{"ً":{"ٌ":12120,"ٍ":"هذه مفاهيمنا","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: هذه مفاهيمنا\nالمؤلف: صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ\nالناشر: إدارة المساجد والمشاريع الخيرية الرياض\nالطبعة: الثانية ١٤٢٢هـ-٢٠٠١م\nعدد الصفحات: ٢٦٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":61,"ٕ":1,"ٖ":1770153817,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول: التوسل وحكمه","level":1,"page":10},{"title":"الباب الثاني: مسائل في توحيد الربوبية والألوهية","level":1,"page":90},{"title":"الباب الثالث: الشفاعة","level":1,"page":127},{"title":"الباب الرابع: التكفير","level":1,"page":171},{"title":"الباب الخامس: التبرك","level":1,"page":199},{"title":"الباب السادس: ملابسات محمد المالكي","level":1,"page":221},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":238},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":239}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,139":127,"1,140":128,"1,141":129,"1,142":130,"1,143":131,"1,144":132,"1,145":133,"1,146":134,"1,147":135,"1,148":136,"1,149":137,"1,150":138,"1,151":139,"1,152":140,"1,153":141,"1,154":142,"1,155":143,"1,156":144,"1,157":145,"1,158":146,"1,159":147,"1,160":148,"1,161":149,"1,162":150,"1,163":151,"1,164":152,"1,165":153,"1,166":154,"1,167":155,"1,168":156,"1,169":157,"1,170":158,"1,171":159,"1,172":160,"1,173":161,"1,174":162,"1,175":163,"1,176":164,"1,177":165,"1,178":166,"1,179":167,"1,180":168,"1,181":169,"1,182":170,"1,185":171,"1,186":172,"1,187":173,"1,188":174,"1,189":175,"1,190":176,"1,191":177,"1,192":178,"1,193":179,"1,194":180,"1,195":181,"1,196":182,"1,197":183,"1,198":184,"1,199":185,"1,200":186,"1,201":187,"1,202":188,"1,203":189,"1,204":190,"1,205":191,"1,206":192,"1,207":193,"1,208":194,"1,209":195,"1,210":196,"1,211":197,"1,212":198,"1,215":199,"1,216":200,"1,217":201,"1,218":202,"1,219":203,"1,220":204,"1,221":205,"1,222":206,"1,223":207,"1,224":208,"1,225":209,"1,226":210,"1,227":211,"1,228":212,"1,229":213,"1,230":214,"1,231":215,"1,232":216,"1,233":217,"1,234":218,"1,235":219,"1,236":220,"1,239":221,"1,240":222,"1,241":223,"1,242":224,"1,243":225,"1,244":226,"1,245":227,"1,246":228,"1,247":229,"1,248":230,"1,249":231,"1,250":232,"1,251":233,"1,252":234,"1,253":235,"1,254":236,"1,255":237,"1,256":238,"1,257":239,"1,258":240,"1,259":241,"1,260":242},"ٜ":{"1":[5,260]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260"],"ٞ":{"1":[1],"10":[2],"90":[3],"127":[4],"171":[5],"199":[6],"221":[7],"238":[8],"239":[9]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nوبعد: فإن الفتن في هذا الزمان تتابعتْ، وتَنَوعت وتكاثرت، فمنها الفاتن للجوارج، ومنها الفاتن للقلوب، ومنها الفتَّان للعقول والفهوم، وقد خاض أناس في الفتن غير مبالين، وخاض أناس غير عالمين، وخاض فئام عالمين، وخاضت جماعات مقلدين.\nحتى أصبح ذو القلب الحي ينكر من يراه وما يراه، فلا الوجوه بالوجوه التي تعرف، ولا الأعمال بالأعمال التي تعهد، ولا العقول بالعقول المستنيرة، ولا الفهوم بالفهوم المنيرة.\nفهو مخالط للناس بجسمه، مزايل لهم بعَمَلِه، يعيش في غرْبَتِه بين جلْدَتِه، حتى يأذن الله بحلولِ الأجل فيلحقَ -إنْ عفا الله وغَفَرَ- بمنْ يفكُّ غربته، ويؤنسُ وحشته.\nوإن من أعظم تلك الفتنِ، وأشدِّها صَرْفًا عن الصراط المستقيم، الفتنةَ عن تحقيق معنى الشهادتين، شهادةِ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فكم من فاتنٍ عنها بعلم، وكم من مفتونٍ عنها بتقليد.","vol":"1","page":5},{"text":"ولهذه الفتنةِ عن تحقيق معنى الشهادتين صور كثيرة، جمع صورَها هذا الزمانُ وأهله، وما اجتمعت في وقتٍ اجتماعها وتوارُدها في هذا الزمن، فما أقلَّ الفقيهَ بها، المجاهدَ لها، على تنوعها وتشعبها، وظهورها وجلائها.\nفطوائفُ من الناس إذا سئلوا عن معنى كلمة التوحيد، ظنوا معناها لا خالقَ موجود إلا الله، وكأنَّ أهلَ الجاهلية والعمى ممن بعثت إليهم الرسلُ يقولون بتعدد المبدعين الخالقين المدبرين، حتى تبعثَ لهم الرسلُ بلا إله إلا الله.\nوالشأنُ أنَّ أولئك الجاهلين كانوا يُعَددون معبوديهم لا خالقَهم، فأتت الرسل بـ \"لا إله إلا الله\"، ومعناها ما قال نوح لقومه: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] بالمطابقة.\nوالعبادة: هي الذلُّ والخضوعُ والاستكانة في لغة العرب، وسُمِّيت العباداتُ بذلك لأنها تُفْعَل مع الذلِّ والخضوع والاستكانة، وتورثُ الخضوعَ لربِّ العالمين في المآل، لأمره ونهيه، والأنسَ به والذلِّ بين يديه والانكسار.\nهذا ما تعلمه العربُ من كلامها، فلفهمِهم المعنى أبوا أن يخضعوا لـ \" لا إله إلا الله \" ولو بنطقِ كلمة.\nوإذا تدبرت أحوالَ بعض الناس اليومَ وجدتَ ذلَّهم وخضوعهم عند القبور وأبنيتها، وتحت قبَابِها، وفي المسير إليها أعظمَ من خَضَعَانِهم وانكسارهم، إذا كانوا في مسجدٍ لله ليس فيه قبر، ولا قُبَّة.\nوعند القبورِ تلك من نواقضِ معنى إفرادِ الله بالعبادة شيء لا تحصر صوره، فمن طائف بالقبر سبعًا، ومن قائل: يا ولي الله! اشفِ مريضي، وأزلِ الدينَ عني. ومن قائل: أنا في حَسْبك ووقايتك ارفعِ الآفات عني. يعتقدون في المقبور أن له تصرفًا في الكون بتفويض اللهِ له التصرفَ، فمنهم من أُعطيَ بلدًا يرزقُ من يشاء ويَدْفَعُ عمن يشاء، ومنهم من أعطي","vol":"1","page":6},{"text":"قُطرًا، ومنهم من فُوَّضَ له ربعُ العالم، ومنهم من فُوَّض له أمرُ الأرض كلها، وهو المسمى بالغوثِ، هكذا يزعمُ عبادُ القبور. وهؤلاء في ذلك كمن اعتقد تفويضَ الله أمرَ العالمَ للكواكبِ السبعة.\nومنهم من أبى عقلُه أن يشركَ في التصرف، كما فعله أولئك، ولكنه سار مع طائفةٍ أخرى في ما سماه أبو البقاء الكفويُّ في \" الكليات \": شركَ تقريبٍ، وهو سائقٌ لشركِ التصرف.\nفادعى مع المُدَّعين، وخاض مع الخائضين، وطَلبَ من الأموات المقبورين أن يشفعوا له في غُفْران ذنبه، أو سَعَةِ رزقه، أو رَفْع كربته، أو شفاء مريضه، يدعون الوسائطَ أن تتوسطَ لهم عند الله فتشفعَ بحاجاتهم.\nوكأنَّ الله جَلَّ وعلا قد أغلقَ أبوابَهُ دون حاجاتهم ودَعَواتهم، وكأنه في ملزومِ فعلِهم لا يعطي ولا يُمَتِّعُ إلا بتوسطِ وسيطٍ، وفي هذا من التنقصِ ما فيه.\nوتجدُهم يتحببون لهذا المقبور بأنواع القُرَب: فمن مهريقٍ الدمَ باسمه، ومن ناذرٍ له، ومن طائفٍ حول قَبره يتقرب بالسعي والطوافِ لنيل شفاعته.\nفهذان النوعان من الشرك الأكبر قد فَشَيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد أشرتُ أثناءَ هذه الورقاتِ إلى أن أولَ من أحدث الشركَ الأكبرَ في المسلمين من هذه الأمة هم الباطنيون؛ وعلى رأسهم \" إخوانُ الصفا \"، وتولى كبر ذلك الدولةُ العبيدية.\nوكثر انخداعُ الناسِ، وخاصةً الجهالَ بها، ووجد أناسُ آخرون في ذلك نعم المصدرُ لاكتسابِ معايشهم، وراج ذلك أكثرَ ما راج في الصوفية لكثرة المتعبدين بجَهْلٍ فيهم، فصاروا لُعْبةً وسَلْوى لأولئك، يتحكمون فيهم؛ لأجل الدنيا.","vol":"1","page":7},{"text":"ثم شاع بعد القرن الخامس ذاك في الناس وكثر، فعَمَّ وطَمَّ وقَلَّ أن سَلِمَ منه بلدٌ، وفي كل قرن يعيش أولياء، وكل من مات قُبَّبَ على قبره، واتُّخِذَ مزارًا، يستشفعُ به، ويسأل ويدعى.\nفكثرت القبورُ، وكثرت العطايا للقبور، فكثر السدنةُ والمنتفعون، والمالُ فِتْنَةٌ، والجاهُ فِتْنَةٌ، والسيادةُ فِتْنَةٌ.\nوأحبَّ من لم يتبع التوحيد أن يعظمَه الناسُ في حياته، فمن مُقَبِّلٍ للأيدي والأرجل، ومن متمسحٍ بالثياب خاضعٍ بالقول، والقلب والجوارح.\nوقد رأيت مرة رجلًا يُظَنُّ عالمًا في المطافِ حول البيت العتيق، وهو يدورُ مقهقهًا مع رفيقٍ له، ومن الناس من تمسَّح به وقَبَّلَ يده! أي حالٍ تلك؟! وأي قلوبٍ هاتيك القلوبُ التي تقهقه حول الكعبةِ المشرفة، ثم هم أولياءُ في زعمهم؟!\nووصفُ أحوال المنتسبين للإسلام اليوم يطولُ، ولكنَّ الإيماءَ كافٍ، فالإطالةُ تضني، وقد جادلت يومًا ببلدٍ إفريقيِّ أحدَ المفتونين من كبار العلماءِ المُحَبَّذين لعبادة القبور والسدنةِ حولها، في حالهم، ومعنى العبادة، ومفهوم الشهادتين، فقال: أنا أعلم أنكم على الحق؛ ولكن (سيب) الناس تعيش!\nإن هذا هو الواقعُ، فالمسألةُ ليست نصرةً للحقِّ بدلائله، ولكنها سيادةٌ وجاهٌ وسمعةٌ وأموالٌ، ثم يبحث لتثبيتِ هذا المقررِ سَلَفًا في الدلائل الشرعيةِ، وإنْ كانت أحاديثَ مكذوبة، وفي الدلائل العقلية، وإن كانت أوهى من خيوط العناكب.\nوإن المحافظةَ على المجد والسيادة مما يحرص عليها ناصروا المذاهب البدعية، يورثونها أولادهم لحبهم أن يدعوا الورثة أغنياء! وإذا هلك صُيَّر مدفنه ضريحًا إن استطيع، وتُوَجَّه قلوبُ الناس إليه، فيزداد الخليفةُ جاهًا وطاعةً ومالًا.","vol":"1","page":8},{"text":"وفي كل صِقْعٍ من الأرض وُجِدَ فيه عبادُ القبور تجد فيه غالبًا طائفةً على هدي النبي محمدٍ ﷺ سائرة لا يخدعهم تسيُّدٌ، ولا تُؤثِّر فيهم شبهةٌ، وأولئك غرباء في كثير من البلاد، يدلُّون الناسَ على السنةِ، ويهدونهم إلى التوحيدِ، وصَرْفِ القلوب إلى الله، وتعظيمِه وإجلالِه، والهيبة والخوفِ منه، ورجاءِ ما عنده، يعلقون القلوبَ بخالقِهم وحده، لا بأحدٍ من الخلق، فلا يحبون إلا لله، ولا يبغضون إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، همهم دعوةُ الناسِ إلى توحيدِ ربِّهم في الأعمال: أعمالِ القلوب وأعمالِ الجوارح.\nيسمون أنفسهم أتباعَ السلفِ الصالح، وأكْرِمْ به من اتِّباع مقابلةً باتباعِ غيرهم للخلف الطالح، وأسْفِلْ به من اتِّباع.\nويسميهم أعداؤهم: الوهابيةَ أو المتطرفةَ، ويسعى أعداؤهم في نشر الكتب الناقضةِ دعوة الشيخ المصلح محمدِ بن عبدِ الوهاب -رحمه الله تعالى-، ردًا عليهم، وعلى أتباع الدعوة السلفية الخالصة.\nوتتخذ هذه الردودُ أشكالًا تناسبُ البلدَ المنشورَ فيه الردُّ، فبينما يُصَرَّحُ بذلك في بلدٍ، يُسَرُّ به في بلدٍ ويأتي تلويحًا لا تصريحًا.\nوالحَمْلةُ واحدة، والطريقُ قديمة سابلَةٌ، ولها وُرَّادٌ، ودعاةٌ على جنباتها، إذا صَرَخَ داعٍ تجاوبَ الجميعُ بالصَرُّاخ.\nوالطريقُ ليست علميةً كما قد يُظَن، ولكنها سبيلٌ غايَتُها التمكين لدعاة الباطلِ في أرضِهم، وأرضِ غيرهم.\nومن تلك الردود على الدعوة الإصلاحية كتابٌ سماه كاتبهُ: \" مفاهيم يجب أن تصحح \" طبع بمصر سنة ١٤٠٥هـ، ثم طبع بالتصوير \" الأُفست \" في المملكة العربية السعودية بأعداد كبيرة، ووُزَّع سرًا وعَلَنًا في كثير من أرجاء البلاد، وفي الحرمين وما جوارها أكثر.\nوفي هذا الكتاب \" مفاهيم يجب أن تصحح \" تجويزُ كاتبه -وتحبيذُه حينًا- سؤال النبي ﷺ الشفاعةَ في قبره، وسؤاله التوسط، وتجويزه ودعوتُه","vol":"1","page":9},{"text":"لطلب الغَوْث منه ﷺ، فالاستغاثة به منجاة عنده، وطلبُ شفاعتهِ مشروعٌ عنده بعد موته، وسؤاله الإعانة ونحو ذلك، وطَرَدَ هذا في الصالحين ونحوهم.\nبل زاد بأنَّ قولَ القائل: يا رسول الله! أريدُ أن تردَّ عيني، أو يزولَ عنا البلاءُ، أو أن يذهبَ مرضي: من الجائزاتِ، التي لا عَتْبَ على قائلها، كما ذكره في ص٩٨ من كتابه.\nوفي كتابه من التدليل لشُبهه المتهافتةِ بالأحاديثِ الموضوعةِ، والواهية، والمُنْكرة، والباطلة والضعيفة جدًا، والضعيفة شيءٌ كثير، وكثير منها يَسْتَدِلُّ بها بتعسفٍ مع وهاء الدليل وضعفه.\nوالقوم لهم وَلَعٌ بالمكذوبات الواهيات، وإعراض عن الصحاح العاليات الغاليات. وليس هذا جديدًا، بل شأنُ كلِّ من نَهَجَ غير سبيل السلف وأتباعهم حبُّ البدع، وإغلاؤها، حتى صار وضعُ الحديث عند طائفةٍ من أولئك والكذبُ على رسول الله ﷺ سهلًا خفيفًا.\nومنهم من يضع الحديثَ ويفتري على رسول الله ﷺ عالمًا، ومنهم من يكونُ جاهلًا، وهاك مثالًا لهؤلاء وأولئك تُبْصِرُ به ما وراء ذلك.","vol":"1","page":10},{"text":"جاء في كتاب \" الدرر السنية في الرد على الوهابية \" لأحمد بن زيني دحلان ص٥٥ ١:\n\" ذكر العلامة السيد علوي بن أحمد بن حسن بن القطب السيد عبد الله الحداد باعلوي في كتابه الذي ألفه في الرد على ابن عبد الوهاب المسمى \" جلاء الظلام في الرد على النجدي الذي أضل العوام \" وهو كتاب جليل ذكر فيه جملة من الأحاديث.\nمنها حديث مروي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ عم النبي ﷺ أسنده إلى النبي ﷺ قال فيه: \" سيخرج في ثاني عشر قرنًا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور، لا يزال يلعق براطمه، يكثر في زمانه الهرج والمرج، يستحلون أموال المسلمين ويتخذونها بينهم متجرًا، ويستحلون دماء المسلمين ويتخذونها بينهم مفخرًا، وهي فتنة يعتز فيها الأرذلون والسُّفَّل، تتجارى بينهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه \".\nقال: ولهذا الحديث شواهد تقوي معناه، وإن لم يُعرف من خرَّجه انتهى.\nفهذا من وضع الرجل المذكور أو شبهه، يكذب على الرسول ﷺ عيانًا أمام الخلق، فيالها من قلوبٍ تلك التي تتجرأُ على ذلك! ويالها من قلوب تلك التي تحبُّ أولئك! يكذبون على النبي ﷺ، ويدَّعون محبةَ النبي ﷺ، فهل يجتمعان في قلبٍ؟ كلا والله، إلا في قلب مبتدع مأفون كاذب، ومن العجب أنه قال: \"وإن لم يعرف من خرجه\"، ولو أسنده إلى كتاب معدوم\n_________\n١ ومن كذب على النبي ﷺ فكذبه على غيره ممن سار على نهجه واقتفى سنته أولى، فقد افترى هذا الرجل على الشيخ محمد بن عبد الوهاب افتراءاتٍ: منها قوله: \" (والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة\") اهـ ص٥٠، ومنها قوله ص ٥٤: \"وكان ابن عبد الوهاب يأمر أيضًا بحلق رؤوس النساء اللاتي يتبعنه\" اهـ، والافتراءات كُثُر.","vol":"1","page":11},{"text":"مفقودٍ لراج كذبُه أكثرَ على الجهال، لا على العلماء الذين يعرفون نورَ كلامِ النبوة.\nومن الصنف الثاني الذين كذبوا على جهل، ما جاء في \" الرد المحكم المنيع \" (ص١٧) قال: \" المعلوم لطلبة العلم، والعامة، فكيف للعلماء قوله ﷺ: \" الناس مؤتمنون على أنسابهم\" اهـ. والمعروف عند العلماء بل طلاب العلم بل صغار طلبة العلم أن جملة \"الناس مؤتمنون على أنسابهم\" من قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.\nوكل من أحبَّ البدعَ هَجَرَ السننَ، وكل من زَيَّنَ البدعةَ فسينقصُ من معرفته بسنة رسول الله ﷺ بقدر ذلك، ومن تأمل ذلك في الخلق عَلِمَه.\nوكتابُ \" مفاهيم يجب أن تصحح \" مَجْلَبٌ لما تفرق من شُبَه الذين عارضوا دعوةَ الشيخِ محمدِ بن عبد الوهاب، فهو يتابعُهم حتى في أوهامهم، وفي عَزْوِهم، وفي فِكْرِهم، حتى إنه لم يتكلفْ عناءَ توثيقِ أقوالهم، أو تعنَّى فوجدَ خلاف ما كتبوا، فأثبته كما أرادوا.\nولما كان هذا الكتابُ يعبِّر فيه كاتِبهُ عن رأيه، وفيه من الشطاطِ عن فهم التوحيد ما فيه، ومن عدم الفهمِ لدعوة الشيخ ما فيه، ومن الخوض في الدفاع عن الداعين أصحابَ القبور من الأنبياء والصالحين، وفي تجويز ما قال الفقهاء في باب \" الردة \": إنه كفرٌ بالإجماع، ولما لكاتبه من تَبَعٍ ومريدين، استعنتُ اللهَ في كشفِ ذلك، وبيان الحق فيه، وبيان أنَّ ما جوزَه الكاتبُ في \" مفاهيمه \" من الشرك الذي بُعِثَ الرسلُ جميعًا وآخرُهم محمدُ بن عبد الله ﷺ لقمعه.\nوالشركُ في الإلهيةِ له صورٌ يزينُها الشيطانُ للواقعين فيه، وهو شَغِفٌ لهَفٌ على أن يخوضوا فيما نهاهم الله عنه، ويُقْنعهم بأنهم لم يخوضوا فيما نهى الله عنه. فله طرقٌ وسبلٌ، وعلى كل سبيلٍ زينةٌ وبهجةٌ يخدعُ بها","vol":"1","page":12},{"text":"الناسَ، والمنكرُ واجب الإزالةِ بحسب المراتب التي جاءت في حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\nفعسى أن يأذنَ الله لهذه الورقاتِ بالقبول عنده، وأن يُنْتَفَعَ بها، فإن المُنْيَةَ الانتفاع بها، وليس وراء القبول مُبْتَغَىَ، ولا سواه مُرْتَجى، وسميتُ هذا الردَّ \" الورقات الكاسرة للمفاهيم الخاسرة \".\nولما أطلعتُ على هذا الكتاب سماحةَ والدي ومن له بعد اللهِ الفضلُ علَّي نصر المولى به الحقَّ، وجزاه الله أحسنَ الجزاء، ورفع درجتَه، وأمْتَعَ به، أشار بتسميته \" هذه مفاهيمنا \"، وإشارته أمرٌ، وطاعَتُه غُنْمٌ، فسميتهُ بما سمَّاه به طَرْحًا لما أرى عند ما يَرَى، ورَفْعًا لرأيِه، واتهامًا لقولي عند مقاله.\nوكتبته مقطعًا١، والقلبُ مشتَّتُ الشواغلِ، في كلّ وادٍ منه مُزْعَة، والهمومُ لتدني الأحوالِ مترادفة، والفتنُ الطاغيةُ صادةٌ عن صفاءِ المقالِ، وإحكام الأقوال، والأنيسُ قليلٌ، بل عزيزٌ، فاللهم إنَّ مفزعَنَا إليك لا إلى غيرك، فثبتْ أقدامَنا على الحقِّ، وبَصَّرْنا بأنفسنا، ولا تجعلْ من عملنا لأحدٍ سواك شيئًا، ونعوذ بك أن نشركَ بك على علم، ونستغفرك مما لا نعلم، فإنَّ صفتَنا التقصِير، وصفةَ الرب العَفْوُ والغفرانُ، فاغفر اللهمَّ جَمًا، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ رَبَّ العالمين.\nكتبه: صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ.\nيوم الخميس١٣/٥/١٤٠٦هـ.\n_________\n١ ورددت به على الباب الأول من كتابه، وفصلًا من الثاني؛ لأني رأيت أن أصول أقواله في هذين، وفي الكتاب أغلاط كثيرة سيما في الحديث، وأغلاط في الاستدلال، فتركت الكلام على ذلك، واقتصرت على رد الشركيات ووسائلها، وما يبين به منهج المؤلف في مفاهيمه، والبصير ينظر بعين ما ذكر إلى ما طوى.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول: التوسل وحكمه</span>\n...\nقال ص ٤٥:\n\"الوسيلة: كل ما جعله الله سببًا في الزلفى عنده، ووصلة إلى قضاء الحوائج منه. والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدرٌ وحرمة عند المتوسل إليه\" اهـ.\nأقول: كلامه حوى جملتين: الأولى من الحق، والثانية فيها إجمال به يتوصل إلى ما نهى الله عنه، ولم يجعله وسيلة.\nفقول: \"والمدار فيها.. الخ\" مجمل يمكن تفسيره على أحد وجهين:\nالأول: أن يدخل في ذلك ذوات الأنبياء والصالحين باعتبار أن لهم من المنزلة والزلفى عند الله ما يجل عن الوصف، فإن كان هذا معنيًا، فالله ﷾ لم يجعل ذوات الأنبياء والصالحين أو جاههم أو حرمتهم وسيلة إليه، ولا سببًا للزلفى لديه.\nوإنما جعل الوسيلة إليه هو اتباعهم وتصديق ما أخبروا به، واتباع النور الذي جاءوا به، والجهاد من أجل تقريره وتثبيته بين الخلق، فهذا من الوسائل المشروعة التي يشرع للداعي بمسألة أن يقدمها بين يدي مسألته، ولا يصح للداعي -دعاء عبادة- دعاؤه إلا باتباعهم وتصديقهم. فهذا من الوسائل المشروعة التي أمر الله بها، وشرعها.\nوأما الأنبياء والصالحون فليس من المشروع التوسل بذواتهم ولا جاههم ولا حرمتهم كما سيأتي بيانه، وإنما يشرع التوسل بدعائهم في حياتهم، كما كان يفعله المسلمون زمنه ﷺ وبعده من طلب الدعاء في الاستسقاء وغيره.\nوأما بعد مماتهم فليس التوسل بدعائهم ولا ذواتهم مشروعًا بإجماع القرون المفضلة.","vol":"1","page":17},{"text":"الثاني: أن تكون الوسائل من الأعمال ونحوها مشروعة، لم تتبع فيها سبل المبتدعة، وإنما اتبع فيها السنة، وهذا حق.\nوالكاتب أجمل ليدخل الوسيلة المبتدعة في خللِ كلمات الحق، وقد بينا ما فيها، وما كان ينبغي له ذلك وهو يفسر آية من كتاب الله.\nوفي الوسيلة قولان ذكرهما أهل التفسير، وقربهما ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٢/٣٤٨) قال:\n\"أحدهما: أنها القربة، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد والفراء. وقال قتادة: تقربوا إليه بما يرضيه. قال أبو عبيدة: يقال: توسلت إليه، أي: تقرَّبتُ إليه، وأنشد:\nإذا غفل الواشُونَ عُدْنا لِوصْلِنا\nوعاد التَّصَافي بيننا وَالوَسَائلُ\nالثاني: المحبة، يقول: تحببوا إلى الله. هذا قولُ ابن زيد\" اهـ.\nوفي أسئلة نافع بن الأزرق لابن عباس: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة ٣٥]، قال: الوسيلة الحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عنترة وهو يقول:\nإنَّ الرجالَ لهم إليكِ وسيلةٌ\nأن يأخذوكِ تكحَّلي وتخضَّبي\nوفي المادة شواهد غير ما ذكر.\nفالوسيلة: التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات، وأعلاها: إخلاص الدين له، والتقرب إليه بمحبته، ومحبة رسوله، ومحبة دينه، ومحبة من شرع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع.\nوتأمل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة ٣٥]، ففي تقديم الجار والمجرور \"إليه\" إفادة اختصاص","vol":"1","page":18},{"text":"الوسائل بالله، لا يشركه معه فيها أحد. كما في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥] .\nقال العلامة الشنقيطي ﵀ في \"تفسيره\" (٩٨/٢): \"التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة على وفق ما جاء به الرسول ﷺ، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته، التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته.\nوبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال، المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخُ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى.\nواتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس ١٨] .\nفيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ﷺ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل. ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣]، الآية\" انتهى كلامه.","vol":"1","page":19},{"text":"قال الكاتب ص ٤٣: \"إن التوسل ليس أمرا لازما أو ضروريا، وليست الإجابة متوقفة عليه، بل الأصل دعاء الله تعالى مطلقا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة ١٨٦]،.. \" انتهى.\nأقول: إذا كان الأصلُ هو دعاءَ الله تعالى بلا واسطة، فلِمَ العدول عن الأصل إلى غيره؟! ولا يخفى أن غير الأصل لا يتمسك به إلا من عَدِم الأصل، والله ﷻ حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، يحب أن يدعوه عبدُه، وأن يرجوه، وأن يخافه، وأن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته.\nفإذا كان هذا لا ينقطع عن مسلم في أي بقعة كان وهو الأصل الأصيل، فلِمَ العدول عنه، والتنكب له؟! أفتعدل إلى طريق هي أهدى؟!\nتقولُ: إن التوسل الذي ننكره وهو التوسل بالذوات وعمل غير الداعي ونحوها، ليس الأصل، بل الأصل معكم وأنتم حقيقون بالأصل، تقر لنا بالهداية والاتباع، وترغب في مخالفة الأصل دون دليل صحيح!\nأما في الأصل لك كفاية؟! أما في دعاء الله وحده بلا واسطة لك مقنع؟! إذا كان الحي القيوم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، يحب أن يدعوه عبده كل حين: دعاء عبادة أو دعاء مسألة، وهو الذي يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة ١٨٦]، إذا كان كذلك فلِمَ العدول إلى الأموات يُتَوسَّلُ بذواتهم أو جاههم أو حرمتهم وغيرها من الألفاظ البدعية؟!\nلمِ َلا يُعلْم المسلمون دعاء الله وحده، فتخلص قلوبهم من الالتفات إلى غيره في دفع كربة أو رفع بلاء، أو جلب نفع؟ علموهم هذا ولا تعلقوا","vol":"1","page":20},{"text":"قلوبهم بغير الله فيتخذوهم أندادًا، فيذهب ذكرهم لربهم وحده، وحبهم له وحده، إذ نفعهم معلق في أذهانهم بوسائط.\nإن من انفتح عليهم باب البدعة في التوسل ألقى بهم ولو بعد حين إلى دائرة الإشراك، إذ هو طريقه وسبيله، ومنه يتدرج إلى دعاء الأموات أنفسهم أو سؤالهم الشفاعة، أو الإغاثة، أو الإعانة.\nوكل هذه صرح كاتب المفاهيم بتجويزها في مواضع من كتابه، كما سيأتي في مباحث الشفاعة. وكل ذلك من سيئات ترك الأصول المتفق عليها، واتباع المتشابهات المنهي عنها.\nقال الكاتب ص ٤٤:\n\"ونحن نرى أن الخلاف شكلي، وليس بجوهري؛ لأن التوسل بالذوات يرجع في الحقيقة إلى توسل الإنسان بعمله، وهو المتفق على جوازه ... \".\nأقول: هذا خطل من القول، ومخادعة للنفس ظاهرة، إذ المتوسلون بالذوات يعلمون بُعْدَ هذا التبرير والتأويل، وأن الخلاف جوهري لا صوري، وبرهان ذلك فساد الدليل الذي ادعيتموه، وهو راجع إلى المجاز العقلي، والكلام فيه سيأتي مفصلًا، ثم هل عمل الذات المتوسَّل بها عمل للمتوسِّل به المتفق على جوازه؟ ولكنى أقول هنا على سبيل المجاراة والمناظرة:\nهب أن الخلاف شكلي، أفلا يجب عليكم ترك الألفاظ الموهمة لأمور غير شرعية؟ فإن القائل: أتوسل بفلان، دالٌ ظاهر لفظه على التوسل بالذات المجردة عن الجامع بين الذاتين، ولا قرينة لفظية ولا غير لفظية، متصلة ولا غير متصلة تصرفه عن هذا الظاهر.\nوالقرينة المدعاة قلبية خفية، والحكم على ما في قلوب الناس فرع الاطلاع عليها، ولا سبيل إلى ذلك. ومن المتقرر أن الشريعة المطهرة جاءت بترك الألفاظ الموهمة لما ينهى عنه شرعأ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا","vol":"1","page":21},{"text":"الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠٤] فقد كانت يهود تستعمل \"راعنا\" للسب، والمسلمون حين قالوها لا يَشْركونهم في ما عقدت قلوبهم عليه من تفسير اللفظ، ومن اليقين أن الصحابة لم يقولوا اللفظ وهم يعنون المعنى الفاسد، فهذه من أقوى القرائن القلبية، ومع هذا نهوا عن ذلك.\nقال القرطبي في \"تفسيره \" (٧٥/٢):\n\"في هذه الآية دليلان: أحدهما: على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض.\nالدليل الثاني: التمسك بسد الذرائع وحمايتها\" انتهى.\nوقال الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/٥٨): \"وقوله ﴿رَاعِنَا﴾، وإن كان يحتمل المراعاة والانتظار، فإنه لما احتمل الهزء على النحو الذي كانت اليهود تطلقه نهوا عن إطلاقه، لما فيه من احتمال المعنى المحظور اطلاقه، وجائز في اللغة أن يكون الإطلاق مقتضيًا لمعنى الهزء وإن احتمل الانتظار، ومثله موجود في اللغة ... \" انتهى كلام الجصاص.\nفتأمل كيف أن الصحابة استعملوا هذا اللفظ وهم أبعد الناس عن إرادة معنى الهزء والتنقص، فنهاهم الله تعالى عن ذلك اللفظ لما فيه من الاشتراك، ولم يكفِ في تجويز استعماله ما قام بقلوبهم ونياتهم من المعنى الخيّر الصحيح، وهذا جلي لمن تجرد!","vol":"1","page":22},{"text":"قال ص ٤٤:\"ومحل الخلاف في مسألة التوسل هو التوسل بغير عمل المتوسل، كالتوسل بالذوات والأشخاص، بأن يقول: اللهم! إني أتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ، أو أتوسل إليك بأبي بكر الصديق، أو بعمر بن الخطاب، أو بعثمان أو بعلي ﵃\".\nأقول: الواجب عند الاختلاف الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وفهم أصحابه الكرام ﵃، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥] .\nومسألة التوسل بالذوات، وكذا التوسل بأعمال من انقضى سعيهم، لا خلاف عند السلف من الصحابة والتابعين أنها ليست من الدين، ولا هي سائغة في الدعاء.\nوبرهان ذلك أنه لم ينقل عن واحدٍ منهم بنقل صحيح مصدق أنه توسل بأحد الخلفاء الأربعة أو العشرة أو البدريين.\nوالعمل على وفق ما فهموه هو المنجي كما فُضِّل في \"السلف والسلفية\" من هذا الكتاب، ومن ابتغى نهجًا جديدًا فهو الخَلَفي، وليس له حظ منهم. إذا تقرر هذا، فالتوسل بالذوات ونحو ذلك ممنوع لأوجه:\nالأول: أنه بدعة لم تكن معروفة عند الصحابة والتابعين، وكل بدعة ضلالة، وليس على الله أكرم من الدعاء، وفي الحديث: \"الدعاء هو العبادة\" أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد صحيحعن النعمان ابن بشير. فإذا كان عبادة بل هو العبادة فإحداث أمرٍ في العبادة مردودٌ باتفاق العلماء.","vol":"1","page":23},{"text":"الثاني: أن قول القائل: أتوسل بأبي بكر وعمر ... خطأ محض، جَرَه إليه سقم فهمه، وكثافة ذهنه، واعتقاده أن كل شيء توسل به يكون وسيلة، وهذا غلط.\nفمن قال أتوسل بأبي بكر مثلًا فقد جمع بين ذاتين، لا وسيلة ولا طريق توصل وتجمع أحدهما بالآخر، فكأنما هذا القائل قد لفظ لفظًا لا معنى له، بمنزلة من سرد الأحرف الهجائية، إذ لا اتصال بين ذاتِ المتوسِّل والمتوسَّل به حتى يجمع بينهما.\nفلا بد من جامع يتوسل به، وهو حب الصحابة مثلًا، وهو من عمل المتوسِّل، فإذا قال: أتوسل إليك ربِّ بحبي لأبي بكر، أو بحبي لعمر، أو بحبي لصحابة نبيك كان هذا حسنًا مشروعًا.\nوكذا إن قال: أتوسل إليك بتوقيري وتعزيري وحبي واتباعي لنبيك نبي الرحمة، كان هذا من الوسائل النافعة. فلازم ذكر الإيمان أو العمل الصالح الذي يصل بين ذاتين لا يجمع بينهما إلا بجامع.\nكما حكى الله عن عباده المؤمنين قولهم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٣]، وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْأَنصَارٍ ﴿١٩٢﴾ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْآمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّاسَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ [آل عمران ١٩٣] . والآيات في هذا الباب كثرة.\nفإذا كان خيرةُ الخلق الأنبياء والرسلُ وأتباعُهم وحواريوهم لم يحيلوا على ما في قلوبهم، بل قالوا بلسانهم ما حواه جنانهم، وهم الذين لا يشك بما في قلوبهم، أفلا يكون الخلوف الذين جاؤوا من بعدهم أولى وأحرى أن يفصحوا، وأن يظهروا، وأن لا يتحيلوا لفاسد قولهم بالمجاز العقلي؟!","vol":"1","page":24},{"text":"الثالث: أن الصحابة فهموا من التوسل: التوسل بالدعاء لا بالذوات، فعمر بن الخطاب ﵁ توسل بدعاء العباس عم النبي ﷺ، ومعاوية ابن أبي سفيان توسل بدعاء يزيد بن الأسود.\nولو كان التوسل بالذوات جائزًا عندهم لأغناهم عن تكلف غيره، ولتوسلوا بذات أكرم الخلق وأفضل البشر وأعظمهم عند الله قدرًا ومنزلةً، فعدلوا عن ذات رسول الله ﷺ الموجودة في القبر، إلى الأحياء ممن هم دونه منزلة ورتبة. فعلم أن المشروع ما فعلوه، لا ما تركوه.\nقال الشهاب الألوسي في \"روح المعاني\" (٦/١١٣) في الكلام على عدول الصحابة: \"وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس، وهم يجدون أدنى مساغ لذلك.\nفعدولهم هذا مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ﷺ، وبحقوق الله تعالى، ورسوله ﵊، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة، يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق دليلٌ واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره\" انتهى.\nالرابع: أن يقال تنزلًا: لا يخلو التوسل بالذوات أن يكون أفضل من التوسل بأسماء الله وصفاته، والأعمال الصالحة أوْ لا، فإن قيل: التوسل بالذوات أفضل فهو قول كفري باطل، وإن كان التوسل بأسماء الله وصفاته وبالأعمال الصالحة أفضل فلم ينافح عن المفضول، وتترك نصرة الفاضل وتأييده ونشره وتعليمه للناس؟!","vol":"1","page":25},{"text":"قال كاتب المفاهيم ص ٤٦:\n\"وقد جاء في الحديث أن آدم توسل بالنبي ﷺ. قال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [عن أبيه] عن جده عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب! أسألك بحق محمد لما غفرت لي ... الحديث\". أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه [ج ٢ ص ٦٥١]، ورواه الحافظ السيوطي في الخصائص النبوية وصححه، ورواه البيهقي في دلاثل النبوة، وهو لا يروي الموضوعات، كماصرح بذلك في مقدمة كتابه، وصححه أيضا القسطلاني، والزرقاني في المواهب اللدنية [ج ٢ص ٦٢]، والسبكي في شفاء السقام.\nقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم. \"مجمع الزوائد\" (ج ٨ ص ٢٥٣) . اهـ كلام الكاتب.\nأقول: هذه الأسطر حوت أغلاطًا، واستغفالًا، وتحريفًا، مما سأبينه إن شاء الله، وما كنت أظن أن يتجاهل الجاني على نفسه، المعجب بعلمه، علماء زمانه، ومن انتسب للعلم من أتباعه حتى يكتب ما كتب على هذا الحديث وما بعده من الأحاديث، ولي مع الكاتب هنا وقفات ثلاث:\nالأولى: في ماكتبه، وفي عزوه الحديث لمن خرَّجه.\nالثانية: في الكلام على رواية الحديث.\nالثالثة: في النظر في متن الحديث ودرايته.\nأما الأولى: فينتظم عقدها أمورًا:","vol":"1","page":26},{"text":"الأول: عزوه الحديث فيه قصور، فقد رواه جماعة من طبقة مشايخ الحاكم ومن نحو طبقته ومن بعدهم، وكلهم رووه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فكثرتهم لا تفيد الخبر قوة، ولذا لن أذكر أولئك حتى لا يستكثر بهم الجهول بالحديث واصطلاحات أهله.\nالثاني: ساق إسناد الحاكم ولم يحسن النقل، فقد سقط من الإسناد [عن أبيه] وألحقتها بالإسناد، ووهم أيضًا في توثيق النقل من المستدرك، فذكره مرتين [ج ٢ ص ٦٥١] وهذا قلب وخطأ، وليس سبق قلم لأنه تكرر مرات، ثم طالعت رسالة \"إعلام النبيل\" لواعظ بالبحرين، فوجدته عزاه كما هنا [ج ٢ ص ٦٥١]، وقد طبع قبل المفاهيم، فتأمل تواردهم على التقليد في كل شيء!\nوصواب التوثيق (٢/٦١٥)، والمستدرك لم يطبع إلى هذه السنة إلا طبعة هندية واحدة، وقال: وصححه، يعني: الحاكم وهذا غلط، فالحاكم كتب: صحيح الإسناد، والمشتغلون بالحديث يفرقون بين صحة الإسناد وصحة الحديث.\nالثالث: قوله: \"ورواه الحافظ السيوطي ... وصححه\" من عجائب مفاهيمه، ومما يدل على عدم تعاطيه علم الحديث -وإن أعطي شهادة الزور- لأن قوله \"رواه\" خطأ لا يستعمله المحدثون، فمن يذكر الحديث ويسوقه في كتاب له مستدلًا به على مراده لا يجوز أن يقال إنه رواه. فكلمة \"رواه\" لا تقال إلا لمن ساق حديثًا أسنده عن مشايخه، إلى منتهاه. وأما قوله: \"وصححه\" فأعجب، إذ أن السيوطي لم يعقب الحديث بتصحيح في \"الخصائص\" الذي نقل منه تصحيحه، وهذا افتراء على السيوطي.","vol":"1","page":27},{"text":"والكاتب -لضعفه العلمي- أخذ قول السيوطي في مقدمة الخصائص (١/٨): \"ونزهته عن الأخبار الموضوعة وما يرد\" فعممَّه، وقول السيوطي لا يفيد صحة كل ما يورده.\nولذا صرح بضعف إسناد الحديث في كتابه الآخر \"مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفاء\" ص ٣٠ (طبع بمصر طبعة حجرية سنة ١٢٧٦) .\nوالسيوطي في، \"الخصائص\" تبع أبا نعيم في \"الخصائص\" له، وإن كان الإسناد مظلما، أو كان المتن منكرًا، صرح بهذا في كتابه (١/٤٧)، فقال بعد ذكره حديثين شديدي النكارة: \"ولم تكن نفسي لتطيب بإيرادها، ولكني تبعت الحافظ أبا نعيم في ذلك \" اهـ.\nالرابع: قال عن البيهقي \"وهو لا يروي الموضوعات\" اهـ.\nأقول: لِمَ لَمْ يَنقل ما قاله البيهقي نصًا بعد رواية الحديث؟! لِمَ يجعل ديدنه التلبيس والإجمالات التي تلبس على البسطاء؟! فهو دائمًا طاوٍ للذي يقوض دليله.\nقال البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/٤٨٩) بعد سياقه الحديث: \"تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف \" اهـ.\nوكلمة البيهقي هذه غالية، يعرف قدرها المحدثون، أما المبتدعة فلا يعرفون إلا الإجمال، شأن الطلبة الذين لا يعرفون مصطلحات أهل العلم.\nقال الحافظ الذهبي في \"ميزان الإعتدال\" (٣/٤٠ ا-١٤١): \"وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرًا\" اهـ. فإذا كان هذا شأن الصدوق، وشأن من دونه ممن خف حفظهم وكثر نسيانهم وضاع أكثر ضبطهم، فما بالك بتفرد الضعيف الذي أجمع أهل العلم بالجرح والتعديل على عدم تعديله، فقال بعضهم –كالحاكم-: أحاديثه موضوعة، مما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.\nالخامس: قال الكاتب: \"وصححه القسطلاني\".","vol":"1","page":28},{"text":"أقول: هذا كتاب المواهب فهل صححه، أم أنه ذكر كلام البيهقي الذي سلف؟ ونصه (١/٧٦ مع شرحه): \"وقال -أي البيهقي-: تفرد به عبد الرحمن\" هذا كلام القسطلاني، وفهم مراده شارح المواهب الزرقاني فقال: \"تفرد به عبد الرحمن، أي: لم يتابعه عليه غيره، فهو غريب مع ضعف راويه\" اهـ.\nوالقسطلاني في المواهب وبعض كتبه الأخرى ينقل عن السيوطي في مؤلفاته دون عزوٍ إليه، وجرت في ذلك كائنة تحكى نقلها ابن العماد في \"شذرات الذهب\"، وأسوقها ليعلم أن القسطلاني في المواهب يأخذ كلام غيره فلا يتكثر به في \"التصحيح\"، وليس معدودًا في أهل التخريج والتعديل والتجريح وإنما هو ناقل١، قال ابن العماد (٨/١٢٢-١٢٣): \"ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا، فألزمه ببيان مدعاه، فعدد مواضع قال إنه نقل فيها عن البيهقي، وقال: إنه للبيهقي عدة مؤلفات، فليذكر لنا ذكره في أي مؤلفاته؛ لنعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته، وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي.\nوحكى الشيخ جار الله بن فهد أن الشيخ ﵀ قصد إزالة ما في خاطر الجلال السيوطي، فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني، جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك عليّ، فقال له: قد طاب خاطري عليك، ولم يفتح له الباب، ولم يقابله\" انتهى النقل عن الشذرات.\n_________\n١ أعني للتخريج والتصحيح، وكتبه نافعة مع الاحتراز عن الواهيات التي يسوقها.","vol":"1","page":29},{"text":"وللسيوطي كتاب سمَّاه: \"الفارق بين المصنف والسارق\" لعلّه -ولا أجزم- يعني القسطلاني، حيث قال فيه: \"وأغار على عدة كتب لنا أقمنا في جمعها سنين، وتتبعنا فيها الأصول القديمة، وعمد إلى كتابي \"المعجزات والخصائص\" الطويل والمختصر، فسرق جميع ما فيها بعباراتي التي يعرفها أولو البصر١\" انتهى.\nالسادس: قوله: وصححه الزرقاني في \"المواهب اللدنية\" (ج٢ ص ٦٢) .\nأقول: ليس للزرقاني كتاب باسم المواهب، وكأن الكاتب أراد شرح المواهب، ثم إن الزرقاني ضعفه ولم يصححه، فقال (١/٧٦): \"هو غريب مع ضعف راويه\"، فلِمَ ينقلُ الكاتب ما ليس صحيحًا ويُحرِّف؟! وكم هو يجيد التلبيس، وَلِمَ يوثِّق نقله توثيقًا خطأً فيحيل إلى -ج٢- وهو في الجزء الأول؟!\nالسابع: قال في تعداد من صحح الحديث: \"والسبكي في شفاء السقام\"، والسبكي قلد الحاكم في تصحيحه، والمقلد لا يستكثر به، قال السبكي ص ١٦٣: \"وقد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم\" اهـ. والسبكي مقر بوجه ضعفه لكنه قال: \"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لا يبلغ في الضعف إلى الحد الذي ادعاه\".\nالثامن: أسقط من نقله عن الهيثمي عزو الحديث إلى \"المعجم الصغير\" للطبراني، فلزم التنبيه.\n_________\n١ ص ٧٤٥ من مجلة عالم الكتب، ربيع الثاني ١٤٠٢هـ، فقد نشرت رسالة \"الفارق\" كاملة، بتحقيق قاسم السامرائي.","vol":"1","page":30},{"text":"الوقفة الثانية:\nالكلام على الرواية، وإسناد الحديث.\nمما سبق سَطْرُه ورقمه تجلى أن الحديث لم يقل بصحة إسناده إلا الحاكم، قال الحاكم في \"المستدرك\" (٢/٦١٥): \"صحيح الإسناد١ وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم\" انتهى، ومدارالحديث عند كل من أخرجه مرفوعًا على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الموضع أن الحاكم لا يقبل كلامه هنا عند التحقيق العلمي، وذلك لأمور:\nالأول: أنه قال في كتابه \"المدخل إلى الصحيح\" (١/١٥٤): \"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه\" اهـ.\nوكان قال في أول \"المدخل\" (١/١١٤): \"وأنا مبين بعون الله وتوفيقه أسامي قوم من المجروحين ممن ظهر لي جرحهم اجتهادًا، ومعرفة بجرحهم، لا تقليدًا فيه لأحد من الأئمة، وأتوهم أن رواية أحاديث هؤلاء لا تحمل إلا بعد بيان حالهم؛ لقول المصطفى ﷺ في حديثه: \"من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين\" انتهى.\nوسردهم، وذكر منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما نقلناه لك. فهذا تعارض وتناقض من الحاكم، فما السبب فيه؟! وما الحامل له على تصحيح إسناد حديثٍ فيه عبد الرحمن؟!\n_________\n١ ومن اللطائف أن طبعة المستدرك الهندية، وقع فيها خطأ مطبعي، هكذا: \"هذا حديث صَيح الإسناد\" وصَيّح من قولك تصيَّح الشيء إذا تكسر، كما في \"تاج العروس شرح القاموس\" (٢/١٨٦)، فمعنى: صيح الإسناد: منكسر الإسناد، وهذه عجيبة ولله حكمة في وقوع هذا الخطأ فتبصروا!","vol":"1","page":31},{"text":"الجواب معلوم عند أهل الحديث والنظر السالم من الهوى، وهو أنه ابتدأ كتابة كتابه المستدرك سنة ٣٩٣ هـ١ أي بعد بلوغه ٧٢ سنة من عمره، قال الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" ٥/٢٣٣: \"ذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك: أنه ذكر جماعة في كتاب \"الضعفاء\" له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في \"مستدركه\" وصححها، من ذلك: أنه أخرج حديثًا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكان قد ذكره في الضعفاء، فقال: إنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه\" انتهى كلام الحافظ ابن حجر.\nوجرى على هذا علماء الحديث في شأن المستدرك، ومنه قول السخاوي في فتح المغيث (١/٣٦) يقول: \"إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد حصلت له غفلة وتغَيُّر، أو أنه لم يتيسَّر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدًا بالنسبة لباقيه، فإنه وجد عنده \"إلى هنا انتهى إملاء الحاكم\" انتهى.\nوعبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي الحديث الذي احتج به مجيزوا التوسل بالذوات ضعيف جدًا في الحديث، قاله علي بن المديني، وقال أبو حاتم الرازي: كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث واهيًا، وضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي والدارقطني وغيرهم كثير، وقال الطحاوي: \"حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف\".\nفهذه عبارة إمام الحنفية في وقته، وشيخ المصريين في زمانه، أفيستحل الكاتب أن يتقرب إلى الله ويتعبد بحديث في النهاية من الضعف؟! كيف\n_________\n١ كما هو مثبت في السماع ج١ ص ٢ وغيرها.","vol":"1","page":32},{"text":"تقوى قدماك على التماسك وأنت تسأل أمام ربك؟! وبم تحتج؟! وعلى من تتكئ؟! أعد للمسألة جوابًا، فإن الأمر عظيم.\nالثاني: أن في إسناد الحاكم والبيهقي رجلًا اسمه عبد الله بن مسلم الفهري ترجمه الحافظ الذهبي في \"الميزان \" ٢/٤٠٥ وقال: \"روى عن إسماعيل ابن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبرًا باطلًا فيه \"يا آدم! لولا محمد ما خلقتك\" رواه البيهقي في دلائل النبوة\" انتهى.\nقال الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" ٣/٣٦٠: \"قلت: لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته\" اهـ.\nيعني بالذي قبله الترجمة السابقة لترجمة الفهري، وهو عبد الله بن مُسَلَّم بن رُشَيد قال الذهبي: ذكره ابن حبان، متهم بوضع الحديث ...\nالثالث: أن إسناد الحديث ضعفه جماعة كثيرون:\nفمنهم: البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/٤٨٦) .\nومنهم: الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" (٢/٦١٥)، قال: \"موضوع\"، وفي \"الميزان\": قال: \"باطل\"، فهو موضوع الإسناد باطل المتن.\nومنهم: الشيخ تقي الدين بن تيمية حكم بوضعه في \"الرد على البكري\" ص ٦ من مختصره.\nومنهم: ابن عبد الهادي الحافظ، نَصَرَ القول بوضعه في \"الصارم المنكي\".\nومنهم: الحافظ ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٢/٣٢٣)، قال عن راويه: \"وهو متكلم فيه\"، ونقل كلام البيهقي بضعف راويه.\nومنهم: الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/٢٥٣) .\nومنهم: السيوطي في \"تخريج أحاديث الشفاء\" (ص ٣٠)\nومنهم: الزرقاني في \"شرح المواهب\" (١/٧٦) .\nومنهم: الشهاب الخفاجي في \"شرح الشفاء\" (٢/٢٤٢) .","vol":"1","page":33},{"text":"ومنهم: ملا علي القاري في \"شرح الشفاء\" (١/٢١٥) .\nومنهم ابن عراق في \"تنزيه الشريعة\" (١/٧٦) وذكر القول ببطلانه.","vol":"1","page":34},{"text":"الوقفة الثالثة\nفي النظر في النظر في متن الحديث ودرايته.\nإن الثابت أن الدعاء الذي به قبل الله توبة آدم هو ما قاله الله في سورة الأعراف: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣] فهذه هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ٣٧] قال ابن كثير الحافظ في \"تفسيره\" (١/١١٦): \"رُوي هذا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم\" اهـ.\nعشرة من أهل العلم فسرها بآية الأعراف، ومنهم عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم راوي الحديث المنكر في توسل آدم، وهذا مما يزيد في توهين روايته الحديث المنكر الواهي وهنًا على وهن، ولم يذكر أن أحدًا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم فسر الكلمات بتوسل آدم بالنبي محمد ﷺ، بطريق صحيحة ولا ضعيفة، إلا أن تكون واهية موضوعة ولعلّ قصة مغفرة ذنب آدم بتوسله بمحمد ﷺ تلقاها جهلة المسلمين من أهل الكتاب في عيسى ﵇، فأرادوا إثبات فضيلة لنبينا محمد ﷺ فقالوا ما قالوا.\nنقل الشهرستاني في كتابه \"الملل والنحل\" (١/٥٢٤) عن عقائد النصارى قولهم: \"والمسيح ﵇ درجته فوق ذلك؛ لأنه الابن الوحيد، فلا نظير له، ولا قياس له إلى غيره من الأنبياء، وهو الذي به غفرت زلة آدم ﵇\" اهـ.\nفهذا من اعتقاد النصارى، فنافسهم جهلة المسلمين في ذلك.","vol":"1","page":35},{"text":"قال ص ٤٧:\nبعد سياق حديث \"لما أصاب ... \" واستشهد ابن تيمية به. قال: \"فهذا يدل على أن الحديث عند ابن تيمية صالح للاستشهاد والاعتبار؛ لأن الموضوع أو الباطل لا يستشهد به عند المحدثين\" إلخ..\nأقول: بل إن شيخ الإسلام ذكر الحديث في \"الرد على البكري\" في أوله، وحكم عليه بالوضع، وأنه أشبه بحكايات بني إسرائيل قال ص٦:\n\"هذا الحديث وأمثاله لا يحتج به في إثبات حكم شرعي لم يسبقه أحد من الأئمة إليه، وإثبات عبادة لم يقلها أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم؛ إلا من هو أجهل الناس بطرق الأحكام الشرعية، وأضلهم في المسالك الدينية، فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي ﷺ، لا بإسناد حسن ولا صحيح، بل ولا ضعيف يستأنس به ويعتضد به\".\nوشيخ الإسلام ذكر في غير موضع أن الحديث موضوع، ولكنه لما كان فيما نقل الكاتب طرفًا منه في كلام مع أهل وحدة الوجود، ذكر هذين الحديثين بأسانيدهما على خلاف عادته، فهو لا يذكر إسنادًا إلا نادرًا، وإنما ساق الأسانيد ليعلم حالهما من طالعهما، وعادة العلماء أن من ساق إسنادًا فقد أدى عهدته، والحكمُ عليه بعد ذلك بوضع أو غيره، إنما يكون إذا أراد الرد على من يعتمده في لفظٍ من ألفاظه.\nولهذا تجد حفاظ الحديث كأبي نعيم والخطيب ونحوهما، والبيهقي أحيانًا، يذكرون من الأحاديث الموضوعة أو شديدة الضعف ما يعرفه أهل النظر، واعتذر عنهم: بأنهم يسوقون الأسانيد، ومن ساق الإسناد فقد ذكر عواره أو ظلامه، إن كان فيه عوار أو ظلمة.","vol":"1","page":36},{"text":"قال ص٥٠:\n\"وفي الحديث التوسل برسول الله ﷺ قبل أن يتشرف العالم بوجوده فيه، وأن المدار في صحة التوسل على أن يكون للمتوسل به القدر الرفيع عند ربه ﷿، وأنه لا يشترط كونه حيًا في دار الدنيا\" اهـ.\nأقول: لم يكتف الكاتب بتصحيح حديثٍ موضوع، بل استخرج للحكم الوارد فيه علِّة، ثم عدى العلة بالقياس إلى غير محل الحكم وإلى غير زمان الحكم. وتوضيح هذا:\nأن في الحديث توسل آدم بالنبي ﷺ قبل وجوده، أي: قبل حياته، أي: وهو فاقد الحياة، ولا معنى لتوسله بمن كان كذلك إلا جوازه في الحياة، وقبلها وبعدها، كذا استنتاج الهوى وقياس الردى.\nثم إن تخصيص النبي ﷺ عند هذا الكاتب بالتوسل لا معنى له، حيث قاس كل من كان له عند الله القدر الرفيع على النبي، بجامع النبوة، أو الولاية، أو الكرامة.\nوهذا هو عين احتجاج أصحاب القبور المفتونين بعبادتها من دون الله، عدوا بالقياس دعاء الميت والطلب منه على طلب الدعاء من الحي، وجادلوا في ذلك، فلما ظنوا أنه ثبت لهم ما زعموه في حق النبي ﷺ قالوا: لا معنى لاختصاص النبي محمد ﷺ بالدعاء أو الاستشفاع أو نحوه من العبادات، بل يعدى جواز هذا الفعل إلى غيره ﷺ بجامع النبوة إن كان نبيًا أو الكرامة.\nأو كما قال هذا القائل هنا: \"المدار في صحة التوسل على أن يكون للمتوسل به القدر الرفيع عند ربه ﷿\"، وهذا تمهيد وتقعيد لمسائل لم يفصح عنها في هذا الموضع.\nفانظر هذا التجرؤ على أحكام الشرع: تصحح الموضوعات، وقياس فاسد لم يقل به أحد قط منذ بعث محمد ﷺ إلى انتهاء القرون الثلاثة","vol":"1","page":37},{"text":"الأولى، حتى ظهرت القرامطة الباطنية وأتباعهم \"إخوان الصفا\"، وهم جماعة مشهورة ظهروا في أول القرن الرابع، وهم الذين جلبوا هذا الذي تبناه الكاتب، وقبله أخذه أهل الضلالة، فانظر ما قاله إخوان الصفا! وكيف شرعوا هذا الدين الذي لم يعرفه المسلمون في المئات الثلاث! فسبحان من صير القلوب إلى قلبين.\nجاء في الرسالة ٤٢ من رسائل إخوان الصفا (٤/٢١) قولُهم: \"اعلم يا أخي! أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله، وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين والتعظيم لهم ومساجدهم والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم ويتأتى لهم، ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم. فأما من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله.\nوأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه معرفته فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم وعبادة الصالحين.\nفإن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلا اتباع آثارهم، والعمل بوصاياهم والتعلق بسننهم، والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار، وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم، وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم، وتعرف أحوالهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله والزلفى لديه.\nثم اعلم! أنه على كل حال من يعبد شيئا من الأشياء، ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو أصلح حالا ممن لا يدين شيئا ولا يتقرب إلى الله البتة\" اهـ.\nهكذا أدخل إخوان الصفا الباطنيون الشرك في المسلمين، فانتشر في الجهال انتشارًا، واشتعل فيهم اشتعال اللهب في يابس الشجر، فقام","vol":"1","page":38},{"text":"جماعات من العلماء ينكرون هذا، وكان أول أمره غَير متضحة غايته، ولا مستبين سبيله؛ لأن المسلمين لم يكن دين الأصنام فيهم، ثم استبان الشأن، وانكشف الغطاء، فأنكره العلماء في القرن الرابع والخامس، ومنهم ابن عقيل الحنبلي، فقال:\n\"لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل: تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداءً بمن عبد اللات والعزى\".\nفهذا الشرك الأكبر أصله وسببه هذا القياس الفاسد الباطل الذي قاله صاحب المفاهيم.\nباب التوسل بالذوات الذي لا نقول بأنه شرك بل هو بدعة من الطرق والوسائل لهذا الشرك الأكبر، وكل ما كان وسيلة إلى الكفر والشرك، فهو ممنوع يجب سد بابه وإغلاقه ووصده وتتريبه حتى لا يفتح مرة أخرى.\nومن في قلبه حب لله وللإسلام الذي جاء به رسوله محمد ﷺ ليغار ويشتد غضبًا أن يعود شرك الجاهلية، الذي أزالته بعثة حبيبنا محمد ﷺ.\nوعقد المؤلف فصلا ص ٥١ عَنْوَنَه بـ: توسل اليهود به ﷺ.\nوساق فيه أن ابن عباس قال: \"كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فلما التقوا هزمت يهود، فدعت يهود بهذا الدعاء:\n\"وقالوا: إنا نسألك بحق النبي الأمي، الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان أن تنصرنا عليهم ... \" \"تفسير القرطبي\" (٢/٢٦- ٢٧) اهـ.\nوأقول: إن المؤلف أغرب كثيرًا في الاستدلال بفعل اليهود الذي نقله، فمن حيثُ الرواية: فإن قول ابن عباس ذكره الكاتب غير مُخَرَّج، ولم","vol":"1","page":39},{"text":"يذكر من صحح إسناده؛ لأنه لم يجد من صححه، وقد أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/٢٦٣)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/٧٦) من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من كلامه.\nوقال الحاكم بعد ذكره الحديث: \"أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير وهو غريب\" اهـ. قال الذهبي في \"تلخيصه\": قلت: لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك\" اهـ.\nوذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" أن إسناده ضعيف، وهو لا يقول ضعيف إلا إذا لم يكن في الإسناد حيلة يصحح بها.\nوالحاكم قد ذكر عبد الملك في \"المدخل\" (١/١٧٠)، وقال: \"روى عن أبيه أحاديث موضوعة\"، وعبد الملك هذا كذبه ابن معين وابن حبان والجوزجاني وغيرهم، وهو الذي وضع حديثًا لفظه: \"أربعة أبواب من أبواب الجنة مُفَتَّحة: الإسكندرية، وعسقلان، وقزوين، وعبادان، وفضل جُدّة على هؤلاء كفضل بيت الله على سائر البيوت\".\nكذب صريح، ويروج ما يرويه جهلة المسلمين، ممن لا يغارون على كلام رسول الله ﷺ، والقوم لهم وَلَعٌ بالكذوبات، وإعراض عن الصحاح.\nقال شيخ الإسلام في \"التوسل والوسيلة\" (١/٢٩٩-٣٠٠ مجموع الفتاوى): \"قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البقرة ٨٩] إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسير في اليهود المجاورين للمدينة أولًا، كبني قينقاع وقريظة والنضير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج، وهم الذين عاهدهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، ثم لما نقضوا العهد حاربهم ... فكيف يقال: نزلت في يهود خيبر وغطفان؟! فإن هذا من كذاب جاهل، لم يحسن كيف يكذب.","vol":"1","page":40},{"text":"ومما يبين ذلك أنه ذكر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب\" انتهى.\nإذا ظهر هذا وانجلى فالرواية الثابتة الصحيحة ما أخرجه ابن جرير (٢/٣٣٣ ط. شاكر)، وأبو نعيم في \"الدلائل\" (١/ من الأصل) والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/٧٥)، كلهم من طريف ابن إسحاق في \"سيرته\" (ص٦٣ رواية يونس بن بكير) قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله ﷺ منا: كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبيًا مبعوثًا الآن قد أظل زمانُه، نتبعه فنقتلكم قتل عاد وإرم، فلما بعث الله ﷿ رسوله ﷺ اتبعناه وكفروا به، ففينا وفيهم أنزل الله ﷿: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البقرة ٨٩] وهذا إسناد جليل، فإن الأشياخ هؤلاء صحابة، أدركوا الأمر وعلموه فما أجل هذا وأحسنه!\nوقد جاءت أخبار كثيرة في هذا المعنى عن ابن عباس وغيره، تركتها اجتزاءً بما صح، وحذر الملال بسرد الطوال، فاللهم! ألهم وعلم.","vol":"1","page":41},{"text":"ذكر الكاتب ص ٥٢: حديث عثمان بن حنيف ﵁ في توسل الضرير بدعاء النبي ﷺ في حياته.\nأقول: هذا الحديث رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" (٤/١٣٨)، والترمذي في \"جامعه\" (٥/٥٦٩)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٤١٧-٤١٨)، وابن ماجة في \"سننه\" (١٣٨٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/١٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/٣١٣ و٥١٩) وغيرهم.\nقال أحمد: ثنا عثمان بن عمر ثنا شعبة عن أبي جعفر قال سمعت عُمَارةَ بن خُزَيمة يحدث عن عثمان بن حنيف به. ثم رواه أحمد قال: حدثنا رَوْح قال: حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني به. ثم رواه أحمد قال: ثنا مؤمل قال: حدثنا حماد –يعني: ابن سلمة- قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي به.\nقال النسائي في \"عمل اليوم والليلة\": خالفهما هشام الدستوائي وروح بن القاسم فقالا: عن أبي جعفر عمير بن يزيد بن خراشة عن أبي أمامة بن سهل عن عثمان بن حنيف.\nوهذا الاختلاف علة، قد يرد بها بعض المحدثين الحديث، وهي موضع تأمل. وإسناد رواية شعبة وحماد حسن لابأس به، فإن أبا جعفر هو الخطمي المدني كما ثبت في روايات أحمد وغيره، وهو عمير بن يزيد الأنصاري الخطمي المدني، قال الحافظ في \"التقريب\": \"صد وق\".\nورأى طائفة من أهل العلم ضعف الحديث؛ لأن أبا جعفر فيه كلام، وبعضهم ضعف الإسناد؛ لأجل عدم التثبت أن أبا جعفر هو الخطمي، معتمدين على نفي الترمذي أن يكون هو الخطمي.\nهذا؛ ولا حجة في الحديث على ما ادعاه مجيزوا التوسل بالذوات والجاه ونحوها؛ لأنه جارٍ على أصول الشريعة في باب التوسل، وهو التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، وهو معنى الشفاعة، فمدلول الحديث التوس","vol":"1","page":42},{"text":"بدعاء النبي ﷺ، والتوجه بدعائه في حياته، وهذا مما ثبتت به السنة في أمور غير هذا الحديث، فأثبته أهل السنة والحديث، ولا مراء في هذا، ولا استشكال في معنى الحديث.\nومن ظن أن الحديث فيه توسل بالذات فيلزمه تساؤل، وهو أن يقال: كيف يخفى هذا الدعاء الذي فيه توسل بالذات على عميان ومكفوفي الصحابة، فلم يستعملوه في حياته ولا بعد مماته، ولا من بعدهم، والناس حريصون على جوارحهم وحواسهم؟! نعلم من هذا الإلزام أن الحديث إنما فيه التوسل بدعاء النبي ﷺ لا بذاته، وهذا مقطوع به جزمًا، فيبقى الحديث خاصا بهذا الأعمى وحده ومعجزة لنبينا محمد ﷺ، والحمد لله الموفق للصالحات.\nثم قال الكاتب: \"وليس هذا خاصًا بحياته ﷺ بل قد استعمل بعض الصحابة هذه الصيغة من التوسل بعد وفاته ﷺ\".\nواستدل له بتعليم عثمان بن حنيف رجلًا له حاجه عند عثمان أن يدعو فيقول: \"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك..\" ففعله، فقضى عثمان حاجته.\nهذا مختصر ما رواه الطبراني: قال: \"هذه القصة صححها الحافظ الطبراني والحافظ أبو عبد الله المقدسي\".\nأقول: هنا بدأ صاحب المفاهيم وشرع في تعميته الحقائق، وكَفْره النقول الصادقة، وأخذه في التمويه على غير المتتبعين لمقالاته.\nفقال: هذه القصة صححها الحافظ الطبراني! ... وما صححها الطبراني وحاشاه، ولو نقلت ما قاله صدقًا وأمانة لما لبست على المطالع لكلامك، إذ الثقة فيمن ينتسب إلى العلم تعمي كثيرين عن تتبع نقول","vol":"1","page":43},{"text":"وهل يصدق فيها ولا يحرف، أم الشأن استغلال الثقة في نشر وترويج غير الحق؟!\nقال الطبراني في \"الصغير\" (١/١٨٤): \"لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي -وهو ثقة- وهو الذي يحدث عنه ابنه١ أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي.\nوقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد -وهو ثقة- تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة والحديث صحيح\" اهـ.\nفبهذا النقل اتضح أن تصحيح الطبراني للحديث السابق وهو قول الرسول ﷺ، ولكن القصة لم يتعرض لها الطبراني بتصحيح ولا غيره، بل قال \"لم يروه ... الخ\"، وهو يشعر بضعف القصة عنده، وهو الحق.\nوبيان هذا أن القصة رواها الطبراني في الصغير والكبير (٩/١٧-١٨) من طريق شيخه طاهر بن عيسى بن قيرس المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني به.\nوهذا الإسناد آفته رواية عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد وهي منكرة عند أهل الحديث لم أر بينهم اختلافا في ذلك، قال ابن عدي في \"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٤/١٣٤٧): \"حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير\"، ثم قال: \"ولعلّ شبيب بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم، وأرجو أنه لا يتعمد شبيب هذا الكذب\" اهـ.\nوالقصة مدارها على هذا الإسناد، فالمتن منكر، ولا خير في منكر. ثم مما يدلل على هذه النكارة أن الحديث رواه الحاكم (١/٥٢٦-٥٢٧)\n_________\n١ تحرفت مطبوعة المعجم الصغير في هذه الجملة، والتصويب من\"مجمع البحرين\" للهيثمي (١/١٠١/١) نسخة أحمد الثالث بتركيا.","vol":"1","page":44},{"text":"وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ١٧٠ ط الهند) من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد قال: حدثنا أبي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل فذكر الحديث دون القصة.\nوهذا الرواية أصح؛ لأنها من روايات أحمد بن شبيب عن أبيه قال الحافظ في \"التقريب\" في ترجمة شبيب: \"لا بأس بحديثه من روايات ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب\" اهـ.\nفأحمد بن شبيب وهو الراوي المختص بأبيه لم يذكر القصة عن أبيه، وهي من نفس الطريق التي رواها ابن وهب عن شبيب، فدل تفرد ابن وهب عن شبيب على نكارتها، ودلت مخالفة رواية ابن وهب عن شبيب -وهي منكرة- لرواية أحمد بن شبيب عن أبيه شبيب دل ذلك على شدة نكارتها وبطلانها، وأنها يمكن أن تكون مكذوبة.\nإذا تبين هذا؛ فالقصة إما مكذوبة أو منكرة للأمور التي ذكرنا، وهي حجة كافية ناصعة بيضاء لمن أراد الله تبصرته، ومن يضلل الله فما له من هاد.\nوالعجب من صاحب المفاهيم كيف يكون حبه للمنكرات والواهيات أشد من حبه لما صح من حديث رسول الله ﷺ، وكان حقه ﷺ نفي الكذب عنه، وترك الواهيات المنسوبة له، لا نشرها وترويجها، وفي الإسناد شيخ الطبراني طاهر بن عيسى، وهو مجهول لا يعرف بالعدالة، ذكره الذهبي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهول الحال، لا يجوز الاحتجاج بخبره، لا سيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة، قاله الشيخ سليمان بن عبد الله في \"تيسير العزيز الحميد\" ص ٢١٢ ط-الأولى.","vol":"1","page":45},{"text":"قال ص ٥٤:\nإن عثمان بن حنيف علّم من شكا إليه إبطاء الخليفة عن قضاء حاجته هذا الدعاء الذي فيه: التوسل بالنبي ﷺ، والنداء له، مستغيثًا به بعد وفاته ﷺ\" اهـ.\nأقول: هذه ثالثة الأثافي، وقاصمة الظهر، أنستنا ما قبلها من التوسل البدعي، فإذا الشأن في النداء للموتى والاستغاثة بهم! فما كنت أظن أن يبلغ صاحب المفاهيم هذا المبلغ من الهوى حتى رأيت رقمه ببنانه، وقوله بلسانه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ويا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على طاعتك.\nوهذا القول فاسد مناهض لدين الإسلام، موافق لما عليه أهل الجاهلية من الاستغاثة بالأنبياء والصالحين، وندائهم لكشف الملمات ورفع المدلهمات، أفما يقرأ هؤلاء القرآن، ويسمعون قول سلف الأمة من الصالحين؟!\nأفما قرؤوا قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧] .\nففي هذه الآية إنكار عام على كل من دعا من دون الله شيئًا، جنيًا أو نبيًا فكلمة (الذين) في الآية اسم موصول، والأسماء الموصولة من صيغ العموم عند الأصوليين والنَحْويين، كما هو مقرر في هذين العلمين. فقوله: (الذين) يعم كل من دُعِيَ من دونه تعالى في كشف الضر أو تحويله، فعمت الأنبياء والصالحين وغيرهم من الملائكة والجن، فالدعاء لهؤلاء لا","vol":"1","page":46},{"text":"يجوز، فإنه دين الجاهلية والمشركين وصور هذا الدعاء كثيرة: فمنها: النداء للموتى أنبياء أو غيرهم، كما هو ظاهر من الآية، ومنها الاستغاثة، فالأنبياء والصالحون بعد مماتهم لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فكيف يملكون لغيرهم؟! فهذه الآية تظهر دين المشركين وتبينه، فما لهؤلاء يعودون إلى دين المشركين، ما لهم يدعون دين الرسل المتيقن، ويرضون بدين الجاهلية الباطل؟!\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ص ٢٤ من رده على ابن جرجيس: \"وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَمِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُأَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]، وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر؛ لأن (الذين) لا يخبر به إلا عن العقلاء؛ ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت؛ فإنها لم تحلها الحياة حتى يحلها الموت؛ ولأنها لا تبعث يوم القيامة بعث الإنسان ليجزى بما كسبت يداه، ولا يعقل منها شعور بهذا البعث حتى ينفيه الله عنها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]، فهذه الآية فيمن يموت ويبعث، كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]، وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل، كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية، فالحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة\".\nعَوْدٌ إلى استدلاله الفاسد بقول المكروب بعد موت النبي ﷺ: \"يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي\"، وأي دليل في هذا بعد معرفة بطلان الحديث ونكارته؟! أفيحتج بالمنكرات والأباطيل؟! إنه لعجب عجيب،","vol":"1","page":47},{"text":"وأمر غريب، واستدلال مريب، فنتنزل معهم في المناظرة بالكلام على معنى هذا اللفظ فأقول:\nأولًا: أيكون قولك وقول المسلمين في \"التشهد\": السلام عليك أيها النبي ... نداءً للنبي بعد مماته؟ أينادي المسلمون النبي في كل صلاة، أم أن لفظ النداء هنا لاستحضار منزلة الرسول ﷺ؛ ليكون أمكن في القلب لما يجب في حقه من تعزيره وتوقيره ونصرته؟ فما استدل واحد من العلماء المهتدين بالتشهد على دعوى جواز مناداة النبي بعد موته، وهذا إجماع لا خلاف فيه.\nوهذا الأثر -مع نكارته الشديدة- من هذا الباب إنما يكون لاستحضار ما قلنا في لفظ المصلي في التشهد، وهو: التفات، والالتفات له مقتضيات معلومة في فنون المعاني والبيان، وأقول هذا تنزلًا في المجادلة، وإلا فما ينبغي ابتداءً، والمناسب هنا ما ذكرنا آنفًا.\nثانيا: غاية ما في هذا الأثر المنكر الضعيف أنه توجه بالنبي ﷺ في الدعاء، فأين هذا من دعاء الميت؟! فإن التوجه بالمخلوقات سؤال به لا سؤال منه، وكل أحد يفرق بين سؤال الشخص وبين السؤال به، فإنه في السؤال به قد أخلص الدعاء لله، ولكن توجه إلى الله بذاته، وأما في سؤاله نفسه ما لا يقدر عليه إلا الله، فيكون قد جعله شريك الله في عبادة الدعاء، فليس في حديث الأعمى وحديث ابن حنيف هذا إلا إخلاص الدعاء لله كما هو صريح فيه، إلا قوله: يا محمد إني أتوجه بك، وهذا ليس فيه المخاطبة للميت فيما لا يقدر عليه، إنما فيه مخاطبته مستحضرًا له في ذهنه كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته١ كما أوضحته في الوجه الأول.\n_________\n١ تيسير العزيز الحميد ص ٢١٢.","vol":"1","page":48},{"text":"ثالثًا: أيكون هذا الدعاء الذي تفرج به الكروب، وتزول به الشدائد المهلكات، وتحصل به المنجيات خفيًا على الأمة، فلم يستعملوه حين أصابتهم الشدة والضيق؟! قحط المسلمون في زمن عمر فتوجهوا بالعباس -أي: بدعائه- والرسول ﷺ ميت عندهم، وأصاب المسلمين فتن في زمن عثمان وعلي، وبعده محن وأمور لا يعلم شدتها إلا الله فلِمَ لَمْ يستعملوه؟! أين زعمكم يا أرباب الحجا، وأصحاب الفهوم؟!!\nقوله ص ٥٤:\n\"ولما ظن الرجل أن حاجته قضيت بسبب كلام عثمان مع الخليفة بادر ابن حنيف بنفي ذلك الظن، وحدثه بالحديث الذي سمعه وشهده، ليثبت له أن حاجته إنما قضيت بتوسله به ﷺ، وندائه له واستغاثته به\" اهـ.\nأقول: هذا افتراء على صحابي جليل شهد بدرًا وما بعدها، وقول بالظن، والظن أكذب الحديث، وجراءة ما بعدها جراءة.\nوقد قدم كلامه هذا بمقدمة فيها: أن القصة صحيحة صححها الطبراني والمقدسي، ونقل تصحيحهم لها المنذري والهيثمي وغيرهم، وهذا هوى ظاهر إذ أن كلام الطبراني كما سبق نقله بحروفة، إنما هو في تصحيح الحديث أي: المرفوع، ولم يقل: \"القصة صحيحة\"، بل قال: \"الحديث صحيح\"، وليت شعري! أما اقشعر بدن كاتب المفاهيم وهو يفتري هذه الافتراءات، وينقل ويكذب في النقل، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥]، ولا شك أن افتراءً كهذا على صحابة رسول الله ﷺ وعلى حفاظ المسلمين وأئمتهم تشق قراءته وتشق رؤيته.","vol":"1","page":49},{"text":"قال ص ٦٨ معنونًا: \"التوسل به في المرض والشدائد\".\nعن الهيثم بن [حنش] ١ قال: كنا عند عبد الله بن عمر ﵄ فخدرت رجله، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد! فكأنما نشط من عقال.\nوعن مجاهد قال: خدرت رِجْلُ رَجُلٍ عند ابن عباس ﵄ فقال له ابن عباس: اذكر أحب الناس إليك فقال: محمد ﷺ، فذهب خدره، ثم قال: فهذا توسل في صورة النداء\" اهـ.\nأقول: الكلام هنا في أمرين:\nالأول: الرواية: فالخبر الأول أخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ١٧٠)، قال: حدثنا محمد بن خالد بن محمد البرذعي قال: ثنا حاجب بن سليمان قال: ثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الهيثم بن حنش به. وهذا إسناذ ضعيف جدأ، فيه علل كثيرة:\nمنها: أن محمد بن مصعب القُرقُساني ضعيف عندهم، قال ابن معين: لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلًا. وقال النسائي: ضعيف، ومثله عن أبي حاتم الرازي.\nوقال ابن حبان: \"يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به\"، وقال الإسماعيلي: محمد بن مصعب من الضعفاء. وقالي الخطيب: كان كثير الغلط لتحديثه من حفظه.\nوقال أحمد: ليس به بأس، ونحوه عن ابن عدي. ووثقه ابن قانع وابن قانع من المتساهلين. فمن هذا يتضح ضعفه كما ذهب إليه أئمة أهل العلم.\nوأما قول أحمد: ليس به بأس، يعني في نفسه فهو صدوق في نفسه، ولكنه ضعيف الحديث.\n_________\n١ وحُرِّف اسم الراوي في \"المفاهيم\" إلى الهيثم بن خنس، فصححته.","vol":"1","page":50},{"text":"ومنها: أن الهيثم بن حنش مجهول العين، قال الخطيب في \"الكفاية في علوم الرواية\" ص ٨٨:\n\"المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد، مثل: عمرو ذي مر، وجبار الطائي، وعبد الله بن أغر الهمداني، والهيثم بن حنش ... هؤلاء كلهم لم يرو عنهم غير أبي اسحاق السبيعي\" اهـ.\nومنها: أن أبا إسحاق السبيعي مدلس، وقد عنعنه عن هذا المجهول.\nومنها: أن أبا إسحاق قد اختلط، ومما يدل على تخليطه في هذا الحديث أنه رواه تارة عن أبي شعبة (أو أبي سعيد)، وتارة عن عبد الرحمن بن سعد. وهذا اضطراب يرد به الحديث.\nوأمثل ما روي في هذا الباب وأصحه على تدليس أبي إسحاق فيه، ما رواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٦٤) قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال: \"خدرت رِجْلُ ابن عمر، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك فقال محمد\".\nوهذه الرواية أصح ما روي، وأفادت فوائد:\nالأولى: قول ابن عمر: محمد، بدون حرف النداء، والشائع عند العرب -كما سيأتي- استعمال \"يا النداء\" في تذكر الحبيب؛ ليكون أكثر استحضارًا في ذهن الخادرة رجله، فتنطلق.\nوابن عمر عدل عن الاستعمال الشائع إلى غيره؛ لما في الشائع من المحذور.\nالثانية: أن تذكره للنبي ﷺ، وأنه أحب الناس إليه هو الحق؛ لأنه لا يؤمن أحذ حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؛ بل ومن نفسه التي بين جنبيه. وهذا ما نعقد عليه قلوبنا، بهداية ربنا.","vol":"1","page":51},{"text":"الثالثة: أن سفيان من الحفاظ الأثبات، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ، وسواه غلط مردود.\nوأما الخبر الثاني: فأخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (١٦٩) . وفي إسناده: غياث بن إبراهيم كذبوه. قال ابن معين: كذاب خبيث. ولفظه في تذكره (محمدًا) مجردٌ من حرف النداء. فلا حجة فيه، والكلام فيه على نحو ما مر في قول ابن عمر.\nالأمر الثاني: في الدراية: يقال لهذا المستدل: غاية ما ذكرته أن فيه ذكرًا للمحبوب، لا طلب حاجة منه أو به أن يزال ما به، ولا أن يكون واسطة لإزالة خدر الرجل، وليس فيه توسلٌ، وإلا لكان لازمًا أن من ذكر محبوبه فقد استغاث به وتوسل به في إزالة شدته، وهذا من أبطل الباطل، وأمحل المحال.\nفما قوله إذا ذكر الكافرُ حبيبه فزال خدَرُ رجله وانتشرت بعد قيد وخدور؟ أفيكون توسل به؟ ويكون من يزيل الأمراض والأخدار -﷾- قد قبل هذه الوسيلة؟!\nوهذا الدواء -التجريبي- للخدر كان معروفًا عند الجاهليين قبل الإسلام جُرِّب فنفع، وليس فيه إلا ذكر المحبوب، وقيل في تفسير ذلك: إن ذكره لمحبوبه يجعل الحرارة الغريزية تتحرك في بدنه، فيجري الدم في عروقه، فتتحرك أعصاب الرجل، فيذهب الخدر.\nوجاءت الأشعار بهذا كثيرًا في الجاهلية والإسلام:\nفمنها: قول الشاعر:\nصبُّ محبُّ إذا ما رِجْلُه خَدَرت\nنادى (كُبَيْشَةَ) حتى يذهب الخَدَر\nوقول الآخر:\nعلى أنَّ رجلي لا يَزَالُ امْذِلالُها\nمقيمًا بها حتى أُجيْلَكِ في فكري","vol":"1","page":52},{"text":"وقال كُثَيِّر:\nإذا مَذَلَتْ رجلي ذكرتُكِ أشتفي\nبدعواك من مَذْلٍ بها فيهون\nوقال جميلُ بثينةَ:\nوأنتِ لعَيْنِيْ قُرَّةٌ حين نَلْتَقِي\nوذِكْرُكِ يَشفِيْني إذا خَدَرتْ رجلي\nوقالت امرأة:\nإذا خدرت رجلي دعوتُ ابنَ مُصْعبٍ\nفإنْ قلتُ: عبدَ اللهِ، أجْلَى فتورَها\nوقال الموصلي:\nواللهِ ما خَدَرَتْ رجلي وما عَثَرَتْ\nإلا ذكرتُكِ حتى يَذْهبَ الخدَرُ\nوقال الوليد بن يزيد:\nأثيبي هائمًا كَلِفًا مُعَنَّى\nإذا خَدَرتْ له رجْلٌ دَعاكَ١.\nوغير ذلك من الأشعار، أفيقال: إن هؤلاء توسلوا بمن يحبونه، من نساءٍ وغلمان، وأجيب سؤلهم، وقبلت وسيلتهم؟!!\nوقال ص ٦٨ معنونًا: \"التوسل بغير النبي ﷺ\".\nونقل أحاديث من \"مجمع الزوائد\" للهيثمي (١٠/١٣٢) . والهيثمي الحافظ بَوَّب لهذه الأحاديث بقوله: \"باب ما يقول إذا انفلتت دابته، أو أراد غوثًا، أو أضل شيئا\"، ساقه ضمن أبواب أدعية السفر.\nوفِقْهُ الهيثمي في هذا التبويب ظاهر، وأما من بوب بـ \"التوسل بغير النبي ﷺ\"، فليس بفقيه في النصوص، وسأبين هذا.\nاستدل صاحب المفاهيم تحت هذه الترجمة بأحاديث:\nقال: \"عن عتبة بن غزوان عن نبي الله ﷺ قال: \"إذا أضل أحدكم شيئًا أو أراد عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله! أعينوني، فإن\n_________\n١ بلوغ الأرب (٢/٣٢٠-٣٢١) .","vol":"1","page":53},{"text":"لله عبادًا لا نراهم. وقد جرب ذلك\" ... رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة.\" انتهى كلامه.\nوالكلام عليه من أوجه:\nالأول: ما وقع في نقله من التحريفات، فمنها: أنه جعل قوله: \"وقد جرب ذلك\" من كلام رسول الله، إذ أدخله بين الحاصرتين وهو ليس من كلامه، إنما من قول بعض الرواة المتأخرين كما سيأتي.\nومنها: أن (يزيد) محرفة وصوابها زيد بن على، كما هو في معجم الطبراني.\nالثاني: الحديث رواه الطبراني في \"معجمه الكبير\" (١٧/١١٧)، من طريق أحمد بن يحيى الصوفي ثنا عبد الرحمن بن شريك١ حدثني أبي عن عبد الله بن عيسى عن زيد بن علي عن عتبة بن غزوان مرفوعًا.\nقال الحافظ ابن حجر في \"نتائج الأفكار\": \"أخرجه الطبراني بسندٍ منقطع\" اهـ.\nويقال: ومع الانقطاع ففي إسناده كلامٌ من وجهين:\n١- عبد الرحمن بن شريك: قال أبو حاتم: واهي الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، ذكر ذلك ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\"، ولم يذكر سوى هذين القولين.\n٢- شريك والد عبد الرحمن هو ابن عبد الله النخعي القاضى المشهور، قال الحافظ في \"التقريب\": \"صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع\" اهـ.\nفاجتمع في هذا الإسناد ثلاثُ آفات: الانقطاع، وضعف عبد الرحمن، وضعف شريك. فالإسناد ضعيف بيقين.\n_________\n١ هكذا في نسختي المصورة عن مكتبة أحمد الثالث (٩/٢٧/١) وقد تحرفت في المطبوعة إلى: عبد الرحمن بن سهل.","vol":"1","page":54},{"text":"وقال: \"وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: إن لله ملائكة [في الأرض] سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاةٍ فليناد: أعينوني يا عباد الله! \" رواه الطبراني ورجاله ثقات. اهـ نقله عن \"مجمع الزوائد\".\nأقول: وفي نسخة من \"مجمع الزوائد\" رواه البزار، ولعلّه أصوب، فإن أثر ابن عباس أخرجه البزار في \"البحر الزخار\"، وذكره الهيثمي في \"كشف الأستار\" (٤/٣٣-٣٤)، قال البزار: \"حدثنا موسى بن إسحاق ثنا منجاب بن الحارث حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.\nقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد\" اهـ.\nوفي هذا الإسناد نظر:\n١- أسامة بن زيد هو الليثي المدني. عدَّلَه بعضهم وجرح حديثه آخرون، قال أحمد بن حنبل: ليس بشيء رواها الأثرم عنه. وقال عبد الله بن أحمد لأبيه: أراه حسن الحديث، فقال: إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة، وكان يحيى بن سعيد يضعفه.\nوقال أبوحاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال البرقي: هو ممن يضعف، وقال: قال لي يحيى: أنكروا عليه أحاديث. هذه حكاية أقوال بعض من تكلموا فيه.\nوممن وثقه: ابن معين في رواية أبي يعلى، وكذا نحوه في رواية عباس، وفي رواية الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس. وتبع ابن معين ابنُ عدي فقال: ليس بحديثه بأس. ووثقه ابن شاهين، وابن حبان وزاد:","vol":"1","page":55},{"text":"\"يخطئ\"، ومن تدبر هذه الأقوال علم أن ما تفرد به حقه الرد، فإن توبع قبل، ومن أحاديثه التي تفرد بها حديث ابن عباس.\n٢- حاتم بن إسماعيل الراوي عن أسامة بن زيد قال فيه الحافظ: \"صحيح الكتاب صدوق يهم\" اهـ.\nقال الشيخ ناصر الألباني: \"خالفه جعفر بن عون فقال: ثنا أسامة بن زيد ... فذكره موقوفًا على ابن عباس. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/٤٥٥/١)، وجعفر بن عون أوثق من حاتم بن إسماعيل فإنهما وإن كانا من رجال الشيخين، فالأول منهما لم يجرح بشيء، بخلاف الآخر، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال غيره: فيه غفلة. ولذلك قال فيه الحافظ: صحيح الكتاب صدوق يهم، وقال في جعفر: \"صدوق\"؛ ولذلك فالحديث عندي معلول بالمخالفة\" اهـ.\n٣- تفرد أسامة به، وقد نقدم أن تفرد ضعيف الحفظ يعد منكرًا، إذا لم تؤيده أصول صريحة صحيحة.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"هذا حديث حسن الإسناد، غريب جدًا\" اهـ. من \"شرح ابن علان للأذكار\" (٥/١٥١)، ومن المعلوم أن حسن إسناده لا يدل على حسن الحديث دائمًا. والحديث على ضعفه من أبواب الأذكار لا يدل على ما يدعيه المبطلة من سؤال الموتى ونحوهم، بل إنه صريح في أن من يخاطبه ضال الطريق هم الملائكة، وهم يسمعون مخاطبته لهم، ويقدرون على الإجابه بإذن ربهم؛ لأنهم أحياء ممكنون من دلالة الضال، فهم عبادٌ لله، أحياء يسمعون، ويجيبون بما أقدرهم عليه ربهم، وهو إرشاد ضال الطريق في الفلاة، ومن استدل بهذه الآثار على نداءِ شخص معين باسمه فقد كذب على رسول الله ﷺ، ولم يلاحظ ويتدبر كلام النبي ﷺ، وذاك سيما أهل الأهواء.","vol":"1","page":56},{"text":"إذا تبين هذا فالأثر من الأذكار التي قد يتساهل في العمل بها مع ضعفها؛ لأنها جارية على الأصول الشرعية، ولم تخالف النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم هو مخصوص بما ورد به الدليل؛ لأن هذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العقائد مبناها على التوقيف.\nولهذا روى عبد الله بن أحمد في \"المسائل\" (ص ٢٤٥) عن أبيه قال: \"ضللت الطريق في حجة وكنت ماشيًا فجعلت أقول يا عباد الله! دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعتُ على الطريق\".\nفما بَوّبَ به صاحب المفاهيم هذا الحديث وأشباهه بقوله: \"التوسل بغير النبي ﷺ\" هو من عدم تدبر الأحاديث وفهمهما كما فهمها أئمة العلماء، فلم يقل عالم من المتقدمين إنها دليل في التوسل بغير النبي ﷺ، كيف وقد أجمعوا على منعه؟!\nوقال ناقلًا عن \"مجمع الزوائد\" وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول ﷺ: \"إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة: فليناد: يا عباد الله! احبسوا، فإن لله حاضرا في الأرض سيحبسه\". رواه أبو يعلى والطبراني، وزاد: \"سيحبسه عليكم\" وفيه معروف ابن حسان وهو ضعيف اهـ.\nأقول: الحديث في \"المعجم الكبير\" (١٠/٢٦٧) ثنا إبراهيم بن نائلة، و\"مسند أبي يعلى\" (٢/٢٤٤)، وفي \"عمل اليوم والليلة\" لابن السني (ص ١٣٦) من طريق أبي يعلى، كلاهما قال: حدثنا الحسن بن عمر بن شفيق حدثنا معروف بن حسان (أبو معاذ) السمرقندي عن سعيد بن أبى عروبة عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف لأمور:\n١- معروف بن حسان: قال أبو حاتم: \"مجهول\"، وقال ابن عدي: \"منكر الحديث\"، قلت: هو الراوي عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن","vol":"1","page":57},{"text":"عمر مرفوعا: \"من ربى شجرة حتى نبتت كان له كأجر قائم الليل صائم النهار\"، وهو حديث موضوع، رواه الكنجروذي في\"الكنجروذيات\".\n٢- سعيد ابن أبي عروبة: اختلط، قال النسائي: من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء. ومعروف بن حسان من الصغار، ولم يسمع منه قبل الاختلاط إلا الكبار، وسمع منه قبل استحكام اختلاطه جماعة، وسمع منه بعد استحكام الاختلاط كثير.\nوكان بدأ اختلاطه سنة ١٣٢ هـ واستحكم ١٤٨ هـ، أفاده البزار.\n٣- تدليس سعيد بن أبي عروبة: قال الحافظ \"كثير التدليس\"، وروى هذا الحديث معنعنًا عن ابن بريدة فلا يقبل.\nقال الحافظ في \"نتائج الأفكار\": \"حديث غريب أخرجه ابن السني، وأخرجه الطبراني، وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود\" اهـ. فهذه علة رابعة أفادها الحافظ وهي الانقطاع.\n٤- روى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠/٤٢٤- ٤٢٥): حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.\nوهذا الإسناد معضل، وتدليس ابن إسحاق مشهور، فهذه علل تِلْوَ علل، ليس لها دواء من التلف، وإسناده مطروح.\nولهذا كله لم يصَحَّحْ أو يحسن هذا الحديث أحدٌ ممن له معرفة أو مشاركة في علم الحديث، بل إما مضعف، أو ناقل تضعيف غيره.\nوبعدُ: فقول صاحب المفاهيم ص ٦٩: \"فهذا توسل في صورة النداء\" من الدعاوي العريضة لغةً، وشرعًا.\nفأما اللغة: فلا يعرف أن من صور التوسل النداء، بل النداء دعاءٌ وطلب مباشر، لمنادى حاضر يسمع ويجيب، والتوسل جعل القرب سببًا لقبول الدعاء.","vol":"1","page":58},{"text":"وأما الشرع: فالأحاديث ضعيفة، والأول والثالث شديدا الضعف، والثاني: والذي فيه ذكر الملائكة ضعيف وغريب جدًا، ولا دلالة فيه على المدعى وهو التوسل، إذ هذا نداء حي يقدر على إجابته.\nوما أحسن ما روى الهروي في \"ذم الكلام\" (٤/٦٨/١): \"أن عبد الله ابن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه: أن من اضطر في مفازة فنادى: عباد الله! أعينوني؟ أعين.\nقال: فجعلتُ أطلب الجزء أنظر إسناده\".\nقال الهروي: فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده١ اهـ.\nفهذه طريق السلف وأتباعهم، البحث في الأسانيد، وصنيع بعض الخلف وأتباعهم الفرح بكل ما يؤيد رأيهم ولو بالموضوعات المكذوبات، ولا يغارون على سنة المصطفى محمد ﷺ.\nوقال ص ٦٩:\n\"وجاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يقول بعد ركعتي الفجر: \"اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ومحمد ﷺ أعوذ بك من النار\".\nثم قال: \"وتخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم، فكأنه يقول: اللهم! إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل.. الخ. وقد أشار ابن علان إلى هذا في الشرح\" انتهى كلامه.\nأقول: في ما قاله تعليل لقول رسول الله ﷺ، وتحليل لما في نفسه ﷺ، وإلا فما أدراه عما في قلبه ﷺ حتى يقول \"كأنه يقول\"، هذا تجرؤ عظيم على مقام الرسالة.\n_________\n١ سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/١٠٩.","vol":"1","page":59},{"text":"ثم أيَّد تجرأه بنسبته ذلك إلي ابن علان في \"شرح الأذكار\" (٢/١٤١)، وما قاله ابن علان ولا أشار إليه، ولكنه تحريف تبديل، وصنيع مذموم رديء.\nفهاك ما قاله ابن علان في \"شرح الأذكار\" قال: \"إنما خصهم بالذكر -وإن كان تعالى رب كل شيء- لما تقرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن، دون ما يستحقر ويستصغر\" ثم قال: \"فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية الله لهذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول الحاجات ووصول المهمات\" اهـ.\nوهو كلام جيد من ابن علان، فالتوسل بربوبية الله لهذه الأرواح لا بالأرواح، وهو توسل بصفةٍ من صفات الله العلى، وهذا التوسل مما يحبه الله ويرضاه، واختاره رسوله وانتقاه. فجرَّد المتابعة لرسوله ﷺ، وذر الخائضين ذوي المين والحين، محبي إفساد ذات البين.\nوعقد صاحب المفاهيم ص ٦٩ عنوانًا، قال فيه معنونًا: \"معنى توسل عمر بالعباس\"، قلب فيه ما قاله العلماء في معنى هذا التوسل، وأنه توسل بالدعاء؛ لأن العباس يملكه، فقال عجبًا، فاسمعه: \"ومن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل برسول الله ﷺ؛ لأن العباس حي والنبي ميت: فقد مات فهمه، وغلب عليه وهمه، ونادى على نفسه بحالة ظاهرة، أو عصبية لرأيه قاهره، فإن عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول الله ﷺ..\".\nأقول: ما أعجب هذا وأسهل صده ورده، وإنما أتي كاتبه من أمرين:\nالأول: شهوةٌ خفية تُرى خلل أسطر قوله، وأحرفه.\nالثاني: قلة التتبع والفقه لمعنى الاستسقاء بالصالحين وتأريخه، فقد صح أن معاوية بن أبي سفيان -﵁- استسقى بـ \"يزيد بن","vol":"1","page":60},{"text":"الأسود\". قال الحافظ العَلَم يعقوب بن سفيان في كتابه \"المعرفة والتاريخ\" (٢/٣٨٠-٣٨١): حدثنا أبو اليمان قال حدثنا صفوان عن سليم بن عامر الخبائري: أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس. فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم! إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم! إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يايزيد! ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم.\nفما كان أو شك أن فارت سحابة في الغرب كأنها تُرْس، وهبت لها ريح، فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم.\nوأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٧/٤٤٤)، وأبو زرعة في \"تأريخ دمشق\" (١/٦٥٢) وإسناده مسلسل بالثقات الكبار، فهو في غاية الصحة.\nفهذا معاوية الصحابي -﵁- فهم من الاستسقاء بالنبي ﷺ حال حياته أن النبي ﷺ يدعو لهم.\nوفهم من فعل عمر بالعباس، أن يدعو العباس لهم، وسار على هذا الفهم، فاستسقى واستشفع بيزيد يدعو لهم، وأي قرابة ليزيد من رسول الله ﷺ؟! ولا شك أن قرابته مع صلاحه سبب لقبول دعائه، أما مجرد القرابة من غير صلاح فلم تفد عمه أبا لهب ونحوه.\nإنما هو السبب الأعظم، والحبل الأكرم، اتباع النبي ﷺ، فنحن على فهم الصحابة مقتفون ومتبعون، ولمجانب سنة الخليفة الراشد والصحابة من بعده مجانبون، ولفهم أهل الأهواء رادون ناقضون، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":61},{"text":"قال ص ٦٥ معنونًا: \"توسل النبي ﷺ بحقه وحق الأنبياء والصالحين\".\nثم استدل بحديث قبر رسول الله ﷺ فاطمة بنت أسد أم علي -﵁- وفيه: \"اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي\". قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح [كذا بمجمع الزوائد ج ٩ ص ٢٥٧] رواه الطبراني في الأوسط والكبير بسند جيد.\nورواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس.\nورواه ابن أبي شيبة عن جابر.\nوابن عبد البر عن ابن عباس.\nواختلف بعضهم في روح بن صلاح أحد رواته، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات وقال الحاكم: ثقة مأمون، وكلا الحافظين صحح الحديث، وهكذا الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" ورجاله رجال الصحيح. ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس، وابن أبي شيبة عن جابر، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، فطرقه يشد بعضها بعضًا بقوة وتحقيق. اهـ.\nهذا كلام صاحب المفاهيم بحروفه أطلت الكتاب بنقله؛ ليتبين لمن طالع كلامه أمور:\nالأول: قلة معرفته بالتخريج وأصوله.\nالثاني: تناقضه في حديث واحد، وفي أسطر متقاربة في مواضع:\nمنها: أنه نقل عن الهيثمي أول كلامه ما يفيد ضعف الحديث، ثم قال في آخره: صححه الهيثمي. فكيف يزعم أنه صححه، وإنما قال عن روح: \"وفيه ضعف\"، قاله بعد سياق من وثقه مستدركا عليهم. ثم قوله: \"رجاله","vol":"1","page":62},{"text":"رجال الصحيح\"، إنما تفيد لو كانوا كلهم رجال الصحيح أن رواته ثقات، ولا دخل للحكم على الإسناد بالصحة فكيف بتصحيح الحديث؟!\nومنها: أنه قال: بسند جيد، ثم ذكر صحته من الطريق نفسها التي قال إن إسنادها جيد.\nومنها: قوله: وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، وإنما أخرجاه من طريق روح؛ ليلبس وليوهم كثرة الطرق.\nالثالث: تكراره لرواية ابن أبي شيبة وابن عبد البر مرتين وما أدري لم؟! ولكن يريد تطويلًا. وعبارته في هذا الحديث مختلة مضطربة متكررة العبارات، ليست بمستقيمة كما هو ظاهر لمن قرأها فضلًا عمن تأملها، فكيف لم ينبه عليها الذين قرضوا كتابه؟!\nتخريج الحديث: حديث أنس المذكور: أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/١٥٢-١٥٣)، وفي \"المعجم الكبير\" (٢٤/٣٥٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/١٢١)، من طريق روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس.\nوفي هذا الإسناد روح بن صلاح: ضعفه الدارقطني، قال الذهبي: الدارقطني لا يضعف إلا من لا طِبّ فيه. اهـ، نقله عنه المناوي في \"فيض القدير\" (١/٢٨) . وضعفه ابن عدي، وابن ماكولا وقال: \"ضعفوه\"، وقال ابن يونس في \"تاريخ الغرباء\": رويت عنه مناكير.\nأما توثيق ابن حبان فعلى قاعدته في توثيق المجاهيل، وقد ترجم روحًا في \"الثقات\" فقال: \"روح بن صلاح من أهل مصر، يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده\". \"روى عنه محمد بن إبراهيم البوشنجي وأهل مصر\" اهـ (٢/١٣٢/٢ من ترتيب الهيثمي نسخة دار الكتب) .\nفهذا ظاهر أنه مجهول، فلا يتكثر بتوثيق ابن حبان، والحاكم تلميذ ابن حبان، فلعلّه استقى توثيقه منه، ومن كان ضعيفًا فلا يقبل حديثه،","vol":"1","page":63},{"text":"فكيف إذا تفرد به؟! فإن هذا الحديث لم يروه أحدٌ من أصحاب سفيان الثوري مطلقًا، ولذا قال الطبراني في \"الأوسط\" ونقله عنه أبو نعيم في \"الحلية\": \"تفرد به روح بن صلاح\" ومعلوم أن الضعيف إذا تفرد بحديث صار منكرًا كما قاله الذهبي في \"الميزان\" في ترجمة ابن المديني، وسبقت الإشارة إلى ذلك.\nقوله: \"رواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس\"، لم يذكر هذا التخريج الحفاظ الجهابذة، ابن حجر في \"الإصابة\" ولا السيوطي في \"الجامع الكبير\"، وذكر كل ما فيه المتقي الهندي في \"كنز العمال\" في موضعين ولم يذكر هذا المخرج.\nوكأن المؤلف اغترّ بالكوثري، فهو الذي عزا هذا العزو في \"مقالاته\" ص ٣٩١، وحاله في التلبيس والتحريف يُعْلم من \"التنكيل\" للعلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني.\nأما قول الكاتب: \"ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس\"، فهذا تدليس شديد، وتلبيس عتيد، فرواية ابن عباس ليس فيها توسل النبي ﷺ بحقه وحق الأنبياء، فهذه اللفظة ليست في رواية ابن عباس فلماذا يلبس صاحب المفاهيم على المطالعين لكتبه؟! أيريد إثبات أمر لم يثبت ولم يروَ؟! إن إيراد الشواهد في باب: معناه عند العلماء أن الشاهد يدل على ما ترجم به، وهذا لا يوجد في كلام صاحب المفاهيم، فكأن له قصدًا يستخفي به، ويتدسس لإثباته. وإليك ما قاله ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (٤/١٨٩١)، قال: \"روى سعدان بن الوليد السابري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه!. فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها\" اهـ.","vol":"1","page":64},{"text":"فأفادنا هذا التوثيق عوار ما قاله صاحب المفاهيم ملبسًا تلبيسين:\nالأول: قوله \"رواه\" وأنت ترى أن ابن عبد البر لم يروه، وإنما حكى أن سعدان بن الوليد رواه وفرق بعيد بين الحالين.\nالثاني: أن الشاهد في التوسل بحق النبي والأنبياء ليس له ذكر في خبر ابن عباس، فتحفظ مما يمليه هؤلاء المبطلة، وكن حذرًا.\nوقال صاحب المفاهيم ص ٦٦-٦٧:\n\"قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: \"ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون، وقل له: \"عليك بالكيس الكيس\".\nفأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب لا آلوا إلا ما عجزت عنه. وهذا إسناد صحيح [كذا قال الحافظ ابن كثير في البداية (ج١-ص ٩١) ١ في حوادث عام ثمانية عشر] اهـ. كلام صاحب المفاهيم.\nأقول: الكلام هنا في مبحثين:\nالأول: الحافظ ابن كثير ساق قبل رواية البيهقي رواية سيف، وفيها أن عمر -﵁- صعد المنبر، فقال للناس: أنشدكم الله الذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئًا تكرهون؟\n_________\n١ في الأصل ج١ وصوابه ج٧، وقد تكرر الخطأ في العزو إلى الجزء في ص ٧٧ أيضا، وكأنه ليس مطبعيا.","vol":"1","page":65},{"text":"فقالوا: اللهم لا. وعم ذلك؟ فأخبرهم بقول المزني وهو بلال بن حارث. ففطنوا ولم يفطن.\nفقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. اهـ المقصود. وهذه الرواية مبينة أن قول نبي الله لعمر في رواية سيف: \"عهدي بك وفي العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر..\" هو ما فسرها صحابة رسول الله \"ففطنوا ولم يفطن عمر\" كما جاء صريحًا، وهو إرشاده للاستسقاء.\nوفي هذا سرّ لطيف وهو أن قول القائل: \"يا رسول الله استسق الله لأمتك\" منكر، جره تباطؤ عمر عن طلب السقيا، وعدم الفزع إلى المشروع، يجر إلى وجود غير المشروع، فلذا قال نبي الله ﷺ: \"عهدي بك وفي العهد شديد العقد، فالكيس الكيس..\"، أقول هذا مع ضعف الرواية، لأبين مقصد ابن كثير حين ساق الروايتين الضعيفتين.\nإذا تبين هذا عُلِمَ فضل علم ابن كثير -﵀- حيث جعل رواية البيهقي هي الثانية، ورواية سيف المفصِّلة معنى الكيس هي الأولى، فتأمل هذا! وتبين مقاصد الحفاظ في أحكامهم.\nويقال: تأخر عمر عن الاستسقاء وهو العبادة المشروعة التي يحبها الله، لما فيها من الذل بين يديه، والإنكسار له، وتوجه القلوب بصدقٍ وإخلاص نحو ربها لكشف ضرها، إن تأخر عمر عن الاستغاثة المشروعة سبب هذا الأمر غير المشروع.\nولذا؛ لم يفعل أحد من صحابة رسول الله ﷺ مثل ما فعل هذا الرجل الذي جاء إلى قبر نبي الله ﷺ وقال ما قال، وهم إنما سقوا باستسقائهم، لا بقول الرجل غير المشروع. فتنبه لهذا.\nالثاني: أن هذه الرواية التي ساقها الحافظ ابن كثير من رواية البيهقي في \"دلائل النبوة\" فيها علل يعلل بها المحدثون:","vol":"1","page":66},{"text":"الأولى: عنعنة الأعمش، وهو مدلس، والمدلس لا يقبل من حديثه إلا ما قال فيه \"حدثنا\" و\"أخبرنا\" ونحوها، دون \"قال\" أو \"عن\"، إذ احتمال أنه أخذه عن ضعيف يهي الحديث بذكره، كما هو معلوم في \"مصطلح الحديث\"، مع أن الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين عند الحافظ وغيره.\nالثانية: مالك الذي في إسناده والذي هو عمدة الرواية مجهول، وذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيها تعديلًا ولا جرحًا، فهو مجهول، والمجهول لا يقبل حديثه. وابن كثير إنما صحح الإسناد على طريقته في توثيق مجاهيل كبار التابعين كما يعلم من تتبع صنيعه في التفسير وغيره. وإذا كان مجهولًا فلا علم لنا بتأريخ وفاته.\nالثالثة: أن أبا صالح وهو ذكوان الراوي عن مالك لا يعلم سماعه ولا إدراكه لمالك، إذ لم نتبين وفاة مالك، سيما ورواه بالعنعنة فهو مظنة انقطاع لا تدليس.\nالرابعة: أن تفرد مالك المجهول به رغم عظم الحادثة وشدة وقعها على الناس إذ هم في كرب شديد اسوَّد معه لون عمر بن الخطاب، إن سببًا يفك هذه الأزمة ويرشد إلى المخرج منها مما تتداعى همم الصغار فضلًا عن الكبار لنقله وتناقله، كما في تناقلهم للمجاعة عام الرمادة، فإذا لم ينقلوه مع عظم سبب نقله دلّ على أن الأمر لم يكن كما رواه مالك، فلعله ظنه ظنًا.\nونقل الكاتب ص ٦٧ قول الحافظ في هذه الرواية:\n\"روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري \"وكان خازن عمر\" ... \" فساق نحوًا من حديث البيهقي.","vol":"1","page":67},{"text":"قال صاحب المفاهيم: \"وقد أورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وصحح سنده كما تقدم، وهو من هو في علمه وفضله ووزنه بين حفاظ الحديث، مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل\" اهـ.\nأقول: منزلة الحافظ لا مكان للمجادلة فيها فهو عَلَم أشم في علوم الحديث، ولكن الشان في فهم من ينتسب إلى العلم، ولا يدرك ألفاظ الحافظ ومدلولاتها.\nفالحافظ المِدْره الجهْبذ ابن حجر لم يصحح إسناده مطلقًا كما زعمه صاحب المفاهيم، إنما قال: \"بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار ... \" اهـ\nومعنى هذا أن الحافظ صحح سنده إلى أبي صالح السمان، وما ذكر من رجال إسناده لم يقل بصحته كما هو ظاهر لأهل العلم، ففرق بين قوله هذا وبين ما لو قال: \"بإسنادٍ صحيح أن مالك الدار ... \"، فتبين أن كلام الحافظ هذا لا يمنع من علتين سبق تعليلُ الحديث بهما.\nالأولى: جهالة مالك الدار.\nالثانية: مظنة الانقطاع بين أبي صالح ذكوان وبين مالك الدار، إذا تقرر هذا واتَّضح، عُلم فضل قول الحافظ ابن حجر -﵀- على قول ابن كثير الذي سبق. ومنه يتبين ضعف الأثر، ثم قد أوضحت أنه لا حجة في لفظه، بل ينعكس به الاستدلال على صاحب المفاهيم، وذلك إذا سلمت النفوس، وارتضت قواعد أهل العلم طريقًا وسبيلًا للوصول للحق، ومن لم يكن كذلك فلا يباليه أهل العلم باله، ولا يأخذون بالوزن مقاله.","vol":"1","page":68},{"text":"رواية سيف في الفتوح:\nقال صاحب المفاهيم ص ٦٧: \"وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، قال ابن حجر: إسناده صحيح. اهـ[فتح الباري ص ٤١٥ ج٢] انتهى.\nأقول: هذا كذب ظاهر على الحافظ ابن حجر، فكلامه انتهى عند قوله أحد الصحابة: أما قوله قال ابن حجر: إسناده صحيح، فهو من مفتريات صاحب المفاهيم على الحافظ، فانظر كيف فعلته، وسوء صنعته، وكيف يصحح الحافظ إسنادًا يرويه سيف في \"الفتوح\"؟! والحافظ هو الذي يقول في سيف في كتابه \"تقريب التهذيب\": ضعيف الحديث، ومن قال فيه ذلك فلا يقبل حتى في المتابعات كما هو معلوم من اصطلاحه، ذكره في مقدمة كتابه، وسيأتي في المسألة التي تلي هذه، كلام الحفاظ في سيف.\nفما لصاحب المفاهيم وتعمد الكذب، فتعمده الكذب كبيرة، قال في \"المشرع الروي في مناقب آل أب علوي\" (١/٥٨): \"إن القبيح من أهل البيت أقبح منه في غيرهم، ولهذا قال العباس لابنه عبد الله -﵄-: يا بني! إن الكذب ليس بأحدٍ أقبح من هذه الأمة أقبح منه بي وبك وبأهل بيتك\" اهـ.\nوقال ص ٦٧: \" ذكر الحافظ ابن كثير أن شعار المسلمين في موقعة اليمامة كان [محمداه] \" اهـ.\nأقول: ابن كثير -﵀- ساق ذلك في ضمن خبر طويل عن الغزوة، دخل حديث بعض الأخباريين في بعض، وأما هذا الشعار فقد روى خبره ابن جرير في \"تأريخ الأمم والملوك\" (٢٩٣/٣) قال: \"كتب إلي السري","vol":"1","page":69},{"text":"عن شعيب عن سيف عن الضحاك بن يربوع عن أبيه عن رجل من بني سحيم..\" فذكر قصة وفيها الشعار.\nأقول: هذا إسنادٌ مظلم، وما عهدت مسائل العقيدة والتوحيد، بل ولا غيرها من أحكام الشريعة تؤخذ من كتب التاريخ، وإنما تروى قصص التأريخ للعبرة والعظة، والتصديق بمجموعها، لا تفاصيلها، ولهذا قال أحمد بن حنبل: \"ثلاثة ليس لها أصول وذكر المغازي..\" وإظلام هذا الإسناد من ثلاث جهات:\nالأولى: سيف هو ابن عمر مصنف \"الفتوح\" و\"الردة\"، يروي عن خلق كثير من المجهولين.\nقال الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٢/٢٥٥): \"روى مطيّن عن يحيى: فَلْس خير منه. وقال أبو داود: ليس بشيء.\nوقال أبو حاتم: متروك.\nوقال ابن حبان: اتهم بالزندقة.\nوقال ابن عدي: عامة حديثه منكر..\" اهـ.\nالثانية: الضحاك بن يربوع: قال الأزدي: حديثه ليس بقائم قلت: وهو من المجهولين الذين تفرد بالرواية عنهم سيف.\nالثالثة: جهالة يربوع والرجل السحيمي. وكل واحدة من هذه العلل والقوادح تضعف الحديث، فكيف وهو من رواية سيف بن عمر؟! وقد عرفت ما فيه، نسأل الله العافية.\nولا يُستنكر إيراد ابن جرير لمثل هذه الحكايات الواهيات، وتتابع المؤرخين بعده على ذكرها، فقد قال ابن جرير -﵀- في مقدمة كتابه \"تأريخ الأمم والملوك\" (١/٨) ما نصه: \"فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة:","vol":"1","page":70},{"text":"فيعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُديَ إلينا\". انتهى كلامه.\nاستدل صاحب المفاهيم -على زعمه- بجواز التوسل بحق الصالحين بحديث أبي سعيد الخدري الذي ساقه ص ٦٥-٦٦ ولفظه: \"من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعه.. الحديث\".\nأقول: المؤلف قصَّر في الحكم على الحديث والنظر في إسناده على عادته، فالحديث أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣/٢١)، وابن ماجه في \"سننه\" (١/٢٥٦)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٨٥)، وأشار ابن خزيمة في \"التوحيد\" ص ١٧ إلى تخريج الحديث في كتاب آخر، كلهم عن فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.\nوهذا إسناد ضعيف لأمور:\n١- فضيل بن مرزوق: وثقه بعضهم وضعفه آخرون، وهو ممن عيب على مسلم -﵀-، إخراج حديثهم في \"الصحيح\"، كما قال الحاكم -﵀-، وأغلظ ابن حبان فقال: \"يروي عن عطية الموضوعات\".\n٢- عطية العوفي: قال الذهبي في \"الميزان\": \"تابعي شهير، ضعيف ...، وقال أحمد: ضعيف الحديث.. وقال النسائي وجماعة: ضعيف\" اهـ.\n٣- عطية مدلس مع ضعفه، وتدليسه عجيب، قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنى بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد. انتهى.\n٤- وقد أعلّ الحديث الشيخ ناصر الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (١/٣٧) بعلة أخرى، وهي: اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته، حيث إنه رواه تارة مرفوعًا كما تقدم، وأخرى موقوفًا على أبي سعيد، كما رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/١١٠/١) عن ابن مرزوق به موقوفًا.","vol":"1","page":71},{"text":"وفي رواية البغوي من طريق الفضيل قال: أحسبه قد رفعه، وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/١٨٤): موقوف أشبه. انتهى وهو كلام متجه؛ لأن المضطربين ضعاف في حديثهم، فلا يحمل ذلك على غير الاضطراب، كما هو معلوم من \"أصول الحديث\".\nوقد حسن إسناد الحديث الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء الصغير\" (١/٣٢٣)، وحسن الحديث الحافظ ابن حجر فقال في \"نتائج الأفكار\": \"حديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في \"كتاب التوحيد\" وأبو نعيم الأصبهاني. قال: وفي \"كتاب الصلاة\" لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال: حدثني أبو سعيد فذكره، ولكنه لم يرفعه. فقد أمن بذلك تدليس عطية..\" انتهى.\nأقول: أفاد الحافظ هنا أن تحسينه الحديث لأجل انتفاء تدليس عطية وفي هذا نظر من وجهين:\nالأول: أن تدليس عطية ليس هو تدليس الإسناد المعروف حتى يؤمن بقوله: حدثني، بل هو تدليس آخر، فعطية يقول: حدثني أبو سعيد، أو قال أبو سعيد ويعني به الكلبي. كما أفاد الإمام أحمد -﵀.\nالثاني: أن الحافظ ذكر أن الرواية التي فيها حدثنا أبو سعيد موقوفة، فلم لم يعلّها بالاضطراب، وحقها ذلك؟! إذا عُلم هذا النظر، فقد قال جماعة كثيرون من الحفاظ بضعف الحديث:\nمنهم: الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، في \"الترغيب والترهيب\" (٣/٤٥٩) .\nومنهم: الحافظ النووي في \"الأذكار\" ص ٢٥.\nومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (١/٢٨٨) .","vol":"1","page":72},{"text":"ومنهم: البوصيري الحافظ في \"زوائد ابن ماجة\". وغيرهم، ممن أصاب الحق، فمن تأمل ما ذكر متجردًا منصفًا، علم أن قول هؤلاء الحفاظ الأكثرين هو الأصوب، والله أعلم.\nتنبيه: قال شيخ الإسلام على هذا الحديث في \"مجموع الفتا وى\" (١/٢٨٨): \"وهذا الحديث من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم، وقد روي من طريق آخر١، وهو ضعيف أيضًا، ولفظه لا حجة فيه فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم. وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم\" انتهى.\nوقال ﵀ (١/٢١٧): \"ومن قال: بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته، وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو يسأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات كالأعمال الصالحة، فهذا مناسب.\nوأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص، وذلك سؤال بأمرٍ أجنبي عن هذا السائل، لم يسأله بسببٍ يناسب إجابة دعائه\" اهـ.\nوقال (١/٢١٤): \"وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه. يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم ومُلاَّكهم، فيجلبون لهم منفعة، ويدفعون عنهم\n_________\n١ يشير الى طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر عن بلال بنحوه. قال الحافظ ابن حجر: \"هذا حديث واهٍ جدًا\"، وقد ذكرت من أخرجه، وبقية الكلام عليه بأطول مما هنا في العدد الرابع من مجلة كلية أصول الدين بالرياض.","vol":"1","page":73},{"text":"مضرة، ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل كذا؟ يمن عليه بما يفعله معه، وإن لم يقل ذلك بلسانه كان ذلك في نفسه.\nوتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه\" اهـ.\nقال ص ٦٢ معنونًا: \"التوسل بآثاره ﷺ\"\n\"ثبت أن الصحابة -﵃- كانوا يتبركون بآثاره ﷺ وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره إلى الله تعالى؛ لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد، أفتراهم يتوسلون بآثاره ولا يتوسلون به؟! هل يصح أن يتوسل بالفرع ولا يصح بالأصل؟! \".\nأقول: لما كان أكثر من يتبع ما يدعو إليه المبتدعة الجهال الطغام الذين لا يفقهون الفروق اللغوية ولا الشرعية بين الألفاظ، لما كان كذلك سهل على رؤسائهم وسادتهم أن يتلاعبوا بهم، وبالألفاظ الشرعية واللغوية، فتلوى أعناقها وتكسر أيديها، وتعكف أرجلها لتوافق ما يريدون.\nوهذه الأسطر التي نقلتها من هذه البابة. فالصحابة ثبت أنهم يتبركون بذاته ﷺ، وما بأيديهم من آثاره الجسمية كالشعر والعرق ونحو ذلك، والتبرك بذاته ﷺ مما نقر به ونؤمن به كما يأتي بيانه، ولكن أين وجد مؤلف المفاهيم أن التبرك يسمى توسلا؟! وكيف استجاز أن يخرق أقوال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم بتسميته توسلًا، والبركة شيء، والوسيلة شي ة آخر؟!!\nولذا؛ تعلم مجازفة وتعدي صاحب المفاهيم على صحابة رسول الله بقوله: \"هذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره\". ليٌّ لفعل الصحابة ظاهر، وكسر لأعناق تصرفاتهم جائر. وهو يريد تقرير مذهبه ولكن بطريق غير علمية، لا تصلح إلا في الأزمنة الجاهلية، حيث","vol":"1","page":74},{"text":"يتبع الناس ساداتهم دون بحث ونظر، وبقي منهم بقية، ولكن اليقظة العلمية الشرعية كفيلة برد مزاعمه إليه ولو من أتباعه.\nأنس -رضى اللة عنه- كان عنده شعرة يتبرك بها، فهلا أحضرت لنا نقلًا واحدًا أنه قال مرة: \"أتوسل بشعر رسول الله..\"؟!، لن تستطيع ولو طرت إلى الثريا، لن يأتي المبتدعة بشيء من هذا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.\nإن الصحابة يفرقون بين التبرك بالأثر المنفصل عن جسمه، وبين التوسل. ولكن القوم لا يفهمون، أو يفهمون وعلى الصحابة يجنون، والحمد لله فنحن أهلُ السنة على طريق الصحابة سائرون، وبما قالوه قائلون.\nوقال ص ٦٤:\n\"وهذا في الحقيقة ليس إلا توسلًا بآثار أولئك الأنبياء إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك، والله ﷾ راضٍ عن ذلك، بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت، ولم ينكر عليهم ذلك الفعل\" اهـ.\nهذا آخر كلامه في \"التوسل بآثار الأنبياء\"، وواضح لأدنى ذي مسكة من علم ما في كلِمه من عُوَار:\nففيه: أن تقديمهم التابوت بين أيديهم مفتقر إلى إثباته لا أن تجعل مقالات بعض المؤرخين مما نقله الأخباريون في مجالسهم مقام النصوص التي يستدل بها، ويفرع عليها.\nفلم أسمع أحدًا ممَّن ارتبط بالعلم بسبب من المتقدمين والمتأخرين يستدل لحكم شرعي عقدي بقول مؤرخ.","vol":"1","page":75},{"text":"أسفًا على ما أصله العلماء، فقد ذهب حين نطق أشباه العلماء، فإن كانت الإسرائيليات حجة عند كاتب المفاهيم وأشباهه كما هو ظاهر من احتجاجهم بها، فليحتجوا بما رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (١٠/٩): قال يوسف ﵇: \"اللهم! إني أتوجه إليك بصلاح آبائي إبراهيم خليلك وإسحاق ذبيحك؛ ويعقوب إسرائيلك\".\nفأوحى الله تعالى إليه: يا يوسف! تتوجه بنعمةٍ أنا أنعمتها عليهم؟ فاحتجوا بهذا يا أصحاب المفاهيم!\nوفيه: التجني على مقام الربوبية بقوله \"والله سبحانه راض عن ذلك\"، فانظر جزمه برضى المولى على فعل نقله الأخباريون لا يثبت عند العلماء، وليس له وزن.\nيوصف الله بالرضى عن فعلٍ لم يقله هو ولا رسوله، وإنما قاله المؤرخون. ياله من تسرع، وسؤ نظر، وقلة مبالاة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nقال ص ٦٤: معنونًا: \"التوسل بآثار الأنبياء\".\nثم ساق قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .\nونقل عن ابن كثير في \"تاريخه \" قول ابن جرير: \"كانوا ينصرون ببركته، وبما جعل الله فيه من السكينة\".\nأقول: كم بين الدعوى والدليل من بون تنقطع أكباد المهاري البزل عن وصوله، فالدعوى: التوسل بآثار الأنبياء، ودليل هذا عند قائله قول ابن جرير: \"كانوا ينصرون ببركته\". ففي هذا افتئات على العلم الشرعي وجناية من أوجه:","vol":"1","page":76},{"text":"الأول: أن الآيات ليس فيها إلا أنهم أنكروا ملك طالوت، لكونه ليس من سلالة الملك، فقال لهم نبيهم: إن آية صحة ملكه أن يأتيكم التابوت تسكنون لصحة كونه آية، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تستدلون بهذه البقية على الصحة دليلًا ثانيًا، والدليل الثالث أن الملائكة تحمله. هذا ما دلت عليه الآية.\nالثاني: أن كلام ابن جرير وغيره بحاجة إلى أن يستدل له لا أن يستدل به.\nالثالث: هبهم كانوا يتبركون، فأين الدليل على أنهم كانوا يتوسلون به؟! ومؤلف المفاهيم لا يفرق بين التبرك، والتوسل!.\nالرابع: هبه كما زعمت، فمن أين جزمت أن ما جاز في شرع من قبلنا جائز في شرعنا مطلقًا؟!\nالخامس: من أدلة عدم جواز فعل ما فعلت بنو إسرائيل -إن صح-: ترك النبي ﷺ فعل ذلك، والتوجيه إليه في سراياه التي بعثها، وهزم المسلمون فيها، كغزوة مؤته ونحوها، أفلا بعث شيئًا من آثاره كملابسه ونحوها لينصرون بها؟!\nإن عدم الفعل مع اشتداد الحاجة إليه دليل على أن ذلك ليس مشروعًا عندنا.\nالسادس: وهذا فهم الصحابة بعد نبيهم ﷺ، لم يأخذوا شيئًا من آثاره ليبعثوها مع المجاهدين تبركًا بها، واستنصارًا بها، وإنما بعثوا والرجال العاملين المخلصين، وتفقدوا أمر السنن في حروبهم، تفقدوا آثار أنبيائهم الآمرة الناهية لا آثارهم الجسمية، هذا شأنهم في حروبهم.","vol":"1","page":77},{"text":"وقال في ص ٦٦ معنونا:\n\"التوسل بقبر النبي ﷺ بعد وفاته\"، وذكر برهانه على هذا العنوان الغريب، فقال: قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه \"السنن\": باب ما أكرم الله تعالى نبيه ﷺ بعد موته.\nحدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عمرو بن مالك البكري١ حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوًا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا. فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب وسمنت الإبل (تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق، ومعنى كوًا أي: نافذة) اهـ. \"سنن الدارمي\" (ج ١ص ٤٣) . انتهى ما نقله صاحب المفاهيم.\nووضعه (تفتقت من الشحم ...) إلخ بين أقواس من تصرفه، وإخلاله بالنقل السليم، فإن اللفظ في \"سنن الدارمي\" (١/٤٣) هكذا: \"وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسُمِّي عام الفتق\" اهـ، هذه عبارة سنن الدارمي، فتصرفه مذموم، وزاد على الأثر قوله: ومعنى كوًا أي نافذة، وهذه ليست في سنن الدارمي التي نص على النقل عنها. وهذه الأثر ضعيف جدًا لا حجة فيه، لأوجه:\nالأول: أن راويه عمرو بن مالك النكري ضعيف بمرة، قال ابن عدي في \"الكامل\" (٥/١٧٩٩): \"منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث، سمعت أبا يعلى يقول: عمرو بن مالك النكري: كان ضعيفًا\"، ثم قال بعد أن ساق أحاديث: \"ولعمرو غير ما ذكرت أحاديث مناكير\" اهـ، وقال ابن حبان: \"يخطئ ويغرب\" اهـ.\n_________\n١ هكذا حرفها الناقل، وفي السنن: النكري، بالنون.","vol":"1","page":78},{"text":"فعمرو وأمثاله ممن هذه حالهم كيف يجترأ على الاحتجاج بروايتهم؟! أما من غيرة على سنة رسول الله وشريعته من سراق الحديث؟!\nالثاني: أن سعيد بن زيد الراوي عن عمرو فيه ضعف، قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس: كان يحيى بن سعيد لا يستمرؤه، ساق هذه الأقوال الذهبي في \"الميزان\".\nالثالث: قال شيخ الإسلام في \"مختصر الرد على البكري\" ص ٦٨-٦٩: \"وما روي عن عائشة -﵂- من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر، فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، وإنما نقل ذلك من هو معروف بالكذب.\nومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا كما كان على عهد النبي ﷺ بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في \"الصحيحين\" عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيئ بعد.\nولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ﷺ\" انتهى.\nوبعد أن تبين وانجلى نكارة هذه الحكاية نقلًا وعقلًا، إسنادًا وتأريخًا يعلم أن قول صاحب المفاهيم بعد سياق الأثر: \"فهذا توسل بقبره ﷺ، لا من حيث كونه قبرًا، بل من حيث كونه ضمَّ جسد أشرف المخلوقين، وحبيب رب العالمين، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة، واستحق بذلك المنقبة الكريمة\". اهـ.","vol":"1","page":79},{"text":"مما اعتمد فيه على المنكرات الواهيات، ولهذا فلا قيمة لكلامه، ولو بنخالة شعير، أو وزن قطمير وهذا ظاهر لكل أحد، والحمد لله على توفيقه.\nوقال صاحب المفاهيم في ص ٧٢ بعد سياقه قصة العتبي:\n[فهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بالإيضاح في الباب السادس ص ٤٩٨. ورواها أيضا الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية.\nورواها أيضا الشيخ أبو محمد بن قدامه في كتابه \"المغني\" (ج ٣ ص ٥٥٦) ..] انتهى.\nأقول: هذه عبارات عامية، ليست علمية، ولا تنبئ عن فهم طالب علم، ذلك أن قوله رواها، ... ورواها ... إلخ خطأ محض؛ لأن كلمة رواها لا تقال إلا لمن ساق القصة بإسناده بقوله: حدثنا أو أخبرنا أو نحوها من كلمات التحمل والأداء.\n١- فالنووي لم يروها، وإنما قال في \"المجموع شرح المهذب\" (٨/٢٧٤) وفي آخر منسكه المعروف بـ \"الإيضاح\": \"ومن أحسن ما يقول: ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: كنت جالسًا عند قبر رسول الله ﷺ ... \" انتهى.\nفهذا هو قول النووي، وما هو برواية، ومن قال إنه رواية: فإما أن يكون لا فقه له ولا فهم بمصطلحات العلماء، وإما أن يكون متشبعًا بما لم يعط، ملبسًا، فهذا لا حيلة فيه.\n٢- وابن كثير لم يروها، وإنما قال في \"تفسيره\": [ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي ...] وما هذه برواية، وإنما هو نقل.","vol":"1","page":80},{"text":"وابن قدامة في \"المغني\" لم يروها، وإنما حكاها بصيغة التضعيف (٣/٥٥٧) فقال: \"ويروى عن العتبي ... \".\nوليست هذه رواية، إنما نقل بصيغة التمريض وهي تفيد التضعيف، ثم المؤلف يعلم أن قصة العتبي ضعيفة السند واهية، فهي مردودة غير صحيحة.\nولعلمه بذلك أورد الشبهة التي لم يبق له مع الضعف إلا هي، فقال ص ٧٣: \"هذه قصة العتبي، وهؤلاء الذين نقولها، وسواءً أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر، فإننا نتساءل ونقول: هل نقل هؤلاء الكفر والضلال؟! أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور....\" اهـ.\nأقول:\nأولا: مادام أنها ليست من سنة الرسول ﷺ ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابه المكرمين، ولا من فعل التابعين والقرون المفضلة، وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول، نقلت بسند ضعيف فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد الذي هو أصل الأصول؟! وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهى فيها عن الغلو في القبور والغلو في الصالحين عمومًا، وعن الغلو في قبره والغلو فيه ﷺ خصوصًا؟!، وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارض بها النصوص الصحيحة وتخالف من أجلها عقيدة السلف، فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم، وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم وتكون الحجة مع من خالفهم، وما دمنا قد علمنا طريق الصواب فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان، فليس ديننا مبنيًا على الحكايات والمنامات، وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة.\nثانيا: قد تخفى بعض المسائل والمعاني على من خلع الأنداد وتبرأ من الشرك وأهله، كما قال بعض الصحابة \"اجعل لنا ذات أنواط كما لهم","vol":"1","page":81},{"text":"ذات أنواط\" فقال رسول الله ﷺ: \"الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده ما قاله أصحاب موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ \". حديث صحيح.\nوالحجة في هذا أن هؤلاء الصحابة وإن كانوا حديثي عهد بكفر فهم دخلوا في الدين بلا إله إلا الله، وهي تخلع الأنداد وأصناف الشرك وتوحد المعبود، فمع ذلك ومع معرفة قائليها الحقة بمعنى لا إله إلا الله، خفي عليهم بعض المسائل من أفرادها. وإنما الشأن أنه إذا وضح الدليل وأبينت الحجة فيجب الرجوع إليها والتزامها، والجاهل قد يعذر، كما عذر أولئك الصحابة في قولهم: اجعل لنا ذات أنواط، وغيرهم من العلماء أولى باحتمال أن يخفى عليهم بعض المسائل ولو في التوحيد والشرك.\nثالثا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ بقول حكاه حاكٍ مستحسنًا له، والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣]؟!.\nقال الإمام أحمد: عجبتُ لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. رواه عن أحمد الفضل بن زياد، وأبو طالب، ولعله في كتاب \"طاعة الرسول ﷺ \" لأحمد -﵀.\nفطاعة رسول الله ﷺ مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.","vol":"1","page":82},{"text":"فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي في قصة العتبي الضعيفة المنكرة.\nإن السنة في قلوب محبيها أعظم وأغلى من تلك الحجج المتهافتة التي يدلي بها صاحب المفاهيم البدعية، تلك المفاهيم المبنية على المنامات والمنكرات. فاعجب لهذا، وجرد المتابعة لرسول الله ﷺ، وحذارِ ثم حذارِ من أن ترد الأحاديث الصحيحة، وتؤمن بالأخبار الباطلة الواهية، فيوشك بمن فعل ذلك أن يقع في قلبه فتنة فيهلك.\nرابعا: ما من عالم إلا ويرد عليه في مسائل اختارها: إما عن رأي أو عن ضعف حجة، وهم معذورون قبل إيضاح المحجة بدلائلها، ولو تتبع الناس شذوذات المجتهدين ورخصهم لخرجوا عن دين الإسلام إلى دين آخر، كما قيل: من تتبع الرخص تزندق. ولو أراد مبتغي الفساد والعدول عن الصراط أن يتخذ له من رخصهم سلمًا يرتقي به إلى شهواته، لكان الواجب على الحاكم قمعه وصده وتعزيره كما هو مشهور في فقه الأئمة الأربعة وغيرهم.\nوما ذكر فقيه أن من أحال لتبرير جرمه على قول عالم عُلِمَ خطؤه فيه، أنه يقبل منه ولا يؤخذ بالعتاب. اللهم احفظ علينا ديننا وتوحيدنا.\nوعنون صاحب المفاهيم ص ٧٦:\n\"بيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين\"\nوعمدته في هذا إيراد أكثر أولئك العلماء حديثًا فيه التوسل، وهذا من الحكم بالظن المنهي عنه، يل ثبت عن بعضهم -وهم الأكثر- خلاف ما زعمه، والقاعدة المقررة عند أهل العلم أن العالم إذا أورد أثرًا بإسنادٍ فقد خفف من العهدة التي تجب عليه من إتباع ذلك بالحكم على الحديث.","vol":"1","page":83},{"text":"وإذا رُوي حديث وصححه راويه في كتاب له فلا يعني هذا إلزامه بالقول به، إذ قد يكون له نظر وفهم، ولعلّ سببًا اكتنف حكم الحديث يمنع من القول به، من إجماع على خلافه، أو نسخ، أو لكونه ليس في شرعنا، ونحو ذلك. وتفصيل هذا الإجمال يطلب من كتب لأصول.\nقال المؤلف معددًا أسماء:\n١. فمنهم الحاكم في المستدرك، فقد ذكر حديث آدم وصححه.\nوالجواب: حال الحديث أنه واضح الضعف، كما نص الحاكم على ضعف راويه في \"المدخل\"، وأن النسخة التي روي بها الحديث موضوعة، والمستدرك لم يحرره الحاكم، بل أكثره مسودة، كما سبق تفصيل ذلك.\nفالقول بأنه يقول به مع تضعيفه الشديد لرواية راويه، وضميمة القاعدة التي ذكرنا، ليس بمستقيم مع المنهج العلمي الموفق.\n٢. ومنهم البيهقي في \"دلائل النبوة\"، فقد ذكر حديث آدم وغيره، وقد التزم أن لا يخرج الموضوعات.\nوالجواب: أن البيهقي عقب الحديث بيّن تفرد راويه عبد الرحمن مع ضعفه. وهذه علة توجب رد الحديث.\n٣. ومنهم السيوطي في كتابه \"الخصائص النبوية\"، فقد ذكر الحديث وغيره.\nوالجواب: ذكره ولم يحكم عليه، وذكره في \"تخريج الشفاء\" له، وقال بضعف إسناده.\n٤. ومنهم ابن الجوزي في \"الوفاء\" فقد ذكر الحديث وغيره.\nوالجواب: أن ابن الجوزي ذكر كل ما وجد ولم يتكفل بصحة إسنادٍ، وقد ذكر في كتابه مكذوبات يعرفها أهل الشأن، ويعدونها من تناقضاته.\nوقال: (٥، ٦، ٧)، ومنهم: عياض وملا قاري والخفاجي.","vol":"1","page":84},{"text":"والجواب: أن القاري والخفاجي قد ضعفوا حديث توسل آدم، والعبرة بتضعيفهم لابرأيهم، انظر \"شرح القاري\" (١/٢١٥)، و\"شرح الخفاجي\" (٢/٢٤٢) .\nقال: ٨- ومنهم: القسطلاني في كتابه \"المواهب اللدنية\".\nوالجواب: أن القسطلاني لا يُفرَد بقولٍ بتصحيح حديث آدم، فإنما هو في كتابه هذا ناقلٌ من السيوطي، وقد ذكرنا القصة في ذلك، وما قد يكون سببًا لتأليف السيوطي \"الفارق بين المصنف والسارق\".\nقال: ٩- ومنهم: الزرقاني في \"شرحه على المواهب\" (ج١ ص٤٤) .\nوالجواب: ضعف الزرقاني حديث آدم، فإن كان رأيًا ارتآه فليذكر دليله، ولم أجد في (ج١ ص٤٤) من شرح المواهب شيئًا من ذلك.\nقال: ١٠- ومنهم النووي.\nأقول: ذكْره قصة العتبي لا يعني أنه يجيز التوسل بالذوات ونحوه.\nقال: ومنهم ابن كثير.\nالجواب: نقله قصة الأعرابي لا يعني تجويزه للتوسل بالذوات ونحوه، وقصة آدم ذكرها وضعف راويها.\nوقصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ، بينت ما فيها فارجع إليه، وتصحيح إسنادها لا يعني القول بجواز فعلها، كما يشير إليه صنيع ابن كثير نفسه.\nوذكره شعار المسلمين [يا محمداه] ليس مقصودًا، بل ورد في أثناء نقل طويل بإسنادٍ مظلم اهـ.\nقال: ومنهم: ابن حجر فقد صحح سند قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ.\nوالجواب: لم يصححها، وإنما قال: بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار.","vol":"1","page":85},{"text":"وفي هذا تنبيه لعلة الرواية عنده، يفهمها المشتغلون بعلم الحديث.\nقال: ومنهم: القرطبي المفسر.\nالجواب: ذكر القرطبي نحوًا من قصة الأعرابي، وحكايته لها لا يدل على قوله بموجب كل لفظٍ فيها.\nومن هذا ينجلي الغطاء، وينكشف ما تحت الكساء، ويظهر أن قول صاحب المفاهيم فيه تجنّ على أكثر من ذكرنا قولهم، وما كان يحسن به هذا، وهو شيء لم يسبق إليه ولم يفعله المصنفون قبله؛ ذلك لأنه مردود على مقتضى قواعد أهل العلم، وبالله التوفيق.\nذكر ص ٥٤:\nاستغاثة الخلق يوم القيامة بالأنبياء وآخرهم النبي محمد ﷺ؛ ليشفع إلى ربه في أهل الموقف ... إلخ.\nثم قال: \"فهذا إجماع من الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين، وتقرير من رب العالمين، بأن الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج ومن موجبات رضى رب العالمين\" اهـ.\nأقول: هذه جراءة قبيحة على رب العالمين، وعلى أنبيائه ورسله، فلو صعدت أبخرة هذه الجراءة إلى السحاب لنزل ماؤه سمًا زعافًا، ولو نزلت إلى ينابيع الماء لقلبتها نارًا تلظى.\nولكن الهوى يفسد العقول، ويجر إلى عبادة غير الله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]، أيكون دين الجاهلية قرره رب العالمين؟!","vol":"1","page":86},{"text":"أيكون دين الجاهلية أجمع عليه: الأنبياء والمرسلون؟! ما أقبح الهوى! وما أظهر الجاهلية في كلام كاتب المفاهيم الخاسرة! إن الذي يكون يوم القيامة: أن الخلق يطلبون من النبي ﷺ أن يشفع لهم إلى ربهم في فصل القضاء بينهم وإراحتهم من الموقف، وهذا الطلب جار على المألوف الجائز من طلب الشفاعة من حي حاضر قادر بمعنى أن يدعو الله للطالب في حصول مقصوده، فالشفاعة معناها: طلب الدعاء من الحي الحاضر، وهذا بخلاف طلب الشفاعة من الميت، أو التقرب إليه بشيء من أنواع العبادة بقصد أن يشفع له كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] .\nقال ص ٥٥:\n\"وفي الفتاوى الكبرى: سئل شيخ الإسلام -﵀: هل يجوز التوسل بالنبي ﷺ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك من ما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين [الفتاوى الكبرى ج١ ص ١٤٠] ... \" اهـ.\nأقول: جرى كاتب المفاهيم على هديه الذي رضيه لنفسه، وهو التحريف والتبديل، فبتر آخر كلام شيخ الإسلام؛ ليوهم أنه ساوى بين التوسل بدعائه وشفاعته ﷺ حيًا وميتًا. وهذا تحريف للمعنى من جنس ما مر من تحريفاته. قال الشيخ بعد قوله الذي نقله الكاتب: \"وكان الصحابة -﵃- يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به\" اهـ. فهذا التفسير للإجمال السابق لابد من ذكره ونقله، وفيه أن التوسل به في حياته يكون بدعائه لمن طلب منه الدعاء، أوبابتدائه الدعاء لمن شاء من أصحابه. فهذا حق؛ لأن نبي الله حي","vol":"1","page":87},{"text":"بين أظهرهم، ممكن من الدعاء في دار التكليف، ممكن من سؤال الله لمن طلب منه بالنصوص القطعية.\nأما بعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، والحياة البرزخية، فقد انقطع ما كان يعمله في حياته من الدعاء لمن طلب منه، والشفاعة لمن استشفعه.\nوما خرج عن ذلك فهو مردود، إلا بنص ولا نص منقول يدل عليه، لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، كما يفهمه أو لو الشأن. والرسول ﷺكما بُيِّن في باب الشفاعة من هذا الكتاب- لم يتشفع ولم يتوسل بمن قبله من الأنبياء، بل ولا شهداء أحد وأفضلهم حمزة بن عبد المطلب، فلم يسألهم الدعاء ولا توسل بهم وهم الأنبياء، والشهداء الذين ثبتت حياتهم، وأنهم ليسوا بأموات، ولكنها حياة برزخية.\nهذا فعل رسول الله ﷺ فنحن له أتباع، والمبتدعة الضلال لأهوائهم أتباع.\nومن نظر في هذا نظرة، حدثت له فكرة، أنجته بإذن مالك الأفئدة من الحسرة، إن كان من طلاب الصراط المستقيم، والهدي القويم، هدي خير الخلق أجمعين.\nقال ص ٥٦:\n\"مما يستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أن من دعا له رسول الله ﷺ صح له أن يتوسل إلى الله بدعائه ﷺ له، وقد جاء أنه ﷺ قد دعا لأمته، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة\" اهـ\nثم قال: \"لذا؛ فإنه يصح لكل مسلم أن يتوسل إلى الله ﷾ بذلك فيقول: اللهم! إن نبيك محمدًا ﷺ قد دعا لأمته، وأنا من أفراد هذه الأمة، فأتوسل إليك بهذا الدعاء أن تغفر لي وأن ترحمني، إلى آخر ما","vol":"1","page":88},{"text":"يريد، فإذا قال ذلك: لم يخرج عن الأمر المتفق عليه بين كافة علماء المسلمين\" اهـ\nأقول: قد بينت آنفا ما في التوسل بدعاء الرسول ﷺ بعد موته من البدعة، والخروج عن فهم السلف للتوسل. والتوسل بدعاء الرسول ﷺ ليس مقصودًا للكاتب، وإنما أتى بذلك ليصل إلى شيء آخر، وهو ما صرح به بقوله: \"فإن قال: اللهم! إني أتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ، فقد فاته التصريح بما ينويه، وبيان ما ينعقد عليه قلبه، وهو مقصود كل مسلم، ومراده لا يخرج عن هذا الحد\" اهـ.\nفهذا الكلام بيّن لِمَ ساق الكاتب كل ما مر من كلام شيخ الإسلام؟ فانظروا ضعف حجته، وقلة بصيرته في إحالته على قلوب المتوسلين برسول الله ﷺ بعد موته، وهو يزعم أنه بما في قلوبهم عليم، وأن مراداتهم لا تخرج عن الحد الذي اطلع به على قلوبهم. أفتش الكاتب قلوب الداعين؟! أم هو نقيبهم ينافح عنهم.\nوها هو الكاتب خرج عن هذا الحد المدعى، فتوصل بالتوسل البدعي إلى جواز الاستغاثة بالأنبياء، وطلبهم الشفاعة، فجعله سلمًا.\nثم ما الذي يحجز الداعي من التصريح بما في قلبه؟! لا يمنعه إلا شيء هو أحسن عنده من ما لم يذكره، فلو كان يعتقد في لفظ أنه أقرب وأصح لقاله فإنه داعٍ سائل، والسائل يتحرى المقرب الصحيح، فلو كان مقصودهم ما اعتذر به الكاتب لصرحوا به، ولكن مقصودهم هو التوسل بذاته، مما هو من البدع، ووسائل الشرك، والإقسام به على الله تعالى، واتخاذه شفيعًا، ومغيثًا، ومعينًا، فيما لايقدر عليه إلا الله أو بعد موته.\nثم إنك إن فتشت لا تكاد تجد اليوم أحدًا ينافح عن جواز التوسل بالذوات إلا وهو يجيز الشرك: كالاستغاثة بالأموات ودعائهم أو طلب","vol":"1","page":89},{"text":"شفاعتهم. وقد طالعت من كتبهم شيئًا فوجدتهم كما وصفت لك، فلعلك تكون من المستبصرين الناجين.\nقال ص ٥٧:\n\"جاء في حديث عن النبي ﷺ: \"حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم تعرض أعمالكم عليّ، فإن وجدت خيرًا حمدت الله وإن وجدت شرًا استغفرت الله لكم\". ذكره الحافظ إسماعيل القاضي في \"جزء الصلاة على النبي ﷺ\"، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" وصححه.\nوهذا صريح بأنه ﷺ يستغفر للأمة في برزخه، والاستغفار دعاء، والأمة تنتفع بذلك\" اهـ. كلام صاحب المفاهيم.\nأقول: الكلام في هذه الأحرف من أوجه:\nالأول: هذا الحديث أخرجه إسماعيل القاضي ص ٣٦ في \"جزء الصلاة على النبي ﷺ\" مرسلًا، فقال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني، قال رسول الله ﷺ ... فذكره بلفظ آخر غير ما ذكر، فأوهم صنيع صاحب المفاهيم أنه رواه باللفظ المذكور، وبكر بن عبد الله المزني من التابعين الثقات، توفي سنة ١٠٦ هـ فهو مرسل، والمرسل لا يقبل عند المحدثين.\nوأما قول الكاتب: \"ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" وصححه\" ففيه: أن الهيثمي ذكر رواية البزار (وسيأتي ما فيها)، وقال \"رجاله رجال الصحيح\"، وهذه العبارة لا تفيد تصحيحه الحديث، فلا يجوز أن يقال إنه صححه، كما تجرأ عليه صاحب المفاهيم، وذلك أن قوله \"رجاله رجال الصحيح\" تفيد ثقة الرجال وأنهم مخرَّج لهم في الصحيح، ولا تفيد لا صحة الإسناد ولا صحة الحديث.","vol":"1","page":90},{"text":"فصحة الإسناد تفتقر إلى معرفة اتصال الرواية وعدم الانقطاع في الإسناد، وألا يكون في الإسناد مدلس رواه بالعنعنة.\nفمثلًا: لو روي حديث من طريق أحمد بن حنبل عن سفيان الثوري عن ابن المسيب عن أبي بكر الصديق، لجاز أن يقال: رجاله أئمة أثبات حفاظ، ولا يعني ذلك التكفل بصحة الإسناد، إذ ظاهر الإسناد الانقطاع بين كل راو وشيخه، فأحمد لم يدرك سفيان وهو لم يدرك ابن المسيب، وسعيد لم يدرك أبا بكر.\nوصحة الحديث ليست بلازمة لصحة الإسناد، بل بينهما مراتب يعرفها أهل العلم والنظر، فكم من حديث صحيح الإسناد وهو شاذ أو غلط أو معلل.\nوذلك أن تعريف علماء الحديث للحديث الصحيح جمع أمرين: صحة الإسناد وانتفاء الشذوذ والعلة. فما لم يجتمع الأمران، لا يقال بصحة الحديث.\nومن هذا يعلم ما في قول صاحب المفاهيم من نسبة تصحيح الحديث للهيثمي من تَقَوُّل على الهيثمي، وزيادة أمرٍ لم يقله الحافظ الهيثمي ﵀.\nومثله ما نقله صاحب المفاهيم في ص ١٧٢ من كتابه من قول العراقي: إسناده جيد.\nالثاني: الحديث رواه البزار في \"مسنده\" (١/٣٩٧ زوائده) فقال: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: \"إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام\"، قال: وقال رسول الله ﷺ: \"حياتي خير لكم.. الحديث\".","vol":"1","page":91},{"text":"قال البزار: \"لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد\" اهـ. وهذا إسنادٌ فيه: عبد المجيد بن أبي رواد، وهو ممن لا يقبل ما ينفرد به عندهم، ولذا قال الحافظ العراقي شيخ الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي، فقد ضعفه بعضهم\" فهذا هو التحقيق، وقد تفرد بهذه الزيادة \"حياتي خير لكم ... \".\nأما أول الحديث إن لله ملائكة ... الخ فهو محفوظ من حديث سفيان عن عبد الله بن السائب به، واتفق رواة الحديث عن سفيان على هذا القدر تم أتى عبد المجيد فتفرد عنهم بهذه الزيادة فهي شاذة ضعيفة كما يقتضيه التحقيق.\nالثالث: لوثبت الحديث لم يكن فيه ما ادعاه صاحب المفاهيم من جواز التوسل بعموم استغفار رسول الله ﷺ لأمته؛ لأن دعاء الرسول ﷺ في حياته لأمته وسؤاله الله لهم أبلغ وأقطع من استغفاره بعد موته -إن ثبت-، وهذا السبب الذي كان موجودًا في حياته هو عين السبب الذي علق الحكم به بعد مماته، فلما لم يشرع هذا العمل وهو التوسل بالاستغفار العام مع قيام المقتضي له في حياة رسول الله ﷺ علم أن إحداثه بدعة.\nويؤيد هذا أن خير القرون ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، لم يستعمل أحد منهم التوسل بهذا الطريق الذي اخترعه عشاق البدع، وهُجَّار السنن.\nأقول: وتوسع صاحب المفاهيم على عادته بتمسكه بأدنى شبهة وأبعدها، فقال ص ١٧٣ أواخر كتابه حول الحديث: \"الحديث صحيح لا مطعن فيه\" اهـ، وهذا افتراء أو قلة علم؛ بل فيه مطعن كما قدمناه.\nقال: وهو يدل على أن النبي ﷺ يعلم أعمالنا بعرضها عليه، ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيئ وقبيح، وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا أن","vol":"1","page":92},{"text":"نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه؛ لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا ... \" اهـ.\nأقول: في الحديث عرض الأعمال، والكاتب يستدل به على جواز طلب الشفاعة، يا له من فقه غاب عن الأمة بضعة عشر قرنًا، حتى ظهر هؤلاء المبتدعة فأدركوه! فعرض العمل عليه ﷺ شيء وتجويزك طلب الشفاعة أمر آخر بعيد، فإن عرضت عليه أعمالك فلن يرضى ﷺ بالشرك الذي فيها، ومنه طلب الشفاعة من الموتى، ولن يستغفر لمشرك يستغيث بالأموات، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنيَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] . إن طلبك الشفاعة من الأموات سيء من العمل وشرك، ورسول الله ﷺ لا يستغفر لمن ترك دينه واتبع هواه فأشرك.\nإن استغفار رسول الله ﷺ وشفاعته، إنما تكون في حياته وفي الدار الآخرة لا في دار البرزخ، وله أنواع من الشفاعات ليس فيها نصيب لمشرك.\nفمن طلب الشفاعة منه بعد موته، فحري أن يكون فوت على نفسه شفاعته ﷺ في الآخرة، وإن من سيئ الكلام تعدي صاحب المفاهيم على مقام النبوة حيث جزم بقوله \"فيشفع فينا ويدعو لنا\".\nوإن من سيء القول وخطله وشنيعه تعدي الكاتب على مقام الألوهية، فيجوز طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته، والشفاعة حق لله وحده، وإنما تطلب منه وحده، كما يدعو المخلصون بقولهم: اللهم! شفع فينا نبيك محمدًا ﷺ.\nوفي باب الشفاعة بيان هذه الأصول بما فيه مقنع لمن أراد الله هدايته.","vol":"1","page":93},{"text":"وضع ص ٦١ عنوانًا هو: \"الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر التوسل\".\nأقول: تحليتك محمد بن عبد الوهاب بالشيخ الإمام: إما أن تكون اعترافًا بفضله قي تجديد أمر دين الإسلام، وإصلاحه وجهاده، وإما أن تكون عنيت بها وضعها اللغوي.\nفإن أردت المعنى الأول فالشيخ قد أقام دعوته في محاربة أصناف الشرك الجلي والخفي، الأكبر منه والأصغر، وحارب وسائل الشرك التي تجر إليه مما حرمه الله ورسوله، ومن تأمل كتاب التوحيد ألفاه في فلك ما ذكر دائر، وعلى الصراط المستقيم سائر.\nوالشيخ -﵀- جاهد في إرجاع الناس إلى دينهم الذي جاء به رسول الله محمد ﷺ، وجاهد في إقناعهم بأن ما يفعله بعض الناس في زمانه ويدّعونه إسلامًا هو عين ما عليه المشركون الذين قاتلهم رسول الله ﷺ، فقد كان كثير من المنتسبين إلى الدين في زمانه عبَّادًا للقبور: يدعون أصحاب القبور استقلالًا من دون الله، ويدعونهم مع الله طلبًا للشفاعة منهم والقربى إلى الله زلفى، ويرجونهم دفع المضرات، ورفع المهلكات، وتفريج الكربات، كما قال الله عن أشباههم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] . ثم هم يقدمون لأولئك المقبورين أصناف القرابين والعبادات التي لا تكون إلا لله جل وعلا: كالذبح، والنذر، وهم يخضعون لأولئك المقبورين الميتين أعظم من خضعانهم في مساجد الله.\nكانوا يستغيثون بالأموات، ويخافونهم خوف السر، ويحبونهم أشد من محبة الله، ويتقربون إليهم أكثر من تزلفهم إلى ربهم، بل نسوا ربهم","vol":"1","page":94},{"text":"وذكره، وفشت فيهم مذاهب الإلحاد والزندقة، كمذهب وحدة الوجود، وتعظيم الأولياء على الأنبياء، كما قال مقدمهم:\nمقام النبوة في برزخ\nفويق الرسول ودون الولي\nهذا جزء في واقع أسود رآه الشيخ في هذه الديار، فجاهد متوكلًا على ربه، مقتفيًا سنة النبي ﷺ حتى في سيرته الجهادية، فنصره الله وأعزه، ومكن له الدين.\nوذلك الواقع الذي وصفنا موجود في أكثر البلدان الإسلامية، والواجب تبصيرهم بالمكفرات الواقعة الكثيرة، ثم جهادهم بأنواع الجهاد باليد واللسان والقلب، ولكن اثَّاقل الناس إلى الأرض، إلا قليلًا.\nهذا الذي ذكر من أصناف الشرك الأكبر كانت محاربته وتغييره، وهداية الناس إلى الإسلام همَّ الشيخ الأول، ثم إن الشيخ -﵀- داع حكيمٌ متروٍ، فإذا كان المخاطب واقعًا في أصناف الشرك فمن غير الحكمة أن ينهاه عن البدع ووسائل الشرك وهو لم يعلم بعدُ أن الشرك موجود بين الناس، بل الواجب أن يبين الشرك ثم إذا استقرت حقيقة الإسلام في قلب العبد وترك وجاهد الشرك الأكبر، فهو سينكر وسائل الشرك؛ لأن العاقل البصير إذا كره شيئًا كره وسائله ودواعيه.\nإن السلامة من سلمى وجارتها\nأن لا تحل على حالٍ بواديها\nفهذا الشاعر القديم عرف هذه الحقيقة، وإليها يهتدي العقلاء، وقد دلت الشريعة إليها وحضت عليها قاعدة \"سد الذرائع\".\nوقال ملخصًا مباحثه في التوسل ص ٧٣:\n\"إن التوسل: ليس مقصورًا على تلك الدائرة الضيقة التي يظنها المتعنتون\".","vol":"1","page":95},{"text":"أقول: هذه كلمات ينفر منها ذووا القلوب الحية، التي قد ملأت محبة الله وإعظامه وإجلاله جوانحها، ويستأنس لها من شغل بذكر غير الله مع الله، أو نسوا الله فأنساهم أنفسهم. يالها من ألفاظ لو مزجت بماء البحر لمزجته، ولو سالت على زروع الناس لأفسدت معيشتهم. سبحان الله!!\nالتوسل بأسماء الله وصفاته دائرة ضيقة! أسماء الله التي لا تحصى دائرة ضيقة للتوسل! صفات الله العُلى وأفعاله الحكيمة دائرة ضيقة! سبحان الله! ولا حول ولا قوة إلا بالله!\nيا صاحب المفاهيم! لو دعوت ربك متوسلًا إليه بأسمائه لانقضى عمرك وعمر من معك، ولم تبلغوا نهاية، ولم تحصوا لها عددًا.\nيا صاحب المفاهيم! لو ظللت تدعو الليل والنهار لا تفتر أبدًا تتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى لم تنقض، ولانقضى عمرك.\nيا صاحب المفاهيم! لو توسلت إلى الله بأسمائه الحسنى بما يناسب مطلوبك من أسمائه، لا نقضت حوائجك ولم تبلغ بعضًا من أسماء الله.\nيا صاحب المفاهيم! إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، فلو ظللت تدعو بها مفردة، ثم تجعل مع الاسم آخر، ثم هكذا، لبلغت ما لو دعا به الخلق من أولهم إلى آخرهم ما يسعهم غير مكررٍ ولا معيد.\nيا صاحب المفاهيم! إني أنذرك مغبة هذه الكلمة الوبيلة التي يقْشَعِرُ منها البدن، وعليك بالانطراح بين يدي الله والتوبة من هذا القول، وما جرَّ إليه من الشرك، وما قرب إليه من البدع، ولا حول ولا قوة إلأ بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.\nاللهم إنا نبرأ إليك من قول من قال: إن التوسل بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا دائرة ضيقة، فتقبل اللهم براءتنا، وعلمنا من أسمائك، وآثار صفاتك، ما يقوي قلوبنا، ويهدينا إلى صراطك المستقيم.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الباب الثاني: مسائل في توحيد الربوبية والألوهية</span>\n...\nالشرك في قوم نوح:\nأخرج البخاري في \" صحيحه \" (٨/٦٦٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾ الآية [نوح: ٢٣]، عن ابن عباس -﵄-: \" صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ.\nأما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل.\nوأما سواع فكانت لهذيل.\nوأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ.\nوأما يعوق فكانت لهمدان.\nوأما نسر فكانت لحمير لآلِ ذي الكلاع.\nأسماءُ رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عبدت\"، ومما جاء في معنى كلام ابن عباس ما أخرجه عبدُ بن حميد عن محمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣-٢٤] .\nقال: \" كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم، يأخذون كأخذهم في العبادة. فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، فصورا ثم ماتوا. فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها، فعبدوها\".\nوأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر، يزيد ابن المهلب، فقال: \"أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر ودًا، قال: وكان ودٌّ رجلًا مسلمًا، وكان محببًا في قومه، فلما مات","vol":"1","page":99},{"text":"عسكروا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال:\nأرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله فوضعه في ناديهم، وجعلوا يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال:\nهل لكم أن أجعل لكم في كل منزل كل رجل تمثالًا مثله، فيكون في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم.\nفصور لأهل كل بيت تمثالًا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعونه به، وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله. قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود، الصنم الذي سموه بود\". اهـ.\nوهناك روايات أخر، قال الحافظ في \" فتح الباري \" (٨/٦٦٩): \" قال بعض الشراح: محصل ما قيل في هذه الأصنام قولان:\nأحدهما: أنها كانت في قوم نوح.\nالثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين. إلى آخر القصة.\nقلت: بل مرجع ذلك إلى قولٍ واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك\" انتهى كلام الحافظ ابن حجر.","vol":"1","page":100},{"text":"الشرك في قوم إبراهيم:\nقال الشهرستاني في \" الملل والنحل \" (١/٥٦٠-٥٦٣): \"وكانت الفرق في زمان الخليل -﵇- راجعة إلى صنفين اثنين:\nأحدهما: الصابئة.\nوالثاني: الحنفاء.\nفالصابئة كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى \" متوسط \"، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيًا لا جسمانيًا، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة. قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] .\nوالحنفاء كانت تقول: إنا نحتاج -في المعرفة والطاعة- إلى متوسط من جنس البشر، تكون درجته في الطهارة والعصمة، والتأييد والحكمة: فوق الروحنيات، يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية. فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال عزَّ ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] .\nثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة والتقرب إليها بأعيانها والتلقي عنها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها، وهي السيارات السبع وبعض الثوابت.\nفصابئة النبط والفرس والروم: مفزعها السيارات.","vol":"1","page":101},{"text":"وصابئة الهند: مفزعها الثوابت.\nوسنذكر مذاهبهم على التفصيل على قدر الإمكان بتوفيق الله تعالى. وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا.\nوالفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب.\nوالثانية: هم عبدة الأصنام.\nثم قال ص٦٧٣ ذاكرًا مذهب أصحاب الروحانيات: \" ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدسًا عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجر عن الوصول إلى جلاله. وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون: جوهرًا، وفعلًا، وحالة.\nأما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرؤون عن القوى الجسدانية، المنزهون عن الحركات المكانية، والتغيرات الزمانية، قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول: عاذيمون، وهرمس.\nفنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم، وهم أربابنا وآلهتنا، ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب وإله الآلهة رب كل شيء ومليكه\" اهـ.\nوالغرض من نقل هذا كله تبيان بعض حال الصابئة الذين عبدوا الكواكب؛ لشبهة الوصول إلى الله عن طريق من جُبلَ على الطهارة والتقديس والتسبيح.\nوبين شرك قوم نوح وشرك قوم إبراهيم جامعٌ تفرعت عنه أصناف الشرك بعد في الناس، فمقل من الشبه ومستكثر، فبعثت لهم الرسل، فكان شرك قوم نوح يرجع إلى مظاهر الصلاح في البشر، وشرك قوم","vol":"1","page":102},{"text":"إبراهيم من العقل والفلسفة لأسرار الطبيعة ووظائف الأفلاك. فشرك قوم نوح شرك تقريب وشفاعة.\nوشرك قوم إبراهيم شرك أسباب وإعانة، فإذا اتخذت له أصنام كان شرك تقريب وشفاعة، كما دل عليه آخر كلام الشهرستاني.\nشرك العرب وديانتهم:\nاعلم أن العرب كانوا بعد إبراهيم -﵇- على دينه الحنيفية، وبُثَّ هذا الدين فيهم، فتلقوه من ولد إسماعيل ﵇، وانتشرت فيهم الحنيفية، وأحبوا البيت وهوت إليه قلوبهم.\n\" وأول من وضع فيه الأصنام عمرو بن لُحَيْ بن غالوثة بن عمرو بن عامر لما سار قومه إلى مكة، واستولى على أمر البيت، ثم صار إلى مدينة البلقاء بالشام، فرأى هناك قومًا يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية، والأشخاص البشرية: نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، ونستشفي بها فنشفى. . فأعجبه ذلك.\nوطلب منهم صنمًا من أصنامهم فدفعوا إليه هبل، فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة. وكان معه إساف ونائلة على شكل زوجين، فدعا الناس إلى تعظيمها، والتقرب إليها، والتوسل بها إلى الله تعالى \"١.\nوذكر الشهرستاني أيضًا أديان العرب واعتقاداتهم، فأجملهم:\nالطائفة الأولى: منكروا الخالق والبعث والإعادة وهم شرذمة وأفراد.\nالطائفة الثانية: منكرو البعث والإعادة.\nالطائفة الثالثة: عباد الأصنام.\n_________\n١ الشهرستاني، \" الملل والنحل \" (٢/١٢٢٢-١٢٢٣) ط. بدران.","vol":"1","page":103},{"text":"ومنهم من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية، ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة. قال عند ذكره الطائفة الثالثة (٢/١٢٣٢): \" وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق، ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلوا وحرموا. وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم\" اهـ.\nكيف دخل الشرك في المسلمين؟\nوببعثة نبي الهدى والرحمة محمد ﷺ زالت عبادة الأصنام على أصنافها، وتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوب العرب وغيرهم متجهة إلى الله وحده، لا شريك معه غيره لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فأتم الله الأمر، وأكمل دينه، وأعلا كلمته.\nفدام على هذا المسلمون زمانًا وقرونًا، حتى ظهرت فيهم الحركات الباطنية الخبيثة: كالإسماعيلة وما تفرع عنها من قرامطة، وإخوان الصفا، وعبيديين، ودروز ونحوهم مما يعدون صورًا لعقيدة واحدة.\nاتخذت هذه الحركة منذ القديم تقديس أهل بيت الرسول ﷺ شعارًا لها، وسلسلوا الإمامة في إسماعيل بن جعفر، وكانوا في تقديسهم لآل البيت مشهورين، فالدولة الفاطمية أثر هذه الحركة الباطنية.\nفالمسلمون في القرون الأولى لا يوجد بينهم من تحوم مظاهر الشرك في ذهنه كشرك العرب باتخاذ الصالحين والأنبياء وسائل وشفعاء، حتى بث الاسماعيليون معتقداتهم بين الناس سرًا، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذ يظهر الاعتناء بالقبور وتشييد","vol":"1","page":104},{"text":"مزارات ومشاهد، وتحري الدعاء عندها، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء، ثم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن له تصرفًا في الكون، تدرج هذا في قرنين أو نحوها.\nوإن أقدم من وقفت عليه يرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الاسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بثت عقائدها، ورسائلها الخمسين بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب ولا مصنف، وإن ظن ظنًا.\nثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت الموسويون الملقبون بالاثني عشرية، وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد، وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة إلى أئمة أهل البيت ﵃.\nوقد طالعت كتاب \" الزيارات الكاملة \" لابن قولوية ١ فرأيت فيه من هذا شيئًا كثيرًا، وهو مطبوع، ومن طالع تراث الإسماعيلين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلتُه ماثلًا أمامه، فإن الشأن عظيم، وإن فتنة الناس بالقبور واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سرًا من عقائدها.\nجاء في الرسالة الثانية والأربعين من \"رسائل إخوان الصفا\" ما يبين هذا، ويبرهن له، فقال مؤلفوا الرسائل (٤/١٩-٢١): \" وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي ﵊ والتحية والرضوان، كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى بالتعظيم لها والسجود\n_________\n١ هو أبو القاسم جعفر بن محمد، المتوفي سنة ٣٦٧ هـ، وكتابه طبع طبعة حجرية بالنجف سنة ١٣٥٦هـ.","vol":"1","page":105},{"text":"والاستسلام والبخورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز ولا حس ولا صورة ولا حركة، فأرسلهم الله، ودلهم على ماهو أهدى وأقوم، وأولى مما كانوا فيه.\nوذلك أن الأنبياء -﵈- وإن كانوا بشرًا فهم أحياء ناطقون مميزون، علماء مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنك شيئًا.\nثم اعلم أنا نبين هاهنا بدء عبادة الأصنام فنقول: بأن بدء عبادة الامم للأصنام أولًا كان عبادة الكواكب، وبدء عبادة الكواكب كان عبادة الملائكة، وسبب عبادة الملائكة كان التوسل بهم إلى الله تعالى، وطلب القربة إليه.\nوذلك أن الحكماء الأولين لما عرفوا بذكاء نفوسهم وصفاء أذهانهم أن للعالم صانعًا حكيمًا، وذلك لتأملهم عجائب مصنوعاته، وتفكرهم في غرائب مخلوقاته، واعتبارهم تصانيف أحوال مخترعاته، ولما تحققت في نفوسهم هويته، أقروا له عند ذلك بالوحدانية ووصفوه بالربوبية، وعلموا أن له ملائكة هم صفوته من خلقه، وخالص عباده من بريته: طلبوا عند ذلك إلى الله القربة، وتوسلوا إليه بهم، وطلبوا الزلفى لديه بالتعظيم لهم، كما يفعل أبناء الدنيا، ويطلبون القربة إلى ملوكهم بالتوسل إليهم بأقرب المختصين بهم، وكان من الناس من يتوسل إلى الملك بأقاربه وندمائه ووزرائه وكُتّابه وخواصّه وقواده، وبمن يمكنه بحسب ما يتأتى له، الأقرب فالاقرب والأدنى فالأدنى، كل ذلك طلبًا للقربة إليه والزلفى لديه.","vol":"1","page":106},{"text":"فهكذا؛ وعلى هذا المثال فعلت الحكماء وأهل الديانات ومن عرف الله، وآمن به وأقر به، فإنهم طلبوا القربة إليه والزلفى عنده: كل واحد بحسب ما أمكنه وتأتى له، وأدى إليه اجتهاده، وتحقق في نفسه.\nفلما مضى أولئك الحكماء والربانيون العارفون بالله حق معرفته، وانقرضوا، خلفهم قوم آخرون لم يكونوا مثلهم في المعرفة والعلم، ولم يعرفوا مغزاهم في دياناتهم، فأرادوا الاقتداء بهم في سيرتهم واتخذوا أصنامًا على مثل صورتهم، وصوروا تماثيل على مثل ما فعلت النصارى في بيعهم، من التماثيل والصور مثل أشباه المسيح -﵇- ومثل الروح القدس وجبرائيل ومريم -﵉-، وكذلك أحوال المسيح في متصرفاته؛ ليكون ذلك تذكارًا لهم بأحواله كيفما يمموا تلك التصاوير والتماثيل.\nثم قال إخوان الصفا الباطنيون:\nفصل:\nثم اعلم يا أخي! أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم ومساجدهم، ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم، ويتأتى لهم، ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم، فأما من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله.\nوأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته: فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم، والتعلق بسننهم، والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار وطلب الغفران والرحمة","vol":"1","page":107},{"text":"عند قبورهم، وعند التماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله والزلفى لديه.\nثم اعلم! أنه على كل حال من يعبد شيئًا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو أصلح حالًا ممن لا يدين شيئًا ولا يتقرب إلى الله البتة. .\" انتهى ما نقلته من رسائل إخوان الصفا.\nوهذه الجماعة الباطنية كان مبدأ نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك في أواسط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفروا أصحابها كما قال ابن عقيل صاحب الفنون وهو من علماء القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية قال: \" لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداءً بمن عبد اللات والعزى. . .\" انتهى.","vol":"1","page":108},{"text":"فصل\nقال صاحب المفاهيم ص٢٦ معنونًا: \"الواسطة الشركية\"، ذكر قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فقال: \" هذه الآية صريحة في الإنكار على المشركين عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة من دونه تعالى، وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله زلفى.\nفكفرهم وشركهم من حيث عبادتهم لها ومن حيث اعتقادهم أنها أرباب من دون الله. وهنا مهمة لا بد من بيانها وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين ما كانوا جادّين فيما يحكي ربنا عنهم\" اهـ.\nأقول: حوى هذا الكلام على مسألتين:\nالأولى: أن كفار العرب ومشركيهم يعتقدون أن أصنامهم أرباب من دون الله، تخلق وترزق، وهذه تخالف صريح القرآن فيما حكاه عنهم.\nالثانية: أن قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، لم يقولوه على سبيل الجد، فيما حكاه الله عنهم، وهذه المسألة الثانية من عجائب الأقوال، وغرائب المخترعات، مما سبق به كتاب \" المفاهيم \" غيره، وبزّه! ! فالله يحكي عن المشركين قولًا يبني عليه حكمًا وعند هذا أنهم غير جادين، وكأن الله حكى عنهم غير عالم أنهم ليسوا جادين، أفتراه يحكي هزلًا، والقرآن فصل؟ ! ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣، ١٤] .","vol":"1","page":109},{"text":"وكلماته في هذه المسألة مما يأنف أن يقوله طالبُ علم، بل لا يقوله إلا من في قلبه زغل وفتنة، وشرك وبدعة.\nيقول الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، هذه الآية بتمامها، أسيقت لقولٍ غير جاد؟ سبحان الله من هذا الافتراء المحض! ! الذي خالف أقوال أهل العلم جميعًا، ولم يقل به أحدًا من المفسرين هذا الذي فهمه صاحب المفاهيم.\nقال الفخر الرازي في \" تفسيره \" (٢٦/٢٤١):\n\"واعلم! أن الضمير في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان: العقلاء، وغير العقلاء، أما العقلاء: فهو أن قومًا عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام. إذا عرفت هذا فتقول: الكلام الذي ذكره الكفار لائقٌ بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين:\nالأول: أن الضمير في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ضمير للعقلاء، فلا يليق بالأصنام.\nالثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزير والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعدُ من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله؟ . . . \" اهـ.","vol":"1","page":110},{"text":"ولا بأس أن نشفع كلام الرازي بكلام أحد المتأخرين، هو سيد قطب في كتابه \" في ظلال القرآن \" قال: (٥/٣٠٣٧): \"فلقد كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض. . . ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة، وفي إخلاص الدين لله بلا شريك.\nإنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه، ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها، ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة -وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة١ - ليست عبادة لها في ذاتها، إنما هي زلفى، وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده وتقربهم منه!\nوهو انحراف عن بساطة الفكرة واستقامتها، إلى هذا التعقيد والتخويف، فلا الملائكة بنات الله، ولا الأصنام تماثيل الملائكة، ولا الله -سبحانه- يرضى بهذا الانحراف، ولا هو يقبل فيهم شفاعة، ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق، وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة، كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام، وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول.\nوإنا لنرى اليوم في كل مكان \"عبادة\" للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة، أو تماثيل الملائكة، تقربًا إلى الله بزعمهم، وطلبًا لشفاعتهم عنده. وهو سبحانه يحدد الطريق إليه، طريق التوحيد الخالص الذي لا يلتبس بوساطة أو شفاعة، على هذا النحو الأسطوري العجيب \".\n_________\n١ ليست اللات والعزى ومناة تماثيل للملائكة، كما يعلم من تفسير سورة النجم، بل هي تماثيل لبشر أو حجر.","vol":"1","page":111},{"text":"وفي تفسير \" التحرير والتنوير \" (٢٣/٣٢٢): \"والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا﴾، استثناء من علل محذوفة. أي: ما نعبدهم لشيءٍ إلا لعلّة أن يقربونا إلى الله، فيفيد قصرًا على هذه العلة قَصْر قلب إضافي. . . \" انتهى.\nولو نقلت ما قاله المفسرون لبلغ مئاتٍ من الصفحات، ولكن فيما ذكر فتحُ بابٍ لمن أراد مزيدًا من النقول.\nفبهذا ظهر أن قول صاحب المفاهيم: \" وإن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم\" من المفاهيم الباهتة التي تفرد بها بعد أربعة عشر قرنًا، ولازمها أن هذا القرآن فيه كلام يحكيه رب العالمين ليس صدقًا بل هزلًا، فبئست المقالة.\nوقد أظهر صاحب المفاهيم هذا اللازم حيث قال ص٢٧: \"وقل ذلك أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فإنهم لو كانوا يعتقدون حقًا أن الله تعالى الخالق وحده، وأن أصنامهم لا تخلق لكانت عبادتهم لله وحده دونها\" اهـ.\nوهذا كلام لو مزج بماءٍ فراتٍ لمزجه، ويأتي رده في المسألة التالية كلامي هذا.","vol":"1","page":112},{"text":"توحيد الربوبية والإلهية\nأما المسألة الأولى: وهي زعمه أن كفار العرب الذين بعث إليهم رسول الله إنما كفروا وأشركوا؛ لأنهم اعتقدوا أن أصنامهم أرباب، تخلق وترزق، فصاحب المفاهيم يظن أن كفار العرب لم يكونوا يقولون بأن الله خالقهم، وذكر آية لقمان والزمر: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فقال: إنهم لا يعتقدون ذلك، وإنما حكى الله عنهم ما لم يعتقدوه كما مر نقله بنصه آنفًا.\nوهذه المسألة أصل ضلال كثير من الخلق، وأصلها الذي سبَّب نشرها بين الناس هو منطق اليونان المذموم، ومن تتلمذ له من أهل الكلام المشؤوم، وهي القاعدة التي ارتكز عليها أتباع أولئك الأقوام في تفسير كلمة التوحيد.\nوالحق الذي لا مرية فيه وأطبق عليه كل العلماء وهو صريح القرآن، أن مشركي العرب في زمن رسول الله ﷺ كانوا يعتقدون أن الله خالقهم ورازقهم، فهم مقرون بتوحيد الرب بأفعاله، من الخلق والرِّزق والتدبير والإحياء والإماتة والتسخير ونحو ذلك من أفعال الرب، فلم يكونوا يعتقدون مشاركة أحدٍ له في ذلك، وهو الذي سماه العلماء: \" توحيد الربوبية\".\nفهم مقرون بهذا التوحيد، ولم يدخلهم في الإسلام، وليسوا مقرين بتوحيد الله بأفعالهم: كالدعاء والاستغاثة والرجاء والخوف والمحبة والنذر والذبح ونحو ذلك، مما سماه العلماء: \" توحيد الألوهية\"، أي: توحيد العبادة.","vol":"1","page":113},{"text":"وقد نوع الله جل وعلا في كتابه الكريم الدلائل في إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، وإشراكهم في الألوهية، بما إذا قرأه المسلم زاد تبصرًا في حالهم، وفقهًا في عقيدتهم.\nالنوع الأول من الدلائل على ذلك:\nكقوله تعلى في سورة (يونس): ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .\nوقال ﷿ في سورة (المؤمنون): ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩]، فتأمل تعقيبه بـ ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، والنكتة فيه أن من أقر بكل هذا ولم يوحد الله بالعبادة فهو مسحور، سحر جاهٍ أو سحر رياسة، أو نحوه.\nوقال تعالى اسمه وتعاظم في سورة (العنكبوت): ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ","vol":"1","page":114},{"text":"مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦١-٦٣] وقال تعالى في (لقمان): ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وفي (الزمر): ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] الآية. وغير هذه الآيات في القرآن.\nوهي ظاهرة في أن اعتقاد المشركين: أن لا رازق إلا الله، وأنه تعالى مالك السمع والأبصار، والمحي المميت، وهو مدبر الأمر.\nوأنه تعالى له الأرض ومن فيها، وله السماوات السبع والعرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، ليس لأحدٍ ملك، وأنه يجير ولا يجار عليه.\nوأنه خالق السماوات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، وأنه منزل القطر، ومحي الأرض بعد موتها. كل هذا اعتقاد مشركي العرب وغيرهم، حكاه القرآن عنهم، وألزم أولئك بأنهم ما داموا مقرين بذلك فَلِمَ لَمْ يوحدوه بعبادته؟ ! ولِمَ يتخذون شفعاء يطلبون شفاعتها من عقلاء أموات، أو جمادات؟ !\nوصاحب المفاهيم ينكر هذا ويقول: إن هؤلاء المشركين لم يقروا بما حكاه الله عنهم، فيا لها من جراءة ما بعدها جراءة! !\nالنوع الثاني: كقوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون إن","vol":"1","page":115},{"text":"معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد \" إنّ \"، وأكدت باللام.\nفلفظ \"مع\" في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يدل على أنهم مقرون بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم.\nوجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٥، ٩٦]، وقوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله تعالى في آيات النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [قّ: ٢٦]، والآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله إلهًا، فهم مقرون بربوبية الله وأحديته،","vol":"1","page":116},{"text":"ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة، ومن تأمل هذا وتدبر تلك الآيات الكريمات العزيزات، انفتحت له من العلم أبوابٌ ولج منها إلى الفهم الصحيح لما بعث الله به رسله.\nالنوع الثالث: كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْلِلّهِ شُرَكَاء﴾ [الرعد: ٣٣] في الرعد وغيرها من الآيات المفيدة أنهم مقرون على أنفسهم بالشرك، في العبادة بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن هذا.\nولفظ الشرك لا يكون في لسانٍ إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله، ولكنهم أشركوا به في الإلهية.\nالنوع الرابع: إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كَذَّبوا رسول الله ﷺ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر، لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط. وهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى","vol":"1","page":117},{"text":"الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] .\nفيا من قال: إن أولئك الكفار يشركون بربوبية الله لا في عبادته؛ ويتأول آياتٍ تأويلًا من نوع اللعب! يا من قال ذلك! أفيدعو أولئك مخلصين في حالة الشدة من لم يعتقدوا ربوبيته وإلهيته؟ !\nإن الحق الذي لا يجوز المحيد عنه وهو الذي دل عليه القرآن، من إقرار المشركين بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كان الشدة والكرب، أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين.\nالنوع الخامس: كقوله تعالى في آخر سورة (يوسف): ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا، ومميتنا وحيينا، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكًا في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر، وقتادة، وعطاء، وجمع كما في \" تفسير ابن جرير \" (١٣/٥٠-٥١)، وابن أبي حاتم.\nهذا هدى، فهل لهؤلاء من آذانٍ صاغية، وقلوب تخاف الآخرة، ونفوسٍ تكره النار وغضب الجبار؟ ! اللهم! اهدهم فإنهم لا يعلمون.","vol":"1","page":118},{"text":"الدليل من السنة على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية\nوكذا في السنة أدلة على إقرار المشركين بالربوبية، وأن ذلك الإقرار لا ينفع إلا إذا شهد المقر بالربوبية \"أن لا إله إلا الله\"، والإله هو المعبود كما قال تعالى: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ﴾ [هود: ٢٦]، فمن ذلك: ما أخرجه مسلم في \" صحيحه \" (٢/٤) عن أنس بن مالك قال: \"كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار. فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى\".\nفقول رسول الله ﷺ لمن قال: \" الله أكبر\": على الفطرة، أفاد فائدة وهي أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية، هو في الفطر مستقر١، ولذا لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا بقوله: \" أشهد أن لا إله إلا الله\"، شهادة متضمنة نفي كل معبود سوى الله، وهو توحيد الألوهية، ودلالة هذا ظاهرة.\nومن ذلك ما جاء في \" صحيح مسلم \" (١٥/١١ مع شرح النووي) عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: \"ردفتُ رسول الله ﷺ يومًا فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟، قلت نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتًا، فقال: هيه، حتى أنشدته مئة بيت\".\n_________\n١ ومن ذلك قول أوس بن حجر:\nوباللات والعزى ومن دان دينها\nوبالله إن الله منهم أكبرُ.","vol":"1","page":119},{"text":"ورواه مسلم من طريق أخرى بمثله، وزاد: قال: \" إن كاد ليسلم\"، وفي الطريق الأخرى طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: \"فلقد كاد يسلم في شعره\".\nقال النووي: \" واستزاده من إنشاده لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث\" اهـ.\nومن شعر أمية قولُه:\nالحمد لله ممسانا ومصبحنا\nبالخير صَبَّحنا ربي ومَسَّانا\nربُّ الحنيفة لم تنفد خزائنها\nمملؤة طبق الآفاق أشطانا\nألا نبي لنا منا فيخبرنا\nما بعد غايتنا من رأس هجرانا\nبينا يُربَّبُنا آباؤنا هلكوا\nوبينما نقتفي الأولاد أبلانا\nوقد علمنا لو أن العلم ينفعنا\nأن سوف تلحق أخرانا بأولانا\nوقد عجبت وما بالموت من عجب\nما بال أحيائنا يبكون موتانا\nوشعره معروف سائر، وكثير منه في نحو هذه المعاني، المفردة رب الخليقة بالربوبية، المؤمنة بالبعث.\nفانظر إلى قول النبي ﷺ: \" إن كاد ليسلم\"، فلم يحكم له بالإسلام بمجرد توحيده رب الخليقة بالخلق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وهو من الجاهلين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ.\nوالاكتفاء بهذين الحديثين من سنة حبيبنا ﷺ فيه كفاية لمن أراد الحق وسعى إليه.\nومن شعر العرب الدال على إقرارهم بالربوبية، قول أوس بن حجر١:\nوباللات والعزى ومن دان دينها\nوبالله إن الله منهن أكبر\n_________\n١ الأصنام ص١٧.","vol":"1","page":120},{"text":"ومنه قول درهم بن زيد الأوسي١:\nإني ورب العُزّى السعيدة\nوالله الذي دون بيته سَرَفُ!\nوفي الباب أشعار كثيرة فيها الإقرار بالربوبية، ولكني أجتزأت منها بما ذكرت؛ لأجل ورود ذكر الله ﷻ وأصنامهم في بيت واحد؛ ليكون أدل على المراد، وأثبت عند الحجاج.\nوكانت تلبية نزار إذا ما أهلت:\nلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك٢.\n_________\n١ الأصنام ص١٩.\n٢ الأصنام (ص٧) .","vol":"1","page":121},{"text":"المجاز العقلي\nوتعلق صاحب المفاهيم به في تبرير أعمال الشرك ووسائله\nأكثر صاحب المفاهيم من تبرير وتسويغ ما يقوله المتوسلون بالذوات والجاه والحرمة ونحوها، وكذا ما يقوله المتخذون رسول الله ﷺ والصالحين واسطة بينهم وبين الله في الدعاء والشفاعة، وكشف الضراء وجلب السراء، وغفران الذنوب بحجة المجاز العقلي.\nوكذا ما يفعله العاكفون على القبور من استغاثتهم بالأموات، وطلب الشفاعة من الصالحين المقبورين وغيرهم ممن قد لا يعرفون بصلاح، يجادل في الحكم عليهم بالشرك بحمل صنيعهم على المجاز العقلي. والاحتجاج بالمجاز العقلي، وإن احتاج إليه بعض المتأخرين من البيانيين لتخريج بعض أنواع الإسناد في قصائد الشعراء، أو في كلام العرب، فلا يجوز لتخريج الكلام الذي ظاهره شرك وكفر، بحجة صدوره من مُقِرًّ بوحدانية الخالق، وهذا مجمع عليه بين علماء الشريعة: الفقهاء والمحدثين.\nولم يحتج بالمجاز العقلي في منع التكفير إلا قلة من متأخري المنتسبين للعلم، بعد ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀-، لجأوا إلى ذلك تخلصًا من الإنكار عليهم، وتبريرًا لأوضاعهم الفاسدة، وتخريجًا لأقوالهم الشركية، وهو عمل باطل لأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا بدليل؛ ولأن فتح هذا الباب يُحْيي شجرة الشرك.\nوإليك شيئًا من كلامه:","vol":"1","page":122},{"text":"قال ص ١٦ تحت عنوان: المجاز العقلي واستعماله:\n\" الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده، فهو الخالق للعباد وأفعالهم، لا تأثير لأحدٍ سواه، لا لحي، ولا لميت. فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض، بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك\" اهـ.\nأقول: هذا الاعتقاد هو توحيد الربوبية، وما هو بالتوحيد المحض، بل التوحيدُ المحض هو ما جمع بين توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وما لم تجتمع فيه هذه الثلاثة فليس بتوحيد محض.\nوقد قدمنا بالأدلة القاطعة من القرآن والسنة أن المشركين الذين بُعِثَ إليهم النبي ﷺ كانوا مقرين بما سماه صاحب المفاهيم \" توحيدًا محضًا \".\nاسمع قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣١-٣٣]، فهم مقرون بأن الله هو الخالق وحده، والمحيي المميت وحده، وهو وحده مدبر الأمر، ومع ذلك أخبر أنهم ليسوا مؤمنين، وأنهم على ضلال.\nفاحتج عليهم بما يقرون به: وهو توحيد الربوبية، على ما ينكرونه توحيده سبحانه بأفعالهم وهو الألوهية، ولا بُدّ عند الحجاج أن يقدم للمعارض ما به يقر، فانظر إلى لطيف هذه الحجة واستعمال القرآن لها.","vol":"1","page":123},{"text":"والمشركون الذين بعث إليهم نبي الله إبراهيم -﵊- مقرون بذلك المعنى، ومقرون بأن الله خالق ما يعملون، فهم مخلوقون وأفعالهم مخلوقة لله.\nولذا احتج عليهم إبراهيم -﵇- بما يقرون به فقال لهم ما أخبر الله عنه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] فأنكر عليهم العبادة: وهي صرف القلب لهذه المنحوتات المصورة على صور الوسائط، وحجهم بما يقرون به، وهو خلق الله لهم ولما يعملونه، فأين هذا من التوحيد المحض، وهم المشركون شركًا محضًا؟ !\nوقوله: \" لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت إلخ\" تفوح منه رائحة قول غلاة الصوفية القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثَمَّ إلا الله، وأفعال العباد هي أفعاله، وقول صاحب المفاهيم: \" بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك\"، نابع ومتفرع عن أصل أهل الكلام المذموم، وهو أن غاية التوحيد توحيد الربوبية، والمشرك من اعتقد وجود خالقين، أو نابع من القول بوحدة الوجود كما ذكرنا، ومن عرف حال المشركين الذين أخبر الله بأحوالهم ومعتقداتهم، تيقن بطلان هذا الكلام العقلي لا الشرعي، فإنه ليس له من دلائل الكتاب السنة نصيب، بل القرآن كله في تقرير خلافه.\nولكن تتلمذ فئام لأهل الكلام وكتبهم، وانصرفوا عن تدبر كتاب ربهم، والإشراك أقسام:\nمنها: ما يقع في الربوبية كاعتقاد الثنوية القائلين بوجود خالقين.\nومنها: ما يقع في الألوهية، كما هو شرك أكثر بل كل من بعثت لهم الرسل الذين قصَّ الله علينا في القرآن أخبارهم.","vol":"1","page":124},{"text":"فما من منازع في توحيد الربوبية عند العرب إلا شرذمة لا يصح أن تنسب لهم مقالة كما قاله جمع من العلماء، وما أولئك بالموحدين توحيدًا محضًا.\nقال صاحب المفاهيم ص٢١:\n\" والأمر الجامع في ذلك أن من أشرك مع الله ﷻ غيره في الاختراع والتأثير، فهو مشرك، سواء كان الملحوظ معه جمادًا، أو آدميًا، نبيًا، أو غيره، أو ملكًا، أو جنًا، أو عملًا عمله.\nومن اعتقد السببية في شيء من ذلك اطردت أو لم تطرد، فجعل الله تعالى سببًا لحصول مسبباتها، وأن الفاعل هو الله وحده لا شريك له فهو مؤمن، ولو أخطأ في ظنه ما ليس بسببٍ سببًا؛ لأن خطأه في السبب لا في المسبب الخالق المدبر ﷻ، وعظم شأنه\".\nأقول: وهذا الاعتقاد هو عين ما كان يعتقده مشركوا العرب حَذْو القذة بالقذة والنعل بالنعل، لا فرق، فكيف تجري هذه الشبه في أمة محمد ﷺ، وقد أكرمها الله ببعثة نبيه وإجابته واتباعه؟ ! ثم إن أهل وحدة الوجود يقولون: إن من اعتقد أن هناك فاعلًا غير الله فقد أشرك وهو قول الجبرية أيضًا، وذلك ما يدل عليه كلامه.\nوالمشركون لم يعتقدوا أن أوثانهم تخلق بنفسها، ولا أنها تنفع بنفسها ولا أنها تفعل هي، بل الفاعل عندهم والمدبر هو الله كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ [يونس: ٣١]، وقال: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، فإذا أخبرنا الله أن أولئك الأقوام إنما أشركوا شرك","vol":"1","page":125},{"text":"واسطة، لا شرك خلق وإيجاد، أشركوا شرك تسبب لا شرك استقلال، فلماذا لا نتبع ما قال الله وندع قول أحفاد اليونان من أهل الكلام؟ !\nإنها فتنة عظيمة شديدة عسى الله أن يخرج أقوامًا منها، قال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦-١٠٠]، فتأمل قوله تعالى حق التأمل وتدبره، واجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] تعلم من ذلك أمرين:\nالأول: أن تسوية المشركين معبوديهم برب العالمين لم تكن في الخلق والإيجاد، بل سووهم برب العالمين في التوجه والعبادة.\nفحق الله أن لا يتوجه بطلب الغفران ورفع الدرجات والعطاء والرحمة إلا منه. وهم توجهوا بطلب الغفران والعفو وطلب الخير من أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، وكان شعارهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وكذا قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَاعِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] .\nفتبين باليقين القاطع أن تسويتهم معبوداتهم برب العالمين، إنما هي في المحبة والتعظيم والتوجه والقصد، وطلب الشفاعة والواسطة.\nفالقرآن حق كله، وأحسن وأعلى وأغلى ما فسر به القرآن القرآن.\nالثاني: أن اتخاذ الشفعاء ودعاء المقبورين طلبًا لشفاعتهم شرك وهو عين شرك الجاهلين، وشركهم كان في الألوهية في التسوية بين الله وبين خلقه في التوجه والقصد طلبًا للشفاعة والدعاء والتسبب، وقول صاحب","vol":"1","page":126},{"text":"المفاهيم: \" إن هذا سبب\" كذب على الشرع، فإن الله لم يجعل هذا سببًا لقبول الدعاء ولا أمر به ولم يشرعه لعباده.\nومن توجه إلى كتاب الله وتفقه فيه وتبصر بآياته وما أخبر الله فيه عن عقائد المشركين وعقائد الموحدين، وأحوال الرسل مع أقومهم وما يتصل بذلك من بيان التوحيد والشرك فإنه من المهتدين حقًا.\nوسيقوم بقلبه من محبة الله وتوحيده، وتعظيمه وطاعته ما به يصل برحمة الله إلى اليقين في الدنيا، والجنة والنعيم في الآخرة.\nاللهم! يسر لنا أسباب ذلك منة منك وتكرمًا.\nقال صاحب المفاهيم ص٢٥:\n\"وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم \" اهـ.\nأقول: يعني بهذا أن من قال للنبي ﷺ بعد موته: أستغيث بك يا رسول الله! إذا كان القائل موحدًا فيجب حمله على المجاز العقلي، إذ لا يعقل استغاثة موحد بالأموات على سبيل الاستقلالية عند الكاتب.\nبل المعنى الذي طلبه المستغيث هو التسبب، وهذا المعنى كثير وروده في كتاب \" مفاهيم يجب أن تصحح \"، والحق ينبني على أن هذه المقدمات والأمور التي يعلل بها للمستغيثين باطلة مقدماتها، وباطلة نتائجها، وكشف ذلك يتم بأمرين:\nالأول: أن يقال: ومن قال إن المستغيث والداعي إذا قصد التسبب لا يكفر، بل القرآن لما كشف حال العرب أعلم أنهم لم يكن شركهم إلا بقصد التسبب لا الاستقلالية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّوَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، أي: وما يؤمن أكثرهم بأن الله هو خالقهم وما يعملون، وهو المحيي المميت، وأنه الذي يجير ولا يجار عليه إلا","vol":"1","page":127},{"text":"وهم مشركون به في اتخاذ الأصنام وسائط، واتخاذ الأرواح التي صورت على أجسام أصحابها الأصنام سببًا لتحصيل مقصودهم فيما يزعمون.\nأفلا ترى إلى أنهم إذا أيقنوا بالهلاك في البحر أخلصوا الدعاء لله، فلم يتخذوا وسيلة إليه من المخلوقين كما يفعلونه في الرخاء؟ فعلم من ضد أحوالهم وبنصّ القرآن أن أولئك المشركين ما كانوا يعتقدون الاستقلالية، بل كانوا يعتقدون التسبب بما لم يجعله الله سببًا ولم يأذن به، فلم لم يحتج لهم بالمجاز العقلي؟ ! ولم كفروا بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وهم إنما جعلوهم سببًا لتقريبهم إلى الله زلفى؟ !\nالثاني: أن تخريج أقوال عباد القبور -المستغيثين بالموتى، الداعين إياهم ليشفعوا لهم عند ربهم، المحبين أصحابها أعظم من محبتهم لله- على المجاز العقلي منكر كبير، وخطأ عظيم مخالف لحقيقة حالهم؛ ذلك أن كثيرًا يعكفون على قبور الميتين ويعتقدون أن لصاحب القبر تصرفًا في الكون، وأنه يفعل ما شاء مطلق التصرف١ بإعطاء الله له، وهذا كفر أعظم من كفر اعتقاد التسبب، وهذا لم يخطر على أذهان الجاهلين من العرب، ولذا تجد هؤلاء المشركين المعاصرين ينادون معبودهم، ويستتغيثون به ولو كانوا بعيدين عنه بعدًا كبيرًا، لاعتقادهم بأن له قوة أكبر من قوتهم البشرية، أعطاه الله إياها، وفوض له إصلاح شؤون طائفة من الخلق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\n_________\n١ ونقل موسى محمد علي في كتابه \" التوسل والوسيلة \" ص ٢٢٩ عن محمد عبد الله الشكاز قوله الآتي مستحسنًا له مستسهدًا به، فال: \" الرجال أربعة: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، وهم رجال الظاهر شهداء الجهاد البواسل، و﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وهم رجال الباطن، جلساء الحق تعالى ولهم المشورة. . . ثم قال: فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الملك والشهادة\" اهـ.","vol":"1","page":128},{"text":"ومن سمع أقوال المستغيثين بأصحاب القبور علم أنهم يعتقدون أن لهم شيئًا من التصرف والاستقلالية، وهو كفر فوق كفر التسبب والواسطة.\nقال أبو الفضل الشهاب الألوسي في تفسيره \" روح المعاني \" (٦/١١٥): \"ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب، ويسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير أو دفع الأذى وإلا لما دعاه، ولما فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم \".\nفالألوسي يبصر عبدة القبور المستغيثين بأصحابها، ويعرف ما يدور بخلدهم من كثرة ما يراهم، وعلى مثل حال من ذكر كثير من الذين يصرفون وجوههم إلى غير الله.\nوقد وقع في هذا صاحب المفاهيم حيث قال ص٩١ في وصف نبي الله ورسوله محمدٍ ﷺ: \" فإنه حي الدارين، دائم العناية بأمته، متصرف بإذن الله في شؤونها، خبيرٌ بأحوالها. . . \" اهـ، فإنه يُلْمِح ويشير إلى ذلك المعنى الذي عليه عبدة القبور، من اعتقاد تصرف المقبورين من الأنبياء والصالحين بشؤون الناس.\nقال صاحب المفاهيم ص٩٥:\n\"فالقائل: يا نبي الله اشفني واقض ديني، لو فرض أن أحدًا قال هذا فإنما يريد: اشفع لي في الشفاء، وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني، فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه من الدعاء إياه من الدعاء والتشفع.\nوهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك، وندين الله على هذا، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به\" اهـ.","vol":"1","page":129},{"text":"أقول:\nأولًا: ومن قال إن الدعاء والشفاعة يملكها ويقدر عليها من حياته برزخية نبيًا كان أو غيره؟ فهذه قالة فاسدة يقينًا.\nوقد فصلت في موضعٍ آخر حكم الواسطة، وكذا حقيقة الشفاعة، وكيف تطلب، فيراجع في محله.\nالثاني: أن هذا القول فيه من الزعم على الإطلاع على قلوب عباد القبور شيء كثير، وكأنما صاحب المفاهيم كفيل بكل من دعا أصحاب القبور أن يدافع عنهم! وكان قصارى ما يجب عليه إنصافًا وعدم مكابرة أن ينسب ذلك إلى اعتقاده هو نفسه، وإلا فقلوب الناس لا سبيل إلى معرفة حقيقة ما فيها.\nالثالث: أن من نتائج هذا القول السيئ إلغاء أقوال الفقهاء في باب حكم المرتد، إذ كل من صدر منه قولٌ شركي وكفري سيخرج من عهدته بالمجاز العقلي.\nفهؤلاء المنافقون في عهد رسول الله ﷺ حين قالوا في غزوة تبوك: \" ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء\" فنزل فيهم قول الله جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] الآيات، أخرجه ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسن، وأخرجه ابن جرير وغيره.\nفلمْ يعذرهم عن استهزائهم، ولا قبل منهم، ولوكانوا في هذا الزمان لخرّج أصحاب المجاز العقلي قولهم، ولم يكفروهم، وكذا من قال من الزنادقة: الشيطان ربي، أو الحلاج إلهي، أو الولي الفلاني مطلع على","vol":"1","page":130},{"text":"سري، أفيقول فقيه: إن كان موحدًا حمل قوله على: الشيطان عصى ربي، والحلاج أضله إلهي، أو رب الولي الفلاني مطلع سري؟ !\nهذا ما لم تحم حوله أقوال فقيه، ولا خرَّجها مخرج، ولا اعتذر عنهم بذلك معتذر، ولو أجيز ذلك لسمعت الأقوال الكفرية الشركية صباح مساء من الفسقة والمنافقين، ولطعنوا جهارًا في الدين، ثم إذا أتت الأمور عند الحاكم أحال كل منهم على المجاز العقلي، وخَرَجَ من عهدة الشرك.\nأفيقول بهذا حاكم؟ ! أم يتسيغه مفتٍ؟ ! أم يقول به طالب علم؟ ! أم يفوه به منتسب لأهل العلم؟ ! إن قبل هذا قابل فأبشر بعزةٍ لدين الزنادقة، وتولٍ لدين الموحدين، دين رب العالمين، ثم أبشر بكل شر.\nأفيجوز بعد هذا أن يحتج محتج بالمجاز العقلي الحادث؟ ! فهذا مذهب المالكية في الردة لا يقبل المجاز العقلي، فمن ذلك ما قاله الدردير في \" شرحه الصغير \" (٦/١٤٤) وما بعدها: \" الردة: (كفر مسلم) متقرر إسلامه بالنطق بالشهادتين مختارًا، يكون:\n(بصريح) من القول: كقوله أشرك بالله.\n(أو قول يقتضيه) أي: يقتضي الكفر، كقوله: جسم كالأجسام.\n(أو فعل يتضمنه) أي: يستلزمه لزومًا بينًا \".\nثم قال في حكم من سبّ نبيًا (٦/١٥٤):\n\" (ولا يعذر) الساب (بجهل)؛ لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، (أو سَكْرٍ) حرامًا (أو تهور): أي كثرة الكلام بدون ضبط.\nولا يقبل منه سبق اللسان (أو غيظ) فلا يعذر إذا سب حال الغيظ بل يقتل إلخ (أو بقوله: أردت كذا) فلا يقبل منه ويقتل\" اهـ.\nفانظر إلى عدم الاعتداد بقوله: أردت كذا، وهو عين المجاز العقلي، الذي يزعمه الزاعمون.","vol":"1","page":131},{"text":"وفي \" شرح الشيخ عليش على مختصر خليل \" (٤/٤٧٧) قال: \" (و) سب لـ (تهور) أي: توسع ومبالغة (في) كثرة (كلامه) وقلة مراقبة وعدم ضبطه وعجرفته، فلا يعذر بالجهل ولا بدعوى زلل اللسان \" اهـ.\nوعند الحنفية من التكفير بمجرد القول ما يطول، وقد اختلفوا في قول القائل من الخطباء في ألقاب السلطان: العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله، حكى ابن نجيم في \" البحر الرائق \" (٥/١٢٤) الخلاف في كفره، والموحد ظاهر مرادُه، وأنه لا يعني بمدحه السلطان، إضافة هذه الأشياء له حقيقة، بل إنما يعني به الإسناد المجازي، وهو المجاز العقلي، فلم يمنع ذلك من حكم بعضهم بكفره.\nومقصودنا التمثيل لا التتبع، وبما ذكرنا يبطل تبرير الأقوال الشركية والكفرية بالمجاز العقلي.","vol":"1","page":132},{"text":"فصل:\nقال صاحب المفاهيم ص ١٦:\n\" ولا شك أن المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة\" انتهى.\nأقول: قال القزويني في \" الإيضاح في علوم البلاغة \" ص ٢٨-٢٩ بعد سياق حد المجاز العقلي وأمثلته: \" واعلم أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز العقلي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر تحتاج إلى أن تهيء الشيء، وتصلحه له\".\nثم قال: \"وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام\" اهـ.\nوهذا الكلام من شيخ البلاغة القزويني يبطل أن تبرر أقوال عبدة القبور بالمجاز العقلي، إذ استعماله وتعاطيه ليس سهلًا، خاصة في الأمور الشرعية، وأعلاها الكفر والإيمان.\nوأما في قول أديب أو شعر شاعر فيتعاطى مع شيء من العسر، والسكاكي وهو من هو أنكر وجوده في الكلام، وهو وإن كان يسميه تسمية أخرى، فإخراج التسمية يبعد شيئًا من تطبيقاتها.\nوما من شك في أن أولئك المستغيثين بعباد الله الصالحين ممن وارتهم القبور لم يحم حول خاطرهم معنى المجاز العقلي، بل ولا عرفوه ولا سمعوا به والقول بالمجاز العقلي عند من أجازه مقترن بقصد المتكلم به، أما من لم يحم حوله له بال فما يخرج قولهم عليه.\nوقد اختلف العلماء في وقوع المجاز أصلًا في اللغة، وفي القرآن، فنفى جماعة من محققي العلماء وقوعه في اللغة: منهم أبو إسحاق الإسفرائيني،","vol":"1","page":133},{"text":"وأبو علي الفارسي، قال: إنه لا مجاز في اللغة أصلًا، أفاده ابن السبكي في \" جمع الجوامع \" من كتب الأصول.\nونصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة شمس الدين ابن القيم في \" الصواعق \" وغيرهما.\nقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه \" منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز \" ص٧:\n\" ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن، فقال قومٌ: لا يجوز أن يقال في القرآن مجاز منهم: ابنُ خُوَيْز منداد من المالكية، وابن القاص من الشافعية، والظاهرية. وبالغ في إيضاح منع المجاز في القرآن الشيخ أبو العباس ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، بل أوضحا منعه في اللغة أصلًا.\nوالذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقًا على كلا القولين\" اهـ.\nولا يحسن في مثل هذا المختصر الإطالة بتفصيل الإجمال، ولكن ينبغي أن يعلم أن النافي للمجاز -وهم طائفة من أئمة الأصول والعربية والعقائد- يعنون منع اطراده في كل ما شاء من يجيزه.\nفالتوقف عند ما استعملته العرب في مجاري كلامها هو التحقيق، فما استعملته العرب جاز استعماله مما يفيد بسياقه غير ما يفيده بأفراده، أعني: أن تركيب الكلام يفيد ما لا يفيده أفراد الكلام.\nفإن استعملت العرب هذا المعنى التركيبي صح استعماله، وهو حقيقة في المعنى المركب، لا في المعنى الإفرادي، ومن أراد أن لا يفرق بين ما استعملوه مركبًا وما استعملوه في وضعه الأول، فسيعكر عليه ذلك نصوص كثيرة.","vol":"1","page":134},{"text":"فما يسميه المجيزون مجازًا هو عند النافين أسلوب من أساليب اللغة العربية، واللغة العربية كلها حقيقة، والحقيقة تكون لفظية أي: يدل اللفظ على معناه بمفرده، وتكون تركيبية أي: تدل الألفاظ على معناها بتركيبها.\nوالفرق بين هذا وبين القول بالمجاز: أن المجاز أعم، وقول المحققين أخص، فالمدعون للمجاز يجوزون عباراتٍ وأساليب لم تعهدها العرب في كلامها، بتقدير محذوفاتٍ في الكلام وتقدير نسبٍ لا ضابط لها.\nوالعقل ليس أصل اللغة جزمًا، بل أصل صحة الاستعمال السماع، فما جاء عنهم مستعملًا في موارده قبل، وسمي: حقيقة، وما لم يستعملوه فلا يستعمل في دلالات الألفاظ ومفرداتها، ولا في قواعدها وأبنيتها.\nوالمسألة معروفة مشهورة، ولا تحتمل أكثر من هذا في مثل هذه الردود المختصرة.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الباب الثالث: الشفاعة</span>\n...\nالشفاعة\nمعنى الشفاعة في اللغة: تقولُ: شَفَعَ لي يَشْفَعُ شفاعةً، وتَشَفَّعَ: طَلَبَ.\nقاله ابن سيده في \" المحكم \" ١، ونقله في \" اللسان \"، قال أبو منصور: \" روى أبو عمر عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قالا: الشفاعة: الدعاء ها هنا.\nوالشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره\" ٢.\nوشفع إليه: في معنى طلب إليه.\nوالشافع: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، فمعنى الشفاعة: الدعاء.\nوعلى هذا يفسر موارد اللفظ في القرآن والسنة، في لفظ الشفاعة، فمما ورد في السنة ما رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: \" اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له \" رواه أحمد.\nوعن أنس وعائشة عن النبي ﷺ قال: \"ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه \" رواه مسلم.\nوعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من مسلمٍ يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه \" رواه مسلم.\n_________\n١ ١/٢٣٣.\n٢ تهذيب اللغة، للأزهري ١/٤٣٦-٤٣٧.","vol":"1","page":139},{"text":"فهذا معنى الشفاعة في وضع اللغة واستعمال الشرع.\nآيات الشفاعة\nجاءت في الشفاعة آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، فبعضها ينفي الشفاعة مطلقًا عن أحدٍ غير الله، وأخرى فيها إثبات الشفاعة عنده تعالى وتقييد الانتفاع بهذه الشفاعة بإذن الرحمن -جل وعلا- بالشفاعة، وفي آيات غيرها تقييد الانتفاع برضى الله -جل شأنه- عن عن المشفوع له.\nفمما جاء في اختصاص الشفاعة بالله وحده ولا يملكها أحد غيره قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، فهذا نفي بالنص الصريح أن يملك أحدٌ الشفاعة؛ لقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] . ومن ذلك نفيه تعالى أن يكون من دون الله شفيع، قال: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: من الآية٥١] وهذه الآية في المؤمنين قال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْإِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]، وهذا نفي منه تعالى أن يكون للمؤمنين شفيع من دون الله، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْمِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَشَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] .\nفنفى تعالى أن يكون في ذلك اليوم شفاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ","vol":"1","page":140},{"text":"يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وفي آيات أُخر: ذكر الله تعالى أن الشفاعة موجودة في ذلك اليوم، وتنفع بقيد وشرط: أن يأذن الله تعالى للشفيع أن يشفع.\nفمنه قوله تعالى في أعظم آية في القرآن: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال في أول يونس: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]، وقال تعالى في النجم: ﴿وَكَم مِّنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وغير ذلك من آيات الذكر الحكيم.\nوفي آياتٍ أُخر ذكر تقييد الانتفاع برضى الله، واتخاذ الشافع والمشفوع له عهدًا عند الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٨، ٢٩]، وقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] .\nوقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، وآيات أخر لا تخفى على من تتبع ما في الباب من آيات، فإذا تبين أن الله -﵎- قد نفى في كتابه شفاعة، وأثبت شفاعة، وجب على طالب الحق أن ينظر في هذه الشفاعة المنفية، والشفاعة المثبتة، ومعنى هذه وهذه، حتى لا يضل في هذا الأمر الذي ضل فيه فئام من أمة محمد، وإنما كان سبب ضلالهم أن كل فرقة أخذت بآية، وبنت","vol":"1","page":141},{"text":"عليها أحكامًا ولم تتتبَّع آيات الشفاعة في القرآن، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض، والقرآن حق كله، والحق لا يناقض حقًا أبدًا.\nفالآيات الأولى دلت على أن هناك شفاعةً منفية ليست لأحدٍ من الخلق، وهذه الشفاعة هي ذاك النوع الذي يظنه المشركون في الجاهليات، وأولئك المشركون ظنوا أن الشفاعة عند الله، كالشفاعة عند غيره، وهذا أصل ضلال النصارى أيضًا.\nفمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله، مثل: أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم ويرجوهم، فيجيب سؤالهم؛ لأجل رجائه أو خوفه منهم، أو أن لهم حقًا عنده يوجب عليه الإجابة فيمن يشفعون فيه عنده، وإن كان يكره شفاعتهم، ويشفعون بغير إذنه.\nفهذه الشفاعة هي التي نفاها الله -جل وعلا- في الآيات الأولى، وهي أن يكون للشافع حق عند الله كما للشفعاء حق عند الملوك ونحوهم.\nوهذا النوع هو الشركي الذي أشرك به من أشرك بالله، واتخذ وسائط يسألهم الشفاعة، كما كان يفعله النصارى، وأشباههم في ذلك من هذه الأمة، ويعتقدون أن لهم أن يسألوا المقبورين من الأنبياء والصالحين شفاعتهم، وهم يعتقدون أن لهم حقًا عند الله به يجيب شفاعتهم ولا يرد شفاعتهم.\nوهذا غلط:\nفإن دعاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت إجابتهم لحكمة يعلمها الله -﷿-،","vol":"1","page":142},{"text":"إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، أو لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لم يرض الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع.\nومن المتقرر في الكتاب والسنة أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤالهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم.\nوقد يستنكر بعض الناس هذا لكونه لم يرتو من علوم الكتاب والسنة، ولم يتفقه فيها، ولذا سأسوق بعض الدلائل لعلّها تكُفُّ بعض الناس، وتبصر أقوامًا:\nفرسول الله ﷺ قد قال الله له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠]، فرسول الله محمد ﷺوهو خير الخلق وأعظمهم قدرًا عند الله- لو استغفر لأولئك المنافقين لم يغفر لهم، وذلك لوجود مانع يمنع الإجابة، وهو أن المُسْتَغْفَر له غير مرضي عنه، فشرط الرضى غير متحقق في المشفوع له؛ فلم يُجب الداعي فيما سأل، وفي الآية بيان لهذا بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقد تمتنع إجابة الله للرسول ﷺ لحكمة يعلمها الله -جل وعلا-، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في \" صحيحه \" (٨/١٧١-١٧٢) أن رسول الله ﷺ قال: \"سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها\".","vol":"1","page":143},{"text":"وأورد الحافظ ابن حجر في \" فتح الباري \" قول بعض شراح المصابيح: \" اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة \" فتعقبه بقوله (١١/٩٧): \"وأما جزمه بأن جميع أدعيتهم مستجابة فيه غفلة عن الحديث الصحيح: سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعنى واحدة. . الحديث\" انتهى كلام الحافظ١.\nوأخرج البخاري (١١/٩٦) ومسلم (١/١٣٠-١٣٢) عن أبي هريرة وأنس بن مالك ومسلم نحوه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \" لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة\"، هذا لفظ نسخة الأعرج عن أبي هريرة.\nقال الحافظ في \" الفتح \": \"وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا ﷺ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة \" اهـ.\nوعلى هذا جرى أهل العلم وشراح الحديث، وقال الكَرْماني في \" شرح البخاري \" (٢٢/١٢٢) عند شرح الحديث: \" معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب\" انتهى.\nوكذلك غيره من الأنبياء لهم دعوة مستجابة، وما كل ما دعوا به أجيب، فهذا نوح قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾\n_________\n١ لعل شارح المصابيح اعتمد في قوله على ما روي عن عائشة في حديثٍ: \" وكل نبي مجاب\" وهو حديث ضعيف؛ ولذا لم يعرج الحافظ عليه بالاستدلال، فتنبه.","vol":"1","page":144},{"text":"[هود: ٤٥، ٤٦] فسأل نوح ربه الشفاعة في ابنه فلم يعطها؛ لأنه فقد شرط الرضى على الابن، ولذا قال: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ .\nوهذا إبراهيم خليل الله لم تنفع شفاعته في أبيه، وأمثال هذا معلوم لمن تدبر القرآن والسنة، مقرر فيهما أوضح تقرير وأبلغه، فإذا انتفى هذا عن الأنبياء، فالصالحون أولى وأولى.\nوبعض الخلوف الجهال يظنون أن للأنبياء حقًا عند ربهم لا يرد، ولا يعلمون بهذه الآيات والأحاديث، وذلك من تسويل الشيطان وتلاعبه بهم.\nقال ابن جرير في تفسير آية البقرة: ﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]: \" فتأويل الآية إذًا: واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس حقًا لزمها الله -جل ثناؤه- ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع، فيترك لها ما لزمها من حق.\nوقيل: إن الله -﷿- خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم بها فيها؛ لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناؤ الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم الله -﷿- أن نفسًا لا تجزي عن نفس شيئًا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعةُ أحدٍ فيها، حتى يستوفي لكل ذي حق منها حقه\" ١ انتهى.\nوالطائفة الثانية من الآيات أفادت إثبات الشفاعة، وهي الشفاعة الشرعية المخالفة لما عليه المشركون. وأخبر الله -تعالى- أنها لا تنفع إلا بشرطين:\nالأول: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع.\nالثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له.\n_________\n١ ٢/٣٢ ط. الأستاذ محمود شاكر.","vol":"1","page":145},{"text":"وهذان الشرطان لازمان لكل شفاعة ترجى منفعتها، فأما الإذن: فهو إذن الله -تعالى- للشافع، ونكتة هذا القيد وسره صرف الوجوه إلى الله وإسلامها له وتعلقها به، وترك تعلقها بغيره لأجل الشفاعة؛ لذلك يساق هذا بعد ذكر التوحيد وذكر ما يدل على وجوب عبادة الله وحده، وهذا الشرط لم يفهمه فئام من الناس، ظنوا أن الاستثناء يفيد إثبات الشفاعة مطلقًا، وطلبها من غير الله فعادوا لما ظنه المشركون وقصدوه.\nوحقيقتها أن الله إذا أراد رحمة عبده ونجاته أذن لمن شاء في الشفاعة رحمة للمشفوع فيه، وكرامة للشافع. وإذا سأله الشفاعة ولم يأذن الله له لم تنفعه كما في شفاعة نوح لابنه، وإبراهيم لأبيه، ونبينا محمدٍ لعمه في استغفاره، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] صلى الله عليهم وسلم تسليمًا.\nفالرسل المذكورون صلوات الله وسلامه عليهم لم يأذن الله لهم الإذن الشرعي في أن يشفعوا: فلذا ردت شفاعاتهم، ولم يرض سبحانه فيمن شفعوا فيهم لأنهم كفار مشركون؛ فلذا لم تنفع شفاعة هؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.\nوالله لا يرضى إلا التوحيد كما قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]؛ ولذا فسر السلف الرضا في الآيات التي وردت بها بالإخلاص والتوحيد، وترك الشرك كله.\nفأخرج ابن جرير في \" تفسيره \" (١٦/٩٧)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في \" تفسيره \"، والبيهقي في \" الأسماء والصفات \" ص ١٠٩ كلهم من طريق معاوية ابن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى في مريم: ﴿لَا","vol":"1","page":146},{"text":"يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله.\nوهذه الطريق هي التي قال فيها الإمام أحمد هاتيك الكلمات، قال: \" إن بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا\".\nقال الحافظ ابن حجر: \" وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس \" انتهى.\nوهذه الطريق أعلى الطرق جودة وصحة عن ابن عباس في التفسير. وفي المعنى ما أخرجه ابن مردويه في \" التفسير \" في هذه الآية عن ابن عباس قال: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\".\nوأخرج ابن جرير (١٧/١٣)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في \" البعث \" وفي \" الأسماء والصفات \" ص ١٠٩ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله. وهذه الطريق سلف الكلام عليها.\nوفي قوله تعالى في الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ .\nقال قتادة:: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة: ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال: لأهل التوحيد، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير (٢٥/٦٢)، وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦]، قال: كلمة الإخلاص.","vol":"1","page":147},{"text":"شفاعة النبي ﷺ:\nإذا تقرر هذا فينبغي النظر في نصوص الشرع الخاصة بشفاعة رسول الله ﷺ.\nففي الحياة الدنيا طلب الصحابة من رسول الله ﷺ أن يدعو لهم وهو معنى أن يشفع لهم، وهذا لا ينازع فيه أحد، وإنما الشأن في طلب الشفاعة منه بعد موته، وأهل السنة مجمعون في القرون الثلاثة المفضلة على أمرين:\nالأول: عدم مشروعية طلب الشفاعة منه في قبره، وإنما ظهر خلاف من خالف من شذّاذ الناس بعد نشاط الدعوات الباطنية كالإسماعلية والفاطمية، ومن تأثر بها كالموسوية الجعفرية وشبهها، فروجوا هذا في الناس، فأشكل على بعضهم.\nفقد كان المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة لا يعرفون طلب الشفاعة منه بسؤاله إياها، بل مضى الخلفاء الراشدون ولم يسأل أحد منهم نبي الله الشفاعة بعد موته، ولو كانت مشروعة لكانوا أحرص عليها، ولم يتركوا طلبها منه بعد موته.\nفلو لم يكن تغير نوع الحياة له أثر عندهم لما تركوا ذلك، وكذلك مضى التابعون وتابعوهم بإحسان وتابعوهم، حتى نشطت الدعوات الباطنية التي تسترت بالتشيع لأهل بيت النبي ﷺ، بل إنهم ألفوا الكتب باسمهم، وهذا ظاهر لمن درس حركة إخوان الصفا والعبيديين (الفاطميين) وكلها باطنية إسماعيلية، شعارهم التشيع لأهل البيت بزعمهم، وهم أول من أحدث الكذب في النسب إلى آل البيت ﵃.\nفالمقصود من هذا أن الاستشفاع بالنبي ﷺ بسؤاله الشفاعة بعد موته محدث أحدثه الباطنيون.","vol":"1","page":148},{"text":"الثاني: وهو الأهم، أن أهل السنة مجمعون أن للنبي ﷺ أنواعًا من الشفاعة يشفع بها، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبره، بل كلها يوم القيامة.\nفينبغي تأمل هذا، ومن خالف إجماع أهل السنة فليس منهم.","vol":"1","page":149},{"text":"فصل:\nوبرهان هذا الإجمال الذي قدم أن رسول الله ﷺ أخبر أنه: \"أول شافع، وأول مشفع\" أخرجه مسلم (٧/٥٩) . وهذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى لأهل الموقف، بالنص والإجماع.\nفهذه قوله: نحكمه على من ادعى محبته وتصديقه، فقوله: \" أنا أول شافع، وأول مشفع \" يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل من قامت قيامته.\nومن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع، وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: \"أنا أول شافع\" عند ذاك الزاعم، إذ لو كان النبي ﷺ يشفع في قبره لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: \"أنا أول\"، إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه ﷺ بهذه الفضيلة يوم القيامة!\nفإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع، وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله ﷺ: \"أنا أول شافع\"؟ ! فهو على هذا الفرض مستديم الشفاعة، ودائم قبولها منه عند أولئك الزاعمين، وإذا كان كذلك فأي فائدة من إنشاء هذا الخبر أنه أول شافع وأول مشفع؟ ! فتدبر هذا فإنه مفيد لمن أراد الله به خيرًا.\nفأهل السنة المتمسكون بما كان عليه الصحابة يطلبون في حال موت النبي ﷺ الشفاعة من الله، ويسألون الله أن يشفع فيهم نبيه ﷺ، وطلبهم هذا يكون بأمرين:\nالأول: الاستقامة على تحقيق كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وفهم معناها، والعمل بمقتضاها، ومخالفة معتقدات مشركي العرب وأشباههم","vol":"1","page":150},{"text":"ممن قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وممن قالوا: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، يشيرون إلى أوثانهم التي مثلوها بصور الأنبياء والصالحين.\nالثاني: التضرع والاستكانة بين يدي الله في أوقات الإجابة والأسحار أن يمنّ عليهم بالاستقامة على التوحيد، ويثبتهم عليه، وأن يشفع فيهم نبي الله محمدًا ﷺ حين يأخذ الناس الكرب، فيكون أول شافع وأول مشفع.\nاللهم! أنلنا شفاعته، واجعلنا ممن شفعته فيهم، ولا تحرمنا هذه الشفاعة، ونسألك الثبات على التوحيد، والعزيمة على الرشد. وبهذين الأمرين يكون أهل الحق والسنة قد أخذوا بقوله ﷺ: \" كل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا \" متفق عليه.\nوهو تفسير لقوله ﷺ لأبي هريرة: \" أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه \" متفق عليه.\nفأهل الحق أخذوا وأعملوا القولين، ولم يحرفوا أحد القولين عن مراد الله، فاهتدوا، فزادهم هدى وآتاهم تقواهم.","vol":"1","page":151},{"text":"فصل\nقال صاحب المفاهيم ص ٧٨:\n\" زعم بعضهم أنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من النبي ﷺ في الدنيا، بل ذهب البعض الآخر من المتعنتين إلى أن ذلك شرك وضلال، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] وهذا الاستدلال باطل، ولا يدل على فهمهم الفاسد، وذلك من وجهين:\nأولًا: أنه لم يرد نص لا في الكتاب ولا في السنة ينهى عن طلب الشفاعة من النبي ﷺ في الدنيا\" اهـ.\nأقول: هو لا يعني بقوله في الدنيا حال حياته ﷺ؛ لأنه يعلم أن هذا لم يقله أحد، وإنما يعني بقوله: \" في الدنيا\" طلبها من رسول الله ﷺ بعد موته، كما صرح به بعد، بقوله ص٨١: \"لا بأس بطلبها منه أيضًا بعد موته\" اهـ.\nوهذا الوجه مردود من وجوه كثيرة، أجتزئ منها أوجهًا:\nالأول: أن النبي ﷺ بعد موته لا يقال إنه في الدنيا لا عقلًا ولا شرعًا.\nالثاني: أن هذا برهان لا يقوم عند العارفين بالبراهين، إذ قوله: \"لم يرد نص\" متهافت، فمن أراد أن يثبت حكمًا ويعتمده وينصره، فلا بد أن يأتي بنص يدل على ثبوته، فقوله بجواز طلب الشفاعة من المقبورين أنبياء وصالحين هو الذي يجب أن يبرهن عليه بنص، لا أن يقال لمن نفاه معتمدًا على عمومات النصوص في حال المشركين، إنه لم يرد نص، وكذا لمن نفاه بناءً على النفي الأصلي حتى يرد دليل الإثبات؛ لأن العبادات توقيفية، لا بد لها من أدلة صريحة.","vol":"1","page":152},{"text":"الثالث: أن قوله: \" لم يرد نص\" غير صحيح، فعمومات النصوص تنهى عن طلب الشفاعة من الأموات؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، فتأمل قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] والدعاء هو العبادة، والشفاعة طلب الدعاء، فعلم أن قولهم ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا﴾ تفسير لـ ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ في أول الآية.\nوهنا نقلٌ أسوقه عن الرازي١ ليستبين به الحال، وأن لا يقال إن هذا فهم (الوهابيين) فقط! قال في \" تفسيره \" (١٧/٥٩-٦٠): \" اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنهم شفعاؤنا عن الله! . . \" فذكر صورًا منها قوله:\n\" ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.\nونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله\" اهـ.\nوهو كلام يقضي على قول صاحب المفاهيم من أُسَّه، حتى يواري كلامه في رمسه، من رجل هو عندهم مقدم في قوله وحسه.\nوالآيات في الشفاعة الشركية كثيرة، نوَّعَها الله جل وعلا في كتابه؛ ليتدبر باغي الخير، متحري الصراط المستقيم.\nوهو إخبار عن قوم مشركين كي نبعد عن حالهم وصفتهم، وسياقة الآيات كلها وأقوال أهل التفسير والعلم فيها يخرج بي عن قصد الاختصار\n_________\n١ والنقول كثيرة، لكن اخترت الفخر لأنهم يفخرون بفهمه في (أصول الدين)، وهذا المنقول عنه من أصول الدين.","vol":"1","page":153},{"text":"والإيجاز، وقد قدمت طرفًا منها، ويرجع المستزيد لأقوال المفسرين وأهل العلم عند آيات الشفاعة.\nالرابع: قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، والآية قبلها قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] .\nفأبطل تعالى صور الشرك التي يعتقدها المشركون في كل زمان، وهذه الآية قال فيها بعض أهل العلم المتقدمين: هذه الآية تقطع عروق شجرة الشرك لمن عقلها.\nقال الرازي في \" تفسيره \" (٢٥/٢٥٤-٢٥٥): \" واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة. . \" فذكر ثلاثة ثم قال: \" رابعها: قول من قال: إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا، فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فلا فائدة لعبادتكم غير الله، فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره، فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة\" اهـ كلام الرازي بحروفه.\nفتأمل قوله: إن من طلب الشفاعة فوت على نفسه الشفاعة التي تكون يوم القيامة؛ لأنها لا تنال إلا بالتوحيد، ومن التوحيد ترك طلب الشفاعة من المقبورين، سواء كانوا أنبياء أو صالحين وإنما تطلب شفاعة الأنبياء من الله سبحانه لا منهم، وتطلب من الله بتحقيق التوحيد والاستقامة عليه، وترك طلب الشفاعة ممن لا يملكها.","vol":"1","page":154},{"text":"وهذا هو الحق الذي اتفقت عليه أقوال أهل العلم قبل إحداث الباطنية التعلق بالأموات، والتفلسف لإثباته بطرق عقلية لا شرعية.\nوإنما ضل من ضل بسبب أنه ظن أن ما في القرآن من آيات في الشفاعة هي عن قوم مضوا وانتهوا، وهذا من مداخل الشيطان والأهواء على النفوس، وما أحسن قول شمس الدين ابن القيم١ على هذه الآية: \" فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك وموارده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا.\nوهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن. ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك.\nولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب -﵁-: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه، أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه\" اهـ.\n_________\n١ مدارج السالكين \" (١/٣٤٣-٣٤٤) .","vol":"1","page":155},{"text":"قال صاحب المفاهيم ص٧٨:\n\" ثانيًا: أن هذه الآية لا تدل على ذلك، بل شأنها شأن غيرها من الآيات التي جاءت لبيان اختصاص الله ﷾ بما هو ملك له دون غيره، بمعنى أنه هو المتصرف فيه، وهذا لا ينفي أنه يعطيه من يشاء إذا أراد فهو مالك الملك، يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء. .\" إلخ كلامه.\nثم قال:\n\" كذلك الشفاعة كلها له، وقد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين، بل وكثير من عامة المؤمنين كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنويًا، وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه. . إلخ\" اهـ.\nأقول:\nأولًا: اختصاص الله بالشفاعة اختصاص ملك، ومعنى ذلك أنه ليس لأحدٍ من الخلق شفاعة إلا من أخبر الله أن له شفاعة مقيدة بقيود، فالله -جل وعلا- هو مالكها يأذن لمن شاء أن يشفع، في من رضي أن يشفع فيه.\nفالشفاعة ليست ملكًا مطلقا ً لهم كما زعمه الكاتب؛ لأن المالك له التصرف فيما يملكه، وإنما حقيقة الشفاعة أنها لله وحده، لكنه سبحانه يأذن لمن شاء أن يأذن له، وفي هذا تمام صرف القلوب إلى خالقها وحده مالك الشفاعة، وعلى هذا دلت الآية في الزمر قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤] .","vol":"1","page":156},{"text":"فأخبر تعالى أن من اتخذهم المشركون شفعاء لا يملكون شيئًا، وشيئًا نكرة في سياق النفي، فتعم الشفاعة وغيرها، فهم لا يملكون الشفاعة، كما نبه عليه جماعة من المفسرين.\nفهذه الآية صريحة في أنهم لا يملكون الشفاعة، وهذا الملك هو الذي يظنه المشركون وهو المطلق من شرطي الإذن للشافع، والرضى عن المشفوع له، فالشفيع مع هذين الشرطين يملك الشفاعة ملك انتفاع موقت، لا ملكًا دائمًا؛ ولذا يحتاج في كل شفاعة أن يأذن الله ويرضى، فليست الشفاعة للشفيع مطلقًا؛ ولذا قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]، فقوله: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من دون إذنه ورضاه.\nثانيًا: قول الكاتب إن الشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين. . . الخ، مغالطة ظاهرة، فالشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين يوم القيامة مع شرط الإذن والرضى، لا إعطاءً مطلقًا؛ ولذا لا نصيب فيها لمشرك، وصحاح الأحاديث المتواترة معنويًا -كما قال- هي في الشفاعة يوم القيامة لا في الحياة البرزخية.\nففي الحياة البرزخية لا يجوز أن يسأل أحدٌ ميتًا الشفاعة؛ لأنهم لا يملكونها في الحياة البرزخية حتى ولا ملك انتفاع؛ لأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا.\nوالنبي ﷺ الذي أخبر بأنه سيشفع يوم القيامة، لم يخبر بأنه في قبره يشفع، ولا يوجد دليل صحيح ولا ضعيف في ذلك.\nفقوله: \" كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنويًا\" تلبيسٌ على الأغمار، فالأحاديث في شفاعة القيامة لا الحياة البرزخية، ولذا عدل الكاتب عن إثبات الحجة إلى الإحالة الإجمالية وما فيها من تلبيس، لينخدع بها من عري عن العلم.","vol":"1","page":157},{"text":"ولم لا يحاكم الكاتب نفسه إلى الصحابة الكرام؟ ! فهل طلب الشفاعة بعد موت النبي ﷺ صحابي من العشرة، أو طلبها أحدٌ من البدريين، أو أحدٌ ممن شهد بيعة الرضوان، أو ممن حج معه حجة الوداع، أو من شاء من الصحابة؟\nفلم يطلب أحد منهم من رسول الله ﷺ في حياته البرزخية الشفاعة، بل عدلوا إلى طلبها -وهي الدعاء- ممن هو دونه عام القحط، وهذا إجماع منهم.\nثالثًا: أن آية الزمر: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] رد على من يصرف قلبه لغير الله احتجاجًا بالشفاعة، كما كان مشركو العرب يصنعون مع آلهتهم، فإنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها شفعاءُ لهم، فأخبر تعالى أن الشفاعة له، ليس لأحدٍ منها شيء.\nقال الرازي في \" تفسيره \" (٢٦/٢٨٥):\n\" اعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالًا. فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله.\nفأجاب الله تعالى بأن قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] .\nوتقرير الجواب: أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لهم.\nوالأول باطل؛ لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئًا ولا تعقل شيئًا، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها؟ !","vol":"1","page":158},{"text":"والثاني باطل؛ لأن في يوم القيامة لا يملك أحدٌ شيئًا، ولا يقدر أحدٌ على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله، الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره \" انتهى.\nقال صاحب المفاهيم ص ٧٨-٧٩:\n\" وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا كان المسؤول كريمًا، والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله \".\nأقول: هذا على أن الشفاعة وإن كانت ملكًا لله، فقد ملكها الأنبياء والصالحين، وهذه المقدمة قد احتج بها مشركو العرب، فيظنون أن الله ملك الملائكة والأنبياء الشفاعة تمليكًا مطلقًا من القيود، وهذا غلط في الفهم أسوأ غلط؛ لأن الله -ﷻ- وتقدست أسماؤه لم يملك أحدًا من خلقه الشفاعة تمليكًا مطلقًا من القيود، بل لا أحد يشفع عنده إلا بأمرين:\n١- إذن الله للشافع أن يشفع.\n٢- رضاه عن المشفوع له.\nوالإذن هنا ليس هو الإرادة الكونية، بمعنى أنه لو لم يأذن لم يقع ولم يكن، بل من ظن هذا الظن فقد ظن نظير ما قاله المشركون: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فإنهم قالوا لو لم يشأ الله شركنا لم يحدث في ملكه وملكوته، ولم يأذن بوقوعه، وهذه الشبهة أصل ضلال كثيرين.\nفالمقصود هنا: أن النبي ﷺ والصالحين إنما يشفعون لمن أذن الله له يوم القيامة، ورضي توحيده وقوله، وأما في الدنيا في حياتهم وتمكنهم من الدعاء، فقد يشفعون بمعنى أنهم يطلبون من الله ويدعون، فمن دعا من","vol":"1","page":159},{"text":"الأنبياء دون إذن من الرحمن وشفع فيمن لم يأذن الرحمن بالشفاعة فيه، فهذا يرد عليه ولا تقبل شفاعته، وهذا ظاهر، كما قال تعالى لنبيه ﷺ لما استغفر لعمه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] .\nوقال لنبيه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، والآية في شأن المنافقين الذين كانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلون مع الناس ويجاهدون، لكنهم لم يخلصوا ولم يوحدوا ربهم بأعمالهم، فكان هذا شأنهم، فلم ينفعهم استغفار نبي الله ﷺ.\nقال ص٧٩:\n\" وهل الشفاعة إلا الدعاء، والدعاء مأذون فيه، مقدور عليه لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة، وبعد الوفاة في القبر، ويوم القيامة، فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهدًا، ومقبولة لديه ﷿ في كل من مات على التوحيد\" اهـ.\nأقول: وهذه الجملة من كلامه حوت تلبيسًا وغلطًا، فالنصوص قد جاءت بجواز طلب الشفاعة أي: الدعاء من رسول الله ﷺ في حياته، وجاءت بطلبها منه ﷺ يوم القيامة، ولم تجئ بطلبها منه في حياته البرزخية.\nومما يؤكد منع طلبها منه وهو في البرزخ: أن الأحاديث جاءت في حياته ويوم القيامة، فلو كان طلبها في البرزخ مشروعًا لانتفى تخصيص الحياة والقيامة بالذكر.","vol":"1","page":160},{"text":"فلما كان كذلك علم منه أن النوع الثاني من الحياة، وهو الحياة البرزخية تخالف ما قبلها وما بعدها، وبدليل أن الصحابة لم يفعلوا ذلك بعد وفاته ﷺ فتقرر أنها لا تطلب من الأموات.\nوهذا برهان إجمالي، وأما تفصيل الرد على قوله فيقال:\nقوله: \" الدعاء مأذون فيه مقدور عليه\"، ليس صحيحًا على إطلاقه في الحياة والموت.\nفأما والداعي حي قادر فهذا صحيح، وأما بعد موته فليس الأمر كذلك، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يجعل قبره مسجدًا، فقال فيما روته عائشة وابن عباس وأبو هريرة: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\"؛ يحذر ما صنعوا.\nقالت: فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. متفق عليه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\nوالشاهد أن هذه اللعنة لمن اتخذ القبر مسجدًا إنما هي لأن المسجد يقصد للدعاء، وأعلى أنواع الدعاء الصلاة، والصلاة دعاء في اللغة، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .\nوقال الأعشى في شعره المشهور:\nتقولُ بنْتي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتحِلًا\nيا ربّ جّنَّب أبيْ الأوْصَابَ والوجعا\nعليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي\nنومًا، فإنَّ لجنْبِ المرءِ مضطجَعا\nقوله: \" صليتِ\" يعني: دعوتِ، وشواهد هذا المعنى كثيرة، والصلاة كلها دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ومن لم يعرف هذين النوعين للدعاء لم يوفق لفهم الآيات في الدعا.\nفإذا كانت المساجد إنما تقصد لدعاء الله فيها؛ فلعنة الله على من اتخذ قبور أنبيائه مساجد، معناها: النهي البليغ الشديد عن الدعاء","vol":"1","page":161},{"text":"عندها، ولمن دعا عندها. وإذا كان من دعا عندها كذلك ولم يدع إلا الله، فكيف به إذا سأل الميت الدعاء؟ ! والحي إذا أتيته وسألته الدعاء كان لك جائزًا.\nوأما الميت إذا سألته أن يدعو الك فذلك شركٌ؛ ولأجله نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، يدعى عندها ويصلى عندها، ونحو ذلك من وسائل الشرك، وهذا مع إخلاص السائل في دعائه، وإنما تحرى القبر لشرف المقبور، ولظنه أن المكان مبارك، وهذا من جنس من لعنه رسول الله ﷺ، ومن شرار الناس، فإن المساجد بنيت لدعاء الله فيها بالصلاة والذكر.\nإذا تقرر هذا فانظر إلى فهم الخليفة الراشد عمر فيما عَلَّقه البخاري في \" صحيحه \"، وقد رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر، القبر، القبر، يحذر أنسًا، ويعلمه أن بقرب مكان صلاته قبرًا.\nولو كان الميت يملك الدعاء، ولو كان رسول الله ﷺ يملك بعد موته أن يدعو لمن سأله، ويقدر على الدعاء، كما يقدر عليه حيًا، فلأي معنى نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ قبره مسجدًا؟ ! فالمسلمون كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم، وكان يدعو لهم في حياته فلو كان دعاؤه لهم مقدورًا مستديمًا بعد موته ﷺ لما نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وهي الذريعة الكبرى، والوسيلة العظمى للإشراك الأكبر برب الأرباب، بطلب الدعاء من الأموات، والاستغاثة بهم، ونحو ذلك.\nالثاني: أن يقال: إذا كان طلب دعاء الأموات من الأنبياء جائزًا وهم يقدرون على الدعاء، فلأي معنى لم يطلب صحابة رسول الله ﷺ منه أن يدعو لهم بعد موته وعدلوا إلى العباس ويزيد الجرشي وهم أعلم الأمة وأحرص الأمة على الخير؟ !","vol":"1","page":162},{"text":"الثالث: هؤلاء شهداء أحد معروف مكانهم وفضلهم، معروفة قبورهم لم يذهب إليهم أحد من المسلمين من صحابة رسول الله ﷺ في حياته ولا بعد مماته يسألونهم الدعاء، وهم أحياء حياة برزخية بنص القرآن: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَالْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧١]، فَلِمَ ترك أولئك طلب دعاء هؤلاء الشهداء، بل كانوا يدعون لهم، لا يسألونهم الدعاء، وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض؟ !\nنعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلمها، فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا، وهذا تقرير نافع لمن تأمله وتدبره، والحمد لله رب العالمين.\nالرابع: أن مسلمًا أخرج في \" الصحيح \" (٧/١٨٩) عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم \".\nوأخرج أيضًا أن عمر قال لأويس لما لقيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" يأتي عليكم أويس بن عامر \" الحديث وفيه: \" لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل \" فاستغفر لي، فاستغفر له.\nوفقه هذا الحديث الصحيح: أن الرسول ﷺ أرشد عمر إلى أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله ﷺ؟ ! فأرشده الرسول ﷺ إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أن الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة","vol":"1","page":163},{"text":"الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته برزخية -﵊- فتأمل.\nقوله: \" لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة، وبعد الوفاة في القبر، ويوم القيامة، فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهدًا \".\nأقول: قد مر فيما سبق في الوجهين الثاني والثالث الماضيين ما به يرد على هذه المقالة السيئة، التي تخالف شريعة محمد ﷺ. وبقي هنا أمر وهو أن يقال:\nقوله: \" وبعد الوفاة في القبر\" مما لا يستطيع أن يأتي عليه بدليل، بل إن المشركين في الجاهلية اتخذوا بعض أصنامهم عند أماكن أناس صالحين، وعند قبورهم، ولم يكونوا يطلبون منها سوى الشفاعة.\nوالمشركون لم يكونوا يحجون لأصنامهم ولا يتصدقون لها، بل كانوا يدعون أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، أو المتخذة على قبورهم، وكان لهم معها حالان:\n١- حال الرخا: وهم أنهم يسألونها حينًا أن تدعو لهم، وحينًا يدعونها أنفسها، وهم يعتقدون أن أرواح من اتخذ الصنم على صورته تحل عند الصنم، فتسمع الدعاء وتدعو لهم فتجيبهم إلى ما يطلبون.\nويسألونها جلب الخيرات، وإغداق الأموال، واستمرار المسرات، فهذه كانت حالهم في الرخاء كلها دائرة على طلب الدعاء من الأصنام، أو دعوتها، وحالهم قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] أي: ما ندعوهم.\nويستعينون على تحقيق استجابة الأوثان لهم بصرف النذور لهم، وإيصال القرابين إلى أعتابهم فتذبح بأسماء الأوثان، فيجيب الجن بعض ما طلبوا، فيظنون أن المجيب هو المدعو، فقويت عبادتهم عندهم.","vol":"1","page":164},{"text":"٢-حال الشدة: وأهل الجاهلية كانوا في هذا الحال يخلصون العبادة له، أي: الدعاء، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وغيرها من الآيات.\nوهذا يدل على أن الله أعظم في نفوسهم من تلك الأصنام لعلمهم أنه لا يجيب في الشدة إلا بالإخلاص، وتوجيه الدعاء وهو العبادة له سبحانه.\nوجماع هذا أن من سأل المقبور أن يدعو له لكشف شدته فإنه قد صرف محض حق الله للمقبور، وبيانه أن من وقعت به شدة، وكان به شدة حاجة إلى ما سأله، فسيكون في قلبه من التعلق بمن سأله وحبه ورجائه أمر عظيم، وسيكون قلبه مضطرًا لتعظيم هذا المسؤول، وهذا كله مما يجب أن لا يكون إلا لله، فإذا كان الحب ورجاء إجابة السؤال، وتفريج الهموم، وزوال الكروب يطلب من غير الله من المقبورين: أنبياء أو صالحين فما بقي للقلب تعلق بالله، أين المحبة التي لا تكون إلا لله؟ !\nفإذا علق هذا بالموتى كان كما قال تعالى عن أشباههم:\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .\nفالحمد لله الذي وفق محبي رسول الله ﷺ حقيقةً لاتباع سنته وهديه، في دعائه، وفي فعله وتركه، وخذل من شاء من خلقه بعدله، فتركوا سبيله في فعله وتركه، ولم يرتضوها، وتشعبت بهم السبل والطرق، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] الآيات.","vol":"1","page":165},{"text":"فالشيطان حريص على إغواء بني أدم ويأتي كلًا بما يناسبه، فيأتي من ينتسب إلى العلم فيضله بما ينتسب إليه، ووقائع أحابيله في العيان ظاهرة، وشبهه في قلوب مواليه قاهرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nقال ص٨٠:\n\" وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا قبل الآخرة فإن معنى ذلك أنه سينالها حقيقة في محلها يوم القيامة، وبعد أن يأذن الله تعالى للشفعاء بالشفاعة لا أنه ينالها هنا قبل وقتها\" اهـ.\nأقول:\nأولًا: ليس هذا قصد من يطلب الشفاعة من رسول الله ﷺ في الدنيا، بل قصده أن يشفع له الآن، وصاحب المفاهيم يرواغ نفسه، ويناقضها، فإذا كان قصده كذلك فلم أطال في إثبات خبر عثمان بن حنيف الباطل الضعيف، فيمن أبطأ عليه عثمان بالاستجابة؟ !\nأليس -في زعمه- أن شفاعة رسول الله ﷺ له كانت هنا في الدنيا؟ ! ولم ساق خبر العتبي، وقد أجيبت عندكم شفاعته في الدنيا؟ ! ولم سردت كل ما سردت من أقوال، تريد بها إثبات طلب الشفاعة منه ﷺ في الدنيا، وتحبب ذلك للناس ببيان أثر طلبها في الدنيا؟ !\nلِمَ كل هذا من صاحب المفاهيم؟ ! لِمَ يتناقض، وفي صفحات متقاربة؟ ! أينسى، أم يتناسى، أم هو صاحب هوى؟ !\nثانيًا: يقال: إذا كان مقصودكم -إن صدقتم- طلب الشفاعة الآخروية التي تكون يوم القيامة، فلم لا تتبعون السبل المشروعة التي سنها من أعطي الشفاعة ﷺ؟ !\nومن أمثال ذلك سؤال الله له الوسيلة كما في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \" من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة","vol":"1","page":166},{"text":"التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة \" أخرجه البخاري في \" صحيحه \" وغيره.\nوفي \" صحيح مسلم \" (٢/٤) من حديثٍ لعبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"من سأل لي الوسيلة حيلت له الشفاعة\".\nوكما في قوله ﷺ لأبي هريرة: \" أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه \" أخرجه البخاري (١/١٩٣) ١.\nوالإخلاص ترك الشرك وإفراد الله بالعبادة، كما في حديث أبي هريرة الآخر: \" إني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة -إن شاء الله- من مات لا يشرك بالله شيئًا \" متفق عليه.\nفبهذا وأمثاله تطلب الشفاعة من الله، فيطلبها أهل التوحيد بترك الإشراك وتحقيق التوحيد، وبسؤال الله لنبيه الوسيلة، ولا يطلبها أهل التوحيد الكارهون للشرك بأصنافه -الصحابة وأتباعهم إلى يوم الدين- من النبي ﷺ في قبره، بل يعلمون بدلائل القرآن والسنة أن من سأله الشفاعة بعد وفاته فهو خليق بحرمانه من الشفاعة.\nفاتبعوا يا عباد الله المشروع في سؤال شفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة، وابتعدوا عن ما لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته المقربون.\nوإذا لم نسأل النبي ﷺ الشفاعة فغيره من الصالحين أولى وأولى، ودلائل هذا ظاهرة، فعسى أن تجد قلوبًا مهدية، لم يعل عليها هواها، فالتبصر التبصر، والاتباع الاتباع.\nثالثًا: يقال: شفاعة النبي ﷺ في الآخرة لا تطلب منه في الدنيا لا سيما وهو ميت. وإنما تطلب منه في وقت الحاجة إليها، وفي حال حياته ﷺ في\n_________\n١ وهو في الصحيحين باختلاف يسير عن هذا اللفظ.","vol":"1","page":167},{"text":"الآخرة حينما يشتد الحال بأهل الموقف كما صح في الحديث، وحينما يريد أهل الجنة دخول الجنة، وحينما يدخل أهل الكبائر من أمته في النار أو يؤمر بدخولهم فيها، كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة، أما طلبها الآن فهو طلب قبل أوانه، ومن تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه.\nقال ص ٩٢ في رده على أهل السنة والجماعة الذين يفرقون بين ما مكن الله العبد منه في الحياة الدنيا، وبين ما لم يمكنه في الحياة البرزخية.\nقال: \" ولنقتصر هنا على هذا السؤال: أيعتقدون أن الشهداء أحياء عند ربهم كما نطق القرآن بذلك أو لا؟ فإن لم يعتقدوا فلا كلام لنا معهم؛ لأنهم كذبوا القرآن حيث يقول: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] .\nوإن اعتقدوا ذلك فنقول لهم: إن الأنبياء وكثيرًا من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداء كأكابر الصحابة أفضل من الشهداء بلا شك\" اهـ.\nأقول: يظهر أن الكاتب لا يعرف معتقد أهل السنة والجماعة، ولو عرفه لما فتح فاه، ولا نبس بما نبس به، فكتب علماء السنة وخاصة علماء هذه البلاد، وتلامذة الشيخ محمد بن عبد الوهاب منتشرة مشهورة، وفيها بيان اعتقادنا والحمد لله.\nفمن ذلك ما كتبه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد عبد الوهاب في الاعتقاد لأهل مكة لما دخلها أتباع الدولة السعودية الأولى سنة ١٢١٨هـ فمما قال: \"والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين","vol":"1","page":168},{"text":"على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب\" اهـ١.\nوسئل الشيخ عبد الله أبابطين المتوفي سنة ١٢٨٢هـ: هل النبي ﷺ حي في قبره؟ فأجاب:\n\" الله ﷾ أخبر بحياة الشهداء، ولا شك أن الأنبياء أعلى رتبةُ من الشهداء، وأحق بهذا، وأنهم أحياء في قبورهم، ونحن نرى الشهداء وميمًا، وربما أكلتهم السباع، ومع ذلك هم ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَبِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْبِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] فحياتهم حياة برزخية، والله أعلم بحقيقتها، والنبي ﷺ قد مات بنص القرآن والسنة، ومن شك في موته فهو كافر\" اهـ ٢.\nفهذا بحمد لله معتقدنا، ولو علمه الكاتب لما حرك قلمه بهذه الشبهة، والقوم يظنون أنهم أفراح بالدلائل الصحيحة الصريحة من أهل السنة والجماعة، وما صح دليل إلا وقد نصره أهل السنة نصرًا بليغًا، مع النظر في غيره من الأدلة، والحمد لله رب العالمين.\nثم دخل الكاتب في الأرواح وخصائصها، وخاض بغير علم فمما قال ص ٩٣: \" ولا شك أن الأرواح لها من الانطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها، وتغيث من يستغيث بها، كالأحياء سواء بسواء، بل أشد وأعظم\" اهـ.\n_________\n١ الدرر السنية ١/١١٤.\n٢ الدرر السنية ٢/١٦٥.","vol":"1","page":169},{"text":"أقول: فهلا أتى الكاتب على علمه بالأرواح من دليل نقلي، والله سبحانه يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] أم أنه كشف له الغيب فعلم ذلك!\nوهنا أمور يجب تقريرها:\nالأول: أن النبي ﷺ أعلم الخلق بما يمكن علمه من شأن الأرواح، وهو لم يعلم صحابته وأمته هذا العلم من أنها \"تغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء بل أشد وأعظم\"، أفكتم هذا العلم الذي علمه المفسرون المشركون؟ ! .\nالثاني: أن الأرواح لا تعلم أحوالها وكيف هي، وقدراتها، والذي نعلمه قطعًا أنها لا تجيب من يدعوها، ولا تغيث من يستغيثها.\nفما ظن الكاتب بدين الجاهلية دين المشركين، أيعبدون أصنامًا أحجارًا؟ ! أم أنهم لم يعبدوها إلا وقد رأوا أثرها من إجابة دعاء، وإغاثة؟ !\nإن أعظم فتن الشياطين هي الشرك، وبابه القبور حيث يظهر عمل شياطين الجن من تمثل بصورة المقبور، وتكليم الحاضرين، وربما أجاب سؤالًا، وغير ذلك.\nالثالث: ومما يتفرع عما أسلفتُ ما ذكره الشيخ العلم تقي الدين ابن تيمية في \" الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح \" (١/٣٢٢): \" والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه، فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم، ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده، وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم، ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس، أو بصورة من يستغيث به من النصارى من أكابر دينهم إما بعض البتاركة، وإما بعض المطارنة، وإما بعض الرهبان، ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ","vol":"1","page":170},{"text":"في صورة ذلك الشيخ، كما يتمثل لجماعة ممن أعرفه في صورتي، وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك.\nويتمثل كثيرًا في صورة بعض الموتى، تارة يقول: أنا الشيخ عبد القادر، وتارة يقول: أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري، وتارة يقول: أنا الشيخ عدي، وتارة يقول: أنا أحمد بن الرفاعي، وتارة يقول: أنا أبو مدْين المغربي، وإذا كان يقول: أنا المسيح أو إبراهيم أو محمد، فغيرهم بطريق أولى.\nوالنبي ﷺ قال: \" من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي \"، وفي رواية: \" في صورة الأنبياء \"، فرؤيا الأنبياء في المنام حق، وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته.\nوبعض الناس يسمي هذا روحانية الشيخ، وبعض الناس يقول: هي رفيقه، وكثير من هؤلاء من يقوم من مكانه ويدع في مكانة صورة مثل صورته، وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يقول يرى في مكانين، ويرى وافقًا بعرفات وهو في بلده لم يذهب، فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين.\nوالصادقون قد رأوا ذلك عيانًا لا شكون فيه، ولهذا يقع النزاع كثيرًا بين هؤلاء وهؤلاء، كما قد جرى ذلك غير مرة، وهذا صادق فيما رأى وشاهد، وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح، لكن ذلك المرئي كان جنيًا تمثل في صورة إنسان\" اهـ.\nوذكر -﵀- في \" قاعدة في التوسل والوسيلة \" من تفصيل ذلك ما يزيد المؤمنين هدى، ومما قال (١/١٧٤) \" مجموع الفتاوى \": \"وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى، ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من الحكايات ما يطول وصفه.","vol":"1","page":171},{"text":"فإنه ما من أحدٍ يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيًا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلالة، كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم، أو يظنون أنه في صورتهم، ويقول: أنا فلان، ويكلمهم ويقضي بعض حوائجهم، فإنهم يظنون أن الميت المتسغاث به هو الذي كلمهم وقضى مطلوبهم، وإنما هو من الجن والشياطين.\nومنهم من يقول: هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين، وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله، وفي مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي يعرفها من هنالك، ومن وقعت له ما يطول وصفه\" اهـ.\nفقَطْع الكاتب بأن أرواح الموتى تغيث من يستغيث بها، كالأحياء بل أشد وأعظم، من الشرك الذي خدعت الجن والشياطين به طوائف من الناس، فتقربوا إلى المقبورين، وإنما تقربوا في الحقيقة إلى شياطين الجن، فتشكلت لهم الجن وأرضوهم حيث أشركوا بهم، وهذا ما يريده إبليس اللعين، وقد أطاعه فيه عباد القبور، والمنافحون عنهم.\nقال الكاتب ص٩٦ شارحًا لمعنى حديث: \" إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله \" قال: \" هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستغاثة بما سوى الله، كما يفيده ظاهر لفظه، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله، والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله.\nفالمعنى: وإذا أردت الاستغاثة بأحد من المخلوقين -ولابد لك منها- فاجعل كل اعتمادك على الله وحده، ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب -ﷻ- ولا تكن ممن يعلمون ظاهرًا من هذه الارتباطات","vol":"1","page":172},{"text":"والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض، وهم عن الذي ربط بينها غافلون \" اهـ.\nأقول: هذا التفسير لقول رسول الله ﷺ بناه الكاتب على مفهوماته للتوحيد وهو توحيد الربوبية، وفسره تفسيرًا لم ينقله عن عالم يركن إلى تفسيره وشرحه، ولا إلى إمام يحتذى حذو فهمه ويتابع عليه.\nفإذا كان من عند نفسه فلا شك أنه لن يقبل ولن يصار إليه، والعجب منه كيف جُرُأته على تحريف مرادات رسول الله ﷺ لنصرة هواه.\nومما يدل على بطلان ما فسره به:\nأولًا: أن هذه الوصية من رسول الله ﷺ لابن عباس منقبة لابن عباس، ولو فسرت بما فسرها به الكاتب لكانت غير منقبة، إذ تفسيره يدل على أن المخاطب معه أدنى درجات الإيمان والتوحيد، فهو يحذر من الوقوع في براثن رؤية الأسباب، وحاشا ابن عباس -﵁عن ذلك.\nالثاني: أن هذا الشرح خارج عما قاله الشراح من أهل العلم، وما كان كذلك فهو من الهوى إن لم يقم صاحبه عليه دليلًا صحيحًا نقلًا ونظرًا، وهو مما ليس في قول الكاتب هنا، وأنى له ذلك.\nقال الحافظ الفقيه ابن رجب في \" شرح الأربعين \" (٢/٢٢٨): قوله ﷺ: \" إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله\" هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فإن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، كذا روي عن النبي ﷺ من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ: \" الدعاء مخ العبادة \".","vol":"1","page":173},{"text":"فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله ﷿، ولا يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره، فأما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: ﴿وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: \"سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل \"، وفيه أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من لا يسأل الله يغضب عليه \"، وفي حديث آخر: \" ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع \".\nوفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا منهم: أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه\".\nثم قال ابن رجب: \" واعلم أن سؤال الله ﷿ دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار.\nولا يصح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك \" انتهى كلام ابن رجب.\nوقال ابن حجر الهيتمي المكي في \" الفتح المبين شرح الأربعين \" (ص١٧٢): \" فمع النظر لذلك لا فائدة لسؤال الخلق مع التعويل عليهم فإن قلوبهم كلها بيد الله ﷾، ويصرفها على حسب إرادته، فوجب أن لا يعتمد في أمر من الأمور إلا عليه ﷾، فإنه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، له الخلق وله الأمر. . . ثم قال:","vol":"1","page":174},{"text":"\" فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوق يبعد عن مولاه لضعف يقينه ووقوعه في هوة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين، فأعرضوا عما سواه وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرمه وجوده \" اهـ.\nوفي \" الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين النووية \"، قال إبراهيم بن مرعي المالكي ص ١٧٨:\n\"وإذا استعنت أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والدين، ولذا حذف المعمول المؤذن بالعموم: \" فاستعن بالله\"؛ لأنه القادر على كل شيء، وغيره عاجز عن كل شيء، والاستعانة إنما تكون بقادر على الإعانة، وأما من هو كلٌّ على مولاه لا يقدر على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلًا عن غيره، فكيف يؤهل للاستعانة أو التمسك بسببه؟ ! ومن كان عاجزًا عن النفع والدفع عن نفسه، فهو عن غيره أو أعجز، ليت الفحل يهضم نفسه.\nفاستعانة مخلوق بمخلوق كاستعانة مسجون بمسجون، فلا تستعن إلا بمولاك فهو دليلك في أخراك وأولاك، كيف تستعين بعبد مع علمك بعجزه؟ ! فمن لا يستطيع دفع نازلة عن نفسه كيف يدفعها عن غيره، من أبناء جنسه؟ ! فلا تنتصر إلا به فهو الولي الناصر، ولا تعتصم إلا بحبله فإنه العزيز القادر \" انتهى.\nفهذه شذرة من كلام أهل العلم، يبين بها خروج الكاتب بمفاهيمه عن فهمهم ومن كان كذلك فليس منهم.\nالثالث: إذا كان هذا كلام العلماء فيمن هو حي يقدر على إجابة السؤال وإعانة الطالب، فما ظنك بالميت الذي هو أضعف في إجابته من الحي، بل لا يجيب حيًا سأله في أمرٍ يتعلق به، فالميت مشغولٌ بنفسه: إما في نعيم وروضة وإما في جحيم وحفرة.","vol":"1","page":175},{"text":"قال كاتب المفاهيم العجيبة:\n\" هذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقًا من كل وجه وبأي طريق إلا بالله، ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج عن الملة\".\nأقول: إن من خَطَّأَ العلماء لا يؤبه لكلامه، فالحي الأولى له والأكمل تحقيقًا لتوحيده، أن لا يسأل أحدًا شيئًا ولا يستعين بأحد مطلقًا إلا بالله، فهذه مرتبة الأنبياء والصديقين، ولذا قال أنس بن مالك -﵁-: \"خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فو الله ما قال لي: أفٍ قط، ولم يقل لشيء فعلته، لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ \" وبهذا أوصى طائفة من أصحابه أبا بكر وأبا ذر وثوبان، فهذا من تحقيق كمال التوحيد.\nوأما سؤال الميت الأشياء والاستعانة به، فهو منافٍ للتوحيد من أصله، إذ الميت لا يمكنه إعانة نفسه، فكيف يعين غيره؟! والميت لأن يعين نفسه أحرص وأشد رغبة، فهو عن الناس في شغل، وحدُّه وقصاراه نفسه لا غير.\nوقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يعني: سمع إجابة، والكاتب يماحل نفسه، ويلوي أقوال الرسول ﷺ لتوافق مذهبه، ولو كانت مخالفة لقول أهل العلم أجمعين.\nثم إن في تفسيره الحديث بما فسره به تنقصًا لابن عباس -﵄وقع فيه من جراء اختلاق التفاسير والشروح، ومن خالف وقع.\nثم أراد أن يقوي نظرته المخالفة لأقوال أهل العلم بما ليس بدليل، فمما قال ص٩٧:","vol":"1","page":176},{"text":"\" وقال ﷺ: \"إن لله خلقًا خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله\"، فانظر إلى قوله ﷺ: \"يفزع إليهم في حوائجهم\" ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين \".\nأقول: لم يذكر مخرج الحديث، فقد رواه الطبراني في \" المعجم الكبير \" ١ عن ابن عمر -﵁- قال الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (٨/١٩٢): فيه شخص ضعفه الجمهور، وأحمد بن طارق الراوي عنه لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، هذا ما نقله المناوي في \" فيض القدير \" (٢/٤٧٧-٤٧٨) عن الهيثمي وما في المجمع المطبوع مختل، وبه بياض فلتراجع نسخة مضبوطة.\nورواه ابن عساكر في \" تاريخه \" عن ابن عمر. ورواه ابن عدي في \" الكامل في ضعفاء الرجال \" (٤/١٥٠٧) من طريق عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو قال حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر به.\nوهذا إسناد ضعيف جدًا وإن قيل بوضعه كان متجهًا؛ لأن عبد الرحمن حدث عن أبيه بالموضوعات كما قاله الحاكم وغيره، والراوي عنه عبد الله بن إبراهيم من الضعفاء.\nوأورد الكاتب أحاديث في الحث على قضاء حوائج الناس، مستدلًا بها على فساد فهم أهل العلم الذين قالوا بأن ترك سؤال المخلوق القادر على الإجابة من إكمال التوحيد، وأن من سأل من لا يقدر على الإجابة ممن زال عن دار العمل والتكليف دار الدنيا، فقد أشرك.\nوما فهم العلماء بفاسد، ولكن فهم المعجب بفهمه هو الفاسد، ونُذَكر الكاتب بقوله في أهل العلم: \" وكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الانحراف والزيغ عن طريق الإسلام\" ص ٣٩، وحق\n_________\n١ رقم (١٣٣٣٤)، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وعناه الهيثمي حيث قال: فيه شخص ضعفه الجمهور.","vol":"1","page":177},{"text":"هذا فما فتح لكاتب المفاهيم أبواب الاستفادة من أقوالهم؛ لأنه يعتقد فيها الانحراف، حيث قال:\n\" وهذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه\"، والذين أخطؤوا هم العلماء، فعلى نفسه حكم، ولمفاهيمه وزن.\nوختم كلامه على الحديث ص ٩٩ بعجب عجيب وأمر مريج فقال: \" وبهذا يبين أن المقصود من الحديث ليس ما توهموه، فإنه فاسد واضح الفساد كما تبين، وإنما المقصود الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعًا فيها\". وهذا التأويل يعرف الجهال فساده.\nقال ص ٩٨:\n\" ومن أخذ بالسبب الذي أمر الله بسلوكه لنيل جوده فما سأل السبب بل سأل واضعه، فقول القائل: يا رسول الله! أريد أن ترد عيني أو يزول عنا البلاء أو أن يذهب مرضي، فمعنى ذلك طلب هذه الأشياء من الله بواسطة شفاعة رسول الله ﷺ وهو كقوله: ادع لي بكذا واشفع لي في كذا، لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من ذلك\" اهـ.\nأقول:\nإن قول القائل: يا رسول الله! أريد أن ترد عيني أو أن يذهب مرضي من شرك التصرف، وهو شرك أكبر ناقل عن الملة.\nوأما قول القائل: ادع لي بكذا واشفع لي في كذا، سائلًا النبي ﷺ بعد موته فهو من شرك التقريب والشفاعة.\nوكلا الأمرين شرك ولكن الأول أعظم وأشد؛ لأن معناه إشراك رسول الله ﷺ في التصرف، فقائله -كما هو الحال المشاهد من قائلي مثل هذا مع غير النبي ﷺ من الصالحين- يعتقدون أن الميت يتصرف في جزءٍ من","vol":"1","page":178},{"text":"الكون، فبيده إشفاء المرضى بتفويض الله له ذلك، وبيده إزالة البلاء والقحط والنكبات، لتفويض الله له التصرف في جزءٍ من الكون.\nوهذا معلوم، والكاتب مغالط فيدعي معرفة عقائد كل من قال تلك الكلمات، وذاك من الدعاوي العريضة التي هي محض تخرص، أو مغالطة.\nفمن ذلك ما في \" رماح حزب الرحيم \" لعمر الفوني (١/٢١٩) ١ قال في النبي ﷺ: \"إنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته\" اهـ.\nوفي شعر لأحدهم٢ قال:\nفلذا إليك الخلقُ تفزَع كلهم\nفي هذه الدنيا وفي اليوم الأهم\nوإذا دهتهم كربة فرجتها\nحتى سوى العقلاء في ذاك انتظم\nجُدْ لي فإن خزائن الرحمن في\nيدك اليمين وأنت أكرمُ من قسم\nوعند عباد القبور المستغيثين بأصحابها من اعتقاد تصرفهم في العالم شيء كثير، وهو من أعظم الشرك، الشرك في الربوبية.\nومن أدلته على خطأ فهم العلماء لحديث ابن عباس قوله ص٩٨: \" ويكفي في بيان الخطأ أن الحديث نفسه إنما هو جواب منه -﵊لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله ﷺ أن يسأله فإنه قال: \"يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن\"، فأي تحريض على السؤال أجمل من هذا؟ قال ابن عباس: بلى\" اهـ.\n_________\n١ نقله عنه عبد الرحمن الوكيل في \" هذه هي الصوفية \" ص ٨١.\n٢ نقله عنه عبد الرحمن الوكيل في \" هذه هي الصوفية \" ص ٨٧.","vol":"1","page":179},{"text":"أقول: الحديث أخرجه الترمذي في \" جامعه \" (رقم ٢٥١٦) بإسناده عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: \"يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. . . \" الحديث. وأخرجه أحمد (١/٢٩٣) هكذا، وجماعة.\nهذه الرواية المشهورة القوية السند.\nوهي التي أشار إليها الكاتب حيث قال: \" هذا طرف من الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعًا\"، وليس فيها السؤال والجواب اللذان أوردهما.\nوإنما ورد ذلك من طريق ضعيفة منقطعة، أخرجها أحمد في \" المسند \" (١/٣٠٧) وغيره، وفي كلام أحمد شاكر على الحديث وبيان انقطاعه كفاية، فيرجع إليه (٤/٢٨٦-٢٨٨) .\nثم قال الكاتب: \" ولو جرينا على هذا الوهم ما صح على مقتضاه أن يسأل جاهل عالمًا ولا واقع في مهلكة غوثًا. . . إلخ\".\nأقول: هذا مما يعرف بالأسباب الظاهرة للعيان مما جاءت الشريعة بإقراره بين الناس، وأن لا حرج فيه، وأما سؤال الموتى فهذا من الأسباب الخفية التي جاءت الشريعة بردها ونهي الناس عنها، وقتال المشركين من العرب وغيرهم عليها.\nوشعر الكاتب فداحة الخطأ وتكثير الكلام فيما لا طائل تحته فقال: \"فإن قالوا: إن١ الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غير قادرين، وقد سبق رد هذا الوهم مبسوطًا \".\n_________\n١ في كلامه: أن بفتح الهمزة.","vol":"1","page":180},{"text":"أقول: جواب الشرط لم يذكره، والعبارة ركيكة، وأما رده عقيدة السلف والعلماء، فهو مردود عليه؛ لأنه -كما سبق- ينفي شرك التصرف ظاهرًا، ويقع في شرك القربى والزلفى. وأبطال دعواه فُصّل فيما كتبته عليها.\nثم تكلم الكاتب على حديث رواه الطبراني في \" معجمه الكبير \" ١ أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: \" إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله \". ساقه هكذا الكاتب.\nثم قال في معناه ص١٠١:\n\" فلا بد من تأويله بما يناسب عمومات الأحاديث لينتظم شمل النصوص، فنقول: إن المراد بقوله: ذلك هو إثبات حقيقة التوحيد في أصل الاعتقاد، وهو أن المغيث حقيقة هو الله تعالى والعبد ما هو إلا واسطة في ذلك\" اهـ.\nأقول:\nما أجرأ الكاتب على عسف الأحاديث، فإن أبا بكر -﵁- هو الصديق أول المؤمنين وصاحب رسول الله ﷺ في الغار، وفضائله وسبقه مشهور، أفيظن به أنه يحوم على خاطره استقلال الرسول ﷺ بالإغاثة؟ ! هل يجوّز مسلم أن يأتي على ذهن أبي بكر أن إغاثة الرسول -﵊- مستقلة؟ ! هذا ما قرره كاتب المفاهيم، وفي حمل الحديث على ما حمله عليه من هذا المعنى الباطل نسبة الصديق إلى غاية الضلال، وهو الشك في خالق الأسباب المتفرد بها، يالها من معانٍ سيئة\n_________\n١ لم أقف على إسناد الحديث في الموجود من \"المعجم الكبير\" لديَّ.","vol":"1","page":181},{"text":"قبيحة جرها عدم الفقه والفهم، فما أفسد وأشنع مفاهيمك يا كاتب المفاهيم!\nوفي الجعبة سهام مريشة، والاكتفاء بهذا الوجه في رد إفكه كاف، قال شيخ الإسلام في \" رده على البكري \" حين أورد جنس كلام كاتب المفاهيم قال ص ٢٠٤:\n\" والنبي ﷺ نفى وأثبت، وإن كان ما نفاه لم يخطر بقلوبهم، فأي حاجة إلى نفيه، وإن قيل: إنهم ظنوه فذلك بهتان عظيم، بخلاف ظنهم أنه يقدر على دفع المكروه١؛ فإن هذا الظن قد كان يقع منهم كثيرًا، وقد يكون الأمر كما يظنه الظان، فليس فيه قدح لا في الصحابة -﵃- ولا في الرسول ﷺ بخلاف من يقول: لا تعتقدوا في أني مثل الله أقدر وأستقل بالتأثير كما يفعله الله، فإن هذا المعنى لا يظنه به من هو دون الصحابة، فكيف يظنونه هم\" انتهى.\n_________\n١ يعني في حياته حين استغاثوا به.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الباب الرابع: التكفير</span>\n...\nالتكفير\nإن من أكبر المسائل التي تصد طوائف عن قبول الحق في مسائل التوحيد وإخلاصه لرب العالمين مسألة التكفير، وتصوير هذه المسألة قولهم:\nإن المسلم الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ ويصلي ويقيم الأركان الظاهرة، لا يمكن أن يكفر أبدًا، ويف يكفر وهو قائم بالأركان؟ !\nولا يتصورون أن هناك نواقض للإسلام تبطله وتناقض لا إله إلا الله، بل إن من الناس من يقول: من قال لا إله إلا الله فهو مسلم ولو لم يعمل، فترك العمل ممن قال كلمة التوحيد لا يخرجه عن الإسلام، وهذا المعروف من مذهب المرجئة والماتريدية، ومن تبعهم اليوم من الناس.\nوهذان القولان قديمان، ظهرا في العصور الأولى، وليسا جديدين، وأكثر من تشرح وتبين له مسائل إخلاص التوحيد، توحيد الله بأفعال العبيد -من ساقه الشيطان عدو ابن آدم إلى تعظيم الموتى، وطلب شفاعاتهم، ودعائهم، أو سؤالهم العطايا، والغفران، والمعافاة في الأبدان والبلدان- يكبر عليه الحكم على من صرف شيئًا مما ذكرنا للموتى بالشرك الأكبر المخرج من الدين.\nويقولون: أيكفر من نطق بالشهادتين وصلى وصام وزكى وحج؟ !\nلا يكفر أبدًا ولو دعا غير الله، ويستدلون بهذه المقدمة الفاسدة على إنكار أن يكون صرف ما ذكر بعضه للموتى شركًا، فيبطل عندهم الحق بالاستدلال العكسي.","vol":"1","page":185},{"text":"وفي هذا الباب بيان الحق في هذه المسألة التي أوغرت الصدور، لعدم نظر المبطلة في الأدلة الشرعية، وكلام أهل العلم في باب الاعتقاد، وكلامهم في باب المرتد.","vol":"1","page":186},{"text":"فصل\nوأعظم شروط صحة الإسلام هو إخلاص القلب وتوحيده، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَ الِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: ٥] والآيات لا تحصى، بل القرآن كله يدعو ويأمر بالإخلاص، إما بالمطابقة أو بالتضمن أو الالتزام، ومن تدبر هذا وجده كذلك.\nوفي السنة من الأمر بالإخلاص، وعدم قبول دين تاركه شيء كثير، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة -﵁- قال: قيل يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: \" لقد ظننت يا أبا هريرة! أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، أو نفسه \" قال الحافظ في \" فتح الباري \" (١/١٩٤): \" قوله: \" خالصًا\" احترازٌ من المنافق، ومعنى أفعل في قوله \"أسعد\" الفعل، لا أنها أفعل التفضيل، أي: سعيد الناس كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ \" اهـ كلام الحافظ.","vol":"1","page":187},{"text":"وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: \" إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه \" أخرجه النسائي في \" الجهاد \" (٦/٢٥) وإسناده حسن.\nوفي الباب أحاديث عدة، في إخلاص التوحيد والعمل، وبيان أن العمل ما لم يكن خالصًا لا يقبل وهو شرك، وأعظم الأعمال التوحيد، ومن لم يخلص العبادة لله فعمله مردود عليه، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: \" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه \" أخرجه مسلم (٨/٢٢٣) .\nوالعبادة تارة تكون بالجوارح -والإخلاص أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله- كالصلاة والصيام ونحو ذلك، وتارة تكون قلبية والجوارح مفصحة عن إرادة القلوب.\nفإن من الناس من قد يخفي رياءه وشركه، ولا يحب أن يطلع على ذلك الناس، كالمنافقين أظهر بجوارحه عبادة، وأشرك في قلبه ولم يخلص.\nولكن ليس أحدٌ من الناس المنتسبين للإسلام يظهر الشرك ويبطن التوحيد، فهذا غير موجودٍ، ولا هو حقيقة، فإن من أظهر بلسانه وعمله الشرك وترك الإخلاص فلا بد يقينًا أن يكون قلبه غير مخلص، وهذا لا مخالف فيه.\nويستثنى من ذلك المكره بالقتل كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، أما والمرء مختار راغب في العبادة فلا يعقل أن يظهر لفظًا شركيًا وقلبه مخالف لفظه.\nفالمظهر للإخلاص المبطن خلافه منافق كالمنافقين في زمن رسول الله ﷺ والمظهر الشرك مشرك من المشركين كالذين قاتلهم رسول الله ﷺ من مشركي العرب وغيرهم.","vol":"1","page":188},{"text":"فالمنافقون في زمن النبي ﷺ يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلون معه، ويصومون ويزكون ويؤدون الشعائر الظاهرة ومع كل هذا هم في الدرك الأسفل من النار، تحت الكفار وشر منهم؛ لأنهم لم يخلصوا أعمالهم لله، ولم يقولوا كلمة التوحيد بإخلاص، بل ناقض إظهار الإسلام أعمالٌ كفرية كتولي المشركين، والاستهزاء بالمؤمنين، ونحوها من المكفرات التي دلت على عدم إخلاصهم، فكفروا مع نطقهم بالشهادتين، وفعلهم أركان الإسلام.\nوهذا من أنفع البراهين الدالة على فساد قول من قال: إن من قال لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بالشعائر إنه لا يتطرق إليه كفر مع قيامه بالأركان، وهم نظروا إلى الظواهر، والأس الأعظم والركن الوثيق الإخلاصُ لم يلتفتوا له.\nوهذا الإخلاص هو مدلول كلمة التوحيد؛ ولذا سميت كلمة الإخلاص، فإن من قالها غير معتقدٍ ما دلت عليه من إخلاص العبادة لله فلا يسمى شاهدًا بها؛ ولذا كان الركن الأعظم من أركان الدين شهادة أن لا إله إلا الله، لا قول لا إله إلا الله فقط.\nفمن الخلق من يقولها بلسانه، ولكنه لا يشهد بها بقلبه، بمعنى: أنه لا يخلص ما دلت عليه، فهذا فقد من دينه الركن الأوثق وهو الإخلاص.","vol":"1","page":189},{"text":"فصل:\nولذا يجد المطالع في كتب أهل العلم الفقهية بابًا في كل كتاب منها يسمى: باب الردة، أعاذنا الله منها ومن ما قرب إليها، يذكرون فيه ألفاظًا يكفر بها المسلم ويصير مرتدًا مباح المال والدم، مع أن هذا المرتد يكون -غالبًا- يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويكون صائمًا حاجًا، ولكنه ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام كالشرك فصار مرتدًا عن الإسلام.\nوها أنا أسوق في هذا الموضع عبارات أهل العلم وكلامهم من المذاهب الأربعة المتبوعة لينجلي المقام، وتظهر حقيقة الحال، في هذا الأمر.\nقال في \" مختصر خليل على شرح الدردير \" (٦/١٤٤)، من كتب المالكية المعتمدة: \" الردة: (كفر مسلم) متقررٍ إسلامه بالنطق بالشهادتين مختارًا، يكون (بصريح) من القول كقوله أشرك بالله، (أو قول يقتضه) أي: يقتضي الكفر، كقوله جسم كالأجسام، (أو فعل يتضمنه) أي: يستلزمه لزومًا بينًا: (كإلقاء مصحف) أو بعضه ولو كلمة، وكذا حرقه استخفافًا، لا صونًا، ومثل إلقائه تركُه بمكان (قذر) . . . ومثل المصحف: الحديث وأسماء الله وكتب الحديث، وكذا كتب الفقه إن كان على وجه الاستخفاف بالشريعة. . إلخ \".\nقال الصاوي في \" حاشيته \" على أول كلامه: \" قوله: (متقرر إسلامه) إلخ: ظاهره أن الإسلام يتقرر بمجرد النطق بالشهادتين مختارًا، وإن لم يوقف على الدعائم، وليس كذلك، بل لابد في تقرير الإسلام من الوقوف على الدعائم والتزامه الأحكام بعد نطقه بالشهادتين\" انتهى.","vol":"1","page":190},{"text":"فعلم من هذا أن الردة تلحق المسلم القائل ألفاظ الشهادتين العامل بالأركان، وهو مذهب أهل العلم جميعهم، لا خلاف بينهم في ذلك.\nوالحنفية أكثر الفقهاء توسعًا في باب المرتد رعاية لجانب تعظيم آيات الله ودينه؛ حتى أنهم ليكفرون بألفاظ فيها نوع ترك التعظيم والاحترام الواجب لله ورسوله ودينه وعلماء المسلمين وعلومهم. فهاك نبذًا مما قاله ابن نجيم الحنفي في كتابه: \" البحر الرائق شرح كنز الدقائق \" (٥/١١٩-١٢٥):\n\" ويكفر إن اعتقد أن الله يرضى بالكفر، وبقوله: لو أنصفني الله تعالى يوم القيامة انتصفت منك، أو إن قضى الله يوم القيامة، أو إذا أنصف الله، وبقوله: بارك الله في كذبك. . . وبقوله: الله يعلم أني فعلت كذا وهو يعلم أنه ما فعل. . وبإتيان الكاهن وتصديقه، وبقوله: أنا أعلم المسروقات، وبقوله: لا أعلم أن آدم ﵇ نبي أو لا. . . ويكفر من أراد بغض النبي ﷺ بقلبه. . . ويكفر بقوله: إن كان ما قال الأنبياء حقًا أو صدقًا.\nوبرده حديثًا مرويًا إن كان متواترًا، أو قال على وجه الاستخفاف؛ سمعناه كثيرًا. . .، وباستخفافه بسنةٍ من السنن.\nوبإنكاره إمامة أبي بكر -﵁- على الأصح، كإنكاره خلافة عمر -﵁- على الأصح، لا بقوله: لولا نبينا لم يخلق آدم ﵇، وهو خطأ.\nوبقوله: لا أترك النقد لأجل النسيئة، جوابًا لقوله: دع الدنيا للآخرة. . . ويكفر بإنكاره أصل الوتر والأضحية، وباستحلال وطء الحائض.\nويكفر باستحلاله حرامًا علمت حرمته من الدين من غير ضرورة لا بفعله من غير استحلال. . .، وبقراءة القرآن على ضرب الدف أو القضيب، وباعتقاد أن القرآن مخلوق حقيقة، والمزاح بالقرآن كقوله: والتفت الساق","vol":"1","page":191},{"text":"بالساق، أو ملأ قدحًا وجاء به وقال: وكأسًا دهاقًا، أو قال عند الكيل أو الوزن وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، وقيل إن كان جاهلًا لا يكفر.\nوبترك الصلاة متعمدًا غير ناوٍ للقضاء، وغير خائف من العقاب، ويكفر بإتيانه عيد المشركين مع ترك الصلاة تعظيمًا لهم. ويكفر بقوله: إن هذه الطاعات جعلها الله عذابًا علينًا، بلا تأويل، أو قال: لو لم يفرض الله هذه الطاعات لكان خيرًا لنا، وبالاستهزاء بالأذكار، وبتسميته عند أكل الحرام، أو فعل الحرام كالزنا، ويكفر بالاستهزاء بالأذان لا بالمؤذن.\nويخاف الكفر على من قال للأمر بالمعروف: غوغا، على وجه الرد والإنكار، ويكفر بقوله له: فضولي. . . ويكفر بتصدقه على فقير بشيء حرام يرجو الثواب.\nويخاف عليه الكفر إذا شتم عالمًا أ، فقيهًا من غير سبب.\nوبخروجه إلى نيروز المجوس والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم، ويشرائه يوم النيروز شيئًا لم يكن يشتريه قبل ذلك تعظيمًا للنيروز، لا للأكل والشرب، وبإهدائه ذلك اليوم للمشركين ولو بيضة تعظيمًا لذلك اليوم. .\nوبتحسين أمر الكفار اتفاقًا، حتى قالوا: لو قال: ترك الكلام عند أكل الطعام من المجوس حسن، أو ترك المضاجعة حالة الحيض منهم حسن فهو كافر.\nوبذبحه شيئًا في وجه إنسان وقت الخلقة، أو للقادم من الحج أو الغزو، والمذبوح ميتة، وقيل: لا يكفر، وقوله لسلطان زماننا، عادل، وقيل: لا، وعلى هذا الاختلاف قول الخطباء في ألقاب السلطان: العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله وبقوله: لا تقل للسلطان","vol":"1","page":192},{"text":"هذا، حين عطس السلطان فقال له رجل: يرحمك الله. . . وباعتقاد أن الخراج ملك السلطان.\nويكفر بتلقين كلمة الكفر ليتكلم بها ولو على وجه اللعب.\nوكذا من حسن كلام أهل الأهواء وقال: معنوي، أو كلام له معنى صحيح، إن كان ذلك كفرًا من القائل كفرًا من القائل كفر المُحَسَّن، وكذا من حسن رسوم الكفرة، واختلف في تكفير من قال: إن إبراهيم بن أدهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة.\nقال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر. وفي \"الجامع الأصغر \": إذا أطلق الرجل كلمة الكفر عمدًا لكنه لم يعتقد الكفر قال بعض أصحابنا: لا يكفر؛ لأن الكفر يتعلق بالضمير ولم يعقد الضمير على الكفر، وقال بعضهم: يكفر، وهو الصحيح عندي لأنه استخف بدينه. . .\nوالحاصل أنه من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده. . . إلخ\" انتهى كلام ابن نجيم، وهو منبٍ عن كثير من ألفاظٍ يكفر بها عند الحنفية وكثير من غيرهم.\nوقال الخطيب الشربيني في شرحه لمتن أبي شجاع المسمى \" غاية الاختصار \" من الكتب الفقهية الشافعية (٢/١٧٥) بعد تعداد صور يكفر بها المسلم: \" وهذا باب لا ساحل له\" اهـ وفي الكبائر لابن حجر الهيتمي من ذلك شيء كثير وكذا في \" قواطع الإسلام \" له.\nوقال مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه \" غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى \" (٣/٣٥٣): \" من ادعى النبوة أو صدَّقه، أو أشرك بالله تعالى، أو سبه، أو رسولًا أو ملَكًا له، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة. . . أو كتابًا أو رسولًا أو ملَكًا له، أو وجوب عبادة من الخمس ومنها الطهارة، أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، بلا تأويل","vol":"1","page":193},{"text":"كتحريم زنا أو لحم -لا شحم- خنزير، أو حشيشة، أو حل خبز، ونحوه أو شك فيه ومثله لا يجهله، أو يجهله وعرف وأصرّ، أو سجد لصنم أو كوكب، ويتجه السجود للحكام بقصد العبادة كفر، وللتحية كبيرة، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعًا، قاله الشيخ.\nأو أتى بقولٍ أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، أو امتهن القرآن -صانه الله تعالى -أو ادعى اختلافه أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته كفر. . . إلخ \".\nفلعله بهذه النقول عن فقهاء المذاهب الأربعة يظهر الحق، ويبطل قول من قال: إن المسلم القائل بالشهادتين القائم بالأركان لا يكفر، كما يدندن حوله كثير من غلاة القبوريين منذ أزمان.","vol":"1","page":194},{"text":"فصل\nفإذا تقرر إجماع أهل العلم أن الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول، ويصلي ويزكي ويصوم ويحج، قد يخرج من الدين جملة، فيكون مرتدًا لقولٍ يقوله، أو فعلٍ يفعله، أو اعتقادٍ يقوم بقلبه، فإننا بعد ذلك نقيم البرهان من كلام أهل العلم على تكفير عباد القبور، العاكفين عليها الداعين أصحابها، أو المستشفعين بأهل القبور كائنًا من كانوا، وإن في كلام الله -﵎- وسنة رسوله ﷺ لأكبر العلم الذي ليس بحاجة معه إلى نقل كلام آخر، ولكن من الناس من لا يفقه دلائل الكتاب والسنة حتى تنقل له أقوال العلماء، وإن هذا الفصل منشأ لهذه الغاية، بما لا يظل بعده للمنازع حجة، ولا سبيل إلى الاعتراض، إذ من تأتي النقول عنهم صرحوا بكفر وشرك من سأل غير الله، أو اتخذه واسطة.\nفمنها: ما قاله ابن حجر الهيتمي في \"شرح الأربعين\" قال: \"من دعا غير الله فهو كافر\" اهـ.\nومنها: ما قاله الشيخ العلامة صنع الله بن صنع الله الحلبي ثم المكي المتوفي سنة ١١٢٠هـ في كتابٍ رد به على من ادعى أن للأولياء تصرفًا في الحياة وبعد الممات، قال:\n\" هذا وإنه قد ظهر الآن بين المسلمين، جماعات يدعون أن للأولياء تصرفاتٍ في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات. . .، قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة \".","vol":"1","page":195},{"text":"ثم ساق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وذكر آياتٍ في هذا المعنى ثم قال: فقوله في الآيات كلها: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده. . . إلى أن قال:\nوأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿نَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] .\nثم قال: \" وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله، وأبدع، لمصادمة قوله جل ذكره: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٢]، ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّنظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] \"، وذكر آياتٍ لهذا المعنى ثم قال: \"فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المستعان لكشف الشدائد والكرب، وأنه المتفرد بإجابة المظطرين، وأنه المتسغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير فهو المنفرد بذلك.\nفإذا تعين -جل ذكره- خرج غيره من ملك ونبي وولي، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربةٍ أو قضاء حاجته تأثيرًا فهو على شفا حفرة من السعير.","vol":"1","page":196},{"text":"قال: فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَيُنقِذُونِ﴾ [يّس: ٢٣] .\nفإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره) انتهى كلام العلامة صنع الله الحلبي ثم المكي الحنفي١.\n٣. وقال العلامة أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ صاحب التصانيف في كتابه \" تجريد التوحيد المفيد \" ص ٨:\n\" وشرك الأمم كله نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، والذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ويشفعوا لنا عنده، ولنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك، وأقاربه وخاصته.\nوالكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده، وتقبح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل -صلوات الله عليهم -متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك تعالى من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله \".\n_________\n١ باختصار من تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله، ص (١٩٦-١٩٩) .","vol":"1","page":197},{"text":"وقال ص ١٢-١٣: \" والناس في هذا الباب أعني: زيارة القبور على ثلاثة أقسام: قوم يزورون الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزيارة الشرعية. وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء المشركون في الألوهية والمحبة١ وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وقد قال النبي ﷺ: \" اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد \" وهؤلاء هم المشركون في الربوبية\".\nوقال المقريزي أيضًا ص ١٨-١٩:\n\" ومن خصائص الألوهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبهه به، ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه فمن حلف بغيره فقد شبهه به، ومنها الذبح له فمن ذبح لغيره فقد شبهه به، ومنها حلق الرأس إلى غير ذلك.\nهذا في جانب التشبيه، أما في جانب التشبه فمن تعاظم وتكبر ودعى الناس إلى إطرائه ورجائه ومخافته، فقد تشبه بالله، ونازعه في ربوبيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه\" انتهى.\nوقال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي في \" شرح درر البحار \": \"إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلًا: يا سيدي فلان! إن رُدّ غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب والفضة أو الشمع أو الزيت كذا باطل إجماعًا، لوجوه: -إلى أن قال-: \"منها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقادُ هذا كفر\" انتهى، نقله عنه جماعة منهم سراج\n_________\n١ يعني بـ \"يدعون بهم\" الاستشفاع بهم، وسؤالهم الشفاعة والتوسط، ولا يعني التوجه بالذوات أو الجاه ونحو ذلك؛ لأن هذا ليس شركًا، بل بدعة ووسيلة إلى الشرك.","vol":"1","page":198},{"text":"الدين بن نجيم في \" النهر الفائق شرح كنز الدقائق \"، وعنه نقل الشوكاني في \" الدر النضيد \" ص ٤٠، وغيرهم.\nوقال العلامة محيي السنة في الأصقاع اليمانية حسين النعمي المتوفى سنة ١١٨٧هـ في كتاب \" معارج الألباب في مناهج الحق والصواب \" ص ٢٠٩ بعد كلام طويل في الدعاء: \" فدعاءُ غير الله تعالى: إخراج للدعاء عن محله وموضوعه، كقيامه بتلك الصلاة على تلك الكيفية للمقبور والحجر، سواء بسواء، والفصل بين الصلاة والدعاء: فصلٌ بين متآخيين، وتفريق بين قدين، وإلا فليجعلوا للمقبور صلاة وصيامًا، ونحوهما، يفارق الذم والتشريك، ويكون صالحًا خاليًا عن الفساد والمنكر، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم \" اهـ.\nوكتابه كله في موضوع القبور، وعبادها، وفيه من البراهين المنيرة، والحجج القويمة ما يرجع كل ضال كتبت له الهداية إلى سواء الصراط.\nوقال قرين النعمي ومؤاخيه في نصر السنة في اليمن العلامة محمد ابن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢ في داليته المشهورة في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب:\nويَعْمُر أركانَ الشريعةِ هادمًا\nمشاهدَ ضلَّ الناسُ فيها عن الرشد\nأعادوا بها معنى سُوَاعٍ ومثله\nيغوثُ وودٌ بئسَ ذلك من وَدّ\nوقد هتفوا عند الشدائد باسمها\nكما يهتِفُ المضطرُّ بالصَمَدِ الفرد\nوكم عقروا في سَوْحها من عقيرةٍ\nأهلْتْ لغير الله جهلًا على عمد\nوقال في كتابه \" تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد \" ص ١٥:\n\" والنذور بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه: هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما يفعلونه","vol":"1","page":199},{"text":"لما يسمونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها، ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية\" اهـ.\nوقال عالم اليمن في القرن الثالث عشر محمد بن علي الشوكاني في \" الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد \" ص ١٩ بعد سياقه الأدلة على كفر عباد القبور المستشفعين والمستغيثين بأصحابها: \" فإن قلت: إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات، قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه.\nقلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز.\nثم قال ص ٢١: \" فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها.\nقلتُ: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم، فن من استغاث بالأموات، أو طلب منهم ما لا يقدرُ عليه إلا الله سبحانه، عظّمهم أو نذر لهم بجزء من ماله، أو نحر لهم، فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله، ولا عمل بها، بل خالفها اعتقادًا وعملًا، فهو في قول لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل إلهًا غير الله\" اهـ.\nومثل هذه النقول كثيرة في الشرق والغرب من علماء كل بلد، الذين تخلصوا من التقليد والتبعية للمشايخ الكذبة المستفيدين من المساكين الجهلة.","vol":"1","page":200},{"text":"والنقول كثرة فتتبعها تجد ما قلنا، وما زال أهل العلم١، في كل قرن ينكرون هذه الأمور ويكفرون فاعلها، ففي القرن الخامس: أنكرها وكفر بها ابن عقيل الحنبلي صاحب الفنون.\nوفي السادس: ابن الجوزي، وفي السابع: أبو شامة والنووي وغيرهم وابن تيمية، وفي الثامن: ابن القيم وابن عبد الهادي وابن كثير وابن مفلح وكلهم حفاظ مشهورون، وفي التاسع: المقريزي وغيره كابن قطلوبغا، وفي العاشر: البركوي، وفي الحادي عشر: صنع الله الحلبي والبهوتي، وفي الثاني عشر: جماعات تفرقت بلدانهم والتقت كلماتهم بهدي ربهم، ففي وسط الجزيرة محمد بن عبد الوهاب، وفي اليمن النعمي والصنعاني، وغيرهم جماعات ثم بعد ذلك كثر القول بالحق في أصقاع الأرض في الهند والعراق ومصر والشام والجزيرة وغيرها من البلدان في الشرق والغرب.\nولو قال عالم أو عالمان في مسألة حكمًا بدليها لوجب الرجوع إلى قولهما، فكيف بأمة من العلماء ينهون ويحذرون عن هذا الشرك وأدلتهم أوضح أدلة، وأصحها في النقليات، وأصرحها في العقليات؟ !\nفليخف كل إنسان على نفسه وإسلامه، فإن الأمر أمر كفر وإسلام، وإلحاد وإيمان، فالخوف الخوف، والنجاة النجاة يا عباد الله!\n_________\n١ ومن ذكرت أسمائهم على سبيل التمثيل والتصريح.","vol":"1","page":201},{"text":"فصل\nوللشيخ تقي الدين ابن تيمية وعلماء الحنابلة الأقوال المستفيضة في كفر متخذ الشفعاء والأنداد من الأموات، فهاك بعضها تتميمًا للمقام:\nقال شيخ الإسلام: \" من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، يدعوهم، ويسألهم -كفر- إجماعًا\" نقله عنه جماعة مقررين له، ومنهم ابن مفلح في \" الفروع \" (٦/١٦٥)، والمرداوي في \" الإنصاف \" (١٠/٣٢٧)، والشيخ مرعي في \" غايةالمنتهى \" (٣/٣٥٥)، وفي \" الإقناع وشرحه \" (٤/١٠٠)، ونقله من غير الحنابلة ابن حجر الهيتمي المكي في \" قواطع الإسلام \".\nقال الشيخ سليمان في \" تيسير العزيز الحميد \" ص ١٩٤: \"وهو إجماع صحيح ومعلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر، أي: عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات.\nوقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن دعاء الله عبادة له، فيكون صرفه لغير الله شركًا\" اهـ.\nوقال ابن تيمية في \" الرسالة السنية \":\n\" فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل\" اهـ.\nوقال تلميذه ابن القيم في \" مدراج السالكين \" (١/٣٤٠):\n\" والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله،","vol":"1","page":202},{"text":"وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد.\nوقال: وترى المشرك يكذب حالُه وعملُه قولَه، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله ثم يغضب لهم ولحرماتهم -إذا انتهكت -أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده، فإنك ترى المشرك يفرح ويُسَرّ ويحن قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة، وضيق وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك.\nرأينا والله منهم هذا عيانًا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة، ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا، فقال هؤلاء: انتقصتم مشايخنا\" اهـ.\nوقال الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه \" الصارم المنكي \" آخر ورقة منه: \" قوله -أي السبكي-: إن المبالغة في تعظيمه واجبة١ أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره، والسجود له والطواف له، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن شاء، ويدخل الجنة من شاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين\" اهـ.\n_________\n١ أي: تعظيم الرسول ﷺ.","vol":"1","page":203},{"text":"فتدبر مقالة هذا الحافظ العلم، والحافظ قبله، تعلم منه أن الخزي والسوء على المشركين، الذين سهلوا قيادهم لمردة الشياطين وجند إبليس، وهو على إضلالهم حريص، فقال لرب العالمين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢، ٨٣] .\nفافطن لهذه المواضع التي التقت فيها كلمة أهل العلم الذين أثنى عليهم وشهد لهم بالإمامة والفقه واتباع السنة علماء عصرهم، ومن بعدهم إلى يومنا.\nوبهذه النقول الجليات، والكلمات الواضحات، والأحرف النيرات، من العلماء الأعلام، تنزاح شبه طالما علقت بقلوب الذين زين لهم المتسيدون الفساد والشرك جهلًا أو عن علم.\nوالواجب الوقوف على هذه المكفرات، المحكوم على مرتكبها، بالشرك الأكبر المخرج من الدين، والنظر فيها وفقه معانيها، وسؤال الله الابتعاد عنها، وتجنب أهلها، والبراءة منهم قولًا وعملًا.\nويتحتم شرعًا على طالب السلامة، مبتغي الجنة ورضا رب العالمين أن يتعلم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ويتعلم فضله، وأنواعه، وأن يتعلم حكم ضده ليحذر منه، من الشرك الأكبر ووسائله ودواعيه.\nوليستقيم طالب النجاة على التوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا، وليباعد نفسه من كل ما يخدشه، أو يكْلِمه، وليوطن نفسه على تحقيقه كاملًا تامًا من شوائب النقصان، فبهذا تنال الكرامة عند الله، ويلحق المؤمن بأفضل الخلق محمدٍ ﷺ، وبأصحابه، والصديقين والشهداء، ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .","vol":"1","page":204},{"text":"فصل\nقال الشوكاني في \" الدر النضيد \" ص (٢٧-٢٨):\n\"واعلم أن ما حررناه وقررناه من أن كثيرًا مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركًا، قد يخفى على كثيرٍ من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفيًا في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر وكونه قد شاب عليه الكبير وشب عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه، ويندب الناس إليه.\nوينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر، ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت؛ ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا.\nوربما يهولون على الزائر لذلك الميت، ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه. . . ثم قال:\nفبمجوع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة، وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما تعلمه من العلم بعد ذلك، بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه، وإذا سمع من يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه؛ لأنه يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى","vol":"1","page":205},{"text":"كونه من أقبح المقبحات وأكبر المحرقات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودب فيه الأخلاف، وتعادوته العصور، وتناوبته الدهور.\nوهكذا كل شيء يقلد الناس في أسلافهم، ويحكمون العادات المستمرة، وبهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرًا والمنكرمعروفًا، وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه، حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك ولم تقبله طبائعهم، ونالوا ذلك المرشد بكل الكره، ومزقوا عرضه بكل لسان) انتهى كلام العلامة الشوكاني، وهو فصل فيما ذكرهن فعسى الله أن يهدي به أقوامًا إلى طريقه القويم، وصراطه السابل الكريم.","vol":"1","page":206},{"text":"فصل\nوكثيرًا ما يردد المفتونون بالقبور، الغالون في الصالحين في منع الحكم على فعلهم بالشرك أن هذه الأمة لا يقع فيها إشراك بالله، ورجوع إلى أديان من سبق من الأمم، فيحتجون بهذا مع احتجاجهم بمنع تكفير من تلفظ بلا إله إلا الله، ولم يعمل بما دلت عليه من إخلاص العبادة لله، وإفراده وحده بأنواع أفعال العباد كالمحبة والرجاء والخوف -خوف السر- والدعاء والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر ونحوها.\nورسول الله ﷺ قد قطع هذه الشبهة من القلوب، وبصر أمته بهذه المسألة فتركها وقد حذر وأنذر وأخبر، فحذر من سلوك مسلك اليهود والنصارى، وأخبر بأن أمته تحذو الأمم قبلها في ما عملته تلك الأمم من شرك وعصيان، فروى الشيخان البخاري ومسلم في \" صحيحيهما \" عن أبي سعيد الخدري -﵁عن النبي ﷺ قال: \" لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم \"، قلنا: يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \" هذا لفظ البخاري (١٣/٣٠٠)، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة.\nقال ابن بطال في \" شرح البخاري \": \"أعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع، والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس\" اهـ.","vol":"1","page":207},{"text":"قال الشيخ سليمان بن عبد الله١: \"وهذا من معجزاته، فقد اتبع كثير من أمته سنن اليهود والنصارى وفارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم، وإقامة شعارهم في الأديان والحروب والعادات من زخرفة المساجد، وتعظيم القبور واتخاذها مساجد، حتى عبدوها ومن فيها من دون الله، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت. . . واتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، والإعراض عن كتاب الله، والإقبال على كتب الضلال من السحر والفلسفة والكلام، والتكذيب بصفات الله التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ\".\nقال: \" إن الأمم قبلنا وجد فيها الشرك، فكذلك يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع\"، وروى أحمد في \" المسند \" (٥/٢٧٨، ٢٨٤)، وأبو داود في \" السنن \" (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، والحاكم (٤/٤٤٩)، وغيرهم عن ثوبان -﵁- في حديثٍ قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان \".\nهذا لفظ أحمد وأبي داود، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ففي الحديث الرد على من قال بخلافه من عباد القبور، الذين ينكرون وقوع الشرك وعبادة الأوثان في هذه الأمة.\nوفي معناه ما أخرجه البخاري (١٣/٧٦)، ومسلم (٨/١٨٢) عن أبي هريرة مرفوعًا: \" لا تقوم الساعة حتى تضطرب ألياتُ نساء دوس على ذي الخَلَصة \".\n_________\n١ تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٠-٣٢١ ط. الأولى.","vol":"1","page":208},{"text":"وأخرج مسلم (٨/١٨٢) عن عائشة مرفوعًا: \" لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى \".\nوصدق رسول الله ﷺ تسليمًا كثيرًا، وإن عبادة اللات والعزى لكائنة.\nقال ابن بطال في شرحه للبخاري: \" هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ \" اهـ.\nففي هذه الأحاديث دليل على أن الأمة يكون فيها الشرك قبل قيام الساعة، وفي حديث ثوبان دليل واضح على وقوع الشرك في قبائل، وفي لفظ: \" فئام\" أي: جماعات كثيرة، وهناك قبائل من أمته على الحق ثابتون، فدل على أن هذا عند غربة الدين واشتداد ذلك، وهذا من علامات القيامة الصغرى التي تكون قبل قيام الساعة بأزمان مديدة، شأنها شأن سائر العلامات الصغرى التي تكون كما أخبر نبي الله ﷺ من بعد موته إلى قرب قيام الساعة.\nوهذه العلامات كثيرة في أحاديث مشهورة، ولحوق قبائل من أمته بالمشركين، وعبادة قبائل الأوثان من جنسها مما يكون شيئًا إلى قيام الساعة.\nوحديث عبادة اللات والعزى وذي الخلصة تكون العبادة -وهو الظاهر- لها بأعيانها، وقد يكون أراد أجناسها مما يعبد من دون الله، والأول أليق لتعين حمل النص على ظاهره.","vol":"1","page":209},{"text":"فصل\nويحتج بعض المبتدعة المخرفين بحديثٍ رواه مسلم في \" الصحيح \" (٨/١٣٨): عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم \"١.\nوالجواب: أن يقال: إن الشيطان أيس بنفسه -ولم يُأَيَّس- لما رأى عز الإسلام في حياة النبي ﷺ، وإقبال القبائل على الدخول في هذا الدين الذي أكرمهم الله به، فلما رأى ذلك يئس من أن يرجعوا إلى دين الشيطان، وأن يعبدوا الشيطان أي: يتخذوه مطاعًا.\nوهذا كما أخبر الله عن الذين كفروا في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فهم يئسوا أن يراجع المسلمون ما عليه المشركون من الدين الباطل القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، وصرف العبودية إلى أشياء مع الله أو من دونه.\nفلما رأى المشركون تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، وكذا الشيطان يئس لما رأى عز المسلمين ودخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب.\nوالشيطان -لعنه الله- لا يعلم الغيب، ولا يعلم أنه ستحين له فرص يصد الناس بها عن الإسلام والتوحيد، وكانت أول أموره في صرف الناس لعبادته بعد موت النبي ﷺ، حيث أطاعه أقوام وقبائل، فارتدت عن الإسلام إما بمنع الزكاة، أو باتباع مدعي النبوة.\n_________\n١ ساقه صاحب المفاهيم ص ٢٧ هكذا: \" إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم -جزيرة العرب\"، فحذف كلمة \" المصلون\" الثابتة.","vol":"1","page":210},{"text":"فنشط وكانت له جولة وصولة ثم كبته الله، والمقصود أن الشيطان ييئس إذا رأى التمسك بالتوحيد والإقرار به والتزامه، واتباع الرسول ﷺ وهو حريص على أن يصد الناس عن هذا.\nولذا تمكن من هذا في فتراتٍ مختلفة، فعبده القرامطة عبادة طاعة وهم في الجزيرة وأفسدوا ما أفسدوا، وعبده من بعدهم مما يعرفه أولو البصيرة. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠-٦١] .\nقال أبو جعفر محمد بن جرير إمام المفسرين -﵀- في \" تفسيره \" (٢٢/٢٣ حلبي): \"يقول: وأَلَم أعهد إليكم أن اعبدوني دون كل ما سواي من الآلهة والأنداد، وإياي فأطيعوا، فإن إخلاص عبادتي، وإفراد طاعتي، ومعصية الشيطان هو الدين الصحيح والطريق المستقيم \" انتهى.\nثانيًا: إن نبينا محمدًا ﷺ قد أنزل عليه هذا القرآن الذي فيه فصل ما بين الشركوالتوحيد، ونُوَّع هذا في القرآن وقرر حتى صار مما يعلم بالضرورة أن النبي محمدًا ﷺ بعثه الله يدعو إلى التوحيد -توحيد العبادة -وينهى عن الشرك وهو اتخاذ الأنداد وعبادة غير الله ومحبة غيره كمحبة الله.\nفهذا معلوم بالضرورة، وأن النبي ﷺ قاتل أناسًا مقرين بتوحيد الربوبية وهو أن خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ومحيهم ومميتهم، قاتلهم ليقروا ويلتزموا بتوحيد الإلهية الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.\nفبهذا الأصل وهو الركن الأوثق والطود الأعظم نعلم يقينًا أن الله -جل وعلا-لم يترك هذا الأمر ملتبسًا أو مما يجتهد فيه أهل الذكر، بل هو أصل مقطوع به، مجزوم به لا اشتباه فيه ولا التباس، كما قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في حديث العرباض بن سارية الصحيح:","vol":"1","page":211},{"text":"\" تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك \"، فهذه البيضاء هي مضمون لا إله إلا الله، وهي إفراد الله بالعبادة وخلع الأنداد، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة من الشرك وأهله، كما فسرها أهل العلم -﵏-.\nفإذا علم هذا يقينًا فمحال أن يكون الشرك بصورته التي نهى الله عنها موجودًا في بلادٍ كثيرة ويحكم عليها بالشرك، ويوجد في الجزيرة بصورته ولا يحكم عليها بالشرك، هذا من التلاعب والهوى الصارخ، فمعنى الحديث متضح والحمد لله.\nثالثًا: جاء في الحديث إياس الشيطان من أن يعبده المصلون، والصلاة من أركان الإسلام العظام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، والصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وأعظم المنكر الشرك بالله وصرف محض حق الله إلى غيره من الأنبياء والصالحين، فيكون هذا القيد لازمًا للشهادة وإخلاص الدين، فيكون المعنى:\nإن الشيطان يئس أن يعبده المخلصون دينهم لله، فتأمل نكتة تقييده بالمصلين، ويعني بها حقيقة الصلاة وثمرتها، وهذه نكتة مفيدة منَّ الله بها، والحمد لله الموفق للصالحات.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الباب الخامس: التبرك</span>\n...\nالتبرك\nتقول: تبرك يتبرك تبركًا. مأخوذ من البركة.\nقال أبو منصور في \" تهذيب اللغة \" (١٠/٢٣١): \"وأصل البركة: الزيادة والنماء \".\nفالبركة: زيادة ونماء في شيءٍ يريده المتبرك في تبركه بما تبرك به. وهذه الزيادة والنماء قد تكون في أمكنةٍ، وقد تكون في ذوات، وقد تكون في صفاتٍ، هذا على مقتضى ورودها اللغوي، وأما الشرعي فيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله.\nومن الأول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠]، وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩] .\nومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، وقوله تعالى في قصة نوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: ٤٨] .\nومن الثالث قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وإذا تدبرت كتاب الله العزيز وجدت أنه يدل","vol":"1","page":215},{"text":"على أن البركة من الله، وتُطلب منه ﷾ وحده، وهو يضعها فيمن شاء من خلقه، وفي ما شاء من بريته.\nقال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، والآيات الواردة بلفظ (تبارك) كثرة.\nولفظ ﴿تَبَارَكَ﴾ لم يرد في كتاب الله إلا مسندًا إلى الله، وهي صيغة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة، وأكثرها نفعًا، وأعمها متعلقًا وأثرًا. فالبركة لله، والله -﷾أخبر أنه أعطى بركة لأصنافٍ من خلقه:\nفمن ذلك:\n١ -الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣]، وقال في إبراهيم وأهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقال في نوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨]، وقال عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١] .\n٢-ومن ذلك وضعه البركة في أماكن العبادة كالمسجد الأقصى، والمسجد الحرام، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾","vol":"1","page":216},{"text":"[الإسراء: ١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] .\n٣- ومن إخباره عن ما أنزله من الذكر أنه مبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُمُ نكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وهذا الذكر هو القرآن العظيم كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] .\nفالقرآن الحكيم ذكر مبارك، وتدبر آياته عمل مبارك، ومن هذا التدبر علوم القرآن، والسنة مبينة لمجمل القرآن، وهي مباركة، واتباع القرآن والسنة مبارك، وعلومهما الناشئة عن تدبر آيات الكتاب وفقه السنة علوم مباركة.\nهذه أنواع ثلاثة فيها بركة خاصة، دل عليها الذكر الحكيم، وهناك بركة عامة، لها أنواع أيضًا:\nفمن ذلك:\n١- أن المطر مبارك لما يحصل به من زيادة في معايش الناس وزروعهم، ونماء في ذلك، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] .\n٢- ومن ذلك مباركته تعالى في الأرض كما قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠]، وقوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .\n٣- ومن ذلك مباركته تعالى ما يأتي من السماء وما يخرج من الأرض، كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ","vol":"1","page":217},{"text":"مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فهذه وأشباهها، مباركة عامة يحصل بها النفع والخير، والنماء والزيادة.\nولعله يظهر أن البركة الخاصة اللازمة لذاتٍ -دون المكان والصفة -تكون متعدية يحصل التبرك بأعيانها لما فيها من البركة اللازمة الدائمة بالذات.\nوأما البركة الخاصة بمكان العبادة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي، فإن البركة لا تكون متعدية بأجزاء المسجد، فلا يتمسح بأعمدة المساجد ولا جدرانها بإجماع المسلمين، والمساجد مباركة، فعلم أن بركتها معناها زيادة ونماء في ما يحصله العابد من الخير، فالمسجد الحرام صلاة فيه بمئة ألف صلاةٍ فيما سواه، والمسجد النبوي بألف صلاة.\nوهذا نحو بركة الرسل -صلوات الله عليهم- فإنها في أحد قسميها بركة اتباع عمل، فالمتبع لسنتهم المهتدي بهديهم يحصل له نماء وزيادة في ثواب عمله بسبب اتباعهم، فهذه معنى البركة الخاصة بقسميها، بخلاف المباركة العامة فإنها قد تحصل في وقتٍ دون وقت، أو في نوع دون نوع، فمما هو بَيَّن أنه ما كل ما جاء من السماء وخرج من الأرض يكون مباركًا دائمًا، بل إعطاؤه البركة من الله متعلق بأمورٍ أخرى، إن وجدت أعطي البركة، وإن انتفت زالت البركة، فهي بركة عامة من حيث ظرفها، خاصة من حيث وقتها، غير لازمة للشيء، إذا تقرر هذا، فالبركة في مواردها من الكتاب والسنة قسمان:\nالأول: بركة ذات، وأثرها أن يكون ما اتصل بتلك الذات مباركًا، وهذا النوع للأنبياء والمرسلين لا يشركهم فيه غيرهُم، حتى أكابر أصحاب النبي ﷺ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي لا يشركونهم في هذه البركة.","vol":"1","page":218},{"text":"ولا يعتدى أثر بركة الأنبياء إلا لمن كان على ما دعى به سائرين، وبعمله مقتدين، وبأمره ملتزمين وعن نهيه منتهين، ولذا فصحابة رسول الله ﷺ لم تتعهد إليهم بركته في معركة أحد حين خالفوا أمره وعصوه.\nوهذا النوع من تعدي البركة قد انقطع بعد موت النبي ﷺ إلا ما كان من أجزاء ذاته باقيًا بيقين بعد موته أحد، وقد ذهب ذلك المتيقن مع انقراض قرن الصحابة -﵃-.\nالثاني: بركة عمل واتباع: وهي عامة لكل من وافق عمله سنة النبي ﷺ فكل مسلم فيه بركة عمل مقدرة بقدر اتباعه وموافقته لأمر الله ونهيه، بالإتمار بالأمر، والانتهاء عن النهي.\nولذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في \" صحيحه \" (٩/٥٦٩) في النخلة: \" وإن من الشجر لما بركته كبركة المسلم \".\nفكل مسلم بركة بقدره، وليست هي بركة ذات، معلوم هذا باليقين وما ادعاه مدع، وإنما هي بركة عمل.\nوفي الصالحين من عباد الله المتبعين بركة عمل واتباع بقدر ما فيهم من مقتضيات تلك البركة، فالعالم بالسنة له بركة علم، والحافظ لكتاب الله الواقف عند حدوده فيه بركة من أثر ذلك، وهكذا.\nوإن أعلى الصالحين بركة أشدهم اتباعًا لدين الإسلام، ومحافظة على واجباته، ومباعدة عن محرماته، ومن المحرمات أفعال القلوب، فكم من مبتعد عن محرمات الجوارح، خائض في محرمات القلوب، ولا يبالي.\nوبهذا تجتمع النصوص، فما كان من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فهو مما اجتمع فيه نوعي البركة، وما كان من غيرهم فهم مما بورك فيهم بركة عمل وعلم واتباع، ولذا تجد أثر هذه البركة لا يتعدى إلا بالأعمال، لا بالذات ولا بأجزائها.","vol":"1","page":219},{"text":"ولذا قال أُسيد بن حُضير في سبب مشروعية التيمم: \" لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر\" أخرجه البخاري في \" التفسير \" من صحيحه.\nواللفظ المروي عند الشيخين البخاري ومسلم: \"ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر\" ومعنى اللفظين واحد، ومعلوم أنه ما كان أسيد ولا غيره يبتغي من أبي بكر أو آله بركة ذاتٍ كما كانوا يفعلونه مع النبي ﷺ، من التبرك بشعره ونحوه، وإنما هي بركة عمل هو الإيمان والتصديق والنصرة والاتباع.\nومن ذلك ما قالته عائشة -﵂- لما تزوج النبي ﷺ جويرية بنت الحارث قالت: \" فما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها\" أخرجه أحمد في \" المسند \" (٦/٢٧٧)، وأبو داود في \" السنن \" بإسناد جيد.\nفهذه بركة عمل لتزوج النبي ﷺ بها، فكان أن سبب ذلك عتق كثير من قومها.\nالتبرك بالنبي محمدٍ ﷺ:\nإن النبي محمدًا ﷺ مبارك الذات، مبارك الصفات، مبارك الأفعال، وهذه البركة فيه ﷺ متحققة في ذاته وصفاته وأفعاله.\nفقد ثبت عن بعض صحابة رسول الله ﷺ أنهم كانوا يتبركون بأشياء منفصلة عن بدنه كالشعر، والوضوء، والعرق وغير ذلك، مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، في الصحيحين وغيرهما.\nفله ﷺ من أنواع البركة أعلى ما يهبه الله بشرًا من رسله، وأجزاؤه ﷺ تتعدى بركتها، ويجوز التبرك بها، كما فعلت جماعة من الصحابة.\nوأما آثاره المكانية كمكانٍ سار فيه، أو بقعةٍ صلى فيها، أو أرض نزل بها فلم يعرف دليل شرعي يومئ أو يشير إلى أن بركة بدن الرسول ﷺ","vol":"1","page":220},{"text":"قد تعدت إلى هذا المكان، فيكون مباركًا يشرع التبرك به، ولذا لم يكن يفعل هذا صحابته في حياته ولا بعد مماته.\nفما سار فيه رسول الله أو نزل فيه فلا يجوز التبرك به؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البقاع التي لم يشرع لنا تعظيمها، ووسيلة من وسائل الشرك، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا.\nقال المعرور بن سويد الأسدي؛ خرجت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟\nقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ هم يأتون يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم، فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض، ولا يتعمّدها. أخرجه سعيد بن منصور في \" سننه \"، وابن أبي شيبة في \" المصنف \" (٢/٣٧٦)، ومحدث الأندلس محمد بن وضاح القرطبي في \" البدع والنهي عنها \" ص ٤١، بإسناد صحيح.\nفهذا قول الخليفة الراشد، الذي قال رسول الله ﷺ: \" إن الله -﷿- جعل الحق على قلب عمر ولسانه \" أخرجه أحمد (٢/٩٥) عن ابن عمر بإسنادٍ صحيح، ورواه من طريق أخرى عن ابن عمر (٢/٥٣)، ورواه أحمد (٥/١٤٥)، وأبو داود (رقم٢٩٦٢) عن أبي ذر، ورواه أحمد (٢/٤٠١) عن أبي هريرة ورواه جمعٌ١ عن هؤلاء وغيرهم من الصحابة.\nولا شك أن قول عمر السالف في النهي عن تتبع الآثار من الحق الذي جعله الله على لسان عمر ﵁. قال ابن وضاح ﵀ ص٤٣:\n_________\n١ من أصحاب الكتب الستة كالترمذي وابن ماجه وغيرهم كأبي يعلى والحاكم والطبراني.","vol":"1","page":221},{"text":"\" وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ، ما عدا قباء وأحدًا\" ١.\nقال ابن وضاح: \" فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمرٍ هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقربٍ إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة\" اهـ.\nفانظر إلى كلامه المتين: وكانت وفاة ابن وضاح سنة ٢٨٦ هـ.\nفالمقصود من هذا أن السلف سلف الأئمة كانوا ينكرون التبرك بالآثار المكانية، وينكرون تحريها والتعلق بها رجاء بركتها، ولم يخالف في ذلك إلا ابن عمر -﵄- فقد كان يتتبع الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﷺ، فيصلي حيث صلى، ونحو ذلك.\nوما نقل نقل مصدق عن غير ابن عمر من الصحابة أنه كان يفعل مثل ما فعل ابن عمر في الآثار المكانيّة.\nوابن عمر ما كان يطلب بركة المكان، ولكنه يطلب تمام الاقتداء بكل ما فعله رسول الله ﷺ في جميع أحواله، حتى إنه أراد الصلاة في كل مكانٍ صلى فيه رسول الله ﷺ، وكان يتتبع ذلك ويعلمه، وما كان فعله -فيما يظهر- قصدًا للتبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون، وإنما قصد تمام الاقتداء، ولم يفعله غيره من صحابة المصطفى ﷺ، ولم يوافقوه، بل إن أباه نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر -﵁- ولا شك أن\n_________\n١ وفي نقل الاعتصام عنه: ما عدا قباء وحده.","vol":"1","page":222},{"text":"الصواب، والحق مع عمر -﵁- وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع، الفاصل عند النزاع، والله أعلم.\nالتبرك بذوات الصالحين:\nقد تقدم أن بركة الذوات لا تكون إلا لمن نص الله على إعطائه البركة كالأنبياء والمرسلين وأما غيرهم من عباد الله الصالحين فبركتهم بركة عملٍ، أي: ناشئة عن علمهم وعملهم واتباعهم لا عن ذواتهم، ومن بركات الصالحين: دعاؤهم الناس إلى الخير ودعاؤهم لهم ونفعهم الخلق بالإحسان إليهم بنيةٍ صالحة ونحو هذا.\nومن آثار بركات أعمالهم ما يجلب الله من الخير بسببهم ويدفع من النقمة والعذاب العام ببركة إصلاحهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] .\nوأما أن يعتقد أن ذواتهم مباركة، فيتمسح بهم، ويشرب سؤرهم وتقبل أيديهم للبركة دائمًا ونحو ذلك، فهو ممنوع في غير الأنبياء لأوجه:\nالأول: عدم مقاربة أحدٍ للنبي ﷺ فكيف بالمساواة في البركة والفضل؟ !\nالثاني: أنه لم يرد دليلُ شرعي يدل على أن غير النبي ﷺ مثلُه في التبرك بأجزاء ذاته، فهو خاص به كغيره من خصائصه.\nالثالث: ما قاله الشاطبي -﵀- حين تعرض لقياس غير النبي عليه بجامع الولاية، قال في كتاب \" الاعتصام \" (٢/٦-٧): \" إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة -﵃لم يقع من أحدٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق -﵁- فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر رضي الله","vol":"1","page":223},{"text":"عنه، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان ثم علي ثم سائر الصحابة، الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحدٍ منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها١، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي ﷺ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء\" اهـ.\nوكذا لم يفعلوا ذلك مع الحسن والحسين -﵄- ولا فاطمة -﵃ أجمعين-، فالبركة الذاتية لا تنتقل بالنطفة، خلافًا لمن زعم غير ذلك من غلاة الرافضة، ومن تبعهم من مقلدة وغيرهم.\nالرابع: أن سد الذرائع قاعدة من قواعد الشريعة العظيمة قد دلّ عليها القرآن العظيم في مواضع، وفي السنة شيء كثير يقارب صحيحه المئة، ولعلّه لهذا لم يسلسل التبرك بذوات الصالحين، إنما اختص به الأنبياء.\nالخامس: أن فعل هذا النوع من التبرك مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه فيورثه العجب والكبر والرياء وتزكية نفسه، وكل هذا من محرمات أفعال القلوب.\n_________\n١ يعني التبرك بالعرق والشعر والوضوء ونحو ذلك.","vol":"1","page":224},{"text":"فصل\nقال صاحب المفاهيم ص ١٥٦ بعد أن ساق آثارًا وأحاديث فيها تبرك بعض الصحابة بذات النبي ﷺ أو بعض أجزاء ذاته، قال:\n\" والحاصل من هذه الآثار والأحاديث هو أن التبرك به ﷺ وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه سنة مرفوعة، وطريقة محمودة مشروعة \" اهـ.\nأقول: في هذا الكلام إجمال سببه عدم التحقيق، وترك تدبر النصوص، فصاحب المفاهيم لم يفرق بين التبرك بذاته، أو ما انفصل منه، وبين الآثار الأرضية من بقاع صلى فيها، أو جلس فيها.\nالأول: كما تقدم بيانه قد فعل بحضرة النبي محمدٍ ﷺ وأقره فهو سنة ومشروع.\nالثاني: وهو التبرك بالآثار الأرضية، فليس بمشروع، ولذا لم يستطع صاحب المفاهيم أن يأتي بدليلٍ يصدق عليه دعواه العريضة في قوله: \"سنة مرفوعة \"، وهذا من عدم التفرقة بين المتفرقات، وترك سبيل المحققين من أهل العلم.\nومما يدل على أن التبرك بالآثار الأرضية غير مشروع ومحدثٌ أمورٌ:\nالأول: أن هذا النوع من التبرك لم يكن في عهده ﷺ، ولم ينقل فيه شيء نقلًا مصدقًا، لا بإسنادٍ صحيح ولا حسن ولا ضعيف، فلم ينقل أن أحدًا تبرك في زمانه بأثر له أرضي، وإذا لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله، ووجود الهمم على نقل ما هو دونه بكثير: علم أنه لم يكن في زمانه ﷺ وما كان كذلك فإحداثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، والبدع يجب النهي عنها ومضادتها.","vol":"1","page":225},{"text":"وهذا ما أرشد الخليفة الراشد إلى النهي عنه، وعن تتبع الآثار الأرضية، كما مَرّ في ما رواه المعرور بن سويد الأسدي.\nالثاني: أن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن يكون كل أرضٍ وطئها، أو جلس عليها، أو طريق مر بها، تطلب بركتها، ويتبرك بها. وهذا لازم باطل قطعًا، فانتفى الملزوم، وهذا جلي لمن تأمل اتساعه وتسلسله.\nالثالث: أن طلب التبرك بالأمكنة الأرضية خلاف سنة الأنبياء جميعًا قبل نبينا محمد ﷺ فلم يتحروا الآثار الأرضية للأنبياء قبلهم، ولا أمروا بتحريها، وكل ما كان خلاف ذلك فهو مما أحدثه الخلوف -الذين يفعلون ما لا يؤمرون- بعد أنبيائهم حين صعبت عليهم التكاليف الشرعية، فرغبوا في التعلق لغفران الذنوب وزيادة الحسنات بالتبرك المبتدع بالآثار المكانية؛ ولذا قال عمر: \"إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم\"، وقد سبق تخريجه.\nالرابع: أن الأمكنة الأرضية لا تكون مباركة إلا بدوم الطاعة فيها، وهي سبب إعطاء الله البركة، فالمساجد مباركة لذلك، وبركتها لا تكون مع زوال الطاعات عنها.\nفمما يمثل به على هذا: أن المساجد التي غلب عليها الحربيون وصيروها كنائس زالت عنها بركة المسجد التي كانت حين كان يطاع الله فيه، وبعد أن أحدث فيها الشرك وتعبد فيها بغير شريعة الإسلام، فالبركة تنتزع، وهذا مما لا منازع فيه ولا مجادل.\nالخامس: أن التبرك بالآثار المكانية وسيلة إلى ما هو أعظم: من تقديسها والاعتقاد فيها، ولا غرو، فقد قال الإخباريون عن أولاد إسماعيل ﷺ: أنهم \" ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش.","vol":"1","page":226},{"text":"وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة\"١.\nوما كان هذا شأنه فمنعه أوجب، إذ الوسيلة إلى ما ليس بمشروع ليست بمشروعة سدًا للباب، وقطعًا للذريعة.\nإن السلامة من سلمى وجارتها\nأن لا تحلَّ على حالٍ بواديها\nالسادس: أن تعظيم الرسول ﷺ والتماس بركته وتحريها يكون بما بقي اليوم من نوعي البركة وهي بركة الاتباع، والعمل بسنته، وجهاد أعداء سنته، والمخالفين لأوامر شرعه، والمنافقين الذي فتنوا الناس وأضلوهم، وبهذا رغب السلف من التابعين وأئمة الهدى، الذين حققوا محبة رسول الله ﷺ فنالهم من بركة اتباعه ما أذن الله فيه، وتركوا عدا هذا من التبرك بالآثار الأرضية، فعلم من هذا أن ما تركوه غير معروف عندهم، ولا هو بمشروع.\nوفي هذه الأمور لطالب الهداية والتوفيق مقنع، وللراغب في سداد القول والعمل منجع، وإن الحق لأحق أن يتبع، والحمد لله الموفق للصالحات.\nوقال صاحب المفاهيم ص ١٥٦:\n\" وبالنصوص التي نقلناها، يظهر كذب من زعم أن ذلك ما كان يعتني به ويهتم بفعله أحد من الصحابة إلا ابن عمر، وأن ابن عمر ما كان يوافقه على ذلك أحد من أصحاب الرسول ﷺ وهذا جهل أو كذب أو تلبيس.\nفقد كان كثير غيره يفعل ذلك ويهتم به، ومنهم: الخلفاء الراشدون -﵃- وأم سلمة، وخالد بن الوليد، وواثلة بن الأسقع، وسلمة\n_________\n١ الأصنام ص ٦، ولم أسقه للاستدلال، وإنما لبيان ما قيل في حالهم.","vol":"1","page":227},{"text":"ابن الأكوع، وأنس بن مالك، وأم سليم، وأسيد بن حضير١ وسواد بن غزية، وسواد بن عمرو، وعبد الله بن سلام، وأبو موسى، وعبد الله ابن الزبير، وسفينة مولى النبي ﷺ وسرة خادم أم سلمة، ومالك بن سنان، وأسماء بنت أبي بكر، وأو محذورة، ومالك بن أنس وأشياخه من أهل المدينة كسعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد\" انتهى.\nأقول: لن أطيل القول في تخريج ما نسبه إلى هؤلاء الصحابة والتابعين، ولكن هنا أمور:\nالأول: أن اتهام صاحب المفاهيم من قال بتفرد ابن عمر بالاهتمام بالآثار المكانية بالكذب ثم بالجهل والكذب والتلبيس، من سيئات المقال، وفضائح الأحوال، إذ ما كان يظن بالصغار أن يكذبوا الكبار من أئمة الحديث والفقه والدين الذين قالوا بتفرد ابن عمر.\nالثاني: أن هذا القول نسبتُهُ إلى الجهل أحق، إذ من لم يفرق بين البركة الذاتية، والآثار المكانية فخليق باطراح قوله.\nالثالث: أن من أورد أسماءهم إنما رُوي عنهم التبرك بآثاره ﷺ الذاتية الباقية بعد وفاته ﷺ والعرق والجبة والرداء وما شاكل ذلك على القول بصحته، وإلا فعند التحقيق فلا يصح منه إلا شيء قليل.\nفلِمَ يُكذَِّب من يقول بالفرق وهو الحقيق بالنظر الصحيح، والقول المنيع؟ ! أما من لم يسبر العلم ورضي منه بحظ أدنى الناس نظرًا ومعرفة فلا وزن لقوله عند أهل العلم.\nوهذه التعمية من صاحب المفاهيم ينخدع بها من يحسن الظن به ويثق بعلمه، وتبعتهم يوم القيامة كبيرة ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] .\n_________\n١ تحرف اسم حُضَير بالحاء المهملة إلى خضير بالخاء المعجمة، فصححته.","vol":"1","page":228},{"text":"ولا يستطيع صاحب المفاهيم أن ينقل عن غير ابن عمر من صحابة رسول الله ﷺ تبركه بالآثار المكانية، بسندٍ صحيح أو حسن.\nالرابع: نسبته ذلك للإمام مالك إمام المدينة وعالمها ليست صحيحة، فمالك -﵀- كان ينهى عن تتبع الآثار المكانية، وينقل مالك هذا عن أعلام التابعين المدنين، وفي كتب أصحاب مالك من هذا نصوص، منها: ما قاله محدث الأندلس ابن وضاح ص ٤٣ في كتابه \" البدع والنهي عنها \" قال: \" وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ، ما عدا قباءً وأحدًا \" اهـ.\nفما للذي ينتسب لمذهب مالك لا يكون مالكيًا في هذه المسائل، سلفيًا كما كان مالك ﵀ رحمة واسعة؟ !","vol":"1","page":229},{"text":"فصل\nفي معنى الانتساب إلى السلف والسلفية\nالمسلمون صنفان: سلفيون، وخلفيون.\nأما السلفيون: فهم أتباع السلف الصالح.\nوالخلفيون: أتباع فهوم الخلف، ويسمون بالمبتدعة، إذ كل من لم يرتض طريقة السلف الصالح في العلم والعمل، والفهم والفقه فهو خلفي مبتدع.\nوالسلف الصالح: هم القرون المفضلة، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم صحابة رسول الله ﷺ الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] الآية. وأثنى عليهم رسول الله بقوله: \" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم \".\nوتتابعت أقوال الصحابة أنفسهم، والتابعين لهم بإحسانٍ على الثناء على مجموعهم، والاقتداء بمسالكهم.\nقال ابن مسعود -﵁-: \" من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم \" وهذا أمر مجمع عليه بين أهل السنة، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، وإذا كانوا على مثل هذا الفضل العظيم فلا غرو أن","vol":"1","page":230},{"text":"يتشرف المسلم بالانتساب إلى طرائقهم في فهم الكتاب والسنة، وتفسيرهما، وعملهم بالنصوص.\nوكانت كل فرقة ضالة من فرق الأمة تستدل لمراداتها ومذاهبها بآياتٍ وأحاديثٍ خلاف فهم السلف لها، وتوسعوا في ذلك حتى كفر بعضهم بعضًا وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، كل ذلك بفهمهم للنصوص حَسبَ ما تدعيه كل فرقة، فأصبحت كل الفرق الزائغة تقول: نأخذ بالكتاب والسنة، فالتبس الأمر على ضعيفي النظر، قليلي العلم.\nوالمخرج من هذه الدعاوي والأقوال الزائغة هو اتباع نهج خير القرون، فما فهموه من النصوص هو الحق، وما لم يفهموه ولم يعملوا به فليس من الحق.\nوهكذا تابعوهم بإحسانٍ ممن تلقوا عن الصحابة الكرام -﵃ أجمعين-، فصار من انتسب إلى منهج هؤلاء الصحابة في فهم الكتاب والسنة، ومن أخذ بما صحت روايته عنهم مرفوعًا إلى النبي ﷺ ومن ترك الآراء العقلية والفهم المحدث صار من هذا نهجة وسبيله سلفيًا، وصار من لم يكن كذلك خلفيًا مبتدعًا، إذ تقرر هذا، فكل مسألة من مسائل العلم لا تخلو من أحد ثلاث أحوال:\nالأول: أن يكون الصحابة وتابعوهم قد قالوا بها وعملوا بها جميعًا أو بعضهم ولم يظهر له مخالف.\nالثاني: أن يكون عمل بها بعضهم، وخالف فيها بعض آخر وهم أكثر.\nالثالث: أن تكون المسألة غير معمول بها عندهم.\nأما القسم الأول: وهو أن يكون عمل الصحابة كلهم بالمسألة، أو بعضهم ولم يعرف له مخالف، فلا شك أن هذا هو السنة المتبعة، والنهج الواضح البين، والصراط المستقيم، والمحجة البيضاء، فلا يحل لأحدٍ","vol":"1","page":231},{"text":"مخالفتهم في ذلك، وأمثلة هذا أشهر وأكثر من أن تذكر في العقائد والعبادات.\nوأما القسم الثاني: وهو أن يكون قد عمل بها بعضهم، وخالف آخرون، وهم أكثرهم، حيث آثر عامة الصحابة غير ما اختاره ذلك القليل، وعملوا بغير ما عمل، قال الشاطبي في \" الموافقات في أصول الشريعة \" (٣/٥٧) في وجوب اتباع أكثرهم: \" فذلك الغير هو السنة المتبعة، والطريق السابلة، وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلًا، فيجب التثبت فيه، وفي العمل على وفقه، والمثابرة على ما هو الأعم الأكثر، فإن إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل: إما أن يكون لمعنى شرعي، فلا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به، وإذا كان كذلك فقد صار العمل على وفق القليل كالمعارض للمعنى الذي تحروا، وموافقة ما داوموا عليه\"١ انتهى.\nثم قال (٣/٧٠-٧١): \" وبسبب ذلك ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين، فلا يسامح نفسه في العمل بالقليل، إلا قليلًا، وعند الحاجة ومس الضرورة إن اقتضى معنى التخيير، ولم يخف نسخ العمل، أو عدم صحة في الدليل، أو احتمالًا لا ينهض به الدليل أن يكون حجة، أو ما أشبه ذلك، أما لو عمل بالقليل دائمًا للزمه أمور:\nأحدها: المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليها، وفي مخالفة السلف الأولين ما فيها.\n_________\n١ وساق الشاطبي أمثلة، وفي \" التوسل والوسيلة \" لشيخ الإسلام ابن تيمية من ذلك أمثلة كثيرة.","vol":"1","page":232},{"text":"الثاني: استلزام ترك ما داوموا عليه، إذ الفرض أنهم داووا على خلاف هذه الآثار، فإدامة العمل على موافقة ما لم يداوموا عليه مخالفة لما داوموا عليه.\nوالثالث: أن ذلك ذريعة إلى اندارس أعلام ما داوموا عليه، واشتهار ما خالفه، إذ الاقتداء بالأفعال أبلغ من الاقتداء بالأقوال، فإذا وقع ذلك ممن يقتدى به كان أشد.\nالحذر الحذر من مخالفة الأولين، فلوكان ثَمَّ فضل ما لكان الأولون أحق به، والله المستعان\" انتهى كلام الشاطبي -﵀-.\nوأما القسم الثالث: وهو أن تكون المسألة غير معمول بها عندهم، فلا مراء في أن ما خرج عن عملهم كلهم بدعة وشر، إذا كان مما يتقرب به عامله إلى ربه، لا إن كان من العاديات فالأصل فيها الإباحة.\nولذا يقال لكل من عمل عملًا لم يكن على طريقة السلف وفهمهم لنصوص الكتاب والسنة: إنك مبطلٌ مبتدع، مُتَّبعٌ غير سبيل المؤمنين.\nوقد يحسَّن المحدثات التي لم يتقرب بها صحابة رسول الله ﷺ أناسُ ينتسبون إلى العلم، في رغبات ونوازع مختلفة، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين، فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك، وعبروا على هذه المسالك: إما أن يكونوا أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون، أو حادوا عن فهمها. وهذا الأخير هو الصواب.\nإذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها١.\n_________\n١ عن الموافقات للشاطبي (٣/٧٣) .","vol":"1","page":233},{"text":"والمحدثات أنواع: فمنها الشركي، ومنها البدع التي تجر إلى الشرك، ومنها بدع تقضي على السنن، وهذه المحدثات بأنواعها لم تكن في زمن الصحابة والتابعين مطلقًا، فلا كان في زمنهم قبور يعكف عندها، وتبنى القبابُ عليها، ويستشفع بأصحابها.\nولا كان عندهم توسل بحرمة الأنبياء والصالحين أو جاههم أو ذواتهم، ولا كان عندهم تحرٍ للدعاء عند القبور، ولا كان عندهم هذه الموالد والاحتفالات بمناسبتها، كل هذا لم يكن عندهم بإجماع المسلمين، فإذا كان كذلك فما استدل به الخلف من شبه لتبرير هذه البدع ينقسم ثلاثة أقسام:\nالأول: آيات كريمة تأولوها على مراداتهم، محرفين لمعانيها عاسفين لها عسفًا.\nالثاني: أحاديث، وهي قسمان:\nالقسم الأول: أحاديث صحيحة ليست على ما فهموه، ولا توافق مرادهم، وإنما يحرفونها عن معانيها وسياقها.\nالقسم الثاني: أحاديث واهية أو مكذوبة، وما أكثرها عندهم، وما أشدَّ فرحهم بها، وما أعظم إغلاءهم لها، وما أحبهم لترديدها ونشرها.\nالثالث: حكايات ومنامات يتناقلونها، وكأنها من مصادر التشريع.\nوالمخرج من الاستدلال بالآيات والأحاديث الصحيحة يكون بأمرين:\nالأول: أن ما يستدل به المبتدعة ليس هو المعنى المراد، فأهل السنة المتبعون لفهم السلف يفهمون منه غير ما فهمه المبتدعة، فيكون فهمُ الخلف مردودًا بفهم السلف.\nالثاني: -وهو فرع الأول- أن يقال: هل عمل السلف الصالح بفهم الخلف لما يستدلون به أم لم يعملوا به؟ والسلف لم يعملوا بهذه المحدثات اتفاقًا، ولن يقدر مبتدع أن يأتي بعمل للسلف مخالف لعمل الصحابة؛ لأن","vol":"1","page":234},{"text":"أهل السنة متبعون لعمل الأولين من الصحابة والتابعين، بخلاف الخلف الذين يفعلون ما لا يؤمرون.\nوفي هذا المعنى ما رُوي عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: \"إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله\" ١.\nولذا لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدًا من المختلفين بعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، والشأن والصواب في صحة الاستدلال لا بمجرد الاستدلال.\nقال الشاطبي بعد ذكر مجمل هذه المعاني (٣/٧٧):\n\" فلهذا كله يجب على كل ناظرٍ في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل\" انتهى.\nإذا تبين هذا وانجلى، وظهر الحق واعتلى، فالذين يصح تشرفهم بالانتساب إلى السلف الصالح يدورون مع هذه المسائل التي ذكرت.\n١- فما كان عمل الصحابة به منتشرًا، عملوا به.\n٢- وما تفرد به واحد منهم أو أفرادٌ وخالف فيه بقيتهم ردوه إلى الله والرسول ﷺ كما أمرهم ربهم بذلك حيث قال:\n﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .\n_________\n١ رواه الدارمي (١/٤٧)، واللالكائي في \" السنة \"، وابن عبد البر في \" جامع بيان العلم وفضله \"، وكذا رواه الدارقطني وابن أبي زمنين في \" أصول السنة \"، ونصر المقدسي في \" الحجة على تارك المحجة \" وآخرون.","vol":"1","page":235},{"text":"فأمر بالرد إلى الله وهو الرد إلى كلامه المنزل الحكيم قرآنه العظيم، وأمر بالرد إلى رسوله ﷺ وهو الرد إليه في حياته، وإلى سنته الثابتة الصحيحة بعد وفاته، والنظر للاتباع في عمل الأكثرين.\nفلم يظهر بحمد في قاعدتهم إخلال، ولا نابها اضطراب وهي القاعدة البينة، والسبيل النهج الواضح، والصراط المستقيم، وعليها سار الأئمة الأربعة في أكثر فقههم ﵏ وأجزل لهم المثوبة.\n٣- وما لم يعمل به أولئك الكرام -أعني صحابة رسول الله ﷺ من أمر العبادات- فهو محدث أحدثه الخلوف.\nفما كف الصحابة والتابعون عما كفّوا عنه إلا لنظر سديد، وفهم حميد لأدلة الكتاب والسنة، ولا تركوا ما تركوا ما أحدثه من بعدهم -مع وجود أسبابه عينها التي برَّرَ بها المحدثون محدثاتهم- إلا عن فهم لأمور الشرع، وتركهم سنة متبعة وسبيل مقتفاة.\nولا رغبوا فيما رغبوا عنه مما طلب به الخلوف الأجر والثواب إلا وفِعْل ما رغبوا عنه ليس من الدين، فإنهم أحرص الناس على الخير، وأكثرهم تحريًا لولوج أبواب الطاعات المشروعة، فإنهم لا يتركون مشروعًا إلا وقد أتوه وطلبوا الثواب، وتقربوا إلى الله بعمله.\nفما أفقه من اتبعهم في أخذهم وتركهم، وفقههم وعلمهم، وفهمهم وعملهم، وما أحراه بكل خير وقربة، وما أجدره بأن يوفق في أمره كله.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الباب السادس: ملابسات محمد المالكي</span>\n...\nقال ص ١٠:\n\"أما هو ﷺ فإننا نعتقد أنه ﷺ بشر يجوز عليه ما يجوز على غيره من البشر من حصول الأعراض والأمراض التي لا توجب النقص والتنفير.\nكما قال صاحب العقيدة:\nوجائز في حقهم من عرض\nبغير نقص كخفيف المرض \" اهـ.\nأقول: بئس ما قاله صاحب عقيدتكم من أن النبي ﷺ لا يصيبه إلا المرض الخفيف، وبئس القدوة المقتدى بها، فأنتم مقتدون بقوله هذا ونحن متبعون لحبيبنا محمد ﷺ، أنتم تصدقون أقوال صاحب عقيدتكم، ونحن نصدق أقوال حبيبنا محمد ﷺ فبؤسًا لكم باتباع صاحبكم، وهنيئًا لنا باتباع نبينًا محمدٍ ﷺ وصحابته.\nيقول عبد الله بن مسعود -﵁- دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله! إنك توعك وعكًا شديدًا.\nقال: \"أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم \" أخرجه البخاري في كتاب المرضى من \" صحيحة \" (١٠/١١١)، قال الحافظ في \" الفتح \": \"صدر هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الدارمي والنسائي في الكبرى، وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم كلهم من طريق عاسم ابن بهدلة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال:\n\" الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه. . . الحديث \" اهـ كلام الحافظ.\nفهذا اعتقادنا نتبع فيه رسول الله ﷺ، وأنتم اتبعوا ناظم عقيدتكم مخالفين قول رسول الله ﷺ نفسه.","vol":"1","page":239},{"text":"اسمع قول عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم في \" صحيحيهما \": \"ما رأيت أحدًا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ \".\nفالذي جر الكاتب إلى هذه المخالفة الظاهرة لقول النبي ﷺ هو الغلو المنهي عنه، فانظر بطلان دعواهم، وصحة دعوى المتبعين للسلف.\nقال القاضي عياض -﵀- في \" شرح مسلم \": \" وليعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقن أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، ويلبس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم\" اهـ.\nقال ص ٣١:\n\" الأدعياء والمتطفلون على بساط الحقيقة كثيرون، والحقيقة بريئة منهم، ولا تعترف لهم بصحة نسبتهم إليها \"، ثم قال: \" ولقد بلينا معشر المسلمين بكثير من هؤلاء، يعكرون صفو الأمة ويفرقون بين الجماعات. . .\"، ثم قال: \"ويدخلون إلى تصحيح مفاهيم الإسلام من باب العقوق \" اهـ.\nأقول: لقد عاشت هذه البلاد السعودية منذ ضم الحجاز تحت لواء حكمها على عقيدة واحدة، ائتلف عليها جميع رعاياها في شتى أنحائها، لا تسوءُهم بدعة، ولا يؤرقهم عصيان وكفران، كلهم على كلمة واحدة، وجماعة واحدة، في صفوٍ من العيش، لا تفرقات ولا أحزاب إقليمية، متحابين، يصحح مصيبهم مخطاهم، ويسدده ويقيله عثرته، في ما تختلف فيه الأفهام، ويسوغ فيه الاجتهاد والنظر، وكانوا متفقين في الأصول، لا خلاف بينهم فيها، ولا جدال حولها، إذ قر قرارها، وأجمع المسلمون في هذه البلاد على ذلك، لا نعلم مخالفًا لهم بينهم.","vol":"1","page":240},{"text":"ثم ظهر من أثار الفتنة، وفرق المسلمين، وعكر صفو الأمة، وجعل الجماعة الواحدة جماعات: فمَنِ الأدعياء المتطفلون الذين فعلوا هذا؟ ! وجعلوا لا يفتؤون في الصد عن العقيدة التي كانت عليها هذه البلاد من التوحيد الخالص.\nفهذا سهم ارتد عليك من جعبتك، وقول خشيت أن ترمى به فسارعت إلى الرمي به.\nثم نقول لك: من هو الذي يفرق الجماعة؟ ! أهو الذي يدعو إلى عقيدة التوحيد وإفراد الله بعبادة واتباع الرسول ﷺ والاعتصام بالكتاب والسنة، حتى تكون الأمة جماعة واحدة معبودها واحد: وهو الله، وقدوتها واحد: هو محمد ﷺ، ودليلها واحد، وهو الكتاب والسنة، وتحت راية واحدة هي راية التوحيد؟ !، أم الذي يدعو إلى التعلق بغير الله من الأولياء والصالحين، وإلى اتباع الطرق الصوفية المبتدعة وإلى الاستدلال بالأحاديث الموضوعة، والحكايات المكذوبة والمنامات الشيطانية مما تزخر به كتب القوم؟ ! ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] .\nقال ص ٣٣:\n\" وهذا ما حققه علماء الأصول من سلف هذه الأمة -﵃-: كالإمام العز بن عبد السلام، والنووي، والسيوطي، والمحلي، وابن حجر\" اهـ.\nأقول: مما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن لفظ السلف له إطلاقات:\nمنها: ما هو عامٌ كلي يُعنى به الصحابة والتابعون وتابعوهم، ثلاثةُ القرون المفضلة، وهذا المعنى هو الذي يصح عند إضافته إلى الأمة، كقولهم: سلف الأمة، وإلى هؤلاء وخاصة الصحابة ينسب السلفيون.","vol":"1","page":241},{"text":"ومعنى هذه النسبة: \" السلفي\": أنه ينهج نهج الصحابة وتابعيهم، فإن اتباع الكتاب والسنة كل يدعيه، وكل يطمح إلى شرف الانتساب إليه، وما كل ما ظنه المرء مطمحًا يصل إليه، فرب طامح تشعبت السبل به، فالفرق الضالة كلها تنتسب إلى الكتاب والسنة، كالمعتزلة من المتقدمين، والقاديانية من المتأخرين، والرافضة المتقدمين والمتأخرين وغير هؤلاء.\nفحقيقة الانتساب الصحيح إلى الكتاب والسنة الذي به يفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم اتباع الصحابة، وانتهاج منهجهم، وارتضاء طريقتهم، فبهذا تنقطع الأسباب المدعاة، ويظهر المحق والمبطل، وقد فُصِّل هذا الإجمال في موضع آخر من هذه \" الورقات\".\nومنها: ما هو خاص يضاف إلى القائل بالنسبة لمن سبقه كقولهم: سلفنا، فهذا لفظ يصدق على كل من تقدم القائل، ولا يقتضي رفعة في رتبة شرعية، ولا منزلة دينية، وهذا هو الذي يستعمله المؤلفون عند ذكر علماء الأمة الأجلاء المتأخرين عن مرتبة أولئك، وهو الذي يصدق على الذين ذكرهم المؤلف وأقدمهم وفاة العز بن عبد السلام وكانت وفاته في القرن السابع، وآخرهم ابن حجر الهيتمي.\nوهؤلاء عند علماء الشافعية متأخرون كما هو اصطلاحهم في المتقدمين والمتأخرين، وحد التفرقة رأس الأربع مئة عند الشافعية، فإطلاق \" سلف هذه الأمة\" عليهم ليس مستقيمًا لا باقتضاء لغوي ولا عرفي.\nقال ص ٤١ في فصل \" حقائق تموت بالبحث\":\n\" وذلك مثلًا كاختلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لله -﷾- كيف كانت؟ والخلاف الطويل العريض الدائر بينهم في ذلك الباب، فمن قائل: رآه بقلبه، ومن قائل: رآه بعينه، وكل يورد دليله ويستنصر له","vol":"1","page":242},{"text":"بما لا طائل تحته، والذي أراه أن كل ذلك عبث لا فائدة فيه، بل ضرره أكبر من نفعه\" اهـ.\nأقول: هذا قول كاتب المفاهيم الغريبة العجيبة، وفي قوله من الجرأة والانتقاص للسلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ورميهم بالبحث فيما لا فائدة فيه! بل إنهم في زعمه يبحثون فيما ضرره أكبر من نفعه!\nمن علمك هذا الاختيال والزهو؟ ومن صيرك حكمًا على أقوال الصحابة تتهمهم بالعبث، ومباحثهم بالضرر؟ .\nقال أبو العباس القرطبي في \" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم \" (١/١٤٨) نسخة الأحمدية بحلب:\n\" واختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى، فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها الآخرة.\nثم هل رأى نبينا ﷺ ربه أم لا؟ اختلف في ذلك السلف والخلف، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف، وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من المتكلمين والمحدثين.\nوذهبت طائفة أخرى من السلف إلى وقوعه، وأنه رأى بعينيه، وإليه ذهب ابن عباس، وقال: اختص موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد ﷺ بالرؤية، وأبو ذر وكعب والحسن وأحمد بن حنبل، وحكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قولٍ لهما آخر\" اهـ.\nوطلب دلائل هذه المسألة وسبب الاختلاف له موضع آخر، وإنما المقصود هنا رد قول الكاتب الجريء على السلف، أن ضرر البحث في المسألة أكبر من نفعه.","vol":"1","page":243},{"text":"ولو كان الكاتب ذا أدب علمي، وورع ديني لما ضمن كلامه هذه الاتهامات لخير القرون صحابة رسول الله ﷺ، وقد قال في ص ٢٩ من كتابه في العلماء والسلف الصالح: \" كيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الانحراف \" اهـ. فهذا قوله ذكرناه به، وحَتْفَهَا تحمل مَعْز بأظلافها، ويداك أوكتا وفوك نفخ، إذ هو مقر على نفسه بأن فتح باب العلوم لا يجتمع مع التنقص للسلف، وهو متهم بعض علوم الصحابة بالعبث والضرر، فصدق؛ فإن باب علومهم موصدٌ أمامه، مغلق لا يفتح إلا لمن أجلهم ونظر فيما اختلفوا فيه وترضى عنهم.\nفكتاب المفاهيم بشهادة كاتبه على نفسه ليس له بعلوم الصحابة اتصال، ولا ارتباط بسبب من الأسباب، وإن كان يدعي خلاف ذلك فرب زَعَمات يُسمين عَزَمات.\nوفي ص ٣٨ عنون بـ \" حقيقة الأشاعرة\" وقال فيه:\n\"يجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الأشاعرة، ولا يعرفون من هم الأشاعرة ولا طريقتهم في أمر العقيدة. . ولا يتورع البعض أن ينسبهم إلى الضلال أو يرميهم بالمروق من الدين والإلحاد في صفات الله، وهذا الجهل بمذهب الأشاعرة سبب تمزق وحدة أهل السنة. . إلخ\".\nنقول: مذهب الأشاعرة في العقيدة معروف، ومخالفاته لمذهب أهل السنة محررة معلومة، فيجب هنا أن نذكر طرفًا من حال الأشاعرة ليتضح حالهم، ولا يلتبس الآمر فأقول: الأشاعرة جمع أشعري وهي نسبة إلى الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري جده البعيد أبو موسى الأشعري -﵁- ولد سنة ٢٦٠ تقريبًا وتوفي سنة ٣٢٤هـ.","vol":"1","page":244},{"text":"مات أبوه فتزوجت أمه بعده أحد رؤوس المعتزلة وهو: الجبائي، فتربى الأشعري في حجره، حتى كانت تلمذته له خاصة، فعرف فكره ودرس مذهبه حتى بلغ أربعين سنة فيما قيل يناظر على مذهب الاعتزال.\nثم يقال: إنه رقى يوم جمعة كرسيًا، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي: أنا فلان ابن فلان، كنت قلت بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع.\nوقيل غير ذلك واخترت أخصرها لفظًا، والمقصود أنه تاب من اعتزاله، ثم بعد ذلك جلس في حلقة أصحاب ابن كلاّب، فأخذ منهم زمانًا، فكان مذهبه المتوسط الذي ينسب إليه أتباعه هو المذهب الكلابي الذي لم يتخلص من براثن الاعتزال وهو نفي الصفات، ما عدا سبعًا منها، والقول بالأرجاء، والكلام النفسي، ونفي الحكمة عن أفعال الله وشرعه.\nثم نظر في النصوص نظرة تعلم فتاب من مذهبه ذلك، ورجع إلى مذهب أهل الحديث في الجملة، وهاك نصوصًا من كتبه مقررة لذلك.\n١- قال في \" مقالات المسلمين \" وهو أوثق الكتب نسبه له بعد أن سرد مذهب أهل الحديث وعقائدهم بتفصيل (١/٣٢٠-٣٢٥): \" فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله. . . \".\n٢- قال في \" الإبانة \" العبارة المشهورة المنقولة: \" قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا، وبسنة نبينا ﷺ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون. . . \" اهـ.","vol":"1","page":245},{"text":"ولكن المنتسبين إليه بقوا على مذهبه المخالف لمذهب السلف في باب الصفات والقدر وغيره، ولم يكونوا على مذهبه الأخير الذي استقر عليه، بل بقوا على مذهبه الذي رجع عنه والذي هو ضلال وخروج عن منهج السلف، فكيف يقال إن تضليل الأشاعرة تمزيق لوحدة أهل السنة؟ ! بل نقول إن الدفاع عن مذهب الأشاعرة -وهو مذهب باطل -هو التمزيق لوحدة أهل السنة، حيث حسب على أهل السنة من ليس منهم ليحل مذهبهم الباطل على مذهبهم الحق ويدس في صفوفهم من ليس منهم.\nقال ص ٣٨ عن الأشاعرة:\n\" هم الذين قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: [والعلماء أنصار علوم الدين، والأشاعرة أنصار أصول الدين] \" الفتاوى \" الجزء الرابع\" اهـ.\nأقول: ما قال هذا شيخ الإسلام، وإنما نقله في فتوى له (٤/١٦) عن العز بن عبد السلام من قوله، وهذا نصه:\n\" رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة، فيها أشياء حسنة، قد سئل بها عن مسائل متعددة، قال فيها: فذكر نقولًا منها قوله: قال: \" وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية، فمن لعنهم عزر، وعادت اللعنة عليه، فمن لعن من ليس أهلًا للعنة وقعت اللعنة عليه. والعلماء أنصار فروع الدين، والأشعرية أنصار أصول الدين \".\nهذا كلام العز بن عبد السلام، وتعقبه شيخ الإسلام بقوله: \"فالفقيه أبو محمد أيضًا إنما منع اللعن، وأمر بتعزير اللاعن لأجل من نصروه من \" أصول الدين \"، وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث، والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث ولهذا كان أبو إسحاق يقول: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة\".","vol":"1","page":246},{"text":"وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد. ولهذا قال أبو القاسم ابن عساكر في \" مناقبه \": \"ما رأيت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين، حتى حدثت فتنة ابن القشيري \" إلخ كلام الشيخ.\nفعلم بهذا أن شيخ الإسلام ما أطلق بأن الأشاعرة أنصار الدين، بل إنه رد على أبي محمد بن عبد السلام إطلاقه ذلك القول؛ لأنهم إنما يمدحون بما وافقوا فيه الكتاب والسنة، ويذمون بما خالفوا فيه القرآن والحديث.\nفالأشاعرة نصروا الدين في مسائل نقضوا بها على المعتزلة، وأحسنوا، ولكنهم لم يتبعوا القرآن والحديث في مسائل معروفة من الأصول، فلذا إنما نصروا جانبًا، وعظمت الفتنة بهم فيما ضلوا فيه عن القرآن المجيد والحديث.\nوكاتب المفاهيم ليس ذا تحرٍ في نقوله، بل إنه مقلد في عباراته، فهذه الجملة من قول العز بن عبد السلام قد نسبها إلى شيخ الإسلام ترويجًا لها رجلٌ أشعري معاصر، يقطن مكة الآن، وجل من ترى اليوم منهم شيوخًا وصغارًا منهجهم عدم التثبت، وترك التوقي، والتلبيس والتزوير، فالله المتسعان.\nقال ص ٣٩ في تعداد أسماء الأشاعرة: \" وأبو حيان التوحيدي صاحب البحر المحيط \".\nأقول: كيف يؤمن على تصحيح المفاهيم، وتفسير القرآن وشرح الحديث من لا يفرق بين أسماء العلماء ولا يعرفهم.\nفمن كان هذا شأنه وتلك علومه فسيخلط حين ينسب الأقوال ويتقول على أهل العلم ما لم يقولوه، فربما يقول القول محمدُ بنُ إسحاق ابن خزيمة، فيجعله لمحمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة، وربما يروي","vol":"1","page":247},{"text":"أبو نعيم الفضل بن دكين خبرًا فيجعله من مرويات أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وربما ينقل عن محمد بن إدريس أبي حاتم الرازي ويجعله لمحمد بن إدريس الشافعي، وربما ينسب لأبي داود السجستاني ما لأبي داود الطيالسي، وربما ينقل عن أبي زرعة العراقي ما لأبي زرعة الرازي، كما صنعه بعضهم، وهكذا.\nوفي علوم اللغة ربما نسب لابن هشام صحاب السيرة ما لابن هشام شارح مقصورة ابن دريد أو لابن هشام النحوي شارح الألفية، وربما نسب ما لأبي عبيد لأبي عبيدة، أو ما للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة ما لأخفش آخر، كعلي بن سليمان أو غيره، وربما نقل عن الأزهري أبي منصور ويظنه الأزهري خالدًا المتأخر شارح \" أوضح المسالك \" وغيره، وهكذا.\nوفي علوم القراءات ربما عزى القول أو القراءة لابن كثير المكي، فظنت لابن كثير المفسر، وبينهما قرون، وربما نسب لنافع المدني ما لنافع مولى ابن عمر، وربما ذكر قراءة عاصم بن أبي النجود فظنت كمنزلة روايته عند المحدثين.\nوفي علوم الفقه: ربما خلط بين ابن تيمية شيخ الإسلام أبي العباس وبين جده أبي البركات، وربما نسب ما لابن حجر العسقلاني لابن حجر المكي، وربما ظن قول ابن عبد الهادي يوسف قولًا لابن عبد الهادي محمد بن أحمد، وربما خلط بين الهيثمي والهيتمي، وربما ظن ابن نجيم صاحب \" البحر الرائق \" هو ابن نجيم صاحب \" النهر الفائق \"، وربما ظن الزيلعي الفقيه هو الزيلعي صاحب \" نصب الراية \".\nوسرد بقية العلوم، أو الاستفاضة فيما أشير إليه ليعلم؛ فلا يخرج بنا عن المقصود الذي مثلنا بنظيره، وألمعنا إلى قليله.","vol":"1","page":248},{"text":"وإني لا نقضي عجبي من قول الكاتب: أبو حيان التوحيدي صاحب \" تفسير البحر المحيط \"، ثم أعجب أكثر حين أرى أسماء العلماء الذين صدروا كتابه بالتقريظات والثناء العاطر، وكلهم يزعم أنه قرأ الكتاب!\nومنهم من حُلّي اسمه بالقاضي العلامة المؤرخ (!) الفقيه، ومنهم العلامة المحدث المحقق، ومنهم العلامة الفقيه، ومنهم العلامة الفقيه الأصولي الذي امتدح كتاب \" المفاهيم \" بقوله:\nبحث دقيق عميق لا يقوم له\nخبط وخَلْطٌ وتدليس وإيهام\nومنها تقاريظ لم تنشر تواضعًا!\nكيف يفوت المقرظين هذا الخلط العجيب بين رجلين عاش أحدهما في القرن الرابع، والآخر في السابع والثامن الهجريين؟ ! كيف لم تمر عليهم هذه العبارة ويصححوها؟ ! أو هي مرت ولم يعرفوها؟ !\nما من شك أن المستنتج أنهم لم يقرؤوا كتابه، إذ فوت مثل هذا على أمة من العلماء لا يتصور إلا بأحد سببين، الأول: ذكرناه، والآخر: نطويه ليتفكر فيه اللبيب.\nإن المتوسط من طلبة العلم يدرك من هو التوحيدي، ومن صاحب \" البحر المحيط \"، فهاك يا من زبزب قبل أن يحصرم ترجمة الرجلين، لعلّها تكون لجامًا عن الإعجاب بالنفس، أو الإعجاب بالتقريظات.\nأما التوحيدي فهو علي بن محمد بن العباس البغدادي، قال الذهبي فيه: \" الضال الملحد. . . صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية\" اهـ. ولد نحو سنة ٣٣٥هـ وهلك نحو سنة ٤١٤هـ أو فيها.\nله تصانيف فمما طبع: الإمتاع والمؤانسة، وفيه ذكر اتصاله بإخوان الصفا، وله البصائر والذخائر، والصداقة والصديق، ومثالب الوزيرين، وغيرها.","vol":"1","page":249},{"text":"ومذهبه غامض يتدسس فيه وله إعجاب بالمعتزلة، وكأنه لذلك سمى نفسه التوحيدي، نسبة إلى توحيدهم الذي هو نفي الصفات، وقيل نسبة تمرٍ بالعراق يقال له: توحيد، وليس بمستقيم.\nوالتوحيدي أبو حيان يشبه أن يكون من إخوان الصفا الباطنيين، أو من أتباع الإسماعيليين فإنه يردد آراءهم في كتبه، وهذه الآراء شر محض، وفلسفة صرفة، ودين غير دين الإسلام.\nوأما أبو حيان الأندلسي صاحب تفسير \" البحر المحيط \" فهو أثير الدين محمد ابن يوسف بن علي بن يوسف بن حيَّان الأندلسي الغَرْناطي النفزي، نسبة إلى نِفْزة، قبيلة من البربر. قال ابن العماد في \" شذرات الذهب \" (٦/١٤٥): \"نَحْوي عصره، ولُغويه، ومفسره ومحدثه ومقريه ومؤرخه وأديبه، ولد بمَطْخشَاش مدينة من حضيرة غرناطة في آخر شوال سنة ٦٥٤هـ\" اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في \" الدرر الكامنة \" (٤/٣٠٤): \" كان ظاهريًا وانتمى إلى الشافعية، واختصر المنهاج، وكان أبو البقاء يقول: إنه لم يزل ظاهريًا، قلت: كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه\" اهـ.\nتوفي سنة ٧٤٥ هـ وهو قائل هاتيك الأبيات في شأن الشيخ تقي الدين ابن تيمية لما دخل مصر.\nقال الكاتب ص ٩:\n\" جاء في الحديث: \" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم \". والمعنى أن إطراءه والتغالي فيه والثناء عليه بما سوى ذلك هو محمود، ثم قال: \"نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيءٍ من صفات الربوبية، ورحم الله القائل حيث قال:\nدع ما ادعته النصارى في نبيهم\nواحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم","vol":"1","page":250},{"text":"فليس في تعظيمه ﷺ بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والإشراك بل ذلك من أعظم الطاعات والقربات. . \" انتهى.\nأقول: أهل السنة والحديث -بحمد لله وتوفيقه- يعظمون رسول الله ﷺ بما أمرنا أن نعظمه به، من الإيمان به وبما جاء به، وتعزيره وتوقيره، واتباع النور الذي جاء به، والاستنان بهديه وسنته في الأمور كلها.\nوهم يحبون حديثه وسنته، ويدافعون عنها، وينافحون عن أقواله، ولا يرتضون أن ينسب أحد إليه ما لم يقله، أو يترجح أنه ما قاله.\nيعرفون منزلته التي أنزله الله فلا ينزلونه عنها وحاشاهم، ولا يرفعونه عنها كما فعله الغلاة، وهم في كل ذلك متبعون طريقة الصحابة -﵃ أجمعين- ومن بعدهم من أئمة الهدى والدين.\nثم لما ظهرت طوائف الابتداع كالصوفية الغلاة اظهروا فتنة عظيمة فتنوا بها الناس ألا هي: إظهار تعظيم رسول الله ﷺ بالأقوال، وهجر اتباعه بالأفعال، فخالفوا أمر رسول الله ﷺ، وطريقة أصحابه الكرام الخلفاء الراشدين فمن بعدهم.\nوأدخل أولئك المتصوفة من الأحاديث المكذوبة والموضوعة ما لا يكاد يحصى عن قلة علم وجهل بالحديث، أو عن قصد عمد، وأشيعت في الناس وانتشرت حتى هجرت السنن الصحيحة واتبعت الأحاديث المردودة، وهم معترفون بأنهم لا يعرفون الحديث ومخارجه، ولا صحيحه من بهرجه، ومن نظر في كتب القوم وجد ذلك جليًا.\nوسياق كاتب المفاهيم لحججه بين ضعف الاستدلال والتقليد، فهو مطلق لنفسه الحبل على الغارب، فهذا الحديث الذي استدل به أخرجه البخاري في \" صحيحه \" (٦/٤٧٨) عن عمر مرفوعًا: \" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله \".","vol":"1","page":251},{"text":"والكاتب وضع يده على بقية الحديث لئلا يفهم منه قاري كلامه الفهم الصحيح واجتزاؤه هذا مخل، وهو من باب التحريف لحديث الرسول ﷺ، تحريف معنى، إذ لا يتضح المعنى إلا بإتمامه، فإن معنى الحديث: لا تتجاوزا الحد في مدحي فيفضي بكم ذلك إلى ما آل بالنصارى لما أغرقوا في مدح وتعظيم عيسى -﵇- فإنهم رأوا ما أجراه الله على يديه من معجزات كإحياء الموتى وإسماع الصم وإعادة الأبصار مع ضميمة كونه كلمة الله، فادعوا فيه الألوهية.\nفالكاف في قوله ﷺ: \" كما\" ليست كاف تشبيه، إنما هي كاف التعليل التي تدل على مآل الحال.\nجاء في إنجيل \" برنابا \" في الفصل الرابع والتسعين قول عيسى -﵇-: \" إني أشهد أمام السماء، وأشهد كل ساكن على الأرض أني بريء من كل ما قاله الناس عني من أني أعظم من بشر؛ لأني بشر مولود من امرأة، وعرضة لحكم الله، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام \".\nثم جاء فيه رد النصارى عليه:\n\" قال الوالي وهيرو دوس: يا سيد! إنه لمن المحال أن يفعل بشر ما أنت تفعله، فلذلك لا تفقه ما تقول\" اهـ.\nهذا قول عيسى -﵇- وقد أخبر الله عنه في المائدة، أنه قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]، وقال لهم: ﴿اعْبُدُواْاللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾","vol":"1","page":252},{"text":"وقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [الصف: ٦]، قال شيخ الإسلام في \" رده على البكري \" (ص١٠٥):\n\"فلو امتثلوا أمره كانوا مطيعين لرسل الله، موحدين لله، ونالوا بذلك السعادة من الله تعالى في الدنيا والآخرة، فغلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله: يستغيثون به وبغيره من الأنبياء والصالحين، ويطلبون منهم، ويشركون بهم، وكذبوا بالرسول الذي بشر به، وحرفوا التوراة التي صدق بها، وظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح، وكان هذا من جهلهم وضلالهم.\nفإنهم كلما أطاعوه فيما دعاهم إليه كان له مثل أجورهم، وكانت طاعتهم له، والإقرار بعبوديته، وبما بشر به فيه: وله ولهم من الأجر ما لا يحصيه إلا الله، ففوتوا هذا الأجر والثواب عليهم وعليه، وله ولهم فيه الخبر المستطاب، واعتاضوا عن ذلك بما ضرهم في الدنيا والآخرة.\nوإذا بين لهم قدر المسيح فقيل لهم: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، قالوا: إن هذا تنقص بالمسيح، وسب له واستخفاف بدرجته وسوء أدب معه، بل قالوا: هذا كفر وجحد لحقه، وسلب لصفات الكمال الثابتة له \" اهـ.\nففي حديث عمر \" لا تطروني \" إرشادًا إلى قطع وسائل الإطراء والأمر بأن نقول فيه: عبد الله ورسوله، هذا الذي ارتضاه ﷺ لنفسه، أفلا نرتضي لرسول الله ﷺ ما ارتضاه هو لنفسه؟ ! وقد نهى عن تعظيمه بأحاديث كثيرة؛ قطعًا وحسمًا لمادة الإطراء المستوجبة لرفعه فوق منزلته التي أنزله الله، المؤدية لوصفه بما لا يجوز إلا لله.","vol":"1","page":253},{"text":"ثم إن قول الكاتب: \" نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية. ورحم الله القائل حيث قال:\nدع ما ادعته النصارى في نبيهم\nواحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم\"\nأقول: إن قولك كله من مشكاة هذا القائل الذي أبهمته، وأنت من أحفظ الناس لاسمه، إنه البوصيري صاحب البردة، فلم أبهمته، وتركت التصريح باسمه؟ !\nوقولك هذا من أقوال شراح البردة، يتناقله الضلال من قديم في ردودهم على أهل الحق، وعلمهم حول البردة يدندن، قال الأزهري في شرحه للبيت ص ٢٢:\n\"اترك ما قالته النصارى -في نبيهم عيسى بن مريم -﵉- أنه ابن الله كما أخبر الله -﷾- عنهم، فإن نبينا نهى عن مثل ذلك، حيث قال: \" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى \"، أي: لا تصفوني بذلك، واحكم بعد ذلك له ﷺ بما شئت من أوصاف الكمال اللائقة بجلال قدره، وخاصم في إثبات فضائله\" اهـ. يعني لا تقولوا ابن الله وقولوا بعد ذلك ما شئتم من الغلو والشرك، وهذا من فروع الإطراء الذي نهى عنه، وقعوا فيه، فالغلو شر كله، وقادهم الغلو إلى قولٍ خطير، عظيم شره، وهو قول البوصيري:\nلو ناسبت قدرَه آياتُه عظمًا\nأحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم\nقال إبراهيم الباجوري شارحًا للبيت ص ٣٣:\n\"لو ناسبت آياته قدره في العظم لكان من جملة آياته أن يحيى اسمه دارس الرمم حين يدعى به، فلم تناسب آياته قدره في العظم، وهو المطلوب؛","vol":"1","page":254},{"text":"لأن الواقع أن قدره ﷺ أعظم من آياته، حتى من القرآن المتلو بخلاف غير المتلو\" انتهى١.\nفانظر ما جره إطراء البوصيري من المعاني المستولية الوخيمة، التي تنادي عليهم بالويل والثبور من كل سهل وجبل، وغَوْرٍ ونجد، حتى اتهموا الله بأنه لم يوفه حقه، فاللهم! إنا نبرأ إليك من هذا القول وقائله وممن ارتضاه.\n_________\n١ قال الإمام ابن جرير الطبري في كتابه \" التبصير في معالم الدين \": \" من ادعى أن قرآنًا في الأرض، أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا أو نكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه، وقاله بلسانه فهو بالله كافر حلال الدم وبرئ من الله، والله منه بريء \" اهـ المقصود منه، نقله عنه القاضي أبو يعلى في كتابه \" إبطال التأويلات لأخبار الصفات \" (ص٨-٩ نسختي الخطية) .","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الخاتمة</span>\n...\nخاتمة\nالحمد لله بدءًا وانتهاءً، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، أما بعد:\nفهذا نهايةُ ما أردتُ الردَّ عليه من كتاب مفاهيم يجبُ أن تصحح، وبقيت مسائل تعرَّض لها لم أتناولْها كالمولد، وشدِّ الرحل لزيارة القبر النبوي، والخصائص النبويَّة، ونحوها من المباحث؛ لأجل أن منها ما قد أشبع الكلامُ عليه، ومنها ما لا يتسع الكلامُ في أخبارها، روايةً ودرايةً.\nوإني أسألُ الله العليَّ القديرَ، العليمَ الحكيمَ، أن يُبَصَّرنا بأنفسنا، وينفع بما كتبتُ، والله المسؤولُ أن يُوفقنا للالتزام بدينه، وتوحيده، كما يحبُّ ويرضى، وأن لا يَكِلَنا لأنفسنا.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>مصادر ومراجع</span>\n...\nدليل المطبوعات المحال إليها في الكتاب، وما طبع بمصر أغفل بلد طباعته.\n- أحكام القرآن للجصاص: تركيا، الأوقاف، ١٣٢٥هـ.\n- الأدب المفرد، للبخاري: السلفية، ١٣٧٥هـ.\n- الأذكار، للنووي: دمشق، دار الملاح، ١٣٩١هـ.\n- الأسماء والصفات، للبيهقي: السعادة، ١٣٥٨هـ.\n- الأصنام، لابن الكلبي: دار الكتب المصرية، ١٣٤٣هـ.\n- أضواء البيان، للشنقيطي: الرياض، المطابع الأهلية، ١٤٠٣هـ.\n- الاعتصام، للشاطبي: مصطفى محمد، بلا تأريخ.\n- الإنصاف للمرداوي: السنة المحمدية، ١٣٧٤-١٣٧٨هـ.\n- الإيضاح، للقزويني: السنة المحمدية بلا تأريخ.\n- البحر الرائق، لابن نجيم: دار الكتب العربية الكبرى، ١٣٣٣هـ.\n- البداية والنهاية، لابن كثير: السعادة، ١٣٥١هـ.\n- البدع والنهي عنها، لابن وضّاح: دمشق، دار البصائر، الطبعة الثانية، ١٤٠٠هـ.\n- بلوغ الأرب، للألوسي: الرحمانية، ١٣٤٣هـ.\n- تأريخ ابن جرير: دار المعارف، ١٩٦٠م.\n- تجريد التوحيد، للمقريزي: المنيرية، ١٣٤٣هـ.\n- التحرير والتنوير، لابن عاشور: تونس، ١٩٨٤م.\n- تخريج الإحياء للعراقي.\n- الترغيب والترهيب، للمنذري: مصطفى الحلبي، ١٣٧٣هـ.\n- تطهير الاعتقاد، للصنعاني: مكة، السلفية، ١٣٤٧هـ.\n- تفسير ابن جرير: بولاق، ١٣٢٣هـ والحلبي: ١٣٨٨هـ، المعارف.\n- تفسير ابن كثير: دار الشعب، بلا تأريخ.\n- تفسير الرازي: البهية، ١٣٥٧هـ.\n- تفسير القرطبي: دار الكتب المصرية، ١٣٧٣هـ.\n- تنزيه الشريعة، لابن عراق: ط. الأولى، مكتبة القاهرة.\n- تهذيب اللغة، للأزهري: الدار المصرية للتأليف والترجمة، ١٣٨٤هـ.\n- تيسير العزيز الحميد، لسليمان آل الشيخ المكتب الإسلامي، ١٣٨٢هـ.\n- جامع الترمذي: مصطفى الحلبي، ١٣٥٦-١٣٨٥هـ.\n- جامع العلوم والحكم، لابن رجب: الأهرام، ١٣٨٩هـ.\n- الجواب الصحيح، لابن تيمية: فرج الله الكردي، ١٣٢٢هـ.","vol":"1","page":257},{"text":"- حلية الأولياء، لأبي نعيم: السعادة، ١٣٥١هـ.\n- الخصائص النبوية، للسيوطي: المدني، ١٣٨٧هـ.\n- الدرر السنية في الأجوبة النجدية، مكة، مطبعة أم القرى، ١٣٥٢هـ.\n- الدرر السنية، لأحمد بن زيني دحلان الحلبي، ١٣٨٦هـ.\n- الدرر الكامنة، لابن حجر: الهند، حيدر آباد، ١٣٤٨هـ.\n- الدر النضيد، للشوكاني: محمد علي عطية الكتبي، ١٣٥١هـ.\n- دلائل النبوة، للبيهقي: بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٥هـ.\n- الرد على البكري، لابن تيمية: السلفية، ١٣٤٦هـ.\n- الرد المحكم المنيع، للرفاعي: الكويت.\n- رسائل إخوان الصفا: المطبعة العربية، ١٣٤٧هـ.\n- روح المعاني، للألوسي: منيرية، الأولى، ١٣٤٥هـ.\n- زاد المسير، لابن الجوزي: المكتب الإسلامي، ١٢٨٤هـ.\n- سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني: ج١: المكتب الإسلامي ١٣٩٢هـ، ج٢: سنة ١٣٩٩هـ.\n- سنن ابن ماجه، عيسى الحلبي، ١٩٧٢م.\n- سنن أبي داود: ط. الدعاس، حمص، ١٣٨٨هـ.\n- سنن الدارمي: المدينة، نشر عبد الله هاشم، ١٣٨٦هـ.\n- سنن النسائي: المطبعة المصرية، ١٣٤٨هـ.\n- السيرة لابن إسحاق، تركيا، ١٤٠١هـ.\n- شذرات الذهب، لابن العماد: القدسي، ١٣٥٠هـ.\n- شرح الأذكار، لابن علان: النشر والتأليف، ١٣٤٧هـ.\n- شرح البردة، لأزهري: جمعية المعارف، ١٢٨٦هـ.\n- شرح البردة، للباجوري: كستلية، ١٢٩١هـ.\n- شرح الشربيني على متن أبي شجاع، كستلية، ١٢٨٢هـ.\n- شرح الشفا، للخفاجي: استنبول، دار الطباعة العامرة، ١٢٦٤هـ.\n- شرح الشفا، للقاري: استنبول، دار الطباعة العامرة، ١٢٦٤هـ.\n- شرح صحيح البخاري، للكرماني: البهية، ١٣٥٦هـ.\n- شرح صحيح مسلم، للنووي: المطبعة المصرية، ١٣٤٧هـ.\n- الشرح الصغير لمتن خليل، للدردير: عيسى الحلبي، ١٩٧٧م.\n- شرح عليش لمتن خليل: المطبعة الكبرى، ١٢٩٤هـ.\n- شرح المواهب اللدنية، للزرقاني: بولاق، ١٢٨٧هـ.\n- شفاء السقام، للسبكي: الهند حيدر آباد، ١٣٧١هـ.","vol":"1","page":258},{"text":"- صحيح البخاري-مع فتح الباري: السلفية، ١٣٨٠هـ.\n- صحيح مسلم: استنبول، دار الطباعة العامرة، ١٣٢٩هـ.\n- طبقات ابن سعد: بيروت، دار صادر، ١٣٧٦هـ.\n- عمل اليوم والليلة، لابن سني: الهند، حيدر آباد، ١٣٥٧هـ.\n- عمل اليوم والليلة، للنسائي: بيروت، الرسالة، ١٤٠٦هـ.\n- غاية المنتهى، لمرعي بن يوسف: دمشق، دار السلام، ١٣٨٧هـ.\n- فتاوي ابن تيمية: الرياض، ط. الأولى، ١٣٨١-١٣٨٦هـ.\n- فتح الباري، لابن حجر: السلفية، ١٣٨٠هـ.\n- الفروع، لابن مفلح: ط. عبد الستار فراج، ١٣٨٨هـ.\n- فيض القدير، للمناوي: مصطفى محمد، ١٣٥٦هـ.\n- في ظلال القرآن، لسيد قطب: ط. خامسة، دار الشروق، ١٣٩٧هـ.\n- الكامل، لابن عدي: بيروت، در الفكر، ١٤٠٤هـ.\n- الكبائر، للهيتمي، بولاق، ١٢٨٤هـ.\n- كشاف القناع، للبهوتي: المطبعة الشرقية، ١٣١٩هـ.\n- كشف الأستار، للهيثمي: بيروت، الرسالة، ١٣٩٩هـ.\n- الكفاية، للخطيب البغدادي: الهند، حيدر آباد، ١٣٥٧هـ.\n- لسان الميزان، لابن حجر: الهند، حيدر آباد، ١٣٢٩هـ.\n- مجمع الزوائد، للهيثمي: القدسي، ١٣٥٢هـ.\n- المحكم، لابن سيده: الحلبي، ١٣٧٧هـ، ١٣٩٣هـ.\n- مدارج السالكين، لابن القيم: السنة المحمدية، ١٣٧٥هـ.\n- المدخل، للحاكم: بيروت، الرسالة، ١٤٠٤هـ.\n- المستدرك، للحاكم: الهند، حيدر آباد، ١٣٢٤هـ.\n- مسند أحمد: الميمنية، ١٣١٣هـ. دار المعارف، تحقيق أحمد شاكر، ١٣٦٨-١٣٧٥هـ.\n- المشرع الروي، لبا علوي: جدة، ١٤٠٢هـ.\n- مصنف ابن أبي شيبة: الهند، ١٣٨٥هـ، ١٤٠٣هـ.\n- معارج الألباب، للنعمي: السنة المحمدية، ١٣٦٩هـ.\n- المعجم الأوسط، للطبراني: الرياض، مكتبة المعارف، ١٤٠٥هـ.\n- المعجم الصغير، للطبراني: المدينة، المكتبة السلفية، ١٣٨٨هـ.\n- المعجم الكبير، للطبراني: بغداد، وزارة الأوقاف، ١٩٧٨م-١٩٨٣م.\n- المعرفة والتأريخ، ليعقوب بن سفيان: بغداد ١٩٧٥م.\n- مقالات الكوثري: مطبعة الأنوار، دون تأريخ.","vol":"1","page":259},{"text":"- مقالات المسلمين، للأشعري: النهضة المصرية، ١٣٦٩هـ.\n- الملل والنحل، للشهرستاني: الأزهر، ١٣٧٠هـ-١٣٧٥هـ.\n- مناهل الصفا، للسيوطي: حجرية، ١٢٧٦هـ.\n- الموافقات، للشاطبي، بتعليق دراز: مصطفى محمد، دون تأريخ.\n- ميزان الاعتدال، للذهبي: عيسى الحلبي، ١٣٨٢هـ.\n- هذه هي الصوفية، للوكيل: تصوير، دار الكتب العلمية، ١٣٩٩هـ.","vol":"1","page":260}]}