان علو منزلته كما قال تعالى: ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الزخرف: ١-٤) فالنزول لا يكون إلا من علو.\nوأما النوع الثاني، وهو النزول المقيد بأنه من السماء. فيتناول نزول المطر من السحاب، ونزول العذاب، ونزول الملائكة من عند الله. وغير ذلك.\nفقد ورد في آيات كثيرة ذكر إنزال الماء من السماء. كقوله تعالى:\n١. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢)\n٢. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (البقرة: ١٦٤)\n٣. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٩٩)\n٤. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (الرعد: ١٧)\n٥. ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (النحل: ٦٥) وغيرها كثير.\n_________\n١ انظر: الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/١٢٠) .\n٢ المصدر السابق (١٢/١٢٦) .","vol":"1","page":6},{"text":"والمراد بالسماء في هذه الآيات: السحاب أو مطلق العلو حيث فُسِّر في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (الواقعة: ٦٩) فالسماء اسم جنس لكل ما علا وارتفع.\nوجاء في إنزال العذاب من السماء قوله تعالى:\n١. ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (البقرة: ٥٩)\n٢. ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (العنكبوت: ٣٤)؟والرجز هو العذاب.\nوقال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤)\nوفسرت \"الآية\" هنا بما عظم من الأمور القاهرة، أو ما ظهر من الدلائل الواضحة.١\nوقال تعالى في إنزال الملائكة من السماء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٥)\nوكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ (يس: ٢٨)؟ففسر الجند هنا بالملائكة.٢\nوأما النوع الثالث، وهو الإنزال المطلق فهو عام لا يختص بنوع خاص من الإنزال. من ذلك قوله سبحانه:\n١- ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد:٢٥) فقد فسر قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ بجعلنا، وأظهرنا وخلقنا.٣\n_________\n١ انظر: تفسير الماوردي (٤/١٦٥) .\n٢ انظر تفسير الماوردي (٥/١٥) .\n٣ انظر تفسير الماوردي (٥/٤٨٣) .","vol":"1","page":7},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ \"وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق لأنه أخرجه من المعادن وعلمهم صنعته. فإن الحديد إنما خلق من المعادن -ثم ربط هذا المعنى بأصل الإنزال لغة فقال: والمعادن إنما تكون في الجبال فالحديد ينزله الله من معادنه التي في الجبال لينتفع به بنو آدم\"١\nوقد تبين لابن تيمية رحمه الله تعالى من استقرائه للآيات أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف وأن هذا هو اللائق بالقرآن الكريم لأنه نزل بلغة العرب.٢\nوقوله سبحانه: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: ٢٦) .\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: ٤) .\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (التوبة: ٢٦) .\nوغيرها من الآيات، حيث لم يرد فيها تعيين المنزل منه. كما ورد في النوعين قبله، فهو إنزال مطلق يفسر بحسب السياق، أو بما ورد موضحًا له في مواضع أخرى.\n_________\n١ الفتاوى (١٢/٢٥٤)، وانظر (١٢/١١٨) .\n٢ انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفرق بين الإنزال والتنزيل:</span>\nذهب إلى القول بالفرق بين اللفظتين جمع من اللغويين والمفسرين فهو قول الواحدي، والزمخشري، والراغب الأصفهاني، والسمين الحلبي، وابن الزبير الغرناطي، وغيرهم.١\nوذلك استدلالًا بالآيات التي فرقت بين اللفظتين حين ذكرت نزول الكتب السماوية وجمعت بينها، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿آلم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (آل عمران: ١-٤) .\nومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ (النساء: ١٣٦) .\nيقول الواحدي عند تفسيره لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ إنما قال \"نزّل\" وقال: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجومًا، شيئًا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلتا دفعة واحدة.٢\n_________\n١ كالقرطبي في تفسيره (٤/٥)، وابن الجوزي (١/٣٤٩)، وأبي السعود (٢/٤)، وبيان الحق النيسابوري في كتابه وضح البرهان في مشكلات القرآن (١/٢٣٣) .\n٢ البسيط للواحدي، (١٥٢)، رسالة دكتوراه للباحث: أحمد محمد صالح الحمادي، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.","vol":"1","page":9},{"text":"وقال الجرجاني في كتابه التعريفات مفرقًا بين اللفظتين: \"الفرق بين الإنزال والتنزيل: الإنزال يستعمل في الدفعة، والتنزيل يستعمل في التدريج\".١\nوقال الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى من سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾: \"فإن قلت: لم قيل: نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت: لأن القرآن نزل منجمًا ونزل الكتابان جملة\".٢\nوقال الراغب الأصفهاني في مفرداته: \"والفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة أن التنزيل يختص بالموضع الذي يشير إليه إنزاله مفرقًا ومرة بعد أخرى والإنزال عام\". فمما ذكر فيه التنزيل قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦) وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (الحجر: ٩) .\nوأما الإنزال فكقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر:١)؟وإنما خص لفظ الإنزال دون التنزيل لما روي أن القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا ثم نزل نجمًا فنجمًا\".٣\nوقال ابن الزبير الغرناطي في معرض حديثه عن آية سورة آل عمران السابقة: \"إن لفظ نزّل يقتضي التكرار لأجل التضعيف.. فقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ مشير إلى تفصيل المنزل وتنجيمه بحسب الدعاوى وأنه لم ينزل دفعة واحدة، أما لفظ أنزل فلا يعطي ذلك إعطاء نزّل وإن كان محتملًا..\" ٤\n_________\n١ التعريفات للجرجاني (٧٣) .\n٢ الكشاف (١/٤١١) .\n٣ مفردات الراغب، مادة نزل (٧٤٤) - بتصرف - وبصائر ذوي التمييز للفيروزأبادي (٥/٤٠) .\n٤ ملاك التأويل لأحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي (١/٢٨٦) تحقيق: د. سعيد الفلاح.","vol":"1","page":10},{"text":"ومن هنا قيل: بأن بين اللفظتين فرقًا وأن التعبير القرآني عما نزل دفعة واحدة يأتي بلفظ \"أنزل\"، وما نزل مفرقًا منجمًا يأتي بلفظ \"نزّل\" فاختلاف التعبير دال على اختلاف صفة التنزيل ولذلك لما جمع الله بين القرآن والتوراة والإنجيل في آية سورة آل عمران جاء مع القرآن لفظ نزَّل، ومع التوراة والإنجيل لفظ أنزل للدلالة على ذلك المعنى.\nوقد رد أبو حيان القول بالتفريق بين نزّل وأنزل المبني على أن التضعيف في نزّل دليل على التكثير والتنجيم؛ من وجوه:\n١ - أن التضعيف في نَزَّل مفيد لنقل الفعل من اللازم إلى المتعدي وليس للتكثير.\n٢ - أنه لو كان التضعيف في \"نزّل\" لإفادة التكثير والتنجيم لما جاء قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (الفرقان: ٣٢) جامعًا بين التضعيف وقوله: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وهما متنافيان في الدلالة.١\n٣ - إن من أدلة عدم الفرق بين اللفظتين وأنهما بمعنى واحد؛ القراءة بالوجهين في كثير مما جاء كذلك. يقول أبو حيان: \"ويدل على أنهما بمعنى واحد قراءة من قرأ ما كان من \"ينزِّل\" مشددًا؛ بالتخفيف - إلا ما استثني - فلو كان أحدهما يدل على التنجيم والآخر على النزول دفعة واحدة لتناقض الإخبار وهو محال\".٢\n_________\n١ انظر: البحر المحيط (١/١٠٣) والتحرير والتنوير (٣/١٤٨) وفتح الرحمن بكشف ما يلبس من القرآن لزكريا الأنصاري (١٩٧) .\n٢ البحر المحيط (٢/٣٧٨)، والدر المصون (٣/٢١) .","vol":"1","page":11},{"text":"ويؤيد هذا قراءة قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ بالتشديد ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ والتخفيف ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ ١ كما أنه قد جاء مع القرآن أنزل، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ (النحل: ٤٤) يقول سيبويه: \"فعّل وأفعل يتعاقبان\".\n٤ - مجيء \"نزّل\" المضعف في آيات كثيرة بحيث لا يراد منها إفادة التكثير والتنجيم إلا على تأويل متكلف وبعيد جدًا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (الأنعام: ٣٧) وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٥)؟فالمراد هنا مطلق الإنزال لا تكثير المنزل.٢\nومن أجل هذا ذهب بعضهم إلى جعل هذا التفريق غالبًا في استعمال القرآن لا قاعدة مطردة محاولة للجمع بين القولين.٣\n_________\n١ راجع توثيق القراءة. ص١٣، حاشية ٣) .\n٢ انظر: البحر المحيط (٢/٣٧٨) والدر المصون (٣/٢١) .\n٣ انظر: المدخل لدراسة القرآن للشيخ محمد محمد أبو (شهبة ٤٩) .","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>تنزلات القرآن الكريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>القول الأول:</span>\nأن للقرآن الكريم تنزلان نزول جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر المباركة من شهر رمضان الكريم، ونزول منجم على الرسول في نحو ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث من بعثته إلى وفاته ﵊. ١\nالقائلون به:\nقاله ابن عباس وجماعة وقال عنه الزركشي في البرهان: ٢ إنه أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون ووصفه ابن حجر بأنه: الصحيح المعتمد٣ وقال ذلك عنه -أيضًا- القسطلاني في لطائف الإشارات. ٤ وذكر السيوطي أن القرطبي حكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. ٥\nوحكاية الإجماع في ذلك لا تصح لوجود المخالف في ذلك وتعدد المذاهب فيه.٦\n_________\n١ انظر: البرهان للزركشي (١/٢٢٨)، والاتقان للسيوطي (١/١٤٦-) .\n٢ البرهان (١/٢٢٨) .\n٣ فتح الباري (٩/٤) .\n٤ لطائف الإشارات للقسطلاني (٢٢) .\n٥ الإتقان (١/١٤٨)، ومناهل العرفان (١/٣٩)، تفسير القرطبي (٢/٢٩٧) .\n٦ وقد حكى ابن حجر عن شيخه البلقين معنى غريبًا في نزول القرآن جملة لم يتابَع عليه وذلك عند بيان معنى قول جبريل ﵇ - للنبي - ﷺ في بدء الوحي: اقرأ. فقيل: \"أي القدر الذي أقرأه إياه وهي الآيات الأولى من ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ويحتمل أن يكون جملة القرآن، وعلى هذا يكون القرآن نزل جملة واحدة باعتبار ونزل منجمًا باعتبار آخر. قال: وفي إحضاره له جملة واحدة إشارة إلى أن آخره يكمل باعتبار الجملة ثم تكمل باعتبار التفصيل)، فتح الباري ١٢/٣٥٧) .","vol":"1","page":13},{"text":"أدلته:\n١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر:١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان: ٣) وقوله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) .\nفقد دل ظاهر هذه الآيات الثلاث أن القرآن الكريم أنزل جملة في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة من شهر رمضان. وهذا وصف مغاير لصفة نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ حيث إنه من المعلوم المقطوع به أن القرآن نزل على الرسول ﷺ منجمًا مفرقًا في نحو ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث.\nفتعين أن يكون هذا النزول الذي دل عليه ظاهر الآيات نزولًا آخر غير النزول المباشر على النبي ﷺ. جاءت الأخبار الصحيحة بتبيين مكانه وتوصيف نزوله وأنه جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وهذه الأخبار هي:\n١- قال أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي: حدثنا يزيد (يعني ابن هارون) عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس: قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. وقرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)\n_________\n١ أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٦٨) وانظر طبعة المغرب بتحقيق أحمد الخياطي (٢/٢٠٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/٢٢٢) و(٢/٣٦٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٨) وشعب الإيمان (٢/٤١٥) رقم ٢٢٤٩، والنسائي في التفسير (٢/١٣١) رقم ٣٩٢ وقال المحقق صحيح. وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/١٧٨) و(٣٠/٢٥٨) . وانظر: فضائل القرآن للنسائي (٥٩)، وابن الضريس (٧٢) . والمرشد الوجيز (١٤-) وذكره ابن كثير في فضائل القرآن ٦) عن أبي عبيد ثم قال: هذا إسناد صحيح.","vol":"1","page":14},{"text":"قال أبو عبيد: ولا أدري كيف قرأ يزيد في حديثه \"فرقناه\" مشددة أم لا؟ إلا أنه لا ينبغي أن تكون على هذا التفسير إلا بالتشديد \"فرَّقناه\".١\n٢ - عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: أنزل القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئًا أوحاه أو أن يحدث منه شيئًا أحدثه.٢\n٣ - عن منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄- في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان: ٣٢)\n_________\n١ قراءة الجمهور بالتخفيف، وقرأ بالتشديد أبي، وعبد الله بن مسعود وعلي وابن عباس، وأبو رجاء وغيرهم. انظر تفسير ابن جرير (١٥/١٧٨)، والبحر المحيط (٦/٨٧) . ومعجم القراءات القرآنية (٣/٣٤٢) .\n٢ أخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٨) . والحاكم في المستدرك (٢/٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي وأخرجه ابن الضريس بنحوه في فضائل القرآن (٧١-) .\n٣ أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٧) وفي شعب الإيمان (٣/٣٢٠) رقم (٣٦٥٩)، والحاكم في المستدرك (٢/٢٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وابن الضريس في فضائل القرآن ٧٢) . وذكره أبو شامة في المرشد الوجيز (١٧) وذكر السيوطي – نحوه - في الدر المنثور وزاد نسبته لابن جرير وابن مردويه ومحمد بن نصر والطبراني وأخرجه النسائي في تفسيره (٢/٥٣٩) رقم (٧٠٩) وقال المحقق: صحيح.","vol":"1","page":15},{"text":"٤ - عن حسان بن حريث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلًا.١\n٥ - وعن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان فجعل في بيت العزة.٢\n٦ - وعن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة جواب كلام الناس.٣\n٧ - عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله.٤\n_________\n١ أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٨)، والطبراني في الكبير (١٢/٢٦) رقم ١٢٣٨١، والحاكم في المستدرك (٢/٢٢٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في فضائل القرآن (٥٩-٦٠) وزاد في آخره: قال سفيان: خمس آيات، ونحوها. وانظر المرشد الوجيز لأبي شامة (٢٠) . وذكره السيوطي في الدر المنثور بنحوه (١/٤٥٧) وزاد نسبته للفريابي وابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء المقدسي في المختارة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٥٧) وقال: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.\n٢ أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢) .\n٣ أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢) . وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٤٥٧) ولم ينسبه لغير ابن الضريس.\n٤ أخرجه عبد بن حميد كما ذكر السيوطي في الدر المنثور (٨/٥٦٧) .","vol":"1","page":16},{"text":"٨ - وعن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة، في ليلة واحدة، في ليلة القدر إلى السماء الدنيا حتى رفع في بيت العزة.١\n٩ - عن مقسم عن ابن عباس - ﵄ - قال: سأله عطيه بن الأسود فقال: إنه وقع في قلبي الشك في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان:٣) وقد أنزل في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول؟ فقال ابن عباس ﵄: إنه أنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة؛ جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلًا٢ في الشهور والأيام.٣\n١٠ - وعن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا جملة ثم أنزل نجومًا.٤\n_________\n١ أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٧٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه للطبراني والبزار.\n٢ رسلًا: قطعة قطعة وفرقة فرقة. انظر: حاشية تفسير الطبري (٣/٤٤٦) .\n٣ أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١/٣٦٩-) وأخرجه الطبري في تفسيره بسنده (٣/٤٤٨) ولم يسم فيه السائل. وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/٣٠٩) رقم (١٢٠٩٥) والهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣١٦) وقال عنه: وفيه سعد بن طريف وهو متروك.\nوذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٤٥٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وابن مردويه، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة.\n٤ أخرجه الطبراني في الكبير (١١/٢٤٧) رقم (١١٨٣٩) والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٤٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.","vol":"1","page":17},{"text":"١١- وعن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد ﷺ بجواب كلام العباد وأعمالهم.١\n١٢- عن حكيم بن جبير الأسدي عن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة من السماء العليا إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل مفصلًا.٢\n١٣ - وعن إبراهيم النخعي في قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال: أنزل جملة على جبريل ﵇، وكان جبريل يجيء بعد إلى محمد ﷺ.٣\nووجه الاستدلال بهذه الأحاديث والآثار التي أخرجها الأئمة وصححوا بعضها، والتي يعضد بعضها بعضًا أنها وإن كانت موقوفة في جملتها على ابن عباس ﵄ فإن لها حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي الذي لا يأخذ عن الإسرائيليات، فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وابن عباس لن يقول ما قال من هذا التفصيل والتحديد بمحض رأيه ومن عند نفسه فهو إذًا محمول على سماعه من النبي ﷺ أو ممن سمعه منه من الصحابة والصحابة كلهم عدول.\n_________\n١ أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/٢٦) رقم (١٢٣٨٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٤٠) وقال عنه: رواه الطبراني والبزار باختصار ورجال البزار رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٥٦٧) وزاد نسبته لابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.\n٢ أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/٢٩٤) رقم (٧٩) وفيه حكيم بن جبير ضعيف. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.\n٣ أخرجه سعيد بن منصور في سننه بسنده (٢/٢٩٢) رقم (٧٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/٣٩٩) ولم ينسبه لغير سعيد بن منصور.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>القول الثاني:</span>\nأن للقرآن نزولًا واحدًا هو النزول المنجم على النبي ﷺ وأنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر وهي الليلة المباركة من شهر رمضان.١\nالقائلون به:\nقاله الشعبي٢ ومحمد بن إسحاق٣ والنسفي.٤\nوقد عدّ السخاوي في جمال القراء٥ الشعبي من القائلين بالقول الأول مع ابن عباس وابن جبير. ويؤيد هذا ما أخرجه الطبري في تفسيره عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.٦\nوهذا خلاف لما هو مشهور عن الشعبي في هذا، وما أخرجه الطبري عن الشعبي هنا معارض بما رواه عنه - أيضًا - في تفسيره من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي. أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: نزل أول القرآن في ليلة القدر.٧\n_________\n١ انظر البرهان للزركشي (١/٢٢٨-) والإتقان للسيوطي (١/١٣٨) والمرشد الوجيز (٢٠) وتفسير القرطبي (٢٠/١٣٠) .\n٢ انظر البرهان للزركشي (٢٢٩)، والإتقان للسيوطي (٠١/١٤٨) والمرشد الوجيز (٢٠) وتفسير الماوردي (٦/٣١٢) بتحقيق السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم والثعالبي (٤/٤٣٠) .\n٣ نسبه له الفخر الرازي في تفسيره (٥/٨٥) .\n٤ انظر تفسيره (١/٩٤) حيث قال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله وكان في ليلة القدر وأشار إلى الإنزال جملة بصيغة التضعيف في تفسير سورة القدر (٤/٣٧٠) فقال: روي أنه أنزل جملة) .\n٥ ينظر جمال القراء للسخاوي (١/٢٠) .\n٦ تفسير الطبري (٢/١٤٥) ٣/٤٤٧) (٣٠/٢٥٨) .\n٧ تفسير الطبري (٣٠/٢٥٨) .","vol":"1","page":19},{"text":"وقد ذكر أبو شامة عن الشعبي رواية عدها قولًا رابعًا في معنى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فعن داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أما نزل عليه القرآن في سائر السنة إلا في شهر رمضان؟! قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمدًا ﵉ بما ينزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان.١\nفالشعبي هنا نزّل عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه. وهو قول لا يعارض رأيه المشهور بأن المراد ابتداء نزول القرآن. ولذا قال أبو شامة \"وإن ضم إلى ذلك كونه ابتداء نزوله في شهر رمضان ظهرت قوته\"٢ -أي قوة القول ووجه ذكر شهر رمضان ظرفًا لإنزال القرآن - قال ابن حجر: (والمعتمد أن جبريل كان يعارض النبي ﷺ في رمضان بما ينزل به عليه في طوال السنة. كذا جزم به الشعبي فيما أخرجه عنه أبو عبيد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح\".٣\nأدلته:٤\n١- الواقع الفعلي لنزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه نزل منجمًا مفرقًا حسب الحوادث والوقائع على نحو من ثلاث وعشرين سنة.\n٢- قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)؟فصريح القرآن، وواقع نزوله يدل على تنجيمه وتفريقه.\n_________\n١ المرشد الوجيز (٢١) .\n٢ المصدر السابق (٢٤) .\n٣ فتح الباري (٩/٥) .\n٤ راجع مناقشة هذه الأدلة في مبحث الترجيح (ص٣٨) .","vol":"1","page":20},{"text":"٣ - أن الآيات الثلاث الواردة في وصف نزول القرآن المراد بها ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة وفي هذا جمع بين هذه الآيات وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ .\n٤ - أن ما جاء من الآثار الدالة على نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا وإن كانت صحيحة الإسناد فهي موقوفة على ابن عباس وغير متواترة. وهذه مسألة غيبية عقدية ولا يؤخذ في الغيبيات إلا بما تواتر يقينًا في الكتاب والسنة فصحة الإسناد لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده. فكيف وقد نطق القرآن بخلافه!.١\n_________\n١ انظر: مباحث في علوم القرآن. د. صبحي الصالح. (٥١) وتفسير جزء \"عم\" للشيخ محمد عبده (ص١٢٢) ط. بولاق. والمدخل لدراسة القرآن الكريم (٥٢) . وراجع (ص ٣٨) .","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>القول الثالث:</span>\nأنه أنزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر في كل ليلة قدر ينزل ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ثم نزل بعد ذلك على النبي ﷺ منجمًا مدة بعثته ﵊.\nالقائلون به:\nقاله ابن جريج،١ وأبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي،٢ ومقاتل بن حيان،٣ وقال بنحوه مقاتل بن سليمان.٤\nونسبه السيوطي للفخر الرازي٥ وهي نسبة غير محررة فقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره هذا القول وجعله محتملًا، وتوقف في الترجيح بينه وبين القول بنزوله جملة واحدة من اللوح المحفوظ ثم نزوله منجمًا بعد ذلك. لكنه في موضع آخر وبعد صفحة واحدة رجح القول الثاني. فقال: \"..التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: لما كان المراد هنا من قوله\n_________\n١ انظر: تفسير الطبري (٣/٤٤٧) . وتفسير أبي الليث السمرقندي (١/٥٦٣) والدر المنثور للسيوطي (١/٤٥٧) .\n٢ قاله في كتابه المنهاج (٢/٢٣٤-)، وانظر: البرهان (١،٢٢٩)، ولطائف الإشارات للقسطلاني (١/٢٢)، والمرشد الوجيز (١٩) .\n٣ انظر: الإتقان للسيوطي (١/١٤٨)، والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/٢١٥) بتحقيق د. محمد صفاء حقي. رسالة ماجستير غير منشورة. قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين. الرياض.\n٤ انظر: حاشية المرشد الوجيز بتحقيق طيار آلتي قولاج (١٨) . وتفسير مقاتل بن سليمان (١/٢٢خ)، وتفسير أبي الليث السمرقندي (١/٥٦٢) .\n٥ انظر الإتقان (١/١٤٨) .","vol":"1","page":22},{"text":"تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ . نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال\".١\nكما ينسب هذا القول في كثير من كتب علوم القرآن للماوردي٢ وهي نسبة غير محررة من حيث تحديد القول، وتعيين القائل. ٣\nوهذا القول ضعيف قال عنه ابن حجر: \"وهذا أورده ابن الأنباري من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضًا\"٤ وقال عنه القرطبي: \"قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع \"أن القرآن أنزل جملة واحدة\"٥ وحكاية القرطبي للإجماع هنا غير مسلمة لما علمته من الأقوال في ذلك.\n_________\n١ تفسير الفخر الرازي (٥/٨٥) .\n٢ انظر: المرشد الوجيز لأبي شامة (١٨،١٩)، والبرهان (١/٢٢٩)، والإتقان (١/١٤٨)، والزيادة والإحسان لابن عقيلة (١/٢١٥) .\n٣ انظر الكلام على القول الرابع لاحقًا. (ص٢٥) .\n٤ فتح الباري (٩/٤)، ونقله القسطلاني في لطائف الإشارات (١/٢٢) .\n٥ تفسير القرطبي (٢/٢٩٨)، وانظر الإتقان (١/١٤٨) .","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>القول الرابع:</span>\nأن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة. وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة.\nوهذا القول هو ما ورد في تفسير الماوردي، وقد ذكره عن ابن عباس فهو رواية عن ابن عباس، وليس قولًا للماوردي، وعبارته في تفسيره: \"قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني جبريل، أنزله الله في ليلة القدر بما نزل به من الوحي. الثاني: يعني القرآن، وفيه قولان: أحدهما ما روي عن ابن عباس قال: نزل القرآن في رمضان وفي ليلة القدر في ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله تعالى في اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل في عشرين ليلة ونجمه جبريل على النبي ﷺ في عشرين سنة. وكان ينزل على مواقع النجوم إرسالًا في الشهور والأيام١ - ثم قال- القول الثاني: أن الله تعالى ابتدأ بإنزاله في ليلة القدر. قال الشعبي\"٢ وبهذا النص يتبين أنه قول مغاير لما قبله، وأنه رواية عن ابن عباس وليس قولًا للماوردي إلا أن يكون نسب إليه لأنه ذكره ولم يتعقبه. ولا يكفي هذا في جعله قولًا له ولذا كانت عبارة ابن حجر أدق وأصوب حين قال: \"وحكى الماوردي في تفسير ليلة\n_________\n١ أخرجه - بنحوه - ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس. وانظر الزيادة والإحسان (١/١٧٢،٢١٨) .\n٢ تفسير الماوردي: النكت والعيون (٦/٣١١-) بتحقيق السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم.","vol":"1","page":24},{"text":"القدر، ثم ذكره وأعقبه بقوله عنه \"وهذا -أيضًا- غريب\"١ ومثل ذلك عبارة أبي شامة حيث قال: \"وذكر أبو الحسن الماوردي في تفسيره\"٢ ثم أورده. وهو قول مردود لأنه ليس بين الله وجبريل واسطة في تلقي القرآن الكريم.\nيقول ابن العربي متعقبًا هذا القول: \"ومن جهلة المفسرين أنهم قالوا: إن السفرة ألقته إلى جبريل في عشرين ليلة وألقاه جبريل إلى محمد - ﵉ - في عشرين سنة وهذا باطل، ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد صلى الله عليهما واسطة\".٣\nوقد نقل أبو شامة في المرشد الوجيز عن تفسير علي بن سهل النيسابوري عن جماعة من العلماء أن جبريل هو من أملاه على السفرة. قال: \"قال جماعة من العلماء: تنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل ﵇، وغشى على أهل السماوات من هيبة كلام الله فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (سبأ: ٢٣) يعني القرآن وهو معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (سبأ: ٢٣) فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه جبريل على السفرة الكتبة. يعني الملائكة وهو قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (عبس: ١٥-١٦) ٤.\nوذهب إلى هذا المعنى من إملاء جبريل القرآن على السفرة علم الدين السخاوي في جمال القرآن في معرض حديثه عن حكمة إنزاله جملة فقال: \"..وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة\n_________\n١ انظر فتح الباري لابن حجر (٩/٤-)، ونقل القسطلاني كلام ابن حجر في كتابه لطائف الإشارات (١/٢٢) .\n٢ المرشد الوجيز لأبي شامة (١٩) .\n٣ أحكام القرآن لابن العربي (٤/١٩٦١-) وانظر تفسير القرطبي (٢٠/١٣٠) .\n٤ المرشد الوجيز (٢٣)، وانظر تفسير القرطبي (٢٠/١٣٠) .","vol":"1","page":25},{"text":"الكرام البررة - ﵈ - وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له\"١ فيكون قولًا خامسًا.\nوقد حاول ابن عقيلة المكي الإجابة عما تضمنه ذلك الخبر من عدم أخذ جبريل للقرآن من الله. فقال بعد أن ساق الخبر:\n\"فهذا يقضي أن جبريل ما أخذه إلا عن السفرة. قلت: لا تنافي، لاحتمال أن جبريل -﵇- سمعه من الله ﷾ كما تقدم بصفة التجلي فعلمه جميعه ثم أمره الله أن يأخذه من اللوح المحفوظ فيضعه في بيت العزة عند السفرة، ثم أمر الله ﷾ السفرة أن تنجمه على جبريل ﵇ في عشرين ليلة لكل سنة ليلة وإنما كان التنجيم من السفرة على جبريل لما ذكره الحكيم الترمذي: إن سر وضع القرآن في السماء الدنيا ليدخل في حدها لأنه رحمة لأهلها. فأخذ جبريل عن السفرة إشارة إلى أنه صار مخصوصًا بهم فلا يؤخذ إلا عنهم\". ٢\nوفي كون جبريل ﵇ يأخذ القرآن إلى السفرة ثم يأخذه منهم؛ نظر. أي نظر في الصفة لا في الصلة. فإن صلة السفرة بالقرآن ظاهرة من قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (عبس: ١٣-١٦) .\n_________\n١ جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي (١/٢٠) .\n٢ الزيادة والإحسان لابن عقيلة (١/١٧٢) بتحقيق: د. محمد صفاء حقي.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الترجيح:</span>\nالاتفاق حاصل والإجماع قائم على صفة نزول القرآن الكريم المباشر على الرسول ﷺ وأنه نزل منجمًا مفرقًا من بعثته ﷺ إلى قرب وفاته ينزل أحيانًا ابتداء بغير سبب وهو أكثر القرآن الكريم وأحيانًا أخرى ينزل مرتبطًا بالأحداث والوقائع والأسباب.\nوأما نزوله جملة فهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فهو أنزل في ليلة اسمها ليلة القدر، وصفتها أنها مباركة، وشهرها شهر رمضان. وهو صريح الأخبار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ.\nوما دام أن النزول جملة لا يعارض صراحة النزول السابق، ولا يرتبط به من خلال تلك النصوص. بل هو نزول خاص، ووجود معين حيث القرآن الكريم كلام الله ومنزل من عند الله يتلقاه جبريل ﵇ من الله بلا واسطة عند نزوله به على الرسول ﷺ مباشرة.\nوإن كان قد نزل به إلى بيت العزة فذلك نزول خاص. وأحد وجودات القرآن الكريم المتعددة. حيث يوجد القرآن الكريم في اللوح المحفوظ.١\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٧٧-٧٩) وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الزخرف: ٤) .\n_________\n١ عدَّ الشيخ عبد العظيم الزرقاني هذا الوجود تنزلًا. وجعله التنزل الأول والصواب أنه وجود إذ لم يرد لفظ النزول مقترنًا به فلا يصح أن يعد نزولًا أو تنزلًا. وانظر: المدخل لدراسة القرآن للشيخ محمد أبو شهبة (٤٧) .","vol":"1","page":27},{"text":"ويوجد - أيضًا - في الصحف المطهرة الموجودة في أيدي الكرام البررة من الملائكة كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (عبس: ١١-١٦)\nويوجد - كذلك - في بيت العزة من السماء الدنيا كما دلت على ذلك الأخبار عن ابن عباس. وجائز أن يكون الوجودان الأخيران مختلفين متغايرين وجائز أن يكونا وجودًا واحدًا بأن يكون القرآن الكريم في تلك الصحف في بيت العزة وبأيدي أولئك الملائكة الكرام كما يوجد في الأرض بنزوله على الرسول ﷺ والنزول مقترن بما عدا الأول من الوجودات المذكورة.\nيقول البيهقي - ﵀ -: \"وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يريد به والله أعلم إنا أسمعناه الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع فيكون الملك منتقلًا به من علو إلى سفل\".١\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بعد عرضٍ قرر فيه أن القرآن الكريم كلام الله منزل من عند الله كما هو صريح القرآن، قال: (فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد، ولا غيرهما، وإذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك٢ فمن لم يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيرًا منه من هذا الوجه.\n_________\n١ كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (١/٣٦٢) .\n٢ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الأنعام، من الآية/ ١١٤.","vol":"1","page":28},{"text":"- ثم قال - (وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف في تفسير قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث. ولا يتنافى أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ . فإن كونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك وإذ كان قد أنزله مكتوبًا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله) .١\nفعلى هذا الوجه لا إشكال في القول بأن للقرآن تنزلين: نزول جملة، ونزول مفرق، ولا يترتب عليه محذور. وإنما يقع المحذور ويحصل الإشكال في القول بأن جبريل يأخذ القرآن من الكتاب أو من بيت العزة عند نزوله به على الرسول ﷺ من دون سماع من الله تعالى. كما نقل أبو شامة عن الحكيم الترمذي - في معرض حديثه عن حكمة نزول القرآن جملة - قوله: \"ثم أجرى من السماء الدنيا الآية بعد الآية عند نزول النوائب..\".٢\nأو كما قد يفهم من ظاهر بعض الآثار فمثل هذا القول، ومثل هذا الفهم للقول بأن للقرآن تنزلين؛ لا يصح. فهو أولًا لم يرد في تلك النصوص المفسرة والمفصلة لنزول القرآن جملة. وثانيًا أنه يلزم منه أن جبريل ﵇ لم\n_________\n١ الفتاوى لابن تيمية (١٢/١٢٦-) .\n٢ المرشد الوجيز (٢٦) .","vol":"1","page":29},{"text":"يسمع القرآن من الله ﷿ وأن القرآن نزل من مخلوق لا من الله وهذا باطل.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:\n\"والنبي ﷺ سمعه من جبريل، وهو الذي نزل عليه به، وجبريل سمعه من الله تعالى، كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة. قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس وهو الروح الأمين، وهو جبريل من الله بالحق..\"١\nوذكر ابن تيمية عن أبي حامد الاسفرائيني قوله: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال: مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا: مسموعًا، ومكتوبًا، ومحفوظًا..\" ٢\n\"فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه سمعه منه جبريل، وبلغه عن الله إلى محمد، ومحمد سمعه من جبريل وبلغه إلى أمته، فهو كلام الله حيث سمع، وكتب، وقرئ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ \"٣\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أيضًا (ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلًا من وجوه: منها أن\n_________\n١ الفتاوى (١٢/٢٩٨) باختصار.\n٢ الفتاوى (١٢/٣٠٦) .\n٣ المصدر السابق (١٢/٥٦٦) .","vol":"1","page":30},{"text":"يقال إن الله ﷾ قد كتب التوراة لموسى بيده فبنو إسرائيل أخذوا كلام الله من الكتاب الذي كتبه هو ﷾ فيه فإن كان محمد أخذه عن جبريل، وجبريل عن الكتاب كان بنو إسرائيل أعلى من محمد بدرجة.١\nوقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - هذا المعنى في موضع آخر موضحًا نزول القرآن الكريم من عند الله لا من شيء من مخلوقاته مستدلًا له ومبينًا لمعناه فقال: (.. وكذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن أن القرآن نزل منه، وأنه نزل به جبريل منه.. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: ١١٤) قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل:١٠٢) وروح القدس هو جبريل كما قال في الآية الأخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (الشعراء: ١٩٣،١٩٤) وقال هنا: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (النحل:١٠٢) فبين أن جبريل نزله من الله لا من هواء، ولا من لوح، ولا غير ذلك، وكذلك سائر آيات القرآن كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الزمر: ١) .\nوقوله: ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (غافر: ١،٢) وقوله ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (فصلت: ١،٢) وقوله: ﴿آلم. َنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (السجدة: ١،٢)؟وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) .\nفقد بين في غير موضع أنه منزل من الله. فمن قال إنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح، والهواء فهو مفتر على الله، مكذب لكتاب الله، متبع لغير\n_________\n١ الفتاوى ١٢ (/١٢٧-) .","vol":"1","page":31},{"text":"سبيل المؤمنين، ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل منه وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ (البقرة:٢٢) فذكر المطر في غير موضع وأخبر أنه نزله من السماء، والقرآن أخبر أنه منزل منه.. ثم قال:\nولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة بيده وأنزلها مكتوبة. فيكون بنو إسرائيل قد قرأوا الألواح التي كتبها الله. وأما المسلمون فأخذوه عن محمد ﷺ ومحمد أخذه عن جبريل، وجبريل عن اللوح. فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل، وتكون منزلة بني إسرائيل أرفع من منزلة محمد ﷺ على قول هؤلاء الجهمية.\nوالله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد ﷺ أنه أنزل عليهم كتابًا لا يغسله الماء وأنه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة وفرقه فيهم لأجل ذلك، فقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء:١٠٦) وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان:٣٢) ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوبًا كانت العبارة عبارة جبريل، وكان الكلام كلام جبريل ترجم به عن الله كما يترجم عن الأخرس الذي كتب كلامًا ولم يقدر أن يتكلم به، وهذا خلاف دين المسلمين) .١\nفقد جعل شيخ الإسلام ابن تيمية القول بأخذ جبريل للقرآن من اللوح المحفوظ أو غيره تفريعًا للقول بخلق القرآن٢ وصرح بذلك الشيخ محمد بن إبراهيم - ﵀ - في رسالته: \"الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في\n_________\n١ الفتاوى (١٢/٥١٩-٥٢٠) .\n٢ انظر الفتاوى (١٢/١٢٠) .","vol":"1","page":32},{"text":"كيفية إنزال القرآن الكريم\" وبسطه في معرض رده على قول السيوطي بأن جبريل ﵇ أخذ القرآن من اللوح المحفوظ وجاء به إلى محمد صلى الله عليه وسلم١ فقال:\n\"هذه المقالة اغتر بها كثير من الجهلة وراجت عليهم، والسيوطي -﵀- مع طول باعه، وسعة اطلاعه، وكثرة مؤلفاته؛ ليس من يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة. وهذه المقالة مبنية على أصل فاسد وهو القول بخلق القرآن وهذه مقالة الجهمية والمعتزلة ومن نحى نحوهم وهذه المقالة الخاطئة حقيقتها إنكار أن يكون الله متكلمًا حقيقة.. ثم - قال -\nوالقائلون بخلق القرآن منهم من يقول خلقه في اللوح المحفوظ وأخذ جبريل ذلك المخلوق من اللوح وجاء به إلى محمد ﷺ ومنهم من يقول خلقه في جبريل، ومنهم من يقول خلقه في محمد ﷺ إلى غير ذلك من أقوالهم) ٢ فهذا ما ينتهي إليه هذا القول ويؤول إليه وإن لم يكن كثير من الناقلين له يقصدونه.\nثم أبان الشيخ محمد بن إبراهيم - ﵀ - مذهب أهل السنة فقال: \"فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة أن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وأن جبريل ﵇، سمع القرآن الكريم من الله تعالى وبلغه محمد ﷺ) .٣\nومن تمام الترجيح توجيه أدلة القول الآخر أو الرد عليها. فيجاب على أدلة القول الثاني - على سبيل الإيجاز - بما يلي:\n_________\n١ انظر الاتقان للسيوطي (١/١٥٧) .\n٢ الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم للعلامة الشيخ محمد بن إبراهيم، (ص٢-) . مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، عام ١٣٦٩هـ.\n٣ المصدر السابق. (ص٣) .","vol":"1","page":33},{"text":"١ - أن صفة نزول القرآن المباشر على الرسول ﷺ وكونه نزل عليه مفرقًا، وكونه صريح قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ هو محل إجماع ولا خلاف حوله ولا يعارض النزول جملة.\n٢ - القول بأن المراد بالآيات الثلاث من سور البقرة، والدخان، والقدر، هو ابتداء النزول؛ هو صرف لها عن ظاهرها بغير صارف ويجعلها تحتاج إلى تقدير محذوف. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي ابتدأنا إنزاله. وهو يقتضي حمل القرآن على أن المراد به بعض أجزائه وأقسامه١ فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي أنزلنا بعضه.\n٣ - أن القول بأن المسألة عقدية لا بد لها من أدلة متواترة قطعية الثبوت لإفادة العلم اليقيني ولا يكفي فيها الآثار الموقوفة؛ قول غير مسلم. واستبعاد الاستدلال بأحاديث الآحاد على العقائد غير صحيح فالعبرة بصحة الحديث فمتى صح الحديث احتج به سواء كان آحادًا أم متواترًا وسواء كان في الأحكام أم العقائد.٢\nوبهذا اتضح أن القول الأول أرجح وأن للقرآن نزول جملة ونزول تفريق يتلخص ذلك بما يلي:\n١ - أنه ظاهر الآيات الثلاث في سور البقرة، والدخان، والقدر.\n٢ - أنه صريح الآثار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ.\n٣ - عدم معارضته للقول الثاني مع توجيه أدلة هذا القول والرد عليها.\n_________\n١ انظر الفخر الرازي (٥/٨٥) .\n٢ انظر المدخل لدراسة القرآن الكريم (٥٢) .","vol":"1","page":34},{"text":"٤ - ضعف الأقوال الأخرى.\n٥ - انتفاء المحذور العقدي بالتصريح بسماع جبريل للقرآن من الله ﷿ دون واسطة.\n٦ - شهرة القول وكثرة القائلين به، والمصححين له، حتى حكى القرطبي الإجماع عليه.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>حكمة نزول القرآن الكريم جملة:</span>\nالتمست بعض الحكم لنزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا فقيل:\nإن فيه تفخيم شأن المنزل وهو القرآن الكريم، وتعظيم قدر من سوف ينزل عليه وهو الرسول ﷺ، وتكريم من سوف ينزل إليهم وهم المسلمون. وذلك بإعلام سكان السموات بأن هذا القرآن آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم.١\nيقول السخاوي في جمال القراء:\n\"فإن قيل: ما في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا؟ قلت: في ذلك تكريم بني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله ﷿ بهم، ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفًا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تزفها.٢\nوزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة - ﵈ - وانساخهم إياه، وتلاوتهم له وفيه أيضًا إعلام عباده من الملائكة وغيرهم أنه علام الغيوب لا يغرب عنه شيء إذ كان في هذا الكتاب العزيز ذكر الأشياء قبل وقوعها\".٣\nوفيه من الحكم أيضًا تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية الأخرى وذلك بأن جمع الله له النزولين جملة واحدة، والنزول مفرقًا وبذلك شارك الكتب السابقة في صفة وتميز عنها في الصفة الثانية. سواء قيل\n_________\n١ انظر: المرشد الوجيز (٢٤) .\n٢ قال ابن الصلاح في الخبر الوارد بذلك: وفي إسناده (ضعف ولم نر له إسنادًا صحيحًا) فتاوى ابن الصلاح (١/٢٤٨) .\n٣ جمال القراء للسخاوي (١/٢٠)، وانظر: المرشد الوجيز (٢٧) والإتقان للسيوطي (٠١/١٤٩) .","vol":"1","page":36},{"text":"بنزول الكتب السابقة جملة أو مفرقة، ففي اجتماع الصفتين تميز للقرآن الكريم، ولمن نزل عليه، ولمن نزل إليهم.\nيقول السخاوي: \"وفيه أيضًا التسوية بينه وبين موسى ﵇ في إنزال كتابه جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ في إنزاله عليه منجمًا ليحفظه. قال الله ﷿: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (الفرقان: ٣٢) وقال ﷿: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (الأعلى: ٦) \"١\n_________\n١ جمال القراء للسخاوي (١/٢٠) . وانظر ما استحسنه أبو شامة فنقله من كلام للحكيم الترمذي في تفسيره بهذا الشأن. المرشد الوجيز (٢٦) .","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>وقت نزول القرآن الكريم:</span>\nأكثر نزول القرآن الكريم نهارًا حضرًا، وقد نزل يسير منه في السفر وقليل منه في الليل، وقد تتبع العلماء ذلك فذكروا ما وقفوا عليه منه، فمن ذلك:\nما نزل في الثلاثة الذين خلفوا في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (التوبة: ١١٨) ففي الصحيح من حديث كعب: فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل.١\nومنه سورة \"المنافقون\" فقد أخرج الترمذي عن زيد بن أرقم أنها نزلت ليلًا في غزوة تبوك.٢ وذكر ابن إسحاق أنها نزلت في غزوة بني المصطلق.٣\nومنه سورتا المعوذتين فعن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنزلت الليلة آيات لم يرَ مثلهن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \".٤\nومنه قوله تعالى في سورة المائدة (٦٧): ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فعن عائشة -﵂ - قالت: \" كان النبي ﷺ يحرس حتى\n_________\n١ من حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى لقد تاب الله على النبي. ٦/٢٠٩، وفي المغازي باب حديث كعب بن مالك، ٥/١٣٠ وأخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب، ٤/٢١٢٠ رقم ٢٧٦٩.\n٢ أخرجه الترمذي: كتاب التفسير، باب سورة المنافقين، (٥/٨٩) رقم ٣٣٦٩ وقال حديث حسن صحيح.\n٣ انظر السيرة النبوية لابن كثير (٣/٣٠٠) .\n٤ أخرجه مسلم في صحيحه (١/٥٥٨) حديث رقم ٨١٤.","vol":"1","page":38},{"text":"نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله\"١\nقال ابن عقيلة: وكان ذلك في غزوة ذات الرقاع.٢ وأخرج الطبراني عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل حتى نزلت. فترك الحرس.٣ فدلت هاتان الروايتان أنها نزلت في السفر ليلًا.\nوقد ذكر أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري (ت٤٠٦) في كتابه التنبيه على فضل علوم القرآن من وجوه شرف علوم القرآن؛ معرفة تفصيل نزول القرآن الكريم زمانًا، ومكانًا، وأوصافًا. فقال:\n\"من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدنية، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيعًا، وما نزل مفردًا، والآيات المدنيات، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى الحبشة، وما نزل مجملًا، وما نزل مفسرًا، وما اختلف فيه فقال بعضهم: مدني، وقال بعضهم:\n_________\n١ أخرجه الترمذي في جامعه في كتاب التفسير باب ومن سورة المائدة (٥/٢٥١) حديث رقم ٣٠٤٦، وقال عنه: حديث غريب. وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي (٢/٣١٣) وذكره نحوه الواحدي في أسباب النزول (١٩٥-) .\n٢ انظر الزيادة والإحسان (١/٣٢٦)، وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن جابر كذلك (١/٣١٨) .\n٣ ذكره السيوطي في الإتقان (١/٨٣) .","vol":"1","page":39},{"text":"مكي، فهذه خمسة وعشرون وجهًا من لم يعرفها، ويميز بينها، لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى\".١\nوقد فسرت وفصلت هذه الأنواع مع التمثيل لها بما وردت به الروايات في البرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي مما لا حاجة معه لزيادة الكلام في بسطه ونقله.٢\nوما ذكره النيسابوري هنا من وجوب معرفة هذه الأنواع والتمييز بينها وجعل ذلك شرطًا للتفسير لا يسلَّم له وفيه نظر. فليس كله مما له أثر في التفسير.\n_________\n١ التنبيه على فضل علوم القرآن. لأبي القاسم النيسابوري. منشور في مجلة المورد العراقية. بتحقيق محمد عبد الكريم كاظم. عدد (٤)، مجلد (١٧)، عام ١٤٠٩هـ. الصفحات (٣٠٥-٣٢٢) .\n٢ انظر البرهان للزركشي (١/١٩٢)، والإتقان للسيوطي (١/٣٦-) والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/٢٦٣) .","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>مدة نزول القرآن الكريم:</span>\nاختلف العلماء في تحديد مدة نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ على أقوال:\n١- أنها ثماني عشرة سنة. روي هذا القول غير المشتهر عن الحسن. وأنه كان يقول ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة. وأنه أنزل على الرسول ﷺ ثماني سنين في مكة قبل الهجرة وعشر سنين بعدها.١\nوهو قول ضعيف ينتج عنه أن الرسول ﷺ توفي عن ثمان وخمسين سنة وهو ما لم يقل به أحد. ولذا قال ابن عطية عن هذا القول: \"وهذا قول مختل لا يصح عن الحسن والله أعلم\".٢\n٢- أنها عشرون سنة: روي عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي وقتادة، واختاره ابن جزي الكلبي.٣\n٣- أنها ثلاث وعشرون سنة. وهو قول الجمهور.٤\n٤- أنها خمس وعشرون سنة. وهو قول من يذهب إلى أن الرسول ﷺ عاش خمسًا وستين سنة خلافًا للمشهور.٥\n_________\n١ انظر تفسير ابن جرير (١٥/١٧٩-١٨٠)، وابن عطية (١٠/٣٧٥)، وابن الجوزي (١/٥)، وأبي حيان (٦/٨٧)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٧٤) .\n٢ تفسير ابن عطية (١٠/٣٥٧) .\n٣ تفسير ابن جزي الكلبي (١/٦، ٤/٢١٠) وانظر المصادر السابقة.\n٤ انظر البرهان (١/٢٢٨)، والإتقان ١/١٤٦ وانظر علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير، رسالة دكتوراه، د. محمد صفاء حقي، ٢/٤١٢.\n٥ المرجع السابق.","vol":"1","page":41},{"text":"ومنشأ هذا الاختلاف هو الخلاف في مدة إقامته ﷺ بمكة بعد البعثة فقيل: ثمان، وقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة سنة. بناء على اختلاف الروايات في ذلك. فإذا أضيف إليها عشر سنين وهي مدة إقامته ﷺ بالمدينة بعد الهجرة المتفق عليها كما نص على ذلك ابن كثير حيث قال: \"أما إقامته بالمدينة عشرًا فهذا مما لا خلاف فيه..\"١ فينتج عن ذلك الأقوال السابقة.\nكما يعود هذا الاختلاف - أيضًا - إلى اختلاف الاعتبار الذي يبدأ منه حساب تلك المدة، هل هو من بداية الرؤيا الصادقة، أو من البعثة التي تلاها فتور في نزول الوحي، أو من الرسالة وتتابع الوحي بعد ذلك.\nيضاف إلى ذلك التسامح والتساهل في تحديد الوقت، وجبر الكسور في حساب السنوات. اختصارًا وعادة يقول ابن كثير: \"إن العرب كثيرًا ما يحذفون الكسور من كلامهم\" ٢ وكذلك الخلاف في عمره ﵊. حيث قيل إنه ستون سنة. وقيل ثلاث وستون، وقيل خمس وستون.\nوالمعتمد كما يقول ابن حجر أنه ﷺ عاش ثلاثًا وستين سنة وأن ما ورد مما يخالف ذلك فهو محمول إما على إلغاء الكسر في السنين أو جبر الكسر في الشهور.٣ وأضاف ابن كثير معنى جديدًا في الجمع وهو: اعتبار قرن جبريل بالرسول ﷺ في نزول الوحي حيث روي أنه قرن به ﵇ ميكائيل في ابتداء الأمر. يلقي إليه الكلمة والشيء ثم قرن به جبريل.٤\n_________\n١ فضائل القرآن لابن كثير. بتحقيق: ابن إسحاق الحويني الأثري (٣٦) .\n٢ فضائل القرآن لابن كثير (٣٦) .\n٣ انظر فتح الباري (٩/٤) .\n٤ فضائل القرآن الكريم لابن كثير (٣٦) .","vol":"1","page":42},{"text":"كما أنه بعث ﷺ على رأس أربعين سنة. كما قال النووي: \"واتفقوا أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وبمكة قبل النبوة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة. والصحيح أنها ثلاث عشرة فيكون عمره ثلاثًا وستين وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس أربعين سنة هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء\".١\nوقد حاول الشيخ محمد الخضري اختيار تحديد دقيق للمدة فذكر أن مدة مقامه ﷺ بمكة هي اثنتا عشرة سنة، وخمسة أشهر، وثلاثة عشر يومًا من يوم ١٧رمضان سنة ٤١ من ميلاده الشريف إلى أول ربيع الأول سنة ٥٤ منه.\nومدة إقامته بالمدينة بعد الهجرة هي تسع سنوات، وتسعة أشهر، وتسعة أيام من أول ربيع الأول سنة ٤٥ إلى تاسع ذي الحجة سنة ٦٣ من ميلاده الشريف، وهي سنة عشر من هجرته ﷺ.٢ فصارت المدة بين مبتدأ التنزيل ومختتمه اثنتان وعشرون سنة وشهران واثنان وعشرون يومًا.٣\nوهذا التحديد هو ما أشار إليه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه مناهل العرفان حيث ذكره وتعقبه فقال: \"لكن هذا التحقيق لا يزال في حاجة إلى تحقيقات ثلاث: ذلك لأنه أهمل من حسابه باكورة الوحي إليه ﷺ عن طريق الرؤيا الصادقة ستة أشهر على أنها ثابتة في الصحيح. ثم\n_________\n١ شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/٩٩)، وانظر الزيادة والإحسان (١/٢٥٢) .\n٢ انظر تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري بك. ص٨ وتاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني ص٧١. فقد ذكر تحديد الفترة المكية كما هنا.\n٣ انظر تاريخ التشريع (٥) .","vol":"1","page":43},{"text":"جرى فيه على أنه ابتداء نزول القرآن كان ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة القدر على بعض الآراء، غير أنه يخالف المشهور الذي يؤيده الصحيح.\nثم ذهب فيه مذهب القائلين بأن آخر ما نزل من القرآن هو آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣)؟وذلك في تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة، وسترى في مبحث آخر ما نزل من القرآن أن هذا المذهب غير صحيح١\"٢\nومما يعترض به على هذا التحديد أن يوم الفرقان ١٧رمضان هو يوم الجمعة يقول الخضري عن يوم الفرقان، ويوم ابتداء إنزال القرآن الكريم (فهما متحدان في الوصف، وهو أنهما جميعًا يوافقان الجمعة ١٧ رمضان وإن لم يكونا في سنة واحدة) .٣ والقول بأن يوم ابتداء إنزال القرآن يوافق يوم الجمعة معارض لما ثبت في صحيح مسلم عن يوم الاثنين وقوله ﷺ حين سئل عنه: \"ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه.\"٤\nكما حدد الشيخ محمد محمد أبو شهبة مدة نزول القرآن الكريم بأنها اثنتان وعشرون سنة وخمسة أشهر، ونصف الشهر. راعى في هذا التحديد ما ذهب إليه الجمهور من أنه ﷺ ولد في الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وتوفي في الثاني عشر أيضًا من ربيع الأول عام إحدى عشرة من الهجرة.\nوبين ذلك بأن النبي ﷺ نبئ على رأس الأربعين من ميلاده الشريف وذلك من الثاني عشر من ربيع الأول وقد بدئ الوحي إليه\n_________\n١ الراجح في آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة/٢٨١) .\n٢ مناهل العرفان (١/٤٥) .\n٣ تاريخ التشريع (ص٦، ٧) .\n٤ أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طويل (٢/٨١٩) رقم (١١٦٢) . وراجع (ص٤٩) .","vol":"1","page":44},{"text":"بالرؤيا الصادقة ومكث على ذلك إلى السابع عشر من رمضان وجملة ذلك ستة أشهر وخمسة أيام حين نزل عليه صدر سورة إقرأ. وآخر آية نزلت عليه من القرآن هي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (البقرة: ٢٨١)؟وقد روي أن ذلك قبل وفاة النبي ﷺ بتسعة أيام، وقيل بأحد عشر يومًا، وقيل بواحد وعشرين يومًا فلو أخذنا بالمتوسط تكون جملة المدة التي لم ينزل فيها القرآن ستة أشهر وستة عشر يومًا. وجملة عمر ﷺ ثلاث وستون عامًا، ومدة نبوته ثلاث وعشرون سنة فإذا أنقصنا منها ستة أشهر وستة عشر يومًا يكون الباقي اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يومًا.\nثم قال أبو شهبة بعد هذا معبرًا عن فرحه به: والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم انتقد حساب الخضري السابق بأنه بني على أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (المائدة: ٣) \"١\nوما ذكره أبو شهبة - ﵀ - من تحديد فيه نظر كذلك. إذ جعل يوم السابع عشر من رمضان بداية إنزال القرآن على الرسول ﷺ وقد تقدم أنه يوافق يوم الجمعة - على قول الخضري - وأنه بهذا يعارض ما ثبت في الصحيح.\nوكذلك أنه بناه على الأخذ بأحد الأقوال في مدة بقاء الرسول ﷺ بعد آخر آية نزلت عليه دون دراسة ترجيحية له. فيبقى ملخص القول أن المدة نحوًا من ثلاث وعشرين سنة تقريبًا لا تحديدًا.\n_________\n١ المدخل لدراسة القرآن الكريم. (٥٥،٥٦) .","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>يوم إنزال القرآن:</span>\nالصحيح أن أول يوم أنزل فيه القرآن هو يوم الاثنين. لحديث أبي قتادة الأنصاري الصحيح، وفيه: وسئل عن صوم يوم الاثنين. قال: \"ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل عليّ فيه\"١ وفي رواية أخرى:..فقال: \"فيه ولدتُ، وفيه أنزل عليّ\"٢ وأخرج الواحدي عن أبي قتادة أن رجلًا قال لرسول الله: أرأيت صوم يوم الإثنين: \"قال فيه أنزل عليّ القرآن\"٣ وقد ذكر ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال: نبئ نبيكم ﷺ يوم الاثنين. ٤ وعن أنس قال: استنبأ النبي ﷺ يوم الاثنين.٥\nقال الواحدي: وأول يوم أنزل القرآن فيه يوم الاثنين.٦ وذكر البلقيني أنه يوم الاثنين نهارًا.٧\nولذا قال ابن القيم: ولا خلاف أن مبعثه ﷺ كان يوم الاثنين.٨؟وقال ابن كثير: وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه -﵊- أوحي إليه يوم الاثنين. وهذا ما لا خلاف فيه بينهم\".٩\n_________\n١ أخرجه مسلم في صحيحه من حديث طويل. كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام، حديث (١١٦٢، ٢/٨١٩) .\n٢ صحيح مسلم (٢/٨٢٠) .\n٣ أسباب النزول للواحدي، (١٣-١٤) .\n٤ طبقات ابن سعد (١/١٩٣) .\n٥ طبقات ابن سعد (١/١٩٤) .\n٦ أسباب النزول للواحدي. تحقيق السيد أحمد صقر (١٣) .\n٧ انظر فتح الباري (١٢/٣٥٦) .\n٨ زاد المعاد (١/١٨) .\n٩ السيرة النبوية لابن كثير (١/٣٩٢) .","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>شهر إنزال القرآن الكريم:</span>\nاختلف في شهر إنزال القرآن الكريم على الرسول ﷺ على أقوال:\nالأول: أنه شهر رجب، في السابع عشر منه. وهو قول غير مشهور لكنه مذكور.١\nالثاني: أنه في شهر ربيع الأول. قيل في أوله، والمشهور في ثامنه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. وقد جعله ابن القيم قول الأكثرين.٢\nوقيل في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين كما روي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات.٣\nوعن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الإثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة يوم الإثنين في أول شهر بيع الأول وأنزلت عليه البقرة في ربيع الأول.٤\nالثالث: أنه في شهر رمضان، قال الواحدي: وأول شهر أنزل فيه القرآن شهر رمضان،٥ قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) .\n_________\n١ انظر: فتح الباري - كتاب التعبير (١٢/٣٥٧) . وزاد المعاد لابن القيم (١/١٨) . والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/٢٥٠) .\n٢ انظر المصادر السابقة.\n٣ انظر السيرة النبوية لابن كثير (١/١٩٩)، و(١/٣٩٢) . وقال: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن ميناء عنهما.\n٤ ذكره ابن كثير في السيرة النبوية (١/٢٠٠) بسنده وقال عنه: وهذا غريب جدًا، رواه ابن عساكر.\n٥ أسباب النزول للواحدي (١٤) .","vol":"1","page":47},{"text":"وجعله ابن كثير: المشهور. فقال: والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما.١\nقال ابن القيم: وإليه ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته:\nوأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النبوة منه في رمضان٢\nوقال ابن إسحاق: ابتدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل في رمضان - ثم استدل له فقال- قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٣.\nواختلف في أي الأوقات من رمضان: فقيل في سابعه،٤ وقيل في الرابع عشر.٥ وقيل في السابع عشر منه. فقد أخرج ابن سعد عن الواقدي عن أبي جعفر الباقر، قال نزل الملك على رسول الله ﷺ بحراء يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان. ورسول الله يوميئذ ابن أربعين سنة. وجبريل الذي كان ينزل عليه بالوحي.٦\n_________\n١ انظر السيرة النبوية (١/٣٩٢) .\n٢ زاد المعاد (١/١٨) .\n٣ سورة الدخان/٣. انظر: مختصر السيرة لابن هشام (٣٩) والسيرة النبوية للذهبي (٧٥) .\n٤ انظر فتح الباري (١٢/٣٥٦) .\n٥ المصدر السابق.\n٦ أخرجه ابن سعد في الطبقات بسنده (١/١٩٤) . وانظر: السيرة النبوية لابن كثير (١/٣٩٢) والزيادة والإحسان في علوم القرآن لابن عقيلة المكي (١/٢٥٠-٢٥١) . وانظر: تاريخ التشريع للخضري (٦،٧) . فقد ذكر هذا التاريخ لكن جعله يوم الجمعة. وراجع (ص٤٧) .","vol":"1","page":48},{"text":"وقيل في الرابع والعشرين من رمضان، قال أبو عبد الله الحليمي: \"يريد ليلة خمس وعشرين\"١ وقال ابن كثير: \"ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين\"٢ واستدل لهذا بحديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\".٣\nوجعله السخاوي في النزول المباشر على الرسول ﷺ فقال بعد أن ساقه بنحوه: \"فهذا الإنزال يريد به - ﷺ أول نزول القرآن عليه- ثم قال: وقوله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يشمل الإنزالين\"٤\n_________\n١ المرشد الوجيز لأبي شامة (١٣) .\n٢ السيرة النبوية لابن كثير (١/٣٩٢) .\n٣ أخرجه أحمد في المسند ٤ (/١٠٧) وأبو عبيد في فضائل القرآن (٣٦٨) وأخرجه ابن الضريس بسنده عن أبي الخلد (٧٤) بزيادة في آخره. وابن جرير في تفسيره (٢/١٤٥) . والواحدي في أسباب النزول (١٤) . والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/٧٥) حديث (١٨٥) . غير أنه وقع في النسخة: \"وأنزل القرآن لأربع عشرة\" بدلًا من أربع وعشرين. فلعله خطأ. وذكره الألباني في الصحيح رقم (١٥٧٥) وقال عنه: \"هذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وفي القطان كلام يسير، وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعًا نحوه، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (١،٣٦٧)، وقال عنه: خالفه عبيد الله بن أبي حميد وليس بالقوي فرواه عن أبي المليح عن جابر بن عبد الله من قوله. ورواه إبراهيم بن طهمان عن قتادة من قوله لم يجاوز به إلا أنه قال: لاثنتي عشرة \"وكذلك وجده جرير بن حازم في كتاب أبي قلابة دون ذكر صحف إبراهيم. وانظر السيرة النبوية لابن كثير (١/٣٩٣) . وتفسير الماوردي بتحقيق الباحث (٢/٥٦٩) والمرشد الوجيز (١٢) والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي (١/٢٥٢) .\n٤ جمال القراء (١/٢٢-) .","vol":"1","page":49},{"text":"أما البيهقي فقد حمل حديث واثلة بن الأسقع على أن المراد به الإنزال جملة فقال: \"قلت: وإنما أراد - والله أعلم - نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا\".١\nويشهد لهذا المعنى ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: \"..أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان..\"٢\nوقد ذهب صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم إلى تحديد دقيق، ورأي جديد وهو أن يوم نزول القرآن وشهره كان يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من رمضان ليلًا. الموافق عشرة أغسطس سنة ٦١٠م، وكان عمره ﷺ إذ ذاك أربعون سنة قمرية وستة أشهر و١٢ يومًا، وذلك نحو ٣٩ سنة شمسية وثلاثة أشهر و٢٢ يومًا. وهو قول لم يقل به أحد قبله وقد بناه على مايلي:\n١ - كونه يوم الإثنين بناء على ما صح من حديث أبي قتادة الأنصاري وفيه ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه، وهو ما اتفق عليه أهل السير.\n٢ - وكونه شهر رمضان عملًا بالآيات الثلاث في سور: البقرة، الدخان، والقدر. وكونه شهر الجوار والتحنث بحراء.\n٣ - وكونه لإحدى وعشرين مضت من رمضان. بناء على أن حساب التقويم العلمي لذلك الشهر في تلك السنة لا يوافق يوم الإثنين إلا يوم السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين، والثامن والعشرين. ولأن ليلة القدر إنما تقع\n_________\n١ الأسماء والصفات للبيهقي (١/٣٦٧)، والمرشد الوجيز (١٤) .\n٢ المرشد الوجيز (١٣) .","vol":"1","page":50},{"text":"في الوتر من ليالي العشر من شهر رمضان، تعين كون ذلك يوم واحد وعشرين.١\nوهذا جهد طيب ومنهج جيد في التحديد إلا أنه يرد عليه ما يلي:\n١ - أن كون ذلك يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا. يجعل تلك الليلة هي ليلة الثلاثاء اثنتين وعشرين فلا تصير بذلك من ليالي الوتر التي تتحرى بها ليلة القدر.٢\n٢ - أن الاستدلال بالآيات الثلاث في سور: البقرة، والدخان، والقدر. على ابتداء النزول ليس صريحًا، وقد فسرت بأن المراد بها النزول جملة إلى السماء الدنيا. وهو ما يتفق مع الروايات الأخرى الواردة عن ابن عباس وغيره في ذلك.\n٣ - أن حمله تلك الآيات على ابتداء النزول يعني أن ليلة القدر صارت معروفة على وجه اليقين لأن معرفة ابتداء نزول القرآن ميسور للصحابة ﵃ لو تعلق به أمر تعيين ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. ومعلوم أنها قد أخفيت عينها. فاختلف في تحديدها. وإذا سلم هذا الإيراد كان دليلًا على نزول القرآن في غير شهر رمضان. وكان ترجيحًا للقول بنزوله في شهر ربيع الأول إلا أن تكون ليلة تسع وعشرين على ما ذكر من الحساب.\nوقد رجح ابن حجر كون ابتداء النزول في رمضان فقال: \"قلت: ورمضان هو الراجح لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه الرسول صلى الله\n_________\n١ انظر: الرحيق المختوم (ص٦٦) وحاشيته (٢) .\n٢ يصدق تعليله على ما ذكره من موافقة يوم الإثنين لثمان وعشرين من رمضان حيث تكون ليلة تسع وعشرين. وهي من ليالي الوتر، ولكنه لم يذكره ولم يختره.","vol":"1","page":51},{"text":"عليه وسلم حراء فجاءه الملك وعلى هذا يكون سنه حينئذٍ أربعين سنة وستة أشهر\".١\nكما رجح في موضع آخر أنه في آخر شهر رمضان ولم يحدده بتاريخ فقال: \"فيستفاد من ذلك أن يكون آخر شهر رمضان، وهو قول آخر يضاف لما تقدم ولعله أرجحها\".٢ وجعل ابن حجر شهر رمضان زمانًا لنزول القرآن جملة، ونزوله مفرقًا أيضًا، فقال عن حديث مدارسة جبريل ﵇ للرسول ﷺ للقرآن \"وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس..\"٣.\nوذكر ابن عرفة في تفسيره مثل هذا التوجيه بعد أن ساق بعض الأقوال في معنى قوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال: \"قال الضحاك: أنزل القرآن في فرضه وتعظيمه، والحض عليه. وقيل: الذي أنزل القرآن فيه. قال ابن عرفة: ولا يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيمًا له وتشريفًا. وقيل: أنزل فيه القرآن جملة إلى سماء الدنيا. قال ابن عرفة فالقرآن على هذا الاسم للكل، وعلى القول الثاني: بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير\"٤.\nوإلى مثل ذلك ذهب أبو شامة في تعليقه على ما نسب للشعبي من أن الله ﷿ ابتدأ إنزال القرآن في ليلة القدر فقال: \"هو إشارة إلى ابتداء إنزال\n_________\n١ فتح الباري، كتاب التعبير (١٢/٣٥٦) .\n٢ فتح الباري كتاب التعبير (١٢/٣٥٧) .\n٣ فتح الباري، كتاب بدء الوحي (١/٣١) .\n٤ تفسير ابن عرفة برواية تلميذه الأبي (٢/٥٣٩) .","vol":"1","page":52},{"text":"القرآن على النبي ﷺ فإن ذلك كان وهو متحنث بحراء في شهر رمضان - ثم قال - وقد بينت ذلك في شرح حديث المبعث وغيره.١\nوهذا وإن كان الأمر فيه كذلك إلا أن تفسير الآية به بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى السماء الدنيا\"٢ ففرق أبو شامة بهذا بين جعل رمضان شهر نزول القرآن والاستدلال له بالآيات. وقال في موضع آخر مبينًا صلة شهر رمضان بالقرآن: \"ويجوز أن يكون قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا، وأول نزوله إلى الأرض، وعرضه وإحكامه في شهر رمضان. فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن: إنزالًا جملة وتفصيلًا وعرضًا وإحكامًا فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان فلمجموع هذه المعاني قيل: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ \"٣\n_________\n١ كتاب للمؤلف سماه في كتابه الذيل على الروضتين: شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى. انظر المرشد الوجيز (٢٠) حاشية (٢) .\n٢ المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي (٢٠) .\n٣ المصدر السابق (٢٤) .","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>مقدار التنزيل:</span>\nثبت نزول الكريم على الرسول ﷺ منجمًا مفرقًا ابتداء أو حسب الحاجة والوقائع. وغالب القرآن الكريم نزل آيات مفرقات وبعضه نزل سورًا كاملة، ونزلت سورتان من قصار السور معًا هما المعوذتان.\nفأول ما نزل من القرآن الكريم الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم نزل باقيها بعد نزول سورة المدثر.\nكما نزلت الخمس الآيات الأولى من سورة الضحى إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وصح نزول عشر آيات من قصة الإفك جملة واحدة من سورة النور. وصح كذلك نزول عشر آيات جملة من أول سورة المؤمنون. ونزلت آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) في عرفة في يوم جمعة.\nوصح نزول قوله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وحدها، وهي بعض آية. فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب قال: لما نزلت: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:٩٥) دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته: فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ١\n_________\n١ أخرجه البخاري. كتاب التفسير، باب ١٨ لا يتسوي القاعدون من المؤمنين.. (٥/١٨٢-) وانظر: سنن أبي داود (٣/١٧) والمرشد الوجيز (٣٤-) وأسباب النزول للواحدي (١٦٨-) وانظر الإتقان (١/١٥٥) .","vol":"1","page":54},{"text":"وكذا قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٢٨)؟نزلت بعد نزول أول الآية، فهي بعض آية.١\nوقد تنزل السورة كاملة ومن ذلك سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، والمسد، والنصر، والمرسلات، والصف.. وغيرها.٢\nوأما ما ورد من نزول سورة الأنعام جملة يشيعها سبعون ألف ملك. فلم يخل من خلاف. فقد قال ابن الصلاح في فتاويه: \"الحديث الوارد في أنها نزلت جملة رويناه من طريق أبيّ بن كعب وفي إسناده ضعف، ولم نرَ له إسنادًا صحيحًا. وقد روي ما يخالفه فروي أنها لم تنزل جملة واحدة بل نزلت آيات منها بالمدينة اختلفوا في عددها، فقيل ثلاث، وقيل: ست، وقيل غير ذلك.٣\nوقد قال ابن عقيلة المكي في توجيه هذا الاعتراض. بأن نزول غالبها في حكم نزولها كلها. قال: \"أقول: من قال: إن السورة نزلت كلها فإنما يعني - والله أعلم- الغالب، ولا يضر أن ينزل بعضها بعد ذلك وتمامها، فإن القرآن غالبه إنما ينزل مفرقًا آيات. ومثل هذه السورة العظيمة إذا نزل غالبها فيحكم لها بالكل، فإنه نادر الوقوع\"٤\n_________\n١ انظر تفسير الطبري (١٤/١٩٤) . والتبيان للشيخ طاهر الجزائري (٥٩) .\n٢ انظر: الإتقان (١/١٣٦) . والزيادة والإحسان (١/٣٩٩) .\n٣ فتاوى ابن الصلاح (١/٢٤٨)، والبرهان (١/١٩٩)، والإتقان (١/١٣٧) .\n٤ الزيادة والإحسان (١/٤٠١) .","vol":"1","page":55},{"text":"وقد نزلت سورتا المعوذتين معًا بسبب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﷺ فأنزل الله جل شأنه المعوذتين فقرأهما وتعوذ بهما فانحل السحر.١\nفتبين مما سبق أن القرآن نزل مفرقًا: الآية، والآيتان، والخمس، والعشر، وأقل وأكثر. كما نزل جزء الآية. ونزلت سورة كاملة، ونزلت سورتا المعوذتين معًا.\nولا شك أن هذه المتابعة الدقيقة من قبل العلماء لجزئيات نزول القرآن الكريم في وقته، وصفته، ومقداره، ويوم إنزاله، وشهره، وكون ذلك ليلًا ونهارًا، حضرًا وسفرًا؛ دليل عناية الأمة البالغة بالقرآن الكريم التي ميز الله بها كتابه فصارت من خصائصه التي تفرد بها، وجعلها الله وسيلة حفظ كتابه الذي تكفل به في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) .\nكما كان الرسول ﷺ يتلقى القرآن من جبريل فيحفظه ولا ينساه ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ فيبلغه أصحابه، ويحفِّظهم إياه، ويأمرهم بكتابته. فتوفر للقرآن الكريم بالغ العناية به، وكامل وسائل حفظه، والمحافظة عليه. وتلك نعمة ومنّة من الله تعالى على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولا يشكرون.\n_________\n١ انظر: أسباب النزول للواحدي. (٥١٥) والجامع لأحكام القرآن (٢٠/٢٥٤)، والزيادة والإحسان (١/٤٠٥) .","vol":"1","page":56}]}