{"ً":{"ٌ":1246,"ٍ":"الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/smtbdq/smtbdql.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل\nالمؤلف: محمد مبارك حكيمي\nالناشر: مكتبة العلوم والحكم، الشرقية - مصر\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nعدد الصفحات: ٤٠٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3064,"ٕ":39,"ٖ":1770156265,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"تمهيد","level":1,"page":3},{"title":"مقدمات متفق عليها","level":1,"page":8},{"title":"الجزء الأول في سوق الآثار وفوائدها","level":1,"page":13},{"title":"(١) باب ما جاء أن النبي بين كل شيء وأن الدين كمل","level":2,"page":14},{"title":"(٢) باب ما جاء في نقصان الدين مع الزمان وانتشار البدع","level":2,"page":16},{"title":"(٣) باب الدلالة على أن العمل بالبدع سبب في نقصان الدين ونسيان السنن","level":2,"page":20},{"title":"(٤) باب ما وقع من نقص العمل بعد السابقين الأولين","level":2,"page":21},{"title":"(٥) باب ما يكون سببا في وقوع الابتداع","level":2,"page":23},{"title":"(٦) باب الأمر باتباع عمل الصحابة وأنه بيان للسنة ومقاصد الشريعة","level":2,"page":25},{"title":"(٧) باب الدلالة على أنهم عملوا بكل السنن وأن عملهم محفوظ","level":2,"page":30},{"title":"(٨) باب ما يدل على أن التابعين كانوا يحتجون بفتاوى الصحابة وتقريراتهم","level":2,"page":33},{"title":"(٩) باب ما لم يعملوا به لعدم المقتضي في زمانهم","level":2,"page":35},{"title":"(١٠) باب الدلالة على أن الدين راجع إلى الأمة في آخر الزمان إذا رجعت إلى السنة التي عرف الصحابة زمان الخلافة","level":2,"page":36},{"title":"(١١) باب الدلالة على أن أكثر بيان النبي ﷺ كان بالعمل","level":2,"page":37},{"title":"(١٢) باب الدلالة على أنهم كانوا إذ ينقلون الدين يقلون الرواية عن رسول الله","level":2,"page":38},{"title":"(١٣) باب كان أصحاب النبي ﷺ يبينون بالقول والفعل والترك تأسيا","level":2,"page":41},{"title":"(١٤) باب الدلالة على أن البيان بالعمل أبلغ من البيان بالأمر وأن الاقتداء بالأفعال أكثر","level":2,"page":45},{"title":"(١٥) باب الدلالة على أن أكثرهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى","level":2,"page":46},{"title":"(١٦) باب من تحرى من حديث رسول الله ما كان سنة مقصودة للتشريع","level":2,"page":47},{"title":"(١٧) باب ما جاء في بيان معنى البدعة","level":2,"page":49},{"title":"(١٨) باب ما جاء في ذم البدعة جملة","level":2,"page":52},{"title":"(١٩) باب الدلالة على أن الله لا يقبل بدعة يوم القيامة","level":2,"page":59},{"title":"(٢٠) باب الدلالة على أن الله لا يقبل يوم القيامة من السنن إلا ما كان خالصا له","level":2,"page":60},{"title":"(٢١) باب ما أنكروه مما يجري على رسم\" البدعة الحسنة\"","level":2,"page":60},{"title":"(٢٢) باب ما ذموه من البدع بما يشبه المدح","level":2,"page":91},{"title":"(٢٣) باب البيان أن الشأن في القربات التوقف وألا اجتهاد فيها","level":2,"page":92},{"title":"(٢٤) باب ما يدل على أن ألفاظ الذكر الراتب تعبد لا تصرف فيه","level":2,"page":96},{"title":"(٢٥) باب الاحتجاج بالترك وأنه سنة متبعة","level":2,"page":98},{"title":"(٢٦) باب الدلالة على أن الترك فعل من الأفعال","level":2,"page":105},{"title":"(٢٧) باب الدلالة على أن الترك بيان نبوي وتشريع مقصود من حيث الجملة","level":2,"page":108},{"title":"(٢٨) باب من أخذ بالمتروك لعلمه أن الترك كان لعلة خاصة أو لمانع","level":2,"page":109},{"title":"(٢٩) باب ما يدل على أن من البدع ما يكون من جهة الترك","level":2,"page":111},{"title":"(٣٠) باب الدلالة على وجوب الاتباع في القصد وأن الابتداع قد يكون من جهة النية","level":2,"page":112},{"title":"(٣١) باب المباح الممتن بإباحته لا يتعبد لله بتركه ويتعبد بفعله","level":2,"page":113},{"title":"(٣٢) باب ما أبيح من جهة الإقرار لا يتعبد لله بفعله ويتعبد بتركه","level":2,"page":114},{"title":"(٣٣) باب ما نهي عنه لمشابهته أهل الكتاب ونحوهم","level":2,"page":115},{"title":"(٣٤) باب الدلالة على أنهم كانوا يفرقون في اتباع السنن بين ما سن فيه حد معلوم وما هو مطلق في العمل","level":2,"page":116},{"title":"(٣٥) باب ما ذموه من جهة المواظبة عليه","level":2,"page":118},{"title":"(٣٦) باب ما واظبوا عليه للعلم أن ذلك مقصود للشرع وكان الترك لمانع","level":2,"page":120},{"title":"(٣٧) باب ما ذموه من العمل المطلق إذا كان يضاهي السنة","level":2,"page":120},{"title":"(٣٨) باب ما ذموه لإظهاره مما السنة الجارية إخفاؤه","level":2,"page":123},{"title":"(٣٩) باب ما ذموه من العمل الثابت خشية وقوع الناس في المخالفة مآلا","level":2,"page":124},{"title":"(٤٠) باب من كره تخصيص يوم بعمل يظن فيه الفضل على غيره من الأيام","level":2,"page":125},{"title":"(٤١) باب إذا اشتبه المستحب بالواجب أو المباح بالمستحب فالسنة تركه للبيان","level":2,"page":127},{"title":"(٤٢) باب ما ذموه من معقول المعنى إذا قصد به التعبد","level":2,"page":129},{"title":"(٤٣) باب ما استثنوه من معقول المعنى في التعبد","level":2,"page":131},{"title":"(٤٤) باب ما يجوز من الاجتهاد في أحكام القربات الثابتة عند الحاجة لا لاختراع عبادة","level":2,"page":132},{"title":"(٤٥) باب ما جاء في عموم الدين والسنة أمور العادات","level":2,"page":133},{"title":"(٤٦) باب ما استشار فيه النبي أصحابه من أمور العادات فهو بيان بأن السنة فيه الاجتهاد للحاجة","level":2,"page":134},{"title":"(٤٧) باب ما سمي من العادات بدعة إذا اعتقد على غير رسم الشرع أو كان مظنة لذلك","level":2,"page":136},{"title":"(٤٨) باب ما يدل على جريان التعبد في العادات","level":2,"page":138},{"title":"(٤٩) باب ما يدل على أن من العادات ما لا يعقل معناه ويؤخذ مثل القربات تعبدا","level":2,"page":140},{"title":"(٥٠) باب بيان أن التعبد لله هو طاعته والتدين بدينه","level":2,"page":141},{"title":"(٥١) باب ما جاء في ذم محدثات اللسان وحفظ حروف الشرع","level":2,"page":142},{"title":"(٥٢) باب ما يدل على أن للفظ أثرا في النفس والفهم","level":2,"page":144},{"title":"(٥٣) باب ما جاء في رد محدثات الفتيا والأقضية","level":2,"page":145},{"title":"(٥٤) باب ما سمي من القربات بدعة وليس على رسمها","level":2,"page":146},{"title":"(٥٥) باب إثبات جريان المتشابهات في أفعال أهل العلم","level":2,"page":154},{"title":"(٥٦) باب الدلالة على أن اللفظ المطلق في صفة القربات متشابه حتى يحكمه العمل","level":2,"page":157},{"title":"(٥٧) باب ما جاء في ذم الاعتراض على السنن","level":2,"page":159},{"title":"(٥٨) باب في أن الأدب لا يقدم على الامتثال وأن الامتثال هو الأدب","level":2,"page":160},{"title":"(٥٩) باب جواز ترك الامتثال إذا علم أن الأمر ليس بحتم","level":2,"page":162},{"title":"(٦٠) باب ما يدل على أن مطلق السكوت عن الإنكار ليس إقرارا لاحتمال مانع خفي عنا","level":2,"page":164},{"title":"(٦١) باب ما يصاحب الواقعة من الإنكار بقرينة الحال","level":2,"page":165},{"title":"(٦٢) باب الدلالة على أن الإشارة بيان نبوي","level":2,"page":166},{"title":"(٦٣) باب الدلالة على أن الإشارة تسمى قولا وأنها بمنزلة الكلام","level":2,"page":167},{"title":"(٦٤) باب إثبات مرتبة العفو وأنه بمعنى عدم المؤاخذة","level":2,"page":169},{"title":"(٦٥) باب ما جاء في ذم الاختلاف في الدين بين العلماء الراسخين","level":2,"page":170},{"title":"(٦٦) باب بيان صفة العالم المعتبر قوله في الدين","level":2,"page":172},{"title":"(٦٧) باب ما يعفى عنه من الاختلاف بعد الوقوع","level":2,"page":173},{"title":"(٦٨) باب ما جاء في بيان الجماعة المأمور باتباعها","level":2,"page":173},{"title":"فصل: نتف من أقوال المتأخرين من أئمة الدين","level":3,"page":175},{"title":"الجزء الثاني في فقه معالم الآثار","level":1,"page":188},{"title":"فصل في بيان معنى البدعة","level":2,"page":189},{"title":"فصل في بيان معنى قول النبي: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" وهو أن القربات توقيف","level":2,"page":190},{"title":"فصل في بيان أن المطلق في صفات القربات متشابه","level":2,"page":193},{"title":"فصل في بيان الفرق بين الحديث والسنة","level":2,"page":198},{"title":"فصل في بيان أن الترك سنة فعلية له حكم الأفعال","level":2,"page":215},{"title":"ذكر الفرق بين المباح الذي يكون بالفعل بدعة والذي بالترك","level":2,"page":222},{"title":"فصل في بيان أن قول الله تعالى (فاتبعوه) جامع للاتباع في القصد مع العمل","level":2,"page":226},{"title":"فصل: من تمام الاتباع تمييز الأحكام بالقول والعمل والاعتقاد","level":2,"page":234},{"title":"فصل في أن أكثر بيان النبي ﷺ كان بالعمل","level":2,"page":237},{"title":"فصل في بيان أن السنة في القربات أن لا يسأل عن حكمها.","level":2,"page":252},{"title":"فصل في بيان أن السنة في القربات أن لا يسأل عن حكمها.","level":2,"page":252},{"title":"ذكر البيان لمعنى قول الله (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)","level":2,"page":259},{"title":"فصل في بيان قول النبي: إنه لا يأتي الخير بالشر","level":2,"page":260},{"title":"فصل في بيان السنة في الوسائل","level":2,"page":262},{"title":"فصل في بيان أن السنة جاءت بالنهي عن التشبه بالكافرين","level":2,"page":264},{"title":"فصل في وجه إطلاقهم اسم البدعة على العمل الثابت في السنة","level":2,"page":266},{"title":"فصل في التنبيه على جريان المتشابهات في القدر كجريانها في الشرع","level":2,"page":272},{"title":"فصل: في لزوم المخالفة لكل بدعة وإن خفيت","level":2,"page":275},{"title":"فصل في بيان أن السنة جاءت بضبط أسامي الشريعة لمسمياتها","level":2,"page":283},{"title":"فصل في ذم محدثات القواعد","level":2,"page":292},{"title":"فصل في بيان دخول البدعة في العادات","level":2,"page":306},{"title":"فصل في بيان أن كل فتوى لم يكن عليها الأولون فهي بدعة","level":2,"page":315},{"title":"فصل في معرفة ما يعفى عنه من الاختلاف في الدين وسننه","level":2,"page":316},{"title":"ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع","level":2,"page":324},{"title":"أ - قصد الشرع إلى صون الشريعة من التغيير.","level":3,"page":324},{"title":"ب- قصد الشرع إلى حصول القرب للعبد من الله تعالى.","level":3,"page":325},{"title":"ج- القصد إلى تزكية العبد من اتباع الهوى اللازم للابتداع.","level":3,"page":328},{"title":"د - قصد الشرع إلى دوام العبد على العمل ومحبته.","level":3,"page":332},{"title":"هـ - قصد الشرع إلى توحيد العباد على الصراط.","level":3,"page":333},{"title":"فصل في بيان أن حديث \"كل بدعة ضلالة\" محكم العموم","level":2,"page":338},{"title":"فصل في بيان دلالة الفاتحة على جملة هذه الأصول","level":2,"page":372},{"title":"فصل في التمثيل للكمال الذي انتقصته البدع","level":2,"page":376}],"ٛ":{"1,3":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,17":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400},"ٜ":{"1":[3,406]},"ٝ":["1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"8":[3],"13":[4],"14":[5],"16":[6],"20":[7],"21":[8],"23":[9],"25":[10],"30":[11],"33":[12],"35":[13],"36":[14],"37":[15],"38":[16],"41":[17],"45":[18],"46":[19],"47":[20],"49":[21],"52":[22],"59":[23],"60":[24,25],"91":[26],"92":[27],"96":[28],"98":[29],"105":[30],"108":[31],"109":[32],"111":[33],"112":[34],"113":[35],"114":[36],"115":[37],"116":[38],"118":[39],"120":[40,41],"123":[42],"124":[43],"125":[44],"127":[45],"129":[46],"131":[47],"132":[48],"133":[49],"134":[50],"136":[51],"138":[52],"140":[53],"141":[54],"142":[55],"144":[56],"145":[57],"146":[58],"154":[59],"157":[60],"159":[61],"160":[62],"162":[63],"164":[64],"165":[65],"166":[66],"167":[67],"169":[68],"170":[69],"172":[70],"173":[71,72],"175":[73],"188":[74],"189":[75],"190":[76],"193":[77],"198":[78],"215":[79],"222":[80],"226":[81],"234":[82],"237":[83],"252":[84,85],"259":[86],"260":[87],"262":[88],"264":[89],"266":[90],"272":[91],"275":[92],"283":[93],"292":[94],"306":[95],"315":[96],"316":[97],"324":[98,99],"325":[100],"328":[101],"332":[102],"333":[103],"338":[104],"372":[105],"376":[106]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"أَتَاكَ كِتَابِي مَا أَلَوْتُ نصيحةً … رجوتُ به نَعْشَ العتيق ويَظهرا\nرجوت به إحياء دارسِ سنةٍ … ونصرةَ نهجٍ كان بالأمس أيسرا\nفكم حَسَنٍ في الدين شانَتْهُ بدعةٌ … وأورثت الشك المريب فحيرا\nوفَرَّقَتِ الأحزاب في غير طائل … عَشِيَّةَ مَدّت للأصاغر منبرا\nوذي أُمّة أُمّية عربية … فما بال يونانٍ وبدعةِ قيصرا\nولست أبالي حين أُنعِشُ سُنّةً … بِلَوْمَةِ ذي لومٍ عن الحق أقصرا\nفما طول عهد في الزمان ببدعة … بناسخِ معروفٍ يَرونه منُكَرا\nوإني على نصر العتيق لعازم … أقُومُ بحق أو أموتَ فأُعذرا\nوقد سرني أن قام في الناس مَعشرٌ … بجمعٍ لآثار الصحابة بشّرا\nأولئك إخواني على بُعد شُقّة … وليس بعيدا من بِدَرْبِهِمُ سرى\nوإن قَدَّر الرحمن مثواي بينهم … يد الله كانت للجماعة أكثرا\nوإنّا أتانا من حديث نبينا … سيرجع هدي الأولين مؤزرا [¬*]\n_________\n[¬*] تعليق الشاملة: هذه الأبيات ثابتة في الأصل المرسل إلينا من المؤلف. وليست في المطبوع","vol":"1","page":3},{"text":"﷽\nالحمد لله وبعد.\nفهذا سِفْرٌ يتتبع معالم البدعة والسنة، في لسان السابقين إلى الخير والجنة. وهم كانوا أعلم الناس بما يُتقى ويحاذر، وما يقدم ويؤخر، والأصل من الفرع، والمحكم من المتشابه .. لما خصهم الله تعالى به من الفضل، ولما صحبوا النبي ﷺ.\nولم أزل أرى كثيرا من أبناء زماننا يضيقون بالكلام في هذا الأصل ذرعا، ثم يخرون في حمأة المحدثات صرعى! ويزعمون أن الحديث في البدعة ضرر على المسلمين! وأنه من صغار أمور الدين! وهو الداء ما غادر شيئا إلا نخره .. وهو معنى أفادته الفاتحة أم القرآن، التي حوت أصول دين الإسلام، قررته بالمطابقة والتضمن لا الالتزام، وهو من تمام الحمد لله رب العالمين. وفرض الله علينا تكرارها ترتيلا، لنَفْقُهَ عنه سبحانه ونتأصل بها تأصيلا .. فيا ليت قومي يعلمون!\nولقد مضى علي زمان أقرأ في القضية المطولات والمختصرات، وأتوجه إلى الله تعالى بالدعوات أن يهديني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه .. حتى شرح الله الصدر إلى ما تراه في هذا السِّفر الذي أسأل الله أن يجعله مباركا وذخرا عنده يوم التلاق.\nفتأمل أُخَيَّ وأنصف، وتحقق مما تنكر وتعرف، وشَمِّر في تَطَلُّب الأمر العتيق، وتيقن أنه الكمال والحبل الوثيق، ينفتح لك باب العلم إن شاء الله. ولا تجمد على شيء سبق إلى قلبك، فإن الحق قديم.\nوإني لم آلُ أن أرقم فيه إلا ما لو تأمله المنصف أذعن، إذا ما حقق وأمعن، فيبصر بالعيان كمال الشِّرعة، واقتضاءه ذم كل بدعة، وبالله تعالى التوفيق.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>تمهيد</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.\nأما بعد، فقد استقر في الشريعة الكاملة تحريم البدع المحدثات، وهو معنى متواتر يورث القطع تواتُرُه بأنه أحد القواعد المحكمات، التي لا يجوز معارضتها بآحاد من الآثار المتشابهات. لذلك واظب النبي ﷺ على التحذير منها في المحافل العامرة، ولم يكتف - في بيان حكمها - بوَصَاة عابرة، ككثير من الأحكام الشرعية السائرة. وطريقة التشريع سنة تحتها كنوز وفوائد، تدل الناظر على مراتب الأحكام والأدلة والمقاصد. وملاحظتها مما انفرد بالسبق فيه أصحاب النبي ﷺ عمن دونهم، وليس الخبر كالمعاينة.\nومحال بعد هذا التحذير المستمر أن يموت النبي ﷺ ولمَّا يبين لهم معنى البدعة التي يُحَذّرون، وأن ينصرم قرنهم ولمَّا يتبين لهم حدود ما يتقون!\nبل والله ما مات النبي ﷺ حتى تركهم على الواضحة والحق المبين، فقاموا بحق الأمانة بعده حتى أدوها إلى التابعين.\nوإن حقا على الخائض في هذا الشأن أن يجمع كلام النبي ﷺ وأصحابه والأتباع، حتى يقف على معنى البدعة، ويستخرج القانون الذي كانوا يقضون به في التبديع والإتباع.\nوقد وهل كثير من الكاتبين في القضية، بسبب الغفلة عن هذه المنهجية، والتقصير في تتبع فتاوى الصحابة في الباب، فلم ينتظم لهم القانون المحَكّم عند الأصحاب، واستحسنوا قاعدة \"البدعة الحسنة\"، فغلطوا في التصور وفي تحقيق المناط، وهذه جمل من المآخذ عليهم خلا ما تقدمت الإشارة إليه من الأغلاط:\n١ - لم يضعوا ضابطا عمليا دقيقا يفرق بين البدعة المنكرة والبدعة الحسنة عندهم، لذلك اضطربت أحكامهم. وقد مثلوا للبدع المنكرة بأمثلة كلها تدخل","vol":"1","page":6},{"text":"في مسمى \"البدعة الحسنة\" إذ يمكن أن يستدل لها بعموم، بل لا يأتون بمثال للبدعة المنكرة إلا ولها شبهة دليل لاستحسانها. لذلك تراهم تارة ينكرون الشيء ثم يستحسنون مثله تارة أخرى، وتارة ينكرون الاحتجاج بالترك وتارة يحتجون به، وتارة يثبتون القياس في القربات! وتارة ينكرونه.\n٢ - عمدوا إلى كلمات للصحابة تشبه - بادي الرأي - ما توهموا من إثبات البدعة الحسنة كقول عمر ﵁: \"نعمت البدعة هذه\"، فأنزلوها على مسمى البدعة عندهم. والواجب جمع فتاوى الصحابة لتصور معنى البدعة عندهم، فما كل مسمى للمتأخرين يكون كذلك عند المتقدمين مثل لفظ \"الكراهة\" و\"التأويل\" و\"الجماعة\" .. وقد وجدنا الصحابة ينكرون ما هو جارٍ على رسم ما سمي \"البدعة الحسنة\": ينكرون أعمالا لمجرد أن ليس عليها العمل محتجين بالترك، عادلين عن الاحتجاج بالعمومات المجملة.\n٣ - جعلوا إقرار النبي ﷺ لبعض أصحابه على عبادات فعلوها حجة على جواز إحداث أي تعبد مستحسن بعده! وهذه وهلة واضحة عن مسمى البدعة! إذ لا كلام في زمن النبي ﷺ عن البدعة لتجدد الوحي كما لا كلام عن الإجماع في عصره. وإنما البدعة ما حدث بعد إكمال (^١). وقد حفظ عن الصحابة إنكار عبادات أحدثها مَنْ بعدهم، وهذا هو محل النزاع، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\n٤ - استعملوا قواعد أصولية في غير موضعها الذي اصطلحوا عليها فيه مثل قاعدة \"الأصل في الأشياء الإباحة\" لاستحسان قربات يستحبونها! وهذه قاعدة المباحات (^٢) لا القربات المستحبة! وتركوا القاعدة الواردة - على طريقتهم -\n_________\n(^١) - العين للخليل والصحاح للجوهري باب العين مادة ب د ع. وقال الهروي أبو إسماعيل [ذم الكلام ١٤] سمعت أحمد بن الحسن بن محمد البزاز الفقيه الحنبلي الرازي في داره بالري يقول: كل ما أحدث بعد نزول هذه الآية -وذكر قول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) - فهو فضل وزيادة وبدعة اه\n(^٢) - كما تدل ألفاظها، إذ ركِّبت من مصطلحين أصوليين \"أصل\" و\"إباحة\" فلا حديث عن الاستحباب .. وسيأتي بيان ما فيه إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":7},{"text":"\"الأصل في القربات الوقف\".\n٥ - استدلوا بعمومات متشابهة ونزلوها غير منزلها، وتركوا أدلة الباب المحكمة، مثل:\nأ- استدلالهم بحديث جرير وغيره عن النبي ﷺ: من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء اه [م ١٠١٧] فجعلوه مخصِّصا لحديث: كل بدعة ضلالة. والشأن - لو جاز التخصيص - خلاف ذلك لأن الحديث الأول حديث جرير أعم، فلفظ \" سنة \" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فيفهم منها - ابتداء وعلى طريقة الأصوليين - سَنُّ عادة كقوله ﷺ: لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل اه [خ ٣١٥٧] ويدخل فيها جدلا سن عبادة (بدعة)، وسَنُّ سنة عليها العمل كما في سبب الورود في حديث جرير (^١)، وسبب الورود صريح الدخول في العموم أي لا يخرج منه بتخصيص أو تأويل. أما حديث \" كل بدعة ضلالة \" فخاص بالقربات المحدثة (البدع) ولفظ \"بدعة\" حقيقة شرعية في إحداث تعبد، لذلك كانت ضلالة، هذا على قول من لم ير العادات داخلة\n_________\n(^١) - قال جرير ﵁: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النِّمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة. فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام. فصلى ثم خطب [فحمد الله وأثنى عليه ثم أمرهم بالصدقة] فقال (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) إلى آخر الآية (إن الله كان عليكم رقيبا) والآية التي في الحشر (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله) تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بُره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بِصَرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مُذْهَبة فقال رسول الله ﷺ من سن في الإسلام سنة حسنة \" الحديث. الزيادة للطبراني [ك ٢٣٨٥] والطحاوي في المشكل \"باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ من قوله \"من سن سنة حسنة\". والبيهقي في الكبرى باب التحريض على الصدقة من كتاب الزكاة.","vol":"1","page":8},{"text":"في البدعة. ومن أدخلها فيها كان حديث جرير أعم عنده يتناول المصالح المرسلة ومن أحيى سنة. فيكون حديث جرير أعم على الوجهين، ويخرج منه من سن بدعة إذ كل بدعة ضلالة، ويبقى الإذن في من سن عادة مرسلة (مصلحة مرسلة) أو أحيى سنة (^١).\nب- وكذا استدلالهم لإنكار سنة التَّرك بقول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر ٧] وقول النبي ﷺ: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه. وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم اه [م ١٣٣٧] قالوا: ولم يقل: ما تركته فاتركوا! ونسوا أنه يلزمهم أن ينكروا أمورا لأنه لم يقل: ما فعلته فافعلوا، وما كرهته فاكرهوا، وما أخبرتكم فصدقوا!!. ثم إنا نقول: قد نهانا عن البدع وهي ما ترك النبي ﷺ فعله، فهي داخلة في قول الله تعالى (وما نهاكم عنه فانتهوا) وقول النبي ﷺ: \" ما نهيتكم عنه فاجتنبوه\" وقد نهانا عن البدع. ولهم تصرفات من جنس ذلك هداهم الله (^٢).\nج- استدلوا لاستحسان البدع بقول ابن مسعود: \"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن\" [الطيالسي ٢٤٦ وأحمد ٣٦٠٠] وهذا في الاستدلال عجب! لأن ابن مسعود هو أكثر الصحابة ذما للبدع المستحسنة عندهم لأنه كان في العراق. وهذا سياق كلامه: \" إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد فاختار محمدا فبعثه برسالاته وانتخبه بعلمه. ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار له أصحابه فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه ﷺ. فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح اه إذًا حديثه عن رأي الصحابة أنه حجة يستدل به على قصد\n_________\n(^١) - هذا الاستدلال كله على طريقة الأصوليين القائلين بالاستحسان إلزاما .. وسيأتي التفصيل إن شاء الله تعالى.\n(^٢) - ومثله حديث: \" وسكت عن أشياء رحمة لكم\" [ك ٧١١٤] فأنكروا به سنة الترك! وإنما يرد الحديث في ما بيانه بالقول لا الفعل لذلك قال: \"وسكت\". فبابه الأحكام من الحلال والحرام، لا القربات. ولا يقال في القربات: إن ترك الندب إليها بالفعل رحمة، فما أنزل الله علينا القرآن لنشقى! بل لنرحم بالعبادة، والحمد لله أن أذن لنا فيها.","vol":"1","page":9},{"text":"الشرع في النوازل. وأن ما رأوه قبيحا فهو قبيح شرعا، وقد استقبحوا البدع ولم يروها حسنة ومنهم ابن مسعود ﵃.\n٦ - استدلالهم بالأحاديث والآثار الواهية التي توهموا أنها تثبت بعض ما ذهبوا إليه، كحديث كثير بن عبد الله المزني [الترمذي ٢٦٧٧ وحسنه] عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال لبلال بن الحرث: اعلم، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم يا بلال. قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا اه قالوا: قَيْدُ البدعة بالضلالة مشعرٌ بإثبات بدعة غير ضلالة! لكن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف مضعف عند أهل الحديث. وهذا الحديث ذكره ابن عدي [الكامل ٦/ ٦٠] في جملة مناكيره، بل قال ابن حبان في المجروحين [٢/ ٢٢١]: \"كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني يروى عن أبيه عن جده، روى عنه مروان بن معاوية وإسماعيل بن أبي أويس، منكر الحديث جدا، يروى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب. \" وقد رواه ابن ماجة [٢٠٩] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ﷺ قال: من أحيا سنة من سنتي فعمل بها النَّاس، كان له مثل أجر من عمل بِهَا لَا ينقص من أجورهم شيئا. ومن ابتدع بدعة فعمل بِهَا، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا اه وكذا عبد بن حميد [٢٨٩] حدثني زيد بن الحباب عن كثير بن عبد الله بلفظ ابن أبي شيبة سواء، فلم يذكر القيد. فهذا ينبيك بأن كثيرا - على ما فيه - اضطرب في الرواية. ووجه تحسين الترمذي أنه للشواهد - على فرض الاعتبار به - أي للمعنى المشترك مع الأحاديث التي تشهد له، دون ما انفرد به عنها. وعلى فرض ثبوته فهو وصف لازم لا قيد كما سيأتي بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>مقدمات متفق عليها </span>(^١)\n١ - اتفقوا على أن الذي ترك \"البدعة\" المختلف فيها خروجا من الخلاف لا يعاقب في الدنيا ولا في الآخرة، وأن ذمته بريئة، وأنه على ثقة من صحة عمله. والخروج من الخلاف مستحب.\n٢ - اتفقوا على أن العمل بالسنة المأثورة عن النبي ﷺ من فعله وعن أصحابه هو الأَولى، وأن التعبد بالمحدَث أقل رتبة. ثم اختلفوا هل هو مشروع أم لا.\n٣ - اتفقوا على القول بأن الداخل من أفراد العموم: \"كل بدعة ضلالة\" أكثره، وأن الخارج منه - على فرض التخصيص - أقله. أي أن أكثر البدع المفترض دخولها في العموم ابتداء (قبل التخصيص) داخلة فيه انتهاء (بعد التخصيص)، واختلفوا في خروج الباقي.\n٤ - اتفقوا على أن ما يسمى \"مصلحة مرسلة\" لا يدخل في النهي.\n٥ - اتفقوا على أن ما اقترن بالقربات من معقول المعنى إذا لم يظهر المقتضي للعمل به في زمن النبي ﷺ والصحابة ثم وُجد بعدهم فالعمل به ليس بدعة، وأنه مشروع ما لم يعارض دليلا. واختلفوا في ما وجد الداعي للعمل به في زمنهم هل يشرع من بعدهم أم يلغى. وهذا الوجه أخص من الذي قبله.\n٦ - اتفقوا على أن البدعة في لغة العرب قبل البعثة تقبل التقسيم إلى حسن وقبيح، واختلفوا في قبولها للتقسيم في السنة.\n٧ - اتفقوا على أن قوله ﷺ: \" كل بدعة ضلالة \" دليل محكم غير متشابه لذلك سموه قاعدة، واختلفوا في ما عارضه من الأدلة في الظاهر هل هو محكم أم متشابه.\n٨ - اتفق الفريقان على أن البدعة المنكرة ما لم يشهد له أصل في الشرع، واختلفوا في تعيين هذا الأصل، فقال المنكرون ل\"البدعة الحسنة\": هو العمل، فما لم\n_________\n(^١) - جهدت دهرا طويلا ألا أدع كتابا ألف في الباب أو كلاما عابرا في كتاب انتصر لاستحسان البدع أو نفاه إلا وعيته،\nخلا ما جهلت، فاجتمعت لدي مواقع الخلاف والاتفاق، بحمد الله تعالى.","vol":"1","page":11},{"text":"يشهد له عمل النبي ﷺ وأصحابه فهو رد. وقال المثبتون: أن أي عموم يحتمل دخول العمل الحادث فيه فهو شاهد له وأصل في إثبات شرعيته.\n٩ - اتفقوا على أن الشأن في القربات التوقف والتماس الإذن (^١)، فكما لا يجوز التعبد قبل البعثة إلا بدليل، كذلك بعدها إلا بدليل. وأعني بالقربات مطلق ما يُلتمس به التقرب ليس ما يقرب حقيقة. ثم اختلفوا في تعيين الدليل، فالمنكرون ل\"البدعة الحسنة\" قالوا: هو العمل على نحو ما اشترط مالك بن أنس ﵀. والآخرون قالوا: هو العموم أو العمل. ثم يبقى النظر بعدُ في الاستدلال بالمطلق والقياس، هل يثبت به تعبد أم لا.\n١٠ - اتفقوا على أن ما نهي عنه خاصة فهو رد، كنهي النبي ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود [م ٤٧٩].\n١١ - اتفقوا على قولهم: \" ما خالف السنة من المحدثات مردود \" لذلك اتفقوا على رد بعض البدع. وتنازعوا في وجه المخالفة. فالمثبتون \"للبدعة الحسنة\" جعلوا المخالِف نصا خاصا كالأمور التي نهي عنها وما نقل تركه كأذان العيدين، بحيث من أخذ بالبدعة خالف النص حتما. والفريق الآخر قالوا أن المخالف أعم يشمل الفعل والترك، فالترك سنة كما أن الفعل سنة، وكما تكون المخالفة للفعل كذلك تكون للترك، ومن عمل عملا لم يكن من أمرهم فقد خالف.\nومرد هذا إلى الاختلاف في علة الرد للمحدثات. فالمستحسنون قالوا: أن العلة المخالَفة لا الابتداع، لذلك يستحسنون بدعا كثيرة إلا ما ألغاه الدليل الخاص.\nوالعلة عند الفريق الآخر هي مطلق الإحداث طردا وعكسا، والمحدَث ما تُرِك فعله، لذلك لاحظوا الترك. وقالوا أن المخالفة وصف لازم ليس هو مناط الحكم. أي أن الشرع نهانا عن المحدثات والبدع، فالعلة بدلالة التنبيه الاِحداث والابتداع. كما جرى عمل السلف في الإنكار غالبا، ينكرون المحدث لأنه لم يكن لا لأنه يخالف. والمخالفة حكمة قد تظهر وقد لا تظهر. وهذا كله في ما ليس فيه نهي خاص.\n_________\n(^١) - وإنما أنكر هذا المعنى بعض من أدركنا من المُسَوَّدين دون العلماء المتقدمين.","vol":"1","page":12},{"text":"١٢ - اتفقوا على أن النبي ﷺ وأصحابه لم يفعلوا كل \"تعبد\" يُظَنُّ دخوله في عموم. واختلفوا في هذا التعبد هل هو مشروع أم غير مشروع. وسبب خلافهم إثبات مقدمتين أو الغفلة عنهما. فمن أخذ بهما نفى المشروعية، ومن ذهل عنهما قال: هو بدعة حسنة:\nالأولى: أن العموم والإطلاق في صفة القربات متشابه، يتوقف بيان القصد منه على العمل فهو وإن كانت صيغته صيغة الظاهر (العام أو المطلق) لكن كونه قبل البيان دائرا بين الاطلاق اللغوي الأول وإطلاق شرعي جديد مجملٌ لا يُحتج به ابتداء حتى تُبين حقيقته الشرعية وهي الثابتة بالعمل، مثاله قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) [التوبة ١٠٤] فلفظ \"صدقة\" نكرة في سياق الإثبات تفيد الاطلاق، والمطلق في الأصل ظاهر غير مجمل، لكن ما دام في قربة ومعنى شرعي فهو مجمل يحتاج إلى بيان كما يقولون. فمن تمسك بالعمومات المطلقة دون النظر في العمل المبيِّن تمسك بالمتشابه وترك المحكم، لأن التشابه في العمومات والإحكام في العمل، فإذا بُيِّنَت بالعمل زال إجمالها، وامتنع الاحتجاج بها في صورة أخرى (^١).\nالثانية: أن الترك سنة قائمة، فما تركه النبي ﷺ فهو إما مقصود الترك أو غير مقصود التشريع.\nفمن قال بهاتين المقدمتين قال أن ما لم يعمله النبي ﷺ أو أصحابه ليس داخلا في العموم المتنازع في دلالته.\n١٣ - اتفقوا على أن العمومات التي يمكن أن يستدل بها على استحسان ما اتفقوا على أنه بدعة ضلالة أدلة متشابهة.\n١٤ - اتفق الفريقان على أن ما فعله الصحابي من القربات ليس بدعة ضلالة، وأن الأصل فيه أنه من السنة. ثم اختلفوا هل استحسنه أو فعله اتباعا لسنة يعلمها. فمن قال استحسنه وهو القائل ب\"البدعة الحسنة\" قال: لو كان عنده حديث خاص به لرواه، فإذ لم يُروَ تعين أن يكون اجتهادا منه واستحسانا. والآخرون قالوا: هذه غفلة\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الثانية عشرة من مقدمات كتاب الأدلة.","vol":"1","page":13},{"text":"عن تتبع العمل، إذ ثبت عن الصحابة رد المبتدعات \"المستحسنة\"، وسدوا الذريعة دونها، وهذه المرويات التي تمسك بها المخالف كلها لها أصل في العمل، فليس هو بدعة أبدا. بل عملهم هذا دليل على أن ذلك سنة. وقد كان الصحابة يعملون العمل ويفتون بالفتيا ولا يرفعون ذلك إلى النبي ﷺ من قوله أو فعله أو تقريره لأحد من الصحابة عمل مثل ذلك. وهم نقلة الوحي والمبلغون عن النبي ﷺ بأقوالهم وأفعالهم، فعملهم دليل السنة، لذلك أمر الله تعالى ورسوله باتباعهم. فتعين ألا تدخل أعمالهم في مسمى البدعة شرعا. وألا ينسبوا إلى الابتداع لجهل المتأخر بمأخذهم أو قصور اطلاعه على السنن ..\nإذا عرفنا موارد الاتفاق تحرر عندنا محل النزاع، وهو غرض الكتاب، وهو ما أضيف إلى الدين ولم يثبت فعله عن أحد من الصحابة مع وجود الداعي للعمل به، ويحتمل دخوله في عموم، هل هو قربة صحيحة أو بدعة قبيحة؟\nوإن المتحري لدينه أمام هذا الخلاف ليعض على ما اتفقوا عليه، ويخلع يده مما اختلفوا فيه. فإنه إن لم يفعل كان على غير يقين من صحة العمل، وعليه إذًا أن يبذل الوسع في جمع الأدلة والآثار لمعرفة الحق الذي فرض الله على العباد، ويتحرى صوابا في الجواب يوم المعاد، فإن الأمر دين، ولتُسألُنَّ يوم القيامة عما كنتم تعملون.\nلذلك عقد الله العزم على تتبع كلمات الصحابة وأصحابهم في \"البدعة\" وما يتعلق بها لاستخراج المعنى وحدوده. وحتى نعلم الغالب على تلك التصرفات، هل الاِنكار أو قبول المستحسنات، فنرد النادر إلى الغالب، والبنات إلى الأمهات. فإن الذي يقال فيه \"مشكل\" هو القليل لا الأغلب. نعم كل يدعي في ما استدل به أنه المحكم وأن ما خالفه متشابه يُؤوَّل، وإنما يَرِدُ التأويل على المتشابه الأقل، ولا اشتباه في القواعد المحكمة .. (^١) وأيم الله إن كانت أحاديث رسول الله ﷺ لكافية لمن قرأها بفقه أصحابه ..\nوقد سميت السِّفر «الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل» فهو مرتب\n_________\n(^١) - الموافقات كتاب الأدلة المسألة الرابعة من مباحث الإحكام والتشابه.","vol":"1","page":14},{"text":"على الأبواب المناسبة للآثار. صحيحٌ جنبته الضعيف، فلم أثبت في الأبواب غير الصحيح وما يشبهه. مختصرٌ اقتصرت في أكثر أبوابه على ما يغني عن نظائره، وجنبته الكلامَ عن الأسانيد والتوسع في ذكر الروايات لأنه لم يوضع لذلك، ولكل مقام مقال.\nوأظن أن ما فاتني من الآثار التي صرح فيها الصاحب أو صاحبه بلفظ البدعة وما أشبهه مما أفتوا يغني عنه إن شاء الله ما أثبته هنا. فإن ما ألفيته معزوا إلى مسند لم أجده لا يزيد ما ههنا إلا قوة، وحسبك بقواعد القرآن والسنة له شواهد. وقد قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) [الطلاق ٧].\nوالغرض عندي استخراجُ منهجية الحكم عند السلف، دون مناقشة القضايا الفقهية في الآثار. وتتبع كلماتهم في محدثات العمل.\nوقد عجلت بهذا السفر تقدمة بين يدي جامع لآثار الصحابة والسنن، يسر الله إتمامه وسداده، وبالله التوفيق للخير إنه هو الفتاح العليم سبحانه.","vol":"1","page":15},{"text":"﷽\n\n<span data-type='title' id=toc-4>الجزء الأول\nفي\nسَوق الآثار وفوائدها</span>","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>(١) باب ما جاء أن النبي بَيَّنَ كل شيء وأن الدين كمل</span>\nوقول الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) وقوله سبحانه (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) أي إن بلغت بعضا وتركت بعضا فما فعلت شيئا. وقوله تعالى (وما هو على الغيب بضنين) أي لا يبخل به بل يُبَلغ.\n(١) - قال مسلم [٢٦٢] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش ح وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! قال، فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم اه\nفالذي علمهم أحكام التخلي وتفاصيله ليكن ليغفل عملا مقصودا للتعبد به.\n(٢) - مسلم [٢٨٩٢] حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر جميعا عن أبي عاصم قال حجاج حدثنا أبو عاصم أخبرنا عزرة بن ثابت أخبرنا علباء بن أحمر حدثني أبو زيد - يعني عمرو بن أخطب - قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى. ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى. ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس. فأخبرنا بما كان وبما هو كائن. فأعلمُنا أحفظنا اه\n(٣) - مسلم [٢٨٩١] حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم - قال عثمان حدثنا وقال إسحاق أخبرنا - جرير عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به. حفظه من حفظه ونسيه من نسيه. قد علمه أصحابي هؤلاء. وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه اه\n(٤) - مسلم [٤٨٨٢] حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم - قال إسحاق","vol":"1","page":19},{"text":"أخبرنا وقال زهير حدثنا - جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جَشَرِه، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاةَ جامعة! فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها. وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا. الحديث.\n(٥) - البزار [٣٨٩٧] كتب إلي محمد بن عبد الله بن يزيد المقري يخبرني في كتابه أن ابن عيينة حدثه عن فطر بن خليفة عن أبي الطفيل عن أبي ذر ﵁ قال: لقد تركنا رسول الله وما طائر في السماء يقلب جناحيه إلا وقد أوجدنا فيه علما اه\nورواه ابن حبان في صحيحه [٦٥] فقال أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان فذكره.\n- الطبراني [ك ١٦٢٧] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سفيان بن عيينة عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول اللَّه ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا. قال: فقال ﷺ ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النَّار إِلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكم اه\n(٦) - مالك [٣٠٤٤] عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنهُ سمعه يقول: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح ثم كَوَّمَ كومة بَطْحَاءَ ثم طرح عليها رداءه واستلقى ثم مد يديه إلى السمَاء فقال: اللهم كبرتْ سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناسُ قد سُنَّتْ لكم السُّنَن وفرِضَتْ لكم الفرائض وتُرِكْتُمْ على الواضحة إلا أَنْ تَضِلُّوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى .. الحديث. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الحِجة حتى قُتل عمر ﵀ اه","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>(٢) باب ما جاء في نقصان الدين مع الزمان وانتشار البدع</span>\nوقال النبي ﷺ: لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم [خ ٦٦٥٧]\n(١) - ابن ماجه [٤٠٤٩] حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: يَدرُس الإسلام كما يَدرُس وشي الثوب. حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية. وتبقى طوائف من الناس والشيخ الكبير والعجوز. يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة \"لا إله إلا الله\" فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة. ثم ردها عليه ثلاثا. كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثا اه\n(٢) - ابن حبان [٤٥٧٢] أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم وحاجب بن أركين قالا حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا ابن وهب سمعت الليث بن سعد يقول حدثني إبراهيم بن أبي عبلة عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير أنه قال حدثني عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله ﷺ نظر إلى السماء فقال: هذا أوان رفع العلم، فقال رجل من الأنصار يقال له لبيد بن زياد: يا رسول الله يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟! فقال رسول الله ﷺ: إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة! ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، قال: فلقيت شداد بن أوس وحدثته بحديث عوف بن مالك فقال: صدق عوف ثم قال: ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى، قال: الخشوع، حتى لا ترى خاشعا اه فأول العلم يرفع الخشوع ثم العمل ويبقى القول. وفيه دلالة على أن الناس لا ينتفعون بالقرآن والحديث ما داموا على البدعة في قوله: \" ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله \"، لأنها كاسمها ضلالة. وقوله: \" هذا أوان \" يريد - والله أعلم - زمانا قريبا وهو ما كان بعد موت عمر كما روى:","vol":"1","page":21},{"text":"(٣) - البخاري [٥٠٢] حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن الأعمش قال حدثني شقيق قال سمعت حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر ﵁ فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك عليه أو عليها لجريء! قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر. قال: إذًا لا يغلق أبدا! قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرْنا مسروقا فسأله فقال: الباب عمر اه\nفلم يزل الدين محفوظا من فتن أهل القبلة حتى أصيب عمر.\n(٤) - ابن أبي شيبة [٣٢٦٥٢] حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله قال: إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، إن إسلامه كان نصرا، وإن إمارته كانت فتحا، وايم الله ما أعلم على الأرض شيئا إلا وقد وجد فَقْدَ عمر حتى العضاه، وايم الله إني لأحسب بين عينيه ملكا يسدده ويرشده، وايم الله إني لأحسب الشيطان يَفْرَقُ أن يحدث في الإسلام فيرد عليه عمر، وايم الله لو أعلم أن كلبا يحب عمر لأحببته اه\nوقال عبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة [٤٦٨] حدثني هارون بن سفيان قثنا معاوية بن عمرو قثنا زائدة قال قالَ سليمان يعني الأعمش سمعت أصحابنا يقولون قال عبد الله: إني لأحسب الشيطان يفرق من عمر فقيل لعبد الله وكيف يفرق الشيطان من أحد فقال نعم يفرق أن يحدث في الإسلام حدثا فيرده عمر فلا يُعمل به أبدا اه أصحاب الأعمش ثقات معروفون.\n(٥) - ابن أبي شيبة [٣٢٦٤٨] حدثنا أبو خالد الأحمر والثقفي عن حميد عن أنس قال: قال أبو طلحة يوم مات عمر: ما أهل بيت حاضر ولا باد إلا وقد دخل عليهم نقص اه","vol":"1","page":22},{"text":"(٦) - ابن سعد [٤١٨٩] أخبرنا وكيع بن الجراح والفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالوا أخبرنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قالت أم أيمن يوم أصيب عمر: اليوم وهى الإسلام. قال: وقال طارق بن شهاب: كان رأي عمر كيقين رجل اه\n(٧) - وقال أحمد [٢٢٢١٤] حدثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله أن سليمان بن حبيب حدثهم عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال: لينقضن عرا الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة اه رواه ابن حبان [٦٧١٥].\n(٨) - مسلم [٣٨٩] حدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر جميعا عن مروان الفزاري قال ابن عباد حدثنا مروان عن يزيد يعني ابن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء اه\n(٩) - البخاري [الأدب المفرد ٧٨٩] حدثنا عبد الله بن أبي الأسود قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا الحارث بن حصيرة قال حدثنا زيد بن وهب قال سمعت ابن مسعود يقول: إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه قليل سؤاله كثير معطوه العمل فيه قائد للهوى. وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سؤاله قليل معطوه الهوى فيه قائد للعمل. اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل اه\nفأخبر أن الصحابة كان العمل فيهم تبعا لما في السنة، وأن المستأخرين يهوون ويستحسنون ثم يعملون، فالعمل فيهم تابع للهوى، وأن معرفة أحسن الهدي آكد من كثير من شعب الإيمان.\n(١٠) - ابن أبي شيبة [٣٨٧٠٤] حدثنا زيد بن حباب قال أخبرنا معاوية بن صالح قال أخبرني عمرو بن قيس الكندي قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من أشراط الساعة أن يظهر القول، ويخزن العمل، ويرتفع الأشرار، ويوضع الأخيار، وتقرأ المثاني عليهم، فلا يعيبها أحد منهم، قال: قلت: ما المثاني، قال: كل كتاب سوى كتاب الله اه","vol":"1","page":23},{"text":"فأخبر أن الناس سيكتبون كتبا يستحسنونها يعكفون عليها سوى كتاب الله، لا يراها أحد منكرة! وأن ذلك من تغير الزمان.\n(١١) - اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة ١٢٧] أخبرنا علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن بكران ثنا الحسن بن عثمان ثنا يعقوب بن سفيان ثنا محمد بن عقبة الشيباني ثنا أبو إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو عن عبد الله بن الديلمي قال: إن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سُنَّةً سنة، ويذهب الحبل قُوة قوة. قال ابن الديلمي: سمعت ابن عمرو: يقول ما ابتُدعت بدعة إلا ازدادت مضيا، ولا تُركت سنة إلا ازدادت هويا اه أبو إسحاق هو الفزاري.\n(١٢) - ابن أبي شيبة [٣٠٩٩٢] حدثنا فضيل بن عياض عن الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو قال: يأتي على الناس زمان يجتمعون ويصلون في المساجد وليس فيهم مؤمن اه تابعه شعبة عن الأعمش [صفة المنافقين للفريابي ١٠٢].\n(١٣) - البخاري [٦٥٠] حدثنا عمر بن حفص قال حدثنا أبي قال حدثنا الأعمش قال سمعت سالما قال سمعت أم الدرداء تقول: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد ﷺ شيئا، إلا أنهم يصلون جميعا اه\n(١٤) - الطبري [تهذيب الآثار ٣٤٧] حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا عثمان بن سعيد عن محمد بن مهاجر حدثني الزبيدي عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: يا ويح لبيد حيث يقول: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب! قالت عائشة: فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال عروة: رحم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا؟ ثم قال الزهري: رحم الله عروة، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ ثم قال الزبيدي: رحم الله الزهري، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال محمد: وأنا أقول: رحم الله الزبيدي، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو حميد: قال عثمان: ونحن نقول: رحم الله محمدا، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو جعفر: قال لنا أبو حميد: رحم الله عثمان، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو جعفر: رحم الله أحمد بن المغيرة، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ اه","vol":"1","page":24},{"text":"(١٥) - الحاكم [٨٥٨١] حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر ثنا بشر بن بكر حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: عدت أبا هريرة فسندته إلى صدري، ثم قلت: اللهم اشف أبا هريرة. فقال: اللهم لا ترجعها، ثم قال: إن استطعت يا أبا سلمة أن تموت فمت فقلت: يا أبا هريرة إنا لنحب الحياة! فقال: والذي نفس أبي هريرة بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، ليأتين أحدكم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه اه\nذكر العلماء خاصة دليل على أن اليقظة تكون في تغير الزمان لمن علم السنة، وبقدر العلم يرى نقصان الدين وفشو البدع ويزداد خوفه، ومن جهل ذلك رأى الشقاء نعيما!\n\n<span data-type='title' id=toc-7>(٣) باب الدلالة على أن العمل بالبدع سبب في نقصان الدين ونسيان السنن</span>\n(١) - قال سعيد بن منصور [أمالي عبد الملك بن بشران ٣٠٨] حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ثنا أبو عمران الجوني عن أبي فراس رجل من أسلم أن رسول الله ﷺ قال: سلوني عما شئتم، فقال رجل: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك الذي تدعي إليه. فسأله آخر: أفي الجنة أنا أم في النار؟ فقال: في الجنة. وسأله آخر في الجنة أنا أم في النار؟ فقال: في النار، فقال عمر بن الخطاب ﵁: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. فقال رسول الله ﷺ: إياي والبدع، والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلف خير مما ابتدع، إن أملك الأعمال خواتمها، إنكم ترجعون إلى ما في قلوبكم، من شاق شق الله عليه فدعوني ما ودعتكم فإنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم. فناداه رجل يُسمِع القوم فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: الإيمان بالله ﷿ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قال: فما الإيمان؟ قال: الإخلاص. قال: فما اليقين؟ قال: التصديق بالقيامة، قال: فمتى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها أعلام: إذا رأيت رعاء الشاء تطاولوا في البناء، وإذا الحفاة العراة كانوا ملوكا. قال: ومن هم يا رسول الله؟ قال: العرب. قال: وإذا","vol":"1","page":25},{"text":"الإماء ولدن أربابا. قال: أين هذا السائل؟ قال: كل يقول: كان في هذه الرقعة. فقال: إنه جبريل ﷺ سأل لكم عن عرى الدين إذ لم تسألوا. أما والله ما أنكرته في مقام قط قبل اليوم، فدعوني ما ودعتكم اه أبو فراس الأسلمي صحابي [الإصابة ١٠٣٨٣]. سند صحيح وسياق حسن وله شواهد في الصحيح.\n(٢) - يعقوب الفسوي [المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٦٢] حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما تدعون خصلة مما أمرتم به إلا أبدلكم الله ما هو أشد عليكم منها اه\n(٣) - المروزي [السنة ٩٨] حدثنا إسحاق أنبأ عبد الرحمن بن مهدي حدثني عبد المؤمن عن مهدي بن أبي المهدي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما من عام إلا يُحيَى فيه بدعة ويمات فيه سنة، حتى تحيى البدع وتموت السنن اه [ابن وضاح ٩٩ - ١٠٠] عبد المؤمن هو أبو عبيدة السدوسي.\nفالعمل بالبدعة ينسي الناس السنن.\n(٤) - الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن [٩٨] أخبرنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي عن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة اه والله المستعان.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>(٤) باب ما وقع من نقص العمل بعد السابقين الأولين</span>\nوقال رسول الله ﷺ \" يتقارب الزمان وينقص العمل\" [خ ٥٦٩٠]\n(١) - أبو داود الطيالسي [٢٤٩٥] حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان قال: دخل علينا أبو هريرة مسجد الزرقيين فقال: ترك الناس ثلاثة مما كان رسول الله ﷺ يفعل! كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مدا ثم سكت هنية يسأل الله ﷿ من فضله، وكان يكبر إذا خفض ورفع وإذا ركع اه [أحمد ١٠٤٩٧]\n(٢) - ابن أبي شيبة [٣٥٤٤] حدثنا هشيم بن بشير قال أخبرنا حميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: اعتدلوا في صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري،","vol":"1","page":26},{"text":"قال أنس: لقد رأيت أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه، ولو ذهبت تفعل ذلك لترى أحدهم كأنه بغل شموس اه\n(٣) - البخاري [٢٦٠٨] حدثنا محمد بن الفضل أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت! ولا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس، هما واليان وال يرث وذاك الذي يرزق، ووال لا يرث فذاك الذي يقول بالمعروف، يقول لا أملك لك أن أعطيك اه ذكره في باب قول الله تعالى (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) [النساء ٨].\n(٤) - إسحاق بن راهويه [المسند ١٨١٦] أخبرنا النضر بن شميل نا محمد وهو ابن عمرو بن علقمة عن عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة الليثي قال: دخلنا الحمام في عشر الأضحى وإذا بعضهم قد اطلى فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا! أو ينهى عنه فخرجت فأتيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له فقال: يا ابن أخي هذا حديث قد نسي وترك حدثتني أم سلمة زوج النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: من كان يريد أن يذبح فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يمس من شعره ولا ظفره شيئا حتى يضحي اه [م ١٩٧٧]\n(٥) - ابن أبي شيبة [١٧٩٠٨] حدثنا وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) قال: ليست بمنسوخة. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. قال: الله المستعان اه\n(٦) - البخاري [٥٠٧] حدثنا عمرو بن زرارة قال أخبرنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد عن عثمان بن أبي رواد أخي عبد العزيز قال سمعت الزهري يقول: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت اه تقدم نحوه عن أبي الدرداء في الشام.\n(٧) - مالك [٢٣٣] عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة اه مالك بن أبي عامر الأصبحي جد","vol":"1","page":27},{"text":"مالك بن أنس أدرك عمر بن الخطاب، مات زمن عبد الملك بن مروان.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>(٥) باب ما يكون سببا في وقوع الابتداع</span>\n(١) - البخاري [١٠٠] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا اه ضلالتهم بما يحدثون في الدين بآرائهم.\nفمن أسباب حدوث البدع كلام الجهال في الدين ممن يُظن أنه من أهل العلم وليس منهم حقيقة.\n(٢) - اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة ١٠٢] أخبرنا الحسين بن علي بن زنجويه أنبأ محمد بن هارون بن الحجاج المقري القزويني ثنا أبو زرعة الرازي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي قال: قال رسول الله ﷺ: إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال موسى قال ابن المبارك: الأصاغر: من أهل البدع (^١) اه فبين أنهم أصاغر في العلم والدين لا في السن.\n(٣) - جعفر الفريابي [صفة المنافقين ٣١] حدثني زكريا بن يحيى البلخي حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن أبي حصين عن زياد بن حدير قال: قال عمر بن الخطاب: يهدم الإسلام ثلاثة زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون اه [ذم الكلام للهروي ٧٧]\n_________\n(^١) - قال أبو عبيد القاسم بن سلام [غريب الحديث ٣/ ٣٦٩] بلغني عن ابن المبارك أنه كان يذهب بالأصاغر إلى أهل البِدَع ولا يذهب إلى السنّ وهذا وجه. قال أبو عبيد: والذي أرى أنا في الأصاغر أن يؤخذ العلم عمن كان بعد أصحاب النبي ﷺ ويقدم ذلك على رأي الصحابة وعلمهم، فهذا هو أخذ العلم من الأصاغر. قال أبو عبيد: ولا أرى عبد الله أراد إلاَّ هذا اه [جامع بيان العلم لابن عبد البر ١/ ٣١٢]","vol":"1","page":28},{"text":"(٤) - ابن أبي شيبة [٣٨٧٤٦] حدثنا وكيع عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر قال: قال عمر: تهلك العرب حين تبلغ أبناء بنات فارس اه ففي زمان ظهور الموالي دخلت العجمة، وفُهم من كلام الله ومن حديث نبيه ما ليس معهودا في لسان العرب، فظهرت البدع.\n(٥) - أبو داود [٤٦١٣] حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبره قال: كان لا يجلس مجلسا للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط هلك المرتابون. فقال معاذ بن جبل يوما: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر. فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن! ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة! وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال قلت: لمعاذ ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟! قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه؟! ولا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا اه تظهر البدع إذا تكلم الجاهل والمنافق في الدين، وإذا زل العالم فيُذكر قوله في الخلاف، وإنما هو زيغة الحكيم.\n(٦) - الدارمي [١٨٥] أخبرنا يعلى ثنا الأعمش عن شقيق قال قال عبد الله: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنة فإذا غيرت قالوا غيرت السنة قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة اه [ك ٨٥٧٠]\nفإذا كانت أمراء لا يؤتمنون على الدين وكان قراء يتشبهون بالعلماء يريدون الدنيا فيتابعونهم غُيّرَ الدين وعمت البلوى ..","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>(٦) باب الأمر باتباع عمل الصحابة وأنه بيان للسنة ومقاصد الشريعة</span>\nوقول الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) ويذكر عن حذيفة أنه قال: \" كل عبادة لم يتعبدها أصحاب النبي فلا تتعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا (^١) \" [الحوادث والبدع للطرطوشي ص ١٠٨ ولم أجده مسندا].\n(١) - قال أحمد [١٧١٨٤] ثنا الضحاك بن مخلد عن ثور عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن عرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله ﷺ الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب قلنا أو قالوا يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا قال: اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ. الحديث.\nوهذا بيِّنٌ في وجوب اتباع الخلفاء أهل الرشد والهداية، وأن سنتهم هي سنة النبي ﷺ، أي أن عملهم بيان لمقاصد الشرع.\n(٢) - ابن حبان [٦٩٠٢] أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سالم المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: إني لا أرى بقائي فيكم إلا قليلا فاقتدوا بالذَين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر - واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه اه\n(٣) - أحمد [١١٢٧٦] حدثنا أبو أسامة قال حدثني فطر عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل على تنزيله اه رواه ابن حبان في صحيحه [٦٩٣٧]\nفيه دلالة على أن تأويل القرآن معلوم عندهم، وأن اتباع ما فهموا منه لازم يُلزم به\n_________\n(^١) - أظن حكاه بالمعنى، يأتي قريبا.","vol":"1","page":30},{"text":"الناس.\n(٤) - أحمد [١٨٤٢] حدثنا هشيم أنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: ليس الخبر كالمعاينة اه أبو بشر هو جعفر بن إياس.\nفمن شاهد التنزيل وقرائن الأحوال علم مقاصد الكلام دون من لم يعاين. وقد كان النبي ﷺ يبين بإشاراته إذا تكلم على عادة العرب في إتمام المعنى بالإشارة، فيكون أحرى الناس بفهم المعنى والقطع بالمقصد من الكلام من عاين الخطاب.\n(٥) - البخاري [٤٥٤٧] حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن إبراهيم التُستري عن ابن أبي مُلَيكة عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) [آل عمران ٧]. قالت: قال رسول الله ﷺ: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم اه هذا دليل على أن الصحابة يعلمون المحكم من المتشابه. فإذا رأيت الصحابة في وجه فهو المحكم وما سواه فهو المتشابه.\n- وقال مسلم في سَوق أحاديث الصيام [١١١٣] وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب .. قال ابن شهاب: فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم اه تابعه الربيع بن سليمان المرادي:\n- قال البيهقي [ك ٧٩٦٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الربيع بن سليمان ثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب فذكره بنحوه قال ابن شهاب: وكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم اه فما خالف عملهم كان اجتهادا في متشابه!\n(٦) - ابن حبان [٥٥٩] أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم قال حدثنا عمرو بن عثمان قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن المبارك بدرب الروم عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: البركة مع أكابركم اه وأصحاب النبي ﷺ هم الأكابر، في فهمهم وفي عملهم البركة.","vol":"1","page":31},{"text":"(٧) - أبو داود الطيالسي [٩٥١] حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الرحمن بن الأزهر عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: للقرشي مثل قوة الرجلين من غيرهم. فقيل للزهري: بم ذاك؟ قال: بِنُبْل الرأي اه [ابن حبان ٦٢٦٥]\nفكيف من جمع إلى العربية وآدابهم وجودةِ العقل التقوى ومعاينةَ التشريع؟\n(٨) - الطبراني [٨٦٣٣] حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو عمر الضرير أنا حماد بن سلمة أن عطاء بن السائب أخبرهم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: - فذكر قصة تأتي ثم قال - فقال عبد الله: لئن اتبعتم القوم لقد سبقوكم سبقا مبينا، ولئن جُرتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا اه حماد سمع عطاء قبل التغير.\n(٩) - عبد الله بن المبارك [الزهد ٧٦٤] أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من قِبَل أصحاب محمد ﷺ وأكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم فذلك حين هلكوا اه تابعه شعبة عن أبي إسحاق [المدخل للبيهقي ٢٠٧]\n(١٠) - محمد بن نصر المروزي [السنة ٨٠] حدثنا إسحاق أنبأ عيسى بن يونس عن الأعمش عن جامع بن شداد عن أبي الشعثاء عن ابن مسعود قال: إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول اه\n- ابن أبي شيبة [٣٧١٥٩] حدثنا أبو أسامة حدثنا سفيان قال أخبرني واصل الأحدب قال حدثتني عائذة - امرأة من بني أسد، وأثنى عليها خيرا - قالت: سمعت عبد الله بن مسعود وهو يوطئ الرجال والنساء - يعني يتخطاهم -: ألا أيها الناس، من أدرك منكم من امرأة أو رجل فالسمتَ الأول، السمت الأول، فإنا اليوم على الفطرة اه\nفهذه شهادة من راسخ في العلم بأن الصحابة زمن الخلفاء الراشدين على الفطرة التي تركهم النبي ﷺ عليها، وأنه هو الهدي المطلوب الاتباع دون الحوادث بعدهم. مات ابن مسعود في خلافة عثمان.","vol":"1","page":32},{"text":"(١١) - الترمذي [٤١٧٤] حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن يزيد بن عميرة قال لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له يا أبا عبد الرحمن أوصنا. قال: أجلسوني. فقال: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث مرات. والتمسوا العلم عند أربعة رهط عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة اه مات معاذ في خلافة عمر.\n(١٢) - المروزي [السنة ٨٦] حدثنا يحيى بن يحيى ثنا سليم بن أخضر عن ابن عون عن إبراهيم قال قال حذيفة: اتقوا الله معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه شمالا ويمينا ضللتم ضلالا بعيدا أو قال مبينا اه رواه البخاري بمعناه [٧٢٨٢] حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن حذيفة قال: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا اه\n(١٣) - البيهقي [ك ١٧١٨٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب من أصل كتابه حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي حدثنا عمر بن يونس بن القاسم بن معاوية اليمامي حدثنا عكرمة بن عمار العجلي حدثني أبو زميل سماك الحنفي حدثنا عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار وهم ستة آلاف أتيت عليا ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالظهر لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أخاف عليك. قال قلت: كلا. قال: فخرجت آتيهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، فأتيتهم وهم مجتمعون في دار وهم قائلون، فسلمت عليهم فقالوا: مرحبا بك يا أبا عباس فما هذه الحلة؟ قال قلت: ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول الله ﷺ أحسن ما يكون من الحلل ونزلت (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار لأبلغكم ما يقولون وتخبروني بما تقولون فعليهم نزل القرآن وهم أعلم بالوحي منكم وفيهم أنزل وليس فيكم منهم","vol":"1","page":33},{"text":"أحد. فذكر الحديث. [ك ٢٦٥٦]\n(١٤) - ابن وضاح [٨١] نا أسد عن حماد بن زيد عن عاصم الأحول قال: قال أبو العالية: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الصراط شمالا ولا يمينا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، الحديث.\nتابعه [عند المروزي في السنة ٢٦] أحمد بن عبدة ثنا حماد بن زيد بنحوه. وسليمان بن حرب [اللالكائي ١٧] ثنا حماد به.\n(١٥) - ابن سعد [٨٤٤١] أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا أبو عوانة عن حصين عن أبي وائل أن مسروقا حين حضره الموت قال: اللهم لا أموت على أمر لم يسنه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر اه ورواه عن يحيى بن حماد قال حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن شقيق بنحوه. سليمان هو الأعمش وأبو وائل هو شقيق بن سلمة.\n(١٦) - عبد الرزاق [٢٠٤٧٦] أخبرنا معمر والثوري عن ابن أبجر قال قالَ الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب رسول الله ﷺ فخذ به، وما قالوا برأيهم فبل عليه اه\n(١٧) - عبد الله بن أحمد [زوائد الزهد ١٥٦١] ثنا رَوح حدثنا عبد المؤمن بن أبي شراعة عن الحسن قال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم. وإياكم وما أحدث الناس في دينهم. فإن شر الأمور المحدثات اه\n(١٨) - أبو داود [٤٦١٤] حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر ح وحدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا حماد بن دليل قال سمعت سفيان الثوري يحدثنا عن النضر ح وحدثنا هناد بن السري عن قبيصة قال حدثنا أبو رجاء عن أبي الصلت - وهذا لفظ حديث ابن كثير ومعناهم - قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب: .. فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا. ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى. فإن","vol":"1","page":34},{"text":"كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي. فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم اه\nوفي الباب آثار مستفيضة يغني عنها إن شاء الله ما تقدم، تدل على أن سنة الصحابة فهمهم للسنة وعملهم بها، وأن اتباعهم بإحسان هو التأسي بهم في الفعل والترك، وأن عملهم بيان لقصد الشرع ووجوه السنن، فيستدل بأفعالهم على السنن، وبكلماتهم وتركهم على البدع.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>(٧) باب الدلالة على أنهم عملوا بكل السنن وأن عملهم محفوظ</span>\nوقول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فدخل فيه حفظ معانيه التي بينت في سنة النبي وعمل أصحابه، وإنَّ لازِم الأمر باتباعهم أن يحفظ الله تعالى هديهم وهو خير حفظا.\n(١) - مسلم [١٨٨] حدثني عمرو الناقد وأبو بكر بن النضر وعبد بن حميد واللفظ لعبد قالوا حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي عن صالح بن كيسان عن الحارث عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن عبد الرحمن بن المسور عن أبي رافع عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل اه هذه شهادة لعلماء الصحابة أنهم يقتدون بكل سنة النبي ﷺ، وأنه يخلفهم قوم يفعلون ما ليس من السنة، فجهادهم إيمان.\n(٢) - البخاري [٧٤٦٠] حدثنا الحميدي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن جابر حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية قال سمعت النبي ﷺ يقول: لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ما يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على","vol":"1","page":35},{"text":"ذلك اه فلا يزال مع الزمان من يقوم بالأمر الأول إلى قيام الساعة، وإن قل عددهم.\n(٣) - البخاري [٢٩٢٦] حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرته، فذكرت كلام فاطمة وأبي بكر في الميراث فقال أبو بكر: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ اه\n(٤) - مسلم [٣٠٠٩] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن حاتم، قال أبو بكر حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله - فاقتص الحديث في خبر حجة الوداع ثم قال - ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به. الحديث.\n(٥) - أبو جعفر الطبري [التفسير ٨١] حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي قال سمعت أبي يقول حدثنا الحسين بن واقد قال حدثنا الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن اه له شاهد:\n(٦) - ابن سعد [٨٨٣٩] أخبرنا حفص بن عمر الحوضي قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه حماد سمع عطاء قبل التغير.\n(٧) - ابن سعد [١٠٣٠٥] أخبرنا عارم بن الفضل قال حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة، ما في القرآن آية إلا وقد سألته عنها اه فعلمه مقاصد القرآن ومواقع التنزيل.\n(٨) - ابن أبي شيبة [٣٠٩١٨] حدثنا ابن نمير قال حدثنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ثلاث عرضات أقفه عند كل آية.","vol":"1","page":36},{"text":"- الحاكم [ك ٣١٠٥] حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا محمد بن عبد السلام ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن إسحاق سمع أبان بن صالح يحدث عن مجاهد قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أوقفه على كل آية أسأله فيما نزلت وكيف كانت اه\n- الطبري [التفسير ١٠٧] حدثنا أبو كريب قال حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مُليكة قال: رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير كله اه عثمان هو ابن الأسود.\n(٩) - ابن سعد [٢٧٠٩] أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دكين قالا أخبرنا مسعر بن كِدام عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب قال: ما بقي أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر مني. قال يزيد بن هارون قال مسعر: وأحسب قد قال وعثمان ومعاوية.\n(١٠) - عبد الرزاق [٢٠٤٨٧] عن معمر عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم، فاجتمعنا على أن نكتب السنن، فكتبنا كل شيء سمعناه عن النبي ﷺ. ثم كتبنا أيضا ما جاء عن أصحابه، فقلت: لا، ليس بسنة، وقال هو: بلى هو سنة، فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت! اه هكذا في المطبوع من رواية الدبري عن عبد الرزاق: ثم كتبنا. ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه [حلية الأولياء ٢/ ٥٩] ثنا عبد الرزاق ولفظه: \" .. ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت أنا: ليس بسنة فلا أكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت\". تابعهما أحمد بن منصور الرمادي ومحمد بن حماد أخبرنا عبد الرزاق بنحو اللفظ [تاريخ دمشق ٢٣/ ٣٦٨] وهو الصحيح.\n(١١) - أبو خيثمة [العلم ٩٤] ثنا عباد بن العوام عن الشيباني عن الشعبي قال: كان يؤخذ العلم عن ستة من أصحاب رسول الله ﷺ فكان عمر وعبد الله وزيد يشبه علم بعضهم بعضا، وكان علي وأبيٌّ والأشعري يشبه علم بعضهم بعضا. وكان يقتبس بعضهم من بعض. قال: فقلت له: وكان الأشعري إلى هؤلاء؟! قال: كان أحد","vol":"1","page":37},{"text":"الفقهاء اه الشيباني هو أبو إسحاق.\nفي الباب غير هذا يدل على أن الصحابة لم يدعوا سنة مقصودة للتشريع إلا عملوا بها، وأن ذلك محفوظ عند أهل العلم من التابعين. والقصد بنقص الدين بعدهم قلة التدين في عموم الناس إلا أهل العلم الذين هم الطائفة المنصورة التي تقِلُّ مع الزمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>(٨) باب ما يدل على أن التابعين كانوا يحتجون بفتاوى الصحابة وتقريراتهم</span>\nوقول النبي في صفوف الصلاة: تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم [م ١٠١٠] كذلك يقتدي بهم من ليس يرى النبي ﷺ.\n(١) - مالك [١٧٠٣] عن يحيى بن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال وكان جليسا لهم وكان أبيض اللحية والرأس قال فغدا عليهم ذات يوم وقد حمرهما قال فقال له القوم هذا أحسن فقال إن أمي عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلي البارحة جاريتها نخيلة فأقسمت علي لأصبغن وأخبرتني أن أبا بكر الصديق كان يصبغ اه\n(٢) - عبد الرزاق [٢١٨٥] عن معمر عن جعفر بن برقان قال دعانا ميمون بن مهران على طعام ونودي بالصلاة فقمنا وتركنا طعامه فكأنه وجد في نفسه فقال أما والله لقد كان نحو هذا على عهد عمر فبدأ بالطعام اه\n(٣) - عبد الرزاق [٥٧٨] عن معمر عن هشام بن عروة قال: كانت بي دماميل فسألت أبي عنها فقال: إن كانت ترقأ فاغسلها وتوضأ. وإن كانت لا ترقأ فتوضأ وصل فإن خرج شيء فلا تبال فإن عمر قد صلى وجرحه يثعب دما اه\n(٤) - ابن سعد [٨٦٩٤] أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: كان شريح لا يكاد يرجع عن قضاء يقضي به حتى حدثه الأسود أن عمر كان يقول في عبد كانت تحته حرة فتلد له أولادا ثم يعتق العبد إن الولاء يرجع إلى موالي العبد. قال: فأخذ به شريح اه","vol":"1","page":38},{"text":"(٥) - الدارمي [١٦٢] أخبرنا إبراهيم بن موسى وعمرو بن زرارة عن عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل قال: كان على امرأتي اعتكاف ثلاثة أيام في المسجد الحرام فسألت عمر بن عبد العزيز وعنده ابن شهاب قال قلت: عليها صيام؟ قال ابن شهاب: لا يكون اعتكاف إلا بصيام. فقال له عمر بن عبد العزيز: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال فعن عمر؟ قال: لا. قال: فعن عثمان؟ قال: لا. قال عمر: ما أرى عليها صياما. فخرجتُ فوجدت طاوسا وعطاء بن أبي رباح فسألتهما فقال طاوس: كان ابن عباس لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها. قال وقال عطاء: ذلك رأيي اه\n(٦) - عبد الرزاق [٢٣٥] عن إسماعيل قال أخبرني بشر بن المفضل عن سراجٍ سأل الحسن عنها فقال: لا بأس بها ركب بها في زمن عمر بن الخطاب اه أي سأله عن سروج من جلود النمور.\n(٧) - سعيد بن منصور [٦٢٣] نا سفيان عن الحكم بن أبان قال: سئل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار، قيل له بأي شيء تقوله؟ قال: بالقرآن، قالوا: بماذا من القرآن؟ قال: قول الله ﷿ (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وكان عمر من أولي الأمر قال: أعتقت وإن كان سقطا اه\n(٨) - عبد الرزاق [٢٣٦] عن ابن جريج قال سألت عطاء عن الوضوء الذي بباب المسجد فقال: لا بأس به، كان على عهد ابن عباس وهو جعله، وقد علم أنه يتوضأ منه الرجال والنساء الأسود والأحمر وكان لا يرى به بأسا ولو كان به بأس لنهى عنه. قال: أكنت متوضأ منه؟ قال: نعم اه\n(٩) - ابن سعد [٣٢٦٥] أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي عن يونس بن يزيد قال: سئل ابن شهاب: هل يكره أن يحمل الميت من قرية إلى قرية؟ فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص من العقيق إلى المدينة اه","vol":"1","page":39},{"text":"(١٠) - ابن أبي شيبة [٢٥٥٣٥] حدثنا عبد الأعلى عن برد عن مكحول أنه كره الخضاب بالوسمة وقال: خضب أبو بكر بالحناء والكتم اه\n(١١) - ابن الجعد [٩٩] أنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت سعيد بن جبير يقول: لا يصلى على الصبي الصغير. قال عمرو فذكرت ذلك لابن أبي ليلى فقال: لقد أدركت بقايا الأنصار يصلون على الصبي الصغير من صبيانهم في مجالسهم اه\nفي الباب مثل هذا كثير، وهو معلوم من سيرتهم بالضرورة، ولا يقولون ولا يقال لهم ليس في هذا حجة. وإنما سموا تابعين لاتباعهم إياهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>(٩) باب ما لم يعملوا به لعدم المقتضي في زمانهم</span>\nوقول الله تعالى (لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون) وكل نبأ له حظ من العمل.\n(١) - مسلم [١٤٩٧] حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد ح وحدثني أبو الربيع الزهراني وأبو كامل الجحدري قالا حدثنا حماد عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة. ولم يذكر خلف عن وقتها اه\n(٢) - الطبري [التفسير ١٢٨٥٧] حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال حدثنا أبو مازن رجل من صالحي الأزد من بني الحدان قال: انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة، فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ رجل من القوم هذه الآية (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، قال فقال رجل من أسن القوم: دع هذه الآية، فإنما تأويلها في آخر الزمان اه هذا يوافق ما روى:\n(٣) - أبو داود [٤٣٤٣] حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال حدثني عمرو بن جارية اللخمي حدثني أبو أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية (عليكم أنفسكم) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ","vol":"1","page":40},{"text":"فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك يعني بنفسك ودع عنك العوام. فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله اه صححه ابن حبان [٣٨٥]\nما لم يكن المقتضي في زمانهم واقعا فلم يؤمروا به إلا إذا جاء وقته .. والقربات بخلاف ذلك كان المقتضي لها قائما .. وقد بينوا ذلك كله.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>(١٠) باب الدلالة على أن الدين راجع إلى الأمة في آخر الزمان إذا رجعت إلى السنة التي عرف الصحابة زمان الخلافة</span>\nوقول الله تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الصالحات السنن التي بها صلح الأولون.\n(١) - قال أبو داود الطيالسي [المسند ٤٣٩] حدثنا داود الواسطي - وكان ثقة - قال سمعت حبيب بن سالم قال سمعت النعمان بن بشير بن سعد قال: كنا قعودا في المسجد مع رسول الله ﷺ، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة، فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟ وكان حذيفة قاعدا مع بشير، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله ﷺ إنكم في النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت اه [أحمد ١٨٤٣٠]\nفيه دلالة على أن سنة الخلفاء الراشدين هي السنة لقوله: خلافة على منهاج النبوة. وأن حياة الدين إحياء ما كانوا عليه في العلم والعمل، ولا يكون هذا إلا بجمع آثارهم من الأسفار الأُوَل.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>(١١) باب الدلالة على أن أكثر بيان النبي ﷺ كان بالعمل</span>\n(١) - البخاري [٣٣٧٤] حدثنا الحسن بن صباح البزار حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه هـ\n- مسلم [٦٥٥٤] حدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي ﷺ يسمعني ذلك! وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم.\n(٢) - مسلم [٢٠٤٦] حدثني سريج بن يونس حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر عن أبيه عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل خطبنا عمار فأوجز وأبلغ. فلما نزل قلنا يا أبا اليقظان: لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست. فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا اه\n(٣) - مسلم [١١١] حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. الحديث.\n(٤) - البخاري [٧٠] حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال: كان عبد الله يُذَكّر الناس في كل خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا اه فاتبع منهاج النبي ﷺ في التعليم وأبان أنه أنفع للنفوس.\nوقال ابن سعد [٣٣١٢] أخبرنا عفان بن مسلم وهشام أبو الوليد الطيالسي ويحيى بن عباد قالوا أخبرنا شعبة عن جامع بن شداد قال أخبرنا عبد الله بن مرداس قال:","vol":"1","page":42},{"text":"كان عبد الله يخطبنا كل خميس فيتكلم بكلمات، فيسكت حين يسكت ونحن نشتهي أن يزيدنا اه [ك ٥٣٧٨]\n\n<span data-type='title' id=toc-16>(١٢) باب الدلالة على أنهم كانوا إذ ينقلون الدينَ يُقِلُّون الروايةَ عن رسول الله</span>\n(١) - قال أبو داود [٣٦٦١] حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا حدثنا جرير عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: تَسمعون ويُسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم اه رواه ابن حبان [٦٢]\n(٢) - ابن أبي شيبة [٢٦٧٦٨] حدثنا يحيى بن يعلى التيمي عن محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب عن أبي قتادة قال: سمعت النبي ﷺ يقول على هذا المنبر: إياكم وكثرة الحديث علي فمن قال فليقل حقا أو صدقا ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار اه ورواه أحمد [٢٢٥٩١] حدثنا محمد بن عبيد ثنا محمد يعني ابن إسحاق حدثني ابن لكعب بن مالك عن أبي قتادة نحوه. [ك ٣٧٩]\n(٣) - ابن سعد [٨٢٣٧] أخبرنا سفيان بن عيينة عن بيان عن الشعبي قال: قال قرظة بن كعب الأنصاري: أردنا الكوفة فشيعنا عمر إلى صرار فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم نحن أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ، امضوا وأنا شريككم اه\n(٤) - البخاري [الأدب المفرد ٨٧٦] حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا محمد بن جعفر قال أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول خطب رجل عند عمر فأكثر الكلام فقال عمر: إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان اه\n(٥) - أبو زرعة الدمشقي [التاريخ ٥٤٣] حدثنا أبو مسهر قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إن حديثكم شر الحديث إن كلامكم شر الكلام فإنكم قد حدثتم","vol":"1","page":43},{"text":"الناس حتى قيل: قال فلان وقال فلان ويترك كتاب الله، من كان منكم قائما فليقم بكتاب الله وإلا فليجلس اه\n(٦) - الدارمي [٢٧٨] حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد حدثني السائب بن يزيد قال: خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث حديثا عن رسول الله ﷺ حتى رجعنا إلى المدينة اه\n(٧) - البخاري [٢٨٢٤] حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال صحبت طلحة بن عبيد الله وسعدا والمقداد بن الأسود وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فما سمعت أحدا منهم يحدث عن رسول الله ﷺ، إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد اه\n(٨) - أبو داود [٢٠٤٥] حدثنا حامد بن يحيى حدثنا محمد بن معن المديني أخبرني داود بن خالد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن ربيعة يعني ابن الهدير قال ما سمعت طلحة بن عبيد الله يحدث عن رسول الله ﷺ حديثا قط غير حديث واحد. ثم ذكره.\n(٩) - البخاري [١٠٧] حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قلت للزبير إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان. قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار اه\n(١٠) - ابن أبي شيبة [٥٢٤٣] حدثنا وكيع عن إسماعيل عن قيس قال: قال عبد الله: أحسنوا هذه الصلاة، واقصروا هذه الخطبة اه\n(١١) - أحمد [٤٣٢١] حدثنا معاذ ثنا ابن عون وابن أبي عدي عن ابن عون حدثني مسلم البطين عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني أو قلما أخطأني ابن مسعود خميسا قال ابن أبي عدي عشية خميس إلا أتيته، قال: فما سمعته لشيء قط يقول قال رسول الله ﷺ فلما كان ذات عشية قال قال رسول الله ﷺ قال ابن أبي عدي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فنكس قال فنظرت إليه وهو قائم محلول أزرار قميصه قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه فقال: أو دون ذاك أو فوق","vol":"1","page":44},{"text":"ذاك أو قريبا من ذاك أو شبيها بذاك اه\n(١٢) - ابن أبي شيبة [٢٦٧٥١] حدثنا شبابة قال حدثنا شعبة قال حدثنا توبة العنبري قال: قال لي الشعبي: أرأيت الحسن حين يقول قال رسول الله ﷺ! لقد جلست إلى ابن عمر فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ إلا حديثا أن النبي ﷺ أتي بضب فقال: إنه ليس من طعامي وأما أنتم فكلوه اه [خ ٦٨٣٩]\n(١٣) - البخاري [٧٢] حدثنا علي حدثنا سفيان قال قال لي ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثا واحدا. فذكر حديث النخلة.\n(١٤) - البخاري [١٠٨] حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز قال أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي ﷺ قال: من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار اه\n(١٥) - الدارمي [٢٧٦] أخبرنا سليمان بن حرب قال ثنا حماد بن زيد عن ابن عون عن محمد قال كان أنس قليل الحديث عن رسول الله ﷺ وكان إذا حدث عن رسول الله ﷺ قال أو كما قال رسول الله ﷺ اه\n(١٦) - ابن أبي شيبة [٢٦٧٤٩] حدثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا، قال: كبرنا ونسينا والحديث على رسول الله ﷺ شديد اه [ق ٢٥]\n(١٧) - أحمد [١٦٩٥٣] حدثنا صفوان بن عيسى قال أنا ثور بن يزيد عن أبي عون عن أبي إدريس قال سمعت معاوية وكان قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا اه\n(١٨) - مسلم [٢٤٣٦] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله ﷿ اه","vol":"1","page":45},{"text":"(١٩) - الدارمي [١٣٥] أخبرنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا اه\n\n<span data-type='title' id=toc-17>(١٣) باب كان أصحاب النبي ﷺ يبينون بالقول والفعل والترك تأسيا</span>\nوقول النبي ﷺ: \"إن العلماء ورثة الأنبياء\" [د ٣٦٤٣] وقال ابن مسعود لإنسان: إنك في زمان قليل قراؤه كثير فقهاؤه يحفظ فيه حدود القرآن ويضيع فيه حروفه، قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون الصلاة فيه ويقصرون فيه الخطبة يبدون فيه بأعمالهم قبل أهوائهم اه\n(١) - ابن سعد [٨٢٣٩] أخبرنا وهب بن جرير بن حازم ويحيى بن عباد قالا أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن المضرب قال: قرأت كتاب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: أما بعد فإني بعثت إليكم عمارا أميرا، وعبد الله معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ فاسمعوا لهما واقتدوا بهما، وإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة اه\nفأمر الناس بالاقتداء بهم، ونهاهم عن التوسع في الرواية عن النبي ﷺ، فكانوا يبينون بأفعالهم ويقلون الرواية.\n(٢) - الطبراني [٣٠٥٨] حدثنا عبدان بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد الزهري ثنا سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن حذيفة بن أسيد قال: رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان مخافة أن يستن بهما اه [هق ١٩٥٠٧] فبينا بالترك.\n(٣) - مالك [٧٠١] عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه. ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا اه رواه غير عروة موصولا. فبين بالترك.","vol":"1","page":46},{"text":"(٤) - ابن سعد [٨٦٤٧] أخبرنا محمد بن عبيد قال حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أتينا عمر نريد أن نسأله عن المسح على الخفين، فقام فبال، ثم توضأ ومسح على خفيه. فقلنا: إنما أتيناك لنسألك عن المسح على الخفين. فقال: إنما صنعت هذا من أجلكم اه محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي.\n(٥) - البخاري [١٦٢] حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا ثم مسح برأسه ثم غسل كل رجل ثلاثا ثم قال رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه اه فبين بالعمل كما تلقى الوصف بالعمل.\n(٦) - البخاري [٥٢٩٣] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه وذكر رأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قياما وإن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعت. فبين للناس بالعمل كما تلقى البيان من النبي ﷺ بالعمل.\n(٧) - مسلم [١٠٤٤] حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا هشيم عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر بن الخطاب فذكروا من صلاته فأرسل إليه عمر فقدم عليه فذكر له ما عابوه به من أمر الصلاة فقال: إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها. الحديث. [خ ٧٥٥] فلم يرفعه حتى قيل له فيه، وكان يكتفي بالبيان بالعمل.\n(٨) - عبد الرزاق [٨٧٧٦] أخبرنا معمر قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن زيد بن ثابت قال: إني لآكل الطحال وما بي إليها حاجة، ولكن لأري أهلي أنه لا بأس بها اه","vol":"1","page":47},{"text":"(٩) - البخاري [٣٥٢] حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا عاصم بن محمد قال حدثني واقد بن محمد عن محمد بن المنكدر قال: صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المشجب، قال له قائل: تصلي في إزار واحد؟ فقال: إنما صنعت ذلك، ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد النبي ﷺ؟ اه فبين بالعمل.\n(١٠) - ابن سعد [٣٢٩٨] أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: قلنا لحذيفة: أخبرنا برجل قريب السمت والهدي من رسول الله ﷺ نأخذ عنه، فقال: ما أعرف أحدا أقرب سمتا وهديا ودلا برسول الله ﷺ من ابن أم عبد حتى يواريه جدار بيت، قال: ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة اه\nفطلبوا أشبه الناس هديا ظاهرا بالنبي ﷺ ليقتدوا به فكان الأشبه بين أظهرهم عبد الله بن مسعود.\n(١١) - مالك [١١٥٤] عن زيد بن أسلم عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور بن مخرمة: لا يغسل المحرم رأسه. قال: فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم. قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل اه\n(١٢) - أحمد [٢٣٦٢٩] حدثنا محمد بن أبي عدي عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله قال: قدم علينا أبو أيوب وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخَّرَ المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة؟! قال: شغلنا. قال: أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا. أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب","vol":"1","page":48},{"text":"إلى أن تشتبك النجوم اه [د ٤١٨]\n(١٣) - أحمد [٤٩٨٢] حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن منصور عن عبد الرحمن بن سعد قال: كنت مع ابن عمر فكان يصلي على راحلته هاهنا وهاهنا، فقلت له؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل اه فلم يحدثه عن النبي ﷺ حتى سأله فبين له أنه عمله، كذلك ما روى:\n(١٤) - الترمذي [١٠٣٤] حدثنا عبد الله بن منير عن سعيد بن عامر عن همام عن أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه. ثم جاءوا بجنازة امرأة من قريش فقالوا: يا أبا حمزة صل عليها. فقام حيال وسط السرير. فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا اه ومثله ما روى:\n(١٥) - البخاري [١١٠٠] حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا حبان قال حدثنا همام قال حدثنا أنس بن سيرين قال استقبلنا أنسا حين قدم من الشأم، فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار ووجهه من ذا الجانب، يعني عن يسار القبلة. فقلت رأيتك تصلي لغير القبلة. فقال لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعله لم أفعله اه\n(١٦) - البخاري [١٠٢٤] حدثنا مسلم ومعاذ بن فضالة قالا أخبرنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة قال: رأيت أبا هريرة ﵁ قرأ (إذا السماء انشقت) فسجد بها. فقلت: يا أبا هريرة ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد اه فلم يرفعه حتى سأله.\n(١٧) - ابن خزيمة [٢٨١٣] ثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن سالما أخبره عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يصلي بأهل مكة ركعتين ثم يسلم ثم يقومون فيتمون صلاتهم وإن سالما قال للحجاج عام نزل بابن الزبير الحجاج فكلم عبد الله بن عمر أن يريه كيف يصنع في الموقف قال سالم: فقلت للحجاج إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة في يوم عرفة قال عبد الله: صدق. وإنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة يوم عرفة فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنما يتبعون سنته اه [خ ١٦٦٢]","vol":"1","page":49},{"text":"في الباب غير هذا كثير، وهو معلوم من سيرتهم. فأفعالهم وما تركوا بيان للسنة، لذلك قَلَّت رواياتهم كما كانت أقوال النبي ﷺ أقل من أفعاله. فما تعبد به الصحابي فهو في الأصل سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>(١٤) باب الدلالة على أن البيان بالعمل أبلغ من البيان بالأمر وأن الاقتداء بالأفعال أكثر</span>\n(١) - البخاري [٢٥٨١] حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرني الزهري قال أخبري عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: - فذكر خبر الحديبية ثم قال - فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. الحديث.\nفكان العمل أقوى في الاتباع من القول.\n(٢) - البخاري [٦٤٥٩] حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدثنا أبو سلمة أن أبا هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل! فقال رسول الله ﷺ: أيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين. فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم. كالمنكل بهم حين أبوا اه فكان الفعل مشكلا على القول أقوى في التأسي.\n(٣) - أحمد [١١٤٤١] حدثنا عبد الصمد حدثني أبي ثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: أتى رسول الله ﷺ على نهر من السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله على بغلة له، فقال: اشربوا أيها الناس. قال: فأبوا. قال: إني لست","vol":"1","page":50},{"text":"مثلكم إني أيسركم إني راكب فأبوا. قال: فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس. وما كان يريد أن يشرب اه عبد الوارث بن سعيد قديم السماع من الجريري [ابن حبان ٣٥٥٠]\n(٤) - ابن سعد [٩٨٢٠] أخبرنا أبو عبد الله العبدي قال حدثني سهل بن محمود قال حدثنا عبد العزيز العمي عن أبي عمران الجوني عن هرم بن حيان أنه قال: إياكم والعالم الفاسق فبلغ عمر بن الخطاب فكتب إليه وأشفق منها: ما العالم الفاسق؟ فكتب إليه هرم بن حيان: والله يا أمير المؤمنين، ما أردت به إلا الخير، يكون إمام يتكلم بالعلم، ويعمل بالفسق، فيُشَبه على الناس، فيضلوا اه العبدي هو محمد بن كثير. والعمي هو ابن عبد الصمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>(١٥) باب الدلالة على أن أكثرهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى</span>\nوقال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)\n(١) - أبو خيثمة [العلم ١٠٤] حدثنا معن بن عيسى ثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن واثلة قال: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم اه\n(٢) - ابن سعد [٣٣١١] أخبرنا مالك بن إسماعيل أخبرنا إسرائيل عن أبي حصين عن عامر عن مسروق عن عبد الله قال: حدث يوما حديثا فقال: سمعت رسول الله ﷺ ثم أرعد وأرعدت ثيابه، ثم قال: أو نحو ذا أو شبه ذا اه\n(٣) - الدارمي [٢٨١] أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا ابن نمير عن مالك بن مغول عن الشعبي عن علقمة قال قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ ثم ارتعد ثم قال نحو ذلك أو فوق ذاك اه\n(٤) - الدارمي [٢٧٧] أخبرنا عثمان بن محمد ثنا إسماعيل عن أيوب عن محمد قال: كان أنس إذا حدث عن رسول الله ﷺ حديثا قال: أو كما قال رسول الله ﷺ اه\n(٥) - عبد الرزاق [٢٠٩٧٧] عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة كلهم يختلف في اللفظ والمعنى واحد اه","vol":"1","page":51},{"text":"في الباب آثار أُخَر، وكان بعضهم يكتب الحديث كعبد الله بن عمرو [خ ١١٣]، وأكثرهم يروي بالمعنى الذي فهم من رسول الله، وفي ذلك دلالة على أن ما فهم الصحابة من رسول الله هو السنة التي تأذن الله بحفظها، وأن من خَطَّأهُم بما روي من الحديث لم يفقه عنهم ما أراد النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>(١٦) باب من تحرى من حديث رسول الله ما كان سنة مقصودة للتشريع</span>\n(١) - ابن حبان [٦٣] أخبرنا أبو يعلى قال حدثنا أبو خيثمة قال حدثنا أبو عامر العقدي قال حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد وأبي أسيد أن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به. وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه اه فكل حديث يروى يعرض على ما يعرفون من السنة الموروثة.\n(٢) - البخاري [٥٠٠٥] حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا يحيى عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال عمر: أُبيٌّ أقرؤنا وإنا لندع من لحن أبي، وأبي يقول أخذته من في رسول الله ﷺ فلا أتركه لشيء قال الله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها) اه\n(٣) - عبد الرزاق [٢٧٣٤] عن معمر عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر فقرأ (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و(لإيلاف قريش) ثم رأى أقواما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض اه\n(٤) - أبو داود [٤٦٦١] حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة بن قدامة الثقفي حدثنا عمر بن قيس الماصر عن عمرو بن أبي قرة قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما","vol":"1","page":52},{"text":"يقول. فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله ﷺ؟! فقال سلمان: إن رسول الله ﷺ كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة. ولقد علمت أن رسول الله ﷺ خطب فقال: أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة. والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر اه\n(٥) - البخاري [١٦٧٧] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ. وروى مسلم نحوه عن عائشة.\n(٦) - مسلم [٣١١٤] حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الجريري عن أبي الطفيل قال قلت لابن عباس أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة أطواف أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال فقال: صدقوا وكذبوا. قال قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا؟! قال: إن رسول الله ﷺ قدم مكة فقال المشركون إن محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال وكانوا يحسدونه. قال فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا ثلاثا ويمشوا أربعا. قال قلت له: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة. قال: صدقوا وكذبوا. قال قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت. قال وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل اه\n(٧) - ابن سعد [٨٢٦] أخبرنا عبد الله بن يزيد المقرئ أخبرنا الليث بن سعد حدثني أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد أن سليمان بن خارجة بن زيد بن ثابت حدثه عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت فقالوا: حدثنا عن","vol":"1","page":53},{"text":"أخلاق رسول الله ﷺ فقال: ماذا أحدثكم؟ كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي أرسل إلي فكتبته له، وكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، أفكل هذا أحدثكم عنه؟ اه\nفي الباب من مثل هذا كثير يدل على أنهم كانوا لا يأخذون من الحديث الثابت عن رسول الله إلا بما كان سنة قُصد بها التشريع.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>(١٧) باب ما جاء في بيان معنى البدعة</span>\nوقول الله تعالى (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون)\n(١) - قال مسلم [١٧١٨] حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وعبد الله بن عون الهلالي جميعا عن إبراهيم بن سعد قال ابن الصباح حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثنا أبي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه [خ ٢٢٥٠]\n\"مِنْ \" للتبعيض، أي ما ليس بعضا منه كما في لفظ البخاري \"ما ليس فيه\". فعلق الرد بالوصف العدمي في قوله: ما ليس منه، والرد حكم عدمي معلل بوصف عدمي. ولم يقل: ما خالف أمرنا. فالمحدث ما أضيف إلى الدين وليس يوجد فيه. وقوله أمرنا أي عملنا:\n- قال إسحاق بن راهويه [٩٧٩] أخبرنا أبو عامر نا عبد الله بن جعفر من ولد المسور بن محمد عن سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل أوصى من مساكن بثلث كل مسكن فقال القاسم: أرى أن يجمع ذلك كله في مسكن واحد، أخبرتني عائشة عن رسول الله ﷺ قال: من عمل بغير عملنا فهو رد اه ورواه مسلم عن إسحاق وعن عبد بن حميد بلفظ ابن حميد [م ١٧١٩].","vol":"1","page":54},{"text":"(٢) - أحمد [١٧١٤٥] حدثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد ثنا خالد بن معدان قال ثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحُجر بن حجر قالا أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين فقال عرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فان كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة اه\nفأطلعه الله على ما يحدث في الأمة وما يكون من الخلفاء الراشدين، فجعل البدعة ما حدث بعدهم. ودلالة التنبيه في قوله \"كل محدثة بدعة \" تقضي بأن الحكم معلق بوصف الإحداث لا المخالفة.\nوقال أحمد [٢١٩١٩] حدثنا بهز ثنا حماد بن سلمة ثنا سعيد بن جمهان ح وعبد الصمد حدثني سعيد بن جمهان عن سَفينة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك. قال سفينة: أَمْسِكْ، خلافةُ أبي بكر رضي الله تعالى عنه سنتين، وخلافةُ عمر رضي الله تعالى عنه عشر سنين، وخلافة عثمان رضي الله تعالى عنه اثنتي عشرة سنة وخلافة علي رضي الله تعالى عنه ست سنين رضي الله تعالى عنهم.\n(٣) - المروزي [السنة ٨٢] حدثنا إسحاق أنبأ وكيع عن هشام بن الغاز أنه سمع نافعا يقول قال ابن عمر: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنا اه [واللالكائي ١٢٦]. فالبدعة لا حسن فيها.\n(٤) - محمد بن وضاح [البدع ٦٤] نا أسد قال نا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة أن ابن مسعود قال: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهليه. عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، أو يفتقر إلى ما عنده،","vol":"1","page":55},{"text":"وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. عليكم بالعلم، وإياكم والتبدع والتنطع، والتعمق وعليكم بالعتيق اه تابعه سليمان بن حرب وأبو النعمان عن حماد بن زيد [مي ١٤٣].\n- المروزي [السنة ٨٠] حدثنا إسحاق أنبأ عيسى بن يونس عن الأعمش عن جامع بن شداد عن أبي الشعثاء عن ابن مسعود قال: إنكم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم. فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول اه جعل المحدثة البدعة ما ليس عليه العمل الأول، فالبدع ما ليس عليه العمل.\n(٥) - أبو خيثمة [العلم ٥٤] حدثنا جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة اه\n- عبد الله الدارمي [السنن ٢٠٥] أخبرنا يعلى ثنا الأعمش عن حبيب عن أبي عبد الرحمن قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم اه\n- ابن وضاح [١٧] حدثنا أسد قال: نا أبو هلال عن قتادة عن عبد الله بن مسعود قال: اتبعوا آثارنا، ولا تبتدعوا فقد كفيتم اه\nفجعل الابتداع خلاف الاتباع. ومعنى قوله \"كفيتم\": لا تجتهدوا في إحداث تعبد فقد كفيتم ذلك بالعمل الأول، فالبدعة تخترع بالاجتهاد والسنة العمل الأول.\n(٦) - عبد الله بن أحمد [زوائد الزهد ١٥٦١] ثنا رَوح حدثنا عبد المؤمن بن أبي شراعة عن الحسن قال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم، وإياكم وما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات اه فبَيَّنَ أن المحدث ما كان في الدين، وهو ما ليس عليه عمل المهاجرين من الصحابة، مثل حديث العرباض.\nفالبدعة عمل أضيف إلى الدين وليس من عمل النبي ﷺ وأصحابه، وإن استحسنته الأهواء. وليس مقيدا بما خالف ذلك.\nهذا الباب في فهمهم للبدعة، وكلماتهم فيها جملة (تأصيلا). والأبواب الآتية في بيان عملهم في الفتوى (تحقيق المناط).","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>(١٨) باب ما جاء في ذم البدعة جملة</span>\nوقول الله تعالى (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) السبل البدع. وقول الله تعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) وقول النبي ﷺ: ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. ويروى عن أبي بكر قوله: أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع. [طبقات ابن سعد ٣٤٣١] ويروى عن حسان بن ثابت أنه قال: إن الخلائق فاعلم شرها البدع. [سيرة ابن هشام ٤/ ١٧١] ويذكر عن ابن عباس قوله: أبغض الأعمال إلى الله البدع. [السنة للمروزي ٨٤]\n(١) - قال مسلم [٨٦٧] حدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى. ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. [س ٥٨٩٢]\n(٢) - أبو داود [٤٦٠٧] حدثنا أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السّلمي وحجر بن حُجْر قالا: أتينا العرباض بن سارية - فذكر الحديث إلى قوله - فإِنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديِّين الراشدين تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإِنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ اه\n(٣) - أبو بكر بن خزيمة [٦] ثنا علي بن حجر السعدي ثنا إسماعيل يعني بن جعفر ثنا العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وحدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. وحدثنا بُندار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن العلاء. وحدثنا أبو موسى قال","vol":"1","page":57},{"text":"حدثني محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وحدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي أخبرنا ابن علية عن روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المقبرة فسلم على أهلها وقال: سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أو لسنا بإخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني قوم لم يأتوا بعد، وأنا فرطكم على الحوض. قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيتم لو أن رجلا له خيل غُرٌّ مُحَجَّلة بين ظهري خيل بُهمٍ دُهمٍ ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم! فيقال: إنهم قد أحدثوا بعدك، وأقول سحقا سحقا اه [أصله في الموطأ ٦٠ ومسلم ٢٤٩ - ٢٤٧] فانظر هذه البراءة ممن أحدث في الدين مطلقا، وانظر مَنْ إخوانه الذين اشتهى النبي ﷺ أن يراهم.\n(٤) - البخاري [١٨٦٧] حدثنا أبو النعمان حدثنا ثابت بن يزيد حدثنا عاصم أبو عبد الرحمن الأحول عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يُقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين اه [م ١٣٦٦]. قوله: \"حدثٌ \" و\"حدثًا \" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم. وهذا العموم مكرر في الجملتين معا، والتكرار لفائدة ليس لغوا ..\n(٥) - الطبراني [الأوسط ٤٢٠٢] حدثنا علي بن عبد الله الفرغاني قال نا هارون بن موسى الفروي قال نا أبو ضمرة أنس بن عياض عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة. [شعب الإيمان ٩٤٥٧] وهذا عموم آخر.\n(٦) - أحمد [٣٧٩٠] حدثنا محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: إنه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون بدعة","vol":"1","page":58},{"text":"ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. قال ابن مسعود: يا رسول الله كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: ليس يا ابن أم عبد طاعة لمن عصى الله. قالها ثلاث مرات اه\n(٧) - أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام ٤٢] أخبرنا أبو يعقوب الحافظ أخبرنا خالي أحمد بن إبراهيم أخبرنا أبو علي بن رزين حدثنا علي بن خشرم أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبي عمران الجوني عن أبي فراس رجل من أسلم قال: قال رسول الله: إياي والبدع والذي نفسي بيده ما ابتدع رجل في الإسلام شيئا ليس في كتاب الله منزلا إلا ما خلف خير له مما ابتدع إن أملك الأعمال خواتيمها ومن شق شق عليه فدعوني ما ودعتكم إنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم. أبو يعقوب هو إسحاق بن إبراهيم القراب الحافظ الهروي.\n(٨) - أحمد [٢٣٥٢١] حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد قال: دخلت أنا ويحيى بن جعدة على رجل من الأنصار من أصحاب الرسول قال: ذكروا عند رسول الله ﷺ مولاة لبني عبد المطلب فقال: إنها تقوم الليل وتصوم النهار، قال: فقال رسول الله ﷺ: لكني أنا أنام وأصلي وأصوم وأفطر فمن اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني. إن لكل عمل شرة ثم فترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى اه وهذا ذم مطلق، ولا أُبعِد أن يكون معنى البدعة هنا الانقطاع عن صالح العمل والزيغ، يقال: أبدعت به دابته إذا كلت عن السير، والله أعلم.\n(٩) - النسائي [٣٠٥٧] أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا ابن علية قال حدثنا عوف قال حدثنا زياد بن حصين عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: قال لي رسول الله ﷺ: غداة العقبة وهو على راحلته: هات القُط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين! اه [أحمد ٣٣٠٥/ ق ٣٠٢٩] فبين أن أقل زيادة في الدين ولو في مثل حجم حصاة الجمار غلو في الدين، وأنه السبب في ضلال من قبلنا ..","vol":"1","page":59},{"text":"(١٠) - ابن وضاح [٦٠] نا أسد عن سفيان بن عيينة عن هلال الوراق قال نا شيخنا القديم عبد الله بن عكيم عن عمر أنه كان يقول: أصدق القيل قيل الله، وأن أحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وإن شر الأمور محدثاتها، ألا وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار اه\n- المروزي [السنة ٧٥] حدثنا إسحاق أنبأ سفيان عن هلال الوازن عن عبد الله بن عكيم قال كان عمر يقول: إن أصدق القيل قيل الله وإن أحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها اه هلال هو ابن أبي حميد كان وراقا ووزانا. هذا عمر ﵁ يكرر العموم نفسه.\n(١١) - المروزي [السنة ٧٩] حدثنا إسحاق أنبأ أبو معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن عبد الله بن مرداس عن عبد الله بن مسعود قال: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار اه\n(١٢) - ابن الجعد [٨٨] أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت مرة الهمداني قال كان عبد الله يقول: إن أصدق الحديث كتاب الله جل وعز، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها. الحديث [خ ٧٢٧٧ مختصرا]\n(١٣) - الدارمي [السنن ٢١٧] أخبرنا موسى بن خالد ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن عمارة ومالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. [ك ٣٥٢]\n- المروزي [السنة ٨٩] حدثنا يحيى أنبأ عَبْثَر أبو زبيد عن العلاء بن المسيب عن المسيب عن عبد الله قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، وكل بدعة ضلالة اه\n(١٤) - ابن أبي شيبة [٣٧١٥٩] حدثنا أبو أسامة حدثنا سفيان قال أخبرني واصل الأحدب قال حدثتني عائذة امرأة من بني أسد وأثنى عليها خيرا قالت سمعت عبد الله بن مسعود وهو يوطئ الرجال والنساء يعني يتخطاهم: ألا أيها الناس من أدرك منكم من امرأة أو رجل فالسمت الأول السمت الأول فإنا اليوم على الفطرة اه [الدارمي ٢١٣]","vol":"1","page":60},{"text":"- هناد [الزهد ٤٩٨] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال عبد الله: إن أحسن الهدى هدى محمد، وأحسن الكلام كلام الله، وإنكم ستُحْدثون ويُحْدَث لكم. وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة اه\n(١٥) - الدارمي [١٨٥] أخبرنا يعلى ثنا الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثرت قراؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقَلَّت أمناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة اه فسمى البدعة التي سيستحسنها المتأخرون فتنة.\nهذه كلمات ابن مسعود ﵀ يحذر من مطلق الابتداع ومن كل بدعة.\n(١٦) - البيهقي [المدخل ١/ ١٤١] أخبرنا أبو طاهر الفقيه وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس الأصم ثنا محمد بن عبيد الله المنادي حدثنا شبابة حدثنا هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر قال: كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة اه [السنة للمروزي ٨٢]\n(١٧) - أبو داود [٤٦١٣] حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد اللّه بن موهب الهمداني ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني عائذ اللّه أخبره أن يزيد بن عميرة - وكان من أصحاب معاذ بن جبل - أخبره قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر حين يجلس إلا قال: اللّه حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يومًا: إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإِياكم وما ابتدع، فإِن ما ابتدع ضلالة. الحديث.\nوهذا عموم آخر مؤكد، والموصول \"ما\" هو للعموم، أي إياكم وكل ما ابتدع من دون القرآن فإنه ضلالة.\n(١٨) - المروزي [٩٩] حدثنا إسحاق أنبأ عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن أبي عون عن أبي إدريس الخولاني قال: لأن أرى في المسجد نارا لا أستطيع إطفاءها","vol":"1","page":61},{"text":"أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها اه فأطلق البدعة ولم يقيد.\n(١٩) - ابن وضاح [٧٠] نا أسد قال نا مهدي بن ميمون عن الحسن قال: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا اه [الهروي في ذم الكلام ٤٦٨]\n(٢٠) - عبد الله بن أحمد [زوائد الزهد ١٥٦١] حدثنا روح حدثنا عبد المؤمن بن أبي شراعة عن الحسن قال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم، وإياكم وما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات اه وهذا عموم آخر من الحسن البصري ﵀.\n(٢١) - الدارمي [٩٩] أخبرنا مسلم بن إبراهيم ثنا وُهَيب ثنا أيوب عن أبي قلابة قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف اه لأنه لا يرى الحق إلا في ما أحدث، والبدع تفرق الأمة.\n(٢٢) - الدارمي [٩٨] أخبرنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي عن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة اه حسان هو ابن عطية التابع الفقيه. قوله: \"بدعة\" نكرة في سياق الشرط تعم كل بدعة.\n(٢٣) - ابن سعد [٧٦٦٩] أخبرنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أبو المليح قال: جاءت كتب عمر بن عبد العزيز بإحياء السنة وإماتة البدع اه هذا مجدد المئة الأولى في تاريخ الأمة يغير البدع بإطلاق. وهو الذي خطب الناس بذلك كما روى:\n(٢٤) - يعقوب بن سفيان الفسوي [المعرفة والتاريخ ١/ ٦٠٨] حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير حدثنا زياد بن مخراق قال: سمعت عمر بن عبد العزيز وهو يخطب الناس يقول: لولا سنة أحييها أو بدعة أميتها لما باليت أن أعيش فواقًا اه فهو أصله الذي جاء به.\nوقال ابن سعد [٧٤٦٢] أخبرنا سعيد بن عامر عن حزم بن أبي حزم قال: قال عمر بن عبد العزيز في كلام له فلو كان كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيرا اه","vol":"1","page":62},{"text":"(٢٥) - الدارمي [٤٣٣] حدثنا موسى بن خالد ثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: يا أيها الناس إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبيا، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزله عليه كتابا. فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة. وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة. ألا وإني لست بقاض ولكني منفذ. ولست بمبتدع ولكني متبع. ولست بخير منكم غير أني أثقلكم حملا. ألا وإنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع في معصية الله ألا هل أسمعت؟ اه بينهما شيبة:\n- قال الفسوي [المعرفة ١/ ٣٢٣] حدثنا ابن بكير قَال: حدثني الليث عن عبد العزيز عن عبيد الله بن عُمَر بن حفص عن رجل من أهل واسط يقال له شيبة بن مساور أنه قَال: سمعت عمر بن عبد العزيز فذكره. عبد العزيز هو ابن أبي سلمة الماجشون [البيهقي في المدخل ١٩] وشيبة وثقه ابن معين وابن حبان [تعجيل المنفعة ٤٦١] وهي خطبة مستفيضة رواها غير واحد [حلية الأولياء ٥/ ٢٩٥].\n(٢٦) - أبو داود [٤٦١٤] حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر ح وحدثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا حماد بن دليل قال سمعت سفيان الثوري يحدثنا عن النضر ح وحدثنا هناد بن السري عن قبيصة قال حدثنا أبو رجاء عن أبي الصلت - وهذا لفظ حديث ابن كثير ومعناهم - قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب: أما بعد أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﷺ وترك ما أحدث المُحْدثون بعد ما جرت به سنته وكُفُوا مؤنته. فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة. ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها. فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها (ولم يقل ابن كثير من قد علم) من الخطأ والزلل والحمق والتعمق. فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كَفُّوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى. فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه","vol":"1","page":63},{"text":"عنهم فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي. فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم اه\nوفي الباب غير هذا كثير.\nهذا الإطلاق والعموم المتوارد في أحاديث النبي يدل على أن كل بدعة في الدين ضلالة بلا استثناء، والتأكيد - يقولون - يرفع احتمال المجاز. وصدور هذا الإطلاق من مخارج مختلفة يدل على أنه معنى متواتر عندهم فيفيد \"القطع\".\n\n<span data-type='title' id=toc-23>(١٩) باب الدلالة على أن الله لا يقبل بدعة يوم القيامة</span>\nلقول النبي ﷺ: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\"\n(١) - قال أبو داود الطيالسي [المسند ٢٣٦٥] حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قال أبو ذر لأبي بن كعب: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم يجبه، فلما قضى صلاته قال له: مالَكَ مِنْ صلاتك إلا ما لغوت! فأتى أبو ذر النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: صدق أُبَيٌّ. [ق من وجه آخر ١١١١]\nفكان طلبه للعلم والإمام يخطب لغوا بطل معه أجر الجمعة، وكانت نية أبي ذر صالحة.\n(٢) - مالك [٣٤٢] عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت اه [خ ٨٩٢/ م ٢٠٠٢]\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم القربات، لكن لما وضع في غير موضعه كان لغوا مردودا.\nتقدم في الباب قبله ما يدل عليه كحديث الحوض نسأل الله السلامة والعفو برحمته.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>(٢٠) باب الدلالة على أن الله لا يقبل يوم القيامة من السنن إلا ما كان خالصا له</span>\nلقول الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)\n(١) - قال مسلم [٥٠٣٢] حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا ابن جريج حدثني يونس بن يوسف عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة فقال له ناتلُ أهلِ الشام: أيها الشيخ حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ. قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار! ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلَّمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم. وقرأت القرآن ليقال هو قارئ. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار! ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار اه\nفهذه سنن عُمل بها لغير الله فكانت ردا. فليس يقبل الله تعالى من العمل يوم القيامة إلا ما كان سنة مرادا بها وجهه سبحانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>(٢١) باب ما أنكروه مما يجري على رسم\" البدعة الحسنة\"</span>\nوقال ابن عمر: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.\n(١) - قال البخاري [٣٨٣٤] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها","vol":"1","page":65},{"text":"لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يَحِل هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث اه فنهاها عن زيادة عمل استُحْسِن ولم يَستدِل له بشيء مثل قول مريم (إني نذرت للرحمن صوما) [مريم ٢٥]\n(٢) - ابن أبي شيبة [٢٦٧١٥] حدثنا معاوية بن هشام قال حدثنا سفيان عن سعيد الجريري عن أبي عثمان قال: كتب عامل لعمر بن الخطاب إليه أن ههنا قوما يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل، وقال عمر للبواب: أعدَّ لي سوطا، فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربا بالسوط، فقال: يا عمر! إنا لسنا أولئك الذين يعني! أولئك قوم يأتون من قبل المشرق اه سماع سفيان من الجريري قبل الاختلاط.\n(٣) - عبد الرزاق [٢٧٣٤] عن معمر عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر فقرأ (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و(لإيلاف قريش) ثم رأى أقواما ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصل وإلا فليمض.\n- الطحاوي [مشكل الآثار ١٢/ ٥٤٤] حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني جرير بن حازم وحدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال أخبرنا أبي وشعيب بن الليث عن الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن الأعمش قال حدثني معرور بن سويد الأسدي قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلما انصرف إلى المدينة وانصرفت معه، فصلى لنا صلاة الغداة، فقرأ فيها (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و(لإيلاف قريش) ثم رأى أناسا يذهبون مذهبا فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجدا ها هنا صلى فيه رسول الله ﷺ. قال: إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذه يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا، ومن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها، ولا يتعمدنها اه","vol":"1","page":66},{"text":"(٤) - ابن أبي شيبة [٣٤٥١١] حدثنا شاذان قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن أنس أنهم لما فتحوا تُسْتَرَ قال: وجدنا رجلا أنفه ذراع في التابوت كانوا يستظهرون أو يستمطرون به، فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب عمر: إن هذا نبي من الأنبياء، والنار لا تأكل الأنبياء، أو الأرض لا تأكل الأنبياء، فكتب إليه: أن انظر أنت ورجل من أصحابك، يعني أصحاب أبي موسى، فادفنوه في مكان لا يعلمه أحد غيركما قال: فذهبت أنا وأبو موسى فدفناه اه\n- البيهقي [دلائل النبوة ٣٤٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار قال حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تُسْتَرَ وجدنا في بيت مال الهُرْمُزان سريرا عليه رَجُل ميت عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعبا، فنسخه بالعربية أنا أول رجل من العرب قرأه. قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ فقال: سيرتكم، وأموركم، ودينكم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان في الليل دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقلت: وما ترجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عليهم برزوا بسريره فيمطرون. قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: مذ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ثلاثمائة سنة. فقلت: ما كان تغير شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع اه\n(٥) - ابن سعد [١٧٢٧] أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا عبد الله بن عون عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها قال: فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت اه تابعه معاذ بن معاذ أنا ابن عون [ش ٧٥٤٤] صحيح لا يضرك أنه مرسل، ونافع فقيه عالم (^١).\nفانظر ما أنكر أمير المؤمنين مما لو كان محتجا له بعمومٍ لفعل. وهو أمر استحبه من استحسن البدع!\n_________\n(^١) - قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة [ص ٢٤]: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان الله عليهم اه وقال الباجي في الإشارة ص ١٦: قال محمد بن جرير: إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المئتين اه","vol":"1","page":67},{"text":"(٦) - سعيد بن منصور [الباعث على إنكار البدع لأبي شامة ص ٧٠] حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن طعامه حتى يضعوها فيه ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه اه رواه ابن الجوزي [التحقيق في أحاديث الخلاف ١١٧٤] أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك أنبأنا أحمد بن الحسن أبو طاهر الباقلاني قال أنبأنا أبو علي بن شاذان حدثنا دعلج ثنا محمد بن علي بن زيد ثنا سعيد بن منصور فذكره. [ش ٩٨٥١] فنهاهم عن الصوم، عن عمل خير في الظاهر.\n(٧) - ابن أبي شيبة [٦٠٥١] حدثنا أبو معاوية وابن إدريس عن الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مسهر عن خرشةَ قال: كان عمر يكره أن يصلَّى خلف صلاة مثلُها اه ابن مسهر من شيوخ الأعمش سمع منه، ولو كان الأعمش مدلسا في هذا الأثر لأسقط إبراهيم. فالأشبه أنه متصل.\nوانظر ما أنكره عمر ولم يقل: هو بدعة حسنة، مع العلم بالعمومات.\n(٨) - عبد الرزاق [٥٤٢٤] عن ابن عيينة عن بيان عن قيس بن أبي حازم قال: ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل، يقول للناس: قولوا كذا وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، قال: فجاء عبد الله متقنعا، فقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه! وإنكم لمتعلقين بذَنَب ضلالة اه\n- الطبراني [٨٦٣٣] حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو عمر الضرير أنا حماد بن سلمة أَنْ عطاء بن السائب أخبرهم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد السلمي ومُعَضَّدٌ في أُنَاسٍ من أصحابِهما اتخذوا مسجدا يُسَبِّحُونَ فيه بين المغرب والعشاء كذا، ويُهَلِّلُونَ كَذا ويَحْمَدُون كَذَا، فأُخْبِرَ بذلك عبد اللَّه بن مسعود، فقال للذي أخبره: إذا جلسوا فَآذِنِّي، فلما جلسوا آذنه، فجاء عبد الله عليه بُرنُس حتى دخل عليهم، فكشف البرنُس عن رأسه، ثم قال: أنا ابن أم عَبْدٍ، واللَّه لقد جئتم ببدعة ظَلْمَاءَ، أو قد فَضَلْتُمْ أصحاب محمد ﷺ علما! فَقَالَ مُعَضَّدٌ وكان رجلا مُفَوَّهًا: والله ما جئنا ببِدعة ظلماء ولا فَضَلْنَا أصحاب محمدٍ ﷺ. فقال عبد اللَّه: لئن","vol":"1","page":68},{"text":"اتبعتم القوم لقد سبَقوكم سبقا مبينا، ولئن جُرْتُم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا اه\n- ابن وضاح [٢٨] نا موسى بن معاوية عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: جاء المسيب بن نجيد إلى عبد الله فقال: إني تركت في المسجد رجالا يقولون: سبحوا ثلاثمائة وستين! فقال: قم يا علقمة واشغل عني أبصار القوم، فجاء فقام عليهم فسمعهم يقولون، فقال: إنكم لتمسكون بأذناب ضلال، أو إنكم لأهدى من أصحاب محمد ﷺ! أو نحو هذا اه تابعه الفضل بن دكين أبو نعيم حدثنا سفيان به، رواه الطبراني في الكبير [٨٦٢٨] حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم فذكره.\n- ابن وضاح [٥٦] عن موسى عن ابن مهدي عن إسرائيل عن أشعث بن أبي الشعثاء عن الأسود بن هلال قال: كان رجل يقص، فأُتي ابن مسعود فقيل له، فجاء فجلس في القوم، فلما سمع ما يقولون قام فقال: ألا تسمعون؟ فلما نظروا إليه قال: تعلمون أنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه، أو أنكم لتمسكون بطرف ضلالة اه تابعه أبو غسان مالك بن إسماعيل ثنا إسرائيل به رواه الطبراني [٨٦٣٩] حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان فذكره.\n- الدارمي [٢٠٤] أخبرنا الحكم بن المبارك أنا عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حِلَقًا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا فيقول: كبروا مئة فيكبرون مئة. فيقول: هللوا مئة فيهللون مئة. ويقول: سبحوا مئة، فيسبحون مئة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك - أو انتظار أمرك -. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم! ثم مضى","vol":"1","page":69},{"text":"ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟! قالوا: يا أبا عبد الله حصًا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، وَيْحَكُمْ يا أمة محمد؟ ما أسرع هلكَتَكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير! قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سَلِمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج اه تابعه ابن أبي شيبة [٣٩٠٤٥] حدثنا عمرو بن يحيى بن عمرو بن سَلِمَةَ الهمداني عن أبيه عن جده به مختصرا. وهذا سند جيد عمرو بن يحيى وثقه ابن معين حكاه أبو حاتم في الجرح والتعديل.\nوقد روى الأثر ابن أبي شيبة [٣٧٨٧٩] وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد [٢٠٨٩] وابن وضاح في البدع [١٨ - ١٩] والطبراني في الكبير [٨٦٣٧ - ٨٦٣٨] وأبو نعيم في الحلية [٢/ ٢٥٨]. (^١)\nهذا ابن مسعود أنكر عليهم ما ليس عليه العمل ولم يقل: هو بدعة حسنة.\n(٩) - الدارمي [٤٧٩] أخبرنا سهل بن حماد ثنا شعبة عن الأشعث عن أبيه - وكان من أصحاب عبد الله - قال: رأيت مع رجل صحيفة فيها \"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" فقلت له: أنسخنيها. فكأنه بخل بها. ثم وعدني أن يعطينيها. فأتيت عبد الله فإذا هي بين يديه فقال: إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة، وإنما أهلك من كان قبلكم هذا وأشباه هذا أنهم كتبوها فاستلذتها ألسنتهم وأشربتها قلوبهم. فأعزم على كل امرئ يعلم بمكان كتاب إلا دل عليه وأقسم بالله. قال شعبة: فأقسم بالله أحسبه أقسم لو أنها ذكرت له بدار الهنداريه يعني مكانا بالكوفة\n_________\n(^١) - إنما ذكرت بعض طرق الأثر لطعن ناس في صحته على تقصير، وهو كما ترى صحيح مشهور عند الأولين.","vol":"1","page":70},{"text":"بعيدا إلا أتيته ولو مشيا اه أشعث هو ابن أبي الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي.\n- اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة ٨٥] أخبرنا محمد بن أبي بكر أنبا محمد بن مخلد حدثني أيوب بن الوليد أنبا أبو معاوية ثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال قال عبد الله: إن أحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وإن أحسن الكلام كلام الله وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فكل محدث ضلالة وكل ضلالة في النار. وأتي بصحيفة فيها حديث قال فأمر بها فمحيت ثم غسلت ثم أحرقت ثم قال بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنشدت الله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به والله لو أني أعلم أنها بدير هند لتبلغت إليها اه\n(١٠) - ابن أبي شيبة [٦٠٥٢] حدثنا ابن إدريس عن حصين عن إبراهيم والشعبي قالا: قال عبد الله: لا يصلَّى على إثر صلاة مثلها. وقال حدثنا هشيم قال أخبرنا حصين عن أصحاب عبد الله عن عبد الله أنه كان يكره أن يُصَلَّى بعد المكتوبة مثلُها اه عبد الله هو ابن مسعود.\nلم يقل أن الصلاة خير موضوع ونحو ذلك من العمومات ..\n(١١) - مسلم [٦٨٩] حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رَحْله وجلس وجلسنا معه. فحانت منه التِفاتةٌ نحوَ حيثُ صلى، فرأى ناسا قياما. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسَبِّحون. قال: لو كنت مسَبحا لأتممت صلاتي. يا ابن أخي! إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) اه فأنكر عليهم الرواتب في السفر ولم يقل: بدعة حسنة.\n(١٢) - عبد الرزاق [١٨٣٦] عن ابن عيينة عن ليث عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فسمع رجلا يثوب في المسجد فقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع اه تابعه أبو يحيى القتات:","vol":"1","page":71},{"text":"- أبو داود [٥٣٨] حدثنا محمد بن كثير أنا سفيان ثنا أبو يحيى القتات عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوَّب رجل في الظهر أو العصر قال: اخرج بنا فإِن هذه بدعةٌ اه [الطبراني الكبير ١٣٤٨٦] رواية سفيان عن القتات قوية. ولم يستحسنه ابن عمر، وهو أعلم بالعمومات من الخلوف بعده.\n(١٣) - عبد الرزاق [٩١٢٩] عن ابن عيينة عن مسعر عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عمر يقول: صلى رسول الله ﷺ في البيت - أو قال: الكعبة - وسيأتي آخر ينهاك فلا تطعه، يعني ابن عباس اه إنما نهى ابن عباس عن الصلاة لما روى:\n- أبو داود الطيالسي [ح ٢٦٥٣] حدثنا همام قال سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة وهو يومئذ على ستة سواري فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل اه فمنعه للترك ولم يستحسنه.\nولم يقل ابن عباس: هو عمل خير وأينما تولوا فثم وجه الله أو يقسه على نافلة السفر. وقد احتج ابن عمر على الشرعية بالعمل. فانظر إلى أصولهم في الاستدلال.\n(١٤) - الترمذي [٢٧٣٨] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي من آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ، علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال اه حضرمي هو ابن عجلان قال الذهبي في الكاشف: صدوق.\n- الطبراني [مسند الشاميين ٣٢٣] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا سهل بن صالح الأنطاكي ثنا ابن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي حدثني سليمان بن موسى حدثني نافع قال ثنا ابن عمر وقد عطس رجل إلى جنبه فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. فقال ابن عمر: والله أقول السلام على رسول الله، ولكن ليس هكذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نقول إذا عطسنا! أمرنا رسول الله ﷺ أن نقول: الحمد لله على كل حال اه\nفأنكر عليه في التشميت ما لا ينكر في غيره، ولم يقل نعمت البدعة.\n(١٥) - ابن وضاح [٥٥] عن موسى عن ابن مهدي عن أبي سليمان عن يزيد","vol":"1","page":72},{"text":"الرِّشْك عن خالد الأثبج (^١) ابن أخي صفوان بن مُحْرِز قال: كنا في مسجد المدينة، وقاصٌّ لنا يقص علينا، فجعل يختصر سجود القرآن فيسجد ونسجد معه (^٢)، إذ جاء شيخ فقام علينا فقال: لئن كنتم على شيء إنكم لأفضل من أصحاب رسول الله ﷺ! فسألنا عنه فقلنا: من هذا الشيخ؟ فقالوا: هذا عبد الله بن عمر اه أبو سليمان هو جعفر بن سليمان. فأنكر عليهم السجود ولم يقل: نعمت البدعة.\n(١٦) - ابن أبي شيبة [٥٤٤٠] حدثنا وكيع قال حدثنا هشام بن الغاز قال سألت نافعا مولى ابن عمر: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعة اه\n- قال ابن رجب [فتح الباري ٨/ ٢١٩] روى وكيع في كتابه عن هشام بن الغاز قال: سألت نافعًا عن الأذان يوم الجمعة؟ فقالَ: قالَ ابن عمر: بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة وإن رآه الناس حسنًا اه\n(١٧) - ابن أبي شيبة [٩٨٥٤] حدثنا وكيع عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: كان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك اه عاصم هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. كره الاحتفال بشهر يضاهون به رمضان، ولم يقل نعمت البدعة الصومُ والفرحُ به.\n(١٨) - ابن أبي شيبة [١٥٣٥٣] حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال: لا يحج أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد اه\nفلم يستحسن ذلك بقياس أو عموم بل توقف لأنه الأصل. ومن أثبته من السلف فلزيادة علم عنده، رويت فيه آثار مشهورة.\n(١٩) - مسلم [٤٠٤] حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد بن عبد الملك الأموي - واللفظ لأبي كامل - قالوا حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم: أقِرَّت الصلاة بالبر والزكاة؟\n_________\n(^١) - وقع في المطبوع \"الأشج\" وهو تصحيف. انظر \"الألقاب\" من \"تقييد المهمل\" للغساني رقم ١٠\n(^٢) - اختصار السجود أن يقصد قراءة آي السجود ليسجد ولا يكمل التلاوة [الأوسط لابن المنذر ٨/ ٤٤٠]","vol":"1","page":73},{"text":"قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأَرَمَّ القومُ (^١). ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرمَّ القوم. فقال: لعلك يا حِطان قلتها؟ قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تَبْكَعَني بها (١). فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير. فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟! إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. الحديث. فعلمه ذكر الصلاة، ولم يقل: هو كلام خير لا بأس به يزاد إلى السنة، وأن صاحبها أراد الخير.\n(٢٠) - مالك [٥٨] عن موسى بن عقبة عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري أن أنس بن مالك قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة وأبي بن كعب، فقرب لهما طعاما قد مسته النار، فأكلوا منه فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة وأبي بن كعب: ما هذا يا أنس!؟ أعراقية؟ فقال: ليتني لم أفعل! وقام أبو طلحة وأبي بن كعب فصليا ولم يتوضآ اه ولم يقولا: هو بدعة حسنة، والوضوء عمل خير.\n(٢١) - ابن أبي شيبة [٣٠٥٧٠] حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر أن زِيَادًا النُّمَيْرِيَّ جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ، فرفع صوته، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه الخرقة، وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا؟! ما هكذا كانوا يفعلون. وكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه اه\n- الحارث بن أبي أسامة [المطالب العالية ٦٢٨] حدثنا أسود بن عامر شاذان نا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس قال: جاء زياد إلى أنس ﵁ فقال له: اقرأ، فقرأ فرفع صوته، فرفع أنس الخرقة عن وجهه صعدا، فقال: أهكذا تصنعون؟! اه\nزياد النميري في المتن لا السند، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس سمع جده أنس بن مالك، أخرج له البخاري عنه في الصحيح [التعديل والتجريح للباجي ٩٤٣].\n_________\n(^١) - قال الخليل: أرم القوم سكتوا على أمر في أنفسهم [العين باب الراء والميم] وقال: وبكعته بالكلام إذا وبخته [العين بكع]","vol":"1","page":74},{"text":"رفع الصوت بالقرآن عند المخالف بدعة حسنة، نُكرٌ عند أنس صاحب النبي ﷺ واستدل على إنكارها بعدم العمل بها زمن النبي ﷺ وأصحابه، وهو أعلم بالعموم من الخالفين.\n(٢٢) - مسلم [٨٧٤] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن عُمارة بن رُؤيبة قال: رأى بشرَ بنَ مروان على المنبر رافعا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين! لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة اه انظر كم من العمومات تُذكر لو جاز إيرادها. فلم يستحسنها بدعوى البدعة الحسنة.\n(٢٣) - البخاري [٣٢١] حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا همام قال حدثنا قتادة قال حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ، فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله اه [م/ ٣٣٥] ولم تقل عائشة: هو عمل خير لا أمنعها، بعد أن بينت لها عدم الوجوب.\n(٢٤) - مسلم [١٣١١] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه ونحوه عن ابن عباس [خ ١٧٦٦]\nفانظر حمايتها للسنة أن يزاد فيها شيء حتى ما عمله النبي ﷺ لا على وجه التعبد فما ظنك بما ليس فيه خبر عن عمل أصلا!؟\n(٢٥) - سعيد بن منصور [٢/ ٣٣١] نا هشيم قال نا حصين عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال قلت لجدتي أسماء: كيف كان يصنع أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرؤوا القران؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله ﷿ تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم. قلت: فإن ناسا ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية! فقالت: أعوذ بالله من الشيطان! اه\nلما لم يكن هذا الحال عند الكبار كان من الشيطان .. ولم يكن بدعة \"حالية\" حسنة! وأسماء بنت أبي بكر من المهاجرات الأول.\n(٢٦) - أحمد [١٥٩٢٠] حدثنا يزيد بن هارون قال أنا أبو مالك قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا","vol":"1","page":75},{"text":"بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث اه أبو مالك هو سعد بن طارق بن أشيم الأشجعي. فأنكر القنوت الذكر الحسن عند المخالف، ولم يقل بدعة حسنة.\n(٢٧) - عبد الرزاق [٨٩٨٩] عن الثوري عن نسير بن ذعلوق أن ابن الزبير رأى الناس يمسحون المقام فنهاهم وقال: إنكم لم تؤمروا بالمسح، وقال: إنما أمرتم بالصلاة اه\nمسح المقام عند المخالف بدعة حسنة، وليست عند الصحابة من الدين.\n(٢٨) - مالك [٧٥٦] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلا متجردا بالعراق فسأل الناس عنه فقالوا إنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد قال ربيعة فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك فقال بدعة ورب الكعبة. [ش ١٢٨٦٨].\nأنكر عليه ابن الزبير أن يزيد أميالا في إحرامه، وهو عمل خير في ظاهره عند من يرى الابتداع.\n(٢٩) - ابن وضاح [٧٦] نا موسى بن معاوية عن عبد الرحمن بن مهدي عن إسحاق بن سعيد عن أبيه أن ابن عباس دخل المسجد الحرام وعبيد بن عمير يقص، فقال للذي يقوده: امش بي حتى تقف بي عليه، فلما وقف تلا الآيات التي في سورة مريم، ثم قال: اتل كتاب الله يا ابن عمير، واذكر ذكر الله، وإياي والبدع في دين الله اه إسحاق بن سعيد هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص. الآيات التي قرأ ابن عباس (واذكر في الكتاب) (^١) ونظائرها من سورة مريم. أي أحسن ما تقص ما في القرآن والله أعلم. فأنكر عليه ما لو جاز استحسانه عنده ما خفيت عليه العمومات. وإنما أنكر عليه الإكثار المفضي إلى ترك القرآن. وكذلك كل بدعة يُعمل بها مآلها إلى ترك شيء من الدين.\n_________\n(^١) - قال في الدر المنثور تحت الآية ٥٨: وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال: جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقًا نبيًا) [مريم ٤٢] (واذكر في الكتاب إسماعيل) [مريم ٥٤] الآية (واذكر في الكتاب إدريس) الآية. حتى بلغ (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين) قال ابن عباس: ذكرهم بأيام الله وأثن على من أثنى الله عليه اه","vol":"1","page":76},{"text":"(٣٠) - إسحاق بن راهويه [المسند ٤٨٩] أخبرنا عيسى بن يونس نا ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: عجبا لترك الناس هذا الإهلال ولتكبيرهم! ما بي إلا أن يكون التكبيرة حسنا. ولكن الشيطان يأتي الإنسان من قِبَل الإثم، فإذا عصم منه جاءه من نحو البر ليدع سنة وليبتدع بدعة اه أي أن التكبير مستحب لا نُكر فيه إلا أن وضعه بدل التلبية بدعة عطلت السنة. وقد كان التكبير في حجة الوداع مع النبي ﷺ خلال التلبية لا بدلها:\n- قال مالك [٥١٢] عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان إلى عرفة من منى: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ؟ فقال: كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه اه\nفانظر كيف جعل ابن عباس المقدار الزائد من التكبير الذي حل محل التلبية من الإهلال بدعة. ولو قالها أحد بعده لقالوا: بدعة حسنة فلا تَشَدَّدوا!!\n(٣١) - مالك [٣٥٢٥] عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا قال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: مَنْ هذا؟! قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك. فعرَّفوه إياه، قال فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة اه\nفأنكر عليه زيادة أحرف في السلام، ولم يقل: نعمت البدعة هذه.\n(٣٢) - عبد الرزاق [٣٠٥٨] عن الثوري عن داود عن أبي العالية قال سمع ابن عباس رجلا حين جلس في الصلاة يقول الحمد لله قبل التشهد فانتهره يقول ابتدئ بالتشهد اه\n- ابن أبي شيبة [٣٠٢٥] حدثنا ابن فضيل عن داود بن أبي هند عن أبي العالية قال: سمع ابن عباس رجلا يصلي، فلما قعد يتشهد، قال: الحمد لله، التحيات لله، قال: فقال ابن عباس: وهو ينتهره، الحمد لله؟! إذا قعدت فابدأ بالتشهد، بالتحيات لله اه فأنكر عليه كلام خير عند المخالف.","vol":"1","page":77},{"text":"(٣٣) - أبو داود الطيالسي [١٠٦٦] حدثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إسحاق عن عمه قال: خرجت مع كعب بن عجرة يوم العيد فلم يصل قبلها. فلما صلينا رأى الناسَ عُنُقا واحدا ينطلقون إلى المسجد فقال: ما يصنع هؤلاء! قلت: ينطلقون إلى المسجد. فقال: إن هذه البدعة وترك للسنة اه سعد بن إسحاق هو ابن كعب بن عجرة، وعمه عبد الملك بن كعب. [الطبراني ١٥٦٦٠] فأنكر عليهم التطوع في المسجد بعد صلاة العيد، وهي عند المخالِف بدعة حسنة!\n(٣٤) - عبد الرزاق [٩٠٥٣] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل بلغك أن النبي ﷺ أو بعض أصحابه كان يستقبل البيت حين يخرج ويدعو؟ قال: لا، ثم أخبرني عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لبعض من يستقبل البيت كذلك يدعو إذا خرج عند خروجه: لم يصنعون؟ هذا صنيع اليهود في كتابهم، ادعوا في البيت ما بدا لكم ثم اخرجوا اه يقول: ثم قال أي عطاء أخبرني عبد الله، كذلك روى الفاكهي [١٢٢٩] حدثنا ميمون بن الحكم الصنعاني قال ثنا محمد بن جعشم قال أنا ابن جريج مثله.\n(٣٥) - يعقوب الفسوي [المعرفة ٣/ ٢٨] حدثنا أبو عمير قال ثنا ضمرة عن ابن شوذب عن عبد الرحمن بن القاسم قال: جلسنا إلى عبد الرحمن بن أبزى فذكر الأذان والإقامة في العيدين فعابه وقال: هو بدعة. قلت: هكذا أدركنا الناس! قال: أي بني ومتى أدركنا الناس (^١)؟!\nأبو عمير هو ابن النحاس. وابن أبزى تأصل على الكبار أبي بكر وعمر وكان\n_________\n(^١) - يشبه أن يكون القائل: \"هكذا أدركنا الناس\" ضمرة بن ربيعة الشامي، فلم يكن بالمدينة بدعة الأذان وإنما كان بالشام، وابن شوذب سكن الشام آخرا فلزمه ضمرة ثَم فتى، والله أعلم.","vol":"1","page":78},{"text":"فقيها في زمان عمر.\n(٣٦) - ابن أبي شيبة [١٤٤٨٩] حدثنا وكيع عن مسعر عن وَبَرَةَ عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه كره زيارة البيت أيام التشريق، يعني بعد الواجب اه\nكره عمل خير في ظاهره، ولو كان من أصوله استحسان البدع لقال: بدعة حسنة ولاستدل بأجر الصلاة في البيت العتيق والعمومات نحوه ..\n(٣٧) - الطحاوي [شرح معاني الآثار ١٥٨٢] حدثنا فهد قال ثنا أبو غسان قال ثنا زهير قال ثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت: إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلوات: \"والمباركات\" قال: فأتِهِ فقل له: إن الأسود ينهاك ويقول لك: إن علقمة بن قيس تعلمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن، عدهن عبد الله في يده. فذكر الحديث. أبو غسان هو مالك بن إسماعيل النهدي.\nالأسود بن يزيد أخذ العلم عن الأكابر من أصحاب النبي ﷺ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحذيفة وبلال وعائشة وأبي موسى وغيرهم.\n(٣٨) - ابن سعد [٦٩٣٧] أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا أبان يعني ابن يزيد أخبرنا قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب عن الصلاة على الطنفسة فقال: محدث اه ورواه ابن أبي شيبة [٤٠٥٧] حدثنا عبدة عن سعيد عن قتادة به.\n(٣٩) - ابن أبي شيبة [٤٢٠٤] ثنا هشيم أخبرنا منصور عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: ثلاث مما أحدث الناس: اختصار السجود، ورفع الأيدي في الدعاء، قال هشيم: ونسيت الثالثة اه\n- رواه عبد الرزاق [٣٢٥٧] عن معمر عن قتادة به وذكر الثالثة: ورفع الصوت عند الدعاء اه\n(٤٠) - عبد الرزاق [٤٧٥٥] عن الثوري عن أبي رياح عن ابن المسيب أنه رأى رجلا يكرر الركوع بعد طلوع الفجر فنهاه، فقال: يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة اه تابعه أبو نعيم الفضل ثنا سفيان به [البيهقي ٤٦٢١] وخالفهما قبيصة بن عقبة [الدارمي ٤٤٤] فقال: \"بعد","vol":"1","page":79},{"text":"العصر\"، فوهم فيه. وأبو رياح ختن مجاهد ذكره في الجرح والتعديل [١٧١٦] على رسم ابن حبان.\n- الخطيب [الفقيه والمتفقه ٣٨١] أنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان أنا عثمان بن أحمد الدقاق نا أبو الإصبع القرقساني نا مخلد بن مالك الحراني نا عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن حرملة أن سعيد بن المسيب نظر إلى رجل صلى بعد النداء من صلاة الصبح، فأكثر الصلاة فحصبه ثم قال: إذا لم يكن أحدكم يعلم فليسأل، إنه لا صلاة بعد النداء إلا ركعتين. قال: فانصرف فقال: يا أبا محمد، أتخشى أن يعذبني الله بكثرة الصلاة؟ قال: بل أخشى أن يعذبك الله بترك السنة اه أبو الإصبع هو محمد بن عبد الرحمن بن كامل بن موسى بن صفوان الأسدي [تاريخ بغداد ٨٠٣]\nسعيد أخذ العلم وتأصل بالراسخين زيد بن ثابت وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، وكان يدعى راوية عمر لتتبعه فتاواه.\n(٤١) - ابن وضاح [٥٣] عن موسى عن ابن مهدي عن همام بن يحيى عن قتادة عن سعيد بن المسيب ومُوَرِّق قالا: يكره اختصار السجود، ورفع الأيدي والصوت في الدعاء اه\n(٤٢) - ابن وضاح [٣٦] عن موسى عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد: أن قوما قرؤوا السجدة فلما سجدوا رفعوا أيديهم واستقبلوا القبلة فأنكر ذلك عليهم مورق العجلي وكرهه اه موسى هو ابن معاوية القرشي.\nانظر ما أنكره سعيد ومورق ولم يقولوا: بدعة حسنة، وما التفتوا إلى عموم. وقد أخذ مورق العلم عن عمر وسلمان وأبي ذر وأبي الدرداء وابن عباس وابن عمر وأنس وغيرهم من الفقهاء.\n(٤٣) - عبد الرزاق [٥٢٩٥] عن الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مُرة عن مسروق قال: رآهم رافعين أيديهم يوم الجمعة والإمام يخطب فقال: اللهم اقطع أيديهم اه\n- ابن أبي شيبة [٥٥٣٧] حدثنا ابن نمير وأبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديَهم،","vol":"1","page":80},{"text":"فقال مسروق: ما لهم قطع الله أيديهم اه في رفع اليدين عند الدعاء عمومات قريبة، لم يحتج بها بدعوى البدعة الحسنة. وأصوله التي يتبع أخذها عن الكبار من فقهاء الأمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وغيرهم ..\n(٤٤) - ابن أبي شيبة [٣١٤٢] حدثنا حفص عن محمد بن قيس عن الشعبي أنه سئل عن الإمام إذا سلم ثم لا ينحرف؟ قال: دعه حتى يفرغ من بدعته، وكان يكره أن يقوم فيقضي اه محمد بن قيس هو الأسدي الكوفي.\n- عبد الرزاق [٣١٦٥] عن الثوري عن محمد بن قيس عن الشعبي قال: لا يقضي الذي سبقه الإمام حتى ينحرف من بدعته. وإنما يؤمر الرجل بالجلوس مخافة أن يكون الإمام سها، وبدعته استقبال القبلة بعد التسليم اه فانظر ما أنكره الشعبي، ولو جاز أن يستدل بعموم أو نحوه لم يعجز أن يقول: دعه مقبلا على الله، فإنما يستقبل القبلة بالدعاء .. ولكنه لا يرى استحسان البدع. وقد أخذ عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وزيد بن ثابت وأبي هريرة وأبي موسى والعبادلة وجابر بن عبد الله وغيرهم من فقهاء المهاجرين والأنصار ..\n(٤٥) - مالك [١٢٢٠] عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز غدا يوم عرفة من منى فسمع التكبير عاليا، فبعث الحرس يصيحون في الناس: أيها الناس إنها التلبية!\nأي سنة اليوم التلبية لا التكبير على نحو ما تقدم عن ابن عباس. وقد أخذ العلم عن أنس وفقهاء التابعين من أهل المدينة.\n(٤٦) - ابن أبي شيبة [٦٧٨١] حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن القاسم أنه سئل عن الركعتين بعد الوتر؟ فحلف بالله إنهما لبدعة اه\n(٤٧) - ابن أبي شيبة [١٥٣٥٥] حدثنا وكيع عن أفلح عن القاسم قال: لا يحج أحد عن أحد اه\nفانظر هل كان عنده نهي خاص عن ذلك أم هو اتباع العمل. القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة بمدينة رسول الله ﷺ، أخذ العلم عن عمته","vol":"1","page":81},{"text":"عائشة وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم.\n(٤٨) - عبد الرزاق [٧٠٦] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذًا اه\n(٤٩) - ابن أبي شيبة [٢٠١] حدثنا يحيى بن يمان عن عبد الملك عن عطاء قال: قلت له: أدركت أحدا منهم يمسح على القدمين؟ قال: محدث. تابعه على المعنى عبد السلام بن حرب:\n- الطحاوي [شرح معاني الآثار ٢١١] حدثنا فهد ثنا محمد بن سعيد ثنا عبد السلام عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح القدمين؟ قال: لا اه أراد مسحهما مكشوفتين.\nفجعل بدعة ما لم يكن عليه العمل ولم يستدل له بآية الوضوء.\n(٥٠) - عبد الرزاق [١٢٧٧] أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال قلت له: أتقضي الحائض الصلاة؟ قال: لا ذلك بدعة اه الصلاة عمل خير ولم يرخص فيه.\n(٥١) - عبد الرزاق [٢٨٥٧] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت أناسا يصفون أيديهم أسفل من ركبهم إذا ركعوا. قال: هذه محدثة، لا إلا فوق الركبتين اه\n- وبه [٢٨٥٨] قال إنسان لعطاء: إني أرى أناسا إذا ركعوا خفضوا رؤوسهم حتى كانوا يجعلون أذقانهم بين أرجلهم؟ فقال: لا هذه بدعة، لم يكن من مضى يصنعون ذلك. قال: فكيف؟ قال: وسط من الركوع كركوع الناس الآن اه لم يقل ذلك أبلغ في الخشوع، بل نهاه للعمل.\n(٥٢) - عبد الرزاق [٢٥٧١] عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت إن قلت وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض إلى المسلمين قال ذلك شيء أحدثه الناس قال عطاء وقد كان ممن يعتريه إذا تهجد ابتدأ أحدهم فكبر ثم ذكر الله ثم يسأل ثم يقرأ ثم يركع ركعتين ثم يقوم فيصلي أو يستقبل صلاته اه\n(٥٣) - عبد الرزاق [٥٠٠٠] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: دعاء أهل مكة بعدما يفرغون من الوتر من شهر رمضان؟ قال: بدعة، قال: قد أدركت الناس وما يصنع","vol":"1","page":82},{"text":"ذلك بمكة حتى أحدث حديثا اه هذا عند المخالف بدعة حسنة!\n(٥٤) - الفاكهي [أخبار مكة ١٠٠٦] حدثنا محمد بن علي الشقيقي قال سمعت أبي يقول أخبرنا أبو حمزة عن إبراهيم الصائغ عن عطاء: أنه كره أن يقبل الرجل المقام أو يمسحه اه\nمحمد بن علي بن الحسن بن شقيق وأبو حمزة هو السكري.\n(٥٥) - الفاكهي [أخبار مكة ١٧٤٥] حدثنا أبو عمرو الزيات سعيد بن عثمان مولى ابن بحر المكي قال ثنا ابن خنيس قال ثنا وَهيب بن الورد قال قيل لعطاء: إن حميد بن قيس يختم في المسجد، فقال عطاء: لو علمت اليوم الذي يختم فيه لأتيته حتى أحضر الختمة. قال وهيب: فذكرت لحميد قول عطاء فقال: أنا آتيه حتى أختم عنده. قال فذكرت ذلك لعطاء فقال عطاء: لا ها الله إذا نحن أحق أن نمشي إلى القرآن، قال فأتاه عطاء فحضره، فجعل حميد يقرأ حتى بلغ آخر القرآن يكبر كلما ختم سورة كبر حتى ختم. فقال لي عطاء: ما كان القوم يفعلون هذا! قال قلت: يا أبا محمد أفلا تنهه؟! قال: سبحان الله أنهى رجلا يقول الله أكبر! ثم قال [١٧٤٦] حدثني أبو يحيى بن أبي مسرة عن ابن خنيس قال سمعت وهيب بن الورد يقول: - فذكر نحوه وزاد فيه - فلما بلغ حميد (والضحى) كبر كلما ختم سورة، فقال لي عطاء: إن هذا لبدعة اه صحيح دون قوله \" يا أبا محمد أفلا تنهه؟ قال: سبحان الله أنهى رجلا يقول الله أكبر \" أبو عمرو الزيات لم أجده، وإن صح دل على أنه كرهه من غير تحريم لذلك لم يفت به (^١).\n_________\n(^١) - قال أبو يعلى الخليلي [الإرشاد في معرفة علماء الحديث ١٠٩] حدثنا جدي حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا الشافعي قال قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين قال قرأت على عبد الله بن كثير وقرأ عبد الله بن كثير على مجاهد وقرأ مجاهد على عبد الله بن عباس وقال عبد الله بن عباس قرأت على أبي بن كعب فلما بلغت والضحى قال لي: يا ابن عباس كبر فيها، فإني قرأت على رسول الله ﷺ فأمرني أن أكبر فيها إلى أن أختم اه جده هو أحمد بن إبراهيم بن الخليل ثقة كما قال الذهبي في تاريخ الإسلام [٢٤/ ١٩٩]. وابن قسطنطين قال فيه ابن الجزري [غاية النهاية في طبقات القراء ٧٢] \"كان ثقة ضابطًا \" أي في فنه القراءة وهذا منه. فما فعله حميد له أصل في العمل، ومن شيوخه في العلم مجاهد، وكان حميد قارئ أهل مكة [الطبقات لابن سعد ٥/ ٤٨٦] والتكبير قراءة البزي المكي المشهورة.","vol":"1","page":83},{"text":"(٥٦) - أبو بكر بن أبي داود [المصاحف ٣٥٥] حدثنا هارون بن سليمان حدثنا روح حدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أتكتب عند كل سورة: خاتمة سورة كذا وفيها كذا وكذا آية؟ فنهى عن ذلك وقال: بدعة! اه هارون بن سليمان هو الحزان.\n(٥٧) - عبد الرزاق [٥٤٤٥] عن ابن جريج عن عطاء كره قراءة الصحف يوم الجمعة، فإن قرئت فلا تَكَلَّم، قال: وقراءة الصحف يوم الجمعة حدث أحدثوه اه\n- عبد الرزاق [٥٤٤٧] عن ابن جريج قال قلت: إن قرئت الصحف وأنا عند المنبر أسمع قراءتها أُسَبح وأهلل وأذكر الله في نفسي وأدعو لأهلي أسميهم بأسمائهم، وأقول: اللهم استخرج لي من غريمي أسميه باسمه؟ قال: نعم اه فأمره بالسكوت لأنه سنة المسجد ولم يأمره بالإقبال لأنه محدث.\n(٥٨) - عبد الرزاق [٦٢٣٩] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله استغفروا له غفر الله لكم؟ قال: محدثة، وبلغني عن النبي ﷺ أنه قال لذي البجادين: استغفروا له غفر الله لكم اه\n- ابن أبي شيبة [١١١٩٤] حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء أنه كره أن يقول: استغفروا له غفر الله لكم اه كره ما ليس عليه العمل وهو ذاكرٌ الحديثَ في فضائل الأعمال.\n(٥٩) - الشافعي [الأم ١/ ٢٠٣] أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال قلت لعطاء: الذي أرى الناس يدعون به في الخطبة يومئذ أبلغك عن النبي ﷺ أو عمن بعد النبي ﵊؟ قال: لا إنما أحدث، إنما كانت الخطبة تذكيرا اه [البيهقي ٦٠٢٣]\nرواه البيهقي في \" باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه أو على أحد بعينه في الخطبة\".\n(٦٠) - أبو زرعة الدمشقي [التاريخ ١/ ١١٢] حدثني محمود بن خالد قال حدثنا عبد الله بن كثير القاراء عن الأوزاعي قال حدثني عبدة بن أبي لبابة عن عطاء بن أبي رباح قال: إنما أحدث الناس العمرة من بعد الحج من هلال المحرم في زمان عبد الملك بن مروان اه","vol":"1","page":84},{"text":"محمود هو أبو علي الدمشقي. وابن كثير إمام جامع دمشق ليس هو القارئ صاحب مجاهد.\nوقد كان يكره ذلك ولا يفتي به:\n- قال ابن أبي شيبة [١٣١٨٣] حدثنا عبد السلام بن حرب عن خصيف عن عطاء وطاووس ومجاهد قالوا: لا عمرة إلا عمرة ابتدأتها من أهلك، ولا عمرة إلا بعد الصدر.\n- ابن أبي شيبة [١٣١٨٤] حدثنا حفص عن ليث عن عطاء وطاووس ومجاهد أنهم كرهوا العمرة بعد الحج، وقالوا: لا تجزاء ولا تفي. وقالوا: الطواف بالبيت والصلاة أفضل.\nعطاء بن أبي رباح من فقهاء مكة أخذ العلم عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما.\n(٦١) - عبد الرزاق [٩٧٨٤] عن هشام بن حسان عن عطاء قال: كانوا يطوفون ويتحدثون، قال: وسئل عطاء عن القراءة في الطواف فقال: هو محدث اه\n- أبو الوليد الأزرقي [أخبار مكة ٢/ ١٢] حدثني جدي ثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: القراءة في الطواف شيء أحدث اه\n(٦٢) - ابن أبي شيبة [١٥١٨٨] نا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن وعطاء قال: القراءة في الطواف محدث اه أي إظهار القراءة لما روى:\n- ابن أبي شيبة [١٥١٩٠] نا حفص عن حجاج قال: سألت عطاء عن القراءة في الطواف حول البيت فلم ير بها بأسا اه أي في السر.\n- الفاكهي [أخبار مكة ٤٠٥] حدثنا سلمة بن شبيب قال ثنا وهب بن جرير قال ثنا الربيع بن صبيح عن عطاء قال: ذكر الله في الطواف أحب إلي من إعلان القرآن.\n- عبد الرزاق [٨٩٦٧] عن ابن جريج عن عطاء قال: من طاف بالبيت فليدع الحديث، وليذكر الله إلا حديثا ليس به بأس، وأحب إلي أن يدع الحديث كله إلا ذكر الله والقرآن اه فكره الحديث مع الناس، واستحب القراءة سرا.\n(٦٣) - ابن أبي شيبة [١٥٤٣٠] نا ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يكره القراءة في الطواف اه","vol":"1","page":85},{"text":"(٦٤) - عبد الرزاق [٩٧٨٦] عن معمر عن ابن أبي نجيح سئل عن القراءة في الطواف فقال: أحدثه الناس اه\nوإنما ينكرون ما كان ظاهرا. ثم انظر أي شيء كرهوا؟ وهل كانوا يستحسنون البدع؟\n(٦٥) - ابن سعد [٩١٠١] أخبرنا قبيصة بن عقبة ثنا سفيان عن عطاء بن السائب قال: قال سعيد بن جبير لرجل: ما الذي أحدثتم بعدي؟ قال: لم نحدث بعدك شيئا. قال: بلى الأعمى وابن الصيقل يغنيانكم بالقرآن اه حديث قبيصة عن الثوري في الصحيحين [هدي الساري ٦١٠] وسفيان سمع عطاء قبل الاختلاط. يشهد له ما روى:\n(٦٦) - وكيع [الزهد ٢١٢] حدثنا شعبة عن أبي المُعَلَّى عن سعيد بن جبير أنه كره رفع الصوت عند الجنازة وعند قراءة القرآن وعند القتال اه [ش ٣٤١٠٥]\n(٦٧) - ابن أبي شيبة [١١١٩٢] حدثنا محمد بن فضيل عن بُكير بن عُتَيق قال: كنت في جنازة فيها سعيد بن جبير فقال رجل: استغفروا له غفر الله لكم. قال سعيد بن جبير: لا غفر الله لك اه\n- ابن أبي شيبة [١١١٩٣] حدثنا وكيع عن شعبة عن العلاء عن سعيد بن جبير قال: كنت معه في جنازة فسمع رجلا يقول: استغفروا له غفر الله لكم، فنهاه اه\n(٦٨) - الطبري [تهذيب الآثار ٢٧٣٦] حدثنا ابن المثنى قال حدثني عبد الصمد قال حدثنا شعبة عن أبي بشر قال سألت سعيد بن جبير عن القنوت فقال: بدعة اه\n(٦٩) - البخاري [جزء القراءة ص ١٧١] حدثنا صدقة قال أخبرنا عبد الله بن رجاء عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: قلت لسعيد بن جبير: أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم، وإن سمعت قراءته، إنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قد قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصَتوا اه فأنكر ترك السكوت وبين أنه آل إلى مخالفة السنة.\n(٧٠) - أبو نعيم الأصبهاني [الحلية ٢/ ٢٠٨] حدثنا محمد بن أحمد حدثنا بشر بن موسى حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا أبو شهاب موسى بن نافع الكوفي الأسدي قال: ذكرت لسعيد بن جبير: إني تركت بالكوفة ناسًا يوترون قبل أن يناموا مخافة أن لا","vol":"1","page":86},{"text":"يستيقظوا للوتر، فيرزقهم الله قيامًا من الليل فيصلون شفعًا ما بدا لهم، ثم يعيدون وترهم! فقال: هذا من البدع! إذا أنت أوترت قبل أن تنام ثم رزقك الله قيامًا بعد وترك، فصل شفعًا ما بدا لك ولا تعد وترك واكتف بالذي كان اه محمد بن أحمد هو ابن الصواف الحافظ.\nانظر كل ما أنكره سعيد مما هو عند المخالف بدعة حسنة! أفما كان يقدر لو جاز أن يستحسن من عمومٍ بعضَ ذلك؟ وسعيد ثمرة تأصيل ابن عباس وغيره من أصحاب النبي ﷺ.\n(٧١) - ابن أبي شيبة [٨٤٢٣] حدثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: سجدة الشكر بدعة اه تابعه هشيم أخبرنا مغيرة به [ش ٨٤٢١].\n- ابن أبي شيبة [٨٥٠٤] حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم: أنه كره سجدة الشكر اه\n(٧٢) - أبو الوليد الأزرقي [أخبار مكة ٢/ ١١] حدثني جدي عن فضيل بن عياض قال حدثنا منصور عن إبراهيم قال: القراءة في الطواف بدعة اه\n(٧٣) - ابن الجعد [١٧٤٧] أنا سفيان عن المغيرة عن إبراهيم قال: القيام عند القبر وهو يسوى بدعة اه [ش ١١٨٨٤]\n(٧٤) - الطحاوي [مشكل الآثار ١٤/ ١٢٣] حدثنا محمد بن خزيمة حدثنا حجاج بن منهال حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن إبراهيم قال: الركعتان قبل المغرب بدعة اه\n(٧٥) - ابن أبي شيبة [٢٩٦٩٤] ثنا غندر عن شعبة قال: قلت لمغيرة: كان إبراهيم يكره إذا انصرف أن يقوم مستقبل القبلة يرفع يديه؟ قال: نعم اه\n(٧٦) - ابن أبي شيبة [١١٣٥٠] حدثنا جرير عن مغيرة قال: كان رجل يمشي خلف الجنازة ويقرأ سورة الواقعة فسئل إبراهيم عن ذلك فكرهه اه\n(٧٧) - ابن أبي شيبة [١١١٩١] حدثنا أبو الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يتبع الرجل الجنازة يقول: استغفروا له غفر الله لكم اه\n(٧٨) - ابن أبي شيبة [٣١٢٢] حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش قال: سئل إبراهيم عن الإمام إذا سلم فيقول: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله فقال: ما كان","vol":"1","page":87},{"text":"من قبلهم يصنع هكذا اه\n(٧٩) - ابن أبي شيبة [١٥٣٥٤] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: لا يحج أحد عن أحد اه\n- وقال [١٥٣٥٦] حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: لا يقضى عن الميت حج اه فكره ما لا يغيب عنه العموم لو كان يصح به الاستدلال.\n(٨٠) - عبد الرزاق [٨١٥٨] عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان يرى الناس يُعَرِّفون في المسجد بالكوفة فلا يعرف معهم اه التعريف الاجتماع في المسجد يوم عرفة.\n- ابن وضاح [١١٦] نا محمد بن قدامة قال نا الأنصاري محمد بن عبد الله قال أنا ابن عون قال: شهدت إبراهيم النخعي سئل عن اجتماع الناس عشية عرفة فكرهه وقال: محدث اه ابن قدامة هو ابن أعين المصيصي.\n(٨١) - ابن أبي شيبة [٤١٦١] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: جهر الإمام ب (بسم الله الرحمن الرحيم) بدعة اه وقال الذهبي في السير [٤/ ٥٢٩] وروى وكيع عن شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة اه\n- ابن أبي شيبة [٤١٥٩] حدثنا هشيم قال أخبرنا حصين ومغيرة عن إبراهيم قال: يخفي الإمام (بسم الله الرحمن الرحيم) والاستعاذة وآمين وربنا لك الحمد اه\n(٨٢) - ابن أبي شيبة [٣١٠٤٩] حدثنا أبو أسامة عن حسن بن عياش عن مغيرة قال: سئل إبراهيم عن الرجل يقول للرجل: أمؤمن أنت؟ قال: الجواب فيه بدعة، وما يسرني أني شككت اه كان الكوفيون يكرهون السؤال فيه والجواب. ولم يقل الجواب فيه حسن، وأنه من الذلة لله والإزراء على النفس ..\n(٨٣) - يعقوب الفسوي [المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٣٤] حدثنا أبو بكر الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا خلف قال: كان جوَّابٌ يرتعد عند الذكر إذا سمعه، فقال إبراهيم النخعي: لئن كنت تملكه ما أبالي أن لا أعتد بك، ولئن كنت لا تملكه لقد خالفت من هو خير منك اه خلف هو ابن حوشب [حلية الأولياء ٤/ ٢٣١] فلم يقبل","vol":"1","page":88},{"text":"منه دعوى حالٍ ووَجدٍ لم يكن، ورآه خلافا.\n(٨٤) - مسدَّد [إتحاف الخيرة ١٧٠٢] ثنا أبو عوانة عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم: أصلي بالنهار في مسجد قومي فأرفع صوتي؟ قال: ذلك بدعة اه\n(٨٥) - ابن الجعد [٢٧٨] أنا شعبة عن منصور عن إبراهيم قال: - يعني في اجتماع الناس في المساجد يوم عرفة - محدث اه\n(٨٦) - ابن الجعد [٢٧٧] أنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادا عن اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد فقالا: هو محدث اه\n(٨٧) - ابن أبي شيبة [١٤١١٢] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادا عن التكبير أيام العشر؟ فقالا: محدث اه\nهؤلاء فقهاء الكوفة أخذوا العلم عن أصحاب ابن مسعود وغيرهم. وهم كانوا أعلم بالعموم من المستحسنين، ثم لم يقولوا: نعمت البدعة.\n(٨٨) - ابن أبي شيبة [٢٨٠٨] نا الثقفي عن أيوب عن محمد قال: السجود على الوسادة محدث.\n- ابن أبي شيبة [٤٠٥٦] حدثنا هشيم قال أخبرنا ابن عون عن ابن سيرين قال: الصلاة على الطِّنْفِسَة محدث اه\n(٨٩) - ابن أبي شيبة [٥٦٦٣] حدثنا الثقفي عن أيوب عن محمد قال: الأذان في العيد محدث اه\n(٩٠) - الدارمي [٣٤٩٨] حدثنا العباس بن سفيان عن ابن علية عن ابن عون عن محمد قال: كانوا يرون هذه الألحان في القرآن محدثة (^١) اه\n- ابن وضاح [٤٩] حدثني إبراهيم بن محمد عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يقول في أصوات القرآن: محدث اه إبراهيم هو الفريابي.\nمحمد بن سيرين من فقهاء البصرة وعلمائها أخذ عن مولاه أنس بن مالك وزيد\n_________\n(^١) - وقع في بعض الطبعات عن عون وفي بعضها عن ابن عون وهو الصواب إن شاء الله.","vol":"1","page":89},{"text":"بن ثابت وغيرهم وتأدب بالكوفيين أصحاب عبد الله ..\n(٩١) - عبد الرزاق [٣٢٢٦] عن الثوري عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: إن عَبِيدة لآخذ بيدي إذ سمع صوت المصعب بن الزبير وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، مستقبل القبلة بعدما سلم من الصلاة، فقال عبيدة: ما له قاتله الله نعارٌ بالبدع!؟\n- ابن أبي شيبة [٣١١٩] ثنا محمد بن فضيل عن عطاء بنحوه.\nعبيدة بن عمرو السلماني تفقه على علي وابن مسعود من علماء الكوفة وغيرهم .. ومصعب بن الزبير فعل ذلك لأنه رأى العمل عليه كما روى:\n- ابن أبي شيبة [٣١٢١] حدثنا الثقفي عن يحيى بن سعيد قال: ذكرت للقاسم أن رجلا من أهل اليمن ذكر لي: أن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات، أو تهليلات، فقال القاسم: والله إن كان ابن الزبير ليصنع ذلك اه وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع. فانظر إلى طريقة استدلال عبيدة ومصعب لتعلم كيف كانوا يعملون.\n(٩٢) - ابن أبي شيبة [٣١٢٣] حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: هذه بدعة اه أي قول الإمام إذا سلم: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله. سماع الأعمش من عطاء قديم.\n(٩٣) - وكيع [الزهد ٣٤٠] عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد أنه سمع رجلا يرفع صوته بالدعاء فرماه بالحصى اه أبو هاشم هو الرماني [ش ٨٥٤٥].\n(٩٤) - ابن أبي شيبة [٩٣٥٠] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان، ولا تصوموا يوما واحدا من الجمعة فتتخذونه عيدا إلا أن تصوموا قبله، أو بعده يوما اه قوله \"من الجمعة\" أي من الأسبوع.\n(٩٥) - ابن أبي شيبة [١٣٧١٣] حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: سمعته ورأى رجلا يلتفت إلى الكعبة عند باب المسجد فنهاه وقال: اليهود يفعلون هذا اه","vol":"1","page":90},{"text":"ذكره في الرجل يلتفت إلى البيت ينظر إليه إذا أراد أن يخرج، من كره، من كتاب الحج.\n(٩٦) - ابن أبي شيبة [١٤٤٩١] حدثنا وكيع عن عبد الكريم عن مجاهد أنه كره زيارته أيام التشريق، يعني بعد الواجب اه عبد الكريم هو الجزري.\nكره زيارة البيت أيام التشريق وهو عمل خير في الظاهر يمكن أن يستدل له بعمومات قريبة لا تعزب عنه. وقد ورث العلم عن ابن عباس وغيره من الصحابة.\n(٩٧) - ابن أبي شيبة [٥٤١٣] حدثنا عبد الأعلى عن بُرد عن مكحول أنه كان يكره القنوت يوم الجمعة اه برد هو ابن سنان الشامي.\nمكحول من فقهاء الشام تفقه على علماء الشام ومصر والعراق والمدينة.\n(٩٨) - ابن أبي شيبة [١١٢٠٠] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة قال: كنا في جنازة فرفع ناس من القصاص أصواتهم فقال أبو قلابة: كانوا يعظمون الميت بالسكينة اه تابعه حماد بن زيد عن أيوب به [الزهد لوكيع ٢٠٩] لم يقل إن القصاص يعينون بالموعظة على تحصيل السكينة والاعتبار، ولم يستحسنها أبو قلابة لأنها محدثة.\n(٩٩) - عبد الرزاق [٦٣١٨] عن معمر عن أيوب قال: سمعت أبا قلابة يقول: قيام الرجل على القبر حتى يوضع الميت بدعة. [ش ١١٧٥٩]\n- ابن أبي شيبة [١١٨٨٢] حدثنا غندر عن شعبة عن ابن أبي عَروبة عن أيوب عن أبي قلابة قال: والله إن قيامهم على القبر لبدعة حتى توضع في قبرها إذا صلي عليها اه\nأبو قلابة الجرمي من فقهاء البصرة أخذ العلم عن أنس وغيره.\n(١٠٠) - الطبري [تهذيب الآثار ٨١٧] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار!؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها (^١)،\n_________\n(^١) - يريد حديثه عن النبي ﷺ: \" إذا رأيتم الجنازة فقوموا\" [خ ١٣١٠/ م ٩٠٩] وقد عمل به طائفة من الصحابة كأبي سعيد [تهذيب الآثار ٧٩٣].","vol":"1","page":91},{"text":"فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه محمد بن عبد الرحمن هو ابن نوفل المدني.\nوقد تقدم إنكاره القراءة في الطواف على من أحدثها. وقد تفقه على خالته عائشة زوج رسول الله ﷺ وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم من علماء الصحابة وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.\n(١٠١) - أبو نعيم [الحلية ٢/ ٢٠٤] حدثنا يوسف بن يعقوب النجيرمي قال ثنا الحسن بن المثنى قال ثنا عفان قال ثنا همام قال سمعت قتادة قال ثنا مطرف قال: كنا نأتي زيد بن صوحان وكان يقول: يا عباد الله أكرموا وأجملوا فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين الخوف والطمع. فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابا فنسقوا كلاما من هذا النحو: إن الله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا ومن كان معنا كُنَّا وكنا له، ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكُنَّا وكنا. قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلًا رجلا فيقولون: أقررت يا فلان؟ حتى انتهوا إلي فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا! قال: لا تعجلوا على الغلام. ما تقول يا غلام؟! قال: قلت إن الله قد أخذ علي عهدا في كتابه فلن أحدث عهدا سوى العهد الذي أخذه الله ﷿ علي. قال: فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر به أحد منهم. قال: قلت لمطرف: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثين رجلا اه\nمطرف بن عبد الله أخذ العلم عن عثمان وعلي وأبيه عبد الله بن الشخير وأبي ذر وعمار بن ياسر وعائشة وغيرهم.\n(١٠٢) - عبد الرزاق [٥٤٤٤] عن معمر عن قتادة قال: إذا قرئت الصحف يوم الجمعة فلا تكلم أحدا إن أحدثوا فلا تحدث اه\nأي أن السنة أن تُقْبِلَ على الذكر في نفسك، فلا تُحْدث شيئا كما أحدثوا. فلم يأمره بالإقبال عليها كما تقدم عن عطاء. وقد أخذ العلم عن أنس صاحب النبي ﷺ والتابعين.\n(١٠٣) - ابن وضاح [٤٨] نا أسد قال نا أبو هلال قال نا معاوية بن قرة قال: كنا إذا رأينا الرجل يقص قلنا: هذا صاحب بدعة اه أبو هلال هو الراسبي يحتمل في المقاطيع.","vol":"1","page":92},{"text":"قاله لأن ترتيب القصص لم يره من عمل من مضى. وقد أخذ العلم عن أبيه قرة بن إياس وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن مغفل وغيرهم.\n(١٠٤) - ابن وضاح [٥١] عن موسى عن ابن مهدي عن سفيان عن همام بن الحارث التيمي قال: لما قص إبراهيم التيمي أخرجه أبوه من داره وقال: ما هذا الذي أحدثت!؟ اه والد إبراهيم هو يزيد بن شريك التيمي أخذ عن علي وابن مسعود وحذيفة وغيرهم.\n(١٠٥) - عبد الرزاق [٤٩٦٩] عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: سألت سالم بن عبد الله هل كان عمر بن الخطاب يقنت في الصبح؟ قال: لا، إنما هو شيء أحدثه الناس بعد اه\n(١٠٦) - ابن وضاح [١١٥] نا زيد بن البشر قال نا ابن وهب عن الليث عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر فقال: أيها الناس إن الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها. ثم رجع اه أبو حفص هو عمر بن عبد الله مولى غفرة ضعفوا حفظه للمرفوع وإنما يحكي هنا ما شهد فهو قوي وقد وثقه ابن سعد. وزيد هو أبو البشر الحضرمي الأزدي [السير ١٤٣]\nسالم ونافع أعلم الناس بعبد الله بن عمر أخذوا عنه الفقه والعلم.\n(١٠٧) - ابن أبي شيبة [٥٤٩١] حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري قال: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث اه\n- عبد الرزاق [٥٢٧٨] عن معمر عن الزهري قال: سألته عن رفع اليدين في يوم الجمعة فقال: حدث، وأول من أحدثه عبد الملك اه\nهذا من فقهاء المدينة والشام وعاء السنة والحديث أخذ عن ابن عمر وأنس وكبار التابعين.","vol":"1","page":93},{"text":"(١٠٨) - عبد الرزاق [٨١٢٢] أخبرنا معمر عن قتادة قال: قال عدي بن أرطأة للحسن: ألا تخرج بالناس فتعرف بهم؟ وذلك بالبصرة، فقال الحسن: إنما المعرف بعرفة. (^١)\n(١٠٩) - ابن أبي شيبة [٢٣٩٣٤] حدثنا هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن أنه كان يكره ذلك أي تعليق التمائم من القرآن وغيره اه\nالحسن بن أبي الحسن من شيوخ أهل البصرة، أخذ العلم عن أنس وعن كبار التابعين.\n(١١٠) - الفسوي [المعرفة والتاريخ ٢/ ٩٧] حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا جعفر عن مالك قال: مرضت حتى بُرسِمتُ، قَال: وكنت في ذلك عاقلًا. قال فدخل علي الحسن يعودني وفلان وفلان، قَال: فقلت يا أبا سَعِيد لولا أخشى أن يكون بدعة لأمرت أهلي إذا أنا مت أن يواروني بشريط كما يصنع بالعبد الآبق. قَال: فقال الحسن: صاحبكم يهجر. قال: قال مالك: فعافى الله. قَال: فكنت مع الحسن في أهله جالسًا قال فقال لي: يا صاحب الشريط في ظلة من ظلة الأرض. قَال: أقبل علي يعظني وكان معلمًا اه جعفر هو ابن سليمان والحسن هو البصري بُرسِمَ أي صار يهذي قليلا. مالك بن دينار أخذ دينه عن أنس وأصحابه بالبصرة.\n(١١١) - ابن عساكر [تاريخ دمشق ٢/ ٢٨٤] أنبأنا أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر وأبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر قالا أنبأنا أبو الحسن علي بن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الحضامي أنبأنا أبو بكر محمد بن سعيد بن يعقوب بن إسحاق الصيدلاني أنا عمر بن محمد بن سيف أنبأنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث أنبأنا عمر بن عثمان أنبأنا الوليد عن عبد الله بن العلاء قال: سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب ينكر هذه الدراسة ويقول: ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب النبي ﷺ! قال - أي ابن أبي داود عبد الله بن سليمان -: وأنبأنا محمد بن\n_________\n(^١) - تتمته: \"قال: وكان الحسن يقول: أول من عرَّف بأرضنا ابن عباس\". وقد حمله أبو شامة المقدسي على عدم قصد المداومة [الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٥٠] وعليه يدل كلام الحسن إذ كره ما واظبوا عليه.","vol":"1","page":94},{"text":"وزير أنبأنا الوليد قال: سألت عنها عبد الله بن العلاء فقال: كنا ندرس في مجلس يحيى بن الحارث في مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ خرج علينا أمير دمشق الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب الأشعري من الخضراء، فأقبل علينا منكرا لما نصنع فقال: ما هذا؟ أو: ما أنتم؟ فقلنا: ندرس كتاب الله. فقال: أتدرسون كتاب الله ﵎؟! إن هذا شيء ما سمعته ولا رأيته ولا سمعت أنه كان قبل! ثم دخل الخضراء. وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميرا على دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ اه محمد بن الوزير هو ابن الحكم السلمي والوليد هو ابن مسلم. الضحاك أخذ عن أبي موسى الأشعري وهو من القراء وأبي هريرة وعبد الرحمن بن غَنم. والدراسة التي أنكر هي ما روى:\n- ابن عساكر بسنده [تاريخ دمشق ١٨/ ٢٤] عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبي بكر بن أبي داود نا محمد بن وزير نا الوليد قال سئل أبو عمرو عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك ورافع مولاه فأقام الناس به اه\nومن طريق ابن أبي داود [تاريخ دمشق ٢/ ٢٨٢] أنبأنا أبو عامر موسى بن عامر المري أنبأنا الوليد قال: قال أبو عمرو هو الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: الدراسة محدثة أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي في قدمته على عبد الملك، فحجبه عبد الملك، فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق وعبد الملك في الخضراء، فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء فقرأ هشام بن إسماعيل فجعل عبد الملك يقرأ بقراءة هشام فقرأ بقراءته مولى له فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأ بقراءته اه فلم يقل الضحاك ﵀ نعمت البدعة، ولكنه استدل بالعمل الأول على الإنكار، والحق ما قاله دون مخالفيه كما سيأتي إن شاء الله.\nفي الباب على شرطه مما أنكروه من القربات كثير. وإن كان في بعض ما كرهوا خلاف في تحقيق المناط. فالنظر عندي في سَنَن الحكم. هل كانوا يجعلون الأصل العمل أو التوقف، وهل كانوا يفتشون عن العمومات فيها أو يستحسنون.\nوهؤلاء أصحاب النبي ﷺ وأصحابهم على اختلاف أمصارهم وطبقاتهم","vol":"1","page":95},{"text":"تشابهت أصولهم في النظر. فأصحاب ابن مسعود بالعراق كالأسود وعبيدة طريقتهم كطريقة أصحاب ابن عباس بعد بمكة مثل عطاء وسعيد بن جبير، وأهلُ المدينة الذين أخذوا عن الكبار مثل ابن المسيب، وأهلُ الشام كمكحول، وأهل البصرة كبارهم وصغارهم .. كانوا يلاحظون معان مشتركة يصدرون عنها. فتدبر. ومجموع فتاواهم يورث \"القطع\" بأن المحدث المستنكر عندهم ما لم يكن لا ما خالف، وألا نظر في العمومات. وإنكارهم العمل لأنه محدث يتضمن أمرين: الإخبار بأنه لم يكن. والحكم بأنه لا يشرع.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>(٢٢) باب ما ذموه من البدع بما يشبه المدح</span>\nويذكر عن غضيف بن الحارث أنه كره رفع الأيدي بالدعاء يوم الجمعة والقصصَ بعد الصبح والعصر وقال: \" أما إنهما أمثل بدعتكم عندي \" [أحمد ١٧٠١١]\n(١) - ابن أبي شيبة [٢١٨٣] حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن الأصبهاني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما ابتدعوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة، يعني: العشاء والفجر اه\nابن الأصبهاني هو عبد الرحمن بن عبد الله. التفسير أظنه لوكيع وقد كان ربما أدرج.\nوقال أبو نعيم الفضل [الصلاة ٢٥٥] ثنا سفيان عمن سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أحدثوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة اه أي أن سائر ما ابتدعوا هذه أحسنها، أي أخفها، إذ أخف دركات البدع الكراهة على قول طائفة من أهل العلم، والمكروه أحسن من المحرم.\n(٢) - محمد بن خلف وكيع القاضي [أخبار القضاة ٣/ ٨٥] حدثنا علي بن حرب قال حدثنا ابن فضيل قال: سمعت ابن شبرمة سئل عن التثويب في العشاء قال: هو أحسن ما ابتدعوا اه أي أهون. فهذا تعريض لا استحسان يدل على أن هذه البدعة","vol":"1","page":96},{"text":"أخف ما أحدثوا لا أنها مستحبة أصالة.\nوقد نقل الترمذي عن إسحاق قوله: \" التثويب المكروه هو شيء أحدثه الناس بعد النبي ﷺ إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح. قال الترمذي: وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي قد كرهه أهل العلم والذي أحدثوه بعد النبي ﷺ اه ذكره تحت حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى [١٩٨] \"عن بلال قال: قال لي رسول الله ﷺ لا تثوبن في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر\" [إرواء الغليل ٢٣٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-27>(٢٣) باب البيان أن الشأن في القربات التوقف وألا اجتهاد فيها</span>\nوقول الله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) ويروى أن أبان بن سعيد قال لعثمان في الحديبية: يا ابن عم طف بالبيت قال: إنا لا نصنع شيئا حتى يصنع صاحبنا ونتبع أثره [طبقات ابن سعد ١٣٣٦] وكان أصحاب النبي ﷺ ينكرون منها ما لم يعلموا. وقال زيد العمي عن أبي العالية: اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أما ما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة فقد علمناه، وما لا يجهر فيه فلا نقيس بما يجهر به. [أحمد ٢٣١٤٦]\n(١) - قال البخاري [٤٦٧٩] حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني ابن السَّبَّاق أن زيد بن ثابت الأنصاري - وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت:","vol":"1","page":97},{"text":"كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. الحديث.\nتوقفهم أولًا دليل على أن ما يكون من التعبد الشأن فيه التوقف حتى يستبين الإذن فيه.\n(٢) - البخاري [١٦٠٥] حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر قال أخبرني زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ استلمك ما استلمتك، فاستلمه. ثم قال: فما لنا وللرمَل، إنما كنا راءَينا به المشركين وقد أهلكهم الله. ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه اه\n(٣) - مالك [٣٠٤٤] عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنهُ سمعه يقول: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أَناخَ بالأبْطح ثم كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ ثم طرح عليها رداءه واستلقى ثم مد يديه إلى السمَاء فقال: اللهم كبرتْ سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناسُ قد سُنَّتْ لكم السُّنَن وفرِضَتْ لكم الفرائض وتُرِكْتُمْ على الواضحة إلا أَنْ تَضِلُّوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى. الحديث. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الْحِجة حتى قُتل عمر ﵀ اه كلامه يدل على أنهم لا يحتاجون بعد السنن المقررة إلى غير ما كان.\n(٤) - أبو داود [١٦٢] حدثنا محمد بن العلاء ثنا حفص - يعني ابن غياث - عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللّه ﷺ يمسح على ظاهر خفّيه اه تابعه يونس [أحمد ١٢٦٤] عن أبي إسحاق به.\n- أحمد [٧٣٧] حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما اه الروايتان من جهة الفقه هنا واحد، إذ وقف مع السنة وألغى الرأي.","vol":"1","page":98},{"text":"(٥) - أحمد [٢٣٣٩١] ثنا حماد بن سلمة أنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن حذيفة أن رسول الله ﷺ أتي بالبراق وهو دابة أبيض طويل يضع حافره عند منتهى طرفه قال: فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى أتيا بيت المقدس، وفتحت لهما أبواب السماء ورأيا الجنة والنار. قال: وقال حذيفة: ولم يصل في بيت المقدس. قال: زر فقلت: بلى قد صلى! قال حذيفة: ما اسمك يا أصلع؟ فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك. قال: قلت أنا زر بن حبيش قال: وما يدريك؟ وهل تجده صلى؟ قال: قلت لقول الله ﷿ (سبحان الذي أسرى بعبده) الآية قال وهل تجده صلى؟ فلو صلى فيه صلينا فيه كما نصلي في المسجد الحرام اه ورواه ابن حبان في صحيحه [٤٥] بلفظ: ولو صلى فيه لكانت سنة. فبين أن الصحابة لم يتخذوها سنة لأن النبي ﷺ لم يسنها بعمله.\n(٦) - مسلم [٣٣٥] حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه [خ ٣١٥]\nفتوقفن عن هذه العبادة لما لم يؤمرن بها. ولم يعملن بالأمر الأول ولا بعموم ولا قياس. وبهذا الأثر استُدل على أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد وهو معنى صحيح شاهد لما نحن فيه.\n(٧) - عبد الرزاق [٨٩٨٩] عن الثوري عن نسير بن ذعلوق أن ابن الزبير رأى الناس يمسحون المقام فنهاهم وقال: إنكم لم تؤمروا بالمسح، وقال: إنما أمرتم بالصلاة اه\n(٨) - أبو خيثمة [العلم ٥٤] ثنا جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة اه \"كفيتم\" أي عن نظر منكم في إنشاء تعبد.\n(٩) - البخاري [٧٣٠٨] حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة سمعت الأعمش قال سألت أبا وائل: هل شهدت صفِّين؟ قال: نعم، فسمعت سهل بن حُنَيف يقول ح","vol":"1","page":99},{"text":"وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال سهل بن حُنَيف: يا أيها الناس اتَّهموا رأيكم على دينكم! لقد رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته، وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يُفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير هذا الأمر اه فحذر سهل من إعمال الرأي في الدين.\n(١٠) - ابن إسحاق [سيرة ابن هشام ١/ ١٩٢] حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته اه رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق [١٩/ ٥٠٥] فقال: أخبرناه أبو عبد الله محمد بن غانم بن أحمد أنا عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ثنا أبي أنا محمد بن يعقوب بن يوسف وأحمد بن محمد بن زياد ح وأخبرناه أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين بن النقور أنا أبو طاهر المخلص أنبأ رضوان بن أحمد قالوا أن أحمد بن عبد الجبار نا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة فذكره.\nفأثني عليه لحنيفيته وعمله بمنهجٍ هو أصل من أصول الحنفاء ألا يُعبد الله إلا بما عُلم أنه من مراضيه سبحانه. وكان هذا من بقايا دين إبراهيم عنده وهو الأصل قبل البعثة اتفاقا.\n(١١) - عبد الرزاق [٣٠٦٢] أخبرني أبي عن إبراهيم قال: جاء ربيع بن خثيم إلى علقمة يستشيره أن يزيد فيها - يريد ألفاظ التشهد - ومغفرته، قال علقمة: إنما ننتهي إلى ما علمناه اه\nفتوقف علقمة عن العمل بغير ما عُلِّم.\n(١٢) - ابن أبي شيبة [٣٥٧٩٥] حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن داود بن أبي هند عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس اه أي لا قياس في العبادة.","vol":"1","page":100},{"text":"- البيهقي [المدخل ١٦١] أخبرنا أبو سعيد أبنا أبو بحر ثنا بشر ثنا الحميدي ثنا يحيى بن سليم ثنا داود بن أبي هند قال سمعت ابن سيرين يقول: أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس اه رواية الحميدي عن يحيى صحيحة، والمعنى أنهم أحدثوا عبادة بالقياس فضلوا.\n(١٣) - ابن أبي شيبة [٧٣٤٤] حدثنا معتمر عن أبيه قال: قيل لأَبي قلابة: الحائض تسمع الأذان فَتَوَضَّأُ وَتُكَبِّرُ وَتُسَبِّحُ؟ قال: قد سألنا عن ذلك فما وجدنا له أصلا. ثم قال حدثنا وكيع عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي قلابة قال: لم نجد له أصلا اه أي أصلا في العمل لا العموم (^١)، ولو كان العموم كافيا، أو كان معنى الباب غير معتبر، لما توقف أبو قلابة ولما بحث عن الدليل.\nوفي الباب غير هذا من الآثار .. ويشهد لها كل النقول في الباب قبله وما يأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>(٢٤) باب ما يدل على أن ألفاظ الذكر الراتب تعبد لا تصرف فيه</span>\n(١) - قال البخاري [٢٤٤] حدثنا محمد بن مقاتل قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا سفيان عن منصور عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت اه\n_________\n(^١) - هذا يشبه ما روى ابن جرير في التفسير [٤٨٠٧] حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال قرأت على فضيل عن أبي حريز أنه سأل عكرمة هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي. فذكر الحديث. [سند صحيح] فسأل عن الأصل في العمل، وهم يعلمون أن الخلع ثابت في القرآن.","vol":"1","page":101},{"text":"(٢) - مسلم [٩٣٠] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا عبد الرحمن بن حميد حدثني أبو الزبير عن طاوس عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن اه\n(٣) - الطبراني [الأوسط ٢٦٩٠] حدثنا إبراهيم قال نا أبي قال نا يحيى بن آدم قال نا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال الرجل: وحده لا شريك له فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه إبراهيم هو ابن أحمد بن عمر الوكيعي.\n(٤) - ابن أبي شيبة [٣٠٢٤] حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة، كما يعلمنا السورة من القرآن، يأخذ علينا الألف والواو اه\n(٥) - الترمذي [٢٧٣٨] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي من آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال اه\n(٦) - ابن أبي شيبة [٣٠٢٥] حدثنا ابن فضيل عن داود بن أبي هند عن أبي العالية قال: سمع ابن عباس رجلا يصلي، فلما قعد يتشهد قال: الحمد لله، التحيات لله، قال: فقال ابن عباس: وهو ينتهره، الحمد لله؟! إذا قعدت فابدأ بالتشهد: بالتحيات لله!\n(٧) - مالك [٣٥٢٥] عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا قال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: مَنْ هذا؟! قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك. فعرَّفوه إياه، قال فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة اه\n(٨) - الطبراني [٩٩٢٧] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا يحيى بن آدم ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: زاد ربيع بن خيثم في التشهد","vol":"1","page":102},{"text":"بركاته ومغفرته، فقال علقمة نقف حيث علمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اه\n(٩) - الطحاوي [شرح معاني الآثار ١٥٨٢] حدثنا فهد قال ثنا أبو غسان قال ثنا زهير قال ثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت: إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلوات: \"والمباركات\" قال: فأته فقل له: إن الأسود ينهاك ويقول لك: إن علقمة بن قيس تعلمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن، عدهن عبد الله في يده اه\n(١٠) - ابن أبي شيبة [٣٠٢٦] حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال: كان يأخذ علينا الواو في التشهد، الصلوات والطيبات اه\nالأمر عندهم في الذكر الراتب ألا يُتصرف فيه بزيادة تستحسن، فكيف بمن أحدث زيادة في الأذان والتشهد وزعم أنه يجري على سَنن الأولين ..\n\n<span data-type='title' id=toc-29>(٢٥) باب الاحتجاج بالترك وأنه سنة متبعة</span>\nوقول الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فدخل فيه التأسي به في ترك ما ترك. وكان الصحابة ينقلون تروك النبي كما ينقلون السنن.\n(١) - قال البخاري [٧٢٧٥] حدثنا عمرو بن عبَّاس حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن واصل عن أبي وائل قال: جلست إلى شَيْبَة في هذا المسجد، قال: جلس إليَّ عمر في مجلسك هذا، فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرآن يُقتدى بهما اه أي يقتدى بهما في الترك.\n(٢) - البخاري [٧٢١٨] حدثنا محمد بن يوسف أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ. ورواه مسلم وزاد [١٨٢٣] قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسولَ الله ﷺ غير مستخلف اه فتأسى بالترك.","vol":"1","page":103},{"text":"(٣) - مسلم [٦٨٩] حدثنا عبد الله بن مَسلمة بن قعنب حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين - إلى قوله - فرأى ناسا قياما فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسَبحون، قال: لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي. يا ابن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) اه فاحتج بالترك واستدل له بالآية.\n(٤) - البخاري [٦٧٠٥] حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثنا حكيم بن أبي حرَّة الأسلمي أنه سمع عبد الله بن عمر سئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام، فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما اه أي أسوة في الترك.\n(٥) - الترمذي [٢٧٣٨] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي - من آل الجارود - عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال اه أمره بترك المتروك في السنة ولم يأمره أن يلحقه بالمسنون.\n(٦) - الطبراني [س ٢٦٩٠] حدثنا إبراهيم قال نا أبي قال نا يحيى بن آدم قال نا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال الرجل: وحده لا شريك له فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه فتَرَك ما تُرِك في السنة ونبهه على الاقتداء بالترك.\n(٧) - النسائي [١٨٥] أخبرنا عمرو بن منصور قال حدثنا علي بن عياش قال حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله قال: كان آخر","vol":"1","page":104},{"text":"الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار اه شعيب بن أبي حمزة.\nفكانوا يتتبعون ترك النبي ﷺ ويرونه من أمره الذي يتبع ..\n(٨) - ابن أبي شيبة [١٥٩٩٠] حدثنا أبو أسامة عن شعبة عن أبي قزعة الباهلي عن مهاجر المكي قال سأل رجل جابر بن عبد الله أيرفع أحدنا يديه إذا رأى البيت؟ فقال: ذاك صنيع يهود، قد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم نفعل ذلك اه [د ١٨٧٢/ س ٢٨٩٥] حديث حسن.\n(٩) - أحمد [٢١١٨٠] ثنا عتاب بن زياد ثنا عبد الله يعني ابن المبارك ثنا موسى بن عقبة عن عبد الرحمن بن زيد بن عقبة عن أنس بن مالك قال: كنت أنا وأبَي بن كعب وأبو طلحة جلوسا فأكلنا لحما وخبزا ثم دعوت بوَضوء فقالا: لِمَ تتوضأ!؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقال: أتتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ منه من هو خير منك اه\n(١٠) - الدارمي [١٤٥٩] حدثنا صدقة بن الفضل ثنا معاذ بن معاذ ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أباه رأى ناسا يصلون صلاة الضحى فقال: أما إنهم يصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ ولا عامة أصحابه اه\n(١١) - الطحاوي [معاني الآثار ٣٤٨٣] حدثنا ابن أبي داود قال ثنا أصبغ بن الفرج قال ثنا عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِي عن محمد بن عجلان عن عبد اللَّه بن أبي سلمة عن عامر بن سعد عن أبيه أنَه سمع رجلا يلبِي يقول: لبيك ذا المعارج لبَيك، قال سعد: ما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ اه عامر هو ابن سعد بن أبي وقاص.\nفكره الزيادة لأنها لم تكن. ومن استحبها من الصحابة فلأنه كان عليها العمل:\nقال النسائي [٢٧٥٢] أخبرنا قتيبة قال حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان من تلبية النبي ﷺ \"لبيك إله الحق\".\n- أحمد بن حنبل [١٤٤٨٠] ثنا يحيى ثنا جعفر حدثني أبي قال أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة فسألناه عن حجة النبي ﷺ فحدثنا أن رسول الله ﷺ مكث","vol":"1","page":105},{"text":"بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس أن رسول الله ﷺ حاج هذا العام - فذكر الحديث ثم قال: - والناس يزيدون \"ذا المعارج\" ونحوه من الكلام، والنبيُّ ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا. [م ١٢١٨]\n- مالك [٧٣٠] عن نافع عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل اه\nففهم عبد الله من النبي ﷺ أن التلبية مثل أدعية التشهد ونحوه مما أذن فيه، يؤتى بالسنة ثم يجتهد في الثناء. وتمسك سعد بالأصل عند غياب الدليل الخاص (العمل) أو لئلا تترك به السنة الموقتة.\n(١٢) - أحمد [١٥٩٢٠] حدثنا يزيد بن هارون قال أنا أبو مالك قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث اه [ت ٤٠٢]. فرده لأنه تُرك العمل به.\n(١٣) - الطبراني [٣٢٧] حدثنا عمر بن حفص السدوسي ثنا عاصم بن علي ثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة حدثني عمي قال: خرجت مع أبي - وكان من أصحاب النبي ﷺ يوم العيد إلى المصلى فجلس قبل أن يأتي الإمام ولم يأت حتى إذا انصرف الإمام انصرفوا ذاهبين نحو المسجد كأنهم عُنُق، فقلت له: ألا ترى الناس؟ فقال: بدعة وترك السنة اه أي سنة ترك الصلاة في المسجد بعد صلاة العيد.\n- وقال [٣٢٥] حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي ثنا آدم بن أبي إياس ثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إسحاق بن كعب عن عمه عبد الملك، فذكر الحديث.\n(١٤) - البخاري [٣٢١] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا همام حدثنا قتادة حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت:","vol":"1","page":106},{"text":"أحرورية أنت؟! كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله اه فاحتجت بالترك في عدم التشريع.\n(١٥) - أبو يعلى [٤٤٧٥] حدثنا إبراهيم حدثنا حماد عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق أن عائشة قالت للسائب: ثلاث خصال لتدعهن أو لأناجزنك قال: وما هي؟ قالت: إياك والسجع لا تسجع فإن النبي ﷺ وأصحابه لا يسجعون. وإذا أتيت قوما يتحدثون فلا تقطعن حديثهم، ولا تمل الناس من كتاب الله ولا تحدث في الجمعة إلا مرة فإن أبيت فمرتين اه\n- الخرائطي [مكارم الأخلاق ٢٨٦] حدثنا العباس بن محمد الدوري ثنا الحسن بن موسى الأشيب ثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة فذكر نحوه.\nفاحتجت أم المؤمنين بالترك في ذم السجع.\n(١٦) - البيهقي [٧٢٨٦] أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا ابن عثمان يعني عبدان أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك أخبرنا موسى بن عقبة حدثني عبد الواحد بن حمزة أن عَبَّادَ بن عبد الله بن الزبير أخبره أن عائشة وبعض أزواج النبيِ ﷺ ورضي عنهن أمرن بجنازة سعد بن مالك ﵁ أن يُمرَّ بها عليهن فمُرَّ به في المسجد فجعل يوقف على الحُجَر فيصلين عليه، ثم بلغ عائشةَ ﵂ أن بعض الناس عاب ذلك وقال: هذه بدعة ما كانت الجنازة تدخل المسجد! فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن دعونا بجنازة سعد تدخل المسجد وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد اه [م ٩٧٣] فاحتج المنكِر بالترك وأثبتت أم المؤمنين شرعيتها بالعمل، كان هذا زمان معاوية بن أبي سفيان.\n(١٧) - مسلم [٨٦٦] حدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له أنه لم يكن يؤذَّن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه اه فمنع من الأذان لأجل الترك.","vol":"1","page":107},{"text":"(١٨) - عبد الرزاق [٩١٢٦] عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: لما أراد ابن الزبير أن يخرج السقاية من المسجد قال له ابن عباس: ما اقتديت بِبِرِّ من هو أبر منك، ولا بفجور من هو أفجر منك اه أي اتركه كما تركوه. فأمره بالاقتداء بالترك.\n(١٩) - ابن سعد [٦٥١٥] أخبرنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا عبيد الله بن أبي بكر أن زيادا النميري جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ، فرفع صوته وكان رفيع الصوت، وكشف أنس عن وجهه الخرقة وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا؟ ما هكذا كانوا يفعلون! قال: فكان إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه اه فاستدل بعدم الفعل في الإنكار.\n(٢٠) - عبد الرزاق [٨٩٨٩] عن الثوري عن نسير بن ذعلوق أن ابن الزبير رأى الناس يمسحون المقام فنهاهم وقال: إنكم لم تؤمروا بالمسح، وقال: إنما أمرتم بالصلاة اه فأنكر عليهم ما ترك الأمر به.\n(٢١) - عبد الرزاق [٣٠٢٦] أخبرني أبي عن إبراهيم قال: جاء ربيع بن خثيم إلى علقمة يستشيره أن يزيد فيها - أي ألفاظ التشهد - ومغفرته، قال علقمة: إنما ننتهي إلى ما علمناه اه\n- الطحاوي [شرح معاني الآثار ١٤٦٨] حدثنا أبو بكرة قال ثنا مؤمل قال ثنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم أن الربيع بن خيثم لقي علقمة فقال: إنه قد بدا لي أن أزيد في التشهد ومغفرته فقال له علقمة: ننتهي إلى ما علمناه اه مؤمل بن إسماعيل وهمام بن نافع متكلم في حفظهما، والثابت إنكار علقمة الزيادة، فلم يستحسنها، وأمره بترك المتروك في السنة.\n(٢٢) - عبد الرزاق [٥٠٠٠] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: دعاء أهل مكة بعدما يفرغون من الوتر من شهر رمضان؟ قال: بدعة، قال: أدركت الناس وما يصنع ذلك بمكة حتى أحدث حديثا اه فاحتج بالترك.\n(٢٣) - عبد الرزاق [٢٨٥٨] عن ابن جريج قال: قال إنسان لعطاء: إني أرى أناسا إذا ركعوا خفضوا رؤوسهم حتى كانوا يجعلون أذقانهم بين أرجلهم؟ فقال: لا هذه بدعة، لم يكن من مضى يصنعون ذلك. قال: فكيف؟ قال: وسط من الركوع كركوع","vol":"1","page":108},{"text":"الناس اليوم اه فاحتج بعدم الفعل على عدم التشريع.\n(٢٤) - ابن أبي شيبة [٣١٠٥] حدثنا محمد بن عُبَيد عن الأعمش قال: سئل إبراهيم عن الإمام إذا سلم فيقول: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله فقال: ما كان من قبلهم يصنع هكذا اه فاحتج بالترك.\n(٢٥) - الدارمي [٢٢٣] أخبرنا منصور بن سلمة الخزاعي عن شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم قال: لقد أدركت أقواما لو لم يجاوز أحدهم ظفرا لما جاوزته کفي إزراء على قوم أن تخالف أفعالهم. اهـ. تابعة جعفر بن زياد.\n- ابن سعد [٩١٩١] أخبرنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن زياد عن أبي حمزة عن إبراهيم قال: لو أن أصحاب محمد ﷺ لم يمسحوا إلا على ظفر ما غسلته التماس الفضل وحسبنا من إزراء على قوم أن نسأل عن فقههم ونخالف أمرهم. اهـ فرأي التأسي في الترك والاحتجاجَ به.\n(٢٦) - ابن وضاح [١١٥] نا زيد بن البشر قال نا ابن وهب عن الليث عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر فقال: أيها الناس، إن الذي أنتم عليه بدعة وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع اه\nفاحتج بعدم الفعل في الانكار وتسمية البدعة.\n(٢٦) - ابن أبي شيبة [٦٠٤٩] حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن السَّرِيِّ بن يحيى عن الحسن في رجل تفوته الصلاة في مسجد قومه فيأْتي مسجدا آخر؟ فقال الحسن: ما رأينا المهاجرين يفعلون ذلك.\n(٢٧) - مسلم [٣٣٦] حدثني حرملة بن يحيى ومحمد بن سلمة المرادي قالا أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني ابن عبد الله بن الحارث أن أباه عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: سألت وحرصت على أن أجد أحدا من الناس يخبرني أن رسول الله ﷺ سبح سبحة الضحى، فلم أجد أحدا يحدثني ذلك غير أن أم هانئ بنت أبي طالب أخبرتني أن رسول الله ﷺ أتى بعد ما ارتفع النهار يوم","vol":"1","page":109},{"text":"الفتح، فأتي بثوب فستر عليه فاغتسل. ثم قام فركع ثماني ركعات، لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده، كل ذلك منه متقارب. قالت: فلم أره سبحها قبل ولا بعد اه قوله: سألت وحرصت دليل على أن الحجة عندهم في العمل، وأن الترك معتبر، إذ لولا اعتباره لم يستشكل.\n(٢٨) - عبد الرزاق [٤٩٤٥] عن معمر عن الزهري قال: كان يقول: من أين أخذ الناس القنوت وتعجب ويقول: إنما قنت رسول الله ﷺ أياما ثم ترك ذلك اه فاعتبر بالترك واحتج بالعمل ولم يلتفت إلى العمومات.\n(٢٩) - ابن أبي شيبة [١٣٤٦٤] حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عامرا يقول: ما جاور أحد من أصحاب النبي ﷺ، وكان عامر يقول: ما الجوار؟ اه\nأي الجوار بمكة. فاحتج بالترك.\nإطباقهم على رد العمل لأجل الترك دليل آخر على صحة التوقف في القربات.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>(٢٦) باب الدلالة على أن الترك فعل من الأفعال</span>\nوقول الله تعالى (آمنوا وعملوا الصالحات) فدخل فيه ترك المحرمات.\n(١) - قال مسلم [١١٥١] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش. ح وحدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن الأعمش. ح وحدثنا أبو سعيد الأشج واللفظ له حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله ﷿: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. الحديث. ولفظ البخاري [١٧٩٥] \"يترك طعامه وشرابه وشهوته\". فجعل الترك عملا.\n(٢) - البخاري [٤٣٢٩] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل حدثنا ابن جريج قال أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتني","vol":"1","page":110},{"text":"أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه، فقال فبينا النبي ﷺ بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل به، معه ناس من أصحابه، إذ جاءه أعرابي عليه جبة، متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فأشار عمر إلى يعلى بيده: أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبي ﷺ محمر الوجه، يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: أين الذي يسألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فأتي به، فقال: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك اه اصنع في عمرتك أي اترك.\n(٣) - البخاري [٢١٠٢] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبو عاصم أخبرنا ابن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه - فاقتص الحديث ثم قال - وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء فقالت لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار فسعيت حتى جمعتها. فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. الحديث.\nفسمى الترك فعلا وعملا.\n(٤) - مسلم [٢٧٧] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم - واللفظ له - حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اه صنعت أي تركت الوضوء لكل صلاة.\n(٥) - البخاري [٣٨٣٤] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا","vol":"1","page":111},{"text":"تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. سمى تركها الكلام عملا.\n(٦) - مالك [١١٩٥] عن سعيد بن أبي سعيد المقبُرِي عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد اللهِ بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها! قال: وما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّة ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل أنت حتى يكون يوم الترويةِ. الحديث. [خ ١٦٦] فاستفسر عن صنيعه: أنه ترك ذلك.\n(٧) - الترمذي [٥٣٨] حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث حدثنا وكيع عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبي بكر بن حفص وهو ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن ابن عمر أنه خرج في يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها. وذكر أن النبي ﷺ فعله اه [ش ٥٧٨٦]\nأي ترك الصلاة قبلها وبعدها.\n(٨) - البخاري [٦٣٣٧] حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب حدثنا هارون المقرئ حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك. يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب اه بلفظه.\nفسمى الاجتناب فعلا.\n(٩) - الحاكم [٣٥٨٢] حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنبأ ثابت عن أنس ﵁ عند قوله عز وجل (وألنا له الحديد أن اعمل سابغات) قال أنس: إن لقمان كان عند داود وهو يسرد الدرع فجعل يفتله هكذا بيده فجعل لقمان يتعجب ويريد أن يسأله ويمنعه","vol":"1","page":112},{"text":"حكمته أن يسأله فلما فرغ منها ضمها على نفسه فقال: نعم درع الحرب هذه. فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليل فاعله كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني اه الصمت ترك الكلام وقليل من يفعل هذا الترك.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>(٢٧) باب الدلالة على أن الترك بيان نبوي وتشريع مقصود من حيث الجملة</span>\nوقال عمر بن عبد العزيز: فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا اه\n(١) - البخاري [٦٨٥٨] حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم اه\nفبين أن تركه من حيث الجملة مقصود لا نسيان، كما صرح ﷺ في مناسبات مثل ما روى:\n(٢) - مسلم [٢٧٧] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم - واللفظ له - حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اه فبين أنه ترك تجديد الوضوء لكل صلاة عمدا لبيان التشريع.\n(٣) - البخاري [٢١٦٨] حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة فقالوا: صل عليها فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا، فصلى عليه. ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صل عليها، قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير فصلى عليها. ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليها،","vol":"1","page":113},{"text":"قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلي دينه فصلى عليه اه فقصد زجر الناس بالترك.\nفي الباب غير هذا .. يدل على أن ما تُرك العمل به فالأصل عدم القصد إلى تشريعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>(٢٨) باب من أخذ بالمتروك لعلمه أن الترك كان لعلة خاصة أو لمانع</span>\n(١) - قال إسحاق بن راهويه [المسند ٨٢٧] أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي نا يونس الأيلي عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ خرج في جوف الليل فصلى في المسجد فصلى الناس وأصبح الناس يتحدثون ذلك. فكثر الناس فخرج عليهم الليلة الثانية فصلى فصلوا بصلاته فأصبحوا يتحدثون ذلك حتى كثر الناس فخرج الليلة الثالثة فصلى فصلوا بصلاته. فأصبحوا يتحدثون ذلك فكثر الناس حتى عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم فطفق الناس يقولون: الصلاة! فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر. فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخفَ علي شأنكم الليلة ولكني خشيت أن يفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عن ذلك. قال: فكان يرغبهم في قيام الليل من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر ويقول: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. قال: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. ثم كذلك حتى كان في خلافة أبي بكر الصديق وصدرا من خلافة عمر، حتى جمعهم عمر على أبي بن كعب فقام بهم في رمضان. فكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان اه رواه الشيخان مفرقا [خ ١٩٠٨/ م ١٢٧١].\nفلما زال المانع (خشيتُ أن يفرض عليكم) أخذوا بسنة القيام.","vol":"1","page":114},{"text":"(٢) - مالك [٣٢٤] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأستحبها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه [م ٧١٨] فيه دليل على أن الترك حجة مَنْ خالفه خالف السنة، لأنها بينت علة الترك للضحى فأشعرت بأن الترك لمعنى خاص لا يقدح في الأصل، ولو لم يكن عندها الترك معتبرا ما احتاجت أن تبين وجه تركِها التركَ. وإنما نفت المداومة لما روى:\n- مسلم [٧١٩] حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث حدثنا يزيد يعني الرِّشْك حدثتني معاذة أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء اه فأثبتت العمل ونفت الرؤية.\n(٣) - مسلم [٣٣٠٩] حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني ابن أبي سليمان عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرئهم - أو يحربهم - على أهل الشام فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى منها. قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه وأحجارا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف بيت ربكم؟! إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير إني سمعت عائشة تقول إن النبي ﷺ قال: لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع ولجعلت لها بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه. قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى","vol":"1","page":115},{"text":"أبدى أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشر أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه. الحديث.\nفعمد ابن الزبير إلى المتروك لعلمه أن الترك كان لمانع زال، وخالفه ابن عباس مستدلا بالترك وأنه الحكمة والأصل.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>(٢٩) باب ما يدل على أن من البدع ما يكون من جهة الترك</span>\n(١) - البخاري [٥٠٦٣] حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك يقول: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه ليس من سنته ﷺ التعبد بترك النكاح ونحوه ..\n(٢) - البخاري [٦٧٠٤] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه اه فنهاه عن ترك ما لا يُتعبد بتركه.\n(٣) - البخاري [٣٨٣٤] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يَحِل! هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. أنكر عليها ترك الكلام تعبدا.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>(٣٠) باب الدلالة على وجوب الاتباع في القصد وأن الابتداع قد يكون من جهة النية</span>\nوقول الله تعالى (فاتبعوه لعلكم تهتدون) وقال النبي ﷺ \" إنما الأعمال بالنيات\"\n(١) - ابن أبي شيبة [٧٦٣٢] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و(لإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا! من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل اه\nفأمرهم ألا يقصدوا مكانا لم يقصده النبي ﷺ بالعبادة حين صلى فيه.\n(٢) - مسلم [١٣١١] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه\n(٣) - البخاري [١٦٧٧] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ.\nفأنكرا أن يُتعبد بفعل لم يقصد النبي ﷺ التعبد به. فتحروا القصد والاتباع في النية.\n(٤) - عبد الرزاق [٧٠٦] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يُذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذًا اه فبالنية تغير الحكم، فصار العمل محدثا.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>(٣١) باب المباح الممتن بإباحته لا يتعبد لله بتركه ويتعبد بفعله</span>\nوقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)\n(١) - مسلم [٣٤٦٩] حدثني أبو بكر بن نافع العبدي حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه اللحم ونحوه مباح امتن الله على عباده بإباحته لهم، وليس من سنة نبيه ﷺ تركه على وجه التعبد.\n(٢) - البخاري [٤٧٨٧] حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن إسماعيل عن قيس قال: قال عبد الله كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا (يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) اه\n(٣) - البخاري [٦٧٠٤] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه اه التظلل ونحوه مما أباح الله على وجه الامتنان، وليس من سنة النبي ﷺ تركه تعبدا.\n(٤) - البخاري [١٧٦٦] حدثنا ابن سلام أخبرنا الفزاري عن حميد الطويل قال حدثني ثابت عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى شيخا يهادي بين ابنيه قال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي. قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب.","vol":"1","page":118},{"text":"(٥) - النسائي [٣٢١٦] أخبرنا محمد بن عبد الله الخلنجي قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال حدثنا حصين بن نافع المازني قال حدثني الحسن عن سعد بن هشام أنه دخل على أم المؤمنين عائشة قال: قلت إني أريد أن أسألك عن التبتل، فما ترين فيه؟ قالت: فلا تفعل، أما سمعت الله ﷿ يقول (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) فلا تتبتل اه\n(٦) - البخاري [٥٦] حدثنا الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره أن رسول الله ﷺ قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك اه فأرشد إلى احتساب الأجر على نفقة العيال ونحوها ..\n(٧) - البخاري [٤٠٨٦] حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك عن أبي بردة قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن - فذكر الحديث ثم قال- فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي اه فاحتسب الأجر على النوم.\n(٨) - أحمد [١٩٩٤٨] ثنا روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس ثنا أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال أن رسول الله ﷺ قال: من أنعم الله ﷿ عليه نعمة فإن الله ﷿ يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه اه\nفالمباح الذي أمرنا أن نشكر الله عليه عبادة، لم نُتعبد بتركه جملة، فتركه تعبدا بدعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>(٣٢) باب ما أبيح من جهة الإقرار لا يتعبد لله بفعله ويتعبد بتركه</span>\nوقول الله تعالى (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) وقوله سبحانه (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) كانوا يتدينون باللهو واللعب! وقول الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون)","vol":"1","page":119},{"text":"(١) - النسائي [الكبرى ٨٩٤٠] أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال نا محمد بن سلمة الحراني قال نا أبو عبد الرحيم عن عبد الوهاب بن بخت عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، فمل أحدهما فجلس، فقال الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربعة خصال: مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة اه [الصحيحة ٣١٥] المشي بين الغرضين التبختر عند القتال. فبيَّن ما يمكن أن يُتعبد به من تلك المباحات .. وما سواها لغو وباطل لا أجر فيه، وهذا من جوامع الكلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>(٣٣) باب ما نهي عنه لمشابهته أهل الكتاب ونحوهم</span>\nوقول الله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)\n(١) - قال البخاري [٣٨٣٤] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يَحِل! هذا من عمل الجاهلية!\n(٢) - ابن أبي شيبة [٩٨٥١] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن وَبَرَةَ بن عبد الرحمن عن خَرَشَةَ بن الْحُرِّ قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجِفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية اه\n(٣) - ابن أبي شيبة [٦٥٤٢] حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه أن عليا رأى قوما يصلون وقد سدلوا، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم! اه فهرهم موضع مدارسهم.\n(٤) - ابن أبي شيبة [٦٥٤٥] حدثنا وكيع قال حدثنا فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر أنه كره السدل في الصلاة مخالفة لليهود، وقال: إنهم يسدلون اه\nكرهوا سدل اللباس في الصلاة للتشبه، ومن خالفهم من السلف ففي \"تحقيق المناط\".","vol":"1","page":120},{"text":"(٥) - سعيد بن منصور [اقتضاء الصراط المستقيم ١٢٧] ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال: دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة فنظر إلى شرفات، فخرج إلى موضع فصلى فيه ثم قال: لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا - يعني الشرفات - شبهتها بأنصاب الجاهلية فمر بها أن تكسر اه\n(٦) - عبد الرزاق [٩٠٥٣] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل بلغك أن النبي ﷺ أو بعض أصحابه كان يستقبل البيت حين يخرج ويدعو؟ قال: لا، ثم أخبرني عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لبعض من يستقبل البيت كذلك يدعو إذا خرج عند خروجه: لم يصنعون؟ هذا صنيع اليهود في كتابهم، ادعوا في البيت ما بدا لكم ثم اخرجوا اه\n(٧) - ابن أبي شيبة [١٣٧١٣] حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: سمعته ورأى رجلا يلتفت إلى الكعبة عند باب المسجد فنهاه وقال: اليهود يفعلون هذا اه\n\n<span data-type='title' id=toc-38>(٣٤) باب الدلالة على أنهم كانوا يفرقون في اتباع السنن بين ما سن فيه حد معلوم وما هو مطلق في العمل</span>\n(١) - وقال ابن أبي شيبة [١١٥٦٩] حدثنا وكيع عن إسماعيل عن الشعبي عن علقمة بن قيس أنه قدم من الشام فقال لعبد الله: إني رأيت معاذ بن جبل وأصحابه بالشام يكبرون على الجنائز خمسا فوقتوا لنا وقتا نتابعكم عليه. قال فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: كبروا ما كبر إمامكم، لا وقت ولا عدد اه\n(٢) - ابن أبي شيبة [١١٤٨٨] حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن سعيد بن المسيب والشعبي قالا: ليس على الميت دعاء موقت اه\n(٣) - ابن أبي شيبة [١١٤٩٢] حدثنا غندر عن شعبة عن أبي سلمة قال: سمعت الشعبي يقول في الصلاة على الميت ليس فيه شيء موقت اه\n(٤) - عبد الرزاق [٦٤٣٥] عن الثوري عن منصور قال قلت لإبراهيم: على الميت شيء موقت؟ قال: لا أعلمه. ابن أبي شيبة [١١٤٨٧] حدثنا حفص بن غياث","vol":"1","page":121},{"text":"عن الأعمش عن إبراهيم قال: ليس في الصلاة على الميت دعاء موقت، فادع بما شئت اه\n(٥) - ابن أبي شيبة [١١٤٨٩] حدثنا غندر عن عمران بن حدير قال: سألت محمدا عن الصلاة على الميت، فقال: ما نعلم له شيئا موقتا، ادع بأحسن ما تعلم اه\n(٦) - ابن أبي شيبة [١١٤٩٠] حدثنا معتمر بن سليمان عن إسحاق بن سويد عن بكر بن عبد الله قال: ليس في الصلاة على الميت شيء موقت اه\n(٧) - ابن أبي شيبة [٦٩٦٦] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: ليس في قنوت الوتر شيء مؤقت، إنما هو دعاء واستغفار اه\n(٨) - ابن أبي شيبة [٨٩٣٤] حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ليس فيه شيء موقت اه يعني في الذكر بين السجدتين في الصلاة.\n(٩) - عبد الرزاق [١٢٠٤] عن ابن جريج قال قلت لعطاء: هل للحائض من غسل معلوم قال: لا إلا أن تنقي، تغرف على رأسها ثلاث غرفات أو تزيد. فإن الحيضة أشد من الجنابة اه\n(١٠) - ابن أبي شيبة [١٤٧١٣] حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال: لم نسمع على الصفا والمروة دعاء موقتا اه\n(١١) - ابن أبي شيبة [١٤٧١٤] حدثنا أبو عامر العقدي عن أفلح عن القاسم قال: ليس عليهما دعاء موقت فادع بما شئت، وسل ما شئت اه\n(١٢) - ابن أبي شيبة [١٤٧١٥] حدثنا أبو داود الطيالسي عن معاذ بن العلاء قال: سمعت عكرمة بن خالد المخزومي يقول: لا أعلم على الصفا والمروة دعاء موقتا اه\n(١٣) - ابن أبي شيبة [١٤٢١٨] حدثنا أبو خالد عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: في الجمرة شيء موقت لا يزاد عليه؟ قال: لا، إلا قول جابر اه\nفي الباب منه كثير، يدل على أنهم كانوا يتحرون في اتباع السنن الفرق بين ما جعل له حد معلوم يداوم عليه، وما ليس كذلك، ولا يرون الوجهين سواء.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>(٣٥) باب ما ذموه من جهة المواظبة عليه</span>\n(١) - أحمد [٨٧٩٠] حدثنا سريج قال ثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني اه \"عيدا\" تعتادون ذلك.\nعبد الله بن نافع هو الصائغ المدني صحيح الكتاب وهذا الحديث عرضه عليه أحمد بن صالح قراءة، قال أبو داود [٢٠٤٢] حدثنا أحمد بن صالح قرأت على عبد الله بن نافع قال أخبرني ابن أبي ذئب فذكره. وهو إسناد مدني، وحديث يخص قبر رسول الله ﷺ يحتاجه أهل المدينة جيران النبي خاصة. فمثله مما تنصرف هممهم إلى حفظه، وكان العمل عليه، مع ما عرف من حالهم من إقلال الرواية. فنهى النبي ﷺ فيه عن المواظبة وأثبت الجواز.\n(٢) - البخاري [١١٢٨] حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن ابن بريدة قال حدثني عبد الله المزني عن النبي ﷺ قال: صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة اه أي عادة جارية يواظَب عليها، فالمواظبة على ما هذا بابه مذمومة.\n(٣) - ابن أبي شيبة [٧٦٣٢] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و(لإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا! من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل اه أي لئلا يتخذ مكانا تعتاد فيه الصلاة.\n(٤) - عبد الرزاق [٧٨٥٤] عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدا اه\n(٥) - عبد الرزاق [٧٨٥٥] عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن","vol":"1","page":123},{"text":"صيام الشهر كاملا، ويقول ليصمه إلا أياما، وكان ينهى عن إفراد اليوم كلما مر به، وعن صيام الأيام المعلومة، وكان يقول: لا يصم صياما معلوما اه\n- ابن أبي شيبة [٩٣٤٤] حدثنا محمد بن بكر عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن افتراد اليوم كل ما مر بالإنسان وعن صيام الأيام المعلومة وكان ينهى عن صيام الأشهر لا يُخطأن اه\n- ابن أبي شيبة [٩٣٢٩] حدثنا أسباط بن محمد ويزيد بن هارون عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن صوم يوم الاثنين والخميس. فقال: يكره أن يوقت يوما يصومه. قال ابن أبي شيبة: إلا أنَّ يزيدَ قال: ينصب يوما إذا جاء ذلك اليوم صامه اه\n(٦) - عبد الرزاق [٨٠٢٢] عن ابن جريج عن عطاء أن عائشة نذرت جوارا في جوف ثبير، مما يلي منى، قلت: فقد جاورَتْ؟ قال: أجل. وقد كان عبد الرحمن بن أبي بكر نهاها أن تجاور خشية أن يتخذ سنة، فقالت عائشة: حاجة كانت في نفسي اه\n(٧) - ابن أبي شيبة [١٦٠٨] حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: إنما كانوا يكرهون المنديل بعد الوضوء مخافة العادة اه\nرواه أبو داود [٢٤٥] عن الأعمش وقال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كانوا لا يرون بالمنديل بأسا، ولكن كانوا يكرهون العادة اه\n(٨) - ابن أبي شيبة [٩٣٤٥] حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يفرضوا على أنفسهم شيئا لم يفترض عليهم اه ذَكَره في \"من كره أن يصوم يوما يُوَقِّته، أو شهرا يوقته، أو يقوم ليلة يوقتها\" من كتاب الصيام.\n(٩) - ابن أبي شيبة [٩٣٥٠] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان، ولا تصوموا يوما واحدا من الجمعة فتتخذونه عيدا إلا أن تصوموا قبله أو بعده يوما اه\n(١٠) - عبد الرزاق [٥٢٧٢] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرى الأئمة إذا نزلوا على المنبر استلموا الركن قبل أن يأتوا المقام، أبلغك فيه شيء؟ قال: لا. قلت: أتستحبه؟ قال: لا، إلا أن استلام الركن ما أكثرت منه فهو خير اه فلم يستحبه ما دام مقيدا راتبا للجمعة، وبَيَّن أنه ما كان مطلقا فأكثر ما شئت.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>(٣٦) باب ما واظبوا عليه للعلم أن ذلك مقصود للشرع وكان الترك لمانع</span>\nوقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. [خ ١١٥٢ م ١١٥٩] وقال رسول الله ﷺ: من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل. [م ٧٤٧] وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملا أثبتوه [م ٧٨٢].\n(١) - البخاري [١٩٨٧] حدثنا مسدَّد حدثنا يحيى عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يختص من الأيام شيئا؟ قالت لا، كان عمله ديمة. وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟ [م ٧٨٣]\nفبينت أن الدوام هو في عدم اتخاذ يوم مخصوص بالعمل.\n- البخاري [١٩٦٩] حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم. فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان اه\n(٢) - مالك [٥١٩] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأستحبها وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه [م ٧١٨]\nفالدوام مقصود للشرع، فإذا كان العمل موقتا في السُّنة داوم العبد عليه كذلك. وإن كان غير موقت داوم العبد عليه بالفعل والترك من غير توقيت زمان أو مكان أو صفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-41>(٣٧) باب ما ذموه من العمل المطلق إذا كان يضاهي السنة</span>\nوقول الله تعالى (إنما النسي زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله)\n(١) - ابن حبان [٢٤٢٩] أخبرنا الحسن بن سفيان قال حدثنا حرملة حدثنا ابن","vol":"1","page":125},{"text":"وهب حدثني سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب اه فنهى عن التنفل بما يشبه الفريضة.\n(٢) - عبد الرزاق [٩١٦٤] عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن ابن المسيب قال بينا عمر في نعم من نعم الصدقة مر به رجلان فقال من أين جئتما قالا من بيت المقدس فعلاهما ضربا بالدرة وقال: حج كحج البيت! قالا: يا أمير المؤمنين إنا جئنا من أرض كذا وكذا فمررنا به فصلينا فيه. فقال: كذلك إذًا، فتركهما. الفاكهي [أخبار مكة ١١٥٣] حدثنا محمد بن أبي عمر قال ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب قال: بينا عمر بن الخطاب ﵁ يقسم نعما من نعم الصدقة إذ مر به رجلان فقال: من أين أقبلتما؟ فقالا: من بيت المقدس، فعلاهما بالدرة ضربا وقال: أحجا كحج البيت؟ فقالا: إنا كنا مجتازين اه\n(٣) - البيهقي [١٤٩٨١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس الدوري حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو جعفر الخطمي عن محمد بن كعب قال: دعي عبد الله بن يزيد إلى طعام فلما جاء رأى البيت منجدا فقعد خارجا وبكى. قال فقيل له: ما يبكيك؟! قال: كان رسول الله ﷺ إذا شيع جيشا فبلغ عقبة الوداع قال: أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم. قال: فرأى رجلا ذات يوم قد رقع بردة له بقطعة قال: فاستقبل مطلع الشمس وقال هكذا ومد يديه ومد عفان يديه وقال: تطالعت عليكم الدنيا ثلاث مرات - أي أقبلت - حتى ظننا أن يقع علينا ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ فقال عبد الله بن يزيد: أفلا أبكى وقد بقيت حتى تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ اه فكره ستر البيت مضاهاة للكعبة.","vol":"1","page":126},{"text":"(٤) - ابن أبي شيبة [٩٣٥٠] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه فنهى عن مشابهة الفريضة حفاظا عليها.\n(٥) - ابن أبي شيبة [٣٦٢٤١] حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن أناسا من الناس التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عِدْلَ صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبي ﷺ وعلى النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك اه صلاتهم على خلفائهم أي دعاؤهم لأمرائهم في الخطب والقصص. حسنه الحافظ ابن كثير تحت الآية (صلوا عليه) [الأحزاب ٥٦] وابن حجر في الفتح تحت الحديث [٤٤٢٤] وصححه الشيخ الألباني في تحقيق \"فضل الصلاة على النبي ﷺ\" للقاضي إسماعيل [٧٦] (^١).\n(٦) - عبد الرزاق [٨١٢٢] أخبرنا معمر عن قتادة قال: قال عدي بن أرطأة للحسن: ألا تخرج بالناس فتعرف بهم؟ وذلك بالبصرة، فقال الحسن: إنما المعرف بعرفة اه كره أن يضاهي السنة بعمل مطلق.\n(٧) - ابن أبي شيبة [٦٠٢٤] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يعدون من السنة أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر. قال إبراهيم: وكانوا يستحبون ركعتين قبل العصر، إلا أنهم لم يكونوا يعدونها من السنة اه [عبد الرزاق ٤٨٣٠] ففرق بين السنة التي يواظب عليها والمستحب الذي لا يعمل إلا المرة بعد المرة. فتبين أن المضاهاة للعمل المشروع في السنة علة موجبة للمنع، والمستحب ليس كالسنة.\n_________\n(^١) - يشبه أن يكون فيه إرسال لأن جعفرا كان أميا لا يقرأ! وقد يكون سمعه من ميمون بن مهران عامل عمر بن عبد العزيز فقد لازمه وأكثر عنه، لكن هذه رسالة اشتهرت في الناس وتلقاها العلماء بالقبول فأغنى اشتهارها عن تكلف بحث الاتصال. والله أعلم.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>(٣٨) باب ما ذموه لإظهاره مما السنة الجارية إخفاؤه</span>\n(١) - الطبراني [٩٤٦٢] حدثنا محمد بن النضر الأزدي ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: كنا إذا قام عبد الله نجلس بعده فنُثَبّت الناس في القراءة فإذا قمنا صلينا. فبلغه ذلك فدخلنا عليه فقال: أتحملون الناس ما لا يحملوا، يرونكم فيحسبون أنها سنة. إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم اه [ش ٧٨٦١] هذا له صلة بالباب قبله، وعبد الله لم يكن يرى صلاة الضحى شيئا مؤقتا، إلا أن يصلي الرجل صلاة غير ديمة.\n(٢) - ابن أبي شيبة [٣٦٦١] حدثنا عبد الأعلى عن داود عن الشعبي أن سعيد بن العاص صلى بالناس الظهر - أو العصر - فجهر بالقراءة فسبح القوم، فمضى في قراءته، فلما فرغ صعد المنبر فخطب الناس، فقال: في كل صلاة قراءة، وإن صلاة النهار تخرس، وإني كرهت أن أسكت، فلا ترون أني فعلت ذلك بدعة! اه رواه البيهقي [٣٦٨٢] من طريق عبد الوهاب بن عطاء ثنا داود بن أبي هند به ولفظه: قال: إن في كل صلاة قراءة، وما حملني على ذلك خلاف السنة ولكني قرأت ناسيا فكرهت أن أقطع القراءة. ورواه ابن المنذر [١٦٨٧] حدثنا علي بن عبد العزيز قال ثنا حجاج بن منهال قال ثنا حماد عن داود عن الشعبي أن سعيد بن العاص جهر في صلاة الظهر أو العصر، فمضى في جهره فلما قضى صلاته قال: إني كرهت أن أخفي القرآن بعدما جهرت به اه المعنى والله أعلم: ما جهرت لاعتقاد أنه سنة النهار فيكون بدعة، ولكن سهوا. فالشاهد أنه سمى إظهار ما السنة الجارية إخفاؤه بدعة يبرأ منها.\n(٣) - ابن أبي شيبة [٤١٦١] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة اه\n(٤) - مسدَّد بن مسرهد [إتحاف الخيرة ١٧٠٢] ثنا أبو عوانة عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم: أصلي بالنهار في مسجد قومي فأرفع صوتي؟ قال: ذلك بدعة اه\n(٥) - ابن أبي شيبة [٣٤١٠٥] حدثنا وكيع قال: حدثنا شعبة عن أبي المعلى عن سعيد بن جبير أنه كره رفع الصوت عند القتال، وعند قراءة القرآن، وعند الجنائز اه","vol":"1","page":128},{"text":"في الباب غير هذا يدل على أن ما كان في السنة الجارية إخفاؤه من الأقوال والأعمال لم يصلح أن يجعل ظاهرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>(٣٩) باب ما ذموه من العمل الثابت خشية وقوع الناس في المخالفة مآلا</span>\n(١) - الطحاوي [معاني الآثار ١٨٣١] حدثنا أبو بكرة قال ثنا أبو داود قال ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط عن إياد بن لقيط عن البراء بن عازب قال: بعثني سلمان بن ربيعة بريدا إلى عمر بن الخطاب في حاجة له فقدمت عليه فقال لي: لا تصلوا بعد العصر، فإني أخاف عليكم أن تتركوها إلى غيرها اه أي أن تتمادوا إلى وقت النهي الأصلي. ونهي عمر عن الركعتين بعد العصر للذريعة مشهور.\n(٢) - ابن أبي شيبة [٦٠٥١] حدثنا أبو معاوية وابن إدريس عن الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مسهر عن خرشةَ قال: كان عمر يكره أن يصلَّى خلف صلاة مثلُها اه\n(٣) - ابن أبي شيبة [٦٠٥٢] حدثنا ابن إدريس عن حصين عن إبراهيم والشعبي قالا: قال عبد الله: لا يصلَّى على إثر صلاة مثلها اه أي حتى لا يزاد في الفريضة مع الزمان.\n(٤) - البخاري [٤٧٠٢] حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق اه","vol":"1","page":129},{"text":"(٥) - مالك [٦٧٧] عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَه نساء بني إسرائيل. قال يحيى بن سعيد فقلت لعمرة: أوَ مُنع نساء بني إسرائيل المساجد؟ قالت: نعم اه [خ ٨٣١/ ١٠٢٧]\n(٦) - ابن أبي شيبة [٩٨١٧] حدثنا حسين بن علي عن أبي موسى عن الحسن قال: إذا ذكر عنده الستة الأيام التي يصومها بعض الناس بعد رمضان تطوعا قال: يقول: لقد رضي الله ﷿ بهذا الشهر للسنة كلها اه يريد شهر رمضان. رواه الترمذي تحت الحديث [٧٥٩] فقال ثنا هناد أخبرنا الحسين بن علي الجعفي عن إسرائيل أبي موسى عن الحسن البصري فذكره. خشي أن يرى الناس أن رمضان لا يفي بما قصدوا إليه حتى يتبع بست من شوال.\n\n<span data-type='title' id=toc-44>(٤٠) باب من كره تخصيص يوم بعمل يظن فيه الفضل على غيره من الأيام</span>\n(١) - مسلم [٢٧٤٠] حدثني أبو كريب حدثنا حسين يعني الجعفي عن زائدة عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم اه\n(٢) - ابن أبي شيبة [٩٨٥١] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن وَبَرَةَ بن عبد الرحمن عن خَرَشَةَ بن الحر قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجِفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية اه نهاهم عن تعظيم ما لم يعظم في السُّنَّة، وتخصيصه بعمل.\n(٣) - مسلم [٢٧٠٧] حدثني محمد بن حاتم حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن إن اليوم يوم عاشوراء! فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطرا فاطعم اه","vol":"1","page":130},{"text":"رواه الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟! قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك اه [م ٢٧٠٤]\nأي ترك الأمر بتعاهده وتخصيصه وصار يوما من الأيام كما روى:\n- مسلم [٢٧٠٨] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده اه زاد ابن خزيمة [٢٠٨٣] \"وكنا نفعله\".\nهذا يدل على أن الأحاديث المؤكدة لصومه وفضله كانت قبل فرض رمضان، فلما نزل رمضان كان عاشوراء يوما من أيام الله لا مزية له على غيره كما روى:\n- مسلم [٢٦٩٨] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح وحدثنا ابن نمير واللفظ له حدثنا أبي حدثنا عبيد الله عن نافع أخبرني عبد الله بن عمر ﵄ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ: إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه اه وفي لفظ له: وكان عبد الله ﵁ لا يصومه إلا أن يوافق صيامه اه [م ٢٧٠١]\nففهم أنه يوم كسائر الأيام. وعلى هذا القول يحمل صوم النبي ﷺ ذلك اليوم في خاصة نفسه على قاعدة الدوام أنه كان إذا عمل عملا أثبته كالركعتين بعد العصر [م ١٩٧١]. وليس المعنى أن يُنهى عنه، ولكن ألا يتعاهد عليه كما يفعل في يوم له فضل في السُّنة.\nومن خالفهم من الصحابة كابن عباس فلأنه فهم من صوم النبي ﷺ أن الفضل مستمر. فعلى هذا القول يحتمل أن يكون قول النبي ﷺ: \" يوم من أيام الله \" مثل قول","vol":"1","page":131},{"text":"الله تعالى (وذكرهم بأيام الله) [إبراهيم ٥] فأمر بصومه من غير إيجاب. فمن صامه بقي على الأمر الأول وتأسى بالاستمرار، ومن تركه تنبه إلى منهج التشريع (^١). والقصد هنا ملحظ ابن مسعود ومن وافقه. والله أعلم. وقد يكون ملحظ ابن مسعود من معنى الباب بعده:\n\n<span data-type='title' id=toc-45>(٤١) باب إذا اشتبه المستحب بالواجب أو المباح بالمستحب فالسنة تركه للبيان</span>\n(١) - البيهقي [ك ١٩٥٠٧] أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المصري حدثنا ابن أبي مريم حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن أبيه ومطرف وإسماعيل عن الشعبي عن أبي سريحة الغفاري قال: أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر ﵄ لا يضحيان. في بعض حديثهم: كراهية أن يقتدى بهما اه أي حتى لا يظن الناس أنها واجبة.\n(٢) - مالك [٧٠١] عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه. ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء،\n_________\n(^١) - قال الطبري [تهذيب الآثار ٢/ ٩٥] \"اختلف أهل العلم في حكم صومه اليوم، هل هو في فضله وعظم ثوابه على مثل الذي كان عليه قبل أن يفرض رمضان، أم ذلك اليوم بخلافه يومئذ؟ \" فاقتص الخلاف ثم قال: \" واختلف السلف من الصحابة والتابعين في صوم يوم عاشوراء، فكان بعضهم يصومه، ويرى له فضلا في الصوم على سائر الأيام غيره سوى شهر رمضان، وكان بعضهم يكره صومه ولا يصومه. الخ انظر معاني الآثار الصوم باب صوم يوم عاشوراء زعم أن النبي ﷺ \" إنما أراد بصوم يوم التاسع أن يدخل صومه يوم عاشوراء في غيره من الصيام حتى لا يكون مقصودا إلى صومه بعينه كما جاء عنه في صوم يوم الجمعة … فكما كره أن يقصد إلى يوم الجمعة بعينه بصيام إلا أن يخلط بيوم قبله أو بيوم بعده فيكون قد دخل في صيام حتى صار منه وكذلك عندنا سائر الأيام لا ينبغي أن يقصد إلى صوم يوم منها بعينه كما لا ينبغي أن يقصد إلى صوم يوم عاشوراء أو يوم الجمعة لأعيانهما ولكن يقصد إلى الصيام في أي الأيام كان وإنما أريد بما ذكرنا من الكراهة التي وصفنا التفرقة بين شهر رمضان وبين سائر ما يصوم الناس غيره\".","vol":"1","page":132},{"text":"فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا اه\nفبين بالترك أن المستحب ليس بواجب.\n(٣) - عبد الرزاق [١٤٤٨] عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص فعرس قريبا من بعض المياه، فاحتلم فاستيقظ وقد أصبح فلم يجد في الركب ماء، فركب وكان الرفع حتى جاء الماء. فجلس على الماء يغسل ما في ثوبه من الاحتلام، فلما أسفر قال له عمرو بن العاص: أصبحت دع ثوبك يغسل والبس بعض ثيابنا، فقال: واعجبا لك يا عمرو! لئن كنت تجد الثياب أفكل المسلمين يجدون الثياب؟ فوالله لو فعلتها لكانت سنة بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر.\n(٤) - مالك [١١٦٤] عن نافع أنه سمع أسلم مولى عمر بن الخطاب يحدث عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟! فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر! فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام. فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من هذه الثياب المصبغة اه\n(٥) - عبد الرزاق [٨١٤٨] عن الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عقبة بن عمرو قال: لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم بها مخافة أن يُحسب أنها حتم واجب اه\n(٦) - الطبري [تهذيب الآثار ٦٧٠] حدثني الحسين بن محمد الذارع حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاذ بن العلاء عن نافع قال: رأيت ابن عمر يدعو بالماء يوم عاشوراء من غير ظمأ اه\n(٧) - النسائي [ك ٢٨٢١] أنبأ يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه دعا أخاه عبيد الله يوم عرفة إلى طعام فقال: إني صائم فقال: إنكم أهل بيت يقتدى بكم! رأيت رسول الله ﷺ أتي بحلاب بلبن في هذا اليوم فشرب اه فنهاه حتى لا يُظن أن الصوم سنة ذلك اليوم.","vol":"1","page":133},{"text":"(٨) - ابن أبي شيبة [٩٤٦٦] حدثنا الفضل بن دكين عن عمر بن الوليد قال: سئل عكرمة عن صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة؟ فقال: لا يصلح لرجل يصوم يوما يرى أنه عليه واجب إلا رمضان اه\nفاعتقاد المباح ندبا أو المستحب فرضا .. ممنوع حفظا لحدود السنة، والسنة ترك ذلك أحيانا حتى لا ينشأ من يظن أن المندوب فرض أو المباح مندوب ..\n\n<span data-type='title' id=toc-46>(٤٢) باب ما ذموه من معقول المعنى إذا قصد به التعبد</span>\n(١) - مالك [٥٨٥] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان أنه قال: كنت أصلي وعبد الله بن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من قبل شقي الأيسر، فقال عبد الله بن عمر: ما منعك أن تنصرف عن يمينك؟ قال فقلت: رأيتك فانصرفت إليك. قال عبد الله: فإنك قد أصبت، إن قائلا يقول: انصرف عن يمينك! فإذا كنت تصلي فانصرف حيث شئت، إن شئت عن يمينك، وإن شئت عن يسارك اه\n(٢) - عبد الرزاق [٧٠٦] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذا ًاه\n- ابن أبي شيبة [١٥٩٦] ثنا عباد بن العوام عن عبد الملك عن عطاء أنه كان يكرهه ويقول: أحدثتم المناديل اه\n(٣) - عبد الرزاق [٥٠٩١] عن ابن جريج قال عن عطاء قال: إذا وضعت المرأة على رأسها شعرا بغير وصل قال: فلتضعه إذا قامت للصلاة فإنه محدث.\n- عبد الرزاق [٥٠٩٠] عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الشعر الذي يوصل في الرأس والوحا في الشعر الذي يجعل على الرأس فإن شاءت المرأة وضعت على رأسها قال: أما الوصل فإن رسول الله ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة، قال أنس حينئذ: وآكل الربا وموكله والشاهد والكاتب والواشمة والمستوشمة والعاضهة والمستعضهة، قال عطاء: قد سمعنا ذلك، قال: وكن نساء العرب يشمن أيديهن قال:","vol":"1","page":134},{"text":"وأما هاتين فهو شيء أحدثتموه، ولكن لم يكن على عهد النبي ﷺ فلتضعه المرأة عند الصلاة اه\n(٤) - عبد الرزاق [٦١٩٧] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ماذا بلغك أنه يستحب من كفن الميت؟ قال: البياض أدناه، قلت: إني أرى الناس قد علقوا القباطي قال: محدث، وأين القباطي من ذلك الزمان؟ أَرَهْوًا حيًا؟ وزَهْوًا ميتا اه القباطي ثياب كتان تجلب من القبط. يريد: عليكم بالأدنى غير الفاخر فإنه محدث. قرينة التعبد في قوله: \"يستحب\".\n(٥) - ابن أبي شيبة [٤٠٥٧] حدثنا عبدة عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: الصلاة على الطنفسة محدث اه\n(٦) - ابن أبي شيبة [٢٨٠٨] نا الثقفي عن أيوب عن محمد قال: السجود على الوسادة محدث اه\n(٧) - ابن الجعد [٦٦٦] أنا شعبة عن المغيرة عن إبراهيم أنه كره الصلاة في المنديل اه\nاستعمال الوسادة والمنديل مباح أصلا، بدعة ما دام اقترن بعبادة.\n(٨) - ابن أبي شيبة [١١٧٥٩] ثنا غندر عن شعبة عن ابن أبي عروبة عن أيوب عن أبي قلابة قال: والله إن قيامهم على القبر لبدعة حتى توضع في قبرها إذا صلي عليها اه ذكره في \"من كره القيام على القبر حتى يدفن\". ورواه معمر [عبد الرزاق ٦٣٤٥] عن أيوب سمعت أبا قلابة فذكره.\n(٩) - الطبري [تهذيب الآثار ٢٥٧] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها، فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه ما اقترن بالدفن ونحوه، فيه قرينة التعبد بالاعتبار والدعاء ونحوه.\n(١٠) - عبد الرزاق [٦٢٩٦] عن الثوري عن أبي حيان عن الشعبي قال: خروج النساء على الجنائز بدعة اه معنى التعبد في قصد تشييع الميت والاعتبار.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>(٤٣) باب ما استثنوه من معقول المعنى في التعبد</span>\n(١) - قال البخاري [٤٦٧٩] حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني ابن السباق أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. الحديث.\nجمع القرآن في مصحف جامع لم يكن ليشرع عندهم لولا حدوث الداعي: \" إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس\". فتوقفهم أولا هو الأصل، وذكرهم السبب في القبول مشعر بالتعليل. فرأوا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لأجل تحقيقه القصد، وعدم وجود قرينة تدل على تعمد النبي ﷺ تركه.\n(٢) - البخاري [٩١٢] حدثنا آدم قال حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة، أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء اه\nزاده في الجمعة لأنه رآه مقصودا بخلاف العيد لم يناد له لعلمه أن التنادي غير مقصود، وقد تمهد أن أفعالهم تدل على مقاصد الشريعة. وقد كانوا في عهد النبي ﷺ إذا أرادوا جمع الناس نادوا: \"الصلاة جامعة\" [م ٢٩٤٢]، فزاد ما له أصل عملي مما","vol":"1","page":136},{"text":"عقل معناه، وحدث الداعي الذي لم يكن. ولو كان زاده لأنه \" بدعة حسنة \" لجعله في الأمصار مكة والشام واليمن ومصر .. لكنه مما احتاجه أهل المدينة فسنه لهم خاصة.\nوروى ابن أبي شيبة [٥٤٣٦] حدثنا شَبَّابة قال حدثنا هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة اه\n- وكيع [أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٣٦] ثنا هشام بن الغاز قال: سألت نافعًا عن الأذان يوم الجمعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وإن رآه الناس حسنًا اه\nأنكر ما أحدثت الأمراء بعدُ لما جعلوه سنة في سائر الأمصار. والله أعلم.\nوقد ذهب عطاء إلى أن هذا الأذان نداء مثل قولهم \"الصلاة جامعة\" لا أذان، رواه عبد الرزاق [٥٣٤٠] عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان. قال عطاء: كلا إنما كان يدعو الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد اه عطاء عن عثمان مرسل.\nالحاصل أنهم منعوا وسائل اقترنت بالتعبد في الباب قبل هذا، وأخذوا بوسائل في هذا الباب. وإنما ترخصوا في ما حدثت الحاجة إلى الأخذ به بعد أن لم تكن وعلموا أنه جار على قصد الشرع.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>(٤٤) باب ما يجوز من الاجتهاد في أحكام القربات الثابتة عند الحاجة لا لاختراع عبادة</span>\nوقول الله تعالى في صيد المحرم (أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره) وقول النبي ﷺ: لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له اه\n(١) - قال البخاري [٤١١٩] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا","vol":"1","page":137},{"text":"نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم اه هذا اجتهاد في معرفة القصد.\n(٢) - عبد الرزاق [٧٣٩٢] عن ابن جريج قال حدثني زيد بن أسلم عن أبيه قال: أفطر الناس في شهر رمضان في يوم مغيم، ثم نظر ناظر فإذا الشمس، فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا، نقضي يوما اه رواية القضاء أصح، رواتها أفقه ممن خالفهم وأكثر، والله أعلم. [هق ٤/ ٢١٧] [إعلام الموقعين ٢/ ٤٦]. هذا اجتهاد في العمل بالأمر الشرعي.\n(٣) - البخاري [١٤٥٨] حدثني علي بن مسلم حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المِصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنا، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عِرق اه وهذا اجتهاد عند نازلة لم تكن.\nفإنما اجتهدوا في ضبط أحكام القربات الثابتة في السنة عند الحاجة، ولم يخترعوا ما لم يكن.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>(٤٥) باب ما جاء في عموم الدين والسنة أمورَ العادات</span>\nلقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فدخل فيه الحياة كلها بعاداتها. (في دين المَلِك) في حكم الملك.\n(١) - البخاري [الأدب المفرد ٢٧٣] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إنما بعثت لأتمم صالحي الأخلاق اه صالح الأخلاق أي صالح الأديان [مشكل الآثار ١١/ ٥٣] فإصلاح العادات من مهمات الدين.\n(٢) - مسلم [٣٤٦٩] حدثني أبو بكر بن نافع العبدي حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن","vol":"1","page":138},{"text":"عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه فأمور العادات ونحوها هي من السنة التي جاء بها ﷺ.\n(٣) - مسلم [٦٣٠] حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة! فقال: أجل إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار اه\n(٤) - الترمذي [٤٨٧] حدثنا عباس العنبري حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده قال: قال عمر بن الخطاب: لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين اه فأمور البيع والأسواق هي من الدين الذي وجب التفقه فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>(٤٦) باب ما استشار فيه النبي أصحابه من أمور العادات فهو بيان بأن السنة فيه الاجتهاد للحاجة</span>\n(١) - مسلم [٦٢٧٧] حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد كلاهما عن الأسود بن عامر قال أبو بكر حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟! قالوا: قلتَ كذا وكذا! قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم اه\nإنما معنى قول النبي ﷺ: \" لو لم تفعلوا لصلح \" ظن رآه لا إخبار عن حكم في الدين، كما روى عكرمة وسماك بن حرب وقد تتابعا على المعنى:\n- مسلم [٦٢٧٦] حدثنا عبد الله بن الرومي اليمامي وعباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالوا حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة وهو ابن عمار","vol":"1","page":139},{"text":"حدثنا أبو النجاشي حدثني رافع بن خديج قال: قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يأبرون النخل - يقولون يلقحون النخل - فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت - أو فنقصت - قال: فذكروا ذلك له فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. قال عكرمة: أو نحو هذا. قال المعقري فنفضت. ولم يشك اه\n- مسلم [٦٢٧٥] حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي وأبو كامل الجحدري - وتقاربا في اللفظ وهذا حديث قتيبة - قالا حدثنا أبو عوانة عن سماك عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رءوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله ﷺ: ما أظن يغني ذلك شيئا. قال: فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله ﷿ اه فبين أنما هو مشورة ورأي كما يكون منه في الحروب ونحوها.\n(٢) - عبد الرزاق [٩٧٢٠] عن معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم صدق كل واحد منهما صاحبه قالا خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت! فقال النبي ﷺ: أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا قاتلناه؟ فقالوا: رسول الله أعلم يا نبي الله، إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال النبي ﷺ: فروحوا إذًا. قال معمر قال الزهري وكان أبو هريرة: يقول ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ اه","vol":"1","page":140},{"text":"فكان هذا من منهاج النبي ﷺ في بيان الأحكام ومراتبها. وفيه دلالة على أن ما سكت عنه فهو بيان بأنه جائز وأنه ليس من صلب ما يتدين به.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>(٤٧) باب ما سمي من العادات بدعة إذا اعتُقد على غير رسم الشرع أو كان مظنة لذلك</span>\n(١) - ابن أبي شيبة [١١٧١] حدثنا هشيم قال أخبرنا منصور عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: لا تدخل الحمام فإنه مما أحدثوا من النعيم اه منصور هو ابن زاذان كما بينه مسدد في مسنده [المطالب العالية ١٧٦] كان يدخله ثم تركه للنهي عن التنعم ولما فيه من المنكر.\n(٢) - عبد الرزاق [١٠٢٥٧] عن ابن جريج قال أخبرني أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن الحصين فقال: رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد. قال: بئس ما صنع! طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، ليُشهد على ما فعل اه\n(٣) - عبد الرزاق [١١١٨٢] عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أن شريحا دعاه بعض أمرائهم، فسأله عن رجل قال لامرأته: أنت طالق البتة، فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أما الطلاق فسنة وأما البتة فبدعة، أما السنة في الطلاق فأمضوه، وأما البدعة البتة فقلدوها إياه، ينوي فيها اه\nورواه سعيد بن منصور [١٥٨٨] فقال حدثنا هشيم قال أخبرنا سيار وإسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي بنحوه. ورواه من طريق هشيم [١٥٨٩] قال أنا داود بن أبي هند عن الشعبي وزاد قال شريح: إن الله ﷿ سن سننا، وإن العباد ابتدعوا بدعا، فعمدوا إلى بدعتهم فخلطوها بسنن الله. فإذا سئلتم عن شيء من ذلك فميزوا السنن من البدع، ثم امضوا بالسنن على وجهها واجعلوا البدع لأهلها. وأما قوله: طالق، فهي طالق، وأما قوله: البتة، فهي بدعة، نقفه عند بدعته، فإن شاء فليتقدم، وإن شاء فليتأخر اه\n(٤) - عبد الرزاق [٧٢١١] عن الثوري عن سليمان الشيباني عن الشعبي قال سمعته يقول: الخرص اليوم بدعة اه","vol":"1","page":141},{"text":"(٥) - مسلم [١٧١٨] حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعا عن أبي عامر قال عبدٌ حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم قال سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد ثم قال أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه فذكر الحديث في المعاملات أيضا.\n(٦) - قال ابن أبي شيبة [١١٧٥١] ثنا زيد بن حباب عن ثعلبة قال: سمعت محمد بن كعب يقول هذه الفساطيط التي على القبور محدثة اه\n(٧) - الفاكهي [أخبار مكة ١١٥٢] حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت طاوسا يقول: سكرة نبيذ السقاية محدث اه\n(٨) - ابن أبي شيبة [٣٦٩٢٣] حدثنا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري في اليمين مع الشاهد: بدعة، وأول من قضى بها معاوية اه روي عن النبي أنه قضى باليمين مع الشاهد، والغرض هنا كلمة ابن شهاب.\n(٩) - النسائي [٤١٣٥] أخبرنا عمرو بن يحيى قال حدثنا محبوب يعني ابن موسى قال أنبأنا أبو إسحاق وهو الفزاري عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه: وقَسْمُ أبيك لك الخمس كله، وإنما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله وحق الرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة! فكيف ينجو من كثرت خصماؤه؟ وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام! ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمة السوء اه\n(١٠) - ابن أبي شيبة [٣٢٢٨١] حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن منصور قال: سألت إبراهيم عن بيع الولاء؟ فقال: هو محدث اه\n(١١) - ابن سعد [١٢٢٣] أخبرنا أبو أسامة ومحمد بن عبيد وإسحاق بن يوسف الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال سئل عطاء عن خضاب الوسمة فقال: هو","vol":"1","page":142},{"text":"مما أحدث الناس. قد رأيت نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ فما رأيت أحدا منهم خضب بالوسمة وما كانوا يختضبون إلا بالحناء والكتم وهذه الصفرة اه\n- رواه ابن أبي شيبة [٢٥٥٣٢] حدثنا أبو أسامة عن عبد الملك بنحوه.\n(١٢) - عبد الرزاق [٦٧٩] عن ابن جريج قال قلت لعطاء: أكنت متوضأ من اللحم وغاسل يدك من أثره؟ قال: نعم. قلت: بأشنان أو بماء؟ قال: بل بالماء، إنما الأشنان شيء أحدثوه اه\n(١٣) - عبد الرزاق [١٤٥٣٥] أخبرنا معمر عن قتادة قال: أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر: ضراب الفحل، وقسمة الأموال، وتعليم الغلمان اه\n(١٤) - أبو داود [٥٢٤١] حدثنا عبيد اللّه بن عمر بن ميسرة وحميد بن مسعدة قالا ثنا حسان بن إبراهيم قال: سألت هشام بن عروة عن قطع السِّدر وهو مستند إلى قصر عروة فقال: أترى هذه الأبواب والمصاريع؟ إنما هي من سدر عروة، كان عروة يقطعه من أرضه وقال: لا بأس به، زاد حميد فقال: هِي يا عراقي جئتني ببدعة. قال: قلت: إنما البدعة من قِبَلكم، سمعت من يقول بمكة: لعن رسول اللّه ﷺ من قطع السدر اه الشاهد عندي في المقطوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>(٤٨) باب ما يدل على جريان التعبد في العادات</span>\nوقول الله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فدخلت العادات في العبادة.\n(١) - البخاري [٥٦] حدثنا الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إنك","vol":"1","page":143},{"text":"لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك اه فأرشد إلى التعبد بالنفقة على العيال ونحوها ..\n(٢) - مسلم [٢٣٧٦] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا واصل مولى أبي عيينة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم! قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بُضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر اه فبين أن إتيان الأهل عبادة لأنه وقوف مع الحلال الذي أذن الله فيه دون الحرام.\n(٣) - أحمد [١٩٩٤٨] ثنا روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس ثنا أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال أن رسول الله ﷺ قال: من أنعم الله ﷿ عليه نعمة فإن الله ﷿ يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه اه\n(٤) - البخاري [٤٠٨٦] حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك عن أبي بردة قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن - فذكر الحديث ثم قال- فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي اه فتعبد بالنوم كما يتعبد بالصلاة.\n(٥) - ابن أبي شيبة [٣٥٨٨٤] حدثنا وكيع عن مسعر عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن الأسود عن عائشة قالت: إنكم لتدعون أفضل العبادة التواضع اه فسمَّت التواضع وهو من معاملات الناس عبادة لأنه في الله ويحبه الله سبحانه.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>(٤٩) باب ما يدل على أن من العادات ما لا يعقل معناه ويؤخذ مثل القربات تعبدا</span>\n(١) - الترمذي [٧٩] حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط. قال: فقال له ابن عباس يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثا عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مَثَلًا اه فأخذ الادهان ونحوه من أمور العادات مأخذ التعبد بالوضوء منه دون تكلف البحث عن حكمته، ثم ذكَّره قاعدة عامة لا تخص القربات فحسب.\n(٢) - مالك [٣١٩٥] عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر من الإبل. فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها! فقال سعيد: أعراقي أنت؟! فقلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي اه\n(٣) - عبد الرزاق [١٤٢٠٢] أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: أعياني أن أدري ما العروض إذا بيع بعضها ببعض نظرة اه فيدل على أن شيوخه من أصحاب رسول الله عملوا بهذه السنة في أسواقهم دون تكلف السؤال عن وجهها.\n(٤) - أبو عبيد [الأموال ٩١] حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأله: ما بال من مضى من الأئمة قبلنا أقروا المجوس على نكاح الأمهات والبنات؟ وذكر أشياء من أمرهم قد سماها. قال: فكتب إليه الحسن: أما بعد، فإنما أنت متبع ولست بمبتدع والسلام اه حجاج هو ابن محمد الأعور.\nفتبين أن العادات لها شبه بالقربات لأن العبد أمر بالطاعة وإن جهل وجه التشريع.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>(٥٠) باب بيان أن التعبد لله هو طاعته والتدين بدينه</span>\nوقول الله تعالى (أن لا تعبدوا الشيطان) أن لا تطيعوه (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) أطاعه\n(١) - قال الترمذي [٣٢٤٧] حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن منصور والأعمش عن ذر عن يسيع الحضرمي عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الدعاء هو العبادة ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) اه عبادتي دعائي والتذلل لي للذي أمرتهم أن يطيعوني فيه بقولي: \"ادعوني\". فهذا بمعنى الطاعة والذل.\n(٢) - البخاري [٢٧٣٠] حدثنا يحيى بن يوسف أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض اه عبد الدنيا لأنه تعلق بها قلبه رضى وسخطا، وأطاع هواه فيها .. فهذه عبودَة المحبة وطاعة الهوى فيها.\n(٣) - سعيد بن منصور [التفسير ٩٥٩] نا هشيم قال نا العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت قال حدثني أبو البختري الطائي قال: قال لي حذيفة: أرأيت قول الله ﷿ (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)؟ فقال حذيفة: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه، وما حرموا عليهم من الحلال حرموه فتلك ربوبيتهم اه ثم قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) فبين أن طاعتهم عبادة لهم.\nفالتدين والتعبد الطاعة، فمن عمل عملا معتقدا أن الله شرعه كذلك فقد تعبد لله به، فإضافته إلى الدين تعني أنه ممتثل للأمر دائر معه. والقصد هنا مطلق ما يسمى طاعة وعملا بالدين، وأعلاه ما يكون مع الإحسان وتمام المحبة لأمر الله، والله أعلم.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>(٥١) باب ما جاء في ذم محدثات اللسان وحفظ حروف الشرع</span>\nوقول الله تعالى (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)\n(١) - البخاري [٥٣٨] حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو قال حدثنا عبد الوارث عن الحسين قال حدثنا عبد الله بن بريدة قال حدثني عبد الله المزني أن النبي ﷺ قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب. قال: وتقول الأعراب هي العشاء اه\n(٢) - مسلم [٦٠٠٦] حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم اه\nفسن للأمة حفظ الأسامي الشرعية، واجتناب ما تحدثه ألسنة الذين لا يعلمون.\n(٣) - البخاري [٢٤١٤] حدثنا محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: لا يقل أحدكم أَطعِم ربَّك وضِّئ ربك اسق ربك، وليقل سيدي مولاي. ولا يقل أحدكم عبدي أمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي اه\n- مسلم [٦٠١١] حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا حدثنا إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي اه\n(٤) - ابن أبي شيبة [١٠٩١٢] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن واصل عن بشار بن أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده فإذا وجهه مما يلي الجدار وامرأته قاعدة عند رأسه قلت: كيف بات أبو عبيدة قالت: بات بأجر فأقبل علينا بوجهه، فقال: إني لم أبت بأجر، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة اه [ك ٥١٥٣] فصحح لهم القول أنه حطة وكفارة لا أجر.","vol":"1","page":147},{"text":"(٥) - ابن أبي شيبة [٨١٦٢] حدثنا وكيع قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة غضب غضبا شديدا، أو نهى نهيا شديدا اه كره أن يقال للعِشاء العتمة.\n(٦) - عبد الرزاق [١٤١١٥] أخبرنا إسماعيل عن ابن عون عن ابن سيرين أن ابن عمر كره ذلك الكلمة أن يقول أسلمت في كذا وكذا يقول، إنما الإسلام لله رب العالمين اه\nكره ذلك - في بيع السَّلَم - حفظا للفظ الشرعي العَلَمِ على معنى شرعي أن يشبهه غيره.\n(٧) - ابن أبي شيبة [٧٦٨٧] حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمير بن يريم أبي هلال قال: سمعت ابن العباس يقول: لا يقول انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضيت الصلاة اه\n- سعيد بن منصور [٥/ ٣٠١] نا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: لا تقولوا انصرفنا فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة اه\n(٨) - الفاكهي [أخبار مكة ٦١٨] حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف قال ثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه كان يكره أن يقول شوطا أو شوطين، ويقول: إنما سماه الله الطواف، فقل: طوف وطوفين اه\n- البيهقي [المعرفة ٣٠٦٩] أنبأني أبو عبد الله إجازة عن أبي العباس عن الربيع عن الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن مجاهد أنه كره أن يقول: شوط، دور للطواف، ولكن ليقل: طواف، طوافين. قال الشافعي: وأكره ما كره مجاهد لأن الله تعالى قال (وليطوفوا بالبيت العتيق) فسماه طوافا اه\n(٩) - عبد الرزاق [٨٩٧٩] عن ابن جريج قال قلت: يستريح الإنسان فيجلس في الطواف؟ قال: نعم. قال: وكان عطاء يكره أن يقول دور، قل طواف اه\n(١٠) - وقال أبو عبيد في فضائل القرآن [١٤٤] حدثنا أبو إسماعيل عن عاصم قال: قال خالد الحذاء لابن سيرين: سورة خفيفة. قال ابن سيرين: من أين تكون","vol":"1","page":148},{"text":"خفيفة والله تعالى يقول (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)؟! ولكن قل: يسيرة، فإن الله تعالى يقول (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) اه [ش ٣٠٧٢٠]\n(١١) - ابن أبي شيبة [٨١٦٣] حدثنا وكيع قال حدثنا يزيد بن طهمان أبو المعتمر عن ابن سيرين: أنه كره أن يقول العتمة اه\n(١٢) - أبو عبد الله محمد بن الضُرَيس [فضائل القرآن ١٤٦] أخبرنا عبد الرحمن بن المبارك قال حدثنا وهيب عن أيوب أن محمدا كان يكره أن يقول \"أم الكتاب\" قال: ويقرأ قال تعالى (وعنده أم الكتاب) ولكن يقول: فاتحة الكتاب اه\n(١٣) - ابن أبي شيبة [٣٣٨٣] حدثنا محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الشفق، قال: لا تقل الشفق، إن الشفق من الشمس، ولكن قل حمرة الأفق اه\n(١٤) - ابن أبي شيبة [٣٤١٤] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يقولوا: قد حانت الصلاة، فقال: إن الصلاة لا تحين، وليقولوا: قد حضرت الصلاة اه أبو معشر هو زياد بن كليب.\n(١٥) - ابن أبي شيبة [٣٠٨١٢] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم كره أن يقول: قراءة فلان، ويقول: كما يقرأ فلان اه\n\n<span data-type='title' id=toc-56>(٥٢) باب ما يدل على أن للفظ أثرا في النفس والفهم</span>\nوقال النبي ﷺ لما رأى سهيلا يوم الحديبية: لقد سهل لكم من أمركم. [خ ٢٥٨١]\n(١) - البخاري [٥٨٣٦] حدثنا إسحق بن نصر حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل. قال: لا أغير اسما سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد اه\n(٢) - مسلم [٥٧٢٩] حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر - واللفظ لعمرو - قالا حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس","vol":"1","page":149},{"text":"قال كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برة اه\n(٣) - البخاري [٣٣٤٠] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مُذَمَّمًا ويلعنون مذمما وأنا محمد اه\n(٤) - مالك [٣٥٧٠] عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جمرة فقال: ابن من؟ فقال: ابن شهاب. قال: ممن؟! قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟! قال: بحرة النار. قال: بأيها؟! قال: بذات لظى. قال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب ﵁ اه رواه أبو القاسم ابن بشران [الإصابة لابن حجر ١/ ٥٣٩] من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة. قال: بأيها؟ قال بذات لظى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا. [كنز العمال ٣٥٩٨٢] ورواه عبد الرزاق [الإصابة ١/ ٥٣٩] عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: قال عمر فذكر نحوه.\nفمن أحدث لفظا (مصطلحا) دون ما في كتاب الله وكلام رسول الله فقد خسر أحد الأمرين: إما المعنى أو ما يقوم في النفس من أثر مطلوب ..\n\n<span data-type='title' id=toc-57>(٥٣) باب ما جاء في رد محدثات الفتيا والأقضية</span>\nلقول النبي ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه\n\n(١) - ابن الجعد [١١٧٣] أخبرنا شعبة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي. فكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى على علي الكذب اه رواه البخاري.","vol":"1","page":150},{"text":"(٢) - مسلم [١٧١٨] حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعا عن أبي عامر قال عبدٌ حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم قال سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها. قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد. ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه\n(٣) - ابن أبي شيبة [٣٦٩٢٣] حدثنا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري في اليمين مع الشاهد: بدعة، وأول من قضى بها معاوية اه قول الزهري.\nفي الباب غير ذا، وقد تقدم له نظائر في باب ما أنكروه من البدع .. فكل فتوى لم يكن عليها الأولون فليست من أمر النبي ﷺ فترد ..\n\n<span data-type='title' id=toc-58>(٥٤) باب ما سمي من القربات بدعة وليس على رسمها</span>\n(١) - قال مالك [٣٧٨] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله اه [خ ٢٠١٠]","vol":"1","page":151},{"text":"ما أراد عمر استحسان البدع بالعمومات وهو القائل: كل بدعة ضلالة، وهو الذي نهى عن صور مما قد يظن بدعة حسنة. والبدعة عندهم ما لم يكن عليه العمل، وهذه لها أصل في العمل.\n- مالك [٣٧٥] عن ابنِ شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاتهِ ناس، ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان اه [خ ١١٢٩/ م ٧٦١] فبين ﷺ وجه الترك فدل أن العلة إذا زالت (خشية نزول الوحي بوجوبها) لم يمتنع الاجتماع. والدليل على صحة ما فهموه من أن الاجتماع لها مقصود للشرع ما روى:\n- النسائي [١٦٠٥] أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا محمد بن الفضيل عن داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر. فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل. ثم لم يقم بنا في السادسة. فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل. فقلت: يا رسول الله لو نَفَّلْتَنَا بقية ليلتنا هذه. قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة. ثم لم يصل بنا ولم يقم حتى بقي ثلاث من الشهر. فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور اه [د ١٣٧٥] وقد شهدها عمر وعرف العلة كما روى:\n- عبد الرزاق [٧٧٤٦] عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ ليلة في شهر رمضان في المسجد ومعه ناس، ثم صلى الثانية فاجتمع تلك الليلة أكثر من الأولى فلما كانت الثالثة أو الرابعة امتلأ المسجد حتى غص بأهله فلم يخرج إليهم، فجعل الناس ينادونه: الصلاة، فلما أصبح قال عمر بن الخطاب: ما زال الناس ينتظرونك البارحة يا رسول الله قال: أما إنه لم يخف علي أمرهم ولكني خشيت أن يكتب عليهم اه وقد روى:","vol":"1","page":152},{"text":"وقال ابن خزيمة في صحيحه [٢٢٠٨] حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: خرج رسول الله ﷺ وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته، فقال رسول الله ﷺ: أصابوا، أو نعم ما صنعوا اه كذا قاله مسلم، وله شاهد، يأتي في كتاب الصلاة من فتاوى الصحابة، إن شاء الله.\nوقال جعفر الفريابي [الصيام ١٧٢] حدثنا تميم بن المنتصر أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كنا نقوم في عهد عمر بن الخطاب فرقا في رمضان في المسجد إلى هاهنا وهاهنا، فكان الناس يميلون على أحسنهم صوتا، فقال عمر: ألا أراهم قد اتخذوا القرآن أغاني! أما والله لئن استطعت لأغيرن هذا. قال: فلم يلبث إلا ثلاث ليال حتى أمر أبي بن كعب فصلى بهم. ثم قام في مؤخر الصفوف فقال: إن كانت هذه بدعة لنعمت البدعة اه ورواه ابن سعد [٦٧٥٥] أخبرنا يزيد بن هارون فذكره.\nوهذا سند حسن. نوفل بن إياس الهذلي جليس عبد الرحمن بن عوف وثقه ابن حبان، واحتج به البخاري في خلق أفعال العباد، فأخرج الأثر دون آخره مكتفيا بالشاهد على عادته في تقطيع الحديث ﵀. وقد صحح روايته الضياء في المختارة [٩٠٩] واحتج به الطبري في سياق قوله: \"غير معروف عندهم في نقلة العلم والآثار\" [تهذيب الآثار الجزء المفقود ٢/ ١٢١] فيدل على أنه سماها بدعة كالمنكر على من ظنها كذلك، وإنما جمعهم لما حدث ما يكره، فأحيى سنة عَلم قصدَ الشرع إلى الرخصة في إظهارها لمن احتاج. وهو معنى قوله: إني لأرى، أي ليس وصية عمل بها ولكن شيء علم قصد الشرع إليه .. وكان رأي عمر كيقين رجل.\n(٢) - ابن أبي شيبة [٧٨٥٩] حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكَم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى وهو مستند ظهرَه إلى حجرة النبي ﷺ، فقال: بدعة ونعمت البدعة اه والنطر فيه موقوف على معرفة مذهب ابن عمر في صلاة الضحى:\n- قال ابن الجعد [المسند ٢٧٧٧] أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن سبحة الضحى قال: لا آمر بها ولا أنهى عنها، ولقد أصيب عثمان وما أحد يصليها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي اه ليس هذا استحبابا لها، فما أَمَرَ ولا فَعَل ..\n- البخاري [١١٧٥] حدثنا مسدَّد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن توبة عن مُوَرِّق قال: قلت لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت:","vol":"1","page":153},{"text":"فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي؟ قال: لا إخاله اه قوله: \"لا إخاله\" مشعر بتردده في الرفع إلى النبي ﷺ، وقد روى:\n- البخاري [١١٩١] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا أيوب عن نافع أن ابن عمر كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم بمكة، فإنه كان يقدمها ضحى، فيطوف بالبيت، ثم يصلي ركعتين خلف المقام. ويوم يأتي مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه. قال: وكان يحدث أن رسول الله ﷺ كان يزوره راكبا وماشيا. قال: وكان يقول: إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون، ولا أمنع أحدا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها اه\n- ابن خزيمة [١٢٢٩] حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف نا سالم بن نوح العطار أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ لم يكن يصلي الضحى إلا أن يقدم من غيبة.\nفيدل على أن أصل الرفع عنده، لكنه تردد في قصد الصلاة تلك الساعة، هل هي صلاة عرضت أم هو وقت مقصود؟ لذلك قال: \"ولا أمنع أحدا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها\"، وقال: \" لا آمر بها ولا أنهى عنها\". فهو مشعر بتردده في المسألة. وقد روى:\n- مالك [٥٢٣] عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه أنه قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح، فقمت وراءه فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه فلما جاء يَرْفَأُ تأخرت فصففنا وراءه اه ذكره في جامع سبحة الضحى.\n- أبو داود [١١٢٨] حدثنا مسدد أخبرنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته. الحديث.\nوشأن الصحابة في الجمعة التهجير والصلاة ضحى. فتبين أنه إنما استحسنها مطلقة لا مع الدوام عليها في تلك الساعة، بل توقف في التخصيص، ولم يخرج كلامه عن أصل العمل، ولم يرد ما يُظن من استحسان البدع وتشريعها للناس. وسيأتي بحثه","vol":"1","page":154},{"text":"إن شاء الله.\n(٣) - أبو داود [٩٧١] حدثنا نصر بن علي حدثني أبي ثنا شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهدًا يحدث عن ابن عمر عن رسول اللّه ﷺ في التشهد: \"التحيات للّه، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته\" قال: قال ابن عمر: زدت فيها \"وبركاته\" \"السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللّه قال ابن عمر: زدت فيها: \"وحده لا شريك له\" وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله (^١) اه أبو بشر هو جعفر بن إياس.\nإنما زادها - إن كان الخبر محفوظا - من حديث آخر للنبي ﷺ فَهِمَ أنه من سنة التشهد، لظنه أنه فاته أخذه عن النبي ﷺ فزاد من رواية غيره (^٢)، ولم يبتدع، ولم يخالف إلى ما أنكره على العاطس في الأثر المتقدم. وقد روى:\n- النسائي [١١٧٣] أخبرنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري قال حدثنا المعتمر قال سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أبي غلاب وهو يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله أنهم صلوا مع أبي موسى فقال إن رسول الله ﷺ قال: إذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اه قتادة صرح بالتحديث [د ٩٧٣] وأشار مسلم إلى صحة هذا الحرف [٤٠٤]\n- مالك [٣٠٢] عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها\n_________\n(^١) - قال ابن عدي [الكامل ٣٤٥] حدثنا عبد الوهاب بن أبي عصمة ثنا أبو طالب أحمد بن حميد سألت يعني أحمد بن حنبل عن حديث شعبة عن أبي بشر قال سمعت مجاهدا يحدث عن ابن عمر عن النبي ﷺ في التشهد التحيات فأنكره وقال لا أعرفه. قلت: روى نصر بن علي عن أبيه قال سمعت مجاهدا. قال يحيى قال كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد قال: ما سمع منه شيئا إنما ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق علمنا التشهد ليس فيه النبي ﷺ اه وقد ذكرت له علة في كتاب الصلاة من مجموع فتاوى الصحابة يسر الله نشره.\n(^٢) - قال الطحاوي: قول ابن عمر فيه: وزدت فيها، يدل أنه أخذ ذلك عن غيره، ممن هو خلاف ابن عمر، إما رسول الله ﷺ وإما أبو بكر اه [شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٤]","vol":"1","page":155},{"text":"كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم اه\nوقد كان عُمر - والد عبد الله - يعلم الناس التشهد على المنبر [الموطأ ٣٠٠] بزيادة \"وبركاته\". وغيرهم ﵏. فلم يخرج عن أصل العمل، وما رواه نافع عنه يخالف ما ههنا، يأتي مخرجا إن شاء الله في كتاب الصلاة، وهو خبر معلول.\n(٤) - ابن أبي شيبة [٢٢٥٥] حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله عن نافع قال: كان ابن عمر ربما زاد في أذانه \"حي على خير العمل\"اه يعني في السفر.\nليس فيه أنه زاده استحسانا وابتداعا، بل له أصل في العمل الأول:\n- قال ابن أبي شيبة [٢٢٥٣] حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه ومسلم بن أبي مريم أن علي بن حسين كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل ويقول: هو الأذان الأول اه وهذا في السفر.\nوهذا محمول على أنه كان عندهم من المحكم في السفر، وقد كان الكبار من أصحاب رسول الله ﷺ يأخذون من سنته الأحدث فالأحدث.\n(٥) - ابن أبي شيبة [١٢٨٦٨] حدثنا الثقفي عن يحيى بن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم أن ربيعة بن عبد الله بن الهَدِير أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب متجردا على منبر البصرة، فسأل الناس عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد، فلقيت ابن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: بدعة وربِّ الكعبة اه ذكره ابن أبي شيبة في: من كان يمسك عما يمسك عنه المحرِم، من كتاب الحج.\nابن الزبير تمسك بالأصل فمنع، وابن عباس اتبع عملا تقدمه ولم يره بدعة، فقد روى:\n- ابن أبي شيبة [١٢٨٦٦] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عُمَر وعليا وابن عباس كانوا يقولون في الرجل يرسل ببدنته إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم ليس أن لا يلبي. قال جعفر: يواعدهم يوما، فإذا كان ذلك اليوم الذي","vol":"1","page":156},{"text":"يواعدهم أن يُشْعِرَ، أمسك عما يمسك عنه المحرم اه\n- ابن أبي شيبة [١٢٨٦٧] حدثنا ابن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي، يمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أن لا يلبي اه\nوقد كان نحو هذا زمنَ النبي ﷺ:\n- ابن حبان [٣٧٧٧] أخبرنا أبو عروبة قال حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة قال حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم قال حدثنا زيد بن أبي أنيسة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال حدثنا علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة حاجا، وخرجت أنا من اليمن قلت: لبيك إهلالا كإهلال النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: فإني أهللت بالعمرة والحج جميعا اه [خ ١٦٩٣/ م ١٢١٦ من حديث جابر]\nونحوه عن أبي موسى [خ ١٦٣٧/ م ١٢٢١] فأحرم حيث قلد الهدي، لذلك روي عن علي مثل قول ابن عباس. وهو مستند من وافقهم من بعدهم. فإنما احتج السلف بالعمل لا الاستحسان. فانظر مسلك ابن الزبير وابن عباس في الاستدلال، ولا يحجبنك المثال.\n(٦) - ابن أبي شيبة [٣٧٠٧٥] حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم أبي النضر سأل رجل محمدَ بن سيرين: ما تقول في مجالسة هؤلاء القُصاص؟ قال: لا آمرك به ولا أنهاك عنه، القصص أمر محدث، أحدث هذا الخلقُ من الخوارج اه إن كان محفوظا متصلا، وإلا فهو من باب ما أنكروه.\nرواه ابن الجوزي في جزء القصاص [١٩٦] من طريق أبي مسعود أحمد بن الفرات قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا جرير بن حازم قال: سأل رجل محمد بن سيرين عن القصص فقال: بدعة إن أول ما أحدث الحرورية القصص اه وقال مسدد في مسنده [المطالب العالية ٣٢٠٣] حدثنا حماد عن خالد بن دينار عن محمد بن سيرين قال: إن القصص بدعة اه وهذان سندان بصريان صحيحان.\n(٧) - وقال ابن الجوزي في جزء القصاص والمذكرين [١٢] أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: وجدت في كتاب الحسين بن علي الطناجيري قال أخبرنا عبيد الله بن عثمان قال حدثنا علي بن محمد","vol":"1","page":157},{"text":"المصري قال حدثنا علي بن الحسن بن عيسى قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: القصص بدعة ونعمت البدعة، كم من دعوة مستجابة، وسؤال معطى، وأخ مستفاد، وعلم يصاب اه هذه وجادة لا بأس بها، أبو الحسين هو الطيوري الحافظ والطناجيري شيخه، وعبيد الله بن عثمان هو أبو زرعة الصيدلاني، وعلي بن محمد هو أبو الحسن البغدادي الواعظ ثقات خبرهم في تاريخ بغداد. وعلي بن الحسن لم أعرفه.\nوإن صح لم يرد البدعة على اصطلاح المتأخرين، فقد كان يرفعه إلى الأوائل. قال ابن شبة في تاريخ المدينة [١/ ١٠] حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن السري بن يحيى قال: قيل للحسن: متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان ﵁. فقيل: من أول من قص؟ قال: تميم الداري اه يريد أول من قص بالمدينة، وهذا سند جيد. ففرق بين أول من قص ومتى أحدث أي صار ظاهرا، فأول من قص تميم زمان عمر بن الخطاب رواه ابن المبارك وابن وهب وأحمد وغيرهم، وهو الذي قص خبر الجساسة على النبي ﷺ. وإنما أُحدث زمان عثمان أحدثته الخوارج وهم الذين أنكر على أوائلهم ابن مسعود.\nوقال ابن سعد [٩٥٧١] أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا السري بن يحيى قال: سمعت الحسن يحدث عن الأسود بن سريع وكان رجلا شاعرا وكان أول من قص في هذا المسجد قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات. ثم قال ابن سعد أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: كان الأسود بن سريع يُذَكِّرُ في مؤخر المسجد اه أي مسجد البصرة، صحيح. وقد تقدمت حكايته عن ابن عباس في التعريف بالبصرة ..\nفلم يرد الحسن أنه بدعة لم تكن، بل هو ككلمة عمر في التراويح، وكأنه قال ذلك - إن كان قاله - ردا على قول ابن سيرين وكلاهما بصري، وكان الحسن يقص، وكأنه قال: يقال القصص بدعة، ونعمت البدعة أي إن زعموا ذلك.\nوروى ابن الجوزي في جزئه [١١] وابن عساكر في تاريخ دمشق [٥٨/ ١٣٠] من طريق عباس الدوري أخبرنا أبو بكر بن أبي الأسود أخبرنا حميد بن الأسود عن ابن","vol":"1","page":158},{"text":"عون قال: أدركت هذا المسجد مسجد البصرة وما فيه حلقة تنسب إلى الفقه إلا حلقة واحدة تنسب إلى مسلم بن يسار، وسائر المسجد قصاص اه سند جيد، يدل على ظهوره في البصرة قبلُ، لذلك أنكره محمد.\nوقد قال ابن الجوزي في جزئه [١٦٢] وقد روى ضمرة عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال الحسن: إن رفع الأصوات بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة اه هكذا حكاه ابن الجوزي معلقا، وقد ذَكر قبلُ طريقَه إلى ضمرة بن ربيعة في خبر يرويه [١٢٢] من طريق عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن ابن شوذب فساق الخبر. وذكره ابن تيمية في الاقتضاء [ص ٣١١] وعزاه إلى الخلال. وهو سند جيد. يدل على أنه أنكر ما أُحدث في القصص مما لم يكن، وأن الأمر اتباع عمل الأولين في مجالسهم. فليس الرجل على مذهب الاستحسان من العمومات، وقد تقدم من أقواله في البدع، وقال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم واتبعوا آثارهم وإياكم وما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات اه وسئل عن رجل تفوته الصلاة في مسجد قومه فيأتي مسجدا آخر؟ فقال: ما رأينا المهاجرين يفعلون ذلك اه فليس عمل الأولين عنده محدثا، إلا حرفا ترخص فيه وإطلاق عربي قديم.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>(٥٥) باب إثبات جريان المتشابهات في أفعال أهل العلم</span>\nوقول النبي ﷺ: على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي اه [خ ١٩٣٠/ م ٥٨٠٨]\n(١) - مسلم [٢٣٢٤] حدثني زهير بن حرب حدثنا علي بن حفص حدثنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها. ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه اه","vol":"1","page":159},{"text":"(٢) - عبد الرزاق [٢٠٧٥٠] عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه، وأدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه، وفاتني معاذ بن جبل فأخبرني يزيد بن عميرة أنه كان يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، من ورائكم فتن يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن فيقول قد قرأت القرآن فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن! ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة. اتقوا زيغة الحكيم، فإن الشيطان يلقي على في الحكيم الضلالة، ويلقي المنافق كلمة الحق. قال: وما يدرينا يرحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق وأن الشيطان يلقي على في الحكيم الضلالة؟! قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت: ما هذا؟! ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا اه\n(٣) - البخاري [٣٤٩٥] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان هو ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان. فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك اه","vol":"1","page":160},{"text":"(٤) - مسلم [المقدمة ٢٢] حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني. فقال: ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل اه\n(٥) - الحاكم [ك ٨٦١٨] أخبرنا أحمد بن عثمان المقري وبكر بن محمد المروزي قالا ثنا أبو قلابة حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي ثنا حسين بن ذكوان المعلم ثنا عبد الله بن بريدة الأسلمي أن سليمان بن ربيعة الغنوي حدثه أنه حج مرة في إمرة معاوية ومعه المنتصر بن الحارث الضبي في عصابة من قراء أهل البصرة قال: فلما قضوا نسكهم قالوا: والله لا نرجع إلى البصرة حتى نلقى رجلا من أصحاب محمد ﷺ مرضيا يحدثنا بحديث يستظرف نحدث به أصحابنا إذا رجعنا إليهم. قال: فلم نزل نسأل حتى حُدثنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص نازل بأسفل مكة، فعمدنا إليه فإذا نحن بثَقَل عظيم يرتحلون ثلاث مائة راحلة، منها مائة راحلة ومائتا زاملة فقلنا: لمن هذا الثقل؟! قالوا: لعبد الله بن عمرو. فقلنا: أكل هذا له! وكنا نحدَّث أنه من أشد الناس تواضعا؟ قال فقالوا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق قال: فقالوا: العيب منكم حق يا أهل العراق، أما هذه المائة فلإخوانه يحملهم عليها وأما المائتا زاملة فلمن نزل عليه من الناس. الحديث اه ويقال سليمان بن الربيع العدوي.\n(٦) - الطحاوي [المشكل ٢/ ١٣٩] ثنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي حدثنا علي بن الحسن بن شقيق حدثنا أبو حمزة عن يزيد النحوي عن عكرمة قال: ذكر لابن عباس قول ابن مسعود: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أنه إن تزوجها طلقت. فقال ابن عباس: ما أظن أنه قال هذا، ولئن كان قالها فرب زلة من عالم! إن الله ﷿ يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) اه\nففي تصرفات أهل العلم من الصحابة فمن دونهم متشابهات مشكلة، لا ينبغي أن يطار بها حتى ترد إلى أصولهم المحكمة.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>(٥٦) باب الدلالة على أن اللفظ المطلق في صفة القربات متشابه حتى يحكمه العمل</span>\nوقول الله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) فبين بالعمل الأوامرَ المجملة كالزكاة والحج وهي صيغ مطلقة.\n(١) - قال البخاري [٥٩٩٦] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الحكم قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اه فسألوا كيف الصلاة ولم يجتهدوا فيه من ألفاظ الآية (صلوا عليه) [الأحزاب ٥٦] وهو لفظ مطلق.\n(٢) - مسلم [٣٣٥] حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه ولو جاز الاحتجاج بالأمر الأول - وهو لفظ مطلقٌ - ما توقفن عن القضاء حتى يأتي النهي.\n(٣) - البيهقي [المدخل ٢٩٢] أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أبنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن يوسف ثنا محمد بن مهاجر ثنا العباس بن سالم اللخمي عن ربيعة بن يزيد عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني قال: قام فينا عبد الله بن مسعود على درج هذه الكنيسة فما أنسى أنه يوم خميس فقال: يا أيها الناس، عليكم بالعلم قبل أن يرفع فإن مِنْ رفعه أن يقبض أصحابه، وإياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق. فإنه سيكون في آخر هذه الأمة أقوام يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد تركوه وراء ظهورهم اه قوله: إلى كتاب","vol":"1","page":162},{"text":"الله أي يحتجون بالمحتملات المجملة، المخرج من ذلك: عليكم بالعتيق.\n(٤) - أبو خيثمة [العلم ٥٤] ثنا جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة اه وفي الباب عن ابن عباس.\nأي كفيتم أن تجتهدوا في استخراج تعبد ولو بالتماس عموم، ولكن اتبعوا أثر الأولين.\n(٥) - ابن أبي شيبة [١٣٥٥٩] حدثنا وكيع عن محمد بن شريك عن سليمان الأحول قال: ذكرت لطاووس صوم عرفة أنه يعدل بصوم سنتين؟ فقال: أين كان أبو بكر وعمر عن ذلك؟ اه أي بعرفة. فعدل عن العمومات للعمل.\n(٦) - الطبري [تهذيب الآثار ٢٥٧] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها (^١)، فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه تَرَك الاستدلال بالقول لأجل أن العمل على خلافه. وسليمان عنده الخبر عن أبي سعيد وعمله به وكذا ابن عمر وطائفة [تهذيب الآثار للطبري ٧٩٣ - ٨٠٧]\n(٧) - عبد الرزاق [٦٢٣٩] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله استغفروا له غفر الله لكم؟ قال: محدثة، وبلغني عن النبي ﷺ أنه قال لذي البجادين: استغفروا له غفر الله لكم اه\nفترك الحديث - في فضائل الأعمال - وتمسك بالعمل.\nكل الآثار المتقدمة في باب ما أنكروه شاهدة هنا، لأن الاستدلال بعمومٍ في ما أنكروه سهل لو كان سائغا. فدل على أنه ليس حجة عندهم في ما لم يقع عليه العمل.\n_________\n(^١) - يريد حديثه عن النبي ﷺ: إذا رأيتم الجنازة فقوموا اه [خ ١٣١٠/ م ٩٠٩].","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>(٥٧) باب ما جاء في ذم الاعتراض على السنن</span>\nوقول الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة)\n(١) - البخاري [٦٩٣٣] حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال بينا النبي ﷺ يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال ثدييه مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ. قال فنزلت فيه (ومنهم من يلمزك في الصدقات) اه فهذا أول الخروج.\n(٢) - البخاري [٣٠١٠] حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة قال سمعت الأعمش قال: سألت أبا وائل: شهدت صفين؟ قال: نعم، فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي ﷺ لرددته. وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا اه\n(٣) - البخاري [٥١٦٢] حدثنا يوسف بن راشد حدثنا وكيع ويزيد بن هارون واللفظ ليزيد عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل أنه رأى رجلا يخذف فقال له: لا تخذف فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف وقال إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين. ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف وأنت تخذف! لا أكلمك كذا وكذا اه","vol":"1","page":164},{"text":"(٤) - مالك [١٣٠٢] عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه! لا أساكنك بأرض أنت بها.\n(٥) - مسلم [١٠١٧] حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها. قال فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول والله لنمنعهن اه\n\n<span data-type='title' id=toc-62>(٥٨) باب في أن الأدب لا يقدم على الامتثال وأن الامتثال هو الأدب</span>\nوقول الله تعالى (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)\n(١) - قال أحمد [١٣٦٢٣] حدثنا عفان حدثنا حماد قال أخبرنا حُمَيد عن أنس بن مالك قال: ما كان شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك اه [ت ٢٦٧٨] تركوا القيام (الأدب) وقدموا الامتثال.\n(٢) - ابن حبان [٤١٧١] أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن القاسم الشيباني عن ابن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: ما هذا!؟ قال: يا رسول الله قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك. قال: فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها اه [د ٢١٤٠ - ق ١٨٤٣] أمره بالامتثال وتركِ الأدب. ولا أدري ذكر الشام محفوظ أم لا.","vol":"1","page":165},{"text":"(٣) - الطبراني [الأوسط ٢٧٩٣] حدثنا إبراهيم قال نا أبي قال نا يحيى بن آدم قال نا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال الرجل: وحده لا شريك له، فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه لم يقل عبد الله: هذا أدب مع الله لا بأس به، أو هو أفضل، ولكن الامتثال هو الأدب.\n(٤) - الترمذي [٢٧٣٨] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي من آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ! علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال اه لقد كان ابن عمر يحسن الأدب ولا يبتدع.\n(٥) - مالك [٣٥٢٥] عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا قال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: مَنْ هذا؟! قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك. فعرَّفوه إياه، قال فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة اه أراد أن يسلك معه سبيل الأدب، فنهاه وأمره بالاتباع.\n(٦) - الطبراني [٩٩٢٧] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا يحيى بن آدم ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: زاد ربيع بن خيثم في التشهد بركاته ومغفرته، فقال علقمة نقف حيث علمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اه الدعاء بالمغفرة كلام حسن وأدب، فتركه علقمة للاتباع لأنه الأدب.\n(٧) - ابن أبي شيبة [٣١٠٥] حدثنا محمد بن عُبَيد عن الأعمش قال: سئل إبراهيم عن الإمام إذا سلم فيقول: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله فقال: ما كان من قبلهم يصنع هكذا اه ومثله عن أبي البختري قال: بدعة، تقدم.","vol":"1","page":166},{"text":"فلم يكونوا يبتدعون بدعوى سلوك الأدب مع الله أو مع رسوله وأهل الفضل منهم ..\n\n<span data-type='title' id=toc-63>(٥٩) باب جواز ترك الامتثال إذا عُلم أن الأمر ليس بحتم</span>\n(١) - قال البخاري [٤٩٧٩] حدثنا محمد أخبرنا عبد الوهاب حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن زوج بَريرة عبد أسود يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي ﷺ لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا! فقال النبي ﷺ: لو راجعته. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه اه\n(٢) - مالك [٥٦٥] عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر. فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفَّق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسولَ الله ﷺ، فأشار إليه رسول الله ﷺ: \" أن أمكث مكانك \". فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ فصلى، فلما انصرف قال: \"يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك\". فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابه شيء في صلاته فليُسَبح، فإنه إذا سبح التُفِت إليه، وإنما التصفيق للنساء اه [خ ٦٥٢]\nإنما ترك الامتثال لعلمه أن الأمر لم يكن إلا رخصة وتفضلا، لكن لما راجعه النبي ﷺ في ذلك لم يَعُد، كما روى:\n- البخاري [٦٥٥] حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ؟ قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلَّى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال ﷺ: أصلى الناس؟ قلنا: لا،","vol":"1","page":167},{"text":"هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟. قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد، ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر: بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر، وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين، أحدهما العباس، لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، قال: أجلساني إلى جنبه. فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد. الحديث.\nلما أومأ إليه النبي ﷺ ألا يتأخر أجاب هذه المرة، لأن الامتثال هو الأدب.\nومثله ما روى مسلم [٦٥٦] عن المغيرة بن شعبة قال: تخلف رسول الله ﷺ وتخلفت معه. فذكر الحديث ثم قال: فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة فلما أحس بالنبي ﷺ ذهب يتأخر فأومأ إليه فصلى بهم فلما سلم قام النبي ﷺ وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا اه\n(٣) - البخاري [٢٦٩٨] حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر قال شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب عليٌ بينهم كتابا، فكتب: محمد رسول الله ﷺ، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا لم نقاتلك، فقال لعلي: امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده \" الحديث.\nففهم من قرائن الحال أن النبي ﷺ ترخص بذلك كارها، وأحب أن يغيظ الكفار.","vol":"1","page":168},{"text":"وتحرى بامتناعه ألا يغيَّر شيء من الشرع، حتى رأى من النبي مضيا في ما ترخص. فلا حجة فيه لمن أراد أن يغير الشريعة بالبدع.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>(٦٠) باب ما يدل على أن مطلق السكوت عن الإنكار ليس إقرارا لاحتمال مانع خفي عنا</span>\nوقول الله تعالى (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق)\n(١) - أحمد [٢٠٦٩٤] حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون ما شاء الله، وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي ﷺ، فأخبره. فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قال عفان: قال: نعم، فلما صلوا، خطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا: ما شاء الله، وما شاء محمد اه فسكت أولا تدرجا في التشريع من غير إقرار، في ما يمنع منع ذرائع لا منع مقاصد ..\n(٢) - مسلم [١١١] حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. الحديث.\n(٣) - البخاري [٢٩٨٠] حدثنا يحيى بن بكير حدثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ","vol":"1","page":169},{"text":"الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء اه [م ٢٤٧٦]\nالسكوت هنا يقتضيه الرفق بالجاهل، فلم يكن دالا على جواز ما فعله الأعرابي.\n(٤) - البخاري [١٥٠٨] حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم ﵇ فإن قريشا استقصرت بناءه وجعلت له خلفا اه\nفبين أن ترك البيت على ما فعلت قريش لا عن رضى منه ولكن لمانع. وفي الباب غيره كثير يدل على أن النبي ﷺ قد يسكت عن إنكار ما لا ينبغي لمصلحة وعدم تعيُّن الإنكار في المقام نفسه. وليس منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولكنه تأخير إلى وقت الحاجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>(٦١) باب ما يصاحب الواقعة من الإنكار بقرينة الحال</span>\n(١) - مسلم [٧٧٤] حدثنا عمرو بن محمد الناقد وابن أبي عمر جميعا عن ابن عيينة قال عمرو حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه عن عائشة قالت: سألت امرأة النبي ﷺ كيف تغتسل من حيضتها قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل، ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها سبحان الله! واستتر - وأشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه - قال قالت عائشة: واجتذبتها إلي وعرفت ما أراد النبي ﷺ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم اه فلم ينكر عليها لفظا، ولكن بقرينة الحال التي رأتها عائشة ففهمت بها أنه أنكر ..\n(٢) - البخاري [٢٤٧٢] حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال سمعت زيد بن وهب عن علي قال: أهدي إلي النبي ﷺ حلة سيراء فلبستها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي اه\nفي الباب كثير، وهو دال على أن من شهد ليس كمن لم يشهد.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>(٦٢) باب الدلالة على أن الإشارة بيان نبوي</span>\n(١) - البخاري [١٢٤٢] حدثنا أصبغ عن ابن وهب قال أخبرني عمرو عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي ﷺ فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه اه\n(٢) - البخاري [٧٧٩] حدثنا معلى بن أسد قال حدثنا وهيب عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه. الحديث.\n(٣) - البخاري [٤٩٩٢] حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ: لا يمنعن أحدا منكم نداء بلال - أو قال أذانه - من سحوره فإنما ينادي - أو قال يؤذن - ليرجع قائمكم وليس أن يقول كأنه يعني الصبح أو الفجر، وأظهر يزيد يديه ثم مد أحدهما من الأخرى اه\n(٤) - البخاري [٦٩٧٢] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ فقال: إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية اه\n(٥) - البخاري [٨٤] حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده قال: ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده: ولا حرج اه","vol":"1","page":171},{"text":"(٦) - البخاري [٨٥] حدثنا المكي بن إبراهيم قال أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن سالم قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج. قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل اه\n(٧) - البخاري [١٩١٣] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الأسود بن قيس حدثنا سعيد بن عمرو أنه سمع ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين اه [م ٢٥٥٨]\nفي الباب غير هذا كثير يدل على أن من سنة البيان الإفهام بالإشارة وإتمام المعنى بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>(٦٣) باب الدلالة على أن الإشارة تسمى قولا وأنها بمنزلة الكلام</span>\nوقول الله تعالى (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا)\n(١) - مسلم [٧٤٧٧] حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى ح وحدثنا عبيد الله بن سعيد كلهم عن يحيى القطان قال القواريري حدثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان. قالها مرتين أو ثلاثا اه\n(٢) - البخاري [٥٩٤٩] حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الحارث بن سويد حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين أحدهما عن النبي ﷺ والآخر عن نفسه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه. وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا. قال أبو شهاب بيده فوق أنفه. الحديث.\n_________\n(^١) - صحيح البخاري كتاب العلم باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس. وكتاب الطلاق باب الإشارة في الطلاق والأمور.","vol":"1","page":172},{"text":"(٣) - مسلم [٨٧٤] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن عمارة بن رؤيبة قال رأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعيه المسبحة اه\n(٤) - البخاري [٤٤٥٠] حدثني قتيبة بن سعيد قال حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس - فذكر حديث الخضر وموسى ثم قال - (فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) فقال بيده هكذا فأقامه اه\n(٥) - مسلم [٢٤٠٧] حدثني سليمان بن عبيد الله أبو أيوب الغيلاني حدثنا أبو عامر يعني العقدي حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن أبي هريرة قال: ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره. وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها. قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا توسع اه\n(٦) - ابن أبي شيبة [١٤٧٨٧] حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين عن أنس أنه رأى النبي ﷺ قال للحلاق هكذا، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن اه [م ٣٢١٣]\n(٧) - ابن أبي شيبة [٣٥٦١٥] حدثنا وكيع عن سفيان عن الربيع بن قزيع قال: سمعت ابن عمر قال: كان عمر بن الخطاب يؤتى بخبزه ولحمه ولبنه وزيته وبقله وخله فيأكل، ثم يمص أصابعه ويقول هكذا فيمسح يديه بيديه ويقول: هذه مناديل آل عمر (^١) اه\n_________\n(^١) - قال يحيى الليثي: وسئل مالك عن الإشارة بالأمان أهي بمنزلة الكلام فقال نعم وإني أرى أن يتقدم إلى الجيوش أن لا تقتلوا أحدا أشاروا إليه بالأمان لأن الإشارة عندي بمنزلة الكلام اه الموطأ كتاب الجهاد باب ما جاء في الوفاء بالأمان.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>(٦٤) باب إثبات مرتبة العفو وأنه بمعنى عدم المؤاخذة</span>\n(عفا الله عما سلف) لم يؤاخذكم (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم) \"عفوت عن صدقة الخيل والرقيق\" [ت ٦٢٠] أي لا أواخذكم على ألا تخرجوا منها.\n(١) - الحاكم [ك ٣٤١٩] أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الشيباني ثنا أحمد بن حازم الغفاري ثنا أبو نعيم ثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء ﵁ رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية (وما كان ربك نسيا) اه فهو عافية أي عافاكم من المؤاخذة. فالعفو غير مطلوب العمل، ولكن مسكوت عنه ..\n(٢) - أبو داود [٣٨٠٢] حدثنا محمد بن داود بن صبيح حدثنا الفضل بن دكين حدثنا محمد يعني ابن شريك المكي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه. فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) إلى آخر الآية اه ففرق بين العفو المسكوت عنه والحلال المصرح به.\n(٣) - عبد الرزاق [١٠١٢٢] أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه أن ابن عباس سأله إبراهيم بن سعد وكان إبراهيم عاملا بِعَدَنٍ فقال لابن عباس: ما في أموال أهل الذمة؟ قال: العفو. قال قلت: إنهم يأمروننا بكذا وكذا قال: فلا تعمل لهم قال: فما في العنبر؟ قال: إن كان فيه شيء فالخمس اه [ش ٣٣٣٠٩]\n(٤) - عبد الرزاق [٨٧٦٨] أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير أنه كان يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فأحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحرمها ولم يحلها فذلك عفو من الله ثم يقول (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء) الآية اه","vol":"1","page":174},{"text":"فالعفو من الله - في الحلال والحرام - تشريع مثل \"التقرير\" في حق رسوله ﷺ إذ كلاهما سكوت عن الإنكار والمؤاخذة. فإذا كانت الحاجة لبيان الحكم في زمن التشريع ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ومنهاج العلماء معه السكوت كفعل النبي ﷺ لأنهم ورثته، ولا يشغل بقياس أو اجتهاد إذ نهينا أن نبحث عنه .. إنما القياس في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ التشريع فقد تبين قصد العفو عنه. والشريعة تناولت كل أعمال العباد المطلوبة ثم كان منها ما هو عفو غير مأمور به ولا منهي عنه ولا مأذون فيه، فهو غير مقصود أصالة للتشريع أي لم يتوجه إليه قصد الشرع بالطلب، وليس هو من القربات في شيء لأن بيانها بالعمل، وبيان \"العفو\" السكوت كما قال: \"وسكت عن أشياء \".\n\n<span data-type='title' id=toc-69>(٦٥) باب ما جاء في ذم الاختلاف في الدين بين العلماء الراسخين</span>\nوقول الله في الذين جاءوا بعد المختلفين (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب)\n(١) - ابن أبي شيبة [٣٢٠٧] حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أبي: ثوب، وقال: ابن مسعود: ثوبان، فخرج عليهما عمر فلامهما وقال: إنه ليسوؤني أن يختلف اثنان من أصحاب محمد ﷺ في الشيء الواحد! فعن أي فتياكما يصدر الناس؟ أما ابن مسعود فلم يأل، والقول ما قال أبي اه\nفأفاد أن اختلاف أهل العلم يورث الشبهة والإشكال في الدين .. وقد تقدم عن علي نحوه.\n(٢) - الطحاوي [٣٣٥] حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حبيبة قال سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذاكرنا الغسل من الإنزال. فقال زيد: ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة. فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر فأخبره بذلك. فقال عمر","vol":"1","page":175},{"text":"للرجل: اذهب أنت بنفسك فائتني به حتى يكون أنت الشاهد عليه. فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل فقال عمر: أنت عدو نفسك تفتي الناس بهذا؟ فقال زيد: أم والله ما ابتدعته ولكني سمعته من عماي رفاعة بن رافع ومن أبي أيوب الأنصاري. فقال عمر لمن عنده من أصحاب النبي ﷺ: ما تقولون؟ فاختلفوا عليه. فقال عمر: يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم وأنتم أهل بدر الأخيار. الحديث. [ش ٩٥٢]\n(٣) - عبد الرزاق [٩٥٤] عن ابن جريج قال أخبرني يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يختلفون في الرجل يطأ امرأته ثم ينصرف عنها قبل أن ينزل فذكر أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة فقال: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر إني لأعظمك أن أستقبلك به. فقالت: ما هو؟ مرارا فقال: الرجل يصيب أهله ولم ينزل قال فقالت لي: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: لا أسأل عن هذا بعدك أبدا اه [م ٨١٢]\n(٤) - البيهقي [المدخل ٦٨٨] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار ببغداد أبنا أبو بكر الشافعي ثنا جعفر بن محمد الأزهر ثنا المفضل بن غسان الغلابي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد عن المثنى بن سعيد عن أبي تميمة عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من زلة العالم. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه فيلقى من هو أعلم منه برسول الله ﷺ فيخبره ويرجع ويقضي الأتباع بما حكم اه المثنى بن سعيد وقيل ابن سعد هو أبو غفار الطائي [الفقيه والمتفقه ٦٣٩].\n(٥) - يعقوب بن سفيان [المعرفة ١/ ٤٤٥] حدثنا أبو بكر الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثني أمي الصيرفي قال: قال أبو العبيدين لعبد الله: لا تختلفوا علينا يا أصحاب محمد فنختلف من بعدكم. فقال: يرحمك الله أبا العُبَيدَين، إنما أصحاب محمد الذين دفنوا معه في البُرُد اه أبو العبيدين معاوية بن سبرة يروي عن ابن مسعود.\nفي الباب غير هذا كثير يدل على أن الاختلاف بين أهل العلم مذموم، وأنه غير مأذون فيه .. وأن أحسن حال من خالف منهم أنها زيغة حكيم يعذر عليها ولا يؤمر باتباعها ..","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>(٦٦) باب بيان صفة العالم المعتبر قوله في الدين</span>\nوقول الله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)\n(١) - البخاري [١٠٠] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا اه فبين أن العلماء معه لا يزالون يموتون، حتى يخلف من بعدهم مَنْ يخالفونهم فيضلون ..\n(٢) - اللالكائي [اعتقاد أهل السنة ١٠٢] أخبرنا الحسين بن علي بن زنجويه أنبأ محمد بن هارون بن الحجاج المقري القزويني ثنا أبو زرعة الرازي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي قال: قال رسول الله ﷺ: إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال موسى قال ابن المبارك: الأصاغر: من أهل البدع اه فتبين أن العلماء هم الصحابة ثم من تبعهم، وأن البدع جهل وضلال، فكل من جوز مخالفة ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من الميراث فليس من أهل العلم. ومن التزم بما كانوا عليه كان في سعة، ولم يصلح أن يُبَدَّع على اختياره إذا اختلفوا.\n(٣) - ابن وهب [جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٦٠] عن نافع بن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولا واحدا كان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة اه كان في سعة أي وسعه من الاختلاف ما وسعهم، لا أنه مصيب، لذلك كانوا يردون خطأ الفتاوى كما تقدم في باب ما أنكروه من البدع. ودل قوله هذا على أنه لا يسوغ الخلاف ما لم يختلفوا.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>(٦٧) باب ما يعفى عنه من الاختلاف بعد الوقوع</span>\nوقال رسول الله ﷺ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه [خ ٦٩١٩] وكان أهل العلم من أصحاب النبي ينكرون كل بدعة.\n(١) - أبو داود [٤٦٠٧] حدثنا أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد قال حدثني خالد بن معدان قال حدثني عبد الرحمن بن عمرو السّلمي وحجر بن حُجْر قالا: أتينا العرباض بن سارية - فذكر الحديث إلى قوله - فإِنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة اه فدل على أن ما حدث من الاختلاف بعد الصحابة فهو بدعة يحَذَّر منها، وسكت عن اختلافهم فدل على أنه عفو، كما كان عفوا ما روى:\n(٢) - البخاري [٤١١٩] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم اه فذكر أنه لم يعنف أحدا، ليُفهِم أن بعضهم كان مرتَقَب التعنيف .. فهذا السكوت عفو، والعفو غير مطلوب للتشريع، ولكن مما يعذر صاحبه، ويؤجر على النية. والعفو سعة ورحمة بعد الوقوع لا قبله. وإذا اختلف ورثة العلم بعد الصحابة في النوازل كان بمنزلته ..\n\n<span data-type='title' id=toc-72>(٦٨) باب ما جاء في بيان الجماعة المأمور باتباعها</span>\nوقول النبي: من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي.\n(١) - البخاري [٣٤١١] حدثنا يحيى بن موسى حدثنا الوليد قال حدثني ابن جابر قال حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي قال حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع","vol":"1","page":178},{"text":"حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك اه فحذر النبي ﷺ ممن يريد يهدي بغير هديه، وأمر بالاعتصام بما عليه حذيفة من السنة ولو كان وحده، ويدع المتفرقين في الدين.\n(٢) - اللالكائي [١٦٠] أخبرنا علي بن عمر بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عتاب قال حدثنا عبيد بن شريك قال حدثنا نعيم يعني ابن حماد قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري قال حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون قال قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ فوقع حبه في قلبي فلزمته حتى واريته في التراب بالشام، ثم لزمت أفقه الناس بعده عبد الله بن مسعود فذكر يوما عند تأخير الصلاة عن وقتها فقال: صلوها في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة. قال عمرو بن ميمون: فقيل لعبد الله بن مسعود وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: يا عمرو بن ميمون إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة! إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك اه [الفقيه والمتفقه ١١٧١]\n(٣) - المروزي [السنة ٢٧] حدثنا محمود بن غيلان أنبأ أبو النضر يعني هاشم بن القاسم ثنا حمزة بن المغيرة قال أبو النضر: وكان أعبد رجل بالكوفة قال ثنا عاصم الأحول عن أبي العالية في قول الله (اهدنا الصراط المستقيم) قال: هو النبي ﷺ وصاحباه أبو بكر وعمر. قال: فذكرت ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح اه\nفالجماعة هي ما كان عليه السابقون الأولون، وما حدث بعدهم من البدع ففرقة وضلالة.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>فصل: نُتَفٌ من أقوال المتأخرين من أئمة الدين</span>\n- مالك [المدونة ١/ ١١٦] عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان كلهم لم يكن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتحوا الصلاة. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا اه احتج بالترك وسماه أمرا أي عملا.\n- يحيى بن يحيى [الموطأ باب جامع الصيام]: سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك اه\n- حكى ابن المنذر [الأوسط ٣/ ٢٧٤] عن مالك بن أنس قوله: أكره ما يصنع بعض الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام في صلاتهم. وقال: ليس ذلك من أمر الناس، وهو شيء أحدث، وصنعة صنعها الناس، وذلك مستنكر، ولا أرى بأسا لو مد بصره أمامه اه\n- وقال ابن المنذر [الأوسط ٥/ ٣١٦]: وأنكر مالك الصلاة عند الزلزلة وقال: ما أسرع الناس إلى البدع اه\n- ابن وضاح [البدع والنهي عنها ٩٧] حدثني أبان بن عيسى عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: التثويب بدعة، ولست أراه. قال ابن وضاح: ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك، فأرسل إليه مالك، فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تُحْدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه، قد كان رسول الله ﷺ بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف المؤذن عن ذلك وأقام زمانا. ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال له: ما هذا الذي تفعل!؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: ألم أنهك ألا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب، فقال له مالك: لا تفعل،","vol":"1","page":180},{"text":"لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف أيضا زمانا، ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه اه\n- ابن وضاح [١٠٢] حدثني سحنون وحارث عن ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن قراءة (قل هو الله أحد) مرارا في ركعة، فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوها اه\n- ابن وضاح [١٠٤] حدثني مالك بن علي عن سعيد عن أشهب قال: سألت مالكا عن الحديث الذي جاء أن أبا بكر الصديق لما أتاه خبر اليمامة سجد، قال: فقال لي: ما يكفيك أنه قد فتح لرسول الله ﷺ الفتوح فلم يسجد، وفتح لأبي بكر في غير اليمامة فلم يسجد، وفتح لعمر بن الخطاب فلم يسجد؟ قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، إنما أردت أن أعرف رأيك فأرد ذلك به، قال: بحسبك إذا بلغك مثل هذا ولم يأت ذلك عنهم متصلا أن ترده بذلك، فهذا إجماع. وقد كان مالك يكره كل بدعة، وإن كانت في خير، ولقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك، وقد جاءت الآثار عن النبي ﷺ بالرغبة في ذلك، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه. قال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول: لما أتاها سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل قيل: وسئل ابن كنانة عن الآثار التي بالمدينة فقال: أثبت ما عندنا في ذلك قباء، إلا أن مالكا كان يكره مجيئها خوفا من أن تتخذ سنة اه\n- مالك [المدونة ١/ ٣٣٣]: إنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة والصيام والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أو بأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة. وقد اعتكف رسول الله ﷺ وعرف المسلمون سنة الاعتكاف اه\n- الجوهري [مسند الموطأ ٩٠] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا صفوان بن صالح قال حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس عن إمام","vol":"1","page":181},{"text":"كبر على الجنازة خمس تكبيرات أن أكبر معه؟ قال: لا، قف حيث وقفت السنة اه\n- أبو شامة [الباعث على إنكار البدع والحوادث ٤٧] أخبرنا أبو الحسن ثنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر الطرطوشي قال ابن وهب سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة يجلس أهل البلد في مسجدهم ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى للناس إلى غروب الشمس، فقال مالك: ما نعرف هذا وإن الناس عندنا اليوم يفعلونه. قال ابن وهب: سمعت مالكا يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع. قال مالك رحمه الله تعالى في العتبية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد اه وذكره الطرطوشي في «الحوادث والبدع» ص ٩١.\n- المدونة [١/ ٤١٩] قال سحنون: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن هذا الذي يقول الناس عند استلام الحجر: إيمانا بك وتصديقا بكتابك؟ فأنكره، قلت لابن القاسم: أفيزيد على التكبير أم لا عند استلام الحجر والركن اليماني؟ قال: لا يزيد على التكبير في قول مالك. قلت لابن القاسم: أرأيت إن وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك وقال: هذا بدعة اه\n- المدونة [١/ ٥٤٤] قال سحنون لابن القاسم: كيف التسمية عند مالك على الذبيحة؟ قال: باسم الله والله أكبر. قلت: هل كان مالك يكره أن يذكر على الذبيحة صلى الله على رسول الله بعد التسمية، أو يقول محمد رسول الله بعد التسمية؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا وذلك موضع لا يذكر هنالك إلا اسم الله وحده. قلت: أرأيت الضحايا هل يذكر عليها اسم الله، ويقول بعد التسمية اللهم تقبل من فلان؟ قال: قال مالك: يقول على الضحايا باسم الله والله أكبر، فإن أحب قال: اللهم تقبل مني، وإلا فإن التسمية تكفيه. قال: فقلت لمالك: فهذا الذي يقول الناس اللهم منك وإليك؟ فأنكره، وقال: هذا بدعة اه\n- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ١١٧]: قال مالك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان: ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة كما يفعل أهل الإسكندرية،","vol":"1","page":182},{"text":"هذا مكروه ولا يعجبنا اه\n- محمد بن رشد الجد [البيان والتحصيل ١/ ٢٩٨] قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعًا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس. قال محمد بن رشد: إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضًا وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بيّن، والله أعلم اه\n- البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠١] قال: وسئل عن الجلوس إلى القاص فقال: ما أرى أن يجلس إليهم وإن القصص لبدعة. قال محمد بن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك ﵀. روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معي فتى من طرابلس إلى المدينة فكنا لا ننزل منزلًا إلا وعظنا فيه حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب بذلك منه، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بنا، فرأيته في سماطى أصحاب السفط وهو قائم يحدثهم ولقد لهوا عنه والصبيان يحصبونه ويقولون له: أسكت يا جاهل. فوقفت متعجبًا لما رأيت. فدخلنا على مالك فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأينا من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذ لهوا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله. قال يحيى: وسمعت مالكًا يكره القصص، فقيل له يا أبا محمد فإذ تكره مثل هذا، فعلى ما كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه، وكان يأمرهم وينهاهم، وبالله التوفيق اه أبو محمد هو يحيى بن يحيى الليثي.\n- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ٤٤] روى محمد بن أحمد في المستخرجة عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو فقال: ما سمعت أنه يدعا عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس اه فأنكر عملا مستحسنا عند المخالف، وسمى الدعاء وهو قول عملا.\nثم قال [ص ٤٥] وروى ابن القاسم أيضا عن مالك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه فأنكر وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود.","vol":"1","page":183},{"text":"قال مالك: التقليص رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين اه قال الطرطوشي: \" وروى ابن القاسم أيضا قال: سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع! وأنكر ذلك إنكارا شديدا \". ثم قال: \"وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو فقال: ما سمعته إنما هو شيء أحدثه المسودة. فقيل له: بعض البلدان يكبرون دبر المغرب وفي الصبح، فقال: هذا مما أحدثوه. ثم قال: وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما فقال: ليس بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. \" وقال [ص ٧٥]: \" قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له مسجد الخلوق ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر ﵇ أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين الصلاة فيه؟ قال: لا والله. \"\n- القاضي عياض [ترتيب المدارك ١/ ٨٨] \" قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رفعه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكًا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال: من ها هنا من الحرس؟ فجاءه نفسان. فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس. فقيل له: ابن مهدي! فوجه إليه وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وأشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﷺ: من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدًا في مسجد النبي ﷺ ولا في غيره \". [الاعتصام ١/ ٣٣٧]\n- قال أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام ٤٦٣] حدثنا الأصم حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم حدثنا أبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الزبير بن بكار حدثني سفيان بن عيينة قال قال رجل لمالك: من أين؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. فأعاد عليه مرارا قال: فإن زدتُ على ذلك؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة! قال: وما في هذا من الفتنة؟ إنما هي أميال أزيدها! قال: إن الله يقول (فليحذر الذين يخالفون) الآية [النور ٦١] قال: وأي فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى","vol":"1","page":184},{"text":"أنك أصبت فضلا قصر عنه رسول الله أو ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسول الله!\n- وقال أحمد [العلل رواية عبد الله ٢٣٧٣] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول: الوقت بدعة يعني في المسح على الخفين اه\n- قال الفسوي [المعرفة والتاريخ ٣/ ٩٩] حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة، وكان يعيب الرأي ويقول: قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا نتبع الرأي، وإنه من اتبع الرأي جاء رجل أقوى منك في الرأي فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا الأمر لا يتم اه\n- أبو إسحاق الشاطبي [الاعتصام ١/ ٣٣] قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا اه\n- البيهقي [الكبرى ٧١٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف القاضي حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال: ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم فقال مالك: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي ﷺ في الاِحفاء ولكن يبدي حرف الشفتين والفم. قال مالك بن أنس: حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس اه\n- البيهقي [الشعب ٥٨٠٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت عبد الله بن موسى يقول: سمعت الفضل بن محمد يقول: سمعت أبا مصعب يقول: دعا أمير الأمراء مالكا إلى غدائه قال: فلما قربت الإبريق والطشت قال: لا أعود إلى غدائك! قال: لِمَ!؟ قال: لأن غسل اليدين بدعة عند الطعام. قال أحمد - أي البيهقي -: وكذلك صاحبنا الشافعي استحب تركه اه المقصود.\n- وروى ابن عساكر [تاريخ دمشق ٥٨/ ٣٦٥] من طريق نصر بن إسحاق صاحب سحنون حدثني علي بن يونس المدني قال: كنت جالسا في مجلس مالك بن أنس","vol":"1","page":185},{"text":"حتى إذا استأذن عليه سفيان بن عيينة قال مالك: رجل صالح وصاحب سنة أدخلوه. فلما دخل سلم ثم قال: السلام خاص وعام السلام عليك أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته. فقال له مالك: وعليك السلام أبا محمد ورحمة الله وبركاته. وقام إليه وصافحه، وقال: لولا أنه بدعة لعانقتك. فقال سفيان: قد عانق من هو خير منا ومنك! فقال له مالك: النبي ﷺ جعفرا؟ فقال له سفيان: نعم. فقال مالك: ذاك خاص ليس بعام. فقال له: ما عم جعفرا يعمنا وما خص جعفرا يخصنا إذا كنا صالحين اه\nومذهب مالك في تبديع المعانقة وكراهتها لأنها لم تكن مشهور. ففي البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٥] \"وسئل عن تعانق الرجلين إذا قدم من سفر، قال: ما هذا من عمل الناس. قيل له فالمصافحة؟ فكرهها وقال: هي أخف. قال: وسئل عن معانقة الرجل أخته إذا قدم من سفر، قال: ما هذا من عمل الناس. قال وسئل مالك عن معانقة الرجلين أحدهما صاحبه إذا التقيا أترى بها بأسًا؟ قال: نعم. قيل له: فالمصافحة؟ قال: ما كان ذلك من أمر الناس وهو أيسر. قال وسمعته يقول: إنما أفسد على الناس تأويل ما لا يعلمون. \"\n- قال ابن القاسم [المدونة ١/ ٢٥٦] قال مالك: أكره أن يتبع الميت بمجمرة أو تقلم أظفاره أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله، قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله اه\n- قال ابن رشد [البيان والتحصيل ٢/ ٢٢٠]: \" كره مالك البناء على القبر، وأن يجعل عليه البلاطة المكتوبة، لأن ذلك من البدع التي أحدثها أهل الطَّول إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، فذلك مما لا اختلاف في كراهته \". وقال ابن رشد في إعلان النكاح [٥/ ١١٥]: \" قال أصبغ: فالإعلان به عندي الملاك والعرس جميعًا أن يعلن بهما، ولا يستخفي بهما سرًا في التفسير ويظهر بهما ببعض اللهو، مثل الدف والكَبَر للنساء، والغربال هو الدف المدور، وليس المِزْهَر، والمزهر مكروه وهو محدث، والفرق بينهما أن المزهر ألها، وكل ما كان ألهى فهو أغفل عن ذكر الله، وكان من الباطل، وما كان من الباطل فمحرم على المؤمنين اللهو والباطل .. \" ثم قال ﵀: [١٨/ ٤٥٣] \"وسئل عن التهادي للقرابة في يوم العيد والتزوار بعضهم بعض، فأجاز ذلك. ومعناه إذا لم يقصد زيارته في يوم العيد من أجل أنه يوم العيد حتى يجعل ذلك","vol":"1","page":186},{"text":"من سنة العيد، وإنما زار قريبه أو أخاه في الله ﷿ من أجل تفرغه لزيارته في ذلك اليوم. فما أحدث الناس اليوم من التزام التزوار في ذلك اليوم كالسنة التي تلزم المحافظة عليها وترك تضييعها، هو بدعة من البدع المكروهة تركها أحسن من فعلها اه فجعل البدع جارية في العادات أيضا.\nفهذه نتف عن مالك ﵀ تنبيك عن أصله الذي كان يلاحظه في التبديع والاتباع.\n- البغوي [مسند ابن الجعد ١٨٠٩] قال أبو سعيد الأشج سمعت يحيى بن يمان يقول سمعت سفيان يقول: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢٣٨] [حلية الأولياء ٣/ ١٥٩] فعمم سفيان الثوري ﵀ ولم يخصص.\n- اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة ١١٣] أخبرنا عيسى بن علي أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ثنا عبدان عن عبد الله يعني ابن المبارك قال سفيان: وجدت الأمر الاتّباع.\n- محمد بن وضاح [١٠١] نا محمد بن عمرو عن مصعب قال: سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة قل هو الله أحد، لا يقرأ غيرها كما يقرأها، فكرهه، وقال: إنما أنتم متبِعون، فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما نزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء اه\n- الخطيب البغدادي [شرف أصحاب الحديث ص ٦] أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد القاضي ببروجرد قال: حدثنا عبد الله بن وهب الحافظ الدينوري قال: حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: قال سفيان الثوري: إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي اه أي الرأي في العقائد والقربات.\n- ابن وضاح [١١٢] نا غير واحد منهم زيد عن سفيان عن موسى بن أبي عيسى أن نافعا كره الضج مع الإمام حين يقرأ مثل قوله (أنا ربكم الأعلى) ومثل قوله (ما علمت لكم من إله غيري) قال سفيان: إنما ينصت اه سفيان هو ابن عيينة","vol":"1","page":187},{"text":"وزيد هو أبو البشر الحضرمي المالكي.\n- ابن جرير [التفسير ١٥١٥١] حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا عبد الله بن الزبير عن ابن عيينة في قوله (وكذلك نجزي المفترين) قال: كل صاحب بدعة ذليلٌ اه ورواه ابن أبي حاتم [التفسير ٩٠٠٨] حدثنا أبي ثنا محمد بن أبي عمر العدني قال سفيان فذكره. وذلك لأنه ينسب بدعته إلى الله تعالى افتراء عليه.\n- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ١٠٨]: وقال الأوزاعي: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به اه روي مرفوعا [ذم الكلام ٤٤١]\n- اللالكائي [٣١٥] أخبرنا الحسن بن عثمان قال أخبرنا أحمد بن حمدان قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا معاوية بن عمرو قال حدثنا أبو إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم اه وهذا منهج في الاعتقاد والعمل.\n- وقال أبو بكر الخلال [الحث على التجارة والصناعة ٩٤] أخبرنا طالب بن قرة الأذني ثنا محمد بن عيسى ثنا ابن المبارك قال: ما رأيت أحدا منهم عاقلا، يعني الصوفيين اه طالب احتج به الضياء المقدسي في الصحيحة.\n- أبو عبيد [فضائل القرآن ٢٣٨] حدثني يحيى بن سعيد عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: زينوا القرآن بأصواتكم. قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب - فيما نرى - أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في هذه الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به اه أي لئلا يُفهم من الحديث - الذي صيغته مطلقة - غير ما يجوز في العمل، فترك اللفظ المطلق للعمل.\n- وقال البيهقي [المعرفة ٥/ ١٨٥] أخبرنا أبو سعيد قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال: ولا أعلم التسميع في التكبير والسلام في الصلاة إلا محدثا، ولا أراه قبيحا مهما أحدث إذا كبر الناس. قال: والمحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مخالفا كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة","vol":"1","page":188},{"text":"الضلالة. والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر ﵁ في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى اه ذكره في تسميع التكبير والسلام خلف الإمام.\n- أبو نعيم [الحلية ٤/ ٩٧] حدثنا أبو بكر الآجري حدثنا عبد الله بن محمد العطشي حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي اه فعلل الحكم بالمخالفة، فما خالف السنة عنده هو البدعة، لكن السنة - عنده - تشمل الترك أيضا، فما ظهر له أن النبي ﷺ تركه منع من فعله احتجاجا بالترك. فقد قال في زكاة التبر غير الذهب والفضة [الرسالة ٥٢٨]: \"فلما لم يأخذ منه رسول الله ﷺ ولا أحد من بعده زكاة تركناه اتباعا بتركه\". فأسس للترك في كتاب الأصول ﵀، وجعله من البيان بالسنة. قال ابن حجر [الفتح ٤/ ٢٧٥] \"وأجاب الشافعيّ عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجورا بأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اِسْتِلَامهمَا هَجْرًا للبيت، وكيف يهجُره وهو يَطُوف به، ولكنَّا نَتَّبِع السُّنَّة فِعْلا أَوْ تركا اه فهذا أصله في اتباع سنة التَرك، أن الترك سنة.\nإذا ضممنا كلامه في اعتبار الترك، وإنكاره لصور من التعبد كقوله مثلا [الأم ١/ ٢٧٢]: \"ولا قنوت في صلاة العيدين ولا الاستسقاء، وإن قنت عند نازلة لم أكره. وإن قنت عند غير نازلة كرهت له\". وقوله [الأم ١/ ١٥٤] \" ولو أطال القيام بذكر الله ﷿ يدعو أو ساهيا وهو لا ينوى به القنوت كرهت ذلك له\". وقوله [الأم ١/ ٢٢١]: \" ولا يجمع في مصر وإن عظم أهله وكثر عامله ومساجده إلا في موضع المسجد الأعظم وإن كانت له مساجد عظام لم يجمع فيها إلا في واحد. وأيها جمع فيه أولا بعد الزوال فهي الجمعة وإن جمع في آخر سواه بعده لم يعتد الذين جمعوا بعده بالجمعة وكان عليهم أن يعيدوا ظهرا أربعا \". وقال البيهقي [المعرفة ١٧٩٥] أخبرنا أبو سعيد قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال حدثنا الشافعي قال: فإذا كان مصر","vol":"1","page":189},{"text":"عظيم رأيت أن يصلي الجمعة في مسجده الأعظم. وذلك أن رسول الله ﷺ ومن بعده كانوا يصلون الجمعة في مسجد النبي ﷺ وبالمدينة وحول المدينة في العوالي وغيرها - أظنه قال: مساجد - لا نعلم منهم أحدا جمع إلا في مسجد النبي ﷺ. فاحتج بالترك كما في قوله [الأم ١/ ٨٥] \" ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي ﷺ أنه أمر بالتثويب فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده اه\nوما روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [١٩٥] أخبرني زكريا بن يحيى الناقد حدثنا الحسين بن الحروري حدثنا محمد بن يعقوب قال سمعت يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي قال: تركت بالعراق شيئا يسمونه التغبير، وضعته الزنادقة يشغلون به عن القرآن اه\nإلى أمور هي أعمال خير عند المخالف .. إذا نظرنا فهمنا معنى بدعة الضلال عنده وهي ما خالف فعلا في السنة أو تركا، فيكون خلافه للهدي الأول قريبا وإن خالفه في مسائل، والله أعلم.\nوالإنصاف أن يوزن كلام الشافعي بالعتيق هدي الأولين، فهو الأصل لا ما كان بعدهم، عليهم رحمة الله جميعا.\n- قال أبو عبيد [فضائل القرآن ٢٣٩] سمعت الحارث المكفوف يسأل يزيد بن هارون في التحبير فقال: بدعة وضلالة! قال: ما تقول في قراءة الحزن؟ قال: فاذهب فحزن نفسك في بيتك. قال: ما تقول في قراءة الألحان؟ قال: بدعة. قال: يا أبا خالد يشتهيه الناس! قال: لك غيره.\n- قال عبد الله بن أحمد [مسائل أحمد ١/ ١٤٥]: سألت أبي عن الرجل يحمل معه المصحف إلى القبر يقرأ عليه قال: هذه بدعة اه\n- أبو بكر الخلال [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢٠٦] أنا أبو بكر المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن القراءة بالألحان؟ فقال: بدعة لا يسمع اه\n- عبد الله بن أحمد [مسائل أحمد ١/ ٤٤٢]: سألت أبي عن القراءة بالألحان فقال: محدث إلا أن يكون طباع ذلك. يعني الرجل طبعه كما كان أبو موسى الأشعري اه\n- قال إسحاق بن منصور [مسائل الإمام أحمد وإسحاق ١٧٧] قلت: التطريب في","vol":"1","page":190},{"text":"الأذان؟ قَالَ: كل شيء مُحْدَثٌ، كأنه لم يعجبه. قال إسحاق: كما قال، لأنه بدعة اه وفيه [٣٤٩٩] قلت: يكره أن يجتمع القوم يدعون الله ﷾ ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا. قال إسحاق: كما قال. وإنما معنى: أن لا يكثروا يقول: أن لا يتخذوها عادة حَتَّى يعرفوا به اه\n- أبو بكر الخلال [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ١٨٤] أخبرني محمد بن موسى قال: سمعت عبدان الحذاء قال: سمعت عبد الرحمن المتطبب قال: سألت أحمد بن حنبل قلت: ما تقول في أهل القصائد قال: بدعة لا يجالسون. وقال [١٨٩] أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله: ما ترى في التغبير أنه يرقق القلب؟ فقال: بدعة.\n- قال ابن قدامة [المغني ٣/ ٤٠٠] \" قال أحمد: ولا يقول خلف الجنازة: سلم رحمك الله فإنه بدعة\".\n- قال البرذعي في سؤالاته لأبي زرعة [٢/ ٥٦١]: شهدت أبا زرعة سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه فقال للسائل: إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغني عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة! قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم فأتونا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق البلخي! ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع! اه\n- الترمذي تحت الحديث [٨٠] قال: \" والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار \". فسمى الترك عملا. وهذا في جامعه كثير.","vol":"1","page":191},{"text":"- وقال ابن حبان [٢/ ٢٧٣] \" ذكر الزجر عن أذى الجيران إذ تركه من فعال المؤمنين \".\nوقد ذكر في مقدمة التقاسيم أنواعا من أفعال النبي ﷺ وجعل منها تروكه.\nكلمات أهل العلم أكثر من أن تحصى، هذا طرف منها يغني المنصف الأواب عن التكاثر.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>الجزء الثاني\nفي فقه معالم الآثار</span>\nتلقى فقهاء الصحابة من النبي ﷺ الدين كله الشريعة والمنهاج. ويدخل في المنهاج منهجية الفتوى والاستنباط ومنهجية السؤال وأصول البدعة وقواعد الدين .. وكيفية استعمال ذلك بالفعل والقول والتقرير.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>فصل في بيان معنى البدعة</span>\nجملة الأبواب المتقدمة مع ما كان في الحُكم أو\"تحقيق المناط\" - وممارستهم بيان - تثمر العلم بأن \"البدعة\" عندهم ما أضيف إلى المطلوب شرعا وليس منه، وأن ضابط كونه منه هو العمل العتيق. وهذا تعريف يجمع كل المحدثات في الاعتقاد والقربات والعادات. ففي الاعتقاد هو ما توهم صاحبه طلب الشرع اعتقاده. وفي القربات ما زعم أن الشرع طلب السلوك عليه. وفي العادات ما ظُنَّ أنه من المكارم أو من الحلال الطيب وليس هو في الدين كذلك.\nوالتعبد والتدين عندهم هو الامتثال لأمر الرب تعالى، أي أن يعمل العبد العمل على أن الله أذن فيه كذلك. فإذا صلى أو ذكر ربه .. فهو عند نفسه مطيع ممتثل فهذا تعبد، كذلك إذا أخذ بمباح وفي نفسه أنه في دين الله مباح فهو امتثال وتعبد لأنه تقيد بالمباح في موضعه المأذون. وسيأتي في فصل العادات من بيان وجه ذلك ما يشفي إن شاء الله تعالى.\nوالذي يتعجل النظر فيه ابتداء هو القربات ووسائلها التي كثر فيها الخلاف إلا ممن عصم الرحمن بمنه، ثم أمور العادات تباعا.\n- فرق: كانت العرب تستعمل لفظ البدعة في \"الدين\" إذ كان لها دين وعبادات واستحسان فيها، وتفرق بين البدعة والمعصية .. وكانت تستعمله في المذموم والمحمود، إذا أطلقت اللفظ إطلاقا انصرف للذم، فتستغني بالوصف عن ذكر الحكم، فتقول: \"هذا بدعة \" تُحذر من حدث مزخرَف غَرور في عباداتها أو عاداتها، فيدل اللفظ على الوصف والحكم. وإذا أرادوا مدحا قيدوه بما يدل على الاستحسان في السياق، فيدل لفظ البدعة على مجرد الوصف (الحدوث) من غير تناول للحكم. ثم استعمله الشرع في المذموم فقط في كل ما نسب إلى الدين وليس عليه أمرنا. لذلك واظب النبي ﷺ على الإطلاق في مساق الذم.\nفبين الاستعمالين عموم وخصوص، والفرق بينهما أن علة الذم عند العرب ليست مطلق الابتداع ولكن المخالفة لما عليه جماعتهم. وعلة الذم شرعا هي مطلق الابتداع الذي يلزم منه المخالفة، لأن الشرع اكتمل ولم يُحوج الناس إلى نظر في وجوه تدينهم، فمن زاد بدعة فقد انتقص سنة .. والمعنى الشرعي هو في ملاحظة","vol":"1","page":195},{"text":"العمل خاصة دون المعنى اللغوي الذي كان في الجاهلية.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>فصل في بيان معنى قول النبي: \"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد\" وهو أن القربات توقيف</span>\nوهذا معنى محكم الثبوت، تواتر في الآثار السابقة في مجموع الأبواب وإن كان خبر واحد. ولو تأملت عامة الأبواب وباب الترك علمت ذلك، لأن كل ما تركوه أو أنكروه محتجين بالترك يدل على أن الأصل التوقف ليس الإذن.\nقال الله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) [الشورى ١٩] أي ينبغي أن يتوقفوا في أمر الدين حتى يعلموا إذن الله. إذ لم يقل: ما خالف دين الله أو ما نهى عنه الله. لكن النهي عن العمل قبل الإذن. فلا يتخذ العمل دينا حتى يأذن الله.\nوقال الله في قواعد المحرمات المقدمة في التنزيل (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [الأعراف ٣٢] كذلك لا تعملوا ما لا تعلمون، إذ التعبد لله بعمل فرع عن نسبته إلى شرعه أنه محبوب إليه سبحانه. وقوله (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) يتناول القول عليه في صفاته، والقول عليه في شريعته التي هي تفاصيل محابه سبحانه. فكما الأصل التوقف هنا، الأصل التوقف هناك. والعلم الشرعي أبدا قبل القول والعمل (^١).\nوقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) [الإسراء ٣٦] لا تقف: لا تتبع ولا تقل، هما قولان صحيحان لأهل العلم. فيتناول القول في الدين والعملَ، كله منهي عنه إلا ببرهان من الله مبين. ولما ذكر الله تعالى هذه الآية في آيات أوصى العباد بها قال (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) فكان توقف العبد عما لا يدري من الحكمة ومن العلم كما قال ابن مسعود: \" فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم \" [خ ٤٤٩٦] لذلك كان قول \" لا أدري \" نصف العلم كما سيأتي إن شاء الله، ومن أخطأ هذا الأصل أخطأ الحكمة.\n_________\n(^١) - قال أبو خيثمة [العلم ١٣٨] حدثنا معاذ نا أشعث عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ: من الصدقة أن يعلم الرجل العلم فيعمل به ويعلمه. قال الأشعث: ألا ترى أنه بدأ بالعلم قبل العمل اه","vol":"1","page":196},{"text":"وقوله تعالى لنوح (فلا تسألني ما ليس لك به علم) [هود ٤٦] لا تدْعُ دعاء لا تعلم الإذن فيه. فقال نوح ﵊ (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) وهذا شأن المؤمن أبدا.\nوقال إبراهيم ﵊ (وأرنا مناسكنا) [البقرة ١٢٧] فسأل البيان وتوقف. ثم أمرنا الله أن نتبعه فقال سبحانه (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) أوردها سفاهة من العمل. فخلاف هذا المنهج سفه بين. فالآية تضمنت شريعة وهي مناسك الحج، ومنهجا وهو التوقف حتى يأتي الشرع.\nوقال الله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) [يونس ١٥] ونظائرها كثيرة تخبر أن شأن النبي اتباع الوحي لا التصرف من تلقاء نفسه.\nومنها قول الله تعالى (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) [الأحزب ٤٦] فما دعا ولا قام بالأمر إلا أن أذن الله له.\nوقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) [الحجرات ١] أمر للمؤمنين صريح بالتوقف عن كل عمل حتى يأتي الإذن ..\nوهذا كما أخبر الله عن ملائكته أنهم (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) [الأنبياء ٢٧ - ٢٨] فهذا شأن عباد الله الصالحين في السماء والأرض .. بل وفي الآخرة كما قال تعالى جَده (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) [النبأ ٣٨].\nوقال النبي ﷺ: \" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" [م ١٧١٨] فيُتوقف في العمل حتى يكون من أمرنا، لأن هذا تعليل للحكم العدمي بالوصف العدمي، فقوله: \"رد\" حكم بعدم القبول، تعلق بوصف عدمي وهو ألا يكون من أمرنا. فمن أراد إثبات عمل عليه أن يتوقف حتى يجده في أمرنا وهو السنة الأمر العتيق. ومثله حديث: \"كل بدعة ضلالة\" أي كل ما لم يكن من سنة النبي ﷺ ضلالة، وسبيل العمل","vol":"1","page":197},{"text":"بهذين الحديثين أن تقف حتى تجده في العمل الأول.\nوهذا هدي أصحاب رسول الله ﷺ، قال الصديق وزيد بن ثابت في جمع المصحف: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فتضمن كلامهم حكما فقهيا وهو حكم جمع المصحف، ومنهجا وهو التوقف عما لا يعلم طلبه شرعا إلا ببينة.\nومنها قول عمر: وافقت ربي في ثلاث فقلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [خ ٣٩٣] اه فتوقف قبل العمل حتى يستأذن ..\nكذلك قول عائشة في قضاء الصلاة بعد الطهر: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه ولو كان الأصل في القربات الإذن لما توقفن عن قضاء الصلاة حتى يأتي الأمر، بل لصمن حتى يأتي النهي .. وإنما كان هذا النظر من الحرورية يفتون نساءهم بقضاء الصلاة كأنهم رأوا أن الأصل في العبادات الإذن، وهو من سنن أهل الكتاب كما قالوا لهارون وجادلهم في ما أحدثوا من عبادة العجل (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) [طه ٩١] فكأنهم قالوا: لا نزال على ما أحدثنا حتى يأتينا النهي عنه مسندا. فمن خرج عن أصول الصحابة وقع في أصول المبتدعة السفهاء الأحلام الحدثاء الأسنان في الدين والعلم. صان الله أهل الخير من ذلك.\nوهذا معنى سائر في كل ما أنكره الأولون من الأعمال، إذ لو كان الأصل الإذن لما كان لإنكارهم معنى ولكانوا أولى بأن يُنكِرَ عليهم المنكَرُ عليه، ولما كان للفظ \" البدعة \" إذًا معنى. وهو معنى متفق عليه من حيث الجملة، معلوم عند أهل العلم بالضرورة (^١)، بل هو فطرة، اتفق العقلاء على أن كل علم لا يخوض فيه جاهل حتى\n_________\n(^١) - ولا تلتفت إلى ما كان من بعض أهل ناحيتنا، استنكر لهذا الأصل وراح يشبه بالمحتملات! وقد قال ابن أبي حاتم [التفسير ١٧٤٥١] حدثنا أبي ثنا أحمد بن أبي الحواري ثنا عباس الهمذاني حدثنا أبو أحمد من أهل عكا في قول الله ﷿ (لنهدينهم سبلنا) إلى قوله (وإن الله لمع المحسنين) قال: \"الذين يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا يعلمون\". قال أحمد بن أبي الحواري فحدثت به أبا سليمان الداراني فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حين وافق ما في نفسه اه وقد حكاه ابن كثير تحت الآية. والقوم ينتحلون أبا سليمان الداراني.","vol":"1","page":198},{"text":"يتعلم حدوده من مظانها، وإنما الخلاف في تعيين الدليل القاضي بالإذن الناقل عن الأصل، وقد عرفناه، وسيأتي بسطه.\nوالذي يهمنا هنا فائدتان على طريقة الأصوليين: أولاهما أن المتمسك به ليس متبعا للمتشابه، فحيث تعارضت الأدلة ظاهرا واشتبه حُكمُ المسألة المتنازع فيها على من طلب صحة التقرب إلى الله، كان البقاء على الأصل هو الأسلم والأحكم. لأن تحريم البدع أصل محكم، فالمخلص يتبع الواضح، والخروج من الخلاف مستحب. وفي العمل العتيق سعة.\nثانيهما أن من أثبت شرعية عبادة فزعم أنها مطلوبة للشرع طولب بالدليل. فالأصل هنا مع النافي القائل بالتوقف.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>فصل في بيان أن المطلق في صفات القربات متشابه</span>\nوالقصد دلالته على الكيف ونحوه لا الأشخاص لأن في النص نظرين: عموم في الأشخاص، وهذا محكم. وشبهة إطلاق في الأحوال أو الصفات. وإنما أشبه المطلق في الصيغة، لكن دورانه - قبل البيان بالعمل - بين حقيقة شرعية وأخرى لغوية جعله محتاجا إلى البيان.\nمثاله قول الله ﷻ (خذ من أموالهم صدقة) [التوبة ١٠٤] ففي الآية عموم بالإضافة في الأموال وعموم بالضمير المتصل في الأعيان، وهذان محكمان. فحين يمثل الأصوليون بالآية للمجمل ففي لفظ \" صدقة \" الذي صيغته مطلقة، لكن دلالته الشرعية على الكيف مجملة بَيَّنَها العمل.\nكذلك قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت) [آل عمران ٩٧] فالمصدر المشتق \"حج\" مطلق. وقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) [المزمل ١٨] الفعل مطلق. وآية الوضوء [المائدة ٦] أطلقت مسح الرِّجلين في قراءة الجر فكان مجملا بينته السنة بالمسح على الخفين لا القدمين مكشوفتين. وهكذا النماذج التي ذكروا للمجمل صيغها صيغ المطلق، لكن أريدَ بذلك وصف مقيد، والمطلق مع إرادة الخصوص من المتشابه الذي لا يحتج به إلا تبعا. فهذا يثمر ألا احتجاج بالمطلقات في صفة","vol":"1","page":199},{"text":"التعبد للإجمال، وهذا النظر هو على طريقة الأصوليين أنفسهم (^١).\nوثَم وجه آخر نحوه، أن نقول في الظاهر الذي صيغته صيغة المطلق إما ظاهر يحتمل التأويل أي يحتمل حقيقتين شرعية ولغوية، أو ظاهر يحتمل التقييد بمعنى أنه مطلق.\nفإن قلنا بالأول - وهو المتعين - لم يكن مطلقا لما تقدم أنه يحمل على الحقيقة الشرعية المبيَّنة بالعمل.\nوإن قلنا بالثاني - تنزلا - لم يدل على استحسان عمل لم يكن عند الصحابة، وذلك من وجوه:\n- الأول: أنه معارَض بدليل خاص أو مقيد وهو الترك، فيتعين تقييده به، أو الاستدلال به على أن المتروك غير داخل في عموم اللفظ أو إطلاقه.\n- الثاني: أن هذه الصورة المتنازع فيها لو تناولها اللفظ لكان الصحابة مع النبي ﷺ وبعده أولى الناس بالعلم والعمل بها. فتركهم لذلك الاستدلال موجب للاحتمال على أقل تقدير، وما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال. إذ كل معنى حادث لم يفهموه فدليله متشابه، لأن المحكم - وهو واضح المعنى - واضح عندهم بالأَولى. وكل صاحب بدعة سيجد لدعواه متمسَّكا، وما هو إلا شبهة عموم أو إطلاق. فتعين أن العموم أو الإطلاق الذي لم يعملوا به غير مراد وأنه متشابه.\n- الثالث: أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة في غيره (^٢) فليس هو الظاهر الذي يحتج به بعد التقييد أو التخصيص على لسان الأصوليين.\nوالمتشابه - على تقريب طريقتهم - نوعان: متشابه لذاته أي محتمل في لفظه كالقروء، وهذا ونحوه وإن مثلوا به للمجمل ليس كما قالوا لأن اللفظ لا يدل بمفرده ولكن سياقه بيان لمعناه، وإنما الشأن في الثاني، وهو:\n_________\n(^١) - اللفظ المحتمل حقيقة شرعية وأخرى لغوية عند من يُعمِل هذا التقسيم مجمل من وجه ظاهر من وجه آخر، فقبل بيانه بالعمل مجمل للجهل بالكيف المقصود، وبعد بيان الحقيقة الشرعية هو ظاهر فيها، مثل لفظ الصلاة. ثم هو بعدُ ليس عاما ولا مطلقا في الكيف لا قبل البيان ولا بعده، بل هو مقيد أو خاص بالوجه الذي جرى عليه العمل.\n(^٢) - الموافقات المسألة الثانية عشرة من أحكام الأدلة على الجملة.","vol":"1","page":200},{"text":"المتشابه لغيره وهو ما ظُن أنه محكم كبعض العمومات أو الإطلاقات التي يراد منها الخصوص، أي تُتَأول على غير المراد الذي بُيِّن للراسخين في العلم من الصحابة، كقول الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة ٤٤] فظاهره - على طريقة الأصوليين المتكلمين - يعم كل من لم يحكم بما أنزل الله ولو خطأ .. لذلك ظنت الخوارج أنه دليل محكم في ما تأولت، لكن لما رد إلى المحكمات علم أنه متشابه. كذلك استدلالهم على تكفير صاحب الكبيرة بمثل قول الله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) [الجن ٢٣] وقول الله تعالى (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) [المائدة ١٤] فالفعل \"يعص\" مطلق بادي الرأي لكن تبين تشابهه بالمحكمات (^١). وله نظائر كقول النبي ﷺ: ليس من البر أن\n_________\n(^١) - قال ابن العربي المعافري: وآيات الوعيد وأخباره كثيرة وهي بإجماع من الأمة من المتشابه الذي نبأنا الله عنه في قوله: (وأخر متشابهات) الذي لا يتبعه إلا زائغ القلب اه [القبس ص ٨٩٧] هذه حكاية إجماع على أن كل نصوص الوعيد متشابهة وإن كانت صيغها صيغة الظاهر، والقصد تشابهها في الأعيان، أي ليست عامة في كل من وقع في ذلك العمل، ثم هي محكمة من جهة دلالتها على أن العمل المتوعد عليه كفر، لذلك قال من قال من السلف أنها محكمة أي من هذا الوجه. قال ابن المنذر [التفسير ٢٢٨] حدثنا زكريا قال حدثنا الحسين بن عيسى البسطامي قال حدثنا محمد بن حرب قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثني عطاء بن دينار الهذلي عن سعيد بن جبير (وأخر متشابهات) أما المتشابهات فهي آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرءوهن، ومن أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى بهذه الكلمة، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى. وما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله ﷿ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ثم يقرؤون معها (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، فمن كفر عدل به، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه، فهؤلاء الأئمة مشركون ومن أطاعهم، فيخرجون فيفعلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية، وفتحت لهم هذه الآية بابا كبيرا، وقولهم فيه لغير الحق ومن قولهم أنهم يقرؤون (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فيجعلونها في المسلمين واحدة، وإنما أنزله الله ﷿ في الناس جميعا، المشرك يعلم أن الله حق، وأنه خلق السماوات والأرض، ثم يشرك به، وآي على نحو ذلك، لو شعر كثر فيه القول، وتتأول السبائية إذ يقولون فيه بغير الحق إنما يقولون قول الله ﷿ (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) فيجعلونها فيمن يخاصمهم من أمة محمد ﷺ في بعث الموتى قبل يوم القيامة اه ابن لهيعة فقيه، وقلما يهم الفقيه في المتن وهو الغرض هنا لا السند.","vol":"1","page":201},{"text":"تصوموا في السفر اه [م ٢٦٦٨] عام مراد به خصوص السفر الشاق وهو سبب الورود لما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يصومون في السفر .. فمن عمم هذا النوع من الصيغ التي ما ظهر له منها غير مراد كان واهلا .. وإنما سبب الاشتباه هنا قلة العلم والغفلة عن القرائن التي صاحبت الكلام، فمن شهد بيان النبي ﷺ كان ظاهر الكلام معلوما كأن يشير بيده إلى الرجل ويقول: ليس من البر الصيام في السفر، فيفهم كل من شهد أن المعنى الظاهر المتبادر للذهن هو الصوم مع المشقة. بخلاف من بلغه الكلام وليس له معرفة بالمعهود وقرائن الكلام ظن الظاهر أشمل من ذلك لنظره في اشتقاق اللفظ وعمومه القياسي، والعموم إنما يحمل على المعهود لا القياس العقلي .. فالاشتباه هنا إنما يكون عند قلة العلم (^١).\nكذلك المحكم نوعان:\nمحكم لذاته وهو المحكم الأصلي الذي ظاهره هو المراد، الذي لا تتغير دلالته مع جمع النصوص، وهو أم الكتاب أي معظمه (^٢).\nومحكم بغيره وهو المتشابه الذي أحكمت دلالته برده إلى المحكمات، قال تعالى (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) [هود ١] فكل آياته قد أحكمت حتى المتشابهات إذا ردت إلى المحكمات الأصلية ففسرت بها، وقال سبحانه (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) [الزمر ٢٣] فهو متشابه المعاني يشبه بعضه بعضا، فمن كان مفسرا المتشابه منه تعين عليه حمله على المعنى الذي يشبه المحكمات من الكتاب والسنة. بهذا المعنى يكون القرآن كله محكما، لذلك وجب جمع النصوص عند الاستدلال مع الآثار.\n_________\n(^١) - إذا تبين هذا عرفنا وجه تسمية العلماء المحكمات متشابهة في سياق ردهم على المبطلين، كقولهم في قول الله تعالى (ليس كمثله شيء) أنه متشابه وهو عندهم محكم، وتسمية ثلث القرآن (قل هو الله أحد) متشابهة لاحتجاج الجهمية به على النفي المطلق، وما هو إلا لحمله على غير تأويله .. وعرفنا أن من المتشابهات والاحتمالات ما يظهر إذا تكلم في الدين من لا يعلم .. [إعلام الموقعين ٢/ ٢٩٤]\n(^٢) - الموافقات مباحث الإحكام والتشابه من عوارض الأدلة. وقبله الإكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية رحمة الله عليهم.","vol":"1","page":202},{"text":"فمن استخرج من حرف عام من القرآن أو السنة صفة للتعبد كان متبعا للمتشابه غير واصل ما أمر الله به أن يوصل، وإن كان الحرف صيغته ظاهرة ابتداء، لأن المحكم في صفات التعبد هو العمل.\nوإنما كان المطلق متشابها لقلة علم من احتج به، وتنزيله في غير ما نزل له، وإلا فهو عند الأكابر محكم معلومة مظان تنزيله.\nقال ربنا ﵎ (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل ٤٤] فما كان بيانه بالقول بَيَّنَهُ به ﷺ، وما بيانه بالفعل بينه به. والقربات إنما يكون بيان صفتها بالعمل لا بالوصف الكلامي، والأمر بها في القرآن يدل على الوجوب والعموم في كل شخص، وهذا لا يستفاد من العمل، ولكل وظيفته، فلما كان الفعل أبين من جهة الكيف بين النبي ﷺ تفاصيله بالعمل، ولما لم يكن الفعل يدل على الوجوب ولا يخبر عن الثواب ولا يدل على العموم جاء البيان بالقول الذي هذه وظيفته، فمن طلب الكيف التمسه في السنة التي تبينه وهي العمل، ومن أراد معرفة الحكم وثوابه وعمومه فمن الأوامر والأخبار. ومن لم يعرف هذا الفقه - وهو على طريقة أهل الأثر الأوائل - قلب المنهاج، وسيأتي لهذا ذكر إن شاء الله.\nفمن حيثما توجه النظر لم يكن في المطلق دليل على استحسان بدعة. ولو تأملت ما أنكروه مما يجري على رسم البدعة الحسنة عند من أثبتها وجدت السلف لا يلتفتون إلى العموم، ولو كان عندهم في إثبات قربة معتبرا لما عجزوا عن الاستدلال، وهم الذين نقلوا الدين ..\nفرق: حيث قلت إن القول مجمل فالمعنى الأمر - ومثله النهي - الذي له عموم وإطلاق بالوضع، بخلاف القول الذي هو عمل مثل أذكار النبي ﷺ فإنها أفعال (^١)، لذلك لم يكن لها عموم ولا مفهوم. وقد قال تعالى (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا) [النساء ١٠٧] فسمى القول عملا. وقال ﷻ (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم) [النحل ٣٥] كذلك فعل: كذلك قال\n_________\n(^١) - الموافقات كتاب الأدلة المسألة السادسة من مباحث السنة.","vol":"1","page":203},{"text":"الذين من قبلهم مثل قولهم. وقال سبحانه (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) [يونس ١٠٦] فإن فعلت إن دعوت غير الله. وقال جل في علاه (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) [الأعراف ١٨٠] والإلحاد مطلق يتناول القول والعمل.\nوقال النبي ﷺ: \" لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل \". [خ ٥٠٢٦] عملت مثله أي قمت أتلوه مثله. وفي الصحيح [خ ١١٤٤] عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ علمهم التشهد فقال: \"قولوا التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح، في السماء والأرض\". فعلتم ذلك قلتم ذلك. وقال رسول الله ﷺ: \"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه\" [خ ٦٠٤٠] فسمى القول عملا.\nويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه اه [عبد الرزاق ١٩٧٩٥ وغيره] ويروى عن أبي هريرة نحوه [جامع ابن وهب ٣٧٤] وكان مالك يسمي فتاوى أهل المدينة عملا. وهذا شائع جدا.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>فصل في بيان الفرق بين الحديث والسنة</span>\nالسنة في لسان العرب الذي به نزل القرآن وبه تكلم رسول الله ﷺ الطريقة المتبعة المعمول بها بعد من سنها، إنما يسمى الخطاب سنة إذا عُمل به، فإذا عُمل به كان سنة (^١)، كما قال رسول الله ﷺ: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده. الحديث. كذلك سنة رسول الله هي طريقته وطريقة أصحابه بعده.\n_________\n(^١) - قال الأزهري: قال شمر: السُنّة في الأصل سُنّة الطريق. وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم. وسَنَّ فلان طريقا من الخير يَسُنّه: إذا ابتدأ أمرًا من البرّ لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه اه تهذيب اللغة مادة س ن. قال لبيد بن ربيعة الشاعر: من معشر سنت لهم آباؤهم، ولكل قوم سنة وإمامها. وقال حسان بن ثابت: إن الذوائب من فهر وإخوتهم، قد بينوا سنة للناس تتبع. وقال ابن رجب: والسنة هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض اه جامع العلوم والحكم [ص ٢٦٣]","vol":"1","page":204},{"text":"والحديث أعم منها فقد يكون منسوخا، أو معلولا، أو متشابها كأن يكون مرادا به الخصوص بيَّنَه النبي ﷺ بقرينة الإشارة التي من رآها عرف المراد، أو يكون مقصودا به غير ما قد يُفهم منه مثل قول عائشة في التحصيب: نزول المُحَصَّب ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه أو يكون خاصا برسول الله ﷺ أو خاصا بزمانه كملازمة السؤال عن الرؤيا كل صباح أو ما يكون فيه وصف لخَلْقه .. ونحو ذلك.\nومن سوى بين الحديث والسنة فمن هذه الجهة أي وجد الحديث أو ما فَهِمَ منه معمولا به مقصودا للتشريع. وفي هذا المعنى ألَّف أبو عيسى الترمذي جامعه، يروي الحديث وينبه على العمل، كما بين في كتاب العلل.\nوقال الجوهري [مسند الموطأ ١/ ١١] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا أبو قدامة قال قالَ عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث اه (^١) ففرق بينهما.\nوروى ابن وضاح في البدع [٢٤٤] بسند صحيح عن دراج أبي السمح قال: يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى تعقد شحما، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا، يلتمس من يفتيه بسنة قد عُمل بها فلا يجد من يفتيه إلا بالظن اه\n_________\n(^١) - الذهلي هو أبو طاهر القاضي. وجعفر هو الفريابي. وأبو قدامة هو السرخسي. صحيح. وقال عبد الرحمن بن مهدي [الجرح والتعديل ٢/ ١٩] سفيان الثوري إمام في السنة إمام في الحديث. وشعبة بن الحجاج إمام في الحديث وليس بإمام في السنة.","vol":"1","page":205},{"text":"ومنه ما تقدم عن سليمان الأحول قال: ذكرت لطاووس صوم عرفة أنه يعدل بصوم سنتين. فقال: أين كان أبو بكر وعمر عن ذلك؟ اه وله نظائر كثر (^١).\nوكل من أجاز ترك الحديث الصحيح السند لما ثبت عنده من الإجماع (^٢) فحاصل فعله التفريق بين الحديث والسنة.\nفالصحابة رووا لنا الحديث وعملوا بالسنة المقصودة منه. فإذا ظهر معنى في حديث لم يعمل به أحد من الصحابة زمان الخلافة - التي كانت على منهاج النبوة - لا في الحرمين ولا في الشام ولا في العراق .. فذلك المعنى ليس سنة، ومن عول على فهمه للحديث أخطأ وصيةَ النبي ﷺ قوله: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ اه فسوى بين سنته وسنة الخلفاء من بعده في قوله \"عليها \"ولم يقل عليهما إذ هما شيء واحد، وذلك ليُضبط قصدُ النبي ﷺ من حديثه، ويُعلم المحكم من أمره.\nفإن قيل هذا يعارض بادي الرأي ما علم أن السنة حَكَمٌ على كل أحد، وألا كلام لأحد بعد النبي ﷺ، وقد كان الأكابر يتركون اجتهادهم للحديث، وكان الصحابي ربما يعزب عنه الشيء بعد الشيء من سنة النبي ﷺ، أو ينسى شيئا مما كان علمه .. وقد كانوا يَرُد بعضهم على بعض، ويصير إلى ما عنده من العلم عن النبي ﷺ ويترك قول غيره من الصحابة ..\nوالجواب أن هذا كله ليس مما نحن فيه، وإنما القصد أن عمل الصحابة زمان الخلافة من حيث الجملة بيان لوجوه السنن، إذ قد عملوا بكل ما أمروا، ثم أمرنا أن\n_________\n(^١) - روى عبد الله بن أحمد في السنة [٧٦٦] حدثني أبي نا عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمل بها مهتديا بها هدي ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى اه\n(^٢) - كما قال أصحاب الشافعي وغيرهم في ما روى محمد بن إسحاق بن يسار بسنده مرفوعا: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا، يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به اه [د ٢٠٠١] فتركوا الحديث الصحيح عندهم لعدم العلم بمن قال به، ولم يعلموا ناسخه، ولم يثبت الإجماع فيه على شرطهم. [المجموع شرح المهذب ٨/ ٢٣٤]","vol":"1","page":206},{"text":"نتبعهم، وألا نحدث في الدين ما ليس يعرفونه عن النبي ﷺ باستنباط يستنبطه أحدنا .. وإذا اختلفوا في شيء نظرنا أشبههم بسنة رسول الله، ثم لا نخرج بعد عن خلافهم، إذ كل بدعة ضلالة. وإن جوزنا الخطأ على أحدهم امتنع على جماعتهم. فإذا تركتَ قولَ واحد منهم لما ثبت عندك من الحديث فلستَ هناك حتى تأتي بقولِ صاحبٍ غيرِه يشهد لفهمك كَيْمَا تصيب السنة، وليس يوجد للنبي سنة مقصودة للتشريع لم يعمل بها أحد منهم (^١).\nكذلك كان التابعون الذين ربما ظُنَّ بهم خلاف هذا، إنما يترك أحدهم فتوى الصحابي إلى فتوى غيره إذا استبانت لأحدهم الحجة من أمر رسول الله ﷺ، كما روى الحميدي في المسند [٢٢٣] حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب. قال سالم بن عبد الله وقالت عائشة: طيبت رسول الله ﷺ لحرمه قبل أن يحرم، ولحله بعد ما رمى الجمرة وقبل أن يزور. قال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. [صحيح] أي لما رأى عائشة تفتي به، وهو مشهور عنها [خ ٢٦٢/ م ٢٨٩٩]. وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله، ولا يجتمعون بعده على ترك سنة.\nومثله ما روى البيهقي [١٦٧١٩] من طريق جعفر بن عون أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر ﵁ في الأصابع في الإبهام بثلاثة عشر وفي التي تليها باثني عشر وفي الوسطى بعشرة وفي التي تليها بتسع وفي الخنصر بست، حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من رسول الله ﷺ، وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر. قال سعيد: فصارت الأصابع إلى عشر عشر اه\nهذا خبر استدل به من توهم أن التابعين تركوا قضاء عمر لما ثبت في الخبر، وقال لو أن عمر اطلع على ما وصل إلينا لقال به، وسوغ ناسٌ بعده أن يُحتج بالحديث دون\n_________\n(^١) - قال الشافعي [الرسالة ١٣٠٧]: قال فهل تجد لرسول الله سنة ثابتة من جهة الاتصال خالفها الناس كلهم؟ قلت: لا ولكن قد أجد الناس مختلفين فيها منهم من يقول بها ومنهم من يقول بخلافها. فأما سنة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط اه","vol":"1","page":207},{"text":"فقه العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ ..\nوليس كما تأول ﵀ بل هو مختصر، فقد رواه عبد الرزاق [١٧٦٩٨] عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر جعل في الإبهام خمس عشرة وفي السبابة عشرا وفي الوسطى عشرا وفي البنصر تسعا وفي الخنصر ستا حتى وجدنا كتابا عند آل حزم عن رسول الله ﷺ أن الأصابع كلها سواء، فأخذ به. وروى عبد الرزاق [١٧٧٠٦] عن معمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري عن ابن المسيب قال قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء ثم أخبر بكتاب كتبه النبي ﷺ لآل حزم في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل فأخذ به وترك أمره الأول اه وهذا القضاء محفوظ عن الفقهاء عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس، وكان يرويه عن النبي ﷺ أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس وهي أخبار مشهورة.\nنعم قول رسول الله أصل في نفسه مستغن عن شهادة من دونه، لا يوهنه قولٌ خالفه، ولا يقويه رأي وافقه وهو الحجة على العالمين بأبي هو وأمي ﷺ، لكن ليست هذه نكتة الباب، إنما الشأن فينا، إذا بلغنا الحديث عن رسول الله ﷺ توقفنا عن العمل به حتى ينظر في الإسناد وشواهده، ثم إلى تحكيم لسان العرب، وجمع قرائن الأحوال، ومعرفة المتقدم من أمره والآخر .. فكما لا يسمى هذا تأخيرا لاستعمال الحديث وتحكيما لكلام البشر في الوحي، كذلك سؤال العلماء أصحاب النبي هو لمعرفة حاصل سنته ومراده من حديثه ﷺ.\nومعاذ الله أن نعمد إلى شيء من أمر رسول الله ﷺ فنرده، إنا إذًا لفي ضلال مبين. ولكنا نتحرى العمل بما أراد وأن نصل ما أمر الله به أن يوصل. وإن الذي يراه استغنى بنفسه في فهم الحديث المروي لواقع في الافتراء، إذ ينسب إلى النبي ﷺ أنه أراد كذا .. وإنما يعرف قصده بسؤال أهل العلم الذين علمهم الله ورسوله ﷺ. فنستدل بآثارهم على قصد الشرع، ونبحث في عملهم عن السنة، ونحفظ وصية الله ورسوله ﷺ بعون من لدنه سبحانه.\nوليس معنى هذا أن نتخذ رجلا منهم مصمدا للاتباع، لا نصدر إلا عنه، ذاك","vol":"1","page":208},{"text":"رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي. ولكن أن لا نخرج عن جماعتهم فإنهم لم يجمعوا على ضلالة. وكيف يُظَن ذلك وقد كان لمن كان منه أفراد خالف فيها السنة متأولا، كما أتم عثمان في منى، ورخصت عائشة لغلمانها المحرمين في لبس التبان، وأفتى ابن عباس بمتعة النساء، ولم يرخص عمر وعبد الله في تيمم الجنب .. إلى ما هو مشهور عند الناس. فالقصد النظر في مجموع العمل .. وإنما رُدَّ على من تفرد منهم بقول من وافق السنة منهم.\nوكم من محدثات في الفتيا دخلت في الدين، ونسبت إلى السنة، وإنما أُتي من جاء بها من استقلاله بالنظر في الحديث دون التفقه على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ..\nقال الفسوي [المعرفة ١/ ٤٨٠] حدثنا أبو النعمان قال ثنا حماد عن خالد قال: إنا لنرى أن الناسخ من قول رسول الله ﷺ ما كان عليه أبو بكر وعمر اه صحيح.\nوقال [المعرفة ١/ ٤٨٠] حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: إذا بلغك اختلاف عن النبي ﷺ، فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر ﵄ فشد يدك به فإنه الحق وهو السنة اه صحيح.\nفما عليه فقهاء الصحابة هو مراد النبي ﷺ من الحديث الذي رووا ولم يعملوا بما ظهر للمتأخر منه. وهذا ملحظ من نظر في العمل مع الحديث فرجح ما عليه العمل لأنه السنة.\nقال ابن سعد [٧٩٤٠] أخبرنا مطرف بن عبد الله اليساري عن مالك بن أنس قال: كان محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم على القضاء بالمدينة، فكان إذا قضى القضاء مخالفا للحديث ورجع إلى منزله قال له أخوه عبد الله بن أبي بكر وكان رجلا صالحا: أي أُخَيَّ قضيت اليوم في كذا وكذا بكذا وكذا. فيقول له محمد: نعم أي أخي. فيقول له: عبد الله: فأين أنت أي أخي عن الحديث أن تقضي به؟ فيقول له محمد: أيهات فأين العمل؟ يعني ما اجتُمع عليه من العمل بالمدينة، والعمل المجتمع عليه عندهم أقوى من الحديث اه إسناد حسن.\nوقال أبو خيثمة [العلم ٩٧] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن أيوب","vol":"1","page":209},{"text":"قال: قال رجل لمطرف: أفضل من القرآن تريدون؟ قال: لا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا اه فكذلك كل معنى ليس في عمل النبي ﷺ وأصحابه ليس مقصودا من آية أو حديث، هم كانوا أعلم بكتاب الله تعالى ومراد رسوله ﷺ.\nومن هذا ما روى أحمد بن حنبل [٢٢٧٧] حدثنا عفان حدثنا وَهيب حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة قال قالَ عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا ابن عباس؟ قال: ما ذاك يا عرية؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج وقد نهى أبو بكر وعمر. فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله ﷺ فقال عروة: هما كانا أتبع لرسول الله ﷺ وأعلم به منك اه سند صحيح.\nكذلك كل تصرفاتهم المذكورة في باب ما أنكروه من التعبد شاهدة هنا لأن الاستدلال بالعمومات فيه سهل لو كان سنة. فدل على أنه ليس حجة عندهم في ما لم يقع عليه العمل، وهو حاصل ما نحن فيه. والقربات - وهي أهم مباحث هذا السِفر - لا تؤخذ بالاجتهاد وإنما بالاتباع، فما عملوا علمنا أنه سنة، وما لم يعملوا مطلقا لا جميعهم ولا بعضهم علمنا أنه فهمٌ منا خطأ. وراوي الحديث أدرى بما روى.\nوقد قال النبي ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه [م ١٧١٨] قوله أمرنا أي عملنا كما كان مالك بن أنس يقول \" الأمر عندنا \" يريد عمل أهل المدينة. وليس هذا خاصا بأهل المدينة، وإن كان لهم فيه الحظ الأكبر (^١)، ولكن حيث كان عمل أصحاب النبي ﷺ، كما نبه الليث بن سعد في رسالته إلى مالك (^٢) عليهم رحمة الله تعالى.\n_________\n(^١) - فلربما ذُكر أن كذا عمل أهل المدينة وهو قول بعض المتأخرين منهم كما قال عبد العزيز الدراوردي: إذا قال مالك: على هذا أدركت أهل العلم ببلدنا أو الأمر المجتمع عليه عندنا فإنه يريد ربيعة وابن هرمز اه [جامع بيان العلم وفضله ١٢٦٧] ولربما كان العمل المتأخر فيهم مسبوقا بخلاف في المدينة قبله، كما قال مالك في الرجل يطَلق امرأته فتدخل في الدم من الحيضة الثالثة أن ليس له عليها رجعة، قال: وهو الأمر عندنا. وروى [١١٩٨] عن أبي بكر بن عبد الرحمن قوله: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا اه وإنما أخذوه عن زيد بن ثابت، وقد كان عمر قبل ذلك يفتي بالمدينة أنها تحل له ما لم تغتسل من حيضتها [ش ١٩٢٢٩]. وروى الفسوي [المعرفة ١/ ٤٨٦] عن مالك بن أنس قال: كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس عندنا بعد زيد عبد الله بن عمر اه\n(^٢) - رواها الفسوي في المعرفة [١/ ٤٠٩] وابن معين في التاريخ [٥٤١١] رواية الدوري.","vol":"1","page":210},{"text":"ولو تأملت القرآن لانفتح لك باب العلم بأن اتباع عمل العلماء أصحاب النبي ﷺ الذي يبين وجوه السنن واجب، وأنه وصية الله ورسوله (^١).\nفمنه قول الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [التوبة ١٠١] (اتبعوهم) مطلق في الاتباع عند الإجماع والخلاف والتشريع والمنهج … فما لم يثبت فيه خلاف بينهم لم يجز أن نختلف فيه، وما اختلفوا فيه نظرنا من يشهد له علمٌ عن رسول الله ﷺ .. وإنما اتباعهم في ما اختصوا به وهو الموقوفات لا في ما رووا عن النبي ﷺ، لأن اتباع الرواية اتباع للنبي ﷺ لا للناقل عنه، وإنما هو اتباع عملهم وفهمهم. وهم السابقون الذين سبقوا إلى كل خير ولم يُسبقوا، وهم الأولون في كل خير.\nوقد علمت أنهم كانوا يتأسون بالنبي ﷺ في كل الأمور حتى في منهج البيان، فكانوا يبينون بالفعل والترك كما كان النبي ﷺ يبين، فما فعله الصاحب فإنه من جنس الرواية، هذا هو الأصل، ولا يشكل عليه النادر الذي خالفه. ومن رصد سنة التعليم في زمان الخلفاء الراشدين قطع بأن العلم نقل بالموقوفات أكثر من المرفوع، فكانوا يُعَلمون الناس أمور دينهم لا يكاد أحدهم يرفع إلى النبي ﷺ إلا قليلا، كذلك كان الناس زمان أبي بكر وعمر حتى أصيب، فجعلت تظهر الرواية شيئا فشيئا حتى فشت زمان الفتنة واحتاج الناس إلى الإسناد .. فمن خلع يده من الموقوفات قَبْلُ فكأنما ردَّ تسعةَ أعشار العلم.\nومنه قول الله تعالى (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [الحشر ١٠] الإيمان القول والعمل، فهم الذين سبقوا إلى كل شُعَب الإيمان الظاهرة والباطنة. فيُستدل بدلالة الإشارة على اتباعهم في الظاهر والباطن.\nوأيضا سمى الله المهاجرين ومنهم الخلفاء الراشدون الصادقين [الحشر ٨] ثم أمرنا أن نكون معهم حيث كانوا فقال (يا أيها الذين آمنوا\n_________\n(^١) - إعلام الموقعين ٤/ ١٢٣.","vol":"1","page":211},{"text":"اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [التوبة ١٢٠]. كحديث العرباض سواء بسواء ..\nوقال سبحانه (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) [الجمعة ٣] منهم من جنسهم في مطلق القول والعمل، وهو إن شاء الله هديهم الذي ذكره قبل (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [الجمعة ٢] فبين أمر النبي ﷺ وما كان منه مع أصحابه أنه يعلمهم معاني الكتاب، إذ فرّق بين تلاوة آياته وتعليم الكتاب، ويزكيهم أي يربيهم كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه فعلمهم الكتاب والحكمة وهي السنة التي تحكم دلالات القرآن عملا، وتبين مراد الله تعالى. فالذين منهم الذين اتبعوهم في ذلك. وفي قوله (لما يلحقوا بهم) بشرى لمن اتبعهم أنه سيلحق بهم. فمن كان معهم فقد أصاب السنة الحكمة. جعلنا الله منهم في الدنيا والآخرة.\nومنه ما روى مسلم في الصحيح [١٨٨] عن ابن مسعود يرفعه إلى النبي ﷺ قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. الحديث. فهذا صريح في أن الصحابة يأخذون بكل سنته ﷺ، ويقتدون بكل أمره ﵃، لأن قوله \" بسنته\" \"بأمره \" مضاف، والمضاف من صيغ العموم، فيتناول كل سنة أرادها بأمره ﷺ.\nوروى الجوهري [مسند الموطأ ٧٨٣] بسنده عن إسماعيل بن أبي أويس قال: قال مالك: كان وهب بن كيسان يقعد إلينا ثم لا يقوم أبدا حتى يقول لنا: إنه لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله. قلت: يريد ماذا؟ قال: يريد التقى اه وأيم الله لا يثبت للعبد تقوى حتى يجتنب البدع المهلكات فيتقيها تقاة. ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يتخذ السابقين الأولين إماما، ففيهم نزل قول الله ﵎ ينوه بقولهم (واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان ٧٤].\nوقال رسول الله ﷺ: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. الحديث. فأبان أن العافية مضمونة للصحابة،","vol":"1","page":212},{"text":"فالمعافاة في اتباع السنة التي سلكوا.\nوإنما ضل الخوارج لأنهم ردوا هذا الأصل، فقد خرجوا على الصحابة في الفهم والاتباع، وقبلوا منهم الرواية! فتصرفوا من تلقاء أنفسهم دون الرجوع إلى العلماء لذلك صدق فيهم فراسة ابن مسعود وقال: إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سَلِمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج اه وقال لهم قبلُ: وَيْحَكُمْ يا أمة محمد! ما أسرع هلكَتَكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون اه أي هلا رجعتم إليهم فاتبعتموهم. فهذه أول بدعتهم أنهم خرجوا عليهم بالنظر في وجوه التدين، ثم خرجوا عليهم بالسيف.\nومن لم يرض بفهمهم بدعوى جواز الخطأ في الفهم لزمه رد ما رووا عن النبي ﷺ بالمعنى لأنه فهم الراوي. ومن ذلك أمور كانت من رسول الله ﷺ لم ينقلها العلماء الأمناء من أصحابه مثل ألفاظ اللعان في قصة العجلاني، لم يذكروا كيف لفظ النبي في أمرهما باللعان، ولا كيف لفظ تبايعه ونكاحه وإنكاحه وإيلائه .. ونحو ذلك، مما يدل على أنهم فهموا من رسول الله أنه لم يسن فيها شيئا مؤقتا، وهذا كله مما فهم الصحابي.\nوالرواية بالمعنى سنة العرب في لسانها، وبه نزل القرآن وجرى في حديث رسول الله ثم ورثه الراسخون في العلم من أصحابه، فلا غرو أن يرووا لنا بالمعنى الذي أُفهموا. وإذا اعتبرت ما قص الله علينا من أنباء الذين خلوا وجدت الشواهد تأتيك تترا، قال الله تعالى شأنه في قصة موسى (قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) الآية [طه ٢٠] وقال في سورة النمل (وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) الآية [١٠] فهي قصة واحدة بألفاظ مختلفة، وفي أخبار موسى نظائر. كذلك قوله سبحانه في خبر إبراهيم (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) الآية [هود ٦٩] وقال في سورة الذاريات (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) الآية [٢٦]. كذلك في سورة إبراهيم نحوها","vol":"1","page":213},{"text":"بسياق مختلف لفظه موتفق معناه .. وقال سبحانه في خبر آدم وعدوه (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) [الأعراف ٢١] وأخبر عن المعنى نفسه في سورة طه فقال (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) [١٢٠] والخبر واحد .. وهذا في القرآن كثير، لأنه لسان العرب (^١). فمن تأمله علم أن الرواية بالمعنى الذي فهموا كانت فيهم الأمر الكاثر، وأن ما ذهبوا إليه مع الحديث هو السنة، وهذا دين محفوظ. وبه تعلم أن تلك البدعة مآلها إلى رد الدين من أصله، وقاتل الله الحرورية، لم تزل بدعتهم في مضي مذ أحدثوها ..\nوأيضا فإن طائفة من البيان النبوي لم تنقل لتعذر نقله وهو قرائن الأحوال (^٢)، وهي من أصرح الأدلة في بيان المقصود، فإن للإشارة بالكف أو البصر أو لحن الصوت عند الكلام دلالةً وقوةً .. من شهدها ليس كمن سمع عنها، وليس الخبر كالمعاينة ..\nوقد استدل ناس لرد هذا المعنى بقول النبي ﷺ: فرب مبلَّغ أوعى من سامع [خ ١٦٥٤] وهو مما يزيده قوة، فرُبَّ في لسان العرب للتقليل، أي أحيانا يكون الذي يبلغه الخبر أفهم للمعنى من السامع، فيدل على أن الأصل في السامع أنه أفهم للكلام ممن بلغه. وهذه الكلمة قالها النبي ﷺ في حَجته التي جمعت آلاف الخلق، وكان منهم من لم ير النبي ﷺ إلا يومه، فربما سمع منه الكلمة فيضعها على غير مراده، فأرشدهم إلى التثبت بالأفقه .. فليس الحديث في فقهاء الصحابة، أنه قد يعزب عنهم معنى يدركه من بعدهم!!\nفأما من صحب النبي فالدلالة على القصد قريبة، ثم لما كان الموالي حدث لهم\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الرابعة من مباحث قصد الإفهام من كتاب المقاصد.\n(^٢) - قال الشاطبي: .. وأنهم شاهدوا من أسباب التكاليف وقرائن أحوالها ما لم يشاهد من بعدهم، ونقل قرائن الأحوال على ما هي عليه كالمتعذر، فلا بد من القول بأن فهمهم في الشريعة أتم وأحرى بالتقديم .. الخ. الموافقات، المسألة الحادية عشرة من مباحث البيان والإجمال من كتاب الأدلة.","vol":"1","page":214},{"text":"حاجة جديدة كمعرفة اللسان والتخلص من أوضار العجمة، وسؤال أهل العلم، ثم حدث شرط الإجماع المتقدم ألا يحدثوا قولا جديدا .. فازدادت مع الزمن شرائط معرفة السنة ..\nثم ترى كثيرا من الخلق يعترض بسؤال غير وارد: يقولون: هل فهمهم معصوم؟! وإنما السؤال اللازم: هل بين لهم الذي جاء بالبلاغ المبين وزكاهم؟\nفإنا نشهد لله أن نبيه قد بلغ وشفى، وترك أصحابه على البيضاء ليلها كنهارها، وأنهم تلقوا عنه وفهَّمهم الله ورسوله، وتعلموا الحكمة، وكانوا أحق بها وأهلها .. ثم علَّموا من كان بعدهم كيف يؤخذ الدين بعد نبيهم، كيف الرواية عنه، كيف يُقضى في النوازل، كيف يكون الرد إلى الله والرسول، كيف تضبط البدعة التي لا تكون إلا بعد موته ﷺ ..\nوأيضا أُمر الناس أن يسألوا أهل العلم، وقد تواترت الأخبار بالشهادة لفقهاء الصحابة كالخلفاء الراشدين بالعلم والفقه في الدين .. ولما جاء التابعون كان العلم يلتمس عند العلماء الراسخين وهم الصحابة (^١)، ولم يختلف الأمر بعد موتهم وإن تطاول الزمان، ونسي ناس حظا مما ذُكروا به .. والأقوال لا تموت بموت قائليها .. وإن من الكبر والاغترار أن يقال لأهل العلم أنتم رجال - في فهم الحديث - ونحن رجال!\nوالأصل أن ليس يوثق في علم أحد إلا بحجة لأن الله تعالى قال (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) [النحل ٧٨] الآية، فدل على أن الأصل في الناس الجهل، ولا يوصف أحد بالعلم إلا بدليل من الله ورسوله ﷺ، وإنما جاء البيان في أعيان علماء الصحابة، فمن شهدوا له بالعلم وإلا فهو على أصله الجهل .. كما قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة ١٤٣] وقال (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا\n_________\n(^١) - قال ابن سعد [٦٤٠٠] أخبرنا عفان بن مسلم وهشام أبو الوليد الطيالسي قالا أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق سمع مسروقا يقول: أتيت المدينة فسألت عن أصحاب محمد ﷺ فإذا زيد بن ثابت من الراسخين في العلم اه صحيح.","vol":"1","page":215},{"text":"عليكم وتكونوا شهداء على الناس) [الحج ٧٨] فمن لم يشهدوا له بالعلم فليس هناك، وإن استدل فإنما هو المتشابه، وشهادتهم أن يأتي الآخرون بشاهد من آثارهم.\nلذلك كان العلم عند الناس بعدُ هو ما كان عليه الأولون، كما روي عن سعيد بن جبير: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين. [جامع بيان العلم ٧٤٥] وقال ابن رشد [البيان والتحصيل ١٨/ ٥٢٣] قال مالك ﵀: العلم الذي هو العلم معرفة السنن، والأمر المعروف الماضي المعمول به اه وهذا يشبه ما رواه عن نافع عن ابن عمر قال: العلم ثلاثة: كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري اه رواه الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٠٦] فالسنة الماضية هي العمل العتيق الذي مضى في الناس قبل. وقال ابن عبد البر [جامع بيان العلم ٢/ ١٠٣] وروى عيسى بن دينار عن ابن القاسم قال: سئل مالك قيل له: لمن تجوز الفتوى؟ فقال: لا تجوز الفتوى إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه، قيل له: اختلاف أهل الرأي. قال: لا! اختلاف أصحاب محمد ﷺ وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن، ومن حديث الرسول ﵇ وكذا يفتي اه\nوروى أبو عمر [الجامع ٧٤٠] بسنده عن الأوزاعي قال: العلم ما جاء عن أصحاب محمد وما لم يجئ عن واحد منهم فليس بعلم اه وروى البيهقي [المدخل ١٧٤] عن عبد الله بن المبارك قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إنما العلم كله العلم بالآثار اه (^١) وقال ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل [١/ ٤] حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم. قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم يعني مالكا. قلت فمن أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا\n_________\n(^١) - وروى الخطيب [الجامع لأخلاق الراوي ١٧٥] بسنده عن ثابت بن محمد سمعت الثوري يقول: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل اه إيذان بأنه لم يبق من العلم بعد الأثر شيء.","vol":"1","page":216},{"text":"يكون إلا على هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟ اه وقال أبو عمر [الجامع ٣/ ١٧٦]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم اه\nفمهما وجدت حديثا عن النبي ﷺ خالف ما فهم منه المتأخرون العلماءَ أصحاب النبي، فلا تَعْجَل بالظن أنهم كانوا أوعى له من الأولين! وخذ للعبرة قبسا مُعَجَّلًا:\nذهب الخلفاء الراشدون إلى أن أفضل الحج الإفراد مع إثبات الفضل للأنساك، وهو عن أبي بكر وعمر وعثمان صحيح مشهور كما تقدم في مناظرة عروة ابنَ عباس، وقال البيهقي [المعرفة ٢٨٤٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا العباس بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عبد الحميد بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب أنه كان يأمر بنيه وغيرهم بإفراد الحج ويقول: إنه أفضل اه وقال في الكبرى [٨٦٠٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو قتيبة سلم بن الفضل الآدمي بمكة ثنا محمد بن نصر الصانع ثنا أبو مصعب الزهري أحمد بن أبي بكر ثنا عبد العزيز الدراوردي عن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما أن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا بني أفرد بالحج فإنه أفضل (^١) اه هذا حديث حسن.\nوتعليل نهي عمر عن المتعة - من غير منع - مشهور، منه ما روى مالك [١٢٥٩] عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج اه\n_________\n(^١) - وهذا معنى ما روى ابن أبي شيبة [١٢٨٣٤] حدثنا وكيع قال ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة أن عليا سئل عن قول الله ﷿ (وأتموا الحج والعمرة لله) قال: أن تحرم من دويرة أهلك اه أي أن تفرد كلا بسفر من أرضك. صححه الحاكم [٣٠٩٠] والذهبي.","vol":"1","page":217},{"text":"وروى الطحاوي [شرح معاني الآثار ٣٤٢١] حدثنا ابن أبي داود قال ثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: قلت لسالم لم نهى عمر ﵁ عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ وفعلها الناس معه؟ فقال أخبرني عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج، والحج أشهر معلومات، فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور. فأراد عمر ﵁ بذلك تمام العمرة لقول الله ﷿ (وأتموا الحج والعمرة لله) وذلك أن العمرة التي يتمتع فيها المرء بالحج لا تتم إلا بأن يهدي صاحبها هديا أو يصوم إن لم يجد هديا. وإن العمرة في غير أشهر الحج تتم بغير هدي ولا صيام. فأراد عمر ﵁ بالذي أمر به من ذلك أن يزار البيت في كل عام مرتين وكره أن يتمتع الناس بالعمرة إلى الحج فيلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة واحدة في السنة اه تابعه ابن بكير [هق ٩١٣٤] فصرح أنه يراه أتم الأنساك، وأنه يحقق قصد الاختلاف إلى بيت الله وعمرانه.\nثم ذهب ناس من أهل العلم بعدهم إلى أن التمتع أفضل لقول النبي ﷺ: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا [خ ٦٨٠٢] ومحال أن يعزب هذا المعنى عن الخلفاء وهم مع رسول الله كانوا، وسمعوا ما استدل به من خالفهم .. وأُمرنا باتباعهم (^١) ..\nوإنما وجه ذلك ما قال ابن عباس عن المشركين قبلُ [خ ٣٦٢٠]: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض، وكانوا يسمون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر. قال فقدم رسول الله ﷺ وأصحابه رابعة مهلين بالحج وأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عمرة. قالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله اه فبين أن قريشا كان مما أحدثوا في دين إبراهيم أن حرموا العمرة في أشهر الحج فأراد النبي ﷺ أن يكسر تلك البدعة بما أراه الله من\n_________\n(^١) - قال ابن أبي شيبة [١٤٥١٢] حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين قال: أفرد أصحاب رسول الله ﷺ الحج بعده أربعين سنة، وهم كانوا لسنته أشد اتباعا أبو بكر وعمر وعثمان اه صحيح.","vol":"1","page":218},{"text":"منهج التشريع والحكمة ..\nوبيَّن الصحابةُ أن الأصل في الحج هو الإفراد، وإذا أطلق لفظ الحج فالمعنى هو الإفراد كما قال النبي ﷺ [م ٣٠٨٩]: والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما اه حاجا أي مفرِدا، معتمرا أي متمتعا، ليثنينهما إذا قرن.\nوقال ابن أبي شيبة [١٣١٩٤] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سئل عبد الله عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال عبد الله (الحج أشهر معلومات) ليس فيهن عمرة اه وقال ابن جرير [٣٥٥٢] حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سألت ابن مسعود عن امرأة منا أرادت أن تجمع مع حجها عمرة، فقال: أسمع الله يقول (الحج أشهر معلومات) ما أراها إلا أشهر الحج اه [صحيح] أي ليس فيها عمرة.\nوالتفث والشعث في مثل قول الله (ثم ليقضوا تفثهم) [الحج ٢٩] وكذا في الخبر عن مقال الله يوم عرفة: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين [ابن حبان ٣٨٥٣] لا يكون مع التمتع إذ له حظ من اسمه تمتع. وتمام الحج أن يحرم له من دويرة أهله كما قال الراسخون أي يخصه بسفر لا يخلطه بعمرة فهذا الأصل في الحج. وهو كان حَجة أبي بكر سن تسع كما روى الدارقطني [السنن ٢٤٨٨] بسنده عن عبد الله بن نافع عن عبد الله بن عمر - وفي نسخ عبيد الله بن عمر - عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج. الحديث. وله شواهد.\nوهو الذي خرجوا به من المدينة مع رسول الله عام حجة الوداع كما قالت عائشة رحمة الله عليها: خرجنا موافين مع رسول الله ﷺ لهلال ذي الحجة لا نرى إلا الحج الخ. [م ٢٩٧٣] وقال جابر في سياق حَجة النبي ﷺ: .. لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة - ثم قال: - حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا","vol":"1","page":219},{"text":"هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا بل لأبد أبد. الحديث. [م ٣٠٠٩]\nفتبين أن ترخيصه في فسخ الحج إنما كان لحال العرب ليبين أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة لا كما أحدثت العرب من تحريمها في أشهر الحج بيانا بالعمل. لذلك قال عمر [م ٣٠٠٦]: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله. الحديث. فالأصل هو الإتمام الذي نزل في القرآن، وإنما عزم عليهم النبي ﷺ أن يفسخوا الحج رخصة كما قال عمر: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء اه فلما استقر التشريع عُلم ما كان من السنة الأصلَ، وما كان تشريعا موقوتا لعلة. نَعم العمرة في أشهر الحج تامة لكن التمام نوعان كمال واجب مجزئ وكمال مستحب كما هو مشهور، وهو مقتضى كلام عمر قبل (^١).\nوإنما أنكر عليٌ على عثمان [خ ١٤٨٨] نهيه عن المتعة لا أن الإفراد أفضل، وكان ابن عباس يأمر بالمتعة لما ظهر في الناس من ينكرها على غير مراد عمر (^٢). فهو في الحقيقة ليس اختلافا بينهم.\n_________\n(^١) - قال الطبري [الجامع ٣٥٥٣] حدثني أحمد بن المقدام قال حدثنا حزام القطعي قال سمعت محمد بن سيرين يقول: ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج اه رواه ابن أبي شيبة [١٣١٩٨] حدثنا وكيع عن يزيد عن ابن سيرين قال: ما أعلمهم يختلفون أن العمرة في غير أشهر الحج أفضل اه وقال [١٣١٩٩] حدثنا يزيد بن هارون عن ابن عون قال: سئل القاسم عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال: كانوا لا يرونها تامة اه أي التمام الأكمل.\n(^٢) - روى أحمد [١٦٩] بسند صحيح عن الصبي بن معبد قال: كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهللت بالحج والعمرة فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما فقالا: لَهذا أضل من بعير أهله! فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل فقدمت على عمر ﵁ فأخبرته، فأقبل عليهما فلامهما، وأقبل علي فقال: هديت لسنة النبي ﷺ هديت لسنة نبيك ﷺ اه فليس قصد عمر ما أراد زيد بن صوحان وصاحبه. وروى البيهقي [ك ٩١٣٥] بسند صحيح عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له: إنك تخالف أباك! قال: إن أبي لم يقل الذي تقولون إنما قال: أفردوا العمرة من الحج أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها وقد أحلها الله ﷿ وعمل بها رسول الله ﷺ. قال: فإذا أكثروا عليه قال: أفكتاب الله ﷿ أحق أن يتبع أم عمر؟","vol":"1","page":220},{"text":"فحري بأهل السنة أن يحيوا القول والعمل بالإفراد الذي يوشك أن ينسى ..\nوالمقصود أن الحديث قد صح عن النبي ﷺ وفهم منه المتأخرون خلاف ما فهم منه السابقون، فخالفوا السنة، وبالله التوفيق.\nلذلك متى قيل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فمعناه لا يتم إلا بتقدير محذوف اقتضاء: وكان سنة فهو مذهبي، كما يقدر ألا يكون منسوخا ولا متشابها ولا خاصا ونحو ذلك، والمعنى: إذا صحت السنة فهي مذهبي ..\nفما يذكر الأصوليون في تعريف السنة أنها قول النبي وفعله وتقريره ينظر فيه، فما كل ما روي من فعل رسول الله ولا قوله يكون سنة، وما التقرير في أصله سنة رسول الله، ولكنه عفو عفا عنه، وقد تثبت السنة من غير أن يروى حديث ينسند إلى رسول الله ﷺ (^١).\nومن اهتدى للفرق بين الحديث الذي يجري فيه ما ذكروا والسنة التي هي العمل المتبع وزالت عنه حجب التقليد، أصاب إن شاء الله خيرا كثيرا.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>فصل في بيان أن الترك سنة فعلية له حكم الأفعال</span>\nقال الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) [الكهف ٣٠] ولم يقل وتركوا السيئات، لأن ترك السيئات عمل صالح. ونظائرها في القرآن كثير. وقوله سبحانه (ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله\n_________\n(^١) - عبد الرزاق [١٢٨٠] عن معمر عن الزهري قال: الحائض تقضي الصوم، قلت: عمن؟ قال: هذا ما اجتمع الناس عليه وليس في كل شيء نجد الإسناد اه ولا يريد الإجماع على مراد المتكلمين. ومثل ذلك ما يثبت من سُنن التَّرك الذي يُعرف بجملة الأحاديث ومجموع العمل. وما يعلم بالتتبع مما يفهم من بين الآثار، كالعلم أن السنة في المسافر إذا ائتم بالمقيم أن يصلي بصلاته ولا يقصر، صح ذلك عن ابن عمر وابن عباس، والعلم حاصل بأن النبي لم يكن يأمر الوافدين على المدينة أن يصلوا خلفه ثنتين ولا الخلفاء الراشدون في زمانهم، وقد كانوا يصلون خلفه، ولا يقول لهم اقصروا فإنكم قوم سفر .. وهذا أمر لا يثبت بالإسناد .. ونظائره في الفقه كثير.","vol":"1","page":221},{"text":") الآية [البقرة ٢٧٧/ ٢٧٨] إن لم تفعلوا: إن لم تذَروا ما بقي من الربا، ووَذَرَ بمعنى ترك، فهو كقولك \"إن لم تتركوا\". وقوله تعالى (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) [المنافقون ٩] يفعل ذلك: يترك ذكر الله، لأن الذم في الآية متجه إلى ترك ذكر الله لا مجرد القيام بالأموال والعيال. وقول الله تعالى (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [المائدة ٨١] بيس فعلهم: أي تركهم الإنكار. وقال سبحانه (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله) [البقرة ١٩٧] ومِن فعل الخير ترك الرفث والفسوق والجدال في الحج. وقال ﵎ (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) [البقرة ٢٨٣] فدخل في ما تعملون كتمان الشهادة وهو ترك. ومثله قوله سبحانه (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) [البقرة ١٤٠] ولها في القرآن نظائر.\nوهكذا سائر ما ثبت في باب الترك مما يفيد العلم أنه في لسان العرب والقرآن والسنة فعل من الأفعال. فما ثبت للفعل من أحكام ثبت للترك، إذ كلاهما ليس له عموم، ولا مفهوم مخالفة. وكما أن فعل النبي ﷺ سنة، كذلك تركه سنة. لكنهما إذا اجتمعا في سياق افترقا كما في الحديث: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات [ت ٣٢٣٥]. وإذا أطلق الفعل دخل فيه الترك كما قال أهل العلم في مسمى الإيمان ودخول العمل فيه.\nويتفرع عن هذا أمور:\n- منها أن الفعل إذا ظهر فيه قصدُ التعبد دل على الندب، أو قصدُ الحظ أفاد الإباحة، كما دل خلاف الصحابة في التحصيب وغيره [م ١٣١٠ وما بعده]. كذلك الترك، ما تركه النبي ﷺ فإما أن يتركه لمعنى تعبدي أو لمعنى غير تعبدي (جِبِلِّي أو عادي)، فما ظهر فيه معنى التعبد حكمه استحباب الترك وكراهة الفعل. وما تركه لمعنى جبلي أو عادي فهو على الأصل في الإباحة إذ لم يكرهه شرعا، ولكن عادة أو طبعا، كما قال ﷺ في لحم الضب: لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه اه [خ ٥٠٧٦/ م ١٩٤٥]","vol":"1","page":222},{"text":"والفرق بين التَركَين هو ظهور القصد الذي يدل عليه أصل العمل كان من جنس ما يُتعبد به أو من المباحات. قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب ٢١] فطلب الأسوة من جهة الرسالة، إذ لم يقل: \" لقد كان لكم في محمد أسوة \" إذن لاحتمل أن ينصرف الطلب إلى كل ما صدر منه ﷺ، ولكن علق التأسي بما صدر منه من جهة كونه رسولا ﷺ وذلك إن شاء الله بدلالة التنبيه والإيماء، لذلك جعل سبحانه التأسي (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أي يرجو الثواب وهو التعبد. وذلك في الفعل والترك. وهذا ما لم يندرج تحت نهي خاص كالفعل مع الأمر سواء بسواء.\n- ومنها أن الترك يفيد استحباب الترك وكراهة الفعل، لأن الفعل يفيد الندب وكراهة الترك، والترك فعل من الأفعال، فهو دال على استحباب الترك وأن فعل المتروك مكروه. فكل عبادة ترك العمل بها لا يحكم باستحبابها، بل المستحب تركها، وفاقا للعمل الأول.\n- ومنها أن الترك بيان للنهي كما أن الفعل بيان للأمر. فكما أن الفعل يقوي دلالة الأمر، كذلك الترك يشد من دلالة النهي، ولو أن النبي ﷺ نهى عن شيء ثم فعله، كان الفعل مشكلا على النهي كما في خبر الوصال في الصوم [خ ٦٤٥٩]، ومتى ترك ما نهى عنه كان أشد بيانا لدلالة النهي على أن الخير كله في الاجتناب، فالترك - أي المستمر - إذا تظاهر مع النهي يصيره \"قطعيا\"، وهذا معنى قولنا أنه بيان له. لذلك كان الترك بيانا شافيا لعموم قول النبي ﷺ: وإياكم ومحدثات الأمور .. كما سيأتي.\n- ومنها أن المتروك في السنة غير مقصود التشريع، إذ لو قصده رسول الله ﷺ وخطر في ذهنه بكلامه العام، فلا بد إذن أن يفعله، ولو فواقا (سويعة) في سنوات التشريع، أو لحض عليه خاصة ليعمل به أصحابه، أو لنبه على فضل هذا العمل ومقدار ثوابه على سَنَن التشريع النبوي. إذ كيف يكون مطلوبا فعله بذلك الأمر العام ثم لا يفعله الذي أمر به في عموم خطابه ﷺ، ويرى أصحابه لا يفعلونه ثم لا ينبههم! هذا محال! وللقائل به لوازم منكرة .. فكان في الترك دلالة بينة على عدم التشريع.","vol":"1","page":223},{"text":"فالتعبد به على خلاف المقاصد (^١). وما هذا شأنه لا يستحسن من العمومات بوجه.\nوسواء علينا اعتبرنا فرقا بين الترك والكف أم لا - والكف ما تعمد تركه وهو أخص- فإنه على كل حال لم يقصد فعله. فاستوى من هذه الجهة القصد إلى عدم التشريع، وعدم القصد إلى التشريع، فتدبر.\nوالمخالف يشنع علينا احتجاجنا بالترك زاعما أنه عدم محض لا يدل على القصد إلى عدم التشريع! وهذه حيدة، لأن محل النزاع زعمهم في المحدث أنه مقصود للشرع التعبد به. ونحن نقول: لو قصده لفعله، فإذ لم يفعله في ثلاث وعشرين سنة، ولا الخلفاء الراشدون في ثلاثين سنة دل على أنه غير مراد من عموم يستدل به، أو معنى أصل يشبه به .. فإن زعموا قصد الشرع إلى ذلك، فستكتب شهادتهم ويسألون.\n- ومنها أن ما تركه النبي ﷺ لعلة لم يمتنع فعله عند عدمها، مثل صلاة الضحى والتراويح، إذ بينوا أن النبي ترك المداومة عليهما تيسيرا. فذلك التعليل مشعر بالإذن وليس لغوا. فحصل لنا نوعان من الترك: نوع مطلق وهو ما تقدم، وهذا لا يصح التعبد به. ونوع تركه النبي ﷺ وعلل الترك بوصف كقوله: خشيت أن تفرض عليكم اه هذا التعليل يدل على أن المتروك يمكن أخذه عند زوال المانع (^٢)، لذلك فعله عمر والصحابة فهم أعلم بالمقاصد. كذلك ما فعلت عائشة في الضحى فهمت أن ترك المواظبة عليها لِما ذكرت.\nوهذا هو المستحب الذي جوَّزَ بعض أهل العلم وَسْمَه بالبدعة توسعا، لا على رسم المستأخرين الذين قاسوا عليه ما ليس عليه العمل مطلقا، ولا قياس مع الفارق. فيجوز - على هذا الوجه - أن يقال لشيء تركه النبي ﷺ ثم فُعِل من بعده \"نعمت البدعة\" لأن فعل الصحابة له بعده دليل على أن الدوام عليه مقصود للشرع، وأن الترك كان لمانع كما في صلاة التراويح. وليس يمكن في الدليل مطلقا أن نقيس عليه\n_________\n(^١) - الموافقات كتاب الأدلة المسألة السادسة من مباحث السنة.\n(^٢) - خشية الافتراض علة الترك ومانع من العمل، فهي علة من جهة مانع من جهة أخرى.","vol":"1","page":224},{"text":"ما لم يكن عليه العمل مطلقا لا في زمن النبي ﷺ ولا زمن الصحابة بعده. والترك كما تمهد دال على أن المتروك غير مقصود التعبد به. وبالله التوفيق.\n- ومنها العلم بأن من البدع ما يكون بالترك كما يكون بالعمل إذا أراد صاحبها خيرا، كما في حديث أبي إسرائيل وخبر أبي بكر مع المرأة التي حجت مصمتة ونظائرِه. فمن تعبد بتركٍ مثلِ ذلك فقد عمل عملا ليس عليه أمر رسول الله ﷺ وأصحابه.\n- ومنها أن الترك أي مع وجود مظنة العمل ينبغي اعتباره مع الحديث المروي في الباب، فإن من الناس ممن يحتج بالترك لا يُعمِله إلا إذا عدم الإسناد في المسألة كالقول في المولد أنه لا يشرع لأن الداعي كان موجودا فهُجر العمل به، لكن إذا صح الحديث عنده أعمله على الإطلاق وذهل عن تتبع العمل والترك. والصواب أنه ينبغي ملاحظته مع الحديث نفسه في ما دل عليه الحديث، وهذا كما قال مالك في الجهاد من الموطأ وسئل عمن قتل قتيلا من العدو أيكون له سلبه بغير إذن الإمام قال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين اه فرأى أن ترك النبي الإذن في ذلك بعد حنين مع وجود المقتضي هو من أمره الذي ينبغي أن يُنظر في مجموعه. ومن هنا كان نظر الليث بن سعد في إنكاره الجمع في المطر في رسالته إلى مالك بن أنس فراجعها، ولهذا نظائر في الحديث كثير. وهو أيضا مما ينفع في معرفة مذاهب الصحابة بعد نبيهم ﷺ، فقد صح عن عائشة أنها كانت تأمر غلمانها بلبس التبابين وهم محرمون، وقد كان الفقهاء من الصحابة يتجردون ولا يأخذون بهذه الرخصة ولا يفتون بها وهم أحوج إليها لو كانوا يرونها، فترك الإفتاء أو العمل بها حيث مظنتها يدل على ثبوت الخلاف بينهم في المسألة. فمن عول على مجرد الإسناد ظن أنه أمر لم يثبت فيه خلاف. والصحيح مراعاة الترك عند وجود مظنة العمل مع ما ينقل رواية.\n- فائدة: الترك يدل على أن المحدث غير مقصود للشرع، وقول النبي ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه وهو من جوامع الكلم هو الدال على إبطال البدع.","vol":"1","page":225},{"text":"- فائدة: يعرف الترك تارة بنقل العدم أي عدم الفعل، فيحكي الصحابي أن ذلك لم يكن. كما حدثونا أن النبي ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة [خ ٩٦٠/ م ٨٨٥].\nويثبت تارة بعدم النقل (^١) لأن الصحابة نقلوا الدين كله وحُمِّلوا الأمانة فكانوا أحق بها وأهلها، فإن لم ينقلوا شيئا بقول أو عمل (^٢) علمنا أنه لم يكن، وقد عرفت أنهم متبعون للنبي ﷺ في طريقة البيان يبينون بالعمل والترك والسكوت كما يبينون بالقول. وهذا إن شاء الله من معاني قول النبي ﷺ: وإن العلماء ورثة الأنبياء اه [د ٣٦٤٣ وغيره].\nواعلم أن ما ذكروا من الترك إنما حدَّثوا به لمناسبة أدركوها ليس شيئا تصدى له أحدهم ابتداء، كأن يُسأل عن الشأن في العيدين فيخبر أنه لم يكن يُؤَذن لها، أو إذا رأى ما ينكر كأن يخبر أن النبي لم يكن يسرد الحديث .. فالترك ترك النبي إنما نقل بالترك منهاجا موروثا، وإنما نبهوا عليه بالقول لأحوال شهدوها، وما لم ينقل بالقول أضعاف أضعافِ ما نقل حكاية، وإنما تركوه اتباعا للسنة. فتتبع عملهم مما يستدل به على هذا الأمر. ومن اشترط الإسناد لإثبات الترك فاته علم كثير، وأخطأ سننا ثابتة.\nوكم من عمل رده المخالف لأجل \"مخالفته النص\"، وإنما النص حكاية الصحابي للترك لا أكثر، مثل ردهم استحباب الأذان للعيدين لما في الصحيحين [خ ٩١٧/ م ٢٠٨٥] عن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة اه وكذا احتجاجهم على أن شهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه بقول جابر في شهداء أحد: وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم اه [خ ١٢٧٨] وإنما هو ترك. فتنبه كيف احتجوا بالترك عملا وهم له منكرون .. !\nوقد قال عبد الله بن الصديق الغماري في رسالته في الترك ينفي الاحتجاج به داعيا لاستحسان البدع!:\n_________\n(^١) - إعلام الموقعين ٢/ ٣٢٨.\n(^٢) - الموافقات المسألة الثانية والثالثة من مباحث الإجمال.","vol":"1","page":226},{"text":"الترك ليس بحجة في شرعنا لا يقتضي منعا ولا إيجابا\nفمن ابتغى حظرا بترك نبينا ورآه حكما صادقا وصوابا\nقد ضل عن نهج الأدلة كلها بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا\nلا حظر يمكن إلا إن نهيٌ أَتَى متوعد لمخالفيه عذابا\nأو ذم فعل مؤذن بعقوبة أو لفظ تحريم يواكب عابا\nفقلت متعقبا:\nالترك هدي للنبي وسنة عند الصحابة لا تكن مرتابا\nالترك فعل فالتمسه بسنة فِعْلِيَّةٍ يا من يريد صوابا\nوالترك فعل أجره في تركه لا تتبع لغوا ولا كِذَّابا\nفدع الذي لم يتخذه وسيلة لم يَكتَرِثْهُ فَلا تظن ثوابا\nالأمر في القُرُبات وقفٌ ثابتٌ هو مقتضِي الإنكار خذه جوابا\nوالتركُ دَلَّكَ أن ذلك مُحدَث لا يُستحب فخلِّصِ الأسبابا\nليس العموم بحجة في قربة حتى ترى العمل العتيق أصابا\nفكذاك مذهب مالك تبعٌ لهم سَدَّ الذريعةَ ثَمَّ والأبوابا\nويا ليت شعري كيف تحصل الغفلة عن اعتبار الترك وهو من تمام المتابعة للنبي ﷺ وأصحابه، وهو أمر معقول، لو قيل لامرئ اتبع فلانا في مسيره، فاتبعه من وراءه ثم رآه يترك أشياء لا يلتفت إليها، لكان قادحا في متابعته أن يخالفه إلى ما ترك، ولأنكر عليه كل العقلاء فعله وما رأوه إلا مخالفا غير متبع بإحسان .. وقد قال ربنا ﷻ (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله) [الأنفال ٨١] فسمى تركهم ما فعله النبي ﷺ خلافا له.\nوقد تعبدنا الله بترك أمور مما نهى عنه جملة مثل البدع، أو تفصيلا مثل النهي عن","vol":"1","page":227},{"text":"قراءة القرآن في الركوع والسجود. فالترك من حيث الجملة مطلوب شرعا، والنبي ﷺ أول التاركين لما نهى عنه، فهذا الترك منه سنة وبيان لقصد الشرع.\nفأنت ترى أن المحَرَّم واجب الترك، والواجب محرم الترك، والمستحب مكروه الترك، والمكروه مستحب الترك، والمباح منه منهي الترك جملة، ومنه مطلوب الترك جملة، فما دام الترك مطلوبا من العبد فهو مقصود للشرع. والنبي ﷺ مبين عن الله مقاصد التشريع بالفعل والترك. فكيف يجحده الجاحد؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-80>ذكر الفرق بين المباح الذي يكون بالفعل بدعة والذي بالترك</span>\nالمباح من أفعال الناس نوعان:\n١ - نوع أذن الشرع فيه تصريحا وامتن الله علينا بإباحته كالنكاح والنوم وأنواع الأطعمة .. وسائر ما به قوام حياة ابن آدم كما في سورة النحل وهي سورة النعم وغيرها. فتجد الشرع يأمر به، سواء الأمر بعد الحظر كقوله سبحانه (وإذا حللتم فاصطادوا) [المائدة ٢] أو ما شابهه مثل (كلوا من ثمره إذا أثمر) [الأنعام ١٤١] ويضبطه بالآداب أدب النوم والفراش .. وهي وجوه الشكر عملا.\nهذا النوع كان عليه العمل عمل النبي ﷺ وأصحابه يتعبدون به، كما تجده في أذكار اليوم والليلة، وكما في قول معاذ ﵀: أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ونظائره.\nهذا المباح جعله الله للاستعانة على تقواه وتحقيق العبودَة، لأن أحكام الشرع الخمسةَ كما علم راجعة إلى الواجب والحرام، فالمندوب خادم للواجب مكمل للقصد منه وسياج يحفظه، فمن واظب على المستحب كان أقدر على الواجب، كذلك المكروه سياج أمان دون المحرم، والمباح معين على أداء الواجب وترك الحرام، مثل الزواج والأكل للتقوي على الطاعة وهكذا .. فهذا الصنف قصد الشرع اتخاذه وسيلة للطاعة، وندب إلى ذلك كما بيَّن معاذ ﵀.","vol":"1","page":228},{"text":"فمن اعتقد أن ترك ذلك سنة كان بدعة، بل السنة فعله كالنبي ﷺ، وهو خير الهدى. وقوله هنا: فمن رغب عن سنتي فليس مني اه دليل على أنه لا يتعبد بتركه وأنه داخل في السنة.\nوالعبادة الصحيحة ما كان مقصودا للشرع، كما أن البدعة فعل ما لم يثبت قصد الشرع إلى فعله فكيف بما ثبت أنه لم يقصد؟ فالمباح المطلوب جملة لا ينقلب بالترك عبادة، والتعبد بتركه خلاف مقاصد الشريعة (^١). وكيف يكون تركه مقصودا وإنما شرع لحفظ ما أسماه الأصوليون \"الكليات الخمس\"؟ وكيف يزهدنا الله فيه وهو يأمرنا به ويمتن به - وله المنة سبحانه - ويأمر بالشكر عليه؟\nلذلك ذكروا في قواعد الفقه أن من نذر ترك مباح لم يلزمه الوفاء به، خلافا للأصل في النذر أنه لازم.\n٢ - والمباح المسكوت عنه الراجعة إباحته إلى رفع الحرج، المعفو عنه الذي علم قصد الشرع إلى تركه، وهو إما مكروه من حيث الجملة أو محرم، لذلك كان العمل الأول على تركه إلا أحيانا نادرة مثل التغني بالكلمات المباحة، والترفه، والمزاح، واللغو .. لا للأجر ولكن ترخصا، واعتبار الفسحة، ولم يكن واقعا من ذوي الهيئات ..\nوتأمل قول الله تعالى في الخمر قبل التحريم (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) [النحل ٦٧] فهذا تعريض لا إباحة وليس هو إذنا في شرب الخمر، إذ فرق بين السكر والرزق الحسن، والواو للمغايرة، فدل على أن السكر ليس رزقا من الله حسنا، وإنما هو شيء اتخذه الناس. لذلك كان قبل التحريم مباحا بالجزء محرما بالكل لذلك نهي عنه عند الصلاة، وإباحته مسكوت عنها لا مصرح بها، فما كان النبي ﷺ يفتي بحلها أبدا، ولكن يقرهم. فهذا يرشد إلى أن ما لم يثبت حكمه إلا من جهة الإقرار فرتبته متأخرة.\n_________\n(^١) - الموافقات كتاب الأحكام المسألة الأولى والثالثة والرابعة. والمسألة الخامسة عشرة من مباحث الأمر من كتاب الأدلة.","vol":"1","page":229},{"text":"هذا لا تجد الشرع يمدحه، ولا يحمد فاعله، ولا يمتن الله علينا بإباحته كاللهو .. وقد كان يتنزه عنه النبي ﷺ والأكابر، ويشير إلى هذا المعنى قوله ﷺ: كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربعة خصال: مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة اه فهذا صريح في أن هذه الأمور هي التي يصلح أن تتخذ عونا على الطاعة، وهو نية التعبد، فلا تكون لغوا. وما سواها فهو لهو ولعب مباح وفسحة لا حرج فيه، لكن لا يؤخذ على نية التعبد، إذ لم يوضع وسيلة إلى الشكر لا شرعا ولا قدرا، ولكنه مستراح النفس لمن شاء. ومن هذا الباب رقص الحبشة في المسجد [خ ٤٩٣٨] هو فسحة لا تعبد، لذلك قالت عائشة لما حكت ذلك: \" فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو \" أي لا تجعلوها مثل الكبار تنزه عن ذلك اللهو، بل اجعلوا لها فسحة.\nوهذا مثل الغناء لا يتعبد لله به كما يفعل بعض من استعذب وَخَمَ البدعة .. أحدثوا لترقيق القلوب أشعارا تضاهي في القصد كلام الله فتغنوا به، كما وقع للمشركين الذين كانت صلاتهم عند البيت المكاء وهو الصفير والتصدية وهو التصفيق وقول الشِعر .. فتعبدوا باللهو، ونهينا عنه، إذ الدعاء والتعبد حزم وجدٌّ، فمن اتخذ اللهو في التعبد كان لاعبا بدينه معتديا فيه كما قال ربنا ﷻ (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين) [الأعراف ٥٦]. وقوله تعالى (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) [الأنعام ٧٠]. فهذا يدلك على أن اتخاذ الأناشيد والمسرح .. وسيلة للدعوة مناقض لمقاصد الشريعة، مخالف للعمل الأول.\nهذا المباح مرتبته متأخرة عن الأول من وجوه:\n- ترك النبي ﷺ وأكابر أصحابه .. كذلك ما ثبت حكمه بالتقرير لا يكون كالفعل في المنزلة، إذ الترك يعارضه، كما أن الفعل لو كان لنهض به.\n- عدم التصريح بالإباحة ولا عده من النعم الممتن بها، والسكوت عن المدح تعريض.","vol":"1","page":230},{"text":"- تتجاذبه خوارم المروءة، إذ يتنزه عنه ذووا الهيئات، فهو من جنس المكروه المستثنى من الممنوع والمكروه لا يكون مطلوبا ولكن مرخصا فيه. لذلك أخطأ من زعم أن حديث \"إياكم ومحدثات الأمور\" مستثنى منه بدع مستحبة، فالمستحب لا يستثنى من المذموم إذ ليس من جنسه. وما يخرم جنسُهُ مروءةَ ذوي الهيئات لم يصلح للتعبد. وهذه المعاني إنما تتمكن في الذهن إذا لاحظتَ منهاج التشريع.\nوالفرق بينهما:\nأن المباح الأول خادم للضروريات (حفظ الدين والنفس ..) متفرع عنها، فيصح أن يجعل عبادة فهو مصلحة شرعية في أصله وفرعه، بالكل والجزء.\nوالمباح الثاني أصله لا يخدم الضروريات بل يعطلها أو يقللها، فهو في العزائم منع، وإنما جاز رخصة لا أصلا، فلا يصلح أن يكون خادما للضروريات، فلا يكون عبادة. كاللهو فإنه مضر بالدين في عزيمته ومضر بالمال كدوام التفسح بالأسفار .. وهكذا. فهو في أصله غير خادم إنما جاز من باب الترويح على النفس لتعلم يهود أن في ديننا فسحة لا أنه من السنة. فتدبر.\nالمباح الأول مباح من باب العزائم، والثاني من باب الرخص المستثناة. والتعبد مشروع عزيمة فهو مثل المباح الأول لذلك يجتمعان بخلاف الثاني.\nالمباح الأول إن طرأ عليه ما يجعله مخالفا كالإسراف فإنه منهي عنه ويصح أن يترك ما قاربه من باب التحرز، لكن لا يترك ذلك المباح رأسا كالنوم. ففرق بين الدوام ومجاوزة الحد، فالأول يداوم عليه ما لم يسرف، والثاني لا يداوم عليه يوميا .. كاللهو والمزاح لو عددته في السيرة لم تجده في الغالب إلا إقرارا وفي ساعات من كل تلك السنوات. بخلاف المباح المطلوب فإنه السنة الجارية. لذلك من اعتصم بالعمل الأول وافق قصد الشرع وسلم من المعارضة يقينا.\nومن سلك سبيل اليسر في الاستدلال دون هذا التفصيل الذي قد لا تتسع له أذهان كثير فإن لك أن تقول في التعبد بترك المباح المطلوب أو بفعل المعفو عنه: تعبد لم يثبت عن النبي ﷺ وأصحابه فيكون بدعة. وهذا أشبه بهذه الشريعة الأمية (^١)\n_________\n(^١) - الموافقات المقدمة السادسة والنوع الثاني من كتاب المقاصد.","vol":"1","page":231},{"text":"السمحة، وأبعد عن التكلف في العمل والاستدلال، وقد نهينا عن التكلف [خ ٦٨٦٣]، وإنما ذكرت هذا ونحوه لأبين بطلان ما انتحلوا على لسان الأصوليين أنفسهم (^١).\nوقد رام هذا النهج الحكيم بعض أهل العلم في زماننا فأشارت إليه أصابع التهم والسخرية .. ! ثم إنهم يوم القيامة عند ربهم يختصمون.\n\n<span data-type='title' id=toc-81>فصل في بيان أن قول الله تعالى (فاتبعوه) جامع للاتباع في القصد مع العمل</span>\nكما قال عمر: من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها ولا يتعمدنها اه ومنه إنكار عائشة وابن عباس التحصيب لأنه ليس مقصودا شرعا قالت عائشة: نزول المُحَصَّب ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه [خ ١٧٦٥/ م ١٣١١] أي لم يقصد التعبد به. ومن أثبته من الصحابة فلقرينة أفادت ثبوت القصد وصحة التعبد به، فقد روى مسلم [٣٢٢٧] عن ابن عمر أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ورَوَى مسلم [٣٢٣٥] عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر اه فهذا يدل على أن نزول النبي ﷺ لمعنى شرعي، وهذه زيادة علم. والشاهد هنا معرفة سبيل النظر والاستدلالِ عندهم، إذ كانوا يَتَّبَّعون مقاصد النبي ﷺ. وقال البخاري في «باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال من كتاب الصلاة»: وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ويعيب على من يتوخى أو من يعمد الانفتال عن يمينه اه ثم روى [٨٥٢] عن عبد الله بن مسعود قوله: لا يجعل أحدكم للشيطان شيئا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره اه فلا بد من اتباع السنة في النية في الظاهر والباطن. فما لم يتحره لم يصلح تحريه. وقد قال الله\n_________\n(^١) - أحسن ما وقفت عليه في الأصول كتاب الموافقات والاعتصام، أصاب الرجل فيهما خيرا، أسرعت به أصوله المالكية، لكن أبطأت به أصوله الكلامية، كان أشعريا.","vol":"1","page":232},{"text":"تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران ٣١] فأطلقت الآية الأمر بالاتباع.\nوليس يشكل على هذا الأصل ما نقل من تحري ابن عمر [خ ٤٦٩] مواضع صلى فيها رسول الله ﷺ لأنه فعل ذلك تبركا بآثار رسول الله لا أن السنة قصد الصلاة ثَمَّ.\nولو سُلم لكان كما روى البخاري [٤٨٠] عن يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها اه فظهر له قصد النبي إلى الصلاة هناك، فهو يؤكد هذا الأصل أنهم كانوا يتتبعون مقاصد النبي ﷺ دون ما لم يتحره.\nوقد كان للنبي ﷺ أعمال وقصد، فكما أمرنا أن نتبع العمل والترك أمرنا أن نتبعه في النية، ومن تمام الاتباع أخذ الأحكام بمقاصدها (^١). وقد بينها ﷺ لأنه جاء بالبيان والبلاغ، وهو أن يظهر العربي مراده ومقصده من كلامه وأفعاله.\nوقد جاء الشرع بأعمال القلوب، وأول من عمل بها النبي ﷺ فالاقتداء به فيها من تمام السنة. عرف ذلك أصحابه الأكابر ﵃ لذلك أمرنا باتباعهم.\nومن هذا ما يكون من قصد زمان أو مكان بعبادة مخصوصة، إذا وجد القصد امتنع العمل، وإذا كان عارضا لم يمتنع كما نبه نهي النبي ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي. ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم اه [خ ١٩٨٤/ م ١١٤٤] (^٢) فدل هذا النهي على أن التخصيص نفسه مفسدة وإلا لم يكن لترتيب الحكم عليه فائدة. وكما في قول عمر: من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها، ولا يتعمدنها اه\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الثانية من مقاصد المكلف، وهذا مدار كتاب المقاصد عند الشاطبي، حاصله رد مقاصد العباد إلى موافقة مقاصد الشريعة، وهو الاتباع في النية بعبارة أسهل.\n(^٢) - اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٧٥","vol":"1","page":233},{"text":"فما لم يُتَحرَّ في العمل الأول تقييده بزمان أو مكان أو كيفٍ أو عدد فالقصد إلى القيد خلاف السنة ووقوع في البدعة (^١)، ثم إذا ديمَ عليه والتُزم كان أشد، وإذا أُظهر في الناس كان أعظم.\nوالشرع إذا أطلق الأمر بعبادة فحقيقة العمل بالمطلق ألا يقع على وجه مقيد، إذ قد عرفت أن العمل يؤخذ وجهه من العمل لا اللفظ المطلق، ومن التزم قيدا فقد عمل بدليل مقيد غير موجود فهذه مخالفة. والإطلاق والتقييد واردان في العمل كورودهما في الخطاب لأنه ثمرته وبيانه (^٢).\nفإن قيل: إن الشرع طلب من العبد المداومة على العمل، وأحب الأعمال إلى الله أدومها، فمن اتخذ لنفسه يوما خاصا أو وصفا أو عددا خاصا وردا ليومه يلتزمه، كان عاملا بهذا الأصل موافقا قصد الشرع إلى الدوام!\nفالجواب أن عمل العبد من حيث التأسي لا يخلو: إما لم يعمل به النبي ﷺ، وإما عمل به. وإن عمل به فإما واظب عليه بغير ترك، أو لم يواظب عليه. فهذه ثلاث حالات:\nفأما ما لم يعمله أصلا فبدعة.\nوأما ما واظب عليه فقد علم به أن المواظبة مقصودة، فلا شك أن الدوام على العمل مطلوب كصلاة الوتر وركعتي الفجر ونحو ذلك من أبواب الخير.\nوأما ما لم يواظب عليه فهو نوعان:\nنوع قام الدليل على أن عدم مداومة النبي ﷺ كان لمانع مثل خبر عائشة في صلاة الضحى، ومثل تعليل النبي ﷺ ترك المداومة على الاجتماع في المسجد للتراويح. فهذا ظاهر في أن ذلك التعليل مشعر بألاَّ حرج في المداومة، فَبِهِ يُعلَم قصد الشرع إلى الدوام، وإنما سلك بالترك مسلك التيسير.\nونوع لم يظهر فيه ذلك، فهذا لا ريب في أن ترك المداومة عليه مقصود للشرع، وأن الدوام المطلوب فيه إنما هو بالعمل به أحيانا، كما في خبر عائشة لما سألها\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الرابعة عشرة من مباحث الأمر من كتاب الأدلة.\n(^٢) - مجموع الفتاوى [٢٠/ ١٩٦]","vol":"1","page":234},{"text":"علقمة: هل كان رسول الله ﷺ يختص من الأيام شيئا قالت: لا، كان عمله ديمة اه فظهر أن الدوام المقصود في ما لم يوقِّت فيه قيدا هو في عدم اتخاذ يوم أو وصف مخصوص بالعمل، والمحافظةِ على الفعل والترك. فالسنة فيه اتباع الفعل والترك من غير توقيتٍ موظَّف. ويتأيد هذا بوجوه تدل على أن المواظبة عليه مرجوحة غير مقصودة للشرع:\n- منها أن الترك معارِض للمداومة، والتركُ سنة ينبغي اتباعها، فمن واظب على هذا اللون خالف من هذا الوجه، فأتى ما ينبغي تركه، وقد عرفنا ما في الاحتجاج بالعمومات المطلقة، والمقتضي للمواظبة زمن النبي ﷺ كان قائما وهو الرغبة في زيادة التعبد لله تعالى، وقد كان النبي ﷺ إذا عمل عملا أثبته [م ٧٤٦]. فالترك مع وجود المقتضي للفعل وانتفاء المانع دليل على عدم الاستحباب. وقد تقدم أن الأصل في المتروك عدم التشريع إلا ما قام الدليل على أن تركه كان لمانع زال.\n- ومنها أن في المداومة على قيد مفسدة المضاهاة للطريقة الشرعية، كما قال مجاهد: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه فتوقيت قيد بغير برهان من الله ورسوله ﷺ تسور على مقام ليس للعبد منه نصيب.\n- ومنها أن فيه مخالفة للمقصود من التوسعة، فإن العمل إذا بقي مطلقا ليعمل العبد على نشاط نفسه إقبالا وإدبارا كان أوسع من التزام قيد مفض إلى الملل أو ترك السنة الراتبة. وكم ترك الناس من سنن متفق عليها لانشغالهم بأوراد أحدثوها، فوجدوا في أنفسهم إقبالا على ما أحدثوا، واستقبلوا السنن بنفوس فاترة، لم تشتغل بها أو بإحسانها إلا قليلا!\n- ومنها أن المواظبة إذا اقترنت بالإظهار بين الناس كانت موهمة بأنها سنة راتبة أو فريضة موقتة. وقد بلغني عن ناس من أهل ناحيتنا يحسبون من إِلْفِهِم صيام الست من شوال دهورا أنه تمام صوم رمضان، وظنوا أنه لا يتم صوم عبد حتى يُتبِع رمضان بست من شوال، فتكرر ما خاف منه مالك وعلماء المدينة قبله (^١) .. ومنهم من رأى أن\n_________\n(^١) - \" الحوادث والبدع\" للطرطوشي ص ٤٥.","vol":"1","page":235},{"text":"جفاء بقوم يدعون الله لا يرفعون أيديهم إلا أحيانا، وما علم هؤلاء أن سيد العُباد ﷺ لم يلتزم ذلك في كل دعائه .. بل كره ما هذا بابه كما في حديث الصلاة قبل المغرب [خ ١١٨٣] \" كراهية أن يتخذها الناس سنة\" ففرق بين العمل الذي يواظَب عليه وما لم يُرِد المواظبة عليه، فيكون هذا النوع مكروه المواظبة.\nومن شأن المستحب أحيانا ألا يُشَبَّه في العمل بالسنة الراتبة، كما أن المباح من شأنه في العمل ألا يشَبَّه بالمندوب ولا المندوب بالواجب .. (^١) وخلط ذلك بعضه ببعض من تغيير أحكام الشريعة. وقد تقدم قول إبراهيم النخعي: وكانوا يستحبون ركعتين قبل العصر، إلا أنهم لم يكونوا يعدونها من السنة اه ففرَّقوا بين المستحب وهو العمل المطلق، وبين السنة التي هي العادة الجارية (^٢).\nلذلك كان الخلفاء الراشدون والصحابة ربما تركوا المستحب لئلا يظن الناس أنه واجب. ويتركون ما السنة فعله أحيانا للبيان، وحتى لا يعتاد الناس ما ليس السنة اعتياده كالضحى عند من لم يرها من العمل الراتب. والعادة إذا استحكمت عند العبد أو كانت عرفا بين الناس كانت كالفرض الشرعي. ومن جرب الناس ليحملهم على السُنن علم ما في استحكام العادة من صوارف .. وخذ مثلا إمام مسجد يلزم قدرا معينا من التلاوة فإنه يصير كالفرض اللازم، حتى إذا غيَّرَه يوما شق على الناس وقيل غيرت السنة … فما لم يجعله الشرع لك عادة فلا تجعله عادة فإن المصلحة في ترك الاعتياد.\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الثانية عشرة من الطرف الأول من كتاب الأدلة. والمسألة السادسة والسابعة والثامنة من مباحث الإجمال والبيان. قال ابن تيمية: \"فالقربات في ثبوتها وسقوطها تنقسم إلى راتبة وعارضة، وسواء في ذلك ثبوت الوجوب أو الاستحباب أو سقوطه. وإنما تغلط الأذهان من حيث تجعل العارض راتبا أو تجعل الراتب لا يتغير بحال. ومن اهتدى للفرق بين المشروعات الراتبة والعارضة انحلت عنه هذه المشكلات كثيرا \". [مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٠٤]\n(^٢) - منه تعلم وجه من فرق بين المستحب والسنة ممن تكلم في الأصول، وأنه السنة، وإن اجتمعا في أصل المحبة. فما واظب عليه النبي ﷺ والخلفاء فسنة، وما كان أحيانا فمستحب دون ذلك، لذلك كان إطلاق الاستحباب لا يعني المواظبة.","vol":"1","page":236},{"text":"الحاصل أن نقول في كل عمل: الأصل التوقف، فإذا ثبت العمل مطلقا فأكثِرْ ما شئتَ غير قاصد تخصيصه بزمان أو مكان .. ومن ادعى في عمل تردَّدَ في سنة النبي ﷺ وعملِ أصحابه بين الفعل والترك أن المداومة عليه مقصودة شرعا كان عليه أن يأتي بالبرهان على أن عدم المواظبة كان لمانع، وهيهات! فمن أمحل المحال أن يكون ذلك مقصودا للشرع ثم يعزب عن السابقين الأولين خير الناس فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا.\nوهذا اللون من الإحداث يكون بقصد ذلك التخصيص أو بما دل على القصد أو أفضى إليه كالمواظبة، لذلك لم ينكر النبي ﷺ على الصحابة الذين عملوا أعمالا مطلقة إذ كانت في مظانها.\nوهذا الذي سماه المتأخرون تخصيصا وتقييدا كان السلف يسمونه شيئا موقتا ويكرهون أن يوقتوا شيئا من العمل كما روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يكره أن يوقت يوما يصومه. وكانوا لأجل هذا يعرفون للسنن منازلها، فيفرقون بين ما جعل فيه وقت وما لم يوقت فيه شيء، وهذا لسانهم وهو خير بيانا وأعظم بركة، وإنما صَدَّرتُ السياق بلسان الأصوليين للتنبيه على هذه النكتة.\nومن تتبع العمل العتيق عرف مظان ما وقت فيه حد يُنتهى إليه مما لم يوقت وهو أكثر. كأذكار الصلاة فإن النبي ﷺ لم يوقت منها شيئا في السجود والركوع وبعد القيام منه وما بين السجدتين وقبل السلام .. كما لم يوقت سنة في دعاء الجنازة ولا في الطواف ولا على الصفا والمروة (^١) .. كل هذا يُعلم بمجموع العمل - عملِ النبي وأصحابه - مظانُّه. وفي الصحيحين عن رفاعة بن رافع قال: كنا يوما نصلي وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم. قال: أنا. قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول. [خ ٧٩٩/ م ١٣٨٥] فإذا قال المؤتَمُّ ربنا ولك الحمد كسائر التكبير عند الانتقال وهو شيء مؤقت كانوا يتعاهدونه\n_________\n(^١) - كذا قال مالك بن أنس وهو أعدل الأقوال وأشبهها بالأمر العتيق.","vol":"1","page":237},{"text":"ويتواصون به فقد رُخص له في الثناء بما شاء. وإنما عَمِل الصحابيُّ بالسنة، وبنحو هذا الأثر تعرف مظان ما لم يوقت فيه سنة مطردة.\nولقد تكلم في الأمر مَنْ لو أمسك عن بعض ما قال لكان خيرا إن شاء الله، إذ لم يَصِلْ ما أمر الله به أن يوصل، فتجانف إلى إبطال السنة بما هو لها شاهد غير ناقض! بمثل ما في الصحيح [خ ٢٨٨٠] عن أبي هريرة قال في قصة خبيب: فكان خبيب هو سَنَّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتل صبرا اه وخبر عبد الله بن عمرو في الصحيحين [خ ١٩٧٥/ م ١١٥٩] أنه عزم على صوم الدهر حتى بلغه النهي ونحو ذلك .. مما قالوا فيه: دخل الصحابي في العبادة ولم يتوقف ولم يستأذن! كذا قالوا! ونحن نقول: نعم لا يَتوقف مَنْ عنده علم بوجه العبادة في العمل. فمن أين لكم أن الصحابي عمل بلا دليل أو أنه استحسن استحسانا؟!\nهؤلاء أصحاب النبي ﷺ عملوا بما أصله العمل، ولم يبتدعوا هيأة لم تشرع، ولا التزموا زمانا مخصوصا أو مكانا مخصوصا .. يتحرونه، وهم كانوا أعرف الناس بما وقت مما لم يوقت فيه حد.\nفخبيب صلى لنفسه صلاة لا ليسنها للناس يلتزمونها بعده، وإنما عرفنا أنها سنة تُلتزم في حال معينة من النبي ﷺ. وعبد الله بن عمرو رأى النبي ﷺ يصوم حتى يقال: لا يفطر، ففهم أنها عبادة مطلقة يكثر ما أطاق، فأكثرَ الصومَ حتى نهاه النبي ﷺ. كذلك الأمر في كل نظائره. ففيم المراء؟!\nوبعض ما استدلوا به هنا خارج عن محل النزاع كحديث بلال الذي رواه الترمذي [٣٦٨٩] وغيره من طريق الحسين بن واقد حدثني عبد الله بن بريدة قال حدثني أبي بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالا فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي. دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا لرجل من العرب. فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش. قلت: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد. قلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب. فقال بلال: يا رسول الله ما أذَّنتُ قط إلا صليت","vol":"1","page":238},{"text":"ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين فقال رسول الله ﷺ: بهما اه فقالوا: التزم بلال قيدا (ركعتين) دون أن يرجع إلى النبي ﷺ! ودون أن يُسَن له ذلك القيد! كذا قالوا! وقد روى مسلم [٢٣٤] عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة اه وقصة بلال في الصحيحين من حديث أبي هريرة لفظها أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. [خ ١١٤٩/ م ٢٤٥٨] هكذا من غير ذكر قيد، وهو دال على نكارة ذلك الحرف لأنه قال: إلا صليت ما كتب لي أن أصلي، فيدل على أنه لم يكن يتحرى عددا معلوما. وسواء علينا أكان الحرف الذي رواه ابن واقد محفوظا أم لا فليس فيه دليل للمخالف (^١). والقوم ظنوا أن النبي ﷺ لم يكن يعلم أن هذا العمل قربة - وهو صاحب الشريعة - حتى اجتهد فيه بلال! وذلكم ظنهم الذي ظنوا بنبيهم! كذلك البدع مطية سوء الظن بالله ورسوله ﷺ وحسبك بها.\nإذا تبينت هذا عرفت أن من موارد الزلل عند المخالف أنه عمد إلى فتاوى للسلف في الإذن في أعمال أحيانا فجعلوها كالرواتب. فكذلك أقول: عامة ما يعترض به المخالف من أعمال للسلف استحسنوها هي من هذا الباب. مثل من سهل في قراءة القرآن في الطواف على أنه من العمل المستحب مطلقا في الطواف وغير الطواف، من غير دوام عليه فيه، أي من غير أن يُجعل من سنة الطواف، لذلك أنكره من أنكره منهم مع المواظبة والإظهار إذ لم يكن العمل المواظبة عليه هناك. ومثله ما قالوا في\n_________\n(^١) - وقد رواه عن ابن واقد علي ابنه وزيد بن الحباب وعلي بن الحسن بن شقيق باختلاف في اللفظ ينبئ عن قلة ضبط، وللحسين بن واقد أوهام [الضعفاء للعقيلي ٢٣٠] فأصحها ما وافق رواية أبي هريرة، وهو ما روى ابن حبان [٧٠٨٦] وغيره من طريق أبي كريب عن زيد بن الحباب ولفظه: ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا صليت اه","vol":"1","page":239},{"text":"المنديل بعد الوضوء ونظائره، لا يُتكأ عليه لإثبات الاستحسان عندهم، وقد عرفت الفرق بين المستحب مطلقا والسنة الموقتة ..\nلكن الحجة على المخالف في ما أنكره السلف، فإن الإنكار أظهر في كون العمل محدثا، بخلاف ما استحبوه. فتدبره فإنه فصل نافع لحل ما قد يشكل من الآثار إن شاء الله.\nفإن قيل: والذي ذموه قد يحتمل أن يكون عند المنكِرِ دليل خاص! قلنا: ما كان لأصحاب محمد وأصحابهم أن يتظاهروا على ترك شيء من الدين لا ينقلونه، وقد عرفت أن نقص الدين لا يعني ضياعه بل هو محفوظ وإن قل أشياعه .. فما أنكروه من التعبد إنما لأنه بدعة منكرة، وهو بيِّن في آثار تقدم ذكرها.\nوإن قيل: كذلك من استحب ذلك العمل من أهل العلم لو كان عنده دليل خاص على استحبابه لرواه، فإذ لم يروه دل على أنه استحسن ذلك العمل استحسانا.\nقلنا: هذا قول من لم يعرف سيرة القوم! فإنهم كانوا ينقلون السنن بالعمل كما ينقلونها بالرواية، ونقل العمل عندهم أكثر، على ما علم من تعظيمهم الحديث عن رسول الله ﷺ كما تقدم. فما عملوا عرفنا أنه مما عُلِّموا (^١)، وما أنكروا علمنا أنه مما لم يكن لهم به عهد.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>فصل: من تمام الاتباع تمييز الأحكام بالقول والعمل والاعتقاد</span>\nفإن الشرع جاء بالأحكام وبحدودها، فمن حدود ما أنزل الله على رسوله ألا يسوى بين المستحب والواجب وغيرهما .. لا في العمل ولا في الاعتقاد كما لا يسوى بينها في القول أي الأمر به (^٢).\n_________\n(^١) - انظر إعلام الموقعين الوجه الثالث والأربعين من وجوه ترجيح فتاوى الصحابة ٤/ ١٤٧\n(^٢) - الموافقات المسألة السادسة وما بعدها من مباحث البيان الإجمال. و\" الحوادث والبدع\" للطرطوشي ص ٤٥. قال ابن تيمية [المجموع ١١/ ٤٥٠]: فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها. إلخ ما قال وحكى الاتفاق عليه.","vol":"1","page":240},{"text":"فمن خلاف السنة أن يُعتقد في النفل أنه فرض أو الفرض أنه نفل أو المباح أنه سنة .. كما تقدم في ترك الصحابة للأضحية وسجود التلاوة للبيان، أي حتى لا يعتقد الناس أن ذلك المستحب واجب. فإن السنة قد جاءت بالعمل وبنيته يؤخذان معا، لذلك كان الراسخون في العلم من أصحاب النبي ﷺ يَدَعون العمل لبيان منزلته وحذرا من اعتقاد غير حكمه.\nومن هذه الجهة كان البيان واجبا على النبي ﷺ للمستحبات وما شابهها وإن كان العمل في نفسه مندوبا … كذلك قد يصير فعل المستحب واجبا على العالم - والعلماء ورثة الأنبياء - إذا توهم الناس أنه بدعة مثلا، كذلك يتعين عليه تركه إذا ظن الناس أنه واجب أو خيف منه كما فعل الراسخون في العلم من أصحاب النبي ﷺ لوجوب البيان من حيث الجملة.\nلذلك لم يصلح أن يواظَب على المستحب بحيث يشَبه بالواجب، أو تكون مظنة إلى اعتقاد وجوبه، ولكن يفرق بينهما بالترك أحيانا للبيان.\nولا يكفي البيان بالقول دائما لأن أكثر الخلق يتعلقون بالعمل أكثر من الأمر، بل ربما تركوا الأمر الصريح من العالم لأجل الفعل إذا خالفه، لذلك عظمت في الدين أفعال العلماء، وكبرت زلة العالم.\nوليس يعزب عن هذا المعنى مَنْ دون أهل العلم، ولكن كل من كان بحيث يُظن به الاقتداء كالوالد مع بنيه، والشيخ في قبيلته .. وكل من كان له نوع رياسة .. فهو راع مسؤول يوم القيامة عن رعيته، فلينظر كيف تكون أسوته فيهم، والله المستعان.\nوهذا مثل الاجتماع للعقيقة صار في أزماننا سنة المولود، حتى إن من ترك جمع الناس لها، وأخذ بالعمل الأول (^١) قيل: غيرت السنة!! ولا زال النبي ﷺ والصحابة زمن النبوة والخلافة يولد لهم ويذبحون ولا يجمعون الناس لها، إلا ما وقع مرة أو مرتين (^٢) على غير السنة الغالبة.\n_________\n(^١) - مذهب مالك كراهة الاجتماع لها. الاستذكار ٥/ ٣٢١.\n(^٢) - قال البخاري [الأدب المفرد ١٢٥٥] حدثنا محمد قال أخبرنا عبد الله قال أخبرنا حزم قال سمعت معاوية بن قرة يقول: لما ولد لي إياس دعوت نفرا من أصحاب النبي ﷺ فأطعمتهم فدعوا، فقلت: إنكم قد دعوتم فبارك الله لكم فيما دعوتم، وإني إن أدعو بدعاء فأمنوا قال: فدعوت له بدعاء كثير في دينه وعقله وكذا. قال: فإني لأتعرف فيه دعاء يومئذ اه صحيح. وهذا كان في زمان معاوية بن أبي سفيان، وليس فيه أنه كان في السابع من ميلاده.","vol":"1","page":241},{"text":"بل تمادى الناس اليوم حتى صار الحريص على السنة يجمع الناس على قاص يذكرهم .. فنشأ الناس على أنها سنة المولود!! فحقيق على من يشار إليه بالتدين - لا أقول العلم حسب - أن يدع ذلك تأسيا بالسابقين الأولين. وبالله التوفيق.\nكذلك كل مباح لا ينبغي أن يترك تركا يظن منه أنه مكروه أو حرام، بل على أهل البيان أن يبينوا جوازه بما يتم به البيان بالقول أو الفعل. لئلا تتغير أحكام الشريعة اعتقادا أو عملا كأن يتعبد بترك مباح مطلوب بالجملة وهو بدعة، كما تقرر من قبل. وهذا من منهاج النبوة (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) [المائدة ٤٨].\nكذلك ينبغي لِحاظ منهاج التشريع بأن يفرِّق مَنْ ابتُلي بنظر الناس إليه بين ما ثبت تشريعه بالقول وما بالعمل وما دون ذلك. فبيان النبي ﷺ مراتب، ما بينه بالعمل مع الأمر ليس كما بينه بالعمل دون أمر، وليس كما فعل رجل فسكت عنه. فما بينه بالعمل بنوعيه هو المقصود للتشريع أصالة وهو الذي جاء رسولا لأجله. أما التقرير فتوسعة من باب لا حرج (^١).\nفمن عمد إلى ما أقر عليه فأمر به خالف منهاج التشريع، وكان له نقص عن الحكمة وكمال الاتِّباع بحسبه. مثال ذلك ما جاء في أذكار النوم من أفعال النبي ﷺ وأوامره هي أولى بالمواظبة والدلالة عليها مما أقر عليه صاحبا مثل قراءة آية الكرسي [خ ٢١٨٧]. كذلك الترتيب في أعمال يوم النحر يفرق فيها بين ما فعله وأمر به وهو الأصل الذي ينبغي أن يداوم عليه ويفتى به، وما قال فيه - بعد الفعل - \"لا حرج\" لا ينبغي أن يفتى بجوازه ابتداء، بل يوكل إلى الوقوع كما تركه النبي ﷺ حتى يقع. ونظائره كثيرة.\nوما يذكرون في \"السنة التقريرية\" هو نوعان:\n- نوع صاحبه ما يدل على الرضا بقرينة حال كما قال عمرو بن العاص في قصة احتلامه: فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا اه [د ٣٣٤] هذا النوع إنما يدل على\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة السابعة والثامنة من مباحث السنة.","vol":"1","page":242},{"text":"أنه فعل حسن بالقرينة الدالة على الرضا لا بالسكوت، فهو أحرى أن يلحق بالسنة القولية، لأن الإشارة كالقول الدال على الحكم، وهذا تجده مندرجا تحت قول من الأقوال الخاصة إذا فتشت كآية التيمم في قصة عمرو فإنه بمنزلة المرض، يؤيده حديث الشجة [د ٣٣٦].\n- ونوع خلا من ذلك، فهذا السكوت مع عدم الدلالة على الرضا يشعر بأنه إنما عفا لرفع الحرج خصوصا إذا كان قد زهّدَ فيه قبل ذلك، مثل العزل. ومنه ما روى البخاري [٦٧٨٩] عن أم عطية قالت: بايعنا النبي ﷺ فقرأ علينا (أن لا يشركن بالله شيئا) ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها. فلم يقل شيئا فذهبت ثم رجعت. فما وفت امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ اه هذا الصنف لا ينبغي أن يدخل في السنة أصلا، ولا يؤخذ منه أن ذلك العمل من المباح المأذون فيه، ولكن حقه السكوت عنه في مثل تلك الحال كما سكت عنه نبي الله ﷺ.\nوالقصد معرفة منهاج النبي ﷺ في التشريع لمعرفة مراتب الأحكام، والمقصود للتشريع مما لم يقصد، والأَولى فالأولى، ولاتِّباع المنهاج في البيان فإنه سنة متبعة. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-83>فصل في أن أكثر بيان النبي ﷺ كان بالعمل</span>\nهذا من منهاج النبي ﷺ في البلاغ، أعطي جوامع الكلم فلم يكن كثير الكلام ولكن العمل، كما قال: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا اه وهو ما فعله عمار بن ياسر وكان عليه أصحابه، كما قالت عائشة: ولا تُحَدث في الجمعة إلا مرة فإن أبيت فمرتين اه\nوتقدم نحوه عن ابن عباس وابن مسعود، لذلك أنكرت عائشة على أبي هريرة كثرة التحديث في المجلس الواحد وقالت: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم اه زاد الترمذي [٣٥٧٢]: ولكنه كان يتكلم بكلام بَيِّن فصلٍ يحفظه من جلس إليه اه فأنكرت عليه منهج التحديث دون الرواية، فإنه صادق مصدَّق، وحافظ مأمون.","vol":"1","page":243},{"text":"وفي الموطأ [٥٩٧] عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون فيه الصلاة ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم اه [عبد الرزاق ٣٧٨٧] فبين أن قرن الصحابة كان من محامده أن العمل فيه غالبا أكثر من الكلام، بخلاف من يجيء بعدهم ..\nومعلوم أن العمل يشد النفوس أكثر من الكلام، لذلك ترى الخلق يزهدون في عالم يخالف قوله فعله، فيدعون قوله لأجل العمل المخالف، فأثره أقوى من القول.\nوالبيان بالعمل أقوى في معرفة الهيئات، وأرسخ في الحفظ، وأبعد عن سوء الفهم، بخلاف ما لو كان التشريع أكثره وصفا باللسان، إذن لدخل الوهم في الحفظ والفهم ونحو ذلك مما لا يرد مع البيان بالعمل. ثم يصاحبه القول للدلالة على ما لا يدل عليه العمل من وجوب ونحوه أو عموم ونحوه أو جزائه ونحوه (^١)، فالأصل إذًا هو العمل، والقول خادم. لذلك قالوا: العلم وسيلة للعمل لا ينفع إلا حيث أثمر عملا صالحا.\nوقد روى مسلم [١٤٢٢] عن بريدة عن النبي ﷺ أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال له: صل معنا هذين، يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر. ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية. ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبرد بها فأنعم أن يبرد بها. وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان. وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق. وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل. وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: وقت صلاتكم بين ما\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الرابعة من مباحث البيان والإجمال.","vol":"1","page":244},{"text":"رأيتم اه فانظر كيف أرجأه حتى بين له بالعمل، فهو من الحكمة التي جاء بها ﷺ، وعمل بها أصحابه مثل ما روى أحمد بسند صحيح [٩٨٧] عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: إذا حُدثتم عن رسول الله ﷺ حديثا فظنوا برسول الله ﷺ أهيأه وأتقاه وأهداه وخرج علي علينا حين ثوب المثوب فقال: أين السائل عن الوتر، هذا حين وتر حسن اه وروى شعبة وإسرائيل وعمار الدهني والجراح بن مليح عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: سألت عبد الله بن عمرو وهو واقف بعرفة عن المشعر الحرام فسكت حتى أفاض وتلبطت أيدي الركاب في تلك الجبال فقال: هذا المشعر الحرام اه صحيح رواه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم.\nولو شاء الله تعالى لأنزل الكتاب جملة واحدة جمع فيه تفاصيل العمل بالقول المسهب .. ولكن أرسل رسولا كريما صالح القدوة عند الناس قبل النبوة ليعمل أمامهم، ويسهل على الناس العمل والاقتداء به، وقد جُبل ابن آدم على التأسي والأنس في الطريق، فلا يستوحش ما رأى أمامه قدوة في العمل. ولله الحكمة البالغة.\nلذلك كان من طريقة النبي ﷺ في البيان اختيار المناسبات، لا يشغل الناس بفقه أمر حتى يأتي زمنه، فيبين لهم أمر الله تعالى حتى يروه عيانا، وهذا كالحج نادى في الصحابة أنه حاج العام، فلما كان الإحرام بين ما يلزم المحرمَ دون تفاصيل الحج، ثم سار معهم يعمل متى كان وقت العمل ويتبعونه ..\nلذلك قال أنس بن مالك: كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء. الحديث [م ١١٢] أي أن النبي ﷺ كان يبين لهم متى كان وقت الحاجة وجاءت المناسبة دون استعجال.\nوقد ورثه أهل العلم من أصحابه كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة لم تكن قال: دعها حتى تقع. كما قال الشعبي: سئل عمار بن ياسر عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم [الدارمي ١٢٣/ ابن سعد ٣٧٤٤].\nوقال أبو خيثمة زهير بن حرب [العلم ٧٥] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا موسى بن علي عن أبيه قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء قال: آالله لكان هذا؟","vol":"1","page":245},{"text":"فإن قال: نعم، تكلم فيه وإلا لم يتكلم اه [صحيح]\nوقال أبو خيثمة [٧٦] حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الملك بن أبجر عن الشعبي عن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا اه [صحيح].\nفتركُ النظر في الأمورِ حتى يأتي وقت العمل بها يريح من الخلاف، ويُمَكِّن من العمل بما يُعلم، وهو أوقع في النفوس وأتم للبيان والحفظ، إذ النفس إذا احتاجت المسألة تشوفت إلى البيان فيقع على أتم ما يكون الانتفاع، لا كما لو كان التعليم قبل وقت الحاجة.\nإذا تبين هذا فإنه يدل على أمور:\n- منها الإعلام أن الدين جاء والعلمَ لأجل العمل لله وحده، فهو المطلوب الأصل من العباد كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات ٥٦] فمن عرف ذلك قل كلامه وكثر عمله كشأن الأولين. لذلك كان كثرة التأليف ذما، وليس عليه العمل الأول، وليس العالم من كثر تأليفه .. (^١) ومن عرف هذا ترك كثيرا مما يخوض فيه الخائضون مما ليس تحته عمل، واشتغل بما ينفعه، روى أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام وأهله ٩١٦] بسنده عن الأوزاعي قال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل اه نعوذ بالله من ذلك.\nوإن الله إذا أمرنا بشيء إنما يكلفنا بما يتحقق في الفطرة والعادة من العمل إذ كل من عند الله. فكل مسألة تنسب إلى العلم ليس تحتها عمل هي من جنس الأغلوطات التي نهى عنها الأولون، حقيقةٌ بأن تحذف من العلم وإن أدخلت فيه بالتأويل. كاختلافهم في من نام عن صلاة أو نسيها هل يصليها أداء أم قضاء! وهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وزعمهم في الإجماع أن الحجة منه ما كان صريحا (^٢) دون\n_________\n(^١) - ليت كثيرا ممن فتح له في تحقيق المخطوطات لم ينشغل بأسفار لا غَناء فيها، وأخرج للأمة كتب الآثار. وبالله التوفيق.\n(^٢) - الإجماع الصريح أن يثبت عن كل عالم (مجتهد) كلام صريح في المسألة، والسكوتي أن يصرح بعضهم ويسكت الآخرون.","vol":"1","page":246},{"text":"السكوتي! والصريح بما اشترطوه لا يقع عادة البتة لأنهم يعجزون عن أن يأتوا في ما مثلوا به للإجماع الصريح بالأسانيد الصحيحة عن كل عالم أنه صرح بوجوب الصلاة مثلا، إلا أفرادا منهم قليلا. فانتهوا إلى أن قالوا: هو أمر لا يتصور فيه اختلاف، فصار الإجماع الذي هو الحجة عندهم المفيد للعلم غير متحقق في الواقع، إنما الواقع منه السكوتي وهو عندهم لا يفيد العلم ولا يوجب العمل، فأنكروا ما يُسِّرَ للعمل، واحتجوا بما لا يقع، ولا يكون منه عمل! ومثله قولهم: هل يُعمل بالعموم قبل النظر في مخصصه؟ فتكلموا واختلفوا .. وليت شعري على من جرى الحديث؟ أما الفقيه فلا سلطان للمتكلمين عليه، هو عارف بما تفقه على مذاهب الأولين منازل العموم ونحوه، وأما المتعلم فلا سبيل له إلى \"الاجتهاد\" قبل أوانه ..\n- ومنها أن العالم هو من عرف الأمر الأول وما كان عليه العمل، كما قال سفيان الثوري: إنما العلم كله العلم بالآثار اه وقال مالك: العلم الذي هو العلم معرفة السنن والأمر المعروف الماضي المعمول به اه ويروى عن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين اه وأن من اشتغل بالكلام ونحوه مما يسمى علما لا يعد في طبقات العلماء (^١)، ولا صنعته من العلم في شيء ..\n- ومنها معرفة أن ما طُلب للعمل من القربات ونحوها إنما يلتمس بيانه من جهة العمل عملِ النبي ﷺ وأصحابه، لذلك لم يُعَوَّل على ما يفهم من المطلقات والعمومات في بيان صفة العمل. إذ البيان كان به لا بالأمر فقط، والقول جاء لأمور أخر لا يدل عليها الفعل كالدلالة على الوجوب والعموم في كل الناس وثواب ذلك، فالله تعالى شرع الدين، والنبي أول العابدين، فمن أراد أن يعبد ربه فقد أمر باتباع نبيه في ما اتخذه وسيلة إلى ربه لا يجتهد لنفسه كالمستغني عن بيان رسول الله ﷺ. فاعرف وظائف الأدلة يستبن لك فقه كثير.\n- ومنها معرفة ما يوقت من أمور القربات وما لم يوقت، فإن النبي ﷺ كان ربما حد فيها سنة معلومة تلتزم وربما لم يوقت وهو الأكثر، وتتبع العمل الجاري والترك\n_________\n(^١) - جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٩٤","vol":"1","page":247},{"text":"هو الذي يبين ذلك. فإذا لم ينقل في الباب شيء من الأفعال فاعلم أنه مما فهموا أنه لم يوقت فيه حد وليس فراغا يملأ بالقياس والنظر. وهذا مثل هيئة اليدين بين السجدتين وبعد الركوع لم ينقل الصحابة عن النبي ﷺ فيهما شيئا لعلمهم أنه لم يجعل فيها سنة يلتزم بها. ومنه مسافة القصر، لما اختلفت الآثار فيها ولم يكن العمل على سنة مطردة عُلم أن النبي لم يحد فيها شيئا إلا ما كان فيه مخايل السفر وهو العرف على أصح الأقوال ..\nومن هنا كان ملحظ مالك حين قال: وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف وليس لذلك صفة معلومة ولكن يغسل فيطهر اه مع علمه بحديث أم عطية، وقد رواه في الموطأ (^١)، فلم يكن سنة لأنه لم يتكرر العمل به والدلالة عليه في من غسلوا من الموتى.\nفلا يكفي في إثبات السنة حديثٌ واحد، ولكن مجموع الأخبار الدالة على الفعل والترك، حتى يستبين ما يُواظب عليه مما يُفعل أحيانا، وأن يعرف قصد النبي ﷺ من فعله.\nومنه اختلاف الناس في رص العقبين عند السجود، لا يكفي فيه ما روي عن عائشة \"فوجدته ساجدا راصا عقبيه\" [ابن حبان ١٩٣٣] ولم يزل النبي ﷺ يصلي أمام الناس ويعلمهم سنن صلاتهم، وكذلك أصحابه من بعده، وأنكروا على الناس أخطاء في سجودهم كافتراش المرفق ورفع القدم والأنف وتفريج الأصابع .. فلم يذكروا رص العقبين (^٢). ولم يوقت رسول الله فيه شيئا. فغاية ذلك الحرف إن صح - ولا إخاله محفوظا - أن يكون ضمَّ عقبيه لبردٍ أو ضيقِ موضعٍ أو نحو ذلك ..\n_________\n(^١) - ومنه ما قال ابن المنذر: وكان مالك بن أنس لا يؤقت في المسح على الخفين وقتا. لم يختلف قوله في ذلك. وإنما اختلفت الروايات عنه في المسح في الحضر، وقد أخبر ابن بكير مذهبه الأول والآخر، قال ابن بكير: كان مالك يقول بالمسح على الخفين إلى العام الذي قال فيه غير ذلك، قيل له: وما قال؟ قال: كان يقول أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يبلغنا أن أحدا منهم يمسح على الخفين بالمدينة اه [الأوسط ١/ ٤٣٦] القصد منهاج مالك في النظر.\n(^٢) - قال الحاكم ورواه [٨٣٢]: لا أعلم أحدا ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث اه","vol":"1","page":248},{"text":"والمقصود أن السنن إنما تؤخذ من مجموع العمل. وعلى هذا كان الناس في أول الأمر، وجرى في كلام فقهاء الأثر (^١).\nكذلك إذا ثبت خبر فيه عمل فلا تجعله سنة تُتعاهد ويواظَب عليها حتى تراها تتكرر في العمل الأول، وقد عرفتَ أن الفعل بفطرته لا يدل على العموم، وأن مأخذ السنن من جهة العمل.\n- ومنها أن ندرك طريقة نقل الصحابة للدين، فقد كانوا يبينون بالعمل أكثر من بيانهم بالقول كما تقدم في جزء الآثار، والعلماء ورثة الأنبياء. وقد أخبر الله تعالى عنهم قولهم (واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان ٧٤] فاستجاب لهم ربهم (^٢)، فلا تجد متقيا إلا مؤتما بهم مقتديا بأفعالهم كما اقتدوا بإمام المتقين ﷺ، فكان أحدهم يعمل ويفتي ولا يكاد يرفع الحديث.\nوأصل هذا عمل النبي ﷺ، لم يكن يرفع إلى الله كل ما يوحى إليه من الحديث،\n_________\n(^١) - كما تجده مثلا في قول الليث بن سعد في رسالته إلى مالك قال: .. وقد عرفتُ أن مما عبت إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله عز وجل لم يجمع إمام منهم قط في ليلة المطر وفيهم خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ. ويقال: يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة، وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح وقد كان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وبحمص سبعون من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين ونزلها علي بن أبي طالب سنين بمن كان معه من أصحاب رسول الله ﷺ فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط اه يريد استدلال مالك بحديث ابن عباس: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر قال مالك أرى ذلك كان في مطر. [الموطأ ٣٣٠] وهذا كما قال ربيعة وردَّ حديثَ بسرة في مس الذكر: وَيْحَكُم مثل هذا يأخذ به أحد؟ ونعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذه النعل لما أجزت شهادتها. إنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله ﷺ من يقيم هذا الدين إلا بسرة!؟ [شرح معاني الآثار ١/ ٧١]\n(^٢) - روى ابن أبي شيبة [٣٠٤٨١] بسند صحيح أن ابن عمر كان من دعائه على الصفا: اللهم اجعلني من أئمة المتقين.","vol":"1","page":249},{"text":"بل كانت الأحاديث القدسية التي يصرح فيها النبي ﷺ برفعها إلى ربه قليلة، كقوله: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. الحديث [خ ٦٩٧٠] وهي وحي منزل كما أن سائر الحديث وحي منزل، فتلقى الراسخون في العلم هذا المنهاج فبلغوا الدين على نحو ما تلقوه من النبي ﷺ. وهذا مستفيض في الآثار لم يزل أصحابهم يحتجون بأفعالهم ويقتفونها. ثم من الناس من يقول: إنما فعلوا ذلك تورعا فقط! ويضمر في نفسه أن لو صرحوا لكان أمثل، وأنه لو كان مكانهم لبلغ الأمانة كما ينبغي!! أفٍّ لظن السوء، أفيتورعون على علم ونجسر نحن على الجهالة؟! نعم هو ورع، وإنه لَسنةٌ جارية.\nوهذا ينبيك عن خطأ من ترخص في رواية الحديث الضعيف عن النبي ﷺ، فإذا كانت الصحاح على ما فيها من غَناء لا يكثر من روايتها فكيف بما لا يصح!\n- ومنها أن نعلم أن أعمال العلماء من أصحاب النبي ﷺ سنة ونقل عن النبي بالعمل أقوى من الإسناد، لذلك رجحه مالك وغيره على الروايات. فهو أصل صحيح في الجملة لكنه غير خاص بالمدينة وإن كان أكثر ما يكون فيها. ثم لا يضرنا بعد ذلك ما يذكر من تعارض الوقف والرفع لأيهما يصار، لأن الغرض - وهو العمل - حاصل، فتدبر (^١).\n- ومنها أن نعلم غلط من اشترط التواتر اللفظي في الاحتجاج بالأخبار، إذ غفل عن هذه السنة. فالتواتر اللفظي غير مطلوب شرعا، ولو كان كذلك لتنافسوا فيه ولحرصوا عليه. لكنهم كانوا على منهاج متبع وهدي رشيد. فمن اشترط التواتر وتنكر لخبر الواحد الثقة أو أخره فقد سفه نفسه! وتلك بدعة أحدثها من لم يعرف سيرة القوم ..\n- ومنها تقوية الحديث الضعيف السند بعمل الصحابة، ثم سَمِّه بعدُ صحيحا أو\n_________\n(^١) - أكثر من كتب في مصطلح الحديث بأخرة وأصول الفقه .. أشاعرة شافعية، فدونوا ما رأوا على أصولهم كهجر الاحتجاج بفتاوى الصحابة. فلتكن على ذكر .. وأحسن ما علمت من أقوال لعلماء زماننا في أصول الفقه الشيخ مقبلٌ اليماني كان إن شاء الله مقبلا على السنة مدبرا عن البدعة ﵀، ورحم أهل العلم من أصاب السنة منهم ومن تأول غيرها.","vol":"1","page":250},{"text":"حسنا، لذاته أو لغيره .. فالغرض أن له أصلا في السنة، وقد عرفت أن السنة هي عمل النبي ﷺ والصحابة بعده، والمقصود من الإسناد ما فيه من الفقه والعمل. وهذا مثل حديث معاذ في ترتيب الأدلة في القضاء (^١)، فقد عمل به العلماء أبو بكر وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس (^٢) .. فهو منهاج في القضاء وليس وصية وقعت من أحدهم عن اجتهاد. والإسناد ليس مقصودا لذاته، والنشاط لرفع الحديث وتكلفه في كل أمر ليس عليه العمل، فلا يضرنا إذ أثبتنا الأثر المعمول به كما جاء وعرفنا السنة أن لا نحقق في الرفع إلى رسول الله ﷺ تأسيا بالأمر الأول. وقد جرى على هذا مالك بن أنس في الموطأ إذ يذكر الأحاديث والآثار عن فقهاء الصحابة وإن كانت مراسيل ومعاضيل، وربما اكتفى بها دون أن ينمي ذلك. والله أعلم.\nومنه ما روى مالك [٤٦٩] عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر اه وهذا كتاب توارثه آل ابن حزم، وعليه عمل الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسلمان وجابر بن عبد الله من غير خلاف بينهم في مس المصحف، والقول بجواز مسه للحائض والجنب بدعة إنما قال بها من لم يحتج بالصحابة في الأصول كابن حزم الظاهري (^٣).\n_________\n(^١) - قال أحمد [٢٢١٥٣] ثنا عفان ثنا شعبة أخبرني أبو عون قال سمعت الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن فذكر كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب صدري فقال الحمد لله الذي وفق رسولَ رسول الله ﷺ لما يرضى رسوله اه [ت ١٣٢٧] وهذا مثل القضاء في المواريث والقصاص ونحو ذلك .. بعضه منصوص في القرآن وبعضه لا يوجد إلا في السنة وبعضه مما اجتهد فيه الصحابة، وهو أمر معلوم من سيرتهم، وهو في القضاء خاصة.\n(^٢) - الكبرى للبيهقي كتاب آداب القاضي باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي فإنه غير جائز له أن يقلد أحدا من أهل دهره ولا أن يحكم أو يفتي بالاستحسان اه وإنما مظان هذا في الأقضية.\n(^٣) - ولقد اغتر بها بعض خيارنا! واستدلوا بما لا يقوم كقول النبي ﷺ لعائشة: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري [خ ٣٠٥/ م ٢٩٧٦] فقالوا: هذا عموم، ولم ينهها عن قراءة القرآن .. وكذلك نقول لم ينهها عن الصوم .. ! وإنما كلمها في أعمال الحج، أن تفعل مثل ما يفعلون في حجتهم غير ألا تطوف ..","vol":"1","page":251},{"text":"- ومنها إثبات الترجيح بالعمل، إذا جاءت رواية مما نفهم منه عملا ليس عليها عمل أحد من أصحاب النبي ﷺ فالأمر تركُ الخبر للعمل، أي ترك فهمنا للحديث. لا تقل هذه معارضة للسنة بأقوال الصحابة وأفعالهم! ولكن قل: معارضة الحديث والرواية للسنة، فقد عرفت الفرق بينهما. ثم لا يهمنا أن نقول في الخبر هو منسوخ، أو غير محفوظ (^١)، أو أن من رواه تأوله على غير تأويله، أو أننا تأولناه على غير تأويله .. كحديث بشير بن الخَصاصية [س ٢٠٤٨] أن النبي ﷺ رأى رجلا يمشي بين القبور في نعليه فقال: يا صاحب السبتيتين ألقهما اه فلو كان خلع النعال من سنة المقابر لعمل بها رسول الله وأصحابه بعده ولتواصوا لكثرة تردادهم إلى البقيع والمقابر، فليس هو سنة، وإنما للحديث وجه آخر، لذلك ذكر أهل الآثار له وجوها مشهورة (^٢). ومثله حديث التسمية في الوضوء، لم يزل أصحاب النبي يتوضؤون ويحكون وضوء نبي الله ولا يذكرون التسمية، وما علموها أحدا من أبنائهم أو أصحابهم، وهي مما شرع ليَعمَل به كل عبد لو كان سنة وتتوافر الدواعي لنقله، وإنما وجه الحديث إن صح ما قال ربيعة: أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوى وضوءا للصلاة ولا غسلا\n_________\n(^١) - كما قال الثوري وشعبة ويزيد بن هارون في حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ ينام جنبا لا يمس ماء. أنه وهم من أبي إسحاق [ت ١١٩/ د ٢٢٨] [الأوسط لابن المنذر ٦٠٥]. وقد كانت عائشة تفتي بالوضوء لمن نام جنبا [ط ١٠٨/ ش ٦٦٦] وقال البغوي في مسند ابن الجعد [١٧٦٤] وكان في كتاب لعلي بن الجعد أنا سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة: أن النبي ﷺ كانت تصيبه الجنابة من الليل فلا يمس ماء حتى يصبح. فسألنا عليا عنه فلم يحدثنا به، وقال: ليس العمل عليه اه\n(^٢) - انظر مثلا صحيح ابن حبان [٣١٧٠] وشرح معاني الآثار باب المشي بين القبور بالنعال، وشرح السنة للبغوي [١٥٢١] وفي حديث عائشة [م ٢٣٠١] قالت: .. فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات. الحديث.","vol":"1","page":252},{"text":"للجنابة. [د ١٠٢] فهذا منهاج (^١).\n- ومنها أن تصح دعوى الخصوصية في حوادث الأعيان بإثبات أن العمل لم يستمر عليها مع وجود المقتضي لذلك. وهذا مثل حديث ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا اه [خ ١٢٥] ولم يجر عمل النبي بعد ذلك ولا أصحابه على غرز نحو ذلك على قبرٍ رجاء التخفيف .. فدل هذا على الخصوصية، وصحت الدعوى أنها حادثة عين لا يعمل بها، وأن ذلك ليس سنة. كذلك ما روى البخاري [١٢٢٥] عن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنتا لرسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان قال فقال: هل منكم رجل لم يقارف الليلة. فقال أبو طلحة أنا قال: فانزل. قال فنزل في قبرها اه وقد دفن النبي ﷺ بعدها نساء، ودُفن نساء النبي بعده وفاطمة بنت رسول الله ونساء المؤمنين .. ولم يكونوا ينادون في الدفن من لم يقارف أهله البارحة .. فدل على أنها حال خاصة ولمعنى خاص. ومن هنا كان ملحظ مالك لما ذهب إلى أن المعانقة كانت خاصة بجعفر ..\n- ومنها معرفة أن سنن العمل لا يشكل فيها إرسال الفقهاء التابعين، مثل ما صح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها اه أي في الخطبة الثانية [ش ٥٩١٦/ هق ٣/ ٢٩٩] فلا وجه لقول من رد مثل هذا وهو سنة ظاهرة نشأ عليها الناس أيام العلم والعمل. وعبيد الله من الفقهاء السبعة الذين ورثوا العلم والفتوى عن الراسخين من أصحاب النبي\n_________\n(^١) - قال أبو نعيم [الحلية ٤/ ٢٢٥] حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد ثنا محمد بن موسى ثنا إسماعيل بن سعيد ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن إبراهيم قال: إني لأسمع الحديث فأنظر إلى ما يؤخذ به فآخذ به، وأدع سائره اه وقال أبو نعيم [الحلية ٦/ ٣٢٢] حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق حدثني أبو يونس حدثني إسحاق قال سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت من ابن شهاب أحاديث لم أحدث بها إلى اليوم. قلت: لم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكن العمل عليها فتركتها اه","vol":"1","page":253},{"text":"ﷺ. فإذا عُلم ما تقدم تبين أن قوله: من السنة أي العمل الجاري في أهل العلم قبله وهم الصحابة.\n- ومنها العلم بأن \"خبر الواحد\" المعمول به في زمن الصحابة \"قطعي الثبوت\" \"يوجب العلم\" على اصطلاح المتكلمين. وأين هذا من القواعد التي صاغوا لها صياغة عامة وقالوا: هذه قواعد قطعية باستقراء تصرفات الشرع، وإنما هي عبارات محدثة اعتاضوا بها عن جوامع الكلم التي أوتيها نبي الله ﷺ! ثم قالوا في الأحاديث: هذه أخبار آحاد لا توجب العلم إلا الظن لورود الاحتمالات على ثبوتها ودلالتها!! فانظر إلى المحدثات كيف شوهت الدين، وأذهبت اليقين، وأورثت الريب في الكمال والبيان .. ولا والله لا يدرك العبد اليقين حتى يعلم أن الغنية كلها في كتاب الله وبيانِهِ سنةِ نبيه ﷺ. فإذا جاء حديث عن رسول الله عليه عمله وعمل الصحابة العلماء فهو أحق بالقطع به من الجوامع التي تصاغ بالاستقراء!\n- ومنها العلم بأن أمور النوازل (المصالح المرسلة) التي وكل النبي ﷺ تفصيل القضاء فيها إلى زمن وقوعها - أي تحقيق المناط - على أصله في عدم إشغال الأمة بما لم يأت وقته ليس من البدعة في شيء، لأن البدعة زيادة على الكمال واستدراك، وفتاوى النوازل تنزيل للحكم المقرر في وقته وعمل بالسنة في ما جاء أوانه، ليس زيادة في الدين. وما من عبد يعمل عملا إلا وهو يرى حاجته إلى عمله في صلاح دينه، فإذا رأى هذه المصلحة قائمة في العمل نفسه وأنه محتاج إليه ولو كان مع رسول الله فهو البدعة الضلالة، وإذا كانت الحاجة إليه مما طرأ بعد وأنه مستغن عنه ولا يؤخذ به إلا بمقدار زمان الحاجة فهو ما ينظر فيه من النوازل. فلفظ \"بدعة\" لا يتناول أمور النوازل بحال، وهذا إنما يكون في الوسائل والأقضية التي لم يكن لها ذكر زمن النبي ﷺ ليس القربات. فمن لم يعلم أن من منهاج النبي وأصحابه أن لا يعمل عملا لم يأت وقته ولا يفتي في ما لم يأت وقته من أمور الشورى اشتبه عليه البدع بالنوازل، ولم يفهم لِمَ جمع الصحابة المصحف ولِمَ ضمنوا الصناع ..\n- ومنها التأسي بالنبي ﷺ في التربية، فأكثر الآباء يربون أبناءهم بالأمر والنهي أكثر من تحريهم القدوة في أنفسهم، خلافا لمنهاج النبي في تزكية أصحابه وهو خير","vol":"1","page":254},{"text":"مربي ﷺ. ومَن أكثرَ الأمرَ والنهيَ عرَّض الولد إلى العصيان وكسر جدار الطاعة لا محالة، فيُسَهل على ولده عقوقه من حيث لا يدري. والله المستعان.\n- ومنها أن نعلم دخول العمل في الفتوى، فعمل العالم أو المتَّبَع - بفتح الباء - من جنس التوقيع عن الله ما دام منظورا إليه (^١) ..\n- ومنها أن يحذَر اللهَ من كان منظورا إليه، إذ كان عمله محل أسوة، والعمل أقوى من الكلام، فإن زلته لا كزلة من لم يبتل بمثل بلائه! سواء كان عالما أو مظنونا به العلم، حتى الأب في رعيته فإنه مربٍّ بفعله أكثر من قوله شعر أو لم يشعر لأنها فطرة، حتى وإن أكثر عليهم الأوامر والنواهي فإنه يربيهم بعمله ذاك على أن يأمروا وينهوا مع قصر العمل .. فمن عرف هذا لم يستمرئ أن يجعل نفسه موضع قدوة بغير تحقق بالعلم، فإنها خلافة النبي ﷺ في بعض أمته .. و(إنما يخشى الله من عباده العلماؤ) [فاطر ٢٨] والله المستعان.\n- ومنها أن تعلم أنه لا يصلح أن يتساهل في إطلاق لقب العالم على من لم يكن أهلا للقدوة في نفسه، حتى تكون هدايته بالعمل وحبه له أكثر من اللسان .. ولا تأليفه وكتبه أكثر من تربيته وثمرتها .. لأن العلماء هم ورثة الأنبياء، فبقدر وراثته يكون علمه. وقد قال الدارمي عبد الله في سننه [٤٢٠] أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى صلاته وإلى سنته وإلى هيأته ثم يأخذون عنه اه\nوروى أبو القاسم الجوهري [مسند الموطأ ٣٣٠] بسنده عن مالك قال: كانت أمي تلبسني الثياب وتعممني وأنا صبي وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن وتقول لي: تأتي أنت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفهمه اه ولا أحسب شداد بن أوس أراد بقوله: أول العلم يرفع الخشوع إلا هذا، فالعالم من نصحك بحاله وعمله قبل لسانه. والله أعلم.\n- ومنها أن المفتي إذا أجاب السائل بلا تفعل أو أكره كذا .. ونحوه أجزأه، لأن\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الثانية من مباحث الفتوى.","vol":"1","page":255},{"text":"قصد السائل العمل .. ومن أَلِف الجدل لم يقنع حتى يناقشه أحرام هو .. والأمر كان على خلاف ذلك. قال الدارمي [مقدمة السنن ١٨٤] أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال ولا حرام إنما كان يقول: كانوا يتكرهون وكانوا يستحبون اه وقال ابن عبد البر: وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا حسنا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا. [جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢٨٦] فمن عرف أن القصد العمل قنع بالهدي الأول.\n- ومنها أن الأولى بالمفتي ألا يجيب عن كل ما يُسأل حتى يَعلَمَ السائلَ عاملا بما يعلم، فإنه مربي وارث. ومنه تعرف متى يلزم المفتي الجواب ويكون إمساكه كتمانا للعلم .. ومنه أن الجواب إنما يكون عما تحته عمل، فأكثر الناس لا يحسنون المسألة، والمفتي معلم، فإذا عودهم على ألا يسأل أحدهم إلا عما تحته عمل أصاب السنة ..\n- ومنها معرفة ما ينبغي أن ينشغل به الطلاب من الحديث، فإن الانصراف إلى كتب الشمائل والمغازي ونحوها .. يشغل عن القرآن ومعرفة السنن التي شرعت للعمل كما تقدم عن عمر بن الخطاب، وفي هذا المعنى ما روي عن شعبة بن الحجاج قوله: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟! [شرف أصحاب الحديث ٢٥٦] (^١). وليس مراد شعبة الزهد في حديث رسول الله ﷺ كما نعق أهل البدع، ولكن أن يكون درسه على منهاج الأولين العلم مع العمل، والأَولى فالأولى. كيف وبالحديث بيان كتاب الله، وفيه الحكمة المنزلة من الله، والدلالة على خير الهدى هدى رسول الله .. لكن ليحذر امرؤ يحتج بالحديث دون شهادة أصحاب\n_________\n(^١) - وقد روي عن ناس من أهل العلم نحوه كما روى البغوي في مسند ابن الجعد [١٨١٨] بسنده عن سفيان الثوري قال: لو كان الحديث من الخير لنقص كما ينقص الخير. وأخرج الخطيب بسنده عن مالك قال: ما أكثر أحد من الحديث فأنجح. وعن عبد الرزاق أنه قال: كنا نظن أن كثرة الحديث خير فإذا هو شر كله. [شرف أصحاب الحديث ٣٠١/ ٣٠٣] وهذا كله من هذا الباب مخالفة منهاج التلقي الذي كان سنة الناس قبلُ.","vol":"1","page":256},{"text":"رسول الله فيكذبه الله ورسوله، فإن استدلال المستدل بالعموم والمفهوم والعلة ونحو ذلك يعني أن أغلب ظنه أن الله أراده وأن نبيه قصده في مقاصد كلامه، فيقذف بالظن من مكان بعيد، وإنما القصد من الحديث ما جرى في عمل النبي ﷺ وأصحابه.\n- ومنها أن من السنن المنسية سنة الصمت ولو كان المرء في جماعة، وقد روى ابن أبي عاصم في الزهد [٥٥] وغيره بسند صحيح عن إبراهيم قال: كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتا أفضلهم في أنفسهم اه وانظر جامع ابن وهب وكتاب الصمت لابن أبي الدنيا.\nوروى البخاري [٦٠٧٨] عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده وليس معه إنسان قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ قلت: أبو ذر جعلني الله فداءك. قال: يا أبا ذر تعال. قال فمشيت معه ساعة فقال: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا. قال: فمشيت معه ساعة .. الحديث. فانظر كيف كلمه بكلمة ثم سار ساعة ثم زاده أخرى كل ذلك صمت وسكينة.\nوروى أبو داود [٤٧٥٥] عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير. الحديث.\nوفي صحيح ابن حبان [٤٨٦] عن أسامة بن شريك قال: كنا عند النبي ﷺ كأن على رؤوسنا الرخم ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه ناس من الأعراب فقالوا: يا رسول الله أفتنا في كذا أفتنا في كذا. الحديث. وقد تقدم نحوه عن الصحابة والتابعين، وهو أمر مشهور. والقصد بالصمت ترك اللغو، والإقبال على الذكر في السر.\n- ومنها أن تعلم وجوها للمخالفة في بدع يدعي أصحابها عدم المخالفة فإذا خالفت سنة الصمت فحسبك بها .. كالجهر بالذكر عند الجنائز وملازمة الوعظ عند الدفن .. ومن جهل هذه المعاني ظن في الدين الكامل نقصا وفراغا!! فلم ير الابتداع مخالفة ..","vol":"1","page":257},{"text":"- ومنها أن من عرف هذا لم ير لاجتهاد إحداث بدعة فائدة، إذ القصد العمل، والعمل العتيق كاف لمن صدق في قصده ..\n- ومنها معرفة أن ما يوافق شهوات الخَلق ولا ينشزون عنه بفطرتهم لم يؤكد الشرع الأمر به، لأن القصد من الأمر حاصل وهو العمل، وهذا كالوطء فإنه واجب بالجملة يستدل على وجوبه بمجموع الشريعة، لذلك كان حكم الإيلاء .. والخلق جبلوا على ذلك، فلم يأت تقريره لأنه كاللغو حينئذ. فإذا عرفت هذا عرفت أن من مسالك الوجوب أن يخبر الشرع أن ذا من سنن الفطرة التي لا تبديل لها، واستمرار العمل عليها .. فمن رخص في حلق اللحية، وزعم أن ليس في السنة دليل على منعه، كان من غفلته، إنما كانوا قوما على أصل فطرتهم في مثل هذا، فلم يكن بهم حاجة إلى تأكيد الأمر به كل حين، لذلك لم يتواتر الخبر فيه عن رسول الله ﷺ، ولم يحتاجوا فيه إلى تصريح بحرمته كما صرح بتحريم الخمر والميتة وما أشبه ذلك مما كانوا يتعاطونه في الجاهلية، ويحتاجون إلى بيان شره وتذكير بخطره. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-84><span data-type='title' id=toc-85>فصل في بيان أن السنة في القربات أن لا يُسأل عن حِكمها </span></span>(^١).\nوذلك أن شيمة العبد الطاعة دون أن يسأل لِمَ وفيمَ؟ لذلك امتنع القياس في القربات، والحاجة إليه فيها منعدمة.\nوحقيقة التعبد هو الانقياد والذل، والعبد هو الذلول الذي لا يتلكأ، والسؤال عن حِكَم الأوامر قادح في العبودية. والقصد في هذا المقام التعبد من الله، إذ للتعبد إطلاقان:\nتعبد من الله لعباده: وهو امتحانهم بالأمر الذي حجب عنهم حكمته، وهو الشائع عند الأصوليين يجعلونه قسيم المعلل الذي ظهرت حكمته.\nوتعبد من العبد لله وهو التقرب إليه بامتثال أمره على وجه الذل له سبحانه، سواء عرف وجوه الأمر أم جهلها، فهو ممتثل مطيع.\nفالأول فعل الله، والثاني فعل ابن آدم. وكلاهما متلازم، فالتعبد الذي هو فعل الله حجب الحِكم والامتحان بالعمل بلا مراجعة. والتعبد من العبد هو امتثال ذلك وأخذ الحُكم دون الالتفات إلى العلل، أي بالتسليم بلا علم تفصيلي .. وهو حقيقة الذل، لذلك سميت القربات كذلك لأن أخذها يكون دون معرفة وجوه الحكم فيها. والله\n_________\n(^١) - الموافقات: المسألة الثامنة عشرة من النوع الثاني من كتاب المقاصد.","vol":"1","page":258},{"text":"أعلم. فحقيقة العبد أنه لا يراجع .. وهذا جار في الأوامر وفي النواهي كالنهي عن البدع، سواء النهي الخاص كتخصيص يوم الجمعة بصوم، أو النهي العام كقوله ﷺ: وإياكم ومحدثات الأمور اه فكل عبادة سواء بالترك أو الفعل لا يقال فيها لِمَ، إذ لا يسأل الرب عما يفعل وهو يسألون.\nوإذ قد علم أن القربات من حيث الجملة لا تعلم حِكمها، فالسؤال عنها حينئذ لغو أو تنطع. غير لائق بالعبد، وهذا ظاهر بحمد الله. وينبني عليه أمور:\n- منها أن الأمر عندهم في الذكر الراتب ونحوه التوقيف بلا تصرف مثل ألفاظ التشهد ونحوه مما تقدم. فقد كانوا يتعلمون ذلك ويعلمونه على الحروف. فمن زاد شيئا من عنده فإنما يُزري على خير القرون! ويشذ عن القواعد المحكمة. كمن زاد في الأذان والتشهد لفظ \"سيدنا \" .. وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة!\n- ومنها أن يسقط كثير من الاشكالات التي يوردها بعض المسلمين، إذا قيل له: عملك هذا بدعة! قال: وماذا فيه؟! فكأنه قال معترضا: لأي معنى منع هذا العمل؟! أو أي مفسدة شرعية فيه؟! والسؤال من أصله غير صحيح وغير وارد. فإذا نهاك الله ورسوله ﷺ عن عمل بنص خاص كالنهي عن القراءة في الركوع والسجود، أو بعام كقوله: إياكم ومحدثات الأمور اه فقل: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، تكن متبعا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان.\n- ومنها أن يتبين خطأ من زعم أن سلوك الأدب يقدم على امتثال الأمر، وجعله قاعدة بنى عليها استحسان زيادات مبتدعة! واستدل لها بحديث إمامة أبي بكر بالنبي ﷺ وبحديث علي ﵄ في الحديبية فقال: أمرهما النبي ﷺ بأمر فتركاه للأدب! ثم أجاز لنفسه أن يزيد لفظ \" سيدنا \" في الأذان والتشهد عند ذكر رسول الله ﷺ بدعوى الأدب، مخالفا خير القرون، ناسيا أن كل بدعة عند صاحب الشرع ضلالة وأنها ليست من الأدب في شيء. وما احتج به لا يدل على المطلوب، وبيان ذلك من وجوه:\n- الأول: أن القاعدة المقررة عند الصحابة في حياة النبي ﷺ هي الامتثال (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة منَ أمرهم) [الأحزاب ٣٦]. وهذا من جوامع الكلم عموم في كل أمر لأنه نكرة في سياق الشرط. بل كانوا يتركون","vol":"1","page":259},{"text":"العمل الذي هو في عرف من حولهم أدب إذا جاء النهي أو الأمر بخلافه. كما في قصة سجود معاذ وحديث أنس في القيام وحديث أبي بكر في مرض النبي ﷺ. وإنما كانوا ربما تركوا ما علموا أنه ليس قضاء واجبا. فما احتج به المخالف هو من هذا الباب قطعا. والواجب رد المتشابه القليل إلى المحكم الغالب.\n- الثاني: أن الصحابة لم يكونوا بعد النبي ﷺ يتركون الأمر والاتباع لدعوى الأدب. وهديهم الثابت أن الابتداع مخالفة للأدب لا سلوك له كما في حديث نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال اه كذلك حديث المسيب بن رافع الكاهلي قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال الرجل: وحده لا شريك له فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه وقد كانوا يحسنون الأدب حين وقفوا مع الامتثال! وهل في تلك الزيادات المحدثة في التشهد والأذان إلا نسبتهم إلى مخالفة الأدب!؟ إذِ انصرم قرنهم وهم لا يؤَذِّنون ولا يتشهدون إلا كما عُلِّموا؟ حاشاهم من ذلك كله! فالقاعدة المزعومة ليست من هديهم.\n- الثالث: أن ما احتجوا به حكايات أفعال، وحكايات الأفعال مَظنة الاحتمال لعدم الاطلاع على قرائن الحال. فعلى أقل تقدير يحتمل أن الصحابي فهم أن الأمر ليس اقتضاء من قرينة الحال التي رأى ولم نرها، وما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال (^١).\n- الرابع: غاية ما في فعل أبي بكر تعارض أمر بمعنى الإذن مع أصل مقرر وهو\n_________\n(^١) - إذا قلنا: القول مجمل والفعل هو المحكم الذي يبينه، لا يعارض قولنا: أن الفعل مظنة الاحتمال، لأن الفعل نص من جهة، محتمل من جهة أخرى. فمن حيث دلالته على شرعية صورة الفعل هو نص فيها، ومن هنا كان بيانا للمجمل. وما سوى ذلك هو مَظِنَّة الاحتمال. والفعل أو حكاية الحال خاص بفطرته لا عموم له ولا مفهوم، وإنما يعم بقرينة مثل العلة أو ترك الاستفصال. وما دام كذلك فإعماله في ما لا يدل عليه نوع افتراء.","vol":"1","page":260},{"text":"إمامة الأفضل. ذلك أن إمامة أبي بكر بالنبي ﷺ رخصة وتفضل، فتمسك الصديق بالعزيمة بالأمر الأول في مقابل الإذن. والعزيمة مقدمة ليست تأدبا يجتهده الصديق. والبدع التي يحتجون لها غير مأمور بها أصلا.\nكذلك حديث علي، فإنه علم من قرائن الحال أن النبي ﷺ لا يحب محو الكلمة، وأنه ما كان ليفعل لولا عناد المشرك، فأبى أن يعطيه ما أراد. ولم يتركه لأن الأدب عندهم مقدم. ولكن ليغيظ به الكفار، فلم يسرع في هواه، بل حرص على ألا يغيَّر من الشريعة شيء. ومعلوم أن ما أمر به النبي ﷺ هو الحكمة وأولى مما فعل علي ﵁، فإذا ثبت هذا لم يكن الأدب هناك أولى من الامتثال. وأيضا إننا نزعم أن النبي سكت عن علي لأن المقام ليس مقام إنكار، إذ لكل مقام مقال .. وكم من أمور كانت في الحديبية على غير الأصل كما قال أبو بكر: \" امصص بَظْرَ اللات \" فلم ينكر عليه النبي ﷺ، وكانوا عند رأسه قياما وهو جالس ولم ينكر عليهم، وتردد الصحابة عن امتثال أمره بالحلق والنحر فلم يواجههم بالإنكار. وكل ذلك كان من العفو والترخص لا السنة التي تقصد للتشريع ويتناولها الطلب!\n- الخامس: أن ما استحسنوه إنما استندوا فيه إلى القياس على فعل الصحابيين، وقد تقرر أن التعبد لا يثبت بالقياس.\n- السادس: أن وجه استدلالهم هو بإقرار النبي ﷺ للصاحبين على ذلك العمل، والاقرار يدل على الجواز لا الاستحباب، أي أن ما فعله الصحابي جائز عفوٌ لا أكثر، يجوز ترك الأمر لا يستحب. والذي استدل له المخالف هو استحبابٌ أصلي لا إباحةٌ، فلا وجه للاستدلال منه. يوضحه:\n- السابع: أن الإقرار في الأصل راجع إلى رفع الحرج، لا يدل على أن الفعل مقصود للشرع أي أن ما فعله الصحابي عفو لا حرج فيه لا أنه مراد من الشرع فعله. وما يجري على المقاصد يتصدى الشرع لبيان حكمه ابتداء، أو تنبيها عند الوقوع، كأن يقول إن أبا بكر سن لكم سلوك الأدب فاعملوا به، لكنه لم يقل ذلك. وما هذا شأنه لا ينتزع منه قاعدة مطلوبة العمل. وليس كل إقرار مقصودا للتشريع (^١) أو ما كل\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة السادسة والثامنة من مباحث السنة.","vol":"1","page":261},{"text":"سكوت إقرارا كما تقدم. والقاعدة المستقراة دليل على أن معناها مقصود للشرع في تصرفاته. فما بَعُدَ جريانه على المقاصد امتنع اعتباره من القواعد.\n- الثامن: أن القواعد كما يقولون لا تؤخذ من دليل أو اثنين! ولكن بالاستقراء والعمل، فبناء القاعدة المزعومة من هذه الجهة هش. كيف وهي تعارض الأصل المقطوع به وهو لزوم الامتثال؟\n- التاسع: أن الحديثين لا يدلان على العموم في كل حالة، لأن الإقرار بمنزلة الفعل في عدم الدلالة على العموم، فهو مركب من فعلين: فعل الصحابي وترك إنكار النبي ﷺ عليه، والترك فعل. كذلك ما يقال له \"سنة تقريرية\" حاصلها فعل صحابي ترك النبي ﷺ الإنكار عليه. فليس له عموم بفطرته، ولا بالمعنى إذ قد علمت أنه بخلاف الدعوى.\n- العاشر: أن ما فعله الصحابيان ترك لأمر ترك النبي الإنكار عليهما فيه، والقوم أمةٌ منهم لا يحتجون بالترك! فما الذي جعله هنا حجة؟!\n- الحادي عشر: أن \"سلوك الأدب\" اجتهاد، وهم قائلون ألا اجتهاد مع الدليل.\n- الثاني عشر: أن النبي ﷺ دل أمته على كل جوامع الكلم التي أوحيت إليه، بينها الله في كتابه أو حُفظت عن رسوله في حديثه، أو جرت على لسان العلماء الوارثين من أصحابه، ولم تكن هذه الكلمة من ذلك في شيء، فإنما هي مما أحدث!\nفإذا جاء الأمر أو النهي عزما امتنع سلوكٌ غيرُ الامتثال، لأنه هو الأدب. وهو عمل حبيب إلى قلوبٍ حبب الله إليها الإيمان وزينه فيها، وكره إليها الكفر والفسوق والعصيان .. والله تعالى يقول (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) [الحجرات ١] وهذا عموم بحذف المتعلق فلا تُقَدمنْ قولا ولا اجتهادا ولا أدبا تُراه ..\nولو تأملت كل بدعة أنكرها السلف لوجدت لها تعلقا هنا، إذ يريد صاحبها أن يسلك الأدب مع الله ليزداد تعبدا .. فترك الوقوف عند حدود السنة! لكنهم نهوا عن ذلك لأن الابتداع نفسه سوء أدب .. فهذه إذًا قاعدة محدثة لفظا ومعنى، وإنما القاعدة الجامع الحق قول ربنا ﷻ (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).","vol":"1","page":262},{"text":"- ومنها أن السنة في الذكر والدعاء السر، وهو في القرآن، قال الله تعالى (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول) [الأعراف ٢٠٥] أفاد الإسرار قوله (في نفسك) وأكده قوله (دون الجهر) والتأكيد في معنى النص لرفعه الاحتمال كما قالوا.\nوكذا قوله سبحانه (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) [الأعراف ٥٤] أفاد السر قوله (خفية) وتأكد بقوله (إنه لا يحب المعتدين) أي المعتدين في الدعاء بخلاف الوصف المطلوب ومنه الإسرار بالدعاء.\nوقال النبي ﷺ وسمعهم يجهرون بالذكر: \"يا أيها الناس! اِربَعوا على أنفسكم. إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم\" [م ٢٧٠٤]. لذلك كانوا يكرهون رفع الصوت بالذكر والدعاء كما تقدم.\nوقال ابن أبي شيبة [٣٠٨٠٠] حدثنا وكيع قال حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الذكر اه يشهد له الاستقراء أنهم كانوا يكرهون ذلك، وهو أثبت من الإسناد. ومن ذاق طعم المناجاة وجد ما في الجهر من التكلف والفساد ..\nوما شرع في العمل الأول على خلاف الأصل فعلى قدره وليس هو الغالب، مثلما روي عن عمر أنه جهر في الصلاة بدعاء الافتتاح لتعليم الناس [ابن أبي شيبة ٢٤٠٤ والدارقطني ١٧] وكالتكبير أيام التشريق. فيدل هذا على رد كثير من الحوادث كالدعاء أدبار الصلوات بصوت واحد جهرا. تُرد لوصف الإحداث، ثم لمخالفتها هذا السَنن، فضلا عن مصادمتها للأدلة الخاصة.\nومن احتج بحديث ابن عباس [خ ٨٤٢/ م ٥٨٣]: \" كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير\" فهو محمول عند الشافعي [الأم ١/ ١٥٠] وغيره على التعليم لعدم جريان العمل عليه. ويدل له أن ذلك كان في زمن الوفود لأن ابن عباس متأخر الصحبة. فلم يكن عليه العمل قبل الوفود ولا بعدهم زمان الخلفاء الراشدين لذلك قال: \"كنت\".","vol":"1","page":263},{"text":"لكن يشكل عليه أنه ذكر التكبير خاصة، وليس في العمل الأول الذكر بالتكبير وحده إلا أيام التشريق، ولو كان شيء غيره - على فرض أن الحديث محكم - لأوشك أن ينقله أكثر من نفس بالعمل أو بالقول، لأنه مما تتوافر الدواعي لبيانه في الأمصار، ولسرى عليه العمل لظهوره، ولنقل من عمل الصحابة، ولبينوا لفظه وعدده .. وأين أصحاب ابن عباس من هذا؟ سعيد بن جبير وعكرمة وطاووس ومجاهد وعطاء وأبو الشعثاء؟ أم أن ابن عباس ترك العمل بما روى وتابعه أصحابه ..؟ أم أن أبا معبد مولى ابن عباس إنما أنكر معنى ما حَفظ عنه عمرو بن دينار؟ قال عمرو في رواية مسلم: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك اه\nومن حمل التكبير في هذه الرواية على الرواية التي أخرجها البخاري قبلها عن ابن جريج قال أخبرني عمرو أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس ﵄ أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ. وقال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته اه وقال أن الخبر مروي بالمعنى فحمل التكبير على الذكر، وَهِمَ لأن الذكر هو المجمل والذي يسوغ أن يعبر به عن معنى التكبير، إذا بلغك أن رجلا يكبر صح أن تقول: هو يذكر الله. وإن قيل لك: سمعتُ رجلا يذكر الله، لم يصح أن تقول إذا رويت بالمعنى: هو يكبر .. بل الصواب أن نقول: إن رواية الذكر هي الرواية بالمعنى المعبر بها عن التكبير.\nفيشبه أن يكون ما روي عن ابن عباس في أيام منىً من حجة الوداع فهو الذي جرى عليه عمل السلف الجهر بالتكبير أدبار الصلوات أيام التشريق، وهذا إسناد مكي. والله أعلم.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>ذكر البيان لمعنى قول الله (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)</span>\nهذا من جوامع الكلم الدالة على أن الله لا يقبل يوم القيامة من العمل إلا ما كان سنة ومن السنة إلا الخالص له سبحانه، وقال الله جل في علاه (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) هذا اتباع السنة (إنه بما تعملون بصير) [هود ١١٢] الإخلاص. وقال سبحانه (واتبع ما يوحى إليك من ربك) أمر باتباع السنة (إن الله كان بما تعملون خبيرا) [الأحزاب ٢] تنبيه على الإخلاص. وقال جل في علاه (إنما تنذر من اتبع الذكر) اتباع السنة (وخشي الرحمن بالغيب) [يس ١١] الإخلاص. وقال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [التوبة ١٠٠] فالشرط هو جمع الاتباع لهم بالإحسان وهو في معنى الإخلاص في حديث جبريل. وقال سبحانه (وأن أقم وجهك للدين حنيفا) اتباع السنة (ولا تكونن من المشركين) [يونس ١٠٥] إخلاص الدين لله. كذلك قوله سبحانه (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) هو السنة (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [الكهف ١١٠] الإخلاص (^١).\nفهذه من جوامع الكلم التي أعطيها نبي الله ﷺ، ونظائرها في السنة مشهورة.\nلذلك كانت النية الحسنة لا تصيِّرُ البدعةَ حسنةً، وقد كان الأوائل ينكرون العمل ولا يستفصلون عن صلاح النية، فيدل على عدم الاشتراط في القبول والرد، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما ذكر عن الشافعي ﵀.\nيؤيدها ما صرح فيه المنكَر عليه بصلاح القصد كما قالوا لابن مسعود: ما أردنا إلا الخير! بل ما من عامل إلا وهو يزعم أنه قاصد ببدعته الخير والزلفى إلى الله. فشرط قبول العمل الإخلاص مع وفاق السنة، فإذا عدم أحدهما كان العمل ردا عياذا بالله تعالى.\n_________\n(^١) - روى الهروي [ذم الكلام ٤٧٣] بسنده عن محمد بن الفضل بن سلمة قال: قلَّ ما جلسنا إلى فضيل إلا أتانا بهاتين الكلمتين: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، ولا يقبله إلا على السنة اه","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>فصل في بيان قول النبي: إنه لا يأتي الخير بالشر</span>\nهذا من جوامع الكلم [خ ١٣٩٦/ م ٢٤٧٠]، فالسنة لا ينتج عنها إلا الخير، والبدعة لا تأتي إلا بالشر، فهذا الحديث جامع طردا وعكسا يدل - بمفهومه - على أن الشر لا يأتي إلا بالشر. كما نبه قول الله تعالى (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون) [الأعراف ٥٨] فكذلك البدع لا ينتج عنها إلا الشر والضلال.\nلكن قد يعرض بعد البدعة مصلحة يُظن أنها أثمرتها، والنبي ﷺ أخبرنا أن البدع كلها شر! فاعلم أن كل بدعة ضلالة وإن وقع بعدها ما هو مصلحة، لذلك أنكر السلف كل بدعة مطلقا. لذلك قال الأوزاعي: \"بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به\"، فالخشوع والبكاء ثمرة مطلوبة شرعا لم تَجعل البدعةَ حسنةً، بل كانت فتنة يخشى معها تزيين العمل الباطل. وقد اتفق الناس على أن الأذان للعيدين والجنازة لا يستحب وإن حصل القصد المطلوب في تَيْنِكَ العبادتين وهو اجتماع الناس.\nكذلك الذي يتعاهد القرآن راكعا أو ساجدا، فإنه وإن حصل له المقصود وهو الاستذكار فالعمل باطل. ومنه رد العلماء على الوضاعين أحاديثهم وإن أثمرت في الناس رقة مطلوبة. ومنه قراءة الحائض القرآنَ للحفظ، فإنها وإن تم لها المقصود المطلوب شرعا أثمت ولم يكن ما تسببت به عملا صالحا. كذلك من تصدى للفتوى وليس لها أهلا، فإنه وإن نطق بالحق أثم وعمله غير صالح. وقريب منه قول رسول الله ﷺ: إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر اه [خ ٢٨٩٧] فإجراء المصلحة على يده وهي النكاية في العدو لا يعني أنه من الله بمنزلة. ومنه قول العلماء أن الكرامة ليست دليلا على استقامة من جرت على يده ..\nوهي مصالح لا تنفع صاحبها في دينه، وإن توهم ذلك. وهذا سارٍ في القربات والعادات كآكل الخنزير للشِبَع، المسبب مباح بخلاف السبب وهلم جرا (^١) ..\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الحادية عشرة من مباحث السبب من أحكام الوضع. قال ابن تيمية [المجموع ٢٢/ ٣٠٥]: والأحوال التي تحصل عن أعمال فيها مخالفة السنة أحوال غير محمودة وإن كان فيها مكاشفات وفيها تأثيرات. فمن كان خبيرا بهذا الباب علم أن الأحوال الحاصلة عن عبادات غير مشروعة كالأموال المكسوبة بطريق غير شرعي والملك الحاصل بطريق غير شرعي، فإن لم يتدارك الله عبده بتوبة يتبع بها الطريق الشرعية وإلا كانت تلك الأمور سببا لضرر يحصل له اه","vol":"1","page":266},{"text":"ومن عرف الفرق بين الإذن الشرعي والإذن القدري، والفرق بين السبب الحقيق وبين ما احتف به أدرك هذا، فإن التعاهد سبب منتج للحفظ قدرا، ثم يختلف حكمه على حسب العمل. فالذي يتعاهد القرآن راكعا قد يحصل له الاستذكار بسبب التعاهد لأنه وضع سببا له قدرا، وإنما المنع شرعا من صورة العمل. كذلك في العادات، فإن حصول الولد نتج عن إلقاء البُضع في الرحم وهو سببه، ثم يكون حكمه شرعا على حسب ما قارن السبب من نكاح أو سفاح. فإذا أذن الله تعالى بحكمته في حصول الولد من الزنا قدرا لم يعنِ أنه يأذن فيه شرعا. فاحفظ الفرق بين المسبَّب في الشرع والمسبب في القدر، فإن الشرع يجري على المصالح المرضية، والقدر يجري على الحِكَم المخفية.\nوالله تعالى يمتحن العباد بتلك المتشابهات كما نبه الأوزاعي، فَيُضِلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء ولله الحكمة البالغة. كحال قريش كانت تستدل بحادثة الفيل - وهي نتيجة في الواقع - على أن دينها حق حتى كانت تؤرخ بها .. وتستدل على صحة دعاء الأصنام بإجابة الدعاء، فكان الرب الحكيم يجري عليهم أرزاقهم امتحانا، ولو لم يجربوا جريان الرزق ما ثبتوا، فيستدلون بالنتيجة الصحيحة على صحة السبب الباطل .. فيزدادون اجتهادا في بدعتهم، ويزدادون من الله بعدا. لا يُحَصلون التقوى والولاية المترتبة على العبادة الصحيحة، وهو المقصود الأصلي من العبادة، وإن حصل لهم عاجل حظ وفتنةٌ مريبةٌ. نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.\nوالمقصود أنه إذا اتفق أن حصل على إثر بدعة مصلحةٌ مطلوبة شرعا، مثل حفظ القرآن، فذلك لا يعني أن البدعة مشروعة مرضية.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>فصل في بيان السنة في الوسائل</span>\nالأمر عندهم أن وسائل القربات يتوقف فيها لاقترانها بها، وإن كان الأصل فيها مجردة عن القربة الإذن. كقولهم في المنديل للوضوء والوسادة في الصلاة ونحو ذلك، وربما أخذ التابع حكم متبوعه كما قال الآخِرون.\nفينظر إن كانت تعارض سنة الترك أي وجدت مظنة الحاجة إليها زمن النبي ﷺ ثم تركها فالسنة الزهد فيها اتباعا لنبي الله، وتلحق بالبدع، مثل الأذان للعيد لم يشرع العمل به لأنَّ تركه دليل الإلغاء.\nولا يقال هنا: إن للوسائل أحكام مقاصدها وإذا صح المقصود صحت الوسيلة! لأن هذا المعنى هو في الوسائل التي يتوقف حصول المطلوب عليه، كما قالوا: ما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب بدلالة الالتزام. وما هذا بابه لا يتركه النبي ﷺ ما وجد في زمانه. ومن زعم في شيء من ذلك أنه مطلوب غلط.\nوالأمثلة عليها في أزماننا كثيرة، منها اتخاذ السياسة وسبلها .. وسيلة للإصلاح، فإنها - فضلا عما فيها من محاذير ووجوه المخالفة - لم تكن من هدي النبي ﷺ وكان الداعي للأخذ بها في زمانه قائما، وكذلك لم يحرص عليها المسلمون في هجرة الحبشة على ما علم من قربهم من النجاشي الملك ﵀.\nوحال عامة من وثب \"للتغيير\" و\"الخلافة\" وذهل عن العلم والعمل والرجوع به إلى زمن الخلافة الراشدة كما روى البخاري [٦٦٩٥] عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشأم ووثب ابن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب، فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم! إن ذاك الذي بالشأم والله إن يقاتل إلا على الدنيا وإن هؤلاء الذين بين","vol":"1","page":268},{"text":"أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا اه\nكذلك اتخاذ الخط لتسوية الصفوف للصلاة، فمن المسلمين من يراها من أمور النوازل (مصلحة مرسلة) وليست هي كذلك! إذ تركُ النبي ﷺ للخط مع يسره وإمكانه يدل على إلغائه، وعدم اعتباره. وليس كل ذلك مما حدث الداعي إليه بعد أن لم يكن. ثم فيه وجوه للمخالفة خاصة لمن تفطن لها، أقربها أنها تخالف ما كانوا يفعلون من إلزاق الكعب بالكعب، فتسوية الأقدام بالخط يكون من جهة الأصابع فينشأ عنها تفاوت الكعوب لتفاوت الأقدام طولا وقصرا .. فمن أخذ بالخط ترك ذلك، فليست هي مصلحة مرسلة ولكنها ملغاة مهملة. وكل خير في الاتباع.\nفإن لم يكن لها ذكر زمن النبي ﷺ ثم حدث لم تحمد المسارعة إلى الأخذ بها حتى لا نجد عنها بدا، فهي التي أسماها الأصوليون مصلحة مرسلة راجعة إلى تحقيق المناط (^١)، مثل جمع المصحف، فإن المناط متحقق فيه، والقصد بالمناط المصلحة الشرعية التي ثبتت صحتها بالأدلة وهي هنا حفظ القرآن من الضياع. فالمناط دليل الإذن، أي وجود المصلحة المطلوبة شرعا في هذا الفرع (النازلة) دليل على طلب الأخذ به إذا وجد، وعدم قيام المقتضي في عهد النبي ﷺ دليل على مطلق عدمِ قصد الإلغاء - وهو المانع إذا وجد - وعلى إمكانِ قصد التشريع فلا يخالف سنة التَّرك إذًا.\nوينبغي أن يعلم أن أقضية النوازل (المصالح المرسلة) إنما تؤخذ عند الحاجة، فهي بمنزلة الرخصة التي ينبغي الاحتياط في العمل بها، لأنها مأذون فيها عند الحاجة المعينة، فمتى وجدت شرعت بمقدار، وإلا رجعنا إلى الأصل. وكثير من هذه الوسائل إنما احتاجتها الأمة عند ضعفها كتضمين الصناع (^٢). فليست من المطلوبات\n_________\n(^١) - تحقيق المناط هو بيان أن الفرع مقصود التشريع بالحكم الذي وجدت علته فيه وانتفت عنه موانعه، وحقيقة المصلحة المرسلة أنها قياس انعدم فيه الأصل المقيس عليه، أخذ حكم الحادثة فيها من العلة الصحيحة.\n(^٢) - وكما قال ابن سعد [٨٦٨٢] حدثنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن زياد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: أول من سأل في السر شريح: فقيل له: يا أبا أمية أحدثت! قال: فقال: إن الناس أحدثوا فأحدثت اه سند جيد، وهذا ترخص لغوي كما تقدم.","vol":"1","page":269},{"text":"الأصلية. فمتى فصلت الوسيلة عن مقصدها وجعلت سنة دائمة صارت غاية، فتنقلب إذًا بدعة.\nثم كثير مما استحسنه المخالف وقال: هو وسيلة إلى عبادة، يصح الاعتراض عليه بأنه وسيلة إلى الابتداع وفتح بابه فيمنع، ويقال: للوسائل أحكام المقاصد. وقد عرفنا أن الأولين كانوا يلاحظون المآل في كراهة الأعمال، كما تقدم. فكل عمل خيف من إفضائه إلى بدعة فهو مذموم. وهذا يدل على أنهم كانوا يرون الذم في التعبد أشد من الاستحباب، سواء قدرنا أنها كراهة أو تحريم فجانبها مغلب. فكيف يطلق القول في الوسائل بالجواز؟\n\n<span data-type='title' id=toc-89>فصل في بيان أن السنة جاءت بالنهي عن التشبه بالكافرين</span>\nففي الصحيحين [خ ٧٣٢٠/ م ٢٦٦٩] عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ اه وفي الصحيح [خ ٦٨٨٨] عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. فقيل يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟ اه فكل ما كان من شعار الكافرين في دينهم فلسنا منهم في شيء. قال ربنا ﵎ (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) [الأنعام ١٦٠] وتالله ما فرقوا دينهم إلا بالبدع. فأصل الإحداث سنة جاهلية، نهى عنها الله ورسوله ﷺ وحسم مادتها.\nوكثير من البدع في تاريخ الأمة كان مأخذها من مضاهاة اليهود والنصارى ونحوهم. قال ابن كثير [البداية والنهاية ١/ ٢٢٨]: قال ابن عساكر وغيره: وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم زوج ابنته، وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول الله ﷺ عن يهودي باليمن، وأخذ عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري اه فكان منشأ بدعة الجهمية والتأويل","vol":"1","page":270},{"text":"من اليهود. وكانت القدرية بذرة مجوسية، ومن سلك في تعبده تعذيب النفس شابه فيها عباد الهند، والكلام والمنطق أخذ من اليونان، والسبائية أصل قولهم من عبد الله بن سبأ اليهودي، والاحتفال بالميلاد سنة النصارى، والتغني في الدعاء والتعبد بالمعازف سنة الرهبان، والتمايل عند قراءة القرآن مضاهاة لليهود في تلاوتهم، واتخاذ القبور والمشاهد مساجد سنة أهل الكتاب في أنبيائهم وصالحيهم .. وهكذا في بدع العلم والعمل منشأها من المغضوب عليهم أو الضالين، لذلك كان السلف الناصحون المؤصِّلون يسدون الذريعة متى ما ظهرت لهم المشابهة، وهذا إنما يكون إن شاء الله في الأعمال المطلقة غير الموقتة.\nوقد ذكر الله في آيات معايب لأهل الكتاب من تتبعها وجد آثارها في هذه الأمة، وأولها النظر والاجتهاد في إحداث التعبد، فما أن ذهب موسى لميقات ربه حتى اتخذوا العجل بدعة وقالوا وما أقبح ما قالوا (هذا إلهكم وإله موسى فنسي) [طه ٨٨]، وقد كانوا يهمون بذلك وهو بين أظهرهم حتى إذا غاب عنهم عملوا، قال تعالى (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين) [الأعراف ١٣٨/ ١٤٠]. لذلك ذكر النبي هذه الآية للحدثاء في الدين لما سألوه ذات أنواط [ت ٢١٨٠] ولزم السنة السابقون الأولون العلماء الوارثون كما لزمها هارون النبي الوارث من قبل. وقول الذين استَضعفوا هارونَ النبيَّ الوارث وكادوا يقتلونه وخرجوا عليه بالرأي وهم يعلمون أن نبي الله موسى استخلفه وأمرهم باتباعه أشبه شيء بأمر الحرورية الذين خرجوا على الصحابة الوارثين الذين زكاهم الله ورسوله وأوصى باتباعهم .. فالخروج على العلماء والأنبياء سنة يهودية أخذت طوائفُ من هذه الأمة منها نصيبا، كما أخبر الصادق المصدوق، والعصمة في الاتّباع.\nفتتبع كتاب الله تجد مثل هذا في القرآن كثيرا، لتعاين أن التحذير من سَنن أهل الكتاب والمشركين وصية عتيقة. وقد بسط القول في هذا الشيخ أبو العباس ابن تيمية ﵁ في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم فأغنى وشفى.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>فصل في وجه إطلاقهم اسم البدعة على العمل الثابت في السنة</span>\nبيانه من وجهين عام وخاص:\nأما العام فقد تقرر أن أصلهم المطرد في الفرق بين البدعة والسنة هو العمل، فما أصله العمل سنة وما أصله الاستنباط بدعة. لكن بقي هنا تفصيل يجري على طريقة بعض أهل العلم:\nوهو أن العمل في زمن النبي ﷺ باعتبار المداومة والترك نوعان:\n*- عمل مطرد على الدوام مثل الوتر كان النبي ﷺ وأصحابه يداومون عليه الدهرَ. فهذا لا شك في كونه سنة، وأنه لا يسوغ تسميته بدعة.\n*- وعمل لم يقع إلا أحيانا مثل صلاة الضحى والجماعة في التراويح، إذ كلاهما عمل لم يواظب عليه النبي ﷺ ولا أصحابه زمن الوحي. فالمواظبة على هذا النوع سنة من جهة، محدث من جهة أخرى إذا تُوُسِّع في اللفظ. فمن حيث العمل سنة، ومن حيث الترك أحيانا بدعة لأن البدعة فعل ما تُرِك. هذا النوع هو الذي ترخص ناس من أهل العلم في تسميته بدعة - جريا على طريقة العرب الأولى - يريدون الوصف لا الحكم في قولهم \"نعمت البدعة\"، فالحكم دل عليه الفعل الجامد \"نعمت\" ولفظ \"بدعة\" إنما دل على الوصف.\nلكن لا يخفاك أن هذه الفتاوى حوادث أعيان لا عموم لها في كل الأحوال لأن الفتاوى أفعال لا أقوال، والفعل لا عموم له، وإنما تحدثوا عن عمل خاص، فلا يعم إلا بقياس إن قلنا به، والقياس المحتمل إجراؤه هنا هو قياس الشبه لا العلة، لأن القربات لا يجري فيها التعليل أي بالمعنى المناسب. فيقاس عليها ما شابهها وهو العمل الدائر بين الفعل والانقطاع في إمكان الوصف بنعم البدعة.\nلكن لا يخلو هذا الترك من أحد وجهين:\nالأول: إما أن يُترك ويُنَبَّه على مانع من المواظبة مثل ما تقدم في التراويح، ومنه قول عائشة في الضحى: وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه فبينت أنه من هذا النوع، وقد كان أبو","vol":"1","page":272},{"text":"هريرة يحدث الناس في المسجد بوصية النبي ﷺ بها [خ ١١٢٤/ م ٧٢١] فهذا وجه ظهر قصد الشرع إلى إمكان المواظبة عليه، فلا شك في شرعية المداومة عليه إذا زال المانع، ويسوغ على قولٍ تسميةُ المواظبة عليه بدعة باعتبار الوصف وهو إظهار العمل بعد أن لم يكن لا باعتبار الحكم، وهذا إطلاقٌ إنما ترخص فيه من ترخص لخلو مقامه من المحاذير لا ليحض الناس على استحسان البدع. ومنه ما روي عن ابن عمر في الضحى والحسن البصري في القصص.\nثم للعامل بعد ذلك وجهان: إما أن يبقى على العمل الأول كما فعل ابن عمر لم يكن يصلي الضحى إلا عَرَضا. وإما أن يأخذ بالمداومة مثل عائشة. ومن هذا فِعلُ عمر في التراويح، استصحب العمل الأول، فلم يكن يجمع معهم.\nفهذا وجه ما أطلق عليه اسم البدعة من السنن. وقد علمنا أن من أصولهم المحكمة \" كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة \". فمن قاس على فتوى هي حادثة عين ما لا يشبهها - وليس له إلا قياس الشَبَه - لم يصل ما أمر الله به أن يوصل، ولم يعط كل دليل حقه. فإنما مدح ما أصله العمل، وظهر له قصد الشرع إلى إمكان المداومة، أو تردد فيه.\nالثاني: أن يترك العمل ولا ينبَّه على قصد المداومة عليه، ثم يبقى العمل على حاله من الفعل والترك زمن الصحابة. فهذا لا شك في أن المواظبة عليه بدعة مخالفة لقصد الشرع، والبدعة فعل ما لم يثبت قصد الشرع إلى فعله.\nهذا كلام من حيث الجملة يجري على قول بعض أهل العلم، لكن بقي هنا نكات هن جواب خاص:\nما روي عن ابن عمر في الضحى أنه قال: \" نعمت البدعة \" ليس طلبا لفعلها وتحريضا وإنما هو إقرار. كما في رواية ابن الجعد أنه كان إذا سئل عن سبحة الضحى قال: لا آمر بها ولا أنهى عنها ولقد أصيب عثمان وما أحد يصليها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي اه وكذا رواها البغوي في جزء أبي الجهم العلاء بن موسى فقال [١٧] حدثنا أبو الجهم ثنا ليث عن نافع عن عبد الله بن عمر كان يُسأل عن صلاة الضحى، فلا ينهى ولا يأمر بها ويقول إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون، ولكن لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها اه صحيح، ليث هو ابن سعد.","vol":"1","page":273},{"text":"وكيف يستحبها للناس وهو القائل في ما روى ابن أبي شيبة [٧٧٧٤] حدثنا وكيع ثنا ابن أبي خالد عن الشعبي عن ابن عمر قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت إلا أن أطوف بالبيت اه وهذا سند صحيح، ورواه عبد الرزاق [٤٨٩٣] عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به. وكان ربما صلاها لسبب فاعتذر كما روى ابن أبي شيبة [١٧٤٣] حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر صلى يوما من الضحى وقال: إني كنت مسست ذكري فنسيت اه صحيح.\nفإنما قال نعمت البدعة - إن صح عنه - في شيء تركه ولم يندب الناس إليه. ولقد كان حقا على من احتج بهذا الحرف أن يجمع كلام ابن عمر ليعرف مذهبه في الضحى. فهذه زلة منهجية.\nكذلك الأمر في ما روي عن الحسن، فقد روى سعيد بن منصور في التفسير [٥/ ١٨٣] نا عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال: سألت الحسن أقرأ في مصحف أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: اقرأ في مصحفك. قلت: أعود مريضا أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك. قلت: أشيع جنازة أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: شيع جنازتك. قلت: استعان بي رجل على حاجة أحب إليك أن أذهب معه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب إلى حاجة أخيك. حتى جعله خير مجالس الفراغ اه ورواه ابن الجوزي في جزء القصاص من طريق سعيد به [٢٠٨] وهو خبر صحيح. والذين أسسوا ما سمي \"البدعة الحسنة\" أمروا بالمحدثات وتعاهدوها، بل جعلوها أصلا من أصول التشريع كما نطق بعضهم! فمحل استدلالهم غير مطابق للدعوى! فتدبر.\nوأيضا قول ابن عمر: \"وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي\". ليس مدحا ولكن كما يقول المحَدِّث: \"أصح شيء في الباب كذا\" وهو خبر ضعيف عنده (^١) .. ألا ترى\n_________\n(^١) - ونظائره مثل ما قال الترمذي تحت [ح ٥٥٥] \"سمعت محمدا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إلي من هذا ولا أروى عنه شيئا \". يريد محمد بن عبد الرحمن. وقال العقيلي [الضعفاء ٣/ ٤٧١] حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا عباس قال: سمعت يحيى يقول: سنان بن هارون وسيف بن هارون ضعيفان، وسنان أعجبهما إلي اه وهذا مشهور.","vol":"1","page":274},{"text":"أنه لم يفعلها ولم يأمر بها؟ ولو كانت عنده من الخير لأمر به لأن المؤمنين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف. أما قوله: \"ولا أنهى عنها\" فلأنه متردد في نسبة فعلها إلى النبي ﷺ كما نبه قوله لمورق: \"لا إخاله\". أو لتردده في قصد ذلك الوقت بصلاة. وتوقف عن العمل لأنه الأصل، ولأنه لاحظ الترك كما تقدم. فقوله: \" أحب إلي \" لا يلزم منه إثبات المحبة لذلك، وهذا جار في لسانهم ففي القرآن (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) [طه ١٠٤] أي أقومهم وأعقلهم، وليس المعنى أنه عاقل مصيب. وقال يوسف (السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) [يوسف ٣٣] وليس فيه إثبات المحبة للفاحشة ولا للسجن أصالة.\nوروى عبد الرزاق [١٧٦٢] عن هشام بن حسان أنه سمع عكرمة يحدث عن ابن عباس قال: لأن أحمله - يريد الغائط - في ناحية من ردائي أحب إلي من أن أزاحم الغائط والبول اه صحيح.\nوقال عبد الرزاق [٢١٤٨] عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: لأن أنام عن العشاء أحب إلي من أن ألغو بعدها اه سند صحيح. ليس يعني محبته تنجيس الثوب والنوم عن العشاء.\nومثله ما روى أحمد [١٧٠١١] والمروزي [السنة ٩٧] واللالكائي [١٢١] بسند ضعيف (^١) عن غضيف بن الحارث الثمالي أنه قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء إنا قد أجمعنا الناس على أمرين. قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر. فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما. قال: لم؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة. فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة اه ومنه قول عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما ابتدعوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة. وقول عبد الله بن شبرمة: هو أحسن ما ابتدعوا، أي أهون (^٢) فهذا تعريض لا\n_________\n(^١) - لأن مداره على أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، وهو منكر الحديث [الجرح والتعديل ١٥٩٠].\n(^٢) - قال ابن تيمية: \" قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب أو كما قال مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة \". [اقتضاء الصراط ٢٩٧]","vol":"1","page":275},{"text":"استحسان. فكأن ابن عمر قال: لأن يحدثوا هذا الفعل الذي يشبه أن يكون فعله النبي فيما يحكون عنه خير من محدثاتهم. وهو القائل مؤصِّلا \" كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة \".\nوفي مختصر قيام الليل لابن نصر المروزي [٥٠]: وسأل رجل ابن عمر ﵁ فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحى! فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب. فقال ابن عمر: كنا نحدث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان اه\nوهذا يشبه ما روى ابن أبي شيبة [٧٨٦٢] حدثنا وكيع قال حدثني أبي وإسرائيل عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: وللضحى صلاة؟ اه رجاله ثقات. أي صلاة مخصوصة يحافظ عليها.\nلكن في النفس من الحرف \"نعمت البدعة\" فإنما رواه عنه سعيد الجريري عن الحكم بن الأعرج قال (^١): سألت ابن عمر عن صلاة الضحى وهو مستند ظهرَه إلى حجرة النبي ﷺ فقال: بدعة ونعمت البدعة. وقد خالفه حاجب بن عمر وهو ثقة وهو ابن أخي الحكم بن الأعرج فقال ابن أبي شيبة [٧٧٨٢] حدثنا وكيع ثنا حاجب بن عمر عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة اه ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر [خ ١٦٨٥/ م ١٢٥٥] عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة. الحديث.\nفيشبه أن يكون الحرف الزائد غير محفوظ. ورواية حاجب توافق غيرها وما عُلم\n_________\n(^١) - وفي بعض الطبعات لمصنف ابن أبي شيبة [٧٧٧٥] حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكم بن الأعرج قال: سألت محمدا (كذا!!) عن صلاة الضحى وهو مسند ظهره إلى حجرة النبي ﷺ فقال بدعة ونعمت البدعة. وفي بعض: عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج عن ابن عمر. ولا أدري الوهم من الناسخ أو اضطراب في السند ذاته.","vol":"1","page":276},{"text":"من فقه ابن عمر القائل: \" كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة \". فلا تشبه فقهه والله أعلم. وعلى تقدير الثبوت فقد علمت وجه ذلك من حيث الجملة.\nكذلك قول عمر رحمة الله عليه \" نعمت البدعة هذه \" فإن أحسن ما قيل فيه أنه ما قالها قاصدا تسميتها بالبدعة، وإنما سماها كذلك تنزلا وتجوزا في الكلام كما دلت رواية نوفل بن إياس \" إن كانت هذه بدعة لنعمت البدعة \"، وهما بمعنى واحد، كنحو قول الله تعالى إن شاء الله (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) [الزخرف ٨١] وقالت ليلى الأخيلية:\nونِعم الفتى إن كان توبةُ فاجرًا وفَوْقَ الفَتَى إنْ كانَ ليْسَ بفَاجِرِ\nأي إن زعمتموه فاجرا فنعم الفاجر. ومنه ما قال ابن عمر لابن الزبير: أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير اه رواه مسلم [٦٦٦٠] من طريق يعقوب بن إسحاق الحضرمي أخبرنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل، ورواه غسان بن عبيد الموصلي بمعناه فقال: والله لأمة أنت شرها لنعم تلك الأمة اه رواه ابن الأعرابي في معجمه [١٤٤٣] من طريق غسان أخبرنا الأسود بن شيبان. كلمة قالها ردا على أراجيف بني أمية على ابن الزبير. ومنه ما روى البخاري [٤١٦٣] عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد. قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم اه فهذا إنكار منه لا إخبار، وكأنه قال: لستم أعلم منهم، فمعنى قول عمر نعمت البدعة هذه: ليست هذه بدعة.\nلذلك أخرج الحديثَ حديث عمر مالكٌ في الموطأ وهو الحريص على ألا يخرج خبرا يُحتج به على البدع وقد عرفتَ أصوله رحمة الله عليه.\nهذان الأثران عن عمر وابنه أسند ما احتجوا به من الرواية عن الصحابة في وصف البدعة بالحسن وليس في شيء منها حجة كما عرفت. وبالله التوفيق.\nفلا تتركن المحكمات إلى ما تشابه، لأن ما خالف السنن المستقرة فإما له وجه","vol":"1","page":277},{"text":"خفي على من روي له، أو أنه اجتهاد أخطأ فيه كسائر المسائل التي يختلف فيها الأولون، أو أنه مُعَلٌّ من جهة اللفظ أو السند .. والله أعلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>فصل في التنبيه على جريان المتشابهات في القَدَر كجريانها في الشرع</span>\nقال الرب الحكيم ﷾ (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) [آل عمران ٧] فأخبر سبحانه أنه جعل في القرآن متشابهات، وأن ذلك من حكمته ليمتحن العباد. وهي في السورة تمهيد لخبر عيسى ﵇ وهو متشابه في القدر، فخَلقُه ﵇ من المتشابه القدري الذي هلك فيه الضالون حتى التمسوا له المتشابه من الكتاب. (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) الآية، فهم في قلوبهم زيغ وانحراف عن الهدى ثابت قبل الاستدلال عياذا بالله! نظروا في الأدلة لينتصروا لما هم عليه من الهوى. فتتبعوا المتشابهات ابتغاء الفتنة وهي البدعة كما في قول ابن مسعود \" كيف أنتم إذا لبستكم فتنة \" وقوله \"إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة \" وقد تقدم، والبدعة فتنة للقلب لأنها تغر وتضل عن خير الهدى.\nوهذا كقوله سبحانه (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) [الحج ٥٢] فبين أنه سبحانه أذن إذنا كونيا للشيطان سواء من الإنس أو الجن أن ينفث الوساوس عند تمني النبي أي تلاوته وتبليغه دين الله .. فحذف الملقى من الشيطان لدلالة السياق عليه، وكل إناء بالذي فيه ينضح. فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته فتبين للناس معانيها. وفي قوله (ثم يحكم) دلالة على أن البيان والإحكام قد يتأخر للامتحان، والحرف ثم للتراخي. وبين أن ذلك كله بعلمه وحكمته والله عليم حكيم (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به\n_________\n(^١) - راجع المسألة الأولى من مباحث العموم من الموافقات.","vol":"1","page":278},{"text":"فتخبت له قلوبهم) فبين أن الذي يقع في اتباع المتشابهات من كان قلبه محلا قابلا وهم أهل النفاق والقاسية قلوبهم التي لم ترق للاتباع والانقياد للسنة العبادةِ الصحيحة، فمِن غِلَظها أن أهون شيء عليها تأويل ما دل عليه كلام الله ورسوله واتباع المشتبه، مع تشددهم في تحفظ كلام أئمتهم والغيرة عليها من التأويل ونحوه .. كما قال تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) [المائدة ١٣]. فَمَنْ حرَّف دلالة شيء مما أوحي إليه كان له نصيب من ذلك، وسببه قسوة القلب والاستهانة بالأمر، وهذا من اتباع سَنَن الذين من قبل (^١).\nومن الشبهات المقدرة ما حصل في فتنة الإفك بسبب شبهة في الواقع وهي تخلف عائشة وصفوان تلقفها الشيطان فَرَوَّجها بين الناس .. وتأخر الوحي ثم انتصر الله لأهل بيت نبيه ﵊.\nومنها ما حصل بين الصحابة زمن الفتنة، وقد روى البخاري [٦٦٨٨] عن أبي وائل قال قام عمار على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها، وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم اه\nوهكذا ما يكون من زلات العلماء، وجرح الأقران .. كل ذلك من المتشابه الذي ينبغي ألا يعول عليه في استدلال ولا اتباع ..\nفكذلك يشكل على الغَمر ما يرى من انفتاح الدنيا على أهل الكفر، ويرى أهل الإيمان يُقَتلون ويضيق عليهم .. فترتاب قلوبهم .. كما يحصل مع الدجال من فتنة، لما بين يديه من المتشابهات قدرا ..\nولا يزال مع الزمان تظهر الشبهات والبدع مما يلقي شياطين الإنس أو الجن .. فَيُلهِمُ الله من يشاء من عباده كما قال النبي ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون اه [خ ٦٨٨١] وكما قال معاذ: يا أيها الناس لا تعجلوا\n_________\n(^١) - الإكليل في المتشابه والتأويل لابن تيمية.","vol":"1","page":279},{"text":"بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هنا وهنا. فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سُدد وإذا قال وفِّق اه [الدارمي ١٥٣] فبين أن الأمة إذا احتاجت في دينها حكمة وفق الله من شاء منهم .. فيحكم الله على ألسنة العلماء ما أفسده المغيرون المبدلون ..\nومن ذلك جريان الشبهة في أفعال السلف وأقوال بعضهم كما حذر معاذ من زيغة الحكيم التي يقول من سمع: ما هذا؟! ما أراد بها؟! أو مما يكون في كلام أحدهم من الإشكال كقول بعضهم \"نعمت البدعة \" .. وكل ما كان مشكلا على السنن المطردة والقواعد المحكمة .. كل ذلك من المتشابه الذي جعله الله قدرا لامتحان العباد.\nفوجود مثل ذلك ليس مما يفرح به، ولكنها مما ابتليتم كما قال عمار، ويقول عندها الراسخون في العلم (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) [آل عمران ٧]\nفأنت ترى أن وجود المتشابهات في القرآن والسنة والقدر بما فيه أفعال العلماء، يدل على أن الرب واحد لأنه قانون واحد. كل ذلك ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة .. وحكمة الله بالغة.\nفحذار من اتباع المتشابهات. وعليك بمنار الطريق ما كان ظاهرا في الأمة زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ولا يلفتنك عنها تزيين رجال كثروا في الآخرين. والله المستعان.\nولا تطمعن أن لا تجد البتة خلافا في ما نحن فيه، وأن تنتظم لك كل الآثار على نسق واحد من غير شبهة إشكال! إذ لا بد من وقوع الخلاف كما أخبر الصادق المصدوق، وقد كان من بعض ذلك ما هو زيغة الحكيم يقع في بدعة وهو إمام هدى لا تَنَجَّسُ صحيفته به إذ ما بلغ الماء قلتين فحمل الخبث، وإن وقع فيه.\nواعلم أن أكثر الأمصار ابتداعا وأسرعها وقوعا فيه العراق والكوفة خاصة. فزيغة الحكيم في تلك الأرض أقرب من غيرها، وليست أرض النبوة والخلافة كأرض ترعرع فيها الحوادث والشقاق، فإن للأرض أثرا في النفوس من حيث لا يشعر أكثر العباد كما قال النبي ﷺ ليلة عَرَّسَ في واد ناموا فيه عن الصبح: تحولوا عن مكانكم","vol":"1","page":280},{"text":"الذي أصابتكم فيه الغفلة. [د ٤٣٦] وقال ﷺ: رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم اه [خ ٣١٢٥]\nكذلك الأزمان، فزمان خير القرون خلافة أبي بكر وعمر زمان العافية ليس كزمان التابعين .. فكلما كان الزمان أقرب إلى النبوة كان خيرا مما دونه (^١) .. وهذا ملحظ معتبر عند من أدرك الاختلاف والفتنة من السلف، كما روى ابن أبي شيبة [٢٢٠١٠] حدثنا أبو خالد الأحمر عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عَبيدة عن علي قال: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وهو إذا ولدت أعتقت. فقضى به عمر حياته وعثمان من بعده، فلما وليت الأمر من بعدهما رأيت أن أرقها. قال الشعبي: فحدثني ابن سيرين قال: قلت لعبيدة: ما ترى؟ قال: رأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلي من قول علي حين أدرك في الاختلاف اه [صحيح]\nفلا جرم أن وجدت من بعضهم ما يشكل على أصولهم والعصمة للأنبياء، وإنما ابتليتم ..\n\n<span data-type='title' id=toc-92>فصل: في لزوم المخالفة لكل بدعة وإن خَفِيَت</span>\nما من بدعة إلا وفي الشرع دليل على منعها فضلا عن قاعدة النهي عن البدع عَلِمَه من عَلِمه وجَهِله من جَهِله (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) [الفرقان ٣٣] فليس يأتي مبطل بشبهة يضرب بها الأمثال إلا كان في كتاب الله تعالى إبطالها. روى الخلال [السنة ٩١٤] بسنده عن الشعبي قال: ما ابتُدع في الإسلام بدعةُ إلا وفي كتاب الله عز وجل ما يكذبه اه وقال ابن سعد [الطبقات ٩٩٧٦] أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا زريك بن أبي زريك قال: سمعت الحسن يقول: إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل اه [صحيح]. وقال عمر بن عبد العزيز: اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة\n_________\n(^١) - قال ابن سعد [٩٨٦٣] أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا مهدي بن ميمون قال حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال: عقول الناس على قدر زمانهم اه [صحيح] مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٠/ ٣٠٠","vol":"1","page":281},{"text":"فيها. فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق اه وقد تقدم أن المخالفة ليست علة يناط بها الحكم وجودا وعدما ..\nوالنكتة هنا أن المخالفة قد تكون لآية أو حديث خاص أو لجامع من جوامع الكلم التي سماها المتأخرون \"قواعد الفقه\"، كالنهي عن التشبه بالكافرين مثلما تقدم من نهي أبي بكر للتي حجت مصمتة لأنه من عمل الجاهلية. ونهي عمر عن صوم رجب لأنه شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه.\nوقد تكون المخالفة من جهة مضاهاة السنة الثابتة كما قال مجاهد: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه\nوقد تكون المخالفة لفوات فضيلة يغفل الناس عنها كما روي عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما كرها المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن. [ت ٥٤/ ش ١٦٠٩]\nوقد تكون المخالفة من جهة النظر في المآل الذي كان السلف أجود الناس لحاظا له، وإنما يعشى عنه ناظر المتأخرين لقلة العلم وللرَّان، سواء رين الشبهة أو الشهوة فكلاهما حجاب سميك نعوذ بالله من ذلك كله. وقد تقدم التنبيه على طرف منه في باب ما ذموه من العمل الثابت خشية وقوع الناس في المخالفة مآلا.\nفما من بدعة تخترع إلا وفي القرآن والسنة عدا الترك ما يدل على إلغائها. وهذان مثالان:\nأ- قراءة القرآن جماعة أهدر المصلحة المظنونة منها أدلة كثيرة منها:\n- قول الله تعالى (لا تحرك به لسانك لتعجل به) [القيامة ١٦] فنهاه عن قراءة القرآن مع جبريل (جماعة) للحفظ، وأمره بالاستماع. ففي البخاري [٤٧٥٧] عن ابن عباس ﵄: في قوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به) قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في (لا أقسم بيوم القيامة) (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه) فإن علينا أن نجمعه في صدرك (وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) فإذا أنزلناه فاستمع (ثم إن علينا بيانه) قال: إنا علينا أن نبينه بلسانك قال: وكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه","vol":"1","page":282},{"text":"كما وعده الله اه هذا العمل إذا قرئ القرآن.\n- كذلك قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) [الأعراف ٢٠٤] الإنصات في لسان العرب هو السكوت، قال الخليل في العين: الإِنصاتُ السكوتُ لاستماعِ شيءٍ قال الله ﷿ (وأَنصِتُوا) اه وقال الجوهري [الصحاح ن ص ت]: الإنصات السكوت والاستماع للحديث، تقول: أنصتوه وأنصتوا له اه فهي بينة في منع القراءة مع القارئ. فيا ليت قومي يعلمون! وقد تقدم قول سعيد بن جبير: إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قد قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصَتوا اه وروى مالك [٢٣٤] عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن مالك بن أبي عامر أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته قل ما يدع ذلك إذا خطب: إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع اه سند صحيح.\nوقوله سبحانه (لعلكم ترحمون) هو ما ذكر النبي ﷺ في الحديث \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله .. إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة \" أي غشيتهم إذا أنصتوا لقراءة القارئ كما دلت الآية بسياقها. ومن قرأ مع القارئ لم يستمع ولم ينصت، أفيقال لهم: لعلكم ترحمون؟!\n- قول الله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) [الأحزاب ٤] قال الطرطوشي المالكي [الحوادث والبدع ص ١١٨] أن قوله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) يمنع قراءة اثنين معا اه لأنه لا يستقيم أن يستمع ويقرأ فلا بد أن يكون أحدهما لغوا.\n- نهي النبي ﷺ عن القراءة خلف الإمام إذا جهر، والشرع لا ينهانا عن الخير فتعين أنه ليس عمل خير.\n- أن فيه مفسدةَ التشويش على المصلي إذا كان حيث يسمع وجَهَرَ القراء بعضهم على بعض وقد روى مالك [٢٦٤] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي حازم التَّمَّار عن البَيَاضِيِّ أن رسول اللَّه ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة. فقال: إن المصلي يناجي ربهُ فلينظر","vol":"1","page":283},{"text":"بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن اه [د ١٣٣٢ من وجه آخر] فالتمسك بهذا الإطلاق - على طريقتهم - وهو النهي عن الجهر حتى يأتي دليل الإذن أولى من غيره، لأن مطلقا يوافق الأصول أولى من المعارض كما يقولون. وفي الموطأ [٢٨٦] وغيره عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله. قال فقال رسول الله ﷺ: إني أقول ما لي أنازع القرآن! [صحيح] فهذا النبي ﷺ سيد الخاشعين. فكيف يزعم مَنْ دونه أنه لا يضره ذلك؟! أو أنه لا بأس به! لذلك نهى عن الجهر بالذكر كثير من السلف كما تقدم.\nوقال أبو عبيد [فضائل القرآن ٢٤٨] ثنا يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء الأعلم المؤذن فرفع صوته بالقراءة فحصبه سعيد بن المسيب وقال: أتريد أن تكون فتانا؟ سند حسن.\nوقال ابن سعد [٢٧٠٠] أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي قال أخبرنا شعبة قال ابتداء سمعت علي بن الحكم يحدث عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة أو يقرأ رجل سورة من القرآن اه وهذا سند صحيح، وأبو سعيد أحد رواة الحديث الذي استدل به المخالف [م ٧٠٣٠] وهو ما ثبت عن النبي ﷺ من فعله [خ ٤٥٨٢] وهو القائل: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله\" الحديث [م ٢٦٩٩] وهو الذي عمل بما قال، وبَيَّنَ ما أراد ﷺ.\nومعلوم أن من استمع للقرآن كان كالقارئ لما عُلم أن من رضي عملا أو أقر عليه كان عاملا حُكما، قال تعالى خبرا عن قوم صالح (فعقروها) [الشمس ١٤] فنسب العقر للقبيلة، والذي باشر العقر واحد وهو أشقاها. ولها نظائر كثيرة، لذلك قال من قال من السلف أن قراءة الإمام قراءة للمأموم (^١) فسمي قارئا وهو منصت. كذلك قوله: \"يتلون\"، نسب التلاوة للجميع ولم يتلفظ بها غير واحد، وإنما أخبر عن\n_________\n(^١) - جزء القراءة خلف الإمام للبخاري والأوسط لابن المنذر.","vol":"1","page":284},{"text":"فعلهم الذي عرفنا صورته. قال أبو بكر الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ١٢٢] \" .. أن قوله ﷺ: \"يتلونه\" و\"يتدارسونه\" خطاب عربي، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة قد اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم ورجل واحد يقرأ القرآن لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن أو يتدارسونه وإن كانوا كلهم سكوتا. وكذلك لو مر عربي بجماعة قد اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه أو لسماع حديث رسول الله ﷺ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم ويقرؤون العلم والحديث، وإن كان القارئ واحدا اه وهذا مثل ما في الصحيح [خ ٢٦٣٦] عن مالك بن الحويرث قال انصرفت من عند النبي ﷺ فقال لنا أنا وصاحب لي: أذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما اه فهل يصح أن نقول أَمَرَهما أن يتلفظا بالأذانين معا؟ جواب المتأول في ما تأول جوابُنا ..\nوقد قال طائفة من الأصوليين أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة فيما عداه، وأنه دون النظر في العمل متشابه، كذلك الشأن في الحديث: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله. فيه عموم في الأعيان والبيوت (\"قوم\" و\"بيت\" نكرة في سياق الشرط) وصورة إطلاق في كيف التلاوة \"يتلون\" لا يحتج به في غير ما بَيَّنَ دلالتَه العملُ الأول.\nوانظر كم ضيعت هذه البدعة من سنن، ضيعت سنة الإنصات والخشوع وسنة التدبر والسكينة ..\nوقد تقدم إنكار الضحاك بن عبد الرحمن الدراسة جماعة بقوله: إن هذا شيء ما سمعته ولا رأيته ولا سمعت أنه كان قبل. وقد تحمل العلم عن أبي موسى الأشعري الذي كان يشَبَّه بداود النبي ﵊ لحسن تلاوته، فما علَّمه تلك الدراسة وكان الضحاك بالشام حيث آثار أصحاب معاذ بن جبل الذي أوصى النبي ﷺ بأخذ القرآن عنه، فما فعلوا ذلك. وإنه ليسع الناس ما وسعهم.\nفإن قيل: هي مصلحة مرسلة نريد بها الحفظ! قلنا: ليست مرسلة بل هي ملغاة بما تقدم من الأدلة. وقد كان السابقون الأولون أولى الناس بالأخذ بتلك المصلحة لو كانت معتبرة لقلة من كان يعرف الكتابة والقراءة فيهم، بخلاف زماننا، فالقلم فيهم","vol":"1","page":285},{"text":"ظاهر، والوسائل (المرسلة) غيرها كثير .. وحذار من نسبة أخطاء العلماء إلى الدين!!\nوقد أنزل الله القرآن على مكث، وكان الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ولم يمكث ابن عمر في البقرة ثمان سنين لثقل ذهن ولا لتفريط ولكنه منهج متبع وهدي رشيد. قال ابن سعد [٨٨٣٩] أخبرنا حفص بن عمر الحوضي قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن. فكنا نتعلم القرآن والعمل به. وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز هاهنا ووضع يده على الحلق اه [صحيح]\nروى معمر [الجامع ٢٠٣٦٨] عن علي بن بذيمة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين! قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا، فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه! قال: فانطلقت إلى أهلي مكتئبا حزينا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا الرجل منزلة فلا أراني إلا قد سقطت من نفسه، قال: فرجعت إلى منزلي فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، وما هو إلا الذي تقبلني به عمر، قال: فبينا أنا على ذلك أتاني رجل، فقال: أجب أمير المؤمنين، قال: خرجت فإذا هو قائم ينتظرني، قال: فأخذ بيدي ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتحدثني بالذي كرهت مما قال الرجل. فقلت: يا أمير المؤمنين! متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. فقال عمر: لله أبوك! لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها. [صحيح].\nوروى أبو داود [٤٦١١] بسند صحيح عن معاذ قال: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر. فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن!","vol":"1","page":286},{"text":"ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة اه فانظر كيف قرن فتح القرآن بين الناس وظهور البدع! يستبن لك أن البدع تنتج عن سوء الفهم عن الله واتباع المتشابه من كتابه ممن لم يأخذ القرآن وتأويله عن أصحاب النبي ﷺ واستعجل على حفظه وفهمه.\nوفي مسلم [٧٨٩]: \" وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه\". فإنما سبيل الاستذكار النافع في السنة أن يقوم به آناء الليل والنهار.\nفهل يقال بعد كل هذه الأدلة مع ترك النبي ﷺ لذلك طيلة ثلاث وعشرين سنة والخلفاء الراشدين ثلاثين سنة أنه قصد بقوله: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تلاوة الجماعة بصوت واحد؟! سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.\nب- الاحتفال بالمولد بدعة: قال رسول الله ﷺ: لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني. [أحمد ٨٧٩٠ بسند جيد] وكل عيد يعلق بشخص النبي ﷺ هو من جنس هذا المنهي، فاتخاذ المولد عيدا كاتخاذ القبر عيدا. وروى أحمد [١٢٨٥٠] ثنا سهل بن يوسف يعني المسمعي عن حميد ويزيد بن هارون أنا حميد عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما، فإن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى اه سند صحيح. فاستحسان عيد آخر لإظهار الفرح والأناشيد .. مضاهاةٌ للجاهلية، واستدراك على السنة. وقد حذر النبي ﷺ من مشابهة النصارى فقال: \" لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع \" [خ ٧٣٢٠/ م ٢٦٦٩] وهذا من جملته فإنهم يحتفلون بميلاد نبيهم ﵇. واتخاذ عيد بالرأي سبيل أهل الكتاب، ففي الصحيحين أن يهوديا قال لعمر: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة. [خ ٤٤٠٧/ م ٣٠١٧] فلم يتخذ أمير المؤمنين ذلك اليوم","vol":"1","page":287},{"text":"عيدا سائرا في الأمة. لذلك عدل الصحابة عن التأريخ بالمولد ولم يلتفتوا إليه. ولو كان مطلوبا شرعا لبينه النبي ﷺ، ولحفظ الله في الناس تاريخ ميلاده ﷺ باليوم لأن الدين محفوظ .. ناهيك عما تضمنته الموالد من منكرات لاطت بها .. فهذه حجج تقضي بالمنع زيادة على قاعدة النهي عن البدع ومضاهاة الطريقة الشرعية.\nفترك القومُ هذه المحكمات ثم راحوا يستدلون بحديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: فيه ولدت وفيه أنزل علي. [م ١١٦٢] ووجه الاستدلال منه القياس على الصوم!! وهو منقوض من وجوه:\n- الأول: أنه لا قياس في إثبات قربة. وهم يفعلون ما يفعلون لمعنى تعبدي وهو حب النبي، وما هذا شأنه لا يثبت إلا من جهة العمل. وقد زعم بعضهم أنه ليس عبادة ولكنه عادة! وإنما هي المكابرة! أليس يلتمسون به الثواب والمحبة، أليس يستدلون من القرآن والسنة لادعاء استحبابها؟!\n- الثاني: ولو سلمنا لكان معارَضا بالقياس على قوله ﷺ: لا تتخذوا قبري عيدا. فكذلك لا يُتخذ مولده ﷺ عيدا. وقياسٌ عليه العمل وهو تركهم الاحتفال به أولى من غيره، وهم قائلون أن الحظر مقدم على الإذن.\n- الثالث: أنه قياس مع الفارق، إذ الأصل المقيس عليه (الصوم) أولى بالعلة (التقرب والشكر) من الفرع (الأمداح …) ولا يسوغ القياس إلا إذا كان الفرع مثل الأصل وهو قياس المثل، أو أولى بالوصف والحكم منه وهو قياس الأولى، أما إن كان دونه فهو قياس مع الفارق، ولا يصح القياس مع الفارق.\n- الرابع: أن شرط اعتبار القياس ألا يعارضا شيئا من كلام الله أو سنة رسوله، وهو معارض للترك ولما تقدم من الأدلة. فتكون العلة قاصرة على الصوم.\n- الخامس: لو سلمنا لم يكن القياس أولى من العموم الذي لا يحتج به حتى ينظر في العمل الأول.\nغاية ما في الحديث ذكر فضيلة الصوم يوم الاثنين لا أكثر، ليس فيه التحريض على تحري يوم ميلاد النبي ﷺ، وترتيب عمل يتقرب به إلى الله في ذلك اليوم قياسا","vol":"1","page":288},{"text":"على الصوم (^١). ومن أمحل المحال أن يحض النبي ﷺ على الاحتفال ثم لا يفعله ولا أحد من أصحابه! فمن لم يسعه ما وسع السابقين الأولين فلا وسع الله عليه، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.\nوتأمل السبب الذي أشكل على من لم ير في العمل بالبدع مخالَفة للسنن، أنه يقول: هو عمل أعمله في ساعة فراغ من يومي، فأي سنة تركتُ؟! ولو نظر في ما تقدم لعلم أن لله ﷿ في كل ساعة من دهره سنة يُندب العمل بها. فمن تركها فله وجهان:\nإما أن يشغل وقتها بسنة مباحة رخص الله له فيها، فهذا مباح من حيث الجملة لا إشكال فيه.\nوإما أن ينشغل بعبادة، فلا يجوز إلا بسنة، إذ قد أحصى الشرع وجوه القربات، وعَرَضَها عليك في تلك الساعة، فإذا استبدلتها بغيرها وقعت في المخالفة، وضيعت السنة. فالسنن المستحبة يجوز أن تُترك، لكن لا يجوز أن تستبدل بغيرها لأن الاستبدال هو المخالفة عينها.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>فصل في بيان أن السنة جاءت بضبط أسامي الشريعة لمسمياتها</span>\nذلك أن من تمام النعمة أن جاءت السنة بمعان بينة وألفاظ مباركة فيها العصمة والدلالة الكافية على مراد الله ورسوله، لا ينبغي استبدالها. وإن معرفتها من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ومراعاتها من تمام الاتباع بإحسان، والله المستعان.\nومن حكمة الله تعالى في اللسان أن كان للكَلِمِ أمران: دلالة على المعنى، وحال في النفس تقترن به. لذلك كان النبي ﷺ يغير الأسماء القبيحة (^٢) مثل قول سعيد بن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد اه فإذا ثبت أثر الاسم على الرجل وآله فكيف بما يقوم في نفس السامع والمتعلم. لذلك كان النبي ﷺ يتعاهد أصحابه بضبط\n_________\n(^١) - ولقد قيل لأحدهم وذكر هذا الحديث حديث الاثنين: إن المولد العامَ وافق السبت، فهل الحديث في فضيلة الاثنين أو المولد .. فانقطع!\n(^٢) - زاد المعاد [٢/ ٣٣٤] فصل: في هديه ﷺ في الأسماء والكنى.","vol":"1","page":289},{"text":"الأسامي الشرعية حفظا للمعاني العلمية والأحوال النفسية التي تصاحبها ..\nوالبيان في القرآن والحديث - والألقاب منه خاصة - قد نزل منزله بحكمة على أحسن ما يكون البيان العربي .. تأمل مثلا حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين: على أبيض مثلِ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. والآخر أسود مُربادًّا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه [م ٣٨٦] فاختار النبي ﷺ للصورة الحسنة ألفاظا سهلة مشرقة فقال: \"أبيض مثل الصفا\" لتحبها النفوس. ولما أن أراد أن يزهد الأمة في القلب المنكوس أتى بألفاظ خشنة تزعج السامع وتكمل المقصود من النفور، فقال: \"أسود مربادا\" أي في لونه رُبدة وكدرة بين السواد والغبرة، وقال: \"كالكوز مجخيا\" وهو الكأس المقلوب، لكن كلمة الكأس المقلوب باردة لا يحصل منها ما يكون مع التي نطق بها خير مبين ﷺ. لذلك لم تسغ الرواية بالمعنى إلا لمن له في العربية ذوق سليم (^١).\nومن طرائق شياطين الأرض في الإضلال تغيير الأسماء لتغيير المعاني .. فهي عندهم حرب قائمة. مثل لفظ \"الإرهاب\" و\"التشدد\" .. طاروا بمثل هذه الألفاظ يرددونها في مناسبات مقصودة ليسبق إلى أذهان الغافلين أن ذلك معناها، حتى ظنوا أن التزام السنة تشدد، وأن الجهاد إرهاب .. ثم سموا المحرمات بأسماء باردة ليسهل على النفوس تعاطيها، كما قال النبي ﷺ: \"ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها\" [د ٣٦٩٠] وقد وقع كل ذلك والله المستعان، سموا الخمر نبيذا وأسماء عجمية مَستُورة .. ودعَوُا الربا فوائد، وسموا الكافر مخالفا وأجنبيا، وأهل الذمة مواطنين، وسموا آيات الله كالزلازل المنذرة والخسوف ظواهر طبيعية، والمنكرات فنونا جميلة .. لتتغير المعاني النفسية التي وضع لها اللفظ وتستحيل مقاصدها الشرعية ..\n_________\n(^١) - قال الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة في صلاة رسول الله بالليل: فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب، ولا والله ما قالت قام. [م ١٧٦٢]","vol":"1","page":290},{"text":"وهذا كما فعلوا في لفظ العلم أشاعوا استعماله في كشوفهم التجريبية وأطلقوا العناوين \"العلم والدين\" ليتميز عنه .. حتى نشأت أجيال لا ترى العلم إلا التجربة، فتنكروا للدين وأزروا على العلماء الربانيين! لأن لفظ \"العلم\" يشعر بالثقة في ما دل عليه، وأن ما سواه جهل وريب .. ولو حافظوا على لفظ العلم باستعماله في العلم بالله ومحابه التي هي شريعته ثم سموا ما دونه باسمه كالطب والفلك .. ولكن غلب الإعلام على السامعين ..\nومن الحوادث في تاريخ العلم أن توسع ناس في اللسان، وفتحوا باب الاصطلاح، فعمدوا إلى ألفاظ في القرآن والسنة ولسان الراسخين في العلم، فضيقوا معانيها كلفظ الفقه والنسخ (^١)، وألفاظ وضعوها على غير استعمال الشرع كالتأويل والحكمة، وأحدثوا ألفاظا جديدة لمعان شرعية قديمة كالمجتهد والاستحسان، وقالوا: هذه أدق وأحكم! وأن المصطلح لم يكن في استقرار حتى جاء المحققون!! وقالوا بعدُ لمن أنكر عليهم: لا مشاحة في الاصطلاح!\nوليس الأمر كما توهموا، فإن العرب كانوا ينكرون كل لفظ غير عربي ولا معهود في استعمالهم، ويعُدون ذلك عجمة وعيًّا. والقوم إذ توسعوا في إحداث الأسامي جعلوها عنوان معرفة صاحب الفن من الدخيل فيه، فإذا زل أحد في استعمال مصطلح غمزوه بعدم العرفان، كمن سوَّى في اللفظ بين الضابط والقاعدة، والعلة والحكمة .. وما شابه ذلك، فشاحوا في الاصطلاح .. !!\nوقد قرروا أن كل علم لا يسمى علما وفنا قائما بذاته إلا إذا اجتمع له ثلاث خصائص:\nمصطلحات محررة خاصة، وقواعد منضبطة وهي جوامع كلم مُوَلَّفّةٌ من\n_________\n(^١) - إطلاق الأولين النسخ على التخصيص - بالمنفصل - أولى، فَهُمْ أهل العلم، وفيه فوائد: أولها الإخبار بأن الناسخ (المخصص) متأخر النزول، وهو معنى لا يفيده لفظ التخصيص لذلك زعموا أن آية الأنعام (أو دما مسفوحا) وهي مكية مقيدة لعموم الدم في سورة المائدة وهي مدنية. الثانية: الإخبار أن العموم الأول كان مأمورا به أو معمولا به قبل، وهذا لا يعطيه لفظ التخصيص. الثالثة: الإخبار عن الحكم المستقر الذي هو السنة وحاصل المسألة.","vol":"1","page":291},{"text":"مصطلحات الفن، ومنهج يضبط استعمال المصطلحات والقواعد.\nثم تراهم بعد ذلك يحدثون في الدين مصطلحات وقواعد ومناهج! كأن النبي ما جاء ببيان ولا أعطي جوامع الكلم ولا منهاجا! وكأنما يرون أن ما بينه ليس العلم الذي ينفع للدرس!\nوبالجملة فكل ما يحدث بعد النبي ﷺ من \"المصطلحات\" التي يعبَّر بها عن معاني الشرع (الحقائق الشرعية والعرفية) نوعان:\nلفظ لم يكن المقتضي إلى استعماله قائما ككثير من ألقاب علم الحديث .. فإنها مصالح مرسلة، وفي مثلها يقال: ألا مشاحة في الاصطلاح، ومن العلم ضبطها، ومن البيان حسن استعمالها ..\nوألفاظ تضاهي الشرعية الثابتة مما خلت فيه سنة، فإن أحسن أحوالها أنها خلاف الأولى، كلفظ \"المكلف\" و\"المجتهد\" و\"الصانع\" ..\nفانظر كم من المسافة بين دلالة لفظ \" العبد \" الذي هو أشرح للنفوس وأدل على المحبة وتمام الانقياد طوعا .. ولفظ \" المكلف \" الذي يحمل معنى الكلفة والمشقة والجفاف .. !\nوكم ما بين لفظ العالم الذي يدل على الثقة والبصيرة في الدين، وخلافة رب العالمين في عباده إذ هو مشتق من اسم الله العليم يذكر به، فيبعث في النفس خوفا واغتباطا .. ولفظ المجتهد الذي يدل على الجهد والمشقة في تفهم ما طلب، فينفث في النفس أن الحق غامض بعيد يحتاج إلى تكلف جهد لإدراكه، والله تعالى قد يسر القرآن للذكر، والنبي ﷺ قد بين وأبلغ، وإنما الاجتهاد في معرفة مراد الله ورسوله على قدر القصور .. وليس القصد إنكار هذا الحرف مطلقا، ولكن أن يكون عَلَما على أهل العلم الفقهاء دون لفظ العلماء، إذ للمواظبة خبر قد عرفتَه .. وأكثر ما استعمل لفظ المجتهد عند الأولين في مجتهد العبادة (^١).\n_________\n(^١) - إن قيل: في لفظ العالم أو أهل الذكر ونحوهما تزكية فينبغي صونه والتحفظ من إطلاقه، بل نصفه بالمجتهد لأجل سعيه، ولا نقطع بصوابه! نقول: نعم لا نزكي في العلم إلا من زكاه الله ورسوله بعينه وهم صحابة رسول الله. ثم الناس بعدهم مجتهدون إن أدركوا، ويكون العالم بعدهم من اتبع آثارهم على بصيرة من كتاب الله وحديث رسوله ﷺ. وانظر آثارا عن المتقدمين في جامع بيان العلم لابن عبد البر باب من يستحق أن يسمى فقيها أو عالما حقيقة لا مجازا، ومن يجوز له الفتيا عند العلماء.","vol":"1","page":292},{"text":"وانظر كيف اختلف الناس في بيان معنى \"الاستحسان\" لما أحدث على غير استعمال سابق! ولو سمي ترخصا لبان معناه، ولما اختلفوا إن شاء الله. إذ الترخص أدل على أن مظانه قليلة كحاله في الشرع، وأنه متوقف على إذن وترخيص، وأن الأصل هو الحزم والامتثال. بخلاف الاستحسان فإنه مشعر بتحكيم الهوى والأذواق، وأن الأصل الذي انتُزع منه شاق! ولكل محدثة شؤم بحسبها.\nكذلك لما واظب النبي على استعمال لفظ البدعة في الذم، تبيَّن أن القصد أن يصير هذا الحرف علما على الزائد المذموم، فيكون لفظا دالا على معنى، ومنفرا للنفس منه. لكن لما خلف من بعدُ من أشاع استعمال اللفظ في ما استحسنوه تعلقا بالمتشابه، أضعفوا دلالة اللفظ المعنوية والنفسية، بل سموا الابتداع تجديدا ليُلبس زينة القبول .. فخالفوا منهاج الشرع ومقاصده، والله المستعان.\nكذلك قسم الرب تعالى آيات كتابه إلى محكمات هن أم الكتاب ومعظمه وأخر متشابهات قليلة، وهو العليم بكتابه .. ثم بدل ناس بعدُ قولا غير الذي قيل لهم فقالوا: \"قطعي\" و\"ظني\"، وكان الظني أشبه بالظن المذموم في اللسان والشرع مما لا يفيد المعنى إلا مع الاحتمال .. فلما أحدث واستعمل في آيات العمل صار له دلالة معنوية وهو رجحانه في ظاهره على أغلب الظن، ودلالة نفسية وهي الاحتمال والريب! وقد نبئوا في الكتاب أنه لا ريب فيه! والقطعي ما لا يدخله احتمال عقلي بوجه، وليس يخلو دليل من احتمال مفترض توهموه .. فصار القطعي بوضعهم أندر شيء في الكتاب، والظني أكثره، على خلاف ما أنزل الله على رسوله! فضعف اليقين، واختلف الناس في الدين.\nكذلك لما أحدثوا في أصول الشريعة كلمتهم: \"هل قول الصحابي حجة\" دخل الإشكال! فخاضوا في العصمة والإجماع .. إلى مفاوز قفر! فلم ينتهوا حتى خالفوهم.","vol":"1","page":293},{"text":"ولو عُدّل الكلم لكان الأولى أن يُعَنْوَنَ له بقولنا: هل نؤمر باتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ ولكان إذًا أحرى وأقطع ..\nوهذا كإحداثهم في إنكار بدع المبطلين قولهم: \" هذا تحكم بلا دليل \"! وهو إنكار بارد بكلام محدث، لو عُدِّل لكان أحرى أن يقال: هذا قول على الله بغير علم، ولكان أشبه لفظا بالسنة، ولحرك ما في النفوس من خامل دين ..\nثم انظر كيف تجد كلمات الله ورسوله أعظم بركة مما أحدث الآخِرون، وما بيان النبي العربي الذي كان يفسر الأمور بالمثال والأقرب (^١) كشأن المناطقة الذين هم بحدودهم يفرحون؟!\nفقد علم الراسخون أن البيان بالمثال ونحوه الأجرى على طريقة العرب الأميين هو من اللسان الذي به نزل القرآن (^٢)، كما قال ﷺ: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. [خ ١٨١٤] أمية أي بسيطة غير متكلفة ما لا يطيقه الأميون ..\nبخلاف أتباع يونان الذين عسروا بالحدود كل يسير، حتى راحوا يُعَرفون كل معروف (^٣)، ثم كان المعرَّف أوضح من التعريف!! فنزعت البركة وبعدت الشقة على\n_________\n(^١) - كما روى مالك [٩٧٤] عن ابن شهاب عن القاسم بن محمد أنه قال سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال فقال ابن عباس: الفرس من النفل والسلب من النفل. قال: ثم عاد الرجل لمسألته! فقال ابن عباس ذلك أيضا. ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟! قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد أن يحرجه. ثم قال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب اه ففسر له الأنفال بمثالها لا بحدها، ومنه قول النبي ﷺ: الكبر بطر الحق وغمط الناس [م ٢٧٥] ففسره بأثره لأنه الأيسر والمطلوب لا بحده، لذلك لا يقنع المناطقة ببيان رسول الله وقد كفاهم كلفة التعريف في مثل حديث جبريل .. فلم ينتهوا حتى راحوا يحدون المسميات الشرعية بالحد \"الجامع المانع\" زعموا!!\n(^٢) - المقدمة السادسة من الموافقات، والمسألة الرابعة من قصد الإفهام من كتاب المقاصد.\n(^٣) - كقولهم في الروح: \" هي عين لطيف مودع في القالب أجرى الله العادة لخلق الحياة ما دام هو في القالب\"! ويا لله العجب أي بيان هذا! لو نشر أفصح العرب فذكر له هذا الكلام لم يفقه منه شيئا حتى يقال له: إنهم يتحدثون عن الروح .. ! أو قولهم في الملَك: \"جوهر بسيط ذو صورة ونطق، هو واسطة بين البارئ والأجسام الأرضية\"!! أو قولهم في الحج: \"هو ما يتوقف فرضه على استطاعة مالية وأمن في السلوك إلى الكعبة وعرفات في أيام معلومة\"! [مقاليد العلوم للسيوطي]","vol":"1","page":294},{"text":"الناشئة، إذ شدهوا بادي الأمر بمصطلحات محدثة عسيرة، حتى انقطع الطالبون، وانحرف عن منهاج النبوة المتعلمون، فأبعَد الناس عن العلم، وشغلهم عن العمل، وتلذذ المفتونون بالقيل والجدل (^١) .. وما دُرسوا جهلا أشبه بالعلم منه (^٢) .. !\nثم إن أمة ممن يتحرى السنة وفقهم الله يدرسون فنونا من العلم على طريقة المناطقة، كمباحث الاعتقاد، يعرضونها عرض المتكلمين، وقد كان بنا غنى عما أحدث الآخرون، ألم يحسن النبي بيان صفات ربه وأمور الغيب لأصحابه حتى تركهم على البيضاء، ثم ورث منهاجه الراسخون في العلم من أصحابه فعلّموا الأعاجم والنشء على طريقة الأميين، وإنه ليسعنا ما وسعهم. فمن أراد معرفة صفات ربه وما يحتاجه في إيمانه فمن كتاب الله تبارك اسمه. ولو تأملت طريقة القرآن في ذكر صفات الله تجدها مفرقة عند ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي وهو أوفق شيء لفطرة ابن آدم، منهاج يحمله على القصد ويكفه عن الجور والإلحاد في أسماء الله، كما روى عبد الرزاق [٥٩٩٦] عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء أن رجلا قال له إن إخوانك من أهل الكوفة يقرؤون عليك السلام. قال: وأنت فأقرئهم السلام، وقل لهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه سيحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة. يعني بخزائمهم يعني اجعلوا القرآن مثل الخزام في أنف أحدكم فاتبعوه واعملوا به اه مرسل صحيح.\nكذلك مباحث الفقه وأمور العمل صارت تعرض على منهاج يونان مقدمات\n_________\n(^١) - روى الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٩٨] بسنده عن أبي حاتم السجستاني أن رجلا كان يحب الكلام ويختلف إلى حسين النجار، وكان ثقيلا متشادقا لا يدري ما يقول، فآذى حسينا، ثم فطن له، فكان يعد له الجواب من جنس السؤال، فينقطع ويسكت فقال له يوما: ما تقول أصلحك الله في حد تلاشي التوهيمات في عنفوان القرب من درك المطالب؟ فقال له حسين: هذا من وجود فوت الكيفوفية على غير طريق الحيثوثية وبمثله يقع الثناء في المجانة على غير تلاق ولا افتراق. فقال الرجل: هذا يحتاج إلى فكر واستخراج، فقال حسين: أَفْكِر، فإنا قد استرحنا اه!! لغو أعجمي بحروف عربية .. !!\n(^٢) - قال الشيخ ابن تيمية في المنطق: \" .. والبليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه، ومضرته على من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه\" الخ [مجموع الفتاوى ٩/ ٢٧٠]","vol":"1","page":295},{"text":"وحدود وكليات ومسائل .. والعتيق خير لهم لو كانوا يعلمون، أن يلقن الفقه بالمذاكرة والصحبة والسؤال والجواب والتفقه في القرآن والحديث.\nولما استعمل لفظ \"الفقه\" وشاع في غير أمور الإيمان خاصة حدثت الشبهة في أحكام الردة هل الحكم على الرجل أنه مؤمن أو كافر هو من أمور \"الفقه\" أم \"العقيدة\"؟! واختلف ناس في اختلاف العلماء في تارك الصلاة ونحوها هل هو خلاف فقهي أو خلاف عقدي؟ حتى عيب على من رجع في حكاية الخلاف إلى \"كتب الفقه\" وزعم ناصحا أن مظانه كتب المعتقد!! وظُن بالزهري ومالك والشافعي .. أنهم دخلت عليهم شبهة الإرجاء! وإنها جناية \"المصطلح\".\nوالأمر كله لا يعدو أن يكون قضاء على من تحقق فيه الشروط وانتفت عنه الموانع (^١). كالخلاف بين أبي بكر وعمر في مانعي الزكاة قال عمر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق [خ ١٣٣٥] أفترى عمر لم يضبط أصول الإيمان، أم أنه القضاء؟ أفما كان عمر يقرأ في الكتاب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة\n_________\n(^١) - قال ابن أبي شيبة [١١٩٩٥] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سهل السراج قال: سمعت محمد بن سيرين سئل عن قوم أقبلوا بسبي فكانوا إذا أمروهم أن يصلوا صلوا، وإذا لم يأمروهم لم يصلوا فمات رجل منهم، فقال: تبين لكم أنه من أصحاب الجحيم؟ فقالوا: لا ما تبين لنا، قال: اغسلوه وكفنوه وحنطوه وصلوا عليه اه وروى عبد الرزاق [١٣٨٢٥] أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء: رجل وجد يأكل لحم الخنزير وقال أشتهيه أو مرت به بدنة فنحرها وقد علم أنها بدنة أو امرأة أفطرت في رمضان فقالت أنا حائض فنظر إليها النساء فإذا هي غير حائض أو رجل واقع امرأته في رمضان أو أصاب امرأته حائضا أو قتل صيدا في الحرم متعمدا أو شرب خمرا أو ترك بعض الصلاة فذكرتهن له، فقال: ما كان الله نسيا لو شاء جعل في ذلك شيئا يسميه ما سمعت في ذلك بشيء. ثم رجع إلى أن قال: إن فعل ذلك مرة فليس عليه شيء فإن عاود ذلك فلينكل وذكر الرجل الذي قبل المرأة وأقول الذي أصاب أهله في رمضان اه","vol":"1","page":296},{"text":"فخلوا سبيلهم) [التوبة ٥]؟ ولكن حسن القضاء بالإيمان أو الكفر على الرجال هو من حسن الفقه في الإيمان وضده. فلما حدث الفرق \"الاصطلاحي\" حدث الإشكال، والأمر أقرب مما ظنوا. والعصمة من الله تعالى.\nولما أطلق لفظ \"الحكمة\" على فلسفة الأعاجم عظم في النفوس خطرها ونصبوها معارضة للحكمة الحق سنة النبي ﷺ، فاجتالهم \"المصطلح\" عن دينهم لما حرف عن موضعه!\nولفظ \"التأويل\" في القرآن بمعنى تحقق المخبر عنه وهو تفسير بالمعاينة كما قال تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) [يونس ٣٩] أي لم يأتهم تحققه ومعاينته بعد، وقال يوسف لأبيه لما عاين رؤياه (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف ١٠٠] وهذا كثير. لكن حدث من أطلقه في غير ما كان، في ما صُرف عن ظاهره بدليل منفصل! فصاروا يحرفون ظواهر الآيات وأخبار النبي إلى المجازات المتكلفة، وقالوا: هذا من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم وحملوه على التأويل في الآية (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) وإنما هو تحريف الكلم عن مواضعه وإحداث في \"المصطلح\" ..\nومثله لفظ \"المجاز\" أحدث في اللسان على غير استعمال العرب والأولين فكدر صفو البيان، وقد تولى بيان عَواره الشيخ أبو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه.\nفانظر إلى جناية حوادث \"المصطلحات\" على العلم، لتعلم أن كل بدعة ضلالة.\nوسواء علينا أقلنا عن اللغة توقيف أو اصطلاح (^١) فإن الألفاظ الشرعية التي تدل على معان شرعية في كلام الله ورسوله ﷺ لا ينبغي أن تستبدل بغيرها، ولا أن توضع في غير سياقها .. وكل بدعة ضلالة، والبركة كلها في ما أنزل الله على رسوله.\nفليحذر العبد أن يستن بأحبار أهل الكتاب الذين كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه المنزل لها، ويلوون ألسنتهم بالكتاب فيغيرون اللفظ ليتغير المعنى ويزول\n_________\n(^١) - الصاحبي في فقه اللغة العربية وسنن العرب من كلامها لابن فارس، باب القول على لغة العرب أتوقيف أم اصطلاح.","vol":"1","page":297},{"text":"أثره في النفس، ثم يزعمونه تفسيرا للكتاب، قال تعالى (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) [آل عمران ٧٨]\n\n<span data-type='title' id=toc-94>فصل في ذم محدثات القواعد</span>\nثم نتج عن حوادث \" المصطلحات \" ما وقع في الأمة من محدثات القواعد، فقد صح عن النبي ﷺ قوله (بعثت بجوامع الكلم) [خ ٦٦١١/ م ١١٩٦] وهي الكلمات الجامعة للمعاني الكثيرة التي يسميها المتأخرون أصولا وقواعد. فالنبي قد أتم الله له الدين ورزقه حسن البيان وحسن \"التأصيل\"، ولم يزل العلماء من أصحاب النبي ﷺ يكتفون بجوامع الكلم التي تلقوها من نبيهم في القرآن والسنة، ويكرهون - على علم - أن يكتبوا للناس غير كتاب الله ..\nثم خلف من بعدهم من أحدث كلاما غيره، قالوا مِنْ غير نطق أو قصد: هذه جوامع أفضل! وبيان أتم!\nوالقواعد - قواعد الفقه - التي تدار بعد النبي ﷺ أنواع أربعة:\nأ - قواعد صحيحة المعنى صحيحة اللفظ وهي السنة جوامع الكلم التي أعطيها نبي الله في القرآن والحديث، وهي التي كان الراسخون من أهل العلم من أصحابه يقضون بها، وأسعد الناس بها في الآخِرين أهل الحديث والأثر كمالك والسفيانين وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي والليث بن سعد ومن تابعهم، قبل أن يدخل على حملة الحديث بدعة الكلام والرأي.\nب - وقواعد صحيحة اللفظ محدثة المعنى مثل الآيات التي استدل بها الخوارج كما روى مسلم [٢٥١٧] عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب ﵁ قالوا: \" لا حكم إلا لله \" قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. الحديث. فقول الله تعالى (إن الحكم إلا لله) من جوامع الكلم نزلها أولئك الأصاغر في غير ما نزلت له.\nج - وقواعد محدثة اللفظ محدثة المعنى كقاعدة \"البدعة الحسنة\" ودعوى أن","vol":"1","page":298},{"text":"\"سلوك الأدب مقدم على امتثال الأمر\"، ونحوهما مما لم يكن لأهل العلم من أصحاب رسول الله بها عهد.\nد - وقواعد محدثة اللفظ صحيحة المعنى كقول من قال: \" القصود معتبرة في التصرفات والعقود\" أو \" الأمور بمقاصدها \" ونحوها مما يُذكر عنوانا وعَلَما على معنى صحيح في الشريعة، ثم يؤتى بكلام الله وبأحاديث النبي ﷺ تحته لتشهد له! وقد أغنانا بيان الله ورسوله عن إحداث مثل ذلك وهي الأدلة التي تذكر لصحة القاعدة، وقد كفانا عن قولنا \"الأمور بمقاصدها\" قول نبي الله: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى اه\nكما كفانا قول الله (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) [يونس ٣٦] وقول النبي: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث اه [خ ٤٨٤٩] عن أن نتخذ كلمة نواظب عليها كالوحي تضاهي الشرعية كقولنا \"الشك لا يزيل اليقين\".\nوأغنانا عن قولنا \"الأصل براءة الذمة\" قولُ النبي ﷺ: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه اه [م ٤٥٦٧].\nوكفانا عن أن نتخذ قولنا \"الأصل في الأشياء الإباحة\" شعارا وعَلَما على معناه قول الله تعالى (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) [الجاثية ١٣] ونحوه كقول الله تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) [البقرة ١٦٨].\nويكفينا عن قولنا \" الأصل في الأبضاع التحريم \" قول النبي ﷺ في حجة الوداع: فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله اه [م ٣٠٠٩] ونظائره.\nوعن قولنا \" العادة مُحَكَّمة\" قول الله تعالى (وأمر بالعرف) [الأعراف ١٩٩] ونظائره.\nوعن قولنا: \" إذا ضاق الأمر اتسع\" قول ربنا (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج ٨٧]","vol":"1","page":299},{"text":"ويغني عن قولنا \"المشقة تجلب التيسير\" قول ربنا ﷿ (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة ١٨٥] وهي قاعدة في سياق حكم فقهي، وقول نبيه: إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا اه [خ ٣٩] وكلها جوامع للكلم أعلام على معانيها، ثم يُتتبع عمل النبي وأصحابه لمعرفة مظانها.\nوعن قولنا \"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح\" قول نبي الله: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم اه [م ٦٢٥٩] فإنه أحسن منها وأدق.\nوهذا كما يُسأل المفتي فيجيب بالقاعدة المشهورة: \"الضرورات تبيح المحظورات\" و\"الضرورات تقدر بقدرها \" ويشرح وجههما، وكان أولى منه ما لو تلا عليه (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) [البقرة ١٧٣] لكان في جوابه البركة، وبكل حرف له حسنة، ووجد المستفتي أن الله هو الذي أفتاه فيها، فازداد إيمانا وتسليما، وكان لقنه الإيمان مع العلم ..\nوكما لو قال المسلم لصاحبه وهو يحاوره أو يصحح مذهبه: \" لا اجتهاد مع النص\" لكان أولى منه لو تلا قول الله تعالى يعظه (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم) [الحجرات ١] إذن لما تجاوزها مؤمن.\nأو يجيب المفتي بقوله: أكره كذا لقاعدة سد الذريعة، خير منه لو تلا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم) [النور ٢١] فهذه الآية من أحسن جوامع الكلم إذ ذكرها الله تعالى جَدُّهُ بين آيات تمنع خطوات الشيطان، وتسد الذريعة دون الفاحشة، حيث أمر بالاستئذان وغض البصر والحجاب، وقبلها فرض حد الزنا والقذف واللعان .. فكانت الآية أحسن تأصيل في سياق مسائلها، ومن أخذ منها الأحكام واستدل بها ازداد إيمانا، ونفع السائل على نحو ما كان النبي مع أصحابه (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [آل عمران ١٦٤] وهذا هو المفتي الوارث خليفة النبي في أمته.\nوقول الله جل في علاه (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن ١٦] وقول نبيه عليه الصلاة","vol":"1","page":300},{"text":"والسلام: وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم اه [خ ٦٨٥٨] خير من قولنا قاعدة: \"الميسور لا يسقط بالمعسور\".\nوقول النبي ﷺ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اه [س ٥٧١١] أو قوله: الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه. الحديث [خ ٥٢] خير من قولنا قاعدة: \" إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام \".\nوهذا كما فعلوا في بعض القواعد القلائل كقول النبي ﷺ: الخراج بالضمان اه [د ٣٥١٠] وقوله: العجماء جبار اه [خ ١٤٢٨] من بقايا جوامع الكلم التي جُعلت تراجم في كتب القواعد.\nفلمَ نعدل عن جوامع الكلم السنة ثم نجتهد في اختراع جوامع أعلام على المعاني الشرعية؟! ولربما كان في بعضها من شناعة اللفظ أو الالتباس الذي أورث الاختلاف كقولهم \" شرط الواقف كنص الشارع \"! وهذا من شؤم التوسع في الإحداث واستخفافه .. وحتى جعلها بعضهم على هيئة القوانين الوضعية الرياضية الجافة على سنة اليونان، وسلخها عن معاني الإيمان! (^١)\nإنما غاية تلك الكلمات الصحيحة المعنى أن تكون شرحا لمن استعجم جوامعَ الكلم لا أعلاما على المعاني وبدلا عنها (^٢)، وإنه ليسعنا ما وسع الأولين، وقد عرفت أن المواظبة على ما يجوز مطلقا من غير دوام تُصَيره بدعة ..\nوقد انتهى بناس أن فضلوا هذه القواعد على أحاديث النبي بدعوى أنها قطعية وأن الأخبار أكثرها آحاد ظنية .. ! فحلت البدعة محل السنة، وصاروا بها يفرحون ويستدلون، وهجروا العلم .. !\nفمن لم يدرك هذا ظن أن الكمال والدقة والعلم وجودة البيان والكفاية في كلام\n_________\n(^١) - روى مسدد [إتحاف الخيرة ٤٨٩٢] حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: إن القضاء ليس بحساب يحسبه، ولكن مسحة تمر على القلب اه سند جيد.\n(^٢) - إعلام الموقعين ١/ ٣٣٣","vol":"1","page":301},{"text":"المتأخرين، وانطوى قلبه على أن أهل العلم أصحابَ النبي لم يُتركوا على قواعد \"محررة\"! وكيف ينجو مِنْ هذا الظن وهو يُدَرَّس أن العلم لا زال في تطور من مرحلة النشأة زمن النبي وأصحابه إلى مرحلة النضج ثم الاحتراق والتخمة .. !\nوإنما الكمال والوضوح والعلم كله كان زمن النبي والخلفاء الراشدين، ثم لم يزل العلم في نقصان والبدع في ازدياد حتى التبست بالسنن، ثم قيل: غيرت السنة!!\nوالشأن ليس في صنيع العلماء الذين رووا السنن وبينوها، ولكن من نشأ بعدهم من منتحلي \"الكلام\"، فجعلوا الوسائل مقاصد، واخترعوا للشروح صيغا \"قواعد\" وواظبوا عليها حتى جعلوها بمنزلة الوحي، وصار كلام الله ورسوله هو يشرح ما أحدثوا من الجوامع! كما فعلوا في فقه أئمة المتأخرين جعلوها أصلا والسنن تبعا! وهم كانوا ينهونهم عن كَتْب مذاهبهم ..\nوالكلام هنا في القواعد التي استندت إلى أحاديث قولية، أما ما استقري من أفعال النبي ﷺ فالصحيح منها تكفل ببيانه أصحاب النبي ﷺ فبينوا منها ما يشفي لعلمهم بالمقاصد.\nوالقواعد التي وضعها المتأخرون بالاستقراء مثل قولهم: \"التابع تابع\" أو \"الاستدامة أقوى من الابتداء\" أو \"يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض\" ونحوها. فحقيقة مأخذها القياس على أفعال النبي بالنظر في عللها، أي أنهم تتبعوا تصرفاته ﵊ فاجتمع لهم معنى مشترك بين المسائل التي هي نظائر أفتى فيها أو فعلها، فوضعوا لها صيغة للإفهام. فالعمل بها إنما هو عمل بالقياس، وأول من أثارها في الناس أصحاب الرأي والأغاليط.\nوالنكتة هنا أنه يلزمهم إثبات أن تلك المعاني هي علل الفتاوى النبوية. فكما قالوا: ينبغي الاستدلال للقواعد قبل الاستدلال بها، فمتى وَجدتَ في أدلتها دليلا عاما يذكر للقاعدة من كلام الله أو كلام رسوله فخذ به وتفقه فيه ودع القاعدة فهو القاعدة. ومتى وجدت أدلة فعلية وفتاوى للنبي متفرقة فاسألهم عن عللها، هل تَطَيَّبَ النبيُّ قبل الإحرام لأن الاستدامة أقوى من الابتداء؟ إذن لغطى رأسه قبل الإحرام ولم ينزعه بعد التلبية لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، ولِمَ لم يقر غيلان على عشر نسوة","vol":"1","page":302},{"text":"لما أسلم [ت ١١٢٨] فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء؟ ومن أدخل فيها \"قد\" للتقليل لم يصنع شيئا.\nأو لما أفتى النبي بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه كان لعلة أن التابع يأخذ حكم المتبوع دون الأصل فيه مستقلا أو لعلة الدم؟ أنه ذُكِّيَ ساعة ذكيت أمه أي أن الدم الذي حرمت لأجله الميتة خرج حين الذكاة ..\nوقد روى مسلم [٤٤٨٥] عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم. فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلُّ! فقال رسول الله ﷺ: إنما هذا من إخوان الكهان! من أجل سجعه الذي سجع اه فلِمَ لم يكن للجنين حكم التبع في الدية حتى خص بحكمه، لِم لم يقل: يجوز إهداره وإتباعُه أمَّه لأنه بعضها، وإن كان لا يجوز استقلالا، فمثل هذا إذن يطل كما قال الهذلي، أي يهدر! فكأنه قال لما اعترض: التابع لا يفرد!\nوهذا كما لو اشترى حائطا (بستانا) فوجد فيه كنزا من دفن الجاهلية أو من المعادن فلا ينزل منزلة ماله الذي لا تجب فيه الزكاة إلا بالحول والنصاب ويجعله مالا مستفادا تابعا لماله الذي اشترى، ولكن مضت السنة أن في الركاز الخمس لأنه كالمغنم، فأفردت التابع بحكم دون أصله.\nولما عُفي عن الغرر اليسير كابتياع البهيمة بما في بطنها هل لأن التابع تابع أو لأن آفة الغرر المفضي للخصومة وفساد ذات البين منعدمة فيه؟ واليسير لا يسمى غررا لأن الغرر في اللغة الخطر، فالعلة التي بيَّن الصحابي أن رسول الله نهى عن بيع الغرر [م ٣٨٨١] محكمة طردا وعكسا وهي هنا لأنه ليس من الغرر، لا لكونه تابعا، والتبع وصف غير مطرد.\nوأيضا بعض ما ذكر مما يغتفر في الاستدامة أو التبع أو يسير النجاسة ونحو ذلك فإنما العلة فيه لا هذه الأوصاف المظان ولكن رفع الحرج، لأنه من العفو الذي قال","vol":"1","page":303},{"text":"النبي فيه: وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية اه فبين العلة وهي العافية حيث مظنة الحرج كما قال ربنا ﵎ (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم) [المائدة ١٠١] فقوله (عفا الله عنها والله غفور حليم) تنبيه على أن العلة هي الحرج، عفا عما يحرجكم ويعنتكم، وذِكرُ أسماء الله الحسنى في سياق الأحكام هو من العموم بعد الخصوص وزينة جوامع الكلم، فحيث وجد الحرج فالله غفور حليم، في الشيء اليسير أو التابع الذي يعسر التخلص منه وما لو تُتُبع لوقع الحرج. فتأمل جوامع الكلم في كلام الله وكلام نبيه تجد الغنية، وبالله التوفيق.\nوبالجملة فالحاجة إلى هذه القواعد المحدثة منعدمة في المسائل المذكورة في الكتب إلا ما جرى على لسان الأولين، فإنك متى نظرت في فروعها التي ينزلونها فيها وجدت أقرب حجة من كتاب الله أو السنة وعمل الأولين مغنية عن تكلف ذلك .. كقولهم: إذا طلع الفجر وهو مجامع فنزع في الحال صح صومه لأنه يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس التي مضت، والحكم دل عليه بأيسر من ذلك وأحسن قول الله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) [البقرة ١٨٧] فعفا عمن أقلع عن شهوته عند الفجر وإن أدركه الصوم جنبا، وكذلك كان النبي يفعل [الموطأ ٦٣٨].\nوكثير من هذه المعاني كالدوام والتبع .. إنما هي أوصاف مقترنة بالعلة لا العلة نفسها .. وما ساغ منها فالعيب في لفظ العموم الذي وضع لها فما كل استدامة أقوى من الابتداء كما رأيت، وما كل نفل يغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض .. فبهذا الانكسار لا تصلح أن توضع جوامعَ للكلم، فلذلك تركها الصحابة، فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا، وعرفوا جوامع الكلم التي قد أُحكمت طردا وعكسا ..\nومن التمس اطراد تلك المعاني خالف السنة لا بد، وهذا ما شنعه الناس على أهل الرأي كما قال ابن وهب [جامع بيان العلم ١٠٤٨] أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي أنه سمعه يقول: إياكم والمقايسة فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم من حفظ عن","vol":"1","page":304},{"text":"أصحاب رسول الله ﷺ فاحفظوه اه\nوروى الخطيب [الفقيه والمتفقه ٤٩٩] عن علي بن عبد العزيز البغوي نا أبو الوليد القرشي نا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي حدثني سليمان بن جعفر نا محمد بن يحيى الربعي قال: قال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي وسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر، وقلت: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل، فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه! ثم أقبل علي فقال: أهو النعمان!؟ - قال محمد بن يحيى الربعي: ولم أعرف اسمه إلا ذلك اليوم - فقال له أبو حنيفة: نعم أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين - فذكر كلاما ثم قال له - ويحك أيها أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: لا، بل قتل النفس. قال له جعفر: إن الله قد رضي في قتل النفس بشاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أم الصلاة؟ قال: لا، بل الصلاة قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله ﵎، فنقول: قال الله ﷿ وقال رسول الله ﷺ: وتقول أنت وأصحابك سمعنا ورأينا، فيفعل الله تعالى بنا وبكم ما يشاء اه\nلكن لما فرح بهذه المعاني من أشربها قالوا: ربما جاءت السنة بخلاف القياس! وإنما هو ما توهموه قياسا ..\nثم إن جماع أصول الفقه كلها أمران:\nأ - العلم بلسان العرب قبل الإسلام، وهذا يؤخذ بعد كتاب الله من الحديث والأثر وأشعار العرب وأمثالها، لمعرفة الاستعمال ومقاصد العرب في كلامها (^١)، فإن\n_________\n(^١) - أما النحو والصرف وفنون البلاغة فتلك ملاحظ لا تكفي طالب اللسان، لكن إذا طالعها بأخرة. وقد دخلها صنعة المنطق يُبدأ بالقواعد ثم المسائل سنة الروم في علومها على خلاف العرب الأميين، وصيغت معانيها على طريقة المناطقة .. فتلفي الشيخ الحافظ لمتونها الدائب على تدريسها لحانة لا يحسن يبين، فيكد معه طُلابه في طِلابه العَسِر، ثم لم يلبثوا أن يقولوا: النحو صنعتنا واللحن عادتنا. وإنما يحتاجه دارسه عند التعليل، أن هذا مخفوض بدلالة كذا وهذا مبني لأنه كذا .. ولا يستطيع أن يعرب لفظا حتى يَفهمه في سياقه، ولم يكن مرجعه في تقويم لسانه إلى القواعد. ولكن إذا سعى الشيخ مع الأحداث في إقراء القرآن وحفظ الحديث وأشعار العرب الأولى وأمثالها، وشافههم بالعربية، وفقههم بمذاهب الأولين، وأخَّر ما يُقدمه المتأخرون إلى حين، لأنجح إن شاء الله، وهذا الذي درج عليه الصحابة في تعليم الأعاجم زمان الفتوح، وإنه ليسعنا ما وسعهم ..","vol":"1","page":305},{"text":"القرآن إنما نزل بلسانها، أي بما تعارفت عليه من استعمال الألفاظ، فما يخطر بذهن العربي عادة إذا تكلم، وما يفهمه العربي عادة من اللفظ هو اللسان، فهو كلمات ومعاني (^١)، لها دلالتها النفسية والعلمية (^٢) ..\nوقد ذهل عن هذا المعنى ناس من المسلمين ممن ينظر في ما سمي \"الإعجاز العلمي\" ففسروا كلام الله بما لا يجري على لسان العرب، كتفسيرهم الذرّة بما اصطلحوا عليه، والصبغ في قول الله تعالى (وصبغ للآكلين) [المومنون ٢٠] ونحو ذلك مما لم يكن للعرب به عهد، وإنما نزل القرآن بعرف العرب لا بلسان \"التجريبيين\" .. وإنما يصح مما يذكرون ما كان من جنس التأويل أي تحقق المخبر عنه، كما قال نبي الله يوسف (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف ١٠٠] وقال الله تعالى\n_________\n(^١) - قال الشافعي: فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها. [الرسالة ١٧٣] وقال ابن تيمية: واللسان تقارنه أمور أخرى من العلوم والأخلاق الخ [اقتضاء الصراط ص ١٦٣]. راجع المسألة الثالثة والرابعة من قصد الإفهام من الموافقات.\n(^٢) - قال ابن جرير [التفسير ١٧/ ٢٧١] حدثني الحارث قال ثنا القاسم قال ثنا محمد بن كثير عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره (والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا) وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر. ألا ترى إلى قوله (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) يعجبهم من ذلك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه. ألا ترى إلى قوله (سرابيل تقيكم الحر) وما تقي من البرد أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب حر اه فهذا تنبيه من عطاء الخراساني على أن فهم القرآن إنما يكون على ما عهدته العرب. دع عنك سند هذا الأثر فما أفادك صحيح. وقد قال الشافعي في الرسالة [٥٧٥]: ورسول الله عربي اللسان والدار، فقد يقول القول عاما يريد به العام، وعاما يريد به الخاص كما وصفت لك في كتاب الله وسنن رسول الله قبل هذا .. الخ ما قال ﵀.","vol":"1","page":306},{"text":"(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) [يونس ٣٩] فالنبي وجماعة أصحابه قد أحاطوا بعلمه بمعناه لأن النبي كان يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة، وتأويل ذلك أي وقوعه منه ما رأوا ومنه ما لم يدركوه. فما وافق العتيق من ذلك قلنا هذا تأويل ما كانوا يعرفون، وما ليس منه فهو رد، أي لا يدّعى أنه مراد الله في الآية، ثم يُخَلّى أهلُ التجربة وملاحظهم.\nولو تشاء تبلو منهم زلات وهَنَات، كما ذهب بعضهم إلى دراسة \"خصائص الجمل\" وقال لم التنصيص عليه دون الحيوان في قول الله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) قال لم ينص عليه إلا لإعجاز فيه خاصة. وقد كانت العرب في أشعارها الأولى تتفنن في وصف الإبل وتتأملها فخاطبهم الله بما اعتادوه تيسيرا للفهم (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر ١٧].\nوليس لقائل أن يقول: إن فهم القرآن يطلب من كل الناس لأن القرآن جاء للناس جميعا، وهو يقرأ في الكتاب أنه منزل بلسان قوم النبي ﷺ. إذ الخطاب كان للعرب خاصة، والتكليف كان لعموم الخلق، فلا تُسَوِّ بين الخطاب والتكليف. قال ربنا تعالى شأنه في عموم الشريعة (وما أرسلناك إلا كافة للناس) [سبأ ٢٨] هذا في لزوم الشريعة للخلق. وقال في خصوص فهم الخطاب (فإنما يسرناه بلسانك) [مريم ٩٧] ونظائرها.\nفمن حمل على لفظ في القرآن أو الحديث معنى لا يعرفه العربي، أو أدخل في العموم ونحوه ما لا يعرفون كان من عجمته. ولا يصلح التصرف في لغة العرب، لذلك كان القياس و\"توليد الألفاظ\" في اللغة بدعة باطلة (^١)، وإنما تؤخذ العربية بالسماع (^٢).\n_________\n(^١) - روى الخطيب البغدادي [تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٢] بسند صحيح عن إبراهيم الحربي قال: كان أبو حنيفة طلب النحو في أول أمره فذهب يقيس فلم يجئ، وأراد أن يكون فيه أستاذا فقال: قلب وقلوب وكلب وكلوب. فقيل له: كلب وكلاب! فتركه ووقع في الفقه، فكان يقيس ولم يكن له علم بالنحو فسأله رجل بمكة فقال له: رجل شج رجلا بحجر فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء لو أنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شيء اه ليس القصد الإزراء على رجل لحن، ولكن التنبيه على أن مأخذ اللغة بالسماع لا القياس ..\n(^٢) - قال ابن فارس بعد أن قرر جريان الاشتقاق في لغة العرب: وليس لنا اليوم أن نخترع ولا أن نقول غير ما قالوه ولا أن نقيس قياسا لم يقيسوه، لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها. ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياسا نقيسه الآن نحن اه [الصاحبي في فقه اللغة باب القول على لغة العرب هل لها قياس وهل يشتق بعض الكلام من بعض]","vol":"1","page":307},{"text":"ب - العلم بمقاصد النبي ﷺ، وهذا يكون بمصاحبته وإدمان النظر في فتاوى أصحابه لمعرفة مناسبات الخطاب ودلالات الأحوال والأحدث فالأحدث وطريقة التشريع .. لبيان مراد الله ورسوله في كل آية وكل حديث على حدة ..\nوكثير من مسائل الأصول هي من مغاليط الأصوليين كقولهم: الأصل في صيغة افعل الوجوب إلا لقرينة، وليس هذا بسنة، ولكن كل حديث ينظر في سياقه كله لمعرفة مراده ﷺ فتارة يأمر بالأمر يبين أن مراده الوجوب في المقام نفسه إما باللفظ أو بالحال، وتارة يأمر بالأمر يُفهم أصحابَه أنه إباحة في المقام نفسه ..\nوهذا مثل قول جابر في حجة الوداع: أمرنا النبي ﷺ أن نحلَّ وقال: أحلوا وأصيبوا من النساء. قال عطاء قال جابر: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم اه [خ ٦٩٣٣]\nكذلك قول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا اه [خ ١٢١٩] أي نهاهن لا بهيئة الآمر ولكن كالمخير، فإن لحن الصوت يدل على المراد، وهو من قرينة الخطاب.\nوكما روى أبو داود [٢٢٣٣] عن ابن عباس في قصة بريرة لما كرهت زوجها مغيثا فقال: يا رسول الله اشفع لي إليها. فقال رسول الله ﷺ: يا بريرة اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك. فقالت: يا رسول الله أتأمرني بذلك؟ قال: لا إنما أنا شافع اه\nوكما روى عبد الرزاق [٧٥٣٥] عن الثوري عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة للصائم والمواصلة ولم يحرمها إبقاء على أصحابه اه [صحيح]\nومعلوم أن خلو السياق من قرينة هو نفسه من القرائن لكن لا ينهض وحده حتى ينظر في مجموع الكلام، فإذا عُلم السياق كله علم المراد. وهذا معلوم من سنته ﷺ، فالسياق عند العرب هو الحَكَم والقانون المطَّرد لا اللفظ الواحد بمفرده، لذلك","vol":"1","page":308},{"text":"يسمون الجملة من الألفاظ كلمة كقول الله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) [الزخرف ٢٨] والكلمة هي قوله لأبيه وقومه (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) وهي لا إله إلا الله، وقول النبي: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل اه [خ ٣٥٥٣] وقول عبد الله بن مسعود: قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ: من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة اه [خ ٤١٣٧] فالعبرة بمجموع الكلمة لا باللفظ وحده.\nوقد تمادى بقوم أن قالوا في مثل خبر أم عطية \"ولم يعزم علينا\" أنه فهمها والأصل أن نحمله على التحريم، ولم يقنعوا بالقرينة التي لا يمكن أن تنقل وشهدتها أم عطية!\nنعم قال الله تعالى شأنه (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) [النور ٦٣] وقال (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب ٣٦] فإذا سمع المؤمن كلمة تدل على الوجوب أو التحريم لم يختر، وليس المعنى أنه حُكم اللفظ وحده دون سياقه.\nكذلك قول النبي ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة اه [خ ٨٤٧] أي لأمرتهم أمر وجوب، فلقد كان يأمر به كما في صحيح ابن حبان [١٠٧٠] من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب ﷿ اه وقال ابن أبي شيبة [١٨٠٤] حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال: لقد كنا نؤمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل فيه اه تابعه شعبة عن أبي إسحاق [الطيالسي ٢٧٣٩] وقال ابن أبي شيبة [١٨٠٨] حدثنا عبيدة بن حميد قال حدثنا الأعمش عن عبد الله بن يسار عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي ﷺ رفعه قال: لولا","vol":"1","page":309},{"text":"أن أشق على أمتي لفرضت على أمتي السواك كما فرضت عليهم الطهور اه ورواه حماد بن زيد حدثنا عبد الرحمن السراج عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء. [هق ١٥٠] فكان معنى قوله: \"لأمرتهم\" لعزمت عليهم، ومطلق الأمر لا يدل حتى يكون في سياقه.\nوالمقصود أن من تتبع الأثر عرف المقاصد في كل مسألة، ومن أخطأه لم يبق له إلا الظن ..\nفمن عرف هذا عرف لِمَ لم يصنف المتبوعون من أئمة الهدى كابن المبارك ومالك وسفيان والأوزاعي في هذه المعاني (القواعد)، وإنما كانوا يفتون بالأثر. وإنما كثر هذا الفن الجديد عند من قصر في تتبع الآثار واتبع الرأي والكلام.\nوهذه نماذج يستبين بها أن الصحابة سادة من تكلم في القواعد بعد نبيهم ﵊:\n- قال ابن أبي شيبة [٢٢٤٦٤] حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال عمر: إن مقاطع الحقوق عند الشروط اه [صحيح].\n- عبد الرزاق [٦٥٨] عن الثوري عن وائل بن داود عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال (^١): إنما الوضوء مما خرج، والصوم مما دخل وليس مما خرج اه [صحيح].\n- مالك [٩٤٠] عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما اه [صحيح].\n- عبد الرزاق [١٧٠١٤] عن الثوري قال حدثني أبو الجويرية الجرمي قال سألت ابن عباس أو سأله رجل عن الباذق فقال: سبق محمد الباذق وما أسكر فهو حرام. قلت يا ابن عباس أرأيت الشراب الحلو الحلال الطيب؟ قال: فاشرب الحلال الطيب\n_________\n(^١) - قال ابن سعد [٩١٧٣] أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال ثنا شعبة عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسند قال: إذا قلت: قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد من أصحابه وإذا قلت حدثني فلان فحدثني فلان اه صحيح.","vol":"1","page":310},{"text":"فليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث اه [صحيح].\n- عبد الرزاق [١٢٧١٨] عن الثوري عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: - أي في ذبائح نصارى العرب - (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) اه صحيح [ط ١٠٤٢/ ش ١٦٤٥١].\n- عبد الرزاق [٩٨٠٣] عن ابن جريج قال: قال عطاء، ثلاثة أسابع أحب إلي من أربعة قال: ثم أخبرني عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: إن الله وتر يحب الوتر، فعد أبو هريرة السماوات وتر في وتر كثير، قال: من استن فليستن وترا، ومن استجمر فليستجمر وترا وإذا تمضمض فليمضمض وترا، في قول من ذلك يقول اه [صحيح] فبين أن الحديث \"إن الله وتر يحب الوتر\" من جوامع الكلم، وبين وجوهه في السنة.\n- ابن أبي شيبة [٢٤٢٢٢] حدثنا ابن علية عن أبي حيان عن أبيه عن مريم بنت طارق قالت: دخلت على عائشة في نساء من نساء الأنصار، فجعلن يسألنها عن الظروف التي يُنبذ فيها؟ فقالت: يا نساء المؤمنين، إنكن لتكثرن ظروفا وتسألن عنها، ما كان كثير منها على عهد النبي ﷺ! فاتقين الله، وما أسكر إحداكن من الأشربة فلتجتنبه، وإن أسكر ماء حبها، فإن كل مسكر حرام اه صححه الحاكم والذهبي [ك ٧٢٣٨].\n- البخاري [١٦٦] حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة قال أخبرني أشعث بن سليم قال سمعت أبي عن مسروق عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله اه\n- ابن أبي شيبة [٦١٥١] حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن ولد الزنا قالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء (لا تزر وازرة وزر أخرى). [صحيح]\n- الترمذي [٢٦٩٥] حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف. قال أبو عيسى هذا حديث إسناده ضعيف وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه اه الصحيح من قول عبد الله بن عمرو، فذكر القاعدة الشرعية \"ليس منا من تشبه بغيرنا\" ثم أفتاه في النازلة.","vol":"1","page":311},{"text":"وهذا على نحو ما رباهم النبي ﷺ، يحيلهم على القواعد الجوامع حتى عرفوها، كما روى البخاري [٤٠٨٧] عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البِتْعُ والمِزْرُ فقلت لأبي بردة ما البتع؟ قال: نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير فقال: كل مسكر حرام اه\nوروى البخاري [٤٦٧٨] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: الخيل لثلاثة فذكر الحديث ثم قال: فسئل رسول الله ﷺ عن الحُمُر قال: ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) اه\nوروى مسلم [٦٦٨٠] عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس اه\nوروى البخاري [٢٦٤٥] عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ في بنت حمزة: لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة اه\nروى الترمذي [١٩٧٠] وحسنه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك اه ونظائر هذا في سنة نبي الله كثير.\nفهؤلاء الفقهاء أصحاب النبي يبينون المعاني الشرعية المقصودة للعمل، وهي التي اتبعها النبي ﷺ وكانت سنة، فمن استغنى بها كُفي، ومن أدمنها تعلم اللسان، وعرف منهاج البيان، وأين منها كلمات المتأخرين الباردة! وإنما العلماء أصحاب محمد رحمة الله عليهم وحشرنا معهم كما رزقنا محبتهم بفضله سبحانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>فصل في بيان دخول البدعة في العادات</span>\nرأينا السلف في \" باب ما سمي من العادات بدعة \" وصفوا طائفة من معاملات الناس بالمحدثات على وجه الإنكار. فإن قيل: هي تسمية لغوية. قلنا: فلمَ ذموها وذكروا معانٍ شرعية وأدلة شرعية؟ مما يبين أن الذم في تلك الآثار لمعنى شرعي. فالتسمية إذًا شرعية، فيدل على دخول البدعة في العادات، وأقصد بالعادات كل ما لم","vol":"1","page":312},{"text":"يكن في نفسه قربة، وليس العرف خاصة. ومن أوضح الشواهد على ذلك حديث القاسم عند مسلم [١٧١٨] إذ ألغى عملا \" ليس قربة \" وذكر قول النبي ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه وهذا الحديث هو أصل في رد محدثات \"التعبد\"، وراوي الحديث أدرى بما روى. ولم يزل العلماء يردون كثيرا من العادات في الجنائز والأعراس وغيرها .. ويسمونها بدعا (^١).\nوقد علم أن الدين أحصى كل أعمال بني آدم حكما وشرع فيها سننا، ففرض المواريث ونظم أحكام الجوار والبيوع والرضاع والقضاء .. وأوصى الخلق بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فيها. والطاعةُ في ذلك كله هي التعبد عينه، وكل ذلك هو الدين المطلوب طاعة أمر الله ورسوله فيه، كما قال تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) الآيات [التوبة ٢٩] وهو ما كانوا يستبيحون كالخمر والخنزير مما أحدثوه في شريعة عيسى ﵇. لذلك كان معنى قول النبي ﷺ: \" أمرنا \" هو ديننا كما في بعض الروايات (^٢) وهو الصراط المستقيم بقرباته وعاداته.\nفإن قيل: تعريف البدعة بأنه ما يضاف إلى الشرع وليس منه مشعر بأن من أعمال بني آدم ما ليس من الشرع! وهذا مشكل على ما تقرر من أنه قد أحاط بكل شيء حكما؟!\nالجواب: أن قولنا ما ليس من الشرع أي ما لم يوضع للعمل به. فإذا قلنا أن المعاصي مثلا ليست من الدين لا أن الشرع لم يسن فيها حكما ولكن أن ليست مما يؤمر بفعله (^٣).\n_________\n(^١) - ومن تأمل كلام الكبار عرف ذلك، وقد جرى في كلام ابن تيمية منه طائفة، فقد ذكر أن غسل مقاود الخيل بدعة، وقال: وثوب القصاب وبدنه محكوم بطهارته وإن كان عليه دسم، وغسل اليدين من ذلك وسوسة وبدعة. [مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٢١] وقال: أكل الشوى والشريح جائز سواء غسل اللحم أو لم يغسل، بل غسل لحم الذبيحة بدعة فما زال الصحابة ﵃ على عهد النبي ﷺ يأخذون اللحم فيطبخونه ويأكلونه بغير غسله وكانوا يرون الدم في القدر خطوطا .. ثم قال: وسكين القصاب يذبح بها ويسلخ فلا تحتاج إلى غسل، فإن غسل السكاكين التي يذبح بها بدعة وكذلك غسل السيوف الخ. [المجموع ٢١/ ٥٢٢] وهذا باب واسع.\n(^٢) - لفظ البغوي [شرح السنة/ الإيمان/ باب رد البدع والأهواء] \"من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد\".\n(^٣) - لذلك كان التعريف الأصح الذي حكاه الشاطبي للبدعة [الاعتصام ١/ ٢١] هو \" طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية \" على قول من لاحظ جريان البدعة في العادة.","vol":"1","page":313},{"text":"وذلك أن التشريع الأصلي والسنة والصراط والدين الذي جاء به النبي ﷺ هو العبادة أي مطلق الطاعةِ والعملِ الصالح قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات ٥٦] وهو العمل الصالح الذي يطلب أصالة من العباد، لذلك إنما يُذكر في أعمال الأنبياء وأهل الجنة العملُ الصالح (اعملوا آل داود شكرا) [سبأ ١٣] (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) [المؤمنون ٥١] (آمنوا وعملوا الصالحات) [البقرة ٢٥] فإنما يذكر العمل بما فيه ترك ما لا يحبه الله، وهذا هو الصراط الذي به يسار إلى الله تعالى .. دون ما يتسامح في فعله أو يعفو الله عنه كالخطأ واللغو أحيانا ونحو ذلك .. لكن ما يسلك به إلى الدار الآخرة هو السنة، وهو الذي يسميه الأصوليون مطلوب الفعل، وهو الواجب والمستحب والمباح، والواجب واجب الفعل وهو الفرض وواجب الترك وهو المحرم، والمستحب يدخل فيه مستحب الترك وهو المكروه، والمباح هو مطلوب بالكل كما تمهد قبل. كل ذلك من المحبوب الإتيان به فعلا أو تركا، واللفظ الجامع له هو السنة.\nولا يشكلن ما وراء ذلك من وسائل المعاش التي قال فيها النبي: أنتم أعلم بأمر دنياكم (^١)، كطريقة الحرث والزرع وتلقيح النخل ووضع السدود والصناعات .. فإنه مما سكت عنه الشرع لا مما أهمله أي مما أقر الناسَ على سنتهم فيها، من جنس الأمر بالعرف الجاري ما كان لا يخالِف سنة.\nوكيف يُظن وكثير من ذلك هو من \"الضروريات\" فيه أو مما يخدمها! لكنما وَكَلَها إلى ما جبلوا عليه (^٢)، قال أحمد [الزهد ٣١٧] حدثنا عبد الرحمن قال: سمعت مالكا قال: قال عطاء بن يسار: دينَكم دينكم، لا أوصيكم بدنياكم، أنتم عليها حراص، وأنتم بها مستوصون اه\n_________\n(^١) - من الناس من أخذ هذا العموم ولم يدر كيف جرى العمل العتيق عليه فأخطأ السبيل، وضارع النصرانية.\n(^٢) - الموافقات المسألة الثالثة من قصد الامتثال من كتاب المقاصد.","vol":"1","page":314},{"text":"والدين والفطرة كل من عند الله (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) [الروم ٣٠] فسوى بين الفطرة والدين. فما علَّمه الرب سبحانه لابن آدم بالفطرة وَكَلَه إليها ولم يؤكده شرعا لأنه (خلق فسوى) و(قدر فهدى) [الأعلى ٤] فهداه بالفطرة إلى وجوه الانتفاع، إلا إذا غلط العباد في شيء من أمور معاشهم نطقت السنة لردهم إلى الفطرة كالنهي عن لحوم السباع .. فهذا منهاج شرعي من لم يبصُر به ظن أن الدين أهمل أمور الدنيا! والصواب أنه أقرها يرقبها. وهذا كما ترك النبي ﷺ الوصاة لأبي بكر بالخلافة لما علم أنه لن يكون قدرا إلا كذلك وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اه [م ٦٣٣٢].\nلكن أمور الدنيا منها ما هو من المباح المطلوب، ومنه ما هو من العفو المعذور أهله (^١) ..\nوالعفو من الله مثل الإقرار من النبي ﷺ حكمه الجواز رفعا للحرج. وقد تبين أن ما ثبت بالتقرير ليس المقصودَ أصالة من البعثة، أي ليس الذي وضع أصالة للتدين، ولكن من فعله سُكت عنه كما سكت النبي ﷺ عمن فعله.\nوالمقصود أن معنى ما يضاف إلى الشرع أي إلى المطلوب فعله والسير عليه، وهو السنة واجبها ومندوبها ومباحها الذي يؤمر بفعله، ما سوى ذلك ليس من السنة ولا من الدين، لا بمعنى أنه أهمله، ولكن بمعنى أنه لا يتخذ عملا للآخرة وهو المحرم والمكروه والمسكوت عنه كما تقدم في فصل المباح والعفو.\nفمن واقع مكروها وزعم أنه محبوب فقد أضاف إلى الدين - أي إلى ما يتدين بفعله - ما ليس منه فهو محدث رد، وهكذا سائر من عمل عملا ونسبه إلى الدين فقد تدين به، والتدين في لسان العرب الطاعة (^٢) فهو عند نفسه مطيع إذ ظن أنه مطلوب منه .. وإنما الاتباع بإحسان أن تأخذ العمل بِنِيَّتِهِ كما تمهد.\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة العاشرة من أحكام التكليف.\n(^٢) - قال الجوهري [الصحاح د ي ن]: والدين: الطاعة. ودان له، أي أطاعه .. ومنه الدين، والجمع الأديان. يقال: دان بكذا ديانة وتدين به، فهو دَيِّنٌ ومتدين اه والتدين إما تدين صحيح وهو السنة، وإما باطل وهو الشرك والبدعة.","vol":"1","page":315},{"text":"وعليه يقال: إما أن تُعَرَّف البدعة بأنها ما يضاف إلى الشرع فيشمل المباحات، فعلة الابتداع حينئذ نسبته إلى الشرع، كراكب المعصية، هي معصية ما كان يعترف أنها معصية، لكن إن ظن أنها مباح كانت بدعة لأن معناه نسبته طلب الشرع عمله، وقد عرفنا أن المباح سنة مطلوبة.\nوهذا هو السبيل الأمثل الذي درج عليه الناس أول الأمر، وبه يزول الإشكال من أصله، ويتضح دخول البدعة في العادات.\nأو نقول في البدعة: أنها معلقة بالتعبد، فالتعبد له وجهان:\n- استعمال بالمعنى العام الذي تقدم ذكره وهو مطلق العمل بالشرع أو بما ظُن أنه من الشرع، فلا إشكال في دخول التعبد بهذا المعنى في العادات إذ التعبد لله طاعة أمره، فمن زعم في شيء عمله أنه مأمور به فعلا أو تركا فقد تعبد. ومعنى الطاعة والامتثال أظهر في ما حجب عنا حكمته مما أَلحَقَه العلماء بالتعبد الذي يعمل به ولا يعقل معناه. كما في قصة سعيد مع ربيعة الرائي في دية الأصابع قال له: هي السنة يا ابن أخي اه ومن هذا الضرب مقادير الحدود والمواريث .. وهذا التعبد الذي هو فعل الله ﵎ أي حجب الحِكم وابتلاء العباد بالطاعة (^١). إلا أنه على هذا الوجه مراتب أعلاها وأظهرها الاحتساب وتجديد نية الأجر في كل عمل، وأدناها وهو أدقها أن يعمل معتقدا أنه داخل الشرع من غير حضور نية الاحتساب الخاصة، فإنه قد دخل في عقد عام مع ربه وميثاق مجمل أن يلتزم بطاعة أمره وألا يتعدى حدوده، فحيث اعتقد في شيء أنه مباح طيب دون أن يكون في الدين كذلك فقد تعبد وابتدع.\n- أو التعبد بمعنى الاحتساب ونية التقرب التي يصير معها العمل مستحبا كما كان معاذ يحتسب نومته، فهو جار في العادات، إلا أنه إما تعبد حقيقي وهو ما يكون عند وجود نية التقرب والاستعانة على الطاعة، وإما أنه ذريعة إلى ذلك، وهو إذا اعتقده من الدين وأضافه إليه، فهذا الاعتقاد مَظِنة وجود الاحتساب آنا أو مآلا. فإذا عمل العبد عملا غير مطلوب للشرع يظن أنه مطلوب فهو بدعة من باب الوسائل\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة التاسعة عشرة من قصد الامتثال من كتاب المقاصد. الاعتصام ٢/ ٥٦","vol":"1","page":316},{"text":"على هذا الوجه، فلربما أخذت الذرائعُ ألقاب مقاصدها كما تأخذ أحكامها، مثل ما في الحديث: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه اه [م ٢٦٥٧]. فسمى الوسيلة تسمية الغاية. كذلك قوله ﷺ: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟! قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه اه [خ ٥٦٢٨] فسمى التسبب إلى اللعن لعنا. فعلى هذا الوجه يسمى بدعة ما كان مظنة لأن يصير متعبدا به بأن يلحق بما مثله في الشرع عبادةٌ وهو المطلوب الفعل، من غير أن يكون في الشرع كذلك وهو المُزهَّد فيه. فتكون البدعة على هذا الوجه منها ما يسمى بدعة من باب المقاصد وهو ما تحقق فيه نية التقرب، ومنها ما يكون من باب الوسائل. وعليه تعرف البدعة بأنها ما التُمس به الثواب أو كان مظنة لذلك.\nوالفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يسمى فيه العمل الذي هو ذريعةٌ على الوجه الثاني بدعةً حقيقة، لأن العلة هي الإضافة إلى الدين احتسب ذلك أو لم يحتسب أجرا، وهو الأصح الأجرى على هدي الأولين، لذلك قال النبي ﷺ: \"من أحدث في أمرنا\" أي زاد فيه وأضاف إليه ما ليس منه، لذلك عدها أهل العلم من السلف افتراء على الله، وبينوا أن المبتدع داخل في الآيات والأحاديث المتوعدة للمفترين كما قال سفيان في قول الله تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) قال: كل صاحب بدعة ذليلٌ اه [تفسير ابن أبي حاتم ٩٠٠٨] أي أن قوله سبحانه (وكذلك نجزي المفترين) قاعدة في سياق خبر خاص عن بني إسرائيل لما أحدثوا بعد نبيهم في دينه ما ليس منه فكانوا بذلك مفترين، فجاء جامع من جوامع الكلم ليدل على أنه حكم عام. والله أعلم.\nوسواء علينا إذ كان بدعة على الوجهين قلنا هو من باب الذرائع أو المقاصد اللطيفة .. إذ القصد الاجتناب وهو واقع على الوجهين.\nفتبين أن البدعة على كل حال داخلة في العادات من غير إشكال، والحمد لله.","vol":"1","page":317},{"text":"فرق: يتعين تحرير فرق بين البدعة والمعصية، إذ كلاهما مخالفة في الدين، وبابهما من حيث النهي واحد، لكن يتزايلان من وجه، وهو أن المعصية ما اقتحمه المرء عالما بالنهي من غير شبهة فالحامل له عليها هو الشهوة لا الشبهة. أما البدعة فتكون مع اعتقاد الإذن أو الطلب، يظن صاحبها أنه مطيع ممتثل. بخلاف المعصية تكون مع إقرار النفس بأنها مخالفة وليس فيها افتراء على الله ورسوله. لذلك كان تُرجى التوبة من العاصي بخلاف المبتدع (^١). ولا بد لكل عامل من عقد قلب ونية، فما لم يكن معصية كان بدعة.\nإذا تبين هذا عرفنا وجه الابتداع في التزام غسل اليدين عند الطعام، أنه لزعم صاحبها أنها من مكارم الأخلاق التي يؤجر عليها ابن آدم وليست في السنة كذلك. وقد عرفنا أن المباح - وهو خاصة أمور العادات - لا ينبغي أن يعتقد مستحبا، لأنه حينئذ ينسب إلى المحبوب في الشريعة ما ليس منها. لذلك أنكره مالك حين عُدَّ مكرمة وأدبا، وهو عنده مباح في الأصل (^٢)، إذ لو كان أدبا لكان أولى به نبي الله ﷺ وأصحابه. وكل عادة تجعل من مكارم الأخلاق المطردة تخالف العمل الأول فإن فيها مفسدة باطنة لزوما كالذي يرى أن غسل اليدين عند كل طعام أدب ومكرمة، حتى إذا عرف أن النبي ﷺ لم يلتزمها وأصحابه سبق إلى نفسه أنهم لم يكونوا على ما ينبغي من المحاسن! وهو بذرة نفاق (^٣). لذلك لم تخلُ بدعة من سموم قد انطوت عليها ..\n_________\n(^١) - وقد جرى هذا الفرق في فتاويهم كما روى عبد الرزاق [١٧٠٤٥] عن معمر عن الزهري قال: من شرب في رمضان فإن كان ابتدع دينا غير الإسلام استتيب وإن كان فاسقا من الفساق جلد ونكل وطوف وسمع به، والذي يترك الصلاة مثل ذلك اه ففرق في العمل الواحد بين كونه معصية وانقلابه بدعة حين اعتقد دينا.\n(^٢) - الموافقات المسألة السابعة من مباحث البيان والإجمال.\n(^٣) - قال ابن تيمية [اقتضاء الصراط المستقيم ٥٧] في مفاسد اتباع عادات الكافرين: \" .. فإذًا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورنا حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم، قد يكون مضرا بآخرتنا أو بما هو أهم منه من أمر دنيانا فالمخالفة فيه صلاح لنا\" الخ. هكذا كثير من الخلق لما انبهروا بالروم وما هم عليه من إتقان أمور دنياهم اعتقدوا فيها الكمال والتفوق فتنكروا لما كان عليه النبي وأصحابه، ووجدوا في أنفسهم أنهم أمة وحشية غير نظيفة .. !! عياذا بالله.","vol":"1","page":318},{"text":"ويَبين وجهُ الابتداع في نصب الخيام على القبور، لتوهم النفع فيه وإكرام الميت به، فأدخل في صالحي الأعمال المطلوبة شرعا وفطرة.\nووجه من سمى اليمين مع الشاهد بدعة ونحوها .. لإضافتها إلى الدين، واعتقاد صاحبها أنه عامل في القضاء بالشرع، وهو أيضا مظنة التماس الأجر على الطاعة ..\nكذلك كان من طلق في الحيض مُطَلِّقا في بدعة لظنه أن ذلك جائز، فنسب بفعله إلى الشرع جواز ذلك، فكأنه أراد أن يسرحها بإحسان عملا بالآية، فخالف السنة في الطلاق.\nومنه قول عمر بن عبد العزيز: \"وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام \" فقوله: \"إظهارك .. في الإسلام\" مظنة استباحته لها ونسبة الترخيص فيها إلى الشرع، أو أن الإظهار مع السكوت عنه مظنة اعتقاد جواز ذلك، وهذا إضافة حكم إلى الشرع ليس منه.\nومنه قول مالك في إحفاء الشارب: \" ينبغي أَنْ يضرب من صنع ذلك فليس حديث النبي ﷺ في الاِحفاء ولكن يبدى حرف الشفتين والفم\". وقوله: \"حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس \"، أي أنهم فعلوه على أنه سنة الفطرة، لذلك ذكر الحديث الذي تأولوا ذلك منه (^١).\nفأنت ترى أن ما نسب إلى الدين، أو خيف أن يغيَّرَ عن رسم الشريعة بوجه منعوه وسموه بدعة وحدثا لم يكن، وإن قُدِّر أنه من باب الذرائع.\nفتأمل هذه النكتة ونزِّل عليها ما أشكل من الآثار يتبين وجه إطلاق اسم البدعة على العادات، فقد كان السلف أعمق علما وأَحَدَّ نظرا، فَلَرُبَّ عمل عندنا هو أدق من الشَعَر، كان عندهم أوضح من الأعلام.\nوكثير من أبناء زماننا دب إليهم لوثة الروم الذين فصلوا الدين عن الحياة، وغفلوا عن معنى الابتداع في العادات، وظنوا أنها كلها مرسلة .. ! ولم يفرقوا بين الوسائل التي وضعت تقبل التغير مع الزمان والأحوال .. والمقاصد التي جاء الشرع بمراعاتها ..\n_________\n(^١) - الاعتصام ٢/ ٥٦ والموافقات المسألة التاسعة عشرة من قصد الامتثال.","vol":"1","page":319},{"text":"فما سن النبي ﷺ وكان كذلك زمن الخلفاء فالأصل أنه تشريع قائم وحكم دائم (^١)، وما استشار فيه أصحابه أو أخبرهم برأي فهو إعلام منه أنه مما يرِد فيه الاجتهاد على حسب الحال واختلاف الزمان .. وإن من الفقه أن تنتبه إلى منهاج التشريع فإنه يفتح أبوابا من العلم مشرعة ..\nوإن منشأ الغلط من إحداث جوامع للكلم تضاهي الشرعية، فاغتروا بعموم من قال أن عادات الناس مرسلة، فصارت دليلا شرعيا يجمع بينه وبين كلام الله ورسوله عند \"التعارض\"، ولم يكن هذا من جوامع الكلم التي بينها رسول الله للعلماء من أصحابه .. وما صح منه إلا ما وافق السنة، والعيب فيه إطلاق العموم وإدخاله في جوامع الكلم .. وإنما الأمر أن تتبع السنة فما وجدت فيها نهيا تركته، وما جرت به السنة فعلته، وما سُكت عنه فهو عفو ..\nوملاك الأمر أن نقول في كل ما يحدث بعد النبي ﷺ من العادات ضربان (^٢):\n- الأول: ما كان من جنس ما لا يتغير مع الأزمان كآداب الدفن وآداب الطعام والشراب .. هذا النوع جاء الشرع فيه بالأدب العام الذي هو من جنس سنن الفطرة التي لا تبديل لها .. فخير الهدى فيه هدى محمد ﷺ. ومن سن فيه أدبا ليُتخذ عادة فهو استدراك. لذلك كان القول بحلق اللحية وحلق الإبط بدعة ظهرت في الإسلام لأن إعفاء اللحية ونتف الإبط من سنن الفطرة .. وهكذا كل ما كانت مظنة الأخذ به زمن النبي ﷺ ثم لم يَسُنَّه فالسنة إهماله .. وكيف يكون من الأحكام المطلوبة في الشرع مما لا يختلف مع الأزمان والأمم ثم لا يدل أمته عليه؟!\n- الثاني: ما كان يتغير مع اختلاف الأزمان والقرى .. مما كان النبي ﷺ والخلفاء يقرونه في أهل الآفاق على اختلافهم كهيئات اللباس الساتر .. وما كان يستشير فيه أهل العلم من أصحابه .. كذلك سائر ما أحال الشرع فيه على العرف كمقادير الصداق والنفقة .. فالنبي ﷺ لم يوقت فيه شيئا، وإنما أرشد إلى اتباع ما تعارف عليه الناس، وما\n_________\n(^١) - تقدم قول عمر بن عبد العزيز: فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة. وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة.\n(^٢) - الموافقات المسألة السادسة عشرة من قصد الامتثال.","vol":"1","page":320},{"text":"ظهرت مناسبته، كما دل حديث ابن عباس قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد اه [خ ٥٥٧٣/ م ٦٢٠٨]\nفما ثبت فيه سنة مطردة فكل محدثة بعده ضلالة، وإلا فهو عفو. والله تعالى أعلى وأعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>فصل في بيان أن كل فتوى لم يكن عليها الأولون فهي بدعة</span>\nما تقدم من الجوامع سارٍ هنا إذ الفتاوى - وهي مما يضاف إلى الدين من الأحكام - لا يجوز فيها إحداث قول لم يكن عليه السابقون، ليس النوازل التي لم تكن زمن النبوة والخلفاء.\nإذ الأحكام في الشريعة نوعان: نوع ثابت لا يتغير مع الزمان، وهو الأصل في الأحكام كسائر القربات وأغلب المعاملات مما له حكم ثابت في العهد الأول. ونوع مسكوت عنه واقع بعد أن لم يكن وهي النوازل كالصلاة في الطائرة، وأنظمة السير ..\nفالأول ليس لأحد أن يحدث فيه قولا جديدا لم يكن، وإن اختلفوا على قولين، فهو اتفاق منهم على أن ما دون القولين خطأ. ولو تأملت أدلة الإجماع لوجدتها في الحقيقة أدلة النهي عن البدعة إذ فائدة البحث في الإجماع هو الامتناع من إحداث قول جديد.\nأما النوازل التي لم يكن المقتضي للحكم فيها فإنها ترد إلى نظائرها في العتيق بما يشبه أن لو عرضت على رسول الله أو أحد أصحابه لقضى فيها بنحوه. والله أعلم.\nفانظر كيف أن أطراف البدعة منتشرة في كافة أمور الدين في الشريعة والمنهاج، وفي العبادة والعادة، والفعل والترك، والمقاصد والوسائل، والظاهر والباطن، واللفظ والمعنى .. فحاجة المرء إلى معرفة ضوابطها أكثر من حاجته إلى كثير مما يخاض فيه إذ هي نصف الدين، لأن الدين فعل وترك، أمر ونهي، سنة يؤمر بها فتفعل، وبدعة ينهى عنها فتترك.\nروى أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام وأهله ١٨] عن أبي عبيد قال: جمع النبي ﷺ","vol":"1","page":321},{"text":"جميع أمر الآخرة في كلمة: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد. وجمع أمر الدنيا في كلمة: إنما الأعمال بالنيات، يدخلان في كل باب اه\n\n<span data-type='title' id=toc-97>فصل في معرفة ما يعفى عنه من الاختلاف في الدين وسُنَنِهِ</span>\nجاء النبي ﷺ لتعليم الناس ما ينفعهم، ويحكم بينهم فيما فيه يختلفون. ثم أنذر الأمة، وأخبر أن الخلاف واقع فيها كحال الذين من قبل، وأنه كائن متى نسي الناس حظا مما ذكروا به كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة ١٤] ومهما اختلف الناس فنسوا، فلا تنس هذه القواعد المحكمة:\nأ- قول الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء ٨١] وهذه الآية أصل في أن الدين كله لا اختلاف فيه، وما ظُن اختلافا فإنما يحتاج إلى تدبر لذلك قال (أفلا يتدبرون القرآن) وهذه قضية معلومة بالضرورة لا تحتاج إلى استدلال إلا الذكرى.\nب - قول الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) [النساء ٥٨] وهو من جوامع الكلم الدالة على أن كل ما ينفع الناس في دينهم مبين في الكتاب والسنة، ولفظ \"شيء\" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل شيء صغر أو كبر فإن جوابه عند الله في الكتاب وعند رسوله ﷺ في السنة. وقال سبحانه (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) [يونس ٥٧] أي شفاء لكل ما يختلج في الصدور، فكل مسألة دقت أو عظمت ففي القرآن الشفاء من اللَّبس الوارد عليها. وقال جل وعلا في سورة النحل (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) [النحل ٨٩] وقال (ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء) [يوسف ١١١] وغيرها كثير. وقد قسم النبي ﷺ أحكام الشريعة من حيث البيان إلى ثلاثة: حلال بين، وحرام بين، وشبهات غامضة لا يعلمها إلا القليل لجهلهم بحدود ما أنزل الله على رسوله، فقال ﷺ: إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس اه [خ ٥٢/ م ١٥٩٩] أي يعلمهن القليل وهم الراسخون.","vol":"1","page":322},{"text":"فمن عمي فلا يعمَ بالظن بربه ولا بنبيه، فذاك عسى أن يُبَصّر بالحق الذي اختلفوا فيه ..\nلذلك فالخلاف الحاصل بين الفقهاء لا يعني أن أصله في الشرع، ولكن كل قد سعى، والمصيب من وافق حكم الله لمِا قال النبي ﷺ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه [خ ٦٩١٩/ م ٤٥٨٤].\nوإن تعجب فعجب قول من زعم أن في الشرع \"منطقة العفو\" مجال فراغ تشريعي للمجتهدين تُركت لتُملأ بما ظهر لأحدهم!! وهذه من أنكر البدع في أصول الاستدلال .. وإنما نادى بها دارس \"القانون\" غير عالم بالشرع، جعل شريعة أحكم الحاكمين بمنزلة القانون المحدث الذي يترك واضعوه لأنفسهم فراغا يغيرون منه ما ظهر لهم!!\nوربما استظهر على ذلك بما صح أن ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته (وما كان ربك نسيا). وهذا والله العجب! دليل على أن الشرع لم يترك شيئا إلا تناوله بحكم، يُقلب الاستدلال به قلبا؟!!\nإن العفو من الله تشريع مثل ما سمي \"السنة التقريرية\" في حق رسوله ﷺ، لم يزل العلماء يحتجون بهذا الأصل على إباحة ما عفي عنه. بل وجعل المتأخرون الأحاديث فيه من الأدلة على أن \"الأصل في الأشياء الإباحة \".\nوالمباح في السنة من حيث منهاجُ التشريع نوعان: حلال مأذون فيه مرَغَّب، وعفو مسكوت عنه كما تقدم.\nفإذا كان الشيء من أمور الناس واقعا زمن النبي ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ولا يفتش فيه بقياس أو استنباط .. إنما القياس - أي للمتأخرين - في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ النبي ﷺ ثم لم يتكلم فيه ولا أحد من فقهاء أصحابه فقد تبين قصد العفو عنه. وهذا كالريح الخارجة من قُبُل المرأة، هو فطرة أكثر النساء، والمقتضي للأمر بالوضوء منه زمن النبي ﷺ كان قائما، ثم عفا عنه، ومن جعله من نواقض الوضوء قياسا على الريح الخارجة من الدبر غلط.","vol":"1","page":323},{"text":"وقد تبين أن العفو مسكوت عنه لرفع الحرج، لذلك قال الله تعالى (إن تبد لكم تسؤكم) وقال نبيه ﵊ \"فاقبلوا من الله العافية\" بحيث لم يفرض عليكم أمورا كالحج كل عام فيكون إصرا عليكم، ولم يحرم عليكم أمورا كاللهو واللعب اليسير فيكون غلا من جنس الأغلال التي كانت على الذين من قبلكم. فبين أن السكوت ليس إهمالا لذلك قال \" فإن الله لم يكن نسيا\".\nفما استشار رسول الله أصحابه فهو بيان منه أنه موضع اجتهاد، وما أمرهم فبيان أنه موضع امتثال، وما سكت عنه وتركه فبيان أنه مما يزهد ولا يخاض فيه، وما ذكر علته فبيان منه أنه مما يوزن به نظائره .. وكل ذلك منهاج مقصود، تأسى به الراسخون في العلم من أصحابه، والعلماء ورثة الأنبياء.\nوكثير من الخلق يظن أن \"الأدلة الشرعية \" هي القرآن والسنة والاجتهاد (القياس/ الاستحسان/ الاستصلاح ..) فيخطئ فهم الكمال والبيان، ويرى القرآن دليلا بين أدلة كثير .. وإنما الحق أن العلم كله هو القرآن، والسنة بيان لوجوه العمل به.\nفالاستحسان من العالم الوارث هو الرخصة التي تذكر مع العزائم في مباحث الأحكام .. فترخُّص النبي في الأمر أصل يتأسى به في مثله العالم من أصحابه عند الحاجة، فيستحسن أي يترخص اتباعا لمنهاج العمل بالعلم .. إلا أن ترخص النبي ﷺ سمي رخصة على أصله، وسمي ترخص العالم في ما بعدُ استحسانا، ولو بقي اللفظ الشرعي على أصله لزال اللَّبس، ولعُلم أن ترخه سنة متبعة (^١)! لا دليل مستقل.\nوقد كان النبي ﷺ يأخذ بما سمي \"المصالح المرسلة\" كما قال أنس بن مالك رحمة الله عليه: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة اه [خ ٢٧٨٠] ليبين للعلماء أنه متى ما احتيج إلى مثل ذلك عند النوازل فلهم فيه أسوة حسنة ..\n_________\n(^١) - كما قال علي بن أبي طالب في جلد شارب الخمر: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكلٌ سنة. [م ٤٥٥٤]","vol":"1","page":324},{"text":"وقد أخذ النبي ﷺ بالقياس الصحيح الذي هو الميزان كما روى مالك [١٢٩٣] عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء. فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله ﷺ: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك اه فنبه إلى مأخذ الحكم ليعلمهم أن هذا المعنى جار في نظائره إذا أتى عليها (^١)، نعم هو تعليل لإفهام السائل، ووراء ذلك تنبيه على مأخذ الحكم وسنةِ العمل في أشباهه (^٢).\nوقد عمل النبي ﷺ بالعرف كما قال عبد الله بن عباس: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد اه [خ ٥٥٧٣/ م ٦٢٠٨] ومثل هذا هو أصل العمل بالعرف عند العلماء الوارثين.\nكل هذا كان من الحكمة التي أوتيها ﷺ، فلفظ \"الحكمة\" جامع لوجوه حسن التصرف بالعلم .. فالدين مكتمل، والعلم كتاب الله، والسنة حكمته وبيان لوجوه العمل به. ومن ضيع منهاج البيان أورِث لبسا كثيرا ..\nوقال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) [النساء ٦٤] الآية، أي في كل ما شجر بينهم لأن لفظ \"ما\" اسم موصول يفيد العموم، فلا يؤمنون حتى يحكموك ويقبلوا حكمك في كل ما شجر بينهم، أي في كل نزاع واختلاف حصل بينهم، وهذا فيما تحته عمل، وما ليس كذلك فقد نهينا عن الخوض فيه سلفا. وهذا بيان محكم يوجب العلم بأن قصد الشرع رفعُ النزاع والحكمُ بين الخلق .. فكيف يؤفك من زعم أن الخلاف \"ظاهرة صحية\" مأذون فيها!! بل كل اختلاف هو مطية إلى التنازع والتفرق ..\n_________\n(^١) - إعلام الموقعين ١/ ١٩٠ والموافقات المسألة الرابعة من مباحث السنة.\n(^٢) - فَتَرَكَ الكلام في ما لم يقع بعد، وعلمهم كيف يؤخذ حكمه إذا وقع، لأن منهجه ﷺ ألا يتكلم إلا في ما وقع واحتاجت الأمة إليه كما تقدم. والحمد لله.","vol":"1","page":325},{"text":"ج - قول الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون) [المومنون ٣] وهو من جوامع الكلم، فاللغو هو اللاغي الذي لا خير فيه. وهذه جملة اسمية تفيد الثبوت والدوام، أي أن هذا الوصف ثابت لا ينفك عن المؤمنين.\nوكل مسألة تضاف إلى الدين ليس تحتها عمل، أي لا تنفع عند الله فبحثها إضاعة للوقت واشتغال بما لا ينفع. وقد كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع [م ٢٧٢٢]. وقد مدح الله أصحاب الكهف بأنهم (آمنوا بربهم وزدناهم هدى) [الكهف ١٣] فقص علينا من هديهم أنهم لما بعثهم من مرقدهم قال بعضهم (لبثنا يوما) وقال الآخر (بعض يوم) ثم قالوا وقد فطنوا إلى عدم الفائدة من هذا الأمر (ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه) فتلهوا عن ذلك بالأنفع لهم. وله شواهد أخرى يغني عنها ما تقدم (^١).\nفكل مسألة لا تنفع العبد في عمل فقد نهي عنها، وإن كانت مما أمر به غيره. قال يعقوب بن سفيان في المعرفة [١/ ٥٥٠] حدثنا زيد بن بشر الحضرمي وعبد العزيز بن عمران الخزاعي قالا أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه. قال: وربما سئل عن الشيء من ذلك فيقول: هذا من خالص السلطان اه فكيف بمن استرسل في التكفير والحكم بالردة على أعيان العصاة؟! هداهم الله.\nلذلك كان من نصح المفتي العدولُ بالسائل عن الجواب إذا كان لا ينتفع بمسألته أو يتضرر بها (^٢)، كما فعل النبي ﷺ لما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ قال: \"وما أعددت لها\" [خ ٥٨١٥/ م ٦٨٧٩] وكما في حديث أبي فراس المذكور، حيث علمهم ما يسألون عنه، حين سألوا عما لا ينبغي. فبين لهم هذا المنهاج لذلك التزموه بعد نبيهم فَقَلَّ بينهم الخلاف.\nقال أبو خيثمة زهير بن حرب [العلم ١٠] ثنا محمد بن خازم ثنا الأعمش عن\n_________\n(^١) - المقدمة الخامسة والسابعة من الموافقات.\n(^٢) - إعلام الموقعين ٤/ ١٥٨","vol":"1","page":326},{"text":"شقيق عن عبد الله قال: والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه لمجنون. قال الأعمش: فقال لي الحكم: لو كنت سمعت بهذا الحديث منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي اه تابعه شعبة عن سليمان الأعمش، رواه الطبراني [ك ٨٩٢٤]. صحيح.\nوروى البخاري [١٢٠] عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (^١) اه\nوقال الفسوي [٢/ ٣٤٨] حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال سمعت ابن شبرمة يقول: إن من المسائل مسائل لا يجمل بالسائل أن يسأل، ولا بالمسئول أن يجيب اه صحيح.\nوروى الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٩٤] بسنده عن محمد بن صدقة قال: جاء رجل إلى مالك، فسأله عن مسألة، فلم يجبه، فقال له: يا أبا عبد الله، ألا تجيبني عما أسألك عنه؟! فقال له مالك: لو سألت عما تنتفع به - أو قال: تحتاج إليه - في دينك أجبتك اه\nلذلك كان السلف لا يرون عالما من كان يجيب عن كل ما يُسأل كما قال ابن عدي [الكامل ١/ ٩٠] أخبرنا محمد بن أحمد بن حماد أخبرنا ابن أخي ابن وهب قال سمعت عمي يقول: قال لي مالك: إن عندي لحديثا كثيرا ما حدثت به قط، ولا أتحدث به حتى أموت، قال: ثم قال لي: لا يكون العالم عالما حتى يخزن من علمه اه صحيح.\nولو أمسك طائفة من المنتسبين إلى السنة اليوم عن أمور ليست إلا لأهل العلم\n_________\n(^١) - خاض ناس في الكشف عن معناه رجما بالغيب!! وإنما وجهه ما روى ابن سعد [الطبقات ٤/ ٣٣١] أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا أبو هلال قال الحسن قال أبو هريرة: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر. قال الحسن: صدق والله لو أخبرنا أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقه الناس اه حديث حسن، أبو هلال الراسبي محتمل إن شاء الله في المقاطيع. فالوعاء الذي لم ينشره في عموم الناس هو الأَخبار لا أمور العمل، أي ما يكون من تغير الزمان والفتن، لا يحدث به إلا إذا رجحت مصلحته وظهر نفعه.","vol":"1","page":327},{"text":"أو القضاة منهم خاصة، لما بَدَّع بعضهم بعضا، ولما تفرقوا شيعا .. ولو تركوا الخوض في مسائل \"مفترضة\" في ترك \"جنس العمل\" وصور مما لا يقع، وإن وقع لم يختلفوا، لأنه من باب القضاء - أو تحقيق المناط - لا أصل الإيمان، ولو قالوا كما قال الأولون: دعها حتى تقع .. ولكنهم نسوا حظا مما ذُكِّروا به، فجرَّحوا وكفَّروا بغير علم، وهم كانوا قبل أيام ينعون على طوائف كلامهم في الدين بغير علم! وأنهم على غير \"المنهاج\" .. فوقعوا في البدعة وهم منها يحذرون! وقد روى الحاكم وصححه [٣٦٧٤] عن أبي أمامة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: ما ضل قوم بعد هدي إلا أوتوا الجدل ثم قرأ رسول الله ﷺ (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) اه والله نسأل أن يردنا إلى السنة ردا جميلا.\nوكم من اللغو دس في العلم والأصول كقولهم: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وهل كان النبي متعبدا قبل الوحي بدين إبراهيم أم عيسى أم نوح .. !؟ ووجوب شكر المنعم .. فقالوا وخاضوا مع الخائضين، وأغنانا الله بما ربى به النبي أصحابه الراسخين.\nهـ - قول الله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) [آل عمران ١٠٣] من جوامع الكلم الدالة على ذم كل تفرق. كذلك قول ربنا تعالى جده (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) [آل عمران ١٠٥] والفعل \"تفرقوا\" \"اختلفوا\" مطلق. وقال تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) [هود ١١٨] فاستثنى من الاختلاف المرحومين لأن الاتفاق رحمة والفرقة عذاب كما روي في الحديث (^١).\nومن تتبع السنة وجدها على هذا السَنَن لا يذكر الاختلاف إلا بالذم، كما في الصحيح لما أرسل النبي ﷺ معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: تطاوعا ولا تختلفا. [خ ٢٨٧٣]\n_________\n(^١) - زوائد المسند ١٨٤٧٢ والسنة لابن أبي عاصم ٨٩٥ والصحيحة ٦٦٧","vol":"1","page":328},{"text":"وقام في خطبته ناصحا يقول: ولا تحدثوا حلفا في الإسلام [ت ١٥٨٥] وقال ﷺ: فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة اه فأخبرنا بحصول الاختلاف في الدين، وأن المخرج منه التمسك بسنته ﷺ وسنة أصحابه الخلفاء، والحذر من البدع المحدثات التي هي منشأ الاختلاف. وقال ﷺ: اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا [خ ٤٧٧٣] أي لا تستمروا في الاختلاف. وقد تقدم من أعمال الصحابة ما شاء الله كما في قصة عمر يوم اختلف أبي وابن مسعود.\nفالاختلاف ليس مطلوب الوجود، ولكن معفو عنه عند الوقوع لرفع الحرج، فمتى وقع من عالم ولا عالم إلا الصحابة فمن اتبعهم، وإلا فإن خلاف الأصاغر في الدين هو البدعة، لذلك أنكر الصحابة ﵃ على الخوارج والقدرية .. دعاواهم في الاعتقاد والفتوى وهم أصاغر جاؤوا بالمحدثات بعد الكمال ..\nروى ابن عبد البر [جامع بيان العلم ٥٧٠] بسنده عن نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله ﷺ قال: إن من أشراط الساعة ثلاثًا: إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال نعيم: قيل لابن المبارك من الأصاغر؟ قال: الذين يقولون برأيهم، فأما صغير يروي عن كبير فليس بصغير اه\nفالقصد بالأصاغر صغر العلم والعمل أي الاتباع ..\nلذلك كان وصف المجدد في الناس هو العالم الذي يحيي ما اندرس من الأمر العتيق لا من يأتي بالجديد المحدث .. ومن لم يضبط هذا زعم في إمامه المحبوب أنه مجدد، فيزيد الأمة فرقة واختلافا على ما فيها والله المستعان.\nإذا فهمنا هذا عرفنا وجه من قال في اختلاف الصحابة أنه رحمة من الله، أي عفو منه سبحانه، فما عفا عنه إلا رحمة بالعباد، إذ أمر باتباعهم وعلم أنهم سيختلفون فعفا عنه رحمة. لكن لا أن الخلاف محبوب مقصود للشرع كائن في السنة! وقد عرفت أن العفو غير مقصود للشرع ولا ينبغي قصده من العبد اختيارا، فتأمل.","vol":"1","page":329},{"text":"ولو نظرت في اختلاف أصحاب محمد ﷺ وجدته على قلته غير حقيقي، فكثير منه اختلاف لفظي ككلامهم في التفسير (^١).\nومنه ما رجع عنه قائله إلى قول الجماعة مثل ما كان من ابن عمر وغيره في إنكار المسح على الخفين بعد الحدث، قال ابن المنذر: وقد روينا عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل من روي عنه من أصحاب النبي ﷺ أنه كره المسح على الخفين فقد روي عنه غير ذلك اه\nومنه ما يكون من باب تغير الفتوى مع الزمان كما تقدم عن علي في تفضيله إفراد الحج، ثم أنكر على عثمان حين نهى عن العمرة في أشهر الحج حتى لبى بهما أمامه [م ٣٠٢٣]، فهذا في نفسه ليس اختلافا.\nفإذا نخلت اختلافهم ما ألفيت منه إلا القليل، لأجل العلم والسنة. وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع</span>\nجملة النقول في جزء الآثار تنبيك إن شاء الله عن مقاصد التشريع من النهي عن البدع، والله تعالى أعلم بمراده ورسولُهُ ﷺ:\n\n<span data-type='title' id=toc-99>أ - قصد الشرع إلى صون الشريعة من التغيير.</span>\nفما من بدعة تحيى إلا وسنة تموت. وهل غُيِّر الدين الأول والتوراة والإنجيل .. إلا بالمحدثات والآراء والتأويلات المستحسنة؟ وهل غير دين إبراهيم إلا بما رآه عمرو بن لحي والملأ \"بدعة حسنة\"؟\nومن تأمل طريقة الصحابة في ترك السنن للبيان والنهي عن توقيت عمل مطلق .. ونحو ذلك علم أن مرادهم بقاء الدين كما وصى الله به نبيه. وإذا كان الإثم لازما لمن بدل وصية رجل في ماله فكيف بالذي يبدل وصية الله ورسوله (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين. فمن\n_________\n(^١) - مقدمة في التفسير لابن تيمية.","vol":"1","page":330},{"text":"بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) [البقرة ١٨١]. وهذا معنى لا أحسب طلب الدلالة عليه إلا تكلفا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ب- قصد الشرع إلى حصول القرب للعبد من الله تعالى.</span>\nفنهى عن البدع لأنها لا تقرب إلى الله، وأمر بالسنة لأنها السبيل إليه سبحانه. وبين الابتداع والابتعاد تقارب في المعنى واللفظ، فلا يكون الابتعاد من الله قربة إليه. وما أقرب الشبه - في الاشتقاق الأصغر - بين \"بَدَعَ\" و\"عَبَدَ\" و\"بَعُدَ\"، كذلك البدع بُعْدٌ وَلَغوٌ واتباع سراب .. قال النبي ﷺ: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت اه [خ ٩٣٤/ م ٨٥١] فألغى عملا مشروعا لما وضع في غير مظنته، كذلك كل عبادة لم تقع الموقع المأذون فيه كانت لغوا، وإن ظن الناس أن فيها مصلحة، كما ظن من قال لصاحبه أنصت مصلحة النهي عن المنكر وأنه عمل لصالح الخطبة، فلم يحَصل شيئا.\nلذلك لم يكن المتعبد ببدعة عابدا حقيقة، لأن العبادة هي الخضوع لله وامتثال أمره، والبدعة غير مأمور بها، فالمتعبد بها غير مطيع فهو غير عابد. ولا نقول هو عاص لأن العاصي على علم خالف، ولكن أصدق وصف أنه ضال، أراد أن يطيع فعمل بشيء غير مطلوب .. فلا يمكن أن تكون البدعة في الحقيقة عبادة ..\nوالنكتة هنا أن البدع ليست في القدر - أي في الواقع - سببا للتقوى وتزكية النفوس كما قال نبي الله ﷺ: إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام [صحيح رواه ابن حبان ١٣٩١ وغيره]. ومن أسماء الله \"المؤمن\" وهو الذي يصدق الشرع بالواقع والقدر، فإذا حرم شيئا شرعا فقد جعل فيه الضرر قدرا، كما إذا أذِن في الشيء شرعا رفع ضرره قدرا بل يجعل فيه المصلحة. والشرع والقدر أمر واحد من الله، قال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) [الروم ٢٩] فالدين الذي هو شرع الله هو الفطرة التي هي خلق الله.\nولما اختلج في صدور الذين لا يعلمون نهي النبي ﷺ عن أمور لِما رأوا فيها من مصلحة أظهر الله لهم آياته كما أخبر سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [فصلت ٥٣] كما عاينوا أن الكحول الذي كانوا يستشفون به","vol":"1","page":331},{"text":"ويقولون: هذا الواقع يكذب الرواية أن الخمر لا شفاء فيها! خلاف ما كانوا يظنون، أدركوا أخيرا أنه لا يشفي من سقم بل يخدر الداء زمنا ثم يقوم أنشط ما كان، فلا يزيد المبتلى إلا علة. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون!\nوكما أتاهم تأويل ما كانوا فيه يترددون من شأن شراب بول الجمل وغمس الذباب في الشراب ونحو ذلك مما كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب .. وهو مشهور.\nوكما عاينوا أن لحم الميتة سم مهلك قدرا، كما حرمه الله شرعا. وعاينوا أنه لا يضر المضطر الذي أوشك الهلاك جوعا، كما أباحه الله شرعا، قالوا: وجدنا المعدة تفرز في حال شدة الجوع عصارة هضمية تقضي على الداء وتجعله غداء. فلما كان حراما شرعا كان ضررا قدرا، ولما أبيح شرعا رفع الله منه الضرر قدرا، إذ الفطرة والشرعة من الله الواحد الأحد سبحانه.\nوكما عاينوا أن نتف الإبط هو مقتضى الفطرة لا الحلق، فقالوا: إن في أصل كل شعرة منه جراثيم تموت ما أصيبت بالهواء لا تزول إلا بالنتف، ومتى حلق الشعر بقيت وأورثت خُنُوزًا ودمامل وحكة .. وأن الحلق يقوي الشعر فيشق بعد ذلك على الحالق النتف، ويظن أنه عَسِرٌ وإنما هو عسَّر على نفسه .. فلما خالف السنة ما ازداد إلا بعدا عنها وشق عليه الرجوع إليها ..\nكذلك البدع لما نهى الله عنها ورسولُه لم يجعل الله فيها المصلحة الحق قدرا، وما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا، إذ لا بركة فيها، كما لا بركة في الأرض العقيم التي لا تنتج وإن زُرِعت الدهرَ، ولا يخرج زرعها إن خرج إلا نكدا. وإنما يلاحِظ هذا في وجوه العاملين مَنْ رُزِقَ السلامة من حب البدع واقترافها (^١). ومن كذب بالحق لما جاءه فسوف يأتيه تأويل ما كان يُنهى عنه من البدع! ولات حين مناص.\nوتأمل هذا في عبودية البغض في الله مثلا، فإن النبي الذي حرم البدع ونفَّر منها\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الحادية عشرة من مباحث السبب من أحكام الوضع.","vol":"1","page":332},{"text":"بأشد صيغ النهي مبغض لها قاصد تبغيضها إلى قلوب العباد. وتجد مستحسني البدع أشد الناس تهاونا فيها، لا يَنفرون مما نفَّر منه، ولا يحذرون منها العباد كما كان النبي ﷺ يفعل، بل تجد أثقل شيء عليهم أحاديث النبي في ذم كل بدعة. فلو كان من الدين استحسان البدع لأوجدت في القلوب تقوى وقربا من الله يقتضي الحب فيه والبغض فيه سبحانه. لكن أتباع النبي ﷺ على أثره سائرون، يحذرون من البدع وهم لها مبغضون، متأسون به ﷺ ظاهرا وباطنا.\nكذلك يجعل الله بركة الإيمان والصلاح والقبول والولاء للنبي ﷺ باتباع السنة عمل النبي ﷺ، فترى صاحب السنة مشرق الوجه ناضر المحيا منقادا للسنة لا يتلكأ، بخلاف البدعة فإنها لا تأتي بخير .. لا أقصد دمع العين ونحوه فإنك تجده في النصارى … ولكن الحقائق التي تقوم في القلوب وكمال الانقياد والاتباع وانشراح الصدر للسنة فعلا وتركا .. وحسن المآل يوم المعاد. لذلك كلما قرب القرن من زمن النبوة كان أسلم من الخلاف والبدعة وأعظم بركة، وكلما ابتعد كان أبعد عن ذلك. فكيف يأتي متأخر بعمل أهدى من الأولين؟! تدبر عافاني الله وإياك.\nوالمقصود أن ما فعله النبي ﷺ فالسنة والحكمة والمصلحة شرعا وقدرا فعله كذلك وما أخفاه فالسنة والمصلحة إخفاؤه، وما فعله تارة وتركه تارة فالمصلحة قدرا فعله كذلك، وهكذا .. تفكر في الصلاة مثلا: ما أظهره النبي ﷺ منها شرعا كصلاة الجماعة رفع الله عنه الضرر قدرا فليس فيه رياء بل هو المصلحة، وما أخفاه وسن إخفاءه كقيام الليل ففي إظهاره المفاسد كالرياء فإنه يتسلل إلى القلب .. ونحو ذلك كالعُجب، مما قد يكون عقوبة للمخالفة كما قال تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة ١٤] فلما نسوا حظا مما ذكروا به وهو سنة نبيهم عيسى ﵇ غير الله قلوبهم فضرب بعضَها ببعض عياذا بالله.\nكذلك فطرة ابن آدم ما يكون به قوامه منه ما المصلحة الدوام عليه كل يوم كالطعام والشراب والنوم .. ومنه ما حاجته إليه أحيانا كالجماع، فلو اتخذ ما سنةُ الفطرة فعلُه أحيانا سنةً راتبةً كل يوم لعاد عليه بالفساد .. كذلك ما سنة الشرع فعله","vol":"1","page":333},{"text":"أحيانا لا يتخذ سنة راتبة، لأنه إنما ينتفع به أو يكمل انتفاعه به ما دام كذلك .. ولكن الناس يرون عاقبة ذلك في الفطرة كالجماع فيُسَلمون، لأنها معجلة، ولا يرون ذلك في الشرع، فتراهم يجادلون لأن الله أخر بيان العقبى إلى يوم الدين ..\nوالمقصود أن الله تعالى أطلع نبيه على وجوه الأعمال النافعة قدرا وأسرعها وصولا بالعبد. فاحفظ هذا فإنه ذكرى لمن كان يرجو لقاء ربه فإنما الأمر بالاتباع. والله المستعان لا حول ولا قوة إلا به.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>ج- القصد إلى تزكية العبد من اتباع الهوى اللازم للابتداع.</span>\nومنه منازعة الربوبية إذ الابتداع مناف للعبودية، لأن التشريع حق الرب وحده. ففي الإحداث مضاهاة للربوبية التي معناها انفراد الله ﷿ بالتشريع في وجوه القربات وما شابهها. وإنما لك من اسم ربك «الرب» أن تربي الناس بما سنه رسوله ﷺ ورُبِّي به السابقون إذا أُذن لك، (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) [آل عمران ٧٨] لا بما بدا لكم حسنا. فإنك إن فعلت كنت متعبدا لله حقا باسمه الرب أنه هو الذي تفرد بالتربية وتعيينِ أبوابها .. وتأمل هذا في قول الله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) [التوبة ٣١] كانوا أربابا لما ابتدعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. كذلك المبتدع مضاهٍ ربَّه سبحانه في هذا الحد الذي هو من حدود الله، وما الأحبار والرهبان إلا مبتدعة في دين أنبيائهم.\nوقد ذكروا من أسماء الله الحسنى «البديع» الذي ابتدأ الخلق من غير مثال سابق وأبدعه إبداعا، فمن ابتدع أشرك مع الله نفسه في هذا المعنى. وفي الحديث الإلهي [خ ٥٦٠٩]: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذرة اه فكما امتنعت مضاهاة الله ﷿ في التصوير والخلق لأنه «الخالق» «المصور» كذلك امتنعت في الأحكام والتشريع لأنه هو «الرب» «البديع» إذ له وحده الخلق والأمر. قال ربنا ﵎ (ألا له الخلق والأمر) [الأعراف ٥٤] فتفكر كيف نبه على التوحيد في الخلق والأمر الذي يتناول الأمر القدري والأمر الشرعي بتقديم لام الاختصاص والضمير بعدها، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وقدم ذلك بآية التنبيه \"ألا\" ليُنبه على أنه سبحانه انفرد بحق الإحداث بغير مثال سابق في الخلق والأمر سبحانه","vol":"1","page":334},{"text":"وتعالى. ومن نازع ربه في شيء من ذلك فقد انسلخ من العبودية أو من تمامها واتبع هواه، ومن أعطى القرآن بخزامه فقد برئ من الهوى كما قال أبو الدرداء ..\nومن اتباع الهوى أنك تجد صاحب البدعة يوالي عليها ويعادي أكثر من حبه السنن الثابتة، لأنها أخص به، والفيصل بينه وبين غيره. فلسان حاله ينطق أن لا حق إلا فيها وأن الضلال في تركها فيستميت في نصرتها ما لا يفعل مثله في نصر السنة! وهذا هو الهوى عينه، ودليل على ما في قلبه من الفساد، فإن البدع تميز صاحبها ويمتاز بها عن المسلمين ويتراءى للناس بها، فهي من جنس لباس الشهرة الذي يعود على صاحبه بخلاف قصده (^١). والعقوبة بخلاف القصد السيئ سنة شرعية وكونية.\nومنه ما قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة [٧٣٢] أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الفقيه قال أخبرنا عمر بن أحمد قال ثنا محمد بن هارون بن حميد قال ثنا أبو همام قال نا بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قال قلت: قوم سوء! قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﷺ بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث!\nوقال الهروي [ذم الكلام ٩١٩] أخبرنا محمد بن موسى حدثنا الأصم حدثنا الصغاني حدثنا أحمد بن أبي الطيب حدثنا بقية حدثنا نعيم بن غريب حدثني عنبسة بن سعيد الكلاعي قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا غل صدره على المسلمين واختلجت منه الأمانة. قال نعيم: فسمعه مني الأوزاعي فقال: أنت سمعته من عنبسة؟ قلت: نعم. قال صدق، لقد كنا نتحدث أنه ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب ورعه اه\nوهذا كما قال ربنا وهو أعلم بمن خلق (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد ٣٦] فكل من تحزب في دينه ببدعة ينكر بعضا من السنن، وأقربها أدلة النهي عن البدع. (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في\n_________\n(^١) - قال الهروي [ذم الكلام وأهله ٤٨٠] أخبرنا أبو يعقوب أخبرنا محمد بن العباس العصمي سمعت أبا بكر بن أبي عثمان النيسابوري يقول: آخر كلمة تكلم بها أبي سمعته يقول: خلاف السنة في الظاهر من رياء باطن في القلب اه","vol":"1","page":335},{"text":"وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) [الحج ٧٢] ونعوذ بالله من مَثَل السوء.\nوقد قال النبي ﷺ: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل اه فهذا بيان أن الخلوف الذين يرثون الكتاب من بعد الأولين يقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بأعمالهم وقلوبهم من حب الله وولايته والاعتصام بالسنة .. وما هم بمعتصمين! ويفعلون ما لا يؤمرون! فيا ليت شعري مَنْ أمرهم بإقامة الموالد؟! .. مَنْ أمرهم باستحسان البدع والتفنن في اختراعها؟! .. آلله أذن لهم أم على الله يفترون؟!! أوَلم يكفهم ما به تقرب النبي ﷺ وأصحابُه وما به سبقوا، حتى أحدثوا غيره؟! أَوَ لم يكن لله أولياء من السابقين الأولين أشد حبا واجتهادا في طاعته، حتى أتى المتأخرون بِبِدْعٍ من القول والعمل وقالوا: قُرُبَةٌ حسنة؟! أَوَلم يكن للنبي ﷺ أحباء من أصحابه يحتفلون به .. حتى أتى مَنْ أحدث ما لا يرى الحق والولاية إلا فيه، ويرى الضلالة والجفاء في خلافه؟!! (كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) [الأنعام ١٠٨] (^١).\nويا ليت شعري ما يضر هؤلاء لو تركوا محدثاتهم واعتصموا بالسنة!! وقد كان العلماء ربما تركوا السنة المقررة والحديث المحكم خوفا من اشتباهه عند الناس بالسنن الراتبة أو الواجب اللازم، ولم يكتفوا بالبيان بالقول حتى بينوا بالفعل (الترك). فإذا كان هذا سَنَن السابقين الأولين مع السُنَن المقطوع بكونها مشروعة، فما الظن بما لم يثبت فيها؟!\nولماذا يستميت المخالفون في نصرة ما أحدثوا بما قدروا عليه من الاحتجاج\n_________\n(^١) - التزيين نوعان: قدري وشرعي، فالقدري في قوله تعالى (كذلك زينا لكل أمة عملهم) والشرعي الذي يحبه الله ما قال فيه سبحانه (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) [الحجرات ٧]","vol":"1","page":336},{"text":"بالمتشابهات وبالتواصي بها والدوام عليها!! والولاء والبراء .. فانظر كيف نزلت البدعة من صاحبها الذي خرجت من قلبه بمنزلة الولد الذي خرج من صلبه! يستميت فيها! والسعيد من وعظ بغيره.\nوالمبتدع أهون شيء عليه تحريف كلام الله ورسوله بأنواع التأويلات لأنه يبتدع ثم يستدل، حتى إذا أُعلم بنهي عام أو خاص فكَّر وقدَّر وعبس وبسر، ثم زعم أن قصد الشرع من النهي كذا وكذا .. كما هو العهد بالمسَوَّدين منهم!\nوقد قال ربنا ﵎ (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) [آل عمران ٧] فالمحكمات هن أم الكتاب أي معظم الأدلة، والمتشابهات هي القليلة التي يشتبه أمرها ويُشكِل، فتتردد بين موافقة المحكمات وبين مخالفتها. فأما الذين نظروا في الأدلة بقلوب فيها زيغ سابق عن النظر، أي عندهم أفكار يهوونها زائغة عن المعنى الذي تقرره المحكمات الغالبة التي جرى عليها العمل العتيق فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة.\nقال البخاري في جزء رفع اليدين [ص ١٤٠] قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة اه (^١) وروى ابن أبي حاتم في التفسير [٣١٩٦] حدثنا أبي ثنا الحسن بن الربيع ثنا ابن إدريس ثنا محمد بن إسحاق قوله (وابتغاء تأويله) ما تأولوا وزينوا من الضلالة ليجيء لهم الذي في أيديهم من البدعة ليكون لهم به حجة على من خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به، كميل الأهواء وزيغ القلوب، والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة اه\nفهذا الصنف متبع للهوى غير محَكم للشرع في اختياره، لذلك يقع في الفتنة من حيث لا يحتسب.\n_________\n(^١) - رواه الهروي [ذم الكلام ٣٣٧] من طريق البخاري قال سمعت محمد بن سلام البيكندي سمعت وكيعا فذكره.","vol":"1","page":337},{"text":"وأي فتنة وهوى أعظم من أن يرى صاحب البدعة نفسه قد سبق إلى فضل قصر عنه النبي ﷺ والسابقون؟ وفتنةٍ تسلل بها إلى القلوب اتهام النبي ﷺ أنه لم يُبَلغ بعضا من الدين، ولم يبينه للعمل به! ولمزٍ للصحابة بالغفلة والنقص وهم الذين سماهم الله \"السابقين\" إلى كل خير و\"الأولين\" فيه وإليه .. ! وأي فتنة أعظم من بدع أورثت القلوب شكا في دلالات القرآن والسنة .. حتى رأوا المحكمات (الظواهر) التي هي أغلب أنواع الأدلة محتملات لا توجب العلم ..؟!!\nفجاء الشرع ليطهر القلب من هذه الأدران بما فرض من الاتباع ونهى عن الابتداع. والله تعالى أعلم بمراده ومقاصد نبيه ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-102>د - قصد الشرع إلى دوام العبد على العمل ومحبته.</span>\nلذلك سلك الشرع به سبيل اليسر. والبدع - سواء بالزيادة أو بالترك مثلما تقدم - زيادة تكليف، آيل مع الزمن إلى الكلال عن المشروع، وللنفوس إقبال وإدبار. فمنَعَ الشرع كل بدعة حفاظا على إقبال النفوس على العبادة، ولبقاء الدين في مقدور العبد (^١).\nومادة \"ب د ع\" في لسان العرب تأتي بمعنى الانقطاع والكلال، ففي العين قال الخليل: وأُبْدِعَ البعيرُ فهو مُبْدَعٌ … وأُبْدِعَتِ الإبلُ إذا تُركت في الطريق من الهُزال. وأُبْدِعَ بالرّجلِ إذا حَسِرَ عليه ظَهْرُهُ اه ومثله وفي الصحاح.\nفالبدعة لا تصل بصاحبها إلى الله، وآيلٌ أمر راكبها إلى الانقطاع عن السنة، وعن ورود الحوض يوم تبلى الأعمال والسرائر.\nروى البخاري [٣٢٧٨] عن ابن عباس قال حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن موسى قال لفتاه آتنا غداءنا (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به اه وكذلك يَنْصَبُ من تجاوز حد السنة.\nوروى الفريابي في القدر [٣٢٤] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معاذ بن معاذ\n_________\n(^١) - الموافقات: المسألة الثامنة من النوع الرابع من مقاصد الشرع.","vol":"1","page":338},{"text":"حدثنا ابن عون عن محمد - يعني ابن سيرين - أنه كان يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء اه سند صحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>هـ - قصد الشرع إلى توحيد العباد على الصراط.</span>\nفالبدع تفرق عن سبيل الله، وتقطع أمر الأمة، هذا ينتصر لها، وهذا يحاربها .. وكل عند نفسه متعبد لله بما يصنع .. قال تعالى (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) [المومنون ٥٤] أَمْرَهم أي دينهم قطعوه بينهم زُبُرا أي كتبا جمع زبور، فألَّفُوا كتبا في \"تصورات\" لهم ومذاهبهم وقالوا: بها نفهم كلام الله، وهي المثناة في حديث عبد الله بن عمرو المذكور. فاختلفوا، فتقطعوا أمرهم، وصاروا أحزابا متفرقين. وتأمل الموصول \" ما \" كيف يدل على غاية في التحقير لأن التنكير في سياق الذم يفيد التحقير، أي أن ما أحدثوه وهم به فرحون نكرة لا يعرف في الدين، ولا قيمة له عند رب العالمين. ولماَّ ذكر الدين الذي هو الحق عرَّفه بالإضافة فقال \"أمرهم \" أي أنهم تركوا المعلوم صدقه وعاقبته إلى ما لا يعلمون!!\nوقد أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ أن هذا الأمر واقع في الأمة بقوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ اه [خ ٦٨٨٩/ م ٢٦٦٩]. والله المستعان. وهو ما حذر الله ﷿ عباده في قوله (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [الأنعام ١٥٤]\nوقد روى ابن جرير [التفسير ١٨١٣] حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) قال: بلى! قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، وقالت النصارى (ليست اليهود على شيء) ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا اه وغاية ما أحدثه أولئك كان بدعوى أنه \" بدعة حسنة \" .. !\nوقد قال أبو عبيد [فضائل القرآن ٤٤] ثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: إن هذا الصراط محتضَر، تحضره الشياطين، يقولون: هلم يا عبد الله، ليصدوا عن سبيل الله، فعليكم بكتاب الله فإنه حبل الله اه فبين أن من أراد أن يسلك","vol":"1","page":339},{"text":"الصراط اكتنفته الشياطين من الإنس والجن كل يقول: ههنا الطريق يا عبد الله! أي إن كنت تريد العبادة والصلاح فهنا الطريق. كما تفعل كافة الفرق المنتسبة إلى الدعوة اليوم، والله يهدينا وإياهم.\nوقد روى ابن ماجه [٣٩٩٢] وغيره عن نبي الله ﷺ أنه قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة. والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة اه وهو حديث حسن مليح، تعددت مخارجه، ويشهد لمعناه القرآن والسنة والآثار.\nويا ليت شعري ما ينهزهم إلى رد الحديث!؟ آلسند أو المعنى!؟\nأما السند فالاعتبار له سند (^١). وعهدنا بهم في ما نشطت له أنفسهم من الأخبار الضعيفة السند يقولون: إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد! فليكن الأمر هنا كذلك.\nأو معناه استنكروا!؟ وقد شهدت له المحكمات من القرآن والسنة والآثار؟ فهل ينكرون أن كل ضلالة في النار!؟\nبلى قد صدق الله وهو أعلم بمن خلق (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد ٣٦]، فكل من تحزب في دينه ببدعة لا تجده إلا منكرا بعض ما أنزل الله على رسوله، والله المستعان.\nوكلما أنكر الناس سنة أو تركوها ازداد ما بينهم من الاختلاف كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) [المائدة ١٤] وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليلني منكم\n_________\n(^١) - السلسلة الصحيحة ٢٠٤","vol":"1","page":340},{"text":"أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا اه\nفما ترك الناس حظا مما ذكروا به إلا وقعوا في الاختلاف، والبدع تورث نقص السنن وتورث الاختلاف فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا كما قال النبي ﷺ: ما تواد اثنان في الله جل وعز - أو قال: في الإسلام - فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما اه [صحيح الأدب المفرد ٤٠٣] وفي لفظ: .. فيفرق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما اه [السلسلة الصحيحة ٦٣٧]\nوقال ربنا ﵎ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) [الأنعام ٦٨] فقرن بين ذكر الذين يخوضون في آيات الله وما وعد الناس من أن يُلبَسوا شيعا، وهكذا شأن البدع سببها الخوض في آيات الله، ومآلها الاختلاف والاقتتال كما قال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة ٢٥٣] وهو الذي فهم ابن عباس لما قال في الذين يعجلون بحفظ حروف القرآن: متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا اه\nوكم من خلاف عند كثير من الناس صار \"معتبرا\" و\"له حظ من النظر\" وإنما سببه بدعة وقعت! إما من كلام الأصاغر في الدين ممن أشبه العلماء وليس منهم .. أو أنه زيغة حكيم ينبغي أن تطوى ويعذر عليها، من باب قول النبي ﷺ: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه وقال ابن عباس: ويل للأتباع من زلة العالم! قيل: وكيف ذلك!؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى","vol":"1","page":341},{"text":"من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيخبره ويرجع، ويقضي الأتباع بما حكم اه\nفاعتد ناس بما هذا بابه حتى كثر الخلاف عندهم، وضعف اليقين في القلوب، ورأوا أن أكثر الدين مختلف فيه، وأن الإجماع قليل جدا!! وإنما الخلاف المعتبر ما كان بين فقهاء الصحابة، وكل بدعة بعدهم ضلالة، ليس النوازل التي تُخَرج على مسائلهم ..\nوقد تقدم أن من المتشابهات ما يقع عند كلام الأصاغر في الدين وعند الاختلاف كما قال ربنا ﵎ (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم. وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب. فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) [الشورى ١٤ - ١٥] فالذين أورثوا الكتاب من بعد المختلفين وهم المنتسبون إلى العلم وقعوا في شك مريب، لا كأهل العلم الشاهدين التنزيل، الذين شُرع لهم الدين أي بُين وأظهِر وسُهل كما قال تعالى (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا) [الأعراف ١٦٣] شُرَّعًا أي ظاهرة ميسورة الأخذ. فبعد أن كان ميسورا ظاهرا لهم صاروا في لَبس شديد. وهذا تنبيه لأمتنا لذلك قصه الله علينا. والله المستعان. ثم أمر الله أحدنا أن يستقيم على الأمر لئلا يكون كحالهم فقال (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) فالاستقامة على الأمر هي السنة، والأهواء هي البدع.\nوقال ربنا (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) [هود ١١٠ - ١١٢] فأمر بالاستقامة على الأمر وهو السنة وحذر من الطغيان فيه وهو الابتداع، بعد أن أخبر عن اختلاف بني إسرائيل وما هم فيه من الشك المريب.","vol":"1","page":342},{"text":"ومثله قول الله تعالى في سورة فصلت (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب) [٤٥] بعد أن ذكر ربنا أن كتابه هذا فصلت آياته وأحكمت وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه للمؤمنين هدى وشفاء، وهذا الذي يسميه الناس \"القطعية\"، فكذلك كان الكتاب الذي أنزل على موسى، فاختلفوا، فصاروا في عمى وشك مريب ..\nولما اختلف الناس بعد أنبيائهم واقتتلوا صار لأهل الشوكة في كل زمان صولة يحملون الناس بالسلطان على ما أحدثوا، فإذا قام فيهم من يردهم إلى الأمر الأول قتلوهم وأرهبوهم واشتروا إدهان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب بلعاعة من الدنيا كما قال ابن مسعود: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة - أي بدعة - يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثرت قراؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقَلَّت أمناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة اه فإذا كان أمراء غير أمناء على الدين وقراء يلتمسون الدنيا بعمل الآخرة داهنوهم فأفتوا بما يرضي أمراءهم، فعمت البدع وغُيِّر الدين!! وهذا المعنى الذي ذكر أبو عبد الرحمن بَيِّن في آي من القرآن قال ربنا ﷻ (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار. ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) [البقرة ١٧٦] فأخبر أنهم اشتروا البدع الضلالة بالهدى وهي سنة نبيهم وكتموا العلم ليأكلوا في بطونهم، ولا يُضَيق عليهم كما يضيق على الذين يأمرون بالقسط من الناس. وهذا واللهِ وعيدٌ لأهل العلم شديد.\nومثله قول الله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) [البقرة ١٦٠] فالبينات العلم آيات الله، والهدى العمل الصالح سنن الأنبياء، كما قال ابن مسعود: إنما هما اثنتان: الهدي والكلام،","vol":"1","page":343},{"text":"فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ اه [عبد الرزاق ٢٠٠٧٦]\nوقال ربنا جل في علاه (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) [آل عمران ١٨٨] فأخذ الله عليهم موثقا لتبينُنَّه للناس ولا تكتمونه لدنيا تصيبونها أو تخافون عليها، ففرحوا بالكتمان وأحبوا أن يحمدوا بأنهم هم أهل العلم والدعوة القائمون بأمر الله وما هم بفاعلين!\nولما صمت الصامتون وأدهن المدهنون نشأت قرون لا يعلمون من الدين إلا ما هم في شك منه مريب.\nوكل هذا الوبال كان سببَه حدوثُ البدع واستحسانها! نعوذ بالله من شرها.\nفانظر إلى جناية البدعة على الدين! لتعلم أن من حذر منها يعلم من الله ما لا تعلمون ﷺ.\nهذه مقاصد إن شاء الله أومأ العلماء إليها في كلمات متفرقة. ليست عللا يناط بها أحكام البدع وجودا وعدما، ولا قواعد للأحكام والنوازل، ولكن هي معانٍ يطمئن إليها قلب الحريص على دينه مجانب الحوادث والأهواء جملة. وإنما تضبط بمتابعة ما سلكه النبي ﷺ والصحابة فعلا وتركا.\nومتى أُبقِيت السنة على حالها بقي الدين محفوظا سمحا محبوبا موصِلًا إلى الكمال المطلوب للعبد من طريقه الأقرب الأوحد بإذن الله الواحد الأحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>فصل في بيان أن حديث \"كل بدعة ضلالة\" محكم العموم</span>\nذهب جمع من المخالفين إلى أن قول النبي ﷺ في حديث العرباض: \"وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة \" عموم مراد به الخصوص. وهذه وهلة عظيمة غفر الله لمتأوليها! لأن الذي ينطق بالعموم يريد بعضه لا بد أن يأتي بقرينة دالة على المراد في السياق نفسه، وإلا صار العموم مجملا غير ظاهر، كقوله تعالى (تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) [الأحقاف ٢٥]","vol":"1","page":344},{"text":"فاستثناء المساكن وقوله (بأمر ربها) دليل إرادة الخصوص وهو تدمير ما أمرت به. فلا تصح دعوى إرادة الخصوص في العموم إلا بقرينة في السياق، ومتى تجرد عن هذه القرائن بقي على الأصل.\nلكن الحديث تأكد البيان في سياقه وشواهده على إرادة العموم المحكم وذلك من وجوه:\n- الأول: لفظ \"محدثات الأمور\" عموم بالإضافة يشمل كل ما يحدث في الدين.\n- الثاني: \"كل بدعة\" عموم ثان.\n- الثالث: تكرار النبي ﷺ العموم في الخُطب تأكيد، والتأكيد يمنع حمل اللفظ على المجاز كما قالوا، أي يمنع أن يحمل اللفظ على غير ظاهره (^١).\n- الرابع: العلة، فإن لفظ \"محدثة\" ولفظ \"بدعة\" مشتقان يدلان - بدلالة الإيماء والتنبيه - على أن علة الردِّ والضلالِ الإحداثُ والابتداعُ وهي علة منصوصة. والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، متى وجد الإحداث وجد الضلال والرد. فهذا عموم آخر بالعلة يبطل الدعوى.\n- الخامس: لفظ \"إن\" الذي هو للتأكيد يؤيد القصد إلى العموم الظاهر، ويفيد أن دلالة الكلام على العموم مقصودة بالتأكيد. ثم هو مذكور في السياق لفظا في قوله: \"فإن كلَّ محدثة بدعة\" وتقديرا في قوله: \"وكلَّ بدعة ضلالة\" تقديره: وإن كل بدعة ضلالة. فكأنه خطاب للمتردد في دلالة العموم على الاستغراق.\n- السادس: طريقة إبلاغ النبي ﷺ الخبر دليل آخر على أن العموم محكم، إذ جَعَلَه في خُطَبِه بالمجامع الحافلة كما أخبر جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم .. ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة اه وكما في حديث أبي فراس البليغ. والخطبة إعلام بالخَطْب العظيم، أي أن إعلامهم بهذا الحكم هو من الخَطْبِ الذي\n_________\n(^١) - انظر صحيح البخاري كتاب العلم باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه.","vol":"1","page":345},{"text":"جمعهم ليحذرهم منه. وطريقة البيان النبوي سنة فعلية وفِقْهٌ وراء النظر المجرد في الدليل، تنبيك عن مقاصد التشريع ومراتب الأدلة وأحكامها. فليس ما جمع له النبي ﷺ الناس كما أخبر به آحادا، أو نبه عليه بعد سؤال، أو أقر عليه عاملا .. فطريقة البلاغ دليل على أنه أصل محكم، وليس محتمل الدلالة على قصد العموم.\n- السابع: البدعة هي ما لم يُعرف في العمل الأول، والمنكر كذلك هو غير المعروف، قال تعالى (فعرفهم وهم له منكرون) [يوسف ٥٨] أي لم يعرفوه، فالبدعة إذًا منكر ليس بمعروف. وقد روى مسلم [٧٨] عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة! فقال: قد تُرك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. ومن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان اه والمنكر في الحديث هو بدعة تقديم الخطبة. وما كان في الشرع منكرا لا يكون منه حسن إذ لا نقول: منكر حسن، كذلك لا نقول: بدعة حسنة، بل كل بدعة ضلالة. والمؤمنون (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) [التوبة ٧٢]\n- الثامن: فائدة المغايرة في السياق، ذلك أن النبي ﷺ فرق بين البدعة والسنة في قوله: \"فعليكم بسنتي\" إلى قوله: \"وإياكم ومحدثات الأمور\". الحديث، والواو للمغايرة، فيدل على أن جنس البدعة ليس من السنة في شيء إذ جعلهما متقابلتين، فأمر بهذه ونهى عن الأخرى. وهذا مثل قوله في حديث جابر: وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها اه ففرق بين هديه ﷺ وهو عمله وبين البدع، فيدل على أن جنس البدع ومطلق الابتداع ليس من هديه ﷺ. فهذه قرينة أخرى دالة على إرادة العموم المطلق. فتأملها.\n- التاسع: ما فرق به جماعة من الأصوليين بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص وهو القصد، إذا قصد المتكلم أول الأمر من لفظ عام أو مطلق بعض معانيه فهو مراد به الخصوص، وما قصد به العموم ثم أخرج منه بعضه فعام مخصوص وهو النسخ عند السلف العلماء. فيلزم مَنْ زعم أنه عام مخصوص أن يسلم بثبوت العموم المحكم أولا في قول النبي ﷺ \"كل بدعة ضلالة\" ثم يأتي بالناسخ","vol":"1","page":346},{"text":"المتأخر عنه، ولا دليل. وقد عرفت أول الفصل أن دعوى من ادعى إرادة الخصوص خلاف البيان النبوي العربي، وإلا كان متشابها، وهو من جوامع الكلم. يؤيده:\n- العاشر: خلو السياق من المخصص أو الدال على إرادة الخصوص كما تقدم، فهو من أقوى الأدلة على إرادة العموم. ومعهود العرب في خطابها أن ما يسمى عند المتأخرين الظاهرَ نصٌ مع التجرد عن القرائن الصارفة لا تَفهمُ منه غير ظاهره (^١)، وأن الاحتمال المقدر عقلا غير وارد عليه والنبي ﷺ أرسل بلسان العرب.\nهذه الشواهد المؤكِدَة كلها تورث \"القطع\" بأن العموم مستغرقٌ كافةَ أفراده، لأن الظاهر - على اصطلاح الأصوليين - إذا تعددت شواهده صار نصا لا يحتمل، كما أن حديث الواحد إذا تعددت طرقه صار متواترا محكم الثبوت عندهم. والنص لا يقبل التخصيص ولا التأويل. فتعين على طريقة الأصوليين أنفسهم كون الحديث قاعدة كلية لا مخصص لها، وألا بدعة حسنة.\n- الحادي عشر: ما علَّمنا ربنا ﵎ أن نقول عند سؤاله الاستقامة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) والضالون هم النصارى ومن أشبههم في الوصف بالضلال وهي البدع، وهو بَيِّنٌ يستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل. وهو مطلق في كل ضلالة بلا قيد كما سيأتي في فصل مُصَمَّدٍ لأم القرآن بعون الله.\n- الثاني عشر: الآيات الآمرة بالاتباع كقول الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [آل عمران ٣٠] ونظائرِه، فإن حقيقة الاتباع هو الاقتفاء والسير تبعا لخطا سابقة .. والابتداع بخلافه فإنه ابتداء عمل ليس له فيه أسوة، فهما في اللغة ولسان الشرع ضدان، لذلك قال ابن مسعود: \" اتبعوا ولا تبتدعوا \" فأمر بالاتباع ونهى عن ضده. فمنطوق الآية يدل على أن المحبة والمغفرة كائنتان في الاتباع، ومفهومها أن الابتداع بخلاف ذلك، وهذا إطلاق آخر من غير قيد، إذ منطوقها مطلق لأنه فعل \"فاتبعوني\"، ومفهومها مطلق كذلك في النهي عن الابتداع، والمفهوم تبع للمنطوق في العموم والإطلاق. وقد تكرر الأمر بالاتباع\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الثالثة من مباحث العموم وكتاب لواحق الاجتهاد المسألة الرابعة من النظر الثاني.","vol":"1","page":347},{"text":"في القرآن مطلقا كذلك في آيات كثيرة، والتكرار في معنى النص كما قالوا.\n- الثالث عشر: قول الله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [الأنعام ١٥٣] السبل البدع المحدثة التي يُزعم أنها كالسبيل في إمكان الوصول إلى الله، وهذا عموم في كل السبل سوى سبيل الله ورسوله ﷺ. قال عبد الله الدارمي [٢٠٢] أخبرنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ يوما خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) إسناد جيد. لذلك روي عن مجاهد أن \"السبل\" هي البدع (^١)، وهو بين لا يحتاج إلى إسناد. واتباع السبل دال على العمل بالتضمن أي اتخاذ أعمالٍ أسبابا للسلوك ليست من سبيله، وعلى الاعتقاد بالالتزام لأن عقد القلب أصل الأعمال. فهي سبل عملية وسبل عقدية. وقوله (عن سبيله) معرف بالإضافة، فهي سبيل واحدة معروفة عند الصحابة، وما ليس معروفا عندهم ليس من سبيله وهي البدع. لذلك تقدم عن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين اه فهذا عموم آخر مطلق من غير قيد يدل على أن كل ما ليس من سبيله يضل عنه، وهو معنى بيان النبي ﷺ: \"كل بدعة ضلالة\".\n- الرابع عشر: قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) [المائدة ٣٥] \"الوسيلة\" معرفة، فهي الوسيلة المعهودة المعروفة في سنة النبي ﷺ وعمل أصحابه الذي كانوا يتوسلون به. فما لم يكن وسيلة لمرضاة الرب عندهم فليس من \"الوسيلة\"، وإن أدخل فيها بالتأويل. فالمحدثات إذًا لا تصلح قربات.\n- الخامس عشر: قول الله تعالى لنبيه (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) [هود ١١٢] فاستقاموا كما أمروا، فما ليس من عملهم ليس من الاستقامة التي أُمر بها\n_________\n(^١) - الدارمي ٢٠٣ والطبري في جامع البيان ١٤١٦٣ و١٤١٧٠.","vol":"1","page":348},{"text":"بل هو اعوجاج في الدين وطغيان، فلا بدعة حسنة. ثم بشر الذين استقاموا كذلك إلى قيام الساعة فقال (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة) [فصلت ٣٠]\n- السادس عشر: قول اللطيف الخبير سبحانه (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) [الإسراء ١٩] فللآخرة سعيها المعلوم، وهو ما ترك عليه النبي ﷺ أصحابه، لا ينال أحد أجر الآخرة إلا بالسلوك عليه. فما لم يكن من السعي المعلوم عندهم فليس من سعي الآخرة المشكور. فكل بدعة إذًا ضلالة. والآيات نحوها كثيرة جدا.\n- السابع عشر: قول رسول الله ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه معناه: من أحدث في ديننا محدثا فهو رد، فيدل بالعلة (الاِحداث) على عموم الحكم في كل بدعة، ويتأيد بمفهوم المخالفة في الفعل أن من لم يحدث بعمله محدثة فليس برد. فهذان دليلان في دليل واحد: العلة والمفهوم. وسيأتي رد ما ليس منه قريبا.\n- الثامن عشر: قول النبي ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد عموم آخر لأن لفظ \"عملا\" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ. والأمر هنا بمعنى الشأن أي الهدي الذي جمعه أمور، وهو العمل المتبع، كما دلت رواية إسحاق بن راهويه \"من عمل بغير عملنا فهو رد\". وكان مالك ﵀ يقول: \" الأمر عندنا .. \" ونحوه يريد عمل أهل المدينة. فالمعنى: من عمل عملا ليس من هدينا أو ليس عليه العمل عندنا فهو رد. فالحَكَم هو العمل.\nفإذا كان هذا الحديث هو الحديث المتقدم آنفا (من أحدث في أمرنا)، فلا يخلو إما أنهما جميعا لفظ النبي ﷺ فيكون تأكيدا لمعنى واحد رافعا لاحتمال التخصيص. أو أن أحدهما روي بالمعنى فيكون دليلا على أن ذلك المعنى هو المراد المفهوم عند السلف، فتدبر ..\n- التاسع عشر: قول النبي ﷺ: المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يُقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين اه فقوله: \"حدثٌ \" و\"حدثًا \" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل حدث من","vol":"1","page":349},{"text":"المظالم أو من البدع. سواء كان العموم باللفظ أو بالمعنى. وهذا العموم مكرر في السياق مرتين. فهو أبعد عن احتمال التأويل وأقرب إلى القطع بإرادة الظاهر. والفرق بين المدينة وغيرها إنما هو في عِظَمِ الإثم، إذ الذنب يَعْظُم في الحرم مثل الزنا، وهو حرام في الحل.\n- العشرون: قول النبي ﷺ: إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة اه وقد تقدم. وهذا عموم آخر من غير استثناء.\n- الحادي والعشرون: حديث حذيفة في الصحيحين [خ ٦٦٧٣/ م ١٨٧٤] قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. الحديث. فأخبر عن سبب الدخن المذموم أن قوما يريدون أن يهدوا الناس بغير سنته ﷺ. تعرف منهم ما هو معروف في السنة، وتنكر ما ليس منها. وهذا ذم مطلق لكل ما سوى السنة من عمل، لأن قوله \"بغير هديي\" عموم بالإضافة، فيتناول كل ما يفعلونه مما ليس من هديه وهو عمله.\n- الثاني والعشرون: قول النبي ﷺ في حديث أبي فراس: \" إياي والبدع، والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلف خير مما ابتدع \" عموم آخر مؤكد، فلفظ \"البدع\" عموم، والنكرة \" شيئا\" في سياق النفي تعم كل ما ليس منه.\n- الثالث والعشرون: حديث ابن عباس قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: هات القُط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين اه فبين أن ضلال من قبلنا إنما كان بالغلو وهو الزيادة في الدين على ما سُن لهم، وأن أقل زيادة على السنة غلو ولو كانت في مثل حجم حصاة الجمار. وقوله ﷺ: \" وإياكم والغلو في الدين\" جامع (قاعدة) في سياق خصوص يشمل الزيادة في حجم الحصاة فما فوقها، وهذا مثل قول الله تعالى (لقد كان لكم في رسول","vol":"1","page":350},{"text":"الله أسوة حسنة) [الأحزاب ٢١] جامع في سياق خصوص الأمر بالصبر في الجهاد. وقوله سبحانه (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر ٧] جامع في سياق خصوص الفيء. ومثل قوله ﷺ \" إنما الأعمال بالنيات \" جامع \"فمن كانت هجرته \" خصوص. كذلك قوله: \"إن الله كتب الإحسان على كل شيء\" جامع \"فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح \" [م ٥١٦٧] سياق خاص لا يخصص بل هو موافق العام. فدل الحديث إذًا بلفظه ومعناه على أن أقل زيادة في الدين غلو مذموم. وهذا عموم آخر.\nفيا ليت شعري أي عموم يخصَّص!؟ آلأول أم الثاني ..؟ وحتَّامَ يستمر التخصيص ونسبة إرادته إلى الشرع أمام هذا الحشد العظيم من الأدلة!؟ ولِمَ تُقَدَّم رواياتٌ قليلة متشابهة على هذا التواتر القاطع!؟ يؤيده:\n- الرابع والعشرون: كلمات أصحاب النبي ﷺ في ذم البدعة مطلقا من غير إشارة إلى قيد أو تفصيل في السياق، بل بتأكيد العموم.\nفهذا أمير المؤمنين عمر يقول: وإن شر الأمور محدثاتها، ألا وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار اه ويأتي بالعموم على حاله مؤكَّدًا، ومنبها الغافل بآلة التنبيه \"ألا \".\nوقال ابن عمر: \" كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنا \" فعمم أيضا، وأكد العموم بالتحرز من إمكان الاستحسان، وهو صريح في إرادة العموم المطلق، وفي عدم إرادة الخصوص.\nوهذا ابن مسعود يقول: \" كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\" ويقول: \"فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول \"، وقد كثرت كلماته في التحذير المطلق منها ﵁ لأنه كان بالعراق حيث كثرت البدع.\nفهذه وغيرها من وصاياهم ﵃، في كلمات جامعة، تظاهرت على إطلاق العموم. وإنما نطقوا به لِما فهموا من قصد النبي ﷺ إلى ذلك. يؤيدها:\n- الخامس والعشرون: أحكام الصحابة وأصحابهم على أعمال خاصة حضروها أو سئل أحدهم عنها في باب ما أنكروه. وعامة ذلك يستحسنه المخالفون، يقولون: لا","vol":"1","page":351},{"text":"شيء فيه، وهو عمل خير!! ولم يرها الأكابر إلا بدعا منكرة. فكلها تورث اليقين بأن مسمى \"البدعة الحسنة\" عندهم منكر، وليست من أصولهم.\nوهذا مالك بن أنس الذي اشترط على نفسه اتباع عمل أهل المدينة قبله في الفقه والمنهاج، وعُرف بذلك، حتى كان يعيب على من خالفهم في الفُتيا لم يكن يَقبل تعبدا ليس عليه العمل، محتجا بالترك، لا يرى الاحتجاج بالعمومات دونه، يفرق بين الحديث المروي والسنة المتبعة. هذا أصله الذي ورثه عن التابعين عن الخلفاء الراشدين.\nولقد تركت من الآثار الضعيفة ما لو أودعته هنا، وقد نهينا عن التكاثر. وأكثرها شاهد للأصل المطرد عندهم. لكن النكتة في هذا المقام أن كثيرا مما فيه ضعف خفيف من الآثار مما يرويه مثل ليث بن أبي سليم أو شريك القاضي أو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أو ابن لهيعة وأضرابهم لا يخلو إما أنه محفوظ، وذلك كاف في المطلوب، لكن لا بد من متابع. أو أنه وهِم في السند أو في المتن، فإن المقصود من الأثر حاصل هنا، وهو أن تعبدا مستحسن جنسه عند المخالف مذموم على لسان أحد من السلف، ولا يضر بعد ذلك عدم الجزم بصاحب القول أو العمل المروي .. وقد عرفتَ أن شرط هذا السفر تتبُّعُ منهجهم في الحكم لا آحاد الأحكام، فنستأنس بنحوها شواهد للأصل لا أدلة، خصوصا في رواية من كان فقيها كشريك وابن أبي ليلى فالفقيه قلما يهم في معنى ما روى (^١). وليس هذا تصحيحا لضعيف .. فبين المقامين بون شاسع. وإنما الغرض أن أكثر الضعيف شاهد للأصل أيضا وفي الصحيح غنية، ولست أتكاثر بالضعيف.\nولو كان الابتداع أصلا مطلوبا لحض عليه الناصح الأمين ﷺ ولتعاهده أصحابُه، ولتواصى به السابقون الأولون، ولتحراه التابعون! إذ كانوا أحرص الخلق على أن يكونوا للمتقين إماما ..\n_________\n(^١) - مثاله ما روى ابن أبي شيبة [٥٤١٤] حدثنا شريك عن عبيد الله بن يزيد عن إبراهيم قال: القنوت في الجمعة بدعة اه","vol":"1","page":352},{"text":"- السادس والعشرون: أن إطلاقهم لفظ \"بدعة\" \"محدث\" في معرض الذم والفتوى دليل على أن الوصف يغني عن الحكم، أي صار اللفظ \"بدعة\" علما على المذموم شرعا، ولو كان لفظ البدعة يحتمل إطلاقه على ما يستحسن لما استُغني بذكره عن ذكر حكمه، وهذا مثل قولهم: هذا رِبا، كما روى مسلم [٤١٦٨] من حديث عن أبي سعيد قال أتي رسول الله ﷺ بتمر فقال: ما هذا التمر من تمرنا. فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا. فقال رسول الله ﷺ: هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا اه فلما استغنى بذكر الوصف (الربا) عن ذكر الحكم كان فيه دلالة على أنه كافٍ في إفادة المعنى وعَلَمٌ عليه في بابه. فكما لا يقال في الربا \"ربا حسنة\" كذلك لا يقال بدعة حسنة، لأنهما لا يجتمعان.\n- السابع والعشرون: أن السنة لما حرمت البدع إنما أريدَ المستحسنة عند الناس، فسماها «بدعة» يقال: \"لقد جئت بأمرٍ بديع، أي: مبتدع عجيب\" (^١) ويقال: أبدع الشاعر إذا جاء بالبديع المستحسَن الذي لم يسبق إليه، أي ما من بدعة إلا وأهلها يستحسنونها (كل حزب بما لديهم فرحون) [المؤمنون ٥٤] ومن هنا نفهم نكتة التفريق بين لفظي \"البدعة\" و\"المحدثة\" في قول النبي ﷺ: \"كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" والمعنى على كل محدثة زينة وبهجة تغر وكل ذلك ضلال. والله أعلم.\n- الثامن والعشرون: أن في تكرار النهي عند كل مناسبة نكتة دل عليها معنى في المقاصد أن المؤكد في الخطاب هو ما خالف الهوى (^٢)، فالبدع المنهي عنها إذًا ما استحسنتها النفوس، تكرر التأكيد على منعها لقوة أثرها، لذلك قال سفيان: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية اه فالتأكيد على منعها ليس لغوا، فينصرف إلى ما يراه صاحبه حسنا كما قال ابن عمر ﵀: وإن رآها الناس حسنة، لذلك ترى كثيرا من الخلق ينشطون للبدعة عند أول سماعها لأن الباطل خفيف، ولا ينشطون للسنة لأن الحق ثقيل، والشيطان يستخف بعض الخلق للبدع لما فيها من \"الإبداع\" الذي هو\n_________\n(^١) - العين للخليل مادة ب د ع.\n(^٢) - الموافقات كتاب المقاصد المسألة الثالثة من قصد الامتثال. والمسألة الخامسة من مباحث الأمر والنهي من كتاب الأدلة.","vol":"1","page":353},{"text":"التزيين.\n- التاسع والعشرون: أن وراء تكرار العموم والتأكيد عليه نكتة أخرى: وهي أن العرب ابتدعت في عباداتها بدعا استحسنتها، ونسبتها إلى دين إبراهيم ﵇، فتعبدوا بالمكاء والتصدية وبترك اللباس - الذي عصوا الله فيه - عند الطواف تعظيما للكعبة، وسيبوا السوائب .. واستحسنوا استحسانا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فكان من أصولهم في التدين القولُ بالبدعة الحسنة، ينسبونها إلى دين إبراهيم ﵇. لذلك كان الاستعمال اللغوي يقبل التقسيم إلى حسن وقبيح، وهذا كما كانوا يستحبون الخَمرة ويسمونها بأسماء حسنة كالرحيق، ويَدْعون آلهتهم بألقاب يعظمونها بها كالغرانيق .. حتى دخلت هذه الأمور في اللسان ..\nفجاء النبي ﷺ مجددا ملة أبيه إبراهيم ﵇، ومصححا للسان معها وماحيًا محا الله به الشرك والضلال الذي كان سببه استحسان البدع، لذلك أطلق العموم إطلاقا، وأكده تأكيدا، حتى تزول الشبهة من الأذهان، ويصير اللفظ \"بدعة\" علما على المذموم تجديدا لاستعمال لغة الدين، كأنه يقول: كل بدعة ضلالة، لا كما تحسبون، والله أعلم.\nإذا عرفت هذا تبين أنه لا وجه للقول بجواز إطلاق البدعة الحسنة في اللغة إلا ما يكون من باب العفو من غير إرادة لاستحسان البدع، كما يجري على لسان أحدهم عند تأكيد الكلام قوله: \"لعمري\" من غير قصد لحقيقة معناه وهو الحلف بغير الله.\nفالسنة لما جاءت بما يسمى حقائق شرعية إنما جاءت مصححة لعادات العرب واللسان تبع. كالصلاة كانت العرب تطلقه حقيقة دينية على الدعاء بهيئة مخصوصة كانوا به مشركين، فجاء الله بنبيه فصحح استعماله في هيئة مخصوصة بدعاء الله وحده في الصلاة ودعاءِ الله للميت في صلاة بَيَّنَ حدودها. والعرب تذم من تصرف في لسانها بما لا تعرف، فلم يأت النبي بالتصرف في اللغة بنقل الاستعمال اللغوي إلى عرف شرعي جديد ولكن بتصحيح العبادات الباطلة والاستعمال الديني، لذلك يأمر الله بإقام الصلاة لأنهم كانوا يصلون (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) [الأنفال ٣٥] ويُهلون ويعرفون السجود والركوع كما قال النابغة الذبياني:","vol":"1","page":354},{"text":"أوْ دُرّةٍ صَدَفِيّةٍ غوّاصُها … بَهِجٌ متى يرها يهلُّ ويسجدِ\nوقال عنترة بن شداد:\nرَغَّمتُ أنفَ الحاسِدينَ بسَطْوتي … فغدوا لها منْ راكعين وسجَّدِ\nكذلك كانوا يصومون، ففي الصحيح عن عائشة ﵂ أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه. الحديث [خ ١٧٩٤].\nوكانوا يطعمون الطعام زكاة للنفس من مذمة البخل ومحمدة في الخلق، قال لبيد بن ربيعة:\nأقي العِرْضَ بالمَالِ التِّلادِ وأشْتَري … بهِ الحَمدَ إنَّ الطّالبَ الحمدَ مُشترِي\nوفي شعر حاتم الطائي من هذا كثير. وحكى الخليل في العين قول الشاعر:\nوالمالُ يَزْكو بك مُسْتَكْبِرًا … يَخْتالُ قد أَشْرَفَ للنّاظر\nفذكر أن المال يزكو، لكن لا يعرفون أن الصدقة تنمي المال لذلك أكد النبي الخبر بالقَسَم قال: ثلاثة أقسم عليهن - وذكر منها - ما نقص مال عبد من صدقة. الحديث [ت ٢٣٢٥].\nفكانوا في ذلك على بدع وضلال عن هدي أبيهم إبراهيم نبي الله ليسوا يعرفون الإخلاص والبعث والحساب. كذلك بقي الاستعمال في السُنة فالصلاة في الشرع دعاء، والزكاة في الشرع نماء، والحج في الشرع قصد .. كله استعمال عربي، لم يتغير إلا البدع المحدثة. فالنبي جاء محاربا للبدع كذلك ورثته. فدعك مما يقول الأصوليون أن اللفظ يحتمل حقيقة لغوية وشرعية جديدة، وأنه ظاهر في الشرعية على احتمال للغوية إن وجدت قرينة، بل هو لسان عربي واحد، وكل ذلك يعلم المراد منه في السياق، لا يحتمل عند من عاين الخطاب.\nوالمقصود أن استحسان البدع سنة جاهلية، ولا يعدو ذلك اللفظ \"بدعة حسنة\" أن يكون من حروف العرب المنكرة كاستحسان الخمر والأوثان. وكلِّ منكر وضعوا له لفظا يستحسنونه به والله أعلم.\n- الثلاثون: أن المخالف يزعم أن المستحسنات مستثناة من العمومات الناهية،","vol":"1","page":355},{"text":"على قول من قال أن النهي عام مخصوص. والمستثنى من النهي حكمه الإباحة لأنه راجع إلى رفع الحرج والمستحب لا يستثنى من النهي لأنه لا يتناوله أصلا. فلا بدعة مستحبة. وسواء علينا قلنا بكراهة البدعة الخاصة أو بتحريمها فإنها غير مندوب إليها ولا مثاب على فعلها، لأن المكروه لا ثواب في فعله.\n- الحادي والثلاثون: يلزم القائلين باستحسان البدع لوازم في مثل منعهم الزيادة في الصلوات والإقامة في النوافل، والجماعة في تحية المسجد .. وهلم جرا. فيلزمهم استحسان جنس ما تقدم! وجوابهم جوابنا. ومن قال أن ذلك راجع إلى أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر!! فَنَعَم، حياة النبي ﷺ كلها مقام بيان، فيدل تركه على أن العمل غير مشروع، ونعوذ بالله من المكابرة والعَشا ..\n- الثاني والثلاثون: ضابط التخصيص عند أكثر الأصوليين: أنه لا يصح التخصيص إلا إذا كان الباقي من العموم أكثره. والواقع أن أغلب أفراد هذا العام «كل بدعة ضلالة» هو ما يُدَّعى أنه بدعة حسنة، فلك أن تفترض ما لا يخرج عن الحصر من البدع في الكيف أو الزمان أو المكان أو العدد، وكله مستحسن عندهم. فلا يبقى من العموم على فرض التخصيص إلا النادر وهذا ممتنع. فبطلت دعوى التخصيص.\n- الثالث والثلاثون: مخالفة سنة التَّرك: فالقوم يرون أن البدعة المنكرة ما ثبتت مخالفتها لدليل. وما من بدعة إلا والمخالفة لازمة لها إما للفعل الوجودي أو الترك، وكلاهما سنة. لذلك قال حسان بن عطية: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها اه فكما ردوا استحسان الأذان والإقامة للعيدين لمخالفته الترك، عليهم أن يلتزموه في كل مستحسن ليس عليه العمل. كذلك تركوا اللفظ المطلق في قول النبي ﷺ: فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقي بالسانية نصف العشر اه [خ ١٤١٢/ م ٢٣١٩] فظاهره قد يحتمل بادي الرأي العموم في الخضر والفواكه، لكنهم قالوا: لا زكاة في الخضر والفواكه واستدلوا بالترك. فيلزم المنصف الذي يرجو لقاء ربه أن يقر بالترك أصلا، ثم لا يخالفه بعد ..\n- الرابع والثلاثون: أن قصد الشرع من تحريم البدع حفظ السنة من التغيير","vol":"1","page":356},{"text":"بالزيادة والنقص وهذا واقع مع كل بدعة. وهل البدعة المستحسنة إلا ما زاد أصحابها قيدا أو هيئة .. !؟ فلا يصح استثناء شيء إذًا، والاستحسان غير جار على المقاصد.\n- الخامس والثلاثون: أنهم لم يختلفوا في أن ما احتج به مَنْ اتفقوا على إنكار بدعته شبهات لا حجة فيها، وإن ظنها ظاهرا محكما. فلزم من اتفاقهم أن المطلق وحده لا يكفي في إثبات عبادة، ولازم المذهب لازم. وذلك أن كل بدعة لا بد لصاحبها من شبهة دليل (^١). وبالتتبع ترى أن ما استدلوا به لفظه ظاهر في الظاهر، لكن مع جمع النصوص تنصرف دلالته إلى خصوص أو تقييد أو نحو ذلك. فلا يحتج من الظواهر إلا بما رجح في الأدلة وكان عليه العمل الأول. إذ ليس المتشابه ما احتمل بذاته فحسب، ولكن ما يعدل عن ظاهره لأرجح منه أيضا على لسان الأصوليين. فتضمن هذا أن حديث «كل بدعة ضلالة» أصل محكم، وما عارضه مما يظن دليلا على استحسان البدع متشابه.\n- السادس والثلاثون: أن استدلال المستحسِن بالعموم يعني أن الأمر المبتدع مقصود للشرع أراده الله وعَلِمه النبي ﷺ، وهذه عظيمة! إذ كيف يقصده ثم لا يفعله ساعة من دهره، أو يأمر به أحدا من أصحابه، أو يبين ثوابه ليحض الناس عليه؟ وقد جاء ﷺ بالبلاغ المبين وهو الغاية في الايضاح. قال تعالى (بلغ ما أنزل إليك) [المائدة ٦٩] وقال سبحانه (لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل ٤٤] والموصول \"ما \" يفيد العموم، فيتناول كل ما نُزِّل ومنه ما نحن فيه لو كان مشروعا، كذلك قوله ﷺ: ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النَّار إِلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكم اه والبيان يعني أن يُظْهَر في الوجود ليَبِين للناس كما عرفت في البيان بالعمل. وقد علم أن المستحب للأمة واجب على النبي ﷺ لوجوب البيان، فكيف ينسب النبي ﷺ إلى التقصير في البلاغ؟!! وكيف يَترك اللطيف الخبير سبحانه نبيَّه ﷺ وخيرَ الأمة بعده ينصرم قرنهم دون فعل قربة يحبها ويثيب عليها، مع قيام الداعي إلى فعلها وهو حب الزيادة في\n_________\n(^١) - انظر ما أورده القرافي في «الأجوبة الفاخرة على الأسئلة الفاجرة» من شبهات استدل بها أهل الكتاب على تصحيح نحلتهم.","vol":"1","page":357},{"text":"الطاعة!؟ وهل هذا إلا نسبة الصحابة إلى التقصير ومخالفة القول العمل إذ يروون آية أو حديثا فيه الأمر بطاعة لا يفعلونها وهم يقرؤون قول الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) [البقرة ٤٣]؟ وقد أخبر النبي ﷺ أن من أصحابه من يُدْعى يوم القيامة من أبواب الجنة كلها لإحصائه أبوابَ الخير عملا [خ ١٧٩٨]. كما أمر الله المؤمنين بالدخول في السَلم كافة - على قراءة الفتح - وهو الإسلام بكافة شرائعه. لذلك كان ﷺ يقرأ عليهم القرآن على مكث ليتعلموه حرفا حرفا ويعملوا به. فقد تقدم قول أبي عبد الرحمن السلمي: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه وقال ابن سعد [٥١٨٨] أخبرنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أبو المليح عن ميمون أن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين [صحيح].\nفمن عرف سيرتهم لم يخطر في ذهنه أن ينسبهم إلى تقصير في فهم أو عمل. ومن تجنب هذا التقدير بقوله: لم يتسع وقتهم لانشغالهم بطاعات أُخَر كالجهاد! وقع في أشد منه إذ نسب القدوس السلام سبحانه إلى تكليفهم ما ليس في وسعهم، فطلب منهم عملا فوق ما يتسع له جهدهم، إلى ما لا يُقْدر عليه من اللوازم المنكرة .. ! مما تنزه عنه شريعةُ الحكيم الرحيم السمحةُ.\nوقد جمع الله لنبيه زمن الوحي أسباب التشريع قدرا ليسن لأمته، كما قدَّر خسف الشمس ليسن للناس سنته، وقدر سبب الاستسقاء ليسن، وقدر وقوع السهو في صلاة النبي ليسن، وقدر اجتماع العيد والجمعة ليسن، وقدر حيض عائشة ونفاس أسماء في الإحرام وحيض صفية بعد الإفاضة ليسن .. فكان المقتضي لكل عبادة مقصودة قائما زمنه، فحصلت الكفاية وتم البيان. ثم حذر أمته من الحوادث بعد. فما لم يجر عليه العمل غير مقصود للشرع من خطاب عام أو مطلق وكل بدعة ضلالة مطلقا.\n- السابع والثلاثون: أن الشرع نهى عن صور من التعبد التي يَستحسن جنسَها القائلون بالبدعة الحسنة، كقراءة القرآن في الركوع والسجود وتخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام .. ولولا النهي الخاص لاستحسنوها وإن لم يكن عليها العمل.","vol":"1","page":358},{"text":"فكما عدلوا عن الاستحسان وعن قولِهم: \" لا شيء فيه \" لأجل النهي الخاص موافِقِ العام، فليعدلوا عن جنسه للنهي العام والقاعدة المحكمة التي هي من جوامع الكلم. وما يُظَن من المصلحة في ذلك العمل الخاص أهدره الدليل الخاص، وتوقَفَ النظرُ عن التخرص لمعرفة السر في ذلك. فما يقال في الجزء المنصوص عليه يقال في الكل المؤصل له. أي كما لم نعرف وجه النهي الخاص وقابلناه بالتسليم فكذلك الأمر في العامّ. عصمنا الله بِمَنِّه من الهوى والحُجُب. وهذا الوجه واللهِ كافٍ للمخلصين.\n- الثامن والثلاثون: أن النبي ﷺ أخبر أن الدين لا يزال والسنةَ في نقصان مع الزمان، وأن البدع لا تزال تكثر، وحذر من ذلك. والناظر يرى أن البدع التي تزداد مع الزمان هي التي يدعي أهلها أنها بدع حسنة! فإنما أنذر ﷺ استشراء البدع التي يقال لها \" بدع حسنة \" وحذر منها.\n- التاسع والثلاثون: أن العمل المحدث الذي لم يعمله النبي ﷺ لا يخلو إما أنه لم يعلمه، أو أنه علمه ثم تركه. والأول باطل باتفاق، فلم يبق إلا أنه تركه على علم. ولا يخلو بعدُ إما أنه تركه وهو يعلم أنه يقرب إلى الله، أو أنه لا يقرب. ولا يجوز الاحتمال الأول إذ ما ترك النبي ﷺ شيئا يقرب إلى الله إلا وقد أعلمنا به وعمل به أصحابه رضوان الله عليهم. فلم يبق إلا أنه عمل لا خير فيه، ولا يقرب إلى الله ﷿، وحسبك به ضلالا .. !!\nفإن قيل: من أين لكم أنه لم يعمله ولا أصحابه؟ قلنا: أوجدونا أنتم أنه عُمل به نَقُلْ به، فإن السؤال لكم لازم، إذ العلم قبل القول والعمل. وليس الشأن في أنه لم يفعل كل ما يُظَن قربة، ولكن الشأن في كون ما لم يفعله ولا أصحابه مشروعا مقصودا!\n- الأربعون: أن الحظر أقوى من الإذن كما قالوا، ذلك أن الفرع المختلف فيه إذا تردد بين القبول والرد - على فرض الإمكان - كان الرد أرجح، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة عند استوائهما كما قالوا، فكيف والبدع محرمة بأشد صيغ التحريم. وغاية ما اختلفنا فيه أنه مستحب، والمندوب لا يقدم على المحظور. فيترجح جانب المنع، فلا بدعة حسنة.","vol":"1","page":359},{"text":"- الحادي والأربعون: إبطال الأدلة التي تمسكوا بها في إثبات الدعوى، وقد تقدم في التمهيد طرف منها، فلتكن هنا وجها آخر، وإبطال دليل المخالف دليل. ومنه أيضا:\n- الثاني والأربعون: استدلالهم بما ظنوه دليل الخطاب في قول النبي ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه قالوا: مفهومه من أحدث في أمرنا ما هو منه فليس برد، فخصصوا به العمومات المطردة في رد كل بدعة! وهذا رد من وجوه:\n- أحدها: أن شرط اعتبار المفهوم ألا يبطل نصا، فكيف وهو يلغي - على فرض صحته - كل العمومات المحكمة التي تظاهرت على العموم حتى صارت نصا على اصطلاح الأصوليين.\n- الثاني: أن المنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والمخالف مقر بأن أغلب المحدثات منكرات أي ليست من أمرنا، لأنه لا يجوز أن يكون الباقي من العموم \"كل بدعة\" هو الأقل على فرض التخصيص. فيكون قوله: ما ليس منه وصفا أغلبيا لا مفهوم له، هذا على لازم مذهبهم وعلى فرض صحة المفهوم.\n- الثالث: أن قوله \"ليس منه\" صلة الموصول \"ما\" لا محل لها من الإعراب، وإنما سيقت لبيان الإسم الموصول لأنه مبهم لا لتقييده، لذلك لا يصح في أنواع المفاهيم \"مفهوم الصلة\"، إنما ثَم مفهوم الصفة ومفهوم الشرط وما هو مشهور .. و\"ما ليس منه\" ليس قيدا للمحدث، بل هو المحدث نفسه، إذ لم يقل: من أحدث في أمرنا هذا محدثا ليس منه فهو رد فيكون نعتا ويعطى مفهوم الصفة، وإذن لَوَرَدَ الكلام السابق في شرط اعتبار المفهوم. وجملة الصلة مع اسمها في محل نصب مفعول به تقديره \"محدثا\"، فكأنه قال: من أحدث في أمرنا هذا محدثا فهو رد. ولو حذفنا الروابط من الجملة وجردنا المسند والمسند إليه، كان تقدير الكلام: المحدث رد، مفهومه: غير المحدث ليس برد، وهو السنة، وهذا هو نقيض المنطوق، والمفهوم إنما يتناول النقيض لا الضد (^١). فالمنطوق يثبت الرد بوصف الإحداث، والمفهوم\n_________\n(^١) - الفرق الستون من الفروق للقرافي.","vol":"1","page":360},{"text":"ينفي الرد لانتفاء الإحداث، فأين الإذن في الابتداع؟! بل الحديث مؤكَّد في رد كل محدثة، أفاد ذلك بالمفهوم وبالعلة وهي الإحداث طردا وعكسا. لذلك اعتبره العلماء قاعدة محكمة في رد كل محدث. وفي معناه الحرف الآخر: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، مفهومه من عمل عملا عليه أمرنا فليس برد. كذلك رواية إسحاق بن إبراهيم: من عمل بغير عملنا فهو رد، مفهومه من عمل بعملنا فليس برد، وهو حديث واحد مخرجه واحد روي بالمعنى، تفسر الرواية أختها. فالحديث مثل سائر الأدلة المحكمة في رد البدع. وقد تقدم ذلك بحمد الله تعالى.\n- الثالث والأربعون: \"تنقيح المناط\" إذ أن العلة التي استخرجوها (المخالفة) منقوضة من وجوه:\n* الأول: أن علة المنع (الإحداث) منصوصة ومراعاة في تصرفات الشرع، فلا حاجة إلى استنباط مناط للحكم غيرها. والعلة المنصوصة مقدمة على الأوصاف المستخرجة، ولا اجتهاد مع وجود النص كما يقولون.\n* الثاني: أنه لا دليل على صحة التعليل بهذا الوصف (المخالفة)، ولم يثبت أن الشرع استحسن شيئا من البدع. بل أطلق الذم والتزم العموم. وإن قيل: الدليل هو الاستقراء، قلنا: الاستقراء أوجب عكس ذلك كما تقدم في الآثار ..\n* الثالث: من زعم أن المخالفة هي العلة أراد أن النبي ﷺ قصد النهي عما يخالف سنته فعبر بعبارة تدل على ذلك، وكان الابتداع مظنة المخالفة فعبر به عن المنع، هذا معنى تصرفهم. وهذه وهلة! لأنه لا يعدل المتكلم عن التعليل بالحكمة المقصودة أصالة إلى التعليل بالمظنة إلا لتعذر ضبط الحكم بحكمته تعذرا بعيدا، لأن عادة الشرع في ما يقرب ضبطه أن يعلل به ويصار لضبطه إلى القرائن، كالتعليل بالعمد والخطأ في القتل وهو وصف خفي - تخلف فيه شرط الظهور - يصار لضبطه إلى القرائن الظاهرة، فهذا يدل على أن التعليل بالمخالفة هنا أبعد من ذلك. ومعلوم أن الابتداع والإحداث هو المنضبط عكس المخالفة. فلما عدل النبي ﷺ عن التعليل بالمخالفة دل على أحد أمور: إما أنها لا تصلح علة. أو أن التعليق بالابتداع كان لقطع أسبابها حتى لا تقع المخالفة، فيدل هذا على أن التعليل بالإحداث مقصود. وما سُد","vol":"1","page":361},{"text":"الباب دونه لم يحل لأحد أن يفتحه .. فيتقدم بين يدي الله ورسوله. أو أن المخالفة لازمة للابتداع ومطردة في كل بدعة وإن لم يتبينها كل أحد. وكان الابتداع أظهر منها فجعله النبي ﷺ علة المنع. أو أن الابتداع نفسه مخالفة، أي أنهما في الشرع واحد. أو أن للمنع حِكما أخرى غير المخالفة يجمعها وصف الابتداع.\nفالحق العدول عن التعليل بما عدل عنه النبي ﷺ وهو من اتباع سنة التَّرك. فهذا دليل آخر على أن التعليل بالإحداث هو الحق، وألا بدعة حسنة.\n- الرابع والأربعون: رد استدلالهم بقول الله تعالى (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون) [الحديد ٢٤] ظنوا أن الله أثنى عليهم لابتداعهم الرهبانية!! كيف والسورة كلها جاءت بذم الانقطاع والأمر بالجهاد، وأن الحديد أنزل لذلك والأمر بالكسب لتحقيق عبودية الانفاق في سبيل الله؟! وفي آخرها ينبهنا الله ألا نكون مثل أولئك الذين ابتدعوا رهبانية التزموها، فضيعوا بها حقوقا ثم ما رعوها حق رعايتها. فإن قيل أثنى عليهم بقوله (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) نقول: نعم أثنى عليهم بالإيمان لا بالبدعة، أي الذين آمنوا بعيسى ﵇ وتركوا شرك النصارى وإن وقعوا في بدعة العمل. ثم هم مطالبون بترك بدعتهم لماَّ جاءت سنة خاتم الرسل ﷺ. فأي ذم بعد هذا؟\nثم يتمسكون بروايات أعرضتُ عن ذكرها للضعف! وأصح من ذلك ما أخرج أبو داود [٤٩٠٤] وأبو يعلى وهذا لفظه [٣٦٩٤] عن عبد الله بن وهب حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير، فصلى صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريب منها، فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة؟ أم شيء تنفلته؟! قال: إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه. إن رسول الله ﷺ كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) الحديث. فلم يمدحهم للبدعة. وقال أبو نعيم","vol":"1","page":362},{"text":"[الحلية ٩/ ٨] حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الرحمن بن محمد ثنا عبد الرحمن بن عمر قال ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع واجتهادهم في العبادة فقال: لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة ثم قرأ (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه. ثم قال: الزم الطريق والسنة. وسمعت عبد الرحمن يكره الجلوس إلى أصحاب الرأي وأصحاب الأهواء اه سند صحيح، عبد الرحمن بن عمر هو المعروف برُستة، وعبد الرحمن بن محمد هو ابن سلم الرازي، وأحمد بن إسحاق هو أحمد بن بندار بن إسحاق الشعار.\nوعهدنا بالقوم إذا استدل عليهم مخالفهم بشيء من أخبار بني إسرائيل قالوا: شرع من قبلنا ليس شرعا لنا. فكذلك نقول هنا - إن سلمنا أن ابتداعهم كان محمودا ولم يصح ذلك - قد جعل الله لكل منا شرعة ومنهاجا. سواء على قول من أطلق أنه ليس شرعا لنا، أو من استصحبه ما لم يثبت دليل على نسخه، وقد ثبتت الأدلة القواعد على أن كل بدعة ضلالة.\n- الخامس والأربعون: ما تقدم من رد الاستدلال بحديث: \" من سن في الإسلام سنة حسنة \". وهنا وجه آخر: هو أن الحُسن والقبح في السنن لا يُعلمان إلا من دليل شرعي، فتوقفت معرفة المقصود بالسنة الحسنة والسنة السيئة في الحديث على دليل. ولا يجوز أن يكون منفصلا متأخرا، إذًا يكون مجملا وليس هو كذلك، بل هو ظاهر للصحابة اتفاقا. فهنا نكت:\n- الأولى: أن هذا الخبر جاء في خطبة خطبها النبي ﷺ، وسُنَّتُه الجارية في خطبه أنه يُصَدِّرها بقوله: \" كل بدعة ضلالة \" كما حكى جابر ﵀. فهذه قرينة في السياق دالة على أن رسول الله ﷺ لم يرد بالسنة في الحديث البدعةَ.\n- الثانية: أنه متأخر لأن جريرا البجلي متأخر الإسلام، أي أن الخبر جاء بعدما تمهدت المعاني الشرعية وظهر الفرق بين السنة والبدعة. فصاروا إذا سمعوا لفظ \"سنة\" يضاف إلى الشرع يتبادر إلى أذهانهم أنها هدي النبي ﷺ، ككل المسميات الشرعية. لا يفهمون منه معنى البدعة شرعا. فأعلمهم في هذا الحديث أن من عمل في الدين عملا عليه أمرنا فاتبعه الناس كان له الأجر أضعافا كما في سبب الورود، فإن","vol":"1","page":363},{"text":"الرجل سن لهم ذلك الخير، أي سبقهم إليه وسهله لهم، من غير أن يكون ابتدع شيئا لا يُعرف، وإنما ابتدأ الطاعة وسن الامتثال في ذلك إذ هو أول من عمل. وهذا النظر أظهر عند من يقول بعموم اللفظ المشترك وهو الذي يرويه عن الشافعي رحمة الله عليه أصحابُه، أي يحمل على الحقيقة الشرعية في العبادة وعلى اللغوية في العادة معا على طريقتهم.\n- الثالثة: أن الحديث متشابه مشكل على الأدلة والأصول على فرض الإشكال، فالمنهج المهيع أن يرد المتشابه إلى المحكم يفسر به. وقد عرفت أن من المتشابه ما ظُن أنه محكم كبعض العمومات أو الإطلاقات التي يراد منها غير ما فهم منها الآخِرون، فكذلك نقول في حديث جرير: \" من سن في الإسلام سنة حسنة \" يفسَّر بالمحكمات، فيكون معناه: من سن العمل امتثالا لا اختراعا، وإنما يمتثل ما أمر باتباعه كالصدقة، لا ما أمر باجتنابه كالبدع، وإنما تنسب إليه لأجل تعلق التبع بعمله أي تأسي الناس به فصار فيه متبوعا.\n- الرابعة: أن عادة كثير من الأصوليين إذا تعارض في الظاهر عمومان وكان لأحدهما سبب ورود فإنهم يحملونه على خصوص سببه، والشأن نفسه هنا على فرض التعارض.\n- الخامسة: أن قوله ﷺ بعده \"ومن سن في الإسلام سنة سيئة \" عموم يشمل البدع، فإن زعموا في الشطر الأول أنه عام يشمل إحداث بدعة في الدين، فإنا نزعم أن الثاني عام في ذم كل بدعة! فبأي العمومين يأخذون؟ لكن الحق ألا تعارض في كلام نبي الله ﷺ، إذ ندب الصحابة إلى سن السنن الحسنة فعملوا بها على الوجه المراد وهو تعليم السنن، والقضاء في النوازل. وبالله التوفيق.\n- السادس والأربعون: أن من جعل الحديث: \" كل بدعة ضلالة \" مرادا به الخصوص أراد أن النبي ﷺ قصد أن يقول: كل بدعة نهيتكم عنها ضلالة، أو كل بدعة مخالِفة ضلالة على تقديرين لهم! وهذا خطأ بيِّن من وجوه، تقدم بعضها في وجه تنقيح المناط وهذه وجوه مشتركة:\n* أن تلك الدعوى لا تتم إلا بتقدير محذوف، والأصل عدم التقدير.","vol":"1","page":364},{"text":"* أن الحديث يصير مجملا غير محكم، إذ لا يدل على معنى بذاته، والعمل به موقوف على غيره وهذا هو المتشابه، وقد اتفق أهل القبلة على أن الحديث قاعدة، والقواعد لا يدخلها الاشتباه.\n* أن تقدير من قدره بما نهيتكم عنه يعني أنه أحالهم لضبط النهي ولمعرفة الضلالة على ما لا يكاد ينضبط، والحديث قاعدة، والقواعد جاءت لضبط الجزئيات التي يعسر ضبطها، وليست عنوانا فارغ المحتوى، فالحديث إذًا محكم ضابط لفروعه من جوامع الكلم.\n* يلزم من ذلك التأويل أنه تكليف بالشاق وبما لا يحيط بعلمه أكثر الخلق، ونسبة ذلك إلى النبي ﷺ من جنس الكذب عليه والقول عليه ما لم يقل. بل الحديث قاعدة من جوامع الكلم التي أوتيها نبينا. ولمَّا لاحظ هذا بعض المستأخرين نفض يده من الأصول المحكمة! فاضطربت أصوله وفروعه، وحسابه على الله.\n- السابع والأربعون: استدلالهم بالعفو - أن ما استحسنوا مسكوت عنه - لتصحيح البدع، ثم هم يضطربون فيه، يقولون هو مما سكت عنه، ثم يستدلون لاستحسانه بالعموم! وما دام مقصودا في العموم فليس هو بمسكوت عنه بل منصوص عليه. وإنما التبس أمره عند من تعلم القرآن والسنة بطريقة المناطقة. والحق أن العفو ما كان بيانه بالسكوت عنه لأنه من أمور الحلال والحرام التي تُبَيَّن بالقول. أما السنة المقصودة للتدين فبيانها بالعمل والنبي أول العاملين، والبدعة بيانها بالترك، والنبي أول الزاهدين، ومأخذ حكمهما من القول الآمر بالسنة والناهي عن البدعة. وليس العفو من السنة إنما السنة سنة النبي ﷺ وأصحابه ما تدينوا به، والعفو شيء يترك ولا يخاض فيه ولا يتدين به ولا يثاب عليه كما تقدم. فكيف يقال هو مما طُلب الاجتهاد في استخراجه من عموم أو قياس، بل الحديث الذي استدلوا به ينهى عن ذلك قال: وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم فلا تبحثوا عنها. ثم راحوا يبحثون عنها!\n- الثامن والأربعون: أنه ثبتت كراهة فعل ما ترك النبي ﷺ، لأن الترك فعل له حكمه، هذا فعل وجودي والترك فعل عدمي. فكما أن الفعل مكروه تركه، كذلك","vol":"1","page":365},{"text":"الترك مكروه فعله، فهو إذًا غير مستحب، بل المستحب تركه، إذ كيف يستحب تركه ويستحب فعله؟! هذا خُلْفٌ. فلا بدعة حسنة، ولا تعبد بمتروك في السنة. وسواء علينا قيدنا الترك بالقصد أم لا، أي قلنا: أن المعتبر ما قُصد تركه وهو الكف أم لا فإنه في الوجهين لم يُقصد فعله، إذ لو قُصد مع وجود الداعي وانتفاء المانع لَفُعل كما تقدم.\n- التاسع والأربعون: أن القربات المختلف في ردها إما مستحبة - على قول المستحسنين - أو منع على قول المانعين. والترك يدل على استحباب تركها، فيسقط القول باستحباب فعلها، ويبقى القول بالمنع.\n- الخمسون: أن الترك من جنس النهي لأنه ثمرته والمقصود من الخطاب به، كما أن الفعل من الأمر لأنه ثمرته والمقصود منه، ومعلوم أن النبي ﷺ كان أكثر بيانه بالعمل، ولأجله بعث، فكما أن عمله بيان للأمر، كذلك الترك بيان للنهي وعمل بمقتضاه. ومتى رأيت تركا مطردا عندهم فاعلم أنه امتثال لنهي، فثبت بهذا أن ما تركه النبي ﷺ وأصحابه منهي عنه لا مأمور به، فلا بدعة حسنة.\n- الحادي والخمسون: لو سلمنا أن القياس يجري في القربات كما توهم بعض المتأخرين منهم فليس قياس الإثبات أولى من قياس النفي، فإنا نعمد إلى ما نهى عنه النبي ﷺ خاصة فنقيس عليه ما سواه فيمنع، والجامع هو الابتداع والترك .. فأي القياسين أحق بالاعتبار إذًا؟! تأمل مثلا قول النبي ﷺ [أحمد ٦٦٨٤/ س ١٤٠] للأعرابي الذي سأله عن الوضوء فأراه ثلاثًا ثلاثا ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم اه فجعل الزيادة في التطهر على الحد الذي وقف عنده النبي ﷺ اعتداء وظلما. وأن ما فعله هو الوضوء الذي خوطب به في الآية وإن كان لفظها مطلقا. وهكذا السنة كلها، ما وقف عنده النبي ﷺ فهو حد لا يجوز الزيادة عليه، فمن زاد شيئا فقد أساء وتعدى وظلم .. ولولا هذا الحديث لاستحسن أقوام تلك الزيادة بدعوى حب التطهر وأنه زيادة خير وأسبغ للوضوء .. ولربما استظهروا على ذلك بمثل قول الله تعالى (والله يحب المطهرين) [التوبة ١٠٩] وأن آية الوضوء مطلقة ليس فيها ذكر العدد. ولكن الصواب الاستدلال بقول الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) [البقرة ٢٢٧] فمن تعدى حدود السنة جملة فهو ظالم متعدٍّ حدودَ","vol":"1","page":366},{"text":"الله الذي تفرد بالتشريع، متجاوز حده ومقداره وهو الامتثال اللائق بالعبد.\nوالحق أن القياس لا يثبت به تعبد، وإنما هو في النوازل لا ما كان زمن التشريع. وإنما ضل من ضل من المشركين بسبب القياس، كما قال ابن سيرين: \" أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس \"، فمن استغاث بالأولياء قاس الميت على الحي الحاضر. ومن طاف بالقبر والوثن قاس بيت \"الولي\" على الكعبة بيت الرب. ومن قبَّل الأوثان رموز الأولياء تبركا قاسه على تقبيل الحجر الأسود. واستَقبَل القبرَ بالصلاة من أشربه بالقياس على اتخاذ السترة فيها. وحجوا إلى المشاهد قياسا على حج البيت وشد الرحال إلى المساجد الثلاث .. لذلك نهى علماء الملة الأولون عما يضاهي الطريقة الشرعية، إذ المضاهاة ضرب من القياس كما رأيت في باب ما ذموه من العمل المطلق إذا كان يضاهي السنة الراتبة.\n- الثاني والخمسون: ثبت أن البدعة أشد من المعصية لأن فسادها في الدين أعظم، لذلك كانت أحب إلى إبليس منها. فكما لا تقسم المعصية إلى حسن وقبيح، كذلك لا تقسم البدعة إلى حسن وقبيح بالأولى. وحاصل البدعة أنها معصية شدد الشرع في تحريمها، فبابهما من هذه الجهة واحد.\n- الثالث والخمسون: الاحتجاج بالإجماع، فإنا استقرينا تصرفات الصحابة، فوجدناهم اجتمعوا على ترك كل المحدثات التي استحسنها المخالفون، وانصرم قرنهم على تركها، والإجماع حجة على ترك كل ذلك، دعك من الإجماع الصريح فإنه بالمحال أشبه، ولكن ألا يعلم مخالف إلى الفعل كما كان مالك يسميه إجماعا في مثل كلامه في سجدة الشكر وقد تقدم. وقد عرفت أن أدلة الإجماع وفائدته هي أدلة البدعة وفائدتها .. وإذا ثبتت أدلة التمسك بالإجماع فإن الخطاب ينصرف إلى المعهود في مجاري العادات لا إلى الإمكان العقلي، والجاري في العادة من حصول الإجماع هو السكوتي لا الصريح، فإنه وإن أمكن في الجواز العقلي لا يقع صريحا عادة، وما مثلوا به للإجماع الصريح من المعلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة لم يثبتوه عن كل عالم من السلف بالأسانيد الصحيحة قولا، ولكن قالوا: لا يمكن أن يختلفوا فيه، فعاد الأمر إلى عدم الاحتجاج بالصريح وعدم وقوعه على","vol":"1","page":367},{"text":"الشروط التي أحدثوها .. والرب سبحانه إذ أمرنا بالتمسك بالإجماع إنما كلفنا بما يقع في العمل لا ما لا يقع إلا في الخيال، وهذا من شؤم بدعة الكلام.\n- الرابع والخمسون: ما تقدم من منهاج السابقين كتمييز الأحكام في الاعتقاد والعمل، وما وقت مما لم يوقت .. فإن تقريره كاف لرد الاستحسان. إذ محال أن يكون من هدي الذين يحتاطون في المستحب بتركه حتى لا يظن أنه واجب، أو السنة المباحة حتى لا يظن أنها سنة مستحبة .. أن يتساهلوا في استحسان البدع التي تعد سنة مستحبة تضاهي السنة الشرعية! فبهذا تعلم أن استحسان البدع ليس من أصولهم.\n- الخامس والخمسون: ما ثبت من الفرق بين السنة والحديث فمن فهم من حديث ما ليس عليه العمل أخطأ السنة إذ السنة العمل. والسنة هي الحكمة في القرآن (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) [النساء ١١٣] (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) [الأحزاب ٣٤] أي السنة المبينة وجوه العمل بالقرآن، فدل هذا على أن السنة في القربات حقيقةً هي العمل، فهو الحكمة لذلك قال في الحديث [خ ٧٣]: ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها اه والحكمة والحُكم في القرآن واحد وهو ما نزل على الواقع للعمل، بل العمل الصحيح نفسه. وقد رُزِقها أصحابه رضوان الله عليهم كما في حديث ابن عباس دعا له: \"اللهم علمه الحكمة\" [خ ٣٥٤٦] والحكمة حسن التصرف بالعلم بوضعه في الموضع المطلوب وهو حسن العمل به. فالحكمة إذًا العمل الصالح، فما لم يكن من عملهم فليس من الحكمة، ومن استدل بمعنى من حديث ليس عليه العمل لم يتبع السنة ولا أصاب الحكمة. فلا بدعة حسنة.\n- السادس والخمسون: ما ثبت أن العمومات في صفات التعبد متشابهة إنما يراد بها ما وقع عليه العمل الأول هو بيانها، فيسقط الاستدلال بمطلق العموم على ما لم يقع في العمل. فلا يبقى وجه لاستحسان بدعة.\n- السابع والخمسون: أن الإيمان في دين رب العالمين يزيد عند العبد مع الطاعات، وأن كماله بالأعمال. قال ابن أبي شيبة [٣١٠٨٤] ثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم ثني عيسى بن عاصم ثنا عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما","vol":"1","page":368},{"text":"بعد فإن الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت قبل ذلك فما أنا على صحبتكم بحريص اه [صحيح] ومن زعم أن شيئا من الأعمال التي لم يَعْمَلها رسول الله ﷺ وأصحابه مسنونة تزيد الإيمان فقد زعم أن النبي ﷺ وصحبه لم يكونوا على الكمال .. فلم يبق إلا أن ذلك ليس من الإيمان، فلا بدعة حسنة.\n- الثامن والخمسون: قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) [النور ٢١] وقول النبي ﷺ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اه من جوامع الكلم الذي يعبر عن معناه المتأخرون بقاعدة سد الذريعة دليل آخر على خطأ القول بالتقسيم، فمنعُ كل بدعة أحوط في الدين، وفتح باب الابتداع مظنة الفساد. والاحتياط عريق في العبودية، لا تجد عابدا إلا محتاطا لدينه، آخذا بالعزائم، عاملا بالأفضل. وهذا الوصف مُنافٍ للمخاطرة بابتداع بدعة والزعمِ أن الله استحبها. وهل عبدت الأوثان والكواكب .. وغيرت الملل إلا باستحسان البدع؟!! فكيف ينسب إلى الشرع الذي قد عُلم أنه إذا حرم شيئا حرم ما حوله وما يؤدي إليه، أنه دعا إلى استحسان البدع؟! وهو أمر فيه مخاطرة قد توقع صاحبها في الضلال!\nوهل من عادة الشرع في المناهي أن يجعل دون المحرم فاصلا دقيقا من تجاوزه هلك وكانت منه البراءة، وأن من حام حوله لم يكن عليه بأس بل كان مصيبا مأجورا؟!! بل الشرع يحمي الحمى ويسد الذرائع نصحا للعباد. ومما قالوا أن ما قارب الشيء أخذ حكمه. وهذا في ما بين المباح والحرام مسَلم فكيف فيما بين المطلوب والمذموم؟ أي كيف يُظن أنه لم يجعل بين البدعة الضلالة التي لا يحبها والمستحب المطلوب الذي ترفع به الدرجات حجابا بل حجبا من المناهي؟! فمن عمد إلى شيء سد الشرع الذريعة دونه ففتحه على مصراعيه ناقض منهاج الشريعة، وحسابه عند ربه!\n- التاسع والخمسون: أن الشرع لما تعبدنا في القربات بالتوقف، ولم يُظهر لنا","vol":"1","page":369},{"text":"العلل كما في العادات، عُلم أن قصده الامتثال، وأن الاجتهاد باختراع شيء والقياسَ غير جار على القصد. فالابتداع القائم على الاجتهاد دون الاتباع المحض غير مقصود.\n- الستون: أن النبي ﷺ لما أكثر التحذير من البدع دل على أنها واقعة في الأمة بكثرة، إذ علم أنه لم يكن ليشغل الناس بما ليس تحته عمل، لذلك ترك الاستخلاف لعلمه أن الأمة تجتمع بعده على أبي بكر وقال: ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اه [م ٦٣٣٢] فيدل ذلك على أنه لِما علم أن من الأمة من سيحدث في الدين ويتوسع بدعوى \"البدعة الحسنة\" أكد العموم نصحا للأمة ﷺ. وهذا الوجه غير الوجه السابع والثلاثين، فتأمله.\n- الحادي والستون: ما ثبت في الحكمة سنةِ النبي ﷺ من صون الألفاظ الشرعية وحفظ معانيها وأثرها، فمن زعم التخصيص وادعى الاستحسان خالف قصد الشرع إلى بقاء اللفظ عَلَما على المذموم، فأضعف دلالته على العموم وَوَقْعَهُ في النفوس، فزال من قلوب الناس الانزعاج من لفظ بدعة!! خلافا للقصد والمنهاج. أفيليق بمؤمن أن يقوم بخلاف مقام النبي ﷺ الذي لم يزل قائما يُحَذر من البدع بإطلاق ثم ينادي في الخلق بدعوى الاستحسان والحض عليها والتأصيل لها؟! أفليس هذا من مشاقة النبي ﷺ؟\n- الثاني الستون: أن هذه الدعوى وهي أن قول نبي الله \"كل بدعة ضلالة\" عموم مخصوص انبنت على بدعة أصولية وهي إمكان التخصيص بالمنفصل، وهي بدعة يونانية منافية لبيان العرب ذلك أن العموم الذي يزعمون أن الدليل المنفصل خصصه إما أن ما خُص منه كان داخلا في العموم أو لم يكن داخلا، فإن كان داخلا فيه ثم خص فهو النسخ كما سماه السلف العالِمون، فيلزم حينها معرفة المتقدم من المتأخر لمعرفة المحكم منهما. وإن لم يكن مرادا من العموم الصورةُ التي خُصت فالدليل المنفصل إنشاءٌ لحكم جديد، وفيه زيادة بيان أن ذلك الجزء لم يكن داخلا في العام، وهذا من العام المراد به الخصوص.","vol":"1","page":370},{"text":"فتقدير وقوع التخصيص بالمنفصل في الشريعة هو من عجمة الروم أصحاب الألغاز، أما العرب فلا تتكلم في جادة لسانها إلا بالبيان والفصاحة، فإذا نطق العربي بكلمة عامة يريد معنى خاصا لا بد أن يبين في المقام نفسه مراده إما باللفظ أو بالحال وإلا كان تلبيسا وعجمة تأباها العرب (^١).\nلذلك تراهم يضطربون في الفرق بين العام المخصوص والمراد به الخصوص، ويخرجون لإثبات الفروق عن موطن النزاع .. ثم لم يأتوا بشفاء! وكذلك البدع المحدثات ..\nوالحق ألا وجود للعام المخصوص، ولا تخصيصَ بالمنفصل، إنما هو النسخ، لذلك كان الصحابة يتَّبَّعون من حديث رسول الله الأحدث فالأحدث ويرونه الناسخ المحكم كما حكى الزهري ولا يخصصونه به بعد تناول. ولكن المتأخرين لأجل ما أصلوا من القواعد المحدثة في الأصول غلَّطوا الصحابة فقالوا: لا سبيل إلى القول بالنسخ ما أمكن الجمع، وإنما هي العجمة.\nوما ذكروه مثلا إنما هو بيانٌ كقول ابن عمر: أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال اه [أحمد ٥٧٢٣] فهذا ليس\n_________\n(^١) - راجع المسألة الثالثة من مباحث العموم بفصولها من الموافقات. وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة [الفقرة ١٧٣]: فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاما ظاهرا يراد به الخاص وظاهر يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله. وتَكَلَّمُ بالشيء تعرفه بالمعنى دون الايضاح باللفظ كما تعرف الإشارة ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها اه ذكر الشاطبي هذا الكلام ثم قال: والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة هو الشافعي الإمام في رسالته الموضوعة في أصول الفقه، وكثير ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ، فيجب التنبه لذلك، وبالله التوفيق اه ذكره في المسألة الأولى من قصد الإفهام في سياق أن القرآن عربي بالاستعمال لا بالنظر في اللفظ خاصة. ولم ير الشاطبي التخصيص بالمنفصل، ولم يكن من مذهب محمد بن إدريس الشافعي، بل هذا نص كلامه في الرسالة. وزعم بعض الأصوليين الإجماع على وقوعه!","vol":"1","page":371},{"text":"تخصيصا لعموم الميتة في الآية، ولكنه إخبار عن هذه الأشياء أنها ليست من الميتة المحرمة ولا الدم المحرم، وليس مراده الحصر بمفهوم العدد حتى يكون بمنزلة الاستثناء، فابن عمر نفسه ممن يقول أن ذكاة الجنين ذكاة أمه ولا يراه من الميتة وإن كان ميتا كما روى عبد الرزاق [٨٦٤٢] قال أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال في الجنين إذا خرج ميتا وقد أشعر أو وبر فذكاته ذكاة أمه اه [صحيح] والعلة هي خروج الدم المسفوح بالذكاة (^١)، وهذا لا يوجد في الحوت والجراد بل هو ذكي. فالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع حرام إلا ما ذكيتم، فالسياق دال على أن ما حرم من ذلك هو ما يقبل الذكاة، وهو الذي يقول الفقهاء ما له نفس سائلة، وليس كذلك الحوت والجراد فغير داخل في اللفظ. لذلك من حرم الحلزون البري نظر إلى اللفظ وغفل عن السياق الذي هو الكلمة وتوهم أن العموم يشمله، وإنما هو عفو.\nومثله ما قالوا في قول الله تعالى شأنه (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) [البقرة ٢٢٨] زعموا أنه مخصوص بقول الله سبحانه (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) [الطلاق ٤] فتوهموا أن الآية الأولى عامة في كل مُطَلقة لأجل النظر في اللفظ وحده، وليست كذلك وإنما هي في ذوات القروء أي الحيضات، فلا تتناول الحوامل ولا الآيسات ولا اللائي لم يحضن، وقد أخرج الحاكم في صحيحه [٣٨٢١] عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من عدد النساء قالوا: قد بقي عَدَدٌ من عِدَدِ النساء لم يذكرن الصغار والكبار ولا من انقطعت عنهن الحيض وذوات الأحمال فأنزل الله ﷿ الآية التي في سورة النساء (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) اه فلم يكن اللفظ عندهم محتملا غير ذوات الأقراء.\n_________\n(^١) - روى مالك [١٠٤٥] عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره فإذا خرج من بطن أمه [حيا] ذبح حتى يخرج الدم من جوفه اه الزيادة [حيا] لابن بكير عن مالك [هق ١٩٩٧٤].","vol":"1","page":372},{"text":"وأيضا لا تتناول التي لم يدخل بها، قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) [الأحزاب ٤٩] إذ السياق في سورة البقرة دليل على أن الكلام في التي دخل بها زوجها (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) ما خلق الله في أرحامهن الحمل إن كانت حبلى أو الحيض.\nومثله ما ذُكر في قول الله تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) [التوبة ٥] قالوا خصصته آية الجزية فاستثنت أهل الكتاب، والسياق من أوله إنما هو في المشركين المعاهدين لا يتناول هنا أهل الكتاب، والله أعلم بتأويل كتابه سبحانه، ثم ذكر أمر أهل الكتاب بعده بآيات. وقد فرقت آيات بين المشركين وأهل الكتاب، منها قول الله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) وقوله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) [الحج ١٧] وقال سبحانه (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) [آل عمران ١٨٦] فالآية محكمة العموم، وآية الجزية تنشئ حكما جديدا (^١)، والله أعلم.\nومثله ما ذُكر في قول الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) [النساء ١١] قالوا خرج منه قول النبي ﷺ: \"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\" [خ ٦٧٦٤/ م ٤٢٢٥] والسياق إنما هو في المؤمنين، لا يتناول الكافر لقرائن لمن تأملها إن شاء الله. والعجب أن كثيرا ممن احتج بهذه الآية على إثبات التخصيص بالمنفصل لا يرى الكافر مخاطبا بفروع الشريعة، ثم يزعم أنه وارد في هذا العموم!\n_________\n(^١) - كأن لفظ المشركين وأهل الكتاب إذا ذكرا في سياق اختلفا، وإذا ذكر لفظ المشركين مفردا دخل فيه أهل الكتاب، لذلك فهم ابن عمر دخول الكتابيات في الآية (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) [البقرة ٢٢١] ولم ير آية المائدة ناسخة مرخصة في نكاحهن بعد منع. والله أعلم.","vol":"1","page":373},{"text":"وكل ما مثلوا به للتخصيص هو من هذا الضرب، فتتبعه تجده يشبه ما قال الشافعي ﵀.\nوما يقولون فيه تخصيص بالمتصل كالاستثناء فإنما هو بيان، لأن الاستثناء طرف من السياق، إذ لا يستقيم في اللسان أن يبدأ الكلام بالاستثناء، كما لا يستقيم أن ينتهي الكلام وهو محتاج إلى استثناء، لأن مجموع ذلك هو الكلام. والعرب تسمي الجملة التامة كلمة، لأن المجموع هو الدال على المعنى لا بعضه، قال الله تعالى (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها) [المؤمنون ١٠٠] وقال النبي ﵊: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم اه [خ ٧٥٦٣]. ومن سنة العرب في لسانها أنها تَكَلَّمُ بالكلام يدل أوله على آخره كما في قول الله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) [إبراهيم ٣١] أي لكان هذا القرآن، فكان أوله دالا على آخره، ومثله قوله سبحانه (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) الآية [يوسف ١٥] أي وفعلوا ذلك. وتَكَلَّمُ بالكلام يدل آخره على أوله كما في قول الله تعالى (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا) [الجن ١] أي استمع نفر من الجن إلى القرآن دل عليه آخره، وقوله سبحانه (فأشارت إليه) [مريم ٢٩] أي أشارت إليه أن كلموه دل عليه آخره (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا).\nإذا تبين هذا عرفنا ألا وجود للتخصيص بالمتصل ولا بالمنفصل، إنما ثَمَّ البيان والنسخ (^١) كما نطق العلماء الأولون العالمِون بحدود ما أنزل الله على رسوله. فما من عموم إلا وهو من جوامع الكلم والقواعد المحكمة، والكليات المطردة. فمن اعتقد بدعة التخصيص ضعف فهمه للبيان، واتهم النبي وصحبه بالتقصير.\nومن زعم التخصيص الذي هو نسخ وإخراج بعد دخول في العموم، كان شيئا\n_________\n(^١) - البيان أن يبين الله تعالى في سياق الآية مراده أو رسولُه عند بلاغه إياها، والنسخ إزالة لما كان داخلا في العموم.","vol":"1","page":374},{"text":"كُبَّارا! لأن النسخ في الأخبار محال شرعا، وقوله كل بدعة ضلالة خبر، فمعنى قول من زعم ذلك أن يكون النبي عنده قد أخبر عن أمور أنها ضلال وفي النار، ثم نسخ هذا الخبر، وأخرج منه ما استُحسن!! وهم يقولون أن النسخ لا يرد في الأخبار ..\nودعوى إرادته للخصوص بعدُ من افتراء الكذب عليه ما لم يقل، وغفر الله للمتأولين وصلى الله على نبيه وسلم تسليما كثيرا.\nفهذه الشريعة بمسائلها وجوامعها ومقاصدها تنادي بأن كل بدعة ضلالة بلا استثناء. فكيف يقال بعدُ بالتخصيص أو إرادة الخصوص، هدانا الله وإياهم.\nولقد أثبت الناس أصولا للفقه وقواعد بأدلة هي أقل من هذه أو مثلها كأدلة القياس والاستحسان في الأصول وكثير من قواعد الفقه في الأشباه والنظائر .. ومن نظر في أدلة القواعد عرف ذلك، وعرف أن ما ههنا محكم الثبوت لأنها معان متواترة، وحديث النبي ﷺ عند من فهمه غني بنفسه عن شهادة العالَمين، وجوامع الكلم المنزلة تغني عما أحدث بعد.\nوإذا كانت آية تحريم الخمر والميسر بسياقها \" قطعية الدلالة \" كما أنهم ينطقون، فما ههنا أولى، قال ربنا تعالى جده (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) [المائدة ٩٠/ ٩٢] هذه الآية محكمة في تحريم الخمر والميسر، نص قطعي الدلالة كما يقول الأصوليون، تتابعت \"الظواهر\" في سياقه على تأكيد المعنى.\nفعلى طريقتهم يكون قوله (رجس) ظاهرا في التحريم و(من عمل الشيطان) ظاهر (فاجتنبوه) ظاهر (لعلكم تفلحون) ظاهر (يوقع بينكم العداوة والبغضاء) ظاهر (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) ظاهر (فهل أنتم منتهون) ظاهر (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ظاهر (واحذروا) ظاهر (فإن توليتم) الآية ظاهر. فهذا البيان الذي يسميه الأصوليون ظواهر يشهد \"بالقطع\" على أنه نص قطعي الدلالة لا يمتري فيه سليم الفطرة والفهم.\nفإذا كان هذا شأن آية في حكم عملي فكيف بجامع من جوامع الكلم وشهد له","vol":"1","page":375},{"text":"جمهور الشريعة؟!\nومن تدبر القرآن وجد الكلام عن البدعة والتحذير منها وعيب منتحليها متواترا. فحيث ذكر الافتراء على الله في مثل قول الله (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) [الأعراف ١٥٢] هو كلام عن البدعة المحدثة لأنه أمر يضاف إلى دين الله وليس منه. والآيات المحذرة من القول على الله بغير علم كقول الله (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [الأعراف ٣٣] وذكر الكذب عليه، وابتغاء سبيل الله عوجا، والذين يشترون الضلالة بالهدى، وما اتخذوا في دينهم من العِجل واللهو واللعب والسوائب والسحر وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا .. وأنهم فرقوا دينهم، وذكر السبل والأهواء، وما نهوا عنه من الغلو كقول الله (لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [النساء ١٧١] وما ذكر من تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، ونظائر هذا المعنى هو حديث عن البدعة عينها. وإنما الشرك الذي جاء النبي لرده بدعة حدثت بعد الأنبياء، فجاء بتصحيح الأعمال وتصحيح النيات، وكلاهما آفته الانحراف عن اتباع السنن وركوب البدع. فكانت معرفة البدعة من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، بل من أول ما يتقى ويحاذر، لذلك ذكره الله ﷻ في أم القرآن. فهو سنة في الأولين والآخرين وأصل من أصول الدين، تتابعت عليه الأنبياء في الغابرين، واتبعتهم ورثتهم في الآخرين، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وما بدلوا تبديلا .. وهو مما أخذ عدو الله على نفسه أول الأمر (لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) [النساء ١١٨/ ١٢٠] فأضل بنحو ذلك جِبِلاًّ كثيرا.\nفحقيق على من أحب ربه، وعظم أمره أن يجعل هذا من أكبر شُغُله، ولا يكون من الذين جعلوا الدنيا أعظم شيء في أنفسهم، يغضبون للدماء والأموال والأوطان ..","vol":"1","page":376},{"text":"والغيرة لدين الله خير لهم لو كانوا يعلمون. ولقد رأوا من سياق التاريخ غب ما يسلكون لم يزالوا يدعون إلى \"التقارب\" مع الروافض وهم لا يقدُرون خطرهم على الدين، حتى مكنوا لدولتهم في بلاد المسلمين، وما نالوا هم أدنى حظ مما كانوا يُمَنّون .. هداهم الله وأصلح بالهم.\nولما حرض الله عباده على قتال مجرمي أهل الكتاب ذكر لهم علة الإذن أن يقاتلوهم لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون في أنفسهم ما حرم الله ورسوله ليعبدوا الله وحده لا شريك له ويطيعوا رسوله. قال سبحانه (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [التوبة ٢٩] فهذا الأمر وعلته، ثم حرض عباده بقوله (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) حتى يغضبوا لله أن يقال فيه ما ليس بحق (ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) كل هذا سياق واحد لعباد كان الله ورسول أحب إليهم مما سواهما. يقرؤون في الكتاب (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) [يونس ١٧] فيجدون في صدورهم أن أعظم الإجرام في الأرض أن يفترى على الله سبحانه الكذب وأن يُرد أمرُه.\nوالخلوف حملهم الجهل بالأمر العتيق وتأويل ما لا يعلمون على الاستهانة بالبدع، ثم استحسانها، على خلاف هدي النبي ﷺ الذي كان يُبْغِضُها ويُبَغِّضها إلى قلوب أصحابه. فاسبعَد هؤلاء أن يكون شيء من \"التعبد\" ضلالة وحراما! حتى اختلج في صدورٍ نهيُ النبي ﷺ عن أعمال رأوها قرباتٍ حسنةً كقراءة القرآن في","vol":"1","page":377},{"text":"الركوع والسجود، واتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك. وتجدهم يغضبون لبعض المعاصي التي يغفرها الله إذا شاء، ولا يكادون يغضبون للشرك الذي تأذن الله أنه لا يغفره! وهذا من تشويه البدعة للفطرة، فمن ذا الذي يُسْلِمُ لها بعد هذا سمعه وقلبه؟!\nفانظر كيف أنهم لما خالفوا الهدي الباطن خالفوا الهدي الظاهر! وصدق رسول الله ﷺ قوله: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب اه [خ ٥٢/ م ١٥٩٩] وقال أنس بن مالك ﵀: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشَعر إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات. [خ ٦١٢٧].\nولكن القوم من جرأتهم على الله استحسنوا وأدخلوا في مراد الله ورسوله ما لم يعرفه النبي وأصحابه، ثم يزعمون أن لهم الحسنى وأنهم العُباد المجتهدون، وقد قال الله عن أهل الجنة (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) [الطور ٢٧] فإنما أهل الجنة المشفقون، وحذف المتعلق يدل على العموم فكانوا يشفقون من كل محذور ومنه أن يَنسُب أحدهم إلى الله ورسوله ما لم يرده الله ورسوله، وإنما سبيل العصمة منه اتباع العمل العتيق.\nفحذار من أن تدخل في جملة المفترين، إذا كنت ممن يستحسنون البدعة في الدين، عافاني الله وإياك. ولا يصدنك خطأ عالم قال بخلاف ذلك، فإنه عسى أن يغفر الله له، وإنما ابتليتم ..\n\n<span data-type='title' id=toc-105>فصل في بيان دلالة الفاتحة على جملة هذه الأصول</span>\nقال أبو خيثمة [العلم ٥٠] حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا علمه في القرآن إلا أن علمنا يقصر عنه اه ورواه أبو عبيد [فضائل القرآن ٨٠] حدثني أبو نعيم عن الأعمش عن مسلم بن صُبيح أبي الضحى بمثله. [سند صحيح]","vol":"1","page":378},{"text":"هذه السورة الجليلة اشتملت على أمور الدين جملة لأنها أم القرآن. وما سواها من السور والأحاديث تفصيل لذلك إن شاء الله. فدلت على أمهات الجوامع بالمطابقة والتضمن، ثم اندرج باقي الأمور بالالتزام. ومعلوم أن ما دل عليه اللفظ بالمطابقة والتضمن آكد مما دل عليه باللزوم. والسورة مكية، وقد عُلم أن السور المكية نزلت بالقواعد الأهم ثم جاءت المدنية مكملة لها (^١).\nفالصراط المستقيم دل على السنة بالمطابقة، وهو الطريق المسلوكة، فالصراط والسراط في اللغة هو الطريق المطروقة، وإذا أضيفت إلى قوم كانت طريقهم التي سلكوها ومروا بها. فما لم يكن من العمل في السنة فليس من صراط النبي ﷺ وأصحابه، وإنما صراطهم وطريقهم ما طرقته أقدامهم وكان من عملهم، كما عرفت في بيان معنى السنة.\nوالضالون هم النصارى وكل الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومنهم أهل البدع، فإن كل بدعة ضلالة، وما اليهودية والنصرانية إلا بدع في دين أنبيائهم. فلفظ (الضالين) عام في كل ضال من أهل القبلة ومن غيرهم لأن لام الاستغراق من صيغ العموم. وقد بين لنا النبي ﷺ أن هذه الأمة ستأخذ مأخذ القرون قبلها، فما كان في أهل الكتاب يكون في هذه الأمة، فالضالون المشركون والمبتدعة. واللفظ \"الضالين\" مطلق في كل ضلالة لأن اسم الفاعل مثل الفعل في الدلالة على الإطلاق. فأفادت الآية الحذر من البدعة بالتضمن، إذ تشتمل على التحذير من الشرك والبدعة. ويصح أن يقال: أنها دلالة بالمطابقة لأن الشرك بدعة، إذ البدعة إما مكفرة أو مفسقة. فأنت ترى أنها تدل على الحذر من جملة البدع بصريح المنطوق (المطابقة أو التضمن) لا بالالتزام وهو المنطوق غير الصريح.\nوقوله (اهدنا) طلب للهدى، والهدى والهدي هو العمل. قال ابن فارس في المقاييس [هـ د ى] أنه بمعنى \"التقدم للإرشاد .. هديته الطريق هداية أي تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هاد \" الخ فالهدى شرعا ما تقدمَنا من عمل النبي ﷺ وأصحابه. فلا يكون العبد على هدى حتى يتبع العمل .. وهو وصية النبي \" فعليكم\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الثامنة من أحكام الأدلة العامة.","vol":"1","page":379},{"text":"بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين \" فأمر بسنتهم وشهد أنهم مهديون أي على هدي محمد ﷺ. وهذا معنى قول ابن مسعود: \"فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول\" أي العمل الأول .. فالهداية المطلوبة في الآية معرفة هدي المنعم عليهم والتوفيق إليه ومحبته .. فالمسؤول هو العمل الذي به اهتدى المنعم عليهم.\nقال الطبراني [ك ١٠٤٥٤] حدثنا محمد بن الفضل السقطي ثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم اه إسناد جيد.\nوأيضا قوله (اهدنا الصراط) مثل قول الخليل ﵊ (أرنا مناسكنا) لا نهتدي إلى وجوه العبادة حتى تبينها لنا. والصراط الذي هو عملُ النبي ﷺ سبيلٌ لا يُعلم بالنظر ولكن بالاتباع. فدل على ألا اجتهاد في معرفة وجوه التعبد. بخلاف الضالين الذين وُكلوا إلى أنفسهم إذ اختاروا فضلوا. فدلت على أن الدين توقيف. إذ لا يُهتدى إلى معرفة محاب الله إلا بدلالة منه سبحانه. ويدخل في الصراط بالتضمن الترك لأنه فعل، وهو من تمام الاتباع.\nودل قوله سبحانه (إياك نعبد) على الإخلاص، وقوله (اهدنا الصراط المستقيم) على الاتِّباع. وهذان الأصلان هما عنوان الفلاح في الآخرة، شهادة ألا إله إلا الله بتوحيده، وأن محمدا رسول الله باتباعه. وفساد المغضوب عليهم من الباطن إذ عرفوا الحق فاستنكفوا عنه .. وفساد الضالين من جهة العمل كما قال ابن مسعود: \"وكم من مريد للخير لن يصيبه\" .. فعلمنا ربنا أن نسأله صلاح القلب وصلاح العمل ..\nودل قوله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) على اجتناب سبل اليهود والنصارى، ومن شأنهم استحسان البدع.\nإذا تأملت السورة الكريمة عرفت أن معانيها جوامع محكمة أو كليات على لسان الأصوليين لا تقبل التخصيص ولا النسخ ولا التأويل .. فقد ذكر الله ﷻ أن له الحمد، وهذا شامل للدنيا والآخرة، والشريعة والقدر .. من غير تخصيص. وأنه رب العالمين جميعا من غير تخصيص. وأنه رحمن رحيم لكل الخلق لذلك أرسل الرسل وأمهل الكافر .. وأنه ملك يوم الدين لا يخرج من ملكه وحسابه شيء .. وأنه الإله","vol":"1","page":380},{"text":"الذي ينبغي أن تصرف له كل عبادة في كل حين .. إذ قوله (نعبد) مطلق في كل عبادة ظاهرة أو باطنة لأنه فعل والفعل يفيد الإطلاق، وعام في كل وقت بحذف المتعلق وحذف المتعلق من مسالك العموم. كذلك (نستعين) في كل الأمور عند اتخاذ الأسباب أو عند تعذرها، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله في كل شيء وعلى كل حال .. وأمرنا سبحانه أن نسأله الهداية التامة المطلقة التي تشمل هداية التوفيق وهداية البيان. والصراط المستقيم اتباع النبي ﷺ في كل هديه فعله وتركه وقصده من غير استثناء شيء، إذ الاستثناء في الدعاء إعراض .. كذلك الأمر في الضلالة عموم يستغرق كل ما ليس من الصراط. فميزت الآية الطريق المسلوكة وهي العمل العتيق، وما سواه ضلالة مطلقا. فكل عمل لم يطرقه أحد منهم فهو من الضلالة من غير استثناء.\nفبان لك أن هذه السورة محكمة العموم وأنها أم القرآن وقواعد كلية. فهي من أقوى الأدلة على ألا بدعة حسنة. ومعنى كونها جوامع - أو \"كليات\" - أنها ليست مما يتغير على حسب الزمان والأعراف .. وأنها أول ما ينبغي أن يدعى الناس إليه ويربى عليه، وبالله التوفيق.\nفتأمل كيف فرض الله علينا ما ينفعنا، وكرره علينا لأهميته، تزدد محبة لربك، ويقينا بأن ذم البدع والتحذير منها من آكد الأمور وأصل من الأصول، وأن التحذير والحذر منها من اتباع الصراط المستقيم. وأن ذلك كله من تمام الحمد لله رب العالمين الذي هو الثناء عليه بصفات الكمال والجلال. فله الحمد أن بين لنا الصراط المستقيم، وحذرنا من طريق المغضوب عليهم والضالين، وأن لم يحوجنا إلى الابتداع والمغامرة بالنفس والدين. فالحمد في أول السورة كالقاعدة التي يرجع إليها كل ما بعدها في السورة والقرآن كله، فله الحمد على ربوبيته ومن ربوبيته أن ربى الخلق برسله الذين أنعم عليهم. وله الحمد على رحمته وملكه وشريعته وتيسيره وجزائه وهدايته وإضلاله .. فله في ذلك كله من الحكم الشريفة والمقاصد العظيمة ما ليس يعلمها إلا هو سبحانه. وهو العليم بما في الاتباع من المصالح وما في الابتداع من المفاسد. فاستحسان البدع مناف لحمد العبد لله رب العالمين، أو منتقص من اعتقاد كماله بحسبه. والله المستعان على القيام بشكره.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>فصل في التمثيل للكمال الذي انتقصته البدع</span>\nلو تأملت حديث أبي فراس البليغ الذي قام فيه الناصح الأمين ﷺ بقوله: إياي والبدع! والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلَّف خير مما ابتدع. إن أملك الأعمال خواتمها، إنكم ترجعون إلى ما في قلوبكم، من شاق شق الله عليه، فدعوني ما ودعتكم فإنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم. ثم علمهم جبريل ما الذي ينبغي أن يسألوا عنه، وأن تكلف البحث في ما لم يؤمروا من البدع.\nفانظر كيف علمنا النبي ﷺ أن ما وَدَعَه لا ينبغي التفتيش عنه، فإن السنة والحكمة والحق ألا يشتغل به، وأن السكوت منه مقصود لا غفلة. فالدين قد كمل، ومن زاد بدعة فقد انتقص سنة خيرا مما أحدث، أبصر ذلك أو عشي عنه. وإنما الدين مثل الجدار المتماسك المرصوص، من أراد أن يزيد لبنة لا بد أن ينتقص لبنة. ولكن من أشرب البدع لم يجد طعم قوله: خير الهدي هدي محمد ﷺ.\nوأنت لو تأملت تاريخ العلم والعمل وجدت ذلك حقا، وسأذكرك بأطراف تدلك على ما وراءها فتدبر:\nكان النبي ﷺ يبين عن الله حدود ما أنزل في ثلاث وعشرين سنة بقوله وحاله وفعله وتركه وتقريره، وأقصد بالحال ما يصاحب الكلام من قرائن وإشارات بالوجه أو اليد .. تبين القصد، ومتى أهمِلت زاغ الفهم وضل عن معرفة المقصود. وكان ﷺ أبعد الخلق عن اللغو، فما بينه بالقول فالقصد والحكمة بيانه كذلك لا عبثا، وما بينه بالفعل والترك كذلك مقصود، وما وكله إلى الإقرار يدل على تأخر مرتبته ..\nفكان له منهج في التعليم وتربية أصحابه، ورثها عنه الراسخون في العلم منهم كما في الحديث الصحيح \"إن العلماء ورثة الأنبياء\" [د ٣٦٤٣] ورثوا عنهم العلم بمنهجه، فكانوا يبينون للتابعين بالقول والحال والفعل والترك والتقرير كما تقدم. كذلك أهل البيان أبدا وهم العلماء (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب) [آل عمران ٧٩] فيربي العالِمُ الناسَ على نحو ما رُبي على مكث كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه، وهذا يكون بالصحبة، وهو أقرب إلى الحفظ وحسن الفهم، وأقوى على العمل،","vol":"1","page":382},{"text":"وأحصن من تسور الذين يستعجلون. فإذا بقي العلم في صدر العالم ينزله على ما تعلم من الحكمة لم يثبت معه إلا من اصطفي ليكون في الناس أمة بعده، وينقشع دونهم من كان صاحب حاجة (^١) ..\nفلما فتح المصحف مع موت العلماء قرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمؤمن والمنافق كما أخبر معاذ، فظهر الاستعجال على حفظ القرآن (^٢)، وتُركت سنة تعلمه على مكث عند أهله، فنشأ سوء الفهم وضرب أقوام كتاب الله بعضه ببعض .. وكان أول من سن ذلك الحرورية لما خرجوا على أهل العلم في التأويل، ثم خرجوا عليهم بالسيف.\nولما ظهرت كثرة التحديث وسرد الآثار جملة - وكان في العراق سنة جارية - نقص الفقهُ والعملُ والاقتداءُ بالأفعال وسنةُ البيان بها. واتفق أن ذهب الذين علموا فيم أنزلت الآيات والسنن، وصارت تروى الأحاديث منفكة عن سياقها الذي علمه الراسخون من أصحاب النبي ﷺ (^٣)، فاضطرب الفهم، وظهر الرأي، ونقص اليقين، ونجم الاختلاف في الدين ..\n_________\n(^١) - الموافقات المسألة الثانية من مباحث الفتوى من كتاب الاجتهاد.\n(^٢) - قال ابن أبي شيبة [٣٠٥٥٠] حدثنا وكيع عن خالد بن دينار عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن رسول الله ﷺ كان يأخذه خمسا خمسا اه [صحيح عن أبي العالية] ثم قال حدثنا وكيع عن إسماعيل قال: كان أبو عبد الرحمن يعلمنا خمسا خمسا. وقال ابن سعد [٨٨٤٠] أخبرنا شهاب بن عباد قال حدثنا إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد قال: كان أبو عبد الرحمن يقرئ عشرين آية بالغداة وعشرين آية بالعشي ويخبرهم بموضع العشر والخمس ويقرئ خمسا خمسا يعني خمس آيات خمس آيات اه وقال البيهقي [الشعب ١٩٥٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس الأصم ثنا محمد بن إسحق ثنا إسحق بن عيسى قال: سمعت مالكا يوما عاب العجلة في الأمور ثم قال: قرأ ابن عمر البقرة في ثمان سنين اه صحاح.\n(^٣) - قال ابن جرير [تهذيب الآثار ٧٧٨] حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال حدثنا حيوة بن شريح عن أبي صخر أن عبد الله بن عطاء بن مسافع مولى آل الزبير أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أنه طاف بالبيت هو وأخوه، فإذا رجال يطوفون بين أيدينا، وهم يقولون: بلغنا أن رسول الله ﷺ يقول: كذا وكذا. فقال لي عبد الله بن الزبير: ألا تسمع ما يقول هؤلاء يا أخي؟! لقد أخبرني الزبير بن العوام: أن رسول الله ﷺ كان يقول القول فيمكث الزمان، ثم يقول قولا آخر ينسخ قوله الأول كما ينسخ القرآن بعضه بعضا، وإن هؤلاء يتكلمون به جميعا اه صحح سنده الطبري.","vol":"1","page":383},{"text":"ثم رأوا أنهم أعلم من أصحاب رسول الله ﷺ لما لم يروا أنهم على علم وقفوا! قال البخاري [رفع اليدين ٣٨] قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اه وقالوا: اجتمع لهم من العلم ما لم يكن مجموعا عند الأولين!!\nويا ليت شعري على ألسنة من بلغهم العلم (^١)؟!\nولما ترجمت أسفار اليونان - باسم البدعة الحسنة - طم الوادي على القرى، ودخلت الفلسفة و\"المنطق\" في الدين كله، في الشريعة والمنهاج، ودخل \"التأويل\" التوحيد والأحكام، فعسر الدين وذهب من النفوس اليقين ورأى الناس أن أغلب الأدلة الشرعية ظنية لا تفيد القطع! وهم يقرؤون في الكتاب أنه شفاء لما في الصدور وفرقان وهدى ونور وتبيان لكل شيء (^٢) ..\nوخذ للعبرة مثلا في أصول الفقه:\nقَسَّم الذين قرؤوا الوحي بطريقة اليونان الأدلة المحكمة إلى ظاهر ونص. وقالوا: الظاهر ما احتمل معنى ثانيا غير المتبادر، فاستصحبوا الاحتمال وقالوا في الدليل المعين: الظاهر منه كذا ويحتمل غيره! فأورثهم ضعف اليقين، وظنوا أن كلام الله ورسوله لا يوجب العلم فقالوا: أغلب الأدلة ظني الدلالة!! لإمكان الاحتمال\n_________\n(^١) - روى ابن حزم [الإحكام ٦/ ٨٣٩] من طريق جعفر بن محمد الفريابي حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا، ونأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: صح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم. فقال مالك: هؤلاء يستتابون اه [صحيح]\n(^٢) - حكى ابن القيم [إعلام الموقعين ٤/ ٢٥٤] في ذم التأويل المنافي للبيان النبوي عن ابن رشد قوله: وأول من غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى اه","vol":"1","page":384},{"text":"فحاروا في المحكم والمتشابه.\nوغفلوا عن أن العرب لا تفرق بين النص والظاهر، فإن العربي إذا تكلم أفهم مراده بكلمة فصيحة تفصح عن مراده، بليغة تُبلغ المعنى إلى المخاطب وإلا كان عييا لا يكاد يبين، كما تقدم.\nلكن كان من بيانهم البيان بقرائن الحال إشارة اليد والوجه ولحن الصوت .. يتمم المعنى ويوضحه بها، لذلك كانوا ربما سموها قولا، وهي إشارة دالة على معنى مثل القول (^١)، وهي من السياق الذي غفل الناس عنه. وكانت من البيان المستحسن عندهم المستهجن غيره، هم كانوا أصحاب أرض يقل فيها الماء، ويكثرون السفر في التجارة والمغازي .. فكانوا إذا تكلموا كثيرا عطشوا كثيرا، والماء قليل، وللأرض أثر في النفوس والأخلاق، وكان يحتاج أحدهم أن يبين مقاصده بأوجز لفظ وأدله على المراد، فكانوا يتممون المعنى بإشاراتهم، جيلا بعد جيل حتى صارت لهم سليقة، ودخلت في البيان العربي.\nبخلاف الروم كانوا أهل ترف وكثرة كلام، والقلم فيهم ظاهر، لا يحتاجون إلى بيان بالإشارة في ما يكتبون. فإذا رآها العربي وسمع الكلام قطع بالمعنى المراد وإن كان اللفظ منفردا \"ظاهرا\". وهذه منحة من الله خص بها أصحاب نبيه ﷺ، لأن بعض ذلك يستحيل نقله، لكن حُفظ معناه المقصود في تصرفات الصحابة وفهمهم، لذلك أمرنا باتباعهم، فليس الشأن إذًا في أن فهمهم معصوم أم لا، ولكن في كون النبي ﷺ أفهمهم وبين لهم.\nوهذا ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: \" ليس الخبر كالمعاينة \" .. لذلك كانت أعمال القلوب عند الصحابة والعلمُ واليقين لأجل المعاينة أعظم مما عند التابعين، وقد\n_________\n(^١) - كما روى البخاري [٦٥٢] في قصة صلاة أبي بكر بالنبي ﷺ وفيه: فأشار إليه رسول الله ﷺ: أن أمكث مكانك. فرفع أبو بكر ﵁ يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم رسول الله ﷺ فصلى فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك اه فسمى الإشارة المفهمة أمرا، ومثل هذه الدلالة تكاد لا تجدها في صيغ الأمر من كتب الأصول.","vol":"1","page":385},{"text":"مضى بعضه.\nوالنكتة فيها أن الروم لهم ولع بتفكيك الألفاظ، كل لفظ ما يفهم منه وحده في وضعه مفردا، لذلك قالوا بالمجاز، بخلاف العرب لا عهد لها بهذا التشقيق، ولكن كل لفظ في سياقه، لذلك تسمي الجملة التامة كلمة كما قال تعالى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) [آل عمران ٦٤] وقوله سبحانه (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [الزخرف ٢٨] فكل هذا كلمة واحدة، لأن اللفظ لا يدل وحده حتى يكون في سياقه، ويدخل في السياق إشارات اليد والوجه (^١) ..\nولما سلك الأصوليون مسلك اليونان ونظروا في اللفظ مفردا صار \"ظاهرا\" غير \"نص\" فشكوا وحاروا، كما حارت الفلاسفة من قبل، وإنما هم مبتدعة في دين أنبيائهم، وإنها السُّنن! ولئن سميناه ظاهرا فهو الذي لا خفاء به ولا لَبس فيه، فالله تعالى ظاهر سبحانه، لا تحتاج إلى دليل.\nولما أحدث القياس العقلي في اللغة صار يفهم \"العموم\" في القرآن والسنة على ما يعطيه العقل في ذوق اليونان لا ما جرى في استعمال العرب أهل البيان، فخاضوا في التخصيص بالعادة والعقل والحس .. حتى زعموا \"بالاستقراء\"! أن كل عموم مخصوص أو يحتمل أن يدخل عليه ما جوزوا من التخصيص (^٢)، واختلفوا هل العموم بعد ثبوت تخصيصه مجاز في الباقي؟!\nوهذا مثل لفظ الخنزير جعلوه شاملا في الآية لخنزير البحر (^٣)، ثم اختلفوا في\n_________\n(^١) - كما روى الترمذي [٢٥٠٢] عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة فقال: لقد مَزجتِ بكلمة لو مَزجتِ بها ماء البحر لمزج! اه فكانت الكلمة التي قالتها شيئا تلفظت به وإشارة يد عيرت صفية بها، كل ذلك هو الكلمة.\n(^٢) - الموافقات المسألة الثانية والثالثة من مباحث العموم.\n(^٣) - قال الجصاص [أحكام القرآن ١/ ١٥٤]: ظاهر قوله (ولحم الخنزير) موجب لحظر جميع ما يكون منه في البر وفي الماء لشمول الاسم له الخ. غفر الله لهم.","vol":"1","page":386},{"text":"تخصيصه ومخصصه!! والعرب لا تعرف خنزير الماء (^١)، وليس تطلق اللفظ إلا على البري المعروف، فالعموم على لسانها محكم. وإنما طرأ هذا الفهم زمان المولدين أبناء سبايا الأمم، لما دخل في العلم من كان لهم عهد بأنواع حيتان البحر ويسمون بعضها في لغتهم بالخنزير والكلب للشبه (^٢)، فلما دخلوا في العربية دخلوا بمعارفهم (ثقافتهم) فسموه خنزيرا على ما جرى في لسانهم .. ثم قالوا: الآية عامة في تحريم كل خنزير (ولحمُ الخنزير) [المائدة ٣]، وآية البحر عامة في كل صيد البحر وطعامه (أحل لكم صيد البحر وطعامه) [المائدة ٩٦] فرأوا العمومين متعارضين، وترددوا في التخصيص والترجيح (^٣) .. وإنما هي العجمة كما قال عمر: هلاك العرب إذا بلغ أبناء بنات فارس اه\nفصار ورثة فارس والروم إذا احتج أحدهم بالعموم فإنما يأخذه على إغماض لضعف دلالته عنده! وهو أكثر لسان العرب، وبه نزل القرآن وكان الحديث. فضعف اليقين في معاني كلام الله ورسوله! وهم يقرؤون أنه منزل بلسان عربي مبين، وأن النبي ﷺ أعطي جوامع الكلم، وما علموا أن ما انتحلوا كان عند العرب عجمة وفهاهة .. فلما طلبوا الحكمة عند اليونان خالفوا الحكمة حكمة القرآن، وأُورثوا شكا واختلافا كثيرا!\nفصاروا بذلك على سَنن أُمِّيِّي أهلِ الكتاب الذين لا يعلمون من الكتاب إلا تلاوة لحروفه وظنا، قال ربنا تعالى شأنه (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم\n_________\n(^١) - قال ابن القاسم [المدونة ١/ ٥٣٧]: ولقد سألنا مالكا عن خنزير الماء فلم يكن يجيبنا فيه، ويقول أنتم تقولون خنزير اه أي أحدثتم له هذا الاسم.\n(^٢) - قال ابن حبان في الأطعمة من صحيحه: ذكر البيان بأن العرب كانت تسمي ما قذفه البحر حوتا وإن لم يكن يشبه خلقته خلقة الحوت اه ثم احتج بقصة سرية أبي عبيدة [٥٢٦٢] وفيها: فإذا حوت مثل الظرب اه\n(^٣) - ومثله اختلاف الناس في لفظ الإهاب من الحديث: إذا دبغ الإهاب فقد طهر اه [م ٨٣٨] هل يتناول جلود السباع فيخصص؟ وقد قال الترمذي [تحت ١٧٢٨]: وقال إسحق قال النضر بن شميل: إنما يقال الإهاب لجلد ما يؤكل لحمه اه [الأوسط لابن المنذر كتاب الدباغ، جماع أبواب جلود السباع]","vol":"1","page":387},{"text":"إلا يظنون) [البقرة ٧٨] ولئن كان علماؤهم شهد الله لهم أنهم (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) [البقرة ١٤٦] لما عاينوا النبي، وليس لهم سند متصل إلى نبي من أنبيائهم إلا البلاغات المظلمة والوجادات، فكيف لا يفيد العلمَ الأسانيدُ الصحيحة إلى علماء الصحابة وصريح البيان العربي وهو الدين المحفوظ!\nوتالله لو خالفهم أحد إلى كلماتهم في كتب الأصول والكلام فحكَّم فيها طرائق نظرهم، لما استقام لهم فيها شيء، فكل كلمة لأحدهم في كتابه، يجري عليها ما أجروه في كلام الله ورسوله من الاحتمال. فأكثر ألفاظهم ومصطلحاتهم ظواهر، والنص عزيز .. وأكثر زُبُرهم برواية الآحاد لم تبلغ حد التواتر .. ويجوز أن يكون مصنِّفه تراجع عن بعض ما كتب فيها، ويكون له قول جديد ناسخ وقديم منسوخ .. أو يجوز أن يكون من روى كتاب الشيخ من أصحابه لم يقف على المتأخر من تعليقاته وشرحه لمصنَّفه في مجالسه .. أو أن من شرح كلامه من أصحابه بعده لم يصب الفهم عنه ففسر كلامه على غير قصده .. فلو طردت ما أدخلوه من الاحتمال على كلام الله ورسوله في كلامهم أنفسهم لم يستقم لهم شيء .. وما من مُصَنِّف إلا وقد فرغ من كتابه وهو يُرى أنه بين مقاصده بيانا لا يترك لذي شبهة يعرفها وليجة .. فكيف يجيزون ذلك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ! أم أنهم يرون اليقين وحسن البيان في عباراتهم دون كلام الله ورسوله ﷺ! اللهم غَفرا (^١).\nوقد كان من سنة النبي ﷺ في بيان صفات ربه للناس أن يذكر ما أوحي إليه بأفصح لفظ وأدله على المعنى، ثم يثبته بالإشارة دون خوض في التفاصيل، يمرها كما جاءت، ولا يجمعها في سياق واحد على طريقة القرآن في البيان ..\nكما روى مسلم [٧٢٢٩] عن عبيد الله بن مِقسَم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: يأخذ الله ﷿ سمواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك. حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ؟!\n_________\n(^١) - تفقد كتاب ذم الكلام وأهله للهروي أبي إسماعيل ﵀.","vol":"1","page":388},{"text":"وروى أبو داود [٤٧٣٠] عن سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) إلى قوله تعالى (سميعا بصيرا) قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه اه [صحيح] وقال عبد الله بن عمر: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية اه [خ ٦٩٧٢] ونظائره كثر. فهذا بيان نبوي بمنهاج عربي لمعاني صفات الرب تعالى (^١).\nفلما أحدث الخوض في صفات الله، ممن جهل طريقة النبي ﷺ في دلالة الخلق على الله، حتى زعموا أنه كان يفوض المعاني!! ترخص بعض أهل العلم بأخرة ليبينوا للناس منهاج الإثبات فجمع أحدهم ما انتهى إليه من الروايات الصحيحة في أبواب أوهمت من جاء بعد من الأصاغر بالتجسيم، وأشكلت على الغافلين، وأورثت نقصا في تعظيم رب العالمين، على غير قصد العلماء المصنفين، وقاتل الله الحرورية كانوا أول من شغب فيها.\nوالحكمة كلها في طريقة القرآن والسنة تفريق دلائل الصفات على حسب السياق عند ذكر الأمر أو النهي أو الوعد أو الوعيد لا جمعه .. (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟\nولما أحدث الناس ما سموه \" الوحدة الموضوعية \" في الخطب والكتب،\n_________\n(^١) - لذلك كان الصحابة يروون أحاديث الصفات باختلاف الألفاظ لعلمهم بالمعاني التي بها عرفوا ربهم سبحانه، فالرواية بالمعنى من أقرب الأدلة على الإثبات. وإمرارها كما جاءت هو العمل كما روى معمر [الجامع ٢٠٨٩٣] بسنده حديث أبي هريرة \" .. فأما النار فإنهم يلقون فيها وتقول هل من مزيد فلا تمتليء حتى يضع رجله أو قال قدمه فيها فتقول: قط قط قط فهنالك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض\" الحديث وهو في الصحيحين [خ ٤٥٦٩/ م ٧٣٥٤]. ثم قال معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سمعت رجلا يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة هذا فقام رجل فانتفض! فقال: ابن عباس ما فرق من هؤلاء؟ يجدون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه اه ورواه ابن جرير في التفسير [٦٦٢٢] حدثني يونس قال أخبرنا سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وذُكر عنده الخوارجُ وما يَلقونَ عند القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه! وقرأ ابن عباس (وما يعلم تأويله إلا الله) الآية اه [صحيح]","vol":"1","page":389},{"text":"استحسنتها النفوس باسم البدعة الحسنة، ودكت حتى عابوا على من لم يلازمها، لاعتقادهم الكمال فيها! فاضطرهم ذلك إلى تمطيط الكلام في نكتة واحدة على سنة الروم الأعاجم! فخرجوا عن اللسان، وأزروا بما كان معهود خير الناس في البيان. ثم تكلف ناس تتبع الآيات ومناسباتها طلبا \"للوحدة الموضوعية\" في السور، يريدون دفع الشك عن كلام الله لماَّ اعتقدوا الكمال في ما أحدثوا، لكنهم في الريب أسقطوا جِبِلاًّ كثيرا!! كذلك لا تجد في بدعة إلا ظَلْعًا، وإن ظنها راكبها جيادا مسومة (^١) ..\nوهذه خطب النبي ﷺ وأصحابه (^٢)، وقبلها أشعار العرب سنتهم الجارية فيها ألا يتقيدوا بنكتة واحدة يطيلون الكلام فيها، بل الفصاحة والبيان العربي التلفظ بما قل ودل، والاغتباط بجوامع الكلم. ولعمرُ الله إن التمام والحكمة والبركة في كلام الله الذي نزل بلسان عربي مبين صالح للناس إلى يوم الدين.\nولو قلنا إنا لا يسعنا مع الناس لتبلد أذهاننا وعجمة ألسنتنا إلا توحيد الموضوع والحشو في كلامنا لكان أعذر لنا من أن ننكر السنة واللسان!!\n_________\n(^١) - راجع ما قال الشوكاني في فتح القدير ينكر بدعة ما سمي \"مناسبات الآي\" تحت الآية ٣٩ من سورة البقرة.\n(^٢) - كخطبة حجة الوداع [م ٣٠٠٩]، وما روى مسلم [١٢٨٦] أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله ﷺ وذكر أبا بكر. قال: إني رأيت كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات وإني لا أراه إلا حضور أجلي. وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه ﷺ، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وإني قد علمت أن أقواما يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال. ثم إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري فقال: يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء. وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ﷺ ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا اه","vol":"1","page":390},{"text":"وايم الله لا يَسلم للعبد من شوب الشك دينُه، ولا تثبت في العلم قدمه حتى ينشرح صدره على بصر أن ما كان عليه النبي ﷺ وصحبه هو الدين والحكمة والكمال، وأن ما يحدث بعد فأحسن أحواله أن يعتذر له.\nلكن ترى كثيرا من الخلق يرون التأليف ونحوه من أقضية النوازل (المصالح المرسلة) التي إنما يستنقذ بها المسلمون ضعفهم أنها الكمال والمقصود أصالة، فيعتذرون: لماذا لم تكن على عهد النبي والخلفاء؟ لِمَ لم يقرر أصولا للفقه وقواعد .. على نحو ما \"أتقنه\" المتأخرون! ولِمَ لم تكن محررة! فينطوي على ريب في صدره، وشبهات في قلبه! لو حققها لكان بها منافقا ..\nفانظر إلى سلامة ما كان عليه السابقون الأولون في الظاهر والباطن، وما حوته البدع من سموم! لترى عين اليقين أن خير الهدى هدى النبي ﷺ، وأن البدع ضلالة وجهالة، وأنه ما حدثت بدعة إلا رفعت سنة خير منها ..\nويا ليت شعري ماذا جاء النبي ﷺ مبينا؟! أما التوحيد فاجتهدوا في التأويل! وأما الفقه فقاسوا واجتهدوا مع الدليل! وأما القربات فاستحسنوا وظنوا العمل الأول لا يشفي الغليل! فأي شيء بعث له الذي جاء بالبلاغ المبين؟! سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. لكنا نشهد لله أن رسوله قد بلغ ووفى. فمن طلب الاتباع فقد علم أن ما بيَّنه فالحكمة بيانه، وما أجمله فالحكمة إجماله، وما سكت عنه فالحكمة السكوت عنه، وما فعله فالحكمة فعله، وما تركه فالحكمة تركه، وما أظهره فالحكمة إظهاره، وما أخفاه فالحكمة إخفاؤه .. فمن خالف في شيء من ذلك، فقد انتقص من السنة الحكمة بحسب ذلك.\nولما نشأت الوعيدية - وأولهم الحرورية - الذين يكفرون بالكبيرة اضطر الناس إلى تفصيل ما أجمله النبي ﷺ، فنقصت عند ناسٍ سنةُ الإجمال وفائدته. فمن نصوص الوعيد ما أطلق النبي ﷺ لفظه على التغليظ، لتكون أبلغ في الزجر وأبعد عن المنكر (^١)،\n_________\n(^١) - والناس في آيات الوعيد وأحاديثه ثلاث طوائف: طائفة جعلتها متشابهة مطلقا فلم تعرج عليها وأبطلت دلالتها وزعمت أنه سمي كفرا مجازا وهم المرجئة وقالوا هو وعيد لا يراد به ظاهره، وهذا من أقبح الهجر لكتاب الله، ثم تمسكوا بقضايا الأعيان كقصة حاطب وقصة عمار وجعلوها المحكمة. وطائفة جعلت نصوص الوعيد محكمة مطلقا وهم الوعيدية (الخوارج والمعتزلة) وجعلوا أحكام النبي في مثل قصة عمار وحاطب .. متشابهات مشكلة فعطلوا دلالتها. والأمر عند الأولين أنها من جوامع الكلم التي أعطيها النبي ﷺ، وأن ما ورد في السنة هو بيان لشرائط العمل بها وهو الحكم أو الحكمة، يسميه الأصوليون تحقيق المناط. فالمصلحة في إبقاء العموم على عمومه، والشأن في تنزيل الحكم، فوظيفة العموم إبلاغ الوعيد، وإفادة أن العمل كفر، ووظيفة السنة بيان كيف الحكم والحكمة كما قال تعالى (آتيناه حكما وعلما) وقال (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [آل عمران ١٦٤] فدلالة آيات الوعيد هي العلم، والسنة في الحكم بها هو الحكم والحكمة. ومن أخطأ هذا الفقه فالتمس تنزيل الحكم على الأعيان من غير مظنته وقع في المتشابه كما سبق.","vol":"1","page":391},{"text":"كقوله للمسلمين: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض اه [خ ١٢١/ م ٢٣٢]. فهذا الإطلاق له فائدته، لا تتم لمن جعل يفصله في مقام العِظَة (^١). فمن فعل خالف السنة، وما خَلَّفه خير مما حصله كما قال النبي ﷺ في حديث أبي فراس.\nوكثير من أقضية النوازل (المصالح المرسلة) سببها تفريط الناس في دينهم كما قيل: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، مثل تضمين الصناع وإيقاع اللفظ بطلاق الثلاث، فإن تلك الأقضية ليست سنة دائمة وعزيمة مطردة، ولكنها من جنس الرخص العارضة والتصرف الموقوت للحاجة .. إذا لم تنزل منزلتها كانت بدعة، ولا ينبغي إجراؤها في كل قرن مع كل نفس كالعزائم المحكمة إذ ليست مقصودة لذاتها (^٢).\n_________\n(^١) - كما فعل ابن عباس في قول الله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) الآية [النساء ٩٣] إذ سأله أهل الكوفة الذين استخفوا بالدم، فعن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: لقد أنزلت آخر ما أنزل ثم ما نسخها شيء اه [خ ٤٥٩٠/ م ٧٧٢٦] فأخبر أنها محكمة، وأطلق الوعيد، دون تفصيل للحالات والأعيان. لأن المقام ليس مقام حكم. ولم يكفر الذين اقتتلوا في الجمل وصفين .. وليس يخالف هذا ما علم من بيان النبي، لأن القصد بيان ما ينفع لا بيان كل ما يُسأل عنه وإن كان فيه ضرر على السائل.\n(^٢) - وتأمل ما أفتى به الشيخ الألباني في الأذان الثاني يوم الجمعة عند تيسير مكبر الصوت، وقبله الشيخ ابن تيمية في الطلاق بلفظ الثلاث .. ﵏ جميعا.","vol":"1","page":392},{"text":"وقد كان من سنة العلم عند الصحابة قول لا أدري، حتى قال ابن مسعود: فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم اه [خ ٤٤٩٦] فالعلم هو الذي ينبهك إلى مواطن التوقف، ويعلمك بقدرك أنك لا تدري، ويسهل عليك قولها، ومن فعل ذلك تعلم ما لم يعلم.\nوروى الفسوي [الفقيه والمتفقه ١١٠٦] نا إبراهيم بن المنذر نا عمر بن عصام نا مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: العلم ثلاثة كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري (^١) اه لذلك كان من علم الراسخين أن قالوا في ما لا يعلمون تأويله (آمنا به).\nوقال الفسوي [المعرفة ١/ ٣٦٧] حدثنا زيد بن بشر أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أنس أنه سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري، حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يفزعون إليه إذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري اه\nفهذه سنة وهي نصف العلم، كما روى الدارمي [١٨٠] حدثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي قال: لا أدري نصف العلم اه\nفلما استشرى الرأي واستُعذِب ضاعت هذه السنة حتى أُنكِرت! قال المروزي [تعظيم قدر الصلاة ٤٤١] قال إسحاق قال يحيى بن آدم ذكر لأبي حنيفة قول من قال: \"لا أدري نصف العلم\" قال: فليقل مرتين: لا أدري حتى يستكمل العلم! قال يحيى: وتفسير قوله لا أدري نصف العلم أن العلم إنما هو أدري ولا أدري، فأحدهما نصف الآخر اه\nوقد كان العلم عند الأولين الأثر دون الرأي كما في حديث عبد الله بن عمرو: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون اه [خ ٦٨٧٧]. فجعل الرأي مقابلا للعلم.\nومن كان متكلما في كل شيء برأيه وبقواعد الرأي متى يقول: لا أدري؟!\nفلما ظهر الرأي ضاعت هذه السنة، فظهرت مخالفة السنن، ونقص الاتباع، وكثر\n_________\n(^١) - حديث حسن. عمر بن عصام موثق [جذوة المقتبس ١/ ٨٨].","vol":"1","page":393},{"text":"الاختلاف! ولو سكت مَنْ لا يدري لقل الخلاف!\nوروى الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٠٨] من حديث أحمد بن حنبل نا محمد بن إدريس الشافعي نا مالك بن أنس قال: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله اه\nولما حدثت بدعة \"المنطق\" و\"الكلام\" تسللت إلى بعض أهل الإسلام باسم البدعة الحسنة، والفتنة إذا شبت أشكلت، حتى لُقبت \"علما\" وتنكر ناس للعلم لما فرحوا بها! حتى زعموا أنه لا يوثق بعلم من لم يحط بها خُبرا! وقد كان العلماء قبل يحذَرونها على علم بسمومها، ويحذرون منها أصحابهم ويدعونها جهلا. قال ابن عبد البر [الجامع ٢/ ١٩٤]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم (^١) اه\nفلم يزل الأمر إلى سفل حتى التُمس العلم عند الأصاغر، فانقلب العلم جهلا والجهل علما (^٢)، ورأوا أن المتأخر أتقن لفنون العلم من الأول!! وقد مضى بعض ما فيها.\n_________\n(^١) - ثم قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال حدثنا إبراهيم بن بكر قال سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويزمنداد المصري المالكي قال: في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف، قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء، والبدع والتنجيم وذكر كتبا ثم قال: كتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك. قال: وكذلك كتب القضاء بالنجوم، وعزائم الجن وما أشبه ذلك. وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء: قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها اه ثم أكثر الناس يأخذون أصول فقه دينهم عن الجويني وشيعته! عفا الله عنهم جميعا. راجع كلام ابن تيمية في أبي المعالي في إبطال التحليل [٢/ ١٦٦].\n(^٢) - روى الخطيب [الفقيه والمتفقه ٤٨٩] بسنده عن مجالد بن سعيد قال نا الشعبي يوما قال: يوشك أن يصير الجهل علما ويصير العلم جهلا! قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة، فأخذ الناس في غير ذلك: القياس اه","vol":"1","page":394},{"text":"وقد كان من منهاج السابقين الأولين في التعلم تلقي الإيمان قبل العلم، كما قال البيهقي [٥٠٧٣] أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني بها ثنا أبو سهل بشر بن أحمد بن بشر أنبأ أبو محمد الحسن بن علي القطان ثنا عبيد بن جناد الحلبي ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن عوف قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن. ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل اه [ك ١٠١]\nوفي الصحيحين عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها. فذكر الحديث [خ ٦١٣٢] وله نظائر كثر، وهو في القرآن كثير كقول الله تعالى (هدى للمتقين) [البقرة ١] وقوله سبحانه (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) [يونس ٥٧] فبين أنه هدى للمؤمنين خاصة، وقال تعالى (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [يوسف ٢٢] فمن جاء محسنا رزق حسن الفهم بخلاف المنافقين فإنهم لما حرموا الإيمان حرموا الفقه (فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) [المنافقون ٣]\nفرُبي الصحابة على هذا المنهاج، يستقبل القرآن والسنة قلوب زكية تفهم إذا خوطبت، وتجد للوم والعتاب وقعه. فلما ترك هذا المنهج نُسيت كثير من الصيغ الدالة على الأحكام، مثل (فهل أنتم منتهون) [المائدة ٩١] ونحوها، رآها بعض الناس غير صريحة في التحريم! وهي أوقع في القلوب من لفظ حرمت ونحوها ..\nومن ذلك أسماء الله الحسنى دالة على الأحكام، وهي تذكر في سياقها مثل قول الله تعالى في آية الحرابة (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) [المائدة ٣٤]، ومنه ما روى أحمد [١٢٦١٣] ثنا سريج ويونس بن محمد قالا ثنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت البناني عن أنس بن مالك قال: غلا السعر على","vol":"1","page":395},{"text":"عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لو سعرت فقال: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال اه [صحيح]\nوفي صحيح مسلم [٢٧٥] عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة! قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس اه\nفكان النبي ﷺ ربما بين الحكم بذكر أسماء الله الحسنى، فهي من جوامع الكلم، بل هي أصلها وزينتها، وذكرها في السياق يدل على تعلق الحكم بها.\nوروى عبد الرزاق [٩٨٠٠] أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر يستحب أن ينصرف على طوافه على وتر ويقول: إن الله وتر يحب الوتر اه [صحيح] فبين أن هذه السنة لها تعلق بصفة من صفات الله وأن الحديث فيها من جوامع الكلم والقواعد المحكمة.\nفلما فُصل الإيمان عن العلم والأصول ونسي كثير حظا مما ذكروا به، لم تكد تجد أسماء الله الحسنى مسالك لمعرفة الأحكام في الأصول .. ولم ير كثير من المتأخرين تعلقا لحكم في الفقه بها!! وإنما هو التفريط في منهاج النبوة وترك للسنة في أول الأمر! وغفلة عن السياق.\nومن ذلك أن \"المناسبة\" في الأصول ما تضمنت مصلحة معتبرة في الشرع، والمصلحة إما دنيوية أو مصلحة في الآخرة. فترى كثيرا من الناس لا يكاد يراعي في المعنى المناسب إلا المصلحة الدنيوية كالإسكار والغرر دون مصلحة الآخرة كالغفلة عن ذكر الله.\nوقد روى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد [٢١٣] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حفص عن عبيد الله عن القاسم قال: كل شيء ألهى عن ذكر الله ﷿ وعن الصلاة فهو مَيسر اه [صحيح] فعلل بالحكمة المذكورة في آية المائدة وهي مفسدة قلب، وقد تقدم كلام ابن رشد في المزهر.\nولم ير كثير من الناس أن ما ذكر الله من المعاني في الآية علل للتحريم .. ورآها","vol":"1","page":396},{"text":"القاسم علة للحكم، والحكمة إذا كانت منصوصة كانت علة ولو لم تكن منضبطة، تضبط بالقرائن الظاهرة كحال العمد والخطأ في القتل، فإن ما اعتبره الشرع ينبغي اعتباره وملاحظته.\nفاطرد هذا حتى جُعلت كتب الفقه وأصوله في عدوة دنيا وكتب الرقاق في عدوة قصوى .. وصارت قطيعة بين العلم والإيمان .. وأشكل على الناس أن يكون الفقهاء هم أولياء الله (^١) لما رأوا يُبسًا في من ينتحل العلم. وصار الفقيه بين الناس من يستحسن ويتتبع الرخص! ومن أفتى بما سن نبي الله ﷺ عد جامدا غير فقيه!!\nوأراد قوم أن يتنسكوا فلم يجدوا بغيتهم عند كثير من الموسومين بالعلم فاتخذوا رؤوسا جهالا شرعوا لهم بالأذواق والمواجيد والمنامات من الدين ما لم يأذن به الله!\nوطريقة القرآن والسنة في تدريس الفقه ربطه بغايته العليا .. والله المستعان على القيام بأمره.\nلكن لما قل العلم ولم يؤخذ عن الأكابر أصحاب النبي ﷺ، ضاعت هذه المعاني، وعشيت أبصارُ كثيرٍ عن وجوه المخالفة في البدعة، وظنوا أن في الدين فراغا تُرك للاستحسان .. !\nوزعم أمة منهم أن الدين بمعزل عن أمور الدنيا .. فكذبوا على الله ورسوله! وأزروا على السابقين الأولين!\nولربما تمسكوا لتسهيل دعواهم بما لم يحيطوا بعلمه مثل قول النبي ﷺ: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق اه فقالوا: هذا نص في أن مقاصد بعثة النبي ﷺ منحصرة لدلالة لفظ إنما في مكارم الأخلاق!! وهم بعد ذلك يمرون على المحكمات وهم عنها معرضون!\nلكن معنى الحديث أن الدين الكامل إذ نظم للناس أمورهم في بيوعهم وأقضيتهم .. إنما هو لتتم لهم مكارم الأخلاق (ويزكيهم). وهذه نكتة تدل على ما\n_________\n(^١) - روى الخطيب [الفقيه والمتفقه ١٣٨] بسنده عن الشافعي قال: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما لله ولي.","vol":"1","page":397},{"text":"وراءها فتأملها:\nفي عقود المعاملات صور اختلف حكمها في الشرع على تشابهها في الظاهر: فقد أباح دراهم بدراهم إلى أجل في القرض، ومنعها في البيع مع أن كلا منهما مبادلة بنقدين نسيئة.\nومنع الزيادة في القرض إذا اشترطت، وأباحها عند القضاء إذ لم تشترط بل استحبها في قول النبي ﷺ: إن خيركم أحسنكم قضاء [خ ٢١٨٣] مع أن كلا منهما زيادة على الدَّين.\nوأوجب - من حيث الجملة - تعيين أجرة الأجير قبل العمل درءا للجهالة، ولم يوجبه في الجِعالة مع أن كلا منهما عمل بمقابل.\nوأباح لرب المال أن يربح مع شريكه العامل في القراض، وأسقط الضمان عن العامل من جهة، ومنع الربح في القرض وأوجب الضمان على المدين، مع أن كلا منهما إقراض لمال يعود لصاحبه بدلالة الاشتقاق بين القرض والقراض.\nومنع بيع الدَّين بالدين، وأباح الحوالة مع أنه في البيع إنما يحيل مبايعه على مدينه الأول فاشتركا في كونهما حوالة على دَين في ذمة طرف ثالث، إلا أن هذا بيع وذاك قرض.\nوأوجب في السَلَم قبض الثمن في المجلس كاملا، وتعيينَ الأجل وغيرها من الشروط الرافعة للغرر. وأسقط هذه الشروط إذا كان جلب السلعة إحسانا بغير قصد ربح. مع أن كلا منهما جلب سلعة موصوفة. ونظائر هذا كثيرة جدا.\nوالنكتة أن ما قصد به المعروف والإحسان من العقود خفت شروطه كالقرض والهبة والجِعالة والنكاح وما شاكلها من مظان مكارم الأخلاق. وما كان مقصودا به المكايسة والربح شدد فيه الشروط كالبيع ومنه الصرف، والإجارة والشركة وما كان فيه قصد الربح والمشاحة بين المتعاقدين حفظا لمكارم الأخلاق (^١).\nفقصد الشرع الحكيم إن شاء الله الحفاظ على سلامة الصدور والأخوة في الدين\n_________\n(^١) - الفروق الفرق السادس والخمسون والمائة والفرق الخامس عشر والمائة. وإعلام الموقعين [٣/ ٨٣].","vol":"1","page":398},{"text":"وهي مكارم الأخلاق (^١). فما كان مؤكِّدا لهذا المقصد حافظا وسعه الشرع وسهل إليه الطريق، وما كان مزاحما له أو خارما مناقضا منعه أو ضيقه بشروط تحفظه.\nفلما كان القرض إحسانا يحقق الأخوة ويوجب المحبة والتعاون .. سهله الشرع ووضع قيودا ترفع الخصومة عند المظنة كالكتابة والإشهاد .. لكن إن دخله معنى المشاحة وخلا من الإحسان وهو الصرف (ربا الفضل) امتنع الأجل سدا للذريعة إلى الربا (ربا النَّساء) الموجبة للشحناء والتباغض.\nوأباح الزيادة - إذا لم تشترط بوجه - عند قضاء الدين لأنها تزيد الإحسان إحسانا وتؤكد الأخوة، لكن إن اشترطها الدائن دخلها معنى المشاحة الموجبة للتباغض المنافية لمقصد تتميم مكارم الأخلاق فامتنع.\nوأباح الجِعالة (الجائزة) لأنها تفضُّلٌ يوجب التواد ولو بجهالة، إذ هي بهذا المعنى أبلغ في التشويق، كما شوق الله تعالى عباده بقوله (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة ١٧] وهو تفضل منه سبحانه وله المثل الأعلى. لكن إن دخلها معنى المشاحة بأن يكون كلاهما قاصدا للربح مشترطا لنفسه صارت إجارة فضبطها الشرع بما يمنع فساد ذات البين الناتج عن الغرر.\nوهكذا كان التفريق بين \"الضمان الاجتماعي\" و\"التأمين\" سنة، أبيح الغرر في الأول لأنه إحسان ومعروف لا ينتظر المحسن على المال عائدة، وامتنع في التأمين لأنه معاوضة مبنية على المشاحة أفسدها الغرر.\nوفرقت السنة في الضمان بين الوديعة والعارية، فالأمين من حيث الجملة لا يضمن، ولو ضُمِّن لانقطع باب الودائع وهو من مكارم الأخلاق، فوسع الشرع فسحته. ومن ضمَّن الصناع ونحوهم فلمعنى العارية لا الأمانة، أي لما ظهر في\n_________\n(^١) - روى كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا لا يبيعن حاضر لباد ولا تلقوا الركبان ببيع وأيما امرئ ابتاع شاة فوجدها مصراة فليردها وليرد معها صاعا من تمر ولا يسم أحدكم على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في إنائها فإن رزقها على الله عز وجل اه [ح ٩١٠٩]. [الذخيرة للقرافي ٥/ ٢٢٥].","vol":"1","page":399},{"text":"الصناع التفريط نُزلوا منزلة المستعير الراغب في المتاع، والمستعير ضامن لأنه كالمدين لصاحب المال، بخلاف الأمين فهو المحسن إلى صاحبه. ولو ضُمِّن صاحب المتاع في العارية لانقطع باب الإحسان. فلما ضَمَّنَ الصحابةُ الصناعَ كان لحفظ دِين الناس وإصلاح ذات بينهم .. قبل حفظ أموالهم.\nومتى اجتمع ما بابه الإحسان مع ما أصله المكايسة ودخل المعروفَ قصدُ الربح بطل العقد كما قال النبي ﷺ: لا يحل سلف وبيع. [د ٣٥٠٦] ومتى غلب الإحسان وسع .. فقصد الشرع بقاء الإحسان واتساعه، وهو مقصد من المقاصد لا علة مفردة. فمن أدرك هذا فهم معنى قول النبي ﷺ: \" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق \" أي في كل سنن المعاملات، فهذا الكلام كله بيان لمعنى في هذا الجامع من جوامع الكلم الكاملة.\nلكن كثير من الناس يظن أن الشرع لما حرم الربا والغرر والغبن .. في البيوع وما أشبهها أن ذلك كان لقصد حفظ المال، وإنه لَقصدٌ أصيل، ولكنه ثان، تابع لحفظ دين العباد وأخلاقهم. وقد عاب الله تعالى على قوم كل معارفهم دنيا فقال (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) [الروم ٧] والآخرة عند الله تعالى أعظم وأكبر .. فكذاك ينبغي أن تكون عند عباده.\nولما كثر الخلاف في الناس نشأ من الأصاغر من يقول: كل مجتهد مصيب! ثم قال قائلهم: أتخير لكم من اختلافهم أيسره عليكم! وما كان التابعون من أصحاب النبي ﷺ كابن عباس ومن دونهم يقولون إذا سئل أحدهم عن أمر: اختلف فيه ابن مسعود وأبي بن كعب وأختار لك الأسهل؟!\nفلم يبرح أولئك يتَّبَّعون الرخص حتى ألفتها النفوس وشق فطامها، فنبتت أمة ضعيفة الدِّين. فتحوا لهم باب الربا يقترضون من البنوك، فانتعشت بفتاواهم المصارف الربوية وتغلغلت الربا في الأمة، بل وانتعش بها اقتصاد اليهود والنصارى في بلاد الكفر. فصارت أمة مثقوبة الجراب مغلولة بالديون، والله المستعان.\nوأباحوا الاختلاط، والغناء والمعازف، ومصافحة الأجنبيات، ورخصوا في الاستمناء .. فاستولى على القلوب الشهوات، فأعظِم بها من بلية!!","vol":"1","page":400},{"text":"بل صار الناس متفلتين من اتباع الكتاب والسنة إلا ما وافق الأسهل على النفوس، وصار الاتباع وطاعة الله ورسوله عندهم تشددا! فإذا بُهت أحدُهم بأمر الله ورسوله، ذهب يبحث في الأرض هل يجد رخصة من \"عالم\"! فالله المستعان (^١). وعباد الرحمن الذين يرجون لقاءه يأخذون حكم الله مأخذ الافتقار إليه والمحبة، وهم به فرحون (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد ٣٧]\nفكان من شأنهم ما قال ابن سعد [الطبقات ٩١٨٦] أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال حدثني أبو سلمة عن مسلم الأعور عن إبراهيم قال: تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابري اه يريد المرجئة.\nوإنما جاء النبي ﷺ كما وصفه ربه مربيا ومزكيا أي منميا إيمان أصحابه إلى الأكمل لا سائرا مع النفوس في أغراضها (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [الجمعة ٢] ومن المقاصد العامة التي شرعت لها العزائم أن يكون العبد مترقيا في معارج العبودية ويزداد قوة في الدين وبصيرة في الأمر .. وحيث كانت مظنة المشقة المفضية إلى خلاف القصد فطرةً شُرعت الرخص لحفظ الدين من الضعف أو الزوال .. لذلك فالرخص إنما شرعت لتتميم القصد من العزائم.\nوقد روى أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد [١٣١٩] عن سليمان التيمي قوله: لو أخذتَ برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. ورواه ابن عبد البر في الجامع [١٠٨٨] ثم قال: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا والحمد لله اه\nوقد كانت كتب العلم أول الأمر تذكر أحاديث رسول الله ﷺ مقرونة بآثار الصحابة كالموطأ والمصنف وكتب وكيع وسفيان وابن المبارك .. وكان الناس قبل انتشار التدوين يحفظون عن النبي ﷺ وأهل العلم من أصحابه (^٢)، يجمعون ما أمر\n_________\n(^١) - لذلك كان النظر في مآلات الفتوى واجب الاعتبار. الموافقات [٤/ ١٤٠]\n(^٢) - إعلام الموقعين ٤/ ١٥٢","vol":"1","page":401},{"text":"الرسول بجمعه في مثل حديث العرباض \" عضوا عليها \" ولا يفرقون .. لكن لما فصلت أحاديث النبي ﷺ في كتب مجردة عن سنة الخلفاء الراشدين المهديين، سبق إلى أفهام ناس بعدُ أن رواية الحديث تغني عن النظر في فقه الصحابة، واستثقلوا الأدلة الآمرة باتباعهم، وخفوا إلى ما أحدثته الخوارج من قبل أن \"هم رجال ونحن رجال\" ثم تنكروا لهم! (^١) فأحدثوا وتوسعوا .. وما من محدثة إلا هي آخذة بيد أختها، وما تُركت سنة إلا سَبَقت إلى مستقرها بدعةٌ. وما حدثت بدعة إلا ازدادت مضيا ولا تركت سنة إلا ازدادت هويا كما قال عبد الله بن عمرو، وإن ذهب سوادهم فقد بقيت أهواؤهم، كمحدثة الخوارج أن هم رجال والصحابة رجال ما ازدادت إلا مضيا حتى دخلت في كتب الأصول وقالوا: أقوال الصحابة ليست حجة!\nولما ظهر تقليد الرجال مع نهيهم عنه! ذهب من الناس تعظيم كلام الله ورسوله ﷺ والاحتكام إليه واعتقاد كماله ونفعه وشفائه .. وعدلوا عن اتباع أصحاب رسول الله والبحث عن فتاواهم .. وزهدهم الشيطان في ذلك حتى رأوا جرما النظر في السنن، ورأوا أن الانشغال بالآثار غرر بالدين (^٢)!! وإنما التقليد رخصة عارضة لا عزيمة\n_________\n(^١) - كما ارتابوا في دلالة مثل قول الصحابي: \" نهى رسول الله عن بيع الغرر\" وأنه \"قضى بالشفعة للجار\" على العموم فقال قائل منهم [إحكام الآمدي ٢/ ٢٧٤]: والذي عليه معول أكثر الأصوليين أنه لا عموم له لأنه حكاية الراوي ولعله رأى النبي ﷺ قد نهى عن فعل خاص لا عموم له فيه غرر، وقضى لجار مخصوص بالشفعة فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم، ويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة وليست عامة ويحتمل أنه سمع صيغة عامة، وإذا تعارضت الاحتمالات لم يثبت العموم والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا بنفس الحكاية اه كذا قالوا! ولبئس ما زعموا ..\n(^٢) - قال الجويني في البرهان [٢/ ٧٣٣]: أجمع المحققون (كذا!!) على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل وتعرضوا للكلام على مذاهب الأولين. والسبب فيه أن الذين درجوا وإن كانوا قدوة في الدين وأسوة للمسلمين فإنهم لم يفتنوا بتهذيب مسالك الاجتهاد وإيضاح طرق النظر والجدال وضبط المقال. ومن خلفهم من أئمة الفقه كفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة فكان العامي مأمورا باتباع مذاهب السابرين!! اه أفلا قربوا لهم مذاهب الصحابة وأظهروا آثارهم كما فعلوا هم في مسائل أئمتهم .. فلم يكتب أحد من أئمة المذاهب ما زعموا من السبر والتبويب لا مالك ولا النعمان ولا أحمد ولا حتى الشافعي، وأكثر ما كتبوا مما \"سبروا\" و\"بوبوا\" لم يعرفه الشافعي. ولكنهم تأملوا ما روى المزني والربيع من فتاواه ومسائله، ونظروا في منطق اليونان، وراجعوا كتب المشتغلين باللغة من المتأخرين فاستنبطوا وبوبوا .. ثم زهدوا الناس في ما مضى، وصرفوا أعين الناس إليهم، كما غمزوا الأكابر من قبل لما قالوا: عقيدة السلف أسلم، وعقيدة الخلف أعلم وأحكم!! والله يغفر لنا ولهم.","vol":"1","page":402},{"text":"مطردة (^١)!\nفكيف ينتفع الناس بعد كل هذه البدع التي عطلت سبيل الفهم بما في أيديهم من كتاب الله، وما يتلون من حديث نبي الله تبركا؟! إنها والله السنن كما أخبر النبي ﷺ في حديث لبيد بن زياد عن ضلال اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، وفي لفظ للترمذي [٢٦٥٣] قال له: هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟! اه\nفصار الذي ورث الكتاب من بعدهم يرى الشيء ونقيضه، يقول إن النبي بيَّن كل شيء وأن الدين محجة بيضاء للنصوص التي يقرؤها، ثم يدخل بالتأويل في الدين كله! ويقول بالبدعة الحسنة! والفراغ التشريعي!\nويُسَلم أن النبي أوتي جوامع الكلم للأحاديث البينة، ثم يزعم أن قواعد الملة إنما حررها وأتقنها المتأخرون!\nويقول إن البدعة لا تجري في العادات لأنها للعبادة خاصة، ثم يقول بكفر من حكّم القوانين الوضعية لأن من أطاعهم فيها عبدهم دون الله!\nويسلم بقلبه أن القرآن كما وصفه الله محكم والسنة هدى ونور وشفاء وفرقان وبرهان، ثم يرى أن أكثر الأدلة ظني الثبوت ظني الدلالة!\nويقول أن الصحابة أفضل الأمة علما وعملا للأدلة التي يقرؤها، ثم لا يرى آثارهم كافية! ويرى أن الآخر فالآخر أعلم! وأن العلم لم يزل منذ الصحابة في تطور\n_________\n(^١) - لكن متى عادت الأمة بعلمها وعملها إلى الأمر الأول تهيأت لرجوع الخلافة على منهاج النبوة كما دل حديث حذيفة، ولا يتم إلا بجمع آثار الصحابة وضمها إلى أحاديث النبي ﷺ، ونخل الدين بميزانهم من البدع، والله المستعان على ذلك لا قوة إلا به. ومتى لم تقم الخلافة الراشدة في علمها وعملها لم تُقَم لها في أرضها. وقد بلغني أن ناسا من أهل العلم شمروا في جمع الآثار سددهم الله وبارك في سعيهم، وهذه عاجل البشرى.","vol":"1","page":403},{"text":"حتى اكتمل مع المتأخرين!!\nفلا يزال حيران بين إيمانه المصدق أن ما أخبر به القرآن والسنة حق، وبين البدع التي تؤزه للتكذيب أزًّا .. فهوى يكذب، وقلب يصدق، وظلمات بعضها فوق بعض! ولن يُرزق الاطمئنان بالإيمان حتى يزَّكَّى من البدع بالسنن الأولى ..\nوقد فصل الله تعالى كتابه إلى سور مباركة ميسرة للذكر، ثم جاء ناس فقسموه إلى أجزاء وأثمان بعدد الحروف (^١)! وقالوا: هذا تقسيم أجود وبدعة حسنة! فقطع الآيات بعضها عن بعض واضطرب فهم الناشئة للقرآن .. والله المستعان.\nولو تكلم أحد اليوم في هذا لقال العالَم: غيرت السنة! وقد قيل لأحدهم يوما وبدأ التلاوة بقول الله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) [الأنبياء ١٠١] وهو رأس الثمن: عمَّ أُبعِدوا؟ عن الحسنى؟ فلم يدر حتى قرأ ما قبلها (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) فلا بارك الله في البدع التي تعسر الانتفاع بعد أن يسر الله القرآن للذكر!\nولما ظهر التأليف انصرف الناس عن كتاب ربهم، وقرئت المثناة وهي ما استكتب دون كتاب الله من أقوام أرادوا نصح العباد، وترقيق القلوب (^٢)، فصدوا عن السبيل، والقرآن والعمل العتيق خير لهم لو كانوا يعلمون!\nولما أحدث الناس - باسم البدعة الحسنة - في وقوت صلاتهم حساب الفلك كسَنَن اليونان قدموا وأخروا عن ميقات الله سنة رسوله .. أخروا الفطر وعجلوا السحور .. فشددوا على الخلق وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!\nفكان ما قال النبي ﷺ أنه لم يحدث الناس بدعة إلا أضاعوا ما هو خير منها من السنن! والله المستعان.\nثم ترى أصحاب \"البدعة الحسنة\" يزعمون في كل هذا أنه ليس نقصا، ولكنها بدع حسنة تزيد الإيمان والخير!! وصدقوا في فرحهم بها، لأن الذي يحيى مع الأعوام\n_________\n(^١) - مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٣/ ٤٠٨\n(^٢) - حتى قالوا في مثل إحياء علوم الدين: \" من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء \"!! وإنما هذا شأن كتاب الله.","vol":"1","page":404},{"text":"سُنَنُهم، وتموت سنة النبي ﷺ، فعَلَامَ يحزنون؟!\nفيا لها من بدع! كم ضيعت من أديان، وأنصبت من أبدان، أبعدت الشقة، وأحدثت الفُرقة. شعَّبت المسالك، وأوردت المهالك، إلا أن يتدارك المخلصين الرحمنُ الرحيم، وذلك الظن به سبحانه.\nفكأني بيوم القيامة قد نزل نبأه، وانكشفت حقائقه، وحضر الموزونون وزنهم (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) [يونس ٣٠] فيرى العبد الذي أرهق نفسه بالبدع أن ما كان يفرح به كسراب بقيعة، وأن خبر الصادق المصدوق حقيقة لا مجاز! ففيم المخاطرة؟\nوهكذا كانت المحكمات في زمان الأولين كثيرا، والمتشابهات قليلة يسيرا. فما زال علماء الصحابة يموتون، وينقص العلم، ويحدث الخلاف، وتقع من الحكيم الزيغة، ويتشبه بالعلماء الأصاغرُ، ويحدث الكذب في الحديث، والوهم في ثقات من الرواة، وتنقص السنن كالبيان بالعمل .. حتى كثرت المتشابهات ولم يعد يلوح من الدين الأول إلا الوميض .. وصدق الله ورسوله.\nوليس عجبا أن يعجب النبي ﷺ من إيمان من آمن في زمان قلة العلم وكثرة الشبهات كما قال لأصحابه يوما: أي الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة كيف لا يؤمنون؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟ قالوا: الصحابة قال: الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون؟ ولكن أعجب الناس إيمانا قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه، فهم أعجب الناس إيمانا، أو الخلق إيمانا اه [الصحيحة ٣٢١٥].\nولما كان عهد التابعين ترخص الناس، فأحدث بنو أمية في الأعمال ما لا يحصيه إلا الله من الأذان للعيد، والخطبة قبل الصلاة، والدراسة جماعة، والدعاء للخلفاء في المنابر، ورفع الأيدي في الجمعة .. وفُتِح باب الابتداع!\nثم جاء بنو العباس فأحدثوا في العقائد، ونجمت البدع في الظاهر والباطن، وتوالت الحوادث يرقق بعضها بعضا، كلما حدثت محدثة قيل: التي قبلها أرق منها وأهون! حتى ضعف ما كان يجده الناس من إنكار بدع العمل، وضعف اليقين بأن كل بدعة ضلالة! وهي سنة وعُبودَة باطنة، والمخالطة حجاب، تورث إلفَ","vol":"1","page":405},{"text":"العادات .. حتى اندرست السنن. ورحم الله حسان بن عطية قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.\nاللهم بلى لا تزال طائفة من هذه الأمة المرحومة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم وإن كثر المخالف، وإن قيل لهم إذا أنكروا الحوادث جملة: غيرت السنة! فإنما السنة سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين. وإنما الجماعة الحق وإن كنت وحدك.\nوكثير من أمور الدين الأول تناساها الناس، حتى ظن المتأخر أنه من الخلاف الذي انعقد الإجماع بعده! والأقوال لا تموت بموت قائليها! فعدوا من أحياها شاذا خارجا عن الجماعة، وإنما نسيانها من نقصان الدين. فكان الأمر كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ: أنه من يعش فسيرى اختلافا كثيرا، وكما بلَّغ أصحابُه أن ستحدثون ويُحدَث لكم، فأمرنا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، وقال أصحابه: فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. فنظر النبي ﷺ في كل هذه الحوادث بما أطلعه الله تعالى من الغيب، فأنذرنا وأوصانا، وسد الذريعة دون كل بدعة، ليحفظ على الناس دينهم. فيا عباد الله لا تكونوا عونا للشيطان على دينكم! ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها! والسمتَ الأول السمتَ الأول!! ألا هل أسمعت؟!!\nيا عاملا للقاء الله يرقبه … أخلص لربك والآثارَ فاتبعِ\nالعمر أقصر من آمال ذي عمل … فاشغله بالسُنن المقصودة الشِرَع\nواغضب لربك وانصر سنةً كَمُلَت … ما غَيَّرَ الدينَ غير الجهل والبدع\nكلٌ لحوض نبي الله وارده … وسوف يحجر عنه كل مبتدعِ\nكان الفراغ منه بحمد الله منسلخ شهر صفر عام أربع وثلاثين وأربعمائة وألف لهجرة النبي ﷺ بأرض زُعَير بالمغرب الأقصى\nكتبه أبو أسماء محمد بن المبارك بن محمد حكيمي","vol":"1","page":406}]}