{"ً":{"ٌ":12162,"ٍ":"أبو بكر الباقلاني ومفهومه للإعجاز القرآني","َ":2,"ُ":2,"ّ":"الكتاب: أبو بكر الباقلاني ومفهومه للإعجاز القرآني\nالمؤلف: أحمد جمال العمري\nالناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة\nالطبعة: السنة التاسعة - العدد الثالث- ذو الحجة ١٣٩٦هـ / ديسمبر ١٩٧٦م\nعدد الصفحات: ٢٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2143,"ٕ":4,"ٖ":1770155804,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مدخل","level":1,"page":1},{"title":"اسمه","level":1,"page":2},{"title":"ذكاؤه وقوة لسنه","level":1,"page":3},{"title":"شيوخه ومعاصروه","level":1,"page":5},{"title":"تلاميذه","level":1,"page":7},{"title":"آثاره","level":1,"page":8},{"title":"وفاته","level":1,"page":9},{"title":"مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني","level":1,"page":10}],"ٛ":{"1,7":1,"1,8":2,"1,9":4,"1,10":6,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21},"ٜ":{"1":[7,22]},"ٝ":["1,7","1,8","1,8","1,9","1,9","1,10","1,10","1,10","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"5":[4],"7":[5],"8":[6],"9":[7],"10":[8]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مدخل</span>\n...\nأبو بكر الباقلاني ومفهومه للإعجاز القرآني\nبقلم الدكتور أحمد جمال العمري الأستاذ المساعد بكلية الدعوة وأصول الدين\nيمثّل الباقلاني١- بمفهومه للإعجاز القرآني، وبمؤلّفه (إعجاز القرآن) - وجهة نظر جماعة المسلمين. ويعدّ كتابه هذا أول كتاب يصنفه عالم من علماء السلف في الرد على مزاعم الملحدين والمخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم، لذلك بلغ بهذا الكتاب مكانة مرموقة، وشهرة ذائعة، لم يصل إليها أحد غيره.\nوقبل أن نتحدث عن مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني.. نوَدُّ أولا أن نتعرف عليه.\n_________\n١ في رأيي أن الباقلاني مادة خصبة للبحث والدارسة لذا سنخصه ببحث مستقل يبرز الجوانب الدينية في شخصية الرجل، ويركز على المسائل العلمية التي تناولها إن شاء الله.\nانظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٥/٣٧٩، وفيات الأعيان ٣/٤٠٠، شذرات الذهب ٣/١٦١، وضات الجنات ٤/٦١٦، النجوم الزاهرة ٤/٢٣٤، الأنساب ٦١، الديباج المذهّب لابن فرحون ٢٦٧.\nوانظر في مذهبه: طبقات السبكي ٢/٢٥٥ - ٢٥٦.\nوقد طبع كتاب إعجاز القرآن عدة طبعات ... آخرها بشرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي - وطبعة أخرى أصدرتها دار المعارف بمصر.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>اسمه: </span>محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم. أبو بكر القاضي الباقلاني البصري المتكلم الفقيه.\nالباقلاني نسبة إلى الباقلي وبيعه والبصري لأنه نشأ في البصرة وقضى فيها فترة شبابه قبل أن يهاجر منها إلى بغداد ليقيم فيها بقية حياته والمتكلم لأنه اتجه إلى علم الكلام نظرا لكثرة الملحدين في العراق في القرن الرابع الهجري وظهور مذهب أبي حسن الأشعري ودفاعه عن آرائه وجداله الشديد للمعتزلة وأنصاره يقولون إنه أعرف الناس بعلم الكلام، وأحسنهم خاطرًا، وأجودهم لسانا، وأوضحهم بيانا، وأصحهم عبارة.. وله في كتب الكلام آراء كثيرة يعتد بها.\nوالفقيه.. لأنه كان من كبار فقهاء المذهب المالكي..\nويعد الباقلاني فيلسوف المذهب الأشعري، الذي بلور آراءه، ونفّذ تعاليمه، يقول ابن تيمية: \"إنه أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري وليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده١\"، \"عمل على نصرة المذهب، وصار إماما له بعد أن تناوله بالتهذيب، وضع لمسائل العلم المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يبقى زمانين، وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الدينية في وجوب اعتقادها.. لتوقف تلك الأدلة - في رأيه – عليها؛ ولأن بطلان الدليل يؤذن - يما يقول- ببطلان المدلول٢\". وكان –كما يقول الشهرستاني: \"يثبت الصفات معاني قائمة به تعالى أحوالا٣\".\n_________\n٢ الباقلاني – بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف قاف مكسورة ثم لام ألف وبعدها نون، فيه لغتان من شدد اللام قصرالألف، ومن خففها مد الألف فقال: باقلاء وهذه النسبة شاذة لأجل زيادة النون فيها.\n٣ أسس أبو الحسن الأشعري \"٢٧٠ – ٣٣٠هـ\" مدرسة كبيرة من مدارس علم الكلام، وخالف أستاذه الجبائي المعتزلي.\nوكان الباقلاني من أشهر تلاميذ هذه المدرسة. ومعروف أن للأشعري ثلاثة مذاهب:\n١- كان معتزليا ينكر جميع الصفات.\n٢- ثم صار كلابيا من أتباع محمد بن سعيد بن كلاب يؤمن بسبع صفات فقط.\n٣- ثم رجع إلى العقيدة السلفية على يد شيخه الحافظ زكريا الساجي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، يؤمن بجميع صفات الله الذاتية والفعلية والخبرية على الأسس الثلاثة التالية:\nأ- تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات في ذاته وفي صفاته وفي أسمائه كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .\nب- إثبات كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ على الوجه اللائق بكلامه وجلاله كما في قوله عز من قائل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\nج- اليأس وعدم الطمع من إدراك كيفية صفات الله وأسمائه كما في قوله سبحانه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ هكذا في كتابيه اللذين أجمع العلماء والمؤرخون على أنهما آخر ما كتب: (الإبانة عن أصول الديانة) و(المقالات الإسلامية) .. لذلك لزم التنويه.. \"انظر كتاب: أبو الحسن الأشعري\" من مطبوعات الجامعة الإسلامية.\n١ شذرات الذهب ٣/١٦٩ طبع القدسي سنة ١٣٥٠هـ\n٢ مقدمة ابن خلدون ص٣٦٩ طبع مطبعة التقدم سنة ١٣٢٢ هـ.\n٣ الملل والنحل ٢/١٢٩ نشر أحمد فهمي.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>ذكاؤه وقوة لَسْنُه:</span>\nتتحدث المصادر كثيرا عن ذكاء الباقلاّني، وقوة لسنة وحجته، وسرعة بديهته، وإقحامه للخصوم.. أرسله","vol":"1","page":8},{"text":"عضد الدولة في سفارة رسمية إلى ملك الروم عام ٣٧١هـ فأدخلوه وهو في عاصمة الروم على بعض القسس، فقال الباقلاني للبابا:\nكيف أنت وكيف الأهل والأولاد؟ فتعجب البابا وقال له: ذكر من أرسلك في كتاب الرسالة، أنك لسان الأمة، ومتقدم على علماء الملة.. أما علمت أن المطارنة والرهبان منزهون عن الأهل والأولاد؟ فأجابه الباقلاني: رأيناكم لا تنزهون الله سبحانه عن الأهل والأولاد.. فهل المطارنة عندكم أقدس وأجلّ وأعلى من الله سبحانه؟\nفأراد كبير الروم أن يخزي القاضي الباقلاني، فقال له: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيّكم وما قيل فيها؟ فأجابه: هما اثنتان قيل فيهما ما قيل، زوج نبينا، ومريم أم المسيح، فأما زوج نبينا فلم تلد.. وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها، وقد برأهما الله مما رميتا به.. فانقطع الرومي ولم يحر جوابا١!!.\nولقد ذكرت المصادر أن الباقلاني كان في علمه أوحد زمانه، وانتهت إليه الرياسة في مذهبه، وكان موصوفا بجودة الاستنباط وسرعة الجواب، كثير التطويل في المناظرة.. أكسبته عقليته الفذة منزلة رفيعة، ومكانة مرموقة على المستوى العلمي والرسميّ.\n\"جرى يوما بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة، وأكثر القاضي أبو بكر فيها الكلام، ووسع العبارة، وزاد في الإسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: \"اشهدوا علي أنه إن أعاد ما قلت لا غير.. لم أطالبه بالجواب..\" فقال الهاروني: اشهدوا عليّ أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال\"٢.\n_________\n١ وفيات الأعيان ٣/٤٠٠ وانظر أيضا قصته مع ملك الروم تاريخ بغداد ٥/٢٧٩.\n٢ وفيات الأعيان ٣/٤٠٤ وانظر مناظرته للمعتزلة في مجلس عضد الدولة في نفس المصدر، وانظر آراءه في روضات الجنات ص٦١٦، وفي أول رسالة البصائر من علم الكلام للكردى.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شيوخه ومعاصروه:</span>\nتلمذ الباقلاني على مجموعة من العلماء كان لهم أكبر الأثر في تغذية عقليته، وصقل موهبته، وتنوع اهتماماته العلمية، منهم:\nابن مجاهد الطائي، وعنه أخذ علم الكلام والفقه المالكي وأصوله.\nوالشيخ الصالح أبو الحسن الباهلي الذي أخذ عنه علم الأشعري.\nومحمد الأبهري المالكي، والحسين","vol":"1","page":9},{"text":"النيسابوري، وأبو بكر بن مالك، وأبو محمد بن ماسي، والقطيعي وغيرهم من أعلام القرن الرابع الهجري في الدين والشريعة١.\nكما عاصر الباقلاني مجموعة غير قليلة من العلماء النابهين الذين كان لهم شأنهم في تيار الثقافة الإسلامية، من هؤلاء: إبراهيم بن محمد الإسفراييني (توفي سنة ٤١٨؟)، وأبو بكر محمد بن الحسن فورك \"توفي سنة ٤٠٦؟\" وغيرهما من الأعلام الذين شهد لهم بالمقدرة العلمية. وقد وصفهم الصاحب ابن عباد بقوله: \"ابن الباقلاني بحر مغرق، وابن فورك صل مطرق٢ والإسفراييني نار تحرق.\"\n_________\n١ انظر طبقات السبكي ج٢/٢٥٧.\n٢ الصل: الحية العظيمة.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تلاميذه:</span>\nأما تلاميذه فهم كثيرون.. يكفي أن نعلم أن الرجل كان يبذل علمه في جامع المنصور ببغداد حيث كانت له حلقة كبيرة، يتحلق فيها مقدرو علمه وطالبو فضله. بيد أن أشهر تلاميذه ما ذكرتهم المصادر القديمة وهم أبو عبد الله الأزدي، وأبو طاهر البغدادي اللذان هاجرا إلى المغرب العربي – القيروان – ونشرا علمه هناك.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>آثاره:</span>\nأنتجت عقلية الباقلاني مجموعة كثيرة من الكتب الدينية ذات الصبغة الكلامية، والتي تتناول الرد على المخالفين والملحدين والمتفلسفين. يقولون أنه صنف سبعين ألف ورقة في الدفاع عن الدين.. كل ليلة خمسة وثلاثين ورقة، كل ذلك إظهارًا لعلم الرجل، وإبرازًا لمكانته الدينية والعلمية، بيد أن أشهر كتبه على الإطلاق هو كتابه (إعجاز القرآن) الذي حدّد فيه مفهومه للإعجاز القرآني وقد طبع هذا الكتاب مرارًا في القاهرة.\nويروى أن له كتابا في (الملل والنحل) وكتابا آخر ذكره صاحب كشف الظنون واسمه (هداية المسترشدين في الكلام) كما ذكرت المصادر له (كتاب الانتصار) و(كتاب التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج) وقد نشر الكتاب الأخير الأستاذان محمود محمد الخضري ومحمد عبد الهادي أبو ريدة.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>وفاته:</span>\nمات القاضي أبو بكر محمد بن الطيب في يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة (٤٠٣هـ) - ﵀ -.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني</span>\nوهب الباقلاني حياته وعلمه للدفاع عن عقيدة السلف، والرد على المخالفين والملحدين من الجهمية والمعتزلة والخوارج وغيرهم. وتعدّ آراء الباقلاني في كتابه (عجاز القرآن) الترجمة العلمية لما جال في خاطره، ولما اعتمل في ذهنه من أمور، حيث وجد أن أنسب ما يمكن أن يقال، هو التأليف حول إعجاز القرآن، وما يربط بهذا الإعجاز من مفاهيم ومضامين، فجاء كتابه من أفضل الكتب العلمية التي تناولت هذا الموضوع.. معبرًا عن آراء السلف من علماء القرن الرابع.\nلقد اعتبر الرجل تأليفه لهذا الكتاب واجبًا دينيا في المرتبة الأولى.. إلى جانب كونه واجبا علميا، لذلك لم يدخر وسعًا، وهو بصدد تحليلاته..من أن يعمق البحث، ويكثر من المناقشة، ويتطرق إلى الكثير من المسائل التي تهمه وتهم الناس، وفي الوقت نفسه ترد على مظان الظانين، وتبطل أقوال الطاعنين.\nحدد الباقلاني في فاتحة كتابه.. منهجه في البحث، وغايته منه، بأنه يرمي من وراء ذلك إلى عدة أمور..\n- كشف ما كان لأصل الدين قواما.. ولقاعدة التوحيد عمادًا ونظامًا.\n- وإثبات أن ما جاء به النبي صدقا وبرهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة، للرد على ما طعن فيه الطاعنون والملحدون حول أصول الدين.\n- ثم نفي كل ما تقوّله المتقولون عن معادلة القرآن وموازنته بالشعر.. اعتمادا على ما توارثوه من أقوال ملحدة قريش وغيرهم.\nفإذا ما انتهى من تحديد منهجه وعناصر بحثه، انتقل إلى تفصيل دقائقها حتى يمكنه إحكام القول في هذا الشأن. لذلك قسّم الباقلاني بحثه في إعجاز القرآن.. إلى أربع مراحل أساسية، كل مرحلة توصل إلى ما بعدها وترتبط بها، حتى يتسم عمله بطابع الوضوح، والتكامل الموضوعي والعلمي في آن واحد.\n١- مرحلة التمهيد.\n٢- مرحلة التفنيد.\n٣- مرحلة التحديد.\n٤- مرحلة التأييد.\nفي المرحلة الأولى: جعل هدفه تنشيط الهمم وتحفيزها على تدارك كتاب الله ثم الدفاع عنه وردّ كل ما أذيع","vol":"1","page":11},{"text":"حوله من أباطيل وأكاذيب، ثم التعريض بما ألف حول إعجاز القرآن، وخالف ما عليه أهل السلف عامة.\nلقد رأيناه يصدِّر كتابه بمقدمة تمهيدية، يحث فيها المسلمين على تدارك كتاب ربهم، وفهم مضمونه ومشموله للوقوف في وجه الملحدين والمضللين (الذين خاضوا في أصول الدين) وشكّكوا ضعاف الإيمان واليقين. واتخذ سبيلا لذلك إبراز أهمية القرآن الكريم من حيث هو كتاب الله، ومن حيث هو حجة النبوة، ودليل على صدق الدعوة، وصدق النبوة.\nوبدأ هذا الأمر بتحفيز أهل الدين على النهوض بواجبهم المقدس نحو الله والناس.. قال: \"ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه، وأولى ما يلزم بحثه، ما كان لأصل دينهم قوامًا، ولقاعدة توحيدهم عمادًا ونظامًا، وعلى صدق نبيهم –ﷺ- برهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة، ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق، شديد النفاق، مستول على الآفاق، والعلم إلى عفاء ودروس، وعلى خفاء وطموس، وأهله في جفوة الزمن البهيم، يقاسون من عبوسه لقاء الأسد الشتيم، حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن الواجب من سلوك مناهجه، والأخذ في سبله، فإن الناس بين رجلين: ذاهب عن الحق ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته، مكدود في صنعته، فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين\"١.\nويتناول الباقلاني بعد ذلك ما أذاعه الملحدون والمغرضون حول القرآن من أباطيل وافتراءات سبق أن وردت على ألسنة مشركي قريش، منذ أن أنزل الله القرآن على قلب نبيّه.. فنراه يسفّه آراء هؤلاء الملحدين، ويصفهم بالجهل.. والبعد عن الرشد ذلك أن مشركي مكة من قريش قد تابوا وأنابوا، فأسلموا ورجعوا عن غيهم، أما هؤلاء الملحدون فهم على جهلهم ونزقهم وتعصبهم الأعمى الذي لا يستند إلى دليل.\nوالباقلاني - وهو بصدد مواجهة هؤلاء الملحدين والمغرضين- يلقى اللوم على علماء العصر، خاصة مَنْ اشتغل منهم باللغة وعلم الكلام، ولم يلتفت إلى توضيح وجوه الإعجاز القرآني، والكشف عن أسرارها، ويحملهم تبعة من خلط في هذه المسائل،\n_________\n١ إعجاز القرآن ص٢٩ طبعة محمد علي صبيح سنة ١٣٧٠؟.","vol":"1","page":12},{"text":"متأثرين ببعض مذاهب البراهمة، يقول: \"وقد قصّر بعضهم في هذه المسألة - أي مسألة إعجاز القرآن -، حتى أدى ذلك إلى تحوّل قوم منهم إلى مذاهب البراهمة فيها، ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة، يوجب ألا يستنصر فيها ولا وجه لها، حين رأوهم قد برعوا في لطيف ما أبدعوا وانتهوا إلى الغاية فيما أحدثوا ووضعوا، ثم رأوا ما صنفوه في هذا المعنى غير كامل في بابه، ولا مستوفي في وجهه قد أخل بتهذيب طرقه، وأهمل ترتيب بيانه\"١.\nبيد أنه يلتمس لبعضهم الأعذار، لأن البحث فيها - أي في مسائل الإعجاز ووجوهه- لم يكن يتيسّر إلا لمن كدّ فكره وأعمل عقله.. وأعدّ لهذه الدراسة نفسه..\n\"وقد يعذر بعضهم في تَفْريط يقع منه، وذهاب عنه، لأن هذا الباب مما لا يمكن إحكامه إلاّ بعد التقدم في أمور شريفة المحل، عظيمة المقدار، دقيقة المسلك، لطيفة المأخذ..\"٢\nوفي هذه المرحلة التمهيدية، وقبل أن يبدأ في تنفيذ مخططه، وتوضيح المسائل التي ذكرها في مقدمته، يجد الباقلاني بدافع من غيرته على آراء السلف، وإيمانه الراسخ بها، أن يعرض بكتب الفرق الكلامية الأخرى، خاصة المعتزلة، وقد وجد بغيته في كتاب الجاحظ المعتزلي (نظم القرآن) فوصفه بالقصور والسطحية، وعدم الموضوعية، وأنه لم يأت فيه بجديد، بل هو صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا٣، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله٤ ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى\" يقصد الكشف عن وجوه الإعجاز القرآني وسرها.\nوواضح.. أن الباقلاني – السلفي - متأثر في هذا القول بعقيدته، وبما قاله أصحابه الأشاعرة. وهنا يقف الباقلاني، ليذكر \"جملة من القول جامعة تسقط الشبهات، وتزيل الشكوك التي تعرض للجهال، وتنتهي إلى ما يخطر لهم، ويعرض لأفهامهم من الطعن في وجه المعجزة\"٥\nفتناول مجموعة من القضايا العلمية الهامة التي تتصل بموضوع الإعجاز منها:\n_________\n١ إعجاز القرآن ص٣٠.\n٢ الصفحة نفسها.\n٣ وهو من الكتب المفقودة.\n٤ يقصد أستاذه النظام الذي قال مقالته الخبيثة في مسألة الإعجاز وأرجعها إلي الصرفة، أي أن الله صرف العرب عن معارضة القران.\n٥ إعجاز القرآن ص٣٠ وما بعدها.","vol":"1","page":13},{"text":"\"ما يجب وصفه من القول في تنزيل متصرفات الخطاب، وترتيب وجوه الكلام، وما تختلف فيه طرق البلاغة، وتتفاوت من جهته سبل البراعة، وما يشتبه له ظاهر الفصاحة، ويختلف فيه المختلفون من أهل صناعة العربية، والمعرفة بلسان العرب في أصل الوضع، ثم ما اختلفت به مذاهب مستعمليه في فنون ما ينقسم إليه الكلام من شعر ورسائل وخطب، وغير ذلك من مجاري الخطاب، وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما يبين فيه التفاصح وتقصد فيه البلاغة لأن هذه أمور يتعمل لها في الأغلب ولا يتجوز فيها. ثم من بعد هذا الكلام الدائر في محاوراتهم، والتفاوت فيه أكثر لأن التعمل فيه أقل، إلا من غزارة طبع، أو فطانة تصنع وتكلف.. ونشير إلى ما يجب في كل واحد من هذه الطرق، ليعرف عظم محل القرآن، وليعلم ارتفاعه عن مواقع هذه الوجوه، وتجاوزه الحد الذي يصح أو يجوز أن يوازن بينه وبينها، أو يشتبه ذلك على متأمل\"١.\nثم يستطرد الباقلاني كلامه ذاكرًا، أنه يعرف تماما أن هذه المسائل لا يستوعبها إلا مَنْ كدَّ فكره، وأعمل عقله، وكان هو أصلا من أهل صناعة العربية، قد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين، ونظر في شيء من أصول الدين، وإنما ضمّن الله ﷿ فيه البيان لمثل ما وصفناه، فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ ٢ وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣.\nإذن، فقد خصّ الباقلاني كتابه بالصفوة المختارة من الباحثين والمتأدبين والعلماء والمثقفين وليس للعامة أو الجهال، وهذا هو محور بحث الرجل، إنه يخاطب فئة معينة من الواعين.\nفإذا ما انتهى الباقلاني من هذه المرحلة التمهيدية، وبين هدفه ومبتغاه، انتقل إلى المرحلة التالية.. مرحلة التفنيد.. فقسّم بحثه إلى فصول متوالية، كل فصل يرتبط بما بعده، ويوصل إليه أيضا.. وفي الوقت نفسه يتصل بما قبله. تناول في كل فصل منها ناحية من النواحي التي وعد ببحثها، تمهيدًا لإبراز وجوه الإعجاز القرآني.\nفافتتح هذه الفصول بفصل تحدث فيه عن نبوة النبي - ﷺ-، وأنّ معجزتها القرآن، فالرسول\n_________\n١ إعجاز القرآن ص٣١.\n٢ سورة فصلت الآية ٣.\n٣ سورة الزخرف الآية ٣.","vol":"1","page":14},{"text":"وإن كان قد أيّد بعد ذلك بمعجزات جمّة، لا يمكن إنكارها.. إلاّ أنّ معجزة القرآن \"كانت معجزة عامة، عمّت الثقلين١، وبقيت بقاء العصرين٢، ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الإتيان بمثله وجه دلالته\".\nويذكر الباقلاني.. أنه ما خصّص هذا الفصل ولا ألّفه إلاّ للرد على المتكلمين، وتفنيد مزاعمهم.. \"لما حكى عن بعضهم أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الأول، فليس أهل هذا العصر الأول في الدلالة لأنهم خصّوا بالتحدي دون غيرهم\".\nويبيِّنُ الباقلاني خطأ هذا الزعم، ويستدل على ذلك بأدلة من القرآن نفسه وبآيات بينات تثبت أن الله -﷾- حين ابتعث نبيه، جعل معجزته القرآن، وبنى أمر نبوته عليه.\nمن ذلك قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٣ فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا تكون حجة إن لم تكن معجزة..\nويرى الباقلاني أنه ما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة٤، إلا وتدلّ على هذه المعجزة، بل إنّ كثيرا من السور إذا تؤمل - فهو من أوله إلى آخره- مبني على لزوم حجة القرآن والتنبيه على وجه معجزته. ويستشهد على ذلك بسورة المؤمن٥، ويحلّلها تحليلا دقيقا يبرز فيها أسرار الإعجاز.\nولا يترك الباقلاني إثبات أنّ نبوة محمد - ﷺ - مبنية على دلالة معجزة القرآن دون أن يبيِّن ويحدِّد وجه هذه الدلالة.. لذلك أعقب هذا الفصل بفصل في الدلالة على أن القرآن معجزة٦ في ذاته. وقد اعتمد الباقلاني في تبيين وجه الدلالة على أصلين اثنين:\n_________\n١ الإنس والجن.\n٢ الليل والنهار.\n٣ سورة إبراهيم الآية الأولى، ومن ذلك أيضا قوله تعالى في الآية ٦ من سورة براءة، والآية ١٩٥ من سورة الشعراء.\n٤ مثل: طسم، كهيعص، حم.\n٥ هي سورة غافر، أما سورة \"المؤمنون\" فهي ﴿قد أفلح المؤمنون..﴾ وسميت سورة غافر سورة \"المؤمن\" لقوله تعالى في هذه السورة ﴿وقَالَ رَجُلٌ مؤمن مِنْ آلِ فِرعَون..﴾ الخ.\n٦ إعجاز القرآن ص٤١.","vol":"1","page":15},{"text":"أولهما: إثبات أن القرآن - الذي هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف - هو الذي جاء به النبي ﷺ، وأنه هو الذي تلاه على مَنْ في عصره ثلاثا وعشرين سنة.\nودليل الباقلاني على ذلك.. هو النقل المتواتر، الذي أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمّله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره من لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد، ولا يحتمل أنه قد خرج من أتي بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره، ويأخذ غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها، وتعدّى إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش وغيرهم من ملوك الأرض.\nوالأصل الثاني.. هو التحدي.. الذي واجه العرب به؛ ذلك أنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الإتيان به طول السنين التي وصفناها فلم يأتوا بذلك.\nويستدل الباقلاني على صحة هذا الأصل بما تضمنه القرآن من آيات التحدي، من مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١، جعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته.\nولقد كانت قضية التحدي مثار اهتمام الباقلاني.. خاصة وهو بصدد الدفاع عن القرآن، فنراه يشبعها تحليلا وتدليلا، إثباتا لصدق النبوة، وتدعيما لوجه الدلالة، وردّا على الملحدين والمتكلمين عامة، والمعتزلة خاصة، الذين أثاروا قضية (الصرفة) .\nفإذا ما أثبت الباقلاني معجزة النبوة، وإذا ما أصّل الأصول التي اعتمدها في بيان وجه الدلالة على أن القرآن معجز في ذاته.. انتقل الباقلاني إلى صلب موضوعه وهو تحديد وجوه إعجاز القرآن.. وهنا تبدأ المرحلة الثالثة.. مرحلة التحديد، بعد أن اجتاز مرحلتي التمهيد، والتفنيد.\n_________\n١ سورة البقرة الآيتان ٢٣، ٢٤،ومن آيات التحدي الآية ٢٨ من سورة يونس والآيتان ٣٣، ٣٤ من سورة الطور.","vol":"1","page":16},{"text":"يقرّر الباقلاني في الفصل الثالث من كتابه (إعجاز القرآن) أن هذا الإعجاز إنما يردّ إلى ثلاثة أوجه:\n١- تضمنه الإخبار عن الغيوب.\n٢- وما فيه من القصص الديني وسير الأنبياء مما روتْهُ الكتب السماوية مع أن الرسول - ﷺ - كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب.\n٣- ثم بلاغته.\nفأما الوجه الأول: فقد استدل عليه بما وعد الله تعالى نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١ ففعل ذلك.. وكان أبو بكر الصديق ﵁ إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه ليثقوا بالنصر، ويستيقنوا بالنجح، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يفعل كذلك في أيامه حتى وقف أصحاب جيوشه عليه ...\nوأما الوجه الثاني: فإنه معلوم من حال النبي - ﷺ - أنه كان أميًّا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتي بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حين خلق الله آدم ﵇ إلى حين مبعثه.\nوأما الوجه الثالث.. فإنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه..\nولما كان الباقلاني من علماء اللغة والأدب والبلاغة، فقد ركّز شرحه على هذا الوجه الأخير، فتحدث عن جمال نظم القرآن حديثا مسهبا.. يتضح منه مفهومه ونظريته في إعجاز القرآن.\nإنه لم يرض أن يترك هذا الوجه دون أن يحدّد قسماته ويبيّن معالمه، ويوضّح سماته، وما عناه بالنظم، من هنا وجدناه يحلّل هذا الوجه البلاغي تحليلا دقيقا، ينمّ عن سعة إطلاع ورسوخ في العلم، ودقة في الفهم معًا..\nلقد أرجع الباقلاني جمال النظم القرآني إلى مجموعة وجوه تتسم بالدقة والعمق، وتدل على ترابط جزئيات الموضوع في ذهنه.. منها ما يرجع إلى الجملة، ومنها ما يرجع إلى الفصاحة، ومنها ما يرجع إلى النظم، واستوائه\n_________\n١ سورة التوبة ٣٣.. ومن ذلك الآية ١٢ من آل عمران.. والآية ٧ من سورة الأنفال.","vol":"1","page":17},{"text":"وحسن رصفه، ومنها ما يرجع إلى غزارة المعاني، ومنها ما يرجع إلى تأثير الكلمة في الأسماع..\nوواضح من تقسيماته وتفريعاته أنه متأثر في الشطر الأول من نظريته بفكرة الجاحظ، التي ذهب فيها إلى أن مرجع الإعجاز في القرآن إلى نظمه وأسلوبه العجيب المباين لأساليب العرب في الشعر والنثر وما يُطْوى فيه من سجع١.\nوأما في الشطر الثاني فقد تأثر الباقلاني بفكرة الرُّمَّاني، التي ذهب فيها إلى أن القرآن يرتفع إلى أعلى طبقة من طبقات البلاغة٢.\nوعلى الرغم من أن الباقلاني قد اشبع هذه الوجوه العشر البلاغية شرحا وتحليلا وتفسيرا وتمثيلا، وألحق بكل منها ما يؤيد وجهة نظره، واستشهد بالكثير من الشواهد الشعرية والنثرية.. والآيات القرآنية.. إلاّ أنه وجد أنّ هذا الشرح غير كاف، وهذا التعليل غير شاف، فنراه يلحق بهذا الفصل الثالث فصلا رابعا، لا يتناول فيه موضوعا جديدًا، بل إنه يعاود شرح ما سبق أن ذكره وبيّنه من وجوه، وواضح أنه قد فاته بعض المسائل لم يستطع أن يدرجها أثناء الشرح فألحقها به. إنه يتناول وجهًا وجهًا من الوجوه الثلاثة التي حددها للإعجاز القرآني ليعاود الكلام عليها ولكن بتركيز شديد وبشواهد جديدة.. ثم يختم هذا الفصل التفسيري المركّز بالكلام عن الإعجاز الواقع في النظم والتأليف والرصف.. ويجعل من حديثه هذا منطلقا لبدء المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التأييد والإثبات، وتقديم المبرهنات والمؤيدات.\nلقد ذكر الباقلاني مجموعة من العناصر التي جعلت من نظم القرآن وجها من وجوه الإعجاز.. منها: \"أنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم، ومن ادّعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحّح أنه ليس من قبيل الشعر ولا السجع ولا الكلام الموزن غير المقفى\".\nوهنا نجده يشير إلى نقطة الانطلاق التي سيبدأ منها الدفاع.. فيقول:\n\"لأن قومًا من كفار قريش ادّعو أنه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا، ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع إلا أنه أفصح ممّا قد اعتادوه من أسجاعهم.. ومنهم من يدّعي أنه\n_________\n١ البيان والتبين ١/٣٧٣.\n٢ انظر رسالته (النكت في إعجاز القرآن) .. وانظر مقالنا في العدد السابق من مجلة الجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":18},{"text":"كلام موزون فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب\"١\nإذن فخطة الباقلاني في المرحلة الثالثة أن ينفي الشعر عن القرآن، ثم ينفي السجع عن القرآن، ثم يذكر الصور البيانية، والعناصر الجمالية التي يمكن أن يقع بها إعجاز القرآن. وهذا ما فعله الباقلاني تدعيما لوجوه الإعجاز وتأييدًا لما ذهب إليه من آراء أثناء ردِّه على المزاعم التي قيلت حول القرآن.\nوفي الحقيقة لم يكن نفي السجع عن القرآن من بنات أفكاره.. ولكنه ردَّد ما ذكره الرمّاني من أن فواصله تباين السجع مباينة تامة، إذ الفواصل تتبع المعنى، أمّا السجع فيتبعه المعنى، ومن أجل ذلك يتضح فيه التكلّف والثقل٢.\nبعد أن انتهى الباقلاني من دفاعه عن القرآن، انتقل إلى موضوع آخر وهو: الطريق إلى معرفة الإعجاز.. أو كيفية الوقوف على إعجاز القرآن. وهو كعادته حين يتصدى لموضوع ما يتساءل: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما يتضمنه من البديع؟\nوهنا نلاحظ أنه لا يقصد بالبديع المعنى الاصطلاحي المعروف، إنما يقصد ما جاء في القرآن من ألوان الجمال المعنوي التي تشملها علوم البلاغة.\nوهو في هذا الفصل يحدّد الأبواب والفصول التي ذكرها أهل الصنعة، ومن صنّف في هذا المعنى - يقصد الإعجاز القرآني - ثم يبيّن ما عجزوا عن فهمه أو الوصول إلى كنهه، ليكون الكلام – على حد تعبيره - \"واردًا على أمرٍ مبين، وباب مصور\".\nثم يستعرض العناصر البلاغية التي تناولها القوم، وذكروها بوصفها النوافذ التي يمكن من خلالها أن يطلُّوا على آيات الإعجاز القرآني.. فنراه يتحدث كما تحدث البلاغيون السابقون من أمثال ابن المعتز وأبي هلال العسكري عن الاستعارة، والتشبيه، والإرداف، والمماثلة ويذكر المطابقة والجناس، ويذكر ضربًا يسميه (الموازنة)، وهي مما زاده قدامة بن جعفر٣ في كتابه (جواهر الألفاظ) من حسن البلاغة، وقد سمّاها (اعتدال الوزن) .\nويذكر الباقلاني أيضا (المساواة) على أنها ضرب من البديع، مقتديا\n_________\n١ إعجاز القرآن ص٨٠.\n٢ انظر رسالة الرمّاني \"النكت في إعجاز القرآن\" الفواصل، وانظر أيضا مقالنا في العدد السابق من مجلة الجامعة الإسلامية ص٣٤.\n٣ جواهر الألفاظ ص٣ طبعة القاهرة.","vol":"1","page":19},{"text":"بقدامة في هذا الصنيع، وتأثره في حديثه عقب ذلك عن (الإشارة) و(المبالغة) و(الغلو) و(الإيغال) و(التوشيح) و(صحة التقسيم) و(صحة التفسير) و(التقسيم) و(الترصيع) .\nويظل ينقلنا الباقلاني من موضع بلاغي إلى آخر، ومن صورة شعرية فنية إلى أخرى، ملقيا الضوء على ما فيها من أبعاد وظلال فنية، حتى يأتي على كل العناصر البلاغية التي تناولها العلماء، وظنوا أنها السبيل إلى معرفة أسرار الإعجاز القرآني.\nبيد أنه في آخر المطاف.. يضع أمام الأذهان سؤالا هاما..\nهل لأبواب البديع فائدة في معرفة الإعجاز؟ ويجيب على هذا السؤال إجابة صريحة فيقول: \"ليس كذلك عندنا..، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتصنع لها\". ويمضي فيقول:\n\"إنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووضعوه فيه، وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعليم والتدرب به والتصنع له.. أما شَأْوَ نظم القرآن فليس له مثال يُحْتَذى عليه ولا إمام يُقْتَدَى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقًا.\"\nفما السبيل إذن إلى معرفة إعجاز القرآن؟\nهذا هو محور الفصل الثامن الذي خصصه الباقلاني لتحديد (كيفية الوقوف على إعجاز القرآن) يقول فيه: إنه لا يقف عليه إلاّ مَنْ عرف معرفة بيِّنة وجوه البلاغة العربية، وتكوَّنت له فيها ملكة يقيس بها الجودة والرداءة في الكلام بحيث يميِّز بين نمط شاعر وشاعر، ونمط كاتب وكاتب، وبحيث يعرف مراتب الكلام في الفصاحة، وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم \"ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم ثشبيه عنده هذه الطرق، فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه، وقدر كل كلام في نفسه، ويحكم فيه بما يستحق من الحكم، وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء عرف ذلك منه، وإن كان يعم إحسانه عرف.\"١\nوبهذا المفهوم نستطيع أن نعرف أن الباقلاني يرد المسألة إلى الذوق وحُسْن تدرّبه على تمييز أصناف الكلام..\n_________\n١ إعجاز القرآن ص١٥١.","vol":"1","page":20},{"text":"ولقد دفعه هذا الفهم إلى أن يسوق طائفة من خطب الرسول - ﷺ- ورسائله، ومن خطب الصحابة وغيرهم.. ليلمس القارئ فرق ما بين ذلك كله وبين القرآن.\nولا يقف عند حدود النثر.. بل ينطلق إلى آفاق الشعر، فيدرس معلقة امرئ القيس –إمام الشعراء -، ويبين ما فيها من تكلف وحشو، وخلل وتطويل، ولفظ غريب، وكيف تتفاوت أبياتها بين الجودة والرداء، والسلامة والغرابة، والسلامة والانحلال والاسترسال والتوحش والاستكراه.. \"مع أنه قد أبدع في طرق الشعر أمورًا اتبع فيها\"١\nبعد ذلك.. يعود بنا ليتحدث عن جمال نظم القرآن وحسن تأليفه ورصفه وكيف أنه وُزّع على كل آياته بقسطاس سواء منها القصص وغير القصص، بينما يتفاوت كلام البلغاء من الشعراء حتى في القصيدة الواحدة. ويتناول قصيدة بديعة للبحتري الذي اشتهر بجمال ديباجته وحلاوة أنغامه وعذوبة ألفاظه، وهي لاميته المشهورة:\nأهْلًا بذلكمُ الخيالِ المقبل ... فَعَلَ الذي نَهْواه أوْ لم يفعلِ\nويشرِّح أبياتها تشريحا، مبيِّنا ما يجري فيها من ثِقل وتطويل وحشو وتكلف وألفاظ وحشية جافية، ومن تناقض وكزازة وتعسف ورداءة صوغ وسبك. ويهاجم الباقلاني كذلك ما يقال من بلاغة الجاحظ مبيِّنًا أنه دائما يستعين بغيره، ويفزع إلى ما يوشِّح به كلامه من مثل نادر، وبيت سائر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة.. كل ذلك ليدل الباقلاني على أن بلاغة القرآن لا تسمو إليها أي بلاغة لشاعر أو كاتب وكأنه في كل ذلك يشرح ما ذكره الرمّاني في رسالته - التي تحدثنا عنها في المقال السابق - من أن للكلام ثلاث طبقات: عليا وهي طبقة القرآن، ووسطى ودُنيا، وهما طبقتا البلغاء على اختلاف بلاغتهم، وما ينظمونه أو يخطبون به أو يكتبونه. ونسمعه دائما يردِّدُ أنّ كلام البلغاء يتفاوت، بينما القرآن لا تتفاوت آياته، وإن العبارة لتُجْلَبُ منه إلى كلام البليغ.. فإذا هي تتلألأُ كأنها الدرّة الواسطة في العقد.. ويمضي الباقلاني قائلا: \".. إنّ القرآن ليس معجزًا لأهل العصر الأول الذي نزل فيهم فحسب، بل هو أيضا معجز لأهل كل العصور..\n_________\n١ إعجاز القرآن ص١٨٤.","vol":"1","page":21},{"text":"\" هذا هو مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني.. وواضح أنه لم يزد في كتابه عن شرحه - أو قل بعبارة أدق - عن محاولة شرحه لما قاله الجاحظ من جمال النظم القرآني، وما قاله الرَّماني من أنه في المرتبة الرفيعة من البلاغة والبيان، ومضى يردُّ تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدَّها ابن المعتز وقدامة وأبو أحمد العسكري وغيرهم، كما ردّ تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني..\nوبالطبع، فهذا لا يقلّل من شأن الباقلاني.. أو يبهرج علمه.. فيكفي أن نعلم أنّ الرجل أوّل من هاجم في قوة نظرية إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع، وأيضا وجوه البلاغة التي أحصاها الرماني.\nومن هنا تأتي أهمية الباقلاني، إذ أعدّ للبحث عن أسرار في نَظْم القرآن من شأنها حين تَوضح توضيحا دقيقًا أن تقف الناسَ على إعجازه.","vol":"1","page":22}]}