{"ً":{"ٌ":12112,"ٍ":"نزول القران الكريم وتاريخه وما يتعلق به","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: نزول القران الكريم وتاريخه وما يتعلق به\nالمؤلف: الدكتور محمد عمر حويه\nالناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة\nعدد الصفحات: ٧٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":974,"ٕ":5,"ٖ":1770155382,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ","level":1,"page":7},{"title":"التعريف بعلوم القرآن فنا مستقلا ومتى ظهر هذا الاصطلاح","level":1,"page":12},{"title":"متى بدأ النزول وكم كانت مدة النزول","level":1,"page":14},{"title":"الحكمة في إنزال القرآن جملة إلى السماء","level":1,"page":21},{"title":"كيف كان يتلقى النبي ﷺ الوحي من جبريل","level":1,"page":26},{"title":"نزول القرآن مفرقا –منجما-","level":1,"page":27},{"title":"نزول الكتب السماوية الأخرى","level":1,"page":29},{"title":"الحكم التي تستفاد من نزول القرآن مفرقا منجما","level":1,"page":30},{"title":"الكلام في نزول القرآن على سبعة أحرف","level":1,"page":38},{"title":"الكلام على أسباب النزول","level":1,"page":48},{"title":"بعض فوائد أسباب النزول باختصار","level":1,"page":50},{"title":"أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه","level":1,"page":57},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":68},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":70}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78},"ٜ":{"1":[1,78]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2],"12":[3],"14":[4],"21":[5],"26":[6],"27":[7],"29":[8],"30":[9],"38":[10],"48":[11],"50":[12],"57":[13],"68":[14],"70":[15]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nالخطة:\n(أ) من مقتضيات النزول.\n(ب) التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ وقد تحدى القرآن الكريم بأساليب متنوعة وكونه معجزًا بألفاظه ومعانيه، وأن الناس لم يُصْرفوا عنه، ورد قول من قال بالصرفة.\n(ج) التعريف بعلوم القرآن الكريم فنًا مستقلًا ومتى ظهر هذا الاصطلاح؟\n(د) نزول القرآن الكريم.\n١ - متى بدأ النزول، وكم كانت مدة النزول.\n٢ - ما المراد بالنزول، وكيف كان يتلقى جبريل الوحي من الله.\n٣ - وكم نزولا للقرآن.\n٤ - كيف كان يتلقى النبي ﷺ الوحي من جبريل ﵇.\n٥ - هل نزل شيء من القرآن على النبي ﷺ إلهامًا أو منامًا؟\n٦ - نزول القرآن جملة إلى سماء الدنيا.\n٧ - نزول القرآن مفرقًا.\n٨ - حكم التدرج في النزول.\n٩ - نزول القرآن على سبعة أحرف.\nأ – أرجح الأقوال في معناها.\nب - الحكمة في كونه نزل على سبعة أحرف.\n١٠ – أسباب النزول","vol":"1","page":1},{"text":"أ - تعريف السبب.\nب - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n١١ - أول ما نزل من القرآن الكريم.\nأ - أوائل مطلقة.\nب - أوائل مقيدة.\n١٢ - آخر ما نزل من القرآن الكريم.\n١ - أواخر مطلقة.\n٢ - أواخر مقيدة.\n١٣ - ما يترتب على معرفة أول ما نزل، وآخر ما نزل من الأحكام والفوائد.\n١٤ - الخاتمة وفيها بعض النتائج التي توصل إليها الباحث، واقتراح يقترحه.\n١٥ - فهرس الآيات\n١٦ - فهرس الأحاديث\n١٧ - فهرس المراجع\n١٨ - فهرس الموضوعات","vol":"1","page":2},{"text":"المقدمة:\nمن مقتضيات النزول:\nإن ما يسمى بعلوم القرآن الكريم مندرج تحت نزول القرآن الكريم ولازم له، وعليه فلابد من الإلمام في الأسطر التالية بالأمور التالية إجمالًا من غير تفصيل في الدقائق، فذلك شأن الموضوعات الخاصة بالنزول الذي هو موضوع البحث.\nاعلم أن الأمة اعتنت بنص القرآن الكريم وحفظه وعلى رأس الأمة نبينا محمد ﷺ فقد بلغ من عنايته بالقرآن الكريم وحرصه على حفظه أن كان يعاجل جبريل حين يقرئه القرآن حتى أنزل الله عليه ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) وأنزل عليه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) فعندئذ اطمأن الرسول ﷺ على القرآن وكان جبريل يعارض الرسول ﷺ القرآن في كلّ سنة وعارضه القرآن في سنته التي توفي فيها مرتين. وكان ﷺ يعتني بكتابة القرآن الكريم فكان له كتبه يكتبون القرآن الكريم، يقول لهم ضعوا آية كذا في مكان كذا من السورة كذا، وكتب القرآن كله في حياته ﷺ في الرقاع واللخاف بإقراره ﷺ. ومما يدل على عناية المسلمين بالقرآن الكريم أنه حفظه منهم في عهد النبي ﷺ عدد لابأس به، ثم تتابع الحفظ بعد ذلك حتى قيل إنه قتل يوم بئر معونة سبعون من القراء.","vol":"1","page":3},{"text":"ومن مظاهر العناية به أنه لما استحرّ القتل في الحفظة عمد أبو بكر إلى جمعه في مكان واحد في الصحف، واحتاط لذلك الجمع، حيث ألف نخبة من الحفظة، على رأسهم زيد بن ثابت الذي كان كاتب الوحي في حياة النبي ﷺ وقد كان أمير المؤمنين أبو بكر الصديق موفقًا في هذا الجمع، ثم بعد هذا الجمع ظلت الصحف عند أمير المؤمنين أبي بكر في خلافته ثم بعد وفاته انتقلت إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ ثم بعد وفاته كانت عند حفصة ﵂ حتى كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁ فحصل في زمن عثمان اختلاف بين القراء في الأمصار، فكان من توفيق الله أن جمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ الصحابة، وعرض عليهم اختلاف القراء في الأمصار وفي المدينة، وكان رأيه أن يجمع القرآن في مصحف واحد، فوافقه الصحابة بالإجماع على ذلك، فأرسل إلى حفصة وأخذ منها الصحف، وجمع القرآن في مصحف واحد ووزعه على الأمصار، فكان بذلك موفقًا حيث أدرك الناس قبل أن يختلفوا. ومن مظاهر العناية بالقرآن الكريم عند المسلمين، أنهم حرروا القراءات وفرقوا بين المتواتر والشاذ، وجعلوا قواعد لا يثبت القرآن إلا بها وهي:\nأولًا:- الإسناد المتصل للقراءة في كل طبقة.\nثانيًا:- موافقة القراءة لوجه نحوي.\nثالثًا:- أن يحتملها الرسم العثماني.\nوكل قراءة لا تتوفر فيها هذه الشروط، فاعتبرها العلماء شاذة لا تسمى قرآنًا، ولا تجوز القراءة بها١.\n_________\n(١) طيبة النشر في القراءات العشر لابن الجزري ١/٧.","vol":"1","page":4},{"text":"فكل ما وافق وجه نحوي\n...\nوكان للرسم احتمالا يحوي\nوصح إسنادا هو القرآن\n...\nفهذه الثلاثة الأركان\nوحيث ما يختلّ ركن أثبت\n...\nشذوذه لو أنه في السبعة\nومن مظاهر العناية بالقرآن الكريم عند هذه الأمة، أنه لابد فيه من التلقي مشافهة، تلقاه النبي ﷺ من جبريل ﵇ شفاها، وتلقاه الصحابة الأثبات العدول من النبي ﷺ ثم تلقاه التابعون الأخيار من الصحابة، كذلك، ثم تلقاه أتباع التابعين من التابعين كذلك، إلى أن وصل إلينا غضا طريا كما أنزل، فالقراءة سنة متبعة لا مدخل للقياس فيها، والاعتماد فيها على التلقي والتواتر.\nوقد اعتنى المسلمون بالقرآن عناية فائقة، حيث ألَّفوا في كل جزء منه، فرقوا بين مكيه، ومدنيه. وعرَّفوا مَكيه بأنه ما نزل قبل الهجرة،كما عرفوا المَدَني بأنه ما نزل بعد الهجرة، هذا التعريف المختار، ومع تعريف المكي والمدني، فقد جمعوا المكي، وميزوه دون المدني وكل ذلك عناية بالقرآن الكريم.\nكما اعتنوا بسور القرآن الكريم وآياته، وذكروا أن ترتيب الآيات توقيفي، من النبي ﷺ كما هو الآن، وأما ترتيب السور ففيه خلاف بينهم١، كما ألفوا في أسماء السور، وعدد الآيات ومن هذه العناية الدقيقة اعتناؤهم برسمه الذي رسم به في زمن النبي ﷺ وبإقراره، وأجْمَعَ عليه الصحابة بعد ذلك في زمن عثمان، وذهب الكثير من العلماء إلى أن رسم القرآن توقيفي لا تجوز\n_________\n(١) تناسق الدرر في تناسب السور ١/٥٦.","vol":"1","page":5},{"text":"مخالفته، حتى إن بعضهم كان يرى أن تكتب الكتابات الأخرى كما كتب القرآن على رسمه وعلى نمطه. وخلاصة القول أن العلماء لم يتركوا شيئًا يتعلق بالقرآن الكريم إلا وكتبوا فيه مثل نَاسخه ومنسوخه، وأقسامه، ومطلقه ومجمله، ولمّا كان هذا البحث الذي كلفنا بالكتابة فيه، تحت عنوان \"نزول القرآن\" اخترنا الكتابة فيما له صلة وثيقة بالنزول.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ:</span>\nالتعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ وقد تحدى القرآن بأساليب منوعة، وكونه معجزًا بألفاظه ومعانيه، وأن الناس لم يُصْرفوا عنه، والردّ على من قال بالصرفة.\nاعلم أن تعريف القرآن الكريم: هو كلام الله المنزّل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته، وقد عرفه صاحب المراقي في ألفيته بقوله١\nلفظ منزّل على محمّد ... لأجل الإعجاز وللتعبد٢\nويطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن، وعلى كل آية من آياته٣ فإذا سمعت من يتلو آية من القرآن صح أن تقول إنه يقرأ القرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤)\nوالقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لنبينا محمد ﷺ إلى يوم القيامة لأن المعجزات على ضربين الأول ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي ﷺ\nوالثاني: ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله واستفاضت بثبوته ووجوده ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة، ومن شرطه أن يكون الناقلون له خلقًا كثيرًا وجمّا غفيرًا، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علمًا ضروريًا، وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد، حتى يستحيل\n_________\n١ -١/٩٧، تحقيق د/ مختار محمد الأمين.\n٢ - (القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر) شرح العقيدة الطحاوية (طبع مؤسسة الرسالة) ١/١٧٢ اللجنة العلمية.\n٣ -مباحث في علوم القرآن ص٢٠-٢١.","vol":"1","page":7},{"text":"عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي ﷺ قال القرطبي١: \"لأن الأمة ﵂ لم تزل تنقل القرآن خلفًا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي ﵊، المعلوم وجوده بالضرورة وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل ﵇ عن ربه ﷿، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه لكثرة العدد، ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد ﷺ، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به، فالقرآن معجزة نبينا ﷺ الباقية بعده إلى يوم القيامة مع أن معجزة كل نبي انقرضت بانقراضه أو دخلها التبديل كالتوراة والإنجيل، فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت: إن النبي ﷺ تقوله أنزل الله تحديًا لهم قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فلْيأْتوا فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٣-٣٤) ثم تحدّاهم وأنزل تعجيزًا أبلغ من ذلك فقال ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: ١٣) . فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار فقال جل ذكره ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) . فأفحموا عن الجواب وتقطعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب والعناد وآثروا سبي الحريم والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا وأبلغ في الحجة وأشد تأثيرًا مع كونهم أرباب البلاغة وعنهم تؤخذ الفصاحة.\nواعلم أن القرآن نفسه هو المعجز بألفاظه ومعانيه لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه، وما قاله النظام ومن\n_________\n١-ج١ ص ٧٢.","vol":"1","page":8},{"text":"على شاكلته من أن وجه الإعجاز في القرآن هو أنهم منعوا منه وصرفوا عنه قول فاسد، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزًا، وذلك خلاف الإجماع.\nهذا وقد ذكر العلماء أوجهًا كثيرة للإعجاز نلخص منها ما يأتي بإيجاز:-\n١- النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب لأن، نظمه ليس من نظم الشعر في شيء وكذلك قال ربّ العزة الذي تولى نظمه ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (يس: ٦٩) . وفي صحيح مسلم أن أنيسًا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلًا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحِرٌ وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر١ فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون٢.\n٢- الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.\n٣- الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، قال القرطبي٣: وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها وقوله سبحانه ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\n_________\n١ -أقراء الشعر: أنواعه وطرقه وبحوره وأنحاؤه.\n٢ -مسلم رقم ٢٤٧٣، البخاري رقم ٣٥٢٢، أحمد رقم ٢١٠١٥.\n٣ -البرهان ٢/٢١٨-٢٥١.الإتقان ٤/٣-٢٣، المحرر الوجيز ١/٣٨، النكت في إعجاز القرآن ١/١٠٣،١٠٤.","vol":"1","page":9},{"text":"وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر:٦٧) إلى آخر السورة، وكذا قوله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: ٤٢) إلى آخر السورة قال ابن الحصار: فمن علم أن الله ﷾ هو الحق علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول ﴿ِلمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (غافر: ١٦) ولا أن يقول ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ (الرعد: ١٣)\n٤- التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف مَوْضعه.\n٥- الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمّي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، مع أنه أخذ بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين.\n٦- الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم إلى أخباره المطلقة كوعده بنصر رسوله ﵇، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه وإلى وعد مقيد بشرط كقوله ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق:٣) وقوله ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن:١١)\n٧- الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة:٣٣) آية ففعل ذلك، وكان أبو بكر ﵁ إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما","vol":"1","page":10},{"text":"وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقًا وغربًا، برًا وبحرًا.\n٨- ما تضمنه القرآن الكريم من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وسائر الأحكام.\n٩- التناسب في جميع ما تضمنه ظاهرًا وباطنًا من غير اختلاف. قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء:٨٢) .\nالحكم الكثيرة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدميّ.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>التعريف بعلوم القرآن فنًا مستقلًا ومتى ظهر هذا الاصطلاح:</span>\nهو علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وكتابته وجمعه وقراءاته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه إلى غير ذلك من المباحث التي تذكر في هذا العلم١، وقد يسمى هذا العلم بأصول التفسير لأنه يتناول العلوم التي لابد للمفسر منها٢.\nوأول ظهور هذا المصطلح لعلوم القرآن فنًا مستقلًا كان على يد الحوفي المتوفى ٤٣٠هـ في كتابه \"البرهان في علوم القرآن\"، ثم تبعه ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ في كتابه \"فنون الأفنان في عجائب القرآن\" ثم جاء بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤هـ بكتاب واف سماه \"البرهان في علوم القرآن\" ثم جاء البلقيني المتوفى سنة ٨٢٤هـ فألف كتابه \"مواقع العلوم من مواقع النجوم\" ثم جاء خاتمة الحفاظ وفارس الميدان جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ بكتابه \"الإتقان في علوم القرآن\"، وصار الناس بعده عيالًا عليه، كلٌ يأخذ منه، والبعض يلخص والبعض يختصر.\nوقد نشط التأليف في علوم القرآن في العصر الحديث مثل كتاب مصطفى صادق الرافعي في إعجاز القرآن، والنبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز، وكتاب الشيخ طاهر الجزائري (التبيان في علوم القرآن) وكتاب مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني وكتاب المدخل في\n_________\n١ -المدخل ١/٢٥ وما بعدها.\n٢ -مباحث في علوم القرآن ١/١٦.","vol":"1","page":12},{"text":"علوم القرآن لشيخنا الشيخ الدكتور محمد محمد أبو شهبة ﵀ وكتاب مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان ﵀ إلى غير ذلك من التآليف الكثيرة في هذا العصر.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>متى بدأ النزول وكم كانت مدة النزول:</span>\nإن بحث نزول القرآن وتاريخ نزوله، لمن أهم المباحث إذ به تعرف تنزلات القرآن الكريم، ومتى نزل، وكيف نزل، وعلى من نزل وكيف كان يتلقاه جبريل من الله ﵎؟ ولا شك أن العلم بذلك يتوقف على كمال الإيمان، بأن القرآن من عند الله، وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ، كما أن كثيرًا من المباحث التي تذكر في هذا الفن يتوقف على العلم بنزوله، فهو كالأصل بالنسبة لغيره.\nأنزل الله القرآن الكريم على رسولنا محمد ﷺ لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكان نزوله حدثًا جللًا مؤذنا بمكانة النبي ﷺ عند أهل السماء والأرض.\nفإنزاله الأول في ليلة القدر نبه العالم العلوي على شرف هذه الأمة، وأنها القائدة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.\nقال تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة الآية ١٨٥)، فقد مدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأنه اختاره من بينها لإنزال القرآن العظيم فيه، قال ابن كثير١: \"وكما اختصه بذلك فقد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء \".\n_________\n١ -١/٣٠٩.","vol":"1","page":14},{"text":"قال الإمام أحمد بن حنبل١ ﵀ حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة – يعني ابن الاسقع- أن رسول الله ﷺ قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان.\nوقد روى من حديث جابر بن عبد الله وفيه أن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان والإنجيل لثماني عشرة والباقي كَمَا تقدم رواه ابن مردويه٢.\nأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة وأما القرآن فكان نزوله الأول جملة واحدة إلى بيت العزة من سماء الدنيا، كما تدل عليه الآيات: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ...﴾ (البقرة: ١٨٥) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان: ٣) .\nأما تاريخ نزول القرآن منجمًا وهو النزول الثاني، فقد كان بعد الأربعين من عمره ﵁ حينما بعث في يوم الاثنين وكان أول ما نزل عليه صدر سورة اقرأ كما ذكر ذلك محققو أهل العلم من أهل التفسير والحديث والسير، قال العلامة الفاسي في نظمه قرة الأبصار في سيرة المشفّع المختار٣:\n_________\n١ -أحمد ٤/١٠٧، الطبراني في الكبير ٢٢/٧٥، والبيهقي في شعب الإيمان: ٢/٤١٤.\n٢ -ابن كثير ١/٢١٧، قال: رواه ابن مردويه.\n٣ -مخطوطة، منظومة في السيرة ص ٣.","vol":"1","page":15},{"text":"بيان مبعث النبي الهاد ... صلى عليه أشرف العباد\nوجاءه جبريل في غار حرا ... من بعد أربعين عاما غبرا\nفي يوم الاثنين بسورة العلق ... صلى عليه الله فالق الفلق\nفقام يدعو الإنس والجن إلى ... توحيد رّب العالمين مرسلا\nمؤيّدًا منه بِرا أعْيا البشر ... إحصاءه من معجزات كالمطر\nنفعًا وكثرة وكالسراج ... نورا ورفعة مع ابتهاجي\nومع ذا حاصره الفجّار ... كما أتت بذلك الأخبار\nوكان قادرا على التدمير ... لو شاء لكن جاد بالتأخير\nحتى هدى الله به من شاء ... منهم ومن أصلابهم أبناء\nقال في الإتقان١:\n\"أما إنزاله الثاني مفرقًا على حسب الوقائع خلافا لما كان معهودًا عندهم في الكتب السابقة فقد أثار الضجة عند القوم حتى حملهم على المحادّة والمساءلة حتى ظهر لهم الحق فيما بعد من أسرار الحكم الإلهية في إنزاله منجما على حسب الوقائع حتى أكمل الله الدين\".\nهذا وقد يظن البعض أن الآيات من قوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة:١٨٥) الخ وقوله ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (الدخان:١-٣) الخ وقوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) . بينها تعارض والواقع أنه لا تعارض بينها، فالليلة المباركة هي ليلة\n_________\n١ -١/١١٦.","vol":"1","page":16},{"text":"القدر من شهر رمضان، وإنما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملي في حياة الرسول ﷺ لأن القرآن نزل عليه خلال ثلاث وعشرين سنة.\nوقد روى من غير وجه عن ابن عباس كما قال إسرائيل عن السدي عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال وقع في قلبي الشك من قول الله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقد أنزل في شوال وذي القعدة وفي ذي الحجة ومحرم، وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس وجمهور العلماء: إن المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثلاث، نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا تعظيما لشأنه عند الملائكة، ثم أنزل بعد ذلك منجما على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام في ثلاث وعشرين سنة، حسب الوقائع والأحداث منذ بعثه ﷺ إلى أن توفى حيث أقام بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وهذا المذهب هو الذي جاءت به الأخبار الصحيحة عن ابن عباس في عدة روايات منها: عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا١ ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة ثم قرأ ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٣) . وقوله ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (الإسراء: ١٠٦) .\n٢- وعن ابن عباس ﵄ قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي ﷺ.\n_________\n١ -رواه الحاكم في المستدرك ٢/٢٤٢ رقم ٢٨٧٨، البيهقي ٤/٣٠٦.","vol":"1","page":17},{"text":"٣- وعن ابن عباس ﵄ قال: أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه إثر بعض. رواه الحاكم والبيهقي١.\n٤- وعنه ﵁ قال أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجومًا \"رواه الطبراني\".\n٢- المذهب الثاني هو المروي عن الشعبي أن المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله ﷺ، فقد ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة، ثم تتابع نزوله بعد ذلك مندرجًا مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة.\nقال: فليس للقرآن إلا نزول واحد هو نزوله منجما على رسول الله ﷺ لأن هذا هو الذي جاء به القرآن قال تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (الإسراء:١٠٦)، ولهذا جادل فيه المشركون لكون الكتب السماوية نقل إليهم نزولها جملة واحدة قال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان:٣٢-٣٣) .\nقال: ولا يظهر للبشرية مزية لشهر رمضان وليلة القدر التي هي الليلة المباركة إلا إذا كان المراد بالآيات الثلاث نزول القرآن على رسول الله ﷺ وهذا يوافق ما جاء في قوله تعالى في غزوة بدر ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنفال:٤١) . وقد\n_________\n١ رواه الحاكم في المستدرك ٢/٢٤١ وصححه ووافقه الذهبي وابن الملقن وصححه أيضًا الحافظ ابن حجر في الفتح ٨/٦٢٠ ورواه البيهقي في دلائل النبوة ٣/١٣١.","vol":"1","page":18},{"text":"كانت غزوة بدر في رمضان، ويؤيد هذا ما عليه المحققون في حديث بدء الوحي.\nعن عائشة قالت \"أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح\"١ فالمحققون على أن رسول الله ﷺ نبئ أولًا بالرؤيا في الشهر الذي ولد فيه وهو شهر ربيع الأول، وكانت المدة بين الرؤيا والوحي إليه يقظة ستة أشهر ثم أوحي إليه يقظة بـ ﴿اقْرَأْ﴾ .\nقال الشيخ مناع القطان رحمه الله٢ \"وبهذا تتآزر النصوص على معنى واحدٍ\".\n٣- المذهب الثالث يرى أن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر في كل ليلة منها ما يقدر الله إنزاله في كل السنة، وهذا القدر الذي ينزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا لسنة كاملة ينزل بعد ذلك منجمًا على رسول ﷺ في جميع السنة.\nولا شك أن هذا المذهب اجتهاد من بعض المفسرين فليس هناك ما يدل عليه، أما المذهب الثاني فإنه لا تعارض بينه وبين المذهب الأول الذي هو مذهب ابن عباس والجمهور.\nفالراجح أن القرآن الكريم له تنزّلان، كما علمت:\nالأول:- نزوله إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة.\n_________\n١ -رواه البخاري رقم ٢ كتاب بدء الوحي ومسلم كتاب الإيمان ١٦٠.\n٢ -مباحث في علوم القرآن ص١٠٠ في بعدها.","vol":"1","page":19},{"text":"وقد نقل القرطبي١ الإجماع على هذا النزول عن مقاتل بن حيان وممن قال بقوله الخليمي والماوردي٢. الثاني نزوله من السماء الدنيا مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة.\n_________\n١ -٢/٢٩٧.\n٢ -الإتقان في علوم القرآن تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص١١٦.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الحكمة في إنزال القرآن جملة إلى السماء:</span>\n١- تفخيم أمره وأمر مَن نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم. قال السيوطي: نقلًا عن أبي شامة في المرشد الوجيز \" لولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرّقًا تشريفًا للمنزل عليه\"١.\n٢ - وقال السخاوي في جمال القراء:\" نزوله إلى السماء الدنيا جملة تكريم لبني آدم وتعظيم لشأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم \".\nوالقرآن بالاستقراء كان ينزل حسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وصح نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة.\nونزول عشر آيات من أول سورة المؤمنون جملة، كما صح نزول ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وحدها وهي بعض آية وكذا قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ إلى آخر الآيات.\nويوضح ذلك ما أخرجه البخاري٢ عن عائشة ﵂ قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب\n_________\n١ -الإتقان في علوم القرآن ١/١١٦ وما بعدها، مباحث في علوم القرآن، ص١٠٠ فما بعدها، المدخل في علوم القرآن ص٥٨، فما بعدها.\n٢ -رقم ٤٩٩٣ في كتاب الفضائل.","vol":"1","page":21},{"text":"الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل \"لا تزنوا\" لقالوا لا ندع الزنى أبدا.\nاعلم أن القرآن الكريم له وجودات ثلاثة:-\n١ - وجوده في اللوح المحفوظ.\n٢ - وجوده في السماء الدنيا.\n٣ - وجوده في الأرض.\nبنزوله على النبي ﷺ، ولم يقترن النزول إلا بالوجود الثاني والثالث وقد دل القرآن الكريم أنه كان قبل نزوله في اللوح المحفوظ حيث يقول الله تعالى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١-٢٢) .\nوهذا اللوح المحفوظ هو الكتاب المكنون الذي قال الله عنه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٧-٨٠) والذي عليه جمهور المفسرين أن الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ هو السجل العام الذي كتب الله فيه في الأزل كل ما كان وكل ما يكون، والواجب علينا أن نؤمن به وأنه موجود ثابت، أما البحث فيما وراء ذلك فلسنا مطالبين به.\nأما كيف كان جبريل يتلقى الوحي، فلا يركن إلى شيء مما قيل في ذلك إلا ما أومأ له الدليل، وأولى قول في هذا المجال هو ما ذكره البيهقي في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: يريد والله أعلم \"إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إيّاه وأنزلناه بما سمع، وهذا القول يشهد له ما رواه الطبراني من حديث النواس بن سمعان\" مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: \"إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء","vol":"1","page":22},{"text":"صعقوا وخروا سجدًا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله بوحيه بما أراد فينتهي به حيث أمر\" والحديث وإن لم يكن نصًا في القرآن إلا أن الوحي يشمل وحي القرآن وغيره١.\nأما قول من قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب، لم يسمعه من الله، فهذا قول باطل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية٢ وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: ١١٤) وقال تعالى ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (فصلت: ١-٢) . وقال تعالى ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: ١-٢) . فجبريل رسول الله من الملائكة جاء به إلى رسول الله ﷺ من البشر والله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس. وكلاهما مبلغ له.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية٣:\" وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما أن المعلمين له في هذا الزمان والتالين له في الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئًا من حروفه ولا معانيه \".\nقال الإمام السيوطي٤ قال الجويني: كلام الله المنزل قسمان:\nأ - قسم قال الله لجبريل قل للنبي ﷺالذي أنت مرسل إليه إن الله يقول افعل كذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي ﷺ\n_________\n١ -المدخل ١/٢٥٥، الاتفاق ١/٤٥، مباحث في علوم القرآن ج١، ص١٠٥ وما بعدها.\n٢ -الفتاوى ١٢/١٢٧ فما بعدها.\n٣ -الفتاوى ١٢/٢٦٠.\n٤ -الإتقان ١/١٢٨.","vol":"1","page":23},{"text":"وقال له ما قاله ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال. فإن قال الرسول بقول الملك لا تتهاون في خدمته ولا تترك الجند تتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة.\nب – قسم آخر قال الله لجبريل اقرأ على النبي هذا الكتاب فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول له اقرأه على فلان فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفًا.\nقال السيوطي: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنة، وقد ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن قال: ولهذا جازت رواية السنة بالمعنى بخلاف القرآن الكريم فإنه نزل جبريل بألفاظه ومعانيه فلا تجوز روايته بالمعنى. والسر في ذلك أن القرآن يقصد التعبد بألفاظه وهو كذلك معجز فلا يمكن لأحد مَهْمَا أوتي من البلاغة والفصاحة أن يأتي بلفظ يقوم مقامه.\nكما أن فيه تخفيفًا على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين قسم يروونه بلفظه الموحي به وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروي باللفظ، لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل. قال صاحب المدخل١: \"وكذلك ليس للنبي ﷺ في القرآن شيء إلاّ مجرَّد التبليغ فقط وهذا هو الحق الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده ويؤمن به \".\nقال: ولا يلتفت إلى ما زعمه بعض من يهرف بما لا يعرف، أو من يفتري ويختلق من أن جبريل أوحي إليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ الدالة على\n_________\n١ -الدكتور محمد أبو شهبة ﵀ ١/٦٢.","vol":"1","page":24},{"text":"المعاني بلغة العرب، ثم نزل على النبي ﷺ كذلك أو أن جبريل أوحى إلى النبي ﷺ المعنى أن النبي ﷺ عبر عن هذه المعاني بلفظ من عنده فهذا القول زعم وَخَرْصٌ لم تقم عليه أثارة من علم.\nوهو خلاف ما تواتر عليه القرآن والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة من أن القرآن لفظه ومعناه كلام الله ومن عند الله مِنهُ بدأ وإليه يعود.\nإلى أن قال: وهذا الزعم لا يقول به إلا جاهل استولى الجهل والغفلة عليه أو زنديق قد يدس في الدين والعلم ما ليس منه.\nولا يغتر بوجوده في بعض الكتب الإسلامية، فأغلب الظن أنه مَدْسوسٌ على الإسلام والمسلمين هذا وقد بلغ النبي ﷺ القرآن الكريم من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لشيء منه ولا كتمان له، ولو كان كاتمًا شيئًا \" حاشاه من ذلك \" لكتم تبليغ الآيات التي عوتب فيها ويكفي أن تقرأ قول الحق ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة،: ٦٧.) وقوله ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس: ١٥.) وقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة: ٤٤-٤٧)","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>كيف كان يتلقى النبي ﷺ الوحي من جبريل:</span>\n١-أحيانا يأتي جبريل ﵇ للنبي ﷺ في صفة رجل من البشر وكان كثيرًا ما يأتي في صورة دحية الكلبي.\n٢-وأحيانًا يأتي ولا يراه الحاضرون، وقد يسمعون له دويًا وصلصلة كصلصلة الجرس.\nودل على هاتين الحالتين من الوحي ما رواه البخاري في صحيحه١ بسنده عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيقصم عَنّي وقد وعيت منه ما قال: وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول ... الخ هذا والقرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل ﵇ ولم يأت منه شيء عن تكليم أو إلهام أو منام، بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جليًا٢.\n_________\n١ -البخاري رقم ٢ كتاب بدء الوحي، ومسلم رقم ٢٣٣٣.\n٢ -المدخل ١/٥٨.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>نزول القرآن مفرقا –منجما</span>-:\nقال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٢-١٩٥) . وقال تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ١٠٢) . ويقول تعالى ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الجاثية ١-٣) . وقال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) . وقال تعالى ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٩٧) . فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله ﷺ وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى السماء الدنيا فالمراد به نزوله منجما، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم فإن علماء اللغة يفرقون بين الإنزال والتنزيل فالتنزيل لما نزل مفرقا، والإنزال أعم١.\nفقد نزل القرآن الكريم على مدى ثلاث وعشرين سنة ثلاث عشرة بمكة على القول الراجح، وعشر بالمدينة المنورة.\nمن الأدلة على نزول القرآن مفرقًا قوله تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦) . والمعنى:جعلنا نزوله\n_________\n١ -المفردات للراغب ٧٩٩، مباحث في علوم القرآن ١/١٠٠.","vol":"1","page":27},{"text":"مفرقا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزلناه تنزيلًا بحسب الوقائع والأحداث١.\nقال الزرقاني في مناهل العرفان٢:\"وفي تعدد النزول وأماكنه، مرة في اللوح وأخرى في بيت العزة، وثالثة على قلب النبي ﷺ، في ذلك التعدد مبالغة في نفي الشك عن القرآن الكريم، وزيادة للإيمان لأن الكلام إذا سجل في سجلات متعددة، وصحت له وجودات كثيرة كان ذلك أنفى للريب عنه، وأدعى إلى تسليم ثبوته، وأدنى إلى وفرة الايقان به مّما لو سجّل في سجل واحد، أو كان له وجود واحد \".\n_________\n١ -ابن جرير الطبري جامع البيان ٢/٨٤، فما بعدها، تفسير أبي السعود ١/٣١٥.\n٢ -١/٤٧.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>نزول الكتب السماوية الأخرى:</span>\nالصحيح المشهور بين العلماء أن الكتب السماوية غير القرآن نزلت جملة واحدة ولم تنزل متفرقة، ومن الأدلة على ذلك آية الفرقان، وهي قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان: ٣٢) .\nفهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية غير القرآنية نزلت جملة واحدة كما على ذلك جمهور العلماء.\nووجه الدلالة أن الله لم يكذبهم في دعواهم أن الكتب السماوية نزلت جملة واحدة، فلو كان نزول الكتب السماوية مفرقا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن مفرقًا منجما، لأن معنى قوله ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ هلاّ أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب، وما له أنزل على التنجيم ولم ينزل مفرقا، بل بيَّن لهم الحكمة من نزول القرآن منجما، ولو كانت الكتب السماوية نزلت مفرقة لكان يكفي في الرد عليهم أن يقول لهم إن التنجيم سنة الله في الكتب التي أنزلت على الرسل كما أجاب بمثل ذلك في قولهم ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٧) . قال في الرد عليهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٢٠) . فبيّن لهم أن ذلك سنن المرسلين والأنبياء١.\n_________\n١ -الإتقان في علوم القرآن ١/١١٦، المدخل في علوم القرآن ١/٥٥، مباحث في علوم القرآن، ١/١٠٠ فما بعدها، ابن كثير ١/٣٠٩.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الحكم التي تستفاد من نزول القرآن مفرقًا منجما:</span>\nهذا ولا شك أن في نزول القرآن منجما -مفرقا- على حسب الوقائع والأحداث حِكَما وأسرارًا عظيمة، كيف وذلك التنجيم ممّن أنزل القرآن وهو سبحانه أعلم بما يصلح عبادة ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: ١٤) . يعلم سبحانه المنهج الصالح لتربية الأمّة المنهج الذي يجعلها أمّةً منقادة لأوامر الله، منتهية عن مساخطه.\nونلخص هنا بعض الحكم التي ذكرها العلماء والباحثون في هذا المجال:-\n١- الحكمة الأولى تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتطمين خاطره وقلبه وقد أشار الحق ﵎ إلى هذه الحكمة في قوله ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان: ٣٢.) ويندرج تحت هذه الحكمة كثير.\nلقد وجه رسول الله صلى اله عليه وسلم دعوته إلى الناس فوجد منهم نفورًا شديدًا وقلوبًا قاسية، قابله قومه بقلوب قاسية فطرت على الأذى، وقابلوه بصنوف الأذى والشتم مع رغبته الصادقة وسعيه المشكور في إيصال الخير الذي جاء به إليهم حتى قال الله تعالى في حقه ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: ٦) فكان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ فترة بعد فترة ليثبت فؤاده على الحق ويقوي عزمه على المضي في الخير.\nوقد بين الله أن سنته في أنبيائه السابقين أنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى جاءهم نصر الله، وبيَّن كذلك أن قومه ما كذبوه إلا استكبارا وعلوا، وردًّا للحَق، فيجد الرسول ﷺ في ذلك تسلية له قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ","vol":"1","page":30},{"text":"لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣) . ﴿َلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٤) . ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (آل عمران: ١٨٤) .، ونجد القرآن يأمره بالصبر في قوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥) .\nفكلما اشتد ألم رسول الله ﷺ بسبب تكذيب قومه وداخله الحزن لأذاهم، نزل القرآن دعما وتسلية له عما يعانيه من قومه فهدد المشركين المكذبين بأنه يعلم أحوالهم وسيجازيهم بما يستحقون قال تعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (سورة يس: ٧٦)، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) . وقال: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (الفتح: ٣.)، قال ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ (المجادلة: ٢١) .\nوأحيانًا تنزل الآيات بوعيد المكذبين للأنبياء كما قال تعالى ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٧-٩٨)\nوآونة تنزل الآية بالبراهين والحجج الدامغة في الرد عليهم فيما يتمسكون به من شبه واهية، كالآيات الواردة في إثبات توحيده وصفاته، واستحقاقه للعبادة وإثبات البعث والحشر، وكان من ثمرة هذا التثبت أن أبدى النبي ﷺ غاية الثبات والشجاعة والوثوق بالله في أحرج المواقف وأشدها هولًا. انظر إلى قوله للصديق في الغار ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: ٤٠) .","vol":"1","page":31},{"text":"وهكذا كانت آيات القرآن تنزل على رسول الله ﷺ تباعًا تسلية له بعد تسلية، وعزاء حتى لا يأخذ منه الحزن مَأخذه، ولا يجد اليأس إلى نفسه سبيلا.\n٢ – من الحكم البارزة تيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه على النبي ﷺ فقد كان النبي ﷺ حريصًا على ذلك غاية الحرص، حتى إنه كان يعاجل جبريل ولا ينتظره حتى يفرغ حتى أنزل الله ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه الآية ١١٤) . وقال تعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) .\nهذا وإن القرآن الكريم نزل على أمة أمية لا تعرف الكتابة ولا القراءة وكانت ذاكرتها وحفظها هما السجلُّ لها، لا دراية لها بالكتابة حتى تكتب وتدون ثم تحفظ قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢) . وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) .\nفلو نزل القرآن جملة واحدة على هذه الأمة الأمية التي لا تعرف الكتابة ولا التدوين لم يصح لها أن تحفظ القرآن كله بيسر، وكان نزوله مفرقًا أكبر عون لها على حفظه في صدورها وفهمها لآياته.\nكلما نزلت الآية فهمها الصحابة، وتدبروا معانيها، وقد كان هذا منهجًا لحفظ القرآن في عهد التابعين.\nعن أبي نضرة قال: \"كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي، ونجد أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس","vol":"1","page":32},{"text":"آيات\" أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن خالد بن دينار قال: \"قال لنا أبو العالية تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي ﷺ كان يأخذه من جبريل خمسًا أخرجه البيهقي\" ١.\n٣- من الحكم كذلك التدرج في تربية الأمة دينيا وخلقيا واجتماعيا وعقيدة وعلمًا وعملا وهذه الحكمة أشار إليها القرآن في قوله ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)\nلقد تدرج القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة والمنكرات الماحقة، فقد بعث النبي ﷺ إلى قوم يعبدون الأصنام ويشركون بالله، ويسفكون الدماء، ويئدون البنات ويشربون الخمر ويقتلون النفس لأتفه الأسباب، ويفعلون القبائح ومعلوم أن النفس يشق عليها ترك ما ألفته وتعودته مرة واحدة كما يصعب رجوعها وإقلاعها عما اعتقدته بمجرد النهي عنه للعقائد والعادات سلطان على النفوس، والناس أسراء ما ألفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة، وطالب بالتخلي عما هم منغمسون فيه من الكفر والجهل والمنكرات مرة واحدة لما استجاب إليه أحد.\nلذلك اقتضت حكمة الله أن يتدرج القرآن في انتزاع العقائد الفاسدة فينهى أولا عن عبادة غير الله فإذا ما أقلعوا عنه، أخذ في النهي عن منكر آخر وهكذا تدرج القرآن معهم في انتزاع المنكر الواحد كما حدث في تحريم الخمر فقد نزل فيه أول ما نزل ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون ثم إن بعض المسلمين صنع طعامًا ودعا أصحابه فأكلوا وشربوا ثم قام أحدهم ليصلي بهم فقرأ: قل يا\n_________\n١ -الإتقان ١/١١٦ وما بعدها مباحث في علوم القرآن ١/١٠٠ فما بعدها.","vol":"1","page":33},{"text":"أيها الكافرون فخلط فيها ونقص وزاد، فأنزل الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (النساء: ٤٣.)\nفكانوا بعد ذلك يتركونها عند الصلوات وفي الأوقات القريبة منها حتى لا يقعوا في مثل هذا الخلط، وبذلك صار من السهل تحريمها تحريمًا باتًا، فقد صنع بعض المسلمين طعامًا فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برؤوسهم فتناشدوا الأشعار فتشاجروا حتى شج أحدهم رأس الآخر فقال الفاروق عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيًا فحرمها الله بعد ذلك تحريمًا باتا حيث أنزل فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال عمر: انتهينا فمن ثم اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرقا١.\nمن الحكم كذلك: التدرج في تثبيت العقائد الصحيحة والأحكام التعبدية والعملية والآداب والأخلاق الفاضلة.\nفقد أمر القرآن أولًا بالإيمان بالله وصفاته، وعبادته وحده، حتى إذا ما آمنوا بالله دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم بالإيمان بالرسل والملائكة حتى إذا ما اطمأنت قلوبهم بالإيمان، وأشربوا حبه، سهل عليهم بعد ذلك تقبل الأوامر، والتشريعات التفصيلية والأحكام العلمية والفضائل والآداب العالية، فأمروا بالصلاة والصدق والعفاف ثم بالزكاة ثم بالصوم، ثم بالحج، كما بينت أحكام النكاح، والطلاق والرجعة والمعاملات من بيع وشراء وتجارة إلى غير ذلك من المعاملات.\n_________\n١ -المدخل في علوم القرآن ١/٦٩.","vol":"1","page":34},{"text":"وقد أشارت أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى هذه الحكمة كما في صحيح البخاري١ قالت عائشة: إنما نزل من القرآن أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنى أبدا.\nوقد دل القرآن بهذه السياسة الحكيمة الرشيدة في إصلاح الشعوب وتهذيب أخلاقها على أنه معجز وأنه كلام الله، فما كان لبشر مهما كان ذكاؤه أن يتوصل إلى هذه الطرق الحكيمة، في الوقت الذي بعث فيه نبينا ﷺ ولكن هذا من صنع العليم الخبير.\n٤ -– من الحكم كذلك، تثبيت قلوب المؤمنين وتعويدهم على الصبر والتحمل بذكر قصص الأنبياء، وما لاقوه وأن العاقبة للمتقين كقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾ (النور الآية ٥٥) وكقوله ﴿الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت الآية ١-٣) .\n٥ - التحدي والإعجاز: فالمشركون تمادوا في غيهم وبالغوا في عتوهم، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحدّ يمتحنون بها رسول الله ﷺ في نبوته، ويسوقون له من ذلك كل عجيب كعلم الساعة ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ\n_________\n١ -مناهل العرفان في علوم القرآن ١/٥٦،وما بعدها، صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن رقم الحديث ٤٩٩٣.","vol":"1","page":35},{"text":"السَّاعَةِ﴾ (الأعراف: ١٨٧) . وكقوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ (سورة الحج: ٤٧) . وحيث عجبوا من نزول القرآن منجمًا بين الله لهم الحق في ذلك، فإن تحديهم به مفرقًا مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة ويقال لهم جيئوا بمثله، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (الفرقان:٣٢) .\nويشير لهذه الحكمة ما جاء في بعض الروايات من حديث ابن عباس عن نزول القرآن فكان المشركون إذا أحدثوا شيئًا أحدث الله لهم جوابًا، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس١.\nقال في المدخل٢ فنزوله منجمًا مفرقًا من أقوى الأدلة على أنه معجز وأنه كلام الله، إذ لو أنزله الله جملة واحدة لكانت لهم حجة أن يقولوا شيء نزل علينا مرة واحدة، فلو نزل علينا مفرقا لعارضناه فقطع الله عليهم تلك الحجة فكأنه يقول لهم إن كنتم تقولون إنه ليس كلام الله، فأتوا بسورة مثله أو بعشر سور، أو آية، فسجل عليهم العجز الأبدي.\nومع نزوله مفرقًا على مدى بضع وعشرين سنة كان غاية في روعة الأسلوب ورصانة الألفاظ، لا تفاوت فيه، فكان بذلك معجزا.\nمن الحكم كذلك: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد.\n_________\n١ الإتقان في علوم القرآن ١/١١٦ وما بعدها مباحث في علوم القرآن.\n٢ ١/٧٥، الإتقان في علوم القرآن ١/١١٦ وما بعدها البرهان في علوم القرآن، مباحث في علوم القرآن، وغير هذه الكتب التي تتعلق بعلوم القرآن مناهل العرفان في علوم القرآن ١/٥٣-٦٠.","vol":"1","page":36},{"text":"ومن المعلوم أن القرآن الكريم نزل مفرقا على مدى عشرين سنة حسب الوقائع والأحداث، ومع طول هذه الفترة، كانت تنزل منه الآية والآيات الكثيرة، والآيات القليلة على اختلاف الموضوعات ومع ذلك كان أسلوبه أسلوبًا واحدًا لم يتغير في فصاحته وجزالته وقوته، فأسلوبه واحد، مترابط بعضه ببعض، لا انفكاك فيه متناسق الآيات والسور كأنه عقد واحد ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فلو كان من كلام البشر وقد قيل في مناسبات كثيرة، وموضوعات مختلفة متباينة، لوقع فيه التفكك والانفصام قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ هذا والحكم التي أخذت من نزول القرآن مفرقًا منجما كثيرة لا تكاد تحصر، وقد نثرها علماء هذا الفن في كتبهم وقد لخصنا منها ما ذكرنا تلخيصًا، نرجو الله ﷾ أن يفقهنا في الدين وأن يجنبنا الزيغ.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الكلام في نزول القرآن على سبعة أحرف:</span>\nبما أن هذا الموضوع من أخصّ موضوعات نزول القرآن لابد من التطرق إليه على انفراد بإيجاز، مع العلم أن الموضوع تكلم فيه العلماء قديمًا وحديثًا وأكثروا فيه الأقوال، ولاسيما المعنى المراد بكونه نزل على سبعة أحرف وأنا أتناوله حسب المحاور التالية:\nالمحور الأول: النصوص الدالة على نزوله على سبعة أحرف:\nاعلم أيها القارئ الكريم أن حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف جاء عن كثير من الصحابة حتى ذكر بعض العلماء عنه التواتر، وممن قال بذلك أبو عبيد القاسم بن سلام، وقد ذكر السيوطي في الإتقان أنه جاء عن واحد وعشرين من الصحابة١.\nمنهم على سبيل المثال: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وغير هؤلاء وأخرج الحافظ أبو يعلى في مسنده أن عثمان قال على المنبر \"أذكر الله رجلًا سمع النبي ﷺ قال:\" إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها٢ كاف شاف لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معهم، قال في المدخل:\" وهذا يدل على أن الحديث كان معروفًا مشهورًا غاية\n_________\n١ -الإتقان في علوم القرآن ١/٤٥.\n٢ -البخاري رقم ٢٤١٩، مسلم رقم ٨١٨.","vol":"1","page":38},{"text":"الشهرة في زمن الصحابة، ولكن هل نقله عنهم في كل طبقة جماعة كثيرون ممن يثبت بهم التواتر قال هذا ما يحتاج إلى إثبات وإلا فغاية أمره أنه مشهور من الأحاديث الدالة على نزول القرآن على سبعة أحرف \".\n١ - ما جاء في الصحيحين بسندهما عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف \"١.٢ - وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما بسنديهما عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره٢ في الصلاة، فصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ قلت كذبت فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله ﷺ أرسله اقرأ ياهشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ﷺ:كذلك أنزلت، ثم قال اقرأ ياعمر فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله ﷺ: كذلك أنزلت إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه\" ٣.\n_________\n١ فتح الباري ٩/١٩، صحيح مسلم بشرح النووي ٦/١٠١.\n٢ أوثقه وأمسك به.\n٣ صحيح البخاري مع فتح الباري ٩/١٩-٢٠، مسلم بشر ح النووي ٦/٩٩.","vol":"1","page":39},{"text":"٣ – روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة١ بني غفار قال فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الثالثة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأي حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا.\n٤ – روى مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه٢ فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعًا على رسول الله ﷺ فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرآ فحسن النبي ﷺ شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله ﷿ فقال لي ياأبيّ أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف فرددت عليه، أن هون على أمتي فرد إلى الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف،\n_________\n١ أضاة بفتح الهمزة وبضاد معجمه المستنقع كالغدير وجمعه أضاء كحصاة وحصاء وكانت بموضع من المدينة ينسب إلى بني غفار لكونهم نزلوا عنده، والحديث أخرجه مسلم رقم ٠٨٢١،\n٢ مسلم بشرح النووي ٦/٩٩.","vol":"1","page":40},{"text":"ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ.\n٥ - وروى أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أن رجلًا قرأ آية من القرآن فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تحاروا فيه\" إسناده حسن١.\nهذا: والأحاديث في إثبات نزول القرآن على سبعة أحرف كثيرة مستفيضة، ذكر معظمها ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره٢.\nالمحور الثاني: ما يستخلص من الروايات الأمور التالية:\n١ - لو نزل القرآن على حرف واحد لشق ذلك على الأمة العربية فقد كانت متعددة اللغات واللهجات، وما يتسهل النطق به على البعض لا يسهل على البعض الآخر، وكانت تغلب عليها الأمية فلا عجب أن حرص النبي ﷺ على الاستزادة من الحروف حيث بلغت سبعة أحرف.\nفكان من رحمة الله بهذه الأمة أن أنزل القرآن على سبعة أحرف رفعًا للحرج، وتيسيرًا لقراءته وحفظه.\n٢ - إن هذه التوسعة إنما كانت في الألفاظ، ولم تكن في المعاني والأحكام وأنها كانت في المعنى الواحد يقرأ بألفاظ مختلفة بدليل أن النبي ﷺ أقر كلًا من المختلفين على قراءته.\n_________\n١ -فتح الباري ٩/٢١.\n٢ -١/٢٢-٦٧.","vol":"1","page":41},{"text":"٣ - إن هذه التوسعة والإباحة في القراءة بأي حرف من الحروف السبعة إنما كانت في حدود ما نزل به جبريل وما سمعوه من النبي ﷺ وذلك بدليل أن كلًا من المختلفين كان يقول: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلموأن النبي ﷺ كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله: هكذا أنزلت كما في حديث عمر وهشام.\nولا يتوهم أي إنسان أن التوسعة كانت باتباع الهوى، فذلك ما لا يليق أن يفهمه مسلم فضلًا عن عاقل إذ الروايات الواردة ترده وتبطله ولو كان لكل أحدٍ أن يقرأ بما يتسهل له من غير تلق وسماع من النبي ﷺ وأن يبدل ذلك من تلقاء نفسه لذهب إعجاز القرآن ولكان عرضة أن يبدله كل من أراد، ولما تحقق وعد الله سبحانه بحفظه في قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وكيف يتفق هذا الوهم الباطل مع قول الله ﷿ ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: ١٥-١٦) .\n٤ - أن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف منها من غير إلزام بواحد منها فمن قرأ بأي حرف منها فقد أصاب، بدليل قوله ﷺ في حديث عمر فاقرؤوا ما تيسر منه.\n٥ - أن التوسعة على الأمة لم تكن في مبدأ الدعوة فحسب بل كانت بعد الهجرة وبعد أن دخل في الإسلام كثير من القبائل غير قريش فكانت","vol":"1","page":42},{"text":"الحاجة ماسة إلى هذا التسهيل وتلك التوسعة: يشهد لهذا حديث مسلم أن النبي كان عند أضاة بني غفار وقد تقدم١.\n٦ - هذه التوسعة مظهر من مظاهر الرحمة والنعمة ولا ينبغي أن تكون مصدر اختلاف أو أن تكون مثيرة للشك، أو مضعفة لليقين، فقد حذرهم الرسول صلوات الله عليه من الاختلاف، كما في حديث ابن مسعود، ومن الشك في القرآن كما في حديث عمرو بن العاص \"فلا تماروا فيه\" وفي رواية لابن جرير الطبري من حديث أبي جهم \"فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر\"٢.\n٧ - حرص الصحابة رضوان الله عليهم البالغ على القرآن وغاية تحوطهم في المحافظة عليه، ونفي الريب والتغيير والتبديل عنه، ويدل على هذا ما كان من الفاروق عمر ﵁ مع هشام بن حكيم حتى هم أن يأخذ بتلابيبه وهو في الصلاة٣.\nالمحور الثالث: المراد بمعنى الأحرف السبعة: اعلم أنه اختلف في ذلك اختلافًا كثيرًا حتى أوصل السيوطي الأقوال في معناها إلى نحو أربعين قولًا٤.\nوأنا أذكر بعضها فقط، ملخصًا ذلك من كتب الفن:-\n_________\n١- فتح الباري ٩/٢٣.\n٢ تلخيصا من الكتب التالية: المدخل في علوم القرآن، تفسير ابن جرير الطبري مباحث في علوم القرآن، الإتقان في علوم القرآن الكريم، مناهل العرفان.\n٣ الإتقان ١/٤٥.\n٤ أخرجه ابن جرير في تفسيره ١/٤٤.","vol":"1","page":43},{"text":"١ - القول الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن معنى من المعاني يأتي القرآن منزلًا بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر.\n٢ - القول الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم.\n٣- القول الثالث: أن المراد بالأحرف السبعة أوجه سبعة من الأمر والنهي والوعد والوعيد، والجدل والقصص، والمثل، أو من الأمر والنهي والحلال والحرام والمحكم والمتشابه والأمثال عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال:\"كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال\" ١.\n٤ - القول الرابع: أن المراد بالأحرف السبعة وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف وهي:\n(١) اختلاف الأسماء بالأفراد والتذكير وفروعهما، كقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ قرئ لأماناتهم بالجمع، وقرئ لأمانتهم بالإفراد، ورسمها في المصحف ﴿لأمنتهم﴾ يحتمل القراءتين لخلوها من الألف الساكنة، ومآل الوجهين في المعنى واحد فيراد بالجمع الاستغراق الدال\n_________\n١ -أخرجه الحاكم والبيهقي، وابن جرير ١/٦٩ بمعناه.","vol":"1","page":44},{"text":"على الجنسية، ويراد بالإفراد الجنس الدال على معنى الكثرة، أي جنس الأمانة١.\n(٢) الاختلاف في وجوه الإعراب كقوله تعالى ﴿ما هذا بشرًا﴾ (يوسف: ٣١) . قرأ الجمهور بالنصب على أن \"ما\" عاملة عمل ليس وهي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن، وقرأ ابن مسعود ﴿ما هذا بشر﴾ بالرفع على لغة بني تميم، فإنهم لا يعملون ما عمل ليس.\n(٣) الاختلاف في التصريف: كقوله تعالى ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ قرئ بنصب \"ربنا\" على أنه منادى مضاف \"وباعد\" بصيغة الأمر وقرئ ربنا بالرفع، \"وباعد\" بفتح العين على أنه فعل ماض.\n(٤) الاختلاف بالتقديم والتأخير، إما في الحرف كقوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ (الرعد: ٣١) . وقرئ ﴿أفلم يأيس﴾ وإما في الكلمة كقوله تعالى ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: ١١١) . بالبناء للفاعل في الأول وللمفعول في الثاني.\n(٥) الاختلاف بالإبدال سواء كان إبدال حرف بحرف كقوله تعالى ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (البقرة: ٢٥٩) . قرئ بالزاي المعجمة مع ضم النون، وقرئ بالراء المهملة مع فتح النون، أو إبدال لفظ بلفظ كقوله تعالى ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ قرأ ابن مسعود وغيره ﴿كالصوف المنفوش﴾ .\n(٦) الاختلاف بالزيادة والنقص فالزيادة كقوله تعالى ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ قرئ من تحتها الأنهار بزيادة من، وهما قراءتان متواترتان والنقصان كقوله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (البقرة: ١١٦) . بدون واو وقراءة الجمهور وقالوا اتخذ الله ولدًا بالواو.\n_________\n١ -مباحث في علوم القرآن ١/١٤٠.","vol":"1","page":45},{"text":"(٧) اختلاف اللهجات بالتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام والهمز والتسهيل، والإتمام ونحو ذلك.\nكالإمالة وعدمها في مثل قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (طه: ٩) . قرئ بإمالة \"أتى\" موسى\" وترقيق الراء في قوله ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ وتفخيم اللام في الطلاق، وتسهيل الهمزة في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وإشمام الغين ضمه مع الكسر في قوله ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (هود: ٤٤.) .\n٥ - القول الخامس: ذهب بعضهم إلى أن العدد سبعة لا مفهوم له، وإنما هو رمز إلى ما ألفه العرب من معنى الكمال في هذا العدد، فلفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة والكمال في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في المئات، ولا يراد العدد المعين١.\n٦ – القول السادس: أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع وهناك أقوال كثيرة وقد رجح كثير من العلماء القول الأول في أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد نحو أقبل، وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، ممن رجح هذا القول كبير المفسرين ابن جرير الطبري٢ وإليه ذهب سفيان بن عيينة، وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء٣.\n_________\n١ -الإتقان ١/٤٥.\n٢- ١/١٥.\n٣ -مباحث في علوم القرآن ١/١٦٢.","vol":"1","page":46},{"text":"واعلم أن أسباب النزول من مقتضيات نزول القرآن الكريم ولذلك لابد من الكلام عليها كلامًا غير مطول لأنها تحتاج إلى بحث مستقل فنتناولها من النواحي التالية:\nتعريف سبب النزول، العبارات التي تعد نصا في سبب النزول، اعتناء الصحابة بمعرفة أسباب النزول.\nفوائد أسباب النزول، هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ كذلك يلزم على معرفة نزول القرآن، الكلام على جمعه والاعتناء بحفظه والكلام على تواتره وشروط القراءة الصحيحة.\nتعريف المكي والمدني والكلام عليه كلاما موجزًا من مظاهر العناية بالقرآن الكريم ونزوله العناية بكتابته ورسمه.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الكلام على أسباب النزول:</span>\nإن القرآن الكريم نزل لهداية البشر، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم في العقائد والأحكام ومكارم الأخلاق، وأكثر القرآن نزل إلى هذه الأغراض النبيلة من غير سبب، وبعضه نزل مرتبطًا بأسباب خاصة.\nفالصحابة ﵃ الذين عاشروا رسول الله ﷺ وعاشوا معه حياتهم قد تقع منهم حادثة تحتاج إلى بيان حكم الله فيها، وقد يسألون عن أشياء فينزل القرآن لذلك.\nفسبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات أيام وقوعه متحدثة عنه مبينة حكمه والمعنى أن حادثة وقعت أو سؤالًا وجه إلى النبي ﷺ فنزل الوحي ببيان ما يتصل بتلك الحادثة مثل حادثة خولة التي ظاهر منها زوجها فأنزل الله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (المجادلة:١) . واعلم أنه لا طريق لمعرفة سبب النزول إلا بالنقل الصحيح عن الصحابة ﵃. قال الواحدي في أسباب النزول \"لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب \".\nفالمعول عليه في أسباب النزول هم الصحابة، ومن أخذ عنهم من التابعين ومعرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تختص بالقضايا، وكثير ما يجزم بعضهم بالسبب وربما لم يجزم بعضهم بالسبب، وربما لم يجزم بعضهم فقال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، كما قال الزبير في قوله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة النساء: ٦٥)، روى الشيخان في صحيحيهما١ عن عروة بن الزبير عن أبيه أن رجلًا من\n_________\n١ -البخاري رقم ٢٣٦١ في كتاب المساقاة، مسلم برقم ٣٢٥٧. في كتاب الفضائل.","vol":"1","page":48},{"text":"الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون منها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر، فأبى عليه فاختصما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير اسق يازبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري ثم قال يا رسول الله ﷺ أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال للزبير يازبير احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك. ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فاستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزبير رأيا١.\nهذا وقول الصحابة في سبب النزول محمول على الرفع كما نص على ذلك أئمة المصطلح لأنه قول فيما لا مجال للرأي فيه، وبعيد كل البعد أن يقول الصحابي ذلك مِن تلقاء نفسه فعدالته تمنعه من ذلك، فذلك محمول على السماع أو المشاهدة.\nأما قول التابعي: في سبب النزول فله حكم الرفع إلا أنه مرسل، قد يقبل إذا صح السند إليه وكان من أئمة التفسير كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.\nواعلم أيها القارئ الكريم أن الصحابة كانوا علماء مجتهدين في معرفة سبب النزول ولذلك جاء عن ابن مسعود ﵁ كما في صحيح البخاري والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، ولو كنت أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه٢.\n_________\n١ -البخاري كتاب التفسير سورة النساء ٢/٣، أسباب النزول للسيوطي ١/١٥.\n٢ -البخاري رقم ٥٠٠٢ في كتاب فضائل القرآن مسلم برقم الفضائل.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>بعض فوائد أسباب النزول باختصار:</span>\n١- الاستعانة على فهم الآية وإزالة الإشكال عنها: قال الواحدي \"لا يمكن معرفة الآية دون الوقوف على قصتها \". وقال ابن دقيق العيد:معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. وقال شيخ الإسلام بن تيمية في رسالته أصول التفسير١ \"معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث معرفة المسبب \" ولذلك أمثلة كثيرة منها:-\nأ - أن عروة بن الزبير ﵄ أشكل عليه فرضية السعي بين الصفا والمروة من قول الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فقال: إن الله نفى الجناح ونفي الجناح يدل على نفي الوجوب فسأل خالته عائشة ﵂، فقالت له \"إن سبب النزول أنه كان قبل الإسلام على الصفا صنم يقال إساف وعلى المروة صنم يقال له نائلة فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من السعي بينهما فأنزل الله الآية رفعًا للحرج٢.\nب - قوله تعالى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى نقل عن الظاهرية أن الآيسة لا عدة عليها إذا لم تَرتَب وقد أزال هذا الإشكال سبب النزول، وذلك أنه لما نزلت الآية التي في البقرة في\n_________\n١ لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي ١/١٧، أصول التفسير ١/٥٩.\n٢ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٣٩٢.","vol":"1","page":50},{"text":"عدد النساء قال الناس بقي عدد من النساء لم تذكر عدتها، فحينئذ أنزل الله الآية فعلم منها أن حكم عدة اليائسة والصغيرة ثلاثة أشهر، إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم عدتهن١.\nج - – قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فلو تركت على ظاهرها لفهم منها أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة فلما علم أنها نازلة في صلاة النافلة، أو في من عميت عليه القبلة فصلى باجتهاده وبان له الخطأ بعد ذلك زال الإشكال عنه.\nد - ومن ذلك ما روى في الصحيح عن مروان بن الحكم أنه أشكل عليه قوله تعالى ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٨٨) قال مروان: لئن كان كل أحد فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، حتى سأل ابن عباس عن ذلك فقال له ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في اليهود سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأروه أنهم أجابوه واستحمدوه لذلك٢.\n(٢) من الفوائد دفع توهم الحصر: قال الشافعي: في قوله تعالى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآية قال: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال\n_________\n١ مناهل العرفان ١/ المدخل في علوم القرآن ١/١٣٨، الاتقان في علوم القرآن ١/٤٥ فما بعدها، مباحث في علوم القرآن ١/٧٩ فما بعدها.\n٢ صحيح البخاري ٣/","vol":"1","page":51},{"text":"إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلوى فتقول له لا آكل اليوم إلا حلوى، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة، فكأنه قال لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل١.\nاعلم أيها القارئ الكريم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هذا إذا كان السبب خاصًا واللفظ عاما، فالحكم الذي يؤخذ من اللفظ العام يتعدى صورة السبب الخاص إلى نظائرها كآيات اللعان التي نزلت في قذف هلال بن أمية زوجته ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ . إلى قوله ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (سورة النور ٦-٩.) فيتناول الحكم المأخوذ من هذا اللفظ العام ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ غير حادثة هلال دون احتياج إلى دليل، هذا هو الرأي الراجح والأصح وهو الذي يتفق مع عموم أحكام الشريعة والذي سار عليه الصحابة والمجتهدون من هذه الأمة٢.\nأما صيغة سبب النزول فتارة تكون نصا في سبب النزول، وتارة تكون محتملة فتكون نصًا في سبب النزول فيما إذا قال الراوي سبب نزول هذه الآية كذا، أو إذا أتى بفاء تعقيبيه داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال، كما إذا قال \"حدث كذا\" أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت الآية، فهاتان صيغتان صريحتان في السببية وتكون الصيغة محتملة للسببية ولما\n_________\n١ الاتقان ١/٢٥وما بعدها، المدخل ١/١٣٠، مباحث في علوم القرآن ١/٧٩، وما بعدها.\n٢ مباحث في علوم القرآن ١/٨٤، مذكرة الأصول ١/٣٧٢، الشيخ محمد الأمين.","vol":"1","page":52},{"text":"تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي نزلت هذه الآية في كذا، فذلك يراد به تارة سبب النزول ويراد به تارة أنه داخل في معنى الآية١.\nهذا: وقد يتعدد السبب والمنزل واحد، وذكر العلماء لذلك أربع حالات:-\n١ - إما أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى غير صحيحة فالمعول عليه ما صحت روايته.\n٢ – أن تكون كلتا الروايتين صحيحة، ولأحدهما مرجح.\n٣ – وإما أن تكون كل منها صحيحة ولا يمكن الترجيح، وقد يمكن نزول الآية عقبها.\n٤ – وإما أن تكون كل منهما صحيحة ولا يمكن الترجيح ولا يمكن نزول الآية عقبها.\n(١) مثال الحالة الأولى: أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى غير صحيحة فالمعتمد في السبب الصحيحة أنه ﷺ اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين، فجاءت امرأة فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ مع ما أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة والواحدي وغيرهم بسند فيه من لا يعرف عن حفص بن ميرة عن أمه عن أمها، وكانت خادم رسول الله ﷺ أن جروا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير ومات فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله ﷺ جبريل لا يأتيني فقلت في\n_________\n١ أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/٥٩-٦١.\n٢ فتح الباري ٨/٧١.","vol":"1","page":53},{"text":"نفسي لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى﴾ فالمعتمد الرواية الأولى لأنها صحيحة أما الثانية وإن كانت مشهورة لكنها غير صحيحة لوجود الجهالة في سندها.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح١:قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب بل شاذ مردود وفي إسناده من لا يعرف.\n(٢) مثال الحالة الثانية: التي هي أن تكون كلتا الروايتين صحيحة ولأحدهما مرجح ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لو سألتموه فقالوا حدثنا عن الروح فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه ثم قال ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢.\nمع ما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل يريدون النبي ﷺ ٣.\nفالأولى تدل على أن السائل اليهود، وأن نزولها بالمدينة والثانية تدل على أن السائل الكفار وأنها نزلت بمكة، والرواية الأولى أرجح لأمرين:\nأ - أنها من رواية البخاري.\n_________\n١ البخاري رقم ٤٩٥٠، مسلم برقم ١٧٩٧ الجهاد.\n٢ البخاري برقم ١٢٥ في كتاب العلم، ومسلم برقم ٢٧٩٤ في صفة القيام.\n٣ الاتقان ١/٣٣.","vol":"1","page":54},{"text":"ب - أن الراوي في الأولى وهو ابن مسعود حاضر للقصة ومشاهد لها بينما ابن عباس الذي هو الراوي في الثانية لم يثبت أنه كان مشاهدا لها١.\nمثال الحالة الثالثة: التي هي أن تكون كل من الروايتين صحيحة، ولا يمكن الترجيح لكي يمكن نزول الآيتين عقب السببين لعدم العلم بالتباعد مثاله: ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي ﷺ يقول البينة أو حدّ في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ....﴾ الآية وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: اسأل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع به؟ فسأل عاصم رسول الله فكره رسول الله ﷺ فأخبر عاصم عويمر فقال: والله لآتين رسول الله ﷺ ولأسألنه فقال: إنه قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك القرآن ... الحديث.\nفهاتان الروايتان صحيحتان: ويمكن الجمع بينهما بأن أول من سأل هلال ثم سأل عويمر قبل الإجابة ثم نزلت الآيات٢.\nمثال الحالة الرابعة التي هي استواء الروايتين أو الروايات في الصحة، ولا مرجح مع عدم إمكان نزول الآية عقبها لتباعد الزمان فالحكم أن يحمل الأمر على تكرر النزول. مثال ذلك ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة\n_________\n١ مسلم بشرح النووي ١٠/٢١٢٠.\n٢ الترمذي برقم ٣١٤٠ كتاب تفسير القرآن وأحمد رقم ٢٣٠٩.","vol":"1","page":55},{"text":"أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثل به فقال \"لأمثلن بسبعين منهم مكانك\" فنزل جبريل بقوله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه﴾ مع ما أخرج الترمذي والحاكم عن أبيّ بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربين عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله سبحانه: وإن عاقبتم فعاقبوا الآية. قال في المدخل:\" فالأولى تفيد أن الآيات نزلت عقب أحد والثانية تفيد أنها نزلت يوم الفتح، وبين الفتح وأحد حوالي خمس سنين إلى أن قال فلا مناص من القول بتعدد النزول مرة يوم أحد ومرة يوم الفتح١ \".\n_________\n١- المدخل في علوم القرآن ١/١٣٨، مباحث في علوم القرآن ١/٨٧-٩٠، مناهل العرفان ١/١٠٦ فما بعدها.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه:</span>\nاعلم أيها القارئ الكريم أن المتكلم في موضوع نزول القرآن لابد أن يتكلم عن أول ما نزل وآخر ما نزل لتعلق هذا الموضوع بالنزول وعليه، فإن العلماء بحثوا هذا الموضوع بحثا واسعًا لأهميته وأنا أتكلم فيه من النواحي التالية:-\n١ - أول ما نزل مطلقًا.\n٢ - آخر ما نزل مطلقًا.\n٣ - أوائل مقيدة.\n٤ - أواخر مقيدة.\n٥ - بعض فوائد هذا النوع.\nأول ما نزل من القرآن مطلقًا:\nذكر العلماء في ذلك أربعة أقوال:\n(١) أول ما نزل قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١-٥) .\nمن الأدلة على هذا القول:\nأ – ما رواه البخاري١ ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت \"أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى\n_________\n١ البخاري ١/٣، ومسلم ١/٩٨، البرهان ٢٩٣-٣٠٠، والاتقان ١/٦٨-٧٦،٧٧،٨١، وورد في مسند أحمد ٦/٢٣٢-٢٣٣، أسباب النزول للواحدي ١/٤٨.","vol":"1","page":57},{"text":"رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال \"اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق\" الخ\nب – روى الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة وصححاه عن عائشة أنها قالت أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ومرادها بالسورة صدرها١.\nالقول الثاني: أن أول ما نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومن الأدلة على هذا القول: ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عن يحيى بن أبي كثير: قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل أول؟ فقال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت أنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت نبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: \"لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ \" قال رسول الله ﷺ جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو –يعني جبريل- بين\n_________\n١ الاتقان في علوم القرآن ١/٦٨.","vol":"1","page":58},{"text":"السماء والأرض فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فقلت \"دثروني\" فأنزل الله ياأيها المدثر١.\nوأجاب أهل القول الأول عن هذا بأجوبة أحسنها.\nأن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل بعد فترة الوحي، أما اقرأ فهي أول ما نزل على الإطلاق٢.\nالقول الثالث: أن أول ما نزل سورة الفاتحة وقد عزا هذا القول الزمخشري في كشافه٣ إلى أكثر المفسرين، ورد عليه الحافظ ابن حجر٤ بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل من القليل. من أدلة هذا القول: ما رواه البيهقي في دلائل النبوة والواحدي بسنده عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: إني إذا خلوت٥ وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمّد إلى ورقة بن نوفل فانطلقا فقصا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأفق فقال لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى\n_________\n١ البخاري ١/٣ ومسلم ١٢/٩٩.\n٢ الاتقان ١/٦٨، المدخل ١/١٠٤.\n٣ مستدرك الحاكم ٢/٢٤٠ رقم ٢٨٧٣.\n٤ فتح الباري ٨/٥٥٠-٥٥١.\n٥ القرطبي ١/١١٥، وعزاه للبيهقي في الدلائل.","vol":"1","page":59},{"text":"قوله ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال العلماء:١ والجواب عن هذا الحديث أنه مرسل لا يعارض القول الأول.\nالقول الرابع: إن أول ما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ دليل هذا القول ما أخرجه الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأول سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال السيوطي: وعندي أن هذا القول لا يعد قولا برأسه فإن من ضرورة نزول السورة نزول البسملة.\nواعلم أن هذه الآثار والأحاديث لاتنهض لمعارضة حديث عائشة الذي هو في الصحيح الدال على أن أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .\nآخر ما نزل من القرآن مطلقًا:\nاعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس في هذا الموضوع أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ يمكن التحاكم إليها وكل ما فيه آثار مروية عن بعض الصحابة والتابعين استنتجوها من مشاهداتهم للنزول، وملابسات الأحوال فقد يسمع أحدهم ما لا يسمع الآخر، ويرى ما لا يراه غيره، ومن هنا كثر الاختلاف في هذا الموضوع ولنكتفِ بالبعض فقط على النحو التالي:\n(١) القول الأول أن آخر ما نزل قوله تعالى في آخر سورة البقرة ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨١) ..\n_________\n١ الاتقان ١/٦٩، المدخل ١/١٠٤.","vol":"1","page":60},{"text":"من الأدلة على هذا القول:\nأ – ما رواه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية وروى ابن مردويه بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال آخر آية نزلت من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية وعاش النبي ﷺ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.\nوذكر البغوي في تفسيره١ عند هذه الآية عن ابن عباس ﵄ قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ فقال جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش بعدها رسول الله ﷺ أحدًا وعشرين يوما.\nوروى الألوسي في تفسيره٢ عند هذه الآية روى أنه قال يعني رسول الله ﷺ اجعلوها بين آية الربا وآية الدين.\nوفي رواية أخرى أنه ﷺ قال جاءني جبريل فقال اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة.\nقال في المدخل٣:وهذا الرأي هو أرجح الآراء والأقوال وهو الذي تركن إليه النفس للأسباب التالية:\n_________\n١ -البغوي ١/٣٤٧، المدخل ١/١٠٧، الاتقان ١/٧٧، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٢٠٥، البخاري رقم ٤٥٤٤ كتاب تفسير القرآن.\n٢ -الألوسي ١/المجلد الأول ج٢/٥٥.\n٣ -١/١١.","vol":"1","page":61},{"text":"١ – لم يحظ قول من الأقوال الآتية بما حظي به هذا القول من الآثار وأقوال الأئمة.\n٢ – ما تشير به هذه الآية في ثناياها من التذكير باليوم الآخر والرجوع إلى الله ليوفي كلا جزاء عمله، وهو أنسب بالختام.\n٣ – ما ظفر به هذا القول من تحديد الوقت بين نزولها ووفاة النبي ﷺ ولم يظفر قول بهذا التحديد.\nالقول الثاني: أن آخر ما نزل هو قوله تعالى في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٧٨) .\nويدل لهذا القول ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: وآخر آية نزلت آية الربا١.\nوالحق الأول: ويجاب عن هذا القول إما بأنها آخر آية نزلت في شأن الربا وإما أنها من آخر الآيات نزولًا.\nالقول الثالث: أن آخر آية نزلت آية الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢) . وهي أطول آية في القرآن. ومن أدلة هذا القول ما أخرجه ابن جرير٢ من طريق بن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين، مرسل صحيح الإسناد ويجاب عنه بأنها آخرية مقيدة، فهي آخر ما نزل في باب المعاملات.\n_________\n١ البخاري رقم ٤٥٤٤ كتاب تفسير القرآن.\n٢ ابن جرير الطبري في تفسيره","vol":"1","page":62},{"text":"هذا: وقد جمع السيوطي في الإتقان١ بين هذه الأقوال الثلاثة فقال: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، وآية الدين، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف لأن موضوعها واحد، فأخبر كل واحد عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح.\nوقد جمع الحافظ بين القولين٢ بأن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن، كما رجح أن آية واتقوا يوما... هي الأليق بالختام.\nالقول الرابع: آخر ما نزل قوله تعالى ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر ما نزل من السور براءة، ويدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (النساء: ١٧٦) . يجاب عن هذا بأن سورة براءة آخر ما نزل في شأن القتال والجهاد.\nالقول الخامس: أن آخر ما نزل قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٩٣) ويدل لهذا القول ما رواه البخاري٣ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا، هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء والجواب أنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمدًا، فهي آخرية مقيدة.\n_________\n١ بواسطة المدخل ١/١٢٠.\n٢ البخاري ٤٣٦٤ المغازي، مسلم ١٦١٨ الفرائض أحمد ٨١٦٤.\n٣ البخاري رقم ٤٥٩٠ تفسير القرآن، مسلم رقم ٣٠٢٣ التفسير.","vol":"1","page":63},{"text":"القول السادس: أن آخر ما نزل قوله تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (براءة: ١٢٨) . إلى آخر سورة براءة من الأدلة على هذا القول ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال آخر آية نزلت ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة١.\nقال في الإتقان \"وروى ابن مردويه عن أبيّ أيضًا قال: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . ويجاب عنه أنهما آخر ما نزل من سورة براءة.\nالقول السابع: آخر ما نزل سورة المائدة من الأدلة على هذا القول ما رواه الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت آخر سورة نزلت المائدة٢ فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه.\nويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت في الحلال والحرام.\nالقول الثامن: آخر سورة نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال في الإتقان رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس، ورواه النسائي أيضًا عنه ويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت بتمامها.\nقال في المدخل: \" وقد عرفت أن القول الأول هو الصحيح الراجح وعرفت الإجابة عما ورد مخالفًا له وأن المراد أواخر مقيدة لامطلقة\" ٣.\n_________\n١ المستدرك ٢/٣٣٨، والدر المنثور ٣/٢٩٥.\n٢ الترمذي رقم ٣٠٦٣ كتاب التفسير.\n٣ المدخل ١/١٢٢، الاتقان ١/٧٧، وما بعدها.","vol":"1","page":64},{"text":"الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة:\nهذا البحث كثير، ولهذا يكتفى فيه بذكر نماذج من الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة: حسب ما ذكره العلماء فأقول: أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ٢١٩) .\nأول ما نزل في الجهاد قوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٣٩) .\nأول ما نزل في شأن القتل آية الإسراء وهي قوله تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (الإسراء: ٣٣) .\nنماذج من الأواخر المقيدة:\n١ - آخر ما نزل في تحريم الخمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:٩٠) .\n٢ - آخر آية نزلت في شأن القتل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٩٣) .\nفوائد معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل:\nاعلم أن هذا المبحث لا مجال للعقل فيه، إلا بالترجيح بين الأدلة وجمع المتعارض إن وجد، والمدار فيه على النقل، ولمعرفته فوائد نلخّص منها بعض الفوائد: فيما يلي:","vol":"1","page":65},{"text":"(١) معرفة الناسخ والمنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو أكثر في موضع واحد وحكم إحداهما يغاير الآية الأخرى تغايرًا لا يمكن معه الجمع فنلجأ حينئذ إلى معرفة المتقدم فيعلم أنه منسوخ بالمتأخر.\n(٢) تاريخ التشريع الإسلامي وذلك مثل ما إذا عرفنا أن الآيات التي فيها الأمر بالصلاة نزلت بمكة قبل الهجرة، وأن الآيات التي فيها الأمر بالزكاة وبالصوم كانت في السنة الثانية للهجرة بالمدينة المنورة، وأن آيات الحج نزلت في السنة السادسة على الراجح كان بالإمكان ترتيبها ترتيبا شرعيًا فنقول: أول ما فرض الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج.\nوكذلك إذا علم أن آية ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: ٣٩) نزلت بالمدينة في السنة الثانية علم أن الجهاد فرض في المدينة في السنة الثالثة وهكذا.\n(٣) من الفوائد كذلك معرفة التدرج في التشريع ويتوصل به إلى معرفة حكمة الله في أخذ الشعوب بهذه السياسة الحكيمة في الإسلام، وذلك مثل ما إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن الخمر، ومثل ما إذا علمنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد، نزلت أولًا بمكة، بخلاف الآيات النازلة في الأحكام التشريعية التفصيلية والعملية، فإنها نزلت بالمدينة، فإنه ما لم تعرف الأصول ويطمئن إليها، لا يسهل الأخذ بالفروع\"١.\n\" تنبيه \"\nقال السيوطي: قد يشكل على ما تقدم في آخر ما نزل مطلقًا قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، وظاهرها\n_________\n١ المدخل ١/١٠١، الاتقان ١/٢٧٧، مباحث في علوم القرآن ١/١٠٠ فما بعدها.","vol":"1","page":66},{"text":"إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنه وارد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأَولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، حتى حَجَّه المسلمون لا يخالطهم المشركون١.\nقال الشاعر:\nفألقت عصاها واستقر بها النوى كما قَرَّ عينًا بالإياب المسافرُ\nوآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.\nوكان الفراغ من هذا البحث في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، بتاريخ ٢٥/١/١٤٢١هـ من هجرته ﷺ.\n_________\n١ الاتقان ١/٧٧ فما بعدها، والمدخل ١/١٠١ فما بعدها.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الخاتمة:</span>\nوهي عبارة عن بعض النتائج التي توصل إليها الباحث مع اقتراح يقترحه.\n١ - النتيجة الأولى: أن نزول القرآن الكريم من أهم موضوعات علوم القرآن بل كل موضوعاته الأخرى مبنية على نزول القرآن الكريم.\n٢ - النتيجة الثانية: أن علوم القرآن الكريم كفن مدون مستقل بنفسه بهذا اللقب ما كان معروفًا في العصور الأولى.\n٣ - النتيجة الثالثة: أن أول ظهور لهذا الفن، مدونًا مستقلًا كان على يد الحوفي المتوفى سنة ٤٣٠هـ في كتابه البرهان في علوم القرآن.\n٤ – النتيجة الرابعة: أن العلماء اختلفوا في تعريف القرآن وأحسن تعاريفه، كما عرفه في المراقي \"أنه اللفظ المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته المعجز بألفاظه ومعانيه\".\n٥ - النتيجة الخامسة: أن القرآن معجز بلفظه ومعناه، وأن النظَّام ومن شايعه القائلين بالصرفة قولهم ضعيف مردود.\n٦ - النتيجة السادسة: أن القرآن الكريم أنزل مرتين مرة جملة واحدة إلى بيت العزة من سماء الدنيا، ومرة أنزل مفرقًا منجما على حسب الوقائع والأحداث على مدى ثلاث وعشرين سنة.\n٧ - النتيجة السابعة: أن لنزول القرآن الكريم مفرقًا حكمًا كثيرة كما ذكر بعضها في ثنايا البحث.","vol":"1","page":68},{"text":"٨ - النتيجة الثامنة: أن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف ثابت حيث ورد بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وأنه يدل على التيسير بهذه الأمة واللطف بها مع أن معنى الحديث من المشكل المختلف فيه بين العلماء.\n٩ - النتيجة التاسعة: أن القرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل ﵇، ولم يأت منه شيء عن تكليم أو إلهام أو منام بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جليًا.\n١٠ - النتيجة العاشرة: أن الكتب السماوية غير القرآن الكريم كالتوراة والإنجيل نزلت جملة واحدة، ولم تنزل مفرقة.\n١١ - النتيجة الحادية عشرة: أن المعول عليه في أسباب النزول هم الصحابة ومن أخذ عنهم من التابعين، لا غير.\n١٢ - النتيجة الثانية عشرة: أن معرفة سبب النزول طريق قوي ومعين على فهم الآية، وإزالة الإشكال عنها وله فوائد جمة.\n١٣ – النتيجة الثالثة عشرة: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين.\n١٤ – النتيجة الرابعة عشرة: أن أوّل ما نزل من القرآن على النبي ﷺ صدر سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .\n١٥ – النتيجة الخامسة عشرة: أن آخر ما نزل من القرآن الكريم على النبي ﷺ قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾\nأما الاقتراح الذي اقترحه فهو أن يشكل المسلمون هيئة عليا من العلماء والقادة، للدفاع عن القرآن الكريم وحقوقه بحيث يكون للهيئة مقر ثابت في إحدى الدول الإسلامية، كالهيئات العالمية الأخرى.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المصادر والمراجع:\n١-اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر:\nللدكتور فهد بن سليمان الرومي، (بدون مكان طبع) ط (١) ١٤٠٧هـ.\n٢-الإتقان في علوم القرآن:\nلأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: ٩١١هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث القاهرة ط (٣) ١٤٠٥هـ.\n٣-أحكام القرآن:\nلأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي (ت: ٥٤٣هـ) تحقيق محمد علي البجاوي، دار المعرفة – بيروت (بدون تاريخ) .\n٤-إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم:\nلأبي السعود محمد بن محمد العمادي (ت: ٩٥١هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) .\n٥-أسباب النزول:\nلأبي حسن علي بن أحمد الواحدي (ت:٤٦٨هـ) تخريج عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح – الدمام ط (٢) ١٤١٢هـ.\n٦-أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:\nلمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (ت:١٣٩٣هـ) طبع وتوزيع: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض ١٤٠٣هـ.","vol":"1","page":70},{"text":"٧-إعجاز القرآن:\nلأبي بكر بن الطيب الباقلاني (ت: ٤٠٣هـ) تحقيق/ السيد أحمد صقر، دار المعارف – القاهرة ط (٥)، ١٤٠١هـ.\n٨-البرهان في علوم القرآن:\nلأبي عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي (ت:٧٩٤هـ) تحقيق د/يوسف عبد الرحمن المرشلي وزميليه، دار المعرفة – بيروت ط (١) ١٤١٠هـ – ومصوّرة دار المعرفة – بيروت بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (بدون تاريخ) .\n٩-التبيان في آداب حملة القرآن:\nلأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦)، حققه وخرّج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، مطبوعات جمعية القرآن الكريم – جدة ط (٢)، ١٤٠٨هـ.\n١٠-تفسير التحرير والتنوير:\nلمحمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣هـ)، دار التونسية – تونس ١٤٠٤هـ.\n١١-تفسير القرآن العظيم:\nلأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤هـ)، نشر: مكتبة المعارف – الرياض ط (١) ١٤٠٦هـ.\n١٢-التفسير والمفسرون:\nللدكتور محمد حسين الذهبي (ت: ١٣٩٧هـ)، دار الكتب الحديثة – القاهرة، ط (٢) ١٣٩٦هـ.","vol":"1","page":71},{"text":"١٣—تناسق الدرر في تناسب السور:\nلأبي الفضل عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١هـ) تحقيق/عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط (١) ١٤٠٦هـ.\n١٤-تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:\nلعبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦هـ) مركز صالح بن صالح الثقافي – عنيزة ط (١) ١٤٠٧هـ.\n١٥-جامع البيان عن تأويل آي القرآن:\nلأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠هـ) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي – القاهرة ط (٣) ١٣٨٨هـ.\n١٦-جامع الترمذي:\nلأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (ت: ٢٧٩هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة ط (٢) ١٣٩٨هـ.\n١٧-الجامع لأحكام القرآن:\nلأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (٦٧١هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) .\n١٨-حديث الأحرف السبعة:\nدراسة لإسناده ومتنه واختلاف العلماء في معناه وصلته بالقراءات القرآنية:\nللدكتور عبد العزيز القارئ، دار النشر الدولي – الرياض ط (١)، ١٤١٢هـ.","vol":"1","page":72},{"text":"١٩-الدر المنثور في تفسير المأثور:\nلأبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:٩١١هـ) دار الفكر- بيروت ط (١) ١٤٠٣هـ.\n٢٠-دلائل النبوة:\nلأبي بكر أحمد الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت ط (١)، ١٤٠٥هـ.\n٢١-روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني:\nلأبي الثناء محمود الألوسي (ت: ١٢٧٠هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) .\n٢٢-روضة الناظر وجنة المناظر:\nلأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت:٦٢٠هـ)، دار الكتاب العربي – بيروت ط (١) ١٤٠١هـ.\n٢٣-سلسلة الأحاديث الصحيحة:\nلمحمد ناصر الدين الألباني (ت:١٤٢٠هـ)، مكتب الإسلامي – بيروت.\n٢٤-سنن أبي داود:\nلأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥هـ)، إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت ط (١)، ١٣٨٨هـ.\n٢٥-صحيح البخاري:\nلأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت:٢٥٦هـ) ضبط وترقيم وعناية: د. مصطفى البُغا دار القلم – دمشق – بيروت ط (١) ١٤٠١هـ.","vol":"1","page":73},{"text":"٢٦-صحيح مسلم:\nلأبي الحسين مسلم بن حجاج القشيري (ت: ٢٦١هـ)\nتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ)\n٢٧-صحيح مسلم شرح النووي:\nلأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦هـ) دار الكتب العلمية – بيروت (بدون تاريخ) .\n٢٨-طبقات المفسرين:\nلأبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:٩١١هـ) تحقيق: علي محمد عمر، نشر:مكتبة وهبة – القاهرة ط (١) ١٣٩٦هـ.\n٢٩-طيبة النشر في القراءات العشر:\nلأبي الخير محمد بن محمد بن الجزري (ت:٨٣٣هـ) مراجعة وتحقيق علي محمد الطباع، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة، ط (١) ١٣٦٩هـ.\n٣٠-علوم القرآن:\nللدكتور عدنان زرزور، المكتب الإسلامي – بيروت، ط (٢) ١٤٠٤هـ.\n٣١-علوم القرآن بين البرهان والإتقان دراسة مقارنة:\nللدكتور حازم سعيد حيدر، مكتبة دار الزمان – المدينة ط (١) ١٤٢٠هـ.\n٣٢-غاية المنتهى في طبقات القراء:\nلأبي الخير محمد بن محمد الجزري (ت:٨٣٣هـ) عني بنشره: ج. برجستراسر دار الكتب العلمية – بيروت ط (٣) ١٤٠٢هـ.","vol":"1","page":74},{"text":"٣٣-فتح الباري بشرح صحيح البخاري:\nلأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢هـ) تحقيق/ محب الدين الخطيب، دار الريان – القاهرة، ط (١) ١٤٠٧هـ.\n٣٤-فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير:\nلمحمد علي الشوكاني (ت:١٢٥٠هـ) دار المعرفة – بيروت (بدون تاريخ) .\n٣٥-فنون الأفنان في عيون علوم القرآن:\nلأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت:٥٩٧هـ) تحقيق د/ حسن ضياء الدين عتر، دار البشائر الإسلامية – بيروت، ط (١) ١٤٠٨هـ.\n٣٦-القاموس المحيط:\nلمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت:٨١٧هـ) تحقيق: مكتب التراث في مؤسسة الرسالة – بيروت ط (٢) ١٤٠٧هـ.\n٣٧- قرة الأبصار في سيرة المشفع المختار: (خ)\nللَّمطي عبد العزيز بن عبد العزيز الفاسي (ت: نحو ٨٨٠هـ) .\n٣٨-الكشاف عن حقائق التنزيل:\nلأبي القسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: ٥٣٨هـ) مكتبة المعارف – الرياض (بدون تاريخ) .\n٣٩- لباب النقول في أسباب النزول:\nلجلال الدين عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:٩١١هـ) دار إحياء العلوم – بيروت ط (٤) ١٤٠٦هـ.","vol":"1","page":75},{"text":"٤٠-لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير:\nد. محمد الصباغ، المكتب الإسلامي – بيروت (بدون تاريخ) .\n٤١-مباحث في علوم القرآن:\nللدكتور صبحي الصالح (ت:١٤٠٧هـ)، دار العلم للملايين – بيروت، ط (١٦) ١٤٠٥هـ.\n٤٢-مباحث في علوم القرآن:\nلمناع خليل القطّان، مؤسسة الرسالة – بيروت ط (٢١) ١٤٠٧هـ.\n٤٣- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية:\nجمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم النجدي وابنه محمد، توزيع رئاسة شؤون الحرمين – مكة مصورة عن الطبعة الأولى /١٣٩٨هـ.\n٤٤-محاسن التأويل:\nلمحمد جمال الدين القاسمي (ت:١٣٣٢هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر – بيروت ط (٢) ١٣٩٨هـ.\n٤٥-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:\nلأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٦هـ)، تحقيق المجلس العلمي بفاس عام ١٤١٣هـ.\n٤٦-مختار الصحاح:\nلأبي محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت: بعد ٦٦٠هـ)\nمكتبة لبنان – بيروت، ١٤٠٩هـ.","vol":"1","page":76},{"text":"٤٧-المدخل لدراسة القرآن الكريم:\nد. محمد بن محمد أبو شهبة (ت: ١٤٠٣هـ) مكتبة السنة – القاهرة ط (١) ١٤١٢هـ.\n٤٨-مذكرة أصول الفقه:\nد. لمحمد الأمين بن المختار الشنقيطي (١٣٩٣هـ) دار القلم – بيروت (بدون تاريخ) .\n٤٩-مراقي السعود:\nلسيدي عبد الرحمن بن حاج إبراهيم (ت: ١٢٣٣هـ) طبعة فضالة- المغرب.\n٥٠-المستدرك على الصحيحين:\nلأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم (ت: ٤٠٥هـ) تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، توزيع مكتبة الباز- مكة ط (١) ١٤١١هـ.\n٥١-مسند الإمام أحمد:\nلأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (ت: ٢٤١هـ) دار صادر – بيروت (بدون تاريخ) .\n٥٢-معالم التنزيل:\nلأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت:٥١٦هـ) تحقيق/ محمد عبد الله النمر وزميليه، دار طيبة – الرياض ١٤٠٩هـ.","vol":"1","page":77},{"text":"٥٣-مفردات ألفاظ القرآن:\nلأبي القاسم الحسين بن الفضل المعروف بالراغب الأصفهاني (ت: في حدود ٤٢٥هـ) تحقيق صفوان عدنان داوودي. دار القلم – دمشق ط (١) ١٤١٢هـ.\n٥٤-مقدمة في أصول التفسير:\nلأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (ت:٧٢٨هـ)، تحقيق د. عدنان زرزور، دار القرآن الكريم – بيروت ط (٣)، ١٣٩٩هـ.\n٥٥-مناهل العرفان في علوم القرآن:\nلمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت:١٣٦٧هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) .\n٥٦-النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع:\nلإبراهيم المارغني (ت:١٣٤٩هـ) . (بدون تاريخ) .\n٥٧- النكت والعيون: تفسير الماوردي:\nلأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي (ت:٤٥٠هـ) تحقيق: خضر محمد خضر، منشورات وزارة الأوقاف الكويتية ط (١) ١٤٠٢هـ.","vol":"1","page":78}]}