{"ً":{"ٌ":122171,"ٍ":"أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/WAQ118329/118329.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة\nالمؤلف: رائد بن حمدان بن حميد الحازمي\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير - مركز الدراسات الإسلامية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ١٤٢٩ هـ، بإشراف د محمد بن عبد الله ولد كريم\nتقديم: الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع\nالناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م\nعدد الصفحات: ٧٤٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":2606,"ٕ":19,"ٖ":1770155996,"ٗ":5},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع","level":1,"page":3},{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"أـ أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":2,"page":7},{"title":"ب - الدراسات السابقة","level":2,"page":8},{"title":"ج - خطة البحث","level":2,"page":9},{"title":"د - منهج البحث","level":2,"page":19},{"title":"التمهيد في التيمم التعريف، والمشروعية، والاختصاص","level":1,"page":23},{"title":"المبحث الأول تعريف التيمم في اللغة والاصطلاح","level":2,"page":24},{"title":"أولا: تعريف التيمم في اللغة","level":3,"page":24},{"title":"ثانيا: تعريف التيمم في الاصطلاح","level":3,"page":25},{"title":"المبحث الثاني مشروعية التيمم","level":2,"page":29},{"title":"المطلب الأول أدلة مشروعية التيمم","level":3,"page":30},{"title":"أولا: من الكتاب","level":4,"page":30},{"title":"ثانيا: من السنة","level":4,"page":31},{"title":"ثالثا: الإجماع","level":4,"page":34},{"title":"المطلب الثاني سبب مشروعية التيمم","level":3,"page":37},{"title":"المطلب الثالث الحكمة من مشروعية التيمم","level":3,"page":42},{"title":"المبحث الثالث اختصاص الأمة بالتيمم","level":2,"page":47},{"title":"الباب الأول الأسباب الموجبة للتيمم","level":1,"page":51},{"title":"الفصل الأول فقد الماء","level":2,"page":52},{"title":"المبحث الأول طلب الماء قبل التيمم","level":3,"page":53},{"title":"المطلب الأول حكم الطلب","level":4,"page":54},{"title":"الحالة الأولى","level":5,"page":54},{"title":"أولا: من الكتاب","level":6,"page":54},{"title":"ثانيا: من المعقول","level":6,"page":55},{"title":"الحالة الثانية","level":5,"page":55},{"title":"الحالة الثالثة","level":5,"page":56},{"title":"القول الأول","level":6,"page":56},{"title":"القول الثاني","level":6,"page":57},{"title":"أدلة القول الأول","level":6,"page":57},{"title":"أولا: من الكتاب","level":7,"page":57},{"title":"ثانيا: من السنة","level":7,"page":59},{"title":"ثالثا: من المعقول","level":7,"page":59},{"title":"أدلة القول الثاني","level":6,"page":60},{"title":"أولا: من الكتاب","level":7,"page":60},{"title":"ثانيا: من السنة","level":7,"page":60},{"title":"ثالثا: من المعقول","level":7,"page":61},{"title":"المطلب الثاني وقت الطلب","level":4,"page":64},{"title":"المطلب الثالث مسافة الطلب","level":4,"page":66},{"title":"أولا: الحنفية","level":5,"page":66},{"title":"ثانيا: المالكية","level":5,"page":67},{"title":"ثالثا: الشافعية","level":5,"page":67},{"title":"رابعا: الحنابلة","level":5,"page":69},{"title":"المطلب الرابع صفة الطلب","level":4,"page":71},{"title":"المطلب الخامس تكرار الطلب","level":4,"page":72},{"title":"المبحث الثاني شراء الماء","level":3,"page":74},{"title":"المطلب الأول حكم شراء الماء لمن فقده","level":4,"page":75},{"title":"أولا: من الكتاب","level":5,"page":75},{"title":"ثانيا: من المعقول","level":5,"page":75},{"title":"المطلب الثاني حكم الاقتراض لشراء الماء","level":4,"page":81},{"title":"المطلب الثالث شراء الماء في الذمة","level":4,"page":84},{"title":"المطلب الرابع حكم قبول الماء الموهوب","level":4,"page":87},{"title":"الفرع الأول حكم قبول الماء الموهوب","level":5,"page":88},{"title":"الفرع الثاني هل يجب استيهاب الماء أو اقتراضه؟","level":5,"page":91},{"title":"المبحث الثالث نسيان الماء","level":3,"page":93},{"title":"المطلب الأول التيمم لمن نسي الماء بعد أن علم به","level":4,"page":94},{"title":"المطلب الثاني التيمم لمن ضل عن مكانه الذي فيه الماء","level":4,"page":106},{"title":"المطلب الثالث إذا قام وصلى ثم بان أنه بقربه بئر أو ماء","level":4,"page":108},{"title":"المطلب الرابع إذا وضع الماء في رحله ولم يعلم به","level":4,"page":110},{"title":"المطلب الخامس التيمم لمن ظن أن الماء قد نفذ","level":4,"page":113},{"title":"المبحث الرابع التيمم لمن وجد ماء لا يكفي للطهارة","level":3,"page":114},{"title":"المطلب الأول حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه","level":4,"page":115},{"title":"المطلب الثاني كيفية استعمال الماء الذي لا يكفي للطهارة","level":4,"page":132},{"title":"المطلب الثالث إذا كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط","level":4,"page":134},{"title":"المبحث الخامس التيمم لمن أراق الماء أو باعه أو وهبه ولم يترك ما يتطهر به","level":3,"page":136},{"title":"المطلب الأول حكم إراقة الماء بعد دخول الوقت","level":4,"page":139},{"title":"المطلب الثاني التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت","level":4,"page":142},{"title":"الفرع الأول حكم بيع الماء أو هبته بعد دخول الوقت","level":5,"page":142},{"title":"الفرع الثاني حكم التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت","level":5,"page":145},{"title":"الفصل الثاني عدم القدرة على استعمال الماء","level":2,"page":147},{"title":"المبحث الأول تيمم المريض","level":3,"page":148},{"title":"المطلب الأول تيمم المريض العادم للماء","level":4,"page":149},{"title":"الفرع الأول تعريف المرض لغة واصطلاحا","level":5,"page":149},{"title":"أولا: في اللغة","level":6,"page":149},{"title":"ثانيا: في الاصطلاح","level":6,"page":150},{"title":"الفرع الثاني حكم تيمم المريض العادم للماء","level":5,"page":151},{"title":"المطلب الثاني حكم تيمم المريض الواجد للماء","level":4,"page":154},{"title":"المطلب الثالث ضابط الخوف المبيح للتيمم","level":4,"page":167},{"title":"المطلب الرابع حكم تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء","level":4,"page":169},{"title":"المطلب الخامس من يعتمد قوله في تقدير المرض","level":4,"page":172},{"title":"المبحث الثاني تيمم الجريح","level":3,"page":175},{"title":"المطلب الأول طهارة من كان بعض بدنه جريحا وبعضه صحيحا","level":4,"page":176},{"title":"المطلب الثاني كيفية الجمع بين التيمم والغسل لمن كان بعض بدنه جريحا","level":4,"page":184},{"title":"المطلب الثالث حكم تيمم من وضع على الجرح أو الكسر جبيرة أو لصوقا","level":4,"page":192},{"title":"المبحث الثالث عدم القدرة على استعمال الماء","level":3,"page":200},{"title":"الفصل الثالث الخوف من استعمال الماء","level":2,"page":204},{"title":"المبحث الأول تيمم الصحيح الخائف من العطش","level":3,"page":205},{"title":"المبحث الثاني تيمم الصحيح الخائف من البرد","level":3,"page":209},{"title":"المطلب الأول حكم تيمم الصحيح الخائف من البرد","level":4,"page":210},{"title":"المطلب الثاني حكم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم لخوف البرد","level":4,"page":215},{"title":"المبحث الثالث التيمم لمن خاف فوات الوقت للصلوات المكتوبة","level":3,"page":220},{"title":"المبحث الرابع التيمم لمن خاف فوات صلاة العيدين والجنازة ونحوهما","level":3,"page":229},{"title":"المبحث الخامس التيمم لمن خاف فوات الجمعة","level":3,"page":239},{"title":"الباب الثاني في أحكام التيمم","level":1,"page":241},{"title":"الفصل الأول حكم التيمم بين الرخصة والعزيمة","level":2,"page":242},{"title":"المبحث الأول تعريف الرخصة والعزيمة في اللغة والاصطلاح","level":3,"page":243},{"title":"المطلب الأول تعريف الرخصة في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":244},{"title":"أولا: في اللغة","level":5,"page":244},{"title":"ثانيا: في الاصطلاح","level":5,"page":244},{"title":"المطلب الثاني تعريف العزيمة في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":246},{"title":"أولا: في اللغة","level":5,"page":246},{"title":"ثانيا: في الاصطلاح","level":5,"page":246},{"title":"المبحث الثاني حكم التيمم بين الرخصة والعزيمة","level":3,"page":247},{"title":"الفصل الثاني بدلية التيمم عن الماء","level":2,"page":254},{"title":"المبحث الأول نوع بدلية التيمم","level":3,"page":256},{"title":"المبحث الثاني ما يترتب على الخلاف في نوع بدلية التيمم","level":3,"page":268},{"title":"المطلب الأول وقت التيمم","level":4,"page":270},{"title":"الفرع الأول وقت التيمم للصلاة المؤقتة بوقت","level":5,"page":270},{"title":"الفرع الثاني وقت التيمم للصلاة التي غير مؤقتة بوقت","level":5,"page":280},{"title":"الفرع الثالث الوقت المستحب للتيمم","level":5,"page":282},{"title":"المطلب الثاني حكم الوطء لعادم الماء","level":4,"page":297},{"title":"المطلب الثالث حكم إمامة المتيمم للمتوضئ","level":4,"page":303},{"title":"المطلب الرابع حكم المسح على الخفين لمن لبسه على طهارة التيمم","level":4,"page":311},{"title":"المطلب الخامس حكم التيمم إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة","level":4,"page":315},{"title":"الفصل الثالث حكم التيمم للطهارة عن الحدث","level":2,"page":318},{"title":"المبحث الأول حكم التيمم عن الحدث الأصغر","level":3,"page":319},{"title":"المبحث الثاني حكم التيمم عن الحدث الأكبر","level":3,"page":321},{"title":"الفصل الرابع حكم التيمم للنجاسة","level":2,"page":327},{"title":"المبحث الأول التيمم للنجاسة في الثوب والبدن","level":3,"page":328},{"title":"المطلب الأول حكم التيمم للنجاسة في الثوب والبدن","level":4,"page":329},{"title":"المطلب الثاني ما يترتب على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن","level":4,"page":334},{"title":"الفرع الأول تعدد محل النجاسة على البدن مع عدم الماء","level":5,"page":334},{"title":"الفرع الثاني إذا اجتمع على الشخص حدث ونجاسة فهل يكفيه تيمم واحد لهما أم لا؟","level":5,"page":336},{"title":"المبحث الثاني حكم من اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ماء يكفي أحدهما","level":3,"page":338},{"title":"الفصل الخامس التيمم في السفر والحضر","level":2,"page":343},{"title":"المبحث الأول التيمم في السفر","level":3,"page":344},{"title":"المطلب الأول حكم التيمم في السفر","level":4,"page":345},{"title":"المطلب الثاني تيمم العاصي بسفره","level":4,"page":348},{"title":"المبحث الثاني حكم التيمم في الحضر","level":3,"page":351},{"title":"الباب الثالث شروط التيمم","level":1,"page":361},{"title":"الشرط الأول النية","level":2,"page":362},{"title":"المبحث الأول حكم النية في التيمم","level":3,"page":363},{"title":"المطلب الأول حكم اشتراط النية في التيمم","level":4,"page":364},{"title":"المطلب الثاني حكم التيمم بنية تعليم الغير","level":4,"page":368},{"title":"المبحث الثاني حكم التيمم بنية رفع الحدث","level":3,"page":369},{"title":"المبحث الثالث ما ينويه بالتيمم","level":3,"page":370},{"title":"المبحث الرابع إذا نوى بتيممه فرض التيمم","level":3,"page":372},{"title":"المبحث الخامس ما يستباح بالتيمم","level":3,"page":374},{"title":"المطلب الأول ما يباح له بتيممه إذا نوى به الفريضة","level":4,"page":375},{"title":"الفرع الأول إذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به أكثر من فريضة؟","level":5,"page":375},{"title":"الفرع الثاني إذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به نافلة؟","level":5,"page":387},{"title":"المطلب الثاني ما يباح له بتيممه إذا نوى به نافلة أو صلاة مطلقة","level":4,"page":390},{"title":"الفرع الأول حكم التيمم للنافلة ونحوها مما يتطهر له","level":5,"page":390},{"title":"الفرع الثاني إذا نوى التيمم للنافلة فهل يصلي به نوافل أخرى؟","level":5,"page":394},{"title":"الفرع الثالث إذا نوى التيمم لنافلة فهل يصلي به فريضة؟","level":5,"page":396},{"title":"الفرع الرابع إذا نوى بتيممه صلاة مطلقة","level":5,"page":399},{"title":"المطلب الثالث مراتب النية","level":4,"page":402},{"title":"المبحث السادس حكم الجمع بين الصلاتين للمتيمم","level":3,"page":406},{"title":"المبحث السابع حكم اشتراط النية في الحدث الأصغر أو الأكبر","level":3,"page":408},{"title":"المطلب الأول حكم تعيين نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر","level":4,"page":409},{"title":"المطلب الثاني اجتماع الأحداث وأثره في تداخلها عند النسيان","level":4,"page":412},{"title":"المطلب الثالث إذا نوى الحدثين بتيمم واحد","level":4,"page":417},{"title":"الفرع الأول إذا نوى الحدثين بتيمم واحد أو أحد أسباب أحدهما","level":5,"page":417},{"title":"الفرع الثاني إذا نوى الحدثين بتيمم واحد أو نوى الأكبر ثم أحدث حدثا أصغر","level":5,"page":419},{"title":"الشرط الثاني الإسلام","level":2,"page":421},{"title":"الشرط الثالث التكليف","level":2,"page":423},{"title":"الشرط الرابع انقطاع دم الحيض والنفاس","level":2,"page":425},{"title":"الشرط الخامس إزالة ما يمنع مسح أعضاء التيمم","level":2,"page":426},{"title":"الشرط السادس طلب الماء وإعوازه بعد الطلب","level":2,"page":427},{"title":"الشرط السابع دخول الوقت","level":2,"page":429},{"title":"الشرط الثامن التيمم بالصعيد","level":2,"page":430},{"title":"المبحث الأول حكم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض","level":3,"page":431},{"title":"المطلب الأول التيمم بغير التراب","level":4,"page":432},{"title":"المطلب الثاني حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم","level":4,"page":453},{"title":"المبحث الثاني التيمم على الخشب والزرع والحشيش","level":3,"page":462},{"title":"المبحث الثالث التيمم على الثلج","level":3,"page":464},{"title":"المبحث الرابع التيمم بالتراب المختلط بغيره","level":3,"page":467},{"title":"المبحث الخامس حكم التيمم بالطين المحترق","level":3,"page":469},{"title":"المبحث السادس التيمم بالأرض النجسة","level":3,"page":471},{"title":"المطلب الأول حكم التيمم بالأرض النجسة","level":4,"page":472},{"title":"المطلب الثاني حكم التيمم بالأرض التي أصابتها نجاسة فزال أثرها بالشمس أوالريح","level":4,"page":474},{"title":"المطلب الثالث التيمم بتراب المقبرة","level":4,"page":481},{"title":"المبحث السابع حكم التيمم بالتراب المستعمل","level":3,"page":483},{"title":"المبحث الثامن حكم التيمم بالتراب المغصوب","level":3,"page":485},{"title":"الباب الرابع فروض التيمم","level":1,"page":489},{"title":"الفرض الأول مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب","level":2,"page":490},{"title":"المبحث الأول تحديد أعضاء التيمم","level":3,"page":491},{"title":"المبحث الثاني تحديد مسح اليدين","level":3,"page":493},{"title":"المبحث الثالث تحديد القدر الواجب من الضرب في التيمم","level":3,"page":507},{"title":"المبحث الرابع حكم استيعاب المسح للوجه واليدين","level":3,"page":516},{"title":"المبحث الخامس حكم إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف","level":3,"page":520},{"title":"المبحث السادس صفة مسح الوجه واليدين","level":3,"page":522},{"title":"المبحث السابع حكم التيمم من غير ضرب","level":3,"page":526},{"title":"المطلب الأول حكم ضرب الأرض باليد","level":4,"page":527},{"title":"المطلب الثاني حكم من وصل التراب إلى وجهه ويديه من غير ضرب","level":4,"page":532},{"title":"المطلب الثالث حكم التمعك في التراب بنية التيمم","level":4,"page":535},{"title":"المبحث الثامن حكم تيمم مقطوع اليد أو بعضها","level":3,"page":537},{"title":"المبحث التاسع حكم مسح الوجه بيد واحدة أو ببعض أصابعه","level":3,"page":539},{"title":"الفرض الثاني الترتيب","level":2,"page":541},{"title":"الفرض الثالث الموالاة","level":3,"page":547},{"title":"المبحث الأول حكم الموالاة بين أعضاء التيمم","level":4,"page":549},{"title":"المبحث الثاني حكم الموالاة بين التيمم والصلاة","level":4,"page":552},{"title":"الباب الخامس سنن التيمم ومكروهاته","level":1,"page":555},{"title":"الفصل الأول سنن التيمم","level":2,"page":556},{"title":"المبحث الأول التسمية","level":3,"page":557},{"title":"المبحث الثاني تقديم اليد اليمنى على اليسرى","level":3,"page":561},{"title":"المبحث الثالث استقبال القبلة","level":3,"page":563},{"title":"المبحث الرابع تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ","level":3,"page":564},{"title":"المبحث الخامس تفريج الأصابع","level":3,"page":567},{"title":"المبحث السادس تخليل الأصابع","level":3,"page":570},{"title":"المبحث السابع سنن أخرى تستحب في التيمم","level":3,"page":573},{"title":"الفصل الثاني مكروهات التيمم","level":2,"page":574},{"title":"المبحث الأول تجديد التيمم","level":3,"page":575},{"title":"المبحث الثاني تكرار المسح","level":3,"page":577},{"title":"الباب السادس مبطلات التيمم وفاقد الطهورين","level":1,"page":580},{"title":"الفصل الأول مبطلات التيمم","level":2,"page":581},{"title":"المبحث الأول مبطلات الوضوء","level":3,"page":582},{"title":"المبحث الثاني وجود الماء","level":3,"page":585},{"title":"المطلب الأول وجود الماء قبل الصلاة","level":4,"page":586},{"title":"المطلب الثاني وجود الماء أثناء الصلاة","level":4,"page":588},{"title":"المطلب الثالث وجود الماء بعد الصلاة","level":4,"page":594},{"title":"المبحث الثالث خروج وقت الصلاة","level":3,"page":597},{"title":"المبحث الرابع زوال العذر المبيح للتيمم","level":3,"page":599},{"title":"المبحث الخامس الردة عن الإسلام","level":3,"page":600},{"title":"المبحث السادس الفصل الطويل بين التيمم والصلاة","level":3,"page":604},{"title":"المبحث السابع خلع ما يجوز المسح عليه","level":3,"page":605},{"title":"الفصل الثاني فاقد الطهورين","level":2,"page":608},{"title":"المبحث الأول حكم صلاة فاقد الطهورين","level":3,"page":610},{"title":"المبحث الثاني صفة صلاة فاقد الطهورين","level":3,"page":621},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":624},{"title":"فهرس المصادر","level":1,"page":628},{"title":"أولا: كتب التفسير","level":2,"page":628},{"title":"ثانيا: كتب الحديث وعلومه","level":2,"page":629},{"title":"ثالثا: كتب أصول الفقه","level":2,"page":637},{"title":"رابعا: كتب الفقه","level":2,"page":640},{"title":"أـ كتب الفقه الحنفي","level":3,"page":640},{"title":"ب - كتب الفقه المالكي","level":3,"page":643},{"title":"جـ - كتب الفقه الشافعي","level":3,"page":647},{"title":"د - كتب الفقه الحنبلي","level":3,"page":650},{"title":"هـ - كتب الفقه الظاهري","level":3,"page":655},{"title":"خامسا: كتب اللغة والمعاجم والمصطلحات","level":2,"page":655},{"title":"سادسا: كتب التاريخ والتراجم","level":2,"page":657},{"title":"سابعا: كتب ورسائل متنوعة","level":2,"page":661}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,31":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,55":51,"1,57":52,"1,59":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,125":115,"1,126":116,"1,127":117,"1,128":118,"1,129":119,"1,130":120,"1,131":121,"1,132":122,"1,133":123,"1,134":124,"1,135":125,"1,136":126,"1,137":127,"1,138":128,"1,139":129,"1,140":130,"1,141":131,"1,142":132,"1,143":133,"1,144":134,"1,145":135,"1,147":136,"1,149":137,"1,150":138,"1,151":139,"1,152":140,"1,153":141,"1,154":142,"1,155":143,"1,156":144,"1,157":145,"1,158":146,"1,159":147,"1,161":148,"1,163":149,"1,164":150,"1,165":151,"1,166":152,"1,167":153,"1,168":154,"1,169":155,"1,170":156,"1,171":157,"1,172":158,"1,173":159,"1,174":160,"1,175":161,"1,176":162,"1,177":163,"1,178":164,"1,179":165,"1,180":166,"1,181":167,"1,182":168,"1,183":169,"1,184":170,"1,185":171,"1,186":172,"1,187":173,"1,188":174,"1,189":175,"1,191":176,"1,192":177,"1,193":178,"1,194":179,"1,195":180,"1,196":181,"1,197":182,"1,198":183,"1,199":184,"1,200":185,"1,201":186,"1,202":187,"1,203":188,"1,204":189,"1,205":190,"1,206":191,"1,207":192,"1,208":193,"1,209":194,"1,210":195,"1,211":196,"1,212":197,"1,213":198,"1,214":199,"1,215":200,"1,216":201,"1,217":202,"1,218":203,"1,219":204,"1,221":205,"1,222":206,"1,223":207,"1,224":208,"1,225":209,"1,227":210,"1,228":211,"1,229":212,"1,230":213,"1,231":214,"1,232":215,"1,233":216,"1,234":217,"1,235":218,"1,236":219,"1,237":220,"1,238":221,"1,239":222,"1,240":223,"1,241":224,"1,242":225,"1,243":226,"1,244":227,"1,245":228,"1,246":229,"1,247":230,"1,248":231,"1,249":232,"1,250":233,"1,251":234,"1,252":235,"1,253":236,"1,254":237,"1,255":238,"1,256":239,"1,257":240,"1,259":241,"1,261":242,"1,263":243,"1,265":244,"1,266":245,"1,267":246,"1,268":247,"1,269":248,"1,270":249,"1,271":250,"1,272":251,"1,273":252,"1,274":253,"1,275":254,"1,277":255,"1,278":256,"1,279":257,"1,280":258,"1,281":259,"1,282":260,"1,283":261,"1,284":262,"1,285":263,"1,286":264,"1,287":265,"1,288":266,"1,289":267,"1,291":268,"1,293":269,"1,294":270,"1,295":271,"1,296":272,"1,297":273,"1,298":274,"1,299":275,"1,300":276,"1,301":277,"1,302":278,"1,303":279,"1,304":280,"1,305":281,"1,306":282,"1,307":283,"1,308":284,"1,309":285,"1,310":286,"1,311":287,"1,312":288,"1,313":289,"1,314":290,"1,315":291,"1,316":292,"1,317":293,"1,318":294,"1,319":295,"1,320":296,"1,321":297,"1,322":298,"1,323":299,"1,324":300,"1,325":301,"1,326":302,"1,327":303,"1,328":304,"1,329":305,"1,330":306,"1,331":307,"1,332":308,"1,333":309,"1,334":310,"1,335":311,"1,336":312,"1,337":313,"1,338":314,"1,339":315,"1,340":316,"1,341":317,"1,343":318,"1,345":319,"1,346":320,"1,347":321,"1,348":322,"1,349":323,"1,350":324,"1,351":325,"1,352":326,"1,353":327,"1,355":328,"1,357":329,"1,358":330,"1,359":331,"1,360":332,"1,361":333,"1,362":334,"1,363":335,"1,364":336,"1,365":337,"1,366":338,"1,367":339,"1,368":340,"1,369":341,"1,370":342,"1,371":343,"1,373":344,"1,375":345,"1,376":346,"1,377":347,"1,378":348,"1,379":349,"1,380":350,"1,381":351,"1,382":352,"1,383":353,"1,384":354,"1,385":355,"1,386":356,"1,387":357,"1,388":358,"1,389":359,"1,390":360,"1,391":361,"1,393":362,"1,395":363,"1,397":364,"1,398":365,"1,399":366,"1,400":367,"1,401":368,"1,402":369,"1,403":370,"1,404":371,"1,405":372,"1,406":373,"1,407":374,"1,409":375,"1,410":376,"1,411":377,"1,412":378,"1,413":379,"1,414":380,"1,415":381,"1,416":382,"1,417":383,"1,418":384,"1,419":385,"1,420":386,"1,421":387,"1,422":388,"1,423":389,"1,424":390,"1,425":391,"1,426":392,"1,427":393,"1,428":394,"1,429":395,"1,430":396,"1,431":397,"1,432":398,"1,433":399,"1,434":400,"1,435":401,"1,436":402,"1,437":403,"1,438":404,"1,439":405,"1,440":406,"1,441":407,"1,443":408,"1,445":409,"1,446":410,"1,447":411,"1,448":412,"1,449":413,"1,450":414,"1,451":415,"1,452":416,"1,453":417,"1,454":418,"1,455":419,"1,456":420,"1,457":421,"1,458":422,"1,459":423,"1,460":424,"1,461":425,"1,462":426,"1,463":427,"1,464":428,"1,465":429,"1,467":430,"1,469":431,"1,471":432,"1,472":433,"1,473":434,"1,474":435,"1,475":436,"1,476":437,"1,477":438,"1,478":439,"1,479":440,"1,480":441,"1,481":442,"1,482":443,"1,483":444,"1,484":445,"1,485":446,"1,486":447,"1,487":448,"1,488":449,"1,489":450,"1,490":451,"1,491":452,"1,492":453,"1,493":454,"1,494":455,"1,495":456,"1,496":457,"1,497":458,"1,498":459,"1,499":460,"1,500":461,"1,501":462,"1,502":463,"1,503":464,"1,504":465,"1,505":466,"1,506":467,"1,507":468,"1,508":469,"1,509":470,"1,511":471,"1,513":472,"1,514":473,"1,515":474,"1,516":475,"1,517":476,"1,518":477,"1,519":478,"1,520":479,"1,521":480,"1,522":481,"1,523":482,"1,524":483,"1,525":484,"1,526":485,"1,527":486,"1,528":487,"1,529":488,"1,531":489,"1,533":490,"1,535":491,"1,536":492,"1,537":493,"1,538":494,"1,539":495,"1,540":496,"1,541":497,"1,542":498,"1,543":499,"1,544":500,"1,545":501,"1,546":502,"1,547":503,"1,548":504,"1,549":505,"1,550":506,"1,551":507,"1,552":508,"1,553":509,"1,554":510,"1,555":511,"1,556":512,"1,557":513,"1,558":514,"1,559":515,"1,560":516,"1,561":517,"1,562":518,"1,563":519,"1,564":520,"1,565":521,"1,566":522,"1,567":523,"1,568":524,"1,569":525,"1,571":526,"1,572":527,"1,573":528,"1,574":529,"1,575":530,"1,576":531,"1,577":532,"1,578":533,"1,579":534,"1,580":535,"1,581":536,"1,582":537,"1,583":538,"1,584":539,"1,585":540,"1,586":541,"1,587":542,"1,588":543,"1,589":544,"1,590":545,"1,591":546,"1,593":547,"1,595":548,"1,596":549,"1,597":550,"1,598":551,"1,599":552,"1,600":553,"1,601":554,"1,603":555,"1,605":556,"1,607":557,"1,608":558,"1,609":559,"1,610":560,"1,611":561,"1,612":562,"1,613":563,"1,614":564,"1,615":565,"1,616":566,"1,617":567,"1,618":568,"1,619":569,"1,620":570,"1,621":571,"1,622":572,"1,623":573,"1,625":574,"1,627":575,"1,628":576,"1,629":577,"1,630":578,"1,631":579,"1,633":580,"1,635":581,"1,637":582,"1,638":583,"1,639":584,"1,641":585,"1,643":586,"1,644":587,"1,645":588,"1,646":589,"1,647":590,"1,648":591,"1,649":592,"1,650":593,"1,651":594,"1,652":595,"1,653":596,"1,654":597,"1,655":598,"1,656":599,"1,657":600,"1,658":601,"1,659":602,"1,660":603,"1,661":604,"1,662":605,"1,663":606,"1,664":607,"1,665":608,"1,667":609,"1,668":610,"1,669":611,"1,670":612,"1,671":613,"1,672":614,"1,673":615,"1,674":616,"1,675":617,"1,676":618,"1,677":619,"1,678":620,"1,679":621,"1,680":622,"1,681":623,"1,682":624,"1,683":625,"1,684":626,"1,685":627,"1,707":628,"1,708":629,"1,709":630,"1,710":631,"1,711":632,"1,712":633,"1,713":634,"1,714":635,"1,715":636,"1,716":637,"1,717":638,"1,718":639,"1,719":640,"1,720":641,"1,721":642,"1,722":643,"1,723":644,"1,724":645,"1,725":646,"1,726":647,"1,727":648,"1,728":649,"1,729":650,"1,730":651,"1,731":652,"1,732":653,"1,733":654,"1,734":655,"1,735":656,"1,736":657,"1,737":658,"1,738":659,"1,739":660,"1,740":661,"1,741":662,"1,742":663,"1,743":664},"ٜ":{"1":[1,743]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,31","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,55","1,57","1,59","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,147","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,161","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,259","1,261","1,263","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,291","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,343","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,355","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,373","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,393","1,395","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,443","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,467","1,469","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,511","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,531","1,533","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,593","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,603","1,605","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,625","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,633","1,635","1,637","1,638","1,639","1,641","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"7":[3],"8":[4],"9":[5],"19":[6],"23":[7],"24":[8,9],"25":[10],"29":[11],"30":[12,13],"31":[14],"34":[15],"37":[16],"42":[17],"47":[18],"51":[19],"52":[20],"53":[21],"54":[22,23,24],"55":[25,26],"56":[27,28],"57":[29,30,31],"59":[32,33],"60":[34,35,36],"61":[37],"64":[38],"66":[39,40],"67":[41,42],"69":[43],"71":[44],"72":[45],"74":[46],"75":[47,48,49],"81":[50],"84":[51],"87":[52],"88":[53],"91":[54],"93":[55],"94":[56],"106":[57],"108":[58],"110":[59],"113":[60],"114":[61],"115":[62],"132":[63],"134":[64],"136":[65],"139":[66],"142":[67,68],"145":[69],"147":[70],"148":[71],"149":[72,73,74],"150":[75],"151":[76],"154":[77],"167":[78],"169":[79],"172":[80],"175":[81],"176":[82],"184":[83],"192":[84],"200":[85],"204":[86],"205":[87],"209":[88],"210":[89],"215":[90],"220":[91],"229":[92],"239":[93],"241":[94],"242":[95],"243":[96],"244":[97,98,99],"246":[100,101,102],"247":[103],"254":[104],"256":[105],"268":[106],"270":[107,108],"280":[109],"282":[110],"297":[111],"303":[112],"311":[113],"315":[114],"318":[115],"319":[116],"321":[117],"327":[118],"328":[119],"329":[120],"334":[121,122],"336":[123],"338":[124],"343":[125],"344":[126],"345":[127],"348":[128],"351":[129],"361":[130],"362":[131],"363":[132],"364":[133],"368":[134],"369":[135],"370":[136],"372":[137],"374":[138],"375":[139,140],"387":[141],"390":[142,143],"394":[144],"396":[145],"399":[146],"402":[147],"406":[148],"408":[149],"409":[150],"412":[151],"417":[152,153],"419":[154],"421":[155],"423":[156],"425":[157],"426":[158],"427":[159],"429":[160],"430":[161],"431":[162],"432":[163],"453":[164],"462":[165],"464":[166],"467":[167],"469":[168],"471":[169],"472":[170],"474":[171],"481":[172],"483":[173],"485":[174],"489":[175],"490":[176],"491":[177],"493":[178],"507":[179],"516":[180],"520":[181],"522":[182],"526":[183],"527":[184],"532":[185],"535":[186],"537":[187],"539":[188],"541":[189],"547":[190],"549":[191],"552":[192],"555":[193],"556":[194],"557":[195],"561":[196],"563":[197],"564":[198],"567":[199],"570":[200],"573":[201],"574":[202],"575":[203],"577":[204],"580":[205],"581":[206],"582":[207],"585":[208],"586":[209],"588":[210],"594":[211],"597":[212],"599":[213],"600":[214],"604":[215],"605":[216],"608":[217],"610":[218],"621":[219],"624":[220],"628":[221,222],"629":[223],"637":[224],"640":[225,226],"643":[227],"647":[228],"650":[229],"655":[230,231],"657":[232],"661":[233]},"ٟ":[1,2,3,4,628,629,630,631,632,633,634,635,636,637,638,639,640,641,642,643,644,645,646,647,648,649,650,651,652,653,654,655,656,657,658,659,660,661,662,663,664]},"pages":[{"text":"رسالة ماجستير\nأحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة\nإعداد رائد بن حمدان بن حميد الحازمي\nتقديم فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن سليمان المنيع\nدار الصميعي للنشر والتوزيع","vol":"1","page":1},{"text":"ح دار الصميعي للنشر والتوزيع ١٤٣٠ هـ\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثنناء النشر\nالحازمي، رائد حمدان\nأحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة/ رائد حمدان الحازمي - الرياض، ١٤٣٠ هـ\n٧٥٤ ص ١٧ × ٢٤ سم\nردمك: ٦ - ٠٢ - ٨٠٥٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨\n١ - التيمم ٢ - الطهارة أ. العنوان\nديوي: ١٦، ٢٥٢ ... ٣٧١٥/ ١٤٣٠\nرقم الإيداع: ٣٧١٥/ ١٤٣٠\nردمك: ٦ - ٠٢ - ٨٠٥٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨\nدار الصميعي للنشر والتوزيع/ المملكة العربية السعودية\nالرياض ص. ب: ٤٩٦٧\nالرمز البريدي ١١٤١٢\nالمركز الرئيسي: الرياض. السويدي - شارع السويدي العام\nهاتف: ٤٢٦٢٩٤٥ - ٤٢٥١٤٥٩،\nفاكس: ٤٢٤٥٣٤١\nفرع القصيم: عنيزة - بجوار مؤسسة الشيخ محمد بن عثيمين الخيرية\nهاتف. ٣٦٣١٧٢٨ تلفاكس: ٣٦٢٤٤٢٨\nالموزع في المنطقة الغربية والجنوبية / جوال ٠٥٠٩٧٧١٥٦٨\nمدير التسويق ٠٥٥٥١٦٩٠٥١\nالبريد الالكتروني:\ndaralsomaie@hotmail.com\n\nجميع الحقوق محفوظة\nالطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ / ٢٠١١ م\nالصف والإخراج الفني\nبدار الصميعي\nأصل هذا الكتاب رسالة علمية مقدمة إلى مركز الدراسات الإسلامية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة؛ لنيل درجة الماجستير.\nوقد نال بها المؤلف درجة الامتياز ٩٧ درجة مع مرتبة الشرف الأولى، إثر مناقشة علمية تمت بتاريخ ٦/ ٦/ ١٤٢٩ هـ.","vol":"1","page":2},{"text":"مقدمة صاحب المعالي فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن سليمان المنيع -حفظه الله ورعاه- عضو هيئة كبار العلماء\nالحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله الأمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:\nفلقد مَنَّ الله عليّ بالإطلاع على الكتاب القيم -أحكام التيمم دراسة فقهية مقارنة- وهو بحث مقدم من الطالب رائد بن حمدان الحازمي للحصول به على درجة الماجستير.\nقرأت البحث فأكبرت فيه أن يكون بحثا لنيل الماجستير فهو بحث علمي فقهي مؤصل تأصيل فقيه متميز وعالم له هواجسه العلمية المبنية على التمكن من إدراك المقاصد الشرعية في القواعد والأصول. يتضح ذلك من عرضه المسائل في المباحث والمطالب أمانته في نقل الخلاف في المسألة وقدرته على مناقشته الأقوال فيها ثم الاختيار.\nفهو بحث تعجز الكثير من بحوث درجات الدكتوراه أن تأتي بمثله.\nوحينما قدمه لي صاحبه الأستاذ/ رائد وهو يحتوي على قرابة ستمائة صفحة استكثرت واستغربت أن يكون للتيمم هذه الكثرة الكاثرة من الأحكام وحينما انتهيت من قراءته وقد استفدت منه كثيرًا رددت قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.","vol":"1","page":3},{"text":"والواقع أن البحث ليس في حاجة إلى تزكيتي فقد صدرت تزكية البحث من اللجنة المشكلة لمناقشته والوصية بطبعه فهنيئًا لجامعة أم القرى أن يكونهذا البحث من بحوث طلابها وهنيئًا لمعده أن يكون في عداد أهل العلم وفي عداد المحققين منهم\nوالله المستعان وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\nأعد هذا التقديم/\nعبد الله سليمان المنيع\n٢٧/ ٥/ ١٤٣٠ هـ\nعضو هيئة كبار العلماء","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي شرَّف العلماء، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وفضل الفقهاء، فقال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وخصَّ المستنبطين منهم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الدائمان على سيدنا ونبينا محمد إمام المتقين، المبعوث رحمة للعالمين، وخاتمًا للأنبياء والمرسلين، القائل: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» (^١)، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله تعالى عن صحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان وسار على هديهم وسنَنَهم إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن الشريعة الإسلامية تمتاز باليسر والسماحة ورفع الحرج عن الناس، حيث راعت أحوال الناس، ولم تغفل أي جانب من جوانب حياتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال - ﷺ -: «إن هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين [صحيح البخاري (١/ ٣٩) حديث (٧١)، ط: دار ابن كثير ١٤٠٧ هـ]، ومسلم في كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة [صحيح مسلم (٢/ ٧١٨، ٧١٩) حديث (١٠٣٧)، ط: دار إحياء التراث العربي].","vol":"1","page":5},{"text":"الدين يُسر، ولن يُشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا» (^١)، وقال - ﷺ -: «إنما بعثتم مبشِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين» (^٢)، فالتيسير مطلب أساسي ومبدأ رئيسي في الفقه الإسلامي، والشارع الحكيم يراعيه ويعتني به في جميع أحكامه، فلا يمكن أن يضع المكلف في حرج ومشقة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nومن مظاهر التيسير في الفقه الإسلامي مشروعية التيمم، حيث إن المسلم مطالب في الأصل بالطهارة بالماء من الحدث الأصغر والأكبر، فإذا تعذر التطهر به حقيقة أو حكمًا، وجب التطهر بالتراب الطهور، وفي هذا تكريم لأمة الإسلام، إذ لم تكرم أمة به غير هذه الأمة.\nولما كان التيمم من خصائص هذه الأمة، وأحد مظاهر التخفيف ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية، أحببت أن أتقدم فيه ببحث يتضمن ما يتعلق به من المسائل والأحكام في رسالة علمية بعنوان: (أحكام التيمم، دراسة فقهية مقارنة)، إكمالًا لنيل درجة الماجستير، راجيًا من الله ﷾ أن أكون بدراسته قد قدمت مفيدًا، وأضفت جديدًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر [صحيح البخاري (١/ ٢٣) حديث (٣٩)].\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد [صحيح البخاري (١/ ٨٩) حديث (٢١٧)].","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أـ أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\n١ - كون التيمم مرتبط بشعيرة عظيمة من أركان الإسلام، وهي: الصلاة عمود الدين، فاستحق أن يُهتَم به ويُعْتَنى بأحكامه.\n٢ - كون التيمم من خصائص أمة محمد - ﷺ -.\n٣ - بيان عظمة الشريعة الإسلامية، ومدى مراعاتها لأحوال الناس حيث أباحث لهم التيمم عند وجود أي سبب من الأسباب الموجبة للتيمم، وفي هذا دليل واضح على سمو الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.\n٤ - حاجة المسلمين لمعرفة الأحكام الفقهية المتعلقة بهذا الموضوع، المبني على أساس من كتاب الله، وصحيح السنة؛ ليعبد الإنسان ربه على بصيرة.\n٥ - الحاجة لجمع أحكام التيمم في مصنف يجمع مباحثه ومسائله، لاسيما وأن الناس قد يتضررون باستعمال الماء، إما لمرض، أو لشدة برد ولا يجد ما يسخِّن به الماء، أو لعدم وجوده، أو ما أشبه ذلك، فاستحق بذلك أن يجمع شتات مسائله، ودراستها دراسة فقهية متكاملة ليسهل الرجوع إليه، والاستفادة منه.\n٦ - الحاجة الماسة إلى صياغة مسائل هذا الموضوع بلسان العصر، وبيان الراجح في تلك المسائل، بأسلوب سهل وميسر، وخاصة أن الأسلوب الفقهي في تلك المراجع الفقهية الثمينة قد لا يستطيع استيعابه كثير من الناس لاسيما غير المتخصصين.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ب - الدراسات السابقة:</span>\nبعد البحث والمتابعة ومن خلال مراسلتي لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض وبعض الجامعات، اتضح لي أنه لا توجد رسالة جامعية في هذا الموضوع، كما لم أطلع على من بحث في هذا الموضوع بحثًا فقهيًا مقارنًا بصورة متكاملة، وإنما وجدت كتابًا لأحد المعاصرين قد كتب في هذا الموضوع، وهو للدكتور: مساعد بن قاسم الفالح، بعنوان [التيمم أحكامه ومسائله]، وهو كتاب جيد، ويقع في (١٤٣) ورقة من الحجم العاديِّ، ولكن يلاحظ على هذا الكتاب ما يلي:\n١ - عدم بحث موضوع التيمم من جميع جوانبه، بل ترك الباحث كثيرًا من المسائل الفقهية التي بحثها الفقهاء، وقد أحصيت نحوًا من مائة مسألة قد ذكرتها في رسالتي، ولم يتناولها في كتابه.\n٢ - يقتصر الباحث في كثير من مسائل بحثه على المذهب الحنبلي فقط، دون ذكر المذاهب الأخرى.\n٣ - عدم ذكر أدلة الأقوال كاملة، بل يقتصر على بعض الأدلة، وفي بعض المسائل لا يذكر الأدلة أصلًا.\n٤ - الاقتصار في مناقشة الأدلة على ما أورده بعض الحنابلة في كتبهم، ونادرًا ما يذكر المناقشة من كتب المذاهب الأخرى.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ج - خطة البحث:</span>\nقسمت البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وسبعة أبواب، وخاتمة.\nالمقدمة: وتشتمل على ما يلي:\nأـ أهمية الموضوع وأسباب اختياره.\nب - الدراسات السابقة.\nج - خطة البحث.\nد - منهج البحث.\nالتمهيد: في التيمم [التعريف، والمشروعية، والاختصاص]، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التيمم في اللغة والاصطلاح.\nالمبحث الثاني: مشروعية التيمم، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أدلة مشروعية التيمم.\nالمطلب الثاني: سبب مشروعية التيمم.\nالمطلب الثالث: الحكمة من مشروعية التيمم.\nالمبحث الثالث: اختصاص الأمة بالتيمم.\nالباب الأول: الأسباب الموجبة للتيمم، وفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: فقد الماء، وفيه خمسة مباحث:","vol":"1","page":9},{"text":"المبحث الأول: طلب الماء قبل التيمم، وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم الطلب.\nالمطلب الثاني: وقت الطلب.\nالمطلب الثالث: مسافة الطلب.\nالمطلب الرابع: صفة الطلب.\nالمطلب الخامس: تكرار الطلب.\nالمبحث الثاني: شراء الماء، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم شراء الماء لمن فقده.\nالمطلب الثاني: حكم الاقتراض لشراء الماء.\nالمطلب الثالث: شراء الماء في الذمة.\nالمطلب الرابع: حكم قبول الماء الموهوب.\nالمبحث الثالث: نسيان الماء، وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: التيمم لمن نسي الماء بعد أن علم به.\nالمطلب الثاني: التيمم لمن ضل عن مكانه الذي فيه الماء.\nالمطلب الثالث: إذا قام وصلى ثم بان أنه بقربه بئر أو ماء.\nالمطلب الرابع: إذا وُضع الماء في رحله ولم يعلم به.\nالمطلب الخامس: التيمم لمن ظن أن الماء قد نفذ.","vol":"1","page":10},{"text":"المبحث الرابع: التيمم لمن وجد ماء لا يكفي للطهارة، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه.\nالمطلب الثاني: كيفية استعمال الماء الذي لا يكفي للطهارة.\nالمطلب الثالث: إذا كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط.\nالمبحث الخامس: التيمم لمن أراق الماء أو باعه أو وهبه ولم يترك ما يتطهر به، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم إراقة الماء بعد دخول الوقت.\nالمطلب الثاني: التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت.\nالفصل الثاني: عدم القدرة على استعمال الماء، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تيمم المريض، وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تيمم المريض العادم للماء.\nالمطلب الثاني: حكم تيمم المريض الواجد للماء.\nالمطلب الثالث: ضابط الخوف المبيح للتيمم.\nالمطلب الرابع: حكم تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء.\nالمطلب الخامس: من يعتمد قوله في تقدير المرض.\nالمبحث الثاني: تيمم الجريح، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: طهارة من كان بعض بدنه جريحًا وبعضه صحيحًا.\nالمطلب الثاني: كيفية الجمع بين التيمم والغسل لمن كان بعض بدنه جريحًا.","vol":"1","page":11},{"text":"المطلب الثالث: حكم تيمم من وضع على الجرح أو الكسر جبيرة أو لصوقًا.\nالمبحث الثالث: عدم القدرة على استعمال الماء.\nالفصل الثالث: الخوف من استعمال الماء، وفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تيمم الصحيح الخائف من العطش.\nالمبحث الثاني: تيمم الصحيح الخائف من البرد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تيمم الصحيح الخائف من البرد.\nالمطلب الثاني: حكم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم لخوف البرد.\nالمبحث الثالث: التيمم لمن خاف فوات الوقت للصلوات المكتوبة.\nالمبحث الرابع: التيمم لمن خاف فوات صلاة العيدين والجنازة ونحوهما.\nالمبحث الخامس: التيمم لمن خاف فوات الجمعة.\nالباب الثاني: في أحكام التيمم، وفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: حكم التيمم بين الرخصة والعزيمة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريف الرخصة والعزيمة في اللغة والاصطلاح.\nالمبحث الثاني: حكم التيمم بين الرخصة والعزيمة.\nالفصل الثاني: بدلية التيمم عن الماء، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: نوع بدلية التيمم.\nالمبحث الثاني: ما يترتب على الخلاف في نوع بدلية التيمم، وفيه خمسة مطالب:","vol":"1","page":12},{"text":"المطلب الأول: وقت التيمم.\nالمطلب الثاني: حكم الوطء لعادم الماء.\nالمطلب الثالث: حكم إمامة المتيمم للمتوضئ.\nالمطلب الرابع: حكم المسح على الخفين لمن لبسه على طهارة التيمم.\nالمطلب الخامس: حكم التيمم إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة.\nالفصل الثالث: حكم التيمم للطهارة عن الحدث، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم التيمم عن الحدث الأكبر.\nالمبحث الثاني: حكم التيمم عن الحدث الأصغر.\nالفصل الرابع: حكم التيمم للنجاسة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم التيمم للنجاسة في الثوب والبدن، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم التيمم للنجاسة في الثوب والبدن.\nالمطلب الثاني: ما يترتب على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن.\nالمبحث الثاني: حكم من اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ماء يكفي أحدهما.\nالفصل الخامس: التيمم في السفر والحضر، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: التيمم في السفر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم التيمم في السفر.\nالمطلب الثاني: تيمم العاصي بسفره.","vol":"1","page":13},{"text":"المبحث الثاني: حكم التيمم في الحضر.\nالباب الثالث: شروط التيمم، وفيه ثمانية شروط:\nالشرط الأول: النية، وفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: حكم النية في التيمم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم اشتراط النية في التيمم.\nالمطلب الثاني: حكم التيمم بنية تعليم الغير.\nالمبحث الثاني: التيمم بنية رفع الحدث.\nالمبحث الثالث: ما ينويه بالتيمم.\nالمبحث الرابع: إذا نوى بتيممه فرض التيمم.\nالمبحث الخامس: ما يستباح بالتيمم، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: ما يباح له بتيممه إذا نوى به الفريضة.\nالمطلب الثاني: ما يباح له بتيممه إذا نوى به نافلة أو صلاة مطلقة.\nالمطلب الثالث: مراتب النية.\nالمبحث السادس: حكم الجمع بين الصلاتين للمتيمم.\nالمبحث السابع: حكم اشتراط النية في الحدث الأصغر أو الأكبر، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم تعيين نية ما يتيمم فيه من حدث أصغر أو أكبر.","vol":"1","page":14},{"text":"المطلب الثاني: اجتماع الأحداث وأثره في تداخلها عند النسيان.\nالمطلب الثالث: إذا نوى الحدثين بتيمم واحد.\nالشرط الثاني: الإسلام.\nالشرط الثالث: التكليف.\nالشرط الرابع: انقطاع دم الحيض والنفاس.\nالشرط الخامس: إزالة ما يمنع مسح أعضاء التيمم.\nالشرط السادس: طلب الماء وإعوازه بعد الطلب.\nالشرط السابع: دخول الوقت.\nالشرط الثامن: التيمم بالصعيد، وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: حكم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: التيمم بغير التراب.\nالمطلب الثاني: حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم.\nالمطلب الثالث: حكم التيمم بغبار اللبد ونحوه.\nالمبحث الثاني: التيمم على الخشب والزرع والحشيش.\nالمبحث الثالث: التيمم على الثلج.\nالمبحث الرابع: التيمم بالتراب المختلط بغيره.\nالمبحث الخامس: حكم التيمم بالطين المحترق.","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث السادس: التيمم بالأرض النجسة، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم التيمم بالأرض النجسة.\nالمطلب الثاني: حكم التيمم بالأرض التي أصابتها نجاسة فزال أثرها بالشمس أو الريح.\nالمطلب الثالث: التيمم بتراب المقبرة.\nالمبحث السابع: حكم التيمم بالتراب المستعمل.\nالمبحث الثامن: حكم التيمم بالتراب المغصوب.\nالباب الرابع: فروض التيمم، وفيه ثلاثة فروض:\nالفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب، وفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: تحديد أعضاء التيمم.\nالمبحث الثاني: تحديد مسح اليدين.\nالمبحث الثالث: تحديد القدر الواجب من الضرب في التيمم.\nالمبحث الرابع: حكم استيعاب المسح للوجه واليدين.\nالمبحث الخامس: حكم إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف.\nالمبحث السادس: صفة مسح الوجه واليدين.\nالمبحث السابع: حكم التيمم من غير ضرب، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم ضرب الأرض باليد.","vol":"1","page":16},{"text":"المطلب الثاني: حكم من وصل التراب إلى وجهه ويديه من غير ضرب.\nالمطلب الثالث: حكم التمعك في التراب بنية التيمم.\nالمبحث الثامن: حكم تيمم مقطوع اليد أو بعضها.\nالمبحث التاسع: حكم مسح الوجه بيد واحدة أو ببعض أصابعه.\nالفرض الثاني: الترتيب.\nالفرض الثالث: الموالاة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم الموالاة بين أعضاء التيمم.\nالمبحث الثاني: حكم الموالاة بين التيمم والصلاة.\nالباب الخامس: سنن التيمم ومكروهاته، وفيه فصلان:\nالفصل الأول: سنن التيمم، وفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: التسمية.\nالمبحث الثاني: تقديم اليد اليمنى على اليسرى.\nالمبحث الثالث: استقبال القبلة.\nالمبحث الرابع: تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ.\nالمبحث الخامس: تفريج الأصابع.\nالمبحث السادس: تخليل الأصابع.\nالمبحث السابع: سنن أخرى تستحب في التيمم.","vol":"1","page":17},{"text":"الفصل الثاني: مكروهات التيمم، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تجديد التيمم.\nالمبحث الثاني: تكرار المسح.\nالباب السابع: مبطلات التيمم وفاقد الطهورين، وفيه فصلان:\nالفصل الأول: مبطلات التيمم، وفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: مبطلات الوضوء.\nالمبحث الثاني: وجود الماء، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: وجود الماء قبل الصلاة.\nالمطلب الثاني: وجود الماء أثناء الصلاة.\nالمطلب الثالث: وجود الماء بعد الصلاة.\nالمبحث الثالث: خروج وقت الصلاة.\nالمبحث الرابع: زوال العذر المبيح للتيمم.\nالمبحث الخامس: الردة عن الإسلام.\nالمبحث السادس: الفصل الطويل بين التيمم والصلاة.\nالمبحث السابع: خلع ما يجوز المسح عليه.\nالفصل الثاني: فاقد الطهورين، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم صلاة فاقد الطهورين.","vol":"1","page":18},{"text":"المبحث الثاني: صفة صلاة فاقد الطهورين.\nالخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث.\nالفهارس: وتشتمل على ما يلي:\n١ - فهرس الآيات القرآنية.\n٢ - فهرس الأحاديث النبوية.\n٣ - فهرس الآثار.\n٤ - فهرس الأعلام المترجم لهم.\n٥ - فهرس الأماكن والبلدان.\n٦ - فهرس الكلمات الغريبة.\n٧ - فهرس الأبيات الشعرية.\n٨ - فهرس المصادر.\n٩ - فهرس الموضوعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>د - منهج البحث:</span>\nسلكت في إعداد هذا البحث منهجًا ملخصه في النقاط التالية:\n١ - إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق ذكرت حكمها مقترنًا بالدليل والتعليل مع التوثيق من المصادر المعتبرة.\n٢ - إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف، فإني سلكت فيها الطرق التالية:","vol":"1","page":19},{"text":"أـ تحرير محل النزاع إذا كانت بعض صور المسألة محل خلاف، وبعضها محل اتفاق.\nب - ذكر سبب الخلاف إن أمكن.\nج - ذكر الأقوال في المسألة، مقتصرًا على أقوال المذاهب الأربعة التي يسندها الدليل، وأما الأقوال الشاذة فإني لا أذكرها ولكن أشير إليها أحيانًا في الهامش.\nد - توثيق كل قول من كتب المذهب نفسه.\nهـ - استقصاء أدلة كل قول من خلال ما ذكره أصحابه من الكتاب ثم السنة ثم الأثر ثم المعقول، مع بيان وجه الدلالة، وذكر ما ورد عليها من المناقشة، وما أجيب به عنها - إن عثرت على مناقشة - وإن لم أعثر على مناقشة حاولت توجيه الدليل، مع إيراد ما يمكن أن يناقش به، وما يمكن أن يجاب به على تلك المناقشة، فإذا كانت المناقشة من عند غيري، فإني أقول: «نوقش»، وإن كانت المناقشة من عندي أو اقتباسًا من كلام الفقهاء، فإني أقول: «يمكن مناقشته»، أو: «يناقش».\nوـ ترجيح أحد الأقوال بناءً على ما ظهر لي من قوة الأدلة.\n٣ - إذا كان الكلام منقولًا بنصه، أو فيه شيء من التصرف، فإني أكتب في الهامش المصدر مباشرة، وإذا كان المقصود الإحالة فقط، فإني أكتب قبل المصدر «انظر».\n٤ - قمت بعزو الآيات القرآنية، بذكر اسم السورة، ورقم الآية، خلف الآية مباشرة.","vol":"1","page":20},{"text":"٥ - تخريج الأحاديث التي وردت في ثنايا البحث، ببيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها - إن لم تكن في الصحيحين، أو أحدهما ـ، فإن كان الحديث فيهما، أو في أحدهما فإني اكتفيت بعزو الحديث إليهما أو إلى أحدهما.\n٦ - عزو الآثار التي وردت في صلب البحث إلى مصادرها الأصلية، وأذكر حكم الأئمة فيها إن وجدته.\n٧ - تفسير ما ورد في الرسالة من مصطلحات أو ألفاظ غريبة، معتمدًا في ذلك على كتب غريب الحديث واللغة والمصطلحات.\n٨ - ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في الرسالة، وأحلت على أهم مصادر تراجمهم، واستثنيت من ذلك المشهورين من الصحابة، والأئمة الأربعة، وأصحاب الكتب الستة.\nوبعد، فهذا البحث جهد بشري، والبشر طبيعتهم النقص، والخطأ، والتقصير، فالنقص فيه لا يُستغرب، والخطأ فيه لا يُشنع، والتقصير فيه لا يُجحد، فالكمال لله تعالى وحده القائل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nولا أملك إلا أن أقول: ما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وله الفضل والمنة، وما كان من خطأ فذلك من نقصي وتقصيري، والله ورسوله بريئان منه، وأسأل الله أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يرزقه القبول الحسن، وينفع به كاتبه وقارئه وسامعه وجميع المسلمين.\nوأخيرًا: فإنني أتوجه إلى الله العلي القدير بالدعاء لكل من ساهم في تعليمي","vol":"1","page":21},{"text":"وأعانني عليه منذ صغري حتى تحضير هذه الرسالة، وأخص بالدعاء والديَّ الكريمين اللذين لم يألوا جهدًا في توجيهي للخير، وحثي على طلب العلم.\nثم أتوجه بالشكر الجزيل، والامتنان العظيم، لفضيلة شيخنا الدكتور: محمد عبد الله ولد كريم، المشرف على هذه الرسالة، على جهده، ونصحه، وتوجيهه لي بأسلوب يجمع بين الأسلوب العلمي واللطف الأبوي، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة والأجر في الدنيا والآخرة.\nكما أشكر جامعة أم القرى بمكة المكرمة ممثلة في مركز الدراسات الإسلامية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية على تسهيل كتابتي لهذا البحث.\nولا يفوتني هنا أن أتقدم بالشكر لكل من أفادني، أو أرشدني، أو أعانني، فأسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء.\nوأختم هذه المقدمة كما ابتدأتها بحمد الله وشكره والثناء عليه، فله الحمد والشكر أولًا وآخرًا، باطنًا وظاهرًا، على توفيقه وتسديده، وتيسيره وتأييده، وأسأله أن يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.\nوكتبه\nرائد بن حمدان الحازمي\nمكة المكرمة - البحيرات\nص. ب: ٢٠٠٤٨","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>التمهيد\nفي التيمم\nالتعريف، والمشروعية، والاختصاص</span>\nويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التيمم في اللغة والاصطلاح.\nالمبحث الثاني: مشروعية التيمم.\nالمبحث الثالث: اختصاص الأمة بالتيمم.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الأول\nتعريف التيمم في اللغة والاصطلاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولًا: تعريف التيمم في اللغة:</span>\nالتيمم في اللغة: القصد. قال ابن فارس (^١) ﵀: «الياء والميم كلمة تدل على قصد الشيء، وتعمده، وقصده» (^٢).\nيقال: تيممت فلانًا، وتأممته، ويممته، وأممته أي: تعمدته وقصدته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: ولا تعمدوا ولا تقصدوا (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصدين (^٤).\nومنه أيضًا قول الشاعر:\n_________\n(^١) هو: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي المالكي، كان رأسًا في الأدب، بصيرًا باللغة والنحو والحديث والفقه، ولد سنة (٣٢٩ هـ) بقزوين، من كتبه: معجم مقاييس اللغة، والمجمل في اللغة، توفي بالري - شمال إيران، بضاحية طهران - سنة (٣٩٥ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ١٠٣ - ١٠٦)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤١٣ هـ، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لليعمري (١/ ٣٦)، ط: دار الكتب العلمية، وفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ١١٨ - ١٢٠)، ط: دار الثقافة.\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (٦/ ١٥٢)، ط: دار الجيل ١٤٢٠ هـ.\n(^٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (٣/ ٨١)، ط: دار الفكر ١٤٠٥ هـ.\n(^٤) تفسير البغوي (٢/ ٧)، ط: دار المعرفة.","vol":"1","page":25},{"text":"تيممتِ العينَ التي عند ضارجٍ ... يفئ عليها الظلُّ عرمضها طامي (^١)\n\nوقول الشاعر:\nفما أدري إذا يَّمْمتُ أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني\nأالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني (^٢)\n\nثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيًا: تعريف التيمم في الاصطلاح:</span>\nعرَّف فقهاء المذاهب الأربعة التيمم بعدة تعريفات، وفيما يلي تلك التعاريف:\nأولًا: تعريفه عند الحنفية: هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة (^٤).\n_________\n(^١) البيت لامرئ القيس، من قصيدة له يصف الحمر الوحشية. شرح ديوان امرئ القيس (ص ٢٢٨)، ط: دار إحياء العلوم، الشعر والشعراء لابن قتيبة (ص ٥٤)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٠٥ هـ.\n(^٢) البيت للمثقب العبدي، ديوان المثقب العبدي (ص ٢١٢، ٢١٣)، جامعة الدول العربية ١٣٩١ هـ، المفضليات للمفضل الضبي (ص ٢٩٢)، ط: دار المعارف، خزانة الأدب للبغدادي (١١/ ٨٥)، ط: دار الكتب العلمية ١٩٩٨ م.\n(^٣) الصحاح للجوهري (٥/ ٢٠٦٤)، ط: دار العلم للملايين ١٤٠٤ هـ، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (ص ١٠٢٦، ١٠٢٧)، ط: دار ابن الجوزي ١٤٢٣ هـ، لسان العرب لابن منظور (١٢/ ٢٣)، ط: دار صادر، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد الفيومي (٢/ ٦٨١)، ط: المكتبة العلمية.\n(^٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/ ٣٠٩)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٢٤ هـ، البناية شرح الهداية للعيني (١/ ٥١٠)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":26},{"text":"وهذا التعريف جيد، يكاد يكون أقرب التعاريف للتيمم، إلا أن التعريف ينقصه عبارة (على صفة مخصوصة) وهي قيد مهم، فكان الأولى تقييد التعريف بها؛ ليكون التعريف جامعًا لفروض التيمم.\nثانيًا: تعريفه عند المالكية: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية، تستعمل عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله (^١).\nثالثًا: تعريفه عند الشافعية: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلًا عن الوضوء والغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة (^٢).\nويؤخذ على التعريفين السابقين ما يلي:\n١ - تقييد التيمم بالتراب، مع أن التيمم يجوز بكل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل وتراب وغيرهما - على القول الراجح (^٣) ـ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n٢ - عدم تقييد التعريفين بعبارة (على صفة مخصوصة).\nرابعًا: تعريفه عند الحنابلة: استعمال تراب مخصوص لوجه ويدين بدل طهارة ماء لكل ما يُفعل به عند عجزٍ عنه شرعًا (^٤)، أو مسح الوجه واليدين\n_________\n(^١) مواهب الجليل للحطّاب (١/ ٤٧٧)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٦ هـ، الفواكه الدواني لأحمد بن غنيم (١/ ٢٣٦)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ.\n(^٢) مغني المحتاج لمعرفة ألفاظ المنهاج لمحمد الشربيني (١/ ٢٤٥)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٥ هـ، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (١/ ٢٦٣)، ط: مصطفى الحلبي ١٣٨٦ هـ.\n(^٣) سيأتي بحث هذه المسألة (ص ٣٦٠ - ٣٧٦).\n(^٤) منتهى الإرادات لابن النجار (١/ ٢٥)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":27},{"text":"بتراب طهور على وجه مخصوص (^١).\nوبالنظر إلى تعريف الحنابلة للتيمم نجد أنه يُعد ناقصًا لأمرين:\n١ - تقييد التيمم بالتراب، مع أن التيمم يجوز بكل ما صعد على وجه الأرض.\n٢ - عدم تقييد التعريف بعبارة (بشرائط مخصوصة) وهي قيد مهم؛ لأن المعاني الشرعية لا توجد بدون شروطها، فلابد من ذكر الشروط حتى يتحقق المعنى الشرعي (^٢).\nالتعريف المختار وشرحه:\nويمكن - بعد هذه التعاريف السابقة - أن نخلص إلى أن التعريف المختار للتيمم اصطلاحًا هو: قصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بشرائط مخصوصة على وجه مخصوص؛ وذلك لما يلي:\n١ - أن هذا التعريف موافق للمعني اللغوي؛ إذ لابد في الألفاظ الاصطلاحية المنقولة عن اللغوية أن يوجد فيها المعنى اللغوي غالبًا، ويكون المعنى الاصطلاحي أخص من اللغوي (^٣).\nولا شك أن التعريف الموافق للمعنى اللغوي أولى من غيره؛ لأن الأصل إنما هو التقرير دون التغيير؛ لكون التقرير أقرب إلى الفهم، وأسرع إلى\n_________\n(^١) كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي (١/ ٣٨٥)، وزارة العدل ١٤٢١ هـ.\n(^٢) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٣٤٨)، ط: دار إحياء التراث العربي ١٤١٩ هـ.\n(^٣) المصدر السابق، وانظر: مرقاة المفاتيح للقاري (٢/ ٢٠٩)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":28},{"text":"الإنقياد، ولهذا كان التقرير هو الغالب، وكان متفقًا عليه بخلاف التغيير (^١)، فكان هذا التعريف أولى من غيره من التعاريف السابقة.\n٢ - أن هذا التعريف لا ترد عليه الاعتراضات السابقة؛ لكونه جامعًا مانعًا، جامعًا لشرائط التيمم وفروضه، مانعًا من دخول غيره فيه.\n٣ - أن هذا التعريف قد قيد التيمم بالصعيد وهذا ما نصت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nشرح التعريف:\nلفظ: (قصد) يدل على اشتراط النية في التيمم.\nولفظ: (الصعيد) يدل على جواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من تراب وحجارة ورمل ونحو ذلك.\nولفظ: (الطيب) يدل على اشتراط طهارة ما يتيمم به، فلا يصح التيمم على الأرض النجسة.\nولفظ: (لمسح الوجه واليدين) بيان لمحل التيمم، وهو الوجه واليدان، فلا يكون التيمم إلا فيهما.\nولفظ: (بشرائط مخصوصة) إشارة إلى شروط التيمم وأسبابه.\nولفظ: (على وجه مخصوص) إشارة إلى فروض التيمم وأركانه.\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٩٦)، ط: دار الكتاب العربي ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثاني\nمشروعية التيمم</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أدلة مشروعية التيمم.\nالمطلب الثاني: سبب مشروعية التيمم.\nالمطلب الثالث: الحكمة من مشروعية التيمم.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب الأول\nأدلة مشروعية التيمم</span>\nالتيمم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أولًا: من الكتاب:</span>\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣].\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة من هاتين الآيتين:\nفي هاتين الآيتين دليل صريح على مشروعية التيمم عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله (^١).\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٥، ٤٤٦)، ط: دار المعرفة، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٢٢٠، ٢٢١)، ط: دار الكتاب العربي ١٤١٨ هـ، أحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/ ١٠٢، ١٠٣)، ط: دار الكتب الحديثة.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثانيًا: من السنة:</span>\nقد وردت أحاديث كثيرة في مشروعية التيمم، وسيأتي ذكر عدد منها في بعض مباحث الرسالة، وسأكتفي هنا بذكر الأحاديث التالية:\n١ - حديث عمران بن حصين الخزاعي (^١) ﵁ في القصة الطويلة، وفيها: أن النبي - ﷺ - لما انفتل (^٢) من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (^٣).\n_________\n(^١) هو: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف، القدوة الإمام صاحب رسول الله - ﷺ -، أبو نجيد الخزاعي، أسلم سنة سبع من الهجرة، ولي قضاء البصرة، غزا عدة غزوات، وكان ممن اعتزل الفتنة بين علي ومعاوية، توفي بالبصرة سنة (٥٢ هـ).\nانظر: أسد الغابة لابن الأثير (٤/ ٢٩٩، ٣٠٠)، ط: دار إحياء التراث العربي ١٤١٧ هـ، الإصابة لابن حجر (٤/ ٧٠٥)، ط: دار الجيل ١٤١٢ هـ.\n(^٢) انفتل أي: انصرف. تهذيب اللغة للأزهري (١٤/ ٢٠٦)، ط: دار إحياء التراث العربي، لسان العرب (١١/ ٥١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري - واللفظ له - في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء [صحيح البخاري (١/ ١٣١) حديث (٣٣٧)]، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها [صحيح مسلم (١/ ٤٧٥) حديث (٦٨٢)].","vol":"1","page":34},{"text":"٢ - حديث أبي ذر (^١) ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^٢).\n_________\n(^١) هو: جندب بن جنادة بن سكن، واختلف في اسمه واسم أبيه، أسلم قديمًا بمكة، ثم رجع إلى بلاده وقومه، حتى هاجر رسول الله - ﷺ -، فهاجر بعد غزوة الخندق، كان زاهدًا عالمًا صادق اللهجة، وهو أول من حيّا رسول الله - ﷺ - بتحية الإسلام، خرج إلى الشام بعد وفاة أبي بكر، ثم نزل الربذة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة سنة (٣٢ هـ).\nانظر: أسد الغابة (٦/ ١٠٦)، الإصابة (٧/ ١٢٥ - ١٢٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم [سنن أبي داود (١/ ٩٠، ٩١) حديث (٣٣٢، ٣٣٣)، ط: دار الفكر]، والترمذي - واللفظ له - في كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء [جامع الترمذي (١/ ٢١١، ٢١٢) حديث (١٢٤)، ط: دار إحياء التراث العربي]، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد [سنن النسائي (١/ ١٧١) حديث (٣٢٢)، ط: مكتب المطبوعات الإسلامية ١٤٠٦ هـ]، وابن حبان في صحيحه [صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (٤/ ١٣٥ - ١٤٠) حديث (١٣١١ - ١٣١٣)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤١٤ هـ]، والدارقطني [سنن الدارقطني (١/ ١٨٦)، ط: دار المعرفة ١٣٨٦ هـ]، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٠) حديث (٩٩٠)، ط: دار الباز ١٤١٤ هـ، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٤) حديث (٦٢٧)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١١ هـ.\nوالحديث صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والذهبي، وصحح إسناده الألباني. انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٥٣٢)، ط: المكتبة السلفية ١٤٠٧ هـ، إرواء الغليل للألباني (١/ ١٨١)، ط: المكتب الإسلامي ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":35},{"text":"٣ - حديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري (^١) ﵁ قال: «أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل (^٢)، فلقيه رجل (^٣) فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^٤).\nوجه الدلالة من هذه الأحاديث:\nتدل هذه الأحاديث جميعًا على جواز التيمم عند عدم الماء، من غير فرق بين من كان حدثه حدثًا أصغر أم أكبر، كما تدل على أن الصعيد طهور للمسلم وأنه متى تعذر استعمال الماء فإن التيمم جائز ولو طال الزمن، يفعل\n_________\n(^١) هو: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن النجار الأنصاري، واختلف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل: الحارث بن الصمة، وقيل غير ذلك، صحابي، كان أبوه من كبار الصحابة، وهو ابن أخت أُبي بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية.\nانظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (٤/ ١٦٢٥)، ط: دار الجيل ١٤١٢ هـ، تهذيب التهذيب لابن حجر (١٢/ ٦٤)، ط: دار الفكر ١٤٠٤ هـ.\n(^٢) بئر جمل: هو بفتح الجيم والميم، موضع بقرب المدينة من ناحية العقيق، وفي رواية النسائي (بئر الجمل) بالألف واللام.\nمعجم ما استعجم للبكري (٤/ ١١٥٣)، ط: عالم الكتب ١٤٠٣ هـ، معجم البلدان لياقوت الحموي (١/ ٢٩٩)، ط: دار الفكر، شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٢٨٦)، ط: دار المعرفة ١٤١٧ هـ، فتح الباري (١/ ٥٢٧).\n(^٣) هو أبو الجهيم راوي هذا الحديث كما بينه الشافعي في روايته. انظر: فتح الباري (١/ ٥٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري بلفظه في كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة [صحيح البخاري (١/ ١٢٩) حديث (٣٣٠)]، ومسلم معلقًا في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٨١) حديث (٣٦٩)].","vol":"1","page":36},{"text":"به ما يفعله المتطهر بالماء من الفرائض والنوافل والفضائل (^١).\nفهذه الأدلة جميعًا فيها الدلالة الواضحة الصريحة على مشروعية التيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثالثًا: الإجماع:</span>\nأجمعت الأمة على جواز التيمم ومشروعيته عند عدم الماء، أو عند الخوف من استعماله.\nوهذه بعض النقولات من أقوال الفقهاء ﵏:\nقال ابن المنذر (^٢): «وأجمعوا على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز» (^٣).\nوقال الوزير بن هبيرة (^٤):\n«وأجمعوا على التيمم بالصعيد الطيب عند عدم\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي (٤/ ٢٨٧)، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني (١/ ٣٠١)، ط: دار إحياء التراث العربي، فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (١/ ٦٥٩)، ط: مدار الوطن ١٤٢٥ هـ.\n(^٢) هو: أبو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، محدث فقيه مجتهد، عدّه الشيرازي في الشافعية، ولد عام (٢٤٢ هـ)، من مؤلفاته: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، والمبسوط وغيرهما، توفي سنة (٣١٨ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٩٨، ٩٩)، ط: عالم الكتب ١٤٠٧ هـ.\n(^٣) الإجماع لابن المنذر (ص ٣٦)، ط: مكتبة الفرقان ومكتبة مكة الثقافية ١٤٢٠ هـ، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر (٢/ ٣٧)، ط: دار طيبة ١٤١٤ هـ.\n(^٤) هو: أبو المظفر الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة، ولد سنة (٤٩٩ هـ)، حَصَّل من كل فن طرفًا، من كتبه: الإفصاح عن شرح معاني الصحاح، والمقتصد في الحق، وكتاب العبادات في الفقه على مذهب الإمام أحمد، وغيرها. تولى الوزارة وبقي فيها إلى أن مات سنة (٥٦٠ هـ)، وكان شامة بين الوزراء.\n\nانظر: وفيات الأعيان (٦/ ٢٣٠)، شذرات الذهب لابن عماد الحنبلي (٤/ ١٩١)، ط: دار ابن كثير ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":37},{"text":"الماء أو الخوف من استعماله» (^١).\nوقال الكاساني (^٢): «فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائز، عرف جوازه بالكتاب والسنة والإجماع» (^٣).\nوقال الحطَّاب (^٤): «وانعقد الإجماع على مشروعيته» (^٥) أي: التيمم.\n_________\n(^١) الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (١/ ١٥٦)، ط: مركز فجر.\n(^٢) هو: أبو بكر بن مسعود بن أحمد، علاء الدين الكاساني، الملقب بملك العلماء، فقيه حنفي، أخذ الفقه عن علاء الدين السمرقندي، وتفقه عليه ابنه محمود، وأحمد بن محمود الغزنوي، من كتبه: بدائع الصنائع شرح فيه تحفة الفقهاء لشيخه السمرقندي، والسلطان المبين في أصول الدين وغيرهما، توفي سنة (٥٨٧ هـ).\nانظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية لابن أبي الوفاء (٤/ ٢٥)، الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي، الهند، ١٣٩٣ هـ.\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٠٤).\n(^٤) هو: محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني، المعروف بالحطاب، فقيه مالكي، أندلسي الأصل، مكي الدار والقرار، تفقه بطرابلس على محمد بن الفاسي وأخيه، ثم تحول إلى مكة وأخذ العلم عن فقهائها، ثم جلس للإقراء والإفادة، من كتبه: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، وشرح نظم نظائر الرسالة، توفي سنة (٩٥٤ هـ).\nانظر: نيل الإبتهاج بتطريز الديباج للتنبكتي (ص ٣٣٧)، ط: دار الكتب العلمية، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد مخلوف (ص ٢٦٩)، ط: دار الفكر.\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ٤٧٧).","vol":"1","page":38},{"text":"وقال النووي (^١):\n«والتيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة» (^٢).\n_________\n(^١) هو: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حزام الحوراني النووي، محيي الدين، ولد في نوى - من قرى حوران بسورية - عام (٦٣١ هـ)، فقيه شافعي، عالم بالحديث، له مؤلفات كثيرة منها: رياض الصالحين، شرح صحيح مسلم، الأذكار، روضة الطالبين وغيرها، توفي في نوى عام (٦٧٦ هـ).\n\nانظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ٣٩٥ - ٤٠٠)، ط: هجر ١٤١٣ هـ، النجوم الزاهرة (٧/ ٢٧٨)، ط: وزارة الثقافة بمصر.\n(^٢) المجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ١٦٥)، ط: دار إحياء التراث العربي ١٤٢٢ هـ، شرح مسلم للنووي (٤/ ٢٧٩).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الثاني\nسبب مشروعية التيمم</span>\nسبب نزول فرض التيمم هو ما وقع لعائشة ﵂ في غزوة بني المصطلق (المريسيع) (^١) حينما أضاعت عقدها، وحان وقت الصلاة وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم.\nفعن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله - ﷺ - على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله - ﷺ - والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله - ﷺ - واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله - ﷺ - والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في\n_________\n(^١) كانت هذه الغزوة في شهر شعبان من السنة السادسة من الهجرة، وقيل: سنة خمس. انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٤/ ٢٥٢)، ط: دار الجيل ١٤١١ هـ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٦٣)، ط: دار صادر ١٣٨٨ هـ، تاريخ الأمم والملوك للطبري (٢/ ١٠٤)، ط: دار الكتب العلمية، عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي لابن العربي (١٢/ ٤٩)، ط: دار العلم، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٨١)، دار الكتب العلمية ١٤١٥ هـ، العبر في خبر من غبر للذهبي (١/ ٧)، ط: دائرة المطبوعات والنشر، زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٢٥٦)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٠٩ هـ.\nوالمريسيع: بالضم ثم الفتح وياء ساكنة ثم سين مهملة مكسورة، وهو اسم ماء في ناحية قديد إلى الساحل. معجم البلدان (٥/ ١١٨).","vol":"1","page":40},{"text":"خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - ﷺ - على فخذي، فقام رسول الله - ﷺ - حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم (^١)\nفتيمموا، فقال أسيد\n_________\n(^١) ذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية المعنية - في قول عائشة: «فأنزل الله آية التيمم» - هي آية النساء، وممن ذهب إلى هذا القول القرطبي وابن كثير في تفسيرهما، وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضًا.\nواستدلوا: بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء فيتجه تخصيصها بآية التيمم. انظر: أسباب نزول القرآن للواحدي (ص ٢٨٩)، ط: دار الميمان ١٤٢٦ هـ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٥/ ٢٢٤)، ط: دار الكتاب العربي ١٤١٨ هـ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٧٩٩)، ط: دار إحياء التراث العربي ١٤٠٥ هـ.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية المعنية هي آية المائدة، وممن ذهب إلى هذا القول ابن العربي وابن عطية في تفسيرهما ورجحه ابن حجر في الفتح. انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٢)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ١٦٠)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٣ هـ، فتح الباري (١/ ٥١٧).\n\nواستدلوا: بما رواه البخاري في صحيحه من رواية عمرو بن الحارث - في كتاب التفسير في سورة المائدة - وفيها: «فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية». صحيح البخاري (٤/ ١٦٨٤) حديث (٤٣٣٢).\nقال ابن حجر ﵀ في الرد على دليل القول الأول: «وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث ..» فتح الباري (١/ ٥١٧).\nويمكن مناقشة دليل القول الثاني بأن البخاري ﵀ ساق حديث عائشة ﵂ من طريق آخر، في كتاب التفسير، في سورة النساء، باب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وهذه الرواية تشعر بأن آية التيمم هي آية النساء. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٨/ ١٠٠).\nقلت: والذي يترجح لي - والله أعلم - أن كلا الآيتين تسمى آية التيمم، وذلك لما يلي:\n١ - أن البخاري ﵀ ساق حديث عائشة ﵂ في كتاب التفسير، في سورة النساء، وساق الحديث أيضًا من طريق آخر في كتاب التفسير، في سورة المائدة، باب فلم تجدوا ماء فتيمموا، فكأن البخاري أراد أن يبين أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما آية التيمم.\n٢ - أن التيمم لم يذكر في القرآن الكريم إلا في آيتين، الآية التي في سورة النساء، والآية التي في سورة المائدة، والسورتان مدنيتان، وقد تطابقت عبارة الآيتين في تقرير حكم التيمم تطابقًا كاملًا، وإن زادت آية المائدة بكلمة ﴿مِنْهُ﴾، فهل بعد ذلك نقول: إن آية التيمم هي إحدى الآيتين والآية الأخرى ليست بآية التيمم؟!\nفلا يمكن تخصيص إحدى الآيتين بآية التيمم إلا بدليل صريح يدل على ذلك، ولهذا تردد ابن عبد البر ﵀ في المراد من الآيتين حيث قال: «فأنزل الله آية التيمم» وهي آية الوضوء المذكورة في تفسير المائدة، أو الآية التي في سورة النساء، ليس التيمم مذكورًا في غير هاتين الآيتين». الاستذكار (٣/ ١٥٥)، ط: دار قتيبة ودار الوعي ١٤١٣ هـ.\n٣ - أنه بهذا القول يمكن الجمع بين القولين والتوفيق بينهما، وهذا أولى من ترجيح أحد القولين على الآخر.","vol":"1","page":41},{"text":"بن الحضير (^١): ما هي أول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته» (^٢).\n_________\n(^١) هو: أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك الأوسي، صحابي، كان شريفًا في الجاهلية والإسلام مقدمًا في قبيلته الأوس، من أهل المدينة، يعد من عقلاء العرب وذوي الرأي فيهم، شهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثنى عشر، وشهد أحد والخندق والمشاهد كلها، توفي سنة (٢٠ هـ).\nانظر: أسد الغابة (١/ ١٤٢)، الإصابة (١/ ٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، أول حديث بدون ترجمة [صحيح البخاري (١/ ١٢٧) حديث (٣٢٧)]، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٧٩) حديث (٣٦٧)].","vol":"1","page":42},{"text":"من فوائد الحديث:\nفي هذا الحديث فوائد عظيمة يجدر بنا أن نقف على بعض منها، ومن أهم تلك الفوائد ما يلي:\n١ - جواز خروج النساء في الأسفار مع أزواجهن، سواء كان السفر للجهاد أو لغيره، إلا أن خروجهن إلى الجهاد مع ذوي المحارم والأزواج إنما يصح إذا كان العسكر كثيرًا تؤمن عليه الغلبة (^١).\n٢ - جواز الإقامة بموضع لا ماء فيه لحوائجه ومصالحه، فإنه لا يجب الانتقال عنه؛ لأن فرضه إما الطهارة المائية أو التيمم عند عدم الماء (^٢).\n٣ - جواز تأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب، وإن كان بالغًا أو امرأة كبيرة متزوجة (^٣).\n٤ - استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة أو يحصل به تشويش لغيره من نائم أو مصلي أو مشتغل بعلم؛ لأن عائشة ﵂ منعها من التحرك خشية استيقاظ رسول الله - ﷺ - (^٤).\n_________\n(^١) الإستذكار (٣/ ١٤٢)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (١٩/ ٢٦٦)، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب ١٣٨٧ هـ.\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٢/ ٢١٥)، ط: دار الوفاء ١٤١٩ هـ.\n(^٣) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٤٦٨)، ط: مكتبة الرشد ١٤٢٥ هـ، عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (٤/ ٩)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٢١ هـ.\n(^٤) طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي (١/ ٢٦٥)، ط: مكتبة نزار الباز ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":43},{"text":"٥ - فيه دليل على أن الوضوء كان واجبًا على النبي - ﷺ - قبل نزول آية الوضوء ولهذا استعظم الصحابة نزولهم على غير ماء، ومن المعلوم عند جميع أهل السير أن النبي - ﷺ - منذ افترض عليه الصلاة بمكة لم يصلِّ إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم.\nوالحكمة في نزول آية الوضوء - مع تقدم العمل به - ليكون فرضها المتقدم متلوًا في التنزيل، ولهذا قالت عائشة: «فنزلت آية التيمم» ولم تقل: فنزلت آية الوضوء، مما يدل على أن الذي طرأ على الصحابة رضوان الله عليهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء (^١).\n_________\n(^١) انظر: الاستذكار (٣/ ١٥٥، ١٥٦)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (١/ ٦١١)، ط: دار ابن كثير ١٤٢٠ هـ، فتح الباري (١/ ٥١٧).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المطلب الثالث\nالحكمة من مشروعية التيمم</span>\nتمتاز الشريعة الإسلامية باليسر والسهولة والسماحة؛ حيث راعت أحوال الناس، ولم تغفل أي جانب من جوانب حياتهم، فخففت عنهم في أحكام شتى من أحكام شريعتهم، ومن مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية التيمم، فقد شرعه الله تيسيرًا على المكلف ودفعًا للحرج عنه.\nوقد بين الله تعالى في كتابه الكريم الحكمة من مشروعية التيمم في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].\nفهذه الآية بينت الحكمة من مشروعية التيمم غاية البيان والإيضاح، وهي كالآتي:\n١ - رفع الحرج؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ وهو الضيق والمشقة.\nقال ابن كثير (^١): «أي فلهذا سهَّل عليكم ويسَّر ولم يعسِّر، بل أباح التيمم\n_________\n(^١) هو: إسماعيل بن كثير بن ضوء، عماد الدين أبو الفداء القرشي الدمشقي الشافعي، تفقه على الشيخ برهان الدين الفزاري وغيره، ثم صاهر أبا الحجاج المزي وأخذ عنه، وأخذ الكثير عن ابن تيمية، برع في علم الحديث والفقه والتفسير والنحو وغيرها. من كتبه: تفسيره المشهور، والبداية والنهاية في التاريخ، والهدي والسنن في أحاديث المسانيد والسنن وغيرها، توفي سنة (٧٧٤ هـ).\nانظر: ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (١/ ٥٧)، ط: دار الكتب العلمية، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٨٥).","vol":"1","page":45},{"text":"عند المرض، وعند فقد الماء توسعة عليكم، ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء» (^١).\n٢ - إرادة التطهير؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.\nقال ابن جرير الطبري (^٢): «ولكن يريد أن يطهركم بما فرض عليكم من الوضوء والأحداث، والغسل من الجنابة والتيمم عند عدم الماء، فتنظفوا وتطهروا به أجسامكم من الذنوب» (^٣).\n٣ - إتمام النعمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nقال ابن جرير: «أي يتم نعمته عليكم بإباحته لكم التيمم، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورًا، رخصة منه لكم في ذلك مع سائر نعمه التي أنعم بها عليكم أيها المؤمنون لعلكم تشكرون الله على نعمه التي أنعمها عليكم بطاعتكم إياه» (^٤).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٠).\n(^٢) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، أبو جعفر، صاحب التفسير الكبير، والتاريخ الشهير، كان إمامًا في فنون كثيرة منها: التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، ولد عام (٢٢٤ هـ) بآمل طبرستان، وتوفي ببغداد سنة (٣١٠ هـ).\nانظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٩١، ١٩٢)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٩٥، ٩٦)، ط: دار الفكر ١٩٩٦ م.\n(^٣) جامع البيان (٦/ ١٣٨).\n(^٤) جامع البيان (٦/ ١٣٩).","vol":"1","page":46},{"text":"فمن رحمة الله بعباده أن شرع لهم التيمم منَّة منه وفضلًا، ودفعًا للحرج والمشقة، ولو شاء الله لضيَّق علينا ولكن الله بالناس لرؤوف رحيم.\nومن أهم الحكم التي تتجلى في مشروعية التيمم - غير ما سبق - ما يلي (^١):\n١ - أن الله ﷾ لما علم من النفس الكسل، والميل إلى ترك الطاعة، شرع لها التيمم عند عدم الماء؛ لئلا تعتاد ترك العبادة فيصعب عليها معاودتها عند وجود الماء.\n٢ - ليستشعر الإنسان بعدم الماء موته، وبالتراب إقباره فيزول عنه الكسل، ويسهل عليه ما صعب من العمل.\n٣ - تحقيق معنى الطاعة والخضوع لأمر الله تعالى، والإذعان لشرعه، بتحقيق وامتثال ما أمر الله به.\n٤ - أن من الحكمة في كون التيمم بالتراب لتوفره، فلا يكاد يخلو منه مكان، ومع أن التراب موجود في كل مكان إلا أن الشارع لم يأمر إلا بالمسح دون التمرغ (^٢) وتعفير (^٣) أعضاء الوضوء في التراب؛ لأن فيه حرجًا ومشقة على العباد.\n_________\n(^١) انظر: القبس في شرح موطأ مالك لابن العربي (١/ ١٧٧)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٩٩٢ م، مواهب الجليل للحطاب (١/ ٤٧٧)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٢/ ١١٢)، ط: دار العاصمة ١٤١٧ هـ، محاسن الإسلام وشرائع الإسلام، لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري (ص ١٠)، ط: دار الكتب العلمية، حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٠٥، ٤٠٦)، ط: دار المعرفة.\n(^٢) التمرغ: التقلب في التراب. النهاية لابن الأثير (ص ٨٦٦)، لسان العرب (٨/ ٤٥٠).\n(^٣) التعفير: هو التمريغ في التراب، يقال: عفره في التراب تعفيرًا أي مرغه. مختار الصحاح للرازي (ص ٣٨٨)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٢٦ هـ، حاشية السندي على سنن النسائي (١/ ٥٤)، ط: مكتب المطبوعات الإسلامية ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":47},{"text":"٥ - أن في التيمم بالتراب شعورًا بالذل لله، والتواضع له، والإفتقار إليه.\n٦ - أن الغرض من التيمم التخفيف والتيسير، ولهذا نجد أن الشارع الحكيم جعل المسح في التيمم قاصرًا على بعض الأعضاء دون بعض؛ دفعًا للحرج والمشقة في تعميمه لسائر الأعضاء.\nقال الإمام ابن القيم (^١) ﵀: «وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب، والرِّجْلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم لله، والذل له، والإنكسار لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك يستحب للساجد أن يُتَرِّب وجهه لله، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال: «تَرِّب وجهك» وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين.\n_________\n(^١) هو: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية، ولد في دمشق عام (٦٩١ هـ)، كان إمامًا حافظًا قدوة، لازم ابن تيمية ونشر كتبه، له مؤلفات كثيرة منها: زاد المعاد، ومدارج السالكين، وبدائع الفوائد وغيرها، توفي سنة (٧٥١ هـ).\nانظر: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٤/ ٤٤٧ - ٤٥٢)، ط: دار المعرفة، شذرات الذهب (٦/ ١٦٨ - ١٧٠).","vol":"1","page":48},{"text":"وأيضًا فموافقة القياس من وجه آخر، وهو أن التيمم جُعل في العضوين المغسولين وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تُمسحان في الخف، والرأس في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح، خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها، وهو الميزان الصحيح» (^١).\nومما سبق يتضح جليًا رحمة الله بعباده حين شرع لهم التيمم حتى لا ينقطع الإنسان من عبادة ربه بل يعبده ويتقرب إليه في كل مكان وعلى كل حال، وهذه سنة الله في خلقه، كلما ازداد أمر عبده ضيقًا وحرجًا زاد له فرجًا ومخرجًا.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ١٨)، ط: دار الجيل ١٩٧٣ م، وانظر: عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق للونشريسي (ص ٩٢، ٩٣)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٤١٠ هـ.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الثالث\nاختصاص الأمة بالتيمم</span>\nمن الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام فضيلة التيمم، والتي تفردت بها هذه الأمة المباركة على غيرها من الأمم، لطفًا من الله بها وإحسانًا.\nفالتيمم خاصية لهذه الأمة المحمدية، فلم يكن مشروعًا لأمة من الأمم قبلها، كما صرح بذلك النبي - ﷺ - في أحاديث كثيرة (^١)، وسأكتفي هنا بذكر الأحاديث التالية:\n١. حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصةً وبُعثت إلى الناس عامة» (^٢).\n_________\n(^١) وأحاديث اختصاص الأمة بالتيمم ثابتة بالتواتر، فقد ورد عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وحذيفة، وأبو ذر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو أمامة وغيرهم.\nانظر: التمهيد لابن عبد البر (٥/ ٢٢١ - ٢٢٣)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٨/ ٢٥٨، ٢٥٩)، ط: دار الريان ودار الكتاب ١٤٠٧ هـ، إرواء الغليل للألباني (١/ ٣١٥ - ٣١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري - واللفظ له - في كتاب التيمم [صحيح البخاري (١/ ١٢٨) حديث (٣٢٨)]، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة [صحيح مسلم (١/ ٣٧٠) حديث (٥٢١)].","vol":"1","page":50},{"text":"٢. حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «فُضلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون» (^١).\n٣. حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فضلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت ترتبها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، وذكر خصلة أخرى (^٢).\nقال الإمام الخطابي (^٣)\n﵀: «وقوله: «جُعلت لي الأرض مسجدًا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة [صحيح مسلم (١/ ٣٧١) حديث (٥٢٣)].\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة [صحيح مسلم (١/ ٣٧١) حديث (٥٢٢)]، والخصلة الأخرى التي نسيها الراوي في هذا الحديث ذكرها أبو بكر بن أبي شيبة - شيخ الإمام مسلم - في مصنفه (٦/ ٣٠٤) رقم (٣١٦٤٩)، ط: مكتبة الرشد ١٤٠٩ هـ، والإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٣) رقم (٢٣٢٩٩)، ط: مؤسسة قرطبة، وابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٣٢) رقم (٢٦٣)، ط: المكتب الإسلامي ١٣٩٠ هـ، وابن حبان في صحيحه (٤/ ٥٩٥) رقم (١٦٩٧)، وغيرهم، أن النبي - ﷺ - قال: «وأُعطيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعطه منه أحدٌ قبلي ولا أحد بعدي». انظر: تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر (١/ ١٤٨)، ط: دار أحد ١٣٨٤ هـ.\n(^٣) هو: حَمْد وقيل: أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو سليمان البستي، المعروف بالخطابي، كان رأسًا في علم العربية والفقه والأدب والحديث، صنف التصانيف النافعة المشهورة، ومنها: معالم السنن، وغريب الحديث وغيرهما، توفي سنة (٣٨٨ هـ).\n\nانظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١٠١٨ - ١٠٢٠)، ط: دار الكتب العلمية، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٥٦، ١٥٧).","vol":"1","page":51},{"text":"وطهورًا»، فإن أهل الكتاب لم تكن أُبيحت لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ورخَّص الله تعالى لهذه الأمة أن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وذلك من رحمة الله تعالى ورأفته بهم تيسيرًا للطاعة وتكثيرًا لها لتكثر عليها مثوبتهم» (^١).\nوقد اتفق الفقهاء على أن التيمم من خصائص هذه الأمة، ومما فضلهم الله تعالى به على غيرهم من الأمم، فلم يجعله الله طهورًا لغيرها، رحمة من الله بها، وتوسعة عليها (^٢).\nجاء في البحر الرائق شرح كنز الدقائق: «ثم اعلم أن التيمم لم يكن مشروعًا لغير هذه الأمة، وإنما شرع رخصة لنا» (^٣).\nوجاء في الفواكه الدواني: «وهو - أي التيمم - من خصائص هذه الأمة؛ لأن الأمم السابقة لا تصلي إلا بالوضوء، كما أنها كانت لا تصلي إلا في أماكن\n_________\n(^١) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ٣٣٣)، ط: جامعة أم القرى ١٤٠٩ هـ، وانظر: شرح السنة للبغوي (٢/ ٤١٢)، ط: المكتب الإسلامي ١٤٠٣ هـ.\n(^٢) شرح فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٣٧)، ط: دار الفكر ١٣٩٧ هـ، رد المحتار (١/ ٣٤٧)، الذخيرة للقرافي (١/ ٣٣٤)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٩٩٤ م، حاشية الخرشي على مختصر سيدي خليل (١/ ٣٤٣)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧ هـ، تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيتمي (١/ ٥٣٠)، ط: دار الكتب العلمية، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني (١/ ١٠٢)، ط: دار الخير ١٤١٧ هـ، شرح العمدة في الفقه لابن تيمية (١/ ٤١١)، ط: مكتبة العبيكان ١٤١٣ هـ، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٣٢٥)، ط: مكتبة العبيكان ١٤١٣ هـ.\n(^٣) لابن نجيم الحنفي (١/ ٢٤٢)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":52},{"text":"مخصوصة يعينونها للصلاة، ويسمونها بيعًا وكنائس وصوامع، ومن عدم منهم الماء، أو غاب عن محل صلاته يدع الصلاة حتى يجد الماء، أو يعود إلى مصلاة» (^١).\nوجاء في المجموع: «وهو - أي التيمم - رخصة وفضيلة اختصت بها هذه الأمة زادها الله شرفًا لم يشاركها فيها غيرها من الأمم، كما صرحت به الأحاديث الصحيحة المشهورة عن رسول الله» (^٢).\nوجاء في المبدع شرح المقنع: «وهو - أي التيمم - من خصائص هذه الأمة؛ لأن الله لم يجعله طهورًا لغيرها، توسعة عليها وإحسانًا إليها» (^٣).\n_________\n(^١) (١/ ٢٣٧).\n(^٢) (٢/ ١٦٥).\n(^٣) لابن مفلح (١/ ١٦١)، ط: دار عالم الكتب ١٤٢٣ هـ.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الباب الأول\nالأسباب الموجبة للتيمم</span>\nويشتمل على ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: فقد الماء.\nالفصل الثاني: عدم القدرة على استعمال الماء.\nالفصل الثالث: الخوف من استعمال الماء.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الفصل الأول\nفقد الماء</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: طلب الماء قبل التيمم.\nالمبحث الثاني: شراء الماء.\nالمبحث الثالث: نسيان الماء.\nالمبحث الرابع: التيمم لمن وجد ماء لا يكفي للطهارة.\nالمبحث الخامس: التيمم لمن أراق الماء أو باعه أو وهبه ولم يترك ما يتطهر به.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الأول\nطلب الماء قبل التيمم</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم الطلب.\nالمطلب الثاني: وقت الطلب.\nالمطلب الثالث: مسافة الطلب.\nالمطلب الرابع: صفة الطلب.\nالمطلب الخامس: تكرار الطلب.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الأول\nحكم الطلب</span>\nمَن عَدِمَ الماء وأراد الطهارة لفعل صلاة مكتوبة أو نافلة فإنه لا يخلو من ثلاث حالات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحالة الأولى:</span> أن يتيقن العادم من وجود الماء في المكان الذي هو فيه أو يغلب ذلك على ظنه كما إذا أخبره عدل بكون الماء قريبًا، أو يجد علامة ظاهرة دالة على قربه كما إذا رأى خضرة أو طيورًا، فإن وجودها دليل على قرب الماء، فإنه في هذه الحالة يلزمه الطلب باتفاق العلماء (^١).\nواستدلوا على ذلك بأدلة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>أولًا: من الكتاب:</span>\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) مختصر القدوري (الكتاب) للقدوري (ص ٥٢)، ط: مؤسسة الريان ١٤٢٦ هـ، بدائع الصنائع (١/ ٣١٦، ٣١٧)، الذخيرة (١/ ٣٣٦)، حاشة الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٥١، ٢٥٢)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧ هـ، روضة الطالبين للنووي (١/ ٢٠٥ - ٢٠٧)، ط: دار عالم الكتب ١٤٢٣ هـ، مغني المحتاج (١/ ٢٤٧)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ٢٦٣)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ، شرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ١٨٦)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":61},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الله ﷾ شرط لجواز التيمم عدم وجود الماء، وهذا واجد للماء في الظاهر فيلزمه طلب الماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>ثانيًا: من المعقول:</span>\n٢ - أنه يعد واجدًا للماء نظرًا للدليل وهو غلبة الظن، لأنها قائمة مقام العلم في العبادات (^١).\n٣ - أنه إذا كان يسعى لأشغاله الدنيوية القريبة فلأن يسعى لما يعتبر شرطًا من شروط الصلاة أولى (^٢).\n٤ - قياسًا على من علم أن بقربه ماء لم يجز له التيمم، فكذا إذا غلب على ظنه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الحالة الثانية:</span> أن يتيقن عدم الماء في المكان الذي هو فيه، أو يغلب ذلك على ظنه، كأن يكون في بعض رمال البوادي، أو ما أشبه ذلك، أو يخبره عدل عن عدم الماء في المكان الذي هو فيه، فإنه في هذه الحالة يتيمم ولا يجب عليه طلب الماء باتفاق الفقهاء (^٤).\n_________\n(^١) البناية (١/ ٥٦٦)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٤).\n(^٢) تحفة المحتاج (١/ ٥٤٠)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٧)، المبدع (١/ ١٧٠).\n(^٣) شرح العناية على الهداية لمحمد البابرتي مع فتح القدير (١/ ١٤١)، ط: دار الفكر.\n(^٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٠٨، ١١٥)، ط: دار المعرفة ١٤١٤ هـ، الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (١/ ٣٠)، ط: دار إحياء التراث العربي، مواهب الجليل (١/ ٥٠٤)، الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير (١/ ٢٥٢)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧ هـ، الوسيط في المذهب للغزالي (١/ ٣٥٤)، ط: دار السلام ١٤١٧ هـ، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٥)، الفروع لابن مفلح (١/ ٢٧٩)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٢٤ هـ، كشاف القناع (١/ ٤٠٠).","vol":"1","page":62},{"text":"واستدلوا على ذلك بأدلة منها:\n١ - أن طلب ما يعلم استحالة وجوده محال (^١).\n٢ - أن الطلب مع يقين العدم عبث ولا فائدة منه (^٢)، وهو ليس من الحكمة في شيء (^٣).\n٣ - أنه إذا طلب الماء في هذه الحالة قد يلحقه الحرج والمشقة فربما ينقطع عن أصحابه، وما شرع التيمم إلا لدفع الحرج (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الحالة الثالثة:</span> أن يشك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين، وقد وقع الخلاف في هذه الحالة على قولين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>القول الأول:</span> يجب طلب الماء لصحة التيمم في هذه الحالة، وهو قول المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة هي الصحيح من المذهب (^٥).\n_________\n(^١) البناية شرح الهداية (١/ ٥٦٧)، المجموع (٢/ ١٩٩).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣١٧)، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل للأزهري (١/ ٣٩)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ، الإقناع للشربيني (١/ ١٠٢).\n(^٣) تبيين الحقائق شرح كنزل الدقائق للزيلعي (١/ ١٣٥)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٢٠ هـ.\n(^٤) المبسوط (١/ ١٠٨)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك لأبي بكر الكشناوي (١/ ١٢٨)، ط: دار الفكر.\n(^٥) المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٤٩)، ط: دار الفكر، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس (١/ ٥٦)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٤٢٣ هـ، المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ١٣٠)، ط: دار القلم والدار الشامية ١٤١٢ هـ، العزيز شرح الوجيز للرافعي (١/ ١٩٧)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧ هـ، الإنصاف (١/ ٢٦٣)، كشاف القناع (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>القول الثاني:</span> ليس عليه طلب الماء في هذه الحالة ويصح التيمم، وهو قول الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^١).\nسبب الخلاف:\nسبب اختلاف الفقهاء في هذه الحالة هو: هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غيرَ واجد للماء أو لا يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده (^٢)؟\nفمن يرى أنه لا يثبت أنه غير واجد للماء إلا بعد الطلب قال: باشتراط الطلب، ومن يرى أنه يثبت أنه غير واجد للماء بدون طلب قال: بعدم اشتراط الطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>أدلة القول الأول:</span>\nاستدل القائلون بوجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه بما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>أولًا: من الكتاب:</span>\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأنه لا يثبت أنه غير واجد للماء إلا بعد الطلب، وهذا يفيد وجوب الطلب (^٣)؛ لجواز أن يكون بقربه الماء ولا يعلمه (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٧)، البحر الرائق (١/ ٢٨١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٨)، ط: دار الكتاب العربي ١٤٢١ هـ، الإنصاف (١/ ٢٦٣).\n(^٢) بداية المجتهد ونهاية المقصد لابن رشد (١/ ١٣٣)، ط: دار ابن حزم ١٤١٦ هـ.\n(^٣) المعونة (١/ ١٤٩)، المنتقى شرح موطأ مالك لأبي الوليد الباجي (١/ ١١٠)، ط: مطبعة السعادة ١٣٣١ هـ، الحاوي للماوردي (٢/ ١٠٥١)، ط: دار المجتمع ١٤١٤ هـ، الممتع شرح المقنع للتنوخي (١/ ٢٤٥)، ط: دار خضر ١٤١٨ هـ.\n(^٤) المغني لابن قدامة (١/ ٣١٣)، ط: دار عالم الكتب ١٤١٩ هـ، المبدع (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":64},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الوجود لا يقتضي سابقة الطلب، بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] ولا طلب، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، لاستحالة الطلب على الله، وبقوله - ﷺ -: «من وجد لقطة ...» الحديث (^١)، ولا طلب من الملتقط (^٢).\nالجواب:\nأجيب عن الآية الأولى والحديث بأن الكلام في جانب النفي لا الإثبات (^٣)، فالوجود لا يفتقر إلى طلب، وإنما يفتقر عدم الوجود إلى طلب، ومسألة التيمم إنما هي في عدم الوجود لا في الوجود (^٤).\nوأما استدلالهم بالآية الأخرى فلا يصح؛ لأن الله ﷾ طلب منهم الثبات على العهد، أي أمرهم بذلك، فهو ﷾ يطلب منهم ما قدمه إليهم من العهد، فلذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم [١٧٥١٦]، وأبو داود في كتاب اللقطة [سنن أبي داود (٢/ ١٣٦) حديث (١٧٠٩)]، وابن ماجه في كتاب اللقطة، باب اللقطة [سنن ابن ماجه (٢/ ٨٣٧) حديث (٢٥٠٥)]، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٤٧٧)، ط: مكتبة المعارف ١٤١٩، وصحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٣٠٧)، ط: مكتبة المعارف ١٤١٧ هـ.\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣١٧)، البحر الرائق (١/ ٢٨١).\n(^٣) شرح الزركشي (١/ ٣٣٠)، المبدع (١/ ١٦٩، ١٧٠).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١٠٥٢).\n(^٥) شرح الزركشي (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>ثانيًا: من السنة:</span>\nحديث عمران بن حصين ﵁ الطويل، وفيه: «... ودعا عليًا فقال: اذهبا فابتغيا الماء ...» الحديث (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الطلب شرط في صحة التيمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثالثًا: من المعقول:</span>\n١ - أن التيمم بدل عن الماء عند فقده، فلا يجوز العدول إليه إلا عند عدم المبدل وهو الماء، ولا يتحقق العدم إلا بالطلب، كالصيام في الكفارة مع العتق والإطعام، فإن الله ﷾ لما أمر في الظهار بتحرير رقبة قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، لم يبح له الصيام حتى يطلب الرقبة، ولم يعد قبل ذلك غير واجد، وكالهدي في حج التمتع، فإنه لا ينتقل إلى بدله وهو الصوم إلا بعد طلبه، وكالقياس مع النص في الحادثة فإنه لا ينتقل إلى القياس إلا بعد طلب النص في مظانه (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء [صحيح البخاري (١/ ١٣١) حديث (٣٣٧)].\n(^٢) الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٦٦، ١٦٧)، ط: دار ابن حزم ١٤٢٠ هـ، المجموع (٢/ ١٩٨، ١٩٩)، رؤوس المسائل في الخلاف للهاشمي (١/ ٧٤)، ط: دار خضر ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":66},{"text":"٢ - أن البدل من شرطه الضرورة، وهي بعد الطلب متحققة حسب الإمكان، أما قبله فمشكوك فيها، فلا تثبت الرخصة، ولهذا لو قال لوكيله: اشتر لي رطبًا فإن لم تجد فعنبًا، لا يجوز أن يشتري العنب قبل طلب الرطب (^١).\n٣ - أن الماء شرط لصحة الصلاة يختص بها، فإذا أعوزه لزمه الاجتهاد في طلبه كما يجتهد إذا شك في جهة القبلة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>أدلة القول الثاني:</span>\nاستدل القائلون بعدم وجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه، بما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أولًا: من الكتاب:</span>\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيًا: من السنة:</span>\nحديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٩٩)، شرح الزركشي (١/ ٣٣٠).\n(^٢) الإشراف (١/ ١٦٧)، المجموع (٢/ ١٩٩)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى (١/ ٩١)، ط: مكتبة المعارف ١٤٠٥ هـ.\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٥).","vol":"1","page":67},{"text":"وجه الدلالة من الآية والحديث:\nفي الآية والحديث رتب إباحة التيمم على عدم وجدان الماء مطلقًا عن قيد الطلب لعدم اشتراطه فيها، فيعمل بإطلاقه، وهذا ليس بواجد قبل الطلب، فهو عادم (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عنده، فإذا وجده من غير طلب لا يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن كان عنده (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثالثًا: من المعقول:</span>\n١ - أنه غير عالم بوجود الماء فأشبه ما لو طَلَبَ فلم يجد (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: بالمنع؛ لافتراق حال من تيقن العجز ومن لم يتيقنه، كما لا يستوي حال من جهل القبلة من غير طلب، ومن عجز عنها بعد الطلب (^٤).\n_________\n(^١) رؤوس المسائل للزمخشري (ص ١٢٣)، ط: دار البشائر الإسلامية ١٤٠٧ هـ، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لداماد أفندي (١/ ٤٣)، ط: دار الطباعة العامرة، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٨).\n(^٢) عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار لابن القصار (٣/ ٩٣١)، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤١٧ هـ، شرح التلقين للمازري (١/ ٢٧٥، ٢٧٦)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٩٩٧ م.\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٥)، ط: دار إحياء التراث العربي، البناية (١/ ٥٦٦)، المغني (١/ ٣١٣)، الممتع (١/ ٢٤٥).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١٠٥٤).","vol":"1","page":68},{"text":"الوجه الثاني: أن هذا التعليل خلاف تعليل القرآن؛ لأن الله تعالى جعل العلة في جواز التيمم ثبوت عدم الماء، وعندهم العلة فيه ألا يعلم بالماء (^١).\n٢ - أن كل عبادة تعلق وجوبها بوجود شرط لم يلزمه طلب ذلك الشرط، كالمال في الحج والزكاة (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن ما كان شرطًا في وجوب العبادة لم يلزم طلبه كالمال في الحج، وما كان شرطًا في الانتقال عن العبادة لزم طلبه كالرقبة في الكفارة، وعدم الماء شرط في جواز الإنتقال فلزم فيه الطلب (^٣).\n٣ - أنه عادم للماء في الظاهر، فلم يلزمه الطلب كالفقير لا يلزمه طلب الرقبة (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأن هذا القياس غير سديد؛ لأنه يجب عليه أن يطلب الرقبة في المواضع التي جرت العادة بطلبها فيها مثل سوق الرقيق ونحوها (^٥).\n_________\n(^١) التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص ٩٠٩)، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية، تحقيق حمد بن محمد بن جابر ١٤١٩ هـ.\n(^٢) الممتع (١/ ٢٤٥).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١٠٥٣، ١٠٥٤).\n(^٤) شرح الزركشي (١/ ٣٣١)، المبدع (١/ ١٧١).\n(^٥) التعليقة الكبرى (ص ٩٠٤)، المجموع (٢/ ١٩٩)، رؤوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء للعكبري (١/ ٧٤)، ط: دار إشبيليا ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":69},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو مذهب الجمهور القائل بوجوب طلب الماء لصحة التيمم، وذلك لقوة أدلتهم، ودلالتها على إفادة المطلوب، وسلامتها من الاعتراضات القادحة، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشتها.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الثاني\nوقت الطلب</span>\nاتفق جمهور الفقهاء - القائلون باشتراط طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين - على أنه لا يصح طلب الماء إلا بعد دخول الوقت، فإن طلب الماء قبل دخول الوقت لم يصح تيممه وعليه إعادة الطلب والتيمم؛ لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه، كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع، ولأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو عدم الماء، فلم يجز في وقت لا يجوز فيه فعل التيمم، ولو طلب الماء في أول الوقت وأخر التيمم إلى آخر الوقت جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلب (^١).\nقال الحافظ ابن حجر (^٢)\nـ عند شرحه حديث عائشة ﵂ في\n_________\n(^١) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر (ص ٢٩، ٣٠)، ط: دار الكتب العلمية، مواهب الجليل (١/ ٥٠٤)، شرح الرزقاني على مختصر خليل (١/ ٢١٢)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٢٢ هـ، المجموع (٢/ ١٩٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٦)، أسنى المطالب شرح روض الطالب لأبي يحيى زكريا الأنصاري (١/ ٧٢، ٧٣)، ط: المكتبة الإسلامية، المغني (١/ ٣١٤)، الإقناع لطالب الإنتفاع للحجاوي (١/ ٨٠)، ط: دار هجر ١٤٢٣ هـ، حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لابن قاسم (١/ ٣١١)، ط: ١٤١٩ هـ.\n(^٢) هو: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المصري، الشافعي، الإمام الحافظ، ولد عام (٧٧٣ هـ)، برع في الصناعة الحديثية، من كتبه: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الإصابة في تمييز الصحابة، وبلوغ المرام وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (٨٥٢ هـ).\n\nانظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٢/ ٣٦ - ٤٠)، ط: مكتبة دار الحيارة، البدر الطالع للشوكاني (١/ ٨٧ - ٩٢)، ط: دار المعرفة.","vol":"1","page":71},{"text":"سبب مشروعية التيمم ـ: «واستدل به على أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمرو بن الحارث بعد قوله: وحضرت الصبح «فالتمس الماء فلم يُوجد» (^١)» (^٢).\nوأما الحنفية فظاهر المذهب عندهم أن له الطلب في كل وقت ولو قبل دخول وقت الصلاة (^٣).\nقلت: يظهر لي - والله أعلم - أن منشأ الخلاف بين الجمهور والحنفية في هذه المسألة هو: هل التيمم بدل مطلق أم بدل ضروري؟ (^٤).\nفمن قال: إن التيمم بدل مطلق - وهم الحنفية - أجازوا التيمم وطلب الماء قبل الوقت، ومن قال: إن التيمم بدل ضروري - وهم الجمهور - اشترطوا للتيمم ولطلب الماء دخول الوقت (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير [صحيح البخاري (٤/ ١٦٨٤) حديث (٤٣٣٢)].\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥١٧).\n(^٣) لم أجد نصًا للحنفية في هذه المسألة، وقياس أصولهم يقتضي ذلك، وذلك لأنه يجوز التيمم عندهم قبل دخول الوقت فالطلب من باب أولى؛ لأن الطلب يكون قبل التيمم لا بعده.\n(^٤) سيأتي ذكر اختلاف الفقهاء في نوع بدلية التيمم، انظر (ص ٢١١ - ٢٢٠).\n(^٥) سيأتي ذكر اختلاف الفقهاء في وقت التيمم، انظر (ص ٢٢٢ - ٢٣٠).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المطلب الثالث\nمسافة الطلب</span>\nإذا لم يجد المكلف الماء وأراد التيمم، فهل ينتقل إلى التراب مباشرة أم يشترط لذلك مسافة معينة لانتقال عادم الماء إلى التيمم؟\nاختلفت أقوال المذاهب في هذه المسألة وفق ما يلي عرضه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>أولًا: الحنفية </span>(^١):\nيجب عليه طلب الماء إذا غلب على ظنه وجوده في مسافة تكون أقل من الميل (^٢)، فإذا بلغت المسافة ميلًا فصاعدًا فلا يلزمه حينئذ الطلب.\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - أن التيمم إنما شرع لدفع الحرج، وإليه وقعت الإشارة في آية التيمم\n_________\n(^١) تحفة الفقهاء للسمرقندي (١/ ٧١)، ط: مكتبة دار التراث ١٤١٩ هـ، بدائع الصنائع (١/ ٣١٦)، رد المحتار (١/ ٣٥٢).\n(^٢) الميل: بالكسر عند العرب مقدار مَدَى البصر من الأرض، وعند القدماء من الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين: أربعة آلاف ذراع، والخلاف لفظي؛ لأنهم اتفقوا على أن مقداره ست وتسعون ألف إصبع. المصباح المنير (٢/ ٥٨٨)، مختار الصحاح (ص ٥٥٢).\nويطلق على وحده الأطوال المستخدمة لقياس المسافة على الأرض، وتعادل هذه الوحدة ٥.٢٨٠ قدمًا، ويعادل الميل الواحد ١.٦٠٩٣٤ كم. الموسوعة العربية العالمية (٢٤/ ٥٤٩، ٥٥٠)، ط ١٤٠٩ هـ.","vol":"1","page":73},{"text":"وهو قوله تعالى على أثر الآية: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولا حرج فيما دون الميل، فأما الميل فصاعدًا فلا يخلو من حرج.\n٢ - لئلا ينقطع عن رفقته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثانيًا: المالكية </span>(^١):\nذهب المالكية إلى أنه يلزمه طلب الماء لكل صلاة طلبًا لا يشق عليه في مسافة تكون أقل من الميلين، فإذا بلغت المسافة ميلين فصاعدًا فلا يلزمه الطلب.\nويمكن أن يستدل لهم بما يلي:\nأنه ليس في طلب الماء أقل من ميلين أي حرج أو مشقة وبالتالي يلزمه الطلب، وأما الميلان فصاعدًا فمظنة المشقة وإن لم تحصل بالفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>ثالثًا: الشافعية </span>(^٢):\nذهب الشافعية إلى التفصيل الآتي:\n١ - أن يتيقن عدم الماء حوله، كبعض رمال البوادي، فيتيمم ولا يحتاج إلى طلب الماء؛ لأن الطلب مع تيقن العدم عبث.\n_________\n(^١) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة لابن رشد (١/ ١٧٤، ١٧٥)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٤٠٨ هـ، شرح الزرقاني (١/ ٢١٢)، شرح منح الجليل على مختصر خليل لمحمد عليش (١/ ١٤٨، ١٤٩)، ط: دار الفكر ١٤٠٤ هـ.\n(^٢) العزيز (١/ ١٩٦ - ٢٠٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٠٥ - ٢٠٨)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٥ - ٢٧٠).","vol":"1","page":74},{"text":"٢ - أن لا يتيقن العدم بل يشك في وجوده وعدمه، فيجب عليه طلبه في حد الغوث (^١)، وهو مقدار غلوة (^٢)، فإن زاد على هذا فلا يلزمه الطلب ويتيمم.\n٣ - أن يتيقن وجود الماء حواليه، فله ثلاث مراتب:\nالأولى: أن يكون على مسافة ينتشر إليها النازلون للحطب والحشيش والرعي، فيجب السعي إليه ولا يجوز التيمم؛ لأنه إذا كان يسعى إليه لأشغاله الدنيوية فللعبادة أولى، وهذا فوق حد الغوث الذي يقصده عند التوهم، وقدروه بنصف فرسخ (^٣).\nالثانية: أن يكون بعيدًا عنه، بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت، فيتيمم ولا يسعى إليه؛ لأنه فاقد في الحال.\nالثالثة: أن يكون بين المرتبتين، فيزيد على ما ينتشر إليه النازلون، ويقصر عن خروج الوقت، فالمذهب جواز التيمم، وأن علم وصوله إلى الماء في آخر الوقت.\n_________\n(^١) الغوث: بفتح الغين، والغواث والغواث بفتحها وضمها الاستغاثة، وحد الغوث هو: الموضع الذي لو استغاث برفقته لأغاثوه مع ما هم عليه من تشاغلهم بأحوالهم وتفاوضهم في أقوالهم. تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (١/ ٣١٢)، ط: دار القلم ١٤٠٨ هـ، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٧).\n(^٢) الغلوة: الغاية، وهي رمية سهم أبعد ما يَقدِرُ عليه، ويقال: هي قدر ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة، والجمع: غَلَوات. المصباح المنير (٢/ ٤٥٢).\n(^٣) الفرسخ: يقدر بثلاثة أميال. لسان العرب (٣/ ٨٦)، مختار الصحاح (ص ٥٥٣). وهو وحدة قياس للطول، ويعادل الفرسخ ١٥.٨٤٠ قدمًا، أو ٤.٨٢٨ كم. الموسوعة العربية العالمية (١٧/ ٣٠١).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>رابعًا: الحنابلة </span>(^١):\nذهب الحنابلة إلى أنه يلزمه طلب الماء فيما قرب منه عرفًا (^٢) وعادة (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو مذهب الحنابلة في إرجاع مسافة الطلب إلى العرف والعادة، وذلك لما يلي:\n١ - أن هذا القول أرفق بالناس، وذلك لأن كثير من الناس يجهل مثل هذه المسافات التي نص عليها الفقهاء.\n٢ - أن التقدير بالمسافة المعينة لم يرد به الشرع، ومحل ما لم يحد شرعًا فيرجع فيه إلى العرف (^٤) لاسيما وأن التيمم قد شرع لدفع الحرج، والتحديد\n_________\n(^١) الإنصاف (١/ ٢٦٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٥).\n(^٢) العرف لغة: العرف والمعروف بمعنى واحد: ضد النُّكْرِ، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير، والبر، والإحسان، وتأنس به، وتطمئن إليه. لسان العرب (٩/ ٢٤٠).\nوفي الاصطلاح: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. التعريفات للجرجاني (١/ ١٩٣)، ط: دار الكتاب العربي ١٤٠٥ هـ.\n(^٣) العادة في اللغة: هي الدربة والتمادي في شيء حتى يصير له سجية. معجم مقاييس اللغة (٤/ ١٨٢).\nوفي الاصطلاح: ما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى. التعريفات (١/ ١٨٨).\n(^٤) يرجع في الفقه إلى اعتبار العرف في مسائل كثيرة، حتى إن الفقهاء جعلوا العرف أصلًا يستند إليه، ودليلًا يرجع إليه عند عدم النص الشرعي، متى تحققت في العرف شروطه المعتبرة. انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص ٩٣ - ١٠٤)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٣ هـ، المنثور في القواعد للزركشي (٢/ ٣٥٦)، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت ١٤٠٥ هـ، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ٩٠) وما بعدها، ط: دار الكتب العلمية ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":76},{"text":"بمسافة معينة لجميع الناس فيه حرج ومشقة (^١).\n٣ - أن من قدر مسافة الطلب بالميل أو بالميلين أو بالفرسخ ونحو ذلك إنما نظر إلى المشقة التي تلحق الإنسان في ذلك العصر، وأما في عصرنا فقد يكون الحال مختلفًا، فالسيارة ليست كالراحلة، والراكب ليس كالماشي، وما دام أن الأمر ليس فيه توقيف من الشارع فيرجع فيه إلى العرف (^٢).\n٤ - لأن ذلك هو الموضع الذي يطلب فيه الماء عادة (^٣).\n_________\n(^١) التيمم أحكامه ومسائله لمساعد الفالح (ص ٦١)، ط: مكتبة المعارف ١٤١٢ هـ.\n(^٢) موسوعة أحكام الطهارة لأبي عمر الدبيان (١٢/ ٢٣٥)، ط: مكتبة الرشد ١٤٢٦ هـ.\n(^٣) المبدع (١/ ١٧٠)، الممتع (١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المطلب الرابع\nصفة الطلب</span>\nاتفق الفقهاء على أنه يجب على عادم الماء أن يطلبه في رحله (^١) بأن يبدأ بتفتيش رحله وأثاثه؛ لأنه أقرب الأشياء إليه، ثم ينظر في الناحية التي هو فيها يمينًا وشمالًا، وأمامًا وخلفًا، وهذا إذا كان في سهل من الأرض لا يحول دون نظره شيء، فإن كان دونه حائل من ربوة أو شيء قائم أتاه وطلب عنده، وكذا إن كانت له رفقة (^٢) سألهم وطلب منهم، وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله عن الماء، فإن لم يجد فهو عادم، وإن دُل على الماء لزمه قصده ما لم يخف ضررًا على نفسه أو ماله، أو يخشى فوات رفقته (^٣).\n_________\n(^١) الرحل: مسكن الرجل وما يصحبه من الأثاث. لسان العرب (١١/ ٢٧٥)، مختار الصحاح (ص ٢١٨).\n(^٢) الرفقة: جمع رفيق وهي الجماعة يترافقون في السفر ينزلون معًا ويحملون معًا، وينتفع بعضهم ببعض. تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١١٧)، المصباح المنير (١/ ٢٣٤).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٨١، ٢٨٢)، حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص ١٢٣، ١٢٤)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ، المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١١٨)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٤٠٨ هـ، مواهب الجليل (١/ ٥٠٥)، البيان في مذهب الإمام الشافعي لأبي الحسين العمراني (١/ ٢٩٠)، ط: دار المنهاج ١٤٢١ هـ، المجموع (٢/ ١٩٩)، المغني (١/ ٣١٤)، الإنصاف (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الخامس\nتكرار الطلب</span>\nسبق القول بأن جمهور الفقهاء اتفقوا على وجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين وهم المالكية والشافعية والحنابلة (^١)، وهذا إذا لم يسبق تيممه تيمم آخر، وطلب للماء.\nوأما إذا سبق له طلب الماء، وتيمم، وأراد تيممًا آخر إما لبطلان التيمم الأول بحدث أو غيره، أو لدخول وقت صلاة أخرى، أو لغير ذلك، فهل يحتاج إلى إعادة الطلب؟ (^٢)\nاتفق جمهور الفقهاء - وهم المالكية والشافعية والحنابلة - على أن من انتقل من موضع التيمم الذي كان فيه وقت طلب الماء للصلاة الأولى، او كان فيه وحدث ما يوجب توهم وجود الماء كأن رأى سحابة أظلت بقربه، أو طلع عليه ركب، أو رأى طيورًا أو خضرة وما أشبه ذلك مما يشك معه في وجود الماء، فإنه يجب عليه تكرار الطلب؛ لأن التيمم الثاني في حكم التيمم الأول في توجيه الخطاب بالطلب (^٣).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٤٦).\n(^٢) ليس للحنفية نص في هذه المسألة، لكونهم لا يشترطون طلب الماء إلا إذا تيقين قرب الماء منه، أو غلب ذلك على ظنه، وإلا فلا يلزمه الطلب، بل يستحب له ذلك إذا كان على شك أو على طمع من وجوده. انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٩)، ط: دار الفكر.\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٥٠٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥١)، المجموع (٢/ ٢٠١)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٥)، حاشية الروض المربع (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":79},{"text":"واتفقوا أيضًا على أنه لو لم ينتقل من موضعه الأول، ولم يحدث ما يقتضي توهم وجود الماء، وتيقن بالطلب الأول أن لا ماء، فإنه لا يلزمه حينئذ لأنه قد تحقق عدمه (^١).\nواختلفوا إذا لم ينتقل عن موضع التيمم، ولم يتيقن العدم في الطلب الأول، بل ظن العدم، فهل يحتاج في التيمم الثاني إلى إعادة الطلب؟ على قولين (^٢):\nالقول الأول: يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو قول المالكية والأصح عند الشافعية وقول الحنابلة؛ لأنه قد يعثر على بئر خفيت عليه، أو يرى من يدله على ماء فيتطهر به. وعلى هذا يكون الطلب الثاني أخف من الأول.\nالقول الثاني: لا يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو وجه للشافعية؛ لأنه لو كان ثم ماء لظفر به بالطلب الأول.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول، القائل بإعادة الطلب في التيمم الثاني وذلك لقوة تعليلهم، ولأن بالطلب الأول لم يحصل له يقين العدم، فيعيد الطلب احتياطًا، والاحتياط في العبادة أولى.\n_________\n(^١) المصادر السابقة.\n(^٢) المصادر السابقة، وانظر: الشك وأثره في نجاسة الماء وطهارة البدن وأحكام الشعائر التعبدية لعبد الله السليمان (١/ ٤٨٤، ٤٨٥)، ط: دار طويق ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الثاني\nشراء الماء</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم شراء الماء لمن فقده.\nالمطلب الثاني: حكم الاقتراض لشراء الماء.\nالمطلب الثالث: شراء الماء في الذمة.\nالمطلب الرابع: حكم قبول الماء الموهوب.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المطلب الأول\nحكم شراء الماء لمن فقده</span>\nاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمكلف العادم للماء أن يعدل إلى التيمم مع قدرته على شراء الماء بثمن مثله (^١)، وكان هذا الثمن فاضلًا عن حاجته ودينه (^٢)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>أولًا: من الكتاب:</span>\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن من وجد الماء بثمن مثله وعنده ثمنه فإنه يعتبر واجدًا له (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>ثانيًا: من المعقول:</span>\n٥ - أن القدرة على ثمن الشيء كالقدرة على الشيء نفسه، قياسًا على الرقبة في الكفارة، حيث أنه لا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم، إذا كان يملك الرقبة أو يملك ثمنها (^٤).\n_________\n(^١) بثمن مثله: أي في ذلك الموضع وما قاربه. بدائع الصنائع (١/ ٣٢٣)، شرح الزرقاني (١/ ٢١١)، المجموع (٢/ ٢٠٢)، المغني (١/ ٣١٧).\n(^٢) الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٣١)، ط: دار المعرفة ١٤١٩ هـ، رد المحتار (١/ ٣٧٢)، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٢)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤٤)، الأم للشافعي (٢/ ٩٨)، ط: دار الوفاء ١٤٢٢ هـ، المجموع (٢/ ٢٠٢)، المبدع (١/ ١٦٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨١).\n(^٣) المغني (١/ ٣١٧).\n(^٤) المبسوط (١/ ١١٥)، المعونة (١/ ١٤٧)، المهذب (١/ ١٣١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٩).","vol":"1","page":83},{"text":"٦ - لأنه قادر على استعماله من غير ضرر (^١).\n٧ - لأنه يلزمه شراء ستر عورته للصلاة فكذا هنا (^٢).\nواتفق الفقهاء أيضًا على أن من عدم الماء، ووجده يباع بزيادة كبيرة على ثمن المثل وبغبن فاحش (^٣)،\nفإنه لا يلزمه شراؤه ويتيمم (^٤) (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) المبدع (١/ ١٦٧).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٣٩٤).\n(^٣) الغبن: بفتح الغين وسكون الباء، والغبن في البيع والشراء الوكس، يقال: غبنه يغبنه غبنًا أي خدعه، وأصل الغبن النقص، ومنه يقال: غبن فلانًا ثوبه إذا ثنى طرفه. تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٣٨)، لسان العرب (١٣/ ٣١٠).\n\nوالغبن الفاحش أو الزيادة الكثيرة: ما لا يتغابن الناس بمثله أو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، والغبن اليسير أو الزيادة اليسيرة: ما يتغابن الناس بمثله أو ما يقوم به مقوم واحد. بدائع الصنائع (١/ ٣٢٣)، الكافي لابن عبد البر (ص ٢٨)، المجموع (٢/ ٢٠٣)، المغني (١/ ٣١٧)، التعريفات (١/ ٢٠٧)، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (١/ ٥٣٤)، ط: دار الفكر ١٤١٠ هـ.\n(^٤) وقال الحسن البصري ﵀: يلزمه الشراء ولو بجميع ماله؛ لأن هذه تجارة رابحة. الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (٢/ ٤٤)، ط: دار طيبة ١٤١٤ هـ، المبسوط (١/ ١١٥)، المجموع (٢/ ٢٠٣).\n(^٥) هناك رواية عند الحنابلة أنه إن كان ذا مال كثير ولا تجحف به الزيادة الكثيرة لزمه الشراء. انظر: الإنصاف (١/ ٢٥٧).\n(^٦) المبسوط (١/ ١١٥)، الذخيرة (١/ ٣٤٤)، المجموع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٧).","vol":"1","page":84},{"text":"واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - أن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذا في المال (^١).\n٢ - أن الزيادة الكثيرة تجعله في حكم المعدوم (^٢).\n٣ - أن هذا القول هو الموافق ليسر الشريعة الإسلامية ودفع الحرج والمشقة عن المكلفين في أنفسهم وأموالهم.\nواختلف الفقهاء فيما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل يسيرة، فهل يلزمه شراء الماء أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: يلزمه شراء الماء، وهو قول الحنفية والمالكية ووجه للشافعية، ورواية عند الحنابلة هي المذهب (^٣).\nالقول الثاني: لا يلزمه شراء الماء، وهو الصحيح من قول الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) شرح العناية على الهداية (١/ ١٤٢)، الذخيرة (١/ ٣٤٤)، المغني (١/ ٣١٧).\n(^٢) الشرح الكبير لابن أبي عمر بن قدامة (٢/ ١٨٤)، ط: دار عالم الكتب ١٤١٩ هـ، المبدع (١/ ١٦٧).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٣)، البحر الرائق (١/ ٢٨٤)، التلقين في الفقه المالكي لعبد الوهاب البغدادي (ص ٦٧)، ط: مكتبة نزار الباز ١٤١٥ هـ، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٢)، العزيز (١/ ٢١٠)، المجموع (٢/ ٢٠٣)، المستوعب للسامري (١/ ٢٨٠)، ط: مكتبة المعارف ١٤١٣ هـ، الإنصاف (١/ ٢٥٧).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٠٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٣)، المبدع (١/ ١٦٧)، الإنصاف (١/ ٢٥٨).","vol":"1","page":85},{"text":"أدلة القول الأول:\nوهم القائلون بلزوم شراء الماء إذا كانت الزيادة يسيرة، استدلوا بما يلي:","vol":"1","page":86},{"text":"أولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن من وجد الماء بزيادة يسيرة على ثمن المثل وعنده ثمنه فإنه يعتبر واجدًا له (^١).\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن تلك الزيادة اليسيرة غير معتبرة فلا أثر لها (^٢).\n٢ - أن القدرة على ثمن العين كالقدرة على العين في المنع من الانتقال إلى البدل، بدليل ما لو بيعت بثمن مثلها (^٣).\n٣ - أن الضرر اليسير قد اغتفر في النفس كضرر يسير في بدنه من صداع أو برد، فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى (^٤).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣١٧).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨١).\n(^٣) رد المحتار (١/ ٣٧٢)، المعونة (١/ ١٤٧)، المغني (١/ ٣١٧).\n(^٤) المبدع (١/ ١٦٧)، كشاف القناع (١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":87},{"text":"أدلة القول الثاني:\nوهم القائلون بعدم شراء الماء سواء كثرت الزيادة عن ثمن المثل أو قلت، استدلوا بما يلي:\n١ - أنه لو لزمه بذل اليسير للزمه بذل الكثير، ولأفضى الأمر به إلى خروجه من جميع ملكه، وهذا عدول عما يقتضيه الشرع (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن التفريق بين الغبن اليسير والغبن الفاحش مقرر في الشرع فالمصير إليه أولى (^٢).\nالوجه الثاني: أن الزيادة اليسيرة لا يتحقق كونها زيادة، لدخولها بين تقويم (^٣) المقومين، فصار وجودها ووجود ثمن المثل سواء (^٤).\n٢ - أن في الزيادة عليه ضرر، فلا يلزمه بذلها، كما لو خاف لصًا يأخذ من ماله ذلك المقدار، فإنه يتيمم (^٥).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الشافعية قد قالوا في المريض: يلزمه الغسل، ما لم يخف التلف. فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى (^٦).\nقال السيوطي (^٧): «... وأشكل من هذا أنهم لم يوجبوا شراء الماء بزيادة يسيرة على ثمن المثل وجوزوا التيمم، ومنعوه فيما إذا خاف شيئًا فاحشًا في عضو باطن مع أن ضرره أشد من ضرر بذل الزياذة اليسيرة جدًا، خصوصًا إذا كان رقيقًا، فإنه ينقص بذلك قيمته أضعاف قدر الزيادة المذكورة، وقد استشكله الشيخ عز الدين وغيره ولا جواب عنه» (^٨).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول، القائل بلزوم شراء الماء إذا كانت الزيادة يسيرة، وذلك لما يلي:\n١ - قوة دليل هذا القول في مقابل ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.\n٢ - أن أغلب الناس لا يلتفتون إلى هذه الزيادة لكونها يسيرة، ولأنها في مقابل الحصول على ماء الوضوء الذي هو شرط في صحة الصلاة.\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١١٤٢).\n(^٢) شرح العناية (١/ ١٤٢).\n(^٣) التقويم: مصدر قومت السلعة إذا حددت قيمتها وقدرتها. المطلع على أبواب المقنع للبعلي (١/ ٤٠٣)، ط: المكتب الإسلامي ١٤٠١ هـ.\n(^٤) التجريد للقدوري (١/ ٢٦٦)، ط: دار السلام ١٤٢٥ هـ، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٣).\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٠٣)، المبدع (١/ ١٦٧).\n(^٦) شرح العناية على الهداية (١/ ١٤٢)، المغني (١/ ٣١٧).\n(^٧) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، جلال الدين، فقه شافعي، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو ستمائة في فروع الشافعية، ومن كتبه: الإتقان في علوم القرآن، والدر المنثور في التفسير بالمأثور وغيرهما، توفي سنة (٩١١ هـ).\nانظر: البدر الطالع للشوكاني (١/ ٣٢٨)، الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١)، ط: دار العلم للملايين ١٩٨٤ م.\n(^٨) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ٨١، ٨٢).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الثاني\nحكم الاقتراض (^١) لشراء الماء</span>\nإذا عدم المكلف الماء، ولم يجده إلا بثمن وليس معه مال، فهل يجب عليه الاقتراض لشراء الماء؟\nاتفق الفقهاء على أن من عدم الماء ولم يجده إلا بثمن لم يقدر عليه، وليس عنده ما يوفيه لكونه معدمًا فإنه لا يجب عليه الاقتراض لشراء الماء ولا قبول قرضه (^٢) واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - لأنه لا يأمن أن يطالبه قبل وصوله إلى ماله (^٣).\n٢ - لأن الاستقراض اكتساب (^٤)، ولا يجب الاكتساب لحصول الماء (^٥).\n_________\n(^١) الاقتراض: من القرض وهو ما تعطيه الإنسان من مالك لتقضاه، واستقرض منه طلب منه القرض، واقترض منه أخذ منه القرض، وأصل القرض القطع. معجم مقاييس اللغة (٥/ ٧١)، مختار الصحاح (ص ٤٦٠).\nوالقرض في اصطلاح الفقهاء: دفع الماء إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله. التوقيف (ص ٥٨٠).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٨٤)، رد المحتار (١/ ٣٧٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٣)، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٢)، المجموع (٢/ ٢٠٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨١)، كشاف القناع (١/ ٣٩٥).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٨٤)، المجموع (٢/ ٢٠٣).\n(^٤) اكتساب: من الكسب وهو الطلب والابتغاء والإصابة. معجم مقاييس اللغة (٥/ ١٧٩).\n(^٥) التهذيب في فقه الإمام الشافعي للبغوي (١/ ٣٧٦)، ط: دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":89},{"text":"٣ - لما في ذلك من الحرج (^١) وعظم المنّة (^٢).\nواختلفوا فيما إذا كان مليًا ببلده أو يستطيع الوفاء بهذا الثمن، فهل يجب عليه الاقتراض لشراء الماء؟ وذلك على قولين (^٣):\nالقول الأول: لا يجب عليه الاقتراض لشراء الماء، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة.\nواستدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالة على عدم الاقتراض لشراء الماء لكونه معدمًا وليس عنده ما يوفيه.\nالقول الثاني: يجب عليه الاقتراض لشراء الماء، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية، وقول للحنابلة وعللّوا ذلك بأن المنّة لا تثقل فيها (^٤).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن السؤال صعب على ذوي المروءات وإن هان قدر المسؤول (^٥).\n_________\n(^١) نهاية المحتاج (١/ ٢٧٥).\n(^٢) تحفة المحتاج (١/ ٥٥٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩٥).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٨٤)، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٢)، التنقيح شرح الوسيط للنووي مع الوسيط (١/ ٣٦٤)، مغني المحتاج (١/ ٢٥١)، الإنصاف (١/ ٢٥٩).\n(^٤) الوسيط (١/ ٣٦٤).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":90},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم وجوب الاقتراض لشراء الماء وإن كان مليًا ببلده وله ما يوفيه، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الثالث\nشراء الماء في الذمة</span>\nاتفق الفقهاء على أن من عدم الماء، ووجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل في ذمته، وهو غير واجد للثمن في موضعه ولا في موضع آخر، فإنه لا يلزمه شراؤه (^١). وعللوا ذلك بما يلي:\n١. لأن العجز متحقق في الحال (^٢).\n٢. لأن عليه ضررًا في ذلك (^٣).\nواختلفوا فيما إذا لم يجد الثمن في موضعه، ويجده في موضع آخر كأن يكون له مال غائب، فهل يجب عليه شراء الماء في ذمته، أم لا؟ وذلك على قولين (^٤):\nالقول الأول: يلزمه شراء الماء ولا يجوز له التيمم، وهو قول الحنفية، والمالكية، والصحيح عند الشافعية، وقول للحنابلة (^٥).\nالقول الثاني: لا يلزمه شراء الماء ويجوز له التيمم، وهو وجه للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٨٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٣)، المجموع (٢/ ٢٠٣)، المغني (١/ ٣١٨).\n(^٢) حاشية الطحاوي (١/ ١٢٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٠٣)، المبدع (١/ ١٦٧).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢٨٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٨).\n(^٥) الحاوي (٢/ ١١٤٠)، المجموع (٢/ ٢١٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨١).","vol":"1","page":92},{"text":"أدلة القول الأول:\nعلّل الجمهور ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - لأن الأجل لازم فلا مطالبة قبل حلوله بخلاف القرض (^١).\n٢ - لأن ذلك لا يخرجه عن ثمن المثل (^٢).\n٣ - قياسًا على الرقبة في الكفارة (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش الدليل الثالث بأنه قياس مع الفارق لأن الصلاة مؤقتة لا يجوز تأخيرها عن وقتها، بخلاف الكفارة فيجوز انتقالها من موضع إلى موضع (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أنه قد يجوز أن يهلك المال قبل وصوله إليه (^٥).\n٢ - أن عليه ضررًا في بقاء الدين في ذمته (^٦).\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٧٢)، المجموع (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٢٥٠).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١١٤٠، ١١٤١)، المبدع (١/ ١٦٧)، كشاف القناع (١/ ٣٩٥).\n(^٤) المصادر السابقة.\n(^٥) المصادر السابقة.\n(^٦) المصادر السابقة.","vol":"1","page":93},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه لا ضرر عليه في ذلك (^١)؛ لأنه مع القدرة على الوفاء أشبه واجد الثمن (^٢).\n٣ - قياسًا على المتمتع إذا عدم الهدي في موضعه دون بلده (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بلزوم شراء الماء وإن كان له مال غائب، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، ولأنه تحصيل للماء الذي هو شرط في صحة الصلاة.\n_________\n(^١) البيان (١/ ٢٩٢).\n(^٢) شرح منح الجليل (١/ ١٤٨)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥١).\n(^٣) شرح العمدة (١/ ٤٣٢)، المبدع (١/ ١٦٧).","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الرابع\nحكم قبول الماء الموهوب</span>\nاتفق الفقهاء على أن المكلف إذا لم يجد الماء، ووجد من يبذل له ثمنه هبة أو صدقة، فإنه لا يلزمه قبوله (^١)، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (^٢).\nوعللوا ذلك بما يلي:\n١. لأن المنة تلحق به (^٣).\n٢. لأنه لا يتسامح بالثمن في الغالب، لكون المال مبني على المشاحة ولزوم المكافأة عليه (^٤).\n٣. لأن العجز متحقق في الحال (^٥).\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٧٢)، التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق مع مواهب الجليل (١/ ٥٠٣)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٦ هـ، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٥١)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٥)، الإقناع للحجاوي (١/ ٧٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨١).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٠٢)، الإقناع للشربيني (١/ ١٠٦).\n(^٣) شرح منح الجليل (١/ ١٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٢٥١)؛ المغني (١/ ٣١٧).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١١٤٤)، التهذيب (١/ ٣٧٦).\n(^٥) حاشية الطحاوي (١/ ١٢٥).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الفرع الأول\nحكم قبول الماء الموهوب</span>\nاختلف الفقهاء فيما إذا عدم الماء ووجد من يبذله له قرضًا أو هبة أو صدقة، فهل يلزمه القبول فلا يصح تيممه في هذه الحالة أم لا يلزمه القبول ويصح تيممه؟ للفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: يلزمه القبول، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، إلا أن المالكية اشترطوا عدم تحقق المنّة وإلا لم يلزمه (^١).\nالقول الثاني: لا يلزمه القبول، وهو وجه عند الشافعية، وقول للحنابلة (^٢).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن من بذل له الماء لزمه القبول بما يلي:\n١ - أن المسامحة في الماء غالبة فلا تعظم فيه المنّة (^٣).\n٢ - لأنه قادر على استعمال الماء، فيلزمه استعماله (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٥)، النتف في الفتاوى لأبي الحسن السغدي (١/ ٤٥)، ط: مؤسسة الرسالة ودار الفرقان ١٤٠٤ هـ، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠)، المجموع (٢/ ٢٠٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٥١)، الإنصاف (١/ ٢٥٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨١).\n(^٢) المصادر السابقة للشافعية والحنابلة.\n(^٣) تحفة المحتاج (١/ ٥٥٣)، شرح العمدة (١/ ٤٣٢).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١١٤٣، ١١٤٤)، المغني (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":96},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأن من بذل له الماء لم يلزمه القبول، بما يلي:\n١ - لأن المنة تلحق به (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الماء مبتذل لا يُمن به في الغالب (^٢)، وذلك لأن أصله مباح فلا يلزم من قبوله مكافأة (^٣).\n٢ - قياسًا على عدم لزوم قبول الرقبة في الكفارة (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الماء لا يُمن به في العادة بخلاف الرقبة، ولهذا لو وهبت له الرقبة ابتداءً لم يجب قبولها بخلاف الماء (^٥).\n٣ - لأنه نوع يكسب للطهارة فلا يلزمه، كما لا يلزمه اكتساب ثمن الماء (^٦).\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٢٥١)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٥).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٥٠٣)، المجموع (٢/ ٢٠٢)، المغني (١/ ٣١٧).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١١٤٤).\n(^٤) التعليقة الكبرى (ص ٩٩٥)، المجموع (٢/ ٢٠٠، ٢٠٢).\n(^٥) المصدران السابقان، وانظر: البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد المرتضى (١/ ١١٤)، ط: مؤسسة الرسالة ١٣٩٤ هـ.\n(^٦) العزيز (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":97},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الإنسان يكتسب للأمور الدنيوية، فالاكتساب للطهارة أولى.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بلزوم القبول لمن بذل له الماء، وذلك لما يلي:\n١ - قوة الأدلة وسلامتها من المعارضة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الثاني.\nوبهذا يُعلم أن من بذل له الماء ولم يقبله وصلى بالتيمم فإنه يأثم ولا تصح صلاته وتلزمه الإعادة (^١).\n_________\n(^١) التعليقة الكبرى (ص ٩٩٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٥١).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفرع الثاني\nهل يجب استيهاب الماء أو اقتراضه</span>؟\nاختلف الفقهاء فيما إذا عدم الماء ووجده عند غيره، فهل يجب استيهابه أو اقتراضه أم لا؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: يجب استيهاب الماء واقتراضه، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، إلا أن المالكية اشترطوا في الاستيهاب عدم تحقق المنّة وإلا لا يجب استيهابه.\nالقول الثاني: لا يجب استيهاب الماء ولا اقتراضه، وهو وجه للشافعية، وقول الحنابلة.\nأدلة القول الأول:\nاستدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالّة على وجوب قبول الماء المبذول.\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالة على عدم وجوب قبول الماء المبذول.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٨، ١١٥)، البحر الرائق (١/ ٢٨٢)، شرح الزرقاني (١/ ٢١١)، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٢)، المجموع (٢/ ٢٠٠)، التنقيح في شرح الوسيط (١/ ٣٦٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨١).","vol":"1","page":99},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بوجوب استيهاب الماء واقتراضه، وذلك لقوة الأدلة وسلامتها من المعارضة، ولأن أدلة القول الثاني تم مناقشتها (^١).\n_________\n(^١) انظر (ص ٧٢، ٧٣).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثالث\nنسيان الماء</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: التيمم لمن نسي الماء بعد أن علم به.\nالمطلب الثاني: التيمم لمن ضل عن مكانه الذي فيه الماء.\nالمطلب الثالث: إذا قام وصلى ثم بان أنه بقربه بئر أو ماء.\nالمطلب الرابع: إذا وضع الماء في رحله ولم يعلم به.\nالمطلب الخامس: التيمم لمن ظن أن الماء قد نفذ.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الأول\nالتيمم لمن نسي الماء\nبعد أن علم به</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من نسي الماء في رحله أو في موضع يمكنه استعماله وكان عالمًا بالماء، فتيمم وصلى ثم تذكر الماء، فهل تجب عليه إعادة الصلاة ولا يصح تيممه أم لا؟ على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن (^٢)،\nوالمشهور عند المالكية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، ورواية عند الحنابلة.\n_________\n(^١) مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ١٥٠)، ط: دار البشائر الإسلامية ١٤١٧ هـ، المبسوط (١/ ١٢١)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٤)، المدونة الكبرى للإمام مالك (١/ ٤٣، ٤٦)، ط: دار صادر، الذخيرة (١/ ٣٦١، ٣٦٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٤ - ٥٢٦)، مختصر المزني في فروع الشافعية (ص ١٦)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٩ هـ، المجموع (٢/ ٢١٣)، مغني المحتاج (١/ ٢٥١، ٢٥٢)، مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (ص ٤٠)، ط: المكتب الإسلامي ١٤٠١ هـ، المحرر في الفقه لمجد الدين بن تيمية (١/ ٢٢)، ط: مكتبة المعارف ١٤٠٤ هـ، المبدع (١/ ١٧١)، الإنصاف (١/ ٢٦٥).\n(^٢) هو: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرق الشيباني، من كبار أصحاب أبي حنيفة، وعمد المذهب، ولد بواسط عام (١٣٢ هـ)، ونشأ بالكوفة، كان لكتبه أكبر الأثر في ضبط مذهب أبي حنيفة، ونُشر منها: الأصل، والسير الكبير والصغير، والحجة على أهل المدينة وغيرها، توفي سنة (١٨٩ هـ) بالري.\n\nانظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٨٤)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤ - ١٣٦)، شذرات الذهب (١/ ٣٢١ - ٣٢٥).","vol":"1","page":103},{"text":"القول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو قول أبي يوسف (^١) من الحنفية، ورواية للمالكية، والصحيح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد)، ومذهب الحنابلة.\nأدلة القول الأول:\nأولًا: من الكتاب:\n٨ - قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ كلفنا بحسب الوسع، وليس في وسع الناس استعمال الماء قبل علمه به، وإذا لم يكن مخاطبًا باستعماله فوجوده كعدمه (^٢).\n٩ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) هو: القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس الأنصاري، من أهل الكوفة صاحب أبي حنيفة، كان فقيهًا، عالمًا حافظًا، نشر مذهب أبي حنيفة وخالفه في مواضع كثيرة، تولي القضاء ببغداد لثلاثة من الخلفاء المهدي وابنه الهادي، ثم هارون الرشيد، وهو أوّل من دعي بقاضي القضاة، ولد سنة (١١٣ هـ)، وتوفي ببغداد سنة (١٨٢ هـ).\nانظر: وفيات الأعيان (٦/ ٣٧٨ - ٣٩٠)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥ - ٥٣٩).\n(^٢) الأصل لمحمد بن الحسن (١/ ١٢٣)، ط: دائرة المعارف العثمانية ١٣٨٦ هـ، المبسوط (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":104},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الناسي غير واجد لما هو ناس له، إذ لا سبيل إلى الوصول إلى استعماله فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته (^١).\n١٠ - قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الخطاب في هذه الآية لم يتوجه إلى الناسي؛ لأن تكليف الناسي لا يصح (^٢)، وإذا لم يكن مأمورًا مكلفًا بالغسل فهو مأمور بالتيمم لا محالة؛ لأنه لا يجوز سقوطهما جميعًا عنه مع الإمكان، فثبت جواز تيممه (^٣).\n١١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوجه الدلالة:\nأن الآية اقتضت سقوط حكم المنسي (^٤).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٣)، الإشراف (١/ ١٧٢)، المبدع (١/ ١٧١).\n(^٢) انظر المعنى والأقوال لهذه المسألة الأصولية - تكليف الناسي لا يصح - في: البرهان في أصول الفقه للجويني (١/ ٩١)، ط: دار الوفاء ١٤١٨ هـ، المنخول من تعليقات الأصول للغزالي (ص ٣٠)، ط: دار الفكر ١٤٠٠ هـ، البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (١/ ٢٨٢)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٢١ هـ، القواعد والفوائد الأصولية للبعلي (ص ٣٠)، ط: مطبعة السنة المحمدية ١٣٧٥ هـ، التحبير شرح التحرير للمرداوي (٣/ ١٠٣٣)، ط: مكتبة الرشد ١٤٢١ هـ.\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٣)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٦).\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٣).","vol":"1","page":105},{"text":"ثانيًا: من السنة:\nحديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ قد عفى عن المخطئ حال خطئه، وعن الناسي حال نسيانه، فيكون فرضه التيمم؛ لأن الله قد تجاوز عنه.\nالمناقشة:\nنوقش بأن أهل الأصول اختلفوا في هذا الحديث هل هو مجمل أم عام؟ فإذا قيل: إنه مجمل توقف الاحتجاج به على بيان المراد فلا حجة لهم فيه.\nوإذا قيل: إنه عام - قال النووي: وهو الأصح - فقد خص منه غرامة المتلفات، ومن صلى محدثًا ناسيًا، ومن نسي بعض أعضاء طهارته وغير ذلك، فكذا يخص منه نسيان الماء في رحله قياسًا على نسيان بعض الأعضاء وغيره\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي [سنن ابن ماجه (١/ ٦٥٩) برقم (٢٠٤٥)]، وصححه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٣٧١ - ٣٧٤)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤١٧ هـ، والبوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٢٦)، ط: دار العربية ١٤٠٣ هـ، وابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ٢٨١، ٢٨٢)، والسخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٣٧٠، ٣٧١)، ط: دار الكتاب العربي ١٤٠٥ هـ، والألباني في إرواء الغليل (١/ ١٢٣، ١٢٤).","vol":"1","page":106},{"text":"مما ذكرناه، فإن التخصيص بالقياس جائز (^١) (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن الناسي قد صلى على الوجه الذي يلزمه في ذلك الوقت، فلا تجب عليه الإعادة (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه إن أرادوا يلزمه في نفس الأمر فلا يسلم به، وإن أرادوا في الظاهر وبالنسبة إلى اعتقاده فينتقض بمن نسي بعض الأعضاء (^٤).\n٢ - أن العجز عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة والنسيان، فصح تيممه، كما لو حصل العجز بسبب عدم الدلو والرشاء (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) القياس إن كان قطعيًا فإنه يجوز التخصيص به بلا خلاف، وإن كان ظنيًا فقد اختلفوا فيه، والصحيح الذي عليه الأكثرون: جوازه أيضًا، وهو قول الأئمة الأربعة وأكثر الفقهاء. انظر: قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني (١/ ١٩٠)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ، المحصول للرازي (٣/ ١٤٨)، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٠ هـ، الإحكام للآمدي (٢/ ٣٦١)، البحر المحيط (٢/ ٥٠٤)، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (١/ ٣٥٥)، ط: دار الفكر ١٤١٧ هـ، إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٢٧٠)، ط: دار الفكر ١٤١٢ هـ.\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٣).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المجموع (٢/ ٢١٤).\n(^٥) الدلو: التي يستقى بها. مختار الصحاح (ص ١٩٥). والرشا: الحبل. مختار الصحاح (ص ٢٢٤).\n(^٦) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٤)، البحر الرائق (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":107},{"text":"المناقشة:\nيمكن أن يناقش بأنه ليس بعاجز عن استعمال الماء؛ لثبوت العلم نظرًا إلى الدليل وهو وجود الماء؛ لأن الرحل معدن الماء فيجب الطلب فيه قبل التيمم، فيلحق الرحل بالعمران وإخبار المخبر ووجود طير ووحش بجامع وجود دليل الماء (^١).\n٣ - لأن النسيان عذر حال بينه وبين استعمال الماء، كما لو وجد الماء ولم يصل إليه لخوف سبع أو عدو (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن من منعه السبع أو العدو لم يحصل منه تقصير في ذلك، بخلاف الناسي، ولذلك فقد حصل الاتفاق على أن السبع لو حال بينه وبين ساتر العورة صحت صلاته عاريًا، ولو تركها ناسيًا أعاد (^٣).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بجوابين:\nالأول: أن التفريط والتقصير إنما يكون في ترك ما وجب عليه، والناسي ليس كذلك لأنه غير مأمور بما عجز عنه شرعًا.\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٤٠، ١٤١).\n(^٢) الإشراف (١/ ١٧٢، ١٧٣)، المجموع (٢/ ٢١٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢١٤)، المغني (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":108},{"text":"الثاني: أن القياس على من نسي ستر العورة في الصلاة لا يصح؛ لأن المقيس عليه محل خلاف (^١).\n٤ - أن الناسي صلى ولا يعلم أن معه ماء، فلم تلزمه إعادة، كمن صلى ثم رأى بقربه بئرًا (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن البئر إن كانت ظاهرة لزمه الإعادة، وإن كانت خفية فلا ينسب فيها إلى تفريط بخلاف النسيان (^٣).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بما أجيب به في الجواب الأول من مناقشة الدليل السابق.\nأدلة القول الثاني:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) للفقهاء في حكم ستر العورة في الصلاة قولان:\nالقول الأول: أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وتبطل الصلاة بدونه إذا كان قادرًا على سترها، وهو قول الحنفية، والصحيح من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.\nالقول الثاني: أن ستر العورة ليس بشرط في صحة الصلاة، وإنما هو واجب، وتصح الصلاة بدونه مع الإثم، وهو قول عند المالكية. انظر: المبسوط (١/ ١٩٧)، مواهب الجليل (١/ ١٧٧، ١٧٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٦، ٣٩٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٥٣).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٤)، التجريد (١/ ٢٥٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢١٤).","vol":"1","page":109},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا واجد للماء، لأن وجود الماء لا ينافيه النسيان، وإنما ينافيه العدم، فلم يتحقق الشرط (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الوجود المراد بالآية هو القدرة على الاستعمال من غير مشقة، وهذا لا يوجد فيما نسيه (^٢).\nالوجه الثاني: أنه لا يوصف بأنه واجد له وإن كان موجودًا، كمن معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش فإنه يجوز له التيمم وهو واجد للماء، فالناسي أبعد من الوجود لتعذر وصوله إلى استعماله (^٣).\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن الناسي للماء قد نسي ما لا ينسى عادة؛ لأن الماء من أعز الأشياء في السفر؛ لكونه سببًا لصيانة نفسه عن الهلاك، فكان القلب متعلقًا به، فالتحق النسيان فيه بالعدم (^٤).\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٣٦٢)، المجموع (٢/ ٢١٣)، المبدع (١/ ١٧١).\n(^٢) التجريد (١/ ٢٥٢). وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٥، ٤٤٦).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٤)، التجريد للقدوري (١/ ٢٥٢).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٤)، البحر الرائق (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":110},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأنه استدلال غير صحيح؛ لأن النسيان جبلة (^١) في البشر، خصوصًا إذا مرَّ به أمر يشغله عما وراءه، والسفر محل المشقات، ومكان المخاوف، فنسيان الأشياء فيه غير نادر (^٢).\n٢ - أن الرحل موضع الماء غالبًا؛ لحاجة المسافر إليه، فكان الطلب واجبًا كما في العمران (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه ليس كذلك؛ لأن الغالب في الماء الموضوع في الرحل هو النفاد لقلته، فلا يكون بقاؤه غالبًا، فيتحقق العجز ظاهرًا بخلاف العمران لأنه لا يخلو عن الماء غالبًا (^٤).\n٣ - لأن الطهارة بالماء شرط من شروط الصلاة، فلم يسقط بالنسيان كستر العورة، وغسل بعض الأعضاء، وكمريض صلى قاعدًا - متوهمًا عجزه عن القيام - وكان قادرًا، وكحاكم نسي النص فحكم بالقياس، وكمن نسي الرقبة في الكفارة فصام، وكمن كان الماء في إناء على كتفه فنسيه وتيمم وصلى فإنه يعيد بالاتفاق (^٥).\n_________\n(^١) الجبلة: الخِلقة التي خلق الإنسان عليها. مختار الصحاح (ص ٩٣)، المصباح المنير (١/ ٣٢٩).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٤).\n(^٣) البناية شرح الهداية (١/ ٥٦٤)، البحر الرائق (١/ ٢٧٩).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٤).\n(^٥) البناية شرح الهداية (١/ ٥٦٤)، الذخيرة (١/ ٣٦٢)، المجموع (٢/ ٢١٣)، كشاف القناع (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":111},{"text":"المناقشة:\nنوقش هذا الدليل من خمسة وجوه:\nالوجه الأول: أن النسيان بمجرده لا يؤثر في سقوط الفرض، وإنما يؤثر مع انضمام معنى آخر إليه فيصيران عذرًا في سقوط الفرض، كالسفر الذي هو حال عدم الماء فإذا انضم إليه النسيان فإنهما يصيران عذرين في سقوط الفرض، وأما نسيان الطهارة والصلاة وستر العورة ونحو ذلك فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير عذرًا في سقوط هذه الفرائض (^١).\nالوجه الثاني: أن قياس ناسي الماء على من نسي ستر العورة أو من نسي القيام فصلى قاعدًا لا يصح؛ لأن النسيان إنما يكون عذرًا في الانتقال إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض، ومن نسي القيام وستر العورة فقد ترك فرضًا ولم ينتقل إلى بدل بخلاف من نسي الماء في رحله فإنه انتقل من الوضوء إلى التيمم، ولا يقال: إن القعود بدل عن القيام؛ لأنه فرضه، والجزء من الشيء ليس ببدل عنه (^٢).\nالوجه الثالث: أن القياس على من نسي غسل بعض الأعضاء غير سديد؛ لأن ترك بعض الأعضاء لا تؤثر فيه الأعذار مع بقاء فرضه، ولهذا نجد أن المرض والسفر لا يؤثران في ذلك، وانتقال الفرض من الوضوء إلى التيمم تؤثر فيه الأعذار: المرض والسفر؛ فجاز أن يؤثر فيه النسيان (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٣، ١٤)، التجريد للقدوري (١/ ٢٥٢، ٢٥٣).\n(^٢) المصدران السابقان، وانظر: الاختيار (١/ ٣٠، ٣١).\n(^٣) التجريد (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":112},{"text":"الوجه الرابع: أن قياس الناسي للماء في رحله على نسيان الرقبة في الكفارة، إنما هو قياس مع الفارق؛ لأن المعتبر في الرقبة الملك، بدليل أنه لو عرض عليه رقبة كان له ألا يقبل ويكفر بالصوم، وبالنسيان لا ينعدم الملك، وأما الطهارة بالماء فالمعتبر فيها القدرة على استعمال الماء، وبالنسيان زالت القدرة، بدليل أنه لو عرض عليه الماء لزمه قبوله وبطل تيممه (^١).\nالجواب:\nتم الإجابة عليه بأنه لا فرق بينهما، فإنه لو كان قادرًا في الموضعين على الأصل لم يجز له الإنتقال إلى البدل ولو عدم الأصل جاز له الإنتقال إلى البدل، فأما العتق مع الغيبة فلأنه يقدر أن يقول عتقت عبدي فينفذ، ولا يقدر على الوضوء بماء غائب عنه، وأما إذا بذلت له الرقبة فلا يلزمه قبولها؛ لأنه مع عدمها لا تجب عليه، فلا يلزمه أن يكتسب لتجب، ولأنه لو قبلها لم يلزمه إخراجها، فإنه يجزئه الصوم إذا كان فقيرًا حال الوجوب، ثم في قبول الرقبة منّة كثيرة بخلاف الماء فإنه لا منة فيه، والمنّة قد لا تسامح النفس بحملها (^٢).\nالوجه الخامس: أن القياس على من نسي الماء على كتفه لا يصح؛ لأنه لا يخلو من أن يكون راكبًا أو سائقًا، فإن كان راكبًا وكان الماء في مؤخر الرحل فهو على الاختلاف، وإن كان في مقدم الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأن نسيانه نادر.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٥)، الاختيار (١/ ٣١).\n(^٢) الانتصار في المسائل الكبار على مذهب الإمام أحمد الكلوذاني (١/ ٤٢٤)، ط: مكتبة العبيكان ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":113},{"text":"وأما إذا كان سائقًا فالجواب على العكس، وهو أنه إن كان في مؤخر الرحل فلا يجوز بالإجماع؛ لأنه يراه ويبصره، فكان النسيان نادرًا، وإن كان في مقدم الرحل فهو على الاختلاف (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن نسي الماء في رحله، ولكن بشرط أن يجتهد في طلب الماء قبل التيمم حتى يغلب على ظنه عدمه، وإلا فالقول بالإعادة أحوط؛ لئلا يعرض نفسه للعقوبة (^٢).\nوكان هذا هو الراجح لما يلي:\n١. قوة أدلة هذا القول، وإفادتها المراد.\n٢. لأن تكليف الناس بما لا يعلمه فيه مشقة عليه، وخاصة إذا تعددت عليه الصلوات.\n٣. ولأن هذا القول فيه تيسير على المسلمين ورفع للحرج عنهم.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٥)، الفتاوى الهندية (١/ ٣١).\n(^٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (١/ ٣٨٧)، ط: دار ابن الجوزي ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المطلب الثاني\nالتيمم لمن ضل عن مكانه\nالذي فيه الماء</span>\nاتفق جمهور الفقهاء على أن من ضلَّ عن مكانه الذي فيه الماء، أو ضل رحله في الرحال بسبب ظلمة أو غيرها، أو ضل عن موضع بئر كان يعرفها، فتيمم بعد طلبه الماء فإن تيممه صحيح ولا إعادة عليه (^١) (^٢)، إلا وجهًا لبعض الشافعية وقولًا لبعض الحنابلة أنه لا يصح تيممه وتلزمه الإعادة قياسًا على الناسي (^٣).\nوكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ١٨].\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، حاشية الخرشي (١/ ٣٦٧)، الأم (٢/ ٩٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٥٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٠)، الإنصاف (١/ ٢٦٦).\n(^٢) لم أجد للحنفية نصًا صريحًا في هذه المسألة، سوى ما قاله الجصاص في أحكام القرآن: «ألا ترى أن الماء لو كان في رحله ومنعه منه مانع جاز له التيمم» (١/ ١٤). قلت: وإضلاله مانع، ثم إن الحنفية قالوا بعدم إعادة الصلاة لمن نسي الماء في رحله وبصحة تيممه - كما سبق بيانه في المطلب الأول - فعدم إعادة الصلاة في مسألتنا هذه من باب أولى؛ لأنها أولى من حالة النسيان.\n(^٣) المجموع (٢/ ٢١٢)، المغني (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":115},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا غير واجد للماء فجاز له التيمم بنص الآية (^١).\nثانيًا: من المعقول:\n١. أنه غير مفرط فتصح صلاته (^٢).\n٢. لأنه قد يشتغل بشد متاع أو إصلاح شأن فيعرض له ذلك كثيرًا (^٣).\n٣. ولأنه تيمم وهو مع الذكر للماء غير قادر على استعماله، فصار عاجزًا عنه (^٤).\n٤. ولأنه غير عالم بمكان الماء.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بصحة تيمم من ضل عن مكانه الذي فيه الماء ولا إعادة عليه، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن القياس على الناسي لا يصح؛ لأن المقيس عليه محل خلاف، وحتى القول القائل بإعادة الصلاة لمن نسي الماء فإنه فرق بين الناسي وبين مسألتنا، فأوجب الإعادة في الناسي لتفريطه بخلاف مسألتنا.\n_________\n(^١) المحلّى شرح المجلّى لابن حزم (١/ ٧٨)، ط: دار إحياء التراث العربي ١٤١٨ هـ.\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٦٢)، الفتاوى الكبرى الفقهية على مذهب الإمام الشافعي لابن حجر الهيتمي (١/ ١١٠)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧ هـ، المغني (١/ ٣١٩).\n(^٣) الذخيرة (١/ ٣٦٢).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١١٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الثالث\nإذا قام وصلى ثم بان أنه بقربه\nبئر أو ماء</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من صلى بالتيمم ثم بان أنه كان بقربه بئر أو ماء متجمع كغدير ونحوه وهولا يعلم به، على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول الحنفية، والمالكية، وابن سريج (^١) من الشافعية، إلا أن المالكية قالوا: يعيد في الوقت استحبابًا (^٢).\nويمكن أن يستدل لهم بنفس أدلة المطلب السابق الدالة على صحة التيمم لمن ضل عن مكانه وفيه الماء (^٣).\nالقول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو وجه للشافعية (^٤)، لأنه مفرط.\n_________\n(^١) هو: القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، شيخ الشافعية في عصره، ولد ببغداد، وتولى قضاء شيراز فكان مثال العدالة والنزاهة، بلغت مؤلفاته نحو أربعمائة كتاب، ومن كتبه: الرد على ابن داود في إبطال القياس، والتقريب بين المزني والشافعي وغيرها، توفي ببغداد سنة (٣٠٦ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٠١ - ٢٠٣)، طبقات الشافعية (١/ ٨٩ - ٩١).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٣٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٣١)، عيون الأدلة (ص ٩٨٣)، مواهب الجليل (ص ٥٢٤، ٥٢٥)، التاج والإكليل (١/ ٥٢٥)، الحاوي (٢/ ١١٣٧، ١١٣٨)، المجموع (٢/ ٢١٢)، المغني (١/ ٣١٩)، كشاف القناع (١/ ٤٠٢).\n(^٣) انظر: (ص ٨٧).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢١٢).","vol":"1","page":117},{"text":"القول الثالث: ينظر على حال البئر أو الماء المتجمع، فإن كانت معالم البئر أو الماء المتجمع ظاهرة غير خفية، فإن عليه إعادة الصلاة؛ لأنه مفرط.\nوإن كانت معالم البئر أو الماء المتجمع خفية غير ظاهرة، فإنه لا تجب عليه إعادة الصلاة ويصح تيممه؛ لأنه غير مفرط.\nوهذا القول هو الصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم ولا يعلم أن الماء بقربه، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلة هذا القول، وإفادتها المراد.\n٢ - لأنه قد أدى فرضه على ما أمر الله به ولم يكلف علم ما غاب عنه مما لا طريق له إلى معرفته (^٢).\n٣ - ولأنه لم يقصد مخالفة أمر الله تعالى، فهو حينما صلى كان منتهى قدرته أنه لا ماء حوله (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢١٢)، الكافي (١/ ١٠٠).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٥٢٥).\n(^٣) الشرح الممتع (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المطلب الرابع\nإذا وُضع الماء في رحله\nولم يعلم به</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من لم يعلم بوجود الماء في رحله كأن وضع بغير علمه فتيمم وصلى ثم وجد الماء في رحله، فهل تيممه صحيح ولا تلزمه إعادة الصلاة أم لا؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، وهو وجه عند الحنابلة اختاره المرداوي (^٢)،\nإلا أن المالكية قالوا: يعيد في الوقت ندبًا.\nالقول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو قول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٥)، البحر الرائق (١/ ٢٧٩)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٥٩)، التاج والإكليل (١/ ٥٢٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٢)، الوجيز للغزالي (١/ ٣٦)، ط: دار الرسالة ١٤٢٥ هـ، المجموع (٢/ ٢١٢)، الفروع (١/ ٢٨٤)، تصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٢٨٥)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٢٤ هـ، كشاف القناع (١/ ٤٠٢).\n(^٢) هو: أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي، ثم الصالحي الحنبلي، الإمام العلامة المحقق، شيخ الحنابلة، ولد سنة ٨١٧ هـ بمردا ونشأ بها، ثم تحول إلى دمشق، من كتبه: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، والتحرير في أصول الفقه وغيرها، توفي سنة (٨٨٥ هـ).\n\nانظر: شذرات الذهب (٧/ ٣٤٠، ٣٤١)، الضوء اللامع للسخاوي (٥/ ٢٢٥ - ٢٢٧).","vol":"1","page":119},{"text":"أدلة القول الأول:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ كلفنا بحسب الوسع، وليس في الوسع استعمال الماء قبل العلم به، وإذا لم يكن مخاطبًا باستعماله فوجوده كعدمه (^١).\nثانيًا: من المعقول:\n١ - لأنه غير واجد للماء (^٢).\n٢ - لأنه لا يعد في هذه الحالة مفرطًا (^٣).\n٣ - لأن ذلك من فعل غيره، وهو غير مخاطب به شرعًا إذ ليس من كسبه فلا يؤاخذ به (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\nأن على الشخص أن يبحث عن الماء في رحله قبل أن يتيمم، وهذا لم يبحث فتلزمه الإعادة لتفريطه بعدم طلبه في رحله (^٥).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢).\n(^٢) الأصل (١/ ١٢٣).\n(^٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٥٩)، المجموع (٢/ ٢١٢)، تصحيح الفروع (١/ ٢٨٥).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢٧٩). وانظر: النسيان وأثره في الطهارة والصلاة لبدرية البهلكي (ص ١٨٨)، ط: كنوز المعرفة.\n(^٥) كشاف القناع (١/ ٤٠٢).","vol":"1","page":120},{"text":"المناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه لا يعلم بوضع الماء ابتداء، ففرضه التيمم، والأصل عدم العلم، ولا دال له على وجود الماء في الرحل، فصحت صلاته (^١).\nالوجه الثاني: لأنه لا يخاطب بفعل الغير (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بصحة تيمم من وضع الماء في رحله ولم يعلم به، وذلك لما يلي:\n١ - قوة الأدلة وسلامتها من المعارضة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الثاني.\n٣ - أن الله ﷾ قد عفى عن المخطئ حال خطئه، وعن الناسي حال نسيانه، كما في حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ...» (^٣)، فمن وُضع الماء في رحله بغير علمه من باب أولى؛ لأن النسيان يستدعي تقدم العلم، بخلاف من وضع الماء في رحله بغير علمه إذ لا علم له أصلًا.\n_________\n(^١) النسيان وأثره في الطهارة والصلاة (ص ١٨٧).\n(^٢) شرح العناية على الهداية (١/ ١٤٠)، البحر الرائق (١/ ٢٧٩).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٧٨).","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الخامس\nالتيمم لمن ظن أن الماء قد نفذ</span>\nاتفق الفقهاء على أن من كان عالمًا بوجود الماء، وظن أنه قد نفذ، فتيمم وصلى ثم تبين له أن الماء لم ينفذ، فإنه لا يصح تيممه وعليه إعادة الصلاة (^١).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n١. لأن القدرة على الاستعمال ثابتة بعلمه فلا ينعدم بظنه، فيلزمه التفتيش (^٢).\n٢. ولأن التفريط جاء من قلبه (^٣).\n٣. ولأن العلم لا يبطل بالظن، فكان الطلب واجبًا (^٤).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٢)، المجموع (٢/ ٢١١)، كشاف القناع (١/ ٤٠١).\n(^٢) المبسوط (١/ ١٢٣).\n(^٣) شرح العناية (١/ ١٤٠).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢٧٨).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الرابع\nالتيمم لمن وجد ماء لا يكفي\nللطهارة</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه.\nالمطلب الثاني: كيفية استعمال الماء الذي لا يكفي للطهارة.\n\nالمطلب الثالث: إذا كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المطلب الأول\nحكم من وجد من الماء\nبعض ما يكفيه</span>\nاتفق الفقهاء على جواز التيمم ومشروعيته عند عدم الماء حقيقة أو حكمًا (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، فلم يجعل الله تعالى للتيمم حكمًا مع وجود الماء.\nواختلفوا في حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه للوضوء أو الغسل، فهل يستعمله ثم يتيمم للباقي، أم لا يلزمه استعماله ويجزئه التيمم؟ على قولين (^٢):\nالقول الأول: أنه يلزمه استعمال الماء ثم يتيمم للباقي، وهو الأصح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد)، ومذهب الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يتيمم ولا يلزمه استعمال الماء، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم) واختاره المزني (^٣)، ووجه للحنابلة في المحدث حدثًا أصغر.\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٥)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٢)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٧).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٧)، المدونة (١/ ٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٦، ٤٨٧)، مختصر المزني (ص ١٦)، المجموع (٢/ ٢١٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢)، المسائل الفقهية (١/ ٩٣)، المغني (١/ ٣١٤، ٣١٥)، كشاف القناع (١/ ٣٩٧).\n(^٣) هو: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو المزني المصري، تلميذ الشافعي، وناصر مذهبه، الإمام العلامة الزاهد، كان رأسًا في الفقه، ولد سنة (١٧٥ هـ)، من كتبه: المختصر، الجامع الكبير، المنثور، وغيرها، توفي سنة (٢٦٤ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٩٢ - ٤٩٧)، شذرات الذهب (٢/ ١٤٨).","vol":"1","page":125},{"text":"سبب الخلاف:\nوسبب الخلاف بين العلماء في هذه المسألة هو أن الله تعالى أمر القائم إلى الصلاة بغسل الأعضاء المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ومعلوم أنها لا تغسل إلا بماء، ولكن الماء غير مذكور ولا منصوص عليه في صدر الآية، فلما قال تعالى عقب ذلك: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٢] وقع الإشكال، هل المراد ماء وإن لم يكف، فيجب استعمال ما لا يكفي في الطهارة منه، لأنه يسمى ماء، أو المراد الماء المتقدم التنبيه عليه وإن لم يذكر، فلا يجب استعمال ما لا يكفي منه (^١)؟\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن من وجد من الماء بعض ما يكفيه، فإنه يلزمه استعماله ثم يتيمم للباقي بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) شرح التلقين (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":126},{"text":"وجه الدلالة:\nدلت الآية على أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه يستعمله ويتيمم للباقي، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: أن الله ﷾ اشترط للتيمم عدم الماء، ومن كان عنده شيء من الماء فإنه يعتبر واجدًا للماء (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بالمنع؛ لأن المراد بالآية وجود الماء الكافي للطهارة، وهذا غير واجد لماء يكفيه فوجب أن يتيمم (^٢)، ويترك الماء الذي لا يكفيه؛ لأنه إن استعمله وتيمم ترك حكم الآية (^٣).\nالوجه الثاني: أن كلمة ﴿مَاءً﴾ في الآية جاءت نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم لكل ما يطلق عليه اسم الماء، فاقتضى ذلك أنه إذا وجد ماءً قليلًا كان أو كثيرًا لم يجز له التيمم (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الآية سيقت لبيان الطهارة الحكمية، فكأن التقدير فلم تجدوا ماء\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٣٢)، المغني (١/ ٣١٥).\n(^٢) المنتقى (١/ ١١٥).\n(^٣) عيون الأدلة (ص ٩٦٧).\n(^٤) البيان (١/ ٢٩٨)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢)، الانتصار (١/ ٤٠٨).","vol":"1","page":127},{"text":"محللًا للصلاة بدليل أن وجود الماء النجس لا يمنع من التيمم وإن تناولته النكرة المذكورة، والحل موقوف على ما يكفي الأعضاء كلها (^١).\nثانيًا: من السنة:\n١ - حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - اشترط للتيمم عدم الماء، ومن وجد شيء من الماء فإنه يجب عليه استعماله ثم التيمم للباقي، ولم يفرق بين ماء قليل يكفيه أو لا يكفيه.\nالمناقشة:\nويمكن أن يناقش الاستدلال بهذا الحديث بما نوقش به الاستدلال بالآية السابقة.\n٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «... وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٣).\n_________\n(^١) شرح العناية (١/ ١٢١)، البحر الرائق (١/ ٢٤٢).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -[صحيح البخاري (٦/ ٢٦٥٨) حديث (٦٨٥٨)]، ومسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر [صحيح مسلم (٢/ ٩٧٥) حديث (١٣٣٧)].","vol":"1","page":128},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الحديث يدل على العفو عن كل ما خرج عن طاقة الإنسان، وعلى وجوب الإتيان بما دخل تحت الاستطاعة من المأمور به، وهذا مستطيع لأن يأتي ببعض وضوئه أو ببعض غسله، غير مستطيع على باقيه، ففرض عليه أن يأتي من الغسل بما يستطيع في الأول فالأول من أعضاء الوضوء، وأعضاء الغسل حيث بلغ، فإذا نفذ لزمه التيمم لباقي أعضائه ولابد؛ لأنه غير واجد للماء في تطهيرها، فالواجب عليه تعويض التراب كما أمره الله تعالى (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المراد في الحديث أن يأتي المكلف ما يستطيعه من أمر النبي - ﷺ - إن كان مفيدًا، ومن وجد من الماء ما يكفي بعض أعضاء الوضوء دون البعض فإنه لا يقدر على رفع حدثه بهذا القدر من الماء فهو في حكم العادم، ولا حكم لوجود ما يكفي لبعض الوضوء فإن فاعل ذلك لا يسمى متوضئًا ولا يصدق عليه أنه قد فعل ما أمر الله به من الوضوء، فالواجب عليه ترك غسل ذلك البعض الذي لم يجد من الماء إلا ما يكفيه ويعدل إلى التيمم (^٢).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٨٧، ٨٨)، نيل الاوطار (١/ ٣٠٧).\n(^٢) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني (١/ ٣٢٩)، ط: دار ابن كثير ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":129},{"text":"ثالثًا: من المعقول:\n١ - أن المكلف إذا وجد من الماء ما يمكنه استعماله في بعض جسده لزمه ذلك، كما لو كان أكثر بدنه صحيحًا وباقيه جريحًا (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن هذا القياس غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي:\nالأول: أن من كان بعض أعضائه جريحًا، إنما وجب عليه الطهارة بالماء؛ لأنه واجد له وباستطاعته تطهير الأعضاء السليمة، وهذا هو الأصل، ووجب عليه التيمم عن الأعضاء الجريحة لعدم القدرة على تطهيرها بالماء وإن كان موجودًا فعدل إلى ما ينوب عنه وهو التيمم للضرورة، ولا ضرورة في الجمع بين طهارة لبعض أعضاء الصحيح بالماء، وطهارة بعضه الآخر بالتيمم (^٢).\nالثاني: أن العجز ببعض البدن يخالف العجز ببعض الواجب بدليل أن من بعضه حر إذا ملك الرقبة لزمه إعتاقها في كفارته، ولو ملك الحر بعض الرقبة لم يلزمه إعتاقها (^٣).\nقلت: ويناقش أيضًا بأنه احتجاج بمذهب على مذهب، فلا يصح القياس.\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٢٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٢)، المغني (١/ ٣١٥)، الممتع (١/ ٢٤٤).\n(^٢) طهارة أصحاب الأعذار غير المرضية، د. محمد أبو يحيى (ص ٣٣).\n(^٣) المغني (١/ ٣١٥).","vol":"1","page":130},{"text":"٢ - لأن كل من كان قادرًا على بعض الشرط فإنه يلزمه، كستر العورة وإزالة النجاسة والقراءة، فإنه يستر من عورته ويزيل من النجاسة ما قدر، ويقرأ ما أحسن (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس فاسد؛ لأن السترة وإزالة النجاسة والقراءة تتجزأ فيفيد إلزامه باستعمال القليل للتقليل بخلاف ما نحن فيه، حيث لا فائدة ترجى من استعمال الماء القليل؛ لأن الحدث لا يتجزأ فهو قائم ما بقي أدنى لمعة، فاستعمال الماء والحالة هذه يعتبر مجرد إضاعة المال في موضع عزته، وهو منهي عنه (^٢).\n٣ - أن العجز عن إيصال الماء إلى بعض أعضائه لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى ما لم يعجز عنه من أعضائه قياسًا على العادم لبعض أعضائه (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنه لا أحد يقول بسقوط الفرض، وإنما يكون السقوط في أن لا يجتمع الغسل والتيمم في حال واحدة؛ لأن\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١١٢٣)، المغني (١/ ٣١٥)، رؤوس المسائل الخلافية للعكبري (١/ ٨٢).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٧، ٣٢٨)، شرح فتح القدير (١/ ١٣٥)، البحر الرائق (١/ ٢٤٢).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١١٢٢)، التعليقة الكبرى (ص ٩٦٨).","vol":"1","page":131},{"text":"استعمال الماء القليل في بعض الأعضاء لا يرفع الحدث، ولابد معه من التيمم فلم يستفد باستعمال الماء شيئًا؛ لأن التيمم الذي هو بدل عن جميع الأعضاء لابد منه؛ لأن حدثه غير مرتفع (^١) كما لو لم يجد الماء أصلًا.\n٤ - قياسًا على المضطر إذا وجد بعض ما يسد به رمقه من الطعام، فإنه يلزمه أكل ذلك البعض قبل أكل الميتة (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس غير صحيح، وذلك من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أن أكل الطعام ليس بعبادة حتى يقال لها بدل (^٣).\nالوجه الثاني: أن أكل الميتة للضرورة، ولا ضرورة في استعمال الماء القليل لأنه لا يرفع الحدث.\nالوجه الثالث: أن هذا الدليل ينقلب عليكم في الوضوء والتيمم جميعًا؛ لأنه مع استعمال الماء الذي يكفي لغسل وجهه لا يتمه بالتيمم الذي هو بدل عند الضرورة، وإنما يأتي بالتيمم الكامل على صفته كما لو لم يجد الماء أصلًا (^٤).\n_________\n(^١) التجريد (١/ ٢٥٠)، عيون الأدلة (ص ٩٧١).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١١٢٣).\n(^٣) التجريد (١/ ٢٤٧).\n(^٤) عيون الأدلة (ص ٩٧٧).","vol":"1","page":132},{"text":"٥ - أنه واجد لماء طهور لا يخاف من استعماله ضررًا فوجب عليه استعماله كما لو كان يكفيه (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن من وجد ماء يكفيه لجميع أعضائه فإن حدثه يرتفع، وإذا استعمل الماء القليل وتيمم لم يرتفع حدثه، فلم يجز رده إليه، وكان رده إلى من لا يجد الماء أصلًا أولى؛ لأن التيمم لا يرفع حدثه (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه لا يلزمه استعماله بل يتيمم فقط بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أراد بالماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ هو الماء الكافي للأعضاء الذي أمر بغسلها في أول الآية (^٣)، وذلك لأن مطلق\n_________\n(^١) التعليقة الكبرى (ص ٩٦٨).\n(^٢) عيون الأدلة (ص ٩٧٠).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٢).","vol":"1","page":133},{"text":"الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل فينصرف المطلق إليه، ومن لم يجد ماء كافيًا لطهارته، كان كمن لم يجد الماء أصلًا، فيكون حكمه الشرعي الانتقال إلى التيمم (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه لم يأت في أول الآية للماء ذكر حتى نحمل آخر الآية عليه، ثم لو كان ذلك صحيحًا لعرفه بالألف واللام، فقال: فلم تجدوا الماء؛ لأن إعادة المذكور يكون معرفًا كما هو عادة العرب (^٢).\nالجواب:\nأجيب عنه بجوابين:\n١ - أن الماء في مضمون الغسل ليس بملفوظ به، فلم يصح تعريف ما لم يتقدم له لفظ، ولم يجز الكناية عما لم يذكره في الابتداء (^٣).\n٢ - أن الله تعالى لو ذكر في أول الآية ماء منكرًا، ثم قال: فلم تجدوا ماء لم يجب عليه أن يُعرّف بالألف واللام؛ لأنه لو عرفه لصار الأمر مقصورًا على ماء بعينه من بين سائر المياه، فأعاده بلفظ منكر؛ ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من المياه يكفينا\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٨).\n(^٢) الانتصار (١/ ٤٠٩).\n(^٣) التجريد (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":134},{"text":"لجميع الأعضاء وجب التيمم، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦]، فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر الأول (^١).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ...» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه لا يستعمله ويتيمم، وذلك من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أن النبي - ﷺ - عرّف الماء بالألف واللام وذلك لأحد وجهين إما أن تكون لاستغراق الجنس، أو المعهود، فإن كان أراد به استغراق الجنس صار في التقدير كأنه قال: إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد مياه الدنيا، وإن كان أراد به المعهود، فالمراد به ما يقع به كمال الطهارة، فلذا وجب على من وجد من الماء بعض ما يكفيه أن يتيمم بظاهر الخبر (^٣).\nالوجه الثاني: أن المراد بالماء في الحديث ما يكفي لرفع الحدث بنية استباحة الصلاة ونحوها، أما ما دونه فوجوده وعدمه سيان؛ إذ لا يثبت به استباحة الصلاة فكان كالمعدوم (^٤).\n_________\n(^١) عيون الأدلة (ص ٩٦٦).\n(^٢) سبق تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٣).\n(^٤) شرح العناية (١/ ١٢١).","vol":"1","page":135},{"text":"الوجه الثالث: أن قوله - ﷺ -: «فليمسه بشرته» يدل على أنه إذا وجد ماء يكفيه لإمساس بشرته كلها استعمله وإلا فلا؛ لأنه لم يقل: فليمسه بعض بشرته، فدل ذلك على أن من وجد ماء يكفي بعض بشرته لم يستعمله ويتيمم (^١).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن التيمم شرع بدلًا عن الوضوء، والجمع بين البدل والمبدل عنه لا يجب، كما لو وجد بعض الرقبة لم يلزمه إعتاقها والصوم (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن التيمم بدل عما لم يصل إليه الماء وليس عن المغسول من الأعضاء، فلم يكن جمعًا بين بدل ومبدل (^٣).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن التيمم بدل من غسل جميع الأعضاء، وغير جائز وقوعه على بعض الأعضاء دون بعض، ولهذا نجد أنه ينوب عن الغسل تارة وعن الوضوء أخرى، على أنه قام مقام جميع الأعضاء التي أوجب الحدث غسلها، فلو أوجبنا عليه غسل ما يمكنه غسله مع التيمم لم يخل التيمم من أن يقوم مقام غسل\n_________\n(^١) عيون الأدلة (ص ٩٦٩).\n(^٢) المعونة (١/ ١٥١)، الذخيرة (١/ ٣٣٩).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١١٢٣).","vol":"1","page":136},{"text":"بعض أعضائه أو جمعيه، فإن قام مقام ما لم يغسل منه فقد صار التيمم إنما يقع طهارة عن بعض الأعضاء وذلك مستحيل؛ لأنه لا يتبعض، فلما بطل ذلك لم يبق إلا أنه يقوم مقام جميعها فيصير حينئذٍ متوضئًا متيممًا في الأعضاء المغسولة وذلك محال؛ لأن الحدث زائل عن العضو المغسول فلا ينوب عنه التيمم، فثبت أنه لا يجوز اجتماعهما في الوجوب (^١).\nالوجه الثاني: أن القياس على من وجد بعض الرقبة غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي:\nالأول: أن صيام الشهرين - اللذين هما بدل عن الرقبة في الكفارة - لما لم يجز أن يكونا بدلًا عن بعض الرقبة لم يلزمه أن يأتي ببعض الرقبة وبالصوم، ولما جاز التيمم - الذي هو بدل عن جميع البدن - أن يكون بدلًا عن بعض البدن، جاز أن يقع عن بعض أعضائه (^٢).\nالجواب:\nأجيب بالمنع؛ لأنه لم يجز أن يجتمع في الكفارة عتق هو مبدل، وصيام هو بدل، بل يسقط حكم بعض الرقبة أصلًا، وعدل إلى البدل الذي هو الصيام، كذلك يجب أن يسقط حكم الماء القليل في الطهارة ويعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولا يجتمع في الوجه غسل هو مبدل مع مسح هو بدل (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٢).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١١٢٤)، التعليقة الكبرى (ص ٩٧٠).\n(^٣) عيون الأدلة (ص ٩٧٣).","vol":"1","page":137},{"text":"الثاني: أنه ليس في عتق بعض الرقبة فائدة؛ لأن بعض الرقبة لو أعتقه ثم وجد بعض رقبة أخرى فتمم الرقبة الأخرى لم يجزئه، وليس كذلك في الماء؛ لأنه لو غسل بهذا الماء بعض بدنه ثم وجد ما يغسل به باقيه فتمم به أجزأه وارتفع حدثه (^١).\nالجواب:\nأجيب بأن عتق بعض الرقبة - إذا كان المعتق موسرًا - فيه فائدة؛ لجواز أن يقدر على شراء بقيتها عندكم، ففيه فائدة على الأصلين، وهو التصرف بالعين (^٢)، وأما استعمال الماء فلا فائدة فيه لأن الماء القليل المستعمل في بعض الأعضاء لا يرفع الحدث فوجوده وعدمه سواء، ثم إن مسألة تجزئة الوضوء (^٣)، أو الغسل (^٤) محل خلاف فلا يصح الاستدلال بها.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢١٤)، الانتصار (١/ ٤١١).\n(^٢) التجريد (١/ ٢٤٨).\n(^٣) للفقهاء في حكم الموالاة بين أفعال الوضوء ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: الموالاة سنة، وهو مذهب الحنفية، والصحيح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد).\nالقول الثاني: تجب الموالاة مع الذكر، وتسقط مع النسيان والعذر، وهو مذهب المالكية.\nالقول الثالث: تجب الموالاة مطلقًا، وهو قول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، ومذهب الحنابلة.\nانظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١١)، المدونة (١/ ١٥)، المجموع (١/ ٢٥٢، ٢٥٣)، المغني (١/ ١٩١).\n(^٤) للفقهاء في حكم الموالاة في الغسل قولان:\nالقول الأول: الموالاة سنة، وهو قول الجمهور.\nالقول الثاني: تجب الموالاة في الغسل، وهو قول المالكية، وقول للحنابلة.\nانظر: المبسوط (١/ ٥٦)، المدونة (١/ ٢٨)، المجموع (٢/ ١٤٨)، الإنصاف (١/ ٢٤٦).","vol":"1","page":138},{"text":"٢ - أن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل (^١)، قياسًا على من وجد بعض الرقبة في الكفارة فإنه يعدل إلى الصوم (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن بعض الرقبة لا يسمى رقبة فلهذا لم يجب عليه إعتاقه، وأما بعض الماء فيسمى ماء فيجب استعماله (^٣).\nالجواب:\nأجيب عن ذلك بما ورد في الاستدلال بالدليل الأول من أدلة القول الثاني.\nوبأن التفرقة بالأسماء لا معنى له، وإنما الكلام في الحكم، ولهذا نجد أن الله تعالى قال في الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] فأضاف اسم جنس الصيام إلى الأصل المذكور، فلو قال قائل: أنا إذا صمت يومًا أو شهرًا فإنه يقع عليه اسم صوم، كما يقع على صوم شهرين اسم صوم، وأفرق بينه وبين الرقبة؛ لأن بعضها لا يتناوله اسم رقبة، وصوم يوم من شهرين\n_________\n(^١) رؤوس المسائل (ص ١١٥).\n(^٢) المهذب (١/ ١٣٢).\n(^٣) مغني المحتاج (١/ ٢٤٩)، الانتصار (١/ ٤٠٩).","vol":"1","page":139},{"text":"يتناوله اسم صوم لكان قوله ساقطًا؛ لأن اسم الجنس إذا أضيف إلى شيء فالمقصود الاسم على الصفة التي وصف عليها، فكذلك قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي ما يكفي الوضوء فتيمموا (^١).\n٣ - أن الله تعالى جعل فرض المحدث أحد شيئين: إما استعمال الماء أو التراب، فمتى كان الماء لا يغني عن التيمم كان غير موجود شرعًا؛ لأن المطلوب وجود الكفاية منه (^٢).\n٤ - أنه لما لم يجز الجمع بين غسل إحدى الرجلين والمسح على الخف في الرجل الأخرى لكون المسح بدلًا من الغسل، وجب أن لا يلزمه الجمع بين التيمم وغسل الأعضاء لهذه العلة (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه يتيمم ولا يستعمل الماء، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلته، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الأول.\n_________\n(^١) عيون الأدلة (ص ٩٧٥).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٤٨٧).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١١).","vol":"1","page":140},{"text":"٣ - أنه إذا استعمل الماء القليل قبل التيمم لم يرتفع حدثه فكان استعماله هدرًا.\n٤ - أن الاقتصار على التيمم فيه يسر ورفع للحرج عن المكلف وبخاصة أن التيمم يقوم مقام الطهارة المائية.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الثاني\nكيفية استعمال الماء الذي\nلا يكفي للطهارة</span>\nتقدم في المطلب الأول اختلاف العلماء في حكم من وجد من الماء بعض ما يكفيه، وأن الراجح هو القول القائل: بعدم استعمال الماء القليل والاكتفاء بالتيمم.\nولكن على القول القائل: باستعمال الماء القليل والتيمم هل يجب عليه في هذه الحالة أن يقدم استعمال الماء على التيمم أم لا؟ (^١).\nاتفق الشافعية والحنابلة على وجوب تقديمه على التيمم في الوضوء والغسل (^٢)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ اشترط للتيمم عدم الماء، ولا يكون عادمًا للماء حتى يستعمل ما معه من الماء، ليتحقق الشرط (^٣).\n_________\n(^١) ليس للحنفية ولا للمالكية نص في هذه المسألة؛ لكونهم يشترطون أن يكون الماء كافيًا للطهارة، وإلا انتقل إلى التيمم كما سبق في المطلب السابق.\n(^٢) المجموع (٢/ ٢١٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩٧، ٣٩٨).\n(^٣) المصادر السابقة.","vol":"1","page":142},{"text":"ثانيًا: من المعقول:\nأنه إذا قدم استعمال الماء تميز المغسول عن غيره فعلم ما يتيمم عنه، فيجب عليه استعماله أولًا (^١).\nوأما كيفية استعماله فقالوا: إن كان محدثًا حدثًا أصغر فإنه يلزمه استعمال الماء في وجهه، ثم في يديه إلى حيث بلغ، على الترتيب في أعضاء الوضوء ثم يتيمم لباقي أعضائه.\nوأما إن كان حدثه حدثًا أكبر فإنه يستعمله في أي بدنه شاء ثم يتيمم لباقيه، ويستحب أن يبدأ بمواضع الوضوء ثم رأسه ثم شقه الأيمن؛ لأن ذلك هو المستحب في ابتداء غسل الجنابة (^٢).\n_________\n(^١) المبدع (١/ ١٦٩)، كشاف القناع (١/ ٣٩٨).\n(^٢) البيان (١/ ٢٩٨)، المجموع (٢/ ٢١٥)، المبدع (١/ ١٦٩)، الإنصاف (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب الثالث\nإذا كان مع الجنب ماء يكفي\nللوضوء فقط</span>\nاتفق الحنفية والمالكية على أن من وجد من الماء بعض ما يكفيه للوضوء أو الغسل فإنه يقتصر على التيمم ولا يستعمل الماء، واختلفوا في ما لو تيمم الجنب ثم أحدث بعد ذلك حدثًا أصغر ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به، فهل يستعمل هذا الماء للوضوء أو يتيمم؟ على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه يتوضأ بهذا الماء ولا يتيمم، وهو قول الحنفية.\nوعلّلوا ذلك بأن التيمم الأول أخرجه من الجنابة إلى أن يجد من الماء ما يكفيه للاغتسال، فهذا محدث وليس بجنب، ومعه من الماء قدر ما يكفيه للوضوء فيتوضأ به (^٢).\nالقول الثاني: أنه لا يتوضأ بهذا الماء ويتيمم، وهو قول المالكية.\nوعلّلوا ذلك بأنه حين أحدث انتقض تيممه الذي كان للجنابة فعاد جنبًا (^٣).\nجاء في المدونة: «وقال مالك في الرجل يتيمم وهو جنب ومعه قدر ما يتوضأ به، قال: يجزئه التيمم ولا يتوضأ، فإن أحدث بعد ذلك فأراد أن يتنفل\n_________\n(^١) لم أذكر قول الشافعية والحنابلة؛ لأنهم يوجبون استعمال الماء ولو كان قليلًا قبل التيمم، وسبق بيان ذلك في المطلب السابق.\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٨).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٤٨٧).","vol":"1","page":144},{"text":"فليتيمم ولا يتوضأ؛ لأنه حين أحدث انتقض تيممه الذي كان تيمم للجنابة ولم ينتقض موضع الوضوء وحده، فإذا جاء وقت صلاة أخرى مكتوبة فكذلك أيضًا ينتقض أحدث أو لم يحدث» (^١).\nالترجيح:\nيظهر لي - والله أعلم - أن القول الأول أرجح وذلك لقوة ما استدلوا به، وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فلا يصح؛ لأنه إنما يعود جنبًا إذا أجنب لا إذا أحدث.\n_________\n(^١) (١/ ٤٧).","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الخامس\nالتيمم لمن أراق الماء أو باعه أو وهبه\nولم يترك ما يتطهر به</span>\nوفيه تمهيد ومطلبان:\nالمطلب الأول: حكم إراقه الماء بعد دخول الوقت.\nالمطلب الثاني: التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت.","vol":"1","page":147},{"text":"تمهيد\nاتفق الفقهاء على أن من كان معه ماء فأراقه أو باعه أو وهبه، وكان ذلك قبل دخول الوقت ثم دخل عليه الوقت وهو عادم للماء، فإن له أن يصلي بالتيمم وليس عليه إعادة (^١) (^٢) (^٣).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n١٢ - أن المكلف ليس مخاطبًا بالطهارة قبل دخول وقت الصلاة، ففرض الطهارة لم يتعين عليه (^٤).\n_________\n(^١) لم ينص الحنفية على هذه المسألة بذاتها، وإنما وجدت لهم كلامًا مجملًا في ذلك، قال السرخسي: «وإن وجد المتيمم الماء فلم يتوضأ حتى حضرت الصلاة وقد عدم ذلك الماء فعليه إعادة التيمم لأنه لما قدر على استعمال الماء بطل تيممه وصار محدثًا بالحدث السابق، فهذا محدث لا ماء معه فعليه التيمم للصلاة» المبسوط (١/ ١١٣). وانظر: الأصل (١/ ١٠٦).\nقلت: وقياس أصولهم يقتضي ذلك، وذلك لأنهم يقولون بجواز التيمم قبل الوقت لعادم الماء، فإذا دخل الوقت وهو عادم للماء، فإنه يجوز له التيمم من باب أولى.\n(^٢) لم ينص المالكية على هذه المسألة بذاتها إلا في مسألة الإراقة فقط، ولكني خرجتها على قولهم باشتراط دخول الوقت لجواز التيمم.\n(^٣) الحاوي (٢/ ١١٤٥)، المجموع (٢/ ٢٤٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨)، كشاف القناع (١/ ٤٠١).\n(^٤) المصادر السابقة.","vol":"1","page":149},{"text":"١٣ - أنه عادم للماء في الوقت فعليه التيمم للصلاة (^١).\n١٤ - أنه قد أتى بما هو مكلف به (^٢).\nوبيان هذا المبحث يكون في مطلبين:\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨).\n(^٢) كشاف القناع (١/ ٤٠١).","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الأول\nحكم إراقة الماء بعد دخول الوقت</span>\nاتفق جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة على تحريم إراقة الماء الصالح للطهارة به بعد دخول الوقت، وهو يعلم أنه لا يجد غيره، وذلك لأنه وسيلة إلى فوات الطهارة بالماء الواجبة (^١).\nواختلفوا في حكم التيمم في هذه الحالة، فهل يصح تيممه ولا تلزمه الإعادة أم لا؟ وذلك على قولين (^٢):\nالقول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة ويصح تيممه، وهو قول المالكية، والأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة ولا يصح تيممه، وهو وجه للشافعية والحنابلة.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن من أراق الماء بعد دخول الوقت لا تجب عليه إعادة الصلاة ويصح تيممه، بما يلي:\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٥٢٧)، المجموع (٢/ ٢٤٥)، كشاف القناع (١/ ٤٠١).\n(^٢) الإشراف (١/ ١٧٤)، الذخيرة (٢/ ٢٤٠)، العزيز (١/ ٢٠٧)، روضة الطالبين (١/ ٢١١)، تصحيح الفروع (١/ ٢٨٣)، شرح منتهى الإردات (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":151},{"text":"أولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ اشترط للتيمم عدم الماء، وهذا عادم للماء (^١).\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أنه صلى بتيمم صحيح، تحققت شرائطه، فلا تلزمه الإعادة، كما لو فعل ذلك قبل الوقت (^٢).\n٢ - قياسًا على من كان معه رقبة فقتلها ثم انتقل إلى الصيام فلا إعادة عليه، فكذلك هاهنا مثله (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بوجوب إعادة الصلاة لمن أراق الماء بعد دخول الوقت وعدم صحة تيممه، بما يلي:\nأن من أراق الماء بعد أن تعين عليه فرض الصلاة بالوضوء، قد فوّت القدرة على نفسه، فبقي في عُهْدِة الواجب، فتجب عليه الإعادة لتفريطه (^٤).\n_________\n(^١) الإشراف (١/ ١٧٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨).\n(^٢) المغني (١/ ٣١٨).\n(^٣) التهذيب (١/ ٣٧٨)، التعليقة الكبرى (ص ٩٨٣).\n(^٤) المصادر السابقة في الهامشين السابقين.","vol":"1","page":152},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أنه وإن كان مقصرًا إلا أنه لا تلزمه الإعادة؛ لأنه غير قادر على استعمال الماء أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت (^١).\nالوجه الثاني: قياسًا على من كَسَر ساقه فعجز عن القيام أو حرق ثوبه فصار عاريًا، فإنه يُعصى بذلك وتجزئه صلاته (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بصحة تيمم من أراق الماء بعد دخول الوقت وعدم إعادة الصلاة، وذلك لقوة الأدلة وسلامتها من المعارضة في مقابل مناقشة دليل القول الثاني.\n_________\n(^١) انظر الهامش رقم (١).\n(^٢) البيان (١/ ٣٢٤)، المجموع (٢/ ٢٤٥)، شرح العمدة (١/ ٤٢٧).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المطلب الثاني\nالتيمم لمن باع الماء أو وهبه\nبعد دخول الوقت</span>\nوفيه فرعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الفرع الأول\nحكم بيع الماء أو هبته بعد دخول الوقت</span>\nاتفق الشافعية والحنابلة على جواز بيع الماء - الصالح للطهارة به - أو هبته بعد دخول الوقت لمحتاج إليه لشرب أو لسقي دابة أو لغسل نجاسة على ثوبه ونحو ذلك، ولا إعادة عليه لأنه معذور (^١).\nواختلفوا في هبة الماء أو بيعه بعد دخول الوقت لغير محتاج إليه لعطش ونحوه، وكان هذا الماء صالحًا لطهارته، فهل يصح البيع والهبة أم لا؟ وذلك على قولين (^٢):\nالقول الأول: لا يصح البيع ولا الهبة، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة وعلّلوا ذلك بأنه قد تعلق به حق الله ﷾ بدخول وقت الصلاة، فهو عاجز من تسليمه شرعًا؛ لتعينه للطهر (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٤٦)، كشاف القناع (١/ ٤٠١).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٤٦)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٦)، الفروع (١/ ٢٨٣، ٢٨٤)، تصحيح الفروع (١/ ٢٨٣).\n(^٣) المصادر السابقة.","vol":"1","page":154},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن توجه الفرض وتعلُّقه لا يمنع صحة البيع والهبة؛ لأنه من أهل التصرف في ملكه، فلا يؤثر المنع في فساد العقد (^١).\nالقول الثاني: يصح البيع والهبة، وهو وجه للشافعية والحنابلة.\nوعلّلوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن له في ذلك عوضًا، وهو جلب مودة صاحبه (^٢).\n٢ - قياسًا على من وجب عليه عتق رقبة في كفارة فأعتقها لا عن الكفارة، فإن ذلك يصح (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكفارة ليست على الفور بخلاف الصلاة فإن وقتها محدود (^٤).\n٣ - قياسًا على من وجب عليه ديون فطولب بها فوهب ماله وسلمه (^٥).\n_________\n(^١) المصادر السابقة.\n(^٢) التهذيب (١/ ٣٧٧).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٤٦).\n(^٤) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج (١/ ٢٧٦، ٢٧٧)، ط: مكتبة مصطفى البابي ١٣٨٦ هـ.\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٤٦)، الفروع (١/ ٢٨٤).","vol":"1","page":155},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الدائن قد رضي بتعلق حقه بالذمة فلا حجر له في العين (^١).\n١٥ - قياسًا على من تصرّف في ماله الذي وجبت فيه الزكاة (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بصحة البيع والهبة، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف دليل القول الأول بما حصل من مناقشته.\n_________\n(^١) تحفة المحتاج (١/ ٥٥٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٧).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٨٤)، المبدع (١/ ١٧١).","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الفرع الثاني\nحكم التيمم لمن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت</span>\nاتفق الشافعية والحنابلة على أن من باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت ولم يترك ما يتطهر به، فإنه يجب عليه أن يسترجع الماء إذا كان موجودًا في يد الموهوب له والمشتري؛ لأن تيممه لا يصح؛ لقدرته على الماء (^١).\nواختلفوا في حكم من لم يقدر على استرجاع الماء من الموهوب له أو المشتري، فهل إذا تيمم وصلى تجب عليه الإعادة أم لا؟ وذلك على قولين (^٢):\nالقول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة، وهو الصحيح عند الحنابلة.\nويمكن أن يستدل لهم بأدلة من قال بعدم إعادة الصلاة لمن أراق الماء بعد دخول الوقت (^٣).\nالقول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة، وهو قول الشافعية، ووجه للحنابلة.\nواستدلوا على ذلك بأنه يعد مقصرًا بتسليمه (^٤) فتجب عليه الإعادة.\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٢٥٢)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٧)، الإنصاف (١/ ٢٦٥)، كشاف القناع (١/ ٤٠١).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٤٦)، مغني المحتاج (١/ ٢٥٢)، تصحيح الفروع (١/ ٢٨٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨)، ولم يفرق الحنابلة بين من لم يقدر على استرجاع الماء من الموهوب له والمشتري أو تلف الماء في يد الموهوب له والمشتري، بخلاف الشافعية فإنهم فرقوا بين المسألتين، ففي المسألة الأولى قالوا: بوجوب الإعادة، وفي الثانية قالوا: في الإعادة الوجهان في الإراقة. انظر: العزيز (١/ ٢٠٧)، المجموع (٢/ ٢٤٦).\n(^٣) انظر: (ص ١١٣، ١١٤).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٤٦)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":157},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بما نوقش به دليل القول الثاني في المطلب الأول.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن تيمم بعد أن باع الماء أو وهبه، ولم يترك ما يتطهر به؛ وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، ولأن دليل القول الثاني تم مناقشته.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الفصل الثاني\nعدم القدرة على استعمال\nالماء</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تيمم المريض.\nالمبحث الثاني: تيمم الجريح.\nالمبحث الثالث: عدم القدرة على استعمال الماء.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الأول\nتيمم المريض</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تيمم المريض العادم للماء.\nالمطلب الثاني: تيمم المريض الواجد للماء.\nالمطلب الثالث: ضابط الخوف المبيح للتيمم.\nالمطلب الرابع: حكم تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء.\nالمطلب الخامس: من يعتمد قوله في تقدير المرض.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المطلب الأول\nتيمم المريض العادم للماء</span>\nوفيه فرعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفرع الأول\nتعريف المرض لغة واصطلاحًا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>أولًا: في اللغة:</span>\nالمرض: هو السقم نقيض الصحة، ويكون للإنسان والبعير.\nويقال: المرض والسقم في البدن والدين جميعًا، كما يقال الصحة في البدن والدين.\nويطلق المرض على النقصان، يقال: بدنه مريض، أي: ناقص القوة، وقلب مريض، أي: ناقص الدين.\nويطلق المرض أيضًا على إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها، ويطلق المرض أيضًا على الشك، ومن قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: شك.\nفالمرض ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان منه (^١).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٣١١)، لسان العرب (٧/ ٢٣١، ٢٣٢)، مختار الصحاح (ص ٥٣٦)، المصباح المنير (٢/ ٥٦٨).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>ثانيًا: في الاصطلاح:</span>\nلا يخرج معنى المرض في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فالمراد به: كل ما أخرج الإنسان عن القوة والتصرف والاعتدال إلى الضعف والاعوجاج (^١).\n_________\n(^١) انظر: المحلى (١/ ٧٥)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٠)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٠٩)، التعريفات (ص ٢٦٨).","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الفرع الثاني\nحكم تيمم المريض العادم للماء</span>\nاتفق الفقهاء على جواز التيمم للمريض عند عدم الماء (^١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر المسافر والمريض بالتيمم للصلاة عند عدم الماء (^٢).\nثانيًا: من السنة:\nهي نفس الأدلة الدالة على مشروعية التيمم، وقد تقدمت (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٢)، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٥٢)، ط: دار العلم للملايين ١٩٧٤ م، الأم (٢/ ٩٠)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (٢١/ ٤٣١)، ط: مكتبة المعارف، المحلى (١/ ٧٥).\n(^٢) المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ١١١)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٤٠٨ هـ، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢١)، المحلى (١/ ٧٥).\n(^٣) انظر: (ص ٢٥، ٢٦).","vol":"1","page":165},{"text":"ثالثًا: الإجماع:\nوقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم.\nقال ابن حزم (^١): «وأجمعوا أن المريض الذي يؤذيه الماء، ولا يجده مع ذلك، أن له التيمم» (^٢).\nوقال ابن عبد البر (^٣): «التيمم للمريض والمسافر إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع» (^٤).\nوقال أيضًا: «وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر» (^٥).\n_________\n(^١) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأموي، ولد بقرطبة من بلاد الأندلس سنة (٣٨٤ هـ)، وكان حافظًا عالمًا بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطًا الأحكام من الكتاب والسنة، انتقل إلى مذهب أهل الظاهر بعد أن كان شافعي المذهب، له مؤلفات كثيرة منها: المحلى، ومراتب الإجماع، وجوامع السيرة وغيرها، توفي سنة (٤٥٦ هـ).\nانظر: وفيات الأعيان (٣/ ٣٢٥ - ٣٣٠)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤ - ٢١٢).\n(^٢) مراتب الإجماع لابن حزم (ص ٤٣)، ط: دار ابن حزم ١٤١٩ هـ.\n(^٣) هو: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر، من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ أديب، يقال له: حافظ المغرب، ولد بقرطبة عام (٣٦٨ هـ)، من كتبه: التمهيد، والاستيعاب، والدرر في اختصار المغازي والسير، توفي بشاطبة سنة (٤٦٣ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣ - ١٦٣)، الديباج المذهب (ص ٣٥٧ - ٣٥٩).\n(^٤) التمهيد (١٩/ ٢٩٣)، الاستذكار (٣/ ١٧٢).\n(^٥) التمهيد (١٩/ ٢٧٠)، الاستذكار (٣/ ١٤٦).","vol":"1","page":166},{"text":"وقال ابن رشد (^١): «فأجمع العلماء أنها - أي طهارة التيمم - تجوز لاثنين: للمريض وللمسافر إذا عدما الماء» (^٢).\n_________\n(^١) هو: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي، العلامة فيلسوف الوقت، يعرف بابن رشد الحفيد، ولد عام (٥٢٠ هـ)، برع في الطب والفقه وغيرهما، من كتبه: بداية المجتهد، والكليات في الطب، ومختصر المستصفى وغيرها، ولي قضاء قرطبة، توفي سنة (٥٩٥ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٠٧ - ٣١٠)، الديباج المذهب (ص ٢٨٤، ٢٨٥).\n(^٢) بداية المجتهد (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب الثاني\nحكم تيمم المريض الواجد للماء</span>\nذكر الفقهاء تقسيمات كثيرة للمرض الذي يتيمم من أجله عند وجود الماء، ومنها تقسيم النووي، فقد قسم النووي المرض من حيث القول بجواز التيمم وعدمه عند وجود الماء إلى ثلاثة أنواع (^١):\nالنوع الأول: المرض الشديد، الذي يخاف معه من استعمال الماء الموت، أو يخاف تلف عضو، أو فوات منفعة عضو، كعمى وصمم وخرس ونحو ذلك، فهذا يتيمم باتفاق الفقهاء (^٢).\nوكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:\nأولا: من الكتاب:\n١٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أباح التيمم للمريض الذي لا يقدر على استعمال الماء؛ لأن تقدير الآية: وإن كنتم مرضى فعجزتم أو خفتم من استعمال الماء أو\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، المدونة (١/ ٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٩)، المهذب (١/ ١٣٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨٠)، المستوعب (١/ ٢٨٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٧).","vol":"1","page":168},{"text":"كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا (^١)، فإن المريض وإن كان واجدًا للماء صورة إلا أنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار الماء معدومًا حكمًا (^٢)، فجاز له التيمم.\n١٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ قد نهى عن قتل النفس، والمريض الذي يخشى الهلاك من استعمال الماء يدخل في الخطاب؛ لأن المرض الشديد أو زيادة المرض يؤديان إلى قتل النفس.\n١٨ - قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].\n١٩ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوجه الدلالة من الآيتين:\nأن الله ﷾ قد نفى الحرج عن هذه الأمة وهو الضيق، وفي الأمر باستعمال الماء الذي يخاف فيه الهلاك أعظم الضيق، ولهذا نجد أن الله ﷿ قد نفى الضيق في الآية الثانية نفيًا مطلقًا، فإن من أعظم العسر استعمال الماء الذي يؤدي بالإنسان إلى الضرر وتلف النفس أو العضو، أو زيادة المرض (^٣).\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٣١)، المجموع (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) أحكام القرآن لابن عربي (١/ ٤٤٥).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٠).","vol":"1","page":169},{"text":"ثانيًا: من السنة:\n١. حديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجه (^١) في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك، فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي (^٢) السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (^٣).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - أنكر على الصحابة حينما أمروا الرجل بالغسل فمات، وفي الابتداء لم يعلم هل كان يخاف التلف أو الزيادة في المرض؟ (^٤)، مما يدل على جواز التيمم للمريض الذي يخاف التلف أو الزيادة في المرض مع وجود الماء.\n_________\n(^١) شجه: أي جرحه في رأسه وشقه. النهاية في غريب الحديث والأثر (ص ٤٦٧).\n(^٢) العي: الجهل. النهاية في غريب الحديث والأثر (ص ٦٥٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم [سنن أبي داود (١/ ٩٣) حديث (٣٣٦)]، والدارقطني في سننه (١/ ١٨٩، ١٩٠) رقم (٣) وقال: «لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق وليس بالقوي». وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٧، ٢٢٨) حديث (١٠١٦) وضعفه، وقال ابن حجر: «رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته» بلوغ المرام (ص ٤٥)، ط: ابن حزم ١٤٢٠ هـ، وضعفه أيضًا الألباني كما في إرواء الغليل (١/ ١٤٢، ١٤٣).\n(^٤) عيون الأدلة (ص ٩٥٥).","vol":"1","page":170},{"text":"٢. حديث عمرو بن العاص (^١)\n﵁ قال: «احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (^٢).\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سهم القرشي السَّهمي، أسلم عام خيبر أول سنة سبع، ثم أمره الرسول - ﷺ - على عمان، فلم يزل عليها حتى توفي رسول الله - ﷺ -، ثم أمَّره أبو بكر على الشام، ثم ولي لعمر مصر بعد أن فتحها، توفي بمصر أيام معاوية بن أبي سفيان ﵄ سنة (٤٣ هـ).\n\nانظر: أسد الغاية (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٤)، الإصابة (٤/ ٦٥٠ - ٦٥٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٠٣) برقم (١٧٨٤٥)، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ [سنن أبي داود (١/ ٩٢) حديث (٣٣٤)]، والدارقطني في سننه (١/ ١٧٨) حديث (١٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٥) حديث (١٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٥) حديث (١٠١١)، وقد رواه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة التمريض (١/ ١٣٢)، كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش يتيمم، قال ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٤١): «وإسناده قوي، لكنه علقه بصيغة التمريض لكونه اختصره». وصححه الألباني في إرواء الغليل (١/ ١٨١).","vol":"1","page":171},{"text":"وجه الدلالة:\nفي الحديث دليل على جواز التيمم لمن خاف على نفسه الهلاك من البرد ونحوه، فقد أقر النبي - ﷺ - عمرو بن العاص على فعله، ولم يأمره - ﷺ - بغسل ولا إعادة (^١)، فالمريض الذي يخشى على نفسه الهلاك أو زيادة المرض من باب أولى.\nثالثًا: من الآثار:\n١ - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قال: «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح (^٢)، فيجنب، فيخاف أن يموت إن اغتسل فليتيمم» (^٣).\n٢ - عن سعيد بن جبير (^٤) عن ابن عباس ﵁ قال: «رُخص للمريض التيمم بالصعيد» (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٠٩)، الأوسط (٢/ ٢١)، نيل الأوطار (١/ ٣٠٣).\n(^٢) القروح: جمع قرح وهو الجرح، وقيل: ألم الجرح. لسان العرب (٢/ ٥٥٧).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٣٨) حديث (٢٧٢)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٩٦) حديث (١٠٧٠)، والدارقطني في سننه (١/ ١٧٧) برقم (٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٠) حديث (٥٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٤) حديث (١٠٠٦)، وفي معرفة السنن والآثار (١/ ٣٠٠) حديث (٣٤٢)، ط: دار الكتب العلمية.\n(^٤) هو: سعيد بن جبير بن هشام، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الأسدي الوالبي مولاهم الكوفي، الإمام الحافظ المقرئ المفسر، قرأ القرآن على ابن عباس، وروى عنه وعن عائشة وابن عمر وغيرهم، قتله الحجاج سنة (٩٥ هـ).\nانظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣٧١ - ٣٧٤)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١ - ٣٤٣).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٢٤) برقم (٨٦٩)، ط: المكتب الإسلامي ١٤٠٣ هـ، والدارقطني (١/ ١٧٨) برقم (١٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٤) حديث (١٠٠٨).","vol":"1","page":172},{"text":"رابعًا: من المعقول:\n١ - أن التيمم يباح لمن خاف العطش على نفسه، أو خاف من سبع، أو من لص يأخذ ماله، فإباحة التيمم للمريض من باب أولى، فإن الخوف لا يختلف، وإنما اختلفت جهاته (^١).\n٢ - أن زيادة المرض قد أثر في إباحة الإفطار وترك القيام بلا خلاف، فههنا أولى؛ لأن القيام ركن في باب الصلاة، والوضوء شرط، فخوف زيادة المرض لما أثر في إسقاط الركن، فلأن يؤثر في إسقاط الشرط أولى (^٢).\n٣ - أن الضرر في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء، وذلك يبيح التيمم فهذا أولى (^٣)؛ لأن ثمن الماء مال، والمال خلق وقاية للنفس فكان تبعًا، ولما كان الحرج مدفوعًا عن الوقاية التي هي تبع، فلأن يكون مدفوعًا عن المُوقَى الذي هو الأصل أولى (^٤).\nالنوع الثاني: المرض اليسير الذي لا يخاف من استعمال الماء معه تلفًا، ولا مرضًا مخوفًا، ولا إبطاء برءٍ، ولا زيادة ألم، كصداع ووجع ضرس وحمى وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز له التيمم باتفاق الفقهاء (^٥).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٣٦)، المبدع (١/ ١٦٤، ١٦٥)، كشاف القناع (١/ ٣٩١).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣١٩)، المجموع (٢/ ٢٢٩)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ١٦٨)، المغني (١/ ٣٣٦).\n(^٣) الهداية (١/ ٢٧)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨١)، الإنتصار (١/ ٤٥١).\n(^٤) شرح العناية (١/ ١٢٤).\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، البحر الرائق (١/ ٢٤٥)، عيون الأدلة (ص ٩٥٨)، الذخيرة (١/ ٣٤٠)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٩)، الحاوي (٢/ ١٠٧٢)، روضة الطالبين (١/ ٢١٧)، المغني (١/ ٣٣٦)، كشاف القناع (١/ ٣٩١). وانظر: أحكام المريض في الفقه الإسلامي لأبي بكر إسماعيل (ص ٣٧)، ط: ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":173},{"text":"واستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أباح التيمم للمريض الذي يضره استعمال الماء، إذ أن إباحة التيمم للمريض في الآية غير مضمنة بعدم الماء، بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء (^١)، ولا ضرر عليه هاهنا (^٢).\nثانيًا: من السنة:\nحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٨).\n(^٢) المغني (١/ ٣٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة [صحيح البخاري (٣/ ١١٩٠) حديث (٣٠٩٠)]، ومسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي [صحيح مسلم (٤/ ١٧٣٢) حديث (٢٢١٠)].","vol":"1","page":174},{"text":"وجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - ندب إلى استعمال الماء للحمى فلا تكون سببًا لتركه والانتقال إلى التيمم (^١).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن التيمم رخصة أبيحت للضرورة، فلا يباح بلا ضرورة، ولا ضرورة هنا (^٢).\n٢ - أنه واجد للماء لا يخاف ضررًا فلا يباح له التيمم، كما لو خاف ألم البرد دون تعقب ضرر (^٣).\nالنوع الثالث: المرض اليسير الذي يخاف من استعمال الماء معه زيادة مرض، أو تأخر برء (^٤)، أو كثرة الألم وإن لم تطل مدته، أو خاف من حدوث تشوّه في أعضائه الظاهرة كالوجه واليدين ونحوهما.\nوهذا النوع اختلف الفقهاء في حكم التيمم له، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يجوز له التيمم، وهو قول الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة هي الصحيح من المذهب (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٧٣)، المجموع (٢/ ٢٢٨).\n(^٣) المصدران السابقان، والمغني (١/ ٣٣٦).\n(^٤) تأخر برء: أي تأخر العافية، وإن لم يزد مقدار المرض والألم. التنقيح للنووي (١/ ٣٧٠).\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، الاختيار (١/ ٢٨)، قوانين الأحكام الشرعية (ص ٥٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٩)، المهذب (١/ ١٣٤)، المجموع (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٥٤)، المسائل الفقهية (١/ ٩٢)، الفروع (١/ ٢٧٥)، الإنصاف (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":175},{"text":"القول الثاني: أنه لا يجوز له التيمم إلا عند الخوف من التلف، وهو قول للشافعية، ورواية عند الحنابلة (^١).\nسبب الخلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى أمرين:\nالأمر الأول: اختلاف الفقهاء في الخوف المبيح للتيمم، هل هو خوف التلف، أم خوف الضرر؟ فمن رأى أن الخوف المبيح للتيمم هو خوف التلف قال: بعدم جواز التيمم لمن يخاف من استعمال الماء زيادة مرض أو تأخر برء، ومن رأى أن الخوف المبيح للتيمم هو خوف الضرر قال: بجواز التيمم لمن خاف زيادة المرض أو تأخر البرء.\nالأمر الثاني: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ...﴾ الآية، هل في الآية محذوف مقدر أم لا؟\nفمن رأى أن في الآية محذوف مقدر، وأن تقدير الكلام: وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إنما يعود على المسافر فقط، أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء.\n_________\n(^١) المصادر السابقة للشافعية والحنابلة.\nملاحظة: ذكر المرداوي في الإنصاف أن القول بأن التيمم لا يجوز للمريض إلا عند الخوف من التلف من مفردات المذهب، وهو - كما اتَّضح - ليس كذلك، حيث إنه أيضًا أحد قولي الشافعية، وروي ذلك أيضًا عن مالك ولكنها رواية شاذة. انظر: شرح التلقين (١/ ٢٧٨)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٩).","vol":"1","page":176},{"text":"ومن رأى أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معًا، وأنه ليس في الآية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم (^١).\nأدلة القول الأول:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ..﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٣١).","vol":"1","page":177},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أباح التيمم للمريض مطلقًا من غير فصل بين مرض ومرض، إلا أن المرض الذي لا يضر منه استعمال الماء ليس بمراد، فبقي المرض الذي يضر معه استعمال الماء مرادًا بالنص (^١).\nواستدلوا أيضًا بأدلة من قال بجواز التيمم في المرض الشديد الذي يخاف معه من استعمال الماء الموت أو التلف، وقد تقدمت (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ..﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يعود على المريض والمسافر معًا، فالآية قيدت إباحة التيمم للمريض بعدم وجود الماء، وهذا واجد للماء، فلا يجوز له التيمم (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه استدلال لا يصح؛ لأن من لم يجد الماء فالتيمم له جائز لعدمه الماء لا لأجل المرض، وإنما خص المريض بالذكر ليُخص بالحكم، فيكون بمرضه في جواز التيمم مخالفًا للصحيح، سواء وجد الماء أو عدمه، وإلا فهو داخل في جملة المحدثين إذا عدموا الماء مسافرين وغيرهم (^٤).\nوعلى فرض التسليم بأن الضمير في الآية يعود على المريض والمسافر معًا، فإن معنى عدم الوجود في الآية هو عدم الماء حسًا أو حكمًا، والمريض وإن كان واجدًا للماء صورة إلا أنه لما لم يتمكن من استعماله خشية الضرر صار الماء معدومًا حكمًا، فجاز له التيمم.\nثانيًا: من المعقول:\nأن المريض الذي لا يخاف التلف من استعمال الماء لا يجوز له أن يتيمم كالذي به صداع أو حمى (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٨، ٣١٩).\n(^٢) انظر: (ص ١٢٤ - ١٢٩).\n(^٣) المهذب (١/ ١٣٤)، بداية المجتهد (١/ ١٣١).\n(^٤) عيون الأدلة (ص ٩٥٧).\n(^٥) الحاوي (٢/ ١٠٧٦).","vol":"1","page":178},{"text":"المناقشة:\nنوقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن التلف ليس شرطًا للتيمم، وإنما شرطه انعدام الماء حقيقة أو حكمًا (^١).\nالوجه الثاني: أن ترك القيام في الصلاة، وتأخير الصيام، لا ينحصر في خوف التلف، فكذا هاهنا (^٢).\nالوجه الثالث: أن القياس غير صحيح؛ لأن المحموم أو من به صداع إذا خاف أحدهما من استعمال الماء زيادة المرض فهو مسألة الخلاف، وأما إذا لم يخف أحدهما من استعمال الماء فهو كالصحيح، فلا معنى للقياس عليه (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم لمن كان مرضه يسيرًا، ولكن يخاف معه حدوث علة أو زيادتها بكثرة الألم أو بطء برء عند استعماله للماء، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلة هذا القول، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة فيها.\n_________\n(^١) طهارة أصحاب الأعذار المرضية للصلاة في الشريعة د. محمد أبو يحيى (ص ٣٠٤)، ط: مجلة دراسات، الجامعة الأردنية، المجلد العشرون ١٤١٤ هـ.\n(^٢) المغني (١/ ٣٣٦).\n(^٣) التجريد (١/ ٢٥٦)، الانتصار (١/ ٤٥٣).","vol":"1","page":179},{"text":"٢ - مناقشة أدلة القول الثاني.\n٣ - أن هذا القول يتفق مع مقاصد الإسلام العظيمة في التيسير على المكلفين، ورفع الحرج والمشقة عنهم، فإن المريض إذا خشي من استعمال الماء زيادة في مرضه أو طول مدته، جاز له التيمم لما في ذلك من الضيق والحرج، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المطلب الثالث\nضابط الخوف المبيح للتيمم</span>\nتقدم اختلاف الفقهاء في الخوف المبيح للتيمم، وأن القول الراجح في ذلك ما ذهب إليه الجمهور القائل: بأن المبيح للتيمم هو خوف الضرر (^١).\nوبناء على ما سبق بيانه في المطلب السابق يمكن أن نحدد الخوف المبيح للتيمم بأنه: ما يُخاف منه عند استعمال الماء الهلاك، أو تلف عضو من أعضائه، أو ذهاب منفعة ذلك العضو، أو يخاف باستعماله مرضًا مخوفًا، أو يخاف زيادة العلة أو تأخر البرء، أو حصول شيء قبيح على عضو ظاهر (^٢) من جسمه.\nفعلم مما سبق أن المبيح للتيمم ليس خوف التلف فقط، ولا مطلق المرض، بل المعتبر هو حصول الضرر، فمتى خاف المكلف الضرر باستعمال الماء، أو يجد حرجًا في استعماله جاز له التيمم وإلا فلا.\nقال ابن رجب الحنبلي (^٣): «والحنيفية السمحة أوسع من ذلك، وخوف\n_________\n(^١) انظر: (ص ١٣٠ - ١٣٤).\n(^٢) انظر: مختصر الفتاوى المصرية للبعلي (ص ٣٥)، ط: دار ابن القيم ١٤٠٦ هـ، أحكام المرضى لابن تاج الدين الحنفي (ص ٧٨)، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، فتاوى الإمام صديق حسن القنوجي (ص ٣٨٠)، ط: دار الداعي ١٤٢٢ هـ.\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن عبد الرحمن البغدادي ثم الدمشقي، الحنبلي، أبو الفرج، الإمام الحافظ، المحدث ولد ببغداد سنة ٧٠٦ هـ، كانت مجالسه تذكرة للقلوب، اجتمعت عليه الفرق، له مؤلفات مفيدة، منها: القواعد الفقهية، وجامع العلوم والحكم، واللطائف وغيرها، توفي سنة (٧٩٥ هـ).\nانظر: الدرر الكامنة في أعيان المائمة الثامنة لابن حجر (٣/ ١٠٨، ١٠٩)، ط: مجلس دائرة المعارف العثمانية ١٣٩٢ هـ، المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد للعليمي (٥/ ١٦٨ - ١٧٠)، ط: دار صادر ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":181},{"text":"الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته، أو التلف، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم» (^١).\nوقال ابن الهمام (^٢): «ولولا ما عُلم قطعًا أن شرعية التيمم للمريض إنما هو رخصة لدفع الحرج عنه، والحرج إنما يتحقق عند خوف الاشتداد أو الامتداد، لكان جائزًا للمريض مطلقًا، خاف عاقبته أو لم يخف» (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب (٢/ ٨١)، ط: دار ابن الجوزي ١٤١٧ هـ.\n(^٢) هو: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي الإسكندري، كمال الدين المعروف بابن الهمام، من مشاهير الحنفية، عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه وغير ذلك، ولد بالإسكندرية سنة (٧٩٠ هـ)، من كتبه: شرح فتح القدير، والتحرير والمسايرة، توفي بالقاهرة سنة (٨٦١ هـ).\nانظر: الضوء اللامع (٨/ ١٢٧ - ١٣٢)، شذرات الذهب (٧/ ٢٩٨، ٢٩٩).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٢٤، ١٢٥).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المطلب الرابع\nحكم تيمم المريض الذي\nلا يجد من يناوله الماء</span>\nاتفق الفقهاء على أن المريض إذا كان مسافرًا أو حاضرًا وعجز عن استعمال الماء بنفسه ولم يجد من يناوله إياه، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي (^١).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ...﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن المريض الذي لا يجد من يناوله الماء غير قادر على استعمال الماء (^٢)، فيباح له التيمم.\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أنه لا سبيل له إلى الماء فأشبه من وجد بئرًا ليس له ما يستقي منها (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، البحر الرائق (١/ ٢٤٥، ٢٤٦)، المعونة (١/ ١٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٩٤)، التهذيب (١/ ٤١٩)، المجموع (٢/ ٢٢٩)، المستوعب (١/ ٢٧٥)، الفروع (١/ ٢٧٥). وانظر: صحيح البخاري (١/ ١٢٨)، فتح الباري (١/ ٥٢٦).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٤٦)، البيان والتحصيل (١/ ٤٨٨)، المجموع (٢/ ٢٣٠).\n(^٣) التلقين (١/ ٦٨)، المغني (١/ ٣١٦).","vol":"1","page":183},{"text":"٢ - أن العجز متحقق والقدرة موهومة فوجد شرط الجواز (^١).\n٣ - قياسًا على من حال بينه وبين الماء سبع أو عدو (^٢).\n٤ - قياسًا على العادم للماء (^٣).\nواختلفوا في إعادة الصلاة على قولين (^٤):\nالقول الأول: أنه لا يعيد الصلاة، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة.\nواستدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالة على صحة تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء.\nالقول الثاني: أنه يعيد الصلاة، وهو قول الشافعية.\nواستدلوا على ذلك بأنه عذر نادر فلا تسقط الإعادة.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم الإعادة، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلة هذا القول وإفادتها المراد.\n٢ - أن القول بأنه عذر نادر لا يصح؛ لأنه قول لا دليل عليه؛ إذ لا فرق بين\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٣٠).\n(^٣) المعونة (١/ ١٤٧)، كشاف القناع (١/ ٣٨٩).\n(^٤) انظر الهامش رقم (٤) (ص ١٣٦).","vol":"1","page":184},{"text":"العذر العام والعذر الخاص، فهذا المريض قد وجد عذره وصلى على طاقته بتيمم صحيح فلا تلزمه الإعادة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nثم إن فقهاء الشافعية لا يقولون بإعادة الصلاة لمن حال بينه وبين الماء سبع ونحوه، فكان يلزمهم القول بذلك في المريض الذي لا يجد من يناوله الماء؛ لأنهم قالوا بصحة تيمم المريض الذي لا يجد من يناوله الماء قياسًا على من حال بينه وبين الماء سبع بجامع أن كلًا منهما عاجز عن استعمال الماء.\n٣ - أن هذا القول يتفق مع مقاصد الإسلام في رفع الحرج والمشقة عن العباد، فإن الله ﷿ يقول: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، ولو رخص للمريض بالتيمم مع وجوب الإعادة لحصل الحرج عليه وهو منفي شرعًا.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الخامس\nمن يعتمد قوله في تقدير المرض</span>\nاتفق الفقهاء على أنه يعتمد في كون المرض مرخصًا في التيمم، وأنه على الصفة المعتبرة شرعًا إذا أخبره طبيب حاذق مسلم عدل (^١) بأنه إذا استعمل الماء سيزداد مرضه، أو سيتأخر الشفاء، أو ما أشبه ذلك من الضرر، فإنه يجوز له التيمم.\nوكذا إذا كان يعرف بنفسه جاز له أن يعتمد على علمه ومعرفته (^٢).\nواختلفوا فيما إذا لم يوجد طبيب بشرطه ولم يكن عارفًا بنفسه، فهل يجوز له التيمم بغلبة ظنه أو بتجربته أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يجوز له أن يعمل بغلبة ظنه أو بتجربته، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، وبعض الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) العدل في اصطلاح الفقهاء هو: الذي يجتنب الذنوب الكبائر، ويتحفظ على الصغائر، ويحافظ على مروءته. انظر: بدائع الصنائع (٩/ ١٨)، القوانين الفقهية (ص ٣٣٦)، التعريفات (ص ١٩١)، المغني (١٤/ ١٥٠).\n(^٢) منيّة المصلي وغنيّة المبتدي لإبراهيم الحلبي (ص ٥٥)، ط: مكتبة نزار الباز ١٤١٨ هـ، رد المحتار (١/ ٣٥٢)، شرح الزرقائي (١/ ٢٠٦)، الفواكه الدواني (١/ ٢٣٩)، العزيز (١/ ٢٢٠)، المجموع (٢/ ٢٢٩)، شرح العمدة (١/ ٤٣٣)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى لمصطفى السيوطي (١/ ١٩٤)، ط: المكتب الإسلامي ١٩٦١ م، حاشية الروض المربع (١/ ٣٠٧).\n(^٣) المصادر السابقة للحنفية والمالكية والحنابلة، وانظر للشافعية: تحفة المحتاج (١/ ٥٦٤)، حاشية القليوبي على شرح المحلى (١/ ٨٤)، ط: دار إحياء الكتب العربية.","vol":"1","page":186},{"text":"القول الثاني: أنه لا يجوز له أن يعمل بغلبة ظنه أو بتجربته، وهو المعتمد عند الشافعية (^١).\nأدلة القول الأول:\n١ - قياسًا على المضطر إذا خاف من الطعام المحضر إليه أنه مسموم، فإنه يجوز له أن يتركه ويأكل الميتة (^٢)، فكذا هاهنا.\n٢ - أن إيجاب الطهر بالماء مع الجهل بحال العلة التي هي مظنة للهلاك بعيد عن محاسن الشريعة (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nأن ذمته هنا اشتغلت بالطهارة بالماء، فلا تبرأ ذمته من ذلك إلا بدليل يبيح له التيمم (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه كذلك في المضطر اشتغلت ذمته بطلب وقاية روحه بأكل الطاهر، وضرره غير محقق فلا يعدل عنه إلا بدليل (^٥)، وأنتم لا تقولون بذلك، فتبين بذلك أنه لا فرق بين المسألتين.\n_________\n(^١) مغني المحتاج (١/ ٢٥٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨٢).\n(^٢) المصدران السابقان.\n(^٣) أسنى المطالب (١/ ٨١).\n(^٤) مغني المحتاج (١/ ٢٥٤)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨٢).\n(^٥) حاشية الشبراملسي (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":187},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه يجوز للمريض أن يعمل بغلبة ظنه أو تجربته ويتيمم، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، في مقابل مناقشة دليل القول الثاني.\nويؤيد هذا القول حديث جابر ﵁ في الرجل الذي أصابه حجر فشجه (^١)، وكيف أن النبي - ﷺ - أنكر على الصحابة حينما أمروا الرجل بالغسل بالماء فمات، وأرشدهم إلى جواز التيمم لمن خشي الضرر باستعمال الماء مع أنه في الابتداء لم يعلم هل كان يخاف التلف أو الزيادة في المرض؟ فالعمل بغلبة الظن أو بالتجربة من باب أولى.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ١٢٦).","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الثاني\nتيمم الجريح</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: طهارة من كان بعض بدنه جريحًا وبعضه صحيحًا.\nالمطلب الثاني: كيفية الجمع بين التيمم والغسل لمن كان بعض بدنه جريحًا.\n\nالمطلب الثالث: حكم تيمم من وضع على الجرح أو الكسر جبيرة أو لصوقًا.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الأول\nطهارة من كان بعض بدنه جريحًا\nوبعضه صحيحًا</span>\nمن كان بعض بدنه جريحًا وأراد الطهارة للصلاة، فإنه لا يخلو من ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يمكنه غسل الجريح بالماء، فإنه في هذه الحالة يجب عليه الغسل باتفاق الفقهاء (^١).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر باستعمال الماء في الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ولا يعدل عنه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا.\nثانيًا: من السنة:\nقوله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ...» (^٢).\n_________\n(^١) الأصل (١/ ١٢٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٣١)، المجموع (٢/ ٢٣٠)، كشاف القناع (١/ ٣٩٥، ٣٩٦).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).","vol":"1","page":191},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الأصل في طهارة الإنسان استعمال الماء، والجريح قادر على استعمال الماء فلا يجوز له أن يعدل عنه إلى غيره.\nالحالة الثانية: أن يمكنه مسح الجريح بالماء، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في هذه الحالة على قولين:\nالقول الأول: أنه يجب عليه مسح الجريح بالماء ويكفيه عن التيمم، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة (^١).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nقوله - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٢).\nثانيًا: من المعقول:\nأن الغسل مأمور به، والمسح بعضه، فوجب كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر على الإيماء (^٣).\nالقول الثاني: أنه لا يجب مسح مواضع الجراحة بالماء وإن كان لا يخاف\n_________\n(^١) الأصل (١/ ١٢٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٣١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٢).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٩٧).\n(^٣) المبدع (١/ ١٦٨)، كشاف القناع (١/ ٣٩٦).","vol":"1","page":192},{"text":"منه ضررًا، وإنما يجب التيمم بدلًا منه، سواء كان الجرح في غير محل التيمم أو في محله، إلا أنه إذا كان في محل التيمم فيجب إمرار التراب عليه إن أمكن، وهو قول الشافعية (^١).\nواستدلوا على ذلك بأن الواجب الغسل، فإذا تعذر فلا فائدة من المسح بالماء (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين (^٣):\nالوجه الأول: أن طهارة المسح بالماء أولى من طهارة التيمم؛ فالمسح طهارة مائية والتيمم طهارة ترابية.\nالوجه الثاني: أنه إذا جاز المسح على حائل العضو فالمسح على العضو أولى.\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بوجوب المسح، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من المعارضة، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة، ولأن المسح بالماء يكون على العضو نفسه بخلاف التيمم فإنه يكون في عضوين فقط، فالمسح أولى.\n_________\n(^١) العزيز (١/ ٢٢٥، ٢٢٦)، المجموع (٢/ ٢٣٠، ٢٣١).\n(^٢) المصدران السابقان.\n(^٣) شرح العمدة (١/ ٤٣٧)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٢١٦). وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم (٤/ ٨٦٨)، ط: نزار الباز ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":193},{"text":"الحالة الثالثة: أن يتضرر بغسل الجرح أو مسحه بالماء: فهل تكون طهارته بالجمع بين غسل الصحيح من بدنه والتيمم عن الجريح، أو يقتصر على أحد الطهورين؟ اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يجمع بين الغسل والتيمم، بل إذا كان أكثر بدنه صحيحًا غسل الصحيح ومسح على مواضع الجراحة إن لم يضره، وإلا وجب عليه أن يضع على جرحه عصابة (^١) أو يشد على كسره جبيرة (^٢) ثم يمسح عليها، ولا يتيمم، وإن كان أكثر بدنه جريحًا تيمم ولا غسل عليه، وهو قول الحنفية، والمالكية (^٣).\nالقول الثاني: أنه يجمع بين الغسل والتيمم، فيلزمه غسل ما أمكنه ويتيمم عن الباقي، وهو قول الشافعية، والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) العصابة: اسم ما يشد به من عصب رأسه عصبه تعصيبًا، أي: شده، والعصابة أيضًا العمامة. لسان العرب (١/ ٦٠٣).\n(^٢) الجبيرة: العيدان التي تشد على العظم لتجبره على استواء. لسان العرب (٤/ ١١٥).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٢٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٨)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٨)، المدونة (١/ ٤٥)، التفريع (١/ ٢٠٢)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٦٠).\nملاحظة: اختلف قول الحنفية في من كان نصف بدنه صحيحًا ونصفه جريحًا، وذلك على قولين:\n\nالقول الأول: يجب التيمم فقط؛ لأنه طهارة كاملة، واختاره الموصلي وقال: إنه أحسن.\nالقول الثاني: يجب غسل الصحيح ومسح الجريح إذا لم يضره المسح؛ لأن الغسل طهارة حقيقية وحكمية، فكان أولى. انظر: الاختيار (١/ ٣١)، البحر الرائق (١/ ٢٨٥).\n(^٤) الأم (٢/ ٩٠)، المجموع (٢/ ٢٣٠)، الكافي (١/ ١٠١)، الفروع (١/ ٢٨٦).","vol":"1","page":194},{"text":"أدلة القول الأول:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن التيمم بدل عن الماء، ولا يجب الجمع بين البدل والمبدل، كالصوم والرقبة في الكفارة (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي:\nالأول: أنه يبطل بالماسح على الخفين، فإنه يجمع بين البدل والمبدل ومع هذا فإنه جائز (^٢).\nالثاني: أنه يبطل بالمسح على الجبائر مع الغسل، فإنه جمع بين البدل والمبدل وهو جائز (^٣).\nالثالث: أن الجمع بين البدل والمبدل في الكفارة لا يجب؛ لأنهما عن شيء واحد وهو الحنث في اليمين، بخلاف هذا فإن التيمم بدل عما لم يصبه الماء دون ما أصابه (^٤).\n٢ - أن الأقل تابع للأكثر، فإن النبي - ﷺ - قال في الجريح في حديث جابر:\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢)، الذخيرة (١/ ٣٤٣)، الحاوي (٢/ ١٠٨٥).\n(^٢) التعليقة الكبرى (ص ٩٣٤)، المغني (١/ ٣٣٧).\n(^٣) التعليقة الكبرى (ص ٩٣٤).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١٠٨٧)، المغني (١/ ٣٣٧).","vol":"1","page":195},{"text":"«إنما كان يكفيه أن يتيمم» ولا أحد يقول: أنه يغسل ما بين كل جدريين، فدل على أن العبرة للأكثر، وإذا كان الأكثر مجروحًا لم يكن له بدٌ من التيمم فسقط فرض الغسل (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن القول بأن الأقل تابع للأكثر لا يعتبر في الطهارات، ولهذا من غسل أكثر جسده من جنابة، أو أكثر أعضاء وضوئه من حدثه لم يجزه تغليبًا للأكثر، فكذا هنا (^٢).\nالوجه الثاني: أن الاستدلال بأنه لا أحد يقول: يجب عليه غسل ما بين الجدريين، فدل على أن العبرة للأكثر لا يصح؛ لأنه إن كان لا يلحقه الضرر في ذلك وجب عليه غسل ما بين الجدريين، وإن كان يلحقه الضرر لم يجب، وهاهنا لا يلحقه ضرر في غسل هذا الموضع فافترقا (^٣).\nثم لو فرضنا أنه لا أحد يقول بهذا، فقوله مبني على أساس تعذر غسل ما بين كل جدريين أو التحرج من ذلك والحرج منفي شرعًا.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٨٧).\n(^٣) التعليقة الكبرى (ص ٩٣٤، ٩٣٥).","vol":"1","page":196},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث جابر ﵁ وفيه: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن الحديث نص صريح في الجمع بين الغسل والتيمم (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الحديث ضعيف (^٣).\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن العجز عن إيصال الماء إلى بعض أعضائه لا يقتضي سقوط الفرض عن إيصاله إلى ما لم يعجز عنه، قياسًا على ما إذا كان عادمًا لبعض أعضائه (^٤).\n٢ - أن كل جزء من الجسد يجب تطهيرة بشيء إذا استوى الجسم كله في المرض أو الصحة، فيجب الغسل بالماء إذا كان صحيحًا، ويجب التيمم إذا\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ١٢٦).\n(^٢) الحاوي (١/ ١٠٨٦)، مختصر خلافيات البيهقي لأحمد اللّخمي (١/ ٣٦٣)، ط: مكتبة الرشد ١٤١٧ هـ، المبدع (١/ ١٦٨).\n(^٣) تقدم بيان وجه ضعفه (ص ١٢٦)، الهامش رقم (٢).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١٠٨٦)، المبدع (١/ ١٦٨).","vol":"1","page":197},{"text":"كان مريضًا، وإن خالفه غيره كما لو كان من جملة الأكثر، فإن حكمه لا يسقط بمعنى في غيره (^١).\n٣ - أن تطهير بعض أعضائه بالماء لا يسقط فرض التطهر عما لم يصل إليه قياسًا على من كان صحيح الأعضاء (^٢).\n٤ - أنها طهارة ضرورة فلم يعف فيها إلا عن قدر ما دعت إليه الضرورة كطهارة المستحاضة (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأنه يجمع بين الغسل والتيمم، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها - في الجملة - من الاعتراضات القادحة فيها، في مقابل ضعف أدلة القول الأول بما حصل من مناقشتها.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٣٧).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٨٦)، رؤوس المسائل الخلافية (١/ ٧٩).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١٠٨٦).","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الثاني\nكيفية الجمع بين التيمم والغسل\nلمن كان بعض بدنه جريحًا</span>\nاتفق الشافعية والحنابلة وهم القائلون بجواز الجمع بين التيمم والغسل على أن الجريح إذا كان جنبًا فهو مخير بين تقديم التيمم على الغسل أو تأخيره عنه (^١) (^٢).\nإلا أن الشافعية قالوا: ويستحب للجنب ونحوه تقديم التيمم على الغسل ليزيل الماء أثر التراب (^٣).\nواستدلوا على ذلك بأن الترتيب والموالاة غير واجبين في الطهارة من الحدث الأكبر، فكذا هاهنا (^٤).\nوبناءً على ذلك يبطل تيمم الجريح إذا دخل وقت الفريضة الثانية وعليه إعادة التيمم (^٥)، ولا يلزمه إعادة غسل الجزء الصحيح، لعدم وجوب الترتيب\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٣٠)، مغني المحتاج (١/ ٢٥٥)، المغني (١/ ٣٣٧)، الإنصاف (١/ ٢٦١).\nهناك وجه للشافعية أنه يجب تقديم الغسل على التيمم، ولكن قال عنه النووي: وهو شاذ ضعيف، وقال الشاشي: ليس بشيء. انظر: المجموع (٢/ ٢٣٠)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (١/ ٢٠٣)، ط: مؤسسة الرسالة.\n(^٢) ليس للحنفية ولا للمالكية نص في هذه المسألة، لكونهم لا يرون الجمع بين الماء والتيمم، كما سبق بيانه في المطلب السابق.\n(^٣) تحفة المحتاج (١/ ٥٦٧، ٥٦٨)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨٥).\n(^٤) البيان (١/ ٣١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٩٦).\n(^٥) لأن طهارة التيمم عند الشافعية والحنابلة طهارة ضرورة. انظر: المجموع (٢/ ٢٣٣)، المغني (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":199},{"text":"والموالاة في طهارة الجريح للحدث الأكبر (^١)، ولأن ما استعمله من الماء تطهير لجميع الصلوات (^٢).\nواختلفوا في طهارة الجريح إذا كان محدثًا حدثًا أصغر، فهل يجب عليه التيمم للجريح حين وصوله في الوضوء إلى ذلك العضو المجروح، فيرتب ويوالي، كالوضوء الكامل أم لا؟ على ثلاثة أقوال (^٣).\nالقول الأول: أنه لا يجب الترتيب ولا الموالاة، وهو وجه عند الشافعية، والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nوعلى هذا القول فإن الجريح يخير بين تقديم التيمم على غسل الصحيح أو تأخيرة عنه، ولا يجب عليه أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله (^٥).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٣٩).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٩٠).\n(^٣) العزيز (١/ ٢٢٤)، المجموع (٢/ ٢٣١)، الفروع (١/ ٢٨٧)، تصحيح الفروع (١/ ٢٨٧، ٢٨٨).\n(^٤) هو: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله الحراني الدمشقي الحنبلي، شيخ الإسلام، ولد بحران عام ٦٦١ هـ، ثم انتقل إلى دمشق، تبَّحر في العلوم الشرعية، وكان آية في التفسير والفقه والأصول، من مؤلفاته: السياسة الشرعية، شرح العمدة، ومنهاج السنة وغيرها، توفي عام (٧٢٨ هـ) بدمشق.\nانظر: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لابن عبد الهادي، مكتبة المؤيد، الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ١٦٨ - ١٨٦).\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٣١)، المغني (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":200},{"text":"وبناءً على هذا القول يبطل تيمم الجريح إذا دخل وقت الفريضة الثانية، ولا يلزمه أن يعيد استعمال الماء ما لم يحدث، كما سبق في الجنب.\nالقول الثاني: أنه يجب عليه الترتيب والموالاة، وهو الأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.\nوعلى هذا القول فإنه يجعل التيمم في مكان الغسل الذي يتيمم بدلًا عنه، فإن كان الجرح في وجهه بحيث لا يمكنه غسل شيء منه، لزمه التيمم أولًا لقيامه مقام غسل الوجه ثم يتم الوضوء.\nوإن كان الجرح في بعض وجهه، خُيّر بين غسل صحيح وجهه ثم يتيمم للباقي، وبين أن يتيمم ثم يغسل صحيح وجهه؛ لأن العضو الواحد لا يعتبر فيه ترتيب، ثم يكمل وضوءه.\nوإن كان الجرح في عضو آخر غير الوجه، لزمه غسل ما قبله مرتبًا، ثم كان الحكم في الجريح على ما ذكر في الوجه.\nوإن كان الجرح في وجهه ويديه ورجليه، احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله ليحصل الترتيب، فيغسل صحيح الوجه ويتيمم عن جريحه، ثم اليدين كذلك، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل الرجلين ويتيمم لجريحهما، فلو غسل صحيح وجهه ثم تيمم لجرحه وجرح يديه تيممًا واحدًا لم يجزئه؛ لأنه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حال واحدة، فيفوت الترتيب.","vol":"1","page":201},{"text":"وأما إذا عمت الجراحات الأعضاء الأربعة فيكفيه تيمم واحد؛ لأنه يسقط الترتيب، لكونه لا يجب غسل شيء من الأعضاء (^١).\nوبناء على هذا القول اختلفوا هل يعيد مع التيمم الوضوء إذا دخل وقت الفريضة الثانية أم لا؟ على قولين (^٢):\nالقول الأول: أنه يعيد التيمم والوضوء، وهو قول الحنابلة، ووجه للشافعية اختاره الرافعي (^٣).\nوعللوا ما ذهبوا إليه بأن طهارة العضو الذي ناب عنه التيمم بطلت، فلو لم يبطل فيما بعده لتقدمت طهارة ما بعده عليه، فيفوت الترتيب (^٤).\nإلا أن الشافعية قالوا: إن كانت الجراحة في الرجلين أجزأ التيمم ولا يعيد الوضوء (^٥)؛ لحصول الترتيب بين التيمم الجديد والوضوء السابق، وأما\n_________\n(^١) البيان (١/ ٣١١، ٣١٢)، المجموع (٢/ ٢٣١، ٢٣٢)، المغني (١/ ٣٣٨)، كشاف القناع (١/ ٣٩٦، ٣٩٧).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٢٨)، المجموع (٢/ ٢٣٣)، الإنصاف (١/ ٢٦١)، كشاف القناع (١/ ٣٩٧).\n(^٣) هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم القزويني الرافعي، من كبار فقهاء الشافعية، صاحب الشرح المشهور بـ (فتح العزيز شرح الوجيز)، وإليه مرجع الشافعية، كان زاهدًا ورعًا مجتهدًا في المذهب، ولد سنة (٥٥٥ هـ)، من كتبه: شرح مسند الشافعي، والتذنيب وغيرهما، توفي سنة (٦٢٣ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٥٢ - ٢٥٥)، طبقات الشافعية (٢/ ٧٥، ٧٦).\n(^٤) المغني (١/ ٣٣٩). وانظر: البيان (١/ ٣١٣)، العزيز (١/ ٢٢٨).\n(^٥) التهذيب (١/ ٤١٦)، المجموع (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":202},{"text":"الحنابلة فقالوا: بوجوب إعادة التيمم والوضوء أيضًا؛ لفوات الموالاة بين التيمم الجديد والوضوء السابق (^١).\nالقول الثاني: أنه يعيد التيمم دون الوضوء، وهو الصحيح عند الشافعية.\nواستدلوا على ذلك بأن الوضوء الكامل لا يجب إعادته لكل فريضة، فكذلك غسل الصحيح الذي هو بعضه (^٢).\nالقول الثالث: أنه يجب تقديم غسل جميع الصحيح، وهو وجه للشافعية.\nوبناء على هذا القول يبطل تيمم الجريح إذا دخل وقت الفريضة الثانية، ولا يعيد الوضوء، بل يعيد التيمم لأنه طهارة ضرورة.\nوعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن التيمم طهارة مفردة، فلا يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الأخرى، كما لو كان الجريح جنبًا (^٣).\n٢ - أنه يتيمم عن الحدث الأصغر، فلم يجب أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله، كما لو تيمم عن جملة الوضوء (^٤).\n٣ - أن إيجاب الترتيب والموالاة بين استعمال الماء والتيمم لا يخلو من\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٣٩٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٤).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٢٨).\n(^٣) المغني (١/ ٣٣٨).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":203},{"text":"الحرج والمشقة (^١)، فيندفع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا على وجوب الترتيب والموالاة بأن الترتيب واجب في الوضوء، والتيمم بدل عن العضو المجروح، فجعل التيمم مكانه بحيث يأخذ حكمه؛ لأنه بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل منه (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أن التيمم فرض مستقل بنفسه، فلا يجب الترتيب بينه وبين غيره؛ لأن الترتيب إنما يراعى في العبادة الواحدة (^٣).\nالوجه الثاني: أن الترتيب إنما وجب فيما أمر الله بغسله ومسحه ليبدأ بما بدأ الله به، وهذا الجرح ليس مأمورًا بغسله ولا مسحه فلا ترتيب له (^٤).\nالوجه الثالث: أن وجوب الترتيب للأصل لا يلزم منه الترتيب لبدله، لأن البدل في غير محل المبدل منه، فهو يخالفه قدرًا وموضعًا وصفة ومن غير جنسه (^٥).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٣٨)، شرح الزركشي (١/ ٣٥٨، ٣٥٩).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٣١)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨٥)، شرح العمدة (١/ ٤٣٩)، كشاف القناع (١/ ٣٩٦).\n(^٣) العزيز (١/ ٢٢٤).\n(^٤) شرح العمدة (١/ ٤٣٩).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":204},{"text":"أدلة القول الثالث:\nيمكن أن يستدل لهم بأن الغسل أصل، والتيمم بدل، فيقدم الأصل، قياسًا على من وجد من الماء ما لا يكفيه، فإنه يستعمل الماء ثم يتيمم.\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه قياس مع الفارق؛ لأن علة جواز التيمم لمن وجد ماء لا يكفيه هي عدم الماء، ولا يكون عادمًا له حتى يستعمل الماء الذي معه، بخلاف التيمم للجرح فإن علة جوازه خوف الضرر، وذلك موجود قبل استعمال الماء وبعده (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم وجود الترتيب والموالاة لمن كان الجرح في بعض أعضاء وضوئه، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - ضعف أدلة القولين الآخرين بما حصل من مناقشة.\n٣ - أنه ينبني على القول بوجوب الترتيب والموالاة بين استعمال الماء والتيمم بعض المسائل التي لا دليل عليها، وإنما هي اجتهادات محضة غير مبنية على اتباع أو نص.\n_________\n(^١) الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للسامري (١/ ١٦٤)، ط: دار الصميعي ١٤١٨ هـ، وانظر: الحاوي (٢/ ١٠٨٩)، المجموع (٢/ ٢٣٠)، المغني (١/ ٣٣٧، ٣٣٨).","vol":"1","page":205},{"text":"ثم إنه لم ينقل عن الصحابة الفصل بين أبعاض الوضوء بالتيمم، مع أن الصحابة كانت تصيبهم الجراحات في الغزوات، والتي منها ما يكون في بعض أعضاء الوضوء، مما يدل على أن القول بالترتيب والموالاة قول ضعيف.\nقال ابن تيمية: «الفصل بالتيمم بين أبعاض الوضوء فعل مبتدع، وفيه ضرر عظيم، ومشقة لا تأتي بها الشريعة، وهذا ونحوه إسراف في وجوب الترتيب، حيث لم يوجبه الله ورسوله» (^١).\n٤ - أن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله (^٢)، وليس هناك دليل شرعي على وجوب الترتيب في هذه المسألة، فلا يجب الترتيب حينئذٍ لعدم النص على ذلك.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٢٦، ٤٢٧)، وانظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٢/ ٨٤، ٨٥)، ط: مطبعة الحكومة ١٣٩٩ هـ.\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع: عبد الرحمن بن قاسم (٤/ ١٧٣)، ط: دار القاسم ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب الثالث\nحكم تيمم من وضع على الجرح أو الكسر\nجبيرة أو لصوقًا</span>\nاتفق الفقهاء على مشروعية المسح على الجبائر أو على العصابة أو اللصوق (^١) بالماء في حالة العذر نيابة عن الغسل، فإنه يمسح عليها ويجزئه عن غسل ما تحتها (^٢).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من السنة:\n١ - حديث جابر بن عبد الله ﵁ وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «... إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (^٣).\n٢ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: «انكسر إحدى زندي (^٤)، فسألت رسول الله - ﷺ - فأمرني أن أمسح على الجبائر» (^٥).\n_________\n(^١) اللَصوق - بفتح اللام ـ: ما يلصق على الجرح للدواء، ثم أطلق على الخرقة ونحوها إذا شُدت على العضو للتداوي. المصباح المنير (٢/ ٥٥٣).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ١٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٣١)، المجموع (٢/ ٢٥٤، ٢٥٥)، المغني (١/ ٣٥٥).\nوهناك رأي لبعض الشافعية أنه يكفيه التيمم ولا يمسح على الجبيرة بالماء، وهو على خلاف المذهب. انظر: المجموع (٢/ ٢٥٥).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ١٢٦).\n(^٤) الزند: موصل طرف الذراع في الكف. مختار الصحاح (ص ٢٥٠).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب المسح على الجبائر [سنن ابن ماجه (١/ ٢١٥) حديث (٦٥٧)]، وعبد الرزاق في مصنفه (١/ ١٦١) رقم (٦٢٣)، والدارقطني في سننه (١/ ٢٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٨) رقم (١٠٢٠).","vol":"1","page":207},{"text":"وجه الدلالة من الحديثين:\nدل الحديثان على جواز المسح على الجبيرة أو العصابة.\nثالثًا: من الآثار:\nعن نافع (^١) عن ابن عمر قال: «إذا كان عليه عصاب مسحه، وإن لم يكن عليه عصاب غسل ما حوله ولم يمسه الماء» (^٢).\nرابعًا: من المعقول:\n١. أنه مسح على حائل، أبيح له المسح عليه، كالمسح على الخف، بل أولى؛ لأن صاحب الضرورة أحق بالتخفيف (^٣).\n٢. أن الحاجة تدعوا إلى المسح على الجبائر؛ لأن في نزعها حرجًا وضررًا (^٤).\n_________\n(^١) هو: نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الله المدني، كان من أهل أبرشهر (نيسابور)، أصابه عبد الله في بعض غزواته، كان ثقة كثير الحديث. قال البخاري: «أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر»، توفي بالمدينة عام (١١٧ هـ)، وقيل غير ذلك.\nانظر: الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٣)، تهذيب الكمال للمزي (٢٩/ ٢٩٨ - ٣٠٥)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٠٠ هـ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ١٢٦) رقم (١٤٤٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (١/ ١٦٢) رقم (٦٢٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٤) واللفظ له، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٨) رقم (١٠١٩)، وصحح إسناده البيهقي فقال: «هو عن ابن عمر صحيح».\n(^٣) الاختيار (١/ ٣٥)، الإشراف (١/ ١٧٣)، المهذب (١/ ١٣٩، ١٤٠)، كشاف القناع (١/ ٢٧٨).\n(^٤) بدائع الصنائع (ص ١٥١)، المهذب (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":208},{"text":"٣. أنه قول ابن عمر، ولم يعرف له من الصحابة مخالف (^١).\n٤. أن المسح على الجبيرة أولى من التيمم (^٢)؛ لأن المسح على الجبيرة طهارة مائية، والتيمم طهارة ترابية.\nواختلفوا في وجوب التيمم مع الغسل والمسح، فهل يجب عليه أن يتيمم مع المسح على الجبيرة أم لا؟ وذلك على قولين (^٣):\nالقول الأول: أنه لا يجب عليه أن يتيمم مع المسح على الجبيرة، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، ومذهب الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يجب عليه التيمم مع المسح على الجبيرة، وهو الأصح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد)، ورواية للحنابلة.\nأدلة القول الأول:\nأولًا: من السنة:\nحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: «انكسر إحدى زندي، فسالت رسول الله - ﷺ - فأمرني أن أمسح على الجبائر» (^٤).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٥٥).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٥٤).\n(^٣) الهداية (١/ ٣٢)، الاختيار (١/ ٣٥)، المدونة (١/ ٢٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٨)، الوسيط (١/ ٣٧١)، المجموع (٢/ ٢٥٥)، المستوعب (١/ ٢٨٨)، الفروع (١/ ٢٠٤)، الإنصاف (١/ ١٨٥ و٢٦٠).\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ١٥٦).","vol":"1","page":209},{"text":"وجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - حين أمر عليًا ﵁ بالمسح على الجبائر لم يأمره بالتيمم (^١).\nيمكن مناقشته بأن الحديث ضعيف (^٢).\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن محل الطهارة واحد، فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف (^٣).\n٢ - أن مسح الجبائر معتبر بالمسح على الخفين، وليس مع المسح على الخفين تيمم، فكذا المسح على الجبائر (^٤).\n٣ - لأنه متوضئٌ فأشبه أن يباشر الأعضاء بالماء (^٥).\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١١٠٣).\n(^٢) لأنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي، قال عنه الإمام أحمد: «ليس بشيء متروك الحديث»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال النووي: «واتفق الحفاظ على ضعفه». انظر: العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل (١/ ٢٤٦)، ط: المكتب الإسلامي ودار الخاني ١٤٠٨ هـ، التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٣٢٨)، ط: دار الفكر، المجموع (٢/ ٢٥٤)، شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي (٢/ ٧٥٣)، ط: مكتبة المنار ١٤٠٧ هـ، تلخيص الحبير (١/ ١٤٦، ١٤٧).\n(^٣) الإشراف (١/ ١٧٤)، البيان (١/ ٣٣٢)، المغني (١/ ٣٥٧).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١١٠٣)، المغني (١/ ٣٥٧).\n(^٥) الإشراف (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":210},{"text":"أدلة القول الثاني:\nأولًا: من السنة:\nحديث جابر ﵁ وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «... إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب أو يعصر على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على الجمع بين المسح على العصابة والتيمم.\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الحديث ضعيف (^٢)، وحتى الذين حسنوا الحديث بمجموع طرقه (^٣)، فإنهم اعتبروا الشاهد من الحديث في شأن المسح على الجبائر - وهي زيادة: «ثم يمسح عليها» - ضعيفة ومنكرة.\nقال البيهقي: «ولا يثبت عن النبي - ﷺ - في هذا الباب - أي المسح على الجبيرة - شيء، وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي تقدم - أي حديث جابر السابق - وليس بالقوي» (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ١٢٦).\n(^٢) تقدم بيان وجه ضعفه (ص ١٢٦)، الهامش رقم (٢).\n(^٣) انظر: نيل الأوطار (١/ ٣٠٢)، سبل السلام للصنعاني (١/ ١٧٨)، ط: دار الفكر ١٤١١ هـ.\n(^٤) سنن البيهقي (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":211},{"text":"الوجه الثاني: أنه يحتمل أن الواو في قوله: «ويعصب» بمعنى أو، ويحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة (^١).\nثانيًا: من المعقول:\nأن واضع الجبيرة أخذ شبهًا من الجريح؛ لأنه يخاف الضرر من غسل العضو، وأخذ شبهًا من لابس الخف؛ لأن المشقة تلحقه في نزع الجبيرة، فلما أشبههما وجب الجمع بين المسح والتيمم (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أنه قياس مع الفارق، فالجريح لا يستطيع مباشرة المسح لخوف زيادة الضرر، وليس عليه جبيرة ليمسحها، والغسل متعذر، فتعين التيمم.\nوأما لابس الخف فطهارته تختلف عن طهارة الماسح على الجبيرة؛ لأن طهارة الماسح على الجبيرة طهارة ضرورة، وأما مسح الخف فإنه تخفيف ورخصة (^٣).\n_________\n(^١) شرح العمدة (١/ ٢٨٦)، كشاف القناع (١/ ٢٧٨).\n(^٢) البيان (١/ ٣٣٢)، التعليقة الكبرى (ص ٩٥٣)، شرح العمدة (١/ ٢٨٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٥٤)، فقه الممسوحات في الشريعة الإسلامية لعلي الغامدي (ص ٣٥٤)، ط: دار ابن عفان ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":212},{"text":"الوجه الثاني: أن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية، بل إما أن تكون طهارة العضو المسح أو التيمم، ولا يكلف الله عبدًا بعبادتين سببُهما واحد (^١).\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم وجوب التيمم مع الغسل والمسح، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشة (^٢).\nورغم أن مذهب الحنابلة عدم التيمم مع الغسل والمسح، إلا أنهم قالوا: بوجوب الجمع بين المسح والتيمم على ما زاد من الحاجة في الجبيرة، فيغسل الصحيح ويمسح على الجبيرة ويتيمم لما زاد على قدر الحاجة (^٣).\nواستدلوا على ذلك بأن المسح على الجبيرة إنما جاز للضرورة، فوجب أن يتقيد الجواز بموضع الضرورة (^٤).\n_________\n(^١) الشرح الممتع (١/ ٢٤٧).\n(^٢) ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن باز وابن عثيمين. انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ١٨٢)، مجموع فتاوى ابن باز (١٠/ ١١٨، ١١٩)، جمع: محمد الشويعر، ط: ١٤٢٣ هـ، الشرح الممتع (١/ ٢٤٧).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٨٦)، كشاف القناع (١/ ٢٧٨).\n(^٤) العدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (ص ٤٢)، ط: المكتبة العصرية ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":213},{"text":"والراجح - كما ذكرنا - أنه لا يلزمه التيمم، وأما ما استدل به الحنابلة في هذه المسألة فيجاب عنه بجوابين:\n١ - أن تقدير الموضع الزائد على الحاجة قد لا ينضبط (^١).\n٢ - أنه لما كان يتضرر بنزع الزائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة (^٢).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٥٥).\n(^٢) الشرح الممتع (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الثالث\nعدم القدرة على استعمال الماء</span>\nاتفق الفقهاء على جواز التيمم لمن وجد الماء ولكنه غير قادر على استعمال الماء، كما في الأمثلة التالية:\n١. من كان على رأس بئر ماء، ولم يجد آلة يستقي بها الماء.\n٢. إذا كان بينه وبين الماء عدو أو لصوص أو سبع، فيخاف لو سعى إلى الماء ضررًا على نفسه أو على ماله أو أهله أو رفقته.\n٣. أن يكون الماء بمجمع الفساق، وتخاف المرأة على نفسها منهم.\n٤. أن يخاف باستعمال الماء الانقطاع عن رفقته ونحو ذلك.\nفيجوز لأصحاب هذه الأمثلة ونحوها التيمم بالاتفاق، ولا إعادة عليهم (^١).\nوكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار للحصكفي (١/ ٣٥٤، ٣٥٥)، ط: دار إحياء التراث العربي ١٤١٩ هـ، مواهب الجليل (١/ ٤٩٢ - ٤٩٤)، الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك للدردير (١/ ١٧٩ - ١٨٣)، ط: دار المعارف، الأم (٢/ ٩٨)، الحاوي (٢/ ١١٤٨)، روضة الطالبين (١/ ٢١٢)، التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع للمرداوي (ص ٦٣)، ط: مكتبة الرشد ١٤١٥ هـ، كشاف القناع (١/ ٣٩١، ٣٩٤)، المحلى (١/ ٧٨).","vol":"1","page":215},{"text":"أولًا: من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أباح التيمم لمن لا يقدر على استعمال الماء، فإن معنى عدم الوجود في الآية هو عدم الماء حسًا وحكمًا، وأصحاب الأمثلة السابقة وإن وجدوا الماء صورة إلى أنهم لما لم يتمكنوا من استعماله خشية الضرر صار الماء معدومًا حكمًا، فيدخلون تحت النص (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\nوجه الدلالة من الآيتين:\nأن الله ﷾ نهى عن قتل النفس وإلقائها في التهلكة، وفي تكليف هؤلاء - أي أصحاب الأعذار السابقة - باستعمال الماء للطهارة إذا خافوا باستعماله ضررًا على أنفسهم أو على أموالهم أو أهلهم ونحو ذلك قتل للنفس، وتعريضها للهلاك، وهذا محرم بالنص.\nثانيًا: من السنة:\nحديث عمرو بن العاص ﵁ وفيه أن النبي - ﷺ - قال له: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن لابن عربي (١/ ٤٤٥)، المحلى (١/ ٧٨).","vol":"1","page":216},{"text":"في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا (^١).\nوجه الدلالة:\nفي الحديث دليل على جواز التيمم لمن خاف على نفسه الهلاك من البرد، مع أن عمرو بن العاص قد تيمم مع وجود الماء، وسكت عنه النبي - ﷺ - وأقره.\nفيفهم من ذلك جواز التيمم لمن وجد الماء ولكنه خائف من استعماله الضرر؛ لأن الخوف لا يختلف، وإنما اختلفت جهاته (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن أصحاب هذه الأمثلة عادمون للماء حكمًا (^٣)، فيباح لهم التيمم.\n٢ - أنهم خائفون من الضرر باستعمال الماء (^٤)، والضرر منفي شرعًا.\n٣ - قياسًا على الجريح والمريض إذا خاف أحدهما على نفسه من استعمال الماء، فإنه يجوز له التيمم (^٥)، فكذلك من خاف على نفسه ضررًا أو على ماله أو على رفقته ونحو ذلك.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ١٢٧).\n(^٢) المغني (١/ ٣٣٦).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٤٨)، المجموع (٢/ ٢٠٦)، شرح العمدة (١/ ٤٢٣).\n(^٤) الكافي لابن قدامة (١/ ٩٧).\n(^٥) شرح التلقين (١/ ٢٧٨)، المغني (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":217},{"text":"٤ - أن المرأة إذا خافت على نفسها باستعمال الماء كأن يكون الماء عند فاسق ونحوه، فإنه يجوز لها التيمم ولا يحل لها المضي إلى الماء؛ لما في ذلك من التعرض للزنا، وهتك نفسها وعرضها، وربما أفضى ذلك إلى قتلها، وقد أبيح لها التيمم مع قلة الماء، أو عند الخوف من مرض، فهاهنا أولى (^١).\nقلت: والشريعة الإسلامية إنما جاءت للتيسير على العباد ورفع الحرج عنهم، وما شرع التيمم إلا لذلك، وفي تكليف أصحاب هذه الأمثلة باستعمال الماء للطهارة مع وجود الضرر عليهم من لص أو حيوان أو أي خوف كان في القصد إليه مشقة لوقعوا في الحرج والمشقة، والله ﷿ يقول في الحكم من مشروعية التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣١٦).","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الفصل الثالث\nالخوف من استعمال الماء</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: تيمم الصحيح الخائف من العطش.\nالمبحث الثاني: تيمم الصحيح الخائف من البرد.\nالمبحث الثالث: التيمم لمن خاف فوات الوقت للصلوات المكتوبة.\nالمبحث الرابع: التيمم لمن خاف فوات صلاة العيدين والجنازة ونحوهما.\n\nالمبحث الخامس: التيمم لمن خاف فوات الجمعة.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الأول\nتيمم الصحيح الخائف\nمن العطش</span>\nاتفق الفقهاء على أن من كان معه ماء، وهو يحتاج إليه لشرب ونحوه، كأن يخاف على نفسه العطش إن استعمله في الطهارة، أو يخاف على غيره من إنسان، أو حيوان محترم (^١)،\nفإنه يجب عليه التيمم، ويحرم عليه - والحالة هذه - استعماله في الطهارة (^٢).\nوقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم ابن المنذر، وابن هبيرة، وابن حجر العسقلاني (^٣).\n_________\n(^١) الحيوان المحترم: هو ما لا يباح قتله من مسلم، أو ذمي، أو مستأمن، أو كلب الزرع والماشية والصيد، وغير المحترم من الحيوان: ما يباح قتله كالحربي، والمرتد، والكلب العقور، والخنزير، وسائر الفواسق الخمس وما في معناها.\n\nفإذا كان الحيوان غير محترم فإنه لا يتيمم بل يتوضأ بالماء الذي معه لعدم حرمة هؤلاء. انظر: رد المحتار (١/ ٣٥٤)، مواهب الجليل (١/ ٤٩٠)، المجموع (٢/ ١٩٥)، المبدع (١/ ١٦٥، ١٦٦).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٨)، المدونة (١/ ٤٦)، مواهب الجليل (١/ ٤٩٠)، المجموع (٢/ ١٩٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٥٣)، مسائل الإمام أحمد برواية ابنه أبي الفضل صالح (ص ١٨٢)، ط: الدار العلمية ١٤٠٨ هـ، الإنصاف (١/ ٢٥٤)، المحلى (١/ ٨٧).\n(^٣) انظر: الإجماع لابن المنذر (ص ٣٥)، الأوسط لابن المنذر (٢/ ٢٨)، الإفصاح لابن هبيرة (١/ ١٦٥)، فتح الباري (١/ ٥٤١).","vol":"1","page":221},{"text":"واستدلوا على ذلك بأدلة منها:\nأولًا: من الكتاب:\n٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n٢١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\nوجه الدلالة من الآيتين:\nأن الله ﷾ أمر بحفظ النفس، وصونها عن أسباب الهلاك، ومن ذلك صونها عن العطش المؤدي للهلاك، فإن استعمال الماء للطهارة مع الحاجة للشرب تعريض للنفس للهلاك، وهذا محرم شرعًا.\nثانيًا: من السنة:\nعن أبي هريرة ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «بينما كلب يطيف بركية (^١) كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها (^٢) فسقته فغفر لها به» (^٣).\n_________\n(^١) الركية - بفتح الراء وتشديد الكاف المكسورة وفتح الياء المشددة ـ: البئر. النهاية لابن الأثير (ص ٣٧٥).\n(^٢) الموق - بضم الميم ـ: ما يلبس فوق الخف، كلمة فارسية معربة. مختار الصحاح (ص ٥٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب حديث الغار [صحيح البخاري (٣/ ١٢٧٩) حديث (٣٢٨٠)]، ومسلم في كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها [صحيح مسلم (٤/ ١٧٦١) حديث (٢٢٤٥)].","vol":"1","page":222},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على أجر من سقي الكلب، فغيره من باب أولى (^١).\nثالثًا: من الآثار:\n١ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «إذا أجنب الرجل في أرض فلاة ومعه ماء يسير، فليؤثر نفسه بالماء ويتيمم بالصعيد» (^٢).\n٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا كنت مسافرًا وأنت جنب أو أنت على غير وضوء، فخفت إن توضأت أن تموت من العطش، فلا توضأه، واحبس لنفسك» (^٣).\nرابعًا: من المعقول:\n١ - أنه يخاف على نفسه من الهلاك لو استعمل ما معه من الماء، فصار في حكم العاجز عن استعماله، كما لو حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو لصوص (^٤).\n٢ - قياسًا على المريض الذي يخاف على نفسه من استعمال الماء (^٥)، فإنه يجوز له التيمم، فكذلك هاهنا، بجامع أن كلًا منهما خائف على نفسه.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٤٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٩٩) رقم (١١١٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٤) برقم (١٠٤٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٠٠) برقم (١١٢٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٤) برقم (١٠٤٤).\n(^٤) المبسوط (١/ ١١٤)، المغني (١/ ٣٤٤).\n(^٥) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٠)، المهذب (١/ ١٣٠)، المبدع (١/ ١٦٥).","vol":"1","page":223},{"text":"٣ - أنه ماء مشغول بحاجته، والمشغول بالحاجة كالمعدوم (^١).\n٤ - أن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة، بدليل ما لو رأى حريقًا، أو غريقًا في الصلاة عند ضيق وقتها لزمه ترك الصلاة والخروج لإنقاذه، فلأن تُقدم الطهارة بالتيمم على الطهارة بالماء أولى (^٢).\n٥ - أن صيانة نفس الغير أوجب من صيانة الطهارة بالماء، فإن الوضوء له بدل ولا بدل للنفس (^٣).\n٦ - أن حرمة رفيقه كحرمة نفسه، والخائف على بهائمه خائف على ضياع ماله، فأشبه ما لو وجد ماء بينه وبينه لص أو سبع يخافه على بهيمته، أو شيء من ماله (^٤).\n_________\n(^١) الاختيار (١/ ٢٨)، رد المحتار (١/ ٣٥٤).\n(^٢) المغني (١/ ٣٤٤)، المبدع (١/ ١٦٥).\n(^٣) شرح العناية على الهداية (١/ ١٣٤)، شرح التلقين (١/ ٢٧٩).\n(^٤) شرح التلقين (١/ ٢٧٩)، المغني (١/ ٣٤٤).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبحث الثاني\nتيمم الصحيح الخائف من البرد</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تيمم الصحيح الخائف من البرد.\nالمطلب الثاني: حكم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم لخوف البرد.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المطلب الأول\nحكم تيمم الصحيح الخائف\nمن البرد</span>\nاتفق جمهور الفقهاء على جواز التيمم للصحيح في السفر أو الحضر إذا خاف على نفسه التلف أو حصول الضرر من استعمال الماء لشدة البرد، ولم يجد ما يسخن به الماء، أو لم يجد ما يدفئه، وسواء كان ذلك في الحدث الأكبر أو الأصغر (^١)، إلا أن أبا يوسف ومحمد من الحنفية قالا: بجواز ذلك في السفر دون الحضر.\nوقد استدل جمهور الفقهاء على جواز تيمم الصحيح الخائف من البرد بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\n١. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].\n_________\n(^١) الأصل (١/ ١٢٤، ١٢٥)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، المدونة (١/ ٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٩)، الحاوي (٢/ ١٠٧٨، ١٠٧٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢٨٢، ٢٨٣)، المستوعب (١/ ٢٨٣، ٢٨٤)، الكافي (١/ ٩٧، ٩٨).\nملاحظة: ذهب الحنفية إلى أن جواز التيمم للبرد خاص بالجنب؛ لأن المحدث لا يجوز له التيمم للبرد في الصحيح عندهم؛ لعدم تحقق الضرر في الوضوء عادة، ولكن لو تحقق الضرر من الوضوء فإنه يجوز التيمم عندهم اتفاقًا. انظر: حاشية الطحطاوي (١/ ١١٥)، رد المحتار (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":227},{"text":"وجه الدلالة من الآيتين:\nأن الله ﷾ نهى عن أن يعرض الإنسان نفسه للهلاك، أو التلف، أو الضرر بها، فدل ذلك على أن أي سبب يؤدي إلى الهلاك، أو التلف، أو الضرر، فإنه يتناوله هذا النهي، ومن ذلك الخوف من استعمال الماء لشدة البرد.\n٢٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nوجه الدلالة:\nدلت الآية على أن الحرج مدفوع عن المكلفين، وفي تكليف من خشي على نفسه الهلاك باستعمال الماء لشدة البرد أعظم الحرج، وهو منفي شرعًا، فيجوز له التيمم.\nثانيًا: من السنة:\nحديث عمرو بن العاص ﵁ قال: «احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - ذكرت له ذلك فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (^١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ١٢٧).","vol":"1","page":228},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على جواز التيمم عند شدة البرد ومخافة الهلاك إن استعمل الماء، وذلك من وجهين (^١):\nالوجه الأول: التبسم والاستبشار، فإن التبسم أقوى دلالة من السكوت على الجواز.\nالوجه الثاني: عدم الإنكار؛ لأن النبي - ﷺ - لا يقر على الخطأ، ولو كان ذلك غير جائز لبَيَّنَه له، وأمره بالإعادة.\nثالثًا: من الآثار:\nعن عبد الرزاق (^٢)\nقال: سمعت الثوري (^٣) يقول: «أجمعوا على أن الرجل يكون في أرض باردة فأجنب فخشي على نفسه الموت، يتيمم وكان بمنزلة المريض» (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٢٧)، المغني (١/ ٣٤٠)، نيل الأوطار (١/ ٣٠٣).\n(^٢) هو: عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مُصَنِّف مشهور، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين.\n\nانظر: تقريب التهذيب لابن حجر (ص ٣٥٤)، ط: دار الرشيد ١٤٠٦ هـ.\n(^٣) هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، المجتهد، ولد سنة (٩٧ هـ)، وهو من تابعي التابعين، اتفق العلماء على وصفه بالبراعة في العلم بالحديث والفقه والورع والزهد، توفي بالبصرة سنة (١٦١ هـ).\nانظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢١٥، ٢١٦)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩ - ٢٧٩).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٢٦) برقم (٨٧٧)، وذكره ابن المنذر في الأوسط ولم يسقه بإسناده (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":229},{"text":"رابعًا: من المعقول:\n١. أنه خائف على نفسه الهلاك من البرد، فأبيح له التيمم كالجريح والمريض (^١).\n٢. أنه قد أتى بما أمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلي بالتيمم (^٢).\n٣. أنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن العجز ثابت حقيقة، فيتيمم بالنص (^٣).\n٤. قياسًا على من خاف على نفسه عطشًا أو لصًا أو سبعًا، فإنه يجوز له التيمم، فكذلك هاهنا، والعلة الجامعة بينهما هي الخوف على النفس (^٤).\nواستدل أبو يوسف ومحمد على جواز ذلك في السفر دون الحضر بما يلي:\nأن الغالب في الحضر وجود الماء المسخن، ووجود ما يستدفأ به، وعدمه نادر (^٥).\nالمناقشة:\nنوقش من أربعة وجوه:\nالوجه الأول: أن ذلك غير مسلم به في حق الفقير والغريب (^٦).\nالوجه الثاني: أن من جاز له التيمم مع وجود الماء، فالحضر والسفر له سواء كالمريض (^٧).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢)، المغني (١/ ٣٤٠).\n(^٢) المغني (١/ ٣٤٠).\n(^٣) الاختيار (١/ ٢٨)، مجمع الأنهر (١/ ٤٤).\n(^٤) الأوسط (١/ ٢٧)، المغني (١/ ٣٤).\n(^٥) الهداية (١/ ٢٧)، تبيين الحقائق (١/ ١١٩).\n(^٦) الاختيار (١/ ٢٨).\n(^٧) المبسوط (١/ ١٢٢)، المغني (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":230},{"text":"الوجه الثالث: قياسًا على المسافر؛ لأن معنى الحرج من استعمال الماء ثابت فيهما، فيتيمم بالنص (^١).\nالوجه الرابع: أن العذر النادر يسقط به الفرض كغيره، ولهذا من حال بينه وبين الماء سبع فإنه يجوز له التيمم، وإن كان عذرًا نادرًا (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢)، تبين الحقائق (١/ ١١٩).\n(^٢) التجريد (١/ ٢٥٨)، الاختيار (١/ ٢٨).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الثاني\nحكم إعادة الصلاة لمن صلى\nبالتيمم لخوف البرد</span>\nاختلف الفقهاء في حكم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم لخوف البرد، فهل تجب عليه الإعادة أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة سواء أكان حاضرًا أو مسافرًا، وهو قول الحنفية والمالكية، ورواية للحنابلة هي المذهب (^١).\nالقول الثاني: أنه تجب عليه الإعادة في الحضر والسفر، وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية للحنابلة (^٢).\nالقول الثالث: أنه تجب عليه الإعادة في الحضر دون السفر، وهو قول محمد وأبي يوسف من الحنفية، وقول للشافعية، ورواية للحنابلة (^٣).\nسبب الخلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى مدى قياس الصحيح الذي يخاف من برد الماء على المريض الذي يخاف من استعمال الماء (^٤)، فمن قاسه\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٢)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠، ٣٢١)، المدونة (١/ ٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٩)، الفروع (١/ ٢٧٨)، الإنصاف (١/ ٢٦٨، ٢٦٩).\n(^٢) المصادر السابقة للحنابلة، وانظر للشافعية: الحاوي (٢/ ١٠٨٠)، المجموع (٢/ ٢٥٣).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، المجموع (٢/ ٢٥٣)، الإنصاف (١/ ٢٦٩).\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":232},{"text":"عليه لم يوجب إعادة الصلاة على المتيمم لخوف البرد، ومن لم يرجح القياس أوجب الإعادة.\nأدلة القول الأول:\nأولًا: من السنة:\nحديث عمرو بن العاص ﵁ وفيه: «... فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - لم يأمر عمرو بإعادة الصلاة، ولو كانت الإعادة واجبة لأمره (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين (^٣).\nالوجه الأول: أن الإعادة على التراخي وليست على الفور، فلذلك لم يأمره بها.\nالجواب:\nيمكن أن يجاب أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ١٢٧).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٠٩)، الأوسط (٢/ ٢٧)، رؤوس المسائل في الخلاف (١/ ٧٦).\n(^٣) التعليقة الكبرى (ص ٩٢٨)، المجموع (٢/ ٢٥٣).\n(^٤) الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":233},{"text":"الوجه الثاني: يحتمل أنه لم يأمره بذلك؛ لعلمه أن عمرًا يعلم ذلك، أو أنه كان قد قضى.\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أنه خائف على نفسه، فوجب أن تسقط عنه الإعادة كالمريض (^١).\n٢ - أنه أتى بما أمر به فأشبه سائر من يصلي بالتيمم (^٢).\nأدلة القول الثاني والثالث:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الآية قيدت إباحة التيمم للمريض والمسافر العادم، والخائف من البرد ليس بمريض ولا مسافر عادم للماء (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\n_________\n(^١) التجريد (١/ ٢٥٨)، المغني (١/ ٣٤٠).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ١١٩)، المغني (١/ ٣٤٠).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١٠٨١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٨).","vol":"1","page":234},{"text":"الوجه الأول: أن الله ﷾ إنما خص المريض والمسافر بالذكر لمعنى، وهو أن التيمم في الغالب يكون مع المرض أو السفر، فالسفر مظنة عدم الماء غالبًا، والمرض مظنة عدم القدرة على استعمال الماء في الطهارة، فمتى ما وجدت العلة في غيرهما - أي المريض والمسافر - جاز التيمم.\nالوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - لم يستفسر من عمرو بن العاص هل كان فعله ذلك في السفر أو الحضر، بل علل فعله بعلة عامة، وهي خوف الهلاك، ورسول الله - ﷺ - استصوب ذلك منه (^١)، والحكم يدور مع علته وجودًا أو عدمًا (^٢).\nثانيًا: من المعقول:\nأن عدم وجود المسخن عذر نادر غير متصل، فلم يسقط فرض الإعادة (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش هذا الدليل بما نوقش به قول أبي يوسف ومحمد في المطلب الأول (^٤).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم إعادة الصلاة لمن صلى بالتيمم لخوف البرد، وذلك لما يلي:\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (٣/ ٣١٥)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٠٧ هـ، شرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٩٧، ٩٨)، ط: مكتبة العبيكان ١٤١٣ هـ.\n(^٣) المبسوط (١/ ١٢٢)، المهذب (١/ ١٣٩)، المبدع (١/ ١٦٤).\n(^٤) انظر: (ص ١٧٥).","vol":"1","page":235},{"text":"١ - قوة الأدلة وسلامة أكثرها من المعارضة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الثاني والثالث.\n٣ - أن القول الثاني يقول: بجواز تيممه مع الإعادة، وهذا القول في غاية الضعف؛ إذ كيف يقال للمكلف: لك أن تتيمم وتصلي ولكن يجب عليك الإعادة؟! بل إما أن نقول: إن صلاتك صحيحة ولا إعادة، أو إنها باطلة من أصلها، فما دام أن تيممه جائز وصلاته قد أُديت على الوجه الصحيح فلا معنى حينئذ لوجوب الإعادة، والله أعلم.\n٤ - أن القول بالتفريق بين الأعذار النادرة وغير النادرة قول لا يصح؛ لأنه لم يثبت في ذلك دليل شرعي.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الثالث\nالتيمم لمن خاف فوات الوقت\nللصلوات المكتوبة</span>\nاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز التيمم عند وجود الماء والقدرة على استعماله، واختلفوا في حكم التيمم - لواجد الماء - خوفًا من فوات الوقت للصلوات الخمس المكتوبة، فهل يتيمم ويصلي في الوقت أو يتوضأ ويصلي بعد خروج الوقت (^١)؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يتيمم ويصلي في الوقت، وهو قول زفر (^٢) من الحنفية، وقول المالكية في الراجح عندهم، ورواية للحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).\nالقول الثاني: أنه يتوضأ ولا يتيمم، ولو صلى خارج الوقت، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية اختاره المغاربة، وهو قول الشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) وهذا يحصل كثيرًا في موسم الحج إذا ازدحم الناس على حمام ولا يمكنهم الوصول إلى الماء قبل فوات الوقت، وخاصة وقت الفجر أو المغرب لقصر زمنهما.\n(^٢) هو: زفر بن الهذيل بن قيس بن سلم أبو الهذيل العنبري، إمام من بحور العلم، وأذكياء الوقت، ولد سنة (١١٠ هـ)، تفقه بأبي حنيفة وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل، وكان منصفًا في البحث متبعًا، توفي سنة (١٥٨ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٨ - ٤١)، شذرات الذهب (١/ ٢٤٣).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٣٩)، رد المحتار (١/ ٣٦٦)، المدونة (١/ ٤٤)، مواهب الجليل (١/ ٤٩٤)، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢١/ ٤٥٤)، الإنصاف (١/ ٢٨٧).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٩)، الهداية (١/ ٢٩)، الذخيرة (١/ ٣٣٧)، العزيز (١/ ١٩٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٧)، المغني (١/ ٣٤٥)، الإنصاف (١/ ٢٨٧).\nوهناك وجه للشافعية أنه يتيمم ويصلي لحرمة الوقت ثم يتوضأ ويعيد، ولكن قال عنه النووي: وهذا الوجه شاذ وليس بشيء. انظر: المجموع (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":237},{"text":"سبب الخلاف:\nيظهر لي - والله أعلم - أن سبب الخلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في الآكد من الأمرين، هل هو الطهارة أم فرض الوقت؟\nفمن رأى أن الآكد هو الطهارة قال: بعدم جواز التيمم، ومن رأى أن الآكد هو فرض الوقت قال: بجواز التيمم.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز التيمم لمن خشي فوات الوقت للصلوات المكتوبة، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن من فعل ما أُمر به بحسب قدرته واستطاعته فإنه معذور، ومن خشي فوات وقت الفريضة فإنه يتيمم لإدراك الوقت، وإن كان الماء موجودًا؛ لأن العبد مأمور أن يصلي في الوقت، فما قدر عليه من شروط\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٩٧).","vol":"1","page":238},{"text":"الصلاة فعله، وما عجز عنه سقط عنه؛ لأنه اتقى الله ما استطاع، ونفذ أمر الله ﷿ ورسوله - ﷺ - بحسب استطاعته (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بعدم التسليم؛ لأن من وجد الماء وهو قادر على استعماله لا يوصف بأنه عاجز عن استعمال الماء، إذ باستطاعته استعماله للطهارة ولو خرج وقت الصلاة، لأن الصلاة إذا خرج وقتها فإنها تفوت إلى بدل وهو القضاء (^٢)، وما كان فواته إلى بدل كأنه لم يفت.\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن إيقاع الصلاة بالتيمم أداء أولى من إيقاعها قضاء بالماء.\nاعتراض:\nقد يعترض بأن إيقاع الصلاة بالتيمم مشروط بعدم وجود الماء، وهذا واجد للماء فيجب استعماله.\nثانيًا: من المعقول:\n١ - قياسًا على المريض، فكما أن المريض يصلي في الوقت قاعدًا أو على جنب إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يؤخر الصلاة ليصلي قائمًا بعد خروج وقتها، فكذلك هاهنا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٣٥، ٣٦)، المحلى (١/ ٧٦).\n(^٢) الاختيار (١/ ٣٠).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٥٥).","vol":"1","page":239},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي:\nالأول: أن القيام أخف؛ لأنه يسقط في النافلة مع القدرة، بخلاف الطهارة بالماء، فإنه لا يجوز تركها بحال (^١).\nالثاني: أن صلاة المريض قاعدًا أو على جنب مشروطة بعدم القدرة على القيام أو على القعود، فإذا تحقق الشرط صحت صلاته، بخلاف التيمم فإن شرطه عدم الماء، وهو واجد له فلا يصح تيممه.\nالثالث: أن صلاة المريض قاعدًا أو على جنب إنما أُبيحت لأجل المرض لا للوقت ونحوه، بدليل أنه لو كان صحيحًا لما صحت صلاته قاعدًا أو على جنب، والتيمم إنما أبيح عند عدم الماء، وأما عند وجوده فعليه استعماله سواء خاف فوات الوقت أو لم يخف.\n٢ - قياسًا على الخائف، فالصلاة في الوقت فرض يجب بحسب الإمكان والاستطاعة، فالخائف يصلي صلاة الخوف في الوقت بحسب الإمكان ولا يفوتها ليصليها صلاة أمن بعد خروج الوقت، فالصلاة المفروضة في الوقت وإن كانت ناقصة خير من تفويتها بعد الوقت وإن كانت كاملة (^٢).\n_________\n(^١) البيان (١/ ٢٩١).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٥٥).","vol":"1","page":240},{"text":"المناقشة:\nنوقف بأنه قياس غير صحيح؛ لأنه إنما أُبيحت صلاة الخائف على هذا الوجه لأجل الخوف لا للوقت ولا لغيره، والخوف موجود، والدليل على ذلك جواز صلاة الخوف في أول الوقت مع غلبة الظن بانصراف العدو قبل خروج الوقت، فدل على أنها إنما أُبيحت للخوف لا ليدرك الوقت، والتيمم إنما أبيح للعبد لعدم الماء، فنظير صلاة الخوف من التيمم أن يكون الماء معدومًا فيجوز له التيمم، وأما في حالة وجود الماء فهو بمنزلة زوال الخوف فلا يجوز له فعل الصلاة إلا على هيئتها في حال الأمن (^١).\n٣ - قياسًا على المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء إلا بعد خروج الوقت، فإنه يجوز له التيمم ليدرك الوقت، ولا يجوز له أني يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يصل إلى الماء، فكذلك هاهنا (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بالمنع؛ لأن المسافر إنما أبيح له التيمم لعدم الماء لا لأجل الوقت، بدليل أنه لو كان لأجل الوقت لما أبيح له التيمم في أول الوقت حال عدم الماء؛ لأنه غير خائف من فوات الوقت، وفي اتفاق الجميع على جواز تيممه في أول الوقت دلالة على أن شرط التيمم هو عدم الماء، وفي مسألتنا واجد للماء فلا يجوز له التيمم (^٣).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٨).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٧٢).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٧).","vol":"1","page":241},{"text":"٢٣ - أن التيمم إنما شرع أصلًا للمحافظة على وقت الصلاة (^١)؛ لأنه قد علم أن الماء لا يعدم أصلًا، وقد اتفق على أن عادمه في الوقت يتيمم مع العلم أنه سيجده بعد الوقت، فاقتضى ذلك أن العلة تحصيل الفعل في الوقت (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أن فرض الطهارة آكد من فرض الوقت بدلالة أنه لا تقبل صلاة بغير طهارة، وهي جائزة مع فوات الوقت (^٣).\nالوجه الثاني: أن التيمم إنما جاء لحفظ وقت الصلاة في حالة عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وما دام أنه قادر على الماء فلا يجوز له التيمم.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بعدم جواز التيمم لمن خشي فوات الوقت للصلوات المكتوبة، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\n١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ..﴾ [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٣٣٧).\n(^٢) شرح التلقين (١/ ٢٧٩).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٧).","vol":"1","page":242},{"text":"٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة من الآيتين:\nأن الله ﷾ أوجب استعمال الماء في حال وجوده، ونقله إلى التراب عند عدمه، فلا يجوز نقله إليه مع وجود الماء (^١)؛ لأنه خلاف الآية الثانية.\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الآية الأولى مقيدة لمن وجد الماء في الوقت، وأما من عدم الماء في الوقت فإنه يدخل في عموم الآية الثانية.\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن الله ﷾ حين أمر بغسل هذه الأعضاء لم يقيده بشرط بقاء الوقت وإدراك فعل الصلاة فيه، بل أباح ترك الغسل بشرط عدم الماء، فما لم يوجد الشرط فيه يبقى على العموم في الوقت وبعده (^٢).\nثانيًا: من السنة:\n١ - حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٧)، المغني (١/ ٣٤٦).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٢٥).","vol":"1","page":243},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على جواز التيمم بشرط عدم وجود الماء، وأما مع وجود الماء فعليه استعماله سواء خاف فوات الوقت أو لم يخف؛ لعموم قوله: «فإذا وجد الماء فليمسه بشرته».\n٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (^١).\n٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (^٢).\nوجه الدلالة من الحديثين:\nدل الحديثان على أن الطهارة بالماء شرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة بالتيمم مع وجود الماء ولو خرج الوقت.\nاعتراض:\nقد يعترض بأن التيمم طهور كالماء، فتصح صلاته بالتيمم في الوقت (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور [صحيح البخاري (١/ ٦٣) حديث (١٣٥)]، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة [صحيح مسلم (١/ ٢٠٤) حديث (٢٢٥)].\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة [صحيح مسلم (١/ ٢٠٤) حديث (٢٢٤)].\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٧).","vol":"1","page":244},{"text":"الجواب:\nأجيب بأن التيمم طهور مع عدم الماء، وأما مع وجود الماء فليس بطهور (^١).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن الطهارة شرط فلم يبح تركها خيفة فوت وقت الصلاة كسائر شرائطها (^٢).\n٢ - أنه قادر على الماء فلا يجوز له التيمم، كما لو لم يخف فوات الوقت (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بعدم جواز التيمم لمن خشي فوات الوقت للصلوات المكتوبة، وذلك لما يلي:\n١ - قوة ما استدلوا به من النصوص التي تدل على وجوب الوضوء عند القدرة على استعمال الماء.\n٢ - أنه عمل بما في وسعه واستطاعته، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٤).\n٣ - مناقشة أدلة القول الأول.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) رؤوس المسائل في الخلاف (١/ ٧٨).\n(^٣) المجموع (١/ ١٩٤)، المغني (١/ ٣٤٥).\n(^٤) سبق تخريجه (ص ٩٧).","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الرابع\nالتيمم لمن خاف فوات صلاة\nالعيدين (^١) والجنازة (^٢) ونحوهما</span>\nاختلف الفقهاء في المكلف يجد الماء ويقدر على استعماله، ولكنه يخشى باستعماله فوات صلاة الجنازة أو صلاة العيد ونحوهما من النوافل، فهل يجوز له أن يتيمم ليدرك هذه الصلوات أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يتيمم ويصلي، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية اختاره\n_________\n(^١) للفقهاء في حكم صلاة العيدين ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنها سنة مؤكدة، وهو قول لبعض الحنفية، وقول الشافعية، والمالكية، ورواية للحنابلة.\nالقول الثاني: أنها فرض كفاية، وهو وجه للشافعية، وقول الحنابلة.\nالقول الثالث: أنها واجبة، وهو الصحيح عند الحنفية.\nانظر: بدائع الصنائع (٢/ ٢٣٦)، الذخيرة (٢/ ٤١٧)، المجموع (٥/ ٥، ٦)، المغني (٣/ ٢٥٣).\n(^٢) الجَنازة - بالفتح ـ: الميت، والجِنازة - بالكسر ـ: السرير الذي يحمل عليه الميت. لسان العرب (٥/ ٣٢٤)، وصلاة الجنازة فرض على الكفاية عند الجمهور، ويرى بعض المالكية أنها سنة.\nانظر: بدائع الصنائع (٢/ ٣٣٦)، الذخيرة (٢/ ٤٥٦)، المجموع (٥/ ١٢١)، المحرر (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":246},{"text":"اللخمي (^١)، ورواية للحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) (^٣).\nالقول الثاني: أنه لا يتيمم للعيد والجنازة ونحوهما، وهو قول المالكية، والشافعية، ورواية للحنابلة هي المذهب (^٤).\n_________\n(^١) هو: أبو الحسن، علي بن محمد الربعي، المعروف باللخمي، كان فقيهًا، جيد النظر، حاز رئاسة إفريقية جملة، من مصنفاته: التعليقة على المدونة (التبصرة) اختار فيه وخرّج، فخرجت اختياراته عن المذهب، توفي سنة (٤٧٨ هـ).\nانظر: ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (٢/ ٣٤٤)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ، الديباج المذهب (١/ ٢٠٣).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٨، ٣٢٩)، رد المحتار (١/ ٣٦٢، ٣٦٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٢)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٥٦)، الفروع (١/ ٢٩٠)، الإنصاف (١/ ٢٨٨، ٢٨٩).\nوهناك وجه للشافعية أنه يتيمم ويصلي لحرمة الوقت ثم يتوضأ ويعيد، ولكن قال عنه النووي: وهذا الوجه شاذ وليس بشيء. انظر: المجموع (١/ ١٩٤).\n(^٣) ذهب الحنفية إلى أن الصلاة ثلاثة أنواع:\n١ - ما لا يخشى فواتها أصلًا لعدم توقتها كالنوافل، فهذه لا يتيمم لها عند وجود الماء.\n٢ - ما تفوت إلى بدل كصلاة الجمعة والصلوات الخمس، فإنه لا يتيمم لهذه الصلوات مع وجود الماء، يل يفوتها ويتوضأ ويصلي؛ لأن هذه الصلوات تعاد وتقضى.\n٣ - ما لا تفوت إلى بدل كصلاة العيد والجنازة، فإنه يتيمم لهما مع وجود الماء إذا خشي أن تفوته؛ لأنهما لا تعادان ولا تقضيان. انظر: الاختيار (١/ ٣٠)، البحر الرائق (١/ ٢٧٥).\n(^٤) المدونة (١/ ٤٧)، عيون الأدلة (ص ٩٤٧ - ٩٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٤٨٢)، مختصر المزني (ص ١٦)، المجموع (٢/ ١٩٤)، المبدع (١/ ١٨٦)، الإنصاف (١/ ٢٨٨، ٢٨٩).","vol":"1","page":247},{"text":"سبب الخلاف:\nأصل الخلاف في هذه المسألة هو اختلافهم في صلاتي العيد والجنازة ونحوهما هل تقضى أو لا تقضى؟\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يتيمم ويصلي بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة ﵁ قال: «أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - تيمم لرد السلام على المسلم، وذلك خوفًا من فواته بالمواراة عن بصره، فيكون هذا أصلًا إلى أن كل ما يفوت لا إلى بدل، يجوز أداؤه بالتيمم مع وجود الماء (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين (^٣):\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٦).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٩).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١١١٦)، المجموع (٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":248},{"text":"الوجه الأول: أنه يحتمل أنه تيمم لعدم الماء.\nالوجه الثاني: أنه وإن سلمنا بأن النبي - ﷺ - تيمم مع وجود الماء لرد السلام خوفًا من الفوات، فالاستدلال بالحديث أيضًا ضعيف؛ لأن الطهارة للسلام ليست بشرط فخف أمرها بخلاف الصلاة.\nثانيًا: من الآثار:\n١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه أتي بجنازة وهو على غير وضوء فتيمم، ثم صلى عليها (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه يحتمل أن فعله ذلك كان في السفر لعدم الماء (^٢).\nالوجه الثاني: أن الأثر ضعيف (^٣).\n٢ - عن عبد الله بن عباس ﵄ في الرجل تفجأه الجنازة وهو على غير وضوء قال: «يتيمم ويصلي عليها» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٧٠)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٠٢)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ٣٠٢، ٣٠٣) برقم (٣٥٠)، وفي السنن الكبرى (١/ ٢٣١).\n(^٢) السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٣١).\n(^٣) قال البيهقي: «وفي إسناد حديث ابن عمر في التيمم ضعف» السنن الكبرى (١/ ٢٣١)، وضعفه أيضًا النووي في المجموع (٢/ ١٩٥).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٩٧) برقم (١١٤٦٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":249},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الأثر ضعيف (^١).\nثالثًا: من المعقول:\n١. أن صلاة الجنازة أو العيد تفوت لا إلى بدل، فيجوز التيمم لهما، كالعادم للماء، بجامع عدم التمكن من استدراك كل منهما بالوضوء (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن القياس على عادم الماء قياس غير صحيح؛ لأنه لا يشبه عادم الماء، لا حقيقة ولا حكمًا، أما أنه لا يشبه العادم حقيقة، فلأنه واجد للماء، وأما لا يشبه العادم حكمًا، فلأنه قادر على استعمال الماء (^٣).\n٢. أن التيمم إنما شرع في الأصل لخوف فوات الأداء مع أنه يستدرك بالقضاء، فمن باب أولى يشرع لكل ما يخاف فوته ولا يمكن قضاؤه (^٤)، فالصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة (^٥).\n_________\n(^١) لأن في إسناده المغيرة بن زياد، قال عنه الإمام أحمد: «مغيرة بن زياد أحاديثه مناكير»، وساق البيهقي بسنده عن يحيى بن معين أنه أنكر على المغيرة بن زياد حديث التيمم على الجنازة، وقال: إنما هو عن عطاء، فبلغ به ابن عباس، وذكر النووي أن الأثر عن ابن عباس ضعيف. انظر: العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٣٥)، معرفة السنن والآثار (١/ ٣٠٣، ٣٠٤)، العلل المتناهية لابن الجوزي (١/ ٣٧٩)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٠٣ هـ، المجموع (٢/ ١٩٥).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٩)، المغني (١/ ٣٤٦).\n(^٣) التعليقة الكبرى (ص ٩٦٣)، طهارة أصحاب الأعذار غير المرضية (ص ١٩).\n(^٤) رؤوس المسائل (ص ١١٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٩).\n(^٥) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٣٩).","vol":"1","page":250},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أن ذلك منتقض بالجمعة بفوت فعلها، ولا يجوز أن يتيمم لها (^١).\nاعتراض:\nاعترض بأن هناك فرق بين صلاة الجنازة وصلاة الجمعة، فإن الجمعة تنتقل عند فواتها إلى الظهر، بخلاف الجنازة والعيد فإنه لا يمكن استدراكهما بالقضاء (^٢).\nالرد:\nأن الظهر ليس بجمعة، بدليل قولكم - أي الحنفية - من خرج عنه وقت الجمعة وهو فيها بطلت ولا يتمها ظهرًا (^٣)، فالجمعة لا تقضى جمعة بحال.\nثم إن صلاة الجنازة تقضى لأنه يصليها على القبر فلا تسقط بحال (^٤)، وكذلك صلاة العيد فإنها تقضى وله أن يصليها إن شاء إلى وقت زوال الشمس (^٥).\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١١١٧)، وسيأتي بيان حكم التيمم لخوف فوات الجمعة (ص ١٩٦، ١٩٧).\n(^٢) انظر: المبسوط (١/ ١١٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٩).\n(^٣) انظر لقول الحنفية هذا في: الهداية (١/ ٨٢)، الفتاوى الهندية (١/ ١٤٦).\n(^٤) اختلف الفقهاء في حكم الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه تجوز الصلاة على القبر، وهو رواية للإمام مالك، وقول الشافعية والحنابلة.\nالقول الثاني: أنه لا تجوز الصلاة على القبر، وهو قول الحنفية والمالكية، واستثنى الحنفية الولي إذا كان غائبًا فصلى غيره عليه، فإن للولي أن يصلي على القبر. انظر: المبسوط (٢/ ٦٧)، الذخيرة (٢/ ٤٧٢، ٤٧٣)، المجموع (٥/ ١٥٠)، المغني (٣/ ٤٤٤).\n(^٥) الحاوي (٢/ ١١١٧)، التعليقة الكبرى (ص ٩٦٢)، الانتصار (١/ ٤٥٦ - ٤٥٨).","vol":"1","page":251},{"text":"الوجه الثاني: أنه لو جاز أن يتيمم إذا خشي فواتها إذا توضأ، لجاز أن يصليها بغير تيمم إذا خشي فواتها أن يتيمم، ولما لم يجز ترك التيمم من خشي الفوات، فكذلك في الوضوء (^١).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه لا يتيمم بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ اشترط الطهارة بالماء عند وجوده، وهذا عام في كل صلاة، فلا يجوز أداؤها بالتيمم مع وجود الماء.\nالمناقشة:\nنوقش بأن إطلاق الصلاة يقتضي المعهود، وذلك لا يتناول صلاة الجنازة (^٢).\nالجواب:\nأجيب بعدم التسليم؛ لأن صلاة الجنازة يتناولها اسم الإطلاق، ونقيدها\n_________\n(^١) التعليقة الكبرى (ص ٩٦٣)، الانتصار (١/ ٤٥٦).\n(^٢) التجريد (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":252},{"text":"بالجنازة للتنويع كما يقال صلاة الظهر والعصر والجمعة، ودخول الألف واللام لا للعهد، وإنما هو لاستغراق الجنس، وصلاة الجنازة نوع منه (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير» (^٢).\nوجه الدلالة من الآية والحديث:\nأن شرط جواز التيمم هو عدم وجود الماء، وهذا واجد للماء وقادر على استعماله، فلا يجوز له أن يصلي بالتيمم.\nالمناقشة:\nنوقش بأن المراد بالوجود: القدرة على استعماله لأداء الصلاة من غير مشقة، وهذا لا يوجد إذا خاف فوتها، فيصير غير واجد حكمًا، كمن يخاف العطش (^٣).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بعدم التسليم؛ لأنه واجد للماء حكمًا؛ لكونه قادر على\n_________\n(^١) الانتصار (١/ ٤٥٥).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) التجريد (١/ ٢٤٤).","vol":"1","page":253},{"text":"استعماله، وأما القياس على من خاف العطش فضعيف؛ لأن من خاف العطش أبيح له التيمم لخوف الضرر، ولا ضرر هنا، فافترقا.\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن طهارة التيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع فرض كفاية أو سنة؛ لجواز تركها والاكتفاء بالمتوضئين (^١).\n٢ - قياسًا على الصلوات المكتوبة إذا خشي فواتها وهو قادر على استعمال الماء (^٢).\n٣ - قياسًا على الجمعة، فإن الجمعة آكد من الجنازة؛ لأنها من فروض الأعيان، والجنازة من فروض الكفايات، ثم خوف فواتها لا يسوغ التيمم لها، فالجنازة أولى (^٣).\n٤ - قياسًا على من هو عار وفي بيته ثوب لو ذهب إليه لفاتته الصلاة (^٤)، فإنه لا يجوز له أن يصلي عاريًا ولو فاتته الصلاة، فكذلك لا يجوز له أن يتيمم مع القدرة على استعمال الماء ولو فاتته الصلاة بجامع أن الطهارة وستر العورة شرطان من شروط الصلاة فلا تصح الصلاة بدونهما مع القدرة عليهما.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بعدم التيمم لمن يجد الماء\n_________\n(^١) انظر: عيون الأدلة (ص ٩٥٠).\n(^٢) الإشراف (١/ ١٧١)، المجموع (٢/ ١٩٤)، رؤوس المسائل الخلافية (١/ ٨٢).\n(^٣) الإشراف (١/ ١٧١، ١٧٢)، الحاوي (٢/ ١١١٦)، رؤوس المسائل في الخلاف (١/ ٧٨).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":254},{"text":"ويخاف باستعماله فوات النوافل كالعيد والجنازة ونحوهما، وذلك لقوة أدلتهم وإفادتها المراد، في مقابل ضعف أدلة القول الأول بما حصل من مناقشتها.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الخامس\nالتيمم لمن خاف فوات الجمعة</span>\nاختلف الفقهاء في المكلف يجد الماء ويقدر على استعماله، ولكن يخشى باستعماله فوات الجمعة، فهل يباح له التيمم ليدرك صلاة الجمعة أم يلزمه الوضوء ولا يجوز له التيمم في تلك الحالة؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه يلزمه الوضوء لصلاة الجمعة وإن خشي فواتها، ولا يتيمم لها، وهو قول الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، وقول الشافعية، والحنابلة.\nالقول الثاني: أنه لا يلزمه الوضوء لصلاة الجمعة إذ خشي فواتها، بل يتيمم لها، وهو قول للمالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.\nسبب الخلاف:\nسبب الخلاف في هذه المسألة هو اختلافهم في صلاة الجمعة، هل لها بدل عند فواتها - وهو الظهر - أو ليس لها بدل لكونها فرض يومها؟\nفمن رأى أن للجمعة بدل عند فواتها - وهو الظهر - قال: بعدم التيمم، ومن رأى أنه ليس للجمعة بدل قال: بجواز التيمم.\n_________\n(^١) مختصر القدوري (ص ٥٢)، المبسوط (٢/ ٣٢)، الذخيرة (١/ ٣٥٧)، حاشية الخرشي (١/ ٣٤٥)، حاشية البناني مع شرح الرزقاني (١/ ٢٠٥)، ط: دار الكتب العلمية، مختصر المزني (ص ١٦)، المجموع (٢/ ١٩٤)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٥٦)، الفروع (١/ ٢٩٠، ٢٩١)، الإنصاف (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":256},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدلوا بالأدلة نفسها المتقدمة الدالة على عدم التيمم للجنازة والعيد ونحوهما.\nأدلة القول الثاني:\nيمكن أن يستدل لهم بأدلة من قال بجواز التيمم لمن خشي فوات الجنازة والعيد ونحوهما، وقد تقدمت (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بوجوب الوضوء لصلاة الجمعة، ولو خاف فواتها، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن أدلة القول الثاني تم مناقشتها في المطلب السابق.\nوقد حكى ابن المنذر عن أبي ثور (^٢) الإجماع على عدم صلاة الجمعة بالتيمم مع وجود الماء فقال: «قال أبو ثور: لا أعلم خلافًا أن رجلًا لو أحدث يوم الجمعة، وخاف فواتها أن ليس له أن يتيمم ويصلي، فإذا كان هذا من القوم إجماعًا لوجود الماء، كان كل محدث في موضع يجد فيه الماء مثله» (^٣).\n_________\n(^١) انظر (ص ١٨٩ - ١٩٣).\n(^٢) هو: أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، الإمام الحافظ الحجة المجتهد، الفقيه، مفتي العراق، وصاحب الإمام الشافعي، ولد في حدود سنة (١٧٠ هـ)، كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، حدّث عنه أبو داود وابن ماجه، توفي في صفر سنة (٢٤٠ هـ)، وقيل: (٢٤٦ هـ).\nانظر: وفيات الأعيان (١/ ٢٦)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٢ - ٧٦).\n(^٣) الأوسط لابن المنذر (٢/ ٧١).","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الباب الثاني\nفي أحكام التيمم</span>\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: حكم التيمم بين الرخصة والعزيمة.\nالفصل الثاني: هل التيمم بدل مطلق أو بدل ضروري؟\nالفصل الثالث: حكم التيمم للطهارة من الحدث.\nالفصل الرابع: حكم التيمم للنجاسة.\nالفصل الخامس: التيمم في الحضر والسفر.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفصل الأول\nحكم التيمم بين\nالرخصة والعزيمة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تعريف الرخصة والعزيمة في اللغة والاصطلاح.\nالمبحث الثاني: حكم التيمم بين الرخصة والعزيمة.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الأول\nتعريف الرخصة والعزيمة\nفي اللغة والاصطلاح</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف الرخصة في اللغة والاصطلاح.\nالمطلب الثاني: تعريف العزيمة في اللغة والاصطلاح.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الأول\nتعريف الرخصة في اللغة\nوالاصطلاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>أولًا: في اللغة:</span>\nالرخصة في اللغة: مشتقة من رخص.\nوالرخص - بفتح الراء وتسكين الخاء - الشيء الناعم اللين، يقال: قضيب رَخْص: أي طري ليِّن.\nوالرخص - بضم الراء وتسكين الخاء - ضد الغلاء، يقال: رخص السعر رُخْصًا فهو رخيص.\nوالرُخصة: التسهيل في الأمر والتيسير، يقال: رخص لنا الشارع في كذا ترخيصًا: إذا يسره وسهله (^١).\nفإذن من المعاني السابقة يتضح لنا أن الرخصة في اللغة عبارة عن التسهيل والتيسير واللِّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثانيًا: في الاصطلاح:</span>\nعرف الأصوليون الرخصة بتعاريف كثيرة مختلفة في ألفاظها، متقاربة في معانيها، ومن تلك التعاريف:\nالرخصة: هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر (^٢).\n_________\n(^١) لسان العرب (٧/ ٤٠)، المصباح المنير (١/ ٢٢٣، ٢٢٤)، مختار الصحاح (ص ٢١٩).\n(^٢) منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي (١/ ٧٣)، ط: دار ابن حزم ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":265},{"text":"وعرفه بعضهم بأنها: الحكم الشرعي الذي تغيّر من صعوبة إلى سهولة لعذر، مع قيام السبب الأصلي (^١).\nفالرخصة إذن تسهيل وتوسعة من الشارع للمكلفين، وبهذا يتبين لنا أن العلاقة بين المعنيين - اللغوي والاصطلاحي - ظاهرة لا تخفى.\n_________\n(^١) جمع الجوامع في أصول الفقه لابن السبكي (١/ ١٠٦)، ط: المطبعة الأزهرية ١٣٣١ هـ.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المطلب الثاني\nتعريف العزيمة في اللغة والاصطلاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا: في اللغة:</span>\nالعزيمة في اللغة: مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد.\nيقال: عزم على الشيء عزمًا وعزيمة: إذا عقد ضميره على فعله وقطع عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، أي: قصدًا مؤكدًا على المعصية.\nومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: إذا قطعت الرأي فتوكل على الله في إمضاء أمرك.\nوسمي بعض الرسل أولي العزم؛ لتأكيد قصدهم في طلب الحق (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا: في الاصطلاح:</span>\nهي الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض (^٢).\n_________\n(^١) لسان العرب (١٢/ ٣٩٩)، مختار الصحاح (ص ٣٧٩).\n(^٢) انظر: روضة الناظر لابن قدامة (ص ٦٠)، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٣٩٩ هـ، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعلاء الدين البخاري (٢/ ٤٣٣)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ، نهاية السول شرح منهاج الأصول للأسنوي (١/ ٧٧)، ط: دار ابن حزم ١٤٢٠ هـ، البحر المحيط (١/ ٢٦٠)، القواعد والفوائد الأصولية (ص ١١٤)، شرح الكوكب المنير (١/ ٤٧٦).","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الثاني\nحكم التيمم بين الرخصة والعزيمة</span>\nاتفق الفقهاء على أن التيمم واجب عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله، ولكنهم اختلفوا في هذا الوجوب، هل هو من باب الرخصة أو هو من باب العزيمة؟ وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن التيمم رخصة وليس عزيمة، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية (^١).\nالقول الثاني: أن التيمم عزيمة وليس رخصة، وهو قول بعض المالكية، وبعض الشافعية، وقول الحنابلة (^٢).\nالقول الثالث: أن التيمم عزيمة في حق العادم للماء، ورخصة في حق من يجد الماء ولا يقدر على استعماله، وهو قول بعض المالكية، وقول الشافعية (^٣).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٢٣)، البحر الرائق (١/ ٢٤٢)، مواهب الجليل (١/ ٤٧٨)، الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٣).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٤٧٨)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٥)، المبدع (١/ ١٦٢)؛ الإقناع للحجاوي (١/ ٧٧).\n(^٣) تنوير المقالة (١/ ٥٥٨)، مواهب الجليل (١/ ٤٧٨)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٢/ ١٠٩، ١١٠)، ط: دار العاصمة ١٤١٧ هـ، مغني المحتاج (١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":268},{"text":"سبب الخلاف:\nسبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة هو اختلافهم في مجامعة الرخصة للوجوب، فمن رأى أن الرخصة لا تجامع الوجوب، قال: بأن التيمم عزيمة؛ لأن الرخصة تقتضي التسهيل، والوجوب يقتضي الإلزام.\nومن رأى أن الرخصة تجامع الوجوب، قال: بأن التيمم رخصة (^١).\nوقد يكون سبب الخلاف أن التيمم له جهتان، وكل فريق نظر إلى جهة دون الأخرى، فمن رأى أن التيمم عزيمة نظر من جهة أن العادم للماء لا يمكنه استعماله مع عدمه لاستحالة التكليف بالماء عند عدمه (^٢)، وكذلك عند عدم القدرة على استعماله فإن التيمم يكون واجبًا، ويكون الماء في حكم المعدوم، فدل ذلك على أن التيمم عزيمة.\nومن رأى أن التيمم رخصة، نظر من جهة أنه تيسير من الله على المكلف ورفع للحرج عنه، حيث إن الله ﷾ جعله بدل الماء، واكتفى فيه بالصعيد - الذي هو متيسر لجميع الناس - وفي محله بشطر أعضاء الوضوء، فدل ذلك على أن التيمم رخصة، والله أعلم.\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٢٦٣)، وانظر: الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس لعبد الكريم النملة (ص ٩٧، ٩٨)، ط: مكتبة الرشد ١٤٢٢ هـ.\n(^٢) انظر: المستصفى في علوم الأصول للغزالي (ص ٧٨)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":269},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن التيمم رخصة بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nدلت الآية على أن الحكمة من مشروعية التيمم رفع الحرج، ورفع الحرج رخصة وفضيله اختص الله بها أمة محمد - ﷺ -، فرخص لنا استعمال التراب عند فقد الماء أو العجز عن استعماله.\nثانيًا: من السنة:\nحديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم، فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (^١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ١٢٦).","vol":"1","page":270},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على أن التيمم رخصة؛ لأن الرجل سأل أصحابه بقوله: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ وقد أنكر عليهم النبي - ﷺ - صنيعهم مما يدل على أن التيمم رخصة (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الحديث ضعيف (^٢)، ولو سلمنا بصحته فليس فيه دليل على كون التيمم رخصة بالمفهوم الاصطلاحي (^٣).\nثالثًا: من المعقول:\nأن التيمم رخصة في المحل والآلة، فأما المحل فقد اقتصر فيه على مسح الوجه واليدين من غير استيعاب لجميع أعضاء الوضوء، وأما من حيث الآلة فقد اكتفي بالصعيد الذي هو ملوث (^٤)، والصعيد متيسر لجميع الناس، فدل ذلك على أن التيمم رخصة، ورحمة من الله تعالى بهذه الأمة.\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الرخصة تكون في الشخص المتمكن من فعل الحكم الأصلي، وهنا لا يمكنه فعل الأصل الذي هو الوضوء؛ لعدم الماء، إذ إن التيمم عند عدم الماء واجب (^٥).\n_________\n(^١) موسوعة أحكام الطهارة (١٢/ ٤٨).\n(^٢) تقدم بيان وجه ضعفه (ص ١٢٦)، الهامش رقم (٢).\n(^٣) موسوعة أحكام الطهارة (١٢/ ٤٨).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢٤٢)، حاشية الطحطاوي (١/ ١١١).\n(^٥) انظر: تنوير المقالة (١/ ٥٥٨).","vol":"1","page":271},{"text":"اعتراض:\nيمكن أن يعترض بأن الرخصة قد تنتهي إلى الوجوب (^١).\nالرد:\nيمكن الرد بأن الرخصة إذا انتهت إلى الوجوب صارت عزيمة (^٢)؛ لأن الرخصة تقتضي التسهيل، والوجوب يقتضي الإلزام.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأن التيمم عزيمة بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالتيمم أمرًا جازمًا، والأصل في الأمر الوجوب (^٣)، فالوجوب في التيمم عزيمة؛ لأنه حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض.\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) الأمر إن كان مجردًا عن قرينة فهو يقتضي الوجوب عند أئمة الفقهاء الأربعة وبعض المتكلمين. انظر: أصول السرخسي (١/ ١٥، ١٦)، ط: دار المعرفة، المقدمة في الأصول لابن القصار (ص ٥٨)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٩٩٦ م، الإحكام للآمدي (٢/ ١٦٢)، نهاية السول (١/ ٣٩٦)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٩).","vol":"1","page":272},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشة القول بأن التيمم واجب مطلقًا غير مسلم؛ لأن القول بالوجوب لا يستقيم في حق العاجز عن استعمال الماء لخوف ضرر أو زيادة مرض، فإن التيمم في حقه رخصة لتمكنه من فعل الأصل في الجملة (^١).\nثانيًا: من المعقول:\nقياسًا على الوضوء والغسل، فإن البدل يأخذ حكم المبدل.\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بما نوقش به دليل الكتاب السابق.\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بأن التيمم عزيمة في حق عادم الماء، ورخصة في حق من يجد الماء ولا يقدر على استعماله بما يلي:\nأن العزيمة لا يكون الشخص فيها متمكنًا من فعل الأصل، ومن عدم الماء لا يمكنه الوضوء الذي هو الأصل فيصير التيمم في حقه عزيمة، بخلاف من يجد الماء ولا يقدر على استعماله لحصول مشقة فادحة في حقه لتمكنه من فعل الأصل في الجملة (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧).\n(^٢) تنوير المقالة (١/ ٥٥٨)، الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧).","vol":"1","page":273},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثالث القائل بأن التيمم عزيمة في حق عادم الماء، ورخصة في حق من يجد الماء ولا يقدر على استعماله، وذلك لما يلي:\n٢٤ - لقوة دليلهم، وسلامته من المناقشة، فإن العادم للماء ليس أمامه إلا التيمم وبذلك يصبح التيمم في حقه عزيمة، وأما الواجد للماء العاجز عن استعماله فيكون التيمم له رخصة؛ لأنه يمكنه فعل الأصل الذي هو الوضوء ولكن بمشقة، فشرع له التيمم رخصة.\n٢٥ - أنه بهذا القول يتم الجمع بين القولين، فلا يصار إلى الترجيح.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الفصل الثاني\nبدلية التيمم عن الماء</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nالمبحث الأول: نوع بدلية التيمم.\nالمبحث الثاني: ما يترتب على الخلاف في نوع بدلية التيمم.","vol":"1","page":275},{"text":"تمهيد\nخص الله ﷾ هذه الأمة إكرامًا لها بسبب شرف نبيها ﵊ وفضلها على سائر الأمم، بأن جعل لهم التراب مطهرًا بدلًا عن الماء.\nحيث شرع الله لنا التيمم عوضًا عن الماء في حال فقده، أو عدم القدرة على استعماله، كيلا يحرم العبد من فعل الطاعات وثوابها.\nوقد تقدم ذكر الأدلة الدالة على أن التيمم بدل عن الماء ويقوم مقامه عند عدم الماء، أو عند عدم القدرة على استعماله (^١).\nفالتيمم بدل عن الماء، ويقوم مقامه.\nولما كان التيمم بدلًا، فهل هو بل مطلق أو بدل ضروري؟\nالجواب سيتضح - إن شاء الله - من خلال المبحث الآتي:\n_________\n(^١) انظر (ص ٢٤ - ٢٨).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الأول\nنوع بدلية التيمم</span>\nالمقصود بهذه المسألة: هل التيمم بدل مطلق بحيث يقوم مقام الماء في رفع الحدث، أو أنه بدل ضروري لا يرفع الحدث، بل يبيح العبادة مع قيام الحدث؟\nاتفق الفقهاء على أن التيمم لا يرفع الحدث مع وجود الماء (^١)، واختلفوا في حكم رفع الحدث بالتيمم عند عدم الماء، هل يرفع الحدث فيكون التيمم كالماء أو لا يرفعه فيكون مبيحًا لا رافعًا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح للعبادة، وهو المشهور عند المالكية، والصحيح عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة، وهي المذهب (^٢).\nالقول الثاني: أن التيمم يرفع الحدث، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية (^٣)، ووجه للشافعية أنه يرفع في حق فريضة واحدة، وهو قول ابن سريج، ورواية للحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٤).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٣)، المجموع (٢/ ٢٤١)، الكافي (١/ ١٠٢).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٥١٠)، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٥)، المجموع (٢/ ١٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩٦)، المستوعب (١/ ٣٠٢)، الإنصاف (١/ ٣٨٢).\n(^٣) اختاره من المالكية ابن العربي والمازري والقرافي. انظر: القبس (١/ ١٧٧)، شرح التلقين (١/ ٣٠٦)، الذخيرة (١/ ٣٦٥).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٤)، رد المحتار (١/ ٣٦٢)، مواهب الجليل (١/ ٥١٠)، المجموع (٢/ ١٧٦)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٣ - ٣٦٣)، الإنصاف (١/ ٢٨٢)، زاد المعاد (٣/ ٣٨٨، ٣٨٩).","vol":"1","page":278},{"text":"سبب الخلاف:\nذكر ابن تيمية أن سبب الاختلاف بين الفقهاء في هذه المسألة مبني على قاعدة أصولية، وهي أن المانع المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا؟ (^١).\nومعنى ذلك: هل استبيحت الصلاة مع قيام السبب المانع منها وهو الحدث، أو أن السبب لم يبق حاضرًا، فكأن لا حدث؟ (^٢).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن التيمم مبيح للعبادة ولا يرتفع به الحدث، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\n١ - حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتملت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٥ - ٣٥٩).\n(^٢) انظر: شرح الزركشي (١/ ٣٤٧).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ١٢٧).","vol":"1","page":279},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن النبي - ﷺ - سماه جنبًا بعد تيممه (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الرسول - ﷺ - حين قال له ذلك إنما هو من باب الاستفهام والاستعلام، أي: هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو بأنه لم يفعله، بل تيمم لخوف أن يقتله البرد، فأقره النبي - ﷺ - ولم يقل شيئًا، ولم يأمره بالإعادة، فدل ذلك على أنه صلى بأصحابه وهو غير جنب (^٢).\n٢ - حديث عمران بن حصين ﵁ في القصة الطويلة، وفيها: أن النبي - ﷺ - لما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء. وفيها: أن النبي - ﷺ - أمره بالتيمم، ثم لما حضر الماء أعطاه النبي - ﷺ - إناءٌ من ماء، وقال له: «أفرغه عليك» (^٣).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الحدث لم يرتفع؛ إذ لو ارتفع لما احتاج إلى الاغتسال (^٤).\n_________\n(^١) شرح التلقين (١/ ٣٠٨)، حاشية الشبراملسي (١/ ٢٩٧)، شرح العمدة (١/ ٤٤٤).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٠٤)، زاد المعاد (٣/ ٣٨٨)، وانظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي (٢/ ٤٤)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧ هـ.\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":280},{"text":"المناقشة من وجهين (^١):\nالوجه الأول: ليس في الحديث ما يفيد أن الأمر بالغسل للجنابة التي قد تيمم لها، ولو كان كذلك لأمره النبي - ﷺ - بإعادة الصلاة التي قد فعلها بالتيمم، ولم يثبت ذلك عنه - ﷺ -.\nالوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - أمره بالاغتسال استحبابًا لا وجوبًا، فالحدث مرتفع بالتيمم، وإنما الغسل لما أصاب البدن من آثار الجنابة.\n٢٦ - حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على وجوب استعمال الماء عند وجوده، وذلك لرفع الحدث الذي كان قبل التيمم، ولو ارتفع الحدث لما وجب عليه استعمال الماء (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن التيمم إنما يرفع الحدث بشرط عدم الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلًا، وصار كمن لم يتيمم، ومن لم يتيمم لم يرتفع حدثه (^٤).\n_________\n(^١) نصب الراية (١/ ١٦٠)، السيل الجرار (١/ ٣٣٢).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) البيان (١/ ٢٧٦)، المغني (١/ ٣٢٩، ٣٣٠).\n(^٤) شرح التلقين (١/ ٣٠٦).","vol":"1","page":281},{"text":"ثانيًا: من الآثار:\n١ - عن علي ﵁ قال: «يتيمم لكل صلاة» (^١).\n٢ - عن ابن عباس ﵁ قال: «من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلوات الأخرى» (^٢).\n٣ - عن عمرو بن العاص أنه كان يُحدث لكل صلاة تيممًا (^٣).\n٤ - عن ابن عمر ﵁ قال: «يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢١) برقم (٩٩٥)، وضعفه ابن حجر. انظر: المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر (٢/ ٤٣٨)، ط: دار العاصمة ودار الغيث ١٤١٩ هـ، الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر (١/ ٧٠)، ط: دار المعرفة.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢١٤، ٢١٥) برقم (٨٣٠ - ٨٣٢)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٢) برقم (٩٩٨)، والأثر ضعيف؛ لأن في إسناده الحسن بن عمارة وهو ضعيف جدًا. انظر: سنن الدارقطني (١/ ١٨٥)، تلخيص الحبير (١/ ١٥٥).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢١٥) برقم (٨٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢١) برقم (٩٩٦) وقال: «هذا مرسل»؛ لأن قتادة لم يولد إلا بعد موت عمرو بن العاص. انظر: المحلى (١/ ٨٤)، تلخيص الحبير (١/ ١٥٥).\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢١) برقم (٩٩٤) وقال: «إسناده صحيح». وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي (١/ ٢٢١) فقال: «فيه عامر الأحول عن نافع، وعامر ضعفه ابن عيينة وابن حنبل، وفي سماعه من نافع نظر»، وقال ابن حزم في المحلى (١/ ٨٤): «والرواية فيه عن ابن عمر لا تصح».","vol":"1","page":282},{"text":"المناقشة:\nنوقش استدلالهم بهذه الآثار من وجهين (^١):\nالوجه الأول: ضعف هذه الآثار كما تقدم عند تخريجها.\nالوجه الثاني: أن هذه الآثار لو صحت لما كان فيها حجة؛ إذ ورد عن بعض الصحابة ما يعارضها، ولا إجماع في المسألة، فالواجب الرد إلى الكتاب والسنة.\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن التيمم طهارة ضرورة، فلم يرفع الحدث، كطهارة المستحاضة (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن القول بأن التيمم طهارة ضرورة إن أُريد به أن لا يفعل إلا عند الضرورة فهو مسلم، وإن أُريد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان التيمم واجبًا، فإن هذا خلاف السنة والإجماع، بل يتيمم للواجب كالصلاة، ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع، وقراءة القرآن ونحوهما (^٣).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٨٤)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٦٣، ٤٣٨).\n(^٢) الأم (١/ ١٠٠)، الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٢٨).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٣٩).","vol":"1","page":283},{"text":"الوجه الثاني: أن القياس على طهارة المستحاضة قياس مع الفارق؛ لأنها طهارة يتعقبها ما يفسدها وهو خروج الدم (^١)، بخلاف المتيمم فلا يتعقب تيممه ما يفسده إلا أن يحدث أو يجد الماء.\nقال ابن حزم: «لأن قياس المتيمم على المستحاضة لم يوجبه شبه بينهما ولا علة جامعة فهو باطل بكل حال» (^٢).\n٢ - أن التيمم لو رفع الحدث لما بطل برؤية الماء (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه إنما يبطل برؤية الماء؛ لأن الأصل فيه أنه يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلًا.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأن التيمم يرفع الحدث، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) الروايتين والوجهين (١/ ٩١)، وانظر: البحر الرائق (١/ ٢٧٣).\n(^٢) المحلى (١/ ٨٤).\n(^٣) الإشراف (١/ ١٦٧)، العزيز (١/ ٢٣٧)، كشاف القناع (١/ ٣٨٧).","vol":"1","page":284},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الله ﷾ يريد أن يطهرنا بالتراب، كما يطهرنا بالماء، فدل ذلك على أن التيمم مطهّر كالماء سواء بسواء (^١).\nثانيًا: من السنة:\n١. حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» وفي رواية: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم ...» (^٢) (^٣).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن طهارة التيمم ممتدة إلى غاية وجود الماء، وذلك يدل على أن التيمم في حال عدم الماء كالوضوء، فإذًا يُعطى حكم الماء فيرفع الحدث (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٠٣، ٤٣٦).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) قال ابن العربي: «وله - أي التيمم - ثلاثة أسماء: التيمم، قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبا﴾، والوضوء، قال النبي - ﷺ -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ...»، والطهور، قال النبي - ﷺ -: «... وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا». انظر: القبس شرح الموطأ (١/ ١٧٦، ١٧٧).\n(^٤) المبسوط (١/ ١١٣)، شرح الزركشي (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":285},{"text":"٢. حديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ...» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الله ﷾ جعل الأرض طهورًا كما جعل الماء طهورًا (^٢)، والطهور اسم للمُطِّهر، فدل على أن الحدث يزول بالتيمم كالوضوء (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن المراد بالحديث أنه كالوضوء في استباحة الصلاة والقراءة وغير ذلك، وإلا فمن المعلوم أنه ليس تقع به الوضاءة، وإنما هو ملوَّث ومغبَّر (^٤).\nالجواب:\nأجيب بأنه من المعلوم أن استباحة الصلاة والقراءة وغير ذلك لابد أن تكون بطهارة، فلو لم يكن رافعًا للحدث لما استبيحت به الصلاة.\nفمن التناقض أن يقال: التيمم ليس بطهارة تامة، ولكنه يبيح فعل الصلاة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٣٨).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٣٧).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٤).\n(^٤) الانتصار (١/ ٤٣٢).","vol":"1","page":286},{"text":"ونحوها؛ لأن استباحة الصلاة لا تكون إلا بطهارة، فهو إذن على قولكم: طهارة، لا طهارة (^١).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلًا له في صفته، فلما كان طهارة الوضوء ترفع الحدث كان بدلها كذلك (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه بدل عنه في فعل العبادة من صلاة وغيرها، فهذا مقصود الشرع بالبدلية، وليس معنى البدلية أنه مثله في رفع الحدث، بدليل أنه إذا وجد الماء عاد حدثه، بخلاف طهارة الماء فإنها لا تبطل إلا بتجدد الحدث (^٣).\nالجواب:\nيمكن مناقشته من أربعة وجوه:\nالوجه الأول: أن التراب إذا كان مطهرًا من الحدث بنص الكتاب والسنة، امتنع أن يكون الحدث باقيًا، فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه، وإلا للزم على قولكم أن يكون أداؤه للصلاة على حدث، وأنتم لا تقولون بذلك.\n_________\n(^١) انظر: المحلى (١/ ٨٣).\n(^٢) شرح التلقين (١/ ٣٠٦)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٤).\n(^٣) الانتصار (١/ ٤٣٣، ٤٣٤).","vol":"1","page":287},{"text":"الوجه الثاني: أن قولكم: إنه لا يرفع الحدث، فإن كان المراد به أنه لا يرفع الأسباب الموجبة للحدث كالريح والوطء فكذلك الوضوء؛ لأن رفع الأسباب محال.\nوإن كان المراد أنه لا يرفع المنع الشرعي من الإقدام على العبادة، فإن المنع قد ارتفع بالضرورة، فإن الإباحة ثابتة إجماعًا، ومع الإباحة لا منع (^١).\nالوجه الثالث: أن المتيمم إنما يعود حدثه إذا وجد الماء؛ لأن الأصل في التيمم أنه يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلًا.\nالوجه الرابع: أن بطلان التيمم برؤية الماء، دليل على أنه بمنزلة الماء عند عدمه، فدل ذلك على أن التيمم يرفع الحدث كالماء.\n٢ - أن التيمم طهارة عن حدث تستباح به الصلاة، فأشبه الطهارة المائية (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأن التيمم يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - ضعف أدلة القول الأول بما حصل من مناقشتها.\n٣ - أن الشريعة الإسلامية قد دلت على أن التيمم طهور حال عدم الماء، فوجب أن يعمل عمل الماء ما بقي شرطه، حتى يقوم دليل شرعي على خلاف ذلك.\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٣٦٥).\n(^٢) البيان (١/ ٢٧٥)، الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":288},{"text":"٤ - أن جعله كالماء من توسيع الله على عباده فلا يجوز لأحد أن يضيق على المسلمين ما وُسِّع عليهم، والله ﷾ أراد بالتيمم رفع الحرج عن الأمة فليس لأحد أن يجعل فيه حرجًا (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٣٩).","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الثاني\nما يترتب على الخلاف في\nنوع بدلية التيمم</span>\nوفيه تمهيد وخمسة مطالب:\nالمطلب الأول: وقت التيمم.\nالمطلب الثاني: حكم الوطء لعادم الماء.\nالمطلب الثالث: حكم إمامة المتيمم للمتوضئ.\nالمطلب الرابع: حكم المسح على الخفين لمن لبسه على طهارة التيمم.\nالمطلب الخامس: حكم التيمم إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة.","vol":"1","page":291},{"text":"تمهيد\nذكر بعض الفقهاء أن الخلاف بين الفقهاء في نوع بدلية التيمم إنما هو خلاف لفظي؛ لأن من قال: إن التيمم لا يرفع الحدث فمراده أنه لا يرفعه مطلقًا، بل إلى غاية لئلا يجتمع النقيضان، إذ الحدث معناه المنع، والمتيمم غير ممنوع من الصلاة، فدل ذلك على أنه خلاف لفظي (^١).\nوالصواب أن الخلاف حقيقي لا لفظي، فإن الفقهاء قد اختلفوا في بعض المسائل بناء على اختلافهم في التيمم هل يرفع الحدث، أو يبيح العبادة مع قيام الحدث؟.\nوهذا يؤكد على أن الخلاف حقيقي له ثمرة.\nوبيان هذه الثمرة يكون في خمسة مطالب:\n_________\n(^١) انظر: الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٤)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المطلب الأول\nوقت التيمم</span>\nوفيه ثلاثة فروع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الفرع الأول\nوقت التيمم للصلاة المؤقتة بوقت</span>\nاختلف الفقهاء في الوقت الذي يصح فيه التيمم للصلاة المفروضة، والنافلة المؤقتة بوقت كالسنن الرواتب، والوتر ونحوهما، هل يشترط لصحة التيمم دخول وقت العبادة المؤقتة أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يشترط لصحة التيمم دخول وقت العبادة المؤقتة، ولا يصح التيمم قبله، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أنه لا يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، ويصح التيمم قبله، وهو قول الحنفية، وابن شعبان من المالكية (^٢)، وبعض الشافعية في النافلة\n_________\n(^١) المقدمات (١/ ١١٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٠)، الأم (٢/ ٩٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٢، ٢٣٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٢، ٢٥٣)، كشاف القناع (١/ ٣٨٧).\n(^٢) هو: أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان المعروف بابن القرطي، كان رأس الفقهاء المالكية بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك مع التفنن في سائر العلوم، وإليه انتهت رئاسة المالكية بمصر، له مصنفات منها: الزاهي في الفقه، ومناقب مالك وغيرهما.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٧٨، ٧٩)، الديباج المذهب (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":294},{"text":"المؤقتة، ورواية للحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nسبب الخلاف:\nسبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة هو اختلافهم في التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح (^٢)؟\nوذكر بعض أهل العلم أن سبب الخلاف هو اختلافهم في المفهوم من آية الوضوء في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ...﴾ الآية [المائدة: ٦].\nفهل ظاهرها يقتضي تكرار الطهارة عند القيام إلى الصلاة فلا يجوز التيمم والوضوء إلا عند دخول الوقت، ولكن خرج الوضوء بالنص (^٣) فبقي التيمم على مقتضى ظاهرة الآية، أو ليس هذا ظاهر الآية وإنما معنى: إذا قمتم إلى الصلاة: أي أردتم القيام إليها (^٤).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، بما يلي:\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤٢)، المنتقى للباجي (١/ ١١١)، المقدمات (١/ ١٢٠)، المجموع (٢/ ١٩٢)، الإنصاف (١/ ٢٥٣)، فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٣) وما بعدها.\n(^٢) تحفة الفقهاء (١/ ٩٠)، الذخيرة (١/ ٣٦٠)، شرح الزركشي (١/ ٣٤٩).\n(^٣) حيث ثبت أن النبي - ﷺ - صلى الصلوات الخمس كلها يوم الفتح بوضوء واحد. أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد [صحيح مسلم (١/ ٢٣٢) حديث (٢٢٧)].\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ١٣٤)، شرح العمدة (١/ ٤٤٠، ٤٤١).","vol":"1","page":295},{"text":"أولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالوضوء عند إرادة القيام إلى الصلاة، فإن لم يجد الماء تيمم، وإنما يكون ذلك بعد دخول الوقت، ولكن خرج جواز تقديم الوضوء قبل الوقت بفعل النبي - ﷺ - فبقي التيمم على الأصل (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن المراد بالآية: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإرادة القيام تكون في الوقت، وتكون قبله، فليس في الآية دليل على اشتراط الوقت حتى يقال: خصص الوضوء بفعل النبي - ﷺ - (^٢).\nالوجه الثاني: أن الاستدلال على جواز تقديم الوضوء قبل الوقت ثابت ومسلم به، وليس فيه ما يدل على عدم الجواز بالنسبة للتيمم، بل إنه متى ثبت ذلك للأصل الذي هو الماء فإنه يثبت للبدل الذي أقيم مقامه عند عدمه إلا أن يدل دليل على هذا الفرق.\n_________\n(^١) المعونة (١/ ١٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٢٧٢)، الانتصار (١/ ٤٣٥).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٣٠٦).","vol":"1","page":296},{"text":"ثانيًا: من السنة:\nحديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على اشتراط دخول الوقت للتيمم لتقييد الأمر بالتيمم بإدراك الصلاة، وإدراكها لا يكون إلا بعد دخول الوقت (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الشرط في الحديث غير مقصود، وإنما المعنى متى أدركت المكلف الصلاة وليس عنده ماء وجب عليه التيمم؛ لأن وجوب التيمم لا يتصور إلا عند دخول الوقت وفقد الماء، فلو تيمم قبل الوقت، واستمر فقدان الماء حتى دخل وقت الصلاة الأخرى، فإن الوجوب قد سقط عنه بتيممه الأول، وأتى به قبل وجوبه عليه.\nثم إنه لا تأثير لدخول الوقت في بطلانه؛ لأن الشارع حكيم إنما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها، فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة لا يبطل الطهارة بالأزمنة وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص ٣٨).\n(^٢) الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٦٤)، شرح الزركشي (١/ ٣٢٨).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٦١).","vol":"1","page":297},{"text":"ثالثًا: من المعقول:\n١ - أن التيمم قبل الوقت لا حاجة إليه كما لو تيمم مع وجود الماء (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه يلزم من قولكم هذا بطلان التيمم في أول الوقت، ومن تيمم للنافلة (^٢).\nالجواب:\nأجيب بالمنع؛ لأن تيممه في أول الوقت ليبرئ ذمته من الصلاة الواجبة وإحراز فضيلة أول الوقت من أكبر الحاجات، وكذلك بالناس حاجة إلى النوافل لتكثير حسناتهم وتكفير سيئاتهم (^٣).\nاعتراض:\nقد يعترض بأن إحراز فضيلة أول الوقت لا يكون إلا بالتطهر قبل الوقت.\nالوجه الثاني: أن التيمم مع وجود الماء حصل مع القدرة على الأصل فلم يجز البدل، وقبل الوقت لم يقدر على الأصل فجاز البدل، كما لو كان في الوقت (^٤).\n_________\n(^١) المنتقى للباجي (١/ ١١١)، المجموع (٢/ ١٩٣)، المغني (١/ ٣١٣).\n(^٢) التجريد (١/ ٢٣٠).\n(^٣) الانتصار (١/ ٤٣٧).\n(^٤) التجريد (١/ ٢٣٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":298},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأنه إن كان هناك تيمم مع قدرته على الأصل، فهاهنا تيمم مع عدم حاجته إلى التيمم وهما في المعنى سواء (^١).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن قولكم أن التيمم قبل الوقت لا حاجة إليه غير مسلم؛ لأن المندوب التطهر قبل الوقت ليشتغل أول الوقت بالأداء (^٢).\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - تيمم لرد السلام (^٣)، فدل ذلك على أن التيمم يكون مستحبًا تارة، وواجبًا أخرى، أي أنه تيمم في وقت لا يكون التيمم واجبًا عليه أن يتيمم، وإن كان التيمم شرطًا للصلاة، فالتيمم قبل الوقت مستحب كالوضوء (^٤).\n٢ - أنها طهارة ضرورة، فلم تصح قبل الوقت كطهارة المستحاضة (^٥).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذا الدليل من وجهين (^٦)، ونضيف هنا وجهًا ثالثًا من المناقشة وهو أن طهارة الضرورة تتعلق بالفعل لا بالوقت، فيلزم أن لا يتيمم حتى يريد فعل الصلاة، فإذا انتهى منها بطل تيممه، وأنتم لا تقولون بهذا (^٧).\n_________\n(^١) الانتصار (١/ ٤٣٧).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٧٣).\n(^٣) سبق تخريجه (ص ٢٦).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٣٨، ٣٤٩).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٥)، البيان (١/ ٢٨٧)، المبدع (١/ ١٦٢).\n(^٦) انظر: (ص ٢١٦).\n(^٧) معرفة أوقات العبادات، خالد المشيقح (١/ ١٢٥)، ط: دار المسلم ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":299},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه لا يشترط لصحة التيمم دخول الوقت، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أقام التيمم مقام الماء عند فقده، ولم يفرق بين ما إذا كان قبل الوقت أو بعده (^١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\nوجه الدلالة:\nأن الآية اقتضت جواز فعلها عقيب الزوال، وذلك لا يمكن إلا بتقديم التيمم على الوقت (^٢).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (^٣).\n_________\n(^١) رؤوس المسائل للزمخشري (ص ١١٣).\n(^٢) التجريد (١/ ٢٢٩).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٥).","vol":"1","page":300},{"text":"وجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - جعله مطهرًا للمتيمم كالماء، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل إن خروج الوقت يبطله (^١)، وإنما علق جوازه بعدم الماء لا بالوقت (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - قياسًا على الوضوء، ومسح الخف (^٣) بجامع أن كلا منهما يصح قبل دخول الوقت.\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن القياس على الوضوء لا يصح؛ لأن الوضوء يرفع الحدث، والتيمم ضرورة لإباحة الصلاة، ولا تباح الصلاة قبل دخول الوقت (^٤).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب عليه بأن ذلك هو عين النزاع، ولا يصلح الاستدلال بمحل النزاع.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٣، ٣٥٤).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٠).\n(^٣) تبيين الحقائق (١/ ١٣٠).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":301},{"text":"الوجه الثاني: أن المسح على الخف رخصة وتخفيف فلا يضيق باشتراط الوقت، بدليل أنه يجوز مع القدرة على غسل الرجل، والتيمم ضرورة لا يجوز مع القدرة على استعمال الماء (^١).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بالمنع؛ لأن التيمم تخفيف ورخصة، كالمسح على الخفين، والتيمم بدل مثله عن الغسل بل أقوى؛ لأن المسح مؤقت بمدة قليلة والشارع جوز التيمم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء (^٢).\nوأما القول بأنه ضرورة، فالضرورة فيه عدم الماء، وهذا موجود قبل الوقت (^٣)، فإذًا لا فرق ما بين قبل الوقت أو بعده.\n٢ - أن التيمم طهارة تبيح الصلاة، فلم تتقيد بالوقت كطهارة الماء (^٤).\n٣ - أن أمر النافلة أوسع من الفرائض، فيجوز لها التيمم قبل الوقت (^٥).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بعدم اشتراط دخول الوقت لصحة التيمم، وذلك لما يلي:\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٩٣)، الانتصار (١/ ٤٣٩).\n(^٢) انظر: البحر الرائق (١/ ٢٧٣).\n(^٣) التجريد (١/ ٢٣١).\n(^٤) المغني (١/ ٣٤١).\n(^٥) مغني المحتاج (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":302},{"text":"١ - لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الأول.\n٣ - أنه لم يثبت دليل من الكتاب ولا من السنة يدل على بطلان التيمم قبل الوقت.\nقال ابن رشد: «... فتأمل هذه المسألة فإنها ضعيفة أعني من يشترط في صحته دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت، فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه ليس ينطلق اسم غير الواجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة؛ لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على الماء» (^١).\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٣٤، ١٣٥).","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الفرع الثاني\nوقت التيمم للصلاة التي غير مؤقتة بوقت</span>\nاختلف الفقهاء في وقت التيمم للصلاة التي هي غير مؤقتة بوقت كالنفل المطلق، وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يصح التيمم لها في كل وقت، وهو قول الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية للحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nواستدلوا بجموع ما تقدم ذكره من أدلة القول الثاني، في الفرع الأول.\nالقول الثاني: أنه يصح التيمم لها في كل وقت، عدا الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وهو قول المالكية، والأصح عند الشافعية، وقول الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بأن التيمم للنافلة المطلقة في وقت النهي لا يصح؛ لأنه ليس بوقت لها (^٣)، فيكون قد تيمم لها قبل وقتها (^٤).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤٢)، العزيز (١/ ٢٦٠)، المجموع (٢/ ١٩٢)، المغني (١/ ٣١٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٢، ٢٥٣)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٣ وما بعدها).\n(^٢) المقدمات (١/ ١٢٠)، البيان والتحصيل (١/ ١٨٢)، العزيز (١/ ٢٦٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٩)، كشاف القناع (١/ ٣٨٧).\n(^٣) المغني (١/ ٣١٣).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":304},{"text":"الوجه الأول: أنه قول يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا دليل.\nالوجه الثاني: أن الأدلة الشرعية اشترطت لصحة التيمم عدم وجود الماء، ولم تشترط له شروطًا أخرى، كما أن النبي - ﷺ - ذكر التيمم ولم يفصِّل فدل ذلك على أن التيمم يصح قبل الوقت وبعده كأصله.\nسبب الخلاف:\nأصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم هل هو رافع للحدث أم مبيح؟\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بصحة التيمم للصلاة التي غير مؤقتة في كل وقت، وذلك لقوة ما استدلوا به، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الفرع الثالث\nالوقت المستحب للتيمم</span>\nاتفق الفقهاء على أن من عدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم والصلاة في أول الوقت وآخره ووسطه، ولا فرق في الجواز بين أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت أو لا يتيقنه (^١).\nقال النووي: «هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة»، ثم ذكر من نقل الإجماع عليه (^٢).\nوكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٢، ٣٤٣)، التاج والإكليل (١/ ٥٢٥، ٥٢٦)، المجموع (٢/ ٢٠٨)، كشاف القناع (١٤/ ٤٢١).\nهناك رأي لبعض المالكية أنه لا يجوز التيمم لمن تيقن أو غلب على ظنه وصوله إلى الماء قبل خروج الوقت، وهو خلاف المعتمد عند المالكية. انظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٨).\nوهناك قول للشافعي أنه لا يجوز التيمم إذا علم وصوله إلى الماء قبل خروج الوقت، ولكن قال عنه النووي: وهو شاذ ضعيف لا تفريع عليه. انظر: المجموع (٢/ ٢٠٨).\n\nوهناك رواية للحنابلة أنه لا يجوز التيمم إلا عند ضيق الوقت، ولكن قال عنها الزركشي: ولا عبرة بهذه الرواية. انظر: شرح الزركشي (١/ ٣٣٣، ٣٣٤)، الإنصاف (١/ ٢٨٥، ٢٨٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":306},{"text":"وجه الدلالة:\nقال الشافعي: «فإذا دخل وقت الصلاة له أن يتيمم، ولا ينتظر آخر الوقت؛ لأن كتاب الله تعالى يدل على أن يتيمم إذا قام إلى الصلاة فأعوزه الماء، وهو إذا صلى حينئذ أجزأ عنه» (^١).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي سعيد الخدري (^٢) ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم آتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (^٣).\n_________\n(^١) الأم (١/ ٩٧).\n(^٢) هو: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها، وهو مكثر من الحديث، وكان من أفقه أحداث الصحابة، مات بعد سنة ستين من الهجرة.\nانظر: أسد الغابة (٢/ ٤٣٢، ٤٣٣)، الإصابة (٣/ ٧٨، ٧٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت [سنن أبي داود (١/ ٩٣) حديث (٣٣٨)]، والنسائي في كتاب الغسل والتيمم، باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة [سنن النسائي (١/ ٢١٣) حديث (٤٣٣)]، والدارمي في كتاب الطهارة، باب التيمم [سنن الدرامي (١/ ٢٠٧) حديث (٧٤٤)، ط: دار الكتاب العربي ١٤٠٧ هـ]، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣١) برقم (١٠٣١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١٠٢)، وصحيح سنن النسائي (١/ ١٤٣)، ط: مكتبة المعارف ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":307},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على أن من تيمم وصلى في أول الوقت فقد أدى فرضه كما أُمر (^١).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن دخول الوقت وهو على غير ماء لا يمنع من تحصيل مصلحة أول الوقت، فإذا فعل أجزأه (^٢).\n٢ - أنه بدخول الوقت قد وجبت الصلاة فيمكن المكلف من فعل ما وجب عليه (^٣).\n٣ - أنه أسقط فرض الصلاة فلم يعد إلى ذمته كما لو وجد الماء بعد الوقت (^٤).\n٤ - أنه تيمم ليحوز فضيلة لا تتم إلا بطهارة فكان تيممه صحيحًا (^٥)، أشبه ما لو أداها بطهارة الماء (^٦).\nوبعد اتفاق الفقهاء على جواز التيمم والصلاة لعادم الماء في أي جزء من أجزاء الوقت بعد دخول وقت الصلاة وبعد الطلب، اختلفوا في الوقت المستحب للتيمم، هل المستحب تقديم الصلاة بالتيمم أول الوقت أم تأخيرها إلى آخر الوقت؟\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٢٠).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٦١).\n(^٣) الذخيرة (١/ ٣٦٠)، التاج والإكليل (١/ ٥٢٥، ٥٢٦).\n(^٤) المبسوط (١/ ١١١)، المغني (١/ ٣٢٠).\n(^٥) المنتقى (١/ ١١٣).\n(^٦) الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٠).","vol":"1","page":308},{"text":"اختلف الفقهاء في هذه المسألة، وسبب ذلك أن العادم للماء حال دخول وقت الصلاة لا يخلو من ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يتيقن عدم وجود الماء في الوقت، فإنه في هذه الحالة يستحب له تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت باتفاق الفقهاء، وذلك لأنه بانتظاره إلى آخر الوقت تضيع عليه الفضيلتان: فضيلة أول الوقت، وفضيلة الطهارة بالماء، فإذا تيمم وصلى أول الوقت فإنه يحصل له بذلك فضيلة أول الوقت (^١).\nالحالة الثانية: أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت، أو يغلب على ظنه ذلك بحيث يمكنه الوضوء والصلاة قبل خروج الوقت، وقد وقع الخلاف في هذه الحالة على قولين:\nالقول الأول: أنه يستحب له تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت مقدار ما لو لم يجد الماء يمكنه أن يتيمم ويصلي في الوقت، فإن وجد الماء توضأ وصلى، وإن لم يجده أدى صلاته بالتيمم عند ذلك، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٢)، البحر الرائق (١/ ٢٧٠، ٢٧١)، المنتقى (١/ ١١٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، المجموع (٢/ ٢٠٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧١)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٠)، الإنصاف (١/ ٢٨٥).\nهناك رواية عند الحنابلة أن التأخير أفضل. انظر: الفروع (١/ ٣١٠)، الإنصاف (١/ ٢٨٥).\n(^٢) مختصر القدوري (ص ٥١)، الاختيار (١/ ٣٠)، المقدمات (١/ ١٢١)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، الإنصاف (١/ ٢٨٥)، كشاف القناع (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":309},{"text":"القول الثاني: أنه إذا كان واثقًا من الحصول على الماء بحيث لا يتخلف عنه عادة قبل خروج الوقت فالتأخير أفضل، وأما من لم يتيقن وجود الماء آخر الوقت ولكن توقعه بظن غالب فقولان: أصحهما: التقديم أفضل، والقول الآخر: التأخير أفضل، وهذا قول الشافعية (^١).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يستحب تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت لمن تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء قبل خروج الوقت، بما يلي:\nأولًا: من الآثار:\n١ - ما روي عن عمر ﵁ أنه عرس (^٢) في بعض الطرق قريبًا من بعض المياه فاحتلم فاستيقظ، فقال: أترونا ندرك الماء قبل أن تطلع الشمس؟ قالوا: نعم، فأسرع السير حتى أدرك الماء فاغتسل وصلى (^٣).\n٢ - ما روي عن علي ﵁ أنه قال: «إذا أجنب الرجل في السفر\n_________\n(^١) العزيز (١/ ٢٠٢، ٢٠٣)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧١)، وهناك وجه شاذ للشافعية أن التقديم أفضل لمن تيقن وجود الماء في آخر الوقت. انظر: روضة الطالبين (١/ ٢٠٨).\n(^٢) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. النهاية (ص ٦٠٣).\n(^٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ٥٦) رقم (١٣٧)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤١٨ هـ، وعبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٤٤) برقم (٩٣٥)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٦٢)، وقال ابن التركماني في الجوهر النقي مع السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٣٢، ٢٣٣): «فيه عبد الرحمن بن حاطب ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وباقي السند على شرط الصحيح».","vol":"1","page":310},{"text":"تلوَّم (^١) ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم وصلى» (^٢).\nقال الكاساني: «ولم يرو عن غيره من الصحابة خلافه فيكون إجماعًا» (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش هذا الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أنه ضعيف (^٤).\nالوجه الثاني: أنه قد ثبت عن ابن عمر خلافه، فعن نافع أن ابن عمر تيمم وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ولم يعد» (^٥).\nوبهذا يتبين أن ما قاله الكاساني فيه نظر.\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن الطهارة بالماء فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى (^٦).\n_________\n(^١) تَلوَّم: أي انتظر، والتلوم: المكث والانتظار. النهاية (ص ٨٤٦)، لسان العرب (١٢/ ٥٥٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٨) و(٢/ ١٩٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٦٢)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٢، ٢٣٣).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٢).\n(^٤) لأن في إسناده الحارث الأعور، قال عنه البيهقي بعد ذكره للأثر: الحارث الأعور ضعيف لا يحتج بحديثه. انظر: مختصر خلافيات البيهقي (١/ ٣٧٢)، ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي (٢/ ١٧٠)، ط: دار الكتب العلمية ١٩٩٥ م.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٢٩) رقم (٨٨٤)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٦).\n(^٦) المهذب (١/ ١٣١)، المبدع (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":311},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن التيمم كذلك فريضة عند عدم الماء (^١).\n٢ - أن طهارة الماء أصل، والتيمم بدل (^٢)، والطهارة بالأصل أفضل من البدل، ولهذا يجوز أن يصلي بالوضوء صلوات ما لم يحدث اتفاقًا، بخلاف التيمم (^٣).\n٣ - أن فضيلة الماء أعظم وأولى من فضيلة أول الوقت، ويؤيد هذا أن التيمم لا يجوز مع القدرة على الماء، ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت مع القدرة على أدائها في أوله، فيجوز ترك فضيلة أول الوقت بدون ضرورة، ولا يجوز ترك فضيلة الماء إلا لضرورة (^٤).\n٤ - أنه يستحب تأخير الصلاة إلى بعد العشاء (^٥) وقضاء الحاجة (^٦) كيلا يذهب خشوعها وحضور القلب فيها، ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى (^٧).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٢).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٠٨)، التيمم (ص ٧٥).\n(^٤) المقدمات (١/ ١٢١)، الحاوي (٢/ ١١٢٨).\n(^٥) كما في قوله - ﷺ -: «إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأو بالعَشاء» أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام [صحيح مسلم (١/ ٣٩٢) حديث (٥٥٧، ٥٥٨)].\n(^٦) كما في قوله - ﷺ -: «لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان» أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة بحضرة الطعام [صحيح مسلم (١/ ٣٩٣) حديث (٥٦٠)].\n(^٧) المغني (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":312},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدل الشافعية على استحباب تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت لمن تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء قبل خروج الوقت بنفس أدلة أصحاب القول الأول.\nوأما أدلتهم على أفضلية تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت لمن غلب على ظنه وجود الماء قبل خروج الوقت، فهي كالآتي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سأل النبي - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة في أول وقتها» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - لم يفرق بين أن يكون بالوضوء أو بالتيمم (^٢)، فدل ذلك على فضل التعجيل بالصلاة في أول الوقت.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٦٩) رقم (٣٢٧)، وابن حبان في صحيحه (٤/ ٣٤٣) رقم (١٤٧٩)، والدارقطين (١/ ٢٤٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠٠) وقال: «وهو صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، وهو مطبوع مع المستدرك.\nوالحديث له شواهد من حديث ابن عمر وأم فروة وغيرهما. انظر: نصب الراية (١/ ٢٤١، ٢٤٢)، تلخيص الحبير (١/ ١٤٥، ١٤٦).\n(^٢) العزيز (١٠/ ٢٠٣).","vol":"1","page":313},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الحديث يقتضي الفضيلة التي تعود إلى الوقت، وهو مُسَلَّم، والخلاف في معارضة الفضيلة الأخرى (^١).\nثانيًا: من الآثار:\n١. عن نافع، عن ابن عمر ﵄ «أنه أقبل من الجرف (^٢) حتى إذا كان بالمربد (^٣) تيمم، فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة» (^٤).\n٢. وعنه أيضًا أنه تيمم وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم\n_________\n(^١) التجريد (١/ ٢٦٥).\n(^٢) الجرف - بضم الميم وسكون الراء ـ: هو اسم موضع قريب من المدينة على ثلاثة أميال نحو الشام، كانوا يعسكرون به إذا أرادوا الغزو، وأصله ما تجرفه السيول من الأودية. الأم (١/ ٩٧)، النهاية (ص ١٤٩)، معجم البلدان (٢/ ١٢٨)، فتح الباري (١/ ٥٢٦).\n(^٣) المربد - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الباء ـ: هو الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم، من رَبَد بالمكان: إذا أقام فيه، وهو من المدينة على ميل أو ميلين. النهاية (ص ٣٤٠)، معجم البلدان (٥/ ٩٧، ٩٨)، فتح الباري (١/ ٥٢٦).\n(^٤) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٦١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٤)، ط: دار الكتب العلمية ١٣٩٩ هـ، والدارقطني (١/ ١٨٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٢٤)، والبخاري تعليقًا في صحيحه بصيغة الجزم، كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء (١/ ١٢٨)، وقال النووي في المجموع (٢/ ٢٤٣): «هذا إسناد صحيح».","vol":"1","page":314},{"text":"دخل المدينة والشمس مرتفعة ولم يعد (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه يحتمل أنه تيمم لأنه كان في آخر الوقت، ولو كان في سعة من الوقت ما تيمم وهو بطرف المدينة ينظر إلى الماء، ولكنه خاف خروج الوقت فتيمم (^٢)، ويحتمل أنه لم يرد أن يدخل المدينة إلا بعد الوقت ثم بدا له فدخلها، ويحتمل أيضًا أن ابن عمر تيمم لا عن حدث بل لأنه كان يتوضأ لكل صلاة استحبابًا، فلعله كان على وضوء فأراد الصلاة ولم يجد الماء فاقتصر على التيمم بدل الوضوء (^٣).\nثالثًا: من المعقول:\nأن فضيلة أول الوقت ناجزة وهي تفوت بالتأخير يقينًا، وفضيلة الوضوء غير معلومة الحصول، فصيانة الناجز عن يقين الفوات أولى من المحافظة على أمر مظنون (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين (^٥):\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٧).\n(^٢) الاستذكار (٣/ ١٧٧).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٥٢٦).\n(^٤) العزيز (١/ ٢٠٣).\n(^٥) التجريد (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":315},{"text":"الوجه الأول: أن ما عاد إلى وجود الماء فالظن واليقين فيه سواء، أصله: إذا كان مع رفيقه ماء فتيقن أنه يعطيه أو غلب على ظنه، لم يجز له التيمم.\nالوجه الثاني: أن الوضوء فضيلة جعلت شرطًا في الصلاة، والتقديم فضيلة ليست بشرط، فكان اعتبار ما هو شرط أولى.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل باستحباب تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت لتحصيل طهارة الماء إذا غلب على ظنه وجوده، حتى ولو فاتت فضيلة أول الوقت، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامة أكثرها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الثاني.\n٣ - قياسًا على من تيقن وجود الماء في آخر الوقت فإن التأخير له مستحب، فكذا إذا غلب على ظنه ذلك، فإن غلبة الظن قائمة مقام العلم في العبادات (^١).\nالحالة الثالثة: أن يشك في وجود الماء وعدمه في الوقت بأن يستوي عنده الاحتمالان فلا يترجح أحدهما على الآخر. وقد وقع الخلاف في هذه الحالة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يستحب تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت، وهو قول الحنفية،\n_________\n(^١) انظر: شرح العناية (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":316},{"text":"وقول للشافعية، صححه الشيرازي (^١)،\nوجزم به الرافعي، وهو وجه للحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: أنه يستحب تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت، وهو قول للشافعية، ووجه للحنابلة، وهو المذهب (^٣).\nالقول الثالث: أنه يستحب له التيمم والصلاة وسط الوقت، وهو قول المالكية (^٤).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يستحب تقديم الصلاة بالتيمم أول الوقت لمن شك في وجود الماء وعدمه في الوقت، بما يلي:\nأن فضيلة أول الوقت متيقنة، والقدرة على كمال الطهارة في آخر الوقت فضيلة مجوزة، والعمل بما تيقنه من الفضيلتين أولى من الاتكال على ما شك في وجوده (^٥).\n_________\n(^١) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، الإمام المحقق المتقن المدقق، شيخ الإسلام علمًا وعملًا وورعًا وزهدًا، ولد سنة (٣٩٣ هـ)، له مصنفات عظيمة القدر منها: المهذب، والتنبيه، واللمع وغيرها، توفي سنة (٤٧٦ هـ).\n\nانظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٧)، طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٢١٥ - ٢٥٦).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٧٠، ٢٧١)، رد المحتار (١/ ٣٧٠، ٣٧١)، المهذب (١/ ١٣١)، العزيز (١/ ٢٠٤)، شرح الزركشي (١/ ٣٣٤)، الإنصاف (١/ ٢٨٥).\n(^٣) المهذب (١/ ١٣١)، المجموع (٢/ ٢٠٩)، الإنصاف (١/ ٢٨٥)، كشاف القناع (١/ ٤٢٠).\n(^٤) المنتقى (١/ ١١٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١).\n(^٥) الحاوي (٢/ ١١٣٢)، شرح الزركشي (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":317},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه يستحب تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت لمن كان شاكًا في وجود الماء، بما يلي:\n١ - ما روي عن علي أنه قال: «إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم وصلى» (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه ضعيف لا يحتج به (^٢).\n٢ - أن الطهارة بالماء فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى (^٣).\nالمناقشة من وجهين:\nالوجه الأول: أن التيمم إذا عدم الماء صار فريضة (^٤)؛ لأن البدل يأخذ حكم المبدل.\nالوجه الثاني: أنه لا يستحب ترك فضيلة أول الوقت وهي متحققة لأمر مظنون.\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون باستحباب التيمم وسط الوقت لمن كان شاكًا في وجود الماء، بما يلي:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٦).\n(^٢) تقدم بيان وجه ضعفه (ص ٢٣٦)، هامش رقم (٦).\n(^٣) المهذب (١/ ١٣١)، كشاف القناع (١/ ٤٢٠).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":318},{"text":"أن الشاك لم تبلغ فيه قوة الرجاء أن يؤخره، ولا ضعفه أن يقدمه، فاستحب له الوسط (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أنه رأى محض لا دليل عليه.\nالوجه الثاني: أنه لا يستحب ترك فضيلة أول الوقت وهي متحققة لأمر مظنون.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل باستحباب تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت لمن كان شاكًا في وجود الماء أو عدمه في الوقت، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة دليلهم، في مقابل ضعف أدلة القوة الثاني والثالث بما حصل من مناقشتها.\n٢ - أن المسارعة إلى أداء الفرائض مطلوبة؛ لإبراء الذمة والحوز على أعظم الأجر، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].\nقال ابن كثير: «ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات» (^٢).\n_________\n(^١) المقدمات (١/ ١٢١)، المعونة (١/ ١٤٨).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٣٤).","vol":"1","page":319},{"text":"٣ - أنه لا معنى للتأخير مع اليأس والشك، فالأفضل تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت؛ قياسًا على المتوضئ.\nقال الخطابي: «ففي هذا الحديث - أي حديث أبي سعيد الخدري السابق (^١) - من الفقه أن السنة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها كهو للمتطهر بالماء» (^٢).\nويمكن تلخيص هذه المسألة بأن يقال:\n١ - يترجح تأخير الصلاة في حالتين:\nالحالة الأولى: إذا علم وجود الماء.\nالحالة الثانية: إذا ترجح عنده وجود الماء.\n٢ - ويترجح تقديم الصلاة أول الوقت في ثلاث حالات:\nالأولى: إذا علم عدم وجود الماء.\nالثانية: إذا ترجح عنده عدم وجوده.\nالثالثة: إذا لم يترجح عنده شيء (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٣).\n(^٢) معالم السنن شرح سنن أبي داود للخطابي (١/ ٩٠)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٤ هـ.\n(^٣) الشرح الممتع (١/ ٤٠٨).","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المطلب الثاني\nحكم الوطء لعادم الماء</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من كان عادمًا للماء ويريد جماع أهله، فهل يجوز له أن يجامع ليتيمم بعد ذلك، أو لا يجوز له ذلك؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يجوز له جماع أهله، وهو قول الحنفية، وابن وهب (^١) وابن شعبان من المالكية، وقول الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة هي المذهب (^٢).\nالقول الثاني: أنه يكره له جماع أهله إلا إذا خاف الضرر على نفسه بسبب عدم الجماع فيباح له بدون كراهة، وهو قول المالكية، ورواية عند الحنابلة (^٣).\nسبب الخلاف:\nأصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم، هل هو رافع للحدث أو مبيح؟ (^٤).\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد الفهري مولاهم، ولد بمصر سنة (١٢٥ هـ)، وكان مالك يعظمه، قال عنه أحمد بن حنبل: ابن وهب عالم صالح فقيه كثير العلم، من كتبه: الجامع، والمناسك، والمغازي وغيرها. توفي سنة (١٩٧ هـ).\nانظر: ترتيب المدارك (١/ ٢٤٣ - ٢٥٠)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٢٣ - ٢٣٢).\n(^٢) الأصل (١/ ١١٣ - ١١٥)، المبسوط (١/ ١١٧)، النوادر والزيادات (١/ ١٢١)، شرح الزرقاني (١/ ٢٢٧)، الأم (١/ ٩٦)، المجموع (٢/ ١٦٧)، الإنصاف (١/ ٢٥٢)، كشاف القناع (١/ ٣٨٦).\n(^٣) المدونة (١/ ٣١ و٤٨، ٤٩)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٦٥)، المستوعب (١/ ٢٩٠)، الإنصاف (١/ ٢٥٢).\n(^٤) انظر: شرح التلقين (١/ ٣٠٧)، الذخيرة (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":321},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز الوطء لعادم الماء بدون كراهة، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\n١ - قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الآية سيقت لبيان الأحداث التي توجب التيمم إن عدم الماء فقوله ﴿لَامَسْتُمُ﴾ يفيد إباحة الجماع حال عدم الماء (^١)، لأن الملامسة هي الجماع، كما فسرها بذلك ابن عباس (^٢).\n٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nوجه الدلالة:\nأن التطهر يصدق على طهارة التراب عند عدم الماء كما يصدق على طهارة الماء (^٣).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أنه قال للنبي - ﷺ -: إني أعزب (^٤) عن الماء،\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٧).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٧٩٣، ٧٩٤).\n(^٣) السيل الجرار (١/ ٣٣٤).\n(^٤) أعزب: أي أبعد، يقال: أعزب الرجل يعزب، إذا أبعد بماشيته عن الناس في المرعى. لسان العرب (١/ ٥٩٦، ٥٩٧).","vol":"1","page":322},{"text":"ومعي أهلي فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور؟ فقال النبي - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم ...» الحديث (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على جواز الوطء لعادم الماء؛ لأن النبي - ﷺ - جعل التيمم يقوم مقام الماء.\nثالثًا: من الآثار:\nما روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان في سفر، ومعه جارية له فتخلف عن أصحابه، فأصاب منها، ثم أدركهم، فقال: معكم ماء؟ فقالوا: لا، فقال: أما إني قد علمت ذلك، فتيمم (^٢).\nرابعًا: من المعقول:\n١ - قياسًا على الحدث الأصغر، فكما يجوز له اكتساب سبب الحدث في حال عدم الماء فكذلك يجوز اكتساب سبب الجنابة (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٩٤) برقم (١٠٤٦). وفي مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (١/ ٩٥): «قلت الرجل يجامع أهله في السفر وليس معه ماء؟ قال: لا أكره ذلك قد فعل ذلك ابن عباس. قال إسحاق: هو سنة مسنونة عن النبي - ﷺ - في أبي ذر وعمار وغيرهما، وفعله ابن عباس ﵃»، ط: دار الهجرة ١٤٢٥ هـ.\nوهذا يدل على أن فعل ابن عباس ثابت عنه عند الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه.\n(^٣) المبسوط (١/ ١١٧).","vol":"1","page":323},{"text":"٢ - أن منع النفس من جماع الزوجة بسبب عدم وجود الماء فيه حرج ومشقة، وما شرع التيمم إلا لرفع الحرج (^١).\n٣ - أن الله تعالى أباح للرجل إتيان أهله، ولا يجوز حظر ذلك ولا المنع منه إلا بسنة أو إجماع (^٢).\n٤ - أنه يجوز التيمم للجنب، فلا يمنع من أهله، كما لو وجد الماء (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بكراهية الوطء لعادم الماء، بما يلي:\nأولًا: من الآثار:\nما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلًا أتاه فقال له: إني أعزب في إبلي أفأجامع إذا لم أجد الماء؟ قال ابن عمر: «أما أنا فلم أكن أفعل ذلك، فإن فعلت ذلك، فاتق الله واغتسل إذا وجدت الماء» (^٤).\nوجه الدلالة:\nدل الأثر على أن ابن عمر كان يكره لمن لم يجد الماء أن يجامع زوجته.\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) الأوسط (٢/ ١٧، ١٨).\n(^٣) البيان (١/ ٢٨٥).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٩٣) برقم (١٠٣٨)، وعبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٤٠) برقم (٩١٩).","vol":"1","page":324},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن قول ابن عمر ليس صريحًا في كراهة جماع الرجل أهله عند عدم الماء، وإنما قال هذا من باب الورع والاحتياط لدينه، ولهذا منع ذلك على نفسه وأجازه لمن سأله.\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن طهارة التيمم طهارة ضرورية، فيقتصر بها على الصلاة (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه إذا كان طهارة للصلاة فهو طهارة لغيرها، عملًا بارتفاع المنع في الصورتين (^٢).\n٢ - أنه يفوت على نفسه طهارة كان يمكن بقاؤها (^٣)، كأن يكون على طهارة مائية وهو عادم للماء، فينقضها بالجماع، وحتى لو كان على غير طهارة مائية فإنه ينتقل من تيمم الأصغر للأكبر (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٣٦٨).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المغني (١/ ٣٥٤).\n(^٤) الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٦٥).","vol":"1","page":325},{"text":"الوجه الأول: أن الجماع مباح فلا يمنع ولا يكره إلا بنص صريح أو إجماع، ولا نص هنا ولا إجماع.\nالوجه الثاني: أن الله تعالى سمى التيمم طهرًا - والصلاة به جائزة - وقد حض الله تعالى على مباضعة الرجل امرأته، وما خص الله بذلك من حكمه التيمم ممن حكمه الغسل أو الوضوء (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز الوطء لعادم الماء، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الثاني.\n٣ - أن التيمم طهارة تنوب عن الماء، وهي بدل عنه، والبدل يقدم مقام المبدل، فالمتيمم متطهر طهارة صحيحة، فلا وجه للكراهية حينئذ.\n٤ - أن في الوطء منافع كثيرة من امتثال الشرع، وجلب الولد ونحو ذلك، وفي الامتناع عنه قد يؤدي ذلك إلى الاحتلام، فلأن تقع الجنابة بسبب الوطء مع ما فيه من المصالح أفضل من وقوعها بالاحتلام.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٩٠).","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المطلب الثالث\nحكم إمامة المتيمم للمتوضئ</span>\nاختلف الفقهاء في حكم إمامة المتيمم للمتطهرين بالماء، وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يجوز بدون كراهة، وهو قول الحنفية عدا محمد بن الحسن، وابن مسلمة (^١) من المالكية، وهو قول الشافعية والحنابلة (^٢).\nإلا أن الشافعية أجازوا إمامة المتيمم للمتوضئ الذي لا إعادة عليه (^٣).\nالقول الثاني: أنه يجوز مع الكراهة، وهو المشهور في مذهب المالكية، وصرح متأخرو الحنابلة بأن إمامة المتوضئ أولى (^٤).\n_________\n(^١) هو: محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل، أبو هشام، كان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك، وكان أفقههم، وله كتب فقه أخذت عنه، وهو ثقة مأمون حجة، جمع بين العلم والورع، توفي سنة (٢٠٦ هـ)، وقيل: سنة (٢١٦ هـ).\nانظر: ترتيب المدارك (١/ ٢٠٦)، الديباج المذهب (ص ٢٢٧).\n(^٢) الأصل (١/ ١٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤٥)، المنتقى (١/ ١١١)، شرح التلقين (١/ ٣٠٧)، المجموع (٤/ ١١٣)، نهاية المحتاج (٢/ ١٧٣)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج (١/ ٩٩)، المغني (٣/ ٦٦).\n(^٣) قال النووي في المجموع (٤/ ١١٣): «قال أصحابنا: تجوز صلاة غاسل الرجل خلف ماسح الخف، وصلاة المتوضئ خلف متيمم لا يلزمه القضاء، بأن تيمم في سفر أو في الحضر لمرض وجراحه ونحوها، وهذا بالاتفاق. فإن صلى خلف متيمم يلزمه القضاء كمتيمم في الحضر، ومن لم يجد ماء ولا ترابًا ... لزمه الإعادة؛ لأن صلاة إمامه غير مجزئة».\n(^٤) المدونة (١/ ٤٨)، المنتقى (١/ ١١١)، الإنصاف (٢/ ٢٦٨)، كشاف القناع (٣/ ١٩٤).","vol":"1","page":327},{"text":"القول الثالث: أنه لا يجوز، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (^١).\nسبب الخلاف:\nأصل الخلاف مبني على الاختلاف في التيمم، هل هو رافع للحدث أو مبيح (^٢)؟\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز إمامة المتيمم للمتطهر بالماء، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عمرو بن العاص ﵁ قال: «احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟» قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (^٣).\n_________\n(^١) الأصل (١/ ١٠٥، ١٢٦)، المبسوط (١/ ١١١).\n(^٢) بالرغم من أن مذهب الجمهور أن التيمم لا يرفع الحدث إلا أنهم أجازوا إمامة المتيمم للمتوضئ، وهذا يدل على صحة قول الحنفية - وهو الذي رجحناه - في أن التيمم كالوضوء يرفع الحدث، إذ كيف لا يرفع الحدث وتصح إمامته للمتوضئ؟! إلا أن يكون مثله وهو الصحيح.\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ١٢٧).","vol":"1","page":328},{"text":"وجه الدلالة:\nأن عمرًا أمَّ أصحابه متيممًا وهم متوضئون فأقره النبي - ﷺ - ولم ينكر عليه ذلك.\nثانيًا: من الآثار:\nما روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان في سفر معه أناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - فيهم عمار بن ياسر فصلى بهم وهو متيمم (^١).\nوجه الدلالة:\nأن التيمم يقوم مقام الوضوء، ولو كانت الطهارة به ضعيفة لما أم ابن عباس وهو متيمم من كان متوضئًا (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن المتيمم متطهر بطهارة صحيحة، فأشبه المتوضئ (^٣).\n٢ - أن كل من جاز له أن يصلي بالمتيممين جاز له أن يصلي بالمتوضئين، أصله المتطهر بالماء (^٤).\n_________\n(^١) ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء [صحيح البخاري (١/ ١٣٠)]، وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٤).\nقال ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٣٢): «وصله ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما، وإسناده صحيح».\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥٣٢).\n(^٣) المغني (٣/ ٦٦).\n(^٤) عيون الأدلة (ص ٩٢٨)، المعونة (١/ ١٥١).","vol":"1","page":329},{"text":"٣ - أن طهارة المتيمم طهارة من حدث، فجازت الإمامة بها على الإطلاق كالوضوء (^١).\n٤ - أن البدل عند العجز عن الأصل حكمه حكم الأصل، والمتيمم صاحب بدل صحيح فهو كالماسح على الخفين يؤم الغاسلين (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل من قال بكراهة إمامة المتيمم للمتوضئ وأن إمامة المتوضئ أولى، بما يلي:\n١ - أنه ينبغي للإمام أن يكون حاله مساويًا لحال من خلفه أو أعلى منه، والمتيمم غير لاحق بفضيلة المتوضئ فلا يؤمه ولا يتقدم عليه (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المتوضئ ليس بأطهر من المتيمم، ولا بأتم صلاة منه (^٤)، بل هما في الشرع سواء.\n٢ - أن التيمم لا يرفع الحدث فيكره إمامته للمتوضئ (^٥).\n_________\n(^١) المنتقى (١/ ١١١)، الإشراف (١/ ١٦٦).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١١)، المهذب مع المجموع (٤/ ١١٣)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٦٨)، المحلى (١/ ٩١).\n(^٣) المنتقى (١/ ١١١)، المعونة (١/ ١٥١).\n(^٤) انظر: الموطأ (١/ ٦١)، المحلى (١/ ٩١).\n(^٥) مواهب الجليل (١/ ٥١٠)، كشاف القناع (٣/ ١٩٤).","vol":"1","page":330},{"text":"المناقشة:\nتقدم مناقشة القول القائل بأن التيمم لا يرفع الحدث في مبحث نوع بدلية التيمم (^١)، وقد ذكرنا أن الراجح أنه يرفع الحدث كالوضوء.\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بعدم جواز إمامة المتيمم للمتوضئ، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يؤم المتيمم المتوضئين» (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه ضعيف (^٣).\nثانيًا: من الآثار:\nعن علي ﵁ أنه كره أن يصلي المتيمم بالمتوضئ (^٤).\n_________\n(^١) انظر (ص ٢١١).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٤) برقم (١٠٤٨) وضعفه.\n(^٣) لأن في إسناده صالح بن بيان، قال عنه الدارقطني: متروك. انظر: لسان الميزان لابن حجر (٣/ ١٦٦)، ط: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ١٤٠٦ هـ.\n(^٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٣٤) برقم (١٠٤٦) وقال: «وهذا إسناد لا تقوم به حجة».","vol":"1","page":331},{"text":"المناقشة:\nنوقش هذا الأثر من وجهين:\nالوجه الأول: أنه ضعيف (^١).\nالوجه الثاني: أنه على فرض التسليم بصحته فإنه قد ثبت عن ابن عباس خلافه، والمسألة إذا كانت مختلفة بين الصحابة ﵃ لا يكون قول البعض حجة على البعض (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\nأن طهارة المتيمم طهارة ضرورة فلا يؤم من لا ضرورة له، كصاحب الجرح السائل لا يؤم الأصحاء (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن طهارة المتيمم طهارة مطلقة، ولهذا لا تتقدر بقدر الحاجة فكان المتيمم كالمتوضئ (^٤).\n_________\n(^١) لأن في إسناده الحارث الأعور، قال عنه الشعبي وابن المديني: كذاب، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٧٠، ١٧١)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٢٦).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٧).\n(^٣) المبسوط (١/ ١١١)، شرح فتح القدير (١/ ٣٦٧).\n(^٤) شرح العناية على الهداية (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":332},{"text":"الوجه الثاني: أن القياس على صاحب الجرح السائل لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن التيمم بدل صحيح عند عدم الماء، بخلاف صاحب الجرح السائل فإنه ليس بصاحب بدل صحيح (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز إمامة المتيمم للمتطهر بالماء بدون كراهة، وذلك لقوة أدلتهم وإفادتها المراد، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني والثالث بما حصل من مناقشتها.\nقال الإمام مالك: «من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمِرَا جميعًا، فَكُلٌّ عَمِلَ بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة» (^٢).\nويؤيد ما ذهب إليه الجمهور أن النبي - ﷺ - بين لنا أحق الناس بالإمامة في قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنًا» (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١١).\n(^٢) الموطأ (١/ ٦١).\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة [صحيح مسلم (١/ ٤٦٥) حديث (٦٧٣)].","vol":"1","page":333},{"text":"فالحديث دل بعمومه على أحق الناس بالإمامة، وهذا عام للمتوضئ والمتيمم، إذ ليس في الحديث تخصيص ذلك للمتوضئ.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المطلب الرابع\nحكم المسح على الخفين (^١)\nلمن لبسه\nعلى طهارة التيمم</span>\nالتيمم يكون لعدم الماء أو لعدم القدرة على استعماله، وبالنظر لهاتين الحالتين فإن المتيمم يختلف الحكم بالنسبة لمسحه على خفيه نظرًا لسبب مسحه، وهاتان الحالتان هما:\nالحالة الأولى: أن يكون التيمم بسبب عدم القدرة على استعمال الماء لمرض أو جرح ونحو ذلك، فإذا لبس خفيه على هذه الطهارة ثم قدر على الماء فإنه يجوز له المسح على خفيه، وهو قول الشافعية، والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) الخف: هو ما يلبس في الرجل، جمعه: خفاف، وأخفاف، مأخوذ من خف البعير، وهو مجمع فرسن البعير والناقة، وهو للإبل كالحافر للفرس. لسان العرب (٩/ ٨١).\n\nوقد أجمع الفقهاء على جواز المسح على الخفين، وقد حكى الإجماع في ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن قدامة، والنووي وغيرهم.\nانظر: الإجماع (ص ٣٥)، الأوسط (١/ ٤٢٦ - ٤٣٤)، الاستذكار (٢/ ٢٤١ - ٢٤٣)، المغني (١/ ٣٥٩)، المجموع (١/ ٢٦٦)، نيل الأوطار (١/ ٢١٠).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٧٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٠٥)، شرح العمدة (١/ ٢٨٣)، المبدع (١/ ١٣٩).\nولم أجد نصًا صريحًا للأحناف والمالكية في هذه المسألة، وإن كان مفهوم كلامهم يوافق قول الشافعية والحنابلة؛ لأن مذهبهم - كما سيأتي في الحالة الثانية - هو عدم جواز المسح بطهارة التيمم إذا كان التيمم بسبب عدم الماء، فمفهومه جواز المسح إذا كان التيمم بسبب آخر سوى عدم الماء، والله أعلم.","vol":"1","page":335},{"text":"وعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أنه مضطر إلى الترخص، وأحق من يترخص المضطر، كالمستحاضة (^١).\n٢ - أنه لا يتأثر بوجود الماء، لكنه ضعيف في نفسه فصار كالمستحاضة (^٢).\nالحالة الثانية: أن يكون التيمم بسبب عدم الماء، فإذا لبس خفيه على هذه الطهارة ثم وجد الماء، فهل يجوز له المسح على خفيه أم عليه خلعهما وغسل قدميه؟ للفقهاء في هذه الحالة قولان (^٣):\nالقول الأول: أنه لا يجوز له المسح على خفيه، بل يجب عليه خلعهما وغسل قدميه، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يجوز له المسح على خفيه، وهو قول ابن سريج من الشافعية، ورواية عند الحنابلة.\nسبب الخلاف:\nهل التيمم مبيح أو رافع؟\n_________\n(^١) شرح الزركشي (١/ ٣٨٢)، المغني (١/ ٣٦٣).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٧٣)، المجموع (١/ ٢٩٦).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٣٩)، التفريع (١/ ١٩٩)، حاشية الخرشي (١/ ٣٣٣)، الحاوي (٣/ ١٤٣١)، المجموع (١/ ٢٩٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٦)، الإنصاف (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":336},{"text":"أدلة القول الأول:\n١ - أن طهارة التيمم طهارة غير كاملة؛ لأنها طهارة ضرورة، فبطلت من أصلها عند وجود الماء، فصار كاللابس للخف على غير طهارة (^١).\n٢ - أن التيمم لا يرفع الحدث، فصار كاللابس للخف وهو محدث (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الراجح أنه يرفع الحدث، وقد بينا ذلك في مبحث: نوع بدلية التيمم (^٣).\n٣ - أن المسح على طهارة التيمم على خلاف القياس؛ لأن الذي ورد في الشرع المسح على طهارة الماء لا على طهارة التيمم، فينبغي قصره على مورد الشرع (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nأن طهارة التيمم طهارة تامة، كما قال تعالى - بعد أن ذكر طهارة التيمم ـ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فمن جازت له الصلاة بالتيمم فهو طاهر بلا شك، وإذا كان طاهرًا كله فقدماه طاهرتان بلا شك، فقد أدخل القدمين وهما طاهرتان، فجاز له المسح عليهما (^٥).\n_________\n(^١) المهذب مع المجموع (١/ ٢٩٤)، المغني (١/ ٣٦٣).\n(^٢) المغني (١/ ٣٦٣)، المبدع (١/ ١٣٩).\n(^٣) انظر (ص ٢١١).\n(^٤) البحر الرائق (١/ ٢٩٣).\n(^٥) المحلى (١/ ٦٣).","vol":"1","page":337},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن طهارة التيمم طهارة تامة ما بقي شرطها، وشرط التيمم عدم الماء.\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم جواز المسح على طهارة التيمم، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشته.\n٢ - أن التيمم بدل عن الماء إذا كان الماء متعذرًا، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلًا؛ لأنه صار محدثًا بالحدث السابق على التيمم (^١)، فيكون الخف ملبوسًا على طهارة قد بطلت فلا يصح الاعتماد على تلك الطهارة.\n٣ - أن التيمم يختص بالوجه والكفين، ولا تعلق لطهارة الرجل به (^٢).\n_________\n(^١) انظر: البناية (١/ ٥٧٧)، شرح التلقين (١/ ٣٠٥)، شرح العمدة (١/ ٢٨٣).\n(^٢) فتح ذي الجلال والإكرام (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الخامس\nحكم التيمم إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الصلاة</span>\nتقدم ذكر اتفاق الفقهاء على أن التيمم لا يرفع الحدث مع وجود الماء (^١)، فمن تيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة فإن تيممه يبطل، وعليه استعمال الماء (^٢).\nوهذه المسألة إنما هي ثمرة للخلاف في نوع بدلية التيمم مع من يرى بأن التيمم يرفع الحدث مطلقًا، وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن (^٣)، وليست المسألة من ثمرة الخلاف في نوع بدلية التيمم بين الجمهور والحنفية؛ لاتفاقهم ببطلان التيمم عند وجود الماء.\nواستدل أبو سلمة على أن التيمم يرفع الحدث مطلقًا، بما يلي:\nأن الطهارة بعد صحتها لا تنتقض إلا بالحدث، ووجود الماء ليس بحدث (^٤).\n_________\n(^١) انظر: (ص ٢١١).\n(^٢) سيأتي ذكر أدلة هذا الاتفاق (ص ٤٩٦، ٤٩٧).\n(^٣) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من فقهاء التابعين، ولد سنة بضع وعشرين، كان ثقة عالمًا، من بحور العلم، وهو سيد بن سادات قريش، أرضعته أم كلثوم، أدرك الصحابة، وروى عنهم، توفي سنة ٩٤ أو ١٠٤.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٨٧ - ٢٩٢)، تهذيب التهذيب (١٢/ ١٢٧).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٧، ٣٤٨)، المقدمات (١/ ١١٦)، المجموع (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":339},{"text":"المناقشة:\nنوقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أنه قول مردود؛ لقوله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^١).\nوجه الدلالة:\nأنه - ﷺ - جعل التيمم طهور المسلم إلى غاية وجود الماء، والممدود إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية (^٢).\nالوجه الثاني: أن التيمم خلف عن الوضوء، ولا يجوز المصير إلى الخلف مع وجود الأصل، كما في سائر الأخلاف مع أصولها (^٣).\nالوجه الثالث: أن القول بأن وجود الماء ليس بحدث مسلم به؛ لأن المتيمم لا يصير محدثًا بوجود الماء، وإنما الحدث السابق يظهر حكمه عند وجود الماء، ولا يظهر حكم ذلك الحدث في حق الصلاة المؤداة (^٤).\nقال ابن المنذر: «أجمع عوام أهل العلم على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة أن طهارته تنقض، وعليه أن يتطهر ويصلي، إلا حرف\n_________\n(^١) البيان (١/ ٢٦٩)، والحديث قد تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٨).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٨)، شرح التلقين (١/ ٣٠٦).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":340},{"text":"روي عن أبي سلمة فإنه بلغني عنه أنه قال في الجنب، يتيمم، ثم يجد الماء، قال: لا يغتسل» (^١).\nوقال ابن رجب الحنبلي - في معرض رده على أبي سلمة ـ: «وهذا شذوذ عن العلماء، ويرده قوله: «فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك»، ومن العجب أن أبا سلمة ممن يقول: إن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أنه يعيد الصلاة، وهذا تناقض فاحش» (^٢).\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٦٥).\n(^٢) فتح الباري (٢/ ٦٤).","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الفصل الثالث\nحكم التيمم للطهارة\nعن الحدث</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم التيمم عن الحدث الأصغر.\nالمبحث الثاني: حكم التيمم عن الحدث الأكبر.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الأول\nحكم التيمم عن الحدث الأصغر</span>\nاتفق الفقهاء على جواز التيمم عن الحدث الأصغر (^١)، واستدلوا لذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين ...» الحديث (^٢).\nوجه الدلالة من الآية والحديث:\nدلالة الآية والحديث على جواز التيمم للمحدث حدثًا أصغر عند عدم الماء ظاهرة بينة.\nثالثًا: الإجماع (^٣):\nأجمعت الأمة على أن التيمم يقوم مقام الوضوء ويجزئ عنه.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١١)، المدونة (١/ ٤٢)، المهذب (١/ ١٢٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٠٤)، الاستذكار (٣/ ١٤٦)، بداية المجتهد (١/ ١٢٧)، تحفة المحتاج (١/ ٥٣٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٤)، المبدع (١/ ١٧٢)، نيل الأوطار (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":345},{"text":"قال الوزير بن هبيرة: «وأجمعوا على أنه يجوز للجنب التيمم بشرطه، كما يجوز للمحدث» (^١).\nوقال النووي: «يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع» (^٢).\nرابعًا: من المعقول:\nأنه إذا جاز للجنب أن يتيمم فالمحدث من باب أولى (^٣).\n_________\n(^١) الإفصاح (١/ ١٦٤).\n(^٢) المجموع (٢/ ١٦٦)، شرح مسلم (٤/ ٢٨٠).\n(^٣) المبدع (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المبحث الثاني\nحكم التيمم عن الحدث الأكبر</span>\nاتفق الفقهاء على جواز التيمم عن الحدث الأكبر (^١)، وقد نقل الإجماع عن هذا ابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن القطان الفاسي (^٢)، والنووي، والرملي (^٣)\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١١)، الذخيرة (١/ ٣٤٤)، المجموع (٢/ ١٦٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٦).\n(^٢) هو: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الفاسي المالكي، والمعروف بابن القطان، ولد بفاس سنة (٥٦٢ هـ)، كان معروفًا بالحفظ والإتقان والنقد، له عناية كبيرة بصناعة الحديث ومعرفة رجاله، من كتبه: الإقناع في مسائل الإجماع، والوهم والإيهام وغيرهما، توفي سنة ٦٢٨ هـ، وهو على قضاء سجلماسة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٠٧).\n(^٣) هو: محمد بن أحمد بن حمزة، شمس الدين الرملي، فقه الديار المصرية في عصره ومرجعها في الفتوى، يقال له: الشافعي الصغير، نسبته إلى الرملة من قرى المنوفية بمصر، ولي إفتاء الشافعية وجمع فتاوى أبيه الشهاب الرملي، صنف شروحًا وحواشي كثيرة منها: عمدة الرابح شرح هداية الناصح، وغاية البيان في حل زبد ابن رسلان، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج وغيرها، توفي سنة (١٠٠٤ هـ).\n\nانظر: الأعلام (٦/ ٧، ٨)، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (٣/ ٦١)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":347},{"text":"(^١).\nوكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nدلت الآية على مشروعية التيمم عن الحدث الأكبر، وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وهو عام يشمل كل ملامسة (^٢)، ومنه الجماع.\nوحمل الملامسة في الآية على الجماع أولى، حتى يشمل نوعي الحدث في التيمم، كما هو الحال في الوضوء، ولو حمل على مجرد اللمس أو التقبيل لكان تكرارًا محضًا، وهذا يناف بلاغة القرآن المعهودة (^٣)، فإن التأسيس خير من التأكيد (^٤).\nالوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو عائد إلى\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ١٤٦، ١٩٦)، الإفصاح (١/ ١٦٤، ١٦٥)، الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان (١/ ٩١)، ط: الفاروق الحديثة ١٤٢٤ هـ، شرح مسلم (٤/ ٢٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٤).\nولم يخالف في هذه المسألة أحد من الخلف ولا من السلف إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄، وحكي مثله عن النخعي من عدم جوازه للجنب، وروي عن عمر وابن مسعود أنهما رجعا عن ذلك.\nانظر: سنن الترمذي (١/ ٢١٦)، الأوسط (٢/ ١٥)، شرح السنة (٢/ ١٠٩، ١١٠)، المجموع (٢/ ١٦٦)، فتح الباري (١/ ٥٤٤، ٥٤٥)، نيل الأوطار (١/ ٣٠١).\n(^٢) المعونة (١/ ١٤٤).\n(^٣) المبسوط (١/ ١١١، ١١٢)، البحر الرائق (١/ ٢٥٦).\n(^٤) انظر لهذه القاعدة: الإحكام للآمدي (١/ ٢٧٦)، القواعد لابن رجب (ص ٣٩٨) ط: مكتبة نزار الباز ١٩٩٩ م، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ١٣٥).","vol":"1","page":348},{"text":"المحدث والجنب جميعًا (^١).\nثانيًا: من السنة:\n٢٧ - عن عبد الرحمن بن أبزي (^٢) ﵁: أن رجلًا أتى إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال: لا تصل، فقال عمار (^٣): أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت (^٤) في التراب وصليت، فقال النبي - ﷺ -: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك»، فقال عمر: اتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به، فقال عمر: نوليك ما توليت (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٦٦).\n(^٢) هو: عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي مولاهم، اختلف في صحبته، وقد جزم بصحبته البخاري وخليفة ابن خياط والترمذي وأبو حاتم وابن حجر وغيرهم، روى عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر وعمار وعلي وغيرهم.\nانظر: التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٥)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٢١).\n(^٣) هو: عمار بن ياسر بن عامر العنسي، أبو اليقظان، حليف بني مخزوم، كان من السابقين الأولين هو وأبواه، هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، استعمله عمر على الكوفة، وقتل مع علي بن أبي طالب بصفين سنة (٨٧ هـ).\nانظر: أسد الغابة (٤/ ١٣٩ - ١٤٦)، الإصابة (٤/ ٥٧٥).\n(^٤) التمعك: التقلب والتمرغ في التراب. لسان العرب (١٠/ ٤٩٠).\n(^٥) أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقًا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به. فتح الباري (١/ ٥٤٥).\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما [صحيح البخاري (١/ ١٢٩) حديث (٣٣١)]، ومسلم - واللفظ له - في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٨٠، ٢٨١) حديث (٣٦٨)].","vol":"1","page":349},{"text":"٢٨ - عن أبي موسى الأشعري (^١)\n﵁ قال - حين ناظر ابن مسعود ـ: «أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع؟ فقال عبد الله: لا يصلّي حتى يجد الماء، فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي - ﷺ -: «كان يكفيك ...»، قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية (^٢)؟ فما دري عبد الله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم» (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن قيس بن سليم، أبو موسى الأشعري، الإمام الكبير، المقرئ، الفقيه، صاحب رسول الله - ﷺ -، قدم المدينة بعد فتح خيبر، استعمله النبي - ﷺ - على زبيد وعدن، اختلف في وفاته قيل: سنة (٤٢ هـ)، وقيل غير ذلك.\n\nانظر: أسد الغابة (٣/ ٣٧٦، ٣٧٧)، الإصابة (٤/ ٢١١ - ٢١٣).\n(^٢) أي الآية (٦) من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ...﴾، كما جاء التصريح بها في الرواية الأخرى.\n(^٣) قال ابن رجب الحنبلي - معلقًا على قول ابن مسعود: إنا لو رخصنا ... إلخ ـ: «ورّدُّ ابن مسعود تيمم الجنب؛ لأنه ذريعة إلى التيمم عند البرد لم يوافق عليه؛ لأن النصوص لا ترد بسد الذرائع، وأيضًا فيقال: إن كان البرد يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه» فتح الباري (٢/ ٨٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت ...، وباب التيمم ضربة [صحيح البخاري (١/ ١٣٢، ١٣٣) حديث (٣٣٨ - ٣٤٠)]، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٨٠) حديث (٣٦٨)].","vol":"1","page":350},{"text":"وجه الدلالة:\nفيه دليل على أنهم كانوا متفقين على أن الآية تدل على جواز التيمم للجنب (^١)، وعلى أن المراد بالملامسة في الآية: هو الجماع (^٢).\n٢٩ - حديث عمران بن حصين ﵁ قال: أن النبي - ﷺ - لما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصلّ مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (^٣).\n٣٠ - حديث أبي ذر ﵁ أنه قال للنبي - ﷺ -: إني أعزب عن الماء، ومعي أهل فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور، فقال النبي - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين ...» الحديث (^٤).\n٣١ - حديث عمرو بن العاص ﵁ حين احتلم، فتيمم وصلى بأصحابه، فقال له النبي - ﷺ -: «أصليت بأصحابك وأنت جنب؟» فذكر للنبي - ﷺ - السبب الذي منعه من الاغتسال، وهو خشية الهلاك من البرد، فضحك النبي - ﷺ - ولم يقل شيئًا (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٦٦).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥٤٤).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٥) تقدم تخريجه (ص ١٢٧).","vol":"1","page":351},{"text":"وجه الدلالة من هذه الأحاديث:\nأن هذه الأحاديث صريحة في جواز التيمم عن الحدث الأكبر، فلا يعدل عنها إلى قول أحد.\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أنه محدث عادم للماء فجاز له التيمم، كالمحدث حدثًا أصغر (^١).\n٢ - أن التيمم إنما شرع لاستدراك مصحلة الوقت، وهذا قدر مشترك بين الحدثين الأصغر والأكبر (^٢).\n٣ - أن ما كان طهورًا في الحدث الأصغر فإنه يكون طهورًا في الحدث الأكبر كالماء (^٣).\n_________\n(^١) المعونة (١/ ١٤٥)، المنتقى (١/ ١١٢)، شرح العمدة (١/ ٣٧٩).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٤٤).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الفصل الرابع\nحكم التيمم للنجاسة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم التيمم للنجاسة في الثوب والبدن.\nالمبحث الثاني: حكم من اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ماء يكفي أحدهما.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الأول\nالتيمم للنجاسة في الثوب والبدن</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم التيمم للنجاسة في الثوب والبدن.\nالمطلب الثاني: ما يترتب على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المطلب الأول\nحكم التيمم للنجاسة في\nالثوب والبدن</span>\nاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز التيمم للنجاسة إذا كانت في الثوب أو في غير بدنه (^١)، وذلك لأن التيمم طهارة في البدن، فلا ينوب عن غير البدن كالوضوء والغسل (^٢).\nواختلفوا إذا كانت النجاسة على البدن ولا يستطيع إزالتها، إما لعدم وجود الماء، أو لتضرره باستعمال الماء بأن كانت تلك النجاسة على جرح ونحو ذلك، فهل يتيمم لها أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يتيمم للنجاسة مطلقًا، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٣).\nالقول الثاني: أنه يتمم لها، وهو قول الحنابلة (^٤)، ومن مفردات المذهب الحنبلي (^٥).\n_________\n(^١) قال ابن تيمية: «وأما التيمم للنجاسة على الثوب، فلا نعلم به قائلًا من العلماء، بل كلهم متفقون على أن النجاسة في الثوب والأرض لا يتيمم لها». انظر: حاشية الروض المربع (١/ ٣١٧)، الدرر السنية (٤/ ١٧٢).\n(^٢) المغني (١/ ٣٥٢)، كشاف القناع (١/ ٤٠٣).\n(^٣) المبسوط (١/ ١١٦)، البحر الرائق (١/ ٢٤٢، ٢٤٣)، الذخيرة (١/ ٣٤٤)، التاج والإكليل (١/ ٢٢٣، ٢٢٤)، والمجموع (٢/ ١٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٥)، الإنصاف (١/ ٢٦٦).\n(^٤) الكافي (١/ ٩٦)، كشاف القناع (١/ ٤٠٣).\n(^٥) الإنصاف (١/ ٢٦٦)، المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد للبهوتي (١/ ١٨٤)، ط: كنوز إشبيليا.","vol":"1","page":357},{"text":"إلا أن الحنابلة اشترطوا أن يتيمم لها بعد تخفيفها ما أمكن، بحك يابسها ومسح رطبها.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بعدم جواز التيمم للنجاسة على البدن، بما يلي:\n١ - أن الشرع لم يرد إلا في التيمم عن الحدث فقط، ولم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التيمم للنجاسة على البدن (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن التيمم للنجاسة داخل في عموم النصوص الواردة في مشروعية التيمم (^٢).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن النصوص الواردة في مشروعية التيمم، إنما وردت في طهارة الحدث فقط، فيجب الاقتصار على ما ورد به النص.\n٢ - أن المقصود إزالة عين النجاسة، وذلك لا يزول بالتيمم (^٣).\n٣ - أن التيمم مسح الوجه واليدين، وقد تكون النجاسة في غير الوجه واليدين، فكيف يؤمر بمسح الوجه واليدين عن نجاسة في غيرهما؟! كما لا يجوز أن يغسل وجهه ويديه لنجاسة في غيرهما (^٤).\n_________\n(^١) طرح التثريب (١/ ٢٧٢)، المغني (١/ ٣٥٢).\n(^٢) المغني (١/ ٣٥٢)، المنح الشافيات (١/ ١٨٥).\n(^٣) المبسوط (١/ ١١٦)، البيان (١/ ٢٦٩)، الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٠٦).\n(^٤) البيان (١/ ٢٦٩)، كشاف القناع (١/ ٤٠٣).","vol":"1","page":358},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الغسل يفارق التيمم، فإن التيمم في طهارة الحدث يؤتى به في غير محله، كما لو تيمم لجرح في رجله، أو موضع من بدنه غير وجهه ويديه، بخلاف الغسل فإنه يؤتى به في محل النجاسة (^١).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بالمنع؛ لأن كلامنا في طهارة النجاسة وليس في طهارة الحدث، حيث إن طهارة النجاسة لا تكون إلا في موضع النجاسة، فلا يصح غسلها إلا في موضعها، وإذا لم يصح غسلها إلا في محلها فمن باب أولى أن لا يصح التيمم لها؛ لأنه في غير محلها.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بجواز التيمم للنجاسة على البدن، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\n١ - حديث أبي ذر ﵁: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (^٢).\n٢ - حديث جابر ﵁: «... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (^٣).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٥٢).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٣٨).","vol":"1","page":359},{"text":"وجه الدلالة من الحديثين:\nأن عموم الحديثين يدخل فيه التيمم للنجاسة على البدن (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشة أن الحديثين مقصوران على نجاسة الحدث فقط، وإلا لجاز التيمم للنجاسة على الثوب وأنتم لا تقولون بذلك.\nثانيًا: من المعقول:\nأنها طهارة في البدن تراد للصلاة، فجاز التيمم لها - عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله - قياسًا على الحدث (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه قياس لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي:\nالأول: أن طهارة الحدث يشترط لها النية، بخلاف طهارة النجاسة فلا يشترط لها النية (^٣)، فمتى خلا من النجاسة ولو بلا نية طهر منها (^٤).\nالثاني: أن طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها، بخلاف طهارة النجاسة فهي شيء يطلب التخلي منه لا إيجاده (^٥).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٥٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩).\n(^٢) الكافي لابن قدامة (١/ ٩٦)، المبدع (١/ ١٧٢).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٥٩٦).\n(^٤) الشرح الممتع (١/ ٣٧٧).\n(^٥) المصدران السابقان.","vol":"1","page":360},{"text":"الثالث: أن طهارة الحدث يؤتى بها في غير محلها، بخلاف طهارة النجاسة، فإنه لا يؤتى بها إلا في محلها (^١).\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم جواز التيمم للنجاسة على البدن، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشتها.\n٢ - قياسًا على التيمم للنجاسة على الثوب والبقعة فإنه لا يتيمم لها فكذا هاهنا.\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٢٥)، المجموع (٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المطلب الثاني\nما يترتب على القول بجواز التيمم\nلنجاسة البدن</span>\nوفيه فرعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>الفرع الأول\nتعدد محل النجاسة على البدن مع عدم الماء</span>\nهذه المسألة من المسائل المترتبة على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن، وقد تقدم في المطلب الأول أن مشروعية التيمم للنجاسة على البدن عند عدم الماء لا يقول بها إلا الحنابلة، فهل يكتفى بتيمم واحد إذا تعددت النجاسة على البدن أم لابد من التيمم لكل نجاسة؟\nهذه المسألة مبنية على مسألة أخرى وهي: هل تجب النية للتيمم من النجاسة أم لا؟ للحنابلة في هذه المسألة وجهان (^١):\nالوجه الأول: تجب النية لها، وهو الصحيح من المذهب، وذلك قياسًا على التيمم من الحدث، فكما يصح التيمم للأحداث إذا تعددت بتيمم واحد، فكذا هاهنا.\nالوجه الثاني: لا تجب النية لها، وذلك قياسًا على بدله وهو الغسل، فكما أن غسل النجاسة لا يفتقر إلى نية، فكذلك التيمم لها.\n_________\n(^١) الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٠٦، ٢٠٧)، الفروع (١/ ٢٩٥)، الإنصاف (١/ ٢٧٥، ٢٧٦)، تصحيح الفروع (١/ ٢٩٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":362},{"text":"فعلم من ذلك أنه ينبني على الوجه الأول أنه يكفيه تيمم واحد للنجاسة المتعددة على البدن، وعلى الوجه الثاني لابد من تعدد التيمم.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>الفرع الثاني\nإذا اجتمع على الشخص حدث ونجاسة\nفهل يكفيه تيمم واحد لهما أم لا</span>؟\nهذه المسألة أيضًا من المسائل المترتبة على القول بجواز التيمم لنجاسة البدن، وقد اختلف الحنابلة في هذه المسألة على وجهين (^١):\nالوجه الأول: أنه يكفيه أن يتيمم تيممًا واحدًا للحدث والنجاسة، إذا نواهما معًا، وهو المذهب عند الحنابلة.\nواستدلوا لذلك بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن المرء بنيته، فإذا نوى الحدث والنجاسة معًا فإنه يحصل له ما نواه.\n_________\n(^١) الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٢٩)، الإنصاف (١/ ٢٧٦)، كشاف القناع (١/ ٤١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -[صحيح البخاري (١/ ٣) حديث (١)]، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية ...» [صحيح مسلم (٣/ ١٥١٥) حديث (١٩٠٧)].","vol":"1","page":364},{"text":"ثانيًا: من المعقول:\nأن صفة التيمم لهاتين الطهارتين واحدة، فأشبه ما لو كانت عليه أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنواها.\nالوجه الثاني: أنه يتيمم لكل منهما، وهو قول بعض الحنابلة.\nواستدلوا لذلك بالقياس على الكفارات والحدود إذا كانتا من جنسين، فإنهما لا يتداخلان وهذا القول مبني على عدم التداخل بين الطهارتين في الغسل (^١).\n_________\n(^١) المراد بهذه المسألة ما إذا كان محدثًا وعلى بدنه نجاسة فهل يكفي غسل واحد لإزالة النجاسة ورفع الحدث أم لا؟ انظر لهذه المسألة في كتاب: التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي لخالد الخشلان (١/ ٢٩٢ - ٢٩٨)، ط: دار إشبيليا ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المبحث الثاني\nحكم من اجتمع عليه نجاسة وحدث\nومعه ماء يكفي أحدهما</span>\nاختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه يتعين عليه استعماله في إزالة النجاسة، فيغسلها، ثم يتيمم، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يتوضأ بالماء ويصلي بالنجاسة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية إذا كانت النجاسة على ثوبه، وهو قول بعض المالكية، ورواية عند الحنابلة فيما إذا كانت النجاسة على الثوب.\nأدلة القول الأول:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن التيمم للحدث ثابت بالنص والإجماع، وأما التيمم للنجاسة فمختلف فيه، فوجب استعمال الماء فيما لا يقوم غيره مقامه (^٢).\n٢ - أن الحدث له بدل، وإزالة النجاسة لا بدل لها، فكانت أولى بالغسل (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٩)، شرح فتح القدير (١/ ١٩٠)، مواهب الجليل (١/ ٢٢٣)، حاشية البناني على شرح الزرقاني على خليل (١/ ٤٦)، ط: دار الفكر، المجموع (٢/ ٢١٦)، مغني المحتاج (١/ ٢٤٩)، الإنصاف (١/ ٢٦٢ و٢٩٢)، كشاف القناع (١/ ٣٩٨).\n(^٢) البيان (١/ ٣٠٣)، المغني (١/ ٣٥٢).\n(^٣) التاج والإكليل (١/ ٢٢٣، ٢٢٤)، المجموع (٢/ ٢١٦)، المبدع (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":366},{"text":"٣ - واستدلوا على غسل نجاسة الثوب والتيمم للحدث، بأنه إذا قدم غسل نجاسة البدن مع أن للتيمم فيها مدخلًا، فتقديم طهارة الثوب أولى (^١) (^٢)، ولأن للحدث بدل ولا بدل لستر العورة (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن طهارة الحدث واجبة بالاتفاق، بخلاف إزالة النجاسة فمختلف في وجوبها (^٤)، فينبغي أن يستعمل الماء في محل الاتفاق.\n٢ - واستدل من قال باستعمال الماء لطهارة الحدث دون غسل نجاسة الثوب بأن الحدث أغلظ النجاستين، بدليل أن الصلاة مع الثوب النجس جائزة للضرورة، ولا جواز لها مع الحدث بحال (^٥).\n٣ - أنه واجد للماء (^٦)، فيجب عليه استعماله.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٥٣).\n(^٢) ولهذا إذا اجتمع نجاسة على الثوب، ونجاسة على البدن، وليس معه من الماء إلا ما يكفي أحدهما، فإن المذهب عند الحنابلة غسل الثوب والتيمم لنجاسة البدن؛ لأن للتيمم فيها مدخلًا. انظر: المغني (١/ ٣٥٣)، الإنصاف (١/ ٢٩٢).\n(^٣) السيل الجرار (١/ ٣٢٨).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٢٢٣).\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٩).\n(^٦) المغني (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":367},{"text":"الراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل باستعمال الماء في إزالة النجاسة ثم التيمم للحدث، وذلك لقوة أدلتهم، ولما يلي:\n١ - أن التلوث بالنجاسة محرم، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، وقد كان رسول الله - ﷺ - يبدأ في غُسله بإزالة النجاسة من فرجيه بالماء أو الأحجار قبل الوضوء (^١) (^٢).\n٢ - أن صرف الماء إلى النجاسة يجعله مصليًا بطهارتين حقيقية وحكمية، فكان أولى من الصلاة بطهارة واحدة (^٣).\n٣ - أن القول بأنه واجد للماء غير مسلم به؛ لأنه إذا استعمل الماء لإزالة النجاسة ثم تيمم، فإنه في هذه الحالة لا يكون واجدًا للماء.\nمسألة: حكم تقديم التيمم للحدث قبل استعمال الماء لإزالة النجاسة:\nإذا ثبت تعين الماء لغسل النجاسة والتيمم للحدث لمن وجد ماء يكفي أحدهما، فهل يجوز أن يبدأ بالتيمم أولًا ثم يغسل النجاسة أم لا؟\n_________\n(^١) كما في حديث أنس ﵁ أنه قال: «كان النبي - ﷺ - إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به». أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب ما جاء في غسل البول [صحيح البخاري (١/ ٨٨) حديث (٢١٤)]، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز [صحيح مسلم (١/ ٢٢٧) حديث (٢٧١)].\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٣٢٨).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":368},{"text":"للفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه لا يجوز له أن يتيمم قبل غسل النجاسة، ولو تيمم قبل إزالة النجاسة فإنه يعيد تيممه، وهو قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة، ووجه للشافعية، وهو المعتمد عند المتأخرين منهم (^١).\nالقول الثاني: أنه يجوز له التيمم قبل غسل النجاسة، وهو وجه عند الشافعية، وصححه الماوردي (^٢) (^٣).\nأدلة القول الأول:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن شرط التيمم هو عدم الماء، وهذا واجد له، فلا يصح تيممه (^٤).\n٢ - أن التيمم يراد لإباحة الصلاة، والتيمم قبل غسل النجاسة لا يبيح الصلاة؛ لبقاء النجاسة عليه، فأشبه ما لو تيمم قبل الوقت (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٩)، حاشية البناني (١/ ٦٤)، الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ١٠٢)، نهاية المحتاج (١/ ٢٧٣)، كشاف القناع (١/ ٣٩٨).\n(^٢) هو: علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي البصري، ولد بالبصرة سنة (٣٦٤ هـ)، أقضى قضاة عصره، أحد أئمة الشافعية من أصحاب الوجوه، أصولي فقيه، كان حافظًا للمذهب، صاحب التصانيف الهامة النافعة، من أشهرها: الأحكام السلطانية، وأدب الدين والدنيا، والحاوي وغيرها، توفي ببغداد سنة (٤٥٠ هـ).\nانظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢٦٧ - ٢٨٥)، طبقات الشافعية (١/ ٢٣٠ - ٢٣٢).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١١٢٦).\n(^٤) رد المحتار (١/ ٣٥١)، كشاف القناع (١/ ٣٩٨).\n(^٥) مغني المحتاج (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":369},{"text":"أدلة القول الثاني:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١. قياسًا على الجريح، فإنه يجوز له أن يتيمم ثم يغسل الصحيح، وإن كان تيممه لا تباح الصلاة عقبه (^١).\n٢. أنهما طهارتان مختلفتان عن شيئين مختلفين، فلم يكن تقديم هذه بأولى من تقديم هذه (^٢).\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بتقديم غسل النجاسة على التيمم، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، ولأن القياس على الجريح لا يصح؛ لأنه محل خلاف، فمن العلماء من لا يرى الجمع بين استعمال الماء والتيمم (^٣)، ولأنه إذا تيمم بعد غسل النجاسة فإن تيممه يصح اتفاقًا (^٤).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢١٧).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١١٢٦).\n(^٣) انظر (ص ١٤٤ وما بعدها).\n(^٤) شرح فتح القدير (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الفصل الخامس\nالتيمم في السفر والحضر</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم التيمم في السفر.\nالمبحث الثاني: حكم التيمم في الحضر.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الأول\nالتيمم في السفر</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم التيمم في السفر.\nالمطلب الثاني: تيمم العاصي بسفره.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المطلب الأول\nحكم التيمم في السفر</span>\nاتفق الفقهاء على أن المسافر إذا عدم الماء فإنه يجوز له أن يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه (^١).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nدلت الآية بمنطوقها على جواز التيمم للمسافر العادم للماء.\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للآخر: «لك الأجر مرتين» (^٢).\n_________\n(^١) الهداية (١/ ٢٧)، المقدمات (١/ ١١١)، المجموع (٢/ ٢٤٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٩).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٣٣).","vol":"1","page":375},{"text":"والأحاديث الدالة على مشروعية التيمم في السفر كثيرة، وقد تقدم ذكرها في ثنايا البحث، فيكتفى بما ذكر.\nثالثًا: من الأثر:\nعن ابن عمر ﵄: «أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم، فمسح وجهه ويديه وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة» (^١).\nرابعًا: الإجماع:\nأجمع الفقهاء على مشروعية التيمم في السفر عند عدم الماء، وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم (^٢).\nقال ابن عبد البر: «وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر، وسواء كان جنبًا أو على غير وضوء لا يختلفون في ذلك» (^٣).\nوقال ابن تيمية: «وقد اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم ولا إعادة عليه» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٩).\n(^٢) عمدة القاري (٤/ ١٠)، المقدمات (١/ ١١١)، بداية المجتهد (١/ ١٣٠)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢١١).\n(^٣) التمهيد (١٩/ ٢٧٠)، الاستذكار (٣/ ١٤٦).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٠، ٤٤١).","vol":"1","page":376},{"text":"خامسًا: من المعقول:\nأن عدم الماء في السفر عذر عام فسقط الفرض بالتيمم بسببه، كالصلاة قاعدًا لعذر المرض (^١).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المطلب الثاني\nتيمم العاصي بسفره</span>\nاختلف الفقهاء في حكم تيمم العاصي بسفره إذا عدم الماء، فهل يلزمه أن يتيمم ويصلي أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال (^١) (^٢).\nالقول الأول: أنه يلزمه التيمم ولا إعادة عليه فيما صلى به، وهو قول الحنفية، والمعتمد عند المالكية (^٣)، ووجه للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يلزمه التيمم وإعادة الصلاة، وهو الصحيح عند الشافعية، وقول للحنابلة.\nالقول الثالث: أنه لا يجوز له التيمم، وهو قول ضعيف عند المالكية، ووجه غريب للشافعية.\n_________\n(^١) لم أجد نصًا صريحًا للحنفية في هذه المسألة، وقياس أصولهم يقتضي ذلك، وذلك لأنهم لا يفرقون بين سفر الطاعة والمعصية في الرخص، والتيمم عندهم رخصة. انظر: بدائع الصنائع (١/ ٤٦٧)، الفتاوى الهندية (١/ ١٣٩).\n(^٢) الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٣)، المهذب (١/ ١٣٨)، المجموع (٢/ ٢٤٣)، الإنصاف (١/ ٢٥٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٧).\n(^٣) هذا بناء على قاعدة عند المالكية في الرخصة وهي: أن كل رخصة جازت في الحضر كالمسح على الخفين، والتيمم، وأكل الميتة فإنه يجوز له فعلها، ولو كان عاصيًا بسفره، وكل رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة، والفطر في رمضان، فشرطه أن لا يكون عاصيًا بسفره. انظر: الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":378},{"text":"أدلة القول الأول:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن النصوص الشرعية الواردة في السفر مطلقة (^١)، تشمل الطائع والعاصي، ولا يجوز تقييد ما أطلقه الله ورسوله - ﷺ - إلا بدليل.\n٢ - أن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، والقبح المجاور لا يعدم المشروعية (^٢).\n٣ - أن المعصية لا تكون سببًا في الرخصة، وإنما السبب لحوق المشقة الناشئة من السفر (^٣).\n٤ - قياسًا على من نوى سفرًا مباحًا، ثم نوى المعصية بعده، فإنه يترخص، فكذا هاهنا (^٤).\nوما سبق من الأدلة بناء على القول بأن التيمم رخصة، وأما على القول بأن التيمم عزيمة فحينئذ لا يجوز تركه عند وجود شرطه (^٥).\nأدلة القول الثاني:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n_________\n(^١) البحر الرائق (٢/ ٢٤٣)، البيان (١/ ٣٢٣).\n(^٢) تبيين الحقائق (١/ ٥٢١)، البحر الرائق (٢/ ٢٤٣).\n(^٣) الاختيار (١/ ١٠٧، ١٠٨)، تبيين الحقائق (١/ ٥٢١).\n(^٤) الاختيار (١/ ١٠٧)، البيان (١/ ٣٢٣).\n(^٥) المغني (١/ ٣١١)، كشاف القناع (١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":379},{"text":"١ - أن المسافر سفر معصية يلزمه أمران: التوبة والصلاة، فإذا أخل بأحدهما لا يباح له الإخلال بالآخر (^١).\n٢ - أن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تختص بالسفر، فلم يستبح ذلك في سفر المعصية، كالفطر والقصر (^٢).\nأدلة القول الثالث:\nعللوا ما ذهبوا إليه بأنه قادر على استباحة التيمم بالتوبة من معصيته، فلا يجوز له التيمم حتى يتوب (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز تيمم العاصي بسفره ولا إعادة عليه، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد.\n٢ - أن حكم التيمم لا يختص بالسفر، فيباح في سفر المعصية كمسح يوم وليلة (^٤).\n٣ - أن العاصي بسفره قد أتى بما أمر به من التيمم والصلاة، فلا يلزمه إعادة الصلاة، إذ كيف نبيح له الصلاة بالتيمم ثم نوجب عليه إعادتها؟!\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) المهذب (١/ ١٣٨)، البيان (١/ ٣٢٣).\n(^٣) المجموع (١/ ٢٧٣)، (٢/ ٢٤٣).\n(^٤) المغني (١/ ٣١١).","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المبحث الثاني\nحكم التيمم في الحضر</span>\nاتفق الفقهاء على مشروعية التيمم للمسافر عند عدم الماء، واختلفوا في الحاضر الصحيح إذا عدم الماء، بأن انقطع الماء عنه، أو حبس في مصر ونحو ذلك، فهل يجوز له التيمم أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال (^١):\nالقول الأول: أنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه وهو قول للحنفية، والمشهور عند المالكية، وقول للشافعية، والصحيح عند الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يتيمم ويصلي وعليه الإعادة، وهو قول للحنفية، وابن حبيب (^٢) وابن عبد الحكم (^٣) من المالكية، والمشهور عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٢٥، ٣٢٦)، البحر الرائق (١/ ٢٤٣، ٢٤٤)، المنتقى (١/ ١١٢، ١١٣)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٦٠)، الذخيرة (١/ ٣٤٥)، العزيز (١/ ٢٦٤)، المجموع (٢/ ٢٤٢)، المسائل الفقهية (١/ ٩١)، المغني (١/ ٣١١، ٣١٢)، الإنصاف (١/ ٢٥٣ و٢٨٧).\nهناك قول للشافعية أنه لا يجوز له التيمم حتى يجد الماء، ولكن قال عنه النووي في المجموع (٢/ ٢٤٢): «وليس بشيء».\n(^٢) هو: أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان السلمي الأندلسي القرطبي المالكي، ولد بعد السبعين ومائة، كان موصوفًا بالحذق في الفقه، كبير الشأن، بعيد الصّيت، كثير التصانيف، منها: الواضحة، والجامع، وفضائل الصحابة وغيرها، توفي سنة (٢٣٨ هـ)، وقيل: (٢٣٩ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٠٢ - ١٠٧)، الديباج المذهب (ص ١٥٤ - ١٥٦).\n(^٣) هو: أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث المصري، ولد سنة (١٥٥ هـ) بمصر، كان ثقة حافظًا، روى عن مالك الموطأ، وكان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، من كتبه: المختصر الكبير، والمناسك وغيرهما، أفضت إليه رئاسة المذهب المالكي في مصر بعد موت أشهب، توفي سنة (٢١٤ هـ).\nانظر: الديباج المذهب (ص ١٣٤)، شذرات الذهب (٢/ ٣٤).","vol":"1","page":381},{"text":"القول الثالث: أنه لا يجوز له التيمم حتى يجد الماء، وهو قول للحنفية، وقول للإمام مالك، ورواية عند الحنابلة.\nسبب الخلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الاختلاف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، هل يعود على الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط، فمن رآه عائدًا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين ومن رآه عائدًا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يُجز التيمم للحاضر العادم للماء (^١).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجوام التيمم لمن عدم الماء في الحضر ولا إعادة عليه، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ قد اشترط للتيمم شرطين: عدم الماء، وعدم القدرة على استعماله، ولم يفرق في ذلك بين المسافر والمقيم، فكل من عدم الماء\n_________\n(^١) المقدمات (١/ ١١١، ١١٢)، بداية المجتهد (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":382},{"text":"فلم يجده بعد طلبه، ولا قدر عليه فإنه يجوز له التيمم في السفر والحضر (^١).\nثانيًا: من السنة:\n١ - حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإنه ذلك خير» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث بعمومه على جواز التيمم عند عدم الماء، ولم يفرق بين حاضر ومسافر (^٣).\n٢ - حديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (^٤).\nوجه الدلالة:\nأن الحديث عام لم يخص سفرًا من حضر، فهو على عمومه حتى يقوم دليل على خلافه (^٥).\n_________\n(^١) الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٨).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) البيان (١/ ٢٨٦)، المغني (١/ ٣١١).\n(^٤) تقديم تخريجه (ص ٣٨).\n(^٥) عيون الأدلة (ص ٩٣٤)، المغني (١/ ٣١١).","vol":"1","page":383},{"text":"٣ - حديث أبي جهيم ﵁ قال: «أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن رد السلام يجوز بغير طهارة، فإذا شرع التيمم في الحضر لتحصيل مصلحة رد السلام فالصلاة أولى (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أنه مكلف دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء فلزمه التيمم للصلاة كالمسافر (^٣).\n٢ - أنه عاجز عن استعمال الماء فلزمه التيمم كالمريض (^٤).\nواستدلوا على عدم الإعادة لمن تيمم في الحضر، بما يلي:\n١ - أنه ممن لزمه فرض التيمم فوجب أن يسقط عنه الفرض كالمسافر (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٤٥).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ١٩)، المعونة (١/ ١٤٣)، الحاوي (٢/ ١٠٦٤)، المبدع (١/ ١٦٣).\n(^٤) المنتقى (١/ ١١٢، ١١٣)، المجموع (٢/ ٢٤٤).\n(^٥) الإشراف (١/ ١٦٨)، المنتقى (١/ ١١٣).","vol":"1","page":384},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن فقد الماء في السفر عذر عام، فلذلك لم يجب القضاء على المسافر بخلاف الحضر فإن فقد الماء فيه نادر، فلا يسقط به القضاء (^١).\nالجواب:\nأجيب عن ذلك بثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن المسافرين ربما احتاطوا في جمع الماء خوفًا أن يقطع بهم أكثر من احتياطهم في الحضر، فينبغي أن يسقط فرضه كالمسافر (^٢).\nالوجه الثاني: أن العذر النادر يسقط به الفرض كغيره، فمن صلى عريانًا فإنه يسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من سبع أو عدو، وهذا كله نادر (^٣).\nالوجه الثالث: أن القول بإيجاب التيمم مع إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم، وهذا خلاف ما جاءت به الشريعة (^٤)، فإن الله تعالى إنما خاطب بصلاة واحدة يفعلها بحسب الإمكان والشرط المعجوز عليه ساقط بالعجز (^٥).\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١٠٦٣).\n(^٢) عيون الأدلة (ص ٩٤١).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٤٤).\n(^٥) شرح العمدة (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":385},{"text":"٢ - أنها صلاة لزم أداؤها بالتيمم فوجب أن يسقط به الفرض كالوضوء (^١).\n٣ - أن التيمم إنما فرض لئلا تفوت الصلاة وتفعل قضاء، مع إمكان فعلها أداء، وهذه العلة موجودة في المقيم الصحيح كوجودها في المريض المسافر فوجب أن يكون حكم الجميع سواء (^٢).\n٤ - أن هذا المكلف قد أتى بما أُمر به، فخرج عن عهدته، حيث صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فلا تلزمه الإعادة كالمريض والمسافر (^٣).\n٥ - أن عدم هذا الماء أكثر من عدم المسافر له، فالنص على التيمم للمسافر تنبيه على التيمم هاهنا (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بجواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر مع وجوب الإعادة، بما يلي:\nأولًا: استدلوا على جواز التيمم بما استدل به أصحاب القول الأول من الكتاب والسنة والدليل الأول والثاني من أدلة المعقول.\nثانيًا: استدلوا على وجوب الإعادة إذا تيمم في الحضر، بما يلي:\n_________\n(^١) الإشراف (١/ ١٦٨).\n(^٢) شرح التلقين (١/ ٢٨١).\n(^٣) المغني (١/ ٣١٢).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":386},{"text":"أولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ..﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ جعل للتيمم شرطين وهما: السفر، والمرض، فدل ذلك على أن الفرض لا يسقط إلا بهما ليكون للشرط فائدة (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بما استدل به أصحاب القول الأول في عدم وجوب الإعادة، ولاسيما الدليل الثالث والرابع، وبأن القول بإعادة الصلاة للحاضر العادم للماء دون المسافر يحتاج إلى دليل شرعي، وليس هناك أي دليل يدل على التفريق بينهما.\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلا يسقط به القضاء، كالعادم للماء والتراب (^٢)، وكمن نسي بعض أعضاء الطهارة (^٣).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذا الدليل بما أجيب به على مناقشة الدليل الأول من أدلة أصحاب القول الأول في عدم وجوب الإعادة.\nوأما ما استدلوا به من القياس فيمكن مناقشته من وجهين:\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١٠٦٣).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٦١)، شرح العمدة (١/ ٤٢٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٤٤).","vol":"1","page":387},{"text":"الوجه الأول: القياس على عادم الماء والتراب لا يصح؛ لأن المقيس عليه مختلف فيه (^١).\nالوجه الثاني: وأما القياس على من نسي بعض أعضاء الطهارة فقياس مع الفارق؛ لأن من شرط صحة الصلاة طهارة أعضاء الطهارة كلها، فمن نسي بعضها لم تصح صلاته لعدم تحقق الشرط، بخلاف مسألتنا فإن شرط التيمم فقد الماء، فإذا فقد الماء جاز التيمم في أي مكان، ولا إعادة عليه.\n٢ - أنه مقيم صحيح فلا يسقط فرضه بالتيمم كالواجد للماء (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن واجد الماء القادر على استعماله منهي عن التيمم، فإذا تيمم لم يجزئ في حضر ولا سفر، بخلاف عادم الماء فإنه مأمور بالتيمم حتى إن لم يفعله عصى، فوجب أن يسقط فرضه، كالمسافر إذا عدم الماء، وهذا أولى من قياسهم؛ لأن رد المأمور بالتيمم إلى مثله أولى من رد المأمور بالتيمم إلى المنهي عن التيمم (^٣).\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بعدم جواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر، بما يلي:\n_________\n(^١) سيأتي بحث هذه المسألة (ص ٥١٦ وما بعدها).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٦٣).\n(^٣) عيون الأدلة (ص ٩٤٠).","vol":"1","page":388},{"text":"أولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ..﴾ الآية [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أباح التيمم للمريض والمسافر فلم يجز لغيرهما (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه إنما ذكر المريض والمسافر؛ لأن الغالب أن التيمم يكون فيهما، لا أنه أراد به أنه لا يجوز إلا فيهما، وهذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وليس السفر بشرط للرهن، بل لأن الغالب عدم الكاتب في السفر، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر، ولا فرق بينهما (^٢).\nثانيًا: من المعقول:\nأن عدم الماء في الحضر غير معتبر شرعًا، حتى لا يسقط عنه الفرض بالتيمم ويلزمه الإعادة، فلم يكن التيمم طهورًا له ولا صلاة إلا بطهور (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من ثلاثة وجوه:\n_________\n(^١) شرح التلقين (١/ ٢٨١)، المجموع (٢/ ٢٤٤)، المغني (١/ ٣١١).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٤٤)، المغني (١/ ٣١١).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":389},{"text":"الوجه الأول: أن شرط التيمم هو عدم الماء، فأينما تحقق جاز التيمم (^١).\nالوجه الثاني: أن القول بأن عدم الماء في الحضر غير معتبر شرعًا لا يصح؛ لأنه لم يثبت في ذلك أي دليل شرعي يدل على عدم جواز التيمم للحاضر العادم للماء.\nالوجه الثالث: أن المسافر والمريض إذا تيمما وصليا سقط فرضهما، فكذلك الحاضر، ولا فرق.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم لمن عدم الماء في الحضر ولا إعادة عليه، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراضات القادحة، في مقابل عدم سلامة أدلة المعارضين من المناقشة.\n_________\n(^١) انظر: البحر الرائق (١/ ٢٤٣)، شرح العناية (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الباب الثالث\nشروط التيمم</span>\nوفيه ثمانية شروط:\nالشرط الأول: النية.\nالشرط الثاني: الإسلام.\nالشرط الثالث: التكليف.\nالشرط الرابع: انقطاع دم الحيض والنفاس.\nالشرط الخامس: إزالة ما يمنع مسح أعضاء التيمم.\nالشرط السادس: طلب الماء وإعوازه بعد الطلب.\nالشرط السابع: دخول الوقت.\nالشرط الثامن: التيمم بالصعيد.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الشرط الأول\nالنية</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: حكم النية في التيمم.\nالمبحث الثاني: حكم التيمم بنية رفع الحدث.\nالمبحث الثالث: ما ينويه بالتيمم.\nالمبحث الرابع: إذا نوى بتيممه فرض التيمم.\nالمبحث الخامس: ما يستباح بالتيمم.\nالمبحث السادس: حكم الجمع بين الصلاتين للمتيمم.\nالمبحث السابع: حكم اشتراط النية في الحدث الأصغر أو الأكبر.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>المبحث الأول\nحكم النية في التيمم</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم اشتراط النية في التيمم.\nالمطلب الثاني: حكم التيمم بنية تعليم الغير.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المطلب الأول\nحكم اشتراط النية في التيمم</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان (^١):\nالقول الأول: أنه تشترط النية للتيمم من الحدث، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، إلا أن المالكية والشافعية صنفوها من الأركان لا من الشروط.\nالقول الثاني: أنه لا تشترط النية للتيمم من الحدث، بل يجزئ التيمم بغير نية، وهو قول زفر من الحنفية.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون باشتراط النية للتيمم من الأحداث كلها، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالإخلاص في العبادة، والإخلاص عمل القلب وهو النية (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٠، ٣٣١)، الاختيار (١/ ٢٨)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٦١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٢)، الأم (٢/ ٩٩)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩٦)، المغني (١/ ١٥٦، ٣٢٩)، كشاف القناع (١/ ٤١٠).\n(^٢) الحاوي (١/ ٣٧٤)، المبدع (١/ ٨٣).","vol":"1","page":397},{"text":"ثانيًا: من السنة:\nحديث عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن النية شرط لصحة التيمم، وذلك من وجهين (^٢):\nالوجه الأول: قوله: «إنما الأعمال بالنيات» دليل على أنه ليس المراد صورة العمل فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية.\nالوجه الثاني: قوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» فيه دليل على أن ليس له إلا ما نواه، وهذا لم ينو التيمم فلا يكون له.\nثالثًا: الإجماع:\nوقد حكى الإجماع على اشتراط النية لصحة التيمم غير واحد من أهل العلم (^٣).\nقال ابن هبيرة: «وأجمعوا على أن النية شرط في صحة التيمم» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٧٦).\n(^٢) الحاوي (١/ ٣٧٦، ٣٧٧)، المجموع (١/ ١٧٠).\n(^٣) اختلاف الفقهاء للمروزي (ص ١٥٩)، ط: أضواء السلف ١٤٢٠ هـ، تحفة الفقهاء (١/ ١٣)، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لأبي عبد الله العثماني (ص ١٨)، ط: دار الكتب العلمية.\n(^٤) الإفصاح (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":398},{"text":"رابعًا: من المعقول:\n٣٢ - أن التيمم عبادة غير معقولة المعنى، وهو خارج عن نمط العبادات التي كلها تعظيم وإجلال وتضرع إلى الله ﷾، وليس في مس التراب ومسحه على الوجه صورة تعظيم، بل هو شبه العبث واللعب، فاحتاج إلى النية؛ لتخرجه من حيز اللعب إلى حيز التقرب (^١).\n٣٣ - أن التيمم معناه القصد إلى الصعيد الطاهر، وإذا كان كذلك فلا يتحقق بدون القصد، والقصد هو النية، فإن الأصل في الأسماء الشرعية أن يعتبر فيها ما تنبئ عنه من المعاني الشرعية (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل زفر على أنه لا تشترط النية للتيمم من الحدث، بما يلي:\nأن التيمم بدل عن الوضوء، والبدل يأخذ حكم المبدل في وصفه وهو الصحة، والوضوء بدون النية صحيح، فكما أن الوضوء يصح بغير نية فكذلك التيمم، وإلا لكان البدل مخالفًا لأصله في الصحة، ولا يجوز ذلك (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\n_________\n(^١) الاختيار (١/ ٢٨)، بداية المجتهد (١/ ١٣٣)، الذخيرة (١/ ٢٤٤)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (١/ ١٨٠)، ط: دار الكتب العلمية.\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٣٠)، عمدة القاري (٤/ ١٠)، البيان (١/ ٢٧٦)، طرح التثريب (١/ ٢٦٨).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٣١)، شرح العناية (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":399},{"text":"الوجه الأول: أن القياس على الوضوء في عدم اشتراط النية لا يصح؛ لأن المقيس عليه محل خلاف (^١).\nالوجه الثاني: أن الوضوء طهارة حقيقية، ولا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا تشترط له النية، بخلاف التيمم، فإنه جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية (^٢).\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل باشتراط النية لصحة التيمم، وذلك لقوة أدلتهم ووضوحها في الدلالة على المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n_________\n(^١) للفقهاء في اشتراط النية لصحة الوضوء والغسل قولان:\nالقول الأول: أنه تشترط النية لصحة الوضوء والغسل، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.\nالقول الثاني: أنه لا تشترط النية لصحة الوضوء والغسل، بل النية سنة فيهما، وهو قول الحنفية.\nانظر: بدائع الصنائع (١/ ١٩١)، الذخيرة (١/ ٢٤٠، ٢٤١)، المجموع (١/ ١٧٠)، المغني (١/ ١٥٦).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٣١)، الاختيار (١/ ٢٨).","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المطلب الثاني\nحكم التيمم بنية تعليم الغير</span>\nاتفق الفقهاء على أنه لا يجوز لمن تيمم وهو يريد به تعليم الغير ولا يريد به الصلاة أن يصلي بذلك التيمم (^١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - أن النية شرط لصحة التيمم (^٢)، وهذا لم ينو استباحة الصلاة.\n٢ - أن التعليم يحصل بالقول فلا يتوقف على الطهارة (^٣).\n٣ - أن التعليم ليس بقربة مقصودة؛ لحصوله في ضمن شيء آخر بطريق التبعية، فنية التعليم لا تتضمن نية الطهارة (^٤).\nوأما إذا نوى مع صلاته قصد تعليم الناس فإنه يجوز لفعله - ﷺ - حين صلى على المنبر وقال: «إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» (^٥)، ولأن نية استباحة الصلاة تتضمن نية التعليم.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٧)، المنتقى (١/ ٣٤)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ٢٢)، كشاف القناع (١/ ٤١٣) و(٢/ ٢٢٣). وانظر: اختلاف الفقهاء (ص ١٥٨، ١٥٩).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٧).\n(^٣) رد المحتار (١/ ٣٤٩).\n(^٤) الدر المختار (١/ ٣٤٩)، البناية (١/ ٥٤١، ٥٤٢)، البحر الرائق (١/ ٢٦٢).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر [صحيح البخاري (١/ ٣١٠) حديث (٨٧٥)]، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة [صحيح مسلم (١/ ٣٨٦) حديث (٥٤٤)].","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الثاني\nحكم التيمم بنية رفع الحدث</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه رفع الحدث، فهل يرتفع حدثه أم لا؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه لا يرتفع حدثه، وهو المشهور عند المالكية، والصحيح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يرتفع حدثه، وهو قول الحنفية، ووجه للشافعية، وقول للمالكية، ورواية عند الحنابلة.\nسبب الخلاف:\nأصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم، هل هو رافع للحدث أم مبيح؟\nفمن قال: إن التيمم لا يرفع الحدث لم يجز التيمم بنية رفع الحدث، والعكس بالعكس.\nوقد تقدم ذكر أدلة كل قول في مبحث: نوعية بدلية التيمم (^٢)، وأن الراجح أنه كالوضوء في رفع الحدث.\n_________\n(^١) الاختيار (١/ ٢٨)، مواهب الجليل (١/ ٥١٠)، المجموع (٢/ ١٧٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٦).\n(^٢) انظر (ص ٢١١).","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الثالث\nما ينويه بالتيمم</span>\nسبق أن ذكرنا اتفاق الفقهاء على أن التيمم لا يصح إلا بنية، وسنذكر في هذا المبحث - إن شاء الله - الضابط لكل مذهب فيما ينويه بالتيمم، وبيان ذلك كالآتي:\nفالضابط عند الحنفية فيما ينويه بالتيمم: أن ينوي المتيمم عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة، أو ينوي الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو رفع الحدث أو الجنابة، وتكون هذه النية مقارنة للضرب على الصعيد، أو عند مسح أعضائه بتراب أصابها (^١).\nوالضابط عند المالكية: أن ينوي المتيمم استباحة الصلاة ونحوها، أو فرض التيمم، وتكون هذه النية عند الضربة الأولى، ويجزئ تأخيرها إلى مسح الوجه (^٢).\nوالضابط عند الشافعية: أن ينوي المتيمم استباحة الصلاة ونحوها، وتكون هذه النية مقارنة لنقل التراب ومستدامة إلى أن يمسح جزءًا من الوجه (^٣).\nوالضابط عند الحنابلة: أن ينوي المتيمم استباحة ما يتيمم له، مع تعيين الحدث الذي تيمم عنه، كفرض الصلاة من الحدث الأصغر، أو الأكبر ونحوه، وتكون هذه النية عند التسمية (^٤).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٦١)، مراقي الفلاح مع حاشية الطحطاوي (١/ ١١٢، ١١٣).\n(^٢) حاشية الخرشي (١/ ٣٥٤)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٢، ٢٥٣).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٧٦، ١٨٢)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩٦ - ٢٩٨).\n(^٤) المبدع (١/ ١٧٧)، كشاف القناع (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":403},{"text":"ومن خلال ما سبق يتضح أن فقهاء المذاهب الأربعة متفقون على أن المتيمم ينوي بتيممه استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث، ولكنهم يختلفون في بعض المسائل، كاختلافهم في التيمم بنية رفع الحدث، فالجمهور يبطلون هذا التيمم والحنفية على جوازه، وكاختلافهم أيضًا فيما لو نوى بتيممه فرض التيمم، أو اختلافهم في اشتراط تعيين ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، وغيرها من المسائل المتعلقة بالنية، التي سنفرد لها مباحث خاصة إن شاء الله.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المبحث الرابع\nإذا نوى بتيممه فرض التيمم</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه فرض التيمم هل يصح تيممه أم لا؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه يصح تيممه، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية، والحنابلة.\nوعللوا ما ذهبوا إليه بالقياس على المتوضئ إذا نوى فرض الوضوء، فإنه يصح وضوئه، فكذلك المتيمم (^٢).\nالقول الثاني: أنه لا يصح تيممه، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، ووجه للحنابلة.\nوعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن التيمم إنما أبيح للضرورة عند حضور فعل لا يجوز إلا به، فضعف حكمه عن أن يصح بمجرد نيته (^٣).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٣٠)، البحر الرائق (١/ ٢٦٤)، شرح الزرقاني (١/ ٢١٤)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٤)، العزيز (١/ ٢٤٠)، المجموع (٢/ ١٨٠)، الفروع (١/ ٢٩٨)، الإنصاف (١/ ٢٧٧).\nهناك رواية عند الحنفية تدل على أن مجرد نية التيمم يجوز، ولكنها غير الظاهر من المذهب، ولا اعتماد عليها. انظر: شرح فتح القدير (١/ ١٣٠)، حاشية الطحطاوي (١/ ١١٤).\n(^٢) منية المصلي (١/ ٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٦١).\n(^٣) الحاوي (٢/ ٩٩٣).","vol":"1","page":405},{"text":"٢ - أن نية نفس التيمم ليست بمعتبرة، بل لابد أن ينوي به المقصود من الطهارة والصلاة (^١)، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، ففيه الإنباء عن المشروط (^٢).\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بصحة تيمم من نوى بتيممه فرض التيمم، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، ولأن التيمم طهارة شرعية تصح الصلاة به عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله فإذا نواه فقد قصد أداء الصلاة به فجاز ذلك.\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٣٠).\n(^٢) البحر الرائق (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المبحث الخامس\nما يستباح بالتيمم</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: ما يباح له بتيممه إذا نوى به الفريضة.\nالمطلب الثاني: ما يباح له بتيممه إذا نوى به نافلة أو صلاة مطلقة\nالمطلب الثالث: مراتب النية","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المطلب الأول\nما يباح له بتيممه إذا نوى به الفريضة</span>\nوفيه فرعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الفرع الأول\nإذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به أكثر من فريضة</span>؟\nإذا نوى المكلف بتيممه فريضة، ثم بعد أن صلى الفريضة أراد بهذا التيمم صلاة فريضة أخرى، فهل يجوز له الصلاة بالتيمم السابق، أم لا يجوز له الصلاة بهذا التيمم أكثر من فريضة؟\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث، وهو قول الحنفية، والمزني من الشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nالقول الثاني: أنه لا يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، وهو قول المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٤)، شرح فتح القدير (١/ ١٣٧)، المجموع (٢/ ٢٣٥)، المحرر (١/ ٢٢)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٢).\n(^٢) المدونة (١/ ٤٨)، التفريع (١/ ٢٠٣)، الأم (٢/ ٩٩، ١٠٠)، المجموع (٢/ ٢٣٥)، المحرر (١/ ٢٢)، الإنصاف (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":409},{"text":"القول الثالث: أنه يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يخرج وقت الصلاة، وهو قول الحنابلة (^١).\nسبب الخلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى الأمور التالية:\n١ - اختلافهم في التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح للصلاة؟ فمن رأى بأن التيمم رافع للحدث أجاز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفروض والنوافل، ومن رأى بأن التيمم مبيح للصلاة قال بعدم الجواز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، أو قال بجواز ذلك ما لم يخرج وقت الصلاة.\n٢ - اختلافهم في وجوب تكرار طلب الماء لكل صلاة، فمن أوجب ذلك قال بعدم جواز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، أو قال بجواز ذلك ما لم يخرج وقت الصلاة، ومن لم يوجب الطلب لكل صلاة قال بجواز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ما لم يجد الماء أو يحدث (^٢).\n٣ - اختلافهم في اشتراط دخول وقت الصلاة لصحة التيمم، فمن اشترط ذلك قال بعدم جواز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة، أو قال بجواز ذلك ما لم يخرج وقت الصلاة، ومن لم يشترط دخول الوقت لصحة التيمم قال بجواز أن يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث (^٣).\n_________\n(^١) الكافي لابن قدامة (١/ ٩٩)، الإنصاف (١/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٢) انظر: شرح التلقين (١/ ٢٩٣)، الأم (١/ ١٠٠).\n(^٣) انظر: الذخيرة (١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":410},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفروض والنوافل بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ اشترط للتيمم عدم وجود الماء فقط، فدل هذا على جواز الصلاة بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ما لم يحدث أو يجد الماء (^١).\nثانيًا: من السنة:\n١ - حديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - جعل التيمم طهارة ممتدة إلى وجود الماء، فكان في حالة العدم كالوضوء، من غير أن يوقت ذلك بفعل الصلاة، فيكون التراب في ذلك حكم الماء (^٣).\n_________\n(^١) مجمع الأنهر (١/ ٤١).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢١)، رؤوس المسائل (ص ١١٧).","vol":"1","page":411},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن ظاهره غير مراد، وأنه يجب أن يحمل على ابتداء التيمم دون استدامته (^١)، فيستبيح الإنسان بالتيمم صلاة بعد صلاة بتيممات، وإن استمر ذلك عشر سنين إلى أن يجد الماء (^٢).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن المعنى المبيح للصلاة ابتداء هو عدم الماء، وهو لا زال قائمًا بعد فعل الصلاة، فينبغي أن يبقى تيممه، إذ إنه لا فرق بين الابتداء والبقاء إذا كان المعنى فيهما واحدًا وهو عدم الماء (^٣).\n٢ - حديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (^٤).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - جعل التراب طهورًا للمسلم، والطهور هو المطهر لغيره، فتبقى طهارته إلى وجود الماء أو ناقض آخر (^٥).\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١٠٣٦).\n(^٢) المجموع (٢/ ٢٣٥).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢١، ٢٢).\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ٣٨).\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٠).","vol":"1","page":412},{"text":"ثالثًا: من المعقول:\n١ - أن التيمم طهارة صحيحة، فلا تنتقض إلا بوجود الماء أو الحدث كالوضوء (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الوضوء طهارة رفاهية يرفع الحدث، والتيمم طهارة ضرورة فقصرت على الضرورة (^٢).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن الشارع أمر بالتيمم عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله فجعله طهورًا ولم يقيده، والضرورة قائمة ما لم يجد الماء.\n٢ - أنه يجوز فعل أكثر من فريضة بتيمم واحد قياسًا على مسح الخفين؛ لأن كل واحد منهما بدل (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن المسح على الخفين طهارة قوية ترفع الحدث، بخلاف التيمم، كما أن المسح على الخفين تخفيف؛ إذ يجوز المسح مع القدرة على غسل الرجلين، بخلاف التيمم فإنه طهارة ضرورة، فقصر على الضرورة (^٤).\n_________\n(^١) رؤوس المسائل (ص ١١٧)، البناية (١/ ٥٥٦).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٣٧)، المجموع (٢/ ٢٣٥).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٢)، التجريد (١/ ٢٢٥).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":413},{"text":"الجواب:\nيمكن أن يجاب بأن التيمم كذلك طهارة قوية وتخفيف، بل التيمم أقوى؛ لأن المسح مؤقت بمدة قليلة، والشارع جوز التيمم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء، وأما القول بأنه ضرورة، فالضرورة عدم الماء، وقد حصل (^١).\n٣٤ - أنه بالفراغ من المكتوبة لم تنتقض طهارته؛ حيث جاز له أداء النافلة، وإذا جاز له أن يؤدي النافلة فإنه يجوز له أن يؤدي الفرض؛ لأن الشرط أن يقوم إليه طاهرًا، وقد وجد (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين (^٣).\nالوجه الأول: أن النوافل تكثر وتلحق المشقة الشديدة بالإنسان في إعادة التيمم لها، فخفف أمرها لذلك، بخلاف الفرائض.\nالجواب:\nأجيب بأنهما وإن افترقا في هذا الوجه المذكور، فإنهما لا يختلفان في اشتراط الطهارة لكل واحد منهما، فإذا جاز له النفل بالتيمم الذي أدى به الفرض، وجب أن يحوز فعل فرض آخر به، إذ إنه لا فرق في حكم الطهارة بين النفل والفرض في الأصول (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التجريد (١/ ٢٢٨)، البحر الرائق (١/ ٢٧٣).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٣).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١٠٣٧)، المجموع (٢/ ٢٣٥).\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٢).","vol":"1","page":414},{"text":"الوجه الثاني: أن النوافل تبع للفرائض، ومعلوم أنه يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع.\nالجواب:\nأجيب بأن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة ليسا بتبع للفرض ويجوز عندكم، فدل ذلك على أنه لا خلاف بين الفرض والنفل في باب الطهارة (^١).\n٣٥ - أن الحدث الواحد لا يجب له طهران (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الطهارة هنا ليست للحدث بل لإباحة الصلاة، فالتيمم الأول أباح الصلاة الأولى، والثاني أباح الثانية (^٣).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب عليه بأن ذلك هو عين النزاع، ولا يصلح الاستدلال بمحل النزاع.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بعدم جواز الصلاة بالتيمم الواحد أكثر من فرض، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) التجريد (١/ ٢٢٦).\n(^٢) الحاوي (٢/ ١٠٣٥)، المجموع (٢/ ٢٣٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":415},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أوجب الطهارة عند القيام لكل صلاة، وقد خرج الوضوء بالدليل، فبقي التيمم على مقتضاه، لذا فإنه لا يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد أكثر من فريضة (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ لا يقتضي التكرار في اللغة، فإذا لم يقتض ذلك في الوضوء، فلا يقتضيه كذلك في التيمم (^٢).\nالوجه الثاني: أن الآية لا توجب شيئًا مما ذُكر، ولو أوجبت ذلك لأوجبت غسل الجنابة على كل قائم إلى الصلاة أبدًا، وإنما حكم الآية في إيجاب الله تعالى الوضوء والتيمم، والغسل إنما هو على المجنبين والمحدثين فقط، يدل على هذا قرينة متصلة بالآية وهي ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، ولا يختلف اثنان في أن هاهنا حذف دل عليه\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١/ ٢٠٣)، المجموع (٢/ ٢٣٥)، وانظر: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص ٧٩)، ط: مكتبة العبيكان ١٤٢٠ هـ.\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٢).","vol":"1","page":416},{"text":"العطف فيكون معنى الآية: وإن كنتم مرضى أو على سفر فأحدثتم، أو جاء أحد منكم من الغائط فبطل ما قالوا به (^١).\nثانيًا: من الآثار:\n١ - عن ابن عباس ﵄ قال: «من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى».\nوجه الدلالة:\nأن هذا الأثر له حكم الرفع؛ لأن السنة في كلام الصحابي تنصرف إلى سنة النبي - ﷺ -، وفي هذا دليل على عدم جواز الصلاة بالتيمم الواحد أكثر من فريضة (^٢).\n٢ - عن علي ﵁ قال: «يتيمم لكل صلاة».\n٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: «يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث».\n٤ - عن عمرو بن العاص أنه كان يحدث لكل صلاة تيممًا» (^٣).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذه الآثار (^٤)، فلا داعي للتكرار.\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٨٤).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٥١)، نهاية المحتاج (١/ ٣١١)، شرح العمدة (١/ ٤٤٣).\n(^٣) تقدم تخريج هذه الآثار (ص ٢١٤، ٢١٥).\n(^٤) انظر (ص ٢١٤، ٢١٥).","vol":"1","page":417},{"text":"ثالثًا: من المعقول:\n١ - أن طهارة التيمم طهارة ضرورة فبطلت بخروج الوقت، كطهارة المستحاضة (^١).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذا الدليل (^٢)، فلا داعي للتكرار.\n٢ - أن طهارة التيمم طهارة ضرورة فلا يباح بها إلا قدر الضرورة (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الضرورة عدم الماء، وقد حصل (^٤).\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بجواز الصلاة بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض ما لم يخرج وقت الصلاة، بما يلي:\n١ - أن طهارة التيمم طهارة صحيحة، أباحت فرضًا، فأباحت فرضين، كطهارة الماء (^٥).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذا الدليل والجواب على هذه المناقشة (^٦).\n_________\n(^١) الإشراف (١/ ١٦٦)، المجموع (٢/ ٢٣٥)، المغني (١/ ٣٤١).\n(^٢) انظر (ص ٢١٦).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٣٥).\n(^٤) التجريد (١/ ٢٢٨).\n(^٥) المغني (١/ ٣٤٢)، المبدع (١/ ١٧٩).\n(^٦) انظر (ص ٣١٥).","vol":"1","page":418},{"text":"٢ - أن الطهارة في الأصول تتقيد بالوقت دون الفعل كطهارة الماسح على الخفين (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن القياس على الماسح على الخفين قياس مع الفارق؛ لأن طهارة الماسح على الخفين مقدره بالوقت شرعًا، بخلاف التيمم فلم يرد في الشرع ما يدل على أنه مقدر بوقت.\n٣ - أن كل تيمم أباح صلاة، أباح ما هو من نوعها بدليل صلوات النوافل (^٢).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذا الدليل والجواب على هذه المناقشة (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد لماء أو يحدث، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - ضعف أدلة القول المخالف بما حصل من مناقشة.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٤٢).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر (ص ٣١٦، ٣١٧).","vol":"1","page":419},{"text":"٣ - صراحة دلالة السنة الصحيحة الثابتة على أن الصعيد الطاهر وضوء المسلم عند فقد الماء، فيأخذ التيمم حكم الماء.\n٤ - أنه لم يصح حديث عن النبي - ﷺ - في أنه يتيمم لكل صلاة، ولا في الأمر به، وإنما دلت الأحاديث على أن التيمم يقوم مقام الوضوء، وهذا يقتضي عدم الفرق بينهما في الحكم، اللهم إلا فيما اقتضى الدليل خلافه (^١).\n٥ - أن الطهارة إذا كملت وجاز أن يصلي المرء ما شاء من النوافل، فكذلك له أن يصلي بها ما شاء من المكتوبة، إذ ليس بين طهارته للمكتوبة وطهارته للنافلة فرق في شيء من أبواب الصلاة (^٢).\n٦ - أن الحكمة من مشروعية التيمم هي التخفيف والتيسير على المكلف، وفي الأمر بالتيمم لكل صلاة ما يخالف هذه الحكمة.\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٢٢٠، ٢٢١).\n(^٢) الأوسط (٢/ ٥٨، ٥٩).","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الفرع الثاني\nإذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به نافلة</span>؟\nللفقهاء في هذه المسألة قولان (^١):\nالقول الأول: أنه يجوز له التنفل بتيمم الفرض مطلقًا بعد الفريضة وقبلها، متصلًا بها أو متراخيًا عنها، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، وقول الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يجوز له التنفل بتيمم الفرض بشرطين وهما: أن تكون النافلة متأخرة عن الفرض، وأن تكون متصلة به، وهو قول المالكية، وقول للشافعية في اشتراط تأخير النفل عن الفرض، ورواية عند الحنابلة أنه لا يتنفل قبل الفريضة بغير الراتبة.\nأدلة القول الأول:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أن النفل تابع للفرض، فإذا استباح المتبوع استباح التابع (^٢)، كما إذا اعتق الأم يعتق الحمل (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٤)، الهداية (١/ ٢٩)، التفريع (١/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٩٦ - ٤٩٩)، الأم (١/ ١٠٠)، العزيز (١/ ٢٣٨)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٦)، الإنصاف (١/ ٢٧٨).\n(^٢) شرح التلقين (١/ ٢٩٥)، المغني (١/ ٣٣٠).\n(^٣) نهاية المحتاج (١/ ٢٩٩).","vol":"1","page":421},{"text":"٢ - أن كل طهارة جاز أن يتنفل بها بعد الفريضة جاز قبلها كالوضوء (^١).\n٣ - أن طهارة التيمم يستباح بها الصلاة، فجاز أن يتقدم النفل على الفرض فيها كالماء (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nعللوا ما ذهبوا إليه بما يلي:\nأما اشتراط تأخر النفل فهو أن النفل تابع للفرض، فإذا قدم النفل خرج عن أن يكون تابعًا، وصار الفرض هو التابع فلم يجزئه (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن النفل تبع في الاستباحة لا في الفعل، كالسنن الراتبة، وقراءة القرآن وغيرهما (^٤).\nوأما دليلهم على اشتراط الاتصال فيوضحه ابن رشد في قوله: «... لأن الأصل كان ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ... وألا تصلى نافلة بتيمم فريضة - وإن اتصلت بها ـ، فإنما تصلى النافلة بتيمم الفريضة - إذا اتصلت بها - استحسانًا ومراعاة لقول من يقول: إن التيمم يرفع الحدث كالوضوء بالماء،\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٣٦)، البيان (١/ ٢٧٨).\n(^٢) الإشراف (١/ ١٦٣).\n(^٣) الإشراف (١/ ١٦٤)، البيان (١/ ٢٧٨)، شرح العمدة (١/ ٤٤٧).\n(^٤) المغني (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":422},{"text":"فإذا لم يتصل بها وطال الأمر بينهما، واتسع الوقت لطلب الماء ثانية للنافلة وجب أن ينتقض التيمم على الأصل، وألا يراعى في ذلك الخلاف كما روعي إذا اتصلت بها لكونها في اتصالها بها في معنى الصلاة الواحدة» (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التنفل بتيمم الفرض مطلقًا وبغير شروط، وذلك لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\nويؤيد هذا القول بأن الأدلة الشرعية اشترطت لصحة التيمم عدم وجود الماء، ولم تشترط الاتصال والتأخير، فينبغي أن يستمر حكم التيمم حتى يجد الماء، أو يحدث ما يبطله، وذلك لأن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقدم مقام المبدل.\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (٢/ ١٨٩).","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المطلب الثاني\nما يباح له بتيممه إذا نوى به\nنافلة أو صلاة مطلقة</span>\nوفيه أربعة فروع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>الفرع الأول\nحكم التيمم للنافلة ونحوها مما يتطهر له</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يتيمم لكل ما يتطهر له من نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، والماليكة في المسافر والمريض مطلقًا، وهو الصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أنه لا يتيمم للنافلة استقلالًا وإنما يصح التيمم لها تبعًا للفرض، وهو قول المالكية في الحاضر الصحيح العادم للماء، ووجه للشافعية (^٢).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز التيمم للنافلة ونحوها مما يتطهر له، بما يلي:\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٧)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣٢)، شرح التلقين (١/ ٢٩١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٨)، العزيز (١/ ٢٣٩)، المجموع (٢/ ١٧٨)، المغني (١/ ٣٥١)، كشاف القناع (١/ ٣٨٦).\n(^٢) المصادر السابقة للمالكية والشافعية.","vol":"1","page":424},{"text":"أولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ شرع التيمم لكل من عدم الماء، ولم يشترط اقتصاره على صلاة الفريضة فقط، فدل ذلك على أنه لا فرق بين أن يتيمم لفريضة، أو نافلة، أو مس مصحف.\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ...» الحديث (^١).\nوجه الدلالة:\nدل هذا الحديث - وغيره من الأحاديث الدالة على مشروعية التيمم - على جواز التيمم لكل من عدم الماء، وهذا عام في كل ما يمنع منه الحدث الأصغر، والأكبر، ولا فرق بين أن يتيمم للفريضة أو للنافلة.\nثالثًا: من المعقول:\n١ - أن النفل، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة مما يستباح بطهارة الماء، فجاز أن يستباح بالتيمم، كالتيمم للمكتوبة (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٢) البيان (١/ ٢٧٧)، المغني (١/ ٣٥١).","vol":"1","page":425},{"text":"٢ - أنه لا فرق بين الفرائض والنوافل في شيء من أبواب الطهارت (^١).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه لا يصح التيمم للنافلة استقلالًا، بما يلي:\nأن التيمم طهارة ضرورة، والضرورة في الفرائض لا في النوافل (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أن القول بأن التيمم طهارة ضرورة إن أريد به أن لا يفعل التيمم إلا عند تعذر الماء فهو مسلم، وإن أريد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان التيمم واجبًا، فإن هذا خلاف السنة والإجماع، بل يتيمم للواجب كالصلاة المكتوبة، ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع، وقراءة القرآن، ومس المصحف (^٣).\nالوجه الثاني: أنه إذا كان لا يحتاج إلى إسقاط الفرض عن نفسه فإنه يحتاج إلى إحراز الثواب لنفسه، والحاجة إلى إحراز الثواب حاجة معتبرة، فيجوز أن يعتبر الطهارة لأجل النافلة، ولهذا اعتبرت طهارة المستحاضة في حق النوافل بلا خلاف، فكذا هاهنا (^٤).\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٦٠).\n(^٢) البيان (١/ ٢٧٧)، المجموع (٢/ ١٧٨).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٣٩).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٥)، الوسيط (١/ ٣٧٩).","vol":"1","page":426},{"text":"الراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم لكل ما يتطهر له، وذلك لما يلي:\n١ - لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n٢ - مناقشة دليل القول الثاني.\n٣ - أن النبي - ﷺ - تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن رد السلام يجوز بغير طهارة، فإذا شرع التيمم لتحصيل مصلحة رد السلام فإن مشروعيته للنافلة استقلالًا - سواء كان ذلك في السفر أم في الحضر - من باب أولى.\n٤ - أن الشريعة الإسلامية قد دلت على أن التيمم طهور حال عدم الماء، فينبغي أن يعمل عمل الماء حتى يقوم دليل شرعي على خلاف ذلك.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>الفرع الثاني\nإذا نوى التيمم للنافلة فهل يصلي به نوافل أخرى</span>؟\nذكرنا فيما سبق الخلاف بين الفقهاء في حكم التيمم للنافلة، وسوف نذكر في هذا الفرع ما لو نوى بتيممه نافلة فهل يصلي به نوافل أخرى أم لا؟\nاتفق جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، على جواز أن يصلي بتيممه هذا ما شاء من النوافل (^١).\nوأما المالكية فإنهم قالوا: من تيمم لفرض سواء كان حاضرًا صحيحًا أم لا، أو تيمم لنفل استقلالًا بأن كان مريضًا أو مسافرًا فإنه يجوز له أن يصلي بذلك التيمم ما شاء من النوافل بشرط اتصال هذه النوافل بالفرض وبين النوافل بعضها مع بعض، وأن لا يكثر النفل في نفسه جدًا بالعرف، فإن طال الفصل أعاد تيممه (^٢).\nواستدل الفقهاء على جواز أن يتنفل بتيمم واحد ما شاء من النوافل، بما يلي:\n١ - أن النوافل مما لا يمكن المنع منها، وفي تجديد التيمم لكل واحدة منها حرج عظيم؛ لأنها لا تنضبط (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٤)، البناية (١/ ٥٥٥، ٥٥٦)، الحاوي (٢/ ٩٨٧)، المجموع (٢/ ٢٣٩)، المستوعب (١/ ٣٠٢)، المغني (١/ ٣٣٠).\n(^٢) التفريع (١/ ٢٠٣)، شرح الزرقاني (١/ ٢٠٩)، الشرح الكبير (١/ ٢٤٨، ٢٤٩).\n(^٣) البيان (١/ ٢٧٨)، العزيز (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":428},{"text":"٢ - أن النوافل بني أمرها على التخفيف فيجوز فيها ترك القيام وترك استقبال القبلة، ويجوز فعلها على الراحلة (^١).\n٣ - أن النوافل لما كانت غير مؤقتة ولا منحصرة في تكرارها جعلت كالصلاة الواحدة (^٢).\nالترجيح:\nوالراجح - والله أعلم - في هذه المسألة أن من نوى بتيممه نافلة فإنه يجوز له أن يصلي به من النوافل ما شاء من غير عدد محصور، وأما اشتراط الاتصال وعدم كثرة النوافل - كما قالت المالكية - فلا يصح؛ لأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو من السنة يدل على اشتراط ذلك، بل الأدلة الشرعية دلت على أن التيمم بدل عن الماء، واشترطت لصحة التيمم عدم وجود الماء، فإذا صح للمتوضئ للنافلة أن يصلي بوضوئه هذا ما شاء من النوافل من غير اشتراط الاتصال أو عدم كثرة النوافل فكذلك المتيمم للنافلة؛ إذ إن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل.\n_________\n(^١) التعليقة الكبرى (ص ٨٣٨)، المهذب (١/ ١٣٦).\n(^٢) المعونة (١/ ١٥٠)، شرح التلقين (١/ ٢٩٤)، الوسيط (١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الفرع الثالث\nإذا نوى التيمم لنافلة فهل يصلي به فريضة</span>؟\nللفقهاء في هذه المسألة قولان (^١):\nالقول الأول: أنه لا يصلي الفريضة بتيمم النافلة، وهو قول المالكية، والصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه يصلي الفريضة بتيمم النافلة، وهو قول الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.\nسبب الخلاف:\nهل التيمم مبيح أو رافع؟\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه لا يصلي الفريضة بتيمم النافلة، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٧)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٦)، التفريع (١/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٩٨، ٤٩٩)، العزيز (١/ ٢٣٩)، المجموع (٢/ ١٧٧)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٣٦)، الإنصاف (١/ ٢٧٧).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٧٦).","vol":"1","page":430},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على أن النية معتبرة في الاعتداد بالعمل شرعًا، وهذا لم ينو فرضًا، فلا يكون له أداؤه (^١).\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن الفرض أصل، والنفل تابع، فلا يكون المتبوع تابعًا (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن هذا يبطل بالوضوء؛ لأنا نجعل الفرض تبعًا للنفل، وإنما يجوز لأنه فعل ما يستباح به الصلاة (^٣).\n٢ - أن غير النفل غير منوي لا صريحًا ولا ضمنًا (^٤).\n٣ - أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه بخلاف الوضوء، فإنه يرفع الحدث فاستباح به الجميع (^٥).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن ذلك هو عين النزاع، والاستدلال بمحل النزاع لا يصح.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٣٠).\n(^٢) شرح التلقين (١/ ٢٩٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٣).\n(^٣) التجريد (١/ ٢١٨).\n(^٤) كشاف القناع (١/ ٤١٥).\n(^٥) المهذب (١/ ١٢٧)، البيان (١/ ٢٧٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٦).","vol":"1","page":431},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بجواز أن يصلي الفريضة بتيمم النافلة، بما يلي:\n١. أنها طهارة وقعت للنفل فجاز أن تؤدى بها الفريضة، كالوضوء (^١).\n٢. أنه نوى بطهارته ما يفتقر إلى الطهارة، فأشبه ما لو توضأ للنافلة (^٢).\n٣. أنه مسح أقيم مقام غسل، كمسح الخف (^٣).\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بجواز أن يصلي المتيمم الفريضة بتيمم النافلة، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة، ولأن أدلة القول الأول مبنية على أن التيمم لا يرفع الحدث، وقد ذكرنا أن الراجح في هذه المسألة أن التيمم كالوضوء في رفع الحدث إلى أن يجد الماء.\n_________\n(^١) التجريد (١/ ٢١٧)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠٠).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٣٩).\n(^٣) التجريد (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الفرع الرابع\nإذا نوى بتيممه صلاة مطلقة</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه صلاة مطلقة، فهل يصلي الفرض والنفل؟ أو يصلي النفل دون الفرض؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يصلي به النفل دون الفرض، وهو قول المالكية، والصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أنه يصلي به الفرض والنفل، وهو قول الحنفية، وقول عند الحنابلة والشافعية (^٢).\nسبب الخلاف:\nهل التيمم مبيح أو رافع؟\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن من نوى بتيممه صلاة مطلقة فإنه يصلي النفل دون الفرض، بما يلي:\n١ - أن التعيين شرط في الفرض ولم يوجد، فأبيح له النفل؛ لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق (^٣).\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٥٠٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٣)، المجموع (٢/ ١٧٧)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩٩، ٣٠٠)، المستوعب (١/ ٣٠٢)، الإنصاف (١/ ٢٧٧).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٦)، المجموع (٢/ ١٧٧)، المحرر (١/ ٢٢)، المبدع (١/ ١٧٨).\n(^٣) الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٣)، الحاوي (٢/ ٩٨٧)، المبدع (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":433},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه لا يشترط تعيين الفرض في الوضوء، والتيمم بدل عنه فيأخذ حكمه.\n٢ - أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستبيح الفرض حتى ينويه بخلاف الوضوء، فإنه يرفع الحدث فاستباح الجميع (^١).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذا الدليل في الفرع الثالث، فلا داعي للتكرار.\n٣ - قياسًا على ما إذا أحرم بالصلاة ولم يعين، فإنها تنعقد نفلًا لا فرضًا (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة لا يمكن أن يجمع فيها بين فرض ونفل بنية واحدة، فحملت على الأقل وهو النفل، بخلاف التيمم فيمكن الجمع في نيته بين فرض ونفل، فحملت الصلاة في نيته على جنس الصلاة وذلك يتناول الفرض والنفل (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بجواز أن يصلي الفرض والنفل إذا نوى بتيممه صلاة مطلقة، بما يلي:\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٤٠)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠٠).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٧٧).","vol":"1","page":434},{"text":"١ - أن التيمم طهارة، فلم يفتقر إلى نية الفرض، كالوضوء (^١).\n٢ - أنه نوى استباحة الصلاة، والصلاة اسم جنس يتناول الفرض والنفل، فيستبيحهما كما لو نواهما (^٢).\nالراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بجواز أن يصلي الفرض والنفل إذا نوى بتيممه صلاة مطلقة، وذلك لما يلي:\n١ - قوة الأدلة وسلامتها من المعارضة.\n٢ - مناقشة أدلة القول الأول.\n٣ - أن الرسول - ﷺ - جعل التيمم رخصة لأمته ولم يفصل بين أن ينوي بالتيمم فرضًا أو نفلًا، أو صلاة مطلقة، كما لم يفصل ذلك في الوضوء، فيجب التسوية بينهما (^٣).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٢٧).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٤٠)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٣).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٦٠).","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المطلب الثالث\nمراتب النية</span>\nمما تقدم يتضح أن الفقهاء قد اختلفوا في مسائل النية في التيمم، وهذا ما يجعلنا لزامًا أن نبين في هذا المطلب الضابط عند الفقهاء في مسألة مراتب النية وما يستباح بكل مرتبة، حتى يتبين لنا سبب الاختلاف بين الفقهاء في مسائل النية في التيمم، ومعرفة القاعدة التي مشى عليها كل مذهب في مراتب النية، وبيان ذلك كالآتي:\nفمراتب النية عند الحنفية على مرتبتين:\nالمرتبة الأولى: أن ينوي المتيمم عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة، كالصلاة وقراءة القرآن، أو ينوي الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو رفع الحدث أو الجنابة.\nويستبيح بهذه المرتبة جميع الفرائض والنوافل وكل ما يتطهر له.\nالمرتبة الثانية: أن ينوي عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة، أو ينوي عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم للسلام ورده، أو زيارة القبور، أو ينوي ما ليس بعبادة أصلًا كدخول المسجد، ومس المصحف.\nفمن نوى بتيممه شيئًا من هذه المرتبة فإن تيممه يصح ولكن لا يستبيح به الصلاة (^١).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٦١ - ٢٦٤)، حاشية الطحطاوي (١/ ١١٣، ١١٤)، رد المحتار (١/ ٣٦٨، ٣٦٩).","vol":"1","page":436},{"text":"وأما مراتب النية عند المالكية فعلى مرتبتين:\nالمرتبة الأولى: أن ينوي بتيممه الفرض فإنه يجوز له أن يستبيح به غيره من النوافل لا فرضًا آخر، واشترطوا لصحة استباحة النوافل الاتصال والتأخير، فإن طال الفصل أو تقدمت النوافل على الفرض فإنه يلزمه إعادة التيمم.\nالمرتبة الثانية: أن ينوي بتيممه النفل استقلالًا بأن كان مريضًا أو مسافرًا فإنه يجوز له فعل ما شاء من النوافل، سواء تقدم ذلك النفل المقصود أو تأخر، واشترطوا اتصال النوافل بعضها ببعض، وأن لا تكثر جدًا (^١).\nوأما مراتب النية عند الشافعية، فعلى ثلاث مراتب:\nالمرتبة الأولى: أن ينوي استباحة فرض الصلاة ولو منذورة، أو ينوي استباحة فرض الطواف، أو استباحة خطبة الجمعة، أو ما أشبه ذلك.\nالمرتبة الثانية: أن ينوي استباحة نفل الصلاة، أو استباحة الصلاة مطلقًا، أو نفل الطواف، أو صلاة الجنازة، أو ما أشبه ذلك.\nالمرتبة الثالثة: أن ينوي استباحة ما عدا ذلك، كنية استباحة مس المصحف، أو سجود التلاوة أو الشكر، أو قراءة القرآن من الجنب ونحوه.\nفإذا نوى واحدًا من المرتبة الأولى استباح واحدًا منها فقط، إما الذي نواه، وإما غيره بدلًا عنه، واستباح معه جميع الثانية والثالثة ولو مكررًا.\n_________\n(^١) التلقين (١/ ٧٠)، شرح الرزقاني (١/ ٢٠٩ - ٢١١)، الشرح الكبير (١/ ٢٤٨، ٢٤٩).","vol":"1","page":437},{"text":"وإذا نوى واحدًا من المرتبة الثانية استباح جميع ما فيها ولو مكررًا، وجمع ما في الثالثة دون شيء من الأولى.\nوإذا نوى شيئًا من المرتبة الثالثة استباحها كلها، دون الأولى والثانية (^١).\nوأما القاعدة عند الحنابلة في مراتب النية فهي: أن من نوى استباحة شيء تشترط له الطهارة استباحه ومثله ودونه، لا ما هو أعلى منه.\nفمن نوى بتيممه صلاة الظهر مثلًا، فله فعلها وفعل مثلها كفائتة؛ لأنها في حكم صلاة واحدة، واستباح أيضًا دون ما نواه، كالنفل في المثال؛ لأنه أخف، ونية الفرض تتضمنه.\nوإن نوى نافلة أبيحت له، وأبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف والطواف؛ لأن النافلة آكد من ذلك كله؛ لأن الطهارتين مشترطتان لها بالإجماع، وفي اشتراطهما لما سواها خلاف، فيدخل الأدنى في الأعلى، كدخول النافلة في الفريضة، ولأن النفل يشتمل على قراءة القرآن، فنية النفل تشتمله.\nوإن نوى قراءة القرآن، أو مس المصحف، أو الطواف لم يبح له التنفل بالصلاة؛ لأنه أدنى، فلا يستبيح الأعلى بنيته، كالفرض من النفل، وهكذا (^٢).\n_________\n(^١) الإقناع للشربيني (١/ ١٠٧)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩٩)، حاشية البيجوري على ابن القاسم الغزي (١/ ١٧٨)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٥ هـ.\n(^٢) المغني (١/ ٣٣٠، ٣٣١)، كشاف القناع (١/ ٤١٤، ٤١٥).","vol":"1","page":438},{"text":"الراجح:\nالراجح - والله أعلم - هو مذهب الحنفية، وذلك لأن التيمم كالوضوء يرفع الحدث، وإذا ارتفع الحدث فله أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو القول الراجح كما سبق بيانه في مبحث: نوع بدلية التيمم (^١).\nوأما مراتب النية عند الجمهور فهي مبنية على القول بأن التيمم لا يرفع الحدث، ولهذا نجدهم قد ذكروا من المسائل والشروط في نية التيمم ما كنا في غنية عنه لو أخذوا بالقول الراجح، وقد سبق بيان بعض هذه المسائل والشروط، وسنذكر البعض الآخر في المبحثين التاليين.\nثم إن في مذهب الحنفية من اليسر والسعة ورفع الحرج عن المكلف ما يوافق الحكمة التي من أجلها شُرع التيمم.\n_________\n(^١) انظر (ص ٢١١).","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث السادس\nحكم الجمع بين الصلاتين للمتيمم</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من عدم الماء وأراد الجمع بين الصلاتين بالتيمم، فهل يجوز له ذلك أم لا؟ على قولين (^١).\nالقول الأول: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين للمتيمم، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وقول المالكية، والمشهور عند الشافعية، وهو قول الحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين للمتيمم، وهو وجه للشافعية (^٣).\nدليل القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز الجمع بين الصلاتين للمتيمم، بما يلي:\nأن طهارة التيمم طهارة صحيحة، فجاز للمتيمم الجمع بين الصلاتين كالوضوء (^٤).\n_________\n(^١) ليس للحنفية نص في هذه المسألة، وقياس أصولهم يقتضي ذلك، وذلك لأن التيمم عندهم بدل مطلق يقوم مقام الماء، ولهذا يجوز أن يصلي بتيممه ما شاء من الفروض والنوافل، وعليه فيجوز للمتيمم أن يجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة؛ وذلك لأنهم لا يرون مشروعية الجمع بين الصلاتين إلا في عرفة ومزدلفة. انظر: المبسوط (١/ ١٤٩)، بدائع الصنائع (١/ ٥٨٠).\n(^٢) تنوير المقالة (١/ ٥٦٤، ٥٦٥)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٩، ٢٥٠)، البيان (٢/ ٤٨٨)، المجموع (٢/ ١٩١، ٢٠١)، المغني (١/ ٣٤٢، ٣٤٣)، الإنصاف (٢/ ٣٢١).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١٠٥٧)، البيان (٢/ ٤٤٨)، وذكر النووي أن هذا الوجه ليس بشيء. انظر: المجموع (٢/ ١٩١).\n(^٤) البيان (٢/ ٤٨٨)، المغني (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":440},{"text":"دليل القول الثاني:\nاستدل القائلون بعدم جواز الجمع بين الصلاتين، بما يلي:\nأن الصلاة الثانية تفتقر إلى تيمم واحد، والتيمم يفتقر إلى طلب، والطلب يقطع الجمع بين الصلاتين، ومن شرطه الموالاة (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من أربعة وجوه:\nالوجه الأول: أن التفريق بالطلب بين الصلاتين لا يضر؛ لأنه خفيف (^٢).\nالوجه الثاني: أن ما يمنع الفصل بين الصلاتين إذا كان الفصل لا لأجل مصلحة الصلاة، وأما إذا كان الفصل لأجل مصلحة الصلاة فإنه لا يمنع الجمع (^٣).\nالوجه الثالث: أنه إذا جاز أن يفصل بين الصلاتين المجموعتين بالإقامة - وليست بشرط - فالتيمم الذي هو شرط أولى (^٤).\nالوجه الرابع: أن الطلب الثاني يكون دون الطلب الأول، وهذا لا يؤثر في الجمع (^٥).\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ١٠٥٧)، البيان (٢/ ٤٨٨).\n(^٢) عيون الأدلة (ص ٩٢١)، المجموع (٢/ ٢٠١).\n(^٣) عيون الأدلة (ص ٩٢١، ٩٢٢)، التهذيب (١/ ٣١٦).\n(^٤) المجموع (٢/ ٢٠١).\n(^٥) البيان (٢/ ٤٨٨).","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث السابع\nحكم اشتراط النية في الحدث\nالأصغر أو الأكبر</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم تعيين نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر.\nالمطلب الثاني: اجتماع الأحداث وأثره في تداخلها عند النسيان.\nالمطلب الثالث: إذا نوى الحدثين بتيمم واحد.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المطلب الأول\nحكم تعيين نية ما يتيمم عنه\nمن حدث أصغر أو أكبر</span>\nللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يشترط تعيين نية التيمم من أي الحدثين، وإنما يكفي نية استباحة الصلاة ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية، وبه قال الشافعية (^١).\nالقول الثاني: أنه يشترط تعيين نية التيمم من أي الحدثين، فينوي بتيممه هذا الحدث أو ذاك، وهو قول الجصاص من الحنفية (^٢)، وقول الحنابلة (^٣).\nالقول الثالث: أنه في الحدث الأصغر لا يشترط فيه التعيين، وأما في الحدث الأكبر فيشترط التعيين، وهو المشهور عند المالكية (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٢)، البناية (١/ ٥٣٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٦، ٥٠٧)، شرح الزرقاني (١/ ٢١٣، ٢١٤)، الحاوي (٢/ ١٠١١ - ١٠١٣)، المجموع (٢/ ١٨٠).\n(^٢) هو: أحمد بن علي الرازي، أبو بكر، المعروف بالجصاص، فقيه مجتهد، عالم العراق، وإليه المنتهى في معرفة المذهب، وكان زاهدًا ورعًا، عرض عليه القضاء فامتنع عنه، من كتبه: أحكام القرآن، وشرح مختصر الطحاوي، وأدب القضاء وغيرها، توفي سنة (٣٧٠ هـ).\nانظر: الجواهر المضية (١/ ٢٢٠)، تاج التراجم في طبقات الحنفية لابن قطلوبغا (ص ٩٦)، ط: دار القلم ١٤١٣ هـ.\n(^٣) المبسوط (١/ ١١٧)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣٢)، التنقيح المشبع (ص ٦٥)، كشاف القناع (١/ ٤١٣).\n(^٤) مواهب الجليل (١/ ٥٠٦، ٥٠٧)، شرح الزرقاني (١/ ٢١٣، ٢١٤)، ومحل اشتراط نية التعيين عند المالكية إن نوى استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث، ولو نوى فرض التيمم أجزأه ولو لم يتعرض لنية التعيين.","vol":"1","page":445},{"text":"دليل القول الأول:\nاستدل القائلون بعدم اشتراط التعيين في التيمم عن أحد الحدثين، بما يلي:\nأن التيمم طهارة، فلا تلزم نية أسبابها، كطهارة الماء (^١).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون باشتراط التعيين في التيمم عن أحد الحدثين، بما يلي:\n٣٦ - أن التيمم عن الأحداث يقع على صفة واحدة، فلابد من التمييز بالنية، كما في صلاة الفرض أنه لابد فيها من نية الفرض؛ لأن الفرض والنفل يتأديان على هيئة واحدة (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الحاجة إلى النية ليقع التيمم طهارة، فإذا وقع طهارة جاز له أن يؤدي ما شاء؛ لأن الشروط يراعى وجودها لا غير، فكيفما وجدت تعلق بها الحكم من غير اشتراط أي تعيين، بخلاف الصلوات فلابد فيها من التعيين (^٣).\n٣٧ - أن التيمم لا يرفع حدثًا، وإنما تستباح به الصلاة ونحوها، فلم يكن بد من نية التعيين فيه تقويةً لضعفه (^٤).\n_________\n(^١) شرح العناية (١/ ١٣١).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٢)، البحر الرائق (١/ ٢٦٤).\n(^٣) تبيين الحقائق (١/ ١٢٥)، البحر الرائق (١/ ٢٦٤).\n(^٤) الممتع (١/ ٢٥٢)، كشاف القناع (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":446},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه استدلال بمحل النزاع، فلا يصح.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم اشتراط التعيين في التيمم عن أحد الحدثين، وذلك لوجاهة ما استدلوا به.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المطلب الثاني\nاجتماع الأحداث وأثره في تداخلها\nعند النسيان</span>\nاتفق الفقهاء على أن من اجتمع عليه حدث أكبر وأصغر وعدم الماء فإنه يكفيه أن يتيمم لهما تيممًا واحدًا متى ما نواهما (^١).\nواختلفوا فيما لو نوى أحدهما دون الآخر كأن يتيمم للحدث الأصغر ناسيًا حدثه الأكبر أو العكس، فهل يجزئه ذلك التيمم أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يجزئه ذلك التيمم، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية، وبه قال الشافعية (^٢).\nالقول الثاني: أنه لا يجزئه ذلك التيمم، وهو قول الحنابلة (^٣).\nالقول الثالث: أنه إذا نوى بتيممه الحدث الأكبر أجزأ عن الأصغر، ولو نوى الحدث الأصغر لم يجزئ عن الأكبر، وهو المشهور عند المالكية (^٤).\nسبب الخلاف:\nيرجع سبب الاختلاف في هذه المسألة إلى اختلاف الفقهاء في مسألة: هل\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٧٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٦)، المجموع (٢/ ١٨٠)، المغني (١/ ٣٤٧).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٢)، البناية (١/ ٥٣٩)، البيان والتحصيل (١/ ٢٠٨)، الذخيرة (١/ ٣٥١)، مختصر المزني (١/ ١٤)، المجموع (٢/ ١٨٠).\n(^٣) المغني (١/ ٣٤٦)، الفروع (١/ ٣٠١).\n(^٤) المدونة (١/ ٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٦، ٥٠٧).","vol":"1","page":448},{"text":"يشترط تعيين نية التيمم من أي الحدثين أم لا؟ فمن اشترط التعيين قال بعدم إجزاء الحدث الأكبر بنية الأصغر أو العكس، ومن لم يشترط التعيين قال بالإجزاء، ومن اشترط التعيين في الحدث الأكبر قال بعدم إجزاء الأصغر عن الأكبر دون العكس.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بالإجزاء، بما يلي:\n١ - أنه لما كان الحدث الأصغر والأكبر يستويان في منعهما من الصلاة، ويستويان في صفة رفعهما، أو استباحة الصلاة منهما بالتيمم، ناب التيمم لواحد منهما عن التيمم للآخر، كما لو اجتمع على المرأة جنابة وحيض، فإنه نية أحدهما تنوب عن الآخر (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن حكم الجنابة والحيض واحد وهو الحدث الأكبر، ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء، بخلاف الحدث الأصغر والأكبر، فإنهما يختلفان حكمًا، فلا تنوب نية الأصغر عن الأعلى في الماء ولا في التيمم (^٢).\n٢ - أن المقصود بالطهارة هو ارتفاع المانع من الصلاة، وقد حصل بالتيمم، فوجب إباحة الصلاة به ولا عبرة باختلاف الأسباب من كون المانع أصغر أو أكبر (^٣).\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١/ ٢٠٩)، الحاوي (٢/ ١٠١٢).\n(^٢) انظر: عيون الأدلة (ص ٨٨٤)، المغني (١/ ٣٤٦).\n(^٣) الذخيرة (١/ ٣٥١).","vol":"1","page":449},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه تعليل غير وجيه؛ لأن من نوى بتيممه استباحة الصلاة مطلقًا فإن حدثه يرتفع، لأنه يلزم من نية الصلاة ارتفاع الحدثين، وإنما الخلاف فيما لو عين النية لأحد الحدثين، فنسلم بإجزاء الأكبر عن الأصغر ولكن لا نسلم بإجزاء الأصغر عن الأكبر، لأنه إذا كان الوضوء الذي يرفع الحدث باتفاق لا يجزئ عن الغسل فالتيمم الذي هو بدله من باب أولى.\n٣ - أن هيئة التيمم في الحدثين واحدة، وهي مسح الوجه واليدين، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى، كالبول والغائط (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن القياس على البول والغائط قياس مع الفارق؛ لأن حكم البول والغائط واحد وهو الحدث الأصغر، ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء، بخلاف الحدث الأصغر والأكبر، فإنهما يختلفان حكمًا (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بعدم الإجزاء، بما يلي:\n_________\n(^١) الإشراف (١/ ١٦٣)، الحاوي (٢/ ١٠١٢، ١٠١٣).\n(^٢) المغني (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":450},{"text":"أولًا: من السنة:\nحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن من نوى أحد الحدثين أجزئه عنه دون ما لم ينوه؛ لأن لكل امرئ ما نوى (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المقصود من الحديث الثواب الأخروي.\nثانيًا: من المعقول:\n١ - أن سبب الجنابة والحدث مختلف، فلم تجزئ نية أحدهما عن الأخرى كالحج والعمرة (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين (^٤):\nالوجه الأول: أن كونهما سببين مختلفين، لا يمنع من تداخلهما في النية كاجتماع تحية المسجد والفريضة، فإن سببهما مختلفان، ومع ذلك تداخلا في الأفعال والنية، فتكفي الفريضة عن التحية وإن لم ينوها.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٧٦).\n(^٢) المغني (١/ ٣٤٦)، شرح الزركشي (١/ ٣٦٦).\n(^٣) المغني (١/ ٣٤٦)، المبدع (١/ ١٧٨).\n(^٤) التداخل (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":451},{"text":"الوجه الثاني: أن القياس على الحج والعمرة لا يصح؛ لأن صفتهما مختلفة، بخلاف صفة الطهارة من الجنابة والحدث في التيمم فإن صفتهما واحدة.\n٢ - أنهما طهارتان، فلم تقع إحداهما بنية الأخرى (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه استدلال بمحل النزاع، والاستدلال بمحل النزاع لا يصح.\nأدلة القول الثالث:\nاستدل المالكية على التفصيل بما يلي:\nأن المتيمم إذا نوى الجنابة فإن التيمم حينئذ يكون بدلًا عن الغسل، والوضوء بعض أعضاء الغسل، والبدل عن الكل ينوب عن البدل عن البعض، وهو التيمم للحدث الأصغر.\nوأما إذا نوى بتيممه الحدث الأصغر، فإن التيمم حينئذ يكون بدلًا عن الوضوء، والوضوء بعض أعضاء الغسل، والبدل عن البعض لا ينوب عن البدل عن الكل، وهو التيمم للحدث الأكبر (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثالث القائل بالتفصيل، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، وما جرى من مناقشة القول الأول والثاني.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٤٦).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٥١ و٣٦٧، ٣٦٨)، التاج والإكليل (١/ ٥٠٦).","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المطلب الثالث\nإذا نوى الحدثين بتيمم واحد</span>\nوفيه فرعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الفرع الأول\nإذا نوى الحدثين بتيمم واحد أو أحد أسباب أحدهما</span>\nاتفق الفقهاء على أن التيمم للحدثين متى ما نواهما المتيمم كفاه تيمم واحد، واختلفوا فيما لو تنوعت أسباب أحد الحدثين، فنوى بتيممه أحد أسباب الحدث الأكبر أو الأصغر، فهل يجزئ هذا التيمم عن الجميع أو يجزئ عما نواه فقط؟ وذلك على قولين (^١).\nالقول الأول: أنه يجزئ عن الجميع، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والصحيح عند الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه لا يجزئه عن الجميع، بل يحصل له ما نواه فقط، وهو وجه عند الحنابلة.\nأدلة القول الأول:\n١٠ - أنه لما كانت تلك الأحداث من جنس واحد، كان حكمها واحدًا، فحصل بعضها بنية البعض الآخر (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٢)، الإشراف (١/ ١٦٣)، المعونة (١/ ١٤٦)، المجموع (٢/ ١٨٠)، الفروع (١/ ٣٠١)، تصحيح الفروع (١/ ٣٠١).\n(^٢) عيون الأدلة (ص ٨٨٤)، كشاف القناع (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":453},{"text":"١١ - أن نية النظير تغني في ذلك عن نية نظيره، بدليل أنه لو عين فرضًا أو نفلًا استباح نظيره (^١).\n١٢ - أن نية أحدهما نية استباحة موانعه، وهي موانع الآخر بعينها، فاكتفي بنية واحدة (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا بأن التيمم مبيح وليس برافع، فلا يستبيح به المحدث إلا ما نواه، ولذلك لا يبيح الفرض بنية النفل (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث محل خلاف، والاستدلال بمحل الخلاف لا يصح.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه إذا تنوعت أسباب أحد الحدثين ونوى الاستباحة من أحدها أجزأ التيمم عن الجميع، وذلك لقوة أدلتهم، ومناقشة دليل القول الثاني.\n_________\n(^١) حاشية ابن قندس على الفروع (١/ ٣٠١)، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٢٤ هـ.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) حاشية ابن قندس (١/ ٣٠١)، الإنصاف (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الفرع الثاني\nإذا نوى الحدثين بتيمم واحد أو نوى الأكبر\nثم أحدث حدثًا أصغر</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من نوى بتيممه الجنابة والحدث بتيمم واحد ثم أحدث حدثًا أصغر، أو نوى الحدث الأكبر ثم أحدث حدثًا أصغر، فهل يبطل تيممه للحدث الأصغر فقط ولا يعود جنبًا أو يبطل تيممه للحدث الأصغر والأكبر ويعود جنبًا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يعود جنبًا بل يبطل تيممه للحدث الأصغر فقط، وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا على ذلك بالقياس على من اغتسل ونوى الطهارتين، أو نوى الطهارة الكبرى ثم أحدث حدثًا أصغر، فإنه تبطل طهارته الصغرى فقط دون الكبرى، فكذلك هاهنا، فإن التيمم نائب عن الغسل، وإذا كان الحدث لا يبطل الغسل فلا يُبطل ما ناب عنه (^٢).\nالقول الثاني: أنه يعود جنبًا فيبطل تيممه للحدث الأصغر والأكبر، وهو قول المالكية (^٣).\n_________\n(^١) الدر المختار (١/ ٣٧٧)، رد المحتار (١/ ٣٧٧)، البيان (١/ ٣٢٠)، المجموع (٢/ ٢٤٠)، المغني (١/ ٣٤٧)، الإنصاف (١/ ٢٧٦، ٢٧٧).\n(^٢) رد المحتار (١/ ٣٧٧)، التهذيب (١/ ٤٠٤)، البيان (١/ ٣٢٠)، الفروق (١/ ١٦٨).\n(^٣) شرح الزرقاني (١/ ٢٢١)، حاشية الخرشي (١/ ٣٦٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":455},{"text":"ولم أجد لهم دليلًا غير أنه قول مبني على المشهور من مذهبهم في أن التيمم لا يرفع الحدث.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأن من نوى الحدثين بتيمم واحد أو نوى الأكبر ثم أحدث حدثًا أصغر فإن تيممه يبطل للحدث الأصغر فقط، وذلك لقوة دليلهم، ولأن القول الثاني مبني على القول بأن التيمم لا يرفع الحدث، وقد سبق مناقشة هذا القول وأن التيمم كطهارة الماء في رفع الحدث (^١).\nوحتى على فرض التسليم بأن التيمم لا يرفع الحدث فإن قول المالكية هذا لا يصح؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي يدل عليه، ولم أقف على دليل يدل على ما ذكروه.\n_________\n(^١) انظر (ص ٢١١ وما بعدها).","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الشرط الثاني\nالإسلام</span>\nاتفق جمهور الفقهاء على أن الإسلام شرط في صحة التيمم، وذلك لأن التيمم عبادة فلا يصح تيمم الكافر، وإن أراد به الإسلام ثم أسلم (^١).\nوخالف في ذلك أبو يوسف من الحنفية فقال: إذا تيمم الكافر بنية الإسلام أو الطهر فله أن يصلي بعد الإسلام بهذا التيمم، وإن تيمم بنية الصلاة لم يصح، وعلل ما ذهب إليه بأن الكافر من أهل نية الإسلام، ونية الإسلام نية قربة فإذا اقترن بالتيمم نية القربة صح منه كما يصح من المسلم، بخلاف ما إذا تيمم للصلاة لأنه ليس من أهل الصلاة، فكان تيممه للصلاة سفهًا فلا يعتبر به (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين (^٣):\nالوجه الأول: أن الكافر ليس بأهل للنية والتيمم لا يصح بغير النية، ونية الإسلام لا تعتبر في التيمم وإنما تعتبر نية قربة ونية القربة لا تصح إلا\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٤١)، الحاوي (١/ ٤٠٦)، دليل الطالب على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل لمرعي الحنبلي (ص ١٧)، ط: المكتب الإسلامي ١٣٨٩ هـ.\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٦)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣٣)، مجمع الأنهر (١/ ٣٩).\n(^٣) المصادر السابقة.","vol":"1","page":457},{"text":"بالطهارة، ولهذا لو تيمم المسلم بنية الصوم لم تصح نيته، وإن كان الصوم عبادة فكذا هاهنا.\nالوجه الثاني: أن إصرار الكافر على كفره إلى أن يفرغ من التيمم من أعظم العصيان فكيف يصح معه نية القربة.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل باشتراط الإسلام لصحة التيمم فلا يصح التيمم من الكافر حتى لو نوى بتيممه الإسلام، وذلك لضعف قول أبي يوسف لما جرى من مناقشته، ولما يلي:\n٧ - أن الكافر ليس من أهل العبادات، وطهارة التيمم عبادة مشروعة.\n٨ - أن النية شرط في التيمم، وهي لا تصح من الكافر؛ لأنه ليس بأهل للنية (^١).\n٩ - أن الكافر يجب عليه الإسلام أولًا ثم يأتي بعد ذلك بما شرعه الله ﷿.\n_________\n(^١) المجموع (١/ ١٨١).","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>الشرط الثالث\nالتكليف</span>\nاتفق الفقهاء على أن من شروط التيمم أن يكون المتيمم أهلًا للطهارة بأن يكون عاقلًا بالغًا، فلا يصح تيمم المجنون ولا الصبي الذي لا يميز، وذلك لأنه ليس لهما نية صحيحة، وأما الصبي المميز فيصح منه التيمم ولا يجب عليه؛ لكونه غير مكلف (^١).\nوالمميز هو الذي بلغ سن التمييز، وهي تلك السن التي إذا انتهى إليها الصغير عرف مضاره ومنافعه (^٢).\nواعتبار العقل والتمييز شرط لصحة العبادة أمر متفق عليه عند الفقهاء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده، فأما المجنون والطفل الذي لا يمييز فأقواله كلها لغو في الشرع، فلا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين» (^٣).\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر (ص ٥٠)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٤١)، الحاوي (١/ ٤٠٦)، دليل الطالب (ص ١٧).\n(^٢) الموسوعة الفقهية الكويتية (١٣/ ١٥٧).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٤/ ١١٥).","vol":"1","page":459},{"text":"وقال ابن نجيم (^١): «فلا تصح عبادة صبي غير مميز ولا مجنون» (^٢).\nوالمميز تصح عبادته ولا تجب عليه؛ لأن من شرط التكليف البلوغ وهو ليس ببالغ، فالبلوغ شرط لوجوب التيمم، والتمييز شرط لصحته.\n_________\n(^١) هو: زين الدين بن إبراهيم بن بكر بن نجيم الحنفي، فقيه، أصولي، ولد بالقاهرة سنة (٩٢٦ هـ)، وله مؤلفات عديدة منها: الأشباه والنظائر، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق وغيرهما، توفي سنة (٩٧٠ هـ).\nانظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية للغزي (٣/ ٢٧٥)، ط: دار الرفاعي ١٤٠٣ هـ، شذرات الذهب (٨/ ٣٥٨).\n(^٢) الأشباه والنظائر (ص ٥٠).","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الشرط الرابع\nانقطاع دم الحيض والنفاس</span>\nاتفق الفقهاء على أن من شروط التيمم انقطاع ما ينافي التيمم من نحو حيض ونفاس وحدث وغير ذلك من نواقض الوضوء أو موجبات الغسل، كما هو شرط بدله (^١).\nوعلى هذا إذا كان التيمم عن الوضوء فإنه يشترط انقطاع ما ينافيه من نواقض الوضوء، وإن كان عن حدث أكبر فإنه يشترط انقطاع ما ينافيه من حدث أكبر.\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٥٠)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٤١)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٤)، الإنصاف (١/ ١١٤).","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>الشرط الخامس\nإزالة ما يمنع مسح أعضاء التيمم</span>\nمن الشروط التي اشترطها الفقهاء في المتيمم أن لا يكون على العضو حائل يحول بين المسح وبين البشرة، كالدهن والشمع وما أشبه ذلك (^١).\nوعللوا ذلك بأن المسح يقع على الحائل لا على البشرة (^٢).\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٥٠)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٤١)، نهاية المحتاج (١/ ١٥٤)، الإنصاف (١/ ١١٣).\n(^٢) مراقي الفلاح مع حاشية الطحطاوي (١/ ١٢١).","vol":"1","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>الشرط السادس\nطلب الماء وإعوازه بعد الطلب</span>\nوإنما يشترط هذا الشرط لمن يتيمم لعذر عدم وجود الماء، وقد اتفق الفقهاء في اعتبار طلب الماء شرطًا لصحة التيمم، وذلك في حالة ما إذا كان المتيمم على طمع من وجود الماء.\nوأما إذا كان المتيمم على شك من وجود الماء فقد وقع الخلاف في هذه الحالة بين الجمهور والحنفية، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مبحث: طلب الماء قبل التيمم (^١).\nواتفق الفقهاء أيضًا على أنه يشترط لصحة التيمم إعواز (^٢) الماء بعد الطلب (^٣)، وقد حكى الاتفاق على ذلك ابن قدامة (^٤).\nواستدلوا على ذلك بأدلة منها:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) انظر (ص ٤٤).\n(^٢) إعواز: من عوز الشيء عوزًا إذا عز فلم يوجد، وعُزْتُ الشيء أَعُوزه إذا احتجت إليه فلم أجده، وأعوزني المطلوب أي أعجزني. مختار الصحاح (ص ٤٠٥)، المصباح المنير (٢/ ٤٣٧).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣١٧)، التلقين (ص ٦٧)، الأم (٢/ ٩٧)، المغني (١/ ٣١٤).\n(^٤) المغني (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":463},{"text":"ثانيًا: من السنة:\nقوله - ﷺ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» (^١).\nوجه الدلالة:\nفي الآية والحديث دليل على أنه يشترط لصحة التيمم عدم الماء.\nثالثًا: من المعقول:\nأن التيمم طهارة ضرورة، فلا يجوز إلا عند الضرورة، ومع وجود الماء لا ضرورة (^٢).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٢) المغني (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>الشرط السابع\nدخول الوقت</span>\nاتفق جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، على أنه يشترط لصحة التيمم دخول وقت الصلاة المتيمم لها، فلا يصح التيمم قبل دخول الوقت.\nوذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط دخول الوقت لصحة التيمم، بل الأوقات كلها وقت للتيمم، فيجوز التيمم بعد دخول وقت الصلاة وقبل دخوله.\nوقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مبحث: وقت التيمم (^١).\n_________\n(^١) انظر (ص ٢٢٢).","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>الشرط الثامن\nالتيمم بالصعيد</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: حكم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض.\nالمبحث الثاني: التيمم على الخشب والزرع والحشيش.\nالمبحث الثالث: التيمم على الثلج.\nالمبحث الرابع: التيمم بالتراب المختلط بغيره.\nالمبحث الخامس: حكم التيمم بالطين المحترق.\nالمبحث السادس: التيمم بالأرض النجسة.\nالمبحث السابع: حكم التيمم بالتراب المستعمل.\nالمبحث الثامن: حكم التيمم بالتراب المغصوب.","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المبحث الأول\nحكم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: التيمم بغير التراب.\nالمطلب الثاني: حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم.\nالمطلب الثالث: حكم التيمم بغبار اللبد ونحوه.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المطلب الأول\nالتيمم بغير التراب</span>\nأجمع العلماء على جواز التيمم بالتراب الطاهر (^١)، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز إلا من شذ منهم» (^٢).\nوقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز» (^٣).\nومستند الفقهاء على جواز التيمم بالتراب حديث حذيفة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «فضلنا على الناس بثلاث: وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت ترتبها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» (^٤).\nوإذا ثبت إجماع العلماء على جواز التيمم بالتراب فإنهم اختلفوا في حكم التيمم بغير التراب مما هو من جنس الأرض، وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، وبما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها (^٥)، من تراب، أو رمل (^٦)، أو حجر، أو\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٥)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩)، المجموع (٢/ ١٧٠)، مغني ذوي الأفهام لابن عبد الهادي (ص ٩٤)، ط: مكتبة دار طبرية ١٤١٦ هـ.\n(^٢) الإجماع (ص ٣٦)، الأوسط (٢/ ٣٧).\n(^٣) التمهيد (١٩/ ٢٩٠)، الاستذكار (٣/ ١٥٩).\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ٣٩).\n(^٥) فائدة التقييد بقولهم: «من جميع أجزائها» لأنه قد يكون على وجه الأرض ما لا يجوز التيمم به كالنبات والرماد وغير ذلك مما ليس من أجزائها. انظر: شرح التلقين (١/ ٢٨٧).\n(^٦) الرمل: نوع معروف من التراب، وهو فتات الصخر، وجمعه الرمال، وواحدتها رملة. لسان العرب (١١/ ٢٩٤)، مختار الصحاح (ص ٢٣٤).","vol":"1","page":471},{"text":"جص (^١)، أو نورة (^٢)، أو زرنيخ (^٣)، أو غير ذلك، وبذلك قال الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة إذا لم يجد ترابًا، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nالقول الثاني: أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد، وبذلك قال أبو يوسف من الحنفية، وابن شعبان من المالكية، وهو قول الشافعية والحنابلة (^٥).\nالقول الثالث: أنه يجوز التيمم بالتراب والرمل دون غيرهما، وهو قول لأبي يوسف من الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) الجص - بفتح الجيم وكسرها ـ: هو ما يبنى به، وهو معرب؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربية، يقال: جصصت الدار أي عملتها بالجص. مختار الصحاح (ص ١٠٤)، المصباح المنير (١/ ١٠٢).\n(^٢) النورة - بضم النون ـ: وهو نوع من الحجر الذي يحرق ويسوى منه الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. لسان العرب (٥/ ٢٤٤)، المصباح المنير (٢/ ٦٣٠).\n(^٣) الزرنيخ: نوع معروف من الحجر، وهو فارسي معرب، منه أبيض ومنه أحمر. لسان العرب (٣/ ٢١)، المصباح المنير (١/ ٢٥٢).\n(^٤) الأصل (١/ ١٠٤)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣٥)، التلقين (١/ ٦٩)، الذخيرة (١/ ٣٤٦)، شرح الزركشي (١/ ٣٤٢)، الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية للبعلي (ص ٢٠)، ط: مكتبة السنة المحمدية، الإنصاف (١/ ٢٧١).\n(^٥) المبسوط (١/ ١٠٨)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣٥)، الذخيرة (١/ ٣٤٦)، الأم (١/ ١٠٥)، المجموع (٢/ ١٧٠)، المغني (١/ ٣٢٤)، الإنصاف (١/ ٢٧١).\n(^٦) مختصر القدوري (ص ٥١)، الإنصاف (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":472},{"text":"سبب الخلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى أمرين (^١):\nالأول: اختلاف الفقهاء في المراد من الصعيد (^٢) الطيب في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، فإن اسم الصعيد مشترك في لسان العرب، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الطاهرة، فمن قال باختصاصه بما على جميع أجزاء الأرض، ذهب إلى جواز التيمم بكل ما كان من أجزاء الأرض سواء كان ترابًا أو غيره.\nومن قال بأن المراد من لفظ الصعيد في الآية هو التراب، ذهب إلى عدم جواز التيمم بما عدا التراب من أجزاء الأرض.\nالثاني: أنه قد ورد حديث عام وهو قول النبي - ﷺ -: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (^٣)، وهناك من قال عن هذا الحديث بأنه مطلق، وجاءت رواية أخرى لهذا الحديث وقد ورد فيها: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت ترتبها لنا طهورًا» (^٤)، فجعل البعض هذه الرواية مخصصة للحديث\n_________\n(^١) شرح التلقين (١/ ٢٨٧)، بداية المجتهد (١/ ١٤٠).\n(^٢) قال الفيومي في المصباح المنير (١/ ٣٣٩، ٣٤٠)، «الصعيد: وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافًا بين أهل اللغة في ذلك، ويقال: الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، وتجمع هذه على صُعُد بضمتين، وصُعُدات، مثل طريق وطرق وطرقات».\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٣٨).\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ٣٩).","vol":"1","page":473},{"text":"السابق، وجعلها الآخرون مقيدة له، وهؤلاء القائلون بالتخصيص أوالتقييد، هم الذين ذهبوا إلى عدم جواز التيمم بما عدا التراب من أجزاء الأرض.\nوأما القائلون بجواز التيمم بكل ما كان من أجزاء الأرض أبقوا الحديث على عمومه، ولم يقبلوا دعوى التخصيص أو التقييد.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nثانيًا: من السنة:\nحديث عمران بن حصين ﵁ وفيه قوله - ﷺ -: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (^١).\nوجه الدلالة من الآية والحديث:\nفي الآية والحديث دليل على جواز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، وذلك لأن الصعيد هو كل ما يصعد على وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، وهذا منقول أئمة اللغة (^٢)، فكل ما صعد على وجه الأرض فهو صعيد يجوز التيمم به، إلا ما خصه الدليل (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٢) كالأصعمي، والخليل، وثعلب، وابن الأعرابي، والزجاج، وأبي عبيدة. انظر: البناية (١/ ٥٣٤)، المنتقى (١/ ١١٦)، الذخيرة (١/ ٣٤٧).\n(^٣) رؤوس المسائل (ص ١١٦)، الذخيرة (١/ ٣٤٧).","vol":"1","page":474},{"text":"المناقشة:\nنوقش بعدم اختصاص الصعيد بما تصاعد على الأرض، بل هو لفظ مشترك يطلق على وجه الأرض وعلى التراب وعلى الطريق، وإذا كان كذلك لم يخص بأحد الأنواع إلا بدليل، وقد دل الدليل الشرعي على تخصيص التيمم بالتراب كما في حديث حذيفة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا» (^١)، فخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه (^٢).\nالجواب:\nأجيب من وجهين:\nالوجه الأول: أن الاسم المشترك إذا جمع المسميات بمعنى واحد جاز حينئذ استعماله في معانيه، كالأخ الذي يتناول الإخوة المختلفين لاجتماعهم في معنى واحد، وهو الانتساب إلى أحد الأبوين، كذلك الصعيد فيما تصاعد (^٣).\nالوجه الثاني: أن القول بأن حديث حذيفة ﵁ قد خصص التيمم بالتراب لا يصح، وذلك لما يلي:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٣٩).\n(^٢) البيان (١/ ٢٧٠)، المجموع (٢/ ١٧١)، شرح الزركشي (١/ ٣٤١).\n(^٣) التجريد (١/ ٢١١).","vol":"1","page":475},{"text":"٥ - أنه قول يحتاج إلى دليل (^١).\n٦ - أن حديث حذيفة ﵁ ليس من باب التخصيص أو التقييد، وإنما من باب النص على بعض أشخاص العموم كما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فخص النخل والرمان في الآية الأولى من بين الفاكهة وهذا لا يخرجهما عن كونهما من الفاكهة، وخص جبريل وميكائيل في الآية الثانية من بين الملائكة، وهذا لا يخرجهما عن كونهما من الملائكة، فكذلك حديث حذيفة ﵁، وذلك لأن شرط المخصص أن يكون منافيًا، والتراب ليس بمناف للصعيد؛ لأنه بعض منه، فالنص عليه في حديث علي (^٢) وحذيفة لبيان أفضليته على غيره لا لأنه لا يجزئ غيره (^٣).\n٧ - أنه يمكن الجمع بين حديث حذيفة ﵁ «وجعلت تربتها لنا طهورًا» وحديث: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وذلك بأن نحمل\n_________\n(^١) شرح العناية (١/ ١٢٨)، عيون الأدلة (ص ٨٧٢)، المحلى (١/ ١٠٢)، نيل الأوطار (١/ ٣٠٦).\n(^٢) سيأتي ذكره وتخريجه (ص ٣٧٢).\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٨)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ١٦٧، ١٦٨)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١١ هـ، فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٩).","vol":"1","page":476},{"text":"المقيد على تقييده فيدل على جواز التيمم بالتراب، ونحمل المطلق على إطلاقه فيدل على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض (^١)، إذ ليس في قوله: «وتربتها لنا طهورًا» نفي لغيره (^٢).\nثانيًا: من السنة:\n٩ - حديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» (^٣).\nوجه الدلالة:\nأن الحديث يفيد العموم فأي بقعة من الأرض جازت الصلاة عليها فإنه يجوز التيمم منها، فلا يجوز تخصيص التيمم وتقييده بالتراب (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأن حديث جابر ﵁ عام مطلق، وقد ورد ما يخصص عمومه، ويقيد إطلاقه بالتراب، كما في حديث حذيفة ﵁ وفيه: «... وجعلت تربتها لنا طهورًا»، فدل ذلك على أن المقصود بالأرض ترابها (^٥).\n_________\n(^١) التجريد (١/ ٢١٢)، وانظر: المحلى (١/ ١٠٢).\n(^٢) شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ١٣٤)، رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى، تحقيق: عصمت الله محمد ١٤١٦ هـ.\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٣٨).\n(^٤) المبسوط (١/ ١٠٨)، المنتقى (١/ ١١٦)، نيل الأوطار (١/ ٣٠٦).\n(^٥) المجموع (٢/ ١٧١)، المغني (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":477},{"text":"الجواب:\nهذه المناقشة قد وردت على الاستدلال بالدليل الأول، وأجيب عنها في الوجه الثاني، ويجاب عنها هنا بما أجيب هناك (^١).\n١٠ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنا نكون في الرمل وفينا الحائض والجنب والنفساء، ولا نجد الماء أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فقال النبي - ﷺ -: «عليكم بالأرض» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على جواز التيمم بكل ما كان من الأرض (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الحديث ضعيف (^٤).\n_________\n(^١) انظر (ص ٣٦٤، ٣٦٥).\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١/ ٢٦٩) برقم (٥٨٧٠)، ط: دار المأمون للتراث ١٤٠٤ هـ، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢١٦) وضعفه، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (١/ ٢٣٢)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٥ هـ.\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٠).\n(^٤) لأن أبو يعلى رواه من طريق ابن لهيعة، وهو ضعيف. انظر: نصب الراية (١/ ١٥٦)، وأما البيهقي فرواه من طرق ضعيفة. انظر: التحقيق (١/ ٢٣٢)، المغني (١/ ٣٢٥)، المجموع (٢/ ١٧٢)، تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق لابن عبد الهادي (١/ ٢١٤)، ط: دار الكتب العلمية ١٩٩٨ م، نصب الراية (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":478},{"text":"٣٨ - حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على جواز التيمم بغير التراب لأنه ﵊ تيمم بالجدار، ومعلوم أنه لم يعلق بيده منه تراب إذ لا تراب على الجدار (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه محمول على جدار عليه تراب (^٣)، ولهذا جاء في رواية الشافعية لهذا الحديث أن النبي - ﷺ - حت الجدار بالعصا (^٤).\nالجواب:\nيمكن أن يجاب بأن الجدار إذا كان من حجر فإنه لا يحتمل التراب؛ لأنه لا يثبت عليه، خصوصًا وحيطان المدينة من حجارة سوداء (^٥). وأما رواية الحت، فهي ضعيفة (^٦).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٦).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٤٧٦).\n(^٣) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٨٧)، فتح الباري (١/ ٥٢٨).\n(^٤) أخرج الشافعي هذه الرواية في الأم (٢/ ١٠٨).\n(^٥) البناية (١/ ٥٣٥، ٥٣٦)، البحر الرائق (١/ ٢٦٠).\n(^٦) لأنها من رواية إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث - وهما ضعيفان لا يحتج بهما - عن الأعرج عن أبي الصمة وهو - يعني الأعرج - لم يسمع منه، ولأن زيادة حك الجدار لم يأت بها أحد غير إبراهيم، والزيادة إنما تقبل من الثقة. انظر: عمدة القاري (٤/ ٢٤، ٢٥)، السيل الجرار (١/ ٣٢٠).","vol":"1","page":479},{"text":"٣٩ - حديث عمار ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما على وجهك وكفيك» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن التيمم لا يختص بتراب ذي غبار يعلق بالعضو، وأن المقصود هو وضع اليد على ما كان من الأرض، بدليل أن النبي - ﷺ - نفخ في يديه ليتناثر ما عليها من تراب (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن هذه قضية في عين، وحكاية حال، فيحتمل أنه قصد أن يبين مقدار ما يمسح من أعضائه لأنه أخبره أنه تمعك في التراب، ولم يكن قصده الطهارة والصلاة، ويحتمل أنه صعد على يديه تراب كثير فخففه بالنفخ وذلك جائز فلم يكن فيه حجة (^٣).\nالجواب:\nأجيب بأن هذا خرج مخرج التعليم فلا يجوز أن يغفل بيانه، ولو كان\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٦٦).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣١)، عمدة القاري (٤/ ٣٠)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩).\n(^٣) الانتصار (١/ ٣٨٦)، وانظر: المجموع (٢/ ١٧١).","vol":"1","page":480},{"text":"الحكم فيه يختلف لبين لعمار الحكم فيه، ثم إن النبي - ﷺ - قال له: «ثم تنفخ» ولم يفصل له صفة النفخ، وقد ثبت أيضًا عن النبي - ﷺ - أنه نفض يديه (^١)، فدل ذلك على أنه ليس المقصود حصول التراب في وجهه ويديه (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\nأن ما سوى التراب من الأرض أسوة بالتراب في كونه مكان الصلاة فكذلك في كونه طهورًا (^٣).\nأن هذه الأجزاء طاهرة من الأرض لم تتغير عن جنس الأصل فجاز التيمم بها قياسًا على التراب (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأن القياس على التراب منتقض بالفضة والذهب، فإنه لا يصح التيمم عليهما (^٥).\nالجواب:\nأجيب بالمنع؛ وذلك لأنه ينبغي التفريق بين ما هو من جنس الأرض وما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٨٠)].\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣١)، عيون الأدلة (ص ٨٧٢).\n(^٣) التجريد (١/ ٢١٢)، المبسوط (١/ ١٠٨).\n(^٤) التجريد (١/ ٢١٢)، الإشراف (١/ ١٦٠)، المنتقى (١/ ١١٦).\n(^٥) الحاوي (٢/ ٩٦٥).","vol":"1","page":481},{"text":"كان من غير جنسها، فكل ما لا يلين ولا ينطبع (^١) بالنار كالجص والنورة والزرنيخ فهو من جنس الأرض، وكل ما يلين وينطبع كالحديد والنحاس والذهب والفضة ونحوها فليس من جنس الأرض؛ لأن من طبع الأرض أن لا تلين بالنار (^٢).\nويؤيد هذا أن الذهب والفضة لا يوجد فيها التفتت والغبار كالجص ونحوه، فدل ذلك على أنها من غير جنس الأرض، وإنما هما من الجواهر المودوعة في الأرض (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nفي الآية دليل على أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد، وذلك من وجهين:\n_________\n(^١) الطبع: هو الختم والضرب، يقال: طبعت الدراهم أي ضربتها، وطبعتُ السيف ونحوه أي عملته. مختار الصحاح (ص ٣٤٣)، المصباح المنير (٢/ ٣٦٨).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٩)، الاختيار (١/ ٢٨)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٦٦).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣١)، التجريد (١/ ٢١٤)، عيون الأدلة (ص ٨٧٥).","vol":"1","page":482},{"text":"الوجه الأول: أن الله ﷾ أمر بالتيمم الصعيد وهو التراب كما فسره ابن عباس ﵄ بذلك حيث قال: «أطيب الصعيد الحرث، وأرض الحرث» (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الصعيد هو الصاعد على وجه الأرض، وهذا يعم كل صاعد، بدليل قوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، أي تصبح أرضًا ملساء لا شيء فيها، ولا يقال تراب زلق (^٢).\nوأما تفسير ابن عباس ﵄ للصعيد بأنه تراب الحرث فهو تفسير بالأغلب (^٣)، ثم إنه ليس في تفسير ابن عباس ﵄ ما يدل على تخصيص الصعيد بالتراب؛ لأن قوله: «أطيب الصعيد الحرث، وأرض الحرث»، يفيد أن غير أرض الحرث يسمى صعيدًا، لكن أرض الحرث أطيب منها (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢١١) رقم (٨١٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٨) رقم (١٧٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢١٤)، وقال ابن حجر في المطالب العالية (٢/ ٤٣٩): (موقوف حسن).\n(^٢) جامع البيان (١٥/ ٢٤٩)، وانظر: التجريد (١/ ٢١٠)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٦٥).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٢٨).\n(^٤) الاستذكار (٣/ ١٦١)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":483},{"text":"الوجه الثاني: أن الله ﷾ أمر المتيمم أن يمسح بشيء من التراب؛ لأن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي ببعضه، ولا يحصل المسح بشيء منه إلا أن يكون ذا غبار يعلق باليد (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن كلمة ﴿مِنْهُ﴾ في الآية ليست دالة على التبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، فيكون ابتداء الفعل بالأرض، وانتهاء المسح بالوجه، فيمسح من وقت الضرب لا قبله (^٢).\nالجواب:\nأجيب بالمنع؛ وذلك لأن (من) في حقيقة الوضع للتبعيض، فإنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسح برأسه من الدهن، إلا معنى التبعيض، وأما القول بأن ابتداء الفعل بالأرض فلا يصح؛ لأن ابتداء المسح بإمرار اليد على الوجه لا بالأخذ من الأرض (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٧١)، المغني (١/ ٣٢٥).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٢٩)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي (١/ ١٤٠)، ط: دار القلم ١٤١٤ هـ، شرح الزركشي (١/ ٣٤١).\n(^٣) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري (١/ ٥٤٧)، ط: دار إحياء التراث العربي، الانتصار (١/ ٣٨٥)، شرح الزركشي (١/ ٣٤١، ٣٤٢).","vol":"1","page":484},{"text":"اعتراض:\nاعترض بأنه على فرض التسليم بأن كلمة ﴿مِنْهُ﴾ في الآية دالة على التبعيض فإن المراد بـ ﴿مِنْهُ﴾ الموضع الطاهر من الأرض أو مما تصاعد من الأرض، فإن الهاء كناية عن الصعيد، فلا يخص بعض ما تصاعد منها من بعض، وقد يتصاعد منها الرمل والجص وغير ذلك (^١).\nالوجه الثاني: أن آية التيمم في سورة النساء ليس فيها كلمة ﴿مِنْهُ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فدل ذلك على عدم اشتراط أن يعلق التراب باليد (^٢).\nثانيًا: من السنة:\nحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُعطيت ما لم يعط نبي من أنبياء الله، نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الغيب، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم» (^٣).\nحديث حذيفة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: عيون الأدلة (ص ٨٦٦ - ٨٦٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، أحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/ ١١٤).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند - واللفظ له - برقم (٧٦٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢١٣)، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، وكذا ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٢٢).\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ٣٩).","vol":"1","page":485},{"text":"وجه الدلالة من الحديثين:\nأن النبي - ﷺ - عم الأرض بحكم المسجد، وخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، إذ لو كان غير التراب طهورًا لذكره فيما منَّ الله به عليه (^١).\nالمناقشة:\nنوقش هذا الاستدلال بما أجيب به في الوجه الثاني على مناقشته الاستدلال بدليل الكتاب من أدلة أصحاب القول الأول (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\nأن الطهارة تتعلق بجامد ومائع، ثم ثبت أنها في المائع تختص بأعم المائعات وجودًا وهو الماء، فكذلك في الجامد يجب أن تختص بأعم الجامدات وجودًا وهو التراب (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن الطهارة بالمائع تعلقت بجنس يجوز منه ما يعم وجوده وما لا يعم وجوده، كماء الشجر، وماء زمزم، وكذلك بالجامد، فتعلق بما يعم وبما لا يعم (^٤).\n_________\n(^١) الحاوي (٢/ ٩٦٢)، المغني (١/ ٣٢٥)، المبدع (١/ ١٧٤).\n(^٢) انظر (ص ٣٦٤، ٣٦٥).\n(^٣) الحاوي (٢/ ٩٦٤)، وانظر: المهذب (١/ ١٢٦).\n(^٤) التجريد (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":486},{"text":"الوجه الثاني: أن التيمم قد تعلق بما يعم وجوده وما لا يعم وجوده، فكان أوسع من الأصل الذي يتعلق بنوع واحد، وما شرع التيمم إلا عند الضرورة، فيجوز أن يتسع لأجل الضرورة (^١).\nالوجه الثالث: أن قياس التراب على الماء لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فإنه في طهارة الماء يجب أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير موجود في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء (^٢).\nأو نقول: إن هذه العبادة غير معقولة المعنى فلا قياس فيها.\nأن غير التراب جوهر مستودع في الأرض فلم يجز التيمم به كالفضة والذهب (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بما أجيب به على مناقشة دليل المعقول من أدلة القول الأول.\nأن الله ﷾ إنما نقلنا عن الماء عند عدمه وتعذره إلى ما هو أيسر وجودًا وأهون فقدًا، والكحل والزرنيخ أعز في أكثر الأحوال وجودًا من الماء، فلم يجز أن ننتقل عن الأهون إلى الأعز (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر: عيون الأدلة (ص ٨٧٥، ٨٧٦)، الإشراف (١/ ١٦١).\n(^٣) الحاوي (٢/ ٩٦٤).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":487},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأنه ليس المقصود استعمال الكحل أو الزرنيخ بخصوصه، بل المقصود جواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض، وفي ذلك نفي للحرج عن الناس؛ لأن تكليف الناس استعمال التراب بخصوصه في الأرض الرملية والجبلية مشقة وحرج كبير.\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بجواز التيمم بالتراب والرمل دون غيرهما، بما يلي:\nحديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنا نكون في الرمل وفينا الحائض والجنب والنفساء، ولا نجد الماء أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، فقال النبي - ﷺ -: «عليكم بالأرض» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على جواز التيمم بالرمل.\nالمناقشة:\nنوقش بأن الحديث ضعيف (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، وذلك لما يلي:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٣٦٦).\n(^٢) سبق بيان وجه ضعفه (ص ٣٦٦)، الهامش رقم (٥).","vol":"1","page":488},{"text":"لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامة أكثرها من الاعتراضات القادحة.\nاتفاق أهل اللغة على أن الصعيد ليس خاصًا بالتراب، بل يشمل كل ما كان على وجه الأرض، من تراب، أو رمل، أو حجارة، أو غير ذلك.\nأن النبي - ﷺ - لما سافر هو وأصحابه ﵃ في غزوة تبوك (^١) قطعوا الرمال في طريقهم، ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك، وماؤهم في غاية القلة، وهي مفاوز (^٢) معطشة، حتى شكى الصحابة إلى رسول الله - ﷺ -، وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون، فدل ذلك على جواز التيمم بغير التراب (^٣).\nمسألة: نقل التراب للتيمم:\nهذه المسألة تعتبر ثمرة للقول القائل باشتراط أن يكون المتيمم به ترابًا، كما هو قول الشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية والمالكية الذين أجازوا التيمم بكل ما هو من جنس الأرض.\n_________\n(^١) تبوك - بفتح التاء، وضم الباء ـ: موضع يقع في طرف الشام من جهة القبلة، بينها وبين مدينة النبي - ﷺ - أربعة عشر مرحلة. تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٤٠)، وهي مدينة معروفة، تقع في الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية، انظر: معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري لسعد جنيدل (ص ١٠٣)، ط: دارة الملك عبد العزيز ١٤١٩ هـ.\n(^٢) المفاوز: جمع مفازة، وهي الموضع المهلك، وسميت بذلك تفاؤلًا بالسلامة والفوز. مختار الصحاح (ص ٤٤٨)، المصباح المنبير (٢/ ٤٨٣).\n(^٣) زاد المعاد (١/ ٢٠٠) و(٣/ ٥٦١).","vol":"1","page":489},{"text":"فإذا أراد المرء السفر في أرض ليس فيها تراب لكونها جبلية أو رملية، فهل يستحب له أن ينقل معه ترابًا ليتيمم به أم لا؟\nللفقهاء في هذه المسألة على قولان (^١):\nالقول الأول: أنه يستحب نقل التراب للتيمم به، وهو رواية عند أحمد، وهي المذهب (^٢)، لأن نقل التراب معه للتيمم أحوط للعبادة، فقد تدركه الصلاة ولا يجد ماء ولا ترابًا، فيصلي صلاةً بدون ماء ولا تراب، والصلاة - والحالة هذه - يرى كثير من الأئمة لزوم إعادتها (^٣).\nالقول الثاني: أنه يكره نقل التراب للتيمم به، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم، وابن مفلح (^٤)، والمرداوي (^٥).\n_________\n(^١) لم أجد للشافعية نصًا في هذه المسألة فيما وقفت عليه من كتبهم.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣١)، وذكر أيضًا أنه قول الثوري، الإنصاف (١/ ٢٧٢)، كشاف القناع (١/ ٤٠٩).\n(^٣) مطالب أولي النهى (١/ ٢٠٣)، كشاف القناع (١/ ٤٠٩).\n(^٤) هو: محمد بن مفلح بن محمد، أبو عبد الله شمس الدين الراميني، فقيه نحوي أصولي حنبلي، تفقه بشيخ الإسلام ابن تيمية، وبرع وأفتى ودرس وصنف، كان غاية في معرفة مذهب أحمد، من كتبه: الفروع في الفقه، جمع فيه غالب المذهب، ويقال له: مكنسة المذهب، توفي سنة (٧٦٣ هـ).\nانظر: الدرر الكامنة (٦/ ١٤)، شذرات الذهب (٦/ ١٩٩، ٢٠٠).\n(^٥) الاختيارات الفقهية (ص ٢١)، زاد المعاد (١/ ٢٠٠)، الفروع (١/ ٢٩٧)، الإنصاف (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":490},{"text":"واستدلوا على ذلك بأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا أصحابه أنهم كانوا ينقلون معهم التراب ليتيمموا به مع كثرة أسفارهم في مفاوز الرمال فيها أكثر من التراب (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بكراهة نقل التراب ليتيمم به، وذلك لوجاهة ما استدلوا به.\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٢٠٠)، الإنصاف (١/ ٢٧٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢).","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المطلب الثاني\nحكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، فلو ضرب بيده على طين رطب أو صخرة ملساء لا غبار عليها ومسح بها وجهه ويده أجزأه، وهو قول أبي حنيفة، وقول المالكية (^١).\nالقول الثاني: أنه يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، فلو ضرب بيده على طين رطب أو صخرة ملساء لا غبار عليها لم يجزه، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وقول الشافعية والحنابلة (^٢).\nسبب الاختلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى اختلافهم في حرف (من) في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وذلك أن (من) قد ترد للتبعيض، وقد ترد لابتداء الغاية، فمن ذهب إلى أنها هاهنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم، ومن رأى أنها لابتداء الغاية، قال: ليس النقل واجبًا (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٩)، مجمع الأنهر (١/ ٣٨، ٣٩)، البناية (١/ ٥٣٦)، التلقين (١/ ٧٠)، الإشراف (١/ ١٦٠، ١٦١).\n(^٢) الأم (٢/ ١٠٥)، المهذب (١/ ١٢٦)، المستوعب (١/ ٢٩١)، الإنصاف (١/ ٢٧١).\n(^٣) بداية المجتهد (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":492},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بعدم وجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقًا من غير شرط الالتزاق، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل (^١).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على عدم وجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم؛ لأن النبي - ﷺ - تيمم بالجدار، ومعلوم أنه لم يعلق بيده منه تراب؛ إذ لا تراب على الجدار (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٠)، شرح العناية (١/ ١٢٩).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٦).\n(^٣) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٤٧٦).","vol":"1","page":493},{"text":"المناقشة:\nوقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذا الحديث، والجواب على هذه المناقشة (^١).\nحديث عمار ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما على وجهك وكفيك» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وأن المقصود هو وضع اليد على ما كان من الأرض، بدليل أن النبي - ﷺ - نفخ في يديه ليتناثر ما عليها من تراب (^٣).\nالمناقشة:\nوقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذا الحديث، والجواب على هذه المناقشة (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بوجوب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) انظر (ص ٣٦٧).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٦٦).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣١)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٣٠).\n(^٤) انظر (ص ٣٦٨).","vol":"1","page":494},{"text":"وجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر المتيمم أن يمسح بشيء من التراب؛ لأن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: ببعضه، وهذا يدل على أنه لابد من نقل التراب إلى محل التيمم.\nالمناقشة:\nوقد تقدم مناقشة الاستدلال بهذه الآية بالتفصيل (^١)، فلا داعي للتكرار.\nثانيًا: من المعقول:\nأن المتيمم مأمور بالمسح، وهذا يقتضي ممسوحًا به قياسًا على مسح الرأس في الوضوء (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن هذا القياس منقوض بما ورد في حديث عمار من نفخ اليد أو نفضها قبل المسح، ومن تيممه - ﷺ - على الجدار (^٣)، وكل قياس يقابل نصًا فهو باطل.\nالوجه الثاني: أن قياس التراب على الماء لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فإنه في طهارة الماء يجب أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير موجود في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء (^٤).\n_________\n(^١) انظر (ص ٣٧١، ٣٧٢).\n(^٢) التهذيب (١/ ٣٥٤)، المهذب (١/ ١٢٦).\n(^٣) انظر: بداية المجتهد (١/ ١٣٩).\n(^٤) انظر: عيون الأدلة (ص ٨٧٥، ٨٧٦)، الإشراف (١/ ١٦١).","vol":"1","page":495},{"text":"الوجه الثالث: أنه إذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف (^١).\nأن المأمور به استعمال الصعيد، وذلك بأن يلتزق بيده شيء منه، فأما ضرب اليد على ما له صلابة وملاسة، من غير استعمال جزء منه فضرب من السفه (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن المأمور به هو مس وجه الأرض باليدين وإمرارها على العضوين، فإذا تحقق ذلك صح التيمم؛ لكونه تعبدًا غير معقول المعنى لحكمة استأثر الله تعالى بعلمها (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه لا يجب إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وذلك لقوة أدلتهم في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشة.\n_________\n(^١) عيون الأدلة (ص ٨٧٤).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٠).\n(^٣) المصدر السابق، وانظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣١).","vol":"1","page":496},{"text":"المطلب الثالث\nحكم التيمم بغبار اللبد (^١) ونحوه\nاختلف الفقهاء في حكم التيمم بغبار التراب إذا كان على لبد أو ثوب أو مخدة أو جدار أو حصير أو نحو ذلك، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يجوز التيمم بغبار اللبد والثياب ونحو ذلك، وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: أنه لا يجوز التيمم بغبار اللبد ونحوه، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول المالكية، إلا أن أبا يوسف قال: لا يجوز التيمم بالغبار في حال القدرة على الصعيد وإلا فيجوز (^٣).\nسبب الخلاف:\nسبب الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى اختلاف الفقهاء في الغبار، هل هو تراب خالص أو غالب أم لا؟ فمن قال بالأول قال بجواز التيمم بالغبار، ومن قال بالثاني قال بعدم الجواز (^٤).\n_________\n(^١) اللبد: جمع لبده - بكسر اللام - وهي نوع من البسط، ومنه لبدة السرج. لسان العرب (٣/ ٣٨٦).\n(^٢) الأصل (١/ ١١١، ١١٢)، المبسوط (١/ ١٠٩)، الأم (١/ ١٠٥)، المجموع (٢/ ١٧٥)، المغني (١/ ٣٢٦)، كشاف القناع (١/ ٤٠٨)، وهناك وجه للشافعية أنه لا يجوز، ولكن قال عنه النووي في المجموع (٢/ ١٧٥): «وهذا الوجه ليس بشيء».\n(^٣) الأصل (١/ ١٢٢)، المبسوط (١/ ١٠٩)، التفريع (١/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٥١٩).\n(^٤) شرح فتح القدير (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":497},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن (من) للتبعيض، فيحتاج أن يمسح بجزء منه، والغبار جزء من الصعيد (^١).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على جواز التيمم بالغبار؛ وذلك لأن التيمم بالجدار محمول على جدار عليه غبار؛ لأن جدرانهم من الطين ولا تراب عليها (^٣).\nثالثًا: من الأثر:\nعن عمر ﵁ أنه قال: «لا يتيمم بالثلج، فمن لم يجد، فضفَّة\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٢٧).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٦).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٧١).","vol":"1","page":498},{"text":"سرجه (^١)، أو معرفة دابته (^٢)» (^٣).\nقال الكاساني: «ولم ينكر عليه أحد، فيكون إجماعًا» (^٤).\nرابعًا: من المعقول:\nأن الغبار تراب رقيق، ويدل على ذلك أن من نفض ثوبه يتأذى جاره من التراب، فإذا جاز التيمم بالتراب الخشن جاز بالرقيق لاتحاد الجنس (^٥).\nأنه قصد الصعيد، ولا فرق بين أن يكون على الأرض أو على غيرها (^٦)، كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء أو نهر أو ما عصر من ثوب مبلول (^٧).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بعدم جواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، بما يلي:\n_________\n(^١) ضفة سرجه: أي قبضته، والضفُّ: الحلب بالكف كله، وهو أن يقبض بأصابعه كلها على الضرع. لسان العرب (٩/ ٢٠٦).\n(^٢) معرفة دابته: أي منبت عرفها من رقبتها. النهاية (ص ٦٠٨).\n(^٣) ذكره ابن قدامة في المغني (١/ ٣٢٧)، ونسبه إلى الأثرم، والسرخسي في المبسوط (١/ ١٠٩)، وذكره عبد الرزاق عن الثوري. انظر: مصنفه (١/ ٢١٦).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٤١).\n(^٥) المبسوط (١/ ١٠٩)، الهداية (١/ ٢٨)، مجمع الأنهر (١/ ٣٩).\n(^٦) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٢).\n(^٧) المجموع (٢/ ١٧٥).","vol":"1","page":499},{"text":"أن الغبار ليس من جنس الصعيد؛ لأنه ليس بتراب خالص، بل هو تراب من وجه دون وجه فلا يجوز التيمم به (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأن الغبار تراب من كل الوجوه ولكنه رقيق، ورقته لا تخرجه من كونه ترابًا، فدل ذلك على أنه من جنس الصعيد.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن القول بجواز التيمم بغبار اللبد ونحوه مأثور عن بعض الصحابة والتابعين (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤١)، الذخيرة (١/ ٣٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٥١٩).\n(^٢) انظر: مصنف عبد الرزاق (١/ ٢١٦)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٤٨)، الأوسط (٢/ ٤١).","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الثاني\nالتيمم على الخشب والزرع والحشيش</span>\nاختلف الفقهاء في حكم التيمم على الخشب أو الزرع أو الحشيش، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يجوز التيمم عليها، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية، وهو قول الشافعية والحنابلة (^١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\n٤٠ - أن هذه الأشياء مما يحول بين المتيمم وبين الأرض، فلا يصح التيمم بها (^٢).\n٤١ - أن الله ﷾ جعل الصعيد بدلًا من الماء، فلا يجوز إثبات بدل منه إلا بتوقيف، وإلا لجاز أن يضرب المكلف بيده على ثوب لا غبار عليه فيتيمم به (^٣).\nالقول الثاني: أنه يجوز التيمم عليها بشرط ألا يجد غيرها، وألا يمكن\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٩)، شرح فتح القدير (١/ ١٢٧)، حاشية الخرشي (١/ ٣٦١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٧)، المجموع (٢/ ١٧٠، ١٧١)، المغني (١/ ٣٢٤).\nملاحظة: وهذا القول للمالكية هو الذي اعتمده الزرقاني والخرشي وابن غنيم والعدوي والدردير، وجعلوه هو المشهور من المذهب. انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢١٨)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤٤)، حاشية العدوي على شرح الرسالة (١/ ٢٩١)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٧ هـ.\n(^٢) المحلى (١/ ١٠١).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٢).","vol":"1","page":501},{"text":"قلعها، وضاق الوقت، وإلا فلا يجوز، وهو الراجح عند المالكية (^١)، لأن هذه الأشياء صاعدة على الأرض (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بالمنع؛ لأن هذه الأشياء لا تسمى صعيدًا، ولا تشبه الصعيد (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه لا يجوز التيمم على الخشب أو الزرع أو الحشيش، وذلك لقوة تعليلهم، ولضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.\n_________\n(^١) وهذا القول للمالكية هو قول الأبهري وابن القصار والوقار واللخمي وعبد الحق وابن رشد وسند والقرافي، وقال الفاكهاني والشبيبي هو الأرجح والأظهر، وكلام الحطاب يقتضي أنه هو الراجح. انظر: مواهب الجليل (١/ ٥١٩، ٥٢٠)، حاشية البناني (١/ ٢١٨).\n(^٢) تنوير المقالة (١/ ٥٧٢).\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٢)، بداية المجتهد (١/ ١٤٠)، الشرح الصغير (١/ ١٩٧)، المحلى (١/ ١٠١).","vol":"1","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المبحث الثالث\nالتيمم على الثلج</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان (^١):\nالقول الأول: أنه لا يجوز التيمم به، وهو قول الحنفية، ورواية عند المالكية، وهو قول الشافعية، وقول عند الحنابلة، وهو قول ابن المنذر.\nالقول الثاني: أنه يجوز التيمم به، وهو رواية عند المالكية، والصحيح عند الحنابلة، إلا أن الحنابلة قالوا: إذا وجد ثلجًا ولم يمكن تذويبه، فإنه يلزمه مسح أعضاء وضوئه به ويصلي ولا يعيد إذا جرى الماء على الأعضاء بالمس؛ لوجود الغسل المأمور به وإن كان خفيفًا.\nوأما إذا لم يجر على الأعضاء بالمس فإنه يعيد الصلاة؛ لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة بلا طهارة كاملة.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه لا يجوز التيمم بالثلج، بما يلي:\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٢)، شرح فتح القدير (١/ ١٢٧)، المدونة (١/ ٤٦)، التفريع (١/ ٢٠٣)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٦٠)، المجموع (٢/ ١٧٠، ١٧١)، الإنصاف (١/ ٢٧٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، الأوسط (٢/ ٤٢، ٤٣).\nملاحظة: ظاهر نقولات أئمة المذهب المالكي أن المعتمد هو القول الثاني القائل بجواز التيمم بالثلج مطلقًا. انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢١٦)، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٩)، الشرح الكبير (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":503},{"text":"أولًا: من الأثر:\nعن عمر ﵁ أنه قال: «لا يتيمم بالثلج، فمن لم يجد، فضفة سرجه، أو معرفة دابته» (^١).\nثانيًا: من المعقول:\nأن الثلج ليس بصعيد فلم يجز التيمم به كالنبات (^٢).\nأنه لم يأت في التيمم على الثلج نص ولا إجماع، فلا يصح التيمم به (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بجواز التيمم بالثلج، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٤).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن المكلف يعبد الله بحسب استطاعته، وهذا لا يقدر على استعمال الماء إلا كذلك، فوجب أن يستعمل الاستعمال المقدور عليه (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٣٨٣).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٢)، المنتقى (١/ ١١٦).\n(^٣) المحلى (١/ ١٠١).\n(^٤) تقديم تخريجه (ص ٩٧).\n(^٥) كشاف القناع (١/ ٤٠٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١).","vol":"1","page":504},{"text":"ثانيًا: من المعقول:\nأن الثلج أشبه بجموده الحجر فالتحق بأجزاء الأرض (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم جواز التيمم بالثلج، وذلك لقوة أدلتهم، ولأن النصوص الشرعية تدل على أن التيمم لا يكون إلا بالتراب - وذلك باتفاق الفقهاء - أو بالصعيد وهو كل ما صعد على وجه الأرض من جميع أجزائها - وذلك على القول الراجح ـ، والثلج بعيد عن مسمى التراب أو مسمى الصعيد.\nوبناء على القول الراجح في هذا المطلب، والمطلب الذي قبله، فإن من لم يجد ما يتيمم به مما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها فإن حكمه كحكم العادم للماء والمتيمم به (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١) الفواكه الدواني (١/ ٢٤٤)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٥، ٢٥٦).\n(^٢) سيأتي بيان ذلك في مبحث: حكم صلاة فاقد الطهورين (ص ٥١٦).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المبحث الرابع\nالتيمم بالتراب المختلط بغيره</span>\nاتفق الفقهاء على جواز التيمم بالتراب، واختلفوا في حكم التيمم بتراب خالطه جص، أو زعفران (^١)، أو دقيق، أو غير ذلك من الطاهرات التي تعلق بالعضو، فهل يصح التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يصح التيمم به، سواء أكان الخليط قليلًا أم كثيرًا مستهلكًا، وهو الصحيح عند الشافعية، وقول بعض الحنابلة (^٢)، لأن الخليط ربما علق بالعضو فيمنع وصول التراب إليه (^٣).\nالقول الثاني: أنه يصح التيمم به، إذا كان الخليط مستهلكًا في التراب، ولم يغلب عليه، وهو ظاهر مذهب الحنفية والمالكية (^٤)، ووجه للشافعية، وقول الحنابلة (^٥)، لأن حكمه حكم الماء الذي خالطه مائع طاهر، واستهلك المائع في الماء ولم يؤثر فيه (^٦).\n_________\n(^١) زعفران: هو الصبغ المعروف، وهو من الطيب، يقال: زعفرت الثوب أي صبغته. لسان العرب (٤/ ٣٢٤).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٣٢)، المجموع (٢/ ١٧٣، ١٧٤)، المغني (١/ ٣٢٧)، الإنصاف (١/ ٢٧٢).\n(^٣) البيان (١/ ٢٧٣)، المغني (١/ ٣٢٧).\n(^٤) لم أجد نصًا صريحًا للحنفية ولا للمالكية في هذه المسألة، وقياس أصولهم يقتضي ذلك، وذلك لأنهم لا يشترطون إيصال التراب إلى أعضاء التيمم. انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٣٩، ٣٤٠)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩).\n(^٥) انظر الهامش رقم (٢).\n(^٦) الحاوي (٢/ ٩٧٤)، كشاف القناع (١/ ٤١٠).","vol":"1","page":506},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بجواز التيمم بتراب خالطه جص أو زعفران أو غير ذلك إذا كان هذا الخلط مستهلكًا في التراب، وذلك لقوة تعليلهم، ولأن هذه الأشياء طاهرة مستهلكة في التراب، ولم يؤثر فيه، فبقي التراب على صلاحيته للتيمم.\nوأما القول بأنه قد يسبق الخليط التراب إلى الأعضاء، فقد سبق أن رجحنا في مسألة حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم بأنه لا يشترط في التيمم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم (^١).\n_________\n(^١) انظر (ص ٣٨١).","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الخامس\nحكم التيمم بالطين المحترق</span>\nاختلف الفقهاء في حكم التيمم بالطين المحترق إذ دُق، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه لا يجوز التيمم به، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية، وبه قال أكثرهم، وهو الصحيح عند الحنابلة؛ لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب، كطبخ الخزف (^٢)، والآجر (^٣) (^٤).\nالقول الثاني: أنه يجوز التيمم به، وهو قول الحنفية، ووجه للشافعية، رجحه الرافعي والنووي، وهو قول للحنابلة (^٥)؛ لأن المتغير لون التراب لا ذاته، فهو لا يزال يسمى ترابًا (^٦).\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٣٤٦)، مواهب الجليل (١/ ٥١٦)، العزيز (١/ ٢٣٤)، المجموع (٢/ ١٧٢)، المغني (١/ ٣٢٦)، الإنصاف (١/ ٢٧١).\n(^٢) الخزف: هو الطين المعمول آنية قبل أن يطبخ، وهو الصلصال، فإذا شوي فهو الفخار. المصباح المنير (١/ ١٦٨).\n(^٣) الآجر: هو طبيخ الطين، وقيل: الطوب الذي يبنى به، فارسي معرب. مختار الصحاح (ص ٢٠)، لسان العرب (٤/ ١١).\n(^٤) البيان (١/ ٢٧٢)، المغني (١/ ٣٢٦).\n(^٥) شرح فتح القدير (١/ ١٢٨)، رد المحتار (١/ ٣٦١)، العزيز (١/ ٢٣٤)، المجموع (٢/ ١٧٢)، الإنصاف (١/ ٢٧١).\n(^٦) رد المحتار (١/ ٣٦١)، البيان (١/ ٢٧٢)، المحلى (١/ ١٠١).","vol":"1","page":508},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم بمدقوق الطين المحترق، وذلك لقوة تعليلهم.\nوأما قياس الطين المحترق على الخزف والآجر فلا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن طبخ الخزف والآجر يسلب اسم التراب، ويجعله جنسًا آخر، بخلاف الطين المحترق فإن اسم التراب لا يزول عنه بمجرد الطبخ.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المبحث السادس\nالتيمم بالأرض النجسة</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم التيمم بالأرض النجسة.\nالمطلب الثاني: حكم التيمم بالأرض التي أصابتها نجاسة فزال أثرها بالشمس أو الريح.\nالمطلب الثالث: التيمم بتراب المقبرة.","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>المطلب الأول\nحكم التيمم بالأرض النجسة</span>\nاتفق الفقهاء على اشتراط طهارة ما يتيمم به، فلا يصح التيمم على الأرض النجسة (^١)،\nقال العيني (^٢): «لو كان التراب نجسًا لم يجز التيمم به إجماعًا» (^٣).\nوذكر ابن قدامة أنه لا يعلم خلافًا في عدم جواز التيمم لمن ضرب بيديه غير طاهر (^٤).\nوعللوا ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٤)، شرح التلقين (١/ ٢٨٨)، المجموع (٢/ ١٧٣)، المغني (١/ ٣٣٤).\n\nملاحظة: الصعيد الطاهر شرط لصحة التيمم عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وفرض عند المالكية. انظر: رد المحتار (١/ ٣٤٩)، الشرح الصغير (١/ ١٩٥)، الإقناع للشربيني (١/ ١٠٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١).\n(^٢) هو: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد الحلبي الأصل، القاهري الحنفي المعروف بالعيني، ولد سنة (٦٧٢ هـ)، في درب كيكن، برع في الفقه والتفسير والحديث واللغة وغيرها، من كتبه: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، وشرح معاني الآثار للطحاوي، والبناية شرح الهداية وغيرها، توفي سنة (٨٥٥ هـ)، ودفن بالقاهرة.\nانظر: شذرات الذهب (٧/ ٢٨٦ - ٢٨٨)، البدر الطالع (٢/ ٢٩٤، ٢٩٥).\n(^٣) البناية (١/ ٥٣٥).\n(^٤) المغني (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":513},{"text":"وجه الدلالة:\nأن المراد بالطيب في الآية هو الطاهر، والنجس ليس بطيب (^١).\nقال الإمام الطبري في قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾: «يعني: طاهرًا نظيفًا غير قذر ولا نجس» (^٢).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم ...» الحديث (^٣).\nثالثًا: من المعقول:\nأن التيمم طهارة، فلم يجز بغير طاهر، كالوضوء (^٤).\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٠)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٥٩)، المغني (١/ ٣٣٤).\n(^٢) جامع البيان (٦/ ١٣٧).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٤) البيان (١/ ٢٧٣)، المغني (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المطلب الثاني\nحكم التيمم بالأرض التي أصابتها نجاسة\nفزال أثرها بالشمس أوالريح</span>\nاختلف الفقهاء في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة (^١)، فهل تطهر الأرض بذلك فيجوز له أن يتيمم بها أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال (^٢):\nالقول الأول: أنها لا تطهر بذلك فلا يجوز التيمم بها، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية (وهو قول الإمام الشافعي في القديم)، ومذهب الحنابلة، وقول زفر من الحنفية.\nالقول الثاني: أنها تطهر بذلك فيجوز التيمم بها، وهو قول للحنفية، وقول للشافعية (هو قول الإمام الشافعي في القديم)، وهو قول للحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.\nالقول الثالث: أنها تطهر بذلك طهارة للصلاة دون التيمم، وبهذا قال أكثر الحنفية، وهو ظاهر الرواية عندهم.\n_________\n(^١) الاستحالة: هي تغيير الشيء عن طبعه ووصفه. المصباح المنير (١/ ١٥٧).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٩، ٢٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣٤، ٤٤١)، التفريع (١/ ١٩٨، ١٩٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٣٤)، المهذب (١/ ١٧٨)، المجموع (٢/ ١٧٣، ٤٢٥)، المغني (٢/ ٥٠٢، ٥٠٣)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٨٠، ٥١٠)، الإنصاف (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":515},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بعدم طهارة الأرض النجسة بالشمس أو الريح، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي - ﷺ -: «دعوه وأريقوا على بوله سجْلًا (^١) من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - أمر بتطهير الأرض بالماء، والأمر يقتضي الوجوب (^٣)، ولو كان جفافه بالشمس أو الريح ونحو ذلك مطهرًا للأرض لبين ذلك رسول الله - ﷺ - وهو في معرض بيان وتعليم لأصحابه، ولما كان للتكليف في طلب الماء معنى، فدل ذلك على اختصاص الماء بالتطهير دون غيره (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش هذا الدليل بأن المراد بالحديث يحمل على أحد الاحتمالات التالية:\nالاحتمال الأول: أن المقصود بالحديث تعجيل تطهير المسجد، إذ لو تركه حتى تطهره الشمس لتأخر تطهيره (^٥)، فليس في الحديث ما يدل على حصر\n_________\n(^١) السجل والذنوب بمعنى واحد، وهو: الدلو العظيمة المملوءة. المصباح المنير (١/ ٢١٠، ٢٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد [صحيح البخاري (١/ ٨٩) حديث (٢١٧)].\n(^٣) المغني (٢/ ٥٠٣).\n(^٤) انظر: نيل الأوطار (١/ ٥٦).\n(^٥) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٨٠).","vol":"1","page":516},{"text":"التطهير بالماء ولا المنع من تطهير الأرض النجسة بالشمس أو الريح.\nالاحتمال الثاني: أنه إنما أمر بالمبادرة بإزالة بول الأعرابي بالماء خشية تنجس أحد به، أو لكي لا ينتقل بالمشي إلى مكان آخر في المسجد (^١).\nالاحتمال الثالث: أن بول الأعرابي كان نهارًا، والصلاة في المسجد تتابع في النهار، بخلاف الليل، فإنه مدته تطول (^٢).\nالاحتمال الرابع: أن النبي - ﷺ - أراد بصب الماء أكمل الطهارتين (^٣).\nثانيًا: من المعقول:\nأنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل كالثوب النجس (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بطهارة الأرض النجسة بالشمس أو بالريح، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث ابن عمر ﵁ قال: «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله - ﷺ - فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» (^٥).\n_________\n(^١) طرح التثريب (١/ ٣٢٠).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٩٩).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المهذب (١/ ١٧٨)، المغني (٢/ ٥٠٣).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان [صحيح البخاري (١/ ٧٥) حديث (١٧٢)].","vol":"1","page":517},{"text":"وجه الدلالة:\nأنه نص في المسألة، إذ لو كانت النجاسة باقية لوجب غسلها بالماء مما يدل على أنها طهرت بالريح أو الشمس (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه محمول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، فيكون إقبالها وإدبارها في المسجد بعد بولها في مواطنها (^٢).\nالجواب:\nأجيب بأنه تأويل بعيد، وذلك لما يلي:\nأن قوله: «في المسجد» ليس ظرفًا لقوله: «تقبل وتدبر» وحده، بل هو ظرف أيضًا لقوله: «تبول وتقبل وتدبر» جميعًا.\nأن قوله: «فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» يمنع التأويل؛ لأنها لو كانت تبول في مواطنها، ما كان يُحتاج إلى ذكر الرش؛ إذ لا فائدة فيه.\nأن أبا داود بَوَّبَ على هذا الحديث بقوله في ترجمة الباب: «باب طهور الأرض إذا يبست» (^٣)، وفي هذا رد على التأويل الذي ذكروه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح فتح القدير (١/ ١٩٩)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٨٠).\n(^٢) معالم السنن (١/ ١٠١)، اللباب (١/ ٧٩)، المغني (٢/ ٥٠٣).\n(^٣) سنن أبي داود (١/ ١٠٤).\n(^٤) البناية (١/ ٧٢١).","vol":"1","page":518},{"text":"ثانيًا: من الآثار:\nما روي عن محمد بن الحنفية (^١) أنه قال: «إذا جفت الأرض فقد زكت (^٢)» (^٣).\nوجه الدلالة:\nأن أثر محمد رجاله رجال الجماعة (^٤)، وهو مما لا يدرك بالقياس فله حكم الرفع (^٥).\nثالثًا: من المعقول:\nأن المطلوب زوال النجاسة، فإذا زالت فقد زال حكمها، ومعلوم أن الشمس تحرق النجاسة، وتفرقها الريح، وتحول عينها الأرض، وينشفها الهواء، فلا تبقى عينها بعد تأثير هذه الأشياء فيها، فتعود الأرض كما كانت قبل الإصابة (^٦).\nأن النجاسة قد استحالت أرضًا بذهاب أثرها؛ لأن من شأن الأرض جذب الأشياء إلى طبعها، وذهاب الأثر طهارة كاملة للصلاة والتيمم (^٧).\n_________\n(^١) هو: محمد بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم المعروف بابن الحنفية، أخو الحسن والحسين من الأب، أمه خولة بنت جعفر، من بني حنيفة، كان ثقة عالمًا من كبار التابعين، روى عن عثمان وعن أبيه وعن معاوية وغيرهم، توفي سنة (٨١ هـ).\nانظر: الطبقات الكبرى (٥/ ٩١ - ١١٦)، تقريب التهذيب (ص ٤٩٧).\n(^٢) زكت: أي طهرت. النهاية (ص ٤٠٠).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٥٩)، رقم (٦٢٦).\n(^٤) الجماعة هم: البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، وأحمد. انظر: مقدمة بلوغ المرام (ص ٦).\n(^٥) انظر: إعلاء السنن للعثماني (١/ ٣٦٩ - ٣٧١)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ.\n(^٦) المبسوط (١/ ٢٠٥).\n(^٧) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٤)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٨١).","vol":"1","page":519},{"text":"أدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بأن الأرض النجسة تطهر بالشمس أو الريح طهارة للصلاة دون التيمم، بما يلي:\nأولًا: استدلوا على طهارة الأرض النجسة بالشمس أو الريح بمجموع ما تقدم ذكره من أدلة أصحاب القول الثاني.\nثانيًا: استدلوا على التفريق بين الصلاة والتيمم، بما يلي:\nأن الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت إما بفعل الشمس أو بفعل الريح أو بغيرهما أصبحت طاهرة غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، بخلاف التيمم فإنه يشترط له الطهورية لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، وحديث ابن عمر السابق يدل على الطهارة دون الطهورية، فالأرض قبل التنجس كانت طاهرة وطهورًا، وبالتنجس زال الوصفان، ثم بالجفاف ثبتت الطهارة دون الطهورية، وحتى يتيمم بالتراب لابد من ثبوت الوصفين معًا (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن القول بالتفريق بين الصلاة والتيمم يحتاج إلى دليل صريح، فإن الكتاب العزيز اشترط أن يكون التراب طاهرًا، وقد ثبت لنا بحديث ابن عمر أن الجفاف يجعله طاهرًا، فلذا صحت عليه الصلاة، فكذلك يصح التيمم، إذ إن كل أرضٍ جازت الصلاة عليها فإنه يجوز التيمم بها كالأرض الطاهرة.\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ٢٠٠)، الاختيار (١/ ٤٥).","vol":"1","page":520},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بجواز التيمم والصلاة على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت، وذلك لما يلي:\nلقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\nأن القول بأن الأرض تطهر بالجفاف مأثور عن بعض التابعين (^١).\nأنه إذا كان التراب يطهر غيره، فلأن يطهر نفسه من باب أولى (^٢).\nأن الإنسان إذا كان في سفر ونحوه فأراد أن يتيمم لعدم الماء فإنه يجوز له التيمم من الصعيد مع احتمال أن هذا الصعيد وقع عليه نجاسة من إنسان أو حيوان، وهذا يدل على أن الأرض تطهر بالجفاف.\n_________\n(^١) انظر: مصنف عبد الرزاق (٣/ ١٥٨)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٥٩)، نصب الرابة (١/ ٢١١).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٨١).","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المطلب الثالث\nالتيمم بتراب المقبرة</span>\nتقدم نقل اتفاق الفقهاء على اشتراط طهارة المتيمم به، وأنه لا يصح التيمم على المكان النجس.\nفإن تيمم المتيمم بتراب المقبرة، فما الحكم؟\nجملة القول في هذه المسألة: التفريق بين أن تكون أرض المقبرة قد نُبشت أو لم تنبش.\nفإن كانت المقبرة لم تنبش أو غلب على ظنه عدم نجاستها فإنه يجوز التيمم بترابها.\nقال ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيبًا طاهرًا نظيفًا، جائز» (^١).\nوأما إذا نبشت، كأن يتكرر الدفن فيها مرارًا، فترابها نجس لا يجوز التيمم به؛ لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم (^٢).\nوكذا لو غلب على ظنه نجاسة ترابها فإنه لا يجوز التيمم بها (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد (٥/ ٢٢٩).\n(^٢) الأم (٢/ ١٠٧)، المغني (١/ ٣٣٤).\n(^٣) حاشية الطحطاوي (١/ ١١٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٠٧)، المجموع (٢/ ١٧٣)، المغني (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":522},{"text":"قلت: ويمكن أن يتخرج على المطلب السابق في الطهارة بالجفاف القول بجواز التيمم من المقبرة وإن نبشت، إذا كان أثر النجاسة قد زال بفعل الشمس والريح واستحالت، كالقول في طهارة الأرض النجسة بالجفاف، والله أعلم.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المبحث السابع\nحكم التيمم بالتراب المستعمل</span>\nاتفق الفقهاء على أن تيمم الجماعة من الموضع الواحد جائز؛ لأن التراب المستعمل هو ما علق باليدين أما ما بقي على الأرض فلم يكن مستعملًا في عبادة، فأشبه الماء الباقي في الإناء فيكون طاهرًا بلا خلاف (^١).\nواختلفوا في حكم التيمم بالتراب المستعمل الذي يصيب العضو ثم يتناثر منه، فهل يجوز التيمم به أم لا؟ وذلك على قولين (^٢):\nالقول الأول: أنه يجوز التيمم به، وهو قول الحنفية، والمالكية، ووجه للشافعية، صححه الماوردي، ووجه عند الحنابلة؛ لأن المستعمل منه ما بقي على العضو، وما تناثر غير مستعمل فجاز التيمم به (^٣).\nواستدل الماوردي أيضًا: بأن التيمم لا يرفع الحدث، ولكن يجيز الصلاة فقط، فلا يصير التراب مستعملًا به، بخلاف الماء؛ لأنه يرفع الحدث فصار مستعملًا برفعه (^٤).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢١)، الذخيرة (١/ ٣٥٠)، الحاوي (٢/ ٩٧٥)، المغني (١/ ٣٣٤).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٣٦)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٧٢)، الحاوي (٢/ ٩٧٤، ٩٧٥)، المجموع (٢/ ١٧٤)، المغني (١/ ٣٣٤)، الإنصاف (١/ ٢٧٣).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٣٦)، المهذب (١/ ١٢٧)، البيان (١/ ٢٧٤).\n(^٤) الحاوي (٢/ ٩٧٥).","vol":"1","page":524},{"text":"القول الثاني: أنه لا يجوز التيمم به، وهو الأصح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة؛ لأنه مستعمل في طهارة أباحت الصلاة فأشبه الماء المستعمل (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بجواز التيمم بالتراب المستعمل، وذلك لقوة تعليلهم، وأما ما استدل به الماوردي بأن التيمم لا يرفع الحدث فقد تقدم مناقشة هذا القول (^٢)، وأن الراجح أن التيمم يرفع الحدث كالماء (^٣).\nومن أسباب الترجيح ما يلي:\nأن الماء المستعمل يخالف التراب المستعمل؛ وذلك لأن الماء لا يدفع بعضه بعضًا، وأما التراب فيدفع بعضه بعضًا، حيث دفع ما أدى به الفرض في العضو ما تناثر منه (^٤).\nأنه ليس هناك أي دليل صحيح يدل على عدم كون المستعمل طهورًا لا في الماء، ولا في التراب (^٥).\n_________\n(^١) البيان (١/ ٢٧٤)، العزيز (١/ ٢٣٣)، المغني (١/ ٣٣٤).\n(^٢) انظر (ص ٢١٢ وما بعدها).\n(^٣) انظر (ص ٢٢٠).\n(^٤) انظر: المهذب (١/ ١٢٧).\n(^٥) انظر: السيل الجرار (١/ ٣٢٣)، الروضة الندية شرح الدرر البهية لصديق حسن خان (١/ ١٠٠ - ١٠٢)، ط: دار ابن عفان ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المبحث الثامن\nحكم التيمم بالتراب المغصوب</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يصح التيمم به، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية (^١).\nالقول الثاني: أنه لا يصح التيمم به، وهو قول الحنابلة (^٢).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يصح التيمم بالتراب المغصوب، بما يلي:\nأن التيمم صحيح؛ لأن النهي من التيمم بالتراب المغصوب لا يعود إلى الطهارة، فالغاصب مأذون له بالطهارة، وإنما النهي من جهة الغصب، فيصح فعله مع الإثم، ونظير ذلك أن يقول السيد لعبده خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار فإن امتثلت أعتقتك وإن ارتكبت النهي عاقبتك، فخاط الثوب في الدار فإنه يحسن من السيد حينئذ عتقه وعقوبته (^٣).\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٢٣١)، نهاية المحتاج (١/ ٢٦٣). ولم أعثر على تصريح للمالكية في هذه المسألة، إلا أن قواعدهم تفيد بصحة التيمم بالتراب المغصوب، قال القرافي: «الذي يصلي في ثوب مغصوب أو يتوضأ بماء مغصوب أو يحج بمال حرام كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة خلافًا لأحمد» أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي (٢/ ١٥١)، ط: دار الكتب العلمية ١٤١٨ هـ.\n(^٢) الفروع (١/ ٢٩٦)، الإنصاف (١/ ٢٧٣).\n(^٣) انظر: رد المحتار (١/ ٤٧٩، ٤٨٠)، روضة الناظر (١/ ٤٢).","vol":"1","page":526},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه لا يصح التيمم بالتراب المغصوب، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي بكرة (^١) ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب» (^٢).\nوجه الدلالة من الآية والحديث:\nفي الآية والحديث النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، ومن تيمم بتراب مغصوب فإن استعماله لهذا التراب محرم منهي عنه؛ لأنه داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف ما أمر الله به رسوله - ﷺ - فلا يصح تيممه (^٣).\n_________\n(^١) هو: نفيع بن الحارث الثقفي، ويقال: نفيع بن مسروح، المكنى بأبي بكرة؛ لأنه تدلى إلى النبي - ﷺ - من حصن الطائف ببكرة فاشتهر بها، وكان من فضلاء الصحابة، توفي سنة (٥١ هـ).\nانظر: الاستيعاب (٤/ ١٥٣٠، ١٥٣١)، الإصابة (٦/ ٤٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ... الخ [صحيح البخاري (١/ ٥٢) حديث (١٠٥)]، ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال [صحيح مسلم (٣/ ١٣٠٥) حديث (١٦٧٩)].\n(^٣) انظر: المحلى (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":527},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن نص الكتاب والسنة يدلان على حرمة أكل أموال الناس بالباطل، وهذا لا يستلزم بطلان التيمم بالمغصوب؛ لأن التحريم والصحة غير متلازمين، ففعله من حيث إنه تيمم مطلوب، ومحرم من حيث إنه غصب، فالنهي لا يعود إلى التيمم وإنما إلى أمر خارج وهو الغصب (^١).\nحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن كل عمل لا يوافق ما كان عليه رسول الله - ﷺ - فهو باطل مردود على صاحبه، ولم يكن من أمره - ﷺ - التيمم بالمغصوب، فيكون باطلًا مردودًا على صاحبه (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشة هذا الاستدلال بما نوقش به الاستدلال بالدليلين السابقين.\nثالثًا: من المعقول:\nأن التيمم وهو عبادة لا يتأدى بما هو منهي عنه، فلا يستعمل هذا التراب\n_________\n(^١) انظر: روضة الناظر (١/ ٤٣)، القواعد لابن رجب (١/ ١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور [صحيح مسلم (٣/ ١٣٤٣) حديث (١٧١٨)].\n(^٣) انظر: كشاف القناع (١/ ٤٠٨)، المحلى (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":528},{"text":"المنهي عنه لأنه ممنوع شرعًا فهو كالمعدوم حسًا، فتكون صورة التطهير معدومة حسًا مع العمد، وذلك مبطل للطهارة والصلاة (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بالمنع؛ وذلك لأن الله ﷾ حين أمر بالطهارة لم يشترط فيها أن تكون الأداءة مباحة، بل إنه ﷾ أوجب الطهارة مطلقًا، وحرم الغصب، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطًا، كما لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم، فكذلك ها هنا (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بصحة التيمم بالتراب المغصوب، وذلك لقوة دليلهم، ولأن أدلة القول الثاني تم مناقشتها.\nويؤيد ذلك أنه لم يثبت دليل صحيح يدل على عدم صحة التيمم بالتراب المغصوب.\n_________\n(^١) انظر: أنوار البروق (٢/ ١٥١)، روضة الناظر (١/ ٤٢)، المحلى (١/ ٢١٤، ٢١٥).\n(^٢) أنوار البروق (٢/ ١٥١).","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>الباب الرابع\nفروض التيمم</span>\nوفيه ثلاثة فروض:\nالفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب.\nالفرض الثاني: الترتيب.\nالفرض الثالث: الموالاة.","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>الفرض الأول\nمسح الوجه واليدين مع الاستيعاب</span>\nوفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: تحديد أعضاء التيمم.\nالمبحث الثاني: تحديد مسح اليدين.\nالمبحث الثالث: تحديد القدر الواجب من الضرب في التيمم.\nالمبحث الرابع: حكم استيعاب المسح للوجه واليدين.\nالمبحث الخامس: حكم إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف.\nالمبحث السادس: صفة مسح الوجه واليدين.\nالمبحث السابع: حكم التيمم من غير ضرب.\nالمبحث الثامن: حكم تيمم مقطوع اليد أو بعضها.\nالمبحث التاسع: حكم مسح الوجه بيد واحدة أو ببعض أصابعه.","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>المبحث الأول\nتحديد أعضاء التيمم</span>\nاتفق الفقهاء على أن الوجه واليدين هما من فروض التيمم، فلا يكون التيمم إلا فيهما، سواء أكان التيمم عن الحدث الأصغر أو الأكبر (^١)، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (^٢).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nثانيًا: من السنة:\n٤٢ - حديث عمار ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (^٣).\n٤٣ - حديث أبي جهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل النبي - ﷺ - من نحر بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇» (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٠)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٦١)، الأم (٢/ ١٠٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٩٦).\n(^٢) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٧٩)، المغني (١/ ٣٣١).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٦٦).\n(^٤) تقدم تخريجه (ص ٢٦).","vol":"1","page":535},{"text":"وجه الدلالة:\nأن هذه الأدلة تدل على فرضية مسح الوجه واليدين في التيمم.","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المبحث الثاني\nتحديد مسح اليدين</span>\nاتفق الفقهاء على أن مسح اليدين من فروض التيمم، واختلفوا في تحديد الواجب مسحه من اليدين، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين (^١)، وهو مذهب الحنفية، وقول للمالكية، ومذهب الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد) (^٢).\nالقول الثاني: أنه يجب مسح الكفين (^٣) فقط، وهو قول الشافعي في القديم، ومذهب الحنابلة (^٤).\nالقول الثالث: أن الواجب هو المسح إلى الكفين، ويستحب إلى المرفقين، وهو المشهور في مذهب المالكية، واختاره القاضي أبو يعلى (^٥) من الحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) المرفق: هو موصل الذراع في العضد، أي: أعلى الذراع وأسفل العضد. لسان العرب (١٠/ ١١٩).\n(^٢) الأصل (١/ ١٠٤)، المبسوط (١/ ١٠٧)، المدونة (١/ ٤٢)، المقدمات (١/ ١١٤)، الأم (٢/ ١٠٢، ١٠٣)، المجموع (٢/ ١٦٨).\n(^٣) الكف: أصله المنع، وهو الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تكف وتمنع الأذى عن البدن. لسان العرب (٩/ ٣٠٥)، المصباح المنير (٢/ ٥٣٥).\n(^٤) الحاوي (٢/ ٩٥٠)، المهذب (١/ ١٢٥)، مسائل الكوسج (١/ ٩٧)، الفروع (١/ ٢٩٨).\n(^٥) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء، أبو يعلى القاضي، الفقيه الأصولي الحنبلي، إمام الحنابلة في وقته، من أهل بغداد، ولي القضاء بدار الخلافة في وقت القائم بأمر الله، من كتبه: أحكام القرآن، والعدة في أصول الفقه وغيرهما، توفي سنة (٤٥٨ هـ).\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣).\n(^٦) التفريع (١/ ٢٠٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٢)، الفروع (١/ ٢٩٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٠).","vol":"1","page":537},{"text":"سبب الخلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى أمرين (^١):\nالأول: اشتراك اسم اليد في لغة العرب، وذلك أن اليد في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان: على الكف فقط، وعلى الكف والساعد (^٢)، وعلى الكف والساعد والعضد (^٣).\nالثاني: اختلاف الأحاديث الواردة في كيفية التيمم (^٤).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الآية أطلقت اليد فقيدت بالمرفق؛ لكونه الغاية في الوضوء، والتيمم بدل عن الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل (^٥).\n_________\n(^١) بداية المجتهد (١/ ١٣٦).\n(^٢) الساعد: ما بين المرفق والكف، وسمي ساعدًا لمساعدته الكف إذا بطشت شيئًا أو تناولته. لسان العرب (٣/ ٢١٤)، المصباح المنير (١/ ٢٧٧).\n(^٣) العضد: ما بين المرفق إلى الكتف. لسان العرب (٣/ ٢٩٢)، المصباح المنير (٢/ ٤١٥).\n(^٤) سيأتي ذكر هذه الأحاديث وتخريجها عند ذكر أدلة كل قول.\n(^٥) بدائع الصنائع (١/ ٣١٢)، الإشراف (١/ ١٥٨)، الحاوي (٢/ ٩٥٣).","vol":"1","page":538},{"text":"المناقشة:\nنوقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن القياس هنا غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق يتضح بما يلي (^١):\nالأول: أن الوضوء في أربعة أعضاء بخلاف التيمم فإنه في عضوين.\nالثاني: أن الوضوء شرع فيه التثليث بخلاف التيمم.\nالثالث: أن الوضوء يغسل فيه الفم والأنف وباطن الشعر الخفيف بخلاف التيمم.\nالرابع: أن طهارة التيمم مبنية على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ (^٢).\nالوجه الثاني: أن القول بأن البدل لا يكون إلا على صفة المبدل منه لا يصح، فإن البدل يأخذ حكم مبدله لا صفته (^٣)، ولهذا أوجب الله تعالى الرقبة في الظهار، وفي كفارة اليمين، وكفارة قتل الخطأ، وكفارة المجامع عمدًا في نهار رمضان وهو صائم، ثم عوضها الله تعالى وأبدل من رقبة كفارة اليمين صيام\n_________\n(^١) شرح العمدة (١/ ٤١٣)، المغني (١/ ٣٢٣).\n(^٢) الإسباغ في الوضوء: المبالغة فيه وإتمامه. لسان العرب (٨/ ٤٣٣).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":539},{"text":"ثلاثة أيام، ومن رقاب القتل والجماع والظهار صيام شهرين متتابعين، وعوض من ذلك إطعامًا في الظهار والجماع ولم يعوضه في القتل، فلا يشترط أن تكون صفة البدل في المبدل منه (^١).\nالوجه الثالث: أن هناك دليلًا على التقييد بالكف، وهو حديث عمار ﵁ فقد تيمم النبي - ﷺ - إلى الكف فقط، وتقييد النص بالنص أولى من تقييد النص بالقياس.\nثانيًا: من السنة:\nحديث جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين» (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الصواب في هذا الحديث أنه موقوف عن جابر ﵁ (^٣).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٩٦).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ١٨١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٠٧).\n(^٣) قال الدارقطني في السنن (١/ ١٨١): «والصواب موقوف»، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير (١/ ١٥٢): «ضعَّف ابن الجوزي هذا الحديث بعثمان بن محمد، وقال: إنه متكلم فيه، وأخطأ في ذلك. قال ابن دقيق العيد: لم يتكلم فيه أحد، نعم روايته شاذة؛ لأن أبا نعيم - أحد رواة الطريق الثاني للحديث - رواه عن عزرة موقوفًا».","vol":"1","page":540},{"text":"حديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الحديث ضعيف (^٢).\nحديث عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إلى المرفقين» (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الحديث ضعيف (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ١٨٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٠٧).\n(^٢) لأن في إسناده علي بن ظبيان، قال عنه يحيى بن سعيد وأبو داود: ليس بشيء، وقال النسائي وأبو حاتم: متروك، وقال أبو زرعة: واهي الحديث. انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (٥/ ١٨٧)، ط: دار الفكر ١٤٠٩ هـ، نصب الراية (١/ ١٥٠)، تلخيص الحبير (١/ ١٥١).\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب التيمم [سنن أبي داود (١/ ٨٩) برقم (٣٢٨)]، والدارقطني في سننه (١/ ١٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢١٠).\n(^٤) لأن في إسناد هذه الرواية رجل مجهول، قال ابن حزم في المحلى (١/ ٩٥): «فلم يُسمَّ قتادة من حدثه، والأخبار الثابتة كلها عن عمار بخلاف هذا، فسقط هذا الخبر»، وقال البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢١٠): «وأما حديث قتادة عن محدِّث عن الشعبي فهو منقطع لا يُعلم من الذي حدثه فينظر فيه»، وقال ابن دقيق العيد: «وهذا كالمنقطع لجهالة المحدث عن الشعبي»، الإمام في معرفة أحاديث الأحكام (٣/ ١٤٢)، ط: دار المحقق ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":541},{"text":"حديث الأسلع (^١) ﵁ قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقال لي: «يا أسلع قم، فارحل لنا»، فقلت: يا رسول الله أصابتني بعدك جنابة، فسكت حتى أتاه جبريل بآية التيمم، فقال لي: «يا أسلع، قم فتيمم صعيدًا طيبًا: ضربتين، ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك، ظاهرهما وباطنهما» فلما انتهينا إلى الماء، قال: «يا أسلع قم فاغتسل» (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة (^٣).\nحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال في التيمم: «ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (^٤).\n_________\n(^١) هو: الأسلع الأعرجي، من بني الأعرج بن كعب بن سعد، التميمي، خادم رسول الله - ﷺ - وصاحب راحلته، روى عن النبي - ﷺ - هذا الحديث فقط ولم يرو غيره.\n\nانظر: الاستيعاب (١/ ١٣٩)، الإصابة (١/ ٥٨).\n(^٢) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٩٨)، ط: مكتبة الزهراء ١٤٠٤ هـ، والدارقطني في سننه (١/ ١٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٠٨).\n(^٣) لأنه من رواية الربيع بن بدر وهو ضعيف، قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٤): «الاحتجاج بهذا الحديث يسقط من كل وجه»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٢): «وفيه الربيع بن بدر، وقد أجمعوا على ضعفه»، وانظر: نصب الراية (١/ ١٥٣)، تلخيص الحبير (١/ ١٥٢، ١٥٣).\n(^٤) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٤٢)، والبزار في مسنده - كما في نصب الراية (١/ ١٥١)، وتلخيص الحبير (١/ ١٥٣) ـ.","vol":"1","page":542},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الحديث ضعيف (^١).\nحديث أبي أمامة (^٢)\n﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة إلى المرفقين» (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الحديث ضعيف جدًا (^٤).\nحديث أبي الجهيم الأنصاري ﵁ قال: «أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله - ﷺ - حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وذراعيه، ثم رد ﵇» (^٥).\n_________\n(^١) لأنه من رواية الحَرِيش بن الخِرِّيت وهو ضعيف، قال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، والحريش بن الخريت شيخ لا يحتج بحديثه»، علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٤٧)، ط: دار المعرفة ١٤٠٥ هـ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٣): «وفيه الحريش بن الخريت، ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة والبخاري». وانظر: نصب الراية (١/ ١٥١)، وتلخيص الحبير (١/ ١٥٣).\n(^٢) هو: صدي بن عجلان بن الحارث بن عمرو بن وهب، الباهلي، أبو أمامة، مشهور بكنيته، كان ممن بايع تحت الشجرة، وشهد أحدًا، وسكن الشام، وكان مع علي بصفين، توفي سنة (٨٦ هـ).\n\nانظر: أسد الغابة (٣/ ١٦، ١٧)، الإصابة (٣/ ٤٢٠).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٤٥)، وأخرجه ابن حزم في المحلى (١/ ٩٤).\n(^٤) لأنه من رواية جعفر بن الزبير، قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٢): «وفيه جعفر بن الزبير، قال شعبة فيه: وضع أربع مئة حديث»، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص ١٤٠): «متروك الحديث»، وقال النووي في المجموع (٢/ ١٦٨): «وأما حديث أبي أمامة فمنكر لا أصل له».\n(^٥) أخرجه الدارقطني في السنن (١/ ١٧٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٠٥).","vol":"1","page":543},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن هذا الحديث بهذه الرواية: «وذراعيه» ضعيف (^١)، والحديث ورد في الصحيحين وليس فيه مسح الذراعين.\nعن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فقضى ابن عمر حاجته، وكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله - ﷺ - في سكة (^٢) من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى (^٣) في السكة ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر» (^٤).\n_________\n(^١) لأنه من رواية عبد الله بن صالح، قال عنه ابن حجر في التقريب (ص ٣٠٨): «صدوق كثير الغلط»، وقد تفرد بذكر «مسح الذراعين»، وخالف بذلك الثقات الذين لم يذكروا «مسح الذراعين».\nقال الخطابي في أعلام الحديث (١/ ٣٤٥): «حديث أبي الجهيم بن الصمة لا يصح في مسح الذراعين»، وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٢٧): «والثابت في حديث أبي الجهيم بلفظ (يديه) لا (ذراعيه)، فإنها رواية شاذة».\n(^٢) السكة: الزقاق والطريق، والجمع سكك. المصباح المنير (١/ ٢٨٢).\n(^٣) أي: قرب أن يختفي ويغيب عن ظهره. المصباح المنير (٢/ ٦٥٦)، عون المعبود (١/ ٣٥٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب التيمم في الحضر [سنن أبي داود (١/ ٩٠) حديث (٣٣٠)]، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٨٥)، والدارقطني في سننه (١/ ١٧٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٠٦، ٢١٥).","vol":"1","page":544},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الحديث ضعيف (^١).\nثالثًا: من المعقول:\nقياس التيمم على الصلاة، وذلك أن الصلاة في السفر سقط منها ركعتان، وبقي ركعتان كاملتان، فكذلك التيمم؛ حيث الذي سقط منه عضوان عن الوضوء، وبقي عضوان فيكون التيمم فيهما كاملًا كالوضوء (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس في مقابلة النص، وهو حديث عمار الثابت في الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين، فهو قياس فاسد الاعتبار (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه يجب مسح الكفين فقط، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أطلق اليد هنا ولم يقيدها، ومطلق اسم اليد يتناول الكف\n_________\n(^١) لأنه من رواية محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه يحيى بن معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد وغيرهم. انظر: معالم السنن (١/ ٨٦)، تلخيص الحبير (١/ ١٥١).\n(^٢) المبسوط (١/ ١٠٧).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٥٣١)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ١٦٦)، نيل الأوطار (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":545},{"text":"فقط كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٨]، وكانت السنة في القطع من الكفين، فكذا المسح في التيمم يكون إلى الكفين (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن قياس التيمم في الكفين على القطع في السرقة لا يصح؛ وذلك لأنه في القطع عقوبة لا يؤخذ فيها إلا باليقين، والتيمم عبادة، والعبادات يؤخذ فيها بالاحتياط (^٢).\nالجواب:\nأجيب بأن الله ﷾ لما أراد في الوضوء الزيادة على الكفين قيدها بالمرفقين، فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين - في التيمم - فحملناه على ظاهر مطلق اسم اليد، وهو الكفان، كما فعلنا في السرقة، فهذا أخذ بالظاهر فلا قياس للعبادة على العقوبة (^٣).\nثانيًا: من السنة:\nحديث عمار بن ياسر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: «إنما كان يكفيك هكذا» فضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^٤).\n_________\n(^١) الاستذكار (٣/ ١٦٤)، المغني (١/ ٣٢٢).\n(^٢) المبسوط (١/ ١٠٧).\n(^٣) عارضة الأحوذي (١/ ٢٤٢). وانظر: التمهيد (١٩/ ٢٨٢، ٢٨٣).\n(^٤) أخرجه البخاري - واللفظ له - في كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما [صحيح البخاري (١/ ١٢٩) حديث (٣٣١)]، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٨٠، ٢٨١) حديث (٣٦٨)].","vol":"1","page":546},{"text":"وفي رواية: قال عمار لعمر: تمعكت فأتيت النبي - ﷺ - فقال: «يكفيك الوجه والكفان» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - مسح وجهه وكفيه ولم يمسح إلى المرفقين مما يدل دلالة واضحة على أن الواجب في مسح اليدين إنما هو إلى الكفين.\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن حديث عمار فيه اضطراب (^٢)؛ لأنه روى في رواية أخرى أن النبي - ﷺ - قال: «إلى المرفقين» والمضطرب لا يكون حجة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب التيمم للوجه والكفين [صحيح البخاري (١/ ١٣٠) حديث (٣٣٤)].\n(^٢) المضطرب: هو الذي تتعدد رواياته، وهي على تعددها متساوية متعادلة لا يمكن ترجيح إحداها بشيء من وجوه الترجيح، والمضطرب من أنواع الحديث الضعيف، وذلك لما يقع فيه من الاختلاف حول حفظ رواته وضبطهم، ولا يكون الحديث مضطربًا إذا رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها، أو كثرة صحبة المروي عنه أو غير ذلك، فالحكم للرواية الراجحة. انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ٩٣)، ط: دار الفكر المعاصر ١٣٩٧ هـ، فتح المغيث للسخاوي (١/ ٢٣٧)، ط: دار الكتب العلمية ١٤٠٣ هـ، تدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٦٢)، ط: مكتبة الرياض الحديثة.\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣١٣)، عمدة القاري (٤/ ٢٩، ٣٤)، الحاوي (٢/ ٩٥٧)، وانظر: التمهيد (١٩/ ٢٨٩).","vol":"1","page":547},{"text":"الجواب:\nأجيب بأن رواية المرفقين ضعيفة (^١)، بخلاف رواية الكفين فإنها في الصحيحين وهي سالمة من القدح والمعارضة، وعليه فلا اضطراب في حديث عمار؛ لكون رواية المرفقين مرجوحة ضعيفة بالنسبة إلى غيرها، فسقط الاعتبار بها.\nقال ابن حجر: «وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال ...» (^٢).\nالوجه الثاني: أن المراد بالكفين الذراعين إطلاقًا لاسم الجزء على الكل أو المراد ظاهرهما مع الباقي (^٣).\nالجواب:\nأجيب بأنه لا يعرف في اللغة التعبير بالكفين عن الذراعين (^٤).\nثالثًا: من المعقول:\nأنه حكم علق على مطلق اليد فلم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج (^٥).\n_________\n(^١) سبق بيان وجه ضعفها (ص ٤١٨)، الهامش رقم (١).\n(^٢) فتح الباري (١/ ٥٣٠).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٢٦)، التعليقة الكبرى (ص ٨٠٧).\n(^٤) المغني (١/ ٣٢٣).\n(^٥) الإشراف (١/ ١٥٩، ١٦٠)، كشاف القناع (١/ ٤١٢).","vol":"1","page":548},{"text":"أن من مسح يده إلى الكوع (^١) فقد مسح مفصلًا من اليد تجب بإصابته الدية (^٢).\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بأن الواجب هو المسح إلى الكفين مع استحباب المسح إلى المرفقين، بما يلي:\nاستدلوا بمجمل أحاديث القولين الأولين، حيث حملوا حديث عمار الثابت في الصحيحين على الوجوب، وأحاديث المرفقين على الاستحباب (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه إنما ينبغي أن يصار إلى هذا القول إن صحت أحاديث المرفقين (^٤).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأن الواجب هو مسح الكفين فقط، وذلك لما يلي:\n_________\n(^١) الكوع: طرف الزند الذي يلي الإبهام، والجمع أكواع. لسان العرب (٨/ ٣١٦)، المصباح المنير (٢/ ٥٤٤).\n(^٢) عيون الأدلة (ص ٨٩١).\n(^٣) بداية المجتهد (١/ ١٣٨)، أضواء البيان (٢/ ٣٩).\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":549},{"text":"أن حديث عمار ﵁ صحيح وصريح في وجوب الاقتصار على مسح الوجه والكفين، ولهذا عقد البخاري في صحيحه باب «التيمم للوجه والكفين» (^١)، وأتى بذلك على صيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله (^٢).\nأنه لم يثبت حديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - بالتيمم إلى المرفقين، وإنما صح ذلك موقوفًا على بعض الصحابة، وقول الصحابي إذا خالف قول النبي - ﷺ - فلا عبرة به.\nأن عمارًا الراوي للحديث كان يفتي بعد النبي - ﷺ - بأن الواجب هو الاقتصار على الوجه والكفين، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ١٢٩).\n(^٢) انظر: فتح الباري (١/ ٥٣٠).\n(^٣) المغني (١/ ٣٢٣)، فتح الباري (١/ ٥٣٠).","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المبحث الثالث\nتحديد القدر الواجب من الضرب\nفي التيمم</span>\nللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الواجب ضربتان، واحدة للوجه، وأخرى لليدين، وهو مذهب الحنفية، وقول للمالكية، وهو المذهب عند الشافعية (^١).\nالقول الثاني: أن الواجب والمسنون ضربة واحدة فقط للوجه واليدين، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\nالقول الثالث: أن الواجب ضربة واحدة، لكن يسن ضربة أخرى، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة، اختارها القاضي أبو يعلى (^٣).\nسبب الخلاف:\nيرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ثلاثة أمور (^٤):\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٦، ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٣)، الاستذكار (٣/ ١٦٤)، الذخيرة (١/ ٣٥٢)، الحاوي (٢/ ٩٩٤)، المجموع (٢/ ١٨٦).\n\nهناك وجه ضعيف عند الشافعية أنه يستحب ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة لليد اليمنى، وثالثة لليسرى. انظر: روضة الطالبين (١/ ٢٢٦).\n(^٢) المغني (١/ ٣٢٠)، الإنصاف (١/ ٢٨٦).\n(^٣) التلقين (١/ ٦٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٦)، المجموع (٢/ ١٨٦)، الفروع (١/ ٢٩٨)، الإنصاف (١/ ٢٨٦).\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":551},{"text":"الأول: الإجمال الوارد في آية التيمم.\nالثاني: التعارض بين الأحاديث الواردة في المسألة، إذ أفاد بعضها أن التيمم ضربة واحدة، وأفاد بعضها الآخر أنه ضربتان.\nالثالث: معارضة المعقول للمنقول، وذلك أن قياس التيمم على الوضوء يقتضي تخصيص كل من الوجه واليدين بضربة مستقلة، وهذا يعارض النص الوارد في أن التيمم ضربة واحدة.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن التيمم ضربتان، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الآية وإن لم تتعرض للأمر بتكرار التيمم من الصعيد نصًا، إلا أنها تعرضت له دلالة؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، ولا يجوز استعمال ماء واحد في عضوين مختلفين عند الوضوء، فكذلك في التيمم لا يجوز استعمال تراب واحد في عضوين مختلفين أيضًا؛ لأن البدل لا يخالف المبدل (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":552},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه قياس في مقابلة النص، وهو حديث عمار الثابت في الصحيحين في الاقتصار على ضربة واحدة (^١).\nثانيًا: من السنة:\nما رواه عبيد الله بن عبد الله (^٢) عن عمار ﵁: «أنه كان يحدث أنهم تمسحوا مع رسول الله - ﷺ - بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم» (^٣).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الواجب في التيمم الضرب على الصعيد ضربتين، واحدة للوجه، وأخرى لليدين.\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\n_________\n(^١) تقدم ذكره وتخريجه (ص ٢٦٦).\n(^٢) هو: أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ثقة فقيه، توفي سنة (٩٤ هـ)، وقيل غير ذلك. تقريب التهذيب (ص ٣٧٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب التيمم [سنن أبي داود (١/ ٨٦) حديث (٣١٨)]، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب في التيمم ضربتين [سنن ابن ماجة (١/ ١٨٩) حديث (٥٧١)].","vol":"1","page":553},{"text":"الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لانقطاعه، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر (^١).\nالجواب: أن الحديث صحيح لاتصال إسناده من طرق أخرى (^٢).\nالوجه الثاني: على التسليم بصحته، فالجواب عنه من وجهين:\nالأول: أن عمارًا لم يذكر أن النبي - ﷺ - أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي - ﷺ - علمه صفة التيمم، فالحجة فيما أمر به النبي - ﷺ -، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا علمهم بعد النبي - ﷺ - في ولايته أيام عمر على الكوفة أن التيمم ضربة للوجه والكفين (^٣).\nالثاني: إن كان ذلك وقع بأمر النبي - ﷺ - فكل تيمم للنبي - ﷺ - بعده فهو ناسخ له، قاله الشافعي وغيره (^٤).\n_________\n(^١) نصب الراية (١/ ١٥٥)، وانظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٥٦، ٥٧).\n(^٢) قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٢): «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي - ﷺ -، فقالا: هذا خطأ رواه مالك وابن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار. وهو الصحيح، وهما أحفظ»، وقال ابن حزم في المحلى (١/ ٩٧): «هذا أثر صحيح»، وقال الحازمي في الاعتبار (ص ٩٦): «هذا حديث حسن»، ط: دار الوعي ١٤٠٣ هـ.\n(^٣) جامع الترمذي (١/ ٢٧١)، الأوسط (٢/ ٥١، ٥٢)، معالم السنن (١/ ٨٦).\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٠٨)، معرفة السنن والآثار (١/ ٢٩٢)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٥٧، ٥٨).","vol":"1","page":554},{"text":"استدلوا بالأحاديث التي نصت على ذكر الضربتين، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث في المبحث السابق عند ذكر أدلة من قال بأنه يجب مسح اليدين إلى المرفقين (^١).\nالمناقشة:\nتقدم مناقشة هذه الأحاديث التي اشتملت على ذكر الضربتين (^٢)، فلا داعي للتكرار.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأن الواجب المسنون ضربة واحدة فقط، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالتيمم مطلقًا فلم يقيده بضربة أو بضربتين، وامتثال هذا الأمر يحصل بضربة واحدة، فلا يجب أكثر منها (^٣).\n_________\n(^١) انظر (ص ٤١٧ - ٤٢٠).\n(^٢) انظر (ص ٤١٧ - ٤٢١).\n(^٣) شرح العمدة (١/ ٤١١).","vol":"1","page":555},{"text":"ثانيًا: من السنة:\nحديث عمار ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: «إنما كان يكفيك هكذا»، فضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^١).\nوفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن الحديث نص في أن المشروع المجزئ في التيمم ضربة واحدة، ولو كان المشروع أكثر من ضربة لعلم النبي - ﷺ - ذلك لعمار ﵁، إذ يبعد أن يقتصر النبي - ﷺ - على تعليمه الجائز فقط، ويدع تعليمه فيما هو أفضل منه.\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن الحديث لا يدل على أن الواجب ضربة واحدة؛ لأن المراد بالحديث هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التعليم (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٤٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب التيمم ضربة [صحيح البخاري (١/ ١٣٣) حديث (٣٤٠)]، ومسلم - واللفظ له - في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٨٠) حديث (٣٦٨)].\n(^٣) عمدة القاري (٤/ ٢٩)، شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٨٣).","vol":"1","page":556},{"text":"الجواب:\nأجيب عن ذلك بجوابين:\nالأول: أن سياق الحديث يدل على أن المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله: «إنما كان يكفيك» (^١)، فحمله على مجرد تعليم صورة الضرب حمل بعيد (^٢).\nالثاني: أن النبي - ﷺ - كان في معرض بيان الحاجة، فلو لم يكن المقصود من التعليم بيان جميع ما يحصل به التيمم لكان ذلك سكوتًا في معرض الحاجة، وهو غير جائز من صاحب الشرع (^٣).\nالوجه الثاني: أن تعليم النبي - ﷺ - لعمار ﵁ وقع بالفعل، وقد وردت الأحاديث القولية بأن الضرب على الصعيد ضربتان، والراجح تقديم القول على الفعل (^٤).\nالجواب:\nأجيب بأن تعليم عمار ﵁ وإن كان بالفعل لكن انضم إليه قول النبي - ﷺ -: «إنما كان يكفيك هكذا»، وعليه فإن هذا الحديث يكون في حكم الحديث القولي (^٥).\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٥٣١).\n(^٢) تحفة الأحوذي للمباركفوري (١/ ٣٨١)، ط: دار الكتب العلمية.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) تحفة الأحوذي (١/ ٣٨١).","vol":"1","page":557},{"text":"وقد ورد في رواية أخرى للحديث قوله - ﷺ -: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (^١)، وهذا يدل على أن تعليمه - ﷺ - لعمار وقع بالقول أيضًا.\nأدلة القول الثالث:\nيمكن أن يستدل لهم بمجمل أحاديث القولين الأولين، فيحمل حديث عمار الثابت في الصحيحين على أن الواجب ضربة واحدة فقط، وأما أحاديث الضربتين فتحمل على الاستحباب.\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بالتسليم على أن الواجب ضربة واحدة فقط، ولكن لا نسلم بحمل أحاديث الضربتين على الاستحباب؛ وذلك لأن أحاديث الضربتين أحاديث ضعيفة جدًا، وبعضها الصحيح فيه أنه موقوف، وقد سبق بيان ذلك (^٢)، وعليه فلا تكون تلك الأحاديث حجة على استحباب الضربة الثانية.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأن الواجب والمسنون في التيمم ضربة واحدة فقط، وذلك لما يلي:\nأن حديث عمار ﵁ صريح في أن الضربة الواحدة كافية، ولم يأت دليل صحيح صريح بالزيادة على ذلك.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٦٦).\n(^٢) انظر (ص ٤١٧ - ٤٢١).","vol":"1","page":558},{"text":"أن ما عدا حديث عمار ﵁ من أحاديث الضربتين، فهو إما ضعيف، أو موقوف، ومعلوم أن الضعيف لا يصلح للاحتجاج به، والموقوف لا يُسقط المرفوع.\nقال الشوكاني ﵀: «والحاصل أن جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة، ... وجميع ما ورد في الضربتين لا يخلو من ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار، ولا يصلح للعمل به حتى يقال إنه مُشتمل على زيادة، والزيادة يجب قبولها، ... فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار ﵁ من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصح الزيادة على هذا المقدار) (^١).\n٤٤ - أن ما ثبت عن عمار ﵁ أنه كان يعلم الناس التيمم بعد وفاة النبي - ﷺ - ضربة واحدة للوجه واليدين، يوافق أثبت ما روي عن النبي - ﷺ - ولا يقوى على معارضته أحاديث الضربتين.\n٤ - ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.\n_________\n(^١) السيل الجرار (١/ ٣٢٤، ٣٢٥)، نيل الأوطار (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المبحث الرابع\nحكم استيعاب المسح للوجه واليدين</span>\nاختلف الفقهاء في حكم استيعاب عضوي التيمم بالمسح، فهل يجب الاستيعاب أم لا؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه يجب الاستيعاب، فإن ترك موضعًا كان يغسله بالماء في الوضوء لم يمسحه بالتراب في التيمم لم يجزئه وإن قل، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.\nالقول الثاني: أنه لا يجب الاستيعاب، بل إذا مسح الأكثر فإنه يقوم مقام الكل، وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه قال ابن مسلمة من المالكية.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يجب استيعاب عضوي التيمم بالمسح، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالمسح في الآية، والأمر بالمسح تعلق باسم\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٤، ٣١٥)، المنتقى (١/ ١١٤)، مواهب الجليل (١/ ٥١٠، ٥١١)، الأم (٢/ ١٠٣)، المجموع (٢/ ١٦٨)، المغني (١/ ٣٣١)، كشاف القناع (١/ ٤١١).","vol":"1","page":560},{"text":"الوجه واليدين، وهذا يقتضي أن يكون المسح لجميع الوجه واليدين، إذ إن الباء هنا للإلصاق وليست للتبعيض فوجب الاستيعاب (^١).\nثانيًا: من المعقول:\nأن التيم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الوضوء من تمام الركن فكذا في البدل (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن البدل إنما يقوم مقام المبدل عنه في حكمه فقط، لا في صفته، ولهذا لايجب في التيمم المضمضة والاستنشاق بخلاف الوضوء، ولا يستحب في التيمم تثنية ولا تثليث بخلاف الوضوء، فلما ثبت الفرق بين المقيس والمقيس عليه بطل القياس.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه لا يجب الاستيعاب، بما يلي:\n١ - أن هذا مسح فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس والخف (^٣).\n٢ - أن ذلك مما تكثر به البلوى فوجب التخفيف (^٤).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٥)، شرح العمدة (١/ ٤٢٠).\n(^٢) شرح العناية (١/ ١٢٦)، المعونة (١/ ١٤٥)، البيان (١/ ٢٨٤).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٠٧)، وانظر: المحلى (١/ ٩٩، ١٠٠).\n(^٤) البناية (١/ ٥٢٨)، البحر الرائق (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":561},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بعدم وجوب الاستيعاب في التيمم، وذلك لقوة دليلهم، ولما يلي:\n١ - عدم الدليل الصريح على وجوب الاستيعاب في التيمم، وكل الأحاديث الواردة في ذلك لم تذكر أنه - ﷺ - مسح جميع وجهه ويديه، وإنما ورد فيها «ومسح وجهه وكفيه»، وعادة الشرع في المسح لا تقتضي الاستيعاب.\nقال ابن حزم ﵀: «إن لفظة المسح لم تأتِ في الشريعة إلا في أربعة مواضع ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسح على الخفين والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان» (^١).\n١ - أن اشتراط مسح الكل فيه حرج، والحرج منفي في الشريعة.\n٢ - أن الاستيعاب لو كان واجبًا لشرع تكرار المسح للمتيمم حتى يحصل الاستيعاب، فلما لم يشرع تكرار المسح للمتيمم علم أن الاستيعاب ليس بواجب.\nوينبني على الخلاف في هذه المسألة مسألة أخرى وهي: حكم نزع الخاتم عند مسح اليد، فعلى القول الأول يجب نزع الخاتم، وعلى القول الثاني لا يجب (^٢).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ١٠٠).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣١٥)، مواهب الجليل (١/ ٥١١)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠٤)، كشاف القناع (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":562},{"text":"الترجيح:\nوالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأنه لا يجب نزع الخاتم، وذلك لما ذكرنا من عدم وجوب الاستيعاب في التيمم، ولأن القول بالوجوب ينافي التيمم المبني على اليسر والتخفيف.","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المبحث الخامس\nحكم إيصال التراب إلى ما تحت\nالشعر الخفيف</span>\nاختلف الفقهاء في حكم إيصال التراب إلى منابت الشعر الخفيف كالعنفقة (^١)، وشعر الحاجبين، وشعر اللحية الخفيف، فهل يجب إيصال التراب إليها أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: أنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف، وهو قول الحنفية، ووجه عند الشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) العنفقة: الشعر النابت تحت الشفة السفلى، وقيل ما بين الشفة السفلى والذقن، سواء كان عليها شعر أم لا، وأصل العنفقة: خفة الشيء وقلته (لسان العرب ١٠/ ٢٧٧)، المصباح المنير (٢/ ٤١٨).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٥١٢)، حاشية الخرشي (١/ ٣٥٦)، المجموع (٢/ ١٨٤)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠١)، المغني (١/ ٣٣١)، التنقيح المشبع (ص ٦٥).\nقلت: هذا القول الذي لجمهور الفقهاء ينافي قولهم القائل: بوجوب استيعاب المسح للوجه واليدين، لأنه سبق أن ذكرنا في المبحث السابق أن مذهبهم هو وجوب الاستيعاب قياسًا على الوضوء، وهنا في هذه المسألة لم يستدلوا بالقياس على الماء، وهذا يدل على بطلان قياس التيمم على الوضوء في صفته، وعلى عدم وجوب الاستيعاب، إذ لو كان الاستيعاب واجبًا لوجب إيصال التراب إلى باطن الشعر الخفيف قياسًا على الوضوء، والله أعلم.\n(^٣) مراقي الفلاح (ص ١٢٠)، رد المحتار (١/ ٣٥٧)، العزيز (١/ ٢٤١)، المجموع (٢/ ١٨٤)، الفروع (١/ ٢٩٨)، الإنصاف (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":564},{"text":"دليل القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف بأن ما ورد من صفة تيمم النبي - ﷺ - في حديث عمار وغيره يدل على أنه - ﷺ - مسح وجهه بضربة واحدة، وبالضربة الواحدة لا يصل التراب إلى منابت الشعر (^١).\nدليل القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعر الخفيف بأن الوضوء يجب فيه إيصال الماء إلى منابت الشعر، والتيمم بدل عن الوضوء، والبدل له حكم مبدله (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه قياس مع الفارق؛ لأن طهارة التيمم مبنية على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ. وقد تقدم بيان وجه الفرق بين التيمم والوضوء بالتفصيل (^٣)، فلا داعي للتكرار.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم وجوب إيصال التراب إلى منابت الشعر الخفيف، وذلك لقوة دليلهم، ولحصول المشقة في إيصال التراب إلى منابت هذه الشعور، وما شرع التيمم إلا للتيسير على المكلف ولرفع الحرج عنه، فالقول بعدم الوجوب هو المتناسب مع الرخصة والتيسير.\n_________\n(^١) المهذب (١/ ١٢٨)، العزيز (١/ ٢٤١).\n(^٢) مجمع الأنهر (١/ ٣٩)، المهذب (١/ ١٢٨)، تصحيح الفروع (١/ ٢٩٩).\n(^٣) انظر (ص ٤١٦).","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المبحث السادس\nصفة مسح الوجه واليدين</span>\nتقدم اختلاف الفقهاء في حد اليد المأمور بمسحها في التيمم، وكذلك اختلافهم في عدد ضربات التيمم، وبناء على الاختلاف في هاتين المسألتين اختلفوا في صفة مسح الوجه واليدين في التيمم، وفيما يلي بيان أقوال المذاهب في صفة المسح:\nأولًا: الحنفية:\nيضرب المتيمم بيديه على الأرض ضربة واحدة يقبل بهما ويدبر (^١)، ثم يرفعهما وينفضهما أو ينفخ فيهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما الأرض مرة أخرى فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بأربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ (^٢)، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك (^٣).\n_________\n(^١) يقبل بهما ويدبر: أي يحركهما بعد الضرب أمامًا وخلفًا مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع، وهما - أي الإقبال والإدبارـ من سنن التيمم عند الحنفية. انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢١)، ط دار الكتب العلمية ١٤٢٠ هـ، رد المحتار (١/ ٣٤٩).\n(^٢) الرسغ: هو مفصل ما بين الكف والذراع. لسان العرب (٨/ ٤٢٨)، المصباح المنير (١/ ٢٢٦).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣١٤)، البحر الرائق (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":566},{"text":"ثانيًا: المالكية:\nيضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة، فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضًا خفيفا، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى لليدين ويضع اليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكف إلى المرفق، ومن باطن المرفق إلى الكف، ويفعل باليسرى كذلك (^١).\nثالثًا: الشافعية:\nيضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع (^٢) ضربة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب الضربة الثانية ويضع بطون أصابع اليد اليسرى سوى الإبهام على ظهر أصابع اليمنى سوى الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى مسبحة اليسرى، ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع ويمرها على المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، فيمرها عليه رافعًا إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعه (^٣).\nرابعًا: الحنابلة:\nيضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، فيمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه بباطن راحتيه (^٤).\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٤٢)، المنتقى (١/ ١١٤).\n(^٢) أي يفتح ما بين أصابعه. المصباح المنير (٢/ ٢٦٥).\n(^٣) الأم (٢/ ١٠٣، ١٠٤)، المهذب (١/ ١٢٨)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٥).\n(^٤) الكافي (١/ ٩٥)، الفروع (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":567},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو أن يقال أن صفة المسح هي: أن يضرب المتيمم بيديه الأرض ضربة واحدة بلا تفريج للأصابع، ويمسح الوجه بالكفين، ثم يمسح الكفين بعضهما ببعض، وكيفما مسح أجزأه وحصل المقصود.\nوأسباب ترجيح هذه الصفة ما يلي:\nأن هذه الصفة هي الموافقة لما جاء في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - كما في حديث عمار الثابت في الصحيحين.\nأن ماذكره الفقهاء من تخصيص مسح الوجه واليدين بصفة معينة مخالف لما جاءت به الأدلة الشرعية، حيث لم يأت دليل شرعي يدل على ما ذكروه من صفة المسح، بل وقد نص بعض الفقهاء من كل مذهب على أن ما ذكروه من صفة المسح هو خلاف ما جاءت به السنة.\nقال النووي: «قال الرافعي: وزعم بعضهم أن هذه الكيفية منقولة عن فعل الرسول - ﷺ -، وليس هذا بشيء، قال أصحابنا: كيف أوصل التراب إلى وجهه واليدين بضربتين فأكثر بيده أو خرقة أو خشبة جاز، ونص عليه في الأم» (^١).\nوقال ابن تيمية: «وما ذكره بعض الأصحاب، من أنه يجعل الأصابع للوجه، وبطون الراحتين لظهور الكفين، خلاف ما جاءت به الأحاديث، وليس في كلام أحمد ما يدل عليه، وهو متعسر أو متعذر وهو بدعة لا أصل لها في الشرع» (^٢).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٨٥).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٢٥، ٤٢٦)، وانظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٩٤).","vol":"1","page":568},{"text":"وكذلك ذكر العيني من الحنفية، والقرافي (^١) من المالكية بأن هذه الصفة - أي صفة المسح عند الحنفية والمالكية - لم ترد في السنة (^٢).\nفإذا لم يذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى على ما ذهبوا إليه دليلًا من كتاب الله أو سنة، فإن قولهم حينئذ يكون مردودًا؛ لأن المسح عبادة، والعبادة توقيفية تحتاج إلى دليل.\nأن إطلاق مسح الوجه واليدين دون تخصيص المسح بكيفية معينة هو الموافق ليسر الشريعة ورفع الحرج، بخلاف ما ذكره الفقهاء من تخصيص المسح بصفة معينة، فإن فيها من التكليف والحرج ما يخالف نفي الحرج في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].\n_________\n(^١) هو: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين القرافي الصنهاجي، فقيه أصولي مالكي، مصري المولد والمنشأ والوفاة، انتهت إليه رئاسة الفقه على مذهب مالك، له مؤلفات كثيرة منها: الذخيرة، والفروق، وشرح تنقيح الفصول في الأصول وغيرها، توفي عام ٦٨٤ هـ، الديباج المذهب (ص ٦٢ - ٦٦)، شجرة النور الزكية (ص ١٨٨).\n(^٢) انظر: البناية (١/ ٥٢٥، ٥٢٦)، الذخيرة (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المبحث السابع\nحكم التيمم من غير ضرب</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم ضرب الأرض باليد.\nالمطلب الثاني: حكم من وصل التراب إلى وجهه ويديه من غير ضرب.\nالمطلب الثالث: حكم التمعك في التراب بنية التيمم.","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المطلب الأول\nحكم ضرب الأرض باليد</span>\nاختلف الفقهاء في حكم من وضع يديه على الأرض بدون ضرب، فهل يجب ضرب الأرض باليدين أم لا؟ وذلك على قولين (^١):\nالقول الأول: أنه لا يحب ضرب الأرض باليدين، بل لو وضع يديه على الأرض بدون ضرب صح تيممه وأجزأه، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.\nالقول الثاني: أن الضرب ركن، فلا يصح التيمم بدون ضرب الأرض، وهو قول للحنفية.\nأدلة القول الأول:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالمسح فقط، ولم يأمر بضرب الأرض (^٢).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٦)، رد المحتار (١/ ٣٤٨، ٣٥٧)، التلقين (ص ٦٨)، حاشية الخرشي (١/ ٣٦٣)، المجموع (٢/ ١٨٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٥)، المبدع (١/ ١٨٣، ١٨٤)، كشاف القناع (١/ ٤٢٣).\n(^٢) شرح فتح القدير (١/ ١٢٦)، حاشية الطحطاوي (ص ١٢١).","vol":"1","page":572},{"text":"ثانيًا: من المعقول:\nأن المقصود هو إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حصل جاز كالوضوء (^١).\nدليل القول الثاني:\nاستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الضرب من مسمى التيمم، فلا يصح التيمم إلا به (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه حديث ضعيف (^٤).\nالوجه الثاني: على التسليم بصحته، فلا دلالة فيه على أن الضرب من أركان التيمم، وإنما يحمل الحديث على أن الضرب أعم وأبلغ من وضع اليدين على الأرض، أو يكون الحديث خرج مخرج الغالب (^٥).\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٥٧)، كشاف القناع (١/ ٤٣٣).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٤١٧).\n(^٣) البحر الرائق (١/ ٢٥٣).\n(^٤) تقدم بيان وجه ضعفه (ص ٤١٧)، هامش (٤).\n(^٥) شرح فتح القدير (١/ ١٢٦)، مراقي الفلاح (ص ١٢١).","vol":"1","page":573},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه لا يجب ضرب الأرض باليدين، بل لو وضع يديه على الأرض صح تيممه وأجزأه، وذلك لقوة أدلتهم، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.\nمسألة: حكم من أحدث بعد الضرب وقبل المسح:\nتقدم اختلاف الفقهاء في حكم ضرب الأرض باليد في المسألة السابقة، وأن الراجح هو أنه لا يجب ضرب الأرض باليد.\nوينبني على الخلاف السابق ما لو ضرب المتيمم الأرض بيديه ثم أحدث قبل مسح وجهه ويديه، فهل يكمل المسح بتلك الضربة أم لابد من إعادة ضرب الأرض مرة أخرى، ثم المسح؟\nللفقهاء في هذه المسألة قولان (^١) (^٢).\nالقول الأول: أنه يبطل تيممه، وعليه إعادة ضرب الأرض، وهو قول للحنفية، والمذهب عند الشافعية، إلا أن الشافعية قالوا: إذا جدد النية قبل وصول التراب للوجه صح تيممه.\nالقول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، وليس عليه الإعادة، وهو قول للحنفية.\n_________\n(^١) لم أجد نصًا للمالكية ولا للحنابلة في هذه المسألة.\n(^٢) منية المصلي (ص ٥٤)، رد المحتار (١/ ٣٤٨، ٣٤٩)، المجموع (٢/ ١٨٨)، تحفة المحتاج (١/ ٥٨٥).","vol":"1","page":574},{"text":"دليل القول الأول:\nأنه أحدث بعد ما أتى ببعض التيمم، فكان كمن أحدث في خلال الوضوء بعد غسل بعض الأعضاء (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بالمنع، وذلك لأن المأمور به في التيمم هو مسح الوجه واليدين، وأما ضرب الأرض أو نقل التراب من الأرض إلى العضو الممسوح فليسا من أركان التيمم حتى يقال إن من أحدث بعد الضرب وقبل المسح فقد بطل تيممه كالوضوء، فليس هناك أي دليل يدل على أن الضرب أو النقل من أركان التيمم.\nدليل القول الثاني:\nاستدلوا بأنه يجزئه تيممه ذلك، قياسًا على من ملأ كفيه ماءً للوضوء، ثم أحدث، ثم استعمله في الوجه فإنه يجزئه (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن المطلوب في الوضوء الغسل لا نقل الماء، وهنا المطلوب نقل التراب (^٣).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٢٦)، أسنى المطالب (١/ ٨٧).\n(^٢) مراقي الفلاح (ص ١٢١)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٦).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٨٨، ١٨٩).","vol":"1","page":575},{"text":"الجواب:\nيمكن أن يجاب بقلب المناقشة فيقال: هذه حجة عليكم لا لكم، وبيان ذلك بأنه إذا كان النقل ليس شرطًا في طهارة الماء، فكذلك النقل ليس شرطًا في طهارة البدل، إذ ليس هناك أي دليل يدل على أن النقل فرض أو شرط في التيمم.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأنه لا يبطل تيمم من أحدث بعد الضرب وقبل المسح، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.","vol":"1","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المطلب الثاني\nحكم من وصل التراب إلى وجهه\nويديه من غير ضرب</span>\nالمقصود بهذه المسألة: لو انتقل التراب إلى الوجه واليدين بغير ضرب، كما لو سفت الريح التراب على وجه المتيمم ويديه فهل يصح تيممه أم لا؟\nاتفق الفقهاء على أنه لوسفت الريح على المكلف ترابًا استوعب وجهه ويديه ولم يقصد طهارة التيمم لم يجزئه ذلك بلا خلاف (^١).\nواختلفوا فيما لو قصد الريح وصمد لها بنية التيمم، فهل يصح تيممه ويجزئه أم لا؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يصح تيممه، وهو قول المالكية، والصحيح من مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: أنه يصح تيممه إذا مسح وجهه ويديه وإلا فلا، وهو قول الحنفية، واختاره متأخرو الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) شرح فتح القدير (١/ ١٢٦)، الذخيرة (١/ ٣٥٦)، المجموع (٢/ ١٨٧)، كشاف القناع (١/ ٤١١).\n(^٢) الذخيرة (١/ ٣٥٦)، شرح الزرقاني (١/ ٢٢٠)، الأم (٢/ ١٠٣)، المجموع (٢/ ١٨٨)، المغني (١/ ٣٢٤)، الإنصاف (١/ ٢٧٥).\n(^٣) شرح فتح القدير (١/ ١٢٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٢٧)، الإنصاف (١/ ٢٧٥)، كشاف القناع (١/ ٤١١).","vol":"1","page":577},{"text":"القول الثالث: أنه يصح تيممه ويجزئه، وهو قول للشافعية والحنابلة (^١).\nدليل القول الأول:\nاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بقصد الصعيد، والنقل طريقه، فلابد من نقل التراب إلى الوجه واليدين (^٢)، ولا يكفي أن يقف في مهب الريح وينوي التيمم (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأن من تعرض لهبوب التراب على أعضاء التيمم مع القصد فقد قصد الصعيد الطيب (^٤).\nدليل القول الثاني:\nاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالمسح، ومرور التراب على الوجه لا يسمى مسحًا (^٥)، فلابد من المسح حتى يتحقق بذلك التيمم على الصفة المشروعة.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٨٨)، الإنصاف (١/ ٢٧٥).\n(^٢) نقل التراب من فروض التيمم عند الشافعية، وهو أن ينقل المتيمم التراب من نحو أرض أو هواء إلى العضو الممسوح. انظر: تحفة المحتاج (١/ ٥٨٥)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩٥).\n(^٣) تحفة المحتاج (١/ ٥٨١)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٠).\n(^٤) طرح التثريب (١/ ٢٦٨).\n(^٥) تصحيح الفروع (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":578},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المسح إنما يلزم المتيمم لأن التراب على الأرض فيحتاج أن ينقله منها إلى أعضائه بالضرب عليها بيديه، أما هنا فقد أدت الريح عنه هذا العمل فنقلت التراب إلى أعضائه، فلا يحتاج للمسح.\nأدلة القول الثالث:\n٤٦ - أنه قد قصد التيمم (^١).\n٤٧ - القياس على المتوضئ إذا صمد للمطر حتى جرى على أعضائه، فإن ذلك يجزئه، فكذلك المتيمم لو قصد بوقوفه في مهب الريح التيمم أجزأه ذلك (^٢).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثالث القائل بأنه يصح تيمم من قصد الريح وصمد لها بنية التيمم، وذلك لوجاهة ما استدلوا به.\n_________\n(^١) المستوعب (١/ ٣٠١).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٣٤، ٢٣٥)، المغني (١/ ٣٢٤).","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المطلب الثالث\nحكم التمعك في التراب بنية التيمم</span>\nاتفق الفقهاء على أنه لو تمعك المتيمم في التراب فأصاب التراب وجهه ويديه ومسحهما به أجزأه إن كان ذلك لعذر كالأقطع وغيره (^١)، وذلك لأن المقصود قد حصل (^٢).\nواختلفوا إن كان ذلك بغير عذر فهل يصح تيممه أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه يصح تيممه، وهو قول الحنفية، والصحيح عند الشافعية، وقول الحنابلة (^٣)؛ وعللوا ذلك بأن الأصل قصد التراب وقد حصل (^٤).\nالقول الثاني: أنه لا يصح تيممه، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية (^٥)؛ لأن وضع اليدين على الأرض فرض عند المالكية (^٦)، وأما الشافعية فعللوا ذلك بأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التيمم إنما نقل العضو إليه (^٧).\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٤٩)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤٤)، المجموع (٢/ ١٨٨)، التنقيح المشبع (ص ٦٥).\n(^٢) رد المحتار (١/ ٣٤٩)، المجموع (٢/ ١٨٨).\n(^٣) رد المحتار (١/ ٣٤٩)، الوسيط (١/ ٣٧٨)، العزيز (١/ ٢٣٦)، التنقيح المشبع (ص ٦٥)، كشاف القناع (١/ ٤١١).\n(^٤) الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٣٩)، كشاف القناع (١/ ٤١١).\n(^٥) حاشية العدوي على الرسالة (١/ ٢٩١)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤٤)، العزيز (١/ ٢٣٦)، المجموع (٢/ ١٨٨).\n(^٦) المصدران السابقان للمالكية.\n(^٧) العزيز (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":580},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه يصح تيمم من تمعك في التراب بنية التيمم، وذلك لقوة تعليلهم، ولأن قول المالكية يحتاج إلى دليل يدل على أن الوضع من أركان التيمم، فإن المأمور به المسح ليس غير، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوأما تعليل الشافعية بأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التيمم فيمكن مناقشته بأن النقل قد حصل، وإن لم يكن بواسطة اليد (^١)، وقد سبق أن ذكرنا أن النقل في الأصل ليس بفرض في التيمم كالوضوء (^٢).\n_________\n(^١) الوسيط (١/ ٣٧٨).\n(^٢) انظر (ص ٤٤٧).","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المبحث الثامن\nحكم تيمم مقطوع اليد أو بعضها</span>\nاتفق الفقهاء على أنه من قطعت يده وجب عليه مسح ما بقي من الفرض، فإن قطعت يده من الكوع فعلى قول من يرى أن التيمم إلى الكوع فقط قال بمسح موضع القطع، وعلى قول من يرى أن التيمم إلى المرفق قال بمسح ما بقي من القطع.\nوإن كان القطع من المرفق فعلى القول الأول لا يجب عليه المسح، وأما على القول الثاني فإن كان القطع من المرفق فإنه يجب مسح موضع القطع، وإن كان القطع فوق المرفق فلا يجب المسح (^١).\nوكانت أدلة هذا الاتفاق ما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى الهندية (١/ ٢٦)، رد المحتار (١/ ٣٥٧)، النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٠٤، ١٠٥)، ط: دار الغرب الإسلامي ١٩٩٩ م، مواهب الجليل (١/ ٥١١)، الأم (٢/ ١٠٤)، المجموع (٢/ ١٨٩)، الإنصاف (١/ ٢٨٧)، كشاف القناع (١/ ٤١٣).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٩٧).","vol":"1","page":582},{"text":"وجه الدلالة من الآية والحديث:\nأن من استطاع أن يغسل بعض محل الفرض فإنه يجب عليه ذلك؛ لدخوله تحت قدرته، ويسقط عنه ما عجز عنه.\nثالثًا: من المعقول:\nالقياس على الوضوء، فكما أنه إذا قطع من المرفقين في الوضوء غسل ما بقي من محل الفرض فكذلك هاهنا، فإن البدل يأخذ حكم المبدل منه (^١).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٣١٥)، المغني (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المبحث التاسع\nحكم مسح الوجه بيد واحدة\nأو ببعض أصابعه</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يجوز مسح الوجه، ولو بإصبع واحدة، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أنه يشترط أن يمسح الوجه بجميع اليد أو أكثرها، فلا يجزئ المسح بأقل من ثلاثة أصابع، وهو قول الحنفية (^٢).\nأدلة القول الأول:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالمسح، ولم يعين آلته (^٣)، فكيف حصل المسح أجزأ.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٥١١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٥)، الأم (٢/ ١٠٣)، المجموع (٢/ ١٨٢، ١٨٣)، المغني (١/ ٣٣٣)، الفروع (١/ ٢٩٩).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٣)، رد المحتار (١/ ٣٤٩)، ولا يلزم من قول الحنفية هذا أنهم يشترطون المسح باليد ذاتها، بل سبق أن ذكرنا أنه يجوز المسح عندهم بغير اليد، وإنما يشترطون أكثر الأصابع إذا مسح بيده.\n(^٣) المغني (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":584},{"text":"ثانيًا: من المعقول:\nأن المقصود هو إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حصل جاز (^١).\nدليل القول الثاني:\nاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أمر بالمسح، والأمر بالمسح يقتضي آلة؛ إذ المسح لا يكون إلا بآلة وآلة المسح هي أصابع اليد عادة، وثلاث أصابع اليد أكثر الأصابع، وللأكثر حكم الكل، فصار كأنه نص على الثلاث (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بالمنع؛ لأن الآية اقتضت المسح بأي طريق كان (^٣).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو قول الجمهور القائل بأنه يجوز مسح الوجه ولو بإصبع واحدة، وذلك لقوة أدلتهم في مقابل ضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.\n_________\n(^١) كشاف القناع (١/ ٤٢٣).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ١٠٣).\n(^٣) الذخيرة (١/ ٣٥٥).","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الفرض الثاني\nالترتيب</span>\nاتفق الفقهاء على مشروعية الترتيب في التيمم، بأن يمسح وجهه أولًا ثم يديه، واختلفوا في فرضيته، هل هو من فروض التيمم أو من سننه؟ وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الترتيب سنة في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول عند الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أن الترتيب فرض في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول الشافعية (^٢).\nالقول الثالث: أن الترتيب فرض في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو قول الحنابلة (^٣).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بسنية الترتيب في التيمم مطلقًا، بما يلي:\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢١)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٢)، حاشية الخرشي (١/ ٣٦٢)، الإنصاف (١/ ٢٧٤).\n(^٢) الأم (٢/ ١٠٤)، المجموع (٢/ ١٨٦).\n(^٣) المستوعب (١/ ٣٠١)، الإنصاف (١/ ٢٧٤).","vol":"1","page":586},{"text":"أولًا: من السنة:\nحديث عمار بن ياسر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال له: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا»، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه (^١).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - عطف مسح الوجه على مسح اليدين بـ (ثم) الدالة على الترتيب، فدل ذلك على أنه لا يجب الترتيب فيجوز مسح الوجه ثم اليدين وبالعكس (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الحديث يدل على عدم وجوب الترتيب في الحدث الأكبر دون الأصغر، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على سنية الترتيب في التيمم مطلقًا.\nثانيًا: من المعقول:\nالقياس على الوضوء، فكما لا يجب الترتيب في الوضوء فكذلك لا يجب في التيمم؛ لأنه بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المقيس عليه محل خلاف، فبطل القياس.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٤٣٠).\n(^٢) عمدة القاري (٤/ ٥٥)، سبل السلام (١/ ١٧١).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٢١)، الذخيرة (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":587},{"text":"دليل القول الثاني:\nاستدل القائلون بفرضية الترتيب في التيمم مطلقًا، بما يلي:\nمن الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ بدأ بالوجه قبل اليدين فوجب الترتيب بينهما؛ لقوله - ﷺ -: «نبدأ بما بدأ الله به» (^١)، وفي رواية: «ابدأوا بما بدأ الله به» (^٢) بصيغة الأمر (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي - ﷺ -[سنن أبي داود (٢/ ١٨٤) برقم (١٩٠٥)]، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة [جامع الترمذي (٣/ ٢١٦) برقم (٨٦٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح]، والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف [سنن النسائي (٥/ ٢٣٥) برقم (٢٩٦١)]، وابن ماجه في كتاب المناسك [سنن ابن ماجه (٢/ ١٠٢٣) برقم (٣٠٧٤)]، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٥).\n(^٢) أخرجه النسائي في كتاب المناسك، باب القول بعد ركعتي الطواف [سنن النسائي (٥/ ٢٣٦) برقم (٢٩٦٢)]، والدارقطني في السنن (٢/ ٢٥٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٥)، وابن حزم في المحلى وصححه (٢/ ٣٤، ٤٥)، وصحح إسناده النووي في شرح صحيح مسلم (٨/ ٤٠٨).\n(^٣) أضواء البيان (٢/ ٣٩).","vol":"1","page":588},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الرواية التي بصيغة الخبر لا حجة فيها؛ لأن غاية ما فيها الدلالة على السنية؛ لأن فعله - ﷺ - ليس بفرض إلا مع القرينة، ولا قرينة هنا (^١).\nوأما الرواية التي بصيغة الأمر فهي شاذة لا حجة فيها؛ لأن الرواية التي بصيغة الخبر أرجح منها؛ لحفظ رواتها وكثرتهم (^٢).\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بفرضية الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عمار المتقدم في أدلة القول الأول.\n_________\n(^١) التمهيد (٢/ ٨٧).\n(^٢) قال ابن دقيق العيد: «والحديث - أي الرواية التي بصيغة الأمر - في الصحيح، ولكن بصيغة الخبر «نبدأ» أو «أبدأ» لا بصيغة الأمر، والأكثر في الرواية هذا، والمخرج للحديث واحد» الإلمام بأحاديث الأحكام (١/ ٧٣)، ط: دار المعراج ودار ابن حزم ١٤٢٣ هـ، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير (٢/ ٢٥٠): «وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية «نبدأ» بالنون التي للجمع، قلت: وهم أحفظ من الباقين». وانظر: الجوهر النقي (١/ ٨٥)، إرواء الغليل (٤/ ٣١٧).","vol":"1","page":589},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على ترك الترتيب في التيمم عن الحدث الأكبر؛ لأن ما وقع لعمار هو الجنابة، والنبي - ﷺ - علّمه ما يشرع لها.\nثانيًا: من المعقول:\nالقياس على الوضوء، فكما وجب الترتيب في الوضوء فكذلك يجب في التيمم؛ لأنه بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل (^١).\nالمناقشة:\nيمكنه مناقشته بأن المقيس عليه محل خلاف، فبطل القياس.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثالث القائل بأن الترتيب فرض في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، وذلك لما يلي:\nأن الذين نقلوا صفة تيمم النبي - ﷺ - ذكروا أنه تيمم تيممًا مرتبًا فمسح بوجهه ثم يديه، فدل ذلك على وجوب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر، بخلاف التيمم عن الحدث الأكبر فقد جاء حديث عمار ﵁ المتقدم دالًا على عدم وجوب الترتيب فيه، فقلنا بعدم الترتيب في التيمم عن الحدث الأكبر لحديث عمار، وبقي الترتيب واجبًا في التيمم من الحدث الأصغر.\n_________\n(^١) الشرح الكبير (٢/ ٢٢٤)، كشاف القناع (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":590},{"text":"أنه قد ثبت اتفاق الفقهاء على أنه لا يجب الترتيب في الغسل بالماء (^١)، فإذا لم يفترض الترتيب في الأصل وهو الاغتسال بالماء فلأن لا يفترض في بدله وهو التيمم من باب أولى.\nأن بهذا القول يتم الجمع بين الأدلة، فلا يصار إلى الترجيح.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٤٤)، الذخيرة (١/ ٣١٠)، الأم (٢/ ٨٩)، الإنصاف (١/ ٢٤٦).","vol":"1","page":591},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>الفرض الثالث\nالموالاة</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nالمبحث الأول: حكم الموالاة بين أعضاء التيمم.\nالمبحث الثاني: حكم الموالاة بين التيمم والصلاة.","vol":"1","page":593},{"text":"تمهيد\n\nالموالاة في اللغة: المتابعة (^١)، ولمعرفة ضابط الموالاة بين أعضاء التيمم لابد من الرجوع إلى القدر المذكور في ضابط الموالاة في الوضوء، والضابط في موالاة الوضوء هو: ألا يؤخر المتوضئ غسل عضو حتى يجف الذي قبله في الزمان المعتدل.\nغير أن التيمم طهارة ترابية لا غسل فيها فكيف نحدد الموالاة فيه؟\nتقدر الموالاة في التيمم بقدرها زمنًا في الوضوء، ويقدّر الممسوح مغسولًا، فتكون الموالاة هي: ألا يؤخر المتيمم مسح عضو حتى يجف ما قبله لو كان مغسولًا بزمن معتدل (^٢).\nفهل الموالاة فرض من فروض التيمم لا يصح التيمم إلا بها أو هي سنة من سنن التيمم؟\nثم هل تجب الموالاة بين التيمم والصلاة أم لا؟\nالجواب سيتضح من خلال المبحثين التاليين:\n_________\n(^١) لسان العرب (١٥/ ٤١٢)، المصباح المنير (٢/ ٦٧٢).\n(^٢) رد المحتار (١/ ٣٥٠)، شرح الزرقاني (١/ ٢١١)، نهاية المحتاج (١/ ٣٠٣)، كشاف القناع (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":595},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المبحث الأول\nحكم الموالاة بين أعضاء التيمم</span>\nاتفق الفقهاء على مشروعية الموالاة بين أعضاء التيمم، واختلفوا في فرضيته، هل هو من فروض التيمم أم من سننه؟ وذلك على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الموالاة سنة في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول الحنفية، والشافعية، وقول عند الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أن الموالاة فرض في التيمم مطلقًا، سواء أكان عن حدث أصغر أو أكبر، وهو قول المالكية (^٢).\nالقول الثالث: أن الموالاة فرض في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر، وهو قول الحنابلة (^٣).\nدليل القول الأول:\nاستدلوا بالقياس على الطهارة بالماء، فكما لا تلزم الموالاة في الوضوء والغسل فكذلك لا تلزم في البدل وهو التيمم (^٤).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢١)، البحر الرائق (١/ ٢٥٥)، المجموع (٢/ ١٨٦)، تحفة المحتاج (١/ ٥٩٧)، الفروع (١/ ٢٩٩)، الإنصاف (١/ ٢٧٤).\n(^٢) المدونة (١/ ٤٤)، الشرح الكبير (١/ ٢٥٠).\n(^٣) الفروع (١/ ٢٩٩)، الإنصاف (١/ ٢٧٤).\n(^٤) المبسوط (١/ ١٢١)، منهاج الطالبين (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":596},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المقيس عليه محل خلاف، فبطل القياس (^١).\nدليل القول الثاني:\nاستدلوا بالقياس على الطهارة بالماء، فكما تلزم الموالاة في الوضوء والغسل فكذلك في بدله (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بما نوقش به دليل القول الأول.\nدليل القول الثالث:\nاستدلوا بالقياس على الطهارة بالماء، فكما تلزم الموالاة في الوضوء دون الغسل فكذلك في بدله (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بما نوقش به دليل القول الأول.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثالث القائل بأن الموالاة فرض في الحدث الأصغر دون الأكبر، وذلك لما يلي:\n_________\n(^١) تقدم بيان مذاهب العلماء في حكم الموالاة بين أفعال الوضوء والغسل (ص ٥٦) هامش رقم (٣) و(٤).\n(^٢) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٦٢)، الذخيرة (١/ ٣٥٦).\n(^٣) المبدع (١/ ١٧٧)، كشاف القناع (١/ ٤١٣).","vol":"1","page":597},{"text":"أن القول بوجوب الموالاة في الغسل يحتاج إلى دليل شرعي، وليس هناك أي دليل شرعي يدل على وجوب الموالاة في الغسل، بل المأمور به في الغسل هو غسل البدن، فكيفما غسل فقد قام بما أوجب الله عليه، وإذا لم تجب الموالاة في الغسل فكذلك لا تجب في بدله، بخلاف الوضوء عن الحدث الأصغر فقد ورد في الحديث الصحيح ما يدل على وجوب الموالاة في الوضوء، كما في حديث جابر ﵁ قال: أخبرني عمر بن الخطاب أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي - ﷺ - فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع ثم صلى (^١).\nقال القاضي عياض (^٢): «في هذا الحديث دليل على وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله - ﷺ -: «أحسن وضوءك» ولم يقل: اغسل ذلك الموضع الذي تركته» (^٣).\nوإذا وجبت الموالاة في الوضوء فإن التيمم بدل عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة [صحيح مسلم (١/ ٢١٥) حديث (٢٤٣)].\n(^٢) هو: القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي، ولد في مدينة سبتة عام (٤٧٦ هـ)، كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، له مصنفات منها: الإكمال في شرح كتاب مسلم، ومشارق الأنوار وغيرهما، توفي بمراكش سنة (٥٤٤ هـ).\nانظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣ - ٤٨٥)، الديباج المذهب (ص ١٦٨ - ١٧١).\n(^٣) إكمال المعلم (٢/ ٤٠)، وانظر: المفهم (١/ ٤٩٨).","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المبحث الثاني\nحكم الموالاة بين التيمم والصلاة</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه لا تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، فيجوز للمتيمم أن يتيمم في أول الوقت ويؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، وهو ظاهر مذهب الحنفية (^١)، والمذهب عند الشافعية (^٢)، وظاهر مذهب الحنابلة (^٣).\nالقول الثاني: أنه تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، فإن فرق بينهما تفريقًا كثيرًا - ولو ناسيًا - بطل تيممه، وهو قول المالكية، ووجه للشافعية (^٤).\n_________\n(^١) لم أجد نصًا للحنفية في هذه المسألة، والظاهر من مذهبهم عدم اعتبار هذا المعنى للموالاة في صحة التيمم، وذلك لأن التيمم عندهم بدل مطلق، فيجوز التيمم قبل الوقت وبعده، ولا يبطل إلا بوجود الماء، أو بحصول ناقض من نواقض الوضوء أو الغسل. انظر: مختصر القدوري (ص ٥١)، الاختيار (١/ ٢٩، ٣٠).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٥٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٢).\n(^٣) لم أجد نصًا للحنابلة في هذه المسألة، والظاهر من مذهبهم عدم اعتبار هذا المعنى للموالاة في صحة التيمم، وذلك لأن التيمم عندهم لا يبطل إلا بخروج الوقت، أو وجود الماء، أو حصول ناقض من نواقض الوضوء أو الغسل. انظر: الكافي (١/ ١٠١، ١٠٢)، التنقيح المشبع (ص ٦٥).\n(^٤) التفريع (١/ ٢٠٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٠٢)، الحاوي (٢/ ١٠٥٦)، المجموع (٢/ ١٩١، ١٩٢).","vol":"1","page":599},{"text":"دليل القول الأول:\nاستدلوا بأن المتيمم إذا تيمم في أول الوقت وأخر الصلاة إلى آخر الوقت صح تيممه؛ لأنه تيمم في وقت يمكنه فعل الصلاة فيه (^١).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، بما يلي:\nأن التيمم ضعيف مما يقتضي لزوم الموالاة بينه وبين الصلاة (^٢).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بالمنع؛ وذلك لأن البدل يأخذ حكم المبدل، فما ثبت للبدل ثبت لمبدله.\nأن التيمم طهارة ضرورة، فكانت كطهارة المستحاضة يلزمها تعجيل الصلاة عقيب طهارتها (^٣).\nالمناقشة:\nنُوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن حدث المستحاضة يتوالى عقيب الطهارة، فبطلت طهارتها بالتأخير، بخلاف التيمم فليس بعده حدث يمنع من التأخير (^٤).\n_________\n(^١) البيان (١/ ٢٩٠).\n(^٢) حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠).\n(^٣) الحاوي (٢/ ١٠٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٢).\n(^٤) الحاوي (٢/ ١٠٥٧)، المجموع (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":600},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه لا تجب الموالاة بين التيمم والصلاة، وذلك لقوة تعليلهم، ولأن القول بالوجوب هو حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولم أجد دليلًا يدل على وجوب الموالاة بين التيمم والصلاة، والأصل عدم الوجوب إلا بدليل.","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الباب الخامس\nسنن التيمم ومكروهاته</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: سنن التيمم.\nالفصل الثاني: مكروهات التيمم.","vol":"1","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الفصل الأول\nسنن التيمم</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: التسمية.\nالمبحث الثاني: تقديم اليد اليمنى على اليسرى.\nالمبحث الثالث: استقبال القبلة.\nالمبحث الرابع: تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ.\nالمبحث الخامس: تفريج الأصابع.\nالمبحث السادس: تخليل الأصابع.\nالمبحث السابع: سنن أخرى تُستحب في التيمم.","vol":"1","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>المبحث الأول\nالتسمية</span>\nاختلف الفقهاء في حكم التسمية عند ابتداء التيمم بناء على اختلافهم في حكمها عند الوضوء، وكان اختلافهم على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن التسمية عند ابتداء التيمم سنة، وهو قول الحنفية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أن التسمية عند ابتداء التيمم فضيلة يندب الإتيان بها، وهو قول المالكية (^٢).\nالقول الثالث: أن التسمية عند ابتداء التيمم واجبة على الذاكر دون الناسي، وهو الصحيح عند الحنابلة (^٣).\nدليل القول الأول:\nاستدلوا بأن التسمية مستحبة في الوضوء وجميع العبادات، وغيرها من الأفعال حتى عند الجماع، ولذا عقد البخاري في ذلك بابًا في صحيحه فقال: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع، واحتج بحديث ابن عباس\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٥)، الدر المختار (١/ ٣٥٠)، الحاوي (٢/ ١٠٠٦)، المجموع (٢/ ١٨٦)، المستوعب (١/ ٣٠١)، الفروع (١/ ٢٩٩).\n(^٢) التاج والإكليل (١/ ٥٢٢)، الشرح الكبير (١/ ٢٥٩، ٢٦٠).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٧٤)، كشاف القناع (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":607},{"text":"﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره» (^١).\nفإذا كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال من باب أولى (^٢).\nدليل القول الثاني:\nاستدلوا بأن التسمية لما كانت مندوبة عند الوضوء والغسل، كانت كذلك مندوبة عند التيمم؛ لأنه بدل عنهما، والبدل يأخذ حكم المبدل (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المقيس عليه مختلف فيه، فلا يصح القياس.\nدليل القول الثالث:\nاستدل القائلون بأن التسمية عند التيمم واجبة على الذاكر دون الناسي بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء [صحيح البخاري (١/ ٦٥) حديث (١٤١)]، ومسلم في كتاب النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع [صحيح مسلم (٢/ ١٠٥٨) حديث (١٤٣٤)].\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٢٣٠)، المجموع (١/ ١٩٠).\n(^٣) شرح الزرقاني (١/ ٢٢١)، حاشية الخرشي (١/ ٣٦٣).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٩٤٠٨)، وأبو داود في كتاب الطهارة باب التسمية على الوضوء [سنن أبي داود (١/ ٢٥) حديث (١٠١)]، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها [سنن ابن ماجه (١/ ١٤٠) حديث (٣٩٩)].","vol":"1","page":608},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على وجوب التسمية في الوضوء، والتيمم خلف عنه، فيثبت فيه ما ثبت في الأصل قياسًا عليه (^١).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنه حديث ضعيف (^٢).\nالوجه الثاني: على التسليم بصحته، فإنه يجاب عنه بجوابين:\nالأول: أن المراد بالذكر النية (^٣).\nالثاني: أنه محمول على نفي الكمال دون الإجزاء (^٤).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٣٣).\n(^٢) لأنه من رواية يعقوب بن سلمة عن أبيه، وهما مجهولان، انظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٦)، تقريب التهذيب (ص ٦٠٨).\n\nولأن في إسناده انقطاعًا بين يعقوب بن سلمة وبين أبيه، وبين سلمة وأبي هريرة، قال البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧٦): «لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه»، وقال الترمذي في الجامع (١/ ٣٨): «قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب - أي في التسمية - حديثًا له إسناد جيد».\n(^٣) معالم السنن (١/ ٤٠)، الحاوي (١/ ٤٢١).\n(^٤) الحاوي (١/ ٤٢١)، المجموع (١/ ١٩٢)، نيل الأوطار (١/ ١٦١).","vol":"1","page":609},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأن التسمية عند ابتداء التيمم سنة، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، في مقابل ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>المبحث الثاني\nتقديم اليد اليمنى على اليسرى</span>\nاتفق الفقهاء على استحباب التيامن في التيمم، وهو تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى في المسح، ولو خالف فقدم مسح اليد اليسرى على اليد اليمنى فاته الفضل، وصح تيممه (^١).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n٤٨ - حديث عمار ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على استحباب التيامن في التيمم.\n٤٩ - حديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي - ﷺ - يعجبه التيمن في تنعله، وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» (^٣).\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٥٠، ٣٥١)، الكافي لابن عبد البر (ص ٢٩)، التاج والإكليل (١/ ٥٢٢)، المجموع (٢/ ١٨٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٢٢٠).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٤٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري - واللفظ له - في كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل [صحيح البخاري (١/ ٧٤) حديث (١٦٦)]، ومسلم في كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره [صحيح مسلم (١/ ٢٢٦) حديث (٢٦٨)].","vol":"1","page":611},{"text":"وجه الدلالة:\nدل الحديث على استحباب التيامن في التيمم؛ لأن قولها: «يعجبه» ظاهر في استحباب ما ذكر من التنعل والترجل والطهور، والتيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء.\nقال النووي: «يستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة ونحو ذلك، كلبس النعل، والخف والمداس، والسراويل والكم، وحلق الرأس وترجيله، وقص الشارب ونتف الإبط، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، والوضوء، والغسل، والتيمم، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، ودفع الصدقة وغيرها من أنواع الدفع الحسنة، وتناول الأشياء الحسنة، ونحو ذلك، ويستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق» (^١).\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٣٠١)، وانظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (٥/ ٢٠٧)، ط: المكتبة التجارية الكبرى ١٣٥٦ هـ.","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>المبحث الثالث\nاستقبال القبلة</span>\nذهب فقهاء المالكية والشافعية إلى أنه يستحب للمتيمم أن يستقبل القبلة حال التيمم (^١)، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأن جهة القبلة أشرف الجهات فاستحب أن يتوجه إليها حال التيمم (^٣).\nالقياس على الوضوء فكما أنه يستحب استقبال القبلة حال الوضوء، فكذا في بدله وهو التيمم (^٤).\n_________\n(^١) حاشية الخرشي (١/ ٣٦٣)، الشرح الكبير (١/ ٢٦٠)، المجموع (٢/ ١٨٧)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٦)، ونص الحنفية على استحباب الاستقبال حال الوضوء، وسكتوا عنه في باب التيمم. انظر: شرح فتح القدير (١/ ٣٦).\n(^٢) نص الحنابلة على استحباب الاستقبال حال الوضوء، ولم يصرحوا به حال التيمم، إلا أن الظاهر من مذهبهم استحباب ذلك، وذلك لأنهم يقولون باستحباب الاستقبال في كل عبادة وطاعة، والتيمم كذلك، قال ابن مفلح: «وهو - أي استقبال القبلة - متجه في كل طاعة إلا لدليل». انظر: الفروع (١/ ١٨٥)، الإنصاف (١/ ١٣٨).\n(^٣) غاية البيان (١/ ٩٣).\n(^٤) شرح الزرقاني (١/ ٢٢١)، أسنى المطالب (١/ ٨٨).","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>المبحث الرابع\nتخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ</span>\nللفقهاء في هذه المسألة قولان (^١):\nالقول الأول: أنه يستحب، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية، وحكم بجوازه الحنابلة، إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا بذلك إذا كان التراب كثيرًا، وأما إذا كان قليلًا وخاف بالنفخ أن يذهب جميع التراب فإنه لا يجوز ذلك (^٢).\nالقول الثاني: أنه يكره، وهو رواية عند الحنابلة.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون باستحباب النفخ وجوازه، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عمار ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: «إنما كان يكفيك هكذا»، فضرب النبي - ﷺ - بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٦، ١٠٧)، الدر المختار (١/ ٣٤٩)، الذخيرة (١/ ٣٥٢)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤٤)، الحاوي (٢/ ٩٩٧، ٩٩٨)، المجموع (٢/ ١٨٦، ١٨٧)، المسائل الفقهية (١/ ٨٩)، المغني (١/ ٣٢٤).\n(^٢) وذلك لأن الشافعية والحنابلة يشترطون إيصال التراب إلى أعضاء التيمم، وقد سبق بيان ذلك في مطلب: حكم إيصال التراب إلى أعضاء التيمم (ص ٣٧٧).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٤٢٢).","vol":"1","page":614},{"text":"وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على استحباب تخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ.\nثانيًا: من المعقول:\nأن في تخفيف التراب المأخوذ بالنفض أو النفخ صيانة عن التلويث للوجه الذي يشبه المثلة (^٢) (^٣).\nأن التخفيف لا يكره ابتداءً، فكذلك دوامًا (^٤).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بكراهة النفخ، بما يلي:\nأولًا: من الآثار:\nما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٦٦).\n(^٢) المثلة: ما يمثل به من تبديل خلقته، وتغيير هيئته، سواء كان بقطع عضو، أو تسويد وجه، أو تغييره. لسان العرب (١١/ ٦١٥)، شرح العناية (١/ ١٢٥).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣١٤)، تحفة المحتاج (١/ ٥٩٧).\n(^٤) فتح الباري لابن رجب (٢/ ٤٥).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢١١)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥٦)، والدارقطني في السنن (١/ ١٨٢)، وقال العظيم آبادي: «إسناده صحيح موقوف»، التعليق المغني على سنن الدارقطني، مطبوع مع السنن (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":615},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأنه حديث موقوف، والموقوف لا يسقط المرفوع.\nثانيًا: من المعقول:\nالقياس على الوضوء فكما يكره نفض الماء عن اليدين في الوضوء، فكذا في بدله وهو التيمم (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته من وجهين:\nالوجه الأول: أن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن التيمم مبني على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ.\nالوجه الثاني: أن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في صفته.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل باستحباب النفخ، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\n_________\n(^١) الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٦١).","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المبحث الخامس\nتفريج الأصابع</span>\nذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أنه يستحب للمتيمم أن يفرج أصابع يديه عند ضرب الصعيد (^١).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأن في استحباب التفريج زيادة تأثير الضرب في إثارة الغبار (^٢).\nأن في التفريج مبالغة في التطهير (^٣).\nوهناك قول لبعض الشافعية بأنه لا يجوز التفريج في الضربة الأولى (^٤)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\nأنه يصير ناقلًا لتراب اليد قبل مسح الوجه، فيكون ماسحًا لجزء من يديه قبل وجهه، وذلك لا يجوز؛ لوجوب الترتيب (^٥).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٥)، الدر المختار (١/ ٣٤٩)، مختصر المزني (ص ١٤)، المجموع (٢/ ١٨٣، ١٨٤)، شرح العمدة (١/ ٤١٤)، الإنصاف (١/ ٢٨٦)، ولم أجد نصًا للمالكية في هذه المسألة.\n(^٢) رد المحتار (١/ ٣٤٩)، التنقيح في شرح الوسيط (١/ ٣٨١)، كشاف القناع (١/ ٤٢١).\n(^٣) مراقي الفلاح (ص ١٢٢).\n(^٤) الوسيط (١/ ٣٨١)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٦).\n(^٥) البيان (١/ ٢٨٠)، العزيز (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":617},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأنه لا بأس بأخذ تراب اليد قبل مسح الوجه؛ لأن الترتيب واجب في المسح لا في أخذ التراب (^١).\nأن غبار الضربة الأولى يكون باقيًا بين الأصابع، فيمنع وصول غبار الضربة الثانية إلى البشرة، فيصير كما لو كان على وجهه تراب فنقل إليه ترابًا آخر من غير أن ينفض الأول، فإنه لا يجوز (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه ليس في تفريج الأصابع في الضربة الأولى إلا حصول تراب غير مستعمل بين أصابعه، فإن فرج في الضربة الثانية حصل فوقه تراب آخر غير مستعمل، فيقع المجموع عن الفرض.\nولم يوجب أحد من العلماء على من يريد التيمم أن ينفض الغبار عن وجهه ويديه أولًا، ثم يبتدئ بنقل التراب إليهما، مع العلم بأن المسافر في تقلباته لا يخلو من غبار يغشاه (^٣).\nالترجيح:\nليس فيما ذكر من التعليلات ما يدل على استحباب تفريج الأصابع أو منعه، ولعل الأولى القول بعدم استحباب التفريج، وذلك لما يلي:\n_________\n(^١) التهذيب (١/ ٣٥٩)، المجموع (٢/ ١٨٣).\n(^٢) الوسيط (١/ ٣٨١)، المجموع (٢/ ١٨٣).\n(^٣) العزيز (١/ ٢٤٣)، المجموع (٢/ ١٨٣).","vol":"1","page":618},{"text":"أنه لم يثبت دليل من الكتاب ولا من السنة يدل على استحباب التفريج، والاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فإذا لم يوجد الدليل لم يكن هناك استحباب.\nأنه لو كانت هذه الصفة مشروعة لذكرها الله ﷾ في كتابه العزيز، ولما أغفل الصحابة ﵃ عن ذكرها، ولم أقف على أثر صحيح يدل على مشروعية التفريج.\nأن القول بعدم مشروعية التفريج هو القول الموافق لأدلة التيمم، والأصل عدم المشروعية حتى يرد دليل صحيح يدل على المشروعية.","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المبحث السادس\nتخليل (^١) الأصابع</span>\nاختلف الفقهاء في حكم تخليل الأصابع عند المسح على اليدين، وذلك على قولين:\nالقول الأول: أن تخليل الأصابع مستحب، وهو رواية عند الحنفية، والمذهب عند الشافعية والحنابلة، إلا أن الشافعية استحبوا التخليل إذا فرّج أصابعه في الضربتين أو في الثانية، وإلا وجب التخليل عندهم (^٢).\nالقول الثاني: أن تخليل الأصابع واجب، وهو مذهب الحنفية والمالكية (^٣).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون باستحباب تخليل الأصابع عند المسح على اليدين بأن التخليل يسن في الوضوء فكذلك في التيمم لكونه بدلًا عنه، والبدل يأخذ حكم المبدل (^٤).\n_________\n(^١) التخليل: تفريق شعر اللحية وأصابع اليدين والرجلين، وأصله من إدخال الشيء في خلال الشيء وهو وسطه. لسان العرب (١١/ ٢١٤).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣١٥)، البحر الرائق (١/ ٢٥٢)، المجموع (٢/ ١٨٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٦)، المغني (١/ ٣٣٢)، المبدع (١/ ١٨٦).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ٣١٥)، مواهب الجليل (١/ ٥١١، ٥١٢)، الشرح الصغير (١/ ١٩٥).\n(^٤) رد المحتار (١/ ٣٥٠)، الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٦٠).","vol":"1","page":620},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن التيمم مبني على التخفيف بخلاف الوضوء فإنه مبني على الإسباغ.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بوجوب تخليل الأصابع عند المسح على اليدين بأن تخليل الأصابع في التيمم أولى من الوضوء؛ لبلوغ الماء ما لا يبلغه التراب (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن القول بوجوب تخليل أصابع اليدين لا يناسب طهارة المسح المبنية على التخفيف، فطهارة التيمم مبنية على اليسر والسهولة والقول بالوجوب ينافي الحكمة من مشروعية التيمم.\nالترجيح:\nيظهر لي - والله أعلم - أن الأولى هو القول بعدم مشروعية تخليل الأصابع، فضلًا عن أن يكون التخليل واجبًا، وذلك لما يلي:\nأن آية التيمم في كتاب الله ﷾، وأحاديث التيمم التي نقلت لنا في كتب السنة لم تذكر التخليل، ولو كانت هذه الصفة مشروعة لذكرها الله في كتابه ولفعلها - ﷺ - وأرشد إليها، فالقول بعدم المشروعية هو الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -.\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٣٥٥)، مواهب الجليل (١/ ٥١٢).","vol":"1","page":621},{"text":"أن هذه الصفة لو كانت مشروعة لفعلها الصحابة ﵃ ونقلت لنا، ولم أقف على أثر صحيح يدل على مشروعية تخليل الأصابع.\nضعف أدلة القائلين بالوجوب أو الاستحباب بما حصل من مناقشة.","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>المبحث السابع\nسنن أخرى تستحب في التيمم</span>\nقد ذكر بعض الفقهاء سننًا أخرى تستحب في التيمم غير ما ذكر، منها ما يلي:\nذكر فقهاء الحنفية أنه يستحب إقبال اليدين وإدبارهما حال الضرب، وذلك مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع (^١).\nوقال فقهاء المالكية: يستحب الصمت أثناء التيمم إلا عن ذكر الله (^٢)، واستحبوا أيضًا نقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح وذلك بأن لا يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين، فإن مسح بشيء قبل ذلك كره وأجزأ التيمم (^٣).\nوقال فقهاء الشافعية: يستحب البداءة بأعلى الوجه حين المسح (^٤)، واستحبوا أيضًا أن يديم يده على العضو لا يرفعها حتى يفرغ من مسحه (^٥).\nقلت: لعل الأولى القول بعدم استحباب ما ذكره الفقهاء مما سبق، وذلك لأن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولم أقف على دليل يدل على استحباب ما ذكروه، والله أعلم.\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٥٥)، رد المحتار (١/ ٣٤٩).\n(^٢) حاشية الخرشي (١/ ٣٦٣)، الشرح الكبير (١/ ٢٦٠).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٥٢٢)، الفواكه الدواني (١/ ٢٣٧).\n(^٤) الحاوي (٢/ ٩٩٨)، الإقناع (١/ ١٠٩).\n(^٥) العزيز (١/ ٢٤٦)، الإقناع (١/ ١٠٩).","vol":"1","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الفصل الثاني\nمكروهات التيمم</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تجديد التيمم.\nالمبحث الثاني: تكرار المسح.","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>المبحث الأول\nتجديد التيمم</span>\nقال النووي: «ويتصور تجديد التيمم في حق المريض والجريح ونحوهما ممن يتيمم مع وجود الماء إذا تيمم وصلى فرضًا ثم أراد نافلة، ويتصور في حق من لا يتيمم إلا مع عدم الماء إذا تيمم وصلى فرضًا ولم يفارق موضعه» (^١).\nوقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يستحب تجديد التيمم، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\nأنه لم ينقل في ذلك سنة، وليس فيه تنظيف (^٣).\nأن التيمم ليس مقصودًا لذاته، وإنما يؤتى به عند الحاجة، وهي فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، فلا يجعل مقصودًا كالوضوء (^٤).\nالقول الثاني: أنه يستحب تجديد التيمم، وهو وجه للشافعية (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٨٩، ١٩٠).\n(^٢) مراقي الفلاح (ص ٨٣)، الذخيرة (١/ ٢٥٠)، العزيز (١/ ٢٤٠)، المغني (٥/ ٧٦).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٩٠).\n(^٤) الذخيرة (١/ ٢٥٠)، مغني المحتاج (١/ ٢٦١).\n(^٥) حلية العلماء (١/ ١٨٨، ١٨٩)، المجموع (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":627},{"text":"واستدلوا على ذلك بالقياس على الوضوء، فكما يستحب تجديد الوضوء فكذا في بدله وهو التيمم (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه لا يستحب تجديد التيمم، وذلك لقوة ما استدلوا به.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>المبحث الثاني\nتكرار المسح</span>\nاختلف الفقهاء في حكم الزيادة على مسحة واحدة لكل من الوجه واليدين في التيمم، على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يستحب تكرار المسح للمتيمم، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أنه يستحب تكرار المسح للمتيمم، وهو وجه ضعيف للشافعية (^٢).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه لا يستحب تكرار المسح للمتيمم، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن ظاهر الآية الكريمة يدل على وجوب مسح الوجه واليدين دون تكرار في ذلك (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٠٧)، مراقي الفلاح (١/ ٧٢)، المنتقى (١/ ٣٩)، الذخيرة (١/ ٣٥٢)، الحاوي (٢/ ١٠٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٧)، شرح العمدة (١/ ٤١٣)، المغني (١/ ١٧٩).\n(^٢) العزيز (١/ ٢٤٦)، المجموع (٢/ ١٨٦).\n(^٣) المبسوط (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":629},{"text":"ثالثًا: من السنة:\nحديث عمار ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: «إنما يكفيك هكذا»، ومسح وجهه وكفيه واحدة (^١).\nوجه الدلالة:\nأن تأكيد الراوي على المرة بقوله: «واحدة» يدل على عدم استحباب التكرار في التيمم (^٢).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه يستحب تكرار المسح للمتيمم بالقياس على الوضوء، فكما يستحب في الوضوء التكرار فكذا في بدله وهو التيمم (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أن السنة فرقت بينهما (^٤)، كما في حديث عمار المتقدم أن النبي - ﷺ - مسح وجهه وكفيه واحدة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب التيمم ضربة [صحيح البخاري (١/ ١٣٣) حديث (٣٤٠)].\n(^٢) انظر: فتح الباري (١/ ٥٤٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ١٨٦).\n(^٤) المجموع (٢/ ١٨٦)، وانظر: بدائع الصنائع (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":630},{"text":"الوجه الثاني: أن في تكرار الغسل زيادة تنظيف بخلاف التيمم (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه لا يستحب تكرار المسح للمتيمم، وذلك لما يلي:\nقوة الأدلة وسلامتها من المعارضة.\nصراحة دلالة السنة الصحيحة على عدم تكرار المسح.\nأن التيمم مبني على التخفيف، والقول بتكرار المسح يستلزم نفي ذلك، فلا يستحب.\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>الباب السادس\nمبطلات التيمم وفاقد الطهورين</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: مبطلات التيمم.\nالفصل الثاني: فاقد الطهورين.","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>الفصل الأول\nمبطلات التيمم</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: مبطلات الوضوء.\nالمبحث الثاني: وجود الماء.\nالمبحث الثالث: خروج وقت الصلاة.\nالمبحث الرابع: زوال العذر المبيح للتيمم.\nالمبحث الخامس: الردة عن الإسلام.\nالمبحث السادس: الفصل الطويل بين التيمم والصلاة.\nالمبحث السابع: خلع ما يجوز المسح عليه.","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المبحث الأول\nمبطلات الوضوء</span>\nمبطلات: جمع مبطل، وهو اسم فاعل من أبطل الشيء يبطله إبطالًا، ومعناه: أفسده، أو أسقط حكمه (^١)، والمراد بمبطلات التيمم: الأمور التي يبطل بها التيمم، أو يسقط حكمه بسببها.\nوقد اتفق الفقهاء على أن كل ما ينقض الوضوء (^٢) أو الغسل (^٣) فإنه ينقض\n_________\n(^١) المصباح المنير (١/ ٥١، ٥٢).\n(^٢) ونواقض الوضوء باختصار هي:\nالخارج من السبيلين سواء كان معتادًا كبول ونحوه - وهذا باتفاق الفقهاء ـ، أو غير معتاد كدود ونحوه - وهو قول الجمهور خلافًا للمالكية ـ.\nالخارج من غير السبيلين كالدم، والقيح، وهذا عند الحنفية والحنابلة فقط.\nغيبة العقل بجنون، أو إغماء، أو سكر ونحو ذلك.\nمس المرأة بشهوة عند الجمهور خلافًا للحنفية.\nمس الذكر بدون حائل عند الجمهور خلافًا للحنفية.\nالردة عند المالكية، والحنابلة، ووجه للشافعية.\nكل ما يوجب الغسل يوجب الوضوء إلا الموت فإنه يوجب الغسل فقط.\nانظر: رد المحتار (١/ ٢٣٤ - ٢٥٢)، الشرح الكبير للدردير (١/ ١٩٠ - ٢٠٤)، مغني المحتاج (١/ ١٤٠ - ١٤٨)، المحرر (١/ ١٣ - ١٥).\n(^٣) نواقض الغسل باختصار هي:\nخروج المني دفقًا بلذة.\nالتقاء الختانين ولو لم يحصل إنزال.\nالحيض.\nالنفاس.\nموت المسلم غير الشهيد.\nانظر: الهداية (١/ ١٩، ٢٠)، الذخيرة (١/ ٢٩٠)، مغني المحتاج (١/ ٢١٢ - ٢١٤)، شرح منتهى الإردات (١/ ١٥٤ - ١٥٩).","vol":"1","page":637},{"text":"التيمم (^١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين»، وفي رواية: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم ...» الحديث (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن التيمم بدل عن الوضوء والغسل، وكل منهما أصل للتيمم، فإذا حدث ما يبطل الأصل فإن البدل يبطل من باب أولى.\n_________\n(^١) رد المحتار (١/ ٣٧٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٣)، المجموع (٢/ ٢٤٠)، المغني (١/ ٣٥٠، ٣٥١).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).","vol":"1","page":638},{"text":"ثانيًا: الإجماع:\nنقل ابن حزم الإجماع على انتقاض التيمم بما ينتقض به الوضوء، فقال: «وكل حدث ينقض الوضوء فإنه ينقض التيمم، هذا مما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإسلام» (^١).\n_________\n(^١) المحلى (١/ ٧٩).","vol":"1","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>المبحث الثاني\nوجود الماء</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: وجود الماء قبل الصلاة.\nالمطلب الثاني: وجود الماء أثناء الصلاة.\nالمطلب الثالث: وجود الماء بعد الصلاة.","vol":"1","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المطلب الأول\nوجود الماء قبل الصلاة</span>\nاتفق الفقهاء على أن من تيمم، ثم وجد الماء قبل شروعه في الصلاة، بطل تيممه، وعليه أن يستعمل الماء (^١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الصعيد الطيب وضوء المسلم إلى غاية وجود الماء، والممدود إلى غاية ينتهي عند وجودها (^٣).\nثانيًا: الإجماع:\nأجمع الفقهاء على أنه يبطل التيمم بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (^٤).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١١٠)، الهداية (١/ ٢٨)، التفريع (١/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٣)، الأم (٢/ ١٠٠)، المجموع (٢/ ٢٤١)، المغني (١/ ٣٤٨)، الفروع (١/ ٣١١).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٤٨).\n(^٤) انظر: الأوسط (٢/ ٦٥)، تحفة الفقهاء (١/ ٨٦)، الاستذكار (٣/ ١٦٨)، الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ٩٦)، تحفة المحتاج (١/ ٥٩٩، ٦٠٠)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":643},{"text":"قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنقض، وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي» (^١).\nوقال الوزير بن هبيرة: «وأجمعوا على أن المحدث إذا تيمم ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة أنه يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء قبل الدخول» (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\nأن التيمم بدل من مبدل يراد لغيره، فإذا وجد المبدل قبل التلبس بالمقصود وجب الرجوع إليه، كوجود النص قبل إنفاذ الحكم بالقياس المخالف له (^٣).\n_________\n(^١) الإجماع (ص ٣٦).\n(^٢) الإفصاح (١/ ١٦٧).\n(^٣) المنتقى (١/ ١١١)، المجموع (٢/ ٢٤١)، البحر الزخار (ص ١٢٨).","vol":"1","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المطلب الثاني\nوجود الماء أثناء الصلاة</span>\nإذا تيمم المصلي لعدم الماء وشرع في الصلاة، ثم وجد الماء في أثنائها، فهل يبطل تيممه ويلزمه استعمال الماء أم لا؟\nللفقهاء في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يبطل تيممه، وعليه أن يقطع صلاته ويستعمل الماء، وهو قول الحنفية، والشافعية إذا كان الفاقد ممن تلزمه الإعادة (^١)، وقول الحنابلة (^٢).\nالقول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، بل يمضي في صلاته ولا يقطعها، وهو قول المالكية، والشافعية إذا كان الفاقد ممن لا تلزمه الإعادة، ورواية عند الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١) والذي تلزمه الإعادة عند الشافعية هو: المتيمم لفقد الماء في الحضر، أو في مكان يغلب فيه وجود الماء، وأما الذي لا تلزمه الإعادة هو: المتيمم لفقد الماء في السفر، أو في مكان يغلب فيه عدم الماء. انظر: المجموع (٢/ ٢٤٧).\nوهذا التقسيم بناء على مذهب الشافعية في أن عدم وجود الماء في الحضر عذر نادر، فلو صلّى فيه بتيمم ثم وجد الماء أعاد، وعكسه السفر، وهو تقسيم ضعيف؛ لأنه لا دليل عليه، وقد تقدم مناقشة القول بوجوب الإعادة في الحضر في مبحث: حكم التيمم في الحضر (ص ٢٩٠).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٠)، بدائع الصنائع (١/ ٣٥٠)، المهذب (١/ ١٣٨)، المجموع (٢/ ٢٤٧)، المغني (١/ ٣٤٧)، الإنصاف (١/ ٢٨٣).\n(^٣) المصادر السابقة للشافعية والحنابلة، وانظر للمالكية: المدونة (١/ ٤٦)، التلقين (ص ٧١).","vol":"1","page":645},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون ببطلان التيمم والصلاة لمن وجد الماء في أثناء الصلاة، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ اشترط لطهارة التيمم عدم الماء، وقد وجد هنا فبطلت الطهارة، وإذا بطلت بطلت الصلاة (^١).\nثانيًا: من السنة:\nحديث أبي ذر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (^٢).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث بمفهومه على أن التيمم لا يكون طهورًا عند وجود الماء، ودل بمنطوقه على وجوب استعمال الماء عند وجوده (^٣).\n_________\n(^١) الانتصار (١/ ٣٩٥).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ٢٥).\n(^٣) المغني (١/ ٣٤٨)، المبدع (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":646},{"text":"المناقشة:\nنوقش استدلالهم بالآية والحديث بأنهما محمولان على واجد الماء قبل الدخول في الصلاة (^١).\nثالثًا: من المعقول:\n٥٠ - أن التراب بدل عن الماء، فإذا وجد الماء خلال الصلاة فقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود، والمبدل يبطل حكم البدل، فتعلق الحكم بالأصل (^٢).\n٥١ - أن ما أبطل الطهارة خارج الصلاة أبطلها فيها كالحدث (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بعدم بطلان التيمم والصلاة لمن وجد الماء أثناء الصلاة، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عبد الله بن زيد (^٤)\n﵁ قال: شكي إلى النبي - ﷺ - الرجل يخيل (^٥) إليه الشيء في الصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (^٦).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) رؤوس المسائل (ص ١١٩).\n(^٣) الانتصار (١/ ٣٩٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ١٠٢).\n(^٤) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني المدني، أبو محمد، شهد أحدًا وغيرها، قيل: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، روى عن النبي - ﷺ - حديث الوضوء وغيره، قُتل يوم الحرة سنة (٦٣ هـ).\n\nانظر: الاستعياب (٣/ ٩١٣)، الإصابة (٤/ ٩٨).\n(^٥) يخيل: أي يظن. النهاية (ص ٢٩٢)، فتح الباري (١/ ٢٨٦).\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن [صحيح البخاري (١/ ٦٤) حديث (١٣٧١)]، ومسلم - واللفظ له - في كتاب الحيض [صحيح مسلم (١/ ٢٧٦) حديث (٣٦١)].","vol":"1","page":647},{"text":"وجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - نهى عن قطع الصلاة بأي حال إلا بخروج الحدث المتيقن، ووجود الماء أثناء الصلاة ليس بحدث (^١).\nالمناقشة:\nنوقش استدلالهم بالحديث بأنه ليس بشيء؛ لأن معنى الحديث إذا خيل إليه بشيء فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، فليس في الحديث تعرض لغير التخييل (^٢).\nثانيًا: من المعقول:\nأنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة، وهو منهي عن إبطالها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (^٣).\nالمناقشة من وجهين (^٤):\nالوجه الأول: أن القول بأنه غير قادر لا يصح؛ لأن الماء قريب، وآلته صحيحة، والموانع منتفية.\n_________\n(^١) البيان (١/ ٣٢٦)، المجموع (٢/ ٢٥٢).\n(^٢) شرح مختصر الطحاوي (١/ ١٤٠)، شرح الزركشي (١/ ٣٦٧).\n(^٣) الذخيرة (١/ ٣٦٤)، شرح الزركشي (١/ ٣٦٧).\n(^٤) الانتصار (١/ ٣٩٥)، المغني (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":648},{"text":"الوجه الثاني: أن القول بأنه منهي عن إبطال الصلاة غير مسلم؛ لأنه لا يحتاج إلى إبطال الصلاة، بل هي تبطل بزوال الطهارة.\nأن المتيمم وجد المبدل بعد التلبس بمقصود البدل، فلم يلزمه الخروج، كما لو وجد الرقبة بعد التلبس بالصيام (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن القياس غير صحيح؛ لأن الصوم هو البدل نفسه، فنظيره إذا قدر على الماء بعد تيممه، ولا خلاف في بطلانه، ثم الفرق بينهما: أن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه؛ لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين بخلاف مسألتنا (^٢).\nأن المتيمم قد دخل في الصلاة كما أمر، فلا يجوز له أن ينقضها إلا بنص أو إجماع (^٣).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قد ثبت الاتفاق على أن وجود الماء يبطل التيمم، فهو مأمور باستعمال الماء حين وجوده في الصلاة، وغير الصلاة (^٤).\nأن رؤية الماء ليست حدثًا يقطع الصلاة؛ لأن هذا المصلي مأذون له في الدخول فيها بالتيمم، والأصل بقاء ذلك الإذن، فلا يجوز له قطعها (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٦)، العزيز (١/ ٢٤٨).\n(^٢) المغني (١/ ٣٤٨)، المبدع (١/ ١٨٢).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٦)، الأوسط (٢/ ٦٦).\n(^٤) انظر: المحلى (١/ ٨١).\n(^٥) الذخيرة (١/ ٣٦٣)، المجموع (٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":649},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن وجود الماء لما كان مانعًا من صحة الابتداء وجب أن يمنع البقاء، كالحدث لما منع الابتداء منع البقاء (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل ببطلان التيمم والصلاة لمن وجد الماء في أثناء الصلاة، وذلك لقوة أدلتهم، ولأنه أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة، وينقضها في غير الصلاة (^٢).\n_________\n(^١) شرح مختصر الطحاوي (١/ ١٤١).\n(^٢) بداية المجتهد (١/ ١٤٤).","vol":"1","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>المطلب الثالث\nوجود الماء بعد الصلاة</span>\nأجمع الفقهاء على أن من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، فلا إعادة عليه (^١)، قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن من تيمم وصلى ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، أن لا إعادة عليه» (^٢).\nواتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه، إلا أن الشافعية فرقوا بين الحضر والسفر، فأوجبوا الإعادة في الحضر دون السفر (^٣).\nواستدل الفقهاء على عدم الإعادة، بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا\n_________\n(^١) الأوسط (٢/ ٦٣)، الإفصاح (١/ ١٦٩)، بدائع الصنائع (١/ ٣٦٠)، التمهيد (١٧/ ٥٨)، قوانين الأحكام الشرعية (ص ٥٣)، رحمة الأمة (ص ١٨)، مغني ذوي الأفهام (ص ٩٥).\n(^٢) الإجماع (ص ٣٦).\n(^٣) المبسوط (١/ ١١٠)، بدائع الصنائع (١/ ٣٦٠)، المدونة (١/ ٤٥)، التلقين (ص ٧١)، المهذب (١/ ١٣٧)، المجموع (٢/ ٢٤٢)، المستوعب (١/ ٣١٠)، الإنصاف (١/ ٢٨٣).","vol":"1","page":651},{"text":"ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أفضلية عدم إعادة الصلاة لقوله - ﷺ -: «أصبت السنة» (^٢)، والأخذ بالسنة أفضل من تركها.\nثانيًا: من الأثر:\nما روي عن ابن عمر ﵄ أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم، فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة (^٣).\nثالثًا: من المعقول:\nأن المتيمم أدى فرضه كما أمر فلم يلزمه الإعادة، كما لو وجد الماء بعد الوقت (^٤).\nأن عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة كالمرض (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٣).\n(^٢) نيل الأوطار (١/ ٣١٢).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٣٩)، وإسناده صحيح.\n(^٤) المنتقى (١/ ١١٢)، الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٢٦).\n(^٥) الإشراف (١/ ١٦٥)، المغني (١/ ٣٢٠).","vol":"1","page":652},{"text":"وأما تقسيم الشافعية فهو مبني على القول بوجوب الإعادة على المتيمم في الحضر؛ لأن فقد الماء في الحضر عذر نادر، وقد تقدم مناقشة هذا القول وبيان ضعفه (^١).\n_________\n(^١) انظر: (ص ...).","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>المبحث الثالث\nخروج وقت الصلاة</span>\nاختلف الفقهاء في بطلان التيمم بخروج وقت الصلاة على قولين:\nالقول الأول: أن التيمم يبطل بخروج الوقت، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nالقول الثاني: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وهو قول الحنفية، ورواية عند الحنابلة (^٢).\nسبب الخلاف:\nأصل الاختلاف في هذه المسألة مبني على الاختلاف في التيمم، هل هو رافع للحدث أم مبيح؟ فمن رأى بأن التيمم لا يرفع الحدث قال ببطلان التيمم بخروج وقت الصلاة، ومن رأى بأن التيمم رافع للحدث قال بعدم البطلان.\nوقد تقدم بحث مسألة: هل التيمم يرفع الحدث أم لا؟ (^٣) وأن الراجح أن التيمم كالوضوء في رفع الحدث.\n_________\n(^١) المدونة (١/ ٤٨)، التلقين (ص ٧١)، المهذب (١/ ١٣٥)، المجموع (٢/ ٢٣٤)، المغني (١/ ٣٤١)، الإنصاف (١/ ٢٨٠).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٤٤)، المستوعب (١/ ٣٠٦)، الإنصاف (١/ ٢٨٢).\n(^٣) انظر: (ص ٢١١).","vol":"1","page":654},{"text":"وتقدم أيضًا بحث هذه المسألة - بطلان التيمم بخروج الوقت - في مطلب: إذا نوى بتيممه فريضة، فهل يصلي به أكثر من فريضة؟ (^١) حيث إن المالكية والشافعية أوجبوا التيمم لكل صلاة، وأما الحنابلة فأوجبوا التيمم لوقت كل صلاة ما لم يخرج الوقت، وذكرنا أن الراجح هو قول الحنفية القائل بأن المتيمم يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث.\n_________\n(^١) انظر: (ص ٣١٢).","vol":"1","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المبحث الرابع\nزوال العذر المبيح للتيمم</span>\nاتفق الفقهاء على بطلان التيمم بزوال العذر المبيح له كذهاب عدو يخاف منه، وشفاء مريض من مرضه، ووجود آلة يستقي بها الماء، ونحو ذلك مما يجعل الإنسان قادرًا على استعمال الماء بعد أن كان معذورًا بعدم القدرة على استعماله (^١).\nوعللوا ذلك بأن ما جاز لعذر بطل بزواله (^٢).\n_________\n(^١) البحر الرائق (١/ ٢٦٦، ٢٦٧)، حاشية الخرشي (١/ ٣٦٥)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٧)، التنقيح المشبع (ص ٦٥).\n(^٢) الدر المختار (١/ ٣٧٩)، كشاف القناع (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":656},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>المبحث الخامس\nالردة عن الإسلام</span>\nالردة: هي قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل مكفر (^١).\nإذا تيمم المسلم ثم ارتد عن الإسلام - والعياذ بالله - ثم أسلم، فهل يبطل تيممه أم لا؟ للفقهاء في هذه المسألة قولان (^٢):\nالقول الأول: أنه يبطل تيممه، وهو قول زفر من الحنفية، ومذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه لا يبطل تيممه، وهو مذهب الحنفية، ووجه للشافعية.\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه يبطل التيمم بالردة، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ أخبر أن الشرك يحبط العمل، والطهارة عمل، فيجب\n_________\n(^١) التوقيف على مهمات التعاريف (ص ٣٦٢)، المطلع (ص ٢٥).\n(^٢) الأصل (١/ ١١٣)، بدائع الصنائع (١/ ٣٣٣)، حاشية البناني (١/ ٢٢١، ٢٢٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٠)، المجموع (٢/ ٦)، مغني المحتاج (١/ ٢٦٧)، المغني (١/ ٢٣٨)، الإنصاف (١/ ٢١٣، ٢٨٣).","vol":"1","page":657},{"text":"أن تحبط بالشرك (^١).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الردة تحبط ثواب العمل، وذلك لا يمنع زوال الحدث كمن توضأ رياء، فإن الحدث يزول به وإن كان لا يثاب على وضوئه (^٢).\nثانيًا: من الآثار:\nما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «الحدث حدثان: حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان» (^٣).\nوجه الدلالة:\nدل الأثر على أن الردة تعتبر حدثًا، والحدث يبطل الطهارة (^٤).\nثالثًا: من المعقول:\nأن الطهارة عبادة لا تصح مع الردة ابتداء، فلا تبقى معها دوامًا كالصلاة (^٥).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٢٣٨).\n(^٢) شرح العناية (١/ ١٣٣)، رد المحتار (١/ ٣٧٩).\n(^٣) أخرجه البخاري في الضعفاء الصغير (ص ٣٦)، ط: دار الوعي ١٣٩٦ هـ، وسنده ضعيف لضعف حاجب الأزدي، قال عنه ابن عيينة: كان رأسًا في الإباضية، وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ ويهم. انظر: الضعفاء الصغير (ص ٣٦)، لسان الميزان (٢/ ١٤٦).\n(^٤) المغني (١/ ٢٣٨).\n(^٥) المبسوط (١/ ١١٧)، التعليقة الكبرى (ص ٩٩٦)، المغني (١/ ٢٣٨).","vol":"1","page":658},{"text":"المناقشة:\nيمكن مناقشته بأن الردة وقعت بعد فراغ العبادة فلم تبطلها، كالصوم والصلاة بعد الفراغ منها (^١).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأنه لا يبطل التيمم بالردة، بما يلي:\nأن التيمم لا يبطله إلا الحدث أو وجود الماء، والردة ليست واحدة منهما (^٢).\nأن التيمم وقع طهارة صحيحة، فلا يبطل بالردة كالوضوء (^٣).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن المقيس عليه مختلف فيه (^٤)، فبطل القياس.\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٧).\n(^٢) المبسوط (١/ ١١٧)، التعليقة الكبرى (ص ٩٩٧).\n(^٣) بدائع الصنائع (١/ ٣٣٤)، البحر الرائق (١/ ٢٦٥).\n(^٤) اختلف الفقهاء في نقض الوضوء بالردة على قولين:\nالقول الأول: أن الردة تبطل الوضوء، وهو المشهور عند المالكية، ووجه للشافعية، ومذهب الحنابلة.\nالقول الثاني: أن الردة لا تبطل الوضوء، وهو مذهب الحنفية، وبعض المالكية، والأصح عند الشافعية.\nانظر: المبسوط (١/ ١١٦، ١١٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٥)، المجموع (٢/ ٦)، المغني (١/ ٢٣٨).","vol":"1","page":659},{"text":"الترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأنه لا يبطل التيمم بالردة، وذلك لوجاهة ما استدلوا به، في مقابل ضعف أدلة القول الأول بما حصل من مناقشة.","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المبحث السادس\nالفصل الطويل بين التيمم والصلاة</span>\nاختلف الفقهاء في الفصل الطويل بين التيمم والصلاة هل يبطل التيمم أم لا؟ وذلك على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يبطل التيمم، وهو قول جمهور الفقهاء.\nالقول الثاني: أنه يبطل التيمم، وهو قول المالكية.\nوقد تقدم بحث هذه المسألة في مبحث: حكم الموالاة بين التيمم والصلاة (^١)، فأغنى عن إعادته هنا.\n_________\n(^١) انظر: (ص ٤٦٦).","vol":"1","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المبحث السابع\nخلع ما يجوز المسح عليه</span>\nإذا تيمم الشخص وعليه خفان أو عمامة لبسهما على طهارة مائية، ثم خلع ذلك بعد أن تيمم، فهل يبطل تيممه أم لا؟\nللفقهاء في هذه المسألة قولان (^١):\nالقول الأول: أن ذلك لا يبطل التيمم، وهو ظاهر مذهب الحنفية (^٢)، والمذهب عند المالكية والشافعية، وقول عند الحنابلة.\nالقول الثاني: أن ذلك يبطل التيمم، وهو مذهب الحنابلة، ومن مفردات المذهب الحنبلي (^٣).\n_________\n(^١) البيان والتحصيل (١/ ١٦٥)، المجموع (٢/ ٢٥٨)، المحرر (١/ ٢٣)، الإنصاف (١/ ٢٨٣).\n(^٢) لم أجد نصًا للحنفية في هذه المسألة، وقياس أصولهم يقتضي ذلك، وذلك لأنهم لم يذكروا في مبطلات التيمم خلع ما يجوز المسح عليه. انظر: الاختيار (ص ٢٩، ٣٠)، رد المحتار (١/ ٣٧٧ - ٣٨٠).\nولأن مذهبهم أيضًا أن نزع الخف الممسوح عليه في الوضوء لا يبطل الوضوء، بل يكفي في ذلك غسل الرجلين فقط. انظر: المبسوط (١/ ١٠٢، ١٠٣)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٩).\nفإذا كان نزع الخف الممسوح عليه في الوضوء لا يبطل الوضوء عندهم فأولى أن يكون نزعه لا ينقض التيمم وهو لم يمسح عليه.\n(^٣) الفروع (١/ ٣١٣)، المنح الشافيات (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":662},{"text":"أدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأنه لا يبطل التيمم إذا خلع ما يجوز المسح عليه، بما يلي:\nأن التيمم طهارة لم يمسح فيها على الخفين، فلا تبطل هذه الطهارة بنزع الخف، كطهارة الماء (^١).\nوالمقصود بهذا الدليل: قياس نزع الخف في مسألة التيمم على نزعه في الوضوء بجامع أن كلا منهما نزع لخف لم يمسح عليه في تلك الطهارة.\nأنه لو كان الخف الملبوس لا يجوز المسح عليه فإن الطهارة لا تبطل بنزعه، فكذلك هاهنا (^٢).\nأنه لو لبس عمامة ومسح على رأسه من تحتها ثم نزعها فإن طهارته لا تبطل بنزعها فكذلك هاهنا (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا على بطلان التيمم بأن خلع الخف من مبطلات الوضوء، وما أبطل الوضوء أبطل التيمم (^٤).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٥٠)، المبدع (١/ ١٨١).\n(^٢) المصدران السابقان.\n(^٣) الشرح الكبير لابن قدامة (٢/ ٢٤٤).\n(^٤) رؤوس المسائل في الخلاف (١/ ٧٩)، كشاف القناع (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":663},{"text":"المناقشة:\nنوقش بأن الذي يبطل الوضوء هو نزع الخف الممسوح عليه في ذلك الوضوء، وذلك غير موجود في التيمم (^١).\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بأنه لا يبطل التيمم إذا خلع ما يمسح عليه، وذلك لما يلي:\nلقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.\nضعف دليل القول الثاني بما حصل من مناقشة.\nأنه لم يثبت دليل شرعي يدل على بطلان طهارة التيمم بخلع ما يجوز المسح عليه، والأصل عدم البطلان حتى يرد دليل صحيح يدل على البطلان.\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٥١)، المنح الشافيات (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":664},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>الفصل الثاني\nفاقد الطهورين</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nالمبحث الأول: حكم صلاة فاقد الطهورين.\nالمبحث الثاني: صفة صلاة فاقد الطهورين.","vol":"1","page":665},{"text":"تمهيد\n\nالمراد بفاقد الطهورين: هو الشخص الذي لا يجد لطهوره ماء، ولا صعيدًا طيبًا.\nوقد اعتنى العلماء ﵏ بهذه المسألة، وبينوا حكمها في كتبهم، والسبب في ذلك ممتد من عظم شأن ما تتعلق به هذه المسألة، وهي: الصلاة التي هي ركن من أركان هذا الدين، والتي هي العهد الذي بين العبد وربه، فاعتنوا بهذه المسألة لما ينبني عليها من أحكام من حيث صحة صلاة العبد وفسادها.\nوأيضًا لما في هذه المسألة من الحرج والضيق على الشخص، حيث إنه مأمور بتأدية ما أوجب الله عليه من الطهارة والصلاة، فهل يصلي على حالته أم يترك الصلاة لفقد شرطها؟ وإذا صلى على حاله فهل يصلي كما يصلي المتطهر أم لا؟\nالجواب سيتضح - إن شاء الله - من خلال المبحثين التاليين:","vol":"1","page":667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المبحث الأول\nحكم صلاة فاقد الطهورين</span>\nإذا فقد المحدث الطهورين كأن يُحبس في موضع ليس فيه واحد منهما، أو حبس في موضع نجس وليس لديه ماء، أو كان لديه ماء يحتاج إليه لعطش، وكالمصلوب على خشبة ونحوها، وكمن كان في سفينة ولا يستطيع الوصول إلى الماء، وكمن كان على دابته ويخاف على نفسه إن نزل منها (^١)، ونحو ذلك من الصور التي لا يستطيع الشخص استعمال الطهورين فيها، فهل يصلي بدون طهارة أم تسقط عنه الصلاة؟\nللفقهاء في هذه المسألة أربعة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يصلي على حاله، بل يقضي إذا وجد أحد الطهورين، وهو قول أبي حنيفة، وأصبغ (^٢) من المالكية، وقول للشافعية (هو قول قديم للشافعي) (^٣).\n_________\n(^١) ومثله في زماننا من كان في سيارته وخاف على نفسه أو على من معه كأهله الضرر إن نزل منها، وكذلك من كان في الطائرة أو في القطار ويستحيل عليه النزول منهما.\n(^٢) هو: أبو عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع المصري المالكي، الإمام الفقيه المحدث، وكان قد رحل إلى المدينة ليسمع من مالك، فدخلها يوم مات، كان من أعلم الناس برأي مالك، روى عنه البخاري وغيره، توفي سنة (٢٢٥ هـ).\nانظر: ترتيب المدارك (١/ ٣٢٥ - ٣٢٨)، الديباج المذهب (ص ٩٧).\n(^٣) الأصل (١/ ١٢٥)، المبسوط (١/ ١٢٣)، الذخيرة (١/ ٣٥٠)، العزيز (١/ ٢٦٢)، المجموع (٢/ ٢٢٣).","vol":"1","page":668},{"text":"القول الثاني: أنه يصلي على حسب حاله، ويجب عليه الإعادة إذا وجد أحد الطهورين، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وابن القاسم (^١)\nمن المالكية، والصحيح عند الشافعية (هو قول الإمام الشافعي في الجديد)، ورواية عند الحنابلة (^٢).\nالقول الثالث: أنه يصلي في الحال، وليس عليه إعادة، وهو قول أشهب (^٣) من المالكية، وقول للشافعية (هو قول قديم للشافعي) واختاره المزني، وهو مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة، العتقي بالولاء، الإمام، الفقيه المالكي، جمع بين الزهد والعلم، وتفقه بالإمام مالك وصحبه عشرين سنة، وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وهو صاحب المدونة، ولد سنة (١٣٢ هـ)، وقيل: (١٢٨ هـ)، وتوفي بمصر سنة (١٩١ هـ).\n\nانظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٢٩، ١٣٠)، الديباج المذهب (ص ١٤٦، ١٤٧).\n(^٢) الأصل (١/ ١٢٥)، المبسوط (١/ ١٢٣)، الاستذكار (٣/ ١٥٠)، الأم (٢/ ١٠٧)، المجموع (٢/ ٢٢٣)، المغني (١/ ٣٢٧، ٣٢٨)، الإنصاف (١/ ٢٦٩، ٢٧٠).\nملاحظة: اختلفت الروايات عن محمد بن الحسن، فروي عنه مثل قول أبي حنيفة، وروي عنه مثل قول أبي يوسف. انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٢٦)، البحر الرائق (١/ ٢٨٦).\n(^٣) هو: أبو عمر أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي العامري، الإمام، الفقيه المالكي، وأشهد لقب، واسمه مسكين، تفقه بمالك، كان نبيلًا، حسن النظر، ألف مدونة تسمى مدونة أشهب، توفي سنة (٢٠٤ هـ).\nانظر: ترتيب المدارك (١/ ٢٥٩ - ٢٦٢)، الديباج المذهب (ص ٩٨، ٩٩).\n(^٤) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٦٤)، العزيز (١/ ٢٦٤)، المجموع (٢/ ٢٢٣، ٢٢٥)، المحرر (١/ ٢٣)، الإنصاف (١/ ٢٦٩، ٢٧٠).","vol":"1","page":669},{"text":"القول الرابع: أنه لا يصلي على حاله ولا يقضي، وهو مذهب المالكية (^١).\nأدلة القول الأول:\nاستدل القائلون بأن فاقد الطهورين لا يصلي حتى يجد أحد الطهورين فيقضي، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].\nوجه الدلالة:\nأن الله ﷾ نهى عن قربان الصلاة إلا بطهارة، فدل على أنه لا يجوز الدخول فيها بالحدث.\nثانيًا: من السنة:\nحديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور» (^٢).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - نفى القبول عن الصلاة التي تؤدى بغير طهارة، وما لا يقبل لا يشرع فعله (^٣).\n_________\n(^١) التاج والإكليل (١/ ٥٢٨ - ٥٣٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٩، ٥٣٠)، شرح الزرقاني (١/ ٢٣٠).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص ١٨٦).\n(^٣) رد المحتار (١/ ٣٧٤)، الذخيرة (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":670},{"text":"المناقشة:\nنوقش استدلالهم بالآية والحديث بأنهما محمولان على من قدر على الطهارة بالماء أو التراب، لا على من لا يقدر على الطهارة (^١).\nثالثًا: من المعقول:\nأن عدم الطهارة أصلًا وبدلًا يمنع من انعقاد الصلاة، كالحائض (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الحائض مكلفة بترك الصلاة، لا طريق لها إلى فعلها ولو وجدت الطهور، وهذا بخلافها (^٣).\nأن الصلاة عبادة لا يسقط قضاؤها، فلم تكن واجبة عند العجز عن الطهارة، كصيام الحائض (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس لا يصح؛ لأن الصوم يدخله التأخير بخلاف الصلاة، بدليل أن المسافر يؤخر الصوم دون الصلاة (^٥).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٢٦)، المحلى (١/ ٨٩).\n(^٢) المنتقى (١/ ١١٦)، الحاوي (٢/ ١٠٦٧).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٢٦)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣٠).\n(^٤) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٧).\n(^٥) المغني (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":671},{"text":"أدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بأن فاقد الطهورين يصلي ويعيد، بمايلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث عائشة ﵂: «أنها استعارت من أسماء (^١)\nقلادة فهلكت (^٢)، فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا (^٣) فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فأنزل الله آية التيمم» (^٤).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين، وذلك لأنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي - ﷺ -، فكان هذا شرعًا عامًا حتى يرد الدليل الرافع له (^٥).\n_________\n(^١) هي: أسماء بنت أبي بكر الصديق، أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله ابن الزبير فوضعته بقباء، كانت تسمى بذات النطاقين، روت عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث، توفيت بمكة سنة (٧٣ هـ).\n\nانظر: الاستيعاب (٤/ ١٧٨٣)، الإصابة (٧/ ٤٨٦).\n(^٢) هلكت: أي سقطت وضاعت. لسان العرب (١٠/ ٥٠٦)، فتح الباري (١/ ٥١٩).\n(^٣) هذا الرجل هو: أُسيد بن حُضير، وقد صرح بذلك أبو داود في رواية له عن عائشة ﵂. سنن أبي داود (١/ ٨٦).\n(^٤) أخرجه البخاري - واللفظ له - في كتاب التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا [صحيح البخاري (١/ ١٢٨) حديث (٣٢٩)]، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم [صحيح مسلم (١/ ٢٧٩) حديث (٣٦٧)].\n(^٥) إكمال المعلم (٢/ ٢١٩)، معالم السنن (١/ ٨٣، ٨٤)، فتح الباري (١/ ٥٢٤).","vol":"1","page":672},{"text":"حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (^١).\nوجه الدلالة:\nأن العجز عن الطهارة لا يبيح ترك الصلاة؛ لأنه مأمور بالصلاة بشروطها، فمتى عجز عن بعضها أتى بما قدر عليه منها (^٢).\nواستدلوا على وجوب الإعادة بما يلي:\nأولًا: من السنة:\nحديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور» (^٣).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على أن الصلاة بغير طهارة غير مقبولة، وإذا كانت غير مقبولة فلابد من إعادتها.\nالمناقشة:\nنوقش هذا الدليل بما نوقش به دليل الكتاب والسنة من أدلة القول الأول.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٩٧).\n(^٢) المهذب (١/ ١٣٣)، الحاوي (٢/ ١٠٦٨).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ١٨٦).","vol":"1","page":673},{"text":"ثانيًا: من المعقول:\nأن العجز عن الطهارة عذر نادر غير متصل، فلم تسقط الإعادة، كمن صلى محدثًا ناسيًا، فإنه يلزمه الإعادة (^١).\nالمناقشة من وجهين:\nالوجه الأول: أنكم إذا أوجبتم عليه الإعادة إذا قدر على الماء أو التيمم، لم يكن أمركم إياه بالصلاة معنى (^٢).\nالوجه الثاني: أن القياس على إعادة صلاة من صلى محدثًا لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن من صلى محدثًا ناسيًا حدثه لم يكن مأمورًا بتلك الصلاة، وإنما أمره الله أن يصلي بالطهارة، فإذا صلى بغير طهارة كان عليه الإعادة، بخلاف العاجز عن الطهارة فإنه فعل كما أمر وبما قدر عليه، فلم تلزمه الإعادة (^٣).\nأدلة القول الثالث:\nاستدل القائلون بأن فاقد الطهورين يصلي ولا يعيد، بما يلي:\nأولًا: من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٢٥)، المبدع (١/ ١٧٤).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٩)، التمهيد (١٩/ ٢٧٨).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٤٨).","vol":"1","page":674},{"text":"ثانيًا: من السنة:\nحديث أبي هريرة ﵁ السابق وفيه: «... وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (^١).\nوجه الدلالة:\nهذه النصوص تدل على أنه لا يكلف المرء في العبادة إلا ما استطاعه، وأن ما لم يستطعه لا يكلف به (^٢)، وفاقد الطهورين لا يستطيع الصلاة إلا بتلك الحال، فوجب عليه ذلك.\nحديث عائشة ﵂ السابق وفيه: «... فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله آية التيمم» (^٣).\nوجه الدلالة:\nأن النبي - ﷺ - لم يأمرهم بإعادة ما صلوه مع الحدث، بل ولا أنكر صنيعهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (^٤).\nالمناقشة:\nنوقش بأن الإعادة لا تجب على الفور، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٩٧).\n(^٢) المحلى (١/ ٨٨).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٥٢٠).\n(^٤) الذخيرة (١/ ٣٥١)، المبدع (١/ ١٧٤)، فتح الباري (١/ ٥٢٤).\n(^٥) المجموع (٢/ ٢٢٦)، فتح الباري (١/ ٥٢٤، ٥٢٥).","vol":"1","page":675},{"text":"الجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن هذا التعقيب ليس بجيد، والصواب وجوب الإعادة على الفور عند وجود مقتضيها، فلما لم يأمرهم النبي - ﷺ - بالإعادة دل على عدم وجوبها (^١).\nالوجه الثاني: أنه على التسليم بصحة ما قالوه، فإنه لابد من دليل آخر يدل على وجوب الإعادة، فالإعادة إنما تجب بأمر جديد، ولم يثبت الأمر، والأصل عدمه، فلا تجب الإعادة (^٢).\nثالثًا: من المعقول:\nأن الطهارة شرط للصلاة فلا تؤخر لفقدان هذا الشرط، كالسترة واستقبال القبلة (^٣).\nأن المكلف قد فعل ما أمر به باستطاعته، فلا إعادة عليه (^٤).\nأن إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم واحد، وذلك ممنوع (^٥).\nأدلة القول الرابع:\nاستدل القائلون بأن الفاقد للطهورين لا يصلي ولا يقضي، بما يلي:\n_________\n(^١) هذا تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ على فتح الباري (١/ ٥٢٤).\n(^٢) شرح صحيح مسلم (٤/ ٢٨٣)، فتح الباري (١/ ٥٢٥).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٥٢٩)، الانتصار (١/ ٤١٧).\n(^٤) نهاية المحتاج (١/ ٣١٨)، المغني (١/ ٣٢٨).\n(^٥) الإشراف (١/ ١٧١)، المجموع (٢/ ٢٢٥)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٤٨).","vol":"1","page":676},{"text":"أولًا: من السنة:\nحديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور» (^١).\nوجه الدلالة:\nدل الحديث على عدم قبول الصلاة التي بغير طهور، وما لا يقبل لا يشرع فعله.\nالمناقشة:\nنوقش هذا الدليل بما نوقش به دليل السنة من أدلة القول الأول.\nثانيًا: من المعقول:\nأن هذا محدث لا يقدر على رفع حدثه ولا استباحة الصلاة، فلم تجب عليه صلاة ولا قضاء كالحائض (^٢).\nالمناقشة:\nنوقش بأنه قياس لا يصح، وذلك للأمور التالية (^٣):\nأن النبي - ﷺ - قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وهذا يستطيع الصلاة.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ١٨٦).\n(^٢) الإشراف (١/ ١٧٠، ١٧١)، الشرح الصغير (١/ ٢٠١).\n(^٣) المغني (١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":677},{"text":"قياس الطهارة على سائر شرائط الصلاة أولى من قياسها على الحائض؛ لأن الحيض أمر معتاد يتكرر عادة، والعجز هاهنا عذر غير معتاد فلا يصح قياسه على الحيض.\nأن هذا عذر نادر فلم يُسقط الفرض، كنسيان الصلاة، وفقد سائر الشروط.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثالث القائل بأن فاقد الطهورين يصلي في الحال، وليس عليه إعادة، وذلك لما يلي:\nلقوة أدلتهم، وسلامتها من المعارضة، في مقابل ضعف أدلة المخالفين بما حصل من مناقشة.\nأن الصحابة ﵃ قد صلوا بلا وضوء عند فقدهم الماء، والوضوء هو الأصل، فإذا جاز أن يصلي المكلف على حاله بلا وضوء عند فقدان الماء وهو الأصل، فلأن يجوز أن يصلي المكلف عند فقدان الماء والتراب الذي هو بدل عن الأصل من باب أولى.\nأن هذا القول هو الموافق لسماحة الشريعة الإسلامية ويسرها، وحرصها على رفع الحرج عن المكلف.","vol":"1","page":678},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>المبحث الثاني\nصفة صلاة فاقد الطهورين</span>\nإذا قلنا بأن فاقد الطهورين يصلي على حسب حاله، سواء قيل بالقضاء أو لا، فهل له أن يزيد على ما يجزئ في الصلاة، وهل له أن يتنفل ويمس المصحف ونحو ذلك؟ في هذا خلاف بين الفقهاء:\nالقول الأول: أنه يصلي الفرض فقط، وليس له أن يصلي نافلة، ولا أن يمس المصحف، وإن كانت امرأة انقطع حيضها فليس له أن يطأها، وهو قول الشافعية والحنابلة (^١).\nوأضاف الشافعية: أنه لا يقرأ في الصلاة غير الفاتحة في حال الجنابة وانقطاع دم الحيض (^٢).\nوأما الحنابلة فقالوا: لا يزيد على ما يجزئ في الصلاة من قراءة وغيرها، فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود أو جلوس بين السجدتين، ولا على ما يجزئ في التشهدين (^٣).\n_________\n(^١) المجموع (٢/ ٢٢٣)، نهاية المحتاج (١/ ٣١٨)، الفروع (١/ ٢٩٣)، الإنصاف (١/ ٢٦٩).\n(^٢) مغني المحتاج (١/ ٢٧٤).\n(^٣) الإنصاف (١/ ٢٦٩، ٢٧٠)، كشاف القناع (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":679},{"text":"القول الثاني: أنه يجوز لعادم الطهورين أن يزيد على ما يجزئ في الصلاة من قراءة وغيرها، وله أيضًا أن يصلي النافلة، وأن يمس المصحف، وأن يطأ الحائض عند انقطاع حيضها، وهو قول لبعض الحنابلة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nالقول الثالث: أنه يصلي صلاة صورية، وذلك بأن يركع ويسجد بدون قراءة أو تسبيح أو تشهد أو استفتاح، ولا ينوي بذلك صلاة، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن (^٢).\nأدلة القول الأول:\nاستدلوا بأنه يجب الطهارة لهذه العبادات، ولا حاجة إلى النوافل بلا طهارة، وإنما جاز الفرض بلا طهارة للضرورة محافظة على حرمتها (^٣).\nأدلة القول الثاني:\nاستدلوا بأن تحريم الصلاة بلا طهارة إنما يثبت مع من قدر على الطهارة، لا على من لم يقدر عليها، وإذا صح الفرض بلا طهارة فالنافلة من باب أولى (^٤).\n_________\n(^١) الاختيارات الفقهية (ص ٢١)، الإنصاف (١/ ٢٦٩).\n(^٢) بدائع الصنائع (١/ ٣٢٦)، رد المحتار (١/ ٣٧٤، ٣٧٥).\n(^٣) المجموع (٢/ ٢٢٣)، كشاف القناع (١/ ٤٠٥).\n(^٤) شرح العمدة (١/ ٤٥٥)، الفروع (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":680},{"text":"أدلة القول الثالث:\nاستدلوا بأن صلاة فاقد الطهورين ليست بصلاة في الحقيقة، وإنما هو تَشبهٌ بالمصلين لشرف الوقت (^١).\nالمناقشة:\nيمكن مناقشته بأن صلاة فاقد الطهورين إذا لم تكن صلاة فلا يؤمر بالقيام بها.\nالترجيح:\nالراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بالجواز؛ وذلك لوجاهة ما استدلوا به، ولأن القول بعدم الجواز يحتاج إلى دليل صحيح يدل عليه، فإن الصحابة رضوان الله عليهم صلوا بغير طهارة كما في حديث عائشة ﵂ (^٢)، ولم ينقل أنهم اقتصروا على ما يجزئ فيها، والله أعلم.\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ١٢٣)، رد المحتار (١/ ٣٧٤، ٣٧٥).\n(^٢) تقدم ذكره وتخريجه (ص ٥٢٠).","vol":"1","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي ختم الله به الرسل والرسالات، وبعد:\nفهذه خاتمة المطاف لهذا البحث، الذي استفدت منه فوائد جمة، وتوصلت فيه إلى نتائج مهمة، ومن أبرز هذه النتائج التي توصلت إليها ما يلي:\nأن الأمة قد أجمعت على مشروعية التيمم عند عدم الماء، أو عند الخوف من استعماله.\nأن التيمم من خصائص أمة محمد - ﷺ -، ولم يكن مشروعًا لأمة من الأمم قبلها.\nعدم وجوب طلب الماء لمن تيقن من عدمه في المكان الذي هو فيه.\nوجوب طلب الماء لمن شك في وجوده.\nأن من وجد من الماء بعض ما يكفيه فإنه يتيمم، ولا يستعمل الماء.\nصحة تيمم من أراق الماء أو باعه أو وهبه بعد دخول الوقت.\nجواز التيمم لمن كان مرضه يسيرًا، ويخاف معه حدوث علة أو زيادتها عند استعمال الماء.\nمن كان بعض بدنه جريحًا وبعضه صحيحًا، فإنه يجب عليه غسل الصحيح من بدنه، والتيمم عن الجريح.","vol":"1","page":682},{"text":"أنه لا يجب الجمع بين المسح بالماء والتيمم في طهارة الجبيرة، أو العصابة التي توضع على الجروح، وإنما يكفي المسح فقط.\nجواز التيمم لمن كان معه ماء وهو يحتاج إليه لشرب ونحوه.\nجواز التيمم للصحيح في السفر أو الحضر إذا خاف على نفسه الضرر من استعمال الماء لشدة البرد، ولم يجد ما يسخن به الماء، وسواء أكان ذلك في الحدث الأكبر أو الأصغر، وإذا صلى بتيممه فلا إعادة عليه.\nعدم جواز التيمم لمن وجد الماء ويخاف باستعماله فوات الوقت للصلوات المكتوبة والجمعة، وصلاة الجنازة والعيدين ونحوهما.\nأن التيمم عزيمة في حق عادم الماء، ورخصة في حق من يجد الماء ولا يقدر على استعماله.\nأن التيمم يرفع الحدث إلى حين وجود الماء.\nعدم اشتراط دخول الوقت لصحة التيمم، بل يصح التيمم في كل وقت.\nمَن عَدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم والصلاة في أول الوقت وآخره ووسطه.\nاستحباب تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت لمن تيقن عدم وجود الماء في الوقت.\nاستحباب تأخير التيمم والصلاة إلى آخر الوقت لمن تيقن وجود الماء في آخر الوقت أو غلب ذلك على ظنه.","vol":"1","page":683},{"text":"جواز الوطء لعادم الماء.\nجواز إمامة المتيمم للمتطهر بالماء.\nمشروعية التيمم عند الحدث الأصغر والأكبر.\nعدم جواز التيمم للنجاسة إذا كانت على الثوب أو البدن.\nمن اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ماء يكفي أحدهما، فإنه يستعمل الماء في إزالة النجاسة، ويتيمم عن الحدث.\nأن المسافر والحاضر إذا عدما الماء فإنهما يصليان بالتيمم ولا إعادة عليهما.\nأن النية شرط لصحة التيمم.\nجواز التيمم لكل ما يتطهر له من نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن ونحو ذلك.\nجواز الجمع بين الصلاتين للمتيمم، كما أنه يجوز له أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث.\nجواز التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها.\nعدم جواز التيمم بالأرض النجسة.\nأن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.\nأن الترتيب والموالاة فرضان في التيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر.","vol":"1","page":684},{"text":"أنه يستحب في التيمم التسمية، وتقديم اليد اليمنى على اليسرى في المسح، وتخفيف التراب المأخوذ بنفض أو نفخ.\nأنه لا يستحب في التيمم تفريج الأصابع عند ضرب الصعيد، ولا تجديد التيمم، ولا تكرار المسح للمتيمم.\nأن كل ما ينقض الوضوء أو الغسل فإنه ينقض التيمم.\nأن التيمم يبطل بوجود الماء قبل الصلاة أو في أثنائها.\nأن من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه.\nأن التيمم يبطل بزوال العذر المبيح له.\nأن التيمم لا يبطل بالردة عن الإسلام.\nعدم بطلان التيمم بالفاصل الطويل بين التيمم والصلاة.\nإذا فقد المحدث الطهورين فإنه يصلي في الحال، وليس عليه إعادة.\nوفي الختام أسأل الله أن يجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتهما، وخير أيامنا يوم لقائه، وأسأله ﷿ أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يعُمَّ بنفعه المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>فهرس المصادر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>أولًا: كتب التفسير:</span>\n١ - أحكام القرآن: أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجصاص ت ٣٧٠ هـ، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢ - أحكام القرآن: على بن محمد الطبري، المعروف بالكيا الهراسي ت ٥٠٤ هـ، تحقيق: موسى محمد علي، وعزت علي عيد، دار الكتب الحديثة.\n٣ - أحكام القرآن: محمد بن عبد الله المعافري، المعروف بابن العربي ت ٥٤٣ هـ، تحقيق: علي البجاوي، دار المعرفة، بيروت.\n٤ - أسباب نزول القرآن الكريم: علي بن أحمد الواحدي ت ٤٦٨ هـ، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، دار الميمان، الرياض، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: محمد الأمين الشنقيطي ت ١٣٩٣ هـ، تخريج: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٦ - تفسير البغوي: الحسين بن مسعود البغوي ت ٥١٠ هـ، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك، دار المعرفة، بيروت.\n٧ - تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن كثير القرشي ت ٧٧٤ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: محمد بن جرير الطبري ت ٣١٠ هـ، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":707},{"text":"٩ - الجامع لأحكام القرآن: محمد بن أحمد القرطبي ت ٦٧١ هـ، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٠ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: محمود بن عمر الزمخشري ت ٥٣٨ هـ، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١١ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، ت ٥٤٦ هـ، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>ثانيًا: كتب الحديث وعلومه:</span>\n١٢ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n١٣ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار: يوسف بن عبد البر القرطبي ت ٤٦٣ هـ، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، دار قتيبة، دمشق، بيروت، ودار الوعي، حلب، القاهرة، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٤ - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: محمد بن موسى الحازمي ت ٥٨٤ هـ، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، دار الوعي، حلب، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n١٥ - إعلاء السنن: ظفر أحمد التهانوي ت ١٣٩٤ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":708},{"text":"١٦ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري: حمد بن محمد الخطابي ت ٣٨٨ هـ، تحقيق: محمد بن سعد آل سعود، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n١٧ - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام: عمر بن علي الأنصاري، المعروف بابن الملقن ت ٨٠٤ هـ، تحقيق: عبد العزيز بن أحمد المشيقح، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٨ - إكمال المعلم بفوائد مسلم: عياض بن موسى اليحصبي ت ٥٤٤ هـ، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، المنصورة، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١٩ - الإلمام بأحاديث الأحكام: محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد ت ٧٠٢ هـ، تحقيق: حسين إسماعيل الجمل، دار المعراج، الرياض، ودار ابن حزم، بيروت، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\n٢٠ - الإمام في معرفة أحاديث الأحكام: محمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد ت ٧٠٢ هـ، تحقيق: سعد بن عبد الله آل حميد، دار المحقق، الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢١ - بلوغ المرام من أدلة الأحكام: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٢ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: محمد بن عبد الرحمن المباركفوري ت ١٣٥٣ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٣ - التحقيق في أحاديث الخلاف: عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ت ٥٩٧ هـ، تحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":709},{"text":"٢٤ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت ٩١١ هـ، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n٢٥ - التعليق المغني على سنن الدارقطني: محمد شمس الحق العظيم آبادي، (مطبوع بهامش سنن الدارقطني)، دار المعرفة، بيروت.\n٢٦ - تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، تحقيق: عبد الله هاشم اليماني، دار أحد، المدينة المنورة، ١٣٨٤ هـ.\n٢٧ - تلخيص المستدرك: محمد بن أحمد الذهبي ت ٧٤٨ هـ، (مطبوع بهامش المستدرك)، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٨ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: يوسف بن عبد البر القرطبي ت ٤٦٣ هـ، تحقيق جماعة من العلماء، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، ١٣٨٧ هـ.\n٢٩ - الجامع الصحيح (سنن الترمذي): محمد بن عيسى الترمذي ت ٢٧٩ هـ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٣٠ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ت ٧٩٥ هـ، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وإبراهيم باحبس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٧، ١٤١٧ هـ.\n٣١ - الجوهر النقي على سنن البيهقي: علاء الدين بن علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني ت ٧٥٠ هـ، (مطبوع بهامش سنن البيهقي)، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة.","vol":"1","page":710},{"text":"٣٢ - حاشية السندي على سنن النسائي: نور الدين بن عبد الهادي السندي ت ١١٣٨ هـ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٣٣ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية: أحمد بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، تصحيح: عبد الله هاشم اليماني، دار المعرفة، بيروت.\n٣٤ - سبل السلام شرح بلوغ المرام: محمد بن إسماعيل الصنعاني ت ١١٨٢ هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.\n٣٥ - سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني ت ٢٧٥ هـ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.\n٣٦ - سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني ت ٢٧٥ هـ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.\n٣٧ - سنن الدارقطني: علي بن عمر الدارقطني ت ٣٨٥ هـ، تحقيق: عبد الله هاشم اليماني، دار المعرفة، بيروت، ١٣٨٦ هـ.\n٣٨ - السنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقي ت ٤٥٨ هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ١٤١٤ هـ.\n٣٩ - سنن النسائي: أحمد بن شعيب النسائي ت ٣٠٣ هـ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٤٠ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: محمد بن عبد الباقي الزرقاني ت ١١٢٢ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":711},{"text":"٤١ - شرح السنة: الحسين بن مسعود البغوي ت ٥١٠ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٤٢ - شرح النووي على صحيح مسلم: يحيى بن شرف النووي ت ٦٧٦ هـ، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، ط ٣، ١٤١٧ هـ.\n٤٣ - شرح صحيح البخاري: علي بن خلف بن عبد الملك المعروف بابن بطال ت ٤٤٩ هـ، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، ط ٣، ١٤٢٥ هـ.\n٤٤ - شرح علل الترمذي: عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ت ٧٩٥ هـ، تحقيق: همام عبد الرحمن سعيد، مكتبة المنار، الزرقاء، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n٤٥ - شرح معاني الآثار: أحمد بن محمد الطحاوي ت ٣٢١ هـ، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٣٩٩ هـ.\n٤٦ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: علي بن بلبان الفارسي ت ٧٣٩ هـ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\n٤٧ - صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة ت ٣١١ هـ، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٠ هـ.\n٤٨ - صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري ت ٢٥٦ هـ، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط ٣، ١٤٠٧ هـ.\n٤٩ - صحيح سنن ابن ماجه: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٥٠ - صحيح سنن أبي داود: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":712},{"text":"٥١ - صحيح سنن النسائي: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٢ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري ت ٢٦١، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٥٣ - طرح التثريب في شرح التقريب: عبدالرحيم بن الحسين العراقي ت ٨٠٦ هـ، وولي الدين أبو زرعة العراقي ت ٨٢٦ هـ، تحقيق: حمدي الدمرداش محمد، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٥٤ - عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي: محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي ت ٥٤٣ هـ، دار العلم، دمشق.\n٥٥ - علل الحديث: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي ت ٣٢٧ هـ، تحقيق: محب الدين الخطيب: دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٥٦ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي ت ٥٩٧ هـ، تحقيق: خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٥٧ - العلل ومعرفة الرجال: أحمد بن حنبل ت ٢٤١ هـ، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، المكتب الإسلامي، بيروت، ودار الخاني، الرياض، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٥٨ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: محمود بن أحمد العيني ت ٨٥٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٥٩ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، تصحيح محب الدين الخطيب، المكتبة السلفية، القاهرة، ط ٣، ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":713},{"text":"٦٠ - فتح الباري في شرح صحيح البخاري: عبد الرحمن بن شهاب الدين الشهير بابن رجب ت ٧٩٥ هـ، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٦١ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث: محمد بن عبدالرحمن السخاوي ٩٠٢ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٦٢ - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام: محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٦٣ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف المناوي ت ١٠٣١ هـ، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط ١، ١٣٥٦ هـ.\n٦٤ - القبس في شرح موطأ مالك بن أنس: أبو بكر بن العربي المعافري ت ٥٤٣ هـ، تحقيق: محمد عبد الله ولد كريم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٩٢ م.\n٦٥ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار: عبدالله بن محمد بن أبي شيبة ت ٢٣٥ هـ، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n٦٦ - الكفاية في علم الرواية: أحمد بن علي الخطيب ت ٤٦٣ هـ، تحقيق: أبي عبد الله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية، المدينة المنورة.\n٦٧ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي ت ٨٠٧ هـ، دار الريان للتراث القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٦٨ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: علي بن سلطان القاري ت ١٠١٤ هـ، تحقيق: جمال عيتاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":714},{"text":"٦٩ - المستدرك على الصحيحين: محمد بن عبدالله الحاكم ت ٤٠٥ هـ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.\n٧٠ - مسند أبي يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى ت ٣٠٧ هـ، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n٧١ - مسند الإمام أحمد بن حنبل: أحمد بن حنبل الشيباني ت ٢٤١ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٣٩٨ هـ.\n٧٢ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة: أحمد بن أبي بكر البوصيري ت ٨٤٠ هـ، تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي، دار العربية، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٧٣ - المصنف: عبدالرزاق بن همام الصنعاني ت ٢١١ هـ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٧٤ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، تحقيق: سعد بن ناصر الشتري، دار العاصمة، ودار الغيث، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٧٥ - معالم السنن شرح سنن أبي داود: حمد بن محمد الخطابي ت ٣٨٨ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٧٦ - المعجم الكبير: سليمان بن أحمد الطبراني ت ٣٦٠ هـ، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، مكتبة الزهراء، الموصل، ط ٢، ١٤٠٤ هـ.\n٧٧ - معرفة السنن والآثار عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أحمد بن الحسين البيهقي ت ٤٥٨ هـ، تحقيق: سيد كسر دي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":715},{"text":"٧٨ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: أحمد بن عمر القرطبي ت ٦٥٦ هـ، تحقيق: محيي الدين مستو وآخرين، دار ابن كثير.\n٧٩ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة: محمد عبد الرحمن السخاوي ت ٩٠٢ هـ، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٨٠ - مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث: عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح ت ٦٤٣ هـ، دار الفكر المعاصر، بيروت، ١٣٩٧ هـ.\n٨١ - المنتقى شرح الموطأ: سليمان بن خلف الباجي ت ٤٩٤ هـ، مطبعة السعادة، مصر، ط ١، ١٣٣١ هـ.\n٨٢ - الموطأ: مالك بن أنس الأصبحي ت ١٧٩ هـ، تحقيق: بشار عواد معروف، ومحمود محمد خليل، مؤسسة الرسالة، ط ٣، ١٤١٨ هـ.\n٨٣ - نصب الراية تخريج أحاديث الهداية: عبد الله بن يوسف الزيلعي ٧٦٢ هـ تحقيق محمد يوسف البنوري دار الحديث، مصر، ١٣٥٧ هـ.\n٨٤ - نيل الأوطار شرح منتهى الأخبار: محمد بن علي الشوكاني ت ١٢٥٠ هـ، مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>ثالثًا: كتب أصول الفقه:</span>\n٨٥ - الإحكام في أصول الأحكام: علي بن محمد الآمدي ت ٦٣١ هـ، تحقيق سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n٨٦ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: محمد بن علي الشوكاني ت ١٢٥٠ هـ، تحقيق: محمد سعيد البدري، دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":716},{"text":"٨٧ - الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية: عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطى ت ٩١١ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٨٨ - الأشباه والنظائر: إبراهيم بن بكر بن نجيم الحنفي ت ٩٧٠ هـ، تحقيق: عبد العزيز محمد الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٨٩ - إعلام الموقعين عن رب العالمين: محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت ٧٥١ هـ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م.\n٩٠ - البحر المحيط في أصول الفقه: محمد بن بهادر الزركشي ت ٧٩٤ هـ، تعليق: محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٩١ - البرهان في أصول الفقه: عبد الملك بن عبد الله الجويني ت ٤٧٨ هـ تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، دار الوفاء، المنصورة، ط ٤، ١٤١٨ هـ.\n٩٢ - التحبير شرح التحرير في أصول الفقه: علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي ت ٨٨٥ هـ، تحقيق: عبد الرحمن الجبرين، وعوض القرني، وأحمد السراج، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٩٣ - تخريج الفروع على الأصول: محمود بن أحمد الزنجاني ت ٦٥٦ هـ، تحقيق: محمد أديب الصالح، مكتبة العبيكان، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٩٤ - التقرير والتحبير على التحرير: محمد بن محمد بن الحسن ابن أمير الحاج ت ٨٧٩ هـ، دار الفكر، بيروت، ١٤١٧ هـ.\n٩٥ - جمع الجوامع: عبد الوهاب بن علي السبكي ت ٧٧١ هـ، المطبعة الأزهرية، مصر، ط ١، ١٣٣١ هـ.","vol":"1","page":717},{"text":"٩٦ - حجة الله البالغة: أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ت ١١٧٦ هـ، تعليق: محمود طعمة حلبي، دار المعرفة، بيروت.\n٩٧ - الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس: عبد الكريم بن علي النملة، مكتبة الرشد، الرياض، ط ٣، ١٤٢٢ هـ.\n٩٨ - روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: عبد الله بن أحمد ابن قدامة ت ٦٢٠ هـ، تحقيق: عبد العزيز عبد الرحمن السعيد، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ط ٢، ١٣٩٩ هـ.\n٩٩ - شرح الكوكب المنير: محمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار ت ٩٧٢ هـ، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الرياض، ١٤١٣ هـ.\n١٠٠ - شرح مختصر الروضة: سليمان بن عبد القوي الطوفي ت ٧١٦ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n١٠١ - قواطع الأدلة في أصول الفقه: منصور بن محمد السمعاني ت ٤٨٩ هـ، تحقيق: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n١٠٢ - القواعد والفوائد الأصولية: علاء الدين بن محمد البعلي المعروف بابن اللحام ت ٨٠٣ هـ، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٧٥ هـ.\n١٠٣ - كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي: عبد العزيز بن أحمد البخاري ت ٧٣٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":718},{"text":"١٠٤ - محاسن الإسلام وشرائع الإسلام: محمد بن عبد الرحمن البخاري ت ٥٤٦ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٠٥ - المحصول في علم الأصول: محمد بن عمر الرازي ت ٦٠٦ هـ، تحقيق: طه جابر العلواني، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط ١، ١٤٠٠ هـ.\n١٠٦ - المستصفى في علوم الأصول: محمد بن محمد الغزالي ت ٥٠٥ هـ، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٠٧ - المنخول من تعليقات الأصول: محمد بن محمد الغزالي ت ٥٠٥ هـ، تحقيق: محمد حسن هيتو، دار الفكر، دمشق، ط ٢، ١٤٠٠ هـ.\n١٠٨ - منهاج الوصول إلى علم الأصول: عبد الله بن عمر البيضاوي ت ٦٨٥ هـ، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١٠٩ - نهاية السول شرح منهاج الوصول: عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي ت ٧٧٢ هـ، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>رابعًا: كتب الفقه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>أـ كتب الفقه الحنفي:</span>\n١١٠ - الاختيار لتعليل المختار: عبدالله بن محمود الموصلى ت ٦٨٣ هـ، تحقيق: خالد عبد الرحمن، العك، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١١١ - الأصل: محمد بن الحسن الشيباني ت ١٨٩ هـ، تعليق: أبي الوفاء الأفغاني، دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط ١، ١٣٨٦ هـ.","vol":"1","page":719},{"text":"١١٢ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق: زين الدين بن إبراهيم الشهير بابن نجيم ت ٩٧٠ هـ، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١١٣ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: علاء الدين مسعود الكاساني ت ٥٨٧ هـ، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٢٤ هـ.\n١١٤ - البناية في شرح الهداية: محمود بن أحمد العيني ت ٨٥٥ هـ، تحقيق: أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١١٥ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: عثمان بن علي الزيلعي ت ٧٤٣ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١١٦ - التجريد: أحمد بن محمد القدوري ت ٤٢٨ هـ، تحقيق: محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد، دار السلام، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n١١٧ - تحفة الفقهاء: محمد بن أحمد السمرقندي ت ٥٣٩ هـ، تحقيق: محمد زكي عبد البر، دار التراث، القاهرة، ط ٣، ١٤١٩ هـ.\n١١٨ - حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: أحمد بن محمد الشلبي، (مطبوع مع تبيين الحقائق).\n١١٩ - حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح: أحمد بن محمد الطحطاوي ت ١٢٣١ هـ، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":720},{"text":"١٢٠ - الدر المختار شرح تنوير الأبصار: محمد علاء الدين الحصكفي ت ١٠٨٨ هـ، (مطبوع مع رد المحتار).\n١٢١ - رؤوس المسائل: محمود بن عمر الزمخشري ت ٥٣٨ هـ، تحقيق: عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n١٢٢ - رد المحتار على الدر المختار: محمد أمين الشهير بابن عابدين ت ١٢٥٥ هـ، تحقيق: محمد صبحي حلاق، وعامر حسين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١٢٣ - شرح العناية على الهداية: محمد بن محمود البابرتي ت ٧٨٦ هـ، دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٣٩٧ هـ.\n١٢٤ - شرح فتح القدير على الهداية: كمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام ت ٨٦١ هـ، دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٣٩٧ هـ.\n١٢٥ - شرح مختصر الطحاوي: أحمد بن علي الجصاص ت ٣٧٠ هـ، من بداية الكتاب إلى نهاية كتاب المناسك، دراسة وتحقيق: عصمت الله عنايت الله محمد، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، كلية الشريعة، ١٤١٦ هـ.\n١٢٦ - الفتاوى الهندية: الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، دار الفكر، ١٤١١ هـ.\n١٢٧ - المبسوط: شمس الدين محمد بن أحمد السرخسي ت ٤٩٠ هـ، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n١٢٨ - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: عبد الله بن محمد بن سليمان المعروف بداماد أفندي ت ١٠٧٨ هـ، دار الطباعة العامرة.","vol":"1","page":721},{"text":"١٢٩ - مختصر اختلاف العلماء لأبي جعفر الطحاوي ت ٣٢١ هـ، اختصره: أحمد بن علي الجصاص ت ٣٧٠ هـ، تحقيق: عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط ٢، ١٤١٧ هـ.\n١٣٠ - مختصر القدوري: أحمد بن محمد القدوري ت ٤٢٨ هـ، تحقيق: عبد الله نذير أحمد، مؤسسة الريان، بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n١٣١ - مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح: حسن بن عمار الشرنبلالي ت ١٠٦٩ هـ، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٣٢ - منية المصلي وغنية المبتدي: إبراهيم بن محمد الحلبي ت ٩٥٦ هـ، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٣٣ - النتف في الفتاوى: علي بن الحسين السغدي ت ٤٦١ هـ، تحقيق: صلاح الدين الناهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ودار الفرقان، عمان، ط ٢، ١٤٠٤ هـ.\n١٣٤ - الهداية شرح بداية المبتدي: علي بن أبي بكر المرغيناني ت ٥٩٣ هـ، تصحيح: طلال يوسف، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>ب - كتب الفقه المالكي:</span>\n١٣٥ - أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك: أبو بكر بن حسن الكشناوي، دار الفكر، بيروت، ط ٢.\n١٣٦ - الإشراف على مسائل الخلاف: القاضي عبد الوهاب البغدادي ت ٤٢٢ هـ، تحقيق: الحبيب بن طاهر، دار ابن حزم، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n١٣٧ - أنوار البروق في أنواء الفروق: أحمد بن إدريس القرافي ت ٦٨٤ هـ، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":722},{"text":"١٣٨ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد: محمد بن أحمد بن رشد ت ٥٩٥ هـ، تحقيق: ماجد الحموي، دار ابن حزم، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n١٣٩ - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المتسخرجة: محمد بن أحمد بن رشد ت ٥٢٠ هـ، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٨ هـ.\n١٤٠ - التاج والإكليل لمختصر خليل: محمد بن يوسف الشهير بالمواق ت ٨٩٧ هـ، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n١٤١ - التفريع: عبيد الله بن الجلاب ت ٣٧٨ هـ، تحقيق: حسين بن سالم الدهماني، دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٤٢ - التلقين في الفقه المالكي: القاضي عبد الوهاب البغدادي ت ٤٢٢ هـ، تحقيق: محمد ثالث الغاني: مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n١٤٣ - تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة: محمد بن إبراهيم التتائي ت ٩٤٢ هـ، تحقيق: محمد عايش عبد العال، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n١٤٤ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل: صالح عبد السميع الآبي، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٤٥ - حاشية البناني على شرح الزرقاني: محمد بن الحسن البناني ت ١١٩٤ هـ، دار الفكر، بيروت، وطبعة أخرى بتحقيق: عبد السلام محمد أمين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٤٦ - حاشية الخرشي على مختصر خليل: محمد بن عبد الله الخرشي ت ١١٠١ هـ، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.","vol":"1","page":723},{"text":"١٤٧ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: محمد بن أحمد الدسوقي ت ١٢٣٠ هـ، تحقيق: محمد عبد الله شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٤٨ - حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني: علي بن أحمد العدوي ت ١١٨٩ هـ، تحقيق: محمد عبد الله شاهين: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٤٩ - الذخيرة: أحمد بن إدريس القرافي ت ٦٨٤ هـ، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٩٤ هـ.\n١٥٠ - شرح التلقين: محمد بن علي المازري ت ٥٣٦ هـ، تحقيق: محمد المختار السلامي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٩٧ م.\n١٥١ - شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل: عبد الباقي بن يوسف الزرقاني ت ١٠٩٩ هـ، تحقيق: عبد السلام محمد أمين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٥٢ - الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك: أحمد بن محمد الدردير ت ١٢٠١ هـ، تحقيق: مصطفى كمال وصفي، دار المعارف، القاهرة، ط ١، ١٩٧٢ م.\n١٥٣ - الشرح الكبير: أحمد بن محمد الدرديري ت ١٢٠١ هـ، (مطبوع مع حاشية الدسوقي).\n١٥٤ - شرح منح الجليل على مختصر خليل: محمد عليش، دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":724},{"text":"١٥٥ - عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق: أحمد بن يحيى الونشريسي ت ٩١٤، تحقيق: حمزة أبو فارس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n١٥٦ - عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة: عبد الله بن نجيم بن شاس ت ٦١٦ هـ، تحقيق: حميد بن محمد لحمر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n١٥٧ - عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار: علي بن عمر البغدادي المعروف بابن القصار ت ٣٩٧ هـ، كتاب الطهارة، دراسة وتحقيق: عبد الحميد بن سعد السعودي، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، كلية الشريعة، ١٤١٧ هـ.\n١٥٨ - الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني: أحمد بن غنيم النفراوي ت ١١٢٦ هـ، تحقيق: عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٥٩ - قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية: محمد بن أحمد بن جزي ت ٧٤١ هـ، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٧٤ م.\n١٦٠ - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي: يوسف بن عبد الله بن عبد البر ت ٤٦٣ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦١ - المدونة الكبرى: مالك بن أنس الأصبحي ت ١٧٩ هـ، رواية سحنون بن سعيد التنوخي، دار صادر، بيروت.","vol":"1","page":725},{"text":"١٦٢ - المعونة على مذهب عالم المدينة: القاضي عبد الوهاب البغدادي ت ٤٢٢ هـ، تحقيق: حميش عبد الحق، دار الفكر، بيروت.\n١٦٣ - المقدمات الممهدات: محمد بن أحمد بن رشد ت ٥٢٠ هـ، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٦٤ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: محمد بن محمد الطرابلسي المعروف بالحطاب ت ٩٥٤ هـ، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n١٦٥ - النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات ت ٣٨٦ هـ: عبد الله بن عبد الرحمن القيرواني ت ٣٨٦ هـ، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٩٩ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>جـ - كتب الفقه الشافعي:</span>\n١٦٦ - أسنى المطالب في شرح روض الطالب: زكريا الأنصاري ت ٩٢٦ هـ، تحقيق: محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٦٧ - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: محمد الشربيني الخطيب، تحقيق: علي أبو الخير، ومحمد وهبي سليمان، دار الخير، بيروت، دمشق، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٦٨ - الأم: محمد بن إدريس الشافعي ت ٢٠٤ هـ، تحقيق: رفعت فوزي، دار الوفاء، المنصورة، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٦٩ - البيان في مذهب الإمام الشافعي: يحيى بن أبي الخير العمراني ت ٥٥٨ هـ، اعتنى به: قاسم محمد النوري، دار المنهاج، ط ١، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":726},{"text":"١٧٠ - تحفة المحتاج لشرح المنهاج: أحمد بن حجر الهيتمي ت ٩٧٤ هـ، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١٧١ - التعليقة الكبرى في الفروع: أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري ت ٤٥٠ هـ، من بداية كتاب الطهارة إلى نهاية جامع التيمم، دراسة وتحقيق: محمد بن محمد بن جابر، رسالة ماجتسير، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١٤١٩ هـ.\n١٧٢ - التنقيح في شرح الوسيط: يحيى بن شرف النووي ت ٦٧٦ هـ، تحقيق: أحمد محمود إبراهيم، دار السلام، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٧٣ - التهذيب في فقه الإمام الشافعي: الحسين بن مسعود البغوي ت ٥١٦ هـ، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٧٤ - حاشية البيجوري على شرح ابن القاسم الغزي على متن أبي شجاع: إبراهيم البيجوري، تصحيح: محمد عبد السلام شاهين: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n١٧٥ - حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج: علي الشبراملسي ت ١٠٨٧ هـ، مكتبة مصطفى البابي، مصر، ١٣٨٦ هـ.\n١٧٦ - حاشية القليوبي على شرح المحلى: أحمد بن أحمد القليوبي، دار إحياء الكتب العربية، مصر.\n١٧٧ - الحاوي: علي بن محمد الماوردي ت ٤٥٠ هـ، تحقيق: راوية بنت أحمد الظهار، دار المجتمع، جدة، ط ١، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":727},{"text":"١٧٨ - حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء: محمد بن أحمد الشاشي ت ٥٠٧ هـ، تحقيق: ياسين أحمد دراكة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n١٧٩ - رحمة الأمة في اختلاف الأئمة: محمد بن عبد الرحمن الدمشقي الشافعي (من علماء القرن الثامن الهجري)، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٨٠ - روضة الطالبين: يحيى بن شرف النووي ت ٦٧٦ هـ، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي محمد معوص، دار عالم الكتب، ١٤٢٣ هـ.\n١٨١ - العزيز شرح الوجيز: عبد الكريم بن محمد الرافعي ت ٦٢٣ هـ، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٨٢ - غاية البيان شرح زبد ابن رسلان: محمد بن أحمد الرملي ت ١٠٠٤ هـ، تعليق: خالد أبو سليمان، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.\n١٨٣ - الفتاوى الكبرى الفقهية: أحمد بن حجر الهيتمي ت ٩٧٤ هـ، تصحيح: عبد اللطيف عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٨٤ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي ت ٦٦٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٨٥ - المجموع شرح المهذب: يحيى بن شرف النووي ٦٧٦ هـ، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٨٦ - مختصر المزني في فروع الشافعية: إسماعيل بن يحيى المزني ت ٢٦٤ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":728},{"text":"١٨٧ - مختصر خلافيات البيهقي: أحمد بن فرج اللخمي ت ٦٩٩ هـ، تحقيق: ذياب عبد الكريم عقل، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٨٨ - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج: محمد بن محمد الشربيني ت ٩٧٧ هـ، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n١٨٩ - المنثور في القواعد: محمد بن بهادر الزركشي ت ٧٩٤ هـ، تحقيق: تيسير فائق أحمد، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n١٩٠ - منهاج الطالبين: يحيى بن شرف النووي ت ٦٧٦ هـ، تحقيق: أحمد بن عبد العزيز الحداد، دار البشائر الإسلامية، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n١٩١ - المهذب: إبراهيم بن علي الشيرازي ت ٤٧٦ هـ، تحقيق: محمد الزحيلي، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n١٩٢ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: محمد بن أحمد الرملي ت ١٠٠٤ هـ، مكتبة مصطفى البابي، مصر، ١٣٨٦ هـ.\n١٩٣ - الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي: محمد بن محمد الغزالي ت ٥٠٥ هـ، تحقيق: سيد عبده، دار الرسالة، القاهرة، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n١٩٤ - الوسيط في المذهب: محمد بن محمد الغزالي ت ٥٠٥ هـ، تحقيق: أحمد محمود إبراهيم، دار السلام، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>د - كتب الفقه الحنبلي:</span>\n١٩٥ - الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، اختارها: علي بن محمد البعلي ت ٨٠٣ هـ، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":729},{"text":"١٩٦ - الإفصاح عن معاني الصحاح: يحيى بن محمد بن هبيرة ت ٥٦٠ هـ، تحقيق: محمد يعقوب عبيدي، مركز فجر، القاهرة.\n١٩٧ - الإقناع لطالب الانتفاع: موسى بن أحمد الحجاوي ت ٩٦٨ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسين التركي، دار هجر، ط ٣، ١٤٢٣ هـ.\n١٩٨ - الانتصار في المسائل الكبار على مذهب الإمام أحمد: محفوظ بن أحمد الكلوذاني ت ٥١٠ هـ، تحقيق: سليمان بن عبد الله العمير، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n١٩٩ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: علي بن سليمان المرداوي ت ٨٨٥ هـ، تحقيق: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٠٠ - تصحيح الفروع: علي بن سليمان المرداوي ت ٨٨٥ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢٠١ - التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع: علي بن سليمان المرداوي ت ٨٨٥ هـ، تحقيق: ناصر بن سعود السلامة، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٢٠٢ - حاشية ابن قندس على الفروع: تقي الدين بن إبراهيم البعلي ت ٨٦١ هـ، تحقيق: عبد الله ابن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢٠٣ - حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ت ١٣٩٢ هـ، ط ٨، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":730},{"text":"٢٠٤ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، دار القاسم، الرياض، ط ٥، ١٤١٤ هـ.\n٢٠٥ - دليل الطالب على مذهب الإمام أحمد: ابن مرعي بن يوسف الحنبلي ت ١٠٣٣ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٣٨٩ هـ.\n٢٠٦ - رؤوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء: الحسين بن محمد العكبري (من علماء القرن الخامس الهجري)، تحقيق: خالد بن سعد الخشلان، دار إشبيليا، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٢٠٧ - رؤوس المسائل في الخلاف: عبد الخالق بن عيسى العباسي ت ٤٧٠ هـ، تحقيق: عبد الملك ابن عبد الله بن دهيش، دار خضر، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٢٠٨ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي: محمد بن عبد الله الزركشي ت ٧٧٢ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٠٩ - شرح العمدة في الفقه (كتاب الطهارة): شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ت ٧٢٨ هـ، تحقيق: سعود بن صالح العطيشان، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢١٠ - الشرح الكبير: عبد الرحمن بن محمد بن قدامة ت ٦٨٢ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، وعبد الفتاح محمد الحلو، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤٢٦ هـ.\n٢١١ - الشرح الممتع على زاد المستقنع: محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":731},{"text":"٢١٢ - شرح منتهى الإرادات: منصور بن يونس البهوتي ت ١٠٥١ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٢١٣ - العدة شرح العمدة: بهاء الدين عبد الرحمن المقدسي، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٢١٤ - فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ، جمع وترتيب: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، ط ١، ١٣٩٩ هـ.\n٢١٥ - الفروع: محمد بن مفلح المقدسي ت ٧٦٢ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢١٦ - الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: معظم الدين أبو عبد الله السامري ت ٦١٦ هـ، تحقيق: محمد بن إبراهيم اليحيى، دار الصميعي، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢١٧ - القواعد: عبد الرحمن بن شهاب الدين الشهير بابن رجب ت ٧٩٥ هـ، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط ٢، ١٩٩٩ م.\n٢١٨ - الكافي: عبد الله بن قدامة المقدسي ت ٦٢٠ هـ، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٢١٩ - كشاف القناع عن متن الإقناع: منصور بن يونس البهوتي ت ١٠٥١ هـ، وزارة العدل، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٢٢٠ - المبدع في شرح المقنع: إبراهيم بن محمد بن مفلح ت ٨٨٤ هـ، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤٢٣ هـ.\n٢٢١ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد، مكتبة المعارف، الرباط.","vol":"1","page":732},{"text":"٢٢٢ - المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني ت ٦٥٢ هـ، مكتبة المعارف، الرياض، ط ٢، ١٤٠٤ هـ.\n٢٢٣ - مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية: محمد بن علي الحنبلي ت ٧٧٧ هـ، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار ابن القيم، الدمام، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٢٢٤ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه أبي الفضل صالح، الدار العلمية، الهند، ١٤٠٨ هـ.\n٢٢٥ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠١ هـ.\n٢٢٦ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه برواية إسحاق بن منصور الكوسج، تحقيق: خالد الرباط، ووئام الحوشي، وجمعة فتحي، دار الهجرة، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ.\n٢٢٧ - المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء، تحقيق: عبد الكريم بن محمد اللاحم، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٢٢٨ - المستوعب: محمد بن عبد الله السامري ت ٦١٦ هـ، تحقيق: مساعد بن قاسم الفالح، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٢٩ - مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: مصطفى السيوطي الرحيباني ت ١٢٤٣ هـ، المكتب الإسلامي، دمشق، ١٩٦١ هـ.\n٢٣٠ - مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام: يوسف بن عبد الهادي الحنبلي ت ٩٠٩ هـ، مكتبة طبرية، الرياض، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":733},{"text":"٢٣١ - المغني: عبد الله بن قدامة المقدسي ت ٦٢٠ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، وعبد الفتاح محمد الحلو، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٤، ١٤١٩ هـ.\n٢٣٢ - الممتع في شرح المقنع: زين الدين المنجي التنوخي الحنبلي، تحقيق: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، دار خضر، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٣٣ - منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات: محمد بن أحمد الشهير بابن النجار ت ٩٧٢ هـ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٢٣٤ - المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد: منصور بن يونس البهوتي ت ١٠٥١ هـ، تحقيق: عبد الله بن محمد المطلق، كنوز إشبيليا، الرياض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>هـ - كتب الفقه الظاهري:</span>\n٢٣٥ - المحلى: علي بن أحمد بن حزم ت ٤٥٦ هـ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٣٦ - مراتب الإجماع: علي بن أحمد بن حزم ت ٤٥٦ هـ، بعناية: حسن أحمد إسبر، دار ابن حزم، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>خامسًا: كتب اللغة والمعاجم والمصطلحات:</span>\n٢٣٧ - تحرير ألفاظ التنبيه: يحيى بن شرف النووي ت ٦٧٦ هـ، تحقيق: عبد الغني الدقر، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢٣٨ - التعريفات: علي بن محمد الجرجاني ت ٨١٦ هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":734},{"text":"٢٣٩ - تهذيب اللغة: محمد بن أحمد الأزهري ت ٣٧٠ هـ، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ٢٠٠١ م.\n٢٤٠ - التوقيف على مهمات التعاريف: محمد عبد الرؤوف المناوي ت ١٠٣١ هـ، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٤١ - الصحاح: إسماعيل بن حماد الجوهري ت ٣٩٣ هـ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط ٣، ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٢ - لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور ت ٧١١ هـ، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٢٤٣ - مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر الرازي ت ٦٦٦ هـ، تحقيق: حمزة فتح الله، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١١، ١٤٢٦ هـ.\n٢٤٤ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: أحمد بن محمد الفيومي ت ٧٧٠ هـ، المكتبة العلمية، بيروت.\n٢٤٥ - المطلع على أبواب المقنع: محمد بن أبي الفتح البعلي ت ٧٠٩ هـ، تحقيق: محمد بشير الأدلبي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠١ هـ.\n٢٤٦ - معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري: سعد بن عبد الله بن جنيدل، دارة الملك عبد العزيز، الرياض، ١٤١٩ هـ.\n٢٤٧ - معجم البلدان: ياقوت بن عبد الله الحموي ت ٦٢٦ هـ، دار الفكر، بيروت.\n٢٤٨ - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع: عبد الله بن عبد العزيز البكري ت ٤٨٧ هـ، تحقيق: مصطفى السقا، دار عالم الكتب، بيروت، ط ٣، ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":735},{"text":"٢٤٩ - معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس الرازي ت ٣٩٥ هـ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\n٢٥٠ - النهاية في غريب الحديث والأثر: المبارك بن محمد بن الأثير الجزري ت ٦٠٦ هـ، دار ابن الجوزي، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>سادسًا: كتب التاريخ والتراجم:</span>\n٢٥١ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: يوسف بن عبد الله بن عبد البر ت ٤٦٤ هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٥٢ - أسد الغابة في معرفة الصحابة: علي بن محمد الجزري، المعروف بابن الأثير ت ٦٣٠ هـ، تحقيق: عادل أحمد الرفاعي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٢٥٣ - الإصابة في تمييز الصحابة: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٢٥٤ - الأعلام: خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط ٦، ١٩٨٤ هـ.\n٢٥٥ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: محمد بن علي الشوكاني ت ١٢٥٠ هـ، دار المعرفة، بيروت.\n٢٥٦ - تاج التراجم في طبقات الحنفية: قاسم بن قطلوبغا الحنفي ت ٨٧٩ هـ، تحقيق: محمد خير رمضان، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤١٣ هـ.\n٢٥٧ - تاريخ الأمم والملوك: محمد بن جرير الطبري ت ٣١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":736},{"text":"٢٥٨ - التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل البخاري ت ٢٥٦ هـ، تحقيق: السيد هاشم الندوي، دار الفكر.\n٢٥٩ - تذكرة الحفاظ: محمد بن أحمد الذهبي ت ٧٤٨ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١\n٢٦٠ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك: القاضي عياض بن موسى اليحصبي ت ٥٤٤ هـ، تحقيق: محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٦١ - تقريب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد، سوريا، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٢٦٢ - تهذيب الأسماء واللغات: يحيى بن شرف النووي ت ٦٧٦ هـ، دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٩٩٦ م.\n٢٦٣ - تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n٢٦٤ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: جمال الدين يوسف المزي ت ٧٤٢ هـ، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ.\n٢٦٥ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية: أبو محمد عبد القادر بن محمد القرشي ت ٧٧٥ هـ، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، مطبعة عيسى الحلبي، ١٣٩٨ هـ.\n٢٦٦ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط ٢، ١٣٩٢ هـ.","vol":"1","page":737},{"text":"٢٦٧ - الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب: إبراهيم بن علي بن محمد اليعمري ت ٧٩٩ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٦٨ - ذيل تذكرة الحفاظ: محمد بن علي الحسيني ت ٧٦٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٦٩ - الذيل على طبقات الحنابلة: عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي الشهير بابن رجب ت ٧٩٥ هـ، دار المعرفة، بيروت.\n٢٧٠ - سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي ت ٧٤٨ هـ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ومحمد العرقسوس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٩، ١٤١٣ هـ.\n٢٧١ - السيرة النبوية: عبد الملك بن هشام الحميري ت ٢١٣ هـ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ.\n٢٧٢ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: محمد بن محمد مخلوف، دار الفكر.\n٢٧٣ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: عبد الحي بن العماد الحنبلي ت ١٠٨٩ هـ، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، ومحمود الأرنؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٢٧٤ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: محمد بن عبد الرحمن السخاوي ت ٩٠٢ هـ، دار مكتب الحياة، بيروت.\n٢٧٥ - الطبقات السنية في تراجم الحنفية: تقي الدين عبد القادر الغزي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، دار الرفاعي، الرياض، ط ١، ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":738},{"text":"٢٧٦ - طبقات الشافعية الكبرى: عبد الوهاب بن علي السبكي ت ٧٧١ هـ، تحقيق: محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، ط ٢، ١٤١٣ هـ.\n٢٧٧ - طبقات الشافعية: أبو بكر بن أحمد بن قاضي شهبة ت ٨٥١ هـ، تحقيق: الحافظ عبد العليم خان، عالم الكتب، بيروت، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n٢٧٨ - الطبقات الكبرى: محمد بن سعد البصري ت ٢٣٠ هـ، دار صادر، بيروت.\n٢٧٩ - العبر في خبر من غبر: محمد بن أحمد الذهبي ت ٧٤٨ هـ، تحقيق: صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، ط ٢، ١٩٨٤ هـ.\n٢٨٠ - العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: محمد بن أحمد بن عبد الهادي ت ٧٤٤ هـ، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة المؤيد، الرياض.\n٢٨١ - الفوائد البهية في تراجم الحنفية: أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي ت ١٣٠٤ هـ، الهند، ١٣٩٣ هـ.\n٢٨٢ - الكامل في التاريخ: علي بن محمد الجزري، المعروف بابن الأثير ت ٦٣٠ هـ، تحقيق: عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤١٥ هـ.\n٢٨٣ - الكامل في ضعفاء الرجال: عبد الله بن عدي الجرجاني ت ٣٦٥ هـ، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، دار الفكر، بيروت، ط ٣، ١٤٠٩ هـ.\n٢٨٤ - لسان الميزان: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط ٣، ١٤٠٦ هـ.\n٢٨٥ - معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ.","vol":"1","page":739},{"text":"٢٨٦ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد: عبد الرحمن بن محمد العليمي ت ٩٢٨ هـ، أشرف علي التحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، دار صادر، بيروت، ط ١، ١٩٩٧ م.\n٢٨٧ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: محمد بن أحمد الذهبي ت ٧٤٨ هـ، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٩٩٥ م.\n٢٨٨ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: يوسف بن تغري الأتابكي ت ٨٧٤ هـ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، مصر.\n٢٨٩ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج: أحمد بن أحمد التنبكتي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٩٠ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أحمد بن محمد بن خلكان ت ٦٨١ هـ، تحقيق: إحسان عباس، دار الثقافة، لبنان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>سابعًا: كتب ورسائل متنوعة:</span>\n٢٩١ - الإجماع: محمد بن إبراهيم بن المنذر ت ٣١٨ هـ، تحقيق: صغير أحمد حنيف، مكتبة الفرقان، عجمان، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.\n٢٩٢ - أحكام المرضى: أحمد بن إبراهيم المعروف بابن تاج الدين الحنفي ت ١٠٦٠ هـ، تحقيق: محمد سرور البلخي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٩٣ - أحكام المريض في الفقه الإسلامي: أبو بكر إسماعيل ميقا، دار الفكر، بيروت، ط ٣، ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":740},{"text":"٢٩٤ - اختلاف الفقهاء: محمد بن نصر المروزي ت ٢٩٤ هـ، تحقيق: محمد طاهر حكيم، أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٩٥ - الإقناع في مسائل الإجماع: علي بن محمد المعروف بابن القطّان ت ٦٢٨ هـ، تحقيق: حسين بن فوزي الصعيدي، دار الفاروق الحديثة، القاهرة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٢٩٦ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: محمد بن إبراهيم بن المنذر ت ٣١٨ هـ، تحقيق: صغير أحمد حنيف، دار طيبة، الرياض، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\n٢٩٧ - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار: أحمد بن يحيى المرتضى ت ٨٤٠ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٣٩٤ هـ.\n٢٩٨ - بدائع الفوائد: محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت ٧٥١ هـ، تحقيق: هشام عطا، وعادل عبد الحميد، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٢٩٩ - التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي: خالد بن سعد الخشلان، دار إشبيليا، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٠٠ - التيمم أحكامه ومسائله: مساعد بن قاسم الفالح، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٣٠١ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: عبد القادر بن عمر البغدادي ت ١٠٩٣ هـ، تحقيق: محمد نبيل طريفي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٨ م.\n٣٠٢ - ديوان المثقب العبدي، جامعة الدول العربية، ١٣٩١ هـ.\n٣٠٣ - الروضة الندية شرح الدرر البهية: صديق حسن القنوجي ت ١٣٠٧ هـ، تحقيق: علي بن حسن الحلبي، دار ابن عفان، القاهرة، ط ١، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":741},{"text":"٣٠٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد: محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية ت ٧٥١ هـ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢٣، ١٤٠٩ هـ.\n٣٠٥ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار: محمد بن علي الشوكاني ت ١٢٥٠ هـ، تحقيق: محمد صبحي حلاَّق، دار ابن كثير، دمشق، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٣٠٦ - شرح ديوان امرئ القيس، جمع وتحقيق: حسن السندوبي، شرح: أسامة صلاح الدين، دار إحياء العلوم، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٣٠٧ - الشعر والشعراء: عبد الله بن مسلم بن قتيبة ت ٢٧٦ هـ، تحقيق: مفيد قميحة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٣٠٨ - الشك وأثره في نجاسة الماء وطهارة البدن وأحكام الشعائر التعبدية: عبد الله بن محمد السليمان، دار طويق، الرياض، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٣٠٩ - طهارة أصحاب الأعذار المرضية للصلاة في الشريعة: محمد حسن أبو يحيى، مجلة دراسات، الجامعة الأردنية، ضمن العدد العشرين، ١٤١٤ هـ.\n٣١٠ - طهارة أصحاب الأعذار غير المرضية في الشريعة الإسلامية: محمد حسن أبو يحيى، دار اليازوري العلمية، عمان، ١٤١٨ هـ.\n٣١١ - فتاوى الإمام صديق حسن القنوجي ت ١٣٠٧ هـ، اعتنى به: محمد لقمان السلفي، دار الداعي، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٣١٢ - فقه الممسوحات في الشريعة الإسلامية: علي بن سعيد الغامدي، دار ابن عفان، الخبر، ط ١، ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":742},{"text":"٣١٣ - اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: علي بن زكريا المنبجي ت ٦٨٦ هـ، تحقيق: محمد فضل المراد، دار القلم، دمشق، ط ٢، ١٤١٤ هـ.\n٣١٤ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جمع وترتيب: محمد بن سعد الشويعر، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\n٣١٥ - معرفة أوقات العبادات: خالد علي المشيقح، دار المسلم، الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٣١٦ - المفضليات: المفضل بن محمد الضبي ت ١٧٨ هـ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف، مصر، ط ١٠، ١٩٩٤ م.\n٣١٧ - موسوعة أحكام الطهارة: دبيان محمد الدبيان، مكتبة الرشد، الرياض، ط ٢، ١٤٢٦ هـ.\n٣١٨ - الموسوعة العربية العالمية: مؤسسة أعمال الموسوعة، الرياض، ط ٢، ١٤١٩ هـ.\n٣١٩ - الموسوعة الفقهية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت.\n٣٢٠ - النسيان وأثره في الطهارة والصلاة: بدرية محمد البهلكي، كنوز المعرفة، جدة، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n***","vol":"1","page":743}]}