{"ً":{"ٌ":12151,"ٍ":"عقود التأمين حقيقتها وحكمها","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/017_065-066","files":["017_065-066_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: عقود التأمين حقيقتها وحكمها\nالمؤلف: حمد بن حماد بن عبد العزيز الحماد\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة السابعه عشر -العدد الخامس والستين، السادس والستين - محرم -جماد الأخرة ١٤٠٥هـ\nعدد الصفحات: ٩٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2110,"ٕ":19,"ٖ":1770155803,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"مبدأ التأمين وأصلها","level":1,"page":2},{"title":"تعريف عقد التأمين","level":1,"page":4},{"title":"حكم عقود التأمين","level":1,"page":7},{"title":"الغرر","level":2,"page":7},{"title":"الربا","level":2,"page":12},{"title":"القمار","level":2,"page":14},{"title":"بيع الدين بالدين","level":2,"page":16},{"title":"احتجاج المجوزين للتأمين والرد عليهم","level":1,"page":17},{"title":"عقد التأمين عقد جديد","level":2,"page":17},{"title":"عقد الحراسة","level":2,"page":20},{"title":"ضمان خطر الطريق","level":2,"page":21},{"title":"الحاق عقود التأمين بولاء الموالاة عند الحنفية","level":2,"page":23},{"title":"إلحاق عقد التأمين بالوعد الملزم عند بعض المالكية","level":2,"page":25},{"title":"إلحاق عفد التأمين بمسألة عقل العاقلة","level":2,"page":27},{"title":"الإحتجاج بالمصلحة","level":2,"page":29},{"title":"الإحتجاج بأن التأمين ضرورة إقتصادية","level":2,"page":31},{"title":"الإحتجاج بنظام التقاعد","level":2,"page":33},{"title":"الإحتجاج بالتراضي","level":2,"page":35},{"title":"الحاق عقود التأمين بالجعالة","level":2,"page":36},{"title":"عقد التأمين التعاوني","level":1,"page":38}],"ٛ":{"1,71":1,"1,72":3,"1,73":5,"1,74":6,"1,75":8,"1,76":9,"1,77":10,"1,78":11,"1,79":13,"1,80":14,"1,81":15,"1,82":16,"1,83":18,"1,84":19,"1,85":22,"1,86":24,"1,87":26,"1,88":28,"1,89":30,"1,90":32,"1,91":34,"1,92":37,"1,93":39,"1,94":40,"1,95":41,"1,96":42},"ٜ":{"1":[71,96]},"ٝ":["1,71","1,71","1,72","1,72","1,73","1,74","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,82","1,83","1,84","1,84","1,84","1,85","1,85","1,86","1,86","1,87","1,87","1,88","1,88","1,89","1,89","1,90","1,90","1,91","1,91","1,91","1,92","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"7":[4,5],"12":[6],"14":[7],"16":[8],"17":[9,10],"20":[11],"21":[12],"23":[13],"25":[14],"27":[15],"29":[16],"31":[17],"33":[18],"35":[19],"36":[20],"38":[21]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nعقود التأمين حَقِيقَتُهَاوحُكْمُهَا\nللدكتور حمد حماد عبد العزيز الحماد\nالأستاذ المشارك بالدراسات العليا\nإن الحمد لله نحمده وستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد فإن موضوع التأمين قد طرق كثيرًا وكتبت فيه عدة كتب وأبحاث ونوقش في أكثر من مؤتمر وقد لاحظت أن الباحثين فيه قسموه إلى نوعين تجاري وتعاوني وأٍن كثيرًا منهم قد انتهوا إلى القول بجواز التعاوني دون أن يقدموا له تكييفا فقهيًا واضحا أو فارقًا معتبرًا بينه وبين ما يسمونه تجاريًا لذا أحببت المشاركة في هذا المجال مبينًا رأيي في حقيقة عقود التأمين وحكمها في الشرع وفق الأدلة الشرعية والقواعد المرعية والله المسئول أن يوفق للصواب ويهدى للرشاد وأن يجعله خالصًا لوجهه وذخرا ليوم المعاد إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مبدأ التأمين وأصلها</span>\n...\nمبدأ عقود التأمين وأصلها:\nإن أصل عقود التأمين ينبع من عقود ربوية مبنية على الغرر والمقامرة ويذكر الباحثون في التأمين أن فكرته موجودة في كثير من النظم القديمة تمتد إلى ألفي عام قبل الميلاد وربما أكثر من ذلك إلا أن أول وثيقة تأمين بحري عرفت كانت سنة ١٣٤٧م وهى المعروفة بالوثيقة الإيطالية ومنذ ذلك الوقت بدأ تنظيم التأمين في أوربا إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في عصرنا١.\nوإثر حريق هائل شب في لندن سنة١٦٦٦م نشأ التأمين البري حيث بدأ التأمين من خطر الحريق٢.\n_________\n١ انظر كتاب الخطر في التامين البحري تأليف محمود الشرقاوي ص ٣١ الدار القومية للطباعة والنشر بالقاهرة ١٣٨٥هـ.\n٢ انظر الوسيط لعبد الرزاق السنهوري ٧/١٩٠٦ دار النهضة العربية بالقاهرة ١٩٦٨م.","vol":"1","page":71},{"text":"ثم توالت بعد ذلك صور التأمين المختلفة مثل: التأمين من حوادث العمل، والتأمين من المسئولية، والتأمين على الحياة، والتأمين من تلف المزروعات، والتأمين من موت المواشي، والتأمين من السرقة والتبديد، والتأمين من حوادث النقل الجوى ... إلى غير ذلك من الصور المختلفة١.\n_________\n١ راجع السابقين.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تعريف عقد التأمين:</span>\nويعرف عقد التأمين بأنه عقد يلتزم المُؤَمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المُؤَمن له مبلغًا من المال أو مرتبًا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقق الخطر المبين في العقد وذلك نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المُؤَمن له للمُؤَمن٢.\nويعتبر ابن عابدين (ت١٢٥٢ هـ) من أول من تكلم عن التأمين وحكمه في الشريعة الإسلامية وأطلق عليه اسم (سوكرة) وانتهى إلى أنه عقد لا يحل حيث قال: \"مطلب مهم فيما يفعله التجار من دفع ما يسمى سوكرة وتضمين الحربي ما هلك في المركب وبما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربي يدفعون له أجرته ويدفعون أيضًا مالًا معلومًا لرجل حربي مقيم في بلاده يسمى ذلك المال سوكرة على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم ... والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله لأن هذا التزام ما لا يلزم \"٣.\nوفي العصر الحديث انتشرت شركات التأمين في بعض بلدان المسلمين واجتهد المروجون لها في سبيل استصدار فتوى شرعية بجوازه من بعض المحسوبين على الفقه والفقهاء من ذلك ما جاء في جواب محمد عبده لسؤال أحد مدراء شركات التأمين عن رجل اتفق مع جماعة على أن يعطيهم مبلغًا معلومًا في مدة معينة على أقساط معينة للاتجار به فيما يبدو لهم فيه الحظ والمصلحة وأنه إذا مضت المدة المذكورة وكان حيًا يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة وإن مات في خلالها تأخذ ورثته ... المبلغ المذكور مع الربح الذي نتج مما دفعه.\n_________\n٢ انظر الوسيط ٧/١٠٨٥.\n٣حاشية ابن عابدين (رد المحتار ٤/١٧٠) الطبعة الثانية ١٣٨٦ هـ طبعة مصطفى الحلبي.","vol":"1","page":72},{"text":"فأجاب بأن ما ذكر يكون من قبيل شركة المضاربة وهي جائزة ١ ...\nوواضح من السؤال أن المسئول عنه عقد تأمين ليس من باب المضاربة في شيء فهو يدفع أقساطا معينة هي أقساط التأمين وقول السائل للاتجار به إنما هو للتمويه والتضليل، وقولهم: \"إذا مضت المدة المذكورة وكان حيًا يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة \"هذا هو مبلغ التأمين وهو هنا لا يذكر إلا الربح فقط٢، ومن المعلوم أن المال في المضاربة خاضع لمبدأ الربح والخسارة.\nوقولهم: \"وإن مات في خلالها تأخذ ورثته ... المبلغ المذكور\" ظاهره أنه يأخذ الوارث أومن يقوم مقامه المبلغ كاملا مع أن الرجل قد مات في خلال المدة قبل أن يوفي جميع الأقساط وهذه حقيقة التأمين المبني على الغرر والمقامرة حيث يأخذ الورثة مالا لم يدفعه مورثهم.\nوقد علق الدكتور عيسى عبده على السؤال ببيان المكر في صياغته حيث أنه لم يعرض للعناصر الأساسية للتأمين التي منها أنه في التأمين على الحياة تلتزم الشركة المُؤَمنة بدفع رأس مال العقد كاملا إن حصلت الوفاة أثناء سريان العقد وإن كان المستأمن قد دفع قسطا واحدًا من عشرات أو مئات الأقساط التي كان سيدفعها لو امتد به الأجل، وأيضًا لم يعرض السؤال لنوع الربح الذي يعوِد على المستأمن أهو جزء من الربح الذي تحققه الشركة بتشغيل أمواله أو هو قدر محدد سلفًا ... والواقع أن جميع شركات التأمين تحسب الربح على جملة الأقساط وجملة الفترات الزمنية ... أما السؤال ففيه إبهام مقصود وتلويح بما يشبه المضاربة الشرعية ٣.\nهذا وقد تبع محمد عبده في فتواه عدد من المحْدثين فقالوا بجواز التأمين ومن هؤلاء\n_________\n١ انظر عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي لمحمد بلتاجي ص ٢٦ و٢٧ الناشر دار العروبة الكويت١٤٠٢ هـ والتأمين وموقف الشريعة الإسلامية منه لمحمد الدسوقي ص ٧٥ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٧ هـ.\n٢ لم يأت ذكر للخسارة مع احتمال حصولها والذي يظهر أنه ربح محدد عند التعاقد بنسبة معينة ويزيد الأمر وضوحًا رأى محمد عبده في أن ربا النسيئة لا يكون إلا في الديون ولا يكون في العقود عند إنشائها فقد جاء في تفسير المنار ٣/٩٧ طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب أنه لا يدخل في الربا الجلي المحرم بنص القرآن من يعطى آخر مالا يستغله ويجعل له من كسبه حظًا معينًا.\nوهذا وإن كان من صياغة تلميذه رشيد رضا إلا أنه أقره كما جاء في مقدمة التفسيرِ المذكور ١/١٥ أن أستاذه الشيخ كان يقرأ ما يكتبه عمه ويقره.\nوقد تبعه في هذا الرأي تلميذه رشيد رضا انظر كتابه الربا والمعاملات في الإسلام ومحمود شلتوت انظر مجلة لواء الإسلام العددان ١١و١٢ وعبد الكريم الخطيب انظر مجلة البنوك الإسلامية عدد ١١ وغيرهم.\nومقتضى ما تقدم أن محمد عبده يحلل القرض بفائدة ولذا لم يتوقف بالإجابة بالجواز فيما سئل عنه في شأن العقد المذكور.\n٣ انظر التأمين لعيسى عبده ص ٣١ دار البحوث العلمية بالكويت.","vol":"1","page":73},{"text":"الدكتور محمد يوسف موسى١ والشيخ على الخفيف٢ والدكتور محمد البهى٣ ومصطفى الزرقا ومحمد سلام مذكور وعبد الرحمن عيسى.. وغيرهم٤.\nوقد أبدى بعضهم تحفظات على شيء من فروع التأمين وجزئيا ته فاشترط محمد يوسف موسى أن تخلو المعاملة فيه من الربا ورد عبد الرحمن عيسى على بعض صور التأمين على الحياة كما رد محمد سلام مذكور بعض الشروط التعسفية٥.. إلا أن هذا لا ينافي أن الرأي عندهم حل التأمين في الجملة..\nويستدلون لقولهم بجوازه بقياسه على بعض العقود الجائزة ولو عند بعض الفقهاء وسنعرض لذكرها والرد عليها في المباحث التالية:\n_________\n١ انظر الإسلام والحياة ص ٢١٦ وهو من تأليف المذكور.\n٢ انظر بحث التَأمين له المقدم لندوة التشريع الإسلامي بالجامعة الليبية عام ١٣٩٢ هـ.\n٣ انظر له رأى الدين بين السائل والمجيب ص ١٨٦ وما بعدها- دار الفكر- ١٣٩٢ هـ.\n٤ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٣٨٢ وما بعدها طبع بواسطة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بالقاهرة عام ١٣٨٢ هـ وهو مجموعة البحوث المقدمة للمؤتمر الذي عقد بدمشق ١٦ ـ٢١شوال ١٣٨٠هـ. ومجلة العربي العددان ١٩٢، ١٩٥ والمعاملات الحديثة لعبد الرحمن عيسى.\n٥ انظر المراجع المتقدمة.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>حكم عقود التأمين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الغرر</span>\n...\nحكم عقود التأمين.\nعقود التأمين تشتمل في جوهرها على أمور تجعلها عقودًا محرمة من هذه الأمور ما يلي:\nأولا: الغرر:\nوالنهي عن الغرر أصل عظيم من أصول البيوع يدخل تحته مسائل كثيرة مثل بيع المعدوم وبيع المجهول وبيع ما لا يقدر البائع على تسليمه وبيع ما لم يتم ملك البائع له والأصل في هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر\"رواه مسلم٦. الغرر: الخطر.\nوالغرر مناط البطلان عند جميع العلماء٧. وهو متحقق في عقود التأمين بشكلٍ ظاهر لا يجادل فيه عاقل، فكل واحد من المتعاقدين لا يدرى كم يعطي ولا كم يأخذ فهو إذا عقد على مجهول فيه مخاطرة عظيمة.\n_________\n٦ صحيح مسلم٣/١١٥٣ كتاب البيوع رقم ٤ بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي- دار إحياء الكتب العربية- بمصر.\n٧ انظر النووي على مسلم ١٠/١٥٦-١٥٧ طبعة -المطبعة المصرية- والمقدمات الممهدات لأبى الوليد بن رشد ٢/ ٢٢٢ طبعه- مطبعة السعادة - بمصر وبداية المجتهد ٢/١٥٣ الناشر- مكتبة الكليات الأزهرية-.","vol":"1","page":74},{"text":"وقد أورد التقنين المدني عقد التأمين ضمن العقود الاحتمالية أو عقود الغرر وبيان ذلك أن المُؤَمن والمُؤَمن له لا يعرفان وقت إبرام العقد مقدار ما يأخذ كل منهما ولا مقدار ما يعطي كل منهما إذ أن ذلك متوقف على وقوع الكارثة أو عدم وقوعها١.\nمن هنا نعلم أن وجود الغرر والمخاطرة في عقود التأمين من الأمور الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار بل إن الغرر والمخاطرة فيها أبين وأظهر من مثل صورة بيع الحصاة٢وبيع المنابذة٣ وبيع الملامسة٤ وغيرها مما ورد فيه النهى الصريح لما فيها من الغرر الظاهر.\nومن الغرر أيضًا في عقد التأمين الجهل بأجل العقد وذلك أن الخطر وهو محل عقد التأمين لا يعلم هل يقع أم لا؟ وإن وقع فلا يعلم متى يقع؟ وعدم العلم بوقوعه ووقت وقوعه من شروط العقد الواجبة في التأمين وهو أن يكون الخطر غير محقق الوقوع وهذا هو العنصر الجوهري في عقد التأمين٥.. فأي غرر أكثر وأشد مما في هذا العقد..\nومن العجيب أن يغالط بعض المنتسبين إلى الفقه فينازع في أن التأمين من العقود الاحتمالية كما فعل مصطفى الزرقا٦ مع وضوحه كما تقدم.\nشبه المخالفين في الغرر في عقد التأمين والرد عليها:\n١- قال بعضهم أنه ليس من عقود الغرر المحرمة بدعوى أن ما ألفه الناس وتعارفوا عليه دون ترتب نزاع يكون غير منهي عنه٧\nوهذه دعوى باطلة فإن التراضي بين المتعاقدين لا يصير العقود المحرمة حلالًا وقد كانت كثير من صور عقود الغرر مألوفة في عهد الجاهلية ومع ذلك نهى الشرع عنها لأنها من أكل أموال الناس بالباطل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ\n_________\n١ انظر الوسيط ٧/ ١١٤٠ وأصول الفقه الإسلامي ٤٦١.\n٢ انظر من فقه السنة ص ٣٦- ٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ.\n٣ انظر من فقه السنة ص ٣٦- ٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ.\n٤ انظر من فقه السنة ص ٣٦-٣٧ الطبعة الأولى عام١٤٠٥ هـ.\n٥ انظر الوسيط ٧/ ١٢١٨.\n٦ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠١.\n٧ انظر بحث التأمين للشيخ علي الخفيف ص ٦ وعقود التأمين لمحمد سلام مدكور مجلة العربي العدد ١٩٥.","vol":"1","page":75},{"text":"تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم﴾ ١. والمعنى تجارة لا غرر فيها ولا مخاطرة ولا قمار وهذا أمر متفق عليه عند أهل العلم ٢..\nومن المعلوم أن اتفاق المتعاقدين على المعاملات الربوية وتراضيهما عليها وكون ذلك لا يؤدى إلى نزاع بينهما لا يجعل هذه المعاملات مشروعة فكذا هنا.\n٢- دعوى أن عقود التأمين من قبيل التعاون بين مجموعة من الناس وفي التعاون والتبرع يغتفر الغرر الكثير استنادا لقول مالك ﵀ في تصرفات الإحسان الذي لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة والإبراء٣. وبناء على ذلك حاولوا أن يجعلوا عقد التأمين من هذا الباب كما فعل السنهوري حيث ذكر أن التأمين لا يفهم على الوجه الصحيح إلا إذا نظر إلى الجانب الآخر وهو جانب العلاقة بين المُؤَمن ومجموع المُؤَمن لهم حيث يكون المُؤَمن وسيطًا بينهم ينظم تعاونهم جميعًا على مواجهة الخسارة التي قد تصيب بعضهم ٤. يقول السنهوري عن الجانب الآخر من عقد التأمين - على حد تعبيره- \"إنه يبر ز التأمين في ثوبه الحقيقي ويبين أنه ليس إلا تعاونًا منظما تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون، وشركة التأمين ليست في الواقع من الأمر إلا الوسيط الذي ينظم هذا التعاون على أسس فنية صحيحة ... فالتأمين إذًا هو تعاون محمود، تعاون على البر والتقوى يبر به المتعاونون بعضهم بعضًا ويتقون به جميعًا شر المخاطر التي تهددهم فكيف يجوز القول بأنه غير مشروع؟ \"٥.\nوقد استند على قول السنهوري هذا كل المشاغبين على مسألة وجود الغرر في عقود التأمين.\n_________\n١ سورة النساء آية ٢٩\n٢ انظر الأم ٣/ ٢-٣ للإمام الشافعي وبهامشه مختصر المزني - طبعة دار الشعب - والمقدمات الممهدات٢/ ٢٢٢.\n٣ انظر الفروق للقرافي ١/١٥٠ بهامشه تهذيب الفروق - دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت وبداية المجتهد ٢/٣٢٧ والمغنى لابن قدامة ٥/٦٥٧ الناشر- مكتبة الجمهورية العربية- بمصر ومكتبة الرياض الحديثة-.\nويجب أن يعلم أن مذهب مالك فيما يستباح فيه الغرر يشترط أن يكون من باب الإحسان المحض حاليًا من أي صفات المعاوضة أي تكون الرغبة محضة لتصد الهبة والتبرع وليس عقد التأمين هكذا.\n٤ انظر مصادر الحق في الفقه الإسلامي ٣/ ٣٢-٣٣ والوسيط ٧/ ٠٨٩ ١ وكلاهما للمذكور.\n٥ ١لوسيط ٧/١٠٨٧.","vol":"1","page":76},{"text":"فهذا مثلًا علي الخفيف يقرر نفس المعنى في بحثه عن التأمين١. وكذا محمد سلام مدكور حيث يقول: \"إن شركات التأمين تقوم بدور الوسيط بين الأفراد المتعاونين\"٢. والزرقا حيث يقول: \"إن التأمين قائم على فكرة التعاون على جبر المصائب والأضرار الناشئة من مفاجآت الأخطار\"٣.\nولو سلمنا القول بما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ فلا يصلح مستندًا لما ذهبوا إليه البتة لأنها لا تصح أبدًا دعواهم أن عقد التأمين من قبيل التبرعات بل هو عقد معاوضة محضة ويتضح ذلك من التعريف القانوني لعقد التأمين٤.فليس هناك شك أن عقد التأمين عقد معاوضة بين متعاقدين يلتزم بمقتضاه كل منهما بعوض مقابل ما يلتزم به الآخر وإذا كان كذلك فلا يجوز في مذهب من المذاهب الفقهية ما في عقد التأمين من غرر كثير وكبير ولا تعدو هذه الدعوى أن تكون مغالطة بعيدة عن الواقع الحقيقي لعقد التأمين.\nولا يجادل عاقل في أن مقصد شركات التأمين إنما هو تحقيق الربح الوفير لها من جراء اتجارها بدعوى توفير الأمن للمتعاقدين معها فلا يصح بحال دعوى أن هذه الشركات ليست إلا الوسيط الذي ينظم التعاون ... إنها مغالطة للواقع.\n٣- حاول الزرقا دفع الغرر عن عقد التأمين بدعوى أن في عقد التأمين معاوضة محققة النتيجة فور عقده.. وأن الاحتمال فيه بالنسبة للمُؤَمن إنما هو بالنظر إلى كل عقد على حدة وأما بالنظر إلى مجموع العقود فإن التأمين يعتمد على أساس إحصائية تنفي عنه الاحتمال عادة.. وأما بالنسبة إلى المستأمن فإن الاحتمال معدوم؛ ذلك لأن المعاوضة الحقيقة في التأمين بأقساط إنما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان الذي يحصل عليه وهو حاصل بمجرد العقد لأنه بهذا الأمان لم يبق بالنسبة إليه فرق بين وقوع الخطر وعدم وقوعه٥.\nوهذه المحاولة غير صحيحة أما بالنسبة للمُؤَمن فكل عقد يجريه فيه غرر كبير يوجب بطلانه والتحايل بلفت النظر إلى مجموع العقود لا يصح فإنه ليس له وجود في الخارج وإنما الذي له وجود هو العقد الغرر وهو يتضمن غررًا كبيرًا من الجانبين.\n_________\n١ ص ٥٩ وما بعدها.\n٢ انظر مجلة العربي العدد ١٩٢.\n٣ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠١ وما بعدها.\n٤ تقدم في أول البحث.\n٥ انظر أصول الفقه الإسلامي صر ٤٠٢ وما بعدها.","vol":"1","page":77},{"text":"ومقتضى قوله بالصحة بالنظر إلى مجموع العقود يلزم منه أن العقد الباطل في ذاته إذا انضم إليه غيره مما يشبه في البطلان صار بهذا الانضمام صحيحًا وهو لازم باطل لا وجه له عند أحد من فقهاء المسلمين.\nعلى أن دعوى زوال احتمال الغرر من مجموع العقود مغالطة ظاهرة فشركات التأمين لا يمكن أن تعرف مجموع ما سوف تأخذ وما تعطى وإنما تستعين بالإحصائيات لمعرفة صورة تقريبية وهذا لا ينفي عنها عنصر الاحتمالية ... هذا وهناك أحداث وأخطار غير متوقعة تقلب كل توقعات المُؤَمنين فكيف يقال إنه يعتمد على أسس إحصائية تنفي عنه الاحتمال؟ وحاصل ما تقدم أن الغرر الكبير في عقود التأمين موجود رغم كل ما قالوه حتى بالنسبة لمجموع العقود وهذا يقتضي بطلانها على أية حال.\nوأما بالنسبة للمُؤَمن له فالغرر متحقق لديه وقت العقد في أنه لا يدرى ماذا سيعطى وماذا سيأخذ وهذا كاف للحكم ببطلانه.. ودعوى أن القسط في مقابل الأمان دعوى غير صحيحة ذلك أن عقد التأمين مذكور فيه أن القسط في مقابل مبلغ والتأمين هكذا يقول شراح القانون١.\nوأما الأمان فلا يقدر عليه إلا الله وشركات التأمين لا تستطيع أن تضمن عدم وقوع الخطر وإنما تعوض عن بعض آثاره بعد وقوعه.\nوقول الزرقا: \"لم يبق بالنسبة إليه- أي المُؤَمن له- فرق بين وقوع الخطر وعدمه...الخ \" مغالطة ظاهرة وهل يعقل ذلك فيمن يُؤَمن على حياته أو على أعضائه؟ أيستوي عنده أن يفقد حياته وأعضاءه أو أن يبقى حيًا معافى؟ لا يستويان فكل هذا إنما هو تحايل ومغالطة لنفي الغرر من عقود التأمين وهو متحقق فيها على أية حال.\nومن خلال النظر إلى أركان هذا العقد وشروطه كما تقدم تصويره لا يراودنا أدنى شك في بطلانه.. ولا اعتبار بعد ذلك لأي دعاوى تتعلق في أمر خارج عن هذه الأركان والشروط لأن العبرة في الحكم على العقود إنما هو بالنظر إلى ما تضمنته من أركان وشروط.\n_________\n١ انظر الوسيط ٧/ ١١٣٩.","vol":"1","page":78},{"text":"ثانيا:<span data-type=\"title\" id=toc-6> الربا:</span>\nعقد التأمين يتضمن الربا بنوعيه أما النسيئة فدائمًا وأما الفضل فغالبًا وذلك أنه عندما يضع الخطر المُؤَمن منه وتسلم شركة التأمين مبلغ التأمين المتعاقد عليه فإنه لا يخلو في الغالب","vol":"1","page":78},{"text":"من أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه المُؤَمن له وفي هذه الحالة يتحقق ربا الفضل بسبب عدم تساوى البد لين وكذا ربا النسيئة لتأخر أحد البد لين وإن كان المبلغ مساويًا- وهذا نادر- تحقق ربا النسيئة لتأخر أحد البد لين لأن عقود التأمين لا تخرج عن الصرف إذ هي نقد بنقد وهذا واضح من تعريفه حيث أن المُؤَمن يلتزم بدفع مبلغ من المال في نظير قسط مالي وعقد الصرف يشترط فيه التقابض مطلقًا سواء اتحد الجنس أو اختلف ويشترط أيضًا التماثل عند اتحاد الجنس وهذا كله متحقق بين مبلغ التأمين وقسطه وبهذا يتبين أن عقود التأمين تشتمل على نوعي الربا.\nوالنصوص الواردة في طلب التماثل والتقابض في مبادلة المال الربوي بجنسه متواترة وقد أجمع المسلمون على مدلولها١.\nشبه المخالفين في تضمن التأمين للربا والرد عليها:\nا- كما ادعوا في باب الغرر أن عقود التأمين من قبيل التعاون الذي يغتفر فيه الغرر ادعوا هنا أيضًا أن التأمين من أساسه قائم على فكرة التعاون على جبر المصائب فيغتفر ما فيه من ربا أو شبهة ربا ٢. وهي دعوى مردودة كما تقدم فعقود التأمين ليست من قبيل التعاون وإنما هي عقود معاوضة وتجارة فلا يمكن حملها على تصرفات التبرع والإرفاق التي يغتفر فيها ما لا يغتفر في عقود المماكسة التي يقصد منها الربح.\n٢- حاول بعضهم أن يحصر شبهة الربا في بعض صور التأمين وهو ما يحصل في التأمين على الحياة حيث يشترط فائدة ربوية علاوة على مبلغ الأقساط التي يستفيدها إذا ظل حيًا بعد مدة العقد ومن ثم يحكم على هذا الشرط وحده دون الحكم على نظام التأمين في ذاته ولذا يقترح الزرقا إلغاء شرط الفائدة في هذه الصورة من التأمين بحيث يرد مبلغ الأقساط بعينه دون فائدة٣.\nوالجواب عن هذا أن جوهر عقد التأمين لا يخلو من شبهة الربا حتى لو خلا من مثل هذا الشرط فإنه وإن انتفى التفاضل فإن النَسَاء متحقق على أية حال.\n_________\n١ انظر طرفا من ذلك من فقه السنة ص ١٠٠ وما بعدها.\n٢ انظر نظام التأمين لمصطفى الزرقا ص ٢٥ وأصول الفقه الإسلامي ص ٤٠٤ وما بعدها.\n٣ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٠٦.","vol":"1","page":79},{"text":"ثالثا:<span data-type=\"title\" id=toc-7> القمار:</span>\nعقد التأمين يتضمن شبهة القمار وذلك أنه معلق على خطر قد يقع وقد لا يقع فهو يشبه في معناه معنى ميسر القمار وهو ما يتخاطر الناس عليه. قال ابن عباس: \"كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قامر صاحبه ذهب بماله وأهله فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ١ وأي مخاطرة ومقامرة أشد من دفع مبلغ التأمين كاملًا مقابل قسط واحد فيما إذا وقع الخطر المُؤَمن عليه ففي مقابل ماذا دفع المُؤَمن هذا المبلغ الكبير؟ وكيف تكون المخاطرة والمقامرة إذا لم تكن هذه مخاطرة ومقامرة؟\nوالحقيقة أننا لو نظرنا إلى عناصر عقد المقامرة عند شراح القانون لوجدناها متوفرة في عقود التأمين ولذا قال السنهوري إنه إذا نظرنا إلى عقد تأمين بمفرده لم يعدُ أن يكون عقد مقامرة ٢.\nشبه المخالفين في تضمن عقد التأمين للمقامرة والرد عليها:\nوقد حاول الزرقا ومن على شاكلته إيجاد فروق بين عقد التأمين وبين القمار سوف أذكرها حسب ورودها في بحثه وأجيب عليها.\nأ- يقول: \"إن القمار لعب بالحظوظ ومقتلة للأخلاق ... فأين القمار الذي هو من أعظم الآفات ... من نظام يقوم على أساس ترميم الكوارث الواقعة على الإنسان في نفسه أو ماله ... \" ٣.\nوالجواب عن هذا أن وجه الشبه بين عقد التأمين وبين القمار هو عنصر المخاطرة في كل منهما حيث أن عقد التأمين يكون على شيء غير محقق الوقوع وهو عنصر أساسي فيه وفي القمار أيضًا وهذا هو مناط التحريم وأما ما يقر بسبب القمار من العداوة والبغضاء والصد عن\n_________\n١ سورة المائدة الآية ٩٠ -٩١ وانظر تفسير الطبري٢/٣٥٧ -٣٥٩ و٧/٣٢-٣٥ جامع بيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري الطبعة الثالثة طبعه-مصطفى الحلبي - بمصر، وتفسير القرطبي ٣/٥٢ الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي الطبعة الثالثة عن - طبعة دار الكتب المصرية-.\n٢ انظر الوسيط ٧/١٠٨٧.\n٣ أصول الفقه الإسلامي ص ٣٩٨ وانظر بحث الخفيف ص ١٧.","vol":"1","page":80},{"text":"ذكر الله وعن الصلاة فهذا من حكمة التحريم فإن القمار حرام حتى ولو قدر خلوه من ذلك فكذا عقد التأمين حرام لتضمنه مناط التحريم وهو المخاطرة على أن نظام التأمين يقع فيه شيء من العداوة والبغضاء حين يأخذ أحد الطرفين في عقد التأمين مبلغًا كبيرًا دون مقابل. وحتى لو سلمنا بأن القمار يؤدي إلى العداوة والبغضاء وعقود التأمين لا تؤدى إلى ذلك فإن معنى المخاطرة والمقامرة متحقق فيها على أية حال.\n٢- يقول: \"إن عقد التأمين يعطى المستأمن طمأنينة وأمانًا من نتائج الأخطار ... فأين هذا الأمان والاطمئنان لأحد المقامرين في ألعاب القمار التي هي بذاتها الكارثة الحالقة؟ \"١..\nوالجواب عن هذا أنه لو سلمنا جدلا أن في التأمين أمانًا وطمأنينة لا توجد في المقامرة فإن هذا ليس له أثر في الحكم إذ أن العنصر الذي له أثر في الحكم هو عنصر المخاطرة في إجراء العقد على واقعة غير محققة في كل من التأمين والقمار وهذا لا صلة له بما يصحب العقد من خوف أو أمان فالمقامرة في عقد التأمين متحققة حتى لو سلمنا بهذا الفارق المزعوم.\n٣- يقول: \"ومن جهة ثالثة عقد التأمين من قبيل المعاوضة وهذه المعاوضة مفيدة فائدة محققة للطرفين ففيها ... ربح اكتسابي للمُؤَمن وفيها أمان للمستأمن ... فأين هذه المعاوضة في القمار؟ وما هي الفائدة التي عادت على الخاسر فيه من ربح الفائز \"٢..\nوالجواب عن هذا أن كونه عقد معاوضة لا يمنع أن يكون فيه معنى القمار وأيضًا فإن مثل هذا الفارق لو سلم بوجوده لا أثر له في الحكم فعنصر المخاطرة الذي هو مناط التحريم متوفر على أية حال فلا يفيد بعد ذلك ما قاله الزرقا من أن التأمين معاوضة مفيدة للطرفين فسواء كانت مفيدة أو غير مفيدة فحكمها لا يتغير طالما اشتملت على عنصر يقتضي تحريمها.\nوأخيرًا فإن شراح القانون قد قرروا أنه بالنظر إلى عقد التأمين من جهة العلاقة بين المُؤَمن وأي من المستأمنين لا يعد أن يكون عقد مقامرة كما في قول السنهوري المتقدم وإذا تقرر ذلك فهو كاف في الحكم عليه بالتحريم ولا تأثير بعد ذلك للفروق التي ادعوها حتى ولو سلم بشيء منها.\n_________\n١ أصول الفقه الإسلامي ص ٣٩٩.\n٢ المصدر السابق ص ٣٩٩","vol":"1","page":81},{"text":"رابعا:<span data-type=\"title\" id=toc-8> بيع الدين بالدين:</span>\nيقول الدكتور محمد بلتاجي: \"ويكون قسط التأمين عادة مبلغًا سنويًا والمستأمن لا يدفعه في مجلس العقد إنما يدفعه بعد ذلك على أقساط فهو دين في ذمة المستأمن يلزمه أداؤه حسبما نص على ذلك في العقد والذي يقابله يبلغ التأمين الذي تلتزم الشركة بدفعه إذا حدث الخطر المُؤَمن منه فهو الآخر دين في الذمة معلق على وقوع الخطر ومن ثم فعقد التأمين يتضمن بيع دين بدين\"١.\nوما ذكره بلتاجي متحقق حقيقة في عقد التأمين وقد أجمع المسلمون على تحريم بيع الدين بالدين٢..\nوالخلاصة أنه اجتمع في عقد التأمين الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين وواحد من هذه الأمور يكفي للحكم بتحريمه فكيف وقد اجتمعت كلها على نحو ما تقدم؟..\n_________\n١ عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي ص ١١٧.\n٢ انظر بداية المجتهد ٢/١٢٣ ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ٥/١٦٦ لمحمد بن علي الشوكاني الطبعة الثالثة- ملتزم الطبع والنشر مصطفى الحلبي-.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>احتجاج المجوزين للتأمين والرد عليهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>عقد التأمين عقد جديد</span>\n...\nاحتجاج المجوزين للتأمين والرد عليهم\nحاول المخالفون في تحريم عقد التأمين أن يطبقوا عليه بعض القواعد العامة أو أن يقيسوه على بعض الصور في الفقه الإسلامي بشكل عام وهذا ما سأتناوله في النقاط التالية:\n١- أن عقد التأمين عقد جديد\nفهو جائز بناء على أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه٣ وأن الشريعة تركت الباب مفتوحًا للناس أن يحدثوا أنواعًا جديدة من العقود إذا دعت الحاجة لها بشرط أن تتوفر فيها الأركان والشروط العامة المعتبرة في العقود وفي هذا الصدد يمثل الزرقا بعقد بيع الوفاء وأنه أشبه بواقعة عقد التأمين فعقد بيع الوفاء \"عقد جديد ذو خصائص وموضوع وغاية يختلف فيها عن كل عقد من العقود المسماة المعروفة قبله لدى فقهاء الشريعة وهو ينطوي على غاية يراها الفقهاء محرمة لأنه يخفي وراءه أنواعا من الربا المستور وهو الحصول على منفعة من وراء القرض حيث يدفع فيه الشخص مبلغًا من\n_________\n٣ في هذا خلاف أصولي لا مجال لذكره هنا راجع إن شئت الإحكام في أصول الأحكام لا بن حزم ١/٥٢ وما بعدها - منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت. والقواعد النورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٨٤ وما بعدها تحقيق الفقي - مطبعة السنة المحمدية -.","vol":"1","page":82},{"text":"النقود ويسميه ثمنًا لعقار يسلمه صاحبه إلى دافع المبلغ الذي يسميه مشتريًا للعقار لينتفع به بالسكنى أو الإيجار بمقتضى الشراء بشرط أن صاحب العقار متى وفى المبلغ المأخوذ على سبيل الثمنية استرد العقار... ولكل منهما الرجوع عن هذا العقد أي فسخه وطلب التراد ولو حددت له المدة\"١.\nوقد اختلف الفقهاء فيه وقت ظهوره فمنهم من أعتبره بيعًا فاسدا لاقترانه بشرط مفسد للعقد. ومنهم من أعتبره بيعًا صحيحًا وأبطل الشرط وحده واعتبره لغوا. ومنهم من نظر إلى الهدف من هذا العقد والشرط فاعتبره في معنى الرهن الذي يشترط فيه المرتهن الانتفاع بالشيء المرهون فأبطل شرط الانتفاع بالمرهون وأبقاه رهنًا لأن العبرة في التصرفات للمقاصد. إلا أنه استقرت الفتوى في المذهب الحنفي بعد ذلك على أنه عقد جديد ذو خصائص مختلفة عن هذه العقود الثلاثة لذا قرروا له أحكامًا مستمدة منها جميعًا.\nوالمقصود من هذا أن قضية عقد التأمين تشبه بيع الوفاء من ناحية أن بيع الوفاء شاهد تاريخي واقعي في الفقه على جواز إحداث عقود جديدة وإن تعرض في أول نشأته لمثل ما تعرض له اليوم عقد التأمين من اختلاف٢ ...\nوالرد على ذلك أن وجه الحرمة في عقد التأمين ليس لأنه عقد جديد يختلف عن العقود المعروفة لدى فقهاء الشريعة الإسلامية بل وجه الحرمة فيه ما يتضمنه من غرر وربا وقمار وبيع دين بدين كما تقرر، وبناء على هذا فهذا العقد الجديد غير جائز لا لأنه جديد بل لأنه تضمن أمورا تقتضي بطلانه.\nوليعلم أنه من المتفق عليه عند القائلين إن الأصل في العقود الإباحة تقييد ذلك بأن لا يرد الشرع بتحريمه وعليه فقد اشتمل عقد التأمين على عدة أمور ورد الشرع بتحريمها فلا يندرج عقد التأمين تحت هذا الأصل القائل بأن الأصل في العقود الإباحة حتى على تقدير رجحانه على القول بأن الأصل فيها الحظر إلا ما ورد الشرع بإباحته. وغنى عن البيان القول بأن عقد الوفاء مختلف عن عقد التأمين في موضوعه وهذا ما سلم به الزرقا نفسه٣.\nعلى أن الصواب في بيع الوفاء أنه لا يخرج عن أن يكون بيعًا أو رهنا اقترن به شرط فاسد والحكم فيه هو إبطال العقد بسبب هذا الشرط أو إبطال الشرط وحده على الخلاف\n_________\n١ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٣٨٧.\n٢ انظر المصدر السابق ص ٣٨٨.\n٣ انظر المصدر السابق ص٥١٥.","vol":"1","page":83},{"text":"المذكور آنفًا وعلى هذا فليس هنا عقد جديد أصلًا وإنما هو عقد قديم- بيع أو رهن- اقترن بشرط.\nوالحقيقة أن جر الكلام إلى موضوع إيجاد عقود جديدة إبعاد للمسألة عن مناط الحكم فيها فليس المحذور في عقد التأمين كونه عقدًا جديدًا- كما تقدم - وإنما لأنه تضمن الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين وكل هذه الأمور قد اعتبرها الشارع مبطلة للعقود.","vol":"1","page":84},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-11> عقد الحراسة:</span>\nيقول الزرقا إن المستأجر للحراسة ليس لعمله نتيجة سوى تحقيق الأمان لمن استأجره باطمئنانه على سلامة الشيء المحروس ... وهكذا الحال في عقد التأمين يبذل المستأمن فيه جزءًا من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار١.\nويرد عليه بأن عقد الحراسة ليس محل العقد فيه هو الأمان وإنما الأجير يستحق الأجرة في مقابل القرار في مكان معين للقيام بالحراسة وهذا هو محل العقد وهو المتحقق في الواقع وأما الأمان فهو الهدف من العقد والباعث عليه وهذا الهدف قد يتحقق وقد لا يتحقق والأجير يستحق الأجرة بمجرد قيامه بالحراسة سواء حصل الأمان أولم يحصل وليس عليه شيء إذا لم يفرط.\nفالأمان إذًا ليس محلًا للعقد وإنما هو أمر معنوي نفسي لا يمكن أن يباع ويشترى بل قد يأتي بلا ثمن وقد يدفع في طلبه الثمن الكثير ولا يتحقق.\nوالحقيقة أن عقد الحراسة معاوضة معلومة من الطرفين فصاحب الشيء المحروس يدفع أجرة معلومة والأجير يقوم بعمل معين فليس هناك غرر أو جهالة في هذا العقد.\nوأما عقد التأمين ففيه جهالة العوضين وجهالة مدة العقد فلا وجه لإلحاقه بعقد الحراسة المعلوم المحدد.\nوهذه المقايسة لا تعد أن تكون وسوسة شيطانية الهدف منها التضليل والمغالطة.\nودعوى أن الأمان هو محل العقد في عقد الحراسة وعقد التأمين دعوى باطلة يكذبها العقل والواقع فليس في مقدور أحد من البشر توفير ذلك وإنما هو حقيقة بيد الله ﷾.\n_________\n١ انظر المصدر السابق ص ٤٠٤.","vol":"1","page":84},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-12> ضمان خطر الطريق:</span>\nضمان خطر الطريق هو فيما إذا قال شخص لآخر أسلك هذه الطريق فإنها آمنة وإن","vol":"1","page":84},{"text":"أصابك شيء فأنا ضامن حيث يضمن القائل عند بعض الفقهاء.\nيقول الزرقا: \"فإني أجد فيه فكرة فقهية تصلح أن تكون نصًا استثنائيًا قويًا في تجويز التأمين على الأموال من الأخطار\"١..\nوالرد على هذا أن الأصل في ضمان خطر الطريق عند من قال به أن المغرور إنما يرجع على الغار إذا حصل الغرور في ضمن المعاوضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور٢..\nوالتنظير بين هذا وبين التأمين غير صحيح فشركات التأمين لا تغر الناس ولا تضمن صفة السلامة لمن يتعاقد معها فليس هنا تغرير يشبه التغرير في مسألة ضمان خطر الطريق عند من يقول به وعليه فلا يمكن قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق.\nوهنا فارق جوهري آخر وهو أن ضمان خطر الطريق التزام من طرف واحد فلا يمكن أن يقاس عليه عقد التأمين وهو عقد معاوضة والتزام من الطرفين.\nوأخيرًا فإن السلامة شأنها شأن الأمان ليست شيئًا يباع ويشترى لأنها ليست في مقدور البشر فالتلويح بها مغالطة ظاهرة.\nوأما قول الزرقا: \"إن فقهاءنا الذين قرروا هذا الحكم في الكفالة... لو أنهم عاشوا في عصرنا اليوم... لما ترددوا لحظة في إقرار التأمين نظامًا شرعيًا \"٣. فلا يستطيع أن يقنعنا بصدق قوله إلا أن يعيد أولئك الفقهاء فيصدقوه فيما زعم وليس بقادر، ومن جانبنا لا نظن في أولئك الفقهاء أن يقروا التأمين نظامًا شرعيًا وقد تضمن ما يقتضي بطلانه من الغرر والربا.\n_________\n١ انظر المصدر السابق ص ٤١٠.\n٢ انظر حاشية ابن عابدين ٤/ ٧٠ ا- ا ١٧.\n٣ أصول الفقه الإسلامي ص ٤١٠.","vol":"1","page":85},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-13> إلحاق عقود التأمين بولاء الموالاة عند الحنفية:</span>\nوصفة هذا الولاء أن الرجل يوالى رجلا آخر على أن يعقل عنه إذا جنى ويرثه إن مات وليس له وارث ويمكن أن يشترطا الإرث من الجانبين وهو عند الحنفية خاصة والإرث به عندهم مؤخر عن أرث ذوى الأرحام ومن شرط هذا العقد عندهم أن يكون المعقول عنه حرًا مجهول النسب وأن لا يكون عربيًا وليس عليه ولاء عتاقة ولا ولاء مولاة مع أحد قد عقل عنه.","vol":"1","page":85},{"text":"وأن لا يكون عقل عنه بيت المال وأن يشترط العقل والإرث في العقد١.\nوفي صدد القول بجواز عقود التأمين ينتهي أحد الباحثين إلى أن أركان عقد ولاء الموالاة تتفق إلى حد كبير مع أركان عقد التأمين من المسئولية لأن ولاء المولاة رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما عن الآخر إذا جنى فيدفع عنه الدية في مقابل أن يرثه مولى الموالاة إذا توفي غير مخلف وارثًا قط وهو في هذا يناظر عقد التأمين من المسئولية٢.\nوالأصل في عقد ولاء الموالاة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ٣.\nوالجمهور على القول بعدم صحة هذا العقد فلا يحصل به توارث ولا عقل.. والحق في هذا مع الجمهور لقول الرسول - ﷺ - في الحديث المتفق عليه: \"إنما الولاء لمن أعتق \" ٤. حيث أفاد حصر الولاء في نوع واحد هو العتق لشخص واحد هو المعتق وأما الآية فهذا كان في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المواريث.\nوقول الحنفية في ولاء الموالاة على تقدير التسليم بصحته جدلًا لا يشبه عقد التأمين من المسئولية ذلك أن الهدف الذي بني عليه ولاء الموالاة ليس هو هدف الذي بني عليه عقد التأمين.. فولاء الموالاة بني على النصرة والحماية ولجوء الضعيف الغريب إلى القوى النسيب ولذا فهولا يعتبر من عقود المعاوضة عند الحنفية القائلين به وإنما هو من عقود التبرع التي يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها.. أما عقد التأمين فهو عقد معاوضة ظاهرة لا يقصد منه عند إنشائه إلا الربح والاستغلال فلا يصح أن يقاس على ولاء الموالاة مع وجود هذا الفارق الجوهري.. على أن قول الحنفية بمشروعية عقد ولاء الموالاة قول ضعيف مرجوح كما تقدم.\n_________\n١ انظر شرح الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٦/ ٢٥ ا-١٢٧.\n٢ انظر بحث الأحمد السنوسي في مجلة االأزهر ٢٥/٢٣٢-٣٠٣.\n٣ سورة النساء آية ٣٣.\n٤ صحيح البخاري بشرح فتح الباري٥/.١٩ و٣٢٦ رقم ٢٥٦٣ بترقيم محمد فؤاد عد الباقي- المطبعة السلفية – وصحيح مسلم ٢/١١٤١ و١١٤٢ و١١٤٣ حديث رقم٦و٧.","vol":"1","page":86},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-14> إلحاق عقد التأمين بالوعد الملزم عند بعض المالكية:</span>\nوخلاصة مسألة الوعد الملزم عندهم أن الشخص إذا وعد غيره عدة مما ليس بواجب عليه في الأصل هل يصبح بهذا الوعد ملزما بالوفاء؟","vol":"1","page":86},{"text":"من المالكية من يقول إنه ملزم مطلقًا ومنهم من يقول إنه غير ملزم مطلقًا ومنهم من يقول يلزم إذا ذكر لها الواعد سببًا وإن لم يباشر الموعود ذلك السبب كأن يقول أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، والراجح عندهم أنه يلزم إذا دخل الموعود في سبب ذكر في الوعد١.\nيقول الزرقا: \"فإنا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعًا لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المُؤَمن للمستأمنين ولو بلا مقابل على سبيل الوعد أن يتحمل عنه أضرار الحادث الخطر ... ولا يخفي أن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين إنه التزام تحمل الخسائر عن الموعود في حادث معين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم نظير التزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع مما نص عليه المالكية\"٢.\nوقول بعض المالكية في هذه المسألة على التسليم بصحته جدلًا لا يصح أن يقاس عليه عقد التأمين لوجود الفارق بينهما.. فالوعد الملزم عند من قال به تبرع محض لا معاوضة فيه وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى بيان حيث أن الموعود لا يلتزم بشيء مقابل وعد الواعد أما عقد التأمين فمعاوضة واضحة والتزام من الجانبين كما تقرر.. والتبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعوضات كما تقرر أيضًا فلا يمكن أن تقاس المعاوضة من الطرفين في عقد التأمين على التبرع من طرف واحد في الوعد الملزم مع وجود هذا الفارق الجوهري.\n_________\n١ انظر الفروق للقرافي ٤/٢٢ وما بعدها.\n٢ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤١٠.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>إلحاق عفد التأمين بمسألة عقل العاقلة</span>\n...\n٦- إلحاق عقد التأمين بمسألة عقل العاقلة:٣\nفي هذا الصدد يقول الزرقا: \"إن نظام العواقل أصله عادة حسنة قائمة قبل الإسلام في توزيع المصيبة المالية ... وقد أقر الشرع الفكرة لما فيها من مصلحة ... وجعلها إلزامية في جناية القتل لأن فيها مسئولية متعدية بسبب التناصر وذلك بعد إخراج حالة العمد منها ... فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث بجعله ملزمًا بطريق التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزاميًا دون تعاقد في نظام العواقل؟ \"٤.\nيقول الزرقا: \"يكفي في القياس التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهي العلة وهذا ما رأيناه في نظام العواقل الإسلامي ونظام التأمين الحديث في بعض فروعه\"٥.\n_________\n٣ عاقلة الرجل عصبته التي تعقل عنه: أي التي تؤدي عنه دية الخطأ.\n٤ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤١٢.\n٥ انظر المصدر السابق ص ٥١٧.","vol":"1","page":87},{"text":"وهذا القياس المزعوم قياس باطل من أساسه لأن نظام العقل في الإسلام إلزام من الشارع لمجموعة من الناس تربطهم رابطة معينة بتحمل ما توجبه جنايات بعضهم وليس التزام منهم باختيارهم بتحمل شيء ما مقابل عوض كما هو الحال فيعقد التأمين فأين وجه الشبه المزعوم؟.\nوأيضا فإن نظام العقل في الإسلام مبنى على التناصر والبر بين أفراد عائلة واحدة وله أهداف جليلة وحكمة فأين هو من نظام التأمين المبني على التجارة وطلب الكسب والربح واستغلال الناس؟ ومن أين للزرقاء أن يزعم مع كل ذلك أن نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهى العلة متفقة في النظامين؟.\nوالخلاصة أنه لا يصح هذا القياس مع وجود هذه الفروق الأساسية في جوهر النظامين.","vol":"1","page":88},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-16> الاحتجاج بالمصلحة:</span>\nوفي هذا يقول عبد الرحمن عيسى: \"إن التأمين التجاري يحقق مصالح اقتصادية كبيرة للمجتمع..\" وبعد سرد شواهد تدل على اعتبار المصلحة في الشرع يقول: \"وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة هامة فيكون حكمه الجواز شرعًا اعتبارًا لما يحققه من المصالح\"١..\nوبناء الشريعة على مبدأ جلب المصالح ودرء المفاسد أمر معروف ومسلم به لكن المراد بالمصالح ما اعتبرها الشرع كذلك وأما المصالح الملغاة في الشرع فلا اعتبار لها ولو اعتبرها العقل البشرى مصالح. فالأمور المنهي عنها أو التي تتضمن ارتكاب نهى لا اعتبار لما يزعم فيها من مصالح فهي على تقدير وجودها مصالح ملغاة.\nوما يزعم في نظام التأمين من مصالح وهي- على تقدير وجودها- مصالح ملغاة لتضمن عقد التأمين أمورًا وردت النصوص القطعية بالنهي عنها والوعيد الشديد عليها من الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين كما سبق فإن رأت بعض العقول البشرية في نظام التأمين مصلحة ما فهي مصلحة مهدرة ملغاة شرعا لما تقدم.\nوجميع ما نقل عن الصحابة وفقهاء السلف من تقرير أحكام استنادًا إلى المصلحة إنما\n_________\n١ انظر المصدر السابق ص ٤٧٣ وما بعدها.","vol":"1","page":88},{"text":"كان ذلك في أمور موافقة لمقاصد الشريعة ولم يرد فيها نص عن الشارع فالمصلحة المعتبرة عندهم ما فهموه من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام ولا يستقل العقل بدركه١.. وبهذا يعلم يقينًا أنه لا اعتبار لما يزعم في عقود التأمين من مصلحة لعدم موافقتها لمقاصد الشريعة بل لورود النص بالنهى عما تضمنته هذه العقود من غرر وربا ... الخ.\n_________\n١ راجع إن شئت المستصفى لأبي حامد الغزالي ص٢٥٠ وما بعدها تحقيق محمد أبو العلا الناشر- مكتبة الجندي - بالقاهرة والاعتصام للشاطيى ٢/ ٦٦ وما بعدها الناشر - دار التحرير للطباعة والنثر-.","vol":"1","page":89},{"text":"٨-<span data-type=\"title\" id=toc-17> الاحتجاج بأن التأمين ضرورة اقتصادية:</span>\nخلاصة الاحتجاج بالضرورة أن حاجة الناس إلى التأمين قد اشتدت وعظمت وأنه يشق عليهم تركه خوفًا من الكوارث حيث أصبح التأمين ضرورة لحفظ أموالهم وإن لم يكن من ضروريات الناس فإنه من حاجياتهم التي يترتب على فقدها الضيق والمشقة حيث أنهم قد ألفوه وتغلل في جميع نواحي حياتهم فلو منعوا منه لوقعوا في حرج ومعلوم في الشريعة الإسلامية أن المشقة تجلب التيسير والضرورات تبيح المحظورات٢..\nوتقريرهم للاحتجاج على النحو السابق يتضمن اعترافهم بأن عقد التأمين يشتمل على أمور محرمة.\nوهذا الاحتجاج يدل على جهل قائله بأصول الشريعة الإسلامية ومبادئها إذ كيف يتصور أن توجد الضرورة إلى نظام كنظام التأمين؟ قد توجد الضرورة في حالات فردية تقدر بقدرها وتقيد بشروطها مثل اضطرار الذي يخشى الهلاك إلى أكل الميتة ومثل هذه الصورة لا تتصور في نظام كهذا النظام.\nوإذا عرفنا أن للضرورة حدودًا يعرف بها ما يكون ضرورة في واقع الأمر وما لا يكون وعرفنا معنى الضرورة وأنها ما يرتب على تركه تلف النفس أو العضو فهل الحاجة إلى التأمين من هذا الصنف؟ كلا.\nوإذا وجدت ضرورة فإنما تقدر بقدرها كما تقدم وتعتبر أمرًا استثنائيا يزول بزوال الحالة التي ألجأت إليه ولا يمكن أن يجعل قاعدة عامة في صورة نظام عام فإن مثل هذا يستلزم حاجة الشريعة إلى أنظمة وعقود محرمة واعتقاد مثل هذا قد يؤدى بصاحبه إلى الكفر والعياذ\n_________\n٢ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٦٤ و٤٧٦ وما بعدها.","vol":"1","page":89},{"text":"بالله لأنه يستلزم الاعتقاد بنقص الشريعة الإسلامية وتكذيب الله ﷿ القائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...﴾ ١.\nوحتى الحاجة التي تُنَزّل منزلة الضرورة مشروطة بأن يكون قد شهد لها الشرع بالاعتبار فليس كل ما يسبب حرجًا للناس يستباح به المحظور وقد ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ ٢ قول العلماء: \"رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع\"٣.\nوما من شك أن من استقام على منهاج الشرع واتقى الله ﷿ فلن يجد حرجًا حين يمتنع من عقود التأمين.\nوالخلاصة أن الاحتجاج بالضرورة لا يصلح دليلًا لإباحة عقود التأمين إذ ليس هناك في الحقيقة ضرورة بالمعنى الشرعي.\n_________\n١ سوره المائدة آية ٣\n٢ سورة الحج آية ٧٨.\n٣ تفسير القرطبي ١٢/ ١٠١","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الاحتجاج بنظام التقاعد:</span>\nيستدل الزرقا بموقف فقهاء الشريعة- كما يقول- من نظام التقاعد مع أنه نظام تأميني بكل ما في كلمة التأمين من معنى ... يقول: \"فما الفرق بين هذا النظام وبين التأمين على الحياة؟ ... ويضيف بأن الغرر والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة ومع هذا يقره علماء الشريعة ... فلماذا يحسن وجود هذا النظام التقاعدي بين الدولة وموظفيها ولا يجوز نظيره تعاقدًا بين الناس٤..\nوالرد على تساؤله هو وجود الفارق بينهما فالتأمين عقد بين طرفين مبني على الغرر والربا مراد به الربح والكسب وأما نظام التقاعد فليس فيه تعاقد وإنما هو إلزام من طرف الدولة وحدها ليس فيه اتفاق وتعاقد مع الموظف ولا يراد به الربح والتجارة.. وحقيقة أن الراتب ومعاش التقاعد كله من الدولة وكان بإمكانها أن تحسب الرواتب صافية دون الإشارة إلى حسم تقاعد وتلتزم بإعاشة الموظف بعد التقاعد وهي ملزمة برعاية رعيتها وعلى الأَخص الذين قضوا حياتهم في خدمتها.. فعلماء الشريعة لم يعلنوا النكير على نظام التقاعد لأنهم لم يروا فيه صورة العقد الذي يشترط له ما يشترط للعقود وإنما هو إجراء وإلزام من جانب\n_________\n٤ انظر أصول الفقه الإسلامي ص- ٤١٤ وما بعدها.","vol":"1","page":90},{"text":"الدولة وحدها في مجال تنظيم رواتب ومعاشات موظفيها.\nوليس كلامي هنا في مجال الحكم على نظام التقاعد من حيث جوازه أم لا وإنما كلامي يدور حول وجود الفارق الجوهري والأساسي بين عقود التأمين وبين نظام التقاعد فلا يصح مع هذا التنظير بينهما.","vol":"1","page":91},{"text":"١٠-<span data-type=\"title\" id=toc-19> الاحتجاج بالتراضي:</span>\nورد في كلام بعضهم أن كلا من طرفي العقد في التأمين يتعاقد مع الآخر عن رضى تام ورغبة تامة١..وهذا القول يدل على جهل فاضح فمتى كان التراضي على العقد المحرم مبيحًا له فعقد الربا المحرم بالإجماع لا يمكن أن يحله التراضي فكذلك عقد التأمين لا يحله التراضي وهو يتضمن أمورًا يحرمها الشرع، فالتراضي المعتبر في قوله ﷿: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٢. هو فيما أحله الله من العقود ولا اعتبار للتراضي فيما حرمه الله ﷾.\n_________\n١ انظر أصول الفقه الإسلامي ص ٤٧٣.\n٢ سورة النساء آية ٢٩.","vol":"1","page":91},{"text":"١١-<span data-type=\"title\" id=toc-20> إلحاق عقود التأمين بالجعالة:</span>\nزعم محمد البهي أن عقد التأمين هو عقد جعالة بين الشركة وجميع المُؤَمنين٣..\nولا وجه لزعمه هذا فالجعالة إجارة على منفعة مظنون حصولها مثل مشارطة الطبيب على البرء والناشد على وجود العبد الآبق.. ويشترط فيها عند من أجازها أن يكون الثمن معلومًا وأن يكون العمل مما لا ينتفع الجاعل بجزء منه.. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ٤. وما في الأثر من أخذ الثمن على الرقية بأم القرآن٥.\nفالجعالة إذًا معاوضة بين الجاعل وبن من يعمل العمل.. الجاعل يلتزم بمال معلوم والآخر يقوم بعمل معين فأين هذا من عقد التأمين بين المُؤَمن والمستأمن؟ وأيهما الجاعل؟ وأيهما الذي يقوم بالعمل؟ كل هذا لا ينطبق على عقد التأمين فالتأمين التزام بمال مقابل\n_________\n٣ انظر رأى الدين بيت السائل والمجيب ص١٨٦ وما بعدها.\n٤ سورة يوسف آية ٧٢.\n٥ انظر بداية المجتهد ٢/ ٢٣٤-٢٣٥ والمغنى ٥/ ٧٢٢ وحديث الرقية بأم القرآن رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري٤/٤٥٣ رقم الحديث ٢٢٧٦ صحيح مسلم ٤/ ١٧٢٧-١٧٢٨ كتاب السلام حديث رقم ٦٥ و٦٦.","vol":"1","page":91},{"text":"التزام بمال وهذا الالتزام غير معلوم المقدار وفي الجعالة يشترط أن يكون معلومًا.. والالتزام في عقد التأمين لا يقابله عمل وإنما يقابله التزام بمال أيضًا وفي الجعالة يقابل الثمن المعلوم عمل معين فلا يمكن أن يقاس عقد التأمين على الجعالة للاختلاف الظاهر بينهما بوجود مثل هذه الفروق الجوهرية التي تمنع القياس.\nوبهذا يتبين أنه ليس هنا مستند صحيح للقائلين بجواز عقود التأمين وقد أغفلت بعض أقوالهم مما لا وجه له ولا يستحق المناقشة.. وفي الحقيقة أن كل ما أثاروه لا قيمة له ولكنها وساوس وشبه أثيرت فلزم البيان.\nوقد أصاب السنهوري عندما قال: \"لا يجوز قياس عقد التأمين على عقود أو نظم معروفة في الفقه الإسلامي فهولا يشبه عقد المضاربة ولا هو كفالة ولا هو وديعة بأجر ولا هو عقد موالاة ولا يدخل في ضمان خطر الطريق ولا في الوعد الملزم ولا في نظام العواقل ... وإنما التأمين عقد جديد له مقوماته وخصائصه وهو ليس بين العقود أو النظم التي عرفها الفقه الإسلامي١.\nوهكذا ننتهي إلى أن عقد التأمين لا يشبه أي عقد من عقود المعاوضة في الفقه الإسلامي وكل ما أثاروه من شبه تبين بطلان الاحتجاج بها وبهذا ننتهي إلى الجزم بتحريم عقود التأمين لتضمنها ما نهى الشرع عنه من الغرر والربا والقمار وبيع الدين بالدين..\n_________\n١ الوسيط ٧/ ١٠٨٩.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>عقد التأمين التعاوني</span>\nلقد انتهى أكثر الباحثين في التأمين إلى أن عقود التأمين عقود محرمة إلا أن بعضهم استظهر جواز عقد التأمين التعاوني وفرق بينه وبين التأمين التجاري معتمدًا على بعض الشواهد والفروق وقالوا إنه يمكن إيجاد نظام تأمين تعاوني يتفق مع نصوص الشريعة وقواعدها٢.\nوقد استدلوا لذلك بالنصوص الآمرة والمرغبة بالتعاون على البر والتقوى والتواد والتراحم والتعاطف بين أفراد المسلمين.\n_________\n٢ من هؤلاء الشيخ محمد أبو زهره وبحثه في أصول الفقه الإسلامي ص ٥٢٦ ومحمد الدسوقي في كتابه التأمين وموقف الشريعة منه ص ٣٩ ١ وما بعدها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة عام ٣٨٧ اهـ. وحسين حامد حسان في كتابه حكم الشريعة في عقود التأمين ص ١٣٦ وما بعدها دار الاعتصام. وعباس حسنى في كتابه عقد التأمين في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ص ٧٣ ومحمد بلتاجى في كتابه عقود التأمين ص٢٠٠ وما بعدها.","vol":"1","page":92},{"text":"كما ذكرت بعض الشواهد الواردة في هذا المجال وهى كالتالي:\nا- حديث جابر بن عبد الله أنه قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا قبل الساحل فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد١ فأمر أبو عبيدة بازواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مِزوَدَى تمر فكان يقوتناه كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة ... \"الحديث متفق عليه٢.\nوجمع الطعام في السفر يدخل في النهد والتناهد هو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة وقيده بعضهم بالسوية وبالسفر ولعل هذه أصله- خلط الزاد في السفر- لكن قد يتفق حصوله في الحضر٣. وقيده ابن الأثير بسفر الغزو فقال: \"ما تخرجه الرفقة عند المناهدة إلى العدو وهو أن يقسموا نفقتهم بينهم بالسوية حتى لا يتغابنوا ولا يكون لأحدهم على الآخر فضل ومنة\"٤.\n٢- حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خفت أزواد القوم وأملقوا٥ فأتوا النبي - ﷺ - في نحر إبلهم فأذن لهم فلقيهم عمر فاخبروه فقال ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل على النبي –ﷺ - فقال يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله -ﷺ -: \"ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم فبُسط لذلك نِطع وجعلوه على النطع فقام رسول الله -ﷺ - فدعا وبرك عليه٦ ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى٧ الناس حتى فرغوا ... \" الحديث متفق عليه٨.\n٣- حديث أبى موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي -ﷺ -: \"إن الأشعريين إذا أرملوا٩ في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم\" متفق عليه١٠.\n_________\n١ أي كاد يفنى.\n٢ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨ رقم ٢٤٨٣ ومسلم ٣/١٥٣٧ صيد رقم ٢١ واللفظ للبخاري.\n٣ انظر فتح الباري ٥/١٢٩.\n٤ النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/١٣٥ تحقيق الطناحى طبعة عيسى الحلبي.\n٥ أملقوا: أي افتقروا.\n٦ برك: عليه: أي دعا بالبركة.\n٧ إحتثى: من الحثى وهو الأخذ بالكفين.\n٨ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨ رقم الحديث ٢٤٨٤ وصحيح مسلم ٣/١٣٥٤-١٣٥٥القطة رقم الحديث ١٩ وروى نحوه عن أبى هريرة ١/٥٥-٥٦ كتاب الإيمان رقم الحديث ٤٤.\n٩ أرملوا: أي فني زادهم وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ البلد/١٦.\n١٠ صحيح البخاري بشرح فتح الباري ٥/١٢٨-١٢٩ رقم ٢٤٨٦ ومسلم ٣/٩٤٤ ا-١٩٤٥ فضائل الصحابة رقم ١٦٧","vol":"1","page":93},{"text":"والأحاديث في هذا الباب تدل على أنه لا يتقيد بالتسوية إلا في القسمة١ وأما في الأكل فلا تسوية لاختلاف حال الآكلين ولأن الذي يوضع للأكل سبيله المكارمة لا التشاح ... وقد اغتفر الربا في النهد لثبوت الدليل على جوازه٢ وذلك أن الشخص قد يأكل أكثر أو أقل مما أخرج وكذلك في القسمة قد يكون ما يقسم للشخص أكثر أو أقل ما أخذ منه لكنه اغتفر هذا الفضل للدليل الدال على جوازه.\nوما حصل فيما ذكر لم يتم عن طريق التعاقد والالتزام بين أطراف في هذا التعاقد بدفع شيء معين أو غير معين مقابل التزام آخر وإنما يتم عن طريق المواساة في أوقات الحاجة والمجاعة.\nوكذلك ليس فيما ذكر إرادة المبايعة والبدل وإنما يفضل بعضهم بعضًا بطريق المواساة.. فما ذكر في هذه الأحاديث إنما هو خلط الزاد في السفر والإقامة من باب الإيثار والمواساة وطلب البركة٣ فلا يصلح أن يستدل بها لإنشاء عقد تأمين بدعوى أنه تعاوني وليس تجاري.\nوالذي يظهر أن ما ورد في هذا إنما هو حالة استثنائية خاصة فيمكن أن يطبق حكمها على ما يماثلها فقط ولا يصح أن تجعل قاعدة عامة يبنى عليها تنظيم عام وهذا ما يدل عليه تقييد العلماء للنهد بما تقدم كما يدل عليه الحالات التي حصلت فيها الشواهد المذكورة.\nثم إنه لا عبرة بتسميته تأمين تعاوني وإنما العبرة بالكيفية التي يتم بها هذا الشيء فإن كان على سبيل التبرع والإحسان بحيث لا يلزم أحد بدفع أقساط معينة بل كل يدفع ما شاء متى شاء وكذلك لا يلتزم له بدفع تعويض عن خطر ما وإنما يواس ويجبر دون التزام له بذلك فإن كان بمثل هذه الكيفية فلا بأس به إن شاء الله و﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ويغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في غيرها.\nوأما إن كان عن طريق التعاقد بان يلتزم كل واحد بدفع أقساط معينة ويلتزم له\n_________\n١ في حديث سلمة لم يذكر فيه التسوية في القسمة إلا أن يقال إن مثل هذا داخل في موضوع المعجزات فلا يستدل به لهذا الباب أصلا وهذا هو الظاهر.\n٢ انظر فتح الباري ٥/ ١٢٩ وعمدة القاري شرح صحيح البخاري ١٣/ ٤٠ و. ٥ للعيني الناشر دار الفكر.\n٣ يدل لهذا ما رواه أبو عبيد في الغريب عن الحسن قال: \"أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم \" انظر فتح الباري ٥/ ١٢٩وقال العيني: \" وحكى عن عمرو بن عبيد عن الحسن فساقه وزاد \"وأطيب لنفوسكم \" عمدة القاري ١٣/ ٤٠والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":94},{"text":"بتعويض لما يصيبه فهذا لا يُخرِجه عن صورة العقد المحرم كونه يراد منه التعاون والتكافل وكذا لا يغير من الحقيقة شيئًا تسميته عقد تأمين تعاوني أو إسلامي أو غير ذلك فالعبرة بجوهره وحقيقته وهي هنا التزام بما لا يلزم ومشتمل على شبهة المحاذير السابقة.\nوالذي يظهر من كلام المجوزين للتأمين التعاوني أنهم يريدون إنشاء تعاقد في هذا المجال يدل على هذا تسميته عقدًا حيث يوحي بأنه التزام كما يدل عليه أيضًا وصفهم له بأنه تبادلي. يقول: الدكتور محمد بلتاجي: \"لابد أن يكون تعاونيًا ... وتبادليًا لأن لكل من المشتركين فيه أصلًا نفس الحقوق والواجبات \"١ فوصفه بأنه تبادلي يقتضي أنه عقد معاوضة لأن البيع هكذا أصله مبادلة مال بمال٢.\nومن ذلك أيضًا ما يرد في كلامهم عن التأمين التعاوني من قولهم:\"أطراف التعاقد\". \"نظامًا تعاقديًا\". \"ومن ثم يتفقون فيما بينهم على قسط الإسهام ونوع الخطر المُؤَمن منه ومبلغ التأمين\"٣.\nيقول محمد بلتاجي: \"يصبح الاتجاه إلى تكون التعاونيات الإسلامية أمرًا مطلوبًا ليس لأنه بديل عن الزكاة والصدقات والتزام بيت المال بل هو يؤازرها بتعاقدات ااختيارية \"٤.\nويقول: \"فهل هناك مانع من قيام نظم تعاقدية اختيارية تؤازر هذا النظام؟ إن ذلك فيما نرى أمر مطلوب...\"٥.\nفكل هذه التعبيرات وغيرها تدل على أنهم يعنون بالتأمين التعاوني ما يتم عن طريق التعاقد الذي يلتزم فيه المستأمن بدفع أقساط معينة ويلتزم له بدفع تعويض عن آثار خطر ما وهو بهذه الكيفية لا يخرج عن صورة عقد التأمين الممنوع ولا يفيد كونه يراد منه التعاون أو يسمى تعاونيًا كما لا يفيد أيضًا وصفه بأنه اختياري فما يسمون عقد تأمين تجاري يكون اختياريًا وهم لا يجوزنه فكذلك ما يسمونه تعاونيًا بل إن عقد الربا يكون اختياريًا بين أصحابه ولا يحله ذلك وبهذا يتبين أن مثل قولهم \"تعاقدات اختيارية\" لا معنى منه.\n_________\n١عقود التأمين ص ٢١٥.\n٢ انظر المصباح المنير ١/٧٧ طبعة مصطفى الحلبي.\n٣ عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي ص ٢٣٣.\n٤ المصدر السابق ص ٢٣٦.\n٥ المصدر السابق ص ٢٤١.","vol":"1","page":95},{"text":"وأما دعوى قيام الحاجة إلى مثل هذا العقد١ فهي في ظل الإسلام لا تعد أن تكون خرافة لا أساس لها فعند التطبيق الكامل للإسلام لن يكون هناك حاجة إليها أبدًا والذين يدعونها ينطلقون فبتقديراتهم من واقع مجتمعات لا تطبق الإسلام في الأموال فلو طبق لما قامت الحاجة المدعاة كما لم تقم هذه الحاجة في الماضي عندما كان يطبق نظام الإسلام كاملا.\nهذا ما انتهيت إليه فيما يسمى التأمين التعاوني مع التسليم بأن التبرعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في المعاوضات إلا أن التبرعات تتم من طرف واحد دون التزام من الطرف الآخر وكذا ما يتم بطريق المواساة في أوقات المجاعة كما في الأحاديث المتقدمة وما لم ير فيه المسلمون بأسًا من النهد لأن ما يقدم للأكل مبني على المكارمة لا التشاح فكل ذلك يدل على جواز ما يتم من طريق التبرع والإحسان والمواساة والمكارمة- وخلط الإزواد في السفر لأجل ذلك وطلبًا للبركة- لكن لا يدل هذا على جواز إنشاء عقود تبادلية فيها التزامات من أطراف العقد ولو كان القصد منها التعاون لأن جوهرها في الحقيقة معاوضة مادامت مبنية على تعاقد والتزام من أطراف التعاقد وهو التزام بما لا يلزم وترد عليه شبهة المحاذير السابق بيانها ... والله ﷾ أعلم وصلى الله وسلم - وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وآخر دعوانا أن الحمد لله..\n_________\n١ انظر المصدر السابق ٢٣٢.","vol":"1","page":96}]}