{"ً":{"ٌ":1231,"ٍ":"المدخل إلي جامع الترمذي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/mgatz/","files":["mgtz_1.pdf","mgtz_2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المدخل إلي جامع الترمذي\n(وهو: الجامع المختصر من السنن عن رسول الله - ﷺ - ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل)\nالمؤلف: عبد الله بن عبد الرحمن السعد\nالناشر: دار المحدث - الرياض، دار الأوراق - جدة\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ هـ\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2322,"ٕ":10,"ٖ":1770155869,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول وفيه فصول حول الترمذي","level":1,"page":7},{"title":"الفصل الأول في اسمه، ونسبه، وكنيته، وولادته، ووفاته","level":2,"page":8},{"title":"وأما نسبته","level":3,"page":8},{"title":"وأما ولادته","level":3,"page":12},{"title":"وأما وفاته","level":3,"page":13},{"title":"وأما مكان وفاته","level":3,"page":13},{"title":"الفصل الثاني في رحلاته","level":2,"page":14},{"title":"أولا: بداية رحلته","level":3,"page":14},{"title":"ثانيا: البلدان التي رحل إليها","level":3,"page":15},{"title":"ومن مدن خراسان","level":4,"page":15},{"title":"ثالثا: ما ذكر من البلدان التي لم يدخلها","level":3,"page":16},{"title":"الفصل الثالث في شيوخه وتلاميذه","level":2,"page":18},{"title":"أولا: أجل شيوخه","level":3,"page":19},{"title":"ثانيا: شيوخه الذين استفاد منهم أكثر من غيرهم","level":3,"page":19},{"title":"واستفادته من هؤلاء الثلاثة تدل على أمرين","level":4,"page":20},{"title":"ثالثا: أقدم شيوخه وفاة","level":3,"page":21},{"title":"رابعا: أكبر شيوخه سنا","level":3,"page":23},{"title":"سادسا: شيوخه الذين روى عنهم في كتابه \"الجامع\" وهم من أصحاب الكتب الخمسة","level":3,"page":25},{"title":"سابعا: جمعه بين قتيبة وهناد","level":3,"page":26},{"title":"ثامنا: شيوخه من ترمذ وبلخ","level":3,"page":26},{"title":"شيوخه من بلخ","level":4,"page":27},{"title":"تاسعا: شيوخه المتكلم فيهم","level":3,"page":27},{"title":"وعلى رأس شيوخ أبي عيسى المتكلم فيهم","level":4,"page":27},{"title":"عاشرا: شيوخه غير المشهورين","level":3,"page":39},{"title":"وأما تلاميذ أبي عيسى","level":4,"page":44},{"title":"الفصل الرابع في أهم ما تميز به","level":2,"page":46},{"title":"أولا: تفننه في التأليف مع حسن الترتيب وقوة العرض.","level":3,"page":46},{"title":"ثانيا: تيسير المعلومة وتوصيلها للقارئ","level":3,"page":46},{"title":"ثالثا: تمكنه من ناصية الفقه والحديث، وكتابه شاهد على ذلك.","level":3,"page":46},{"title":"رابعا: دفاعه عن معتقد أهل السنة والحديث","level":3,"page":46},{"title":"خامسا: ورعه في الجرح والتعديل.","level":3,"page":46},{"title":"سادسا: استخدامه لجميع المصطلحات الحديثية","level":3,"page":46},{"title":"سابعا: حسن أدبه مع أهل العلم","level":3,"page":47},{"title":"الفصل الخامس في أنه حامل علم البخاري","level":2,"page":48},{"title":"أولا: رواية الترمذي عن البخاري، ونقله من كتبه","level":3,"page":48},{"title":"ثانيا: ميزات نقول الترمذي عن البخاري","level":3,"page":51},{"title":"وبناء على ما تقدم يمكن تقسيم أحوال البخاري بالنسبة إلى اجتهاداته واختياراته إلى ثلاثة أقسام","level":3,"page":52},{"title":"ثالثا: ما خالف فيه الترمذي البخاري، أو استدركه عليه","level":3,"page":57},{"title":"ومن أمثلة ما استدركه الترمذي على البخاري","level":3,"page":61},{"title":"رابعا: ما توقف فيه البخاري، ورجح فيه الترمذي","level":3,"page":61},{"title":"استفادة البخاري من تلميذه الترمذي، وروايته عنه","level":3,"page":63},{"title":"وقد سمع البخاري من الترمذي بعض الأحاديث","level":3,"page":65},{"title":"الفصل السادس في ورعه في الجرح والتعديل","level":2,"page":66},{"title":"وأئمة النقد في هذا الباب على قسمين","level":3,"page":79},{"title":"وممن سار على هذا المنهج أيضا إبراهيم الحربي،","level":3,"page":88},{"title":"الفصل السابع في مؤلفاته","level":2,"page":94},{"title":"الباب الثاني وفيه فصول حول كتاب \"الجامع\"","level":1,"page":97},{"title":"الفصل الأول في الاسم الصحيح للكتاب","level":2,"page":98},{"title":"الفصل الثاني في أسانيد الترمذي من حيث العلو وعدمه","level":2,"page":118},{"title":"الفصل الثالث في مصادره","level":2,"page":120},{"title":"الفصل الرابع في اختلاف نسخه","level":2,"page":123},{"title":"أسباب الاختلاف بين النسخ","level":3,"page":131},{"title":"سادسا: ومن أمثلة الاختلاف بين النسخ","level":3,"page":143},{"title":"الفصل الخامس في تفنن المؤلف في كتابه","level":2,"page":150},{"title":"أولا: في الصناعة الحديثية","level":3,"page":150},{"title":"ثانيا: ما يتعلق بالناحية الفقهية وتفننه في ذلك","level":3,"page":165},{"title":"الفصل السادس في عقيدته","level":2,"page":168},{"title":"الفصل السابع في منهجه في الفقه","level":2,"page":226},{"title":"ذكر بيان الترمذي للألفاظ الغريبة في الحديث","level":3,"page":283},{"title":"الفصل الثامن في منهج المؤلف في التمييز بين الصحيح والمعلول","level":2,"page":286},{"title":"ومن أمثلة الأحاديث التي توقف في تصحيحها من أجل الغرابة، ما يأتي","level":3,"page":406},{"title":"ومن الأمثلة على الأحاديث التي صححها أبو عيسى مع استغرابه لها","level":3,"page":420},{"title":"ومن الأمثلة على نقده للخبر من جهة الإسناد والمتن","level":3,"page":438},{"title":"ومن أمثلة نقده للخبر من حيث المتن فقط","level":3,"page":441},{"title":"ومن ترجيحه رواية الأحفظ أيضا","level":3,"page":459},{"title":"الثالث من أوجه الترجيح: أن يأتي عن الراوي نفي لما روي عنه","level":3,"page":472},{"title":"الرابع: الترجيح بمجيء الحديث من وجه آخر موافق له، وهذا أمر متفق عليه بين أهل الحديث.","level":3,"page":472},{"title":"الفصل التاسع: في الرجال الذين خرج لهم وقد وصفوا بالترك","level":2,"page":591},{"title":"الباب الثالث وفيه فصول في تفسير مصطلحات الترمذي في الحكم على الأحاديث","level":1,"page":603},{"title":"مقدمة","level":2,"page":605},{"title":"الفصل الأول منهج الترمذي في حكمه على الأحاديث","level":3,"page":606},{"title":"الفصل الثاني تفنن أبي عيسى الترمذي في الأحكام","level":3,"page":619},{"title":"مصطلح \"الصحيح\"","level":2,"page":624},{"title":"النوع الأول استعمال مصطلح \"الصحيح\" على بابه","level":3,"page":625},{"title":"النوع الثاني أن يستعمل \"الصحيح\" بمعنى \"حسن صحيح\"، ومغايرته بين العبارات من باب التفنن","level":3,"page":634},{"title":"النوع الثالث تأكيد صحة الخبر","level":3,"page":644},{"title":"النوع الرابع يريد به أنه أصح مما حكم عليه بأنه \"حسن صحيح\"","level":3,"page":653},{"title":"النوع الخامس تصحيح الحديث لكونه روي من غير وجه","level":3,"page":660},{"title":"مصطلح \"حسن صحيح\"","level":2,"page":667},{"title":"الفصل الأول ورود هذا المصطلح على لسان بعض الأئمة قبل الترمذي","level":3,"page":668},{"title":"الفصل الثاني استعمال أبي عيسى الترمذي لمصطلح \"حسن صحيح\"","level":3,"page":672},{"title":"الفصل الثالث ما يلحق بـ \"حسن صحيح\"","level":3,"page":684},{"title":"مصطلح \"حسن غريب صحيح\"","level":2,"page":689},{"title":"فصل ما يفيده تصحيح الترمذي للأحاديث","level":3,"page":807},{"title":"ومن الأمثلة على ذلك","level":3,"page":808},{"title":"مصطلح \"الحسن\"","level":2,"page":813},{"title":"الفصل الأول تعريف الترمذي للحديث الحسن، وشرحه","level":3,"page":814},{"title":"شرح شروط (الحسن) في تعريف الترمذي","level":4,"page":815},{"title":"أولا: (لا يكون في إسناده متهم بالكذب).","level":4,"page":815},{"title":"ثانيا: قوله: (ولا يكون الحديث شاذا).","level":4,"page":817},{"title":"ثالثا: قوله: (ويروى من غير وجه نحو ذاك).","level":4,"page":820},{"title":"الفصل الثاني أنواع الحسن في \"جامع\" أبي عيسى الترمذي","level":3,"page":821},{"title":"وأما عن الباقي، فأقول - وبالله تعالى التوفيق -","level":4,"page":821},{"title":"النوع الأول الحسن التي عرفه في كتابه \"العلل الصغير\"","level":4,"page":823},{"title":"ومن الأمثلة على هذا النوع","level":4,"page":823},{"title":"ومن الأحاديث التي أخرجها لمجالد","level":4,"page":826},{"title":"أعود لذكر الأمثلة","level":4,"page":831},{"title":"النوع الثاني الحسن الذي حكم عليه بالغرابة","level":4,"page":838},{"title":"ومن أمثلة ما حكم عليه بـ\"حسن غريب\" ثم بين علته","level":4,"page":848},{"title":"ومن أمثلة ما حكم عليه بـ\"حسن غريب\" وحكم على أحد رواه إسناده بالضعف","level":4,"page":849},{"title":"وأما الأحاديث التي حكم عليها بـ\"حسن غريب\" وهي صحيحة فمن أمثلتها","level":4,"page":851},{"title":"النوع الثالث الحسن الذي فيه ضعف، ولكنه لم يبين ضعفه، وسكت عن ذلك، واكتفى بتحسينه","level":4,"page":865},{"title":"ومن أمثلته","level":4,"page":865},{"title":"النوع الرابع الحسن الذي قرن به من الكلام ما يبين ضعفه من حيث الإسناد","level":4,"page":890},{"title":"النوع الخامس الحسن الذي بين أنه معلول","level":4,"page":923},{"title":"النوع السادس الحسن الذي قرن به من الكلام ما يفيد صحته","level":4,"page":945},{"title":"النوع السابع ما حسنه وهو صحيح عند جمهور الحفاظ، وذلك بأن يكون مخرجا في \" الصحيحين \" أو في أحدهما","level":4,"page":962},{"title":"النوع الثامن ما حسنه، مع أن ظاهره الصحة، ولكنه توقف في تصحيحه لاختلاف وقع فيه، وسلك فيه سبيل الاحتياط","level":4,"page":984},{"title":"مصطلح (الغريب)","level":2,"page":1004},{"title":"الفصل الأول","level":3,"page":1007},{"title":"الفصل الثاني أحكام الترمذي على الحديث بالغرابة","level":3,"page":1008},{"title":"الفصل الثالث في أهمية معرفة الغريب","level":3,"page":1020},{"title":"مخالفة المتأخرين في مسألة الغرابة وأنها ليست بعلة","level":4,"page":1032},{"title":"الفصل الرابع علاقة الغرابة بصحة الخبر وضعفه","level":3,"page":1037},{"title":"الفصل الخامس التفرد في الطبقات","level":3,"page":1048},{"title":"أولا: طبقة الصحابة.","level":4,"page":1048},{"title":"ثانيا: التفرد في طبقة التابعين.","level":4,"page":1050},{"title":"ثالثا: التفرد في طبقة أتباع التابعين.","level":4,"page":1051},{"title":"رابعا: طبقة أتباع أتباع التابعين.","level":4,"page":1055},{"title":"الفصل السادس ذكر أمثلة على تفردات بعض كبار الأئمة","level":3,"page":1056},{"title":"عفان بن مسلم","level":4,"page":1056},{"title":"سعيد بن منصور","level":4,"page":1057},{"title":"يحيى بن معين","level":4,"page":1058},{"title":"علي بن المديني","level":4,"page":1061},{"title":"أبو بكر بن أبي شيبة","level":4,"page":1062},{"title":"أحمد بن حنبل","level":4,"page":1062},{"title":"قتيبة بن سعيد","level":4,"page":1064},{"title":"عمرو بن علي الفلاس","level":4,"page":1067},{"title":"أحمد بن منيع","level":4,"page":1067},{"title":"أحمد بن صالح المصري","level":4,"page":1068},{"title":"محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي","level":4,"page":1069},{"title":"محمد بن رافع النيسابوري","level":4,"page":1069},{"title":"محمد بن عبد الرحيم صاعقة","level":4,"page":1069},{"title":"يعقوب بن سفيان الفسوي","level":4,"page":1070},{"title":"عبد الله بن أحمد بن حنبل","level":4,"page":1070},{"title":"أحمد بن شعيب النسائي","level":4,"page":1071},{"title":"زكريا بن يحيى الساجي","level":4,"page":1071},{"title":"الفصل السابع متى تكون الغرابة قادحة في صحة الخبر؟","level":3,"page":1074},{"title":"الفصل الثامن الفرق بين الغريب والمنكر","level":3,"page":1090},{"title":"الفصل التاسع ذكر تصرفات الحفاظ في الغريب من الحديث","level":3,"page":1091},{"title":"الفصل العاشر منهج النقاد في التعامل مع الرواة الذين ينفردون ببعض المتون والأسانيد عن شيوخهم وأقرانهم","level":3,"page":1100},{"title":"منهم إبراهيم بن طهمان","level":4,"page":1100},{"title":"ومنهم إبراهيم بن بشار","level":4,"page":1101},{"title":"ومنهم إسماعيل بن عياش","level":4,"page":1102},{"title":"ومنهم أحمد بن أبي طيبة","level":4,"page":1102},{"title":"ومنهم سهيل بن أبي حزم","level":4,"page":1102},{"title":"ومنهم سليمان بن عتيق","level":4,"page":1103},{"title":"الفصل الحادي عشر إطلاق الحسن على الغريب","level":3,"page":1125},{"title":"الفصل الثاني عشر أقسام الغريب وأنواعه","level":3,"page":1130},{"title":"الفصل الثالث عشر التعليق على كلام أبي عيسى في \"العلل الصغير\" حول الغريب","level":3,"page":1153},{"title":"الفصل الرابع عشر الفرق بين الغريب والخبر الذي ظهرت علته","level":3,"page":1159},{"title":"الفصل الخامس عشر ذكر بعض الرواة الدين تكلم فيهم بسبب روايتهم للغرائب وتفردهم ببعض الأحاديث عن أقرانهم","level":3,"page":1169},{"title":"الفصل السادس عشر: عسر الحكم بالغرابة","level":3,"page":1173},{"title":"الفصل السابع عشر: الكتب التي عنيت بالغريب","level":3,"page":1178},{"title":"الفصل الثامن عشر: أحاديث رويت بأسانيد ظاهرها الصحة توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها، وذلك لأن الغرابة تنزل من درجة الحديث","level":3,"page":1182},{"title":"الفصل التاسع عشر: مناهج الأئمة في الغرابة على وجه العموم","level":3,"page":1221},{"title":"منهج شعبة بن الحجاج","level":4,"page":1221},{"title":"منهج يحيى بن سعيد القطان","level":4,"page":1222},{"title":"منهج الإمام أحمد","level":4,"page":1224},{"title":"الفصل العشرون: مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء في الغرابة والتفرد على وجه الخصوص","level":3,"page":1227},{"title":"الفصل الحادي والعشرين: اختلاف منهج المحدثين في الغرابة من أسباب اختلافهم في الحكم على الراوي","level":3,"page":1259},{"title":"فصل: مصطلح \"أصح ما في الباب\"","level":2,"page":1260},{"title":"فصل: في حكم الترمذي على الإسناد","level":2,"page":1267},{"title":"إسنادي إلى \"جامع الترمذي\"","level":2,"page":1280}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,103":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,186":177,"1,187":178,"1,188":179,"1,189":180,"1,190":181,"1,191":182,"1,192":183,"1,193":184,"1,194":185,"1,195":186,"1,196":187,"1,197":188,"1,198":189,"1,199":190,"1,200":191,"1,201":192,"1,202":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,210":201,"1,211":202,"1,212":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,272":263,"1,273":264,"1,274":265,"1,275":266,"1,276":267,"1,277":268,"1,278":269,"1,279":270,"1,280":271,"1,281":272,"1,282":273,"1,283":274,"1,284":275,"1,285":276,"1,286":277,"1,287":278,"1,288":279,"1,289":280,"1,290":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,328":319,"1,329":320,"1,330":321,"1,331":322,"1,332":323,"1,333":324,"1,334":325,"1,335":326,"1,336":327,"1,337":328,"1,338":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,376":367,"1,377":368,"1,378":369,"1,379":370,"1,380":371,"1,381":372,"1,382":373,"1,383":374,"1,384":375,"1,385":376,"1,386":377,"1,387":378,"1,388":379,"1,389":380,"1,390":381,"1,391":382,"1,392":383,"1,393":384,"1,394":385,"1,395":386,"1,396":387,"1,397":388,"1,398":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,402":393,"1,403":394,"1,404":395,"1,405":396,"1,406":397,"1,407":398,"1,408":399,"1,409":400,"1,410":401,"1,411":402,"1,412":403,"1,413":404,"1,414":405,"1,415":406,"1,416":407,"1,417":408,"1,418":409,"1,419":410,"1,420":411,"1,421":412,"1,422":413,"1,423":414,"1,424":415,"1,425":416,"1,426":417,"1,427":418,"1,428":419,"1,429":420,"1,430":421,"1,431":422,"1,432":423,"1,433":424,"1,434":425,"1,435":426,"1,436":427,"1,437":428,"1,438":429,"1,439":430,"1,440":431,"1,441":432,"1,442":433,"1,443":434,"1,444":435,"1,445":436,"1,446":437,"1,447":438,"1,448":439,"1,449":440,"1,450":441,"1,451":442,"1,452":443,"1,453":444,"1,454":445,"1,455":446,"1,456":447,"1,457":448,"1,458":449,"1,459":450,"1,460":451,"1,461":452,"1,462":453,"1,463":454,"1,464":455,"1,465":456,"1,466":457,"1,467":458,"1,468":459,"1,469":460,"1,470":461,"1,471":462,"1,472":463,"1,473":464,"1,474":465,"1,475":466,"1,476":467,"1,477":468,"1,478":469,"1,479":470,"1,480":471,"1,481":472,"1,482":473,"1,483":474,"1,484":475,"1,485":476,"1,486":477,"1,487":478,"1,488":479,"1,489":480,"1,490":481,"1,491":482,"1,492":483,"1,493":484,"1,494":485,"1,495":486,"1,496":487,"1,497":488,"1,498":489,"1,499":490,"1,500":491,"1,501":492,"1,502":493,"1,503":494,"1,504":495,"1,505":496,"1,506":497,"1,507":498,"1,508":499,"1,509":500,"1,510":501,"1,511":502,"1,512":503,"1,513":504,"1,514":505,"1,515":506,"1,516":507,"1,517":508,"1,518":509,"1,519":510,"1,520":511,"1,521":512,"1,522":513,"1,523":514,"1,524":515,"1,525":516,"1,526":517,"1,527":518,"1,528":519,"1,529":520,"1,530":521,"1,531":522,"1,532":523,"1,533":524,"1,534":525,"1,535":526,"1,536":527,"1,537":528,"1,538":529,"1,539":530,"1,540":531,"1,541":532,"1,542":533,"1,543":534,"1,544":535,"1,545":536,"1,546":537,"1,547":538,"1,548":539,"1,549":540,"1,550":541,"1,551":542,"1,552":543,"1,553":544,"1,554":545,"1,555":546,"1,556":547,"1,557":548,"1,558":549,"1,559":550,"1,560":551,"1,561":552,"1,562":553,"1,563":554,"1,564":555,"1,565":556,"1,566":557,"1,567":558,"1,568":559,"1,569":560,"1,570":561,"1,571":562,"1,572":563,"1,573":564,"1,574":565,"1,575":566,"1,576":567,"1,577":568,"1,578":569,"1,579":570,"1,580":571,"1,581":572,"1,582":573,"1,583":574,"1,584":575,"1,585":576,"1,586":577,"1,587":578,"1,588":579,"1,589":580,"1,590":581,"1,591":582,"1,592":583,"1,593":584,"1,594":585,"1,595":586,"1,596":587,"1,597":588,"1,598":589,"1,599":590,"1,601":591,"1,602":592,"1,603":593,"1,604":594,"1,605":595,"1,606":596,"1,607":597,"1,608":598,"1,609":599,"1,610":600,"1,611":601,"1,612":602,"2,5":603,"2,7":604,"2,9":605,"2,11":606,"2,12":607,"2,13":608,"2,14":609,"2,15":610,"2,16":611,"2,17":612,"2,18":613,"2,19":614,"2,20":615,"2,21":616,"2,22":617,"2,23":618,"2,25":619,"2,26":620,"2,27":621,"2,28":622,"2,29":623,"2,31":624,"2,32":625,"2,33":626,"2,34":627,"2,35":628,"2,36":629,"2,37":630,"2,38":631,"2,39":632,"2,40":633,"2,41":634,"2,42":635,"2,43":636,"2,44":637,"2,45":638,"2,46":639,"2,47":640,"2,48":641,"2,49":642,"2,50":643,"2,51":644,"2,52":645,"2,53":646,"2,54":647,"2,55":648,"2,56":649,"2,57":650,"2,58":651,"2,59":652,"2,60":653,"2,61":654,"2,62":655,"2,63":656,"2,64":657,"2,65":658,"2,66":659,"2,67":660,"2,68":661,"2,69":662,"2,70":663,"2,71":664,"2,72":665,"2,73":666,"2,75":667,"2,77":668,"2,78":669,"2,79":670,"2,80":671,"2,81":672,"2,82":673,"2,83":674,"2,84":675,"2,85":676,"2,86":677,"2,87":678,"2,88":679,"2,89":680,"2,90":681,"2,91":682,"2,92":683,"2,93":684,"2,94":685,"2,95":686,"2,96":687,"2,97":688,"2,99":689,"2,100":690,"2,101":691,"2,102":692,"2,103":693,"2,104":694,"2,105":695,"2,106":696,"2,107":697,"2,108":698,"2,109":699,"2,110":700,"2,111":701,"2,112":702,"2,113":703,"2,114":704,"2,115":705,"2,116":706,"2,117":707,"2,118":708,"2,119":709,"2,120":710,"2,121":711,"2,122":712,"2,123":713,"2,124":714,"2,125":715,"2,126":716,"2,127":717,"2,128":718,"2,129":719,"2,130":720,"2,131":721,"2,132":722,"2,133":723,"2,134":724,"2,135":725,"2,136":726,"2,137":727,"2,138":728,"2,139":729,"2,140":730,"2,141":731,"2,142":732,"2,143":733,"2,144":734,"2,145":735,"2,146":736,"2,147":737,"2,148":738,"2,149":739,"2,150":740,"2,151":741,"2,152":742,"2,153":743,"2,154":744,"2,155":745,"2,156":746,"2,157":747,"2,158":748,"2,159":749,"2,160":750,"2,161":751,"2,162":752,"2,163":753,"2,164":754,"2,165":755,"2,166":756,"2,167":757,"2,168":758,"2,169":759,"2,170":760,"2,171":761,"2,172":762,"2,173":763,"2,174":764,"2,175":765,"2,176":766,"2,177":767,"2,178":768,"2,179":769,"2,180":770,"2,181":771,"2,182":772,"2,183":773,"2,184":774,"2,185":775,"2,186":776,"2,187":777,"2,188":778,"2,189":779,"2,190":780,"2,191":781,"2,192":782,"2,193":783,"2,194":784,"2,195":785,"2,196":786,"2,197":787,"2,198":788,"2,199":789,"2,200":790,"2,201":791,"2,202":792,"2,203":793,"2,204":794,"2,205":795,"2,206":796,"2,207":797,"2,208":798,"2,209":799,"2,210":800,"2,211":801,"2,212":802,"2,213":803,"2,214":804,"2,215":805,"2,216":806,"2,217":807,"2,218":808,"2,219":809,"2,220":810,"2,221":811,"2,223":812,"2,225":813,"2,227":814,"2,228":815,"2,229":816,"2,230":817,"2,231":818,"2,232":819,"2,233":820,"2,235":821,"2,236":822,"2,237":823,"2,238":824,"2,239":825,"2,240":826,"2,241":827,"2,242":828,"2,243":829,"2,244":830,"2,245":831,"2,246":832,"2,247":833,"2,248":834,"2,249":835,"2,250":836,"2,251":837,"2,252":838,"2,253":839,"2,254":840,"2,255":841,"2,256":842,"2,257":843,"2,258":844,"2,259":845,"2,260":846,"2,261":847,"2,262":848,"2,263":849,"2,264":850,"2,265":851,"2,266":852,"2,267":853,"2,268":854,"2,269":855,"2,270":856,"2,271":857,"2,272":858,"2,273":859,"2,274":860,"2,275":861,"2,276":862,"2,277":863,"2,278":864,"2,279":865,"2,280":866,"2,281":867,"2,282":868,"2,283":869,"2,284":870,"2,285":871,"2,286":872,"2,287":873,"2,288":874,"2,289":875,"2,290":876,"2,291":877,"2,292":878,"2,293":879,"2,294":880,"2,295":881,"2,296":882,"2,297":883,"2,298":884,"2,299":885,"2,300":886,"2,301":887,"2,302":888,"2,303":889,"2,304":890,"2,305":891,"2,306":892,"2,307":893,"2,308":894,"2,309":895,"2,310":896,"2,311":897,"2,312":898,"2,313":899,"2,314":900,"2,315":901,"2,316":902,"2,317":903,"2,318":904,"2,319":905,"2,320":906,"2,321":907,"2,322":908,"2,323":909,"2,324":910,"2,325":911,"2,326":912,"2,327":913,"2,328":914,"2,329":915,"2,330":916,"2,331":917,"2,332":918,"2,333":919,"2,334":920,"2,335":921,"2,336":922,"2,337":923,"2,338":924,"2,339":925,"2,340":926,"2,341":927,"2,342":928,"2,343":929,"2,344":930,"2,345":931,"2,346":932,"2,347":933,"2,348":934,"2,349":935,"2,350":936,"2,351":937,"2,352":938,"2,353":939,"2,354":940,"2,355":941,"2,356":942,"2,357":943,"2,358":944,"2,359":945,"2,360":946,"2,361":947,"2,362":948,"2,363":949,"2,364":950,"2,365":951,"2,366":952,"2,367":953,"2,368":954,"2,369":955,"2,370":956,"2,371":957,"2,372":958,"2,373":959,"2,374":960,"2,375":961,"2,376":962,"2,377":963,"2,378":964,"2,379":965,"2,380":966,"2,381":967,"2,382":968,"2,383":969,"2,384":970,"2,385":971,"2,386":972,"2,387":973,"2,388":974,"2,389":975,"2,390":976,"2,391":977,"2,392":978,"2,393":979,"2,394":980,"2,395":981,"2,396":982,"2,397":983,"2,398":984,"2,399":985,"2,400":986,"2,401":987,"2,402":988,"2,403":989,"2,404":990,"2,405":991,"2,406":992,"2,407":993,"2,408":994,"2,409":995,"2,410":996,"2,411":997,"2,412":998,"2,413":999,"2,414":1000,"2,415":1001,"2,416":1002,"2,417":1003,"2,419":1004,"2,420":1005,"2,421":1006,"2,423":1007,"2,425":1008,"2,426":1009,"2,427":1010,"2,428":1011,"2,429":1012,"2,430":1013,"2,431":1014,"2,432":1015,"2,433":1016,"2,434":1017,"2,435":1018,"2,436":1019,"2,437":1020,"2,438":1021,"2,439":1022,"2,440":1023,"2,441":1024,"2,442":1025,"2,443":1026,"2,444":1027,"2,445":1028,"2,446":1029,"2,447":1030,"2,448":1031,"2,449":1032,"2,450":1033,"2,451":1034,"2,452":1035,"2,453":1036,"2,455":1037,"2,456":1038,"2,457":1039,"2,458":1040,"2,459":1041,"2,460":1042,"2,461":1043,"2,462":1044,"2,463":1045,"2,464":1046,"2,465":1047,"2,467":1048,"2,468":1049,"2,469":1050,"2,470":1051,"2,471":1052,"2,472":1053,"2,473":1054,"2,474":1055,"2,475":1056,"2,476":1057,"2,477":1058,"2,478":1059,"2,479":1060,"2,480":1061,"2,481":1062,"2,482":1063,"2,483":1064,"2,484":1065,"2,485":1066,"2,486":1067,"2,487":1068,"2,488":1069,"2,489":1070,"2,490":1071,"2,491":1072,"2,492":1073,"2,493":1074,"2,494":1075,"2,495":1076,"2,496":1077,"2,497":1078,"2,498":1079,"2,499":1080,"2,500":1081,"2,501":1082,"2,502":1083,"2,503":1084,"2,504":1085,"2,505":1086,"2,506":1087,"2,507":1088,"2,508":1089,"2,509":1090,"2,511":1091,"2,512":1092,"2,513":1093,"2,514":1094,"2,515":1095,"2,516":1096,"2,517":1097,"2,518":1098,"2,519":1099,"2,521":1100,"2,522":1101,"2,523":1102,"2,524":1103,"2,525":1104,"2,526":1105,"2,527":1106,"2,528":1107,"2,529":1108,"2,530":1109,"2,531":1110,"2,532":1111,"2,533":1112,"2,534":1113,"2,535":1114,"2,536":1115,"2,537":1116,"2,538":1117,"2,539":1118,"2,540":1119,"2,541":1120,"2,542":1121,"2,543":1122,"2,544":1123,"2,545":1124,"2,547":1125,"2,548":1126,"2,549":1127,"2,550":1128,"2,551":1129,"2,553":1130,"2,554":1131,"2,555":1132,"2,556":1133,"2,557":1134,"2,558":1135,"2,559":1136,"2,560":1137,"2,561":1138,"2,562":1139,"2,563":1140,"2,564":1141,"2,565":1142,"2,566":1143,"2,567":1144,"2,568":1145,"2,569":1146,"2,570":1147,"2,571":1148,"2,572":1149,"2,573":1150,"2,574":1151,"2,575":1152,"2,577":1153,"2,578":1154,"2,579":1155,"2,580":1156,"2,581":1157,"2,582":1158,"2,583":1159,"2,584":1160,"2,585":1161,"2,586":1162,"2,587":1163,"2,588":1164,"2,589":1165,"2,590":1166,"2,591":1167,"2,592":1168,"2,593":1169,"2,594":1170,"2,595":1171,"2,596":1172,"2,597":1173,"2,598":1174,"2,599":1175,"2,600":1176,"2,601":1177,"2,603":1178,"2,604":1179,"2,605":1180,"2,606":1181,"2,607":1182,"2,608":1183,"2,609":1184,"2,610":1185,"2,611":1186,"2,612":1187,"2,613":1188,"2,614":1189,"2,615":1190,"2,616":1191,"2,617":1192,"2,618":1193,"2,619":1194,"2,620":1195,"2,621":1196,"2,622":1197,"2,623":1198,"2,624":1199,"2,625":1200,"2,626":1201,"2,627":1202,"2,628":1203,"2,629":1204,"2,630":1205,"2,631":1206,"2,632":1207,"2,633":1208,"2,634":1209,"2,635":1210,"2,636":1211,"2,637":1212,"2,638":1213,"2,639":1214,"2,640":1215,"2,641":1216,"2,642":1217,"2,643":1218,"2,644":1219,"2,645":1220,"2,647":1221,"2,648":1222,"2,649":1223,"2,650":1224,"2,651":1225,"2,652":1226,"2,653":1227,"2,654":1228,"2,655":1229,"2,656":1230,"2,657":1231,"2,658":1232,"2,659":1233,"2,660":1234,"2,661":1235,"2,662":1236,"2,663":1237,"2,664":1238,"2,665":1239,"2,666":1240,"2,667":1241,"2,668":1242,"2,669":1243,"2,670":1244,"2,671":1245,"2,672":1246,"2,673":1247,"2,674":1248,"2,675":1249,"2,676":1250,"2,677":1251,"2,678":1252,"2,679":1253,"2,680":1254,"2,681":1255,"2,682":1256,"2,683":1257,"2,684":1258,"2,685":1259,"2,687":1260,"2,688":1261,"2,689":1262,"2,690":1263,"2,691":1264,"2,692":1265,"2,693":1266,"2,695":1267,"2,696":1268,"2,697":1269,"2,698":1270,"2,699":1271,"2,700":1272,"2,701":1273,"2,702":1274,"2,703":1275,"2,704":1276,"2,705":1277,"2,706":1278,"2,707":1279,"2,709":1280,"2,710":1281},"ٜ":{"1":[5,612],"2":[5,710]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,103","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","2,5","2,7","2,9","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,75","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,223","2,225","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,419","2,420","2,421","2,423","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,709","2,710"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2],"8":[3,4],"12":[5],"13":[6,7],"14":[8,9],"15":[10,11],"16":[12],"18":[13],"19":[14,15],"20":[16],"21":[17],"23":[18],"25":[19],"26":[20,21],"27":[22,23,24],"39":[25],"44":[26],"46":[27,28,29,30,31,32,33],"47":[34],"48":[35,36],"51":[37],"52":[38],"57":[39],"61":[40,41],"63":[42],"65":[43],"66":[44],"79":[45],"88":[46],"94":[47],"97":[48],"98":[49],"118":[50],"120":[51],"123":[52],"131":[53],"143":[54],"150":[55,56],"165":[57],"168":[58],"226":[59],"283":[60],"286":[61],"406":[62],"420":[63],"438":[64],"441":[65],"459":[66],"472":[67,68],"591":[69],"603":[70],"605":[71],"606":[72],"619":[73],"624":[74],"625":[75],"634":[76],"644":[77],"653":[78],"660":[79],"667":[80],"668":[81],"672":[82],"684":[83],"689":[84],"807":[85],"808":[86],"813":[87],"814":[88],"815":[89,90],"817":[91],"820":[92],"821":[93,94],"823":[95,96],"826":[97],"831":[98],"838":[99],"848":[100],"849":[101],"851":[102],"865":[103,104],"890":[105],"923":[106],"945":[107],"962":[108],"984":[109],"1004":[110],"1007":[111],"1008":[112],"1020":[113],"1032":[114],"1037":[115],"1048":[116,117],"1050":[118],"1051":[119],"1055":[120],"1056":[121,122],"1057":[123],"1058":[124],"1061":[125],"1062":[126,127],"1064":[128],"1067":[129,130],"1068":[131],"1069":[132,133,134],"1070":[135,136],"1071":[137,138],"1074":[139],"1090":[140],"1091":[141],"1100":[142,143],"1101":[144],"1102":[145,146,147],"1103":[148],"1125":[149],"1130":[150],"1153":[151],"1159":[152],"1169":[153],"1173":[154],"1178":[155],"1182":[156],"1221":[157,158],"1222":[159],"1224":[160],"1227":[161],"1259":[162],"1260":[163],"1267":[164],"1280":[165]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"﷽\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.\nأما بعد:\n\nفهذا كتاب \"المدخل إلى جامع الترمذي\"، جمعته لنفسي ولمن أراد أن يستفيد منه، وهو<span data-type='title' id=toc-1> مقدمة </span>لكتابي \"الغيث الوسمي في شرح جامع الترمذي\"، أسأل المولى ﷿ أن يعينني على تمامه.\nوقد جعلته في ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: وفيه فصول حول الترمذي.\nالباب الثاني: وفيه فصول حول كتاب \"الجامع\".\nالباب الثالث: وفيه فصول في تفسير مصطلحات الترمذي في الحكم على الأحاديث.\nولا يخفى أنه وقع اضطراب في معرفة مقصده من مصطلحاته، فادى عدم تحريرها إلى نسبته إلى التساهل في أحكامه، هذا فضلا عن البعد عن مقصوده منها، وعلى رأسها ما اشتهر به من استعماله لمصطلح \"حسن صحيح\"، حتى أن الحافظ ابن حجر عندما أراد أن يبين هذا المصطلح ذكر","vol":"1","page":5},{"text":"قولا في غاية البعد (^١) عن مراد أبي عيسى، فقال في \"النخبة\" (^٢): (فإن جُمِعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين).\nويعني بذلك أن الخبر إذا كان له أكثر من إسناد، فيكون أحدها صحيحا، والثاني حسنا، وأما إذا لم يكن له إلا إسناد واحد، فحينئذ يكون الترمذي قد تردد في حكمه.\nوقد سبقه إلى بعض ذلك ابن الصلاح في \"مقدمته\" (^٣)، وهذا غير صحيح، لذا قال الذهبي: (وأجيب عن هذا بشيء لا ينهض أبدا … الخ) (^٤)، وسوف يأتي بيان الصواب في ذلك.\nوأكبر من هذا تحرير مصطلحه في الحديث \"الحسن\"، مع أن الحسن قد وقع في حده اضطراب غير قليل، لذا قال الذهبي: (ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك!) (^٥).\nوالسبب في ذلك أن بعض أهل العلم - كأبي عيسى - يكون له اصطلاح خاص، فيأتي من يفسر هذا المصطلح باصطلاح غيره، فيقع في الخطأ، ومثله من يريد أن يفسر مصطلحات المتقدمين بالحدود التي وضعها\n_________\n(^١) لذا الحافظ نفسه في \"النكت\" (ص: ٢٧٩ - ٢٨٣) لم يذكر ما ذكره هنا من أنه يحمل على تعدد أسانيد الخبر، نعم ذكر التردد، وأورد على هذا القول إشكالات، ولم يقبل ببعض الأجوبة عن هذه الإشكالات، وبالتالي لم يسلّم ببعض ما اختاره هنا تسليما كاملا، وإن ذكر أنه يميل إليه، وأن الجواب عن هذه الإشكالات ممكن.\n(^٢) ينظر: \"نزهة النظر\" (ص: ٢٧٦).\n(^٣) (ص: ٣٩).\n(^٤) \"الموقظة\" (ص: ٢٩).\n(^٥) \"الموقظة\" (ص: ٢٨).","vol":"1","page":6},{"text":"المتأخرون، وهذا خلاف الصواب، بل الواجب الرجوع إلى تصرفاتهم وتتبع كلامهم (^١).\nولأجل هذا حرصت على تتبع كلام أبي عيسى وتصرفاته في بيان مصطلحاته، وخاصة فيما بَيَّن مقصوده فيه، وقد تبين لي بحمد الله كثير من مقاصده من هذه المصطلحات، وعلمت دقة أحكامه، وأنَّه ينبغي الوثوق بها إلا إذا دل الدليل على خلاف ذلك.\nبل إن طالب العلم إذا أراد أن يتمكن من الصناعة الحديثية بفنونها فعليه أن يكثر من النظر في هذا الكتاب، ويحرص على فَهْم عبارات مؤلفه،\n_________\n(^١) وقد نبه بعض أهل العلم إلى الاختلاف بين المتقدمين والمتأخرين في بعض المصطلحات، وأنَّه لا ينبغي تفسير مصطلحاتهم بما جاء عن المتأخرين، ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٦٦)، قال: (مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة -وهو اصطلاح المتأخرين-، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما: بتخصيص، أو تقييد، أو حَمْل مُطْلق على مُقَيد، وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم لَيسمّون الاستثناء، والشرط والصفة نسخًا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومَنْ تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يُحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حملُ كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر).\nوقال أيضا في موضع آخر (٢/ ٧٥): (وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فَنَفَى المتأخرون التحريمَ عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سَهُل عليهم لفظ الكراهة وخَفّتْ مؤنته عليهم؛ فحمَله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًّا في تصرفاتهم، فحصل بسبجه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين يملك اليمين: أكرهه، ولا أقول: هو حرام. ومذهبه تحريمه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان).","vol":"1","page":7},{"text":"وتتبع كلامه على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا؛ فإنه سوف يحصل له مراده بإذن الله تعالى؛ لأن أبا عيسى قد استعمل في هذا الكتاب كل المصطلحات التي ذكرها أهل العلم، بل وزاد عليها مصطلحات كثيرة لم تذكر، وكل ذلك مقرون بالناحية العملية، والأمثلة التطبيقية، لذا كان هذا الكتاب جديرا بالعناية من قبل طلبة العلم، هذا فضلا عما فيه من الصناعة الفقهية، فهو قد احتوى على هاتين الصناعتين، وقد بينت شيئا من ذلك في أثناء هذا \"المدخل\".\nوهذا ليس خاصا بأبي عيسى، بل غيره من الأئمة؛ ينبغي تتبع كلامهم، ودراسة مناهجهم، والاحتفاء بأحكامهم، ومن هذا: سكوت أبي داود والنسائي والبيهقي عن الحديث بعد تخريجه، وعدم تعليل الخبر بعد إيراده، فإنه يفيد صحته عندهم -غالبا-، كما نص أبو داود على ذلك، وعُلم هذا من تصرفات النَّسَائِي، وأما البيهقي فقد ذكر أنه لا يسكت عن حديث ضعيف (^١)، وكذلك إخراج أحمد للحديث في \"مسنده\" يدل على قوته\n_________\n(^١) قال البيهقي في \"المدخل إلى علم السنن\" (١/ ٤٤): (ثم إني رأيت جماعة من علمائنا خرّجوا ما وجدوا من السنن على مسائل الفقه من غير تمييز منهم، صحيحها من سقيمها، ولا قويها من ضعيفها، حتى ينزل جميعها من ليس الحديث من شأنه منزلة واحدة، لا يهتدي إلى منازلها في السقم والصحة، فأشرت في كل حديث أوردته إلى منزلته عند أهل العلم به.\nفإن كان مما أخرجه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري رحمهما الله في كتابيهما، وهو الدرجة الأولى من الصحاح بينته، وإن كان مما أخرجه أحدهما دون الآخر، وبعضه دون الدرجة الأولى في الصحة، ذكرته.\nوإن كان مما لم يخرّجاه ولا أحدهما، ولكن خرّجه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني أو غيره من أئمة الحديث في كتابه محتجا به، وبعضه دون ما تقدم في القوة، ربما ذكرت المحتج به، وربما أطلقته. =","vol":"1","page":8},{"text":"عنده من حيث الجملة، لذا قال أبو العباس ابن تيمية: (شرط أحمد في \"مسنده\" أجود من شرط أبي داود في سننه) (^١).\nلذا كان الأصل في أحاديث \"السنن\" الأربعة و\"مسند\" أحمد و\"صحيحي\" ابن خزيمة وابن حبان = الصحة، على تفاوت بينهم في ذلك.\nوعندئذٍ سوف يجد المتأمل في ذلك فوائد عظيمة، ومسائل مهمة، كان غافلا عنها، لا يجدها في مكان آخر، وسوف يعلم سبب إطلاق الأئمة الصحة على كتابي أبي داود والنسائي، كما أنه سوف تزول بعض الإشكالات التي يجدها الباحث في بعض أحكامهم، وخاصة في تعليلهم للخبر الذي ظاهر إسناده الصحة، فلا يردها كما يفعل بعض المتأخرين، أو لا يحتفل بها كما هو شأن بعض المعاصرين.\nوأيضا سوف يجد الناظر في فصول هذا \"المدخل\" شيئا من التكرار؛ بعضه يُحتاج إليه، وبعضه بسبب إملاء الكتاب في أوقات متباعدة، كما أن بعض هذه المباحث يحتاج إلى زيادة بسط، وهذا يحتاج إلى مزيد من الوقت، فاكتفيت ببعضه عن كله.\n_________\n= وإن كان في إسناده ضعف بانقطاع إسناده، أو ضعف بعض رواته، أو جهالته شرحته، وربما اكتفيت بشرحه في موضع عن تكريره في سائر المواضع، وربما أضفت الطعن فيه إلى قائله من أهل المعرفة بالحديث على طريق الإيجاز، ليكون من نظر فيه من أهل الفقه على بصيرة بما يحتج به أو يرجح به، وما يدعه من الأحاديث التي لا تقوم الحجة بأمثالها، لا نرد منها ثابتا، ولا نثبت ضعيفا).\nوقال أيضا في \"المدخل إلى دلائل النبوة\" (١/ ٤٧): (وعادتي في كتبي المصنّفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار).\n(^١) \"الفتاوى\" (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":9},{"text":"كما أنه قد كُتب عن الترمذي وكتابه الشيء الكثير فلم أرد إعادة ما ذكر واستقصاءه، وإنما أردت بيان بعض الأمور المهمة حول الترمذي وكتابه، والتي فيها إضافة على ما هو معروف ومشهور، مع التأكيد على بيان ذلك من خلال الكتاب نفسه، وبالله تعالى التوفيق.\nوقد ساعدني في جمع المادة العلمية لهذا \"المدخل\" جمع من الإخوة، وعلى رأسهم: سامي بن محمد بن جاد الله، وعبد العزيز بن ناصر الخباني، وأَغْرون بن مِلَازم كرَاسنِيجى، وعبد العزيز بن زيد الشبانات، وعبد الحكيم الجبير، والدكتور فيحان بن نايف البصيص، ومعاذ بن محمد القعود، وعبد الرحمن الهليل، وإسلام بن محمد سلطان، وطارق بن عودة العنزي، ومحمود شحرور، فجزاهم الله خيرا، وبارك فيهم.\nوالله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وينفع به كما نفع بأصله.\nأملاه\nعبد الله بن عبد الرحمن السعد\n١٦/ ٥/ ١٤٤١","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>الباب الأول وفيه فصول حول الترمذي</span>\nالفصل الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وولادته ووفاته.\nالفصل الثاني: في رحلاته.\nالفصل الثالث: في شيوخه وتلاميذه.\nالفصل الرابع: في أهم ما تميز به.\nالفصل الخامس: في أنه حامل علم البخاري.\nالفصل السادس: في ورعه في الجرح والتعديل.\nالفصل السابع: في مؤلفاته.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الفصل الأول في اسمه، ونسبه، وكنيته، وولادته، ووفاته</span>\nأما اسمه: فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:\n١ - محمد بن عيسى بن سَوْرَة (^١) بن موسى بن الضحاك.\nكذا سماه تلميذه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي (^٢)، وهو المشهور (^٣).\n٢ - محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن شداد (^٤).\n٣ - محمد بن عيسى بن يزيد بن سَوْرَة بن السَّكَن (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-4>وأما نسبته:</span> القَيْسِيُّ السُّلَميُّ -بضم السين المهملة وفتح اللام- (^٦).\nأما القَيْسِيُّ، فنسبة إلى قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن\n_________\n(^١) سَوْرَة: بفتح السين، وسكون الواو، بعدها راء مهملة. ينظر: \"توضيح المشتبه\" (٥/ ٢٠٣)، \"تبصير المنتبه\" (٢/ ٧٠٠).\n(^٢) انظر: \"فهرسة ابن خير الإشبيلي\" (ص: ٩٩).\n(^٣) انظر: \"الثقات\" لابن حبان (٩/ ١٥٣)، \"رجال البخاري\" للكلاباذي (١/ ٣٩٠)، \"الإكمال\" لابن ماكولا (٤/ ٣٩٦)، \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٤١٤)، \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٦)، \"\"وفيات الأعيان\" (٤/ ٢٧٨)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٠).\n(^٤) \"الإرشاد\" للخليلي (٣/ ٩٠٤)، \"الأنساب\" (٣/ ٤٢).\n(^٥) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٢٥٠)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٠).\n(^٦) انظر: \"الأنساب\" (٧/ ١٨٠).","vol":"1","page":13},{"text":"عدنان، وإلى قيس تنتسب قبائل كثيرة، منها: غطفان وهوازن وباهلة وغيرهم، وقير هو أخو إلياس، وإليه تنتسب قريش وهذيل ومزينة وغيرهم.\nوأما السُّلمي، فنسبة إلى سُليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس (^١)، قبيلة مشهورة، حجازيةُ الإقليم، مساكنها بين مكة والمدينة منذ الجاهلية وإلى الآن، مع تغيرٍ بعضَ الشيء، وقد تفرَّق قسم منهم في البلاد، فمنهم من سكن الشام، ومنهم من سكن برقة وما حولها -أي: ليبيا الآن-، ولا زالوا يعرفون إلى الآن.\nوقد خرج منها جَمْعٌ كبير من الصحابة والتابعين وهلمَّ جرًّا، فمن مشاهيرهم: عمرو بن عَبَسَة السلمي، وهو صحابي جليل قد تقدم إسلامه، فقد قال ابن سعد: (أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سليم بن عامر، وضمرة، وأبي طلحة، أنهم سمعوا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، قال: قلت: يا رسول الله، من معك في هذا الأمر؟ قال: \"معي رجلان: أبو بكر وبلال\"، قال: فأسلمت عند ذلك، قال: فلقد رأيتني ربع الإسلام، قال: فقلت: يا رسول الله، أمكث معك أم ألحق بقومي؟ قال: \"الحق بقومك\"، قال: \"فيوشك الله تعالى أن يفي بمن ترى وبحيي الإسلام\"، وهذا إسناد جيد.\nومنهم أيضا: الصحابي المشهور العرباض بن سارية السلمي، صاحب حديث: \"عليكم بسنتي … \"، ومنهم: العباس بن مرداس السلمي، وغيرهم من الصحابة، وغيرهم كثير من التابعين وأتباعهم.\n_________\n(^١) وأخوه هوازن بن منصور، وهي قبيلة كبيرة تنسب إليها فروع كثيرة في الحجاز ونجد، منهم: بنو عامر بن صعصعة، وهم من أكثر العرب.","vol":"1","page":14},{"text":"وأما بلاده: فهو ينسب البُوْغِيُّ التِّرمذي (^١).\nالبُوْغِيُّ: نسبة إلى بوغ، قال السمعاني: (بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفي آخرها الغين المعجمة، هذه النسبة إلى \"بوغ\" وهي قرية من قرى \"الترمذ\" على ستة فراسخ) (^٢).\nالتِّرْمِذِيُّ: نسبة إلى ترمذ، وقد اختلف في ضبطها على ثلاثة أقوال، قال السمعاني: (والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة -أي: الترمذي-، بعضهم يقولون: بفتح التاء المنقوطة بنقطتين من فوق، وبعضهم يقولون: بضمها، وبعضهم يقولون: بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك البلدة -وكنت أقمت بها اثني عشر يوما- بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديما فيه كسر التاء والميم جميعا، والّذي يقوله المتوقون وأهل المعرفة: بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه) (^٣).\nوقال مؤتمن الساجي: (سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري -أبو إسماعيل الهروي- يقول: هو بضم التاء) (^٤).\nوقال ابن دقيق العيد: (وترمذ بالكسر، هو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر) (^٥).\nوقال أبو الفتح اليَعمُري: (ويقوله المتوقون وأهل المعرفة: بضم التاء والميم، والذي نعرفه بكسرها، وهي على نهر بلخ) (^٦).\nوقال الذهبي: (ترمذ: بفتح التاء، وقيل: بضمها، ويقال: بكسرها) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: \"وفيات الأعيان\" (٤/ ٢٧٨)، \"تاريخ الإسلام\" (٦/ ٦١٧).\n(^٢) \"الأنساب\" (٢/ ٣٦١).\n(^٣) \"الأنساب\" (٣/ ٤١).\n(^٤) \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١٥٤).\n(^٥) \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١٥٤).\n(^٦) \"تاريخ الإسلام\" (٦/ ٦١٧).\n(^٧) \"تاريخ الإسلام\" (٦/ ٦١٧).","vol":"1","page":15},{"text":"وقال ابن عبد الهادي: (وترمذ بالكسر هو المشهور) (^١).\nقلت: الراجح أنها بكسر التاء والميم، وذلك لأمرين:\nالأول: ما قاله السمعاني هنا: (والذي نعرفه فيه -يعني في هذه البلدة- كسر التاء والميم جميعا)، فعلى هذا تسمية أهل هذه البلدة لبلدهم ترمذ بفتح التاء وكسر الميم هو حادث، وأنَّه قديما كانت بكسر التاء والميم كما تقدم.\nالثاني: ما قاله ابن دقيق العيد - كما سبق -: (ترمذ بالكسر، وهو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر)، وما قاله ابن عبد الهادي: (بالكسر، هو المشهور).\nوأما من قال بضم التاء والميم، فهذا لم أقف على أحد قاله إلا أبو إسماعيل الهروي، ويجاب عن هذا بما تقدم من قول السمعاني: (والذي كنا نعرفه قديما فيه … الخ).\nوالذي يظهر أن أجداد الترمذي رحلوا إلى هذه البلاد البعيدة لكونهم خرجوا في الجهاد، كما خرج غيرهم كثير لذلك، فأقاموا فيها، والله أعلم.\n* * *\nوأما كنيته: فأبو عيسى بالاتفاق.\nوقال مغلطاي: (وزعم ابن دحية في الكتاب المسمى بـ \"المستوفى في أخبار المصطفى ﷺ \" أنه يعرف - أي: الترمذي - بابن الدهان) (^٢).\nوهذا غريب، ولم أقف على من سبقه إلى ذلك، كما أنه لم يذكر من أين أخذ ذلك.\n_________\n(^١) \"طبقات علماء الحديث\" (٢/ ٣٤٠).\n(^٢) \"جامع الأصول\" (١/ ١٩٣)، \"إكمال تهذيب الكمال\" (١٠/ ٣٠٥).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>وأما ولادته:</span>\nفذكر ابن الأثير أنه: (ولد سنة تسع ومئتين) (^١)، وإن كان ابن الأثير لم يذكر دليله على ذلك، ولكن مثل ابن الأثير في مكانته العلمية لا يمكن أن يجزم بذلك إلا وقد وقف على نقل فيه، وأما قول الذهبي: (ولد سنة بضع ومئتين) (^٢) فهذا تقدير منه على حسب وفيات شيوخه الذين سمع منهم، لذا قال في موضع آخر: (ولد في حدود سنة عشر ومئتين) (^٣).\nوكان مبصرا، قال أحمد بن عبد الله بن داود: (سمعت أبا عيسى الترمذي يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمر بنا ذلك الشيخ فسألت عنه فقالوا: فلان، فرحت إليه وأنا أظن أن الجزأين معي وإنما حملت معي في محملي جزأين غيرهما شبههما، فلما ظفرت به سألته السماع فأجاب، وأخذ يقرأ من حفظه، ثم لمح فرأى البياض في يدي، فقال: ما تستحيى مني؟! فقصصت عليه القصة، وقلت له: إني أحفظه كله، فقال: اقرأ، فقرأته عليه على الولاء، فقال: هل استظهرت قبل أن تجيء إلي؟ قلت: لا، ثم قلت له: حدثني بغيره، فقرأ عليَّ أربعين حديثا من غرائب حديثه، ثم قال: هات، فقرأت عليه من أوله إلى آخره، فقال: ما رأيت مثلك!) (^٤).\nلذا قال يوسف بن أحمد البغدادي الحافظ: (أضرَّ أبو عيسى في آخر عمره) (^٥).\nوقال عمر بن عَلَّك: (بكى حتى عمي، وبقي ضريرا سنين) (^٦).\n_________\n(^١) \"جامع الأصول\" (١/ ١٩٣).\n(^٢) \"تاريخ الإسلام\" (٦/ ٦١٧).\n(^٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧١).\n(^٤) انظر: \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٩).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٦٩).\n(^٦) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٣).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>وأما وفاته:</span>\nففيها أربعة أقوال:\n١ - سنة خمس وسبعين ومئتين. قاله السمعاني (^١).\n٢ - سنة نيف وسبعين ومئتين. قاله السمعاني (^٢).\nوهذان القولان ليس بينهما اختلاف كما هو معلوم، فتكون وفاته عند السمعاني سنة خمس وسبعين.\n٣ - ليلة الاثنين، لثلاث عشرة خلت من رجب، سنة تسع وسبعين ومئتين. كذا قال غنجار (^٣)، وأبو العباس جعفر بن المعتز المستغفري (^٤)، وابن ماكولا (^٥)، واقتصر عليه المزي (^٦)، وجزم به ابن الأثير (^٧)، وصححه ابن كثير (^٨).\nوأنا أذهب إلى هذا، وما خالفه من الأقوال فليس بصحيح.\n٤ - مات بعد الثمانين ومئتين. قاله الخليلي (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>وأما مكان وفاته:</span>\nفقال غنجار: (في ترمذ) (^١٠)، وقال السمعاني: (مات بقرية بوغ) (^١١). ولا تعارض بينهما، فـ \"بوغ\" قرية من قرى \"ترمذ\".\n_________\n(^١) \"الأنساب\" (٢/ ٣٦٢).\n(^٢) \"الأنساب\" (٣/ ٤٣).\n(^٣) \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٧).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٢٥٢).\n(^٥) \"الإكمال\" (٤/ ٣٩٦). \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٧).\n(^٦) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٢٥٢).\n(^٧) \"الكامل\" (٦/ ٤٧٤).\n(^٨) \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٦٤٩).\n(^٩) \"الإرشاد\" (٣/ ٩٠٥).\n(^١٠) \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٧).\n(^١١) \"الأنساب\" (٢/ ٣٦٢).","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>الفصل الثاني في رحلاته</span>\nارتحل أبو عيسى في طلب الحديث إلى عدة بلدان، فسمع بخراسان والعراق والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام، كما تفيده بعض كتب التراجم.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>أولًا: بداية رحلته:</span>\nفي حاشية المزي عند ترجمته لأحمد بن عبيد الله بن سهيل أن رحلة الترمذي كانت بعد الأربعين ومئتين، قاد المزي: (ذكر أبو القاسم في \"الشيوخ النبل\" أن الترمذي روى عنه أيضا، وذلك وهم منه، إنما روى عن الذي بعده، وهو السليمي فإن رحلته كانت بعد الأربعين) (^١).\nوهناك من تعقب المزي بأن للترمذي شيوخا قد توفوا قبل المائتين وأربعين، وبالتالي تكون رحلته قبل ذلك.\nوالجواب عن ذلك أن بعض من ذكر اختُلف في وفاته، وبعضهم ليس من شيوخه أصلا، كعلي بن الحسن بن سليمان الواسطي المتوفى سنة (٢٣٧ هـ)، وأما البعض الآخر فإنهم وإن توفوا قبل المائتين وأربعين إلا أن بعضهم من (بلخ)، وبلخ قريبة من (ترمذ) فلا يكون الذهاب إليها رحلة منه، ويؤكد ذلك أنه لو رحل قبل الأربعين لسمع من جمع ممن توفي قبل ذلك، وليس الواحد أو الاثنين.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١/ ٤٠١).","vol":"1","page":19},{"text":"نعم إسحاق بن إبراهيم بن راهويه من شيوخه المشهورين، وكانت وفاته قبل الأربعين، وكذلك أحمد بن محمد بن موسى السمسار المرُّوذي، فإن كان ثمة دليل على ما تقدم فهو هذا، ومع ذلك يبقى في النفس شيء لما تقدم، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>ثانيًا: البلدان التي رحل إليها:</span>\n١ - بلخ: لأن جمعا من شيوخه منها.\n٢ - خراسان: قال ابن نقطة في ذكره لسماع الترمذي: (… وبخراسان من علي بن حجر، ومحمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن يحيى النيسابوري، في خلق كثير) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-11>ومن مدن خراسان:</span>\n٣ - مرو: لأن جمعا من شيوخه منها، كإسحاق بن راهويه، ومحمود بن غيلان.\n٤ - والري: قال ابن نقطة في ذكره لسماع الترمذي: (… وبالري من أبي زرعة الرازي) (^٢).\n٥ - بخارى: لإكثاره عن البخاري، وملازمته له.\n٦ - سمرقند: قرأ يوسف بن أحمد البغدادي بخط المؤتمن بن أحمد الساجي: (زاد أبو عيسى \"العلل\" بسمرقند) (^٣).\nوهذا ليس فيه دلالة على أنه ذهب إليها في رحلته.\n٧ - البصرة، وواسط، والكوفة، وبغداد، والحجاز: قال ابن نقطة:\n_________\n(^١) \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٦).\n(^٢) المصدر السابق (ص: ٩٦).\n(^٣) المصدر السابق (ص: ٩٩)، أي: زادها على كتابه \"الجامع\" في آخره.","vol":"1","page":20},{"text":"(سمع بالحجاز من محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وبالبصرة من محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن علي بن بحر بن كثير الفلاس وغيرهم، وبواسط من أبي الشعثاء علي بن الحسن، وبالكوفة من أبي كريب، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وعبيد بن أسباط، وعلي بن المنذر الطريقي، في آخرين، وببغداد من الحسن بن الصياح، وأحمد بن حسان بن ميمون، وأحمد بن منيع، ومحمد بن إسحاق الصاغاني) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>ثالثًا: ما ذكر من البلدان التي لم يدخلها:</span>\n١ - مصر والشام: قال الذهبي: (ارتحل، فسمع بخراسان، والعراق، والحرمين، ولم يرحل إلى مصر، والشام) (^٢).\n٢ - بغداد: قال أحمد شاكر: (لا أظنه دخل بغداد، إذ لو دخلها لسمع من سيد المحدثين وزعيمهم: الإمام أحمد بن حنبل، ولترجم له الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد) (^٣).\nورد هذا الأستاذ أكرم ضياء العمري، وجزم بأن الترمذي دخل بغداد، واستدل على ذلك بقول ابن نقطة السابق، بالإضافة إلى روايته عن (ثمانية وثلاثين) شيخا من بغداد، وذكر أن كونه لم يرو عن الإمام أحمد فهذا لا يدل على عدم دخوله بغداد (^٤)، بل يدل على أن دخوله بغداد كان بعد وفاة الإمام أحمد، ويؤكد هذا أن كل من روى عنهم الترمذي من بغداد - وهم\n_________\n(^١) \"التقييد\" (ص: ٩٦).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧١).\n(^٣) مقدمة تحقيق \"جامع الترمذي\" (١/ ٨٣).\n(^٤) خاصة وأن الإمام أحمد قد امتنع من التحديث قبل وفاته بمدة، مع أنه ينبغي أن يعلم أن حديث أحمد في الكتب ليس كثيرا، ومثله يحيى بن معين وعلي بن المديني، مع كونهم سمعوا مئات الآلاف من الأخبار والآثار.","vol":"1","page":21},{"text":"ثمانية وثلاثون - ليس فيهم من توفي سنة (٢٤١ هـ)، بل أقدم من روى عنهم من البغداديين توفوا سنة (٢٤٣ هـ)، ويؤكده أيضا أن كل من توفي من البغدادين سنة (٢٤٠ هـ) فإنه روى عنهم بواسطة، وعددهم ثمانية.\nوأما كون الخطيب البغدادي لم يترجم له فإن الأغلب أنه ترجم له، ولكن ترجمته سقطت من الطبعة الحالية كما سقطت تراجم أخرى (^١).\n_________\n(^١) \"تراث الترمذي العلمي\" (ص: ٩ وما بعدها).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>الفصل الثالث في شيوخه وتلاميذه</span>\nسمع أبو عيسى من جمع كبير، وقد أحصى بعض الباحثين شيوخه الذين روى عنهم فبلغوا أكثر من مائتين، ولا يخفى أنه لا يلزم من ذلك أن يكون فقط هؤلاء الذين سمع منهم، فقد قال ابن حبان: (ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية، ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن مائة وخمسين شيخا أقل أو أكثر، ولعل معول كتابنا يكون على نحو من عشرين شيخا ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم) (^١).\nقال المزي: (طاف -يعني: أبا عيسى- البلاد، وسمع خلقا كثيرا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم، وقد سميناهم في مواضعهم من كتابنا هذا) (^٢). ولم يذكرهم في ترجمته، وقد أفردهم بعض أهل العلم، ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن معاوية الأنصاري الدّروقي الأطروش، له جزء في تسمية شيوخ أبي عيسى التّرمذي في مصنّفه.\nنقل ابن الأبَّار نصًّا نادرا من كتاب أبي محمد الدروقي في تسمية شيوخ الترمذي، أثناء الكلام عن شيخ للترمذي اسمه (عيسى بن أحمد)، قال الحافظ الدَّرَوْقِي الأطروش: (عيسى بن أحمد بن وردان، أبا يحيى البلخي، كذا سمَّاه أبو أحمد الحاكم في \"الكنى\" له، في باب أبي يحيى،\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (١/ ٢١٥).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٢٥١).","vol":"1","page":23},{"text":"أخبرني به أبو علي الصدفي) (^١) قلتُ: (عيسى بن أحمد) من شيوخ الترمذي روى عنه في موضعين من \"جامعه\" برقم: (١٤١٣) (٢٠٧٧). يقول في كليهما: حدثنا عيسى بن أحمد قال: حدثنا ابن وهب.\nوهؤلاء الشيوخ -كما سوف يأتي- فيهم الحفاظ الكبار، وفيهم من دون ذلك، وفيهم الفقهاء الأعلام، وفيهم من سوى ذلك، وإليك التفصيل في هذا:\n\n<span data-type='title' id=toc-14>أولا: أجلّ شيوخه:</span> إسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد، وأبو حفص الفلاس، والدارمي، والبخاري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج (روى له حديثا واحدا في كتابه \"الجامع\"، وسيأتي)، وأبو داود السجستاني - وهو من أقرانه، فليس بين ولادتيهما إلا بضع سنوات، ولكن أبا داود بكَّر بالسماع قبل أبي عيسى - (روى له في ثلاثة مواضع، أحدها مكرر، كما سيأتي).\n<span data-type='title' id=toc-15>ثانيا: شيوخه الذين استفاد منهم أكثر من غيرهم:</span>\nوهؤلاء يمكن أن يقسموا إلى قسمين من حيث الاستفادة:\nالأول: الذين استفاد منهم بالإكثار من روايته عنهم، والسماع منهم، وسوف يأتي الكلام عنهم.\nوالثاني: الذين استفاد منهم في الصناعة الحديثية والنقد، وتخرج بهم، وعلى رأسهم البخاري والدارمي وأبو زرعة، وقد قال في \"العلل الصغير\": (وما كان فيه -أي: كتاب \"الجامع\"- من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب \"التاريخ\"، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا\n_________\n(^١) \"معجم أصحاب القاضي أبي علي الصدفي\" (ص: ٢٥٤).","vol":"1","page":24},{"text":"زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة).\nوأكثر من استفاد منه محمد بن إسماعيل، وقد قال: (ولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل) (^١).\nوسوف يأتي فصل خاص بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>واستفادته من هؤلاء الثلاثة تدل على أمرين:</span>\nالأول: أنه يرى أن هؤلاء الثلاثة من أعلم الناس بالصناعة الحديثية في عصرهم، وقد نص على هذا بالنسبة للبخاري.\nالثاني: أن هذا يفيد كثرة ملازمته لهم، واختصاصه بهم.\nويلاحظ أنه اجتمع بغيرهم من كبار الحفاظ، ولكن لم يذكر أنه ذاكرهم في الصناعة الحديثية، كأبي حفص الفلاس، ومحمد بن يحيى الذهلي - وقد أكثر عنه، والجوزجاني، نعم روى عن أبي حفص الفلاس خبرا عن يحيى بن سعيد القطان، فقال: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: حدثني يحيى بن سعيد القطان، قال: أنبأنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلُها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: \"اعقلها وتوكل\". قال عمرو بن علي: قال يحيى: وهذا عندي حديث منكر) (^٢).\nويلاحظ أنه مع اختصاصه بأبي زرعة لم يذكر أنه سمع من أبي حاتم الرازي، وكذلك لم يرو عن أبي بكر الأثرم، ولا يعقوب بن شيبة، ولا محمد بن مسلم بن وارة، وأحمد ابن أبي خيثمة، وغيرهم، مع أنهم من كبار الحفاظ.\n_________\n(^١) (٥/ ٩).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٤٥٩). (٢٦٩٩).","vol":"1","page":25},{"text":"ولم يرو كذلك عن العجلي، ولعل السبب في عدم روايته عنه أنه في فتنة خلق القرآن رحل إلى المغرب.\n\n<span data-type='title' id=toc-17>ثالثًا: أقدم شيوخه وفاةً:</span>\nوالفائدة من ذلك معرفة متى بدأ أبو عيسى بالسماع هل بكر أو تأخر في طلبه للعلم، وغير ذلك من الفوائد كما سوف يأتي، مع ملاحظة أنه لا يلزم من قدم وفاة الشيخ أن يكون أكبر شيوخه، أو أول من سمع منه؛ لأنَّه قد تتقدم وفاة الشخص، ولا يكون كبيرا، وقد يعمر فتتأخر، وقد يبكر في السماع من أناس وتتأخر وفاتهم، وبالعكس فقد يتأخر سماعه من آخرين، وتتقدم وفاتهم.\n١ - صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي (ت ٢٣١ هـ أو بعدها كما سوف يأتي).\n٢ - أحمد بن محمد بن موسى السمسار المروزي (قيل توفي ٢٣٥ هـ، وقيل بعد ذلك) (^١).\n٣ - محمد بن عمرو السواق البلخي (ت ٢٣٦ هـ).\n٤ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه (ت ٢٣٨ هـ).\n٥ - محمود بن غيلان المروزي (ت ٢٣٩ هـ)، وقيل: سنة (٢٤٩ هـ)، والخلاف قوي، فإذا قيل: إن الأول هو قول الجمهور، وإن البخاري والنسائي قد نصا على أن وفاته كانت في رمضان من سنة (تسع وثلاثين ومئتين)، فإن الثاني وإن كان تفرد به محمد بن حمدويه المروزي إلا أنه ذكر تفصيلا يدل على تأكده مما قال، ثم هو بلديه أيضا، فقال: (خرج محمود إلى الحج سنة ست وأربعين، ثم انصرف إلى مرو، وتوفي لعشر بقين من ذي القعدة سنة تع وأربعين ومائتين).\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٥)، حاشية \"تهذيب الكمال\" (١/ ٤٧٤).","vol":"1","page":26},{"text":"٦ - يحيى بن موسى البلخي (ت ٢٤٠ هـ).\n٧ - محمد بن نجيح السندي، ابن أبي معشر (ت ٢٤٧ هـ)، وهو معمر لأنَّه قد قارب المئة عندما توفي (^١).\nأما صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي فقد ذكر ابن حبان أنه توفي سنة (٢٣١ هـ)، ومثله عبد الباقي بن قانع، ولكن خالفهما من هو أولى منهما، فقد قال البخاري: (مات سنة بضع وثلاثين ومائتين أو نحوه بمكة)، وقال البغوي: (مات سنة تسع وثلاثين ومائتين)، ومثله أحمد بن محمد بن بكر.\nوأما القول بأن محمد بن جعفر السمناني هو أقدمهم وفاةً، وأنَّه توفي سنة (٢٢٠ هـ) فهذا اعتمادا على ما ذكره ابن حجر في \"التقريب\"، ويظهر أنه سبق قلم من الحافظ ابن حجر؛ لأنَّه موجود بخطه كذلك، لذا لما ترجم له في \"تهذيب التهذيب\" لم يذكر وفاته، ومثله المزي في \"تهذيب الكمال\"، وذكره الذهبي في \"تاريخ الإسلام\" فيمن توفي ما بين (٢٤١ هـ) وبين (٢٥٠ هـ).\nوالخلاصة أن أقدمهم وفاة هو محمد بن عمرو السواق البلخي؛ لأن أحمد بن محمد السمسار مختلف في وفاته كما تقدم، بخلاف السواق.\nوبناء على ما تقدم فالذي يظهر أن الترمذي قد تأخر طلبه للعلم، وذلك لتأخر وفاة كبار شيوخه، بخلاف شيخه البخاري، فإنه بدأ بالطلب وعمره نحو عشر سنوات، فقد روى الخطيب البغدادي من طريق الفربري، عن محمد بن أبي حاتم الوراق، قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: (كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت\n_________\n(^١) وهناك من ذكر أن من شيوخه علي بن الحسن بن سليمان الواسطي (ت ٢٣٧ هـ)، وهو خطأ، فإن الترمذي لم يرو عنه، وإنما روى عنه مسلم وابن ماجه.","vol":"1","page":27},{"text":"حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقاد: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، وقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه، فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة) (^١).\nومثله أبو داود السجستاني، فإنه قد قال: (وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين، وسمعت من أبي عمر الضرير مجلسا واحدا، ودخلت البصرة وهم يقولون: مات أمس عثمان المؤذن، وسمعت من سعدويه مجلسا واحدا، ومن عاصم بن علي مجلسا واحدا، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئا) (^٢)، لذا كان من أقدم شيوخه مسلم بن إبراهيم الأزدي (ت ٢٢٤ هـ).\nوإذا تقرر ذلك فقد يستفاد منه أنه لم يكن أحد من أسرته كان من أهل العلم، كأبيه أو إخوته - مثلا - ممن هم أكبر منه، وإلا لبكر في طلب العلم - والله تعالى أعلم -.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>رابعًا: أكبر شيوخه سنا:</span>\nعبد الله بن معاوية الجمحي، قال موسى بن هارون: توفي سنة (٢٤٣ هـ).\nوقال ابن حبان: (مات سنة أربعين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل).\n_________\n(^١) \"تاريخ بغداد\" (٢/ ٣٢٤).\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٧٥).","vol":"1","page":28},{"text":"قال أبو عيسى الترمذي: (هو رجل صالح)، وقال: (وقال لنا عباس العنبري: اكتبوا عنه فإنه ثقة) (^١).\nوقال الحسن بن أحمد بن الليث: (رأيت عبد الله بن معاوية الجمحي وكانت له مائة سنة، وزيادة على عشرة) (^٢).\nقلت: وهذا يفيد أنه ولد بعد سنة ثلاثين ومائة، والأقرب عندي أنه ولد نحو سنة أربعين ومائة أو بعدها؛ لأني لم أقف على أحد من شيوخه مات قبل الستين ومائة، وإنما بعدها، فلو ولد بعد الثلاثين ومائة لكان روى عمن مات قبل الستين ومائة، وإن كان هذا ليس بلازم، والله تعالى أعلم.\nفهذا قد يكون أكبر شيوخ أبي عيسى سنًّا.\nومثله علي بن حجر السعدي، مات سنة أربع وأربعين ومائتين، وقد قارب المائة أو جاوزها، وعلى هذا تكون ولادته بعد الأربعين ومائة، ولكن قيل: إنه ولد سنة مائة وأربعة وخمسين، والله تعالى أعلم.\nخامسًا: الشيوخ الذين أكثر من الرواية عنهم:\nمنهم: ابن أبي عمر، ومحمد بن بشار، وأحمد بن منيع، وعلي بن حجر المروزي، وإسحاق بن موسى الأنصاري.\nودون هؤلاء طبقة ثانية، منهم: محمد بن يحيى الذهلي، وعبد الله بن سعيد الأشج، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن محمد بن موسى السمسار، وأبو عمار الحسين بن حريث، ونصر بن علي الجهضمي.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٤٣٧)، وينظر: هامش التحقيق ط. دار التأصيل لـ\"الجامع\".\n(^٢) \"تاريخ الإسلام\" (٥/ ١١٦٢).\n(^٣) \"الجامع\" (٢/ ٨٤) (٦٩٥).","vol":"1","page":29},{"text":"ودون هؤلاء طبقة ثالثة، منهم: الدارمي، وسفيان بن وكيع، ويحيى بن موسى، والحسن بن علي الخلال، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن حميد الرازي.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>سادسًا: شيوخه الذين روى عنهم في كتابه \"الجامع\" وهم من أصحاب الكتب الخمسة:</span>\nعلى رأسهم البخاري، وقد روى عنه أحاديث عديدة.\nوروى عن مسلم حديثا واحدا، فقال في باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قال قال رسول الله ﷺ \"أحصوا هلال شعبان لرمضان\") (^١).\nوروى عن أبي داود ثلاثة أحاديث:\n١ - قال ﵀: (وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فقال: \"إن حبك إياها يدخلك الجنة\".\nحدثنا بذلك أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا مبارك بن فضالة بهذا) (^٢).\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجزي، قال: حدثنا قطن البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع\") (^٣).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢٦/ ٤) (٣١٤١)، وهذا وقع في بعض النسخ دون بعض.\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٤٣٦) (٣٩٤٩).\n(^٣) \"الجمع\" (٤/ ٥٢٦) (٤١٣٤).","vol":"1","page":30},{"text":"٣ - وقال أيضا: (حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي\") (^١).\nوأما من بقي وهما النَّسَائِي وابن ماجه فلم يرو عنهما شيئا؛ لأن النَّسَائِي أصغر منه، وأما ابن ماجه فقد ولد في نفس السنة التي ولد فيها أبو عيسى فهو من أقرانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>سابعًا: جمعه بين قتيبة وهناد:</span>\nكثيرا ما يجمع أبو عيسى بين قتيبة بن سعيد وهناد بن السري، (ينظر حديث: ٣، ٥، ١٧، ٣٨، ٤٢، ٤٦، ٤٨، ٤٩، ٧٠، ٧٤، ٨٦، ٩٩، ٣٥٣، ٥١٣)، والحديث الأول ساقه أولًا عن قتيبة عن أبي عوانة، ثم ساقه عن هناد عن وكيع عن إسرائيل، كلاهما (أبو عوانة وإسرائيل) عن سماك به.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>ثامنًا: شيوخه من ترمذ وبلخ:</span>\nوفائدة ذلك معرفة متى بداية سماعه الحديث، وطلبه للعلم. لأنَّه من المعلوم أن الشخص أول ما يبدأ بالسماع من أهل بلده، ثم من يليهم، كما أن كثرة شيوخه من بلده وما حوله يدل على اهتمامه بطلب العلم.\nشيوخه من ترمذ: صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي، والجارود بن معاذ السلمي، وأحمد بن الحسن بن الجنيدب الترمذي، وموسى بن حزام الترمذي، وهريم بن مسعر الأزدي الترمذي، ومحمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه، ومحمد بن إسماعيل بن يوسف الترمذي، ومكتوم بن العباس أبو الفضل المروزي، ويقال: الترمذي.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>شيوخه من بلخ:</span> محمد بن عمرو السواق البلخي، وأبو داود سليمان بن سلم البلخي، ومحمد بن أبان البلخي، وعبد الرحيم بن حازم البلخي، والحسين بن محمد الجريري البلخي.\nوبلخ ليست بالبعيدة عن ترمذ، وقد كانتا من حواضر العلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>تاسعًا: شيوخه المتكلم فيهم:</span>\nالغالب على شيوخ أبي عيسى أنهم ثقات، ولكنه قد روى عن بعض من تُكلِّم فيه، والسبب في تخريجه لهم أنه لم يقتصر في هذا الكتاب على الصحيح، وإنما أراد أن يبين المشهور من الغريب، والصحيح من المعلول، فلذا خرّج لهؤلاء الشيوخ، كما أنه خرّج لرواة قد اتهموا بالكذب، وأحاديث معلوم أنها باطلة، وكل ذلك داخل في مقصده من هذا الكتاب، وقد بين ذلك بيانا واضحا، فأبرأ ذمته، بخلاف النَّسَائِي مثلا؛ فإن كل شيوخه ثقات، وغالب أسانيده صحيحة؛ لأنَّه إنما قصد الصحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>وعلى رأس شيوخ أبي عيسى المتكلّم فيهم:</span>\n١ - محمد بن حميد الرازي، وقد خرّج له في نحو من عشرين موضعا، وهو من الحفاظ، ولكنه قد اتُّهم:\nأ - فكان يدّعي سماع ما لم يسمع.\nب - كما أنه كان يركب الأسانيد، نعم لم يضع متونا.\nج - وكان يكون في كتابه شيء منقول، فإذا قيل له: ليس هو هكذا، غَيَّره على ما قيل له.\nوالراجح في حاله أنه لا يحتج به، وأمره لم يخفَ على أبي عيسى، فقد قال: (وحين رأيته - يعني: البخاري - كان حسن الرأي في محمد بن حميد الرازي، ثم ضعفه بعد) (^٢).\n_________\n(^١) أي: حسن غريب.\n(^٢) \"الجامع\" (١/ ٥٧٨) (٥٢١).","vol":"1","page":32},{"text":"لذا لم يصحح شيئا مما خرّجه له من أحاديث، بل استغربها كلها، مع قوله في بعضها: (حسن) (^١)، سوى حديثين أطلق الحكم بحسنهما، فقال: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، والعباس بن محمد الدوري، قالا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.\nقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن) (^٢).\nويلاحظ في هذا الخبر أنه قرن محمد بن حميد بالعباس الدوري، وهو ثقة حافظ.\nوقال أيضا: (حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: \"اكتحلوا بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر\"، وزعم أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه.\nحدثنا علي بن حجر ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن عباد بن منصور نحوه.\nوفي الباب عن جابر، وابن عمر.\nحديث ابن عباس حديث حسن، لا نعرفه على هذا اللفظ، إلا من حديث عباد بن منصور) (^٣).\nقلت: وهذا قد توبع عليه؛ ولكنها متابعة قاصرة.\nوهناك حديث ثالث نقل قول البخاري فيه بأنه حسن، فقال: (حدثنا\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٧٢) (١٨٦٦، ١٨٦٧).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٦٦) (١٨٥١).\n(^٣) \"الجامع\" (٤/ ٥٠١) (٤٠٨٥).","vol":"1","page":33},{"text":"محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الصلت بن عبد اللّه بن نوفل، قال: رأيت ابن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه.\nقال محمد بن إسماعيل: حديث محمد بن إسحاق، عن الصلت بن عبد الله بن نوفل حديث حسن) (^١).\nقلت: هذا الحديث لم يتفرد به محمد بن حميد، لذا قال البخاري: حديث محمد بن إسحاق … الخ.\nوفي بعض ما استغربه ليست الغرابة منه، إلا في خبرٍ نصَّ صراحة أنه تفرد به، فقال: (حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أول من صلى علي.\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث شعبة، عن أبي بلج إلا من حديث محمد بن حميد) (^٢).\n\n٢ - سفيان بن وكيع الرؤاسي، وهو صدوق، ولكنه ابتلي بوراق كان يدخل في حديثه ما ليس منه، فتُكلم فيه من أجل هذا (^٣)، وقد أكثر عنه في كتابه \"الجامع\"، حتى بلغ ما روى عنه نحو خمسين - أو ثلاثة وخمسين - حديثا، وقد تتبعت بعض هذه المرويات فوجدت بعضها مستقيما، لذا صحح أبو عيسى جزءا منها، والبعض الآخر العلة ليست منه، وهذا يفيد أن أبا عيسى كان ينتقي حديث شيوخه، لذا لم يخرّج عنه فيما يظهر إلا ما كان من حديثه، والله أعلم.\n_________\n(^١) ينظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٤/ ٢٣١)، \"الكامل\" لابن عدي (٥/ ٦٥١).\n(^٢) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٦٦).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ١٥) (١٧٤٩).","vol":"1","page":34},{"text":"٣ - يحيى بن طلحة اليربوعي، قال عنه النَّسَائِي: ليس بشيء. وكذّبه علي بن الحسين بن الجنيد، وخطاه - يعني: يحيى بن طلحة - الصغاني. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يغرب عن أبي نعيم وغيره (^١).\nقلت: ومثله لا يحتج به، وقد خرّج له حديثا واحدا، وجعل العلة منه، قال: (حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"القتل في سبيل الله يكفر كل خطيئة\"، فقال جبريل: إلا الدين، فقال النبي ﷺ: \"إلا الدين\".\n… وحديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال: أرى أنه أراد حديث حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: \"ليس أحد من أهل الجنة يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد\") (^٢).\n\n٤ - محمد بن يزيد، أبو هشام الرفاعي، روى عنه أبو عيسى أحاديث عديدة، وهو من أهل القرآن والفقه، ولكنه لا يحتج به في الحديث، بل ولا يكتب حديثه؛ لأنَّه اتهم بسرقة الحديث، وفي القراءات لا يحتج به أيضا، قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءات عن جماعة، وله عنهم شذوذ كثير، فارق فيه أصحابه. لذا قال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه (^٣).\nوصحح له الترمذي حديثين (^٤) أحدهما كرره مرتين، وهما حديثان صحيحان، أحدهما خرّجه البخاري ومسلم، والثاني خرّجه مسلم.\n\n٥ - عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الكوفي، الهمداني، نزيل\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٧٣٥).\n(^٢) (٢١٢٨)، وأخرجه مسلم (٩١). (٢١٤٨، ٤٢٤٣)، وأخرجه البخاري (٣٨١٨)، ومسلم (٢٣٤٥).\n(^٣) \"الضعفاء\" لأبي زرعة الرازي (٢/ ٥١٩).","vol":"1","page":35},{"text":"بغداد، كذبه يحيى بن معين، وذلك عندما حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\". كما في رواية عبد الله بن أحمد وابن الجنيد، وبنحو هاتين الروايتين ما جاء عن أبي زرعة عن ابن معين.\nوقال النَّسَائِي: ليس بثقة متروك الحديث.\nوقال الدارقطني: متروك.\nوقال أبو حاتم والدارقطني - في رواية أخرى -: ضعيف.\nوقال سعيد بن عمرو البرذعي، قال أبو زرعة: حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: \"أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها\"، كم من خلق قد افتضحوا فيه. ثم قال لي أبو زرعة: أتينا شيخًا ببغداد يقال له عمر بن إسماعيل بن مجالد فأخرج إلينا كراسة لأبيه فيها أحاديث جياد عن مجالد، وبيان، والناس فكنا نكتب إلى العصر، وقرأ علينا فلما أردنا أن نقوم قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الحديث، فقلت له: ولا كل هذا بمرة، فأتيت يحيى بن معين، فذكرت ذلك له فقال: قل له: يا عدو الله، متى كتبت أنت هذا، عن أبي معاوية إنما كتبت أنت عن أبي معاوية ببغداد، متى روى، هذا الحديث ببغداد؟! (^١).\nوأما الإمام أحمد فقال عنه: لا أراه إلا صدَق (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢١٥).\n(^٢) ومما يلاحظ هنا أن أقدم من نقل كلام الإمام أحمد في عمر بن إسماعيل هو ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\"، فقال: (أخبرنا عبد اللّه بن أحمد فيما كتب إليّ، قال: سمعت يحيى بن مَعِين يقول: رأيت عُمر بن إسماعيل بن مُجَالِد، ليس بِشَيْء، كَذَّاب، رَجُلُ سُوْءٍ، خَبِيْث، حَدَّث عن أبي مُعَاوِية، عن الأَعْمش، عن مُجَاهِد، =","vol":"1","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن ابن عبَّاس، عن النَّبيّ ﷺ قال: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\"، وهو حَديثٌ ليس له أَصْل. قال عبد الله: وسألت أبي عنه، فقال: ما أراه إلا صدق).\nوفي بعض نسخ \"الجرح والتعديل\" الخطية: (ما أراه إلا صدوق).\nوالذي في \"العلل\" للإمام أحمد من رواية عبد الله (٣٩٠٥) -وهو مصدر ابن أبي حاتم- أن كلام الإمام أحمد جاء في حق إسماعيل والد عمر، وليس في عمر، قال عبد الله: (سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد فقال: قد كتبت عنه، كان يحدث عن الشيوخ عن أبي إسحاق وسماك وبيان، ليس به بأس، سألت أبي فقال: ما أراه إلا صدوقا).\nثم قال (٣٩٠٦): (سمعت يحيى يقول: قد كنت أرى ابنه هذا عمر بن إسماعيل بن مجالد شويطرا، ليس بشيء، كاذب، رجل سوء، خبيث، حدث عن أبي معاوية بحديث ليس له أصل، كذب عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ: علي مدينة العلم. أو كلام هذا معناه).\nوقد نقل هذا النص العقيلي في \"الضعفاء\" أيضا فقال: (حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: كتبت عن إسماعيل بن مجالد، وليس به بأس، وكنت أرى ابنه هذا عمر بن إسماعيل شويطرا، ليس بشيء، كذاب، رجل سوء، خبيث. حدثنا عن أبي معاوية بحديث ليس له أصل، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\"). ولم يذكر كلام الإمام أحمد.\nوأما الخطيب في \"تاريخ بغداد\" فلم يذكر كلام ابن معين في عمر بن إسماعيل من رواية عبد الله، وإنما ذكر تكذيبه له من رواية غيره، ولكنه ذكر الكلام في أبيه (إسماعيل) فقال (٧/ ٢١٨): (أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان، ومكرم بن أحمد، قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد، فقال: قد كتبت عنه، كان يحدث عن أبي إسحاق، وسماك، وبيان، ليس به بأس، قال عبد الله بن أحمد: وسألت أبي، فقال: ما أراه إلا صدوقا).\nوعندما ترجم ابن أبي حاتم لإسماعيل، قال (٢/ ٢٠٠): (أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل -فيما كتب إلي- قال: سألت يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد بن سعيد، =","vol":"1","page":37},{"text":"وأنا أذهب إلى قول أحمد وأنَّه لا بأس به، وذلك:\nأولا: لم ينكر عليه إلا هذا الحديث كما في ترجمته.\nثانيا: أن هذا الحديث لا شك أنه باطل؛ وذلك لأنَّه يخالف أصل الرسالة، فهو ﵊ أرسِل لجميع الخلق من الإنس والجن، وأمِر أن يبلغهم عن ربه ﷿ البلاغ المبين، لذا كان ﷺ في الاجتماعات العظيمة يستشهد الناس على تبليغه لهم، فهذا الحديث المزعوم يخالف ذلك؛ لأنَّه يفيد أن من أراد الوحي والدين فعليه أن يأتي إلى علي ﵁ لأنَّه هو الباب، ومن المعلوم بالضرورة أنه ﵊ لم يخص عليا بشيء إلا بنبذ عهود المشركين فقط، فكيف لا يكون التبليغ إلا من طريقه؟! (^١).\n_________\n= فقال: قد كتبت عنه ليس به بأس). ولم يذكر كلام الإمام أحمد، مما يؤيد أن هناك إشكالا في نسخة ابن أبي حاتم من \"العلل\" في روايته عن عبد الله، وأن كلام أحمد في إسماعيل انتقل إلى ابنه عمر، والله أعلم.\nويبدو أن عمدة المزي -وتبعه ابن حجر- فيما نقله عن أحمد هو \"الجرح والتعديل\" فيما يظهر، قال المزي (٢١/ ٢٧٦): (قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: رأيت عمر بن إسماعيل بن مجالد ليس بشيء، كذاب خبيث، رجل سوء، حدث عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\" وهو حديث ليس له أصل.\nقال عبد الله: وسألت أبي عنه، فقال: لا أراه إلا صدق).\nونقل نحو ذلك ابن حجر (٧/ ٤٢٧) باختصار.\nولكن قال المزي في ترجمة إسماعيل (٣/ ١٨٥): (وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ما أراه إلا صدوقا).\nونقل ذلك أيضا ابن حجر (١/ ٣٢٧)، وهذا مصير منهما إلى أن أحمد قال هذا الكلام في إسماعيل وفي ابنه عمر، وهذا وارد، بل هو احتمال قوي، والله أعلم.\n(^١) قال أبو العباس ابن تيمية - كما في \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٤١١) -: (وأما حديث =","vol":"1","page":38},{"text":"ولكن الحمل على عمر فيه بعض الشيء؛ وذلك أنه قد توبع على هذا الحديث عن أبي معاوية، فرواه عنه: عبد السلام بن صالح الهروي، ومحمد بن جعفر الفيدي، وأحمد بن سلمة الكوفي، والحسن بن علي بن راشد (^١).\nلذا فإن يحيى بن معين لم ينكر أن أبا معاوية حدث بهذا الحديث، وإنما أنكر أن يكون حدث به ببغداد كما سوف يأتي عنه.\nوالجواب عن هذا: أن عمر بن إسماعيل قال: (حدثا أبو معاوية)، وتقدم أن أحمد قال: (ما أراه إلا صدَق). وقد يكون شُبِّه له فأخطأ.\nوالذي يظهر أن أبا عيسى يقوِّيه، فقد خرّج له خمسة أحاديث (^٢)،\n_________\n= \"أنا مدينة العلم\" فاضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبين أنه موضوع من سائر طرقه، والكذب يعرف من نفس متنه، لا يحتاج إلى النظر في إسناده: فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدا؛ بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن، وتلك القرائن إما أن تكون منتفية، وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس أو أكثرهم فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة، بخلاف النقل المتواتر: الذي يحصل به العلم للخاص والعام. وهذا الحديث إنما افتراه زنديق، أو جاهل ظنه مدحا وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين إذ لم يبلغه إلا واحد من الصحابة، ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فإن جميع مدائن المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله ﷺ من غير طريق عليّ ﵁، أما أهل المدينة ومكة …)، ثم ذكر انتشار الصحابة ﵃ في الأقطار ونشرهم للعلم، وما اختص به كل واحد منهم دون الآخر.\n(^١) ينظر: \"الضعفاء\" للعقيلي (٣/ ٩)، \"الكامل\" لابن عدي (٧/ ٥٠٥)، \"تعليقات الدارقطني على المجروحين\" (ص: ١٧٩)، \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٣٩).\n(^٢) وهي: (٢٥٣٦) وقال: (حسن صحيح غريب)، (٢٦٨٥)، وقال: (حسن غريب)، (٣٥١٧)، وقال: (حسن غريب)، (٣٧٣٥) وقال: (حسن صحيح)، (٤٠١٩) وقال: (غريب).","vol":"1","page":39},{"text":"صحح حديثين منها (^١)، مع ملاحظة أن هذين الحديثين جاءا من طرف أخرى صحيحة.\nوبهذا يجاب أيضا عمن جعل الحمل على عمر كأبي زرعة، والله تعالى أعلم.\nثالثا: أن باقي أحاديثه أو بعضها وصفت بأنها جياد.\n\n٦ - إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي، روى عنه جمع من الحفاظ منهم الترمذي، روى له حديثا قال: (حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود\".\nهذا حديث حسن غريب (^٢) من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل.\nويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث) (^٣).\nوإبراهيم ضعيف، بل لا يكتب حديثه، لقول ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة عنه فقال: يذكر عنه أن كان يحدث عن أبيه بأحاديث، ثم ترك أباه فجعلها عن عمه؛ لأن عمه أحلى عند الناس) (^٤).\n_________\n(^١) (٢٥٣٦)، وينظر: \"صحيح البخاري\" (٣٧٢٨)، و\"صحيح مسلم\" (٢٩٦٦)، و(٣٧٣٥)، وينظر: \"صحيح البخاري\" (٦٣١٢).\n(^٢) في بعض الطبعات و\"تحفة الأشراف\" (٩٣٥٢): (غريب).\n(^٣) \"الجامع\" (٤/ ٥٣٣) (٤١٥٨).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٨٤)، يلاحظ أن أبا زرعة لم يجزم بهذا وإنما قال: (يذكر).","vol":"1","page":40},{"text":"ولقول أبي جعفر العقيلي -بعد أن ذكر حديثا رواه إبراهيم عن أبيه عن جده عن سلمة عنه إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود … - قال: (أما قصة الإداوة والطهور فجاء عن ابن مسعود من غير وجه، وأما ما عدا ذلك فجاء عن غير ابن مسعود، فأدخل إبراهيم حديثا في حديث، ولم يكن إبراهيم - هذا - يقيم الحديث) (^١).\nقلت: إن صحت القصة الأولى والثانية عنه فلا شك أنه لا يكتب حديثه.\n٧ - الوليد بن شجاع بن الوليد، تُكلم فيه، والراجح أنه لا بأس به، وخرّج له حديثا واحدا، فقال: (حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد البغدادي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: \"وآدم بين الروح والجسد\".\nهذا حديث حسن صحيح غريب (^٢) من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٣).\n٨ - يحيى بن أكثم التميمي، وقد تُكلم فيه، خرّج له في خمسة مواضع، ثلاثة منها مقرونا بغيره (^٤)، واثنين منفردا، قال: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (١/ ١٨٠).\n(^٢) في بعض الطبعات وتحفة الأشراف (١٥٣٩٧): (حسن غريب). وأخرجه الترمذي في \"العلل الكبير\" (٦٨٤) من طريق الوليد به، وقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه)، وقال أبو عيسى أيضا: (وهو حديث غرب من حديث الوليد بن مسلم، رواه رجل واحد من أصحاب الوليد).\n(^٣) \"الجامع\" (٤/ ٤٤٠) (٣٩٥٥).\n(^٤) وهي: (١٥١٤) (٢٠٨٠) (٢١٦٣).","vol":"1","page":41},{"text":"عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، وليس على المسلمين جزية\".\nوحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بهذا الإسناد نحوه.\nوفي الباب عن سعيد بن زيد، وجد حرب بن عبيد الله الثقفي.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).\nوقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة لتأخذ للقوم\"، يعني: تجير على المسلمين.\nوفي الباب عن أم هانئ.\nوهذا حديث حن غريب (^٢) «^٣).\n٩ - حسين بن يزيد الطحان الأنصاري الكوفي، روى عنه جمع من الحفاظ، وأخرج له الترمذي ستة أحاديث (^٤).\nقال الذهبي في \"الكاشف\" (^٥) وابن حجر في \"التقريب\" (^٦): لين. تبعا\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٥٤) (٦٣٧).\n(^٢) في بعض الطبعات زيادة هنا، وهي: (وسألت محمدا، فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث).\nوهذا النص موجود في \"العلل الكبير\" (٢٧٩).\n(^٣) \"الجامع\" (٢/ ٥٨٩) (١٦٨٢، ١٦٨٣).\n(^٤) وهي: (٢٧٣٥) (٣٣٧٠) (٣٨٩٤) (٣٩٥٦، ٣٩٥٧) (٤٢٣٠).\n(^٥) (١/ ٣٣٧).\n(^٦) (ص: ١٦٩).","vol":"1","page":42},{"text":"لقول أبي حاتم، فقد قال عنه ذلك (^١)، وأما ابن حبان فذكره في \"الثقات\" (^٢).\nقلت: الأقرب أنه لا بأس به؛ وذلك أن كبار الحفاظ قد رووا عنه، ومنهم أبو زرعة وأبو داود، وقد عُلم عنهما أنهما لا يرويان إلا عن ثقة، كما أن مسلما روى عنه ولكن خارج \"الصحيح\".\nوأما تليين أبي حاتم، فقد علم شدته في ذلك، بالإضافة إلى أنه جرح غير مفسّر.\n\n١٠ - حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، نزيل بغداد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: لا ألتفت إلى حكايته أراها أوهاما. وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديث لا يتابع عليها. وقال الأزدي: ضعيف جدا يتكلمون في حديثه (^٣).\nصحح له الترمذي حديثا - حسب بعض الطبعات (^٤) -، وهو قد جاء من وجه آخر.\n\n١١ - عبد الرحمن بن واقد، روى عنه جمع من الحفاظ، وجاء عن يحيى بن معين ما يدل على قوته عنده، لكن قال ابن عدي: يحدث بالمناكير ويسرق الحديث، سمعت عبدان الأهوازي يقول في حديث \"من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة\": (هذا حديث دحيم عن ابن أبي فديك أنه سرقه) (^٥).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٦٧).\n(^٢) (٨/ ١٨٨).\n(^٣) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٢٥).\n(^٤) هو حديث رقم (١٩٥١)، واختلفت النسخ في الحكم عليه، ففي ط. التأصيل، والرسالة (١٩٣٨): (حسن)، وفي ط شاكر وبشار (١٨٣٣)، و\"تحفة الأشراف\" (١١٩٥١): (حسن صحيح).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٦٣)، وينظر: \"الكامل\" لابن عدي (٧/ ٢٥٥).","vol":"1","page":43},{"text":"وله ثلاثة أحاديث عند الترمذي أحدها مكرر (^١).\n\n١٢ - محمد بن موسى الحرشي، قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه، فوهّاه وضعفه. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النَّسَائِي: صالح، وأرجو أن يكون صدوقا. وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\" (^٢).\nقلت: الراجح أنه لا بأس به، وأما الجواب عن قول أبي داود، فإنه قد يتشدد أحيانا.\nوهناك شيوخ آخرون قد تُكلم فيهم بعض الشيء بما لا يؤثر كثيرا عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>عاشرًا: شيوخه غير المشهورين:</span>\nروى أبو عيسى عن بعض الشيوخ غير المشهورين، ومنهم:\n\n١ - هريم بن مسعر الأزدي، ليس بالمشهور، روى عن أربعة، وروى عنه ثلاثة، وهم -بالإضافة إلى الترمذي-: جعفر بن محمد الفريابي، وأحمد بن عبد الله بن مالك بن إسماعيل.\nوهو مقل كما يظهر من شيوخه والرواة عنه، لذا ليس فيه توثيق إلا أن ابن حبان ذكره في \"الثقات\"، إلا أنّ رواية الترمذي مع الفريابي عنه مما يقويه، مع تصحيح الترمذي له في موضع واحد (^٣)، على خلاف بين النسخ في ذلك، ولأجل ما تقدم وثقه الذهبي (^٤)، وأما ابن حجر فقال: مقبول (^٥).\n_________\n(^١) وهي: (٢٣٨١) (٣٥٩٦) (٤٣٠٥).\n(^٢) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٥٣٠).\n(^٣) (٢٨١٣)، في ط. التأصيل، والرسالة (٢٨٠٠): (حسن صحيح)، وفي ط بشار (٢٦١٣): (حسن)، وفي ط شاكر (٢٦١٣): (صحيح غريب حسن).\n(^٤) \"الكاشف\" (٢/ ٣٣٥).\n(^٥) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٥٧٢).","vol":"1","page":44},{"text":"٢ - حسين بن محمد الجريري البلخي، أخرج له خمسة أحاديث، وقرنه في اثنين منهما (^١)، وصحح له حديثا منها (^٢)، وروى عنه حديثا في \"الشمائل\" (^٣)، وقد روى عنه بعض الحفاظ غير الترمذي، وهذا مما يقويه.\n\n٣ - عبد الرحمن بن الأسود الهاشمي، أبو عمرو البصري، روى له ستة أحاديث (^٤)، صحح له حديثا منها (^٥)، ومما يقويه رواية بعض الحفاظ عنه، وخاصة النَّسَائِي (^٦)، فأقل ما يقال فيه: صدوق إن لم يكن ثقة.\n\n٤ - عيسى بن عثمان بن عيسى التميمي، روى له حديثين وصححهما (^٧)، ويظهر أنه مقل؛ فلم يُذكر له شيخ إلا عمه، ولكن روى عنه جمع من الحفاظ، منهم النسائي، وقال: صالح (^٨). فهو كما قال ابن حجر: صدوق.\n\n٥ - أحمد بن محمد بن نِيزك بن حبيب البغدادي، أبو جعفر الطوسي، روى له حديثين (^٩)، ولم يصحح له، والعلة ليست منه، وقال عنه ابن عقدة: في أمره نظر. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^١٠)، وأنا أميل إلى قول ابن حبان؛ وذلك لأن ابن عقدة متكلم فيه، ثم لم يبين سبب جرحه له، والذي يظهر أنه مكثر؛ فقد روى عنه جمع، وفيهم عدة من الحفاظ، وعلى رأسهم أبو عيسى.\n_________\n(^١) وهي: (٢١٧٣) (٢٤٥٢) (٢٤٦٠)، وقرنه في: (٧٦٠) (٢٨٩٧).\n(^٢) (٢٤٦٠).\n(^٣) (٢٦٠).\n(^٤) وهي: (١٠٨٠) (١٤٩٦) (٣٠٦١) (٣٥٦٠) (٣٧٧١)، وواحد مقرون بغيره (٨٤٦).\n(^٥) رقم (١٠٨٠).\n(^٦) \"المجتبى\" (١٤٦٩).\n(^٧) وهما: (٣٠٨٢) (٤٠٨٧).\n(^٨) ينظر: \"الإغراب\" للنسائي (١٨٩)، \"المعجم المشتمل\" لابن عساكر (٢١١).\n(^٩) وهما: (٢٦٢٥) (٣٠٢٢).\n(^١٠) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٥).","vol":"1","page":45},{"text":"٦ - علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، انفرد الترمذي بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة، قال ابن حجر: مقبول.\nقلت: الأقرب أنه لا بأس به إن لم يكن ثقة، وذلك لأربعة أمور:\n١ - أن الترمذي روى عنه خمسة أحاديث (^١)، صحح أحدها (^٢)، وإن كان هذا الحديث من حيث الأصل صحيحا؛ لأنَّه جاء من أوجه أخرى، كما أنه نقل عنه في بيان معنى لحديث، وهذا يدل على أنه من أهل العلم.\n٢ - أنه قد روى عنه بعض الحفاظ غير الترمذي، كابن خزيمة - في \"التوحيد\" (^٣)، وقد اشترط فيه الصحة -، والمحاملي (^٤).\n٣ - أن ابن حبان ذكره في \"الثقات\" (^٥)، وقال الخطيب: ما علمت من حاله إلا خيرا (^٦).\n٤ - أنه لم يتكلم فيه أحد فيما أعلم.\n٧ - بشر بن آدم ابن بنت أزهر بن سعد السمان، وقد اختلف فيه، قال أبو حاتم والدارقطني: ليس بقوي. وقال النَّسَائِي: لا بأس به. وقال مسلمة -وغالبا ما يتابع النَّسَائِي-: صالح. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٧)،\n_________\n(^١) وهي: (٤٨٣) (٤٧٤) (١٩١٤) (٢١٣١)، أما الحديث الخامس فلم يثبت في ط التأصيل، ينظر: الحاشية (٢/ ٦٠٣)، وهو مثبت في ط الرسالة (١٧٠١)، وط شاكر وبشار (١٦٠٩).\n(^٢) (١٩١٤)، في ط. التأصيل، و\"تحفة الأشراف\" (١١٨٨٠): (صحيح)، وفي ط. الرسالة (١٩٠١)، وشاكر وبشار (١٧٩٧): (حسن صحيح).\n(^٣) (٦٥٨).\n(^٤) ينظر: \"أمالي المحاملي\" (٥٣) (١١٢) (٥٢٠).\n(^٥) (٨/ ٤٧٤).\n(^٦) \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٤٥٧).\n(^٧) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٢٤).","vol":"1","page":46},{"text":"وقال الذهبي في \"المغني\": ثقة (^١)، وقال في \"الكاشف\" (^٢): صدوق.\nقلت: الأقرب أنه لا بأس به، والأصل في حديثه القبول، وذلك لأمور:\n١ - أن أبا حاتم مع شدته لم يقل عنه: ضعيف، وإنما قال: ليس بقوي. لذا روى عنه. ولأجل هذا وغيره لم يلتفت الذهبي إلى هذا التليين، وقواه كما تقدم.\n٢ - أنه لم يُذكر له أحاديث منكرة فيما وقفت عليه.\n٣ - أن ممن قواه - غير من تقدم - أبو عيسى الترمذي، فقد خرّج له أربعة أحاديث (^٣)، صحح ثلاثة منها (^٤).\nوأيضا قد روى عنه أبو زرعة، وهو غالبا لا يروي إلا عن ثقة، وابن خزيمة أيضا (^٥).\nتنبيه: نقل الذهبي في كتابه \"الميزان\" (^٦) و\"المغني في الضعفاء\" (^٧) عن النَّسَائِي أنه قال: ليس بقوي. وهذا النقل في نفسي منه شيء.\n\n٨ - مكتوم بن العباس، أبو الفضل المروزي، ويقال: الترمذي، روى عن أبي صالح عبد الله بن صالح المصري، ومحمد بن يوسف الفريابي، روى عنه: الترمذي، قال الذهبي: لا يعرف (^٨). وقال ابن حجر: مقبول (^٩).\nوخرّج له حديثا واحدا، قال: (حدثني أبو الفضل مكتوم بن العباس،\n_________\n(^١) \"المغني\" (١/ ١٦٥).\n(^٢) (١/ ٢٦٧).\n(^٣) وهي: (١٠٥٦) (٢٤٦٤) (٥٤٦) (٤٣١٥).\n(^٤) وهي: (١٠٥٦) (٥٤٦) (٤٣١٥).\n(^٥) ينظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٣٠٤).\n(^٦) (١/ ٢٩٥).\n(^٧) \"المغني\" (١/ ١٦٥).\n(^٨) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٣٧٨).\n(^٩) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٥٤٥).","vol":"1","page":47},{"text":"قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيقول: \"هل ترك لدينه من قضاء؟ \"، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: \"صلوا على صاحبكم\"، فلما فتح الله عليه الفتوح، قام فقال: \"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين وترك دينا علي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد رواه يحيى بن بكير، وغير واحد، عن الليث بن سعد) (^١).\nكما أنه روى من طريقه بعض أقوال سفيان الثوري، فقال: (فما كان فيه من قول سفيان الثوري فأكثره ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفى، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان.\nومنه ما حدثنى به أبو الفضل مكتوم بن العباس الترمذي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابى، عن سفيان) (^٢).\nقلت: قد عرف أبو عيسى مكتوم بن العباس، والذي يظهر أنه يقويه، ويحتج بروايته، وقد تقدم أنه صحح له الحديث الذي خرّجه عنه، وإن كان هذا الحديث قد جاء من أوجه أخرى، كما ذكر أبو عيسى، ويؤيد ما تقدم أنه قد اعتمده في أقوال سفيان الثوري، فمثله أقلّ أحواله أن يكون صدوقا لا بأس به.\n٩ - محمد بن الحسين بن أبي حليمة، ليس بالمشهور، لم يُذكر أن أحدا روى عنه سوى الترمذي، روى عنه حديثا مقرونا بغيره (^٣).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٢٨٥) (١٠٩٩).\n(^٢) \"الجامع\" (٥/ ٧).\n(^٣) (٣٩٨٦).","vol":"1","page":48},{"text":"١٠ - علي بن الحسن الكوفي، ليس بالمشهور، روى عنه الترمذي حديثين (^١)، وليس فيه جرح ولا تعديل، لكن قال المزي: أظنه اللاني (^٢). وهذا روى عنه النَّسَائِي (^٣)، وقال ابن حجر: صدوق (^٤).\n\n١١ - محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفي البصري، روى عنه الترمذي (^٥)، وليس فيه جرح ولا تعديل، ويحتمل أنه محمد بن عثمان بن أبي صفوان؛ وهذا صدوق.\n\n١٢ - محمد بن خليفة أبو عبيد الله البصري، روى عنه الترمذي حديثا واحدا (^٦).\nوقد سأل الحاكمُ الدارقطنيَّ: فمحمد بن خليفة؟ قال: ثقة (^٧).\nوهذا يحتمل أنه الديرعاقولي، ويحتمل أنه البصري، وهو الأقرب؛ لأنَّه تقدم أنه قال عن الأول: صدوق (^٨)، ولأن المزي -وأقره ابن حجر- لم ينقل عن الدارقطني في ترجمة الديرعاقولي إلا قوله: صدوق (^٩).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-26>وأما تلاميذ أبي عيسى:</span> فعَدَّ المزي منهم قريبا من الثلاثين (^١٠).\nومن أشهر تلاميذه:\n_________\n(^١) وهما: (٥٣٦) (٤٠٠٩).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٣٧٨).\n(^٣) ينظر: \"المجتبى\" (٢٣٢٤) (٢٤٢٨).\n(^٤) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٣٩٩).\n(^٥) (٢٥٢٠) (٣٥٨٤).\n(^٦) (٣٠١٣).\n(^٧) \"سؤالات الحاكم\" للدارقطني (ص: ١٤٤).\n(^٨) \"سؤالات الحاكم\" للدارقطني (ص: ٢٧٥).\n(^٩) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ١٦٦)، \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٥٥٦).\n(^١٠) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٢٥١).","vol":"1","page":49},{"text":"١ - أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي المروزي راوية \"الجامع\" (^١).\nقال الذهبي: وكانت رحلته إلى ترمذ للقي أبي عيسى في خمس وستين ومائتين، وهو ابن ست عشرة سنة (^٢).\n\n٢ - وأبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، صاحب \"المسند\" الكبير (^٣)، وراوي \"الشمائل\" عنه (^٤).\nواقتصر الذهبي في \"الكاشف\" على ذكرهما (^٥).\nوقال في \"التاريخ\": وآخر من روى حديثه عاليا أبو المنجى بن اللتي (^٦).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٤٨).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٥٣٧).\n(^٣) \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٣٥٩).\n(^٤) المصدر السابق (١٣/ ٢٧٢).\n(^٥) \"الكاشف\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٦) \"تاريخ الإسلام\" (٦/ ٦١٧).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>الفصل الرابع في أهم ما تميز به</span>\nلقد تميز أبو عيسى بعدة مزايا منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-28>أولا: تفننه في التأليف مع حسن الترتيب وقوة العرض.</span>\n<span data-type='title' id=toc-29>ثانيا: تيسير المعلومة وتوصيلها للقارئ،</span> حتى قال أبو إسماعيل الهروي: (كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم. قيل له: لم؟ قال: لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه، وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهما) (^١).\n<span data-type='title' id=toc-30>ثالثا: تمكنه من ناصية الفقه والحديث، وكتابه شاهد على ذلك.</span>\n<span data-type='title' id=toc-31>رابعا: دفاعه عن معتقد أهل السنة والحديث،</span> وذلك من خلال عرضه لأقوالهم فيما أورده من نصوص ترجح مذهبهم، وعدم ذكره لأقوال مخالفيهم ممن انحرف عن السنة.\n<span data-type='title' id=toc-32>خامسا: ورعه في الجرح والتعديل.</span>\n<span data-type='title' id=toc-33>سادسا: استخدامه لجميع المصطلحات الحديثية،</span> بل إنه استخدم مصطلحات لم تذكرها الكتب التي أُلفت في بيان فنّ مصطلح الحديث، لذا فإن طالب العلم إذا درس هذا الكتاب، وفهم مصطلحات الترمذي، تمكن من هذا الفن.\n_________\n(^١) \"شروط الأئمة الستة\" لابن طاهر (١٠١).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>سابعا: حسن أدبه مع أهل العلم،</span> ويظهر هذا في عرضه لأقوال أهل العلم، فتجد أن بعضهم يقول قولا خلاف النص، فتجد أبا عيسى لا يجرح هذا القائل، وإنما يكتفي بقوله: وهذا أصح. أي: القول الموافق للحديث.\nثامنا: أنه حامل علم البخاري.\nوسيأتي شرح هذه المزايا في الفصول القادمة.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>الفصل الخامس في أنه حامل علم البخاري</span>\nمما تميز به أبو عيسى أنه نقل كثيرا من علم محمد بن إسماعيل البخاري بعده، فهو حامل علمه، وقد استخرج منه كلاما كثيرا في نقد الرواة والأحاديث، فليس هناك مصدر لكلام البخاري - بعد كتبه - أوسع من كتب الترمذي.\nقال عمر بن علك: (مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد) (^١).\nوما قاله عمر بن علك ظاهر، ففي \"الجامع\" و\"العلل\" لأبي عيسى كلام كثير منقول عن البخاري.\nولهذا ميزات كثيرة سيأتي بيانها وشرحها، ومن أهمها -كما سوف يأتي-: أن للبخاري أقوالا تخالف بعض ما ذكره في كتبه، فيعتبر ما نقله أبو عيسى هو القول المتأخر.\nوسأذكر هنا بعض المباحث المتعلقة بهذا الموضوع:\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-36>أولا: رواية الترمذي عن البخاري، ونقله من كتبه:</span>\nنُقُول أبي عيسى عن البخاري بعضها من كتبه رواية عنه، وبعضها أخذها منه مشافهة.\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٣).","vol":"1","page":53},{"text":"وقد روى أبو عيسى عن البخاري عدة أحاديث.\nومن كتبه التي صرح بذكرها الترمذي:\n١ - كتاب \"الجامع الصحيح\":\nاطّلع أبو عيسى على كتاب \"الجامع الصحيح\"، وصرح بذكره في بعض المواضع من \"جامعه\"، ومن ذلك:\nقال ﵀: (حدثنا هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: \"التمس لي ثلاثة أحجار\"، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: \"إنها ركس\".\nقال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله نحو حديث إسرائيل.\nوروى معمر، وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.\nوروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله.\nوروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله.\nوهذا حديث فيه اضطراب.\nقال أبو عيسى: سألت عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدا عن هذا، فلم يقض فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن","vol":"1","page":54},{"text":"بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتاب الجامع. . . الخ) (^١).\n٢ - كتاب \"التاريخ\":\nاطّلع الترمذي أيضا على كتاب \"التاريخ\" للبخاري، واستفاد منه، بل قال في \"العلل الصغير\": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب \"التاريخ\") (^٢).\nقال ابن رجب: (فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري، وهو كتاب جليل لم يسبق إلى مثله - رحمه الله تعالى -، وهو جامع لذلك كله) (^٣).\nوذكره أيضا في \"جامعه\"، فقال: (وأبو لبابة هذا شيخ بصري، قد روى عنه حماد بن زيد غير حديث، ويقال اسمه: مروان. أخبرنا بذلك محمد بن إسماعيل في كتاب \"التاريخ\") (^٤).\n٣ - كتاب \"الفوائد\":\nقال ﵀: (وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا عن أبي كريب، ووضعه في كتاب \"الفوائد\") (^٥).\nوأما ما أخذه عن البخاري مشافهة فهو كثير جدا، وقد قال الترمذي في \"العلل الصغير\" آخر كتابه \"الجامع\": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجته من كتاب \"التاريخ\"، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١/ ٢٨٥) (١٦).\n(^٢) \"الجامع\" (٥/ ٩).\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٣).\n(^٤) \"الجامع\" (٤/ ٤٠).\n(^٥) \"الجامع\" (٤/ ٥٠٥).","vol":"1","page":55},{"text":"ثم قال: (ولم أر أحدا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل) (^١).\nويعتبر كتابا \"الجامع\" و\"العلل\" (^٢) للترمذي المصدر الثاني لأقوال البخاري بعد كتبه، فهو من نشر علمه، ويعتبر من أجلّ تلاميذه، حتى الإمام مسلم وهو من تلاميذ البخاري لم يَرو عنه ولا حديثا واحدا في كتابه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-37>ثانيا: ميزات نقول الترمذي عن البخاري:</span>\n١ - أنّ في هذه السؤالات التي وجهها أبو عيسى الترمذي لشيخه البخاري كما كبيرا من المعلومات والفوائد فيما يتعلق بالعلل والصناعة الحديثية والحكم على الرواة، ولولا أن الله ﷿ يسر لأبي عيسى سؤال البخاري لما وصلتنا هذه الفوائد، كما تقدم (^٣).\n٢ - أن هذه الأقوال تعتبر آخر أقوال البخاري، فإذا وقع خلاف بين أقوال البخاري فإنه يؤخذ بما جاء في \"الجامع\" و\"العلل؛ لأن هذا يعتبر القول الأخير له، لكن ينبغي أن يلاحظ أن لأقواله التي سطرها في كتبه ميزة على غيرها؛ وذلك لأن فيها أقواله المحررة.\nوأحيانا ينبه الترمذي على بعض المسائل التي يكون للبخاري فيها أكثر من قول، ومن ذلك:\nقال ﵀: (وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث (^٤)، فلم\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٥/ ٩).\n(^٢) مع ملاحظة أن العلل أكثره موجود في \"الجامع\".\n(^٣) له تصحيحات وتحسينات وتعليلات كثيرة في كتب الترمذي.\n(^٤) يشير إلى حديث: عكرمة، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف قال: عبأنا النبي ﷺ ببدر ليلا.","vol":"1","page":56},{"text":"يعرفه، وقال: محمد بن إسحاق سمع من عكرمة، وحين رأيته كان حَسَن الرأي في محمد بن حميد الرازي، ثم ضعفه بعد) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>وبناء على ما تقدم يمكن تقسيم أحوال البخاري بالنسبة إلى اجتهاداته واختياراته إلى ثلاثة أقسام:</span>\nالأول: قبل أن يلتقي به أبو عيسى، فإن له أقوالا تخالف أقواله بعدما التقى به، ومن ذلك ما سبق ذكره قريبا عندما سأله عن حديث ابن مسعود عندما أمره النبي ﷺ أن يأتي له بثلاثة أحجار فأتى له بحجرين وروثة … الحديث، فهذا الحديث قد خرجه في كتابه \"الجامع\"، ولكن عندما التقى به أبو عيسى وسأله عن الراجح في الاختلاف الذي وقع فيه لم يحكم بشيء.\nالثاني: عندما التقى به أبو عيسى.\nوالثالثة: بعد لقائه به إلى وفاته.\nويدل على الثانية والثالثة كلامه في محمد بن حميد الرازي المتقدم، فذكر قوله حين التقى به، وتغير قوله فيه بعد ذلك.\nوهذا يفيد أن الإمام البخاري لم يزل جادا في طلب العلم ومجتهدا فيه إلى وفاته، وهذا كما حكي عن الإمام أحمد أنه قال: مع المحبرة إلى المقبرة.\nلذا اشتهر عنه أنه ألف مؤلفاته ثلاث مرات، وهذا يفيد أنه في كل مرة قد يزيد وقد ينقص وقد يغير، وهذا يؤكد ما تقدم.\nومما يؤكد ذلك أنه ذكر في \"التاريخ الكبير\" وفيات بعض الذين ترجم لهم مع تأخرها.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":57},{"text":"٣ - أن هذه المادة العلمية تعتبر موثقة لأقواله التي وصلتنا من خلال كتبه، وهذا عند الاتفاق، وأما عند وجود الاختلاف فتعتبر هذه المادة كنسخة أخرى.\nوقد تكون هذه النقول مما أخذه مشافهة عنه، ومن أمثلة ذلك:\nقال أبو عيسى ﵀: (سمعت محمد بن إسماعيل يقول: قال بعض أهل الحديث: فقه هذا الحديث أن القراءة على العالم والعرض عليه جائز مثل السماع، واحتج بأن الأعرابي عرض على النبي ﷺ، فأقر به النبي ﷺ) (^١).\nقلت: وهذا قد بوب عليه البخاري في كتابه \"الصحيح\" (^٢)، فيكون ما نقله أبو عيسى تأكيدا لقوله وأنَّه لم يغير قوله في ذلك.\n٤ - أن هذه المادة موضحة وشارحة لمنهج البخاري أكثر مما في كتابه \"الجامع\"، وذلك لأن منهج البخاري في كتابه إنما يؤخذ من تصرفاته وإشاراته، بينما هنا يؤخذ من نصوص أقواله، لذا كم من حديث نقل عنه أبو عيسى تصحيحه، أو تحسينه، أو تضعفيه، أو شرح، وبيان لتعليله؟\nومن الأمثلة على ذلك:\nالمثال الأول: مسألة السماع بين الراوي وشيخه، فقد أعل أحاديث بعدم السماع وردها بذلك، فكان كثيرا ما يقول: لا يعرف له سماع، وفي المقابل عندما يصحح الحديث في بعض الأحيان، من أجل تأكيد هذا التصحيح يقول: فلان سمع من فلان.\nومن ذلك:\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٤٥).\n(^٢) ينظر: \"صحيح البخاري\" (١/ ٢٢).","vol":"1","page":58},{"text":"١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة لتأخذ للقوم\"، يعني: تجير على المسلمين.\nوفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب.\nوسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (^١).\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا أبو فروة الرهاوي، عن معقل الكناني، عن عبادة بن نسي، عن أبي سعد الخير، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لم يكتب على الليل الصيام فمن صام فليتعن ولا أجر له\".\nسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: أرى هذا الحديث مرسلا، وما أرى عبادة بن نسي سمع من أبي سعد الخير) (^٢).\n٣ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف، وجبة صوف، وكمة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت\".\nسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حميد بن علي الأعرج الكوفي منكر الحديث، وقد روى عنه عبيد الله بن موسى. قلت له: عبد الله بن الحارث\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٥٨٩)، وينظر تعليق المحققين.\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ١١٣) (١٩٦).","vol":"1","page":59},{"text":"سمع من ابن مسعود؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (^١).\n٤ - وقال أيضا: (حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ، قالت: قدم رسول الله ﷺ علينا مكة وله أربع غدائر.\nسألت محمدا قلت له: مجاهد سمع من أم هانئ؟ قال: روى عن أم هانئ، ولا أعرف له سماعا منها) (^٢).\n٥ - وقال أيضا: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم فقد تودع منهم\".\nسألت محمدا عن هذا الحديث قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (^٣).\n٦ - قال أبو عيسى: (قال محمد: قتادة لا أرى له سماعا من بشير بن نهيك، وبشير بن نهيك لا أرى له سماعا من أبي هريرة.\nحدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك، قال: أتيت أبا هريرة بكتاب، وقلت له: هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم) (^٤).\nونقل العلائي ما سبق عن البخاري، ثم قال: (وقد احتج هو ومسلم في كتابيهما بروايته عن أبي هريرة، والجمع بين ذلك أن وكيعا روى عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك قال: أتيت أبا هريرة\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٨٥) (٥٢٢).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٩٤) (٥٤٥).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٨٢) (٧١٦).\n(^٤) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٠٧). (٣٦٧، ٣٦٨).","vol":"1","page":60},{"text":"بكتاب، وقلت له هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم. والإجازة أحد أنواع التحمل، فاحتج به الشيخان لذلك، وما ذكره الترمذي ليس فيه إلا نفي السماع فلا تناقض) (^١).\nقلت: وما ذكره العلائي وجيه، إلا أنه يعكر على ذلك ما قاله البخاري في \"تاريخه الكبير\" أنه سمع (^٢).\nوعلى كلا القولين فإن تحمل بشير بن نهيك عن أبي هريرة صحيح، إما أن يكون سماعا أو إجازة.\nالمثال الثاني: أن البخاري حكم بـ\"حسن\" على بعض الأحاديث وخرّجها في \"صحيحه\".\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به) (^٣).\n٢ - وقال أيضا في ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: (وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حديث عبد الرحمن بن كعب، عن جابر بن عبد الله في شهداء أحد، هو حديث حسن) (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع التحصيل\" (ص: ١٥٠).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٠٥).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (ص: ٨٨) (١٤٣)، والحديث في \"صحيح البخاري\" (٣٢٣٠).\n(^٤) \"العلل الكبير\" (ص: ١٤٥ - ١٤٦) (٢٥١)، والحديث في \"صحيح البخاري\" (١٣٤٣).","vol":"1","page":61},{"text":"٤ - وقال أيضا في ما جاء في حد السكران: (قال محمد: وحديث أنس في هذا الباب حسن.\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة، يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه أتي برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: كأخف الحدود، فأمر به عمر) (^١).\nقلت: جميع هذه الأحاديث حسنها البخاري هنا، وخرجها في كتابه \"الصحيح\"، وليعلم أن المتقدمين يطلقون الحسن ويريدون به أشياء، وليس شيئا واحدا كما هو حال المتأخرين الذين يطلقونه على رواية الثقة الذي خف ضبطه، فمثلا الحديث الأول: يعني بالحسن هنا الغرابة، وأن ابن عيينة تفرد به.\nوعلى هذا لا يكون الحكم بحسن الحديث مخالفا للحكم بصحته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-39>ثالثا: ما خالف فيه الترمذيُّ البخاريَّ، أو استدركه عليه:</span>\nقد يظن ظانٌّ أن الترمذي إنما يتابع شيخه البخاري في كل شيء، وهذا غير صحيح، بل الترمذي إمام مجتهد، وقد وافق البخاري في مسائل كثيرة، ولكنه خالفه أيضا في مسائل عديدة، واستدرك عليه مسائل أخرى، فمن المسائل التي خالفه فيها:\n١ - قال ﵀: (سألت محمد بن إسماعيل، عن محمد - يعني: ابن\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٣١ - ٢٣٢). (٤١٨ - ٤١٩)، وهو في \"صحيح البخاري\" (٦٧٧٣، ٦٧٧٦).","vol":"1","page":62},{"text":"فضيل - ورشدين بن كريب أيهما أوثق؟ قال: ما أقربهما، ومحمد عندي أرجح.\nوسألت عبد الله بن عبد الرحمن، عن هذا؟ فقال: ما أقربهما، ورشدين بن كريب أرجحهما عندي.\nوالقول عندي ما قال أبو محمد - يعني: الدرامي -، ورشدين أرجح من محمد وأقدم، وقد أدرك رشدين ابن عباس ورآه) (^١).\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة لتأخذ للقوم\"، يعني: تجير على المسلمين.\nوفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب.\nوسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (^٢).\n٣ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، قال: قام رجل فأثنى على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثو في وجهه التراب وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المدّاحين التراب.\nوقال يزيد بن أبي زياد: عن مجاهد، عن ابن عباس، عن المقداد من حديث أبي أسامة، عن زائدة، عن يزيد.\nسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: رواه جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد أن المقداد مرسل.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٢٥٥)، وينظر تعليق المحققين.\n(^٢) \"الجامع\" (٢/ ٥٨٩)، وينظر تعليق المحققين.","vol":"1","page":63},{"text":"ويروى عن يزيد، عن مجاهد، عن ابن عباس.\nوروى حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد.\nقال محمد: وحديث يزيد، عن مجاهد مرسلا أصح.\nويزيد بن أبي زياد صدوق ولكنه يغلط.\nقال أبو عيسى: وحديث حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد هو عندي أصح من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباس) (^١).\n٤ - وقال أيضا: (حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام.\nفسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه نظر.\nقال أبو عيسى: لا يعرف عن عبيد الله إلا من وجه رواية حفص، وإنما يعرف من حديث عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر، وأبو البزري اسمه يزيد بن عطارد) (^٢).\nقلت: قال الترمذي في \"الجامع\": حسن صحيح غريب (^٣).\n٥ - وقال أيضا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\".\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٣٠ - ٣٣١). (٦١٣).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٣١٠ - ٣١١). (٥٧٨).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ١٣٢). (٢٠٠٢)، وكذا هو في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ١٢٥) (٧٨٢١).","vol":"1","page":64},{"text":"قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ.\nوحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه.\nوأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح) (^١).\n٦ - وقال أيضا: (فسألت محمدا عن هذا الحديث أيهما أصح فقال: حديث زيد بن خالد أصح.\nقال أبو عيسى: وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة عندي هو صحيح أيضا؛ لأن هذا الحديث معروف من حديث أبي هريرة وفي حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد زيادة ما ليس في حديث أبي هريرة، وكلاهما عندي صحيح) (^٢).\n٧ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق قال: حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: \"نعم\"، قال: فإن لي مخرفا، فأشهدك أني قد تصدقت به عنها.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وبه يقول أهل العلم، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١/ ٢٩٠). (٢٢).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٣١). (١٤).","vol":"1","page":65},{"text":"وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).\nقلت: هذا الحديث أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (^٢)، وحسنه الترمذي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-40>ومن أمثلة ما استدركه الترمذي على البخاري:</span>\n١ - قال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال أهلي وولدي، فقالت: مالي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا نورَّث\"، ولكني أعول من كان رسول الله ﷺ يعوله، وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق عليه.\nسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعلم رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثل هذا إلا حماد بن سلمة.\nقال أبو عيسى: قد رواه عبد الوهاب بن عطاء.\nحدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن فاطمة. . . الحديث) (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-41>رابعا: ما توقف فيه البخاري، ورجح فيه الترمذي:</span>\nهناك أشياء توقف فيها البخاري، وأما الترمذي فترجح له بعضها على بعض، ومن ذلك:\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٧٤). (٦٧٤).\n(^٢) (٢٧٧٠).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٦٥). (٤٨٤).","vol":"1","page":66},{"text":"١ - قال ﵀: (حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن كثير العنبري، حدثنا علي بن المبارك، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني حية بن حابس التميمي، قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا شيء في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل\".\nسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: روى علي بن المبارك وحرب ابن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس التميمي، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ.\nوروى شيبان هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nقال: قلت له: كيف علي بن المبارك؟ قال صاحب كتاب، وشيبان صاحب كتاب، ولم أر محمدا يقضي في هذا الحديث بشيء.\nقال أبو عيسى: وكأن حديث على بن المبارك أشبه لما وافقه حرب ابن شداد) (^١).\n٢ - وقال: (حدثنا إبراهيم بن سعد الجوهري والحسين بن الحسن المروزي بمكة قالا: حدثنا الأحوص بن جواب، عن سعير بن الخمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صنع إليه معروفا فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء\".\nهذا حديث حسن جيد غريب (^٢)، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله.\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٦٦). (٤٨٦، ٤٨٧).\n(^٢) هكذا هو في سائر نسخ الترمذي التي وقفت عليها، وفي \"تحفة الأشراف\" (١/ ٥١) (١٠٣): (حسن صحيح غريب).","vol":"1","page":67},{"text":"وسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه) (^١).\nقلت: فالترمذي هنا عرف الحديث وحكم عليه.\nوتوقُّفُ البخاري في إجاباته عن أسئلة الترمذي له أمثلة متعددة، ولعل من أسباب ذلك - والله أعلم - أن سؤاله كان شفهيا، وقد يكون من أسباب ذلك أيضا تحري البخاري وتورعه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-42>استفادة البخاري من تلميذه الترمذي، وروايته عنه:</span>\nقال أبو عيسى: (قال لي محمد بن إسماعيل: ما انتفعتُ بك أكثر مما انتفعتَ بي) (^٢).\nومن أمثلة ما استفاده البخاري من الترمذي:\n١ - قال ﵀: (حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، وحسين بن الأسود البغدادي، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد\".\nسألت محمدا، قال: هذا حديث أبي كريب.\nفقلت له: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة، فجعل يتعجب منه ولم يعرفه إلا من حديثه) (^٣).\nقلت: وهذا كما يدخل في الاستفادة، فإنه يدخل في الاستدراك أيضا.\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٢٠٠) (٢١٦٦).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٦٩).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٠٣ - ٣٠٤) (٥٦٥).","vol":"1","page":68},{"text":"سئل عن الدجال فقال: \"ألا إن ربكم ليس بأعور، ألا إن الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية\".\nسألت مُحمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وقد رواه مالك وغير واحد، عن نافع، عن ابن عمر.\nما جاء في قتل عيسى ابن مريم ﵇ الدجالَ.\nحدثنا إبراهيم عن سعيد، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سيدرك رجال من أمتي عيسى ابن مريم ويشهدون قتال الدجال\".\nسألت مُحمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه واستحسنه جدا) (^١).\n٣ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثنا محمد بن ثابت البناني، حدثني أبي، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\".\nوبهذا الإسناد عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيلكرم ضيفه. . .\" الحديث.\nوعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر\".\nسألت محمدا عن هذه الأحاديث فلم يعرف شيئا، وقال: لمحمد بن ثابت عجائب) (^٢).\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٢٧). (٦٠٤، ٦٠٥).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٣١٣) (٨٥٢ - ٥٨٤).","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>وقد سمع البخاري من الترمذي بعض الأحاديث:</span>\n١ - قال بعد أن أخرج قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: \"يا علي، لا يحل لأحد يُجنِب في هذا المسجد غيري وغيرك\"، قال: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سمع محمد بن إسماعيل مني هذا الحديث فاستغربه) (^١).\n٢ - وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة النخلة. . . الخ، قال: (هذا حديث حسن غريب.\nوروى بعضهم هذا الحديث عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير مرسلا ولم يذكر فيه عن ابن عباس.\nحدثني بذلك عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي ﷺ مرسلا) (^٢).\nفي بعض النسخ زيادة: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث.\nوقال في \"العلل الكبير\" (^٣): (سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه واستغربه وسمعه مني، وذاكرت بهذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن فقال: أخبرنا مروان بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير نحو هذا الحديث، ولم يذكر فيه: عن ابن عباس).\n* * *\n_________\n(^١) \"الجامع المختصر\" (٤/ ٩). \"الجامع\" (٤/ ٤٩٩) (٤٠٧٩).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٢٦٩). (٣٦٠٨).\n(^٣) (ص: ٣٥٨). (٦٦٦).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>الفصل السادس في ورعه في الجرح والتعديل</span>\nمما تميز به الترمذي ورعُه في باب الجرح واقتصاده في ذلك، والدليل على ذلك كلامه في هذا الباب كما سوف يأتي، ومن أجل ذلك ظن بعض الناس أنه متساهل في هذا الباب، وهذا ليس في نقد الرواة فقط وإنما أيضا في حكمه على الأحاديث، وسيأتي بإذن الله الجواب عن ذلك.\nفتجد أنه إذا تكلم في راوٍ كثيرا ما ينص على أن هذا الكلام في حفظه وحسبُ، وليس في دينه وعدالته، فلا يطلق الضعف إلا ويقيده غالبا، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - عبد الله بن محمد بن عقيل، قال عنه: (هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه) (^١).\n٢ - عبد الله بن عمر العمري، قال عنه: (يضعف من قبل حفظه) (^٢)، وقال في موضع آخر: (ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث) (^٣).\n٣ - إسماعيل بن مسلم المكي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٤)، وقال في موضع آخر: (قد تكلموا فيه من قبل حفظه) (^٥).\nقلت: مع أن كلام الحفاظ في إسماعيل شديد، فبعضهم قال: منكر\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١/ ٢٧٥).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ١٣٧).\n(^٣) \"الجامع\" (١/ ٣٤٦).\n(^٤) \"الجامع\" (٢/ ٥١٨).\n(^٥) \"الجامع\" (٢/ ١٨٦)، وزيادة: (من قبل حفظه) في بعض النسخ.","vol":"1","page":71},{"text":"الحديث، وبعضهم قال: متروك، وبعضهم قال: ليس بشيء، وبعضهم قال: واه جدا، فكلامهم فيه شديد، ولم يستثن الإمام أحمد من روايته إلا ما رواه عن الحسن في القراءات (^١).\n٤ - حارثة بن أبي الرجال، قال عنه: (قد تكلم فيه من قبل حفظه) (^٢).\n٥ - أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه) (^٣).\nقلت: وحارثة وأبو معشر قريبان من إسماعيل بن مسلم.\n٦ - زيد بن جَبيرة، قال عنه: (وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه) (^٤).\nقلت: وهو متروك.\n٧ - محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه) (^٥).\n٨ - إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال عنه: (وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه) (^٦).\nقلت: هو متروك، ولا يخفى هذا على الترمذي، وإنما هذا من تورعه فيما يظهر، فقد قال عنه البخاري: سكتوا عنه (^٧).\nوربما قيد الضعف بأنه في الحديث، كما قال في موسى بن عبيدة\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٦٧).\n(^٢) \"الجامع\" (١/ ٤٢٧).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٢٥٣).\n(^٤) \"الجامع\" (١/ ٤٨٥).\n(^٥) \"الجامع\" (١/ ٤٩٣).\n(^٦) \"الجامع\" (٢/ ١٥٢).\n(^٧) \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":72},{"text":"الربذي، قال: (يضعف في الحديث من قبل حفظه، وهو صدوق) (^١).\nقلت: أي صدوق في نفسه (^٢).\nوربما استخدم عبارة \"يضعف في الحديث\"، وهي عبارة لينة في حق بعض المتروكين، أو شديدي الضعف، ومن ذلك:\n١ - أشعث بن سعيد، قال عنه: (يضعف في الحديث) (^٣).\n٢ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: (يضعف في الحديث) (^٤).\n٣ - حسين بن قيس الرحبي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٥).\n٤ - محمد بن عبيد الله العرزمي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (^٦).\nقلت: وهؤلاء كلهم متروكون.\nومثل قوله: \"يضعف في الحديث\": (ليس بالقوي في الحديث)، وقد وجدت له أربعة رواة استعمل فيهم هذا الحكم، وهم:\n١ - بشر بن رافع، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (^٧).\nقلت: هو ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث منكرة.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٣٤٥).\n(^٢) أحيانا قد يطلق الضعف، ولكن يذكر من قوى الراوي، أو أثنى عليه، ونحو ذلك، وهذا يدخل فيما تقدم التنبيه عليه.\n(^٣) \"الجامع\" (١/ ٤٨٤)، (٤/ ٦٢).\n(^٤) \"الجامع\" (٢/ ١٠١).\n(^٥) \"الجامع\" (٢٤١٦) ط. بشار.\n(^٦) \"الجامع\" (٢/ ٤٤١).\n(^٧) \"الجامع\" (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":73},{"text":"٢ - أبو جناب يحيى بن أبي حية، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (^١).\n٣ - سهيل بن عبد الله بن أبي حازم القطعي، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (^٢).\n٤ - عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (^٣).\nقلت: وهو منكر الحديث، واهي الحديث، وقد حدث بحديث باطل، وهو حديث السوق.\nهذا كل ما وجدت له من خلال البحث في الحاسوب ممن قال عنهم: \"ليس بالقوي في الحديث\".\nويلاحظ في هذه الأمثلة أن التقييد هو الأكثر، وهذا من ورعه كما تقدم، مع أنه يلاحظ على استعمالات الأئمة لهذه العبارة: (ليس بالقوي) أنهم يطلقونها ولا يقيدونها، وذلك لأن المقصود معروف، وهو عدم القوة في الحديث؛ فلذا لم يحتاجوا إلى تقييدها، وتقييد الترمذي لهذه العبارة إنما هو لورعه.\nويؤيد هذا أن بعض من قال عنهم ذلك من المتروكين أو ضعفهم ظاهر، كعمرو بن دينار قهرمان ابن الزبير، وبشر بن رافع.\nويوضح ما تقدم بصورة أوضح وأظهر قوله في \"العلل الكبير\" (^٤) عن صالح المري: (رجل صالح ثقة، تفرد بأحاديث عن الثقات، يخاف عليه الغلط).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٢٧٩).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٢٨٩).\n(^٣) \"الجامع\" (٤/ ٣٤٧).\n(^٤) (ص: ٣٨٩).","vol":"1","page":74},{"text":"وهذا تلطف منه في العبارة، وليس تساهلا، بدليل أنه نقل عن البخاري قبل ذلك أنه قال: (هو ضعيف الحديث ذاهب الحديث)، وهذا تضعيف شديد من البخاري له.\nويلاحظ أيضا أن أبا عيسى كثيرا ما ينسب الحكم إلى أهل العلم أو أهل الحديث أو بعض الحفاظ الذين ينقل عنهم، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - خارجة بن مصعب، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك) (^١).\n٢ - الخليل بن مرة، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحاب الحديث، قال محمد بن إسماعيل: هو منكر الحديث) (^٢).\n٣ - حسين بن قيس، وهو أبو علي الرحبي، قال عن البخاري: (منكر الحديث، روى عنه، سليمان التيمي ويقول: عن حنش، وهو حنش ابن قيس، وهو أبو علي الرحبي، وضعفه جدا) (^٣).\n٤ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، نقل عن البخاري أنه قال عنه: (صدوق، إلا أنه لا يُدْرَى صحيح حديثه من سقيمه. قال: وضعف حديثه جدا) (^٤).\n٥ - سويد بن سعيد، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٥).\n٦ - جابر الجعفي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٦).\n٧ - إسماعيل بن مسلم المكي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (^٧).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١/ ٣١١).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٣٦٧).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩١).\n(^٤) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩٢).\n(^٥) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩٤).\n(^٦) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٢٨).\n(^٧) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٣٧).","vol":"1","page":75},{"text":"٨ - موسى بن عبيدة الربذي، قال عنه: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل (^١).\nبل إن أبا عيسى ﵀ أحيانا ينقل عن الأئمة كلاما في بعض الرواة يقتصد فيه ويرويه بالمعنى، مع أن هذا الإمام قد جرح هذا الراوي جرحا شديدا، كقوله: (محمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه، وليس بالحافظ) (^٢).\nقلت: وكلام الإمام أحمد في محمد بن القاسم شديد، قال عبد الله بن أحمد: (سمعتُ أَبي يقول: محمد بن القاسم، يكذب، أحاديثه أحاديث موضوعة، ليس بشيء) (^٣). وقال المروذي: وذكر - أي الإمام أحمد - محمد ابن القاسم الأسدي، فقال: (ما يستأهل أن يحدث عنه بشيء، روى أحاديث مناكير) (^٤).\nوالمقصود أن الغالب عليه الاقتصاد في الجرح، لذا نادرا ما يستعمل: منكر الحديث، لم يطلقها إلا على عدد قليل فيما وقفت عليه، وهم:\n١ - محمد بن أبي حميد، قال أبو عيسى: (محمد بن أبي حميد يضعف، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، ويقال له: حماد بن أبي حميد، ويقال: هو أبو إبراهيم الأنصاري، وهو منكر الحديث) (^٥).\n٢ - إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٦).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ١٠٩).\n(^٢) \"الجامع\" (١/ ٤٩٠).\n(^٣) \"العلل\" (١٨٩٩).\n(^٤) \"العلل\" (٢٣٠) رواية المروذي.\n(^٥) \"الجامع\" (١/ ٥٦٣).\n(^٦) \"الجامع\" (٢/ ٢٦٢).","vol":"1","page":76},{"text":"٣ - حميد بن علي الكوفي الأعرج، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^١).\n٤ - عبد الله بن ميمون، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٢).\n٥ - عمرو بن واقد، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (^٣).\nقلت: قال في موضع آخر: (عمرو بن واقد يضعف) (^٤)، وهذا مثال آخر يضاف إلى ما تقدم من أنه يقتصد غالبا في عباراته.\n٦ - محمد بن الحارث، قال عنه: (بصري، منكر الحديث) (^٥).\n٧ - زهير بن محمد، قال عنه: (منكر الحديث) (^٦).\nقلت: وهذا لعله في رواية الشاميين عنه، بخلاف رواية أهل العراق عنه فإنها مستقيمة (^٧).\nنعم هناك رواهُ آخرون نقل الترمذي عن البخاري أنه قال فيهم: (منكر الحديث) (^٨).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٦٣).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٢٦٣).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٣٦٨).\n(^٤) \"الجامع\" (٤/ ٥٤٩).\n(^٥) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩٦).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) قال الترمذي في \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩٥): (قال محمد: أحاديث أهل العراق عن زهير بن محمد مقاربة مستقيمة، ولكن، الوليد بن مسلم وأبو حفص عمرو بن أبي سلمة وأهل الشام يروون عنه مناكير، قال محمد: وكان أحمد يقول: كأن ما يروي أهل الشام عن زهير بن محمد هو رجل آخر، وقد قلبوا اسمه).\n(^٨) منهم: الحسن بن علي الهاشمي (١/ ٣٠٧)، وعمر بن عبد الله بن أبي خثعم (١/ ٥٣٣) (٤/ ٢٣)، وعمران بن أنس المكي (٢/ ٢٥٨)، وأبو واقد الليثي، صالح بن محمد بن زائدة (٢/ ٥١٩)، وصالح بن حسان (٣/ ٨٢)، وأبو سورة، ابن أخي أبي أيوب الأنصاري (٣/ ٤٧٣)، والخليل بن مرة (٣/ ٥٤٠) (٤/ ٣٦٧)، ومحمد بن زاذان (٣/ ٥٥٨).","vol":"1","page":77},{"text":"وأما لفظة (كذاب) ونحوها من عبارات الجرح الشديدة، بل حتى (شديد الضعف) أو (متروك)، فلم أقف على أنه استعملها، نعم نقل عن البخاري أنه قال في محمد بن سعيد الشامي: (ترك حديثه) (^١)، مع أن محمد بن سعيد وضّاع ومشهور بذلك، وقد صلبه المنصور على الزندقة ومع ذلك لم يقل: (متروك) وإنما قال: (ترك حديثه) وهي ألطف من الأولى من جهتين: الأولى: أنه قيد ذلك في باب الرواية، والثانية: أنه أضاف الترك إلى غيره، ولم ينسب الحكم لنفسه.\nوكذلك قال أبو عيسى في الحكم بن ظهير: (قد ترك حديثه بعض أهل الحديث) (^٢)، والحكم متروك، وقد كذبه يحيى بن معين في رواية عنه، ويقال فيه كما قيل في الذي قبله، بل وزاد هنا أنه قيده ببعض أهل الحديث.\nوكذلك قال في محمد بن السائب الكلبي، قال: (قد تركه أهل العلم بالحديث) (^٣).\nنعم قد ينقل عن غيره تكذيب أحد الرواة، ومن ذلك:\n١ - قال عن محمد بن القاسم الأسدي: (قلت لمحمد: كيف محمد ابن القاسم الأسدي؟ فقال: كان أحمد يرميه بالكذب) (^٤).\n٢ - ومثله أيضا كوثر بن حكيم، قال: (سألت مُحمدًا فقال: كوثر بن حكيم له مناكير، كان أحمد يرميه بالكذب) (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٤٠٥)، وقال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٩٤): (محمد بن سعيد الشامي، ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن الطبري، ويقال: ابن حسان، أبو عبد الرحمن، كان صُلب، متروك الحديث، قتل في الزندقة).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٣٩١).\n(^٣) \"الجامع\" (٤/ ١٢٠).\n(^٤) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩٤).\n(^٥) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩٥).","vol":"1","page":78},{"text":"وكما أن أبا عيسى يقتصد في حكمه على الرواة، فإنه يفعل ذلك أيضا في حكمه على الحديث، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فأنزلت عليه هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ \" قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصاما، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ: \"ما شأنك يا أبا بكر؟ \" قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟ وإنا لمجزيون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون، فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة\".\nهذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، موسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا) (^١).\nقلت: فهذا الحديث قد قال عنه: غريب وفي إسناده مقال، مع أن إسناده شديد الضعف؛ لأن موسى بن عبيدة واهي الحديث، وإن كان من أهل الفضل، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل نقله لكلام الحفّاظ فيه، وقد قال عنه أحمد بن حنبل - الذي نقل عنه أبو عيسى تضعيفه -: ما تحل\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ١٠٩) (٣٣٠٦).","vol":"1","page":79},{"text":"الرواية عندي عنه. ولا شك أن هذا تضعيف شديد، وقد اكتفى أبو عيسى بنقله عن الإمام أحمد تضعيفه، وهذا تلطف منه.\nوقد ذكر أيضا أبو عيسى علة أخرى في الإسناد، وهي تجهيل مولى ابن سباع.\nفأصبح الحديث شديد الضعف، وقد اكتفى من هذا كله بقوله: في إسناده مقال، مع أن المتأمل في كلامه يعلم أن أبا عيسى قد أشار إلى ذلك في أثناء كلامه على هذا الحديث، ولكنه تلطف.\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن نضر، عن عبيد الله ابن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: \"لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام\"، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية.\nوفي الباب عن عمر بن الخطاب.\nحديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي) (^١).\nقلت: وهذا الحديث منكر، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل أنه أعاد هذا الحديث في التفسير فقال: (هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل) (^٢).\nقلت: والشاهد من هذا نقله عن البخاري أنه ضعف علي بن يزيد، ونصُّ عبارة البخاري فيه: منكر الحديث.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٤١٢) (١٣٣٦).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٢٠٨) (٣٤٩٣).","vol":"1","page":80},{"text":"ويزيد هذا وضوحا ما نقله أبو عيسى نفسه عن البخاري في \"العلل الكبير\": (سألت محمدا عن إسناد هذا الحديث، فقال: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم بن عبد الرحمن مولى ثقة، قال محمد: هو القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن، مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية) (^١).\n٣ - وقال أيضا: (حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مؤمن إلا وله بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، فذلك قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] \".\nهذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان الرَّقاشي يضعَّفان في الحديث\" (^٢).\nقلت: فهنا جرى على عادته في التلطف في الحكم، ويزيد بن أبان الرقاشي متروك، وموسى تقدم الكلام عليه.\n٤ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لم يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ، قال: فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، قال: \"هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس\".\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (ص: ١٩٠).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٢٤٣) (٣٥٥٨).","vol":"1","page":81},{"text":"وعبد الله بن جعفر بن نجيح هو والد علي بن المديني، وقد روى علي بن حجر، عن عبد الله بن جعفر الكثير. وحدثنا عليّ بهذا الحديث، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن نجيح. وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء نحوه، إلا أنه قال: \"معلق بالثريا\") (^١).\nقلت: وهذا الحديث قد يظن أن أبا عيسى لم يضعفه، أو يظن أكثر من هذا بأنه يقويه، ولكن الصواب أن أبا عيسى قد بين ضعف مثل هذا الإسناد في مكان آخر، فقد ذكر بعد أحاديث من هذا الحديث حديثا رواه فقال: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة\".\nهذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعف يحيى بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي بن المديني) (^٢).\nقلت: فهنا بين ضعف هذا الحديث الذي في إسناده عبد الله بن جعفر بأنه غريب، وأن عبد الله بن جعفر ضعفه يحيى بن معين وغيره.\nوقد قال ابن معين -في رواية- عن عبد الله بن جعفر: ليس بشيء.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧) (٣٥٦٤، ٣٥٦٥).\nوهذا الحديث منكر، والصواب: أن هذه القصة إنما جاءت في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، وأن الرسول ﷺ وضع يده على سلمان، وقال: \"لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء\"، كما ثبت في الصحيحين، \"صحيح البخاري\" (٤٨٩٧)، و\"صحيح مسلم\" (٢٥٤٦).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٥١٥) (٤١١٦).","vol":"1","page":82},{"text":"فتبين من هذا أنه يضعف الحديث السابق.\n٥ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: \"لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد\".\nهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير ابن محمد.\nقال ابن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يُروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني: لِمَا يروون عنه من المناكير.\nوسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة) (^١).\nقلت: وهذا الحديث قد قال عنه أبو عيسى: حديث غريب، وقد بين أبو عيسى بعد ذلك أنه حديث ضعيف عنده، بل قد يذهب إلى أنه منكر، وذلك فيما نقله من كلام الحفاظ في زهير بن محمد، ويؤيد هذا قوله عنه في \"العلل الكبير\": (منكر الحديث) (^٢).\nوحكم الترمذي هذا إنما هو على هذا الإسناد؛ لأن هذا الحديث قد جاء من وجه آخر، وقد قواه بعض أهل العلم بهذين الوجهين.\n٦ - وقال أيضا: (حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري،\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٢٦١) (٣٥٩٦).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩٦).","vol":"1","page":83},{"text":"قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى ابن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا نبشرك؟ قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"طلحة ممن قضى نحبه\".\nهذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه، وإنما روي هذا عن موسى بن طلحة، عن أبيه) (^١).\nقلت: وهذا الإسناد ضعيف، بل لعله شديد الضعف؛ لأن إسحاق بن يحيى بن طلحة ذهب بعض الحفاظ إلى أنه متروك، ولكن أبو عيسى تلطف في العبارة، بدليل قوله عن إسحاق في موضع آخر: (ليس بذاك القوي عندهم، تُكلم فيه من قبل حفظه) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-45>وأئمة النقد في هذا الباب على قسمين:</span>\nفقسم منهم على هذا المسلك، حتى إنهم أحيانا يكتفون بالإشارة عن العبارة، كأن يشير إلى لسانه بدل أن يقول: يكذب، أو كذاب.\nوالقسم الآخر هم الذين يحكمون على الراوي بحسب ما ظهر منه، ولا يكتفون بالإشارة أو بالاقتصاد في العبارة، وإنما يصفون الراوي بما يستحق، فإن كان كذابا قالوا ذلك، وإن كان ممن يتفرد ولا يتابع على ما رواه قالوا: منكر الحديث، ونحو ذلك من عبارات الجرح الشديدة.\nفمن أمثلة القسم الأول:\nالإمام البخاري، فتجد أشد العبارات عنده: فيه نظر (^٣)، أو سكتوا\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٢١٢) (٣٥٠١).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٥٣٣).\n(^٣) معناها: أن لهذا الراوي - عنده - منكرات.","vol":"1","page":84},{"text":"عنه، أو سكتوا عنه وعن رأيه وحديثه، ونادرا ما يستعمل: كذاب. لذا قال البخاري ﵀: (إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا) (^١).\nقال الذهبي معلقا على العبارة السابقة: (قلت: صدق ﵀ ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا. وقلَّ أَنْ يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه.\nوهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا، وهذا هو والله غاية الورع.\nقال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته - يعني: البخاري - يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب \"التاريخ\"، ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي ﷺ: \"بئس مولى العشيرة\" يعني: حديث عائشة) (^٢).\nوقال ابن حجر: (وللبخاري في كلامه على الرجال توقٍّ زائدٌ وتحرٍّ بليغٌ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل؛ فإن أكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه، ونحو هذا، وقلّ أَنْ يقول: كذاب، أو وضاع، وإنما يقول: كذبه فلان، رماه فلان، يعني بالكذب) (^٣).\nوممن سار على هذا المنهج أبو زرعة، قال الذهبي: (يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جراح) (^٤).\n_________\n(^١) \"تاريخ بغداد\" للخطيب (٢/ ١٣).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٤٣٩).\n(^٣) \"هدى الساري\" (٤٨١).\n(^٤) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٨١).","vol":"1","page":85},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - سعيد بن المرزبان العبسي، أبو سعد البقال، قال أبو زرعة: لين الحديث ومدلس. قيل: هو صدوق؟ قال: نعم، كان لا يكذب (^١).\nمع أن ابن معين قال: ليس بشيء لا يكتب حديثه (^٢)، وقال البخاري عنه: منكر الحديث (^٣). وقال النَّسَائِي: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه (^٤).\n٢ - سليمان بن أبي داود الحراني، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٥).\nقلت: قال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا (^٦)، وقال البخاري: منكر الحديث (^٧).\n٣ - عمر بن راشد بن شجرة، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٨).\nقلت: هو واهي الحديث.\n٤ - عمر بن شبيب المسلي، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٩).\nقلت: قال ابن معين: ليس بثقة. وفي رواية: ليس بشيء (^١٠)، وقال\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٦٣).\n(^٢) \"الكامل\" لابن عدي (٥/ ٥٧٠).\n(^٣) \"الكامل\" لابن عدي (٥/ ٥٧٠).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (١١/ ٥٥).\nوهناك من وثق سعيدا ولكن ليس من أئمة الجرح والتعديل، وقد قال الساجي عن محمود بن غيلان قال: سئل وكيع عن أبي سعد البقال، فقال: أحمد الله، كان يروي عن أبي وائل، وأبو وائل ثقة. \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٦٢).\nقلت: وهذا تضعيف له من قبل وكيع، ولكنه تلطف في العبارة.\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١١٦).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١١).\n(^٨) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٩) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١١٥).\n(^١٠) \"تاريخ ابن معين\" - رواية الدوري - (٣/ ٤٠٥، ٥٠٢).","vol":"1","page":86},{"text":"يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء (^١)، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث، لا يحتج بروايته (^٢).\nوأبو زرعة لا يخفى عليه حاله فقد بين في موضع آخر أنه واهي الحديث.\n٥ - سندل عمر بن قيس، قال أبو زرعة: لين الحديث (^٣).\nقلت: هو متروك الحديث، ولا يخفى على أبي زرعة أنه متروك، ولكن اقتصد في العبارة وتورّع.\nوممن سار على هذا المنهج أيضا: أبو حاتم الرازي، فإنه يلاحظ على عباراته في الجرح أنه يقتصد فيها كثيرا، خاصة إذا كان الراوي من أهل الصلاح، حتى ولو كان مشهورا بالضعف، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - عبد الواحد بن سليم المالكي، قال عنه: شيخ (^٤). مع أن الإمام أحمد والنسائي قد جرحاه جرحا شديدا (^٥).\n٢ - سعيد بن محمد الوراق، خرّج له الترمذي وابن ماجه، قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي (^٦). مع أن بعض الحفاظ قال عنه: ليس بثقة (^٧).\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٣٩٣).\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (٥/ ٧٠) (٤٠٠٠)، وهناك من وافق قوله قول أبي زرعة كالنسائي، فقال: ليس بالقوي. \"الضعفاء\" (ص: ١٩١).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢١).\n(^٥) قال الإمام أحمد في \"العلل\" -رواية عبد الله- (٥٤٣٣): (حديثه حديث منكر، أحاديثه موضوعة)، وقال النَّسَائِي في \"الضعفاء والمتروكين\" (ص: ١٦٣): (ليس بثقة).\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٥٩).\n(^٧) \"الضعفاء والمتروكين\" للنسائي (ص: ١٢٨).","vol":"1","page":87},{"text":"٣ - أصبغ بن نباتة، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث (^١). قلت: وهو متروك.\n٤ - أبو حمزة الثمالي، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به (^٢).\nقلت: وهو ضعيف، وقد اتهم بالرفض.\n٥ - حماد بن واقد، قال عنه أبو حاتم وأبو زرعة: لين الحديث (^٣). قلت: وهو ضعيف.\n٦ - حفص بن عمر العدني، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث (^٤). قلت: وهو ضعيف.\n٧ - روح بن عطاء ابن أبي ميمونة، قال أبو حاتم: لين الحديث. قلت: ضعفه ابن معين (^٥)، وقال أحمد: منكر الحديث (^٦).\n٨ - الحكم بن عبد الملك القرشي البصري، قال عنه أبو حاتم: مضطرب الحديث جدا، وليس بقوي في الحديث (^٧).\nوقال ابن معين: ليس بثقة، وليس بشيء. وقال مرة: ضعيف الحديث. وكذا قال ابن خراش. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال النَّسَائِي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: الأحاديث التي أمليتها للحكم عن قتادة، منه ما\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٢٠).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٥١).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٥٠)، ونص كلام أبي حاتم: (حماد بن واقد ليس بقوي، لين الحديث، يكتب حديثه على الاعتبار، وهو بابة عثمان بن مطر، ويوسف ابن عطية).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٨٢).\n(^٥) \"تاريخ بن معين\" - رواية الدوري - (٤/ ٢٠٠) (٣٩٤٧).\n(^٦) \"العلل\" - رواية عبد الله - (٣/ ١٢) (٣٩٢٦).\n(^٧) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٢٣).","vol":"1","page":88},{"text":"يتابعه عليه الثقات، ومنه ما لا يتابعه، وله غير ما ذكرت ولا أعلمه يروي عن غير قتادة إلا اليسير. وقال العقيلي: روى أحاديث لا يتابع عليها. وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث جدا، له أحاديث مناكير. وقال البزار: ليس بقوي. وقال العجلي: ثقة، روى عن قتادة، ما أدري أهو بصري أو كوفي (^١).\nقلت: أما توثيق العجلي فلا يلتفت إليه، وأما البزار فهو ممن يقتصد في الجرح.\n٩ - سعد بن عمران بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف، قال عنه: هو شيخ مثل الواقدي في لين الحديث وكثرة عجائبه (^٢).\nقلت: ولا يخفى أن الواقدي متروك عند جمع من أهل العلم.\n١٠ - أبو بكر الهذلي: قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به (^٣).\nقلت: هو متروك.\n١١ - الصلت بن دينار، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث، إلى الضعف ما هو، مضطرب الحديث، يكتب حديثه (^٤).\nقلت: قال ابن معين: ليس بشيء (^٥). وقال الفلاس: متروك الحديث، يكثر الغلط (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٦٦).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٩٢).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٣١٣).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٣٨).\n(^٥) \"تاريخ ابن معين\" - رواية الدوري - (٤/ ١٢٨) (٣٥٢٠).\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٣٨)، وفيه: (متروك الحديث يكثر الغلط).","vol":"1","page":89},{"text":"١٢ - طلحة بن عمرو الحضرمي، قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوي، لين الحديث عندهم (^١).\nقلت: وهو متروك.\n١٣ - عبد الله بن الزبير الأسدي، والد أبي أحمد، قال أبو حاتم: لين الحديث (^٢).\nقلت: قال إبراهيم بن موسى: سألت أبا نعيم عن عبد الله بن الزبير فقال: لا يكتب حديثه، ولا تخبر أبا أحمد بذلك.\nقال أبو زرعة: كان أبو أحمد صديقا لأبي نعيم؛ فكره أن يسوءه في أبيه، وهو ضعيف الحديث (^٣).\n١٤ - عقبة بن عبد الله الأصم، قال أبو حاتم: لين الحديث، ليس بقوي، وأبو هلال أحب إلينا منه، قال ابنه عبد الرحمن بعد أن نقل ذلك: (قيل لأبي: إن محمد بن عوف حكى عن أحمد بن حنبل أن عقبة الأصم ثقة، فقال: كيف بما يروي عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى عن النظر في النجوم، وحديث آخر جميعا منكرين؟) (^٤).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٧٨).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٥٦).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣١٤).\nتنبيه: يلاحظ على أبي حاتم الرازي ﵀ في باب التعديل وفي باب الجرح أنه يطيل العبارة في الحكم على الراوي بحيث يجمع أكثر من صفة في الحكم عليه، مثل قوله عن كثير من الرواة: ثقة صدوق، ومثله ابنه عبد الرحمن، وأحيانا يكثر من ذلك كقوله: ثقة صدوق رضا.\nبينما كثير من الأئمة يكتفون بصفة واحدة في الحكم عليه، وأما هو فقد يذكر ثلاث صفات، بل قد يذكر أربعًا، أو أكثر من ذلك، ومن أمثلة ذلك:\n١ - إسماعيل بن مخراق، قال عنه - كما في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٠١) -: منكر الحديث، مجهول.=","vol":"1","page":90},{"text":"قلت: الراجح أنه واهي الحديث.\nوقد قال أبو حاتم في جمع من الرواة الذين ذكرهم البخاري في \"الضعفاء\": يحول من كتاب \"الضعفاء\"، مع أنه لا يرى توثيقهم.\nومن أشد العبارات عنده: منكر الحديث.\nومع اقتصاده في العبارة في جانب الجرح وعدم تشدده، إلا أنه في باب التعديل شديد التزكية فقلما يوثق الراوي، وهذا مما ينبغي الانتباه إليه؛ لأنَّه قد يظن أنه شديد أيضا في باب الجرح كما أنه شديد في التعديل، ولكن الأمر بخلاف ذلك، لذا وصفه الأئمة بالتشدد، كالإمام ابن تيمية فقال: (وأبو حاتم شديد التزكية) (^١)، وأبي عبد الله الذهبي، فقال: (هو جراح) (^٢)، وعبارة\n_________\n= ٢ - أيوب بن سيار الزهري، قال عنه - كما في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٤٨) -: ضعيف الحديث، منكر الحديث، ليس بالقوي.\n٣ - أشعث بن سعيد، أبو الربيع السمان، قال عنه - كما في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٧٢): ضعيف الحديث، منكر الحديث، سيء الحفظ، يروي المناكير عن الثقات.\n٤ - إبراهيم بن أبي حبيبة، قال عنه - كما في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٨٣) -: شيخ، ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث، دون إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وأحب إلي من إبراهيم بن الفضل.\n٥ - الحجاج بن نصير الفساطيطي، قال عنه - كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٦٧) -: منكر الحديث، ضعيف الحديث، ترك حديثه، كان الناس لا يحدثون عنه.\n٦ - رشدين بن سعد، قال عنه - كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥١٣) -: منكر الحديث، وفيه غفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث، ما أقربه من داود بن المحبر، وابن لهيعة أستر، ورشدين أضعف.\n٧ - زيد بن جبيرة، قال عنه -كما في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٥٩) -: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه.\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢١/ ٩٣).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٨١). ولا يخفى أن الشرع قد جاء بنحو ذلك من عدم=","vol":"1","page":91},{"text":"الإمام ابن تيمية أدق من عبارة الذهبي، يعلم هذا مما تقدم.\nفقد قال أبو حاتم عن الإمام الشافعي وعمرو بن علي الفلاس ومسلم ابن الحجاج، قال عن كل واحد من هؤلاء: (صدوق)، مع أنهم من كبار الأئمة.\nوقال ابنه عبد الرحمن: (سألت أبي عن عبد الرزاق: أحب إليك أو أبو سفيان المعمري؟ فقال: عبد الرزاق أحب إلي، قلت: فمطرف بن مازن أحب إليك أو عبد الرزاق؟ قال: عبد الرزاق أحب إلي، قلت: فما تقول في عبد الرزاق؟ قال: يكتب حديثه ولا يحتج به) (^١).\nوقال أيضا عن عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري: (هو صدوق متقن، قوي الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم).\nقلت: محصل كلام أبي حاتم أنه ثقة متقن، ولكنه لم يصرح بهذا، بل ذكر من العبارات ما يظن معه أنه دون ذلك.\nوأما قوله: (لم يكن يحفظ) فلعله يريد أنه لم يكن من كبار الحفاظ، بدليل أن أبا زرعة قال عنه: كان حافظا ثقة. قال ابن أبي حاتم: يعني أنه كان متقنا (^٢).\nوهذا التشدد في التعديل ليس دائما ولكنه كثير، فقد قال ابن أبي حاتم: وسألته عن علي بن نصر، فوثقه وأطنب في ذكره والثناء عليه (^٣).\n_________\n= الغلو في مدح الشخص وبالذات إذا كان حاضرا، وبعدم المبالغة في الذم، والمتأمل في حال الناس يجدهم بعكس ذلك، فمن أحبوه بالغوا في مدحه، ومن كرهوه بالغوا في ذمه، نعوذ بالله من ذلك.\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٩).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١١٩).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٠٧).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>وممن سار على هذا المنهج أيضا إبراهيم الحربي،</span> فإذا أراد أن يجرح راويا قال: غيره أوثق منه، ومن أمثلة ذلك:\n١ - عبد الله بن عبد العزيز المدني، قال عنه: غيره أوثق منه (^١).\n٢ - عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، قال عنه: غيره أوثق منه (^٢).\n٣ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: غيره أوثق منه (^٣).\n٤ - عبد المهيمن بن عباس الأنصاري، قال عنه: غيره أوثق منه (^٤).\n٥ - عبيس بن ميمون الرقاشي، قال عنه: معروف وغيره أوثق منه (^٥).\n٦ - يحيى بن العلاء البجلي، قال عنه: غيره أوثق منه (^٦).\nوهؤلاء ضعفاء وبعضهم متروك.\nومن ذلك قوله عن عمر بن قيس المكي سندل: (أمسكوا عنه) (^٧)، وهو متروك.\nومنهم أيضا البزار، فيستعمل عبارات لينة؛ قال عن محمد بن عبيد الله العرزمي: لين الحديث (^٨).\nقلت: وقد قال الساجي: صدوق منكر الحديث أجمع أهل النقل على\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٠٧).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٠٨).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٦٣٠).\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٧).\n(^٦) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٨٠).\n(^٧) كذا في \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٤٨)، وفي \"إكمال التهذيب\" لمغلطاي (١٠/ ١١٠): (كان فيه تسرع إلى الناس، فأمسكوا عنه، وألقوه).\n(^٨) \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" (٢/ ٢٥١).","vol":"1","page":93},{"text":"ترك حديثه، وقال الحاكم في المدخل: متروك الحديث بلا خلاف (^١).\nوهذا كثير في كلام البزار، وتتبع ذلك ومناقشته مما يطول.\nومنهم أبو أحمد الحاكم، فكثيرا ما يستعمل في حق من تكلم فيه الأئمة عبارة (ليس بالقوي عندهم) ونحوها، وفي أحيان أخرى يصرح بجرح الراوي، وإليك أمثلة على ذلك:\n١ - قال في إسماعيل بن يحيى - ويقال ابن يعلى - الثقفى: ليس بالقوي عندهم (^٢).\n٢ - وقال في تليد بن سليمان المحاربي: ليس بالقوي عندهم (^٣).\n٣ - وقال في أبي الأشهب جعفر بن الحارث النخعي: ليس بالقوي عندهم (^٤).\n٤ - وقال في إبراهيم بن يزيد الخوزي: يهِم في الشيء بعد الشيء، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، روى عنه سفيان الثوري والمعتمر بن سليمان (^٥).\nقلت: وإبراهيم متروك الحديث.\n٥ - وقال في محمد بن أبي حميد: ليس بالقوي عندهم (^٦).\nقلت: هو منكر الحديث، وهذا مما لا يخفى على أبي أحمد الحاكم فقد نقل هو في ترجمته عن يحيى بن معين أنه قال: ليس بشيء.\n٦ - وقال في محمد بن القاسم الأسدي: ليس بالقوي عندهم (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٣٨).\n(^٢) \"الأسامي والكنى\" (١/ ٢٢٥).\n(^٣) \"الأسامي والكنى\" (١/ ٢٥٠).\n(^٤) \"الأسامي والكنى\" (١/ ٢٨٢).\n(^٥) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٤٣).\n(^٦) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٦٧).\n(^٧) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":94},{"text":"قلت: وهو متروك، وقد نقل أبو أحمد عن الإمام أحمد أنه كذبه.\n٧ - وكذلك عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قال فيه: ليس بالقوي عندهم (^١).\nقلت: وهو منكر الحديث، تكلم فيه جمهور الحفاظ مع صلاحه في نفسه وفضله.\n٨ - وكذلك سليمان بن سلمة الخبائري، قال فيه: ليس بالقوي عندهم (^٢).\nقلت: وهو متروك.\n٩ - وقال عن يحيى بن ميمون بن عطاء القرشي: سكتوا عنه (^٣).\nقلت: هو متروك وبعضهم كذبه، وهذا لم يخف على أبي أحمد، فإنه روى بإسناده عن عمرو بن علي أنه قال عن يحيى: كان كذابا، حدث عن علي بن زيد بأحاديث موضوعة.\n١٠ - وقال عن سليمان بن أبي داود الجزري: في حديثه بعض المناكير (^٤).\nقلت: ثم روى عن البخاري أنه قال عنه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا (^٥)، وقال أحمد: ليس بشيء (^٦).\n١١ - وقال عن متوكل بن فضيل الحداد: ليس بالقوي عندهم (^٧).\n_________\n(^١) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٨٢).\n(^٢) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٨٨).\n(^٣) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٩٢).\n(^٤) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٩٣).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١١٦).\n(^٦) \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" (ص: ٤٥٥).\n(^٧) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":95},{"text":"ثم نقل عن مسلم أنه قال: عنده عجائب.\nوكما ترى هناك فرق بين العبارتين.\n١٢ - وقال عن عبد الكريم بن أبي المخارق: ليس بالقوي عندهم (^١).\nقلت: وهو مشهور الضعف.\nوأحيانا يستعمل أبو أحمد الحاكم عبارة (ليس بالقوي)، و(ليس بالمتين) على بابها:\n١ - كقوله عن يزيد بن كيسان: (ليس بالمتين عندهم) (^٢)، وهو مختلف فيه، والأصل في حديثه الاستقامة.\n٢ - وقوله في بكير بن عامر البجلي: (ليس بالمتين عندهم) (^٣)، وهو مختلف فيه أيضا.\n٣ - وكذلك قوله في عطاء الخراساني: (ليس بالقوي عندهم) (^٤).\nقلت: وأنا أذهب إلى ذلك فقد تُكُلِّم فيه.\nبل إنه أحيانا قد يقول مثل هذه العبارة في حق من لا يستحق ذلك:\n١ - كقوله في يزيد الرشك: (ليس بالمتين عندهم) (^٥)، فيزيد ثقة.\n٢ - وقال عن أبي الأحوص مولى بني ليث: (ليس بالمتين عندهم) (^٦)، وهو ليس كذلك، إما أن يقال عنه: فيه جهالة، وإما أن يمشى حديثه.\nومنهم أيضا أبو بكر البيهقي، ويظهر ذلك لمن تتبع كلامه في الرواة في \"السنن الكبرى\" وغيرها.\n_________\n(^١) \"الأسامي والكنى\" (١/ ٢٢٣).\n(^٢) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٥٤).\n(^٣) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٥٩).\n(^٤) \"الأسامي والكنى\" (١/ ١٨٥).\n(^٥) \"الأسامي والكنى\" (١/ ٢٦٩).\n(^٦) \"الأسامي والكنى\" (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":96},{"text":"وهناك أيضا غير من تقدم من الحفاظ.\nومعرفة مناهج النقاد في الاقتصاد في الجرح والتعديل في غاية من الأهمية في الحكم على الراوي، فقد يذهب البعض عند وقوفه على كلام هؤلاء الأئمة وهو لا يعرف منهجهم إلى أن هذا الراوي ليس بشديد الضعف، وبالتالي قد يتقوى بغيره، وهو ليس كذلك.\nأو يظن أن هؤلاء الأئمة تساهلوا في حكمهم على هذا الراوي كما وُصف أبو عيسى بذلك، كما سوف يأتي، وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، وإنما هذا من باب الورع والاقتصاد في الجرح، وأن الضرورة ألجأتهم إلى ذلك في سبيل الذب عن الدين والسنة، وإلا لما تكلموا، وأضرب مثالا على ذلك بثوير بن أبي فاختة، قال عنه أبو عيسى في \"الجامع\": (وثوير يكنى أبا جهم، وهو رجل كوفي، وقد سمع من ابن عمر، وابن الزبير، وابن مهدي كان يغمزه قليلا) (^١).\nقلت: وثوير واهي الحديث، وقد لا يكتب حديثه.\nوأما ما يتعلق بحكم ابن مهدي عليه، فقال عمرو بن علي الفلاس: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان سفيان يحدث عنه (^٢).\nوقال الآجري عن أبي داود: ضرب ابن مهدي على حديثه (^٣).\nفإذا عرفنا منهج الترمذي وغيره ممن يقتصدون في الجرح حتى في نقلهم عن بعض الأئمة -مثل ما تقدم قبل قليل في كلام ابن مهدي في ثوير ابن أبي فاختة- يتبين لنا حكم هذا الراوي حقيقة، كما أنه يتيسر للباحث توجيه كلام هؤلاء الأئمة إذا وجد في الراوي، وأن هذا ليس من قبيل التساهل.\n_________\n(^١) (٤/ ١٠٨).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٧٢).\n(^٣) \"سؤالات الآجري\" (١/ ٣٣٦) (٥٧٤).","vol":"1","page":97},{"text":"ويتبين أيضا من هو مقتصد في كلامه ممن هو متساهل في نقده، فمثلا الحاكم قد قال عن هذا الراوي في كتابه \"المستدرك\": (لم ينقم عليه غير التشيع) (^١).\nوهذا تساهل واضح (^٢)، لذا تعقبه الذهبي بقوله: بل هو واهي الحديث.\nوالخلاصة أن الغالب على منهج أبي عيسى في الجرح والتعديل هو الاعتدال والتوسط، مع اقتصاد في العبارة، وورع في النقد.\nومما يوضح ذلك أيضا قوله في آخر \"الجامع\": (قال علي - ابن المديني -: ولم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبى بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة.\nقال أبو عيسى: وإن كان يحيى بن سعيد قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا لا يثبت على رواية واحدة تركه.\nوقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة) (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) (٣٩٢٢).\n(^٢) ينبغي أن يفرق بين منهج الحاكم في كتبه القديمة، وبين منهجه أخيرا في كتابه \"المستدرك\"، فالتساهل الذي وصف به الحاكم في نقده للرواة وحكمه على الأحاديث إنما هو في \"المستدرك\"، وأما في كتبه القديمة فليس كذلك.\n(^٣) \"الجامع\" - العلل الصغير - (٥/ ١٦).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>الفصل السابع في مؤلفاته</span>\nألف أبو عيسى عدة مؤلفات، منها:\n١ - \"الجامع\" (^١)، وسيأتي الكلام عليه.\n٢ - \"أسماء الصحابة\" (^٢)، وهو مطبوع.\n٣ - \"الأسماء والكنى\" (^٣)، وبعضهم يجعله هو نفس كتابه \"أسماء الصحابة\".\n٤ - \"التاريخ\"، نقل ابن نقطة من \"تاريخ بخارى\" لغنجار قوله: (وهو صاحب \"الجامع\" و\"التاريخ\") (^٤).\nوقال ابن نديم: (وله من الكتب: \"كتاب التاريخ\") (^٥).\n٥ - \"التفسير\"، ذكره الخزرجي في \"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال\" (^٦)، فقال: (أحد الأئمة الأعلام، وصاحب \"الجامع\" و\"التفسير\").\nوقول الخزرجي يحتمل أنه أفرد كتابا في التفسير، ويحتمل أنه يقصد كتاب التفسير الذي في \"جامعه\"، وهذا هو الأقرب.\n_________\n(^١) \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٧)، \"وفيات الأعيان\" (٤/ ٢٧٨)، \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٦٧٨)، \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٢٥٠)، \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٦٤٧)، \"جامع الأصول\" (١/ ١٩٣).\n(^٢) \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٦٤٧).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٦٩).\n(^٤) \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٧).\n(^٥) \"الفهرست\" لابن النديم (١/ ٢٨٥).\n(^٦) (ص: ٣٥٥).","vol":"1","page":99},{"text":"٦ - \"الزهد\"، قال ابن حجر: (ولأبي عيسى كتاب \"الزهد\" مفرد لم يقع لنا) (^١).\n٧ - \"الشمائل\" (^٢)، وهو مشهور جدا، ولعله أول من أفرد ذلك بالتصنيف.\nقال ابن كثير عن كتابه هذا: (قد صنف الناس في هذا قديما وحديثا كتبا كثيرة مفردة وغير مفردة، ومن أحسن مَنْ جمع في ذلك فأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵀، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بـ \"الشمائل\") (^٣).\n٨ - \"العلل الصغير\"، وهو مطبوع، وهو الذي في آخر \"الجامع\" (^٤).\n٩ - \"العلل الكبير\" (^٥)، والموجود منه بترتيب أبي طالب القاضي، وأغلبه موجود في \"الجامع\"، وليس كله (^٦).\n١٠ - الكتاب الذي فيه الموقوف، ذكره الترمذي في العلل آخر \"الجامع\"، فقال: (… وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف) (^٧).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٦٦٩).\n(^٢) \"فهرسة ابن خير الإشبيلي\" (ص: ١٢٨).\n(^٣) \"البداية والنهاية\" (٨/ ٣٨٥).\n(^٤) \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٠).\n(^٥) \"الفهرست\" لابن النديم (١/ ٢٨٥)، \"إكمال تهذيب الكمال\" (٣/ ٣٢٠).\n(^٦) وقد أكثر البيهقي من النقل عن الترمذي بلاغا، وكثير مما نقله موجود في \"العلل الكبير\"، والذي دلت عليه كتبه أنه لم يقع له \"جامع أبي عيسى الترمذي\" بالرواية، ولا \"سنن النَّسَائِي\"، بدليل عدم وجود ذلك في مصنفاته، لذا يقول في النقل عن البخاري مما نقله عنه الترمذي: بلغني.\nوأما كونه يروي عن الحاكم عن أبي العباس المحبوبي عن أبي عيسى الترمذي بعض الأحاديث لا يعني هذا أنه قد سمع كتاب \"الجامع\" كله، وإنما سمع منه بعض الأحاديث من طريق شيخه الحاكم.\n(^٧) \"الجامع المختصر\" (٥/ ٩).","vol":"1","page":100},{"text":"قال ابن رجب: (كأنه ﵀ له كتاب مصنف أكبر من هذا (^١)، فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، مذكورة كلها بالأسانيد) (^٢).\nوهذا يدل على أنه لم يقف عليه.\n* * *\n_________\n(^١) يعني: كتابه \"الجامع\".\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٢).","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>الباب الثاني وفيه فصول حول كتاب \"الجامع\"</span>\nالفصل الأول: في الاسم الصحيح للكتاب.\nالفصل الثاني: في أسانيد الترمذي من حيث العلو وعدمه.\nالفصل الثالث: في مصادره.\nالفصل الرابع: في اختلاف نسخه.\nالفصل الخامس: في تفنن المؤلف في كتابه.\nالفصل السادس: في عقيدته.\nالفصل السابع: في منهجه في الفقه.\nالفصل الثامن: في منهجه في التمييز بين الصحيح والمعلول.\nالفصل التاسع: في الرجال الذين خرّج لهم وقد وصفوا بالترك.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>الفصل الأول في الاسم الصحيح للكتاب</span>\nاختلف في اسم هذا الكتاب، ويرجع سبب هذا الاختلاف إلى أمرين:\nالأول: اختلاف النسخ الخطية في اسمه (^١).\nالثاني: اختلاف أهل العلم في تسميته، فقد سموه بعناوين متعددة، منها:\n١ - \"الجامع\"، وممن سماه بذلك: الإدريسي (^٢)، وغنجار (^٣)، والسمعاني (^٤)، والمزي (^٥)، والذهبي (^٦)، وابن كثير (^٧)، وغيرهم.\n٢ - \"الجامع الكبير\"، ممن سماه بذلك: ابن الأثير الجزري في \"أسد الغابة\" (^٨)، وغيره.\nوذكر ابن الأثير في \"جامع الأصول\" إسناده إلى كتاب الترمذي من طريق المحبوبي قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي بكتاب \"الجامع الكبير\" (^٩).\n_________\n(^١) ينظر: مقدمة \"الجامع\"، طبعة دار التأصيل.\n(^٢) \"شروط الأئمة الستة\" لابن طاهر المقدسي (ص: ١٠٣).\n(^٣) \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٧).\n(^٤) \"الأنساب\" (٣/ ٤٢).\n(^٥) \"تهذيب الكمال\" (٢٦/ ٢٥٠).\n(^٦) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٦٧٨).\n(^٧) \"البداية والنهاية\" (١٤/ ٦٤٧).\n(^٨) (١/ ١١٧).\n(^٩) (١/ ٢٠٣). وانظر: \"الكامل في التاريخ\" (٦/ ٤٧٤).","vol":"1","page":105},{"text":"٣ - \"الجامع الصحيح\"، وممن سماه بذلك: الحاكم (^١)، والبرقاني (^٢)، والخطيب البغدادي (^٣)، وغيرهم.\nوهناك من اقتصر على تسميته بـ \"الصحيح\"، ومنهم: ابن النديم (^٤)، وياقوت الحموي (^٥)، وابن الأثير (^٦).\n٤ - \"الجامع الكبير المختصر في السنن المسندة\"، سماه بذلك التجيبي (^٧)، وغيره.\n٥ - \"السنن\"، وممن سماه بذلك: الخليلي (^٨).\n٦ - \"المسند الجامع\"، كذا سماه الإسعردي (^٩).\n٧ - \"المسند الصحيح\"، روى ابن نقطة بإسناده من طريق نجيب بن ميمون الواسطي الهروي، عن أبي علي منصور بن عبد الله بن خالد الذهلي، عن أبي عيسى الترمذي قال: (صنفت هذا الكتاب - يعني \"المسند الصحيح\" - فعرضته على علماء الحجاز …) (^١٠).\n٨ - \"الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل\"، سماه بذلك ابن خير الإشبيلي (^١١)، وصوبه عبدالفتاح أبو غدة (^١٢).\n_________\n(^١) \"معرفة أنواع الحديث\" لابن الصلاح (ص: ٤٠).\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٢٣١).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) \"الفهرست\" لابن النديم (١/ ٢٨٥).\n(^٥) \"معجم البلدان\" (١/ ٥١٠).\n(^٦) \"جامع الأصول\" (١/ ١٩٣).\n(^٧) \"برنامج التجيبي\" (ص: ٩٩).\n(^٨) \"الإرشاد\" (٣/ ٩٠٥).\n(^٩) \"فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي\" (ص: ٣٨).\n(^١٠) \"التقييد\" لابن نقطة (ص: ٩٧)، وأما يتعلق بالنسخ الخطية وما جاء فيها من تسمية الكتاب فانظر مقدمة \"الجامع\" طبعة دار التأصيل.\n(^١١) \"فهرسة ابن خير الإشبيلي\" (ص: ٩٨).\n(^١٢) \"تحقيق اسمي الصحيحين والجامع\" (ص: ٦٦ - ٨٨).","vol":"1","page":106},{"text":"وهذا الاسم الأخير هو الصحيح، وذلك لأمور ثلاثة:\nالأمر الأول: أن هذا الاسم جاء في عدة نسخ، وهي نسخ قديمة نسبيا، وهذه النسخ قد رويت من أكثر من طريق عن أبي عيسى الترمذي، كما سيأتي.\nوالأمر الثاني: أن هذا الاسم مطابق للمسمى، وذلك أن الترمذي قد جعل هذا الكتاب شاملا لأبواب الشريعة، ولم يجعله خاصا لأحاديث الأحكام، وأضاف إلى ذلك كلام الفقهاء من الصحابة والتابعين وهلم جرا، وضم إلى ذلك كلام الحفاظ على الأحاديث والرجال، فهو بهذه الصفة يكون جامعا، لذا سمي بـ\"الجامع\".\nقال أبو سليمان الخطابي: (وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارا، وقصصا، ومواعظَ، وآدابا …) (^١).\nفما قاله الخطابي في \"وصف الجوامع\" منطبق على كتاب أبي عيسى لأنه لم يقتصر على السنن المتعلقة بالاْحكام، وإنما جمع إلى ذلك ما يتعلق بالإيمان والعلم والمناقب والفضائل والتفسير والزهد وصفة القيامة والجنة وجهنم … الخ، فهو بهذه المثابة كتاب جامع.\nويؤيد تسميته بـ\"الجامع\" أن بعض شيوخ الترمذي سموا كتبهم بهذه التسمية، فالبخاري قد سمى كتابه \"الصحيح\" بـ \"الجامع\"، وقد قال أبو عيسى في باب الاستنجاء يالحجرين: (وسألت محمدا - أي: البخاري - عن هذا الحديث (^٢) فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" (١/ ٧).\n(^٢) أي: حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ خرج لحاجته فقال: \"التمس لي ثلاثة أحجار … \" الحديث.","vol":"1","page":107},{"text":"إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتاب \"الجامع\") (^١).\nقلت: ومن المعلوم العلاقة الوثيقة بين الترمذي وشيخه البخاري.\nوأما وصفه بالمختصر: فهو وصف مطابق لحال كتاب أبى عيسى، ويدل لهذا أمور:\n١ - أنه لم يمسند جميع الأحاديث التي في الباب، لذا يقول اختصارا: وفي الباب عن فلان وفلان .. حتى أنه فى بعض الأحيان يذكر ثمانية عشر راويا أو أكثر (^٢).\n٢ - أنه يختصر الحديث نفسه، فكثيرا ما يقول: وفي الحديث قصة، اختصارا للحديث ولا يسوقه مطولا، وإنما يذكر موضع الشاهد.\n٣ - أن لأبي عيسى كتابا أكبر من ذلك ذكر فيه الآثار الموقوفة، قال في كتابه \"العلل الصغير\": (… وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف) (^٣).\nفيعتبر كتاب \"الجامع\" بالنسبة لهذا الكتاب الذي أشار إليه مختصرا.\nوقال أيضًا في آخر \"الجامع\": (وقد وضعنا هذا الكتاب على الاختصار لما رجونا فيه من المنفعة) (^٤).\nقال ابن رجب: (وقد ذكر الترمذي ﵀ أنه إنما وضع كتابه هذا على الاختصار، لما رجا فيه من المنفعة، وهو تقريبه على طلبة العلم، وكان قد وعد بكتاب أكبر منه يستوعب فيه الأحاديث والآثار) (^٥).\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٦).\n(^٢) ينظر مثلا: باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر (١٨٣)، وباب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ (٢٦٦٠).\n(^٣) (٥/ ٩).\n(^٤) (٥/ ٣٨).\n(^٥) \"شرح العلل\" (١/ ٤٦٢).","vol":"1","page":108},{"text":"وقال أبو عمر ابن عبدالبر: (ثلاثة كتب مختصرة في معناها، أُوثِرُها وأُفَضِّلُها: مصنف أبي عيسى الترمذي في السنن، و\"الأحكام في القرآن\" لابن بكير، و\"مختصر ابن عبدالحكم\") (^١).\nوأما قوله: (من السنن عن رسول الله ﷺ) لأن النصوص التي أوردها كلها أحاديث عن رسول الله ﷺ فهي سنن.\nوأما قوله: (ومعرفة الصحيح والمعلول) لأنه قد بين في هذا الكتاب صحة كثير من الأحاديث، كما أنه ساق أحاديث كثيرة وبين ضعفها وعلتها، ووجه تعليلها، فهو كتاب علل، لذا جلّ مادة كتاب \"العلل الكبير\" له موجودة في كتابه \"الجامع\" مفرقة على الأبواب.\nوقال أبو عيسى في كتابه \"العلل الصغير\": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب \"التاريخ\").\nقال ابن رجب في \"شرح علل الترمذي\" (^٢): (والذين صنفوا منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومن بعدهما كابن خزيمة وابن حبان، ولكن كتابهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين.\nومنهم من لم يشترط الصحة، وجمع الصحيح، وما قاربه، وما فيه بعض لين وضعف، وأكثرهم لم يثبتوا ذلك، ولم يتكلموا على التصحيح والتضعيف.\nوأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي ﵀، وقد بين … أنه لم يسبق إلى ذلك، واعتذر بأن هؤلاء الأئمة الذين سماهم صنفوا ما لم يسبقوا إليه، فإذا زيد في التصنيف بيان العلل ونحوها كان فيه تأس بهم في تصنيف ما لم يسبق إليه.\n_________\n(^١) \"فهرسة ابن خير الإشبيلي\" (ص: ١٦٠).\n(^٢) (١/ ٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":109},{"text":"وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة، وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحدًا سبق الترمذي إليها (^١).\nوقال في موضع آخر (^٢): (وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان قصده ﵀ ذكر العلل).\nوأما قوله: (وما عليه العمل) فلأنه كثيرا ما يبين ذلك عندما يسوق الحديث، فيقول بعده: والعمل على هذا، لذا قال في كتابه \"العلل الصغير\" (^٣): (جميع ما في هذا الكتاب - أي: \"الجامع\" - من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين).\nوالأمر الثالث: أن التسميات الأخرى جميعها فيها نظر؛ فمثلا:\n١ - تسميته بالجامع الصحيح: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يشترط الصحة في كتابه هذا، كيف وقد بين ضعف كثير من الاْحاديث وشرح عللها؟!\n٢ - وأما تسميته بالجامع الكبير: فهذا بعيد، وذلك أن كتاب أبي عيسى مختصر كما تقدم ذكره، ويضاف إلى ما سبق أن كتاب البخاري وهو أكبر منه سماه ﵀: \"الجامع المسند الصحيح المختصر … \"، ومثله مسلم في بعض التسميات: \"المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ\".\n_________\n(^١) وأما ابن أبي حاتم فعمله في كتاب \"العلل\" متأخر عن أبي عيسى الترمذي كما هو معلوم.\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤١١).\n(^٣) (١/ ٤ - شرحه).","vol":"1","page":110},{"text":"وحتى كتاب أبي داود بين أنه قد اختصره، فقال في \"رسالته إلى أهل مكة\" (^١): (ولم أكتب في الباب إلا حديثا أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته … وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك).\nومثله ابن خزيمة، فقد سمى كتابه: \"مختصر المختصر من المسند الصحيح\"، وكتابه أكبر من كتاب الترمذي؛ لأن القطعة الموجودة وهي ربع الكتاب فيها أكثر من (٣٠٠٠) حديث.\nوبناء على ما تقدم يبعد أن يسمي الترمذي كتابه بـ \"الجامع الكبير\".\n٣ - وأما تسميته بـ \"السنن\": فهذا من باب التوسع، والتسمية بالمعنى، وقد مضى القول في هذا.\n* * *\nنقل بعض كلام أهل العلم في تسمية كتاب الترمذي بـ \"الجامع\":\n١ - قال محمد بن عبدالرحمن الإدريسي - كما في \"فضائل الكتاب الجامع\" للإسعردي (^٢) -: (صنف كتاب \"الجامع\").\n٢ - وقال ابن خير الإشبيلي في \"فهرست شيوخه\" (^٣): (مصنف الإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، الحافظ، وهو \"الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ، ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل\" … الخ).\n٣ - وسماه بـ\"الجامع\" الإسعردي في جزئه \"فضائل الكتاب الجامع\n_________\n(^١) (ص: ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) (ص:٣١).\n(^٣) (ص:١٠٧).","vol":"1","page":111},{"text":"لأبي عيسى الترمذي\"، وقال في مقدمته (^١): (… فجمعت في هذه الأوراق فضائل جامعه). وقال أيضًا (^٢): (مما صنف أبو عيسى غير \"المسند الجامع\": \"العلل\" … الخ).\n٤ - وقال ابن خلكان في ترجمة الترمذي من \"وفيات الأعيان\" (^٣): (صنف كتاب \"الجامع\").\n٥ - وقال الحافظ المزي في \"تهذيب الكمال\" (^٤): (وعلامة ما أخرجه الترمذي في \"الجامع\": ت). وقال في ترجمة الترمذي (^٥): (صاحب \"الجامع\").\n٦ - وقال الذهبي في ترجمة الترمذي من \"السير\" (^٦): (مصنف \"الجامع\" (^٧).\n٦ - وقال صاحب \"كشف الظنون\" (^٨): (نقل عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه، فيقال: \"جامع الترمذي\"، ويقال له: \"السنن\" أيضًا، والأول أكثر).\nوغير هذا كثير، ولعبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى كلام جميل في ترجيح ما تقدم ذكره من تسمية كتاب أبي عيسى ومناقشة المسميات الأخرى وبيان ضعفها، فقال في كتابه \"تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي\" (^٩):\n_________\n(^١) (ص: ٣٠).\n(^٢) (ص: ٣٨).\n(^٣) (٤/ ٢٧٠).\n(^٤) (١/ ١٥٠).\n(^٥) (٢٦/ ٢٥٠).\n(^٦) (١٣/ ٢٧٠).\n(^٧) يلاحظ أن بعض ما ذكرته من كلام أهل العلم في تسمية هذا الكتاب إما بأن يُذكر العنوانُ تاما، أو يُكتفى بطرفٍ منه على سبيل الاختصار.\n(^٨) (١/ ٥٥٩).\n(^٩) (ص:٥٣ - ٥٩).","vol":"1","page":112},{"text":"(لم يكن شأن \"جامع الترمذي\" أحسن من شأن \"الصحيحين\" في إغفال اسمه عليه، فقد طبع طبعات كثيرة متعددة في بلاد مصر والشام والهند وغيرها، ولم يثبت على وجه طبعة منه اسمه العلمي الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.\nوتبدو أهمية إثبات اسمه التام الكامل عليه أكثر من أهمية إثبات اسم \"الصحيحين\" عليهما، لشهرتهما بالصحة وتأليفهما لجمع الحديث الصحيح، فغياب اسمهما الكامل من الذكر على وجهيهما لا يؤثر مئل ما يؤثر غياب اسم \"جامع الترمذي\"، ويزيد الأمر ضغثا على إبالة أنه أُثبت على \"جامع الترمذي\" اسم يخالف مضمونه وما أسس تأليفه عليه، فقد أثبت على وجه المطبوع منه بالقاهرة ثم في بيروت \"صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي\"، وهو خطأ فليس هو مسمى بالصحيح.\nوالعجب أن شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، حينما شرح كتاب الترمذي أثبت على وجهه \"الجامع الصحيح، وهو سنن الترمذي\". انتهى، فالجزء الثاني من هذا الاسم: (وهو سنن الترمذي)، من باب رعاية المعنى والمضمون للكتاب، فلا مانع منه، على أنه قد سمي في بعض الأثبات والفهارس باسم \"السنن\"، كما في \"فهرست ابن عطية\".\nوقد اشتهر به أيضًا - تغليبا في ضمه إلى كتب السنن الثلاثة - كما أشار إليه صاحب \"كشف الظنون\"، أما الجزء الأول من هذا الاسم وهو (الجامع الصحيح)، فهذا الوصف: (الصحيح) ما كان ينبغي له إثباته على وجه الكتاب، وقد أثبته غير مرة: في وجه الجزء الأول، وفي صفحة ٩٠ من المقدمة، وفي وجه أول الكتاب بعد المقدمة، وفي وجه الجزء الثاني، من طبعة مصطفى البابي الحلبي.\nوتابع شيخنا في هذا: من تساهل في إطلاق هذا الوصف على كتاب","vol":"1","page":113},{"text":"الترمذي، فقد أطلق الحاكم عليه اسم (الجامع الصحيح)، وأطلق الخطيب عليه أيضًا اسم (الصحيح)، كما حكاه عنهما الحافظ ابن الصلاح في \"مقدمته\"، بآخر (النوع الثاني: الحسن)، وتعقبه بقوله: وهذا تساهل، لأن فيها - أي في الكتب المعدود فيها كتاب الترمذي - ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف. انتهى.\nوقال الحافظ الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" في ترجمة الترمذي: في \"الجامع\" علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل. انتهى. وقال الذهبي أيضًا: انحطت رتبة \"جامع الترمذي\" عن \"سنن\" أبي داود والنسائي، لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. نقله السيوطي في \"تدريب الراوي\"، في أوأخر الكلام على (الحديث الحسن). فوصف \"جامع الترمذي\" بلفظ (الصحيح) غير صحيح، فلا يسوغ إثباته عليه.\nوسماه الحافظ أبو القاسم الإسعردي، المتوفى سنة ٦٩٢ رحمه الله تعالى، في جزئه \"فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي\": (المسند الجامع). وهذا لائق به.\nوسماه قبله الحافظ ابن خير الإشبيلي، المتوفى سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى، في \"فهرست ما رواه عن شيوخه\"، بقوله: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل).\nوهذا الاسم مطابق لمضمون الكتاب، ووقفت عليه بعينه مثبتا على مخطوطتين قديمتين، كتبت إحداهما قبل سنة ٤٧٩، وقبل ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد ولد سنة ٥٠٢، والنسخة الأخرى كتبت في سنة ٥٨٢ …","vol":"1","page":114},{"text":"وقد دعيت إلى المشاركة في ندوة أقامها البنك الإسلامي للتنمية في جدة، بعنوان (استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية)، وعقدت في ٢٤/ ٤/ ١٤١١، فلبيت الدعوة وشاركت فيها، وكان من الأساتذة المشاركين فيها الأستاذ الفاضل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي.\nفذكرت له في حديث خاص بيننا أن كتب السنة (الستة) تحتاج في إخراجها ونشرها إلى مزيد عناية خاصة، تواكب تقدم الطباعة وارتقاءها، وذكرت له أن بعضها مثل \"صحيح البخاري\" و\"صحيح مسلم\" و\"جامع الترمذي\": لم تثبت عليها أسماؤها العلمية التي وضعها لها مؤلفوها، لتدل على مضمون كتبهم وتحديد منهجهم في جمعها وتصنيفها، بل قد أُثبت على الترمذي اسم مخالف لمضمونه كل المخالفة، وهو \"الجامع الصحيح\"!\nوقلت له: إني تعرضت لهذا الموضوع في رسالتي المسماة \"الإسناد من الدين\"، التي قدمتها إلى المطبعة من السنة الماضية، وحققت فيها اسم صحيح الإمام البخاري، واسم جامع الإمام الترمذي، وسميت له الاسم العلمي الذي وضعه الإمام الترمذي لكتابه، وهو \"الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل\"، وكانت تجارب التصحيح لطباعة هذه الرسالة معي، فأطلعته على ما كتبته في هذا الصدد فسُرَّ به، وذكر لي أن لديه مخطوطة قديمة من كتاب الترمذي، عليها هذا الاسم بعينه كما يظن.\nفرجوت منه أن يسعفني بصورة من صفحة العنوان، لأعزز بها ما ذكرته، ولأنشرها في آخر الرسالة، فتكرم بذلك فقدم لي صورة من عنوان نسخة مكتبة فيض الله أفندي، التي سأتحدث عنها بعد قليل، ولم يكتف بهذا فأرسل إلى مقره في أمريكا، وطلب لي سورة من نسخة ثانية قديمة لكتاب الترمذي، تملكها من قريب وعليها العنوان الذي ذكرته، ثم جاءت","vol":"1","page":115},{"text":"الصورة فكان العنوان فيها مطابقا لنسخة فيض الله أفندي، ومطابقا للعنوان الذي أثبته في رسالتي \"الإسناد من الدين\".\nوقدم لي أيضًا صورتين لوجه نسختين قديمتين من \"صحيح الإمام البخاري\"، أثبت عليهما اسم \"صحيح البخاري\" كما ذكرته في رسالة \"الإسناد من الدين\"، فتعزز عندي الجزم بصحّة ما كتبته في اسمي هذين الكتابين: \"صحيح البخاري\"، و\"جامع الترمذي\"، والحمد والفضل لله تعالى …\n... والغريب كل الغرابة أن من خدم \"جامع الترمذي\" من العلماء المعاصرين: تحقيقا وتقويما لمتنه، أو شرحا وبيانا لمعانيه وأحاديثه، أو ضبطا وتفصيلا لشرحه، كشيخ شيوخنا العلامة محمد يحيى الكاندهلوي، في شرحه المسمى \"الكوكب الدري على جامع الترمذي\"، وكالعلامة عبدالرحمن المباركفوري، في شرحه \"تحفة الأحوذي\"، وشيخنا العلامة أحمد شاكر، في تحقيقه لمتن كتاب الترمذي وشرحه الذي لم يتم، وشيخنا العلامة محمد يوسف البنوري، في شرحه المسمى \"معارف السنن\" الذي لم يكتمل، وصديقنا العلامة الشيخ أحمد معبد، في تحقيقه لكتاب \"النفح الشذي\"، التي تصلح أن تكون كتابا مستقلا لغزارة علمها وبالغ طولها، لم يتعرضوا بالمرة لذكر اسم الكتاب العلمي.\nوأغرب من هذا أن من خصص دراسة خاصة واسعة عن الإمام الترمذي و\"جامعه\"، كالأستاذ الفاضل الدكتور نور الدين عتر في كتابه \"الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين\"، لم يتعرض لذكر اسم الكتاب هذا فيه، وإنما ذكر في ص ٤٤ جملة من الأسماء المختصرة المختزلة له، فكأنه لم يمر بخاطره هذا الموضوع بالمرة، وإلا لكان بحثَه واستكشفه من النسخ المخطوطة القديمة، فإنه من أهم المباحث وأولها عناية لدارس كتاب \"جامع الترمذي\".","vol":"1","page":116},{"text":"وكذلك لم يتعرض لاسم \"جامع الترمذي\" الأستاذ الدكتور أكرم العمري … وقد وقع نحو هذا للشيخ ناصر الألباني … بل إن شيخ شيوخنا الإمام محمد بن جعفر الكتاني لم يتعرض لاسم الكتاب في كتابه الحافل المفيد \"الرسالة المستطرفة … \"، وكذلك قبله العلامة حاجي خليفة في كتابه العظيم \"كشف الظنون … \".\nبل إن الذين ترجموا للإمام الترمذي من كبار الأئمة المتأخرين، كالحافظ المزي في \"تهذيب الكمال\"، والحافظ الذهبي في \"تذكرة الحفاظ\"، و\"سير أعلام النبلاء\"، و\"العبر\"، والحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\": لم يتعرضوا أيضًا لذكر اسم الكتاب، وذلك مما جعل اسم الكتاب مجهولا خفيا، ولعل الباعث لهم على ذلك طول اسم الكتاب بعض الشيء، فهم يختصرونه بأقل ما يدل عليه، وهذا عذر مسوغ مقبول عند الإحالة إليه والنقل منه، لكثرة ترداد اسمه، أما عند الحديث عن الكتاب فيتعين صناعة ذكر اسمه وعنوانه الذي وضعه المؤلف، لتعرف خطته ونهجه فيه بجلاء ووضوح …).\nإلى أن قال (ص ٧٦): (تعزيز صحة اسم جامع الترمذي: ذكرت فيما تقدم كلمة عن اسم \"جامع الترمذي\" الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي، وأنه \"الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل\".\nوتعزيزا وتوكيدا لثبوت أن هذا الاسم لكتاب الترمذي هو الذي سماه به مؤلفه، بحثت عن بعض النسخ المخطوطة القديمة منه، فوقفت على نسختين نفيستين جدا، جاء فيهما اسم الكتاب كما ذكرته تماما.\nوأورد هنا صورتين لوجهي هاتين النسختين، زيادة في الطمأنينة إلى أن الاسم المذكور هو من صنيع الإمام الترمذي نفسه.","vol":"1","page":117},{"text":"وفي شهر هذا الاسم واشتهاره لكتاب الإمام الترمذي نفع كبير جدا، لذا يجب على من يطبع هذا الكتاب بعد الآن أن يثبت هذا الاسم عليه أمانة وصناعة، ومن يخالف فقد خان الأمانة وأضاع هوية الكتاب، فالله حسيبه.\nويتبدّى من دراسة هذا العنوان الدقيق المتين، إمامة الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في فقهه ومعرفته بمذاهب الفقهاء والمجتهدين، إلى جانب إمامته الفذة في الحديث وعلومه، وعلله ورجاله ورواياته …).\nثم قال بعد ذلك (ص ٧٨): (لكتاب \"جامع الترمذي\" نسخ مخطوطة كثيرة منتشرة هنا وهناك، ولكن قلّ أن تجد نسخة منها عليها اسم الكتاب كاملا تاما، كما سماه به مؤلفه، وأغلب النسخ يذكر فيها اسم الكتاب مختصرا بلفظ (الجامع للإمام الترمذي)، أو (جامع الترمذي)، أو نحو هذا وذاك.\nوقد عثرت على نسختين خطيتين قديمتين، جاء اسم الكتاب عليهما تاما غير منقوص، كما نقله الإمام الحافظ المحدث الضابط المتقن أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي رحمه الله تعالى، في \"فهرست ما رواه عن شيوخه\" … وهو (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل)، وإليك كلمة عن هاتين النسختين:\nالنسخة الأولى: هذه النسخة دخلت في تملك الأستاذ محمد مصطفى الأعظمي … وهي في مجلد واحد، وفيها نقص بآخرها يبلغ ثلاثة أوراق، وتبلغ صفحاتها ٦٤٨ صفحة، والترقيم حديث.\nوكلها بخط مشرقي فصيح جميل، ولم يذكر عليها اسم كاتبها، كتبت قبل سنة ٤٨٠، إذ عليها سماعات متعددة، أقدمها سماع في رمضان سنة ٤٧٩، وعورض الأصل بنسخة ابن خلاد الرامهرمزي - صاحب كتاب \"المحدث الفاصل بين الراوي والواعي\"-، فهي أقدم كتابة من النسخة الثانية","vol":"1","page":118},{"text":"التي سيأتي الحديث عنها قريبا، بأكثر من مائة سنة، ومكتوبة قبل ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد ولد سنة ٥٠٢، وتوفي سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى.\nوسند هذه النسخة إلى المؤلف يختلف عن سند النسخة الثانية اختلافا تاما، واتفقت النسختان في العنوان على عبارة واحدة، وهي: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل)، إلا أن هذه النسخة الأولى نقص فيها لفظ (عن رسول الله ﷺ)، كما يراه الناظر في سورة كل من النسختين (^١).\nوأثبت هنا سورة الجزء التاسع من النسخة الأولى، لا الجزء الأول كما هو المعتاد، لوضوح الخط ونضارته في هذا الجزء دون الجزء الأول، وهذا مثال ما جاء في الصفحة المصورة من المخطوطة في الموضع المذكور، وفيه السند من سامع هذه النسخة إلى المؤلف الإمام الترمذي رحمه الله تعالى:\n(الجزء التاسع من كتاب الجامع المختصر من السنن ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل. تصنيف أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ الترمذي ﵀. سماعا لداود بن محمد بن عبد الله بن يوسف نفعه الله بالعلم.\nحدثه به أبو القاسم عبدالرحمن بن الحسن الشافعي في المسجد الحرام، عن أبي بكر أحمد بن إبراهيم المروزي الفقيه، عن أبي زيد محمد ابن أحمد المروزي الفقيه، عن أبي حامد أحمد بن عبد الله المروزي، عن أبي عيسى الحافظ الترمذي.\n_________\n(^١) ذكر أبو غدة هنا في الحاشية \"أسانيد ابن خير لجامع الترمذي\".","vol":"1","page":119},{"text":"وحدثه به أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد العطار، عن أبي ذر محمد بن إبراهيم الترمذي، عن أبي عيسى الترمذي).\nالنسخة الثانية: هذه النسخة محفوظة في مكتبة فيض الله أفندي رحمه الله تعالى في إسطنبول، برقم ٣٤٤، في مجلد واحد، وهي نسخة تامة في ٢٦٧ ورقة بخط مغربي فصيح، فرغ من نسخها في شوال من سنة ٥٨٢، ولم يذكر عليها اسم كاتبها، وعلى الزاوية اليسرى العليا من الصفحة السابقة لصفحة العنوان تملك لها بخط مالكها فيض الله أفندي جاء فيه ما يلي: (من كتب الفقير السيد فيض الله المفتي في السلطنة العلية العثمانية عفي عنه).\nوهذا نص ما جاء على وجه هذه النسخة: (الكتاب الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل. تصنيف الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمة الله عليه، ومغفرته ورضوانه لديه).\nوسند سامع هذه النسخة إلى المؤلف مكتوب في أول الكتاب كما يلي: (قال محمد بن علي بن حسنون: أخبرنا الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي المعافري ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع.\nقال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين المبارك بن عبدالجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع، فأقر به في شوال سنة تسعين وأربع مائة.\nقال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبدالواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر قراءة عليه فأقر به.\nقال: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة المروزي السنجي قراءة من أصله في منزله في المحرم سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة.","vol":"1","page":120},{"text":"قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب، قال: قرئ على أبي عيسى محمد بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الحافظ وأنا أسمع، قال أبو عيسى: كان جدي مروزيا، انتقل من مرو أيام الليث بن سيار.\nقال: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد …).\nثم أورد عبد الفتاح أبو غدة الصور التالية:","vol":"1","page":121},{"text":"وجهُ النسخة الأولى من كتاب جامع الترمذي","vol":"1","page":122},{"text":"وجهُ النسخة الثانية من كتاب جامع الترمذي","vol":"1","page":123},{"text":"ثم قال عبد الفتاح أبو غدة (ص ٨٨): (وبهذا العنوان الواضح الصريح الذي رأيناه، تتبين معالم كتاب الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وتتبين أيضًا دقة مداركه ومقاصده الحديثية والفقهية، في تأليفه الكتاب على هذا الوجه الذي رسمه وربط فيه بين جوانبه وأحاديثه.\nفهو قد قصد أن يدون فيه الصحيح والمعلول -أي: الضعيف- قصدا أساسيا، وأصدر الحكم من الجمع بينهما في كثير من الأبواب، وقصد أن يذكر فيه أيضًا: ما عليه العمل، إكمالا للفائدة، فإن هذا الجانب قد يبدو أنه فقهي، والحق أنه فقهي وحديثي أيضًا، لأن العمل بالحديث عند العامل به من ذوي العلم محدثا كان أو فقيها: دليل على صحته عنده، ما لم يكن ضعيفا ويرى العمل به في فضائل الأعمال، كما هو مقرر في موضعه من كتب الأصول والفقه والمصطلح، أو قام لديه ما يدعوه إلى الأخذ به.\nفكتاب \"الجامع\" للإمام الترمذي كتاب فذ في بابه، وقد تتابعت وكثرت كلمات الثناء عليه من كبار الأئمة المحدثين والنقاد، من أجل كثرة مزاياه وفوائده وعلومه الحديثية) ا. هـ كلام عبدالفتاح أبو غدة.\n* * *","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>الفصل الثاني في أسانيد الترمذي من حيث العلو وعدمه</span>\nأقدم ما عند الترمذي حديث مالك، والحمادين، والليث بن سعد، وقيس بن الربيع، وينزل حتى أنه أكثر عن البخاري، وأصحاب هشام بن عمار، ونحوه. قاله الذهبي في \"السير\" (^١).\nقلت: يعني أنه يروي عن مالك والحمادين والليث وقيس بواسطة شخص واحد عنهم، فهو يروي عن تلاميذهم.\nوقوله: (ينزل حتى أكثر عن البخاري) لأنه وإن كان البخاري من شيوخه إلا أنه قد شاركه في جمع من شيوخه، لذا قال الذهبي هنا: (وينزل).\nوكذا هشام بن عمار فقد روى عنه بواسطة، وهذا يعتبر نزولا؛ لأن هشام تأخرت وفاته إلى سنة خمس وأربعين ومائتين، وجمع من شيوخ الترمذي قد توفوا قبل ذلك، فروايته عنه تعتبر بنزول.\nفأعلى أسانيده رباعي، نعم له حديث واحد ثلاثي:\nقال ﵀: (حدَّثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ابن ابنة السدي الكوفي، قال: حدَّثنا عمر بن شاكر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر\".\n_________\n(^١) (١٣/ ٢٧١).","vol":"1","page":125},{"text":"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وعمر بن شاكر روى عنه غير واحد من أهل العلم، وهو شيخ بصري) (^١).\nقلت: وهذا إسناد ضعيف، بل هو منكر؛ من أجل عمر بن شاكر وهو ضعيف، وقد أشار أبو عيسى إلى هذا، وأبو حاتم أيضًا بقوله: ضعيف يروي عن أنس المناكير (^٢). وقال ابن عدي: يروي عن أنس بنسخة قريبا من عشرين حديثا غير محفوظة (^٣).\nقال أبو الحجاج المزي في \"تهذيب الكمال\" (^٤): وليس في كتاب الترمذي حديث ثلاثي غير هذا الحديث.\n* * *\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٣٣٠). (٢٤٢٦)، وذكر في \"العلل الكبير\" (ص: ٣٢٩) أنه سأل البخاري عن عمر بن شاكر فقال: (مقارب الحديث، روى عنه عثمان الكاتب وغير واحد).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١١٥).\n(^٣) \"الكامل\" (٥/ ٥٥).\n(^٤) (٢١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>الفصل الثالث في مصادره</span>\nصرّح الترمذي بمصادره في \"العلل\" آخر \"الجامع\" فقال: (وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء؛ فما كان فيه:\n١ - من قول سفيان الثوري:\nفأكثره ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان.\nومنه ما حدثني به أبو الفضل مكتوم بن العباس الترمذي، حدثنا محمد ابن يوسف الفريابي، عن سفيان.\n٢ - وما كان من قول مالك بن أنس:\nفأكثره ما حدثنا به إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك بن أنس.\nوما كان فيه من أبواب الصوم، فأخبرنا به أبو مصعب المديني، عن مالك بن أنس.\nوبعض كلام مالك ما أخبرنا به موسى بن حزام، قال: أخبرنا عبد الله ابن مسلمة القعنبي، عن مالك بن أنس.\n٣ - وما كان فيه من قول ابن المبارك:\nفهو ما حدثنا به أحمد بن عبدة الآملي، عن أصحاب ابن المبارك، عنه.","vol":"1","page":127},{"text":"ومنه ما روي عن أبي وهب، عن ابن المبارك.\nومنه ما روي عن علي بن الحسن، عن عبد الله بن المبارك.\nومنه ما روي عن عبدان، عن سفيان بن عبد الملك، عن عبد الله بن المبارك.\nومنه ما روي عن حبان بن موسى، عن ابن المبارك.\nومنه ما روي عن وهب بن زمعة، عن فضالة النسوي، عن عبد الله بن المبارك.\nوله رجال مسمون سوى من ذكرنا عن ابن المبارك.\n٤ - وما كان فيه من قول الشافعي:\nفأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي.\nوما كان من الوضوء والصلاة، حدثنا به أبو الوليد المكي، عن الشافعي.\nومنه ما حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يوسف بن يحيى القرشي البويطي، عن الشافعي.\nوذكر فيه أشياء عن الربيع عن الشافعي، وقد أجاز لنا الربيع ذلك، وكتب به إلينا.\n٥ - وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم:\nفهو ما أخبرنا به إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق، إلا ما في أبواب الحج والديات والحدود فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور، أخبرني به محمد بن موسى الأصم، عن إسحاق بن منصور، عن أحمد، وإسحاق.","vol":"1","page":128},{"text":"وبعض كلام إسحاق أخبرنا به محمد بن فليح، عن إسحاق.\nوقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف.\n٦ - وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ:\nفهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل.\nومنه ما ناظرت عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا زرعة.\nوأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة.\nولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٥/ ٧ - ٩).","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>الفصل الرابع في اختلاف نسخه</span>\nاعلم علمك الله تعالى أن نسخ \"جامع الترمذي\" متفقة فيما بينها، ومتطابقة في مادتها وأحكامها، وأما الاختلاف الواقع بينها فهو يسير جدا (^١)، وأغلبه في أمرين:\nالأول: اختلاف في أحكام الترمذي على الأحاديث، أو شيء من كلامه عليها.\nوالثاني: انفراد بعض النسخ بزيادة بعض الأحاديث، أو الرواة والكلمات، وأحيانا يكون الاختلاف في مسمى الباب، أو ذكره وعدم ذكره.\nأما الأول - وهو الغالب في الاختلاف -: فهناك أحاديث وقع اختلاف بين النسخ في حكمه عليها، فمثلا: هل صححه أو اقتصر على تحسينه؟ أو: هل استغربه فقط، أو قال: حسن غريب؟\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ: \"اصنعوا لأهل جعفر طعاما؛ فإنه قد جاءهم ما يشغلهم\".\nهذا حديث حسن).\n_________\n(^١) وهكذا الأمر في سائر مصادر السنة الأخرى.","vol":"1","page":131},{"text":"قلت: هكذا وقع في طبعة بشار (^١)، و\"تحفة الأشراف\" (^٢)، وكذلك حكم عليه البغوي (^٣).\nووقع في طبعة الرسالة (^٤)، وطبعة التأصيل (^٥)، و\"تحفة الأحوذي\" (^٦): (حسن صحيح)، وهو موافق لما نقله المنذري في \"مختصر السنن\" (^٧).\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا قران بن تمام، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن علي ابن ربيعة الأسدي، قال: مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة بن شعبة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال النوح في الإسلام؟ أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من نيح عليه عذب ما نيح عليه\".\nحديث المغيرة حديث حسن صحيح).\nقلت: هكذا وقع في طبعة بشار (^٨)، ووقع في طبعة الرسالة (^٩) وطبعة التأصيل (^١٠): (غريب حسن صحيح)، وهكذا في \"تحفة الأحوذي\" (^١١) ونسخة دار الكتب العلمية (^١٢)، وأما \"تحفة الأشراف\" ففيها: (حسن صحيح) (^١٣).\n٣ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو صفوان، عن أسامة ابن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله ﷺ على\n_________\n(^١) (٩٩٨).\n(^٢) (٥٢١٧).\n(^٣) \"شرح السنة\" (١٥٥٢).\n(^٤) (١٠١٩).\n(^٥) \"الجامع\" (١٠٢٢).\n(^٦) (٤/ ٥٣).\n(^٧) (٢/ ٣٧٤).\n(^٨) (١٠٠٠).\n(^٩) (١٠٢١).\n(^١٠) (١٠٢٤).\n(^١١) (٤/ ٥٦).\n(^١٢) (١٠٠٠).\n(^١٣) (١١٥٢٠).","vol":"1","page":132},{"text":"حمزة يوم أحد، فوقف عليه فرآه قد مثل به، فقال: \"لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها\".\nحديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه).\nقلت: هكذا في طبعة بشار (^١) و\"تحفة الأشراف\" (^٢)، وكذا نقله المنذري في \"مختصر السنن\" (^٣)، وأما في الرسالة (^٤) والتأصيل (^٥) و\"تحفة الأحوذي\" (^٦): (حسن غريب).\nوالأمثلة على هذا كثيرة، وقد ورد في هذا \"المدخل\" شيء منها في مواضع متفرقة.\nوأما الثاني - وهو انفراد بعض النسخ بزيادة بعض الأحاديث، أو الرواة والكلمات، ونحو ذلك - فمن أمثلته:\n١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: أخبرنا عمرٍو بن عون، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لِيَنْظُر أحدكم ما الذي يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته\".\nهذا حديث حسن) (^٧).\nقلت: الصواب أنه عن أبي هريرة، وأن ذكره قد سقط من الإسناد؛ بدليل أن كل من رواه سوى الترمذي رواه بذكره، وقد وقفت على ثمانية من الرواة كلهم رواه عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة.\n_________\n(^١) (١٠١٦).\n(^٢) (١٤٧٧).\n(^٣) (٢/ ٣٧٥).\n(^٤) (١٠٣٧).\n(^٥) \"الجامع\" (١٠٤٠).\n(^٦) (٤/ ٧٣).\n(^٧) \"الجامع\" (٣٩٤٧).","vol":"1","page":133},{"text":"فقد أخرجه أحمد (^١)، وأبو داود الطيالسي (^٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (^٣)، وأبو يعلى (^٤)، وابن أبي الدنيا في \"المتمنين\" (^٥)، والبيهقي في \"الشعب\" (^٦)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (^٧)، وابن عدي في \"الكامل\" (^٨)، من طريق أبي عوانة.\nوالذي يظهر أن هذا السقط قديم؛ بدليل أن المزي ذكر هذا الخبر عن الترمذي مرسلا، وكذا ذكره في قسم المراسيل من \"التحفة\" (^٩).\nوهكذا المباركفوري في \"الشرح\"، قال: مرسل (^١٠).\nومما يؤكد ما تقدم أن الترمذي لو رواه مرسلا لقال: مرسل، كعادته.\nويؤيده أيضًا أنه وقع في نسخة (س) - من النسخ التي اعتمدت في طبعة الرسالة - مسندا بذكر أبي هريرة.\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: توفي عبد الرحمن ابن أبي بكر بالحُبْشِي قال: فحمل إلى مكة، فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت:\nوكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا\nوعشنا بخير في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا\nفلما تفرقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا\n_________\n(^١) \"المسند\" (٨٦٨٩).\n(^٢) \"المسند\" (٢٤٦٢).\n(^٣) (٧٩٤).\n(^٤) \"المسند\" (٥٩٢٥، ٥٩٢٥).\n(^٥) (١٥١).\n(^٦) (٦٨٩٠).\n(^٧) (٧٦٨).\n(^٨) (١١٢٩٥).\n(^٩) (١٩٥٧٧).\n(^١٠) \"تحفة الأحوذي\" (١٠/ ٧٣).","vol":"1","page":134},{"text":"ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك) (^١).\nقلت: هذا الحديث لم نجده في \"تحفة الأشراف\"، فهل سقط من بعض نسخ \"التحفة\" أو من الطابِع غفلة، أم أن المزي لم يقف عليه في النسخ التي بين يديه، أو وقف عليه ولكن سها عنه؟\nومن أمثلة زيادة باب في إحدى النسخ:\nوقع في طبعة أحمد شاكر: (باب ما ذكر في مسح النبي ﷺ بعد نزول المائدة (^٢).\nحدثنا قتيبة، حدثنا خالد بن زياد، عن مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب، قال: رأيت جرير بن عبد الله توضأ ومسح على خفيه، قال: فقلت له في ذلك، فقال: رأيت النبي ﷺ توضأ فمسح على خفيه، فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ قال: ما أسلمت إلا بعد المائدة (^٣).\nحدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا نعيم بن ميسرة النحوي، عن خالد بن زياد نحوه (^٤).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١٠٨٤).\n(^٢) قال أحمد شاكر: (هذا الباب كله رقم (٤٣١) زيادة من \"ع\" ولم يذكر في سائر النسخ).\n(^٣) قال أحمد شاكر: (تقدم هذا الحديث بهذا الإسناد (رقم ٩٤ ج ١ ص ١٥٦، ١٥٧) وبينّا هناك أنه إسناد صحيح).\n(^٤) قال أحمد شاكرة (هذا الإسناد الثاني لم يتقدم مع الأول، ويظهر أنهما في نسخ قليلة من \"السنن\"، ولذلك لم يشر إليهما العلامة عبد الغني النابلسي في \"ذخائر المواريث\"، حين ذكر حديث جرير هذا (رقم ١٦٤٣ من \"الذخائر\" ج ١ ص ١٨١) ونسبه للترمذي عن هناد، وهو الحديث (٩٣) من الترمذي، ولم يذكر غيره).","vol":"1","page":135},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب) (^١).\nوقال بشار عواد معروف: (أضاف العلامة أحمد شاكر، بعد هذا بابا من نسخة السندي، ساق فيه طريقين لحديث جرير بن عبد الله، في المسح على الخفين، احتلا الرقمين (٦١١ و٦١٢)، وقد تقدم هذا الحديث برقم (٩٤)، وصرح العلامة بأن هذا الباب لم يرد في شيء من النسخ، وهو كذلك، فالصواب حذفه، لأن الترمذي لم يذكره في هذا الموضع، ولا أشار إلى ذلك أحد ممن نقل عنه).\nقلت: أسلوب هذا الباب يشبه أسلوب الترمذي، ولم يتقدم هذا الباب بهذا المسمى، وإنما الذي تقدم (باب في المسح على الخفين) وذكر فيه هذا الحديث بالإسناد الأول فقط، ولكنه قدم المتن وأخر الإسناد، ثم قال: وروى بقية عن إبراهيم بن أدهم عن مقاتل بن حيان عن شهر بن حوشب عن جرير.\nثم قال: وهذا حديث مفسر … الخ.\nوالخلاصة أنه لم يتقدم هذا الباب بأكمله، وإنما الذي تقدم بعض ما ذكر هنا، وهذا مما يقوي أنه من صنيع الترمذي، خاصة أنه ذكرها ضمن أبواب كأن فيها استدراكا لأبواب لم يذكرها في الطهارة والصلاة وكان من المناسب أن تذكر فيهما.\nقال أحمد شاكر في التعليق على باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل - رقم (٤٢٥) -: (هذا الباب والأبواب بعده إلى آخر الباب رقم (٤٣٢) كلها في الطهارة، ذكرها الترمذي في أواخر الصلاة كما ترى،\n_________\n(^١) \"الجامع\" - طبعة أحمد شاكر - (٦١١، ٦١٢). وينظر: حاشية ط التأصيل (٢/ ٣٩).","vol":"1","page":136},{"text":"والظاهر أنه نسي أن يذكرها في موضعها، ولم يرد أن يخلي كتابه منها، فكتبها أو أملاها هنا).\nوكونه لم يأت في أكثر النسخ لا يعني عدم صحة هذه الزيادة، وأيضا كون المزي في \"تهذيب الكمال\" عندما ترجم لنعيم بن ميسرة النحوي لم يذكر من ضمن شيوخه خالد بن زياد، وذلك لأنه لم يقف على هذه الزيادة أصلا، والدليل على ذلك أنه لم يذكرها في تحفة الأشراف.\n٣ - مثال آخر: قال الترمذي في (باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور): (حدثنا أبو بكر محمد بن زنجويه البغدادي، وغير واحد قالوا: حدثنا الحسين بن محمد قال: حدثنا سليمان بن قرم، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء\").\nقلت: حديث جابر ﵁، لم يثبت في ط التأصيل (١/ ٢٧٦)، وهو مثبت في بقية الطبعات: أحمد شاكر، وبشار، وعصام هادي، والرسالة (^١).\nوقال محققو ط التأصيل: (بعده - أي بعد قول الترمذي: وفي الباب عن جابر وأبي سعيد - في حاشيتي الأصل، (س) بخط مغاير فيهما: \"حدثنا أبو بكر بن محمد بن زنجويه ....) فذكروا الحديث ثم قالوا: (وقال في حاشية الأصل: \"ليس في رواية الشيخ\"، ونسبه في حاشية الآخر لنسخة، وقال المزي في \"تحفة الأشراف\" (٢٥٧٦): \"ليس في السماع، ولم يذكره أبو القاسم\"، والحديث ثابت في (ف ٦/ ٢)، وفي (ف ١/ ٢)، ووقع في (خ/ ١) بعد قوله: \"من قبل حفظه\"، ورقم على أوله \"لا\"، وعلى آخره \"إلى\"، والحديث وإن كان في (ف ٦) وهي من رواية السنجي، عن المحبوبي، إلا أنها لم يتابعها على إثباته نسخة أخرى من رواية المحبوبي،\n_________\n(^١) الحديث رقم (٤).","vol":"1","page":137},{"text":"لذا وضعناه في الحاشية، لا سيما وقد قال العراقي في \"تخريج الإحياء\" (١/ ١٤٧): \"هو عند الترمذي، لكن ليس داخلا في الرواية\"، ولم يرد عند ابن الأثير في كتابه \"جامع الأصول\"، ولا عند ابن العربي في \"عارضة الأحوذي\"، ولا عند المباركفوري في \"تحفة الأحوذي\".\nأما في الرسالة فقال محققوه قولا قريبا مما سبق بعد أن أثبتوا الحديث قالوا:\n(تنبيه: هذا الحديث اختلفت النسخ في إيراده وحذفه، فقد ورد في نسخة (س) و(ل)، ونسخة في هامش (د)، وجاء في نسخة (ب) على هامشها دون تصحيح أو إشارة إلى نسخة أخرى، واستدركه الحافظ المزي في \"تحفة الأشراف\" ٢/ ٢٦٤ على الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وقال: ليس في السماع، ولم يذكره أبو القاسم. ونسبه الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" ١/ ٢١٦ إلى الترمذي، وقال العراقي في \"تخريج الإحياء\" ١/ ١٤٧: هو عند الترمذي، ولكن ليس داخلا في الرواية.\nولم يرد هذا الحديث في نسخة (ب) وهي نسخة مقروءة عليها سماعات، وكذا لم يرد عند ابن الأثير في كتابه \"جامع الأصول\"، ولا عند ابن العربي في \"عارضة الأحوذي\"، ولا عند المباركفوري في \"تحفة الأحوذي\").\nوقال أحمد شاكر بعد أن أثبت الحديث: (الزيادة من (ع) ويؤيد صحتها أن الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص ٨٠) نسبه إلى الترمذي).\nوذكر بشار عواد أنه مثبت في بعض النسخ دون بعض، وذكر قول المزي، وعزو الحافظ ابن حجر الحديث للترمذي.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة.\n* * *","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>أسباب الاختلاف بين النسخ:</span>\nمرد هذا الاختلاف إلى أسباب، منها:\nالسبب الأول: أن المصنف غالبا إذا صنف كتابه فإنه لا يزال يزيد فيما صنف أبوابا، أو أحاديث، أو يحذف بعض الأحاديث أو الأبواب، ولهذا يحصل تباين بين نسخ الكتاب (^١)، ومن المعلوم أن الرواة الذين سمعوا هذه الكتب كثر، فبعضهم يتلقى النسخة المتقدمة، وبعضهم يحضر العرض الأخير للكتاب، فتختلف الروايات لذلك، وهذا ما وقع في موطأ مالك، وصحيح البخاري، وسنن أبي داود، وجامع أبي عيسى، وغيرها من كتب السنة المشهورة.\nقال القاضي عياض: (قال عتيق الزبيري: وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه سنة، ويسقط منه، حتى بقي هذا، ولو بقي قليلًا لأسقطه كله.\nوقال القطان: كان علم الناس في زيادة، وعلم مالك في نقصان، ولو عاش مالك لأسقط علمه كله، يعني: تحريًا.\nوقال سليمان بن بلال: لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث -أو قال أكثر-، فمات وهي ألف حديث ونيف، يلخصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين، وأمثل في الدين) (^٢).\n_________\n(^١) ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في \"الفهرست\" لابن النديم (ص: ٩١)، في كلامه عن كتاب \"لجمهرة في علم اللغة\" لابن دريد، قال: (مختلِف النسخ، كثير الزيادة والنقصان؛ لأنه أملاه بفارس، وأملاه ببغداد من حفظه، فلما اختلف الإملاء زاد ونقص، ولما أملاه بفارس على غلامه تعلم من أول الكتاب، والباقية التي عليها المعول هي النسخة الأخيرة، وآخر ما صح من النسخ نسخة أبي الفتح عبد الله بن أحمد النحوي، لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه).\n(^٢) \"ترتيب المدارك\" (٢/ ٧٣).","vol":"1","page":139},{"text":"وقال ابن حزم: (آخر ما روي عن مالك موطأ أبي مصعب، وموطأ حذافة، وفيهما زيادة على الموطآت نحو من مائة حديث) (^١).\n_________\n(^١) \"تذكرة الحفاظ\" للذهبي (٢/ ٥٢).\nقال بشار عواد في مقدمة تحقيقه لهذه الرواية (ص ٤١ - ٤٢): (وتمتاز رواية أبي مصعب عن غيرها بميزات عدة منها:\nالأولى: أنها آخر رواية نقلت عن الإمام مالك، رواها ثقة من أصحابه، فهي تمثل إذا النشرة الأخيرة التي ارتضاها مالك لكتابه.\nالثانية: أنها الرواية المدنية الوحيدة التي وصلت إلينا كاملة، وفى هذا أهمية كبيرة لأنها أخذت عنه ودونت في المدينة، ومنها انتشرت في الآفاق.\nالثالثة: أنها واحدة من الروايات التي كانت متداولة بين أهل العلم إلى عصور متأخرة في حين أهمل الكثير من الروايات الأخرى مما يدل على أهميتها.\nالرابعة: أن فيها زيادات لا نجدها في غيرها من الموطآت. وقد نقلنا قبل قليل قول ابن حزم في الزيادات الحي احتوتها، ولكنه أمر يحتاج إلى توضيح وبيان واستدراك، وكما يأتي:\n١ - إن الزيادات التي وقفنا عليها في رواية أبي مصعب من الأحاديث المسندة ومن غير الموجودة في رواية يحيى بن يحيى المصمودي هي خمسة عشر حديثا فقط.\n٢ - كما وقفنا على حديثين مرسلين عند يحيى وهما متصلان في رواية أبى مصعب.\n٣ - ووقفنا على بلاغ في رواية يحيى هو متصل في رواية أبي مصعب.\n٤ - وفي رواية أبي مصعب ستة أحاديث مرسلة، ولا ذكر لها في رواية يحيى أيضًا.\nفهذه أربعة وعشرون حديثا متصلة لم ترد أصلا، أو لم ترد متصلة في رواية يحيى.\n٥ - لكن نلاحظ في الوقت نفسه أن رواية أبي مصعب تضمنت تسعة أحاديث مرسلة، وبلاغا واحدا جاءت في رواية يحيى متصلة.\n٦ - ووقفنا في رواية أبي مصعب على بلاغ واحد لم يرد في رواية يحيى.\n٧ - وزادت رواية أبي مصعب على رواية يحيي باثنين وثلاثين نصا من موقوفات الصحابة.\n٨ - كما زادت رواية أبي مصعب على رواية يحيى بسبعة عشر نصا من أقوال التابعين وأفعالهم. =","vol":"1","page":140},{"text":"وقال ابن العربي: (ذكر القاضي ابن المنتاب أن مالكا روى مائة ألف حديث، جمع منها في موطئه عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالاعتبار والآثار حتى عادت إلى خمسمائة) (^١).\nقلت: وهذا فيه نظر، قال البخاري عن ابن المديني: له - أي: مالك - نحو ألف حديث (^٢). يعني بذلك: الأحاديث المرفوعة دون الآثار، والآثار نحو ذلك، فما نقل عن ابن المنتاب لا شك أنه غير صحيح، وقد يكون وقع في هذا النقل خطأ أو تصحيف.\nوإنما ذكرت \"الموطأ\" دون غيره؛ لأن الاختلاف فيه أكثر بكثير من غيره، وبدراسة هذا الاختلاف يتبين أنه ليس بمؤثر، لأن مؤلف أي كتاب له الحق أن يزيد بعض الأشياء كأحاديث أو تبويبات أو غيرها، أو يحذف بعض ما ذكره، كما أن بعض الزيادات مرجعها إلى تلاميذ المؤلف، فبعض التلاميذ يعتني بأقوال شيخه في حكمه على الحديث - كما في رواية ابن العبد لسنن أبي داود - أو أقواله الفقهية - كما في رواية أبي مصعب الزهري (^٣) فيضمها إلى الكتاب.\nوأما الاختلاف بين متون الأحاديث وألفاظها فهذه لا تكاد توجد، فالألفاظ واحدة، وإذا أردت أن تتأكد من ذلك فانظر إلى النسخة اليونينية لصحيح البخاري فإنه قد بذل جهدا كبيرا في استقصاء الاختلافات بين\n_________\n= ٩ - ثم امتازت رواية أبي مصعب بأن تضمنت ثمانية وستين قولا لمالك لم ترد في رواية يحيى بن يحيى المصمودي).\n(^١) \"القبس في شرح الموطأ\" (١/ ٣٣٢).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ١١٠).\n(^٣) سبق في كلام بشار عواد أن في رواية أبي مصعب ثمانية وستين قولا لمالك لم ترد في رواية يحيى بن يحيى المصمودي.\nقلت: وقد يكون هناك في رواية يحيى بن يحيى زيادات لم يذكرها أبو مصعب.","vol":"1","page":141},{"text":"روايات البخاري، فتبين أن معظمها في زيادة بعض الأحرف، أو حذفها، كالواو والفاء ونحو ذلك، واذا أردت أن تتأكد زيادة على ما تقدم فانظر في شرح ابن حجر على البخاري المسمى \"فتح الباري\"؛ فإنه اعتنى بالاختلاف الموجود بين الروايات اعتناء بالغا، فسوف تجد أن محصلها هو ما تقدم، نعم قد يقع الاختلاف في كلمة - ويكون المعنى واحدا -، أو في راوي الحديث.\nوأحيانا يكون سبب الاختلاف من المصنف نفسه، وذلك عندما لا يذكر اسم شيخه كاملا وإنما يقتصر على اسمه الأول، كما يقع للبخاري كثيرا، وقد يكون له أكثر من شيخ يشتركون في هذا الاسم، فيختلف الشراح وغيرهم في تعيين اسم هذا الراوي.\nوقد عقد ابن حجر في \"مقدمة الفتح\" فصلا طويلا في تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها، وقد ذكر ما جاء من الاختلاف بين أهل العلم في تعيين هؤلاء الرواة.\nوهذه بعض الأمثلة على ما سبق:\nأولا: أمثلة على الاختلاف في راوي الحديث:\n١ - قال الإمام البخاري (٣٤٣٨): (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ: \"رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى، فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط\".\nقال ابن حجر: (قوله (عن ابن عمر) كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاري، وقد تعقبه أبو ذر في روايته فقال: كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفربري \"مجاهد عن ابن عمر\"، قال: ولا أدري أهكذا حدث به البخاري أو غلط فيه الفربري؛ لأني رأيته في","vol":"1","page":142},{"text":"جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد عن ابن عباس، ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن كثير، وقال فيه: ابن عباس، قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن محمد بن كثير قال: وتابعه نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة عن إسرائيل. انتهى.\nوأخرجه أبو نعيم في \"المستخرج\" عن الطبراني، عن أحمد بن مسلم الخزاعي، عن محمد بن كثير، وقال: رواه البخاري عن محمد بن كثير فقال: مجاهد عن ابن عمر، ثم ساقه من طريق نصر بن علي، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل فقال: ابن عباس. انتهى.\nوأخرجه ابن منده في \"كتاب الإيمان\" من طريق محمد بن أيوب بن الضريس وموسى بن سعيد الدنداني، كلاهما عن محمد بن كثير فقال فيه: ابن عباس، ثم قال: قال البخاري، عن محمد بن كثير، عن ابن عمر، والصواب عن ابن عباس.\nوقال أبو مسعود في \"الأطراف\": إنما رواه الناس عن محمد بن كثير فقال: مجاهد عن ابن عباس، ووقع في البخاري في سائر النسج: مجاهد عن ابن عمر وهو غلط، قال: وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة، وإسحاق بن منصور، والنضر بن شميل، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، عن إسرائيل فقالوا: ابن عباس، قال: وكذلك رواه ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس.\nورواية ابن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم ﵇، ولكن لا ذكر لعيسى ﵇ فيها، وأخرجها مسلم عن شيخ البخاري فيها وليس فيها لعيسى ذكر، إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى حسب، وقال محمد بن إسماعيل التيمي: ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاري؛ فإن الإسماعيلي أخرجه","vol":"1","page":143},{"text":"من طريق نصر بن علي عن أبي أحمد وقال فيه: عن ابن عباس، ولم ينبه على أن البخاري قال فيه: عن ابن عمر، فلو كان وقع له كذلك لنبه عليه كعادته، والذي يرجح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار ابن عمر على من قال: إن عيسى أحمر وحلفه على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه \"فأما عيسى فأحمر جعد\"، فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد عن ابن عباس لا عن ابن عمر، والله أعلم) (^١).\n٢ - وقال البخاري أيضًا (٤٠): (حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا …) الحديث.\nقال ابن حجر: (قوله \"حدثنا عمرو بن خالد\" هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحراني نزيل مصر، أحد الثقات الأثبات، ووقع في رواية القابسي، عن عبدوس، كلاهما عن أبي زيد المروزي، وفي رواية أبي ذر، عن الكشميهني: \"عمر بن خالد\" بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه من القدماء أبو على الغساني، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد، ولا في جميع رجاله، بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة) (^٢).\n٣ - قال البخاري (٦٨): (حدثنا محمد بن يوسف، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا).\nقال ابن حجر: (قوله: \"سفيان\" هو الثوري، وقد رواه أحمد في\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٦٦ - ٧٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":144},{"text":"مسنده عن ابن عيينة، لكن محمد بن يوسف الفريابي، وإن كان يروي عن السفيانين، فإنه حين يطلق يريد به الثوري، كما أن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به إلا الفريابي، وإن كان يروي عن محمد بن يوسف البيكندي أيضًا، وقد وهم من زعم أنه هنا البيكندي) (^١).\nثانيا: أمثلة على الاختلاف في الكلمة ويكون المعنى واحدا أو متقاربا:\n١ - قال البخاري (٣٤٢٤): (… عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة …) الحديث.\nقال ابن حجر: (قوله: \"قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة\" في رواية الحموي والمستملي \"لأطيفن\" وهما لغتان، طاف بالشيء وأطاف به: إذا دار حوله وتكرر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع) (^٢).\n٢ - وقال أيضًا (١٣): (… عن أنس عن النبي ﷺ قال: \"لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\").\nقال ابن حجر: (قوله: \"لا يؤمن\" أي: من يدعي الإيمان، وللمستملي: \"أحدكم\"، وللأصيلي: \"أحد\"، ولا بن عسا كر: \"عبد\"، وكذا لمسلم عن أبي خيثمة) (^٣).\n٣ - وقال أيضًا (٢٠): (… عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول: \"إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا\").\nقال ابن حجر: (قوله: \"أنا أعلمكم\" كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه، وفي رواية الأصيلي: \"أعرفكم\"،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٨٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١/ ١١٣).","vol":"1","page":145},{"text":"وكأنه مذكور بالمعنى حملا على ترادفهما هنا، وهو ظاهر هنا وعليه عمل المصنف) (^١).\nوقد يكون الاختلاف بين الصحابة ﵃ في لفظ الحديث، ومن أمثلة ذلك:\n١ - عن أبي أيوب أنه قال - وهو في أرض الروم -: إن رسول الله ﷺ قال: \"من قال غدوة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكن له بقدر عشر رقاب، وأجاره الله من الشيطان، ومن قالها عشية كان له مثل ذلك\" (^٢).\nعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كن كعدل أربع رقاب، وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكن له حرسا من الشيطان حتى يمسي، وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك\" (^٣).\n٢ - قال الشافعي: (قال لي قائل: قد اختلف في التشهد، فروى ابن مسعود عن النبي: أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، فقال في مُبْتَدَاه ثلاث كلمات: \"التحيات لله\"، فبأي التشهد أخذت؟\nفقلت: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عبد الرحمن ابن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر، وهو يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: \"التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٣٤).\n(^٢) \"عمل اليوم والليلة\" (٢٤).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٢٣٥١٨).","vol":"1","page":146},{"text":"الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله\".\nقال الشافعي: فكان هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغارا، ثم سمعناه بإسناد وسمعنا ما خالفه، فلم نسمع إسنادا في التشهد - يخالفه ولا يوافقه - أثبت عندنا منه، وإن كان غيره ثابتا.\nفكان الذي نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر بين ظهراني أصحاب رسول الله إلا على ما علمهم النبي ﷺ.\nفلما انتهى إلينا من حديث أصحابنا حديث يثبته عن النبي صرنا إليه، وكان أولى بنا.\nقال: وما هو؟ قلت: أخبرنا الثقة - وهو حي بن حسان - عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن، فكان يقول: \"التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله\".\nقال الشافعي: فقال: فأنَّى ترى الرواية اختلفت فيه عن النبي؟ فروى ابن مسعود خلاف هذا، وروى أبو موسى خلاف هذا، وجابر خلاف هذا، وكلها قد يخالف بعضها بعضا في شيء من لفظه، ثم علم عمر خلاف هذا كله في بعض لفظه، وكذلك تشهّد عائشة، وكذلك تشهّد ابن عمر، ليس فيها شئ إلا في لفظه شئ غير ما في لفظ صاحبه، وقد يزيد بعضها الشيء على بعض؟","vol":"1","page":147},{"text":"فقلت له: الأمر في هذا بين، قال: فأبنه لي، قلت: كل كلام أريد به تعظيم الله، فعلمهم رسول الله، فلعله جعل يعلمه الرجل فيحفظه، والآخر فيحفظه، وما أُخذ حفظا فأكثر ما يحترس فيه منه إحالة المعنى، فلم تكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شئ من كلامه يحيل المعنى فلا تسع إحالته، فلعلّ النبي أجاز لكل امرئ منهم كما حفظ، إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئا عن حكمه، ولعل صن اختلفت روايته واختلف تشهده إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا، وعلى ما حضرهم وأجيز لهم …) (^١).\nثالثا: مثال على الاختلاف بين النسخ في صيغ التحمل:\nقال البخاري (٢٤): حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ: \"دعه فإن الحياء من الإيمان\".\nقال ابن حجر: (قوله: \"حدثنا عبد الله بن يوسف\" هو التنيسي نزيل دمشق، ورجال الإسناد سواه من أهل المدينة. قوله: \"أخبرنا\" وللأصيلي: حدثنا مالك) (^٢).\nقلت: والصواب \"أخبرنا\" لأن هذا هو الذي يستعمله عبدالله بن يوسف في روايته عن مالك، كما علم بالتتغ.\nرابعا: مثال على زيادة حديث في بعض النسج:\nقال ابن حجر: (تنبيه: وقع في النسخة البغدادية التي صححها العلامة أبو محمد بن الصغاني اللغوي بعد أن سمعها من أصحاب أبي الوقت،\n_________\n(^١) \"الرسالة\" للشافعي (ص: ٢٦٨ - ٢٧٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤١).","vol":"1","page":148},{"text":"وقابلها على عدة نسخ، وجعل لها علامات، عقب قوله: رواه موسى وعلي ابن عبد الحميد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت ما نصه: حدثنا موسى ابن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، عن أنس، وساق الحديث بتمامه، وقال الصغاني في الهامش: هذا الحديث ساقط من النسخ كلها إلا في النسخة التي قرئت على الفربري صاحب البخاري وعليها خطه. قلت: وكذا سقطت في جميع النسخ التي وقفت عليها، والله تعالى أعلم بالصواب) (^١).\nخامسا: مثال على الاختلاف بين النسخ في ذكر بعض الأحاديث:\nقال علي بن المفضل المقدسي: (قرأت على أبي طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني، أخبركم أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني بدمشق قراءةً عليه، وأنت تسمع فأقر به، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ فيما أذن لنا فيه، أخبرنا أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق الحافظ بقراءتي عليه، عن أبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي الحافظ فيما رواه عنه من \"رسالته التي أجاب بها أبا الحسن الدارقطني الحافظ عن الأحاديث التي غلط فيها مسلم بن الحجاج\" قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جرسٌ\".\nقال الشيخ أدام الله كفايته: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم بن الحجاج من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فرواه عن زهير، عن جرير عنه، وزاد في آخره: \"أو كلب\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":149},{"text":"أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا حمزة بن محمد الدقاق قال: قال أبو مسعود الدمشقي، قال أبو الحسن الدارقطني: أخرج مسلمٌ من حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام أن النبي ﷺ أمر بقطع الأجراس، قال: وليس هذا عند شعبة، إنما هو سعيد هكذا كتبه بخطه وبيّض بين سعد والنبي ﷺ، وقال أبو مسعود: (وهذا حديثٌ لم يخرجه مسلمٌ أصلًا بحال، وقد أخرج هذا الباب في كتاب اللباس، وأخرج حديث سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"لا تصحب الملائكة رفقةً فيها كلبٌ ولا جرسٌ\"، وأخرج في عقبه حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"الجرس مزامير الشياطين\"، وأخرج في عقبه حديث أبي بشير الأنصاري: كنا مع النبي ﷺ فقال: \"لا يبقين في رقبة بعيرٍ قلادةٌ من وتر إلا قطعت\".\nهذا جميع ما خرّج في هذا الباب، ولم يخرّج حديث قتادة عن زرارة بحال لا في هذا الموضع ولا في غيره.\nقال أبو مسعود: وهذا حديثٌ اختلف فيه على قتادة، فرواه محمد بن بكر، وخالد بن الحارث، وغندر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن عائشة، وتابع الجماعة: سعيد بن بشير، عن قتادة في إسناده مثله، ورواه الأنصاري عن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، تابع فيه الأنصاري، عن سعيد، وقفه العقدي عن هشام، وأسنده عبد الصمد، عن هشام.\nقال الشيخ أمده الله بتوفيقه: قال لنا الحافظ السلفي، يحتمل أن هذا الحديث يعني حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن","vol":"1","page":150},{"text":"هشام، عن النبي ﷺ كان في كتاب مسلم فأسقطه مثل ما فعل في غيره، والى هذا أشار الدارقطني.\nوالعذر عنه أن يقال: \"سعيد\" قد يتصحف \"لشعبة\" من حيث الكتابة، خصوصًا وقد اشتركا في قتادة، وروى غندر عنهما جميعًا، ولعله كان في كتاب مسلم القديم الذي كتبه عن شيخه مشكلًا غير مشكول، فذهب عليه حالة نقله إلى تخريجه، إذ الغالب على غندر الرواية عن شعبة، فحين نظر ﵀ إلى الاختلاف الذي فيه على قتادة أسقطه من \"صحيحه\" ثم لم ينعم النظر فيه مرة أخرى، كما فعل في غيره من الأحاديث المنقحة، فبقي مشكولًا على حاله، والحق مع الدارقطني ﵀، إذ حكى ما رأى، والله أعلم.\nقال الشيخ أيده الله: انتهى كلام السلفي، ولا نظن بالدارقطني بعد أن قال هكذا كتبه \"بخطه\" - يعني مسلمًا - إلا وقد وقف عليه كذلك، وتحقق أنه خطه، اللهم إلا أن يكون رآه في النسخة القديمة التي أسقط منها ما أسقط، ولم يتأمل الجديدة التي ليس هو الآن فيها، كما ذكر أبو مسعود، فلا يصح النقد عليه فيما تنبه لعلته فأسقطه، والله أعلم) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>سادسا: ومن أمثلة الاختلاف بين النسخ:</span>\nقال الحافظ ابن حجر: (قوله: \"باب\" كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا، فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضًا؛ لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء) (^٢).\n_________\n(^١) \"الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين\" (ص: ٤٤٠ - ٤٤٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":151},{"text":"وقد يقع الاختلاف المؤثر ولكنه نادر، ومن أمثلة ذلك:\nحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: \"قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة … \".\nقال ابن حجر: (قوله: \"على سبعين امرأة\" كذا هنا من رواية مغيرة، وفي رواية شعيب كما سيأتي في الأيمان والنذور \"فقال تسعين\"، وقد ذكر المصنف ذلك عقب هذا الحديث، ورجح تسعين بتقديم المثناة على سبعين، وذكر أن ابن أبي الزناد رواه كذلك.\nقلت: وقد رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد فقال: \"سبعين\" وسيأتي في كفارة الأيمان من طريقه، ولكن رواه مسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان، فقال: \"سبعين\" بتقديم السين، وكذا هو في \"مسند الحميدي\" عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء، عن أبي الزناد، وأخرجه الإسماعيلي، والنسائي، وابن حبان، من طريق هشام بن عروة، عن أبي الزناد، قال: \"مائة امرأة\"، وكذا قال طاوس عن أبي هريرة كما سيأتي في الأيمان والنذور من رواية معمر، وكذا قال أحمد عن عبد الرزاق من رواية هشام بن حجير عن طاوس: \"تسعين\"، وسيأتي في كفارة الأيمان، ورواه مسلم عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق فقال: \"سبعين\"، وسيأتي في التوحيد من رواية أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: \"كان لسليمان ستون امرأة\"، ورواه أحمد، وأبو عوانة، من طريق هشام عن ابن سيرين فقال: \"مائة امرأة\"، وكذا قال عمران بن خالد عن ابن سيرين عند ابن مردويه، وتقدم في الجهاد من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج فقال: \"مائة امرأة أو تسع وتسعون\" على الشك، فمحصل الروايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة، والجمع بينها أن الستين كن حرائر وما زاد عليهن كن سراري أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: \"تسعون\" ألغى الكسر،","vol":"1","page":152},{"text":"ومن قال: \"مائة\" جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر، وأما قول بعض الشراح: ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من مفهوم العدد، وليس بحجة عند الجمهور، فليس بكاف في هذا المقام، وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين، والله أعلم) (^١).\nوإليك دراسة معاصرة للاختلافات بين بعض روايات \"الموطأ\" في متون الأحاديث واختلاف ألفاظها توصل إلى نفس النتيجة المتقدمة، قال محمد مصطفى الأعظمي ﵀: (ترتيب المواد في كتاب الموطأ:\nيتوقع الباحث عندما يقارن بين المخطوطات المختلفة لكتاب واحد برواية واحدة، أن يكون ترتيب الكتاب على نسق واحد، وأحيانًا يحصل الاختلاف في تقديم كتاب أو تأخير كتاب.\nلكنني عند المقارنة بين مختلف النسخ - القديمة نسبيًا - من كتاب الموطأ وبين ما هو مطبوع وجدت اختلافًا شديدًا في ترتيب الكتب، أما الأبواب والأحاديث في داخل الكتاب فيكاد يكون الاتفاق بينها تامًا.\nوعندما نقارن ترتيب الكتب والأبواب في المخطوطات القديمة للموطأ نجدها هي الأخرى تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا) (^٢).\nوقال أيضًا: (بشار عواد والإمام مالك:\nلقد ادّعى الدكتور بشار عوّاد بأن الإمام مالكًا، ولو أنه قد بلغ الغاية في الدقة والضبط والإتقان والإمامة والديانة، وهو إمام في الحديث قلّ نظيره، على الرغم من ذلك فإن \"الموطأ\" من الأمثلة الواضحة على رواية الحديث بالمعنى، وعدم الالتزام الكامل بالألفاظ وتسلسلها بين رواية وأخرى، فالملاحظ أن الاختلاف بين الموطآت في ألفاظ الحديث كثير إلى\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٨/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٢) \"مقدمة تحقيق موطأ مالك\" (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":153},{"text":"حد يصعب حصره في التعليق على أية رواية من هذه الروايات، وقد جربنا ذلك مثلًا بين رواية يحيى المصمودي ورواية أبي مصعب الزهري، أو محاولة إثبات الخلاف في ألفاظ الحديث بين رواة الحديث عند مالك، فوجدنا أن الأمر يحتاج إلى تسويد مئات الصفحات من الحواشي لتوضيح هذه الاختلافات\".\nوأقول: بأنه من جانب آخر يَنقل عن الإمام مالك تلامذته قوله: \"كل حديث للنبي ﷺ يؤدى على لفظه، وعلى ما روي، وما كان عن غيره فلا بأس إذا أصاب المعنى\".\nونقل معن عن الإمام مالك قوله: \"أما حديث رسول الله ﷺ فأدّه كما سمعته، وأما غير ذلك فلا بأس بالمعنى\".\nحتى قال معن: \"كان مالك يتقي في حديث رسول الله ﷺ الياء والتاء ونحوهما\". وروى عنه ابن عمير مثله.\nولحسم هذا الاختلاف أجريت هذه الدراسة التي يضمنها هذا الملحق، بين رواية يحيى بن يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري، لمعرفة مقدار الاتفاق والاختلاف بين روايتيهما علمًا بأن كلتا الروايتين مأخوذتان من المخطوطات المتأخرة، وليستا أصول يحيى الليثي أو أبي مصعب الزهري. وبمرور الزمن يحصل الاختلاف في النسخ جراء أخطاء النساخ. والدليل على ذلك أن يحيى الليثي لم يسمع الموطأ من الإمام مالك إلا مرة واحدة، وقد فاته بعض الأبواب، وعلى هذا فإنه لا يمكن أن أصله كان يشتمل على كل هذه الاختلافات التي نجدها في موطأ يحيى بين رواية عبيد الله، وابن وضاح، وابن فطيس، والوقشي، وتوزري وآخرين، إذن هذه الاختلافات مصدرها الرواة المتأخرون، والنساخ، وليست من أصل رواية الإمام مالك.","vol":"1","page":154},{"text":"وعلى هذا يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذه النقطة حين ننظر في هذا الملحق بحثًا عن مواضع الاختلافات بين الروايتين.\nملحوظة: الرقم في بداية الحديث يشير إلى رقم الفقرة في هذه الطبعة، والرقم الآخر يدل على الرقم في طبعة الدكتور بشار عواد لموطأ أبي مصعب الزهري. وما كتب باللون الغامق هو رواية يحيى، وأما ما كتب باللون الفاتح فلرواية الزهري) (^١).\nوذكر الأعظمي عدة صفحات في المقارنة بين الروايتين يحسن الاطلاع عليها لمن أراد ذلك، ثم قال: (وبعد، فأكتفي بهذا القدر من المقارنة بين روايتي يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري، وقد استغرقت ٣٦ صفحة من هذه الطبعة.\nوعلى القارئ أن يحكم بنفسه - في ضوء ما هو موجود أمامه - على ادعاء الدكتور بشار عواد. والله الهادي إلى الطريق المستقيم) (^٢).\nالسبب الثاني: أن بعض الطلاب لا يسمع الكتاب كاملا، بل قد يفوته بعض الأبواب منه، فإما أن يقتصر على ما سمع، فيحصل عنده نقص في روايته، وبعضهم يستدرك ما فاته بالإجازة، فيروي الفوت بالإجازة، أو يحمله عن غيره من الطلاب عن المصنف.\nالسبب الثالث: أن النساخ متباينون من حيث الضبط والإتقان والعلم، فمن لم يكن ضابطا متقنا قد يسقط منه بعض الأحاديث، أو بعض الأبواب، كما أن منهم من قد يصحف بعض الكلمات، ولا تقابل هذه النسخة مقابلة دقيقة فيحصل التباين بين النسخ.\nوالذي يقرب لك هذا الأمر أن الكتب المصنفة في هذا الوقت قد يزيد المصنف في طبعة أخرى على الطبعة السابقة، أو يغير فيها ما كتبه في\n_________\n(^١) \"موطأ مالك\" (١/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٢) \"موطأ مالك\" (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":155},{"text":"الطبعة الأولى، كما أنه في أثناء إعداد الكتاب للطبع قد يقع بعض الخطأ أو السقط في الكتاب.\nوخلاصة ما تقدم: أن الاختلاف الذي يقع بين الروايات أو النسخ هو أمر يسير مرجعه إلى ما تقدم تقريره، والذي أحب أن أنبه عليه هنا هو أن بعض محققي الكتب إذا وجد أدنى اختلاف ظن أنه وقف على أمر كبير، وشيء عظيم، وبالتالي -حسب نظره- أن هذا الكتاب يحتاج إلى أن يحقق مرة أخرى، وأن في تحقيقه زيادات مهمة على الطبعات الأخرى للكتاب، بينما الأمر خلاف ذلك، وأن الاختلافات لا تعدو أن تكون في أشياء يسيرة أو أمور شكلية، وأنه يمكن التنبيه عليها دون إعادة تحقيق للكتاب …\nكما أنه لا يلزم عند إرادة طبع الكتاب -وأعني: دواوين السنة المشهورة- جمع أكبر عدد من النسخ، كما هو الجاري الآن، لذا كان أغلب ما صدر منها لم يأت محققون بشيء جديد، وذلك أن هذه الكتب لم يزل علماء المسلمين منذ أن ألفت وهم يقرؤونها في المحافل العامة، ويتلونها في المجامع الكبيرة، فيحققون ما فيها من إشكال، ويزيلون ما فيها من لبس، ويصوبون ما فيها من خطأ، وبالتالي يكفي في ذلك الرجوع إلى بعض النسخ الصحيحة.\nولو وُجّه هذا الجهد إلى أمور أخرى تتعلق بالكتاب، من شرح، أو إخراج فوائد، أو بيان منهج، لكان أولى.\nومما ينبغي الانتباه له أيضا أنه في بعض كتب السنة تجد الحديث الواحد قد يكرر في أكثر من موضع فتختلف نسخ الكتاب في هذه المواضع؛ فمثلا في بعضها يذكر ثلاث مرات، وفي بعضها خمس، أو أقل أو أكثر، فبعض المحققين يجعل هذا التكرار زوائد، وأن طبعته تفردت بزيادة هذه الأحاديث التي خلت عنها الطبعات السابقة، بينما هو حديث","vol":"1","page":156},{"text":"واحد اختلفت النسخ في تكراره، كما ذكر بعض من طبع \"المسند\" أن نسخته قد زادت على بعض النسخ بمائة حديث، وعند التحقيق تبين أنها أقل من ذلك بكثير، بل هي بضعة أحاديث، وبعضها إنما لم يتكرر في بعض النسخ، ولا شك أن مثل هذا لا يدعو إلى إعادة طبع الكتاب بأكمله، خاصة مثل كتاب \"المسند\" الذي فيه نحو ثلاثين ألف حديث، وإنما تستدرك في طبعة أخرى أو تطبع مفردة، وبالله تعالى التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>الفصل الخامس في تفنن المؤلف في كتابه</span>\nلقد تفنن أبو عيسى في هذا الكتاب أيما تفنن، فقد جمع فيه بين الصناعتين الحديثية والفقهية، أما الحديثية فكل المصطلحات المتعلقة بهذا الأمر موجودة فيه، وليس بين أيدينا اليوم (^١) كتاب يجمع هذه المصطلحات سواه، من الصحيح بأنواعه، والحسن بأقسامه، والغريب بصوره الكثيرة، والمعلول مع شرح علته، والمشهور وما يقابله من الفرد، إلى غير ذلك، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.\nوأما الصناعة الفقهية فهي ظاهرة في هذا الكتاب أيضا، ففيه بيان فقه النصوص التي أوردها مع ذكر الخلاف العالي بين أهل العلم إذا وجد فيها، مع ذكر ما أجمعوا عليه مما اختلفوا فيه، مع تفسير ما أشكل من النصوص، والجمع بينها وبين ما يخالفها في الظاهر، إلى غير ذلك.\nوإليك بيان بعض ما تقدم في النقاط التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-56>أولا: في الصناعة الحديثية:</span>\n١ - تفننه في انتخاب أحاديث \"الجامع\".\n٢ - تكملة ذلك بالإشارة إلى ما جاء في الأبواب التي عقدها في هذا\n_________\n(^١) هناك أئمة سبقوا أبا عيسى في هذا الجانب كعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وغيرهما من كبار الحفاظ، ولكن كتبهم ليست موجودة بين أيدينا اليوم، وإنما وجد منها شيء يسير جدا.","vol":"1","page":159},{"text":"الكتاب من الأحاديث، ولا تخفى الكتب التي ألفت في استخراجها وتخريجها.\n٣ - حكمه على كل حديث أودعه في كتابه \"الجامع\" غالبا، لذا كانت الأحاديث التي لم يحكم عليها قليلة أو نادرة، وبهذا أصبح كتابه أوسع كتاب بين أيدينا من كتب الأئمة المتقدمين في الحكم على الأخبار صحة وضعفا حتى أنه في بعض الأحيان يحكم على الأحاديث التي أشار إليها في الباب ولم يخرّجها.\n٤ - تفننه في أحكامه على الآثار التي أوردها، ويظهر هذا عند أدنى تأمل، فمثلا في الحديث الغريب كتابه من أوسع الكتب فيه، لا في الكتب التي جمعت الأحاديث، ولا في الكتب التي تحدثت من الناحية الاصطلاحية عن الغريب، ففي كتابه \"العلل الصغير\" -الذي كان المقصود منه بيان المصطلحات التي استخدمها في \"الجامع\"، وبعض المسائل المتعلقة به- قسم الغريب إلى خمسة أقسام مع التمثيل لكل قسم منها، وهذا لا يوجد فيما أعلم في كتاب سواه.\nنعم أبو بكر البزار اعتنى بهذا الجانب اعتناء كبيرا، وأكثر من بيان التفرد والغرابة الواقعة في الأحاديث التي خرجها، ولكن تميز عليه أبو عيسى بأمرين: إكثاره من ذلك، وتفننه في بيان أنواع الغريب، مع ملاحظة أنه أقدم منه، ولكن ما ذكره البزار هو في غاية من الأهمية، وخاصة في بيان معرفة درجة الحديث.\nومن الأمثلة على الأحاديث التي وصفها البزار بالغرابة وفيها بيان لمنهجه ما يلي:\n١ - قال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى بن عبيد، قال: نا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء،","vol":"1","page":160},{"text":"عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أدلك على خير من كثير من الصلاة والصدقة؟ \" قالوا: بلى. قال: \"إصلاح ذات البين\".\nوهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ بإسناد متصل أحسن من هذا الإسناد لهذا الكلام، وإسناده صحيح، وكلامه عن رسول الله ﷺ غريب) (^١).\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: نا بشر بن المفضل، قال: أنا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد\".\nوهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ في صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد إلا في هذا الحديث، وإنما يروى عن النبي ﷺ من وجوه في صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وإسناده حسن) (^٢).\n٣ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، قال: نا إسماعيل بن أبان، قال: نا عبد الله بن مسلم الملائي، عن أبي الجحاف، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي\".\nوهذا الحديث غريب، لا نعلمه يروى عن أبي الجحاف، عن عاصم إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسند أبو الجحاف، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله إلا هذا الحديث.\nحدثنا علي بن المنذر، قال: نا محمد بن فضيل، قال: نا عثمان بن\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٤١٠٩).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٣٥١٣).","vol":"1","page":161},{"text":"شبرمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، بنحو من حديث الثوري، عن عاصم.\nوهذا الحديث لا نعلم رواه عن عثمان بن شبرمة، إلا محمد بن فضيل، وقد روى هذا الكلام عن عاصم جماعة منهم: فطر، وزائدة، وحماد بن سلمة، وغيرهم) (^١).\n٤ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن موسى القطان، قال: نا إسماعيل ابن أبان، قال: نا حفص بن عمران، عن سماك، عن الحسن، عن عمران ابن حصين، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا طاعة في معصية الله\".\nوهذا الحديث قد روي عن عمران من غير وجه، فذكرنا هذا الحديث من هذا الطريق عن عمران؛ لأنه كان أعز مخرجا يروى في ذلك عن عمران، ولا نعلم روى هذا الحديث عن سماك إلا حفص بن عمران، وهو رجل من أهل الكوفة، ولا نعلم رواه عن حفص إلا إسماعيل بن أبان وهو رجل يتشيع، وقد روى عنه أهل العلم واحتملوا حديثه، ولا نعلم روى سماك، عن الحسن، عن عمران إلا حديثين هذا أحدهما، وهو غريب، والآخر مشهور) (^٢).\n٥ - وقال أيضًا: (حدثنا حميد بن الربيع، قال: حدثنا حسين بن علي، قال: نا زائدة، عن سليمان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سويد بن غفلة، عن أبي الدرداء ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: \"من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة\".\nوهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ من وجه من الوجوه\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (١٨٠٧، ١٨٠٨).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٣٥١١).","vol":"1","page":162},{"text":"إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وهو حسن الإسناد، من غريب حديث الأعمش، متصل الإسناد) (^١).\n٦ - وقال أيضًا: (حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، قال: نا إسحاق ابن إدريس، قال: نا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، بنحوه.\nوهذا الحديث عن ثوبان لا نحفظه إلا من هذا الطريق الذي ذكرناه، ولا نعلم رواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، إلا عباد بن منصور، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد، ولا نعلم حدث بحديث أبان إلا إسحاق بن إدريس، وهو غريب عن أيوب وعن يحيى بن أبي كثير، وهذا الحديث فمتنه عن رسول الله ﷺ غير معروف إلا من هذا الوجه) (^٢).\n٧ - وقال أيضًا: (حدثنا عبد الله بن الوضاح الكوفي، قال: نا يحيى ابن اليمان، عن عائذ بن نسير، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ؛ أنه ذكر الحوض فقال: \"ترى فيه أباريق عدد نجوم السماء\".\nوفيه كلام غير هذا، وهو حديث غريب) (^٣).\n٨ - وقال أيضًا: (حدثنا زكريا بن يحيى، نا شبابة بن سوار، حدثنا مغيرة بن مسلم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"من رأى مصابا فقال: الحمد لله … \".\nوهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر إلا المغيرة بن مسلم، والمغيرة ليس به بأس، بصري مشهور، والحديث غريب) (^٤).\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٤١٥٣).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٤١٧٠).\n(^٣) \"مسند البزار\" (٤٣٨١).\n(^٤) \"مسند البزار\" (٥٨٣٨).","vol":"1","page":163},{"text":"٩ - وقال أيضًا: (… وحدثناه عمر بن الخطاب والعباس بن عبد الله، قالا: نا محمد بن كثير، نا الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين …\nوهذا الحديث غريب عن أيوب بن موسى، وليس هو عند عبيد الله) (^١).\n١٠ - وقال أيضًا: (حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا عمر بن سهل، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد اهتز العرش لموت سعد بن معاذ\".\nوهذا الحديث لا نعلم رواه عن مبارك، عن الحسن، عن أنس إلا عمر بن سهل، وعمر بن سهل بصري لا باْس به، انتقل عن البصرة إلى مكة ومات بها، وهو حديث غريب) (^٢).\n١١ - وقال أيضًا: (حدثنا نصر بن علي، أنا عبد المؤمن بن عباد، نا أيوب، عن محمد، عن أنس، قال: كان يكتبون صدور وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان …\nوهذا الحديث لا نعلم رواه عن أيوب إلا عبد المؤمن بن عباد، وهو رجل من أهل البصرة لا بأس به، وقد رواه هشام، عن محمد عن أنس، وهو غريب من حديث أيوب، تفرد به نصر عن عبد المؤمن) (^٣).\n١٢ - وقال أيضًا: (حدثنا الحسين بن محمد الذراع، نا عمرو بن النعمان -ثقة-، عن ابن عون، عن محمد، عن أنس، قال: إن كان النبي ﷺ ليلاطفنا حتى إن كان ليقول لأخ لي صغير: \"أبا عمير، ما فعل النغير\".\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٥٨٧٤).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٦٦٨٠).\n(^٣) \"مسند البزار\" (٦٧٢٠).","vol":"1","page":164},{"text":"وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث ابن عون، عن محمد، عن أنس إلا بهذا الإسناد، وهو غريب من حديث ابن عون) (^١).\n١٣ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي غالب، قالا: حدثنا سعيد بن سلييان، حدثنا عباد، يعني ابن العوام، عن ابن عون، عن محمد، عن أنس: أن النبي ﷺ رمى الجمرة يوم النحر …\nوهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عون، عن محمد، عن أنس، إلا من حديث عباد، عن ابن عون، وهو غريب عن ابن عون) (^٢).\n١٤ - وقال أيضًا: (حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا محمد بن سلمة الحراني، نا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس، قال: جيء بأبي قحافة يوم فتح مكة …\nوهذا الحديث لا نعلم رواه عن هشام بن حسان، عن محمد، عن أنس، إلا محمد بن سلمة، وهو غريب عن محمد، عن أنس، ولم يكن بالبصرة) (^٣).\n١٥ - وقاد أيضًا: (حدثنا عيسى بن موسى السامي، نا يحيى بن أبي بكير، نا كنانة بن جبلة، عن سهيل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"إذا سجد آدم قال الشيطان … \".\nوهذا الحديث لا نعلم رواه عن لسهيل إلا كنانة بن جبلة، ولا نعلمه يروى عن أنس من غير هذا الوجه، وهو غريب عن أنس) (^٤).\n١٦ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن مرزوق، نا حرمي بن حفص، نا\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٦٧٢٣).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٦٧٢٤).\n(^٣) \"مسند البزار\" (٦٧٣٧).\n(^٤) \"مسند البزار\" (٦٩٣٨).","vol":"1","page":165},{"text":"الضحاك بن نبراس -ليس به بأس- نا ثابت، عن أنس، قال: بينما رسول الله ﷺ جالسًا مع أصحابه، إذ جاءه رجل عليه ثياب السفر …\nوهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، والضحاك بن نبراس قد روى عن ثابت غير حديث وليس به بأس، غريب من حديث أنس) (^١).\n١٧ - وقال أيضًا: (حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي، نا زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي، نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال: قال النبي ﷺ: \"أي الخلق أعجب إيمانا؟ … \".\nغريب من حديث أنس) (^٢).\n* * *\nومثل البزار في العناية بهذا الجانب أبو القاسم الطبراني، ولكن ليس مثل تفنن البزار ودقته، مع أن ما ذكره في غاية من الأهمية، والأمثلة التي سأذكرها تبين ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا أحمد بن زهير قال: نا عبد الرحمن بن عنبسة البصري قال: نا موسى بن داود الضبي، عن المطلب بن زياد، عن عبيد المكتب، عن المسيب بن نجبة، عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"المستشار مؤتمن، فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه\".\nلم يروه إلا عبد الرحمن بن عنبسة، وهو حديث غريب) (^٣).\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا إسحاق بن جميل الأصبهاني قال: نا محمد\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٦٧٢٣).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٧٢٩٤).\n(^٣) \"المعجم الأوسط\" (٢١٩٥).","vol":"1","page":166},{"text":"ابن عمرو بن العباس الباهلي قال: نا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، عن عبد الله بن بديل الخزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام\".\nهكذا رواه عبد الله بن بديل بن ورقاء، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس. ورواه أصحاب الزهري، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب. وعن الزهري، عن أنس بن مالك، فإن كان عبد الله بن بديل حفظه فهو حديث غريب، ولا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه) (^١).\n٣ - وقال أيضًا: (حدثنا علي بن الحسين الصوفي البغدادي، قال: نا يوسف بن واضح قال: نا قدامة بن شهاب، عن برد بن سنان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش، عن الضبي بن معبد، أنه أهل بحج وعمرة، فذكر ذلك لعمر، فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ.\nلم يَرو هذا الحديث عن برد بن سنان، إلا قدامة بن شهاب، وخالف بردُ بن سنان، سفيانَ بن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة رواه عن عبد الله بن أبي عامر، عن أبي وائل، عن الضبي، فإن كان برد حفظه فهو غريب عن زر) (^٢).\n٤ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خيثمة قال: نا الفضل بن سهل الأعرج قال: نا أبو الجواب قال: نا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي جميلة، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم\".\nلم يَرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا شريك، تفرد به أبو الجواب، فإن كان أبو الجواب حفظه، فهو حديث غريب من حديث عطاء\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٣٠٣٠).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٣٠٣٠).","vol":"1","page":167},{"text":"ابن السائب؛ لأن الناس رووه عن شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، وعن ابن أبي جميلة، عن علي ﵁) (^١).\n٥ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن يحيى، ثنا القاسم بن دينار، نا حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا ابن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رجلًا كان يسب أبا بكر عند النبى ﷺ، وأبو بكر ساكت …\nلم يَرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا سفيان بن عيينة، ولا رواه عن سفيان إلا حسين الجعفي، تفرد به القاسم بن دينار، ورواه الناس عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فإن كان حسين الجعفي حفظه فهو غريب من حديث علي بن زيد، عن ابن المسيب) (^٢).\n٦ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن أبان، ثنا علي بن حسان العطار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا قرة بن خالد، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه -وافد بني المنتفق- أنه أتى عائشة هو وصاحب له يطلبان النبي ﷺ فلم يجداه …\nلم يَرو هذا الحديث عن قرة بن خالد إلا يحيى بن سعيد، تفرد به علي بن حسان، فإن كان علي بن حسان حفظه فهو غريب من حديث قرة ابن خالد؛ لأن غير علي بن حسان رواه عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير) (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٥٣٧٦).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٧٢٣٩).\n(^٣) \"المعجم الأوسط\" (٧٤٤٦).","vol":"1","page":168},{"text":"ومثل الطبراني والبزار أيضًا أبو أحمد عبدالله بن عدي، مع ملاحظة أن ابن عدي نقل أشياء عن أبي عيسى الترمذي من كتابه \"العلل الصغير\" و\"الجامع\" في الجرح والتعديل، وبعضها في الغرابة، ومن ذلك:\nقوله: (حدثنا حسين بن يوسف الفربري، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا أبو كريب، وأبو هشام الرفاعي، وأبو السائب وحسين بن الأسود قالوا: حدثنا أبو أسامة نحوه بإسناده.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه من قبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ هذا، وإنما يستغرب من حديث أبي موسى، قال: سألت محمد بن غيلان عنه فقال: هذا حديث أبي كريب، وسألت محمد ابن إسماعيل البخاري عنه فقال: هذا حديث أبي كريب، ثم لم يعرفه إلا من حديثه، فقلت له: حدثنا غير واحد، عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، وقال: ما علمت أن أحدا حدث بهذا غير أبي كريب، قال البخاري: وكنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة.\nقال الشيخ -أي: ابن عدي-: وهذا الحديث قد ذكره أبو عيسى الترمذي عن جماعة عن أبي أسامة، بعد أن حكموا أنه حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، وغير من ذكر أبو عيسى قد رواه عن أبي أسامة) (^١).\n* * *\nومثلهم أيضًا الدارقطني -كما في أطراف الغرائب لابن طاهر-، ومن الأمثلة على ذلك:\n(حديث: بينا أنا جالس مع رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل قد توضأ وبقي على ظهر قدمه مثل الظفر … الحديث.\n_________\n(^١) \"الكامل\" لابن عدي (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، وكلام الترمذي في \"العلل الصغير\" في آخر \"جامعه\" (٥/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"1","page":169},{"text":"غريب من حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده، عن أبي بكر، تفرد به الوازع بن نافع عنه، وتفرد به المغيرة بن سقلاب عن الوازع.\nحديث: أنه قام خطيبا، فقال: إن نبي الله ﷺ قام فينا عام أول … الحديث. غريب من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن عبد الله بن عباس، عن عمر عن أبي بكر.\nوغريب من حديث سليم بن حيان، عن قتادة، عنه، تفرد به الأصمعي عبد الملك قُريب عنه، وتفرد به بحر بن سويد الحنفي عن الأصمعي، وتفرد به حاتم عن بحر.\nورواه في موضع آخر وقال: تفرد به الأصمعي عن سليم وصله عن ابن عباس) (^١).\n* * *\nومثلهم أيضًا أبو نعيم الأصبهاني، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها:\nقوله: (حدثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابي، ثنا هريم بن مسعر الترمذي، ح وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا إبراهيم بن سلام، قالا: ثنا فضيل بن عياض، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\".\nغريب من حديث الفضيل وزياد، صحيح مشهور من حديث عمرو، رواه عنه الجم الغفير) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) \"أطراف الغرائب والأفراد\" (١/ ٣٣ - ٣٤).\n(^٢) \"حلية الأولياء\" (٨/ ١٣٨).","vol":"1","page":170},{"text":"ومع ذلك فهؤلاء الحفاظ -أعني: البزار، والطبراني، وابن عدي، والدارقطني، وأبا نعيم- لم يتفننوا كما فعل أبو عيسى في بيان أنواع الغريب، والجمع بين الصحة والغرابة، والتحسين مع الغرابة، أو الغرابة فقط كما تقدم، وإنما في الغالب يقولون: هذا الحديث لم يروه إلا فلان، أو تفرد به فلان، ونحو ذلك.\nويلاحظ أن هذه التقسيمات للحديث الغريب لم تذكر في كتب المصطلح حتى الموسعة منها، نعم قال ابن طاهر المقدسي في مقدمة كتابه \"أطراف الغرائب والأفراد\" (^١): (اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع …) ثم ذكرها، ولكنْ أبو عيسى قد سبقه إلى تقسيم الغرائب وتنويعها، ولعل ابن طاهر استفاد فيما ذكره من الترمذي، مع ملاحظة أن ابن طاهر اقتصر على نقل كلام الدارقطني في بيان الغرابة والتفرد الواقع في هذه الأحاديث.\nمع أن كتاب أبي عيسى لم يختص بهذه المسألة فقط، ومثل ذلك بيانه للحديث الحسن وتنويعه له إلى أنواع متعددة، منها: ما اشتهر به من قوله: (حسن صحيح)، و(حسن صحيح غريب)، و(حسن) فقط، و(حسن غريب)، وأحيانا يقول: (صحيح حسن غريب)، أو (غريب حسن)، أو (حسن غريب صحيح)، أو (غريب حسن صحيح).\nوسيأتي أن أنواع الحسن عنده يمكن أن تقسم إلى ثمانية أقسام، وهذا الذي لم يقرنه مع الصحيح، فتبين أن الحسن أنواعه كثيرة عند أبي عيسى، وهذا مما يشهد على تفننه، وما قيل في \"الحسن\" يقال في \"الصحيح\" أيضًا، سواء بسواء، فهو أيضًا أنواعه كثيرة عنده، هذا مع بيان علل الأحاديث\n_________\n(^١) (١/ ٢٩).","vol":"1","page":171},{"text":"والأخبار التي أوردها في كتابه، وهو كثير، وسوف يأتي الكلام على منهجه في التعليل، ومنهجه في الحديث المنكر والمضطرب، وغير ذلك.\nومن تفننه أيضًا: أن كتابه مليء بالجرح والتعديل، فقد عدل رواة كثرًا، كما جرح آخرين، كما أنه اعتنى بالتمييز بين الرواة عند اتفاقهم في الأسماء، مع اهتمامه بالكنى فبين أسماء الرواة الذين ذكروا بكناهم، كما أنه بين كنية رواة آخرين.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (وأبو صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان، واسمه: ذكوان، وأبو هريرة اختلفوا في أسمه، فقالوا: عبد شمس، وقالوا: عبد الله بن عمرو، وهكذا قال محمد بن إسماعيل، وهذا الأصح …\nوالصُّنَابحي الذي روى عن أبي بكر الصديق، ليس له سماع من رسول الله ﷺ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة …\nوالصُّنابح بن الأعسر الأَحْمَسي صاحب النبي ﷺ، يقال له: الصُّنَابحي أيضًا) (^١).\n٢ - وقال أيضًا: (وأبو حميد الساعدي اسمه عبد الرحمن بن سعد بن المنذر.\nواسم أبي أسيد: مالك بن ربيعة.\nوأبو حَصِين: عثمان بن عاصم الأسدي.\nوأبو عبد الرحمن السلمي: عبد الله بن حبيب.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":172},{"text":"وأبو يعفور: عبد الرحمن بن عبيد بن نِسْطاس.\nوأبو يعفور العبدي: واقد، ويقال: وَقْدَان، وهو الذي روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وكلاهما من أهل الكوفة) (^١).\n٣ - وقال أيضًا: (وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان، فقال: عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس.\nوأبو عروة هو: معمر بن راشد، وأبو الخطاب: قتادة بن دعامة) (^٢).\n٤ - وقال أيضًا: (وأبو المتوكل اسمه: على بن داود، وأبو سعيد الخدري اسمه: سعد بن مالك بن سنان) (^٣).\n٥ - وقال أيضًا: (وأبو سِنَان اسمه: ضرار بن مرة، وأبو سِنَان الشيباني اسمه: سعيد بن سِنَان، وهو بصري، وأبو سِنَان الشامي اسمه: عيسى بن سِنَان هو القَسْمَلي) (^٤).\n٦ - وقال أيضًا: (والجريري اسمه: سعيد بن إياس يكنى أبا مسعود، وقد روى هذا غيره أيضًا عن أبي نضرة، وأبو نضرة العبدي اسمه: المنذر بن مالك بن قطعة) (^٥)\n٧ - وقال أيضًا: (وأبو سعد اسمه: محمد بن ميسر، وأبو جعفر الرازي اسمه: عيسى، وأبو العالية اسمه: رفيع، وكان عبدا أعتقته امرأة سائبة) (^٦).\n٨ - وقال أيضًا: (وأبو الزعراء اسمه: عبد الله بن هانئ، وأبو الزعراء الذي روى عنه شعبة، والثوري، وابن عيينة، اسمه: عمرو بن\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(^٢) \"الجامع\" (١/ ٣٦٥).\n(^٣) \"الجامع\" (١/ ٣٦٦).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٤٧٤).\n(^٥) \"الجامع\" (٣/ ٥٥٣).\n(^٦) \"الجامع\" (٤/ ٣١١).","vol":"1","page":173},{"text":"عمرو، وهو ابن أخي أبي الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-57>ثانيا: ما يتعلق بالناحية الفقهية وتفننه في ذلك</span>\nويتبين في الأمور الآتية:\nأولا: اهتمامه بفقه السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم.\nثانيا: نقله لإجماعهم إذا أجمعوا، ولاختلافهم إذا اختلفوا، حتى أنك قد لا تجد أقوال بعض الأئمة في غير كتاب أبي عيسى، وبذلك كان كتابه من أهم المصادر في ذلك، وبهذا أصبح أيضًا من أقدم من ينقل الإجماع، وخاصة إجماع الصحابة، فلا يخفى أنه قبل ابن جرير، وابن المنذر، وابن حزم، وابن عبدالبر، وغيرهم ممن عرفوا بنقل الإجماع.\nثالثا: بيانه لما عليه العملى وما ليلى عليه العمل.\nرابعا: أن ما تقدم ذكره هو ما اطلع عليه أبو عيسى من أقوالهم ثم لخصه لنا بما بثه في كتابه، وأعني بذلك أنه لم يسق الأسانيد إليهم، وإنما يسوق أقوالهم مجردة على وجه التفصيل أو الإجمال مبينا أقوالهم واختلافهم، وذلك لأنه صنع كتابه \"الجامع\" على وجه الاختصار، فهو ليس مثل عبد الرزاق أو سعيد بن منصمور أو ابن أبي شيبة في نقلهم لأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم بالإسناد إليهم مبينا فيها ألفاظهم، لأنه قد فعل ذلك في كتاب آخر كما قال في كتابه \"العلل الصغير\": (وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذى فيه الموقوف).\nومن الاختصار والتلخيص الذي فعله في كتابه \"الجامع\" أيضًا أن\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٥٣٤).","vol":"1","page":174},{"text":"أقوال الأئمة في المسائل والأحكام كقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وابن إسحاق ذكرها بدون أسانيد، ولكنه بين في كتابه العلل الصغير أسانيده إليهم فيها على وجه الإجمال.\nخامسا: أن هذا كله بناء على ما فهمه من كلامهم، وهذا مهم، وذلك لأن الفهوم قد تتباين كما هو معلوم، كما أنه ليس كل شيء يسهل تلخيصه، فهذا الذي فعله مقرونٌ بفهمه.\nسادسا: من تفننه تنبيهه على المدارس الفقهية كأهل الحديث وغيرهم، كما أنه ينص في بعض الأحيان على قول فقهاء أهل بلد معين، كأهل الكوفة مثلا، وفي بعض الأحيان يذكر مذهب أهل مكة والمدينة.\nويستفاد مما نقله أبو عيسى أن علماء الناس في الغالب كانوا في الحجاز والعراق، ثم بعد ذلك انتشر العلم إلى باقي الأمصار، لذا لم أجد في \"كتابه\" أنه عزى قولا في مسائل الأحكام إلى أهل الشام أو مصر أو خراسان، وانما إلى أفراد كالأوزاعي في الشام، وابن المبارك في خراسان.\nوليس معنى هذا أن هذه البلاد ليس فيها علماء، كيف وقد نزلها الصحابة وهلم جرا؟! ولكن المقصود أن اشتهار العلم في البلاد التي ذكرت كان أكثر وأشهر، ومما يدل على أهمية ذلك أن ابن حبان ألف كتابا سماه \"مشاهير فقهاء الأمصار\"، وألف الذهبي كتابًا سماه: \"الأمصار ذوات الآثار\" (^١).\nوسيأتي ذكر الأمثلة على ذلك في الكلام على منهجه في الفقه.\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام في \"مجموع الفتاوى\" (٢٠/ ٣٠٠ - ٣٠١): (فإن الأمصار الكبار التي سكخها أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان والعراقان والشام؛ منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام).","vol":"1","page":175},{"text":"لذا قال أبو بكر ابن العربي: (وليس في قدر \"جامع\" أبي عِيسَى مثله حلاوة مقطع، ونفاسة مَنْزَع، وعذوبة مَشْرع، وفيه أربعة عشر عِلْمًا فرائد: صنَّف، ودلّل، وأسند، وصحّح وأشهر، وعدّد الطُّرُق، وجرّح وعدّل، وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيّن اختلاف العلماء في الإسناد والتأويل، وكل علم منها أصل في بابه، فرد في نصابه، فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة، وعلوم متفقة متسقة، وهذا شيء لا يعمه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ والتدبير) (^١).\nوهناك ميزات أخرى لم يذكرها تقدم ذكرها.\n* * *\n_________\n(^١) \"تاريخ الإسلام\" للذهبي (٦/ ٦٢٠)، وهو في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ١)، ولكن وقع فيه بعض التحريف والتصحيف.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>الفصل السادس في عقيدته</span>\nأبو عيسى الترمذي من أئمة الإسلام الكبار، وكتابه \"الجامع\" من دواوين الإسلام المعروفة، بل من الكتب الستة المشهورة، وكان ﵀ على عقيدة الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة من أئمة المسلمين، وهي عقيدة أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، وليعلم أن عقيدتهم تعرف من طريقين:\n١ - من خلال نصوصهم وتبويباتهم التي وضعوها في ثنايا كتبهم على الأحاديث المتعلقة بالاعتقاد، كقول النسائي في كتابه السنن: (كتاب النعوت)، وأحيانا ينكرون على من خالف ظاهر هذه النصوص، ويردون عليه مقالته كما قال أبو داود: (باب في الرد على الجهمية).\n٢ - من خلال إيرادهم لهذه الأحاديث وترتيبها وجمع النظير إلى ما يماثله، وبذلك يتبين معتقدهم فيها، ومقصودهم من ذكرها، قال ابن القيم: (مسلم بن الحجاج يعرف قوله في السنة من سياق الأحاديث التي ذكرها ولم يتأولها، ولم يذكر لها تراجم كما فعل البخاري … الخ) (^١).\nوأما ما يتعلق ببيان عقيدة أبي عيسى الترمذي فأقول وبالله تعالى التوفيق: إن ذلك يعرف من جهتين -إجمالًا وتفصيلًا-:\nالجهة الأولى: جهة الإجمال، ويعرف ذلك من خلال الأمور الآتية:\n_________\n(^١) \"اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية\" (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":177},{"text":"١ - بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد قرر أبو عيسى ذلك في كتابه تقريرا ظاهرا بينا، بل ونص على انتسابه إليهم وذلك في ثنايا الأبواب، فقال في بيان مذهب أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن أتى من بعدهم من علماء المسلمين في صفات الله ﷿: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث (^١) وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويُؤْمَن بها، ولا يُتوهم، ولا يُقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) (^٢).\nوقال في موضع آخر -بعد أن ذكر حديثا فيه رؤية الله ﷿، ثم ذكر أن مذهب أهل العلم في ذلك الإيمان بالرؤية وغيرها من صفات الله ﷿ -ثم قال: (وهذا الذي اختاره أهل الحديث) (^٣)، وسوف يأتي كلامه بتمامه في موضعه.\n٢ - ذكرُ العلماء له ضمن أهل السنة، ومنهم أبو القاسم اللالكائي، فقد قال: (باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأئمة .... إلى أن قال: ومن أهل خراسان: … أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي) (^٤).\n_________\n(^١) يشير إلى حديث أبي هريرة ﵁: \"إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ \".\n(^٢) \"الجامع\" (٢/ ٧٠).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٤٨٣).\n(^٤) \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" (١/ ٣١ - ٥٣).","vol":"1","page":178},{"text":"وذكره الذهبي أيضًا ضمن الأئمة الذين ذكر أقوالهم في كتابه \"العلو\" (^١).\n٣ - كتابه \"الجامع\"، فإنه يشهد بذلك أيضًا، فكل أحاديث الكتاب وتبويباته بيان للوحي الذي أنزله الله على رسوله، وما أوجبه على عباده، فسائر أبواب الشريعة مذكورة في هذا الكتاب، لذا قال ﵀: (من كان هذا الكتاب -يعني: \"الجامع\"- في بيته، فكأنما في بيته نبي يتكلم) (^٢).\nلذا كان يقول أيضًا في مفتتح كل كتاب: (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ) (^٣)، (أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ) (^٤)، (أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ) (^٥) .... وهلم جرّا.\nبل سمى كتابه: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) (^٦).\nالجهة الثانية: جهة التفصيل:\nفأقول وبالله تعالى التوفيق: إن أبا عيسى شرح ذلك وبينه في كتابه بيانا واضحًا، وسوف أذكر بعض ذلك:\nفقد روى في كتابه حديث عمر المسمى بحديث جبريل (^٧)، وفيه بيان مراتب الدين، بذكر أركان الإسلام والإيمان والإحسان.\nقال القاضي عياض: (هذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع\n_________\n(^١) (ص: ١٩٧).\n(^٢) \"التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد\" (ص: ٢٤٧)، \"فضائل سنن الترمذي\" (ص: ٣٢)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٤).\n(^٣) \"الجامع\" (١/ ٢٧٣).\n(^٤) \"الجامع\" (١/ ٣٧١).\n(^٥) \"الجامع\" (٢/ ٤٣).\n(^٦) ينظر: \"فهرسة ابن خير\" (ص: ١٥٦).\n(^٧) \"الجامع\" (٢٨٠٧).","vol":"1","page":179},{"text":"وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعةٌ إليه، ومتشعبة منه … إذ لا يشذ شيء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاث) (^١).\nوقال أبو العباس القرطبي في شرح هذا الحديث: (وقوله: \"أتاكم يعلمكم دينكم\" أي: قواعد دينكم أو كليات ديتكم، قال القاضي: …) ونقل كلامه السابق، ثم قال: (فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم الكتاب؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن) (^٢).\nوقال الحافظ ابن رجب: (وهو حديث عظيم جدا، يشتمل على شرح الدين كله، ولهذا قال النبي ﷺ في آخره: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كله دينا) (^٣).\n* * *\nثم فصل أبو عيسى ذلك في كتابه، موضحًا هذه المراتب الثلاث:\nفأما ما يتعلق بالمرتبة الأولى، وهي مرتبة الإسلام، فذكر حديث ابن عمر: \"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وواشاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت\" (^٤)، وفيه بيان الدرجة الأولى من درجات الدين وهي الإسلام، وتضمن ذكر أركانه الخمسة.\n_________\n(^١) \"إكمال المعلم\" (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٢) \"المفهم\" (١/ ١٥٢).\n(^٣) \"جامع العلوم والحكم\" (ص: ٥٣).\n(^٤) \"الجامع\" (٢٨٠٥).","vol":"1","page":180},{"text":"وعقد أبوابًا فيها تفصيل هذه الأركان الخمسة، فذكر ما يتعلق بالشهادتين في ثنايا الكتاب، وليست مجموعة في أبواب معينة، بل كل ما في الكتاب هو شرح لها، لأن جميع الدين يعود إليها، وسوف يأتي بيان شيء من ذلك في الدرجة الثانية. وأما الركن الثاني وهو الصلاة فافتتح كتابه بالحديث عنها وأركانها وشروطها، لذا ابتدأ بالطهارة وما يتعلق بها، ثم الصلاة وصفتها وأنواعها، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج (^١)، وأطال النفس في ذلك (^٢).\n* * *\nوأما المرتبة الثانية، وهي مرتبة الإيمان، وأركانه ستة:\nفأما الركن الأول وهو الإيمان بالله ﷿، فقد عقد أبو عيسى كتابا لذلك ضمن \"جامعه\"، فقال: (أبواب الإيمان عن رسول الله ﷺ) (^٣).\nوما في هذا الكتاب من أحاديث وآثار هو بيان للإيمان بالله، فكان الباب الأول من أبواب الإيمان: (باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس يقولوا لا إله إلا الله)، ثم ذكر حديث أبي هريرة: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\" (^٤).\n_________\n(^١) سبقت الإشارة إلى مواضع أبوأب الطهارة والصلاة والزكاة، وأما الصيام فهو في (٢/ ٨١)، والحج في (٢/ ١٤٩).\n(^٢) مع ملاحظة أنه أَخَّر أبواب الجنائز فجعلها بعد الحج؛ لأن فيها أحكاما لا تتعلق بالصلاة فقط، بل فيها ما يتعلق بالمرض وما فيه من أحكام، من عيادة المريض، والنهي عن تمني الموت … ونحو ذلك.\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٥٠٧).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":181},{"text":"ثم ذكر في الباب الثاني: (باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة)، ثم ذكر حديث أنس -وهو تأكيد للأول وتفسير له-: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين\" (^١).\nوفي الباب الثالث: (باب ما جاء بني الإسلام على خمس) (^٢)، وذكر حديث ابن عمر الذي فيه ذكر الأركان الخمسة، الذي تقدم ذكره، وفيه أيضًا أن من تركها أو بعضها فإنه يقاتل على ذلك (^٣)؛ لأن الإسلام مبني عليها، وقد جاء النص على ذلك صريحا كما في حديث أبي هريرة السابق، ففيه: (إلا بحقها) ومن حقها الزكاة كما في الصلاة، لذا قال أبو بكر ﵁: (والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه) (^٤)، وكذلك في حديث أنس السابق فإن فيه: أن من امتنع من أكل ذبائح المسلمين فإنه يقاتل.\nثم ذكر بابا في بيان صفة الإيمان والإسلام (باب ما وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام) فذكر حديث عمر المسمى بحديث جبريل (^٥).\nثم عقد بابا في أن الأعمال من الإيمان، فقال: (باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان) (^٦).\nثم عقد بابا في (استكمال الإيمان والزيادة والنقصان)، وذكر ما يدل\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٠٨).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٥٠٨).\n(^٣) هذا إذا كانوا أهل شوكة.\n(^٤) \"الجامع\" (٢٨٠٣).\n(^٥) \"الجامع\" (٣/ ٥٠٩).\n(^٦) \"الجامع\" (٣/ ٥١١).","vol":"1","page":182},{"text":"على ذلك من الأحاديث، ومنها حديث أبي هريرة في بيان شعب الإيمان (^١).\nثم عقد أبوابا أخرى كثيرة تتعلق بهذا الأمر العظيم، وهي:\n(باب ما جاء \"الحياء من الإيمان\")، (باب ما جاء في حرمة الصلاة)، (باب ما جاء في ترك الصلاة)، (باب \"لا يزني الزاني وهو مؤمن\")، (باب ما جاء \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\")، (باب ما جاء \"إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا\")، (باب في علامة المنافق)، (باب ما جاء \"سباب المؤمن فسوق\")، (باب فيمن رمى أخاه بكفر)، (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله)، (باب افتراق هذه الأمة) (^٢).\n* * *\nومن الإيمان بالله تعالى: الإيمان بربوبيته ﷿ وأسمائه وصفاته، ونعوت كماله، وقد اعتنى أبو عيسى ببيان ذلك في عدة مواضع من كتابه، ومن ذلك:\n١ - قوله: (باب في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة) (^٣).\nوهذا فيه إثبات هذه الصفة العظيمة وهي نزوله ﷿ إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة.\n٢ - وقوله: (باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن) (^٤).\n٣ - وقوله أيضًا: (باب ما جاء في رحمة الناس) (^٥).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥١٢ - ٥١٤).\n(^٢) \"أبواب الإيمان\" (٣/ ٥١٤ - ٥٢٨).\n(^٣) \"الجامع\" (١/ ٥٣٧).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٢٦٠).\n(^٥) \"الجامع\" (٣/ ١٥١).","vol":"1","page":183},{"text":"وفي هذا الإشارة إلى أنها غير رحمة الله التي هي صفة من صفاته، لذا ذكر حديث جرير وفيه: \"من لم يرحم الناس لا يرحمه\". وذكر أيضًا حديث عبد الله بن عمرو: \"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\".\nفي هذه الأحاديث رحمتان: رحمة تتعلق بالله، ورحمة تتعلق بالناس، وأن من رحم الناس فإن الله يرحمه.\n٤ - وقال أيضًا: (وقد روي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا، ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذكر القَدَم وما أشبه هذه الأشياء.\nوالمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل لسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء، وقالوا: تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث، أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت ونؤمن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) (^١).\n٥ - وقال أيضًا في موضع آخر: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟\nهكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٤٨٣).","vol":"1","page":184},{"text":"العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه.\nوقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد هاهنا القوة.\nوقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه.\nوأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله ﵎ في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) (^١).\n* * *\nكما أنه بين في مواضع من \"جامعه\" أن العبادة حق لله وحده لا شريك له، وهذا يكون بإخلاص العبادة له ﷿، فذكر حديث: \"إنما الأعمال بالنية\" وبوب عليه: (باب ما جاء من يقاتل رياء وللدنيا) (^٢).\nوعقد بابا أيضًا فقال: (باب ما جاء في الرياء والسمعة)، وذكر تحته أحاديث في ذلك (^٣).\nثم عقد بعد ذلك بابين آخرين في بيان هذا الأمر (^٤)، فذكر في الأول\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٧٠ - ٧١).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ١٨).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٣٨٨).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٣٩٠ - ٣٩١) تحت عنوان (باب) لكل منهما.","vol":"1","page":185},{"text":"منهما: وعيد القراء المراؤون باعمالهم، وذكر في الثاني: حديث من أسر عمله، ثم علم هذا العمل فأعجبه ذلك، ثم قال: (وقد فسر بعض أهل العلم هذا الحديث: إذا اطُّلع عليه فأعجبه إنما معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير؛ لقول النبي ﷺ: \"أنتم شهداء الله في الأرض\"، فيعجبه ثناء الناس عليه لهذا، لما يرجو بثناء الناس عليه، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ويكرم ويعظم على ذلك فهذا رياء.\nوقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله فيكون له مثل أجورهم، فهذا له مذهب أيضًا).\nثم أشار إلى هذا في موضع آخر أيضًا فقال: (باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر)، وذكر حديث أبي كبشة الأنماري، وفيه: \"إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء … \" (^١).\nثم ذكر (باب ما جاء في هَمِّ الدنيا وحبها) (^٢)، وذكر حديث عبد الله بن مسعود ﵁: \"من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل\"، وذكر حديثين آخرين، وهذا فيه أن الواجب على العبد التعلق بالله وإفراده بذلك.\nوذكر أيضًا إحسان العبد الظن بربه ﷿، فقال: (باب في حسن الظن بالله) (^٣)، وذكر حديث أبي هريرة: \"أنا عند ظن عبدي بي … \" الحديث.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٣٦٢).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٣٩٣).","vol":"1","page":186},{"text":"وذكر في أواخر أبواب الإيمان: (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله) (^١)، فذكر حديث عبادة بن الصامت: \"من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار\"، وهذا فيه إشارة إلى الموت على التوحيد.\nوذكر أيضًا أن الحلف لا يكون إلا بالله، لذا بوب: (باب في كراهية الحلف بغير الله) وذكر حديث ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ عمر وهو يقول: وأبي، وأبي، فقال: \"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم\"، فقال عمر: (فوالله ما حلفت به بعد ذلك ذاكرًا ولا آثرًا) (^٢).\nوعقد أيضًا أبوابا تتعلق بالولاء والبراء، فقال: (باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين) (^٣)، وقال أيضًا: (باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (^٤).\n* * *\nوأما الركن الثاني، وهو الإيمان بالملائكة:\nفذكر ﵀ أبوابًا كثيرة تتعلق بالملائكة، منها ما يتعلق بأصل وجودهم، ومنها ما يتعلق بصفاتهم وأعمالهم، وبعض الأحكام الخاصة بهم.\nفأما ما يتعلق بالأمر الأول، وهو أصل وجودهم: فقد تقدم حديث عمر في مراتب الدين، وفيه: \"وأن تومن بالله وملائكته\".\nوقال أيضًا: (باب سورة الملائكة) (^٥)، وهذا أيضًا يتعلق بالإيمان بهم.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٢٥).\n(^٢) \"الجامع\" (٢/ ٥٦١).\n(^٣) \"الجامع\" (٢/ ٦٠١).\n(^٤) \"الجامع\" (٢/ ٦٠٢).\n(^٥) \"الجامع\" (٤/ ٢٢٥)، وسورة الملائكة هي: سورة فاطر.","vol":"1","page":187},{"text":"وهذا الأمر أكثر من أن يحصى في \"جامعه\"، وما سوف يأتي مما يتعلق بصفاتهم وأعمالهم يدخلى في ذلك أيضًا.\nأما ما يتعلق بصفاتهم الخلقية:\nفقد ذكر أبو عيسى عدة أحاديث متعلقة بذلك، ومنها:\n١ - فذكر حديث جابر، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: \" … ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية\" (^١).\n٢ - وفي (باب ما وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام) ذكر حديث عمر في مراتب الدين، وفيه: كنا عند رسول الله ﷺ، فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي ﷺ فألزق ركبته بركبته .... وقال ﷺ في آخر الحديث: \"ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم\" (^٢).\n٣ - وفي (باب من سورة الأنعام) ذكر حديث مسروق، قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم الفرية على الله: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، أليس يقول الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] قالت: أنا أول من سأل عن هذا رسول الله ﷺ قال: \"إنما ذاك جبريل، ما رأيته في الصورة التي خلق فيها كير هاتين المرتين،\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣٩٩٧).\n(^٢) \"الجامع\" (٢٨٠٧).","vol":"1","page":188},{"text":"رأيته منهبطًا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض\" … الحديث (^١).\n٤ - وفي (باب ما جاء في فتنة الدجال) (^٢) ذكر حديث النواس بن سمعان ﵁، وفيه: \" … فبينما هو كذلك إذ هبط عيسى ابن مريم بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء بين مَهْرُودَتَين واضعا يديه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، قال: ولا يجد ريح نفسه -يعني: أحدًا- إلا مات، وربح نفسه منتهى بصره\" (^٣).\nوأما ما يتعلق بأعمالهم:\n١ - فقد قال: (باب ما جاء إن لله ملائكة سياحين في الأرض) (^٤) وذكر فيه حديث أبي صالح عن أبي هريرة -أو عن أبي سعيد الخدري-، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله ملائكة سياحين في الأرض فُضْلًا عن كُتَّاب الناس، فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى بغيتكم … \".\n٢ - وفي باب: (باب ما جاء في فضل التأمين) (^٥) ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: \"إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملاثكة غفر له ما تقدم من ذنبه\".\n٣ - وفي باب: (باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة) (^٦) ذكر حديث أبي هريرة، وفيه: \"فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\".\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣٣٤٠).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٣١٤).\n(^٣) \"الجامع\" (٢٤٠٥).\n(^٤) هذا الباب لا يوجد في طبعة التأصيل (٤/ ٤٢٨)، وهو ثابت في بعض الطبعات الأخرى.\n(^٥) \"الجامع\" (١/ ٤٣١).\n(^٦) \"الجامع\" (١/ ٥٦٩).","vol":"1","page":189},{"text":"٤ - وفي (باب ما جاء في التعوذ للمريض) (^١) ذكر حديث أبي سعيد: أن جبريل أتى النبي ﷺ، فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: \"نعم\"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، وعين حاسدة، باسم الله أرقيك، والله يشفيك.\n٥ - وفي (باب ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له عنده) (^٢) ذكر حديث أم سلمة قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: \"إذا حضرتم المريض -أو الميت- فقولوا خيرا، فإن الملائكة يومنون على ما تقولون … \") الحديث.\n٦ - وفي (باب ما جاء في إشارة الرجل على أخيه بالسلاح) (^٣) ذكر حديث أبي هريرة: \"من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة\".\nوأما الأحكام المتعلقة بهم، فمن ذلك:\n١ - قوله: (باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ولا كلب) (^٤)، ذكر فيه حديث ابن عباس عن أبي طلحة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل\"، وذكر كذلك حديث أبي هريرة: \"إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تمائيل، وكان في البيت كلب … \".\n٢ - وفي (باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمار) (^٥) ذكر حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: \"إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله،\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٢٣٤).\n(^٢) \"الجامع\" (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٢٧٢).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٦٠٣).\n(^٥) \"الجامع\" (٤/ ٣٦٠).","vol":"1","page":190},{"text":"فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا\".\nوأما ذكر أسمائهم، فمن ذلك:\n١ - أنه ذكر عدة أحاديث فيها ذكر جبريل ﵇، وقد سبق بعضها (^١).\n٢ - وفي (باب ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل) (^٢) ذكر حديث أبي سلمة قال: سألت عائشة، بأي شيء كان النبي ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته، فقال: \"اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك على صراط مستقيم\".\nقلت: وهذا فيه ذكر ثلاثة من الملائكة باسمائهم، وهم من أكابرهم.\n٣ - وفي (باب ما جاء في عذاب القبر) (^٣) ذكر حديث عبد الرحمن ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قبر الميت، -أو قال: أحدكم-، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، ولآخر: النكير … \". الحديث.\nقلت: الأخبار التي فيها تسمية الملكين بمنكر ونكير لا تخلو من كلام، وفيها حديثان:\nالأول: حديث أبي هريرة هذا، وفيه عبدالرحمن بن إسحاق، وهو المدني، وفيه بعض الكلام.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١٥٠، ٨٤٧، ٢٠٦٨، ٢٧٥٠، ٢٨٤٨، ٢٩٠١، …).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٣٣٩).\n(^٣) \"الجامع\" (٢/ ٢٨٦).","vol":"1","page":191},{"text":"وأما الثاني: فاخرجه الطبري (^١)، والبيهقي (^٢) من طريق عيسى بن المسيب، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، وعيسى ضعيف (^٣).\n* * *\nوأما الركن الثالث، وهو الإيمان بالكتب:\nفقد تقدم حديث جبريل في الإيمان بالكتب على وجه الإجمال، وأما على وجه التفصيل:\n١ - فأما ما يتعلق بالقرآن العظيم: فقد عقد أبوابًا كثيرة تتضمن ذلك، فقال: (أبواب فضائل القرآن عن رسول الله ﷺ) (^٤)، ثم قال: (أبواب القراءات عن رسول الله ﷺ) (^٥)، ثم قال: (أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ) (^٦)، وقد أطال النفس في ذلك.\nولا يخفى أن الإيمان بالقرآن يتضمن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ قبله؛ لأنها قد ذكرت فيه، وقد جاء أيضًا في أثناء الكتاب ضمن الأحاديث التي أوردها ذكر هذه الكتب، ومن ذلك:\n٢ - في (باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب) (^٧) ذكر حديث أبي هريرة، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بن كسب: \"تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؟ \" قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: \"كيف تفرأ في الصلاة؟ \" قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده\n_________\n(^١) \"تهذيب الآثار\" مسند عمر (٧٢٣).\n(^٢) \"شعب الإيمان\" (٣٩٠، ٣٩١).\n(^٣) وينظر: \"إثبات عذاب القبر\" للبيهقي (١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١١٦، ٢٢٩).\n(^٤) \"الجامع \" (٤/ ١٥).\n(^٥) \"الجامع\" (٤/ ٤٣).\n(^٦) \"الجامع\" (٤/ ٥٦).\n(^٧) \"الجامع\" (٤/ ١٥).","vol":"1","page":192},{"text":"ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته\".\n٣ - وفي (باب ما جاء في ذهاب العلم) (^١) ذكر حديث أبي الدرداء، قال: كنا مع النبيّ ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: \"هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء\"، فقال زياد ابن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: \"ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟! \".\n* * *\nوأما الركن الرابع، وهو الإيمان بالرسل:\nوقد تقدم في حديث جبريل ذكر الإيمان بالرسل إجمالًا، وأما تفصيلًا:\nأ- فأما الإيمان برسولنا محمد ﷺ، فكتاب \"الجامع\" كله من لوازم الإيمان به، وبما جاء عنه، لذا كان ينص في الأبواب التي يعقدها على ذلك -كما سبق-، كقوله في أول الكتاب: (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ)، وفي الصلاة: (أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ)، وهلم جرا.\nوذكر في أبواب المناقب ما يتعلق: بنبوة رسول الله ﷺ وما أيده الله به من آيات، وما يتعلق بصفته ﵊، وكيفية نزول الوحي عليه، وما يتعلق بخاتم النبوة (^٢).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٣٢).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٤٤٥ - ٤٥٩).","vol":"1","page":193},{"text":"وقد عقد أبوابا (في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ) (^١)، وبابا في (ما نهي عنه أن يقال عند حديث رسول الله ﷺ) (^٢)، وبابا (في الأخذ بالسنة واجتناب البدع) (^٣)، وبابا آخر (في الانتهاء عما نهى عه رسول الله ﷺ) (^٤).\n٢ - وأما بالنسبة للأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والسلام فلا يخفى أن الإيمان به ﷺ يلزم منه الإيمان بهم، وقد ذكر بعضهم في أثناء الأحاديث التي أوردها كأحاديث الإسراء والمعراج.\n* * *\nوأما الركن الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر:\nفقد تقدم أيضًا في حديث جبريل على وجه الإجمال، وأما على وجه التفصيل: فإنه قد عقد أبوابا كثيرة تتعلق بذلك:\n١ - منها ما يتعلق بأشراط الساعة (^٥)، ومن جملة الأبواب التي بوب بها في كتاب الفتن: (باب ما جاء في قول النبي ﷺ: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" يعني: السبابة والوسطى) (^٦)، و(باب ما جاء في المهدي) (^٧)، (باب ما جاء في نزول عيسى بن مريم) (^٨)، و(باب ما جاء في الدجال)، وذكر أبوابًا أخرى تتعلق بصفته وغير ذلك (^٩).\n٢ - ثم بعد ذلك ما يتعلق بقيام الساعة، والحساب (^١٠)،\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٣٦).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٥٣٨).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٥٤٤).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٥٤٧).\n(^٥) \"الجامع\" (٣/ ٢٩٧).\n(^٦) \"الجامع\" (٣/ ٣٠١).\n(^٧) \"الجامع\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٨) \"الجامع\" (٣/ ٣١٠).\n(^٩) \"الجامع\" (٣/ ٣١١ - ٣٢٠).\n(^١٠) \"الجامع\" (٣/ ٤٠٦).","vol":"1","page":194},{"text":"والحشر (^١)، والعرض (^٢)، والنفخ في الصور (^٣)، ثم الصراط (^٤)، والشفاعة (^٥)، والحوض (^٦).\n٣ - وقد ذكر في أبواب الجنائز ما يتعلق بالموت والقبر من نعيم وعذاب (^٧)، وذكر أبوابًا أخرى كثيرة.\n٤ - وقد بين أبو عيسى في كتابه \"الجامع\" ما يتعلق بصفة الجنة، وصفة النار، كما جاء في الكتاب والسنة، وساف الأحاديث الكثيرة المتعلقة بذلك (^٨).\n٥ - وفي باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار (^٩)، ذكر حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتبع كل إنسان ما كانوا يعبدون، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، ونعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم وبثبتهم، ثم يتوارى ثم يطلع فيقول: ألا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم\". قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: \"وهل تضارون في رؤية\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٤١١).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٤١٢).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٤١٥).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٤١٦).\n(^٥) \"الجامع \" (٣/ ٤١٦).\n(^٦) \"الجامع\" (٣/ ٤٢١).\n(^٧) \"الجامع\" (٢/ ٢٨٦).\n(^٨) ينظر: \"الجامع\" أبواب صفة الجنة (٣/ ٤٦٢)، وأبواب صفة النار (٣/ ٤٩٠).\n(^٩) \"الجامع\" (٣/ ٤٨١).","vol":"1","page":195},{"text":"القمر ليلة البدر؟ \" قالوا: لا، يا رسول الله، قال: \"فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى ثم يطلع فيعرفهم نفسه .. \") الحديث.\nقلت: هذا يدل على ما أجمع عليه أهل السنة من كون الجنة والنار باقيتين ولا تفنيان، نعم جاء عن بعض السلف أن النار تفنى، ولكن الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة هو بقاؤها، وإنما التي تفنى نار عصاة الموحدين، وأما نار الكفار فالمشهور عند أهل السنة والجماعة بقاؤها.\nوفيه أيضًا مسألة الرؤية، وسبق ذكر كلام أبي عيسى في بيان مذهب أهل العلم فيها.\n٦ - ومن الأبواب المتعلقة بالجنة والنار التي ذكرها أبو عيسى: (باب ما جاء في احتجاج الجنة والنار) (^١)، ثم ذكر حديث أبي هريرة في ذلك، وقال: حسن صحيح.\nفتبويبه المتقدم يدل على أن هذا الخبر على ظاهره، وأن الجنة والنار قد تحاجّتا حقيقة، وليس مجازًا.\n* * *\nوأما الركن السادس، وهو الإيمان القدر:\nفقد سبق أيضًا في حديث جبريل ذكر الإيمان بالقدر إجمالا، وقد أورد الترمذي سبب تحديث ابن عمر بهذا الحديث، فقال: (حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي، قال: أخبرنا وكيع، عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: أول من تكلم في القدر\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٤٨٤).","vol":"1","page":196},{"text":"معبد الجهني، قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حتى أتينا المدينة، فقلنا: لو لقينا رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فسألناه عما أحدث هؤلاء القوم، قال: فلقيناه -يعني عبد الله بن عمر-، وهو خارج من المسجد قال: فاكتنفته (^١) أنا وصاحبي، قال: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن قوما يقرءون القرآن ويتقفرون (^٢) العلم، ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف (^٣)، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء، والذي يحلف به عبد الله، لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، قال: ثم أنشأ يحدث فقال: قال عمر بن الخطاب: كنا عند رسول الله ﷺ، فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى أتى النبي ﷺ فألزق ركبته بركبته ثم قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، … \") الحديث (^٤).\nوأما من جهة التفصيل، فقد عقد كتابًا خاصًا بالقدر، وذكر فيه أبوابا كثيرة تتعلق به، منها:\n١ - (باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره) (^٥).، ثم ذكر أبوابًا أخرى تتعلق بإثبات قدر الله السابق.\n_________\n(^١) أي: أحطنا به من جانبيه. \"النهاية\" (٤/ ٢٠٥).\n(^٢) أي: يتطلبونه. \"النهاية\" (٤/ ٩٠).\n(^٣) أي: مستأنف استئنافًا من غير أن يكون سبق به سابق قضاء وتقدير، وإنما هو مقصور على اختيارك ودخولك فيه. \"النهاية\" (١/ ٧٥).\n(^٤) \"الجامع\" (٢٨٠٧).\n(^٥) \"الجامع\" (٣/ ٢٦٣).","vol":"1","page":197},{"text":"٢ - ثم بوب بابًا في الرد على من أنكر ذلك، فقال: (باب ما جاء في القدرية) (^١)، أي: في ذمهم.\n٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في الرضا بالقضاء) (^٢).\n* * *\nوأما المرتبة الثالثة: وهي مرتبة الإحسان، وهي أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا معناه مراقبة الله ﷿، وأن الله ﷿ ناظر إليه ومطلع عليه، وعلى ما في قلبه، وسره وجهره، ولا يخفى أن بعض الأبواب التي تقدمت تدل على ذلك، ويدل عليه أيضًا ويدعو العبد إلى التحقق به الأبواب التي تتعلق بشأن يوم القيامة، من الحساب والحشر والعرض، وما يتعلق بالجنة وصفتها وجهنم، والأبواب التي عقدت في بيان شدة عذابها، ومن ذلك بعض الأبواب التي عقدها في الزهد، ومنها: (باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس) (^٣)، (باب ما جاء من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) (^٤)، و(باب ما جاء في قصر الأمل) (^٥)، و(باب في التوكل على الله) (^٦)، و(باب عمل السر) (^٧)، (باب في حسن الظن بالله) (^٨)، وغير ذلك من الأبواب المتعلقة بالزهد.\nويدخل في ذلك أيضًا بعض الأبواب التي عقدها في الدعوات، من\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٢٦٥).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٢٦٧).\n(^٣) هذا الباب لا يوجد في طبعتي التأصيل، وهو موجود في بعض الطبعات الأخرى (٢٣٠٥).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٣٥٤).\n(^٥) \"الجامع\" (٣/ ٣٦٥).\n(^٦) هذا الباب لا يوجد في طبعة التأصيل، وهو في بعض الطبعات الأخرى (٢٤٩٨).\n(^٧) هذا الباب لا يوجد في طبعة التأصيل، وهو فى بعض الطبعات الأخرى (٢٣٨٤).\n(^٨) \"الجامع\" (٣/ ٣٩٣).","vol":"1","page":198},{"text":"الإكثار من ذكر الله في جميع أوقاته، والإكثار من دعائه (^١).\n* * *\nوذكر أبو عيسى في كتابه أيضًا مسائل أخرى تتعلق بالاعتقاد، وهي راجعة إلى ما سبق، لكن اعتنى العلماء بإفرادها لأهميتها، والحاجة إليها، ومن ذلك:\nالمسألة الأولى: ما يتعلق بفضل الصحابة ﵃.\nذكر في أبواب المناقب فضائل الصحابة ﵃ مبتدئًا بأبي بكر الصديق (^٢)، ثم عمر (^٣)، ثم عثمان (^٤)، ثم عليّ (^٥)، ثم بقية العشرة (^٦)، ثم آل بيته ﵊ (^٧)، ثم بقية الصحابة، ثم بعد ذلك عقد بابًا فيمن سبهم فقال: (باب فيمن يسب أصحاب النبي ﷺ) (^٨)، وهذا فيه تحذير لمن يتكلم عليهم أو يطعن فيهم، ثم بعد ذلك عقد أبوابًا تتعلق بفضائل زوجاته ﷺ، فابتدأ بذكر خديجة، ثم عائشة، ثم بقية زوجاته (^٩)، وهذا الترتيب فيه دلالة -والله أعلم- على أنه يرى أن خديجة أفضل من عائشة ثم عائشة ثم بقية زوجاته، ولا يخفى أن أهل العلم اختلفوا في المفاضلة بين خديجة وعائشة (^١٠).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٣١٤ - ٣١٨).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٤٦٣).\n(^٣) \"الجامع\" (٤/ ٤٧٥).\n(^٤) \"الجامع\" (٤/ ٤٨٣).\n(^٥) \"الجامع\" (٤/ ٤٩١).\n(^٦) \"الجامع\" (٤/ ٥٠٣ - ٥١٢).\n(^٧) \"الجامع\" (٤/ ٥٢٤).\n(^٨) \"الجامع\" (٤/ ٥٥٦).\n(^٩) كذا في سائر الطبعات عدا ط. التأصيل، فوقع فيها تقديم فضل عائشة على فضل خديجة ﵄ \"الجامع\" (٤/ ٥٦٢ - ٥٧٠).\n(^١٠) ينظر: \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٤/ ٣٩٣) وما بعدها، \"منهاج السنة النبوية\" (٤/ ٣٠١) وما بعدها، \"فتح الباري\" (٧/ ١٠٩، ١٣٩).","vol":"1","page":199},{"text":"والمسألة الثانية: ما يتعلق بطاعة ولاة الأمور:\nفقد عقد في \"الجامع\": (باب ما جاء في الإمام) (^١) وذكر فيه حديث ابن عمر ﵁: \"ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، ومسئول عن رعيته … \".\nوبعده: (باب ما جاء في طاعة الإمام) (^٢)، وذكر فيه حديث أم الحصين الأحمسية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع، وعليه برد قد التفع به من تحت إبطه، قالت: فأنا أنظر إلى عضلة عضده ترتج، سمعته يقول: \"يا أيها الناس اتقوا الله، وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له، وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله\".\nوبعده: (باب ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (^٣)، وذكر فيه حديث ابن عمر ﵄: \"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يومر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة\".\nوالمسألة الثالثة: لزوم جماعة المسلمين، واتباع السنة والحذر من البدع:\nفقد عقد: (باب ما جاء في لزوم الجماعة) (^٤)، وذكر فيه حديث ابن عمر ﵄ وفيه: \" … عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة\".\nوعقد (باب فيمن دعا إلى هدى فاتبع) (^٥)، وذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه، لا ينقص\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٤٦).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٤٧).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٤٧).\n(^٤) \"الجامع\" (٣/ ٢٧٤).\n(^٥) \"الجامع\" (٣/ ٥٤٣).","vol":"1","page":200},{"text":"ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\". وذكر كذلك حديث جرير بمعناه.\nو(باب الأخذ بالسنة واجتناب البدع) (^١)، وذكر فيه حديث العرباض بن سارية، وفيه: \" … وإلاكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ\". وذكر أحاديث أخر.\nو(باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله ﷺ) (^٢)، وذكر فيه حديث أبي هريرة: \"اتركوني ما تركتكم، فإذا حدثتكم فخذوا عني، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم\".\nوالمسألة الرابعة: حكم مرتكب الكبيرة:\nقال أبو عيسى في (باب ما من قتل نفسه بسم أو غيره): (حدثنا أحمد ابن منيع، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة -أراه رفعه- قال: \"من قتل نفسه بحديدة جاء يوم القيامة وحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا أبدًا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا أبدًا\".\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا\".\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٤٤).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٥٤٧).","vol":"1","page":201},{"text":"حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحو حديث شعبة، عن الأعمش.\nهذا حديث صحيح، وهو أصح من الحديث الأول.\nهكذا روي هذا الحديث (^١)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوروى محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من قتل نفسه بسم عذّب في نار جهنم\" ولم يذكر فيه: \"خالدًا مخلدًا فيها أبدًا\".\nوهكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وهذا أصح؛ لأن الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار، ثم يخرجون منها ولا يذكر أنهم يخلدون فيها) (^٢).\nقلت: وهذا هو مذهب الصحابة وسلف هذه الأمة خلافا للخوارج الذين يُكفِّرون بذلك.\nوقد بوّب أبو عيسى في كتاب الفتن: (باب ما جاء في صفة المارقة) (^٣)، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود: \"يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\"، ثم قال أبو عيسى: (إنما هم الخوارج الحرورية وغيرهم من الخوارج).\n_________\n(^١) في بعض النسخ: (هكذا روى غير واحد هذا الحديث).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٧).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٢٨٩).","vol":"1","page":202},{"text":"ومما يؤيد ما تقدم ما رواه مسلم (^١) من حديث أبي الزبير، عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي، أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ - قال: حصن كان لدوس في الجاهلية -فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا (^٢) المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص (^٣) له، فقطع بها براجمه (^٤)، فشخبت (^٥) يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ، فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم وليديه فاغفر\".\nقال الترمذي: (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله) (^٦)، ثم ذكر حديث الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، أنه قال: دخلت عليه وهو في الموت فبكيت، فقال: مهلا، لمَ تبكي؟ فوالله لئن استشهدت لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استطعت لأنفعنك، ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثًا\n_________\n(^١) \"الصحيح\" (١١٦).\n(^٢) أي: أصابهم الجوى، وهو: المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها. \"النهاية\" (١/ ٣١٨).\n(^٣) الْمِشْقَص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. \"النهاية\" (٢/ ٤٩٠).\n(^٤) هي: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة برجمة بالضم. \"النهاية\" (١/ ١١٣).\n(^٥) الشخب: السيلان. \"النهاية\" (٢/ ٤٥٠).\n(^٦) \"الجامع\" (٣/ ٥٢٥).","vol":"1","page":203},{"text":"واحدا، وسأحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار\".\nوفي الباب عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن خالد).\nقلت: فيما بوب به المصنف، وما ذكره وأشار إليه من نصوص في هذا الباب، ردٌّ على الخوارج وغيرهم ممن يقول بتخليد عصاة المسلمين في النار، ويحكمون بكفرهم، لذا قال: (ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة، وإن عذبوا بالنار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار.\nوقد روي عن ابن مسعود، وأبي ذر، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس، عن النبي ﷺ قال: \"سيخرج قوم من النار من أهل التوحيد ويدخلون الجنّة\".\nوهكذا روي عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وغير واحد من التابعين في تفسير هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] قالوا: إذا أخرج أهل التوحيد من النار وأدخلوا الجنة يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين).\nثم أيد هذا بحديث صاحب البطاقة (^١).\nلذا عندما ذكر حديث: \"لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن\"، بين معنى هذا الحديث، فذكر عن أبي جعفر محمد بن علي المعروف بالصادق أنه قال في هذا: (خروج من الإيمان إلى الإسلام).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٢٥ - ٥٢٦).","vol":"1","page":204},{"text":"ثم ذكر ما يؤيد هذا من السنة، ثم ختم هذا الباب بقوله: (وهذا قول أهل العلم لا نعلم أحدا كفر أحدا بالزنا والسرقة أو بشرب الخمر) (^١).\nوقال في موضع آخر: (باب ما جاء أن للنار نفسين، وما ذكر من يخرج من النار من أهل التوحيد) (^٢).\n* * *\nمسألة: بيان الترمذي لحديث: (اليوم أنساك كما نسيتني):\nقال ﵀: (ومعنى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\": اليوم أتركك في العذاب.\nوكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه اليوم نتركهم في العذاب) (^٣).\nقلت: وما فسر به أبو عيسى هو الذي جاء عن سلف هذه الأمة:\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]: (نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (نتركهم، كما تركوا لقاء يومهم هذا).\nوقال مجاهد: (نتركهم في النار).\nوقال السدي: (نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا) (^٤).\nمسألة أخرى: ذكر أبو عيسى ﵀ حديث بريدة، وفيه: أن النبي ﷺ قال لبلال: \"يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥١٨ - ٥١٩).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ٥٠٠).\n(^٣) \"الجامع\" (٣/ ٤١٤).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٤٢٤).","vol":"1","page":205},{"text":"خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي … \" الحديث.\nثم قال: (ومعنى هذا الحديث: أني دخلت البارحة الجنة، يعني: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الحديث) (^١).\n* * *\nوخلاصة ما تقدم:\n١ - التزامه بظاهر النص وعدم تأويله، وإخراجه عن ظاهره.\n٢ - التزامه بما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن أتى من بعدهم من الأئمة المهديين في مسائل الدين.\n٣ - رده على من خالف طريق الصحابة والتابعين من الخوارج والجهمية وغيرهم من المبتدعين.\n* * *\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨).\nوأخرج البخاري (٣٦٧٩) واللفظ له، ومسلم (٢٤٥٧) من حديث جابر ﵁: \"رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء، امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال … \"، وقال الحافظ في \"فتح الباري\" (٣/ ٣٥): (وقد وقع في حديث بريدة المذكور: \"يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ \"، وهذا ظاهر في كونه رآه داخل الجنة، ويؤيد كونه وقع في المنام ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعًا: \"رأيتني دخلت الجنة فسمت خشفة فقيل: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية فقيل: هذا لعمر\" الحديث، وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقيل: هذا لعمر … \" الحديث، فعرف أن ذلك وقع في المنام، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولذلك جزم النبي ﷺ له بذلك ومشيه بين يدي النبي ﷺ كان من عادته في اليقظة فاتفق مثله في المنام).","vol":"1","page":206},{"text":"ذكر بعض أقواله التي فيها نظر أو تحتاج إلى توجيه:\nهناك مسائل ذكرها أبو عيسى في ثنايا كتابه بعضها فيه نظر، وبعضها يحتاج إلى توجيه، وهي:\nالمسألة الأولى: تأويله لأحاديث الوعيد، ومن ذلك:\n١ - قوله عقب حديث سعد بن عبيدة، أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\": (وتفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن قوله: \"فقد كفر أو أشرك\" على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال: \"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم\"، وحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من قال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله\".\nوهذا مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"الرياء شرك\"، وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآية، قال: لا يرائي) (^١).\n٢ - وقال في التعليق على حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد\": (وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ) (^٢).\n٣ - وقال في التعليق على حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لقد هممت أن آمر فِتيتي أن يجمعوا حزم الحطب، ثم آمر بالصلاة فتقام، ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة\": (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢/ ٥٦٢).\n(^٢) \"الجامع\" (١/ ٣٦١).","vol":"1","page":207},{"text":"وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد، ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر.\nقال مجاهد: وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، لا يشهد جمعة ولا جماعة، فقال: هو في النار، حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد.\nومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافا بحقها، وتهاونا بها) (^١).\n٤ - وقال في التعليق على حديث كل من أنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس: \"ليس منا من لم يرحم صغيرنا … \": (قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي ﷺ: \"ليس منا\" ليس من سنتنا، يقول: ليس من أدبنا، وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: كان سفيان الثوري ينكر هذا التفسير: ليس منا: ليس مثلنا) (^٢).\nقلت: ذهب بعض السلف إلى عدم تأويل أحاديث الوعيد حتى تكون أبلغ في الزجر، وهذا أقرب إلى اتباع النص وتعظيمه، لذا نقل أبو عيسى عن سفيان الثوري أنه كان ينكر ذلك، وكذلك غيره من السلف، كانوا يقولون: (أمِرُّوها كما جاءت) (^٣).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١/ ٤١٢).\n(^٢) \"الجامع\" (٣/ ١٥١).\n(^٣) قال أبو العباس ابن تيمية - كما في \"مجموع الفتاوى\" (٧/ ٦٧٤) -: (وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن: سفيان، وأحمد بن حنبل ﵃، وجماعة كثيرة من العلماء)، وقال في موضع آخر (١٣/ ٢٩٥): (وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: \"من غشنا فليس منا\"، وأحاديث الفضائل، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر).","vol":"1","page":208},{"text":"وذهب جمع من أهل العلم وخاصة المتأخرين إلى تأويلها، وأن ظاهرها ليس مقصودا، وأبو عيسى ممن يسلك هذا المذهب في الغالب.\nوالمسلك الأول هو الأرجح لما تقدم، مع ملاحظة أن السلف لا يقولون بأن من وقع في شيء مما ورد فيه الوعيد بذلك أنه وقع في الكفر الأكبر كما هو منهج الخوارج، وهو المنهج الثالث في أحاديث الوعيد وهو منهج فاسد، مخالف للكتاب والسنة.\nأخرج ابن عدي بإسناده إلى الأصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال له: يا أبا عمرو، الله يخلف وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو: فقد قال: ﴿اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وذكر عمرو غير هذه الآية، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد، ثم أنشد أبو عمرو:\nوإني إن أوعدته أو وعدته … سأخلف إيعادي وأنجز موعدي (^١).\nوقال الإمام أبو العباس ابن تيمية: (وذهب الأكثرون من الفقهاء -وهو قول عامة السلف- إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من العمل والوعيد؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد، كما يثبتون بها العمل، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة، وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم.\nوذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة، وبالأدلة القطعية أخرى؛ فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد، بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب، كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العملية.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٧/ ٥٨٨) (١١٦٤٣)، ومن طريقه البيهقي في \"البعث والنشور\" (٤٤)، و\"شعب الإيمان\" (٢٩٤)، وينظر: \"تاريخ دمشق\" (٦٧/ ١١٢).","vol":"1","page":209},{"text":"ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا وأوعد فاعله بالعقوبة المجملة، واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة، من حيث إن كلا منهما إخبارٌ عن الله تعالى، فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل، فكذلك الإخبار عنه بالثاني، بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب، ما لا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك.\nفإن كان ذلك الوعيد حقا، كان الإنسان قد نجا، وإن لم يكن الوعيد حقا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك الوعيد لم يضرّ الإنسانَ -إذا ترك ذلك الفعل- خطؤه في اعتقاده زيادة العقوبة، لأنه إن اعتقد نقص العقوبة فقد يخطئ أيضًا، وكذلك إن لم يعتقد في تلك الزيادة نفيًا ولا إثباتًا فقد يخطئ أيضًا.\nوهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده فيقع فيه، فيستحق العقوبة الزائدة إن كانت ثابتة، أو يقوم به سبب استحقاق ذلك) (^١).\n* * *\nالمسألة الثانية: قال ﵀ في باب ما جاء في علامة المنافق - بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: \"آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\"، وحديث عبد الله بن عمرو: \"أربع من كنّ فيه كان منافقا، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر\" -: (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق\n_________\n(^١) \"رفع الملام عن الأئمة الأعلام\" (ص: ٢٠٨ - ٢١٠).","vol":"1","page":210},{"text":"التكذيب على عهد رسول الله ﷺ، هكذا روي عن الحسن البصري، شيء من هذا [أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب]) (^١).\nقلت: نفاق العمل على قسمين، منه ما هو كفر، ومنه ما هو دون ذلك، والدليل على هذا: قوله ﷺ: \"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا … \" أخرجه البخاري ومسلم (^٢)، فدل هذا على أن من اجتمعت فيه هذه الأربع كان منافقًا خالص النفاق، وهذا يدل على الكفر الأكبر، ويؤيد هذا ما جاء في حديث أبي هريرة - في أحد ألفاظه عند مسلم (^٣) -: \"آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم\". فدل هذا على أن من اجتمعت فيه هذه الأمور الثلاث ليس بمسلم، وإن صام وصلى.\nوالمقصود أن يكون ديدنه ومنهجه ذلك، فيكون الغالب عليه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وليس أن يقع منه في بعض الأحيان، وقد جاء في القرآن والسنة ما يدل على ذلك، فقد ذكر الله ﷿ عن المنافقين أنهم يصلون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]\nوعن العلاء بن عبدالرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة، حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه، قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٢١ - ٥٢٢)، وما بين المعقوفين غير موجود في ط. التأصيل، وهو موجود في طبعات عديدة (٢٨٢١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٤)، \"صحيح مسلم\" (٥٨)، ورواية الترمذي ليس فيها: (خالصا).\n(^٣) \"الصحيح\" (٥٩)، وأما الترمذي فليس فيه هذه الزيادة.","vol":"1","page":211},{"text":"العصر، فقمنا، فصلينا، فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا\" (^١).\nوعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار\" أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ له (^٢).\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) (^٣).\nكما ذكر الله ﷿ عنهم أنهم يحضرون مواطن الجهاد لكن لا يفعلون ذلك إلا قليلا، قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨] إلى أن قال: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٢٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٥٧)، \"صحيح مسلم\" (٦٥١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٥٤).","vol":"1","page":212},{"text":"ثم بين الله ﷿ أن المؤمنين بخلاف ذلك، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\nفالمؤمنون يذكرون الله كثيرا، ويحضرون البأس، ومواطن القتال، ويبذلون أنفسهم في سبيل الله نصرة لدينه.\nوهذا قد قرره العلامة ابن القيم من قبل، فقال: (ونفاق العمل كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\"، وفي الصحيح أيضًا: \"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان\".\nفهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا) (^١).\nوقال العلامة عبدالرحمن المعلمي في تعليقه على \"الموضح\" (^٢): (وأما أهل السنة فمعنى الحديث عندهم أن من كان فيه خصلة من تلك الخصال يكون ذلك علامة على ضعف إيمانه، فإذا كان فيه خصلتان كان ذلك علامة على شدة ضعف إيمانه، فإذا اجتمعت كلها دل ذلك على عدم إيمانه، والعياذ بالله).\nوقال أيضًا: (المراد مَنْ غلبت عليه هذه الخصالُ أضدادَها فهو منافق؛\n_________\n(^١) \"الصلاة وأحكام تاركها\" (ص: ٦٠).\n(^٢) (١/ ٣١ - ٣٢).","vol":"1","page":213},{"text":"لأنه يبعد أن يُحمل الحديث على ظاهره مِنْ عموم هذه الخصال الأربع وانتفاء أضدادها قطعًا، فلم يبقَ إلا أن نحمله على أقرب شيءٍ إلى المحضيّة، وذلك الغلبة.\nفنحن نعتقد أنّ هذه الخصال لا تغلب إلا على منافق خالصِ النفاق الشرعي الذي هو خلاف الإيمان) (^١).\nوما جاء عن عطاء والحسن البصري خلاف ذلك ففي الإسناد إليهما نظر.\nقال الحافظ ابن رجب: (وهذا الحديث (^٢) قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ، فإنهم حدثوا النبي ﷺ فكذبوه، وائتمنهم على سره فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه، وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء، وأنه قال: حدثني به جابر، عن النبي ﷺ، وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه.\nوهذا كذب، والمحرم هذا شيخ كذاب معروف بالكذب، وقد روي عن عطاء هذا من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على الحسن قوله: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وقال: قد حدث إخوة يوسف فكذبوا، ووعدوا فاخلفوا، وائتمنوا فخانوا، ولم يكونوا منافقين، وهذا لا يصح عن عطاء، والحسن لم يقل هذا من عنده، وإنما بلغه عن النبي ﷺ، فالحديث ثابت عنه ﷺ لا شك في ثبوته وصحته) (^٣).\n_________\n(^١) \"آثار الشيخ المعلمي\" (١٥/ ٣٥٣).\n(^٢) أي: حديث خصال المنافق.\n(^٣) \"جامع العلوم والحكم\" (ص: ٧٩٩ - ٨٠٠)، والمشهور عند أكثر أهل العلم أن نفاق العمل لا يكون إلا أصغرَ، وهذا فيه نظر والتحقيق ما تقدم.","vol":"1","page":214},{"text":"المسألة الثالثة: ذكر أبو عيسى حديث أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فلما قفلنا أشرفنا على المدينة فكبر الناس تكبيرة ورفعوا بها أصواتهم، فقال رسول الله ﷺ: \"إن ربكم ليس بأصم ولا غائب، هو بينكم وبين رءوس رحالكم\"، ثم قال: \"يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كنزا من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله\").\nثم قال: (ومعنى قوله \"هو بينكم وبين رءوس رحالكم\" إنما يعني علمه وقدرته) (^١).\nقلت: قد جاءت عدة نصوص بهذا المعنى وبعضها يفسر بعضا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقال تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].\nوقد جاء في السنة ما يدل على هذا المعنى ففي \"الصحيحين\" (^٢) من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ رأى بصاقا في جدار القبلة، فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: \"إذا كان أحدكم يصلي، فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى\".\nوفي \"صحيح البخاري\" (^٣) من حديث أنس: أن النبي ﷺ رأى نخامة\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٣٦٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٤٠٦)، \"صحيح مسلم\" (٥٤٧).\n(^٣) (٤٠٥).","vol":"1","page":215},{"text":"في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: \"إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه\" ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: \"أو يفعل هكذا\".\nوفي \"صحيح مسلم\" (^١) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء\".\nفهذه النصوص وغيرها تدل على عظمة الله ﷿، وأنه مع عباده محيط بهم، مطلع عليهم، لا تخفى منهم خافية، وهم في قبضته، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وهو على عرشه - جل وعلا - كما أخبر.\nقال حماد بن زيد: (يقرب من خلقه كما يشاء) (^٢).\nوقال أبو الحسن الأشعري -في أثناء ذكره لعقيدة أصحاب الحديث وأهل السنة -: (ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾) (^٣).\nوقال أبو الفرج ابن رجب: (ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله، واطلاعه على عباده واحاطته بهم، وقربه من عابديه، وإجابته لدعائهم، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء، ويعبدونه كأنهم يرونه.\n_________\n(^١) (٤٨٢).\n(^٢) أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٦٦٩).\n(^٣) \"مقالات الإسلاميين\" (٢٩٥).","vol":"1","page":216},{"text":"ثم حدث بعدهم من قل ورعه، وساء فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة ﵃، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي ﷺ أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه.\nوتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال من قال من علماء السلف حينئذ: إنما أراد أنه معهم بعلمه، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن.\nوممن قال: أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوقاله الضحاك، قال: الله فوق عرشه، وعلمه بكل مكان.\nوروي نحوه عن: مالك، وعبد العزيز الماجشون، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم من أئمة السلف.\nوروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه بكل مكان.\nوروي هذا المعنى عن علي، وابن مسعود أيضًا.\nوقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال: علمه بالناس.","vol":"1","page":217},{"text":"وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أن المراد علمه.\nوكل هذا قصدوا به رد قول من قال: أنه تعالى بذاته في كل مكان. وزعم بعض من تحذلق أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته، لا صفة ذاته، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].\nوقال حرب: سألت إسحاق عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؟ قال: حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه.\nوروى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب مر بقاص، وقد رفعوا أيديهم، فقال: ويلكم! إن ربكم أقرب مما ترفعون، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد.\nوخرجه أبو نعيم، وعنده: أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر.\nوخطب عمر بن عبد العزيز، فذكر في خطبته: أن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد. وكان مجاهد حاضرا يسمع، فأعجبه حسن كلام عمر.\nوهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه؛ قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم، فهوَ سبحانه","vol":"1","page":218},{"text":"مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون. وقال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقال في حق محمد وصاحبه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكر في الغار: \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما\".\nفهذه معية خاصة غير قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه، والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته، فكذلك القرب.\nوليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم، كما ظنه من ظنه من أهل الضلال، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين، كما أن الموصوف به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nوهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه.\nوقد سئل عنه حماد بن زيد فقال: هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء.\nومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين.\nوقال حنبل: سألت أبا عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إلا بما جاءت به الآثار، وجاء به الكتاب، قال الله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ينزل كيف يشاء، بعلمه وقدرته وعظمته، أحاط بكل شيء علما، لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب، ﷿.","vol":"1","page":219},{"text":"ومراده: أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علما، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه، أو أخبر به عنه رسوله.\nفلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه) (^١).\nوينظر أيضًا: ما سيأتي في كلام الإمام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم.\n* * *\nالمسألة الرابعة: ذكر الترمذي حديث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب … وفيه: (ثم قال: \"هل تدرون ما فوق ذلك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثلما بين السماءين\". ثم قال: \"هل تدرون ما الذي تحتكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها الأرض\". ثم قال: \"هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن تحتها أرضا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة\" حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمس مائة سنة، ثم قال: \"والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله\". ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].\nثم قال: (وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه) (^٢).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ١١٣ - ١١٨).\n(^٢) \"الجامع\" (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥).","vol":"1","page":220},{"text":"قلت: قال أبو العباس ابن تيمية: (الحديث يدل على أن الله فوف العرش، ويدل على إحاطة العرش كونه سقف المخلوقات، ومن تأوله على قوله هبط على علم الله كما فعل الترمذي لم يدر كيف الأمر، ولكن لما كان من أهل السنة وعلم أن الله فوق العرش، ولم يعرف صورة المخلوقات، وخشي أن يتأوله الجهمي أنه مختلط بالخلق قال هكذا، وإلا فقول رسول الله ﷺ كله حق يصدق بعضه بعضا، وما علم بالمعقول من العلوم الصحيحة يصدق ما جاء به الرسول ويشهد له) (^١).\nوقال في موضع آخر: (وهذا كله على تقدير صحته فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط على علم الله.\nوبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل؛ وهو أنه حال بذاته في كل مكان وأن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك.\nوالتحقيق: أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك إن كان ثابتا فإن قوله: \"لو أدلى بحبل لهبط\" يدل على أنه ليس في المدلي ولا في الحبل ولا في الدلو ولا في غير ذلك، وأنها تقتضي أنه من تلك الناحية؛ وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية؛ بل بتقدير ثبوته يكون دالا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة، وليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع) (^٢).\nوينظر أيضًا: ما سيأتي في كلام العلامة ابن القيم في المسألة التالية.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٢٥/ ١٩٨).\n(^٢) \"مجموع الفتاوى\" (٦/ ٥٧٣ - ٥٧٤).","vol":"1","page":221},{"text":"المسألة الخامسة: قال أبو عيسى: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إليّ شبرا اقتربت منه ذراعا، وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: \"من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا\"، يعني بالمغفرة والرحمة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا ابن نمير عن الأعمش.\nهكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت تسارع إليه مغفرتي ورحمتي) (^١).\nقلت: هذا التفسير فيه نظر، والصواب إمرار الحديث على ظاهره، كما هو القاعدة في باقي النصوص.\nقال أبو إسماعيل الهروي: (باب الهرولة لله ﷿) (^٢)، وذكر تحته حديث أبي هريرة السابق.\nوقال أبو العباس ابن تيمية: (فصل، تقرب العبد إلى الله في مثل قوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨]، وقول النبي ﷺ فيما يروي عن ربه: \"من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا\" الحديث. وقوله:\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٤/ ٤٣٠ - ٤٣١).\n(^٢) \"الأربعون في دلائل التوحيد\" (ص: ٧٩).","vol":"1","page":222},{"text":"\"ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه\" الحديث.\nوكذلك \"القربان\" كقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [المائدة: ٢٧]، وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، ونحو ذلك.\nلا ريب أنه بعلوم وأعمال يفعلها العبد، وفي ذلك حركة منه وانتقال من حال إلى حال، ثم لا يخلو مع ذلك: إما أن روحه وذاته تتحرك أو لا تتحرك، وإذا تحركت: فإما أن تكون حركتها إلى ذات الله، أو إلى شيء آخر، وإذا كانت إلى ذات الله بقي النظر في قرب الله إليه ودنوه وإتيانه ومجيئه؛ إما جزاء على قرب العبد، وإما ابتداء كنزوله إلى سماء الدنيا.\nفالأول: قول المتفلسفة الذين يقولون: إن الروح لا داخل البدن ولا خارجه، وإنها لا توصف بالحركة ولا بالسكون، وقد تبعهم على ذلك قوم ممن ينتسب إلى الملة، فهؤلاء عندهم قرب العبد ودنوه إزالة النقائص والعيوب عن نفسه وتكميلها بالصفات الحسنة الكريمة حتى تبقى مقاربة للرب مشابهة له من جهة المعنى، ويقولون: الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة؛ فأما حركة الروح فممتنعة عندهم، وكذلك يقولون في قرب الملائكة.\nوالذي أثبتوه من تزكية النفس عن العيوب وتكميلها بالمحاسن حق في نفسه؛ لكن نفيهم ما زاد على ذلك خطأ؛ لكنهم يعترفون بحركة جسمه إلى المواضع التي تظهر فيها آثار الرب كالمساجد والسموات والعارفين، وعند هؤلاء معراج النبي ﷺ إنما هو انكشاف حقائق الكون له كما فسره بذلك ابن سينا ومن اتبعه كعين القضاة وابن الخطيب في \"المطالب العالية\".\nالثاني: قول المتكلمة الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش، وإن نسبة العرش والكرسي إليه سواء، وإنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ لكن","vol":"1","page":223},{"text":"يثبتون حركة العبد والملائكة فيقولون: قرب العبد إلى الله حركة ذاته إلى الأماكن المشرفة عند الله، وهي السماوات، وحملة العرش، والجنة، وبذلك يفسرون معراج النبي ﷺ.\nويتفق هؤلاء والذين قبلهم في حركة بدن العبد إلى الأماكن المشرفة، كثبوت العبادات، وإنما النزاع في حركة نفسه، ويسلم الأولون حركة النفس بمعنى تحولها من حال إلى حال؛ لا بمعنى الانتقال من موضع إلى موضع، واتفاقهم على حركة الجسم وحركة الروح أيضًا عند الآخرين إلى كل مكان تظهر فيه معرفة الله كالسموات، والمساجد، وأولياء الله، ومواضع أسماء الله وآياته، فهو حركة إلى … (^١)\nالثالث: قول أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون أن الله على العرش، وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم، وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء صار يزداد قربا إلى ربه بعروجه وصعوده، وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود وإن كان بدنه متواضعا، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب.\nثم قُرب الرب من عبده: هل هو من لوازم هذا القرب، كما أن المتقرب إلى الشيء الساكن كالبيت المحجوج، والجدار، والجبل، كلما قربت منه قرب منك؟ أو هو قرب آخر يفعله الرب، كما أنك إذا قربت إلى الشيء المتحرك إليك تحرك أيضًا إليك، فمنك فعل، ومنه فعل آخر؟\nهذا فيه قولان لأهل السنة مبنيان على ما تقدم من قاعدة الصفات الفعلية، كمسألة النزول وغيرها …\n_________\n(^١) سقط في الأصل.","vol":"1","page":224},{"text":"وعلى هذا فما روي من قرب الرب إلى خواص عباده وتجليه لقلوبهم كما في \"الزهد\" لأحمد: أن موسى قال: يا رب، أين أجدك؟ قال: \"عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، أقترب إليها كل يوم شبرا، ولولا ذلك لاحترقت\".\nهذا القرب عند المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال، ثم المتفلسفة لا تثبت حركة الروح والجهمية تسلم جواز حركة الروح إلى مكان عال، وأما أهل السنة فعندهم مع التجلي والظهور تقرب ذات العبد إلى ذات ربه، وفي جواز دنو ذات الله القولان، وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع.\nوعلى مذهب النفاة من المتكلمة لا يكون إتيان الرب ومجيئه ونزوله إلا تجليه وظهوره لعبده، إذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة الباطنة أو الظاهرة، بمنزلة الذي كان أعمى أو أعمش فزال عماه فرأى الشمس والقمر، فيقول: جاءني الشمس والقمر.\nوهذا قول النفاة من المتفلسفة والمعتزلة والأشعرية؛ لكن الأشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته المعتزلة، ومنهم من يوافقهم في المعنى الذي قصدوه.\nوأما على مذهب أهل السنة والجماعة من السلف، وأهل الحديث، وأهل المعرفة، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية والعامة وأهل الكلام أيضًا؛ فإن نزوله وإتيانه ومجيئه قد يكون بحركة من العبد، وقرب منه، ودنو إليه، وهو قدر زائد على انكشاف بصيرة العبد، فإن هذا علم، وعندهم يكون ذلك بعلم من العبد وبعمل منه، فهو كشف وعمل.\nولا ينكر الأشعرية ونحوهم من أهل الكلام أن يكون من العبد حركة، فإن ذلك ممكن، وإنما قد ينكرون حركته إلى الله كما تقدم.","vol":"1","page":225},{"text":"وقد شبه بعضهم مجيء الله بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أي: الموقن به من الموت وما بعده.\nقلت: هذا مثل قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وجعل في ذلك هو ظهوره وتجليه.\nقلت: وليس هو مجرد ظهوره وتجليه، وإن كان متضمنا لذلك؛ بل هو متضمن لحركة العبد إليه، ثم إن كان ساكنا كان مجيئه من لوازم مجيء العبد إليه، وإن كان فيه حركة كان مجيئه بنفسه أيضًا، وإن كان العبد ذاهبا إليه، وهكذا مجيء اليقين ومجيء الساعة، وفي جانب الربوبية يكون بكشف حجب ليست متصلة بالعبد، كما قال النبي ﷺ: \"حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه\"، فهي حجب تحجب العباد عن الإدراك، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر، فإذا زالت تجلّت الشمس والقمر، وأما حجبها لله عن أن يَرى ويُدركَ فهذا لا يقوله مسلم؛ فإن الله لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة السوداء، ولكن يحجب أن تصل أنواره إلى مخلوقاته، كما قال: \"لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه\"، فالبصر يدرك الخلق كلهم، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النار.\nوالجهمية لا تثبت له حجبا أصلا؛ لأنه عندهم ليس فوق العرش، ويروون الأثر المكذوب عن علي: أنه سمع قصابا يحلف: لا والذي احتجب بسبع سماوات، فعلاه بالدرة، فقال: يا أمير المؤمنين، أكفر عن يميني؟ قال: لا؛ ولكنك حلفت بغير الله.\nفهذا لا يعرف له إسناد، ولو ثبت كان عليّ قد فهم من المتكلم أنه","vol":"1","page":226},{"text":"عنى أنه محتجب عن إدراكه لخلقه، فهذا باطل قطعا؛ بخلاف احتجابه عن إدراك خلقه له) (^١).\nوقال ابن القيم: (والذي عندي أن الرحمة لما كانت من صفات الله تعالى، وصفاته قائمة بذاته، فإذا كانت قريبة من المحسنين، فهو سبحانه قريب منهم قطعا، وقد بينا أنه سبحانه قريب من أهل الإحسان، ومن أهل سؤاله بإجابته.\nويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه، فيقرب ربه منه لما يقرب إليه بإحسانه يقرب تعالى إليه، فإنه من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا، فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سماواته على عرشه، كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل وهو على عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة، وهو على عرشه، فإن علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته، فلا يكون قط إلا عاليا ولا يكون فوقه شيء البتة، كما قال أعلم الخلق به: \"وأنت الظاهر فليس فوقك شيء\".\nوهو سبحانه قريب في علوه، عال في قربه، كما في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: \"أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\" فأخبرهم ﷺ وهو أعلم الخلق به أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته، على عرشه، مطلع على خلقه، يرى أعمالهم، ويعلم ما في بواطنهم، وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر.\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٦/ ٥ - ١٠).","vol":"1","page":227},{"text":"والذي يسهل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟!\nوبهذا يزول الإشكال عن الحديث الذي رواه الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نبي الله ﷺ جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ: \"هل تدرون ما هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه\" …) وذكر الحديث السابق إلى قوله: ثم قال: (\"والذي نفس محمد بيده لو أِنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله\" ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] \" قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث وقالوا: إنما يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. هذا آخر كلامه.\nوقد اختلف الناس في هذا الحديث في سنده ومعناه، فطائفة قبلته لأن إسناده ثابت إلى الحسن.\nقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد، قالوا حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبدالرحمن، عن قتادة، حدثنا الحسن، عن أبي هريرة.\nفهؤلاء كلهم أئمة، وقد صرح قتادة بتحديث الحسن له، وقد صح عن","vol":"1","page":228},{"text":"الحسن في غير هذا الحديث أنه قال: حدثنا أبو هريرة، ولا ريب أنه عاصره، وقد قال مسلم بن إبراهيم: حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث …، وقال سالم الخياط: حدثنا الحسن قال: سمعت أبا هريرة.\nوطائفة أخرى ردت الحديث وأعلته بأنه منقطع، قالوا: والحسن لم ير أبا هريرة فضلا عن أن يسمع منه، قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: الحسن لقي ابن عباس؟ قال: لا، ولم يلق أبا هريرة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا علي بن المديني قال: سمعت سلم بن قتيبة، قال: حدثني شعبة، قال: قلت ليونس بن عبيد: الحسن سمع من أبي هريرة؟ قال: ما رآه قط.\nحدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: قال بعضهم عن الحسن: حدثنا أبو هريرة.\nقال ابن أبي حاتم منكرا عليه إنه لم يسمع من أبي هريرة: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء: قال علي: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ثم ذكر عن أيوب وعلي بن زيد: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.\nوقال عبدالرحمن بن مهدي: سمعت جريرا يسأل بهزا عن الحسن: من لقي من أصحاب النبي ﷺ؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثا، ولم يسمع من أبي هريرة ولم يره.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وسمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره، فقيل له: فمن قال حدثنا أبو هريرة؟ قال: يخطئ، وسمعت أبي يقول: وذكر حديثا حدثه مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة: (أوصاني خليلي)، قال: لم يعمل ربيعة بن","vol":"1","page":229},{"text":"كلثوم شيئا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا، قلت لأبي: إن سالما الخياط روى عن الحسن، قال: سمعت أبا هريرة. قال: هذا مما يبين ضعف سالم.\nوسمعت أبا الحجاج المزي يقول: قوله: حدثنا أبو هريرة، أي: حدث أهل بلدنا، كما في حديث الدجال: قول الشاب الذي يقتله له: أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه.\nقال أبو حاتم: والحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: خطبنا ابن عباس، يعني: خطب أهل البصرة.\nقالوا: وللحديث علة أخرى، وهي أن عبد الرزاق في \"تفسيره\" رواه عن معمر، عن قتادة، عن النبي ﷺ مرسلا، فاختلف هو وشيبان فيه، هل حدث به عن الحسن؟\nوالذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه، فحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن المعنى: يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، ومراده على معلوم الله ومقدوره وملكه، أي: انتهى علمه وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت، فلا يعزب عنه شيء.\nوقالت طائفة أخرى: بل هذا معنى اسمه المحيط واسمه الباطن، فإنه سبحانه محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]، وإذا كان محيطا بالعالم فهو فوقه بالذات، عال عليه من كل وجه وبكل معنى، فإن الإحاطة تتضمن العلو والسعة والعظمة، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في قبضته فلو وقعت حصاة أو دلي بحبل لسقط في قبضته سبحانه.\nوالحديث لم يقل فيه: إنه لهبط على جميع ذاته، فهذا لا يقوله ولا يفهمه عاقل، ولا هو مذهب أحد من أهل الأرض البتة، لا الحلولية، ولا","vol":"1","page":230},{"text":"الاتحادية، ولا الفرعونية، ولا القائلون بأنه في كل مكان بذاته، وطوائف بني آدم كلهم متفقون على أن الله تعالى ليس تحت العالم.\nفقوله: \"لو دليتم بحبل لهبط على الله\" إذا هبط في قبضته المحيطة بالعالم فقد هبط عليه، والعالم في قبضته، وهو فوق عرشه، ولو أن أحدنا أمسك بيده أو برجله كرة وقبضتها يده من جميع جوانبها ثم وقعت حصاة من أعلى الكرة إلى أسفلها لوقعت في يده وهبطت عليه، ولم يلزم من ذلك أن تكون الكرة والحصاة فوقه وهو تحتها، ولله المثل الأعلى، وإنما يؤتى الرجل من سوء فهمه، أو من سوء قصده من كليهما، فإذا هما اجتمعا كمل نصيبه من الضلال.\nوأما تأويل الترمذي وغيره له بالعلم، فقال شيخنا: هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته، فإنه إنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلا ونقلا وفطرة كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي ﷺ قال: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قِبَل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا، ولكن ليبصق عن يساره، أو تحت رجله\".\nوفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي ﷺ في رؤية الرب تعالى، فقال له أبو رزين: كيف يسعنا وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: \"سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر آية من آيات الله، كلكم يراه مخليا به، فالله أكبر من ذلك\".\nومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وقدر مخاطبته له، فإنه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده له، وكذلك إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه، لا عن يمينه، ولا عن يساره، ويدعوه من العلو، لا من السفل.","vol":"1","page":231},{"text":"وقد ثبت في \"الصحيحين\" عن النبي ﷺ أنه قال: \"لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم\"، واتفق العلماء على أن رفع البصر إلى السماء للمصلي منهي عنه.\nوروى أحمد عن محمد بن سيرين: أن النبي ﷺ كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء، حتى أنزل الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده.\nفهذا مما جاءت له الشريعة تكميلا للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي أمر بالخشوع وهو الذل والسكون لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وخفض بصره أمامه، فليس في هذا النهي ما ينفي كونه فوق سماواته على عرشه، كما زعم بعض جهال الجهمية، فإنه لا فرق عندهم بين تحت التحت والعرش بالنسبة إليه، فلو كان الأمر كذلك لكان النهي ثابتا في الصلاة وغيرها، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فليس العبد منهيا عن رفع بصره إلى السماء مطلقا، إنما نهي عنه في الوقت الذي أمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧].\nوأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء؛ لكون الرب ليس في السماء، لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء، أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، لبين لهم ذلك بيانا شافيا، ولم يحملهم فيه على أدب من آداب المصلي، وهو إطراقه بين يدي ربه وخشوعه، ورمي بصره إلى الأرض، كما يفعل بين يدي الملوك، فهذا إنما يدل على نقيض قولهم.","vol":"1","page":232},{"text":"فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز التوجه إلى الله تعالى إلا من جهة العلو، وأن ذلك لا ينافي إحاطته بالعالم وكونه في قبضته، وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء، كما أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر، وأن إحاطته بخلقه لا تنفي مباينته لهم، ولا علوه على مخلوقاته، بل هو فوق خلقه محيط بهم مباين لهم، إنما تنشأ الشبهة الفاسدة عن اعتقادين فاسدين:\nأحدهما: أن يظن أنه إذا كان العرش كريا والله فوقه، لزم أن يكون كريا.\nالاعتقاد الثاني: أنه إذا كان كريا صح التوجه إليه من جميع الجهات.\nوهذان الاعتقادان خطأ وضلال؛ فإن الله سبحانه مع كونه فوق العرش، ومع القول بأن العرش كري، لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، كما لا يجور أن يظن به أنه مشابه لها في أقدارها ولا في صفاتها، فقد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء، وأن السماوات والأرض في يده كخردلة في كف أحدنا، وهذا يزيل كل إشكال ويبطل كل خيال) (^١).\n* * *\nقلت: وهذه المواضع لا تخالف ما تقدم تقريره من كون أبي عيسى من كبار أئمة أهل السنة والجماعة، كيف وقد نقل إجماع أهل العلم على إمرار نصوص الصفات على ظاهرها الذي يليق بالله ﷿، وغير ذلك مما يتعلق بأمور الاعتقاد، هذا مع أن بعض ما تقدم قد ذهب إليه غيره من أهل العلم، كتأويل نصوص الوعيد، وإن كان الأولى عدم ذلك، كما تقدم تقريره.\n_________\n(^١) \"مختصر الصواعق المرسلة\" (ص: ١٢٥٥ - ١٢٧٣).","vol":"1","page":233},{"text":"وأما ما يتعلق في مسألة النفاق فهو لم ينص صراحة على أن النفاق العملي كله لا يخرج من الملة، وبما أن هذه المسألة كانت تحتاج إلى بعض التفصيل فلذا ذكرتها.\nوأما ما يتعلق بتأويل بعض النصوص فبعضه قد يكون من باب التفسير باللازم، وليس من قبيل التأويل، وبعضه قد أخطأ فيه كما تقدم، وما من أحد من الناس إلا راد ومردود عليه إلا رسول الله ﷺ، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وبالله تعالى التوفيق.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>الفصل السابع في منهجه في الفقه</span>\nمما تميز به كتاب \"الجامع\" كلام مصنفه على فقه الأبواب التي يوردها مع بيان ما دلت عليه الأحاديث من مسائل وأحكام، مع ذكر أقوال الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب المشهورين، وهذا لا شك عمل جليل يدل على رسوخه في هذا الفن، واطلاعه الواسع في هذا الباب (^١)، وسوف أدلل على هذا إجمالا وتفصيلا:\nأما من جهة الإجمال: فيلاحظ أن أبا عيسى كثيرا ما يذكر خلاف أهل العلم بعد ذكره للحديث، وإجماعهم إذا أجمعوا.\nوأوضح من هذا أنه يبين ما عليه العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين وهلم جرا، وما ليس عليه العمل، ولا شك أن هذا لا يكون إلا ممن عنده اطلاع واسع في هذا المجال، وعلم كبير في هذا الجانب.\n* * *\nوأما من حيث التفصيل: فالدليل عليه من عدة أوجه:\nالوجه الأول: علمه بكتاب الله ﷿، ويظهر ذلك من خلال كتابه، فقد عقد أبوابا للقراءات (^٢)، فذكر بعض ما جاء عن النبي ﷺ من قراءات في كلام الله ﷿، ومما ذكر في هذا الباب:\n_________\n(^١) والسبب في عدم اشتهاره بذلك، وتنصيص أهل العلم عليه أن إمامته في الحديث غلبت على علمه الواسع في الفقه.\n(^٢) مع ملاحظة أن بعض الأبواب التي ذكرها هناك لا تتعلق بالقراءات.","vol":"1","page":235},{"text":"١ - قوله في أبواب القراءات: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا معلى بن منصور، عن محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع أبي يحيى، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ قرأ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.\nهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح ما روي عن ابن عباس قراءته. ويروى أن ابن عباس، وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبي ﷺ لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب) (^١).\n٢ - وقال أيضًا: (ويقرأ: \"غَلَبَتِ\" و\"غَلَبَتْ\" يقول: كانت ﴿غَلَبَتْ﴾ ثم غَلَبَتِ، هكذا قرأ نصر بن علي: \"غَلَبَتِ\") (^٢).\n٣ - وقال أيضًا: (وهكذا قراءة عبد الله بن مسعود: \"والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى\") (^٣).\nوهذه التعليقات مما يدل على علمه بالقرآن.\nثم عقد أبوابا مطولة فيما يتعلق بالتفسير عن رسول الله ﷺ، ومما ذكر في هذه الأبواب:\n١ - (ومن سورة البقرة\nحدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا الهاشم بن القاسم، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلا من المسلمين\n_________\n(^١) (٤/ ٤٦ - ٤٧)، ويلاحظ أن أبا عيسى لم يكتف بنقد هذا الخبر من حيث الإسناد، بل نقده أيضًا من حيث المتن، وهذا أشد ما يردُّ به الخبر، عندما يكون ضعيفا سندا ومتنا.\n(^٢) (٤/ ٤٧).\n(^٣) (٤/ ٤٩).","vol":"1","page":236},{"text":"على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فانزل الله: ﵎ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فلما سمعها معقل فقال: سمعا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك.\nهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن (^١).\nوفي هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي؛ لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيبا، فلو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل بن يسار، وإنما خاطب الله في هذه الآية الأولياء، فقال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن) (^٢).\nفانظر إلى دقة انتزاعه لهذا الحكم من هذا الحديث، ثم أيد ذلك بالآية، وهو لا شك استنباطٌ نفيس، وفي الغالب أن الذين يتكلمون على المسألة إنما يذكرون الأحاديث التي جاءت في: لا نكاح إلا بولي، ولا يذكرون هذا الحديث، ولا دلالة هذه الآية على هذه القضية.\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن\n_________\n(^١) في ط. شاكر، وبشار (٢٩٨١)، والرسالة (٣٢٢٣) زيادة: (وهو عن الحسن غريب)، وقال محققو ط. الرسالة: (قوله: \"وهو عن الحسن غريب\" أثبتناه من نسخة (ل)، وليس هو في سائر الأصول الخطية).\n(^٢) (٤/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":237},{"text":"أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يمين الرحمن ملأى سحًا لا يغيضها الليل والنهار\"، قال: \"أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nوهذِا الحديث في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\nوهذا حديث قال الأئمة: نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم، هكذا قال غير واحد من الأئمة، منهم: الثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك: أنه تروى هذه الأشياء، ويؤمن بها، ولا يقال: كيف؟) (^١).\nقلت: الحديث لم تذكر فيه الآية، ولكن علاقة الآية وتفسيرها بهذا الحديث ظاهرة، ثم عقب ذلك ببيان مذهب من تقدمه من السلف تجاه صفات الله تعالى، وأنهم يؤمنون بها كما جاءت، وأن هذا قاعدة عامة في كل النصوص التي جاءت في هذا المعنى.\nوهذا المثال -أعني دخول الحديث في تفسير الآية- ينبغي أن يحتذى ويسار عليه في كل ما جاء من السنة فيما له علاقة بالقرآن وإن كان من طريق غير مباشر، وهذا ما سار عليه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، فقد توسع في ذلك، فكان يذكر أي حديث مما هو على شرطه مما له علاقة بالآية وإن كان من وجه بعيد، لذا أصبح كتاب التفسير في البخاري من أكبر الكتب التي عقدها في كتابه \"الجامع الصحيح\"، حتى\n_________\n(^١) (٤/ ١١١ - ١١٢).","vol":"1","page":238},{"text":"بلغت الأحاديث بالمكرر أكثر من خمس مائة حديث (٤٤٧٤ - ٤٩٧٧)، هذا غير ما ذكره عن الصحابة والتابعين وما فسره هو.\nوهذا ما سار عليه الإمام ابن كثير في تفسيره، بل وتوسع في ذلك.\nوقد ذكر الإمام ابن تيمية أن رسول ﷺ قد فسر لأمته جميع القرآن (^١)، فاستشكل ذلك بعض أهل العلم، وقال: إن أحاديث التفسير قليلة، ولكن ما قاله أبو العباس ابن تيمية هو الصحيح، ويوضح مقصوده أن الصلاة مثلا ذكرت في القرآن في مواضع كثيرة، وكذا الزكاة، وقبل ذلك الإسلام والإيمان والإحسان، ولا يخفى أن كل هذه الكلمات قد بينها النبي ﷺ بقوله وفعله، فكل أحاديث الصلاة القولية والعملية هي تفسير لكلمة \"الصلاة\" التي جاءت في القرآن، وعلى هذا قس، لذا نُقل عن الشافعي أنه قال: جميع السنة شرح للقرآن، وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا (^٢).\nوبناء على ما سبق يكون أبو عيسى قد جمع في هذا الموضع بين علوم: التفسير والحديث والاعتقاد.\nوإليك أمثلة أخرى من استنباطات أبي عيسى من القرآن:\n١ - قال ﵀: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم: سفيان، وغيره.\nوقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) ينظر: \"مجموع الفتاوى\" (١٣/ ٣٣١)، \"جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية\" (١/ ٩) فما بعدها.\n(^٢) \"البرهان في علوم القرآن\" (١/ ٦).","vol":"1","page":239},{"text":"وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ يتيمم أحب إلي.\nقال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ، أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]) (^١).\n٢ - وقال أيضًا: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، حل له أن ينكح ابنتها، وإذا تزوج الرجل الابنة فطلقها قبل أن يدخل بها لم يحل له نكاح أمها لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) (^٢).\n٣ - وقال أيضًا: (ومعنى قوله: \"اليوم أنساك كما نسيتني\"، يقول: اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١]، قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب) (^٣).\n* * *\nالوجه الثاني: الكم الكبير الذي أودعه من الأحاديث في هذا الكتاب، ولا شك أنه قد انتقاها من عشرات الآلاف من الأحاديث، مع ملاحظة أن هذه الأحاديث هي في شتى جوانب الشريعة، فعدد كتب \"الجامع\" (٤٧)، وعدد الأبواب (٢١٥٠) تقريبا، وعدد الأحاديث (٤٣١٨) (^٤).\nلذا كانت أحاديث الأحكام في كتاب \"الجامع\" كثيرة حتى بلغت قريبا من نصف الكتاب: (٢٠١٧) حديث.\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٠).\n(^٢) (٢/ ٣١٥).\n(^٣) (٣/ ٤١٤).\n(^٤) هذا حسب طبعة التأصيل، ينظر: مقدمة التحقيق: (١/ ٢٦٦)، وحسب ترقيم طبعة الرسالة: كتب الجامع (٤٣)، وعدد الأبواب (٢٣٠٠) تقريبا، وعدد الأحاديث (٤٣٠٠).","vol":"1","page":240},{"text":"مع ملاحظة أن هذه الأحاديث قد انتقاها بعناية، ليس من حيث الصناعة الحديثية فحسب، بل من الناحية الفقهية أيضًا، ولا شك أن هذا يدل على فقه وعلم.\nومن أمثلة ذلك:\n١ - قال في باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور: (حدثنا علي بن حجر، وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.\nهذا حديث في إسناده اضطراب، وقد روي هذا الحديث عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث.\nوقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر، ورخص فيه بعضهم، وهو قول أحمد، وإسحاق.\nوروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه.\nحدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر ابن زيد الصنعاني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه.\nهذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كثير أحد روى عنه غير عبد الرزاق).\nثم قال: (باب. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: نهي عن ثمن الكلب، إلا كلب الصيد.","vol":"1","page":241},{"text":"هذا حديث لا يصح من هذا الوجه، وأبو المهزم اسمه: يزيد بن سفيان، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج (^١).\nوقد روي عن جابر، عن النبي ﷺ نحو هذا، ولا يصح إسناده أيضًا) (^٢).\nقلت: كاد الترمذيُّ أن يستوعب أحاديث الباب كلها، مع الكلام عليها حديثا حديثا من حيث الصناعة الحديثية.\n* * *\nالوجه الثالث: الأحاديث التي يذكرها إجمالا بعد الحديث الذي يسوقه مسندا، وذلك بقوله: (وفي الباب).\nوهذا علم قائم برأسه، وهو من مزايا كتابه (^٣)،، فلا يكاد يخلو باب من هذا، مع ملاحظة أنه أحيانا يذكر أحاديث كثيرة جدا، كما فعل في (باب في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ) (^٤)، و(باب ما جاء في كل مسكر حرام) (^٥)، أشار في كل واحد منهما إلى (١٩) حديثا في الباب، وفي (باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر) (^٦) أشار إلى (١٨) حديثا، وفي (باب ما جاء في الصرف) (^٧) أشار إلى (١٢) حديثا، وأحيانا يذكر أقل من ذلك، وفي أحيان كثيرة يشير إلى ثلاثة أحاديث -كما في أول باب من كتابه-، أو أربعة -كما في الباب الرابع-، أو خمسة -كما في الباب السادس-، والمقصود أنه لا يكاد يخلو باب من ذلك.\n_________\n(^١) في بعض الطبعات زيادة: (وضعفه).\n(^٢) (٢/ ٤١١ - ٤١٢).\n(^٣) نعم يقول البخاري في بعض الأحيان: (وفي الباب عن فلان)، ولكن على سبيل الندرة والقلة، أعني القلة في الأحاديث التي يذكرها، والندرة في فعل ذلك.\n(^٤) (٣/ ٥٣٦).\n(^٥) (٣/ ١٢٤).\n(^٦) (١/ ٣٩١).\n(^٧) (٢/ ٣٩٠).","vol":"1","page":242},{"text":"وهذه الأحاديث التي في الباب على قسمين:\nالأول: أن تكون بلفظ الحديث الذي ساقه، أو بمعناه.\nوالثاني: أن تكون مما يدخل في بيان حكم هذه المسألة، ولا يكون بنفس اللفظ.\nولا يخفى أن هذا يدل على فقه أبي عيسى، وهي فائدة كبيرة أيضًا لطالب العلم، فيقف على هذه الأحاديث بدلالة أبي عيسى له عليها.\nلذا اعتنى بتتبعها جمع من الحفاظ، وعلى رأسهم ابن سيد الناس في \"شرحه\" ولكنه لم يتم ذلك؛ لأنه ما أكمل شرحه للكتاب، ومنهم ابن رجب، والظاهر أنه أتم جميع الكتاب؛ لأنه شرح \"العلل الصغير\" من \"جامعه\"، ومنهم العراقي في إكماله لشرح ابن سيد الناس، ولكنه لم يتمه، وأتم بعضا منه ابنه أبو زرعة، ومنهم ابن حجر، فقد ذكر السخاوي أن للحافظ ابن حجر كتابا في ذلك، فقال -وهو يعدد مصنفات الحافظ-: (تخريج ما يقول فيه الترمذي: \"وفي الباب\"، كتب مِنْ أوائله قدرَ ستة كراريس، لو كمُلَ لجاء في مجلد ضخم، سماه \"العُجاب في تخريج ما يقول فيه الترمذي: وفي الباب\") (^١).\nوقد اعتنى بذلك في هذا الوقت بعض أهل عصرنا، فبلغت قريبا من (٤٠٠٠) حديث (^٢)، وفي إشارة الترمذي إلى هذه الأحاديث فائدتان:\nالأولى: الدلالة عليها.\nوالثانية: إشارته إلى فقهها، وذلك بإدراجه لها تحت هذا الباب.\n_________\n(^١) \"الجواهر والدرر\" (٢/ ٦٦٦).\n(^٢) مع ملاحظة أنه أحيانا يذكر الحديث بقوله: \"وفي الباب\"، ثم يسنده بعد ذلك.","vol":"1","page":243},{"text":"وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك، هذا غير الفوائد التي تستفاد منها من حيث الصناعة الحديثية.\n* * *\nالوجه الرابع: التبويبات التي بَوَّب بها على النصوص التي أودعها في كتابه، فهذه التبويبات فيها اختيارات واستنباطات له، كما سوف يأتي، وقد ذكر أبوابا كثيرة في كتابه \"الجامع\" حتى بلغت: (٢١٣٤) بابا تقريبا.\nواستعراض هذه التبويبات لوحدها يستفيد منه الباحث مسائل كثيرة، ويفتح له فوائد عديدة؛ فهي فقه قائم بذاته، ولا يخفى أن صناعة التبويب صناعة دقيقة ليس كل أحد يحسنها، فعلى من بَوَّب أن يكون تبويبه مناسبا للنص الذي أودعه تحت هذا الباب، كما أنه لا بد أن يكون مختصرا جامعا، لذا من جاء بعد الأئمة كالنووي مثلا عندما بَوَّب كتاب مسلم أطال جدا في التبويبات، فأصبح في بعض الأحيان أقرب إلى الشرح منه إلى التبويب، ولما كانت تبويبات البخاري مختصرة ودالة على المقصود مع دقتها قيل: (فقه البخاري في تراجمه) (^١).\nوينبغي أن يلاحظ أن هذه التبويبات على أنواع، وليست نوعا واحدا، فأحيانا يُشار فيها إلى الاختلاف، وأحيانا يكون فيها النص على اختيار المُبوِّب، وفي بعض الأحيان يُشار إلى معنى لطيف في الخبر المذكور تحت الباب (^٢).\nفمن تبويبات الترمذي الدقيقة: قوله في كتاب الطلاق: (باب ما جاء فيمن يُحدِّث نفسه بطلاق امرأته)، ثم ساق بإسناده إلى رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) ينظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١/ ١٣).\n(^٢) وأحيانا يبوب بعضهم -كالبخاري- بآية أو بعض آية، أو حديث أو جزء من حديث.","vol":"1","page":244},{"text":"أنه قال: \"تجاوز الله لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به، أو تعمل به\" (^١).\nفهذا الحديث عام، ويدخل فيه مسائل كثيرة، فاستفاد منه الترمذي حكم هذه المسألة المهمة، لذا قال بعد ذلك: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به) (^٢).\nومن تبويباته الجميلة أيضًا: قوله: (باب ما جاء في مداراة النساء) (^٣)، ثم ساق بإسناده إلى رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن المرأة كالضلع، إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج\".\nفاستفاد الترمذي من هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان أن يداري امرأته، في معاشرته لها، فأصبح هذا التبويب كالشرح للحديث.\nوأما طريقته في التبويب: ففي الغالب الأعم يقول: باب ما جاء في كذا، وهذا خبر وليس فيه بيان الحكم؛ والسبب في ذلك أنه بعد إيراده للحديث يذكر ما دلّ عليه الحديث مع بيان أقوال أهل العلم، وأحيانا يبين اختياره في الباب الذي يعقده كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهذا قليل، ولكنه موجود، ولا شك أن المنهج الصحيح أن طالب العلم يستدل أولا ثم يعتقد، فلعله قصد ذلك (^٤).\n_________\n(^١) (٢/ ٣٥٦).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) (٢/ ٣٥٩).\n(^٤) بخلاف البخاري، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، فإنهم لا يذكرون بعد الأحاديث التي أوردوها ما فيها من الفقه اكتفاء بما بوبوا به.\nوميزة طريقة البخاري ومن معه، أن طالب العلم ينتبه ابتداء إلى ما دلت عليه هذه الأحاديث، وهي الطريقة التي سار عليها غالب من صنف في الحديث على طريقة الأبواب.\nفتبين أن لكل من الطريقتين ميزة على الأخرى.","vol":"1","page":245},{"text":"ومن التبويبات التي صرح فيها الترمذي باختياره:\n١ - قوله: (باب ما جاء في إيجاب التشميت لحمد العاطس)، ثم روى عن أنس بن مالك: أن رجلين عطسا عند النبي ﷺ، فشمت أحدَهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: يا رسول الله، شمت هذا ولم تشمتني؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنه حمد الله، وإنك لم تحمده\" (^١).\nوهذا الحكم الذي ذكره المصنف من إيجاب التشميت على السامع بشرط إذا حمد العاطس أخذه من مجموع الأحاديث التي ذكرها تحت (باب ما جاء في تشميت العاطس) (^٢)، فقد دل حديث عليّ، وحديث أبي هريرة، وفيهما: \"ويشمته إذا عطس\"، على وجوب ذلك على السامع، وأما اشتراط الحمد فأخذه الترمذي من حديث أنس الذي أورده تحت هذا الباب.\n٢ - قوله: (باب ما لا يجوز من الأضاحي)، ثم روى حديث البراء بن عازب، رفعه قال: \"لا يُضحَّى بالعرجاء بَيِّنٌ ظَلْعُها، ولا بالعوراء بَيِّنٌ عورها، ولا بالمريضة بَيِّنٌ مرضها، ولا بالعَجْفاء التي لا تُنْقي\".\nوقال: (هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز عن البراء، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم) (^٣).\nقلت: والفائدة من هذا التبويب أن أبا عيسى صَرَّح بأن هذه الأربع هي التي لا تُجزئ فقط، ويلحق بها ما كان مثل أحدها، أو أشد منها، مثل العمياء؛ لأنه إذا كانت العوراء لا تجزئ فالعمياء من باب أولى، وكذلك العرجاء إذا كانت لا تجزئ فالتي لا تمشى لا تجزئ من باب أولى.\nوفائدة ذلك أن ما نهي عن التضحية به غير هذه الأربعة يكون مجزئا مع الكراهة، كما جاء في حديث عليّ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن\n_________\n(^١) (٣/ ٥٧٦).\n(^٢) (٣/ ٥٧٤).\n(^٣) (٢/ ٥٤٠).","vol":"1","page":246},{"text":"نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء).\nلذا بوب الترمذي على حديث عليّ هذا: (باب ما يكره من الأضاحي) (^١)، وبوب على ما سبق بأنه لا يجوز، فغاير بينهما، وفي هذا فائدة عظيمة -كما سبق-، وهي أن كل ما جاء النهي عنه غير الأربعة وما يلحق بها فإنه على سبيل الكراهية وليس على سبيل التحريم، وهذا يؤخذ من حديث البراء، عندما ذكر النهي عن هذه الأربعة فقط، وبمثل هذا صرح أبو بكر ابن خزيمة أيضًا في صحيحه (^٢).\n٣ - قوله: (باب ما جاء في الرخصة في الثوب الأحمر للرجال)، ثم ساق من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن البراء قال: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ (^٣).\nقلت: وهذا دليل ظاهر على جواز لبس الأحمر للرجال، وهذا ما أشار إليه الترمذي، ولا يخفى الخلاف في هذه المسألة.\nوقد يبوب الترمذي أحيانا على الحديث، ثم يختار قولا قد يكون أخص مما بوب عليه، ومن أمثلة ذلك:\nقوله: (باب في كراهية رد السلام غير متوضئ) ثم ذكر حديث ابن عمر: أن رجلا سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه، ثم قال: (وإنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك) (^٤).\nقلت: يلاحظ أن اختياره أخص مما بوب به عليه.\n_________\n(^١) (٢/ ٥٤١).\n(^٢) (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٤).\n(^٣) (٣/ ٥٧).\n(^٤) (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"1","page":247},{"text":"ومن منهج الترمذي: أن المسألة إذا كان فيها حديثان، وكل حديث يدل على قول فيها فإنه يورد كل حديث في باب مستقل، ويذكر أسماء العلماء الذين عملوا بكل حديث من الحديثين في الباب الذي أورده فيه، ومن أمثلة ذلك:\n١ - قال ﵀: (باب الوضوء من مس الذكر.\nحدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن بُسْرَة بنت صفوان، أن النبي ﷺ قال: \"من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ\".\n… وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nقال محمد: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة.\nوقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح، وهو حديث العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة.\nوقال محمد: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول، عن رجل، عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحا.\nباب ترك الوضوء من مس الذكر\nحدثنا هناد، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي الحنفي، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"وهل هو إلا مضغة منه؟ أو بضعة منه؟ \".\n… وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وبعض التابعين:","vol":"1","page":248},{"text":"أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة، وابن المبارك.\nوهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب.\nوقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة، ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه.\nوقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة.\nوحديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن) (^١).\n٢ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في التغليس بالفجر\nحدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، قال: وحدثنا الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء، -قال الأنصاري: فيمر النساء- متلففات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وقال قتيبة: متلفعات.\n… وهو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، يستحبون التغليس بصلاة الفجر.\nباب ما جاء في الإسفار بالفجر\nحدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة -وهو ابن سليمان-، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر\".\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٦ - ٣٢٩).","vol":"1","page":249},{"text":"وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين الإسفار بصلاة الفجر، وبه يقول سفيان الثوري، وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار: أن يَضِحَ الفجر فلا يُشَكُّ فيه ولم يروا أن معنى الإسفار: تأخير الصلاة) (^١).\n٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في إفراد الإقامة\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، ويزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة.\n… وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nباب ما جاء أن الإقامة مثنى مثنى.\nحدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا عقبة بن خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد، قال: كان أذان رسول الله ﷺ شفعا شفعا في الأذان والإقامة.\n… وقال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى.\nوبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأهل الكوفة) (^٢).\n٤ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل، قال:\n_________\n(^١) (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(^٢) (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":250},{"text":"سمعني أبي وأنا في الصلاة، أقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، فقال لي: أي بني محدث، إياك والحدث، قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه، قال: وقد صليت مع النبي ﷺ، ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].\nوالعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يرون أن يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالوا: ويقولها في نفسه.\nباب من رأى الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nحدثنا أحمد بن عبدة، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثني إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ: منهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين، رأوا الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوبه يقول الشافعي) (^١).\nوأما إذا كان الخلاف بين العلماء في فهم حديث واحد، أو بسبب أن بعض العلماء لم يبلغه أو لم يصح عنده فإنه يذكر الخلاف في ذلك في باب واحد، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها:\n_________\n(^١) (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨).","vol":"1","page":251},{"text":"١ - قال ﵀: (باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل.\nحدثنا علي بن حجر، وأحمد بن محمد بن موسى، قالا: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن أشعث، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: \"إن عامة الوسواس منه\".\n… وقد كره قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعض أهل العلم منهم ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال: إن عامة الوسواس منه، فقال: ربنا الله لا شريك له.\nوقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء.\nقال أبو عيسى: حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الآملي، عن حبان، عن عبد الله بن المبارك) (^١).\n٢ - وقال أيضًا: (باب الوضوء من القيء والرعاف.\nحدثنا أبوعبيدة بن أبي السفر، وإسحاق بن منصور، قال أبوعبيدة: حدثنا، وقال إسحاق: أخبرنا، عبدالصمد بن عبدالوارث قال: حدثني أبي، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبدالرحمن ابن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد المخزومي، عن أبيه، عن معدان ابن أبي طلحة، عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه.\nوقال إسحاق بن منصور: معدان بن طلحة.\nوابن أبي طلحة أصح.\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٩).","vol":"1","page":252},{"text":"وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين: الوضوء من القيء والرعاف، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.\nوقال بعض أهل العلم: ليس في القيء والرعاف وضوء، وهو قول مالك، والشافعي) (^١).\n٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده.\nحدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلا صلى خلف الصف وحده -والشيخ يسمع- فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة.\n… وقد كره قوم من أهل العلم أن يصلي الرجل خلف الصف وحده، وقالوا: يعيد إذا صلى خلف الصف وحده، وبه يقول أحمد، وإسحاق.\nوقد قال قوم من أهل العلم: يجزئه إذا صلى خلف الصف وحده، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي.\nوقد ذهب قوم من أهل الكوفة إلى حديث وابصة بن معبد أيضًا، قالوا: من صلى خلف الصف وحده يعيد، منهم: حماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، ووكيع) (^٢).\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٩).\n(^٢) (١/ ٤١٨).","vol":"1","page":253},{"text":"الوجه الخامس: نقله للإجماعات التي وقعت بين أهل العلم.\nقد أولى أبو عيسى الترمذي هذا الجانب اهتماما كبيرا في كتابه \"الجامع\"، ويعتبر من أوائل الذين ينقلون إجماع أهل العلم، فهو أقدم من أبي بكر ابن المنذر (^١)، ومن المعلوم أن الذين ينقلون الإجماع إنما يعتمدون غالبا على ابن المنذر ومن أتى من بعده، فأبو عيسى أقدم منه، فهو كما اهتم بالخلاف اهتم أيضًا بالإجماع، وأضاف إلى ذلك الاهتمام بما عليه العمل، وبما ليس عليه العمل كما سوف يأتي.\nوهذا يدل على اطلاع واسع، لذا قل في الأمة من ينقلى الإجماع، ولا شك أن طريقة عرضه للخلاف تؤهله لهذا الأمر (نقل الإجماع)، فهو كما تقدم يبتدئ بأقوال الصحابة وبالذات كبارهم، ثم التابعين، ومن أتى من بعدهم إلى أصحاب المذاهب المشهورة، وأحيانا لا ينقل الإجماع، ولكن ينص على أن هذا القول هو قول الأكثر، وأحيانا يذكر أن هذا قول بعض أهل العلم، وإليك أمثلة على ذلك:\n١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد: (وهو قول عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك: بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئا من المسجد) (^٢).\n٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام في الركوع والسجود): (وبه يقول أهل العلم: أن مَن خلف الإمام يتبعون الإمام فيما يصنع، ولا يركعون إلا بعد ركوعه، ولا يرفعون إلا بعد رفعه، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا) (^٣).\n_________\n(^١) مع ملاحظة سبق الشافعي له، وأيضًا ممن ينقل الإجماع محمد بن نصر وهو عصريه.\n(^٢) (١/ ٣٦١).\n(^٣) (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":254},{"text":"٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصلاة): (والعمل على هذا عند أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة) (^١).\n٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في الوليين يزوجان): (والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا: إذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا زوجا جميعا فنكاحهما جميعا مفسوخ، وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق) (^٢).\n٥ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في طلاق المعتوه): (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوها يفيق الأحيان، فيطلق في حال إفاقته) (^٣).\n٦ - وقال أيضًا باب في الوقف -بعد أن ذكر حديث ابن عمر- ﵄ قال: أصاب عمر أرضا بخيبر … -: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافا في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك) (^٤).\n٧ - وقال أيضًا في (باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) بعد أن ذكر حديث معاوية ﵁ في ذلك: (وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"إن من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه\"، قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله.\n_________\n(^١) (٢/ ١٣٦).\n(^٢) (٢/ ٣١٠).\n(^٣) (٢/ ٣٦٠).\n(^٤) (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).","vol":"1","page":255},{"text":"وكذلك روى الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن النبي ﷺ نحو هذا قال: فرفع القتل، وكانت رخصة، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث … الخ) (^١).\nقلت: يلاحظ هنا تورع الترمذي فهو لا يجزم بنقل الإجماع، وإنما يعلق ذلك بعدم العلم، وأما إذا كان الأمر واضحا فإنه يجزم بالإجماع، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قوله في (باب ما جاء في كم تمكث النفساء): (وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي … الخ) (^٢).\n٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين في السجود) - بعد أن روى حديث عامر بن سعد، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين ونصب القدمين …: (وهو الذي أجمع عليه أهل العلم واختاروه) (^٣).\n٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين): (وهو ما أجمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) (^٤).\n٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في حج الصبي): (وقد أجمع أهل العلم: أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك، لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق\n_________\n(^١) (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩).\n(^٢) (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(^٣) (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٤) (١/ ٥٢٥).","vol":"1","page":256},{"text":"فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلا، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) (^١).\n٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في حج الصبي: (وقد أجمع أهل العلم على: أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، هي تلبي (^٢)، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية) (^٣).\n٦ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل؟: (وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطأ على العاقلة) (^٤).\n٧ - قال أبو عيسى في باب في الذبح بعد الصلاة: (وقد أجمع أهل العلم: ألا يجزئ الجذع من المعز، وقالوا: إنما يجزئ الجذع من الضأن) (^٥).\nوأحيانا يقول: هذا قول عامة أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قوله في باب ما جاء في المني والمذي: (وقد روي عن عليّ، عن النبي ﷺ من غير وجه: \"من المذي الوضوء، ومن المني الغسل\".\nوهو قول عامة اْهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، وبه يقول سفيان والشافعي، وأحمد، وإسحاق) (^٦).\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في مؤاكلة الجنب الحائض وسؤرها: (وهو قول عامة أهل العلم: لم يروا بمؤاكلة الحائض بأسا، واختلفوا في\n_________\n(^١) (٢/ ٢١٠).\n(^٢) في بعض النسخ: (بل هي تلبي عن نفسها).\n(^٣) (٢/ ٢١١).\n(^٤) (٢/ ٤٧٢).\n(^٥) (٢/ ٥٤٨).\n(^٦) (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":257},{"text":"فضل وضوئها، فرخص في ذلك بعضهم، وكره بعضهم فضل طهورها) (^١).\nوأحيانا يقول: عليه العمل ولا يذكر خلافا، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قوله في باب ما جاء السجود على سبعة أعضاء -بعد أن ذكر حديث العباس بن عبد المطلب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب (^٢): وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه\"-: (وعليه العمل عند أهل العلم) (^٣).\n٢ - وقال أيضًا -بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه-: (حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم: يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه) (^٤).\nوأحيانا يذكر أن هذا القول هو قول أكثر أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها تضع -بعد أن ذكر حديث أبي السنابل بن بَعْكَك قال: وضعت سُبيعة بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين يوما … -: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن الحامل المتوفى عنها زوجها إذا وضعت فقد حل لها التزويج، وإن لم تكن انقضت عدتها، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: تعتد آخر الأجلين.\n_________\n(^١) (١/ ٣٦٠).\n(^٢) آراب: أعضاء، وأحدها إِرب بالكسر والسكون. \"النهاية\" (١/ ٣٦).\n(^٣) (١/ ٤٤٣).\n(^٤) (١/ ٤٥٠).","vol":"1","page":258},{"text":"والقول الأول أصح) (^١).\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر-بعد أن ذكر حديث سلمة بن صخر البياضي، عن النبي ﷺ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: \"كفارة واحدة\"-: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي) (^٢).\n٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها) -بعد أن ذكر حديث الفريعة بنت مالك بن سنان أنها جاءت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة … -: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها.\nوالقول الأول أصح) (^٣).\n* * *\nالوجه السادس: ذكره لما عليه العمل، وما ليس عليه العمل.\nلا يخفى على الناظر في كتاب أبي عيسى اهتمامه البالغ بذلك، لذا فإن الراجح في تسمية كتابه: \"الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ، ومعرفة الصحيح والمعلول، وما عليه العمل\".\n_________\n(^١) (٢/ ٣٦٢).\n(^٢) (٢/ ٣٦٤).\n(^٣) (٢/ ٣٦٩).","vol":"1","page":259},{"text":"وقد اهتم بذلك إجمالا وتفصيلا:\nأما تفصيلا: فقلَّ أن يخلوَ باب من ذلك، إلا أبواب التفسير وأبواب الجنة والنار، ونحو ذلك.\nوأما إجمالا: فقد قال في أول كتابه العلل الصغير: (جميع ما في هذا الكتاب (^١) من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين:\nحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر (^٢).\nوحديث النبي ﷺ أنه قال: \"إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه\".\nوقد بينا علة الحديثين جميعًا في الكتاب) (^٣).\nوقد كان ﵀ يتفنن في عرضه لذلك:\nكقوله في بعض الأحيان: (والعمل على هذا عند أهل العلم).\nوفي بعضها: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم)، بدون أن يقيد ذلك بصحابة أو تابعين (^٤).\nوفي بعضها: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) (^٥).\nوفي بعضها: (وذهب أكثر أهل العلم والفقه من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم إلى …) (^٦).\n_________\n(^١) أي: \"الجامع\".\n(^٢) في بعض الطبعات زيادة: (ولا مطر).\n(^٣) (٥/ ٧).\n(^٤) سبقت عدة أمثلة لهذا وللذي قبله.\n(^٥) (٢/ ٣٨٢).\n(^٦) (٢/ ٣٥٣).","vol":"1","page":260},{"text":"وفي بعضها: (والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) (^١).\nوفي بعض الأحيان يقول: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) (^٢).\nوفي بعضها: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من التابعين ومن بعدهم) (^٣).\nوأحيانا: (اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ) (^٤).\nوقال في موضع آخر: (وهو قول بعض أهل العلم منهم: الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وبه يقود أحمد وإسحاق) (^٥).\nوقال مرة: (وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة -، والفقهاء من التابعين ومن بعدهم -مثل سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحق- قالوا: إذا التقى الختانان وجب الغسل) (^٦).\nوقد يشير الترمذي إلى عدم العمل بالحديث بعبارات أخرى كقوله: (ولا نعرف معنى هذا الحديث) ونحو ذلك، ومن الأمثلة عليه:\n١ - قوله ﵀ في أبواب الشهادات عن رسول الله ﷺ (^٧): (حدَّثنا قتيبة، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود حدا ولا مجلودة، ولا ذي غمر لأخيه،\n_________\n(^١) (٢/ ٣٧٨).\n(^٢) (١/ ٤٨٩).\n(^٣) (٢/ ٣٤٠).\n(^٤) (٢/ ٣٥١).\n(^٥) (٢/ ٣٥٤).\n(^٦) (١/ ٣٤٤).\n(^٧) في بعض النسخ: (باب ما جاء فيمن لا تجوز شهادته).","vol":"1","page":261},{"text":"ولا مجرب شهادة، ولا القانع أهل البيت لهم، ولا ظنين في ولاء، ولا قرابة\"، قال الفزاري: القانع التابع.\nهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث، ولا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه.\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو.\nولا نعرف معنى هذا الحديث، ولا يصح عندنا من قبل إسناده. والعمل عند أهل العلم أن شهادة القريب جائزة لقرابته.\nواختلف أهل العلم في شهادة الوالد للولد، والولد للوالد، فلم يجز أكثر أهل العلم شهادة الولد للوالد ولا الوالد للولد، وقال بعض أهل العلم: إذا كان عدلا فشهادة الوالد للولد جائزة، وكذلك شهادة الولد للوالد، ولم يختلفوا في شهادة الأخ لأخيه أنها جائزة، وكذلك شهادة كل قريب لقرابته. وقال الشافعي: لا تجوز شهادة الرجل على الاخر وإن كان عدلا إذا كان بينهما عداوة، وذهب إلى حديث عبدالرحمن الأعرج، عن النبي ﷺ مرسلًا: \"لا تجوز شهادة صاحب حنة\"، يعنى: صاحب عداوة، وكذلك معنى هذا الحديث حيث قال: \"لا تجوز شهادة صاحب غمر\" يعني صاحب عداوة) (^١).\nقلت: قوله: (ولا نعرف معنى هذا الحديث) يعنى: أنه مخالف لما عليه العمل كما شرح ذلك بعد أن ذكر ما تقدم، لا أنه لا يعرف معناه من حيث اللغة، كيف وهو قد فسره؟!\n٢ - مثال آخر: قال ﵀ في باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم\n_________\n(^١) (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨).","vol":"1","page":262},{"text":"أحدهما: (حدَّثنا أحمد بن منيع، وهناد، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد.\nهذا حديث في إسناده مقال، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم: أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها وهي في العدة أن زوجها أحق بها ما كانت في العدة، وهو قود مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nحدَّثنا هناد، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رد النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحا.\nهذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن حصين من قبل حفظه.\nحدَّثنا يوسف بن عيسى، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا جاء مسلما على عهد النبي ﷺ، ثم جاءت امرأته مسلمة، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت معي فرُدها عليّ، فرَدّها عليه.\nهذا حديث صحيح.\nسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يذكر، عن محمد ابن إسحاق هذا الحديث.\nوحديث الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبي ﷺ رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد، ونكاح جديد.","vol":"1","page":263},{"text":"فقال يزيد بن هارون: حديث ابن عباس أجود إسنادا.\nوالعمل على حديث عمرو بن شعيب) (^١).\nقلت: وهذا فيه أيضًا نقد للحديث من جهة المتن إذا كان مخالفا للنصوص الأخرى.\n* * *\nالوجه السابع: ذكره لخلاف أهل العلم في المسائل المتعلقة بالحديث الذي أورده، مع ملاحظة أنه أحيانا يتوسع في ذكر الخلاف كما توسع في أبواب الطلاق، وأحيانا يختصر، بل قد لا يذكر شيئًا، وذلك تبعا للمسألة التي يعالجها، فمثلا في أبواب التفسير (^٢)، وأبواب صفة الجنة والنار (^٣)، لا يذكر شيئًا من ذلك، لأنها لا علاقة لها بالأحكام.\nوأما الأحاديث التي لها علاقة مباشرة بالأحكام فيعتني فيها بهذا الجانب كثيرا، حتى إنه أحيانا يذكر عدة أقوال في المسألة الواحدة، مبتدئا بالصحابة، مع تنصيصه أحيانا على أن هذا قول الصديق أو عمر وغيرهما من الصحابة (^٤)، ويلاحظ أيضًا أنه في أحيان قليلة يسند هذه الأقوال، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.\nوالكلام على هذا يطول، ولكن سوف أضرب بعض الأمثلة على ذلك:\n١ - فقد قال تحت (باب ما جاء في أمرك بيدك): (حدَّثنا علي بن نصر بن علي، قال: حدَّثنا سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا حماد بن زيد،\n_________\n(^١) (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n(^٢) (٤/ ٥٦).\n(^٣) (٣/ ٤٩٠، ٤٦٢).\n(^٤) لا يخفى ميزة قول الخلفاء الراشدين على غيرهم من الصحابة، وخاصة أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم جميعًا.","vol":"1","page":264},{"text":"قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك إنها ثلاث؟ فقال: لا، إلا الحسن، ثم قال: اللهم غفرا، إلا ما حدَّثني قتادة عن كثير- مولى ابن سمرة-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ثلاث\". قال أيوب: فلقيت كثيرًا مولى ابن سمرة فسألته: فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.\nهذا حديث لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حدَّثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف.\nولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعا (^١)، وكان علي بن نصر حافظا، صاحب حديث.\nوقد اختلف أهل العلم في \"أمرك بيدك\"، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود-: (هي واحدة)، وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم.\nوقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت.\nوقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها، فطلقت نفسها ثلاثا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا في واحدة استحلف الزوج، وكان القول قوله مع يمينه.\nوذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله، وأما مالك بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد، وأما إسحاق فذهب إلى قول ابن عمر) (^٢).\n_________\n(^١) في بعض الطبعات: (ولم يعرف محمد حديث أبي هريرة مرفوعا).\n(^٢) (٢/ ٣٥٢).","vol":"1","page":265},{"text":"قلت: فيلاحظ أنه ذكر ثلاثة أقوال في المسألة، مع بيان أقوال كبار الصحابة كعمر وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، ومن أتى من بعدهم من التابعين، وإن لم ينص على قول واحد منهم بعينه، ثم ذكر أقوال أئمة المذاهب المشهورة، فذكر قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وقول أهل المدينة -بذكره لقول الإمام مالك (^١) -، ثم ذكر قول أئمة الحديث -بذكره لقول أحمد وإسحاق في المسألة-.\n٢ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم) (^٢) ثم ذكر حديث أبي بن كعب وزيد بن خالد الجهني في المسألة، ثم ذكر فقه هذه المسألة فقال: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، رخصوا في اللقطة إذا عرفها سنة فلم يجد من يَعْرِفُها أن ينتفع بها، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، وغيرهم: يعرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا تصدق بها، وهو قول سفيان الثوري، وعبدالله بن المبارك، وهو قول أهل الكوفة، لم يروا لصاحب اللقطة أن ينتفع بها إذا كان غنيا.\nوقال الشافعي: ينتفع بها وإن كان غنيا؛ لأن أبي بن كعب أصاب على عهد رسول الله ﷺ صرة فيها مائة دينار، فأمره النبي ﷺ أن يعرفها ثم ينتفع بها، وكان أبي كثير المال، من مياسير أصحاب النبي ﷺ، فأمره النبي ﷺ أن يعرفها، فلم يجد من يعرفها، فأمره النبي ﷺ أن يأكلها، فلو كانت اللقطة لم تحل إلا لمن تحل له الصدقة لم تحل لعلي بن أبي طالب؛ لأن علي بن أبي طالب أصاب دينارا على عهد رسول الله ﷺ فعرفه، فلم يجد من يعرفه، فأمره النبي ﷺ بأكله، وكان عليّ لا تحل له الصدقة.\n_________\n(^١) فضلا عن الصحابة الذين كانوا بالمدينة، كعمر وعثمان وزيد وابن عمر.\n(^٢) (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":266},{"text":"وقد رخص بعض أهل العلم إذا كانت اللقطة يسيرة أن ينتفع بها، ولا يعرفها.\nوقال بعضهم: إذا كان دون دينار يعرفها قدر جمعة، وهو قول إسحاق بن إبراهيم) (^١).\nقلت: فيلاحظ أنه أطال في الشرح والبيان مع ذكر أقوال أهل العلم في المسألة مبتدئا بالصحابة وغيرهم، ثم ذكر قول أئمة المذاهب المشهورة، كالشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وابن المبارك، وقول أهل الكوفة.\n٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء الرجل يطلق امرأته البتة.\nحدَّثنا هناد، قال: حدَّثنا قبيصة، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبدالله بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي البتة، فقال: \"ما أردت بها؟ \" قلت: واحدة، قال: \"والله؟ \" قلت: والله، قال: \"فهو ما أردت\".\nهذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٢).\nوقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في طلاق البتة، فروي عن عمر بن الخطاب، أنه جعل البتة واحدة.\nوروي عن علي، أنه جعلها ثلاثا.\nوقال بعض أهل العلم: فيه نية الرجل، إن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى ثنتين لم تكن إلا واحدة، وهو قول الثوري، وأهل الكوفة.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٦٢).\n(^٢) في بعض الطبعات زيادة: (وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب. ويروى عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا).","vol":"1","page":267},{"text":"وقال مالك بن أنس في البتة: إن كان قد دخل بها فهي ثلاث تطليقات.\nوقال الشافعي: إن نوى واحدة فواحدة يملك الرجعة، وإن نوى ثنتين فثنتين، وإن نوى ثلاثا فثلاث) (^١).\nقلت: فيلاحظ هنا أنه ذكر خمسة أقوال مبتدئا بالصحابة، ثم من أتى من بعدهم من أئمة المذاهب المشهورة.\n٤ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها) ثم ذكر حديث أبي سعيد: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو ابنها، أو ذو محرم منها\". ثم قال: (وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم\".\nوالعمل على هذا عند أهل العلم؛ يكرهون للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم.\nواختلف أهل العلم في المرأة إذا كانت موسرة ولم يكن لها محرم، هل تحج؟\nفقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها الحج؛ لأن المحرم من السبيل؛ لقول الله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقالوا: إذا لم يكن لها محرم فلم تستطع إليه سبيلا، وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة.\nوقال بعض أهل العلم: إذا كان الطريق آمنا فإنها تخرج مع الناس في الحج، وهو قول مالك بن أنس، والشافعي.\n_________\n(^١) (٢/ ٣٥١).","vol":"1","page":268},{"text":"حدَّثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدَّثنا بشر بن عمر، قال: حدَّثنا مالك بن أنس، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم\".\nهذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: بين أبو عيسى ما دلت عليه هذه الأحاديث من عدم جواز سفر المرأة بدون محرم، ثم ذكر بعض المسائل التي تنبني على هذه القضية، مع أقوال أهل العلم في ذلك.\n٥ - وقال أيضًا في (باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم): (حدَّثنا علي بن حجر، قال: حدَّثنا عيسى بن يونس، قال: حدَّثنا الحسين المعلم، عن عبدالله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: \"من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد\".\nوفي الباب: عن عبدالله بن عمرو، وأنس، والسائب.\nقال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.\nوقد روي هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلا أنه يقول: عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض، فقال: \"صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\".\nقال أبو عيسى: حدَّثنا بذلك هناد، قال: حدَّثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، بهذا الحديث.\n_________\n(^١) (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧).","vol":"1","page":269},{"text":"لا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.\nوقد روى أبو أسامة، وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس.\nومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة التطوع.\nواختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالسا:\nفقال بعض أهل العلم: إنه يصلي على جنبه الأيمن.\nوقال بعضهم: يصلي مستلقيا على قفاه، ورجلاه إلى القبلة.\nوقال سفيان الثوري في هذا الحديث: من صلى جالسا فله نصف أجر القائم، قال: هذا للصحيح ولمن ليس له عذر، فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسا فله مثل أجر القائم.\nوقد روي في بعض الحديث مثل قول سفيان الثوري.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدَّثنا ابن أبي عدي، عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، قال: إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائما، وجالسا، ومضطجعا) (^١).\nوكلامه في هذا الباب كثير، والمراد هو بيان منزلته في الفقه واطلاعه على أقوال الصحابة، من الخلفاء الراشدين، وغيرهم ممن اشتهر بالعلم، كابن عباس وابن عمر وعائشة، ومن أتى من بعدهم من التابعين كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء، وغيرهم (^٢)،\n_________\n(^١) (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(^٢) قد يشير أيضًا إلى الاختلاف عن الصحابي أو التابعي إذا كان قد نُقل عنه أكثر من قول في المسألة، ومن أمثلة ذلك:\n١ - قوله في باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (١/ ٣٥٣).: (وهو قول عامة الفقهاء: أن الجنب، والحائض إذا لم يجدا الماء تيمما وصليا. =","vol":"1","page":270},{"text":"وأتباعهم كسفيان الثوري، وأبي حنيفة (^١)، ومالك، ومن أتى من بعدهم كسفيان بن عيينة، ووكيع (^٢)، وابن المبارك، ومن بعدهم كالشافعي (^٣)، وآخرهم الإمام أحمد، وإسحاق، ولا شك أن هذا يدل على اطلاع واسع، وعلم كبير كما تقدم (^٤).\nويلاحظ اعتناؤه الشديد بأقوال الصحابة، وخاصة منهم الخلفاء الراشدين (^٥)، ولا يخفى أن هذا ينبني عليه مسائل أخرى:\n_________\n= ويروى عن ابن مسعود: أنه كان لا يرى التيمم للجنب، وإن لم يجد الماء. ويروى عنه أنه رجع عن قوله: فقال: يتيمم إذا لم يجد الماء).\n٢ - قوله في باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (٢/ ٧): (وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذأ أقام أربعا صلى أربعا.\nوروى عنه ذلك: قتادة وعطاء الخراساني.\nورَوى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا).\n(^١) كثيرا ما يعبر عن قول أبي حنيفة بـ \"أهل الكوفة\"، ولا ينص على اسمه.\n(^٢) قال أبو عيسى في أحد المواضع (١/ ٢٩٧): (وقد ذهب بعض أهل الكوفة إلى هذا الحديث، منهم وكيع بن الجراح)، وهذا يفيد أن وكيعا يدخل عنده في أهل الكوفة.\n(^٣) في الغالب يذكر الترمذي أقوال الشافعي التي في العراق بدليل أنه يرويها عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وأحيانا يذكر قوله في العراق وقوله الآخر الذي بمصر، قال ﵀ في \"العلل الصغير\": (وما كان فيه من قول الشافعي، فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي. وما كان من الوضوء والصلاة، حدَّثنا به أبو الوليد المكي عن الشافعي. ومنه ما حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدَّثنا يوسف بن يحيى القرشي البويطي عن الشافعي، وذكر فيه أشياء عن الربيع عن الشافعي، وقد أجاز لنا الربيع ذلك وكتب به إلينا) (٥/ ٨).\n(^٤) ومن مزايا كتاب \"الجامع\" أن غالب الأقوال التي فيه مسندة، فإن الترمذي إما أن يسند القول في موضع ذكره، وما لم يسنده فقد أسنده في كتاب \"العلل\" -الصغير-، وقد حوى \"جامع الترمذي\" أقوالا مسندة عن بعض العلماء الذين لا توجد أقوالهم في الكتب الأخرى كابن المبارك (١/ ٤٣٤)، وابن مهدي (١/ ٤٢٣).\n(^٥) من المواضع التي ذكر فيها اتفاق الخلفاء الراشدين: في (باب ما جاء في ترك =","vol":"1","page":271},{"text":"منها: وجوب الأخذ بقول الخلفاء الراشدين، لقوله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" (^١)، وأنهم إذا اختلفوا فيما بينهم فالأولى الأخذ بقول أبي بكر وعمر.\nومنها: أن الصحابة إذا قالوا بقول ولم يقع بينهم اختلاف فإنه يجب المصير إلى هذا القول وعدم إحداث قول يخالف اتفاقهم.\nوأبو عيسى عندما ينص على ذلك لعله يشير إلى هذا وغيره من المسائل التي تنبني على مثل ذلك.\nكما يلاحظ أن أبا عيسى يذكر أقوالا لبعض الأئمة الذين لم تعتن كثير من كتب الفقه بأقوالهم.\nويستفاد من ذكر الترمذي لهذا الخلاف العالي بين الصحابة ومن أتى من بعدهم أنه إمام مجتهد، ولا يقلد شخصا بعينه، مع ملاحظة انتسابه لأهل الحديث واهتمامه بمذهبهم، فكثيرا ما ينص على أن هذا القول \"قول أصحابنا من أهل الحديث\" ونحو ذلك، مع اعتنائه بأقوال أحمد وإسحاق منهم خاصة، وبالذات أحمد.\n_________\n= الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) قال -بعد أن ذكر حديث عبدالله بن مغفل في ترك الجهر- (١/ ٤٢٧): (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يرون أن يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالوا: ويقولها في نفسه).\nوهذا بخلاف بعض أهل العلم الذين يقتصرون على ذكر أقوال أئمة المذاهب دون غيرهم.\n(^١) الحديث عند الترمذي (٢٨٨٣) من حديث العرباض بن سارية ﵁، وقال (حسن صحيح)، وأخرجه أحمد (١٧١٤٥)، أبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجة (٤٣)، وصححه ابن حبان (٥)، والحاكم (٣٢٩).","vol":"1","page":272},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال في باب ما جاء في المصراة: (والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا، منهم: الشافعي، وأحمد، وإسحق) (^١).\n٢ - وقال في باب ما جاء فيمن يقول لآخر: يا مخنث: (والعمل على هذا عند أصحابنا، قالوا: من أتى ذات محرم -وهو يعلم- فعليه القتل، وقال أحمد: من تزوج أمه قتل، وقال إسحق: من وقع على ذات محرم قتل) (^٢).\n٣ - وقال في باب النهي عن المحاقلة والمزابنة: (والعملى على هذا عند أهل العلم، وهو قول الشافعي وأصحابنا) (^٣).\n٤ - وذكر حديث علي في دعاء الاستفتاح: \"وجهت وجهي … \"، ثم قال: (والعمل على هذا الحديث عند الشافعي وبعض أصحابنا.\nوقال بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم: يقول هذا في صلاة التطوع، ولا يقوله في المكتوبة (^٤).\nسمعت أبا إسماعيل الترمذي يقول: سمعت سليمان بن داود الهاشمي يقول -وذكر هذا الحديث-، فقال: هذا عندنا مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه) (^٥).\n٥ - وقال في باب في (باب ما جاء في التمتع): (وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) (^٦).\n_________\n(^١) (٢/ ٣٩٧).\n(^٢) (٢/ ٥٢٠).\n(^٣) (٢/ ٣٨١).\n(^٤) في بعض الطبعات زيادة: (وأحمد لا يراه).\n(^٥) (٤/ ٣٤٣).\n(^٦) (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":273},{"text":"ومن أمثلة عنايته بأقوال أحمد وإسحاق:\n١ - قال في (باب ما جاء في كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه): (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ كرهوا بيع الطعام حتى يقبضه المشتري.\nوقد رخص بعض أهل العلم فيمن ابتاع شيئًا مما لا يكال ولا يوزن، مما لا يؤكل ولا يشرب، أن يبيعه قبل أن يستوفيه، وإنما التشديد عند أهل العلم في الطعام، وهو قول أحمد وإسحق) (^١).\n٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة): (وقال أحمد وإسحاق: للبلوغ ثلاث منازل: بلوغ خمس عشرة، أو الاحتلام، فإن لم يعرف سنه ولا احتلامه فالإنبات -يعني العانة-) (^٢).\nوفي أحيان قليلة يقتصر على قول أحمد كما سبق، ومن أمثلة ذلك أيضًا:\nقال في (باب ما جاء في كسب الحجام) -بعد أن ذكر حديث ابن محيصة عن أبيه في النهي عن إجارة الحجام-: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وقال أحمد: إن سألني حجام نهيته، واَخذ بهذا الحديث) (^٣).\nوأحيانا ينص الترمذي على أن هذا القول يقول به أهل البلد الفلاني، مما يدل على اطلاعه، ومعرفته بما عليه العمل في بعض البلاد دون بعض، ومن أمثلة ذلك:\nقوله في (باب ما جاء في الترجيع في الأذان): (وعليه العمل بمكة، وهو قول الشافعي) (^٤).\n_________\n(^١) (٢/ ٤١٧).\n(^٢) (٢/ ٤٥٢).\n(^٣) (٢/ ٤١٠).\n(^٤) (١/ ٣٩٦).","vol":"1","page":274},{"text":"ويقرب من هذا تنصيصه في كثير من المواضع على أن هذا قول أهل الكوفة.\n* * *\nالوجه الثامن: تحريره لمحل النزاع في بعض المسائل، فيبين محل الاختلاف ومحل الاتفاق:\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال في (باب ما جاء في كم تقصر الصلاة): (حدثنا أحمد بن منيع، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن أبي إسحق الحضرمي، قال: حدَّثنا أنس بن مالك قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين. قال: قلت لأنس: كم أقام رسول الله ﷺ بمكة؟ قال عشرا.\nوفي الباب عن ابن عباس، وجابر.\nقال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح.\nوقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين، قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة.\nوروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة.\nوروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يوما أتم الصلاة.\nوروي عنه ثنتا عشرة.\nوروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعا صلى أربعا.\nوروى عنه ذلك: قتادة وعطاء الخراساني.\nورَوى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا.\nواختلف أهل العلم بعدُ في ذلك:","vol":"1","page":275},{"text":"فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة.\nوقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة.\nوقال مالك، والشافعي، وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة.\nوأما إسحق فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس، قال: لأنه روى عن النبي ﷺ، ثم تأوله بعد النبي ﷺ إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة.\nثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون) (^١).\n* * *\nالوجه التاسع: أنه يذكر في بعض الأحيان التعليل عند ذكر الخلاف مع توجيه بعض الأقوال، كما يعتني في بعض المسائل -بعد ذكر الاختلاف- بالشرح والبيان، وتبيين سبب الاختلاف، وأن الحديث منسوخ، أو أن ترك أهل الحديث للحديث إنما هو لضعفه، وغير ذلك من الفوائد الفقهية المتعددة.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قوله في باب المنديل بعد الوضوء: (وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء، ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري) (^٢).\n_________\n(^١) (٢/ ٧ - ٨).\n(^٢) (١/ ٣٠٩).","vol":"1","page":276},{"text":"٢ - وقوله في باب ما جاء في التثويب في الفجر: (وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب:\nفقال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، وهو قول ابن المبارك، وأحمد.\nوقال إسحاق في التثويب غير هذا، قال: هو شيء أحدثه الناس بعد النبي ﷺ إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح.\nوهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي ﷺ.\nوالذي فسر ابن المبارك، وأحمد، أن التثويب: أن يقول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم.\nوهو قول صحيح، ويقال له: التثويب أيضًا.\nوهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه.\nوروي عن عبدالله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم.\nوروي عن مجاهد، قال: دخلت مع عبدالله بن عمر مسجدا وقد أذن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن، فخرج عبدالله بن عمر من المسجد، وقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع ولم يصل فيه.\nوإنما كره عبدالله بن عمر التثويب الذي أحدثه الناس بعد) (^١).\n_________\n(^١) (١/ ٤٠٠ - ٤٠١).","vol":"1","page":277},{"text":"٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء البيعان بالخيار ما لم يتفرقا: (حدَّثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، قال: حدَّثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا\". قال: فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له.\nحدَّثنا محمد بن بشار، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدَّثني قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبدالله بن الحارث، عن حكيم بن حزام، قال: قال رسول الله ﷺ: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما\".\nوهذا حديث صحيح.\nوفي الباب عن أبي برزة، وعبدالله بن عمرو، وسمرة، وأبي هريرة، وعبدالله بن عباس.\nحديث ابن عمر حديث حسن صحيح.\nوالعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: الفرقة بالأبدان لا بالكلام.\nوقد قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي ﷺ: \"ما لم يتفرقا\"، يعني: الفرقة بالكلام.\nوالقول الأول أصح؛ لأن ابن عمر هو روى عن رسول الله ﷺ، وهو أعلم بمعنى ما روى، وروي عنه أنه كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى ليجب له.\nوهكذا روي عن أبي برزة الأسلمي أن رجلين اختصما إليه في فرس","vol":"1","page":278},{"text":"بعدما تبايعا وكانوا في سفينة، فقال: لا أراكما افترقتما، وقال رسول الله ﷺ: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\".\nوقد ذهب بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم إلى أن الفرقة بالكلام، وهو قول الثوري.\nوهكذا روي عن مالك بن أنس، وروي عن ابن المبارك أنه قال: كيف أرد هذا، والحديث فيه عن النبي ﷺ صحيح؟! وقوى هذا المذهب.\nومعنى قول النبي ﷺ: \"إلا بيع الخيار\"، معناه: أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع، فإذا خيره فاختار البيع فليس له خيار بعد ذلك في فسخ البيع، وإن لم يتفرقا، هكذا فسره الشافعي، وغيره.\nومما يقوي قول من يقول: الفرقة بالأبدان لا بالكلام، حديث عبدالله بن عمرو، عن النبي ﷺ.\nحدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله\".\nهذا حديث حسن.\nومعنى هذا: أن يفارقه بعد البيع خشية أن يستقيله، ولو كانت الفرقة بالكلام، ولم يكن له خيار بعد البيع لم يكن لهذا الحديث معنى، حيث قال ﷺ: \"ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله\") (^١).\n٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود: (وقد اختلف أهل العلم في هذا:\n_________\n(^١) (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٥).","vol":"1","page":279},{"text":"فقال بعضهم: طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود.\nوقال بعضهم: كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام.\nوقال أحمد بن حنبل: قد روي عن النبي ﷺ في هذا حديثان ولم\nيقض فيه بشيء.\nوقال إسحاق: أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلي، لأنه يأتي على جزأيه (^١) وقد ربح كثرة الركوع والسجود.\nقال أبو عيسى: وإنما قال إسحاق هذا، لأنه كذا وصف صلاة النبي ﷺ بالليل، ووصف طول القيام، وأما بالنهار فلم يوصف من صلاته من طول القيام ما وصف بالليل) (^٢).\n٥ - قوله في باب ما جاء ويل للأعقاب من النار-بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"ويل للأعقاب من النار\"-: (وفقه هذا الحديث: أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفين أو جوربين) (^٣).\n* * *\nالوجه العاشر: أنه يعلق على الحديث بما يبين دلالته، وإن كان منسوخا بين ذلك أيضا.\n_________\n(^١) في بعض الطبعات: (في جزئه).\n(^٢) (١/ ٥٠٦ - ٥٠٧).\n(^٣) (١/ ٣٠٢)، وفي الهامش: (قوله: \"خفين أو جوربين\" ضبب عليه بالأصل، وفي حاشية س: الرواية: خفين أو جوربين، والصواب الرفع).","vol":"1","page":280},{"text":"فيبين أحيانا هل الحكم الوارد في الحديث للوجوب أم الاستحباب؟ أو للتحريم أم الكراهة؟ ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قوله في باب النهي عن البول قائما: (ومعنى النهي عن البول قائما على التأديب لا على التحريم) (^١).\n٢ - وقوله في باب المضمضة من اللبن: (وقد رأى بعض أهل العلم المضمضة من اللبن، وهذا عندنا على الاستحباب، ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن) (^٢).\nوأحيانا ينبه على تقييد الحكم الوارد في بعض الأحاديث، ومن الأمثلة على ذلك:\nقوله في باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس -بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: \"من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر\": (ومعنى هذا الحديث عندهم لصاحب العذر، مثل الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها، فيستيقظ ويذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها) (^٣).\nقلت: وهذا القيد مهم جدا، وتنبيه المصنف عليه دليل على فقهه ﵀.\nوأحيانا يجمع بين النصين إذا كان ظاهرهما الاختلاف، ومن الأمثلة على ذلك:\nقوله في باب ما جاء في بيعة النبي ﷺ بعد أن ذكر حديث جابر في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، قال\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٢).\n(^٢) (١/ ٣٣١).\n(^٣) (١/ ٣٩٣).","vol":"1","page":281},{"text":"جابر: بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت.\nوحديث يزيد بن أبي عبيد، قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت. مع حديث ابن عمر: كنا نبايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، فيقول لنا: \"فيما استطعتم\"- ثم قال: (ومعنى كلا الحديثين صحيح، قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: لا نزال بين يديك ما لم نقتل، وبايعه اَخرون، فقالوا: لا نفر) (^١).\nوإذا كان الحديث منسوخا بين ذلك، ومن الأمثلة عليه:\n١ - قوله في باب ما جاء أن الماء من الماء: (وإنما كان الماء من الماء في أول الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبي بن كعب، ورافع بن خديج) (^٢).\n٢ - وقوله في باب في ترك الوضوء مما غيرت النار -بعد أن ذكر حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أكل من عُلالة شاة ثم صلى العصر ولم يتوضأ-: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، ومن بعدهم، مثل سفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: رأوا ترك الوضوء مما مست النار.\nوهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار) (^٣).\n٣ - وقوله في باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، ومن\n_________\n(^١) (٢/ ٥٩٦).\n(^٢) (١/ ٣٤٤).\n(^٣) (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":282},{"text":"بعدهم، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه، أنهم كانوا يطبقون (^١).\nوالتطبيق منسوخ عند أهل العلم.\nقال سعد بن أبي وقاص: كنا نفعل ذلك، فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع الأكف على الركب) (^٢).\nوأحيانا يفسر الحديث بمذهب من رواه، ومن أمثلة ذلك:\nقوله في: (باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة.\nحدثنا الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: \"هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ \"، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: \"إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ \"، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ.\nوفي الباب عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، وجابر بن عبدالله.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوابن أكيمة الليثي اسمه عمارة، ويقال: عمرو بن أكيمة.\nوروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث، وذكروا هذا الحرف: قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) التطبيق: هو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد. \"النهاية\" (٣/ ١١٤).\n(^٢) (١/ ٤٣٥).","vol":"1","page":283},{"text":"وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي ﷺ هذا الحديث، وروى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، هي خداج، غير تمام\"، فقال له حامل الحديث: إني أكون أحيانا وراء الإمام، قال: اقرأ بها في نفسك، وروى أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة قال: أمرني النبي ﷺ أن أنادي أن \"لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب\".\nواختار أكثر أصحاب الحديث ألا يقرأ الرجل إذا جهر الإمام بالقراءة، وقالوا: يتتبع سكتات الإمام.\nوقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام.\nفرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، ومن بعدهم: القراءة خلف الإمام.\nوبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوروي عن عبدالله بن المبارك أنه قال: أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرءون، إلا قوما من الكوفيين، وأرى أن من لم يقرأ صلاته جائزة.\nوشدد قوم من أهل العلم (^١) في ترك قراءة فاتحة الكتاب، وإن كان خلف الإمام، فقالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وحده كان أو خلف الإمام.\nوذهبوا إلى ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ.\nوقرأ عبادة بن الصامت بعد النبي ﷺ خلف الإمام، وتأول قول النبي ﷺ: \"لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب\".\n_________\n(^١) ملحوظة: هل يميل إلى خلاف ذلك، لأنه جعل هذا القول من الشدة؟ هذا محتمل، ومن المعلوم أن الإمام البخاري ممن يقول بهذا.","vol":"1","page":284},{"text":"وبه يقول الشافعي، وإسحاق، وغيرهما.\nوأما أحمد بن حنبل فقال: معنى قول النبي ﷺ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\"، إذا كان وحده.\nواحتج بحديث جابر بن عبدالله حيث قال: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام.\nقال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ تأول قول النبي ﷺ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\"، أن هذا إذا كان وحده.\nواختار أحمد مع هذا القراءة خلف الإمام، وألا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام.\nحدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا أن يكون وراء الإمام.\nهدا حديث حسن صحيح) (^١).\nوكذلك إذا كان في ظاهر الحديث إشكال فإنه يوجه ذلك الحديث، ومن الأمثلة على ذلك:\nقوله في باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض -بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد\"-: (لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة.\nوإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي ﷺ\n_________\n(^١) (١/ ٤٦٦ - ٤٦٨).","vol":"1","page":285},{"text":"قال: \"من أتى حائضا فليتصدق بدينار\"، فلو كان إتيان الحائض كفرا لم يؤمر فيه بالكفارة.\nوضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده) (^١).\n* * *\nالوجه الحادي عشر: ترجيحاته، فإنه قد نص في مسائل كثيرة على القول الراجح عنده بعد ذكره للخلاف، وقد سبقت عدة أمثلة على ذلك (^٢)، ومن ذلك أيضًا ما يلي:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الأذان في السفر: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم اختاروا الأذان في السفر.\nوقال بعضهم: يجزئ الإقامة، إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس.\nوالقول الأول أصح، وبه يقول أحمد، وإسحاق) (^٣).\n٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في لبن الفحل): (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، وغيرهم: كرهوا لبن الفحل، والأصل في هذا حديث عائشة.\nوقد رخص بعض أهل العلم في لبن الفحل.\nوالقول الأول أصح) (^٤).\n٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلا بمثل\n_________\n(^١) (١/ ٣٦١).\n(^٢) وقد سبق أيضًا في الوجه الرابع أنه -أحيانا- يستفاد ترجيحه من خلال تبويبه.\n(^٣) (١/ ٤٠٥).\n(^٤) (٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":286},{"text":"وكراهية التفاضل فيه): (والعمل على هذا عند أهل العلم: لا يرون أن يباع البر بالبر إلا مثلا بمثل، والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل، فإذا اختلفت الأصناف فلا بأس أن يباع متفاضلا إذا كان يدا بيد، ولا بأس أن يباع البر بالشعير متفاضلا إذا كان يدا بيد، وهذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقال الشافعي: والحجة في ذلك قول النبي ﷺ: \"بيعوا الشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد\".\nوقد كره قوم من أهل العلم: أن تباع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل، وهو قول مالك بن أنس، والقول الأول أصح) (^١).\n٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في الصرف): (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، إلا ما روي عن ابن عباس، أنه كان لا يرى بأسا أن يباع الذهب بالذهب متفاضلا، والفضة بالفضة متفاضلا، إذا كان يدا بيد، وقال: إنما الربا في النسيئة، وكذلك روي عن بعض أصحابه شيء من هذا.\nوقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن قوله حين حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ.\nوالقول الأول أصح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوروي عن ابن المبارك أنه قال: ليس في الصرف اختلاف) (^٢).\n_________\n(^١) (٢/ ٣٨٩).\n(^٢) (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١).","vol":"1","page":287},{"text":"٥ - قوله في باب الوضوء بالنبيذ: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم: سفيان، وغيره.\nوقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ يتيمم أحب إلي.\nقال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ، أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]) (^١).\n٦ - قوله في باب ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء -بعد أن ذكر حديث أنس: \"إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء\": (وعليه العمل عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عمر.\nوبه يقول أحمد، وإسحاق يقولان: يبدأ بالعشاء وإن فاتته الصلاة في الجماعة.\nسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعا يقول في هذا الحديث: يبدأ بالعشاء إذا كان طعاما يخاف فساده.\nوالذي ذهب إليه بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أشبه بالاتباع، وإنما أرادوا ألا يقوم الرجل إلى الصلاة وقلبه مشغول بسبب شيء.\nوقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء.\nوروي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا وضع العشاء\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":288},{"text":"وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء\" قال: وتعشى ابن عمر وهو يسمع قراءة الإمام) (^١).\nوغير ذلك من اختياراته التي نص عليها في أثناء كتابه، وهي كثيرة (^٢).\nويلاحظ في ترجيحاته ﵀ استعماله للأدب مع أقوال أهل العلم حتى مع من خالفه، فلا يشنع على القول الضعيف، وإنما يكتفي ببيان الصحيح في كثير من الأحيان، وربما ذكر مع الترجيح حجة القول المخالف والجواب عنها، ومن أمثلة ذلك:\n١ - قوله في باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر: (وقد أختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.\nقال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجدا ينتاب أهله من البعد، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر.\nقال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر، هو أولى وأشبه بالاتباع.\nوأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد والمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعي.\n_________\n(^١) (١/ ٤٨٧ - ٤٨٨).\n(^٢) وينظر أمثلة أخرى على ذلك في: (أبواب الجمعة، الباب ١٥)؛ (أبواب العيدين، الباب ٦)؛ (أبواب السفر، الأبواب المتعلقة بسجود التلاوة، الباب ١٣)؛ (أبواب الصوم، الباب ٢٦)؛ (أبواب الأحكام، الباب ١٨)، الباب ٣٨)؛ (أبواب الديات، الباب ١٥)؛ (أبواب الحدود، الباب ١٠، الباب ١٣)؛ وغير ذلك كثير.","vol":"1","page":289},{"text":"قال أبو ذر: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي ﷺ: \"يا بلال أبرد، ثم أبرد\".\nفلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد) (^١).\n٢ - وقوله في (باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجال ونساء): (والعمل عليه عند أهل العلم، قالوا: إذا كان مع الإمام رجل وامرأة قام الرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفهما.\nوقد احتج بعض الناس بهذا الحديث في إجازة الصلاة إذا كان الرجل خلف الصف وحده، قالوا: إن الصبي لم يكن له صلاة، وكان أنس خلف النبي ﷺ وحده (^٢).\nوليس الأمر على ما ذهبوا إليه، لأن النبي ﷺ أقامه مع اليتيم خلفه، فلولا أن النبي ﷺ جعل لليتيم صلاة لما أقام اليتيم معه، ولأقامه عن يمينه.\nوقد روي عن موسى بن أنس، عن أنس أنه صلى مع النبي ﷺ، فأقامه عن يمينه.\nوفي هذا الحديث دلالة أنه إنما صلى تطوعا أراد إدخال البركة عليهم) (^٣).\n٣ - قوله في باب ترك الوضوء من القُبلة -بعد أن ذكر حديث عائشة:\n_________\n(^١) (١/ ٣٧٧).\n(^٢) في بعض الطبعات: (وقالوا: إن الصبي لم تكن له صلاة، وكأن أنسا كان خلف النبي ﷺ وحده في الصف).\n(^٣) (١/ ٤٢١).","vol":"1","page":290},{"text":"أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ-: (وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.\nوقال مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين.\nوإنما ترك أصحابنا حديث عائشة، عن النبي ﷺ في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد.\nقال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني، قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث، وقال: هو شبه لا شيء.\nقال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب ابن أبي ثابت لم يسمع من عروة.\nوقد روي عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، أن النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ.\nوهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا من عائشة، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء) (^١).\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>ذكر بيان الترمذي للألفاظ الغريبة في الحديث</span>\nمن الأمور التي اعتنى بها أبو عيسى في كتابه بيانُ معاني الألفاظ الغريبة في الأحاديث النبوية، وذلك إما من قبله، وإما من خلال النقل عن أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: \"الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه\".\nومعنى قوله: \"لا يثوي عنده\" يعني: الضيف لا يقيم عنده حتى يشتد على صاحب المنزل، والحرج هو الضيق، إنما قوله: \"حتى يحرجه\"، يقول: حتى يضيق عليه) (^١).\n٢ - وذكر حديث أبي هريرة في ساعة الاستجابة يوم الجمعة، وفيه أنه قال: فلقيت عبدالله بن سلام فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم بتلك الساعة، فقلت: أخبرني بها ولا تضنن بها علي … الخ، ثم قال: (ومعنى قوله أخبرني بها ولا تضنن بها علي: لا تبخل بها علي، والضن: البخل، والظنين: المتهم) (^٢).\n٣ - وذكر حديث ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: \"نعم\"، قال: فإن لي مخرفا،\n_________\n(^١) (٢٠٩٥).\n(^٢) (٤٩٧).","vol":"1","page":292},{"text":"فأشهدك أني قد تصدقت به عنها. ثم قال: (ومعنى قوله: \"إن لي مخرفا\" يعني: بستانا) (^١).\n٤ - وقال: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ، قال: \"إياكم والدخول على النساء\"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو، قال: \"الحمو الموت\".\nوفي الباب عن عمر، وجابر، وعمرو بن العاص.\nحديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح، وإنما معنى كراهية الدخول على النساء على نحو ما روي عن النبي ﷺ قال: \"لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان\".\nومعنى قوله: الحمو، يقال: الحمو هو أخ الزوج، كأنه كره له أن يخلو بها) (^٢).\n٥ - وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس\". ثم قال: (وتفسير حديث النبي ﷺ العجماء جرحها جبار، يقول: هدر لا دية فيه.\nومعنى قوله: العجماء جرحها جبار، فسر ذلك بعض أهل العلم قالوا: العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار، يقول: إذا احتفر الرجل معدنا فوقع فيها إنسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل، فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد في دفن أهل الجاهلية فمن وجد ركازا أدى منه الخمس إلى السلطان وما بقي فهو له) (^٣).\n_________\n(^١) (٦٧٤).\n(^٢) (١٢١٢).\n(^٣) (١٤٤٠، ١٤٤١).","vol":"1","page":293},{"text":"٦ - وذكر حديث ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فجاض الناس جيضة، فقدمنا المدينة، فاختبأنا بها وقلنا: هلكنا، ثم أتينا رسول الله ﷺ، فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرارون، قال: \"بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم\". ثم قال: (ومعنى قوله: فجاض الناس جيضة، يعني: أنهم فروا من القتال، ومعنى قوله: \"بل أنتم العكارون\"، والعكار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس يريد الفرار من الزحف) (^١).\n٧ - وذكر حديث البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من منح منيحة لبن، أو ورق، أو هدى زقاقا، كان له مثل عتق رقبة\". ثم قال: (ومعنى قوله: \"من منح منيحة ورق\" إنما يعني به: قرض الدراهم، قوله: \"أو هدى زقاقا\": يعني به هداية الطريق وهو إرشاد السبيل) (^٢).\n٨ - وذكر حديث عبدالله بن سرجس، قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: \"اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكاَبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال\". ثم قال: (ويروى \"الحور بعد الكون\" أيضًا، قال: ومعنى قوله: \"الحور بعد الكون\"، أو \"الكور\"، وكلاهما له وجه، يقال: إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر) (^٣).\n_________\n(^١) (١٨٢٥).\n(^٢) (٢٠٨٤).\n(^٣) (٣٧٦٠).","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>الفصل الثامن في منهج المؤلف في التمييز بين الصحيح والمعلول</span>\nعِلْمُ العِلَل من أهم علوم الحديث، وقد خصَّ الله ﷿ هذه الأمة عن سائر الأمم بهذا العلم؛ لأنه فرعٌ من علم الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة.\nولقد بين علماء الحديث مكانة هذا العلم وأهميته، ومن ذلك:\nقال عبدالرحمن بن مهدي: (لأن أعرف علةَ حديثٍ هو عندي أحبُ إليَّ من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي) (^١).\nوقال الحاكم: (وإنما يعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير، وقال عبد الرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة) (^٢).\nوعقد الخطيب فصلا (في أن المعرفة بالحديث ليست تلقينا وإنما هو علم يحدثه الله في القلب) قال فيه: (أشبه الأشياء بعلم الحديث، معرفة الصرف ونقد الدنانير والدراهم، فإنه لا يعرف جودة الدينار والدراهم بلون، ولا مس، ولا طراوة، ولا دنس، ولا نقش، ولا صفة تعود إلى صغر أو\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" للحاكم (ص: ١١٢).\n(^٢) \"معرفة علوم الحديث\" (ص: ٣٧٧).","vol":"1","page":295},{"text":"كبر، ولا إلى ضيق أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف البهرج والزائف، والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب، بعد طول الممارسة له والاعتناء به) (^١).\nوقال الحميدي: (ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم الاهتمام بها: العلل، وأحسن كتاب صنف فيها كتاب الدارقطني، ومعرفة المؤتلف والمختلف، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا، ووفيات الشيوخ وليس فيها كتاب، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير ابن ماكولا: رتبه على حروف المعجم بعد أن رتبته على السنين. قال أبو بكر ابن طرخان: فشغله عنه الصحيحان إلى أن مات) (^٢).\nوقال ابن تيمية: (وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظٍ فإنهم أيضًا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها ويسمون هذا \"علم علل الحديث\" وهو من أشرف علومهم بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه وغلطه فيه عرف؛ إما بسبب ظاهر كما عرفوا \"أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال وأنه صلى في البيت ركعتين\" وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها حرامًا؛ ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه \"اعتمر أربع عمر\" وعلموا أن قول ابن عمر: \"إنه اعتمر في رجب\" مما وقع فيه الغلط، وعلموا أنه تمتع وهو اَمن في حجة الوداع وأن قول عثمان لعلي: \"كنا يومئذ خائفين\" مما وقع فيه الغلط، وأن ما وقع في بعض طرق البخاري \"أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقا آخر\" مما وقع فيه الغلط وهذا كثير.\n_________\n(^١) \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" (٢/ ٢٥٥).\n(^٢) \"معجم الأدباء\" لياقوت الحموي (٦/ ٢٥٩٩).","vol":"1","page":296},{"text":"والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث، أو في القطع بها، مع كونها معلومة مقطوعا بها عند أهل العلم به، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط) (^١).\nوقال ابن رجب: (قد ذكرنا في كتاب العلم فضل علم علل الحديث، وشرفه وعزته، وقلة أهله المتحققين به من بين الحفاظ والمحدثين) إلى أن قال: (وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين وحفظًا لسنة النبي ﷺ، وصيانة لها، وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعللة، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم لبراءتها من العلل وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول الله ﷺ حقًا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به) (^٢).\nوقال ابن حجر: (وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (١٣/ ٣٥٢).\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٨٠٥ - ٨٠٨).","vol":"1","page":297},{"text":"وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله ﷿ فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك) (^١).\nوقال أيضًا في نوع المعلّل: (وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، لا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم) (^٢).\n* * *\nوقد اهتم أبو عيسى اهتمامًا كبيرًا في كتابه \"الجامع\" ببيان علل الأخبار وشرحها، ونقله لكلام البخاري وغيره في التعليق على ذلك، لذا قال ابن طاهر الحافظ: (سمعت أبا إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قلت: لم؟ قال: لأن كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم) (^٣).\nولهذا كانت تسمية كتابه بـ \"الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل\" اسمٌ منطبقٌ على مسماه.\nفقد بيَّن كثيرًا من علل الأحاديث، أو فيما يتعلق بالغرابة، أو\n_________\n(^١) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" (ص: ٥١٨).\n(^٢) \"نزهة النظر\" (ص: ٩٠).\n(^٣) \"التقييد\" لابن نقطة (١/ ٩٤)، \"فضائل كتاب الجامع\" للإسعردي (ص: ٣٣)، \"شروط الستة\" لابن طاهر (ص: ١٠١).","vol":"1","page":298},{"text":"الاختلاف في الإسناد، أو المتن، لذا أخذ هذا الجانب حيزًا كبيرًا من كتابيه \"الجامع\"، و\"العلل الكبير\"، ولا يخفى أن جل الأخبار التي علّلها في \"العلل الكبير\" موجودة في كتابه \"الجامع\"، فهل \"العلل\" مأخوذ من \"الجامع\" أو هو تأليف مستقل؟ يظهر أنه كتاب مستقل، فقد يكون الترمذي ألف \"الجامع\" أولا، ثم أفرد الحديث المعلول منه، ويؤيد هذا أن في \"العلل الكبير\" أسانيد ليست موجودة في \"الجامع\"، وكذلك بعض التعليقات على الأحاديث، والله تعالى أعلم.\nوأما \"العلل الصغير\" الذي كان ملحقًا بكتابه، ففيه أيضًا حديثٌ عن ذلك بذكر الغريب وأنواعه، وما يتعلق بالجرح والتعديل، وأنه مشروعٌ، بالإضافة إلى بيان منهجه في الكتاب، وأسانيده إلى من نقل عنهم.\nوقد تميز أبو عيسى ﵀ بتمكنه من علم العلل، وبدقته في نقد الأخبار، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في السواك: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\".\nقال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ.\nوحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة، إنما صح لأنه قد روي من غير وجه.\nوأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح.","vol":"1","page":299},{"text":"حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل\" قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: خالف أبو عيسى شيخه البخاري في الترجيح بين هذين الطريقين، فذهب البخاري إلى ترجيح طريق زيد بن خالد، ووجه ذلك:\n١ - أن الراوي عن أبي سلمة عن زيد بن خالد هو محمد بن إبراهيم التيمي، وهو أوثق من محمد بن عمرو الراوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\n٢ - أن رواية أبي سلمة عن زيد بن خالد خلاف الجادة المشهورة في حديثه، فهو مكثر جدًا عن أبي هريرة كما هو معلوم، والأصل عند المحدثين أن من خالف الجادة يقدم على من سلكها.\n٣ - أن طريق زيد بن خالد فيها قصة بخلاف طريق أبي هريرة، وهذه قرينة على أن الراوي قد حفظ ما رواه.\nوأما وجه ما ذهب إليه أبو عيسى من تصحيح كلتا الطريقين: أن هذا الحديث جاء عن أبي هريرة من غير وجهٍ، وبعضها مخرج في \"الصحيحين\" (^٢)، فدل هذا على أنه محفوظ أيضًا. وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى.\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٨٨٧، ٧٢٤٠)، \"صحيح مسلم\" (٢٥٢).","vol":"1","page":300},{"text":"٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود: (حدثنا سلمة بن شبيب وعبدالله بن منير وأحمد بن إبراهيم الدورقي والحسن بن علي الحلواني وغير واحد، قالوا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.\nوزاد الحسن بن علي في حديثه: قال يزيد بن هارون: ولم يَرو شريك، عن عاصم بن كليب، إلا هذا الحديث.\nقال: هذا حديث غريب حسن، لا نعرف أحدا رواه غير شريك.\nوالعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.\nوروى همام، عن عاصم هذا مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر.\nباب آخر (^١)\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبدالله بن نافع، عن محمد بن عبدالله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه.\nوقد روي هذا الحديث عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (منه).","vol":"1","page":301},{"text":"وعبدالله بن سعيد المقبري ضعّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره) (^١).\nقلت: بين أبو عيسى في هذين البابين ضعف جميع الأحاديث الواردة في ذلك، وأنه لا يصح فيه شيء مرفوع، ولكنه يرى النزول على الركبتين أرجح؛ وذلك لأنه حكم على حديث وائل بن حجر بأنه: غريب حسن- وفي بعض النسخ: حسن غريب (^٢) -، بخلاف حديث أبي هريرة فإنه قال عنه: غريب، فحديث وائل أقوى عنده إذًا من حديث أبي هريرة، لذا قال عن حديث وائل: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم).\nوكلام أبي عيسى كافٍ في هذه المسألة، سواء من الناحية الحديثية أو الفقهية، إلا أن بعض أهل العلم لم يتبين له الحقّ في هذا الباب، فصحح حديث أبي هريرة، وهو حديث منكر، كما قال حمزة الكناني (^٣)، وهو مقتضى كلام البخاري: (لم يتابع عليه) (^٤). وهو ما نص عليه أبو عيسى بقوله: حديث غريب. وقد بسطت الكلام عليه في موضعه.\n٣ - وقال أيضًا في باب القراءة في العيدين: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما.\n_________\n(^١) (١/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٢) طبعة الرسالة (٢٦٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" لابن رجب (٧/ ٢١٨).\n(^٤) قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٣٩) في ترجمة محمد بن عبدالله -ويقال: ابن حسن-: (حدَّثني محمد بن عبيدالله، قال: حدثنا عبدالعزيز، عن محمد بن عبدالله، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رفعه: \"إذا سجد فليضع يديه قبل ركبتيه\". ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا).","vol":"1","page":302},{"text":"وفي الباب عن أبي واقد، وسمرة بن جندب، وابن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح.\nوهكذا روى سفيان الثوري ومسعر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، مثل حديث أبي عوانة.\nوأما سفيان بن عيينة فيُختلف عليه في الرواية:\nيروى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير.\nولا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه.\nوحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، وروى عن النعمان بن بشير أحاديث.\nوقد روي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر نحو رواية هؤلاء) (^١).\nقلت: يظهر للناظر في كلام أبي عيسى دقته في نقد رواية ابن عيينة من أوجه أربعة:\nالأول: بين أن رواية أبي عوانة هي الصحيحة، وأنه قد وافقه عليها الثوري ومسعر، وهما مَن هما في الحفظ والإتقان!.\nالثاني: أن ابن عيينة قد اختُلف عليه، وهذا من قرائن التضعيف.\nالثالث: أنه وقع في روايته: (حبيب بن سالم عن أبيه)، فبين أبو عيسى أنه لا يعرف لحبيبٍ روايةٌ عن أبيه أصلا، وإنما هو يروي عن النعمان مباشرة.\n_________\n(^١) (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩).","vol":"1","page":303},{"text":"رابعا: أنه قد جاء عن ابن عيينة رواية أخرى موافقة لرواية الجماعة.\n٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ.\nقال أبو عيسى: حدَّثني الحسن بن علي بهذا أو بشبهه في المذاكرة.\nوفي الباب عن أبي سعيد.\nقال أبو عيسى: حديث صفوان رواه معمر وغيره، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ. وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية) (^١).\nقلت: قدّم أبو عيسى رواية معمر عن الزهري في هذا الخبر؛ وذلك لأنه قد توبع عليها، مع أن رواية يونس وقعت عند مسلم (^٢) وأبي عوانة (^٣) مثل رواية معمر: أن صفوان، ولكن في \"تحفة الأشراف\" (^٤) عندما ذكر رواية يونس التي خرّجها مسلم قال: عن صفوان.\nوهذا قد يكون بسبب أن هذا الحديث قد حدث به مذاكرة.\nوفي هذا أيضًا أن أبا عيسى فرَّق ما بين: (عن صفوان) و(أن صفوان). وهذا من دقته، ولا يخفى أن بينهما فرقا (^٥)، مع أن قوله: أن\n_________\n(^١) (٢/ ٧١ - ٧٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٣١٣).\n(^٣) \"مستخرج أبي عوانة\" (١٠٢٢٢).\n(^٤) (٤٩٤٤).\n(^٥) ينظر: \"شرح علل الترمذي\" لابن رجب (١/ ٣٧٧ - ٣٨٢).","vol":"1","page":304},{"text":"صفوان قال، يفيد الاتصال إذا كان أصل السماع ثابتا، ولكن قوله: عن، أقوى في ذلك.\nكما أن في قوله: (حدثني الحسن بن علي بهذا أو بشبهه في المذاكرة) دليلًا على دقته وأمانته.\n٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحصوا هلال شعبان لرمضان\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة (^١) لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية، والصحيح ما روي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا تتقدموا شهر رمضان بيوم ولا يومين\".\nوهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، (^٢) نحو حديث محمد بن عمرو الليثي) (^٣).\nقلت: هذا الحديث تفرد به أبو معاوية، كما قال أبو عيسى، وقد جاءت متابعة له من قبل يحيى بن راشد، ولكن يحيى قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: ضعيف، في حديثه إنكار، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب. وقال أبو زرعة: شيخ لين الحديث (^٤).\nوهذا اللفظ الثاني منه: \"لا تتقدموا شهر رمضان … \"، قد رواه عبد\n_________\n(^١) في \"تحفة الأشراف\" (١٥١٢٣): (غريب).\n(^٢) في بعض النسخ زيادة: (عن النبي ﷺ).\n(^٣) (٢/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٤٣).","vol":"1","page":305},{"text":"العزيز بن محمد الدراوردي، كما أخرجه الشافعي (^١)، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، كما أخرجه أحمد (^٢)، كلاهما عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به.\nورواية عبدالعزيز الدراوردي مطولة.\nوجاء أيضًا من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة كما في \"مستخرج الطوسي\" (^٣)، ومن طريق الفضل بن موسى عنده أيضًا (^٤)، ومن طريق هشام وسليمان بن بلال وعبدالوهاب عند الطحاوي مفرقين (^٥)، ومن طريق يزيد بن هارون عند ابن حبان (^٦)، كلهم عن محمد بن عمرو به.\nوأخرجه الشيخان (^٧) وغيرهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، هكذا.\nفتبين أن أبا معاوية خالف الجماعة باللفظ الذي رواه به، والذي يظهر أنه رواه بالمعنى ولم يضبط لفظه.\n٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في حج الصبي: (حدثنا محمد بن طريف الكوفي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبدالله قال: رفعت امرأة صبيا لها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟، قال: \"نعم، ولك أجر\".\n_________\n(^١) \"مسند الشافعي\" بترتيب السندي: (٧٢٤).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١٠٤٥١).\n(^٣) (٦٣١).\n(^٤) (٦٢٦).\n(^٥) \"شرح معاني الآثار\" (٣٣٣٥، ٣٣٣٨، ٣٣٣٩).\n(^٦) \"صحيح ابن حبان\" (٣٤٦٤) ولفظه: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم أفطروا).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (١٩١٤)، \"صحيح مسلم\" (١٠٨٢).","vol":"1","page":306},{"text":"وفي الباب عن ابن عباس.\nحديث جابر حديث غريب) (^١).\nقلت: ظاهر هذا الحديث الصحة، ومع ذلك لم يصححه أبو عيسى، والسبب في ذلك أنه خبر معلول، وشرح ذلك:\nقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه قزعة بن سويد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في المسير بعرفة، فأخرجت امرأة أعرابية رأسها من هودج، ومعها صبي، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: \"نعم، ولك أجر\".\nقال أبي: قال ابن عيينة: قال إبراهيم بن عقبة: أنا حدثت ابن المنكدر، عن كريب، عن ابن عباس … هذا الحديث) (^٢).\nوأخرجه الحميدي عن سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس به، فذكره.\nثم قال: (قال سفيان: وكان ابن المنكدر حدثناه أولا مرسلًا، فقيل لي: إنما سمعه من إبراهيم، فأتيت إبراهيم فسألته عنه فحدثني به، وقال: حدثت به ابن المنكدر فحج بأهله كلهم) (^٣).\nقلت: يتبين مما تقدم علة هذا الحديث، فهو ليس بصحيح من حديث جابر، وإنما يصح من حديث ابن عباس، وابن عيينة ثقة حافظ، ولا شك أنه مقدم على محمد بن سوقة؛ لأنه وإن كان ثقة ومن أفضل الناس بالكوفة في زمانه، ولكن لم يكن بالمتقن الضابط، بل كان له بعض الأوهام والغرائب.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٢) \"علل الحديث\" (٣/ ٢٩٢).\n(^٣) \"مسند الحميدي\" (٥١٤).","vol":"1","page":307},{"text":"وأما عن متابعة قزعة بن سويد له، فقزعة لا يحتج به (^١)؛ لأن فيه بعض الضعف، وقد سلكا - أعني ابن سوقة وقزعة - الجادة في هذا الحديث، فظنا أنه عن جابر، وابن المنكدر مشهور بالرواية عن جابر، فالصواب أنه مرسل، لذا لم يصححه أبو عيسى، بل ضعفه عندما حكم عليه بـ \"غريب\".\n٧ - وقال أيضًا في باب ما يقول في الصلاة على الميت: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا هقل بن زياد، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو إبراهيم الأشهلي، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا\".\nقال يحيى: وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثل ذلك، وزاد فيه: \"اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفَّيته منا فتوفَّه على الإيمان\".\nوفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعائشة، وأبي قتادة، وجابر، وعوف بن مالك.\nقال أبو عيسى: حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح.\nوروى هشام الدستوائي وعلي بن المبارك هذا الحديث، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسل، وروى عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ.\nوحديث عكرمة بن عمار غير محفوظ، وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٥٩٣).","vol":"1","page":308},{"text":"وروي عن يحيى بن أبي كثير (^١)، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ.\nقال أبو عيسى: وسمعت محمدا يقول: أصح الروايات في هذا: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه.\nقال: وسألته عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي، فلم يعرفه) (^٢).\nوقال ابن الجنيد: (قلت ليحيى بن معين: حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ في الصلاة على الميت. ويقول يحيى أيضًا في الصلاة: عن أبي إبراهيم الأنصاري، عن أبيه، فأي الحديثين أصح؟\nقال: قد رواهما جميعًا. قلت: يقولون: إن أبا إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة؟ قال: لا) (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: أنه صلى على جنازة، فقال: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا\" (^٤).\n_________\n(^١) في طبعة بشار: (وروى همام، عن يحيى بن أبي كثير).\n(^٢) (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٣) \"سؤالات ابن الجنيد\" (ص: ٤٦٣).\n(^٤) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١٠٨٥٣)، والبزار (٨٥٥٦)، والطبراني في \"الدعاء\" (١١٧٣)، وتابعه عبدة بن سليمان عند الطحاوي في \"شرح المشكل\" (٩٧٣)، وعلي بن مسهر عند ابن ماجه (١٤٩٨)، وحماد بن سلمة عند البيهقي (٦٩٧٥).\nوخالفهم إسماعيل بن عياش عند الطبراني في \"الدعاء\" (١١٧٢)، فرواه عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعا.","vol":"1","page":309},{"text":"قال أبي: رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن النبي ﷺ … مرسل؛ لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسل) (^١).\nوقال أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن ذكوان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى على جنازة قال: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا\".\nقال أبي: هذا خطأ؛ الحفاظ لا يقولون: أبو هريرة؛ إنما يقولون: أبو سلمة، أن النبي ﷺ) (^٢).\nوقال أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي إبراهيم الأنصاري - رجل من بني عبد الأشهل - قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: \"اللهم، اغفر لأولنا وآخرنا، وحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا\".\nقال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، عن النبي ﷺ بمثل هذا، وزاد فيه: \"ومن أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان\".\nقال أبي: أبو إبراهيم: هو مجهول، هو وأبوه.\nقال أبو محمد: وتوهم بعض الناس أنه عبد الله بن أبي قتادة، وغلط؛ فإن أبا قتادة من بني سلمة، وأبو إبراهيم رجل من بني عبد الأشهل) (^٣).\nوسئل الدارقطني في \"العلل\" عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة، قال: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" (٣/ ٥٢٦).\n(^٢) \"علل الحديث\" (٣/ ٥١٧).\n(^٣) \"علل الحديث\" (٣/ ٥٥١).","vol":"1","page":310},{"text":"وشاهدنا وغائبنا … \" الحديث، فقال: (اختلف على أبي سلمة، فرواه محمد بن إسحاق واختلف عنه؛\nفرواه علي بن مسهر، ومحمد بن سلمة، وحماد بن سلمة، وإبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوخالفهم إسماعيل بن عياش، رواه عن محمد بن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nورواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة واختلف عنه؛\nفرواه أيوب بن عتبة، وسعيد بن يوسف، وخالد بن يزيد الهدادي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوكذلك قال سويد أبو حاتم، عن صاحب له، عن يحيى.\nورواه الأوزاعي، عن يحيى واختلف عنه؛\nفرواه سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزاد فيه ألفاظا لم يأت بها غيره، وهي قوله: إنه أتى القبر فحثى عليه ثلاثا، وكبر على الجنازة أربعا.\nووافقه محمد بن كثير الصنعاني، عن الأوزاعي، على الإسناد ولم يذكر هذه الألفاظ.\nوخالفهم يحيى بن عبد الله الحراني، وعيسى بن يونس، وأبو إسحاق الفزاري، والمعافى بن عمران، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، والوليد بن مزيد، رووه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بالإسنادين جميعا.\nوكذلك رواه هشام الدستوائي، عن يحيى بالإسنادين جميعا: عن أبي إبراهيم عن أبيه، وعن يحيى عن أبي سلمة مرسلا.","vol":"1","page":311},{"text":"ورواه محمد بن يعقوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبيه، ولم يذكر حديثه عن أبي سلمة.\nورواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂؛ عن النبي ﷺ.\nوقال شيبان: عن يحيى، عن المهاجر بن عكرمة، عن أبي هريرة.\nوقال همام: عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.\nوالصحيح عن يحيى قول من قال: عن أبي إبراهيم، عن أبيه، وعن أبي سلمة مرسل.\nورواه إسرائيل، عن محمد بن عبد الرحمن - ولم ينسبه أكثر من هذا -، ثم قال: عن رجل أراه أبو سلمة، عن أبي هريرة.\nورواه ابن أبي ليلى، فقال هشيم عنه: أخبرني رجل من أهل مكة، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ.\nوقال عقبة بن خالد: حدثنا ابن أبي ليلى، عن ابن يحيى أو أبي يحيى، عن أبي سلمة، عن أبيه، أن النبي ﷺ كان يقول.\nوخالفهم محمد بن عمرو بن علقمة، فرواه عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام موقوفا) (^١).\nوقال البيهقي: (أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو إبراهيم رجل من بني عبد\n_________\n(^١) \"العلل\" (٤/ ٤٩٤ - ٤٩٧).","vol":"1","page":312},{"text":"الأشهل، قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الصلاة على الميت: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا\". قال الأوزاعي: وحدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بهذا الحديث، قال: \"ومن أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان\".\nوأنبأ أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله السوسي، قالا: ثنا أبو العباس هو الأصم، ثنا سعيد بن عثمان التنوخي، ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، فذكر الحديث بالإسنادين جميعا مثله، إلا أنه قال في أوله: \"اللهم اغفر له ولنا وآخرنا وحينا وميتنا\".\nهذا هو الصحيح، حديث أبي إبراهيم الأشهلي موصول، وحديث أبي سلمة مرسل، رواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ مرسلا، ورواه هقل بن زياد وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، بإسناده عن أبي هريرة موصولًا.\nأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، ثنا الحكم بن موسى، ثنا هقل بن زياد، عن الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى على جنازة قال: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان\".\nوأخبرنا أبو علي الروذباري، قال: حدثنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا موسى بن مروان الرقي، ثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، فذكره بنحوه موصولا، إلا أنه قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، وذكر","vol":"1","page":313},{"text":"لفظ الإيمان في أوله والإسلام في آخره، وزاد \"اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده\".\nورواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.\nأخبرناه أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ على الميت؟ قالت: كان يقول: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا، وغائبنا وشاهدنا، وصغيرنا وكبيرنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان\".\nورواه همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وعن يحيى، عن أبي سلمة بزيادته دون ذكر أبي هريرة.\nأخبرناه أبو الحسن بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا هشام بن علي، حدثنا ابن رجاء، عن همام، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: أنه شهد النبي ﷺ صلى على ميت قال: فسمعته يقول: \"اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا\"، قال: وقال أبو سلمة مع هذا الكلام \"من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان\".\nوروي عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول في الصلاة على الجنازة فذكر معناه. أخبرناه أبو أحمد الحسين بن عَلُّوسا الأسداباذي، ثنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي البزاز، أخبرني أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري،","vol":"1","page":314},{"text":"أنبأ أبو عمر الضرير حفص بن عمر، أنبأ حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، فذكره بمعناه.\nوقال أبو عيسى الترمذي - فيما بلغني عنه -: سألت محمدا - يعني: البخاري - عن هذا الباب، فقلت: أي الروايات عن يحيى بن أبي كثير أصحّ في الصلاة على الميت؟ فقال: أصح شيء فيه حديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، ولوالده صحبة، ولم يعرف اسم أبي إبراهيم، قال أبو عيسى: قلت له: فالذي يقال: هو عبد الله بن أبي قتادة، فأنكر أن يكون هو عبد الله بن أبي قتادة، وقال: أبو قتادة هو سلمي، وهذا أشهلي، قال محمد: وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي قتادة، في هذا الباب غير محفوظ، وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك) (^١).\nقلت: الكلام في هذا الحديث طويل الذيل، وذلك لكثرة الأوجه وتعدد الاختلاف فيه، والله أسأل الإعانة والتوفيق على الكلام عليها وجهًا وجهًا، طريقا طريقًا، فأقول وبالله تعالى التوفيق:\nالوجه الأول: طريق يحيى عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه.\nهذه الطريق لم يقع فيها اختلاف على يحيى، فقد رواها جمع من أصحابه؛ منهم هشام الدستوائي (^٢)، والأوزاعي (^٣)، وأبان بن يزيد العطار (^٤)، وحرب بن شداد (^٥)، ومحمد بن يعقوب (^٦).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٦٦ - ٦٨).\n(^٢) \"المسند\" للإمام أحمد (١٧٥٤٤، ٢٣٤٩٥).\n(^٣) ومن طريقه رواه الترمذي كما تقدم.\n(^٤) \"المسند\" للإمام أحمد (١٧٥٤٣، ١٧٥٤٥).\n(^٥) \"الدعاء\" للطبراني (١١٧٠)، وحرب ثقة، والإسناد إليه لا بأس به.\n(^٦) \"الدعاء\" للطبراني (١١٦٨)، ومحمد بن يعقوب ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وفي الإسناد إليه من لا يعرف.","vol":"1","page":315},{"text":"فهذا الوجه صحيح عن يحيى بن أبي كثير، كما نص على هذا يحيى بن معين، والبخاري، والترمذي، والدارقطني، وقد تقدم فيه كلامهم.\nهذا، وقد وقع التصريح بسماع يحيى بن أبي كثير من أبي إبراهيم، كما في رواية عفان، عن أبان عنه (^١)، وفي رواية هقل بن زياد، وبشر بن بكر، والوليد بن مزيد، عن الأوزاعي (^٢) عنه.\nووقع أيضًا التصريح بسماع أبي إبراهيم من أبيه، كما في رواية يحيى بن سعيد عند أحمد (^٣)، ورواية عبد الصمد عند أحمد أيضًا (^٤)، كلاهما عن هشام الدستوائي.\nوفي رواية بشر بن بكر، عن الأوزاعي عند الطحاوي (^٥)، وفي رواية الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي أيضًا عند البيهقي (^٦).\nوقد صرح أبوه بسماع هذا الخبر عن رسول الله ﷺ، كما في رواية يحيى بن سعيد، وعبد الصمد، عن هشام. وأيضًا في رواية يزيد بن زريع، عن هشام، عند الطحاوي (^٧).\nوأيضًا في رواية الوليد بن مزيد، وبشر بن بكر (^٨)، عن الأوزاعي.\n_________\n(^١) كما عند أحمد في \"مسنده\" (١٧٥٤٥).\n(^٢) رواية هقل عند الترمذي في \"الجامع\" (١٠٤٨)، ورواية بشر بن بكر عند الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٩٦٩)، ورواية الوليد بن مزيد عند البيهقي (٦٩٦٩).\n(^٣) \"المسند\" (٢٣٤٩٥).\n(^٤) \"المسند\" (١٧٥٤٤).\n(^٥) \"شرح مشكل الآثار\" (٩٦٩).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٦٩٦٩).\n(^٧) \"شرح مشكل الآثار\" (٩٧٠).\n(^٨) ينظر \"السنن الكبرى\" للبيهقي، فقد عطف رواية بشر بن بكر عن الوليد بن مزيد وقال: إنها مثلها. (٦٩٦٩، ٦٩٧٠).","vol":"1","page":316},{"text":"وفي رواية حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير في الثلاثة كلها، كما في \"الدعاء\" للطبراني (^١).\nكما أن هناك روايات عن الأوزاعي فيها تصريح بالسماع من غير من ذُكر.\nوكما في رواية حجاج بن نصير، عن هشام، في الموضع الثاني والثالث (^٢)، ولكنه ضعيف.\nفتبين مما تقدم أن والد أبي إبراهيم صحابي، وهذا ما نص عليه البخاري فيما ذكره البيهقي، وهذا مقتضى صنيع الترمذي؛ لأنه صحح حديثه.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: (أبو إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة) (^٣).\nوهذا أيضًا مقتضى صنيع ابن أبي عاصم، لكنه قال: (أبو أبي إبراهيم الأنصاري، واسمه عبد الله بن أبي قتادة ﵁) (^٤).\nوكذا أبو نعيم (^٥).\nوأما قول أبي حاتم عنه: (مجهول) (^٦)، وفي موضع: (لا يدرى من هو) (^٧)، فهذا لا ينافي ما تقدم؛ لأن ابنه غير معروف - كما سوف يأتي - فكذا الأب، ومن المعلوم أن هذا لا يضر من كان صحابيًا؛ لأنهم كلهم عدول.\n_________\n(^١) (١١٧٠).\n(^٢) \"الدعاء\" للطبراني (١١٦٦).\n(^٣) \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٤) \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ٢٠٣).\n(^٥) \"معرفة الصحابة\" (٦/ ٣٠٧٠).\n(^٦) كما تقدم نقلا عن \"العلل\" لابنه.\n(^٧) \"الجرح والتعديل\" لابنه (٩/ ٣٣٢)، وفيه (أبو إبراهيم الأنصاري الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير لا يُدرى من هو، ولا أبوه).","vol":"1","page":317},{"text":"ولكنْ في الإسناد إلى والد أبي إبراهيم ضعفٌ، وذلك أن ابنه أبا إبراهيم ليس بالمشهور، ولم يَرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير، ولا يعرف إلا بهذا الخبر، وخبرٍ آخر جاء أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عنه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية، غير عثمان بن عفان وأبي قتادة، فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاث مرار، وللمقصرين مرةً (^١).\nفهل تثبت الصحبة بمثل هذا؟\nقلت: الأقرب أن الصحبة تثبت به، وذلك لأمور:\nأولًا: استقامة كلا الخبرين اللذيْن رواهما أبو إبراهيم، فالحديث الأول إن لم يكن ثابتًا بذاته فهو صحيح بغيره؛ لأنه جاء من طرق، وسوف يأتي الكلام عليه إن شاء الله.\nوأما الثاني: فأصله ثابت في \"الصحيحين\" (^٢) وغيرهما، وهو الدعاء للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرةً.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود الطيالسي في \"المسند\" الذي جمع له (٢٣٣٨)، وأحمد (١١١٤٩، ١١٨٤٧)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٤/ ١٥١)، من طريق هشام. وأخرجه أحمد (١١٨٤٨) من طريق يحيى بن شيبان. وأخرجه الطحاوي في \"معاني الآثار\" (٤١٤٤) و\"مشكل الآثار\" (١٣٦٨) من طريق علي بن المبارك. وأخرجه الطحاوي أيضًا في \"معاني الآثار\" (٤١٤٣) و\"مشكل الآثار\" (١٣٦٩) من طريق الأوزاعي. أربعتهم (هشام، ويحيى بن شيبان، وعلي بن المبارك، والأوزاعي) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ أحرم وأصحابه عام الحديبية، غير عثمان وأبي قتادة، فاستغفر للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٧٢٨)، \"صحيح مسلم\" (١٣٠٢) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":318},{"text":"ويؤيد هذا أيضًا، أنه قد جاء من أوجه أخرى أن لأبي قتادة جُمَّةً، فأمره أن يكرمها (^١).\nوقد جاء ما يشهد لذلك أيضًا، ففي ترجمة أبي قتادة عند الذهبي، قال: (أيوب، عن محمد، أن النبي ﷺ أرسل إلى أبي قتادة، فقيل: يترجل، ثم أرسل إليه، فقيل: يترجل، ثم أرسل إليه، فقيل: يترجل. فقال: \"احلقوا رأسه\". فجاء، فقال: يا رسول الله، دعني هذه المرة، فوالله لأعتبنك، فكان أول ما لقي قتل رأس المشركين مسعدة.\nمعن القزاز: حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن سيرين: أن رسول الله ﷺ رأى أبا قتادة يصلي ويتقي شعره، فأراد أن يجزه، فقال: يا رسول الله، إن تركته لأرضينك. فتركه، فأغار مسعدة الفزاري على سرح أهل المدينة، فركب أبو قتادة فقتله، وغشاه ببردته) (^٢).\nفهذا يقوي الخبر السابق.\nثانيًا: بناء على ما تقدم أن أبا إبراهيم روى خبريْن جاء ما يشهد لهما، فدل هذا على قوته.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في \"المجتبى\" (٥٢٨٠)، و\"الكبرى\" (٩٤٥٨ - ٩٤٥٩)، باب تسكين الشعر، قال: (أخبرنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: أتانا النبي ﷺ فرأى رجلا ثائر الرأس فقال: \"أما يجد هذا ما يسكن به شعره؟ \" خالفه يحيى بن سعيد، رواه عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة مرسلا.\nأخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عمر بن علي بن مقدم قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن أبي قتادة قال: كانت له جمة ضخمة، فسأل النبي ﷺ فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم. قال أبو عبد الرحمن: وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم).\nوقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٤/ ٩): (ولا ينكر سماع ابن المنكدر من أبي قتادة).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٤٥٤).","vol":"1","page":319},{"text":"ثالثًا: ليس في الإسناد ما يحتاج النظر إليه في إثبات صحبة والد أبي إبراهيم، إلا ابنه، وقد تقدم ما يدل على قوته.\nرابعًا: ما تقدم من كلام الحفاظ من الحكم بصحبته.\nأما الوجه الثاني في هذا الحديث: فرواه هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وهمام وعلي بن المبارك (^١)، عن يحيى، عن أبي سلمة مرسلًا.\nورواه هقل بن زياد وشعيب بن إسحاق والوليد بن مسلم ومحمد بن كثير، أربعتهم عن الأوزاعي، ورواه أيوب بن عتبة (^٢)، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير موصولًا (^٣).\nقلت: والكلام في هذا الوجه يطول، وذلك لأن هناك اختلافات أخرى، سبقت في كلام الدارقطني في \"العلل\".\nويكفينا ما ذهب إليه البخاري، وأبو حاتم، والدارقطني، والبيهقي، فقد قال البخاري - كما عند البيهقي -: (وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعائشة، وأبي قتادة في هذا الباب غير محفوظ).\nوأما أبو حاتم فقال: (لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسلٌ) (^٤).\nوقال الدارقطني: (والصحيح عن يحيى قول من قال: عن أبي إبراهيم عن أبيه، وعن أبي سلمة مرسلٌ) (^٥).\nوالبيهقي، تقدم كلامه.\n_________\n(^١) ذكر روايته الترمذي عند كلامه في هذا الحديث.\n(^٢) روايته عند أحمد في \"مسنده\" (٨٨٠٩).\n(^٣) ينظر \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٦٦).\n(^٤) \"علل الحديث\" (٣/ ٥٢٦).\n(^٥) \"العلل\" (٤/ ٤٩٦).","vol":"1","page":320},{"text":"وأما رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فقد قال أبو حاتم: (رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن النبي ﷺ … مرسل؛ لا يقول: أبو هريرة، ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح مرسل).\nوما تقدم من كلام البخاري والبيهقي، وأن الصواب في رواية أبي سلمة الإرسال، يدخل تحته رواية محمد بن إسحاق.\nالوجه الثالث: رواه همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه (^١).\nقلت: اختلف في هذا الوجه هل هو محفوظ كما ذهب إلى هذا يحيى بن معين - وقد تقدم كلامه -؟ أو ليس بمحفوظ - كما تقدم في كلام البخاري.\nوقال الدارقطني: (وقيل: عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، والصحيح حديث يحيى، عن أبي إبراهيم، عن أبيه، وعن يحيى، عن أبي سلمة، مرسلًا) (^٢).\nوهذا هو ظاهر صنيع البيهقي؛ لأنه نقل كلام البخاري المتقدم وأقره ولم يتعقبه بشيء.\nوأنا أذهب إلى ذلك؛ لأن همامًا قد تفرد بذلك عن باقي أصحاب يحيى بن أبي كثير، فلم يتابع على هذا الإسناد - وقد رواه عنه جمعٌ، كما تقدم -، خاصة أن هماما ليس مقدمًا جدًا في حديث يحيى بن أبي كثير،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٦١٩، ٢٢٥٥٤) من طريق عفان وعبد الصمد، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٠٣٦) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، وغيرهم.\n(^٢) \"العلل\" (٨/ ٣٠٩).","vol":"1","page":321},{"text":"نعم، لم يتكلم في روايته عنه كما تكلم في رواية عكرمة بن عمار، لذا خرّج البخاري ومسلم من طريقه عن يحيى.\nالوجه الرابع: رواه عكرمة بن عمار (^١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.\nقلت: وهذا خطأ، كما نص عليه البخاري، والترمذي.\nوالخلاصة أن هذا الخبر صحيحٌ إما بذاته، وإما بغيره، والثاني هو الأقرب، وذلك أن طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه ليس فيها إلا جهالة أبي إبراهيم، فيصلح للاعتضاد ويتقوى بغيره، خاصةً أن يحيى قد وُصف بأنه لا يروي إلا عن ثقة، قال أبو حاتم: (إمام، لا يحدث إلا عن ثقة) (^٢).\nوقد تقدم لنا مجيء هذا الحديث من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، والطريق صحيحة إليه، وأبو سلمة من أوساط التابعين، وهو من كبار أهل العلم في زمانه، فيتقوّى مرسله بالوجه السابق، وبالتالي يكون الحديث محفوظًا، وقد تقدم أن أبا عيسى قد صحح هذا الخبر، كما أن البخاري قد قوّاه.\nمن هو أبو إبراهيم الأشهلي؟\nتقدم أن أبا إبراهيم لم يُذكر إلا في هذا الحديث، وحديث آخر، ولم يرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير، وعندما روى عنه لم يسمه، وإنما ذكره\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١٠٢٩)، طريق عمر بن يونس، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٣١٧١) من طريق أبي حذيفة، عن عكرمة به، وأبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٤١).","vol":"1","page":322},{"text":"بكنيته، فهل كان يعرفه؟ الظاهر ذلك، والدليل عليه: أنه نسبه أنصاريًا، ثم ذكر من أي الأنصار، فقال: الأشهلي. وقد ذُكر عن أيوب بن أبي تميمة السختياني أنه قال: (ما أعلم أحدًا بعد الزهري أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى بن أبي كثير) (^١)، كما أنه ذُكر أنه أقام بالمدينة عشر سنين (^٢)، فعلى هذا يكون عالمًا بالمدينة وأهلها، فهذا كله قد يُقوّي أنه كان يعرف اسمه، إذًا لماذا لم يسمه؟ لعله دلّسه، وقد وُصف بذلك، قال العقيلي: (ذُكر بالتدليس) (^٣). نعم، لم يُوصف بتدليس الشيوخ، ولكن هذا لا يمنع أنه كان يفعله في بعض الأحيان، والله تعالى أعلم.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن أبا إبراهيم هو عبد الله بن أبي قتادة، وذلك أن هماما قد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وأن ابن أبي قتادة يكنى بأبي إبراهيم، فيحتمل أنه هو، ولكن البخاري ردّ ذلك، وقال بأن عبد الله بن أبي قتادة من بني سلمة، بينما أبو إبراهيم من بني عبد الأشهل، وذكر ذلك أيضًا ابن أبي حاتم.\nقلت: يمكن الجواب عن ذلك؛ بأن يحيى بن أبي كثير أخطأ في نسبته، أو تساهل، وهذا محتمل، أو لربما يكون دلّسه؛ قال همام بن يحيى العوذي: (كنا نحدث يحيى بن أبي كثير بالغداة، فإذا كان بالعشي قلبه عنّا. وفي رواية عنه: ما رأيت أصلب وجهًا من يحيى بن أبي كثير، كنا نحدثه بالغداة، فيروح بالعشي فيحدثناه) (^٤).\nفاحتمال التدليس في نسبته واردٌ أيضًا، خاصة إذا عُلم أنهما بنو عمومة، فكلاهما من الخزرج، والله تعالى أعلم.\n٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الأطفال: (حدثنا\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٤١).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٤١).\n(^٣) \"الضعفاء\" للعقيلي (٤/ ٤٢٣).\n(^٤) \"الضعفاء\" للعقيلي (٤/ ٢٧٠).","vol":"1","page":323},{"text":"بشر بن آدم ابن ابنة أزهر السمان، قال: حدثنا إسماعيل بن سعيد بن عبيد الله، قال: حدثنا أبي، عن زياد بن جبير بن حية، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ قال: \"الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، رواه إسرائيل وغير واحد، عن سعيد بن عبيد الله) (^١).\nوأخرجه أبو داود في \"سننه\" (^٢)، قال: (حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ قال: \"الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبا منها، والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة\").\nوأخرجه ابن ماجه، قال: (حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قال: حدثني زياد بن جبير بن حية، سمع المغيرة بن شعبة، يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الراكب خلف الجنازة، والماشي منها حيث شاء\") (^٣).\nوقال: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية قال: حدثني عمي زياد بن جبير قال: حدثني أبي جبير بن حية، أنه سمع المغيرة بن شعبة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الطفل يصلى عليه\") (^٤).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦٥).\n(^٢) (٣١٨٠).\n(^٣) \"السنن\" (١٤٨١).\n(^٤) \"السنن\" (١٥٠٧).","vol":"1","page":324},{"text":"وأخرجه النسائي، قال: (أخبرني زياد بن أيوب، قال: حدثنا عبد الواحد بن واصل، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله - وهو الثقفي - وأخوه المغيرة، جميعا عن زياد بن جبير، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه\".\nأخبرني أحمد بن بكار الحراني قال: حدثنا بشر بن السري، عن سعيد الثقفي، عن عمه زياد بن جبير بن حية عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه\") (^١).\nوقال أيضًا: (أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله قال: سمعت زياد بن جبير يحدث عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال: \"الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه\") (^٢).\nوأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني، قال: (حدثنا أبو أمية سلم بن عصام، قال: ثنا بشر بن آدم …) به، وقال: (لا يروى هذا المتن إلا بهذا الإسناد) (^٣).\nوسئل عنه الدارقطني في \"العلل\" فقال: (يرويه زياد بن جبير، عن أبيه، واختلف عنه؛\nفرواه سعيد بن عبيد الله الثقفي الجبيري، وأخوه المغيرة بن عبيد الله، عن زياد بن جبير مرفوعا.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٢٢٧٤، ٢٢٧٥).\n(^٢) (٢٢٨٠).\n(^٣) \"طبقات المحدثين\" (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"1","page":325},{"text":"ورواه يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، واختلف عنه؛\nفرفعه عبد الله بن بكر المزني، عن يونس.\nورواه قبيصة، عن الثوري، عن يونس فشك في رفعه، ووقفه الباقون عن يونس، إلا أن ابن علية، وعنبسة بن عبد الواحد، قالا: عن يونس، وأهل زياد يرفعونه، قال يونس: وأما أنا فلا أحفظ رفعه) (^١).\nقلت: هذا الحديث وقع فيه اختلاف في الإسناد والمتن:\nأما الاختلاف في الإسناد، ففي موضعين:\n١ - في وقف هذا الحديث ورفعه، قال البيهقي: (فهذا حديث مشكوك في رفعه، وكان يونس بن عبيد يقفه عن زياد بن جبير، ثم يقول: وحدثني بعض أهله أنه رفعه إلى النبي ﷺ) (^٢).\n٢ - في إسقاط رجل من الإسناد، وهو والد زياد، كما وقع في بعض الروايات.\nأما الأمر الأول، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد أنه قال: (لا أحفظ رفعه).\nقلت: والأقرب الرفع، وذلك أن سعيد بن عبيد الله وأخاه مغيرة قد رفعاه، لذا قال يونس بن عبيد: (وأحسب أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ)، فثبت رفع هذا الخبر.\nويؤكد ذلك أن يونس إنما قال: (لا أحفظ رفعه) فلم يجزم بوقفه.\nوأما الأمر الثاني، وهو إسقاط والد زياد، فالأقرب ثبوته في الإسناد،\n_________\n(^١) (٣/ ٣١٨).\n(^٢) \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ٢٧٢) رقم (٧٥٠٤).","vol":"1","page":326},{"text":"وذلك كما جاء في أكثر الروايات، خاصة في رواية ابن ماجه (^١)، فإن فيها تصريحا بالسماع من المغيرة بن شعبة.\nوأما الاختلاف في المتن، فقد جاء في رواية يونس بن عبيد: \"ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة\"، ولم يأت ذلك في رواية سعيد وأخيه المغيرة.\nوالأقرب أن هذه الزيادة محفوظة؛ وذلك أن يونس بن عبيد من الثقات الأثبات.\nوعلى هذا فإنه يصلى على السقْط، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة، والمراد به ما نفخ فيه الروح.\nقال ابن المنذر - بعد أن ساق هذا الحديث -: (وبه قال محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وقال أحمد بن حنبل: إذا علم أنه ولد يغسل ويصلى عليه، وقال إسحاق: كل ما نفخ فيه الروح صلي عليه، وكذلك قال أحمد قال: إذا تمت أربعة أشهر يصلى عليه لأنه قد نفخ فيه الروح، وقال إسحاق: مضت السنة في أصحاب النبي ﷺ في الصبي إذا سقط من بطن أمه ميتا بعد تمام خلقه ونفخ فيه الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر وعشرا، أنه يصلى عليه، إنما الميراث في الاستهلال، وأما ما يبعث يوم القيامة نسمة تامة وقد كتب عليه الشقاء والسعادة، فلأي شيء يترك الصلاة عليه؟ وقد ذكر عن النبي ﷺ: \"صلوا على أطفالكم\"، رواه المغيرة بن شعبة) (^٢).\nوقال البغوي: (والسقط يصلى عليه إذا مات بعد أن استهل، واختلفوا فيه إذا مات قبل أن يستهل، فذهب قوم إلى أنه لا يصلى عليه، يروى ذلك عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وبه قال الزهري، وهو قول الثوري،\n_________\n(^١) \"السنن\" (١٥٠٧).\n(^٢) \"الأوسط\" (٥/ ٤٠٥).","vol":"1","page":327},{"text":"والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورفع بعضهم عن جابر، قال: \"الطفل لا يصلى عليه حتى يستهل\"، والأصح أنه موقوف عليه.\nوذهب قوم إلى أنه يصلّى عليه، يروى ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب، وهو قول أحمد، وإسحاق، لما يروى عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ، قال: \"السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة\".\nقال إسحاق: إنما الميراث بالاستهلال، أما الصلاة، فإنه يصلى عليه، لأنه نسمة كتب عليه الشقاء والسعادة) (^١).\nوسوف أتحدث هنا - بمشيئة الله - عن منهج أبي عيسى الترمذي في تعليل الأخبار وتصحيحها من خلال الوجوه الآتية:\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" (٥/ ٣٧٣).","vol":"1","page":328},{"text":"الوجه الأول: أنه يبدأ بما هو معلول أو خطأ أو ضعيف، ثم يذكر بعد ذلك الصحيح، أو يذكر ما هو صحيح ثم ما هو أصح منه.\nقال ابن رجب ﵀: (وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان قصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود ﵀ فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية) (^١).\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الوضوء مرة، ومرتين، وثلاثًا: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم.\nقال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.\nحدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت نحو رواية وكيع (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤١١).\n(^٢) في بعض الطبعات: (قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت، وهذا أصح من حديث شريك، لأنه قد روي من غير وجه، هذا عن ثابت، نحو رواية وكيع).","vol":"1","page":329},{"text":"وشريك كثير الغلط، وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي) (^١).\nقلت: لا شك أن رواية وكيع أصح؛ لأنه أحفظ بكثير من شريك، فقدم أبو عيسى رواية شريك، وهي الغلط، ثم ذكر رواية وكيع وهي الصحيحة.\n٢ - وقال أيضًا في باب الوضوء لكل صلاة: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.\nقال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب (^٢)، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس.\nوقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحبابا لا على الوجوب.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحْدث.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٣).\nقلت: والقول في هذا مثل ما تقدم.\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٧).\n(^٢) في \"تحفة الأشراف\" (٧٤٠): (غريب) حسب.\n(^٣) (١/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"1","page":330},{"text":"٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ: (حدثنا هناد، قال: حدثنا هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.\nوفي الباب عن أبي سعيد، وجابر.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله …\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قال يوم الخندق - وجعل يسب كفار قريش -، قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى تغرب الشمس، فقال رسول الله ﷺ: \"والله إن صليتها\"، قال: فنزلنا بطحان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.\nهذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: حديث جابر أصح بكثير، فقد خرجه الشيخان (^٢)، ومع ذلك أخّره أبو عيسى وقدم عليه حديث ابن مسعود.\n٤ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا مروان بن معاوية\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٩٦)، \"صحيح مسلم\" (٦٣١) من طريق هشام به.","vol":"1","page":331},{"text":"الفزاري، عن أبي يعفور، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، أن رجلا قال لابن مسعود: أي العمل أفضل؟ قال: سألت عنه رسول الله ﷺ، فقال: \"الصلاة على مواقيتها\"، قلت: وماذا يا رسول الله؟ قال: \"وبر الوالدين\"، قلت: وماذا (^١)؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\".\nقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.\nوقد روى المسعودي وشعبة والشيباني وغير واحد، عن الوليد بن العيزار هذا الحديث) (^٢).\nقلت: رواية أبي يعفور صحيحة كما قال أبو عيسى، وقد خرجها مسلم أيضًا (^٣)، إلا أن رواية شعبة أصح؛ فقد خرجها الشيخان (^٤).\n٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة: (حدثنا محمود، قال: حدثنا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد وأبو نعيم، قالوا: حدثنا سفيان، عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة\".\nقال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن.\nوقد رواه أبو إسحاق الهمداني، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، عن النبي ﷺ مثل هذا) (^٥).\nقلت: الإسناد الأول فيه زيد العمي، وهو لا يحتج به، لذا لم يصحح\n_________\n(^١) في بعض الطبعات زيادة (يا رسول الله).\n(^٢) (١/ ٣٨٢).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٨٥).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٥٢٧)، \"صحيح مسلم\" (٨٥).\n(^٥) (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).","vol":"1","page":332},{"text":"أبو عيسى هذا الإسناد، وأما الثاني فرجاله ثقات، وهو صحيح؛ وبالتالي فهو أقوى من الأول.\nويستفاد من صنيع أبي عيسى هذا: أن حكمه على حديثٍ ما هو حكمٌ على الإسناد الذي ساقه لهذا الحديث، وليس حكمًا على باقي أسانيده، مع التنبيه إلى أنه لا يلتزم ذلك دائمًا، كما سيأتي.\n٦ - وقال أيضًا في باب في نشر الأصابع عند التكبير: (حدثنا قتيبة وأبو سعيد الأشج، قالا: حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة نشر أصابعه.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد رواه غير واحد (^١) عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدا.\nوهو أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث.\nوحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا.\nقال أبو عيسى: قال عبد الله (^٢): وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان، وحديث يحيى بن يمان خطأ) (^٣).\nقلت: ذكر الخطأ أولًا ثم بين بعده الصحيح.\n_________\n(^١) في بعض النسخ: (وقد روى غير واحد هذا الحديث، عن ابن أبي ذئب).\n(^٢) هو الدارمي.\n(^٣) (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).","vol":"1","page":333},{"text":"٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة: (حدثنا محمد بن أبي معشر، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\".\nحدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا محمد بن أبي معشر … مثله.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد روي عنه من غير وجه.\nوقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، واسمه نجيح مولى بني هاشم، قال محمد: لا أروي عنه شيئًا، وقد روى عنه الناس.\nقال محمد: وحديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أقوى وأصح من حديث أبي معشر (^١).\nحدثنا الحسن بن بكر المروزي، قال: حدثنا المعلى بن منصور، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nقلت: تبين مما تقدم أنه بدأ بالضعيف ثم بالصحيح.\n٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صدقة الزرع والتمر والحبوب: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى\n_________\n(^١) في بعض النسخ: (أقوى من حديث أبي معشر وأصح).\n(^٢) (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).","vol":"1","page":334},{"text":"المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: \"ليس فيما دون خمس ذَود صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُق صدقة\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن عمرو.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان وشعبة ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ … نحو حديث عبد العزيز، عن عمرو بن يحيى.\nقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: لا شك أن طريق سفيان وشعبة ومالك أصحّ، ومع ذلك قدم طريق الدراوردي، ولهذا نظائر في كتابه \"الجامع\"، يبدأ بالصحيح ثم يتبعه بما هو أصح.\n٩ - وقال أيضًا في باب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يزيد بن عياض، عن عاصم بن عمر بن قتادة (ح) وحدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته\".\nقال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن، ويزيد بن عياض ضعيف عند أهل الحديث، وحديث محمد بن إسحاق أصح) (^٢).\nقلت: ذكر الضعيف أولًا، وفي إسناده يزيد بن عياض وهو متروكٌ، ثم ذكر ما هو أصح منه وأقوى وهو طريق ابن إسحاق.\n_________\n(^١) (٢/ ٨٠).\n(^٢) (٢/ ٩٠).","vol":"1","page":335},{"text":"١٠ - وقال أيضًا في باب ما جاء في رضا المصدق: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جرير قال: قال النبي ﷺ: \"إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنكم إلا عن رضا\".\nحدثنا أبو عمار (^١)، قال: حدثنا سفيان، عن داود، عن الشعبي، عن جرير، عن النبي ﷺ بنحوه.\nقال أبو عيسى: حديث داود، عن الشعبي أصح من حديث مجالد، وقد ضعف مجالدا بعضُ أهل العلم، وهو كثير الغلط) (^٢).\nقلت: الإسناد الثاني أقوى من الأول؛ فإن داود - وهو ابن أبي هند - أوثق من مجالد، وهو ابن سعيد؛ فإن فيه ضعفًا.\n١١ - وقال أيضًا في باب ما جاء في فضل الصائم إذا أكل عنده: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن حبيب بن زيد، عن ليلى، عن مولاتها، عن النبي ﷺ قال: \"الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة\".\nقال أبو عيسى: وروى شعبة هذا الحديث، عن حبيب بن زيد، عن ليلى، عن جدته أم عمارة، عن النبي ﷺ … نحوه.\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، عن حبيب بن زيد، قال: سمعت مولاة لنا يقال لها: ليلى تحدث، عن جدته أم عمارة ابنة كعب الأنصارية، أن النبي ﷺ دخل عليها فقدمت إليه طعاما، فقال: \"كلي\"، فقالت: إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ: \"إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا\"، وربما قال: \"حتى يشبعوا\".\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (الحسين بن حريث).\n(^٢) (٢/ ٩١).","vol":"1","page":336},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث شريك.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن حبيب بن زيد، عن مولاة لهم يقال لها: ليلى، عن جدته أم عمارة بنت كعب، عن النبي ﷺ … نحوه، ولم يذكر فيه: \"حتى يفرغوا\" أو \"يشبعوا\".\nقال أبو عيسى: وأم عمارة هي جدة حبيب بن زيد الأنصاري) (^١).\nقلت: قد ساق المصنف لهذا الخبر ثلاثة أسانيد، بدأها بالأضعف، وهو طريق شريك، ثم أتبعه بذكر ما هو أصح منه، وهو طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، وختمها بأصحها كلها، وهو طريق محمد بن جعفر، عن شعبة.\n١٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المسك للميت: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ سئل عن المسك؟ فقال: \"هو أطيب طيبكم\".\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود وشبابة، قالا: حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر … نحوه (^٢).\n_________\n(^١) (٢/ ١٦٠ - ١٦١).\n(^٢) في بعض النسخ: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود وشبابة، قالا: حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، سمع أبا نضرة، يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"أطيب الطيب المسك\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nحدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي، عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ سئل عن المسك؟ فقال: \"هو أطيب طيبكم\". هذا حديث حسن صحيح).","vol":"1","page":337},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا خبر صحيح سندًا ومستقيم متنًا، لذا صححه أبو عيسى، وصححه أيضًا مسلم بأن أخرجه في \"صحيحه\" (^٢).\nويلاحظ أن المصنف رواه عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن شعبة به، وهذا الإسناد فيه سفيان بن وكيع وهو متكلَّم فيه كما هو معلوم، ثم رواه عن محمود بن غيلان عن أبي داود وشبابة، كلاهما عن شعبة به، وحكم عليه بأنه حسن صحيح، فالثاني هو الصحيح بخلاف الأول، كما بيّن أبو عيسى.\nوأحيانا يبدأ بالصحيح، ثم ما هو دونه، ومن الأمثلة على ذلك:\nقال في باب ما جاء في فضل من جهز غازيا: (حدثنا أبو زكريا يحيى بن درست، قال: حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: \"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا\".\nهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا الوجه.\nحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: \"من جهز غازيا في سبيل الله، أو خلفه في أهله فقد غزا\".\nهذا حديث حسن (^٣).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦٥).\n(^٢) (٢٢٥٢).\n(^٣) كذا في ط. الرسالة أيضًا (١٧٢٣)، وعند شاكر (١٦٢٩)، وبشار، وفي \"تحفة الأشراف\" (٣٧٦١): (حسن صحيح)، وقال بشار بأن النسخ (حسن)، وما أضافه هو من \"تحفة الأشراف\".","vol":"1","page":338},{"text":"حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني، عن النبي ﷺ نحوه.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: \"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا\".\nهذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: في هذا الحديث بدأ أبو عيسى بالأصحّ، ثم ذكر بعده طريقا آخر دون الأول.\nوهذا أيضًا يفعله - في بعض الأحيان - في الرواة المختلف في أسمائهم، فقد يبدأ بالخطأ، ثم يذكر الصواب، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (وأبو هريرة اختلفوا في اسمه، فقالوا: عبد شمس، وقالوا: عبد الله بن عمرو، وهكذا قال محمد بن إسماعيل، وهذا الأصح) (^٢).\n٢ - وقال أيضًا: (وأبو عطية: اسمه مالك بن أبي عامر الهمداني، ويقال: مالك بن عامر الهمداني، وابن عامر أصح) (^٣).\nوربما بدأ بالصحيح، ثم ما هو دونه، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، أنه\n_________\n(^١) (١٧٣٤ - ١٧٣٧).\n(^٢) (١/ ٢٧٤).\n(^٣) (٢/ ١١٩).","vol":"1","page":339},{"text":"سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما يذهب عني مَذمَّة الرضاع؟ فقال: \"غرة عبد أو أمة\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nهكذا رواه يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ.\nوروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن أبي حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ. وحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح ما روى هؤلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه.\nوهشام بن عروة يكنى أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد الله، وابن عمر) (^١).\n٢ - وقال ﵀: (وأبو المليح بن أسامة اسمه عامر، ويقال: زيد بن أسامة بن عمير الهذلي) (^٢).\nقلت: بدأ أبو عيسى بالراجح عنده فقال: (اسمه عامر)، ثم ذكر القول الآخر، وما رجحه قد رجحه الدارقطني أيضًا (^٣).\nوالأمثلة عديدة.\n* * *\n_________\n(^١) (١١٩٤).\n(^٢) (١/ ٢٧٣).\n(^٣) \"المؤتلف والمختلف\" (٤/ ٢٠٤٧).","vol":"1","page":340},{"text":"الوجه الثاني: أنه غالبًا يشير إلى كل اختلاف يقع في الحديث.\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب في فضل التكبيرة الأولى: (حدثنا عقبة بن مكرم ونصر بن علي، قالا: حدثنا سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق\".\nقال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث عن أنس موقوفا، ولا أعلم أحدا رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو.\nوإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس بن مالك قوله.\nحدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا وكيع، عن خالد بن طهمان، عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس قوله، ولم يرفعه.\nوروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث، عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ نحو هذا.\nوهذا حديث غير محفوظ، وهو حديث مرسل؛ عمارة بن غزية لم يدرك أنس بن مالك (^١» (^٢).\nوالأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وهناك العديد منها منثور في أثناء هذا \"المدخل\".\n* * *\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (قال محمد بن إسماعيل: حبيب بن أبي حبيب يكنى أبا الكشوثا، ويقال أبو عميرة).\n(^٢) (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":341},{"text":"الوجه الثالث: اعتناؤه بنقل كلام النقاد في تعليل الأخبار والحكم عليها، وخاصة الإمام البخاري.\nمن يطلع على كتاب أبي عيسى يلاحظ اعتناءه بنقل كلام الحفّاظ من شيوخه أو من شيوخ شيوخه - أو غيرهم - في الحكم على الحديث أو في بيان علته، أو في الحكم على أحد رواته، حتى أنه قلّ أن يخلو بابٌ من الكتاب من هذه النقولات، وخاصة فيما ينقله عن الإمام البخاري، حتى أصبحتْ كتبه هي المصدر الثاني بعد كتب الإمام البخاري في النقل عنه (^١)، ولا يخفى أهمية ذلك، وخاصة في معرفة علة الخبر، وبهذا حفظ لنا ثروةً كبيرة، من كلامهم على الأحاديث والرواة.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء أن الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين\".\nقال أبو عيسى: وفي الباب عن عائشة، وسهل بن سعد، وعقبة بن عامر.\nحديث أبي هريرة رواه سفيان الثوري وحفص بن غياث وغير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٢).\nوروى أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حُدِّثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوروى نافع بن سليمان، عن محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ، هذا الحديث.\n_________\n(^١) وقد سبق بيان ذلك.\n(^٢) في الطبعات الأخرى زيادة: (عن النبي ﷺ).","vol":"1","page":342},{"text":"قال أبو عيسى: وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي صالح، عن أبي هريرة أصح من حديث أبي صالح، عن عائشة.\nقال: وسمعت محمدًا يقول: حديث أبي صالح، عن عائشة أصح، وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا حديث أبي صالح، عن عائشة في هذا) (^١).\nقلت: هذا الحديث وقع فيه اختلافٌ شديدٌ، يصعب معه الترجيح بين أوجُهه المختلفة، وهنا ذكر أبو عيسى أحكامًا متباينةً عن ثلاثة من كبار الحفاظ، والنظر فيها يساعد في الحكم على هذا الحديث ومعرفة الوجه الراجح.\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في التأمين: (حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقال: \"آمين\"، ومدّ بها صوته.\nوفي الباب عن علي، وأبي هريرة.\nقال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن …\n... وروى شعبة هذا الحديث، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: \"آمين\" وخفض بها صوته.\nقال أبو عيسى: سمعت محمدا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر\n_________\n(^١) (١/ ٤٠٣).","vol":"1","page":343},{"text":"أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن. وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر. وقال: وخفض بها صوته، وإنما هو: ومد بها صوته.\nقال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة، قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل، نحو رواية سفيان.\nقال أبو عيسى: حدثنا أبو بكر محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن العلاء بن صالح الأسدي، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ نحو حديث سفيان، عن سلمة بن كهيل) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦).","vol":"1","page":344},{"text":"الوجه الرابع: أنه يحتاط كثيرًا في تصحيح الخبر وقبوله.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في فضل صوم يوم عرفة: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: \"صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله (^١).\nوفي الباب عن أبي سعيد.\nقال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن، وقد استحب أهل العلم صيام يوم عرفة، إلا بعرفة) (^٢).\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الحث على صوم يوم عاشوراء: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: \"صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله\".\nوفي الباب عن علي، ومحمد بن صيفي، وسلمة بن الأكوع، وهند بن أسماء، وابن عباس، والربيع بنت مُعَوّذ ابن عفراء، وعبد الرحمن بن سلمة الخزاعي عن عمه، وعبد الله بن الزبير. ذكروا عن رسول الله ﷺ أنه حثّ على صيام يوم عاشوراء.\nقال أبو عيسى: لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال في صيام يوم عاشوراء كفارة سنة، إلا في حديث أبي قتادة.\nوبحديث أبي قتادة، يقول أحمد، وإسحاق) (^٣).\n_________\n(^١) في بعض النسخ: (السنة التي قبله، والسنة التي بعده).\n(^٢) (٢/ ١٤٣).\n(^٣) (٢/ ١٤٥).","vol":"1","page":345},{"text":"٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صوم الدهر: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة قال: قيل يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: \"لا صام ولا أفطر\"، أو \"لم يصم ولم يفطر\".\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الشخير، وعمران بن حصين، وأبي موسى.\nقال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن) (^١).\nقلت: هذا الخبر رجاله كلهم ثقاتٌ، وقد حكم الإمام مسلم بصحته، فأخرجه في كتابه \"الصحيح\" (^٢) - وساقه سوْقا واحدا، وفرقه أبو عيسى كما ترى -، وصححه ابن حبان (^٣)، وقال البغوي بعد أن أخرجه: (هذا حديث صحيح أخرجه مسلم) (^٤).\nإذًا لماذا توقف أبو عيسى في تصحيحه؟ هل لقوله: (لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال في صيام يوم عاشوراء كفارة سنة إلا في حديث أبي قتادة)؟ لكنه ساقه دون هذه الجملة واكتفى بتحسينه أيضًا، وقد عُلِم من منهج أبي عيسى: أنه - في بعض الأحيان - إذا ساق الخبر دون موضع الإشكال فقد يصححه (^٥)، ويجاب عن ذلك: بأن هذه اللفظة جزءٌ من الحديث، وهي موجودةٌ فيه من حيث الأصل.\n_________\n(^١) (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) (١١٦٢).\n(^٣) \"الصحيح\" (٣٦٤٦).\n(^٤) \"شرح السنة\" (١٧٩٠).\n(^٥) ومن الأمثلة على ذلك أنه أخرج (١/ ٣٠٠ - ٣٠١) حديث عبد الله بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بآخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما، ظهورهما وبطونهما، وقال: هذا حديث حسن. =","vol":"1","page":346},{"text":"وقد يكون توقف في تصحيحه لقول البخاري في عبد الله بن معبد: (لا يعرف له سماع من أبي قتادة) (^١)، وهذا أقرب.\n٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ: \"يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة، فصل الصلاة لوقتها، فإن صُلِّيت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك\".\nوفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت.\nقال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن.\nوأبو عمران الجوني اسمه: عبد الملك بن حبيب) (^٢).\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد توبع جعفر بن سليمان عليه عند مسلم من قبل حماد بن زيد (^٣)، كما أخرجه أيضًا من وجه آخر عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر بنحوه (^٤).\nوقد يكون تحسين المصنف للحديث دون تصحيحه لخصوص طريق جعفر بن سليمان فقط، فإنه ليس بالقوي كما هو معلوم (^٥).\n_________\n= ثم ساقه مرة أخرى بإسنادٍ دون السابق من حيث الصحة، وفيه: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وأدبر، وصدغيه وأذنيه مرة واحدة، وقال: حسن صحيح.\nقلت: صححه هنا؛ لاستقامة متنه، بخلاف الذي قبله؛ فإن متنه غير مستقيم: ففيه أنه مسح مرتين، والصواب مرة، وفيه أنه بدأ بمؤخره، والصواب أنه بدأ بمقدم رأسه.\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٦٨، ٥/ ١٩٨)، وينظر: \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ١٣٣).\n(^٢) (١/ ٣٨٦).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٦٤٨).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٦٤٨).\n(^٥) وقد أخرجه مسلم (٦٤٨) من طريق جعفر كذلك.","vol":"1","page":347},{"text":"٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء بأي جانب الرأس يبدأ في الحلق: (حدثنا أبو عمار (^١)، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك قال: لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة نحر نسكه، ثم ناول الحالقَ شقه الأيمن فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه، فقال: \"اقسمه بين الناس\".\nحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام نحوه.\nهذا حديث حسن) (^٢).\nقلت: أخرجه مسلم (^٣) عن ابن أبي عمر به.\nوأخرجه قبله من حديث حفص بن غياث - في بعض الروايات عنه -، وعبد الأعلى بعكس رواية ابن عيينة: أن الشق الأيسر هو الذي أعطاه أبا طلحة.\nوأخرجه البخاري (^٤) من طريق ابن عوْن، عن ابن سيرين به مختصرًا، ولفظه: (لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره) (^٥).\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (الحسين بن حريث).\n(^٢) (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٣٠٥).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (١٧١).\n(^٥) وروي من وجه آخر، أخرجه أحمد (١٣٦٨٥)، وأبو عوانة (٣٢٣٣)، والبيهقي (٤٢٣٣) من طريق مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد - يعني ابن سيرين -، عن أنس، قال: لما حلق رسول الله ﷺ رأسه بمنى، أخذ شق رأسه الأيمن بيده، فلما فرغ ناولني، فقال: \"يا أنس، انطلق بهذا إلى أبي طلحة وأم سليم\"، فلما رأى الناس ما خصها به من ذلك تنافسوا في الشق الآخر، هذا يأخذ الشيء، وهذا يأخذ الشيء قال محمد: فحدثته عبيدة السلماني، فقال: (لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء أصبحت على وجه الأرض وفي بطنها). لكن مؤمل سيئ الحفظ. ينظر \"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ١٧٦).","vol":"1","page":348},{"text":"فتبين مما تقدم أن هذا الحديث حديث صحيح، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد توبع ابن عيينة من قبل عبد الأعلى وحفص، كما أن هشاما توبع من قبل ابن عون، وإن كانت روايتهم مختصرة، لذا خرّجه الشيخان كما تقدم، فلا أدري لماذا لم يصححه أبو عيسى، هل للاختلاف الذي وقع فيه؟ وهو كما تقدم في التخريج. والله أعلم.\n٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الميت في المسجد: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء في المسجد.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^١).\nقلت: لا أدري لماذا لم يصححه أبو عيسى؟ مع أنه حديث صحيح، أخرجه مسلم (^٢) من طريق الدراوردي به، وقد توبع الدراوردي، تابعه موسى بن عقبة كما عند مسلم (^٣).\nكما أن عبد الواحد بن حمزة قد توبع أيضًا، تابعه صالح بن عجلان، ومحمد بن عبد الله بن عباد، كما عند أحمد (^٤)، وأبي داود (^٥).\nفلعله إنما حكم على الإسناد الذي ساقه فقط، بغض النظر عن الأسانيد الأخرى، وهذا الإسناد - أي: الذي ساقه - فيه عبد الواحد بن حمزة وهو ليس بالمشهور، ولا يصل إلى درجة الثقة، وإنما هو لا بأس به، ولم يذكر في ترجمته أنه روى عن أحد سوى عمه عباد بن عبد الله بن الزبير، وليس له عند مسلم والترمذي والنسائي سوى هذا الحديث.\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٩٧٣).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٩٧٣).\n(^٤) \"المسند\" (٢٥٠١٤).\n(^٥) \"السنن\" (٣١٨٩).","vol":"1","page":349},{"text":"الوجه الخامس: أنه في بعض الأحيان قد يتوقف في تصحيح الحديث لأدنى اختلاف وقع فيه، مع ترجيحه لجانب الرفع أو الوصل مثلًا، وفي بعض الأحيان لا يلتفت إلى هذا الاختلاف إذا ترجح لديه أحد الأوجه، فيحكم بصحة الخبر.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\".\nوفي الباب عن ابن بحينة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سرجس، وابن عباس، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن.\nوهكذا روى أيوب وورقاء بن عمر وزياد بن سعد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوروى حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، ولم يرفعاه.\nوالحديث المرفوع أصحّ عندنا.\nوقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه؛ رواه عياش بن عباس القتباني المصري، عن أبي سلمة، عن","vol":"1","page":350},{"text":"أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^١» (^٢).\nقلت: هذا الحديث صحيح مرفوع، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد رجح أبو عيسى الرفع كما تقدم، ومع أن الحديث قد خرّجه مسلم (^٣)، فلم يصححه أبو عيسى وإنما اكتفى بتحسينه لأجل الخلاف الذي وقع فيه.\n٢ - وقال ﵀ في باب ما جاء في وصال شعبان برمضان: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.\nوفي الباب عن عائشة.\nقال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن.\nوقد روي هذا الحديث أيضًا عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله.\nحدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ بذلك.\nوكذلك روى سالم أبو النضر وغير واحد، عن أبي سلمة، عن عائشة نحو رواية محمد بن عمرو) (^٤).\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (نحو هذا).\n(^٢) (١/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n(^٣) \"الصحيح\" (٧١٠)، من طريق روح به، ومن طريق ورقاء، عن عمرو بن دينار.\n(^٤) (٢/ ١١١).","vol":"1","page":351},{"text":"قلت: حسّن أبو عيسى هذا الخبر مع أن رجاله من الثقات المشاهير؛ وذلك لكونه قد جاء أيضًا من طريق أبي سلمة عن عائشة، فهل هو اختلاف عن أبي سلمة أو أن الخبر في أصله حديثان؟ الصحيح الثاني، لذا عندما رواه في \"الشمائل\" (^١) صحح كلا الطريقين، فقال:\n(حدثنا محمد بن بشّار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أمّ سلمة قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.\nقال أبو عيسى: هذا إسناد صحيح، وهكذا قال: عن أبي سلمة عن أم سلمة.\nوروى هذا الحديث غير واحد عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النّبي ﷺ، ويحتمل أن يكون أبو سلمة بن عبد الرحمن قد روى هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة جميعا عن النّبي ﷺ).\n٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: \"أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة\".\nوفي الباب عن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وعبد الله بن سعد، وزيد بن خالد الجهني.\nقال أبو عيسى: حديث زيد بن ثابت حديث حسن.\nوقد اختلفوا في رواية هذا الحديث:\n_________\n(^١) (٢٨٤).","vol":"1","page":352},{"text":"فرواه موسى بن عقبة وإبراهيم بن أبي النضر، عن أبي النضر مرفوعًا، وأوقفه بعضهم،\nورواه مالك بن أنس، عن أبي النضر ولم يرفعه، والحديث المرفوع أصح) (^١).\nقلت: القول في هذا الحديث كالقول في الذي قبله، فمع أن الترمذي رجّح جانب الرفع - وهو ما ذهب إليه الشيخان حين أخرجاه في \"صحيحيهما\" (^٢) - إلا أنه لم يصححه.\n٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء: (حدثنا هناد والحسن بن علي الخلال وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الماء طهور لا ينجسه شيء\".\nهذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، لم يُرْوَ (^٣) حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد) (^٤).\nقلت: مع تجويده لطريق أبي أسامة فإنه لم يصححه.\n٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم\n_________\n(^١) (١/ ٥٣٩ - ٥٤٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٣١)، \"صحيح مسلم\" (٧٨١).\n(^٣) في بعض النسخ: (فلم يرو أحد)\n(^٤) (١/ ٣١٦).","vol":"1","page":353},{"text":"الخلاء فليبدأ بالخلاء: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، قال: أقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه - وكان إمام قومه - وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء\".\nوفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وثوبان، وأبي أمامة.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح.\nهكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم.\nوروى وهيب وغيره، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل، عن عبد الله بن الأرقم) (^١).\nقلت: هذا الحديث وإن كان قد وقع فيه اختلاف إلا أنه لا يضر، والصواب أن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم لأمرين:\n١ - أن أكثر الرواة - ومنهم مالك - لم يذكروا واسطة بينهما.\n٢ - أن عبد الرزاق رواه عن معمر والثوري، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كنا مع عبد الله بن الأرقم … الحديث. فهذا يدل على أنه سمع منه، لذا صححه أبو عيسى، ولم يلتفت إلى هذا الاختلاف.\n٦ - وقال أيضًا: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه قال في صلاة الوسطى: \"صلاة العصر\" (^٢).\n_________\n(^١) (١/ ٣٦٦).\n(^٢) في بعض النسخ: (عن النبي ﷺ أنه قال: \"صلاة الوسطى صلاة العصر\").","vol":"1","page":354},{"text":"وفي الباب عن علي، وعائشة، وحفصة، وأبي هريرة، وأبي هاشم بن عتبة.\nقال أبو عيسى: قال محمد: قال علي بن عبد الله: حديث الحسن عن سمرة حديث حسن (^١)، وقد سمع منه.\nوقال أبو عيسى: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن (^٢) …\n... حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة، فسألته، فقال: سمعته من سمرة بن جندب.\nقال أبو عيسى: وأخبرني محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الله بن المديني، عن قريش بن أنس، بهذا الحديث.\nقال محمد: قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح، واحتج بهذا الحديث) (^٣).\nقلت: أولًا: اختلفت نسخ الترمذي في قول علي بن المديني هذا، ففي بعضها: \"صحيح\"، هكذا في نسخةٍ و\"شرح ابن سيد الناس\" (^٤)، وفي نسخة أخرى: \"حسن صحيح\"، ولعل الأرجح عنه قوله: \"صحيح\"؛ وذلك لقوله: سماع الحسن من سمرة صحيح.\nثانيًا: قول أبي عيسى: \"حديث حسن\"، هكذا فيما وقفت عليه من النسخ.\nوأما ما جاء في طبعة بشار من قوله: \"حسن صحيح\" (^٥)، فهذا فيما يظهر أنه تابع ما جاء في \"تحفة الأشراف\" (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ الأخرى: (صحيح).\n(^٢) في بعض النسخ: (حسن صحيح).\n(^٣) (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(^٤) \"النفح الشذي\" (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥).\n(^٥) \"الجامع\" (١/ ٢٢٣).\n(^٦) (٣/ ٥٩٣).","vol":"1","page":355},{"text":"ويجاب عما جاء في \"التحفة\": بأن المزي من عادته إذا خرج الترمذي الحديث في موضعين، ويكون هناك اختلاف في حكمه = لا يشير إلى هذا الاختلاف، والترمذي قد خرج هذا الحديث الذي معنا في \"التفسير\" (^١) وقال: \"حسن صحيح\"، فنقل المزي ذلك.\nثالثًا: إذا عُلم ذلك - أي قوله في الموضع الأول: (حسن)، وفي الثاني: (حسن صحيح) -؛ فالجواب عنه: أن أبا عيسى أحيانًا يصحح رواية الحسن عن سمرة، وأحيانًا يحسنها فقط، والسبب في ذلك أن الحسن قد اختلف في سماعه من سمرة، فأحيانًا يراعي ذلك فيحكم بالحسن فقط، وأحيانا لا يراعيه فيصحح الخبر.\n٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة على الحصير: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ صلى على حصير.\nوفي الباب عن أنس، والمغيرة بن شعبة.\nقال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد حديث حسن) (^٢).\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد أخرجه مسلم (^٣)، وإنما توقف المصنف في تصحيحه من أجل ما قيل إن الأعمش لم يسمع من أبي سفيان، وإن روايته من صحيفةٍ، ويؤيد هذا أنه خرّج عدة أحاديث بهذه السلسلة مكتفيا بتحسينها، نعم هناك أحاديث أخرى بنفس الإسناد صححها (^٤).\n_________\n(^١) (٣٢٤٣).\n(^٢) (١/ ٤٧٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٥١٩).\n(^٤) أخرج الترمذي لأبي سفيان طلحة بن نافع (١٢) حديثا:\nعشرة منها من رواية الأعمش، عنه، عن جابر، وأحكامه عليها كما يأتي: =","vol":"1","page":356},{"text":"٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد - يعني الضمري، وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو -، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه\".\nوفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وسمرة.\nقال أبو عيسى: حديث أبي الجعد حديث حسن.\nقال: وسألت محمدا: عن اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرف اسمه.\nوقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث.\nقال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو) (^١).\nقلت: قد صحح أبو عيسى لمحمد بن عمرو بعض الأحاديث، وتوقف في بعضها، وهذا أحدها، وقد يكون توقفه هنا من أجل قول الراوي: (… وكانتْ له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو)، فكأنه شك في صحبة أبي الجعد الضمري.\nويلاحظ أنه لا اختلاف في الإسناد، وإنما الشك في صحبة أبي الجعد الضمري، وهو داخل من حيث العموم فيما نحن بصدده.\n_________\n= - حسن صحيح: (٢٧٦، ٢٧٩٣)، (٢٨١٩، ٢٨٢٠) حديث واحد بإسنادين.\n- حسن: (٣٣٣)، (٢٠٦٢)، (٢٤١٥).\n- لم يحكم عليه: (٤٥٩)، (١٩٣٧).\n- فيه اضطراب: (١٣٣٣).\nوالحادي عشر (٢٢٩٠) من رواية الأعمش، عنه، عن أنس، وقال: (حسن).\nوالثاني عشر (٣٦١٧) من رواية حصين، عنه، عن جابر، وقال: (حسن صحيح).\n(^١) (١/ ٥٧٠ - ٥٧١).","vol":"1","page":357},{"text":"٩ - وقال أيضًا في باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع: (حدثنا بندار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال في بول الغلام الرضيع: \"يُنضح بول الغلام، ويُغسل بول الجارية\".\nقال قتادة: وهذا ما لم يَطعَما، فإذا طَعِما غُسلا جميعا.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nرفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة، وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ولم يرفعه) (^١).\nقلت: توقف في تصحيحه فيما يظهر من أجل الاختلاف في وقفه ورفعه، مع أن الذي رفعه ثقةٌ ثبتٌ مشهورٌ، وهو مقدم على من وقفه وهو سعيد بن أبي عروبة، وإن كان سعيد أيضًا من أثبت الناس في قتادة.\nوالخبر أخرجه عبد الرزاق (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، وأبو داود (^٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن علي بن أبي طالب موقوفا.\nوأخرجه البزار (^٥) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة به مرفوعا، ثم قال: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ بن هشام عن أبيه، وقد رواه غير معاذ، عن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن علي موقوفا).\nوقال البخاري في \"العلل الكبير\" (^٦) للترمذي: (شعبة لا يرفعه، وهشام\n_________\n(^١) (٢/ ٣٩).\n(^٢) (١٥٠٠).\n(^٣) (١٣٠٢).\n(^٤) (٣٧٧).\n(^٥) (٧١٧).\n(^٦) (٣٨).","vol":"1","page":358},{"text":"الدستوائي حافظ، ورواه يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة فلم يرفعه).\n١٠ - وقال أيضًا في باب ما جاء إذا أدّيت الزكاة فقد قضيت ما عليك: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حديث علي بن عبد الحميد الكوفي، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نتمنى أن يبتدئ الأعرابي العاقل فيسأل النبي ﷺ ونحن عنده … الحديث.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوقد روي من غير هذا الوجه عن أنس، عن النبي ﷺ) (^١).\nقلت: هذا حديثٌ صحيحٌ، فقد علّقه البخاري في \"صحيحه\" (^٢)، وخرّجه مسلم (^٣) موصولًا، وصححه ابن حبان حيث خرجه في كتابه \"التقاسيم والأنواع\" (^٤)، ورواته من الثقات، وتوقف أبو عيسى في تصحيحه من أجل أن حماد بن سلمة رواه عن ثابت فأرسله، كما في \"العلل\" للدارقطني، ففيه أنه سئل عن حديث ثابت، عن أنس: سأل رجل من أهل البادية رسول الله ﷺ، فقال: من خلق السماء؟ فقال: \"الله\".\nفقال: (يرويه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.\nوخالفهما (^٥) حماد بن سلمة؛ فرواه عن ثابت، مرسلا.\nوحماد بن سلمة أثبت الناس في حديث ثابت) (^٦).\nقلت: سليمان بن المغيرة ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ، قال أحمد: ثبتٌ ثبتٌ. وقال\n_________\n(^١) (٢/ ٤٤ - ٤٥).\n(^٢) عقب حديث رقم (٦٣).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٢)\n(^٤) (١٥٦).\n(^٥) قال المحقق: (هكذا في جميع النسخ).\n(^٦) (٦/ ٢٧).","vol":"1","page":359},{"text":"ابن معين: ثقةٌ ثقةٌ. وقال علي بن المديني: أثبت الناس في ثابت: حمادُ بن سلمة، ثم سليمان بن المغيرة، ثم حماد بن زيد (^١).\nفتبين مما تقدم أن الوصل زيادةٌ من ثقةٍ ثبتٍ، فتكون مقبولة، وهذا ما ذهب إليه البخاري، ومسلم، وغيرهما.\n١١ - وقال أيضًا في باب ما جاء من لا تحل له الصدقة: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا سفيان (ح) وحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وحبشي بن جنادة، وقبيصة بن المخارق.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن.\nوقد روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه) (^٢).\nقلت: هذا الحديث توقف في تصحيحه من أجل الاختلاف الذي وقع في رفعه ووقفه، مع أن رجاله كلهم ثقاتٌ، وريحان بن يزيد جيد الحديث، وقد جاء عن شعبة أيضًا رفعه، قال البخاري في \"تاريخه\": (ريحان بن يزيد العامري، قال حجاج: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمع ريحانا - وكان أعرابي صدق -، سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: \"لا تحل الصدقة لغني\".\nوروى إبراهيم بن سعد، عن أبيه، ولم يرفعه.\n_________\n(^١) ينظر: \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٤٥)، \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٧٢).\n(^٢) (٢/ ٦٤).","vol":"1","page":360},{"text":"وقال أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن سعد، عن ريحان بن يزيد العامري، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ) (^١).\nقلت: والرفع صحيحٌ؛ لأن سفيان إمامٌ حافظٌ، كيف وقد توبع على الرفع؟! وهذا هو ظاهر صنيع البخاري حيث إنه يذهب إلى صحة رفعه.\n١٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي ﷺ، وأهل بيته ومواليه: (حدثنا بندار، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، ويوسف بن يعقوب الضبعي، قالا: حدثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بشيء سأل: \"أصدقة هي، أم هدية؟ \"، فإن قالوا: صدقة لم يأكل، وإن قالوا: هدية أكل.\nوقد روي هذا الحديث أيضًا عن عبد الرحمن بن علقمة، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل، عن النبي ﷺ، وجد بهز بن حكيم اسمه معاوية بن حيدة القشيري.\nقال أبو عيسى: حديث بهز بن حكيم حديث حسن غريب) (^٢).\nقلت: كأنه توقف في تصحيحه من أجل الخلاف في بهزٍ، وهذه السلسلة بعض الحفاظ لا يرى الاحتجاج بها، وبعضهم يرى ذلك، وهو الصواب، وعندما نقل أبو عيسى كلام شعبة في بهز، قال: (وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة) (^٣).\nفهذا نصٌ منه بتوثيق بهزٍ، ومع ذلك لم يصحح له سوى حديثٍ\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) (٢/ ٦٦).\n(^٣) (٣/ ١٣٩).","vol":"1","page":361},{"text":"واحدٍ (^١)، وحسّن الباقي، وهي سبعة أحاديث، وهذا احتياط منه، وإلا فإن هذه السلسلة كأنها قوية عنده، والله تعالى أعلم.\n١٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء شهرا عيد لا ينقصان: (حدثنا يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﷺ، مرسلا) (^٢).\nقلت: هذا الحديث صحيح، ورواته من الثقات المشاهير، وقد خرَّجه الشيخان في صحيحيهما (^٣)، ويظهر أن أبا عيسى إنما توقف في تصحيحه لكونه جاء مرسلًا، ولكن هذا الإرسال لا يؤثر، والله تعالى أعلم.\n١٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صوم المحرم: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري،\n_________\n(^١) وهو حديث: (قلت: يا رسول الله أين تأمرني؟ قال: هاهنا، ونحا بيده نحو الشام)، أخرجه عن أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، ينظر: \"الجامع\" (٢٣٥١). وقد توبع بهز عند النسائي في \"الكبرى\" - كما في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٢٦) -، فقد أخرجه من طريق سويد بن حجير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، به، فهل صححه أبو عيسى من أجل المتابعة؟ الأقرب لا، والله تعالى أعلم.\nكما أنه صحح حديثًا آخر من غير طريق بهز، فقد أخرجه (٢٧٥٧) من طريق سعيد بن إياس الجُريْري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد\".\n(^٢) (٢/ ٨٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٩١٢)، \"صحيح مسلم\" (١٠٨٩).","vol":"1","page":362},{"text":"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم\".\nحديث أبي هريرة حديث حسن) (^١).\nقلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الخبر، ففي أكثرها كـ \"التأصيل\"، و\"الرسالة\" (^٢)، و\"تحفة الأحوذي\" (^٣)، والطبعة الحجرية التي مع \"تحفة الأحوذي\"، والنسخة التي مع \"عارضة الأحوذي\" (^٤) في أعلاها: (حسن)، وجاء في \"تحفة الأشراف\" (^٥): (حسن صحيح).\nالذي يظهر أن ما جاء في \"تحفة الأشراف\" إنما أُخذ من حكم الترمذي السابق لهذا الحديث - والذي تقدم في الصلاة -، فهنالك حكم عليه بـ \"حسن صحيح\" (^٦)؛ وبالتالي لا يوجد بين \"نسخ الترمذي\" اختلافٌ في حكمه عليه.\nوهنا يرد إشكالٌ: لماذا حكم عليه في كتاب الصيام بـ \"حسن\"، هل من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده؟ حيث إن شعبة رواه عن أبي بشر، عن حميد به، مرسلًا، أخرجه النسائي (^٧).\nالجواب: نعم؛ من أجل هذا الاختلاف، ولكنَّ وصل الحديث ثابتٌ، كما في الطريق الآخر الذي أخرجه مسلم وغيره.\nقال مسلم في \"صحيحه\": (حدثني قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة،\n_________\n(^١) (٢/ ١١٣)، وأخرجه أيضًا في الصلاة (٤٤٠)، باب ما جاء في فضل صلاة الليل، بنفس الإسناد.\n(^٢) (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).\n(^٣) (٣/ ٣٦٩).\n(^٤) (٣/ ٢٧٧).\n(^٥) (٩/ ٨٥).\n(^٦) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها - كنسخة التأصيل -: (حسن).\n(^٧) \"المجتبى\" (١٦٣٠)، \"السنن الكبرى\" (١٤٠٦).","vol":"1","page":363},{"text":"عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل\".\nوحدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه، قال: سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: \"أفضل الصلاة، بعد الصلاة المكتوبة، الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيام شهر الله المحرم\" (^١).\nوقال البزار في \"مسنده\": (حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن - يعني: الحميري -، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، قال: \"جوف الليل\"، وسئل عن أفضل الصيام بعد شهر رمضان، قال: \"شهر الله الذي تدعونه المحرم\".\nوهذا الحديث هكذا رواه أبو عوانة وزائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وهو الصواب.\nورواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن جندب، عن النبي ﷺ، فلم يحفظ عبيد الله بن عمرو، والحديث لزائدة ولأبي عوانة) (^٢).\nوقال الطوسي: (نا الحسن بن عرفة، قال: نا يحيى بن أبي بكير الكرماني، قال: أنا زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد - وهو ابن عبد الرحمن الحميري -، عن أبي هريرة،\n_________\n(^١) (١١٦٣).\n(^٢) \"المسند\" (٩٥١٥).","vol":"1","page":364},{"text":"قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فسأله عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان، فقال: \"أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان الشهر الذي يدعونه المحرم\".\nوفي الباب عن جابر وبلال.\nوحديث أبي هريرة حديث حسن) (^١).\nوفي \"العلل\" للدارقطني: (وسئل عن حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان المحرم\".\nفقال: واختلف فيه على حميد بن عبد الرحمن؛\nفرواه عبد الملك بن عمير واختلف عنه؛\nفرواه زائدة بن قدامة، وأبو حفص الأبار، والثوري، وشيبان، وأبو حمزة، وأبو عوانة، وعبد الحكيم بن منصور، وعكرمة بن إبراهيم، وجرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.\nوخالفهم عبيد الله بن عمرو الرقي، رواه عن عبد الملك بن عمير، عن جندب بن سفيان، عن النبي ﷺ، ووهم فيه، والذي قبله أصح عن عبد الملك.\nورواه أبو بشر جعفر بن إياس، عن حميد الحميري، واختلف عنه؛\nفأسنده أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد الحميري، عن أبي هريرة.\nوخالفه شعبة؛ فرواه عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلا، ورفعه صحيح) (^٢).\n_________\n(^١) \"المستخرج\" (٤١٨).\n(^٢) (٤/ ٣٢٩، ٣٣٠).","vol":"1","page":365},{"text":"١٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الذي يُهلّ بالحج فيُكسَر أو يُعرَج: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا روح بن عبادة، قال: حدثنا حجاج الصواف، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: حدثني الحجاج بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كُسر أو عَرج فقد حل وعليه حجة أخرى\".\nفذكرت ذلك لأبي هريرة، وابن عباس، فقالا: صدق.\nحدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن الحجاج مثله.\nقال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وهكذا رواه غير واحد عن الحجاج الصواف نحو هذا الحديث.\nوروى معمر ومعاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ.\nوحجاج الصواف لم يذكر في حديثه عبد الله بن رافع، وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث.\nوسمعت محمدا يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح.\nحدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﷺ نحوه) (^١).\nقلت: توقف أبو عيسى في تصحيحه فيما يظهر لي بسبب الاختلاف\n_________\n(^١) (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).","vol":"1","page":366},{"text":"الذي وقع في إسناده، وإلا فإنّ رجاله كلهم من الثقات المشاهير، وسواء قلنا إن الراجح رواية من رواه عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو دون واسطة، أو أن بينهما عبد الله بن رافع = فإن الحديث صحيح، وعبد الله بن رافع ثقة بالاتفاق، خرّج له الجماعة سوى البخاري.\nورواية من رواه بذكر عبد الله بن رافع أرجح، وذلك لأمرين:\nالأول: أنها زيادة، وهي مقبولة إذا كانت من ثقة كما في هذا الخبر، فمعمر ومعاوية بن سلام كلاهما من الثقات المشاهير، وتابعهما يوسف بن سعيد عند الطبراني.\nالثاني: أن يزيد بن أبي حبيب قد رواه عن عكرمة عن عبد الله بن رافع، قاله البيهقي (^١)، وهذا ما ذهب إليه البخاري، ويظهر أن الترمذي يذهب إلى ذلك؛ لأنه نقل قوله في \"الجامع\" و\"العلل\"، ولم يتعقبه بشيء.\nوأما قوله عن الحجاج بن الصواف: (ثقة حافظ عند أهل الحديث) فهو كذلك، ولا يظهر لي أن أبا عيسى يريد بذلك ترجيح روايته، وقد يكون هذا الاضطراب من يحيى نفسه - وهو الأقرب -، ويحتمل أن عكرمة سمعه من عبد الله بن رافع، ثم سمعه من حجاج بن عمرو نفسه كما في رواية حجاج بن الصواف، فحدث به على الوجهين، وقد ذهب علي بن المديني إلى ترجيح رواية الحجاج الصواف، فقد قال البيهقي: (قال علي بن المديني: الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير أثبت) (^٢).\nوإلى هذا ذهب الحاكم؛ لأنه عندما ساق رواية الحجاج الصواف قال: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرّجاه، وقيل: عن\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٦٠).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٦٠).","vol":"1","page":367},{"text":"عكرمة، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ﵂، عن الحجاج بن عمرو) (^١).\nوقال البيهقي: (فهو حديث مختلف في إسناده. فقيل هكذا. وقيل: عنه عن عبد الله بن رافع عن الحجاج، وحديث الاستثناء في الحج أصح من هذا) (^٢).\n١٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره، أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: \"أيهما أكثر أخذا للقرآن\"، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد، فقال: \"أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة\"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.\nوفي الباب عن أنس بن مالك.\nقال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ، وروي عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعير، عن النبي ﷺ، ومنهم من ذكره عن جابر) (^٣).\nقال ابن حجر: (قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث الليث عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن جابر: أن النبي ﷺ كان يجمع بين قتلى أحد ويقدم أقرأهم، وقد رواه ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (١/ ٦٥٧).\n(^٢) \"السنن الصغير\" (٢/ ٢٠٩).\n(^٣) (٢/ ٢٦٨).","vol":"1","page":368},{"text":"الزهري، مرسلا، عن جابر، ورواه معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، عن جابر، ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، حدثني من سمع جابرا، وهو حديث مضطرب. انتهى.\nأطلق الدارقطني القول في هذا الحديث بأنه مضطرب مع إمكان نفي الاضطراب عنه، بأن يفسر المبهم الذي في رواية سليمان بالمسمى الذي في رواية الليث، وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين، وأما رواية الأوزاعي المرسلة فقصر فيها بحذف الواسطة.\nفهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاري ذكر الخلاف فيه، وإنما أخرج رواية الأوزاعي مع انقطاعها؛ لأن الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك، عن الليث والأوزاعي جميعا، عن الزهري، فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب، وأثبته الليث، وهما في الزهري سواء، وقد صرحا جميعا بسماعهما له منه، فقبلت زيادة الليث لثقته.\nثم قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، عمن سمع جابرا، وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في الجملة، وتأكيد رواية الليث بذلك، ولم يرها علة توجب اضطرابا.\nوأما رواية معمر فقد وافقه عليها سفيان بن عيينة، فرواه عن الزهري، عن ابن أبي صُعير، وقال: ثبتني فيه معمر، فرجعت روايته إلى رواية معمر.\nوعن الزهري فيه اختلاف لم يذكره الدارقطني، فقيل: عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود، والترمذي، ونقل في \"العلل\" عن البخاري أنه قال: حديث أسامة خطأ، غلط فيه. يعني: أن الصواب حديث الليث.\nووهم الحاكم فأخرج حديث أسامة هذا في \"مستدركه\".","vol":"1","page":369},{"text":"وعن الزهري فيه اختلاف آخر، رواه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وهو خطأ أيضًا، وعبد الرحمن هذا ضعيف، ولا يخفى على الحاذق أن رواية الليث أرجح هذه الروايات، كما قررناه، وأن البخاري لا يعل الحديث بمجرد الاختلاف) (^١).\nوقال أيضًا: (قوله: \"عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر\" كذا يقول الليث، عن ابن شهاب، قال النسائي: لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك. ثم ساقه من طريق عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرا.\nوكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث، كلهم عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة، وعبد الله له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسل.\nوقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، فزاد فيه جابرا، وهو مما يقوي اختيار البخاري، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيما أن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة.\nوعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر: رواه أسامة بن زيد الليثي عنه، عن أنس، أخرجه أبو داود، والترمذي، وأسامة سيء الحفظ، وقد حكى الترمذي في \"العلل\" عن البخاري: أن أسامة غلط في إسناده.\nوأخرجه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن\n_________\n(^١) \"مقدمة فتح الباري\" (٣٥٥).","vol":"1","page":370},{"text":"ابن شهاب فقال: عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، وابن عبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله: عن أبيه) (^١).\nقلت: يتلخص مما تقدم أن هذا الحديث صحيح إلى الزهري، ولكن اختلف فيه عليه في موضعين:\nالأول: في شيخه.\nوالثاني: في راوي الحديث.\nفأما الأول: فقيل: عبد الرحمن بن كعب، وقيل بإبهامه - عمن سمع جابرًا -، وقيل بإسقاطه، فيكون الخبر مرسلًا الزهري عن جابر. وقيل: عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير.\nفأما الأول، فهي رواية الليث بن سعد.\nوأما الثاني، فهي رواية سليمان بن كثير.\nوأما الثالث، فهي رواية الأوزاعي.\nوأما الرابع، فهي رواية معمر من رواية ابن المبارك عنه، وتابعه على ذلك سفيان بن عيينة، كما عند أحمد (^٢)، ومحمد بن إسحاق، عند أحمد أيضًا (^٣).\nوتابعهم: عبد الرحمن بن إسحاق، كما عند ابن أبي عاصم (^٤)، وأبو بكر الشافعي (^٥).\nوعمرو بن الحارث، كما عند ابن أبي عاصم (^٦)، والطحاوي (^٧).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٠).\n(^٢) \"المسند\" (٢٣٦٥٩).\n(^٣) \"المسند\" (٢٣٦٥٧، ٢٣٦٥٨).\n(^٤) \"الجهاد\" (١٧٨).\n(^٥) \"الغيلانيات\" (٤٢٧).\n(^٦) \"الجهاد\" (١٧٦).\n(^٧) \"شرح مشكل الآثار\" (٢٥٨).","vol":"1","page":371},{"text":"وصالح بن كيسان، كما عند ابن أبي عاصم (^١).\nقلت: أما من أبهمه كما في رواية سليمان بن كثير، فالجواب عن ذلك: أن رواية من سماه أولى بالتقديم، خاصة أنه أوثق من سليمان بن كثير، وسليمان ليس مقدمًا في الزهري، بلى قد تُكلم في روايته عنه.\nوأما من أسقطه، فرواية مَن ذكره أولى؛ لأن معه زيادة علمٍ، وهم جماعة كما تقدم في تخريج الخبر.\nبقي النظر في تسمية شيخه، هل هو عبد الرحمن بن كعب، أو عبد الله بن ثعلبة بن صعير؟\nفالأول هو الذي وقع في رواية الليث.\nوأما الثاني، فهو الذي وقع في رواية الجماعة.\nوعلى كلا القولين فإن الخبر صحيحٌ، وذلك أنه إذا قلنا برجحان رواية الليث، فهذا ظاهر، وعبد الرحمن بن كعب ثقة.\nوإذا قلنا بترجيح رواية الجماعة، فإن عبد الله بن ثعلبة له رؤية، وقد جاء عند البخاري معلقًا: (أن النبي ﷺ قد مسح وجهه عام الفتح) (^٢). لذا قال أبو حاتم: (قد رأى النبيَّ ﷺ وهو صغير) (^٣)، فروايته قد تلحق بمراسيل الصحابة، كيف وقد جاء أن عبد الله بن ثعلبة قد رواه عن جابر بن عبد الله، كما عند عبد الرزاق (^٤) وأحمد (^٥) عن معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن جابر.\nوفي هذه الرواية جمعٌ بين الروايتين السابقتين، فيكون للزهري شيخان\n_________\n(^١) \"الجهاد\" (١٧٧)، و\"الآحاد والمثاني\" (٢٦٠٨).\n(^٢) \"الصحيح\" (٤٣٠٠).\n(^٣) \"المراسيل\" (ص: ١٠٣).\n(^٤) \"المصنف\" (٦٧٤٠) و(١٠٣٠٧).\n(^٥) \"المسند\" (٢٣٦٦٠).","vol":"1","page":372},{"text":"في هذا الخبر، أو يكونان حديثين، وقد قوّى ذلك ابن حجر؛ لأن في رواية عبد الرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد الله بن ثعلبة، والله تعالى أعلم.\nوأما الموضع الثاني، وهو الاختلاف في راوي الحديث، فقيل: عن جابر، وقيل: عن عبد الله بن ثعلبة، وقيل: عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس. وقيل: عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وقد تقدم ذلك كله.\nولا شك أن رواية أسامة وعبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري خطأ ظاهرٌ؛ لأنهما لم يتابعا على ذلك، وقد خالفا رواية الأكثر، كما أنه قد تُكلم فيهما، فبطلت روايتهما، وبالتالي لا يلتفت إلى ما روياه.\nفبقي رواية من جعله عن جابر، وقد رواها أربعة كما تقدم.\nوأما الرواية الثانية، فقد رواها ستةٌ.\nوالجمع بين هذين الوجهين: هو ما جاء في رواية معمر؛ لأنه روى كلا الروايتين، ثم إن في رواية عبد الرزاق عنه ما يفيد أن عبد الله بن ثعلبة قد روى ذلك عن جابر، وبهذا يُجمع بينهما.\nوالخلاصة أن للزهري شيخين في هذا الحديث. قال ابن حجر: (وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين) (^١)، ويؤيد هذا أن في رواية أحدهما ما ليس في رواية الآخر كما تقدم، والأقرب أن الحديث واحدٌ، رواه عبد الرحمن بن كعب تامًّا، واختصره عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر.\nوأما من ردّ هذا الخبر بدعوى الاضطراب، فهذا فيه بعض النظر لما تقدم، فالحديث صحّ عن جابر، وصح أيضًا عن عبد الله بن ثعلبة، فإذا قلنا: إن عبد الله قد أخذه من جابر - كما في رواية معمر - انتفى الاضطراب، وإذا قلنا:\n_________\n(^١) سبق.","vol":"1","page":373},{"text":"إن حديث عبد الله بن ثعلبة هو الصحيح، فيكون صحيحًا أيضًا؛ لأن مراسيل الصحابة يحتج بها، وعبد الله بن ثعلبة ممن يُلحق بهم، والله تعالى أعلم.\n١٧ - وقال أيضًا في باب ما جاء في تسوية القبور: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حديث عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، أن عليا قال لأبي الهياج الأسدي: أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ أن لا تدع قبرا مُشرفا إلا سوّيته، ولا تمثالا إلا طمسته.\nوفي الباب عن جابر.\nقال أبو عيسى: حديث عليّ حديث حسن) (^١).\nقلت: رجال هذا الحديث ثقات، إذًا لماذا توقف أبو عيسى في تصحيحه؟ يظهر لي أنه بسبب الاختلافُ الذي وقع في إسناده:\nفمنهم من رواه عن أبي وائل، أن عليًا قال لأبي الهياج.\nومنهم من رواه عن أبي وائل، عن أبي الهياج، قال لي علي.\nوذكره أبو عيسى في \"العلل الكبير\" (^٢) قال: (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، أن عليا قال لأبي الهياج: أبعثك على ما بعثني عليه النبي ﷺ ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته. وقال بشر بن السري: عن سفيان الثوري، عن حبيب، عن أبي هياج قال: قال لي علي.\nفسألت محمدًا فقال: الصحيح عن أبي وائل أن عليا قال لأبي الهياج).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٧٥).\n(^٢) (٢٥٨).","vol":"1","page":374},{"text":"وذهب بعض الحفاظ إلى ترجيح الوجه الثاني، كما صنع مسلم، فقد أخرجه في \"صحيحه\" من هذا الوجه (^١)، وهو ما أشار إليه أبو حاتم الرازي، فقال ابنه: (سمعت أبي يقول: أبو وائل قد أدرك عليا، غير أن حبيب بن أبي ثابت روى عن أبي وائل عن أبي الهياج عن علي ﵁، أن النبي ﷺ بعثه أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته) (^٢).\nوالدارقطني أيضًا، فقد سئل عنه فقال: (يرويه حبيب بن أبي ثابت، واختلف عنه:\nفرواه الثوري، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهياج.\nقال ذلك يحيى القطان، وخالد بن الحارث، ووكيع، وعبد الرحمن، وأبو نعيم، وقبيصة، وغيرهم …\nوالحديث حديث الثوري، ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي، ومن تابعهما وهو الصحيح) (^٣).\nقلت: بعض من ذكرهم الدارقطني جاء عنهم أيضًا أنهم رووه عن الثوري عن حبيب، عن أبي وائل، عن علي أنه قال لأبي الهياج، ومنهم عبد الرحمن بن مهدي.\nفقد رواه أحمد بن حنبل (^٤) والحاكم (^٥) من طريقه، والترمذي من طريق محمد بن بشار.\nكلاهما (أحمد، ومحمد بن بشار) عن ابن مهدي، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن علي، أنه قال لأبي الهياج.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٩٦٩).\n(^٢) \"المراسيل\" (٣٢٠).\n(^٣) \"العلل\" (٢/ ١١١ - ١١٢).\n(^٤) \"المسند\" (١٠٦٤) مقرونا برواية وكيع.\n(^٥) \"المستدرك\" (١٣٦٦) وصححه.","vol":"1","page":375},{"text":"ورواه عبيد الله القواريري، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، أن عليًا (^١).\nورواه أبو نعيم كما عند الدارقطني، وابن المبارك كما ذكره الدارقطني، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو أحمد الزبيري (^٢) كلهم عن سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، أن عليًا … مثل رواية ابن مهدي (^٣).\nفتبين أن الخلاف قوي على سفيان، بل جاء في بعض الطرق: أن أبا وائل ذكر بينه وبين أبي الهياج واسطة:\nقال الدارقطني: (وقال معاوية بن هشام، عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا في بيت إلا طمسته.\nوقال قيس بن الربيع، وسعاد بن سليمان، وزياد بن خيثمة: عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن سعيد بن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي) (^٤).\nقلت: أما رواية معاوية بن هشام عن الثوري، فهي خطأ؛ ذلك أن الحفّاظ من أصحاب الثوري - وعلى رأسهم القطان وابن مهدي - لم يذكروا ما ذكره معاوية بن هشام، خاصة أن معاوية وُصف بشيء من الوهم؛ فتبين أنّ في روايته نظرًا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٣٥٠).\n(^٢) ينظر: \"العلل\" (٢/ ١١٤ - ١١٥).\n(^٣) وخالفهم: يحيى القطان، ووكيع، وخالد بن الحارث، ومحمد بن يوسف الفريابي، كلهم عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي. كما تقدم عند الدارقطني.\n(^٤) \"العلل\" (٢/ ١١١ - ١١٢).","vol":"1","page":376},{"text":"ورواه الأعمش:\nقال الدارقطني: (ورواه الأعمش، واختلف عنه:\nفرواه جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج.\nوهو غريب عن الأعمش، لا أعلم حدث به عن الأعمش هكذا غير جرير.\nوخالفه عيسى بن الضحاك - أخو الجراح بن الضحاك - وروح بن مسافر، فقالا: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي.\nوقال عمرو بن قيس: عن الأعمش عن أبي وائل عن علي، ولم يذكر أبا الهياج) (^١).\nقلت: إما أن يكون الأعمش روى عن حبيب بن أبي ثابت فيكون متابعًا لسفيان الثوري، وإما أن يكون رواه عن أبي وائل، والاختلاف الذي وقع عليه هو نفسه الذي وقع على سفيان الثوري، فعادت روايته إلى الطريق المتقدمة.\nطريق أخرى:\nرواه مسعر، والمسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج به.\nأخرجه الدارقطني، قال: (حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا يعلى بن عبيد (ح) وحدثنا محمد بن مخلد، وحمزة بن الحسين بن عمر السمسار، قالا: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يعلى بن عبيد، وأبو النضر (ح) وحدثنا أحمد بن محمد بن سعدان بواسط، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يعلى بن عبيد، وعبد الله بن رجاء البصري\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ١١٢).","vol":"1","page":377},{"text":"(ح) وحدثنا ابن مبشر، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، قالوا: حدثنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج، عن علي ﵁ قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، أن لا تدع تمثالا إلا لطخته، ولا قبرا إلا سويته.\nهذا لفظ شعيب.\nوقال يوسف: قال: قال لي علي: أبعثك، وقال الرمادي: ولا قبرا مشرفا إلا سويته.\nوقال يزيد: أخبرنا المسعودي، وقال أيضًا: أبعثك لما بعثني له رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا ولا تمثالا إلا نطحته؛ بالحاء.\nحدثنا عبد الملك بن يحيى بن الحسن العطار بن أبي زكار، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الحميد الحلواني، حدثنا أحمد بن محمد الكوفي، حدثنا بشر بن آدم، عن حماد بن دليل، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج الأسدي، عن علي بن أبي طالب، قال: بعثني النبي ﷺ، فقال: \"لا تتركن قبرا مشرفا إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها\") (^١).\nوأخرج رواية المسعودي أبو يعلى الموصلي، قال: (حدثنا عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الهياج، قال: قال علي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته) (^٢).\nقلت: فسقط من هذه الرواية أبو وائل، لذا قال الدارقطني: (تفرد به حماد بن دليل - أبو زيد، قاضي المدائن -، عن مسعر، عن حبيب.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ١١٥ - ١١٦).\n(^٢) \"المسند\" (٣٤٣).","vol":"1","page":378},{"text":"ولم يسمع حبيب هذا من أبي الهياج، وإنما سمعه من أبي وائل شقيق بن سلمة، عن أبي الهياج، كما قال الثوري) (^١).\nورواه قيس بن الربيع:\nأخرجه أبو داود الطيالسي، قال: (حدثنا قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي ﵁: أستعملك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ: على مسخ التماثيل وتسوية القبور) (^٢).\nوأخرجه البزار (^٣) من طريق أبي داود، وحسين بن الحسن، قالا: نا قيس به.\nقال البزار: (وهذا الحديث قد رواه غير قيس عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي، ولا نعلم أحدا قال: عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، إلا قيس).\nوأخرجه الدارقطني قال: (حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا أبو الحسين كردوس بن محمد بن عيسى الواسطي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن شقيق بن سلمة، عن سعيد بن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى، قال: بعثني على تسوية القبور ومسح التماثيل.\nوقال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن يونس، حدثنا قيس، عن حبيب، عن شقيق، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: تسوية القبور وكسر التماثيل) (^٤).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ١١٦).\n(^٢) \"المسند\" الذي جمع له (١٥٠).\n(^٣) \"المسند\" (٩١١).\n(^٤) \"العلل\" (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":379},{"text":"قلت: رواية الثلاثة: قيس بن الربيع، وسعاد بن سليمان، وقيس بن خيثمة؛ رواية قوية، فقيس وإن كان ليس بالقوي، ومثله سعاد = لكنَّ أحدهما يقوي الآخر، فكيف إذا انضم إليهما زياد بن خيثمة، وهو ثقة؟ فسوف تزداد قوةً إلى قوةٍ، وقد زادوا زيادةً، والأصل قبولها، فمن علِم حجة على من لم يعلم، وإن كان سعيد بن أبي الهياج لا يُعرف، ولكن رواية أبي وائل - وهو من كبار التابعين - عنه مما يقويه، فهو إسناد قويٌ، كيف وقد جاء أيضًا من طرق أخرى سوى ما تقدم:\nقال الدارقطني: (ورواه يونس بن خباب، وسيار أبو الحكم، عن جرير بن حيان، عن أبيه، عن علي. وجرير هذا هو ابن أبي الهياج، وأبوه: حيان بن حصين، يكنى: أبا الهياج) (^١).\nقلت: هذه الرواية إسنادها قويٌ، سيار ثقة بالاتفاق، بل قال أحمد: (ثقة ثبت في كل المشايخ) (^٢).\nوأما يونس، فقد تكلموا فيه، حتى أن هناك من كذّبه، ولكن أغلب كلامهم فيما يظهر إنما بسبب خبث رأيه، وسوء معتقده، وأما من حيث استقامة حديثه، فيظهر أنه قوي: قال عثمان الدارمي: ثقة صدوق (^٣)، وقال أبو داود: وقد رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة (^٤). وقال ابن عدي - بعد أن ذكر له بعض أحاديث -: ويونس بن خباب له غير ما ذكرت، وهو من الغالين في التشيع، وكان يحمل على عثمان، وأحاديثه مع غلوه تُكتب (^٥).\nوأما جرير بن حيان، فليس بالمشهور، وإنما عُرف بهذا الحديث، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٦).\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ٢١٢).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٣١٥).\n(^٣) \"تاريخ أسماء الثقات\" (ص: ٢٦٤).\n(^٤) \"سؤالات الآجري\" (١/ ٢٢٤).\n(^٥) \"الكامل\" (١٠/ ٤٧٥).\n(^٦) \"الثقات\" (٦/ ١٤٣).","vol":"1","page":380},{"text":"أخرجه أحمد قال: (حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، عن يونس بن خباب، عن جرير بن حيان، عن أبيه، أن عليا، قال: أبعثك فيما بعثني رسول الله ﷺ أمرني أن أسوي كل قبر، وأطمس كل صنم) (^١).\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\"، قال: (حدثنا شيبان أبو محمد، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس بن خباب به) (^٢).\nطريق أخرى: رواه شعبة:\nأخرجه أحمد قال: (حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شعبة، قال: الحكم أخبرني، عن أبي محمد، عن علي، قال: بعثه النبي ﷺ إلى المدينة فأمره أن يسوي القبور) (^٣).\nوأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا، قال: (حدثني أبو داود المباركي سليمان بن محمد، حدثنا أبو شهاب، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي المورع، عن علي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فقال: \"من يأتي المدينة فلا يدع قبرا إلا سواه، ولا صورة إلا طلخها، ولا وثنا إلا كسر\") (^٤).\nوقال أيضًا: (حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن رجل من أهل البصرة - قال: وأهل البصرة يكنونه أبا مورع، قال: وكان أهل الكوفة يكنونه بأبي محمد -، قال: كان رسول الله ﷺ في جنازة، فذكر نحو حديث أبي داود، عن أبي شهاب) (^٥).\n_________\n(^١) \"المسند\" (٦٨٣).\n(^٢) \"المسند\" (٨٨٩).\n(^٣) \"المسند\" (١١٧٥).\n(^٤) \"المسند\" (١١٧٠).\n(^٥) \"المسند\" (١١٧٧).","vol":"1","page":381},{"text":"وأخرجه النسائي في مسند علي، - كما في \"تهذيب الكمال\" في ترجمة أبي محمد الهذلي - عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن الحكم به نحوه (^١).\nوأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا قال: (حدثني شيبان أبو محمد، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، أخبرنا حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي محمد الهذلي، عن علي بن أبي طالب به نحوه مسندًا كرواية أسود بن عامر وأبي شهاب) (^٢).\nقلت: إسناد هذه الطريق صحيح إلى الحكم وهو ابن عتيبة، ولكن شيخه أبا محمد - ويكنى أيضًا بأبي المورع - لا يُعرف، ولا يُدرى عن سماعه من علي، مع أن محمد بن جعفر قد أرسل هذا الخبر عن شعبة.\nطريق أخرى عن علي:\nقال أحمد: (حدثنا يزيد، أخبرنا أشعث بن سوار، عن ابن أشوع، عن حنش بن أبي المعتمر، أن عليا، بعث صاحب شرطه فقال: أبعثك لما بعثني له رسول الله ﷺ: لا تدع قبرا إلا سويته، ولا تمثالا إلا وضعته) (^٣).\nوقال عبد الله بن أحمد: (حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا السكن بن إبراهيم، حدثنا الأشعث بن سوار، عن ابن أشوع، عن حنش الكناني، عن علي: أنه بعث عامل شرطته، فقال له: أتدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن أنحت كل - يعني صورة -، وأن أسوي كل قبر) (^٤).\nقلت: أشعث لا يحتج به. وابن أشوع هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي، ثقةٌ.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ٢٦٣).\n(^٢) \"المسند\" (١١٧٦).\n(^٣) \"المسند\" (١٢٣٩).\n(^٤) \"المسند\" (١٢٨٤).","vol":"1","page":382},{"text":"وحنش بن أبي المعتمر مختلف فيه.\nفهذه الطريق صالحة للاعتبار والاعتضاد، فيزداد الخبر قوةً إلى قوة.\nطريق أخرى:\nأخرجها البزار، قال: (حدثنا محمد بن صالح العدوي، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال: أُخبرتُ عن الحكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي حازم، عن علي ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ، وأمرني أن لا أمر بقبر إلا سويته) (^١).\nقلت: هذا منقطع؛ لقول صالح بن كيسان: أُخبرتُ (^٢). وقد تقدم من رواية شعبة وحجاج، عن الحكم، عن أبي محمد الهذلي. فهل هو اختلاف على الحكم بن عتيبة، فتكون رواية شعبة ومن معه هي الراجحة، (وذلك لأن صالح بن كيسان قال: أخبرتُ) أو طريق أخرى؟ وهذا هو الأقرب؛ لأنه هو الظاهر، وذلك لشهرة هذا الخبر، ويؤيد ذلك الإسناد الذي بعده:\nطريق أخرى:\nأخرجه البزار قال: (حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: نا سعيد بن سليمان، قال: نا عباد يعني ابن العوام، قال: نا أبان بن تغلب، عن الحكم بن عتيبة، عن ثعلبة بن يزيد، عن علي بن أبي طالب ﵁ أو يزيد بن ثعلبة عن علي -، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أسوي كل قبر شاخص وأطمس كل صنم، ففعلت ثم أتيته فقال: أفعلت؟ قلت: نعم) (^٣).\n_________\n(^١) \"المسند\" (٥٧٦).\n(^٢) ومحمد بن صالح العدوي، لا أدري من هو؟ قد ذكر البزار في \"مسنده\" من شيوخه ثلاثة كلّهم اسمه محمد بن صالح، وهم: محمد بن صالح العدوي، ومحمد بن صالح بن العوام، ومحمد بن صالح البغدادي، فلا أدري أهم شخص واحد أم لا؟\n(^٣) \"المسند\" (٨٧٠).","vol":"1","page":383},{"text":"قلت: هذا إسناد قوي، ورجاله كلهم ثقات، سوى ثعلبة، فقد اختلف فيه، ذكره البخاري فقال: (ثعلبة بن يزيد الحماني، سمع عليًا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر. قال النبي ﷺ لعلي: إن الأمة ستغدر بك، ولا يتابع عليه) (^١).\nوأما النسائي، فروى له في \"مسند علي\" وقال عنه: ثقة (^٢). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، ولكن أورده في \"المجروحين\" أيضًا، وقال: (كان غاليا في التشيع لا يحتج بأخباره التي يتفرد بها عن علي) (^٤).\nوذكره العقيلي، قال: (ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، حدثني آدم قال: سمعت البخاري قال: ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، قال البخاري: لا يتابع، في حديثه نظر.\nوالحديث ما حدثناه محمد بن إسماعيل قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا كامل أبو العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، عهد إلي النبي ﵇: \"أن هذه الأمة ستغدر بي\") (^٥).\nوأما ابن عدي، فقال في \"الكامل\": (حدثنا أحمد بن الحسين بن عبد الصمد، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن الأجلح، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار\") (^٦).\nقال ابن عدي: (ولثعلبة عن علي غير هذا، ولم أر له حديثا منكرا في مقدار ما يرويه، وأما سماعه من علي ففيه نظر، كما قال البخاري) (^٧).\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٧٤).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٣٩٩).\n(^٣) (٤/ ٩٨).\n(^٤) (١/ ٢٠٧).\n(^٥) \"الضعفاء\" (١/ ١٧٨).\n(^٦) (٣/ ٢٢).\n(^٧) المصدر السابق.","vol":"1","page":384},{"text":"قلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه ابن عدي، وأن أحاديث ثعلبة مستقيمة، قد ذكرها البزار في \"مسنده\" (^١).\nوجاءت من طرق أخرى وليس فيها ما ينظر فيه، سوى الحديث الذي استنكره البخاري، وهذا قد جاء من أكثر من وجه عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة به، ولم أقف على تصريح لحبيب بسماعه هذا الخبر من ثعلبة، مع أنه أيضًا قد جاء من وجه آخر:\nقال الدولابي: (حدثنا يحيى بن غيلان، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، وحدثنا فهد بن عوف، قال، ثنا أبو عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس إبراهيم بن أبي حديد الأودي: أن علي بن أبي طالب، قال: عهد إلي النبي ﷺ أن الأمة ستغدر بي من بعده) (^٢).\nوأخرجه الحاكم: (حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد الجمحي بمكة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأودي، عن علي ﵁ قال: إن مما عهد إلي النبيّ ﷺ: أن الأمة ستغدر بي بعده. هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) (^٣).\nوقد استنكره أيضًا العقيلي، فقال بعد أن رواه: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس العبدي، عن سعيد بن عمرو بن سفيان، عن أبيه، قال: خطب علي ﵁ فقال: إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة عهدا نأخذ به، ولكنه رأي رأيناه، استخلف أبو بكر\n_________\n(^١) ينظر فيه الأحاديث: (٨٦٧ - ٨٧١).\n(^٢) \"الكنى والأسماء\" (٥٣٦).\n(^٣) \"المستدرك\" (٤٦٧٦).","vol":"1","page":385},{"text":"فأقام واستقام، ثم استخلف عمر فأقام واستقام، حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا يعفو الله عن من يشاء، ويعذب من يشاء) (^١).\nقلت: وهذا الخبر في استقامته ونكارته تفصيل:\nقول علي ﵁: (عهد إلي النبي ﷺ أن هذه الأمة ستغدر بي) لا يلزم أن يكون هذا الغدر في الخلافة، فقد يكون في القتل، كما هو ظاهر، ولكن وصف الأمة بالغدر في نفسي منه شيء؛ لأن الله ﷿ قد أثنى على هذه الأمة، فوصفها بأنها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فعلى هذا يكون الوصف بالغدر منكرا، فالأمة - بحمد الله - لم تغدر بأمير المؤمنين علي ﵁، وإنما غدر به من قتله وتمالأ على قتله دون باقي الأمة.\nولأجل ما تقدم؛ قال عنه ابن حجر: صدوق شيعيٌّ (^٢).\nوالخلاصة؛ إذا كان حديث الغدر منكرًا، فإن حديث تسوية القبور حديث مستقيم، فقول البخاري: (فيه نظر) لعله منصبٌّ على حديث الغدر؛ لأنه ذكر هذا الحديث بعد قوله المتقدم، ثم قال: (ولا يتابع عليه)، وهذا ظاهر صنيع العقيلي.\nطريق أخرى:\nأخرجه الطبراني قال: (حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن عمار الرازي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: نا أبو حماد المفضل بن صدقة، عن أبي إسحاق، عن أبي الهياج الأسدي، قال: بعثني علي بن أبي طالب ﵁، فقال: تدري على ما أبعثك؟ على ما بعثني رسول الله ﷺ قال: \"لا تدع تمثالا إلا كسرته، ولا قبرًا مسنمًا إلا سويته\" (^٣).\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (١/ ١٧٨).\n(^٢) \"تقريب التهذيب\" (ص: ١٣٤).\n(^٣) \"المعجم الأوسط\" (٢٠٥٩).","vol":"1","page":386},{"text":"وأخرجه في \"المعجم الصغير\" بنفس الإسناد، وقال: (لم يروه عن أبي إسحاق إلا المفضل، ولا عنه إلا إسحاق الرازي تفرد به محمد بن عمار) (^١).\nقلت: وهذا الإسناد فيه المفضل بن صدقة، ليس بقوي، قاله أبو حاتم، وقال أبو زرعة: ضعيف (^٢). وقال يحيى بن معين: ليس بشيء (^٣). وقال النسائي: متروك الحديث (^٤). وقال الدارقطني: ليس بالقوي (^٥). وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ حتى يروي عن المشاهير الأشياء المناكير فخرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا (^٦).\nفهذا الإسناد لا يعتبر به.\nطريق أخرى: رواه الشعبي؛\nأخرجه ابن المخلص، قال: (حدثنا محمد قال: حدثنا ابن أبي مذعور محمد بن عمرو بن سليمان قال: حدثنا النضر بن إسماعيل قال: حدثنا مسعر، عن جابر، عن الشعبي قال: استعمل علي بن أبي طالب ﵇ أبا الهياج، وقال له:\nاستعملتك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ: \"لا تتركن قبرا شاخصا إلا سويته بالأرض\") (^٧).\nوأخرجه الدارقطني، قال: (حدثنا أبو حامد بن محمد بن هارون الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن عمرو بن أبي مذعور، حدثنا النضر بن\n_________\n(^١) (١٥٢).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣١٦).\n(^٣) المصدر السابق (٨/ ٣١٦).\n(^٤) \"الضعفاء والمتروكون\" (ص: ١١٦).\n(^٥) \"الضعفاء والمتروكون\" (ص: ٤١٢).\n(^٦) \"المجروحين\" (٣/ ٢١).\n(^٧) \"المخلصيات\" (١٦٤٠).","vol":"1","page":387},{"text":"إسماعيل، حدثنا مسعر، عن جابر، عن الشعبي، قال: استعمل علي بن أبي طالب أبا الهياج، فقال: أستعملك على ما استعملني عليه رسول الله ﷺ: لا تتركن قبرا شاخصا إلا سويته بالأرض.\nتفرد به النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، عن إسماعيل، عن جابر) (^١).\nقلت: هذا إسناد لا يصح؛ النضر بن إسماعيل ليس بالقوي.\nقال المزي: (قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: لم يكن يحفظ الإسناد، روى عن إسماعيل، عن قيس، قال: رأيت أبا بكر أخذ بلسانه، وهو حديث منكر، وإنما هو حديث زيد بن أسلم. وحكى البخاري عن أحمد نحو ذلك.\nوقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: قد كتبنا عنه ليس بقوي، يعتبر بحديثه، ولكن ما كان من رقائق، وكان أكثر حديثا من ابن السماك.\nوقال عباس الدوري، ويعقوب بن شيبة، عن يحيى بن معين: ليس بشيء.\nوقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال مرة: ليس حديثه بشيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن معين: كان ضعيفًا.\nوقال الليث بن عبدة المصري، عن يحيى بن معين: كان صدوقًا، وكان لا يدري ما يحدث به. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان إمام مسجد الجامع.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢/ ١١٧).","vol":"1","page":388},{"text":"وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، ضعيف الحديث.\nوقال يعقوب بن سفيان: ضعيف.\nوقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: تجيء عنه مناكير.\nوقال أبو زرعة، والنسائي: ليس بالقوي.\nوقال الدارقطني: صالح.\nوقال أبو أحمد بن عدي: أرجو أنه لا بأس به) (^١).\nوجابرٌ، هو الجعفي (^٢)، متروك.\nوالشعبي في سماعه من عليٍّ خلافٌ (^٣).\nيتبين مما تقدم صحة هذا الحديث بمجموع طرقه، والله تعالى أعلم.\n١٨ - وقال أيضًا في باب كيف الصلاة على الميت والشفاعة له: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ويونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، قال: كان مالك بن هبيرة، إذا صلى على جنازة فتقالَّ الناس عليها، جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب\".\nوفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وميمونة زوج النبي ﷺ.\nقال أبو عيسى: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن.\nهكذا رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق، وروى إبراهيم بن سعد،\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ٣٧٢).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٤٦٥).\n(^٣) ينظر: \"العلل\" للدارقطني (٢/ ٥٩).","vol":"1","page":389},{"text":"عن محمد بن إسحاق هذا الحديث، وأدخل بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلا، ورواية هؤلاء أصح عندنا) (^١).\nقلت: هذا الحديث اختلف فيه على ابن إسحاق كما ذكره أبو عيسى:\nفرواه حماد بن زيد كما عند أبي داود (^٢) وغيره، وعبد الله بن نمير كما عند ابن ماجه (^٣) وغيره، ويزيد بن هارون وإسماعيل بن علية كما عند الحاكم (^٤)، وعبد الله بن المبارك ويونس بن بكير عند الترمذي كما تقدم، ومحمد بن أبي عدي كما في \"مسند الروياني\" (^٥)، وأبو شهاب الحناط كما عند أبي يعلى (^٦)، وعبد الأعلى - وهو ابن عبد الأعلى السامي - كما ذكره أبو نعيم (^٧)، وجرير بن حازم كما عند البيهقي (^٨)؛ كلهم عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن مالك بن هبيرة به.\nوقد وقع تصريح محمد بن إسحاق بالتحديث في رواية محمد بن أبي عدي عنه كما عند الروياني وابن عساكر (^٩)، وفي رواية إبراهيم بن سعد كما سوف يأتي.\nوخالفهم إبراهيم بن سعد، فرواه عنه فزاد رجلًا بين مرثد ومالك بن هبيرة.\nأخرجه ابن عساكر (^١٠) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن الحارث بن مالك، عن مالك بن هبيرة موقوفًا عليه.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٢) \"السنن\" (٣١٦٦).\n(^٣) \"السنن\" (١٤٩٠).\n(^٤) \"المستدرك\" (١٣٤١).\n(^٥) (١٥٣٧).\n(^٦) \"المسند\" (٦٨٣١).\n(^٧) \"معرفة الصحابة\" عقب حديث (٦٠١٣).\n(^٨) \"السنن الكبرى\" (٦٩٠٥).\n(^٩) \"تاريخ دمشق\" (٥٦/ ٥١٠).\n(^١٠) \"تاريخ دمشق\" (٥٦/ ٥١٢).","vol":"1","page":390},{"text":"قلت: ولعل الصواب هنا رواية الجماعة؛ لأنهم جماعة، وقد فصلوا الموقوف من المرفوع، فروايتهم فيها زيادة علمٍ، فتُقدم روايتهم على رواية إبراهيم بن سعد.\nثم إن سياق الحديث يقتضي ذلك، ولكنْ عندي تردد في هذا كما سوف يأتي.\nقال أبو عيسى - بعد أن ذكر رواية إبراهيم بن سعد -: (ورواية هؤلاء أصح)، وقد ساق قبل ذلك رواية ابن المبارك، ويونس بن بكير، فقوله: (رواية هؤلاء أصح)، هل يعني رواية إبراهيم بن سعد؛ لأنه هو أقرب مذكور، أو يقصد الرواية المتقدمة؛ لأنها هي رواية الأكثر؟ هذا محتمل أيضًا (^١)، ولكن في النفس شيء من ذلك لأنه قال: (رواية هؤلاء)، وهذا يعود إلى رواية الجماعة، لكن قد يؤيد رواية إبراهيم بن سعد أن البخاري قال في ترجمة مالك بن هبيرة: (له صحبة، روى عنه شرحبيل بن شفعة، ومرثد بن عبد الله اليزني، عن الحارث بن مخلد (^٢)، عن مالك بن هبيرة …) (^٣). فالذي يظهر أن البخاري يرى أن مرثد بن عبد الله اليزني لم يَرو عنه مباشرةً، وإنما روى عن الحارث بن مخلد عنه، وهو يشير - فيما يظهر - إلى رواية إبراهيم بن سعد.\n_________\n(^١) وقد ذكر ابن حجر في \"الإصابة\" (٩/ ٤٩٧) كلام الترمذي حسبَ فهمه: (تفرّد به إبراهيم بن سعد، ورواية الجماعة أصح).\n(^٢) كذا وقع عند البخاري، في طبعة المعلمي ﵀، وفي طبعة أخرى غُيّر إلى الحارث بن مالك، والصواب أن ما وقع في الطبعة الأولى صحيح، وأنه نسب إلى جده، فيكون اسمه الحارث بن مالك بن مخلد، والدليل على هذا؛ ما جاء عند ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٥/ ٥٠)، قال: (ورواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وأدخل بين مرثد ومالك: الحارث بن مالك بن مخلد الأنصاري).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"1","page":391},{"text":"وقد سمى أبو نعيم هذا الرجل الذي زاده إبراهيم بن سعد بـ (الحارث بن مالك) (^١)، وكذا ابن منده فيما ذكره ابن حجر (^٢).\nومما يؤيد رواية إبراهيم بن سعد أيضًا: أني لم أقف على تصريح بالتحديث بين مرثد بن عبد الله وبين مالك بن هبيرة في هذا الخبر.\nويقوي هذا أن الأصل في الزيادة إذا كانت من حافظٍ فإنها تقبل، والأمر هكذا هنا، كما أنه لا يخفى اختصاص إبراهيم بن سعد بمحمد بن إسحاق، وأنه قد أكثر عنه جدًّا.\nقال البخاري - كما في \"تهذيب الكمال\" -: (قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه) (^٣).\nوفي \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد رواية ابنه عبد الله (^٤): (سمعت أبي يذكر عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه قال: نقض محمد بن إسحاق المغازي ثلاث مرات، كل ذلك أشهده وأحضره).\nوهذا يدل أيضًا على اختصاصه به.\nوأمر آخر أيضًا، وهو ما جاء في \"العلل ومعرفة الرجال لأحمد\" رواية المروذي وغيره (^٥):\n(وقال - يعني الإمام أحمد -: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال …).\n_________\n(^١) \"معرفة الصحابة\" (٥/ ٢٤٦٧).\n(^٢) \"الإصابة\" (٩/ ٤٩٦).\n(^٣) (٢/ ٩٢).\n(^٤) (٣/ ٤٣٦).\n(^٥) (ص: ٣٨).","vol":"1","page":392},{"text":"وفي \"سؤالات أبي داود للإمام أحمد\" (^١): (سمعت أحمد قال: إبراهيم بن سعد صحيح الحديث عن ابن إسحاق).\nفهذا كله مما يرجح رواية إبراهيم بن سعد، والله تعالى أعلم أيهما الراجح.\nوأما قول أبي عيسى عن هذا الخبر بأنه \"حسن\"؛ فلأن إسناده ليس بالقوي، وذلك أن الحارث بن مخلد أو ابن مالك، ليس بمعروف، ولأن الخبر أيضًا وقع فيه اختلاف كما تقدم.\nوأما ما وقع فيه التصريح بالتحديث بين ابن إسحاق ويزيد بن أبي حبيب، كما عند الروياني، ففيه بعض النظر.\nوله شاهدٌ، أخرجه أبو بكر الشافعي (^٢) - ومن طريقه الذهبي (^٣) -، عن محمد بن غالب ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما صُفَّ صفوف ثلاثة على ميت فيشفعون له، إلا شفعوا فيه\".\nوأخرجه أيضًا في موضعه السابق (^٤) عن محمد بن يونس، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا شيبان به مثله.\nقلت: وهذا الخبر لا يصح، بل هو باطل؛ قال ابن ماجه (^٥): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله، أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي\n_________\n(^١) (ص: ٢٢٤).\n(^٢) الغيلانيات\" (ص: ٦١٨)، رقم (٨١٩).\n(^٣) \"التذكرة\" (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٤) رقم (٨٢٠)، وهو عند ابن أبي شيبة في المصنف (١١٩٧٨).\n(^٥) \"السنن\" (١٤٨٨).","vol":"1","page":393},{"text":"صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له\".\nوأخرجه الطحاوي (^١) من طريق عبيد الله به.\nوأخرجه أيضًا (^٢) من طريق أبي حمزة السكري عن الأعمش به.\nوأخرجه البزار (^٣) من طريق شعبة عن الأعمش به.\nفهذا هو اللفظ الصحيح لهذا الخبر.\nوفي \"علل الدارقطني\" أنه سئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: \"من صلى عليه مئة من المسلمين غفر له\"، فقال: (يرويه الأعمش، واختلف عنه؛\nفرواه الحسين بن واقد، وأبو حمزة، وشيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nواختلف عن شعبة فرواه عنه عثمان بن عمر موقوفًا، وقال عفان، عن شعبة: رفعه مرة، ووقفه غيره عنه.\nوكذلك رواه ابن فضيل عن الأعمش موقوفًا.\nورواه عبد الصمد بن النعمان، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فقال في لفظه: \"ما صف قوم صفوفًا ثلاثة على ميت يشفعون له إلا شفعوا فيه\" قاله تمتام عن عبد الصمد، وأظنه حدث به تمتام من حفظه، فوهم فيه) (^٤).\n_________\n(^١) \"شرح مشكل الآثار\" (٢٧٠).\n(^٢) \"شرح مشكل الآثار\" (٢٦٩).\n(^٣) \"المسند\" (٩٢١٩)، وقال: (وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ مسندا إلا شعبة).\n(^٤) (٥/ ٦٦ - ٦٧).","vol":"1","page":394},{"text":"قلت: وأحيانًا لا يلتفت أبو عيسى إلى الخلاف إذا ترجح لديه القول الآخر، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في صلاة الخوف: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، أنه قال في صلاة الخوف، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو، وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك، فيركع بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين، فهي له ثنتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين.\nقال محمد بن بشار: سألت يحيى بن سعيد عن هذا الحديث، فحدثني عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال لي يحيى: اكتبه إلى جنبه، ولست أحفظ الحديث، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري.\nقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، لم يرفعه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، هكذا روى أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري موقوفا، ورفعه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد.\nوروى مالك بن أنس، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف، فذكر نحوه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\n_________\n(^١) (٢/ ١٨ - ١٩).","vol":"1","page":395},{"text":"قلت: هذا الخبر وقفه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم، ولكن رفعه شعبة وهو إمامٌ، وأيّد روايته برواية مالك، فلذا لم يلتفت أبو عيسى إلى من أوقف هذا الخبر.\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في البول يصيب الأرض: (حدثنا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: دخل أعرابيّ المسجد والنبي ﷺ جالس، فصلى، فلما فرغ، قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فالتفت إليه النبي ﷺ، فقال: \"لقد تحجرت واسعا\"، فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي ﷺ: \"أهريقوا عليه سجلا من ماء، أو دلوا من ماء\"، ثم قال: \"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين\".\nقال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، نحو هذا.\nوفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوالعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق.\nوقد روى يونس هذا الحديث، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة) (^١).\nقلت: هذا الاختلاف على الزهري لا يضر؛ فقد رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواه أيضًا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة\n_________\n(^١) (١/ ٣٧٠).","vol":"1","page":396},{"text":"عن أبي هريرة، كما رواه أيضًا عن أبي سلمة عن أبي هريرة بالشطر الأول منه (^١). لذا لم يتوقف أبو عيسى في تصحيح هذا الحديث.\n٣ - وقال أيضًا في أبواب التفسير، باب: ومن سورة السجدة: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مطرف بن طريف وعبد الملك وهو ابن أبجر، سمعا الشعبي، يقول: سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر يرفعه إلى رسول الله ﷺ يقول: \"إن موسى سأل ربه فقال: أي رب، أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ قال: رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل (^٢)، فيقول: كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ قال: فيقال له: أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: نعم، أي رب قد رضيت، فيقال له: فإن لك هذا ومثله ومثله ومثله، فيقول: قد رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: رضيت أي رب، فيقال له: فإن لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nوروى بعضهم هذا الحديث عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح) (^٣).\nقلت: يلاحظ أن الاختلاف الذي وقع في هذا الحديث لم يمنع أبا عيسى من تصحيحه، فليس كل اختلاف عنده يمنع من تصحيح الخبر.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: \"صحيح البخاري\" (٦٠١٠)، و\"سنن أبي داود\" (٨٨٢).\n(^٢) في بعض الطبعات زيادة: (الجنة).\n(^٣) (٤/ ٢٠٩).","vol":"1","page":397},{"text":"الوجه السادس: أنه في بعض الأحيان لا يحكم على الخبر لوجود الاختلاف، مع أنه قد يكون في الدرجة العليا من الصحة.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قوله ﵀ في باب ما جاء في الاعتكاف: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل في معتكفه.\nقال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن النبي ﷺ مرسلا.\nرواه مالك وغير واحد، عن يحيى بن سعيد (^١) مرسلا، ورواه الأوزاعي وسفيان الثوري، (^٢) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة) (^٣).\nقلت: هذا الاختلاف الذي وقع في الحديث لا يضر؛ فقد وصله جمعٌ.\nأخرجه البخاري من طريق حماد بن زيد، ومحمد بن فضيل بن غزوان (^٤).\nوأخرجه مسلم من طريق أبي معاوية، وابن عيينة، والثوري، والأوزاعي، وعمرو بن الحارث وابن إسحاق (^٥).\nكلهم عن يحيى به موصولًا.\nفتبين أن الوصل صحيح.\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (عن عمرة).\n(^٢) في بعض النسخ زيادة (وغير واحد).\n(^٣) (٢/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٢٠٣٣، ٢٠٤١).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (١١٧٢).","vol":"1","page":398},{"text":"وأما عدم حكم المصنف عليه فهذا من احتياطه ﵀.\n٢ - وقال أيضًا - وهذا أوضح من المثال السابق -: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألّا يحرج أمته.\nوفي الباب عن أبي هريرة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي.\nوقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا) (^١).\n٣ - وقال أيضًا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: \"من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، والشريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمداء البلوي، وعبد الله بن عمرو.\nحديث معاوية هكذا روى الثوري أيضًا، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية، عن النبي ﷺ.\nوروى ابن جريج ومعمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nسمعت محمدا يقول: حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ في\n_________\n(^١) (١/ ٣٩٣).","vol":"1","page":399},{"text":"هذا؛ أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد.\nهكذا روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه\"، قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن النبي ﷺ نحو هذا، قال: فرفع القتل، وكانت رخصة.\nوالعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه\") (^١).\nقلت: قال ﵀ في آخر \"الجامع\": (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:\nحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر.\nوحديث النبي ﷺ أنه قال: \"إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه\".\nوقد بينّا علة الحديثين جميعا في الكتاب) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩).\n(^٢) (٥/ ٧).","vol":"1","page":400},{"text":"الوجه السابع: أنه في بعض الأحيان مع ترجيحه لأحد الأوجه على غيره، يُعِلُّ الحديث بالاضطراب، وفي أحيان أخرى يعله به مع عدم الترجيح.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال أبو عيسى في باب في الاستنجاء بالحجرين: (حدثنا هناد وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: \"التمس لي ثلاثة أحجار\"، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: \"إنها ركس\".\nقال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، نحو حديث إسرائيل.\nوروى معمر وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.\nوروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه (^١)، عن عبد الله.\nوروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله.\nوهذا حديث فيه اضطراب.\n(^٢) قال أبو عيسى: سألت عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء.\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة (الأسود بن يزيد).\n(^٢) في بعض النسخ في هذا الموضع (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر …)، وفي ط. التأصيل وردت في آخر الباب كما سيأتي.","vol":"1","page":401},{"text":"وسألت محمدا عن هذا، فلم يقض فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله، أشبه، ووضعه في كتاب \"الجامع\".\nوأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس بن الربيع.\nوسمعت أبا موسى محمد بن المثنى، يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم.\nقال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخرة.\nسمعت أحمد بن الحسن، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير، فلا تبال ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق.\nوأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني.\nوأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، لم يسمع من أبيه، ولا نعرف اسمه.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا) (^١).\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٥ - ٢٨٧).","vol":"1","page":402},{"text":"قلت: والشاهد في هذا أنه حكم على هذا الحديث بالاضطراب مع قوله: إن طريق إسرائيل وقيس هو أصح شيء عنده. وهذا الحديث قد خرجه البخاري (^١)، وقد تكلمت عليه في موضعه من \"الجامع\".\n٢ - وقال أيضًا في باب ما يقال بعد الوضوء: (حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، قال: حديث زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء\".\nوفي الباب عن أنس، وعقبة بن عامر.\nقال أبو عيسى: حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث.\nوروى عبد الله بن صالح وغيره، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر.\nوعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر.\nوهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء.\nقال محمد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا) (^٢).\nقلت: هذا الحديث صحيح، وقد خرّجه الإمام مسلم، وفيه ما ينفي\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٥٦).\n(^٢) (١/ ٣٠٩ - ٣١٠).","vol":"1","page":403},{"text":"عنه الاضطراب، فقال: (حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة - يعني: ابن يزيد -، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر. (ح) وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس، فأدركت من قوله: \"ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة\" قال فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود! فنظرتُ فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء\") (^١).\nفتبين من رواية مسلم أن معاوية بن صالح روى هذا الخبر بإسنادين، الأول: عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة بن عامر عن عمر. والثاني قوله: فقال: وحدثني أبو عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر.\nقلت: والعمل على الإسناد الأول، فهو إسناد جيد.\nوأما الثاني ففيه أبو عثمان وغير متحقق من هو؟ قال ابن عساكر: (أظنه سعيد بن هانئ) (^٢).\nوقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عند النسائي، قال: (أخبرنا سويد بن نصر بن سويد، قال: أخبرنا عبد الله، عن حيوة بن شريح، قال: أخبرني زهرة بن معبد، أن ابن عمه أخي أبيه لحا أخبره، أن عقبة بن عامر\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٣٤).\n(^٢) ينظر: \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٦٠٦)، و\"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ٧٦).","vol":"1","page":404},{"text":"الجهني حدثه، قال: قال لي عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع بصره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء\") (^١).\nقلت: وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، فرجاله كلهم ثقات، سوى ابن عم زهرة الذي لم يسمَّ، فتبين من هذا أن هذا الحديث محفوظ، لذا صحّحه مسلم كما تقدم.\nوهذا ما أشار إليه أبو عيسى الترمذي في قوله: (روى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح …)، وهي رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، كما في طريق مسلم. وهي رواية ابن وهب أيضًا عند أبي داود.\nوأما رواية معاوية بن صالح التي ذكرها الترمذي، فهي التي فيها اضطراب دون باقي الروايات عن معاوية بن صالح.\nفمرةً جاءت عنه، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر، بإسقاط عقبة. أخرجها الترمذي عن جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي.\nومرةً جاءتْ عنه، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، وليس فيها ذكر عمر.\nأخرجها أبو داود، قال: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن عقبة بن عامر الجهني، أن\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٩٨٣٢).","vol":"1","page":405},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنة\") (^١).\nقلت: يظهر أن أبا داود اقتصر على الشطر الأول من الحديث، ولم يذكر رواية عقبة عن عمر بالشطر الثاني.\nومرة رواه عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عامر به، دون ذكر عمر.\nأخرجها النسائي (^٢) عن الربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن عقبة بن عامر به.\nقلت: وقد تكون هذه الرواية مثل التي قبلها - أي رواية أبي داود - بدون ذكر الشطر الثاني.\nوأصح شيء في الباب: ما رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ فذكر مثله، غير أنه قال: \"من توضأ فقال: أشهد أن .... \" (^٣). وقول مسلم: (فذكر مثله) يعني: عن عمر.\n٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور: (حدثنا علي بن حجر وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٩٠٦).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١٤١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٣٤).","vol":"1","page":406},{"text":"هذا حديث في إسناده اضطراب (^١).\nوقد روي هذا الحديث، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث …\n... وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه.\nحدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر ابن زيد الصنعاني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه.\nهذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كبير أحد روى عنه غير عبد الرزاق) (^٢).\nقال ابن أبي شيبة: (حدثنا وكيع، عن الأعمش، قال: أرى أبا سفيان ذكره عن جابر قال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب والسنور (^٣» (^٤).\nوقال النَّسَائِي: (أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور، والكلب إلا كلب صيد.\nقال النَّسَائِي: هذا الحديث منكر) (^٥).\nقال أبو عوانة: (حدثنا أَبو داود السجزي، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى والربيع بن نافع وعلي بن بحر، قالوا: حدثنا عيسى بن يونس، عن\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (ولا يصح في ثمن السنور).\n(^٢) (٢/ ٤١١ - ٤١٢).\n(^٣) كلمة (والسنور) توجد في بعض طبعات \"المصنف\"، ولا توجد في البعض الآخر.\n(^٤) \"المصنف\" (٢٢١٨٣).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٦٢١٩).","vol":"1","page":407},{"text":"الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنَّور.\nحدثني أَبو جعفر محمد بن هشام بن أبي الدميك، قال: حدثنا أحمد ابن جناب، (ح).\nوحدثني أَبو جعفر بن سنان قاضي سكبزر، قال: حدثنا عبد الوهاب ابن نَجْدة، قالا: حدثنا عيسى بن يونس بمثله.\nحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد الجذامي: أن علي بن رباح حدثهم، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحلُّ ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي \".\nرواه مسلم عن سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن أعين، قال: حدثنا معقل، عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك.\nورواه حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور.\nقال أَبو عوانة في الأخبار التي فيها نهى عن ثمن السنَّور: فيها نظر، في صحتها وتوهينها) (^١).\nوقال العقيلي: (وروى أبو سفيان، عن جابر: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور. حدثناه علي بن عبد العزيز قال: حدثنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر … وهذا إسناد صالح) (^٢).\n_________\n(^١) \"مستخرج أبي عوانة\" (١٢/ ٣٣٤).\n(^٢) \"الضعفاء الكبير\" (٢/ ٢٢٠).","vol":"1","page":408},{"text":"وقال ابن حبان: (ذكر الزجر عن بيع السنانير، أخبرنا أبو عروبة، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين، قال: حدثنا معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر رسول الله ﷺ عن ذلك). (^١)\nوقال الدارقطني: (حدثنا إسماعيل بن يونس، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السنور والكلب.\nحدثنا أبو محمد بن صاعد، حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا وهب الله بن راشد أبو زرعة الحجري، حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا خير بن نعيم الحضرمي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن السنور وهي الهرة.\nحدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عباد بن العوام، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ ثمن الكلب والهر إلا الكلب المعلم. الحسن بن أبي جعفر ضعيف.\nحدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ: أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.\nحدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا إسحاق بن الجراح بأَذَنَة، حدثنا الهيثم بن جميل، (ح) وحدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد بن برد، حدثنا الهيثم بن جميل، حدثنا حماد بن سلمة،\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (٤٩٧١).","vol":"1","page":409},{"text":"عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.\nحدثنا محمد بن القاسم بن زكريا، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد. ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ. هذا أصح من الذي قبله) (^١).\nوقال البيهقي: (وأخبرنا أبو بكر بن الحارث، أبنا أبو محمد بن حيان، أبنا أبو يزيد القرشي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد، ثنا أبو الزبير، عن جابر قال: نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد.\nفهكذا رواه عبد الواحد، وكذلك رواه سويد بن عمرو، عن حماد، ثم قال: ولم يذكر حماد عن النبي ﷺ. ورواه عبيد الله بن موسى، عن حماد، بالشك في ذكر النبي ﷺ فيه.\nورواه الهيثم بن جميل، عن حماد، فقال: نهى رسول الله ﷺ.\nورواه الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، وليس بالقوي.\nوالأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شبِّه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين، والله أعلم) (^٢).\nوقال أيضا في باب ما جاء في ثمن السنور: (أخبرنا أبو نصر محمد ابن علي الفقيه، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن محمد،\n_________\n(^١) \"السنن\" (٤/ ٤١ - ٤٤).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (١١٠١٢).","vol":"1","page":410},{"text":"وعبد الله بن محمد، قالا: ثنا سلمة بن شبيب، ثنا الحسن بن أعين، ثنا معقل، عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك. رواه مسلم في الصحيح عن سلمة بن شبيب.\nأخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، ثنا أبو حاتم محمد بن عيسى بن محمد الرازي بالري، أبنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن عمر بن فلد الصنعاني، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وأكل ثمنه. رواه أبو داود في السنن عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق بإسناده، أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الهر.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم العدل بمرو، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا عيسى بن يونس، (ح) وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحسن بن الربيع الكوفي، ثنا حفص بن غياث، جميعا عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.\nأخرجه أبو داود في \"السنن\" عن جماعة، عن عيسى بن يونس. وهذا حديث صحيح على شرط مسلم بن الحجاج دون البخاري؛ فإن البخاري لا يحتج برواية أبي الزبير، ولا برواية أبي سفيان، ولعل مسلما إنما لم يخرجه في \"الصحيح\"؛ لأن وكيع بن الجراح رواه عن الأعمش قال: قال جابر بن عبد الله، فذكره، ثم قال: قال الأعمش: أرى أبا سفيان ذكره، فالأعمش كان يشك في وصل الحديث، فصارت رواية أبي سفيان بذلك ضعيفة.\nوقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش فلم يقدر على تسليمه، ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوما","vol":"1","page":411},{"text":"بنجاسته، ثم حين صار محكوما بطهارة سؤره حل ثمنه، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة، والله أعلم) (^١).\nوقال ابن عبد البر: (وقد روى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور، وهذا لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة.\nوروى الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ مثله، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.\nوحديث أبي سفيان عن جابر لا يصح؛ لأنها صحيفة، ورواية الأعمش في ذلك عندهم ضعيفة، وكلما أبيح اتخاذه والانتفاع به وفيه منفعة فثمنه جائز في النظر، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له مما لا معارض له فيه، وليس في السنور شيء صحيح، وهو على أصل الإباحة، وباللّه التوفيق) (^٢).\nوقال ابن رجب: (ومنهم (^٣) معقل بن عبيد الله الجزري، ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة، ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة.\nومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء، ومما أنكر على معقل بهذا الإسناد: حديث الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء، وحديث: \"النهي عن ثمن السنور\"، وقد خرّجهما مسلم في\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٧ - ١٨).\n(^٢) \"التمهيد\" (٨/ ٤٠٢).\n(^٣) أي، القسم الذين تقدم ذكرهم، وهم: قوم ثقات في أنفسهم، لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف، بخلاف حديثهم عن بقية شيوخهم.","vol":"1","page":412},{"text":"صحيحه، وكذلك حديث: \"لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده\") (^١).\nقلت: تبين مما تقدم أن حديث \"النهي عن بيع السنور\" جاء من طرق، ولكن جميعها لا يخلو من كلام.\nأما طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، فقد اختلف عليه كما تقدم، فمنهم من أرسله عنه، ومنهم من وصله، وقد ثبت عن الأعمش أنه كان يشك في ذكره رواية أبي سفيان، وهي أقوى الروايات عنه، لذا أعله أبو عيسى بالاضطراب.\nوأما طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فهي خطأ.\nوأما طريق معقل بن عبيد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، فقد تكلم فيها الإمام أحمد كما تقدم، وأن هذه الأحاديث التي يرويها إنما هي أحاديث ابن لهيعة عن أبي الزبير.\nوأما الطرق الأخرى عن أبي الزبير، فقد اختلف عليه فيها في الرفع والوقف.\nوأما رواية عمر بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه، فقد تكلم فيها أبو عيسى فقال: (هذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كثير أحد روى عنه غير عبد الرزاق).\nوأما رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير، فقد اختلف عليه فيها بين الرفع والوقف.\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٧٩٣).","vol":"1","page":413},{"text":"ولأجل هذا اختلف الحفاظ في صحة هذا الخبر، فتقدم أن الإمام مسلما صححه، وكذا ابن حبان، وقوّاه العقيلي.\nوضعّفه أبو عيسى الترمذي، وأبو عوانة، وأبو عمر ابن عبد البر، ومال إلى ذلك البيهقي، ولكن هذه الطرق إذا اجتمعت دلّت على أن لهذا الحديث أصلًا؛ لأنها طرقٌ تعدّدت وتباينت مخارجها، مما يدل على قوتها، والله تعالى أعلم.\n٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء: (حدثنا محمد بن موسى الحَرشي (^١) البصري، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، عن همام، عن خلاس نحوه، ولم يذكر فيه عن علي.\nقال أبو عيسى: حديث عليّ فيه اضطراب.\nوروي هذا الحديث عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها) (^٢).\nقلت: هذا الحديث أعلّه بالاضطراب، وذلك لأنَّه مختلف فيه على قتادة، فمنهم من وصله كما في رواية همام، ومنهم من أرسله كما في رواية حماد، وكأن روايته هي الأرجح؛ لأن هشام الدستوائي قد تابعه على الإرسال، وهذا ما ذهب إليه الدارقطني فقال: (والمرسل أصح) (^٣).\n_________\n(^١) في بعض الطبعات: (الجُرشي).\n(^٢) (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٣) \"علل الدارقطني\" (١/ ٣٧٣).","vol":"1","page":414},{"text":"الوجه الثامن: -أنه يتوقف- أحيانا- في تصحيح الحديث من أجل غرابته، مع أنها في بعض الأحيان غرابة لا تضر - وهذا ليس دائمًا كما سيأتي -، وفي أحيان أخرى يعلل الخبر بها، وفي أحيان كثيرة يصححها إذا استوفت شروطَ قبولِ الخبر الغريب.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>ومن أمثلة الأحاديث التي توقف في تصحيحها من أجل الغرابة، ما يأتي:</span>\n١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها:\n(حدثنا عباس العنبري ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام ابن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد، قال: سألت النبي ﷺ عن مواكلة الحائض؟ فقال: \"واكِلْها\".\nوفي الباب عن عائشة، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب) (^١).\nقلت: إسناد هذا الحديث قوي، ورجاله ثقات، وقد توبع معاوية بن صالح، تابعه الهيثم بن حميد كما عند أبي داود (^٢) وغيره، وسكت عنه أبو داود، وهذا مما يدل على قوته عنده، بل قد صححه ابن خزيمة (^٣)، وخرجه ابن الجارود (^٤)، ولعل السبب في توقف المصنف في تصحيحه هو حكمه عليه بالغرابة.\nوأما الاختلاف في حرام بن حكيم - أو حرام بن معاوية كما وقع في\n_________\n(^١) (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٢) \"السنن\" (٢١٢).\n(^٣) (١٢٠٢)، دون ذكر الحائض، ومواكلتها.\n(^٤) \"المنتقى\" (٧).","vol":"1","page":415},{"text":"بعض الروايات -؛ فهو اختلافٌ في اسمه ولا يضر، وقد صوّب الخطيب البغدادي أنه رجل واحد، وتابعه ابن حجر (^١).\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق\".\nوفي الباب عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب.\nوروي عن النبي ﷺ أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار، ليحفظوا عنه.\nوخالد الحذاء هو خالد بن مهران، يكنى أبا المنازل.\nسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن خالدا الحذاء ما حذا نعلا قط، إنما كان يجلس إلى حذاء فنسب إليه.\nوأبو معشر اسمه زياد بن كليب) (^٢).\nقلت: هذا الحديث رجاله ثقات، وأبو معشر صدوق جيد الحديث، وقد أخرجه مسلم (^٣)، ولكنَّ أبا عيسى توقف في صحته؛ لعله من أجل غرابته، ولهذا ذكر أبو الفضل بن الشهيد هذا الحديث في \"جزئه على\n_________\n(^١) ينظر: \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (١/ ١٠٩)، و\"تهذب التهذيب\" (١/ ٣٦٨)، و\"الإصابة\" (٣/ ٩٩).\n(^٢) (١/ ٤١٦ - ٤١٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٤٣٢).","vol":"1","page":416},{"text":"مسلم\" (^١)، ضمن أحاديث يرى أنها معلولة، ثم روى عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا حديث منكر).\nقال ابن الشهيد: (إنما أنكره أحمد من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري، فهو صحيح).\nقلت: يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم من طريق أبي معمر، عن أبي مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: \"استووا، ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا (^٢).\n٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الإشارة: (حدثنا محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه.\nقال: وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، ونمير الخزاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حجر.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (^٣).\nقلت: كأنه توقف في تصحيحه من أجل غرابته عن عبيد الله خاصةً، وذلك لقوله: إلا نعرفه ص حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه)؛\n_________\n(^١) \"علل الأحاديث في كتاب الصحيح للإمام مسلم\" (ص:٨٠ - ٨١).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٤٣٢).\n(^٣) (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).","vol":"1","page":417},{"text":"وذلك أن هذا الحديث قد جاء من وجه آخر عن نافع وعن غيره، وقد ساق مسلم (^١) هذه الأوجه الثلاثة، فبدأ أولًا بحديث عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله، ثم ساق حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ثم ساق طريق مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن المعاوي عن ابن عمر.\n٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء: (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وسفيان بن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثنا أبو الأبرد مولى بني خطمة، أنه سمع أسيد بن ظهير الأنصاري - وكان من أصحاب النبي ﷺ يحدث، عن النبي ﷺ قال: \"الصلاة في مسجد قباء كعمرة\".\nوفي الباب عن سهل بن حنيف.\nقال: حديث أسيد حديثٌ غريبٌ (^٢).\nولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من حديث أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر.\nوأبو الأبرد اسمه زياد مديني) (^٣).\nقلت: وقد بين أحمد شاكر ومحققو ط. الرسالة أنهم لم يقفوا على نسخة من نسخ الترمذي فيها: (حسن صحيح)، بل هي بين (غريب) و(حسن غريب). وأما ما نقله الذهبي أن الترمذي صحّح لأبي الأبرد (^٤)، فهذا قد\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).\n(^٢) في \"نسخة الرسالة\" و\"التأصيل\": (غريبٌ)، وفي \"نسخة أحمد شاكر\" و\"شرح السنة\" و\"تحفة الأحوذي \": (حسن غريب)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١٥٥): (حسن صحيح).\n(^٣) (١/ ٤٧٤ - ٤٧٣).\n(^٤) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٩٠).","vol":"1","page":418},{"text":"يكون من قول الترمذي بعد ذلك: (ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث).\nوتأسيسًا على ما تقدم؛ فإن الترمذي توقف في تصحيحه لغرابته، وذلك عندما ساق إسناده، ثم بيّن أنه - مع ذلك - حديث صحيحٌ.\n٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في صلاة التسبيح: (حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن أم سليم غدت على النبي ﷺ، فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي، فقال: \"كبري الله عشرا، وسبحي الله عشرا، واحمديه عشرا، ثم سلي ما شئت، يقول: نعم نعم\" (^١).\nوفي الباب عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، والفضل بن عباس، وأبي را فع.\nقال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب.\nوقد روي عن النبي ﷺ غير حديث في صلاة التسبيح، ولا يصح منه كبير شيء) (^٢).\n_________\n(^١) قال العراقي -كما في \"قوت المغتذي\" للسيوطي (١/ ٢٠٦)، وحاشية ط. الرسالة (٢/ ٣٢) -: (حديث أنس وإن كان المصنف حسنه ورجاله محتج بهم في الصحيح؛ فإن في إيراد المصنف له في باب صلاة التسبيح نظرًا، فإن المعروف أنه ورد في التسبيح عقب الصلوات لا في صلاة التسبيح، وذلك مبينٌ في عدة طرقٍ منها … ما رواه الطبراني في كتاب \"الدعاء\" … الخ).\nقلت: لا أظن أنه يخفى على الترمذي أنه ليس في صلاة التسبيح نصٌّ، ولكن لعله لورود التسبيح في هذا الحديث.\n(^٢) (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩).","vol":"1","page":419},{"text":"قلت: ظاهر إسناد هذا الحديث أنه جيد، ولكن متنه غريب، لذا توقف المصنف في صحته، ولكنَّ الحديث قد جاء من طرقٍ أخرى (^١).\n_________\n(^١) الحديث أخرجه أحمد (١٢٢٠٧)، والنسائي في \"الصغرى\" باب الذكر بعد التشهد (١٢٩٩) و\"الكبرى\" (١٢٢٣)، وابن خزيمة باب إباحة التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة عند إرادة المرء مسألة حاجة يسألها ربه ﷿ وما يرجى في ذلك من الاستجابة (٨٥٠)، وابن حبان (٢٠٠٨)، والحاكم (٩٣٧، ١١٩١)، والضياء في \"المختارة\" (١٥١٥، ١٥١٦، ١٥١٧، ١٥١٨) من طريق عكرمة بن عمار به.\nوقد روي حديث \"المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل\" بنفس الإسناد الذي جاء به حديثنا، وقد خولف فيه عكرمة بن عمار، قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٦٣٧ - ٦٣٩): (وسمعت أبي وذكر حديثا رواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس؛ قال: جاءت أم سليم - وهي جدة إسحاق - إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام؛ بأن زوجها جامعها، أتغتسل؟ فقال رسول الله ﷺ \"إذا وجدت الماء، فلتغتسل \".\nوروى الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن جدته أم سليم؛ قالت: دخلت أم سليم على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله ﷺ، فقالت له أم سليم: أرأيت إذا رأت المرأة …؟\nقال أبي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم سليم، مرسل، وعكرمة بن عمار روى عن إسحاق، عن أنس: أن أم سليم … وحديث الأوزاعي أشبه مرسل من الموصل).\nوقال الدارقطني في \"العلل\" (٢٣٤٢): (وسئل عن حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، سألت أم سليم رسول الله ﷺ، فقالت: المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إذا رأت ذلك فلتغتسل\"؟ فقال: اختلف فيه على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة؛\nفرواه عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس وتابعه محمد بن كثير، عن الأوزاعي.\nوخالفهما يحيى بن عبد الله، وأبو المغيرة، والوليد، رووه عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن جدته أم سليم، لم يذكروا فيه أنسا وكذلك قال همام: عن إسحاق،=","vol":"1","page":420},{"text":"٦ - وقال أيضا في باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن وقوف بالموقف مكانا يباعده عمرو، فقال: إني رسول\n_________\n= عن جدته وقال يحيى بن أبي كثير وحسين المعلم: عن إسحاق بن عبد الله، أن أم سليم … فأرسلاه.\nورواه عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة أخو إسحاق، عن أم سليم والمرسل أشبه بالصواب).\nقلت: حديث \"المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل\"، قد يكون الراجح فيه الإرسال، كما ذهب إلى ذلك أبو حاتم والدارقطني، فقد رواه جمع عن إسحاق فأرسلوه.\nوأما الحديث الذي معنا، فلم يُذكر أن أحدًا خالف عكرمة فأرسله عن إسحاق، لا الأوزاعي ولا غيره، وأما ما نقله الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في \"السلسلة الضعيفة\" (٨/ ١٦٦) أن الحافظ ابن حجر أعلّ هذا الحديث بالإرسال، وأن الأوزاعي رواه عن إسحاق فأرسله بإسقاط أنس وقال: (عن أم سليم - وهو مرسل -)، فهذا إنما ذكره ابن حجر في حديث \"المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل\" كما في \"النكت الظراف\" (١/ ٨٥)، وأما الحديث الذي معنا فلم يذكر فيه شيئًا، وبالتالي فأنا أذهب إلى أن إسناده جيد، وظاهر صنيع النَّسَائِي أنه يقويه، فقد ذكره في \"السنن الصغرى\"، و\"الكبرى\" ولم يتعقبه بشيء، بل وبوّب عليه كما تقدم، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم على شرط مسلم. وقد خرّج مسلم في \"صحيحه\" بهذا الإسناد ثمانية أحاديث، كما أن الترمذي خرج حديثًا آخر بهذا الإسناد وقال: (صحيح غريب). كما أن الضياء أخرجه في \"المختارة\".\nوقد جاء هذا الحديث عن أنس من طريق آخر، إلا أنه واهٍ؛ أخرجه البزار (٧٥٩٩)، وأبو يعلى (٤٢٩٢)، والطبراني في \"الدعاء\" (٧٢٥) من طريق عبد ارحمن بن إسحاق، عن حسين بن أبي سفيان، عن أنس بن مالك به.\nكما أن له شواهد، تنظر: \"الضعيفة\" للألباني (٨/ ١٦٥ - ١٦٧)، و\"الصحيحة\" له أيضًا (٧/ ١٠١٢).","vol":"1","page":421},{"text":"رسول الله ﷺ إليكم يقول: \"كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم\".\nوفي الباب عن علي، وعائشة، وجبير بن مطعم، والشريد بن سويد الثقفي.\nقال أبو عيسى: حديث ابن مربع الأنصاري حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار.\nوابن مربع: اسمه يزيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد) (^١).\nقلت: هذا الحديث حديث صحيح ورجاله كلهم ثقات، وعمرو بن عبد الله بن صفوان روى عنه أربعة منهم عمرو بن دينار، وقال عنه الزبير بن بكار: كان من أشرف أهل زمانه (^٢)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، وقال ابن حجر: صدوق شريفٌ (^٤)، وقد صرح بسماعه من يزيد بن شيبان، وهو من أخواله كما في \"التاريخ الكبير\" (^٥)، وفيه أيضًا: أن عمرو بن دينار صرح بسماعه من عمرو بن عبد الله بن صفوان (^٦).\nوقد صحّحه ابن خزيمة، والحاكم، ورواه أبو داود وسكت عنه (^٧)، وأما عدم تصحيح أبي عيسى لهذا الخبر، فلعله من أجل غرابته، والله أعلم.\n٧ - وقال أيضا في باب ما - جاء في الاشتراك في البدنة والبقرة:\n_________\n(^١) (٢/ ١٨٧).\n(^٢) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ١٠٠).\n(^٣) (٥/ ١٧٧).\n(^٤) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٤٢٣).\n(^٥) (٨/ ٣١٥).\n(^٦) \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٤٦٦).\n(^٧) ينظر: \"سنن أبي داود\" (١٩١٩)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (٢٨١٨، و٢٨١٩)، و\"مستدرك الحاكم\" (١/ ٦٣٣)، رقم (١٦٩٩).","vol":"1","page":422},{"text":"(وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أن البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة، وهو قول إسحاق، واحتج بهذا الحديث، وحديث ابن عباس إنما نعرفه من وجه واحد.\nحدثنا الحسين بن حريث وغير واحد قالوا: حدثنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث حسين بن واقد) (^١).\nقلت: ظهر من كلام أبي عيسى أنه إنما توقف في تصحيحه من أجل الغرابة.\n٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في نزول الأبطح: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، ينزلون الأبطح.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب (^٢)، إنما نعرفه من حديث عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر) (^٣).\nقلت: لم يصححه من أجل تفرد عبد الرزاق به عن عبيد الله بن عمر.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٠٠).\n(^٢) كما في \"تحفة الأشراف\"، و\"نسخة الرسالة\" (٩٣٨)، أما ما وقع في بعض النسخ، كطبعة بشار: (حسن صحيح غريب) فهذا خطأ.\n(^٣) (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"1","page":423},{"text":"٩ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سليم بن حيان، قال: سمعت مروان الأصفر، عن أنس بن مالك، أن عليا قدم على رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: \"بم أهللت؟ \" قال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ، قال: \"لولا أن معي هديا لأحللت \".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (^١).\nقلت: هذا الحديث قد أخرجه الشيخان من طريق عبد الصمد به (^٢)، وأخرجه مسلم من طريق ابن مهدي وبهز، كلاهما عن سليم به (^٣).\nورجاله كلهم ثقات، ومروان ليس له عند مسلم والترمذي سوى هذا الحديث كما قاله المزي (^٤).\nوالذي يظهر أن أبا عيسى إنما توقف في تصحيحه من أجل غرابته، فقد أخرجه البزار (^٥) من طريق عبد الصمد به، وقال: (ولا نعلم أسند الأصفر، عن أنس، إلا هذا الحديث).\nملحوظة: لم يصرح مروان بسماعه من أنس، وفي \"التاريخ الكبير\"، قال: (سمع ابن عمر ومسروقا) (^٦) ولم يذكر أنسًا، ولكن كونه سمع ابن عمر وقد توفي قبل أنس بنحو عشرين سنة، وكونه أيضًا بصريا، وأنس كذلك، فالأقرب أنه سمع منه.\nوهذا المتن لاشك في صحته، فقد جاء أيضًا من حديث جابر في \"الصحيح\" (^٧).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٢٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٥٥٨)، \"صحيح مسلم\" (١٢٥٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٢٥٠).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٤١٢).\n(^٥) \"المسند\" (٧٣٦٧).\n(^٦) (٧/ ٣٦٩).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (١٦٥١، ١٧٨٥).","vol":"1","page":424},{"text":"١٠ - وقال أيضا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا خلاد بن يزيد الجعفي، قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: توقف أبو عيسى في تصحيح هذا الحديث من أجل غرابته، فهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، سلسلة مشهورة جدًا، فأين أصحاب هشام عن هذا الخبر؟! ثم أين أصحاب زهير بن معاوية حتى لا يرويه إلا الخلاد وهو ليس بالمشهور؟!\n١١ - وقال أيضا في باب ما جاء ما يستحب عليه الإفطار: (حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وجد تمرا فليفطر عليه، ومن لا، فليفطر على ماء، فإن الماء طهور\".\nوفي الباب عن سلمان بن عامر.\nقال أبو عيسى: حديث أنس لا نعلم أحدا رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس.\nوقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ، وهذا أصح من حديث سعيد بن عامر.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٢٩).","vol":"1","page":425},{"text":"وهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سلمان بن عامر، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب.\nوالصحيح ما روى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر) (^١).\nقلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، فهو خبرٌ غيرُ محفوظٍ؛ لأن أصحاب شعبة قد رووه بخلاف ما رواه سعيد، فهو قد تفرد به، وهذا يدل على خطئه، وهو وإن كان ثقةً إلا أن له بعض الأغلاط.\n١٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^٢).\nقال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح) (^٣)، وقد احتج به ابن حزم (^٤) - وهذا يقتضي ثبوته عنده؛ لأنَّه لا يحتج بضعيفٍ -، وأخرجه الضياء في \"المختارة\" (^٥).\nقلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من التوقف في تصحيح هذا الحديث، وذلك لغرابته، فإني لم أقف عليه إلا من طريق جعفر، ولا عن جعفر إلا عبد الرزاق، حتى أن أبا نعيم والضياء لم يخرجاه إلا من\n_________\n(^١) (٢/ ٨٨ - ٨٩)، وينظر: \"العلل الكبير\" (١٩٤).\n(^٢) (٢/ ٨٩) (٧٠٤).\n(^٣) \"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٥٥).\n(^٤) \"المحلى\" (٤/ ٤٥٥).\n(^٥) \"الأحاديث المختارة\" (٤/ ٤١١).","vol":"1","page":426},{"text":"طريقه (^١)، ولكن لم ينصّ أحد منهم على أن عبد الرزاق تفرد به. نعم، قال أبو عيسى: (غريب)، لكن لم يبين أن الغرابة من عبد الرزاق أو من جعفر، فالله أعلم.\nنعم، قد توبع عبد الرزاق في هذا الحديث، تابعه سعيد بن سليمان النشيطي، وعمار بن هارون، أخرج حديثهما ابن عدي (^٢)، كلاهما عن جعفر بن سليمان به. ولكن كلا المتابعتين فيهما نظر، فسعيد بن سليمان، قال عنه الذهبي: (صويلح الحديث. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: فيه نظر. وقال أبو داود: لا أحدث عنه) (^٣).\nقلت: وقول الذهبي: (صويلحٌ) ليس بظاهر، بل هو ضعيفٌ، والسؤال: ما هي درجة ضعفه، هل يكتب حديثه، فيتقوى بغيره فتقوى هذه المتابعة، أو لا يكتب حديثه، وبالتالي لا يعتد بها؟\nأما عمار بن هارون، قال الذهبي: (قال موسى بن هارون: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. كان يسرق الحديث) (^٤).\nوقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: (ربما أخطأ) (^٥)، وهذا فيه نظر لما تقدم.\nقال ابن عدي في ترجمة جعفر -بعد أن ساق الحديث-: (وهذا الحديث يعرف بعبد الرزاق عن جعفر، ومن إفرادات جعفر، عن ثابت، عن أنس، لا أعلم يرويه عن جعفر غير ثلاثة أنفس، اثنين قد ذكرتهما، والثالث\n_________\n(^١) \"الحلية\" (٩/ ٢٢٧)، \"الأحاديث المختارة\" (٤/ ٤١١ - ٤١٢).\n(^٢) \"الكامل\" (٣/ ١٠٥) (٣٧٧٦).\n(^٣) \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١٣٥).\n(^٤) \"ميزان الاعتدال \" (٣/ ١٨١).\n(^٥) \"الثقات\" (٨/ ٥١٨).","vol":"1","page":427},{"text":"عبد الرزاق، عن جعفر، والحديث به مشهور عن جعفر، وقد رواه سعيد بن سليمان، وعمار بن هارون، وزاد في حديث عبد الرزاق: كان النبي، ﷺ يفطر على الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر) (^١).\nوقال في ترجمة عمار بن هارون بعد أن ساق الحديث من طريقه: (وهذا معروف بعبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، وقد رواه عمار بن هارون، وسعيد بن سليمان النشيطي، جميعا عن جعفر أيضا) (^٢).\nولأجل ما تقدم لم يعتد أبو حاتم وأبو زرعة بهذه المتابعة، وجزما بأنه لم يروه سوى عبد الرزاق، فقالا - بعد أن سألهما عبد الرحمن عن هذا الحديث -: (لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق؟) يعني: من أين جاء به. قال ابن أبي حاتم: (قلت: وقد رواه سعيد بن سليمان النشيطي، وسعيد بن هبيرة، فقال أبي: لا يسقى بالنشيطي وسعيد بن هبيرة شربة من ماء مثلًا. قال أبو زرعة: لا أدري ما هذا الحديث! لم يرفعه (^٣) إلا من حديث عبد الرزاق) (^٤).\nوالحديث له شاهدٌ، أخرجه أبو يعلى الموصلي (^٥) - ومن طريقه الضياء (^٦) - والعقيلي (^٧)، عن إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا أبو ثابت عبد الواحد بن ثابت، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: كان النبي ﷺ يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار.\nقلت: وهذه المتابعة لجعفر لا يفرح بها، وذلك أن عبد الواحد بن ثابت ضعيف، مع أن متنه يخالف ما رواه جعفر بن سليمان.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٣/ ١٠٥).\n(^٢) \"الكامل\" (٧/ ٥٢٣).\n(^٣) كذا، ولعل الصواب: لم يعرفه.\n(^٤) \"علل ابن أبي حاتم\" (٣/ ٦).\n(^٥) \"مسند أبي يعلى الموصلي\" (٣٣٠٥).\n(^٦) \"الأحاديث المختارة\" (١٧٥٥).\n(^٧) \"الضعفاء\" (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":428},{"text":"قال العقيلي بعد أن ساق الحديث: (وقد روى جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يفطر على التمر. وروى جماعة من أصحاب النبي ﷺ عنه بأسانيد جياد أنه قال: \"تسحروا فإن في السحور بركة\"، وفى السحور أسانيد ثابتة، وأما اللفظتان اللتان جاء بهما هذا الشيخ: \"ولو بجرعة من ماء\"، أو \"شيء لم تمسه النار\"، فليس يتابعه عليهما ثقة) (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-63>ومن الأمثلة على الأحاديث التي صححها أبو عيسى مع استغرابه لها:</span>\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في القراءة على المنبر: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان ابن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nوفي الباب عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة.\nقال أبو عيسى: حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (^٢).\nقلت: هذا الحديث تفرد به ابن عيينة كما هو ظاهر كلام أبي عيسى، وقد صححه، وأخرجه الشيخان من طريق ابن عيينة، ومثلهما أبو داود، والنسائي (^٣).\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء أن النبي ﷺ طاف مضطبعا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (٣/ ٥٠).\n(^٢) (١/ ٥٧٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٢٦٦)، \"صحيح مسلم\" (٨٧١)، \"سنن أبي داود\" (٣٩٩٢)، \"السنن الكبرى\" للنسائي (١١٤١٥).","vol":"1","page":429},{"text":"عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعا وعليه برد.\nقال أبو عيسى: هذا حديث الثوري، عن ابن جريج، ولا نعرفه إلا من حديثه، وهو حديث حسن صحيح.\nوعبد الحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى عن أبيه، وهو يعلى بن أمية) (^١).\nقلت: هذا الخبر صححه أبو عيسى مع غرابته، فقد تفرد به ابن جريج ولم يروه عنه سوى سفيان الثوري وهو إمام، فمثل هذه الغرابة لا تضر، نعم، قد تابعه عمر بن هارون البلخي عند أحمد (^٢)، قال: حدثنا عمر بن هارون البلخي أبو حفص، حدثنا ابن جريج، عن بعض بني يعلى بن أمية، عن أبيه به.\nلكن خالفه فأسقط شيخ ابن جريج، وهو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة بالاتفاق، والصواب إثباته، ويظهر أن هذا الإسقاط حصل من ابن جريج، فقد رواه وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى به (^٣).\nوهذه الرواية أيضًا فيها إسقاطه.\nومرة قال: عن رجلٍ، كما في رواية عبد الله بن الوليد، عن الثوري (^٤)، وفي أخرى سماه عبد الحميد كما في رواية قبيصة (^٥)، والفريابي (^٦).\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٧).\n(^٢) \"المسند\" (١٧٩٥٥).\n(^٣) \"المسند\" (١٧٩٥٦).\n(^٤) \"المسند\" (١٧٩٥٢).\n(^٥) كما في رواية الترمذي التي معنا، وأخرجه ابن ماجه (٢٩٥٤).\n(^٦) أخرجه الدارمي في \"مسنده\" (١٨٨٥).","vol":"1","page":430},{"text":"وعمر قد اتهم، ولكن قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل -أو قال: يتفرد به- إلا هذا الحديث: كان النبي ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون (^١).\nقلت: ومتابعته هنا مقبولة؛ لأن رواية الثوري لهذا الحديث تؤكد أن ابن جريج قد رواه، وأنَّه من حديثه.\nويؤيد هذا ما جاء في \"تهذيب الكمال\": (قال بهز: أرى يحيى بن سعيد حسده، قال: أكثر عن ابن جريج. من لزم رجلا اثنتي عشرة سنة لا يريد أن يكثر عنه؟!\nقال أبو غسان: وبلغني أن أمه كانت تعينه على الكتاب.\nقال أبو بكر الخطيب: وذكر مسلم بن عبد الرحمن البلخي أن ابن جريج تزوج أم عمر بن هارون؛ فمن هناك أكثر السماع منه.\nوقال أبو أحمد بن عدي: يقال: إنه لقي ابن جريج بمكة، وكان حسن الوجه، فسأله ابن جريج: ألك أخت؟ قال: نعم. فتزوج بأخته، فقال: لعل هذا الحسن يكون في أخته كما هو في أخيها، فتفرد عن ابن جريج، وروى عنه أشياء لم يروها غيره) (^٢).\nثم إن متن هذا الخبر ليس بغريب، فقد أخرج أحمد من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرّانة، فاضْطَبَعوا، وجعلوا أرديتَهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم، ثم رَمَلُوا (^٣).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣/ ٥٨٥).\n(^٢) (٢١/ ٥٢٣).\n(^٣) \"المسند\" (٣٥١٢).","vol":"1","page":431},{"text":"وجاء عند ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (^١)، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج؛ أن عمر بن عبد العزيز طاف بالبيت مضطبعا.\nولهذا وغيره صححه أبو عيسى الترمذي، والله أعلم.\n٣ - وقال أيضا في باب ما جاء أن عرفة كلها موقف: (حدثنا محمد ابن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: \"هذه عرفة، وهو الموقف، وعرفة كلها موقف\" …\nوفي الباب عن جابر.\nقال أبو عيسى: حديث عليّ حديث حسن صحيح، لا نعرفه من حديث عليّ إلا من هذا الوجه من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، وقد رواه غير واحد عن الثوري مثل هذا) (^٢)\nقلت: هذا الحديث مثل الحديث السابق.\n٤ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع ومحمد بن الوزير الواسطي المعنى واحد، قالا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: قلت لأنس: حدثني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ، أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قال: قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، يستغرب من حديث إسحاق الأزرق، عن الثوري) (^٣).\n_________\n(^١) (١٦٦٤٤).\n(^٢) (٢/ ١٨٨ - ١٩٠).\n(^٣) (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).","vol":"1","page":432},{"text":"قلت: إنما صحح أبو عيسى هذا الحديث مع غرابته عن الثوري؛ لأنَّه قد جاء مختصرًا من وجه آخر عن عبد العزيز: أخرجه البخاري (^١)، قال: (حدثنا علي، سمع أبا بكر بن عياش، حدثنا عبد العزيز، لقيت أنسا (ح)، وحدثني إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو بكر، عن عبد العزيز قال: خرجت إلى منى يوم التروية فلقيت أنسا ﵁ ذاهبا على حمار، فقلت: أين صلى النبي ﷺ هذا اليوم الظهر؟ فقال: انظر حيث يصلي أمراؤك فصلّ).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٦٥٤).","vol":"1","page":433},{"text":"الوجه التاسع: أنه - أحيانًا - يتوقف في تصحيح الخبر الذي ظاهره الصحة إذا كان متنه غريبا.\n\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع: (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: جئت ورسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه.\nووصفت الباب في القبلة.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^١).\nقلت: هذا الحديث لم يصححه من أجل غرابة متنه وإسناده، فتفرد بُرد عن الزهري لا يحتمل؛ فاين أصحابه الملازمون له؛ كمالك، وشعيب، وسفيان، ومعمر، ويونس بن يزيد، وغيرهم؟ لذا قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.\nوبُرد قد تتابع الأئمة على توثيقه أو تصديقه، إلا ما جاء عن علي بن المديني، فإنه قد ضعَّفه، وقال عنه ابن حبان: رديء الحفظ (^٢)، ولكن ذكره أيضًا في \"الثقات\" (^٣).\nقال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: أنه كان يصلي، فاستفتحت الباب، فجاء النبي ﷺ ففتح الباب، ومضى في صلاته. قلت لأبي: ما حال هذا الحديث؟\n_________\n(^١) (٢/ ٣٤).\n(^٢) (٦/ ١١٤).\n(^٣) \"مشاهير علماء الأمصار\" (ص: ٢٤٥).","vol":"1","page":434},{"text":"فقال أبي: لم يَرو هذا الحديث أحد عن النبي ﷺ غيرُ برد، وهو حديث منكر، ليس يحتمل الزهري مثل هذا الحديث، وكان بُرد يرى القدر) (^١).\n٢ - وقال أيضا في باب ما ذكر في الاغتسال عندما يُسْلم الرجل: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم، أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر.\nوفي الباب عن أبي هريرة.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٢).\nقلت: بيّن أن هذا الخبر لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولا يخفى أن النبي ﷺ لم يأمر أحدا من الذين أسلموا بالاغتسال، إلا ما جاء في هذا الخبر وخبر ثمامة بن أثال في بعض رواياته المرجوحة، فعليه يكون غريبا سندا ومتنا.\nوفي \"أطراف الغرائب والأفراد\": (حديث: أتيت النبي ﷺ لأبايعه على الإسلام، فقال: يا قيس بن عاصم، اغتسل بماء وسدر … الحديث. قال: غريب من حديثه عن النبي ﷺ) (^٣).\nقلت: روى هذا الحديث جمع عن سفيان الثوري -منهم القطان، وابن مهدي-، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس بن عاصم (^٤).\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" (٢/ ٣٩٩)، مسألة (٤٦٧).\n(^٢) (٢/ ٣٦).\n(^٣) (٤٢٨٤).\n(^٤) حديث القطان أخرجه النَّسَائِي (١٩٣)، وصححه ابن خزيمة (٢٥٥)، وابن حبان=","vol":"1","page":435},{"text":"وخالفهم قبيصة، فرواه عن الثوري، عن الأغر، عن خليفة، عن أبيه، عن جده (^١).\nقال أبو حاتم: (إن هذا خطأ؛ أخطأ قبيصة في هذا الحديث؛ إنما هو: الثوري، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن جده قيس: أنه أتى النبي ﷺ … ليس فيه أبوه) (^٢).\nقلت: وأنا أذهب إلى هذا، فالصواب بدون: عن أبيه.\nورواه وكيع - في روايةٍ عنه - كما رواه قبيصة (^٣)، والصواب عنه كرواية الجماعة (^٤).\nوجاء في رواية عن وكيع أيضًا: عن سفيان الثوري، عن خليفة: أن جدّه أتى إلى النبي ﷺ، فذكره مرسلًا.\nقال البيهقي: (وبمعناه رواه محمد بن كثير وجماعة، إلا أن أكثرهم قالوا: عن جده قيس بن عاصم، ورواه قبيصة بن عقبة فزاد في إسناده) (^٥).\nقلت: وخليفة لا يعرف أنه سمع من جده، فليس هناك تصريح في هذا الحديث بسماعه من جده، لذا عندما ترجم له البخاري لم يذكر سماعه من\n_________\n= (١٢٣٥). وحديث عبد الرحمن أخرجه -غير الترمذي- أحمد (٢٠٦١١)، وصححه ابن خزيمة (٢٥٤).\n(^١) أخرجها الفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٩٦) (٣/ ١٨٧)، ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨٠٩) ومن طريق آخر (١١٠).\n(^٢) \"علل الحديث\" (١/ ٤٥٢).\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢٠٦١٥)، وابن أبي خيثمة في \"التاريخ الكبير\" (٢٩١٥).\n(^٤) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبير\" (٩/ ٣٥).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٨٠٨).","vol":"1","page":436},{"text":"جده، بل لم يذكر روايته عن جده، وإنما قال (روى عن أبيه) (^١)، وكذا في ترجمة قيس بن عاصم (^٢) لم يذكر أن خليفة سمع منه.\nوأما أبو حاتم فلم يذكر أنه يروي عن أبيه (^٣)، وعندما ترجم لقيس بن عاصم قال: (روى عنه ابن ابنه خليفة بن حصين) (^٤)، فالأقرب في هذا الخبر أنه منقطعٌ.\n٣ - وقال أيضا في باب فيمن أكل ثم خرج سفرا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب.\nحدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني زيد بن أسلم، قال: حدثني محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان، فذكر نحوه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ومحمد بن جعفر، هو ابن أبي كثير، هو مديني ثقة، وهو أخو إسماعيل بن جعفر.\nوعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح، والد علي بن عبد الله المديني، وكان يحيى بن معين يضعفه) (^٥).\nقلت: الإسناد الأول فيه عبد الله بن جعفر، وهو والد علي بن المديني، وهو لا يحتج به.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٩٢).\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٤١).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣٧٧).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٠١).\n(^٥) (٢/ ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"1","page":437},{"text":"وأما الإسناد الثاني، فهو صحيح جدًا، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، فلماذا لم يصححه أبو عيسى؟ الظاهرُ أنه لغرابة متنه، وذلك أن المسافر لا يفطر إلا بعد خروجه من بلده.\nوقد قال الدارقطني بعد أن أخرجه: (رجاله كلهم ثقات)، وقول الدارقطني هذا ليس موجودًا في المطبوع، وإنما في \"الإتحاف\" لابن حجر، وقد نقل أيضًا أن ابن القطان الفاسي قد صححه (^١).\nوأخرجه الضياء (^٢)، ونقل تحسين الترمذي.\nوذكره ابن أبي حاتم قال: (وسألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، فوجده قد رحلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلنا: أسنة؟ قال ليس بسنة.\nورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن ابن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك … فذكر الحديث؛ قال: فقلت: سنة؟ فقال: نعم، سنة.\nقال أبي: حديث الدراوردي أصح) (^٣).\nقلت: لا شك أن رواية الدراوردي أرجح؛ لأن محمد بن عبد الرحمن بن مجبر متروك، ولكن لم يذكر أبو حاتم ولا ابنه طريق الترمذي الصحيحة، وهي لا شك أقوى من طريق الدراوردي.\nوأخرجه الدارقطني من طريقين عن روح، ثنا شعبة، عن عمرو بن\n_________\n(^١) \"إتحاف المهرة\" (١٧٤٢).\n(^٢) \"المختارة\" (٢٦٠٢).\n(^٣) \"علل الحديث\" (٣/ ٧٣).","vol":"1","page":438},{"text":"عامر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال لي أبو موسى: ألم أنبأ أنك إذا خرجت خرجت صائما، وإذا دخلت دخلت صائما؟ فإذا خرجت فأخرج مفطرا، وإذا دخلت فادخل مفطرا (^١).\nوأخرجه البيهقي (^٢) من طريق عثمان بن عمر حدثنا شعبة به.\nقلت: وهذا صحيح عن أنس، وفيه أن أنسًا كان إذا أراد أن يسافر لا يفطر بل يخرج صائمًا، وكذا إذا رجع إلى بلده، فإنه يكون صائمًا أيضًا، وظاهر الخبر أنه فعل ذلك مرارًا، وأن هذا هو ديدنه، فأمره أبو موسى أن يكون مفطرًا عندما يريد السفر في الخروج، وعند الدخول.\nوقد يكون هذا ما دعا أنسًا أن يفطر عند إرادة السفر بعد أن كان يفعل خلاف ذلك، ولعله ظنَّ من قول أبي موسى الأشعري له في ذلك أنه سنة، ولكن كلامه الذي تقدم ليس فيه ذكر لذلك، وهو الأصح؛ لأنَّه من المتفق عليه: أن المسافر لا يجوز له أن يقصر من الصلاة قبل أن يخرج؛ لأنَّه ما دام في بلده فإنه يعتبر مقيمًا حتى ولو كان قد نوى السفر، فالصيام مثل ذلك، ثم إن الإنسان قد يعزم على السفر فيركب دابته ثم بعد ذلك قد يطرأ عليه ترك السفر، فيكون قد أفطر هذا اليوم وهو لم يسافر، وقبل هذا وبعده لم يُنقل عن رسول الله ﷺ ولو مرة واحدة أنه قد أفطر قبل أن يخرج، بل ثبت في أحاديث كثيرة أنه كان يصوم في السفر -مع أن الفطر رخصةٌ-، وثبت أن من الصحابة من كان يصوم في السفر أيضًا، وهم مع رسول الله ﷺ، لذا كان الصيام في السفر أفضل لمن لم يشق عليه، والفطر أفضل لمن شق عليه الصيام، والله تعالى أعلم.\nوأختم بمثال يوضح منهجه في ذلك ويؤكده: ألا وهو حديث ابن\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٢٩٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٨١٧٩).","vol":"1","page":439},{"text":"عباس، قال ﵀: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته.\nوفي الباب عن أبي هريرة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي.\nوقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا.\nحدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر\".\nقال أبو عيسى: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره.\nوالعمل على هذا عند أهل العلم: ألا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة …) (^١).\nقلت: يلاحظ أنه لم يحكم عليه بالصحة، وهو صحيح لا شك في صحته عنده؛ لأنَّه ذكر ثلاثة ممن رووه عن ابن عباس، وكلهم من الثقات المشاهير، والحديث صححه الشيخان وغيرهما، فلم يبق إلا استغراب متنه، وهذا ما نص عليه في \"العلل الصغير\" بقوله: (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:\n_________\n(^١) (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، وقد سبق ذكره لمناسبة أخرى.","vol":"1","page":440},{"text":"حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر.\nوحديث النبي ﷺ أنه قال: \"إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه \".\nوقد بينا علة الحديثين جميعا في الكتاب) (^١).\nقلت: وينظر كلامه على حديث شارب الخمر في المرة الرابعة، فإنه لم يحكم عليه أيضا حكما صريحا بينا، وإنما أطال الكلام عليه من الناحية الفقهية كما فعل في حديث ابن عباس.\n* * *\n_________\n(^١) (٥/ ٧).","vol":"1","page":441},{"text":"الوجه العاشر: الحديث الذي لا يذكر فيه اختلافًا ولا غرابةً، وقد حكم بصحته؛ فهذا غالبًا ما يكون كذلك.\nوذلك لما تقدم من حال أبي عيسى أنه كثيرًا ما يشير للاختلاف الذي وقع في الحديث - حتى ولو كان يسيرًا، وليس له كبير تأثير - وللغرابة إن وجدت، فإذا لم يذكر شيئًا من ذلك، فالقلب حينئذٍ يطمئن إلى صحة الخبر.\n\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب ما يقول إذا أذن المؤذن: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك (ح) وحدثنا قتيبة، عن مالك، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن \".\nوفي الباب عن أبي رافع، وأبي هريرة، وأم حبيبة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن ربيعة، وعائشة، ومعاذ بن أنس، ومعاوية.\nقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح.\nوهكذا روى معمر وغير واحد، عن الزهري مثل حديث مالك.\nوروى عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nورواية مالك أصح) (^١).\nقلت: أين رواية عبد الرحمن بن إسحاق من رواية الإمام مالك ومعمر من حيث القوة والصحة؟! فلا يخفى أن بينهما البون الشاسع، ومع ذلك\n_________\n(^١) (١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":442},{"text":"أشار إلى رواية عبد الرحمن المخالفة، ونص على صحة رواية مالك، وهذا مثال من عشرات الأمثلة على عنايته بالاختلاف الذي يقع في الخبر حتى ولو لم يكن مؤثرا.\n* * *","vol":"1","page":443},{"text":"الوجه الحادي عشر: الخبر الذي ظاهره الصحة ولم يحكم بصحته؛ غالبًا ما يكون فيه علة خفية، لا تدرك إلا بالبحث، وجمع الطرق لهذا الخبر.\n\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر، يبلغ به النبي ﷺ قال: \"إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء؛ فإنه طهور\".\nوقال: \"الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة\".\nوفي الباب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، وجابر، وأبي هريرة.\nقال أبو عيسى: حديث سلمان بن عامر حديث حسن.\nوالرباب هي أم الرائح ابنة صليع.\nوهكذا روى سفيان الثوري، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ نحو هذا الحديث.\nوروى شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سلمان بن عامر ولم يذكر فيه عن الرباب.\nوحديث سفيان الثوري وابن عيينة أصح.\nوهكذا روى ابن عون وهشام بن حسان، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر) (^١).\n_________\n(^١) (٢/ ٦٧).","vol":"1","page":444},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه في \"الصيام\" (^١) من طريق وكيع، عن سفيان الثوري، عن عاصم به، وقال: حسنٌ صحيحٌ، ولكن ليس فيه: \"فإنه بركة\"، وذلك عندما ذكر التمر، كما أنه ليس فيه قصة الصدقة.\nفأما الزيادة الأولى، وهي: (فإنه بركة)، فالأقرب أنها غير محفوظة، قال النَّسَائِي: (لا نعلم أن أحدا ذكر في هذا الحديث \"فإنه بركة\" غير سفيان) (^٢)، وقال في موضعٍ آخر: (هذا الحرف \"فإنه بركة\"، لا نعلم أن أحدا ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه محفوظا) (^٣).\nورواها أيضًا ابن ماجه (^٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع، عن ابن عون به، مقتصرًا على الصدقة فقط.\nوأما قصة الصدقة، فإنها صحيحةٌ، فقد رواها النَّسَائِي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن عونٍ، عن حفصة (^٥).\nورواه أيضًا الحميدي (^٦) عن سفيان بن عيينة به.\nوابن خزيمة (^٧) عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان به.\nولكون زيادة \"فإنه بركة\" غير محفوظة لم يصحح أبو عيسى هذا الخبر فيما يظهر، والله أعلم.\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عمر بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا ولي أحدكم أخاه، فليحسن كفنه\".\n_________\n(^١) (٢/ ٨٩).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤٤٧).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٥٩٩).\n(^٤) \"السنن\" (١٨٤٤).\n(^٥) \"المجتبى\" (٢٦٠١).\n(^٦) \"المسند\" (٨٤٢).\n(^٧) \"الصحيح\" (٢٠٦٧).","vol":"1","page":445},{"text":"وفيه عن جابر.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^١).\nقلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات، وعمر بن يونس ثقة بالاتفاق، خرّج له الجماعة، وقد توبع من قبل مسلم بن إبراهيم الأزدي عند ابن أبي الدنيا (^٢)، والبيهقي، وزاد في آخره: \"فإنهم يتزاورون في قبورهم\"، قال البيهقي: (وهذا إن صح لم يخالف قول أبي بكر الصديق ﵁ في الكفن: \"إنما هو للمُهْل\"، يعني: الصديد؛ لأن ذلك كذلك في رؤيتنا، ويكون كما شاء الله في علم الله، كما قال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهو ذا نراهم يتشحطون في الدماء، ثم يفتنون، وإنما يكونون كذلك في رؤيتنا، ويكونون في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أخبر الله عنهم لارتفع الإيمان بالغيب) (^٣).\nوأما عكرمة بن عمار فهو مستقيم الحديث، نعم، تُكلِّم في روايته ولكن عن يحيى بن أبي كثير، وهذا ليس منها.\nإذنْ لماذا توقف المصنف عن تصحيحه؟! لعله من أجل أن سفيان الثوري، رواه عن هشام، عن ابن سيرين قال: كان يقال …\nفرواية عكرمة بن عمار، عن هشام في وصل هذا الحديث غريبة، وهذا ما جعل أبا عيسى - فيما يظهر - لا يصحح هذا الخبر، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) \"المنامات\" (١٦٢).\n(^٣) \"شعب الإيمان\" (١١/ ٤٥٩) (٨٨٣٠).","vol":"1","page":446},{"text":"الوجه الثاني عشر: أنه عند نقده للأخبار غالبًا ينقدها من حيث الإسناد، وفي بعض الأحيان من حيث الإسناد والمتن معا، وفي بعضها من حيث المتن فقط.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>ومن الأمثلة على نقده للخبر من جهة الإسناد والمتن:</span>\n١ - قوله ﵀ في باب ما جاءكم حج النبي ﷺ: (حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ: حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر، ومعها عمرة، فساق ثلاثة وستين بدنة، وجاء عليٌّ من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة فنحرها (^١)، فأمر رسول الله ﷺ من كل بدنة ببضعة، فطبخت، وشرب من مرقها.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه، عن عبد الله بن أبي زياد.\nوسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي: ﷺ، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظا، وقال: إنما يروى عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسل.\nحدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، قال: قلت لأنس بن مالك: كم حج النبي ﷺ؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة، إذ قسم غنيمة حنين.\n_________\n(^١) في بعض الطبعات زيادة: (رسول الله ﷺ).","vol":"1","page":447},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوحبان بن هلال هو أبو حبيب البصري هو جليل ثقة، وثقه يحيى بن سعيد القطان) (^١).\nقلت: يلاحظ أن حديث جابر هذا نقده أبو عيسى سندًا ومتنًا:\nأما من حيث الإسناد فقد حكم عليه بالغرابة، ثم بيَّن أن الصواب فيه الإرسال، وذلك فيما نقل عن البخاري.\nوأما من حيث المتن فقد ذكر حديث أنس، وهو حديث صحيح كما قال أبو عيسى، وقد صححه أيضًا البخاري ومسلم (^٢)، وفيه أن النبي ﷺ حجَّ حجةً واحدةً (^٣)، وليس ثلاثًا كما جاء في الحديث السابق.\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي، قال: سمعت ابن نمير، عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقد أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلي عنها غيرها، هي تلبي، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية).\nقلت: يلاحظ أن أبا عيسى قد نقد هذا الخبر سندًا ومتنًا.\n٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في التطوع في السفر: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عمر،\n_________\n(^١) (٢/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٧٧٨)، (١٧٧٩)، (٤١٤٨)، \"صحيح مسلم\" (١٢٥٣).\n(^٣) قلت: لا شك أن أنسًا ﵁ يعني بعد الهجرة، وأما قبل الهجرة، فالله أعلم كم حجَّ ﷺ؛ لأنَّه لم يثبت خبر في ذلك.","vol":"1","page":448},{"text":"قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوقد رواه ابن أبي ليلى، عن عطية، ونافع، عن ابن عمر.\nحدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصلّ بعدها شيئا، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات، فلا ينقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nسمعت محمدا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إليّ من هذا (^١» (^٢).\nقلت: هذا الحديث معلولٌ، لا يصح، لا من حيث الإسناد ولا من حيث المتن.\nأما من حيث الإسناد؛ ففيه حجاج وهو ابن أرطاة، وعطية وهو العوْفي.\nوأما في الإسناد الثاني؛ ففيه ابن أبي ليلى، بالإضافة إلى عطية، وثلاثتهم لا يحتج بهم.\nوأما المتن، فهو مخالفٌ لما ثبت عن ابن عمر: أن الرسول ﷺ وأبو\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (ولا أروي عنه شيئًا).\n(^٢) (٢/ ٨ - ٩).","vol":"1","page":449},{"text":"بكر وعمر، وعثمان ﵁ كانوا يقتصرون على الركعتين في السفر، وأن ابن عمر كذلك، فكان لا يتطوع إذا كان مسافرًا، أخرجه الشيخان عنه (^١).\nوفي حديث عطية العوفي السابق: أن الرسول ﷺ، كان يتطوع بعد الظهر والمغرب ركعتين.\nفتبين أن هذا المتن منكر.\nولذلك لم يصحح أبو عيسى هذا الحديث، بل ذكره في \"العلل الكبير\"، وقال: (وسمعت محمدا يقول: لا أعرف لابن أبي ليلى حديثا هو أعجب إليّ من هذا، وهو حديثه عن عطية ونافع، عن ابن عمر: صليت مع النبي ﷺ في الحضر الظهر أربعا، وبعدها ركعتين … الحديث، قال محمد: ولا أروي عن ابن أبي ليلى شيئا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>ومن أمثلة نقده للخبر من حيث المتن فقط:</span>\n١ - قوله ﵀ في باب ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه، أن النبي ﷺ أرخص للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما.\nقال أبو عيسى: هكذا روى ابن عيينة.\nوروى مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه.\nورواية مالك أصح …\n_________\n(^١) ينظر: \"صحيح البخاري\" (١١٠١) (١١٠٢)، \"صحيح مسلم\" (٦٨٩).\n(^٢) (١٦٠).","vol":"1","page":450},{"text":"حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مالك بن أنس قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، قال: رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة، أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما، قال مالك: ظننت أنه قال: في الأول منهما، ثم يرمون يوم النفر.\nوهذا حديث حسن صحيح، وهو أصح من حديث ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر) (^١).\nقلت: الاختلاف بين الروايتين في المتن وفي الإسناد:\nفأما في المتن فرواية مالك أتم وأوضح في المقصود، وذلك أن في روايته أن الرعاة يرمون اليوم الأول وهو يوم النحر، ويرمون يوما آخرا يجمعون فيه رمي يومين، ثم يرمون في اليوم الثالث عشر وهو يوم النفر. وأما رواية ابن عيينة فليس فيها هذا التفصيل، وإنما فيها أنهم يدعون رمي يوم، ولم يبين هل يجمعون رميه مع يوم آخر. ولم يذكر الرمي في يوم النفر، فلا شك عندئذ أن رواية مالك أصح؛ لأنَّه أتقن لفظ الخبر، وهذا من دقة نقد أبي عيسى.\nوأما الإسناد، فقال ابن عبد البر: (وذكر أحمد بن خالد: أن يحيى بن يحيى وحده من بين أصحاب مالك قال في هذا الحديث عن مالك بإسناده أن أبا البداح عاصم بن عدي، فجعل أبا البداح كنية عاصم بن عدي، وجعل الحديث له، والحديث إنما هو لعاصم بن عدي هو الصاحب، وأبو البداح ابنه يرويه عنه، وهو الصحيح فيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، قال: وكذلك رواه ابن وهب وابن القاسم.\n_________\n(^١) (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).","vol":"1","page":451},{"text":"قال أبو عمر: لم نجده عند شيوخنا في كتاب يحيى إلا عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، كما رواه جماعة الرواة عن مالك، وهو الصحيح في إسناد هذا الحديث، كما قال أحمد، فإن كان يحيى رواه كما قال أحمد فهو غلط من يحيى - والله أعلم - أو من غيره، ولم يختلفوا في إسناد هذا الحديث عن مالك، إلا ما ذكر أحمد بن خالد عن يحيى، وقد اختلفوا عنه في ألفاظه.\nوقد كان سفيان بن عيينة يقول في إسناد هذا الحديث شيئا يشبه ما حكاه أحمد عن يحيى في روايته عن مالك ويعضده، وذلك أنه قال فيه: عن أبي البداح بن عدي عن أبيه، ومرة لم يقل: عن أبيه، والصواب في إسناد هذا الحديث ما قاله مالك في رواية جمهور الرواة عنه) (^١).\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الأذان بالليل: (وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالا أذن بليل، فأمره النبي ﷺ أن ينادي: إن العبد نام.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غير محفوظ.\nوالصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم\".\nوروى عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، أن مؤذنا لعمر أذن بليل، فأمره عمر أن يعيد الأذان.\nوهذا لا يصح؛ لأنَّه عن نافع، عن عمر منقطع.\nولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث، والصحيح رواية عبيد الله بن\n_________\n(^١) \"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد\" (١٧/ ٢٥٢).","vol":"1","page":452},{"text":"عمر وغير واحد، عن نافع، عن ابن عمر، والزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: \"إن بلالا يؤذن بليل \".\nقال أبو عيسى: ولو كان حديث حماد صحيحا لم يكن لهذا الحديث معنى؛ إذ قال رسول الله ﷺ: \"إن بلالا يؤذن بليل\" فإنما أمرهم فيما يستقبل، فقال: \"إن بلالا يؤذن بليل\" ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل: \"إن بلالا يؤذن بليل \".\nقال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة) (^١).\n٣ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في الحَجَر: \"والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^٢).\nقلت: لم يصححه أبو عيسى (^٣)، ولعله من أجل غرابة متنه، فقد خرّج حديثين بهذا الإسناد، وحكم بصحتهما:\nالأول: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم \".\n_________\n(^١) (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤).\n(^٢) (٢/ ٢٢٨).\n(^٣) وصححه ابن خزيمة (٢٧٣٥، ٢٧٣٦) وابن حبان (٣٧١٥، ٣٧١٦) والحاكم (١٦٨٠).","vol":"1","page":453},{"text":"وفي الباب عن سمرة، وابن عمر، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^١).\nالثاني: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: حدثنا سعيد بن جبير وأبو الطفيل، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: \"ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك \".\nهذا حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه) (^٢).\nلذا عندما أخرجه أبو نعيم، قال: (غريب من حديث سعيد، تفرد به بن خثيم (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) (٤/ ٥٨٣).\n(^٣) \"حلية الأولياء وطبقات الأصفياء\" (٤/ ٣٠٦).","vol":"1","page":454},{"text":"الوجه الثالث عشر: أنه لا يقبل زيادة الثقة دائمًا، وإنما يقبلها إذا كان هذا الثقة من الحفاظ.\n\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن يعلى بن أمية، قال: رأى النبي ﷺ أعرابيا قد أحرم وعليه جبة، فأمره أن ينزعها.\nحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه بمعناه.\nقال أبو عيسى: وهذا أصح، وفي الحديث قصة.\nوهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطاة وغير واحد، عن عطاء، عن يعلى بن أمية.\nوالصحيح ما روى عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ) (^١).\nقلت: عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما إمام، وقد زادا في الحديث فزيادتهما مقبولة.\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك \"، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك \"، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: \"أن تزني بحليلة جارك \".\n_________\n(^١) (٢/ ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"1","page":455},{"text":"هذا حديث حسن.\nحدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ بمثله.\nهذا حديث حسن صحيح.\nحدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا سعيد بن الربيع أبو زيد، قال: حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك أو من طعامك، وأن تزني بحليلة جارك \". قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].\nحديث سفيان، عن منصور والأعمش، أصح من حديث واصل؛ لأنَّه زاد في إسناده رجلا.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ نحوه.\nهكذا روى شعبة عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل) (^١).\nقلت: نصّ المصنف على قبول الزيادة التي وقعت في إسناد هذا الخبر؛ وذلك لأن الذي زادها إمام حافظ، وهو سفيان الثوري.\n_________\n(^١) (٤/ ١٩٩ - ٢٠٠).","vol":"1","page":456},{"text":"٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"من أتى الجمعة فليغتسل\".\nوفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.\nوروي عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا، حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ مثله.\nوقال محمد: وحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، وحديث عبد الله ابن عبد الله، عن أبيه، كلا الحديثين صحيح.\nوقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر.\nقال أبو عيسى: قد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح.\nورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ، فقال: أية ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت: أن رسول الله ﷺ أمر بالغسل.\nحدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.","vol":"1","page":457},{"text":"وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يونس، عن الزهري بهذا الحديث.\nوروى مالك هذا الحديث، عن الزهري، عن سالم، قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة، فذكر الحديث.\nوسألت محمدا عن هذا، فقال: الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه.\nقال محمد: وقد روي عن مالك أيضا، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه نحو هذا الحديث) (^١).\nقلت: قول البخاري: الصحيح حديث الزهري عن سالم عن أبيه، يعني بذلك أن رواية مالك المرسلة لا تؤثر على الرواية الموصولة بذكر عبد الله بن عمر؛ لأنها زيادة من ثقة فتقبل، وبالتالي فكل هذه الأسانيد التي ذكرها أبو عيسى صحيحة ما عدا رواية الإمام مالك المرسلة، فهذا الخبر قد سمعه ابن عمر من النبي ﷺ، وسمع أباه يحدث به عن رسول الله ﷺ.\nويؤيد هذا قول أبي عيسى عن رواية ابن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ: (حديث صحيح).\n٤ - وقال أيضا: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) (١/ ٥٦٥ - ٥٦٧).","vol":"1","page":458},{"text":"وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ نحو حديث أيوب، وزاد فيه: من المسلمين.\nورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه: من المسلمين) (^١).\nقلت: صحح أبو عيسى رواية مالك والتي فيها زيادة: \"من المسلمين\"، مع قوله: (رواه غير واحد عن نافع دونها)، وقد بين ذلك بيانا واضحا في \"علله الصغير\" فقال: (ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير.\nقال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين.\nوروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين.\nوقد روى بعضهم، عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه.\nوقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك، واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد ابن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد عنهم صدقة الفطر، واحتجا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ٧٧).\n(^٢) \"الجامع\" (٥/ ٣٤).","vol":"1","page":459},{"text":"الوجه الرابع عشر: أنه في بعض الأحيان يتوقف في قبول زيادة الثقة ولو كان حافظًا.\n\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد: (حدثنا يحيى ابن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا خالد (^١)، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا.\nوفي الباب عن عبد الله بن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد حسن غريب.\nوقد روى مالك وابن عيينة وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى، ولم يذكروا هذا الحرف: أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) (^٢).\nقلت: هذا الحديث خرّجه الشيخان (^٣) من طريق خالد بن عبد الله به.\nولم يصححه أبو عيسى، مع قوله عن خالد: ثقة حافظ، ومع أن هذه الزيادة قد تابعه عليها سليمان بن بلال.\nقال البخاري: (حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبي ﷺ يتوضأ. فدعا بتور من\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (بن عبد الله).\n(^٢) (١/ ٢٩٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٩١)، و\"صحيح مسلم\" (٢٣٥).","vol":"1","page":460},{"text":"ماء، فأكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التور، فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده ماء فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يتوضأ) (^١).\nقال ابن حجر: (قوله: \"ثم تمضمض واستنثر\" وللكشميهني: \"مضمض واستنشق\"، والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وهيب الثلاثة، وزاد بعد قوله ثلاثا: \"بثلاث غرفات\"، واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة، وفي رواية خالد ابن عبد الله الآتية بعد قليل: \"مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا\"، وهو صريح في الجمع كل مرة، بخلاف رواية وهيب فإنه تطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نبه عليه ابن دقيق العيد، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند المصنف في باب الوضوء من التور: \"فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة\"، واستدل بها على الجمع بغرفة واحدة، وفيه نظر لما أشرنا إليه من اتحاد المخرج فتقدم الزيادة) (^٢).\nوأكتفي بهذا المثال هنا؛ لأنَّه سوف تأتي أمثلة كثيرة على ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٩٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩١).","vol":"1","page":461},{"text":"الوجه الخامس عشر: أنه يسلك طريق الترجيح بين الروايات.\nلا يخفى على المشتغلين بعلم الحديث أن الأحاديث تنقسم إلى قسمين:\n١ - أحاديثُ استوفتْ شروط الصحة، ولم يقع في أسانيدها ضعفٌ أو اختلافٌ، أو غرابةٌ وشذوذٌ.\n٢ - وأحاديث لم تستوف شروط الصحة؛ بأن وقع في أسانيدها من هو متكلّمٌ فيه، فهذه ضعيفةٌ كما هو معلومٌ، وضعفها على درجاتٍ، فأحيانًا تتقوَّى إذا تعددتْ طرقها، أو إذا جاء ما يشهد لها؛ وأحيانًا لا تتقوَّى. وسوف يأتي الكلام عليها بإذن الله.\nوأما التي وقع في أسانيدها أو متونها غرابةٌ أو شذوذٌ، فهذه فيها تفصيلٌ مطولٌ، وقد تقدم الكلام عليها.\nوأما التي وقع في أسانيدها أو متونها اختلافٌ؛ فهذه إن أمكن الجمع بين أوجه هذا الاختلاف فبها، وإلا فإنه يُسلَك فيها مسلك الترجيح، وينظر إلى القرائن.\nويلحظ الدارس لمنهج أبي عيسى: أنه يسلك أوجهًا كثيرةً للترجيح بين الروايات، من أشهرها وأظهرها ما يلي:\nالأول: ترجيح رواية الأوثق والأحفظ على غيره:\nوهذا كثيرٌ في كتابه \"الجامع\" وهو محلُ اتفاقٍ بين أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر، أو ينساه: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال:","vol":"1","page":462},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \"من نام عن الوتر أو نسيه، فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ\".\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: \"من نام عن وتره فليصل إذا أصبح\".\nقال أبو عيسى: وهذا أصح من الحديث الأول.\nسمعت أبا داود السجزي - يعني: سليمان بن الأشعث - يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله لا بأس به.\nوسمعت محمدا يذكر عن علي بن عبد الله أنه ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة) (^١).\nقلت: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإن كان من أهل العلم والفضل، إلا أنه في باب الرواية ضعيف جدًا، وعبد الله أخوه وإن كان قد تُكلم فيه إلا أنه أقوى منه، لذا رجح أبو عيسى روايته عليه.\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: \"بادروا الصبح بالوتر\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر\".\n_________\n(^١) (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠).","vol":"1","page":463},{"text":"قال أبو عيسى: وسليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ) (^١).\nقلت: في هذا تعليلٌ بتفرد سليمان بن موسى بهذا السياق، واللفظ الصحيح هو ما جاء في رواية عبيد الله، ولا شك أن عبيد الله أوثق بكثير من سليمان بن موسى (^٢)، ويؤكد هذا ما جاء عند مسلم في رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ، قال: \"بادروا الصبح بالوتر\" (^٣).\n٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى ابن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي ﷺ قال: \"من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له\".\nقال أبو عيسى: حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.\nوقد روي عن نافع، عن ابن عمر قوله، وهو أصح (^٤) «^٥).\nقلت: هذا الحديث رفعه يحيى بن أيوب وغيره، ولكن وقفه من هو أوثق منهم وأكثر، على عبد الله بن عمر، وعلى رأس هؤلاء مالك كما في \"الموطأ\" (^٦)، وجاء أيضًا عن عبد الله بن عمر، عن حفصة، وكلا الطريقين\n_________\n(^١) (١/ ٥٥٠ - ٥٥١).\n(^٢) يلاحظ هنا أن أبا عيسى قدم الصحيح على المعلول، وقد سبق أن الغالب عليه تقديم المعلول، وتقدم ذكر بعض الأمثلة على ذلك.\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٧٥٠).\n(^٤) في بعض النسخ زيادة: (وهكذا أيضًا روي هذا الحديث عن الزهري موقوفًا، ولا نعلم أحدا رفعه إلا يحيى بن أيوب).\n(^٥) (٢/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٦) ينظر: \"موطأ مالك\" رواية يحيى الليثي (٧٨٨، ٧٨٩).","vol":"1","page":464},{"text":"محفوظٌ، فالصواب في هذا الخبر وقفه، كما ذهب إلى هذا أبو عيسى الترمذي وغيره من كبار الحفاظ، كالبخاري (^١)، وأبي داود (^٢)، وأبي حاتم (^٣)، والنسائي (^٤)، وسيأتي بإذن الله تفصيل ذلك في موضعه من الكتاب.\n٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في صيام العشر: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما رأيت النبي ﷺ صائما في العشر قط.\nقال أبو عيسى: هكذا روى غير واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.\nوروى الثوري وغيره هذا الحديث، عن منصور، عن إبراهيم، أن النبي ﷺ لم يُر صائما في العشر.\nوروى أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة، ولم يذكر فيه: عن الأسود. وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصح وأوصل إسنادا.\nقال: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور) (^٥).\nقلت: رجّح رواية الأعمش؛ لأنَّه أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، كما روى ذلك أبو عيسى عن وكيع، فتكون زيادةً من ثقةٍ حافظٍ، فبالتالي يجب قبولها.\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" للترمذي (٢٠٢).\n(^٢) في \"سننه\" عقب حديث (٢٤٥٤).\n(^٣) \"العلل\" (٦٥٤).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٢٦٦١).\n(^٥) (٢/ ١٢١).","vol":"1","page":465},{"text":"٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: قلت: أقاله رسول الله ﷺ؟ قال: نعم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: وروى جرير بن حازم هذا الحديث، فقال: عن جابر، عن عمر، وحديث ابن جريج أصح، وهو قول أحمد وإسحاق) (^١).\nقلت: جرير بن حازم وإن كان ثقة مشهورًا، ولكن له بعض الأوهام، فلذا قُدم ابن جريج عليه، مع أنه قد جاء هذا الخبر عنه - أي جرير - دون ذكر عمر، رواه أبو داود (^٢)، وابن خزيمة (^٣).\n٦ - وقال أيضًا في باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر (^٤)، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن (^٥)، عن خلاد بن السائب بن خلاد، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو التلبية\".\nقال أبو عيسى: حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) (١٧٣/ ٢).\n(^٢) \"السنن\" (٣٨٠١).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٦٤٦).\n(^٤) في بعض النسخ زيادة: (وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم).\n(^٥) في بعض النسخ زيادة: (بن الحارث بن هشام).","vol":"1","page":466},{"text":"وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ ولا يصح، والصحيح هو عن خلاد بن السائب، عن أبيه، وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري.\nوفي الباب عن زيد بن خالد، وأبي هريرة، وابن عباس) (^١).\nقلت: وأنا أذهب إلى ذلك، وذلك أن عبد الملك بن أبي بكر ثقة خرج له الجماعة، وقد رواه عن خلاد عن أبيه السائب، وروايته مقدمة على رواية المطلب بن عبد الله الذي جعله عن خلاد عن زيد بن خالد، والمطلب كثير الإرسال والتدليس، وأخشى أنه لم يسمعه من خلاد، فلذا تكون رواية عبد الملك هي الراجحة، وهذا ما ذهب إليه البخاري كما في \"العلل الكبير\" (^٢).\n٧ - وقال أيضًا: (باب ما جاء ما يقرأ في ركعتي الطواف: أخبرنا أبو مصعب المدني قراءة، عن عبد العزيز بن عمران، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].\nحدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه كان يستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].\nقال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث عبد العزيز بن عمران، وحديث جعفر بن محمد عن أبيه في هذا أصح من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) (٢/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) (٢٢٢).","vol":"1","page":467},{"text":"وعبد العزيز بن عمران ضعيف في الحديث) (^١).\nقلت: لا شك أن الثوري من أحفظ الناس، فلا شك أن روايته هي الراجحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-66>ومن ترجيحه رواية الأحفظ أيضًا:</span>\n٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المشي أمام الجنازة: (حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.\nحدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن همام، عن منصور وبكر الكوفي وزياد وسفيان، كلهم يذكر أنه سمعه من الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.\nحدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.\nقال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.\nوفي الباب عن أنس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر هكذا رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، نحو حديث ابن عيينة.\nوروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغيرهم من الحفاظ عن الزهري، أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة.\n_________\n(^١) (٢/ ١٨١ - ١٨٢).","vol":"1","page":468},{"text":"وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح.\nقال أبو عيسى: وسمعت يحيى بن موسى يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قال ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة.\nقال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن ابن عيينة.\nقال أبو عيسى: وروى همام بن يحيى هذا الحديث، عن زياد - وهو ابن سعد - ومنصور وبكر وسفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام …\n... قال: وحديث أنس في هذا الباب غير محفوظ.\nحدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يمشي أمام الجنازة، وأبو بكر وعمر وعثمان.\nسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث (^١) أخطأ فيه محمد ابن بكر، وإنما يروى هذا (^٢) عن يونس، عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة.\nقال الزهري: وأخبرني سالم: أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.\nقال محمد: هذا أصح) (^٣).\nقلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من ترجيح رواية الإرسال وذلك لأمور:\n_________\n(^١) في بعض النسخ: (حديث خطأ).\n(^٢) في بعض النسخ زيادة: (الحديث).\n(^٣) (٢/ ٢٥١ - ٢٥٣).","vol":"1","page":469},{"text":"أ - أن من أرسل أتقنُ ممن وصل، فمالك من أتقن الناس في الزهري، كيف وقد تابعه معمر ويونس، وهما أيضًا من المقدَّمين في حديث الزهري؟!\nب - أن بعض من وصل أخذ بعضُهم عن بعض؛ فابن جريج فيما يظهر أخذه عن سفيان بن عيينة أو زياد بن سعد.\nج - أن من وصله سلك الجادة، بخلاف من أرسل فقد خالف الجادة، فتكون روايته هي المقدَّمة.\nد - أن الذين أرسلوا فصَلوا المرفوع من الموقوف، فكانت روايتهم للموقوف موصولة، بخلاف المرفوع فإنهم قد فصلوه وبينوا أنه مرسلٌ، فدل هذا على حفظهم وعلمهم، فتُقدّم روايتهم على غيرهم.\nوإلى هذا ذهب النَّسَائِي، قال: (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر وقتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.\nقال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهري مرسلا.\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا سفيان ومنصور وزياد وبكر، كلهم ذكر أنه سمعه من الزهري، يحدث أن سالما أخبره، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون بين يدي الجنازة.\nبكر وحده لم يذكر عثمان.\nقال لنا أبو عبد الرحمن: وهذا أيضًا خطأ، والصواب مرسل، وإنما أتى هذا عندي - والله أعلم - لأن هذا الحديث رواه الزهري عن سالم عن","vol":"1","page":470},{"text":"أبيه: أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال: \"كان النبي ﷺ\" إنما هو من قول الزهري.\nقال ابن المبارك: الحفَّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قولٍ أخذنا به وتركنا قول الآخر.\nقال لنا أبو عبد الرحمن: وذكر ابن المبارك هذا الكلام عند هذا الحديث) (^١).\nوقد وقع في هذا الحديث اختلاف كثير، وقد استوفاه الدارقطني في كتابه \"العلل\" (^٢).\nوخالفهم البيهقي، فرجّح الوصل، قال في \"السنن الكبرى\" - بعد أن ساق أسانيد هذا الخبر -: (وقد اختلف على ابن جريج ومعمر في وصل الحديث، فروي عن كل واحد منهما الحديث موصولا، وروي مرسلا، وقد قيل: عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري.\nوقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو ذر محمد بن محمد بن عبد الرحمن حفدة أبي القاسم المذكر، قالا: ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني الحافظ، ثنا علي بن الحسن الدرابجردي، ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا همام، عن سفيان يعني ابن عيينة ومنصور وزياد وبكر، كلهم ذكر أنه: سمع من الزهري، أن سالما أخبره، أن أباه أخبره، أنه رأى رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان يمشون بين يدي الجنازة، غير أن بكرا لم يذكر عثمان.\nتفرد به همام وهو ثقة، واختلف فيه على عقيل ويونس بن يزيد، فقيل عن كل واحد منهما عن الزهري موصولا، وقيل مرسلا، ومن وصله واستقر\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\n(^٢) (٦/ ٢٨٠ - ٢٨٦).","vol":"1","page":471},{"text":"على وصله ولم يختلف عليه فيه وهو سفيان بن عيينة حجة ثقة والله أعلم) (^١).\n٩ - وقال أيضًا في باب النهي عن البول قائما: (وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي ﷺ أبول قائمًا، فقال: \"يا عمر، لا تبل قائما\"، فما بلت قائما بعد.\nوإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث؛ ضعفه أيوب السختياني وتكلم فيه.\nوروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: ما بلت قائما منذ أسلمت.\nوهذا أصح من حديث عبد الكريم) (^٢).\nقلت: ما ذهب إليه أبو عيسى ظاهرٌ، فعبد الكريم لا يحتج به، وقد رواه عبيد الله بن عمر، وهو ثقةٌ ثبتٌ، عن نافع فوقفه، فتكون روايته هي الصحيحة.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها في (باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة) (^٣)، و(باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم) (^٤)، الحديث الثاني فيه.\nالثاني: ترجيح رواية الأكثر، وهو كثيرٌ أيضًا في كتابه \"الجامع\"، وهو مسلكٌ مشهورٌ ومعروفٌ عند النقاد.\nومن الأمثلة على ذلك:\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) (١/ ٢٨١).\n(^٣) (٢/ ١٦٥).\n(^٤) (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":472},{"text":"١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الرخصة في ذلك - أي في تزويج المحرم -: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الاسم، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال، وبنى بها حلالا، وماتت بسرف، ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب.\nوروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا، أن النبي ﷺ تزوّج ميمونة وهو حلال) (^١).\nوهذا أيضًا ما جاء في \"العلل الكبير\"، قال: (وسألت محمدا عن حديث يزيد بن الأصم، فقال: إنما روي هذا عن يزيد بن الأصم أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، ولا أعلم أحدا قال: عن يزيد بن الأصم عن ميمونة، غير جرير بن حازم. قال: قلت له: فكيف جرير بن حازم؟ قال: هو صحيح الكتاب، إلا أنه ربما وهم في الشيء) (^٢).\nقلت: ضعف الترمذي رواية الوصل التي هي من طريق جرير بن حازم، وذلك بحكمه على حديثه بأنه غريب، لذا ذكره في \"العلل الكبير\"، ونقل عن شيخه البخاري ما يفيد ترجيح الإرسال؛ وذلك لأنَّه رواه غير واحدٍ مرسلًا عن يزيد بن الأصم، ومنهم الزهري كما في مسلم، ولأن من وصل هذا الخبر - وهو جرير بن حازم - له بعض الأوهام إذا حدث من حفظه، وهذا ما رجحه أيضًا الدارقطني (^٣).\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٠).\n(^٢) (٢٢٤).\n(^٣) ينظر: \"صحيح مسلم\" (١٤١١)، و\"علل الدارقطني\" (٩/ ٢٦٢).","vol":"1","page":473},{"text":"بالمزدلفة: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، أن ابن عمر صلى بجْمعٍ فجمع بين الصلاتين بإقامة، وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله.\nقال محمد بن بشار: قال يحيى: والصواب حديث سفيان.\nوفي الباب عن علي، وأبي أيوب، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وأسامة بن زيد.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر رواية سفيان أصح من رواية إسماعيل ابن أبي خالد، وحديث سفيان حديث حسن صحيح.\nقال: وروى إسرائيل هذا الحديث عن أبي إسحاق، عن عبد الله وخالد ابني مالك، عن ابن عمر.\nوحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث حسن صحيح أيضًا، رواه سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير.\nوأما أبو إسحاق فإنما روى عن عبد الله وخالد ابني مالك، عن ابن عمر) (^١).\nقلت: قدم رواية سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي، على رواية إسماعيل بن أبي خالد، وذلك لأنهما اثنان، وهما أيضًا أوثق في أبي إسحاق من إسماعيل بن أبي خالد.\n_________\n(^١) (٢/ ١٩١).","vol":"1","page":474},{"text":"٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصوم بالشهادة: (حدثنا محمد ابن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: إني رأيت الهلال، قال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمدا رسول الله؟ \" قال: نعم، قال: \"يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا\".\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن سماك، نحوه (^١).\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس فيه اختلاف، روى سفيان الثوري وغيره، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا) (^٢).\nقلت: كما ذكر أبو عيسى أن الأكثر رووه مرسلًا، فرجح الإرسال، كما هو ظاهر صنيعه.\n٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصائم يذرعه القيء: (حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري حديث غير محفوظ.\nوقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث، عن زيد بن أسلم مرسلا، ولم يذكروا فيه: عن أبي سعيد.\n_________\n(^١) في بعض النسخ زيادة: (بهذا الإسناد).\n(^٢) (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":475},{"text":"وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث، سمعت أبا داود السجزي يقول: سألت أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به.\nوسمعت محمدا يذكر، عن علي بن عبد الله، قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف.\nقال محمد: ولا أروي عنه شيئا) (^١).\nقلت: في هذا الحديث: الترجيح برواية الأكثر والأوثق، فالدّراوردي صدوق جيد الحديث، بخلاف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فهو متروك؛ كيف وقد تابع الدّراوردي: عبد الله بن زيد بن أسلم - وهو أقوى من أخيه أيضًا - وغير واحد.\n٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الرخصة في ذلك - يعني في البول قائما -: (حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال عليها قائما، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه، فدعاني حتى كنت عند عقيبه، فتوضأ ومسح على خفيه.\nقال أبو عيسى: وسمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعًا يحدث بهذا الحديث، عن الأعمش، ثم قال وكيع: هذا أصحّ حديث روي عن النبي ﷺ في المسح.\nوسمعت أبا عمار الحسين بن حريث، يقول: سمعت وكيعا، فذكر نحوه.\nوهكذا روى منصور وعبيدة الضبي، عن أبي وائل، عن حذيفة، مثل رواية الأعمش.\n_________\n(^١) (٢/ ١٠١).","vol":"1","page":476},{"text":"وروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ، وحديث أبي وائل عن حذيفة أصح.\nوقد رخص قوم من أهل العلم في البول قائمًا) (^١).\nقلت: مع كون طريق المغيرة اتفق عليها اثنان وهما عاصم وحماد، ومع ذلك لم يذهب يصحح أبو عيسى روايتهما، بل رجح أن ذلك وهمٌ، وأن الصواب رواية الأعمش ومنصور؛ وذلك لكونهما أحفظ وأتقن، وقد تابعهما عبيدة الضبي أيضًا، بخلاف أبي بكر ابن خزيمة فإنه قد ذهب إلى تصحيح كلتا الروايتين (^٢)، وهذا ما يسلكه كثير من المتأخرين، بخلاف طريقة المتقدمين فإنهم يذهبون إلى الترجيح، لذا أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى.\nومثل ذلك ما جاء في الباب الذي قبله - باب النهي عن البول قائما -:\n٦ - فقد قال أبو عيسى: (وفي الباب عن عمر وبريدة). ثم قال في نهاية الباب: (وحديث بريدة في هذا غير محفوظ) (^٣).\nقلت: حديث بريدة أخرجه البزار قال: (حدثنا نصر بن علي، قال: أخبرنا عبد الله بن داود، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده\".\nوهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه إلا سعيد بن عبيد الله،\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٢).\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (٦٣).\n(^٣) (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":477},{"text":"ورواه عن سعيد: عبد الله بن داود، وعبد الواحد بن واصل، ولا نعلم رواه عن عبد الله إلا نصر بن علي) (^١).\nقلت: قال الهيثمي: (رجال البزار رجال الصحيح) (^٢).\nقال ابن سيد الناس بعد أن ذكر طريق البزار: (إن لم يكن لهذا الحديث علة فهو أقوى من حديث عائشة (^٣)، فإن سعيد بن عبيد الله احتج به البخاري، ووثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة) (^٤).\nقلت: هذه الطريق معلولةٌ، وقد بين علتها أبو بكر البيهقي، فقال: (أخبرنا أبو زكريا بن المزكي، أبنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد ابن عبد الوهاب، أبنا جعفر بن عون، أبنا سعيد، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن ابن مسعود، أنه كان يقول: \"أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله\".\nوكذلك رواه الجريري، عن ابن بريدة، عن ابن مسعود.\nورواه سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ بمعناه، إلا أنه قال: \"والنفخ في الصلاة\" بدل المرور، ولم يقل: \"أربع\"، قال البخاري: هذا حديث منكر، يضطربون فيه) (^٥).\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٤٤٢٤).\n(^٢) \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٨٣).\n(^٣) يشير إلى حديث: \"من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا\".\n(^٤) \"النفح الشذي\" (١/ ١٣٩).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٣٥٥٢).","vol":"1","page":478},{"text":"٧ - وقال أيضًا في باب كراهية ما يستنجى به: (حدثنا هناد، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وسلمان، وجابر، وابن عمر.\nقال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، الحديث بطوله، وقال الشعبي: إن رسول الله ﷺ قال: \"لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن\".\nوكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث) (^١).\nقلت: مع أن حفص بن غياث من الثقات المشهورين، إلا أن أبا عيسى مال إلى أن روايته غير محفوظة، وأن الأرجح رواية ابن علية، وهذا لأمرين:\nالأول: أن ابن علية أتقن وأحفظ، وقد توبع على ذلك.\nالثاني: أن معه زيادة علمٍ، فقد بيّن في هذا الخبر المرسلَ من الموصول، وبالتالي تكون روايته هي الأرجح، لذا لم يقل أبو عيسى أن حفص بن غياث قد وصل هذا الخبر، وأنها زيادة ثقة فتقبل.\nوينظر الكلام على هذا مع زيادة تفصيلٍ في موضعه من \"الجامع\".\nوينظر أيضًا: \"صحيح مسلم\" (^٢) فقد ساق الخلاف، و\"التتبع\" (^٣)\n_________\n(^١) (١/ ٢٨٧).\n(^٢) (٤٥٠).\n(^٣) \"الإلزامات والتتبع\" (٩٨).","vol":"1","page":479},{"text":"و\"العلل\" (^١) للدارقطني، و\"الفصل للوصل\" للخطيب البغدادي (^٢).\n٨ - وقال أيضًا في باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن فعلته، قال: \"عمدا فعلته\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nقال أبو عيسى: وروى هذا الحديث علي بن قادم، عن سفيان الثوري، وزاد فيه: توضأ مرة مرة.\nوروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضًا، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة.\nورواه وكيع، عن سفيان، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.\nوروى عبد الرحمن بن مهدي وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسل، وهذا أصح من حديث وكيع) (^٣).\nقلت: وكيع من كبار الحفاظ، وقد زاد فوصل الخبر، ومع ذلك لم يقبل منه أبو عيسى هذه الزيادة، وإنما رجح رواية ابن مهدي المرسلة، وذلك لمزيد حفظه وإتقانه، كيف وقد توبع على ذلك؟!\n_________\n(^١) (٢/ ٣٥٢).\n(^٢) (٢/ ٦٢٤) وما بعدها.\n(^٣) (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>الثالث من أوجه الترجيح: أن يأتي عن الراوي نفي لما روي عنه:</span>\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب ما جاء في إيجاب القضاء عليه: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، قال: \"اقضيا يوما آخر مكانه\".\nقال أبو عيسى: وروى صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفصة هذا الحديث، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مثل هذا.\nوروى مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلا، ولم يذكروا فيه: عن عروة، وهذا أصح؛ لأنَّه روي عن ابن جريج قال: سألت الزهري فقلت له: أحدّثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من أناس، عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث) (^١).\nقلت: نفي الزهري أن يكون سمع هذا الحديث من عروة؛ قرينةٌ ظاهرةٌ ودليلٌ أكيدٌ على تعليل رواية من روى عنه، عن عروة، عن عائشة، وهذا ما ذهب إليه أبو عيسى.\n\n<span data-type='title' id=toc-68>الرابع: الترجيح بمجيء الحديث من وجه آخر موافقٍ له، وهذا أمر متفق عليه بين أهل الحديث.</span>\n_________\n(^١) (٢/ ١١٠).","vol":"1","page":481},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة، كان رسول الله ﷺ يصليها بسقوط القمر لثالثة.\nحدثنا أبو بكر محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد نحوه.\nقال أبو عيسى: روى هذا الحديث هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب ابن سالم، عن النعمان بن بشير، ولم يذكر فيه هشيم: عن بشير بن ثابت.\nوحديث أبي عوانة أصح عندنا؛ لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر، نحو رواية أبي عوانة) (^١).\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلا صلى خلف الصف وحده - والشيخ يسمع - فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة.\nوفي الباب عن علي بن شيبان، وابن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث وابصة حديث حسن …\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"1","page":482},{"text":"وروى حديث حصين عن هلال بن يساف غير واحد، مثل رواية أبي الأحوص عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة.\nوفي حديث حصين ما يدل على أن هلالا قد أدرك وابصة.\nواختلف أهل الحديث في هذا:\nفقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو ابن راشد، عن وابصة أصح.\nوقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد أصح.\nقال أبو عيسى: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنَّه روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة ابن معبد) (^١).\nقلت: رجح أبو عيسى طريق حصين عن هلال بن يساف، وذلك لأنَّه قد روي من غير طريق هلال، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فدل هذا على أن طريق حصين محفوظةٌ.\n٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء في الإشارة في الصلاة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب، قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إليّ إشارة، وقال: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه.\nوفي الباب عن بلال، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة.\n_________\n(^١) (١/ ٤١٨ - ٤١٩).","vol":"1","page":483},{"text":"حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوحديث صهيب حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث عن بكير.\nوقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد بني عمرو بن عوف، قال: كان يرد إشارة.\nوكلا الحديثين عندي صحيح (^١)؛ لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعا) (^٢).\nقلت: لم يجعلهما حديثًا واحدًا، وسبب ذلك: أن الأول رواه ابن عمر عن صهيب، وأن ذلك كان بمرورٍ منه على رسول الله ﷺ.\nوالثاني رواه عن بلال، وكان عن سؤالٍ منه له.\nفتبين أنهما قصتان، وهذا ما قاله أبو عيسى، وبالتالي هما حديثان وليسا بحديثٍ واحدٍ، وحينئذٍ لا يحتاج أن نرجح أحدهما على الآخر، هذا مع اختلاف مخرجهما.\n٤ - ومثله ما جاء في باب ما جاء في السواك، فقد روى من طريق\n_________\n(^١) وأما قوله: (وكلا الحديثين عندي صحيح) وهو إنما صحح أحدهما دون الآخر، فالجواب عن ذلك، كأنه أراد فقط أن يبين أنهما ليس بحديثٍ واحدٍ كما تقدم شرحه، وأنَّه لا يريد صحة طريق ابن عمر عن صهيب.\n(^٢) (١/ ٤٩٥).","vol":"1","page":484},{"text":"محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" (^١).\nوقد روى هذا الحديث أيضًا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، فجعله عن زيد بن خالد الجُهَني، ولفظه كالسابق، وزاد: \"ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل\". قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه (^٢).\nفهل هذان الحديثان متغايران؟ أم هما حديث واحد أخطأ الراوي فيه، فعندئذٍ نحتاج إلى الترجيح بينهما؟\nذهب البخاري للثاني، قال الترمذي: (وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح).\nقلت: وأما أبو عيسى فذهب إلى الأول، وأنهما حديثان متغايران، قال: (كلاهما عندي صحيحٌ؛ لأنَّه قد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وإنما صح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه).\nقلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، وذلك:\nأولًا: لأن الخبر رُوي عن أبي هريرة من غير وجهٍ، كما تقدم، وهذا يدل على أنه محفوظ.\nثانيًا: أن محمد بن عمرو أقوى من محمد بن إسحاق، فهذا يؤيد كونه محفوظًا عن أبي هريرة.\nولكن مع ذلك لا أقول بأن طريق زيد بن خالد خطأ؛ فقد جاء ما يدل\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٠).\n(^٢) (١/ ٢٩٠)، رقم ٢٣).","vol":"1","page":485},{"text":"على أنها محفوظةٌ أيضًا؛ لأن فيها قصةً، وهي ما جاء بأن زيد بن خالد كان يضع السواك في أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، ومما يؤكد أيضًا صحة هذا الوجه؛ أن الراوي قد خالف الجادة في حديث أبي سلمة، وذلك أن الغالب على حديثه عن أبي هريرة كما هو معلومٌ، وعند الحفاظ أن من خالف الجادة يقدم على غيره؛ لأنَّه يدل على حفظه، وبالتالي كلا الوجهين قد جاء ما يدل على صحته.\nوهذا وغيره ما جعل أبا عيسى يصحح كلا الوجهين، بخلاف البخاري الذي رجّح طريق زيد بن خالد، وبالتالي يكون قد حكم على طريق أبي هريرة بالخطأ، وهذا فيه نظر؛ لأن الحديث جاء من أوجهٍ أخرى عن أبي هريرة، فيكون قول أبي عيسى هو الأرجح.\nوهذه قضيةٌ دقيقةٌ في \"علم العلل\"، وذلك أن كثيرًا من الأحاديث الضعيفة أصلها أحاديثُ صحيحةٌ (^١) أخطأ الراوي فيها، أو بعض\n_________\n(^١) ومثال ذلك: ما أخرجه الترمذي (١/ ٥٢٨): (حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد روي عن ابن عمر: أنه فعله.\nولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكلابي، والمعروف من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح\").\nقلت: بيّن أبو عيسى أن الحديث الأول هنا أصلٌ للحديث الثاني، كما رواه الإمام أحمد (٨٥٧٠) قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام به. وأخرجه ابن خزيمة (٩٨٦)، وابن حبان (١٥٧٧)، من طريقه. وأخرجه الدارقطني (١٤٣٥)، والحاكم =","vol":"1","page":486},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (١٠١٣)، من طريق محمد بن سنان، عن همام به.\nوقد جاء وجه آخر عن همام سوى ما تقدم، قال الدارقطني (١٥٣١): (حدثنا أحمد ابن عباس البغوي، حدثنا عباد بن الوليد، حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، قال: سُئل قتادة عن رجل صلى ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس، قال: حدثني خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"يتم صلاته\"). وهو عند أحمد (١٠٣٥٩).\nوأخرجه الدارقطني أيضًا (١٤٣٤) من طريق أحمد بن عتيق العتيقي المروزي، حدثنا محمد بن سنان العوقي، حدثنا همام، عن قتادة، عن خلاس به، كما تقدم. قال الحاكم (١٠١٤) بعد أن أخرجه من طريق العتيقي بالإسنادين - أي: قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، وقتادة، عن خلاس، عن أبي رافع -: (كلا الإسنادين صحيحان)، مع أنه قد قال بعد أن أخرج الإسناد الأول من طريق العتيقي، عن محمد بن سنان، عن همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس: (حديث صحيح على شرط الشيخين إن كان محفوظًا بهذا الإسناد، فإن أحمد بن عتيق هذا ثقة إلا أنه حدث به مرة أخرى بإسنادٍ آخر) ثم ساق الإسناد الآخر كما تقدم.\nقلت: وقد أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (١٤٣٢) من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عزرة بن تميم، عن أبي هريرة، أن نبي الله ﷺ قال: \"إذا صلى أحدكم ركعة من صلاة الصبح، ثم طلعت الشمس، فليصل إليها أخرى\".\nومن الأمثلة أيضًا: قال الترمذي (١/ ٥٧٩ - ٥٨٠): (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر.\nقال أبو عيسى: هذا حديث [في طبعة بشار زيادة: غريب، وقال المحقق: زيادة من تحفة الأشراف] لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم.\nسمعت محمدا يقول: وهِم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي ﷺ فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم.\nقال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يهِم في الشيء، وهو صدوق.\nقال محمد: وهِم جرير بن حازم في حديث ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني\". =","vol":"1","page":487},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال محمد: ويروى عن حماد بن زيد، قال: كنا عند ثابت البناني، فحدث حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني\" فوهِم جرير، فظن أن ثابتا حدثهم، عن أنس، عن النبي ﷺ.\nحدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: لقد رأيت النبي ﷺ بعدما تقام الصلاة يكلمه الرجل، يقوم بينه وبين القبلة فما يزال يكلمه، ولقد رأيت بعضهم ينعس من طول قيام النبي ﷺ له.\nقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح).\nومن الأمثلة أيضًا: قال الترمذي (٢/ ١٠): (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب.\nقال أبو عيسى: حديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره.\nوحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ حديث غريب. والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.\nرواه قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد، عن أبي الزبير المكي).\nقلت: تبين مما تقدم أن حديث قتيبة خطأٌ من حيث الإسناد والمتن، أما الإسناد فالصواب أنه من حديث أبي الزبير، وقد رواه عنه جمعٌ؛ مالكٌ وغيره، عن أبي الطفيل، عن معاذٍ، ولفظه: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر، والعصر … \" الحديث، وهذا مخالفٌ للمتن الذي جاء من حديث قتيبة، كما بيَّن أبو عيسى.","vol":"1","page":488},{"text":"التي تروى على أوجهٍ متعددةٍ، قد يكون أصلها حديثا واحدا أخطأ فيه الراوي، فرواه على وجه آخر، وحينئذٍ على الناقد أن ينظر في هذه الأحاديث فيوازن بينها؛ هل هي حديث واحد، أو أحاديثُ متغايرة، كما هو صنيع نقاد أئمة الحديث من المتقدمين، بخلاف كثيرٍ من الفقهاء وممن تأخر من أهل الحديث، الذين يعتبرون في كثيرٍ من الأحيان كلّ وجهٍ حديثًا مستقلًا.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - ما قاله في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: \"إني أراكم تتقرؤون وراء إمامكم\"، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: \"فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\".\nقال: حديث عبادة حديث حسن.\nوروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\"، وهذا أصح) (^١).\nقلت: بيّن أبو عيسى أن هذين الطريقين هما في الأصل حديثٌ واحدٌ، وبالتالي لا بد من الترجيح بين الطريقين، وعندئذٍ تكون طريق الزهري أصح، بينما غيره ذهب إلى أنهما حديثان.\n٢ - ومثل هذا: ما جاء في باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف\n_________\n(^١) (١/ ٤٦٥).","vol":"1","page":489},{"text":"من صلاة القائم: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد؟ فقال: \"من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلاها قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلاها نائما فله نصف أجر القاعد\".\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأنس، والسائب.\nقال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.\nوقد روي هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلا أنه يقول: عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض؟ فقال: \"صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\".\nقال أبو عيسى: حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، بهذا الحديث.\nلا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.\nوقد روى أبو أسامة وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس) (^١).\nقلت: ذهب البخاري إلى أن هذيْن الحديثيْن متغايران، بخلاف أبي عيسى فإنه ذهب إلى أنهما حديثٌ واحدٌ، اختلف فيه على حسين المعلم، لذا ذهب إلى ترجيح رواية الأكثر وهي رواية عيسى بن يونس وأبي أسامة وغيرهما على رواية إبراهيم بن طهمان، والذي تفرد بها.\n_________\n(^١) (١/ ٤٩٧).","vol":"1","page":490},{"text":"ودليله على ذلك أن مخرجهما واحدٌ، وبالتالي هما حديثٌ واحدٌ اختلف فيه على راويه.\n٣ - ومثله أيضًا ما جاء في باب فيمن يتطوع جالسا: (وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يصلي من الليل جالسا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ، ثم ركع، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك.\nوروي عنه أنه كان يصلي قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد.\nقال أحمد، وإسحاق: والعمل على كلا الحديثين.\nكأنهما رأيا كلا الحديثين صحيحًا معمولا بهما) (^١).\nقلت: جعل كلا الوجهيْن صحيحًا، ومن الأدلة على ذلك؛ أنّ كلا الوجهين قد رواهما ثقاتٌ مشاهيرُ، مع اختلاف المتن الأول عن الثاني، وبالتالي هما خبران متغايران، وهذا ما ذهب إليه الإمامان أحمد وإسحاق.\nالخامس من أوجه الترجيح: أن يكون الإسناد الذي روي به الحديث قد روي به أحاديث أخرى، مما يدل على أنه مشهور، ليس بغريب، وبالتالي يبعد الخطأ في مثل هذه الحالة.\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة: (حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا سهل بن حماد، قال: حدثنا همام، قال: حدثني قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة، قال: قدمت المدينة، فقلت: اللهم يسر لي جليسا صالحا، قال فجلست إلى أبي هريرة، … الحديث.\n_________\n(^١) (١/ ٤٩٩).","vol":"1","page":491},{"text":"قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن أبي هريرة.\nوقد روى بعض أصحاب الحسن، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، غير هذا الحديث.\nوالمشهور هو قبيصة بن حريث.\nوروي عن أنس بن حكيم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا) (^١).\nقلت: قول أبي عيسى: (وقد روى بعض أصحاب الحسن، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، غير هذا الحديث)، يريد بهذا أن يدلل على أن الطريق السابقة ليست بالخطأ، بدليل أنه قد رُوي بهذا الإسناد أكثر من متنٍ.\nوالسادس من أوجه الترجيح: أن يُروى الحديث من وجهيْن: أحدهما مشهورٌ، والثاني غريبٌ، فيكون الراجحَ الوجهُ المشهورُ، وأما الغريب فغالبا يكون خطأ من أحد الرواة، رواه على الوجه الذي لا يُعرف.\nومن أمثلة ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر والقراءة فيها: (حدثنا محمود بن غيلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رمقت النبيّ ﷺ شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n_________\n(^١) (١/ ٥٢٢).","vol":"1","page":492},{"text":"وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد.\nوالمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق.\nوقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضًا.\nوأبو أحمد الزبيري ثقة حافظ.\nقال: سمعت بندارا، يقول: ما رأيت أحدا أحسن حفظا من أبي أحمد الزبيري.\nوأبو أحمد اسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي) (^١).\nقلت: قد رواه عبد الرزاق عن الثوري به، كما في \"المصنف\" (^٢) - وعنه أحمد في \"المسند\" (^٣)، فقال: أخبرنا الثوري به.\nوأما رواية إسرائيل فأخرجها أحمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق به (^٤).\nوقد رواه غيرهما عن أبي إسحاق، فرواه أبو الأحوص ومعمر وعمرو بن قيس وشريك، ينظر: \"العلل\" للدارقطني (^٥).\nوهذا الخبر لا يصح، كما بين ذلك مسلم في \"التمييز\" (^٦)، والدارقطني في \"العلل\" (^٧).\n_________\n(^١) (١/ ٥٢٤).\n(^٢) (٤٨٤١).\n(^٣) (٤٩٠٩).\n(^٤) \"المسند\" (٤٧٦٣).\n(^٥) (٧/ ١١٥).\n(^٦) (١٧٣ - ١٧٦).\n(^٧) (٧/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"1","page":493},{"text":"والشاهد من ذلك: أن أبا عيسى مرّض القول في رواية الثوري، باعتبار غرابتها عنده، وأن الزبيري تفرد بها عنه، ولكن تبين مما تقدم أنه لم يتفرد بها عن الثوري، وظاهر صنيع أبي عيسى تقديم رواية إسرائيل باعتبار أنها هي المشهورة.\n٢ - وقال أيضًا في باب الوضوء لكل صلاة: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.\nقال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب (^١)، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس …\n... حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ابن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nقلت: قدم أبو عيسى الرواية المشهورة - وهي رواية عمرو بن عامر - على الغريبة - وهي رواية ابن إسحاق عن حميد -، فصحح الأولى بخلاف الثانية.\nهذه بعض أوجه الترجيح، وثمة أوجه غيرها.\n* * *\n_________\n(^١) في طبعة بشار: (غريب)، وفي شاكر: (حسن غريب)، وعند كليهما زيادة (من هذا الوجه).\n(^٢) (١/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"1","page":494},{"text":"الوجه السادس عشر: أنه أحيانا يصحح كلا الوجهين.\n\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في التعوذ للمريض: (حدثنا بشر بن هلال البصري الصواف، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز ابن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن جبريل أتى النبي ﷺ، فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: \"نعم\"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسدة، باسم الله أرقيك والله يشفيك.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز بن صهيب، قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: أفلا أرقيك برقية رسول الله ﷺ؟ قال: بلى، قال: \"اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما\".\nوفي الباب عن أنس، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح.\nوسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقلت له: رواية عبد العزيز، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أصح، أو حديث عبد العزيز، عن أنس، قال: كلاهما صحيح.\nأخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وعن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس) (^١).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"1","page":495},{"text":"قلت: قد يُظن أن هذا الحديث وقع فيه اختلاف على عبد العزيز بن صهيب، فروي مرةً عنه عن أبي نضرة عن أبي سعيد، ومرة أخرى عنه عن أنس، لذا سأل أبو عيسى أبا زرعة عن هذا الاختلاف، فأجابه بصحة كلا الإسنادين، وأقر ذلك أبو عيسى، وهذا ما ذهب إليه غيرهما من الحفاظ؛ فقد خرَّج الإمام مسلم حديث أبي سعيد (^١)، وخرّج البخاري حديث أنس (^٢)، فهما حديثان صحيحان.\nوبالتالي ليس هو اختلاف على عبد العزيز بن صهيب، فلا يقال إن رواية من رواه عنه عن أبي نضرة عن أبي سعيد أصحّ؛ لأن هذا مخالف للجادة في حديث عبد العزيز، وأنَّه في الغالب عن أنس؛ بل كلا الحديثين صحيح كما تقدم؛ لأن كلا الطريقين ثابت عنه.\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة، كما تتراءون الكوكب الشرقي أو الكوكب الغربي الغارب في الأفق، أو الطالع في تفاضل الدرجات\"، فقالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ قال: \"بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين\".\nهذا حديث صحيح) (^٣).\nقلت: هذا الحديث قد حكم الترمذي بصحته، ولم يقل: حسن صحيح، كما هو الغالب على طريقته ومنهجه، وهذا فيما يظهر من أجل الاختلاف الذي وقع في صحابي الحديث، هل هو أبو هريرة أم أبو سعيد؟\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢١٨٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٧٤٢).\n(^٣) (٣/ ٤٨١).","vol":"1","page":496},{"text":"فالبخاري، ومسلم (^١) أخرجاه من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري.\nوالترمذي يرى أيضًا صحة طريق فليح بن سليمان، ومثله ابن خزيمة في \"التوحيد\"، ونقل عن محمد بن يحيى الذهلي أنه يميل إلى صحة كلا الوجهين، فقال: (حدثنا محمد بن يحيى - في عقب خبر عطاء بن يسار -، عن أبي سعيد، في ذكر أهل الغرف من الجنة، قال: ثنا سريج بن النعمان، قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة\" بهذا، يريد بمثل حديث أبي سعيد، عن النبي ﷺ.\nقال أبو بكر ﵁: قال لنا محمد بن يحيى: لا أبعد أن يكون عطاء ابن يسار قد سمعه من أبي سعيد، وأبي هريرة، ﵄) (^٢).\nوأيضًا نقل الدارقطني في \"الغرائب\" كلام الذهلي، قال ابن حجر في \"الفتح\": (ونقل الدارقطني في \"الغرائب\" عن الذهلي أنه قال: لست أدفع حديث فليح؛ يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدث به عن أبي سعيد وعن أبي هريرة) (^٣).\nقلت: لا شك أن طريق أبي سعيد أصح، وذلك أن طريق مالك أقوى بكثير من طريق فليح، كيف وقد جاء عن أبي سعيد من وجه آخر كما تقدم عند البخاري، وقال أيضًا: (حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل، عن النبي ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة، كما تتراءون الكوكب في السماء\".\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٢٥٦)، \"صحيح مسلم\" (٢٨٣١).\n(^٢) \"التوحيد\" (٢/ ٩٠٧).\n(^٣) \"فتح الباري\" لابن حجر (٦/ ٣٢٧).","vol":"1","page":497},{"text":"قال أبي: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: أشهد لسمعت أبا سعيد، يحدث ويزيد فيه: \"كما تراءون الكوكب الغارب في الأفق: الشرقي والغربي\") (^١).\nوجاء أيضًا من حديث عطية عن أبي سعيد بنحوه، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (^٢)، وغيرهم عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهل الدرجات العلى يراهم من أسفل منهم كما يرى الكوكب الطالع في الأفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما\".\nوالذي يظهر لي أن أبا عيسى يذهب إلى أن كلا الوجهين محفوظ، وهو ما ذهب إليه الذهلي وابن خزيمة.\n* * *\n_________\n(^١) \"الصحيح\" (٦٥٥٥) (٦٥٥٦).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٣٩٨٧)، \"جامع الترمذي\" (٤٠٠٦) وحسنه، \"سنن ابن ماجه\" (٩٦) واللفظ له.","vol":"1","page":498},{"text":"الوجه السابع عشر: ليس كل خبر ضعيف تعددت طرقه يكون بمجموعها قويًا عند أبي عيسى.\n\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب في التسمية عند الوضوء: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي وبشر بن معاذ العقدي البصري، قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن ابن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\".\nوفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وأنس.\nقال أبو عيسى: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد …\nقال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.\nقال أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن، عن جدته، عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.\nوأبو ثفال المري اسمه: ثمامة بن حصين.\nورباح بن عبد الرحمن، هو أبو بكر بن حويطب.\nمنهم من روى هذا الحديث، فقال: عن أبي بكر بن حويطب، فنسبه إلى جده) (^١).\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).","vol":"1","page":499},{"text":"قلت: وذكر هذا الحديث في كتابه \"العلل\" (^١) وساق طرقًا أخرى له، ومع ذلك لم يقل بتقويته بمجموع طرقه، والسبب في ذلك أنها معارضة بما هو أصح منها، وذلك أن الأحاديث الصحيحة التي فيها بيان صفة وضوئه ﷺ لم يذكر فيها أنه كان يسمي، وإنما جاء ذلك في أحاديث ضعيفة، وبالتالي أصبحت هذه الأحاديث ضعيفة ولا تتقوى مع بعضها، ولو لم يكن ثَمّ ما يعارضها من الصحيح؛ لكان القول بتقويتها وجيهًا.\nويؤكد هذا، أنه قد حُفظ عنه ﷺ ماذا كان يقول بعد الوضوء.\n٢ - وقال أيضًا في باب المنديل بعد الوضوء: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن زيد بن حباب، عن أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كانت لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء.\nوفي الباب عن معاذ بن جبل.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي؛ يضعفان في الحديث.\nقال أبو عيسى: حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وأبو معاذ يقولون: هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف عند أهل الحديث) (^٢).\n_________\n(^١) (ص: ٣١ - ٣٣).\n(^٢) (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"1","page":500},{"text":"قلت: قد جاء هذا الحديث من أكثر من طريق، ولا يصح شيء منها، كما أنها لا تتقوى بمجموعها، وذلك لشدة ضعفها ونكارتها، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في صفة وضوئه ﷺ وليس فيها أنه كان له خرقة يتنشف بها، بل جاء في \"الصحيحين\" من حديث ميمونة أنها عندما ناولتْه المنديل ردّه (^١)، لذا قال أبو عيسى: (ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيءٌ).\nولهذأ أخطأ من قوّى هذه الأحاديث بمجموع طرقها.\nومثل هذا \"مسح الوجه باليدين بعد الدعاء\"، فقد جاءت عدة أحاديث ولكنها كلها ضعيفة، فهل تتقوى بمجموع طرقها؟\nذهب الحافظ ابن حجر إلى ذلك (^٢).\nوذهب الإمام ابن تيمية إلى خلاف ذلك، فقال بضعفها (^٣)، وأنا أذهب إلى ذلك؛ لأنَّه قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في كونه ﵊ دعا ورفع يديه، ولكن لم يأت في واحد منها أنه مسح بيديه على وجهه، فلو كان المسح محفوظا لجاء في بعضها، فدل هذا على نكارة مسح الوجه باليدين بعد الدعاء.\nومثله ما ورد في بعض الطرف من كونه ﵊ \"كان يمسح رقبته في الوضوء\"، فهذه الزيادة باطلة، وقد خلت الأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء من ذلك، لذا أخطأ الشوكاني في تحسينها بمجموع هذه الطرق (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٦٦)، \"صحيح مسلم\" (٣١٧).\n(^٢) \"بلوغ المرام\" (ص: ٤٦٥)، قال: (ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن).\n(^٣) قال في \"مجموع الفتاوى\" (٢٢/ ٥١٩): (وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة والله أعلم).\n(^٤) ينظر \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":501},{"text":"الوجه الثامن عشر: تصحيحه الحديث - أو الطريق - الذي يروى من غير وجه.\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديدًا: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بماء غير فضل يديه.\nهذا حديث حسن صحيح.\nوروى ابن لهيعة هذا الحديث، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ توضأ، وأنَّه مسح رأسه بما غير من فضل يديه.\nورواية عمرو بن الحارث، عن حبان أصحّ؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره، أن النبي ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدا.\nوالعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا: أن يأخذ لرأسه ماء جديدًا) (^١).\nقلت: والشاهد من ذلك قوله أن (رواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا الحديث)، وهذا ما اختاره مسلم (^٢).\nومن الأمثلة عليه أيضًا ما سبق نقله في كلامه على حديث أبي هريرة: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\".\n* * *\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٣٦).","vol":"1","page":502},{"text":"الوجه التاسع عشر: أن الراوي ولو كان ثقة عنده، لا يلزم أن يكون كل ما رواه صحيحًا، وذلك أنه إذا تبين أنه قد أخطأ في حديث ما، أو تفرد به؛ فإنه يرده، أو يتوقف في حديثه ولا يصححه.\nومنهج أبي عيسى في هذا هو منهج كبار الحفاظ، بخلاف بعض من تأخر؛ كأبي محمد ابن حزم وابن القطان الفاسي وغيرهما، فإن الراوي الثقة عندهم يلزم أن يكون حديثه صحيحا.\nوالأمثلة على هذا من كتاب \"الجامع\" كثيرة، فإنه بين في عدة أحاديث خطأ بعض الرواة الثقات، أو توقف في حديثهم عند التفرد.\nكما أن الراوي المتكلم فيه لا يلزم أن يكون حديثه دائما ضعيفا، ومن الأمثلة على ذلك:\nسفيان بن وكيع، فإنه قد صحح له أحاديث كثيرة، وهذا فيما استقام منها.\nومن الأمثلة على ذلك أيضًا: شريك بن عبد الله النخعي، فإنه صحح له عدة أحاديث، كما أنه توقف في أحاديث أخرى، وذلك فيما تفرد به، ومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام.\nقال أبو عيسى: سمعت الجارود، يقول: سمعت وكيعا، يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك) (^١).\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":503},{"text":"ولم يحكم عليه بشيء.\nوقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال في المستحاضة: \"تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي\".\nحدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، نحوه بمعناه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك، عن أبي اليقظان) (^١).\nكما أنه في حديث آخر عندما تبين له خطؤه ردّه:\nقال ﵀: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا شريك، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم.\nقال أبو عيسى: وروى وكيع هذا الحديث، عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة؟ قال: نعم.\nحدثنا بذلك هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن ثابت.\nوهذا أصح من حديث شريك؛ لأنَّه قد روي من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع. وشريك كثير الغلط) (^٢).\nقلت: لا شك أن وكيعا أحفظ بكثير من شريك، فعندما خالفه علم أن شريكا قد أخطأ في هذا الحديث، لذا قال عنه: كثير الغلط.\nوكذلك حكمه بالصحة على حديث بإسناد معين لا يلزم منه أن يصحح كل الأحاديث التي جاءت بهذا الإسناد.\n_________\n(^١) (١/ ٣٥٤).\n(^٢) (١/ ٣٠٤).","vol":"1","page":504},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن الرُّبَيع بنت معوذ بن عفراء، أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما، ظهورهما وبطونهما.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادا).\nثم قال في باب ما جاء أن مسح الرأس مرة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبيع بنت معوذ ابن عفراء، أنها رأت النبي ﷺ يتوضأ، قالت: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه، وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة.\nوفي الباب، عن علي، وجد طلحة بن مصرف.\nقال أبو عيسى: حديث الرُّبيع حديث حسن صحيح.\nوقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ أنه مسح برأسه مرة) (^١).\nقلت: مع أن كلا الحديثين من طريق ابن عقيل عن الرُّبيع بنت معوذ، إلا أن أبا عيسى غاير بينهما في الحكم، فصحح الثاني دون الأول، مع أن الأول إسناده إلى ابن عقيل أصح من الثاني؛ لأن بشر بن مفضل ثقة حافظ بخلاف ابن عجلان، والسبب في هذه المغايرة في الحكم: أن الأول ليس بمستقيم من حيث المتن، وذلك في أمرين:\nالأول: قوله (مسح برأسه مرتين)، والصواب مرة واحدة كما تقدم.\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).","vol":"1","page":505},{"text":"الثاني: قوله: (بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه) والصواب العكس، ولأجل هذا لم يصحح هذا الحديث، بينما لفظ الثاني سلم من ذلك، لذا صححه.\n٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان: (حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي الشعثاء، قال: خرج رجل من المسجد بعد ما أذن فيه بالعصر، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ.\nقال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان.\nحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.\n… وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث، عن أبيه) (^١).\nقلت: أشعث ثقة، وبالتالي روايته صحيحة، لذا أخرجها مسلم (^٢).\nوأما طريق إبراهيم بن مهاجر ففيها ضعف؛ لأن إبراهيم متكلم فيه، وكأن أبا عيسى عندما حكم على الحديث من هذه الطريق بـ \"حسن صحيح\" حكم على هذا الحديث بمجموع طرقه، مع ملاحظة أن الإمام مسلمًا قد أخرج أيضًا رواية إبراهيم بن مهاجر (^٣).\nويؤيد هذا أنه لم يصحح له سوى هذا الخبر، فقد أخرج له أربعة أحاديث لم يصحح واحدا منها (^٤).\nوهذا كثير في كتابه \"الجامع\"؛ الإسناد الواحد قد يصححه وقد يتوقف\n_________\n(^١) (١/ ٤٠١).\n(^٢) \"الصحيح\" (٦٥٥).\n(^٣) \"الصحيح\" (٦٥٥).\n(^٤) والثلاثة الأخرى عدا المذكور: (٨٩٨)، وقال: (حسن غريب)، (١٩٩٣، ١٩٩٤)، وقال: (غريب)، (٢٤٧٩)، وقال: (حسن غريب).","vol":"1","page":506},{"text":"فيه، وذلك تبعًا للمتن من حيث الاستقامة وعدمها، فإن استقام صححه وإلا توقف فيه.\nوينظر في ذلك سلسلة: محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بعضها صححه وبعضها توقف فيها.\nومنها سلسلة: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، لم يصحح الترمذي منها سوى حديثين، وكثير منها حسنها، وبعضها ضعفها إذ كان في الإسناد إلى عمرو راو ضعيف.\nومنها أيضا سلسلة: قتادة، عن الحسن، عن سمرة، فقد صحح بعضها، وحسن بعضها الآخر.\nوغيرها كثير.\n* * *","vol":"1","page":507},{"text":"الوجه العشرون: الحديث المعلول قد يحكم عليه بأنه حسن، وقد لا يبين وجه العلة في بعض الأحيان، وإنما تظهر عن طريق البحث، وفي بعض الأحيان يبينها أو يشير إليها.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب في كراهية فضل طهور المرأة: (حدثنا محمود ابن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي حاجب، عن رجل من بني غفار، قال: نهى رسول الله ﷺ عن فضل طهور المرأة.\nوفي الباب عن عبد الله بن سرجس …\n... حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا حاجب يحدث، عن الحكم بن عمرو الغفاري: أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، أو قال: بسؤرها.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وأبو حاجب اسمه: سوادة بن عاصم.\nوقال محمد بن بشار في حديثه: نهى رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، ولم يشكّ فيه محمد بن بشار) (^١).\nقلت: هذا الحديث رجاله ثقات، ولكن أُعلّ بالوقف، قال الدارقطني: (أبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، واختلف عنه: فرواه عمران بن جرير، وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفا، من قول الحكم غير مرفوع إلى النبي ﷺ) (^٢).\n_________\n(^١) (١/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٢) \"السنن\" (١/ ٨٢).","vol":"1","page":508},{"text":"وقد ذكر المصنف هذا الحديث في كتابه \"العلل الكبير\" وقال: (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح) (^١).\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الرخصة بذلك -أي الحجامة للصائم-: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (^٢).\nقلت: لم يصححه؛ لأنه غير محفوظ، قال النسائي بعد أن ساقه بنفس إسناد الترمذي: (هذا منكر، لا نعلم أحدا رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة) (^٣).\n٣ - وقال أيضا في باب في المسح على الخفين ظاهرهما: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة ابن الزبير، عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما.\nقال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن المغيرة، ولا نعلم أحدا يذكر عن عروة، عن المغيرة على ظاهرهما غيره.\nقال محمد: وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد) (^٤).\nقلت: لم يصححه الترمذي؛ لأنه معلول -كما أشار إلى ذلك- عند حكمه على الحديث، وأن عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد بقوله: (على\n_________\n(^١) (ص: ٤٠).\n(^٢) (٢/ ١٣٢).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤٠٠).\n(^٤) (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"1","page":509},{"text":"ظاهرهما)، وقد جاء حديث المغيرة من طرق أخرى أصح من هذه الطريق وليس فيها ذلك.\n٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: \"إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم\"، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: \"فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\".\nقال: حديث عبادة حديث حسن.\nوروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\". وهذا أصح) (^١).\nقلت: قوله عن طريق محمد بن إسحاق: (حديث حسن)؛ يريد هنا تعليله، بدليل أنه قال عن طريق الزهري: أصح؛ ولكونه ليس بالساقط قال عنه: حديث حسن.\nوظاهر صنيع الإمام البخاري في كتابه \"جزء القراءة\" تقوية طريق ابن إسحاق، وقد ساق أسانيد أخرى لهذا الخبر من غير طريقه بمثل لفظ ابن إسحاق.\nوأخرج البخاري هذا الحديث في كتاب \"القراءة خلف الإمام\" (^٢)، واحتج به، وقال: رأيت علي بن عبد الله -يعني: المديني- يحتج بحديث ابن إسحاق (^٣).\n_________\n(^١) (١/ ٤٦٥).\n(^٢) (١٦٩) من طريق ابن إسحاق به.\n(^٣) \"القراءة خلف الإمام\" (ص: ٣٨).","vol":"1","page":510},{"text":"٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الوتر بسبع: (حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة، قالت: كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة، فلما كبر وضعف أوتر بسبع.\nوفي الباب عن عائشة.\nقال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن) (^١).\nقلت: هذا الحديث اختلف فيه على الأعمش، فرواه محمد بن فضيل وأبو الأحوص وزائدة وأبو عوانة وسفيان، خمستهم عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة.\nوخالفهم أبو معاوية فرواه عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة، كما عند المصنف هنا، والصواب رواية الجماعة.\nوفي \"علل الدارقطني\" أنه سئل عن حديث يحيى بن الجزار، عن عائشة، كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع فلما أسنّ أوتر بسبع، فقال: (يرويه الأعمش، واختلف عنه؛ فرواه علي بن مسهر، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة. وخالفه ابن فضيل، رواه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة وقول ابن فضيل أشبه بالصواب) (^٢).\n٦ - وقال أيضا في باب التقصير في السفر: (حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر\n_________\n(^١) (١/ ٥٤٤).\n(^٢) \"علل الدارقطني\" (٨/ ٣٥٣).","vol":"1","page":511},{"text":"وعثمان، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، لا يصلون قبلها ولا بعدها، وقال عبد الله: لو كنت مصليا قبلها أو بعدها لأتممتها.\nوفي الباب عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وعمران بن حصين، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم، مثل هذا.\nوقال محمد بن إسماعيل: وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن عبد الله بن عمر) (^١).\nقلت: لم يصححه؛ لأن هذا الإسناد معلولٌ، وإنما الصواب: عبيد الله عن رجلٍ من أهل سراقة عن ابن عمر، كما ذكر البخاري، لذا أعاد أبو عيسى هذا الحديث في \"العلل الكبير\"، ونقل عن البخاري أنه خطأ، فقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث -يعني: حديث يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يصلون الظهر ركعتين لا يصلون قبلها ولا بعدها، فقال: هذا حديث خطأ، وإنما هو عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن ابن عمر) (^٢).\nومن أمثلة الأحاديث التي حسنها، ثم بيّن علّتها:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم: (حدثنا زياد بن أيوب البغدادي وإبراهيم بن عبد الله الهروي ومحمد بن كامل المروزي المعنى واحد، قالوا: حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن\n_________\n(^١) (٢/ ٥).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٩٦).","vol":"1","page":512},{"text":"الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة … الحديث.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن …، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين) (^١).\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في زكاة البقر: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارا، أو عِدْلَه مَعافِر.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوروى بعضهم هذا الحديث، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فأمره أن يأخذ، وهذا أصح) (^٢).\n٣ - وقال أيضا في باب في نفقة المرأة من بيت زوجها: (حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها به أجر، وللزوج مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا، له بما كسب، ولها بما أنفقت\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٦ - ٤٨).\n(^٢) (٢/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"1","page":513},{"text":"حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن أبى وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة، كان لها مثل أجره، لها ما نوت حسنا، وللخازن مثل ذلك\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا أصح، من حديث عمرو بن مرة، عن أبي وائل، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه: عن مسروق) (^١).\nقلت: حكم على الإسناد الأول بأنه حسن فقط، مع أن رجاله كلهم ثقاتٌ مشاهيرٌ، والسبب أن إسناد هذا الخبر منقطعٌ، فأبو وائل لم يسمع هذا الحديث من عائشة، وإنما بينهما مسروق كما جاء في الإسناد الثاني، لذا صحح الثاني دون الأول.\n٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم: (حدثنا قتيبة، قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد ابن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة.\nوروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال.\nرواه مالك مرسلا.\nورواه أيضا سليمان بن بلال، عن ربيعة مرسلا) (^٢).\n_________\n(^١) (٢/ ٧٥).\n(^٢) (٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":514},{"text":"قلت: بين أبو عيسى أن الصواب في هذا الحديث الإرسال، فقد ذكر أن مالك بن أنس، وسليمان بن يسار قد روياه عن ربيعة مرسلًا، ولا شك أنهما يقدَّمان على مطر الوراق الذي روى عن ربيعة موصولًا.\n٥ - وقال أيضا في باب ما جاء كم اعتمر النبي ﷺ؟: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة الثانية من قابل، وعمرة القصاص (^١) في ذي القعدة، وعمرة الثالثة من الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.\nوفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب.\nوروى ابن عيينة هذا الحديث، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر، ولم يذكر فيه: عن ابن عباس.\nحدثنا بذلك سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن النبي ﷺ. فذكر نحوه) (^٢).\nقلت: هذا الحديث حكم عليه بـ \"حسن\" وفي بعض النسخ: \"غريب\" فقط، ثم بيَّن علته: وهي أن ابن عيينة قد رواه عن عمرو بن دينار مرسلًا، ولا شك أنه أحفظ من داود بن عبد الرحمن العطار الذي وصله، ففيه أيضًا ترجيح رواية الأحفظ على من دونه، لذا عندما رواه البيهقي وذكر الخلاف فيه نقل عن علي بن عبد العزيز البغوي قوله: (ليس أحد يقول في هذا الحديث: عن ابن عباس، إلا داود بن عبد الرحمن) (^٣).\n_________\n(^١) في بعض النسخ: (القضاء).\n(^٢) (٢/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٨).","vol":"1","page":515},{"text":"٦ - وقال أيضا في باب ما جاء أن القارن يطوف طوافا واحدا: (حدثنا خلاد بن أسلم البغدادي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعا\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (^١).\n(^٢) وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه، وهو أصح) (^٣).\nقلت: بعد أن حسنه بيّن علته وأن الراجح فيه الوقف.\n٧ - وقال أيضا في باب ما جاء في الغسل من غسل الميت: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"مِنْ غَسْلِه الغُسل، ومِنْ حمله الوُضوء\" يعني: الميت.\nوفي الباب عن علي، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفا) (^٤).\nقلت: لم يصحح هذا الحديث؛ لأن الصواب فيه الوقف، وهذا ما ذهب إليه البخاري، وقد أطال في \"تاريخه الكبير\" بذكر أسانيد هذا الخبر\n_________\n(^١) كذا في طبعة بشار، وفي طبعة التأصيل: (حسن غريب صحيح)، وفي طبعة شاكر: (حسن صحيح غريب).\n(^٢) في طبعة بشار زيادة: (تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ).\n(^٣) (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(^٤) (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥).","vol":"1","page":516},{"text":"وذلك في ترجمة إسحاق أبي عبد الله مولى زائدة (^١)، كما أن فيه علة أخرى: وهي أن ابن علية وسفيان بن عيينة، روياه عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة موقوفًا، ولهذا لم يصححه المصنف.\n٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو صفوان، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله ﷺ على حمزة يوم أحد، فوقف عليه فرآه قد مُثِّل به، فقال: \"لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها\". قال: ثم دعا بنمرة، فكفنه فيها، فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مدت على رجليه بدا رأسه. قال: فكثر القتلى، وقَلَّت الثياب. قال: فكُفِّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فجعل رسول الله ﷺ يسأل عنهم: \"أيهم أكثر قرآنا\"، فيقدمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يصلّ عليهم.\nقال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه.\nالنمرة: الكساء الخلق.\nوقد خولف أسامة بن زيد في رواية هذا الحديث:\nفروى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله.\nوروى معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن جابر.\nولا نعلم أحدا ذكره عن الزهري عن أنس، إلا أسامة بن زيد.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).","vol":"1","page":517},{"text":"وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حديث الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر، أصح) (^١).\nفي \"تحفة الأشراف\" (^٢)، وطبعة بشار: (غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه).\nوفي طبعة شاكر (^٣)، و\"الرسالة\" (^٤)، و\"التأصيل\" (^٥)، و\"تحفة الأحوذي\" (^٦): (حسن غريب …).\nقلت: تبين مما تقدم أن نسخ الترمذي مختلفة في حكمه على هذا الخبر، ولكن قد بيّن أنه خبر معلول ولا يصح، فإن كان حكم عليه بأنه حسن غريب ففيه دليل على أنه قد يحسن الخبر ثم يبين علته.\n٩ - وقال أيضا في باب ما جاء يقول إذا أدخل الميت القبر: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر -وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده-، قال مرة: \"بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله\"، وقال مرة: \"بسم الله، وبالله، وعلى سنة رسول الله ﷺ\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nورواه أبو الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nوقد روي عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، موقوف أيضا) (^٧).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٢) (١/ ٣٧٦).\n(^٣) (١٠١٦).\n(^٤) (١٠٣٧).\n(^٥) (١٠٤٠).\n(^٦) (٤/ ٨٣).\n(^٧) (٢/ ٢٧٣).","vol":"1","page":518},{"text":"وفي \"علل الدارقطني\" أنه سئل عن حديث يروى عن نافع، عن ابن عمر؛ كان النبي ﷺ إذا وضع الميت في قبره، قال: \"بسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ\"، فقال: (يرويه حجاج بن أرطاة، واختلف عنه؛\nفرواه أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ …\nوغيره يرويه عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كان يفعل …، غير مرفوع.\nوهو الصواب) (^١).\nقلت: الذي يظهر أن أبا خالد الأحمر هو الذي تفرد به عن حجاج مرفوعًا، كما يفهم من كلام الدارقطني، وهو ظاهر كلام أبي عيسى، في قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه).\nوجاء من حديث أبي الصديق الناجي عن ابن عمر: فرواه همام، عن قتادة، عنه، عن ابن عمر مرفوعًا، وتفرد بذلك، كما قاله أبو نعيم، والبيهقي.\nقال أبو نعيم: (لم يرفعه عن قتادة إلا همام، ورواه شعبة وهمام موقوفًا) (^٢).\nوقال البيهقي: (والحديث يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد، وهو ثقة، إلا أن شعبة، وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفًا على ابن عمر) (^٣).\nقلت: خالفه شعبة وهشام، فوقفاه، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) (١٢/ ٣٥٨).\n(^٢) \"حلية الأولياء\" (٣/ ١٠٢).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩١).","vol":"1","page":519},{"text":"وفي \"علل الدارقطني\" أنه سئل عن حديث يروى عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: \"إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله\"، فقال: (يرويه قتادة، واختلف عنه؛\nفرواه هشام (^١)، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nحدث به عنه: يزيد بن هارون، وسعيد بن عامر، وحجاج بن منهال، وهدبة.\nواختلف عن وكيع:\nفرواه أحمد بن أبي رجاء المصيصي، عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن ابن عمر، ووهم فيه.\nوخالفه سريج بن يونس وغيره؛ رووه عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي الصديق، وهو الصواب.\nوقيل: عن سعيد بن عامر، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nوالمحفوظ عن هشام، موقوفا، من قول ابن عمر، وفعله.\nوكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن هشام، عن هشام.\nوكذلك رواه شعبة، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، موقوفا، وهو المحفوظ) (^٢).\n_________\n(^١) قال المحقق: (هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: همام). قلت: وهذا هو الصواب.\n(^٢) \"العلل\" (١٢/ ٤٠٩).","vol":"1","page":520},{"text":"فتبين أن الصواب في هذا الخبر هو الوقف.\nوجاء أيضًا من طريق أيوب عن نافع.\nأخرجه البزار (^١)، والطبراني (^٢) من طريق سعيد بن عامر الضبعي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ\".\nقال البزار: (وحديث أيوب لا نعلم رواه عن سعيد بن أبي عروبة إلا سعيد بن عامر).\nوقال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سعيد بن أبي عروبة، ولا عن سعيد بن أبي عروبة إلا سعيد بن عامر، ولا عن سعيد إلا سوار بن سهل).\nقلت: ورفع هذا الحديث خطأ لا شك فيه، بل أنا أشك أن سعيدًا قد رواه، فأين أصحابه عن هذا الخبر؟! بل -وقبل سعيد- أين أصحاب أيوب عنه؟!\nوسعيد بن عامر، وإن كان من الثقات، ولكنْ له أغلاط وأفراد.\nوسوار، وإن كان أبو داود قال: (لو لم أثق به ما رويت عنه). إلا أن ابن حبان عندما ذكره في \"الثقات\" قال عنه: يغرب. وهذا من غرائبه.\nكما قال عنه الذهبي في \"الميزان\": لا يدرى من هو.\nوالظاهر أنه صدوق كما قال ابن حجر (^٣).\n_________\n(^١) (٥٨٢٥).\n(^٢) (٧٣٤٧).\n(^٣) ينظر: \"الثقات\" لابن حبان (٨/ ٣٠٢)، \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٢٣٨)، \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٢٧)، \"التقريب\" (٢٦٨٣).","vol":"1","page":521},{"text":"وقد جاء من وجه آخر عن أيوب موقوفًا، وهو غريب أيضًا:\nأخرجه الطبراني أيضًا (^١)، قال: (حدثنا موسى بن زكريا، نا شيبان بن فروخ، ثنا سويد أبو حاتم، نا حجاج بن أرطأة وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سويد أبي حاتم إلا شيبان).\nقلت: وهذا الإسناد أيضًا لا يصح، سويد لا يحتج به، وشيبان له أوهام.\n١٠ - وقال أيضا في باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: (حدثنا زيد بن أخزم الطائي البصري، قال: حدثنا عثمان بن فرقد، قال: سمعت جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: الذي ألحد قبر رسول الله -صلى الله عليه، وسلم- أبو طلحة والذي ألقى القطيفة تحته شقران مولى رسول الله ﷺ.\nقال جعفر: وأخبرني ابن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر.\nوفي الباب عن ابن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث شقران حديث حسن غريب، وروى علي بن المديني، عن عثمان بن فرقد هذا الحديث) (^٢).\nقلت: وأخرجه ابن أبي عاصم، قال: (حدثنا يحيى بن خلف وزيد بن أخزم، قالا: ثنا عثمان بن فرقد، قال: سمعت جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: ألحد قبرَ النبي ﷺ أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران ﵁.\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٨/ ١٨١) رقم (٨٣٣٦).\n(^٢) (٢/ ٢٧٤).","vol":"1","page":522},{"text":"قال جعفر: وحدثني ابن أبي رافع، قال: سمعت شقران، يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر) (^١).\nوأخرجه المزي من طريق الطبراني، قال: (حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي، قال: حدثنا زيد بن أخزم، قال: حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني، قال: سمعت جعفر بن محمد، يحدث عن أبيه، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت شقران مولى رسول الله ﷺ يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ) (^٢).\nقال المزي: (رواه عن زيد بن أخزم، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر ابن محمد، عن ابن أبي رافع، ولم يقل عن أبيه، وقال: حسن غريب. وقد روى علي ابن المديني هذا الحديث عن عثمان بن فرقد.\nورواية من قال: عن أبيه أولى بالصواب، والله أعلم).\nوهو عند الطبراني (^٣): عثمان الغطفاني. ولم ينسبه إلى أبيه.\nقلت: قد رواه علي بن المديني، وزيد بن أخزم -كما رواه عنه أبو عيسى الترمذي، وابن أبي عاصم-، ويحيى بن خلف -كما عند ابن أبي عاصم أيضًا-، ثلاثتهم رووه عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، قال: أخبرني ابن أبي رافع، سمعت شقران … فذكره.\nولا شك أن روايتهم أولى بالصواب، ومحمد بن صالح بن الوليد النرسي، نعم، أكثرَ عنه الطبراني، ولكن لم أقف على توثيقٍ له، فرواية\n_________\n(^١) \"الآحاد والمثاني\" (١/ ٣٤٥)، رقم (٤٦٨).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٥٤٦).\n(^٣) \"المعجم الكبير\" (٨/ ٧٥) رقم (٧٤٠٩).","vol":"1","page":523},{"text":"الترمذي وابن أبي عاصم، -وهما من كبار الحفاظ- عن زيد بن أخزم تقدَّم على روايته عنه (^١).\nوقد روى عن عبيد الله بن رافع أناسٌ هم من أقران جعفر: كزيد بن علي بن الحسين، وقد ذكر أنه ولد سنة ثمانين، وجعفر قد ولد أيضًا في نفس السنة. وعبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع وهو من الطبقة السادسة كما ذكر ابن حجر، وجعفر أيضًا من السادسة؛ فسماعه منه لا يُنكر.\nلذا ذكر الذهبي في ترجمة جعفر: أنه يروي عن عبيد الله بن أبي رافع، ولم يتعقبه بشيء، كما ذكر في ترجمة جعفر (^٢) أنه رأى بعض الصحابة؛ كأنس بن مالك، وسهل بن سعد.\nويؤكد هذا أن أبا حاتم الرازي قال: (روى عثمان، عن جعفر، عن عبيد الله بن أبي رافع … حديث منكر) (^٣). فلم يذكر عن أبيه، وهذا ما وقع أيضًا في سؤال عبد الرحمن بن أبي حاتم لأبيه، قال: (وسألت أبي عن حديث رواه علي ابن المديني، عن عثمان بن فرقد، عن جعفر بن محمد، عن ابن أبي رافع؛ قال: سمعت شقران مولى رسول الله ﷺ يقول: أنا -والله- طرحت لرسول الله ﷺ قطيفة في القبر. قال أبي: هذا حديث منكر) (^٤).\nوقد يكون عثمان بن فرقد أخطأ في روايته عن جعفر في قوله: أخبرني ابن أبي رافع، وقد تقدم أنه متكلَّم فيه.\n_________\n(^١) كما أنه أخطأ أيضًا في نسبة عثمان، فقال: الغطفاني. وهذه النسبة لا تُعرف لعثمان هذا إلا في روايته، كما أنه وقع في رواية المزي تسميته عثمان بن عثمان، والصواب: عثمان بن فرقد.\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٢٥٥).\n(^٣) ينظر: \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١٦٤).\n(^٤) \"علل الحديث\" (٣/ ٥٢٤).","vol":"1","page":524},{"text":"والخلاصة في هذا الخبر، أنه خبرٌ منكرٌ في وصله.\nوأخرجه عبد الرزاق الصنعاني عن ابن جريج قال: (أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الذي لحد قبر النبي ﷺ أبو طلحة، وأن الذي ألقى القطيفة مولى النبي ﷺ شقران) (^١).\nفالصواب في هذا الخبر أنه مرسلٌ.\n* * *\n_________\n(^١) \"المصنف\" (٣/ ٣٥٩)، رقم (٦٤٨٦).","vol":"1","page":525},{"text":"الوجه الحادي والعشرون: أن الصحيح عنده على درجات، فهناك صحيح وأصح.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر\".\nوفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.\nوقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. أنه قال: \"ينزل الله ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر\".\nوهو أصح الروايات) (^١).\nقلت: يلاحظ أن أبا عيسى حكم على الإسناد الأول بأنه حسن صحيح، ثم بيَّن أن اللفظ الآخر -وهو أن الله ﷿ ينزل في ثلثِ الليل الآخرِ- أصح، فعلى هذا يكون عنده صحيح وأصح، وهذا ما فعله مسلم في هذا الحديث فقد أخرج كلا اللفظين (^٢).\n_________\n(^١) (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧٥٨).","vol":"1","page":526},{"text":"٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: جُعل في قبر النبي ﷺ قطيفةٌ حمراء.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى شعبة، عن أبي حمزة القصاب -واسمه عمران بن أبي عطاء-، وروى عن أبي جمرة الضبعي -واسمه نصر بن عمران-، وكلاهما من أصحاب ابن عباس.\nوقد روي عن ابن عباس أنه كره أن يُلقى تحت الميت في القبر شيءٌ.\nوقال محمد بن بشار، في موضع آخر: حدثنا محمد بن جعفر ويحيى، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، وهذا أصحّ) (^١).\nقلت: وأنا أذهب إلى هذا، وهو أن الإسناد الثاني أصح، وإن كان الأول صحيحًا أيضًا، وذلك أن الإسناد الثاني رواه مع القطان محمد بن جعفر، ومحمد من أثبت الناس في شعبة، فصار بذلك أصح.\nإلا إن كان أبو عيسى يقصد أن هذا الحديث قد سمعه محمد بن بشار من شيخيه في مجلس واحد، فالأولى في هذه الحالة: أن لا يفرد أحدهما عن الآخر عند التحديث به؛ لأن لفظ الخبر قد يكون للأول دون الثاني.\nوكذا لو سُمع الحديث من كل واحد منهما في مجلس، ولم يبين هل اتفقا في سياق الخبر أم اختلفا، أم بينهما شيء من الاختلاف؟ فالأولى\n_________\n(^١) (٢/ ٢٧٤) وفي طبعة بشار عواد تقديم الإسناد الثاني، حيث ذكره مباشرة بعد الإسناد الأول، والمثبت من طبعة التأصيل والرسالة (٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩).","vol":"1","page":527},{"text":"أيضا في هذه الحالة أن يجمعهما عند تحديثه بهذا الخبر، إلا إذا بين (^١)، وقد يكون لأبي عيسى قصد آخر فالله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) وهذا قد لا يراه شيئا غير المختص، ولكن من علم تصرفات المحدثين لا يتعجب من ذلك، ودونك \"صحيح مسلم\" فترى من الدقة الشيء العجاب، وقد قال الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٧١): (وقال الساجي في \"الجرح والتعديل\": كذبه يحيى بن معين، وقال محمد بن قاسم: لما قدم يحيى بن معين مصر حضر مجلس عبد الله، فأول ما حدث به كتاب \"فضائل عمر بن عبد العزيز\"، فقال: حدثني مالك وعبد الرحمن بن زيد وفلان وفلان فمضى في ذلك ورقة، ثم قال: كلٌّ حدثني هذا الحديث، فقال له يحيى: حدثك بعض هؤلاء بجميعه، وبعضهم ببعضه؟ فقال: لا، حدثني جميعهم بجميعه. فراجعه، فأصر، فقام يحيى وقال للناس: يكذب).\nقلت: فيحيى بن معين هنا لم ينكر عليه أنه سمع من جميعهم، وإنما أنكر عليه اتفاقهم على سياق هذا الخبر كاملا من جميعهم، وهذا إن ثبتت هذه القصة، وذلك أن الذهبي قال في \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٢٢١): (لم يثبت قول ابن معين: إنه كذاب)، ونحوه في \"تاريخ الإسلام\" (٥/ ٣٤٨).","vol":"1","page":528},{"text":"الوجه الثاني والعشرون: مع ما تقدم من جلالة أبي عيسى في هذا الفن، إلا أن ذلك لا يمنع أنه قد يصحح أحاديث يخالَف فيها وتكون معلولة.\nومن المعلوم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب في تخليل اللحية: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان بن عفان، أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا الحديث معلول، عامر بن شقيق تكلم فيه يحيى بن معين، وأظن أن أبا وائل لم يسمع من عثمان، وأن بينهما واسطة.\nومما يؤكد أن هذا الخبر معلول، أن حديث عثمان جاء من طرق في \"الصحيحين\" وليس فيه أنه كان ﵊ يخلل لحيته، بل إن الإمام أحمد (^٢)، وأبا حاتم الرازي (^٣)، والعقيلي (^٤)، وابن المنذر (^٥)، وابن حزم (^٦) ضعفوا كل الأحاديث المرفوعة التي وردت في التخليل.\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٦).\n(^٢) \"مسائل أحمد\" لأبي داود (ص: ١٣).\n(^٣) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (١/ ٥٥٣).\nوقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ١٩١): (وقال أحمد وأبو زرعة: لا يثبت في تخليل اللحية حديث). قلت: أخشى أن هذا وهم، وأن الصحيح: أحمد، وأبو حاتم.\n(^٤) \"الضعفاء الكبير\" (٤/ ٣٢٧).\n(^٥) \"الأوسط\" (١/ ٣٨٥).\n(^٦) \"المحلى\" (٢/ ٣٥ - ٣٧).","vol":"1","page":529},{"text":"ومما يؤيد أن هذا الخبر غير محفوظ، أن عامر بن شقيق روى أيضًا عن أبي وائل قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله فعل هذا. أخرجه أبو داود من طريق إسرائيل بن يونس عن عامر به (^١).\nقلت: هذا الحديث غير محفوظ، والصواب أن الرسول ﷺ مسح رأسه مرة واحدة، وهذا ما ذهب إليه جمع من أهل العلم، منهم أبو عيسى، كما بين ذلك في كتابه \"الجامع\" (^٢)، وهذا يؤكد أن عامر بن شقيق لا يحتج به، وهذا ما ذهب إليه يحيى بن معين، فهو كما أخطأ في هذه القضية فقد أخطأ أيضا في الأولى.\n٢ - وقال أيضا في باب في المسح على الجوربين والنعلين: (حدثنا هناد ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٣).\nقلت: هو حديث معلول، وقد أعلّه كبار الحفّاظ.\nقال عبد الله بن أحمد: (حدثت أبي بحديث الأشجعي ووكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن المغيرة بن شعبة قال: مسح النبي ﷺ على الجوربين والنعلين. قال أبي: ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي: أَبَى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر، يعني: حديث المغيرة هذا، لا يرويه إلا من حديث أبي قيس) (^٤).\n_________\n(^١) \"السنن\" (١١٠).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٩٦).\n(^٣) (١/ ٣٣٨).\n(^٤) \"العلل\" (٣/ ٣٦٧).","vol":"1","page":530},{"text":"وقال الميموني: (سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن حديث أبي قيس الأودي، مما روى عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ أنه مسح على النعلين والجوربين، فقال لي: المعروف عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، ليس هذا إلا من أبي قيس، إن له أشياء مناكير) (^١).\nوقال مسلم: (ذكرُ خبر ليس بمحفوظ المتن)، ثم أخرج الحديث، وتوسع في ذكر طرقه ثم قال: (قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح، بخلاف ما روى أبو قيس، عن هزيل، عن المغيرة، ما قد اقتصصناه، وهم من التابعين وأجلتهم، مثل مسروق. وذكر من قد قُدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل، ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بَيِّن لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبر وتحمل ذلك، والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل؛ لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا الخبر، سنذكرها في مواضعها إن شاء الله،\nفأما في خبر المغيرة في المسح فأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاد، عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قال عبد الله بن المبارك: عرضت هذا الحديث -يعني: حديث المغيرة من رواية أبي قيس- على الثوري فقال: لم يجئ به غيره، فعسى أن يكون وهمًا) (^٢).\nوقال أبو داود: (كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين. قال أبو داود: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه مسح على الجوربين وليس بالمتصل ولا بالقوي) (^٣).\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية المروذي وغيره\" (ص: ٢١٩).\n(^٢) \"التمييز\" (ص: ١٦٠ - ١٦٦).\n(^٣) \"السنن\" (١٥٩).","vol":"1","page":531},{"text":"وقال النسائي: (ما نعلم أن أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين، والله أعلم) (^١).\nوقال الدارقطني -بعد أن سئل عن حديث هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة، عن النبي ﷺ؛ أنه مسح على الجوربين والنعلين-: (يرويه الثوري، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة. ورواه كليب بن وائل، عن أبي قيس، عمن أخبره عن المغيرة وهو هزيل، ولكنه لم يسمه، ولم يروه غير أبي قيس، وهو مما يعد عليه به؛ لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين) (^٢).\nوقال البيهقي: (حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة، حديث المسح على الخفين) (^٣).\n٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في التيمم: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه سئل عن التيمم، فقال: إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فكانت السنة في القطع الكفين، إنما هو الوجه والكفان، يعني التيمم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب) (^٤).\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (١٢٩).\n(^٢) \"العلل\" (١٢٤٠).\n(^٣) \"معرفة السنن والآثار\" (٢٠٥٥، ٢٠٥٦)، وينظر: \"نصب الراية\" (١/ ١٨٤).\n(^٤) (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).","vol":"1","page":532},{"text":"قلت: هذا الحديث لا يصح، محمد بن خالد لا يُدْرى من هو، وداود قد تُكلم في روايته عن عكرمة، ويخشى أن هشيمًا لم يسمع من محمد بن خالد، فهذا الخبر لا يصح، والله تعالى أعلم.\n٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالا يؤذن ويدور، ويتبع فاه ها هنا، وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء، أراه قال: من أدم، فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها بالبطحاء، فصلى إليها رسول الله ﷺ، يمر بين يديه الكلب والحمار، وعليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بريق ساقيه قال سفيان: نراه حِبَرةً.\nقال أبو عيسى: حديث أبي جحيفة حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا الخبر -أي وضع الأصبعين في الأذنين- غير محفوظ، وقد أُنكر على عبد الرزاق، وقد نُقل تضعيفه عن الإمام أحمد، والبخاري، وابن خزيمة، ويضاف إليهم الدارمي فيما يظهر.\nقال ابن رجب: (ورواه عبد الرزاق، عن سفيان، ولفظ حديثه: عن أبي جحيفة، قال: رأيت بلالًا يؤذن ويدور، ويتتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء … وذكر بقية الحديث.\nخرّجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق.\nوخرّجه من طريقه الترمذي، وقال: حسن صحيح.\nوخرّجه البيهقي، وصححه أيضا.\n_________\n(^١) (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠).","vol":"1","page":533},{"text":"وهذا هو الذي علقه البخاري ها هنا بقوله: \"ويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه\".\nوقال البيهقي: لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة، وسفيان إنما روى هذه اللفظة في \"الجامع\" -رواية العدني عنه-، عن رجل لم يسمّه، عن عون.\nقال: وروي عن حماد بن سلمة، عن عون بن أبي جحيفة مرسلًا، لم يقل: \"عن أبيه\"، والله أعلم.\nقلت: وكذا روى وكيع في كتابه، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: أتينا النبي ﷺ، فقام بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه، يحرف رأسه يمينًا وشمالًا.\nوروى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة: أن بلالًا كان يجعل إصبعيه في أذنيه.\nفرواية وكيع، عن سفيان، تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه.\nولهذا لم يخرجها البخاري مسندة، ولم يخرجها مسلم أيضا، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها ﵁.\nوقد خرّج الحاكم من حديث إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن الثوري ومالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ نزل بالأبطح … فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، وذكر فيه الاستدارة، وإدخال الإصبعين في الأذنين.\nوقال: هو صحيح على شرطهما جميعًا.\nوليس كما قال؛ وإبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة، وقد ذمه الإمام أحمد ذمًا شديدًا، وضعفه النسائي وغيره.","vol":"1","page":534},{"text":"وخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ \"حي على الصلاة، حي على الفلاح\" لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر.\nوخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، فجعل إصبعيه في أذنيه.\nحجاج مدلس، قال ابن خزيمة: لا ندري هل سمعه من عون، أم لا.\nوقال البيهقي: يحتمل أن يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالًا، فيكون موافقًا لسائر الرواة. قال: وحجاج ليس بحجة.\nوخرّجه من طريق آخر عن حجاج، ولفظ حديثه: رأيت بلالًا يؤذن، وقد جعل إصبعيه في أذنيه، وهو يلتوي في أذانه يمينًا وشمالًا.\nوقد رُويت هذه الاستدارة من وجه آخر: من رواية محمد بن خليد الحنفي -وهو ضعيف جدًا-، عن عبد الواحد بن زياد، عنه، عن مسعر، عن علي بن الأقمر، عن عون، عن أبيه. ولا يصح أيضا.\nوخرّج ابن ماجه من حديث أولاد سعد القرظ، عن آبائهم، عن سعد، أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: \"إنه أرفع لصوتك\". وهو إسناد ضعيف؛ ضعفه ابن معين وغيره.\nوروي من وجوه أخَر مرسلة) (^١).\nوقال أيضًا: (قال أبو طالب: قلت لأحمد: يدخل إصبعيه في الأذن؟ قال: ليس هذا في الحديث. وهذا يدل على أن رواية عبد الرزاق، عن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٣٧٥ - ٣٧٨).","vol":"1","page":535},{"text":"سفيان، التي خرّجها في \"مسنده\" والترمذي في \"جامعه\" غير محفوظة) (^١).\nقلت: والدارمي أيضًا فيما يظهر من صنيعه يرى أن وع الأصبعين عند الأذان غير محفوظ، فقد قال في (باب الاستدارة في الأذان، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه ﵁، أنه رأى بلالا أذن، قال: فجعلت أتبع فاه ها هنا، وها هنا بالأذان.\nأخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا عباد، عن حجاج، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أن بلالا ركز العنزة، ثم أذن، ووضع أصبعيه في أذنيه، فرأيته يدور في أذانه.\nقال عبد الله: حديث الثوري أصح) (^٢).\nوأما حكم ذلك من الناحية الفقهية: ففيه تفصيل؛ إن كان قصده رفع الصوت، فهذا حسن، وقد جاء ما يدل عليه، وهو ما أخرجه مسلم من طريق داود، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: \"أي واد هذا؟ \" فقالوا: وادي الأزرق، فقال: \"كأني أنظر إلى موسى ﷺ -فذكر من لونه وشعره شيئا لم يحفظه داود- واضعا إصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارا بهذا الوادي\" قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال: \"أي ثنية هذه؟ \" قالوا: هرشى -أو لفت- فقال: \"كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، مارا بهذا الوادي ملبيا\" (^٣).\nوأخرج الجهضمي حديثًا لا بأس بإسناده: أن بلالًا أذّن، -والمقصود هنا مطلق المناداة وليس أذان الصلاة-، ووضع أصبعيه في أذنيه (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٣٨٣).\n(^٢) \"سنن الدارمي\" (٢/ ١٢) (١٢١٨، ١٢١٩).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٦٦).\n(^٤) \"تركة النبي ﷺ\" (ص: ٧٤).","vol":"1","page":536},{"text":"ومن المعلوم أن وضع الأصبعين في الأذنين يجعل المنادي يرفع صوته أكثر.\nوأما إذا لم يقصد ذلك، فلا يضع أصبعيه في أذنيه؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء.\nومما ينبغي التنبيه إليه، أن كثيرًا من المؤذنين يضع كفيه، أو أصابع كفيه على أذنيه، ويلتزم ذلك في أذانه، وهذا بدعة؛ لأنه لم يأت في ذلك خبر أصلًا (^١).\n٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر: (حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه\".\nوفي الباب عن عائشة.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه.\nوقد روي عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر في بيته اضطجع على يمينه.\nوقد رأى بعض أهل العلم أن يفعل هذا استحبابا) (^٢).\nقلت: تصحيح المصنف لهذا الحديث ثابتٌ، فقد نقله المزي في \"التحفة\" (^٣)، وهكذا أيضًا في \"تحفة الأحوذي\" (^٤)، والنسخة التي مع الشرح الطبعة الحجرية (^٥).\n_________\n(^١) وينظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٥/ ٣٨١).\n(^٢) (١/ ٥٢٦).\n(^٣) (٩/ ١٠٥).\n(^٤) (٢/ ٣٩٤).\n(^٥) (١/ ٣٢٣).","vol":"1","page":537},{"text":"كما صححه أيضًا ابن خزيمة (^١)، وحمل الأمر على الاستحباب، وصححه ابن حبان أيضًا (^٢)، وقال: (ذكر الأمر بالاضطجاع بعد ركعتي الفجر لمن أراد صلاة الغداة) ثم ساقه.\nوصححه ابن حزم (^٣)، وذهب إلى فرضية النوم قبل الصلاة بعد أداء الراتبة سواء أكانت فرضية أداءٍ أو قضاءٍ، وأن الصلاة لا تجوز إلا بذلك، وأما إذا لم يُصَل الراتبة فإنها تسقط، أي: الضجعة بعدها.\nوالصواب أن هذا الخبر معلولٌ، كما ذهب إلى هذا الإمام أحمد، والبيهقي، ونقل ابن القيم عن ابن تيمية أن هذا الخبر باطلٌ، وأن الصواب أنها من فعله لا من أمره (^٤).\nوأنا أذهب إلى هذا، وأن عبد الواحد قد أخطأ، وتفرد بهذا الخبر، وحديثه عن الأعمش متكلَّم فيه.\n٦ - وقال أيضا في باب في الوضوء يوم الجمعة: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وأنس، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث سمرة حديث حسن صحيح.\nقد روى بعض أصحاب قتادة هذا الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.\n_________\n(^١) \"الصحيح\" (١١٢٠).\n(^٢) \"الصحيح\" (٢٤٦٧).\n(^٣) \"المحلى\" (٢/ ١٩٦).\n(^٤) ينظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤٨٨٧) (٤٨٨٨)، \"التمهيد\" لابن عبد البر (٨/ ١٢٦)، \"زاد المعاد\" (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":538},{"text":"ورواه بعضهم، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسل مرسلا) (^١).\nقلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الحديث، ففي نسخة \"ب\"، و\"تحفة الأشراف\"، والنسخة التي عليها \"شرح العراقي\": (حسن). وأما باقي النسخ الخطية ففيها: (حسن صحيح)، قاله محققو طبعة الرسالة (^٢).\nقلت: وفي \"تحفة الأحوذي\" (^٣)، والنسخة الحجرية المطبوعة مع التحفة: (حسن) فقط.\nوأما الاختلاف على قتادة في وصل هذا الحديث وإرساله؛ فالصواب الوصل، فقد وصله: شعبة (^٤)، وأبو عوانة (^٥)، وهمام (^٦) عن قتادة، وهو الصحيح، ويؤكد ذلك رواية يونس بن عبيد عن الحسن عن سمرة (^٧)، فالصواب الوصل. وإلى هذا ذهب العقيلي، والدارقطني (^٨).\nوأما الذين أرسلوه، فهم: معمر، -كما أخرجه عبد الرزاق عنه- (^٩)، وأبان، -كما ذكره الدارقطني- (^١٠)، وسعيد بن أبي عروبة -في رواية\n_________\n(^١) (١/ ٥٦٨).\n(^٢) (٢/ ٤٩).\n(^٣) (٣/ ٦).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٠١٢٠)، والنسائي (١٣٩٦)، وصححه ابن خزيمة (١٧٥٧) من طريق يزيد بن زريع عن شعبة.\n(^٥) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦٨٢٠).\n(^٦) أخرجه أحمد (٢٠٠٨٩)، وأبو داود (٣٥٤).\n(^٧) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦٩٢٦).\n(^٨) \"الضعفاء\" للعقيلي (٢/ ١٦٦)، و\"علل الدارقطني\" (٦/ ١٤٥).\n(^٩) \"المصنف\" (٥٣٧٠).\n(^١٠) ينظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٤١١)، \"العلل الكبير\" للترمذي (١٤١).","vol":"1","page":539},{"text":"الخفاف (^١)، وأما في رواية يزيد بن زريع عنه فقد وصله (^٢) -.\nوقال أبو حاتم: (جميعا صحيحيْن؛ همام ثقة وصله، وأبان لم يوصله) (^٣).\nوأما الحكم على هذا الحديث: فالصواب أنه لا يصح، وذلك؛ لأن رواية الحسن عن سمرة، إنما هي صحيفة، وسمع بعض الأحاديث من سمرة، كحديث العقيقة. قال ابن حجر في \"فتح الباري\": (وله علتان: إحداهما: أنه من عنعنة الحسن، والأخرى: أنه اختلف عليه فيه) (^٤).\nقلت: أما الاختلاف فتبين أنه ليس بعلة، والصواب الوصل، فبقيت الأولى.\nتنبيه: جاء في بعض طرق هذا الحديث عن الحسن عن أنس، وعن جابر، والصواب ما تقدّم (^٥).\n٧ - وقال أيضا في باب التقصير في السفر: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، قال: سئل عمران بن حصين عن صلاة المسافر، فقال: حججت مع رسول الله ﷺ فصلى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلى ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثمان سنين فصلى ركعتين.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٤١١)، وينظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (١٤١).\n(^٢) ذكره الدارقطني في \"العلل\" (٦/ ١٤٥).\n(^٣) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٢/ ٥٤١).\n(^٤) (٢/ ٣٦٢).\n(^٥) ينظر: \"الضعفاء\" للعقيلي (٢/ ١٦٦)، \"العلل\" للدارقطني (٥/ ١٨٤).","vol":"1","page":540},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: وهذا لا يصح، ابن جدعان لا يحتج به.\n٨ - وقال أيضا في باب ما ذكر في الرخصة للجنب في الأكل والنوم إذا توضأ: (حدثنا هناد، قال: حدثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار: أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nهكذا في أكثر من نسخةٍ، وفي \"التحفة\" أيضًا (^٣).\nقلت: يحيى لم يلق عمارا، كما قاله الدارقطني (^٤)، فبينهما رجلٌ، كما قاله أبو داود (^٥)، بالإضافة إلى أن عطاء الخرساني متكلّمٌ فيه، هذا إضافة إلى غرابة هذا الحديث من هذا الوجه، وقد جاء نحوه من حديث عمر (^٦)، وحديث عائشة (^٧).\n٩ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان لحال رمضان: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد،\n_________\n(^١) (٢/ ٦).\n(^٢) (٢/ ٤٠).\n(^٣) (٧/ ١٦٩).\n(^٤) ينظر: \"سؤالات البرقاني للدارقطني\" (ص: ٦٢).\n(^٥) عقب إخراجه هذا الحديث في \"سننه\" (٢٢٥).\n(^٦) أخرج البخاري (٢٨٧) واللفظ له، ومسلم (٣٠٦) من حديث نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب، سأل رسول الله ﷺ أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: \"نعم إذا توضأ أحدكم، فليرقد وهو جنب\".\n(^٧) أخرج مسلم (٣٠٥) من حديث الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبا، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة، وأخرجه البخاري (٢٨٨) من حديث عروة عن عائشة وليس فيه ذكر الأكل.","vol":"1","page":541},{"text":"عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.\nومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مفطرا، فإذا بقي شيء من شعبان أخذ في الصوم لحال شهر رمضان.\nوقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ما يشبه قوله هذا، حيث قال النبي ﷺ: \"لا تقدموا شهر رمضان بصيام، إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم\".\nوقد دل في هذا الحديث أنما الكراهية على من يتعمد الصيام لحال رمضان) (^١).\nقلت: خولف أبو عيسى في تصحيحه لهذا الخبر، وقبل أن أنقل من خالفه، أنقل قول من وافقه على تصحيحه.\nفقد وافقه أبو جعفر الطحاوي (^٢)، وابن حبان (^٣)، والحاكم (^٤)، وابن عبد البر (^٥)، وابن حزم (^٦)، والجورقاني (^٧)، فظهر أنه لم يصححه أحد من الأئمة المتقدمين سوى أبي عيسى.\nوأما الذين ضعفوه وأعلوه:\nفعلى رأسهم عبد الرحمن بن مهدي، قال أبو داود: بعد أن روى هذا\n_________\n(^١) (٢/ ١١٢).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨٣).\n(^٣) \"الصحيح\" (٣٥٩٣) (٣٥٩٥).\n(^٤) \"المدخل إلى كتاب الإكليل\" (ص: ٩٤).\n(^٥) \"الاستذكار\" (٣/ ٣٧١).\n(^٦) \"المحلى\" (٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨).\n(^٧) \"الأباطيل\" (٤٨٩).","vol":"1","page":542},{"text":"الحديث: (وكان عبد الرحمن، لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده: أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال: عن النبي ﷺ خلافه، قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء، عن أبيه) (^١).\nومنهم: الإمام أحمد، فقال: هذا حديث منكر، كما في \"مسائل أبي داود\" (^٢)، وقال المروذي: (وذكرت له حديث زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان نصف شعبان فلا صوم\" فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه، فلم يحدثني به، وكان يتوقاه، ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ) (^٣).\nونقله حرب عن أحمد، كما في \"الفروسية\" لابن القيم (^٤)، وأحمد بن حفص السعدي، كما في \"الكامل\" لابن عدي (^٥).\nونقل الحافظ في \"الفتح\" (^٦) عن ابن معين أنه قال: (منكر)، وذلك لما جاء عند أبي عوانة في \"المستخرج\" (^٧): (حدثني جعفر بن محمد الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا، ومن كان عليه صوم من رمضان، فليسرد الصوم ولا يقطع\". قال جعفر: كان عبد الرحمن قاصًّا هنا، وحدَّث عنه زيد بن الحباب وبهز ابن أسد أيضًا. سمع عبد الرحمن هذه الأحاديث من العلاء مع روح بن\n_________\n(^١) \"السنن\" (٤/ ٢٦).\n(^٢) (ص ٣١٥).\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" رواية المروذى وغيره (٢٧٨).\n(^٤) (١٨٨)، وهو في \"مسائل حرب الكرماني\" (٣/ ١٢٥٠).\n(^٥) (٥/ ١٢٩).\n(^٦) (٤/ ١٢٩).\n(^٧) (٢٩١٦).","vol":"1","page":543},{"text":"القاسم، وحَدَث عنه حديث منكر، ثم ذكر جعفر هذا عن يحيى بن معين عن عفان).\nوقال ابن حجر: (وعن جعفر بن محمد الطيالسي، عن يحيى بن معين، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، كلهم عن العلاء، به. قال يحيى بن معين: هو منكر) (^١).\nوقال السخاوي: (وقال أبو عوانة: قال جعفر الطيالسي: قال يحيى ابن معين: هذا حديث منكر انتهى. فما أدري لأي معنى خرجه مع حكاية هذا لا سيما ومسلم لم يخرجه، ويحتمل أن يكون حمل المنكر هنا على الفرد المطلق فإن ذلك يقع كثيرًا في كلامهم ولا يقتضي ذلك ضعفا، ويحصل التوفيق بين كلامهم، كما قاله شيخنا بحمل المنكر على هذا، وأن من حَسَّنه نظر إلى حال العلاء فإنه صدوق، لكنه ليس في درجة المتقنين، وقد أخرج له مسلم كثيرًا من حديث، مما له فيه متابع، أو شاهد، ولم يخرج له هذا …) (^٢).\nويلاحظ أن ابن رجب في \"اللطائف\" (^٣) عند ذكر من ضعف هذا الخبر لم يذكر ابنَ معينٍ معهم؛ لأن الكلام الذي تقدم ليس بصريح عنه الصراحة التامة.\nوفي \"سؤالات ابن الجنيد\" قال: (ذكر يحيى بن معين وأنا أسمع حديث العلاء … فقال: رواه زهير بن محمد، وعبد الرحمن بن إبراهيم والزنجي، قلت ليحيى: والدراوردي؟ قال: الدراوردي ومحمد بن جعفر لا يرفعانه. قلت ليحيى: حدثنا غير واحد عن الدراوردي يرفعه) (^٤).\n_________\n(^١) \"إتحاف المهرة\" (١٥/ ٢٧٤).\n(^٢) \"الأجوبة المرضية\" (١/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٣) (ص: ١٣٥).\n(^٤) (ص ١٦٠، رقم ٥٧٨).","vol":"1","page":544},{"text":"فيلاحظ هنا أنه لم يحكم عليه بشيءٍ، وإنما ذكر اختلافًا بين أصحاب العلاء في وقفه ورفعه، ولكن قد رواه الأكثر بالرفع، والله تعالى أعلم.\nومنهم: أبو زرعة الرازي، وأبو بكر الأثرم، كما نقل ابن رجب في \"اللطائف\" (^١).\nوقال الخليلي: (العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة: مديني مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان\"، وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه، دون هذا، والشواذ) (^٢).\nوقال ابن رجب -بعد أن ذكر الحديث-: (وصححه الترمذي وغيره، واختلف العلماء في صحة هذا الحديث، ثم في العمل به.\nفأما تصحيحه فصححه غير واحد، منهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازي، والأثرم.\nوقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه، ورده بحديث: \"لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين\"، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.\nوقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان، ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين،\n_________\n(^١) (ص ١٣٥).\n(^٢) \"الإرشاد في معرفة علماء الحديث\" (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":545},{"text":"فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة) (^١).\nقلت: تبين أن علة هذا الخبر هي تفرد العلاء به، ويظهر أنه أخطأ فيه، ولا أعلم أنه أُنكر على العلاء سوى هذا الحديث، وهذه السلسلة مشهورة قد خرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة بها، وكذلك أبو عيسى قد صحح أكثرها (^٢).\n١٠ - وقال أيضا في باب ما جاء في عاشوراء أي يوم هو؟: (حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: حدثنا وكيع، عن حاجب بن عمر، عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، أي يوم أصومه؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح من يوم التاسع صائما، قال: قلت: أهكذا كان يصومه محمد ﷺ؟ قال: نعم.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم عاشر.\n_________\n(^١) \"لطائف المعارف\" (ص: ١٣٥).\n(^٢) أخرج الترمذي بهذه السلسلة ثمانية وعشرين حديثا، وهذا بيان حكمه عليها:\nحسن صحيح: (٥١، ٥٢)، (٢١٤)، (٣٧١)، (٤٩١)، (٧٥٠)، (١٣٧٠)، (١٤٣٩)، (١٦٣١)، (١٦٤٨)، (٢٠٥٩)، (٢١٠٨)، (٢١٦٠)، (٢٣٥٤)، (٢٤٩١)، (٢٥٩٩)، (٢٦٠١)، (٢٧٤٧) [وفي بعض النسخ و\"تحفة الأشراف\" (١٤٠٥٤): (حسن)]، (٢٨٨١)، (٣١٠٨)، (٣٨٧٢).\nصحيح: (٢٤٠٨)، (٢٤٢٧) [وفي بعض النسخ: (حسن صحيح)].\nحسن صحيح غريب: (٤١٥٣).\nحسن: (٣٢٠٢، ٣٢٠٣)، (٣٨٧٣).\nحسن غريب: (٤٩٣)، (٢٨٣٢).\nغريب في إسناده مقال: (٣٥٦٣ - ٣٥٦٥).\nلم يحكم عليه: (٣٤١٠، ٣٤١١).","vol":"1","page":546},{"text":"قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حسن صحيح) (^١).\nقلت: الإسناد الأول صحيحٌ، وأما الثاني فهو منقطعٌ ما بين الحسن وابن عباس، فهل تصحيح أبي عيسى للأول أم للثاني؟ كلاهما محتمل، وقد قال العراقي: (وأما قول الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، فإنه لم يوضح مراده أيّ حديثيْ ابن عباس أراده، وقد فهم أصحابُ \"الأطراف\" أنه أراد تصحيح حديثه الأول، فذكروا كلامه هذا عقب حديثه الأول …) (^٢).\n١١ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم: (حدثنا محمد بن رافع النيسابوري ومحمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم ابن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ قال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\".\nوفي الباب عن سعد، وعلي، وشداد بن أوس، وثوبان، وأسامة بن زيد، وعائشة، ومعقل بن يسار، -ويقال: معقل بن سنان-، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي موسى، وبلال.\nقال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح (^٣).\n_________\n(^١) (٢/ ١٢٠).\n(^٢) ينظر: \"عمدة القاري\" للعيني (١١/ ١١٧)، و\"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٣٨٣).\n(^٣) وكذا في ط. الرسالة (٢/ ٢٩٧)، وبشار وشاكر (٧٧٤)، و\"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٤٠٥)، وكذا في الطبعة الحجرية، والنسخة التي في أعلاها، و\"نصب الراية\" (٢/ ٤٧٣): (حسنٌ صحيحٌ).\nوفي \"مختصر الأحكام\" للطوسي (٣/ ٤٣٧)، و\"تحفة الأشراف\" للمزي (٣/ ٧٢)، و\"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (٣/ ٢٥١) فيما نقله عن ابن الجوزي: (حسنٌ). قلت: والأقرب ما جاء في \"تحفة الأشراف\" وغيرها من المصادر، وذلك؛ =","vol":"1","page":547},{"text":"وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج.\nوذكر عن علي بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان، وشداد بن أوس؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعا، حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس …\n... قال أبو عيسى: وأخبرني الحسن بن محمد الزعفراني، قال: قال الشافعي: قد روي عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" ولا أعلم واحدا من هذين الحديثين ثابتا، ولو توقى رجل الحجامة وهو صائم كان أحب إلي، وإن احتجم صائم لم أر ذلك أن يفطره.\nقال أبو عيسى: هكذا كان قول الشافعي ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة ولم ير بالحجامة بأسا، واحتج بأن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو محرم صائم) (^١).\nقال ابن حجر: (ونقل الترمذي أيضا عن البخاري أنه قال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد وثوبان، قلت: فكيف بما فيهما من الاختلاف؟ يعني عن أبي قلابة، قال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي قلابة عن\n_________\n= لأنه ذكره في كتابه \"العلل الكبير\" (ص: ١٢١) ونقل عن البخاري أنه قال: (غير محفوظ)، ونقل عن إسحاق بن منصور قوله: (غلط)، ثم شرح علة هذا الخبر. فكيف يصححه بعد كل هذا؟! اللهم إلا أن يقال إنه صححه في \"الجامع\" ثم رجع عن تصحيحه في كتابه \"العلل الكبير\"، ويؤيد هذا أنه اقتصر في كتابه \"الجامع\" على إيراد قول أحمد أنه (أصح شيء في هذا الباب)، ولكن الأقرب عدم تصحيحه، والله تعالى أعلم.\n(^١) (٢/ ١٣٠ - ١٣١).","vol":"1","page":548},{"text":"أبي الأشعث عن شداد روى الحديثين جميعا. يعني: فانتفى الاضطراب وتعين الجمع بذلك.\nوكذا قال عثمان الدارمي: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم من طريق ثوبان وشداد، قال: وسمعت أحمد يذكر ذلك.\nوقال المروذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت، فقال: هذا مجازفة.\nوقال ابن خزيمة: صح الحديثان جميعا، وكذا قال ابن حبان والحاكم، وأطنب النسائي في تخريج طرق هذا المتن وبيان الاختلاف فيه فأجاد وأفاد.\nوقال أحمد: أصح شيء في باب (أفطر الحاجم والمحجوم) حديث رافع بن خديج.\nقلت: يريد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع.\nلكن عارض أحمد يحيى بن معين في هذا، فقال: حديث رافع أضعفها. وقال البخاري: هو غير محفوظ. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هو عندي باطل. وقال الترمذي: سألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدثني به عن عبد الرزاق، وقال: هو غلط، قلت: ما علته؟ قال: روى هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد حديث: \"مهر البغي خبيث\"، وروى عن يحيى، عن أبي قلابة: أن أبا أسماء حدثه أن ثوبان أخبره به، فهذا هو المحفوظ عن يحيى، فكأنه دخل لمعمر حديث في حديث، والله أعلم) (^١).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٧).","vol":"1","page":549},{"text":"١٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في الرخصة في ذلك -أي الحجامة للصائم-: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن يزيد ابن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم فيما بين مكة والمدينة وهو محرم صائم.\nوفي الباب عن أبي سعيد، وجابر، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا الخبر لا يصح؛ لأن يزيد بن أبي زياد لا يحتج به، وأيضًا الحديث بهذا اللفظ لا يصح -وسيأتي شرح ذلك-، لذا عندما رواه النسائي من طريق شعبة عن يزيد، ثم رواه أيضًا من طريق شعبة عن الحكم (^٢)، كلاهما عن مقسم به، قال: (يزيد بن أبي زياد لا يحتج بحديثه، والحكم لم يسمعه من مقسم).\nقلت: ثم ساقه من طريق شريك عن خصيف عن مقسم به (^٣).\nقلت: وهذا فيه خصيف لا يحتج به، وشريكٌ أيضًا فيه بعض الكلام، والله تعالى أعلم.\n١٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون؟: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس\".\nقال أبو عيسى: سألت محمدا: قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟\n_________\n(^١) (٢/ ١٣٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣٤١١، ٣٤١٢).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٣٤١٣).","vol":"1","page":550},{"text":"قال: نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة.\nقال أبو عيسى: فهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^١).\nقلت: هذا الحديث أسانيده لا تخلو من كلامٍ؛ وأقواها طريق ابن المنكدر عن أبي هريرة، وهو لم يسمع منه.\nوفيه علة أخرى، وهي الاختلاف على ابن المنكدر: فقد رواه ابن علية وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب به موقوفًا (^٢).\nوخالفهم حماد بن زيد فرفعه (^٣).\nوهذا لعله من أيوب، وهو إمامٌ، ولكنه لورعه قد يوقف الحديث.\nويؤيد رواية حماد أن عبد الوارث (^٤)، وروح بن القاسم (^٥)، قد روياه عن ابن المنكدر مرفوعًا، والإسناد إليهما جيد، ويضاف إليهم معمر (^٦)؛ فيكون الراجح في هذا الخبر الرفع، ولكن تبقى العلة الأولى، وهي الانقطاع.\nوجاء من طريق آخر: أخرجه الترمذي (^٧) وغيره من حديث عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\n_________\n(^١) هكذا في ط. دار التأصيل (٢/ ١٤٤) والرسالة (٢/ ٣٢٢)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٧١٧): (حسن، صحيح، غريب من هذا الوجه)، وقال البغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ٢٤٧): (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه).\n(^٢) \"السنن\" للدارقطني (٢١٧٧)، ومن طريقه البيهقي (٨٢٠٦).\n(^٣) \"السنن\" للدارقطني (٢١٧٨، ٢٤٤٥).\n(^٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨٢٠٧).\n(^٥) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٢١٧٩) (٢٤٤٦)، ومن طريقه البيهقي (٨٢٠٧).\n(^٦) أخرجه الترمذي في \"العلل الكبير\" (٢١٩)، والدارقطني في \"السنن\" (٢٤٤٧).\n(^٧) \"الجامع\" (٧٠٦).","vol":"1","page":551},{"text":"وهذا الإسناد فيه عبد الله بن جعفر هو المخرمي، وهو ثقة، ولكن تُكلم في روايته عن عثمان، قال ابن حبان: (يعتبر حديثه من غير رواية المخرمي عنه) (^١).\nوعثمان الأخنسي متكلم فيه بعض الشيء، وفي سماعه من المقبري شيء، قال البخاري: (كنت أظن أن عثمان لم يسمع من المقبري) (^٢). فهل يقصد أنه قد تبين له خلاف ذلك؟ أو يريد تأكيد هذا الأمر وأنه لم يسمع منه؟ كلاهما محتملٌ، والسبب في ذلك أنه لم يذكر عنه سوى ما تقدم.\nقلت: وقد توبع الأخنسي، فقد رواه الدارقطني من طريق محمد بن عمر، قال: ثنا داود بن خالد وثابت بن قيس ومحمد بن مسلم، جميعًا عن المقبري به (^٣).\nولكن هذه المتابعة ليست بشيء؛ لأن محمد بن عمر هو الواقدي.\nوأما حديث عائشة، فطريق يحيى بن اليمان، عن معمر، عن ابن المنكدر، عن عائشة خطأ.\nوقد رواه الشافعي من طريق عروة، عن عائشة (^٤)، ولكن في إسناده ابن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروكٌ.\nورواه يزيد بن عياض بن جعدبة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة به (^٥)، ويزيد متروكٌ.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٧/ ٢٠٣).\n(^٢) \"العلل الكبير\" للترمذي (ص: ١٦١).\n(^٣) \"السنن\" (٢١٨٠).\n(^٤) \"الأم\" (٤٨٩).\n(^٥) أخرجه البغوي في \"الجعديات\" (٢٩٥٦)، ومن طريقه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٣٣١٥).","vol":"1","page":552},{"text":"ورواه البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن دينار، عن علي بن الأقمر، عن مسروق عن عائشة، موقوفًا عليها (^١).\nوهذا فيه أبو حنيفة، وهو لا يحتج به.\nفتبين مما تقدم أن تقوية هذا الخبر بمجموع طرقه فيها نظرٌ.\n١٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في الاعتكاف إذا خُرج منه: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين.\nهذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس بن مالك) (^٢).\nقلت: هذا الحديث قد تفرد به ابن أبي عدي، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه في \"المسند\" (^٣): (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس).\nومن طريق ابن أبي عدي أخرجه: ابن خزيمة (^٤)، وابن حبان (^٥)،\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٨٢٠٩).\n(^٢) هكذا في طبعة \"دار التأصيل\" (٢/ ١٤٤)، و\"الرسالة\" (٢/ ٣٢٢)، و\"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٤٣٣)، والنسخة التي معها في الأعلى (الطبعة الحجرية) (٢/ ٧١). وفي الطبعة التي حقق أولها أحمد شاكر -وهذا الحديث ليس منه- (٣/ ١٥٧)، و\"تحفة الأشراف\" (١/ ٣٩٢): (حسن صحيح غريب).\nوفي \"شرح السنة\" للبغوي (٦/ ٣٩٦): (هذا حديث صحيح غريب، من حديث أنس).\nفتبين مما تقدم أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث.\n(^٣) (١٢٠١٧).\n(^٤) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٢٢٦، ٢٢٢٧).\n(^٥) \"صحيح ابن حبان\" (٣٦٦٦، ٣٦٦٨) من طريق أحمد بن حنبل.","vol":"1","page":553},{"text":"والحاكم (^١)، والبيهقي (^٢)، والبغوي (^٣).\nوفي \"العلل\" للدارقطني أنه سئل عن حديث حميد، عن أنس كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين، فقال: (يرويه ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، وهذا يرويه حماد بن سلمة عن حميد عن أبي نضرة عن أبي سعيد) (^٤).\nقلت: وحماد بن سلمة أثبت في حميد من ابن أبي عدي، ولكن جاء عن حماد حديث آخر بنحو الحديث المتقدم: فروى عنه جمعٌ كبير من أصحابه على رأسهم ابن مهدي، وعفان، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم كلهم عن حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فاعتكف من العام المقبل عشرين ليلة.\nأخرجه أحمد (^٥) والنسائي في \"الكبرى\" (^٦) وابن ماجه (^٧) والطيالسي (^٨) وابن خزيمة (^٩) وابن حبان (^١٠)، وغيرهم، وقد ساق طرقه الضياء في \"المختارة\" (^١١).\nوهذا إما أن يكون حديثا آخر، وإما اختلافا على حماد، والثاني هو\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (١٦٠١).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٨٥٦٥).\n(^٣) \"شرح السنة\" (١٨٣٤) من طريق الترمذي.\n(^٤) (٦/ ٥٦).\n(^٥) \"المسند\" (٢١٢٧٧).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٣٥٢٩).\n(^٧) \"سنن ابن ماجه\" (١٧٧٠).\n(^٨) أخرجه في \"المسند\" الذي جمع له (٥٥٥).\n(^٩) \"الصحيح\" (٢٢٢٥).\n(^١٠) \"الصحيح\" (٣٦٦٧) وقال قبله: (ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به حميد الطويل).\n(^١١) (٤/ ٤٥ - ٤٨).","vol":"1","page":554},{"text":"الأقرب، ولكن الطريق التي ذكرها الدارقطني ليست موجودة في الكتب الستة، بل وليس فيها متن بهذا الإسناد، وقد روى أبو داود الطيالسي (^١)، وأحمد (^٢)، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: \"اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين\".\nوهذا ليس فيه ذكر للاعتكاف، ولكن من المعلوم أن أبا سعيد قد روى أن النبي ﷺ اعتكف في العشر الأول ثم الأوسط يطلب ليلة القدر، ثم قال ﷺ: \"إنها في العشر الأواخر\"، وقد جاء عنه من طرق بألفاظ متعددة، فهل مقصود الدارقطني هذا؟ فإن كان هو مقصوده، فتكون هذه الرواية أرجح الروايات؛ لأن حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح، جاء من طرق متعددة كما تقدم، في \"الصحيحين\"، والسنن، والمسانيد.\n١٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدم ضَعَفَة أهله، وقال: \"لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\".\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^٣).\nقلت: هذا حديث معلول، وقد بين علته البخاري، قال: (وقال معاذ بن معاذ: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: \"لا ترموا الجمرة، حتى تطلع الشمس\".\nوقال حفص: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا الحكم، عن مقسم، عن\n_________\n(^١) \"المسند\" الذي جمع له (٢٢٨٠).\n(^٢) \"المسند\" (١١٦٧٩).\n(^٣) (٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":555},{"text":"ابن عباس: وقف النبي ﷺ وردفه الفضل بعرفة ثم أفاض، فلم أره رافعة يدها عادية حتى أتى جمعا، قال أسامة: ثم أردفني، ووقف جمعا وردفه أسامة، ثم أفاض يبادر طلوع الشمس، فلم أرها رافعة يدها حتى أتى منى، قال: ونحن على حُمُرات لنا، فجعل يضرب أفخاذنا، ويقول: \"بنيّ، أفيضوا، ولا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\".\nوالمستفيض عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أردف أسامة، من عرفة إلى جمع.\nوكذلك قال أسامة: أردفني النبي ﷺ، فقلت: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، ثم أردف الفضل من جمع إلى منى، وقوله: \"بني\" كأنه قال لهؤلاء الذين معه.\nوحديث الحكم هذا عن مقسم مضطرب؛ لما وصفنا، ولا يُدرى الحكم سمع هذا من مقسم أم لا.\nوروى المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: قدم النبي ﷺ ضعفة أهله من جمع بليل، يوصي كل إنسان أن لا يرمي حتى تطلع الشمس.\nوقد بينه زهير بن حرب قال: حدثنا وهب -يعني ابن جرير-، قال: حدثني أبي، عن يونس الأيلي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى.\nورواه سفيان، عن سلمة، عن الحسن العرني، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لضَعَفة أهله: \"لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\"، ولم يسمع الحسن من ابن عباس.\nحدثنا محمد قال: حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة","vol":"1","page":556},{"text":"مولى ابن عباس، عن ابن عباس: بعثني النبي ﷺ مع أهله إلى منى يوم النحر، فرمينا الجمرة مع طلوع الفجر.\nحدثنا محمد قال: حدثني عياش قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين: أن النبي ﷺ أمر إحدى نسائه وهي سودة، أن تنفر من جمع ليلة جمع، فتأتي جمرة العقبة فترميها، فتصبح في منزلها. وكان عطاء يفعلها حتى مات.\nحدثنا محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء: أنها ارتحلت من جمع حين غاب القمر فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح، فقلت لها، فقالت: إن رسول الله ﷺ أذن للظعن.\nوكذلك حكى عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر قال: فمنهم من يقدم منى ليلا، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة.\nوكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ، وكذلك فعلت أم سلمة، وحديث هؤلاء أكثر في الرمي قبل طلوع الشمس وأصح) (^١).\n١٦ - وقال أيضا في باب ما جاء كيف ترمى الجمار: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: \"إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله\".\n_________\n(^١) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٢٠٠ - ٢٠٦).","vol":"1","page":557},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا حديثٌ معلولٌ؛ عبيد الله بن أبي زياد ليس بالقوي، وقد اختلف فيه، والصواب في هذا الحديث الوقف، قال البيهقي -بعد أن ذكر رواية عبيد الله-: (ورواه ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة فلم يرفعه، ورواه حسين المعلم، عن عطاء، عن عائشة فلم يرفعه) (^٢).\nقلت: ابن أبي مليكة ثقة ثبت عالم، فلا شك أن روايته مقدّمة على رواية عبيد الله بن أبي زياد، كيف وقد رواه ابن جريج -كما عند عبد الرزاق (^٣) -، وحبيب المعلم -كما في \"أخبار مكة\" للفاكهي (^٤) -، كلاهما عن عطاء، عن عائشة، موقوفًا عليها؟.\nهذا بالإضافة إلى رواية حسين المعلم التي ذكرها البيهقي.\nفالخبر إذًا موقوفٌ وليس بمرفوعٍ، وقد أشار إلى هذا البيهقي، كما تقدم.\nوقد جاء عن عبيد الله بن أبي زياد وقفه أيضًا كما في رواية ابن عيينة عنه. أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (^٥).\nوهذا يدل على اضطرابه في وقف هذا الخبر ورفعه، ولكن رواية الرفع هي الأصح عنه، لذا فقد يكون وقف هذا الخبر إنما هو من ابن عيينة وليس منه.\nوقد صحح المرفوع ابن الجارود، وابن خزيمة، والحاكم (^٦).\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٩).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٣٧).\n(^٣) \"المصنف\" (٩١٣٨).\n(^٤) (٢/ ٢٣٥) (١٤٢٣).\n(^٥) (١٦٠٣١).\n(^٦) \"المنتقى\" لابن الجارود (٤٥٧)، \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٧٣٨، ٢٨٨٢)، ٢٩٧٠)، \"المستدرك\" (١٦٨٥).","vol":"1","page":558},{"text":"١٧ - وقال أيضا في باب ما جاء متى تقطع التلبية في العمرة؟: (حدثنا هناد، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس -قال: يرفع الحديث-: إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر.\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح (^١» (^٢).\nقلت: هذا الحديث معلول، والصواب فيه الوقف، وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وأبو داود، والبيهقي.\nقال الشافعي: (روى ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لبى في عمرة حتى استلم الركن، ولكنا هبنا روايته؛ لأنا وجدنا حفّاظ المكيين يقفونه على ابن عباس) (^٣).\nوقال أبو داود: (رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام، عن عطاء، عن ابن عباس موقوفا) (^٤).\nقال البيهقي -عقب كلام الشافعي السابق-: (رفعه خطأ، وكان ابن أبي ليلى هذا كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرا، ضعفه أهل النقل مع كبر محله في الفقه، وقد روي عن المثنى بن الصباح، عن عطاء مرفوعا، وإسناده أضعف مما ذكرنا) (^٥).\n_________\n(^١) في بعض الطبعات: (حسن صحيح).\n(^٢) (٢/ ٢٠٧).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩٤١٢)، و\"معرفة السنن والآثار\" له (١٠٠١١، ١٠٠١٢).\n(^٤) عقب حديث رقم (١٨١٧).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٧٠)، وينظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١٠٠١٢) (١٠٠١٣).","vol":"1","page":559},{"text":"١٨ - وقال أيضا في باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا عمر بن علي، عن الحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: \"لا، وأن تعتمروا هو أفضل\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا خبر منكر لا يصح، وإنما هو موقوف، وحجاج هو ابن أرطاة، لا يحتج به، وهو موصوف بالتدليس.\nبل جاء عن جابر بإسناد قوي أنه قال: العمرة واجبة.\nملحوظة: لم يصحح أبو عيسى لحجاج بن أرطاة سوى هذا، وهناك حديث آخر ساقه من طريق حجاج، ثم ساقه بإسنادٍ آخر صحيح وقال: (حسن صحيح) (^٢)، فالظاهر أن هذا التصحيح إنما هو للإسناد الثاني، وقد خرّج أبو عيسى للحجاج نحوًا من (٢٥) حديثًا.\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ٢١٣).\n(^٢) ينظر: الحديثان (٧٣٠)، (٧٣١).","vol":"1","page":560},{"text":"الوجه الثالث والعشرون: قد يصحح أحاديث في أسانيدها ضعفٌ، وهذا لا ينافي ما تقدم تقريره، من أنه إذا صحح حديثا فالغالب أنه صحيح.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في دخول الكعبة: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ من عندي وهو قرير العين، طيب النفس، فرجع إليّ وهو حزين، فقلت له، فقال: \"إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: إسماعيل مختلف فيه، والأكثر على عدم الاحتجاج به، وقد يكون أبو عيسى ممن يرى قوته، والله تعالى أعلم.\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في تقبيل الميت: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم ابن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن النبي ﷺ قَبَّل عثمان ابن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، أو قال: عيناه تهراقان (^٢).\nوفي الباب عن ابن عباس، وجابر، وعائشة، قالوا: إن أبا بكر قَبَّل النبي ﷺ وهو ميت.\nقال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح) (^٣).\nقلت: عاصم بن عبيد الله الجمهور على تضعيفه، بل لم يقوه أحد من\n_________\n(^١) (٢/ ١٨٣).\n(^٢) في بعض النسخ: (تذرفان).\n(^٣) (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":561},{"text":"النقاد سوى العجلي، فقد قال عنه: لا بأس به (^١). وقد روى عنه مالك وشعبة والقطان.\nأما الجواب عن رواية مالك عنه؛ فأقول وبالله تعالى التوفيق: إنما روى عنه حديثًا واحدًا (^٢)، وقد أنكر -أي مالك- على شعبة تحديثه عن عاصم (^٣).\nوأما الجواب عن رواية شعبة عنه؛ فشعبة وإن كان روى عنه، ولكنه تكلم فيه.\nقال عفان: سمعت شعبة يقول: (كان عاصم بن عبيد الله، لو قيل له: من بنى مسجد البصرة؟ لقال: فلان عن فلان عن النبي ﷺ) (^٤).\nوأما رواية القطان عنه، فقد قال علي بن المديني: (ذكرنا عند يحيى ابن سعيد ضعف عاصم بن عبيد الله، فقال يحيى: هو عندي نحو ابن عقيل) (^٥).\nقلت: وقد جاء عن يحيى بن سعيد أنه كان لا يروي عن ابن عقيل، كما نقل ذلك علي بن المديني عنه (^٦)، ونقل عمرو بن علي عنه أنه كان\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٥٠٦).\n(^٢) قال النسائي: (لا نعلم مالكا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف، إلا عاصم بن عبيد الله، فإنه روى عنه حديثا …) \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٥٠٥).\n(^٣) جاء في ترجمة عاصم في \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٥٠٢): (قال المفضل بن غسان الغلابي، عن أبي سليمان التيمي، عن مالك: عجبت من شعبة هذا الذي ينتقي الرجال، وهو يحدث عن عاصم بن عبيد الله. وقال محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن أبيه، عن أبي سليمان قرة بن سليمان الجهضمي، قال لي مالك: شعبتكم يشدد في الرجال، وقد روى عن عاصم بن عبيد الله!).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٥٠٢).\n(^٥) \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٥٠٣).\n(^٦) قال علي بن المديني: ولم يرو عنه -أي: … يراجع هل الكلام في ترجمة =","vol":"1","page":562},{"text":"يروي عنه (^١).\nوأما أبو عيسى فيرى أنه ثقة أو مقارب، لذا صحح حديثه هذا وغيره من الأحاديث، ومن ذلك:\n٣ - قال في باب ما جاء في مهور النساء: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر، قالوا: حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت عبد الله بن عامر ابن ربيعة، عن أبيه، أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ: \"أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ \" قالت: نعم، قال: فأجازه.\nوفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وأبي سعيد، وأنس، وعائشة، وجابر، وأبي حدرد الأسلمي.\nقال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح) (^٢).\n٤ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة.\nهذا حديث حسن صحيح) (^٣).\n٥ - وقال أيضا في باب ما جاء في الشقاء والسعادة: (حدثنا بندار،\n_________\n= ابن عقيل- مالك بن أنس ولا يحيى بن سعيد القطان، قال يعقوب بن شيبة معقبا: وهذان -يعني مالكا وابن سعيد- ممن ينتقي الرجال) \"تاريخ دمشق\" (٣٢/ ٢٦١) وينظر: \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٨٠).\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٥٤).\n(^٢) (٢/ ٣١١ - ٣١٢).\n(^٣) (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢).","vol":"1","page":563},{"text":"قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث، عن أبيه، قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو مبتدأ، أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: \"فيما قد فرغ منه يا ابن الخطاب، وكل ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه يعمل للشقاء\".\nوفي الباب عن علي، وحذيفة بن أسيد، وأنس، وعمران بن حصين.\nوهذا حديث حسن صحيح) (^١).\n٦ - وقال أيضا: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، أنه استأذن النبي ﷺ في العمرة فقال: \"أي أخي، أشركنا في دعائك ولا تنسنا\".\nهذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nومما يؤكد ما سبق أنه قال في باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].\nقال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان.\n_________\n(^١) (٣/ ٢٥٦ - ٣٥٧).\n(^٢) (٤/ ٤١١ - ٤١٢).","vol":"1","page":564},{"text":"وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يُضعَّف في الحديث) (^١).\nوأخرجه أيضا في التفسير، باب ومن سورة البقرة، بهذا الإسناد، وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان أبي الربيع، عن عاصم بن عبيد الله، وأشعث يضعَّف في الحديث) (^٢).\nقلت: ضعّفه من أجل أشعث، لا عاصم، فهذا يدل على قوته عنده.\nنعم يوجد حديث لعاصم لم يصححه، فقال في باب ما جاء في السواك للصائم: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ -ما لا أحصي- يتسوك وهو صائم.\nوفي الباب عن عائشة.\nقال أبو عيسى: حديث عامر بن ربيعة حديث حسن) (^٣).\nقلت: إسناده صحيح جدا إلى عاصم، ومتنه مستقيم ليس فيه ما يستنكر، ومع ذلك لم يصححه، فلا أدري ما السبب في ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) (١/ ٤٨٣ - ٤٨٤).\n(^٢) (٤/ ٦١ - ٦٢).\n(^٣) (٢/ ١٠٥).","vol":"1","page":565},{"text":"الوجه الرابع والعشرون: تصحيح أبي عيسى لأحاديث في أسانيدها من ليس بالمشهور.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في حق السائل: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدته أم بجيد -وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ-، أنها قالت لرسول الله: إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئا أعطيه إياه، فقال لها رسول الله ﷺ: \"إن لم تجدي له شيئا تعطيه إياه إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه في يده\".\nوفي الباب عن علي، وحسين بن علي، وأبي هريرة، وأبي أمامة.\nقال أبو عيسى: حديث أم بجيد حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: عبد الرحمن بن بجيد ليس بالمشهور، وقد اختلف في صحبته، والصواب أنه لا صحبة له، وقد ذكره ابن حبان في التابعين من كتابه \"الثقات\" (^٢)، وقال ابن عبد البر: (وكان يذكَر بالعلم) (^٣).\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم الأحول (ح) وحدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر الضبي، عن النبي ﷺ قال: \"إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٤).\n_________\n(^١) (٢/ ٧١).\n(^٢) (٥/ ٨٥).\n(^٣) \"الاستيعاب\" (٢/ ٨٢٣).\n(^٤) (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":566},{"text":"قلت: الرباب ليست بالمشهورة، إلا أن ابن حبان ذكرها في \"الثقات\" (^١) كعادته، فهي إنما عُرفتْ بهذا الحديث، وما ذُكر أن لها أحاديث أخرى؛ كحديث: \"مع الغلام عقيقته … \" (^٢)، وحديث: \"الصدقة على ذي القرابة\" (^٣) = فهذه جُمَلٌ للحديث الذي معنا، فبعضهم ذكره كاملًا وبعضهم قطّعه، وقد ذكرها الذهبي ضمن المجهولات في كتابه \"الميزان\" (^٤)، وقال ابن حجر: مقبولة (^٥).\nولكن أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى، من تصحيح هذا الخبر، وذلك لاستقامته، ولكون الرباب من التابعين، واسم الستر والعدالة عليهم أكثر ممن أتى مِنْ بعدهم، وقد روت عن الرباب: حفصة بنت سيرين، وهي ثقةٌ مشهورةٌ، ولهذا وغيره صححه أبو عيسى، وابن خزيمة (^٦)، وابن حبان (^٧)، والحاكم (^٨)، وابن حزم (^٩) -لأنه احتج به، وهو لا يحتج بضعيفٍ عنده-، وأخرجه البغوي (^١٠) ونقل عن الترمذي أنه قال: صحيح، وأقره على ذلك، بل ولا أعرف أن أحدًا من الأئمة المتقدمين قد ضعّف هذا الخبر.\n٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في الطعام يُصنع لأهل الميت: (حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر، قال النبي ﷺ: \"اصنعوا لأهل جعفر طعاما، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم\".\n_________\n(^١) (٤/ ٢٤٤).\n(^٢) \"الجامع\" (١٦٠٤) (١٦٠٥).\n(^٣) \"الجامع\" (٦٦٣).\n(^٤) (٥/ ٣٢٠).\n(^٥) \"التقريب\" (ص: ٧٤٧).\n(^٦) \"الصحيح\" (٢٠٦٧).\n(^٧) \"الصحيح\" (٣٥١٨) (٣٥١٩).\n(^٨) \"المستدرك\" (١٥٧٥).\n(^٩) \"المحلى\" (٤/ ٤٥٥).\n(^١٠) \"شرح السنة\" (١٧٤٣).","vol":"1","page":567},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح …\nوجعفر بن خالد هو ابن سارة، وهو ثقة، روى عنه ابن جريج) (^١).\nقلت: هذا الخبر رجاله كلهم ثقات سوى خالد بن جعفر؛ فإنه ليس بالمشهور، ولكن حديثه مستقيم، لذا صححه المصنف، وأنا أذهب إلى ثبوت هذا الخبر، ولكن قد اختلفت النسخ في حكم الترمذي، ففي \"تحفة الأشراف\" (^٢): (حسن). وفي ط. بشار و\"تحفة الأحوذي\" (^٣): (هذا حديث حسن).\nوفي \"مختصر المنذري\" (^٤): (وقال الترمذي: حسن صحيح). وكذا في \"نسخة الرسالة\" (^٥): (حسن صحيح).\n٤ - وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: \"يا معشر التجار\"، فاستجابوا لرسول الله ﷺ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: \"إن التجار يبعثون يوم القيامة فجّارا، إلا من اتقى الله، وبر، وصدق\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nويقال: إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة أيضا) (^٦).\nقلت: الحديث أخرجه ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم (^٧).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٢) (٤/ ١٨٢).\n(^٣) (٤/ ٦٨).\n(^٤) (٢/ ٣٧٤).\n(^٥) (١٠١٩).\n(^٦) (٢/ ٣٧٣).\n(^٧) \"سنن ابن ماجه\" (٢١٤٦)، \"صحيح ابن حبان\" (٤١٤٩)، و\"المستدرك\" (٢١٦٩)، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).","vol":"1","page":568},{"text":"وإسماعيل لم يوثقه إلا ابن حبان، ولم يذكر راويا عنه إلا عبد الله بن عثمان بن خثيم، وأشار الذهبي إلى تصحيح الترمذي لحديثه في \"الميزان\"، فقال: (عن أبيه، عن جده حديث: \"إن التجار يبعثون فجّارا إلا من اتقى الله وبر\"، ما علمت روى عنه سوى عبد الله بن عثمان بن خثيم، ولكن صحح هذا الترمذي) (^١). وقال في \"الكاشف\": مقبول لم يترك (^٢).\nوقال ابن حجر في \"التقريب\": مقبول (^٣).\nوقال مغلطاي: (خرج الحاكم، وابن حبان، وابن البيع، والطوسي حديثه في \"صحيحهم\") (^٤).\nوأحيانا لا يصحح الترمذي لمن لم يكن مشهورا، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، والمسعودي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والعدوى، أجرب بعير فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟، والأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^٥).\n_________\n(^١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٣٤).\n(^٢) \"الكاشف\" (١/ ٢٤٨).\n(^٣) \"تقريب التهذيب\" (ص: ١٠٩).\n(^٤) \"إكمال تهذيب الكمال\" (٢/ ١٩٣).\n(^٥) (٢/ ٢٤٩).","vol":"1","page":569},{"text":"قلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات مشاهير سوى أبي الربيع؛ فإنه ليس بالمشهور، ولكن قد روى عنه ثلاثة: سماك بن حرب، ويزيد بن أبي زياد، بالإضافة إلى علقمة بن مرثد.\nوقال عنه أبو حاتم: صالح الحديث (^١)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٢). ولعدم شهرته قال عنه ابن حجر: مقبول (^٣)، فلعله لأجل عدم شهرة أبي الربيع لم يصحح أبو عيسى الحديث.\n٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا محمد بن عمار قال: حدثني أسيد بن أبي أسيد، أن موسى بن أبي موسى الأشعري، أخبره، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، قال: \"ما من ميت يموت فيقوم باكيهم، فيقول: واجبلاه، واسنداه، واسيداه، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟ \"\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^٤).\nقلت: هذا أيضًا لم يصححه لأن فيه موسى بن أبي موسى، وهو ليس بالمشهور، وأما أَسيد بن أبي أَسيد، فلعله صالح الحديث.\n* * *\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٣٧٠).\n(^٢) (٥/ ٥٨٢).\n(^٣) \"التقريب\" (ص: ٦٣٩).\n(^٤) (٢/ ٢٥٠).","vol":"1","page":570},{"text":"الوجه الخامس والعشرون: أنه أحيانا يصحح الخبر وإن كان في إسناده ضعف، وذلك لوجود قرائن تدل على صحته: فإما أن يكون في إسناده من هو سيء الحفظ فدلت القرائن على أنه حفظ، أو من هو مختلط فدلت القرائن على أنه ضبط الخبر، أو من هو مدلس فدلت القرائن على أن هذا مما سمعه ولم يدلسه.\nوالحفاظ قد يعلون الخبر بشخص معين في الإسناد، ويكون هناك غيره ممن هو متكلم فيه يسكتون عنه؛ وذلك لأنهم علموا بالقرائن أن العلة من هذا الراوي دون غيره، وغير ذلك.\nوهذه القاعدة قاعدة مهمة جدا، سار عليها المتقدمون، بخلاف المتأخرين الذين ينظرون إلى ظاهر الإسناد دون القرائن، وبالتالي يرون أن في تصحيح بعض الأئمة لهذا الخبر تساهلا منهم، وأنهم لم يحسنوا تطبيق القواعد الحديثية، بينما الصواب هو العكس.\nومن الأمثلة على ذلك في \"جامع أبي عيسى\": أحاديث قتادة عن أنس، أو حميد عن أنس، أو أبي الزبير عن جابر، وغيرها، فإنه لم يردَّ خبرا منها بعنعنة من ذكر.\nأو أحاديث عطاء بن السائب، فأحيانا يصححها حتى ولو كانت ممن روى عنه بعد الاختلاط، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا أبو رجاء، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: \"البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه\".\nهذا حديث حسن صحيح، إنما يعرف من حديث عطاء بن السائب، وقد رواه شعبة والثوري عن عطاء بن السائب) (^١).\n_________\n(^١) (٣/ ٩٦).","vol":"1","page":571},{"text":"قلت: فهذا الحديث صححه أبو عيسى -وهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سَمع منه بعد التغير-؛ لأن القرائن دلت على أن عطاء قد حفظه، بدليل رواية شعبة والثوري، وهما ممن سمع منه قديما.\n٢ - وقال أيضا: (حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان، قال: رأيت ابن عمر يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت، لقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، ولئن مشيت، لقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وأنا شيخ كبير.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى سعيد بن جبير، عن ابن عمر نحو هذا) (^١).\nقلت: وهذا مثل الذي تقدم؛ فابن فضيل وإن كان سمع من عطاء قبل التغير، ولكن هذا الحديث مما استقام من حديث عطاء، بدليل مجيئه من وجه آخر، وهو طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر.\n٣ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس بن مالك) (^٢).\nقلت: هذا الحديث تفرد به ابن أبي عدي بهذا الإسناد، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه من طريقه: (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي عن حميد، عن أنس) (^٣).\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٩).\n(^٢) (٢/ ١٤٤).\n(^٣) \"المسند\" (١٢٠١٧).","vol":"1","page":572},{"text":"والحديث صححه ابن خزيمة (^١)، وابن حبان (^٢)، والحاكم (^٣)، وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (^٤) من طريق الترمذي، وقال: (هذا حديث صحيح غريب).\nولا أدري هل هذا من كلامه أم من كلام أبي عيسى، والأقرب الثاني.\nولم أقف على تصريح لحميد بسماعه من أنس، ولكن يكفينا تتابع هؤلاء الأئمة على تصحيحه، مع أنه قد اختلف على حميد فيه، ينظر: \"العلل\" للدارقطني (^٥).\nوالأمثلة على هذا كثيرة.\nلذا قال وكيع فيما رواه أبو داود: (كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحا طرحناه) (^٦).\nوهذه طريقة الحفاظ الكبار أمثال وكيع.\nوقريب من هذا: أن يكون في الإسناد انقطاع، ومع ذلك يتساهلون فيه؛ لأن القرائن دلت على أنه غير مؤثر، أو أن تأثيره ليس كبيرا.\nقال يعقوب بن شيبة: (إنما استجاز أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر) (^٧).\nومنه أيضا: عندما يقع إبهام في الإسناد، ولكن تدل القرائن على أن هذا لا يضر:\n_________\n(^١) \"الصحيح\" (٢٢٢٦، ٢٢٢٧).\n(^٢) \"الصحيح\" (٣٦٦٦، ٣٦٦٨) من طريق أحمد بن حنبل.\n(^٣) \"المستدرك\" (١٦٠١).\n(^٤) (١٨٣٤).\n(^٥) (٦/ ٥٦)، وقد سبق الكلام على هذا الحديث في المثال (١٤) من الوجه (٢٢).\n(^٦) \"تهذيب الكمال\" (١١/ ١٠).\n(^٧) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":573},{"text":"قال البخاري: (حدثنا علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب ابن غرقدة، قال: سمعت الحي يحدثون، عن عروة: أن النبي ﷺ أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه، قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال: سمعه شبيب من عروة فأتيته، فقال شبيب إني لم أسمعه من عروة، قال سمعت الحي يخبرونه عنه …) (^١).\nقال ابن حجر: (وزعم ابن القطان أن البخاري لم يرد بسياق هذا الحديث إلا حديث الخيل، ولم يرد حديث الشاة، وبالغ في الرد على من زعم أن البخاري أخرج حديث الشاة محتجا به؛ لأنه ليس على شرطه؛ لإبهام الواسطة فيه بين شبيب وعروة، وهو كما قال، لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجه ولا ما يحطه عن شرطه؛ لأن الحي يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ويضاف إلى ذلك ورود الحديث من الطريق التي هي الشاهد لصحة الحديث، ولأن المقصود منه الذي يدخل في علامات النبوة دعاء النبي ﷺ لعروة فاستجيب له حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه. وأما مسألة بيع الفضولي فلم يُردْها؛ إذ لو أرادها لأوردها في البيوع، كذا قرره المنذري وفيه نظر؛ لأنه لم يطرد له في ذلك عمل، فقد يكون الحديث على شرطه ويعارضه عنده ما هو أولى بالعمل به من حديث آخر، فلا يخرّج ذلك الحديث في بابه ويخرّجه في باب آخر أخفى لينبه بذلك على أنه صحيح، إلا أن ما دل ظاهره عليه غير معمول به عنده، والله أعلم) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) \"الصحيح\" (٣٦٤٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٣٥).","vol":"1","page":574},{"text":"الوجه السادس والعشرون: أنه قد يصحح الحديث وإن كان فيه ضعف، ويكون مقصوده أصل الحديث.\nومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب ما جاء في فضل الصدقة: (حدثنا أبو كريب محمد ابن العلاء، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عباد بن منصور، قال: حدثنا القاسم بن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] \".\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح (^١).\nوقد روي عن عائشة، عن النبي ﷺ نحو هذا) (^٢).\nقلت: هذا الحديث أخرجه أحمد (^٣)، والبزار (^٤)، وابن خزيمة (^٥)، والحاكم (^٦) من طريق أيوب، عن القاسم، عن أبي هريرة.\nقال البزار عقبه: (وهذا الحديث قد رواه بعض أصحاب عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن رجل، عن القاسم، عن أبي هريرة فيرون أن أيوب سمعه من عباد بن منصور، وقد أسنده عبد الواحد بن صبرة، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة).\n_________\n(^١) في بعض النسخ و\"تحفة الأشراف\" (١٠/ ٢٩٥): (حسن صحيح).\n(^٢) (٢/ ٧٠).\n(^٣) \"المسند\" (٧٦٣٤).\n(^٤) \"المسند\" (٨٠٦١).\n(^٥) \"الصحيح\" (٢٤٢٦).\n(^٦) \"المستدرك\" (٣٢٨٣) من طريق أحمد بن حنبل.","vol":"1","page":575},{"text":"قلت: ولم أقف على من رواه عن عبد الرزاق هكذا، ولم يبين البزار من هو.\nوأخرجه ابن خزيمة (^١) من طريق هشام، والبزار (^٢) من طريق عبد الواحد بن صبرة، كلاهما عن القاسم بن محمد به نحوه.\nقلت: وقد روي عن القاسم على وجه آخر، فرواه أحمد (^٣)، وابن حبان (^٤)، من طريق عبد الصمد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن القاسم بن محمد عن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله حتى يكون مثل أحد\".\nوأخرجه الطبراني قال: (حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي قال: نا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يقبل الصدقة، ويربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله\".\nقال: (لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا أبو أويس، تفرد به: ابنه إسماعيل) (^٥).\nقلت: تبين مما تقدم أن هذا الخبر صحيحٌ من حديث القاسم عن أبي هريرة، سوى قوله: \"وتصديق ذلك في كتاب الله … \" الخ؛ فإن عباد بن منصور تفرد به، وهو لا يحتج به؛ تكلم فيه جمهور النقاد، ولعل الترمذي عندما صحّحه قصد أصل الحديث.\n_________\n(^١) \"الصحيح\" (٢٤٢٧).\n(^٢) \"المسند\" (٨٠٦٢).\n(^٣) \"المسند\" (٢٦١٣٥).\n(^٤) \"الصحيح\" (٣٣٢٠).\n(^٥) \"المعجم الأوسط\" (٤٢٢٨).","vol":"1","page":576},{"text":"وأما طريق عائشة من رواية القاسم، فالذي يظهر أنه خطأ، وذلك؛ لأن أيوب وهشام وعبد الواحد بن صبرة وعباد، رووه عنه، عن أبي هريرة، فطريق عبد الصمد عن حماد بن سلمة عن ثابت خالفت رواية الجماعة، وقد يكون الخطأ من عبد الصمد، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"1","page":577},{"text":"الوجه السابع والعشرون: أنه في حكمه على الحديث -في الأصل- يحكم عليه سندا ومتنا، ولكن في بعض الأحيان يحكم عليه من حيث الإسناد فقط، وفي أحيان أخرى يحكم على المتن دون إسناد بعينه وإنما بمجموع طرقه.\nأما الأول فهذا هو الأصل في أحكامه.\nوأما الثاني -وهو الحكم على الإسناد فقط- فمثاله:\n١ - قال ﵀: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة ابن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.\nقال أبو عيسى: حديث أنس حسن غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس …\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: قوله: (حديث أنس حديث غريب)، وفي بعض النسخ: (حسن غريب)، هذا حكم على هذا الإسناد بعينه دون المتن، لأنه قد صحح هذا المتن بالطريق الأخرى المشهورة، وهي رواية عمرو بن عامر.\n_________\n(^١) (١/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"1","page":578},{"text":"٢ - وقال ﵀: (حدثنا محمود، قال: حدثنا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد، وأبو نعيم، قالوا: حدثنا سفيان، عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة\".\nقال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن.\nوقد رواه أبو إسحاق الهمداني، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس، عن النبي ﷺ مثل هذا) (^١).\nقلت: قوله حديث حسن إنما هو حكم على طريق زيد العمي … بخصوصها، دون متن هذا الخبر، لأن متنه صحيح، فقد رواه أبو إسحاق عن بريد عن أنس، لذا قال في موضع آخر من كتابه الجامع: (وهذا أصح) (^٢).\nوالأمثلة على هذا كثيرة.\nقلت: إذا علم هذا، فإن فيه فائدة كبيرة في تلمس منهج أبي عيسى، وتزول بذلك بعض الإشكالات في عدم تصحيحه لأحاديث هي صحيحة؛ بسبب أنه ساقها من طريق فيه بعض الكلام، ولم يذكر الطرق الأخرى للحديث، فحكم على الطريق الذي ساقه، لا على جميع طرق الحديث؛ وبالتالي لا يقال: إن الترمذي خفيت عليه الطرق الصحيحة لهذا الحديث.\nومن الأمثلة على ذلك:\nقوله: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ: \"يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة، فصلّ\n_________\n(^١) (١/ ٤٠٩).\n(^٢) (٤/ ٤٢٦) (٣٩٣٠).","vol":"1","page":579},{"text":"الصلاة لوقتها، فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك\".\nوفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت.\nقال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن) (^١).\nقلت: وهذا الحديث صحيح، فقد أخرجه مسلم من طريق حماد بن زيد وشعبة، بالإضافة إلى طريق جعفر بن سليمان، كلهم عن أبي عمران الجوني به، كما أنه أخرجه من حديث أبي العالية البراء، عن عبد الله بن الصامت به، وأخرجه أيضا من طريق شعبة، عن أبي نعامة، عن عبد الله بن الصامت بها (^٢)، فتبين أن هذا الحديث لا غبار على صحته، وبهذا زال الإشكال في عدم تصحيح أبي عيسى له، وأنه قصد طريق جعفر بن سليمان لا جميع طرقه، وجعفر من المعلوم أن فيه بعض الكلام.\nوأما الثالث -وهو حكمه على المتن دون الإسناد أحيانا- فمن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\".\nقال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ.\nوحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٦٤٨).","vol":"1","page":580},{"text":"النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة، إنما صح لأنه قد روي من غير وجه) (^١).\nقلت: يلاحظ أنه صحح متن هذا الخبر بمجموع الطرق، لا بطريق بعينها، والأمثلة على هذا متعددة.\nوقال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثني رسول الله ﷺ في ثقل من جمع بليل …\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس بعثني رسول الله ﷺ في ثقلٍ من جمع بليل حديث صحيح، روي عنه من غير وجه.\nوروى شعبة هذا الحديث، عن مشاش، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله من جمع بليل …\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله، وقال: \"لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\".\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.\nوالعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بأسا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إلى منى.\nوقال أكثر أهل العلم بحديث النبي ﷺ: أنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النبي ﷺ، وهو قول الثوري، والشافعي) (^٢).\n_________\n(^١) (١/ ٢٩٠).\n(^٢) (١/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"1","page":581},{"text":"قلت: سياق المسعودي، عن الحكم، عن مقسم … لا يصح، بل هو معلول، والصواب أنه يجوز للضّعفة أن يرموا الجمرة حتى ولو لم تطلع الشمس، وهذه هي الفائدة من تعجلهم، وليس هذا موضع ذكر الأدلة على ذلك، لذا أعلّ الإمام البخاري هذا الحديث، ورده من جميع طرقه.\nوأما الجواب عن تصحيح أبي عيسى: فأظنه يقصد أن أصله صحيح، بدليل قوله: (حديث ابن عباس بعثني رسول الله ﷺ في ثقلٍ حديث صحيح، روي عنه من غير وجه)، وإن كان قد قال: (وقال أكثر أهل العلم بحديث النبي ﷺ أنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس …)، فكلامه هذا قد يفيد أنه صححه لذات هذا الإسناد، ولكن قد يقال: إن تعدد طرق هذا الحديث جعلته يتساهل بعض الشيء في التصحيح، والله أعلم.\nوبهذا قد يجاب عن تصحيحه لبعض الأحاديث التي في صحة بعض ألفاظها نظر، وتكون صحيحة من حيث الأصل، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"1","page":582},{"text":"الوجه الثامن والعشرون: أنه كان معتنيًا بالاتصال والانقطاع، ولكنه ليس مثل البخاري، فقد يصحح في بعض الأحيان أسانيد الراجحُ فيها الانقطاع.\nومن الأمثلة على اعتنائه بذلك:\n١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الخروج إلى منى والمقام بها: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ صلّى بمنى الظهر والفجر، ثم غدا إلى عرفات.\nوفي الباب عن عبد الله بن الزبير، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث مقسم، عن ابن عباس، قال علي بن المديني: قال يحيى: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث، وعدها، وليس هذا الحديث فيما عد شعبة) (^١).\nقلت: هذا الحديث لم يصحّحه، وذلك لأن الأصل في رواية الحكم عن مقسم الانقطاع، فهو لم يسمع منه إلا خمسة أحاديث، وهذا ليس منها.\nوقد أخرج بهذا الإسناد تسعة أحاديث غير الحديث الذي تقدم، ولم يصحح منها سوى حديثين، ولعلهما من الأحاديث التي سمعها الحكم من مقسم، وأما الباقي فقد أشار في بعضها إلى الانقطاع ما بين الحكم ومقسم، وبعضها حسنها وهي أربعة أحاديث كما في \"التحفة\"، وأحدها قال: (ليس إسناده بذاك القوي، إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث) (^٢)، وآخر قال عنه: (غريب) (^٣).\n_________\n(^١) (٢/ ١٨٦).\n(^٢) \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٧٠٩).\n(^٣) \"تحفة الأشراف\" (٦٤٧٥).","vol":"1","page":583},{"text":"٢ - وقال أيضا في باب ما جاء في صوم الدهر: (حدثنا قتيبة وأحمد ابن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة قال: قيل: يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: \"لا صام ولا أفطر\"، أو \"لم يصم ولم يفطر\".\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الشخير، وعمران بن حصين، وأبي موسى.\nقال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن) (^١).\nقلت: هذا الحديث رجاله كلهم ثقات، ومع ذلك قد توقف أبو عيسى في تصحيحه، مع أن مسلمًا قد خرّجه في كتابه \"الصحيح\" (^٢)، ولم ينتقده الدارقطني، وصححه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان (^٣).\nوقال النسائي: (هذا أجود حديث عندي في هذا الباب) (^٤).\nورواه أبو داود وسكت عنه (^٥)، والبيهقي أيضًا أخرجه (^٦) وعزاه إلى مسلم ولم يتعقبه بشيء، وصححه البغوي، قال: (هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم) (^٧).\nوأخرجه الحاكم وقال: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما احتج مسلم بحديث شعبة عن قتادة بهذا الإسناد: صوم يوم عرفة يكفر السنة وما قبلها) (^٨).\n_________\n(^١) (٢/ ١٢٧).\n(^٢) (١١٦٢).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٠٨٧، ٢١١١، ٢١١٧، ٢١٢٦)، \"صحيح ابن حبان\"، (٣٦٣٥، ٣٦٣٦).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢١٨).\n(^٥) \"السنن\" (٢٤٢٥).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٨٣٨٠؛ ٨٣٩٩).\n(^٧) \"شرح السنة\" (١٧٨٩).\n(^٨) \"المستدرك\" (٢/ ٦٥٨)، رقم (٤١٧٩).","vol":"1","page":584},{"text":"ويظهر لي أن توقف أبي عيسى في تصحيحه من أجل الشك في سماع عبد الله بن معبد الزماني من أبي قتادة الأنصاري، فقد قال البخاري: (ولا نعرف سماعه من أبي قتادة) (^١).\n٣ - وقال أيضا في باب ما جاء في طواف الزيارة بالليل: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن ابن عباس وعائشة، أن النبي ﷺ أخر طواف الزيارة إلى الليل.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^٢).\nقلت: لم يصححه -فيما يظهر لي- من أجل الانقطاع والغرابة، أما الانقطاع فقد ذكر البخاري أن في سماع أبي الزبير من عائشة نظر (^٣)، وأما سماعه من ابن عباس فقد اختلف فيه: فأثبته البخاري (^٤)، وأما أبو حاتم فقال: رآه رؤيةً (^٥). وهذا يعني أنه لم يسمع -أو لم يثبت سماعه- منه.\nوأما الغرابة فهي في المتن، فهذا الحديث فردٌ في ذلك.\n٤ - وقال أيضا في باب ما جاء في عمرة رجب: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٩٨)، وللحديث طريق أخرى ووقع فيه اختلاف. ينظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، و\"التمهيد\" (٧/ ٢١٠).\n(^٢) (٢/ ٢٠٨).\n(^٣) أخرج الترمذي هذا الحديث في \"العلل الكبير\" (٢٣٠) وقال بعده: (سألت محمدا عن هذا الحديث وقلت له: أبو الزبير سمع من عائشة وابن عباس؟ قال: أما ابن عباس فنعم، وإن في سماعه من عائشة نظرا).\n(^٤) ينظر: الحاشية السابقة.\n(^٥) قال ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" (ص: ١٩٣): (سمعت أبي يقول: أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية، ولم يسمع من عائشة).","vol":"1","page":585},{"text":"حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، قال: سئل ابن عمر: في أي شهر اعتمر رسول الله ﷺ؟ فقال: في رجب، قال: فقالت عائشة: ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه -تعني ابن عمر- وما اعتمر في شهر رجب قط.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب.\nسمعت محمدا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير.\nحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا شيبان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ اعتمر أربعا إحداهن في رجب.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح (^١) (^٢).\nقلت: يلاحظ أنه أعلّ الإسناد الأول بالانقطاع.\n٥ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"المؤمن يموت بعرق الجبين\".\nوفي الباب عن ابن مسعود.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعا من عبد الله بن بريدة) (^٣).\nقلت: ولهذا توقف في تصحيحه.\n_________\n(^١) وكذا في ط. الرسالة، وفي طبعة بشار وشاكر و\"تحفة الأشراف\" (٥/ ٢٢٧): (حسن صحيح غريب).\n(^٢) (٢/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٣) (٢/ ٢٩٣ - ٢٤٠).","vol":"1","page":586},{"text":"ومع ما تقدم من اعتنائه بهذه القضية، إلا أنه صحح بعض الأحاديث التي يكون الراجح فيها الانقطاع، ومن الأمثلة على ذلك:\nقال ﵀ في باب ما جاء في فضل من فطر صائما: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: \"من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا التصحيح فيه نظرٌ، قال ابن المديني: عطاء لم يسمع من زيد بن خالد (^٢).\nوقال أيضا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن عامر الشعبي، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: \"بسم الله، توكلت على الله، اللهم إنا نعوذ بك من أن نَزِلَّ، أو نَضِلَّ، أو نَظْلِمَ، أو نُظْلَمَ، أو نَجْهَلَ، أو يُجْهَلَ علينا\".\nهذا حديث حسن صحيح) (^٣).\nقلت: هذا الإسناد فيه انقطاع، قال ابن المديني: (لم يسمع -أي الشعبي- من زيد بن ثابت، ولم يلق أبا سعيد الخدري ولا أم سلمة) (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ١٤٧).\n(^٢) \"العلل\" لابن المديني (ص: ٦٦).\n(^٣) (٤/ ٣٤٤).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٦٥).","vol":"1","page":587},{"text":"الوجه التاسع والعشرون: أخبار وأحاديث ذكرها أبو عيسى الترمذي، فيها إشكال أو خطأ، وقد يكون ذلك منه.\nومن ذلك:\n١ - قال رحمه الله تعالى في باب ما جاء في الرخصة في ذلك -يعني الحجامة للصائم-: (حدثنا بشر بن هلال البصري، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم صائم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nهكذا روى وهيب نحو رواية عبد الوارث، وروى إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا، ولم يذكر فيه عن ابن عباس) (^١).\nقلت: في لفظ هذا الخبر إشكالٌ، وذلك أن النسائي قد رواه بنفس الإسناد عن بشر بن هلال به، بلفظ: احتجم وهو صائم (^٢)، وهذا ما جاء في روايات هذا الخبر من طرق كثيرة عن أيوب عن عكرمة، إما باللفظ السابق: احتجم وهو صائم، أو بلفظ: احتجم وهو محرم، أو بالجمع بينهما: احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم (^٣).\nوهذا يفيد أنه ﵊ احتجم وهو صائم، واحتجم مرة أخرى وهو محرم.\nأما رواية أبي عيسى، فتفيد أن هذا حصل في نفس الوقت، فاحتجم وهو محرمٌ وصائم أيضًا، وهذا غير صحيح، كما يتبين من طرق هذا\n_________\n(^١) (٢/ ١٣٢).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣٤٠٢)، وكذا هو عند البخاري (١٩٣٩) من طريق عبد الوارث عن أيوب.\n(^٣) ينظر: \"صحيح البخاري\" (١٩٣٨).","vol":"1","page":588},{"text":"الحديث وألفاظه، وإنما جاء ذلك في طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس، وفي طريق مقسم عنه، وهو لا يصح أيضًا من هذين الطريقيْن.\nويظهر لي أن أبا عيسى اختصر هذا الحديث، فأخطأ في الجمع بين اللفظين، والدليل على ذلك: أن النسائي رواه عن شيخ الترمذي نفسه ولم يذكر ما ذكره أبو عيسى كما تقدم، والله تعالى أعلم.\nولفظ: \"احتجم وهو محرم صائم\" قد ضعّفه الإمام أحمد، واستوفى أبو عبد الرحمن النسائي طرق هذا الحديث مع بيان ألفاظه وما وقع فيه من الاختلاف، مع بيان المحفوظ من هذه الطرق والمعلول، وإليك ما ساقه في كتابه \"السنن الكبرى\" -مكتفيا به- قال ﵀:\n(ذكر اختلاف الناقلين لخبر عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.\nأخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا أبن وهب، قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن الحسن بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.\nأخبرني أبو بكر بن علي، قال: حدثنا سريج، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم بمكان يقال له: لحي جمل، وهو صائم.\nأخبرنا بشر بن هلال، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم.\nأخبرنا محمد بن معمر، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.\nأخبرنا قطن بن إبراهيم النيسابوري، قال: حدثنا الحسين بن الوليد،","vol":"1","page":589},{"text":"قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم، واحتجم وهو صائم.\nأخبرني أبو بكر بن علي، قال: حدثنا القواريري، قال: حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم.\nأخبرنا محمد بن حاتم، قال: أخبرنا حبان، قال: أخبرنا عبد الله، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.\nأخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم، واحتجم رسول الله ﷺ وهو محرم.\nأخبرنا أحمد بن سعد بن الحكم بن أبي مريم، قال: أخبرنا عمي، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، أنه سمع عكرمة يقول: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم.\nمقسم عن ابن عباس:\nأخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم.\nأخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، عن شعبة، عن يزيد ابن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم.\nقال أبو عبد الرحمن: جمع الحديثين محمد بن جعفر.\nأخبرنا محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد، وهو بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ محرما صائما.","vol":"1","page":590},{"text":"أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم صائما محرما.\nقال أبو عبد الرحمن: يزيد بن أبي زياد لا يحتج بحديثه، والحكم لم يسمعه من مقسم.\nأخبرني أبو بكر بن علي، قال: حدثنا خلف بن سالم، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم محرم.\nسعيد بن جبير عن ابن عباس:\nأخبرنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا الثوري، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.\nقال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، لا نعلم أن أحدا رواه عن سفيان غير قبيصة، وقبيصة كثير الخطأ، وقد رواه أبو هاشم، عن حماد مرسلا.\nأخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا خلف، عن أبي هاشم، عن حماد ابن أبي سليمان، أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم.\nميمون بن مهران عن ابن عباس:\nأخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم صائم.\nقال أبو عبد الرحمن: هذا منكر، لا نعلم أحدا رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة.","vol":"1","page":591},{"text":"أخبرنا حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محل) (^١).\nوأما ما ذكره أبو عيسى من الاختلاف الذي وقع في وصل هذا الحديث وإرساله، فالصواب الوصلُ.\nفقد رواه كذلك عبد الوارث ووُهَيْب، وحماد بن زيد -في رواية الحسين بن الولد النيسابوري-، كلهم عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولًا.\nوخالفهم إسماعيل بن إبراهيم بن علية، ومعمر، وحماد بن زيد -من رواية القواريري، وهي الأصح عن حماد- عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا.\nفتبين مما تقدم أن الوصل والإرسال سواءٌ من حيث القوة، فالذين وصلوه من الحفاظ، والذين أرسلوه هم من الحفاظ أيضا، لذا ذهب البخاري (^٢) والترمذي إلى صحّة الوصل.\nوقد يكون هذا من أيوب؛ لأن كلا الوجهين ثابت عنه، فمرةً حدّث به موصولًا ومرةً مرسلًا، ولعله سمعه من عكرمة هكذا -مرة موصولًا، ومرة مرسلًا-، بدليل أنه جاء كذلك من أوجهٍ أخرى عن عكرمة، فقد رواه هشام بن حسان والحسن بن زيد، عن عكرمة عن ابن عباس موصولًا، ورواه جعفر بن ربيعة عنه مرسلًا.\n٢ - وقال أيضا في باب المعتكف يخرج لحاجته أم لا؟: (حدثنا أبو مصعب المدني قراءة، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة،\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" للنسائي (٥/ ٣٩٤ - ٤٠١).\n(^٢) ينظر: \"صحيح البخاري\" (١٩٣٨، ١٩٣٩، ٥٦٩٤).","vol":"1","page":592},{"text":"عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إليّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى غير واحد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة، ورواه بعضهم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، والصحيح عن عروة، وعمرة، عن عائشة.\nوهكذا روى الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة، عن عائشة.\nحدثنا بذلك قتيبة عن الليث) (^١).\nقلت: وقع في إسناد هذا الحديث إشكالٌ، وذلك أنه في \"الموطأ\" (^٢) من رواية أبي مصعب الزهري خلاف ما ذكره عنه أبو عيسى الترمذي، فالذي فيه عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أنها قالت … الخ.\nفقد يكون الخطأ هنا من أبي عيسى، وقد يكون من أبي مصعب، وأنه كذلك في أصله عندما قرأ عليه أبو عيسى، ثم صوبه بعد.\nوأزيد الأمر توضيحا فيما يتعلق بهذا الإسناد فأقول: قد روي على ثلاثة أوجه:\nالأول: ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة. هكذا رواه جمهور أصحاب مالك (^٣).\n_________\n(^١) (٢/ ١٤٥).\n(^٢) (١/ ٣٣١).\n(^٣) وأخرجه مسلم بهذا السياق (٢٩٧).","vol":"1","page":593},{"text":"ورواه ابن وهب عنه، وعن يونس والليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة.\nوهذا خطأ على مالك، وذلك أنه حمل روايته على رواية الليث ويونس، فهما اللذان روياه عن ابن شهاب بالجمع بين عروة وعمرة، وهو:\nالوجه الثاني: رواه الليث (^١) ويونس، عن ابن شهاب، عن عروة، وعمرة.\nالوجه الثالث: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، بإسقاط عمرة (^٢)، وهذه رواية سائر أصحاب ابن شهاب غير من تقدم ذكره.\nوهكذا رواه بندار ويعقوب الدورقي، عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.\nوتابع ابنَ مهدي على ذلك: إسحاق بن سليمان الرازي، وأبو سعيد مولى بني هاشم، ومحمد بن إدريس الشافعي -على اختلاف عنه-، وبشر بن عمر، وخالد بن مخلد -على اختلاف عنهما أيضًا-، والمعافى بن عمران.\nقال ابن عبد البر: (وقال محمد بن المثنى: عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تعتكف وتمر بالمريض وتسأل به وهي تمشي.\nقال عبد الرحمن: فقلت لمالك: عن عروة، عن عمرة؟ وأعدت عليه؛ فقال: الزهري، عن عروة، عن عمرة، أو الزهري، عن عمرة.\nوحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا\n_________\n(^١) أخرج حديثه البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٢٥) بهذا السياق من طريق مالك عن ابن شهاب.","vol":"1","page":594},{"text":"محمد بن عبد السلام (الخشني)، قال حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة أنها كانت تعتكف وذكره، إلى آخره) (^١).\nقلت: والصواب من هذه الأوجه: الوجه الأخير، وهو رواية الأكثر، وهم: معمر (^٢)، وسفيان (^٣)، وسفيان بن حسين (^٤)، وزياد بن سعد (^٥)، والأوزاعي (^٦).\nويؤيد هذا ما يأتي:\nأولا: أن هشام بن عروة أيضًا، ومحمد بن عبد الرحمن النوفلي قد روياه عن عروة، عن عائشة به. أخرجه الشيخان من طريق هشام (^٧)، وأخرج مسلم رواية محمد بن عبد الرحمن (^٨).\nثانيًا: أن الوجه الثاني لا يخالفه؛ إذ فيه أن عمرة ممن روتْ هذا الحديث عن عائشة، كما في رواية مالك، والليث بن سعد، وهذا ما ذهب إليه أبو عيسى الترمذي كما تقدم.\nثالثًا: أن الوجه الأول لم يتابع مالك عليه، كما قال أبو داود.\nرابعًا: أن مالكًا كان يشك في هذا الإسناد، كما في سؤال ابن مهدي له، وقد تقدم.\n_________\n(^١) \"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد\" (٨/ ٣١٨).\n(^٢) البخاري (٢٠٤٦)، ومسلم (٢٩٧)، وهي مختصرة.\n(^٣) أخرجه الحميدي في \"المسند\" (١٨٤).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٩٨٩٨)، وأحمد في \"المسند\" (٢٦٢٧٨).\n(^٥) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٣٥٥٤).\n(^٦) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢٤٥٦٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٣٥٢٤).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (٢٩٥)، \"صحيح مسلم\" (٢٩٧).\n(^٨) \"صحيح مسلم\" (٢٩٧).","vol":"1","page":595},{"text":"ووقع في متنه أيضا إشكال، ولكن ليس من أبي عيسى، فقد ذهب بعض الحفاظ إلى أن مالكًا قد أخطأ في سياق لفظ الحديث الذي رواه، وذلك أنه أدخل في رواية عمرة قصة ترجيل عائشة لشعر النبي ﷺ، وإنما في حديث عروة فقط، دون عمرة.\nقال ابن عبد البر: (وهذان حديثان، أحدهما: في ترجيل النبي ﷺ، والآخر في مرور عائشة بالمريض وقولها: كان رسول الله ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، اختلف فيهما أصحاب الزهري عليه …).\nإلى أن قال: (وذكر محمد بن يحيى الذهلي في كتابه في \"علل حديث الزهري\" هذين الحديثين: مرور عائشة، وترجيل النبي ﷺ وهما يعتكفان، عن جماعة من أصحاب الزهري، منهم: يونس، والأوزاعي، والليث، ومعمر، وسفيان بن حسين، والزبيدي، ثم قال: اجتمع هؤلاء كلهم على خلاف مالك في ترجيل النبي ﷺ، فلم يجامعه عليه منهم أحد.\nفأما يونس والليث فجمعا عروة وعمرة عن عائشة، وأما معمر والأوزاعي وسفيان بن حسين فاجتمعوا على عروة عن عائشة.\nقال: والمحفوظ عندنا حديث هؤلاء، قال: وأما القصة الأخرى في مرور عائشة على المريض؛ فاجتمع معمر، ومالك، وهشيم، على عمرة عن عائشة.\nوقال يونس من رواية الليث مرة: عن عمرة، عن عائشة، ومرة من رواية عثمان بن عمر: عن عروة وعمرة عن عائشة.\nقال: وعثمان بن عمر أولى بالحديث؛ لأن الليث قد اضطرب فيه، فقال مرة: عن عروة عن عائشة، ومرة: عن عمرة، عن عائشة، وثبته عثمان ابن عمر عنهما جميعا.","vol":"1","page":596},{"text":"وقد واطأه ابن وهب عن يونس في الحديثين جميعا، فصارت روايته عن يونس أولى وأثبت.\nوأما شبيب بن سعيد فإنه تابع الليث على روايته عن يونس في القصة الأخيرة، فقال: عروة، عن عمرة، عن عائشة.\nقال: فقد صح الخبر الآخر عندنا عن عروة وعمرة عن عائشة، باجتماع يونس -من رواية ابن وهب، وعثمان بن عمر-، والأوزاعي -من رواية المغيرة-، والليث بن سعد -من رواية ابن أبي مريم-، عن عروة وعمرة، عن عائشة.\nوباجتماع معمر ومالك وهشيم على عمرة.\nوعبد الرحمن بن مهدي وأبو نعيم، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة أن عائشة كانت تجاور فتمر بالمريض من أهلها فلا تعرض له.\nفالحديثان عندنا محفوظان بالخبرين جميعا، إلا ما كان من رواية مالك في ترجيل النبي ﷺ فقط إن شاء الله.\nقال: وقد روى ابن أبي حبيب ما حدثنا به أبو صالح الحراني، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن ابن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يعتكف فيمر بالمريض في البيت فيسلم عليه ولا يقف.\nقال: وهذا معضل لا وجه له، إنما هو فعل عائشة، ليس ذكر النبي ﷺ من هذا الحديث في شيء، وهذا الوهم من ابن لهيعة فيما نرى، والله أعلم.\nقال أبو عمر: الذي أنكروا على مالك ذكره عمرة في حديث عائشة:","vol":"1","page":597},{"text":"أنها كانت ترجل رسول الله ﷺ وهو معتكف، هذا ما أنكروا عليه -لا غير- في هذا الحديث؛ لأن ترجيل عائشة رسول الله ﷺ وهو معتكف لا يوجد إلا في حديث عروة وحده عن عائشة، وغير هذا قد جومع مالك عليه، من حديث مرور عائشة وغيره من ألفاظ حديث مالك وإسناده.\nوقد روى حديث الترجيل هذا عن عروة: تميم بن سلمة، وهشام بن عروة، ذكر أبو بكر ابن أبي شيبة، عن ابن نمير، ويعلى، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض، وهو عاكف.\nوقال يعلى في حديثه هذا: كنت أغسل.\nقال أبو بكر: وحدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يدني إليّ رأسه وهو مجاور، وأنا في حجرتي، فأغسله وأرجله بالماء وأنا حائض.\nوقد رواه الأسود بن يزيد، عن عائشة، مثل رواية عروة سواء، إلا أن في حديث الأسود: يخرج إلي رأسه، وفي حديث عروة: يدني إلي رأسه، وبعضهم يقول فيه: يدخل إلي رأسه.\nوفي ذلك ما يدل على جواز إدخال المعتكف رأسه البيت ليغسل ويرجل.\nوقد يحتمل قول الأسود: يخرج إليَّ رأسه، أي: يخرجه من المسجد إلي في البيت فأرجله.\nحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، وحدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا حسين","vol":"1","page":598},{"text":"ابن علي، عن زائدة، جميعا عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، -وهذا لفظ حديث سفيان قال-: كان رسول الله ﷺ يخرج إلي رأسه وهو معتكف فأغسله وأنا حائض.\nوليس في حديث زائدة ذكر: وهو معتكف.\nوفي هذه الأحاديث الثلاثة -حديث تميم بن سلمة، وهشام بن عروة (عن عروة) عن عائشة، وحديث الأسود عن عائشة-: وأنا حائض، وليس ذلك في حديث الزهري من وجه يثبت) (^١).\nقلت: الأمر في ذلك سهلٌ، فالخبر محفوظٌ، سواء كان من رواية عروة عن عائشة، أو عمرة عن عائشة، مع أنه قد وقع في رواية الليث، عن الزهري، عن عمرة وعروة، كلاهما عن عائشة؛ ذكرُ الترجيل، فلم ينفرد مالكٌ في هذا.\nوقد جاء ذكر غسل الرأس أيضًا في رواية الأسود عن عائشة، أخرجها مسلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٨/ ٣١٨ - ٣٢٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٩٧).","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>الفصل التاسع: في الرجال الذين خرج لهم وقد وصفوا بالترك</span>\nالغالب على رجال الترمذي أنهم من الثقات وممن يحتج بحديثهم، ولكن لكونه أراد أن يبين الأحاديث الضعيفة والمنكرة والمعلولة والغريبة -كما نص على ذلك- = خرج لجمع من الضعفاء والمتروكين، مع بيان ضعفهم ونكارة حديثهم، لذا كانت العبرة بمن حكم على حديثهم بالصحة، ومعرفة ذلك يعطيك تصورا عن كتاب \"الجامع\" لأبي عيسى ومنهجه فيه.\nومن هؤلاء:\n١ - إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني، أبو إسحاق، ويقال: إبراهيم بن إسحاق (^١).\nقلت: الأقرب أنه متروك، ولا يكتب حديثه؛ وذلك أنه روى أحاديث باطلة عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁.\nقال ابن معين والنسائي -كلاهما في رواية عنهما-: لا يكتب حديثه. وقال الدارقطني: متروك. وقال بعض الأئمة: منكر الحديث.\nوأقل ما قيل فيه، ما جاء عن أحمد -في رواية عنه-: ضعيف الحديث، ليس بقوي.\nولكن قال الساجي: بلغني عن أحمد أنه قال: ليس بشيء.\n_________\n(^١) تنظر الأقوال فيه في: \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٨٧)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٧٩).","vol":"1","page":601},{"text":"وأما قول أبي أحمد الحاكم: (ليس بقوي عندهم)، فالجواب عن ذلك: أن هذه العبارة هي الغالبة في استعماله، حتى لا يكاد يستعمل غيرها في من كان مضعفا، سواء كان التضعيف شديدا أو دون ذلك.\nوأما قول ابن عدي: (ومع ضعفه يكتب حديثه، وعندي أنه لا يجوز الاحتجاج بحديثه، وإبراهيم الخوزي عندي أصلح منه)، فالجواب عن ذلك: أن إبراهيم الخوزي وإن كان من أهل الفضل، إلا أنه يكاد يُترك، فإذا كان هو أصلح منه، فماذا يكون إبراهيم بن الفضل؟!\nوأما قوله: (يكتب حديثه)، فمن المعلوم -لمن تتبع منهج ابن عدي في ذلك- أنه لا يقول عن راو: (لا يكتب حديثه)، نعم ينقل عن الحفاظ، ولكن هو لا يكاد يحكم بذلك.\n٢ - إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي مولاهم، أبو شيبة الكوفي (^١).\nقلت: كان من أهل الفضل، وقد تولى القضاء، وحُمد في قضائه وأما في باب الرواية فقد تتابعوا على تضعيفه، وحكم جمع منهم بتركه.\nوقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال صالح جزرة: لا يكتب حديثه.\nقلت: والأقرب -والله تعالى أعلم- أنه متروك ولا يكتب حديثه؛ وذلك أن له أحاديث باطلة.\nمنها: ما رواه عن الحكم، عن ابن أبي ليلى: شهد صفين من أهل بدر سبعون. فقال شعبة: كذب والله، لقد ذاكرت الحكم؛ فما وجدنا شهد صفين أحدا من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت (^٢).\n_________\n(^١) تنظر الأقوال فيه في: \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٨٤)، \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٧٦).\n(^٢) ينظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" لأحمد -رواية عبد الله- (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":602},{"text":"قال الذهبي -معقبا-: سبحان الله! أما شهدها علي، أما شهدها عمار؟! (^١).\nقلت: هؤلاء ثلاثة، فأين باقي السبعين؟ وأما عدم ذكر علي وعمار فلأنهما معروفان ﵄، وقد تقدم أن شعبة كذّب هذا القول، وبيّن أنه ذاكر الحكم في ذلك، فلم يذكر غير خزيمة.\nومنها: ما رواه منصور بن أبي مزاحم، عنه، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر (^٢).\nقلت: وهذا باطل، وقد ثبت في \"الصحيحين\" (^٣) عن عائشة ﵂: ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا غيره عن إحدى عشرة ركعة.\nوفي حديث زيد بن خالد في مسلم (^٤): أنه صلى ثلاث عشرة ركعة.\nوفي حديث عائشة في مسلم (^٥): أنه صلى تسع ركعات.\nوأما العشرون ركعة فإنما كان هذا في عهد عمر ﵁.\nومنها: ما أخرجه الطبراني، قال: (حدثنا الحسن بن علي الفسوي الواسطي، ثنا محمد بن سليمان الواسطي، ثنا أبو شيبة القاضي، عن آدم بن علي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"ما هلك قوم قط إلا في الأذان، ولا تقوم القيامة إلا في الأذان\".\n_________\n(^١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٨٧).\n(^٢) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (١٤٦١).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١١٤٧)، \"صحيح مسلم\" (٧٣٨).\n(^٤) (٧٦٥).\n(^٥) (٧٣٠).","vol":"1","page":603},{"text":"قال أبو القاسم الطبراني: معناه عندي -والله أعلم- في وقت أذان الفجر، هو وقت الاستغفار والدعاء) (^١).\nوفي \"الإكمال\" (^٢) لابن ماكولا: (عمر بن السكن بن شتويه الواسطي، روى عن أبي عبد الله الضرير، عن أبي شيبة القاضي، عن آدم بن علي، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"ما هلك قوم إلا في آذار، ولا تقوم الساعة إلا في آذار\").\nوذكره الذهبي في \"الميزان\" (^٣) بهذا اللفظ.\nقلت: هذا الخبر على كلا اللفظين منكر، واللفظ الثاني أشد نكارة، والذي ثبت في الحديث الصحيح: أن الساعة تقوم يوم الجمعة دون تحديد شهر (^٤).\nولكن فيما يتعلق بنكارته، الحَمْل على مَنْ في هذا الخبر؟\nأما ما يتعلق بشيخ الطبراني، فقد قال الدارقطني: لا بأس به (^٥)،\n_________\n(^١) \"المعجم الكبير\" (١٣/ ١٠٦) (١٣٧٥٩).\n(^٢) (٥/ ٢٢)، وقال ابن ماكولا: (والحديث على مذهبهم منكر جدا)، وأخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٧٤) من طريق عمر بن السكن، عن محمد بن سليمان الواسطي به، وقال: (قال أبو الفتح الأزدي: هذا كذب. وأبو شيبة متروك الحديث).\nوأخرجه السلفي في جزء \"فوائد حسان\" -بانتقاء الرهاوي- (ص: ١٢٩) من طريق كادح بن رحمة، عن أبي شيبة الواسطي القاضي به.\n(^٣) (١/ ٨٤)، وقال: (لم يصح هذا).\n(^٤) كما أخرج مسلم (٨٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ، قال \"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة\".\n(^٥) \"سؤالات الحاكم\" للدارقطني (ص: ١١٢).","vol":"1","page":604},{"text":"واختاره الضياء في \"المختارة\" (^١).\nوأما شيخ شيخه محمد بن سليمان الواسطي، فلم يتبين لي من هو، ولكن ذكر في ترجمة إبراهيم بن عثمان: أن من الرواة عنه سعيد بن سليمان الواسطي، وسعيد ثقة مشهور.\nوأما إبراهيم بن عثمان، فهو متروك كما تقدم.\nوأما آدم، فهو ثقة، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (^٢) عن هذا الخبر: رجاله ثقات.\nوالله تعالى أعلم.\n٣ - إبراهيم بن يزيد القرشي الأموي الخوزي، أبو إسماعيل المكي، مولى عمر بن عبد العزيز (^٣).\nقلت: إبراهيم اتفق أهل العلم على ضعفه، ولكن اختلفوا في مقدار هذا الضعف، فمنهم من ذهب إلى أنه متروك ولا يكتب حديثه، وهذا ما ذهب إليه النسائي.\nوقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه.\nوممن ذهب إلى أنه ضعيف: أبو حاتم وأبو زرعة، وقال ابن عدي: يكتب حديثه.\nوهذا ظاهر قول الترمذي، فقد قال: (وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه) (^٤).\n_________\n(^١) فقد أخرج له أربعة أحاديث في كتابه، ينظر: (٦/ ٢٥٦) (٢٢٧٤)، (٧/ ٢٣٧) (٢٦٨٠)، (٨/ ٧١) (٦٦)، (٩/ ٥٥٥) (٥٤٩).\n(^٢) (٧/ ٤٧).\n(^٣) تنظر الأقوال فيه في: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٩٤).\n(^٤) (٢/ ١٥٢).","vol":"1","page":605},{"text":"وقد خرج له حديثا في موضعين، وهو حديث ما يوجب الحج؟ فقال: \"الزاد والراحلة\" (^١).\nقلت: والأقرب القول الأول؛ وذلك أنه روى بعض الأحاديث الباطلة (^٢)، كما أنه تفرد بأحاديث رواها عن عمرو بن دينار وغيره من الرواة الثقات المشاهير.\nوالذي يظهر أنه لم يتعمد ذلك؛ لأنه كان من أهل الفضل والعبادة.\n٤ - إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عبد الرحمن بن الأسود، القرشي الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني، مولى آل عثمان بن عفان (^٣).\nمتروك كما قال عمرو بن علي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني والبرقاني، لذا قال البخاري: تركوه، وقال أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه، وقد كذبه ابن معين -في رواية-، ولا يكتب حديثه كما قال ابن معين -في رواية- والنسائي ويعقوب بن سفيان، وذلك لأن له أحاديث باطلة، لذا قال ابن عدي في \"الكامل\" -بعد أن ذكر له عدة أحاديث (^٤) -: (لا يتابعه أحد على أسانيده، ولا على متونه، وسائر أخباره مما لم أذكره تشبه هذه الأخبار التي ذكرتها، وهو بين الأمر في الضعفاء، على أن الليث بن سعد قد روى عنه نسخة طويلة) (^٥).\n٥ - إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي.\nروى عنه ابنه إبراهيم، وعن إبراهيم جمع من الحفاظ، ومنهم الترمذي (^٦).\n_________\n(^١) (٨٢٧) (٣٢٦١).\n(^٢) ينظر: \"المجروحين\" لابن حبان (١/ ٩٥).\n(^٣) تنظر الأقوال فيه في: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٢٣).\n(^٤) (٢/ ١٥٣ - ١٥٧).\n(^٥) (٢/ ١٥٨).\n(^٦) (٤١٥٨).","vol":"1","page":606},{"text":"وإبراهيم ضعيف، بل لعله لا يكتب حديثه، كما سبق في المبحث الخاص بشيوخ الترمذي المتكلم فيهم.\nوقال الدارقطني في إسماعيل: متروك (^١). ومثله الأزدي فيما نقله ابن الجوزي (^٢)، وذكر ابن حبان ابنه إبراهيم في \"ثقاته\" (^٣) وقال: في روايته عن أبيه بعض المناكير.\nوأكتفي هنا بسرد البقية، وسيأتي الكلام عنهم في المواضع التي خرّج لهم فيها بإذن الله.\n٦ - أشعث بن سعيد البصري، أبو الربيع السمان.\n٧ - أيوب بن واقد الكوفي، أبو الحسن، ويقال: أبو سهل، نزيل البصرة.\n٨ - الحارث بن نبهان الجرمي، أبو محمد البصري.\n٩ - الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي مولاهم، أبو محمد الكوفي الفقيه.\n١٠ - الحسين بن قيس الرحبي، أبو على الواسطي، ولقبه حنش.\n١١ - حصين بن عمر الأحمسي، أبو عمر، ويقال: أبو عمران، الكوفي.\n١٢ - حفص بن سليمان الأسدي، أبو عمر البزاز الكوفي القارئ، ويقال له: الغاضري، ويعرف بحفيص، وهو حفص بن أبي داود، صاحب عاصم.\n_________\n(^١) \"الضعفاء والمتروكون\" (ص: ١٤٠).\n(^٢) \"الضعفاء والمتروكون\" (١/ ١٢٣).\n(^٣) (٨/ ٨٣).","vol":"1","page":607},{"text":"١٣ - الحكم بن ظهير الفزاري، أبو محمد، ابن أبي ليلى الكوفي، وقيل: الحكم بن أبي خالد.\n١٤ - حمزة بن أبى حمزة ميمون، وقيل: عمرو، الجعفي الجزري النصيبي.\n١٥ - خارجة بن مصعب بن خارجة الضبعي، أبو الحجاج الخراساني السرخسي.\n١٦ - خالد بن إلياس، ويقال: إياس، ابن صخر بن أبي الجهم عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر القرشي العدوي، أبو الهيثم المدني.\n١٧ - داود بن الزبرقان الرقاشي، أبو عمرو، وقيل: أبو عمر، البصري، نزيل بغداد.\n١٨ - الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد التميمي السعدي الأعرجي، ويقال العرجي، أبو العلاء البصري، المعروف بعليلة، وهو لقب.\n١٩ - زياد بن المنذر الهمداني، ويقال: النهدي، ويقال الثقفي، أبو الجارود الأعمى الكوفي.\n٢٠ - زيد بن جبيرة بن محمود بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، أبو جبيرة المدني.\n٢١ - سعد بن طريف الإسكاف الحذاء الحنظلي الكوفي.\n٢٢ - سيف بن محمد الثوري الكوفي، أخو عمار بن محمد، وابن أخت سفيان الثوري، نزل بغداد.\n٢٣ - صالح بن حسان الأنصاري النضري، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة.","vol":"1","page":608},{"text":"٢٤ - صالح بن موسى بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله الطلحي التيمي الكوفي.\n٢٥ - الصلت بن دينار الأزدي الهنائي، أبو شعيب البصري، المعروف بالمجنون.\n٢٦ - عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي الزبيري.\n٢٧ - عبد الحكيم بن منصور الخزاعي، أبو سهل، ويقال: أبو سفيان، الواسطي.\n٢٨ - عبد الرحيم بن هارون الغساني، أبو هشام الواسطي، سكن بغداد.\n٢٩ - عبد العزيز بن أبان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص القرشي الأموي السعيدي، أبو خالد الكوفي.\n٣٠ - عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني الأعرج، يعرف يابن أبي ثابت.\n٣١ - عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري، أبو محمد المدني، يقال: إنه من ولد أبي ذر الغفاري.\n٣٢ - عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو عباد الليثي مولاهم المدني، أخو سعد بن سعيد، وكان الأكبر.\n٣٣ - عبد الله بن ميمون بن داود القداح القرشي المخزومي المكي، مولى آل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة.\n٣٤ - عبد المنعم بن نعيم الأسواري، أبو سعيد البصري، صاحب السقاء.","vol":"1","page":609},{"text":"٣٥ - عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري الوقاصي السعدي، أبو عمرو المدني، ويقال له: المالكي.\n٣٦ - عطاء بن عجلان الحنفي، أبو محمد البصري العطار، وقيل: اسمه ميمون.\n٣٧ - العلاء بن مسلمة بن عثمان بن محمد بن إسحاق الرواس، أبو سالم البغدادي، مولى بني تميم.\n٣٨ - علي بن مجاهد بن مسلم بن رفيع، أبو مجاهد الكندي، ويقال: العبدى، الرازي الكابلي، قاضى الري.\n٣٩ - عمارة بن جوين، أبو هارون العبدي البصري، مشهور بكنيته.\n٤٠ - عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني الكوفي، نزيل بغداد.\n٤١ - عمر بن هارون بن يزيد بن جابر بن سلمة الثقفي مولاهم، أبو حفص البلخي.\n٤٢ - عمرو بن واقد القرشي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، أو مولى بنى أمية.\n٤٣ - عنبسة بن عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص القرشي الأموي، وقيل: عنبسة بن أبي عبد الرحمن، وهو وهم.\n٤٤ - فائد بن عبد الرحمن الكوفي، أبو الورقاء العطار.\n٤٥ - محرر بن هارون بن عبد الله بن محرر بن الهدير القرشي التيمي المدني، وقيل: محرز، أخو هارون بن هارون.\n٤٦ - محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي، النسابة المفسر.","vol":"1","page":610},{"text":"٤٧ - محمد بن القاسم الأسدي، أبو إبراهيم الكوفي، لقبه: كاو، شامي الأصل.\n٤٨ - محمد بن زاذان المدني.\n٤٩ - محمد بن زياد اليشكري الطحان الرقي ثم الكوفي، ويقال: الجندي، الأعور الفأفاء، المعروف بالميموني.\n٥٠ - محمد بن سعيد بن حسان بن قيس القرشي الأسدي المصلوب.\n٥١ - محمد بن عبيد بن أبي سليمان ميسرة العرزمي الفزاري، أبو عبد الرحمن الكوفي، ابن أخي عبد الملك بن أبي سليمان.\n٥٢ - ميناء بن أبي ميناء القرشي الزهري الخراز، مولى عبد الرحمن بن عوف.\n٥٣ - النضر بن عبد الرحمن، أبو عمر الخزاز، حديثه في الكوفيين.\n٥٤ - نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى الدارمي، ويقال: الهمداني، السبيعي الكوفي القاص، وقال: اسمه نافع، مشهور بكنيته.\n٥٥ - نوح بن أبي مريم مابنة، ويقال: مافنة، أبو عصمة المروزي، القرشي مولاهم.\n٥٦ - هشام بن زياد بن أبي يزيد القرشي، وهو هشام بن أبي هشام، أبو المقدام، ويقال له: هشام بن أبي الوليد المدني.\n٥٧ - هلال بن عبد الله الباهلي مولاهم، أبو هاشم البصري.\n٥٨ - الوليد بن محمد الموقري، أبو بشر البلقاوي، مولى يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي، والموقر: حصن بالبلقاء.\n٥٩ - يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي، أبو جعفر الكوفي، أخو محمد بن سلمة بن كهيل، ووالد إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل.","vol":"1","page":611},{"text":"٦٠ - يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب القرشي التيمي المدني.\n٦١ - يزيد بن زياد، ويقال: ابن أبي زياد، القرشي الدمشقي، وقيل: إنهما اثنان.\n٦٢ - يزيد بن عياض بن جعدبة الليثي، أبو الحكم المدني، نزيل البصرة، وقد ينسب لجده.\n٦٣ - يعقوب بن الوليد بن عبد الله بن أبي هلال الأزدي، أبو يوسف، وقيل: أبو هلال، المدني، نزيل بغداد.\n٦٤ - أبو المهزم التميمي البصري، اسمه يزيد بن سفيان، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان.\n* * *","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>الباب الثالث\nوفيه فصول في تفسير مصطلحات الترمذي في الحكم على الأحاديث</span>","vol":"2","page":5},{"text":"* مقدمة.\n* مصطلح \"الصحيح\".\n*مصطلح \"حسن صحيح\".\n*مصطلح \"حسن غريب صحيح\".\n*مصطلح \"الحسن\".\n* مصطلح \"الغريب\".\n* مصطلح \"أصح ما في الباب\".\n* حكم الترمذي على الإسناد","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>مقدمة</span>\nالفصل الأول: منهج الترمذي في حكمه على الأحاديث.\nالفصل الثاني: تفنن أبي عيسى الترمذي في الأحكام.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>الفصل الأول منهج الترمذي في حكمه على الأحاديث</span>\nيمكن تقسيم منهجه في هذا الباب إلى قسمين:\nالقسم الأول: الأحاديث التي حكم عليها.\nالقسم الثاني: الأحاديث التي لم يحكم عليها بشيء، وهي أحاديث يسيرة، أوردها وسكت عنها.\nأما القسم الأول، فالأحاديث التي حكم عليها على نوعين:\nالأول: التي حكم عليها حكما تاما، فبيّن صحّتها أو حسنها أو ضعفها.\nالثاني: التي حكم عليها حكما ناقصًا، وأعني أنه لم يبين درجتها بيانًا واضحًا؛ كقوله: \"هو أصح شيء في الباب وأحسن \"، فبهذه العبارة حكم على بعض الأحاديث، خاصة في الأبواب الأولى من كتابه؛ الأول والثالث والرابع (^١).\nوفي الباب السادس والثامن قال: \"أحسن شيء في هذا الباب وأصح\" (^٢).\nويظهر أنه لا فرق بين العبارتين.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١، ٣، ٤، ٣١).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٧، ١١).","vol":"2","page":11},{"text":"وكقوله -أحيانًا-: \"لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" دون قوله: \"غريب\"، وهذا يسيرٌ، ومن أمثلته:\n١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة (^١)، عن ابن المسيّب، أنه سأله عن الصوم في السفر، فحدث أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع النبي ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر، والفتح، فأفطرنا فيهما.\nوفي الباب عن أبي سعيد.\nقال أبو عيسى: حديث عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقد روي عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه أمر بالفطر في غزوة غزاها.\nوقد روي عن عمر بن الخطاب نحو هذا، أنه رخص في الإفطار عد لقاء العدو) (^٢).\nقلت: لعل المصنف اكتفى بما قاله حول الحديث، أو أنه اكتفى بأحكامه السابقة في ابن لَهيعة، فقد بيّن ضعفه من قبل (^٣).\nوأما رواية سعيد بن المسيب عن عمر، فالمصنف يصححها (^٤).\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا بُندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا أبو المُطَوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه\".\n_________\n(^١) وهو معمر بن أبي حبيبة.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٧٢٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٨٠).\n(^٤) ينظر حديث الدية على العاقلة، وحديث الرجم: (١٤٨٥، ١٥٠٦).","vol":"2","page":12},{"text":"قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمدا يقول: أبو المُطَوِّس: اسمه يزيد بن المُطَوِّس، ولا أعرف له غير هذا الحديث) (^١).\nقلت: منهج أبي عيسى أن مثل هذا الخبر لا يصحّ، ويؤيد هذا ما ذكره في \"العلل الكبير\" عن البخاري: (أبو المطَوِّس اسمه يزيد بن المطَوِّس، وتفرّد بهذا الحديث، ولا أعرف له غير هذا، ولا أدري أسمع أبوه من أبي هريرة أم لا) (^٢).\n٣ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أبي المَليح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنه من لم يسأل الله يغضب عليه\".\nوقد روى وكيع، عن غير واحد، عن أبي المَليح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nحدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا أبو عاصم، عن حميد أبي المَليح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه) (^٣).\nوهناك غيرها من الأحاديث، تقدم الكلام عليها في منهجه في التعليل، والله أعلم.\n* * *\nوأما القسم الثاني، وهو الأحاديث التي سكت عنها فلم يحكم عليها بشيء، فهذا على حالين:\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٣٢).\n(^٢) (١٩٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٦٩٠ - ٣٦٩١).","vol":"2","page":13},{"text":"الحال الأولى: أن يكون سكوته عنها تعمّدا؛ إما لتردده في الحكم على الحديث قوّة وضعفا، وإما لكون الحديث ليس عليه العمل.\nوهذا في الأحاديث المرفوعة، أما الآثار فمنهجه عدم الحكم عليها (^١).\nومن أمثلة ما ترك الحكم عليه لتردُّده في درجته قوة وضعفا:\nقال أبو عيسى ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن زياد بن عِلاقة، قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا الأموات فتوذوا الأحياء\".\nقد اختلف أصحاب سفيان في هذا الحديث: فروى بعضهم مثل رواية الحَفَري.\nوروى بعضهم، عن سفيان، عن زياد بن عِلاقة، قال: سمعت رجلًا يحدث عند المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ، نحوه) (^٢).\nقلت: الظاهر أنه لم يحكم عليه لتردده بسبب هذا الاختلاف، أو أنه سقط حكمه من الأصل، أو غير ذلك.\nوقال أبو عيسى: (حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم، فبال عليها قائمًا، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه فدعاني حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه.\nوهكذا روى منصور وعبيدة الضّبِّي، عن أبي وائل، عن حذيفة، مثل رواية الأعمش.\nوروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بَهدلة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) ينظر مثلًا: \"جامع الترمذي\" (٥٥، ١٠٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢١٠٩).","vol":"2","page":14},{"text":"وحديث أبي وائل عن حذيفة، أصح) (^١).\nقلت: صوّب أبو عيسى أحد الطريقين مكتفيًا بذلك عن الحكم.\nوصثله الحديث الذي خرّجه في باب (كراهية ما يستنجى به) (^٢).\nوقال أبو عيسى ﵀: (ويروى عن شَهْر بن حَوشب قال: رأيت جرير ابن عبد الله توضأ ومسح على خفيه، فقلت له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على خفيه، فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمت إلا بعد المائدة.\nحدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا خالد بن زياد الترمذي، عن مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب، عن جرير.\nوروى بقية، عن إبراهيم بن أدهم، عن مقاتل بن حيان، عن شَهْر بن حَوشَب، عن جرير.\nوهذا حديث مفسِّر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي ﷺ على الخفين كان قبل نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول المائدة) (^٣).\nقلت: يظهر أن المصنف ترك الحكم عليه تعمدًا وليس ذهولًا، بدليل ذكره الوجه الآخر للإسناد عن مقاتل، ولعل السبب الذي دعاه لذلك أن حديثه كان منصبّا على الناحية الفقهية، فقد ذكر أنه حديث مفسِّر للذي قبله.\nومن أمثلة ما ترك الحكم عليه لأجل أن العمل ليس عليه:\nقال أبو عيسى: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الوضوء مما مست النار، ولو من ثور أقط\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٩٥).","vol":"2","page":15},{"text":"قال: فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدُّهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثًا عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مثلًا.\nوفي الباب عن أم حبيبة، وأم سلمة، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي موسى.\nوقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، والتابعين، ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار) (^١).\nقلت: عدم حكمه على الحديث مردُّه إما إلى أنه ليس عليه العمل عند الأكثر كما ذكر أبو عيسى، أو إلى اختلافٍ وقع في إسناده؛ فقد رواه الزهري ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان الأخنسي، عن أم حبيبة (^٢).\nوأخرج مسلم (^٣) من حديث الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره، أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"توضؤوا مما مسّت النار\".\nوأخرج الترمذي في \"الشمائل \" (^٤) وأحمد (^٥) وغيرهما، من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٨٠).\n(^٢) ينظر: \"الفوائد المعللة\" لأبي زرعة (٢٢٢ - ٢٢٥)، \"النكت الظراف\" لابن حجر (١٥٠٣٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٣٥٢).\n(^٤) (١٧٦).\n(^٥) \"مسند أحمد\" (٩٠٣٨).","vol":"2","page":16},{"text":"الحال الثانية: أن يكون سكوته عنها ذهولًا.\nومن أمثلته -فيما يظهر لي-:\nقال أبو عيسى ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب- قال: \"إذا كان الماء قُلّتين لم يحمل الخبث\".\nقال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يستقى فيها.\nقال أبو عيسى: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغير ريحه أو طعمه. وقالوا: يكون نحوا من خمس قرب) (^١).\nقلت: هذا الحديث لا يخفى أنه أصل أصيل في أبواب المياه، فبيان درجته من الأهمية بمكان، وقد حكم أبو عيسى على الأحاديث التي تدخل في هذه المسألة؛ كحديث بئر بضاعة، والبحر، وأما هذا فلم يحكم عليه، فلعلّه ذهولٌ منه ﵀، خاصة أنه ذكر شيئًا من فقه الحديث.\nوقال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن، قالت: دخلت بابن لي على النبي ﷺ لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرشّه عليه.\nوفي الباب عن علي، وعائشة، وزينب، ولبابة بنت الحارث -وهي أم الفضل ابن عباس بن عبد المطلب-، وأبي السمح، وعبد الله بن عمرو، وأبي ليلى، وابن عباس.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٨).","vol":"2","page":17},{"text":"قال أبو عيسى: وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، ومن بعدهم؛ مثل أحمد، وإسحاق، قالوا: يُنضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وهذا ما لم يَطعما، فإذا طعما غُسلًا جميعًا) (^١).\nقلت: هذا الحديث إسناده صحيح جدًا، فهو مسلسل بالثقات المشاهير، ولذا خرّجه الشيخان (^٢)، وكأنه ذهل عن الحكم عليه.\n* * *\nويمكن معرفة حكم الترمذي -أو ما يقرب من ذلك- على الأحاديث التي لم يحكم عليها بأحد أمرين:\nالأول: أن ينظر إلى أمثالها من الأسانيد التي حكم عليها، فهذه يكون حكمها واحدًا غالبًا، فمن المعلوم أن كثيرًا من الأحاديث تتفق في الإسناد مع اختلاف المتن، لكن ليس هذا مطردًا؛ لأنه من المعروف أن للمتن تأثيرًا كبيرًا في الحكم على الحديث.\nوأبو عيسى كثيرًا ما يتفنن في حكمه على الأخبار، فتراه يغاير بين الأحكام مع أن الأسانيد واحدة، بل أحيانًا إذا ذكر الحديث الواحد في أكثر من موضعٍ تجد أن حكمه قد يختلف من موضع لآخر، ولكن هذا الاختلاف غالبًا ما يكون في اللفظ وليس في المعنى، والأصل أن أحكامه مطّردة.\nوبهذه الطريقة نقترب من معرفة حكمه على الأحاديث التي سكت عنها، هذا مع ملاحظة ما تقدم التنبيه عليه من أن اختلاف المتن قد يؤدي إلى اختلاف الحكم.\nالثاني: أن يتتبع منهجه، ومعرفة طريقته في الحكم على الأحاديث،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٢٣)، \"صحيح مسلم\" (٢٨٧).","vol":"2","page":18},{"text":"فإن من حصلت له هذه المعرفة؛ استطاع بإذن الله تبيُّن أحكامه على الأخبار التي سكت عنها، واستطاع أيضًا الترجيح بين النسخ عند اختلافها في حكم الترمذي (^١).\n* * *\nأشرت قريبًا إلى أن أحكام الترمذي أحيانًا ربما اختلفت -خلافًا للأصل والغالب-، ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - سلسلة (عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده)، صحّح منها ثلاثة أحاديث (^٢)، والكثير منها حسّنه إما مطلقًا (^٣) أو مع الغرابة (^٤)، مع أنها من رواية الثقات المشهورين عن عمرو بن شعيب (^٥).\n٢ - سلسلة (محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة)، فقد صحّح كثيرًا من أحاديثها (^٦)، وأحاديث أخرى لم يصححها (^٧).\n٣ - سلسلة (قتادة، عن الحسن، عن سمرة)، صحّح بعضها (^٨)، وحسن بعضًا (^٩).\n_________\n(^١) ينظر: \"جامع العلوم والحكم\" الحديث رقم (١٨).\n(^٢) ينظر: (١٢٢٤، ١٦٨٩، ٢٠٤٥).\n(^٣) ينظر: (٣٢٣، ١٢٩٩، ١٣٤٢، ١٤٥٧، ٢٠٠٤، ٢٦٧٤، ٣٠٤٤، ٣٠٤٦).\n(^٤) ينظر: (٦٧٩، ١٤٥٤، ٣٠٦٠، ٣٤٧٢، ٣٧٩٧، ٣٨٥٢).\n(^٥) ومن الأحاديث التي ضعفها لأجل أن في رواتها إلى عمرو من لا يحتج به، ينظر: (٦٤١، ٦٤٥، ١١٥١، ١١٨٠، ١٣٩٨، ١٤٦٧، ٢٢٥٩، ٢٢٦٠، ٢٩٠٣).\n(^٦) ينظر: (٢٢، ٦٨٩، ٦٩١، ١٠٦٥، ١٢٠٣، ٢٤٨٠).\n(^٧) ينظر: (١١٤١، ١٢٠٠، ١٤٨٠، ١٥٠٢، ١٥٦٠).\n(^٨) ينظر: (٥٠٣، ١٢٨٩، ١٤٢٩، ٢١٠٣، ٣٢٤٤).\n(^٩) ينظر: (٢٥٢، ١١١٤، ١١٤٢، ١٣٢٠، ٤٢٩١).","vol":"2","page":19},{"text":"٤ - سلسلة (عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة)، صحّح بعضها (^١)، وحسن بعضًا (^٢).\nوثمة سلاسل دون ما تقدم في القوة؛ كسلسلة (دَرَّاج أبي السَّمْح، عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو، عن أبي سعيد الخدري)، فإنه حسّن بعضها (^٣)، وضعّف البعض الآخر التي في أسانيدها إلى دَرَّاج من هو متكلم فيه؛ كابن لَهيعة أو رشدين بن سعد (^٤).\nإلا أنه صحّح حديثًا واحدًا بهذه السلسلة، وهو ما رواه في كتاب صفة جهنم، قال: (حدثنا سُويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد ابن يزيد أبي شجاع، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قال: \"تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته\".\nهذا حديث حسن صحيح غريب) (^٥)\nوساقه أيضًا في التفسير بنفس الإسناد، وقال: (حسن غريب صحيح) (^٦)\nولا أدري لماذا صحّح هذا الحديث منها دون غيره؟ لأنه في الغالب إذا صحَّ الإسناد إلى دَرَّاج فإنه يكتفي بتحسينه فقط، مع أن بعض ما حسّنه\n_________\n(^١) (١٠٨٣، ١٨٦٠).\n(^٢) (١١٠٨، ١٣٩٣).\n(^٣) ينظر: (٢٨١٨، ٢٨٩٤).\n(^٤) ينظر: (٢٧١٧، ٢٧٢٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٣، ٢٧٥٤، ٢٧٦٩، ٢٧٧٤).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢٧٨٢)، وكذا في طبعة الرسالة (٢٧٦٩) و\"التّحفة\" (٤٠٦١).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٣٤٧١)، وفي الرسالة (٣٤٥٠): (حسن صحيح غريب)، وفي بعض النسخ: (حسن غريب)، والصواب الأول.","vol":"2","page":20},{"text":"أقوى من حيث الإسناد إلى دّرَّاج من هذا الخبر الذي صحّحه؛ كما في حديث: \"إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان\"، فقد ساقه من طريق ابن أبي عمر العدني، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج به، وقال: (حسن غريب) (^١). وكذا حديث: \"لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة\"، فقد ساقه من طريق قتيبة، عن ابن وهب به، وقال: (حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٢).\nوقد يكون هذا التصحيح ذهولًا من المصنف، وقد يكون خطأ عليه- مع بعد الاحتمالين-، وقد يكون التصحجح للمتن؛ لأن معنى هذا المتن جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، وهذا فيه بعدٌ أيضًا؛ لأن حديث: \"إذا رأيتم الرجل … \" قد جاء ما يشهد له في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨]، وهو يشمل العمارة الحسية والمعنوية، والله أعلم.\nومن الأمثلة أيضًا على الأحاديث التي تردّد حكمه فيها:\n١ - قال أبو عيسى: (حدثنا علي بن خَشْرم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد القَدَّاح، عن شَهر بن حَوشب، عن أسماء بنت يزيد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتحة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] \".\nهذا حديث حسن صحيح) (^٣).\nقلت: أورد أبو عيسى سبعة أحاديث بهذه السلسة، أعني (شهرًا، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٨١٨)، وكذا في الرسالة (٢٨٠٥) و\"تحفة الأشراف \" (٤٠٥٠).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢١٦٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٨٠٢).","vol":"2","page":21},{"text":"أسماء)، ولم يصحِّح منها حديثًا سوى هذا الحديث، وحسّن أكثرها (^١)، وحديثا رواه بإسنادين ولم يحكم عليه بشيء (^٢).\nوهذا الحديث الذي صحّحه، فيه -بالإضافة إلى وجود شهر- عبيد الله القَدَّاح، وفيه خلاف قويٌّ بين النُقّاد، وبعض أسانيد الأحاديث الأخرى أقوى منه؛ فبعضها من طريق عبدالحميد بن بَهرام عن شهر (^٣)، وقد أثنى الحفاظ على روايته عن شهر، ومع ذلك لم يصحّحها.\nوقد يكون صحّحه لأن المتن له شواهد، فالله أعلم.\n٢ - وقال أبو عيسى: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا هُشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس قال -يرفع الحديث-: إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحُجْر.\nوفي الباب: عن عبدالله بن عمرو.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح) (^٤).\nقلت: هذا حديث منكر مرفوعًا، والصواب وقفه على ابن عباس، فقد وقفه عبد الملك بن أبي سليمان وهمّام، عن عطاء به، وهذا ظاهر كلام أبي داود والبيهقي (^٥)، ولم يصحح أبو عيسى لابن أبي ليلى إلا هذا الحديث (^٦).\n_________\n(^١) وهي خمسة أحاديث: (١٨٧٦، ٢٠٦٣، ٢٩٠٦، ٣٥٣٩، ٣٦١٤).\n(^٢) (٣١٧٥، ٣١٧٦).\n(^٣) (٢٩٠٦)، وقال: (حديث حسن، قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد ابن بهرام عن شهر بن حوشب).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٩٣٨)، وكذا في طبعة الرسالة (٩٣٦).\n(^٥) \"سنن أبي داود\" (١٨١٧) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩٤١٠).\n(^٦) سيأتي كلام على هذا المثال أيضًا في (مصطلح الصحيح) في النوع الثالث برقم (٦)، وكلام أوسع في أمثلة ما قال عنه: (حسن صحيح) وهو في أدنى درجات القبول برقم (١٦).","vol":"2","page":22},{"text":"نعم هناك حديث آخر من روايته وصحّحه، ولكنه كان مقرونًا بغيره (^١).\n٣ - وقال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا عمر بن علي، عن الحجّاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن النبي ﷺ سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: \"لا، وأن تعتمروا هو أفضل\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nقلت: وهو خبر منكر مرفوعًا، لا يصح، وإنما هو موقوف.\nوقد خرّج أبو عيسى لحجّاج نحو خمسة وعشرين حديثًا، ولم يصحِّح له سوى هذا الحديث.\nأقول: لا شك أن الغالب على أحكام الترمذي الاطّرادُ، وما تقدم من أمثلة على اختلاف حكمه إنما هو يسيرٌ بجانب آلاف من الأحاديث التي حكم عليها.\nولا يخفى أن هذا قد يكون مرجعه إلى اختلاف المتن، أو لشهرة الإسناد من عدمه (^٣)، مع ملاحظة أن هذه الأسانيد هي محل خلاف بين أهل العلم قوة وضعفًا، بخلاف الأسانيد المشهورة في الصحة أو في الضعف؛ فهذه يقلُّ الاختلاف فيها.\n* * *\n_________\n(^١) (١٤٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٩٥١).\n(^٣) ينظر: \"جامع الترمذي\" (٣٨٨٣).","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>الفصل الثاني تفنن أبي عيسى الترمذي في الأحكام</span>\nتفنن أبو عيسى الترمذي في هذا الكتاب أيما تفنن، سواء في انتقائه لأحاديث هذا الكتاب، أو في بيان فقهها واستخراج المسائل المستنبطة منها، أو في بيان صحيحها من معلولها، وخاصة في أحكامه عليها، حيث أكثر من المغايرة بين الألفاظ في الأحكام، خاصة في وسط الكتاب وآخره.\nوهذا في الحقيقة دليل على تمكنه من هذا الفن، لذا هو يُعبِّر بأكثر من مصطلح عن المعنى الواحد، وهذا ظاهر جدًا لمن نظر في كتابه نظرة دراسة وتأمل.\nفمن ذلك: ما حكم عليه بالصحة، مثل قوله: \"صحيح حسن\" (^١)، وهذا عكس ما يستعمله غالبًا بقوله: \"حسن صحيح\" (^٢)، وقوله: \"صحيح حسن غريب\" (^٣)، وأحيانًا: \"غريب حسن صحيح\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"صحيح غريب\" (^٥)، وفي بعضها يعكس ذلك: \"غريب صحيح\" (^٦)، وفي بعضها: \"إسناد صحيح\" (^٧)، أو يقول: \"إسناده جيد\" (^٨).\n_________\n(^١) ينظر: (٨٢٠، ٩٢٩، و١٩٩٩، ٢٠٥١، ٢٢٤٤، و٢٥٦٣).\n(^٢) وهذا كثير جدًا.\n(^٣) ينظر: (١٤٣٧).\n(^٤) ينظر: (٨١٠، ١٠٠١، ١٠٢٤، ١٣٧٦، ٢٤٠٥).\n(^٥) ينظر: (٤٥١، ٢١٢٢، ٢١٣٤).\n(^٦) ينظر: (١٧٢٦).\n(^٧) ينظر: (١٢٦٨، ٢٠٢٦).\n(^٨) ينظر: (١١٨٨) طبعة بشار، قال فيه: (حسن صحيح غرب من هذا الوجه، وإسناده جيد).","vol":"2","page":25},{"text":"ومن ذلك أيضًا: ما حكم عليه بالحسن، مثل قوله: \"حسن غريب\" (^١)، وفي بعضها عكس ذلك: \"غريب حسن\" (^٢)، وأحيانًا يقول: \"حسن غريب\"، ثم يقول: \"وهو إسناد حسن صحيح\" (^٣)، وفي بعضها: \"حديث حسن جيد غريب\" (^٤)، و\"إسناد حسن\" (^٥).\nومما يؤيد ما تقدم: تفنّنه في العبارات التي يستعملها في الدلالة على ضعف الحديث، فهو يستعمل عبارة: \"حديث ضعيف\"، أو: \"حديث ضعيف الإسناد\" (^٦)، وأيضًا: \"إسناده ليس بالقوي\" (^٧).\nمع ملاحظة أن الضعف درجات، فقد يكون ضعفُ الحديثِ يسيرا، وقد يكون شديدًا، ولكن أبا عيسى لا يلزم أنه يعني ذلك فيما تقدم، أو فيما سيأتي.\nأو يقول: \"ليس بذاك\" (^٨)، أو: \"في إسناده مقال\" (^٩).\nأو: \"ولا يصح إسناده\"، أو: \"لا يصح\"، أو: \"لا يصح من قبل إسناده\" (^١٠).\nأو: \"ليس إسناده بالقائم\"، أو: \"بذاك القائم\" (^١١).\nأو: \"ليس بإسناده بأس\"، ثم أشار إلى تضعيفه (^١٢).\n_________\n(^١) وهذا كثير أيضًا، لا يحتاج إلى التمثيل.\n(^٢) ينظر: (٦، ٤٥٨، ٤٣٢، ٢٤٧٣، ٢٤٧٤).\n(^٣) ينظر: (٤٣).\n(^٤) ينظر: (٢١٦٦).\n(^٥) ينظر: (٢٧٨٣).\n(^٦) ينظر: (٨٠٢، ٢١٢٧، ٢٧٩٥، ٢٨٥٢).\n(^٧) ينظر: (٥٨٥، ٧٣٥، ١٠٥١).\n(^٨) ينظر: (٦١١، ٦٦٤، ٨١٥).\n(^٩) ينظر: (٦٣٣، ٦٤٥، ٧٤٠، ١١٨٠).\n(^١٠) ينظر: (٧٢٩، ١١٤٣، ١١٥١).\n(^١١) ينظر: (٣٧، ١١٥٣، ١٩٠٠، ٢٨٧٠، ٣٠٢٤).\n(^١٢) ينظر: (١١٨١).","vol":"2","page":26},{"text":"أو يذكر بأن فيه فلانًا وهو ضعيف، أو يذكر أكثر من راو من الضعفاء (^١).\nأو يقول: \"إسناد هذا الحديث ليس بصحيح\" أو: \"وليس إسناده بصحيح\" (^٢).\nأو: \"غير محفوظ\" (^٣).\nأو: يحكم عليه بالغرابة، ثم يبين ضعفه (^٤)، وعلى هذا فما قال عنه: \"غريب\" وسكت عنه؛ فهو ضعيف عنده غالبًا، مع ملاحظة أن الغرابة تتعلق بالعلة، إلا أنه يعبر كثيرًا عن الحديث الضعيف بالغريب.\nأو يبين ضعفه من خلال بيان علته (^٥).\nأو يقول: \"هذا أصح من ذاك\" ويعني به تضعيف الآخر (^٦).\nأو: \"هذا حديث خطأ\" (^٧)، أو: \"أخطأ فيه فلان\" (^٨)، أو: \"وهو وهم\" (^٩).\nمع ملاحظة أن قوله: \"هذا أصح من ذاك\"، أو: \"خطأ\" وما بعدها؛ يستعمل في تعليل الخبر.\nومثل ذلك حكمه على الحديث بالاضطراب، وقد تقدم هذا في مبحث مستقل (^١٠).\n_________\n(^١) ينظر: (٦٤١، ٦٥٣).\n(^٢) ينظر: (٦٤٢، ١٤٦٧).\n(^٣) ينظر: (٦٤٩، ٧٢٨، ٨٦٨، ٨٧١، ١٤٢٠).\n(^٤) ينظر: (٦٥١، ٨٢٦، ٨٦٩، ١٠٤٢، ١٠٣٤).\n(^٥) ينظر: (٧٧٤، ١٠٣٣).\n(^٦) ينظرة (٨٨٧).\n(^٧) ينظر: (٩٩٠، ١٤٢٤).\n(^٨) ينظر: (١٠٣٤).\n(^٩) ينظر: (١٢٨٨).\n(^١٠) في منهج الترمذي في تعليل الأخبار.","vol":"2","page":27},{"text":"هذا بالإضافة إلى بيان أنواع الضعف كقوله بأنه: \"مرسل\" (^١).\nأو يبين أن: \"إسناده ليس بالمتصل\" (^٢).\nومن عباراته: \"حديث مشهور\"، ثم بين انقطاع إسناده (^٣).\nأو يقول: \"حديث منكر\" (^٤)، وقد تقدم إفراد بحث في ذلك (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: حديث (١١٧٨، ١٣٢٤)، والأمثلة عليه كثيرة.\n(^٢) ينظر: (١١٠٣، ١١٠٤) مع أنه حكم على كلا الحديثين بالغرابة، و(١٣١٠، ١٣٦٧).\n(^٣) ينظر: (١٢٤٠).\n(^٤) ينظر: (٨٠٢، ١٨٩٨، ١٩٧٥).\n(^٥)","vol":"2","page":28},{"text":"مصطلح \"الصحيح\"","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>مصطلح \"الصحيح\"</span>\nيرد مصطلح \"الصحيح\" في استعمال أبي عيسى: مقترنا، ومجرَّدا.\nفأما المجرَّد فهو أن يقول: \"حديث صحيح\".\nوأما المقترن فهو أن يقول: \"صحيح غريب\"، أو \"غريب صحيح\".\nوأما مقاصده في استعمال هذا المصطلح، فهي على خمسة أنواع:\nالنوع الأول: أن يستعمله على بابه.\nالنوع الثاني: أن يستعمله بمعنى \"حسن صحيح\".\nالنوع الثالث: أن يريد به تأكيد صحة الخبر.\nالنوع الرابع: أن يريد به أنه أصح مما حكم عليه بأنه \"حسن صحيح\".\nالنوع الخامس: أن يريد به تصحيح الحديث لكونه روي من غير وجه، وليس لذات هذا الوجه فقط.\nوفيما يلي بيان هذه الأنواع، مع التمثيل لكل نوع.\n* * *","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>النوع الأول استعمال مصطلح \"الصحيح\" على بابه</span>\nمن أمثلته:\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ صلى الظهر حين زالت الشمس.\nهذا حديث صحيح) (^١).\nقلت: وهذا تصحيح على بابه، فقد خرج الشيخان هذا الحديث (^٢)\n٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كانوا ركوعًا في صلاة الصبح.\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح) (^٣).\nقلت: وهذا تصحيح على بابه، وقد خرج الشيخان أيضًا هذا الحديث (^٤).\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن أبي التَيّاح الضُّبَعي، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغَنْم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٥٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٢٩٤)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٥٩)، من طريق عبدالرزاق به.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٤٢)، وفي نسخة: (حسن صحيح).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٤٤٨٨)، \"صحيح مسلم\" (٥٢٦)، من طريق عبدالله بن دينار به.","vol":"2","page":32},{"text":"وأبو التياح: اسمه يزيد بن حميد) (^١).\nقلت: وهذا تصحيح أيضًا على بابه، وقد خرج الشيخان هذا الحديث (^٢).\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنس بن مالك، قال: صلينا مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة، أربعًا، وبذي الحليفة العصر ركعتين.\nهذا حديث صحيح) (^٣).\nقلت: وهذا تصحيح على بابه، وقد خرّج الشيخان هذا الحديث (^٤)\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا هُشيم، عن منصور ابن زاذان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلى ركعتين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح) (^٥).\nقلت: هذا رجاله ثقات مشاهير، ولكن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس، كما نصَّ على ذلك كبار الحفاظ من شعبة وغيره (^٦)، ويظهر أن تصحيح أبي عيسى لهذا الخبر على بابه، وكأنه غفل عن عدم ثبوت سماع ابن سيرين من ابن عباس، ولذا لم يخرِّج الشيخان لابن سيرين عن ابن عباس شيئًا، إلا حديثًا ساقه البخاري في \"صحيحه\" من طريق أيوب عن ابن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٥١)، وفي بعض النسخ: (حسن صحيح).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٣٤)، \"صحيح مسلم\" (٥٢٤)، من طريق شعبة به.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٥٥٤).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (١٠٨٩)، \"صحيح مسلم\" (٦٩٠)، من طريق ابن عيينة به.\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٥٥٥).\n(^٦) ينظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ص: ١٨٦).","vol":"2","page":33},{"text":"سيرين عن ابن عباس قال: تعرَّق النبي ﷺ كتفا (^١)، ثم ساقه بعده من طريقه -أي أيوب- عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس (^٢)، والذي يظهر أنه يريد الإسناد الثاني.\nوهذه الترجمة في الكتب الستة قليلة، فليس فيها إلا الحديث السابق؛ قصر الصلاة، وقد أخرجه النسائي أيضًا (^٣)، وحديث الأكل من الكتف الذي تقدم، وحديثان آخران أخرجهما النسائي أحدهما في القيام للجنازة (^٤)، والثاني في صدقة الفطر (^٥).\n٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هارون بن إسحاق الهمْداني، قال: حدثنا عبْدَة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما افْتُرِض رمضان كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.\nوفي الباب عن ابن مسعود، وقيس بن سعد، وجابر بن سمرة، وابن عمر، ومعاوية.\nقال أبو عيسى: والعمل عند أهل العلم على حديث عائشة، وهو حديث صحيح) (^٦).\nقلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث قد خرجه الشيخان (^٧).\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب،\n_________\n(^١) (٥٤٠٤).\n(^٢) (٥٤٠٥).\n(^٣) \"المجتبى\" (١٤٥١).\n(^٤) (١٩٤٠ - ١٩٤١).\n(^٥) (٢٥٢٨).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٧٦٥).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (٢٠٠٢)، \"صحيح مسلم\" (١١٢٥)، من طريق هشام به.","vol":"2","page":34},{"text":"قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، قال: شهدت عمر بن الخطاب في يوم نحر بدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن صوم هذين اليومين، أما يوم الفطر ففطركم من صومكم وعيد للمسلمين، وأما يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.\nوأبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف اسمه: سعد، ويقال له: مولى عبد الرحمن بن أزهر أيضًا، وعبدالرحمن بن أزهر هو: ابن عم عبد الرحمن بن عوف) (^١).\nقلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث قد خرجه الشيخان (^٢).\n٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أنه سمع سعد ابن أبي وقاص والضحاك بن قيس وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ، وصنعناها معه.\nهذا حديث صحيح) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٨٤)، وفي هامش تحقيق طبعة الرسالة (٧٨٢) أنه وقع في بعض النسخ: (حسن صحيح).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٩٩٠)، \"صحيح مسلم\" (١١٣٧)، من طريق الزهري به.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٨٣٩)، وكذا في \"تحفة الأشراف\" (٣٩٢٨)، ووقع في بعض النسخ: (حسن صحيح).","vol":"2","page":35},{"text":"قلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث ثابت في \"الصحيح\" (^١)\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يُرَغِّبُ في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ويقول: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nفتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر كذلك في خلافة أبي بكر، وصدْرًا من خلافة عمر بن الخطاب على ذلك.\nوفي الباب عن عائشة.\nهذا حديث صحيح.\nوقد روي هذا الحديث أيضًا عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ) (^٢).\nقلت: وهذا تصحيح على بابه أيضًا (^٣).\n١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هارون بن إسحاق الهمْداني، قال: حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر ابن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس، فقد أفطرت\".\nوفي الباب عن ابن أبي أوفى، وأبي سعيد الخير.\nقال أبو عيسى: حديث عمر حديث صحيح).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٢٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٨٢٢)، وكذا في \"تحفة الأشراف\" (١٥٢٧٠).\n(^٣) وينظر: \"جامع الترمذي\" (٨٣٤، ١٠٢٨).","vol":"2","page":36},{"text":"قلت: كذا في \"تحفة الأشراف\"، وفي طبعة التأصيل والرسالة: (حسن صحيح) (^١).\nوهذا تصحيح على بابه، والحديث ثابت في \"الصحيح\" (^٢)\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: وأخبرنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ: قال: \"من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه\".\nوفي الباب عن أنس.\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح).\nكذا في \"تحفة الأشراف\"، وفي طبعتي التأصيل والرسالة: (حسن صحيح) (^٣).\nقلت: وهذا تصحيح على بابه، والحديث قد خرجه البخاري (^٤).\n* * *\nومما يلحق بهذا المصطلح قول الترمذي: (إسناده صحيح)، ومثاله:\nقال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: أخبرنا الوليد بن أبي الوليد،\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (١٠٤٧٤)، \"جامع الترمذي\" طبعة التأصيل (٧٠٧)، الرسالة (٧٠٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٩٥٤)، \"صحيح مسلم\" (١١٠٠)، من طريق هشام به.\n(^٣) \"تحفة الأشراف\" (١٤٣٢١)، \"جامع الترمذي\" طبعة التأصيل (٧١٦)، الرسالة (٧١٦).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (١٩٠٣).","vol":"2","page":37},{"text":"عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه\".\nوفي الباب عن أبي أسيد.\nهذا حديث إسناده صحيح، وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر من غير وجه) (^١).\nقلت: وهذا تصحيح من الترمذي لهذا الحديث، وقد صحّحه أيضًا مسلم، فقد أخرجه في \"صحيحه\" (^٢)، والوليد بن أبي الوليد لا بأس به، وحديثه مستقيم، وإن كان مقلا ليس بالمشهور.\nوقد يذكر الترمذيُّ أحيانًا الحديث ويبيّن ضعفه، ثم يقول: (ليس له إسناد صحيح).\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا حفص بن سليمان، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله وحرم حرامه، أدخله الله به الجنة، وشفَّعَه في عشرة من أهل بيته، كلهم قد وجبت له النار\".\nهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح، وحفص بن سليمان أبو عمر، بزَّاز كوفي، يُضعَّف في الحديث) (^٣).\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا ابن أبي عمر وعبد الله بن أبي زياد -المعنى واحد-، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن مُحيصِن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٠٢٦)، وفي \"تحفة الأشراف\" (٧٢٥٩): (صحيح) فقط.\n(^٢) (٢٥٥٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣١٤٥).","vol":"2","page":38},{"text":"[النساء:١٢٣] شقَّ ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: \"قاربوا وسددوا، وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة، حتى الشوكة يشاكّها، أو النكبة ينكبها\".\nهذا حديث حسن غريب.\nوابن مُحيصِن اسمه عمر بن عبد الرحمن بن مُحيصِن.\nحدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، قال: أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأنزلت عليه هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٣] فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت عليَّ؟ \" قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرَأَنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصامًا، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ: \"ما شأنك يا أبا بكر؟ \" قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟! وانا لَمَجْزِيُّون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيُجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة\".\nهذا حديث غريب، وفي إسناده مقال؛ موسى بن عبيدة يُضعَّف في الحديث؛ ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل.\nومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا.\nوفي الباب عن عائشة) (^١).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣٠٥ - ٣٣٠٦).","vol":"2","page":39},{"text":"٣ - وقال أيضًا: (حدثنا إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن … \".\nهذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث.\nوقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث.\nوقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح) (^١).\nقلت: استعماله هنا لهذا المصطلح (ليس له إسناد صحيح) على بابه، وهو أن هذا الخبر أسانيده ضعيفة، وهو ما يقابل الصحيح.\n* * *\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٨٣٦).","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>النوع الثاني أن يستعمل \"الصحيح\" بمعنى \"حسن صحيح\"، ومغايرته بين العبارات من باب التفنن</span>\nتقدم أن أبا عيسى قد تفنن في أحكامه على الأحاديث بعبارات شتّى، حتى إن هذه العبارات قد تصل إلى نحو المائتين، كما عدّها بعض الباحثين، والكثير منها يرجع إلى معانٍ متقاربة، وإنما يتفنن في التعبير بها، لذا كل المصطلحات الحديثية موجودة في كتابه.\nوهذه سمة عند المتقدمين، فتجد أنهم لا يتقيدون بـ \"صحيح\" فقط، أو \"حسن\" فقط، أو \"ضعيف\" فقط، بل يعبرون بعبارات كثيرة، وهذا مرجعه إلى أمرين:\nالأول: باب التفنن.\nوالثاني: درجة الحديث، إذ لا يخفى أن الصحيح درجات، فهناك الصحيح وهناك الأصح، وبينهما درجات كثيرة، فهناك المسلسل بالحفاظ، وهناك الذي رجاله ثقات حسب، وما جاء من وجه واحد، وما جاء من أوجه متعددة، وهناك المشهور، والغريب، فيعطون كلَّ حكمٍ ما يناسبه.\nودليل ذلك -مثلًا- النظر إلى أحكام علي بن المديني على الأحاديث، وسوف أذكر أمثلة منها حتى يتبين لك ذلك:\n١ - روى علي بن المديني عن حسين بن علي الجُعفي، عن زائدة، عن عاصم -وهو ابن كليب-، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"من كان منكم ملتمسًا ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر وترًا\".\nقال علي: (هو حديث صالح، ليس مما يسقط، وليس مما يحتجُّ به،","vol":"2","page":41},{"text":"وقد روي عن رسول الله ﷺ تثبيت هذا الحديث) (^١).\nفانظر إلى دقته في الحكم؛ حكم عليه أولا بأنه صالح، ثم أضاف أنه ليس مما يسقط، ثم بين بأنه لا يصل إلى درجة الاحتجاج، وهذه الأحكام كلها على إسناد هذا الخبر، وأما المتن فبين بأنه محفوظ، وذلك لوروده من أوجه أخرى.\nبينما غيره قد يكتفي بالحكم عليه بأن إسناده حسن.\n٢ - وروى عن جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: قال عمر: لما أصبح رسول الله ﷺ بمكة دخل البيت فصلى ركعتين.\nقال علي: (هذا حديث صالح الإسناد، ولم يرو عن عمر إلا من هذا الوجه) (^٢).\nقلت: وقوله: (صالح الإسناد) من أجل يزيد بن أبي زياد، متكلم في حفظه، ولكنه ليس بالضعيف البين، وإنما فيه لين وضعف.\nثم بين علي بن المديني أن هذا الإسناد فرد، وهذا بالنسبة لروايته عن عمر، فلم يرو عنه إلا من هذا الوجه، ولا يخفى أن هذا الحكم دقيق؛ لأنه يحتاخ إلى أطلاع واسع.\n٣ - وروى عن أبي النضر، عن أبي عقيل، عن مجالد بن سعيد، عن عامر، عن مسروق بن الأجدع، قال: لقيت عمر بن الخطاب، فقال لي: من أنت؟ قلت: مسروق بن الأجدع. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الأجدع شيطان\"، ولكنك مسروق بن عبد الرحمن.\n_________\n(^١) \"مسند الفاروق\" (١/ ٤٤١).\n(^٢) \"مسند الفاروق\" (١/ ٤٨٩).","vol":"2","page":42},{"text":"قال عامر -أي: الشعبي-: فرأيته في الديوان: مسروق بن عبد الرحمن، فقلت: ما هذا؟ قال: هكذا سماني عمر.\nقال علي: (هذا حديث صالح الإسناد، وليس بالصافي، وهو حديث كوفي، لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وأبو عقيل ضعّفه أبو أسامة) (^١).\nقلت: فانظر إلى دقته في حكمه على هذا الخبر، فبين أنه صالح الإسخاد، ثم عقّب بأنه ليس بالصافي؛ لأن فيه أبا عقيل، وقد تكلّم فيه أبو أسامة، وتكلّم فيه غيره أيضًا، ولكن وثّقه الجمهور، وكأنّ له بعض الأشياء التي تستنكر، ولم يخرج له أبو داود في \"السنن\" سوى هذا الحديث (^٢).\nوفيه مجالد أيضًا وفيه لين وضعف، فأصبح هذا الإسناد ليس بالصافي.\nثم بين بأنه من رواية أهل الكوفة، وأنه لم يروه غيرهم، وأنه لا يحفظه إلا من هذا الوجه، فهو حديث فرد.\n٤ - وروى عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر … ذكر قصة خروجه إلى خيبر واعتداء اليهود عليه.\nقال علي: (هذا إسناد مدني صالح، ولم نُصِبْه مسندا إلا من هذا الطريق، وقد رواه غير واحد عن نافع، ولم يرفعه أحد منهم إلى عمر بن الخطاب إلا محمد بن إسحاق) (^٣).\nقلت: فانظر إلى هذه الدقة في الحكم، فقد بين أنه لم يروه إلا أهل المدينة، وأنه إسناد صالح، وأنه قد رواه غير واحد عن نافع، ولكن لم يرفعه منهم إلا ابن إسحاق.\n_________\n(^١) \"مسند الفاروق\" (١/ ٥٤٠).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٤٩٥٧).\n(^٣) \"مسند الفاروق\" (٢/ ٤٠).","vol":"2","page":43},{"text":"٥ - وروى عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لَهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني، قال: سمعت فَضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الشهداء أربعة … \" الحديث.\nقال علي: (هذا حديث مصري، وهو صالح) (^١).\nقلت: وقوله: (صالح)؛ لأن الراوي عن ابن لَهيعة هو ابن المبارك، وهو ممن سمع منه قديمًا، مع ملاحظة أنه لم يصححه أو يجود إسناده، ويبين ذلك:\n٦ - ما قاله عن حديث آخر رواه روى حسن بن موسى الأشيب، عن ابن لَهيعة، عن أبي الأسود، أنه سمع محمد بن عبد الرحمن بن لَبيبة، يحدث عن أبي سنان الدُّؤلي، أنه دخل على عمر بن الخطاب … فذكر قصة، ثم قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فأنا أشفق من ذلك\".\nقال ابن كثير: (هذا إسناد جيد؛ لأن ابن لَهيعة قد صرح فيه بالتحديث، فزال محذور تدليسه، لكن قال الإمام علي بن المديني: الحسن بن موسى إنما سمع من ابن لَهيعة بآخرة، وإنما يروى حديث ابن لَهيعة ممن سمع منه قبل أن يصاب بكتبه؛ مثل ابن المبارك، وأبي عبد الرحمن المقرئ، وابن وهب).\nقال ابن كثير: (وسيأتي في باب السيرة موقوفا على عمر ﵁) (^٢).\nفانظر الفرق بين حكم علي بن المديني وحكم ابن كثير.\n_________\n(^١) \"مسند الفاروق\" (٢/ ٢٩٦).\n(^٢) \"مسند الفاروق\" (٣/ ٥٥).","vol":"2","page":44},{"text":"٧ - وروى عن يحيى القطان، عن شعبة، عن سلمة بن كُهيل، قال: سمعت أبا الحكم، قال: سألت ابن عمر عن الجر، فحدثنا عن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الجر، وعن الدُّبَّاء، وعن المُزَفَّت.\nقال علي: (صالح الإسناد، ولا يُحفظ عن عمر إلا من هذا الوجه، وأبو الحكم هذا لا أعلم روى عنه إلا سلمة بن كهيل، وقد روي هذا الحديث من وجوه كثيرة عن الصحابة) (^١).\nويلاحظ أن (الصالح) عند ابن المديني ليس في درجة واحدة.\nقلت: هذه أحكام يسيرة مما وُقف عليه من أحكام علي بن المديني، والذي وقُف عليه إنما هو قطعة من \"مسند عمر\" ليعقوب بن شيبة، نقل فيها عن شيخه علي بن المديني هذه الأحكام، وقد نقلها ابن كثير في \"مسند الفاروق\" له، وينظر في نفس الكتاب أحكامٌ أخرى له فيما يتعلق بالصحيح، والجيد، والحسن، وغير ذلك، فكيف لو وجد \"مسنده المعلل\"؟!\nوبالله تعالى التوفيق.\nومن الأمثلة على هذا النوع:\n١ - قال الترمذي ﵀: (باب فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع.\nحدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن عمران القطان، عن حميد، عن أنس، قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله ﷺ عن ذلك، فقال: \"إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر، وأبن عباس.\n_________\n(^١) \"مسند الفاروق\" (٢/ ٣٧٥).","vol":"2","page":45},{"text":"حديث أنس حديث حسن صحيح.\nحدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا حميد، عن ثابت، عن أنس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بشيخ كبير يُهادى بين ابنيه، فقال: \"ما بال هذا؟ \" قالوا: نذر -يا رسول الله- أن يمشي، قال: \"إن الله ﷿ لغني عن تعذيب هذا نفسه\"، قال: فأمره أن يركب.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا …، فذكر نحوه.\nهذا حديث صحيح) (^١).\nقلت: هذا الحديث وقع فيه اختلاف في المتن وفي الإسناد:\nأما في المتن، ففي الإسناد الأول: أن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله، وفي الإسنادين الثاني والثالث: أن رسول الله ﷺ مر بشيخ كبير يهادى بين ابنيه.\nوأما الاختلاف في الإسناد، فمرة: حميد عن أنس، ومرة: بينهما ثابت.\nفقول المصنف عن الإسناد الثالث: (هذا حديث صحيح)، كأنه يريد أن هذا الاختلاف لم يؤثر على صحة الحديث؛ لأنه اختلاف يسير، فسواء كان الناذر رجلًا أو امرأة فالحكم واحد.\nوأما الإسناد فسواء كان حميد عن أنس، أو بينهما ثابت، فهذا أيضًا لا يؤثر، وفي عدة أحاديث يقول حميد -بعد أن يرويه عن أنس-: وثبتني فيه ثابت.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٢٨ - ١٦٣٠)، وكذا في طبعة الرسالة (١٦١٦ - ١٦١٨).","vol":"2","page":46},{"text":"قلت: مع ملاحظة أن طريق عمران القطان عن حميد، فيها بعض النظر، فقد أخرج هذا الحديث الشيخان من طريق الفزاري (^١)، وأخرجه البخاري من طريق يحيى بن سعيد -هو القطان- (^٢)، ومسلم من طريق يزيد بن زريع (^٣)؛ كلهم عن حميد، عن ثابت، عن أنس.\nوفي حديث الفزاري -وهو مروان بن معاوية- صرّح حميد بالتحديث من ثابت، ولفظه: أنه مرَّ بشيخ كبير يهادى بين ابنيه … الحديث.\nوأما طريق ابن أبي عدي عن حميد عن أنس، فقد تابعه يحيى بن سعيد الأنصاري عند النسَائِي (^٤).\nفهذا يؤيد أن حميدا حدث به على الوجهين.\n٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، قال: حدثني أبو النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول اللّه ﷺ قال: \"رباط يوم في سبيل اللّه خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله - أو الغدوة - خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها\".\nهذا حديث صحيح) (^٥).\nوفي \"التحفة\" للمزي: (حسن صحيح) (^٦).\nقلت: أخرج الترمذي الحديث في موضع سابق (^٧)، وقال: (حسن\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٨٦٥)، \"صحيح مسلم\" (١٦٤٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٧٠١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٦٤٢).\n(^٤) \"المجتبى\" (٣٨٨٨)، وينظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٣٠٤٤)، \"علل الدارقطني\" (٢٤١١).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (١٧٧١).\n(^٦) \"تحفة الأشراف\" (٤٧٠٣).\n(^٧) برقم (١٧٥٦).","vol":"2","page":47},{"text":"صحيح)، فكأن صاحب \"التحفة\" اكتفى بأحد الحكمين للترمذي، وهذا يدلّ على أن الترمذي يستعمل (صحيح) بمعنى (حسن صحيح) أحيانا.\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي وأبو النضر، عن محمد بن طلحة بن مُصرِّف، عن زُبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"صلاة الوسطى صلاة العصر\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح) (^١).\nوأعاده أيضا في موضع آخر، قال: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو النضر وأبو داود، عن محمد بن طلحة بن مُصرِّف، عن زبيد، عن مرة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"صلاة الوسطى صلاة العصر\".\nوفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي هاشم بن عتبة، وأبي هريرة.\nهذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nوهذا يقال فيه كما قيل في الذي قبله.\n٤ - قال الترمذي ﵀: (باب ما ذكر في الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس بعد ذلك.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر ابن عبد الله، أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٨٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٢٤٥).","vol":"2","page":48},{"text":"والعمل على هذا عند …، واحتجوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد روي من غير وجه عن جابر) (^١).\nقلت: قال في الأول: (حسن صحيح)، ثم قال: (صحيح)، وهذا من باب التفنن في العبارة، وأن المقصود بهما واحد.\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"من أتى الجمعة فليغتسل\".\nوفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.\nوروي عن الزهري، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا.\nحدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن النبي ﷺ مثله.\nوقال محمد: وحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، وحديث عبد اللّه ابن عبد اللّه، عن أبيه؛ كلا الحديثين صحيح).\nقلت: وهذا يؤكد ما تقدم تقريره.\nثم قال أبو عيسى: (وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر.\nقال أبو عيسى: وقد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٩٠).","vol":"2","page":49},{"text":"ورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ، فقال: أية ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول اللّه ﷺ أمر بالغسل!\nحدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٩٨ - ٥٠٠).","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>النوع الثالث تأكيد صحة الخبر</span>\nوذلك عندما يكون اختلاف في الإسناد -ونحو ذلك- مما يُظَن أنه يؤثر في صحته، فيحكم أبو عيسى عليه بأنه (صحيح) نفيًا لهذا التأثير، وهذا لا أجزم به، وإنما أميل إليه؛ لأني رأيته في بعض أحكامه على الأحاديث؛ فحملته على ذلك، منها:\n١ - قوله ﵀: (حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"القتل في سبيل اللّه يكفر كل خطيئة\"، فقال جبريل: إلا الدين، فقال النبي ﷺ: \"إلا الدين\".\nوفي الباب عن كعب بن عجرة، وجابر، وأبي هريرة، وأبي قتادة.\nوحديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ.\nوسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال: أرى أنه أراد حديث حميد، عن أن، عن النبي ﷺ أنه قال: \"ليس أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد\".\nحدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما من عبد يموت له عند الله خير يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى\".\nهذا حديث صحيح) (^١).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٤٩ - ١٧٥٠)، وهكذا في \"تحفة الأشراف\" (٥٨٨). =","vol":"2","page":51},{"text":"قلت: الطريق الأولى لا تصح كما بين أبو عيسى، ونقل ذلك عن البخاري، ويحيى بن طلحة الكوفي ضعيف ولا يكتب حديثه.\nوإنما حديث حميد الصحيح: هو الذي ساقه بعد ذلك عن أنس: \"ما من عبد يموت … \" الحديث، فقوله: (صحيح) كأنه يريد أن يؤكد أن الصحيح في حديث حميد هو اللفظ الثاني لا الأول.\nقلت: ويزيد هذا تأكيدا، أنه أعاد الحديث في موضع آخر، وقال: (حسن صحيح)؛ قال ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أن بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ما من أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا غير الشهيد، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، يقول: حتى أقتل عشر مرات في سبيل الله، مما يرى مما أعطاه الله من الكرامة\".\nهذا حديث حسن صحيح) (^١).\nفهذا الإسناد أصحّ من الذي قبله؛ لأن قتادة مقدّم على حميد، ومع ذلك قال عنه: (حسن صحيح)؛ لأنَّه لم يذكر اختلافا، بخلاف طريق حميد فقد ذكر خلافا قبله، فناسب أن يؤكد صحته، والله أعلم.\n٢ - وقوله ﵀: (حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أخبرني أبي وجدي جميعا، عن أبي محذورة، أن رسول اللّه ﷺ أقعده، وألقى عليه الأذان حرفا حرفا.\n_________\n= تنبيه: في هامش تحقيق طبعة الرسالة (١٧٣٨) أن في نسخة المباركفوري: (حسن صحيح)، والذي وجدته في الطبعة الهندية (٣/ ٨)، وطبعة دار الفكر (٥/ ٢٧٤): (صحيح) فقط.\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٦٩)، وستأتي الإشارة إلى هذا المثال في خاتمة هذا المصطلح.","vol":"2","page":52},{"text":"قال إبراهيم: مثل أذاننا. قال بشر: فقلت له: أعد علي، فوصف الأذان بالترجيع.\nقال أبو عيسى: حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد روي عنه من غير وجه) (^١).\nقلت: إبراهيم بن عبد العزيز ليس بالمشهور، ولا يعرف له سوى هذا الحديث، حتى إن ابن حبان عندما ذكره في \"الثقات\" قال: (يخطئ) (^٢)، وذكره أبو العرب في جملة الضعفاء (^٣)، وقال الأزدي: (إبراهيم بن أبي محذوة وإخوته يضعفون) (^٤). قال ابن حجر: (نُقل عن ابن معين تضعيفه) (^٥).\nوقد وقع في إسناد هذا الحديث اختلاف: قال ابن خزيمة -بعد أن رواه في \"صحيحه\" (^٦) عن بشر بن معاذ بهذا الإسناد-: (عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، إنما رواه عن عبد اللّه بن مُحيريز، عن أبي محذورة). ثم رواه من طريق ابن جريج، عن عبد العزيز، أن عبد اللّه بن محيريز أخبره، عن أبي محذورة.\nقال ابن حجر: (فعلى هذا يكون إبراهيم بن عبد العزيز أدرج حديث أبيه على حديث جده، وأسقط شيخ أبيه، واللّه أعلم) (^٧).\nقلت: فكأن أبا عيسى يريد بهذا التصحيح تأكيد ثبوت هذا الخبر، ولذا قال بعده: (وقد روي عنه من غير وجه)، ثم ساقه من طريق عامر\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٩١).\n(^٢) (٦/ ٧).\n(^٣) ينظر: \"إكمال التهذيب\" لمغلطاي (١/ ٢٤٧).\n(^٤) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٧٥).\n(^٥) المرجع السابق.\n(^٦) \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٤٦٦).\n(^٧) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٩٠).","vol":"2","page":53},{"text":"الأحول عن مكحول، عن عبد الله بن مُحيريز، عن أبي محذورة، أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. وقال: (هذا حديث حسن صحيح، وأبو محذورة اسمه: سمرة بن مِعْيَر) (^١).\n٣ - وقوله ﵀: (باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة.\nحدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه\".\nحدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن معيقيب، قال: سألت رسول اللّه ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة؟ فقال: \"فإن كنت لا بد فاعلا فمرة واحدة\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nوفي الباب عن علي بن أبي طالب، وحذيفة، وجابر بن عبد الله، ومعيقيب.\nقال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن.\nوقد روي عن النبي ﷺ أنه كره المسح في الصلاة، وقال: \"إن كنتَ لابد فاعلا فمرة واحدة\"، كأنه روي عنه رخصة في المرة الواحدة) (^٢).\nقلت: اختلفت نسخ الترمذي في حكمه على هذا الخبر، ففي بعض النسخ الخطية: (صحيح)، وفي بعضها الآخر و\"تحفة الأشراف\": (حسن صحيح) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٩٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٨١ - ٣٨٢).\n(^٣) (١١٤٨٥).","vol":"2","page":54},{"text":"وإذا كان الصواب هو الأول فيكون تصحيح الترمذي كأنه من باب التأكيد، وأن الحديث الأول الذي ذكره في صدر الباب لا يصل إلى درجة الصحة، بينما هذا الثاني هو الصحيح، والله تعالى أعلم.\n٤ - وقوله ﵀ (^١): (باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة.\nحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قول: \"من أتى الجمعة فليغتسل\".\nوفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.\nوروي عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضا.\nحدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن النبي ﷺ مثله.\nوقال محمد: وحديث الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث عبد اللّه بن عبد اللّه عن أبيه؛ كلا الحديثين صحيح.\nوقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري قال: حدثني آل عبد اللّه بن عمر، عن ابن عمر.\nقال أبو عيسى: قد روي عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ في الغسل يوم الجمعة أيضا، وهو حديث صحيح.\nورواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: أية\n_________\n(^١) تقدم هذا المثال في النوع الثاني برقم (٥).","vol":"2","page":55},{"text":"ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت على أن توضأت، قال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول اللّه ﷺ أمر بالغسل!\nحدثنا بذلك محمد بن أبان، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.\nوحدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبد اللّه بن صالح، قال: حدثني الليث، عن يونس، عن الزهري بهذا الحديث.\nوروى مالك هذا الحديث، عن الزهري، عن سالم، قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة، فذكر الحديث.\nقال أبو عيسى: سألت محمدا عن هذا، فقال: الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه.\nقال محمد: وقد روي عن مالك أيضا، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، نحو هذا الحديث) (^١).\nقلت: أراد المصنف أن يبين أن كلا الطريقين -أي: طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه، وطريق الزهري، عن عبد اللّه بن عبد اللّه، عن أبيه- كلاهما محفوظ، وأن الاختلاف الذي وقع في الإسناد لا يؤثر على صحة الخبر، فيكون قوله: (صحيح) من باب تأكيد الصحة، كما أن قوله (حسن صحيح) ثم قوله: (كلا الحديثين صحيح) من باب التفنن في العبارة كما تقدم في النوع الثاني، وأن مقصوده باللفظين -عندما حكم على هذا الخبر- واحد.\n٥ - وقوله ﵀: (باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٩٨ - ٥٠١).","vol":"2","page":56},{"text":"حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن مالك، أن ابن عمر صلى بجمع، فجمع بين الصلاتين بإقامة، وقال: رأيت رسول اللّه ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ … مثلَه.\nقال محمد بن بشار: قال يحيى: والصواب حديث سفيان.\nوفي الباب عن علي، وأبي أيوب، وعبد اللّه بن مسعود، وجابر، وأسامة بن زيد.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر روايةَ سفيان أصح من رواية إسماعيل بن أبي خالد، وحديث سفيان حديث حسن صحيح (^١).\nقال: وروى إسرائيل هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر.\nوحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث صحيح (^٢) أيضا؛ رواه سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، وأما أبو إسحاق فإنما روى عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر) (^٣).\n_________\n(^١) في هامش تحقيق طبعة الرسالة (٩٠٣) أنه وقع في بعض النسخ: (حديث صحيح).\n(^٢) في هامش تحقيق طبعة الرسالة أنه وقع في بعض النسخ: (حديث حسن صحيح)، وكذا في المتن المثبت مع \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٣٦٠)، ولم يُذكر حكم الترمذي في \"تحفة الأشراف\" (٧٠٥٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٩٠٤ - ٩٠٥).","vol":"2","page":57},{"text":"قلت: أراد بقوله: (وحديث سعيد بن جبير عن ابن عمر هو حديث صحيح) تأكيد صحة هذه الطريق، ولكن من رواية سلمة بن كهيل عن سعيد، وليس من رواية أبي إسحاق السبيعي عن سعيد، فإن هذه الطريق خطأ كما بين أبو عيسى نفسه، وأن الصواب في رواية أبي إسحاق إنما هو عن عبد اللّه وخالد ابني مالك، عن ابن عمر، كما رواه سفيان الثوري.\nوأما رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير، فهي خطأ.\nوقوله: (هو حديث صحيح أيضا) فيه استعمال (حسن صحيح) و(صحيح) بمعنى واحد.\n٦ - وقوله ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس قال -يرفع الحديث-: أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحُجْر.\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس صحيح) (^١).\nقلت (^٢) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف لا يحتج به كما ذهب إلى هذا عامة النقاد، وإذا كان أبو عيسى يرى قوته فإني أكاد أجزم بأنه لا يصل عنده إلى درجة الثقة الضابط لحديثه، إذًا لماذا صحّح حديثه هنا؟ كأنه أرأد أن يؤكد أن هذا الخبر محفوظ، ويؤكد هذا أنه لم يصحح له\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٩٣٨)، وكذا في \"تحفة الأشراف\" (٥٩٥٨)، وفي طبعة الشيخ أحمد شاكر (٩١٩): (حسن صحيح).\n(^٢) تقدم هذا المثال في الأمثلة التي تردد حكم الترمذي فيها برقم (٢)، وسيأتي أيضا -بكلام أوسع- في أمثلة ما قال عنه: (حسن صحيح) وهو في أدنى درجات القبول برقم (١٦).","vol":"2","page":58},{"text":"سوى هذا الحديث، نعم هناك حديث آخر له صححه ولكن كان مقرونا بغيره.\nقلت: والصواب في هذا الخبر أنه لا يصح بل هو معلول، فهو موقوف على ابن عباس كما رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمّام، عن عطاء، كما ذكر أبو داود (^١).\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا سفيان ابن حبيب، عن هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.\nوفي الباب عن عائشة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يحدث، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وأبو الشعثاء: اسمه جابر بن زيد) (^٢).\nقلت: هنا إما أنه يريد تأكيد الصحة، أو يريد صحته بتعدد الطرق، أو يريد أنه أصح -أي من الحديث الذي حكم عليه بأنه حسن صحيح-، أو من باب التفنن، والله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١٨١٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٨٦١ - ٨٦٣).","vol":"2","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>النوع الرابع يريد به أنه أصح مما حكم عليه بأنه \"حسن صحيح\"</span>\nومن الأمثلة على هذا النوع:\n١ - قال أبو عيسى ﵀: (باب ما جاء في التجار وتسمية النبي ﷺ إياهم.\nحدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمَّى السماسرة، فقال: \"يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة\".\nوفي الباب عن البراء بن عازب، ورفاعة.\nحديث قيس بن أبي غَرَزَة حديث حسن صحيح، رواه منصور والأعمش وحبيب بن أبي ثابت وغير واحد، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غَرَزَة، ولا نعرف لقيس عن النبي ﷺ غير هذا.\nحدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن قيس بن أبي غَرَزَة، عن النبي ﷺ … نحوه بمعناه.\nوهذا حديث صحيح) (^١).\nقلت: هكذا في طبعة التأصيل، والهندية الحجْرية مع \"التحفة\" (^٢)، وطبعة مكتبة المعارف التي معها \"العارضة\" (^٣)، وطبعة مصطفى الحلبي بتحقيق فؤاد عبد الباقي (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢٥٧ - ١٢٥٨).\n(^٢) (٢/ ٢٢٧).\n(^٣) (٥/ ٢١٢).\n(^٤) (٣/ ٥٠٥).","vol":"2","page":60},{"text":"وأما طبعة الرسالة (^١) ففيها: (حسن صحيح)، وهكذا في \"تحفة الأشراف\" (^٢)، ولكنه ساق الإسنادين ولم يذكر إلا حكما واحدا وهو (حسن صحيح)، فكأنه اختصر.\nوالأصوب الأول.\nفإذا علم هذا، فلا شك أن الإسناد الثاني أصح من الأول، فهل حكم عليه بأنه (صحيح) من أجل ذلك؟ هذا محتمل.\nويحتمل أيضا أنه حكم على الإسناد الثاني بأنه (صحيح) من أجل تعدد الأسانيد، وأن الخبر كلما زادت أسانيده قويَ، وبالتالي زادت صحته، فيكون (صحيح) أصح من (حسن صحيح)، وهذا مثل الاحتمال الأول.\nويحتمل تأكيد الصحة، وهذا أيضا يعود إلى الاحتمال الأول، ويحتمل التفنن، واللّه أعلم.\n٢ - وقال ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\".\nقال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ.\nوحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ؛ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنَّه قد روي من غير وجه.\nوأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح.\n_________\n(^١) (٣/ ٦٨).\n(^٢) (١١١٠٣).","vol":"2","page":61},{"text":"حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ، يقول: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل\".\nقال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: وهذا أيضا مثال على استعمال (حسن صحيح) بمعنى (صحيح)، ويريد أيضا التأكيد بأن هذا الحديث صحيح، وأنَّه ليس بخطأ، وقد نقل عن البخاري -كما تقدم- أن طريق أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح، يعني أن طريق أبي سلمة عن أبي هريرة خطأ، فدفع الترمذي ذلك بتأكيد صحة كلا الطريقين (^٢).\nقلت: وحديث أبي محذورة المتقدم (^٣) الذي في الأذان هو في نفس هذا المسلك، أكد صحته بأنه روي من غير وجه، وأن ما في الإسناد من بعض الضعف لا يؤثر على ثبوت هذا الخبر وصحته.\nمع ملاحظة أنه لا يسلك هذا المنهج دائما، ففي بعض المواضع يذكر أنه روي من غير وجه ومع ذلك لا يصححه (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٢، ٢٣)، وفي \"تحفة الأشراف\" (٣٧٦٦): (صحيح).\n(^٢) سيأتي هذا المثال أيضا في النوع الخامس من هذا المصطلح.\n(^٣) تقدم في النوع الثالث من هذا المصطلح برقم (٢).\n(^٤) ينظر: \"جامع الترمذي\" (٤١٥).","vol":"2","page":62},{"text":"٣ - وقال ﵀: (باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثَقَلٍ من جَمْعٍ بليل.\nوفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأسماء بنت أبي بكر، والفضل بن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثَقَلٍ من جمع بليل، حديث صحيح، روي عنه من غير وجه …\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدّم ضعفة أهله، وقال: \"لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\".\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: صححه، ومن أسباب ذلك أنه روي من غير وجه، وكأنه هنا أصح مما حكم عليه بأنه حسن صحيح.\n٤ - وقال ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بعثنا رسول اللّه ﷺ في سرية، فنزلنا بقوم فسألناهم القِرى فلم يقرونا، فلدغ سيدهم، فأتونا فقالوا: هل فيكم من يرقي من العقرب؟ قلت: نعم أنا، ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غَنْما، قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، فقبلنا، فقرأت عليه: ﴿الحَمْدُ﴾ سبع مرات فبرأ، وقبضنا الغَنْم، قال: فعرض في أنفسنا منها شيء، فقلنا: لا تعجلوا حتى تأتوا رسول الله ﷺ، قال: فلما قدمنا عليه ذكرت له الذي صنعت، قال: \"وما علمت أنها رقية؟ اقبضوا الغَنْم واضربوا لي معكم بسهم\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٩٠٩ - ٩١٠).","vol":"2","page":63},{"text":"هذا حديث حسن صحيح.\nوأبو نضرة اسمه: المنذر بن مالك بن قُطَعة.\nوروى شعبة وأبو عوانة وغير واحد، [عن أبي بشر] (^١)، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد هذا الحديث.\nحدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو بشر، قال: سمعت أبا المتوكِّل، يحدث عن أبي سعيد، أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ مروا بحي من العرب فلم يقروهم ولم يضيفوهم، فاشتكى سيدهم فأتونا، فقالوا: هل عندكم دواء؟ قلنا: نعم، ولكنكم لم تَقْرونا ولم تُضَيِّفونا، فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلا، فجعلوا على ذلك قطيعا من غَنْم، فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب فبرأ، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرنا ذلك له، قال: \"وما يدريك أنها رقية؟ \" ولم يذكر نهيا منه، وقال: \"كلوا واضربوا لي معكم بسهم\".\nهذا حديث صحيح، وهذا أصح من حديث الأعمش، عن جعفر بن إياس.\nوهكذا روى غير واحد هذا الحديث، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد.\nوجعفر بن إياس هو: جعفر بن أبي وحشية) (^٢).\nقلت: يلاحظ في الطريق الأولى: رواه الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة.\n_________\n(^١) زيادة من \"تحفة الأشراف\" (٤٣٠٧)، وجاءت في بعض النسخ كما في هامش تحقيق طبعة التأصيل.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٢٠٤ - ٢٢٠٥).","vol":"2","page":64},{"text":"وفي الطريق الثانية: رواه الجماعة؛ وهم شعبة عند البخاري ومسلم (^١)، وأبو عوانة عند البخاري (^٢)، وهشيم عند مسلم (^٣)، كلهم عن جعفر بن إياس، عن (أبي المتوكل)، بدل (أبي نضرة).\nفهل هذا اختلاف كما ذكر النسائي في \"الكبرى\" (^٤) فيصار إلى الترجيح، أو أن جعفر بن إياس روى هذا الحديث عن أبي نضرة وأبي المتوكل فيكون كلا الطريقين محفوظ؟\nهناك من ذهب إلى الأول؛ كأبي زرعة في \"العلل\" لابن أبي حاتم، فقال: (وهم الأعمش) (^٥)، وابن ماجه، وقال: (والصواب هو أبو المتوكل) (^٦)، والدارقطني في \"العلل\"، وقال: (وهو الصحيح) (^٧). وهذا هو مقتضى صنيع البخاري ومسلم.\nوالذي يظهر أن المصنف يصحح كلا الطريقين، ولكن الطريق الثانية عنده أصح؛ لأنها رواية الجماعة، وذلك أنه حكم على طريق الأعمش بأنها (حسن صحيح)، ويؤيد ذلك أنه لم يذكر هذا الحديث في كتابه \"العلل الكبير\"، فلو كانت معلولة عنده لذكرها، والله تعالى أعلم.\nوإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" فقال: (والذي يترجح في نقدي أن الطريقين محفوظان، لاشتمال طريق الأعمش على زيادات في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه) (^٨).\nولا شك في صحة الطريق الثانية، وأما الأولى فاحتمال صحتها قوي،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٧٣٦)، \"صحيح مسلم\" (٢٢٠١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٢٧٦، ٥٧٤٩).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٢٠١).\n(^٤) (١٠٩٧٧ - ١٠٩٨٠).\n(^٥) (٢٥٦٥).\n(^٦) \"سنن ابن ماجه\" (٣/ ٢٨٥).\n(^٧) (٢٣٢٠).\n(^٨) (٤/ ٤٥٥).","vol":"2","page":65},{"text":"وقد رواها عن الأعمش جمع من أصحابه، وهذا يدل على تحديثه بها مرات، كما أن أحدا من أصحابه لم ينكر عليه أو يراجعه في ذلك، لأن الطريق الأخرى غالبا لا تخفى عليهم، وصحّحها ابن حبان (^١) والحاكم (^٢)، ولم يعلَّها الدارقطنيُّ في \"السنن\" (^٣)، فقد رواها وسكت عنها، والله أعلم.\nوقد تميز كلام المصنف عن كلام غيره من الحفاظ بتصحيح كلا الطريقين، مع ترجيح الطريق الثانية، بخلاف غيره فإنما صحح الطريق الثانية فقط أو كلا الطريقين، وهذا له نظائر عند المصنف (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (٦١١٢).\n(^٢) \"المستدرك\" (٢٠٥٤).\n(^٣) (٣٠٣٤ - ٣٠٣٥). قال الدارقطني بعد إيراده رواية الأعمش: (خالفه شعبة)، ثم ساق روايته (٣٠٣٦).\n(^٤) ينظر: \"جامع الترمذي\" (٢٢).","vol":"2","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>النوع الخامس تصحيح الحديث لكونه روي من غير وجه</span>\nقال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\".\nقال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ.\nوحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنَّه قد روي من غير وجه.\nوأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح) (^١).\nومثله حديث أبي محذورة في الأذان، وقد تقدم (^٢).\nوقال ﵀ في باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن سعد بن مالك قال: عادني رسول اللّه ﷺ وأنا مريض، فقال: \"أوصيت؟ \"، قلت: نعم، قال: \"بكم؟ \"، قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: \"فما تركت لولدك؟ \"، قال: هم أغنياء بخير، فقال: \"أوص بالعشر\"، فما زلت أناقصه حتى قال: \"أوص بالثلث، والثلث كثير\".\nقال أبو عبد الرحمن: فنحن نستحب أن ننقص من الثلث، لقول رسول اللّه ﷺ \"والثلث كثير\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٢)، وقد تقدم في النوع الرابع من هذا المصطلح برقم (٢).\n(^٢) تقدم في النوع الثالث من هذا المصطلح برقم (٢).","vol":"2","page":67},{"text":"وفي الباب عن ابن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث سعد حديث حسن صحيح، وقد روي (^١) من وجه، وقد روي عنه: \"كبير\"، ويروى \"كثير\" (^٢» (^٣).\nقلت: وقد رواه عن عطاء:\n١ - خالد بن عبد اللّه (^٤).\n٢ - أبو إسحاق الفزاري (^٥).\n٣ - محمد بن فضيل (^٦).\n٤ - أبو الأحوص (^٧).\n٥ - جعفر بن زياد (^٨).\nوهو صحيح من حديث عطاء، ولكونه جاء أيضًا من طرق أخرى كثيرة حديث سعد بن أبي وقاص؛ صححه المصنف.\n* * *\nوالخلاصة من حيث الإجمال: أن (صحيح) عنده -فيما يظهر- أصح من (حسن صحيح)، والدليل على هذا من ثلاثة وجوه:\nالأول: أن حكم أهل العلم على حديث بأنه (صحيح) أنها على بابها،\n_________\n(^١) في بعض الطبعات زيادة: (عنه).\n(^٢) كذا في الرسالة أيضا، وفي طبعة بشار: (وقد روي عنه: والثلث كثير، ويروى: كبير)، في طبعة شاكر: (وقد روي عنه: والثلث كثير).\n(^٣) (١٠٠٠).\n(^٤) \"سنن سعيد بن منصور\" (٣٣٢).\n(^٥) \"السنة\" للمروزي (٢٦٠).\n(^٦) \"مسند أبي يعلى الموصلي\" (٧٤٦)، \"مستخرج أبي عوانة\" (٥٧٨٩).\n(^٧) \"السنة\" للمروزي (٢٥٨).\n(^٨) \"السنة\" للمروزي (٢٥٩).","vol":"2","page":68},{"text":"ولا تحتمل غير ما وضعت له، مثل عبارة (حسن صحيح)، فعندما يضاف إلى الصحيح (حسن) فهي ليست بالقوة مثل (صحيح) لوحدها.\nالثاني: ما تقدم من الأمثلة.\nالثالث: ما سيأتي أنه حكم على أحاديث كثيرة بـ (حسن صحيح) لأنها جمعت أدنى شروط القبول (^١).\nولا يرِد على هذا ما حكم به الترمذي على الحديث الآتي:\nقال: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"ما من أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا غير الشهيد، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، يقول: حتى أقتل عشر مرات في سبيل الله، مما يرى مما أعطاه اللّه من الكرامة\".\nهذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nوقال: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما من عبد يموت له عند الله خير يحب أن يرجع إلى الدنيا، وإن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى\".\nهذا حديث صحيح) (^٣).\n_________\n(^١)\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٧٦٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٧٥٠).\nتنبيه: ذكر محققو طبعة الرسالة (١٧٣٩) أن في نسخة المباركفوري: (حسن صحيح)، والذي وجدته في الطبعة الهندية (٣/ ٨)، وطبعة دار الفكر (٥/ ٢٧٤): (صحيح) فقط.","vol":"2","page":69},{"text":"فلا شك أن قتادة أوثق من حميد، ومع ذلك حكم على رواية حميد بأنها صحيحة، والجواب عن ذلك (^١):\n١ - ما تقدم تقريره أن أبا عيسى يتفنن كثيرا في حكمه على الأحاديث، فحكمه هنا من هذا الباب.\n٢ - أن المثال الواحد والمثالين لا ينقض القاعدة.\nتنبيه: عبارة جاءت عن المصنف يظن أنها تخالف ما تقدم تقريره:\nقال أبو عيسى الترمذي: (باب من قتل نفسه بسمٍّ أو غيره.\nحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، -أراه رفعه- قال: \"من قتل نفسه بحديدة، جاء يوم القيامة وحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا\".\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: \"من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردّى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا\".\nحدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا وكيع وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحو حديث شعبة، عن الأعمش.\nهذا حديث صحيح، وهو أصح من الحديث الأول (^٢).\n_________\n(^١) تقدمت الإشارة إلى هذا المثال في النوع الثالث من هذا المصطلح برقم (١).\n(^٢) فيما يظن أنه يعني بقوله: (هذا حديث صحيح) تأكيد صحة رفع هذا الخبر، كما =","vol":"2","page":70},{"text":"هكذا روي هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوروى محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من قتل نفسه بسم عذب في نار جهنم\". ولم يذكر فيه: \"خالدا مخلدا فيها أبدا\". وهكذا رواه أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وهذا أصح؛ لأن الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها، ولم يذكر أنهم يخلدون فيها) (^١).\nقلت: قوله: (وهذا أصح) يحتمل أن ما جاء في رواية الأعمش \"خالدا مخلدا فيها\" ليس بصحيح، بل هو غلط.\nويحتمل أنه أصح من حيث المعنى، وأن رواية الأعرج والمقبري مفسِّرة لرواية الأعمش عن أبي صالح، وأن القاتل لنفسه لا يخلد في النار إذا مات على التوحيد، كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة، وعلى هذا تكون رواية الأعمش صحيحة، ولكنها توجه بما تقدم، وهذا الذي أذهب إليه؛ لأن المصنف حكم عليها بالصحة فقال: (هذا حديث صحيح، وهو أصح من الحديث الأول). فكيف يضعفها! ويؤكد هذا أن الشيخين قد خرجاها (^٢)، وبالتالي حكما بصحتها، ولا أعرف أحدا ضعفها، كيف وقد جاء ما يشهد لها في القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].\n_________\n=رواه شعبة ووكيع وأبو معاوية عن الأعمش، بخلاف رواية عبيدة بن حميد التي فيها الشك في الرفع.\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١٧٧ - ٢١٧٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٧٧٨)، \"صحيح مسلم\" (١٠٩).","vol":"2","page":71},{"text":"وما جاء في حديث جندب الذي خرجه البخاري (^١) في الذي يقتل نفسه: \"قال اللّه ﷿: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة\"، وهذا بمعنى خالدا فيها.\nوقد وجّه أهل السنة الآية الكريمة بما يوافق باقي الأدلة، وكذا ما جاء في حديث جندب، فيقال هذا أيضا في رواية الأعمش عن أبي صالح (^٢).\nمثال على ما هو صحيح وأصح:\nقال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: \"ينزل اللّه إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر\".\nوفي الباب عن علي بن أبي طالب، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرةٍ عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"ينزل الله ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر\"، وهذا أصح الروايات) (^٣).\nقلت: يعني أن نزول اللّه ﷿ في \"ثلث الليل الأخير\" أصح مما جاء أنه ينزل في \"ثلث الليل الأول\". فعلى هذا يكون هناك صحيح وأصح.\n* * *\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٤٦٣).\n(^٢) فهم الحافظ ابن حجر من كلام الترمذي أنه يقصد التضعيف، ينظر: \"الفتح\" (٣/ ٢٢٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٤٤٩).","vol":"2","page":72},{"text":"مصطلح \"حسن صحيح\"","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>مصطلح \"حسن صحيح\"</span>\nوجعلته في ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: ورود هذا المصطلح على لسان بعض الأئمة قبل الترمذي.\nالفصل الثاني: استعمال أبي عيسى الترمذي لمصطلح \"حسن صحيح\".\nالفصل الثالث: ما يلحق بـ \"حسن صحيح\".","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>الفصل الأول ورود هذا المصطلح على لسان بعض الأئمة قبل الترمذي</span>\nاستعمل الأئمة -قبل الترمذي- مصطلح \"حسن صحيح\"؛ كالإمام أحمد، وابن المديني، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وهذه بعض نصوصهم:\n١ - أخرج الترمذي حديث حَمْنَةَ ﵁ في الاستحاضة، من طريق زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنَةَ ابنة جحش .. الحديث.\nقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة، إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح: عمران بن طلحة.\nوسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن.\nوهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح) (^١).\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١٢٩)، ونقله عنه جماعة؛ كابن عبد الهادي في \"التنقيح\" (١/ ٤٠٥)، وابن رجب في \"الفتح\" (٢/ ٦٣).\nوقال الترمذي في \"العلل الكبير\" (٧٤): (قال محمد: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبد اللّه بن محمد بن عقيل أم لا، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح). ونقله كه البيهقي في \"السنن\" (٢/ ٤٧٥).\nقال ابن رجب - بعد كلام الترمذي السابق الذي في \"جامعه\" - (٢/ ٦٤): (هذا ما ذكره الترمذي، ونقل حرب، عن أحمد، أنه قال: نذهب إليه، ما أحسنه من حديث.=","vol":"2","page":77},{"text":"قلت: ساوى الترمذي بين (حسن) و(حسن صحيح)، وذلك في قوله: (وهكذا قال أحمد …).\nوالجواب عن ذلك: أن هذا ليس نصا في التسوية، فلا يلزم من قول الترمذي السابق التسوية ما بين (حسن) و(حسن صحيح).\nولكن يعكِّر على ذلك أنه وقع في بعض نسخ الترمذي، أن البخاري قال: (حسن صحيح)؛ قاله أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (^١)، وبهذا يزول الإشكال.\n٢ - أخرج الترمذي أيضا حديث معاذ ﵁ في اختصام الملأ الأعلى، من طريق جَهضم بن عبد اللّه، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، أنه حدثه عن مالك بن يَخامر السَكْسَكي، عن معاذ بن جبل .. الحديث.\nقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح) (^٢).\n_________\n= والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعّفه ولم يأخذ به، وقال؛ ليس بشيء. وقال مرة: ليس عندي بذلك، وحديث فاطمة أصحّ منه وأقوى إسنادًا. وقال مرة: في نفسي منه شيء.\nولكن ذكر أبو بكر الخلال، أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به. واللّه أعلم).\n(^١) (١/ ١٢٦).\n(^٢) \"الجامع\" (٣٥٣٧)، ونقله عنه جماعة؛ كابن حجر في \"النكت الظراف\" (١١٣٦٢)، وابن رجب في \"شرح حديث اختصام الملأ الأعلى\" (ص: ٣٧).\nوقال الترمذي في \"العلل الكبير\" (٦٦١): (سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: عبد الرحمن بن عائش لم يدرك النبي ﷺ، وحديث الوليد بن مسلم غير صحيح، والحديث الصحيح ما رواه جهضم بن عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، حديث معاذ بن جبل هذا).","vol":"2","page":78},{"text":"وذكر ابن رجب أن الترمذي ذكر في كتاب \"العلل\" عن البخاري أنه قال في حديث البحر \"هو الطهور ماؤه\": (هو حديث حسن صحيح) (^١).\nويحتمل أن أبا عيسى عبّر عن كلامهم بالمعنى، فاستعمل مصطلحاته لا مصطلحاتهم، ولكن الأصل أنه ينقل عباراتهم باللفظ، ويؤيد ذلك النّقولُ الآتية.\n٣ - نقل ابن الملقِّن في \"البدر المنير\" عن ابن المديني أنه قال في حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها: (حديث حسن صحيح) (^٢).\n٤ - ذكر يعقوب بن شيبة حديث يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"أتاني آت من ربي ﷿، فأمرني أن أصلي في الوادي المبارك\"، وقال: (حديث حسن الإسناد، وهو صحيح) (^٣).\n٥ - قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن أبي شيبان، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبس، عن أبي إدريس، عن عبد اللّه بن حوالة، عن النبي ﷺ قال: \"تجندون أجنادا؟ \".\nقال: هو صحيح حسن غريب) (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: (وسألت أبي عن حديث رواه يحيى بن\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٤٢).\nوالذي في \"العلل الكبير\" المطبوع (٣٣): (حديث صحيح) فقط، ونقله عنه جماعة؛ كالبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٢٢٣)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١/ ٢٠٧)، وابن عبد الهادي في \"تنقيح التحقيق\" (١/ ١١ - ١٢).\n(^٢) \"البدر المنير\" (٣/ ٢٩٨).\n(^٣) \"مسند عمر بن الخطاب\" (١٧).\n(^٤) \"العلل\" (١٠٠١).","vol":"2","page":79},{"text":"حمزة، عن زيد بن واقد، عن مُغيث بن سُميّ، عن عبد اللّه بن عمرو؛ قال: قيل: يا رسول اللّه، أي الناس أفضل؟ قال: \"مخموم القلب، صدوق اللسان\".\nقال أبي: هذا حديث صحيح حسن، وزيد محله الصدق، وكان يرى رأي القدر) (^١).\nوالمقصود، أن هذا المصطلح قد جاء على لسان بعض الأئمة من شيوخ الترمذي وغيرهم، على قلة في ذلك، غير أن الترمذيَّ أكثر جدّا من استعمال هذا المصطلح حتى أصبح عَلَما عليه، واشتهر عنه.\n* * *\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٨٧٣).","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>الفصل الثاني استعمال أبي عيسى الترمذي لمصطلح \"حسن صحيح\"</span>\nاختلف أهل العلم في مقصوده، حتى قيل في ذلك أقوالٌ كثيرة، وسبب هذا الاختلاف: الجمع بين الحسن والصحة في حكم واحد؛ لأن الحسن دون الصحيح فكيف يجمع بينهما؟ ولأن الترمذي -خاصة- عرّف الحسن بما يميزه عن الصحيح.\nوغالب هذه الأقوال يأتي إليها الإشكال من جهتين:\nالجهة الأولى: ظهور تعاريف للصحيح والحسن أدى للفصل بينهما، وقصر بعضها على معنى دون آخر، مما يتباين مع كثير من إطلاقات الأئمة.\nالجهة الثانية: ضعف استقراء أحكام الترمذي في كتابه \"الجامع\"، وبالتالي لا تنضبط مع تصرفات الترمذي واستعمالاته.\nوالذي يظهر لي من خلال تتبعي لصنيع الترمذي في الأحاديث التي حكم عليها بحسن صحيح؛ أنه يعني بـ \"حسن صحيح\": أن هذا الخبر ثابت عنده ومقبول؛ سواء كان بأصح إسناد، أو جمع أدنى شروط القبول، فكلاهما -وما بينهما- يحكم عليه بذلك.\nوهذه أنواع من الأمثلة تدل على ما ذهبت إليه:\nأولا: أحاديث متفق على صحتها، وأسانيدها في أعلى درجات الصحة؛ كمالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه، وهذا كثير جدا مع ظهوره، ولذا سوف أذكر أمثلة مختلفة بعض الشيء:","vol":"2","page":81},{"text":"قال أبو عيسى: (٤ - حدثنا هنّاد قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمه واسع بن حَبّان، عن ابن عمر قال: رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة.\nهذا حديث حسن صحيح).\nقلت: وهذا حديث صحيح جدا، ولذا اتفق الشيخان على صحته (^١).\nقال أبو عيسى: (٥ - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء، قال: \"اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث\".\nهذا حديث حسن صحيح).\nقلت: وهذا إسناد صحيح جدا، وهو مشهور عن عبد العزيز بن صهيب، ورواه أبو عيسى قبل ذلك عن قتيبة وهنّاد، عن وكيع، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب به، وقال: (حديث أنس أصح شيء في هذا الباب وأحسن).\nوقال أبو عيسى: (١٤ - حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللّه بن أبي قتادة، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه.\nوفي الباب عن عائشة، وسلمان، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف.\nهذا حديث حسن صحيح).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٤٨) \"صحيح مسلم\" (٢٦٦) من طريق عبيد الله بن عمر به.","vol":"2","page":82},{"text":"قلت: وهذا الحديث إسناده صحيح جدا، ورجاله من الثقات المشاهير، ولذا اتفق الشيخان على صحته (^١).\nوقال أبو عيسى: (١٥ - حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء، حتى الخِرَاءة، فقال سلمان: أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول، أو أن نستنجي باليمين، أو يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو بعظم.\nوفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وجابر، وخلاد بن السائب، عن أبيه.\nوحديث سلمان حديث حسن صحيح).\nقلت: هذا الحديث صحيح جدا، ورجاله من الثقات المشاهير، وقد خرجه مسلم (^٢).\nوقال أبو عيسى: (٧١ - حدثنا هنّاد وقتيبة وأبو كريب، قالوا: حدثنا وكغ، عن الأعمش، قال: سمعت مجاهدا يحدث، عن طاووس، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ مر على قبرين، فقال: \"إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة\".\nوفي الباب عن زيد بن ثابت، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وأبي موسى، وعبد الرحمن ابن حَسَنة.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوروى منصور هذا الحديث، عن مجاهد، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه: عن طاووس، ورواية الأعمش أصح.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٥٣) \"صحيح مسلم\" (٢٦٧) من طريق يحيى بن أبي كثير به.\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٦٢) من طريق أبي معاوية ووكيع، كلاهما عن الأعمش به.","vol":"2","page":83},{"text":"وسمعت أبا بكر محمد بن أبان، يقول: سمعت وكيعا، يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور).\nقلت: هذا إسناد صحيح جدا، وقد خرجه الشيخان من حديث الأعمش به (^١).\nوقد بين أبو عيسى أن رواية الأعمش أصح من واية منصور في هذا الخبر، مع أن منصورا ثقة ثبت، فعلى هذا تكون رواية الأعمش في الدرجة العليا من الصحة.\nوالأمثلة على هذا كثيرة جدا، أكتفي بما تقدم.\nثانيا: هناك سلاسل هي دون ما سبق في الصحة، حكم عليها جمع من أهل العلم بالحسن، وحكم عليها أبو عيسى بالصحة.\nمنها: حديث سماك بن حرب، سواء كان ذلك من روايته عن الصحابة؛ كروايته عن جابر بن سمرة، أو عن التابعين كمصعب بن سعد (^٢)، بل حتى في روايته عن عكرمة عن ابن عباس، التي تكلم فيها غير واحد من أهل العلم:\nقال أبو عيسى: (٦٦ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول اللّه ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول اللّه، إني كنت جنبا، فقال: \"إن الماء لا يجنب\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٦٠٥٢)، \"صحيح مسلم\" (٢٩٢).\n(^٢) ينظر أمثلة لما تقدم: (٣٣٦، ٥١٣، ٥٤٠)، (٢٢٦، ١٢٥٥)، (١٥٣١، ٢٩٨٩ - ٢٩٩٠، ٣٢٢٠).","vol":"2","page":84},{"text":"وقال أبو عيسى: (٣٣٢ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه ﷺ يصلي على الخمرة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح).\nوقال أبو عيسى: (٦٩٦ - حدثنا قتيبة، قال: حدثا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية فأكملوا ثلاثين يوما\".\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه) (^١).\nومنها: حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فإنه صحح عدة أحاديث بهذه السلسلة:\nقال أبو عيسى: (١٢٨٣ - حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه ﷺ عن بيعتين في بيعة.\nحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح).\nوقال أبو عيسى: (١٩١٢ - حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع، والمجثّمة، والحمار الإنسي.\nهذا حديث حسن صحيح) (^٢).\n_________\n(^١) وينظر أيضا: (١٣٢٢، ١٥٥٥، ٣٢٢٠).\n(^٢) وينظر أيضا: (٢٢، ٦٩١، ٢٢٣٢، ٢٤٨٠).","vol":"2","page":85},{"text":"ثالثا: هناك درجة دون ما سبق أيضا، وهي التي اختلف أهل العلم في قبولها، فقبلها بعض النقاد وردّها آخرون.\nمنها: حديث عبد اللّه بن محمد بن عقيل:\nقال أبو عيسى: (١٢٩ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة ابنة جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول اللّه، إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها؛ قد منعتني الصيام والصلاة، قال: \"أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم\" …\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح).\nوقال أبو عيسى: (١١٤٤ - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن جريج، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه، عن النبي ﷺ قال: \"أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر\".\nهذا حديث حسن صحيح).\nوقال أبو عيسى: (٣٩٥٩ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زهير بن محمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، أن رسول اللّه ﷺ قال: \"مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا، فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك منها موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع تلك اللبنة، وأنا في النبيين موضع تلك اللبنة\".\n٣٩٦٠ - وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ، قال: \"إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غير فخر\".","vol":"2","page":86},{"text":"هذا حديث حسن صحيح غريب).\nومنها: حديث شريك بن عبد الله القاضي:\nقال أبو عيسى: (٢٨٦٤ - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، ابن ابنة السدي، قال: حدثنا شريك بن عبد اللّه، عن منصور بن المعتمر، عن رِبْعي ابن حِرَاش، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي يلج النار\".\nحديث علي بن أبي طالب حديث حسن صحيح).\nومنها: حديث محمد بن إسحاق (^١)، ويزيد بن أبي زياد (^٢)، وعلي بن زيد بن جُدعان (^٣)، فقد صحح لهم بعض الأحاديث دون بعض.\nرابعا: وهناك درجة من الإسناد بعض رواتها ليس بالمشهور، وحكم عليها أبو عيسى بالصحة:\nقال أبو عيسى: (١١٩٤ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، أنه سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللّه، ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ فقال: \"غرة: عبد أو أمة\".\nهذا حديث حسن صحيح (^٤).\nهكذا رواه يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد،\n_________\n(^١) ومن الأحاديث التي صححها له الترمذي: (٢٣، ١١٦، ١٥٦، ١٨٩).\n(^٢) ومن الأحاديث التي صححها له الترمذي: (١١٥، ٧٩٠، ٣٨٤٣، ٤١١١، ٤١٢٢ - ٤١٢١).\n(^٣) ومن الأحاديث التي صححها له الترمذي: (١١٠، ٥٥٣، ١١٨٦).\n(^٤) في \"التحفة\" (٣٢٩٥): (صحيح) فقط، وينظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٢٩٣).","vol":"2","page":87},{"text":"عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ.\nوروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن أبي حجاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ.\nوحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح ما روى هؤلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه.\nوهشام بن عروة يكنى: أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد اللّه، وابن عمر).\nقلت: هذه الترجمة ليست بالمشهورة، وأعني (ابن حجاج عن أبيه)، ولعلها لم يرو بها إلا هذا الحديث.\nحجاج بن حجاج الأسلمي ليس بالمشهور، وهو مقل، سكت عنه البخاري (^١)، وابن أبي حاتم (^٢)، ووثقه العجلي (^٣) وابن حبان (^٤) - وفق منهجهما في التوثيق -.\nوقال أبو عيسى: (١٢٣٤ - حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عبد اللّه بن عمر، عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"يا عبد الله بن عمر، طلق امرأتك\".\nهذا حديث حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث ابن أبي ذئب).\nقلت: هذا الحديث في إسناده الحارث بن عبد الرحمن، خال ابن أبي\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٧١).\n\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٥٧).\n(^٣) \"الثقات\" (٢٦٥).\n(^٤) \"الثقات\" (٤/ ١٥٣).","vol":"2","page":88},{"text":"ذئب، وهو لي بالمشهور جدا، وقد ذكر ابن سعد (^١) وأبو أحمد الحاكم (^٢) أن محمد بن أبي ذئب تفرد عنه بالرواية.\nوهو قليل الحديث، قاله ابن سعد (^٣).\nوقال أبو عيسى: (١٢٦١ - حدثنا يحيى بن خلف، قال: حدثنا بشر ابن المفضَّل، عن عبد اللّه بن عثمان بن خُثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: \"يا معشر التجار\"، فاستجابوا لرسول اللّه ﷺ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: \"إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا، إلا من اتقى الله وبر وصدق\".\nهذا حديث حسن صحيح).\nعبد اللّه بن عثمان بن خُثيم مختلف فيه، وإسماعيل بن عبيد ليس بالمشهور.\nوقال أبو عيسى: (١٣٧٦ - حدثنا عباس بن محمد الدُّوري، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: حدثنا إسرائيل، عن زيد بن عطاء بن السائب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلا إذا باع، سهلا إذا اشترى، سهلا إذا اقتضى\".\nهذا حديث غريب حسن صحيح من هذا الوجه) (^٤).\nزيد بن عطاء بن السائب ليس بالمشهور، قال أبو حاتم: ليس بالمعروف (^٥). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٦) وفق منهجه.\n_________\n(^١) \"الطبقات الكبير\" (٧/ ٤٨٤).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٢٥٦).\n(^٣) \"الطبقات الكبير\" (٧/ ٤٨٤).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١٣٧٦).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٧٠).\n(^٦) (٦/ ٣١٦).","vol":"2","page":89},{"text":"وقد خرجه البخاري في \"صحيحه\" (^١)، ولكن من وجه آخر، فقال: (حدثنا علي بن عياش، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، قال: حدثني محمد بن المنكدر به. ولفظه: \"رحم الله رجلا سهلا إذا باع … \") الحديث.\nولا يقال: إن الترمذي إنما أراد الحكم على أصل الحديث؛ لأنَّه قد قال: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، فإذًا قصده هذا الوجه من الحكم.\nوقال أبو عيسى: (١٣٤٣ - حدثنا أبو عمار الحسين بن حُريث الخزاعي، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن صالح بن أبي جبير، عن أبيه، عن رافع بن عمرو قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي ﷺ، فقال: \"يا رافع، لمَ ترمي نخلهم؟ \" قال: قلت: يا رسول اللّه، الجوع. قال: \"لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله وأرواك\".\nهذا حديث حسن غريب صحيح).\nقلت: صالح بن أبي جبير وأبوه، فيهما جهالة.\nقلت: والكلام في هذا يطول، والأمثلة كثيرة جدا، وما تقدم فيه البيان الواضح على أن الترمذي يستعمل \"حسن صحيح\" ويعني به: أن هذا الخبر ثابت عنده؛ سواء كان بأصح إسناد، أو جمع أدنى شروط القبول.\nوقد يرد على هذا التقرير بعض الأمثلة، أذكرها وأجيب عنها:\nقال أبو عيسى: (٢٧٨٨ - حدثنا محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، قال: حدثنا المفضَّل بن صالح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"اشتكت النار إلى ربها وقالت:\n_________\n(^١) (٢٠٧٦).","vol":"2","page":90},{"text":"أكل بعضي بعضا، فجعل لها نَفَسين، نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فأما نفسها في الشتاء فزمهرير، وأما نفسها في الصيف فسموم\".\nهذا حديث حسن صحيح، قد روي عن أبي هريرة من غير وجه.\nوالمفضل بن صالح ليس عند أهل الحديث بذلك الحافظ).\nفهنا قال: (حسن صحيح)، مع قوله عن المفضَّل: (ليس عند أهل الحديث بذلك الحافظ)، وقال عنه البخاري: (منكر الحديث)؛ فيفهم منه خلاف ما سبق تقريره؛ من أنه يستعمل (حسن صحيح) في الخبر الثابت عنده.\nوالجواب: أن الشاذ لا حكم له، ولعل الترمذي يقصد أصل الحديث، ولذا قال: (قد روي عن أبي هريرة من غير وجه). واللّه أعلم.\nوقال أبو عيسى: (٢٩٠٧ - حدثنا أبو حاتم البصري مسلم بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: قال أن: قال لي رسول اللّه ﷺ: \"يا بني، إذا دخلت على أهلك فسلم، يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك\".\nهذا حديث حسن صحيح غريب) (^١).\nقال أبو عيسى: (علي بن زيد صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، سمعت محمد بن بشار، يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد وكان رفاعا) (^٢).\nقلت: لم يصرح أبو عيسى بتضعيف علي بن زيد تصريحا بينا، وإنما أشار إلى ضعفه، وقد تقدم أن أبا عيسى يقتصد في ألفاظ الجرح.\n_________\n(^١) وينظر: \"جامع الترمذي\" (٥٩٦، ٢٨٨٦)، \"تحفة الأشراف\" (٨٦٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٨٨٦).","vol":"2","page":91},{"text":"وتصحيحه لهذا الحديث قد يحمل على ما تقدم تقريره: أن الخبر الثابت عنده ولو بأدنى درجات القبول يقول عنه: حسن صحيح، وهو الذي يقال عنه عند غيره: إسناده صالح، لا بأس به، فتصحيحه لهذا الحديث من هذا الباب.\nومثله شريك بن عبد اللّه القاضي، فقد تكلم فيه وقال: (وشريك كثير الغلط) (^١)، ومع ذلك صحح له عدة أحاديث (^٢).\nوالجواب عن ذلك:\nأنه عندما صحح له يكون مما استقام من حديثه وحفظه، وعندما تكلم فيه يكون مما أخطأ فيه.\nوأحيانا قد يتوقف فيه فلا يصحح حديثه، كما أنه لا ينص على ضعفه، وإنما يكتفي بتحسينه.\n* * *\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٤).\n(^٢) ينظر: (١٠٨، ٥٢٧، ٢٦٦٤).","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>الفصل الثالث ما يلحق بـ \"حسن صحيح\"</span>\nقوله: (إسناد جيد):\nقال الترمذي: (حدثنا عبد اللّه بن أبي زياد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"إن المرأة كالضلع إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج\".\nوفي الباب عن أبي ذر، وسمرة، وعائشة.\nحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه، وإسناده جيد) (^١).\nوقال الترمذي: (حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري والحسين بن الحسن المروزي بمكة، قالا: حدثنا الأحوص بن جوّاب، عن سُعير بن الخِمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء\".\nهذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" طبعة شاكر وبشار (١١٨٨).\nوليست توجد هذه الزيادة: (وإسناده جيد) في طبعة التأصيل (١٢٣٣) والرسالة (١٢٢٥)، ولا في \"تحفة الأشراف\" (١٣٢٤٧)، وهو الصحيح.","vol":"2","page":93},{"text":"قال: وسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه) (^١).\n* * *\nوجاء في بعض المواضع القليلة -على اختلاف بين النسخ- الحكم بـ \"صحيح حسن\":\n١ - قال الترمذي: (حدثنا بندار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن أبى ليلى يحدث، أن حذيفة استسقى، فأتاه إنسان بإناء من فضة، فرماه به وقال: إني كنت قد نهيته فأبى أن ينتهي، إن رسول اللّه ﷺ نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة، ولبس الحرير والديباج، وقال: \"هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\".\nوفي الباب عن أم سلمة، والبراء، وعائشة.\nهذا حديث صحيح حسن) (^٢).\nهكذا في أكثر النسخ، وفي نسخةٍ: (حسن صحيح)، وهكذا في \"تحفة الأشراف\" (^٣).\n٢ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللّه، قال: بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.\nهذا حديث صحيح حسن) (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١٦٦)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١٠٣): (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وفي \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ١٨٦): (هذأ حديث جيد غريب).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٩٩٩).\n(^٣) (٣٣٧٣)، وينظر: هامش تحقيق طبعة الرسالة (٤/ ١٧).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٠٥١).","vol":"2","page":94},{"text":"هكذا في أكثر النسخ، وفي بعض النسخ: (حسن صحيح) (^١).\nوإذا ثبتت هذه اللفظة عن الترمذي؛ فهي بمعنى (حسن صحيح)، وتكون المغايرة من باب التفنن في العبارة، والدليل على ذلك: أن أبا عيسى قد خرج بالإسناد السابق نفسه حديث \"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله\"، وقال عنه: (حسن صحيح) (^٢)، فقال الترمذي ﵀:\n(حدثنا بُندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثنا قيس بن أبي حازم، قال: حدثني جرير بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nوفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي سعيد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد اللّه بن عمرو) (^٣).\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان قال: حدثني سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة، فقال: \"عرفها سنة، فإن اعترفت فأدِّها، وإلا فاعرف عِفَاصَها ووِكاءَها وعددها، ثم كلها، فإذا جاء صاحبها فأدِّها\".\nهذا حديث صحيح حسن، غريب من هذا الوجه.\nوقال أحمد بن حنبل: أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث) (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: هامش تحقيق طبعة الرسالة (٤/ ٥٢).\n(^٢) مع أن هذا الحديث روي في بعض المصادر - كـ \"مسند أحمد\" (١٩٤٦٨، ١٩٥٦٨) - مقرونا مع الحديث الذي قبله بإسناد واحد.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٠٤٧).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١٤٣٧).","vol":"2","page":95},{"text":"وهذا أيضا وقع فيه اختلاف بين النسخ (^١)، والقول فيه كالقول في سابقه.\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال له: \"اركبها\"، فقال: يا رسول الله، إنها بدنة، قال له في الثالثة أو في الرابعة: \"اركبها ويحك -أو ويلك-\".\nوفي الباب عن علي، وأبي هريرة، وجابر.\nحديث أن حديث صحيح حسن) (^٢).\nقلت: أخرجه البخاري عن قتيبة به (^٣).\nوالذي يظهر أن \"صحيح حسن\" بمعنى \"حسن صحيح\"، إذًا لماذا غاير بينهما في اللفظ؟ الذي يظهر أن هذا من باب التفنن.\n* * *\n_________\n(^١) في \"تحفة الأشراف\" (٣٧٤٨) و\"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٦٢٥): (حسن صحيح، غريب من هذا الوجه)، ومثله وقع في بعض النسخ، كما في هامش تحقيق طبعة الرسالة (٣/ ٢٠٨)، وفي طبعة أحمد شاكر (١٣٧٣): (حسن غريب من هذا الوجه).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٩٢٩)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١٤٣٧): (حسن صحيح).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٢٧٥٤).","vol":"2","page":96},{"text":"مصطلح \"حسن غريب صحيح\"","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>مصطلح \"حسن غريب صحيح\"</span>\nفي هذا المبحث سوف أبين بمشيئة الله مقصود الترمذي من هذا المصطلح، ولذا سوف أستعرض ما حكم عليه الترمذي بذلك بالدراسة، ومن خلال ذلك سوف يتبين مقصوده، مع ملاحظة أن نسخ \"الجامع\" قد وقع بينها بعض الاختلاف في ذلك.\nوسوف أبدأ أولا بطبعتي أحمد شاكر - فيما حققه وعلق عليه من الأحاديث - وبشار عواد (^١).\n١ - قال أبو عيسى: (حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن القاسم بن الفضل، قال: حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى تكلّم السباعُ الإنسَ، وحتى تكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراكُ نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده\".\nوفي الباب: عن أبي هريرة.\nوهذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون عند أهل الحديث، وثقه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي) (^٢).\nوفي \"التحفة\" (^٣): (حسن غريب صحيح)، وكذا في طبعة الرسالة (^٤) والتأصيل.\n_________\n(^١) النص المثبت هو نص طبعة دار التأصيل - الطبعة الثانية -، عدا الأحكام فهي على طبعة بشار عواد، والعزو إلى الرقم في طبعة التأصيل.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٣٣٥).\n(^٣) (٤٣٧١).\n(^٤) (٢٣٢٢).","vol":"2","page":99},{"text":"ورواه أحمد في \"مسنده\" (^١) فقال: (حدثنا يزيد، أخبرنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي! ذئب مُقعٍ على ذنبه يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك: محمد ﷺ بيثرب، يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غَنْمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: \"أخبرهم\"، فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباعُ الإنس، ويكلم الرجلَ عذبةُ سوطه، وشراكُ نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده\").\nورواه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (^٢) فقال: (أخبرنا أبو محمد جَناح بن نذير بن جَناح القاضي بالكوفة، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم الشيباني، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: بينما راع يرعى بالحَرَّة إذ عرض ذئب لشاة من شياهه، فحال الراعي بين الذئب والشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال للراعي: ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي، فقال الراعي: العجب من ذئب مقع على ذنبه يتكلم بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أحدثك بأعجب مني! رسول الله ﷺ بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فساق الراعي شاة حتى أتى المدينة، فزوى إلى زاوية من زواياها، ثم دخل على النبي ﷺ فحدثه بحديث الذئب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس، فقال للراعي: \"قم\n_________\n(^١) (١١٧٩٢).\n(^٢) (٦/ ٤١).","vol":"2","page":100},{"text":"فأخبرهم\"، قال: فأخبر الناس بما قال الذئب، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق الراعي، ألا إنه من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلمَ السباعُ الإنسَ، ويكلم الرجلَ شراكُ نعله، وعذبةُ سوطه، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده\".\nوأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن القاسم بن الفضل، حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بنحوه.\nهذا إسناد صحيح، وله شاهد من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري ﵁).\nقلت: وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى الترمذي وأبو بكر البيهقي من صحة هذا الخبر، وأنه كما قال أبو عيسى: (لا يعرف إلا من حديث القاسم بن الفضل)، ولذا حكم بغرابته، وقول الترمذي: (حسن غريب صحيح) يريد به تصحيح هذا الخبر، وأنه مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب).\n٢ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في فضل الخدمة في سبيل الله. حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا معاوية ابن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم الطائي، أنه سأل رسول الله ﷺ: أي الصدقة أفضل؟ قال: \"خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طَروقَةُ فحلٍ في سبيل الله\".\nوقد روي عن معاوية بن صالح هذا الحديث مرسلا، وخولف زيد في بعض إسناده.\nوروى الوليد بن جميل هذا الحديث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ.","vol":"2","page":101},{"text":"حدثنا بذلك زياد بن أيوب، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله، ومنيحة خادم في سبيل الله، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله\".\nهذا حديث حسن صحيح غريب، وهو أصح عندي من حديث معاوية ابن صالح) (^١).\nوفي \"التحفة\" (^٢): (حسن غريب صحيح)، وكذا في طبعة الرسالة (^٣) والتأصيل، وهو الصواب.\nوقال أبو عيسى أيضا في \"العلل الكبير\" (^٤): (حدثنا محمد بن رافع، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم، أنه سأل رسول الله ﷺ، أي الصدقة أفضل؟ فقال: \"خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله\".\nسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عدي بن حاتم سأل رسول الله ﷺ: مرسل.\nورواه الوليد بن جميل الفلسطيني، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة.\nقال محمد: ولا أعرف أحدا روى عن الوليد بن جميل غير يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم، والوليد بن جميل مقارب الحديث).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٣٢ - ١٧٣٣).\n(^٢) (٤٩٠٥).\n(^٣) (٣/ ٤٤٠).\n(^٤) (٤٩٢ - ٤٩٣).","vol":"2","page":102},{"text":"أما حديث عدي بن حاتم، فأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^١) و\"الأوسط\" (^٢) و\"مسند الشاميين\" (^٣)، والحاكم (^٤)، من طريق معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم الطائي به.\nقال الطبراني: (لا يروى هذا الحديث عن عدي بن حاتم إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاوية).\nوقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه).\nوأما حديث أبي أمامة، فأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (^٦).\nقلت: والذي يظهر لي أن المقصود بقول الترمذي: (حسن غريب صحيح) أنه بمعنى (حسن صحيح غريب)، والدليل على ذلك: أن الترمذي خرّج حديثا عن محمد بن عبد الأعلى، عن سلمة بن رجاء، عن الوليد بن جميل، عن القاسم، عن أبي أمامة: ذُكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم … الحديث. وقال: (حسن صحيح غريب) (^٧).\nنعم؛ خرج الترمذي حديثا آخر بنفس الإسناد، فقال: (حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الوليد بن جميل، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: \"ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم\n_________\n(^١) (١٧/ ١٠٥).\n(^٢) (٣٢٩٦).\n(^٣) (١٩٤٠).\n(^٤) \"المستدرك\" (٢٤٥٢).\n(^٥) (٧٩١٦).\n(^٦) (١٠/ ٢٧٨).\n(^٧) \"جامع الترمذي\" (٢٨٩٣)، وكذا في \"تحفة الأشراف\" (٤٩٠٧)، وفي طبعة التأصيل والرسالة (٥/ ٦٢٠): (حسن غريب صحيح)، وفي طبعة أحمد شاكر: (غريب) فقط.","vol":"2","page":103},{"text":"تُهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله\". هذا حديث حسن غريب) (^١). ولم يصححه.\nوالجواب عن ذلك: أن هذا قد يكون من باب الاختلاف في الاجتهاد، أو أنه قد أنكر شيئا في متنه، والعلم عند الله تعالى.\nوالوليد بن جميل قد اختلف فيه، والراجح أنه صدوق، وهذا هو اختيار الترمذي؛ لأنه نقل عن البخاري أنه قال عنه: مقارب الحديث. كما تقدم. وأما استغراب الترمذي له، فلتفرد القاسم به.\nوقد جاء من طريق آخر في \"مسند أحمد\" (^٢) من زوائد ابنه عبد الله؛ قال عبد الله: (وجدت في كتاب أبي بخط يده - وأظن أني قد سمعته أنا من الحكم -: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مُطَّرِح بن يزيد الكناني، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ، أي الصدقة أفضل؟ قال: \"ظل فسطاط في سبيل الله، أو خدمة خادم في سبيل الله، أو طَروقةُ فحلٍ في سبيل الله\".\nقلت: وهذا إسناد واهٍ مطَّرحٌ، نُقل الإجماع على ضعفه (^٣)، وعبيد الله ابن زَحْر وعلي بن يزيد لا يحتج بهما، ولكنه يقوي الإسناد السابق، كما أن الإسناد السابق يقويه؛ لأنه يدل على أن هؤلاء الضعفاء قد حفظوا هذا الخبر، فيزداد هذا الخبر قوة بهذين الإسنادين.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٧٦).\n(^٢) (٢٢٣٢١).\n(^٣) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٦٠) و\"إكمال تهذيب الكمال\" (١١/ ٢٢٦).","vol":"2","page":104},{"text":"٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن مروان بن الحكم قال: اذهب يا رافع - لبوّابه - إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرحا بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبنّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وتلا ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨]. قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتابهم وما سألهم عنه. هذا حديث حسن صحيح غريب) (^١).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٢)، وطبعة الرسالة (^٣) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).\nوأخرجه البخاري (^٤) عن محمد بن مقاتل، ومسلم (^٥) عن زهير بن حرب وهارون بن عبد الله، والنسائي في \"الكبرى\" (^٦) عن الحسن بن محمد الزعفراني ويوسف بن سعيد بن مسلم، خمستهم عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أخبره أن مروان به.\nوأخرجه البخاري (^٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٢٧٩).\n(^٢) (٥٤١٤).\n(^٣) (٣٢٦١).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٤٥٦٨).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٢٧٧٨).\n(^٦) (١١١٩٦).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (٤٥٦٨).","vol":"2","page":105},{"text":"جريج أخبرهم، عن ابن أبي مليكة، أن علقمة بن وقاص أخبره، أن مروان قال … فذكره. وقال: (تابعه عبد الرزاق عن ابن جريج).\nقلت: فتبين مما تقدم صحة هذا الخبر كما ذهب إليه الشيخان، وعلى هذا يكون قول الترمذي: (حسن غريب صحيح) يريد به صحة هذا الخبر.\n٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، قال: حدثنا عثمان ابن عمر ويحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قالا: حدثنا معاذ ابن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما أتخذ المنبر حن الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن.\nوفي الباب: عن أنس، وجابر، وسهل بن سعد، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأم سلمة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح.\nومعاذ بن العلاء، هو بصري، وهو أخو أبي عمرو بن العلاء) (^١).\nهكذا في النسخ المطبوعة (^٢): (حسن غريب صحيح)، وفي \"التحفة\" (^٣): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا الحديث صحيح، فقد رواه البخاري في كتابه \"الصحيح\" (^٤) من طريق (يحيى بن كثير، قال: حدثنا أبو حفص - واسمه: عمر بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء -، قال: سمعت نافعا، عن ابن عمر ﵄، كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥١١).\n(^٢) طبعة بشار (٥٠٥)، وأحمد شاكر (٥٠٥)، والتأصيل (٥١١)، والرسالة (٥١٠).\n(^٣) (٨٤٤٩).\n(^٤) (٣٥٨٣).","vol":"2","page":106},{"text":"وقال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا. ورواه أبو عاصم، عن ابن أبي روّاد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ).\nقلت: وأما الاختلاف الذي وقع في اسم معاذ بن العلاء وأنه عمر، فالصواب معاذ (^١)، وهو ثقة، فقد وثقه يحيى بن معين (^٢)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣)، وروى عنه يحيى بن سعيد القطان (^٤)، وهو غالبا لا يروي إلا عن ثقة.\nوأما من قال إنهما أخوان معاذ وعمر، وكلاهما قد رويا هذا الحديث عن نافع (^٥)، فهذا بعيد.\nفتبين أن مراد الترمذي بقوله: (حسن غريب صحيح) هو صحة هذا الخبر.\nوأما حكم أبي عيسى على هذا الحديث بالغرابة؛ فلتفرد معاذ بن العلاء بروايته عن نافع، وإن كان قد تابعه عبد العزيز بن أبي روّاد - كما ذكره البخاري - فغرابته باقية؛ لأن المشهورين من أصحاب نافع - كمالك وعبيد الله بن عمر وغيرهما - لم تنقل عنهم روايته، ولكن الخبر صحيح كما تقدم، وقد جاءت قصة حنين الجذع عن جمع من الصحابة.\n٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت\n_________\n(^١) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٨٧).\n(^٢) \"تاريخ ابن معين\" رواية ابن محرز (١/ ١٠١).\n(^٣) (٧/ ٤٨٢).\n(^٤) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ١٢٨).\n(^٥) ينظر: \"الفتح\" لابن حجر (٦/ ٦٠٢).","vol":"2","page":107},{"text":"وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي ﷺ أنه ذكر أن جبريل جعل يدس في في فرعون الطين خشية أن يقول: لا إله إلا الله، في رَحْمَة الله، أو خشية أن يرحمه. هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه) (^١).\nقلت: هذا الحديث قال عنه أبو عيسى: (حسن صحيح غريب)، كما في طبعة د. بشار، والرسالة (^٢).\nوأما في \"تحفة الأشراف\" (^٣) فلم ينقل المزي عن الترمذي شيئا في الحكم على هذا الحديث، ولكن محقق الكتاب وضع بين حاصرتين: (حسن غريب صحيح)، فتكون هذه الزيادة منه، ويظهر أنه وقف عليها في بعض النسخ، ولا يخفى أن مثل هذا لا يكفي في كون الترمذي حكم على هذا الخبر بذلك، بل الأرجح أنه حكم عليه بقوله: (حسن صحيح غريب) كما تقدم، وهذا الحديث صحيح إلى ابن عباس، ولكن بقي: هل هو مرفوع أو موقوف؟\nجزم شعبة برفعه عن أحدهما، والذي يظهر أن الذي رفعه هو عطاء، كما في رواية عمرو بن حكّام - عند ابن جرير (^٤) - عن شعبة، عن عطاء بن السائب، به مرفوعا.\nوأخرجه أيضا (^٥) من طريق عمرو بن محمد العنقزي، عن شعبة، عن عطاء به كذلك، ولكن وقع عنده: عن عطاء، عن عدي بن ثابت. وهذا خطأ، ولعله عن عطاء وعدي، كما تقدم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣٨٧).\n(^٢) (٣٣٦٧).\n(^٣) (٥٥٦١). وفي طبعة التأصيل: (حسن غريب صحيح)، وذكروا أنه وقع في بعض النسخ: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وفي بعضها: (حسن غريب)، وفي بعضها: (حسن صحيح).\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٧٧).\n(^٥) المصدر نفسه (١٢/ ٢٧٦).","vol":"2","page":108},{"text":"ولكن في طبعة التركي: (عن عطاء بن السائب وعن عدي بن ثابت).\nوقالوا عن الواو: (سقط من النسخ، والمثبت هو الصواب كما في الحديث السابق).\nوأخرجه أيضا (^١) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن شعبة، عن عدي بن ثابت به موقوفا.\nوأما ما رواه الحاكم (^٢) - وعنه البيهقي (^٣) - من طريق نضر بن شميل، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، به مرفوعا.\nفالجواب عنه ما قاله الحاكم - بعد أن صحح هذا الإسناد على شرط الشيخين - قال: (إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس).\nفيكون الراجح من طريق عدي بن ثابت وقف هذا الخبر، وعدي لا شك أنه أوثق من عطاء.\nويؤيد الوقف ما رواه ابن جرير (^٤) من طريق عمر بن يعلى، عن سعيد بن جبير، به موقوفا.\nوأما ما رواه الإمام أحمد (^٥) قال: حدثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة -، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، به مرفوعا.\nوأخرجه الترمذي (^٦) وابن جرير الطبري (^٧) من طريق حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، به.\n_________\n(^١) المصدر نفسه (١٢/ ٢٧٧).\n(^٢) \"المستدرك\" (٣٣٠٣).\n(^٣) \"شعب الإيمان\" (٨٩٤٥).\n(^٤) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٧٨).\n(^٥) \"مسند أحمد\" (٢٢٠٣).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٣٣٨٦).\n(^٧) \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٧٧).","vol":"2","page":109},{"text":"وجاء من طرق أخرى عن حماد به.\nفالجواب عنه: أن علي بن زيد بن جدعان لا يحتج به، ولذا قال أبو عيسى عن هذا الإسناد: (هذا حديث حسن)، ولم يصححه.\nوقد أخرجه ابن جرير (^١) فقال: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرني من سمع ميمون بن مهران ..)، فذكره مقطوعا على ميمون.\n٦ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني، فأنزل الله ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨].\nقال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوفيه: عن أبي هريرة) (^٢).\nقلت: هذا الحديث حكم عليه أبو عيسى: (حسن غريب صحيح) كما في \"تحفة الأشراف\" (^٣) وطبعة التأصيل، وأما في طبعة بشار (^٤) والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا الحديث إسناده قوي، وقد توبع أبو خالد الأحمر؛ تابعه وهيب عند أحمد (^٦)، وعبد الوهاب بن عطاء وعبد الرحمن بن محمد المحاربي عند الحاكم (^٧).\n_________\n(^١) (١٢/ ٢٧٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٦٦٤).\n(^٣) (٦٠٨٢).\n(^٤) (٣٣٤٩).\n(^٥) (٣٦٤٣).\n(^٦) \"المسند\" (٣٠٤٤).\n(^٧) \"المستدرك\" (٣٨٥٥).","vol":"2","page":110},{"text":"وجاء بنحوه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة به.\nأخرجه البخاري (^١) وقال: (تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله - يعني ابن عمرو -، عن عبد الكريم).\nوأخرجه أبو عيسى (^٢) قال: (حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق به). وقال: (حسن صحيح غريب) (^٣). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٤): (حسن غريب صحيح)، فإن كان أبو عيسى حكم بذلك، فيكون من قبيل التفنن في العبارة؛ لأن هذا الخبر بهذا الإسناد صحيح، فهو عند أبي عيسى مساو لحكمه حسن صحيح.\nوكذا يقال عن طريق أبي خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند به. ٧ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي البصري، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\nفهداهم الله للإسلام. هذا حديث حسن صحيح غريب، يُستغرب من هذا الوجه من حديث نافع، عن ابن عمر، ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان) (^٥).\nكذا في طبعة بشار، وفي طبعة الرسالة (^٦) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٩٥٨).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٦٦٣).\n(^٣) وكذا في طبعة الرسالة (٣٦٤٢).\n(^٤) (٦١٤٨)، وكذا في طبعة التأصيل.\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٣٢٦٨).\n(^٦) (٣٢٥٠).","vol":"2","page":111},{"text":"وأما في \"تحفة الأشراف\" (^١): (حسن صحيح، يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع، عن ابن عمر). وزاد المحقق: (غريب)، أي: حسن (غريب) صحيح.\nقلت: تبين لك أن نُسخ الترمذي اختلفت في حكمه على هذا الخبر، وكأن ما في \"تحفة الأشراف\" أرجح؛ وذلك لأن الترمذي بيَّن غرابة هذا الخبر بقوله: (يستغرب من هذا الوجه …)، وبالتالي لو قال عن الخبر من قبل: (حسن غريب صحيح) لما عاد واستغربه بعد ذلك؛ لأنه سيكون تكرارا منه، ولكن وجدته استعمل المسلك نفسه في حديث آخر - سيأتي ذكره قريبا -.\nوالخبر صحيح كما قال أبو عيسى، ولكنّه يستغرب فقط من طريق ابن عجلان، والدليل على صحته مجيئه من طرق أخرى عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.\nفقد أخرجه البخاري (^٢) بنحوه من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم به.\nوأخرجه أيضا (^٣) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، فذكره مرسلا.\nولكن في كلا اللفظين أنه كان يدعو على ثلاثة، وليس أربعة.\nوأخرجه أبو عيسى (^٤) - قبل أن يذكر رواية ابن عجلان - من طريق عمر ابن حمزة، عن سالم، عن أبيه، به. ولكن فيه أن الرسول ﷺ قال ذلك يوم أحد: \"اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية\". ثم قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب، يستغرب من حديث عمر بن حمزة …).\n_________\n(^١) (٦٧٨٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٤٠٦٩).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٤٠٧٠).\n(^٤) (٣٢٦٧).","vol":"2","page":112},{"text":"قلت: وقوله: (يوم أحد) غير صحيح، ولم يأت في رواية الزهري.\nوكذا ذكر أبي سفيان مع الذين يدعو عليهم غير صحيح؛ لأنه أيضا لم يأت في رواية الزهري.\nوكذا ما جاء في رواية ابن عجلان من كونه ﷺ كان يدعو على الأربعة فالصواب: (ثلاثة)، وأما باقي رواية ابن عجلان فهي صحيحة.\nنعم؛ قد توبع من قبل أسامة بن زيد - وهو: الليثي - عند أحمد (^١)، وليس فيه: (على أربعة نفر)، ومع ذلك فإن المشهور طريق سالم بن عبد الله بن عمر.\n٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا مسلم بن عمرو بن مسلم أبو عمرو الحذّاء المديني، قال: حدثني عبد الله بن نافع، عن ابن أبي الزِّناد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب) (^٢).\nهكذا في طبعة د. بشار، وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣) وطبعة الرسالة (^٤) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).\nقلت: هذا الحديث جاء عن موسى بن عقبة من طرق؛ فقد رواه البخاري (^٥) من طريق حفص بن ميسرة.\nورواه مسلم (^٦) وأبو داود (^٧) والنسائي (^٨) من طريق زهير بن معاوية.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٥٩٩٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٦٨٣).\n(^٣) (٨٤٥٢).\n(^٤) (٦٨٤).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (١٥٠٩).\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (٩٨٦).\n(^٧) \"السنن\" (١٦١٠).\n(^٨) \"السنن الكبرى\" (٢٥٠٦).","vol":"2","page":113},{"text":"ورواه الترمذي (^١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّناد.\nورواه النسائي (^٢) من طريق فضيل بن سليمان.\nكلهم عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به.\nوقد توبع موسى؛ تابعه عمر بن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن أبيه، عند البخاري (^٣) وغيره.\nوتابعه أيضا: الضحاك بن عثمان، عن نافع، عند مسلم (^٤) وغيره.\nفهو حديث صحيح، والذي يعنينا هنا طريق الترمذي، فإسناد هذا الخبر جيد؛ عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فيه بعض الكلام، والراجح أنه صدوق، وخاصة في رواية المدنيين عنه.\nوعبد الله بن نافع مدني، وهو الصائغ، وهو أيضا فيه بعض الكلام، ولكنه صدوق.\nوأما حكم الترمذي عليه بالغرابة، فالذي يظهر أنه من الوجه الذي خرجه الترمذي؛ لأن الحديث مشهور من حديث نافع كما تقدم.\nولا يظهر أن الترمذي يريد بقوله: (حسن غريب صحيح) معنى يخالف (حسن صحيح غريب) فيكون من باب التفنن في العبارة.\n٩ - قال أبو عيسى: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، قال: حدثنا محمد ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا\".\nقال: فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٨٣).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٢٥٠٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٥٠٣).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٩٨٦).","vol":"2","page":114},{"text":"وفي الباب: عن أبي برزة، وعبد الله بن عمرو، وسمرة، وأبي هريرة، وابن عباس.\nحديث ابن عمر حديث حسن صحيح) (^١).\nهكذا في بقية النسخ المطبوعة (^٢)، وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن غريب صحيح).\nقلت: هذا الحديث حديث متواتر، فقد رواه جمع من الصحابة منهم: حكيم ابن حزام كما جاء في \"الصحيحين\" (^٤)، وهو مشهور أيضا من حديث عبد الله بن عمر، فقد رواه نافع، وعن نافع جمع.\nورواه عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عند البخاري ومسلم (^٥)، وعلّقه البخاري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه (^٦).\nفلا أدري لماذا قال أبو عيسى: (حسن غريب صحيح) كما جاء في \"التحفة\"، خاصة أنه جاء من طرق عن يحيى بن سعيد، بعضها في \"الصحيحين\" (^٧)، فالصحيح ما جاء في النسخ الأخرى أنه حكم عليه بـ (حسن صحيح) دون (غريب)، وقد يكون ما جاء في \"التحفة\" خطأ من دون المزي، وإذا ثبت ما جاء في \"التحفة\" - وهو بعيد - فيكون من قبيل التفنن بالعبارة.\n١٠ - قال أبو عيسى: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا علي بن معبد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢٩٧).\n(^٢) طبعة الرسالة (١٢٨٩)، والتأصيل.\n(^٣) (٨٥٢٢).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٢٠٨٢)، \"صحيح مسلم\" (١٥٣٢).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٢١١٣)، \"صحيح مسلم\" (١٥٣١).\n(^٦) \"صحيح البخاري\" (٢١١٦).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (٢١٠٧) \"صحيح مسلم\" (١٥٣١)، من طريق عبد الوهاب الثقفي به.","vol":"2","page":115},{"text":"شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتبت له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله\".\nهذا حديث حسن صحيح غريب) (^١). وهكذا في طبعة الرسالة (^٢).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣) والتأصيل: (حسن غريب صحيح)، وهكذا نقله ابن رجب عن الترمذي كما في \"فتح الباري\" (^٤).\nوأما ابن حجر فقال كما في \"نتائج الأفكار\" (^٥): (هذا حديث حسن غريب، كذا قال الترمذي، وفي بعض النسخ: صحيح. قلت - يعني ابن حجر -: وهي رواية أبي يعلي السنجي عن المحبوبي، وهي غلط؛ لأن سنده مضطرب، وشهر مختلف في توثيقه).\nقلت: تبين مما تقدم أن نسخ الترمذي اختلفت في حكمه على هذا الحديث، ولا يتبين لي ترجيح بعضها على بعض، وكأن (حسن غريب صحيح) أقوى من غيرها بعض الشيء.\nوليعلم أن أبا عيسى خرّج أحاديث كثيرة لشَهر، صحح ثلاثة منها سوى هذا الحديث (^٦)، والباقي لم يصححها، وإنما حكم على كثير منها\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٨٠٠).\n(^٢) (٣٧٨٠).\n(^٣) (١١٩٦٣).\n(^٤) (٧/ ٤٢٧).\n(^٥) (٢/ ٣٢١).\n(^٦) ينظر: (٢٢٦٧، ٤٢٢٨،٣٨٠٢).","vol":"2","page":116},{"text":"بقوله: (حسن غريب) (^١)، وبعضها حسنها (^٢)، وبعضها ضعّفها (^٣)، والتي ضعفها ليست العلة من شهر.\nوالذي يظهر أن الترمذي ممن يقويه، وهذا ما ذهب إليه البخاري فيما نقله عنه (^٤)، ولذا كان حكمه على حديثه بين التصحيح والتحسين.\nوالأقرب أنه لا يحتج به، وذلك لعدم إتقانه، ولذا يلاحظ عليه الاضطراب في بعض الأحيان فيما يرويه، كما أنه يأتي ببعض الزيادات التي تستنكر، كما في حديث أبي ذر الإلهي: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي … \" (^٥).\nوهذا الحديث الذي معنا مما اضطرب شهر فى إسناده، كما ذكره النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (^٦)، وابن رجب كما في \"فتح الباري\" (^٧) فقال: (وشهر بن حوشب مختلف فيه، وهو كثير الاضطراب، وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث كما ترى.\nوقيل: عنه، عن ابن غَنْم عن أبي هريرة.\nوقيل: عن شهر، عن أبي أمامة.\nقال الدارقطني: الاضطراب فيه من قبل شهر.\nوقد روي نحوه عن النبي ﷺ من وجوه أخر، كلها ضعيفة).\nوتقدم أيضا كلام ابن حجر فيه: أن سنده مضطرب وشهر مختلف في توثيقه (^٨).\n_________\n(^١) ينظر: (١٨٧٦، ٢٢٦٣).\n(^٢) ينظر: (٢٠٦٣، ٢٢١٠).\n(^٣) ينظر: (٣٧، ١٦٦٣، ٢٢٣٣).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣/ ٥٥٧).\n(^٥) أخرجه المصنف من طريقه برقم (٢٦٧٧).\n(^٦) (ص: ١٩٤).\n(^٧) (٧/ ٤٢٨).\n(^٨) \"نتائج الأفكار\" لابن حجر (٢/ ٣٠٥).","vol":"2","page":117},{"text":"ولذا ضعفه الإمام أحمد ولم يأخذ به، قال ابن رجب: (ولم يأخذ الإمام أحمد بحديث أبي ذر، فإنه ذكر له هذا الحديث، فقال: أعجب إليّ أن لا يجلس، لأن النبي ﷺ كان إذا صلى الغداة أقبل عليهم بوجهه. يعني: أن هذا أصح من حديث شهر بن حوشب هذا …) (^١). وأنا أذهب إلى هذا.\nتنبيه: قال محققو طبعة الرسالة (^٢): (إن شهرا اضطرب في هذا الحديث في سنده ومتنه).\nقلت: الصحيح أن الاضطراب كان في السند وليس في المتن، كما تقدم من كلام الحفاظ، وأما ما وقع من اختلاف يسير في الروايات، مثل ما جاء في بعضها صلاة العصر بدل المغرب، فهذا لا يؤثر، والمشهور في هذا الحديث المغرب.\n١١ - قال أبو عيسى: (حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"إن غلظ جلد الكافر اثنين وأربعين ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة\". هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش) (^٣). وفي طبعة الرسالة (^٤)، ودار التأصيل: (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٥): (حسن غريب صحيح من حديث الأعمش).\nقلت: أما استغراب الترمذي لهذا الحديث فقد وافقه عليه البزار،\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" لابن رجب (٧/ ٤٢٨).\n(^٢) (٦/ ٨٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٧٧٣).\n(^٤) (٦٧٦٠).\n(^٥) (١٢٤١١).","vol":"2","page":118},{"text":"فقال: (حدثنا محمد بن الليث الهَدَادي وأحمد بن عثمان بن حكيم، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا شيبان - يعني: ابن عبد الرحمن -، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ضرس الكافر مثل أحد، وغلظ جلده أربعون ذراعا\".\nوهذا الحديث لا نعلم رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ إلا شيبان) (^١).\nوأما تصحيحه لهذه السلسلة، فقد وافقه على ذلك مسلم، فقد خرج بها حديثين من طريق عبيد الله بن موسى عن شيبان به (^٢).\nولذا صحح ابن حجر هذا الحديث فقال: (وأخرجه البزار من وجه ثالث عن أبي هريرة بسند صحيح، بلفظ: \"غلظ جلد الكافر وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار\") (^٣).\nولكن اختلف عن الأعمش في رفعه ووقفه، جاء عند الدارقطني في \"العلل\" (^٤): (وسئل عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: \"إن غلظ جلد الكافر اثنتان وأربعون ذراعا، وضرسه مثل أحد\".\nفقال: يرويه الأعمش، واختلف عنه فرفعه شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nوتابعه عبيد بن يعيش، عن ابن فضيل، عن الأعمش.\nوغيره يرويه، عن ابن فضيل، عن الأعمش موقوفا، وهو أشبه).\nقلت: الذي يظهر من كلام الدارقطني أنه يرجح الوقف.\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٩٢٣٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٥٠٨، ١٩١٤).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٢٣).\n(^٤) (١٩٤١).","vol":"2","page":119},{"text":"وشيبان وإن كان يقدَّم على ابن فضيل (^١)، إلا أن ابن فضيل قد توبع؛ تابعه جرير بن عبد الحميد عند عبد الله في \"السنة\" (^٢)، وأبو معاوية عند ابن المنذر في \"التفسير\" (^٣). ولكن هذا الخبر لا يقال من قبل الرأي كما هو معلوم.\nوقد جاء من وجه آخر عن أبي هريرة ما يؤيد شيبان في الجملة، فقد أخرج مسلم (^٤) قال: (حدثني سريج بن يونس، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ضرس الكافر، أو ناب الكافر، مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث\").\nوأخرج الترمذي بعضه (^٥) من طريق فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، ولفظه: \"ضرس الكافر مثل أحد\". وقال: (حديث حسن).\n_________\n(^١) قال الدارمي ليحيى بن معين: شيبان ما حاله في الأعمش؟ فقال: ثقة في كل شيء. وقال صالح بن حنبل، عن أبيه: شيبان ثبت في كل المشايخ.\nوقال أحمد وأبو القاسم البغوي: شيبان أثبت في حديث يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي.\nوقال يحيى بن معين وأبو داود: شيبان أحب إلي من معمر في قتادة.\nوقد وصفوه بأنه صاحب كتاب، قال أبو عيسى الترمذي في \"الجامع\" (٣/ ٣٨٣): (شيبان ثقة عندهم، صاحب كتاب). وقال في موضع آخر: (وهو صحيح الحديث).\nفالراجح أنه ثقة ثبت صاحب كتاب.\nوأما ما قاله الساجي: (صدوق عنده مناكير، وأحاديث عن الأعمش تفرد بها). فهذا فيه نظر، وكلامه مخالف لكلام من سبق من الأئمة، ولم أقف على من تابعه على قوله هذا. ينظر: \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٥٩٤ - ٥٩٧).\n(^٢) (١١٩٢).\n(^٣) (١٩١٢).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٨٥١).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢٧٧١).","vol":"2","page":120},{"text":"وأخرج الشيخان (^١) من طريق فضيل، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، يرفعه قال \"ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع\".\nوأخرجه الترمذي (^٢) من طريق محمد بن عمار، قال: حدثني جدي محمد بن عمار وصالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة\". وقال: (حسن غريب).\nقلت: سياق الأول أصح، وكذا إسناده، ومحمد بن عمار الجد ليس بالمشهور تماما، وصالح مولى التوأمة قد اختلط.\nفتبين مما تقدم صحة حديث شيبان، فقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح غريب) والله أعلم.\n١٢ - قال أبو عيسى: (حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثنا يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. قال: \"أتدرون ما أخبارها؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا\"، قال: \"فهذا أمرها\" (^٣). هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٦٥٥١)، \"صحيح مسلم\" (٢٨٥٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٧٧٠).\n(^٣) في طبعة الرسالة (٢٥٩٨) وبشار (٢٤٢٩): (فهذه أخبارها).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٦١٢).","vol":"2","page":121},{"text":"وساقه في التفسير (^١) بنفس الإسناد وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب).\nوفي طبعة الرسالة والتأصيل في الموضع الأول: (حسن غريب) (^٢).\nوفي الثاني: (حسن صحيح غريب) (^٣).\nوأما في \"تحفة الأشراف\" (^٤) فبعد أن ذكر الموضعين، نقل عن الترمذي قوله: (حسن غريب صحيح).\nقلت: حسب ما جاء في طبعة بشار ومن تابعه لا يكون هناك إشكال، فـ (حسن غريب صحيح) تساوي (حسن صحيح غريب).\nوأما على حسب ما جاء في الطبعات الأخرى فيُفسَّر هذا الاختلاف في حكم الترمذي في الموضعين بأن اجتهاده اختلف، وأنه متردد بين تصحيحه أو تحسينه، والسبب في ذلك - والله أعلم - أن يحيى بن أبي سليمان اختلف فيه، فذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٥)، وقال البخاري: منكر الحديث (^٦). وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه (^٧). وتوقف فيه ابن خزيمة (^٨)، وهذا - والله أعلم - ما جعل الترمذي يختلف حكمه على هذا الخبر، والأقرب في يحيى أنه لا يحتج به، وأنه منكر الحديث، ولكن يكتب حديثه.\nوأما ما جاء في \"تحفة الأشراف\" من حكم أبي عيسى على هذا الخبر بأنه (حسن غريب صحيح)، فالجواب عنه: أن نسخ الترمذي قد اختلفت\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٦٦٨).\n(^٢) (٢٥٩٨).\n(^٣) (٣٦٤٧).\n(^٤) (١٣٧٦).\n(^٥) (٧/ ٦٠٤، ٧/ ٦١٠).\n(^٦) \"القراءة خلف الإمام\" للبخاري (ص: ٣٢٧).\n(^٧) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٥٥).\n(^٨) \"صحيح ابن خزيمة\" (٣/ ١٢١).","vol":"2","page":122},{"text":"كما تقدم، وإن كان الأكثر على تصحيحه لهذا الخبر، وقد ذكر ابن كثير في \"تفسيره\" (^١) هذا الحديث وساق إسناد الترمذي، ونقل عنه أنه قال: (حسن صحيح غريب). والأقرب أن هذا الحديث لا يصح لما تقدم، والله أعلم.\n١٣ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في الغيلة. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن بنت وهب - وهي: جُدَامة - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أردت أن أنهى عن الغيال، فإذا فارس والروم يفعلون ولا يقتلون أولادهم\".\nوفي الباب: عن أسماء بنت يزيد. هذا حديث حسن صحيح.\nوقد رواه مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن جُدَامة بنت وهب، عن النبي ﷺ: … نحوه.\nحدثنا عيسى بن أحمد، قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثني مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جُدَامة بنت وهب الأسدية، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم\".\nقال عيسى بن أحمد: وحدثنا إسحاق بن عيسى، قال: حدثني مالك، عن أبي الأسود … نحوه.\n_________\n(^١) (٨/ ٤٦١).","vol":"2","page":123},{"text":"هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: هذا الحديث حديث صحيح، وقد خرجه مسلم في \"صحيحه\" (^٢)، وساقه أبو عيسى بإسنادين؛ الثاني أصح من الأول؛ لأن الأول فيه يحيى بن أيوب، وهو حسن الحديث، وأما الثاني فساقه من طريق مالك وهو إمام، فتبين صحة هذا الحديث.\nوقد ذكر محققو الرسالة أن الطريق الأولى حكم عليها الترمذي بـ (صحيح) فقط، ثم قالوا: (كذا في سائر الأصول الخطية عدا نسخة (ل) فقد جاء فيها: حسن صحيح) (^٣).\nوأما الإسناد الثاني، فأثبت محققو الرسالة قوله: (حسن صحيح) وقالوا: (لم ترد في نسخنا الخطية، وأثبتناه من نسخة المباركفوري) (^٤).\nوأما في النسخة التي عليها شرح المباركفوري فقال عن الإسناد الأول: (صحيح)، وهكذا أيضا في الشرح، وأما الإسناد الثاني فقال: (حسن صحيح غريب) وهكذا في الشرح (^٥).\nوأما ما ذكره محقق \"التحفة\" (^٦): (حسن [غريب] صحيح) من زيادة (غريب) بين (حسن) وبين (صحيح)، فهذا يبدو أنه في نسخة وقف عليها، وما جاء في النسخ السابقة هو الصحيح.\nوإذا كان هذا ثابتا فيكون معنى (حسن غريب صحيح) صحيح في هذا الموضع.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٢٢٠ - ٢٢٢١ - ٢٢٢٢).\n(^٢) (١٤٤٢).\n(^٣) (٢٢٠٨).\n(^٤) (٢٢٠٩)، وفي طبعة التأصيل في الموضع الأول: (صحيح)، ولم يثبتوا شيئا في الموضع الثاني.\n(^٥) \"جامع الترمذي وشرحه تحفة الأحوذي\" (٣/ ١٧٤) الطبعة الهندية.\n(^٦) (١٥٧٨٦).","vol":"2","page":124},{"text":"١٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا اْحمد بن منيع والحسن بن الصبَّاح البزار وأحمد بن محمد بن موسى - المعنى واحد -، قالوا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ فسأله عن مواقيت الصلاة، فقال: \"أقم معنا إن شاء الله\"، فأمر بلالا فأقام حين طلع الفجر، ثم أمره فأقام حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس، ثم أمره بالعشاء فأقام حين غاب الشفق، ثم أمره من الغد فنور بالفجر، ثم أمره بالظهر فأبرد، وأنعم أن يبرد، ثم أمره بالعصر فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت، ثم أمره فأخر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق، ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: \"أين السائل عن مواقيت الصلاة؟ \"، فقال الرجل: أنا، فقال: \"مواقيت الصلاة كما بين هذين\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقد رواه شعبة، عن علقمة بن مرثد أيضا) (^١).\nوكذا في طبعة أحمد شاكر (^٢)، ودار التأصيل، والرسالة (^٣): (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٤): (حسن صحيح غريب).\nقلت: قول أبي عيسى هنا عن هذا الحديث بأنه (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح غريب)، فهذا الحديث حديث صحيح، وقد خرجه الإمام مسلم في \"صحيحه\" (^٥)، وكأن استغراب الترمذي لهذا الحديث\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٥٤).\n(^٢) (١٥٢).\n(^٣) (١٥٢).\n(^٤) (١٩٣١).\n(^٥) (٦١٣).","vol":"2","page":125},{"text":"من حديث سفيان فقط؛ لأنه ذكر أن شعبة قد رواه، ويؤيد هذا أنني لم أقف على أحد تابع إسحاق الأزرق على هذا الحديث إلا مخلد بن يزيد كما عند النسائي (^١)، وابن ماجه (^٢).\nوقد خرج مسلم (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥)، وابن خزيمة (^٦)، وابن حبان (^٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (^٨)، وابن الجارود (^٩)، والدارقطني (^١٠)، والبيهقي (^١١) هذا الحديث من طريق إسحاق الأزرق.\nورواه مسلم أيضا (^١٢) من طريق شعبة. كما أن ابن ماجه أخرجه (^١٣) من طريق مخلد بن يزيد به.\nوقد صحح الترمذي عدة أحاديث بهذه الترجمة، أي: سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه؛ حديثان من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه (^١٤)، وحديث من طريق أبي عاصم عنه (^١٥).\n١٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا هشيم، عن محمد بن إسحاق، عن حفص بن عبيد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يفطر على تمرات يوم الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى.\n_________\n(^١) \"المجتبى\" (٥٢٩).\n(^٢) \"السنن\" (٦٦٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٦١٣).\n(^٤) \"السنن\" (٦٦٧).\n(^٥) \"المسند\" (٢٢٩٥٥).\n(^٦) \"صحيح ابن خزيمة\" (٣٢٣).\n(^٧) \"صحيح ابن حبان\" (١٥٢١).\n(^٨) (٩٠٦).\n(^٩) \"المنتقى\" (١٥٣).\n(^١٠) \"السنن\" (١٠٣٣).\n(^١١) \"السنن الكبير\" (١٧٥٥).\n(^١٢) \"صحيح مسلم\" (٦١٣).\n(^١٣) \"السنن\" (٦٦٧).\n(^١٤) \"جامع الترمذي\" (٦٢) و(١٤٧٦،١٧٢١) وهذا الحديث الذي معنا هو الثالث.\n(^١٥) \"جامع الترمذي\" (١٠٨٢، ١٥٩٩، ١٩٩٠).","vol":"2","page":126},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١).\nوكذا في طبعة أحمد شاكر، وقال في الحاشية: (كلمة \"غريب\" لم تذكر في (م)، وكلمة \"صحيح\" ذكرت فيها في الحاشية وعليه علامة نسخة، ولم تذكر في (ع)، وفي (هـ) و(و) و(ك): \"حسن صحيح غريب\"، وفي نسخة: \"حسن من هذا الوجه صحيح غريب\") (^٢).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣)، وطبعة الرسالة (^٤) والتأصيل: (حسن صحيح غريب)، زاد في \"التحفة\": (من هذا الوجه).\nقلت: فتبين مما تقدم أن أغلب النسخ فيها: (حسن صحيح غريب)، وعلى فرض صحة (حسن غريب صحيح)، فهي مساوية لـ (حسن صحيح غريب)؛ لأن هذا الحديث حديث صحيح، قد رواه البخاري (^٥) من طريق هشيم، عن عبيد الله ابن أبي بكر، عن أنس.\nقال المزي في \"التحفة\" (^٦) - بعد أن ساق سند الترمذي -: (تابعه عمرو ابن عون الواسطي، عن هشيم. ورواه سعيد بن سليمان وجُبَارة بن المغلِّس، عن هشيم، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس).\nقلت: ورواية سعيد في البخاري، ورواية جُبَارة عند ابن ماجه (^٧)، فتبين أنه عند هشيم من وجهين، ولذا قال أبو مسعود: (هذا من قديم حديث هشيم، وعنده فيه طريق آخر) (^٨). وعلّقه البخاري عن مرجَّى بن رجاء، عن عبيد الله به (^٩).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٥١).\n(^٢) (٥٤٣).\n(^٣) (٥٤٨).\n(^٤) (٥٥١).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٩٥٣).\n(^٦) (٥٤٨).\n(^٧) \"السنن\" (١٧٥٤).\n(^٨) \"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" (١٠٨٢).\n(^٩) (٩٥٣).","vol":"2","page":127},{"text":"١٦ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس\". قال أبو عيسى: سألت محمدا، قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم، يقول في حديثه: سمعت عائشة) (^١).\nقلت: هذا الحديث في إسناده يحيى بن اليمان، وهو متكلم فيه، وفيه أيضا رواية ابن المنكدر عن عائشة، وقد اختلف في سماعه منها، فذهب البخاري إلى سماعه، وقال البزار: لم يسمع (^٢).\nوقال ابن معين: لم يسمع من أبي هريرة (^٣).\nقلت: وأبو هريرة توفي بعد عائشة.\nوقال ابن حجر - على قول ابن عيينة: بلغ نيفا وسبعين سنة -: قال: (فيكون مولده على هذا قبل سنة ستين بيسير، فتكون روايته عن عائشة وأبي هريرة وأبي أيوب الأنصاري وأبي قتادة وسفينة ونحوهم، مرسلة). انتهى من \"التهذيب\" (^٤). وهذا ما أميل إليه: أنه لم يسمع منها؛ لما تقدم.\nوأما حكم أبي عيسى على هذا الحديث، فقد قال: (هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^٥).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٨١٦).\n(^٢) \"كشف الأستار\" (١/ ٥٧).\n(^٣) \"تاريخ ابن معين\" رواية الدوري (٣/ ١٦٤، ٣/ ٢٠١، ٣/ ٢٤٣).\n(^٤) (٣/ ٧٠٩).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢/ ١٤٤).","vol":"2","page":128},{"text":"وكذا في طبعة أحمد شاكر (^١)، والرسالة (^٢)، ودار التأصيل.\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن صحيح، غريب من هذا الوجه).\nونقل البغوي في \"شرح السنة\" (^٤) عن المصنف قوله: (حسن غريب من هذا الوجه).\nوالخلاصة: أن النسخ اتفقت على تصحيح الترمذي لهذا الخبر إلا ما نقله البغوي، واختلفت في ذكر موضع الغرابة.\nوما جاء في \"تحفة الأشراف\" وما نقله البغوي أقوم من حيث استقامة الكلام، وذلك أن قوله: (من هذا الوجه) يناسب أن يكون بعد كلمة (غريب) أكثر مما يناسب أن يكون بعد كلمة (صحيح).\nوفيما يتعلق بسماع ابن المنكدر من عائشة، فالذي يظهر أن الترمذي يذهب إلى سماعه منها.\nوأما يحيى بن اليمان فقد خرّج له سبعة أحاديث، منها أثر واحد اختلفت نسخ الترمذي في ذكره (^٥)، وحسّن اثنين من هذه الأحاديث؛ أحدهما: فيه الحجاج بن أرطأة (^٦)، والثاني: فيه زيد العَمِّي (^٧)، وكلاهما متكلم فيه، وبيّن خطأه في حديثين (^٨)، وحديث آخر ضعفه؛ لأن فيه رجلا لم يُسمَّ، وأعلَّه أيضا بالانقطاع (^٩).\nفصنيع الترمذي مع يحيى بن اليمان أنه لا يصحح حديثه، فهذا يقوي ما جاء في بعض النسخ من كون الترمذي لم يصحح هذا الخبر، والله أعلم.\n_________\n(^١) (٥٠٢).\n(^٢) (٨١٣).\n(^٣) (١٧٦٠٠).\n(^٤) (٦/ ٢٤٧).\n(^٥) ينظر: هامش طبعة د. بشار (٤/ ٢٣٣).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (١٠٨٥).\n(^٧) \"جامع الترمذي\" (٣٩٢٩).\n(^٨) \"جامع الترمذي\" (٢٣٩، ٩٢٥).\n(^٩) \"جامع الترمذي\" (٤٠٥٠).","vol":"2","page":129},{"text":"١٧ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، قال: حدثنا سماك بن حرب، عن علقمة ابن وائل الكندي، عن أبيه، أن امرأة خرجت على عهد النبي ﷺ تريد الصلاة، فتلقاها رجل فتجلّلها، فقضى حاجته منها، فصاحت، فانطلق، ومر عليها رجل، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، ومرت بعصابة من المهاجرين، فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا، فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها فأتوها، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله ﷺ، فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، فقال لها: \"اذهبي فقد غفر الله لك\"، وقال للرجل قولا حسنا، وقال للرجل الذي وقع عليها: \"ارجموه\"، وقال: \"لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم\". هذا حديث حسن غريب صحيح.\nوعلقمة بن وائل بن حُجْر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه) (^١).\nوكذا في طبعة التأصيل والرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح).\nوفي \"التحفة\" (^٣): (هذا حديث حسن غريب)، وفي بعض النسخ: (حسن صحيح غريب).\nقلت: إذا ثبت أن الترمذي قال عن هذا الحديث: (حسن غريب صحيح)، فهو يريد بذلك صحة هذا الحديث، ويؤيد ذلك ما قاله بعد حكمه على هذا الحديث.\nوأما وجود سماك في الإسناد فالترمذي يصحح حديثه، حتى ولو كان من رواية من سمع منه أخيرا، حكم بذلك في عدة أحاديث، ومنها:\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٥٣١).\n(^٢) (١٥٢٠).\n(^٣) (١١٧٧٠).","vol":"2","page":130},{"text":"ما رواه أبو الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: جاء رجل من حضر موت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ … خرجه الترمذي في الأحكام، وقال: (حسن صحيح) (^١).\nفقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح غريب).\n١٨ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في شراء العبد بالعبدين.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولا يشعر النبي ﷺ أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال النبي ﷺ: \"بعنيه\"، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله: أعبد هو. وفي الباب: عن أنس.\nحديث جابر حديث حسن صحيح) (^٢). وقال في كتاب السير: (باب في بيعة العبد.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: جاء عبد فبايع رسول الله ﷺ على الهجرة، ولا يشعر النبي ﷺ أنه عبد، فجاء سيده، فقال النبي ﷺ: \"بعنيه\"، فاشتراه بعبدين أسودين، ولم يبايع أحدا بعد حتى يسأله: أعبد هو. وفي الباب: عن ابن عباس.\nحديث جابر حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٣٩٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٢٩١).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٦٩٩).","vol":"2","page":131},{"text":"وكذا في طبعة التأصيل والرسالة (^١): (حسن غريب صحيح).\nقلت: هذا حديث صحيح، وهو مستقيم سندا ومتنا، ولذا صححه المصنف، وقد خرجه مسلم في \"صحيحه\" (^٢) بنفس الإسناد.\nوأما قول المصنف في الموضع الثاني عندما أخرجه: (حسن غريب صحيح)، فهو مساو لقوله السابق: (حسن صحيح)، لكن في الأول لم يذكر الغرابة، بخلاف الثاني فقد ذكرها.\n١٩ - قال أبو عيسى: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: أخبرني أبي، عن مصعب بن شيبة، عن صفية ابنة شيبة، عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).\nوفي طبعة الرسالة (^٤) والتأصيل و\"تحفة الأحوذي\" (^٥) - وفي النسخة التي مع الشرح -: (حسن صحيح غريب).\nوفي \"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" (^٦): (حسن صحيح).\nوفي نسخة - كما أشار محققو الرسالة -: (غريب صحيح).\nقلت: لم يثبت أن المصنف قال عن هذا الحديث: (حسن غريب صحيح)، وذلك لمخالفة هذا ما جاء في باقي النسخ، وإذا ثبت أنه قال ذلك فهو بمعنى: (حسن صحيح غريب).\n_________\n(^١) (١٦٨٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٦٠٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٠٣٧).\n(^٤) (٣٠٢٢).\n(^٥) الطبعة الهندية (٤/ ٢٣).\n(^٦) (١٧٨٥٧).","vol":"2","page":132},{"text":"وهذا الحديث قد خرجه مسلم في \"صحيحه\" (^١) من طريق مصعب بن شيبة به. وهو متكلَّم فيه.\nوقد خرّج الترمذي في كتابه \"الجامع\" (^٢) حديثا آخر لمصعب، فحسنه ولم يصححه.\n٢٠ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقِنْو والقِنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تبارك تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. هذا حديث حسن غريب صحيح.\nوأبو مالك هو: الغفاري، ويقال اسمه: غزوان.\nوقد روى سفيان الثوري، عن السدي، شيئا من هذا) (^٣).\nوفي طبعة الرسالة (^٤) والتأصيل: (حسن صحيح غريب).\n_________\n(^١) (٢٠٨١).\n(^٢) (٢٩٧٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٢٤٨).\n(^٤) (٣٢٣٠).","vol":"2","page":133},{"text":"وفي \"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" (^١): (حسن غريب).\nقلت: لم يثبت أن الترمذي قال عن هذا الحديث: (حسن غريب صحيح)؛ لأن النسخ قد اختلفت كما تقدم.\n٢١ - وقال أبو عيسى: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضّل، قال: حدثنا الجُريري، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين\"، قال: وجلس وكان متكئا، قال: \"وشهادة الزور، أو: قول الزور\"، قال: فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتى قلنا: ليته سكت. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).\nوأورده في موضعين قبله بسنده ومتنه (^٣)، وقال: (حسن صحيح). كذا في طبعة بشار.\nوفي طبعة الرسالة (^٤): (حسن صحيح غريب)، وفي الموضع الثاني (^٥): (صحيح)، وفي الموضع الأول (^٦): (حسن صحيح).\nوفي طبعة التأصيل (^٧): (حسن صحيح غريب)، وفي الموضع الثاني (^٨): (صحيح)، وفي الموضع الأول (^٩): (حسن صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" (^١٠): (حسن صحيح).\nقلت: لم يثبت أن الترمذي حكم على هذا الحديث بقوله: (حسن\n_________\n(^١) (١٩١١).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٢٨٥).\n(^٣) (٢٠٢٤، ٢٤٦٦).\n(^٤) (٣٢٦٧).\n(^٥) (٢٤٥٢).\n(^٦) (٢٠١١).\n(^٧) (٣٢٨٥).\n(^٨) (٢٤٦٦).\n(^٩) (٢٠٢٤).\n(^١٠) (١١٦٧٩).","vol":"2","page":134},{"text":"غريب صحيح)، ولو قال ذلك فيكون قصده تصحيح هذا الخبر، فهو مساو لقوله: (حسن صحيح). وهذا الحديث قد خرجه الشيخان (^١)، فهو حديث صحيح.\n٢٢ - قال أبو عيسى في كتاب الدعوات، باب ما جاء أن الداعي يبدأ بنفسه: (حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، قال: حدثنا أبو قَطَن، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدا فدعا له، بدأ بنفسه. هذا حديث حسن غريب صحيح. وأبو قَطَن اسمه: عمرو بن الهيثم) (^٢).\nوكذا في باقي الطبعات: الرسالة (^٣)، والتأصيل، وفي الطبعة الهندية ومعها شرح المباركفوري (^٤): (حسن غريب صحيح).\nقلت: هذا الحديث إسناده كلهم ثقات، إلا حمزة بن حبيب الزيات فإنه صدوق، فيه بعض الكلام (^٥)، وخرج له مسلم في \"صحيحه\" (^٦).\nورواه أبو داود (^٧) ولم يتعقبه بشيء، وصحّحه ابن حبان بإخراج هذا الحديث في كتابه \"التقاسيم والأنواع\" (^٨).\nوقد توبع حمزة؛ تابعه رَقَبة بن مَصْقَلة عند مسلم (^٩).\nوتابعه أيضا إسرائيل عند عبد بن حميد (^١٠)، والنسائي في\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٦٥٤)، \"صحيح مسلم\" (٨٧).\n(^٢) (٣٧٠٣).\n(^٣) (٣٦٨٢).\n(^٤) (٤/ ٢٢٧).\n(^٥) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٣٢٢).\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (٥٩٦).\n(^٧) \"السنن\" (٣٩٨٤).\n(^٨) (٩٨٣).\n(^٩) \"صحيح مسلم\" (٢٣٨٠، ٢٦٦١).\n(^١٠) \"المنتخب من مسند عبد بن حميد\" (١٦٩).","vol":"2","page":135},{"text":"\"الكبرى\" (^١)، والشاشي (^٢).\nوقد توبع أبو إسحاق أيضا؛ تابعه عمرو بن دينار (^٣) ويعلى بن مسلم (^٤)، كلاهما عن سعيد بن جبير به، لكن دون موضع الشاهد.\nورواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس (^٥)، دون موضع الشاهد أيضا.\nفتبين أن هذا الخبر صحيح، فيكون قول الترمذي: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح) في غيره من الأحاديث.\nواستغراب الترمذي له؛ لأنه جاء من أوجه أخرى عن سعيد بن جبير، وابن عباس - كما تقدم - وليس فيها موضع الشاهد؛ فلعله من أجل هذا استغربه أبو عيسى.\nوأما ما قاله الحافظ في \"الفتح\" (^٦): (وقد ترجم المصنف في الدعوات: \"من خص أخاه بالدعاء دون نفسه\"، وذكر فيه عدة أحاديث، وكأنه أشار إلى أن هذه الزيادة - وهي: كان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه - لم تثبت عنده، وقد سئل أبو حاتم الرازي عن زيادة وقعت في قصة موسى والخضر من رواية أبي إسحاق هذه، عن سعيد بن جبير، وهي قوله في صفة أهل القرية: أتيا أهل القرية لئاما فطافا في المجالس، فأنكرها، وقال: هي مدرجة في الخبر، فقد يقال: وهذه الزيادة مدرجة فيه أيضا، والمحفوظ رواية ابن عيينة المذكورة، والله أعلم).\n_________\n(^١) (٦٠٢٢).\n(^٢) \"المسند\" (١٤١١).\n(^٣) عند البخاري في مواضع منها: (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).\n(^٤) عند البخاري في مواضع منها: (٢٢٦٧).\n(^٥) عند البخاري في مواضع منها: (٧٤)، ومسلم (٢٣٨٠).\n(^٦) (٨/ ٤٢٠).","vol":"2","page":136},{"text":"فهذا فيه بعض النظر، وذلك أن البخاري قد يكون قصد من الباب المذكور: أن الرسول ﷺ لا يلتزم هذا دائما في كل دعاء، بل قد يفعل هذا وقد لا يفعله، فيدعو للغير من دون أن يبدأ بنفسه، فيكون كلا الأمرين ثابتًا، والله تعالى أعلم.\n٢٣ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء فيمن يقرأ القرآن عند المنام.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا المفضّل بن فَضالة، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١).\nوهكذا في طبعة الرسالة (^٢) والتأصيل، وفي الطبعة الهندية ومعها شرح المباركفوري (^٣). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٤): (حسن غريب).\nقلت: هذا الحديث قد أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (^٥) بنفس الإسناد، والذي يظهر أن الترمذي عندما قال: (حسن غريب صحيح) يريد صحة هذا الخبر.\nوقد جاء هذا الخبر في بعض ألفاظه: (كان إذا اشتكى …)، وليس كل ليلة.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٧٢٠).\n(^٢) (٣٦٩٩).\n(^٣) (٤/ ٢٣١).\n(^٤) (١٦٥٣٧).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٥٠١٧).","vol":"2","page":137},{"text":"وبعض أهل العلم جعله حديثين؛ وذلك أن مالكا ومعمرا وزيادا وأبا أويس (^١) في روايتهم عن الزهري: (كان إذا اشتكى)، وهكذا رواه هشام بن عروة، عن أبيه (^٢).\nورواه يونس وعُقيل، عن الزهري، فجعلاه: (كل ليلة) دون (إذا اشتكى)، وهي في \"الصحيح\" (^٣) أيضا.\nوالراجح الأول، أن هذه الرقية مقيدة بالشكوى؛ لأن رواتها أكثر، ومعهم أيضا زيادة علم.\n٢٤ - قال أبو عيسى في أبواب المناقب: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سعيد، قال: حدثنا شَريك، عن سماك، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: \"إن دعوت هذا العِذْق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟ \". فدعاه رسول الله ﷺ، فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال: \"ارجع\" فعاد، فأسلم الأعرابي. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٤).\nوكذا في طبعة الرسالة (^٥) والتأصيل: (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٦): (حسن صحيح).\nقلت: في هذا الإسناد شريك، وهو متكلّم فيه، وقد خرّج له المصنف\n_________\n(^١) رواية مالك ومعمر وزياد أخرجها مسلم (٢١٩٢)، ورواية أبي أويس أخرجها أحمد (٢٤٨٣١).\n(^٢) عند مسلم (٢١٩٢).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٥٠١٧، ٥٧٤٧).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٩٧٥).\n(^٥) (٣٩٥٦).\n(^٦) (٥٤٠٧).","vol":"2","page":138},{"text":"كثيرا في كتابه \"الجامع\"، قال عنه في أحد المواضع: (وشريك كثير الغلط) (^١). وقد أعلَّ له عدة أحاديث وبين خطأه فيها، وصوّب رواية غيره عليه (^٢)، وبعضها حسّنها (^٣) أو استغربها (^٤)، كما أنه صحَّح بعضها وهو الأقل (^٥)، وقد نصَّ في بعض الأحاديث التي صحّحها أنه قد توبع على هذا الخبر (^٦)، والخبر الذي معَنا من هذا القبيل، فإنه قد جاء من حديث أبي معاوية وجرير، كلاهما عن الأعمش، عن أبي ظبيان به. وهذا إسناد صحيح، أخرجه الدارمي (^٧). وأخرجه أحمد (^٨) من طريق أبي معاوية. وقد وقع على الأعمش اختلاف (^٩)، ولعل الخطأ فيه من الراوي عنه. والخلاصة أن هذا الحديث صحيح.\nوأما استغراب الترمذي له، فيظهر أنّ سبَبه تفرّدُ شريك عن سماك من هذا الوجه، فلم أقف على أحد تابع شريكا عليه، والذي يظهر أيضا أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث لما تقدم، ويؤيد هذا ما جاء في \"تحفة الأشراف\" أنه قال عنه: (حسن صحيح)؛ لأن طريق شريك محفوظ، بدليل رواية الأعمش لهذا الخبر كما تقدم.\n٢٥ - قال أبو عيسى في أبواب المناقب: (باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁.\n_________\n(^١) (١/ ٣٠٤).\n(^٢) ينظر: (٤٥ - ٤٦، ٦١٥، ٧٩٧ - ٧٩٨).\n(^٣) ينظر: (٥٣٨، ٦٥٥، ١٠٩٧).\n(^٤) ينظر: (١١٣، ١٢٧ - ١٢٨، ٨٨٤).\n(^٥) ينظر: (١٠٨، ٥٢٧، ٢٦٦٤).\n(^٦) ينظر: (١٥٩٢، ١٩٤٨).\n(^٧) \"مسند الدارمي\" (٢٥).\n(^٨) \"مسند أحمد\" (١٩٥٤).\n(^٩) ينظر: \"دلائل النبوة\" للبيهقي (٦/ ١٧).","vol":"2","page":139},{"text":"حدثنا إسماعيل بن موسى، قال: حدثنا شريك، عن أبى إسحاق، عن حُبْشي بن جُنادة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢) والتأصيل: (حسن غريب صحيح). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا الحديث قد توبع عليه، فرواه أحمد (^٤)، قال: حدثنا يحيى بن آدم وابن أبي بكير، قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق به. ثم قال: حدثنا الزبيري، حدثنا إسرائيل مثله. ورواه الطبراني في \"الكبير\" (^٥) من طريق قيس بن الربيع به.\nوأخرجه أبو نعيم في \"تاريخ أصبهان\" (^٦)، قال: (حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو سعيد جبير بن هارون، ثنا محمد بن حميد، ثنا حَكّام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن حُبْشي بن جُنادة السَّلولي، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"علي مني وأنا منه، لا يبلغ عني إلا أنا أو علي\"). قال أبو نعيم: (قالها في حجة الوداع).\nوحَكّام هو: ابن السلْم، وقد وثقه الجمهور، ولكن قال أحمد: كان يحدث عن عنبسة أحاديث غرائب (^٧). وهذا الحديث ليس منها. وأما عنبسة فهو: ابن سعيد الأسدي، وهو ثقة.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٠٧١).\n(^٢) (٤٠٥٣).\n(^٣) (٣٢٩٠).\n(^٤) (١٧٥٠٥).\n(^٥) (٤/ ١٦).\n(^٦) (١/ ٣٠٤).\n(^٧) \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٢٠٨).","vol":"2","page":140},{"text":"وهذه المتابعات ترجح أن الترمذي صحح هذا الخبر، وأن قوله: (حسن غريب صحيح) يريد به التصحيح.\nوأما حكمه بغرابته، فلعله من أجل تفرد أبي إسحاق به عن حُبْشي بن جُنادة.\nوأما سماع أبي إسحاق منه؛ فالذي أميل إليه أنه سمع منه؛ وذلك لأنه جاء في أكثر من طريق التصريحُ بالسماع (^١)، وإن كانت هذه الطرق قد لا تخلو من كلام، ولكن باجتماعها تتقوى، ويتأيد ذلك أيضا بأن حُبْشي كان قد نزل الكوفة بلد أبي إسحاق، وشهد مع علي ﵄ مشاهد.\nوهذا ما ذهب إليه أبو عيسى الترمذي وابن خزيمة، فقد خرج له في كتابه \"الصحيح\" (^٢)، وكذا الدارقطني، فقد قال في \"الإلزامات\" (^٣): (ذكر أحاديث رجال من الصحابة ﵃ رووا عن النبي ﵌، رُويت أحاديثهم من وجوه لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا، فيلزم إخراجها على مذهبهما، وعلى ما قدمنا ذكره، وما أخرجاه أو أحدُهما).\nثم ذكر أمثلة على ذلك، إلى أن قال: (حُبْشي بن جُنادة روى عنه الشعبي وأبو إسحاق وابنه عبد الرحمن بن حُبْشي) (^٤).\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" للفسوي (٢/ ٦٢٥)، \"المعجم الكبير\" للطبراني (٤/ ١٦ - ١٧)، \"معجم الصحابة\" لابن قانع (١/ ١٩٨)، \"الكامل\" لابن عدي (٤/ ١٩٤، ٥/ ٢١١). وأخرج أحمد (١٧٥٠٦) عن الزبيري عن شريك، وفيه: (فقلت لأبي إسحاق: أين سمعت منه؟ قال: وقف علينا على فرس له في مجلسنا في جبانة السبيع). وعن يحيى بن آدم عن شريك بمعناه (١٧٥١١). وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٨٤٠٠) من رواية زيد بن الحباب عن شريك بمعناه.\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٤٤٦).\n(^٣) (ص: ٩٧).\n(^٤) (ص:١١٠).","vol":"2","page":141},{"text":"وهذا القول منه قد يكون فيه بعض النظر بالنسبة للبخاري، وذلك أنه - فيما يظهر - يذهب إلى عدم سماعه، فقال: (حُبْشي بن جُنادة السَّلولي. قال مالك بن إسماعيل: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حُبْشي بن جُنادة، قال: قال النبي ﷺ: \"من سأل من غير فقر، فانما يأكل من جمر\".\nوقال مالك: حدثنا شريك، قلت لأبي إسحاق: أين سمعت من حبشي؟ قال: وقف على مجلسنا، فحدثنا. في إسناده نظر) (^١).\nوالحديث متنه مستقيم، فعلي ﵁ قريب من رسول الله ﷺ، فهو ابن عمه وتربى في بيته، وهو مِن أوائل الناس إسلاما، وزوجه ابنتَه فاطمة ﵂.\nوأما قوله: \"وأنا من علي\" فهذا مثل قوله ﷺ عن جليبيب ﵁ حينما وجده مقتولا -: \"قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه\" (^٢).\nوأما قوله: \"لا يؤدي عني إلا علي\" فهذا إذا فُسِّر باللفظ الآخر: \"لا يقضي عني ديني إلا أنا وعلي\" كما في رواية ابن أبي بكير، فهو مستقيم.\nوأما إذا فُسِّر بأنه لا يبلِّغ عني إلا علي، فهذا لا يصح؛ لأن صحابته كلهم قد بلغوا عنه، وبهذا أمر ﵇ الناس فقال: \"بلغوا عني ولو آية\" (^٣)، وغير ذلك، إلا إذا حُمل على أمر خاص مثل ما حصل في حجة الوداع - كما في رواية أبي نعيم - فيكون مستقيما.\nقال الخطابي في كتاب \"شعار الدين\": (وقوله: \"لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي\" هو شيء جاء به أهل الكوفة عن زيد بن يُثيع، وهو متهم في الرواية منسوب إلى الرفض. وعامة من بلغ عنه غير أهل بيته؛ فقد\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٢٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٤٧٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٤٦١).","vol":"2","page":142},{"text":"بعث رسول الله ﷺ أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام، ويعلم الأنصار القرآن ويفقههم في الدين، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك، وبعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة، فأين قول من زعم أنه لا يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته؟!). نقله أبو العباس ابن تيمية في \"منهاج السنة\" (^١) وأقرّه.\n٢٦ - قال أبو عيسى: (باب مناقب أنس بن مالك ﵁.\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو أسامة، عن شريك، عن عاصم الأحول، عن أنس، قال: ربما قال لي النبي ﷺ: \"يا ذا الأذنين\". قال أبو أسامة: يعني يمازحه. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وكذا في طبعة الرسالة (^٣)، ودار التأصيل.\nقلت: تابعه الصَلت بن الحجاج، أخرجه الخطيب في \"المتفق والمفترق\" (^٤).\nوالصَلت مختلف فيه، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٥)، وقال ابن عدي: في حديثه بعض النكرة (^٦). وساق له أحاديث منكرة، فإن كانت منه فهو منكر الحديث.\n_________\n(^١) \"منهاج السنة\" (٥/ ٦٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤١٨٦).\n(^٣) (٤١٦٤).\n(^٤) (٣/ ٢٠٨٤)، وذكر الدارقطني هذه المتابعة في \"العلل\" (٢٤٨٧).\n(^٥) ذكره في موضعين (٦/ ٤٧١) و(٦/ ٤٧٢).\n(^٦) \"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٦/ ٢٦٩)، ولفظه: (وفي بعض أحاديثه ما ينكر عليه، بل عامته كذلك).","vol":"2","page":143},{"text":"وتابعه أيضا سفيان الثوري (^١)، وهو خطأ، كما بين الدارقطني (^٢)، أخطأ فيه المقدَّمي.\nوتابعه شعبة، أخرجه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (^٣)، وسنده غريب، ويظهر أنه وهم أيضا.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^٤) بإسناد صحيح عن حرب بن ميمون، عن النضر بن أنس، عن أنس به.\nوحرب هو: الأكبر، وهو جيد الحديث.\nوالذي يظهر لي أن هذا الحديث محفوظ بما تقدم، ويحمل كلام أبي عيسى على هذا، وأنه يقويه.\n* * *\nما جاء في طبعة دار التأصيل من قول الترمذي: (حسن غريب صحيح) (^٥):\n١ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nوفي الباب: عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة.\nقال أبو عيسى: حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٢٢٥)، وأبي نعيم في \"معرفة الصحابة\" (١/ ٢٣٦).\n(^٢) \"العلل\" (٢٤٨٧).\n(^٣) (١٥/ ٤٢)، وينظر: \"أطراف الغرائب\" لابن طاهر (٩٥٧).\n(^٤) (١/ ٢٤٠).\n(^٥) بالإضافة إلى ما سبق.\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٥١٤).","vol":"2","page":144},{"text":"هكذا في طبعة دار التأصيل.\nوأما في طبعة الرسالة (^١)، ود. بشار (^٢)، وأحمد شاكر (^٣): (حسن صحيح غريب).\nوقال في الحاشية - أي: أحمد شاكر -: (في \"ع\" و\"ن\" و\"هـ\" و\"ك\": حسن غريب صحيح).\nوأما في \"تحفة الأشراف\" (^٤) فقد سقط منه هذا الحديث، لذا استدركه ابن حجر في \"النكت الظراف\"، لكنه لم ينقل عن الترمذي شيئا في حكمه عليه.\nقلت: وهذا الحديث صحيح، وقد خرجه الشيخان (^٥).\nوقوله: (غريب)؛ من أجل تفرد ابن عيينة بهذا الخبر، وقد أخرجه البخاري (^٦)، ومسلم (^٧) وأبو داود (^٨) والنسائي (^٩) عن سبعة، كلهم عن سفيان به. فقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) يريد به صحة الخبر.\n٢ - قال أبو عيسى: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: سافر رسول الله ﷺ سفرا، فصلى تسعة عشر يوما ركعتين ركعتين.\n_________\n(^١) (٥١٤).\n(^٢) (٥٠٨).\n(^٣) (٥٠٨).\n(^٤) (١١٨٣٨).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٣٢٣٠)، و\"صحيح مسلم\" (٨٧١).\n(^٦) \"صحيح البخاري\" (٣٢٣٠، ٣٢٦٦، ٤٨١٩).\n(^٧) \"صحيح مسلم\" (٨٧١).\n(^٨) \"السنن\" (٣٩٩٢).\n(^٩) \"السنن الكبرى\" (١١٥٩١).","vol":"2","page":145},{"text":"قال ابن عباس: فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة: ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعا. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وهكذا في طبعة الرسالة (^٢).\nوفي طبعة د. بشار (^٣)، وأحمد شاكر (^٤): (غريب حسن صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٥): (حسن صحيح).\nقلت: وهذا الحديث حديث صحيح، ورجاله كلهم من الثقات المشاهير، وقد صححه أيضا البخاري بإخراجه له في \"صحيحه\" (^٦).\nوقول الترمذي هنا: (حسن غريب صحيح) مساو لقوله: (حسن صحيح) كما جاء في بعض النسخ، أو لقوله: (صحيح) كما جاء في \"التحقيق\" لابن الجوزي (^٧).\n٣ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في الرخصة في أكل الثمرة للْمارِّ بها.\nحدثنا أبو عمار الحسين بن حريث الخزاعي، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن صالح بن أبي جبير، عن أبيه، عن رافع بن عمرو قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني، فذهبوا بي إلى النبي ﷺ، فقال: \"يا رافع،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٥٧).\n(^٢) (٥٥٧)، وفي هامش التحقيق: (لفظة \"غريب\" ليست في ل).\n(^٣) (٥٤٩).\n(^٤) (٥٤٩)، وقال: (كلمة \"غريب\" لم تذكر في م ون، وذكرت في هـ وك).\n(^٥) (٦١٣٤).\n(^٦) (٤٢٩٩).\n(^٧) (٢/ ٥٣٣ - تنقيح).","vol":"2","page":146},{"text":"لِم ترمي نخلهم؟ \"، قال: قلت: يا رسول الله، الجوع، قال: \"لا ترم، وكل ما وقع أشبعك الله وأرواك\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣)، و\"تهذيب الكمال\" (^٤) - ترجمة صالح بن أبي جبير -، وطبعة بشار (^٥): (حسن صحيح غريب).\nقلت: الذي يظهر أن الترمذي يصحح هذا الحديث كما في النسخ الأخرى.\nوصالح بن أبي جبير وأبوه فيهما جهالة، وقد أخرج أبو داود (^٦) هذا الحديث من طريق آخر، فرواه عن أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، عن معتمر، عن ابن أبي الحكم الغفاري، عن جدته، عن عم أبيها رافع بن عمرو به. ووقع فيه بعض الاختلاف في الإسناد (^٧).\n٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: \"إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذنه، فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب، ولا يحمل\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٣٤٣).\n(^٢) (١٣٣٥).\n(^٣) (٣٥٩٥).\n(^٤) (١٣/ ٢٧).\n(^٥) (١٢٨٨).\n(^٦) \"السنن\" (٢٦٢٢).\n(^٧) ينظر \"التحفة\" (٣٥٩٥).","vol":"2","page":147},{"text":"وفي الباب: عن ابن عمر، وأبي سعيد. حديث سمرة حديث حسن غريب صحيح.\nوقال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح.\nوقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة، وقالوا: إنما يحدث عن صحيفة سمرة) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣)، طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).\nقلت: والذي يظهر لي أن الترمذي يصحح هذا الحديث، وقد صحّح عدة أحاديث بهذه السلسلة (^٥)، وإن كان في بعض الأحيان قد يتوقف (^٦)، وهو يرجِّح سماع الحسن، عن سمرة، كما نقله عن علي بن المديني.\n٥ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في كفارة النذر إذا لم يُسمِّ.\nحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثني محمد مولى المغيرة بن شعبة، قال: حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: (كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٧). وكذا في طبعة الرسالة (^٨).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٣٥٠).\n(^٢) (١٣٤٢).\n(^٣) (٤٥٩١).\n(^٤) (١٢٩٦).\n(^٥) ينظر: (١٦١٣،١٤٢٩،١٢٨٩).\n(^٦) ينظر: (١١١٤،٢٥٢،٢٣٣).\n(^٧) \"جامع الترمذي\" (١٦٢٠).\n(^٨) (١٦٠٨).","vol":"2","page":148},{"text":"قلت: هذا الحديث أخرجه مسلم (^١)، قال: (حدثني هارون بن سعيد الأيلي ويونس بن عبد الأعلى وأحمد بن عيسى، قال يونس: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: \"كفارة النذر كفارة اليمين\").\nهذا هو اللفظ الصحيح لهذا الخبر، وأما إسناد الترمذي فلا يصح؛ محمد مولى المغيرة لا يعرف، وقد أسقط أو سقط من الإسناد عبد الرحمن بن شماسة.\nوأما حكم الترمذي عليه بما تقدم، فالنُّسخ اتفقت على التصحيح، واختلفت في موضع (الغريب)، ففي \"تحفة الأشراف\" (^٢) (حسن صحيح غريب)، وهكذا في نسخة بشار (^٣).\n٦ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن بشار وأحمد بن نصر النيسابوري وغير واحد، قالوا: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٤). وكذا في طبعة الرسالة (^٥). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٦)، وطبعة بشار (^٧): (حسن صحيح غريب).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٦٤٥).\n(^٢) (٩٩٦٠).\n(^٣) (١٥٢٨).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١٧٧٥).\n(^٥) (٣/ ٤٧١).\n(^٦) (١٢٨٦١).\n(^٧) (١٦٦٨).","vol":"2","page":149},{"text":"قلت: الذي يظهر لي أن الترمذي يريد بحكمه هذا تصحيح هذا الخبر، والدليل على ذلك أنه قد صحح غير ما حديث بهذه السلسلة، منها: حديث: \"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء … \".\nأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان به، وقال: (حسن صحيح) (^١).\nوأخرج حديثا آخر بنفس الإسناد السابق - أي: عن قتيبة به - وهو: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\". وقال: (حسن صحيح) (^٢).\nوحديث آخر بنفس الإسناد؛ أخرجه في الزهد، وهو: \"قلب الشيخ شاب على حب اثنتين … \" الحديث. وقال: (حسن صحيح (^٣).\nوأخرج في الزهد أيضا حديث: \"إن لكل شيء شِرَّةً، ولكل شرة فترة … \" عن يوسف بن سلمان البصري، عن حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان به. وقال: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه) (^٤).\nوأخرج حديثين غير ما تقدم، ولم يصححهما، قال عن الأول: (حسن)، وقال عن الثاني: (حسن غريب) (^٥).\nويؤيد تصحيح الترمذي لهذا الخبر: أن باقي النسخ جاء فيها: (حسن صحيح) أو (غريب صحيح) و(حسن صحيح غريب).\nوقد توبع صفوان على هذا الحديث:\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٦٤٦)، \"تحفة الأشراف\" (١٢٨٦٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٨٢٨)، \"التحفة\" (١٢٨٦٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٥٠٦)، \"التحفة\" (١٢٨٦٩).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٦٣٥)، \"التحفة\" (١٢٨٧٠).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢٠٥٠، ٣٨٩٢)، \"التحفة\" (١٢٨٦٣، ١٢٨٦٥).","vol":"2","page":150},{"text":"تابعه حاتم بن إسماعيل، كما عند النسائي في \"سننه\" (^١).\nوالمغيرة بن عبد الرحمن، كما في \"الجهاد\" لابن أبي عاصم (^٢).\nوأبو إسحاق، كما في \"حلية الأولياء\" لأبي نعيم (^٣)، وقال: (ثابت مشهور من حديث القعقاع عن أبي صالح).\nوسعيد بن أبي أيوب، كما عند البغوي في \"شرح السنة\" (^٤)، وقال: (هذا حديث غريب).\n٧ - قال أبو عيسى: (حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن رباح، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: \"خير الخيل الأدهم الأقرَح الأرْثَم، ثم الأقْرَح المُحجَّل طلْق اليمين، فإن لم يكن أدْهم، فكُمَيتٌ على هذه الشية\".\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن يحيى ابن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب …، نحوه بمعناه. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٥).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٦)، وطبعة بشار (^٧)، والرسالة (^٨): (حسن صحيح غريب).\nقلت: الحكم الذي جاء هنا - يعني: في طبعة دار التأصيل - أظنه خطأً طباعيا، والدليل على ذلك: ما جاء في طبعة الرسالة، وهي غالبا لا تختلف عن التأصيل، وعلى فرض صحة ما جاء في طبعة التأصيل فهذا الخبر صحيح.\n_________\n(^١) (٣١٨٥).\n(^٢) (١٩١).\n(^٣) (٨/ ٢٦٤).\n(^٤) (٢٦٣٠).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (١٨٠٣ - ١٨٠٤).\n(^٦) (١٢١٢١).\n(^٧) (١٦٩٦ - ١٦٩٧).\n(^٨) (١٧٩١ - ١٧٩٢).","vol":"2","page":151},{"text":"وقد جاء أيضا من طريق موسى بن علي عن أبيه مرسلا (^١).\nوجاء موصولا أيضا، لكن الصواب عن موسى بن علي الإرسالُ، كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (^٢).\nوأما طريق يزيد بن أبي حبيب فلم يقع فيها اختلاف، وهو ثقة فقيه، وعليه فالراجح في هذا الخبر الوصل، وقد صحّحه أبو عيسى كما تقدم.\n٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ ربعة؛ ليس بالطويل ولا بالقصير، حسن الجسم، أسمر اللون، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط، إذا مشى يتوكأ.\nوفي الباب: عن عائشة، والبراء، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، ووائل بن حُجْر، وجابر، وأم هانئ.\nحديث أنس حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث حميد) (^٣). وكذا فى طبعة الرسالة (^٤).\nقلت: وفي \"تحفة الأشراف\" (^٥)، وطبعة بشار (^٦): (حسن صحيح غريب).\nوفيه لفظان غريبان:\nالأول: (أسمر اللون)، وقد جاء في \"صحيح مسلم\" (^٧) من حديث حماد، عن ثابت، عن أنس: كان أزهر اللون.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٧٥٥).\n(^٢) \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم (٣/ ٣٣٥).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٨٦٢).\n(^٤) (١٨٥٠).\n(^٥) (٧٢٠).\n(^٦) (١٧٥٤).\n(^٧) (٢٣٣٠).","vol":"2","page":152},{"text":"وأخرجه البخاري (^١)، وليس فيه موضع الشاهد.\nوحديث أنس له طرق في \"الصحيحين\" بألفاظ مختلفة؛ من حديث حميد عند البخاري ومسلم (^٢)، وليس فيه ذكر للونه ﷺ.\nومن حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ متفق عليه (^٣)، ولفظه: (أزهر اللون (^٤)، ليس بأبيض أمهق ولا آدم).\nومن حديث قتادة؛ أخرجه البخاري ومسلم (^٥)، وليس فيه ذكر للونه ﷺ.\nفتبين مما سبق أن لفظة: (أسمر اللون) غير محفوظة، بل هي لفظة شاذة.\nالثاني: لفظ مسلم فيه أيضا: (إذا مشى تكفأ).\nوقد أخرجه أبو داود (^٦)، وأبو يعلى (^٧) ومن طريقه أبو الشيخ في \"أخلاق النبي ﷺ \" (^٨)، كلاهما عن وهب، عن خالد، عن حميد به. وعندهما: (كان إذا مشى كأنه يتوكأ).\nوأخرجه البزار من طريق خالد وعبد الوهاب، كلاهما عن حميد به، واقتصر على لفظ: (أسمر اللون).\nوقال البزار: (لا نعلم رواه عن حميد إلا خالد وعبد الوهاب) (^٩).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٥٦١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٩٧٣)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٣٨).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٥٤٧، ٥٩٠٠)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٤٧).\n(^٤) هذا لفظ البخاري من طريق ربيعة.\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٥٩٠٣ - ٥٩٠٧)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٣٨، ٢٣٤١).\n(^٦) \"السنن\" (٣٨٦٣).\n(^٧) \"المسند\" (٣٧٧٧).\n(^٨) (٢٠٩).\n(^٩) (٦٦٢٣، ٦٦٢٤).\nوقال الدارقطني في \"الأطراف\" (٧٩٥): (قوله: \"أسمر اللون\"؛ غريب من حديث حميد عن أنس، وغريب من حديث عبد الوهاب الثقفي عنه.","vol":"2","page":153},{"text":"ووجه الاختلاف أن في مسلم (يتكفأ)، وعند أبي داود وغيره - كما عند المصنِّف -: (إذا مشى كأنه يتوكأ).\nوالذي أميل إليه: أن (يتكفأ) و(يتوكأ) محفوظتان، وأنهما بمعنى واحد، ومع أنه وقع عند المباركفوري (^١): (يتكفأ) (^٢)، وهكذا أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (^٣): (يتكفأ).\nوالذي يظهر أن الترمذي أراد بقوله: (حسن غريب صحيح) تصحيح هذا الحديث.\nوأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (^٤) من طريقه، ولم ينقل حكم الترمذي عليه.\n٩ - قال أبو عيسى: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجُمَّة ودون الوفرة. هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.\nوقد روي من غير وجه عن عائشة أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد.\nولم يذكروا فيه هذا الحرف: وكان له شعر فوق الجمة، وأنما ذكره عبد الرحمن ابن أبي الزِّناد، وهو ثقة حافظ، كان مالك بن أنس يوثقه ويأمر بالكتابة عنه) (^٥).\n_________\n= وتابعه على هذه اللفظة خالد بن عبد الله الواسطي عن حميد، ولم نسمعه إلا من علي بن مبشر، عن عبد الحميد بن بيان، عن خالد). وينظر أيضا: (٧٤٩).\n(^١) \"تحفة الأحوذي\" (٥/ ٤٤٩).\n(^٢) وكذلك في نسخة بشار.\n(^٣) (٢).\n(^٤) (٣٦٤٠).\n(^٥) \"جامع الترمذي\"، (١٨٦٣).","vol":"2","page":154},{"text":"وكذا في طبعة الرسالة (^١): (حسن غريب صحيح).\nوأما في \"تحفة الأشراف\" (^٢)، وطبعة بشار (^٣): (حسن صحيح غريب)، وكذا نقله المنذري عن الترمذي: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه (^٤).\nوهذا هو الأقرب؛ لأن الطريقة المستعملة في الغالب أن يقال: (غريب من هذا الوجه)، ولا يقال - أو يندر أن يقال -: (صحيح من هذا الوجه)، وكلام الترمذي بعد ذلك قد بين هذا.\nوهذا الحديث أخرجه أبو داود (^٥)، والترمذي في \"الشمائل\" (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وابن سعد (^٨)، وابن شبّة (^٩)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (^١٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (^١١)، وابن المقرئ (^١٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (^١٣)؛ كلهم من طرق عن ابن أبي الزِّناد به.\nوقد أخرج البخاري (^١٤) الشطر الأول من حديث هشام، عن عروة به. وخرجه مسلم من طرق أخرى والبخاري أيضا (^١٥).\nوأخرج أبو داود (^١٦)، وابن ماجه (^١٧)، الشطر الثاني من حديث ابن أبي الزِّناد.\n_________\n(^١) (١٨٥١).\n(^٢) (١٧٠١٩)\n(^٣) (١٧٥٥).\n(^٤) \"مختصر سنن أبي داود\" (٤٠٢٣).\n(^٥) \"السنن\" (٤١٨٧).\n(^٦) (٢٥).\n(^٧) \"السنن\" (٣٦٣٥).\n(^٨) \"الطبقات الكبري\" (١/ ٣٧٠).\n(^٩) \"تاريخ المدينة\" (٢/ ٦٢٦).\n(^١٠) (٣٣٥٩).\n(^١١) (١٠٣٩).\n(^١٢) \"المعجم\" (٧٨٠).\n(^١٣) (٣١٨٧).\n(^١٤) \"صحيح البخاري\" (٧٣٣٩،٥٩٥٦،٢٧٣).\n(^١٥) \"صحيح البخاري\" (٢٥٠، ٢٦١)، \"صحيح مسلم\" (٣١٩، ٣٢١).\n(^١٦) (٤١٨٧).\n(^١٧) (٣٦٣٥).","vol":"2","page":155},{"text":"وهو أيضا صحيح من أحاديث أخرى.\nولكن هذه الزيادة تفرد بها ابن أبي الزِّناد في هذا الحديث، كما تقدم في كلام أبي عيسى، والذي يظهر أنها شاذة في هذا الخبر.\nنعم؛ هي صحيحة، ولكن في غير هذا الحديث من هذا الوجه.\nوقد يكون مقصود أبي عيسى من تصحيحه هذا الخبر: أصل الخبر دون الزيادة، ولكن هذا فيه بعض البعد، وقد يكون أراد صحة الخبر كله مع الزيادة، وتساهل في قبولها؛ لأنها ثابتة في أحاديث أخرى بمعناها.\nففي \"الصحيحين\" (^١) من حديث أنس: كان شعره رَجِلا؛ ليس بالجعد ولا السبط، بين أذنيه وعاتقه.\nوفي رواية من حديث أنس أيضا - وهي في \"الصحيحين\" (^٢) -: كان شعره ﷺ يضرب منكبيه.\nوفي رواية عند مسلم (^٣) من حديث ابن عُليّة، عن حميد، عن أنس: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه.\nوفي \"الصحيحين\" (^٤) من حديث براء: عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه.\nوهذا يدل على ما جاء في رواية ابن أبي الزِّناد، إذ هو بمعناه، وأما باللفظ الذي ذكره ابن أبي الزِّناد فالذي يظهر أنه تفرد به، فلم أقف عليه بهذا اللفظ عند غيره، فيكون تفرده من جهتين:\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٩٠٥ - ٥٩٠٦)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٣٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٩٠٣ - ٥٩٠٤)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٣٨).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٣٣٨).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٣٥٥١)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٣٧).","vol":"2","page":156},{"text":"الجهة الأولى: تفرده بهذه الزيادة في هذا الحديث خاصة.\nوالجهة الثانية: تفرده بهذا اللفظ، - وهو: (فوق الوفرة، ودون الجمة) - بعامة دون سائر الأحاديث، والله تعالى أعلم.\nوقد علق له البخاري في \"صحيحه\" أربعة أحاديث (^١) من حديث ابن أبي الزِّناد، عن هشام.\nوأخرج له الترمذي حديثا آخر.\nوأما عدد أحاديثه بهذا الإسناد في \"التحفة\" فسبعة (^٢)، منها: حديث تفرد به، وقد اختلف عليه، فمرة وصله، وأخرى أرسله.\n١٠ - قال أبو عيسى: (أخبرنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا حسين بن محمد البغدادي، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ستخرج نار من حضرموت - أو من بحر حضرموت - قبل يوم القيامة تحشر الناس\". قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: \"عليكم بالشام\". وفي الباب: عن حذيفة بن أسيد، وأنس، وأبي هريرة، وأبي ذر. هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن عمر) (^٣). وكذا في طبعة الرسالة (^٤). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٥)، وطبعة بشار (^٦): (حسن صحيح غريب). هذا الحديث أخرجه أحمد (^٧) من طريق شيبان.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٤٥٨، ٥٣٢٦، ٥٧٦٣، ٣١٩٨).\n(^٢) (١٧٠١٨ - ١٧٠٢٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٣٧٧).\n(^٤) (٢٣٦٤).\n(^٥) (٦٧٦٥).\n(^٦) (٢٢١٧).\n(^٧) \"المسند\" (٥٣٧٦).","vol":"2","page":157},{"text":"وأخرجه أحمد (^١) وابن أبي شيبة (^٢) من طريق علي بن المبارك. وأخرجه أحمد (^٣) من طريق أبان بن يزيد، والحسين المعلِّم. وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (^٤) من طريق الأوزاعي. كلهم عن يحيى بن أبي كثير به.\n١١ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في صفة شراب أهل النار.\nحدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد ابن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \"إن الحميم ليصب على رءوسهم، فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان\". ابن حُجيرة هو: عبد الرحمن بن حُجيرة المصري. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٥). وكذا في طبعة الرسالة (^٦). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٧)، وبشار (^٨): (حسن صحيح غريب).\nهذا الحديث أخرجه أحمد (^٩)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على \"الزهد\" (^١٠)، والطبري في \"تفسيره\" (^١١)، والحاكم (^١٢)، وأبو نعيم في\n_________\n(^١) \"المسند، (٥١٤٦).\n(^٢) \"المصنف\" (٤٠١٠٣).\n(^٣) \"المسند\" (٥٧٣٨، ٦٠٠٢).\n(^٤) (٧٣٤٧).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢٧٧٥).\n(^٦) (٢٧٦٢).\n(^٧) (١٣٥٩٣).\n(^٨) (٢٥٨٢).\n(^٩) (٨٨٦٤).\n(^١٠) (١٠٧). وقع في المطبوع: (ابو حجيرة) بدل (ابن حجيرة)، ولعله تصحيف.\n(^١١) (١٦/ ٤٩٥).\n(^١٢) (٣٥٠٣).","vol":"2","page":158},{"text":"\"الحلية\" (^١)، والبيهقي في \"البعث والنشور\" (^٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (^٣)، وفي \"التفسير\" (^٤) من طرق، عن عبد الله بن المبارك به. وقال البغوي: قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب). وقال ابن كثير: ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك، وقال: (حسن صحيح) (^٥). وقال السيوطي: (وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصحّحه) (^٦).\nقلت: هذا الحديث في إسناده دَرّاج أبو السمح، وهو متكلم فيه، وقد خرّج له المصنف عدة أحاديث من روايته عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، ولم يصحح سوى حديث واحد منها (^٧) كما في \"التحفة\" (^٨)، بينما قال عن أكثر من حديث منها: (حسن غريب) (^٩)، مع ملاحظة أن أبا داود تكلم في حديث درّاج ما كان بهذا الإسناد، وأما ما لم يكن عن أبي الهيثم فإنه قوّاه (^١٠). وأما ابن معين فإنه قوى الأحاديث التي بهذا الإسناد.\nوالأقرب أنه لا يحتج به، سواء كان فيه عن أبي الهيثم، أو غيره؛ لأن العلة منه، كما قال الإمام أحمد (^١١).\nوقد يكون القول الذي نقله البغوي عن المصنف هو الصحيح عنه؛\n_________\n(^١) (٨/ ١٨٢).\n(^٢) (١١٠٦).\n(^٣) (٤٤٠٦).\n(^٤) (٥/ ٣٧٤). وقع في المطبوع: (أبو حجيرة) بدل (ابن حجيرة)، ولعله تصحيف.\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٤٠٦).\n(^٦) \"الدر المنثور\" (١٠/ ٤٢٦).\n(^٧) برقم (٣٤٧١).\n(^٨) (٤٠٥٠) و(٤٠٥٢ - ٤٠٦٣).\n(^٩) ينظر: (٢٨١٨، ٢٨٩٤، ٣٣٦٨).\n(^١٠) \"سؤالات الآجري\" (٢/ ١٦٦).\n(^١١) \"سؤالات أبي داود للإمام أحمد\" (ص: ٢٤٧).","vol":"2","page":159},{"text":"لأن هذا هو الموافق لغالب أحكامه، وقد يكون القول الآخر الذي نقل عنه - وهو رواية الأكثر - في تصحيحه هو الثابت عنه؛ لأنه كما تقدم صحح له حديثا بذلك الإسناد، والله أعلم.\n١٢ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا.\nحدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء\". وفي الباب: عن سعد، وابن عمر، وجابر، وأنس، وعبد الله بن عمرو.\nهذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن مسعود، وإنما نعرفه من حديث حفص بن غياث، عن الأعمش.\nوأبو الأحوص اسمه: عوف بن مالك بن نضلة الجشمي.\nتفرد به حفص) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن صحيح، تفرد به حفص، إنما نعرفه من حديثه). وفي طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).\nوالحديث أخرجه الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (^٥) من طريق محمد بن عبد العزيز الواسطي.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٨٣٠).\n(^٢) (٢٨١٧).\n(^٣) (٩٥١٠).\n(^٤) (٢٦٢٩).\n(^٥) (٦٨٨).","vol":"2","page":160},{"text":"وابن عدي في \"الكامل\" (^١) من طريق مخلد بن مالك. كلاهما عن أبي خالد الأحمر، عن الأعمش به.\nقال ابن عدي: (لا يُعرَف هذا الحديث إلا بحفص بن غياث عن الأعمش، وبه يعرف، وحكم الناس بأنه حديثه عن الأعمش، حتى حدَّثَناهُ الخضر بن أمية وغيره، عن مخلد بن مالك، عن أبي خالد، عن الأعمش، ولا أعلم يرويه عن أبي خالد غير مخلد بن مالك) (^٢). ولذا قال الإمام أحمد عن هذا الحديث: (منكر) (^٣).\nوقال مرة: (إنما هذا زعموا أن حفصا رواه عن الأعمش عن أبي إسحاق، وأرى الأعمش أخطأ فيه) (^٤).\nقلت: الذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث؛ لأنه جاء من وجه آخر عن أبي هريرة وغيره.\nفقد أخرجه مسلم (^٥) من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.\nوأخرجه (^٦) أيضا من حديث خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، مرفوعا: \"إن الإيمان ليأرِزُ إلى المدينة، كما تأرِز الحية إلى جحرها\".\n_________\n(^١) (٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٢) تقدم أن الطحاوي أخرجه من طريق محمد بن عبد العزيز الواسطي، عن أبي خالد.\n(^٣) \"المنتخب من علل الخلال\" (١١) رواية حنبل، وقد سأله عن حديث حفص بن غياث.\n(^٤) \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٤٤١) رواية الأثرم.\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (١٤٥).\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (١٤٧).","vol":"2","page":161},{"text":"وأخرجه (^١) أيضا من حديث عاصم بن محمد العمري، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرِز بين المسجدين، كما تأرز الحية في جحرها\".\nوقد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن حديث حفص هذا، فقال البخاري: (لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير حفص بن غياث، وهو حديث حسن) (^٢).\nقلت: تبين مما تقدم أن حفصا لم يتفرد به، بل تابعه أبو خالد الأحمر، لكن في كلام البخاري والترمذي أن حفصا تفرد به، فيحتمل أن تكوه هذه المتابعة خطأ، أو أن أبا خالد أخذه من حفص بن غياث ودلّسه، ويكون تصريح أبي خالد بالتحديث - الذي وقع عند الطحاوي - خطأ من الراوي عنه، وأما إن ثبتت هذه المتابعة فيكون قول الإمام أحمد هو الأصح، وأن الأعمش أخطأ فيه، والله تعالى أعلم.\n١٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كذب علي - حسبت أنه قال: متعمدا - فليتبوأ بيته من النار\".\nهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث الزهري، عن أنس، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أنس، عن النبي ﷺ \" (^٣). وهكذا في طبعة الرسالة (^٤).\nوفي طبعة بشار: (حسن صحيح غريب) (^٥). وفي \"تحفة الأشراف\" (صحيح غريب) (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٤٦).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (٦٢٨).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٨٦٥).\n(^٤) (٢٨٥٢).\n(^٥) (٢٦٦١).\n(^٦) (١٥٢٥).","vol":"2","page":162},{"text":"قلت: هذا الحديث صحيح، فقد أخرجه الشيخان من غير طريق الترمذي؛ فأخرجه البخاري (^١) من طريق عبد الوارث، ومسلم (^٢) من طريق إسماعيل بن علية، كلاهما عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس به. والذي يظهر أن الترمذي يصحح طريق الليث.\nوأما قول الترمذي: (غريب)، فالذي يظهر أنه يقصد من طريق الزهري حسب، مع أنه قد توبع؛ وإليك تفصيل ذلك:\nفقد توبع قتيبة في هذا الحديث: فأخرجه أحمد (^٣) عن إسحاق، وابن ماجه (^٤) عن محمد بن رمح المصري، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (^٥) من طريق شعيب بن الليث، وابن حبان (^٦) من طريق أبي الوليد، والطبراني في \"طرق حديث من كذب علي متعمدا\" (^٧) من طريق شعيب بن يحيى وعبد الله بن صالح وأحمد بن يونس، كلهم عن ليث، عن ابن شهاب، عن أنس به.\nوقد توبع ليث أيضا: فأخرجه البزار (^٨)، قال: (حدثناه محمد بن مسكين، حدثنا سعيد بن كثير، حدثنا ابن وهب، عن يونس).\nوأخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (^٩)، قال: (حدثنا الوليد، ثنا محمد بن عمار، حدثني أبو الوليد الجارودي، عن ابن أبي ذئب).\nقال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي ذئب إلا الجارودي، تفرد به محمد بن عمار).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٠٨).\n(^٢) \"مقدمة صحيح مسلم\" (٢).\n(^٣) (١٣٣٣٢).\n(^٤) \"السنن\" (٣٢).\n(^٥) (٤٠٣).\n(^٦) (٣١).\n(^٧) (١١٢).\n(^٨) (٦٣٤٤).\n(^٩) (٩٢٨١).","vol":"2","page":163},{"text":"وأخرجه الطبراني في \"طرق حديث من كذب علي متعمدا\" (^١)، قال: (حدثنا عبد الله بن محمد العمري، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد).\nوأخرجه الطبراني أيضا في \"طرق حديث من كذب علي متعمدا\" (^٢)، قال: (حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي ابن شهاب). كلهم عن الزهري عن أنس به. وقد أخرجه من طرق أخرى عن أنس (^٣).\n١٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سلمة ابن رجاء، قال: حدثنا الوليد بن جميل، قال: حدئنا القاسم أبو عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي، قال: ذُكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ: \"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم\"، ثم قال رسول الله ﷺ: \"إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير\". هذا حديث حسن غريب صحيح.\nسمعت أبا عمار الحسين بن حريث الخزاعي، يقول: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: عالم عامل معلم يدعى كبيرا في ملكوت السموات) (^٤). وكذا في طبعة الرسالة (^٥): (حسن غريب صحيح).\n_________\n(^١) (١١٥).\n(^٢) (١١٦).\n(^٣) \"طرق حديث من كذب علي متعمدا\" (١٠٣ - ١٢٧).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٨٩٣).\n(^٥) (٢٨٨٠).","vol":"2","page":164},{"text":"وفي \"تحفة الأشراف\" (^١)، طبعة بشار (^٢): (حسن صحيح غريب).\nوالحديث أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^٣)، وأبو القاسم الدمشقي في \"فوائد تمام\" (^٤)، والشجري في \"ترتيب الأمالي\" (^٥) من طريق محمد بن أبي رجاء العبّاداني. وأخرجه الطبراني أيضا في \"الكبير\" (^٦) من طريق يعقوب بن حميد.\nوابن شاهين في \"الترغيب في فضائل الأعمال\" (^٧) من طريق بكر بن خلف أبي بشر.\nوأخرجه أبو القاسم الدمشقي في \"فوائد تمام\" (^٨) من طريق أبي أيوب سليمان ابن داود الشاذكوني.\nوأخرجه الشجري في \"ترتيب الأمالي\" (^٩) من طريق روح بن عبد المؤمن المقرئ. كلهم عن سلمة بن رجاء به.\nقلت: إسناده قوي، والوليد بن جميل تُكلم فيه، والأقرب أنه لا بأس به، ولكن هذا الإسناد غريب، وقد جاء ما يشهد لبعضه.\nويحتمل أن أبا عيسى عندما حكم عليه بـ (حسن غريب صحيح) يريد صحته، والله تعالى أعلم.\nوقد صحح الترمذي حديثا آخر بهذه السلسلة (^١٠)، وحسن حديثا (^١١)، وغرّب آخر (^١٢). فهذه أربعة أحاديث أخرجها الترمذي بهذه السلسلة.\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٤٩٠٧).\n(^٢) (٢٨٦٥).\n(^٣) (٧٩١١).\n(^٤) (٤٣).\n(^٥) (٢٨٢).\n(^٦) (٧٩١٢).\n(^٧) (٢١٥).\n(^٨) (١٢٤٣).\n(^٩) (٢٨٢).\n(^١٠) برقم: (١٧٣٣).\n(^١١) برقم: (١٧٧٦).\n(^١٢) برقم: (١٧٣٠).","vol":"2","page":165},{"text":"ونقل عن البخاري أنه قال: (لا أعرف أحدا روى عن الوليد بن جميل غير يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم، والوليد بن جميل مقارب الحديث) (^١).\n١٥ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في كراهية أن يقول: عليك السلام مبتدئا.\nحدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عبد الله بن المثنى، قال: حدثنا ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وكذا في طبعة الرسالة (^٣): (حسن غريب صحيح). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٤)، وبشار (^٥): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا حديث صحيح، وهو مستقيم سندا ومتنا، لذا صححه المصنف، وقد سبقه البخاري إلى تصحيحه، فقد أخرجه في كتابه \"الصحيح\" (^٦).\n١٦ - قال أبو عيسى (باب ما جاء في إنشاد الشعر.\nحدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري وعلي بن حُجْر - المعنى واحد -، قالا: حدثنا ابن أبي الزِّناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما،\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" (٤٩٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٩٣٤).\n(^٣) (٢٩٢١).\n(^٤) (٥٠٠).\n(^٥) (٢٧٢٣).\n(^٦) (٩٤ - ٩٥، ٦٢٤٤).","vol":"2","page":166},{"text":"يفاخر عن رسول الله ﷺ، - أو قالت: ينافح عن رسول الله ﷺ، ويقول رسول الله ﷺ: \"إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر، - أو ينافح - عن رسول الله ﷺ \".\nحدثنا إسماعيل وعلي بن حُجْر، قالا: حدثنا ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ … مثله. وفي الباب: عن أبي هريرة، والبراء. هذا حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن أبي الزِّناد) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣)، وطبعة بشار (^٤): (حسن صحيح).\nوالحديث أخرجه أبو داود (^٥) عن محمد بن سليمان المصِّيصِي لوين، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عروة وهشام به.\nوعلّقه البخاري في كتابه \"الصحيح\" كما في \"تحفة الأشراف\" (^٦)، فقال: (حديث: كان النبي ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد، وقال: \"إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما دافع أو نافح عن رسول الله ﷺ. خ: وقال ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عروة بهذا).\nقلت: وهذا لم أقف عليه في النسخة المطبوعة من \"صحيح البخاري\"، ولم يذكره ابن حجر في \"الفتح\" ولا في \"تغليق التعليق\"، ولذا قال في \"النكت الظراف على تحفة الأشراف\": (لم أر هذا الموضع في\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٠٧٥ - ٣٠٧٦).\n(^٢) (٣٠٦٠).\n(^٣) (١٦٣٥١).\n(^٤) (٢٨٤٦).\n(^٥) \"السنن\" (٥٠١٥).\n(^٦) (١٦٣٥١).","vol":"2","page":167},{"text":"\"صحيح البخاري\"، وقد وصله أيضا أحمد والطبراني وصحّحه الحاكم).\nوأخرجه مسلم (^١) في حديث طويل من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، وفيه: \"إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله\".\nقلت: قد ذكره البخاري في ثلاثة مواضع:\nفقال في \"صحيحه\" (^٢): (حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: استأذن حسان النبي ﷺ في هجاء المشركين، قال: \"كيف بنسبي؟ \" فقال حسان: لأسُلَّنَّك منهم كما تسل الشعرة من العجين.\nوعن أبيه قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه فإنه كان ينافح عن النبي ﷺ).\nوقال (^٣): (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ، وقالت عائشة: استأذن النبي ﷺ في هجاء المشركين، قال \"كيف بنسبي؟ \" قال: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. حدثنا محمد بن عقبة، حدثنا عثمان بن فرقد، سمعت هشاما، عن أبيه، قال: سببت حسان وكان ممن كثر عليها).\nوقال (^٤): (حدثنا محمد، حدثنا عبدة، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: استأذن حسان بن ثابت رسول الله ﷺ في هجاء المشركين، فقال رسول الله ﷺ: \"فكيف بنسبي؟ \" فقال حسان: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٤٩٠).\n(^٢) (٣٥٣١).\n(^٣) (٤١٤٥).\n(^٤) (٦١٥٠).","vol":"2","page":168},{"text":"وعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ذهبت أسب حسان عند عائشة، فقالت: لا تسبه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ).\nوأما حكم الحديث من حيث الصحة، فهو حديث صحيح، فقد أخرجه مسلم كما تقدم من وجه آخر، كما أخرجه أحمد (^١) وابن حبان (^٢) من طريق أخرى.\nوأما طريق ابن أبي الزِّناد فظاهرها الصحة أيضا، وقد صححها الحاكم (^٣)، والذي يظهر أن أبا عيسى يرى صحة هذه الطريق.\nوقد جاء هذا الحديث من مسند أبي هريرة؛ أخرجه الشيخان (^٤)، كما أنه جاء عن غيره.\nولكن تفرد ابن أبي الزِّناد بقوله في روايته عن أبيه عن عروة: (كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد).\nوالجواب عن ذلك: أن المقصود بالمنبر هنا - فيما يظهر - موضعٌ في المسجد، وليس المنبر المعروف الذي يخطب عليه، فيكون ابن أبي الزِّناد رواه بالمعنى، والله تعالى أعلم.\n١٧ - وقال أبو عيسى: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:\nخلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تنزيله\nضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله\n_________\n(^١) أخرجه من طريق ابن أبي الزناد (٢٤٤٣٧ - ٢٤٤٣٨).\n(^٢) (٧١٨٩).\n(^٣) (٦١٩١).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٤٥٣، ٣٢١٢، ٦١٥٢)، \"صحيح مسلم\" (٢٤٨٥).","vol":"2","page":169},{"text":"فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"خلِّ عنه يا عمر، فلَهيَ أسرع فيهم من نضح النبل\". هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوقد روى عبد الرزاق، هذا الحديث أيضا عن معمر، عن الزهري، عن أنس … نحو هذا.\nوروي في غير هذا الحديث أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد الله بن رواحة - يعني - قتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك) (^١). وفي طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي \"التحفة\" (^٣)، وبشار (^٤): (حسن صحيح غريب من هذا الوجه). وفي \"الفتح\" (^٥): قال الترمذي: (حديث حسن غريب).\nوالحديث أخرجه النسائي (^٦) وابن خزيمة (^٧) وابن حبان (^٨) والبغوي في \"شرح السنة\" (^٩).\nوأما طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس، فقد أخرجها البزار (^١٠) وابن أبي عاصم (^١١)، وقال البزار: (لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا معمر، ولا نعلم رواه عن معمر إلا عبد الرزاق).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٠٧٧).\n(^٢) (٣٠٦١).\n(^٣) (٢٦٦).\n(^٤) (٢٨٤٧).\n(^٥) (٧/ ٥٠٢).\n(^٦) \"المجتبى\" (٢٨٩٤، ٢٩١٥).\n(^٧) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٦٨٠).\n(^٨) \"صحيح ابن حبان\" (٥٨٢٤).\n(^٩) (٣٤٠٤).\n(^١٠) \"المسند\" (٦٣٠١).\n(^١١) \"الآحاد والمثاني\" (١٩٨٣)، وفي \"الجهاد\" (٢٥٩).","vol":"2","page":170},{"text":"وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^١) من طريق محمد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله ﷺ دخل مكة في تلك العمرة، دخلها وعبد الله بن رواحة … الخ، وذكر الأبيات.\nورواه يونس بن بكير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم مرسلا في عمرة القضاء (^٢). وفي \"إتحاف المهرة\" (^٣): (رواه زَمْعة بن صالح عن الزهري مرسلا).\nوفي \"البداية والنهاية\" (^٤): (رواه موسى بن عقبة عن الزهري مرسلا في عمرة القضية).\nوقال الدارقطني في \"العلل\" (^٥): (تفرد به عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، ويقال: وهِم فيه، … وأنه انقلب عليه إسناده، وهو محفوظ من حديث جعفر، عن ثابت، عن أنس).\nوقد تعقّب الذهبيُّ في \"السير\" (^٦) وابنُ حجر في \"الفتح\" (^٧) الترمذيَّ في ذلك.\nفقال الذهبي: (كلا، بل مؤتة بعدها بستة أشهر جزما).\nوقال ابن حجر: (وهو ذهول شديد وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أنّ في قصة عمرة القضاء اختصامَ جعفر وأخيه علي وزيد بن حارثة في بنت حمزة، كما سيأتي في هذا\n_________\n(^١) (٤١٦).\n(^٢) ذكره ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٦/ ٣٧٨).\n(^٣) (٢/ ٣٠٢).\n(^٤) (٦/ ٣٧٨). ثم رأيته عند الطبراني أخرجه في \"الكبير\" (٤١٧).\n(^٥) (٢٦٠٨).\n(^٦) (١/ ٢٣٦).\n(^٧) (٧/ ٥٠٢).","vol":"2","page":171},{"text":"الباب، وجعفر قُتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد، كما سيأتي قريبا، وكيف يخفى عليه - أعني الترمذي - مثل هذا!؟ ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخط الكَرُوخي - راوي الترمذي - ما تقدم، والله أعلم).\nقلت: والخلاصة أن حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، حديث محفوظ عند أبي عيسى الترمذي، وقد صحح بهذه الترجمة غير ما حديث (^١)، كما أنه توقف في أحاديث أخر (^٢).\nوأما قوله: (وكعب بن مالك بين يديه وهذا أصح …؛ لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة) فهذا لا ينافي صحة أصل الحديث عنده.\nوأنا أذهب إلى صحة ما تعقّب به الذهبي وابن حجر المصنف، وأن مؤتة بعد عمرة القضاء.\nوأما طريق الزهري عن أنس، فلعل الصواب فيها الإرسال دون أنس، كما رواه موسى بن عقبة، وزَمْعة بن صالح. وقد نصَّ الدارقطني (^٣) على خطأ عبد الرزاق.\nولكن هذا المرسل يقوي طريق جعفر، ويتقوى أكثر بمرسل زيد بن أسلم، وعبد الله بن أبي بكر.\n١٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن جعفر بن ميمون، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: صلى رسول الله ﷺ العشاء ثم انصرف، فأخذ بيد عبد الله\n_________\n(^١) ينظر: (١٦٧٨، ٢١٤٦، ٣٩٦٥).\n(^٢) ينظر: (٧٠٥، ٣٧٦٥، ٤٢١٠).\n(^٣) \"العلل\" (٢٦٠٨).","vol":"2","page":172},{"text":"ابن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه ثم خط عليه خطا، ثم قال: \"لا تبرحن خطك، فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك\"، ثم مضى رسول الله ﷺ حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزُّطُّ أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورة، ولا أرى قشرا، وينتهون إلي لا يجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله ﷺ، حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله ﷺ قد جاءني وأنا جالس، فقال: \"لقد أراني منذ الليلة\"، ثم دخل علي في خطي فتوسد فخذي فرقد، وكان رسول الله ﷺ إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول الله ﷺ متوسد فخذي، إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض، الله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهوا إليه، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله ﷺ، وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه تنامان وقلبه يقْظان، اضربوا له مثلا، مثل سيد بنى قصرا ثم جعل مائدة، فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه - أو قال: عذبه - ثم ارتفعوا، واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك فقال: \"سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هم؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوا؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"المثل الذي ضربوا: الرحمن بنى الجنة، ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يجبه عاقبه - أو عذبه -\". هذا حديث حسن غريب صحيح، من هذا الوجه.\nوأبو تميمة اسمه: طريف بن مجالد، وأبو عثمان النهدي اسمه: عبد الرحمن بن مُلّ.\nوسليمان التيمي قد روى هذا الحديث، روى عنه معتمر، وهو سليمان بن طَرْخان، وإنما كان ينزل بني تيم فنسب إليهم.","vol":"2","page":173},{"text":"قال علي: قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أخوف لله تعالى من سليمان التيمي) (^١).\nوفي الطبعة الهندية للجامع وشرحه \"تحفة الأحوذي\" (^٢)، طبعة الرساله (^٣): (حسن غريب صحيح). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٤)، وطبعة بشار (^٥): (حسن غريب).\nقلت: والذي أذهب إليه أن هذا الإسناد بهذا السياق لا يصح؛ لأن فيه جعفر بن ميمون، وهو لا يحتج به، والذي يظهر أنه لم يتقن حفظ هذا الخبر، فخلط بين أكثر من حديث؛ لأن بعض ألفاظ هذا الحديث صحيحة، قد جاءت من طرق أخرى.\nوأما أبو عيسى فالذي يظهر أنه يذهب إلى صحته، والله أعلم.\n١٩ - قال أبو عيسى: (باب ما جاء في مثل النبي ﷺ والأنبياء قبله صلى الله عليه وعليهم أجمعين. حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا سليم بن حيان، قال: حدثنا سعيد بن مِيناء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال النبي ﷺ: \"إنما مثلي ومثل الأنبياء، كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة\". وفي الباب: أبي هريرة، وأبي بن كعب. هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^٦).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٠٩٣).\n(^٢) (٤/ ٣٧).\n(^٣) (٣٠٧٧).\n(^٤) (٩٣٨١).\n(^٥) (٢٨٦١).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٣٠٩٤).","vol":"2","page":174},{"text":"وفي \"تحفة الأحوذي\" (^١)، وطبعة الرسالة كذلك (^٢): (حسن غريب صحيح). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (صحيح غريب من هذا الوجه). وفي طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب من هذا الوجه).\nقلت: الذي يظهر أن الترمذي في قوله: (حسن غريب صحيح) يريد صحة هذا الحديث، وهو حديث صحيح، وقد أخرجه الشيخان (^٥).\n٢٠ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس، إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ﷺ: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.\n_________\n(^١) (٤: ٣٧) الطبعة الهندية، أما طبعة الفيحاء (٨/ ١٦٤) ففيها: (حسن صحيح غريب).\n(^٢) (٣٠٧٨).\n(^٣) (٢٢٦٠).\n(^٤) (٢٨٦٢).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٣٥٣٤) \"صحيح مسلم\" (٢٢٨٧).","vol":"2","page":175},{"text":"هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣)، وطبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا حديث صحيح، لاستقامة إسناده ومتنه، ورجاله كلهم ثقات. والذي يظهر أن المصنف يقصد صحته بقوله: (حسن غريب صحيح)، وقد صححه ابن حبان (^٥).\n٢١ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [اَل عمران:٦١]، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: \"اللهم هؤلاء أهلي\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٦). وأخرجه مطولا في مناقب علي، وقال: (حسن غريب صحيح) (^٧).\nوكذا في \"تحفة الاْحوذي\" وفي نسخة الجامع التي معه (^٨)، وطبعة الرسالة (^٩) الموضع الأول منه: (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^١٠)، وطبعة وبشار (^١١)، والرسالة (^١٢) الموضع الثاني منه: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٢٢٩).\n(^٢) (٣٢١١).\n(^٣) (٣٤٥٢).\n(^٤) (٢٩٧٢).\n(^٥) (٤٧٣١).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٣٢٦٢).\n(^٧) \"جامع الترمذي\" (٤٠٧٦).\n(^٨) (٤/ ٨٢) الطبعة الهندية.\n(^٩) (٣٢٤٤).\n(^١٠) (٣٨٧٢).\n(^١١) (٣٧٢٤).\n(^١٢) (٤٠٥٨).","vol":"2","page":176},{"text":"قلت: الذي يظهر أن الترمذي يرى صحة هذا الحديث، وصحّحه أيضا مسلم (^١)، وأخرجه بنفس إسناد الترمذي: حدثنا قتيبة به.\n٢٢ - وقال أبو عيسى في كتاب التفسير: (باب ومن سورة آل عمران.\n(حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن مروان ابن الحكم، قال: اذهب يا رافع - لبوابه - إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وتلا: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨]، قال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتابهم، وما سألهم عنه. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وفي طبعة بشار (^٣): (حسن صحيح غريب).\nقلت: الذي يظهر أن الترمذي يقصد بقوله: (حسن غريب صحيح) صحة هذا الحديث، والحديث صحيح سندا ومتنا، وقد أخرجه البخاري ومسلم (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٤٠٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٢٧٩).\n(^٣) (٣٠١٤).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٤٥٦٨)، و\"صحيح مسلم\" (٢٧٧٨).","vol":"2","page":177},{"text":"٢٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، قال: حدثنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في الكبائر -، قال: \"الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور\". حديث حسن غريب صحيح) (^١).\nوكذا في طبعة الرسالة (^٢): (حسن غريب صحيح)، وتقدم في موضع آخر، وقال عنه: (حسن صحيح غريب) (^٣)، وكذلك في طبعة التأصيل (^٤). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٥)، وبشار (^٦): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا الحديث مستقيم سندا ومتنا، وقد صححه الشيخان من طريق شعبة به (^٧). وأخرجه مسلم أيضا من طريق خالد بن الحارث (^٨).\nوقول الترمذي: (حسن غريب صحيح)، يريد صحة هذا الخبر، بدليل أنه قال قبل ذلك: (حسن صحيح غريب).\n٢٤ - وقال في كتاب التفسير: (باب ومن سورة النساء.\n(حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن أبي جعفر الرازي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت:\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٢٨٤).\n(^٢) (٣٢٦٦).\n(^٣) (١٢٤٨).\n(^٤) (١٢٥٦).\n(^٥) (١٠٧٧).\n(^٦) (٣٠١٨).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (٢٦٥٣، ٥٩٧٧)، \"صحيح مسلم\" (٨٨).\n(^٨) \"صحيح مسلم\" (٨٨).","vol":"2","page":178},{"text":"﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ونحن نعبد ما تعبدون،. قال: فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن صحيح). وفي نسخة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).\nقلت: إسناد الترمذي ضعيف، من أجل أبي جعفر الرازي، فهو سيء الحفظ، ولعله سمع من عطاء بعد الاختلاط.\nولكن جاء من وجه آخر عند أبي داود (^٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (^٦)، وابن جرير في \"تفسيره\" (^٧) من حديث الثوري، عن عطاء بن السائب به.\nوسفيان الثوري ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، فزالت هذه العلة. وعلى هذا فالخبر إسناده قوي.\nورواه ابن جرير أيضا من حديث جرير بن عبد الحميد (^٨)، ومن حديث حماد (^٩)، كلاهما عن عطاء به.\nولكن وقع في روايتهما: عن أبي عبد الرحمن السلمي مرسلا، والوصل صحيح؛ لأن سفيان من أحفظ الناس، وقد وصله كما تقدم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٢٩٣).\n(^٢) (٣٢٧٥).\n(^٣) (١٠١٧٥).\n(^٤) (٣٠٢٦).\n(^٥) \"السنن\" (٣٦٧١).\n(^٦) كما في \"تحفة الأشراف\" (١٠١٧٥).\n(^٧) (٧/ ٤٥).\n(^٨) \"تفسير ابن جرير\" (٧/ ٤٨).\n(^٩) \"تفسير ابن جرير\" (٧/ ٤٦).","vol":"2","page":179},{"text":"٢٥ - وقال أيضا: (باب ومن سورة المائدة.\n(حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عتبة بن أبي حكيم، قال: حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].\nقال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرا، سألتُ عنها رسول الله ﷺ، قال: \"بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم (^١) \".\nقال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: \"لا، بل أجر خمسين منكم\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢). وكذا في \"تفسير ابن كثير\" (^٣).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٤)، وكذا في النسخة الحجرية الهندية للجامع، ومع شرحه \"تحفة الأحوذي\" (^٥)، وطبعة بشار (^٦)، والرسالة (^٧): (حسن غريب).\n_________\n(^١) هكذا في رواية الترمذي، وفي غيره من المصادر: \"مثل عمله\".\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٣٢٨).\n(^٣) (٣/ ٢١٣).\n(^٤) (١١٨٨١).\n(^٥) (٤/ ١٠٠).\n(^٦) (٣٠٥٨).\n(^٧) (٣٣١٠).","vol":"2","page":180},{"text":"وقال محققو الرسالة: في (\"أ\" و\"س\": حسن غريب صحيح، والمثبت من \"د\" و\"ل\").\nوالحديث أخرجه أبو داود (^١)، وابن ماجه (^٢)، وابن جرير (^٣)، وابن أبي حاتم (^٤)، وابن حبان (^٥)، كلهم من طريق عتبة بن أبي حكيم به.\nتبين مما تقدم أن نسخ الترمذي قد اختلفت في حكمه على هذا الحديث، ولكن في أكثرها أنه قال: (حسن غريب).\nوإسناد هذا الخبر فيه ضعف مع غرابته؛ فعتبة قد اختلف فيه اختلافا شديدا، وعمرو بن جارية وأبو أمية الشعباني ليسا بمشهورين.\nولكن الشطر الأول من هذا الحديث يشهد له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وهو بنحوه، وهو حديث صحيح قد جاء من طرق كثيرة في \"سنن أبي داود\" (^٦) و\"المسند\" (^٧) وغيرهما.\nوأما الشطر الثاني، فهو على قسمين:\nالأول: قوله: \"له أجر خمسين يعملون مثل عمله\".\nالثاني: قوله: \"منا أو منهم؟ قال: بل منكم\".\nوهذا لا يصح من حيث الإسناد، بل فيه نكارة من حيث المتن.\nفأما من حيث الإسناد: فقد جاء في نهايته: قال عبد الله بن المبارك: (وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: \"بل أجر خمسين منكم\").\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٤٣٤١).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (٤٠١٤).\n(^٣) \"التفسير\" (٩/ ٤٨).\n(^٤) \"التفسير\" (٦٩١٥).\n(^٥) \"صحيح ابن حبان\" (٣٨٥).\n(^٦) (٤٣٤٢ - ٤٣٤٣).\n(^٧) (٦٥٠٨، ٦٩٨٧، ٧٠٤٩، ٧٠٦٣).","vol":"2","page":181},{"text":"فقوله: (وزادني غير عتبة)، لم يبين من هو الذي زاد؟ فيكون قد سقط منه أكثر من راو، وبالتالي لا يصح.\nقال ابن الموّاق: (هذه رواية ظاهرها الإرسال، إذ لا يسوغ لأحد أن يرويها بإسناد يصله إلى عبد الله بن المبارك فيقول: عنه، عن رجل، عن عمرو بن جارية، عن أبي أمية، عن أبي ثعلبة. ولو فعل هذا فاعل عُدّ متسامحا متساهلا في النقل بالظن، وذلك جرح في فاعله؛ إذ لعل ابن المبارك لم تكن عنده هذه الرواية متصلة بالنبي ﷺ بل مرسلة، فلا يكون عن أبي ثعلبة، ولا عن أبي أمية) (^١).\nوأخرج الطبري في \"التفسير\" (^٢) والترمذي في \"نوادر الأصول\" (^٣) من طريق أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم به، وفي آخره: قالوا: يا رسول الله، كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: \"لا، كأجر خمسين عاملا منكم\". قلت: أيوب بن سويد متكلَّم فيه.\nوقد جاء ما يشهد له، فأخرج محمد بن نصر المروزي في \"السنة\" (^٤)، قال: (حدثني محمد بن إدريس، ثنا عبد الله بن يوسف التنِّيسي، ثنا خالد بن يزيد بن صَبيح المُرِّي، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة - وكان من الصحابة -، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن من ورائكم أيامٌ الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم\"، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: \"بل منكم\".\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^٥) و\"الأوسط\" (^٦) من طريق عبد الله بن يوسف به.\n_________\n(^١) \"بغية النقاد النقلة\" (١/ ٣٦٨).\n(^٢) (٩/ ٤٨).\n(^٣) (٨٦).\n(^٤) (٣٣).\n(^٥) (٢٨٩).\n(^٦) (٣١٢١).","vol":"2","page":182},{"text":"وقال: (لا يروى هذا الحديث عن عتبة إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن أبي عبلة) (^١).\nقلت: وهذا إسناد صحيح إلى إبراهيم بن أبي عبلة، ولكنه منقطع بينه وبين عتبة، وقد يكون بينهما أكثر من راو؛ لأن عتبة بن غزوان مات في خلافة عمر سنة (١٧) أو نحوها، فهو قديم، وأما إبراهيم فهو من صغار التابعين، فبينهما مفازة (^٢).\nهذا مع غرابة هذه الرواية، لأن عتبة بصري، وهو الذي اختطها، وقد مات في الطريق إليها في المرة الثانية. وأما إبراهيم فهو شامي، فروايته عنه غريبة جدا.\nويحتمل أن عتبة في رواية إبراهيم، هو: ابن أبي حكيم الذي في الإسناد السابق، ولكن الذي وقع في المصادر: (عتبة بن غزوان أخو بني مازن بن صعصعة).\nوقد جاءت هذه اللفظة من طريق ثالث؛ أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (^٣) قال: (حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة ومحمد بن العباس الأخرم الأصبهاني، قالا: ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا سهل بن عثمان البجلي، ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"إن من ورائكم زمانَ صبر، للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا\"، فقال عمر: يا رسول الله، منا أو منهم؟ قال: \"منكم\").\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٣/ ٢٧٢).\n(^٢) ينظر: \"حلية الأولياء\" (٥/ ٢٤٥)، \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٣١٧).\n(^٣) (١٠٣٩٤).","vol":"2","page":183},{"text":"قلت: هذا الإسناد باطل؛ سهل بن عثمان الصواب أنه: سهل بن عامر، كما وقع عند البزار (^١)، وهكذا ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (^٢)، وابن حبان في \"ثقاته\" (^٣).\nقال أبو حاتم عنه: ضعيف الحديث، روى أحاديث بواطيل، أدركته بالكوفة، وكان يفتعل الحديث.\nوقال ابنه عبد الرحمن - بعد أن ذكر بعض شيوخه -: وعنه: أحمد بن عثمان بن حكيم.\nقلت: وهو الراوي عنه في حديثنا هذا.\nوقال عنه البخاري: منكر الحديث (^٤).\nوذكره ابن عدي في \"الكامل\" (^٥) وقال: أرجو أنه لا يستحق ولا يستوجب تصريح الكذب.\nوأما ابن حبان فقد ذكره في \"الثقات\"، وهذا فيه نظر.\nوأولى الأقوال فيه ما ذهب إليه أبو حاتم الرازي؛ لأنه قد التقى به.\nوذكر الدارقطني في \"الأفراد\" (^٦) أنه تفرد بهذا الخبر، وذكر نحو ذلك من قبله البزار (^٧)، فتبين سقوط هذا الإسناد، وأنه ليس بشيء.\n_________\n(^١) \"المسند\" (٥/ ١٧٨)، وقال: (لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه).\n(^٢) (٤/ ٢٠٢).\n(^٣) (٨/ ٢٩٠).\n(^٤) \"الكامل\" لابن عدي (٦/ ٣٩)، وهو في \"التاريخ الأوسط\" (٤/ ٩٦٧) غير أنه جاء فيه: (سهل بن عمار). وفي هامش التحقيق: (كذا في الأصل، وفي رواية الخفاف: عامر).\n(^٥) (٦/ ٣٤).\n(^٦) \"أطراف الغرائب\" لابن طاهر (٣٦٨٧).\n(^٧) \"المسند\" (٥/ ١٧٩).","vol":"2","page":184},{"text":"وجاءت من طريق رابع، أخرجه ابن وضاح في \"البدع\" (^١): (ثنا محمد بن يحيي، ثنا أسد بن موسى، ثني عدي بن الفضل، عن محمد بن عجلان، عن عبد الرحمن، عن ابن عمر مرفوعًا: \"إنّ من بعدكم أياما، الصابر فيها المتمسك بمثل ما أنتم عليه اليوم له أجر خمسين منكم\". قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال \"بل منكم\"). قلت: عدي بن الفضل الأقرب أنه التيمي وهو متروك.\nوأما من حيث المتن: فالذي جاء في هذا الخبر: أن للعامل في وقت الفتن أجر خمسين من الصحابة، والذي جاء في النصوص الصحيحة: أن أجر الصحابة لا يلحقه من جاء من بعدهم، كما في \"الصحيحين\" (^٢) من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد رفعه: \"لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\". فتبين أن ما جاء في الحديث السابق فيه نظر من حيث المتن أيضا.\nنعم؛ ما جاء في رواية أبي ثعلبة الخشني: \"أن له أجر خمسين يعملون مثل عمله\" مستقيم من حيث المتن، فقد جاء ما يشهد له من حيث المعنى من حديث معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: \"العبادة في الهرج كهجرة إلي\" (^٣).\nوالخلاصة: أن حديث أبي ثعلبة إسناده صالح، وليس بالقوي، لما تقدم.\nوأما زيادة: \"أجر خمسين منكم\"، فهي زيادة منكرة، وبالله تعالى التوفيق.\n_________\n(^١) (١٨٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٦٧٣)، و\"صحيح مسلم\" (٢٥٤١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٩٤٨).","vol":"2","page":185},{"text":"٢٦ - وقال أبو عيسى: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت، حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ - يعد أيامه - قال: ورسول الله ﷺ يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: \"أخر عني يا عمر، إني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت\"، قال: ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجب لي وجرأتي على رسول الله ﷺ، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. إلى آخر الآية، قال: فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١). وكذا في طبعة الرسالة (^٢). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن صحيح). وفي طبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا حديث صحيح، فقد أخرجه البخاري في الجنائز من طريق الليث عن عقيل، عن الزهري (^٥). وأخرجه في التفسير، فقال: (حدثنا يحيى\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣٧٢).\n(^٢) (٣٣٥٤).\n(^٣) (١٠٥٠٩).\n(^٤) (٣٠٩٤).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (١٣٦٦).","vol":"2","page":186},{"text":"بن بكير، حدثنا ليث، عن عقيل، وقال غيره حدثني ليث، حدثني عقيل) (^١). ومثله النسائي في \"الكبرى\" (^٢).\n٢٧ - وقال أيضا في التفسير: (باب ومن سورة المؤمنون.\n(حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد أبي شجاع، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قال: \"تشويهِ النارُ فتُقلِّص شفته العالية حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).\nوكذا في \"تحفة الأحوذي\" الطبعة الحجرية، ومعها نسخة \"الجامع\" (^٤): (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٥)، وفي طبعة بشار (^٦)، والرسالة (^٧): (حسن صحيح غريب).\nوأخرجه قبل ذلك في (أبواب صفة جهنم) بإسناده سواء (^٨)، وقال: (حسن صحيح غريب). وكذا في طبعة الرسالة (^٩).\nوفي طبعة بشار (^١٠): (حسن غريب). وكذا قاله البغوي في \"شرح السنة\" (^١١): (حسن غريب). والغالبُ أنه ينقل حكم الترمذي.\nقلت: تبين مما تقدم اختلاف نسخ الترمذي في حكمه على هذا\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٦٧١).\n(^٢) (١١٣٣٥).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٤٧١).\n(^٤) (٤/ ١٥٢).\n(^٥) (٤٠٦١).\n(^٦) (٣١٧٦).\n(^٧) (٣٤٥٠).\n(^٨) \"جامع الترمذي\" (٢٧٨٢).\n(^٩) (٢٧٦٩).\n(^١٠) (٢٥٨٧).\n(^١١) (١٥/ ٢٥٢).","vol":"2","page":187},{"text":"الحديث، وبالتالي لا يطمئن القلب إلى ما وقع في بعض النسخ من قوله: (حسن غريب صحيح).\nوقد تقدم الكلام على هذا الإسناد، أي: أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد (^١).\n٢٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كُدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس، قال: مرَّ يهودي بالنبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: \"يا يهودي حدثنا\" فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلائق على ذه؟ وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر بخنصره أولا، ثم تابع حتى بلغ الإبهام، فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو كُدينة اسمه: يحيى بن المهلب.\nرأيت محمد بن إسماعيل روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع، عن محمد ابن الصلت) (^٢).\nوكذا في طبعة الرسالة (^٣): (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٤)، وطبعة بشار (^٥): (حسن صحيح غريب).\nوكذا نقله إبن كثير في \"تفسيره\" (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: (ص: ٢٠، ١٥٩) من هذا المجلد مصطلح (حسن صحيح) فيما كان في أدنى درجات الثبوت برقم (٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٥٤٢).\n(^٣) (٣٥٢١).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٥٤٢).\n(^٥) (٣٢٤٠).\n(^٦) (٧/ ١١٤).","vol":"2","page":188},{"text":"قلت: هذا الحديث خرجه الشيخان (^١) من حديث إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.\nوأما الطريق التي معنا - وهي طريق عطاء بن السائب - فقد أخرجها أحمد (^٢) عن حسين بن حسن الأشقر، عن أبي كُدينة به. وأبو كُدينة من الثقات.\nوعطاء بن السائب صدوق إلا أنه قد اختلط، ولم يُذكر أن أبا كُدينة سمع منه قبل الاختلاط أو بعده، والذي يظهر أنه سمع منه بعد اختلاطه؛ لأنه متأخر بعض الشيء عن تلاميذ عطاء الذين سمعوا منه قديما كشعبة والثوري.\nولكنْ أبو عيسى يصحح حديث عطاء بن السائب في كثير من الأحيان (^٣)، حتى ولو كان الراوي سمع منه بعد أن تغير، وذلك إذا لم يتبين أن هناك علة في الإسناد أو في المتن غير ذلك.\nوهذا منطبق على هذا الخبر، إلا أن في هذا الإسناد غرابة من هذا الوجه كما ذكر المصنف.\nوالذي يظهر أن قوله هنا: (حسن غريب صحيح) مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب).\nوقوله: (رأيت محمد بن إسماعيل، روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع، عن محمد بن الصلت)، لا أدري في أي كتبه روى ذلك، فليس موجودا في كتابه \"الصحيح\"، ولم أقف عليه في كتبه الأخرى المطبوعة، فلعله في كتبه التي لم تصل إلينا، وكأنه يريد بقوله السابق غرابة هذا الإسناد،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٤٨١١، ٧٤١٤، ٧٥١٣)، \"صحيح مسلم\" (٢٧٨٦).\n(^٢) \"المسند\" (٢٢٦٧، ٢٩٨٨).\n(^٣) ينظر: (٨٨٢، ٨٩٤، ١٠٠٠، ٣٧٢٩).","vol":"2","page":189},{"text":"وأنه لم يرو إلا من طريق ابن الصلت، ولكن تقدم في رواية أحمد أنه رواه من طريق حسين بن حسن الأشقر - وهو متكلم فيه -، عن أبي كُدينة به.\n٢٩ - قال أبو عيسى: (باب ومن سورة الحجرات.\nحدثنا الفضل بن سهل البغدادي الأعرج وغير واحد، قالوا: حدثنا يونس بن محمد، عن سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: \"الحسب المال، والكرم التقوى\". هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث سمرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام بن أبي مطيع) (^١). وكذا في \"تحفة الأحوذي\" (^٢). وفي \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن غريب). وفي طبعة بشار (^٤)، والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).\nأخرجه أحمد (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" (^٨)، وابن أبي عاصم في \"الزهد\" (^٩)، والطبراني في \"الكبير\" (^١٠)، والدارقطني (^١١)، والحاكم (^١٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (^١٣)، والبيهقي (^١٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (^١٥)، من طريق يونس بن محمد، به.\nقلت: هذا الإسناد فيه سلام، وقد تُكلم في روايته عن قتادة.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٥٧٦).\n(^٢) (٤/ ١٨٧) الطبعة الهندية.\n(^٣) (٤٥٩٨).\n(^٤) (٣٢٧١).\n(^٥) (٣٥٥٥).\n(^٦) \"المسند\" (٢٠١٠٢).\n(^٧) \"السنن\" (٤٢١٩).\n(^٨) (٤).\n(^٩) (٢٢٩).\n(^١٠) (٦٩١٣).\n(^١١) \"السنن\" (٣٧٩٨).\n(^١٢) \"المستدرك\" (٢٦٩٠) و(٧٩٢٢).\n(^١٣) (٦/ ١٩٠).\n(^١٤) \"السنن الكبرى\" (١٣٨٩٠).\n(^١٥) (٣٥٤٥).","vol":"2","page":190},{"text":"وهو أيضا من رواية الحسن عن سمرة، وفيها الخلاف المعروف، والترمذي يرى أنه سمع منه، ولذا صحح أحاديث بهذه الترجمة (^١).\nونسخ الترمذي قد اختلفت في حكمه على هذا الحديث، والذي أميل إليه أن ما جاء في \"تحفة الأشراف\" هو الأقرب في الحكم على هذا الحديث، ويؤيد هذا قوله: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام)، والله تعالى أعلم.\n٣٠ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود هو الطيالسي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، قال: سمعت عثمان بن عفان، يقول: قال رسول الله ﷺ: \"ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فيضره شيء\".\nوكان أبان قد أصابه طرف فالج، فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر؟ أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ؛ ليُمضيَ الله عليَّ قدره. هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣)، وطبعة بشار (^٤)، والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).\nوالحديث جاء من طرق، أخرجها النسائي في \"الكبرى\" في \"عمل اليوم والليلة\" (^٦) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن أبان.\n_________\n(^١) ينظر: (١٢٨٩، ١٣٥٠، ١٤٢٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٧٠٦).\n(^٣) (٩٧٧٨).\n(^٤) (٣٣٨٨).\n(^٥) (٣٦٨٥).\n(^٦) (٣٤٦).","vol":"2","page":191},{"text":"وأخرجه أيضا (^١) في موضع آخر من طريق ابن أبي فُديك، قال: حدثني يزيد بن فراس، عن أبان به. وأيضا (^٢) من طريق أبي مودود، عن محمد بن كعب، عن أبان به.\nوأخرجه (^٣) من طريق القعنبي، قال: (حدثنا أبو مودود، عن رجل، قال: حدثنا من سمع أبان بن عثمان يقول: سمعت عثمان بن عفان يقول: سمعت رسول الله ﷺ نحوه.\nقال لنا أبو عبد الرحمن: وقد روي عن أبان بن عثمان بغير هذا اللفظ.\nأخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا بن وهب، قال: أخبرني الليث، عن العلاء بن كثير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبان بن عثمان من قوله. وقال: تابعه الزهري على روايته فوقفه.\nأخبرني محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، عن الحجاج بن فُرافِصة، عن عُقيل، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، قال: من قال حين يمسي وحين يصبح ثلاث مرات: سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، لم يصبه شيء يضره، فدخلنا عليه وقد أصابه الفالج، فقال: ابن أخي، أما إني لم أكن قلتها حين أصابني).\nقلت: هذان الإسنادان في صحتهما نظر؛ أما الأول ففيه أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور، وهو ليس بالمشهور، بل هو مجهول من حيث الرواية، وان كان نسبه مشهورا، ليس له ذكر إلا في هذا الخبر.\n_________\n(^١) (٣٤٧).\n(^٢) (١٥).\n(^٣) (١٦).","vol":"2","page":192},{"text":"وأما الطريق الثانية فهي لا تصح عن الزهري؛ إبراهيم بن إسماعيل الصائغ مجهول، وحجاج بن فُرافِصة تُكلم فيه بعض الشيء، وله أوهام، هذا مع غرابة هذه الطريق عن الزهري.\nومع ضعف هذين الطريقين إلى أبان، إلا أن هذا يدل على شهرة هذا الخبر عنه، وجانب رفع هذا الخبر عنه أقوى، فقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضا، كما تقدم.\nوأما طريق الترمذي فرجالها ثقات، إلا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد فقد تُكلم فيه، وهو صدوق مشهور موصوف بالعلم، وحديثه فيه تفصيل، والكلام فيه يطول، ولكن أذكر ما يتعلق بالإسناد الذي معنا: فإن علي بن المديني تكلم في رواية البغداديين عنه، بخلاف رواية المدنيين فإنها أقوى، وأبو داود الطيالسي بصري سكن بغداد، فيغلب على الظن أن هذا منها، وسبب كلامه في رواية البغداديين عنه أنهم كانوا يلقِّنونه، ولا يخفى أن هذا ليس من كلهم، وإنما من بعضهم، وأبو داود ليس منهم، فإنه كان من الثقات الحفاظ، وإن كان وصف بالوهم بسبب تحديثه من حفظه، فإسناد الترمذي قوي، والأسانيد الأخرى تقويه؛ لأنها جاءت من غير طريقه.\nوالذي يظهر أن الترمذي يرى قوة هذا الخبر، وكلامه هنا: (حسن غريب صحيح) يساوي كلامه: (حسن صحيح غريب) كما جاء في النسخ الأخرى. والله أعلم.\n٣١ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه.\nحدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: \"الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي\".","vol":"2","page":193},{"text":"هذا حديث حسن غريب صحيح) (^١).\nوفي طبعة بشار (^٢)، والرسالة (^٣)، و\"تحفة الأشراف\" (^٤): (حسن صحيح غريب).\nهذا الحديث أخرجه مسلم (^٥)، وأبو داود (^٦) من طريق يزيد بن هارون، والنسائي في \"الكبرى\" (^٧) من طريق بَهز، كلاهما عن حماد بن سلمة به.\nوأخرجه أحمد (^٨)، وابن حبان (^٩)، والمصنف في \"الشمائل\" (^١٠)، كلهم من طريق حماد به.\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد صححه مسلم، فقول أبي عيسى: (حسن غريب صحيح) يقصد به صحة هذا الخبر، وحكمه عليه بالغرابة؛ لأن حمادا تفرد به.\n٣٢ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء ما يقول إذا نزل منزلا.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الحارث ابن يعقوب، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد ابن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم السلمية، عن رسول الله ﷺ قال: \"من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك\". هذا حديث حسن غريب صحيح.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٧١٤).\n(^٢) (٣٣٩٦).\n(^٣) (٣٦٩٣).\n(^٤) (٣١١).\n(^٥) (٢٧١٥).\n(^٦) \"السنن\" (٥٠٥٣).\n(^٧) \"عمل اليوم والليلة\" (٧٩٩).\n(^٨) (١٢٥٥٢) و(١٢٧١٢) و(١٣٦٥٣).\n(^٩) (٥٥٧٥).\n(^١٠) (٢٥٩).","vol":"2","page":194},{"text":"وروى مالك بن أنس هذا الحديث أنه بلغه عن يعقوب بن الأشج … فذكر نحو هذا الحديث.\nوروي عن ابن عجلان هذا الحديث، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، ويقول: عن سعيد بن المسيب، عن خولة. وحديث الليث أصح من رواية ابن عجلان) (^١). وفي \"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" (^٢): (غريب صحيح). وفي طبعة بشار (^٣)، والرسالة (^٤): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا حديث صحيح، فهو مستقيم سندا ومتنا، ولذا صححه مسلم (^٥)، والمصنف، فقوله: (حسن غريب صحيح) مساوٍ لقوله: (حسن صحيح غريب)، أو (غريب صحيح) كما جاء في \"التحفة\".\n٣٣ - قال أبو عيسى: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بما رأى، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد؛ فإنها لا تضره\". وفي الباب: عن أبي قتادة. هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.\nوابن الهاد اسمه: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المديني، وهو ثقة عند أهل الحديث روى عنه مالك والناس) (^٦).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٧٥٧).\n(^٢) (١٥٨٢٦).\n(^٣) (٣٤٣٧).\n(^٤) (٣٧٣٧).\n(^٥) (٢٧٠٨).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٣٧٧٦).","vol":"2","page":195},{"text":"وفي \"تحفة الأشراف\" (^١)، وطبعة وبشار (^٢)، والرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد صححه البخاري فأخرجه من طريق ابن أبي حازم والدَّراوردي، عن ابن الهاد به (^٤).\n٣٤ - قال أبو عيسى: (حدثنا يحيى بن موسى (^٥)، قال: حدثنا أبو عامر العَقَدي، عن سليمان بن بلال، عن عُمارة بن غَزية، عن عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن حسين بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب (^٦)، قال: قال رسول الله ﷺ: \"البخيل الذي من ذُكرت عنده فلم يصل علي\". هذا حديث حسن غريب صحيح) (^٧).\nوكذا في \"تفسير ابن كثير\" (^٨)، و\"تحفة الأحوذي\" (^٩): (حسن غريب صحيح). وفي \"تحفة الأشراف\" (^١٠): (حسن غريب). وفي طبعة بشار (^١١)، والرسالة (^١٢): (حسن صحيح غريب).\n_________\n(^١) (٤٠٩٢).\n(^٢) (٣٤٥٣).\n(^٣) (٣٧٥٦).\n(^٤) (٧٠٤٥).\n(^٥) في هامش التحقيق عن بعض النسخ: (وزياد بن أيوب).\n(^٦) (علي بن أبي طالب) أثبتوه في طبعة التأصيل، وذكروا أنه ليس في بعض النسخ، وأنه في بعض النسخ مصحح عليه، ومضبب عليه في بعضها، وهو مثبت في نسخة الرسالة و\"تحفة الأحوذي\" و\"تحفة الأشراف\"، وينظر التخريج الآتي.\n(^٧) \"جامع الترمذي\" (٣٨٧٧).\n(^٨) (٦/ ٤٦٧).\n(^٩) (٤/ ٢٧٢) الطبعة الهندية.\n(^١٠) (١٠٠٧٢).\n(^١١) (٣٥٤٦).\n(^١٢) (٣٨٥٨).","vol":"2","page":196},{"text":"أخرجه أحمد (^١)، وإسماعيل القاضي في \"فضل الصلاة على النبي\" (^٢)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (^٣)، والنسائي في \"الكبرى\" (^٤)، وفي \"عمل اليوم والليلة\" (^٥)، وأبو يعلى (^٦)، وابن حبان (^٧)، والطبراني (^٨)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (^١١)، من طرق عن سليمان بن بلال، عن عُمارة بن غَزية، عن عبد الله بن علي بن حسين، عن أبيه علي بن حسين، عن أبيه.\nوأخرجه إسماعيل القاضي (^١٢) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عُمارة، به.\nوأخرجه أيضا (^١٣) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن علي بن الحسين، به.\nوأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (^١٤) من طريق ابن وهب، عن عمرو، عن عُمارة، عن عبد الله بن علي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوأخرجه أيضا (^١٥) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن عُمارة، عن عبد الله بن علي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ.\nقلت: الصواب في هذا الحديث أنه من مسند الحسين بن علي، وليس من مسند علي بن أبي طالب ﵄. والدليل على ذلك:\n_________\n(^١) \"المسند\" (١٧٣٦).\n(^٢) (٣٢).\n(^٣) (٤٣٢).\n(^٤) (٨٢٤٣)\n(^٥) (٥٥) و(٥٦).\n(^٦) \"مسند أبي يعلى\" (٦٧٧٦).\n(^٧) \"صحيح ابن حبان\" (٩٠٣).\n(^٨) \"المعجم الكبير\" (٢٨٨٥).\n(^٩) (٣٨٢).\n(^١٠) (٢٠٤١).\n(^١١) (١٤٦٦) و(١٤٦٧).\n(^١٢) (٣٥).\n(^١٣) (٣١).\n(^١٤) (١٤٦٤).\n(^١٥) (١٤٦٥).","vol":"2","page":197},{"text":"أولا: أن الإمام أحمد وسليمان بن عبيد الله وأحمد بن سنان، رووه عن أبي عامر العَقَدي هكذا.\nوكذا جاء عن سليمان بن بلال من غير طريق أبي عامر، كما في رواية إسماعيل ابن جعفر وعبد الله بن جعفر بن نجيح وخالد بن مخلد.\nثانيا: تبين مما تقدم أن في أكثر نسخ الترمذي: إما (حسن غريب صحيح)، وإما (حسن صحيح غريب)، وإما (حسن غريب) فقط، وهذا لم يأت إلا في \"تحفة الأشراف\" فيما وقفت عليه.\nفالذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الخبر، ولذا قال ابن حجر في \"التهذيب\" (^١) في ترجمة عبد الله بن علي: (وصحح له الترمذي).\nثالثا: أن هذا الخبر رجاله ثقات، سوى عبد الله بن علي بن الحسين، فإنه ليس بالمشهور، ولعله صالح لا بأس به، فقد ذكره ابن حبان وابن خلفون في \"الثقات\" (^٢)، واختار ذلك الذهبي، فقال في \"الكاشف\" (^٣): ثقة.\nوقد روى عنه خمسة، مخهم بعض المشهورين؛ كعُمارة بن غَزية وموسى بن عقبة، فهذا مما يقويه.\nوعليه، فإسناد هذا الخبر حسن لا بأس به، وقد صححه ابن حبان، والحاكم، بالإضافة إلى أبي عيسى.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (^٤): (لا يقصر عن درجة الحسن).\nرابعا: أنه قد جاء ما يشهد لهذا الخبر، وهو ما أخرجه إسماعيل القاضي في \"فضل الصلاة على النبي ﷺ \"، قال: حدثنا سليمان بن حرب،\n_________\n(^١) (٢/ ٣٨٨).\n(^٢) \"الثقات\" لابن حبان (٧/ ٢)، وينظر: \"إكمال تهذيب الكمال\" (٨/ ٧٤).\n(^٣) (٢٨٦٦).\n(^٤) (١١/ ١٦٨).","vol":"2","page":198},{"text":"قال ثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن، يقول: قال رسول الله ﷺ: \"بحسب امرئ في البخل أن أُذكر عنده فلا يصلي علي\".\nوإسناده صحيح إلى الحسن، ولكنه مرسل، وهذا مما يقوي الخبر المتقدم.\nولكن عندما ترجم ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (^١) لعبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: (أخو أبي جعفر لأبيه وأمه، روى عن النبي ﷺ مرسل، قال: \"البخيل من ذكرت عنده … \" روى عنه عمارة بن غزية، سمعت أبي يقول ذلك).\nقلت: يظهر أن هذا الخبر قد روي مرسلا أيضا، وأن أبا حاتم يختار هذا الوجه، ولكن هذا الوجه لم أقف عليه.\nولعل أبا حاتم يقصد روايته المتقدمة عن علي، ولذا قال الدارقطني: (رواه الدَّراوردي، عن عمارة، عن عبد الله بن علي بن الحسين مرسلا عن علي). قال: (وقول سليمان بن بلال أشبه بالصواب) (^٢).\n٣٥ - قال أبو عيسى: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا محمد بن يوسف، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: \"ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\"، فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: \"الله أكثر\".\nوهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.\nوابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العابد الشامي) (^٣).\n_________\n(^١) (٥/ ١١٤).\n(^٢) \"العلل\" (٣٠٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٩٠٩).","vol":"2","page":199},{"text":"وفي \"تحفة الأشراف\" (^١)، وفي طبعة بشار (^٢)، والرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).\nأخرجه الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (^٤)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (^٥) من طريق ابن ثوبان به.\nقال أبو نعيم: (رواه زيد بن واقد، وهشام بن الغاز، عن مكحول، مثله).\nوأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (^٦) من طريق محمد بن يوسف، عن ابن ثوبان به. وقال: (حسن غريب).\nقلت: أولا: في هذا الإسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو من أهل الصلاح، لكن تُكلّم فيه من قِبل ضبطه: قال صالح بن محمد: شامي صدوق، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه، عن مكحول، مسندة.\nوقواه غيره (^٧).\nويظهر لي أن أبا عيسى يرى صحة هذا الخبر، إذ قد صحّح لابن ثوبان حديثا آخر غير هذا (^٨)، وقال في حديث ثانٍ: (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح) (^٩).\nثم إن ابن ثوبان قد توبع في هذا الخبر كما قال أبو نعيم، وقد أخرج ذلك الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (^١٠).\n_________\n(^١) (٥٠٧٣).\n(^٢) (٣٥٧٣).\n(^٣) (٣٨٩٠).\n(^٤) (٨٨١).\n(^٥) (٥/ ١٣٧).\n(^٦) (١٣٨٧).\n(^٧) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (١٧/ ١٢).\n(^٨) \"جامع الترمذي\" (٢٨٧٣).\n(^٩) \"جامع الترمذي\" (٤٣). وقد ضُبِّب على كلمة (صحيح) في بعض النسخ.\n(^١٠) (١٤٧).","vol":"2","page":200},{"text":"وقد صحح ابن حجر هذا الحديث؛ قال في \"الفتح\" (^١): (وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبادة بن الصامت …) وذكره.\nوقد جاء له شواهد بنحوه.\n٣٦ - وقال أبو عيسى في التفسير: (باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.\n(حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨]، قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي، لأطأن على عنقه، فقال النبي ﷺ: \"لو فعل لأخذته الملائكة عيانا\".\nهذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).\nوكذا في \"تحفة الأشراف\" (^٣): (حسن غريب صحيح).\nوفي طبعة بشار (^٤)، والرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).\nأخرجه البخاري في \"صحيحه\" (^٦) من طريق عبد الرزاق به.\nوقد توبع معمر؛ فقد أخرجه النَّسَائِي في \"الكبرى\" (^٧): أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله، عن عبيد الله، عن عبد الكريم الجزري به. وزاد في آخره: (وإن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا).\nقلت: تبين مما تقدم أن هذا الحديث صحيح، وأن قول الترمذي:\n_________\n(^١) (١١/ ٩٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٦٦٣).\n(^٣) (٦١٤٨).\n(^٤) (٣٣٤٨).\n(^٥) (٣٦٤٢).\n(^٦) (٤٩٥٨).\n(^٧) (١١١٧١).","vol":"2","page":201},{"text":"(حسن غريب صحيح) يريد به صحة هذا الخبر.\nوقد جاء بنحوه من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة به (^١)، وتقدم الكلام عليه (^٢).\n٣٧ - وقال أبو عيسى في باب في فضل النبي ﷺ: (حدثنا الحسين بن يزيد، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد أبي خالد، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأُكسى الحلّة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري\".\nهذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٤)، وطبعة بشار (^٥)، ونسخة الرسالة (^٦): (حسن غريب).\nقلت: وهذا هو الأقرب، وهو كونه (حسن غريب)؛ لأن في إسناد هذا الخبر يزيدَ أبا خالد وهو الدالاني، متكلم فيه، وتقدم حديث لأبي خالد عند المصنف (^٧)، وقد بين علته، والحمل فيه على أبي خالد.\nوفيه شيخ الترمذي: الحسين بن يزيد الطحان الأنصاري، قال أبو حاتم: لين الحديث (^٨). وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٩).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٦٦٤).\n(^٢) برقم (٦) من بداية هذه المصطلح.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٩٥٧).\n(^٤) (٣٩٥٧).\n(^٥) (٣٦١١).\n(^٦) (٣٩٣٨)، وفي هامش التحقيق: (المثبت من \"س\" و\"تحفة الأشراف\"، وفي سائر النسخ الخطية: حسن غريب صحيح).\n(^٧) ينظر: \"جامع الترمذي\" (٧٨ - ٧٩)، \"العلل الكبير\" (٤٣).\n(^٨) \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٦٧).\n(^٩) (٨/ ١٨٨).","vol":"2","page":202},{"text":"قلت: فتبين أن هذا الإسناد فيه ضعف، ولعل الترمذي قوّاه من أجل شواهده التي جاءت بنحوه، ولأن حديث أبي هريرة ثابت من حيث الأصل، ولكن ليس باللفظ الذي رواه الترمذي، وإنما بنحوه، فقد أخرج البخاري في \"صحيحه\" (^١)، قال: (حدثنا يحيى بن قزعة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: استبّ رجلان، رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي ﷺ: \"لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله\").\nوقال: (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهودي، فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: \"من؟ \"، قال: رجل من الأنصار، قال: \"ادعوه\"، فقال: \"أضربته؟ \"، قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث، على محمد ﷺ، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: \"لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بصعقة الأولى\") (^٢).\n_________\n(^١) (٢٤١١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٤١٢).","vol":"2","page":203},{"text":"قال ابن حجر: (قوله: \"فأكون أول من يفيق\" لم تختلف الروايات في \"الصحيحين\" في إطلاق الأولية، ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد والنسائي: \"فأكون في أول من يفيق\"، أخرجه أحمد عن أبي كامل، والنسائي من طريق يونس بن محمد، كلاهما عن إبراهيم، فعُرف أن إطلاق الأولية في غيرها محمول عليها، وسببه التردد في موسى ﵇ كما سيأتي، وعلى هذا يحمل سائر ما ورد في هذا الباب، كحديث أنس عند مسلم رفعه: \"أنا أول من تنشق عنه الأرض\" وحديث عبد الله بن سلام عند الطبراني.\nقوله: \"فإذا موسى باطش بجانب العرش\" أي آخذ بشيء من العرش بقوة، والبطش الأخذ بقوة، وفي رواية ابن الفضل: \"فإذا موسى آخذ بالعرش\"، وفي حديث أبي سعيد: \"آخذ بقائمة من قوائم العرش\"، وكذا في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nقوله: \"فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله\" أي: فلم يكن ممن صعق، أي: فإن كان أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثنى الله فلم يصعق فهي فضيلة أيضا. ووقع في حديث أبي سعيد: \"فلا أدري كان فيمن صعق -أي: فأفاق قبلي- أم حوسب بصعقته الأولى\" أي: التي صعقها لما سأل الرؤية، وبين ذلك ابن الفضل في روايته بلفظ: \"أحوسب بصعقته يوم الطور\".\nوالجمع بينه وبين قوله: \"أو كان ممن استثنى الله\": أن في رواية ابن الفضل وحديث أبي سعيد بيان السبب في استثنائه، وهو أنه حوسب بصعقته يوم الطور، فلم يكلف بصعقة أخرى، والمراد بقوله: \"ممن استثنى الله\" قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وأغرب الداودي الشارح، فقال: معنى قوله: \"استثنى الله\" أي: جعله ثانيا، كذا قال، وهو غلط شنيع، وقد وقع في مرسل الحسن في \"كتاب البعث\" لابن أبي الدنيا في هذا الحديث: \"فلا","vol":"2","page":204},{"text":"أدري أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة، أو بعث قبلي\".\nوزعم ابن القيم في \"كتاب الروح\" أن هذه الرواية -وهو: قوله: \"أكان ممن استثنى الله\"- وهم من بعض الرواة، والمحفوظ: \"أو جوزي بصعفة الطور\". قال: لأن الذين استثنى الله قد ماتوا من صعقة النفخة لا من الصعقة الأخرى، فظن بعض الرواة أن هذه صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن استثنى الله. قال: وهذا لا يلتئم على سياق الحديث، فإن [الإفاقة] حينئذ هي إفاقة البعث، فلا يحسن التردد فيها، وأما الصعقة العامة فإنها تقع إذا جمعهم الله تعالى لفصل القضاء، فيصعق الخلق حينئذ جميعا إلا من شاء الله، ووقع التردد في موسى ﵇. قال: ويدل على ذلك قوله: \"وأكون أول من يفيق\"، وهذا دال على أنه ممن صعق، وتردد في موسى؛ هل صعق فأفاق قبله أم لم يصعق؟ قال: ولو كان المراد الصعقة الأولى للزم أن يكون النبي ﷺ جزم بأنه مات، وتردد في موسى هل مات أم لا؟ والواقع أن موسى قد كان مات لما تقدم من الأدلة، فدل على أنها صعقة فزع لا صعقة موت، والله أعلم.\nووقع في رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة -عند ابن مردويه-: \"أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش فأجد موسى قائما عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله\".\nويحتمل قوله في هذه الرواية: \"أنفض التراب قبلي\" تجويز المعية في الخروج من القبر، أو هي كناية عن الخروج من القبر، وعلى كل تقدير: ففيه فضيلة لموسى كما تقدم) (^١).\nوأما ما يتعلق بكسوة الحلة، فالذي ثبت أن أول من يكسى إبراهيم\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٤٥).","vol":"2","page":205},{"text":"﵇، قال البخاري في \"صحيحه\" (^١): (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: \"إنكم محشورون حفاة عراة غرلا\"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، \"وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ \" إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]).\nمع ملاحظة أن حديث الترمذي ليس فيه - نصا - أن الرسول ﷺ أول من يكسى.\nوأما قوله: \"ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري\" فهذا جاء نحوه في المقام المحمود، وذلك عندما قال: \"سلوا الله لي الوسيلة\"، ثم قال في تفسير الوسيلة: \"منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو\" (^٢).\nكما أن من شواهده ما ذكره في حديث أنس في أول الباب، وكذلك ما جاء في الباب الذي بعده من الأحاديث.\n٣٨ - قال أبو عيسى: (حدثنا يوسف بن موسى القطان البغدادي، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، عن منصور بن أبي الأسود، قال: حدثني كثير أبو إسماعيل، عن جُميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: \"أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار\".\nهذا حديث حسن غريب صحيح) (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٣٤٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٤٠٢٠).","vol":"2","page":206},{"text":"وفي \"تحفة الأشراف\" (^١)، وطبعة بشار (^٢): (حسن غريب).\nوفي طبعة الرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).\nوأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (^٤) من غير طريق الترمذي، وقال: (حسن غريب).\nقلت: والذي يظهر أن هذا الحكم الذي ذكره البغوي، إنما أخذه من الترمذي، وتصحيح هذا الحديث بعيد؛ وذلك لأن في إسناده كثير النّواء، وهو ضعيف، وقد ذكره في موضعين في كتابه \"الجامع\" (^٥)، ولم يصحح له، وإنما حسنه فقط، فالأرجح أنه حكم على الحديث الذي معنا بـ (حسن غريب).\n٣٩ - قال أبو عيسى في باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمَّر معاوية بن أبي سفيان سعدا، فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثا قالهن رسول الله ﷺ فلن أسبه؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي وخَلَفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي\".\nوسمعته يقول يوم خيبر: \"لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله\". قال: فتطاولنا لها، فقال: \"ادعوا لي عليا\"، قال: فأتاه وبه رمد، فبصق في عينه، فدفع الراية إليه، ففتح الله عليه.\n_________\n(^١) (٦٦٧٦).\n(^٢) (٣٦٧٠).\n(^٣) (٤٠٠١).\n(^٤) (٣٨٧٣).\n(^٥) (٤٠٠٦، ٤١٤٢)، والموضع الثالث هو الحديث الذي معنا.","vol":"2","page":207},{"text":"وأنزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: \"اللهم هؤلاء أهلي\".\nهذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه) (^١).\nوكذا في \"تحفة الأحوذي\" (^٢): (حسن غريب صحيح).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣)، وطبعة بشار (^٤): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا الحديث حديث صحيح، وقد جاء من غير وجه عن سعد ﵁ بقطعة منه وهي: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى\"، وقد أخرجه الشيخان (^٥)، وأبو عيسى الترمذي، وقال: (هذا حديث صحيح قد روي من غير وجه عن سعد عن النبي ﷺ) (^٦).\nوأما قوله: \"لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله … \" إلخ، فقد جاء في \"الصحيحين\" من حديث سهل (^٧) وسلمة بن الأكوع (^٨)، وفي مسلم من حديث أبي هريرة (^٩).\nوأما الشطر الأخير وهو قصة المباهلة، فقد جاء في حديث جابر؛ أخرجه الحاكم (^١٠) من طريق علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي به. وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٠٧٦). وأخرجه الترمذي في موضع قبل هذا، وتقدم برقم (٢١).\n(^٢) (١٠/ ٢١٤).\n(^٣) (٣٨٧٢).\n(^٤) (٣٧٤٢).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٣٧٠٦، ٤٤١٦)، \"صحيح مسلم\" (٢٤٠٤).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٤٠٨١).\n(^٧) \"صحيح البخاري\" (٢٩٤٢، ٣٠٠٩)، \"صحيح مسلم \" (٢٤٠٤).\n(^٨) \"صحيح البخاري\" (٢٩٧٥)، \"صحيح مسلم\" (٢٤٠٧).\n(^٩) \"صحيح مسلم\" (٢٤٠٥).\n(^١٠) \"المستدرك\" (٤٢٠٨).","vol":"2","page":208},{"text":"وأخرجه ابن مردويه (^١)، والآجري في \"الشريعة\" (^٢)، وأبو نعيم في \"الدلائل\" (^٣).\nقال ابن كثير في \"التفسير\" (^٤): (وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلا، وهذا أصح).\nوأخرجه أبو نعيم في \"الدلائل\" (^٥) من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن وفد نجران من النصارى … إلخ نحوه.\nوأخرج ذلك ابن جرير عن عِلباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] الآية، أرسل رسول الله ﷺ إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين … الخ (^٦).\nوعِلباء من صغار التابعين.\nوطريق الترمذي جيدة، وقد خرج هذه الطريق مسلم في \"صحيحه\" (^٧) من طريق حاتم بن إسماعيل به.\nوالذي يظهر أن أبا عيسى يرى صحة هذا الخبر من هذا الوجه.\n٤٠ - قال أبو عيسى في باب مناقب عبد الله بن مسعود ﵁: (حدثنا الجراح بن مخلد البصري، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن خيثمة بن أبي سبرة، قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا، فيسر لي أبا هريرة، فجلست إليه، فقلت له: إني سألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فوقعت لي، فقال: من أين أنت؟ قلت: من\n_________\n(^١) كما في \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٥٥) و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٢٣٠).\n(^٢) (١٦٩٠).\n(^٣) \"دلائل النبوة\" (٢٤٤).\n(^٤) (٢/ ٥٥).\n(^٥) (٢٥٤).\n(^٦) \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٧٣).\n(^٧) (٢٤٠٤).","vol":"2","page":209},{"text":"أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، فقال: أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ ونعليه، وحذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ، وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟\nقال قتادة: والكتابان: الإنجيل، والقرآن.\nهذا حديث حسن غريب صحيح.\nوخيثمة هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة، إنما نسب إلى جده) (^١).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٢)، وطبعة بشار (^٣)، والرسالة (^٤): (حسن صحيح غريب).\nوالحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (^٥)، والبيهقي في \"المدخل\" (^٦) من طريق يحيى بن حكيم (^٧).\nوأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (^٨) من طريق زكريا بن الحارث بن ميمون.\nكلاهما عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن خيثمة به.\nقلت: هذا إسناد جيد قوي، ورجاله كلهم ثقات، والذي يظهر أن أبا عيسى يصحح هذا الخبر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤١٦٤).\n(^٢) (١٢٣٠٦).\n(^٣) (٣٨١١).\n(^٤) (٤١٤٥).\n(^٥) (٥٧٩٠).\n(^٦) (١٠٤).\n(^٧) وقع في مطبوعة \"المستدرك\": (يحيى بن حليم). وهو على الصواب في طبعة التأصيل.\n(^٨) (٤/ ١٢٠).","vol":"2","page":210},{"text":"وأخرجه أبو نعيم أيضا في \"الحلية\" (^١) من طريق أبي سلمة التبوذكي، ثنا حماد، ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن خيثمة به.\nوأبو حمزة هو ميمون الأعور القصاب، وهو ضعيف، بل قال عنه يحيى معين: لا يكتب حديثه (^٢).\n٤١ - قال أبو عيسى: (باب مناقب جابر بن عبد الله ﵄.\nحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا بشر بن السري، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسا وعشرين مرة.\nهذا حديث حسن غريب صحيح.\nومعنى (ليلة البعير): ما روي عن جابر من غير وجه أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، فباع بعيره من النبي ﷺ واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر: ليلة بِعْت من النبي ﷺ البعير استغفر لي خمسا وعشرين مرة، كان جابر قد قتل أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد وترك بنات، فكان جابر يعولهن وينفق عليهن، فكان النبي ﷺ يبر جابرا ويرحمه لسبب ذلك، هكذا روي في حديث عن جابر نحو هذا) (^٣).\nوكذا في \"تحفة الأحوذي\" (^٤): (حسن غريب صحيح).\nوفي طبعة الرسالة (^٥): (حسن صحيح غريب).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٦)، وطبعة بشار (^٧): (حسن غريب).\n_________\n(^١) (٤/ ١٢٠).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٣٦).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٤٢٠٧).\n(^٤) (١٠/ ٣١٦).\n(^٥) (٤١٨٨).\n(^٦) (٢٦٩١).\n(^٧) (٣٨٥٢).","vol":"2","page":211},{"text":"الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" الذي جمع له (^١).\nوالنسائي في \"الكبرى\" (^٢) من طريق النضر.\nوابن حبان في \"صحيحه\" (^٣) من طريق عفان بن مسلم.\nوالحاكم في \"المستدرك\" (^٤) من طريق عباءة (^٥) بن كليب.\nكلهم عن حماد به.\nوأخرجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (^٦) وفي \"المعجم الصغير\" (^٧) من طريق معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير به.\nوقال: (لم يرو هذا الحديث عن جابر إلا شيبان، تفرد به معاوية بن هشام).\nقلت: هذا الحديث ظاهره الصحة، وقد صححه ابن حبان والحاكم، وجاء في \"صحيح مسلم\" (^٨) من حديث الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتخلف ناضحي … وساق الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول الله ﷺ، ثم قال لي: \"اركب باسم الله\"، وزاد أيضا قال: فما زال يزيدني ويقول: \"والله يغفر لك\".\nوأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (^٩) من طريق معتمر بن سليمان، حدثني أبي، عن أبي نضرة، عن جابر.\n_________\n(^١) (١٨٤٠).\n(^٢) (٨٣٨٨).\n(^٣) (٧١٨٤).\n(^٤) (٦٥٦٠).\n(^٥) في بعض النسخ: (عباد)، والمثبت من \"إتحاف المهرة\" (٣٢٤٦)، وقال الذهبي في \"التلخيص: (عباءة صدّقه أبو حاتم).\n(^٦) (٥٨٩٤).\n(^٧) (٨٣٢).\n(^٨) (٧١٥).\n(^٩) (٧١٨٢).","vol":"2","page":212},{"text":"وأيضا (^١) من طريق عبد الملك بن أبي نضرة، يعني: عن أبيه، عن جابر به، نحوه.\nوالذي يظهر أن الترمذي يرى صحة هذا الخبر.\n٤٢ - وقال أبو عيسى في باب في فضل اليمن: (حدثنا عبد القدوس ابن محمد العطار البصري، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرني مهدي بن ميمون، قال: حدثني غيلان بن جرير، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إن لم نكن من الأزد، فلسنا من الناس.\nهذا حديث حسن غريب صحيح) (^٢).\nوفي طبعة الرسالة (^٣): (حسن صحيح غريب).\nقلت: هذا الخبر إسناده صحيح إلى أنس، ورجاله كلهم ثقات، وقول المصنف: (حسن غريب صحيح) المقصود به صحة هذا الخبر، كما جاء في النسخ الأخرى.\n٤٣ - وقال أبو عيسى: (باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس بن مالك) (^٤).\nوهكذا في طبعة أحمد شاكر (^٥) -أي: التي حقق أولها، وهذا الحديث\n_________\n(^١) (٧١٨٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤٢٩٩).\n(^٣) (٤٢٨١).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٨١٧).\n(^٥) (٨٠٣).","vol":"2","page":213},{"text":"ليس منها- و\"تحفة الأشراف\" (^١).\nوفي طبعة دار التأصيل (^٢)، والرسالة (^٣)، و\"تحفة الأحوذي\" والنسخة التي معها في الأعلى -الطبعة الحجرية- (^٤): (حسن غريب صحيح من حديث أنس).\nوفي \"شرح السنة\" للبغوي (^٥): (هذا حديث صحيح غريب من حديث أنس).\nفتبين مما تقدم أن أبا عيسى يصحح هذا الحديث.\nقلت: هذا الحديث قد تفرد به ابن أبي عدي، قال الإمام أحمد بعد أن أخرجه في \"المسند\" (^٦): (لم أسمع هذا الحديث إلا من ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس).\nومن طريقه -أي: ابن أبي عدي- أخرجه ابن خزيمة (^٧)، وابن حبان (^٨)، والحاكم (^٩)، والبيهقي (^١٠)، والبغوي (^١١).\nوفي \"العلل\" للدارقطني (^١٢): (وسئل عن حديث حميد، عن أنس: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين.\nفقال: يرويه ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس.\n_________\n(^١) (٧٠٣).\n(^٢) (٨١٧).\n(^٣) (٨١٤).\n(^٤) (٢/ ٧١).\n(^٥) (٦/ ٣٩٦).\n(^٦) (١٢٠١٧).\n(^٧) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٢٢٦ - ٢٢٢٧).\n(^٨) \"صحيح ابن حبان\" (٣٦٦٦) و(٣٦٦٨).\n(^٩) \"المستدرك\" (١٦٢١).\n(^١٠) \"السنن الكبير\" (٨٦٤٠).\n(^١١) شرح السنة\" (١٨٣٤).\n(^١٢) (٢٤٠٩).","vol":"2","page":214},{"text":"وهذا يرويه حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد).\nقلت: وحماد بن سلمة أثبتُ في حميد من ابن أبي عدي، ولكن جاء عن حماد حديث آخر بنحو الحديث المتقدم، فروى عنه جمع كبير من أصحابه على رأسهم ابن مهدي وعفان وأبو داود الطيالسي وغيرهم، كلهم عن حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فاعتكف من العام المقبل عشرين ليلة.\nأخرجه أحمد (^١)، وابن خزيمة (^٢)، وابن حبان (^٣)، وغيرهم، وقد ساق طرقه الضياء في \"المختارة\" (^٤).\nوهذا إما أن يكون حديث آخر، وإما اختلاف على حماد، والثاني هو الأقرب.\nولكن الطريق التي ذكرها الدارقطني ليست موجودة في الكتب الستة، بل وليس فيها متن بهذا الإسناد، وقد روى أبو داود الطيالسي كما في \"المسند\" الذي جمع له (^٥)، وأحمد (^٦)، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: \"اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين\".\nوهذا ليس فيه ذكر للاعتكاف.\nولكن من المعلوم أن أبا سعيد قد روى أن النبي ﷺ اعتكف في\n_________\n(^١) (٢١٢٧٧).\n(^٢) (٢٢٢٥).\n(^٣) (٣٦٦٧).\n(^٤) (٤/ ٤٥ - ٤٨).\n(^٥) (٢٣٠١).\n(^٦) (١١٦٧٩).","vol":"2","page":215},{"text":"العَشر الأول، ثم الأوسط، يطلب ليلة القدر، ثم قال ﷺ: \"إنها في العشر الأواخر\" (^١). وقد جاء عنه من طرق بألفاظ متعددة، فهل مقصود الدارقطني هذا؟ فإن كان هو مقصوده، فتكون هذه الرواية أرجح الروايات؛ لأن حديث أبي سعيد هذا حديث صحيح، جاء من طرق متعددة كما تقدم، في \"الصحيحين\" و\"السنن\" و\"المسانيد\" (^٢).\nفتبين مما تقدم: أن قصد الترمذي بهذا المصطلح: تصحيح الخبر، مع كونه غريبا عنده، فهو مساو لقوله: (حسن صحيح غريب)، ومغايرته بين الحكمين في اللفظ، وذلك بجعل لفظة: (غريب) قبل قوله: (صحيح)، إنما هو من باب التفنن في العبارة، وليس من قبيل اختلاف الحكمين.\n* * *\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٨١٣، ٢٠١٦، ٢٠١٨)، \"صحيح مسلم\" (١١٦٧).\n(^٢) وللفائدة إليك أرقام الأحاديث التي حكم عليها أبو عيسى (حسن غريب صحيح) في نسخة \"تحفة الأحوذي\" طبعة دار الكتب العلمية: (١٥٢)، و(٥٠٥)، و(٥٤٩)، و(٦٧٧)، و(٧٥٧)، و(٨٠٣)، و(٩٤٨)، و(١٢٨٨)، و(١٢٩٦)، و(١٥٩٦)، و(١٦٢٧)، و(١٦٦٨)، و(١٦٩٧)، و(١٧٥٤)، و(١٧٥٥)، و(٢٥٥٩)، و(٢٥٧٧)، و(١٦٢٥)، و(٢٦٢٩)، و(٢٦٦١)، و(٢٦٨٥)، و(٢٨٤٦)، و(٢٨٤٧)، و(٢٨٦١)، و(٢٨٦٢)، و(٢٩٧٢)، و(٢٩٩٩)، و(٣٠٠٥)، و(٣٠١٤)، و(٣٠١٨)، و(٣٠٢٦)، و(٣٠٣٥)، و(٣٠٩٧)، و(٣١٠٨)، و(٣٢٤٠)، و(٣٢٦٢)، و(٣٢٧١)، و(٣٣٤٨)، و(٣٣٤٩)، و(٣٣٨٥)، و(٣٣٨٨)، و(٣٣٩٦)، و(٣٤٠٢)، و(٣٤٣٧)، و(٣٤٥٣)، و(٣٤٦٤)، و(٣٥٤٦)، و(٣٦٢٨)، و(٣٧١٩)، و(٣٧٢٤)، و(٣٨٥٢)، و(٣٩٢٥).","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>فصلٌ ما يفيده تصحيح الترمذي للأحاديث</span>\nما حكم الترمذي بصحته فهذا قد استوفى شروط الصحة عنده، من ثقة رجال الإسناد واتصاله.\nوفائدة ذلك: أن هناك رواهُ قد اختلف فيهم بين الاحتجاج وعدمه، ورواة ليس فيهم جرح أو تعديل، فيكون تصحيح الترمذي لهم من المرجِّحات لجانب الاحتجاج بهم، أو يكون قرينة على قوة أحاديثهم واستقامتها، ولهذا ينقل الحافظ مغلطاي في بعض الرواة تصحيح الترمذي لهم (^١).\nوهذا أقوى من سكوت أبي داود على الحديث، ولا يخفى أن أهل العلم يستدلون على قوة الخبر بسكوته، وكذلك بسكوت النَّسَائِي في كتابه \"السنن\"؛ قال ابن حجر عن حديث: (وأما النَّسَائِي فسكت عليه، فاقتضى أنه لا علة له عنده) (^٢).\nونفس الأمر بالنسبة للرواة الذين خرج لهم النَّسَائِي ولم يتعقبهم بشيء، ولذا قال أبو العباس ابن تيمية: (ميمون بن سياه فقد أخرج له البخاري والنسائي، وقال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة. وحسبك بهذه الأمور الثلاثة) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: \"إكمال تهذيب الكمال\" (٢/ ١٩٩).\n(^٢) \"نتائج الأفكار\" (١/ ٤٠٣).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (٦/ ٤٢٥).","vol":"2","page":217},{"text":"وتصحيح الترمذي أقوى من تصحيح أبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم ابن حبان، وذلك لأمرين:\nأحدهما: أنه أجلّ منهما في الصناعة الحديثية، خاصة أنه كثيرا ما ينقل قول شيخه البخاري في الأحاديث والرواة، فلا شك أن مساءلته ومدارسته البخاريَّ للأسانيد والرواة أثّرت في أحكام الترمذي.\nوالثاني: أن تصحيحَ ابن خزيمة وابن حبان من حيث العموم، بخلاف الترمذي فإن تصحيحه من حيث الخصوص؛ لأنَّه تصحيح على حديث معين.\n\n<span data-type='title' id=toc-86>ومن الأمثلة على ذلك:</span>\nأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث (^١). وصحح له الترمذي (^٢)، وهذا مما يقوي توثيق ابن معين.\nوكذا تصحيحه لسماك عن عكرمة، وتصحيحه أيضا لرواية من سمع من سماك بعد التغير (^٣).\nوفي هذا فائدة كبيرة، وهي أن هناك من يظن أن كل ما رواه سماك عن عكرمة لا يصح، وهذا خطأ؛ بل له عنه أحاديث صحيحة، وكذا أحاديثه الأخيرة فمنها ما هو صحيح.\nومثل عبد الله بن محمد بن عقيل (^٤)، ومحمد بن إسحاق (^٥)، ويزيد بن أبي زياد (^٦)، وشريك بن عبد الله (^٧)، وعلي بن زيد بن جُدعان (^٨)، فقد صحح لهم بعض الأحاديث دون بعض.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ٦٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٤٩٢).\n(^٣) ينظر: (٣٣٦، ٥١٣، ٥٤٠)، (٢٢٦، ١٢٥٥)، (١٥٣١، ٢٩٨٩ - ٢٩٩٠، ٣٢٢٠).\n(^٤) (٣٣، ١٢٩).\n(^٥) (٢٣، ١١٦).\n(^٦) (١١٥، ٧٩٠).\n(^٧) (٢٨٦٤).\n(^٨) (١١٠، ١١٨٦).","vol":"2","page":218},{"text":"بخلاف عبد الله بن لَهيعة فإنه لم يصحح له شيئا، حتى من رواية العبادلة.\nوعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، فقد خالف شيخه البخاري الذي يقويه.\nورواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، فإنه لم يصحح منها حديثا، وإنما حسن بعضها (^١)، مع أن هناك من الحفاظ من يقويها.\nوما يقال في الرجال يقال في الإسناد، وهو أهم من الأول كما لا يخفى، وخاصة السلاسل منها، فهناك سلاسل صحّحها أو قوّاها، وفيها خلاف شديد؛ مثل سلسلة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، فقد صحح بهذه السلسلة حديثا واحدا؛ وهو حديث \"الصلح جائز بين المسلمين\" (^٢)، وآخر قواه؛ وهو أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا. قال أبو عيسى: (حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب) (^٣)، وقال عن حديثين: (حسن) (^٤)، وقال عن الخامس: (حسن غريب) (^٥).\nوهذه الأحكام من أبي عيسى على هذه السلسلة في غاية من الأهمية.\nوهذا هو ظاهر مذهب شيخه محمد بن إسماعيل البخاري (^٦)، فقد قال\n_________\n(^١) (١٧٩، ٣٦٧)، يقول في بعضها: (ليس به بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه)، وأحيانا يقوله: (حسن …).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٤١٠).\n(^٣) (٥٤٤).\n(^٤) (٢٨٣١، ٢٨٨٥).\n(^٥) (٤٩٦).\n(^٦) فإن قيل: علق له البخاري خبرا بصيغة التمريض، فقال في كتاب المزارعة من \"الصحيح\" (٣/ ١٠٦): (قال عمر: من أحيا أرضا ميتة فهي له. ويروى عن عمرو بن عوف، عن النبي ﷺ، وقال: \"في غير حق مسلم، وليس لعرق ظالم فيه حق\". ويروى فيه عن جابر، عن النبي ﷺ).=","vol":"2","page":219},{"text":"عن حديث التكبير في العيدين: (ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في هذا الباب هو صحيح أيضا، وعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي مقارب الحديث) (^١).\nمما تقدم تتبين فائدة، وهي أن هذه السلسلة اختلف فيها اختلافا شديدا (^٢):\nفبعض الحفاظ -كالإمام أحمد- ذهب إلى أنها واهية شديدة الضعف.\nوبعضهم رأى قوة هذه السلسلة، كما تقدم.\nوذهب آخرون -كالبيهقي- إلى أنهّا يستأنس بها، وتتقوى بغيرها، وأنا أذهب إلى هذا؛ لأن أغلب متونها مستقيمة، وقد جاءت من أوجه أخرى.\nويفيد تصحيح الترمذي أيضا: عند الاختلاف في راوٍ هل سمع ممن روى عنه أم لا، أو حينما لا يُعلم السماع من عدمه، مثاله: ما أخرجه أبو عيسى من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ أتى حاجته فأبعد. قال أبو عيسى: (حديث حسن صحيح) (^٣).\n_________\n= والجواب عن ذلك: أن صيغة التمريض لا يلزم منها التضعيف، فإن البخاري يعلق أحيانا بصيغة التمريض ثم يصله في كتابه \"الصحيح\"، ومثله أبو عيسى، فإنه يقول أحيانا: (ويُروى)، ويريد بذلك أحاديث صحيحة.\nويؤيد هذا أن حديث جابر الذي ذكره أيضا بصيغة التمريض هو حديث صحيح، وما قاله ابن حجر عن هذا الخبر أن فيه عللا فيه نظر، والعلم عند الله. ينظر: \"تغليق التعليق\" (٣/ ٣١٠).\n(^١) \"العلل الكبير\" للترمذي (١٥٣ - ١٥٤).\n(^٢) ينظر: \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ١٣٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٩)، وصحّحه أيضا ابن خزيمة (٥٠)، وسكت عنه أبو داود (١).","vol":"2","page":220},{"text":"وهو كذلك؛ لأنَّه جاء من طرق أخرى في \"الصحيحين\" (^١) وغيرهما، ولكن في هذا الإسناد لم أقف على ما يدل على سماع أبي سلمة من المغيرة ولا عدم سماعه، كما أني لم أقف على غير هذه الرواية لأبي سلمة عن المغيرة، ولم يصرِّح فيها بالتحديث، ولما ترجم البخاري لأبي سلمة في \"التاريخ\" (^٢) لم يذكر عن سماعه من المغيرة شيئا، والظاهر أنه لم يقف على ما يفيد سماعه أو عدمه.\nوبالتالي نستأنس بتصحيح أبي عيسى لهذا الخبر في سماع أبي سلمة من المغيرة.\nوبسلوك هذه الطريقة سوف نستفيد فوائد كثيرة، سواء كان ذلك في تقوية جمع من الرواة والأسانيد، أو ثبوت السماع.\nوقد سلك هذه الطريقة جمع من الحفاظ؛ منهم أبو عبد الله ابن منده، حيث يقول: هذا حديث على رسم أبي داود أو الترمذي أو النَّسَائِي (^٣)، أو على رسم الجماعة، أو على رسم الجماعة إلا البخاري (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٨٢)، \"صحيح مسلم\" (٢٧٤).\n(^٢) (٥/ ١٣٠).\n(^٣) \"كتاب الإيمان\" (٨١٤)، \"كتاب التوحيد\" (٣٠، ٨٦).\n(^٤) \"كتاب الإيمان\" (١١٥، ١٥٦، ٢٠٣، ٢٠٦).","vol":"2","page":221},{"text":"مصطلحُ \"الحسن\"","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>مصطلح \"الحسن\"</span>\nالفصل الأول: تعريف الترمذي للحديث الحسن، وشرحه.\nالفصل الثاني: أنواع الحديث الحسن عند الترمذي (^١).\n_________\n(^١) تحدثت في \"شرح الموقظة\" (ص: ٢٠٠) عن بدء استعمال الحديث الحسن، ومعناه عند الأئمة المتقدمين، وتعاريفه عند أهل العلم، وغير ذلك؛ فأغنى عن إعادته هنا.","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>الفصل الأول تعريف الترمذي للحديث الحسن، وشرحه</span>\nبيّن الترمذي ﵀ مراده بالحسن، فقال في كتابه \"العلل الصغير\": (وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن؛ فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا؛ كل حديث يروى: لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذاك، فهو عندنا: حديث حسن) (^١).\nإذًا يشترط الترمذي للحديث الحسن ثلاثة شروط، هي:\n١ - أن لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب.\n٢ - أن لا يكون شاذا.\n٣ - أن يُروى من غير وجه.\nوقوله: (وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن، فإنما أردنا به: حسن إسناده عندنا)، لا يخفى أن الترمذي استعمل \"الحسن\" مقترنا ومجرَّدا؛ فهو إما أن يقرنه بالصحة أو بالغرابة؛ فيقول مثلا: \"حديث حسن صحيح\" أو \"حديث حسن غريب\"، أو يجرِّده فيقول: \"حسن\"، وعليه، فهل تعريف الترمذي هذا يقصد به \"الحسن\" مقترنا ومجرَّدا، أم مجرَّدا؟\nالذي يظهر: أنه يقصد به \"الحسن\" مجرَّدا.\nفجزما هو لا يريد به الحسن المقترن بالصحيح؛ لأن هذا يكون من\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٦).","vol":"2","page":227},{"text":"رواية الثقات كما تقدم شرح ذلك، ويؤكده: اشتراطه ألا يكون في إسناده متهم بالكذب، وقصده بذلك: الراوي الذي تكلم فيه بالضعف، إذًا خرج المتهم بالكذب، وأيضا الموصوف بالثقة - لأنَّه لا يقال عنه لا يتهم بالكذب -، فلم يبق إلا الراوي الذي تُكلم فيه بالضعف.\nوهو أيضا لا يريد به الحسن المقترن بالغريب؛ لأنّ الأصل في الغريب أنْ لا يروى إلا من وجه واحد، وإن كان الغريب أنواعا متعددة عنده وعند غيره من أهل العلم، وسوف يأتي بإذن الله الكلام عن هذا في شرح مصطلح \"الغريب\".\nفعلى هذا يكون مقصوده بـ \"الحسن\" الذي عرّفه: \"الحسن\" المجرَّد. ثم إن هذا \"الحسن\" المجرَّد أكثر من نوع عنده -على تفصيل في ذلك سوف يأتي-، والدليل على هذا استقراء تصرفاته في كتابه، كما هو مبين في الفصل الآتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>شرح شروط (الحسن) في تعريف الترمذي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-90>أولا: (لا يكون في إسناده متهمٌ بالكذب).</span>\nمقصوده ظاهر، وهو الراوي الذي ثبت كذبه أو اتهم بذلك، ويُلحق به من كان شديد الغفلة، وروى ما لا يتابع عليه من الأحاديث المنكرة.\nفالحديث الذي في إسناده متهم بالكذب لا يحكم عليه الترمذي بالحسن، بل هو ساقط الإسناد عنده، شديد الضعف.\nويدل على هذا ما قاله أبو عيسى في \"العلل الصغير\": (فكل من روي عنه حديث ممن يُتهم، أو يضعّف لغفلته، أو لكثرة خطئه، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه؛ فلا يحتج به) (^١).\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٤٢).","vol":"2","page":228},{"text":"وقال أيضا: (فكل من كان متهما في الحديث بالكذب، أو كان مغفّلا يخطئ الكثير؛ فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل بالرواية عنه) (^١).\nقال ابن الصلاح مفسِّرا \"الحسن\" عند الترمذي: (الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا متهم بالكذب ..) (^٢). فعلق ابن رجب على قوله: (غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه)، فقال: (هذا لا يدل عليه كلام الترمذي؛ لأنَّه إنما اعتبر أن لا يكون راويه متهما فقط، لكن قد يؤخذ مما ذكره الترمذي قبل هذا: أن من كان مغفلا كثير الخطأ لا يحتج بحديثه، ولا يشتغل بالرواية عنه عند الأكثرين) (^٣).\nقلت: وأنا أذهب إلى هذا، من كون الراوي الذي ضعفه شديد فإن الترمذي لا يحسن حديثه، خاصة إذا روى ما لا يتابع عليه.\nومثاله فرقد السبخي، فإنه خرج له أربعة أحاديث؛ ثلاثة غرّبها، وواحد قال عنه: حسن غريب (^٤).\nومثل صدقة بن موسى الدقيقي؛ فإنه لم يحسِّن له إلا الحديث السابق، والباقي غرّبها (^٥).\nومثل موسى بن عبيدة الربذي (^٦)، خرج له أحد عشر حديثا، لم يحسِّن ولا واحدا منها.\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٤٤).\n(^٢) \"مقدمة ابن الصلاح\" (ص: ٣١).\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٨٧).\n(^٤) ينظر: \"جامع الترمذي\" (٩٨٥، ٢٠٦٧، ٢٠٧٢، ٢٠٩٠).\n(^٥) ينظر: \"جامع الترمذي\" (٦٦٧، ٢٠٨٩، ٢٠٩٠، ٢٩٧٥، ٣٩٤٦).\n(^٦) ينظر: \"جامع الترمذي\" (٤٨٥، ١١٥٦، ١٢٠٨، ٢٤٢٨، ٣٣٠٦، ٣٥٥٨، ٣٦٠١، ٣٦٥٣، ٣٦٥٤، ٣٩٠٤، ٣٩٣٤).","vol":"2","page":229},{"text":"بل إن هناك مِنَ الرواة مَنْ وثّقهم بعض الأئمة وتكلم فيهم آخرون؛ إذا رووا ما يستغرب من حيث الإسناد أو من حيث المتن؛ فإنه لا يحسِّن لهم، مثاله:\nقال أبو عيسى: (١٣٠٠ - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: سمعت أبا زرعة بن عمرو يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يُتفرَّقنّ عن بيع إلا عن تراض\".\nهذا حديث غريب).\nقلت: رجاله كلهم ثقات، ما عدا يحيى بن أيوب ففيه بعض الكلام، وقد وثقه بعض الأئمة، ولكني لست بصدد الكلام عن هذه المسألة، ولذا أكتفي بهذا المثال.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>ثانيا: قوله: (ولا يكون الحديث شاذا).</span>\nيحتمل أن يكون مقصوده ألا يكون الحديث ليس له إلا إسناد واحد، ولذا قال في الشرط الثالث: (أن يروى من غير وجه).\nفعلى هذا يكون الشرطان الثاني والثالث شرطا واحدا.\nويحتمل أنه يقصد أيضا شذوذ المتن، وهو المتن المخالف لغيره من الأحاديث الصحيحة، وهو ما قاله ابن رجب: (والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي: وهو أن يروي الثقات عن النبي ﷺ خلافه) (^١).\nقلت: الذي أميل إليه أن الترمذي يقصد كلا الأمرين، فأحيانا إذا كان إسناد الخبر بيّن الغرابة لا يحسِّنه، وكذا إذا كان متن الخبر غريبا، ومثاله:\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٨٤).","vol":"2","page":230},{"text":"قال أبو عيسى: (١٢١٣ - حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"لا تلجوا على المغيبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم\". قلنا: ومنك؟ قال: \"ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم\".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه).\nقلت: هذا الخبر غريب من حديث الإسناد، وأما المتن فإنه معروف؛ فقد جاء من أوجه أخرى، فهذا الخبر امتنع من تحسينه لغرابة إسناده، مع أنه يحسِّن لمجالد في بعض الأحيان.\nوقال أبو عيسى: (١٣١٧ - حدثنا علي بن خَشرم، قال: أخبرنا عيسى ابن يونس، عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله ﷺ عنه، وقلت: إنه ليتيم، فقال: \"أهريقوه\". وفي الباب عن أنس بن مالك.\nحديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ نحو هذا).\nقلت: وهذا يؤكد ما تقدم، ولذا عندما روي هذا الحديث من غير وجه؛ حسّنه.\nوأما مثال غرابة المتن: قال أبو عيسى: (١٢١٩ - حدثنا علي بن نصر ابن علي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل علمت أن أحدا قال في (أمرك بيدك) إنها ثلاث إلا الحسن؟ فقال: لا، إلا الحسن، ثم قال: اللهم غفرا، إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ثلاث\".","vol":"2","page":231},{"text":"قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته، فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.\nهذا حديث، لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا، وكان علي بن نصر حافظا صاحب حديث).\nقلت: رجاله ثقات سوى كثير فإنه ليس بالمشهور، وقد وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nولم يحسنه لنكارة متنه، فقد ذكر عن أيوب قال: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة فسألته، فلم يعرفه.\nوقال النَّسَائِي: (هذا حديث منكر) (^١).\nوقال البيهقي: (قول العامة بخلاف رواية كثير) (^٢).\nوقال أبو عيسى: (١٢٢٥ - حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني مظاهر بن أسلم، قال: حدثني القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: \"طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان\".\nقال محمد بن يحيى، وحدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا مظاهر بهذا.\nوفي الباب عن عبد الله بن عمر.\nحديث عائشة حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث).\n_________\n(^١) \"المجتبى\" (٣٤٣٥).\n(^٢) \"سنن البيهقي الكبرى\" (١٥١٥١).","vol":"2","page":232},{"text":"قلت: لم يحسنه لنكارة متنه، فقد بين المؤلف أن هذا المتن لا يعرف مرفوعًا، وقد ثبت موقوفًا عن ابن عمر.\nوسوف يأتي الكلام على هذا الحديث.\nمع ملاحظة أن كل غرابة في المتن يلزم منها غرابة في الإسناد، لا العكس.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>ثالثا: قوله: (ويروى من غير وجه نحو ذاك).</span>\nقال ابن رجب: (يعني: أن يروى معنى ذلك الحديث من وجوه أُخر عن النبي ﷺ بغير ذلك الإسناد).\nوقال أيضا: (المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه) (^١).\nوهل يدخل المنقطع في الحسن عند الترمذي؟\nنعم يدخل، كما سوف يأتي بإذن الله تعالى.\nوسوف يأتي بإذن الله مِن أنواع \"الحسن\" عند أبي عيسى، ومِن ضرب الأمثلة على ذلك؛ ما فيه تجليه لكلامه، وتوضيح لمقصوده ومرامه.\nوهذا كله يتبين بدراسة الأحاديث التي حسنها أبو عيسى، فإن هذا المسلك أحسن الطرق في معرفة مقصود الترمذي من هذا المصطلح وغيره من المصطلحات، ولا يخفى أن مصطلحات الترمذي قد أشكلت على كثير من أهل العلم قديما وحديثا، وخاصة \"الحسن\"، والكثير منهم ممن تكلم في ذلك لم يسلك هذه الطريق، فلم يدرس تصرفات الترمذي من الناحية العملية، وإنما اكتفى بالجانب النظري، ولذا كان في كلامه نظر.\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>الفصل الثاني أنواع الحسن في \"جامع\" أبي عيسى الترمذي</span>\nتقدم أن أبا عيسى استعمل \"الحسن\" مقترنا -بالصحة أو بالغرابة- ومجرَّدا، فأما ما كان مقترنا بالصحة فتقدّم الكلام عليه في مصطلح \"الصحيح\" و\"حسن صحيح\".\n\n<span data-type='title' id=toc-94>وأما عن الباقي، فأقول - وبالله تعالى التوفيق </span>-:\nاختلف أهل العلم بالمراد بالحسن عند أبي عيسى، حتى قالوا فيه أقوالا كثيرة وذهبوا مذاهب شتى، ومردُّ ذلك أمران:\nالأول: عدم استقراء الأحاديث التي حكم عليها بذلك، وقد تقدمت الإشارة إليه.\nوالثاني: أنه قد أطلق هذا المصطلح على أكثر من نوع.\nفأقول: إن أبا عيسى حين أطلق \"الحسن\" لم يرد به نوعا واحدا، بل أنواعا:\nالنوع الأول: \"الحسن\" الذي عرّفه في كتابه \"العلل الصغير\"، وهو الذي حسنه فحسب، وقد تقدم الكلام فيه، وسوف يأتي ضرب الأمثلة له.\nالنوع الثاني: \"الحسن\" الذي حكم عليه بالغرابة، وهذا غير الأول، كما تقدم.\nالنوع الثالث: \"الحسن\" الذي فيه ضعف، ولكنه لم يبين ضعفه، وسكت عن ذلك، واكتفى بتحسينه.","vol":"2","page":235},{"text":"النوع الرابع: \"الحسن\" الذي قَرن به من الكلام ما يبين ضعفه، وذلك بتضعيف أحد رواته، أو بالانقطاع.\nالنوع الخامس: الحديث الذي حكم عليه بالحسن، ومع ذلك بين أنه معلول.\nالنوع السادس: \"الحسن\" الذي قرن به من الكلام ما يفيد صحته.\nالنوع السابع: ما حسّنه وهو صحيح عند جمهور الحفاظ، وذلك بأن يكون مخرّجا في \"الصحيحين\" أو في أحدهما.\nالنوع الثامن: ما حسّنه مع أن ظاهره الصحة، ولكنه توقف في تصحيحه لاختلاف وقع فيه، فسلك فيه سبيل الاحتياط.\nوإنما أفردت هذا النوع لكثرته في كتابه \"الجامع\".\nوفيما يلي بيان الأنواع، مع التمثيل لكل نوع بما يتضح به مقصود الترمذي (^١)، والله ولي التوفيق.\n* * *\n_________\n(^١) مع التنبيه إلى أن بعض الأمثلة تصلح لأكثر من نوع، وهذا سبب ما قد يرد من تكرار بعضها هنا أو في سائر هذا \"المدخل\".","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>النوع الأول الحسن التي عرفه في كتابه \"العلل الصغير\"</span>\nوهو الحسن المجرَّد.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>ومن الأمثلة على هذا النوع:</span>\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة، سألت رسول الله ﷺ عنه، وقلت: إنه ليتيم، فقال: \"أهريقوه\".\nوفي الباب: عن أنس بن مالك.\nحديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ نحو هذا) (^١).\nقلت: هذا الحديث في إسناده ضعف، من أجل مجالد، فهو ليس بالقوي (^٢).\nوحديث أنس أخرجه مسلم (^٣).\n٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم، قال: حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال، قال: قلت لأبي سعيد: أحدنا يصلي فلا يدري كيف صلى! فقال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا صلى أحدكم فلم يدر كيف صلى فليسجد سجدتين وهو جالس\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٣١٧).\n(^٢) ينظر الكلام على المثال الآتي برقم (٤).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (١٩٨٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري به.","vol":"2","page":237},{"text":"وفي الباب: عن عثمان، وابن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة.\nحديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من غير هذا الوجه) (^١).\nقلت: هذا الإسناد فيه ضعف، من أجل عياض بن هلال، فإنه لا يعرف.\nوحسّنه المصنف لأنَّه روي من وجه آخر عن أبي سعيد كما قال، وهذا الوجه هو ما رواه مسلم (^٢) فقال: (وحدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف، حدثنا موسى بن داود، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، \"ن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان\").\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عمر بن حفص الشيباني البصري، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن بسر بن عبيد الله، عن رويفع بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره\".\nهذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت.\nوفي الباب: عن أبي الدرداء، وابن عباس، والعرباض بن سارية، وأبي سعيد) (^٣).\nقلت: ربيعة بن سليم، ويقال: ابن أبي سليم، ويقال: ابن سليمان،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٩٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٧١).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١١٦٧).","vol":"2","page":238},{"text":"ويقال: أبو سليمان، وهو ليس بالمشهور، وبسر لا يعرف بسماعه من رويفع.\nوحسنه الترمذي من أجل مجيئه من وجه آخر عن رويفع، فأخرجه أحمد (^١) قال: (حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرنا ابن لَهيعة. وقتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحل … \") الحديث (^٢).\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن مجالد (ح) وحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن مجالد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\".\nوفي الباب: عن جابر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة.\nهذا حديث حسن، وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي سعيد.\nوأبو الودَّاك أسمه جبر بن نوف) (^٣).\nقلت: مجالد لا يحتج به عند أبي عيسى، وقد بيّن ضعفه في عدة مواضع كما سيأتي، وإنما حسن هذا الإسناد؛ لأنَّه قد جاء من وجه آخر توبع فيه مجالد، وهو ما أخرجه أحمد (^٤) من طريق يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري بمثله.\nوأخرجه أبو يعلى (^٥) والطبراني في \"الصغير\" (^٦)، من طرق عن عطية، عن أبي سعيد.\n_________\n(^١) \"المسند\" (١٦٩٩٢).\n(^٢) وينظر: \"المعجم الكبير\" للطبراني (٤٤٩٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٥٥٦).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (١١٣٤٣).\n(^٥) \"مسند أبي يعلى\" (١٢٠٦).\n(^٦) \"المعجم الصغير\" (٢٤٢، ٤٦٧).","vol":"2","page":239},{"text":"كما أنه جاء من غير حديث أبي سعيد.\nوهذا العمل من الترمذي موافق لما قرره في تعريف الحسن، ومنطبق تمام الانطباق لتنظيره للحسن، وهو دليل من الأدلة الكثيرة على أن الحسن عنده هو الخبر الذي فيه ضعف ولكن ليس بالشديد.\nوقد قال الترمذي في \"العلل الصغير\" (^١): (وكذلك من تكلم من أهل العلم في مجالد بن سعيد، وعبد الله بن لَهيعة، وغيرهما، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم وكثرة خطئهم، وقد روى عنهم غير واحد من الأئمة، فإذا تفرد أحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه؛ لم يحتج به).\n\n<span data-type='title' id=toc-97>ومن الأحاديث التي أخرجها لمجالد:</span>\nقال الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جرير قال: قال النبي ﷺ: \"إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنّكم إلا عن رضا\".\nحدثنا أبو عمار، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن داود، عن الشعبي، عن جرير، عن النبي ﷺ بنحوه.\nقال أبو عيسى: حديث داود، عن الشعبي أصح من حديث مجالد، وقد ضعف مجالدا بعضُ أهل العلم، وهو كثير الغلط) (^٢).\nوقال الترمذي: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد الأيامي، قال: حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر ابن عبدا لله، وعن الحارث، عن علي قالا: إن رسول الله ﷺ لعن المحلّ والمحلّل له.\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٦٥٢ - ٦٥٣).","vol":"2","page":240},{"text":"وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث عليّ وجابر حديث معلول، هكذا روى أشعث ابن عبد الرحمن، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن الحارث، عن علي. وعامر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ.\nوهذا حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل العلم؛ منهم أحمد بن حنبل.\nوروى عبد الله بن نمير هذا الحديث، عن مجالد، عن عامر، عن جابر ابن عبد الله، عن علي، وهذا قد وهم فيه ابن نمير، والحديث الأول أصح، وقد رواه مغيرة وابن أبي خالد وغير واحد، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي) (^١).\nقلت: ضعف أبو عيسى طريق مجالد عن الشعبي عن جابر، وقال: إنه معلول، وإسناده ليس بالقائم.\nوأما ما رواه مجالد، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي؛ فلم يحكم عليه بالضعف؛ لأن مجالدا قد توبع كما بين هو، وإن كان هذا الإسناد أيضا لا يحتج به عنده؛ لأنَّه يرى ضعف الحارث.\nوهذا يؤكد ما تقدم تقريره.\nوقال الترمذي: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"لا تلجوا على المغيّبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم\"، قلنا: ومنك؟ قال: \"ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١١٥٣).","vol":"2","page":241},{"text":"وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه) (^١).\nقلت: هذا الخبر لم يحسنه؛ لأنَّه مما تفرد به مجالد من الوجه الذي رواه، وإن كان جاء من وجه آخر صحيح.\nفقد أخرجه مسلم (^٢) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الجن\" قالوا: وإياك؟ يا رسول الله قال: \"وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير\".\nوأخرج كذلك (^٣) من حديث عائشة ﵂، وفيه: فقال رسول الله ﷺ: \"أقد جاءك شيطانك؟ \" قالت: يا رسول الله، أوَ معي شيطان؟ قال: \"نعم\" قلت: ومع كل إنسان؟ قال: \"نعم\" قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: \"نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم\".\nوقال الترمذي: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يدري كثير من الناس أمِن الحلال هي أم من الحرام، فمن تركها استبراء لدينه وعرضه فقد سلم، ومن واقع شيئا منها، يوشك أن يواقع الحرام، كما أنه من يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك سمى، ألا وإن سمى الله محارمه\".\nحدثنا هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ نحوه بمعناه.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١٢١٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٨١٤).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٨١٥).","vol":"2","page":242},{"text":"هذا حديث حسن صحيح، قد رواه غير واحد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير) (^١).\nقلت: تصحيح أبي عيسى لهذا الخبر إنما هو لطريق ابن أبي زائدة، ومن تابعه من الثقات كما نص على ذلك.\nوقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن الشعبي، قال: أخبرنا عدي بن حاتم، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قال لي النبي ﷺ: \"إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ مثل ذلك.\nحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصوم فقال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال: فأخذت عقالين أحدهما أبيض والآخر أسود، فجعلت أنظر إليهما، فقال لي رسول الله ﷺ شيئا لم يحفظه سفيان، فقال: \"إنما هو الليل والنهار\".\nهذا حديث حسن صحيح) (^٢).\nقلت: اختلفت نسخ الترمذي، والأقرب أنه حسنه فقط ولم يصححه؛ لأن هذا هو الموافق لمنهجه، إذ بين في أكثر من موضع تضعيف مجالد.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢٥٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٢٢٦ - ٣٢٢٨)، وكذلك في طبعة الرسالة و\"تحفة الأحوذي\" (٨/ ٣١١)، وفي \"التحفة\" للمزي (٩٨٦٧): (حسن) حسب.","vol":"2","page":243},{"text":"وقال الترمذي: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي ﷺ: هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد، غلب أصحابك اليوم. قال: \"وبم غلبوا؟ \" قال: سألهم يهود: هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: \"فما قالوا؟ \" قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا. قال: \"أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون؟ فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا، لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، عَليَّ بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك\"، فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟ قال: \"هكذا وهكذا في مرة عشرة، وفي مرة تسعة\"، قالوا: نعم، قال لهم النبي ﷺ: \"ما تربة الجنة؟ \" قال: فسكتوا هنيهة، ثم قالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال رسول الله ﷺ: \"الخبز من الدرمك\".\nهذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد) (^١).\nوقال الترمذي: (حدثنا أبو كريب، وأبو سعيد الأشج، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: أقبل سعد، فقال النبي ﷺ: \"هذا خالي، فليرني امرؤ خاله\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مجالد) (^٢).\nقلت: اختلفت نسخ الترمذي، والترجيح في هذه الحالة بين اختلاف\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٣٦٣٨).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤١٠٤)، وهو كذلك في طبعة الرسالة (٤٠٨٥)، وفي \"التحفة\" للمزي (٢٣٥٢): (غريب) حسب.\nقلت: وأخرجه الحاكم (٦١١٣) من طريق علي بن سعيد الكندي، عن أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي به، وهذا خطأ، أخطأ فيه علي بن سعيد الكندي، والله أعلم.","vol":"2","page":244},{"text":"النسخ فيه بعض الصعوبة، لكن كأن الموافق لمنهجه أن يقول عن هذا الخبر: حسن غريب.\nوقال الترمذي: (حدثنا محمد بن عمر بن هياج الأسدي الكوفي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، قال: حدثنا عبيدة بن الأسود، عن مجالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد الفهري، رواه عن النبي ﷺ قال: \"بعثت في نفس الساعة، فسبقتها كما سبقت هذه هذه\". لأصبعيه؛ السبابة والوسطى.\nهذا حديث غريب من حديث المستورد بن شداد، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: وهذا الحديث ليس فيه من ينظر فيه سوى مجالد.\nولكن هذا المعنى جاء من وجه آخر كما ذكر أبو عيسى، فقد أخرج -عقب رواية مجالد هذه- من طريق أبي داود، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى، فما فضل إحداهما على الأخرى.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-98>أعود لذكر الأمثلة:</span>\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا قُرَّان بن تمام الأسدي، عن أبي فروة الرَّهاوي يزيد بن سنان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، قال: قيل: يا رسول الله: الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: \"أولاهما بالله\".\nهذا حديث حسن.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٣٧٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٣٧٤).","vol":"2","page":245},{"text":"قال محمد: أبو فروة الرهاوي مقارب الحديث، إلا أن ابنه محمد بن يزيد يروي عنه مناكير) (^١).\nقلت: أبو فروة الرهاوي يزيد بن سنان ضعّفه جمهور الحفاظ؛ وعلى رأسهم أحمد (^٢) ويحيى بن معين (^٣) وعلي بن المديني (^٤)، بل قال النَّسَائِي عنه: متروك الحديث (^٥)، وفي رواية: ليس بثقة (^٦)، ولم يقوه سوى البخاري (^٧) ومروان بن معاوية (^٨).\nوالذي يظهر لي أنه ضعيف كما قال الجمهور، وضعفه ظاهر، ولكن يكتب حديثه.\nوالذي يظهر أنه ليس بشديد الضعف عند الترمذي، ولهذا حسن خبره.\nفهذأ الخبر ينطبق عليه ما اشترطه في الحسن (^٩).\n٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن حميد الرازي والعباس بن محمد الدوري، قالا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٩٠٢).\n(^٢) \"مسائل ابن هانئ\" (٩/ ٢١٢، ٢٣٧، ٢٣٨)، \"الكامل\" لابن عدي (١٠/ ٦٩١).\n(^٣) \"التاريخ\" رواية ابن محرز (١/ ٧١)، رواية الدارمي (ص: ٢٣١)، رواية الدوري (٣/ ٤٢٢، ٤/ ٤١١).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٩/ ٢٦٦).\n(^٥) \"الضعفاء والمتروكين\" (ص: ٢٥٦).\n(^٦) \"تهذيب الكمال\" (٣٢/ ١٥٨).\n(^٧) \"جامع الترمذي\" (٢٩٠٢).\n(^٨) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٩/ ٢٦٦).\n(^٩) وقد جاء الخبر من طرق أخرى.","vol":"2","page":246},{"text":"قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن.\nوأبو مرحوم اسمه: عبد الرحيم بن ميمون) (^١).\nقلت: هذه السلسلة خرج بها أبو عيسى عدة أحاديث (^٢)، لم يصحح منها شيئا، وذلك لأنها ضعيفة؛ فأبو مرحوم مختلف فيه، وسهل بن معاذ قد تُكُلِّم فيه، وبالتالي لم تثبت صحبة معاذ؛ لأنَّه لم يرو عنه إلا ابنه هذا، بالإضافة إلى غرابة بعض المتون التي جاءت بهذه السلسلة.\nوهذا الحديث أخرجه أبو يعلى (^٣) عن أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، عن أبي عبد الرحمن المقرئ به. وقال أبو عبد الرحمن: (ليس هو بالمعروف عند الناس، ولم يزل الناس يحتبون).\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^٤) من طريق عبد الله بن يوسف، عن ابن لهيعة، عن زبّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة.\nقلت: زبّان ضعيف الحديث، مشهور الضعف.\nوفيه ابن لهيعة أيضا.\nوأخرجه ابن ماجه (^٥) عن محمد بن المصفّى، عن بقية، عن عبد الله ابن واقد، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة، يعني: والإمام يخطب.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٢١).\n(^٢) ينظر: (٢١٥٢، ٢٦٦٢، ٣٧٨١)، وقال عن حديث (٢٧٠٥): (هذا حديث منكر)؛ وهذا مما يؤيد عدم صحة هذه السلسلة.\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" (١١٣٤).\n(^٤) (٣٨٥).\n(^٥) (١٤٢٢).","vol":"2","page":247},{"text":"قلت: عبد الله بن واقد مجهول لا يعرف، من شيوخ بقية المجاهيل.\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن ابن مُحيِّصة أخي بني حارثة، عن أبيه، أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجّام، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: \"اعلفه ناضِحك، وأطعمه رقيقك\".\nوفي الباب: عن رافع بن خَديج، وأبي جُحيفة، وجابر، والسائب.\nحديث مُحيِّصة حديث حسن) (^١).\nقلت: النهي عن كسب الحجّام جاء في مسلم (^٢) من حديث رافع بن خَديج أنه ﷺ قال: \"كسب الحجام خبيث\".\nوقوله: \"اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك\"، روي عن مُحيِّصة من وجوه (^٣).\nوأخرجه أحمد (^٤) عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ سئل عن كسب الحجام، فقال: \"اعلفه ناضحك\".\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^٥) من طريق يزيد بن ربيعة، عن أبي\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٣٣١)، ووقع في بعض المطبوعات: (حسن صحيح)، والصواب: (حسن).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٥٦٨).\n(^٣) ينظر: \"مسند أحمد\" (٢٣٦٨٩، ٢٣٦٩٩).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (١٤٢٩٠، ١٥٠٧٩).\nوأخرجه العقيلي (٦/ ٣٠١) من طريق الهيثم بن الحسين العقيلي، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به. وقال: (ليس له من حديث الثوري أصل، ولا يتابع عليه، والحديث معروف من غير هذا الوجه بإسناد صالح).\n(^٥) (١٤٢٢).","vol":"2","page":248},{"text":"الأشعث، عن ثوبان، أنّ رسول الله ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجره، وقال: \"اعلفوه الناضح\".\nوالأمثلة على هذا كثيرة.\nوقد تبين مما تقدم: أن ما حسّنه الترمذي وأطلقه ولم يقيده بالغرابة: يُروى من غير وجه، وهذا هو الغالب، وأحيانا أخرى يحكم على الحديث بأنه حسن ويطلق؛ ولا يعرف إلا من هذا الوجه، ومثاله:\nقال الترمذي: (١٢٩٩ - حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: \"البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله\".\nهذا حديث حسن).\nقلت: \"ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله\"، لا أعرف أنه جاء إلا من هذا الوجه.\nوقال الترمذي: (٣٢٣ - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن محمد ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ، أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البجع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة.\nوفي الباب عن بريدة، وجابر، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن).\nقلت: أما النهي عن تناشد الأشعار، وعن البيع والشراء؛ فقد جاء من غير هذا الوجه، وأما النهي عن التحلق يوم الجمعة فلا أعرف أنه جاء إلا من هذا الوجه.","vol":"2","page":249},{"text":"قال الخطيب في \"الجامع\" (^١): (هذا الحديث يتفرد بروايته عمرو بن شعيب، ولم يتابعه أحمد عليه، وفي الاحتجاج به مقال).\nوأخرج الطبراني في \"الكبير\" (^٢) عن الوليد بن حماد، عن سليمان، عن بشر بن عون، عن بكار بن تميم، عن مكحول، عن واثلة قال: أمرنا رسول الله ﷺ ألا نتحلّق يوم الجمعة قبل خروج الإمام، وليقبلوا على القبلة، ولا يوم العيدين بعد الصلاة.\nقلت: هذا خبر موضوع بهذا الإسناد، ولا يمكن لأبي عيسى أن يقصد هذا الإسناد.\nقال أبو حاتم: (بكار وبشر مجهولان) (^٣).\nوقال ابن حبان: (بشر بن عون روى عن بكار بن تميم، عن مكحول، عن وائلة؛ نسخة فيها ستمائة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال) (^٤).\nوقال الترمذي: (١٣٢٠ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: \"على اليد ما أخذت حتى تؤدي\".\nقال قتادة: ثم نسي الحسن، فقال: فهو أمينك لا ضمان عليه، يعني: العارية.\nهذا حديث حسن).\n_________\n(^١) \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" (٢/ ٧٦).\n(^٢) (٢٢/ ٦٢ - ٦١).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٣٦٢، ٤٠٨).\n(^٤) \"المجروحين\" (١/ ٣٥٥).","vol":"2","page":250},{"text":"قلت: لم أقف عليه إلا من هذا الوجه.\nقال البزار: (هذا الحديث لا نعلم رواه إلا سمرة عن النبي ﷺ) (^١).\nنعم هناك أحاديث بمعناه، منها حديث صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا\"، فقلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة، أو عارية مؤداة؟ قال: \"بل عارية مؤداة\".\nأخرجه أبو داود والنسائي في \"الكبرى\" وأحمد (^٢).\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (١٠/ ٤٠٧).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٣٥٦٦)، \"السنن الكبرى للنسائي\" (٥٩٥٦)، \"مسند أحمد\" (١٧٩٥٠).","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>النوع الثاني الحسن الذي حكم عليه بالغرابة</span>\nوسوف يكون الكلام فيه على مسائل:\nالأولى: اشتهار أبي عيسى به.\nالثانية: الفرق بينه وبين الحسن المطلق.\nالثالثة: أنواع الغرابة.\nالرابعة: صوره في كتابه \"الجامع\".\nالخامسة: درجته من حيث القوة.\nالسادسة: أيهما أقوى عنده: \"الحسن\" أو \"الحسن الغريب\"؟\nأما المسألة الأولى، فقد أكثر أبو عيسى من استخدام هذا المصطلح في \"جامعه\" حتى اشتهر به، وأصبح علما عليه، إلا أنه لم يتفرد به كما هو معلوم (^١)، لكن لا أعلم أحدا أكثر استخداما له من أبي عيسى.\nوأما المسألة الثانية، فالفرق بين ما قال عنه: \"حسن غريب\" وبين ما قال عنه: \"حسن\"؛ هو الغرابة في الأول، وأما الثاني فهو الذي يروى من غير وجه كما نص على ذلك.\nوأما المسألة الثالثة، فهذه الغرابة إما مطلقة وإما نسبية، واما غرابةُ متنٍ أو غرابةُ إسنادٍ، كما يأتي التفصيل في ذلك.\nوأما المسألة الرابعة، فهذا المصطلح له ثلاث صور في \"الجامع\":\n_________\n(^١) ينظر مثلا: \"مسند البزار\" (١٤، ٢٣، ٥٨، ٢٨١) و\"كشف الأستار\" (٣٠٧٢)، \"سنن الدارقطني\" (٢٢٧٩)، \"مسند الفاروق\" لابن كثير (٣٥٦).","vol":"2","page":252},{"text":"الأولى: \"حسن غريب\".\nالثانية: \"غريب حسن\".\nالثالثة: \"حديث حسن لا يعرف إلا من هذا الوجه\".\nأما الصورة الأولى فأمثلتها كثيرة لا تحصى، وأما الصورة الثانية فمن أمثلتها:\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا مالك ابن إسماعيل، عن إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: \"غفرانك\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة.\nوأبو بردة بن أبي موسى اسمه: عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري، ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة) (^١).\nهكذا في الطبعة الحجرية والرسالة ودار التأصيل و\"شرح المباركفوري\"، وهو ظاهر كلام ابن سيد الناس في \"النفح الشذي\"، ووقع في بعض النسخ: حسن غريب، وهذا ما جاء في \"تحفة الأشراف\" (^٢).\nقلت: والراجح الأول؛ لأن هذا في أكثر النسخ.\n٢ - وقال ﵀: (حدثنا سلمة بن شبيب وعبد الله بن منير وأحمد بن إبراهيم الدورقي والحسن بن علي الحلواني وغير واحد، قالوا: حدثنا يزيد ابن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦).\n(^٢) ينظر: \"الجامع\" ط. الرسالة (٧)، \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٥٧)، \"النفح الشذي\" (١/ ٨٠)، \"تحفة الأشراف\" (١٧٦٩٤).","vol":"2","page":253},{"text":"بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.\nوزاد الحسن بن علي في حديثه: قال يزيد بن هارون: ولم يرو شريك عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث.\nقال: هذا حديث غريب حسن، لا نعرف أحدا رواه غير شريك) (^١).\nهكذا في طبعتي الرسالة والتأصيل والطبعة الحجرية و\"شرح المباركفوري\"، ووقع في بعض النسخ: حسن غريب.\nقلت: والأولى أرجح.\n٣ - وقال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى وأحمد بن إبراهيم ومحمود بن غيلان وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا محمد بن مسلم بن مهران، سمع جده، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن) (^٢).\nهكذا في الرسالة والتأصيل، ووقع في بعض النسخ: حسن غريب، منها النسخة الحجرية و\"شرح المباركفوري\" على الترمذي و\"تحفة الأشراف\" (^٣)، وأما في \"شرح العراقي\": غريب حسن، وقال: (جرت عادة المصنف أن يقدم الوصف بالحسن على الغرابة، وقدم هنا \"غريب\" على \"حسن\"، والظاهر أنه يقدم الوصف الغالب على الحديث؛ فإن غلب عليه الحسن قدّمه، وإن غلبت عليه الغرابة قدمها) (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٦٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤٣٢).\n(^٣) (٧٤٥٤).\n(^٤) بواسطة \"قوت المغتذي على جامع الترمذي\" للسيوطي (١/ ٢٣٢).","vol":"2","page":254},{"text":"قلت: وأنا أذهب لقول العراقي من تقديم الغرابة على الحسن هنا.\nومن الأمثلة على الصورة الثالثة؛ وهي التي لم ينصَّ فيها على كلمة (غريب)، وإنما ذكر ما يفيد ذلك -وهو قولُه: (لا يعرف إلا من هذا الوجه) -:\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رَمَقْتُ النبي ﷺ شهرا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nوفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد.\nوالمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضا) (^١).\n٢ - وقال ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا علي بن هاشم بن البَريد وأبو سعد الصغَاني، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طَرَفة، عن عَرْفجة بن أسعد قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية، فاتخذت أنفا من وَرِق، فأنتن علي، فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفا من ذهب.\nحدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا الربيع بن بدر، ومحمد بن يزيد الواسطي، عن أبي الأشهب نحوه.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤١٩).","vol":"2","page":255},{"text":"هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عبد الرحمن بن طَرَفة.\nوقد روى سَلْم بن زَرِير، عن عبد الرحمن بن طَرَفة نحو حديث أبي الأشهب) (^١).\n٣ - وقال ﵀: (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا يحيى بن عباد أبو عباد، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عبد الوهاب بن يحيى -من ولد عباد بن عبد الله بن الزبير-، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبًّا، فكان يعجل إليه لأنَّه أعجلها نضجا.\nهذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٢).\n٤ - وقال ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، قال: سألنا عليا عن صلاة رسول الله ﷺ من النهار؟ فقال: إنكم لا تطيقون ذاك، فقلنا: من أطاق ذاك منا، فقال: كان رسول الله ﷺ إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا، وصلى أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي، عن النبي ﷺ نحوه.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٨٨١ - ١٨٨٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٩٥٦)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١٦١٩٤): (حسن غريب).","vol":"2","page":256},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء روي في تطوع النبي ﷺ في النهار هذا.\nوروي عن ابن المبارك أنه كان يضعِّف هذا الحديث، وإنما ضعفه عندنا -والله أعلم- لأنَّه لا يروى مثل هذا عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي.\nوعاصم بن ضَمْرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث) (^١).\nقلت: الغرابة هنا فيما يظهر نسبية.\nوأما المسألة الخامسة، وهي درجة ما حكم عليه أبو عيسى بـ\"حسن غريب\" من حيث الصحة أو الضعف: فالأحاديث التي حكم عليها بذلك الأصل فيها: الضعف - وأعني عنده -، ولكن منها ما هو صحيح.\nفأما ما ضعّفه فمثاله:\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض\".\nوفي الباب: عن أبي الدرداء، وثوبان، وفَضالة بن عبيد.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظا.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٠٤، ٦٠٥).","vol":"2","page":257},{"text":"قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولا يصح إسناده) (^١).\nقلت: وإنما بدأت بهذا المثال لأنَّه نص على عدم صحة إسناده، مع تحسينه إياه.\n٢ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي فنهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون\" قال: فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئا فقال: \"لا والذي نفسي بيده، حتى تأطُروهم على الحق أطرا\".\nقال عبد الله بن عبد الرحمن: قال يزيد: وكان سفيان الثوري لا يقول فيه: عن عبد الله.\nهذا حديث حسن غريب.\nوقد روي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي ابن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ نحو هذا.\nوبعضهم يقول: عن أبي عبيدة، عن النبي ﷺ؛ مرسل.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه يقع\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٢٩).","vol":"2","page":258},{"text":"على الذنب فينهاه عنه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ \" فقرأ حتى بلغ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nقال: وكان نبي الله ﷺ متكئا فجلس، فقال: \"لا، حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرا\".\nحدثنا محمد بن بشار، قال: وحدثنا أبو داود الطيالسي -وأملاه عليَّ- قال: حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ مثله) (^١).\nوقد ذكر الترمذي - في أكثر من موضع - أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (^٢)، وبالتالي يكون إسناد هذا الخبر منقطعا.\n٣ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: عقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن بشاة، وقال: \"يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة\"، فوزناه، فكان وزنه درهما أو بعض درهم.\nهذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بمتصل؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب) (^٣).\n٤ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣١٥ - ٣٣١٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٧٩، ٣٦٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٦٠٩).","vol":"2","page":259},{"text":"عن عطاء بن السائب، عن أبي البَخْتري، أن جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي حاصروا قصرا من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم؟ قال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعو، فأتاهم سلمان، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، ترون العرب يطيعونني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، قال: ورَطَن إليهم بالفارسية، وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، قالوا: ما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم؟ قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال: انهدوا إليهم، قال: فنهدنا إليهم، ففتحنا ذلك القصر.\nوفي الباب: عن بريدة، والنعمان بن مقرن، وابن عمر، وابن عباس.\nوحديث سلمان حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن السائب.\nوسمعت محمدا يقول: أبو البَخْتري لم يدرك سلمان؛ لأنَّه لم يدرك عليا، وسلمان مات قبل علي) (^١).\nقلت: وعلى هذا يكون منقطعا.\n٥ - وقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف\".\nهذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وعيسى بن ميمون الأنصاري\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٤١).","vol":"2","page":260},{"text":"يضعف في الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح التفسير هو ثقة) (^١).\nفي \"تحفة الأحوذي\": (قوله: هذا حديث حسن غريب، كذا في النسخ الحاضرة، وأورد هذا الحديث ولي الدين في \"المشكاة\" وقال: رواه الترمذي وقال: حديث غريب، ولم يذكر لفظ حسن. وكذلك أورد الشوكاني هذا الحديث في \"النيل\" وقال: قال الترمذي: هذا حديث غريب، ولم يذكر هو أيضا لفظ حسن؛ فالظاهر أن النسخة التي كانت عند صاحب \"المشكاة\" وعند الشوكاني هي الصحيحة، ويدل على صحتها تضعيف الترمذي عيسى ابن ميمون أحد رواة هذا الحديث، وقد صرح الحافظ في \"الفتح\" بضعف هذا الحديث، والله تعالى أعلم) (^٢).\nوهذا ما نقله ابن الملقن في \"البدر المنير\" عن الترمذي، وقال: (وفي بعض النسخ: حسن. وفي هذا نظر) (^٣).\nوذكره البغوي معلقا في \"شرح السنة\"، وقال: (إسناد غريب) (^٤). ويؤيد هذا أن الترمذي ذكر حديثا في إسناده عيسى بن ميمون وقال: غريب (^٥).\nولكن لفظة: (حسن) جاءت في أكثر النسخ، سواء كانت لفظة (غريب) في الأول أو في الأخير، ويؤيد هذا ما جاء في \"تحفة الأشراف\" (^٦) ولم يذكر المزي اختلافا بين النسخ.\nوقد يقال -جمعا بين هذا الأقوال-: إن الترمذي قال أولا عن هذا الحديث: غريب، ثم قال: حسن، فقد يكون بعض من نقل كلامه اقتصر على الكلمة الأولى دون الثانية، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١١٢٠).\n(^٢) \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ١٧٨).\n(^٣) \"البدر المنير\" (٩/ ٦٤٣).\n(^٤) \"شرح السنة\" (٩/ ٤٧).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٤٠٢٣).\n(^٦) \"تحفة الأشراف\" (١٧٥٤٧).","vol":"2","page":261},{"text":"٦ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن خليفة أبو عبيد الله البصري، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن حجاج الصّوّاف، عن حَنَان، عن أبي عثمان النهدي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده؛ فإنه خرج من الجنة\".\nهذا حديث غريب حسن، ولا نعرف حنانا إلا في هذا الحديث.\nوأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مُلّ، وقد أدرك زمان النبي ﷺ، ولم يره ولم يسمع منه) (^١).\nوفي بعض النسخ: وهو حديث مرسل.\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٢): (غريب) حسب.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ومن أمثلة ما حكم عليه بـ\"حسن غريب\" ثم بين علته:</span>\n١ - قال الترمذي: (حدثنا محمد بن يحيى الأزدي البصري وأبو عمار وغير واحد، قالوا: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة\".\nهذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلا.\nوقد رواه حِبان بن علي العَنَزي، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ.\nورواه الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسل) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٠٢٣).\n(^٢) (١٨٩٧٥).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٦٥٠).","vol":"2","page":262},{"text":"قلت: بين أن الصواب في هذا الخبر الإرسال، وذلك لقوله: لا يسنده كبير أحد.\n٢ - وقال الترمذي: (حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها.\nهذا حديث حسن غريب.\nورواه الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).\nقلت: لا شك أن رواية الثوري هي الراجحة؛ لأنَّه أوثق من ابن إسحاق بكثير؛ فيكون الراجح في هذه الطريق الإرسال.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>ومن أمثلة ما حكم عليه بـ\"حسن غريب\" وحكم على أحد رواهُ إسناده بالضعف:</span>\n١ - قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخولاني، أنه سمع فَضالة بن عبيد، يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيّد الإيمان، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا\" ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته، فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النبي ﷺ. قال: \"ورجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن، أتاه سهم غَرْبٌ فقتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجل مومن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٩٤١).","vol":"2","page":263},{"text":"مؤمن أسرف على نفسه، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الرابعة\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن دينار.\nسمعت محمدا يقول: قد روى سعيد بن أبي أيوب هذا الحديث، عن عطاء بن دينار، عن أشياخ من خولان، ولم يذكر فيه: عن أبي يزيد.\nوقال: عطاء بن دينار ليس به بأس) (^١).\nقلت: الإسناد الأول فيه ابن لهيعة، وأبو عيسى يرى ضعفه، بل نقل عن المحدثين تضعيفه (^٢)، وقد خالفه في إسناد هذا الحديث سعيد بن أبي أيوب، ولا شك أن الصواب معه؛ فهو من الثقات الأثبات.\n٢ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: \"ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها، ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطي به\".\nهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ) (^٣).\nقلت: وهذا في إسناده ابن لهيعة، وهل حسنه لأنَّه يروى من غير وجه؟ هذا محتمل، ويحتمل أن حكمه حسن غريب إنما هو على طريق ابن لهيعة فقط، وقد عُلم أن أبا عيسى ممن يضعف ابن لهيعة.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٥١). وينظر: \"العلل الكبير\" (٥٠٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٧٥٩).","vol":"2","page":264},{"text":"٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، قال: حدثنا صالح المُرّي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: \"أبهذا أمِرتُم أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المُرّي، وصالح المري له غرائب ينفرد بها) (^١).\nهكذا في \"تحفة الأشراف\"، وفي طبعة التأصيل: (حسن)، وفي الرسالة: (غريب).\nوقال عن حديث آخر فيه صالح هذا: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح المُرّي، وصالح في حديثه غرائب لا يتابع عليها، وهو رجل صالح) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-102>وأما الأحاديث التي حكم عليها بـ\"حسن غريب\" وهي صحيحة (^٣) فمن أمثلتها:</span>\n١ - قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٢٨٠).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٤٣٣). وينظر \"العلل الكبير\" (ص: ٣٨٩).\n(^٣) ينظر: الفصل الثامن عشر من \"مصطلح الغريب\": أحاديث رويت بأسانيد ظاهرها الصحة، توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها.","vol":"2","page":265},{"text":"عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله\".\nوقد روى هذا الحديث ابن لهيعة عن بكير، فأخطأ فيه، وقال: عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ، وهو خطأ.\nوالصحيح حديث الليث بن سعد، إنما هو عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة بن نيار، عن النبي ﷺ.\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث بكير بن الأشج.\nوقد اختلف أهل العلم في التعزير، وأحسن شيء روي في التعزير هذا الحديث) (^١).\nهكذا في \"تحفة الأشراف\"، وفي طبعتي التأصيل والرسالة: غريب.\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد خرّجه الشيخان (^٢)، ووقع فيه اختلاف ليس بضار، ينظر كلام الدارقطني في \"العلل\" وابن حجر في \"الفتح\" (^٣).\nولا أدري لماذا لم يصححه، هل لأجل الاختلاف الذي وقع فيه، أم لأمر آخر؟ الله أعلم.\n٢ - وقال الترمذي: (حدثنا أبو هشام الرفاعي وزيد بن أخزم الطائي وإسحاق بن إبراهيم البصري، قالوا: حدثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي ﷺ نهى عن التبتل.\nوزاد زيد بن أخزم في حديثه: وقرأ قتادة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨].\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٥٤١)، ط الرسالة (١٥٣٠)، \"تحفة الأشراف\" (١١٧٢٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٨٤٨)، \"صحيح مسلم\" (١٧٠٨).\n(^٣) \"علل الدارقطني\" (٩٥٢)، \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٧).","vol":"2","page":266},{"text":"وفي الباب: عن سعد، وأنس بن مالك، وعائشة، وابن عباس.\nحديث سمرة حديث حسن غريب.\nوروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﷺ نحوه، ويقال: كلا الحديثين صحيح) (^١).\nقلت: قد صحح أبو عيسى عدة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة، ونقل في أكثر من موضع في كتابه عن البخاري عن علي بن المديني أن الحسن سمع من سمرة (^٢)، وأقره على ذلك، وقد يكون توقف في تصحيحه لأجل الاختلاف الذي وقع فيه، وإن كان يميل أبي أن كلا الطريقين محفوظ.\n٣ - وقال الترمذي: (حدثنا حسين بن مهدي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد\".\nحديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد إلا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن سفيان الثوري) (^٣).\nقلت: لم يصحِّح الترمذي هذا الحديث لغرابته من هذا الوجه، وقد صحَّ من حديث يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١١١٤).\n(^٢) ينظر: (ص: ١٤٨) من هذا المجلد.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٣٨٣).","vol":"2","page":267},{"text":"عن أبي سلمة به (^١)، وعلقه البخاري عن عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله ابن أبي بكر، عن أبي سلمة مرسلا (^٢).\nقلت: ولا شك أن الوصل صحيح.\n٤ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب، قالا: حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة\".\nحديث جابر حديث حسن، غريب من حديث محمد بن المنكدر، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة) (^٣).\nقلت: هذا الخبر لم يصححه المصنف من أجل تفرد شعيب به، وقد خرجه البخاري (^٤).\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام اليمنى يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه.\nقال: وفي الباب: عن عبد الله بن الزبير، ونمير الخزاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حُجْر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٣٥٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢١١).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٦١٤، ٤٧١٩).","vol":"2","page":268},{"text":"قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد أخرجه مسلم (^٢)، ولعل توقف المصنف في تصحيحه من أجل غرابته.\n٦ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء، قال: قال الحسن بن علي ﵄: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: \"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحَوْراء السعدي، واسمه رَبِيعة بن شَيْبان.\nولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئا أحسن من هذا) (^٣).\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد توبع أبو إسحاق عليه، فقد تابعه ابنه يونس وشعبة بن الحجاج (^٤)، ولكن ليس في روايته -أي شعبة- ذكر القنوت أو الوتر، وإنما فيها: كان يعلمنا هذا الدعاء: \"اللهم اهدني فيمن هديت … \" الحديث، وقد رجَّح أبو بكر ابن خزيمة رواية شعبة على رواية أبي إسحاق، وقال: (وأبو إسحاق لا يُعلم أَسمِع هذا الخبر من بريد أو دلّسه عنه).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٩٦)، وفي \"تحفة الأشراف\" (٨١٢٨): (غريب).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٤٦٨).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (١٧٢٣)، \"صحيح ابن خزيمة\" (١٠٩٥، ١٠٩٦)، \"صحيح ابن حبان\" (٩٤٥).","vol":"2","page":269},{"text":"فتبين أن هذا الخبر صحيح - إلا في اللفظة التي وقع فيها اختلاف وهي (القنوت والوتر) -، بل إن ابن دقيق العيد قال في \"الإلمام\": (وهو مما أُلزم الشيخان تخريجه) (^١).\nوقد أخرج الترمذي حديثًا بنفس الإسناد ولكن من طريق شعبة عن بريد به: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك … \"، وقال: صحيح (^٢).\nفلعل توقفه في تصحيح الحديث الذي معنا من أجل الاختلاف الذي وقع فيه، أو للغرابة، كما أشار إلى ذلك في حكمه عليه.\n٧ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان، عن داود بن شابور وبشير أبي إسماعيل، عن مجاهد، أن عبد الله ابن عمرو ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\".\nهذا حديث حن غريب من هذا الوجه.\nوقد روي هذا الحديث عن مجاهد، عن عائشة، وأبي هريرة أيضا، عن النبي ﷺ أيضا) (^٣).\nقلت: رجاله كلهم ثقات، وظاهر إسناده الصحة، ولعله توقف في تصحيحه لأنَّه روي أيضا عن مجاهد، عن عائشة وأبي هريرة، فيكون عدم تصحيحه بسبب الاختلاف الذي وقع فيه (^٤)، أو لغرابته.\n٨ - وقال الترمذي: (حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا معْن، قال: حدثنا\n_________\n(^١) \"الإلمام بأحاديث الأحكام\" (ص: ١١٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٧٠٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٠٦٨).\n(^٤) ينظر: \"علل الدارقطني\" (٣٦٨٩).","vol":"2","page":270},{"text":"مالك بن أنس، عن الفضيل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن نيار الأسلمي، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ خرج إلى بدر، حتى إذا كان بحرَّة الوَبَر لحقه رجل من المشركين يذكر منه جرأة ونجدة، فقال النبي ﷺ: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \" قال: لا، قال: \"ارجع، فلن أستعين بمشرك\". وفي الحديث كلام أكثر من هذا.\nهذا حديث حسن غريب) (^١).\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد خرجه مسلم (^٢)، ولعله أيضًا لم يصححه من أجل غرابته.\n٩ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سمعت أبي -بحضرة العدو- يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف\"، فقال رجل من القوم رث الهيئة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ يذكره؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه، قال: أقرأ عليكم السلام، وكسر جفن سيفه، فضرب به حتى قتل.\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان الضبعي) (^٣).\nقلت: وهذا قد خرّجه مسلم أيضا (^٤)، وأبو عيسى قد صحَّح لجعفر بن سليمان بعض الأحاديث (^٥)، وبعضها لم يصححها وهي كثيرة (^٦)، فهذا منها.\n١٠ - وقال الترمذي: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال:\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٥٤).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٨١٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٠٦٨).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (١٩٠٢).\n(^٥) ينظر: (١٦٧٨، ٢١٤٦، ٣٩٦٥).\n(^٦) ينظر: (٧٠٥، ٣٧٦٥، ٤٢١٠).","vol":"2","page":271},{"text":"حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم أصبح من الغد فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمّها، فقال رسول الله ﷺ: \"المؤمن يشرب في معي واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^١).\nوفي بعض النسخ زيادة: (غريب من حديث سهيل).\nقلت: وهذا حديثٌ صحيحٌ، قد أخرجه مسلم (^٢)، وهذا لعله أيضا من أجل الغرابة.\n١١ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي يقال له: جَهْجاه\".\nهذا حديث حسن غريب) (^٣).\nأخرجه مسلم (^٤) عن محمد بن بشار به.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٩٣٥)، هكذا في \"التحفة\" (١٢٧٣٩) و\"تحفة الأحوذي\" (٥/ ٥٦٣) والطبعة الحجرية التي مع \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ٨٨) وطبعة الرسالة (٣/ ٥٨٨): (حسن غريب). وفي طبعتي التأصيل والصّديق (١٨١٩): (حسن صحيح غريب).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٠٦٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٣٩٢).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٩١١).","vol":"2","page":272},{"text":"قلت: وقد توبع أبو بكر الحنفي، قال أبو عوانة: (حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قلت لأبي أسامة: أحدثكم عبد الحميد بن جعفر عنه بهذا؟ فأقر به، وقال نعم) (^١).\nقلت: عمر بن الحكم ثقة؛ فقد وثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، واستشهد به البخاري في \"الصحيح\" وخرج له في \"الأدب المفرد\" (^٢)، ولم يتكلم فيه أحد فيما أعلم.\nوأما عبد الحميد بن جعفر فقد وثقه الجمهور، وتكلم فيه سفيان الثوري من أجل القدر، وقال النَّسَائِي مرّة: ليس به بأس، وقال في أخرى: ليس بالقوي. وقال الساجي: إنما ضُعّف من أجل القدر.\nقلت: ولا يخفى أن هذا لا يؤثر في ضبطه، فالراجح أنه ثقة كما قال الجمهور.\nوالذي يظهر أن الترمذي إنما لم يصححه من أجل غرابته.\nوأما ما جاء في \"المراسيل\" لابن أبي حاتم قال: (قال أبي: عبد الحميد بن جعفر عن عمر مرسل) (^٣).\nقلت: الظاهر أنه يقصد عمر بن الحكم.\nوالجواب عن ذلك: أنه صرح بالسماع منه في هذا الحديث كما عند مسلم، ولذا قال أبو مسعود الدمشقي: (عبد الحميد سمع من عمر بن الحكم \"لا تذهب الأيام والليالي\") (^٤).\nوقال مسلم: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الله بن حمران، عن\n_________\n(^١) \"مستخرج أبي عوانة\" (١٦٣٢).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٣١٠).\n(^٣) (٢٢٨).\n(^٤) \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ٢٨٨).","vol":"2","page":273},{"text":"عبد الحميد بن جعفر، أخبرني أبي جعفر، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ، بمثل حديث هشام بن عروة) (^١) يعني حديث \"إن الله لا يقبض العلم\".\nولعلَّ هذا ما جعل أبا حاتم الرازي يقول عن عبد الحميد بن جعفر: لم يسمع من عمر بن الحكم، وأنا أذهب لقول أبي مسعود الدمشقي، ولكن هل يذهب أبو عيسى الترمذي لهذا أو لعدم سماعه؟ الله تعالى أعلم.\n١٢ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كفّ واحد، فعل ذلك ثلاثا.\nوفي الباب عن عبد الله بن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن غريب، وقد روى مالك، وابن عيينة، وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا هذا الحرف: أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) (^٢).\nقلت: ظاهر كلام أبي عيسى أنه يقوي زيادة (من كف واحد)، وذلك لقوله عن خالد: ثقة حافظ، وقد خرّجها البخاري ومسلم (^٣)، كما أن خالدا توبع عليها.\n١٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٦٧٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٩١)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٥). وينظر بقية الكلام على الحديث في المثال الأول من الفصل الثامن عشر من مصطلح الغريب.","vol":"2","page":274},{"text":"عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير ابن نفير، عن أبيه جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، قال: كنا مع النبي ﷺ، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: \"هذا أوان يُختلس العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء\".\nفقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنَقرأنه ولنُقرئنه نساءنا وأبناءنا.\nفقال: \"ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعُدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ \"\nقال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدّثنّك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا.\nهذا حديث حسن غريب.\nومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدا تكلم فيه غير يحيى بن سعيد القطان.\nوقد روي عن معاوية بن صالح نحو هذا.\nوروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ).\nقلت: فظاهر كلامه أنه يقوي هذا الخبر، وذلك أنه ردَّ جرح يحيى بن سعيد القطان لمعاوية بن صالح، وأما باقي رجال الإسناد فثقاتٌ، نعم عبد الله بن صالح تُكلم فيه بعض الشيء، مع أن الراوي عنه هنا من كبار الحفاظ وهو عبد الله الدارمي، وقد قال ابن حجر: (إن رواية كبار الحفاظ عنه قوية).","vol":"2","page":275},{"text":"مع أن عبد الله بن صالح قد توبع على هذا الخبر، كما قال أبو عيسى: (قد روي عن معاوية بن صالح نحو هذا). وإن كنت لم أقف على هذه المتابعة.\nإلا أن يكون توقُّف أبي عيسى في تصحيح الحديث من أجل الاختلاف الذي وقع فيه: هل هو من حديث أبي الدرداء أو من حديث عوف بن مالك؟ وسواء أكان هذا أو ذاك فهذا لا يضر؛ لأن جبير بن نفير قد سمع من أبي الدرداء كما سمع من عوف بن مالك.\nوقد يكون روى هذا الخبر عنهما جميعا كما ذهب إلى هذا أبو عبد الله الحاكم، فقال -بعد أن ساقه من الوجه الذي ساقه أبو عيسى-: (هذا إسناد صحيح من حديث المصريين، وفيه شاهد رابع على صحة الحديث، وهو عبادة بن الصامت، ولعل متوهّما يتوهم أن جبير بن نفير رواه مرّة عن عوف ابن مالك الأشجعي ومرّة عن أبي الدرداء، فيصير به الحديث معلولا، وليس كذلك، فإن رواهُ الإسنادين جميعا ثقات، وجبير بن نفير الحضرمي من أكابر تابعي الشام، فإذا صح الحديث عنه بالإسنادين جميعا فقد ظهر أنه سمعه من الصحابيين جميعا، والدليل الواضح على ما ذكرته أن الحديث قد روي بإسناد صحيح، عن زياد بن لبيد الأنصاري، الذي ذكر مراجعة رسول الله ﷺ في الحديثين).\nوالخلاصة أن أبا عيسى يقوي هذا الخبر كما هو ظاهر كلامه، وهو خبر صحيح، فقد جاء من أكثر من وجه كما تقدم، والعلم عند الله.\n١٤ - وقال الترمذي: (حدثنا نصر بن علي الجَهضمي، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا شعيب بن رُزيق أبو شيبة، قال: حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله\".","vol":"2","page":276},{"text":"حديث ابن عباس حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب ابن رُزيق) (^١).\nوقال في \"العلل\" (^٢): (سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: شعيب ابن رُزيق مقارب الحديث، ولكن الشأن في عطاء الخراساني، ما أعرف لمالك بن أنس رجلا يروي عنه مالك يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني.\nقلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة …).\nثم قال أبو عيسى: (وعطاء الخراساني رجل ثقة، روى عنه الثقات من الأئمة؛ مثل مالك ومعمر وغيرهما، ولم أسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه بشيء).\nوأخرج الترمذي لعطاء الخراساني حديثا آخر من طريق قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن معمر، عن عمار، أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام، أن يتوضأ وضوءه للصلاة. وقال: حسن صحيح (^٣).\nقلت: عطاء الخراساني ثقة عند أبي عيسى كما تقدم في كلامه، فلماذا إذًا توقف في تصحيح هذا الخبر؟ لعله لأجل تفرّدُ شعيب بن رُزيق به.\n* * *\nتبين مما تقدم أن أبا عيسى قد حكم على أحاديث بـ\"حسن غريب\" ثم بين ضعفها؛ إما بانقطاع بإسنادها، أو بضعف ببعض رواتها، أو بعلةٍ فيها.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٤٦).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٢٧١ - ٢٧٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٦١٧).","vol":"2","page":277},{"text":"كما أنه حكم بالحكم نفسه على أحاديث هي صحيحة، ولم يصححها: إما لتفردٍ وقع بإسنادها، أو اختلافٍ فيها، والذي يظهر أن بعض هذه الأحاديث يرى أبو عيسى قوتها، وقد تقدم شيء من ذلك.\nوبناء على ما تقدم - وهي المسألة السادسة -، أيهما أقوى عنده: ما حكم عليه بـ\"حسن\" أو بـ\"حسن غريب\"؟\nكنت أقول فيما سبق: إن الأول هو الأقوى، وهو الحسن المطلق؛ وذلك لمجيئه من غير وجه، كما نص على ذلك أبو عيسى، وهذا من حيث الجملة دون التفصيل، وأما من حيث التفصيل، فلا يخفى أن بعض الأحاديث التي حكم عليها بحسن غريب أقوى من الأحاديث التي حكم عليها بحسن فقط.\nثم حصل لي توقف بين \"الحسن\" المطلق و\"الغريب\" من حيث القوة، وهذا من حيث العموم؛ وذلك أني قد وجدته حكم على عدة أحاديث بحسن غريب وهي صحيحة، وقد تقدم ذلك.\nوالله أسأل أن يفتح عليَّ بالصواب، فبِه تعالى التوفيق.","vol":"2","page":278},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>النوع الثالث الحسن الذي فيه ضعف، ولكنه لم يبين ضعفه، وسكت عن ذلك، واكتفى بتحسينه</span>\n<span data-type='title' id=toc-104>ومن أمثلته:</span>\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله، إنا نمرُّ بقوم فلا هم يضيفونا، ولا هم يؤدّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أبوا إلا أن تأخذوا كَرها فخذوا\".\nهذا حديث حسن.\nوقد رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أيضا) (^١).\nقلت: هذا الحديث حسنه المصنف، وهذا التحسين إنما هو للإسناد الأول، ولو كان لكلا الإسنادين لحكم بصحته؛ لأن اللّيث إمام متفق على جلالته وثقته، فعندما لم يحكم بصحته علمنا أنه للإسناد الأول الذي من طريق ابن لَهيعة، والمصنف ممن يرى ضعف ابن لَهيعة كما بين ذلك في أكثر من موضع في كتابه \"الجامع\"، وهو مذهب جل النقاد؛ كما قال أبو عيسى: (ضعفه أهل الحديث) (^٢).\n٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن طريف الكوفي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش والشيباني، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ: \"أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٩٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١/ ٢٨٠).","vol":"2","page":279},{"text":"هذا حديث حسن.\nويروى عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ له هذا الحديث.\nوليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم.\nوقد روي هذا الحديث عن عبد الله بن عكيم أنه قال: أتانا كتاب النبي ﷺ قبل وفاته بشهرين.\nسمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي ﷺ، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة) (^١).\nقلت: هذ الحديث حسّنه المصنف، وهو لا يصحّ عنده، والدليل على هذا: كلامه بعد حكمه عليه بالتحسين: فذكر أن العمل ليس عليه، ثم ذكر الاختلاف فيه، ثم ذكر كلام الإمام أحمد وتركَه للعمل بهذا الحديث بسبب الاضطراب الذي وقع فيه، وكل ذلك إشارات منه على أن هذا الحديث غير محفوظ عنده.\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ: \"من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب لم يتب الله عليه، وسقاه من الخبال\" قيل: يا أبا عبد الرحمن، وما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٨٣٨).","vol":"2","page":280},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوقد روي نحو هذا عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس، عن النبي ﷺ) (^١).\nقلت: هذا الحديث إنما حسّنه من أجل أن جريرا سمع من عطاء بعدما تغير.\nمع أنه في بعض الأحيان يصحح أحاديث من روى عن عطاء بعد التغير، وهذا فيما استقام منها ولم يُنكر، ولا يخفى أنه ليس كل حديث رواه عطاء بعد التغير يكون خطأ.\nهذا وقد تُكلم في سماع عبد الله بن عبيد بن عمير من أبيه (^٢).\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: أخبرنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يعلّم أصحابه، يقول: \"إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك المصير، وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور\".\nهذا حديث حسن) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٩٨٣).\n(^٢) ذكر البخاري في \"التاريخ\" (٥/ ٤٥٥) عن علي بن المديني قال: (حكى ابن جريج أن عبد الله بن عبيد لم يسمع من أبيه شيئا، ولا يذكره).\nوسئل ابن معين عن سماعه من أبيه فقال: (قالوا: إنه لم يسمع من أبيه في بعض حديثه). \"سؤالات ابن محرز\" (٦٥٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٧٠٩).","vol":"2","page":281},{"text":"قلت: عبد الله بن جعفر هو: ابن نجيح، والد علي بن المديني، وقد ضعّفه أبو عيسى من قبل، فقال: (وعبد الله بن جعفر يضعّف، ضعفه يحيى بن معين وغيره، وهو والد علي بن المديني) (^١).\nولكن قد جاء هذا الحديث من طرق متعددة عن سهيل به (^٢)، كما أن سهيلا تابعه عبد العزيز بن رفيع (^٣)، فهو حديث صحيح.\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن خداش البغدادي، قال: حدثنا سيف بن محمد الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] قال: \"الدقل والفارسي، والحلو والحامض\".\nهذا حديث حسن غريب.\nوقد رواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش … نحو هذا.\nوسيف بن محمد هو: أخو عمار بن محمد، وعمار أثبت منه، وهو ابن أخت سفيان الثوري) (^٤).\nقلت: وسيف قال عنه أحمد: لا يكتب حديثه، ليس بشيء، كان يضع الحديث (^٥).\nوقال يحيى بن معين: كان ها هنا شيخا كذابا خبيثا (^٦).\n_________\n(^١) (٣٥٧٥)، وينظر أيضا: (٣٦١٦، ٤١١٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٠٦٨)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (٨)، وابن ماجه (٣٨٦٨)، والبيهقي في \"الدعوات\" (٢٥)، من طرق عن سهيل به.\n(^٣) أخرجه ابن السني في \"اليوم والليلة\" (٥١).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٤٠١).\n(^٥) \"العلل\" لأحمد، رواية عبد الله (١/ ٢٤٥).\n(^٦) \"التاريخ\" رواية الدارمي (ص: ١١٨).","vol":"2","page":282},{"text":"وقال البخاري: ذاهب الحديث (^١).\nوأما حديث زيد بن أنيسة: فأخرجه البزار (^٢) والعقيلي (^٣) وابن عدي (^٤)، من طريق سليمان بن عبيد الله أبو أيوب الرقِّي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي صالح به.\nقال البزار: (لا نعلم حدث به إلا سليمان [أبو] أيوب، عن عبيد الله بن عمرو).\nوقال العقيلي: (وهذا الحديث إنما يعرف بسيف بن محمد، وسيف متروك)، ثم أخرج رواية سيف، ثم قال: (وأما عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، فلم يأت به غير سليمان هذا)، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس نحوه موقوفًا، وقال العقيلي: (هذا أولى من حديث الأعمش).\nوقال ابن عدي: (ولا أعلم رواه عن الأعمش غير زيد بن أبي أنيسة -من رواية عبيد الله بن عمرو عنه-، وسيف بن محمد، عن الأعمش).\nوقال أبو حاتم الرازي في \"العلل\" (^٥): (حدّث سليمان بهذا الحديث\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" للترمذي (٥١٣)، وهو في بعض نسخ \"جامع الترمذي\" كما في هامش طبعة التأصيل (١٨٣٥).\n(^٢) (٩٢٢٥)، وقد أخرج قبله رواية سيف بن محمد، وقال: (وهذا الكلام لا نعلم رواه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، إلا سيف بن محمد، وليس بالقوي).\n(^٣) (٣/ ٣٩).\n(^٤) (٦/ ١٤)، وقد أخرج قبله رواية سيف بن محمد.\n(^٥) (١٧٣٤).","vol":"2","page":283},{"text":"وأنا بالكوفة، فلم يقض لي السماع منه، ثم رجع عنه، فقال: حدثنا به سيف بن محمد بن أخت سفيان -أخو عمار-، هو سيف ضعيف الحديث).\nقلت: وهذا الإسناد رجاله ثقات، ولكنه غريب، فسلسلة الأعمش، عن أبي صالح، سلسلة مشهورة جدا، فأين أصحاب الأعمش عن هذا الخبر؟ وزيد وإن كان ثقة إلا أنه ليس من المشهورين بالرواية عن الأعمش والمكثرين عنه.\nوأخرج الحاكم (^١) - وصحّحه على شرط الشيخين - عن أبي بكر أحمد ابن سلمان الفقيه، عن هلال بن العلاء الرقي، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة به، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ بالنون.\nقلت: والد هلال بن العلاء، هو العلاء بن هلال بن عمر الباهلي أبو محمد الرقي، قال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، عنده عن يزيد بن زريع أحاديث موضوعة (^٢).\nوابنه هلال، قال أبو حاتم: صدوق (^٣).\nوقال النَّسَائِي: هلال بن العلاء بن هلال، لا بأس به، روى أحاديث منكرة عن أبيه، لا أدري الرّيب منه أو من أبيه (^٤).\nوقال مرة: صالح (^٥).\n_________\n(^١) (٢٩٨٥).\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٧٩).\n(^٤) \"المعجم المشتمل\" لابن عساكر (١١٢٤).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٦١ - ٣٦٢).","vol":"2","page":284},{"text":"٦ - وقال ﵀: (حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا ابن المبارك. ح وحدثنا سويد، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عقبة ابن عامر، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: \"املك عليك لسانك، وليَسَعْك بيتك، وابك على خطيئتك\".\nهذا حديث حسن) (^١).\nقلت: هذا الحديث إسناده واهٍ، وضَعْفُ هذه السلسلة مشهور، حتى قال أبو حاتم ابن حبان: (إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زَحْر وعلي ابن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن، لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة) (^٢).\nوقال ابن معين: (علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، هي ضعاف كلها).\nوقال أيضا: (عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد ضعيفة).\nوقال الجوزجاني: (رأيت غير واحد من الأئمة ينكر أحاديثه التي يرويها عنه عبيد الله بن زَحْر وابن أبي العاتكة).\nوقال أبو حاتم الرازي، وقد سئل: ما تقول في أحاديث علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة؟ فقال: (ليست بالقوية، هي ضعاف) (^٣).\nقلت: أما القاسم، فالراجح أنه صدوق.\nوأما علي بن يزيد، فيكاد يجمعون على ضعفه، حتى قال الساجي: (اتفق أهل العلم على ضعفه) (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٥٨٣).\n(^٢) \"المجروحين\" (٢/ ٢٩).\n(^٣) ينظر لما تقدم: \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ١٧٩ - ١٨١).\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٠٠).","vol":"2","page":285},{"text":"وأما عبيد الله بن زَحْر، فالجمهور على تضعيفه، وخالفهم بعض أهل العلم؛ منهم البخاري فوثقه (^١).\nوضَعْف هذه السلسلة لا يخفى على أبي عيسى، بل هو ممن نصَّ عليه، فقد أخرج من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي ابن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: \"من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته -أو قال: على يده-، فيسأله كيف هو، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة\".\nقال الترمذي: (هذا إسناد ليس بالقوي، قال محمد: وعبيد الله بن زَحْر ثقة، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم هو: ابن عبد الرحمن، يكنى: أبا عبد الرحمن وهو ثقة، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، والقاسم شامي) (^٢).\nوقال في موضع آخر: (وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي) (^٣).\nوقال أيضا: (القاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل) (^٤).\nقلت: تبين مما تقدم أن أبا عيسى يوثق القاسم، ويضعف علي بن يزيد.\nوأما عبيد الله بن زَحْر، فلم أقف على كلام له فيه لا بتضعيف ولا بتوثيق، ولكن روى له حديثين من غير طريق علي بن يزيد فحسّنهما ولم يصححهما، فالذي يظهر أنه يلينه ولا يحتج به:\n_________\n(^١) سيأتي قريبا من رواية الترمذي عنه.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٩٤٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٣٣٦).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٤٩٣).","vol":"2","page":286},{"text":"فقد أخرج من طريق سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زَحْر، عن أبي سعيد الرُّعيني، عن عبد الله بن مالك اليَحْصبي، عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختمرة، فقال النبي ﷺ: \"إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا\" الحديث.\nوقال: (هذا حديث حسن) (^١).\nوأخرج من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عمران، أن ابن عمر، قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: \"اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك\" الحديث.\nوقال: (هذا حديث حسن، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد ابن أبي عمران، عن نافع، عن ابن عمر) (^٢).\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن عطية، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوقد رواه ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر.\nحدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٣٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٨٢٩)، ووقع في بعض النسخ: (حسن غريب).","vol":"2","page":287},{"text":"يصل بعدها شيئا، والمغرب في الحضر والسفر لسواء ثلاث ركعات، فلا ينقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nسمعت محمدا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إلي من هذا) (^١).\nقلت: حسن الإسناد الأول والثاني، والظاهر من صنيعه هذا أنه يرى أن كل إسناد منهما لوحده حسن، والخبر الأول خبر منكر؛ فحجاج وعطية -وهو العوفي- كلاهما لا يحتج به، وهما مدلسان أيضا، فعدم السماع محتمل.\nوأما نكارة المتن، فالثابت عن ابن عمر أنه لم يكن يصلي الراتبة في السفر؛ لأن الرسول ﷺ لم يكن يفعل ذلك، كما خرجه المصنف في الباب الأول من أبواب السفر، فساقه من طريق (عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، لا يصلون قبلها ولا بعدها) (^٢).\nوفي البخاري (^٣) ومسلم (^٤)، من حديث حفص بن عاصم قال: سافر ابن عمر فقال: صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر، وقال الله جل ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nفتبيّن نكارة هذا الخبر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٥٩ - ٥٦٠)، وذكر قول البخاري في \"العلل الكبير\" (١٦٠)، وزاد: (لا أروي عنه شيئا).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٥٥٢)، وقال: (حسن غريب).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١١٠١).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٦٨٩).","vol":"2","page":288},{"text":"٨ - قال الترمذي ﵀: (باب ما جاء في نفقة المرأة من بيت زوجها.\nحدثنا هنّاد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: \"لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها\"، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟، قال: \"ذاك أفضل أموالنا\".\nوفي الباب: عن سعد بن أبي وقاص، وأسماء بنت أبي بكر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث أبي أمامة حديث حسن.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يحدث عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها به أجر، وللزوج مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا، له بما كسب، ولها بما أنفقت\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة، كان لها مثل أجره، لها ما نوت حسنا، وللخازن مثل ذلك\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوهذا أصح، من حديث عمرو بن مرة، عن أبي وائل، وعمرو بن مرة لا يذكر في حديثه: عن مسروق) (^١).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٧٥ - ٦٧٦ - ٦٧٧)، وهو موافق لما في طبعة الرسالة (٦٧٧). =","vol":"2","page":289},{"text":"قلت: يظهر من تصرف أبي عيسى أن كلا الخبرين الأول والثاني ضعيف عنده.\nأما الأول، فلمخالفته الأحاديث الصحيحة في مشروعية تصدق المرأة من مال زوجها دون إذنه، وأن لزوجها أجرًا في ذلك العمل، ولها أجر كذلك، حيث إنه ينهى عن ذلك البتة.\nهذا مع أنه من رواية إسماعيل بن عياش، وهو متكلم فيه، وإن كانت روايته هنا عن الشاميين وهي قوية، ولكن ذكر علي بن المديني أن له منكرات حتى عن الشاميين، قال عبد الله بن علي بن المديني: (ولسألته - يعني أباه - عن إسماعيل بن عياش، قلت: إن يحيى بن معين يقول: إنه ثقة فيما يروي عن أهل الشام، فأما ما روى عن غير أهل الشام، ففيه شيء. فضعفه فيما روى عن أهل الشام وغيرهم) (١).\nوأما الخبر الثاني، فبين المصنف أن الصواب فيه ذكر مسروق بين أبي وائل وعائشة.\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن المنذر الكوفي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا، إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا، إمام جائر\".\nوفي الباب: عن عبد الله بن أبي أوفى.\n_________\n= وفي \"تحفة الأشراف\" (١٦١٥٤) أن الترمذي قال عن روايتي عمرو بن مرة، ومنصور: (حسن صحيح)، وأن رواية منصور أصح.\nوالصحيح ما في النسخ الأخرى.","vol":"2","page":290},{"text":"حديث أبي سعيد حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: فيه عطية، ولا يخفى ضعفه وتدليسه عن أبي سعيد خاصة.\n١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ والحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"غدوة في سبيل الاه، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها\".\nهذا حديث حسن غريب) (^٢).\nقلت: حجاج لا يحتج به، والحكم لم يسمع من مقسم إلا أحاديث يسيرة ليس هذا منها (^٤).\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: \"ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها، ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطي به\".\nهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ) (^٥).\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (٣/ ١٧٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٣٨٦)، وكذلك في طبعة الرسالة (١٣٧٨)، وفي \"تحفة الأشراف\" (٤٢٢٨): (غريب) حسب.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٧٤٦).\n(^٤) ينظر: الحسن الذي بيّن انقطاعه رقم (١٦).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (١٧٥٩).","vol":"2","page":291},{"text":"هذا الخبر في إسناده ابن لَهيعة، وهو ضعيف عند المصنف، وقد نقل ذلك عن أهل الحديث كما في أول كتابه (^١)، وإن كان قد توبع على هذا الخبر، ولكن حكم المصنف على ذات الإسناد، بدليل قوله: (غريب من هذا الوجه)، ثم قال: (يروى من غير وجه).\n١٢ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة على كثبان المسك -أراه قال: يوم القيامة-: عبد أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أَمّ قوما وهم به راضون، ورجل ينادي [بالصلوات] الخمس في كل يوم وليلة\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سفيان.\nوأبو اليقظان اسمه: عثمان بن قيس) (^٢).\nقلت: الذي يظهر أيضا أن هذا الخبر ضعيف عنده؛ لأن في إسناده أبا اليقظان، وكل الحفاظ -فيما وقفت عليه- قد تكلموا فيه، ولذا قال أبو أحمد الحاكم: (ليس بالقوي عندهم)، وقال ابن عبد البر: (كلهم ضعفه) (^٣).\nوهو منكر الحديث، كما قال أحمد (^٤) والبخاري (^٥) وأبو حاتم (^٦) والجوزجاني (^٧).\nوهل يكتب حديثه؟ الذي أميل إليه أنه لا يكتب.\n_________\n(^١) (٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢١١٣).\n(^٣) ينظر: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٧٥).\n(^٤) المرجع نفسه.\n(^٥) المرجع نفسه.\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١٦١).\n(^٧) \"أحوال الرجال\" (٢٥).","vol":"2","page":292},{"text":"نعم؛ قال ابن عدي: (يكتب حديثه) (^١)، والجواب عن ذلك: أن ابن عدي كثيرا ما يستعمل هذا اللفظة، وينظر هل قال عن راو - بعد أن ضعّفه -: لا يكتب حديثه؟ لم يقل عن أحد - فيما أعلم - أنه لا يكتب حديثه، وأعني أن يصرح بذلك تصريحا لا لبس فيه.\nوقد سأل أبو عيسى شيخه البخاري عنه، فقال: (وسألت محمدا عن أبي اليقظان، فقال: شعبة يتكلم فيه، ولكن نحن نروي عنه) (^٢).\nقلت: وقول البخاري: (نحن نروي عنه)؛ يعني خارج \"الصحيح\"، وليس في الأحكام وإنما في الفضائل ونحوها، هذا إذا كان يعرف صحيح حديثه من سقيمه، وأما إذا كان لا يعرف ذلك فإنه لا يروي عنه، كما صرح بذلك عدة مرات (^٣).\nولا يخفى أيضا أن باب الرواية غيرُ الاحتجاج، والتحملَ غير الرواية، فعند التحمل يتوسعون في ذلك، وعند الرواية تضيق الدائرة أكثر، وعند الاحتجاج تضيق الدائرة أكثر وأكثر.\n١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن ثابت هو البناني، قال: حدثني أبي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا\" قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: \"حِلَق الذكر\".\nهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ثابت، عن أنس) (^٤).\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٨/ ٤٩).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٩١).\n(^٣) ينظر: \"الجامع\" (١/ ٤٩٣) و(٣/ ٥٢)، \"العلل الكبير\" (ص: ٣٨٩ - ٣٩٤) للترمذي.\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٨٣٩).","vol":"2","page":293},{"text":"قلت: محمد بن ثابت اتفقوا على ضعفه، إلا في رواية الدوري عن ابن معين قال: (هو صالح الحديث) (^١). وقال في رواية أخرى من طريق الدوري ومعاوية بن صالح: (ليس بشيء) (^٢). وقال في رواية ابن أبي خيثمة: (ليس بقوي، كان عفان يقول: محمد بن ثابت البناني رجل ضعيف الحديث) (^٣)؛ فتبين أن ابن معين يضعفه في أكثر الروايات عنه.\nوضعفه أيضا البخاري تضعيفا شديدا، فقال: (فيه نظر) (^٤). وقال الترمذي في \"علله الكبير\" (^٥) عن البخاري أيضا: (عنده عجائب).\nوقال أبو حاتم: (منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به) (^٦).\nوضعفه أبو داود (^٧) والنسائي (^٨)، والدارقطني (^٩)، وقال أبو زرعة: (لين) (^١٠). وقال يعقوب بن سفيان: (ليس بالقوي) (^١١). وقال ابن حبان: (لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه على قلته) (^١٢). وقال ابن عدي بعد أن روى له أحاديث: (وهذه الأحاديث مع غيرها مما لم أذكرها عامّتُها مما لا يتابع عليه) (^١٣). وقال الأزدي: (ساقط دامر) (^١٤). وقال الحاكم: (لا بأس\n_________\n(^١) رواية الدوري (٤/ ٢٧٦).\n(^٢) رواية الدوري (٤/ ١١٢)، و\"الضعفاء\" للعقيلى (٥/ ٣١٦).\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٧/ ٢١٧).\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" (١/ ٥٠).\n(^٥) (٥٨٤).\n(^٦) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٧/ ٢١٧).\n(^٧) \"سؤالات أبي عبيد الآجري\" (١/ ٣٦٣).\n(^٨) \"الضعفاء\" (٢١٣).\n(^٩) \"سؤالات السلمي\" (٣٢٤).\n(^١٠) \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٧/ ٢١٧).\n(^١١) \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٦٦٤).\n(^١٢) \"المجروحين\" (٢/ ٢٦١).\n(^١٣) \"الكامل\" (٩/ ٩٧).\n(^١٤) \"الضعفاء\" لابن الجوزي (٣/ ٤٥).","vol":"2","page":294},{"text":"به، فإنه لم يأت بحديث منكر، لكن الشيخين لم يخرّجاه، وهو عزيز الحديث؛ أسند خمسة عشر حديثا) (^١).\nقلت: وهذا لا يفيد كبير شيء؛ لأنَّه لا يلزم حتى يضعف أن يأتيَ بمتن منكر.\nوإنِّي لفي شكّ من الرواية التي نسبت للدوري عن ابن معين بأنه (صالح)؛ لما تقدم، فما ذكرها ابن أبي حاتم، ولا العقيلي، ولا ابن عدي، وإنما اقتصروا على التضعيف عن ابن معين.\nفتبين أن تحسين الترمذي ليس على ما اشتهر عند المتأخرين، وإنما هو تضعيف لهذا الحديث، خاصة أن ابن حبان وابن عدي قد ذكرا هذا الحديث في جملة ما يُستنكر عليه.\nومما يؤكد ما تقدم، وأن أبا عيسى لا يرى أن هذا الحديث محفوظ؛ أنه قد ذكره في \"علله الكبير\" مع حديثين آخرين لمحمد بن ثابت، وأنَّه سأل عنها البخاري فلم يعرفها، وقال: (لمحمد بن ثابت عجائب) (^٢).\nويؤيد ما تقدم أيضا، قول الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن محمد بن ثابت البناني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\".\nقال محمد بن علي: فقال لي جابر: يا محمد، من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة؟!\nهذا حديث غريب من هذا الوجه) (^٣).\n_________\n(^١) \"سؤالات السجزي للحاكم\" (ص: ٧٧).\n(^٢) (٥٨٢ - ٥٨٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٦١٩)، وفي طبعتي أحمد شاكر (٤/ ٦٢٥) وبشار (٤/ ٢٣٢) زيادة: (يستغرب من حديث جعفر بن محمد).","vol":"2","page":295},{"text":"قلت: قوله: (غريب)؛ يعني ضعيف عنده، ولو كان فيه بعض القوة لحسّنه.\n١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا الفضل ابن موسى، قال: حدثنا سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: \"سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة\"، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك، ثم أتاه يومَ الثالث فقال له مثل ذلك، قال: \"فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت\".\nهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنما نعرفه من حديث سلمة ابن وردان) (^١).\nقلت: سلمة بن وردان اتفقوا على تضعيفه، إلا ما جاء عن أحمد بن صالح فقد وثقه (^٢)، وأحمد بن صالح عنده شيء من التساهل، وقد بينت ذلك بالأدلة في أول \"الشرح\".\n١٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عقبة بن مكرم بصري، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: أخبرني سلمة بن وردان الليثي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ترك الكذب وهو باطل بني له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٨٤١)، وهو موافق لما في طبعة الرسالة (٦/ ١١٩)، وفي \"تحفة الأشراف\" (٨٦٩): (حسن) فقط.\n(^٢) \"تاريخ أسماء الثقات\" لابن شاهين (ص: ١٥١).","vol":"2","page":296},{"text":"هذا الحديث حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان، عن أنس) (^١).\n١٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري، قال: حدثني ابن أبي فديك، قال: أخبرني سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، أن رسول اللّه ﷺ قال لرجل من أصحابه: \"هل تزوجت يا فلان؟ \" قال: لا والله يا رسول اللّه، ولا عندي ما أتزوج، قال: \"أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ \" قال: بلى، قال: \"ثلث القرآن\"، قال: \"أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ \" قال: بلى، قال: \"ربع القرآن\" قال: \"أليس معك ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟ \" قالْ بلى، قال: \"ربع القرآن\" قال: \"أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟ \" قال: بلى، قال: \"ربع القرآن\" قال: \"تزوج، تزوج\".\nهذا حديث حسن) (^٢).\n١٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد اللّه بن أبي زياد، قال: حدثنا أبو نُباتة يونس بن يحيى بن نُباتة، قال: حدثنا سلمة بن وردان، عن أبي سعيد ابن أبي المعلى، عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة، قالا: قال رسول اللّه ﷺ: \"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة\".\nهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث علي، قد روي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ) (^٣).\n١٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثنا أبو يعقوب الثقفي، قال: حدثنا يونس بن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١٢٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣١٣٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٤٢٧٤)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١٠٣٢٧) وطبعة الرسالة (٦/ ٤١٤): حديث غريب من هذا الوجه).","vol":"2","page":297},{"text":"عبيد مولى محمد بن القاسم، قال: بعثني محمد بن القاسم إلى البراء بن عازب أسأله عن راية رسول اللّه ﷺ، فقال: كانت سوداء مربعة من نمرة.\nوفي الباب: عن علي، والحارث بن حسان، وابن عباس.\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة.\nوأبو يعقوب الثقفي اسمه: إسحاق بن إبراهيم، وروى عنه أيضا عبيد الله بن موسى) (^١).\nقلت: إسناده واهٍ؛ إسحاق بن إبراهيم منكر الحديث، قال ابن عدي في \"الكامل\": (إسحاق بن إبراهيم، أبو يعقوب الثقفي الكوفي، روى عنه الثقات بما لا يتابع عليه.\nأخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا عمار أبو ياسر، ثنا إسحاق بن إبراهيم الكوفي، ثنا أبو إسحاق الهمداني، عن أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ بعث إلى عثمان يستعينه في غزاة غزاها، قال: فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فوضعه بين يديه، قال: فجعل النبي ﷺ يقلبها بيديه، ويدعو له، ويقول: \"غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا\".\nقال الشيخ: وهذا الحديث بهذا الإسناد غير محفوظ.\nوروى عن إسحاق بن إبراهيم هذا: عبيد اللّه بن موسى، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسعيد بن سليمان الواسطي، وأحاديثه غير محفوظة) (^٢).\nقلت: هذا الحديث حديث منكر، وفيه زيادات لم تأت في اللفظ\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٨٧).\n(^٢) \"الكامل\" (٢/ ١٨١).","vol":"2","page":298},{"text":"المعروف لهذا الخبر، وهو \"ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم\"، ولذا عندما ذكره الذهبي في \"الميزان\" قال: (فهذا منكر، إنما أتاه بألف دينار) (^١).\nقلت: وهناك ألفاظ أخرى منكرة كما تقدم، نعم؛ قد جاءت هذه الألفاظ من أوجه أخرى، ولكنّها لا تصح، والعلة لا تبدو لي في إسحاق الثقفي، بل في الراوي عنه لأنه متهم بسرقة الحديث.\nوأما شيخه يونس فهو لا يُعرف، قال الزبير: (لا يُدرى من هو) (^٢).\nفتبين أن هذا الخبر منكر، خاصة أنه إسناد غريب فرد، كما قال أبو عيسى: (لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة). ولذا ذكره في \"العلل\" (^٣)، وقال: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وأبو يعقوب الثقفي اسمه: إسحاق بن إبراهيم الكوفي، روى عنه: ابن ابي زائدة، والحسن بن ثابت، وعبيد اللّه بن موسى).\nقلت: وهذا التحسين ليس على بابه، فالأئمة المتقدمون يطلقون الحسن ويقصدون به معانيَ متعددة، وهذا البحث يبين بعض ذلك، ويؤيد هذا ذكر أبي عيسى له في كتابه \"العلل\".\n٢٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا بكر بن يونس ابن بكير، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله ﵎ يطعمهم ويسقيهم\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^٤).\nقلت: هذا حديث باطل؛ بكر بن يونس منكر الحديث جدا، ولعله لا\n_________\n(^١) (١/ ١٨٦).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٧٢).\n(^٣) (٥٠٦).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢١٧٤).","vol":"2","page":299},{"text":"يكتب حديثه، قال أبو زرعة: (حدث عن موسى بحديثين منكرين، لم أجد لهما أصلا من حديث موسى) (^١). وقال أبو حاتم عن هذا الحديث: (باطل) (^٢).\nنعم، الترمذي لا يرى أن هذأ الحديث باطل، ولكنه يرى عدم صحته، فضعْفُه ظاهر، فهو جزما لا يقصد بالحسن هنا ما اصطلح عليه المتأخرون؛ وهو رواية الصدوق الذي خفّ ضبطه.\n٢١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل ابن عياش، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثْن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبي زور\".\nوفي الباب: عن أسماء بنت أبي بكر، وعائشة\nهذا حديث حسن غريب.\nومعنى قوله: \"ومن كتم فقد كفر\"؛ يقول: قد كفر تلك النعمة) (^٣).\nقلت: لم يصححه المصنف؛ لأنه من رواية إسماعيل عن المدنيين، وهي ضعيفة، وقد خولف؛ فرواه بشر بن المفضل -وهو أوثق بكثير من إسماعيل بن عياش- عن عمارة، عن رجل من قومه، عن جابر به.\nأخرجه أبو داود (^٤)، وهذا الرجل هو شرحبيل بن سعد، كما وقع في رواية يحيى بن أيوب، عن عمارة، عند أبي داود.\nوأظن أن أصله ما رواه أبو داود (^٥) من طريق الأعمش، عن أبي\n_________\n(^١) \"سؤالات البرذعي\" (٢/ ٦٨٤).\n(^٢) \"العلل\" لابن أبي حاتم (٥/ ٦٢٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢١٦٥).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (٤٧٣٢).\n(^٥) (٤٧٣٣).","vol":"2","page":300},{"text":"سفيان، عن جابر رفعه: \"من أُبلِي بلاء فذكره فقد شكره، فإن كتمه فقد كفره\".\n٢٢ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غَزية، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، عن قتادة بن النعمان، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء\".\nوفي الباب: عن صهيب، وأم المنذر.\nهذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن محمود بن لَبيد، عن النبي ﷺ مرسلا.\nحدثنا علي بن حُجر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، عن النبي ﷺ نحوه. ولم يذكر فيه: عن قتادة بن النعمان.\nوقتادة بن النعمان الظَفَري، هو: أخو أبي سعيد الخدري لأمه، ومحمود بن لَبيد قد رأى النبي ﷺ، وأدركه وهو غلام صغير) (^١).\nقلت: لا شك أن الإسناد الثاني -وهو الذي حكم أبو عيسى بإرساله- أصح من الإسناد الأول الذي حكم عليه بأنه (حسن غريب) (^٢)، وذلك أن علي بن حُجْر ثقة ثبت، وهو أوثق بكثير من الفروي المتكلم فيه، فدل هذا على أنه لا يريد بالحسن ما اصطلح عليه المتأخرون، وإنما يريد به تعليل الخبر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١٦٩ - ٢١٧٠).\n(^٢) ينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (١٨٢٠).","vol":"2","page":301},{"text":"مع ملاحظة أن الصواب ما بين إسماعيل بن جعفر وعاصم بن عمر: عمرو بن أبي عمرو، وليس عمارة بن غزية، كما في رواية الفروي.\n٢٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أم المنذر قالت: دخل علي رسول اللّه ﷺ ومعه علي ولنا دوال معلقة، قالت: فجعل رسول اللّه ﷺ يأكل، ومعه علي يأكل، فقال رسول اللّه ﷺ لعلي: \"مه مه يا علي، فإنك ناقه\"، قال: فجلس ﷺ علي والنبي يأكل، قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا، فقال النبي ﷺ: \"يا علي، مِن هذا فأصب، فإنه أوفق لك\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فليح بن سليمان، ويروى عن فليح بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر وأبو داود، قالا: حدثنا فليح بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أم المنذر الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ، … فذكر نحو حديث يونس بن محمد، عن فليح بن سليمان، إلا أنه قال: \"أنفع لك\".\nوقال محمد بن بشار: حدثنيه أيوب بن عبد الرحمن.\nهذا حديث جيد غريب) (^١).\nقلت: حكم على الإسناد الأول بقوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأما الثاني فقال: (هذا حديث جيد غريب).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١٦٧ - ٢١٦٨)، وفي نسخة المكتبة السليمانية: (جيد حسن غريب)، كما في هامش طبعتي التأصيل والرسالة (٤/ ١٢٨)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١٨٣٦٢) لم ينقل إلا حكما واحدا على الإسنادين، وهو (حسن غريب).","vol":"2","page":302},{"text":"قلت: الوجه الثاني عن فليح هو الصحيح، ولذا غاير المصنف بين الحكمين.\nوقد أخرجه أحمد (^١) عن يونس هو ابن محمد، وعن سريج هو ابن النعمان (^٢)، والطبراني في \"الكبير\" (^٣) من طريق محمد بن سنان العوقي، وغيرهم، كلهم عن فليح عن أيوب به (^٤).\nوقد ساق الترمذي أحاديث من طريق الحارث الأعور؛ منها ما حسنها (^٥)، ومنها ما لم يحسنها؛ بل ذكر أن الحارث الأعور قد تُكلم فيه (^٦).\n_________\n(^١) \"المسند\" (٢٧٠٥٢)، وأخرجه ابن ماجه (٣٤٤٢) عن ابن أبي شيبة، عن يونس به.\n(^٢) \"المسند\" (٢٧٠٥٣).\n(^٣) (٢٤/ ٢٩٧، ٢٥/ ٩٩).\n(^٤) وينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٢٣١١).\n(^٥) ينظر: (٥٣٨، ٢٩٧٤، ٣٩٠٠).\n(^٦) ينظر: (٢٨٣، ٨٢٦، ٢٢٣٩، ٣١٤٦)، قال: (وقد ضعّف بعض أهل العلم الحارث الأعور)، وقال: (والحارث يُضعَّف في الحديث)، وقال: (وفي حديث الحارث مقال).","vol":"2","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>النوع الرابع الحسن الذي قَرن به من الكلام ما يبيّن ضعفه من حيث الإسناد</span>\nوهذا أنواع أيضا:\nالأول: الذي بين ضعفه؛ وذلك بتضعيف أحد رواته:\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد اللّه بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ، قال: \"إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك\"، ثم نقر بيده، فقال: \"عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه\".\nوبهذا الإسناد عن النبي ﷺ، قال: \"عرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما -أو قال: ثلاثا، أو نحو هذا- فاذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك\".\nوفي الباب: عن فَضالة بن عبيد.\nهذا حديث حسن.\nوالقاسم هو ابن عبد الرحمن، ويكنى: أبا عبد الرحمن، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، وهو شامي ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، ويكنى: أبا عبد الملك) (^١).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٥١٦ - ٢٥١٧).\nوسبق في النوع الثالث (ص: ٢٨٥) الكلام عن هذه السلسلة.","vol":"2","page":304},{"text":"٢ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه ﷺ: \"أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف\".\nهذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وعيسى بن ميمون الأنصاري يُضعَّف في الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح التفسير هو ثقة) (^١).\n٣ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا القاسم بن دينار الكوفي، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن الحسن بن صالح، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن جابر، أن النبي ﷺ قال: \"من كان يومن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يومن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها بالخمر\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاووس عن جابر إلا من هذا الوجه.\nقال محمد بن إسماعيل: ليث بن أبي سليم صدوق، وربما يهِم في الشيء.\nوقال محمد بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: ليث لا يفرح بحديثه) (^٢).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١١٢٠).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٠٢٣)، وفي هامش التحقيق زيادة من بعض النسخ: (كان ليث يرفع أشياء لا يرفعها غيره، فلذلك ضعفوه)، وفي نسخة أن قبل هذه الجملة: (قال أبو عيسى) =.","vol":"2","page":305},{"text":"قلت: الذي يظهر أن أبا عيسى لا يحتج بليث، كما تقدم فيما نقله عن محمد بن إسماعيل البخاري والإمام أحمد، ولكن يكتب حديثه، وهذا مذهب جمهور النقاد.\nولا أعرف أن أبا عيسى صحّح لليث شيئا، وإنما يحسّن خبره أحيانا (^١) ويستغربه أخرى (^٢).\n٤ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن الحسن، قال: حدثنا موسى ابن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدث عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: أخبرني أسامة بن زيد، قال: كنت جالسا إذ جاء علي والعباس يستأذنان، فقالا: يا أسامة استأذن لنا على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، علي والعباس يستأذنان، فقال: \"أتدري ما جاء بهما؟ \" قلت: لا، قال: \"لكني أدري، فأذن لهما\"، فدخلا، فقالا: يا رسول اللّه، جئناك نسألك: أي أهلك أحب إليك؟ قال: \"فاطمة بنت محمد\"، قالا: ما جئناك نسألك عن أهلك، قال: \"أحب أهلي إلي من قد\n_________\n= وجاء في بعض الطبعات: (وقال محمد بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: ليث لا يُفرح بحديثه، كان ليث يرفع أشياء لا يرفعها غيره، فلذلك ضعّفوه)، وظاهر هذا السياق أن جملة (كان ليث يرفع أشياء ..) من كلام أحمد بن حنبل، والذي يظهر أنها من كلام البخاري أو الترمذي؛ فليس من عادة الإمام أحمد أن يقول عن راو: (ضعّفوه)، كما أنها لم تُروَ عنه في مواضع أخرى، ولم ينقلها العلماء، وقد ذكر الترمذي رواية البخاري عن أحمد هذه في ليث في \"العلل الكبير\" (٥٤٣) دونها، وروى البغوي في \"الجعديات\" (٦١٥) قال: (حدثني أحمد بن سعد الزهري وحنبل بن إسحاق، قالا: سمعنا أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل يقول: -قال أحدهما:- ليث بن أبي سليم لا يُفرح بحديثه. -وقال الآخر:- ليث ضعيف الحديث) حسب، والله أعلم.\n(^١) ينظرة (٣٨٤٩).\n(^٢) ينظر: (٣٤١٣، ٣٥٢٩، ٣٩٤٤، ٣٩٥٨).","vol":"2","page":306},{"text":"أنعم الله عليه وأنعمت عليه؛ أسامة بن زيد\"، قالا: ثم من؟ قال: \"ثم علي بن أبي طالب\"، قال العباس: يا رسول اللّه، جعلت عمك آخرهم؟ قال: \"إن عليا قد سبقك بالهجرة\".\nهذا حديث حسن، وكان شعبة يضعِّف عمر بن أبي سلمة) (^١).\nقلت: كأنه يرى أن هذا الحديث لا يصح، وذلك لقوله: إن شعبة يضعِّف عمر بن أبي سلمة، وإن كان قد صحّح له حديثين (^٢)؛ حديث \"لعن الله زوّارت القبور\"، وحديث \"غيروا هذا الشيب ولا تشبهوا باليهود\".\nوالجواب عن هذا التصحيح: أن أبا عيسى قد يصحح للرواة المتكلم فيهم في بعض الأحيان دون بعض، وذلك حسب القرائن وحسب المتن، وفي متن هذا الحديث الذي معنا غرابة، والله أعلم.\n٥ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا حسين بن يزيد الكوفي، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن غُطيف بن أعيَن، عن مصعب بن سعد، عن عدي ابن حاتم، قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: \"يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن\"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قال: \"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعيَن ليس بمعروف في الحديث) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤١٧٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٠٨٣، ١٨٦٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٣٧٠)، وفي \"التحفة\" (٩٨٧٧) و\"تحفة الأحوذي\" (٨/ ٤٩٤) وطبعة الرسالة (٥/ ٣٢٧): (حديث غريب).","vol":"2","page":307},{"text":"٦ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو عمرو مسلم بن عمرو الحذّاء المديني، قال: حدثني عبد اللّه بن نافع، عن حماد بن أبي حميد، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: \"خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\".\nهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوحماد بن أبي حميد هو: محمد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث) (^١).\n٧ - وقال الترمذي ﵀: (حدثنا بندار محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا.\nوفي الباب: عن ابن مسعود، وجابر.\nقال أبو عيسى: وحديث سمرة حديث حسن غريب.\nوقد تكلم بعض الناس في إسماعيل بن مسلم من قبل حفظه) (^٢).\nوقد روى الترمذي حديثا من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الحسن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٩٢٠)، وكذا في طبعة الرسالة (٦/ ١٨١) و\"تحفة الأحوذي\" (١٠/ ٤٧)، وفي \"التحفة\" (٨٦٩٨): (غريب) فحسب.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٣٣). وقوله: (حديث حسن غريب) كذا في \"تحفة الاْشراف\" (٤٥٧٥)، وفي \"تحفة الأحوذي\" (٢/ ٣٣) وطبعتي التأصيل والرسالة (١/ ٢٨٧): (غريب)، وفي \"النفح الشذي\" لابن سيد الناس (٤/ ٢٣٥): (غريب)، وقال: (وأما حديث الباب فقد استغربه الترمذي فقط فيما وقفت عليه، وذكر ابن عساكر في \"الأطراف\" أنه قال فيه: حسن غريب. وذكر ابن العربي أنه ضعفه، ولم نجده، إلا إن أراد بذلك تضعيف إسماعيل بن مسلم راويه، فقد يمكن).","vol":"2","page":308},{"text":"وقتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: \"يجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذَجٌ، فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ … \" الحديث.\nقال: (وقد روى هذا الحديث غير واحد عن الحسن قوله، ولم يسندوه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث) (^١).\nوروى من طريق إسماعيل بن مسلم أيضا، عن عبد الكريم أبي أمية، عن حِبان بن جَزْء، عن أخيه خزيمة بن جزء، قال: سألت رسول اللّه ﷺ عن أكل الضبع، فقال: \"ويأكلُ الضبعَ أحدٌ؟! \" وسألته عن الذئب، قال: \"أوَ يأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟! \".\nوقال: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم) (^٢).\nوروى في \"العلل الكبير\" (^٣) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"حدُّ الساحر ضربة بالسيف\".\nقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هذا لا شيء، وإنما رواه إسماعيل بن مسلم. وضعّفَ إسماعيل بن مسلم المكيَّ جدّا).\nوتضعيفه لإسماعيل في هذه الأحاديث مما يبين المقصود بقوله: \"حسن\"، وأنه يعني غير صحيح وأنه لا يحتج به.\n٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة وعلي بن حُجْر، قال قتيبة: حدثنا\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٦١٠)، وفي طبعة بشار (٤/ ٢٢٤) زيادة بآخره: (من قبل حفظه).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٩٠٨).\n(^٣) (٤٣٠).","vol":"2","page":309},{"text":"شريك، وقال علي بن حُجْر: أخبرنا شريك -المعنى واحد-، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خمُوش، أو خُدوش، أو كُدوح\" قيل: يا رسول اللّه، وما يغنيه؟ قال: \"خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب\".\nوفي الباب: عن عبد اللّه بن عمرو.\nقال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن.\nوقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث) (^١).\nقلت: نقْلُه لكلام شعبة في حكيم قد يفيد أنه لا يرى صحة هذا الخبر، أو يفيد -على الأقل- أن فيه نظرا.\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن عبد اللّه بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليَسَر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا، فقلت: إن في البيت تمرا أطيب منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبَّلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له، قال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدا، فلم أصبر، فأتيت رسول اللّه ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: \"أخلفت غازيا في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا؟! \" حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار، قال: وأطرق رسول اللّه ﷺ طويلا حتى أوحى الله إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، قال أبو اليَسَر: فأتيته فقرأها عليَّ رسول الله\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٥٥).","vol":"2","page":310},{"text":"ﷺ، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: \"بل للناس عامة\".\nهذا حديث حسن غريب.\nوقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره.\nوروى شريك، عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث مثل رواية قيس بن الربيع.\nوفي الباب: عن أبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك) (^١).\nوقال المصنف في موضع آخر عن قيس بن الربيع: (يضعف في\nالحديث) (^٢).\nقلت: وهذا التحسين ليس لمتابعة شريك لقيس، وانما هو حكم على رواية قيس بن الربيع.\n١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن الجُريري، عن أبي نضرة، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه\".\nحدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُريري، عن أبي نضرة، عن الطُّفاوي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحوه بمعناه.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣٩٧)، وهو موافق لما في \"التحفة\" (١١١٢٥) وطبعة الرسالة (٣٣٧٧)، وفي \"تحفة الأحوذي\" (٨/ ٥٣٨): (هذا حديث حسن صحيح غريب). قلت: وهذا الأقرب أنه خطأ.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣/ ١١٦).","vol":"2","page":311},{"text":"وهذا حديث حسن، إلا أن الطُّفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث، ولا نعرف اسمه، وحديث إسماعيل بن إبراهيم أتم وأطول) (^١).\nقلت: الطُّفاوي كما قال الترمذي لا يُعرف إلا في هذا الحديث فيما يظهر، ولا يُدرى سماعه من أبي هريرة.\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض\".\nوفي الباب: عن أبي الدرداء، وثوبان، وفَضالة بن عبيد.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبى ﷺ، إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظا.\nقال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولا يصح إسناده) (^٢).\nقلت: تحسينه لهذا الخبر مما يبين مراده بالحسن، وأنه ليس رواية الثقة الذي خفَّ ضبطه كما هو عند المتأخرين، ولا الذي يتقوى بتعدد أسانيده، وذلك لقوله: (ولا يصح إسناده).\n١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما يوجب الحج؟ قال: \"الزاد والراحلة\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٠٠٨ - ٣٠٠٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٧٢٩).","vol":"2","page":312},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوإبراهيم بن يزيد هو: الخوزي المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه) (^١).\nثم أعاد إخراجه في (التفسير) فقال: (حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر، يحدث عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: من الحاج يا رسول اللّه؟ قال: \"الشَّعِث التَّفِل\"، فقام رجل آخر، فقال: أي الحج أفضل يا رسول اللّه؟ قال: \"العَجُّ والثَّجُّ\"، فقام رجل آخر فقال: ما السبيل يا رسول اللّه؟ قال: \"الزاد والراحلة\".\nهذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل العلم في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه) (^٢).\n١٣ - قال الترمذي: (حدثنا عبد اللّه بن أبي زياد، قال: حدثنا عبيد اللّه ابن موسى، قال: حدثنا غالب أبو بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن كعب بن عجرة، قال: قال لي رسول اللّه ﷺ: \"أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش، ولم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض، يا كعب بن عجرة، الصلاة برهان، والصوم جنة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة، إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٨٢٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٢٦١).","vol":"2","page":313},{"text":"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوسألت محمدا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، واستغربه جدا) (^١).\nقلت: قوله: (استغربه جدا) مما يوهن هذا الإسناد.\n١٤ - قال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا صدقة بن موسى، عن فرقد السبخي، عن مُرّة الطيب، عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة خِب ولا بخيل ولا منّان\".\nهذا حديث حسن غريب) (^٢).\nقلت: هذا حديث ضعيف عند أبي عيسى، والدليل على ذلك أنه قد ضعف صدقة بن موسى، وذلك فيما رواه عن موسى بن إسماعيل، عن صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس، في فضل الصدقة في رمضان، قال أبو عيسى: (هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي) (^٣).\nوما رواه عن أبي عمران الجوني، عن أنس: وقت لنا رسول الله ﷺ … الحديث. قال: (صدقة بن موسى ليس عندهم بالحافظ) (^٤).\nفتبيّن من هذا أنه يرى ضعف هذا الخبر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦١٨)، وفي هامش التحقيق أنه وقع في بعض النسخ: (وأيوب بن عائذ يُضعَّف، ويقال: كان يرى رأي الإرجاء).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٠٩٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٦٦٧).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٩٧٦).","vol":"2","page":314},{"text":"ويؤكد ذلك، أن في الإسناد أيضا فرقد السبخي، ولعله أضعف من صدقة (^١).\nويزيد الأمر تأكيدا قوله في الحديث الذي قبله (^٢) -وقد رواه أيضا من طريق صدقة، وهو أقوى من حديثنا هذا-: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة). فلم يحسنه، فتبين أن هذا الحديث ضعيف عنده.\n١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللّه ﷺ بعثا- وهم ذو عدد- فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم-يعني ما معه من القرآن-، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: \"ما معك يا فلان؟ \" قال: معي كذا وكذا، وسورة البقرة، فقال: \"أمعك سورة البقرة؟ \" قال: نعم، قال: \"اذهب فأنت أميرهم\"، فقال رجل من أشرافهم: واللّه ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول اللّه ﷺ: \"تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أُوكئ على مسك\".\nهذا حديث حسن.\nوقد روي هذا الحديث عن سعيد المقبري، عن عطاء، مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه.\n_________\n(^١) قال الترمذي: (وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخي، وروى عنه الناس)، وقال في موضع آخر: (وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه). \"جامع الترمذي\" (٩٨٥، ٢٠٧٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٠٨٩).","vol":"2","page":315},{"text":"حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه بمعناه، ولم يذكر فيه: عن أبي هريرة) (^١).\nقلت: هذا الخبر بيّن علته المصنف، وأن الراجح فيه الإرسال، وذلك أن الليث من أثبت الناس في المقبري وقد أرسله.\nوهذا المثال يدخل أيضا فيما ضعّفه بسبب الانقطاع.\nالثاني: الذي بين ضعفه؛ وذلك ببيان انقطاعه:\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل ابن إبراهيم، عن ليث، عن عبد اللّه بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدتها فاطمة الكبرى قالت: كان رسول اللّه ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: \"رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك\"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، وقال: \"رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك\".\nوقال علي بن حُجْر: قال إسماعيل بن إبراهيم: فلقيت عبد اللّه بن الحسن بمكة، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني به، قال: كان إذا دخل قال: \"رب افتح لي باب رحمتك\"، وإذا خرج قال: \"رب افتح لي باب فضلك\".\nوفي الباب: عن أبي حميد، وأبي أسيد، وأبي هريرة.\nقال أبو عيسى: حديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، إنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أَشْهُرًا) (^٢).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣١١٣ - ٣١١٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣١٦).","vol":"2","page":316},{"text":"٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الخضر مولى عمر بن عبيد اللّه، عن زرعة بن مسلم بن جَرهد الأسلمي، عن جده جَرهد، قال: مر النبي ﷺ بجَرهد في المسجد وقد انكشف فخذه، قال: \"إن الفخذ عورة\".\nهذا حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل) (^١).\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع البغدادي، قال: حدثنا إسماعيل ابن علية، قال: حدثنا خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ: \"إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله\".\nوفي الباب: عن أبي هريرة، وأنس بن مالك.\nهذا حديث حسن، ولا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة.\nوقد روى أبو قلابة، عن عبد اللّه بن يزيد -رضيع لعائشة- عن عائشة غير هذا الحديث.\nوأبو قلابة اسمه: عبد اللّه بن زيد الجرمي.\nحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: ذكر أيوب السختياني أبا قلابة فقال: كان والله من الفقهاء ذوي الألباب) (^٢).\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي وأبو بكر بندار وغير واحد، قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ غير اسم عاصية، وقال: \"أنت جميلة\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٠١٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٨١٢).","vol":"2","page":317},{"text":"هذا حديث حسن غريب.\nوإنما أسنده يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر.\nوروى بعضهم هذا عن عبيد اللّه، عن نافع، أن عمر؛ مرسل) (^١).\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد بن حميد والحسن الحلواني -المعنى واحد-، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري، قال: كنت رجلا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان؛ فرَقا من أن أصيب منها في ليلتي فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت: انطلقوا معي إلى رسول اللّه ﷺ فأخبره بأمري، فقالوا: لا واللّه لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول اللّه ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجت فأتيت رسول اللّه ﷺ فأخبرته خبري، فقال: \"أنت بذاك؟ \" قلت: أنا بذاك. قال: \"أنت بذاك؟ \" قلت: أنا بذاك. قال: \"أنت بذاك؟ \" قلت: أنا بذاك، وها أنا ذا، فامض فيَّ حكم اللّه، فإني صابر لذلك. قال: \"أعتق رقبة\"، قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: \"فصم شهرين\" قلت: يا رسول اللّه، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: \"فأطعم ستين مسكينا\"، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحْشى، ما لنا عشاء. قال: \"اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٠٦٦).","vol":"2","page":318},{"text":"فليدفعها إليك\"، قال: \"فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك\" قال: فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللّه ﷺ السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي، فدفعوها إلي.\nهذا حديث حسن.\nقال محمد: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر، ويقال: سلمة بن صخر، وسلمان بن صخر.\nوفي الباب: عن خولة بنت ثعلبة، وهي امرأة أوس بن الصامت) (^١).\nقلت: وقد أقرَّ الترمذيُّ البخاريَّ ولم يتعقبه.\nوأخرج الترمذي (^٢) -قبل ذلك- من طريق عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي، عن النبي ﷺ في المُظاهِر يواقع قبل أن يكفِّر، قال: \"كفارة واحدة\".\nوقال: (هذا حديث حسن غريب).\nقلت: لم يصححه، لأنه يرى أن هذا الإسناد ليس بمتصل، كما تقدم.\nوأخرجه (^٣) أيضا من طريق علي بن المبارك، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن، أن سلمان بن صخر الأنصاري -أحد بني بياضة- جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلا، فأتى رسول اللّه ﷺ،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٦٠٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٢٤٥)، وينظر: \"العلل الكبير\" (٣٠٦).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٢٤٧).","vol":"2","page":319},{"text":"فذكر ذلك له … الحديث. وقال: (هذا حديث حسن، يقال: سلمان بن صخر، ويقال: سلمة بن صخر البياضي).\nقلت: حسّنه مع كونه منقطعا؛ لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمعا من سلمان بن صخر كما أشار إلى ذلك البيهقي (^١)، بل إن صورة الخبر صورة مرسل؛ لأنهما لم يسنداه عن سلمان.\nقال أبو الفتح الأزدي: (وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن ثوبان: أن سلمة بن صخر، ولم يتبين سماعهما منه) (^٢).\nوقال البخاري: (سلمة بن صخر، ويقال: سلمان بن صخر، البياضي الأنصاري، له صحبة، ولم يصحَّ حديثه) (^٣).\nقلت: أصل القصة صحيح، فقد جاءت في \"الصحيحين\" (^٤) كما هو معلوم، وأما الرواية بهذا السياق فبها تفاصيل فيها نظر، والإسناد لم يثبت إليها، ولذا قال البخاري: (لم تصحَّ)، وهذا موافق لحكم أبي عيسى -على ما قرره في تعريفه-، وأنا أذهب إلى عدم صحة هذا السياق.\n٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد اللّه ابن نمير، قال: حدثنا عبيد اللّه بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: دخل رجل المسجد ورسول اللّه ﷺ جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال رسول الله ﷺ: \"وعليك، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ\" فذكر الحديث بطوله.\nهذا حديث حسن.\n_________\n(^١) ينظر: \"سنن البيهقي\" (١٥/ ٤١١، ٤١٩).\n(^٢) \"المخزون في علم الحديث\" (١٠٥).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٧٢).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (١٩٣٦)، \"صحيح مسلم\" (١١١١) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":320},{"text":"وروى يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، فقال: عن أبيه، عن أبي هريرة، وحديث يحيى بن سعيد أصح) (^١).\nقلت: إذًا الإسناد الأول منقطع عند أبي عيسى، والثاني هو الأصح؛ لأن فيه: سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوهذا المثال يدخل فيما حسّنه وبيّن علته.\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء، مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللّه ﷺ بعثا -وهم ذو عدد- فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم -يعني ما معه من القرآن-، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: \"ما معك يا فلان؟ \" قال: معي كذا وكذا، وسورة البقرة، فقال: \"أمعك سورة البقرة؟ \" قال: نعم، قال: \"اذهب فأنت أميرهم\"، فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول اللّه ﷺ: \"تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكِئ على مسك\".\nهذا حديث حسن.\nوقد روي هذا الحديث عن سعيد المقبري، عن عطاء، مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه.\nحدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن سعيد المقبري،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٩٠٠).","vol":"2","page":321},{"text":"عن عطاء مولى أبي أحمد، عن النبي ﷺ مرسلا … نحوه بمعناه، ولم يذكر فيه: عن أبي هريرة) (^١).\nقلت: لا شك أن الليث بن سعد أوثق بكثير من عبد الحميد بن جعفر، وقد أرسل هذا الحديث، وروايته هي الصحيحة.\n٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول اللّه ﷺ: \"ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ \" … وذكر قصة طويلة.\nوفي الباب: عن عمر، وأبي أيوب، وأنس، وأبي هريرة.\nهذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.\nويروى عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول اللّه ﷺ) (^٢).\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] قال: كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: \"أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه\".\nهذا حديث حسن.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣١١٣ - ٣١١٤). وقد سبق هذا المثال في الحسن الذي ضعف أحد رواته برقم (١٥) (ص: ٣١٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٨٢٣).","vol":"2","page":322},{"text":"سألت محمد بن إسماعيل، فقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان؟ فقال: لا، فقلت له: فممّن سمع من أصحاب النبي ﷺ؟ فقال: سمع من جابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، وذكر غير واحد من أصحاب النبي ﷺ (^١).\n١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي بكر، عن محمد بن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب قال: عقَّ رسول اللّه ﷺ عن الحسن بشاة، وقاد: \"يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة\"، فوزناه، فكان وزنه درهما أو بعض درهم.\nهذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بمتصل؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب) (^٢).\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله\".\nهذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل، وروي عن خالد بن معدان أنه أدرك سبعين من أصحاب النبي ﷺ) (^٣).\n١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣٦٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٦٠٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٦٨٤)، وفي هامش التحقيق عن بعض النسخ زيادة: (ومات معاذ بن جبل في خلافة عمر بن الخطاب، وخالد بن معدان روى عن غير واحد من أصحاب معاذ، عن معاذ غير حديث).","vol":"2","page":323},{"text":"عوانة، عن عطاء بن السائب، عن أبي البَخْتري، أن جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي حاصروا قصرا من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد اللّه، ألا ننهد إليهم؟ قال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعو، فأتاهم سلمان، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، ترون العرب يطيعونني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا، وعليكم مثل الذي علينا، وان أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، قال: ورطن إليهم بالفارسية، وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، قالوا: ما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم، فقالوا: يا أبا عبد اللّه، ألا ننهد إليهم؟ قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال: انهدوا إليهم، قال: فنهدنا إليهم، ففتحنا ذلك القصر.\nوفي الباب: عن بريدة، والنعمان بن مقرن، وابن عمر، وابن عباس.\nوحديث سلمان حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن السائب.\nوسمعت محمدا يقول: أبو البَخْتري لم يدرك سلمان؛ لأنه لم يدرك عليا، وسلمان مات قبل علي) (^١).\nقلت: يعني أنه منقطع، ومع ذلك حسنه، فتبين أن التحسين عنده ليس على بابه عند المتأخرين، كما أن هذا الخبر ليس له إلا طريق واحد لقوله: (لا نعرفه إلا من حديث عطاء)، فلا يقال إنه حسّنه لتعدّد طريقه.\n١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مرَّ سلمان الفارسي بشُرَحبيل بن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٤١).","vol":"2","page":324},{"text":"السِّمْط وهو في مرابَطٍ له، وقد شقّ عليه وعلى أصحابه، فقال: ألا أحدثك يا ابن السِّمْط بحديث سمعته من رسول اللّه ﷺ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"رباط يوم في سبيل اللّه أفضل، -وربما قال: خير-، من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة\".\nهذا حديث حسن.\nحدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، عن إسماعيل بن رافع، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة\".\nهذا حديث غريب من حديث الوليد بن مسلم، عن إسماعيل بن رافع.\nوإسماعيل بن رافع قد ضعفه بعض أصحاب الحديث، وسمعت محمدا يقول: هو ثقة مقارب الحديث.\nوقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ\nوحديث سلمان إسناده ليس بمتصل؛ محمد بن المنكدر لم يدرك سلمان الفارسي، وقد روي هذا الحديث عن أيوب بن موسى، عن مكحول، عن شُرَحبيل بن السِّمْط، عن سلمان، عن النبي ﷺ نحوه) (^١).\nقلت: ويدخل هذا المثال في الحسن الذي تعددت طرقه.\n١٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حُدثت عن أبي صالح، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٧٢).","vol":"2","page":325},{"text":"أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر في الدنيا يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، واللّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\".\nوفي الباب: عن ابن عمر، وعقبة بن عامر.\nهذا حديث حسن، وقد روى أبو عوانة وغير واحد هذا الحديث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكروا فيه: حدثت عن أبي صالح) (^١).\nقلت: وقد ساقه من قبل (^٢) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح به، وليس فيه: (حدثت)، ثم ساق بعده طريق عبيد بن أسباط القرشي الذي فيه: (حدثت)، وقال: (كأن هذا أصح) (^٣).\nإذًا هو يرى أن الأصح في هذا الحديث: قول الأعمش: (حدثت عن أبي صالح)، ومع ذلك حكم عليه بأنه حسن، فيكون هذا التحسين تضعيفا.\nوهذا المثال أيضا يدخل فيما حسّنه وبيّن علته.\nورجَّح الترمذي رواية أسباط، مع أنه دون أبي عوانة ومن تابعه؛ لأن فيها زيادة علم؛ ذلك أن الأعمش لم يسمع هذا الحديث من أبي صالح، لذا قدّمها على غيرها، وهذا منهجٌ درج عليه كبار الحفاظ كما هو معلوم.\nويؤيد هذا أن الأعمش عُرف عنه التدليس في بعض الأحيان.\n١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٠٥٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٤٩٨).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٤٩٩).","vol":"2","page":326},{"text":"النبي ﷺ. والحجاج، عن الحكم، عن مِقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها\".\nهذا حديث حسن غريب.\nوأبو حازم الذي روى عن أبي هريرة هو الكوفي، واسمه: سلمان، وهو مولى عزة الأشجعية) (^١).\nقلت: هذا الإسناد منقطع، وأعني بذلك ما بين الحَكم ومِقسم.\nوقد روى الترمذي من طريق الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: بَعث النبي ﷺ عبد اللّه بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه، فقال: أتخلّف فأصلي مع رسول اللّه ﷺ ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي ﷺ رآه، فقال: \"ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ \"، فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: \"لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم\".\nقال أبو عيسى: (هذا حديث، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث، وعدَّها شعبة، وليس هذا الحديث فيما عدّها شعبة. وكأن هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم) (^٢).\nوبيّن الإمام أحمد هذه الأحاديث التي لم يسمعها الحكم من مقسم؛ فقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: (الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث:\nحديث الوتر؛ أن النبي ﷺ كان يوتر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٥٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٥٣٥).","vol":"2","page":327},{"text":"وحديث عزيمة الطلاق؛ عن مقسم، عن ابن عباس في عزيمة الطلاق والفي الجماع.\nوعن مقسم، عن ابن عباس، أن عمر قنت في الفجر هو حديث القنوت.\nوأيضا عن مقسم رأيه في محرم أصاب صيدا …\nقلت: فما روى غير هذا؟ قال: اللّه أعلم، يقولون هي كتاب، أرى حجاجا روى عنه، عن مقسم، عن ابن عباس نحوا من خمسين حديثا.\nوسمعت أبي مرّةً يقول: قال شعبة: هذه الأربعة التي يصححها الحكم عن مقسم) (^١).\nتبين أن هذا الحديث ليس أحدَ الأحاديث الأربعة أعلاه، لكني أميل إلى أن حديثَي الغدوةِ والرجلِ الذي تأخر في الخروج مع السرية حديثٌ واحد، وقد حكم على اللفظ الثاني بالانقطاع كما تقدم.\nوقد خرّج أبو عيسى بهذه السلسلة عدة أحاديث، منها:\nقال: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثني رسول اللّه ﷺ في ثقل من جمع بليل.\n_________\n(^١) \"العلل للإمام أحمد\" رواية عبد الله (١٢٦٩). وروى ابن أبي حاتم في \"التقدمة\" (ص: ١٣٠) والبغوي في \"الجعديات\" (٣١٩): (حدثنا صالح بن أحمد، حدثني علي قال: سمعت يحيى يقول: كان شعبة يقول: أحاديث الحكم عن مقسم كتاب، إلا خمسة أحاديث. قلت ليحيى: عدّها شعبة؟ قال: نعم. قلت ليحيى: ما هي؟ قال: حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزيمة الطلاق، وحديث جزاء مثل ما قتل من النعم، والرجل يأتي امرأته وهي حائض).","vol":"2","page":328},{"text":"وفي الباب عن عائشة، وأم حبيبة، وأسماء بنت أبي بكر، والفضل بن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس بعثني رسول الله ﷺ في ثقل من جمع بليل، حديث صحيح، روي عنه من غير وجه.\nوروى شعبة هذا الحديث، عن مشاش، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله من جمع بليل، وهذا حديث خطأ؛ أخطأ فيه مشاش، وزاد فيه: عن الفضل بن عباس.\nوروى ابن جريج وغيره هذا الحديث، عن عطاء، عن ابن عباس، ولم يذكروا فيه: عن الفضل بن عباس.\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله، وقال: \"لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\".\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: قال البخاري عن هذا الحديث -بعد أن ساق بعض طرقه، ومنها طريق الحكم عن مقسم-: (وحديث الحكم هذا عن مقسم مضطرب لما وصفنا، ولا ندري الحكم سمع هذا من مقسم أم لا؟) (^٢).\nوتصحيح الترمذي لهذا الحديث -فيما يظهر- لأنه جاء من غير وجه، كما نص على ذلك حين قال: (حديث ابن عباس بعثني رسول اللّه ﷺ في ثقل حديث صحيح، روي عنه من غير وجه).\nويظهر أيضا أن هذا التصحيح لأصل الحديث، وهو أن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٩٠٩، ٩١٠).\n(^٢) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٢٠٢).","vol":"2","page":329},{"text":"كان قد بعث ابن عباس في ضعفة بني هاشم، وقد ساقه قبل ذلك من حديث أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nومثله أيضا قوله: (حدثنا قتيبة، قاد: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أفاض قبل طلوع الشمس.\nوفي الباب: عن عمر.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.\nوإنما كان أهل الجاهلية ينتظرون حتى تطلع الشمس ثم يفيضون) (^١).\nومثله أيضا قوله: (حدثنا أحمد بن عبدة الضبي البصري، قال: حدثنا زياد بن عبد اللّه، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه ﷺ يرمي الجمار إذأ زالت الشمس.\nهذا حديث حسن) (^٢).\nويؤيد ما تقدم من كون هذا الإسناد ليس عنده بالقوي؛ ما قاله تحت (باب ما جاء لا تفادى جيفة الأسير)، قال: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم إياه.\nهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحكم، ورواه الحجاج ابن أرطاة أيضا، عن الحكم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٩١٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٩١٥)، ومثله الحديث رقم (٩١٦).","vol":"2","page":330},{"text":"وقال أحمد بن الحسن: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن أبي ليلى لا يحتج بحديثه.\nوقال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى صدوق، ولكن لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، ولا أروي عنه شيئا.\nوابن أبي ليلى صدوق فقيه، وربما يهِم في الإسناد.\nحدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد اللّه بن داود، عن سفيان الثوري قال: فقهاؤنا: ابن أبي ليلى وعبد اللّه بن شبرمة) (^١).\nومع أن هذا الحديث ورد بالإسناد نفسه بمتابعة ابن أبي ليلى، فقد استغربه أبو عيسى الترمذي ولم يحسّنه.\nقلت: وهذا الإسناد قد حكم بحسنه في خبر آخر، وقد تقدم كلامه على سماع الحَكم من مِقسم.\n١٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، هو الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرنا سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف.\nقال شعبة: ثم حرك سعد شفتيه بشيء، فأقول: حتى يقوم؟ فيقول: حتى يقوم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٨٣٤). قوله: (غريب) غير مثبت في طبعة التأصيل وطبعة الرسالة (٣/ ٥١٠)، ونقل المزي في \"تحفة الأشراف\" (١٨١٣) عن الترمذي أنه قال: (غريب لا نعرفه …)، وهذا هو المثبت في طبعة بشار (٣/ ٣٣١)، وذكر أنه وقع في بعض النسخ: (حسن غريب).","vol":"2","page":331},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه) (^١).\n١٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو زرعة والفضل بن أبي طالب وغير واحد، قالوا: حدثنا الحسن بن بشر، عن الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢].\nهذا حديث حسن.\nوهكذا روى الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، ولا نعرف لقتادة سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ، إلا من أنس وأبي الطفيل.\nوهذا عندي حديث مختصر؛ إنما يروى عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر، فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] الحديث بطوله، وحديث الحكم بن عبد الملك عندي مختصر من هذا الحديث) (^٢).\nومما يدخل في هذا النوع: ما حسّنه وفي إسناده مبهم، فإن المبهم علة ظاهرة في الإسناد، وبعض أهل العلم يسميه منقطعا (^٣).\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثني من سمع علي بن أبي طالب، يقول: خرجت في يوم\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٦٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣١٧٦).\n(^٣) ينظر: \"العلل\" لابن المديني (٢٠٦)، \"التاريخ الأوسط\" للبخاري (٢/ ٨٠١)، \"علوم الحديث\" للحاكم (ص: ١٧٣).","vol":"2","page":332},{"text":"شاتٍ من بيت رسول الله ﷺ، وقد أخذت إهابا معطونا، فجوَّبت وسطه فأدخلته عنقي، وشددت وسطي فحزمته بخُوص النخل، وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول اللّه ﷺ طعام لطعمت منه، فخرجت ألتمس شيئا، فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له، فاطلعت عليه من ثلمة في الحائط، فقال: ما لك يا أعرابي؟ هل لك في كل دلو بتمرة؟ فقلت: نعم، فافتح الباب حتى أدخل، ففتح فدخلت فأعطاني دلوه، فكلما نزعت دلوا أعطاني تمرة، حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت: حسبي، فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت، ثم جئت المسجد، فوجدت رسول اللّه ﷺ فيه.\nهذا حديث حسن غريب) (^١).\nوبهذا الإسناد حديث \"كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووُضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ \" قالوا: يا رسول اللّه نحن يومئذ خير منا اليوم، نتفرغ للعبادة ونكفى المؤنة، فقال رسول الله ﷺ: \"لا، أنتم اليوم خير منكم يومئذ\".\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب) (^٢).\nقلت: يلاحظ أن في كلا الإسنادين رجلا لم يسمَّ، أبهمه محمد بن كعب، ومع ذلك حكم على كلا الإسنادين بـ: (حسن غريب).\nقلت: وهذا يدل على ما تقدم، أن حكم الترمذي على الحديث بأنه حسن لا ينافي تضعيفه عنده، فإن هذا الخبر في إسناده مبهم، ومع ذلك\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٦٥٥). وقد جاء عن علي ﵁ من طرق أخرى، ينظر: \"سنن ابن ماجه\" (٢٤٤٦ - ٢٤٤٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٦٥٨).","vol":"2","page":333},{"text":"حسّنه، وحكمه هنا على خبر علي ﵁ ليس بمجموع طرقه، بدليل قوله: حسن غريب، ومثله الذي بعده.\n٢ - قال الترمذي ﵀: (ما جاء في المختلِعات.\nحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مزاحم بن ذواد بن علبة، عن أبيه، عن ليث، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: \"المختلِعات هن المنافقات\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.\nوروي عن النبي ﷺ، أنه قال: \"أيما امرأة اختلعت من زوجها من غير بأس لم ترِح رائحة الجنة\".\nحدثنا بذلك محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عمن حدثه، عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: \"أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة\".\nهذا حديث حسن.\nويُروى هذا الحديث عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.\nورواه بعضهم، عن أيوب … بهذا الإسناد ولم يرفعه) (^١).\nقلت: حسّنه مع أن في إسناده مبهما، ولا يقال: إنه حسّنه بمجموع طرقه؛ لأنه قال عن الإسناد الأول: (غريب وليس إسناده بالقوي)، وإن كان ليس بنفس اللفظ، ولكن بمعناه.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢٣١ - ١٢٣٢).","vol":"2","page":334},{"text":"ولا يقال أيضا: إنه حسّنه لمجيئه من وجه آخر بتسمية هذا المبهم (أبو أسماء)؛ لأنه لو كان كذلك لحكم بصحته.\nومما يقوي كون هذا الحديث معلولا عنده: أنه ذكر الاختلاف الذي وقع في إسناده، وأن بعضهم قد رواه موقوفا. واللّه تعالى أعلم.\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن يحيى العدني المكي -ويكنى بأبي عبد اللّه الرجل الصالح هو ابن أبي عمر-، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن ابن عصام المزني، عن أبيه - وكانت له صحبة، قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم: \"إذا رأيتم مسجدا، أو سمعتم مؤذنا، فلا تقتلوا أحدا\".\nهذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن عيينة) (^١).\nقلت: ابن عصام لا يعرف إلا في هذا الخبر، واسمه لا يعرف؛ قيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد اللّه، وتسميته بذلك لعله من باب أن كل شخص هو عبد لله وعبد للرحمن، فأطلقوا عليه عبد الله أو عبدالرحمن.\nوالراوي عنه عبد الملك؛ ليس بالمشهور، لم يخرّج له الترمذي سوى هذا الحديث، ومثله أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٤) على قاعدته.\nفتبيّن أن تحسين الترمذي له: تضعيفٌ، هذا مع كون الإسناد غريبا، واللّه تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٤٢).\n(^٢) \"السنن\" (٢٦٣٥).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٨٧٧٢) و(٨٧٨٦).\n(^٤) (٧/ ١٠٧).","vol":"2","page":335},{"text":"٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، أنه سمع رجلا من ثقيف، يحدث عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: ٣٢] قال: \"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة\".\nهذا حديث غريب حسن) (^١).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٥٢٦)، وفي بعض النسخ، و\"تحفة الأشراف\" للمزي (٤٤٤٦)، وطبعة الرسالة (٥/ ٤٣٨): (حسن غريب)، وفي بعض النسخ: (غريب) حسب، وفي بعض النسخ زيادة: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه).","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>النوع الخامس الحسن الذي بيّن أنه معلول </span>(^١)\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول اللّه ﷺ يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما.\nوفي الباب: عن عبد اللّه بن عمرو، وأوس بن حذيفة، وعمران بن حصين.\nقال أبو عيسى: حديث عمر حديث حسن.\nوقد روى هذا الحديث الحسن بن عبيد اللّه، عن إبراهيم، عن علقمة، عن رجل من جُعْفيّ (^٢)، يقال له: قيس، أو ابن قيس، عن عمر، عن النبي ﷺ … هذا الحديث في قصة طويلة) (^٣).\nقلت: رجال إسناد هذا الحديث كلهم من الثقات المشاهير، والأصل أن يقول عنه الترمذيُّ: حسن صحيح، ولكنه لم يفعلْ؛ لوجود علة في الإسنادِ، ذكرها بعد ذلك، وهي: عن علقمة، عن رجل من جعفي.\nفهذا الحديث حسّنه الترمذي مع إشارته إلى علته، وهي أن علقمة لم يسمع من عمر.\nقال الحاكم في \"المستدرك\" (^٤) بعد أن أخرجه: (صحيح الإسناد على\n_________\n(^١) وهذا يشمل حتى ما قال فيه: (حسن غريب).\n(^٢) في هامش التحقيق: (في حاشية الأصل بخط مغاير: جعفى).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٦٩).\n(^٤) (٢٨٩٤).","vol":"2","page":337},{"text":"شرط الشيخين، ولم يخرّجاه، وأتوهمهما لم يصح عندهما سماع علقمة بن قيس من عمر واللّه أعلم، وله شاهد مفسر من حديث عمار بن ياسر).\nوقال الضياء المقدسي (علقمة بن قيس النخعي عن عمر، ولم يسمع منه) (^١).\n٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد اللّه ابن نمير، قال: حدثنا عبيد اللّه بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: دخل رجل المسجد ورسول اللّه ﷺ جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال رسول اللّه ﷺ: \"وعليك، ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ\" فذكر الحديث بطوله.\nهذا حديث حسن.\nوروى يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث عن عبيد اللّه بن عمر، عن سعيد المقبري، فقال: عن أبيه، عن أبي هريرة، وحديث يحيى بن سعيد أصح) (^٢).\nقلت: إسناد رجال هذا الخبر كلهم من الثقات المشاهير، ولكنه لم يصححه وإنما اكتفى بتحسينه لوجود علة في الإسناد، وهي وجود واسطة بين المقبري وأبي هريرة وهو أبوه كيسان.\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن يحيى الأزدي البصري وأبو عمار وغير واحد، قالوا: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عباس، قال:\n_________\n(^١) \"الأحاديث المختارة\" (١/ ٣٦٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٩٠٠). وسبق هذا المثال في الحسن الذي بين انقطاعه برقم (٦) (ص: ٣٢٠).","vol":"2","page":338},{"text":"قال رسول اللّه ﷺ: \"خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يُغلب اثنا عثر ألفا من قلة\".\nهذا حديث حسن غريب، لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلا.\nوقد رواه حِبان بن علي العَنَزي، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد اللّه ابن عبد اللّه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ.\nورواه الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسل) (^١).\nقلت: وهذأ الحديث قد بين علته أبو عيسى وأن الصواب فيه الإرسال، ووافقه على هذا كبار الحفاظ.\nقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (^٢): (وسألت أبي عن حديث رواه وهب ابن جرير، عن أبيه، عن يحيى بن أيوب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: \"خير الجيوش أربعة آلاف، وخير السرايا أربعمائة\".\nورواه لوين محمد بن سليمان، عن حبان بن علي أخي مندل، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ.\nورواه ليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن النبي ﷺ قال …\nفسمعت أبي يقول: مرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام يكون كلام النبي ﷺ).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٦٥٠).\n(^٢) (١٠٢٤).","vol":"2","page":339},{"text":"وقال الدارقطني في \"العلل\" (^١) وسئل عن حديث الزهري، عن أنس ابن مالك: قال رسول اللّه ﷺ: \"يا أكثم بن الجون، اغز مع غير قومك يحسن خلقك، وتكرم على رفقائك، يا أكثم، خير الرفقاء أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يرى اثنا عشر ألف من قلة\".\nفقال: (يرويه عبد الملك بن محمد الدمشقي، عن أبي سلمة العاملي وأبي بشر، عن الزهري، عن أنس.\nوأبو سلمة هذا هو الحكم بن عبد اللّه بن خطاف الحمصي، وأبو بشر هو الوليد بن محمد المُوَقَّري، وكلاهما ضعيف، ولا يصح هذا الخبر عن الزهري، عن أنس.\nوروي عن عباد بن كثير، عن عقيل، عن الزهري، عن عبيد اللّه، عن ابن عباس.\nوالصحيح عن الزهري مرسلا).\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"لا نورث\"، ولكني أعول من كان رسول اللّه ﷺ يعوله، وأنفق على من كان رسود اللّه ﷺ ينفق عليه.\nوفي الباب: عن عمر، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وعائشة، وأبي هريرة.\n_________\n(^١) (٢٦١٧).","vol":"2","page":340},{"text":"حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنما أسنده حماد بن سلمة وعبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة) (^١).\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي وحماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن أبن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه\".\nوفي الباب: عن أبي هريرة.\nحديث ابن عمر حديث حسن.\nوقد رواه عبيد اللّه بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، وهكذا روي عن سالم، عن ابن عمر موقوف، ولا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيوب يرفعه، وأحيانا لا يرفعه) (^٢).\nوقال في \"العلل الكبير\" (^٣): (سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: أصحاب نافع رووا هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، إلا أيوب فإنه يرويه عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، ويقولون: إن أيوب في آخر أمره أوقفه).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧١٣)، وفي هامش التحقيق عن بعض النسخ زيادة: (وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم أحدا رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا حماد بن سلمة. وقد رواه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحو رواية حماد بن سلمة)، وينظر: طبعة الرسالة: (٣/ ٤٢٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٦٢٣).\n(^٣) (٤٥٥).","vol":"2","page":341},{"text":"قلت: الذي يظهر أن أبا عيسى يُعلّ هذا الخبر، ويرجح هذأ أنه ذكره في \"علله الكبير\"، ونقل عن البخاري ما يؤيد ذلك، ولو كان يرى أن رفع هذا الخبر محفوظ لصحّحه، ولما اقتصر على تحسينه.\nوقال ابن رجب في \"شرح علل الترمذي\" (^١): (ومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث: \"من حلف فقال: إن شاء اللّه، فلا حنث عليه\"، رفعه أيوب، ووقفه مالك وعبيداللّه، واختلف الحفاظ في الترجيح، وأكثرهم رجّح قول مالك).\n٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حُدِّثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر في الدنيا يسّر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر اللّه عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\".\nوفي الباب: عن ابن عمر، وعقبة بن عامر.\nهذا حديث حسن، وقد روى أبو عوانة، وغير واحد هذا الحديث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحوه، ولم يذكروا فيه: حُدِّثت عن أبي صالح) (^٢).\nقلت: أبو عيسى يميل إلى أنَّ هذا الخبر معلولٌ، وأن الصواب ما جاء في رواية أسباط، والدليل على ذلك: أنه سبق أن أخرج الحديث من رواية\n_________\n(^١) (٢/ ٤٧٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٠٥٥). سبق هذا المثال في الحسن الذي بين انقطاعه برقم (١٤).","vol":"2","page":342},{"text":"أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا .. \" الحديث.\nثم قال أبو عيسى: (حديث أبي هريرة هكذا روى غير واحد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحو رواية أبي عوانة.\nوروى أسباط بن محمد، عن الأعمش قال: حُدِّثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه؛ حدثنا بذلك عبيد بن أسباط بن محمد، قال: حدثني أبي، عن الأعمش بهذا الحديث.\nوكأن هذا أصح من الحديث الأول) (^١).\nوقد أعله أيضا أبو زرعة؛ قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (^٢): (وسألت أبا زرعة عن حديث رواه جماعة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"من نفّس عن مؤمن كربة\".\nقال أبو زرعة: منهم من يقول: الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، والصحيح: عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ).\nوفي \"علل أحاديث في صحيح مسلم\" لابن عمار الشهيد (^٣): (هو حديث رواه الخلق عن الأعمش، عن أبي صالح، فلم يذكر الخبر في إسناده غير أبي أسامة، فإنه قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح.\nورواه أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن بعض اْصحابه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٤٩٨).\n(^٢) \"علل ابن أبي حاتم\" (١٩٧٩).\n(^٣) (٣٥).","vol":"2","page":343},{"text":"والأعمش كان صاحب تدليس، فربما أخذ عن غير الثقات).\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، قال: حدثني عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول اللّه ﷺ قال: \"إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون\" قالوا: يا رسول اللّه، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: \"المتكبرون\".\nوفي الباب: عن أبي هريرة.\nهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوروى بعضهم هذا الحديث عن المبارك بن فضالة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ، ولم يذكر فيه: عن عبد ربه بن سعيد، وهذا أصح) (^١).\nقلت: حسّن هذا الخبر، ومع ذلك بين أنه خطأ، والصواب بدون: عبد ربه بن سعيد.\nوقد سئل الدارقطني في \"العلل\" (^٢) عن حديث محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا … \" الحديث.\nفقال: (اختلف فيه على محمد بن المنكدر:\nفرواه مبارك بن فضالة، عن عبد ربه بن سعيد، عن ابن المنكدر، عن جابر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١٤٩).\n(^٢) (٣٢٠٢).","vol":"2","page":344},{"text":"ورواه هشام بن عروة وهشام بن سعد، عن محمد بن المنكدر، مرسلا.\nوالمرسل أشبه بالصواب.\nواختلف عن مبارك أيضا؛ فقيل: عنه، عن ابن المنكدر، عن جابر، ليس بينهما أحد).\n٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، أن شُرَحبيل بن السِّمْط قال: يا كعب بن مرة، حدِّثنا عن رسول اللّه ﷺ واحذر، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: \"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة\".\nوفي الباب: عن فضالة بن عبيد، وعبداللّه بن عمرو.\nحديث كعب بن مرة حديث حسن (^١).\nهكذا رواه الأعمش، عن عمرو بن مرة.\nوقد روي هذا الحديث عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، وأدخل بينه وبين كعب بن مرة في الإسناد رجلا.\nويقال: كعب بن مرة، ويقال: مرة بن كعب البهزي، وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث) (^٢).\nقلت: في هذا الخبر علّتان؛ الأولى: أن منصورا رواه عن سالم بن\n_________\n(^١) كذا في طبعة الرسالة والتأصيل و\"تحفة الأحوذي\" (٥/ ٢٥٥)، ولم يذكره صاحب \"التحفة\" (١١١٦٤).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٧٤٠).","vol":"2","page":345},{"text":"أبي الجعد، عن رجل، عن كعب، أخرج هذا الوجه أحمد (^١) عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن منصور به.\nوالعلة الثانية: أن سالما لم يسمع من شرحبيل، قال أبو داود -بعد أن روى حديثا من طريق عمرو بن مرة، عن سالم بن أبى الجعد، عن شرحبيل بن السمط، أنه قال لكعب بن مرة، أو مرة بن كعب-: (سالم لم يسمع من شرحبيل، مات شرحبيل بصفين) (^٢).\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن قتادة، عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول اللّه ﷺ من فضة.\nهذا حديث حسن غريب.\nوهكذا روي عن همام، عن قتادة، عن أنس.\nوقد روى بعضهم عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن قال: كانت قبيعة سيف رسول اللّه ﷺ من فضة) (^٣).\nقلت: هذا الحديث معلول، وذلك أن جرير بن حازم تُكلّم في روايته عن قتادة، وأما رواية همام فهي من طريق عمرو بن عاصم، وهو متكلَّم فيه أيضا، وقد رواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، وهشام مِن أثبتِ الناس في قتادة.\nوقد تتابع الحفاظ في تصويب رواية هشام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، وفي تخطئة رواية جرير:\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (١٨٨٩٦)، وينظر: \"تاريخ ابن أبي خيثمة\" (١/ ٥١٧ - السفر الثاني)، \"علل الدارقطني\" (٣٣٩٨).\n(^٢) \"السنن\" (٦/ ٩٧).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٧٩٨).","vol":"2","page":346},{"text":"قال عبد الله بن الإمام أحمد (^١): (حدثني أبي، عن عفان، قال: جاء أبو جزي -واسمه نصر بن طريف- إلى جرير بن حازم يشفع لإنسان يحدثه، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: كانت قبيعةُ سيفِ رسول الله ﷺ من فضّة، قال أبو جزي: كذب والله، ما حدّثَناه قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن، قال أبي: وهو قول أبي جزي. يعني: أصاب، وأخطأ جرير).\nوقال الدارمي في كتابه \"السنن\" (^٢): (هشام الدستوائي خالفه، قال: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن النبي ﷺ. وزعم الناس أنه هو المحفوظ).\nونقل المزي في \"تحفة الأشراف\" (^٣) عن النسائي أنه قال: (وهذا حديث منكر، والصواب: قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن).\nوفي \"العلل\" للدارقطني (^٤): (وسئل عن حديث قتادة، عن أنس: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة.\nفقال: اختُلف فيه على قتادة؛؟ فرواه جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس.\nوكذلك رواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن أنس.\nورواه هشام الدستوائي ونصر بن طريف، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن -أخي الحسن- مرسلا، وهو الصواب) (^٥).\n١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان،\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" (١/ ٢٣٩).\n(^٢) (٢٦٥٠ - ٢٦٥١).\n(^٣) (١١٤٦).\n(^٤) (٢٥٥٤).\n(^٥) وينظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٩٣٨)، \"سنن أبي داود\" (٢٥٨٣ - ٢٥٨٥)، \"سنن البيهقي \" (٨/ ٢١٤).","vol":"2","page":347},{"text":"عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقُلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: \"إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم\". قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: \"فلا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\".\nقال: وفي الباب: عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس، وأبي قتادة، وعبد الله بن عمرو.\nقال: حديث عبادة حديث حسن.\nوروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\". وهذا أصحّ) (^١).\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، لا يصلون قبلها ولا بعدها.\nوقال عبد الله: لو كنت مصليا قبلها أو بعدها لأتممتها.\nوفي الباب: عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وعمران بن حصين، وعائشة.\nقاد أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم مثل هذا.\nوقال محمد بن إسماعيل: وقد روي هذا الحديث، عن عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن ابن عمر) (^٢).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣١٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٥٥٢).","vol":"2","page":348},{"text":"قلت: وهذا مما يعلل به الخبر، والذي يظهر أن أبا عيسى يرى أن رواية يحيى بن سليم خطأ، وأن الصواب هو الإسناد الثاني: عن رجل من آل سراقة عن ابن عمر، ويتأكد هذا بجواب البخاريِّ عن سؤال أبي عيسى عن حديث يحيى بن سليم هذا في \"العلل الكبير\" (^١)؛ قال البخاري: (هذا حديث خطأ، وإنما هو عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن ابن عمر).\nوقد تُكلِّم في رواية يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر، قال النسائي: اليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر) (^٢).\n١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب.\nوفي الباب: عن علي، وأبن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر.\nوقال أبو عيسى: والصحيح عن أسامة.\nقال أبو عيسى: وروى علي بن المديني، عن أحمد بن حنبل، عن قتيبة، هذا الحديث.\nحدثنا عبد الصمد بن سليمان، قال: حدثنا زكريا اللؤلئي، قال: حدثنا\n_________\n(^١) (١٥٩).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٣٦٨).","vol":"2","page":349},{"text":"أبو بكر الأعين، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا قتيبة … بهذا الحديث.\nوحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرّد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره.\nوحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، حديث غريب.\nوالمعروف عند أهل العلم حديث معاذ؛ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.\nروأه قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد، عن أبي الزبير المكي) (^١).\nقلت: تبين مما تقدم في كلام أبي عيسى أن هذا الخبر معلول ولا يصح، وذلك لأمرين:\nأحدهما: أن قتيبة لم يتابع على ذلك، فقد تفرد به.\nوالَاخر: أنه قد رواه جمع من الثقات عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، بخلاف ما جاء في رواية قتيبة عن الليث، فقد رواه قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي ﷺ وجمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء.\nهذا هو أصل الحديث الذي رواه قتيبة.\nفأبو عيسى مع حكمه على الحديث بحسن غريب، إلا أنه بين أنه معلول.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٦١ - ٥٦٢).","vol":"2","page":350},{"text":"١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هارون بن عبد الله البزاز، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي جمحيه قال: \"إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه\". وقال النبي ﷺ: \"يؤدّي المكاتب بحصّة ما أدّى ديّة حر، وما بقي ديّة عبد\".\nوفي الباب: عن أم سلمة.\nحديث ابن عباس حديث حسن.\nوهكذا روى يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ.\nوروى خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن علي قوله) (^١).\nقلت: لم يصححه مع أن رجاله ثقات مثاهير، وذلك من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده، ولذا ذكره في كتابه \"العلل\" (^٢)، وذكر الاختلاف.\nومثله أبو داود، عندما روأه ذكر الاختلاف الذي وقع في إسناده (^٣).\n١٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا أيوب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ قال: \"من أحيا أرضا ميْتة فهي له، وليس لعِرْق ظالم حق\".\nهذا حديث حسن غريب.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٣١٣).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (٤٥٨٢).","vol":"2","page":351},{"text":"حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"من أحيا أرضا ميْتة فهي له\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nوقد رواه بعضهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).\nقلت: قول الترمذي: (وقد رواه بعضهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا) يريد به حديث سعيد بن زيد، وإن تأخر ذكره إلى بعد حديث جابر، ويؤيد ذلك أن المزي ذكره في \"التحفة\" (^٢) في حديث سعيد بن زيد، وكدلك ذكره من تكلم في الاختلاف في الحديث كالنسائي والدارقطني وغيرهما (^٣).\nقلت: ولا شك أن الإرسال هو الأصحّ، فقد رواه عن هشام عن أبيه مرسلا: مالك (^٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والليث بن سعد (^٥)، وغيرهم.\nوذكر الدارقطني حديث سعيد بن زيد فقال: (يرويه أيوب، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد؛ تفرد عبد الوهاب الثقفي عنه … والمرسل عنه عروة أصح).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٤٤٢).\n(^٢) (٤٤٦٣).\n(^٣) ينظر: \"النن الكبرى\" للنسائي (٥٩٤٠ - ٥٩٤١)، \"علل الدارقطني\" (٦٦٥)، \"تنقيح التحقيق\" لابن عبدالهادي (٤/ ١٦٧).\n(^٤) أخرجه في \"الموطأ\" (٥٩٦).\n(^٥) أخرج روايتهما النسائي في \"السنن الكبرى\" (٥٩٤١).","vol":"2","page":352},{"text":"وقال أيضا -وذكر الوجه المتقدم-: (قال ذلك الثقفي، عن أيوب، وهو وهم) (^١).\nفقول الترمذي: (حسن)؛ تعليلٌ لهذا الخبر، وإلا فحقيقٌ أن يحكم على هذا الحديث بالصحّة لثقة رجاله وشهرتهم، ولكن للعلة السابقة لم يصححه، ولذا ساق بعده حديثا بنفس الإسناد، ولكن عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر (^٢)، وقال: (حسن صحيح).\n١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عباس بن محمد الدوري البغدادي، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: رأيت النبي ﷺ متكئا على وسادة على يساره.\nهذا حديث حسن غريب.\nوروى غير واحد هذا الحديث عن إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: رأيت النبي ﷺ متكئا على وسادة. ولم يذكروا: على يساره.\nحدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: رأيت النبي ﷺ متكئا على وسادة.\nهذا حديث صحيح) (^٣).\nقلت: الشاهد في هذا أنه حكم على الحديث الأول بـ: حسن، مع أنه بين أن لفظة: (على يساره) ليست محفوظة، لذأ عندما زالت هذه العلة حكم بصحة الخبر، وكأنه يريد بقوله: (صحيح) فقط، تأكيدَ صحة هذأ الخبر.\n_________\n(^١) \"علل الدارقطني\" (٦٦٥، ٣٤٦٠).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٤٤٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٩٨٩ - ٢٩٩٠).","vol":"2","page":353},{"text":"ولذا قال في \"الشمائل\" (^١): (لم يذكر فيه وكيع: \"على يساره\"، وهكذا روى غير واحد عن إسرائيل نحو رواية وكيع، ولا نعلم أحدا ذكر فيه\" على يساره\" إلا ما روى إسحاق بن منصور عن إسرائيل).\n١٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا نصر بن علي الجَهْضمي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"يجيء القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حلَّه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارقَ، ويزاد بكل آية حسنة\".\nهذا حديث حسن.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوه، ولم يرفعه.\nوهذا أصح عندنا من حديث عبد الصمد، عن شعبة) (^٢).\nقلت: هذا الحديث حسنه ثم بيّن علته، وأن الراجح فيه الوقف لا الرفع.\n١٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّة الهمْداني، عن عبدالله بن مسعود، قال: قال\n_________\n(^١) (١٣٤)، وينظر: \"سنن أبي داود\" (٤١٤٣)، \"المنتخب من العلل للخلال\" (٤٠)، \"الكامل\" لابن عدي (٢/ ٣٦٣)، \"علل الدارقطني\" (٣٣٠٤)، \"النكت الظراف\" لابن حجر (٢/ ١٤٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣١٥٢ - ٣١٥٣)، وينظر: \"علل الدارقطني\" (١٩٥٠).","vol":"2","page":354},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إن للشيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨] \".\nهذا حديث حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، لا نعلمه مرفوعا إلا من حديث أبي الأحوص) (^١).\nقلت: هذا الحديث حسّنه، وأشار إلى علته وهي الوقف، وإلى أن أبا الأحوص هو الذي تفرد برفعه، ومن المعلوم أن أبا الأحوص إنما سمع من عطاء بعد التغير (^٢).\nوقال أبو عيسى في \"العلل الكبير\" (^٣): (سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن عطاء بن السائب وأوقفه، وأرى أنه قد رفعه غير أبي الأحوص، عن عطاء بن السائب، وهو حديث أبي الأحوص).\nقلت: إن كان هذا النقل عن البخاري صحيحا ولم يقع فيه تحريف، فإن البخاريّ لم يذكر مَن رفعه غير أبي الأحوص، هذا مع أنه لم يجزم بذلك، وقد جزم أبو عيسى بأن أبا الأحوص قد تفرّد برفعه، والله تعالى أعلم.\n١٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٢٤٩)، وينظر: \"العلل الكبير\" (٦٥٤)، \"علل ابن أبي حاتم\" (٢٢٢٤).\n(^٢) ينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٢٢٢٤)، \"مسند البزار\" (٢٠٢٧).\n(^٣) (٦٥٤).","vol":"2","page":355},{"text":"عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن اَخذ من كل ثلاثين بقرة تَبيعا أو تَبيعة، ومن كل أربعين مُسنّة، ومن كل حالم دينار، أو عدله مَعافر.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوروى بعضهم هذا الحديث، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فأمره أن يأخذ، وهذا أصح) (^١).\nقلت: هذا الحديث حسّنه أبو عيسى، ثم بين أنه معلول، وأن الصواب فيه الإرسال.\n١٩ - قال الترمذي ﵀: (باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس.\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضّل، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن الرُبيِّع بنت مُعوِّذ بن عفراء، أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتاهما (^٢)؛ ظهورهما وبطونهما.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوحديث عبدالله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادا) (^٣).\nثم قال الترمذي: (باب ما جاء أن مسح الرأس مرة.\nحدثا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن عبدالله\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٢٨)، وينظر: \"علل الدارقطني\" (٩٨٥).\n(^٢) في هامش التحقيق: (كذا في الأصل، وهي لغة ..).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٢)، وحديث عبدالله بن زيد أخرجه الترمذي (٣١) قبل حديث ابن عفراء، وقال: (حديث عبدالله بن زيد آصح شيء في هذا الباب وأحسن).","vol":"2","page":356},{"text":"بن محمد بن عقيل، عن الرُبيِّع بنت مُعوِّذ ابن عفراء، أنها رأت النبي ﷺ يتوضأ، قالت: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه، وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه، مرة واحدة.\nوفي الباب، عن علي، وجد طلحة بن مصرف.\nقال أبو عيسى: حديث الرُبيِّع حديث حسن صحيح (^١).\nوقد روي من غير وجه عن النبي- ﷺ أنه مسح برأسه مرّة) (^٢).\nقلت: الذي يظهر أن الترمذي يعلُّ هذا الخبر -أي خبر بشر عن ابن عقيل-، وأن قوله: (مسح برأسه مرّتين) خطأ، والذي يدل على ذلك أنه عقّب على هذه الرواية بالقول: إن حديث عبدالله بن زيد أصح وأجود إسنادا من حديث ابن عقيل، ثم ساق اللّفظ الصحيح من حديث أبن عقيل وقال: (حسن صحيح)، لأنه ليس فيه أنه مسح رأسه مرتين.\n٢٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن أبان، قالا: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.\nحدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد، قال: وقضى بها عليّ فيكم.\n_________\n(^١) في هامش التحقيق: (ضبب عليها في الأصل)، وفي \"تحفة الأحوذي\": (حسن صحيح)، ونقله ابن عبد الهادي في \"التنقيح\" (١/ ٢٠١) وغيره، وفي \"مستخرج الطوسي\" (٣١): (حسن)، ولم ينقل المزي حكم الترمذي في \"التحفة\" (١٥٨٣٨).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٣).","vol":"2","page":357},{"text":"وهذا أصحّ، وهكذا روى سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسل.\nوروى عبد العزيز بن أبي سلمة ويحيى بن سليم هذا الحديث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ) (^١).\nقلت: جمع أن الذي وصل -وهو عبد الوهاب الثقفي- ثقة مشهور، فقد رجّح أبو عيسى الإرسال.\nوقال في \"العلل\": (وقال عبد الوهاب الثقفى: عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.\nوتابعه إبراهيم بن أبي حيّة.\nوقال يحيى بن سليم وعبدالعزيز بن أبي سلمة - من رواية شبابة بن سوّار عنه: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.\nسألت محمدا عن هذا، فقلت: أيّ الروايات أصحّ؟\nفقال: أصحّه حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي ﷺ مرسلا.\nقال محمد: إبراهيم بن أبي حيّة ضعيف، ذاهب الحديث) (^٢).\nوأنا أذهب إلى هذا، وهو عين ما ذهب إليه معظم الحفاظ (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٤٠١ - ١٤٠٢).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (٣٥٨ - ٣٦٠).\n(^٣) ينظر: \"الضعفاء\" للعقيلي (٤/ ٩٤ - ٩٥)، \"الكامل\" لابن عدي (١/ ٥٣٨)، \"العلل\" للدارقطني (٣٠١)، \"الإيماء إلى أطراف الموطأ\" للداني (٤/ ٥٦٥ - ٥٦٩).","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>النوع السادس الحسن الذي قَرن به من الكلام ما يفيد صحته </span>(^١)\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وسفيان بن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثنا أبو الأبرد مولى بني خَطمة، أنه سمع أُسيد بن ظُهير الأنصاري -وكان من أصحاب النبي ﷺ- يحدث عن النبي ﷺ قال: \"الصلاة في مسجد قباء كعمرة\".\nوفي الباب: عن سهل بن حنيف.\nقال: حديث أُسيد حديث غريب، ولا نعرف لأُسيد بن ظُهير شيئا يصح غير هذا الحديث، لا نعرفه إلا من حديث أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر.\nوأبو الأبرد اسمه: زيّاد، مديني) (^٢).\nوفي \"تحفة الأشراف\" (^٣) عن الترمذي: (حسن صحيح).\nوقال البغوي -بعد أن رواه من طريق الترمذي-: (وهذا حديث حسن غريب) (^٤).\n_________\n(^١) ويدخل فيه الحديث الذي ذكره في أكثر من موضع، فمرة صحّحه، ومرة حسّنه.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٢٥).\n(^٣) (١٥٥)، وكذا في \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٥٢٨) ترجمة أبي الأبرد.\n(^٤) \"شرح السخة\" (٤٥٩)، وهكذا في \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٢٦٩).\nوفي طبعة الرسالة (١/ ٣٨٣): (غريب)، وفي هامش التحقيق: (كذا هو في الأصول الخطية التي بين أيدينا عدا \"ل\"، إلا أنه كتب فوقها في \"س\": حسن، وفي \"ل\" والنسخة التي عليها شرح المباركفوري: حسن غريب).","vol":"2","page":359},{"text":"وقال الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (^١) في ترجمة أبي الأبرد: (صحّح له الترمذي حديثه، وهو \"صلاة في مسجد قباء كعمرة\").\nوالجواب عن ذلك: أن نُسخ الترمذي قد اختلفت كما ترى (^٢)، فلا نستطيع الجزم أنه حسّنه، وإن ثبت أنه قال: (حسن غريب) فيكون قد رجع عن ذلك؛ لأن تصحيحه لهذا الخبر كان بعد التحسين.\n٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو هشام الرفاعي وزيد بن أخزم الطائي وإسحاق بن إبراهيم البصري، قالوا: حدثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي- ﷺ نهى عن التبتل.\nوزاد زيد بن أخزم في حديثه: وقرأ قتادة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]\nوفي الباب: عن سعد، وأنس بن مالك، وعائشة، وابن عباس.\nحديث سمرة حديث حسن غريب.\nوروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﷺ … نحوه، ويقال: كلا الحديثين صحيح) (^٣).\nوالجواب عن ذلك: أن لفظة: (ويقال) ليست له، وإنما نقل ذلك عن غيره، فإذا كان كذلك، فإن الإشكال قد زال.\nوجواب آخر: أن أبا عيسى تردد في الحكم على هذا الخبر، هل هو حسن أو صحيح، ويكون قوله: (ويقال)؛ أي بمعنى: وقد يقال.\n_________\n(^١) (٢/ ٩٠).\n(^٢) مع ملاحظة أن النسخ لم تختلف في كون الترمذي قال بعد التحسين: (ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئا يصح غير هذا الحديث).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١١١٤).","vol":"2","page":360},{"text":"وهناك جواب ثالث: أن هذا الخبر هان روي عن الحسن من الوجهين المتقدمين فلا يعد ذلك من قبيل الاختلاف، وإنما كلا الإسنادين ثابت إليه، بغض النظر عن صحة الخبر بأكمله.\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو غريب ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا زيد بن حباب، عن عبد الرحمن بن ثابت بن توبان، قال: حدثني عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح.\nوفي الباب: عن جابر.\nوقد روي عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا) (^١).\nقلت: حكم الترمذي عليه أولا بأنه (حسن غريب)، ثم قال بعد ذلك: وهو (إسناد حسن صحيح).\nوجاء في \"التحفة\" (^٢): (حسن صحيح غريب).\nوالجواب عن ذلك: أنه قد ضُبِّب في بعض النسخ على قوله: (صحيح)، وهذا يدل على أن هذه اللفظة مشكوك في ثبوتها، أو فيها نظر، وأما ما وقع في \"تحفة الأشراف\" من كون الترمذي صحح هذا الخبر، فهذا\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٣)، وذكروا أن لفظة (صحيح) ضُبِّب عليها في الأصل، وكذلك في هامش تحقيق طبعة الرسالة (٤٣)، وفي \"تحفة الأحوذي\" (١/ ١٦٤): (حسن غريب).\n(^٢) (١٣٩٤٠).\nوفي \"النفح الشذي\" (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨): (إسناد حسن صحيح)، ونقل ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٢٥٩) تصحيح الترمذي لحديث أبي هريرة.","vol":"2","page":361},{"text":"يزيل الإشكال أصلا، ولكن يحتمل أن المزي عبّر بالمعنى عن كلام الترمذي، والله تعالى أعلم.\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\".\nوفي الباب: عن ابن بحينة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سرجس، وابن عباس، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن.\nوهكذا روى أيوب وورقاء بن عمر وزياد بن سعد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوروى حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، ولم يرفعاه.\nوالحديث المرفوع أصح عندنا) (^١).\nقلت: لماذا حسّنه ورجاله من الثقات المشاهير، وقد رواه جمعٌ عن عمرو بن دينار كما ذكر، وخرّجه مسلم في \"صحيحه\" (^٢)، وكذلك فعل ابن حبان (^٣)، وقال أبو نعيم في \"الحلية\" (^٤): (صحيح مشهور من حديث عمرو، رواه الجم الغفير عنه)؟\nالذي يظهر لي: أن هذا التحسين بسبب الاختلاف الذي وقع في\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٢٣)، وبنحو ذلك في \"العلل الكبير\" (١٣٠).\n(^٢) (٧١٠).\n(^٣) (٢١٩٣).\n(^٤) (٨/ ١٣٨).","vol":"2","page":362},{"text":"إسناده، ولهذا أمثلة كثيرة في كتابه \"الجامع\" سوى هذا الخبر، وهذا احتياطٌ من المصنف، وهو منهج سار عليه وسلكه في هذا الكتاب، وسوف تأتي أمثلة بإذن الله على هذا النوع.\nولأن جانب الرفع هو الراجح؛ رجّح أبو عيسى رفعه، ولا يخفى أن مثله لا يقال إلا بتوقيف.\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب، قال: مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إلي إشارة، وقال: لا أعلم إلا أنه قال: إشارة بإصبعه.\nوفي الباب: عن بلال، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة.\nحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: كيف كان النبي- ﷺ يرُدُّ عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوحديث صهيب حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن بكير.\nوقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: قلت لبلال: كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد بني عمرو بن عوف؟ قال: كان يرد إشارة.\nوكلا الحديثين عندي صحيح؛ لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعا) (^١).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٦٨، ٣٦٩).","vol":"2","page":363},{"text":"قلت: والشاهد من هذا حكمُه على حديث صهيب بأنه (حسن)، ثم قال: (كلا الحديثين عندي صحيح) فحكم عليه بالصحة، وأظن أن هذا التصحيح ليس لذات هذه الطريق -أي نابل عن ابن عمر-، وإنما هذا التصحيح لمن ذهب إلى أن حديث نابل عن ابن عمر حديث مستقل، وأنه غير حديث نافع عن ابن عمر (^١)، ولذا عقب الترمذي بقوله: (هو قصة أخرى).\nولعل السبب في حكمِه على حديث نابل بأنه حسن؛ أن نابلا ليس بالمشهور، كما قال النسائي في رواية، وإن كان قد وثقه في رواية أخرى (^٢)، ولذا عندما سئل الدارقطني عنه: هل هو ثقة؛ أشار بيده أن لا (^٣).\nوأما توثيق النسائي له في الرواية الأخرى؛ فلأن من منهجه -في بعض الأحيان- توثيق من ليس بالمشهور.\nوقد قال أحمد بن صالح: (إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شك فيه) (^٤).\n٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصلِّ أربعا\".\nهذا حديث حسن صحيح.\nحدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، قال: كنا نعد سهيل بن أبي صالح ثبتا في الحديث.\n_________\n(^١) ولهذا أمثلة في \"جامعه\".\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ٢٤٩).\n(^٣) \"سؤالات البرقاني\" (٥١٩).\n(^٤) \"إكمال تهذيب الكمال\" لمغلطاي (٣/ ٢٩).","vol":"2","page":364},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^١).\nقلت: كذا وقع في أكثر من نسخة، وفي ثبوت هذه الزيادة (حسن) نظرٌ، لأنه قد حكم على الحديث بـ (حسن صحيح)، فإعادة الحكم مرة ثانية لا حاجة إليه، كما أنه لم يُعهد عن أبي عيسى فعلُ ذلك.\nقال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (^٢): (هنا في \"ن\" و\"هـ\" و\"ك\" زيادةٌ نصّها: \"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن\"، وهي زيادة غريبة لا معنى لها هنا).\nلذا لم توجد هذه الزيادة في \"تحفة الأشراف\" (^٣)، ولا في \"تحفة الأحوذي\" (^٤).\n٧ - قال الترمذي. ﵀ (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا، إوذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، إوذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب.\nوفي الباب: عن علي، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر.\nقال أبو عيسى: وروى علي بن المديني، عن أحمد بن حنبل، عن قتيبة، هذا الحديث.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٣٠).\n(^٢) (٢/ ٤٠٠).\n(^٣) (١٢٧٦٧).\n(^٤) (٣/ ٧٩).","vol":"2","page":365},{"text":"حدثنا عبد الصمد بن سليمان، قال: حدثنا زكريا اللؤلؤي، قال: حدثنا أبو بكر الأعين، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا قتيبة … بهذا الحديث.\nوحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرّد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره.\nوحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، حديث غريب.\nوالمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.\nرواه قرّة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد، عن أبي الزبير المكي.\nحدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه استُغيث على بعض أهله، فجدّ به السير، وأخر المغرب حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك إذا جدّ به السير.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: الذي يظهر أن هذه الزيادة خطأ، لأنه قد تقدم حكمه على هذا الحديث بـ (حسن غريب)، ثم قال بعد ذلك: (حديث غريب)، ولذا لم ترد هذه الزيادة في جميع نسخ الترمذي، بل وردت في بعضها.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٦١ - ٥٦٢).","vol":"2","page":366},{"text":"قال أحمد شاكر عنها: (الزيادة من \"ع\" و\"ن\"، ولم تذكر في سائر النسخ، والذين حكوا كلام الترمذي لم يذكروها، ولكن يظهر لي أن الترمذي تأمّل فيه فصححه بعد ذلك) (^١).\nقلت: والصحيح أن الزيادة لم تثبت، لذا لم تذكر في \"تحفة الأحوذي\" (^٢).\n٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عَبثر بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة، قال: \"التشهد في الصلاة: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله \"، قال: ويقرأ ثلاث آيات.\nقال عَبثر: ففسرها لنا سفيان الثوري: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] الآية.\nوفي الباب: عن عدي بن حاتم.\nحديث عبد الله حديث حسن، رواه الأعمش، عن أبي إسحاف، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ.\nورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٤١).\n(^٢) (٣/ ١٦١).","vol":"2","page":367},{"text":"وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ) (^١).\nقلت: يقال في هذا التصحيح بمثل القول السابق في حديث نابل عن ابن عمر، لأن كلا الوجهين ثابت، عن أبي إسحاق، وتأكَّد ذلك برواية حفيده إسرائيل، فعندما رواه عن جده جمع بين أبي الأحوص وأبي عبيدة.\nوأما تحسين الترمذي لهذه الطريق دون تصحيحه لها؛ فلأن عَبثر -والله تعالى أعلم- قد تفرّد به عن الأعمش، قال البزار: (وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الأعمش إلا عَبثر) (^٢).\nويؤيد هذا أن النسائي (^٣) والدارقطني (^٤) لم يذكراه إلا من طريق عَبثر عنه.\nوإذا كان كذلك فمنهج أبي عيسى أنه لا يصحح لمثل هذه الطريق.\nولكن ليعلم أن هذا الخبر قد جاء من طرق غير الأعمش (^٥)، والوجه الآخر -أي طريق أبي إسحاق عن أبي عبيدة- قد جاء أيضا من طرق (^٦).\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا حميد بن مَسعدة، قال: حدثنا سفيان بن حبيب، عن الحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: \"إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١١٣٧).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٥/ ٤٣٤).\n(^٣) \"المجتبى\" (١١٧٥).\n(^٤) \"العلل\" (٩٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٩٦٩) من طريق شريك، والنسائي (١١٧٦) وابن ماجه (٨٩٩) من طريق سفيان، وابن ماجه (١٨٩٢) أيضا من طريق يونر، ثلاثتهم عن أبي إسحاق به.\n(^٦) أخرجه أبو داود (٢١١٨) وابن ماجه (٨٩٩) من طريق سفيان، عن أبي إسحاق به.","vol":"2","page":368},{"text":"وفي الباب: عن عائشة، وعبد الله بن عمر.\nحديث أبي هريرة حديث حسن غريب.\nوقد روي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة، عن أسماء ابنة أبي بكر، عن النبي ﷺ هذا الحديث.\nوكلا الحديثين صحيح.\nوالحجاج الصواف هو الحجاج بن أبي عثمان، وأبو عثمان اسمه ميسرة، وحجاج يكنى أبا الصلت، وثقه يحيى بن سعيد.\nحدثنا أبو عيسى، قال: حدثنا أبو بكر العطار، عن علي بن المديني قال: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حجاج الصواف؟ فقال: فطِن كيِّس) (^١).\nقلت: هذا الحديث صحيح من كلا الطريقين، وقد خرّجهما الشيخان، ولعلَّ اقتصار الترمذي على التحسين فقط، من أجل الاختلاف الذي وقع في الإسناد.\nولأن هذا الاختلاف لا يؤثر على صحة الخبر، قال: (وكلا الحديثين صحيح).\nولا يخفى أن كل قاعدة قد يشذ عنها بعض الأفراد، وهذا لا يخرمها ولا يؤثر فيها؛ لأنه يصعب أن توجد قاعدة لا يشذ عنها شيء، والله أعلم.\nقال البخاري: (حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن عروة بن الزبير، حدثه عن أمه أسماء، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا شيء أغير من الله\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢٠٩)، وفي بعض النسخ زيادة: (ثقة).","vol":"2","page":369},{"text":"وعن يحيى، أن أبا سلمة حدثه، أن أبا هريرة حدثه، أنه سمع النبي ﷺ.\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله\") (^١).\nوقال مسلم بن الحجاج: (حدثنا عمرو الناقد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبن علية، عن حجاج بن أبي عثمان، قال: قال يحيى: وحدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه\".\nقال يحيى: وحدثني أبو سلمة، أن عروة بن الزبير حدثه، أن أسماء بنت أبي بكر حدثته، أنها سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"ليس شيء أغير من الله ﷿\") (^٢).\n١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا إسماعيل ابن علية، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"جار الدار أحق بالدار\".\nوفي الباب: عن الشريد، وأبي رافع، وأنس.\nحديث سمرة حديث حسن صحيح.\nوروى عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ … مثله.\nوروي عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٥٢٢٢ - ٥٢٢٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٧٦١ - ٢٧٦٢).","vol":"2","page":370},{"text":"والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة، ولا نعرف حديث عن أنس إلا عن حديث عيسى بن يونس.\nوحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن الشريد، عن عن النبي ﷺ في هذا الباب هو حديث حسن.\nوروى إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع، عن النبي- ﷺ.\nسمعت محمدا يقول: كلا الحديثين عندي صحيح) (^١).\nقلت: مقصود البخاري حديث عمرو بن الشريد عن أبيه، وعنه عن رافع، كما في \"العلل الكبير\" (^٢).\nوأما حديث قتادة عن أنس، فهو غير محفوظ، والصواب حديث سمرة.\nوهذا عند البخاري والترمذي.\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عَبثر بن القاسم، عن الأشعث وهو: ابن سوّار، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضْحِيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو عندي أحسن من القمر.\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأشعث.\nورواه شعبة والثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: رأيت على رسول الله ﷺ حلّة حمراء.\nحدثنا بذلك محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٤٢٩).\n(^٢) (٣٨٢ - ٣٨٤).","vol":"2","page":371},{"text":"وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق … بهذا.\nوفي الحديث كلام أكثر من هذا.\nسألت محمدا، فقلت له: حديث أبي إسحاق عن البراء أصحّ، أو حديث جابر بن سمرة؟ فرأى كلا الحديثين صحيحا.\nوفي الباب: عن البراء، وأبي جحيفة) (^١).\n١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، فهي خِداج، فهي خداج غير تمام\"، قال: قلت: يا أبا هريرة، إني أحيانا أكون وراء الإمام، قال: يا ابن الفارسي، فاقرأها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله: قسّمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقوم العبد فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فيقول الله ﵎: حمدني عبدي، فيقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] فيقول الله: أثنى علي عبدي، فيقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فيقول: مجدني عبدي، وهذا لي، وبيني وبين: عبدي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وآخر السورة لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] \".\nهذا حديث حسن.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٠٣٣ - ٣٠٣٥)، وفي \"تحفة الأشراف\" (٢٢٠٨): (حسن).","vol":"2","page":372},{"text":"وقد روى شعبة وإسماعيل بن جعفر وغير واحد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحو هذا الحديث.\nوروى ابن جريج ومالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحو هذا الحديث.\nوروى ابن أبي أويس، عن أبيه، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي وأبو السائب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … نحو هذا.\nحدثنا بذلك محمد بن يحيى ويعقوب بن سفيان الفارسي، قالا: حدثنا ابن أبي أويس، عن أبيه، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي وأبو السائب مولى هشام بن زهرة -وكانا جليسين لأبي هريرة-، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، فهي خداج غير تمام\".\nوليس في حديث إسماعيل بن أبي أويس أكثر من هذا.\nوسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: كلا الحديثين صحيح، واحتج بحديث ابن أبي أويس، عن أبيه، عن العلاء) (^١).\nقلت: قد أقرَّ الترمذيُّ كلام البخاري وأبي زرعة على تصحيحهما لكلا الوجهين.\n١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه قال في صلاة الوسطى: \"صلاة العصر\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٢٠٢ - ٣٢٠٣).","vol":"2","page":373},{"text":"حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي وأبو النضر، عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن زبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ:\"صلاة الوسطى صلاة العصر\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nوفي الباب: عن علي، وعائشة، وحفصة، وأبي هريرة، وأي هاشم بن عتبة.\nقال أبو عيسى: قال محمد: قال علي بن عبد الله: حديث الحسن عن سمرة حديث حسن (^١) وقد سمع منه.\nقال أبو عيسى: حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن.\nحدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته، فقال: سمعته من سمرة بن جندب.\nقال أبو عيسى: وأخبرني محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الله بن المديني، عن قريش بن أنس، بهذا الحديث.\nقال محمد: قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح، واحتج بهذا الحديث) (^٢).\nقلت: وأعاد الترمذي إخراج حديث الحسن عن سمرة في أبواب التفسير من \"الجامع\"، من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن به، وقال: (هذا حديث حسن صحيح) (^٣).\n_________\n(^١) في بعض النسخ، و\"مستخرج الطوسي\" (١/ ٤٤٩)، و\"النفح الشذي\" لابن سيد الناس (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥): (صحيح).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٨١ - ١٨٢).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" «٣٢٤٣).","vol":"2","page":374},{"text":"قلت: في الأول قال: (حديث حسن)، وعندما أعاده مرة أخرى قال: (حسن صحيح).\nويجاب عن هذا: إما بتغير اجتهاده، وإما أنه لا اختلاف بين حكمه الأول والثاني؛ لأنه في بعض النسخ قال: (حسن صحيح)، وكذلك المزي في \"التحفة\" (^١) لما ذكر تخريج الترمذي للحديث من وجهين، لم يذكر إلا قوله: (حسن صحيح).\n_________\n(^١) \"تحفة الأشراف\" (٤٦٠٢)","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>النوع السابع ما حسنه وهو صحيح عند جمهور الحفاظ، وذلك بأن يكون مخرجا في \" الصحيحين \" أو في أحدهما</span>\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن سالم أبي النضر، عن بشر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ قال: \"أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة\".\nوفي الباب: عن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وعبد الله بن سعد، وزيد بن خالد الجهني.\nقال أبو عيسى: حديث زيد بن ثابت حديث حسن.\nوقد اختلفوا في رواية هذا الحديث، فروى موسى بن عقبة وإبراهيم ابن أبي النضر، عن أبي النضر مرفوعا، وأوقفه بعضهم.\nورواه مالك بن أنس عن أبي النضر ولم يرفعه.\nوالحديث المرفوع أصحّ) (^١).\nقلت: هذا الحديث صحيح، وقد خرّجه الشيخان في \"صحيحيهما\" من طريق محمد بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد، عن سالم أبي النضر به (^٢).\nوعن موسى بن عقبه عن أبي النضر به (^٣).\nوقد اختلف في رفع هذا الحديث ووقفه، فرواه مالك موقوفا، ولكنّ\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٥٣).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦١١٣)، \"صحيح مسلم\" (٧٨١)\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٧٣١)، \"صحيح مسلم\" (٧٨١).","vol":"2","page":376},{"text":"رفعه أصحّ -كما قال أبو عيسى-، وأنا أذهب إليه، فقد رفعه موسى بن عقبة، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وإبراهيم بن أبي الخضر، جميعهم عن سالم به مرفوعا.\nوسبب توقف أبي عيسى في تصحيحه هو هذا الاختلافُ الذي وقع فيه، وقد عُلم من منهجه أنه يفعل ذلك في بعض الأحيان، وفي أحيان كثيرة لا يفعل ذلك، ولا يلتفِت إلى الاختلاف الواقع في الحديث؛ إذا ترجح لديه الرفع أو الوصل، وتقدم (^١) حديث \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\"، وهو حديث صحيحٌ، ولكنَّ من أجل الاختلاف الذي وقع في رفعه ووقفه، جعل أبا عيسى يحكم عليه بـ: (حسن)، مع أنه صحح جانب الرفع.\n٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن.\nوقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﷺ مرسلا) (^٢).\nقلت: الحديث أخرجه الشيخان من طريق إسحاق بن سويد، وخالد الحذّاء، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي بكرة به (^٣).\n_________\n(^١) (ص: ٣٦٢) من هذا المجلد.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٧٠١).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٩١٢)، \"صحيح مسلم \" (١٠٨٩).","vol":"2","page":377},{"text":"فتبيّن مما تقدم أن هذا الحديث صحيح، وأما السبب في عدم تصحيح الترمذي له فمن أجل الاختلافُ الذي وقع في إسناده كما ذكر.\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب، قالا: حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم ربّ هذه الدّعوة التّامة، والصلاة القائمة، آت محمّدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلّت له الشّفاعة يوم القيامة\".\nحديث جابر حديث حسن، غريب من حديث محيد بن المنكدر، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة) (^١).\nقلت: أخرجه البخاري عن علي بن عياش به (^٢).\n٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام اليمنى يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه.\nقال: وفي الباب: عن عبد الله بن الزبير، ونمير الخزاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حُجْر.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢١١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦١٤، ٤٧١٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٩٦)، وفي \"تحفة الأشراف\" (٨١٢٨): (غريب).","vol":"2","page":378},{"text":"قلت: لم أقف على هذا الخبر عن عبيد الله إلا من هذا الوجه، كما قال أبو عيسى، فقد أخرجه أحمد (^١)، ومسلم (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، جميعهم من طريق عبد الرزاق به.\nولغرابته عن عبيد الله توقف أبو عيسى في تصحيحه.\nوأما الحديث فهو صحيح من حديث نافع وغيره.\nأما حديث نافع فقد أخرجه أحمد (^٥)، ومسلم (^٦)، وأبو عوانة (^٧)، من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع به.\nوأخرجه أحمد (^٨)، والبزار (^٩)، عن محمد بن عبد الله أبي أحمد الزبيري، قال: حدثنا كثير بن زيد، عن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"لهي أشدّ على الشيطان من الحديد\" يعني: السّبابة.\nوفي صحّة هذا اللفظ نظرٌ، وذلك في قوله: \"لهي أشد على الشيطان من الحديد\"، وأخرجه مسلم أيضا بنحو اللفظ الأول من طريق مالك (^١٠)، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، عن ابن عمر.\n٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة قال: قال رسول\n_________\n(^١) \"المسند\" (٦٣٤٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).\n(^٣) \"المجتبى\" (١٢٨٤).\n(^٤) \"السنن\" (٩١٣).\n(^٥) \"المسند\" (٦١٥٣).\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).\n(^٧) \"المستخرج\" (٢٠٥٤).\n(^٨) \"المسند\" (٦٠٠٠).\n(^٩) (٥٩١٧).\n(^١٠) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠)، وهو في \"الموطأ\" (٨٥).","vol":"2","page":379},{"text":"الله ﷺ: \"أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\".\nوفي الباب: عن جابر، وبلال، وأبي أمامة.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن) (^١)\nقلت: اختلفت النسخ في حكم أبي عيسى بين (حسن) و(حسن صحيح)، ففي \"تحفة الأشراف\" (^٢): (حسن صحيح)، وفي \"تحفة الأحوذي\" في كلا الموضعين (^٣): (حسن).\nوقد روى النسائي (^٤) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن، فذكره مرسلا.\nوبناء على ما تقدم، فإن حكمَ الترمذي على الحديث لم يتبيّن على سبيل الجزم، وإن ثبت أنه حسّنه فقط؛ فيكون توقفه في تصحيحه للاختلاف الذي وقع على أبي بشر، إذ أن شعبة قد أرسله (^٥).\nوالحديث أخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد به، وأخرجه أيضا من طريق عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن به (^٦).\n٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال النبي ﷺ: \"يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٤٠)، وأعاده في كتاب الصيام (٧٥٢) وحسنه أيضا.\n(^٢) (١٢٢٩٢).\n(^٣) (٢/ ٥٤٣) و(٣/ ٥١٩).\n(^٤) \"المجتبى\" (١٦٣٠).\n(^٥) ورجح أبو حاتم والدارقطني رواية الوصل؛ ينظر: \"علل أبن أبي حاتم\" (٧٥١، ٧٧٠)، \"علل الدارقطني\" (١٦٥٦)، وأنا أذهب إلى هذا.\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (١١٦٣).","vol":"2","page":380},{"text":"يميتون الصلاة، فصلّ الصلاة لوقتها، فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك\".\nوفي الباب: عن عبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت.\nقال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن) (^١).\nقلت: وهذا الحديث صحيح، فقد أخرجه مسلم (^٢) من طريق حماد بن زيد وجعفر بن سليمان وشعبة، جميعهم عن أبي عمران الجوني به.\nورواه أيضا عن أبي نعامة وأبي العالية البراء، عن عبد الله بن الصامت به.\nفهو حديث صحيح لا شك في صحته، وأما عدم تصحيح أبي عيسى له فلعل المقصود بذلك طريق جعفر بن سليمان، فقد تُكلم فيه بعض الشيء، ولذا فأبو عيسى الترمذي أحيانا يصحح له، وأحيانا يكتفي بالتحسين (^٣)، وقد صحح بهذا الإسناد من غير طريق جعفر أكثر من حديث.\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا بشر بن السري، قال: حدثنا سفيان، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ: \"من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة\".\nوفي الباب: عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وعمارة بن رؤيبة، وجندب، وأبي بن كعب، وأبي موسى، وبريدة.\nقال أبو عيسى: حديث عثمان حديث حسن.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٦).\n(^٢) (٦٤٨).\n(^٣) ينظر: (ص: ١٧٢، ٢٧١) من هذا المجلد.","vol":"2","page":381},{"text":"وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبى عمرة، عن عثمان موقوف، وروي من غير وجه عن عثمان مرفوع) (^١).\nقلت: كذلك في \"تحفة الأشراف\" (^٢): (حسن)، وفي \"تحفة الأحوذي\" (^٣): (حسن صحيح).\nعلى هذا فإن النسخ إذًا قد اختلفت، فإن ثبت أنه حسّنه فقط؛ فللخلافِ الذي وقع في رفعه ووقفه كما ذكر أبو عيسى.\nوالحديث أخرجه مسلم (^٤) من طريق عبد الواحد بن زياد وسفيان الثوري، كلاهما عن عثمان بن حكيم به.\n٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"لَيَلِيَني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق\".\nوفي الباب: عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب) (^٥)\nوالحديث أخرجه مسلم (^٦) من طريق يزيد بن زريع به.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٢١).\n(^٢) (٩٨٢٣).\n(^٣) (٢/ ١٧)، ومثله في طبعة الرسالة (١/ ٢٧٦).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٦٥٦).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٢٢٧)، وهكذا في عامة المصادر، وذكر أحمد شاكر أنه وقع في نسخة (م) زيادة: (صحيح)، والصحيح الأول.\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (٤٣٢).","vol":"2","page":382},{"text":"قلت: وجه عدم تصحيح الترمذي لهذا الخبر، ما روى أبو الفضل ابن عمار في \"الأحاديث التي انتقدها على مسلم\" (^١) بسنده عن الإمام أحمد قال: (هذا حديث منكر)، قال ابن عمار: (وإنما أنكره أحمد من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري فهو صحيح).\nقلت: وسبب إنكار أحمد له لكونه إسناد فرد.\nوأبو معشر زياد بن كليب؛ قال عنه أبو حاتم: (من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحب إليّ من حماد بن أبي سليمان) (^٢).\nوقد ذكر له أبو داود حديثا أخطأ فيه عن إبراهيم (^٣).\nوقد وثقه العجلي (^٤) والنسائي (^٥).\nوقال ابن حبان: (كان من الحفاظ المتقنين) (^٦).\nقلت: قوله فيه نظر، لذا حين سأل الدارمي يحيى بن معين: أبو معشر أحب إليك عن إبراهيم أو منصور؟ أجابه: (منصور خير منه ومن أبيه) (^٧).\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا معاوية، عن الأعمش. ح وحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن أوس بن ضمعج قال:\n_________\n(^١) (ص:٨١).\n(^٢) \"الجرح والتعديل \" لابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢).\n(^٣) ينظر: \"سؤالات الآجري\" ط الفاروق (ص: ٦٣).\n(^٤) \"الثقات\" (١/ ٣٧٤).\n(^٥) \"المجتبى\" (٥/ ٨٦)، (٤/ ٣٠٨).\n(^٦) \"الثقات\" (٦/ ٣٢٧).\n(^٧) \" تاريخ ابن معين\" رواية الدارمي (ص: ٢٤٧).","vol":"2","page":383},{"text":"سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا، ولا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه\". قال محمود ابن غيلان: قال أبن نمير في حديثه: \"أقدمهم سنا\".\nوفي الباب: عن أبي سعيد، وأنس بن مالك، ومالك بن الحويرث، وعمرو بن سلمة.\nقال أبو عيسى: وحديث أبي مسعود حديث حسن) (^١)\nقلت: لم تتفق نسخ الترمذي على هذا التحسين، فقد قال ابن سيد الناس: (حديث أبي مسعود هذا حسنه الترمذي، كذا هو في بعض النسخ، وكذا هو في \"الأطراف\"، وفي بعض النسخ تصحيحه) (^٢).\nقلت: ولذلك في \"تحفة الأحوذي\" (^٣) ونسخة أحمد شاكر (^٤): (حسن صحيح).\nوهذا الحديث صحيح، وقد صححه مسلم (^٥).\nوفي \"العلل\" لابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٣٥)، وكذا في \"التحفة\" للمزي (٩٩٧٦)، وطبعة الرسالة (١/ ٢٩٠).\n(^٢) النفح الشذي\" (٤/ ٢٥٢).\n(^٣) (٢/ ٤٠).\n(^٤) (١/ ٤٦٠)، ولم يذكر اختلافا بين النسخ.\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٦٧٣).","vol":"2","page":384},{"text":"فقال: قد اختلفوا في متنه:\nرواه فطر والأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة … \".\nورواه شعبة والمسعودي، عن إسماعيل بن رجاء، لم يقولوا: \"أعلمهم بالسنة\".\nقال أبي: كان شعبة يقول: إسماعيل بن رجاء كأنه شيطان؛ من حسن (^١) حديثه، وكان يهاب هذا الحديث؛ يقول: حكم من الأحكام عن رسول الله ﷺ لم يشاركه أحد.\nقال أبي: شعبة أحفظ من كلهم.\nقال أبو محمد: أليس قد رواه السدي عن أوس بن ضمْعَج؟\nقال: إنما رواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، وهو شيخ، أين كان الثوري وشعبة عن هذا الحديث؟! وأخاف ألا يكون محفوظا) (^٢).\nقال ابن رجب: (وفي ألفاظ هذا الحديث اختلاف، وقد توقف فيه أبو حاتم الرازي، وحكى عن شعبة أنه كان يهابه؛ لتفرد إسماعيل بن رجاء به عن أوس، فقال: إنما رواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، وهو شيخ، وأخاف أن لا يكون محفوظًا. يعني: حديث السدي) (^٣).\nقال نصر بن حماد الوراق: (سمعت شعبة ينازع عبد الله بن إدريس حتى غضبًا في حديث أوسٍ عن أبي مسعود \"يوم القوم\".\n_________\n(^١) في بعض المصادر: (من جودة حديثه)، ينظر حاشية علل ابن أبي حاتم.\n(^٢) \"العلل\" (٢٤٨).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ١٣١).","vol":"2","page":385},{"text":"قال شعبة: أنا والله أستخير الله فيه منذ سنة أن أدعه.\nقال عبد الله: اتق، لا تُجنّ، حديث رواه الناس عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق، ومسعر.\nفقال شعبة: لا يكون هذا، حديث سُنّة يقوله رسول الله ﷺ ليس في الدنيا شيء يشبهه، فلا يسمعه من النبي ﷺ إلا أبو مسعود، ولا يسمعه منه إلا أوس!) (^١).\nقلت: كلام شعبة هذا دقيق في معناه، ونفيس في بابه، فيما يتعلق بمسألة الغرابة والتفرد، ومنطلق شعبة في هذا الكلام إنما جاء من خلال معايشته لواقع الرواية وكثرة أسانيد الأخبار التي جاءت عن رسول الله ﷺ، فتجد الأحاديث تروى من أوجه كثيرة، وتتعدد الأسانيد من أوجه مختلفة، وهذا من حفظ الله لسنة نبيه ﷺ.\nولذا استغرب شعبة أن يتفرّد أوسُ بن ضَمْعَج بهذا الحكم المهم ولا يرويه غيره، ويزيد هذا وضوحا ما ذكره ابن عدي في \"الكامل\" (^٢) من طريق أبي حاتم الرازي، قال: حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا محمد بن سواء قال: (ذكرت لشعبة حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر؛ كنت أبيع الإبل بالبقيع. فقال: من حدث به؟ قلت: حماد بن سلمة، فقال: وكيف سمع حماد هذا، ولعله إنما جلس إلى سماك مجلسين أو ثلاثة، وقد جلست إلى سماك أكثر من مئة مجلس ولم أسمع هذا؟!).\nوقد تكلمت على هذا في باب مفرد؛ في الغرابة وأقسامها وما يتعلق بها من أحكام.\n_________\n(^١) \"أطراف الغرائب والأفراد\" لابن طاهر (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) (٣/ ٣٤٩).","vol":"2","page":386},{"text":"١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لاْحب الخلق إلي.\nقال أبو عيسى: حدثني الحسن بن علي بهذا أو بشبهه في المذاكرة.\nوفي الباب: عن أبي سعيد.\nقال أبو عيسى: حديث صفوان رواه معمر وغيره، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ، وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية) (^١).\nقلت: هذا الحديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (^٢)، والذي يظهر من كلام أبي عيسى أن هذا الخبر مرسل عن سعيد بن المسيب، فقد رجح قول: (سعيد أن صفوان قال) على الرواية الأخرى التي فيها: (عن صفوان).\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد ويولسف بن عيسى، قالا: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق\".\nقال أبو عيسى هذا حديث حسن) (^٣).\nقلت: هذا الحديث صحيح، أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن سواده وشعبه، كلاهما عن سوادة به (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٧١).\n(^٢) (٢٣١٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٧١٥).\n(^٤) (١٠٩٤).","vol":"2","page":387},{"text":"وأما عدم تصحيح أبي عيسى له فلعله بسبب أبي هلال، وهو متكلم فيه، ولكنه قد توبع كما تقدم.\n١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا بشر ابن السري، عن سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان النبي ﷺ يأتيني، فيقول: \"أعندك غداء؟ \"، فأقول: لا، فيقول: \"إني صائم\"، قالت: فأتاني يوما، فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: \"وما هي؟ \"، قالت: قلت: حيس، قال: \"أما إني أصبحت صائمًا\"، قالت: ثم أكل.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن) (^١).\nقلت: حسّنه من أجل أنّ يحيى بن طلحة متكلم فيه، والحديث في \"صحيح مسلم\" من طريقه (^٢).\n١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزِمّاني، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: \"صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده، والسنة التي قبله\".\nوفي الباب: عن أبي سعيد.\nقال أبو عيسى: حديث أبي قتادة حديث حسن) (^٣).\nقلت: هذا الحديث أخرجه مسلم (^٤)، وعدم تصحيح الترمذي له فلعله من أجل عبد الله بن معبد الزِمّاني، فهو لم يذكر سماعا عن أبي قتادة كما ذكر ذلك البخاري (^٥).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٤٥).\n(^٢) (١١٥٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٧٦١).\n(^٤) (١١٦٢).\n(^٥) \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٩٨).","vol":"2","page":388},{"text":"وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن أبي قتادة؛ مما يدل على أنه محفوظ.\n١٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس، إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المومنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ \"، قال: \"وذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك\".\nهذا حديث حسن غرب، وإنما نعرفه من حديث فضيل بن مرزوق.\nوأبو حازم هو الأشجعي، اسمه سلمان، مولى عزة الأشجعية) (^١).\nقلت: أخرجه مسلم من طريق فضيل بن مرزوق به (^٢).\n١٥ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان ويحيى بن موسى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه.\nقال: وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، ونمير الخزاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حجر.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه من\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٢٥٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٠١٥).","vol":"2","page":389},{"text":"حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق به (^٢).\n١٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: \"هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ \"، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: \"إني أقول ما لي أنازَع القرآن؟ \"، قال: فانخهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر فيه رسول الله ﷺ من الصلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ.\nوفي الباب: عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوأبن أكيمة الليثي أسمه: عُمارة، ويقال: عمرو بن أكيمة.\nوروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث، وذكروا هذا الحرف، قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ) (^٣).\nقلت: ولأجل هذا الإدراج من الزهري لم يصحح أبو عيسى هذا الحديث.\n١٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ صلى على حصير.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٩٦). وفي \"التحفة\" (٨١٢٨): (غريب) حسب.\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣١٤).","vol":"2","page":390},{"text":"وفي الباب: عن أنس، والمغيرة بن شعبة.\nقال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد حديث حسن) (^١).\nقلت: وهذا الحديث رجاله ثقات، سوى أبي سفيان طلحة بن نافع، فإنه صدوق، ولكن العلة ليست هنا، وإنما في سماعه من جابر.\nقال ابن رجب في شرح \"العلل\": (قال شعبة وابن عيينة: روايته عن جابر إنما هي صحيفة، ومرادهما أنه كتاب أخذه فرواه عن جابر ولم يسمعه.\nوقال ابن المديني: قال معلى الرازي، عن يحيى بن أبي زائدة، قال: سمعت يزيد الدالاني قال: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث.\nوذكر الترمذي في \"علله\" (^٢) عن البخاري قال: كان يزيد أبو خالد الدالاني يقول: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أشياء، ثم قال البخاري: وما يدريه؟ أو ما يرضى أن رأسا برأس، حتى يقول مثل هذا؟\nيشير البخاري إلى أن أبا خالد في نفسه ليس بقوي، فكيف يتكلم في غيره!\nوأثبت البخاري سماع أبي سفيان من جابر، وقال في \"تاريخه\": قال لنا مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرا بمكة ستة أشهر.\nقال: وقال علي: سمعت عبد الرحمن قال: قال لي هشيم، عن العلاء قال: قال لي أبو سفيان: كنت أحفظ وكان سليمان اليشكري يكتب. يعني: عن جابر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣٣).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (ص: ٣٨٨).","vol":"2","page":391},{"text":"وخرج مسلم حديث أبي سفيان عن جابر، وخرجه البخاري مقرونًا) (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (^٢): (وفي \"العلل الكبير\" لعلي ابن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وقال فيها: أبو سفيان يكتب حديثه، وليس بالقوى. وقال أبو حاتم، عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث).\nقلت: لم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنها التي عناها شيخه علي ابن المديني: منها حديثان في الأشربة (^٣)، قرنه بأبي صالح، وفي المناقب حديث: \"اهتز العرش\" (^٤) كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة (^٥)، قرنه بسالم بن أبي الجعد.\nوأما أبو عيسى فخرج له عدة أحاديث عن جابر؛ فمنها ما حسنها (^٦)، مع أن رجالها ثقات، ومنها ما صححها، وهذا الأكثر (^٧).\nقلت: ورواية أبي سفيان عن جابر وإن كانت صحيفة إلا أنها صحيحة، وذلك أن سليمان بن قيس اليشكري -وهو ثقة- قد كتب صحيفة عن جابر، فلم يلبث أن توفي، فأخذ هذه الصحيفة جمعٌ من أهل العلم من زوجته، وأخذوا يروونها عن جابر، منهم أبو سفيان هذا (^٨).\n١٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة،\n_________\n(^١) (٢/ ٧٤٢).\n(^٢) (٢/ ٢٤٤).\n(^٣) (٥٦٠٥، ٥٦٠٦).\n(^٤) (٣٨٠٣).\n(^٥) (٤٨٩٩).\n(^٦) ينظر: (٣٣٣، ٢٠٦٢، ٢٤١٥).\n(^٧) ينظر: (٢٧٦، ٢٧٩٣، ٢٨١٩ - ٢٨٢٠، ٣٦١٧)، وما لم يحكم عليه: (٤٥٩، ١٩٣٧)، وما أعلّه بالاضطراب (١٣٣٣).\n(^٨) ينظر: \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (٤/ ١٣٦).","vol":"2","page":392},{"text":"عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرًا.\nوفي الباب: عن ابن عمر.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن) (^١).\nقلت: كذا في بعض النسخ، وهو الموافق لما في \"تحفة الأشراف\" (^٢)، وفي بعض النسخ و\"تحفة الأحوذي\" (^٣): (حسن صحيح)؛ فتبين من هذا أن النسخ اختلفت في حكم الترمذي على الحديث.\n١٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا بندار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال في بول الغلام الرضيع: \"ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nرفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة، ووقفه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ولم يرفعه) (^٤).\nقلت: رفع هذا الخبر صحيح، ولمجال فيه كما قيل في الأحاديث التي قبله.\n٢٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل ومسلم البطين، عن سعيد ابن جبير وعطاء ومجاهد، عن ابن عباس قالْ جاءت امرأة إلى النبي ﷺ،\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٨٥).\n(^٢) (١٤٥٦٠).\n(^٣) (٢/ ٤١٢).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٦١٦)، وهو كذلك في \"تحفة الأشراف\" (١٠١٣١)، وفي بحض النسخ زيادة: (صحيح)، والصواب الأول.","vol":"2","page":393},{"text":"فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين، قال: \"أرأيت لو كان على أختك دين اكنت تقضينه؟ \" قالت: نعم، قال: \"فحق الله أحق\".\nوفي الباب: عن بريدة، وابن عمر، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.\nحدثنا أبو غريب، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، بهذا الإسناد نحوه.\nوقال أبو عيسى: سمعت محمدا يقول: جوّد أبو خالد الأحمر هذا الحديث عن الأعمش (^١).\nقال محمد: وقد روى غير أبي خالد، عن الأعمش، مثل رواية أبي خالد.\nقال أبو عيسى: وروى أبو معاوية وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، ولم يذكروا فيه: سلمة بن كهيل، ولا عن عطاء، ولا عن مجاهد) (^٢).\nقلت: في \"تحفة الأشراف\" للمزي (^٣): (حسن)، فاختلفت نسخ الترمذي في الحكم على هذا الخبر، وإذا ترجح أنه حسّنه فلعل هذا من أجل الاختلاف الذي ذكره أبو عيسى (^٤).\n٢١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا بندار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن\n_________\n(^١) زاد في \"العلل الكبير\" (١٩٧): (واستحسن حديثه جدًا).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٧٢٥ - ٧٢٦)، وكذا في طبعة الرسالة (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) (٥٦١٢).\n(^٤) ينظر: \"صحيح البخاري\" (١٩٥٣)، \"صحيح مسلم\" (١١٤٨)، \"التتبع\" للدارقطني (١٧٩).","vol":"2","page":394},{"text":"مهدي، عن سفيان، عن مخصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.\nوفي الباب: عن عائشة.\nقال أبو عيسى: حديث أم سلمة حديث حسن.\nوقد روي هذا الحديث أيضًا عن أبى سلمة، عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله) (^١).\nوقد أخرجه في \"الشمائل\" (^٢) فقال: (هذا إسناد صحيح، وهكذا قال: عن أبي سلمة، عن أم سلمة.\nوروى هذا الحديث غير واحد، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ.\nويحتمل أن يكون أبو سلمة بن عبد الرحمن قد روى هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة جميعا، عن النبي ﷺ).\nقلت: لم يصححه في \"الجامع\" من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده، هذا الذي يظهر لي، وقد تقدم نظائر ذلك.\nوأما تصحيحه له في كتابه \"الشمائل\" فيظهر أنه ترجح له صحته فحكم بذلك، وهذا هو الأرجح، فهذا الخبر صحيح من حديث أبي سلمة عن أم سلمة، وعن أبي سلمة عن عائشة، وهذا ممّا قد يفيد أن شرطه في \"الجامع\" أقوى من شرطه خارجه، وهذه هي طريقة البخاري، فإن شرطه في \"الصحيح\" أقوى مما في خارج \"الصحيح\" كما هو معلوم.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٤٨ - ٧٤٩).\n(^٢) (٣٠١).","vol":"2","page":395},{"text":"٢٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب قال: قال النبي ﷺ: \"من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر\".\nوفي الباب: عن جابر، وأبي هريرة، وثوبان.\nحديث أبي أيوب حديث حسن صحيح.\nقال أبو عيسى: وقد روى عبد العزيز بن محمد، عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ هذا.\nوروى شعبة، عن ورقاء بن عمر، عن سعد بن سعيد هذا الحديث.\nوسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سعد بن سعيد من قبل حفظه) (^١).\nقلت: اختلفت النسخ في حكم الترمذي، وفي بعضى النسخ ومنها نسخة الكروخي (^٢): (حسن)، ولم يذكر المزي في \"التحفة\" (^٣) حكم الترمذي.\nوإذا ثبت أن الترمذي قد حسّنه فقط، فهذا من أجل سعد بن سعيد قد تُكلِّم فيه، كما ذكر في نهاية الباب.\n٢٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٧١)، وفي هامش التحقيق ذكر لاختلاف النسخ في حكم الترمذي.\n(^٢) (ص: ٥٨ ب)، وهو موافق لطبعة الرسالة (٧٦٩).\n(^٣) (٣٤٨٢)، إلا أن محقق \"التحفة\" أضاف (حسن صحيح)، وليس في أصل \"التحفة\" ذكر لحكم الترمذي، ولذا لا يوجد في طبعة دار الغرب الإسلامي.","vol":"2","page":396},{"text":"صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر\". فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك في كتابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: (١٦٠)] اليوم بعشرة أيام.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nقال أبو عيسى: وقد روى شعبة هذا الحديث، عن أبي شمر وأبي التياح، جميعا عن أبي عثمان، وقال: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ) (^١).\nقلت: هذا الحديث رجاله ثقات أثبات، وإنما حسنه من أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده، فقد ذكر أبو عيسى أن شعبة روى هذا الحديث فجعله من مسند أبي هريرة.\n٢٤ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة ونصر بن علي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير شهر رمضان إلا بإذنه\".\nوفي الباب: عن ابن عباس، وأبي سعيد.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن (^٢).\nوقد روي هذا الحديث عن أبي الزِّناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ) (^٣).\nقلت: إذا ثبت أنه (حسن) فقط، فمن أجل الاختلاف الذي وقع في إسناده.\n* * *\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٧٤).\n(^٢) في بعض النسخ: (حسن صحيح)، والصواب: (حسن).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٧٩٥).","vol":"2","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>النوع الثامن ما حسّنه، مع أن ظاهره الصحة، ولكنه توقف في تصحيحه لاختلاف وقع فيه، وسلك فيه سبيل الاحتياط </span>(^١)\n١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضَّل، عن خالد الحذّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن.\nوقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي ﷺ مرسلا) (^٢).\nقلت: هذا الحديث متفق على صحته؛ خرّجه الشيخان (^٣)، وإسناد الترمذي صحيح، وهو مسلسل بالثقات المشاهير، ومع هذا توقف في تصحيحه احتياطا منه؛ وذلك لكونه جاء من وجه آخر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة مرسلا.\nولم أقف على هذا الوجه.\nوقد جاء من وجه آخر، وفيه شكٌّ في رفعه، وهو ما جاء عن إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: أحسبه عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) أشرت سابقا إلى أني إنما أفردت هذا النوع لكثرته في \"جامع أبي عيسى\".\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٧٠١).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٩١٢) \"صحيح مسلم\" (١٠٨٩)، من طريق إسحاق بن سويد وخالد الحذاء، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي بكرة به.","vol":"2","page":398},{"text":"أخرجه الإمام أحمد عن إسماعيل به (^١)، وهذا لم أقف عليه إلا من هذا الوجه.\n٢ - (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم أصبح من الغد فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمّها، فقال رسول الله ﷺ: \"المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^٢).\nوفي بعض النسخ زيادة: (غريب من حديث سهيل).\nقلت: الذي يظهر لي أنه توقف في تصحيحه من أجل غرابته، فقد تفرد به مالك فيما يظهر؛ لأنه قال: (غريب من حديث سهيل)، وإلا فظاهر الحديث الصحة، وقد خرّجه مسلم في \"صحيحه\" (^٣) وغيره، وهو في \"الموطأ\" برواية يحيى الليثي وغيره (^٤).\nهذا وقد جاء من أوجه أخرى عن أبي هريرة؛ فقد أخرجه البخاري\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٢٠٣٩٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٩٣٥)، هكذا في (التحفة) (١٢٧٣٩) و(تحفة الأحوذي) (٥/ ٥٦٣) والطبة الحجرية التي مع (تحفة الأحوذي) (٣/ ٨٨) وطبعة الرسالة (٣/ ٥٨٨): (حسن غريب). وفي طبعتي التأصيل والصّديق (١٨١٩): (حسن صحيح غريب).\n(^٣) (٢٠٦٣) من طريق محمد بن رافع، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك به.\n(^٤) (٢٦٧٥).","vol":"2","page":399},{"text":"من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (^١)، ومن حديث شعبة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (^٢).\nوأخرجه مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة (^٣)، فهو مشهور من حديث أبي هريرة.\nوأما متنه فمتواتر، فقد جاء من أوجه أخرى.\n٢ - قال أبو عيسى الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا شريك، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: \"يتصدق بنصف دينار\".\nحدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن أبي حمزة السكري، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"إذا كان دما أحمر فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار\".\nقال أبو عيسى: حديث الكفارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا) (^٤).\nقلت: هذا الخبر صحيح إلى ابن عباس ﵄، وإنما الخلاف في رفعه ووقفه كما ذكر أبو عيسى، ولعلّه من أجل هذا الاختلاف لم يحكم عليه بشيء، وهذا من احتياطه فيما يظهر، مع ملاحظة أنه إذا قيل بوقفه فمثله لا يقال من قبل الرأي.\n٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال\n_________\n(^١) (صحيح البخاري) (٥٣٩٦).\n(^٢) (صحيح البخاري) (٥٣٩٧).\n(^٣) (صحيح مسلم) (٢٠٦٢).\n(^٤) (جامع الترمذي) (١٣٧ - ١٣٨)","vol":"2","page":400},{"text":"زياد: حدثني هذا الشيخ، أن رجلا صلى خلف الصف وحده - والشيخ يسمع - فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة.\nقال: وفي الباب: عن علي بن شيبان، وابن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث وابصة حديث حسن.\nوروى حديث حصين عن هلال بن يساف غير واحدٍ مثل رواية أبي الأحوص عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالا قد أدرك وابصة.\nواختلف أهل الحديث في هذا، فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة أصح، وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد أصح.\nقال أبو عيسى: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنه روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد.\nحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة) (^١).\nقلت: هذا الحديث صحيح، وقد رجح أبو عيسى رواية حصين، ومع ذلك حكم عليه بالحسن ولم يصححه، وهذا فيما يظهر من احتياطه.\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢٢٩ - ٢٣٠).","vol":"2","page":401},{"text":"٥ - (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال قال النبي ﷺ: \"إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم\".\nوفي الباب: عن أنس، وسليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه.\nهذا حديث حسن.\nوأبو سفيان اسمه طلحة بن نافع) (^١).\nقلت: توقف في تصحيحه من أجل الخلاف في سماع أبي سفيان من جابر، قال شعبة وسفيان بن عيينة: (حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة) (^٢).\nومثله حديث: \"ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة\"، أخرجه من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وقال: (حديث حسن) (^٣).\nوأخرج لأبي سفيان عن جابر أحاديث أخرى وصحّحها، ربما لكونها جاءت من طرق أخرى، كما نصَّ على ذلك في حديث: \"يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما، ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة … \"، أخرجه من طريق الأعمش، عن أبي سفيان به، وقال: (هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر) (^٤).\nونحوه حديث \"بين الكفر والإيمان ترك الصلاة\"، أخرجه من طريق\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢٠٦٢).\n(^٢) ينظر: (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم (١/ ٤٦)، و(شرح العلل) (٢/ ٧٤٢).\n(^٣) (جامع الترمذي) (٢٤١٥).\n(^٤) (جامع الترمذي) (٢٧٩٣).","vol":"2","page":402},{"text":"الأعمش، عن أبي سفيان به، وقال: (حسن صحيح) (^١)، ثم أتبعه برواية أبي الزبير عن جابر، وقال: (حسن صحيح) (^٢).\nوروى عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن حُصين، عن أبي سفيان، عن جابر قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما إذ قدمت عير المدينة … الحديث، وقال: (حسن صحيح).\nثم روى بعده أيضا عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، عن النبي ﷺ … بنحوه، وقال: (حسن صحيح) (^٣).\nولعله أيضا من هذا الباب حديث \"إذا سجد أحدكم فليعتدل\"، ذكره من حديث أبي سفيان، عن جابر، وقال: (حسن صحيح) (^٤)، ثم أتبعه برواية شعبة، عن قتادة، عن أنس بنحوه، وقال: (حسن صحيح) (^٥).\nوحديث أنس قد خرجه الشيخان (^٦).\nوبعضها لم يحكم عليها بشيء، مثلى حديث: \"من خشي منكم ألا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أوله\" (^٧)، وحديث: \"طعام الواحد يكفي الاثنين\" (^٨)، ولكنه قد ذكر هذين الحديثين بعد حديث الباب؛ ذكر المتن، ثم ساق الإسناد.\nوقد تقدم الكلام عن رواية أبي سفيان عن جابر (^٩).\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢٨١٩ - ٢٨٢٠).\n(^٢) (جامع الترمذي) (٢٨٢١).\n(^٣) (جامع الترمذي) (٣٦١٧ - ٣٦١٨).\n(^٤) (جامع الترمذي) (٢٧٦).\n(^٥) (جامع الترمذي) (٢٧٧).\n(^٦) (صحيح البخاري) (٨٢٢)، (صحيح مسلم) (٤٩٣).\n(^٧) (جامع الترمذي) (٤٥٩).\n(^٨) (جامع الترمذي) (١٩٣٧).\n(^٩) ينظر: ص (٣٩١) من هذا المجلد.","vol":"2","page":403},{"text":"وربما حسّنه الترمذي لأجل الاختلاف؛ ففي (العلل) لابن أبي حاتم (^١): (سألت أبي عن حديث رواه المسيب ابن واضح، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكنه في التحريش بينهم\".\nوعن أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه.\nقال أبي: أحد هذين باطل).\n٦ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها\".\nهذا حديث حسن، وقد روى بعضهم، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا) (^٢).\nقلت: مع أن ظاهر الإسناد المرفوع الصحة (^٣)، إلا أن المصنف توقف في تصحيحه من أجل الاختلاف في وقفه ورفعه، وهذا دليل على احتياطه.\n٧ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا أبو الوليد وعفان وسليمان بن حرب، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسوَدّ، وعن بيع الحَبّ حتى يشتد.\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا، إلا من حديث حماد بن سلمة) (^٤).\n_________\n(^١) (٢٣٥٥).\n(^٢) (جامع الترمذي) (١٤٠٩)، وفي بعض النسخ زيادة: (بهذا الإسناد ولم يرفعه).\n(^٣) ولذا صححه ابن حبان (٢١٣٦).\n(^٤) (جامع الترمذي) (١٢٨٠).","vol":"2","page":404},{"text":"قلت: مع أن ظاهر الحديث الصحة؛ لأن حمادا أثبت الناس في خاله حميد كما قال الإمام أحمد (^١)، فالمصنف لم يصححه؛ لأن هناك من خالف حمادا في لفظ الحديث.\nقال أبو بكر البيهقي: (ذِكر الحب حتى يشتد والعنب حتى يسود في هذا الحديث، مما تفرد به حماد بن سلمة عن حميد من بين أصحاب حميد، فقد رواه في الثمر: مالك بن أنس، وإسماعيل بن جعفر، وهشيم بن بشير، وعبد الله بن المبارك، وجماعة يكثر تعدادهم، عن حميد، عن أنس، دون ذلك) (^٢).\n٨ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل، فيسألني من البيع ما ليس عندي، آبتاعُ له من السوق، ثم أبيعه منه؟ قال: \"لا تبع ما ليس عندك\".\nحدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي.\nهذا حديث حسن.\nوفي الباب: عن عبد الله بن عمرو.\nحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا أيوب، قال: حدثنا عمرو بن شعيب، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك\".\nوهذا حديث حسن صحيح.\n_________\n(^١) (الكامل) لابن عدي (٣/ ٣٥٩)، (شرح علل الترمذي) (٢/ ٧٨١ - ٧٨٢).\n(^٢) (السنن الكبرى) (١١/ ١٢٦).","vol":"2","page":405},{"text":"حديث حكيم بن حزام حديث حسن، قد روي عنه من غير وجه، روى أيوب السختياني وأبو بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام.\nوروى هذا الحديث عوف وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ.\nوهذا حديث مرسل، إنما رواه ابن سيرين، عن أيوب السختياني، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام هكذا.\nحدثنا الحسن بن علي الخلال وعبدة بن عبد الله وغير واحد، قالوا: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي.\nوروى وكيع هذا الحديث، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن أيوب، عن حكيم بن حزام، ولم يذكر فيه عن يوسف بن ماهك.\nورواية عبد الصمد أصحّ.\nوقد روى يحيى بن أبي كثير هذا الحديث (^١)، عن يعلى بن حكيم، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ) (^٢).\nقلت: رجاله ثقات، لكن يوسف لم يثبت أنه سمع هذا الخبر من حكيم، وإنما بينهما عبد الله بن عصمة، ولأجل هذا لم يصححه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجارود في (المنتقى) (٦٥٥ - ٦٥٧) من طريق هشام وشيبان وهمام، عن يحيى به.\n(^٢) (جامع الترمذي) (١٢٨٤، ١٢٨٧).","vol":"2","page":406},{"text":"قال العلائي: (يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام، قال الإمام أحمد: مرسل) (^١).\nوعبد الله بن عصمة هو الجشمي، ليس بالمشهور، ولكن رواية يوسف بن ماهك عنه، وعطاء بن أبي رباح (^٢) - وهما ثقتان مشهوران، خاصة عطاء فهو إمام - مما يقويه، هذا مع ذكر ابن حبان له في (الثقات) (^٣)، ولذا قال الذهبي في (الكاشف) (^٤): ثقة.\n٩ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا هنّاد وعلي بن حُجْر، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شر حبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة قال: سمعت النبي ﷺ يقول في خطبته عام حجّة الوداع: \"العارية مؤداة، والزعيم غارم، والدين مقضي\".\nوفي الباب: عن سمرة، وصفوان بن أمية، وأنس.\nحديث أبي أمامة حديث حسن، وقد روي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ أيضا من غير هذا الوجه) (^٥).\nقلت: هذا الحديث إسناده قوي، وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين، وقد قوّاها الحفاظ، ومع أن الحديث روي عن أبي أمامة من غير هذا الوجه كما ذكر المصنف، إلا أنه لم يصححه.\n١٠ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي البصري، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن هشام بن عروة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أنس بن مالك، أن رجلا من\n_________\n(^١) (جامع التحصيل) (٩١٩).\n(^٢) (المجتبى) للنسائي (٤٦٤٥).\n(^٣) (٥/ ٢٧).\n(^٤) (٣/ ١٥٤).\n(^٥) (جامع الترمذي) (١٣١٩).","vol":"2","page":407},{"text":"كلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل، فنهاه، فقال: يا رسول الله، إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة.\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن حميد، عن هشام بن عروة) (^١).\nقلت: هذا الحديث وإن كان رجال إسناده ثقات، لكنه غريب جدا؛ ولهذا لم يصححه.\n١١ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا نصر بن علي الجَهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"ليلينِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق\".\nوفي الباب عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب) (^٢).\nقلت: ظاهره الصحة، وزياد بن كليب ثقة، وأخرجه مسلم (^٣)، ولكن لم يصححه الترمذي لغرابته، مع أنه سأل البخاري عنه فقال: (أرجو أن يكون محفوظا) (^٤).\nولذا استنكره الإمام أحمد، قال أبو الفضل بن عمار في (علل\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (١٣٢٨) - وينظر: (أطراف الغرائب والأفراد) (١٢٤١).\n(^٢) (جامع الترمذي) (٢٢٧).\n(^٣) (صحيح مسلم) (٤٣٢) من طريق يحيى بن حبيب وصالح بن حاتم، عن يزيد به.\n(^٤) (العلل الكبير) (٩٤).","vol":"2","page":408},{"text":"الأحاديث في صحيح مسلم) (^١): (ووجدت فيه من حديث يزيد بن زُرَيْع، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ: \"لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهَى\"، وذكر الحديث وفيه زيادة: \"وإياكم وهَيْشَات الأسواق\".\nحدثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمه أحمد بن حنبل قال: هذا حديث منكر.\nقال أبو الفضل: قلت: وإنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري فهو صحيح).\n١٢ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان وأبو جناب (^٢) يحيى بن أبي حية، عن عبد الله بن عيسى، عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكّر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها\".\nوفي الباب عن أبي بكر، وعمران بن حصين، وسلمان، وأبي ذر، وأبي سعيد، وابن عمر، وأبي أيوب.\nحديث أوس بن أوس حديث حسن).\nقلت: هذا الحديث صحيح، وقد جاء من أوجه أخرى، وصحّحه جمعٌ من أهل العلم.\n_________\n(^١) (١٢).\n(^٢) كذا، وهو معطوف على سفيان، قال المزي في \"التحفة\" (١٧٣٥): (عن سفيان وأبي جناب بحيى بن أبي حية، كلاهما عن عبد الله بن عيسى).","vol":"2","page":409},{"text":"١٣ - قال الترمذي ﵀: (حدثنا علي بن خَشرم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن عَبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد يعني الضمري - وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو -، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه\".\nوفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وسمرة.\nحديث أبي الجعد حديث حسن.\nقال: وسألت محمدا عن اسم أبي الجعد الضمري فلم يعرف اسمه، وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث.\nقال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو) (^١).\nقلت: وهذا أيضا توقف فيه للغرابة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة والطبراني في (الكبير) والحاكم (^٢)، من طرق عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو به، وفيه تصريح عَبيدة بن سفيان بالسماع من أبي الجعد.\nوالله تعالى أعلم.\nوسيأتي في مصطلح (الغريب): فصلٌ في أحاديث رويت بأسانيد ظاهرُها الصحة، توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها، وفيه أمثلة كثيرة.\n* * *\nنخلص مما سبق: إلى أن في حكم الترمذي على حديثٍ ما - أو على\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٥٠٦).\n(^٢) (المصنف) (٥٦٤٦)، (المعجم الكبير) (٩١٥)، (المستدرك) (٦٨٠٤).","vol":"2","page":410},{"text":"راوٍ من الرواة - بأنه حسن: تقويةً لهذا الحديث - أو لهذا الراوي -، ولكن لا يصل لدرجة الصّحة والقبول، ولا ينزل لدرجة الساقط والواهي، كما أن الراوي المحكوم عليه بذلك لا يصل لدرجة الاحتجاج، ولا ينزل لدرجة الساقط والواهي.\nومما يدل على هذا ويؤكِّده:\n١ - تعريف الترمذي للحديث الحسن، ففي خلو الحديث من المتهم، وكونه يروى من غير وجه = هذه تقوية نوعا ما للحديث.\n٢ - قال الترمذي: (قال محمد: شهر حسن الحديث. وقوّى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون) (^١).\nفقوله: (قوى أمره) هذا من كلام الترمذي، وأن هذه التقوية فيما يظهر من فهمه لقول البخاري: (حسن الحديث).\n٣ - أن الترمذي روى حديثا في كتابه (العلل الكبير) (^٢): باب ما جاء في بيعة النبي ﷺ، قال: (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا سيف بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايعت عليه النساء … الحديث.\nفسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه حسنا، وقال: سيف بن هارون له مناكير).\nوالشاهد قوله: (فلم يعرفه حسنا)، لأن هذا الإسناد منكر، ولذا قال: (سيف بن هارون له مناكير).\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٣/ ٥٥٧).\n(^٢) (٤٨٠).","vol":"2","page":411},{"text":"٤ - أن الحديث الساقط، وما كان شديد الضعف، لا يحكم عليه بذلك، وإنما يبيّن ضعفه، أو يحكم عليه بالغرابة، دون أن يضيف إليها الحسن أو الصحة من باب أولى، ومن أمثلة ذلك:\nقال الترمذي: (٣٨٥١) - حدثنا محمد بن حاتم المؤدِّب، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، قال: حدثنا علقمة بن مَرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: شكا خالد بن الوليد المخزومي إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق، فقال نبي الله ﷺ: \"إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم أو أن يبغي، عَزّ جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، لا إله إلا أنت\".\nهذا حديث ليس إسناده بالقوي، والحكَم بن ظُهير قد تَرك حديثه بعض أهل الحديث.\nويُروى هذا الحديث عن النبي ﷺ مرسلا من غير هذا الوجه).\nوقال الترمذي: (٢٨٧٠) - حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن الخليل بن مُرّة، عن يحيى بن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ، فيسمع من النبي ﷺ الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إني لأسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول الله ﷺ: \"استعن بيمينك\"، وأومأ بيده للخط.\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو.\nهذا حديث إسناده ليس بذاك القائم، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: الخليل بن مرة منكر الحديث).","vol":"2","page":412},{"text":"وقال الترمذي: (٢٩٠٨) - حدثنا الفضل بن الصبّاح، قال: حدثنا سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"السلام قبل الكلام\".\nوبهذا الإسناد عن النبي ﷺ، قال: \"لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلّم\".\nهذا حديث منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، سمعت محمدا، يقول: عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث، ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث).\nقلت: هذه الأحاديث وما كان مثلها لا يمكن أن يحكم عليها بالحسن، وذلك لأنها ساقطة عنده.\nكما أن الأحاديث التي رويت بسلسلة: مالك عن نافع عن ابن عمر، أو أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أو هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، أو سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، وما كان مثلها من السلاسل المشهورة= لا يمكن أن يحكم عليها بالحسن فقط إذا ما اشتهرت الأسانيد إلى من ذُكر.\nوليعلم أيضا أن الحسن عنده ليس على درجة واحدة، بل على درجات:\nالأولى: مثل سلسلة: محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فهذه السلسلة صحَّح فيها أحاديث (^١)، وأحاديث أخرى اكتفى بتحسينها (^٢).\n_________\n(^١) ينظر. (٢٢، ٦٨٩، ٦٩١، ١٠٦٥، ١٢٠٣، ٢٤٨٠).\n(^٢) ينظر: (١١٤١، ١٢٠٠، ١٤٨٠، ١٥٠٢، ١٥٦٠).","vol":"2","page":413},{"text":"وتوقفه في تصحيح بعضها؛ إما لغرابة في الإسناد، أو لعلّة، أو عنده توقف في خبر معين منها.\nومثل هذه السلسلة؛ سلسلة: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والغالب أنه لم يصححها وإنما حسنها، نعم صحح ثلاثة أحاديث بهذه السلسلة (^١).\nوأيضا سلسلة: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، روى بها عشرة أحاديث، صحح حديثا (^٢)، وحسن الباقي (^٣)، مع أنه يرويها من طريق غير واحد من الحفاظ؛ كابن المبارك ويحيى بن سعيد ويزيد بن هارون.\nوقد قال الترمذي: (وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر وسفيان الثوري وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة) (^٤).\nومن المعلوم الخلاف في حكم هاتين السلسلتين، ولكن الراجح عند الجمهور قوتهما.\nوأيضا حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين، فإنه لا يصحِّحه (^٥)، وقد قال عنه: (رواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين صالحة، وله عن أهل الحجاز وأهل العراق مناكير) (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: (١٢٢٤، ١٦٨٩، ٢٠٤٥).\n(^٢) ينظر: (٢٣٥١)، (تحفة الأشراف) (١١٣٩٠).\n(^٣) ينظر. (٦٦١، ١٤٨٧، ٢٠١٩، ٢٤٨٢، ٢٦٠٧، ٢٩٨٨).\n(^٤) (جامع الترمذي) (٢٠١٩).\n(^٥) ينظر: (٦٧٥، ١٣١٩)، وحديث (٢٥٥١) قال المزي في (التحفة) (وقال: حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح).\n(^٦) (جامع الترمذي) (١٢١٥)، وفي نسخة: (صالح)، وفي أخرى: (أصلح).","vol":"2","page":414},{"text":"وقال أيضا: (رواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذاك فيما تفرد به؛ لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصحّ، هكذا قال محمد بن إسماعيل) (^١).\nالثانية: وهي دون الأولى، وهم الرواة الذين وقع فيهم خلاف، والراجح أن فيهم ضعفا ولينا؛ مثل عبد الله بن محمد بن عقيل (^٢)، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وعطية العوفي.\nالثالثة: مثل سلسلة: عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد عن القاسم بن الرحمن، ومثل سلسلة: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن عن جدّه (^٣)، وصالح بن بشير المُرّي، وأبو بكر بن أبي مريم.\nوهناك من هو دون هؤلاء؛ وهو من كان متروكا أو واهيًا؛ مثل محرَّر - أو محْرِز، على خلاف في اسمه - بن عبد الله التيمي، وهو متروك، ومن كان مثله.\nوبناء على ما سبق؛ نعلم مرتبة الحديث الحسن عند الترمذي: وهو أنه لا يبلغ أن يكون محفوظا عنده، ولا مطّرحا ساقطا (^٤)، ويؤكد هذا أمران:\nالأمر الأول: ما تقدم بيانه من أن الحديث المحفوظ عنده - حتى لو كان في أدنى درجات القبول - يحكم عليه بأنه (حسن صحيح)، وقد تقدم إيراد كثير من الأمثلة على ذلك.\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢٢٦٦).\n(^٢) وأحيانا يصحح له، ينظر: (١٢٩، ١١٤٤).\n(^٣) صحح له حديثا (١٤١٠)، وقوى حديثا (٥٤٤).\n(^٤) مع أنه ينبغي أن يُعلَم أن أبا عيسى كثيرا ما يحتاط في حكمه على الحديث، كما سبق شرح ذلك.","vol":"2","page":415},{"text":"فإذا (الحسن) دون (حسن صحيح)، ومن باب أولى دون (صحيح)؛ ولذا قال الترمذي: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"العُطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، وإذا قال: آه آه، فإن الشيطان يضحك من جوفه، إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا قال الرجل: آه آه إذا تثاءب؛ فإن الشيطان يضحك في جوفه\".\nهذا حديث حسن.\nحدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله، فحق على كل من سمعه أن يقول: يرحمك الله، وأما التثاؤب؛ فإذا تثاوب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقولن: هاه هاه، فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه\".\nهذا حديث صحيح، وهذا أصحّ من حديث ابن عجلان، وابنُ أبي ذئب أحفظ لحديث سعيد المقبري وأثبت من محمد بن عجلان، وسمعت أبا بكر العطار البصري، يذكر عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: قال محمد بن عجلان: أحاديث سعيد المقبري روى بعضَها سعيدٌ، عن أبي هريرة، وروى بعضَها سعيدٌ، عن رجل، عن أبي هريرة، فاختلطت عليّ، فجعلتها عن سعيد، عن أبي هريرة) (^١).\nقلت: الفرق بين الروايتين أن ابن أبي ذئب زاد في الإسناد: (عن\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢٩٦٢ - ٢٩٦٣).","vol":"2","page":416},{"text":"أبيه)، وابن عجلان أسقطها، ولا شك أن رواية ابن أبي ذئب هي المقدَّمة، ولذا حكم عليها الترمذيّ بالصحة، وقال: (هي أصحّ)، بخلاف رواية ابن عجلان.\nالأمر الثاني: ما تقدم من الأمثلة.\nوعلى هذا يكون الحديث الحسن عنده من حيث الصحة والثبوت على قسمين:\nالأول: ما تقدم تقريره.\nوالثاني: هو صحيح عنده فيما يظهر، ولكن لم يحكم عليه بالصحة لغرابته، أو لاختلاف وقع فيه غير مؤثر.\nوالله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"2","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>مصطلح (الغريب)</span>","vol":"2","page":419},{"text":"وسّعت الكلام في هذا المصطلح لأهميته، فجاء في واحد وعشرين فصلا:\nالفصل الأول: كتاب (جامع الترمذي) من أهم الكتب في بيان الحديث الغريب.\nالفصل الثاني: أحكام الترمذي على الحديث بالغرابة.\nالفصل الثالث: أهمية معرفة الغريب.\nالفصل الرابع: علاقة الغرابة بصحة الخبر وضعفه.\nالفصل الخامس: التفرد في الطبقات.\nالفصل السادس: ذكر أمثلة على تفردات بعض كبار الأئمة.\nالفصل السابع: متى تكون الغرابة قادحة في صحة الخبر.\nالفصل الثامن: الفرق بين الغريب والمنكر.\nالفصل التاسع: ذكر تصرفات الحفاظ في الغريب من الحديث.\nالفصل العاشر: منهج النقاد في التعامل مع الرواة الذين ينفردون ببعض المتون والأسانيد عن شيوخهم وأقرانهم.\nالفصل الحادي عشر: إطلاق الحسن على الغريب.\nفصل الثاني عشر: أقسام الغريب وأنواعه.","vol":"2","page":420},{"text":"الفصل الثالث عشر: التعليق على كلام أبي عيسى في (العلل الصغير) حول الغريب.\nالفصل الرابع عشر: الفرق بين الغريب والخبر الذي ظهرت علته.\nالفصل الخامس عشر: ذكر بعض الرواة الذين تُكلّم فيهم بسبب روايتهم للغرائب، وتفردهم ببعض الأحاديث عن أقرانهم.\nالفصل السادس عشر: عُسر الحكم بالغرابة.\nالفصل السابع عشر: الكتب التي عنيت بالغريب.\nالفصل الثامن عشر: أحاديث رويت بأسانيد ظاهرها الصحة، توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها، وذلك لأن الغرابة تُنزل من درجة الحديث.\nالفصل التاسع عشر: مناهج الأئمة في الغرابة على وجه العموم.\nالفصل العشرون: مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء في الغرابة والتفرد على وجه الخصوص.\nالفصل الحادي والعشرين: اختلاف منهج المحدثين في الغرابة من أسباب اختلافهم في الحكم على الراوي.","vol":"2","page":421},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>الفصل الأول</span>\nيعتبر كتاب (الجامع) لأبي عيسى أهمَّ كتابٍ في بيان الحديث الغريب وأوسعها في ذلك، فلا يكاد يوجد كتاب بين أيدينا اليوم يضاهيه، وإن كان قد سبق أبا عيسى أئمة أكثروا من بيان ذلك في مصنفاتهم؛ كعليِّ بن المديني، ويعقوب بن شيبة، ولكن لم يصلنا منها إلا النزر اليسير.\nويستعمل أبو عيسى هذا المصطلح في (كتابه) على وجوهٍ متنوِّعة؛ فيقول: صحيح غريب، عريب صحيح، حسن صحيح غريب، حسن غريب صحيح، صحيح حسن غريب، غريب صحيح حسن، حسن غريب، غريب حسن.\nكما أنه في كثير من الأحيان يبيّن نوع الغرابة؛ هل هي مطلقة؟ كقوله: (لم يروه إلا فلان)، أم هي نسبية؟؛ كقوله: (غريب من هذا الوجه).\nكما أنه يشير في بعض الأحيان إلى غرابة المتن.\nوكتابه (العلل الصغير) أهم الكتب في بيان أنواع الغرابة وأقسامها من جهة التنظير، فهناك بسَطَها المصنِّف مقسَّمة إلى أربعة أقسام، ومثَّل لكل قسم منها، وما وقفت على كتاب قبله أفاضَ صاحبه في بيان هذا النوع كما فعل أبو عيسى (^١)، ولعل الغرابة أهم المسائل التي بيّنها في هذا الجزء، والذي تذكره كتب المصطلح بعض مما ذكره.\nويكاد يكون أبو عيسى متفردا في بيانه لهذا النوع من أنواع علم الحديث.\n* * *\n_________\n(^١) تكلم أبو الفضل بن طاهر عن الغريب، وذكر أنه خمسة أنواع، وذلك في مقدمة (أطراف الغرائب والأفراد) (١/ ٢٩)، وقد تكلمت على هذا في موضع آخر، ولكنَّ ابن طاهر متأخر، فقد توفي لسنة (٥٠٧).","vol":"2","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>الفصل الثاني أحكام الترمذي على الحديث بالغرابة</span>\nيمكن تقسيم هذه الأحكام إلى قسمين:\nالقسم الأول: ما كان مقرونا إلى غيره، وهو كالتالي: صحيح غريب، غريب صحيح، حسن صحيح غريب - وهذا كثير -، حسن غريب صحيح، صحيح حسن غريب، غريب حسن صحيح، حسن غريب - وهذا كثير أيضا -، غريب حسن، وهذا نادر.\nفمثال قوله: صحيح غريب:\nقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن حميد، عن أنس بن مالك، أن رجلا استحمل رسول الله ﷺ فقال: \"إني حاملك على ولد ناقة\" فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"وهل تلد الإبل إلا النوق\" هذا حديث صحيح غريب) (^١).\nومثال قوله: غريب صحيح:\nقال الترمذي: (حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، قال: حدثنا المحاربي، عن مالك بن مِغْوَل، عن محمد بن سُوقَة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان تعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: \"رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور\". هذا حديث حسن صحيح غريب) (^٢).\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢١٢٢).\n(^٢) (جامع الترمذي) (٣٧٥٣).","vol":"2","page":425},{"text":"وفي (تحفة الأشراف) (^١): (غريب صحيح).\nومثال قوله: حسن صحيح غريب:\nقال الترمذي: (حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، قال: حدثنا الحجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلوات، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: اتخذوا قرنا مثل قرن اليهود. قال: فقال عمر: أوَلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"يا بلال قم فناد بالصلاة\".\nهذا حديث حسن صحيح، غريب من حديث ابن عمر) (^٢).\nومثال قوله: حسن غريب صحيح:\nقال الترمذي: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، قال: حدثنا عثمان بن عمر ويحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قالا: حدثنا معاذ بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ النبي ﷺ المنبر حنَّ الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن.\nحديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح.\nومعاذ بن العلاء هو بصري، وهو أخو أبي عمرو بن العلاء) (^٣).\nومثال على قوله: صحيح حسن غريب:\nقال الترمذي: (حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق البغدادي، قال: حدثنا\n_________\n(^١) (٨٤٢٢).\n(^٢) (جامع الترمذي) (١٩٠).\n(^٣) (جامع الترمذي) (٥١١).","vol":"2","page":426},{"text":"عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي الشامي، قال: حدثنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني العلاء بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عنبسة بن أبي سفيان، قال: سمعت أختي أمّ حبيبة زوج النبي ﷺ، تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، حرمه الله على النار\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوالقاسم هو ابن عبد الرحمن، يكنى أبا عبد الرحمن، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية، وهو ثقة شامي، وهو صاحب أبي أمامة) (^١).\nومثال قوله: غريب حسن صحيح:\nقال الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا الوليد بن مسلم وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر - دخل حديث أحدهما في حديث الآخر -، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدّجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل … الحديث.\nهذا حديث غريب حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) (^٢).\nومثال قوله: حسن غريب:\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٤٣٠).\n(^٢) (جامع الترمذي) (٢٤٠٥)، وكذا في طبعة الرسالة (٢٣٩٠) و(تحفة الأشراف) (١١٧١١).","vol":"2","page":427},{"text":"قال الترمذي: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nهذا حديث حسن غريب) (^١).\nمثال قوله: غريب حسن:\nقال الترمذي: (حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: \"غفرانك\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة.\nوأبو بردة بن أبي موسى اسمه: عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري.\nولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة) (^٢).\nوهل تقديم أبي عيسى لـ (الغريب) في أحكامه لمعنى مقصود، أم من باب التفنن؟\nالذي يظهر أنه الثاني - وقد تقدم تقرير ذلك -؛ لأنه لم يوجد ثمة فرق واضح بين صحيح غريب وغريب صحيح، وبين حسن صحيح غريب وغريب حسن صحيح، يؤكّد هذا أن المزي كثيرا ما تجد عنده صحيح غريب بدل\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٣٧٨١).\n(^٢) (جامع الترمذي) (٦)، وكذا في طبعة الرسالة (٧)، ولم يُذكر في الطبعتين اختلاف بين النسخ، وأما في (تحفة الأشراف) (١٧٦٩٤) فـ (حسن غريب).","vol":"2","page":428},{"text":"غريب صحيح، وحسن غريب بدل غريب حسن، وحسن صحيح غريب بدل غريب حسن صحيح أو حسن غريب صحيح.\nويحتمل أنه يقدم الغرابة في الحكم لشدّتها في الخبر، ومثالُه: الحديثُ الذي يحكم عليه بالغرابة ولا يقرنها بشيء.\n* * *\nالقسم الثاني: ما كان مجردا، فحكم عليه بالغرابة فقط.\nوهذا لا يكون عنده إلا ضعيفا؛ بل وكثيرا ما يكون شديد الضعف.\nوهو على نوعين:\nالنوع الأول: أن ينص معه على ضعف الحديث.\nومن أمثلته:\n١ - ما رواه من طريق الحسن بن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة رفعه: \"جاءني جبريل فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح\".\nقال أبو عيسى: (هذا حديث غريب، وسمعت محمدا يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث) (^١).\n٢ - وروى من طريق رِشدين بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن عتبة بن حميد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن معاذ بن جبل قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.\nقال أبو عيسى: (هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف، ورِشْدِين بن\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٥٠).","vol":"2","page":429},{"text":"سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعم الأفريقي يضعفان في الحديث) (^١).\n٣ - وروى من طريق خارجة بن مصعب، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عُتَيّ بن ضَمْرَة السعدي، عن أبي بن كعب رفعه: \"إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء\".\nقال أبو عيسى: (حديث أبي بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث؛ لأنّا لا نعلم أحدا أسنده غير خارجة.\nوقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء، وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك) (^٢).\n٤ - وقال عن حديث: (غريب، ليس بالمحفوظ) (^٣).\n٥ - وقال عن آخر: (هذا حديث غريب، وليس إسناده بمعروف) (^٤).\n٦ - وقال عن آخر: (هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه، ولا يصح من قِبَل إسناده. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد القرشي هو محمد بن سعيد الشامي، وهو ابن أبي قيس، وهو محمد بن حسان، وقد ترك حديثه) (^٥).\nقلت: ومحمد بن سعيد هو المصلوب، وهو وضّاع.\nوالأمثلة على هذا كثيرة.\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٥٤).\n(^٢) (جامع الترمذي) (٤٣)، وينظر: (٣٨٤٦، ٣٨٤٨، ٣٨٩٤، ٣٩١٦، ٣٩٢١)، فإنه قال في جميعها: (حديث غريب، وليس إسناده بالقوي).\n(^٣) (جامع الترمذي) (٣٨٥٧).\n(^٤) (جامع الترمذي) (٣٨٨٩).\n(^٥) (جامع الترمذي) (٣٨٨١).","vol":"2","page":430},{"text":"قلت: كل هذه الأحاديث بيّنة الضعف، وخاصة الثالث؛ فإنه باطل مرفوعا، كما بيّن أبو عيسى، مع ملاحظة اقتصاده في الحكم، وإلا فإنه أشار إلى بطلانه.\nفلا يحكم الترمذي على حديث بالغرابة إلا وهو ضعيف عنده، وفي كثير من الأحيان يكون شديد الضعف كما تقدم.\nالنوع الثاني: ألا ينص على ضعفه، وهذا ضعيف عنده أيضًا، والدليل على ذلك ما تقدم.\nومن أمثلته:\n١ - قال ﵀: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا سُويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - أُراه رفعه -، قال: (أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما).\nهذا حديث غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه.\nوقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا، رواه الحسن بن أبي جعفر - وهو حديث ضعيف أيضا - بإسنادٍ له عن علي، عن النبي ﷺ، والصحيح هذا عن علي موقوف) (^١).\nقلت: فقوله: (وهو ضعيف أيضا)، يعني أن الأول ضعيف بالإضافة إلى الثاني، ولذا قال بعد ذلك: (والصحيح هذا عن علي موقوف).\n٢ - وقال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"يعمد أحدكم فيبرك في صلاته بَرْك الجمل\".\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢١٢٧).","vol":"2","page":431},{"text":"قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزِّناد إلا من هذا الوجه.\nوقد روي هذا الحديث، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره) (^١).\nقلت: وهذا الحديث ضعيف، فقد ذكره البخاري في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن من (التاريخ) (^٢)، وقال: (لا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا).\nوقد تكلمت على الحديث بتوسّعٍ في موضعه.\n٣ - وقال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا شبابة بن سَوّار، قال: حدثنا عمر بن الرَّمّاح، عن كثير بن زياد، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده، أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مسيرة، فانتهوا إلى مضيق، فحضرت الصلاة، فمُطروا، السماء من فوقهم والبِلّة من أسفل منهم، فأذّن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، وأقام، فتقدم على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء؛ يجعل السجود أخفض من الركوع.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، تفرد به عمر بن الرَّمّاح البَلْخي، لا يُعرف إلا من حديثه، وقد روى عنه غير واحدٍ من أهل العلم.\nوكذلك روي عن أنس بن مالك أنه صلى في ماء وطين على دابته) (^٣).\nقلت: فهذا الحديث لا يصح، فبالإضافة إلى غرابته، فيه عثمان بن يعلى وابنه عمرو كلاهما فيه جهالة.\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٢٧٠).\n(^٢) (التاريخ الكبير) (١/ ١٣٩).\n(^٣) (جامع الترمذي) (٤١٣).","vol":"2","page":432},{"text":"وعمر بن الرَّمّاح هو ابن ميمون، وهو ثقة، ولا يستبعد خطؤه في هذا الحديث.\nوشيخه كثير بن زياد ثقة أيضا.\n٤ - وقال ﵀: (حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبِّي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين\".\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وحفصة.\nحديث ابن عمر حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى، وروى عنه غير واحد) (^١).\nقلت: محمد بن الحصين مجهول، وقد وقع اختلاف في هذا الحديث (^٢)، وله طرق متعددة عن ابن عمر، كما قال ابن رجب (^٣)، ويظهر أنها لا تخلو من كلام (^٤).\n٥ - وقال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا بَدَل بن المُحبَّر، قال: حدثنا عبد الملك بن مَعدان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nوفي الباب عن ابن عمر.\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٤٢١).\n(^٢) ينظر: (علل الدارقطني) (٣١٢٨).\n(^٣) (فتح الباري) (٥/ ٣٠).\n(^٤) ينظر: (تنقيح التحقيق) لابن عبد الهادي (٢/ ٣٧٩ - ٣٨١).","vol":"2","page":433},{"text":"حديث ابن مسعود حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن مَعدان، عن عاصم) (^١).\nقلت: وهذا حديث ضعيف، عبد الملك بن مَعدان لا يحتج به.\n٦ - وقال ﵀: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مُرّة الزَّوفي، عن خارجة بن حذافة، أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: \"إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمُر النعم: الوتر، جعلها الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وبريدة، وأبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ.\nقال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب.\nوقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث، فقال: عبد الله بن راشد الزُرقي، وهو وهم) (^٢).\nقلت: هذا الخبر لا يصح، قال البخاري في ترجمة خارجة بن حذافة: (لا يعرف لإسناده سماع بعضهم من بعض) (^٣).\nوقال في ترجمة عبد الله بن أبي مرة: (لا يعرف إلا بحديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (^٤).\nوقال في ترجمة عبد الله بن راشد: (لا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس إلا حديث في الوتر) (^٥).\n_________\n(^١) (جامع الترمذي) (٤٣٣).\n(^٢) (جامع الترمذي) (٤٥٥).\n(^٣) (التاريخ الكبير) (٣/ ٢٠٣)، وينظر: (الكامل) لابن عدي (٤/ ٣٤٣).\n(^٤) (التاريخ الكبير) (٥/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٥) (التاريخ الكبير) (٥/ ٨٨).","vol":"2","page":434},{"text":"ومما يدخل في هذا القسم: ما قال عنه: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فقط، دون قوله: (غريب).\nومن الأمثلة عليه:\n١ - قال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة، عن ابن المسيب، أنه سأله عن الصوم في السفر، فحدث أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع النبي ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر، والفتح، فأفطرنا فيهما.\nحديث عمر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^١).\n٢ - حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا أبو المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض، لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه\".\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوسمعت محمدا يقول: أبو المطوِّس: اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث) (^٢).\n٣ - وقال الترمذي: (حدثنا علي بن سعيد الكندي الكوفي، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن الحجاج، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، قال: سمعت ابن مسعود قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين ابنة مخاض، وعشرين بني مخاض ذكور، وعشرين بنت لَبون، وعشرين جذعة، وعشرين حُقّة.\n_________\n(^١) (٧٢٣).\n(^٢) (٧٣٢).","vol":"2","page":435},{"text":"حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، وأبو خالد الأحمر، عن الحجاج بن أرطاة نحوه.\nحديث ابن مسعود، لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوف) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) (١٤٥٢، ١٤٥٣).","vol":"2","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>الفصل الثالث في أهمية معرفة الغريب</span>\nاهتمام أبي عيسى الترمذي بمسألة الغرابة والتفرد في الحديث؛ ليس شيئًا تفرّد به دون الأئمة الآخرين، كما قد يُظن، بل هذا الأمر موجود عندهم، وقد اعتنوا به اعتناءً بالغًا، وأشاروا إلى ذلك عند الحكم على الحديث، خلافًا لكثير ممن تأخر؛ فقد تساهلوا بهذا الأمر عند حكمهم على الأحاديث؛ لعدم معرفتهم بأهميته، بل عابوا على المتقدمين ذلك، كما سيأتي عن ابن الجوزي، وهذا بعض ما يميّز مذهب المتقدمين عن غيرهم.\nقال أبو داود في \"رسالته إلى أهل مكة\": (والأحاديث التي وضعتها في كتاب \"السنن\" أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد (^١) والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًّا، فأما الحديث المشهور المتّصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد) (^٢).\nوقول أبي داود هذا يدل على ما تقدم من اعتناء الأئمة السابقين والحفاظ الماضين بهذه المسألة، فقد بين أنه ما ذَكر في كتابه إلا الأحاديث المشهورة، وأن هذا مما يفتخر به.\n_________\n(^١) الظاهر أنه القطان.\n(^٢) ص: (٢٩).","vol":"2","page":437},{"text":"وبيّن أيضا أنه لا يحتج بالحديث الغريب، حتى ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد - وهما من كبار الحفاظ كما هو معلوم -، وهذا الكلام قد يستشكله كثير ممن تأخر؛ لأنه لا يفهمه، وسبب ذلك أنه لم يدرس طريقة الأئمة السابقين، فعند الرجوع إلى ابن رجب في شرحه على \"العلل الصغير\" يتضح للناظر أهمية ذلك من الناحية النظرية.\nوأما من الناحية العملية، فعند الرجوع إلى كلام الحفاظ في الحكم على الأحاديث، وخاصة كتب العلل، يتبين له هذا الأمر إن شاء الله.\nوأذكر هنا بعض ما يتعلق بهذا عن الأئمة:\nقال نعيم بن حماد: (سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: قيل لشعبة: من الذي يترك حديثه؟ قال: إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، فأَكثَرَ، تُرك حديثه) (^١).\nوقال عمرو بن خالد: (سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث؛ فإني أعرف رجلا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث) (^٢).\nوعن حماد بن زيد: (أن أيوب قال لرجل: لزمت عمرًا؟ قال: نعم، إنه يجيئنا بأشياء غرائب. قال: يقول له أيوب: إنما نفر - أو نفرق - من تلك الغرائب) (^٣).\nوقال صالح بن محمد عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد: (روى عن أبيه\n_________\n(^١) (معرفة علوم الحديث) للحاكم (١١٠)، (الكفاية) للخطيب (٤٠١، ٤١٢).\n(^٢) (المحدث الفاصل) للرامهرمزي (٧٦٨)، (الكفاية) (٤٠٣).\n(^٣) (مقدمة صحيح مسلم) ص: (١٧ - ١٨) باختصار.","vol":"2","page":438},{"text":"أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك بن أنس بسبب روايته (كتاب السبعة) عن أبيه، وقال: أين كنا نحن من هذا؟!) (^١).\nوقال نصر بن حماد الوراق: (سمعت شعبة ينازع عبد الله بن إدريس حتى غضبا في حديث أوس، عن أبي مسعود: (يؤمّ القوم).\nقال شعبة: أنا والله أستخير الله فيه منذ سنة أن أدعه.\nقال عبد الله: اتق، لا تُجنّ، حديث رواه الناس عنه؛ إسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق، ومسعر.\nفقال شعبة: لا يكون هذا، حديث سُنّة يقوله رسول الله ﷺ ليس في الدنيا شيء يشبهه، فلا يسمعه من النبي ﷺ إلا أبو مسعود، ولا يسمعه منه إلا أوس!) (^٢).\nوقال أحمد بن حنبل: (لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء) (^٣).\nوقال: (شر الحديثِ الغرائبُ، التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها) (^٤).\nوقال أيضًا: (تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم!) (^٥).\nوهذا الذي قاله الإمام أحمد واقع اليوم، ويوجد عند بعض من يشتغل بالحديث، فتجد أن هناك من يأتي إلى أحاديث أسانيدها غريبة، وألفاظها منكرة، فيذهب إلى تصحيحها، إما لذاتها وإما بمجموع طرقها، غافلًا عن\n_________\n(^١) (تاريخ بغداد) (١١/ ٤٩٧).\n(^٢) (أطراف الغرائب والأفراد) لابن طاهر (٢/ ٢٤٧).\n(^٣) (الكامل) لابن عدي (١/ ١٥٣).\n(^٤) (الكفاية) للخطيب (٣٩٧).\n(^٥) (الكفاية) للخطيب (٣٩٨).","vol":"2","page":439},{"text":"كون الغرابة والتفرد علّة - على تفصيل في ذلك - تؤدّي إلى رد الخبر، بل والحكمِ عليه بالنكارة، بل وبالبطلان أحيانًا.\nقال أبو بكر الخطيب - ذامًّا ما حصل من بعض محدثي زمانه من الاهتمام بالأحاديث الغريبة والمنكرة دون المشهورة -: (وأكثرُ طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كَتْب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنَبًا، والثابت مصدوفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمةُ من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضين) (^١).\nقال أبو الفرج بن رجب: (وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح؛ كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل (مسند البزار) و(معاجم الطبراني)، أو (أفراد الدارقطني)، وهي مجمع الغرائب والمناكير) (^٢).\nوهذا الذي ذكره الحافظان الخطيب وابن رجب، واقع اليوم ومشاهد تمامًا.\nوسوف يأتي كلام الإمام مسلم في هذا.\nوقال الحاكم: (ذكر النوع الثامن والعشرين من علوم الحديث، هذا النوع منه: معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو، أو أرسله\n_________\n(^١) (الكفاية) (١/ ٣٤٠).\n(^٢) (شرح علل الترمذي) (١/ ٤٠٩).","vol":"2","page":440},{"text":"واحد فوصله واهِمٌ، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة) (^١).\nوقال العقيلي - في ترجمة بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري -: (حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إليّ من بُريد بن أبي بردة، بُريد يروي أحاديث مناكير.\nحدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: لم أسمع يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عن بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة بشيء قط.\nومن حديثه: ما حدثنا به محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل الجليس الصالح كمثل العطّار، إن لم يُحذِك من عطره عَبِق بك من ريحه\". هكذا رواه ابن عيينة عن بُريد.\nوحدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عفّان، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا أبو بُردة بن عبد الله بن أبي بُردة، قال: سمعت أبا بُردة يحدث عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: \"مثل الجليس الصالح والسوء كمثل صاحب المسك وغير الحدّاد، لا يعدمك من صاحب المسك أن يحذوك أو تجد ريحه، وغير الحدّاد يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة\".\nهكذا قال عبد الواحد: (أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة)، وقال ابن عيينة: (بريد)، ولعلّ كنية بُريد بن عبد الله: أبو بُردة.\n_________\n(^١) (معرفة علوم الحديث) ص: (٣٩٤).","vol":"2","page":441},{"text":"وفي هذا الحديث من حديث أبي موسى اضطراب:\nفحدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، قال: حدثنا خلاد بن أسلم، ح. وحدثني أحمد بن حرب البُوْسنْجِي، قال: حدثنا أحمد بن منصور قالا: حدثنا النَّضْر بن شُمَيل، قال: حدثنا عوف، عن قَسامة بن زهير، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إلا يَهب لك تجد ريحه، ومثل الجليس السوء كالقَين، إذا جلست إليه نفخ بكيره، فيصيبك من دخانه وشرره\".\nهكذا رواه النَّضْر بن شُمَيل، عن عوف، وخالفه معتمر في لفظه:\nفحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عاصم بن النضر، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت عوفا قال: حدثنا قَسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"مثل الذي أُعطي الإيمان وأُعطي القرآن كمثل الأُتْرُنجة، طيبة الطعم طيبة الريح، ومثل الذي لم يُعط الإيمان ولم يُعط القرآن كمثل الحنظلة، مرة الطعم لا ريح لها، ومثل الذي أُعطي القرآن ولم يعط الإيمان، كمثل الريحانة الطعم طيبة الريح\".\nوقد رواه هَوذة بن خليفة، عن عوف، عن قَسامة بهذا اللفظ، ولم يذكر أبا موسى، ولم يرفعه: حدثناه بشر بن موسى، قال: حدثنا هَوذة، قال: حدثنا عوف، عن قَسامة قال: \"إن مثل من أُعطي الإيمان كمثل الأترنجة … \" فذكر نحوه.\nوقد روي هذا الحديث عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، فاختلفوا أيضا في لفظه:\nفرواه أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجَةِ، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيب","vol":"2","page":442},{"text":"ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الرّيحانة، ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الْحَنْظَلةِ، طعمها مرّ ولا ريح لها، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك، إن لم يصبك منه شيء أصابك ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل الكير، إن لم يصبك من شرره أصابك من دخانه\". هكذا رواه أبان، جاء بلفظ الحديثين جميعا.\nوخالفه شعبة، وهمام، ومعمر، وسعيد، وأبو عوانة، فرووه كلهم عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن … \". فجاؤوا بالحديث الأول، ولم يذكر أحد منهم: \"مثل الجليس الصالح … \"، ولم يتابع أبانَ منهم أحد.\nوقد روى شُبَيل بن عَزْرةَ، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"مثل الجليس الصالح … \". فتابع أبان، ولم يقل: (عن أبي موسى).\nوحدثناه محمد بن إبراهيم بن جَنّاد، قال: حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عاصم، عن أبي كَبْشة، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول على المنبر: قال رسول الله ﷺ: \"مثل الجليس الصالح مثل العطّار، إن لا يُحذِك يَعبِق بك من ريحه، ومثل الجليس السوء، مثل القَين، إن لا يحرقك يَعبِق بك من ريحه\".\nورواه أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي كَبْشة السدوسي، قال: خطبَنا أبو موسى فقال: الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب العطر، إن لا يُحذك يَعبِق بك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل القَين، إن لا يحرقك يَعبِق بك من ريحه.\nوهذه الرواية أولى من رواية عبد الواحد.\nورواية شعبة وهمام وأبي عوانة ومعمر، عن قتادة، عن أنس، عن أبي","vol":"2","page":443},{"text":"موسى، بلفظ: \"المؤمن الذي يقرأ القرآن\"، أولى من رواية أبان، وبريد، وشُبَيل، في الجليس الصالح.\nوحديث قسامة مضطرب الإسناد والمتن) (^١).\nوقال العقيلي أيضا - في ترجمة محمد بن إبراهيم التيمي -: (حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي، وذكر محمد بن إبراهيم التيمي المديني، فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير - أو منكرة -، والله أعلم.\nومن حديثه: ما حدثناه محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم وعبد العزيز بن محمد، قالا: حدثنا يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل، فقال: \"باسم الله يُبريك، ومن كل داء يشفيك، من شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين\".\nوقال الزهري: عن عروة، عن عائشة، كان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث) (^٢).\nوقال - في ترجمة محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري -: (حدثنا أحمد بن محمود الهروي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: قلت ليحيى بن معين: ابن أخي الزهري ما حاله؟ قال: ضعيف.\nحدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا العباس بن محمد، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب الزهري، أحب إليّ من محمد بن إسحاق في الزهري.\nومحمد بن إسحاق عند يحيى بن معين ضعيف لا يحتج بحديثه.\n_________\n(^١) (١/ ٥٥٥ - ٥٦٢).\n(^٢) (٥/ ٢٨٢).","vol":"2","page":444},{"text":"وأما محمد بن يحيى النيسابوري فجعله في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري، مع أسامة بن زيد، ومحمد بن إسحاق، وأبي أويس، وفُليح، وعبد الرحمن بن إسحاق، وهؤلاء كلهم في حال الضعف والاضطراب.\nوقال محمد بن يحيى: إذا اختلف أصحاب الطبقة الثانية كان المفزع إلى أصحاب الطبقة الأولى في اختلافهم، فإن لم يوجد عندهم بيان، ففيما روى هؤلاء - يعني الطبقة الثانية -، وفيما روى - يعني أصحاب الطبقة الثالثة - يعرف بالشواهد والدلائل.\nوقد روى ابن أخي الزهري ثلاثة أحاديث، لم نجد لها أصلا عند الطبقة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة.\nمنها: ما حدثنا عبد الله بن علي، قال: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: سمعت سالم بن عبد الله، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من الإجهار: أن يعمل العبد بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره ربه ﷿، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد ستره ربه ﷿، فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله ﷿ عنه\".\nحدثناه عبيد الله بن محمد العمري والحسن بن علي بن زياد الرازي، قالا: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل أمتي معافى إلا المجاهرون … \" فذكر نحوه.\nوقد روى هذا الحديث أبو بكر بن عياش، عن مُبَشِّر السعيدي، عن ابن شهاب، هكذا.","vol":"2","page":445},{"text":"ولعل مُبشِّرا هذا أخذه عنه؛ لأنه لا يعرف له عن الزهري غيره، ولا له ذكر في طبقات أصحاب الزهري.\nوحدثني عبد الله بن علي، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، ح. وحدثنا الحسن بن علي بن زياد، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم قال: سمعت أبا هريرة يقول إذا خطب: كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا خلف لأمر الله، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مبعِّد لما قرَّب، ولا مقرِّب لما بعّد، ولا يكون شيء إلا بإذن الله ﷿.\nحدثنا موسى بن سهل الجوني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ إذا خطب يقول: \"كل ما هو آت قريب … \" فذكره مرفوعا.\nوإن الواقدي ليأتي عنه بمناكير، عن الزهري وغيره، وهو أروى الناس عنه.\nحدثني جدي، قال: حدثنا حمزة بن رُشيد الباهلي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن أمرأته أمّ الحجاج بنت محمد بن مسلم، قالت: كان أبي يأكل بكفه كلها، فقلت له: لو أكلت بثلاث أصابع؟ قال: إن النبي ﷺ كان يأكل بكفه كلها.\nوهذه الثلاثة أحاديث لم يتابع ابن أخي الزهري عليها أحد) (^١).\n_________\n(^١) (٥/ ٣٨٩ - ٤٠٢).","vol":"2","page":446},{"text":"وقال - في ترجمة سعد بن طارق الأشجعي أبي مالك -: (حدثنا محمد بن إسماعيل وأحمد بن علي، قالا: حدثنا الحسن بن علي الحُلْواني قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا القاسم بن معْن، قال: سألت بعض ولد أبي مالك: لقي أبو أبي مالك رسول الله ﷺ؟ فقال: لا. فذكرت ذلك ليحيى بن سعيد فأمسك عن الرواية عنه. يعني أبا مالك.\nومن حديثه: ما حدثَناه علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق، قال: قلت لأبي: يا أبه، صليت خلف النبي ﷺ، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، فهل رأيتهم يقنتون؟ قال: فقال: يا بني، هي محدثة.\nلا يتابع عليه، وإنما أُنكر سماعه من النبي ﷺ لما حكى أبو الوليد.\nوالصحيح عندنا أن النبي ﷺ قنت ثم ترك، وهذا يذكر أن النبي ﷺ لم يقنت) (^١).\nأقول: تبيّن مما تقدم أن لشهرة الحديث أو غرابته مدخلا كبيرا في صحته أو ضعفه، وفي ثبوته وكونه محفوظًا، أو في ردِّه وكونه معلولا، ولذا أولى الحفاظ هذا الأمر اهتماما كبيرا ومنزلة عالية، حتى جعلوه شرطًا للصحيح فقالوا: (أن لا يكون شاذًا ولا معلولا)، ولهذا تجد أن علي بن المديني - فيما وُقف عليه من كلامه فيما وجد من \"مسند عمر\" ليعقوب بن شيبة - لا يحكم على حديث إلا ويبيّن شهرته من غرابته.\nوقد تقدم أن أبا داود افتخر بكون أكثرِ الأحاديث التي أودعها في كتابه \"السنن\" مشاهير، وأن ما كان غريبا منها فهو مردود، حتى لو كان من رواية مالك أو يحيى بن سعيد.\n_________\n(^١) (٣/ ١٠).","vol":"2","page":447},{"text":"وهذا ما نص عليه أبو يعلى الخليلي فقال: (والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخٌ ثقةً كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يُتوقف فيه، ولا يحتج به) (^١).\n_________\n(^١) \"الإرشاد\" (١/ ١٧٦)، وسيأتي التعليق عليه.","vol":"2","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>مخالفة المتأخرين في مسألة الغرابة وأنها ليست بعلة</span>\nخالف في ذلك جمع من أهل العلم فلم يلتفتوا إلى مسألة الغرابة (^١): من أشهرهم أبو عبد الله الحاكم، فقال في \"المستدرك\": (وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام؛ أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة) (^٢).\nوقال أيضا: (وإذا تفرد الثقة بحديث؛ فهو على أصلهم صحيح) (^٣).\nوقد قرر هذا في مواضع أخرى من الكتاب.\nومنهم أبو محمد بن حزم، فإنه قال: (إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي ﷺ، فقد وجب الأخذ به، ولزمت طاعته والقطع به، سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه، أو رواه كذاب من الناس، وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق، وسواء كان ناقله عبدا أو امرأة أو لم يكن، إنما الشرط العدالة والتفقّه فقط.\nوإن العجب ليكثر من قوم من المدّعين أنهم قائلون بخبر الواحد، ثم يعلِّلون ما خالف مذاهبهم من الأحاديث الصحاح، بأن يقولوا: هذا لم يروه إلا فلان، ولم يعرف له مخرج من غير هذا الطريق.\nقال أبو محمد: وهذا جهل شديد وسقوط مفرط، لأنهم قد اتفقوا معنا على وجوب قبول خبر الواحد والأخذ به، ثم هم دأبا يتعللون في ترك السنة بأنه خبر وأحد.\n_________\n(^١) ينظر ما يأتي: فصل في مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء في الغرابة والتفرد على وجه الخصوص.\n(^٢) (١/ ١٦٥).\n(^٣) (٦/ ٥٣).","vol":"2","page":449},{"text":"والعجب أنهم يأخذون بذلك إذا اشتهوا، فهذا محمد بن مسلم الزهري، له نحو تسعين حديثا انفرد بها عن النبي ﷺ لم يروها أحد من الناس سواه، وليس أحد من الأئمة إلا وله أخبار انفرد بها، ما تعلل أحد من هؤلاء المحرومين في رد شيء منها بذلك، فليت شعري ما الفرق بين من قبلوا خبره ولم يروه أحد معه، وبين من ردوا خبره لأنه لم يروه أحد معه، وهل في الاستخفاف بالسنن أكثر من هذا؟\nوأيضا، فإن الخبر وإن روي من طرق ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، فهو كله خبر واحد، من أثبت شيئا من ذلك أثبت خبر الواحد، ومن نفى خبر الواحد نفى كل ذلك، لأن العلة عندهم في كل ذلك واحدة، وهي أن كل ما لا يضطر إلى التصديق عندهم ولم يوجب القطع على صحة مغيبة لديهم، فهو خبر واحد، وهذه عندهم صفة كل ما لم ينقل بالتواتر، فقد تركوا مذهبهم وهم لا يشعرون، أو يشعرون ويتعمدون، وهذه أسوأ وأقبح، ونعوذ بالله من الخذلان) (^١).\nوقريب من هذا قول أبي الفرج بن الجوزي: (إن البخاري ومسلمًا تركا أحاديث أقوام ثقات لأنهم خولفوا في الحديث؛ فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا هم، ولو كان ثَمّ فقه، لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة.\nوتركوا أحاديث أقوام لأنهم انفردوا بالرواية عن شخص، ومعلوم أن انفراد الثقة لا عيب فيه.\nوتركوا من ذلك الغرائب، وكل ذلك سوء فهم.\nولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، فقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة، ولا يقبل القدح حتى يُبيَّن سببه.\n_________\n(^١) \"الإحكام\" (١/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"2","page":450},{"text":"وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين، تأذى، وساء فهمه، فالحمد الله الذي أنعم علينا بالحالتين) (^١).\nوكذلك ابن القطان الفاسي، فقد قال - متعقِّبا عبد الحق -: (وقوله في ثابت بن عَجْلان: لا يحتج به، قول لم يقله غيره فيما أعلم، ونهاية ما قال فيه العقيلي: لا يتابع على حديثه.\nوهذا من العقيلي تحامل عليه، فإنه يمس بهذا من لا يعرف بالثقة، فأما من عرف بها، فانفراده لا يضره، إلا أن يكثر ذلك منه) (^٢).\nوقال أيضا عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: (وقد أخرج له مسلم ﵀، وإنما أنكر عليه بعض من تأخر أحاديث رواها بآخرة عن عمه، وهذا لا يضره - إذ هو ثقة - أن ينفرد بأحاديث، ما لم يكن ذلك الغالب عليه) (^٣).\nوقال: (والزيادة المذكورة ذكرها البزار، فقال: حدثنا أحمد بن منصور بن سَيَّار، حدثنا عَتَّاب بن زياد، حدثخا أبو حمزة السُّكَّري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الإمام ضامن، والمؤذن مُوْتَمَن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للموذّنين\". قالوا: يا رسول الله، لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك، فقال رسول الله ﷺ: \"إنه يكون بعدي - أو بعدكم - قوم سفلتهم مؤذّنون\".\nأبو حمزة محمد بن ميمون السُّكَّري، ثقة مشهور.\nوعتاب بن زياد مروزي ثقة، قاله أبو حاتم.\nوأحمد بن منصور بن سَيَّار ثقة مشهور.\nولا عيب بهذا الإسناد إلا ما بينّا من انقطاعه الخافي على أبي محمد،\n_________\n(^١) \"صيد الخاطر\" (ص: ٥٦٥).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٣٦٣).\n(^٣) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٢٦٥).","vol":"2","page":451},{"text":"فإيرادها إذن لازم له لو علم مكانها، ولا مبالاة بقول الدارقطني في \"علله\": إنها ليست بمحفوظة؛ لثقة راويها أبي حمزة السُّكَّري) (^١).\nوقال أيضا: (والذي قاله أبو محمد من ضعفه، هو شيء لا أعرفه لأحد فيه، إلا أبا حاتم البُستي، فإنه قال: إنه لا يتابع، وفي حديثه مناكير.\nوهذا أمر لا يعرى منه أحد من الثقات، بخلاف من يكون منكر الحديث جله أو كله) (^٢).\nوكذلك أبو العباس بن تيمية، فقد ذكر حديث عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، عن مِشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا، وذكر حديث التيس المستعار. ونقل عن الجُوْزَجَاني قوله: (كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدا). فقال أبو العباس: (وإنكار من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيّد، إنما هو لتوهم انفراده به عن الليث، وظنهم أنه لعله أخطأ فيه، حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه، كان ذلك شذوذًا فيه وعلة قادحة … ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات لا ما انفرد به عنهم) (^٣).\nقلت: والصحيح ما ذهب إليه كبار الأئمة من أن التفرد لا يقبل إلا بشروط، فإذا تخلفت كان علة، وسوف يأتي بسط ذلك بإذن الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٦٠٣ - ٤٠٦).\n(^٢) \"بيان الوهم والإيهام\" (٥/ ٦١٨).\n(^٣) \"بيان الدليل على بطلان التحليل\" (ص: ٣٢٠ - ٣٢١).","vol":"2","page":452},{"text":"وكلام الخليلي - الذي تقدم نقله - يحتاج إلى تفصيل، وقد بيّن ذلك الإمام مسلم ﵀، فقال في مقدمه \"صحيحه\": (لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته.\nفأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما - أو عن أحدهما - العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم - فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) مقدمة \"صحيح مسلم\" (ص: ٥ - ٦).","vol":"2","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>الفصل الرابع علاقة الغرابة بصحة الخبر وضعفه</span>\nتكمن أهمية الغريب، في أنه لا يمكن الحكم على حديث ما بالقبول أو الرد إلا بعد معرفة شهرته من عدمها وهل هو فرد أو لا؟ وتقدمت الإشارة لذلك، ولذا تجد الأئمة عند حكمهم على كل حديث يشيرون إلى ذلك، إن كان مشهورًا بينوا، وإن كان غريبا بينوا، وانظر إلى ما نقل يعقوب بن شيبة - وغيره - عن علي بن المديني في أحكامه على الأحاديث، يتضح لك ذلك، وهو عينُه صنيعُ أبي عيسى في \"جامعه\".\nقال أحمد بن حنبل: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة؛ فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان) (^١).\nوهذا كما يكون في الأحاديث المفردة، يكون في الكتب المصنفة؛ كما في \"جامع سفيان\"، إذ لم يروه عنه إلا عبد الله بن الوليد العدني؛ قال عبد الله بن الإمام أحمد: (كان أبي يكره \"جامع سفيان\" وينكره، ويكرهه كراهية شديدة، وقال: من سمع هذا من سفيان؟ ولم أره يصحِّح لأحد سمعه من سفيان، ولم يرض أبي أن يسمع من أحد حديثا) (^٢).\n_________\n(^١) \"الكفاية\" للخطب (٣٩٩).\n(^٢) \"مسائل الإمام أحمد\" (١٥٨٢).","vol":"2","page":455},{"text":"وقد تقدم (^١) قول أبي داود: (لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد، والثقات من أئمة العلم).\nولذا قال البَرْدِيجي: (لا يلتفت إلى رواية الفرد عن شعبة، ممن ليس له حفظ ولا تقدم في الحديث من أهل الإتقان) (^٢).\nوقال زهير بن معاوية: (ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث؛ فإني أعرف رجلا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث) (^٣).\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين: (كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب) (^٤).\nقلت: ما ذكره زهير وأبو نعيم بأن هذين الرجلين سقط الاحتجاج بهما؛ لروايتهما الغرائب دون المشاهير.\nوتأسيسًا على ما تقدم، فإنه لا يمكن الحكم على حديث ما بالصحة أو الضعف، أو بكونه محفوظا أو منكرا، إلا بعد معرفة شهرته من غرابته.\nولهذا فإن الخبر كلما تعددت طرقه وتباينت مخارجه وكثر نقلته؛ اشتهر أمره وتأكدت صحته، وجُزم به، واطمأنت النفس إليه، وكلما كان بخلاف ذلك؛ بحيث قلّت نقلته، واستُغربت طرقه، ولم يشتهر بين الناس أمره، فإنّ تطرّق الضعف إليه يكون أكثر، وبالتالي يكون التشكك في وقوعه أكبر.\nوهذه القاعدة - على التحقيق - راجعة إلى العقل والفطرة، ومن ثمّ فهي محل اتفاق بين الناس جميعًا، على اختلاف أديانهم وتباين مذاهبهم.\n_________\n(^١) (ص: ٤٣٧).\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٥٠٧).\n(^٣) تقدم (ص: ٤٣٨).\n(^٤) \"الكفاية\" (٤٠٢).","vol":"2","page":456},{"text":"ولكن اختصَّ الله ﷿ هذه الأمة بالعمل بهذه المسألة والاهتمام بها وتقعيدها، فكثر استعمالها في قبول الأخبار أو ردها، وخاصة فيما يتعلق بكتاب ربها وسنة نبيها.\n* * *\nوإذا عُلم هذا، فإن الغرابة لا تنافي دائمًا صحة الخبر، بل إن الخبر قد يصحُّ مع وجودها، وهذا محل اتفاق في الجملة، على تفصيل في ذلك يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nفهذه أحاديث \"الصحيحين\" التي اتفقت الأمة على قبولها لا تخلو من الغريب، وقد جمع الضياء المقدسي \"أفراد الصحيح\" في جزء، و\"غرائبه\" في تسعة أجزاء (^١).\nفهناك من الغريب ما هو صحيح، وهذا كثير، ويكفينا \"كتاب\" أبي عيسى الترمذي، فكثيرا ما يقول: (حسن صحيح غريب).\nوكذلك كان يصنع علي بن المديني، قال عن حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" - وهو من أشهر الأحاديث الغريبة المخرجة في \"الصحيحين\" - بعد أن رواه عن ابن عيينة وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثَّقَفي ويزيد بن هارون، كلُّهم عن يحيى بن سعيد به، قال: (هذا حديث صحيح جامع، وهو من أصحِّ حديث روي عن عمرَ مرفوع، ولا نرويه من وجه من الوجوه إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري) (^٢).\nوقال في حديث قصة استشارة النبي ﷺ لأبي بكر وعمر في أسرى بدر: (والحديث صحيح، ولا يُحفظ إلا من طريق عكرمة بن عمَّار، وسمَاك من أهل اليمامة، ومَسْكنه الكوفة) (^٣).\n_________\n(^١) \"ذيل طبقات الحنابلة\" (٣/ ٥١٩).\n(^٢) \"مسند الفاروق\" (١/ ٩٧).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٥٢٦).","vol":"2","page":457},{"text":"وقال عن حديث \"لا يدخل الجنّة إلا المؤمنون\": (لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وهو حديث جيد الإسناد حسن) (^١).\nومن غرائب \"الصحيحين\":\n١ - قال البخاري ﵀: (حدثنا عَبْدَة، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عبد الله بن المثنى، قال: حدثنا ثُمَامة بن عبد الله، عن أنس عن النبي ﷺ كان إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا) (^٢).\nوأخرجه الترمذي من طريق عبد الله بن المثنى، وقال: (حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المثنى) (^٣).\n٢ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه\") (^٤).\nوقد ذكر العقيلي أنه لم يجد لهذا الحديث أصلًا عند الطبقة الأولى من أصحاب الزهري ولا الثانية ولا الثالثة، ولم يجد أحدًا تابع ابن أخي ابن شهاب إلا مبشّر السعيدي، وصوّب أن يكون مبشّر إنما أخذه من ابن أخي ابن اشهاب؛ لأنه لا يُعرف له عن ابن شهاب غيره (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٢٩٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٩٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٩٨٨)، وينظر: (٢٩٣٤).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٦٠٦٩).\n(^٥) \"الضعفاء\" (٥/ ٤٠٠ - ٤٠١)، وقد تقدم مطولا.","vol":"2","page":458},{"text":"٣ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبدان، عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المُكْتِب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: \"صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب\") (^١).\nوذكر الترمذي أن إبراهيم بن طهمان تفرد بهذا اللفظ (^٢).\n٤ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النَّضْر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ، قال: \"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والرَّوْحَةُ يروحها العبد في سبيل الله، أو الغَدْوَةُ خير من الدنيا وما عليها\") (^٣).\nتفرد بذكر الرباط عبد الرحمن بن عبد الله، وغيره لم يذكره، كما قال الدارقطني (^٤)، ونص على تفرده ابن حجر أيضا (^٥)، وقد أخرجه الترمذي وقال: (صحيح) (^٦).\n٥ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي المَوَال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: \"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١١١٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٧٣).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٢٨٩٢).\n(^٤) \"التتبع\" (٧١).\n(^٥) \"هدى الساري\" (ص: ٣٦٢).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (١٧٧١).","vol":"2","page":459},{"text":"أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني\" قال: \"ويسمي حاجته\") (^١).\nوذكر الإمام أحمد أن هذا حديث منكر، لا يرويه غير عبد الرحمن (^٢).\n٦ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا مطر بن الفضل، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العَوَّام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السَّكْسَكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا\") (^٣).\nقال الدارقطني: (لم يسنده غير العَوَّام، وخالفه مسعر؛ رواه عن إبراهيم السَّكْسَكي، عن أبي بردة قوله، ولم يذكر أبا موسى ولا النبي ﷺ) (^٤).\n٧ - وقال البخاري ﵀: (حدثني عبد الله بن صَبَّاح، حدثنا أبو علي الحنفي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، قال: حدثنى أبي، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد) (^٥).\nذكر ابن حجر أن أبا علي الحنفي تفرد به، وأن مخرجه ضاق على\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١١٦٢).\n(^٢) \"الكامل\" لابن عدي (٧/ ١٩٧).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٢٩٩٦).\n(^٤) \"التتبع\" (٣٩).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٢١٥٩).","vol":"2","page":460},{"text":"الإسماعيلي وأبي نعيم، فلم يخرجاه إلا من طريق البخاري (^١).\n٨ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبدان، أخبرنا أبي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك: أن رجلا سأل النبي ﷺ متى الساعة يا رسول الله؟ قال: \"ما أعددت لها؟ \" قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: \"أنت مع من أحببت\") (^٢).\nهذا الحديث ذُكر أن والد عَبْدان - وهو عثمان - قد تفرد به، وقد ضاق مخرجه على الإسماعيلي وأبي نعيم، فأخرجاه من طريق البخاري (^٣).\n٩ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فُلَيح، حدثنا أبي، قال: حدثني هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"بينا أنا قائم (^٤) إذا زُمْرَة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القَهْقَرَى، ثم إذا زُمْرَة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القَهْقَرَى، فلا أراه يَخْلُص منهم إلا مثل هَمَلِ النَّعَم\") (^٥).\nقال ابن حجر: (ضاق مخرجه على الإسماعيلي وأبي نعيم وسائر من استخرج على \"الصحيح\"، فأخرجوه من عدة طرق عن البخاري، عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح، عن أبيه) (^٦).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٤/ ٣٧٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦١٧١).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦٠).\n(^٤) وفي رواية الأكثر: (نائم) بالنون. \"الفتح\" (١١/ ٤٧٤).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٦٥٨٧).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١١/ ٤٧٤).","vol":"2","page":461},{"text":"١٠ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال: \"اقتلوه\") (^١).\nقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح، لا نعرف كبير أحد رواه غير مالك، عن الزهري) (^٢).\nقال ابن رجب: (لم يصح إلا من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أنس) (^٣).\n١١ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا يحيى بن يحيى أبو زكريا، أخبرنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة: وارأساه … الحديث) (^٤).\nقال الجورقاني: (هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في \"الصحيح\" عن يحيى بن يحيى هكذا، ولم يخرج البخاري ليحيى بن يحيى النيسابوري في \"الصحيح\" إلا ثلاثة أحاديث هذا أحدها، وهو عزيز، لا يروى عن يحيى بن سعيد عن القاسم إلا بهذا الإسناد، وأعجب الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، وقال: لو أن لي قوة وزادا لرحلت إلى يحيى بن يحيى لهذا الحديث إلى نيسابور) (^٥).\nوذكر ابن حجر معنى كلام الجورقاني، ثم قال: (ولكن أخرجه أبو نعيم في \"المستخرج\" من وجهين آخرين عن سليمان بن بلال) (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٨٤٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٨٠٠).\n(^٣) \"شرح العلل\" (١/ ٤١٦ - ٤١٧).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٥٦٦٦).\n(^٥) \"الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير\" (١٣٩).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٢٤).","vol":"2","page":462},{"text":"١٢ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع عطاء، يخبر عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]) (^١).\nقال أبو عيسى: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (^٢).\n١٣ - وقال البخاري ﵀: (حدثنا عبد الله بن محمد المُسنَدي، قال: حدثنا أبو روح الحَرَمي بن عمارة، قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويوتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله\") (^٣).\nقال ابن حجر: (وهذا الحديث غريب الإسناد، تفرد بروايته شعبة عن واقد، قاله ابن حبان) (^٤).\n١٤ - وقال البخاري: (حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا حَرَمي بن عمارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، قال: حدثني عمرو بن سليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: \"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبا إن وجد\") (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٣٢٦٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٥١٤)، وفي طبعة الرسالة (٥١٤): (حسن صحيح غريب).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ٧٥).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٨٨٠).","vol":"2","page":463},{"text":"قال ابن حجر: (لم أقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حَرَمي، وأشار ابن منده إلى أنه تفرد به عنه) (^١).\nوهناك أحاديث أخرى في \"صحيح البخاري\" قال عنها ابن حجر: (من غرائب الصحيح) (^٢).\n١٥ - وقال مسلم بن الحجاج ﵀: (حدثنا أبو كُرَيْب محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بريد، عن جده، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"المؤمن يأكل في مِعَىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\") (^٣).\nقال الترمذي: (هذا حديث غريب من هذا الوجه من قبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ، وإنما يستغرب من حديث أبي موسى.\nسألت محمود بن غَيْلَان عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كُرَيْب عن أبي أسامة.\nوسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبى كُرَيْب عن أبي أسامة، لم نعرفه إلا من حديث أبي كُرَيْب عن أبي أسامة.\nفقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، وقال: ما علمت أن أحدًا حدث بهذا غير أبي كُرَيْب.\nقال محمد: وكنا نرى أن أبا كُرَيْب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة) (^٤).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٥).\n(^٢) ينظر: \"هدى الساري\" (ص: ٤٤١، ٤٤٥)، \"فتح الباري\" (١/ ٧٢ رقم ٢٠)، (٢/ ٤٦٣ رقم ٩٧١)، (٣/ ٥٩٨ رقم ١٧٧٣)، (٥/ ٥٨ رقم ٢٣٩٠)، (٥/ ١٠٥ رقم ٢٤٥٤)، (٥/ ١١٩ رقم ٢٤٧٣)، (٥/ ٩ رقم ٤٩٨٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٠٦٢).\n(^٤) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٩ - ٧٠)، وقد أخرجه الترمذي عن أبي كريب وأبي هشام الرفاعي وأبي السائب الحسين بن الأسود، ثلاثتهم عن أبي أسامة به.","vol":"2","page":464},{"text":"قال ابن رجب: (وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكروا أن أبا كُرَيْب تفرد به، منهم البخاري وأبو زرعة، وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي أسامة غير أبي كُرَيْب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود كان يتهم بسرقة الحديث، وأبو هشام فيه ضعف أيضًا.\nوقد ذكرنا كلام أبي زرعة في هذا في كتاب الأطعمة، وإنكاره على أبي السائب وأبي هشام روايته.\nوظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضًا، قال أبو داود: سمعت أحمد، وذكر له حديث بريد هذا، فقال أحمد: يطلبون حديثًا من ثلاثين وجهًا، أحاديث ضعيفة، وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا. قال: شيء لا ينتفعون به، أو نحو هذا الكلام) (^١).\n١٦ - وقال مسلم ﵀: (حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ، قال: \"نِعم الْأُدُم - أو الإدام - الخلُّ\") (^٢).\n١٧ - وقال مسلم ﵀: (حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا يحيى بن حسان، حدثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ، قال: \"لا يجوع أهل بيت عندهم التمر\") (^٣).\nقال ابن عمار - بعد أن ذكر هذين الحديثين -: (حدثنا أحمد بن محمد بن القاسم الفَسَوي، حدثنا أحمد بن سفيان، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا يحيى بن حسان بهذين الحديثين.\nقال أحمد بن صالح: نظرت في كتب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلا) (^٤).\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٤١).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٠٥١).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٠٤٦).\n(^٤) \"علل الأحاديث في صحيح مسلم\" (ص: ١٠٩).","vol":"2","page":465},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>الفصل الخامس التفرد في الطبقات</span>\nالتفرد يختلف باختلاف الأسانيد، فأحيانا يكون في طبقة من روى الحديث عن رسول الله ﷺ وهم الصحابة، وقد يستمر التفرد في طبقة التابعين وحتى الطبقات المتأخرة، ولا يخفى أنه كلما ضاق مخرج الحديث دل على شدة غرابته، وبالتالي تقل قوة هذا الخبر ويقوى تعليله والحكم بردِّه، ولذا كان من صنيع الأئمة التنبيهُ على موضع التفرد في الخبر لأهمية ذلك في الحكم عليه.\nوسأذكر إن شاء الله في هذا الفصل أمثلة للتفرادت حسب طبقات الإسناد.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>أولا: طبقة الصحابة.</span>\nومن الأمثلة:\nحديث أبي وائل، عن حذيفة، أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما … الحديث، متفق عليه (^١).\nوأخرجه أحمد والبخاري في \"التاريخ\" (^٢)، كلاهما عن أبي نعيم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن نَهيك بن عبد الله السلولي، حدثنا حذيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢٢٤)، \"صحيح مسلم\" (٢٧٣).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٢٣٣٤٥)، \"التاريخ الكبير\" (٨/ ١٢٢).","vol":"2","page":467},{"text":"وهذا الإسناد لا بأس به.\nقلت: هذا الحديث تفرد بروايته حذيفة ﵁، وأما ما جاء أن المغيرة حدث عن رسول الله ﷺ، فهذا معلول؛ أخطأ بعضهم فجعله عن المغيرة، والصواب أنه حذيفة، ولعله ﵇ لم يفعل ذلك إلا في المرة التي رآه فيها حذيفة، ولذلك نفت عائشة أن يكون ﵇ بال قائما.\nوحديث أبي قلابة وقتادة، كلاهما عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار\". متفق عليه (^١).\nوأخرجه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.\nقلت: هذا حديث تفرد بروايته أنس فيما أعلم، وأما ما جاء عند أحمد (^٢) من حديث أبي رزين بمعناه فإنه لا يصح؛ ففي إسناده انقطاع وضعف.\nوحديث همام بن الحارث، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يدخل الجنة قتات\". متفق عليه (^٣).\nوأخرجه مسلم من حديث واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة.\nقلت: هذا الحديث لا أعلم أن أحدا رواه عن رسول الله ﷺ إلا حذيفة.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٦، ٢١)، \"صحيح مسلم\" (٤٣).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١٦١٩٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٦٠٦٥)، \"صحيح مسلم\" (١٠٥).","vol":"2","page":468},{"text":"والأمثلة على هذا كثيرة.\nتنبيه: تفرّدُ الصحابي لا يؤثر في صحة الحديث، ولكن المعنى الذي يرويه جمع من الصحابة يكون أصح، وهذا هو الغالب على ما روي عن رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>ثانيا: التفرد في طبقة التابعين.</span>\nقد يقع التفرد في طبقة كبار التابعين، ومثاله: ما روى إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ … الحديث (^١).\nوقد اختُلف على إسماعيل في رفعه ووقفه، وتابعه على الوقف: بَيان بن بِشْر وطارق بن عبد الرحمن والحكم بن عتيبة، وغيرهم (^٢).\nوالذي يظهر أن قيسًا تفرّد به، وقيس من كبار التابعين، وهو مخضرم.\nومثال التفرد في الطبقة الوسطى من التابعين، ما رواه أبو إسحاق السبيعي، عن البراء، عن أبي بكر في قصة الهجرة (^٣)، فإنه رواه جمع عن أبي إسحاق؛ كإسرائيل وزهير، والظاهر أنه تفرد به، فلا نعرف أنه توبع عليه.\nومثال التفرد في طبقة صغار التابعين، ما رواه يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر أنه قال لرسول الله ﷺ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: \"قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠).\n(^٢) \"العلل\" لابن أبي حاتم (٥/ ٣٤)، \"العلل\" للدارقطني (١/ ٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٥٢)، ومسلم (٢٠٠٩).","vol":"2","page":469},{"text":"كبيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\" (^١).\nقال الدارقطني: (تفرد به يزيد) (^٢).\nومثاله أيضا ما جاء من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم\" (^٣).\nقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد).\nوهشام من صغار التابعين، وهو أصغر من يزيد.\nوهذه الأخبار جاء التفرد فيها في طبقة التابعين كما ترى.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>ثالثا: التفرد في طبقة أتباع التابعين.</span>\nمن ذلك ما جاء من طريق عُمارة بن غَزِيَّة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن بن يساف، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب في فضل الترديد مع المؤذن (^٤).\nقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد).\nوأشار الدارقطني إلى تفرد عُمارة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥).\n(^٢) \"أطراف الغرائب\" (١/ ٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، والبزار (٢٦٠) واللفظ له.\n(^٤) أخرجه مسلم (٣٨٥)، وأبو داود (٥٢٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩٩٧٨)، والبزار (٢٥٨).\n(^٥) \"العلل\" (١/ ٢٠٩).","vol":"2","page":470},{"text":"وعُمارة بن غَزِية من طبقة كبار أتباع التابعين.\nومنه ما أخرجه الإمام مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: \"خمس فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الحَيَّة، والغراب الأَبْقَع، والفأرة، والكلب العَقُور، وَالْحُدَيَّا\" (^١).\nوقد تابع شعبةَ سعيد بن أبي عروبة (^٢) وسعيد بن بشير (^٣).\nوزيادة \"الحية\" لا شك أنها خطأ؛ لأن الرسول ﷺ قال: \"خمس يقتلن … \" الحديث، فمع \"الحَيَّة\" تكون ستة، ولذا لم تذكر \"العقرب\" في هذه الرواية.\nوقال البيهقي لما ذكر رواية مسلم: (وقال: \"الحية\" بدل \"العقرب\"، وكأن شعبة كان شك في ذلك، فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مَرْزوق، ثنا أبو عامر، ثنا شعبة .. فذكره بإسناده، إلا أنه قال: \"خمس يقتلن في الحل والحرم: الحية أو العقرب\"، ثم ذكر الباقي. وكأن رواية أبي داود الطيالسي أصح؛ لموافقتها سائر الروايات عن عائشة، وابن المسيب إنما روى الحديث في الحية والذئب مرسلا) (^٤).\nقلت: فكأن ذكر الحية دخل على قتادة من خبر ابن المسيب المرسل.\nوكذا ذكر \"الحَيَّة\" في حديث أبي عوانة عن زيد بن جبير عن ابن\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١١٩٨).\n(^٢) أخرجه الإسماعيلي في \"معجم شيوخه\" (٢٠٤).\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢٦٢٩).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١٠/ ٣٨٣).","vol":"2","page":471},{"text":"عمر (^١)، وقد رواه مسلم من طريق زهير عن زيد بن جبير به ولم يذكرها، ثم روى الحديث من طرق كثيرة عن نافع - منهم مالك وابن جريج - ولم يذكروها، ثم روى الحديث من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ولم تذكر أيضا (^٢).\nقلت: وزيادة \"الأَبْقَع\" في الغراب في حديث قتادة لم تأت إلا في هذه الرواية، ولا تصح، والصواب عدم تقييده بذلك.\nوشعبة من كبار أتباع التابعين.\nوما جاء من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ … (^٣).\nقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب صحيح).\nوقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالك).\nومالك من كبار الطبقة الوسطى من أتباع التابعين (^٤).\nوما رواه ابن عيينة، عن عمرو، سمع عطاء، يخبر عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وهو في \"الصحيحين\" (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٢٠٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١١٩٨ - ١٢٠٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨٣٣) والترمذي (٣٥٦٦) والبزار (٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٤) وإن كان ابن حجر قد جعله من كبار طبقتهم، وليس من الوسطى.\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٣٢٣٠)، \"صحيح مسلم\" (٨٧١).","vol":"2","page":472},{"text":"قال أبو عيسى: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (^١).\nوقال: (سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به) (^٢).\nوابن عيينة من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، وهو أصغر من مالك.\nومن طبقة صغار أتباع التابعين، ما جاء من طريق مروان بن محمد، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصيامه (^٣).\nوقال البيهقى: (هذا الحديث يعد في أفراد مروان بن محمد الدمشقي) (^٤).\nوأخرجه الحاكم من طريق هارون بن سعيد الأَيْلي عن ابن وهب به، وقال: (على شرط مسلم) (^٥).\nقلت: تبين مما تقدم أن عبد الله بن وهب قد تفرد بهذا الحديث، ولم أقف على أحد رد هذا الخبر بالغرابة، بل الذي وقفت عليه أن جمعًا من الحفاظ قد قوّوه، وعلى رأسهم أبو داود، حيث إنه سكت عنه، وكذلك الدارقطني إذ قال: (تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة) (^٦).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥١٤).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (١٤٣).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢١٤٦)، وصحّحه ابن حبان (٣٤٤٧).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٥٧).\n(^٥) \"المستدرك\" (١٥٤١).\n(^٦) \"سنن الدارقطني\" (٢١٤٧).","vol":"2","page":473},{"text":"وقال أبو محمد بن حزم: (هذا خبر صحيح) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-120>رابعا: طبقة أتباع أتباع التابعين.</span>\nجاء من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة مبايعة أبي بكر في بني ساعدة، وقول عمر: أنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ (^٢).\nقال أبو عيسى: (هذا حديث صحيح غريب).\nوقال البزار: (هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة عن عمر، إلا من هذا الوجه).\nوقال أبو الحسن الدارقطني: (أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم العمري، نا أبو كريب، نا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول: لقد قدمت من اليمن أنا وأخي، فمكثنا حينا لا نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي ﷺ؛ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ.\nقال: هذا حديث صحيح من حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن أبي موسى، وهو غريب من حديث يوسف بن أبي إسحاق، تفرد به عنه إبراهيم بن يوسف) (^٣).\nوقد وقع التفرد أيضا في طبقات بعد هذه، كما في الفصل الآتي.\n* * *\n_________\n(^١) \"المحلى\" (٤/ ٣٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٦٧، ٣٦٧٨)، والترمذي (٤٠٠٤)، والبزار (٢٥١).\n(^٣) \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٣٣/ ٨٣)، وينظر: \"علل الدارقطني\" (١٣٠٨)، \"أطراف الغرائب\" (٤٩٥٨)، \"تهذيب الكمال\" (٣٢/ ٤١٣).","vol":"2","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>الفصل السادس ذكر أمثلة على تفردات بعض كبار الأئمة</span>\n<span data-type='title' id=toc-122>عفان بن مسلم:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا زكريا بن حَمْدويه الصَّفَّار البغدادي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵌: \"إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه الثلاث؛ فإنه لا يدري في أيتهن البركة\".\nقال زكريا بن حَمْدويه: أنكره يحيى بن معين على عفان، فقام عفان فدخل بيته، فأخرجه من كتابه كما أملاه علينا.\nلم يروه عن قتادة إلا همام، تفرد به عفان) (^١).\nقال الطبراني: (حدثنا علي بن صقر السُّكَّري البغدادي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، قال: ذكر أنس بن مالك ﵁ سبعين رجلا من الأنصار، كان إذا جنهم الليل آووا إلى معلم بالمدينة، فيبيتون يدرسون القرآن، فإذا أصبحوا فمن كان عنده قوة أصاب من الحطب، وأستعذب من الماء، ومن كان عنده سعة أصابوا الشاة، فأصلحوا، فكانت تصبح معلقة بحجر رسول الله ﵌، فلما أصيب خبيب بعثهم رسول الله ﵌، فكان فيهم خالي حَرَام بن مِلْحَان، فأتوا على حي من بني سُليْم، فقال حَرَام لأميرهم:\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٤٥٨).","vol":"2","page":475},{"text":"ألا أخبر هؤلاء أنّا لسنا إياهم نريد فيخلوا وجوهنا؟ قالوا: نعم، فأتاهم، فقال لهم ذلك، فاستقبله رجل منهم برمح فأنفذه به، فلما وجد حرام مسّ الرمح في جوفه قال: فزت ورب الكعبة. فانطووا عليهم فما بقي منهم مخبر، فما رأيت رسول الله ﵌ وجد على سرية وجده عليهم.\nقال أنس: فلقد رأيت رسول الله ﵌ كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم، فلما كان بعد ذلك أتى أبو طلحة يقول: هل لك في قاتل حَرَام؟ فقال: ما باله؟ فعل الله به وفعل. فقال أبو طلحة: لا تفعل؛ فقد أسلم.\nلم يروه عن سليمان إلا عفان) (^١).\nقلت: في كونه قد تفرد به نظر، فإن هاشم بن القاسم تابعه، رواه عنه الإمام أحمد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>سعيد بن منصور:</span>\nقال الإمام مسلم: (حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أخبرنا حُصَين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس …) في الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وذكر من صفاتهم: \"ولا يرقون\" (^٣).\nوهذه اللفظة تفرد بها سعيد بن منصور، وهي خطأ قطعا، وذلك أن النبي ﷺ كان يرقي نفسه ويرقي غيره، فكيف تكون من صفات من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب؟! ولذا أعرض عنها البخاري، وقال ابن تيمية:\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٥٣٦).\n(^٢) \"المسند\" (١٢٤٠٢).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٢٠).","vol":"2","page":476},{"text":"(هذه اللفظة وقعت مقحمة في الحديث، وهي غلط من بعض الرواة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-124>يحيى بن معين:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني يحيى بن معين، قال: نا هشام بن يوسف، قال: نا رَباح بن عبيد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"بِئْسَ الشِّعْبُ جِيَادٌ\" قالها مرتين أو ثلاثة، قالوا: فيم ذاك يا رسول الله؟ قال: \"تخرج الدابة، فتصرخ ثلاث صرخات، فيسمعها ما بين الخافقين\".\nلم يَروِ هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح إلا رَباحُ بن عبيد الله بن عمر، ولا عن رباح إلا هشام بن يوسف، تفرد به يحيى بن معين) (^٢).\nوهذا الحديث ذكره البخاري من طريق ابن معين في ترجمة رباح، وقال: (لم يتابع عليه، وقال أحمد: منكر الحديث) (^٣). وذكره العقيلي (^٤) وابن عدي (^٥) في ترجمة رباح، وكذلك الذهبي في \"الميزان\" وقال: (تفرد به هشام) (^٦).\nوقال: (حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا أبو عبيدة الحداد، قال: ثنا هشام بن حسان، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن جابر بن عبد الله قال: ما صليت خلف أحد بعد رسول الله ﷺ أخف صلاة من رسول الله ﷺ في تمام.\n_________\n(^١) \"حادي الأرواح\" لابن القيم (٢/ ٢٦٧)، وينظر: \"الفتاوى\" لابن تيمية (١/ ١٨٢، ٣٢٨)، وعدم ثبوت هذه اللفظة هو الصواب، والله أعلم.\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٤٣١٧).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣١٦).\n(^٤) \"الضعفاء الكبير\" (٢/ ٤٥٦)، وقال: (لا يحفظ إلا عن رباح هذا).\n(^٥) \"الكامل\" (٥/ ٣٧)، وفي ترجمة هشام بن يوسف (١٠/ ٣٤١).\n(^٦) (٢/ ٣٥).","vol":"2","page":477},{"text":"لم يَرو هذا الحديث عن بكر بن عبد الله إلا هشامُ بن حسان، ولا عن هشام إلا أبو عبيدة، تفرد به يحيى بن معين) (^١).\nوقال: (حدثنا محمد بن إبراهيم، ثنا يحيى بن معين، ثنا أبو حفص الأَبَّار، عن محمد بن جُحَادَة، عن عطية، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته\".\nلم يَرو هذا الحديث عن محمد بن جُحَادَة إلا أبو حفص الأَبَّار، تفرد به يحيى بن معين) (^٢).\nوقال: (حدثنا هاشم بن مَرْثَد، نا يحيى بن معين، ثنا إسماعيل بن أبان الوراق، نا مِسْعَر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"دخلت الجنة فإذا أنا بقصر، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لعمر بن الخطاب\".\nلم يَرو هذا الحديث عن مِسْعَر إلا إسماعيل بن أبان، تفرد به يحيى بن معين) (^٣).\nوقال أبو نعيم: (تفرد به يحيى عن إسماعيل) (^٤).\nوقال الدارقطني في \"الأفراد\" عن حديث \"عُمْر الذُّبَاب أربعون يومًا\": (تفرد به يحيى بن معين، عن موسى بن داود، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عنه مرفوعا) (^٥).\nوقال عن حَدِيث رسول الله ﷺ \"ما نفعني مال … \" الحديث: (تفرد به أبو قِلَابَة عبد الملك بن محمد، عن أبي الوليد، عن ابن عيينة، عن الزهري عن عروة.\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٥٤٩٢).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٦٨٨٠).\n(^٣) \"المعجم الأوسط\" (٩٢٨٥).\n(^٤) \"الحلية\" (٧/ ٢٥٩).\n(^٥) \"أطراف الغرائب والأفراد\" (٢/ ٤٧)، ترجمة أبي الزعراء عن ابن مسعود.","vol":"2","page":478},{"text":"وقال يحيى بن معين: عن ابن عيينة، عن وائل بن داود، عن الزهري.\nوبقية الحديث غريب من حديث الزهري، لم يأت به إلا أبو قِلَابَة بهذا الإسناد.\nورواه أبو عبيد الله المخزومي، عن سفيان، عن الزهري عن عروة - إن شاء الله - أن رسول الله ﷺ قال: \"ما نفعني … \". لم يذكر عائشة.\nورواه عبد الجبار بن العلاء والحميدي وسعيد بن سليمان، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة).\nوقال في موضع: (ورواه إبراهيم بن بشار، عن ابن عيينة، عن وائل، عن ابنه.\nورواه يحيى بن معين عن ابن عيينة، فلم يذكر فيه بكر بن وائل، وجعله عن وائل، عن الزهري، عن عروة، وتفرد به يحيى بن معين) (^١).\nوقال الدارقطني - عن حديث: ما أدركت أبويّ إلا وهما يدينان هذا الدين -: (تفرد بهذين الحديثين يحيى بن معين، عن ابن عيينة، عن وائل بن داود عن الزهري) (^٢).\nقلت: روى ابن أبي خيثمة الحديث في \"تاريخه\" فقال: (حدثنا يحيى بن معين، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: \"ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر\".\nفأتبعه ابن شيبة - صديق كان له - قال: هذا الحديث سمعتَه من الزهري؟ قال: لا، ولكن حدثني به وائل بن داود.\n_________\n(^١) \"أطراف الغرائب والأفراد\" (٢/ ٤٤٨).\n(^٢) \"أطراف الغرائب والأفراد\" (٢/ ٤٤٨)، ويقصد بالحديثين: هذا والذي قبله.","vol":"2","page":479},{"text":"قال يحيى بن معين: وائل بن داود لم يسمع من الزهري، وإنما سمع من ابنه بكر بن وائل، وكان بكر بن وائل بن داود قد رأى الزهري) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-125>علي بن المديني:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا الحسن بن محمد بن هشام الشَّطَوي البغدادي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن أخيه علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵌: \"ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر لك؟ على أنه مغفور لك: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين\".\nلم يروه عن الحسن بن صالح إلا يحيى بن آدم، تفرد به علي بن المديني) (^٢).\nوقال: (حدثنا محمد بن جعفر بن الإمام بمدينة دمياط، حدثي علي بن المديني، حدثنا أنس بن عياض، حدثني عبد الله بن عمر، عن ابن شهاب الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أخبرته أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵌ و﵂ قالت: لقد كان رسول الله ﵌ يدخل عليّ رأسه وهو معتكف فأرجله، وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان.\n_________\n(^١) \"تاريخ ابن أبي خيثمة\" (١/ ٢٧٦)، وينظر: \"العلل\" لعبد الله بن أحمد (٢٥٣٢)، \"الإرشاد\" للخليلي (١/ ٣٧٠).\nوينظر أيضا: \"الكامل\" لابن عدي (١/ ٣٠٨).\n(^٢) \"المعجم الصغير\" (٣٥٠).","vol":"2","page":480},{"text":"لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا أنس بن عياض، تفرد به علي بن المديني) (^١).\nونص على ذلك الدارقطني (^٢).\nقال الطبراني: (حدثنا يحيى بن محمد الحِنَّائي البصري ببغداد، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن آدم، عن قُطْبَة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﵌: \"من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة\".\nلم يروه عن قُطْبَة إلا يحيى بن آدم، تفرد به علي بن المديني) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>أبو بكر بن أبي شيبة:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا سلمة بن حمزة المُقرئ البغدادي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شَرِيك، عن الأَجْلح، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم النبي ﵌ مكة أُتي بأبي قحافة ورأسه ولحيته كأنها ثَغَامَة، فقال: \"غيروا الشيب واجتنبوا السواد\".\nلم يروه عن الأَجَلح إلا شريك، تفرد به أبو بكر بن أبي شيبة) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>أحمد بن حنبل:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: نا الأسود بن عامر، قال: نا الحسن بن صالح، عن أبي ليلى، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في المحرم يموت: \"يكفن في ثوبيه، ولا يغطى رأسه، ولا يمس طيبا، ويغسل بماء وسدر، فإنه يبعث يوم القيامة يُلَبِّي\".\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (١٠١٧).\n(^٢) \"أطراف الغراب والأفراد\" (٢/ ٥٠٤).\n(^٣) \"المعجم الصغير\" (١١٥٩).\n(^٤) \"المعجم الصغير\" (٤٨٣).","vol":"2","page":481},{"text":"لم يَرو هذا الحديث عن الحسن بن صالح إلا الأسودُ بن عامر، تفرد به أحمد بن حنبل) (^١).\nوقال: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: نا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: نا عثمان بن عبد الملك أبو قُدَامَةَ العمري، قال: حدثتنا عائشة بخت سعد، عن أم ذرة، قالت: رأيت عائشة تصلي الضّحى، فتقول: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلا أربع ركعات.\nلا يُروى هذا الحديث عن أم ذَرَّة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن حنبل رحمة الله ورضوانه عليه) (^٢).\nوقال: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: سمعت إبراهيم بن سعد الزهري في سنة اثنين وثمانين ومائة يقول: حدثني الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْح، عن أبي عثمان، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما أسكر كثيرُه فقليله حرام\".\nقال عبد الله: قال أبي: أبو عثمان الأنصاري اسمه عمرو بن سالم، رواه عنه مهدي بن مَيْمُون، وليث بن أبي سُليم، ومُطَرِّف بن طَرِيف.\nحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: حدثني أبو تُمَيْلَة، قال: حدثنى أبي، قال: رأيت أبا عثمان الأنصاري عمرو بن سالم يقضي ببلدة.\nقال أبي: كان قاضيا بِمَرْو.\nلم يَرو هذا الحديث عن الربيع بن صُبيح إلا إبراهيمُ بن سعد، تفرد به أحمد بن حنبل) (^٣).\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٤٢٧٧).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٤٢٩٦).\n(^٣) \"المعجم الأوسط\" (٤٣٣٠).","vol":"2","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>قتيبة بن سعيد:</span>\nقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب.\nحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره.\nوحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ؛ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، رواه قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد، عن أبي الزبير المكي) (^١).\nوقال أبو داود: (ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده) (^٢).\nوقال الحاكم: (هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نُعلِّله بها، فلو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعلّلنا به الحديث، ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعلّلنا به، فلما لم نجد له العلتين، خرج عن أن يكون معلولا.\n_________\n(^١) (٥٦١، ٥٦٢).\n(^٢) \"السنن\" (١٢٢٠).","vol":"2","page":483},{"text":"ثم نظرنا، فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ.\nوقد حدثونا عن أبي العباس الثقفي (^١)، قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عدّ قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث.\nوقد أخبرناه أحمد بن جعفر القَطِيعي، قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنى أبي، قال: ثنا قتيبة بن سعيد، فذكر نحوه.\nقال أبو عبد الله: فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة.\nوقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب وحدثنا به، عن أبي عبد الرحمن النسائي - وهو إمام عصره -، عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي للحديث علة.\nفنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون.\nحدثني أبو الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه، قال: ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: سمعت صالح بن حَفْصوَيْه النيسابوري - قال أبو بكر: وهو صاحب حديث -، يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد\n_________\n(^١) أخرجه أبو إسحاق المزكي في \"الفوائد المنتخبة - المزكيات\" انتقاء وتخريج الدارقطني (٤)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، عن أبي العباس الثقفي به.","vol":"2","page":484},{"text":"ابن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدايني. قال البخاري: وكان خالد المدايني يُدخل الأحاديث على الشيوخ) (^١).\nقلت: وعلة هذا الحديث هي الغرابة، فقد تفرد به قتيبة عن الليث، وهو وإن كان إماما فإنه لا يُقبل هذا التفرد منه، فأين أصحاب الليث وأين أصحاب يزيد بن أبي حبيب؟\nوقال الطبراني: (حدثنا عَبْدَان بن محمد المروزي بمكة سنة سبع وثمانين ومائتين، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سُخيل بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبيه، عن أبي حَدْرَد الأسلمي قال: كان ليهودي عليَّ أربعة دراهم، فلزمني، ورسول الله ﵌ يريد الخروج إلى خيبر، فاستنظرته إلى أن أقدم، فقلت: لعلنا أن نغَنْم شيئا، فجاء بي إلى رسول الله ﵌، فقال النبي ﵌: \"أعطه حقه\" مرتين، فقلت: يا رسول الله إنك تريد الخروج إلى خيبر، ولعل الله أن يرزقنا بها غنائم، فقال رسول الله ﵌: \"أعطه حقه\"، وكان النبي ﵌ إذا قال الشيء ثلاث مرات لم يُراجع، وعليَّ إزاري، وعلى رأسي عصابة، فلما خرجت قلت: اشتر مني هذا الإزار، فاشتراه بالدراهم التي له عليَّ، فاتزرت بالعصابة التي على رأسي، فمرت امرأة عليها شَمْلَة فألبستني إياها.\nلا يروى عن أبي حَدْرَد إلا بهذا الإسناد، تفرد به قتيبة) (^٢).\nوقال: (حدثنا محمد بن عمر بن منصور البَجَلِي الكَشِّي بمصر، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي قتادة،\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" (ص: ٣٩٦ - ٣٩٨).\n(^٢) \"المعجم الصغير\" (٦٥٥).","vol":"2","page":485},{"text":"عن أبيه، قال: كان رسول الله ﵌ يقول: \"ساقي القوم آخرهم شربا\".\nلم يروه عن أيوب إلا حماد، تفرد به قتيبة) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>عمرو بن علي الفلّاس:</span>\nقال أبو طاهر المُخلّص: (حدثنا يحيى، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا سعيد - يعني ابن أبي عَروبة -، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن نبي الله ﷺ قال: \"اللهم اغفر للأنصار، ولأبنائهم، ولأبناء أبنائهم\".\nقال ابن صاعد: وهذا حديث بهذا الإسناد ما سمعناه إلا منه) (^٢).\nوقال البزار: (وهذا الحديث قد أنكروه على عمرو بن علي من حديث يزيد، وكان مقيما عليه إلى أن مات) (^٣).\nهذا مع أن عمرو بن علي الفلاس إمام حافظ، فضّله بعض الحفاظ على علي بن المديني (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>أحمد بن منيع:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا رجاء بن أحمد بن زيد البغدادي، حدثنا أحمد بن مَنيع، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبو يوسف القاضي، عن أبي أيوب الإفريقي، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: كان رسول ﵌ يوتر بتسع سور في ثلاث ركعات: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في ركعة، وفي\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٨٧١).\n(^٢) \"المخلصيات\" (٢٩٤).\n(^٣) \"مسند البزار\" (٧٠٥٢).\n(^٤) ينظر: \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٤٩).","vol":"2","page":486},{"text":"الثانية: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿تَبَّتْ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nلم يروه عن أبي أيوب الإفريقي - واسمه عبد الله بن علي - إلا أبو يوسف القاضي، تفرد به أحمد بن منيع) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-131>أحمد بن صالح المصري:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان المصري، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عَنْبَسَة بن خالد، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن أبي الزِّناد، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العَرَايَا بِخَرْصِهَا كَيْلًا.\nلم يروه عن أبي الزِّناد إلا يونس، ولا عن يونس إلا عَنْبَسَة، تفرد به أحمد بن صالح) (^٢).\nقال الطبراني: (حدثنا إسماعيل بن الحسن الخَفَّاف المصري، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا يحيى بن محمد الجَاري، حدثنا أبو شاكر عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيش الأنصاري، أنه سمع خاله عبد الله بن أبي أحمد بن جحش يقول: قال علي بن أبي طالب ﵁: حفظت لكم من رسول الله ﵌ ستا: \"لا طلاق إلا من بعد نكاح، ولا عتاق إلا من بعد ملك، ولا وفاء لنذر في معصية، ولا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمَاتَ يوم إلى الليل، ولا وِصَال في الصيام\".\nلا يروى عن عبد الله بن أبي أحمد بن جحش - وهو ابن أخي زينب\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٤٥٧).\n(^٢) \"المعجم الصغير\" (٤٠).","vol":"2","page":487},{"text":"زوج النبي ﵌ إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صالح، ولا نحفظ لعبد الله بن أبي أحمد حديثا مسندا غير هذا) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا إبراهيم بن مُفَرِّج البلدي، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عمر بن محمد بن مرزوق، عن عمر بن صُهْبان، عن صفوان بن سُلَيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \"إن يكن شيء يطلب به الدواء وينفع من الداء، فإن الحجامة تنفع من الداء، فاحتجموا في سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين\".\nلم يروه عن صفوان إلا عمر بن محمد، ولا عن عمر إلا عمر بن مرزوق، تفرد به محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>محمد بن رافع النيسابوري:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا علي بن الحسن بن سهل البَلْخِي، حدثنا محمد بن رافع النيسابوري، حدثنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العَقَدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﵌ كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا نَجِيح، يا راشد.\nلم يروه عن حماد إلا العقدي، تفرد به ابن رافع) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>محمد بن عبد الرحيم صاعقة:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا علي بن إسماعيل الشَّعِيري البغدادي، حدثنا\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٢٦٦).\n(^٢) \"المعجم الصغير\" (٢٣٦).\n(^٣) \"المعجم الصغير\" (٥٤٩).","vol":"2","page":488},{"text":"محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى صاعقة، حدثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمرو، حدثنا وَرْقاء، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \"لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول\".\nلم يروه عن سعد إلا وَرْقاء، ولا عنه إلا أبو المنذر، تفرد به محمد بن عبد الرحيم) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-135>يعقوب بن سفيان الفَسَوي:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا تميم بن محمد الفارسي، حدثنا يعقوب بن سفيان الفَسَوي، حدثنا عمر بن راشد المديني - مولى عبد الرحمن بن أبان بن عثمان -، حدثنا محمد بن عَجْلان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: فقد النبي ﵌ رجلا كان يجالسه فقال: \"ما لي فقدت فلانا؟ \" قالوا: اعْتبَط، وكانوا يسمون الوعك الاعتباط، فقال: \"قوموا حتى نعوده\"، فلما دخل عليه بكى الغلام، فقال له النبي ﵌: \"لا تبك؛ فإن جبريل ﵇ أخبرني أن الحمى حظ أمتي من جهنم\".\nلم يروه عن هشام بن عروة إلا محمد بن عَجْلان، ولا عن ابن عَجْلان إلا عمر بن راشد، تفرد به يعقوب بن سفيان) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>عبد الله بن أحمد بن حنبل:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا جُوَيْرِيَة بن أَشْرَسَ المِنْقَري، حدثنا حماد بن سلمة، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٥٥٢).\n(^٢) \"المعجم الصغير\" (٣١٤).","vol":"2","page":489},{"text":"وآله وسلم من إناء واحد في تور من شَبَهٍ، فيقول: \"أَبْقِ لي، أَبْقِ لي\".\nلم يروه عن شعبة إلا حماد بن سلمة، ولا عنه إلا جُوَيْرِيَة، تفرد به عبد الله) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>أحمد بن شعيب النسائي:</span>\nقال الدارقطني: (حدثنا به أبو طالب الحافظ أحمد بن نصر بن طالب وأبو عبد الله محمد بن علي بن إسماعيل الأَيْلِي وآخرون، قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي أحمد بن شعيب بن علي بن سِنَان، أخبرنا عمرو بن يزيد أبو بريد البصري، حدثنا سيف بن عبيد الله - وكان ثقة -، عن سلمة بن عَيَّار، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: \"هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه؟ ترون القمر في ليلة لا غيم فيها؟ \" قلنا: نعم قال: \"فإنكم سترون ربكم، حتى إن أحدكم ليحاضر ربه محاضرة، فيقول: عبدي هل تعرف ذنب كلذا وكذا، فيقول: ألم تغفر لي؟ فيقول: بمغفرتي صرت إلى هذا\".\nقال الدارقطني: هذا حديث غريب من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، وهو مما تفرد به أبو عبد الرحمن النسائي بهذا الإسناد) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-138>زكريا بن يحيى السَّاجِي:</span>\nقال الطبراني: (حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجِي، حدثنا إسماعيل بن\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٥٩٣).\nو(الشبه): النحاس. ينظر: \"الإيجاز\" للنووي (ص: ٣٨٦).\n(^٢) \"رؤية الله\" (٣١).","vol":"2","page":490},{"text":"حفص الأيلي، حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن مغيرة، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه\".\nلم يروه عن سليمان التيمي إلا معتمر، تفرد به إسماعيل بن حفص، ولا كتبناه إلا عن أبي يحيى السَّاجِي) (^١).\nوالأمثلة على هذا كثيرة، وللاستزادة ينظر: \"المعجم الصغير\" للطبراني.\nيلاحظ على ما تقدم ما يلي:\nأولا: اعتناء الأئمة البالغُ بالحديث الغريب ومن تفرد به، فما وجد حديثٌ غريب أو راوٍ تفرد بحديث إلا ونبهوا إلى ذلك.\nثانيا: أُلفت بعض الكتب خصّيصا لبيان ذلك؛ كـ\"مسند البزار\"، ومعجمي الطبراني \"الأوسط\" و\"الصغير\"، و\"أفراد الدارقطني\". ومن ذلك بعض كتب التراجم التي يصنعها الحفاظ النقاد؛ كـ\"تذكرة الحفاظ\" للذهبي.\nثالثا: لكون التفرد مظنة الخطأ، قلَّ تفرُّد الحفاظ، مع أن الظن بالحافظ المكثر أن يتفرد أكثر من غيره، ولكن الواقع بخلاف ذلك.\nفهذا أحمد، وابن معين، وابن المديني، قلَّ أن ينفرد أحدهم بحديث، مع أنّ كل واحد منهم قد روى مئات الآلاف من الأحاديث والأخبار، رغم ذلك لا يوجد لهم ما انفردوا به إلا الشيء اليسير، الخبران أو الثلاثة.\nوقد قمتُ بمراجعة الكتب المعنية بهذا الأمر؛ كـ\"مسند البزار\"\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٤٦٠).","vol":"2","page":491},{"text":"ومعجمي الطبراني \"الأوسط\" و\"الصغير\"، و\"الأفراد\" للدارقطني الذي رتبه ابن طاهر، و\"الحلية\" لأبي نعيم؛ فما وجدت إلا ما تقدّم ذكره، مع أنه قد لا يمكن الجزم بتفردهم في بعض ما ذُكر.\nرابعا: إذا كثر التفرد من الراوي فذاك مدعاة إلى التأثير في توثيقه، حتى ولو كان حافظا.\nوبهذا يتبين أهمية تتبع هذا الأمر.\n* * *","vol":"2","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>الفصل السابع متى تكون الغرابة قادحة في صحة الخبر؟</span>\nأقول - وبالله تعالى التوفيق -: ليُعلم أن الأخبار في ذلك تنقسم إلى قسمين:\nالأول: أن يكون مع التفرد مخالفة، وذلك كأن يُروى الحديث من وجه، ويأتي من وجه آخر ما يخالف الوجه المشهور إسنادًا أو متنًا.\nوالأمر في هذا ظاهر، وهو ترجيح رواية الأوثق والأكثر، والحكم بشذوذ ما حصل فيه التفرد والغرابة.\nالثاني: ألا تكون هناك مخالفة، بل تفرد فقط.\nوهذا فيه تفصيل؛ لأن هناك أحاديث غريبة قد اتفق الحفاظ على صحتها، وهناك أحاديث أخرى ردّها الحفاظ بسبب غرابتها، وبتتبع كلام النقاد يتبين أن هناك شروطًا لا بد من توفرها لكي تكون هذه الغرابة مقبولة وإلا فهي مردودةً.\nوهذه الشروط وهي:\nالشرط الأول: أن يكون متن هذا الحديث مستقيمًا، بحيث لا يخالف ما جاء في القرآن العظيم، ولا ما استقرَّ في السنة النبوية وعُرف.\nقال البَرْدِيجي: (إذا روى الثقة من طريق صحيح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ حديثًا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد، لم يضره أن لا","vol":"2","page":493},{"text":"يرويه غيره، إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا) (^١).\nوقال أيضا: (المنكر: هو الذي يحدّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يُعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا) (^٢).\nولذا قال صالح بن محمد الحافظ: (الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف) (^٣).\nفالمتن الذي لا يعرف إلا من وجه واحد، ولم يأت لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة؛ غالبا لا يكون صحيحًا، والمتن الذي يعتبر أصلًا في بابه، ليس مثل ما كان خلاف ذلك، ولذا قال أبو عبيد القاسم بن سلام: (فأما الحديث المرفوع الذي ذكرناه أول هذا الباب، حين قال لليمانية ذات المسكتين من ذهب: \"أتعطين زكاته؟ \" (^٤)، فإن هذا الحديث لا نعلمه يروى إلا من وجه واحد بإسناد قد تكلم الناس فيه قديما وحديثا، فإن يكن الأمر على ما روي، وكان عن رسول الله ﷺ محفوظا، فقد يحتمل معناه: أن يكون أراد بالزكاة العارية، كما فسّرته العلماء الذين ذكرناهم؛ سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وقتادة، في قولهم: زكاته عاريته.\nولو كانت الزكاة في الحلي فرضا كفرض الرقة، ما اقتصر النبي ﷺ من ذلك على أن يقوله لامرأة يخصها به عند رؤيته الحلي عليها دون الناس، ولكان هذا كسائر الصدقات الشائعة المنتشرة عنه في العالم من كتبه\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥٢).\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥٠).\n(^٣) \"الكفاية\" للخطيب (٣٩٤).\n(^٤) يعني: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.","vol":"2","page":494},{"text":"وسنته، ولفعلته الأئمة بعده، وقد كان الحلي من فعل الناس في آباد الدهر، فلم نسمع له ذكرا في شيء من كتب صدقاتهم) (^١).\nالشرط الثاني: ألا يكون التفرد في الطبقات المتأخرة؛ فإن هذا مظنة الخطأ؛ وذلك أن الأحاديث كلما تأخر الوقت تكون قد اشتهرت واستفاضت، فالصحابي قد يروي عنه جمعٌ من التابعين، وعنهم جمعٌ أكثر، وهكذا، وبالتالي يكون هذا قرينة على أن من تفرد بهذا الخبر قد أخطأ فيه.\nقال الذهبي: (فمثل يحيى القطان، يقال فيه: إمام، وحجة، وثبت، وجهبذ، وثقة ثقة.\nثم ثقة حافظ، ثم ثقة متقن، ثم ثقة عارف، وحافظ صدوق، ونحو ذلك.\nفهؤلاء الحفاظ الثقات: إذا انفرد الرجل منهم من التابعين، فحديثه صحيح.\nوإن كان من الأتباع، قيل: صحيح، غريب.\nوإن كان من أصحاب الأتباع، قيل: غريب، فرد. ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مئتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة.\nومن كان بعدهم، فأين ما ينفرد به؟ ما علمته، وقد يوجد.\nثم ننتقل إلى اليقظ الثقة، المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يُطلق عليه أنه ثقة، وهم جمهور رجال \"الصحيحين\": فتابعيُّهم إذا انفرد خرِّج حديثه ذلك في \"الصحاح\".\nوقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق \"الغرابة\" مع \"الصحة\" في حديث أتباع الثقات، وقد يوجد بعض ذلك في \"الصحاح\" دون بعض.\n_________\n(^١) \"الأموال\" (٢/ ١٠٦).","vol":"2","page":495},{"text":"وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم، وحفص بن غياث: منكرا.\nفإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به (^١)، مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر. فإن روى أحاديث من الأفراد المنكرة، غمزوه، وليّنوا حديثه، وتوقفوا في توثيقه، فإن رجع عنها وأمتنع من روايتها، وجوّز على نفسه الوهم، فهو خير له، وأرجح لعدالته، وليس من حدِّ الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يُقر على خطأ) (^٢).\nويؤيد كلام الذهبي ويشهد له الواقع العملي:\nففي مقدمة \"الكامل\" لابن عدي، عن أبي بكر بن زَنْجُويه: (قدمت مصر، فأتيت أحمد بن صالح، فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: أين منزلك من منزل أحمد بن حنبل؟ قلت: أنا من أصحابه. قال: تكتب لي موضع منزلك، فإني أريد أن أوافي العراق حتى تجمع بيني وبين أحمد بن حنبل.\nفكتبت له، فوافى أحمد بن صالح سنة اثنتي عشرة إلى عفان، فسأل عني فلقيني، فقال: الموعد الذي بيني وبينك. فذهبت به إلى أحمد بن حنبل، واستأذنت له، فقلت: أحمد بن صالح بالباب، فقال: ابن الطبري؟ قلت: نعم، فأذن له، فقام إليه، ورحب به وقرّبه، وقال له: بلغني أنك\n_________\n(^١) وسبب ذلك - كما تقدم - كثرة التحديث وانتشار الرواية، وبالتالي يبعد أن ينفرد شخص بحديث عن باقي أقرانه، فتجد المحدث يروي عنه العدد الكثير، فإذا انفرد أحد التلاميذ عنه بخبر يقال: أين باقي التلاميذ عن هذا الخبر؟ فيكون هذا دليلا على خطئه غالبا.\n(^٢) \"الموقظة\" (ص: ٩٤ - ٩٦).","vol":"2","page":496},{"text":"جمعت حديث الزهري، فتعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أصحاب رسول الله ﷺ، فجعلا يتذاكران، ولا يُغرب أحدهما على الآخر حتى فرغا، وما رأيت أحسن من مذاكرتهما.\nثم قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: تعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أولاد أصحاب رسول اللّه ﷺ، فجعلا يتذاكران، ولا يغرب أحدهما على الآخر، إلى أن قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: عند الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال النبي ﷺ: \"ما يسرني أنّ لي حمر النعم وأنّ لي حلف المطيبين\".\nفقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟!\nفجعل أحمد بن حنبل يبتسم، ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول - أو صالح -: عبد الرحمن بن إسحاق.\nقال: من رواه عن عبد الرحمن بن إسحاق؟\nفقال: حدثناه رجلان ثقتان: إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضّل.\nفقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك باللّه إلا أمليته علي.\nفقال أحمد: من الكتاب. فقام فدخل، وأخرج الكتاب وأملى عليه.\nفقال أحمد بن صالح: لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحديث كان كثيرا. ثم ودعه وخرج) (^١).\nقلت: كلا الأحمدين من كبار الحفاظ، وكلاهما روى مئات الآلاف\n_________\n(^١) \"الكامل\" (١/ ٤١٤).","vol":"2","page":497},{"text":"من الأحاديث والآثار، ومع ذلك لم يستطع أحدهما أن ينفرد عن الآخر بشيء، إلا حديثا واحدا كان عند أحمد بن حنبل ولم يكن عند ابن صالح، فتأمل.\nوفي ترجمة أبي حاتم الرازي من \"تقدمة الجرح والتعديل\"، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليّ حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق، أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى عليّ ما لم أسمع به، فيقولون هو عند فلان، فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب عليّ حديثا) (^١).\nقلت: وهذا يؤيد ما تقدم.\nوقال أبو ذر الهروي: (سمعت أبا مسعود الدمشقي يقول: جاء رجل بغدادي يحفظ إلى ابن جَوْصَا، فقال له ابن جَوْصَا: كلما أغربتَ عليّ حديثا من حديث الشاميين أعطيتك درهما. فلم يزل الرجل يلقي عليه ما شاء اللّه، ولا يغرب عليه، فاغتم. فقال للرجل: لا تجزع، وأعطاه لكل حديث ذاكره به درهما) (^٢).\nقلت: ولذا كان التفرد عندهم مظنة الإنكار والخطأ.\nوفي ترجمة يعقوب بن حميد بن كاسب من \"ضعفاء العقيلي\"، عن زكريا بن يحيى الحُلْوانيّ قال: (رأيت أبا داود السجستاني - صاحب أحمد بن حنبل - قد ظاهر بحديث ابن كاسب، وجعله وقايات على ظهر كتبه،\n_________\n(^١) (ص:٣٥٥).\n(^٢) \"تاريخ دمشق\" (٥/ ١١٤)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ١٦).","vol":"2","page":498},{"text":"فسألته عنه، فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول، فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيّرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها) (^١).\nويؤيد هذه الواقعة ما جاء في \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (^٢) بإسناده إلى الحافظ أبي عبد اللّه الحاكم، قال: (سمعت أبا عمرو بن حمدان، يقول: سمعت أبا طاهر الجُنابذي يقول: سمعت موسى بن هارون يقول: استخرت اللّه سنتين حتى تكلمت في المَعْمَري (^٣)، وذاك أني كتبت معه عن الشيوخ، وما افترقنا، فلما رأيت تلك الأحاديث قلت: من أين أتى بها؟\nقال أبو طاهر: وكان المَعْمَري يقول: كنت أتولى لهم الانتخاب، فإذا مرّ بي حديث كريب، قصدت الشيخ وحدي فسألته عنه.\nوقال الحاكم: سمعت الحافظ أبا بكر بن أبي دَارِم الحافظ يقول: كنت ببغداد لما أنكر موسى بن هارون على المَعْمَري تلك الأحاديث، وانتهى أمرهم إلى يوسف القاضي، بعد أن كان إسماعيل القاضي توسط بينهما في أيامه، فقال موسى بن هارون: هذه أحاديث شاذة عن شيوخ ثقات، لا بد من إخراج الأصول بها.\nفقال المَعْمَري: قد عُرِف من عادتي أني كنت إذا رأيت حديثا غريبًا عند شيخ ثقة لا أُعلِّم عليه، إنما كنت أقرأ من كتاب الشيخ وأحفظه، فلا سبيل إلى إخراج الأصول بها.\nوقال الحاكم: سمعت علي بن حُمشَاذ العدل يقول: كنت ببغداد لما وقع بين الحسن بن علي المَعمري وموسى بن هارون ما وقع، وأخرج أبو\n_________\n(^١) (٦/ ٤٥٥).\n(^٢) ببعض الاختصار والتصرف.\n(^٣) هو الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري البغدادي.","vol":"2","page":499},{"text":"عمران (^١) نيفا وسبعين حديثا، ذكر أنه لم يشركه فيها أحد، ورُفض المَعْمَري ومجلسه، فصار الناس حزبين: حزب للمَعْمَري، وحزب لأبي عمران، فكان من احتجاج المَعْمَري في تلك الأحاديث: أن هذه أحاديث حفظتها عن الشيوخ وقت سماعي ولم أنسخها.\nثم اتفقوا بأجمعهم على عدالة المَعْمَري وتقدُّمه، وعلى زيادة معرفة أبي عمران، وأنه لما رأى أحاديث شاذة لم يسَعه إلا أن يبينها ويبحث عنها) (^٢).\nأقول: تبين مما تقدم أن تفرّد الراوي عن غيره مظنة الخطأ، حتى ولو كان حافظا؛ وذلك لاشتهار الأحاديث، وكثرة طرقها، وبالتالي وقوع ذلك - وهو التفرد - من الصعوبة بمكان.\nوأُقرّب هذا الأمر - زيادة على ما تقدم -: لو أن شخصًا كان له أصحاب كُثر يلازمونه ويأخذون عنه، وينفرد شخص - ليس معروفا بملازمته مثلهم - بخبر عنه أو بفتوى له، لاستُنكر ذلك عليه؛ لأنه يقال: أين تلاميذه الملازمون له عن هذا الخبر؛ بل حتى لو تفرد واحد من أصحابه الملازمين له، لربما تُوقف في خبره ولتُردد في قبوله، لأن التفرد مظنة الخطأ، فكيف لو كان لا يُعرف بالرواية عنه أصلا (^٣).\n_________\n(^١) هو موسى بن هارون.\n(^٢) \"تاريخ دمشق\" (١٣/ ١٥٧ - ١٥٩)، \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٥١١)، \"لسان الميزان\" (٣/ ٧٣).\n(^٣) يلاحظ أن هذا المثال تتضمن ثلاثة أمور؛\n١ - أن يتفرد شخص ليس معروفا بالرواية أصلا عمن تفرد عه.\n٢ - أن يتفرد شخص معروف بالرواية عمن تفرد عنه، ولكن ليس معروفا عنه الإكثار عمن تفرد عنه ولا كثرة الملازمة له.\n٣ - أن يكون المتفرد معروفا بكثرة الملازمة.","vol":"2","page":500},{"text":"ويتضح هذا أكثر، إذا كان هذا التفرد في الطبقات المتأخرة؛ لأن الرواية اتسعت وانتشرت أكثر منها في الطبقات المتقدمة.\nوذكر ابن حجر في \"المقدمة\" في ترجمة فُلَيح: (وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة مستقيمة وغرائب، وهو عندي لا بأس به.\nقلت - ابن حجر -: لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب، وبعضها في الرقاق) (^١).\nوقال العُقيلي: (حدثنا أحمد بن داود السجزي، قال: حدثنا الحسن بن سَوَّار البغوي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضَمضَم بن جَوْس، عن عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب قال: رأيت رسول اللّه ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليك إليك.\nولا يتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث، وقد حدث أحمد بن منيع وغيره، عن الحسن بن سوّار هذا، عن الليث بن سعد وغيره، أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فهو منكر.\nقال أبو إسماعيل (^٢): ألقيته على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقال: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر) (^٣).\nوقال أبو إسماعيل: (سألنا أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؛ قلنا: نعم) (^٤).\nقلت: والصواب في هذا الحديث، ما رواه هشام بن عبد الملك\n_________\n(^١) \"هدى الساري\" (١/ ٤٣٥).\n(^٢) هو محمد بن إسماعيل الترمذي.\n(^٣) \"الضعفاء\" (٢/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٤) \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢٨٣).","vol":"2","page":501},{"text":"الطيالسي وعبد الرحمن بن غزوان، كلاهما عن عكرمة بن عمار، عن الهِرْماس بن زياد الباهلي، قال: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس على ناقته العَضبَاء يوم الأضحى بمنى (^١).\nوأما المتن الذي جاء في عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب فهو متن محفوظ، فقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه (^٢) من طريق أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد اللّه الكلابي به. وقال الترمذي: (حسن صحيح).\nومن الأمثلة أيضا:\nقال عبد اللّه بن أحمد: (حدثنى أبي، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن النبي ﷺ دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جَوار، فقال لها: \"ما هذا يا عائشة؟ \"، فقالت: هذه خيل سليمان قال: فجعل يضحك من قولها.\nسمعت أبي يقول: غريب، لم نسمعه من غير هشيم، عن يحيى بن سعيد) (^٣).\nقلت: مع أن هشيما من كبار الحفاظ كما هو معلوم، ومع ذلك عندما تفرد بهذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري استغربه الإمام أحمد.\nوقد جاء موصولا عند أبي داود (^٤) من طريق يحيى بن أيوب، قال: حدثني عُمارة بن غَزيَّة، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٩٥٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤٢٨٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٩٢١)، \"سنن النسائي\" (٤٠٦٧)، \"سنن ابن ماجة\" (٣٠٣٥).\n(^٣) \"العلل\" (٢/ ٢٧٧).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (٤٩٣٢).","vol":"2","page":502},{"text":"ويحيى بن سعيد أوثق من عمارة بن غَزيَّة، على أن الراوي عنه يحيى بن أيوب متكلم فيه بعض الشيء، وإن كان قد خُرّج له في \"الصحيح\".\nوبناء على ما تقدم:\nفإنَّ تفرُّد تابع التابعي محل خلاف من بعض أهل العلم ممن تقدم، والجمهور على قبوله، وهو الراجح، وهذا من حيث الأصل، وأحيانا قد يردّ لقرائن.\nوأما تفرّد التابعي فلا خلاف في قبوله عند أهل المعرفة بالحديث، نعم هناك خلاف شاذ من بعض الأصوليين، لكنْ لا يُلتفت إليه.\nوأما الطبقة الرابعة، وهم من كان في طبقة شيوخ الأئمة الستة وأمثالهم، فإن تفردهم لا يقبل، كما نصَّ على ذلك الذهبي فيما تقدم، وكما يعلم من الأمثلة السابقة.\nوأما ما جاء عن الإمام الشافعي - فيما رواه يونس بن عبد الأعلى -: (ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم) (^١).\nوجاء عنه أيضًا: (إذا روى الثقة حديثا ولم يروه غيره، لا يُقال شاذا، إنما الشاذ: أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم) (^٢).\nفيقال: هذا إما أن يكون موافقا لما تقدم، وذلك بأن يحمل قوله (لم\n_________\n(^١) \"مناقب الشافعي\" لابن أبي حاتم (ص: ٢٣٣)، \"معرفة علوم الحديث\" للحاكم (٢٩٠).\n(^٢) \"مناقب الشافعي\" لابن أبي حاتم (ص: ٢٣٣)، \"الكامل\" لابن عدي (١/ ٢٩٢)، \"مناقب الشافعي\" للبيهقي (٢/ ٣٠).","vol":"2","page":503},{"text":"يروه غيره) على معنى: لم يروه غيره في الطبقات المتقدمة التي لا يضر التفرد فيها، وكونه لم يذكر ذلك في التعريف لأنه معلوم.\nوإما أن يحمل على ظاهره، وهو الأقرب، فيكون مخالفا لما تقدم، وهذا ما ذهب إليه ابن رجب في فهم كلام الشافعي، لذا قال بعد أن ذكره: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرّد به واحد، وإن لم يَرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علّة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه؛ كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقدٌ خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) (^١).\nقلت: وقولهم هو المقدّم؛ لاختصاصهم بهذا الأمر.\nالشرط الثالث: ألّا يكونَ هذا التفرد عن شخصٍ عُرف بكثرة الرواية والأصحاب؛ كالزهري، وقتادة، والأعمش، وهشام بن عروة، ونحوهم، إلا إذا كان المتفرد معروفًا بكثرة الرواية عنه وشدة الملازمة له.\nقال أبو الحسين مسلم بن الحجاج: (حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته.\nفأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣).","vol":"2","page":504},{"text":"في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما، العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، واللّه أعلم) (^١).\nوفي ترجمة شَبابة بن سَوَّار من \"التهذيب\" (^٢)، قال يعقوب بن شيبة: (سمعت علي بن المديني وقيل له: روى شَبَابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر في الدُّبَّاء، فقال علي: أي شيء نقدر أن نقول في ذاك - يعنى شَبَابة -؛! كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ننكر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين، أن يجيء بحديث غريب.\nقال يعقوب: وهذا حديث لم نسمعه من أحد من أصحاب شعبة إلا من شَبَابة، ولم يبلغني أنّ أحدا من أصحاب شعبة رواه غير شَبَابة).\nوقال ابن هانئ: (قلت لأبي عبد اللّه: وروى عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي في الدُّبَّاء، فقال: وهذا إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديث الحج) (^٣).\nقلت: وهذا موافق لما قرّره الإمام مسلم.\nويدخل في هذا: السلاسل المشهورة؛ كأبي الزِّناد عن الأَعْرج عن أبي هريرة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومالك عن نافع عن ابن عمر، فإذا تفرد عنهم راوٍ وأن كان ثقة، فإن تفرده عندئذ مظنة الخطأ، وبيان ذلك في الشرط التالي.\n_________\n(^١) \"مقدمة الصحيح\" (ص: ٥ - ٦).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٣٤٧)، وينظر: \"الكامل\" لابن عدي (٦/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٣) \"الضعفاء الكبير\" (٢/ ٢٠٣).","vol":"2","page":505},{"text":"الشرط الرابع: مراعاة الصفات التي تعتبر في الراوي حتى يقبل تفرده.\nفمن المتقرر في (علم الجرح والتعديل) أنه ليس كل راو يُقبل تفرّده، ولذا فكثيرا ما يحكمون على الراوي بأنه منكر الحديث، وذلك لتفرده بما يُستنكر إسنادًا أو متنًا، وقريبًا منه قولهم: لا يتابَع، ومعنى ذلك: أنه لا يقبَل تفرده.\nويتفرّع عن هذا حكم الأئمة على راوٍ بالضعف بسبب كثرة تفرداته؛ فيقال عنه: مخكر الحديث، مع ملاحظة أن أسباب الضعف كثيرة، ولكن على رأسها ما تقدم.\nوكقولهم: يغرب، أو يتفرد، وإن كانت هاتان العبارتان ليستا كالأوليين (^١)، وذلك أنهم كثيرًا ما يقرنونها بنحو: صالح الحديث، لا بأس به، أو فوق ذلك - كما سيأتي إن شاء اللّه في الفصل الآتي -، فتكون مُشعِرة بأن هذا الراوي قد يُتوقف فيما يتفرد به؛ بل بما يرويه في الجملة، وتوضيح ذلك في الفصل الآتي (^٢).\nوالأمر كما قال ابن رجب: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يروِ الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، وجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقدٌ خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) (^٣).\n_________\n(^١) أي: منكر الحديث، ولا يتابع.\n(^٢) فصل في منهج النقاد في التعامل مع الرواة الذين ينفردون ببعض المتون والأسانيد عن شيوخهم وأقرانهم.\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣).","vol":"2","page":506},{"text":"فعلى هذا لابد أن يكون المتفرِّد: متصفا في نفسه بالإتقان، ومعروفا بالملازمة لشيخه وكثرة الرواية عنه.\nقال أبو عيسى الترمذي - وهو يعدِّد أنواع الغريب -: (وربَّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول اللّه ﷺ زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.\nقال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين.\nوروى أيوب السختياني وعبيد اللّه بن عمر وغير وأحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين.\nوقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه.\nوقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد بن حنبل) (^١).\nقال مسلم بن الحجاج: (والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم) (^٢).\nفإذا توفرت هذه الشروط صار التفرد مقبولا، وإلا فإنه قد يرد، مع ملاحظة أن لكل حديث نقد خاص - كما قال ابن رجب -، فأحيانا تتوفر هذه الشروط ومع ذلك لا يقبل التفرد.\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٨ - ٦٩).\n(^٢) \"التمييز\" (ص: ١٢٨)، وفي \"شرح العلل\" لابن رجب: (١/ ٤٣٥)؛ (يكثر) بدل (يعثر).","vol":"2","page":507},{"text":"كما ينبغي التنبيه على أن الحكم في ذلك إنما هو للمتخصصين الذين أكثروا من النظر في كلام الأئمة، وعرفوا مناهجهم، وساروا على طريقتهم، مع الحذر من الغلو في ذلك كما حصل لبعضهم، والحذر من التساهل في ذلك كما وقع للبعض الآخر، ومع الورع التام، وحسن القصد، واللّه ولي التوفيق.\n* * *","vol":"2","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>الفصل الثامن الفرق بين الغريب والمنكر</span>\nقال ابن سعد في ترجمة يونس بن يزيد الأيلي: (ربما جاء بالشيء المنكر) (^١).\nقال الذهبي معلقا: (ليس ذاك عند أكثر الحفاظ منكرا، بل غريب) (^٢).\nقلت: فهناك فرق بين الغريب والمنكر، فكل منكرٍ غريبٌ، وليس كل غريب منكرًا.\nفالمنكر هو الخبر الذي حُكم بردّه، وظهر ضعفه، وذلك إما بظهور علته وتبين أنه خطأ، أو أن راويَه لا يُحتمل تفرده.\nأما الغريب، فإنه يحتمل أن يكون مردودا كما تقدم، ويحتمل أن يكون محفوظا؛ فظهر الفرق بينه وبين المنكر.\nهذا وإنَّ بعض الحفاظ يعدون الغريب في كثير من الأحيان منكرا؛ كأحمد والبرديجي وأبي حاتم الرازي والأزدي، كما سوف يأتي (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) \"الطبقات الكبير\" لابن سعد (٩/ ٥٢٩).\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٠٠).\n(^٣) (ص: ٦٥٣).","vol":"2","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>الفصل التاسع ذكر تصرفات الحفاظ في الغريب من الحديث</span>\n- قال الترمذي: (حدثنا محمود بن غَيْلَان، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمْرة، قال: سألنا عليا عن صلاة رسول اللّه ﷺ من النهار؛ فقال: إنكم لا تطيقون ذاك، فقلنا: من أطاق ذاك منا، فقال: كان رسول اللّه ﷺ إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعا، وصلى أربعا قبل الظهر وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين.\nحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي، عن النبي ﷺ نحوه.\nقال أبو عيسى هذا حديث حسن.\nوقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء روي في تطوع النبي ﷺ في النهار هذا.\nوروي عن ابن المبارك أنه كان يضعِّف هذا الحديث، وإنما ضعفه عندنا - والله أعلم - لأنه لا يُروى مثل هذا عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي.\nوعاصم بن ضَمْرة هو ثقة عند بعض أهل الحديث، قال علي بن","vol":"2","page":511},{"text":"المديني: قال يحيى بن سعيد القطان: قال سفيان: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضَمْرة على حديث الحارث) (^١).\nقال الجُوْزَجاني عن عاصم: (روى عنه أبو إسحاق حديثا في تطوع النبي ﷺ ست عشرة ركعة …، فيا لعباد اللّه! أما كان ينبغي لأحد من أصحاب النبي ﷺ وأزواجه يحكي هذه الركعات، إذ هم معه في دهرهم.\nوالحكاية عن عائشة ﵂ في الاثنتي عشرة ركعة من السنة، وابن عمر عشر ركعات، والعامة من الأمة - أو من شاء اللّه - قد عرفوا ركعات السّنة الاثنتي عشرة، منها بالليل ومنها بالنهار.\nفإن قال قائل: كم من حديث لم يروه إلا واحد؟ قيل: صدقت، كان النبي ﷺ يجلس فيتكلم بالكلمة من الحكمة لعله لا يعود لها آخر دهره، فيحفظها عنه رجل، وهذه ركعات - كما قال عاصم - كان يداوم عليها، فلا يشتبهان) (^٢).\n- قال علي بن الحسين بن حبان: (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا يحيى بن معين عن حديث عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ في الشفعة. قال: هو حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يُرد على مثله.\nقلت له: تكلم شعبة فيه؟ قال: نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخرَ مثل هذا لرميت بحديثه) (^٣).\n_________\n(^١) (٦٠٤، ٦٠٥).\n(^٢) \"أحوال الرجال\" (ص: ٣٥).\n(^٣) \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"2","page":512},{"text":"- قال الدُّوري: (حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة.\nقال يحيى: وهذا غريب؛ ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي) (^١).\n- قال ابن حبان (^٢): (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا (^٣) عن الحكم بن مروان، فقال: ما أُراه إلا كان صدوقا.\nقلت له: ما أنكرتم عليه بشيء؛ قال: أما أنا فما أنكرت عليه بشيء.\nقلت له: إنه حدث بحديث عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ كبّر غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.\nفقال أبو زكريا: هذا باطل، ريح، شُبِّه له) (^٤).\nقلت: ترجمة (زهير، عن أبي الزبير، عن جابر) مشهورة جدا، وخرّج مسلم منها أكثر من عشرين إسنادًا (^٥)، فكون الحكم يتفرد بهذا دليل على خطئه.\n- قال ابن مُحْرِز: (سمعت يحيى يقول: يزيد بن زُرَيع، عن يونس، عن الحسن في بعير تَردَّى في بئر، قال: صار أعلاه أسفله.\nقال يحيى: هذا حديث غريب جدًّا) (^٦).\n- قال عباس الدوري: (سئل يحيى عن نوح بن دَرَّاج، قال: لم يكن\n_________\n(^١) \"تاريخ ابن معين\" رواية الدوري (٤/ ٢٩٧).\n(^٢) هو علي بن الحسين بن حبان.\n(^٣) هو يحيى بن معين.\n(^٤) \"تارخ بغداد\" (٩/ ١٢٤).\n(^٥) ينظر: \"تحفة الأشراف\" للمزي (٢/ ٢٩٨) وما بعدها.\n(^٦) \"تاريخ ابن معين\" رواية ابن محرز (١/ ١٤٦).","vol":"2","page":513},{"text":"يدري ما الحديث، ولا يحسن شيئًا، كان عنده حديث غريب عن ابن شُبْرمة، عن الشعبي، في المحرم يضطر إلى الميتة أو الصيد، ليس يرويه أحد غيره، ولم يكن ثقة، وكان أسد بن عمرو أوثق منه) (^١).\n- قال عبد اللّه: (حدثنى أبي، قال: حدثنا هُشَيم، قال: حدثنا محمد بن قيس، عن مولى لقريش، عن الشعبي قال: ليس من المروءة النظر في مرآة الحجام.\nسمعت أبي يقول: حديث غريب) (^٢).\n- وقال: (حدثنى أبي، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن هشام بن أبي عبد اللّه، عن عامر الأَحْول، عن الحسن، أن رسول اللّه ﷺ نهى أن تُنكَح الأمة على الحرة.\nقال أبي: حديث سفيان عن هشام بن أبي عبد اللّه، غريب، إنما رواه عمرو بن عبيد، وهو غريب من حديث عامر الأَحْول.\nقال أبي: وحدثناه الفَزَاري - يعني مروان - عن هشام بن أبي عبد اللّه) (^٣).\n- قال الخلّال: (أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، ثنا ابن حنبل، قال: حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن - قال ابن مهدي: هو ابن علقمة، قال: سمعت ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"اعفوا اللحى وأحفوا الشوارب\".\nقال أبو عبد اللّه: هذا غريب) (^٤).\n_________\n(^١) \"تاريخ ابن معين\" رواية الدوري (٢٩٧٨).\n(^٢) \"العلل\" (٢/ ٢٧٣).\n(^٣) \"العلل\" (٣/ ٩١).\n(^٤) \"الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد\" (٧٧).","vol":"2","page":514},{"text":"- قال الخطيب: (أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل - هو أبو إسماعيل الترمذي -، قال: حدثنا الحسن بن سَوَّار أبو العلاء الثقة الرضا - وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: رأيت رسول اللّه ﷺ يطوف بالبيت، أعده عليّ وكان قد حدثني به قبل هذه المرة بسنتين. قال: نعم - حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب، قال: رأيت رسول اللّه ﷺ يطوف بالبيت على ناقة لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إليك إليك.\nقال أبو إسماعيل: سألنا أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؟ قلنا: نعم) (^١).\nقلت: يظهر أن الإمام أحمد استنكر هذا الحديث، فسأل: (أكتبتموه من كتاب؟)، لأنهم لو كتبوه من حفظه لعُلم السبب في استنكاره، فيكون الشيخ حدث به على جهة التوهم.\n- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن أمية الئاوي، عن عيسى بن موسى التيمي، عن عبد اللّه بن كَيْسان، قال: سمعت محمد بن واسع، يحدث عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"تحرم النار على كل هين لين، سهل سمح\".\nفسمعت أبي يقود: هو حديث غريب منكر، حدثنا به الحسن بن علي بن مهران المَتُّوثِي، عن أحمد بن محمد بن أمية، عن أبيه محمد بن أمية) (^٢).\n_________\n(^١) \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢٨٢).\n(^٢) \"العلل\" (١٨٥١).","vol":"2","page":515},{"text":"قلت: مع أن ظاهر هذا الإسناد أنه صالح، لكن استنكره لغرابته.\nوعبد اللّه بن كَيْسان، قال النسائي والدارقطني: (لم يكن بالقوي)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ولكن ضعفه أبو حاتم، وقال العقيلي: (في حديثه وهم كثير) (^١).\nولعل كلامهم فيه بسبب ما تفرد به، فقد قال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث: (ولعبد اللّه بن كَيْسان عن عكرمة عن ابن عباس، أحاديث غير ما أمليت غير محفوظة، وعن ثابت عن أنس كذاك) (^٢).\n- وسئل الجورْجاني: (من الثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبًا من السواء؛ إذ كانا يختلفان إليه جميعًا، ومعمر إلا أنه يهم في أحاديث.\nوتختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر والليث بن سعد.\nفأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري.\nوسفيان بن عيينة كان غلامًا صغيرًا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام - يعني الزهري - تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أيامًا يسيرة، وفي حديثه - يعني ابن عيينة - عن الزهري اضطراب شديد.\nوسفيان بن حسين وصالح بن أبي الأخضر وسليمان بن كثير، متقاربون في الزهري. يعني في الضعف.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٤١٠)، \"علل الدارقطني\" (٦/ ٣٨٤).\n(^٢) \"الكامل\" (٧/ ٣٢).","vol":"2","page":516},{"text":"فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة، إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه.\nوالزبيدي وشعيب لزماه لزومًا طويلًا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين.\nفما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند بعض هؤلاء، فتأنّ في أمره.\nوابن إسحاق روى عن الزهري، إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه، حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه.\nوإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري.\nوذكر قومًا رووا عن الزهري قليلًا أشياءَ يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم بُرْد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما) (^١).\nقلت: بُرْد وثقه الجمهور، ولكن ما تفرد به عن الزهري لا يقبل؛ وذلك لأنه ليس من أصحابه الذين اشتهروا بصحبته، بخلاف ما تفرد به مثلا عن مكحول فهو مقبول، وذلك لكونه من كبار أصحابه.\nوقول الجوزجاني: (فتأن في أمره)، قد يكون غير محفوظ.\nوقوله: (يمضغ حديث الزهري)، يعني لا يرويه بلفظ الزهري، وإنما يرويه بلفظه هو، فيأتي بسياق للحديث يخالف سياق أصحابه، فيقع في الخطأ.\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢).","vol":"2","page":517},{"text":"وتقدم قريبا كلام الجوزجاني في حديث عاصم بن ضمرة عن علي.\n- قال أبو داود: (حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا خالد بن نزار، حدثني القاسم بن مَبْرُور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول اللّه ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه.\nقالت عائشة: فخرج رسول اللّه ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر ﷺ وحمد اللّه ﷺ، ثم قال: \"إنكم شكوتم جَدْبَ دياركم، وَاسْتِئْخَارَ المطر عن إِبَّانِ زمانه عنكم، وقد أمركم الله ﷿ أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم\"، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢، ٣]، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين\"، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فانشأ اللّه سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الْكِنِّ ضحك ﷺ، حتى بدت نواجذه، فقال: \"أشهد أن اللّه على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله\".\nقال أبو داود: وهذا حديث غريب، إسناده جيد، أهل المدينة يقرءون ﴿ملك يوم الدين﴾ [الفاتحة:٤]، وإن هذا الحديث حجة لهم) (^١).\n- قال الترمذي: (حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه\n_________\n(^١) \"السنن\" (١١٧٣).","vol":"2","page":518},{"text":"ﷺ: \"كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء\". هذا حديث غريب حسن) (^١).\nوقد توبع أبو عيسى على هذا الوجه، تابعه أحمد بن سلمة - صاحب مسلم -، أخرجه البيهقي (^٢).\nقلت: هذا الحديث اشتهر برواية عبد الواحد بن زياد، حتى قال مسلم بن الحجاج: (لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبد الواحد بن زياد)، فقيل له عن رواية أبي هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل، فقال: (إنما تكلم يحيى بن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل) (^٣).\nوقال البزار: (لم يروه إلا عبد الواحد) (^٤).\nولعله من شدة غرابة هذا الوجه، قال أبو عيسى الترمذي: (غريب حسن)، فابتدأ بذكر الغرابة ثم ألحقه بحسن؛ لأن هذا الإسناد من حيث الأصل صالح.\nوقال ابن المديني في عاصم بن كليب: (لا يحتج به إذا انفرد) (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) (١١٣٨)، وكذا في الرسالة (١١٣٢)، وفي \"تحفة الأشراف\" (١٤٢٩٧)؛ (حسن غريب).\n(^٢) \"سنن البيهقي\" (٦/ ٣٢٨).\n(^٣) \"سنن البيهقي\" (٦/ ٣٢٨).\n(^٤) \"مسند البزار\" (٩٦٤٠).\n(^٥) \"إكمال تهذيب الكمال\" (٧/ ١٢٠).","vol":"2","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>الفصل العاشر منهج النقاد في التعامل مع الرواة الذين ينفردون ببعض المتون والأسانيد عن شيوخهم وأقرانهم</span>\n<span data-type='title' id=toc-143>منهم إبراهيم بن طهْمَان:</span>\nوهو من الثقات المشهورين، خرّج له الجماعة، ولكنْ له بعض الأوهام عُدَّت من غرائبه، كحديث صلاة القائم الذي تقدّم الكلام عليه (^١).\nوذكر السليماني أنهم أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير عن جابر في رفع اليدين، وحديثه عن شعبة عن قتادة عن أنس مرفوعا: \"رفعت لي سدرة المنتهى\" (^٢).\nولعله من أجل هذا قال الذهلي: لا يحتج به. يقصد بما انفرد به واستُغرب منه؛ لأنه ثقة مشهور كما تقدم، ويدل على ذلك أن كلام الذهلي جاء في سياق روايته لحديث فيه غرابة، من طريق أبي حذيفة ومحمد بن سنان العَوَقي، عن إبراهيم بن طهْمَان، عن عبد العزيز بن رُفَيع، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، أنها قالت: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في ثلاث خصال: زانٍ محصن فيرجم، ورجل يقتل متعمدا فيُقتل\n_________\n(^١) ينظر: (ص: ٤٥٩).\n(^٢) ينظر في ذلك ترجمته من \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٧٠)، وقد رد ذلك الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٧٦).","vol":"2","page":521},{"text":"به، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>ومنهم إبراهيم بن بشار:</span>\nقال أحمد: (كأن سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة).\nقال ابن حجر: (يعني مما يغرب عنه، وكان مكثرا عنه) (^٢).\nويبين قول أحمد هذا قوله الآخر: (كان يغيّر الألفاظ، فيكون زيادة ليس في الحديث) (^٣).\nقلت: ومعنى ذلك: أن ما تفرد به من زيادات لا يقبل، ولكن لطول ملازمته لابن عيينة، ولصدقه، أن هذا لم يَكثُر عنه فيما يظهر، ولذا قال البخاري: (يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق) (^٤)، فالأصل في حديثه الاستقامة.\nوتجد في ترجمته بعض الأوهام التي أُنكرت عليه.\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (٣٠٨٨).\nحديث عائشة صحيح عنها من غير طريق إبراهيم بن طهمان، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، وإذا قلنا بالوقف فله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.\nوأما الذي تفرد به إبراهيم فهو ما رواه عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير، عنها، قال الطبراني في \"الأوسط\" (٣٧٧٢): (لم يَرو هذا الحديث عن عبيد بن عمير إلا عبد العزيز بن رفيع، تفرد به إبراهيم بن طهمان). مع أن بعض أهل العلم صحح هذا الطريق؛ كالحاكم (٤/ ٣٦٧) وشمس الدين بن عبد الهادي في \"التنقيح\" (٤/ ٤٦١).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٦٠).\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٥٨).\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" (١/ ٦٠)، وينظر \"تاريخ البخاري\" (١/ ٢٧٧)، \"الكامل\" لابن عدي (٢/ ٣٣).","vol":"2","page":522},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>ومنهم إسماعيل بن عياش:</span>\nقال يعقوب بن سفيان: (تكلم قوم في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين) (^١).\nقلت: ومعنى قول يعقوب: أن ما رواه إسماعيل عن المدنيين والمكيين فيه أشياء تُستنكر، ولذا كانت روايته عنهم ضعيفة، كما ذكر أحمد وابن معين وغيرهما (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>ومنهم أحمد بن أبي طيبة:</span>\nقال ابن عدي: (حدّث بأحاديث أكثرها غرائب) (^٣)، ولأجل هذه الغرائب قال أبو حاتم: (يكتب حديثه) (^٤)؛ أي: ينظر فيه، فما توبع عليه يقبل وما لا يتابع يرد.\nولعل هذا يفسِّر قول الخليلي: (ثقة، ينفرد بأحاديث) (^٥)؛ يعني: فيما توبع عليه فهو ثقة، وما تفرد فيه يكون مردودًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>ومنهم سهيل بن أبي حزم:</span>\nقاد أحمد (^٦): (روى عن ثابت أحاديث منكرة).\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٤٢٤)\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٣/ ١٧٤).\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" (١/ ٣٦١ - ٣٦٢)، وينظر: \"تاريخ جرجان\" (ص: ٥٩، ٢٩٢) و\"الكامل\" لابن عدي (٨/ ٢٥٣).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٦٤).\n(^٥) \"الإكمال\" لمغلطاي (١/ ٦٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٠)، وينظر: \"الإرشاد\" للخليلي (٢/ ٧٨٩).\n(^٦) ينظر لما سيأتي من النقول: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٢٨).","vol":"2","page":523},{"text":"ولهذا قال البخاري: (لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه)؛ أي: بسبب هذه المنكرات.\nوهذا ما نص عليه ابن حبان، قال: (يتفرد سهيل عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات).\nكما يفسِّر قول ابن معين: (صالح)، يعني أنه ليس بالقوي، وإنما يكتب حديثه، فما توبع عليه يقبل وما لا يرد.\nوهذا ما بينه أبو حاتم في قوله: (ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به).\nوما تقدم فيه تفسير لقول ابن عدي: (مقدار ما يروي من الحديث إفرادات ينفرد بها عمَّن يرويه عنه). فبيّن أن أكثر حديثه قد تفرد به.\n\n<span data-type='title' id=toc-148>ومنهم سليمان بن عتيق:</span>\nقاد البخاري (^١): (لا يصح حديثه)؛ لأنه تفرد عن غيره، وهو ما نص عليه ابن عبد البر بقوله: (لا يحتج بما تفرد به).\nويتفرع عن هذا: أن الراوي الذي يكون صدوقًا، ويوصَف بالوهم والخطأ، فوصْفه بذلك كثيرا ما يكون بسبب التفرد والغرابة التي وقعت في حديثه.\nفهذا لا يقبل تفرّده أيضًا.\nوفوق ذلك، الراوي الذي وُصف أنه صدوق يغرب، أو ثقة يغرب، أو له غرائب؛ مثاله: سلمة بن الفضل الأبرش، قال ابن عدي: (عنده غرائب وأفراد، ولم أجد في حديثه حديثا قد جاوز الحد في الإنكار، وأحاديثه متقاربة محتملة) (^٢).\n_________\n(^١) ينظر لما سيأتي من النقول: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٠٤).\n(^٢) \"الكامل\" (٥/ ٤٧٠).","vol":"2","page":524},{"text":"ومحصّل كلامه أنه ثقة يغرب، أو صدوق له غرائب، ويبين هذا قول ابن حبان حينما ذكره في \"الثقات\": (يخطئ ويخالف) (^١).\nولذا يكثر ابن حجر في أحكامه في \"التقريب\" على الرواة من قوله: صدوق يغرب، أو ثقة يغرب، ونحو ذلك.\nوأقوى مِن سلمة عليُّ بن مُسْهِر، قال عنه ابن حجر: (ثقة، له غرائب بعد أن أضر)؛ وذلك لأنه تفرد بأشياء أنكرت عليه، ومنها الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب (^٢).\nقال ابن رجب: (قال أحمد في بُرَيد بن عبد اللّه بن أبي بُرْدة: يروي أحاديث مناكير.\nوقال أحمد في: محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي - وهو المنفرد برواية حديث \"الأعمال بالنيات\" -: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة.\nوقال أيضا في زيد بن أبي أُنَيْسَة: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث.\nقال الأَثْرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير فهي غرائب، قال: نعم.\nوهؤلاء الثلاثة: متفق على الاحتجاج بحديثهم في \"الصحيح\"، وقد استنكر أحمد ما تفرّدوا به.\nوكذلك أحمد قال في عمرو بن الحارث: له مناكير، وفي الحسين بن\n_________\n(^١) (٨/ ٢٨٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٧٩)، \"سنن النسائي\" (٦٦)، \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٥٨٣).","vol":"2","page":525},{"text":"واقد، وخالد بن مخلد، وفي جماعة خُرج لهم في \"الصحيح\" بعض ما يتفردون به) (^١).\nوقد وُصف بعض الحفاظ بأن له غرائب:\nمنهم: أبو داود الطيالسي، ولكن تفرد بأشياء تستغرب عليه بسبب اتكاله على حفظه، قال ابن عدي: (له أحاديث يرفعها، وليس بعجب من يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتى ذلك من حفظه، وما أبو داود عندي وعند غيرى إلا متيقظ ثبت) (^٢).\nومن تلك الأحاديث: ما رواه عمرو بن علي الفلّاس، عن أبي داود، عن شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد اللّه، عن النبي ﷺ قال: \"آية المنافق ثلاث\"، قال الفلّاس: (لا أعلم أحدا تابع أبا داود على رفعه، وأبو داود ثقة) (^٣).\nومنهم: يحيى بن سعيد بن أبان، قال أحمد: (عنده عن الأعمش غرائب) (^٤).\nومنهم: عمرو بن عاصم الكلابي، قال: (كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألف حديث) (^٥)، تفرد بأشياء واستنكرت عليه.\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥٥ - ٤٥٦).\n(^٢) \"الكامل\" (٥/ ٣٠٨).\n(^٣) \"الكامل\" (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والحديث صحيح مرفوعا، وإنما يقصد الفلاس طريقا معينا، قال ابن عدي: (إنما أراد من حديث شعبة عن منصور عن أبي وائل، وأما عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي عبد الله، فقد رفعه غير واحد عن الأعمش ..).\n(^٤) \"سؤالات أبي داود للإمام أحمد\" (ص: ٣٦٨).\n(^٥) \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ٨٩).","vol":"2","page":526},{"text":"ومنهم: حَرْملة بن يحيى التُّجِيْبي، وهو من الحفاظ المكثرين، قال ابن عدي: (وقد تبحّرت حديث حَرْملة، وفتّشته الكثير، فلم أجد في حديثه ما يجب أن يضعّف من أجله، ورجل يتوارى ابن وهب عندهم، ويكون حديثه كله عنده؛ فليس ببعيد أن يغرب على غيره - من أصحاب ابن وهب - كتب ونسخ وأفرادات ابن وهب) (^١).\nومنهم: محمد بن عبد الملك بن أيمن، قال ابن حزم: (\"مصنف\" ابن أيمن مصنف رفيع، احتوى من صحيح الحديث وغريبه ما ليلى في كثير من المصنفات) (^٢).\nقلت: من جملة الغرائب أنه قد يروي الحديث الذي يرويه أهل المشرق بزيادات لا توجد عندهم، مثل ما أخرجه ابن حزم في \"الإحكام\" (^٣) من طريق ابن أيمن، عن أحمد بن مسلم، عن أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اللّه ﷺ قال: \"لا ينزع الله العلم من صدور الرجال ولكن يُنزع العلم بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا\".\nوالشاهد قوله: \"فقالوا بالرأي\".\nومنهم: سليمان بن داود الشَّاذَكُونِي، وهو من كبار الحفاظ، من نظراء علي بن المديني وأمثاله، وقد تفرد بأحاديث أُنكرت عليه، وكان هذا هو سبب الكلام فيه.\n_________\n(^١) \"الكامل\" (٤/ ٢٣٧).\n(^٢) \"جذوة المقتبس\" للحميدي (ص: ٦٨).\n(^٣) (٦/ ٣٩).","vol":"2","page":527},{"text":"ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمد الكوفي، المعروف بابن عُقْدة، وهو من كبار الحفاظ في زمانه، قال الذهبي: (كتب العالي والنازل، والحق والباطل، وكان إليه المنتهى في قوة الحفظ وكثرة الحديث).\nوقال: (ما علمت ابن عُقْدة وضع متن حديث، أما الأسانيد فلا أدري) (^١).\nومنهم: علي بن الفضل بن طاهر بن نصر، قال الخطيب: (كان من الجوالين في طلب الحديث، صاحب غرائب) (^٢).\nومنهم: أحمد بن محمد بن ياسين، قال الذهبي: (الحافظ العالم) (^٣).\nوقال الإدريسي: (سمعت أهل بلده يطعنون فيه ولا يرضونه، وكان يحفظ الحديث ويعلم، ويقع في أحاديثه ما يقع من المناكير، وأرجو أنها لا تقع من جهته) (^٤).\nمع ملاحظة أنه ليس كل من وُصف بأنه يغرب يكون حديثه مردودا، ولذا قال ابن حبان عن أحمد بن الصَّبَّاح: (يغرب على استقامة فيه) (^٥). يعني: أن ما تفرد به مستقيما.\nومقابل هذا، ما نص عليه الحفاظ بأن ما تفرد به فلان فإنه مقبول، فمن ذلك:\nقال البخاري في محمد بن إسحاق: (ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها، لا يشاركه فيها أحد) (^٦).\n_________\n(^١) \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٨٣٩، ٨٤١).\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٥٠٥).\n(^٣) \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٦٣).\n(^٤) \"طبقات علماء الحديث\" لابن عبد الهادي (٣/ ٧٠).\n(^٥) \"الثقات\" (٨/ ٣٨).\n(^٦) \"تاريخ بغداد\" (٢/ ٢٥).","vol":"2","page":528},{"text":"ووجه قول البخاري هذا: أن ابن إسحاق كان من المكثرين جدا، فإنه تفرد في الرواية عن شيوخ لم يَرو عنهم أحد سواه، حتى قيل: إنه روى عن بعض أهل الكتاب (^١).\nوالأصل في تفردات الراوي الثقة أن تكون يسيرة؛ لأن مَن كثر تفرده دل على نكارة حديثه، وتقدم مثال شَبَابَة بن سَوَّار، قال يعقوب بن شيبة: (سمعت علي بن المديني وقيل له: روى شَبَابَة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر في الدباء، فقال علي: أي شيء نقدر أن نقول في ذاك - يعنى شَبَابَة -، كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا ننكر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين أن يجيء بحديث غريب) (^٢).\nوتأمّل ما قاله البخاري في حق عبد الرحمن بن إسحاق المدني، قال: (ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض) (^٣).\n_________\n(^١) \"تهذب التهذيب\" (٤/ ٣٢١، ٩/ ٤٥).\nوروايته عن أهل الكتاب إذا ثبتت يكون هذا فيما يتعلق بالأخبار والسير، وما جرى على اليهود الذين كانوا في المدينة قبل البعثة وبعدها، سواء أكان ذلك فيما يختص بهم من تاريخ، أو في الأحداث المشتركة التي وقعت بينهم وبين المسلمين من غزوات وغيرها.\nوهذا ليس خاصا بابن إسحاق، بل وقع للصحابة فمن دونهم؛ وذلك لقوله ﷺ: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ \" الآية.\nأخرجه البخاري (٤٤٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\nوقوله ﷺ: \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\". أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد اللّه بن عمرو.\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٣٤٧)، وينظر: \"الكامل\" لابن عدي (٦/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^٣) \"تاريخ دمشق\" (٣٤/ ١٩٨)، \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٥٢٤).","vol":"2","page":529},{"text":"والخلاصة: أنه كلما تقدمت طبقة المتفرد، واشتهر بالضبط، وقلَّ وهمه في حديثه = كان ذلك أدعى لقبول تفرده، قال الإمام مسلم: (والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم) (^١).\nوقال أبو عيسى الترمذي: (وربّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه) (^٢).\nقال ابن رجب معلقًا: (يعني: وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه، لا تقبل زيادته، وهذا أيضا ظاهر كلام الإمام أحمد) (^٣).\nوهذا وإن كان في الزيادات، إلا أنه يدخل في الغرابة؛ لأن الزيادة تفرد من الراوي عن باقي الرواة.\nواللّه أعلم.\n* * *\n- خرّج ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، قال: (حدثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب\") (^٤).\nقال ابن حبان: (لم يقل في خبر العلاء هذا: \"لا تجزئ صلاة\" إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير ومحمد بن كثير) (^٥). وقد صححه ﵀.\n_________\n(^١) \"التمييز\" (ص: ١٢٨)، وفي نسخة: (لم يكثر).\n(^٢) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٨).\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤١٩)، وينظر باقي كلام ابن رجب، فإنه قد أجاد القول في هذه المسألة.\n(^٤) \"صحيح ابن خزيمة\" (٤٩٠).\n(^٥) \"صحيح ابن حبان\" (١٧٨٩).","vol":"2","page":530},{"text":"قال ابن عبد الهادي عن هذا الخبر: (وقد أعل) (^١).\nقلت: ووجه إعلاله، أن محمد بن جعفر (^٢) ووكيع (^٣)، روياه عن شعبة به، بلفظ: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِدَاج، فهي خِدَاج، فهي خِدَاج، غير تمام\".\nوهذا هو الصحيح في لفظ هذا الخبر، كما رواه مالك وابن عيينة (^٤) وغيرهما، عن العلاء.\nفتكون رواية وهب بن جرير ومن معه رواية بالمعنى أثّرت في دلالة الخبر؛ لأنَّ ثمة فرقا بين النقصان وعدم الإجزاء.\n- خرّج النسائي من طريق ابن أبي عدي، حدثا محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تُسْتَحَاض، فقال لها رسول اللّه ﷺ: \"إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي\".\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: (قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن أبي عدي) (^٥).\nوقال أبو حاتم: (لم يُتابَع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر) (^٦).\n- قال البخاري: (حدثنا حسان بن حسان، قال: حدثنا إبراهيم بن بشر أبو عمرو الأَوْدي، عن يحيى بن معين المدني، قال: حدثني إبراهيم\n_________\n(^١) \"المحرر في الحديث\" (٢٢٨)، وينظر: \"علل الدارقطني\" (١٦١٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (٩٨٩٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٠١٩٨).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٣٩٥).\n(^٥) \"المجتبى\" (٣٦٧).\n(^٦) \"العلل\" (١١٧)، وينظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٢/ ٥٧).","vol":"2","page":531},{"text":"القرشي، عن سعيد بن شُرَحْبيل، عن زيد بن أبي أَوْفَى قال: خرج علينا نبي اللّه ﷺ فآخى بين أصحابه.\nوهذا إسناد مجهول، لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض.\nرواه بعضهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللّه بن أبي أَوْفَى، عن النبي اللّه ﷺ، ولا أصل له) (^١).\n- قال إسحاق بن هانئ: (قال لي أبو عبد اللّه - يعخي أحمد -: قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد اللّه - يعني ابن عمر - أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، حديث عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: \"لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام\".\nقال أبو عبد اللّه: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.\nقال أبو عبد اللّه: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العُمَري الصغير، عن نافع، عن ابن عمر مثله.\nوقال أبو عبد اللّه: لم يسمعه إلا من عبيد اللّه، فلما بلغه عن العُمَري صححه) (^٢).\n- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يوسف ابن عدي، عن عَثَّام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي\n_________\n(^١) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٩)، وينظر: \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٨٦)، \"علل ابن أبي حاتم\" (٢٥٩٨).\n(^٢) \"مسائل ابن هانئ\" (٢/ ٢١٦)، وينظر: \"مسائل أبي داود\" (١٩٤٥)، و\"العلل\" لعبد الله (٢٠١٢)، و\"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).","vol":"2","page":532},{"text":"ﷺ كان إذا تَعَارَّ من الليل، قال: \"لا إله إلا اللّه الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار\".\nقالا: هذا خطأ؛ إنما هو هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول هذا، رواه جرير هكذا.\nوقال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي هذا الحديث؛ وهو منكر) (^١).\n- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن ابن أبي خِدَاش، سمع ابن عباس، عن النبي ﷺ في المماليك: \"ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون … \" الحديث.\nقال أبي: لم أجد هذا الحديث عند الحميدي في \"مسنده\"، ولا عند علي بن المديني، فإن كان محفوظا فهو غريب.\nقلت: على ما يصنع؟\nقال: لعله أن يكون عندهما موقوف) (^٢).\nوقال - في موضع آخر -: (سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر العدني، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خِدَاش، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في المملوكين: \"أطعموهم مما تأكلون … \" الحديث.\nقال أبي: لم يكن هذا الحديث عند الحميدي، ولا عند عليّ المديني، ولم نجده عند أحد من أصحاب ابن عيينة.\nقال أبي: ولم أزل أفتِّش عن هذا الحديث، وهمني جدا، حتى رأيت في موضع: عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خِدَاش، عن ابن عباس، موقوف؛ فقلت: إن رفعه ليس له معنى؛ والصحيح موقوف.\n_________\n(^١) \"العلل\" (١٩٧).\n(^٢) \"العلل\" (٢٤٣٤).","vol":"2","page":533},{"text":"وقد رواه ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي خِدَاش، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: \"نعم المقبرة هذه\"، يعني: مقبرة مكة.\nقال أبي: فلم يعرف بذا الإسناد إلا هذا وحده، حتى كتبت عن ابن أبي عمر ذاك الحديث) (^١).\n- قال ابن عمار: (وجدت في كتاب مسلم الذي سماه \"كتاب الصحيح\": عن أبي غسان المِسْمَعي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلَابة، عن ثابت بن الضَّحَّاك، عن النبي ﷺ قال: \"ليس على الرجل نذر فيما لا يملك، ولعْن المومن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة\".\nزاد فيه كلاما لم يجئ به أحد عن معاذ بن هشام، ولا عن هشام الدستوائي، وهو قوله: \"من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة\".\nهذا الكلام لا أعلم أحدا ذكره غيره.\nوقد روى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير جماعة غير هشام أيضًا، لم يذكروا فيه هذه الزيادة) (^٢).\n- وقال أيضا: (ووجدت فيه عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في الاغتسال من الجنابة، وفيه: ثم غسل رجليه.\nقال أبو الفضل: وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام؛ منهم زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعلي بن مُسْهِر، وغيرهم،\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢٣٠٧).\n(^٢) \"علل الأحاديث في صحيح مسلم\" (١)، \"صحيح مسلم\" (١١٠).","vol":"2","page":534},{"text":"فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين، إلا أبو معاوية، ولم يذكر غسل اليدين ثلاثا في ابتداء الوضوء غير وكيع، وليس زيادتهما عندنا بالمحفوظة.\nوسمعت أبا جعفر الحضرمي يقول: سمعت ابن نمير يقول: كان أبو معاوية يضطرب فيما كان عن غير الأعمش.\nوسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو معاوية في حديث الأعمش حجة وفي غيره لا) (^١).\n- وقال: (ووجدت فيه من حديث يزيد بن زُرَيع، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، عن النبي ﷺ: \"لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهَى\"، وذكر الحديث وفيه زيادة: \"وإياكم وهَيْشَات الأسواق\".\nحدثني محمد بن أحمد مولى بني هاشم، قال: سمعت حنبل بن إسحاق، عن عمه أحمد بن حنبل قال: هذا حديث منكر.\nقال أبو الفضل: قلت: وإنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري فهو صحيح) (^٢).\n- وقال: (ووجدت فيه حديث جعفر بن سليمان الضُّبَعِي، عن ثابت، عن أنس قال: أصابنا مطر ونحن مع رسول اللّه ﷺ، فحسر ثوبه عنه، وقال: \"إنه حديث عهد بربه\".\nوهذا حديث تفرد به جعفر بن سليمان من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره.\n_________\n(^١) المصدر السابق (٩)، \"صحيح مسلم\" (٣١٦).\n(^٢) المصدر السابق (١٢)، \"صحيح مسلم\" (١٢٣)، وينظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (٩٤).","vol":"2","page":535},{"text":"وأخبرني الحسين بن إدريس، عن أبي حامد المَخْلَدي، عن علي ابن المديني قال: لم يكن عند جعفر كتاب، وعنده أشياء ليست عند غيره.\nوأخبرنا محمد بن أحمد بن البراء، عن علي بن المديني قال: أما جعفر بن سليمان فأكثر عن ثابت وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير.\nوسمعت الحسين يقول: سمعت محمد بن عثمان يقول: جعفر ضعيف) (^١).\n- وقال: (ووجدت فيه عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سألت عائشة: بأي شيء كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؛ وذكر الحديث.\nقال أبو الفضل: وهو حديث تفرد به عكرمة بن عمار عن يحيى، وهو مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، يقال: إنه ليس عنده كتاب.\nوحدثني أحمد بن أبي الفضل المكي، حدثنا صالح بن أحمد، ثنا عليّ قال: سألت يحيى - يعني القطان - عن أحاديث عكرمة بن عمار - يعني عن يحيى بن أبي كثير - فضعّفها، وقال: ليست بصحاح.\nوأخبرنا أحمد بن محمود، قال: سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول: سمعت أبا عبد اللّه - يعني أحمد بن حنبل - يقول: رواية عكرمة بن عمار وأيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، ضعيفة) (^٢).\n- قال النسائي: (أخبرنا أبو بكر بن أبي النضر، أخبرني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد اللّه الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المُكْتِب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس، قال: كنا عند رسول اللّه ﷺ،\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٥)، \"صحيح مسلم\" (٨٩٨).\n(^٢) المصدر السابق (١٣)، \"صحيح مسلم\" (٧٧٠).","vol":"2","page":536},{"text":"فضحك، فقال: \"هل تدرون مما ضحكت؟ \"، قلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال: \"من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب، ألم تجرْني من الظلم؛ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، وبقال لأركانه: انطقي. فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكُنّ وسحقا، فعنكن كنت أناضل\".\nقال أبو عبد الرحمن: ما أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، واللّه أعلم) (^١).\n- قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن عمر بن علي المُقَدَّمي، قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"من وجد تمرا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على ماء، فإن الماء طهور\".\nوفي الباب عن سلمان بن عامر.\nقال أبو عيسى: حديث أنس لا نعلم أحدا رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس.\nوقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث، عن شعبة، عن عاصم الأَحْول، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرَّباب، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ، وهو أصح من حديث سعيد بن عامر، وهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة ابنة سيرين، عن سليمان، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب.\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (١١٧٦٥)، وأخرجه مسلم (٢٩٦٩) عن ابن النضر به، وينظر: \"علل ابن عمار الشهيد\" (٣٤).","vol":"2","page":537},{"text":"والصحيح ما رواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن عاصم الأَحْول، عن حفصة ابنة سيرين، عن الرَّباب، عن سلمان بن عامر) (^١).\nقلت: هذا الحديث أيضا حكم أبو عيسى عليه بأنه غير محفوظ، بل قال: (ولا نعلم له أصلا من حديث عبد العزيز بن صهيب)؛ وذلك بسبب تفرد سعيد بن عامر عن باقي أصحاب شعبة بهذا اللفظ، وأنه لم يتابع عليه، وإنما روى أصحاب شعبة هذا الحديث بإسناد آخر ولفظ آخر كما بيّن أبو عيسى، مع كون سعيد بن عامر خرّج له الجماعة ووثّقه الجمهور، نعم له بعض الأغلاط وهذا أحدها، ولم يعتبر أبو عيسى ما رواه سعيد حديثا آخر كما يفعل بعض أهل العلم ممن تأخر في ذلك.\nوكذلك النسائي ذهب إلى تخطئة رواية سعيد بن عامر هذه، فأخرجه عن المَقدَّمي، عن سعيد بن عامر به، وقال: (هذا خطأ، ولا نعلم أن أحدا تابع سعيد بن عامر على هذا الإسناد) (^٢).\nوأخرجه في موضع آخر، وقال: (حديث شعبة عن عبد العزيز بن صهيب خطأ، والصواب الذي قبله) (^٣).\nوالذي قبله حديث حفصة، عن سلمان بن عامر (^٤).\n- قال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كان\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٠٣)، وينظر: \"العلل الكبير\" له (١٩٤) و\"علل الدارقطني\" (٢٥٠٥).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣٥٠١).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٣٥٠١).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٣٤٩٨ - ٣٥٠٠)، وينظر: \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٠٦٦)، \"سنن البيهقي\" (٨/ ٥٣٢).","vol":"2","page":538},{"text":"النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رُطبات، فإن لم تكن رطبات فتُميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) (^١).\nقلت: وهذا أيضا لم يصححه أبو عيسى؛ بسب تفرد جعفر بن سليمان بهذا الخبر عن ثابت.\nنعم، جاء هذا الحديث من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس (^٢). ومن طريق يحيى بن أيوب (^٣) وزاندة (^٤)، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، على اختلاف بينهما في لفظ الحديث.\nوأقوى هذه الطرق طريق زائدة، ولفظه: ما رأيت رسول اللّه ﷺ قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر ولو على شربة من ماء. وهي أقوى من طريق يحيى بن أيوب عن حميد، ولفظها قريب من لفظ جعفر بن سليمان.\nوأما طريق سعيد بن أبي عروبة ففي صحتها نظر إلى سعيد.\n- قال أبو عيسى: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"أحصوا هلال شعبان لرمضان\".\nحديث أبي هريرة غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية.\nوالصحيح ما روي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا تتقدموا شهر رمضان يوم ولا يومين\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة (٢٠٦٣).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (٢٠٦٥).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (٢٠٦٥)، وابن حبان (٣٥٠٤) وقال: (خبر غريب).","vol":"2","page":539},{"text":"وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحو حديث محمد بن عمرو الليثي) (^١).\nقلت: هذا الحديث ردّه أبو عيسى من أجل تفرد أبي معاوية بهذا اللفظ عن باقي أصحاب محمد بن عمرو الذين رووا عنه هذا الحديث بلفظ: \"لا تقدموا شهر رمضان\"، مع أن أبا معاوية من الثقات المشهورين كما هو معلوم، نعم تُكلِّم في روايته عن غير الأعمش، لكن يبقى أنه ثقة مشهور، وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى (^٢).\n- وقال: (حدثنا محمد بن عمر بن علي المُقَدَّمي، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عبد اللّه بن بشر الخَثْعَمِي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللّه ﷺ إذا سافر فركب راحلته، قال بإصبعه - ومد شعبة إصبعه - قال: \"اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا بنصحك، واقلبنا بذمة، اللهم ازو لنا الأرض، وهون علينا السفر، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب\".\nحدثنا سُوَيد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا شعبة، بهذا الإسناد نحوه بمعناه (^٣).\nهذا حديث حسن غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من حديث شعبة) (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦٩٥)، وقوله: (غريب) من \"تحفة الأشراف\" (١٥١٢٣)، ولا توجد في طبعتي التأصيل والرسالة (٦٥٩).\n(^٢) وينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (٦٧٠، ٧١٨).\n(^٣) جاء في بعض النسخ قبل هذا: (كنت لا أعرف هذا إلا من حديث ابن أبي عدي، حتى حدثني به سويد) ثم ساق رواية سويد.\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٧٥٨، ٣٧٥٩)، وقوله: (لا نعرفه إلا من حديث شعبة) =","vol":"2","page":540},{"text":"قلت: رجاله ثقات مشاهير سوى الخَثْعَمِي، فإنه صدوق مقِلّ، ومتن الحديث قد جاء نحوه من أوجه أخرى، ومع ذلك لم يصححه الترمذي؛ وذلك لغرابته من حيث الإسناد، مع أنه قد رواه عن شعبة راويان كلاهما من الثقات المشاهير، وخاصة عبد اللّه بن المبارك.\n- روى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: \"إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا\".\nأخرجه الترمذي وقال: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ) (^١).\nوالنسائي، وقال: (لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن) (^٢).\nوأبو داود (^٣)، وفي بعض النسخ أنه قال: (لم يجئ به غير العلاء، عن أبيه) (^٤).\nوقد أنكر هذا الحديث أحمد، قال: (العلاء ثقة، ولا ينكر من حديثه إلا هذا) (^٥).\n_________\n= من \"تحفة الأشراف\" (١٤٨٩٢)، وينظر: هامش تحقيق طبعتي التأصيل والرسالة (٣٧٣٨).\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٧٥٠).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٣١١٧).\n(^٣) \"السنن\" (٢٣٣٧).\n(^٤) ينظر: هامش تحقيق طبعة دار التأصيل (٢٣٢٦).\nوقال ابن حجر في \"التهذيب\" (٣/ ٣٤٦): (قال أبو داود: سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان. يعني حديث \"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا\").\n\"المغني\" لابن قدامة (٤/ ٣٢٧)، \"المحرر في الحديث\" لابن عبد الهادي (٦٥٤).\n(^٥) وقال أيضًا: (هذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ) \"العلل\" رواية المروذي (٢٧٨).","vol":"2","page":541},{"text":"وقال أبو داود: (وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال لأنه كان عنده أن النبي ﷺ كان يصِل شعبان برمضان، وقال: عن النبي ﷺ خلافه. قال أبو داود: هذا عندي ليس خلافه) (^١).\nوأنكره أيضا ابن معين (^٢)، وأبو زرعة (^٣)، والأثرم (^٤)، وذكر أبو يعلى الخليلي أن هذا الحديث مما لم يتابع عليه العلاء، وأن مسلما قد أخرج في \"الصحيح\" المشاهير من حديثه، دون هذا والشواذ (^٥).\nوقد قال الذهبي عن حديثه هذا إنه من أغرب ما أتى به عن أبيه عن أبي هريرة (^٦).\nوأخرجه أبو عَوانة، وأشار إلى إعلاله حيث قال: (باب بيان النهي عن صوم آخر النصف من شعبان، وبيان الخبر المعارض له المبيح صومه، والخبر المبين فضيلة صومه على صوم سائر الشهور، الدال على توهين الخبر الناهي عن صيامه) (^٧).\nوغيرهم من أهل العلم بالحديث.\nقلت: هذا الحديث لا يصح، بل هو حديث شاذ منكر؛ وذلك لأمور:\n١ - أن الأحاديث الصحيحة جاءت بخلافه، فالرسول ﷺ كان يصوم\n_________\n(^١) \"السنن\" (٢٣٣٧)، وطبعة التأصيل (٢٣١٦)، وعبد الرحمن هو ابن مهدي، وينظر: \"الكامل\" لابن عدي (٥/ ١٢٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" لابن رجب (٤/ ١٥٢)، وينظر: \"مستخرج أبي عوانة\" (٢٩١٦).\n(^٣) \"الضعفاء\" لأبي زرعة (٢/ ٣٨٨).\n(^٤) \"لطائف المعارف\" لابن رجب (ص: ٢٦٠).\n(^٥) \"الإرشاد\" (١/ ٢١٨).\n(^٦) \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ١٨٧).\n(^٧) \"مستخرج أبي عوانة\" (٧/ ٣٤٦).","vol":"2","page":542},{"text":"أكثر شعبان حتى يصله برمضان (^١)، فكيف يقال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟! وهذه الأحاديث أصح وأكثر فتقدم عليه.\n٢ - أن أبا هريرة جاء عنه من طريق يحيى بن أبي كثير (^٢) ومحمد بن عمرو بن علقمة (^٣)، كلاهما عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن الرسول ﷺ نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. ومعنى هذا أنه لا بأس أن يصام قبل ذلك، سواء كان من نصف شعبان أو ما بعده، وهذا الحديث أصح عن أبي هريرة، وقد اتفق عليه الشيخان، فيظهر أن هذا اللفظ هو أصل حديث العلاء فأخطأ فيه فرواه بلفظ: \"إذا انتصف شعبان … \".\n٣ - أن النهي عن صوم ما بعد نصف شعبان عند من يقول به هو من أجل رمضان؛ إما إبقاء للقوة، أو كراهية تقدمه، وما من شك أنه كلما قرب رمضان كان النهى آكَدَ، فليس صوم بداية النصف الأخير كصوم اخره، وهذه المدة الطويلة لم نر النبي ﷺ استثنى فيها من كانت له عادة، مع أنّا نقطع بوجود ذلك من كثير من الناس، ثم نجد النبي ﷺ استثنى من كانت له عادة حينما قرب رمضان، فاشتد النهي، وفي مدة لا يكثر وجود العادة فيها كما في أول النصف الأخير، فقال: \"لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا في صوم يصومه أحدكم\".\nفكيف يأتي الاستثناء عند قلة وجود العادة واشتداد النهي ولا يأتي مع كثرة وجود العادة وخفة النهي؟! فمثل هذا لا يكون ممن أوتي جوامع الكلم، فدل أن وهما وقع في هذا النهى الواسع الذي إسناده لا يقاوم إسناد النهي الضيق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٦٩١).","vol":"2","page":543},{"text":"٤ - أن معظم أهل العلم لم يعملوا به، ولا يمكن للأمة أن تترك حديثا ولا تعمل به، وقد نقل الطَّحاوي الإجماع على عدم العمل به (^١)، حتى أن ابن حزم - وهو بعد الطَّحاوي - عندما قال به رأى أن النهي لليوم السادس عشر فقط (^٢)، وهذا خلاف ظاهر حديث العلاء.\nفإن قيل: إن العلاء ثقة، وأبوه كذلك، فالحديث صحيح.\nفالجواب: أنه لا شك أن العلاء ثقة، ولكن ليس من حد الثقة أن لا يخطئ، فكل بني آدم خطاء، فالعلاء مكثر، وإذا أخطأ في حديث فهذا لا يضره، ومما يؤكد خطأه أنه تفرد به، ولذا تتابع الحفاظ على أن العلاء تفرد به ولم يتابع عليه، ولذا أعرض عنه مسلم مع أنه خرّج في \"صحيحه\" من هذه السلسلة الشيء الكثير.\nوأما المتابعة التي عند الطبراني فمنكرة لا تصح؛ قال الطبراني: (حدثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال: نا عبيد اللّه بن عبد اللّه المنكدري (^٣)، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ: \"إذا انتصف شعبان فأفطروا\".\nلم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد به ابنه عبد اللّه) (^٤).\nوأخرجه البيهقي في \"الخلافيات\" (^٥) من وجه آخر عن المنكدر بن محمد به.\n_________\n(^١) \"لطائف المعارف\"، لابن رجب (ص: ٢٦٠).\n(^٢) ينظر: \"المحلى\" (٤/ ٤٤٧).\n(^٣) هو عبيد اللّه بن عبد الله بن المنكدر بن محمد بن المنكدر.\n(^٤) \"المعجم الأوسط\" (٢/ ٢٦٤).\n(^٥) (٥/ ٢٢).","vol":"2","page":544},{"text":"قال الدارقطني: (تفرد به المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن مولى الحرقة) (^١).\nوأخرجه ابن الأعرابي (^٢) وابن عدي (^٣) من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن يعقوب به.\nقلت: عبد اللّه بن المنكدر منكر الحديث.\nووالده المنكدر بن محمد لا يحتج به.\nولهذا أعلّ هذا الخبر كبار الحفاظ كما تقدم، وقد قال ابن رجب - بعد أن ذكر من صحّح الخبر -: (وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم) (^٤)، وهم الذين أعلوه.\nأخيرًا، جاء عن بقية بن الوليد، أن الأوزاعي كان لا يصوم بعد النصف من شعبان، وهو ثابت عنه، فقد جاء عن بقية من طريقين (^٥)، ولكن يقال: مخالفة الواحد أو الاثنين لا تؤثر.\n* * *\n_________\n(^١) \"أطراف الغرائب\" (٥٢٩٦).\n(^٢) \"المعجم\" (١١٩٨).\n(^٣) \"الكامل\" (١/ ٥٠٨)، وعنده: (عن محمد بن المنكدر والعلاء بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن).\nوأخرجه من وجه آخر عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن أبي هريرة.\n(^٤) \"لطائف المعارف\" (ص: ٢٦٠).\n(^٥) أخرجه ابن المقرئ في \"معجمه\" (٩٦).","vol":"2","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>الفصل الحادي عشر إطلاق الحسن على الغريب</span>\nأسند ابن أبي حاتم عن أمية - هو ابن خالد القيسي - قال: (قلت لشعبة: مالك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه. قال: قلت: تحدِّثُ عن فلان وتدع عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركته. قلت: إنه كان حسن الحديث. قال: مِن حسْنها فررت) (^١).\nقلت: وذلك لغرابتها؛ لأنه تفرد في غير ما حديث، ومنها حديث الشفعة، وكان هذا سبب نفرة شعبة منها.\nوقال: (نا أبي، نا محمد بن المِنْهَال الضرير، قال: زعم يزيد بن زُرَيع بأن عنده كتاب لأبي شيبة كراسة عظيمة، كأنها اللؤلؤ من حسنها، ولا أروى منها شيئا أبدا حتى ألقى الله ﷿. يعني إنكارا على أبي شيبة) (^٢).\nقلت: أبو شيبة هو إبراهيم بن عثمان العبسي، وهو متروك.\nوالسبب في عدم رواية يزيد بن زريع لها، هو تفرد أبو شيبة برواية هذه الأحاديث.\nقال الخلال: (أخبرنا المرُّوذي، قال: ذكرت لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحَرَّاني، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أُنَيْسة، عن المِنْهَال، عن أبي عبيدة، عن مسروق، ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي\n_________\n(^١) \"تقدمة الجرح والتعديل\" (ص: ١٤٦).\n(^٢) \"تقدمة الجرح والتعديل\" (ص: ١١٥).","vol":"2","page":547},{"text":"ﷺ قال: \"يقول الله تعالى ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ من العرش إلى الكرسي\".\nقال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه.\nوقال: قد رواه الأعمش موقوفا، ورواه أبو يزيد الدَّالاني مرفوعا.\nوأخبرني زكريا بن يحيى: ثنا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث، فجعلت أقرأه عليه. فقال: ما أحسنه، إنما سمعناه عن أبي عَوانة، عن الأعمش مرسلا) (^١).\nقال أبو عيسى الترمذي: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا فُلَيح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت، أن عثمان توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ.\nسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن.\nقال أبو عيسى: هو غريب من هذا الوجه) (^٢).\nقلت: قول البخاري: (حسن) يعني غريب، بدليل قول الترمذي: (هو غريب من هذا الوجه).\nوخرج الترمذي من حديث شَريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج، أن النبي ﷺ قال: \"من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته\".\n_________\n(^١) \"المنتخب من علل الخلال\" (١٦٦).\n(^٢) \"العلل الكبير\" (٢٥). وقال البزار في \"المسند\" (٣٤٣): (وهذا الحديث حسن الإسناد، ولا نعلم روى زيد بن ثابت، عن عثمان حديثا مسندا إلا هذا الحديث، ولا له إسناد عن زيد بن ثابت إلا هذا الإسناد).","vol":"2","page":548},{"text":"قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد الله.\nوسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق، إلا من رواية شريك) (^١).\nقلت: قوله: (هو حديث حسن)، قد يكون معناه أي: غريب، بدليل قوله: (لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك).\nوخرّج البخاري من طريق داود بن أبي الفُرَات، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود، قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض، فجلست إلى عمر بن الخطاب … (^٢).\nقال علي بن المديني: (لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وفى إسناده بعض الانقطاع؛ لأن عبد الله بن بُرَيدة يُدخل بينه وبين أبي الأسود يحيى بن يَعْمَر، وقد أدرك أبا الأسود، ولم يقل فيه: سمعت أبا الأسود، وهو حديث حسن الإسناد) (^٣).\nقلت: كأنه يريد بحسن الإسناد: غرابته، بدليل قوله: (لا نحفظه إلا من هذا الوجه).\nوخرج الإمام أحمد من طريق زُهْرة بن مَعْبَد، عن ابن عم له أخي أبيه، أنه سمع عُقْبة بن عامر، يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء\" (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٤٢٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٣٦٨).\n(^٣) \"مسند الفاروق\" (١/ ٣٥٦).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (١٧٣٦٣).","vol":"2","page":549},{"text":"قال ابن المديني: (هذا حديث حسن) (^١).\nقلت: المقصود بالتحسين: الغرابة الواقعة في المتن، وهي رفع البصر، وزُهْرة وثقه الجمهور وتكلم فيه ابن حبان، وشيخه مبهم، والحديث في \"صحيح مسلم\" دون هذه الزيادة (^٢).\nوخرج الإمام أحمد من طريق الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب فقال: يا أيها الناس، ألا إنا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرانينا النبي ﷺ … (^٣).\nقال علي بن المديني: (إسناده بصري حسن)، وقال في موضع آخر: (لا نعلم في إسناده شيئا يطعن فيه، وأبو فراس رجل معروف من أسلم، روى عنه أبو نَضْرة وأبو عمران الجوني) (^٤).\nقلت: يحتمل أن يكون هذا الخبر غريبا؛ فإن أبا فراس ليس بالمشهور، فالظاهر أنه ليس له إلا هذا الخبر، قال أبو زرعة: لا أعرفه (^٥)، وقول علي بن المديني إنه معروف ليس توثيقا.\nومثله إذا قيل: هذا فائدة، ونحو ذلك، كما قال أحمد: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان) (^٦).\n_________\n(^١) \"مسند الفاروق\" (١/ ١٠١).\n(^٢) (٢٣٤).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٢٨٦).\n(^٤) \"مسند الفاروق\" (٢/ ٤٣٢).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٢٣).\n(^٦) \"الكفاية في علم الرواية\" (٣٩٩).","vol":"2","page":550},{"text":"وخرَّج في \"العلل الكبير\" (^١) من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].\nسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: (هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به).\n* * *\n_________\n(^١) (١٤٣).","vol":"2","page":551},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>الفصل الثاني عشر أقسام الغريب وأنواعه</span>\nالغرابة على ثلاثة أقسام: إما في الإسناد، وإما في المتن، وإما فيهما جميعا.\nالقسم الأول: الغرابة في الإسناد.\nوهي على أنواع:\nالنوع الأول: الغريب المطلق.\nقال علي بن المديني: (حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حسين المعلِّم، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعَصَبته من كان\".\nقال ابن المديني: هذا من صحيح ما يروى عن عمرو بن شعيب، رواه حسين المعلِّم، وهو حديث فيه كلام كثير، ولست أحفظ الكلام كله، وإنما هذا مختصر منه.\nقال: وإنما صار هذا الحديث عندي متصل الإسناد؛ لأن هذه القصة كانت فيهم، خاصم فيها عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، وحدث بها عن النبي ﷺ، وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما روى هذه الأحاديث عن عبد الله بن عمرو: شعيب، عن جده عبد الله بن عمرو، ولم يرو محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه شيئا، وليس يحفظ في هذا الوجه غيره).","vol":"2","page":553},{"text":"قال ابن كثير: (وهذا الحديث من غرائب الأحاديث على شهرة إسناده، ولست أعلم أحدا من الأئمة المشهورين من الفقهاء الأربعة ولا غيرهم قال به، ولهذا أتبعه أبو داود بعد روايته له بأن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت يورِّثون الكُبَر من الولاء. ثم روى عن أبي سلمة (^١)، عن حماد، عن حميد قال: الناس يتهمون عمرو بن شعيب في هذا الحديث.\nورواه النسائي أيضا، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر قال: سمعت الحسين، عن عمرو بن شعيب قال: قال عمر. مرسلا. فالله أعلم) (^٢).\nوهاك أمثلة أخرى من \"جامع\" أبي عيسى:\nقال أبو عيسى ﵀: (حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا غالب أبو بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن كَعْب بن عُجْرَة، قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"أعيذك بالله يا كَعْب بن عُجْرَة من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولا يَرِد عليَّ الحوض، ومن غَشِي أبوابهم أو لم يَغشَ ولم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض، يا كَعْب بن عُجْرَة الصلاة برهان، والصوم جُنَّةٌ حَصِينَة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كَعْب بن عُجْرَة، إنه لا يربو لحم نبت من سُحْت إلا كانت النار أولى به\".\n_________\n(^١) وهو موسى بن إسماعيل.\n(^٢) \"مسند الفاروق\" (٢/ ٨٥ - ٨٧)، وينظر: \"سنن أبي داود\" (٢٩١٧) وطبعة التأصيل (٢٩٠٤)، \"السنن الكبرى\" للنسائي (٦٥٢٢، ٦٥٢٣)، \"تحفة الأشراف\" (١٠٥٨١، ١٨٥٩٨).","vol":"2","page":554},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^١).\nوسألت محمدا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، واستغربه جدا) (^٢).\nوقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي المَوَال، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: \"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، قال: وليسمِّ حاجته\".\nوفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأبي أيوب.\nقال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي المَوَال، وهو شيخ مديني ثقة، روى عنه سفيان حديثا، وقد روى عن عبد الرحمن غير واحد من الأئمة) (^٣).\n_________\n(^١) وفي بعض نسخ الترمذي: (لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، وأيوب بن عائذ يضعّف، ويقال: كان يرى رأي الإرجاء).\n(^٢) (٦١٨)، وينظر: \"تحفة الأشراف\" (١١١٠٩).\n(^٣) (٤٨٤).","vol":"2","page":555},{"text":"وقد خرَّجه البخاري (^١).\nوقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] \".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة.\nقال أبو عيسى: (حديث يعلى بن أمية حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث ابن عيينة) (^٢).\nوقد خرّجه البخاري ومسلم (^٣).\nوقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن سعد بن إسحاق بن كَعْب بن عُجْرَة، عن أبيه، عن جده، قال: صلى النبي ﷺ في مسجد بني عبد الأَشْهَل المغرب، فقام ناس يتنفَّلون، فقال النبي ﷺ: \"عليكم بهذه الصلاة في البيوت\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوالصحيح ما روي عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته.\nوقد روي عن حذيفة أن النبي ﷺ صلى المغرب، فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة، ففي هذا الحديث دلالة أن النبي ﷺ صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد) (^٤).\n_________\n(^١) (١١٦٢).\n(^٢) (٥٠٨)\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٣٢٣٠)، \"صحيح مسلم\" (٨٧١).\n(^٤) (٦١٠).","vol":"2","page":556},{"text":"وقد خرّجه أبو داود وصحّحه ابن خزيمة (^١).\nوقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا رَفَّأَ الإنسان إذا تزوج، قال: \"بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في الخير\".\nوفي الباب عن عقيل بن أبي طالب.\nحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) (^٢).\nقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلم رواه عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ إلا عبد العزيز) (^٣).\nوقال أيضا: (حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، وكانت عائشة تستحب أن يبنى بنسائها في شوال.\nهذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري، عن إسماعيل بن أمية) (^٤).\nوقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا عباد بن ليث صاحب الكَرَابِيس البصري، قال: حدثنا عبد المجيد بن وهب، قال: قال لي العَدَّاء بن خالد بن هَوْذَة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ؟ قال:\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١٣٠٠)، \"صحيح ابن خزيمة\" (١٢٠١).\n(^٢) (١١٢٣).\n(^٣) \"مسند البزار\" (٩٠٧٤).\n(^٤) (١١٢٣)، والمثبت من \"تحفة الأشراف\" (١٦٣٥٥)، وفي طبعة التأصيل (لا نعرفه إلا من حديث الثوري، عن إسماعيل بن أمية، هذا حديث حسن صحيح).","vol":"2","page":557},{"text":"قلت: بلى. فأخرج لي كتابا: \"هذا ما اشترى العَدَّاء بن خالد بن هَوْذَة من محمد رسول الله ﷺ، اشترى منه عبدا أو أمة، لا دَاءَ ولا غَائِلَةَ ولا خِبْثَةَ، بَيْعَ المسلمِ المسلمَ\".\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث، وقد روى عنه هذا الحديث غير واحد من أهل الحديث) (^١).\nالنوع الثاني من أنواع الغرابة في الإسناد: الغريب النسبي.\nقال أبو عيسى ﵀: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفَضْل، عن محمد بن إسحاق، عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، طاهرا أو غير طاهر. قال: قلت لأنس: فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا.\nقال أبو عيسى: حديث أنس غريب، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر، عن أنس) (^٢).\nقلت: أنا أذهب إلى ما ذهب إليه أبو عيسى من كونه غريبا، ولعل ابن إسحاق تفرد به، والمشهور - كما ذكر أبو عيسى - هو حديث عمرو بن عامر عن أنس، وقد أخرجه أبو عيسى بعد ذلك (^٣)، وقال عنه: (حسن صحيح)، وفي نسخة: (هذا حديث صحيح)، وهكذا في \"تحفة الأشراف\" (^٤)، وهذا هو الأقرب لمنهج أبي عيسى في مثل ذلك، وكأنه يريد تأكيد صحة هذا الحديث من هذا الوجه وهو طريق عمرو بن عامر، وأن هذا الوجه هو\n_________\n(^١) (١٢٦٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٥٩)، والمثبت من \"تحفة الأشراف\" (٧٤٠)، وفي طبعتي التأصيل والرسالة (٥٨): (حسن غريب)، والأصح ما في \"التحفة\".\n(^٣) (٦٠).\n(^٤) (١١١٠).","vol":"2","page":558},{"text":"الصحيح، ولذا خرجه البخاري (^١) والنسائي (^٢) وغيرهما.\nوأما طريق ابن إسحاق فإنه غريب، وقد تفرد به أبو عيسى عن باقي أصحاب الكتب الستة.\nوقال أيضا: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن بَيَان بن بِشْر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لأنْ يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيتصدق منه، فيستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول\".\nوفي الباب عن حكيم بن حزام، وأبي سعيد الخدري، والزبير بن العوام، وعطية السعدي، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن عمرو، وابن عباس، وثوبان، وزياد بن الحارث الصدائي، وأنس، وحُبْشي بن جنادة، وقَبِيصة بن مُخَارق، وسَمُرة، وابن عمر.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب، يستغرب من حديث بيان، عن قيس) (^٣).\nوقال البزار: (حدثنا مُقَدَّم بن محمد بن علي بن مقدم المُقَدَّمي، قال: حدثنى عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مُقَدَّم، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: \"الصَّعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشره، فإن ذلك خير\".\nوهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة ﵁، إلا من هذا الوجه،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٢١٤).\n(^٢) \"المجتبى\" (١٣٦).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٦٨٦).","vol":"2","page":559},{"text":"ولم نسمعه إلا من مُقَدَّم بن محمد عن عمه، وكان مُقَدَّم ثقة معروف النسب) (^١).\nالنوع الثالث: الإسناد الفرد، والذي لا يُعرف رجاله برواية بعضهم عن البعض، وهو أشد أنواع الغرابة في الإسناد.\nوالفرق بين هذا النوع والذي قبله: أن النوع الأول والثاني، وإن كانا غريبين من حيث الإسناد، لكن رواتهما يعرفون بالرواية عن بعض؛ كشعيب بن أبي حمزة، وعقيل بن أبي خالد، ويونس، عندما يتفرد أحدهم عن الزهري.\nمثل حديث قتادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة: \"يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا\". وأشار إلى وجهه وكفيه.\nفقتادة لا يعرف بالرواية عن خالد، وخالد لا يعرف بالرواية عن عائشة (^٢).\nومثل حديث أبي المُطَوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض … \" (^٣).\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (١٠٠٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١٠٤)، وقال: (هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة).\nمع كون أن المتن مخالفٌ لما جاء في كتاب الله من أمر المرأة بالحجاب وتغطية وجهها، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩] والمرأة إنما تعرف بوجهها!\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٣٩٦)، والترمذي (٧٣٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣٤٦٣)، وابن ماجه (١٦٧٢).","vol":"2","page":560},{"text":"قال البخاري: (أبو المُطَوِّس اسمه يزيد بن المُطَوِّس، وتفرد بهذا الحديث، ولا أعرف له غير هذا، ولا أدري أسمع أبوه من أبي هريرة أم لا) (^١).\nوقال الإمام أحمد - كما في ترجمة أبي المُطَوِّس من \"التهذيب\" (^٢) -: (لا أعرفه، ولا أعرف حديثه من غيره).\nوقال ابن خزيمة: (لا أعرف ابن المُطَوِّس، ولا أباه، غير أن حبيب بن أبي ثابت قد ذكر أنه لقي أبا المُطَوِّس) (^٣).\nومثل حديث حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: \"لو طعنت في فخذها أجزأ عنك\".\nقال أبو عيسى الترمذي: (فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء، ولا يعرف لأبي العُشَراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهورا عند أهل العلم، فإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، لا نعرفه إلا من حديثه) (^٤).\nوقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان وهو الثوري، عن ليث وهو ابن أبي سليم، قال: حدثني كعب، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله لي\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" للترمذي (١٩٩).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٥٨٩)، وينظر: \"الفروسية\" لابن القيم (ص: ١٨٩ - ١٩٠).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (١٩٨٧).\n(^٤) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٦ - ٦٧).\nوأخرجه الترمذي في \"الجامع\" (١٥٦٣) وقال: (حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث).","vol":"2","page":561},{"text":"الوسيلة\" قالوا: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: \"أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، أرجو أن اكون أنا هو\".\nهذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقوي.\nوكعب ليس هو بمعروف، ولا نعلم أحدا روى عنه غير ليث بن أبي سليم) (^١).\nوقال أيضا: (حدثنا عبد الله بن معاوية الجُمَحي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ليث، عن طاوس، عن زياد بن سِيمِين كُوش، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تكون فتنة تَسْتَنْظِف العرب قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من السيف\".\nهذا حديث غريب، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لا نعرف لزياد بن سِيمِين كُوش غير هذا الحديث، رواه حماد بن سلمة، عن ليث فرفعه، ورواه حماد بن زيد، عن ليث فوقفه) (^٢).\nقلت: ومن الفوائد في كون فلان لا يعرف بالرواية عن فلان، أو كونه لا يعرف إلا في هذا الحديث، أن يعرف أنّ هذا من الخطأ، ولذا قال أبو عيسى في حديث أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشِر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، في قراءة النبي ﷺ يوم الجمعة والعيدين …: (وهكذا روى سفيان الثوري ومِسْعَر، عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشر، مثل حديث أبي عوانة.\nوأما سفيان بن عيينة فيختلف عليه في الرواية: يروى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المُنْتَشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٩٥٨).\n(^٢) (٢٣٣٢).","vol":"2","page":562},{"text":"النعمان بن بشير، ولا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه) (^١). يريد أن الصواب من غير ذكر أبيه.\nوقال أيضا: (حدثنا الحسين بن يزيد، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ قال: \"ما اصْطَدْتُمُوه وهو حي فكلوه، وما وجدتموه ميتا طافيا فلا تأكلوه\".\nسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: ليس هذا بمحفوظ، ويروى عن جابر خلاف هذا، ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئا) (^٢).\nوقال أيضا: (حدثنا أحمد بن مَنِيع، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا شَيْبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أبي السَّنابل بن بَعْكَك، قال: وضعتْ سُبَيْعة بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين يوما، فلما تَعَلَّتْ تَشَوَّفَتْ للنكاح، فأنكر عليها ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"إن تفعل فقد حل أجلها\".\nحدثنا أحمد بن مَنِيع، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا شَيْبان، عن منصور نحوه.\nوفي الباب عن أم سلمة.\nحديث أبي السَّنابل حديث مشهور من هذا الوجه، ولا نعرف للأسود سماعا من أبي السَّنابل، وسمعت محمدا يقول: لا أعرف أن أبا السِّنابل عاش بعد النبي ﷺ) (^٣).\nوقال البزار: (حدثنا أحمد بن أبان القرشي، قال: حدثنا أنس بن عِياض أبو ضَمْرة، عن أبي حازم، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي سلمة، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٤١).\n(^٢) \"العلل الكبير\" للترمذي (٤٣٩).\n(^٣) (١٢٣٩، ١٢٤٠).","vol":"2","page":563},{"text":"أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مراء في القرآن كفر، وأنزل القرآن على سبعة أحرف، فما عرفتم فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه\".\nولا نعلم أسند أبو حازم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا هذا الحديث، ولا رواه غير أبي ضمرة) (^١).\nوذكر البخاري ما رواه ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في كفارة المجلس.\nفقال البخاري: (هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا، إلا أنه معلول؛ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قوله.\nقال البخاري: هذا أولى، ولا نذكر لموسى بن عقبة مسندا عن سهيل) (^٢).\nوقال في \"التاريخ\" (^٣): (ولم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل، وحديث وهيب أولى).\n* * *\nالقسم الثاني: غريب المتن.\nوهو على أنواع:\nالنوع الأول: أن تكون الغرابة في لفظة من الحديث دون باقيه.\nوهذا كثير، مثل: لفظة \"إنك لا تخلف الميعاد\" التي تفرد بها محمد\n_________\n(^١) \"مسند البزار\" (٨٥٧٩).\n(^٢) \"المدخل إلى السنن\" للبيهقي (٥٧٨).\n(^٣) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٠٥) و\"الأوسط\" (٣/ ٣٧٩).","vol":"2","page":564},{"text":"ابن عَوْف الحمصي (^١) عن باقي الحفاظ والرواة الذين رووا هذا الخبر عن علي بن عياش.\nوقال أبو داود: (حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم، قالا: حدثنا شعبة، عن الأَشْعث بن سُلَيم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله، ونعله.\nقال مسلم: وسواكه، ولم يذكر في شأنه كله، قال أبو داود: رواه عن شعبة، معاذ، ولم يذكر سواكه) (^٢).\nوقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن ابن جَبر، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: \"يجزئ في الوضوء رطلان من ماء\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ.\nوروى شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمَكُّوك، ويغتسل بخمسة مَكَاكِيّ.\nوروي عن سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، وهذا أصح من حديث شريك) (^٣).\nوقال النسائي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٩٣٣).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٤١٤٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٦١٥).","vol":"2","page":565},{"text":"حفصة بنت سيرين، عن الرَّباب، عن عمها سلمان بن عامر، يبلغ به النبي ﷺ قال: \"إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء فإنه طهور\".\nقال أبو عبد الرحمن: هذا الحرف \"فإنه بركة\"، لا نعلم أن أحدا ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه بمحفوظ) (^١).\nوقال الطبراني: (حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، قال: نا أبو بلال الأشعري، قال: نا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"لا نكاح إلا بولي، وشهود\".\nلم يقل في حديث أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى: \"وشهود\" إلا أبو بلال الأشعري، عن قيس) (^٢).\nوأخرج الحاكم من طريق مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن عاصم الأَحْول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ، قال: \"إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ، فإنه أنشط لِلْعَوْد\".\nوقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجاه إلى قوله \"فليتوضأ\" فقط، ولم يذكرا فيه \"فإنه أنشط للعود\"، وهذه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما) (^٣).\nقلت: ما قاله الحاكم فيه نظر، والصواب أن مسلم بن إبراهيم هو الذي تفرد بها عن شعبة، فلم يأت بها عنه سواه، فقد رواه الطيالسي عن\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٣٥٠٤، ٦٨٧٩).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٥٥٦٥).\n(^٣) \"المستدرك\" (٥٤٢).","vol":"2","page":566},{"text":"شعبة فلم يذكر هذه الزيادة (^١)، ولذا قال أبو حاتم بن حبان: (تفرد بهذه اللفظة الأخيرة مسلم بن إبراهيم) (^٢).\nالنوع الثاني: أن تكون الغرابة في جميع المتن أو أكثره.\nقال أبو عيسى: (حدثنا محمود بن غَيْلان، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر\".\nقال أبو عيسى: وسليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ) (^٣).\nقلت: والذي يظهر أن عبد الرزاق هو الذي تفرد به، كذلك رواه في \"مصنفه\" (^٤).\nوذلك أن حجاج بن محمد فصل قول ابن عمر من قول النبي ﷺ، فرواه عن ابن جريج، قال: حدثني سليمان بن موسى، قال: حدثني نافع، أن ابن عمر، ﵁ كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا؛ فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، إذا كان الفجر فقد ذهبت صلاة الليل والوتر؛ فإن رسول الله ﷺ قال: \"أوتروا قبل الفجر\" (^٥).\n_________\n(^١) \"مسند الطيالسي\" (٢٣٢٩).\n(^٢) \"صحيح ابن حبان\" (١٢١١)، وكذلك قال ابن حجر كما في \"إتحاف المهرة\" (٥/ ٣٥٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٤٧٣).\n(^٤) (٤٧٤٩).\n(^٥) أخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" (٢٧٩)، وأبو عوانة (٢٣٢٣)، والحاكم (١١٢٦) وصحّحه.\nوأخرّجه مسلم (٧٥١) من غير ذكر سليمان بن موسى، ويظهر أنه محفوظ عن ابن جريج من الوجهين، والله أعلم.","vol":"2","page":567},{"text":"وقد رواه بهذا التفصيل أيضًا الإمام أحمد من طريق عبد الرزاق وابن بكر، عن ابن جريج به (^١)، وهذا هو الصواب.\nقال الحافظ ابن رجب: (وهذه الرواية أشبه من رواية الترمذي؛ فإن فيها أن ذهاب كل صلاة الليل بطلوع الفجر إنما هو منقول ابن عمر، واستدل له بأمر النبي ﷺ بالوتر قبل الفجر.\nورواية ابن جريج التي صرح فيها بسماعه من نافع - كما خرّجه مسلم - ليس فيها شيء مما تفرد به سليمان بن موسى، وسليمان مختلف في توثيقه) (^٢).\nالنوع الثالث: أن يكون المعنى الذي جاء في هذا المتن غريبا، بحيث لم يطرق في الشريعة.\nمثل ما خرجه الطبراني في \"الكبير\" قال: (حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، ثنا عبد الملك بن مروان الحَذَّاء، أنا الضحاك بن زيد الأهوازي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تَهِم، قال: \"ما لي لا أَهِم ورَفْغ أحدكم بين ظُفْره وأنامله؟ \") (^٣).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٦٣٧٢)، وأخرجه ابن خزيمة (١٠٩١) من طريق ابن بكر، وعبد الرزاق، وحجاج، كذلك، ويظهر أن عبد الرزاق مرّة رواه بالصواب ومرّة بالخطأ، والله أعلم.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٣) \"المعجم الكبير\" (١٠٤٠١)، وأخرجه البزار (١٨٩٣) وقال: (وهذا الحديث لا نعلم أحدا أسنده عن عبد الله إلا الضحاك، وغير الضحاك يرويه عن إسماعيل، عن قيس، عن النبي ﷺ).","vol":"2","page":568},{"text":"ورواه ابن عيينة، عن إسماعيل، عن قيس مرسلا، قال العقيلي: (وهذا أولى) (^١).\n* * *\nالقسم الثالث: أن تكون الغرابة في الإسناد والمتن جميعا.\nومن أمثلته:\nقال ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (^٢): (حدثنا أبو زرعة، ثنا مِنْجَاب بن الحارت التميمي، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْق، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: \"لو أن الجن والإنس والشاطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا\").\nوقد خرجه العقيلي في ترجمة بِشْر بن عُمارة، وقال: (ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به) (^٣).\nفعُلمت غرابته من حيث الإسناد، وأما المتن فقال ابن كثير: (غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة) (^٤).\nقلت: قول ابن كثير: (غريب) يشير - والله أعلم - إلى غرابة متنه، وقوله: (لا يعرف إلا من هذا الوجه) يشير إلى غرابة الإسناد.\nقال أبو عيسى الترمذي: (حدثنا علي بن نصر بن علي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في \"أمرك بيدك\" إنها ثلاث؟ فقال: لا، إلا الحسن. ثم\n_________\n(^١) \"الضعفاء\" (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١).\n(^٢) (٧٧٣٦).\n(^٣) \"الضعفاء\" (١/ ٥٠٨ - ٥٠٩).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣١١).","vol":"2","page":569},{"text":"قال: اللهم غفرا، إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سَمُرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ثلاث\".\nقال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سَمُرة، فسألته: فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.\nهذا حديث لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعا.\nوكان علي بن نصر حافظا، صاحب حديث) (^١).\nقلت: هذا بيان لغرابة إسناده، وأما متنه فهو غريب أيضا من حيث كونه مرفوعا إلى النبي ﷺ، وإنما المعروف الخلاف فيه بين الصحابة ومن بعدهم.\nقال أبو عيسى: (حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثني مُظَاهِر بن أسلم، قال: حدثني القاسم، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: \"طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان\".\nقال محمد بن يحيى: وحدثنا أبو عاصم قال: حدثنا مُظَاهِر بهذا.\nوفي الباب عن عبد الله بن عمر.\nحديث عائشة حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مُظَاهِر بن أسلم، ومُظَاهِر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث) (^٢).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢١٩).\n(^٢) (١٢٢٥، ١٢٢٦).","vol":"2","page":570},{"text":"قال الدارقطني: (نا أبو بكر النيسابوري، نا محمد بن إسحاق، قال: سمعت أبا عاصم يقول: ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مُظَاهِر هذا.\nقال أبو بكر النيسابوري: والصحيح عن القاسم خلاف هذا …، وكذلك رواه ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن القاسم وسالم، قالا: ليس هذا في كتاب الله، ولا في سنة نبيه ﷺ، ولكن عمل به المسلمون) (^١).\nوقال أبو عيسى: (حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا مُزاحم بن ذَوَّاد بن عُلْبة، عن أبيه، عن ليث، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: \"المخْتَلِعَاتُ هُنَّ المنافقات\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي) (^٢).\nقلت: وفيه وجه آخر من الغرابة، وهو رواية أبي زرعة بن جرير عن أبي إدريس؛ فإنه لا يعرف بالرواية عنه إلا في هذا الحديث، وأما قول المِزِّي: (الأشبه أنه أبو زرعة السَّيْباني الشامي) (^٣)، فهذا بعيد، فقد نص ابن أبي حاتم (^٤) وغيره أنه ابن عمرو بن جرير.\nولكن قال أبو عيسى في \"العلل\" (^٥): (سألت محمدا عن هذا الحديث، فلم يعرفه، فقلت له: أبو الخطاب من هو؟ قال: لعله الهجري، وأبو زرعة لعله يحيى بن أبي عمرو السيباني. وقال: كنيته أبو زرعة). فالله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) \"سنن الدارقطني\" (٤٠٠٤، ٤٠٠٦).\n(^٢) (١٢٣١).\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٢٨٥).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٣٦٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٢٨٥).\n(^٥) \"العلل الكبير\" (٣٠٤).","vol":"2","page":571},{"text":"وقال النسائي: (أخبرنا عمرو بن هشام، قال: حدثنا مَخْلد، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثنا يزيد بن أبي مالك، قال: حدثنا أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: \"أُتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خَطْوُهَا عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل ﵇، فسرت، فقال: انزل فصلِّ. ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر، ثم قال: انزل فصلِّ. فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سَيْنَاءَ حيث كلم الله ﷿ موسى ﵇. ثم قال: انزل فصلِّ. فنزلت فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇. ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء ﵈، فقدمني جبريل حتى أَمَمْتُهُمْ، ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ﵉، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فإذا فيها يوسف ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فإذا فيها هارون ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى ﵇، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبرهيم ﵇، ثم صعد بي فوق سبع سماوات، فأتينا سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت ساجدا، فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك. فرجعت إلى إبراهيم فلم يسألني عن شيء، ثم أتيت على موسى فقال: كم فُرض عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: فإنك لا تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف. فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرا، ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع، فرجعت فخفف عني عشرا، ثم ردت إلى خمس صلوات. قال: فارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف؛ فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما. فرجعت إلى ربي ﷿، فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت","vol":"2","page":572},{"text":"السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. فعرفت أنها من الله ﵎ صِرَّى، فرجعت إلى موسى ﵇ فقال: ارجع. فعرفت أنها من الله صِرَّى - يقول: أي حتم - فلم أرجع\") (^١).\nقال ابن كثير: (حديث غريب، منكر جدًّا، وإسناده مقارب، وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على نكارته) (^٢).\nقلت: أما من حيث الإسناد فإنه لم يأت إلا من هذا الوجه فيما أعلم، وقد جاء ما يفيد أن يزيد بن أبي مالك لم يسمعه من أنس، فقد جاء عنه قوله: حدثني بعض أصحاب أنس عن أنس. قال أبو مسهر: هذا هو الصواب والأول مدلس (^٣).\nأقول: وممن عُني بنقد المتون من المتأخرين: ابن تيمية، وتجد هذا ظاهرًا في كتابه \"منهاج السنة\"، وكذلك الذهبي في كثير من كتبه كـ \"الميزان\" و\"تلخيص المستدرك\"، وابن كثير خاصة في \"تفسيره\".\nوهذه الغرائب من حيث متونها وموافقتها للشريعة وعدمها هي على ثلاثة أنواع:\nالأول: أن تكون موافقة للشريعة، وخاصة ما كان منها غريب السند فقط، وبالأخص الغرابة النسبية؛ كحديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"المومن يأكل في مِعَي معًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\". وقد تقدم.\n_________\n(^١) \"المجتبى\" (٤٥٦).\n(^٢) \"الفصول في السيرة\" (ص: ٢٦٩).\n(^٣) \"جامع التحصيل\" للعلائي (٨٩٩)، وينظر: \"علل ابن أبي حاتم\" (١٧٦٩)، \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" (٧٩٧).","vol":"2","page":573},{"text":"الثاني: أن يكون المتن مخالفًا للكتاب أو السنة.\nقال الإمام مسلم: (حدثني سُريج بن يونس وهارون بن عبد الله، قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل\") (^١).\nوقد أعلّه علي بن المديني والبخاري (^٢).\nقال أبو العباس ابن تيمية: (مثل ما روي أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة، فإن هذا الحديث قد بيّن أئمةُ الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي ﷺ، بل صرح البخاري في \"تاريخه الكبير\" أنه من كلام كعب الأحبار، كما قد بسط في موضعه، والقرآن يدل على غلط هذا، ويبين أن الخلق في ستة أيام، وثبت في \"الصحيح\" أن آخر الخلق كان يوم الجمعة؛ فيكون أول الخلق يوم الأحد) (^٣).\nوينظر كلام المعلمي في الجواب عما أُعل به هذا الحديث في كتابه في الرد على أبي رَيّة (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٢٧٨٩).\n(^٢) ينظر: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (١/ ٤١٤)، \"الأسماء والصفات\" للبيهقي (٨١٣)، \"الجواب الصحيح\" (٢/ ٤٤٣) و\"الفتاوى\" (١/ ٢٥٦) لابن تيمية.\n(^٣) \"الجواب الصحيح\" (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤).\n(^٤) \"الأنوار الكاشفة\" (ص: ٢٦١).","vol":"2","page":574},{"text":"وقال الحاكم: (حدثني علي بن حُمشاذ العدل، ثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العَنْبَري، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] \".\nهذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين\"، وقد اتفقا جميعا على إخراجه) (^١).\nقلت: ووجه غرابته أن هذا مخالف لما عُلم من الشرع، أن الصبر على البلايا - ومن ذلك الصبر على الزوجة إن كانت سيئة الخلق - أنه محمود ويثاب عليه العبد، فكيف يكون هنا مذموما؟، ولذا كان الصواب في هذا الحديث الوقف، وأنه لم يثبت مرفوعا.\nالثالث: ألا يأتي في الشريعة ما يوافقه، كما أنه لا يأتي ما يخالفه.\nوينظر أمثلته في الغريب الذي لم تطرقه الشريعة.\n* * *\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (٣١٨١)، وقال الذهبي في \"المهذب في اختصار سنن البيهقي\" (١٥٨٥٦): (مع نكارته إسناده نظيف).","vol":"2","page":575},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>الفصل الثالث عشر التعليق على كلام أبي عيسى في \"العلل الصغير\" حول الغريب</span>\nقال أبو عيسى: (وما ذكرنا في هذا الكتاب: \"حديث غريب\"، فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعانٍ: ربَّ حديث يكون غريبًا، لا يروى إلا من وجه واحد) (^١).\nقلت: وهذا ما يسمى بـ \"الغريب المطلق\"، وقد ذكر أبو عيسى مثالين، وذهب أبو الفرج بن رجب إلى أن هذين المثالين لقسمين، فقال: (ذكر الترمذي ﵀ أن الغريب عند أهل الحديث يطلق بمعان:\nأحدهما: أن يكون الحديث لا يروى إلا من وجه واحد، ثم مثلّه بمثالين، وهما في الحقيقة نوعان:\nأحدهما: أن يكون ذلك الإسناد لا يروى به إلا ذلك الحديث أيضًا، وهذا مثل حديث حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء الدارمي، عن أبيه، عن النبي ﷺ في الذكاة.\nفهذا حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، ثم اشتهر عن حماد، ورواه عنه خلق، فهو في أصل إسناده غريب، ثم صار مشهورًا عن حماد.\nقال الترمذي: ولا يعرف لأبي العُشَراء عن أبيه غير هذا الحديث).\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٦).","vol":"2","page":577},{"text":"ثم قال: (النوع الثاني: أن يكون الإسناد مشهورًا، يروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد، ومثّله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته …) (^١).\nقلت: الفرق بين الأول والثاني، أن النوع الأول إسناد غريب غير معروف؛ وذلك أن طريق أبي العُشَراء الدارمي عن أبيه غريبة وغير معروفة، فأبو العُشَراء وأبوه كلاهما مجهول، ولم يُرو فيه سوى المتن الذي تقدم ذكره (^٢).\nأما النوع الثاني، فإن طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر مشهورة كما هو معلوم، جاءت بها عشرات الأحاديث، وخرّج الشيخان كثيرًا منها (^٣)، فتبيّن الفرق بينهما.\nالنوع الثالث: ثم ذكر أبو عيسى نوعًا آخر من الغريب، فقال: (وربَّ حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه؛ مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.\nقال: وزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين.\nوروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه: من المسلمين.\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤١٣ - ٤١٤، ٤١٥).\n(^٢) فيما صح، \"ميزان الاعتدال\" (٥/ ٢٦٧).\n(^٣) ينظر: \"تحفة الأشراف\" للمزي (٥/ ٤٤٥).","vol":"2","page":578},{"text":"وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه.\nوقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به؛ منهم الشافعي وأحمد بن حنبل) (^١).\nقال ابن رجب معلِّقا: (وهذا أيضًا نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهورًا، لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب) (^٢).\nقلت: فالغرابة هنا إنما هي في لفظة من الحديث، وقد تقدم أن الغرابة في المتن ثلاثة أقسام (^٣)، هذا أحدها.\nالنوع الرابع: قال أبو عيسى: (وربَّ حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد).\nثم ذكر مثالين:\nأولهما: حديث أبي كُرَيب، عن أبي أسامة، عن بُريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بُردة، عن أبي موسى رفعه: \"الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معَى واحد\".\nوالثاني: حديث شَبَابة، عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر، أن النبي ﷺ نهى عن الدُّبَّاء والمُزَفَّتِ) (^٤).\nقال ابن رجب: (هذا نوع آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث يروى عن النبي ﷺ من طرق معروفة، ويروى عن بعض الصحابة من وجه\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٨ - ٦٩).\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤١٩).\n(^٣) (ص: ٥٦٤).\n(^٤) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٩ - ٧٠).","vol":"2","page":579},{"text":"يستغرب عنه، بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه) (^١).\nقلت: هذا غريب من حيث الإسناد فقط كما قال أبو عيسى، وإنما يستغرب لحال الإسناد، وأما المتن فهو مشهور، فقد جاء من طرق أخرى، وهذا ما يسمى أيضًا بـ \"الغريب النسبي\" عند بعض أهل العلم.\nثم ذكر أبو عيسى مثالًا آخر للغريب يختلف قليلًا عما سبق، رواه من طريق حمزة بن سَفِينة، عن السائب، عن عائشة، عن النبي ﷺ في فضل من تبع جنازة وصلَّى عليها، ثم تبعها حتى تدفن (^٢).\nقال ابن رجب: (هذا نوع آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث عن النبي ﷺ معروفًا من رواية صحابي عنه من طريق أو طرق، ثم يروى عن ذلك الصحابي من وجه آخر يستغرب من ذلك الوجه خاصة عنه …).\nثم قال: (وهذا الحديث مروي من وجوه متعددة عن عائشة، أنها صدّقت أبا هريرة بما حدث به عن النبي ﷺ: من هذا الحديث، وأما من حديث السائب بن يزيد عنها فلا يعرف إلا من هذا الوجه) (^٣).\nقلت: وهذا نوع آخر من الغرابة التي تقع في الإسناد؛ ولذلك قال أبو عيسى بعد أن ذكر هذا الحديث: (وهذا حديث قد روي من غير وجه عن عائشة، عن النبي ﷺ، وإنما يستغرب هذا الحديث لحال إسناده، لرواية السائب عن عائشة عن النبي ﷺ) (^٤).\nويسمى مثل هذا النوع عند بعض أهل العلم بـ \"الغريب النسبي\" أيضًا.\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٤٠).\n(^٢) \"العلل الصغير\" (ص: ٧٢).\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٤) \"العلل الصغير\" (ص: ٧٢).","vol":"2","page":580},{"text":"والفرق بين هذا النوع والذي قبله، هو أن الذي قبله لا يروى عن الصحابي الذي رواه إلا من وجه واحد، بخلاف هذا النوع فإن الحديث يروى من أوجه متعددة عن الصحابي، ولكن جاء من وجه آخر يستغرب بالنسبة للطرق الأخرى.\nثم ختم أبو عيسى الكتاب بمثالٍ آخر للغريب، رواه من طريق المغيرة بن أبي قُرَّة السَّدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله، أَعْقِلُهَا وأتوكل، أو أُطْلِقُهَا وأتوكل؟ قال: \"اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ\".\nقال عمرو بن علي: قال يحيى بن سعيد: هذا عندي حديث منكر.\nقال أبو عيسى: (هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث أنس بن مالك إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أميه الضَّمْري عن النبي ﷺ نحو هذا) (^١).\nقلت: هذا النوع من الغريب تقدم الكلام فيه، وهو غريب الإسناد، وهو الخبر الذي يُروى من أوجه، ولكن يُستغرب من أحدها؛ فيكون غير مشهور من هذه الطريق، ولكن هذا يزيد على ما تقدّم: شدة غرابته، ولذا حكم عليه بالنكارة، والله أعلم.\nويلاحظ أن أبا عيسى أسهب في الكلام عن الغريب، وفي ذِكر أقسامه، كما فعل في كتابه \"الجامع\"، فقد أكثر جدًّا من الحكم على الأحاديث فيما يتعلق بالغرابة وبيان نوعها؛ وهل هي مطلقة أو من وجه خاص؟ أو غير ذلك من أنواع الغريب، وإذا كان الحديث ليس غريبًا بيّن أنه مشهور، وأنه مروي من غير وجه، وهذه هي طريقة كبار الحفاظ، وذلك أن غرابة الحديث أو شهرته لها تأثير على درجته من حيث القوة والضعف.\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٧٢ - ٧٣).","vol":"2","page":581},{"text":"وإذا حكم على حديثٍ بالغرابة فقط، دون أن يقرن الغرابة بالصحة أو الحسن، فإن هذا الحديث يكون غالبًا شديدَ الضعف كما تقدم بيانه.\n* * *","vol":"2","page":582},{"text":"<span data-type='title' id=toc-152>الفصل الرابع عشر الفرق بين الغريب والخبر الذي ظهرت علته</span>\nتقدم الكلام على الحديث الغريب وعلاقته بصحة الخبر وضعفه، وفي هذا الفصل أريد أن أبين حقيقة \"الغريب\" عند الأئمة، وأنه ليس علة في حقيقته، وإنما هو قرينة على العلة، ولكن هذا ليس بلازم؛ ومن هنا لا يُردّ الغريب مطلقا ولا يقبل مطلقا، فمتن الحديث إذا كان في أمر مهم من أمور الشريعة، وكان الإسناد غريبًا مخرجه، خاصة إذا كان أحد رواته ليس بذاك في الحفظ والإتقان وسعة الرواية = غلب على الظن أن ثمة خطأ وقع فيه هذا الناقل؛ كأن يكون وصل مرسلًا، أو وقف مرفوعًا، أو دخل عليه إسناد في إسناد، وربما نقف على حقيقة الخطأ وربما لا نقف، فإن بانت لنا علّته فذاك، وإن لم نتبيّنها فالحديث يكون غريبًا قد يتوجَّب التوقفُ في قبوله، وهذه أمثلة على ذلك:\n- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن خالد أبي الهيثم المدائني.\nفقال أبي: جاءني سعيد البَرْذَعي فقال: حدثنا أبو مسعود بن الفرات، عن خالد، عن بكر بن مُضَر، عن راشد بن أبي سَكْنَة، عن معاوية، عن النبي ﷺ قال: \"لا تزال طائفة من أمتي … \".\nقال أبي: فأنكرتُ ذلك، وأنكره أبو زرعة، وجعلوا يقولون: هو غريب.\nفقلتُ: لم يَرو خالد عن بكر بن مُضَر شيئا.\nفقيل لأبي زرعة: مَن خالد هذا؟","vol":"2","page":583},{"text":"قال: لا أدري من هو! وأعلم أن الحديث منكر.\nفقلت أنا: هو خالد المدانني.\nفقيل لأبي زرعة، فقال: صدق، يشبه أن يكون من حديث خالد.\nولم يكن أبو مسعود بيّن لهم من خالد هذا، لكي يحسبون أنه غريب) (^١).\nقلت: فظهرت علّته، وذلك أن خالد المدائني متروك، قال البخاري: تركه عليّ والناس.\nوقال ابن راهويه: كان كذّابا.\nوقال الأزدي: أجمعوا على تركه.\nقال يحيى بن حسان: جاء المدائني فلزق أحاديث الليث؛ إذا كان عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالما، وإذا كان عن الزهري عن عائشة أدخل عروة، فقلت له: اتّق الله، قال: ويجئ أحدٌ يعرف هذا؟\nوقال مجاهد بن موسى: أتيت خالدا المدائني فقال: أيّ شيء تريد؟ قلت: حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب، فأعطانيه، فجعلت أكتب على الولاء، وكنا أربعة، فقالوا لي: انتخب، فأبيت، فكتبته ثم أعطيته، فجعل يقرأ ويسند لي، فأقول: ليس ذا في الكتاب! فقال: اكتب كما أقول لك، فقلت: جزاك الله خيرا، وظننت أنه تركها عمدا حتى تبيّنت بعد ذلك (^٢).\nوخالد المدائني كان من أهل الصرفة بالحديث، وكان مكثرًا، ولكنه لم يكن بأمين ولا صادق، فلذا كان يسوّي الأسانيد ويدخل فيها ما ليس منها، وهذا لا يتفطّن له إلا الجهابذة النّقاد، فمثلا: يكون الحديث معروفا\n_________\n(^١) \"العلل\" (٩٦٤).\n(^٢) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥٨٨).","vol":"2","page":584},{"text":"عن الزهري عن ابن عمر، فيدخِل بينهما سالم بن عمر؛ فيصبح الحديث عندئذ غريبا؛ لأنه قد اشتهر بغير ذكر سالم، وكذا يكون مشتهرًا عن الزهري عن عائشة، فيدخِل بينهما عروة؛ فيكون بذلك غريبا، فما فائدة ذلك عند خالد؟\nالجواب: كي يُظنّ أن عنده من الحديث ما ليس عند غيره، وأنه تفرد عن أقرانه، فيقصده الرواة وطلاب الحديث، وذلك أنهم يريدون من رحلتهم وسماعهم على الشيوخ فوائد لا توجد عند عامتهم.\nقال أحمد بن حنبل: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان. فإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح) (^١).\nلذا كان لا ينتخب على الشيوخ إلا الحفاظ؛ حتى ينتخبوا لهم ما كان بهذه الصفة من الأخبار؛ لأن هؤلاء الرواة قد سمعوا وأكثروا من الرواية، فبعد ذلك إذا أتوا إلى الشيوخ فإنهم يريدون أشياء يستفيدونها لا توجد عند الآخرين.\n- قال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه مروان الطَّاطَرِي، عن أبي إسحاق الفَزَارِي، عن موسى بن أبي عائشة، عن أنس، عن النبي ﷺ: أنه توضأ وخلل لحيته، وقال: \"بهذا أمرني ربي ﷿ \".\nفقال أبي: هذا غير محفوظ، وحدثنا أحمد بن يونس، عن الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) تقدم.","vol":"2","page":585},{"text":"قال أبي: هذا الصحيح، وكنا نظن أن ذاك غريب، ثم تبيّن لنا علته: ترك من الإسناد نفْسين، وجعل موسى عن أنس) (^١).\n- وقال: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه زهير بن عباد، عن حفص بن ميسرة، عن ابن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"إن الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام، كأنما ناصيته بيد شيطان\".\nقال أبي: هذا خطأ، كنا نظن أنه غريب، ثم تبين لنا علته.\nقلت: وما علته؟\nقال: حدثنا العباس بن يزيد العبدي وإياك، عن ابن عيينة، عن ابن عَجْلان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مليح بن عبد الله، عن أبي هريرة، موقوف.\nقال ابن عيينة: فقدِم علينا محمد بن عمرو، فأتيته فسألته، فحدثني عن مَلِيح بن عبد الله، عن أبي هريرة، موقوف.\nوقال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عَجْلان، عن محمد بن عمرو، عن مِليح، عن أبي هريرة، موقوف.\nقال أبي: فلو كان عند ابن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، لم يحدث عن محمد بن عمرو، عن مَلِيح، عن أبي هريرة) (^٢).\n- وقال: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن سليمان الأَصْبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: أنه كان يصلي في اليوم والليلة اثني عشر ركعة؟\nفقال أبي: هذا خطأ، رواه سهيل، عن أبي إسحاق، عن المسيب بن\n_________\n(^١) \"العلل\" (٨٤).\n(^٢) \"العلل\" (٢٢٣).","vol":"2","page":586},{"text":"رافع، عن عمرو بن أوس، عن عَنْبْسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ.\nوقال أبي: كنت معجبا بهذا الحديث، وكنت أرى أنه غريب، حتى رأيت سهيل، عن أبي إسحاق، عن المسيب، عن عمرو بن أوس، عن عَنْبَسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ؛ فعلمت أن ذاك لزم الطريق) (^١).\nقلت: أي لزم الجادّة، فبانت علته.\n- وقال: (وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين وعكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة … \" الحديث.\nقال أبو زرعة: رواه سليمان بن حرب وغير واحد من الثقات، عن حماد بن زيد - لم يذكروا ابن سيرين - عن أبي هريرة، وهو الصحيح، وأحسب الوهم من ابن الطَّبَّاع.\nقال أبي: رواه وهيب وابن علية وابن عيينة، فقالوا: عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولا يذكرون ابن سيرين.\nقال أبي: إن كان حديث ابن الطَّبَّاع محفوظا فهو غريب) (^٢).\nقلت: مقصود أبي حاتم، أن هذا الحديث إن كان ابن الطَّبَّاع قد سمعه من حماد بن زيد فهو غريب؛ لأن الحديث قد اشتهر من غير ذكر ابن سيرين في الإسناد، فهنا علّته لم تظهر، وبالتالي قد يُرد بالغرابة دون بيان علته، وأما إذا كان ابن الطَّبَّاع لم يحفظه وإنما دخل عليه حديث في حديث مثلًا، فتكون عندئذ علته قد ظهرت، فلم يبق للتعليل بالغرابة وجه.\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢٨٨).\n(^٢) \"العلل\" (١٤٠١).","vol":"2","page":587},{"text":"- قال الطبراني: (حدثنا إسحاق بن جميل الأصبهاني، قال: نا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، قال: نا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، عن عبد الله بن بديل الخُزَاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"لا تَقَاطعوا، ولا تَدَابروا، ولا تَبَاغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام\".\nهكذا رواه عبد الله بن بُدَيل بن وَرْقاء، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس.\nورواه أصحاب الزهري، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب. وعن الزهري، عن أنس بن مالك، فإن كان عبد الله بن بديل حفظه، فهو حديث غريب، ولا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: الصواب رواية الجماعة عن الزهري، خاصة أن عبد الله بن بُدَيل ليس من مشاهير أصحابه.\nووجه الشاهد هو قول الطبراني: (فإن كان عبد الله بن بديل حفظه فهو حديث غريب).\n- وقال الطبراني: (حدثنا علي بن الحسين الصُّوفي البغدادي، قال: نا يوسف بن واضح، قال: نا قدامة بن شهاب، عن بُرْدِ بن سِنان، عن عَبدةَ بن أبي لُبابةَ، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن الضَّبِّيِّ بن مَعبَد، أنه أَهلَّ بحج وعمرة، فذكر ذلك لعمر، فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ.\nلم يَرو هذا الحديث عن بُرْدِ بن سِنَان، إلا قدامة بن شهاب.\nوخالف بُرْد بن سِنَان سفيان بن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة، رواه عن\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٣٠٣٠).","vol":"2","page":588},{"text":"عبد الله بن أبي عامر، عن أبي وائل، عن الضَّبِّيّ، فإن كان بردّ حفظه فهو غريب عن زِرّ) (^١).\nقلت: يقال في هذا الحديث ما قيل في الذي قبله، وما يأتي من الأمثلة كذلك.\n- وقال: (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خَيْثمة، قال: نا الفضل بن سهل الأعرج، قال: نا أبو الجَوَّاب، قال: نا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي جَميلَةَ، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم\".\nلم يرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا شريك، تفرد به أبو الجَوَّاب، فإن كان أبو الجَوَّاب حفظه، فهو حديث غريب من حديث عطاء بن السائب؛ لأن الناس رووه عن شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، وعن ابن أبي جَمِيلَةَ، عن علي ﵁) (^٢).\n- وقال: (حدثنا محمد بن يحيى، ثنا القاسم بن دينار، نا حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا ابن جُدْعَان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رجلا كان يسب أبا بكر عند النبي ﷺ، وأبو بكر ساكت، فلما سكت الرجل رد أبو بكر كلمة، فقام النبي ﷺ واتّبعه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، يسبني وأنت قاعد، فلما رددت - أو انتصرت، أو نحو هذا - قمتَ. قال: \"إنه كان ملك يرد عليه، ويقول: كذبت، فلما تكلمت وقع الشيطان، فكرهت أن أجلس.\nثلاث يا أبا بكر كلّهن حق: ليس عبد يظلم بمظلمة فيغضي ابتغاء وجه الله، إلا أعز الله بها نصرة، وليس عبد يفتح باب عطية يبتغي وجه الله أو\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٣٧٨١).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٥٣٧٦).","vol":"2","page":589},{"text":"صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وليس عبد يفتح باب مسألة يبتغي بها كثرة، إلا زاده الله بها قلة\".\nلم يَرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا سفيان بن عيينة، ولا رواه عن سفيان إلا حسين الجعفي، تفرد به القاسم بن دينار.\nورواه الناس عن سفيان بن عيينة، عن ابن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة. فإن كان حسين الجعفي حفظه، فهو غريب من حديث علي بن زيد عن ابن المسيب) (^١).\n- وقال: (حدثنا محمد بن أبان، ثنا علي بن حسان العَطَّار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا قُرَّة بن خالد، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لَقِيط بن صَبِرة، عن أبيه وافد بني المُنْتَفِق، أنه أتى عائشة هو وصاحب له يطلبان النبي ﷺ فلم يجداه …\nلم يَرو هذا الحديث عن قُرَّة بن خالد إلا يحيى بن سعيد، تفرد به علي بن حسان، فإن كان علي بن حسان حفظه، فهو غريب من حديث قُرَّة بن خالد؛ لأن غير علي بن حسان رواه عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير) (^٢).\n- وقال: (حدثنا أحمد بن محمد الجُمَحيّ المِصِّيصِيّ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْنِي، حدثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\".\nغريب، لم يَرو هذه اللفظة \"والنهار\" عن العمري إلا الحُنَيْنِي) (^٣).\n- وقال: (حدثنا عثمان بن أحمد بن عثمان الدَّبَّاغ المصمري بمصر،\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٧٢٣٩).\n(^٢) \"المعجم الأوسط\" (٧٤٤٦).\n(^٣) \"المعجم الصغير\" (٤٧).","vol":"2","page":590},{"text":"حدثنا محمد بن عمرو بن نافع الطَّحَّان المُعَدَّل، حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نسلم على النبي ﵌ وهو يصلي، فكان يرد علينا قبل أن نخرج إلى أرض الحبشة، فلما رجعنا من أرض الحبشة أتيت رسول الله ﵌، فسلّمت عليه، فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قرب وما بعد، فقلت: ما لي!؟ أحدثَ فيَّ حدثٌ أو نزل فيَّ شيء؟ فقال: \"لا يا ابن مسعود، إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة\".\nهكذا روى الحديث عبد الغفار عن سفيان، فإن كان حفظه فهو غريب من حديث منصور.\nورواه الحميدي وغيره من أصحاب سفيان، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن عبد الله، وهو المحفوظ) (^١).\n- وقال: (حدثنا أحمد بن علي الجارُودي الأَصبهاني، ثنا محمد بن عيسى الزَّجَّاج، ثنا الحسين بن حفص، ثنا حماد بن شعيب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن خباب، قال: كان لي على العاص بن وائل دين، وكنت رجلا قينا، فأتيته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث بعد الموت؟ قال: نعم. قال: فإنه سيكون لي مال وولد. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: ٧٧] إلى ﴿فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠].\nقال أبو القاسم: هكذا رواه حماد بن شعيب، عن الأعمش، عن أبي وائل.\n_________\n(^١) \"المعجم الصغير\" (٥٢٧).","vol":"2","page":591},{"text":"ورواه الناس كما ذكرناه أولا عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب، فإن كان حماد بن شعيب ضبطه عن الأعمش فهو غريب من حديث أبي وائل) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"المعجم الكبير\" (٣٦٦٥).","vol":"2","page":592},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>الفصل الخامس عشر ذكر بعض الرواة الدين تُكلّم فيهم بسبب روايتهم للغرائب وتفردهم ببعض الأحاديث عن أقرانهم</span>\nقال البخاري: (مسلم بن مريم، مولى لبني سليم، مدني، سمع علي بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، ومسلم هذا غريب الحديث، ليس له كبير حديث) (^١).\nوقال: (روى ربيعة بن سيف المَعَافِري الإسكندراني أحاديث لا يتابع عليه، نسبه هشام بن سعد، روى عنه مُفَضَّل بْن فَضالة، وسعيد بن أبي أيوب) (^٢).\nوقال: (روى رَوْح بن غُطَيف بن أبي سفيان الثقفي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: \"تُعاد الصلاة من قدر الدرهم\"، وهذا لا يتابع عليه) (^٣).\nوقال: (وروى هلال عن أنس: حرم النبي ﷺ البُسْر والتمر، ولا يدخر شيء لغد. ولا يتابع عليه) (^٤).\nوقال: (صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، تركه سليمان بن حرب، منكر الحديث.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٧٣).\n(^٢) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٢١٨).\n(^٣) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٢١٩).\n(^٤) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٤٢٥).","vol":"2","page":593},{"text":"روى عن سالم، عن أبيه، عن عمر رفعه: \"من غَلَّ فأحرقوا متاعه\"، لا يتابع عليه.\nوقال النبي ﷺ في الغالّ: \"صلوا على صاحبكم\"، لم يحرق متاعه) (^١).\nوقال: (حدثنا محمد، قال: حدثني عمرو بن محمد، قال: حدثنا عمار بن محمد أبو يَقْظان، وكان أوثق من سيف ابن أخت سفيان الثوري.\nوأما عمار بن سيف الضَّبِّي، فيروى عنه، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان في قُطْرَبُّل وصَرَاة، لا يتابع عليه، منكر ذاهب) (^٢).\nوقال: (كنية عباس بن الفَضْل أبو الفَضْل الأنصاري، نزل الموصل، عن القاسم بن عبد الرحمن.\nقال أحمد: حديثه عن يونس وخالد وداود وشعبة صحيح، وأنكرت من حديثه عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة أو جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال لي كعب: \"يلي من ولدك رجل\"، هو كذب. وكان من أصحاب شعبة.\nيروي عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مغفل: كنا مع النبي ﷺ، لا يتابع عليه، سمع منه الحسن بن بِشْر) (^٣).\nوقال: (محمد بن سلام الخزاعي، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الذي يأتي البهيمة، والرجل يصبح في غضب الله، قاله دُحَيم عن ابن أبي الفُدَيك، قال: حدثني محمد، لا يتابع عليه) (^٤).\n_________\n(^١) \"التاريخ الأوسط\" (٣/ ٥٠٨).\n(^٢) \"التاريخ الأوسط\" (٤/ ٧٨٥).\n(^٣) \"التاريخ الأوسط\" (٤/ ٨٣٧)، وينظر: \"العلل\" لأحمد رواية عبد الله (٢٤١٢).\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" (٣١٣).","vol":"2","page":594},{"text":"وقال: (محمد بن معاوية أبو علي النَّيْسابُوري، سكن بغداد، ثم سكن مكة فمات بها، سمع الليث، ومحمد بن سلمة، روى أحاديث لا يتابع عليها) (^١).\nوقال: (محمد بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام بن الحارث الخَزْرَجي الأَنْصاري، نسبه الزبيدي.\nوقال لي الحِزامِي: حدثنا محمد بن صَدَقة، سمع عثمان بن الضَّحَّاك بن عثمان، أخبرني محمد بن يوسف بن عبد الله بن سَلَام، عن أبيه، عن جده: ليُدفننَّ عيسى بن مريم مع النبي ﷺ في بيته. قال محمد: هذا لا يصح عندي، ولا يتابع عليه) (^٢).\nقلت: سيأتي بيان مذهب البخاري في الغرابة والتفرد، وأنه وسط بين طرفين، ومما يدل على اهتمامه بالغرابة والتفرد وأنها كثيرا ما تكون علّةً أمورٌ:\nالأول: إكثاره من استعمال (منكر الحديث)، وذلك في كتابه \"الضعفاء الصغير\"، وهي أكثر عبارة أطلقها على الرواة في الحكم عليهم (^٣)، سواء كانت منه أو نقلها عن غيره، وهذه العبارة من أشد العبارات عنده، وإن كان عنده ما هو أشد منها، والدليل على ذلك قوله: (منكر الحديث، لا\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٧٧٩)\n(^٢) \"التاريخ الكبير\" (٨٣٩).\n(^٣) وذلك نحو الربع من عدد الرواة، وهذا غير قوله: منكر الحديث جدا، عنده مناكير، حديثه مناكير، في حديثه مناكير، في حديثه بعض المناكير، فيه بعض المناكير، تعرف وتنكر، روى أحاديث مناكير، فإذا أضفنا هذه العبارات فقد تصل النسبة إلى ثلث الكتاب أو أكثر.\nوأحيانا يستعمل (فيه نظر) بمعنى التوقف، كما في \"العلل الكبير\" للترمذي عن البخاري (ص: ٣٩٠): (وحكيم بن جبير لنا فيه نظر. ولم يعزم فيه على شيء).","vol":"2","page":595},{"text":"يكتب حديثه)، (ما كان من حديثه مرفوع فهو منكر، وهو ضعيف جدا)، (تركوه، منكر الحديث) (^١).\nوجاء بأنه استعملها فيما دون ذلك، ولكن ذلك لم يثبت؛ كقوله: (يحيى بن صالح الشامي ثقة، وفي حديثه بعض المناكير) (^٢). وقوله: (سهيل بن مهران أخو حزم القطعي البصري، عن ثابت، ليس بالقوي عندهم، روى عنه ابن عيينة، وهو سهيل بن أبي حزم، روى عنه هدبة بن خالد، منكر الحديث) (^٣).\nالثاني: إكثاره عند الحكم على الراوي من قوله: (لا يتابع عليه) (^٤).\nالثالث: إكثاره من قوله: (فيه نظر)، أو (بعض النظر). وهذه اللفظة يستعملها فيما يستنكره من الحكم على الرواة أو الأحاديث.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: \"الضعفاء الصغير\" (٢٣٠، ١٧٨، ٧١).\n(^٢) ينظر: (١٤٨)، على اختلاف النسخ في إثبات كلمة (ثقة).\n(^٣) ينظر: (١٥٨)، والراجح دون قوله: (منكر الحديث) كما جاء ذلك عند العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٩٤).\n(^٤) وهذا كثير أيضا، كما في \"التاريخ الكبير\".","vol":"2","page":596},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>الفصل السادس عشر: عسر الحكم بالغرابة</span>\nالناظر في منهج الأئمة في كتابة الحديث وتدوين السنة، لا يشك في حرصهم الشديد على تتبع الحديث ولقاء المحدثين، حتى جمعوا مئات الألوف من الأسانيد، سواء كانت مرفوعة أو موقوفة على الصحابة أو مقطوعة على من دونهم، فتجد الحديث الواحد يرويه الفئام من الناس، خاصة كلما تأخرت طبقة من رواة، فتجد أن بعض الأئمة يقولون عند الحكم على خبر ما: هذا الحديث لا يرويه إلا فلان، ولم يروه عنه إلا فلان. أو: هو من هذا الوجه غريب. أو: لم يروه إلا أهل البصرة، أو الشام، أو مصر.\nولا شك أن الحكم بهذا من الصعوبة بمكان، مع ملاحظة ما تقدم، وبهذا يعسر الحكم على الحديث بالغرابة والتفرد.\nكما قال أبو داود: (سمعت أحمد سئل عن حديث سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان لا يصلي إلى أميال ميّلها مروان، من أيوب؟\nقال أحمد: السختياني.\nقيل له: إن سعيدا - يعني: ابن منصور - رواه عن أيوب بن موسى.\nفأنكر ذلك أحمد أن يكون عن أيوب بن موسى، وقال: ما زلنا نسمع أنه غريب من حديث أيوب السختياني، لم يروه إلا سفيان. يعني ابن عيينة.","vol":"2","page":597},{"text":"قال أبو داود: رواه معمر، عن أيوب السختياني) (^١).\nقلت: الشاهد من هذا استدراك أبي داود على شيخه الإمام أحمد، مع سعة روايته وكثرة محفوظه.\nوالأمثلة على هذا كثيرة أكتفي منها بواحد:\nقال الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (^٢): (حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسته، ثنا أبو كامل الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان في البدن مثل الطعام\".\nلم يَرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا أبو عوانة، تفرد به أبو كامل).\nقلت: أخرجه ابن حبان (^٣) من طريق أبي كامل به.\nولم ينفرد به أبو كامل كما قال الطبراني، فقد رواه الترمذي عن قتيبة، حدثنا أبو عوانة به. وقال: (حسن صحيح) (^٤).\nولذا قال ابن حجر: (من مظان الأحاديث الأفراد \"مسند أبي بكر البزار\"، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في \"المعجم الأوسط\"، ثم الدارقطني في \"كتاب الأفراد\"، وهو ينبئ على اطّلاع بالغ، ويقع عليهم التعقب فيه كثيرا، بحسب اتساع الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه.\nوأعجب من ذلك، أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه، فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد.\n_________\n(^١) \"مسائل الإمام أحمد\" (٢٠٢٢).\n(^٢) (٧٥١٧).\n(^٣) (٤٢٢٤).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١١٩٣).","vol":"2","page":598},{"text":"وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق، أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به؛ لاحتمال أن يريدوا شيئا من ذلك بإطلاقهم، والذي يرِد على الطبراني ثم الدارقطني من ذلك أقوى مما يرِد على البزار؛ لأن البزار حيث يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول: (لا نعلمه يروى عن فلان إلا من حديث فلان)، وأما غيره فيعبِّر بقوله: (لم يروه عن فلان إلا فلان)، وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه، والله أعلم) (^١).\nقال عبد الله بن أحمد: (قلت لأبي: ابن الحِمَّاني حدث عنك، عن إسحاق الأَزْرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ: \"أبردوا بالصلاة\"؟\nفقال: كذب، ما حدثته به.\nفقلت: إنهم حكوا عنه أنه قال: سمعته منه في المذاكرة على باب إسماعيل بن عُلَيَّة.\nفقال: كذب، إنما سمعته بعد ذلك من إسحاق الأَزْرق، وأنا لم أعلم تلك الأيام أن هذا الحديث غريب، حتى سألوني عنه بعد ذلك هؤلاء الشباب - أو قال: هؤلاء الأحداث -) (^٢).\nقلت: فالإمام أحمد لم يكن يعلم بغرابته، حتى كثر السؤال عنه، فعلم أنه غريب.\nفكما ترى هؤلاء الأئمة الذين جمعوا من الحديث ما لم يجمعه من أتى بعدهم، قد تخفى عليهم غرابة بعض الأحاديث.\n_________\n(^١) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" (٢/ ٧٠٨).\n(^٢) \"العلل\" (٤٠٧٧).","vol":"2","page":599},{"text":"لذا، لا يُجزم بغرابة الحديث إلا بتنصيص الأئمة، فإذا نصَّ أحدٌ من الأئمة على ذلك ولم يُستدرك، أو تتابعوا عليه؛ فالأمر ظاهر.\nفأما إذا اختلفوا فالأمر أصعب، فعندئذ يحتاج الناظر إلى التأني أكثر، فإن ترجّح له فذاك، وإلا فالتوقف خير.\nوأما إذا لم نقف على تنصيص أحد من الأئمة، ولم نجد إلا هذا الإسناد، فهل نحكم بالغرابة؟\nالأوْلى عدم الحكم؛ لكثرة الأسانيد، وغياب بعضها مما لم يصلنا؛ كـ \"مسند علي بن المديني المعلل\" ويعقوب بن شيبة، وغيرها، ولذا تجد الدارقطني في \"العلل\" يذكر طرقا ليست موجودة في الكتب التي بين أيدينا.\nلكن إذا قامت القرائن على ذلك؛ كتتابع أصحاب الدواوين المشهورة على روايته على وجه معين، خاصة إذا كان هذا الوجه ضعيفًا، أو ليس في الدرجة العليا من الصحة، أو يُروى من طريق راوٍ معين عن إمام مشهور - كشعبة والثوري ومالك - ولم يذكروا طريقا سواه، أو يروونه بإسنادٍ رواتُه لم تشتهر رواية بعضهم عن البعض الآخر = فهذه قرائن تفيد أن هذا الخبر ليس له إلا هذه الطريق.\nواعلم أن بعض المتأخرين قد يتعقّب بعض الأئمة في الغرابة، ولكن عند التأمل يتبين أن هذا المتعقِّب قد أخطأ، وذلك بأن تكون هذه المتابعة خطأ ولا أصل لها، ولذا لم يلتفت إليها الأئمة ولم يشيروا إليها، وهذا كثير.\nقال الطبراني: (حدثنا أحمد، قال: نا علي بن حُجْر، قال: نا شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا نكاح إلا بولي\".","vol":"2","page":600},{"text":"لم يروه عن شريك إلا علي) (^١).\nقال الخطيب: (أخبرني ابن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى الحِيري، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي، قال: حدثنا لُوَين محمد بن سليمان المِصِّيصِي، قال: حدثنا شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا نكاح إلا بولي\".\nقال ابن نعيم سمعت محمد بن العباس الضَّبِّي، يذكر أن الغَسِيلي لما حدث بهَراة بهذا الحديث، شَنَّعوا عليه، وأنكروه، وقالوا: هذا حديث علي بن حُجْر) (^٢).\nقلت: الذي يظهر أن الغسيلي قد أخطأ في هذا الإسناد\nنعم، قد يكون التعقب في محله، وذلك إذا تبين بالدليل الواضح أن هذه المتابعة صحيحة ولها أصل.\n* * *\n_________\n(^١) \"المعجم الأوسط\" (٦٨١).\n(^٢) \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٥٣٨).","vol":"2","page":601},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>الفصل السابع عشر: الكتب التي عنيت بالغريب</span>\nوهي خمسة:\n١ - كتاب \"الجامع\" للترمذي، وهو أوسعها، وتقدم الكلام عنه.\n٢ - \"مسند البزار\" المطبوع باسم \"البحر الزخار\"، وهو كتاب علل، وفيه كلام على الأحاديث وشرح لعللها، خاصة ربعه الأول، فإن التفصيل فيه أكثر.\n٣ - معجما الطبراني \"الأوسط\" و\"الصغير\"، قال أحمد بن جعفر الفقيه: (سمعت أبا عبد الله بن حمدان وأبا الحسن المديني وغيرهما، يقولون: سمعنا الطبراني يقول: هذا الكتاب روحي. يعني \"المعجم الأوسط\") (^١).\nوهذه الكتب الثلاثة - \"جامع الترمذي\" و\"مسند أبي بكر البزار\" و\"المعجم الأوسط\" و\"الصغير\" لأبي القاسم الطبراني - هي أهم الكتب التي بين أيدينا الآن في الحديث عن الغريب.\nويتميز كتاب أبي عيسى عنهما بحكمه على الحديث من حيث الصحة والحسن أو الضعف، مع بيانه للغرابة، نعم يذكر البزار درجة الحديث، ولكن أحيانا فقط، أمّا الطبراني فقلَّما يبين حكم الحديث.\nكما أن البزار والطبراني يتميزان عن الترمذي بذكر مَن المتفرد بهذا\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ١٢٤).","vol":"2","page":603},{"text":"الحديث، ومن الذي تفرد بالرواية عنه، وهذا ما يفعله الطبراني في \"الأوسط\" و\"الصغير\" على كل حديث خرّجه، وهذا لم يأت إلا لكونه قصد تخريج هذا النوع من الحديث.\nكما أن البزار يتميز بذكر شهرة الحديث، ومن رواه، والتفصيل في ذلك، ويذكر ما إذا كان أهل بلد معين تفردوا به، وهذا في ربعه الأول دون باقيه.\n٤ - كتاب \"الغرائب والأفراد\" لأبي الحسن الدارقطني، وهو كتاب عظيم في بابه، نفيس في محتواه، وهو أقرب شبها بكتاب الطبراني، لم توجد منه سوى أجزاء يسيرة، ولكن وجد ترتيبه لأبي الفضل ابن طاهر.\nقال ابن طاهر في مقدمة \"أطراف الغرائب والأفراد\": (فإن أصحابنا قديما وحديثا استدلوا على معرفة الصحيح بما صنعه أبو مسعود الدمشقي ﵀ وغيره من أطراف \"الصحيحين\"، فاهتدوا بذلك إلى معرفته من غير مشقة وتعب، وأما الغريب والأفراد فلا يمكن الكلام عليها لكل أحد من الناس، إلا من برع في صنعة الحديث، فمن جمع بين هذين الكتابين أمكنه الكلام على أكثر الصحيح والغريب والأفراد) (^١).\n٥ - كتاب \"الحلية\" لأبي نعيم؛ فإنه كثيرًا ما يذكر مع كل حديث شهرة الحديث أو غرابته، وكأنه سار في ذلك على طريقة شيخه الطبراني في تمييز الغريب من المشهور والاهتمام به، وقد يكون أيضًا استفاد من كلام البزار؛ وذلك لتشابه الكلام في بعض الأحيان.\nومنها كتاب \"التفرد\" لأبي داود، إلا أنه لم يصلنا (^٢).\n_________\n(^١) (١/ ١٧).\n(^٢) والظاهر - والله أعلم - أن ابن حجر وقف عليه، ينظر: \"النكت\" (٢/ ٧٠٨).","vol":"2","page":604},{"text":"ومنها كتب الفوائد، والأجزاء الحديثية، وغرائب راو معين؛ كـ \"غرائب مالك\" لابن المظفّر وغيرها.\nويلحق بها كتب التراجم، ومن أخصها الكتب التي عنيت بالضعفاء؛ كـ \"الضعفاء\" للعقيلي و\"الكامل\" لابن عدي، فمصنّفاهما استفادا كثيرًا من كتاب \"التاريخ الكبير\" للبخاري، وخاصة العقيلي، فإنه قد يشرح أحيانًا كلام البخاري.\nومنها كذلك كتاب \"المجروحين\" لابن حبان، فربما ذكر بعض ما أنكر على الراوي، وبعض أفراده.\nوكذلك فعل الذهبي في الرواة المشاهير في \"تذكرته\".\nوهذا كَثُر عند المتأخرين - يعني من كان في طبقة الإمام أحمد ونحوها -، قال الإمام أحمد: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ) (^١).\nقال أبو بكر الخطيب - ذامًّا ما حصل من بعض محدثي زمانه من الاهتمام بالأحاديث الغريبة والمنكرة دون المشهورة -: (وأكثر طالبي الحديث في هذا الزمان، يغلب على إرادتهم كَتْب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصدوفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمةُ من المحدثين والأعلامُ من أسلافنا الماضين الماضون) (^٢).\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) \"الكفاية\" (١/ ٣٤٠).","vol":"2","page":605},{"text":"قال أبو الفرج ابن رجب: (وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح؛ كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل \"مسند\" البزار، و\"معاجم\" الطبراني، أو \"أفراد\" الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير) (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٠٩).","vol":"2","page":606},{"text":"<span data-type='title' id=toc-156>الفصل الثامن عشر: أحاديث رويت بأسانيد ظاهرها الصحة توقف أبو عيسى في تصحيحها لغرابتها، وذلك لأن الغرابة تُنزل من درجة الحديث</span>\nوهي على نوعين:\nالنوع الأول: ما توقف في تصحيحه وهو في \"الصحيحين\" أو أحدهما:\n١ - قال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: حدثنا خالد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثًا.\nوفي الباب عن عبد الله بن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن غريب، وقد روى مالك، وابن عيينة، وغير واحد هذا الحديث، عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا هذا الحرف: أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحد، وإنما ذكره خالد بن عبد الله، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) (^١).\nقلت: السبب في عدم تصحيحه، هو ما ذكره بعد ذلك من كون مالك وابن عيينة وغيرهما لم يذكروا هذا الحرف.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٧).","vol":"2","page":607},{"text":"ورواية خالد بن عبد الله خرجها الشيخان (^١).\nهذا وليعلم أن هذا الحرف جاء بخمسة ألفاظ:\nالأول: ما تقدم من رواية خالد بن عبد الله الواسطي.\nوالثاني: رواية الجماعة ومنهم مالك (^٢)، بلفظ: مضمض واستنثر ثلاثًا، وليس فيها من كف واحدة.\nوالثالث: مضمض واستنثر بثلاث غَرفات، وهي رواية وهيب عند البخاري ومسلم (^٣).\nوالرابع: تمضمض واستنثر ثلاث مرات من غَرفة واحدة، وهي رواية سليمان بن بلال، أخرجها البخاري ومسلم (^٤)، ولم يسق مسلم لفظها، وإنما رواها بعد رواية خالد وقال: (بنحوه).\nوالخامس: من لم يذكرها أصلا، وهي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، رواها البخاري (^٥).\nقلت: والتحقيق أن هذه الروايات ليس بينها اختلاف - إلا رواية سليمان بن بلال -، فالرسول ﷺ مضمض واستنثر ثلاثًا، ولم يُذكر أنه لم يفصل بينهما، كما أنه أيضًا لم يُذكر من كف واحدة، فبين خالد بن عبد الله أن هذا بكف واحدة، ومعنى ذلك أنه لم يَفصل بينهما، وخالد ثقة حافظ؛\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (١٩١)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٥).\n(^٢) \"موطأ مالك\" رواية يحيى الليثي (٣٢)، ومن طريقه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٨٦)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٥).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (١٩٩)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٥).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (١٩٧).","vol":"2","page":608},{"text":"فتكون زيادته مقبولة، وتؤيدها رواية وهيب، فقال: بثلاث غَرفات. فإذا كان كذلك فمعناه أنه لم يفصل بين المضمضة والاستنشاق، لأنه لو فصل بينهما لكان ذلك بست غَرفات لا بثلاث، فتتفق مع رواية خالد بن عبد الله.\nفلم يبق إلا رواية سليمان بن بلال، وهي التي تخالف باقي الروايات (^١)، وذلك أن معنى روايته: أن المضمضة والاستنشاق ثلاثًا ثلاثًا، كل ذلك بغرفة واحدة (^٢).\n٢ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.\nوفي الباب عن أبي هريرة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شقيق العقيلي، وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ غير هذا.\nحدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف البصري، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر\".\n_________\n(^١) أما رواية عبد العزيز بن أبي سلمة فلم تذكر المضمضة والاستنشاق أصلا كما تقدم.\n(^٢) ولا يخفى أن هذه الصورة يصعب تطبيقها، وهذا مما يدل على خطأ راويها، ولا أظن أن أحدا يقول بهذه الصفة، والذي يظهر أنه أراد أن يروي الخبر مثل رواية خالد ولكن لم يضبطه.","vol":"2","page":609},{"text":"قال أبو عيسى: وحنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره.\nوالعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة.\nورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد، وإسحاق.\nوقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين) (^١).\nقلت: هذا حديث صحيح، وقد رواه جمعٌ عن ابن عباس كما ذكر أبو عيسى، فرواية جابر بن زيد أخرجها الشيخان (^٢)، ورواية سعيد بن جابر وعبد الله بن شقيق أخرجهما مسلم (^٣).\nفهو خبر صحيح، بل ولا أعلم أن أحدا ضعفه، فلماذا لم يحكم عليه أبو عيسى بالصحة؟ بل لم يحكم عليه أصلا!\nيبدو أن السبب في ذلك ما ذكره لاحقا، وهو أن العمل على خلافه، وهذا ما يتبين في قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة).\nقلت: وحديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين من غير خوف ولا سفر، بحمد الله ليس فيه إشكال، فقد بين راويه - وهو الحبر ابن عباس -\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٨٧، ١٨٨).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٤٣)، \"صحيح مسلم\" (٧٠٥).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٧٠٥).","vol":"2","page":610},{"text":"معنى الحديث، فقال - عندما سئل عن عنه -: (أراد ألا يحرج أمته)، فإذا كان هناك حرج في أداء كل صلاة في وقتها فلا بأس حينئذ من الجمع بين الصلاتين؛ كالمرض والمطر ونحوهما من الأعذار، ولذا عمل به جمع من أهل العلم (^١).\n٣ - وقال الترمذي: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرا.\nوفي الباب عن ابن عمر.\nحديث أبي هريرة حديث حسن) (^٢).\nقلت: أخرجه البخاري ومسلم من طريق هشام بن حسان به (^٣).\nولعل توقف الترمذي من أجل الاختلاف الذي وقع في رفعه ووقفه (^٤)، ولكن لا شك في رفعه؛ وذلك لأمور:\nأ - أن ابن سيرين عرف بالوقف، وبأنه يتورع عن رفع الأحاديث.\nب - أنه جاء من أوجه أخرى مرفوعا.\nج - أنه لا يمكن أن يقول الراوي: (نهى أن يصلي الرجل مختصرا). إلا وعنده توقيف بذلك.\n_________\n(^١) ينظر: \"الفتاوى\" لابن تيمية (٢٢/ ٨٣ - ٩٠)، (٢٤/ ٥ - ٨٤)، وكلام ابن رجب في تعقب الترمذي في \"الفتح\" (٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٨٥).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٢٢٠)، \"صحيح مسلم\" (٥٤٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢١٩) من طريق أيوب عن ابن سيرين موقوفا، ثم قال: (وقال هشام، وأبو هلال: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ).","vol":"2","page":611},{"text":"٤ - وقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: مكث النبي ﷺ بمكة ثلاث عشرة - يعني يوحى إليه -، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.\nوفي الباب عن عائشة، وأنس بن مالك، ودغفل بن حنظلة، ولا يصح لدغفل سماع من النبي ﷺ.\nوحديث ابن عباس حديث حسن غريب من حديث عمرو بن دينار) (^١).\nقلت: أخرجه البخاري ومسلم، كلاهما من طريق روح بن عبادة به (^٢).\nورجاله كلهم من الثقات المشاهير، فلماذا لم يصححه الترمذي؟ هل من أجل غرابته من حديث عمرو بن دينار؟ أو لأنه قيل: إن عمرو لم يسمع هذا الخبر من ابن عباس؟\nويؤيده ما جاء في \"مسند الإمام أحمد\" (^٣): (حدثنا روح، حدثنا زكريا، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة، أن ابن عباس كان يقول: مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة).\nفهذا الإسناد يفيد أن عمرو بن دينار أخذه من عكرمة، وعكرمة ثقة مشهور، فالخبر صحيح.\n٥ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمرو بن علقمة المكي، عن ابن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن جبريل، جاء بصورتها في خِرْقَةِ حَرِير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: \"هذه زوجتك في الدنيا والآخرة\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٠٠٠).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٩٠٣)، \"صحيح مسلم\" (٢٣٥١).\n(^٣) (٣٥٠٣).","vol":"2","page":612},{"text":"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمرو بن علقمة.\nوقد روى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث، عن عبد الله بن عمرو بن علقمة بهذا الإسناد مرسلا، ولم يذكر فيه عن عائشة.\nوقد روى أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ من هذا) (^١).\nقلت: أخرجه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (^٢).\nوسبب عدم تصحيحه له ما ذكره من أن ابن مهدي رواه فأرسله (^٣).\n٦ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في الجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنَط من الجنة أحد\".\nهذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة) (^٤).\nقلت: هذا حديث صحيح.\nأخرجه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن العلاء به (^٥).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٢٣٢).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٥٠٧٨)، \"صحيح مسلم\" (٧٩)، ومن طرق أخرى عن هشام.\n(^٣) وينظر: \"علل الدارقطني\" (٦٠٧٢).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٨٧٣).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٢٧٥٢، ٢٧٥٥).","vol":"2","page":613},{"text":"وأخرجه البخاري عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بنحوه (^١).\nولقد توقَّف المصنف في تصحيحه لأنه لا يعرفه إلا من حديث العلاء، وهو احتياطٌ بالغٌ منه، رغم أن السلسلة مشهورة جدا يصحح المصنف وغيره أحاديثها.\n٧ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: \"التمس لي ثلاثة أحجار\"، قال: فأتيته بحُجْرين ورَوْثَة، فأخذ الحُجْرين، وألقى الروثة، وقال: \"إنها رِكْسٌ\".\nقال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله نحو حديث إسرائيل.\nوروى معمر، وعمار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله.\nوروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله.\nوروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله.\nوهذا حديث فيه اضطراب) (^٢).\nقلت: حكم عليه بالاضطراب وهو في \"صحيح البخاري\" (^٣)، وقد تكلمت عليه في موضعه من \"الجامع\".\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٦٤٦٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٦).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١٥٦)، من طريق زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله به.","vol":"2","page":614},{"text":"٨ - وقال الترمذي: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: \"من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد\".\nوفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وأنس، والسائب.\nقال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.\nوقد روي هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلا أنه يقول عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض، فقال: \"صل قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب\".\nقال أبو عيسى: حدثنا بذلك هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، بهذا الحديث.\nلا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.\nوقد روى أبو أسامة، وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس) (^١).\nقلت: أخرجه البخاري (^٢)، ووجه تصحيح البخاري له أنه اعتبره حديثين.\nوأما أبو عيسى فذهب إلى أنه حديث واحد؛ لأن الإسناد واحد، فلما وقع اختلاف في اللفظ ذهب إلى الترجيح، فرجح رواية الأكثر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٧٢، ٣٧٣)، وفي هامش التحقيق إشارة إلى أن في نسخة: \"تستطع\".\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١١١٥ - ١١١٧) من طريق حسين المعلم به.","vol":"2","page":615},{"text":"٩ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع الزُّرَقِي، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فقال: \"من المتكلم في الصلاة؟ \"، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: \"من المتكلم في الصلاة؟ \"، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: \"من المتكلم في الصلاة؟ \"، فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول الله، قال: \"كيف قلت؟ \"، قال: قلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا، أيهم يصعد بها\".\nوفي الباب عن أنس، ووائل بن حُجْر، وعامر بن ربيعة.\nقال أبو عيسى: حديث رفاعة حديث حسن.\nوكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع؛ لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا بأكثر من ذلك) (^١).\nقلت: أخرجه البخاري (^٢)، وكأن المصنف توقف في تصحيحه؛ لأنه لا يرى للشخص العاطس في الصلاة أن يزيد عن الحمد، وفي هذا الحديث زيادة على الحمد، ولذا حمله على التطوع.\n١٠ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن مرزوق البصري، قال: حدثنا\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٠٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧٩٩) من طريق علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي به.","vol":"2","page":616},{"text":"محمد بن عبد الله الأنصاري، قال حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس، قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير. قال الأنصاري: يعني مما يلي من أموره.\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري.\nحدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، نحوه، ولم يذكر فيه قول الأنصاري) (^١).\nقلت: أخرجه البخاري (^٢).\nوقد أخرج المصنف بهذه السلسلة حديث: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. وقال: (حديث أنس حديث حسن صحيح غريب) (^٣).\nوقال في موضع آخر: (محمد بن عبد الله الأنصاري ثقة، وأبو ثقة) (^٤).\nولعل عدم تصحيح المصنف له أنه استغربه، فقال: (لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري).\nوذكر العقيلي عبد الله بن المثنى الأنصاري - والد محمد - في \"الضعفاء\" (^٥)، وقال: (لا يتابع على أكثر حديثه)، وأخرج هذا الحديث في ترجمته.\n١١ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن دُرُسْتَ، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الناس يَتَحَرَّوْن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٢٠٤، ٤٢٠٥)، وكذلك في \"التحفة\" (٥٠١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٧١٥٥) من طريق محمد بن خالد الذهلي، عن الأنصاري به.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٨٥٤)، وفي \"التحفة\" (٥٠٢): (حسن صحيح) حسب.\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢٨٨٦).\n(^٥) (٣/ ٤٦٣).","vol":"2","page":617},{"text":"بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمع صَوَاحِبَاتي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة إن الناس يَتَحَرَّوْن بهداياهم يوم عائشة، وإنّا نريد الخير كما تريد عائشة، فقُولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس يهدون إليه أينما كان، فذكرتْ ذلك أم سلمة، فأعرض عنها، ثم عاد إليها فأعادت الكلام، فقالت: يا رسول الله، إن صوَاحِبَاتي قد ذكرن أن الناس يَتَحَرَّوْن بهداياهم يوم عائشة، فَأْمُرِ الناس يهدون أينما كنت. فلما كانت الثالثة قالت ذلك. قال: \"يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه ما أُنزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها\".\nوقد روى بعضهم هذا الحديث عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا.\nهذا حديث حسن غريب.\nوقد روي عن هشام بن عروة هذا الحديث، عن عوف بن الحارث، عن رُمَيْثَةَ، عن أم سلمة، شيءٌ من هذا.\nوهذا حديث قد روي عن هشام بن عروة فيه روايات مختلفة.\nوقد روى سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، نحو حديث حماد بن زيد) (^١).\nقلت: أخرجه البخاري من طريق سليمان بن حرب وعبد الله بن عبد الوهاب الحَجَبي، عن حماد بن زيد به، الأول مختصر والثاني مطول (^٢).\nوعدم تصحيحه له لما ذكره من الإختلاف الذي وقع فيه، وكونه جاء\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٢٣١).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٥٨٠، ٣٧٧٥).","vol":"2","page":618},{"text":"مرسلًا أيضًا، وهذا من احتياطه، وإلا فإن الحديث صحيح، خاصّةً وقد تابعه سليمان بن بلال كما ذكره الترمذي، وقد أخرجه البخاري (^١).\nوأما كونه جاء عن حماد مرسلا، فقد رواه جمعٌ عنه موصولا (^٢).\nوأما أوّل الحديث (كان الناس يتحرون بهداياهم …) فهذا وإن كان من كلام عروة، ولكن جزما أنه أخذه من عائشة بدليل: (قالت: فاجتمعت صواحباتي)، فهذا مبني على الذي تقدم.\nوأما الإختلاف الذي وقع على هشام فإنه لا يضر (^٣).\n١٢ - وقال: (حدثنا محمد بن سهل بن عَسْكَر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب، قالا: حدثنا علي بن عيّاش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلّت له الشفاعة يوم القيامة\".\nقال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن، غريب من حديث محمد بن المُنْكَدِر، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة) (^٤).\nقلت: هذا الحديث تفرّد به شعيب، وعنه علي بن عيّاش، ورجاله كلهم من الثقات المشهورين، ولذا خرّجه البخاري في \"صحيحه\" (^٥) عن علي بن عيّاش به.\n_________\n(^١) (٢٥٨١).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (٣٩٤٩)، \"الآحاد والمثاني\" (٣٠١١)، \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٤٠).\n(^٣) ينظر: \"علل الدارقطني\" (٣٨٢٠).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٢١١).\n(^٥) (٦١٤، ٤٧١٩).","vol":"2","page":619},{"text":"وفي رواية شعيب عن ابن المُنْكَدِر بعض الكلام، شرحناه في موضع آخر (^١)، ولأجل غرابته توقف أبو عيسى في تصحيحه (^٢).\n١٣ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زادُ إخوانكم من الجن\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وسلمان، وجابر، وابن عمر.\nقال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، الحديث بطوله، وقال الشعبي: إن النبي ﷺ قال: \"لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن\".\nوكأن رواية إسماعيل أصحّ من رواية حفص بن غياث.\nوالعمل على هذا الحديث عند أهل العلم.\nوفي الباب عن جابر، وابن عمر) (^٣).\nوأخرج رواية إسماعيل بن إبراهيم في موضع آخر، وقال: (حسن صحيح) (^٤).\nقلت: هذا الحديث قد خرجه مسلم في \"صحيحه\" (^٥)، وذكر\n_________\n(^١) ينظر: مقدمة \"منهج المتقدمين في التدليس\" (ص: ٣١ - ٣٢).\n(^٢) ينظر: \"الأفراد\" للدارقطني (٢٠)، \"شرح علل الترمذي\" لابن رجب (٢/ ٧٥٨ - ٧٦٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٧).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٣٥٦١).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٤٥٠).","vol":"2","page":620},{"text":"الإختلاف الذي وقع فيه، وكأنه يعلّ أيضًا هذه الزيادة (^١)، وهذه الزيادة صحيحةٌ جاءت من حديث أبي هريرة في البخاري (^٢)، بل وجاءت من حديث عبد الله بن مسعود من وجه آخر من غير طريق الشعبي (^٣)، لكن المقصود هنا طريق الشعبي.\n١٤ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ: \"ناوليني الخمرة من المسجد\"، قالت: قلت: إني حائض، قال: \"إن حيضتك ليست في يدك\".\nوفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة.\nقال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن) (^٤).\nقلت: حسّنه، وقد أخرجه مسلم من حديث أبي معاوية، عن الأعمش به، وأخرجه من طرق أخرى عن ثابت بن عبيد به (^٥)، وأخرجه من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة (^٦).\nوقع في بعض النسخ: (حسن صحيح) (^٧)، ولكن الذي في \"التحفة\" (^٨) وأكثر النسخ التي وقفتُ عليها: حسن فقط.\n_________\n(^١) ينظر: \"مسائل الإمام أحمد\" رواية صالح (٨٩٢)، \"علل الدارقطني\" (٧٦٩).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٨٦٠).\n(^٣) منها ما أخرجه أبو داود (٣٩) من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي، عن ابن مسعود. وما أخرجه النسائي (٣٩) من طريق ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي، عن أبن مسعود ﵁. وما أخرجه أحمد (٤٣٨١) من طريق أبي فزارة العبدي، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود.\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (١٣٥).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٢٩٨).\n(^٦) \"صحيح مسلم\" (٢٩٩).\n(^٧) طبعة أحمد شاكر (١٣٤).\n(^٨) \"تحفة الأشراف\" (١٧٤٤٦)، وينظر طبعة الرسالة (١/ ١٦٦).","vol":"2","page":621},{"text":"١٥ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرني سماك بن حرب، سمع جابر بن سمرة، يقول: كان مؤذن رسول الله ﷺ يمهل فلا يقيم، حتى إذا رأى رسول الله ﷺ قد خرج أقام الصلاة حين يراه.\nقال أبو عيسى: حديث جابر بن سمرة حديث حسن، وحديث سماك لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: قد أخرجه مسلم من حديث زهير عن سماك به بنحوه (^٢).\nوكأنه لم يصححه من أجل غرابته.\n١٦ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع طاووسا، يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السّنة، فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل، قال: بل هي سنة نبيكم ﷺ.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي ﷺ، لا يرون بالإقعاء بأسا، وهو قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم، وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين) (^٣).\nقلت: هذا الحديث قد أخرجه مسلم (^٤).\nوكأنه لم يصححه لأن أكثر أهل العلم - كما نقل - يكرهون الإقعاء بين السجدتين.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٠٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٦٠٦).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٨٤).\n(^٤) (٥٣٦) من طريق محمد بن بكر وعبد الرزاق، عن ابن جريج به.","vol":"2","page":622},{"text":"١٧ - وقال الترمذي: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ صلى على حصير.\nوفي الباب عن أنس، والمغيرة بن شعبة.\nقال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد حديث حسن) (^١).\nقلت: هذا الحديث قد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" من طريق عيسى بن يونس به (^٢)، ومن طرق أخرى عن الأعمش (^٣).\nقلت: لعله حسّنه من أجل ما قيل: إن رواية أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة (^٤).\n١٨ - وقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\".\nوفي الباب عن ابن بُحَينة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سَرْجِس، وابن عباس، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن.\nوهكذا روى أيوب، وورقاء بن عمر، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جُحَادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٣٣).\n(^٢) (٥١٩).\n(^٣) (٥١٩، ٦٦١) من طريق أبي معاوية وعلي بن مسهر عن الأعمش به.\n(^٤) تقدم (ص: ٣٩١).","vol":"2","page":623},{"text":"وروى حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ولم يرفعاه.\nوالحديث المرفوع أصح عندنا) (^١).\nقلت: هذا الحديث صحيح وقد أخرجه مسلم (^٢)، وإنما توقف المصنف فيه للاختلاف في رفعه ووقفه، مع أنه رجّح الرفع.\nولا شك أن رفعه صحيح، وهذا ما صرح به المصنف فقال: (والحديث المرفوع أصح عندنا)، ومع ذلك احتاط فحسّنه ولم يصحّحه.\nقال أبو نعيم: (صحيح مشهور من حديث عمرو، رواه الجمّ الغفير عنه) (^٣).\n١٩ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مَرْحُوم بن عبد العزيز العَطَّار، قال: حدثنا أبو نَعَامَة، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج معاوية إلى المسجد فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل حديثا عنه مني، إن رسول الله ﷺ خرج على حَلْقَة من أصحابه فقال: \"ما يجلسكم؟ \" قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومَنَّ علينا به. فقال: \"آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ \" قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: \"أما إني لم أستحلفكم لتهمة لكم، إنه أتاني جبريل وأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٢٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧١٠) من طريق روح به، ومن طريق ورقاء وأيوب عن عمرو بن دينار به.\n(^٣) \"الحلية\" (٨/ ١٣٨).","vol":"2","page":624},{"text":"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: إسناد صحيح، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن مرحوم به (^٢).\nولعل توقّف المصنف في تصحيحه من أجل غرابته، وهذا من احتياطه.\nوأخرج المصنف بهذا الإسناد عن أبي عثمان، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ: \"إن ربكم ليس بأصم ولا غائب … \" الحديث بالقصة المعروفة، وقال: (حسن صحيح) (^٣)، وفي \"التحفة\" (^٤): (حسن) فحسب.\nوأخرجه البخاري ومسلم من طرق عن أبي عثمان النهدي به (^٥).\n٢٠ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي الكوفي، قال: حدثنا أسباط بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن قيس المُلَائّي، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كَعْب بن عُجْرة، عن النبي ﷺ قال: \"مُعَقِّبات لا يَخِيب قائلهن، يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره أربعًا وثلاثين\".\nهذا حديث حسن، وعمرو بن قيس المُلَائي ثقة حافظ.\nوروى شعبة، هذا الحديث عن الحكم ولم يرفعه، ورواه منصور بن المعتمر عن الحكم ورفعه) (^٦).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٦٩٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠١).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٧٨٦)، وكذا في طبعة الرسالة (٣٧٦٦).\n(^٤) (٩٠١٧).\n(^٥) \"صحيح البخاري\" (٢٩٩٢)، \"صحيح مسلم\" (٢٧٠٤).\n(^٦) \"جامع الترمذي\" (٣٧٣١).","vol":"2","page":625},{"text":"قلت: هذا الحديث قد خرجه مسلم (^١) من طريق أسباط بن محمد به، وأخرجه أيضًا من طريق مالك بن مغول وحمزة الزيات، كلاهما عن الحكم به.\nولعله لم يصححه من أجل أن شعبة لم يرفعه، ورفعه منصور وهو إمام، ولكن اختلف عليه أخرجه النسائي عن قتيبة بن سعيد عن أبي الأحوص عن منصور به موقوفا (^٢).\nقال الدارقُطني: (أخرج مسلم من حديث الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب، مرفوعا: \"معقبات لا يخيب قائلهن\"، من حديث مالك بن مغول، وعَمرو بن قيس، وحمزة الزيات.\nقال: وقد تابعهم زيد بن أبي أنيسة وليث بن أبي سليم وابن أبي ليلى وقبيصة، عن الثوري، عن منصور.\nوخالفهم منصور؛ من رواية أبي الأحوص وجرير، عن منصور، عن الحكم، فروياه موقوفا.\nوكذلك رواه شعبة، عن الحكم، إلا من رواية جعفر الصائغ، عن عبدان، عنه.\nوالصواب، والله أعلم، الموقوف، لأن الذين رفعوه شيوخ لا يقاومون منصورا، وشعبة، والله أعلم) (^٣).\nوذكره البخاري في \"الأدب المفرد\" (^٤) وقال: (رفعه أبن أبي أنيسة، وعمرو بن قيس).\nوصحّحه أبو نعيم (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (٥٩٦).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٩٩١٠).\n(^٣) \"التتبع\" (١٠٢).\n(^٤) (٦٢٢).\n(^٥) \"الحلية\" (٥/ ١٠٤).","vol":"2","page":626},{"text":"قلت: رفعُه قوي، وإذا قيل بوقفه فله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وتوقف الترمذي في تصحيحه احتياطٌ منه.\n٢١ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى وغير واحد، قالوا: أخبرنا عمر بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة، قال: سألت عائشة، بأي شيء كان النبي ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته، فقال: \"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك على صراط مستقيم\".\nهذا حديث حسن غريب) (^١).\nقلت: لعله لم يصححه من أجل أن بعض الحفاظ تكلم في رواية عكرمة بن عمار عن يحيى، وقد أخرجه مسلم من هذا الطريق (^٢).\n٢٢ - وقال الترمذي: (حدثنا سُوَيد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله البارقي، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا سافر فركب راحلته كبر ثلاثًا، وقال: \" ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، ثم يقول: \"اللهم إني أسألك في سفري هذا من البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا المسير، واطو عنّا بعد الأرض، اللهم أنت\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٧٣٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧٧٠) من طريق عمر بن يونس به.\nوينظر: \"علل الأحاديث\" لابن عمار (١٣)، \"شرح علل الترمذي\" (٢/ ٦٤٢).","vol":"2","page":627},{"text":"الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا\". وكان يقول إذا رجع إلى أهله: \"آيبون إن شاء الله تائبون، عابدون لربنا حامدون\".\nهذا حديث حسن) (^١).\nهذا الحديث قد أخرجه مسلم (^٢).\nوقد وقع في بعض نسخ الترمذي: (حسن غريب من هذا الوجه) (^٣)، فلعله لذلك توقف في صحته.\nوحماد بن سلمة ليس مقدما في أبي الزبير.\nقد تكون الغرابة من جهة تفرد البارقي عن ابن عمر، قال ابن عدي: (ليس له كثير حديث) (^٤).\nوروى المصنف للبارقي حديثا آخر عن ابن عمر: \"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى\" (^٥)، وذكر الإختلاف في رفعه ووقفه، وفي لفظه.\n٢٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري، قال: حدثنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا رأى الريح قال: \"اللهم إني أسألك من\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٧٧٠).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٣٤٢) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير به.\n(^٣) النسخة التي حقق أولها أحمد شاكر (٣٤٤٧).\n(^٤) \"الكامل\" (٨/ ٧٧).\n(^٥) \"جامع الترمذي\" (٦٠٣) من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء، عنه به.\nوكان قد أخرجه (٤٣٩) من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر به مرفوعا، دون ذكر النهار، وقال: (حسن صحيح).","vol":"2","page":628},{"text":"خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به\".\nوفي الباب عن أبي بن كعب.\nهذا حديث حسن) (^١).\nأخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن ابن جريج به (^٢).\nولا أدري لماذا لم يصححه؟\n٢٤ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن محمد بن قيس قاصِّ عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمَة، عن أبي أيوب، أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم\".\nهذا حديث حسن غريب.\nوقد روي هذا عن محمد بن كعب، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ نحوه.\nحدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرِّجال، عن عمر مولى غُفْرة، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ نحوه) (^٣).\nأخرجه مسلم بنفس الإسناد (^٤).\nولعلّ سبب عدم تصحيحه له أنه استغربه.\n٢٥ - وقال ﵀: (حدثنا نصر بن علي الجَهْضَمِي، قال: حدثنا يزيد\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٧٧١).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٨٩٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٨٦٩، ٣٨٧٠).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٧٤٨).","vol":"2","page":629},{"text":"بن زُرَيع، قال: حدثنا خالد الحَذَّاء، عن أبي مَعْشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهَيْشَات الأسواق\".\nوفي الباب عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب، وروي عن النبي ﷺ: أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليحفظوا عنه) (^١).\nقلت: أخرجه مسلم (^٢)، ولكن ذكر أبو الفضل ابن الشهيد بإسناده عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا حديث منكر). قال أبو الفضل: (قلت: وإنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري فهو صحيح) (^٣).\nقلت: وهو ما أشار إليه المصنف بقوله غريب.\n٢٦ - وقال: (حدثنا محمود بن غَيْلان، ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه.\nقال: وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، ونُمَير الخُزَاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حُجْر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٢٧).\n(^٢) (٤٣٢) من طريق يزيد بن زريع به.\n(^٣) \"علل الأحاديث في صحيح مسلم\" (١٢).","vol":"2","page":630},{"text":"قال أبو عيسى: حديث أبن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (^١).\nقلت: أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق به (^٢)، وكأن المصنف توقف في تصحيحه من أجل غرابته من هذا الوجه خاصة، أي طريق عبيد الله، وقد أخرجه مسلم أيضًا من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع به. ومن حديث مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المُعاوي، عن ابن عمر به (^٣).\n* * *\nالنوع الثاني: ما توقف الترمذي في تصحيحه - وظاهره الصحة - مما ليس في \"الصحيحين\" ولا في أحدهما:\n١ - قال الترمذي: (حدثنا محمود بن غَيْلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزُّبَيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رَمَقْتُ النبي ﷺ شهرا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nوفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد.\nوالمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضًا.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٩٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٥٨٠).","vol":"2","page":631},{"text":"وأبو أحمد الزُّبَيري ثقة حافظ.\nقال: سمعت بُنْدارا، يقول: ما رأيت أحدا أحسن حفظا من أبي أحمد الزُّبَيري، وأبو أحمد اسمه: محمد بن عبد الله بن الزُّبير الأسدي الكوفي) (^١).\nقلت: إنما توقف أبو عيسى في تصحيحه من أجل أنه حديث فرد من هذا الوجه، فلم يروه عن الثوري إلا أبو أحمد الزُّبَيري، والمعروف: حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، كما ذكر أبو عيسى.\nوالحديث فيه علة من حيث الإسناد والمتن، أما الإسناد: فقد رواه عمار بن رُزَيق عند النسائي (^٢) عن أبي إسحاق، فقال: (عن إبراهيم بن مُهَاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر). وابراهيم ليس بالقوي.\nوأما المتن فقد جاء في \"الصحيحين\" (^٣) من حديث نافع، عن ابن عمر قال: حدثتني حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين إذا طلع الفجر، وكان ساعة لا يدخل فيها على النبي ﷺ.\nفكيف يقال هنا: رَمَقْتُ النبي ﷺ شهرًا؟\n٢ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء، قال: قال الحسن بن علي ﵄: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: \"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤١٩).\n(^٢) \"المجتبى\" (١٠٠٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (١١٧٣)، \"صحيح مسلم\" (٧٢٣)، وينظر: \"التمييز\" لمسلم (٨٧).","vol":"2","page":632},{"text":"وفي الباب عن علي.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحَوْراء السعدي، واسمه رَبِيعة بن شَيْبان، ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئا أحسن من هذا) (^١).\nقلت: والشاهد من هذا أن هذا الخبر لم يصححه أبو عيسى مع ثقة رجاله، فقد رواه عن بريد جمعٌ، وبريد ثقة، وكذا ربيعة بن شيبان.\nلكن قد يكون عدم تصحيحه له بسبب متنه، فإنه قد جاء فيه ذكر القنوت، والأصح من هذا ما رواه شعبة، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء، أخرجه أحمد (^٢) وغيره.\nقال ابن خزيمة: (وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج، عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر ..، وشعبة أحفظُ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يُعلم أسمع هذا الخبر من بريد أو دلسه عنه، اللهم إلا أن يكون كما يدّعي بعض علمائنا: أن كل ما رواه يونس، عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق؛ هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه، ولو ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر؛ لم يَجُز عندي مخالفة خبر النبي ﷺ، ولست أعلمه ثابتا) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٦٨).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١٧٢٣)، وأخرجه ابن خزيمة (١٠٩٦)، وابن حبان (٩٤٥)، من طرق عن شعبة به.\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٢٧٦ - ١٧٨)، وقال البزار (١٣٣٧): (ولم يقل شعبة: في قنوت الوتر). وينظر: \"إتحاف المهرة\" لابن حجر (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"2","page":633},{"text":"٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عُقْبة بن مُكْرَم العَمِّي البصري، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن النَّضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلّهما بعد ما تطلع الشمس\".\nقاد أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن ابن عمر أنه فعله.\nولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكِلابي، والمعروف من حديث قتادة، عن النَّضْر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح\") (^١).\nقلت: هذا الحديث حكم عليه بالغرابة ولم يحسّنه، فضلا عن تصحيحه، من أجل تفرُّد عمرو عن همام، وقد بيّن أبو عيسى أن المشهور بهذا الإسناد: \"من أدرك ركعة … \".\n٤ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله العَتَكِي المروزي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقِيق، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا لم يصلِّ أربعا قبل الظهر صلّاهنَّ بعدها.\nقاد أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث ابن المبارك من هذا الوجه.\nورواه قيس بن الربيع، عن شعبة، عن خالد الحَذَّاء نحو هذا، ولا نعلم أحدا رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع، وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن النبي ﷺ نحو هذا) (^٢).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٢٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤٢٨).","vol":"2","page":634},{"text":"قلت: يبدو أن عدم تصحيح أبي عيسى له من أجل تفرد عبد الوارث، وهو ليس بالمكثر، فلم يُذكر له شيخ سوى ابن المبارك ومسلم بن خالد الزِّنْجِي، وقد روى عنه بعض الحفاظ كأبي عيسى ومحمد بن علي بن حمزة الحافظ، قال ابن أبي حاتم: (روى عن عبد الله بن المبارك الكثير، حتى مسائل سأله عنها، وسئل وهو حاضر) (^١).\nوثمة علة في متن الحديث أشار إليها الإمام أحمد في كلامه على رواية قيس عن شعبة.\nوقد أخرجه مسلم (^٢) من طريق هشيم، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه، فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلى بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.\nوأخرجه أبو داود (^٣) من طريق هشيم ويزيد بن زريع، عن خالد، به.\nوأخرج الترمذي والنسائي بعضه (^٤).\nوأما المتابعة من طريق شعبة، فقد تفرد بها قيس بن الرَّبِيع، ولا يقبل تفرده، ولذا قال أبو عيسى: (لا نعلم أحدا رواه عن شعبة غير قيس).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٧٦).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (٧٣٠).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (١٢٥١).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٤٣٨) وصحّحه، \"السنن الكبرى\" (٤١٥).","vol":"2","page":635},{"text":"وأخرجه ابن ماجه (^١) من طريق قيس به، وفي بعض نسخ \"السنن\": (قال أبو عبد الله: لم يحدِّث به إلا قيس عن شعبة).\nقال أبو داود: (ذكرت لأحمد حديث قَيْس بن الرَّبِيع، عن شعبة، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقِيق، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الظهر، فقال أحمد: يرويه غير واحد ليس يذكرون هذا فيه. يعني: يروون حديث خالد، عن عبد الله بن شَقِيق: سألت عائشة عن تطوع رسول الله ﷺ، أي: فليس هذا فيه) (^٢).\n٥ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل تسع ركعات.\nوفي الباب عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، والفضل بن عباس.\nقال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nورواه سفيان الثوري، عن الأعمش، نحو هذا، حدثنا بذلك محمود بن غيلان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن الأعمش) (^٣).\nقلت: رجاله ثقات مشاهير، وقد أخرج رواية الثوري النسائي في \"الكبرى\" (^٤)، وأخرجه (^٥) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش به.\nوقد صحّح الترمذي ثلاثة أحاديث بهذا الإسناد (^٦)، وخرّج الشيخان\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (١١٥٨)، وينظر: \"الكامل\" لابن عدي (٨/ ٦٢٨).\n(^٢) \"مسائل أبي داود\" (١٨٧٦)، وما ذكره أحمد هو في \"صحيح مسلم\" كما تقدم.\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٤) (١٣٥١).\n(^٥) (١٣٥٥، ١٤١٦).\n(^٦) ينظر: (٧٦٨، ٩٨٨، ١١٩٦).","vol":"2","page":636},{"text":"أيضًا أحاديث بهذه الترجمة (^١)، فلماذا توقف في تصحيحه هنا؟ ألِغرابته؟ قد يكون ذلك.\nأم لأنه قد خرّج قبل ذلك (^٢) حديثًا عن عائشة في صفة صلاة رسول الله ﷺ في الليل، وأنه كان يصلي إحدى عشر ركعة؛ من طريق المقبري عن أبي سلمة، ومن طريق ابن شهاب عن عروة، كلاهما عنها؟\nأم بسبب الأعمش؛ فإنه قد اختلف عليه:\nإذ رواه زائدة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة بنحوه، أخرجه النسائي (^٣).\nورواه أبو معاوية، عنه، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة. أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي (^٤).\nوتقدمت رواية الثوري وأبي الأحوص.\nقال الأثرم: (وأما حديث الأعمش فقد اضطرب فيه، فقال مرة: عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن أم سلمة، وقال مرة: عن عمارة عن يحيى بن الجزار عن عائشة، وفي الكلام أيضًا اختلاف (^٥)، وقد بينَّا ذلك، ويحيى بن الجزار لم يَلق واحدًا منهما) (^٦).\nوقال الدارقطني عن رواية عمارة بن عمير عن يحيى بن الجزار: (أشبه بالصواب) (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٣٥٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٤٤٥، ٤٤٦).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (١٣٥٠).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٤٦١)، \"السنن الكبرى\" (١٣٤٩).\n(^٥) يقصد متن الحديث، وينظر: \"فتح الباري\" لابن رجب (٩/ ١٣٦).\n(^٦) \"ناسخ الحديث\" (ص: ٨٨ - ٨٩).\n(^٧) \"علل الدارقطني\" (٣٦٩٧)، وينظر \"السنن الكبرى\" للنسائي (١٣٤٩ - ١٣٥٦).","vol":"2","page":637},{"text":"٦ - وقال الترمذي: (حدثنا أبو بكر محمد بن نافع البصري، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المُتَوكِّل النَّاجي، عن عائشة، قالت: قام النبي ﷺ بآية من القرآن ليلة.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (^١).\nقلت: لعله حسنه من أجل غرابته إسنادًا ومتنًا.\nفأما إسنادًا، فأبو المتوكل لا يُعرف سماعه من عائشة، وليس له في الستّة عنها سوى هذا الحديث.\nوأما المتن، فهذا المعنى لا أعلم أنه جاء إلا في هذا الحديث.\nنعم، في حديث جَسْرة بنت دجاجة، عن أبي ذر: قام النبي ﷺ حتى أصبح بآية. أخرجه النسائي وابن ماجه (^٢)، لكنّ جَسْرة لا يحتج بها.\nوقد يكون توقف في تصحيحه من أجل الإختلاف الذي وقع فيه، فقد اختلف على إسماعيل:\nفرواه ابن المبارك في \"الزهد\" (^٣) عن إسماعيل، عن أبي المتوكل أن النبي ﷺ .. مرسلًا.\nوخالفه زيد بن الحباب، قال عبد الله بن الإمام أحمد في \"المسند\" (^٤): (وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده - وأحسبُني قد سمعته منه في مواضع أخر -: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني إسماعيل بن مسلم\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٥٢).\n(^٢) \"المجتبى\" (١٠١٠)، \"سنن ابن ماجه\" (١٣٥٠).\n(^٣) (١٠٤)، ورواه سعيد بن منصور (٣١٤٢) عن ابن المبارك به.\n(^٤) (١١٥٩٣).","vol":"2","page":638},{"text":"الناجي (^١)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ).\n٧ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر وصلّى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب.\nوفي الباب عن علي، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر.\nقال أبو عيسى: والصحيح عن أسامة.\nقال أبو عيسى: وروى علي بن المديني، عن أحمد بن حنبل، عن قتيبة، هذا الحديث.\nحدثنا عبد الصمد بن سليمان، قال: حدثنا زكريا اللُّؤْلُئي، قال: حدثنا أبو بكر الأَعْيَن، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا قتيبة … بهذا الحديث. وحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ حديث غريب.\n_________\n(^١) كذا في طبعات \"المسند\" و\"مسند أبي سعيد\" لابن كثير (٧٥٤)، وليست هذه النسبة في \"أطراف المسند\" لابن حجر (٨٥٨٩)، وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٨٨١) من وجه آخر عن زيد بن الحباب به، وفيه: (إسماعيل بن مسلم العبدي)، وهو كذلك عند ابن المبارك.","vol":"2","page":639},{"text":"والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، من حديث أبي الزبير، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، رواه قُرَّة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد، عن أبي الزبير المكي) (^١).\n٨ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه نهى عن تلقّي البيوع.\nوفي الباب: عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عمر، ورجل من أصحاب النبي ﷺ.\nحدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقِّي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقِّي، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يُتلَقّى الجلب، فإن تلقاه إنسان فابتاعه؛ فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق.\nهذا حديث حسن غريب من حديث أيوب.\nوحديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) (^٢).\nقلت: رجاله كلهم ثقات مشاهير، وعبد الله بن جعفر وإن كان قد اختلط؛ فالذي يظهر أن سلمة بن شبيب سمع منه قديما؛ وذلك أنه قد سمع ممن هو أقدم منه، وأعني أبا أسامة الذي توفي سنة (٢٠١)، وسمع أيضًا من آخرين هم أكبر من عبد الله بن جعفر.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٦١، ٥٦٢)، وينظر الكلام عليه في مصطلح الحسن (ص: ٣٤٩).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٢٧١ - ١٢٧٢).","vol":"2","page":640},{"text":"على أن عبد الله بن جعفر اختلط سنة (٢١٨) وتوفي سنة (٢٢٠)، وقد ذكر ابن حبّان أن اختلاطه لم يكن بفاحش (^١).\nوتوبع عبد الله بن جعفر؛ أخرجه أبو داود (^٢) وأحمد (^٣) من طريق عبيد الله بن عمرو به.\nفما السبب الذي جعل أبا عيسى لا يحكم بصحته ويكتفى بتحسينه فقط؟\nهو غرابته من حديث أيوب كما نص على ذلك، وقال الطبراني في \"الأوسط\" (^٤): (لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عبيد الله بن عمرو).\nوالحديث أخرجه مسلم (^٥) من رواية هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به.\n٩ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرَّه لَدْغةُ حُمَةٍ تلك الليلة\".\nقال سهيل: فكان أهلنا تعلموها، فكانوا يقولونها كل ليلة، فلُدغت جارية منهم فلم نجد لها وجعا.\nهذا حديث، حسن.\nوروى مالك بن أنس هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١) \"الثقات\" (٨/ ٣٥١ - ٣٥٢).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (٣٤٣٧).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٩٢٣٦).\n(^٤) (٦٣٦٢).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (١٥١٩).","vol":"2","page":641},{"text":"وروى عبيد الله بن عمر، وغير واحد هذا الحديث عن سهيل، ولم يذكروا فيه عن أبي هريرة).\nقلت: هذا الحديث صحيح، وإن كان المصنف توقف في تصحيحه بسبب أن عبيد الله بن عمر وغيره رووه عن سهيل ولم يذكروا عن أبي هريرة (^١)، فهذا احتياط بالغ من المصنف، إذ قد وصله مالك (^٢) وحماد بن زيد (^٣) وسفيان (^٤)، نعم لم يذكروا: (ثلاثًا).\nوأخرجه مسلم (^٥) من وجه آخر عن أبي صالح، عن أبي هريرة به، وفيه قصة.\nوالأمثلة في هذا كثيرة.\n* * *\nوقد جاء عن الأئمة مثل ما جاء عن أبي عيسى من التوقف في تصحيح الحديث الغريب أحيانا:\n- قال البخاري: (وقال محمد بن عبيد الله: نا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن هشام بن عروة، أن عون بن عبد الله قال له: حدِّثْني عن أبيك، فذهبتُ أحدثه عن السنن فقال: لا، غرائب أحاديثه) (^٦).\n_________\n(^١) لم أقف على رواية عبد الله بن عمر هذه، وجاء عنه موصولا، أخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٩١) من طريق عبيد الله بن عمر عن سهيل موصولا بذكر أبي هريرة.\n(^٢) \"موطأ مالك\" رواية يحيى الليثي (٢٧٣٩)، وأخرجه من طريقه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٨٩).\n(^٣) أخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٨٨).\n(^٤) أخرجه النسائي في \"اليوم والليلة\" (٥٩٢)، وابن ماجه (٣٥١٨).\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٢٧٠٩).\n(^٦) \"التاريخ الكبير\" (١٣٨).","vol":"2","page":642},{"text":"- وقال الدُّوري: (حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة، قال يحيى: وهذا غريب، ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي) (^١).\n- وقال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن هشام بن أبي خَيْرة السَّدُوسي بمصر، قال: حدثنا عمر بن علي بن مُقَدَّم، قال: حدثنا حَنْظَلة السَّدُوسي، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: أمرنا ألا نزيد أهل الكتاب على: وعليكم؟\nقال أبي: حديث حنظلة إن كان محفوظا فهو غريب) (^٢).\nقلت: أخرجه البزار (^٣) عن أحمد بن المقدام العجلي، عن عمر بن علي المقدّمي به، وقال: (لا نعلم رواه عن حنظلة عن أنس إلا عمر بن علي).\nوقد جاء بهذا اللفظ من طريق أبي أسامة ووكيع (^٤) والثوري (^٥)، ثلاثتهم عن ابن عون، عن حميد الطويل، عن أنس به، وهذا صحيح، ولكني أظنه مرويًا بالمعنى، واللفظ الأصح هو \"قولوا: وعليكم\" خرَّجه الشيخان (^٦) وغيرهما من طرق عن أنس.\n- وقال البخاري في \"التاريخ\": (محمد بن عبد الله، ويقال: ابن حسن. حدثني محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد العزيز، عن محمد بن\n_________\n(^١) \"تاريخ ابن معين\" (٤٤٨٧).\n(^٢) \"العلل\" (٢٢٦١).\n(^٣) \"مسند البزار\" (٧٣٦٤).\n(^٤) \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢٧٤٢٣) عنهما.\n(^٥) \"المصنف\" لعبد الرزاق (٩٨٣٨).\n(^٦) \"صحيح البخاري\" (٦٢٥٨) \"صحيح مسلم\" (٢١٦٣).","vol":"2","page":643},{"text":"عبد الله، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رفعه: \"إذا سجد فليضع يديه قبل ركبتيه\"، ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا) (^١).\nقلت: محمد بن عبد الله - الملقب بالنَّفْسِ الزَّكِيَّة - قد وثِّق، ومع ذلك أنكر البخاري هذا الحديث؛ وذلك لتفرده بهذا الخبر عن أبي الزِّناد عن الأَعْرج عن أبي هريرة، ولا يخفى أن هذه السلسلة من أصحّ السلاسل وأشهرها، فتفرّد النَّفْس الزَّكِيَّة بهذا مع كونه كان مختفيا في عهد بني أمية وبني العباس يجعله غير محفوظ، وهذا ما حكم به حمزة الكِنَاني الحافظ، فقال: (هو منكر) (^٢).\n- وقال الخلال: (أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، ثنا ابن حنبل، قال: حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن - قال ابن مهدي: هو ابن علقمة -، قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"اعفو اللحى وأحفوا الشوارب\".\nقال أبو عبد الله: هذا غريب) (^٣).\nقلت: يعني من هذا الوجه، وذلك أن هذا الحديث قد خرجه الشيخان (^٤) من طرق عن نافع، عن ابن عمر.\nوعبد الرحمن بن علقمة هو المكي، مُقلّ، ولكن وثّقوه، حتى قال ابن مهدي: كان من الأثبات الثقات.\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٤١٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" لابن رجب (٧/ ٢١٨).\n(^٣) \"الترجل\" (٧٧)، وأخرجه أحمد (٥١٣٥) بهذا الإسناد.\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٥٨٩٢، ٥٨٩٣)، \"صحيح مسلم\" (٢٥٩).","vol":"2","page":644},{"text":"ورغم هذا استغرب الإمام أحمد هذا الإسناد.\n- وقال البخاري في \"التاريخ\": (حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن مَيْمونة زوج النبي ﷺ، سمعت النبي ﷺ، في أولاد الزنا.\nقال أبو عبد الله: لا يتابع عليه، ولا أدري مَن محمد بن إبراهيم) (^١).\nهكذا في النسخة القديمة، وفي طبعة الناشر المتميز (^٢): (محمد بن عبد الرحمن)، وهو الصحيح.\nقلت: وقوله: (لا يتابع عليه) من أجل غرابته إسنادا ومتنا، ولأجل هذا وآخرين ذكرهما في ترجمته قال البخاري عن محمد بن عبد الله بن عمرو: عنده عجائب.\nفكل راوٍ يأتي بما يُستنكر إسنادا أو متنا، أو تكثُر في حديثه الغرائب، فإن ذلك مدعاةٌ للقدح فيه.\n* * *\n_________\n(^١) \"التاريخ الكبير\" (٤١٧). وكتب في هامش التحقيق على قوله: (محمد بن إبراهيم): (كذا).\n(^٢) (٤١٧)، وينظر: \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٣).","vol":"2","page":645},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>الفصل التاسع عشر: مناهج الأئمة في الغرابة على وجه العموم</span>\n<span data-type='title' id=toc-158>منهج شعبة بن الحجاج:</span>\nهو الإمام المقدّم في زمانه في معرفة هذا الشأن، وهو الذي وسّع الكلام في الرجال ونقد الأخبار، وعلى يديه تخرج كبار الأئمة من أمثال يحيى القطان، فهو أنجبُ من أخذ عنه هذا الفن، يليه ابن مهدي، وغيره.\nقال أبو داود الطيالسي: (رأيت رجلا يقول لشعبة: قل: حدثني أو أخبرني. فقال له شعبة: فَقَدْتُكَ وَعَدِمْتُكَ؛ وهل جاء بهذا أحد قبلي؟) (^١).\nقال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي وذكر حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته، قال شعبة: استحلفتَ عبد الله بن دينار: هل سمعتَها من ابن عمر؟ فحلف لي.\nقال أبي: كان شعبة بصيرًا بالحديث جدا، فهما فيه، كان إنما حلفه لأنه كان ينكر هذا الحديث، حكم من الأحكام عن رسول الله ﷺ لم يشاركه أحد، لم يرو عن ابن عمر أحد سواه علمنا) (^٢).\nقال علي بن المديني: (سألت يحيى بن سعيد عن حكيم بن جبير، فقال: تركه شعبة من أجل هذا الحديث الذي رواه في الصدقة.\nيعني حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"من سأل الناس\n_________\n(^١) \"تقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (١/ ١٦٦).\n(^٢) \"تقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (١/ ١٧٠).","vol":"2","page":647},{"text":"وله ما يغنيه، كان يوم القيامة خموشا في وجهه\". قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: \"خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب\".\nقال علي: قال يحيى: وقد حدّث عن حكيم بن جبير سفيان الثوري وزائدة. قال علي: ولم ير يحيى بحديثه بأسا) (^١).\nوقال أبو حاتم الرازي: (حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا محمد بن سواء، قال: ذكرت لشعبة حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر؛ كنت أبيع الإبل بالبقيع. فقال: من حدث به؟ قلت: حماد بن سلمة، فقال: وكيف سمع حماد هذا، ولعله إنما جلس إلى سماك مجلسين أو ثلاثة، وقد جلست إلى سماك أكثر من مئة مجلس ولم أسمع هذا؟!) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-159>منهج يحيى بن سعيد القطان:</span>\nقال أحمد بن حنبل: (لم يكن في زمان يحيى القطان مثله، كان تعلم من شعبة) (^٣).\nقال الثوري: (كان يحيى بن سعيد يريد: شقيقا عن عبد الله.\nقال أبو محمد - ابن أبي حاتم - يعني: أنه لا يرضى إلا برواية الحفاظ المتقنين) (^٤).\nوقال ابن المديني: (سألت يحيى عن أحاديث عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير. فضعّفها، وقال: ليست بصحاح) (^٥).\n_________\n(^١) \"العلل الصغير\" (ص: ٦٥).\n(^٢) \"الكامل\" لابن عدي (٣/ ٣٤٩).\n(^٣) \"تقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٣، ٢٤٧).\n(^٤) \"تقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٣).\n(^٥) \"تقدمة الجرح والتعديل\" (١/ ٢٣٦).","vol":"2","page":648},{"text":"وقال أيضًا: (سألت يحيى عن حديث سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، في القصار لا يضمن. قال: هذا غلط، خالف أصحاب إبراهيم؛ منصور وسليمان.\nقال يحيى: وكان هشام يوقفه على حماد) (^١).\nوقال عمرو بن علي: (سمعت يحيى سئل عن حديث عُرَيف بن درهم الجمّال، فقال: روى حديثا منكرا عن جَبَلَةَ بن سُحَيم عن ابن عمر، قال: الجزور والبقرة عن سبعة. فتمنّع به ثم حدثنا به) (^٢).\nقال حماد بن زاذان أبو زياد القطان: (سألنا يحيى بن سعيد عن حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قال: كنتَ ردف علي، هذا الحديث لا أدري كيف هو؟ قلت: يرون أن علي بن ربيعة كان ردف عليّ، تنكره؟ قال: علي بن ربيعة كان حدثا، وما أدري. قلت: تنكره؟ قال: إي والله) (^٣).\nقلت: هذا الاستنكار من يحيى ليس من أجل التفرد والغرابة فقط، وإنما لأن عليّ بن ربيعة كان صغيرًا في عهد عليّ، وليس بينهما صلة من قرابة ونحوها؛ فلذا يستبعد أن يردفه معه على الدابة، وقوّى ذلك عند يحيى القطان: أن الإسناد فيه لين، لكن جاءت أوجه أخرى بهذا المعنى عن علي بن ربيعة يقوي بعضها بعضا، ومثل هذا الإرداف في الواقع قد يحصل أحيانا حتى للصغير كما هو معلوم، فهذا من هذا الباب.\nوسوف يأتي بيان منهج يحيى في الغرابة وتشدّده فيها.\n_________\n(^١) \"تقدمة الجرح والتعديل\" (١/ ٢٤٠).\n(^٢) \"تقدمة الجرح والتعديل\" (١/ ٢٤١).\n(^٣) \"تقدمة الجرح والتعديل\" (١/ ٢٤٢).","vol":"2","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>منهج الإمام أحمد:</span>\nالمتتبع لمنهجه في هذا الباب، يجد أنه أحيانا يرد الخبر بسبب غرابته وتفرد الراوي به، ولهذا يكثر من قوله: (منكر الحديث)، كما أنه تكلم في جمع من الرواة فقال عنهم: (يروون المنكرات)، مع أنهم وُثِّقوا من غيره، ولذا فمنهجه قريب من منهج شيخه يحيى القطان، وإليك بعض ما يجلّي هذا الأمر:\nقال ابن رجب: (قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن علي الذي يروي حديث المواقيت، فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.\nوقال أحمد في بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير.\nوقال أحمد في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو المنفرد برواية حديث \"الأعمال بالنيات\": في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة.\nوقال في زيد بن أبي أُنَيسة: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث. قال الأَثْرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير فهي غرائب؟ قال: نعم.\nوهؤلاء الثلاثة متفق على الاحتجاج بحديثهم في \"الصحيح\"، وقد استنكر أحمد ما تفردوا به.\nوكذلك قال في عمرو بن الحارث: له أحاديث مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مَخْلد، وفي جماعة خرج لهم في \"الصحيح\" بعض ما ينفردون به) (^١).\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥٤ - ٤٥٦).","vol":"2","page":650},{"text":"قال المرُّوذي: (قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق، كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه، فقد حدث عن الزهري بأحاديث، كأنه أراد تفرد بها.\nثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحِلف - حلف المطيبين - فأنكره أبو عبد الله، وقال: ما رواه غيره) (^١).\nقال أبو داود: (قلت لأحمد في سماع عبد الرزاق من عبيد الله. فقال: قال عبد الرزاق: رأيته بمكة وهشام بن حسان يسأله. قال أحمد: فلعمري لقد روى عنه - يعني عبد الرزاق - أحاديث غرائب) (^٢).\nقال عبد الله: (سمعته يقول: روى أسامة بن زيد عن نافع أحاديث مناكير). وفي موضع قال: (قال أبي: روى أسامة بن زيد عن نافع أحاديث مناكير. قلت له: إن أسامة حسن الحديث، قال: إن تدبرت حديثه فستعرف النكرة فيها) (^٣).\nوقال: (سألت أبي عن خالد بن مخلد فقال: له أحاديث مناكير) (^٤).\nقال المرُّوذي: (سألته عن صالح بن حَيَّان، قال: ليس هو بذاك. وأنكر حديثه) (^٥).\nوقال: (سألته عن الدَّرَاوَرْدِي، فقال: ما أدري ما أقول لك فيه، أحاديثه، كأنه ينكر بعضها) (^٦).\nوقال: (قلت: الحكم بن عَطِيَّة، كيف هو؟ قال: البصري؟ قلت:\n_________\n(^١) \"العلل\" رواية المروذي (٦١).\n(^٢) \"سؤالات أبي داود للإمام أحمد\" (٢٤٧).\n(^٣) \"العلل\" لعبد الله (٥٠٣، ١٤٢٨).\n(^٤) \"العلل\" لعبد الله (١٤٠٣).\n(^٥) \"العلل\" رواية المروذي (٢٠١).\n(^٦) المرجع السابق (٢٠٥).","vol":"2","page":651},{"text":"نعم، الذي روى عن ثابت. قال: كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير. وكأنه ضعفه) (^١).\nوقال: (سألته عن إبراهيم بن الحكم بن أَبان، فقال: ليس بذاك، قد كتبت عنه، وأقمت عليه أياما) (^٢).\nوقال: (سألته عن يزيد بن أبي حكيم، فقال: قد كتبت عنه أقل مما كتبت عن إبراهيم، اتكيت على إبراهيم، ثم حدث إبراهيم بعد بأحاديث منكرة، وضعّف أمره، وقدّم يزيد بن أبي حكيم عليه) (^٣).\nوقال عبد الله بن أحمد: (سئل أبي عن حُديج أخي زهير، قال: ليس لي بحديثه علم. قيل: إنه يحدث عن أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره، فقال: هذا منكر) (^٤).\nوهذا كله يدل على ما تقدم تقريره، والأمثلة على هذا كثيرة.\n* * *\n_________\n(^١) المرجع السابق (١٦٥).\n(^٢) المرجع السابق (٢١٦).\n(^٣) المرجع السابق (٢١٧).\n(^٤) \"العلل\" رواية عبد الله (٥٢٥٩)، وينظر: رواية المروذي (٢٣١).","vol":"2","page":652},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>الفصل العشرون: مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء في الغرابة والتفرد على وجه الخصوص</span>\nثمة أربعة مناهج في هذه المسألة من حيث الأصل:\nفالأول: من يتوسّط، وهو مذهب علي بن المديني، والبخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم، وهو ما تقدم تقريره (^١).\nوالثاني: وهم الذين يشدِّدون بعض الشيء، وهو مذهب: يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي بكر البَرْدِيجي، وأبي الفتح الأزدي، وأبي الفضل أحمد بن علي السليماني.\nفأما يحيى القطان وأحمد بن حنبل:\nفقال ابن رجب: (قال إسحاق بن هانئ، قال لي أبو عبد الله - يعني أحمد -: قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله - يعني ابن عمر - أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام … \" الحديث.\nقال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.\n_________\n(^١) ينظر: الفصل السابع: متى تكون الغرابة قادحة في صحة الخبر.","vol":"2","page":653},{"text":"قال أبو عبد الله: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله.\nقال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه.\nوهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر.\nوكلام الإمام أحمد قريب من ذلك.\nقال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن علي، الذي يروي حديث المواقيت فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.\nوقال أحمد في بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير.\nوقال أحمد في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو المنفرد برواية حديث \"الأعمال بالنيات\"، في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة.\nوقال في زيد بن أبي أُنَيْسة: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث.\nقال الأَثْرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير فهي غرائب، قال: نعم.\nوهؤلاء الثلاثة (^١) متفق على الاحتجاج بحديثهم في \"الصحيح\"، وقد استنكر أحمد ما تفردوا به.\n_________\n(^١) أي: بريد بن عبد الله بن أبي بردة، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وزيد بن أبي أنيسة.","vol":"2","page":654},{"text":"وكذلك قال في عمرو بن الحارث: له أحاديث مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مَخْلَد، وجماعة خرج لهم في \"الصحيح\" بعض ما ينفردون به.\nوأما تصرّف الشيخين والأكثرين، فيدل على خلاف هذا، وعلى أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه، وليس له علة، فليس بمنكر.\nوقد قال مسلم في أول \"كتابه\": حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم في قبول ما ينفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قبلت زيادته.\nفأما من نراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم في أكثره = فيروي عنهما - أو عن أحدهما - العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.\nفصرح بأن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث، قبل ما تفرد به، وحكاه عن أهل العلم) (^١).\nقلت: لم يذكر ابن رجب ليحيى بن سعيد القطان إلا مثالًا واحدًا، وهذا لا يكفي في الحكم عليه، ولكنْ ثمة نصوصٌ عن بعض الأئمة تدل على منهجه:\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (نا صالح بن أحمد بن حنبل، نا عليّ\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥٣ - ٤٥٧).","vol":"2","page":655},{"text":"- يعني ابن المديني - قال: سمعت عبد الرحمن قال: قال سفيان: يحيى بن سعيد يريد شقيقا عن عبد الله.\nقال أبو محمد: يعني أنه لا يرضى إلا برواية الحفاظ المتقنين) (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: (أخبرنا صالح، نا عليّ قال: سمعت يحيى وذُكر عنده شيءٌ يروى عن إسماعيل عن عامر: أن المغيرة بن شعبة لما شهد عليه الثلاثة، قال يحيى: ليس بصحيح) (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: (أخبرنا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي قال: سمعت يحيى سئل عن حديث عُرَيف بن درهم الجمال، فقال: روى حديثا منكرا عن جَبَلَةَ بن سُحَيْم عن ابن عمر قال: الجزور والبقرة عن سبعة. فتمنّع به ثم حدثنا به) (^٣).\nوقال أبو حاتم عن عُريف هذا: (هو صالح الحديث لا بأس به، حدثنا أبو نعيم عنه) (^٤)، وذكره البخاري في \"التاريخ\" (^٥) ونقل كلام القطان ولم يعقب بشيء.\nوأما الإمام أحمد: فقد جاء عنه ما قد يدل على خلاف ما ذكره ابن رجب؛ من كونه صحّح أو قوّى بعض الأحاديث التي فيها غرابة، ومثاله: ما أخرجه في \"المسند\" (^٦) من طريق بَقِية، ثنا بَحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن بعض أزواج النبي ﷺ، أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي\n_________\n(^١) \"تقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٣).\n(^٢) \"تقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٧).\n(^٣) \"تقدمة الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم (١/ ٢٤١).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٤٤).\n(^٥) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٩٣).\n(^٦) (١٥٤٩٥).","vol":"2","page":656},{"text":"وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء.\nقال ابن عبد الهادي: (قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم.\nوقد احتج به الإمام أحمد أيضًا في رواية غير واحد من أصحابه، وتكلم فيه البيهقي وابن حزم وغيرهما بغير مستند قوي) (^١).\nوالجواب عن ذلك: أن ما نسبه ابن رجب حقّ، فحين تتأمل منهجه تجده أكثر تشددا في هذا الباب من علي بن المديني والبخاري وغيرهما، وخروج بعض الأمثلة عن منهجه العام لا ينافي ما تقدم.\nوأما أبو حاتم: فقد سأله ابنه (عن حديث رواه عمرو بن عاصم؛ عن همام وحماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أصبتُ حدا فأقِمه علي …\nفقال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد) (^٢).\nوهذا الحديث خرجه الشيخان من طريق عمرو به (^٣).\nوسأله (عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]\n_________\n(^١) \"تنقيح التحقيق\" لابن عبد الهادي (١/ ٢٢٥).\nقلت: هذا الخبر لم أقف عليه إلا من طريق بقية، فإن صح أنه تفرّد به فهو غريب جدًا، وقد احتج به أحمد وجوّده مع غرابته.\n(^٢) \"العلل\" (١٣٦٤).\n(^٣) \"صحيح البخاري\" (٦٨٢٣)، \"صحيح مسلم\" (٢٧٦٤).","vol":"2","page":657},{"text":"قال: \"يقوم الرجل في رشحه إلى أنصاف أذنيه\". ورواه معاذ بن معاذ العَنْبَري، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، موقوف.\nقلت لأبي: أيهما أصح؟\nقال أبي: جميعا حافظين، ولا أعلم أحدا يسند سوى عيسى بن يونس، وموقوف أشبه) (^١).\nوالحديث خرّجه الشيخان من طريق عيسى بن يونس به (^٢).\nوقال: (سمعت أبي وذكر حديثا رواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس؛ قال: جاءت أم سليم - وهي جدة إسحاق - إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام؛ بأن زوجها جامعها، أتغتسل؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إذا وَجدت الماء فلتغتسل\".\nوروى الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن جدته أم سليم؛ قالت: دخلت أم سليم على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله ﷺ، فقالت له أم سليم: أرأيت إذا رأت المرأة …؟\nقال أبي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم سليم، مرسل.\nوعكرمة بن عمار، روى عن إسحاق، عن أنس: أن أم سليم …\nوحديث الأوزاعي أشبه مرسل من الموصل) (^٣).\nقلت: رواية عمر بن يونس عن عكرمة، أخرجها مسلم في \"صحيحه\" (^٤)، ولم أر من تابعه عليها، وذكر الدارقطني أن همامًا تابع\n_________\n(^١) \"العلل\" (٢١٣٦).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٦٥٣١)، \"صحيح مسلم\" (٢٨٦٢).\n(^٣) \"العلل\" (١٦٣).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٣١٠).","vol":"2","page":658},{"text":"الأوزاعي، ورجّح المرسل (^١).\nقال: (وسألت أبي عن حديث رواه عفان، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي قال: \"أكثر عذاب القبر من البول\".\nقال أبي: هذا حديث باطل؛ يعني: مرفوع) (^٢).\nقلت: قد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن حديث أبي عوانة هذا، فقال: (هذا حديث صحيح) (^٣).\nقلت: أبو حاتم الرازي من أعلم الأمة بالعلل، والدليلُ أنه بيّن علل أحاديث خفيت علّتها عن شيوخه، وهو في نقده للرجال موصوف بالشدة، ومنهجه في الغرابة قريب من منهج شيخه الإمام أحمد.\nوأما أبو جعفر العقيلي: فقد قال: (وروى سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عَجْلان ويزيد بن الهَاد، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"الإيمان بضع وسبعون بابا\". ولم يتابعهم أحد ممن سَمَّيْنَا (^٤) من الأثبات عليه، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد) (^٥).\nقلت: الذين ذكرهم أبو جعفر هنا كلهم من الثقات المشاهير، سوى ابن عَجْلان فإن له بعض الأوهام والأخطاء، ومع ذلك يحتاجون إلى متابع عنده، فإنه أراد بقوله: (ولم يتابعهم أحد ممن سَمَّينَا من الأثبات عليه) أنه\n_________\n(^١) \"علل الدارقطني\" (٢٣٤٢).\n(^٢) \"العلل\" (١٠٨١).\n(^٣) \"العلل الكبير\" (٣٧).\n(^٤) يقصد: شعبة، والثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة.\n(^٥) \"الضعفاء\" (٣/ ٣٤٠ - ٣٤١).","vol":"2","page":659},{"text":"لا يقبل تفرد أمثال هؤلاء، وهذا بخلاف منهج الشيخين، فإنهما خرّجا هذا الحديث في \"صحيحيهما\" (^١).\nولهذا تجد أنه يُكثر في كتابه \"الضعفاء\" من جرح الراوي بقوله: (لا يتابع على حديثه)، أو (لا يتابع عليه).\nوأما أبو بكر البَرْدِيجي: فقد قال ابن رجب: (ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث وتعريفه، إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي الحافظ - وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في العلل -: أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا.\nذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدَّسْتَوائي بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ.\nوهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة، ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق، فهو منكر …\nثم قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ؛ مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي، ينظر في الحديث:\nفإن كان الحديث يُحفظ من غير طريقهم عن النبي ﷺ، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، لم يدفع.\nوإن كان لا يُعرف عن أحد عن النبي ﷺ، ولا من طريقٍ عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكرًا.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" (٩)، \"صحيح مسلم\" (٣٥).","vol":"2","page":660},{"text":"وقال أيضًا: إذا روى الثقة من طريق صحيح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ حديثًا، لا يصاب إلا عند الرجل الواحد، لم يضرَّه أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا.\nوقال في حديث رواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إني أصبت حدًّا فأقمه عليّ .. الحديث: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهْم من عمرو بن عاصم.\nونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد.\nوهذا الحديث مخرّج في \"الصحيحين\" من هذا الوجه، وخرّج مسلم معناه أيضًا من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ، فهذا شاهد لحديث أنس.\nولعل أبا حاتم والبَرْدِيجي إنما أنكرا الحديث؛ لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد) (^١).\nقلت: وكلامه هذا واضح في بيان منهجه فلا يحتاج إلى كبير تعليق.\nوأما أبو الفتح الأزدي: فيكثر من قوله: (منكر الحديث) في حكمه على الرواة، وقد يكون بعض هؤلاء من وثقه غير واحد من الأئمة، وبعضهم يكون فيه جهالة فيقول الأزدي: (منكر الحديث).\nومما يستطرف في ذلك قوله في عبد الله بن أبي صالح: (ثقة، إلا أنه روى عن أبيه ما لم يتابع عليه) (^٢).\nقلت: ومعنى قوله (ثقة) يعني في نفسه دون حديثه.\nوأما أحمد بن علي السُّلَيماني: فقد قال عن الزُّبَير بن بَكَّار - وهو ثقة مشهور -: (منكر الحديث) (^٣).\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" (١/ ٤٥٠ - ٤٥٣).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٥٨).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٦٢٤).","vol":"2","page":661},{"text":"وقال عن محمد بن يحيى الكِنَاني أبو غسان المدني: (حديثه منكر). وقد قال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: شيخ (^١).\nوكذلك المُخْتار بن فُلْفُل، فقد عدّه من رواة المناكير عن أنس مع أبان بن أبي عياش (^٢)، وهو صدوق من رجال مسلم، وقد يكون له أوهام، ولكن لا يعد مع أبان الذي هو متروك.\nوقال عن إبراهيم بن طَهْمان: (أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير، عن جابر، في رفع اليدين. وحديثه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس \"رفعت لي سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار\") (^٣).\nوحديث أن هذا علقه البخاري عن إبراهيم (^٤). وإبراهيم ثقة مشهور، نعم له بعض الأوهام والغرائب (^٥).\nقلت: ولا أعلم أحدا نص على منهجه في هذا الباب، ولكن تصرفاته تدل على ذلك كما في هذه الأمثلة.\nوبهذا ينتهي الحديث عن المنهج الثاني؛ منهجِ مَن يتشدَّد في الغرابة والتفرّد.\nالمذهب الثالث: هو أن من الأئمة من يراعي الغرابة ويلتفت إليها، ولكن أحيانا لا يرد الخبر بها.\nمثل: يحيى بن معين، وأبي بكر ابن خزيمة، وأبي حاتم ابن حبان، ويلحق بهم أبو حفص ابن شاهين، وأبو عبد الله الحاكم.\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٧٣١).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٩).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٧٠).\n(^٤) \"صحيح البخاري\" (٥٦١٠).\n(^٥) ينظر: (الفصل العاشر).","vol":"2","page":662},{"text":"فأما ابن معين:\nقال علي بن الحسين بن حبان: (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا يحيى بن معين عن حديث عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ في الشفعة. قال: هو حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يُرد على مثله.\nقلت له: تكلم شعبة فيه؟ قال: نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخر مثل هذا لرميت بحديثه) (^١).\nوقال ابن معين في عبد الله بن أبي صالح: ثقة.\nونجد علي بن المديني قال عنه: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث (^٢).\nوهذا مثال يوضح الفرق بين منهج ابن معين وأحمد في الغرابة:\nأخرج الخطيب بإسناده عن أبي الصلت الهروي، قال: (حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ \"أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه\".\nقال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.\nقال أبو بكر الخطيب الحافظ: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه.\nوقال أبو بكر المروذي: سئل أبو عبد الله عن أبي الصلت، فقال:\n_________\n(^١) \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٥٨).","vol":"2","page":663},{"text":"روى أحاديث مناكير. قيل له: روى حديث مجاهد عن علي: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\"؟ قال: ما سمعنا بهذا. قيل له: هذا الذي ينكر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به. روى عن عبد الرزاق واحدا (^١) لا نعرفها ولم نسمعها. قيل لأبي عبد الله: قد كان عند عبد الرزاق من هذه الأحاديث الرديئة؟ قال: لم أسمع منها شيئا.\nوقال عمر بن الحسن بن علي بن مالك، عن أبيه: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: ثقة صدوق، إلا أنه يتشيع.\nوقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: قد سمع، وما أعرفه بالكذب. قلت: فحديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس؟ فقال: ما سمعت به قط وما بلغني إلا عنه.\nوقال مرة أخرى: سمعت يحيى وذكر أبا الصلت الهروي، فقال: لم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب، وهذه الأحاديث التي يرويها ما نعرفها.\nوقال عبد الخالق بن منصور: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت، فقال: ما أعرفه. فقلت: إنه يروي حديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: \"أنا مدينة العالم وعلي بابها\"؟ فقال: ما هذا الحديث بشيء.\nقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أحسب عبد الخالق سأل يحيى عن حال أبي الصلت قديما، ولم يكن يحيى إذ ذاك يعرفه، ثم عرفه بعد فأجاب إبراهيم بن الجنيد عن حاله.\nوأما حديث الأعمش، فإن أبا الصلت كان يرويه عنه، فأنكره أحمد\n_________\n(^١) كذا.","vol":"2","page":664},{"text":"ابن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن أبي معاوية.\nوقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت - أو قيل له -: إنه حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\"؟ فقال: ما تريدون من هذا المسكين، أليس قد حدث به محمد بن جعفر الفَيْدي، عن أبي معاوية؟ هذا أو نحوه.\nوقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: ليس ممن يكذب. فقيل له في حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها\"؟ فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير، قال: حدث به أبو معاوية قديما ثم كفَّ عنه. وكان أبو الصلت رجلا موسرا يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، وكانوا يحدثونه بها.\nوقال عبد المؤمن بن خلف النسفي: سألت أبا علي صالح بن محمد عن أبي الصلت الهروي، فقال: رأيت يحيى بن معين يحسن القول فيه، ورأيت يحيى بن معين عنده وسئل عن الحديث الذي روى عن أبي معاوية - حديث علي: \"مدينة العلم\" - فقال: رواه أيضًا الفيدي. قلت: ما اسمه؟ قال: محمد بن جعفر) (^١).\nوابن خزيمة وابن حبان يلتفتان إلى الغرابة ولكنهما قد يتساهلان في الحكم، فيقبلان أحيانا ما كان منكرًا عند غيرهما.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٧٦ - ٧٩)، \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٣١٨ - ٣٢١)، وينظر: \"المنتخب من علل الخلال\" (١٢٠ - ١٢١).","vol":"2","page":665},{"text":"فأما ابن خزيمة: فهاك أمثلة تدل على منهجه في هذه المسألة:\nقال: (ثنا الحسن بن سعيد أبو محمد القَزَّاز الفارسي - سكن بغداد - بخبر غريب الإسناد، قال: ثنا غسان بن عبيد الموصلي، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقبل صلاة إلا بطهور، ولا صدقة من غلول\") (^١).\nقال ابن عدي: (وهذا لا أعلم رفعه إلى النبي ﷺ غير غسان بن عبيد عن عكرمة بن عمار، وروي عن أبي حذيفة عن عكرمة مرفوعًا أيضًا، وغيرهما وقفوه على أبي هريرة، ولغسان بن عبيد غير ما ذكرت من الحديث، والضعفُ على حديثه بين) (^٢).\nقلت: تبين أن في صحة هذا الحديث من هذا الوجه نظرًا، وكأن أبا بكر ابن خزيمة عندما لاحظ هذا، ساقه بعد حديث سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن ابن عمر الذي في مسلم (^٣)، ثم ذكر بعد حديث غسان حديث كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا بنفس المتن.\nوقال ابن خزيمة: (ثنا علي بن الحسين الدِّرِهَمي بخبر غريب غريب، قال: حدثنا معتمر، عن سفيان الثوري، عن مُحَارِب بن دِثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة إلا يوم فتح مكة فإنه شغل، فجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد.\nحدثنا أبو عمار، ثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان، عن مُحَارِب بن دِثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء واحد.\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (٩).\n(^٢) \"الكامل\" (٨/ ٥٦٦).\n(^٣) \"صحيح مسلم\" (٢٤٤).","vol":"2","page":666},{"text":"قال أبو بكر: لم يسند هذا الخبر عن الثوري أحد نعلمه غير المعتمر ووكيع.\nرواه أصحاب الثوري غيرهما، عن سفيان، عن مُحَارِب، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ. فإن كان المعتمر ووكيع مع جلالتهما حفظا هذا الإسناد واتصاله، فهو خبر غريب غريب) (^١).\nقلت: رواية الدِّرْهَمي عن معتمر، تابعه عليها عمرو بن علي الفَلَّاسُ كما في \"مسند الرُّوياني\" (^٢).\nقال عبد الله بن أحمد: (حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان في حديث محارب، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ، يعني في يوم فتح مكة أنه صلى الصلوات بوضوء واحد. وقال وكيع: عن أبيه.\nفقال يحيى: هو مرسل) (^٣).\nوكذلك قال أبو زرعة والترمذي والدارقطني (^٤).\nوالحديث مشهور من رواية علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، كما في \"صحيح مسلم\" (^٥).\nوقال ابن خزيمة: (نا محمد بن الوليد بخبر غريب، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقِيق، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إنائه - أو في وضوئه - حتى يغسلها؛ فإنه لا يدري أين أتت يده منه\") (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (١٣ - ١٤).\n(^٢) (٦٨).\n(^٣) \"العلل\" (٤١٨٨).\n(^٤) \"علل ابن أبي حاتم\" (١٥٢)، \"جامع الترمذي\" (٦٢)، \"علل الدارقطني\" (٢٨٦١).\n(^٥) (٢٧٧).\n(^٦) \"صحيح ابن خزيمة\" (١٠٠).","vol":"2","page":667},{"text":"قلت: الظاهر أن ابن خزيمة يريد بكونه غريبًا عن غُنْدر، لكن تابع ابنَ الوليد الإمامُ أحمد في \"المسند\" (^١)، وأخرجه الدارقطني من طريق محمد بن الوليد به (^٢)، وقال: (تابعه عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة). فكأنه يريد أن ينفي الغرابة.\nوقال ابن خزيمة: (نا محمد بن ميمون، أخبرنا يحيى، نا سفيان، عن معمر، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد.\nقال أبو بكر: هذا خبر غريب، والمشهور: عن معمر، عن قتادة، عن أنس) (^٣).\nثم أتبعه برواية معمر عن قتادة (^٤).\nقلت: محمد بن ميمون يروي عن ابن عيينة مباشرة، ولم يُذكر (يحيى) في \"إتحاف المهرة\" (^٥)، وهو الصواب.\nويريد بكونه غريبًا: عن معمر عن ثابت، وهو مشهور عن معمر عن قتادة، فالظاهر أن ابن عيينة أخطأ، لذا صوّب النسائي عن معمر عن قتادة لا عن ثابت (^٦).\nوقال ابن خزيمة: (حدثنا بُنْدار، نا أبو بكر يعني الحنفي، نا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أن بلالا كان يقول أول ما أذّن: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: \"قل كما أمرك عمر\") (^٧).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٩٨٦٩).\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" (١٢٧).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٢٩).\n(^٤) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢٣٠).\n(^٥) (٧٣٠).\n(^٦) \"السنن الكبرى\" (٩١٨٥).\n(^٧) \"صحيح ابن خزيمة\" (٣٦٢).","vol":"2","page":668},{"text":"قلت: هذا خبر منكر، ويظهر أن الحنفي قد تفرد به، وهذا مما يستدرك به على ابن خزيمة، لأنه خرّجه في \"الصحيح\".\nوقال ابن خزيمة: (نا علي بن حُجْر السعدي غير مرة، أخبرنا شريك، عن مُخوَّل بن راشد، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَى﴾.\nنا بُنْدار، نا محمد، عن شعبة، عن مُخوَّل، عن مسلم البَطِين، ح وحدثنا الصنعاني، نا خالد يعني ابن الحارث، أنا شعبة، أخبرني مُخوَّل، قال: سمعت مسلما البَطِين، يحدث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وفي صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون.\nنا الفضل بن يعقوب الرُّخَامِي بخبر غريب غريب، قال: حدثنا أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾) (^١).\nقلت: تابع الرُّخَامِيَ المقدامُ بن داود المصري (^٢)، وإن كان لا يحتج به، لكنّ الرُّخَامِي ثقة مشهور، وهذه الغرابة عن حماد لا تقبل، والرواة عنه كثر، فلعل الحمل على أسد بن موسى، خاصة وأن له بعض الغرائب.\nوقال ابن خزيمة: (حدثنا محمد بن حسان الأَزْرق بخبر غريب غريب - إن كان حفظ اتصال الإسناد -، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن بلال أنه قال للنبي ﷺ: لا تسبقني بآمين.\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (٥٣٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٥٨) عن المقدام، عن أسد به.","vol":"2","page":669},{"text":"قال أبو بكر: هكذا أملى علينا محمد بن حسان هذا الحديث من أصله … فقال: عن بلال، والرواة إنما يقولون في هذا الإسناد: عن أبي عثمان أن بلالا قال للنبي ﷺ) (^١).\nوقال ابن خزيمة: (نا يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحارث، عن محمد بن عَجْلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله ﷿ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] قال: فهداهم الله للإسلام.\nقال أبو بكر: هذا حديث غريب أيضًا) (^٢).\nقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب صحيح، يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع عن ابن عمر، ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عَجْلان) (^٣).\nمن خلال الأمثلة التي سبق ذكرها يتبين اهتمامه الكبير بمسألة الغرابة، وذلك أنه إذا وقف على الغرابة في الإسناد يبيّنها ولا يتركها، لكنه لا يجعلها علة يرد بها الخبر كأصحاب المذهب الأول، كما أنه ليس من أصحاب المذهب الثالث لأنه يلتفت إليها ويهتم بها، لكنه يقبلها وهو الأكثر، وأحيانا يميل إلى قبولها مع شيء من التردد، ويعلق ذلك بحفظ الراوي لهذا الوجه الغريب، وأحيانا يردها.\nوأما ابن حبان: فقد اهتم بهذه المسألة اهتماما بالغا، فتتبعها في ثلاثة مواضع:\nالأول: عند بيان حد الحديث الصحيح وما يضاده.\n_________\n(^١) \"صحيح ابن خزيمة\" (٥٧٣).\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (٦٢٣).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٠٠٥).","vol":"2","page":670},{"text":"والثاني: عند حكمه على الرواة.\nوالثالث: عند حكمه على الحديث عمليًّا، ولكنه في الجانب العملي ليس مثل الجانب النظري، فإنه وإن كان نبه على بعض الأحاديث الغريبة التي خرجها في كتابه الصحيح المسمى \"التقاسيم والأنواع\" إلا أنه لم يعتبرها علة، كما أنه لم ينبه إلى كثير من الغرائب.\nومن الأمثلة على ذلك:\nأول حديث في كتابه، خرّجه من طريق الأوزاعي، عن قُرَّة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أَقْطَع\".\nفهذا حديث منكر؛ وذلك أن وصله غريب جدا، كما رواه الثقات المشاهير عن الزهري.\nقال أبو داود: (رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلا) (^١).\nقال الدارقطني: (وهو الصواب) (^٢).\nوخرّج من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سهم، عن أبي إسحاق الفَزَارِي، عن مالك بن أنس، عن سالم أبي النَّضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري، إما أمرت به وإما نهيت عنه، فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتاب الله ليس هذا فيه\" (^٣).\nقلت: وصلَه غريب عن مالك، وليس هو في \"الموطأ\"، وقد رواه ابن\n_________\n(^١) \"السنن\" (٤٨٤٠).\n(^٢) \"العلل\" (١٣٩١).\n(^٣) \"صحيح ابن حبان\" (١٣).","vol":"2","page":671},{"text":"وهب - كما عند الحاكم - عن مالك، عن سالم، عن عبيد الله مرسلا (^١).\nوقال الدارقطني: (رواه أبو إسحاق الفزاري، عن مالك، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه. ولم يأت به عنه غير ابن سهم، وغيره أثبت منه، وحديث ابن وهب أشهر وأثبت عن مالك) (^٢).\nوالمشهور في الموصول رواية ابن عيينة عن سالم به، رواه الحميدي وأبو داود والترمذي وصحّحه (^٣)، وأخرجه أحمد من حديث ابن لَهيعة عن سالم به (^٤).\nوقال ابن حبان: (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بِبُسْتَ ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف بنيسابور، قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لتدخلُنّ الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كَشِرَادِ البعير\". قالوا: يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى\") (^٥).\nقلت: إسناده حسن إلى المسيب، ولكن لم يثبت له سماع من أبي سعيد، وهو غريب من حديث أبي سعيد، والمشهور حديث أبي هريرة كما عند البخاري (^٦).\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (٣٦٩).\n(^٢) \"الأحاديث التي خولف فيها مالك\" (٤٨).\n(^٣) \"مسند الحميدي\" (٥٦١)، \"سنن أبي داود\" (٤٦٠٥)، \"جامع الترمذي\" (٢٨٦٧) وفي \"تحفة الأشراف\" (١٢٠١٩): (حسن).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٢٣٨٦١).\n(^٥) \"صحيح ابن حبان\" (١٧)، قال الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٨٠٨): (لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن المسيب إلا خلف بن خليفة).\n(^٦) \"صحيح البخاري\" (٧٢٨٠).","vol":"2","page":672},{"text":"وقال ابن حبان: (أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس السَّامِي، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة عن أنس: أن النبي ﷺ أُتي بالبراق ليلة أسري به مُسْرَجًا مُلْجَمًا ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فوالله ما ركبك أحد أكرم على الله منه، قال فَارْفَضَّ عَرَقًا) (^١).\nقلت: هو حديث غريب، قال أبو عيسى الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق) (^٢).\nأخرجه البزار (^٣) عن الحسن بن الصباح ومحمد بن عبد الرحيم، عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر، عن سعيد، عن قتادة به. وقال: (وهذا الحديث إنما يرويه سعيد عن قتادة عن أنس عن مالك بن صَعصعة، وإسماعيل بن عمر عنده مختصر).\nوإسماعيل بن عمر قال ابن حجر: ثقة. فالله أعلم.\nوقال ابن حبان: (أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة، قال: حدثنا محمد بن سهل بن عَسْكَر، قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار\") (^٤).\nذكر ابن عدي في \"الكامل\" في ترجمة يحيى بن أيوب، أن هذا\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (٤٦)، وهو في \"مسند أحمد\" (١٢٦٧٢).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٤١٧).\n(^٣) \"مسند البزار\" (٧١١٣)، وأشار الدارقطني لرواية سعيد في \"العلل\" (٧/ ٣١٣).\n(^٤) \"صحيح ابن حبان\" (٧٧).","vol":"2","page":673},{"text":"الحديث غير محفوظ، وأنه معروف بيحيى بن أيوب، يتفرد به عن ابن جريج (^١).\nقلت: ورواه ابن وهب، عن ابن جريج فأرسله، أخرجه الحاكم (^٢).\nوقال ابن حبان: (أخبرنا الفضل بن الحُباب الجُمَحي، حدثنا حفص بن عمر الحَوْضِي، حدثنا مُحرّر بن قَعْنَب الباهلي، حدثنا رِيَاح بن عبيدة، عن ذَكْوَان السَّمَّان، عن جابر بن عبد الله، قال: بعثني رسول الله ﷺ، فقال: \"ناد في الناس: من قال: لا إله إلا إله دخل الجنة\"، فخرج فلقيه عمر في الطريق، فقال: أين تريد؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ بكذا وكذا، قال: ارجع، فأبيت، فَلَهَزَني لَهْزَةً في صدري ألمُها، فرجعت ولم أجد بُدًّا، قال: يا رسول الله، بعثت هذا بكذا وكذا؟ قال: \"نعم\"، قال: يا رسول الله، إن الناس قد طمعوا وخشوا، فقال ﷺ: \"اقعد\") (^٣).\nقلت: إسناده غريب، ورجاله ثقات عدا مُحرّر بن قَعْنَب، وهو ليس بالمشهور.\nوالمشهور حديث عكرمة بن عمار، عن أبي كثير السُّحَيْمِي، عن أبي هريرة. كما أخرجه مسلم (^٤)، وهذا أصح؛ لأنه يبعُد أن تتكرر هذه القصة مرتين.\nوقال ابن حبان: (أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب غريب، حدثنا أبو داود السِّنْجِي سليمان بن مَعْبَد، حدثنا ابن أبي مريم،\n_________\n(^١) (١٠/ ٥٧٠)، وينظر: \"تاريخ الإسلام\" (٤/ ٥٤٠ - ٥٤١) و\"الميزان\" (٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣) للذهبي.\n(^٢) \"المستدرك\" (٢٩٢).\n(^٣) \"صحيح ابن حبان\" (١٥١).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٣١).","vol":"2","page":674},{"text":"حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال: \"الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون بابا، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\") (^١).\nقلت: وجدت ابن لَهيعة تابع يحيى بن أيوب، عند ابن بطة (^٢)، قَرَن بينهما: (يحيى بن أيوب وابن لَهيعة قالا: نا ابن الهاد)، ولكن يخشى أن يكون دلّسه، فإنه كان سيء التدليس، وهذا التصريح بالتحديث يحتمل أن يكون ليحيى وليس له، فإنه قُرن معه في الإسناد كما ترى.\nوقال ابن حبان: (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي مَعْشَر بخبر غريب، قال: حدثنا محمد بن وهب بن أبي كَرِيمَة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال: كنت مستترا بحجاب الكعبة، وفي المسجد رجل من ثقيف وَخَتَنَاهُ قرشيان، فقالوا: ترون أن الله يسمع حديثنا؟ …) (^٣).\nقلت: استغربه من أجل تفرد زيد بن أبي أُنَيسة بروايته عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق.\nوالمشهور رواية الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود، كما أخرجه مسلم (^٤).\nوقد يكون الخطأ من شيخ ابن حبان الحسين بن محمد، فإن ظاهر\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (١٨١).\n(^٢) \"الإبانة الكبرى\" (٨٨٦).\n(^٣) \"صحيح ابن حبان\" (٣٩٠).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢٧٧٥)، وأخرجه كذلك عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢٧٠١)، وأحمد (٣٨٧٥)، والترمذي (٣٥٥٢).","vol":"2","page":675},{"text":"كلام ابن حبان يدل على أن الغرابة منه، وأنا أذهب إلى هذا، وأن الحسين هو الذي أتى بهذا الإسناد الغريب.\nثم وقفت على ما أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (^١) عن أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني وأبو عقيل أنس بن سلم الخولاني، قالا: ثنا أبو المعافى محمد بن وهب به.\nوقال ابن حبان: (أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بخبر غريب، قال: حدثنا قَطَنُ بن نُسَيْر الصيرفي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسْعَ نعله إذا انقطع\") (^٢).\nقلت: رواه أبو عيسى الترمذي من طريق أبي داود، عن قَطَنبه، ثم قال: (هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن النبي ﷺ، ولم يذكروا فيه عن أنس.\nحدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، أن رسول الله ﷺ قال: \"ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شِسْع نعله إذا انقطع\"، وهذا أصح من حديث قَطَن، عن جعفر بن سليمان) (^٣).\nوأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (^٤) من طريق القواريري، حدثنا جعفر، عن ثابت، عن النبي ﷺ نحوه، ثم قال: (فقال رجل للقواريري: إن لي شيخا يحدث به عن جعفر، عن ثابت، عن أنس؟ فقال القواريري: باطل. وهذا كما قال).\n_________\n(^١) (١٠/ ١٤٠).\n(^٢) \"صحيح ابن حبان\" (٨٦٦).\n(^٣) \"الجامع\" (٣٩٤٩، ٣٩٥٠).\n(^٤) (٨/ ٧٠١).","vol":"2","page":676},{"text":"وقال ابن حبان: (أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد الدَّغُولِي بخبر غريب من كتابه، قال: حدثنا محمد بن داود بن دينار الكِرْماني، قال: حدثنا عبد الله بن نافع، قال: حدثنا مالك بن أنس وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عُرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، ولم أحتلم، فلم يقْبلني، ثم عُرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني) (^١).\nقلت: وجه الغرابة كونه من طريق مالك، وهو منكر عن مالك، فأين أصحابه عن هذا الحديث!؟\nوالمشهور أنه من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع به، أخرجاه في \"الصحيحين\" (^٢).\nوقال ابن حبان: (أخبرنا الفضل بن الحُبَابِ الجُمَحِي بالبصرة، حدثنا القَعْنَبي، حدثا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وآمنوا بي وبما جئت به، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\".\nتفرد به الدَّرَاوَرْدِي) (^٣).\nقلت: أخرجه مسلم (^٤) من حديث روح بن القاسم والدراوردي، كلاهما عن العلاء به.\nوقال ابن حبان: (أخبرنا ابن قتيبة، حدثنا غالب بن وزير الغَزِّي،\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (٤٧٢٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٢٦٦٤)، \"صحيح مسلم\" (١٨٦٨).\n(^٣) \"صحيح ابن حبان\" (١٧٤).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٣٤).","vol":"2","page":677},{"text":"حدثنا وكيع، قال: حدثني الأعمش، عن المَعْرُور بن سُوَيد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعبد عابد من بني إسرائيل، فعبد الله في صومعته، ستين عاما، فأمطرت الأرض، فاخضرت، فأشرف الراهب من صومعته، فقال: لو نزلت فذكرت الله لازددت خيرا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان، فبينما هو في الأرض لقيته امرأة، فلم يزل يكلمها وتكلمه حتى غشيها، ثم أغمي عليه، فنزل الغدير يستحم، فجاءه سائل، فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين أو الرغيف، ثم مات، فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزنية، فرجحت الزنية بحسناته، ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته، فرجحت حسناته فغفر له\".\nقال أبو حاتم: سمع هذا الخبر غالب بن وزير عن وكيع ببيت المقدس، ولم يحدث به بالعراق، وهذا مما تفرد به أهل فلسطين عن وكيع) (^١).\nقلت: هذا حديث منكر، ويظهر أن غالب تفرد به عن وكيع (^٢).\nفيلاحظ عليه - كما مر في الأمثلة - أنه قد اعتنى بهذا الأمر اعتناء بالغا.\nوكذلك في حكمه على الرجال الثقات:\nفقال في \"المشاهير\": (حُصَيْن بن نُمَير أبو عمر، من الأثبات في الروايات، وكان يغرب) (^٣).\nوقال عن علي بن المبارك: (من المتقنين وأهل الفضل في الدين، ممن يغرّب فيجود) (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" (٣٧٨).\n(^٢) ينظر: \"لسان الميزان\" (٦/ ٣٠١).\n(^٣) \"مشاهير علماء الأمصار\" (١٤٠٨).\n(^٤) المرجع السابق (١٢٥١).","vol":"2","page":678},{"text":"وقال عن عبيد الله بن شَوْذَب: (كان متيقظا، يغرب) (^١).\nوقال في \"الثقات\" عن عبيد الله الأشجعي: (يغرب ويتفرد) (^٢).\nوقال عن حمدان بن ذي النون: (مستقيم الحديث، يغرب) (^٣).\nوقال عن داود بن حماد الجَرْمي: (وكان صاحب حديث حافظا، يغرب) (^٤).\nوقال عن سفيان بن مِسْكِين: (تفقدت حديثه على أن أرى فيه شيئًا يغرب، فلم أره إلا مستقيم الحديث) (^٥).\nوقال عن إبراهيم بن الأَشْعث البخاري: (يغرب ويتفرد، ويخطئ ويخالف) (^٦).\nوقد لاحظ هذا أيضًا على الرواة الضعفاء، فكثيرا ما يقول: (لا يقبل إذا انفرد).\nقال عن إبراهيم بن مُهاجِر: (كثير الخطأ، تستحب مجانبة ما انفرد من الروايات، ولا يعجبني الاحتجاج بما وافق الأثبات؛ لكثرة ما يأتي من المقلوبات) (^٧).\nوقال عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي: (كان ممن يخطئ، حتى خرخ عن حد الاحتجاج به إذا انفرد) (^٨).\nوقال عن إبراهيم بن علي الرافعي: (كان يخطئ، حتى خرج عن حد\n_________\n(^١) المرجع السابق (١٤٣٥).\n(^٢) \"الثقات\" (٨/ ٤٠٣).\n(^٣) المرجع السابق (٨/ ٢٢٠).\n(^٤) المرجع السابق (٨/ ٢٣٦).\n(^٥) المرجع السابق (٨/ ٢٨٩).\n(^٦) المرجع السابق (٨/ ٦٦).\n(^٧) \"المجروحين\" (١/ ٩٧).\n(^٨) المرجع السابق (٢/ ١٢٥).","vol":"2","page":679},{"text":"من يحتج به إذا انفرد) (^١).\nوقال عن إبراهيم بن عمر بن أبان: (ليس ممن يحتج بخبره إذا انفرد) (^٢).\nوقال عن عطاء الجمَّال: (يروي عن علي ما لا يتابع عليه، وليس من العدالة بالمحل الذي يعتمد عليه عند الانفراد) (^٣).\nوقال في مقدمة \"المجروحين\": (فمن لم يحفظ سنن النبي ﷺ، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثقات من المحدثين ولا الضعفاء من المتروكين، ومن يجب قبول انفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته …) (^٤).\nوقال في مقدمة \"الصحيح\": (وإني أمثِّل للاعتبار مثالا يُستدرك به ما وراءه: وكأنا جئنا إلى حماد بن سلمة، فرأيناه روى خبرا عن \"أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ\" لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه، والاعتبار بما روى غيره من أقرانه، فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر: هل رواه أصحاب حماد عنه، أو رجل واحد منهم وحده؟ فإن وجد أصحابه قد رووه، علم أن هذا قد حدث به حماد، وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه، ألزق ذلك بذلك الراوي دونه، فمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه، يجب أن يتوقف فيه، ولا يلزق به الوهن، بل ينظر: هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد ذلك، عُلم أن الخبر له أصل يرجع إليه، وإن لم يوجد ما وصفنا، نُظر حينئذ: هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟ فإن وجد ذلك، علم أن الخبر له\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ٩٩).\n(^٢) المرجع السابق (١/ ١٠٧).\n(^٣) المرجع السابق (٢/ ١١٣).\n(^٤) المرجع السابق (١/ ١٣).","vol":"2","page":680},{"text":"أصل، وإن لم يوجد ما قلنا، نُظر: هل روى أحد هذا الخبر عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟ فإن وجد ذلك، صحَّ أن الخبر له أصل، ومتى عدم ذلك، والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة، عُلم أن الخبر موضوع لا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه) (^١).\nولكن عند التطبيق كأنه لم يلتزم ما نظّر له، بل تساهل في بعض ما خرّج من الغرائب، حتى صحّح أحاديثَ منكرة إسنادًا ومتنًا كما تقدم، وليست بكثيرة بالنسبة لسائر الأحاديث التي خرجها في كتابه \"التقاسيم والأنواع\".\nويلحق بهما يحيى بن محمد بن صاعد (^٢).\nوأما أبو عبد الله الحاكم: ففي كتابه \"المستدرك\" في أحيانٍ كثيرة لا يلتفت إلى الغرابة والتفرد، وأحيانا يلتفت ولكنه لا يجعلها علة.\nولقد خرّج من طريق حبيب بن الشهيد، ثنا حميد بن هلال، ثنا هِصَّان بن كاهِل - وفي حديث ابن أبي عدي كاهِن - قال: جلست مجلسا فيه عبد الرحمن بن سَمُرة ولا أعرفه، فقال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﵌: \"ما على الأرض نفس تموت لا تشرك بالله شيئًا، تشهد أني رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب موقن، إلا غفر الله لها\".\nقال: فقلت: أأنت سمعت من معاذ، فعنّفني القوم، فقال: دعوه فإنه لم يُسِئِ القول، نعم، أنا سمعته من معاذ بن جبل، وزعم معاذ أنه سمعه من رسول الله ﷺ.\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح، وقد تداوله الثقات، ولم يخرجاه\n_________\n(^١) (١/ ١٥٥).\n(^٢) ينظر: \"الجزء الخامس من الأفراد\" لابن شاهين، الأحاديث: (١٠، ١٢، ١٦، ١٨).","vol":"2","page":681},{"text":"جميعًا بهذا اللفظ، والذي عندي - والله أعلم - أنهما أهملاه لهِصَّان بن كاهِل، ويقال: ابن كاهِن، فإن المعروف بالرواية عنه حميد بن هلال العدوي فقط، وقد ذكر ابن أبي حاتم، أنه روى عنه قُرَّة بن خالد أيضًا، وقد أخرجا جميعًا عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد، فيلزمهما بذلك إخراج مثله، والله أعلم) (^١).\nوخرّج من طريق محمد بن سابق، ثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: \"ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء\".\nقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بهؤلاء الرواة عن آخرهم، ثم لم يخرّجاه، وأكثر ما يمكن أن يقال فيه: أنه لا يوجد عند أصحاب الأعمش، وإسرائيل بن يونس السبيعي كبيرهم وسيدهم، وقد شارك الأعمش في جماعة من شيوخه، فلا ينكر له التفرد عنه بهذا الحديث) (^٢).\nوقد قال الترمذي - وقد خرجه من طريق ابن سابق -: (هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه) (^٣).\nومثل الحاكم ابن شاهين (^٤)، ولا يخفى أنهما من الحفاظ الكبار، فهما منتبهان للغرابة - مع تساهل عند الحاكم -، ولكنهما عند الحكم يتساهلان في قبول هذه الغرائب.\nالمذهب الرابع: وهو منهج الذين لا يلتفتون إلى الغرابة أو التفرد،\n_________\n(^١) \"المستدرك\" (١٦).\n(^٢) \"المستدرك\" (٢٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢١٠٤).\n(^٤) ينظر: \"الجزء الخامس من الأفراد\" الأحاديث: (٢، ٥ - ٧، ١٠، ١٧، ٢٥).","vol":"2","page":682},{"text":"حيث إنهم لا يرونها علة، بل قد يعيبون في بعض الأحيان من يعل الحديث بها (^١).\nقال القاضي أبو يعلى: (ومعنى قول أحمد: ضعيف: على طريقة أصحاب الحديث؛ لأنهم يضعفون بما لا يوجب تضعيفه عند الفقهاء؛ كالإرسال، والتدليس، والتفرد بزيادة في حديث لم يروها الجماعة، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلان وحده) (^٢).\nومثله عند ابن عقيل في \"الواضح في أصول الفقه\" (^٣).\nوقال ابن دقيق العيد في تعريف الحديث الصحيح: (ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين: على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرر من الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا.\nوزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذًا ولا معللًا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء؛ فإن كثيرًا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء.\nوبمقتضى ذلك حُدَّ الحديث الصحيح بأنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده، بنقل العدل الضابط عن العدد الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللًا.\nولو قيل في هذا: الحديث الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا .. إلى آخره، لكان حسنًا؛ لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعًا مانعًا) (^٤).\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم: فصل في مخالفة المتأخرين في مسألة الغرابة وأنها ليست بعلّة.\n(^٢) \"العدة في أصول الفقه\" (٣/ ٩٤١).\n(^٣) (٥/ ٢٢).\n(^٤) \"الاقتراح في بيان الاصطلاح\" (ص: ١٨٦).","vol":"2","page":683},{"text":"وسار على هذا جمعٌ من المحدثين ممن تأخر:\nمنهم: أبو جعفر ابن جرير الطبري، كما في كتابه \"تهذيب الآثار\"، قال: (وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح، وذلك أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه) (^١).\nوالأمثلة على ذلك كثيرة في كتابه \"تهذيب الآثار\".\nوكذلك أبو محمد بن حزم (^٢)، وابن القطان الفاسي، وغيرهم.\nمعنى قولِ أحمدَ: ضعيفٌ، على طريقةِ أصحابِ الحديث، وقولُه: والعملُ عليه. كلامُ فقيهٍ يُعَوِّلُ على ما يقوله الفقهاءُ من إلغاءِ التضعيفِ من المحدّثين؛ لأنَّهم يُضعِّفونَ. مما لا يوجبُ ضعفًا عند الفقهاءِ؛ كالإرسالِ والتدليسِ والتفرّدِ بالروايةِ، وهذا موجودٌ في كتبهم، يقولون: وهذا الحديث تفرَّدَ به فلانٌ وحده.\nوالمنهج الذي سار عليه علي بن المديني والبخاري ومن وافقهما هو أقرب المناهج، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) \"تهذيب الآثار، مسند علي\" (٣/ ٤).\n(^٢) ذكر الذهبي في \"السير\" (١٨/ ١٩٥) أن لابن حزم مختصرًا في علل الحديث يقع في مجلد، وهذا المختصر يحتمل أن يكون لزكريا بن يحيى الساجي، فإن له كتابًا في العلل كما ذكر الذهبي في \"السير\" (١٤/ ١٩٩). وقد ذكر ابن القطان في \"بيان الوهم\" (٥/ ٤٠٥) أن ابن حزم اختصر كتاب الساجي في الرجال، ولا يبعد أن يكونا كتابًا واحدًا، وقد يكون مصنفًا مستقلًا.\nولا يخفى أن العلّة لا تنحصر في القادح الخفي، بل إنها تطلق في الأمور الظاهرة؛ كانقطاع الإسناد، وضعف الراوي.","vol":"2","page":684},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>الفصل الحادي والعشرين: اختلاف منهج المحدثين في الغرابة من أسباب اختلافهم في الحكم على الراوي</span>\nقلت: وإن من أوضح ما يبين هذه المسألة ما تقدم في اختلاف الحكم على عبد الملك بن أبي سليمان:\nقال يحيى بن معين: حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يُرد على مثله.\nوأما أحمد فقال: حديث منكر (^١).\nومما يوضح أيضًا هذه المسألة، الاختلاف في عبد الله بن أبي صالح:\nفيحيى بن معين قال عنه: ثقة.\nومعنى هذا أن حديثه صحيح عنده، وهو لم يرو إلا حديثًا واحدًا.\nوأما علي بن المديني فقال: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث (^٢).\nفهذا مرجعه إلى اختلاف منهجهم في الغرابة.\nوالله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) \"العلل\" رواية عبد الله (٢٢٥٦).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٥٨).","vol":"2","page":685},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>فصل: مصطلح \"أصح ما في الباب\"</span>\nاستعمل الترمذي في هذا المعنى ألفاظًا مختلفة: من الألفاظ التي استعملها أبو عيسى في \"الجامع\".\n١ - قوله: (أحسن شيء في الباب وأصح).\nومثاله: ما أخرجه من حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ: \"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا\" الحديث.\nقال أبو عيسى: (وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، ومعقل بن أبي الهيثم - ويقال: معقل بن أبي معقل -، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف.\nحديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح) (^١).\nوأخرج أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم.\nقال أبو عيسى: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن حديدة، وأم سلمة.\nحديث أبي هريرة حديث حسن.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٧) وينظر أيضًا: (١١، ٤٢، ٤٤، ١٢١).","vol":"2","page":687},{"text":"وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: حديث أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، أحسن شيء في هذا الباب وأصح) (^١).\n٢ - قوله: (هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن).\nومثاله: ما أخرجه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول\".\nقال أبو عيسى: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.\nوفي الباب عن أبي المليح عن أبيه، وأبي هريرة، وأنس) (^٢).\nوأخرج أيضًا حديث علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم\".\nقال أبو عيسى: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.\nوفي الباب عن جابر، وأبي سعيد) (^٣).\nثم أخرج حديث أبي سعيد في أبواب الصلاة، وقال: (وفي الباب عن علي، وعائشة.\nوحديث علي بن أبي طالب أجود إسنادا وأصح من حديث أبي سعيد، وقد كتبناه في أول كتاب الوضوء) (^٤).\n٣ - قوله: (أصح شيء في الباب).\nمثاله: ما أخرجه من حديث ابن مسعود ﵁ في التشهد، وقال: (وفي الباب عن ابن عمر، وجابر، وأبي موسى، وعائشة.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (١٣٩٣).\n(^٢) \"الجامع\" (١)، وينظر أيضًا: (٤، ٣١).\n(^٣) \"الجامع\" (٣).\n(^٤) \"الجامع\" (٢٣٨).","vol":"2","page":688},{"text":"حديث ابن مسعود قد روي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث عن النبي ﷺ في التشهد) (^١).\n٤ - قوله: (أحسن شيء روي في الباب).\nومثاله: ما أخرجه من حديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كبّر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة.\nقال أبو عيسى: (وفي الباب عن عائشة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو.\nحديث جد كثير حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ) (^٢).\nويأتي هذا المصطلح عند الترمذي على ضربين:\nالضرب الأول: عندما يحكم على الحديث الذي يذكره في الباب بالصحة أو بالضعف، ثم يقوله: (هذا أصح شيء في هذا الباب).\nفإن كان حكم على الحديث بالصحة فعندئذ يكون معنى العبارة: أنّ هذا الحديث صحيح، وهو أصح شيء في الأحاديث التي وردت في هذا الباب.\nومثاله: ما جاء في (باب ما يقول إذا دخل الخلاء) (^٣)، وساق الترمذي بإسناده من حديث أنس: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: \"اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبيث، أو: الخبث والخبائث\".\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٢٩٠).\n(^٢) \"الجامع\" (٥٤٤).\n(^٣) \"الجامع\" (٤ - ٥).","vol":"2","page":689},{"text":"قال الترمذي: (وفي الباب عن علي، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود.\nحديث أن أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب).\nثم ساق حديث أنس من طريق آخر، وقال: (هذا حديث حسن صحيح) (^١).\nقلت: وفي هذا فائدة مهمة - بالإضافة إلى صحته - أنه أصح شيء في هذا الباب، ويؤيد هذا أنّ الشيخين خرّجاه (^٢).\nوأما إذا حكم على الحديث بالضعف، فيكون معنى العبارة: أن جميع الأحاديث ضعيفة، لكنّ أقوها هذا الحديث.\nومثاله: ما جاء في (باب في التسمية عند الوضوء) (^٣)، وساق بإسناده من حديث رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\" (^٤).\nثم قال: (وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وأنس.\nقال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد.\nقال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن).\nقلت: بناء على هذا فجميع أحاديث الباب لا يصح منها شيء، وأقوى شيء في الباب حديث رباح، وهو أيضًا لا يصح.\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٥).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (١٤٢) \"صحيح مسلم\" (٣٧٥).\n(^٣) \"الجامع\" (١/ ٢٩٢).\n(^٤) \"الجامع\" (٢٥).","vol":"2","page":690},{"text":"الضرب الثاني: عندما يستعمل هذه العبارة ولا يحكم على الحديث بحكم معين من الصحة أو الضعف، فيكون حكم هذا الحديث محتملا التصحيحَ والتضعيف، ولكنه يكون أقوى أحاديث الباب.\nفقد تكون أحاديث الباب ضعيفة، ومنها هذا الحديث، وقد يكون فيها ما هو ثابت؛ فيكون حديث الباب أصح هذه الأحاديث.\nومن ذلك: ما جاء في (باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول)، قال الترمذي: (حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول … \") الحديث (^١).\nقلتُ: وهو حديث صحيح، أخرجه الشيخان (^٢).\nثم قال الترمذي: (وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، ومعقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف.\nقال أبو عيسى: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح).\nقلتُ: وبعض هذه الأحاديث لا يثبت إسناده، ولكنّ حديث أبي أيوب أصح هذه الأحاديث، وقد تقدم أن الشيخين خرّجاه.\nكيف يُعرف حكم الترمذي على الحديث إذا لم ينص على حكمه؟\nأقول - وبالله تعالى التوفيق -:\n_________\n(^١) \"الجامع\" (٧).\n(^٢) \"صحيح البخاري\" (٣٩٤) \"صحيح مسلم\" (٢٦٤).","vol":"2","page":691},{"text":"إذا قال الترمذي: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن) وما في معناها من العبارات المتقدمة، فهنا احتمالان:\nالأول: أن تكون الأحاديث التي وردت في الباب منها الصحيح عند الترمذي أو غيره من الحفاظ، ومنها ما دون ذلك؛ وعلى هذا يُعرف أن هذا الحديث صحيح.\nوخلافه أن تكون كلّ الأحاديث التي وردت في هذا الباب ضعيفة، وبالتالي يكون هذا الحديث ضعيفًا عند الترمذي، ولكنّه الأقوى.\nوالاحتمال الثاني: أن تكون الأحاديثُ مختلفًا فيها من حيث الصحة والضعف، أو تكون صحتها غيرَ ظاهرة، أو يكون ضعفها كذلك غير ظاهر، وفي هذه الحالة يعسر معرفة مراد الترمذي، ولكن قد يُعرف بأمور أخرى خارجية، منها:\n١ - تتبّع أحكامه على هذه السلسلة التي جاء بها هذا الحديث في كتابه \"الجامع\".\n٢ - تتبع كلام الحفاظ على حديث الباب؛ لأن كلامهم في الغالب متفق، فالحديث الصحيح الذي تتبين صحَّته يتفقون على صحته غالبًا، كما يتفقون على ضعف الحديث الذي يتبين ضعفه، إنما يحدث الخلاف غالبًا في الحديث الذي لا تكون صحتُه بينة، فعندئذ تختلف فيه الأنظار، أو الحديث الذي تكون فيه علّة، قد يراها بعضهم كذلك ولا يراها غيرهم.\n* * *\nومما قاله الترمذي في هذا المعنى: (أشهر حديث في الباب).\nفقد أخرج حديث أبي سعيد ﵁ في استفتاح الصلاة، ثم قال: (وفي الباب عن علي، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وجابر، وجبير بن مطعم، وابن عمر.","vol":"2","page":692},{"text":"وحديث أبي سعيد أشهر حديث في الباب) (^١).\nثم ذكر تضعيفه عن يحيى بن سعيد وأحمد.\nقلت: كلام الترمذي هنا راجع إلى الشهرة وليس إلى درجة الحديث، وإن كان بين شهرة الحديث ودرجته علاقة وثيقة.\nومما قاله أيضًا: (غريب في هذا الباب):\nقال أبو عيسى: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف\".\nهذا حديث حسن، غريب في هذا الباب، وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح التفسيرَ هو ثقة) (^٢).\nوقال أبو عيسى: (حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي الكوفي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو سنان الشيباني، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال سليمان بن صُرَد لخالد بن عُرْفُطة - أو خالد لسليمان -: أما سمعتَ رسول الله ﷺ يقول: \"من قتله بطنُه لم يعذّب في قبره؟ \". فقال أحدهما لصاحبه: نعم.\nهذا حديث حسن، غريب في هذا الباب، وقد روي من غير هذا الوجه) (^٣).\nوالله تعالى أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٤٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١١٢٠).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٠٩٣).","vol":"2","page":693},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>فصل: في حكم الترمذي على الإسناد</span>\nأكثر الترمذي في أحكامه من استعمال لفظة (حديث)؛ كقوله: حديث صحيح، وحديث حسن صحيح، وحديث حسن، وحديث غريب، وما تفرع منها.\nونجده يستعمل أيضًا لفظة (إسناد)؛ كقوله: إسناد صحيح، وإسناد حسن، وغير ذلك، لكن بصورة أقل.\nوسأذكر أمثلة على هذا الاستعمال، مع ذكر الفرق بين الاستعمالين، وبالله تعالى التوفيق.\n١ - قال الترمذي: (حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا حيوة بن شُرَيح قال: أخبرني الوليد بن أبي الوليد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه\".\nوفي الباب عن أبي أسيد.\nهذا حديثٌ إسنادُه صحيح، وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر من غير وجه) (^١).\n٢ - وقال أيضًا: (حدثنا أبو كريب ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا زيد بن حباب، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: حدثني عبد الله بن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٢٠٢٦).","vol":"2","page":695},{"text":"الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح) (^١).\n٣ - وقال أيضًا: (حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا خالد الحذاء، قال: حدثنا عمار مولى بني هاشم، قال: حدثنا ابن عباس، أن النبي ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين.\nهذا حديث حسن الإسناد صحيح) (^٢).\n٤ - وقال أيضًا: (حدثنا سويد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض - وهي مسيرة خمسمائة سنة - لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها - أو قعرها -\".\nهذا حديث إسناده حسن) (^٣).\n٥ - وقال أيضًا: (وقد روي في حديث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٤٣).\nوجاء في طبعتي شاكر وبشار (١١٨٨) أنه حكم على حديث بقوله: (إسناد جيد)، وليس هذا في طبعتي التأصيل (١٢٣٣) والرسالة (١٢٢٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٩٩٩).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٧٨٣).","vol":"2","page":696},{"text":"وروى هذا الحديث الإفريقي، عن أبي غُطَيف، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، حدثنا بذلك الحسين بن حُرَيْث المروزي، قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن الإفريقي، وهو إسناد ضعيف.\nقال علي: قال يحيى بن سعيد القطان: ذكر لهشام بن عروة هذا الحديث، فقال: هذا إسناد مشرقي) (^١).\nقلت: وقول هشام: (هذا إسناد مشرقي) يعني به: إسنادٌ ضعيف؛ وذلك أن أهل الحجاز كانوا يتكلمون في رواية أهل المشرق - يعني أهل العراق، ولا يقصد أن رواتِه من أهل المشرق.\nوقد كان العلم في صدر الإسلام إما حجازيًا وإما عراقيًا.\n٦ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع، قالا: حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس، قال: قال النبي ﷺ: \"إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن ﴿يس﴾، ومن قرأ ﴿يس﴾ كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات\".\nهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وبالبصرة لا يعرفون من حديث قتادة إلا من هذا الوجه.\nوهارون أبو محمد شيخ مجهول.\nحدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا قتيبة، عن حميد بن عبد الرحمن بهذا.\nوفي الباب عن أبي بكر الصديق، ولا يصح حديث أبي بكر من قبل إسناده، وإسناده ضعيف.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٦١).","vol":"2","page":697},{"text":"وفي الباب عن أبي هريرة، منظور فيه) (^١).\nقلت: وقول الترمذي: (منظور فيه) يعني أن فيه نظرا، ووجه النظر - والله تعالى أعلم -: أنه من رواية زيد بن الحباب، عن حميد مولى علقمة، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁. أخرجه البزار (^٢). وحميد مولى علقمة قال الدارقطني: (مجهول) (^٣)، بالإضافة إلى غرابة هذا الإسناد؛ قال البزار: (لا نعلم رواه إلا زيدٌ عن حميد).\n٧ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة وهنّاد، قالا: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: \"اللهم إني أعوذ بك - قال شعبة: وقد قال مرة أخرى -: أعوذ بالله من الخبث والخبيث، أو الخبث والخبائث\".\nوفي الباب عن علي، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود.\nقال أبو عيسى: حديث أنس أصح شيء في هذا الباب وأحسن.\nوحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة؛ وقاد سعيد: عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم. وقال هشام: عن قتادة، عن زيد بن أرقم.\nورواه شعبة ومعمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس؛ وقال شعبة: عن زيد بن أرقم. وقال معمر: عن النضر بن أنس، عن أبيه، عن النبي ﷺ.\nقال أبو عيسى: سألت محمدًا عن هذا، فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا) (^٤).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣١٢٢، ٣١٢٣)، وينظر أيضًا: (٥٤، ٥٠٧، ٢٧٩٥، ٢٨٥٢، ٢٩٠٣، ٢٩٢٤).\n(^٢) \"مسند البزار\" (٩٣١٣).\n(^٣) \"سؤالات البرقاني\" (٩٦).\n(^٤) \"جامع الترمذي\" (٤ - ٥).","vol":"2","page":698},{"text":"٨ - وقال أيضًا: (حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء\".\nوفي الباب عن أنس، وعقبة بن عامر.\nقال أبو عيسى: حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث.\nروى عبد الله بن صالح وغيره، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر. وعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر.\nوهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء.\nقال محمد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا) (^١).\n٩ - وقال أيضًا: (حدثنا علي بن حُجْر وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.\nهذا حديث في إسناده اضطراب، وقد روي هذا الحديث، عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٥٦).","vol":"2","page":699},{"text":"وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه) (^١).\n١٠ - وقال أيضًا: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا هشيم، عن سعيد بن أبي عروبة وأيوب بن مسكين، عن قتادة، عن حبيب بن سالم، قال: رُفع إلى النعمان بن بشير رجل وقع على جارية امرأته، فقال: لأقضينّ فيها بقضاء رسول الله ﷺ، لئن كانت أحلتها له لأجلدنّه مائة، وإن لم تكن أحلّتها له رجمتُه.\nحدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير نحوه.\nوفي الباب عن سلمة بن المحبق.\nحديث النعمان في إسناده اضطراب.\nسمعت محمدًا يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عُرْفُطة، وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا أيضًا، إنما رواه عن خالد بن عُرْفُطة) (^٢).\n١١ - وقال أيضًا: (حدثنا أحمد بن الحسن، قال: حدثنا المعلى بن أسد، قال: حدثنا عبد المنعم، وهو صاحب السقاء، قال: حدثنا يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لبلال: \"يا بلال، إذا أذّنت فترسل، وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصِر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني\".\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٣٣٣).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١٥٢٨).","vol":"2","page":700},{"text":"حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا يونس بن محمد، عن عبد المنعم، نحوه.\nقال أبو عيسى: حديث جابر هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول) (^١).\n١٢ - وقال أيضًا: (حدثنا القاسم بن دينار الكوفي، قال: حدثنا إسحاق بن منصور السلولي كوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدالاني، عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها، قال: قال رسول الله ﷺ: \"شمّت العاطس ثلاثًا، فإن زاد فإن شئت فشمّته وإن شئت فلا\".\nهذا حديث غريب، وإسناده مجهول) (^٢).\n١٣ - وقال أيضًا: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"من ذرَعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض\".\nوفي الباب عن أبي الدرداء، وثوبان، وفضالة بن عبيد.\nقال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، إلا من حديث عيسى بن يونس.\nوقال محمد: لا أراه محفوظًا.\nقال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ولا يصح إسناده) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٩٥).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٢٩٦٠)، وينظر أيضًا: (٣١٤٦).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٧٢٩).","vol":"2","page":701},{"text":"١٤ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لَهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: \"أيما رجل نكح امرأة فدخل بها، فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث لا يصح من قِبل إسناده، وإنما رواه ابن لَهيعة والمثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح، وابن لَهيعة يضعفان في الحديث) (^١).\n١٥ - وقال أيضًا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].\nقال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمّان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث) (^٢).\n١٦ - وقال أيضًا: (حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا المقرئ، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن زيد بن جَبيرة، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلّى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١١٥١)، وينظر أيضًا: (٨١، ٧٢٩، ١١٥١، ٢٤٦٥، ٣٨٨١).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٤٦).\nقلت: أشعث السمان متروك، وقد بين ذلك أبو عيسى، ولكنه استعمل عبارة مهذبة.","vol":"2","page":702},{"text":"حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن زيد بن جَبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ، بمعناه نحوه.\nوفي الباب عن أبي مرثد، وجابر، وأنس.\nقال أبو عيسى: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وقد تُكلم في زيد بن جَبيرة من قِبل حفظه) (^١).\n١٧ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثتنا أم الأسود، عن منية ابنة عبيد بن أبي برزة، عن جدها أبي برزة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عزّى ثكلى كسي بردا في الجنة\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي) (^٢).\n١٨ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن شداد الأعرج، عن أبي عذرة، وكان قد أدرك النبي ﷺ، عن عائشة، أن النبي ﷺ نهى الرجال والنساء عن الحمامات ثم رخص للرجال في الميازر.\nهذا حديث، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، وإسناده ليس بذاك القائم) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٤٧، ٣٤٨).\nقلت: زيد بن جبيرة متروك أيضًا، وقد أشار أبو عيسى إلى ضعفه، ولكنه اقتصد في الجرح، وقد تقدم أن هذا من منهج أبي عيسى.\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (١١٠٥)، وينظر أيضًا: (٥٨، ٤١٠، ٧٣٥، ١٢٣١).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٣٠٢٤)، وينظر أيضًا: (٣٧، ٢٨٧٠).","vol":"2","page":703},{"text":"١٩ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة، قالت: ما صلى رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله.\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل) (^١).\n٢٠ - وقال أيضًا: (حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا شيخ من أهل المدينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: تلا رسول الله ﷺ يوما هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان ثم قال: \"هذا وقومه، هذا وقومه\".\nهذا حديث غريب، وفي إسناده مقال.\nوقد روى عبد الله بن جعفر أيضًا هذا الحديث، عن العلاء بن عبد الرحمن) (^٢).\n٢١ - وقال أيضًا: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر، عن عيسى بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ قام إلى قربة معلقة فخنثها ثم شرب من فمها.\nوفي الباب عن أم سليم.\nهذا حديث ليس إسناده بصحيح، وعبد الله بن عمر العمري يضعف من قبل حفظه، ولا أدري سمع من عيسى أم لا؟) (^٣).\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٧٤)، وينظر أيضًا: (٢٦٢، ٣١٦، ٤٢٤، ١١٠٣، ١٣٦٧).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٥٦٣)، وينظر أيضًا: (٦٥٤، ٧٤٠، ٨٢٦، ١١٨٠، ١٣٩٨، ١٥٣٤).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (٢٠١٣)، وينظر أيضًا: (٦٢٤، ١٤٦٧، ٢٩٤٦، ٣٣٢٩).","vol":"2","page":704},{"text":"٢٢ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا هاشم وهو ابن سعيد الكوفي، قال: حدثني كنانة مولى صفية، قال: سمعت صفية تقول: دخل علي رسول الله ﷺ وبين يديّ أربعة آلاف نواة أسبّح بها، قال: \"لقد سبحت بهذه، ألا أعلمك بأكثر مما سبّحت؟ \" فقلت: بلى علمني. فقال: \"قولي: سبحان الله عدد خلقه\".\nهذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث صفية إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، وليس إسناده بمعروف.\nوفي الباب عن ابن عباس) (^١).\nقلت: استعمل أبو عيسى هذه المصطلحات على بابها؛ فالإسناد الصحيح يرى صحته، والضعيف يرى ضعفه، وليس بذاك القوي على بابه أيضًا.\nإذن ما الفرق بين الاستعمالين؟\nالفرق في تقوية الخبر، فعندما يستعمل لفظة (حديث) في الحكم؛ كقوله: (حديث صحيح)؛ فإن قوله يكون أقوى واحتياطه يكون أكثر، بخلاف استعماله للفظة (الإسناد)؛ كقوله: (إسناده صحيح)؛ فإن حكمه يكون أضعف بالنسبة لما قبله، وعلى هذا جرى عمل المحدثين.\nوأما عندما يضعف الخبر ويستعمل كلمة (إسناد) فهذا من الدارج استعماله، فعندما يضعِّف المحدث الحديث - ومنهم أبو عيسى - ثم يبين وجه الضعف، فعندئذ لا بد أن يستعمل كلمة (إسناد) فيقول: في إسناده فلان، أو في إسناده اضطراب.\nومثال ذلك:\nقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا وكيع، عن حريث، عن\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (٣٨٨٩).","vol":"2","page":705},{"text":"الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ربما اغتسل النبي ﷺ من الجنابة، ثم جاء فاستدفأ بي، فضممته إليَّ ولم أغتسل.\nقال أبو عيسى: هذا حديث ليس بإسناده بأس) (^١).\nقلت: في إسناد هذا الحديث حريث بن أبي مطر، والذي يظهر لي أنه ضعيف منكر الحديث، ولكن يكتب حديثه، ولذا قال المزي: استشهد به البخاري في الأضاحي (^٢).\nويظهر أن مقصود الترمذي: أن هذا الخبر وإن كان لا يصح، فليس بالساقط.\nمثال آخر، قال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.\nوفي الباب عن أبي سعيد، وجابر.\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله) (^٣).\nقلت: هذا الإسناد وإن كان لا يصح عند أبي عيسى، إلا أنه ليس بالواهي.\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١٢٤).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٥٦٥).\n(^٣) \"جامع الترمذي\" (١٧٩).","vol":"2","page":706},{"text":"وأختم بمثال هو كالشرح لما سبق: وهو ما أخرج الترمذي (عن هنّاد، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رد النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحا.\nهذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن حصين من قبل حفظه) (^١).\nقلت: وقس على هذا في باقي الأمثلة.\nومما استعمله في هذا الباب قوله: (حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن الحمصي، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤم قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن\".\nوفي الباب عن أبي هريرة، وأبي أمامة.\nقال أبو عيسى: وحديث ثوبان حديث حسن.\nوقد روي هذا الحديث عن معاوية بن صالح، عن السَّفر بن نُسَير، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ.\nوروي هذا الحديث عن يزيد بن شريح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان في هذا أجود إسنادًا وأشهر) (^٢).\nوالله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) \"جامع الترمذي\" (١١٨١).\n(^٢) \"جامع الترمذي\" (٣٥٨).","vol":"2","page":707},{"text":"<span data-type='title' id=toc-165>إسنادي إلى \"جامع الترمذي\"</span>\nأرويه عن الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري إجازة، عن فضل الله بن أحمد بن علي الجيلاني، عن جده علي الجيلاني الهندي، عن فضل الرحمن كنج المرادآبادي، عاليا عن الشّاه عبد العزيز ابن وليّ الله الدِّهْلوي.\nوأرويه عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل النجدي الحنبلي قراءة لبعضه وإجازة لباقيه، قال: أخبرني علي بن ناصر أبو وادي النجدي، قراءة لبعضه وإجازة، قال: أخبرنا نذير حسين الدِّهْلوي - لكثير منه وإجازة -، أخبرنا محمد إسحاق الدِّهْلوي، أخبرنا الشّاه عبد العزيز ابن وليّ الله الدِّهْلوي، قاد: أخبرنا والدي، قال: أخبرنا أبو طاهر الكُورَاني - لبعضه وإجازة -، قال: أخبرنا حسن بن عليٍّ الْعُجَيْمِيُّ، أخبرنا محمد بن العلاء الْبَابِلِيُّ - سماعًا لغالبه إن لم يكن لجميعه -، عن سالم بن محمد السَّنْهُورِيِّ، أخبرنا النجم الغَيْطِيُّ، أخبرنا زكريا بن محمدٍ الأنصاري - سماعًا عليه لمجالس عدة وإجازة -، أخبرنا محمد بن علي الْقَايَاتِيّ، عن أبي زُرعة ابن العِراقي - سماعًا بأفوات يسيرة معلومة -، قال: أخبرنا به عمر بن أميلة الْمَرَاغِيّ.\n(ح) ويرويه أبو طاهر الكُوراني: عن عبد الله البَصْريِّ - قراءة وسماعًا وإجازة -، قال: أخبرنا محمد بن العلاء الْبَابِلِيّ، عن سالم السَّنْهُورِيِّ، أخبرنا النجم الغَيْطِي، أخبرنا عبد الحق السّنبَاطِي، أخبرنا محمد بن عمر الْمَلْتُوتِيُّ، أخبرنا أحمدُ بنُ الحسنِ السُّوَيْدَاوِيُّ، أخبرنا عبد العزيز بنُ عبد القادر الرَّبَعِيُّ.","vol":"2","page":709},{"text":"قال الرَّبَعِيُّ هو وعمر بن أُميلة الْمَرَاغِيّ: أخبرنا الفَخر ابن البُخَاري علي بن أحمد المقدسي الحنبلي، قال: أخبرنا أبو حفصٍ عمرُ ابنُ طَبَرْزَذْ - بالذّال -، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الْكَرُوخِيُّ، قال: أخبرنا محمود بن القاسم الأزديُّ وأحمد بن عبد الصمد الْغُورَجِيُّ - بضم الغين -، قالا: أخبرنا أبو محمدٍ عبد الجبار بن محمد الْجَرَّاحِيُّ، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن مَحْبُوبٍ الْمَحْبُوبِيُّ، قال: أخبرنا أبو عيسى محمد بنُ عيسى بن سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ، المؤلف (^١).\n* * *\n_________\n(^١) حرّره: أحمد بن عبد الرزاق بن محمد آل إبراهيم العَنْقَري - غفر الله له ولوالديه وشيوخه -.","vol":"2","page":710}]}